Docstoc

مجلة الهند - المجلد الثاني - العدد الثاني

Document Sample
مجلة الهند - المجلد الثاني - العدد الثاني Powered By Docstoc
					        ‫مجلة الهنــد‬
            ‫ك‬
         ‫(مجلة فصلية مح ّمة)‬

  ‫العدد: 2‬             ‫المجلد: 2‬
     ‫(عدد أبريل – يونيو 3102م)‬



             ‫مدير التحرير‬
        ‫د. أورنك زيب األعظمي‬

           ‫نائب مدير التحرير‬
          ‫مهدي حسن القاسمي‬
         ‫محمد عمران علي المال‬


              ‫تصدر عن‬
‫أكادمية كيشااليا التابعة ألكادمية‬
‫كيشااليا والجمعية الرفاهية، رقم‬
      ‫التسجيل: 43262/‪SIL‬‬
‫مجلة الهند‬

                     ‫المراسالت المتعلقة باالشتراك في الطباعة والنشر توجه إلى:‬
   ‫,‪Dr. Aurang Zeb Azmi‬‬                                      ‫أكادمية كيشااليا،‬
   ‫,‪Asstt. Professor‬‬
   ‫,‪Dept. of Arabic, Persian‬‬             ‫بيراتشامبا سقط بادوريا، كاؤكيبارا،‬
   ‫,‪Urdu & Islamic Studies‬‬                           ‫صندوق البريد: ديفااليا،‬
   ‫-‪Bhasha-Bhavana, Visva‬‬
                                                     ‫محطة البوليس: ديغانغا،‬
   ‫,‪Bharati‬‬
   ‫,‪Santiniketan‬‬                              ‫المحافظة: 22 برغانا الشمالية،‬
   ‫‪W.B. Pin: 731235, India‬‬
                                        ‫رقم البريد: 222424، بنغال الغربية‬
   ‫46616110570 .‪Mobile No‬‬
                                ‫هيئة التحرير‬
                                 ‫- الدكتور أورنك زيب األعظمي- مدير التحرير‬
                                     ‫- مهدي حسن القاسمي- نائب مدير التحرير‬
                                              ‫- محمد عمران علي المال- عضو‬
                                               ‫- السيدة فاطمة الزهراء- عضوة‬
                                ‫الهيئة االستشارية‬
                              ‫- البروفيسور فيضان اهلل الفاروقي، نيو دلهي، الهند‬
                                     ‫- البروفيسور يسري زيدان، القاهرة، مصر‬
                                   ‫- السيد محمد دانش األعظمي، مملكة البحرين‬
                                   ‫- الدكتور محمد صالح البلوشي، سلطنة عمان‬
             ‫موقع المجلة على شبكة اإلنترنت: ‪majallatulhind.blogspot.com‬‬
                                                 ‫عنوان البريد اإللكتروني:‬
                                       ‫(1) ‪aurang11zeb@yahoo.co.in‬‬
                                           ‫(2) ‪azebazmi@gmail.com‬‬

                                                              ‫االشتراك السنوي:‬
              ‫لألساتذة ومكتبات الكليات والجامعات 1110 روبية هندية أو ما يعادلها‬
                                            ‫للطلبة 005 روبية هندية أو ما يعادلها‬

  ‫نشرها وطبعها السيد مهدي حسن نائب مدير مجلة الهند، أكادمية كيشااليا،‬
  ‫بيراتشامبا سقط بادوريا، كاؤكيبارا، صندوق البريد: ديفااليا، مطقة البوليس:‬
    ‫ديغانغا، المحافظة: 22 برغانا الشمالية، رقم البريد: 222424، بنغال الغربية‬
                                        ‫2‬
‫مجلة الهند‬




                             ‫يف هذا العدد‬
 ‫الصفحة‬
  ‫5‬              ‫د. أورنك زيب األعظمي‬                                ‫االفتتاحية‬
                                                              ‫مقاالت وبحوث:‬
  ‫7‬          ‫الشيخ أمين أحسن اإلصالحي‬                 ‫تفسير تدبر القرآن (6)‬
                  ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                              ‫األعظمي‬
  ‫65‬            ‫د. محمد أجمل اإلصالحي‬      ‫تعليقات اإلمام عبد الحميد الفراهي‬
                                             ‫الخطية على كتاب "اإلتقان في‬
                   ‫ترجمة: سميراء أجمل‬
                                                    ‫علوم القرآن" للسيوطي‬

  ‫48‬          ‫د. ماجد محمد عبده الداللعه‬    ‫تدليس أبي الزبير المكي عن جابر‬
                                               ‫بين النظرية والتطبيق، دراسة‬
                                               ‫تطبيقية على صحيح ابن حبان‬

 ‫411‬               ‫أ. د. غالم يحيى أنجم‬       ‫تأثير اللغة العربية على حضارة‬
                                                            ‫الهند وثقافتها‬
                     ‫ترجمة: رافعة إكرام‬
 ‫321‬            ‫القاضي أبو المعالي أطهر‬     ‫فاتح الهند محمد بن القاسم الثقفي‬
                           ‫المباركفوري‬
                   ‫ترجمة: محمد معتصم‬
                             ‫األعظمي‬
 ‫441‬               ‫الشيخ محمد طاهر جالل الدين د. إبنور أزلي إبراهيم/‬
                                                    ‫ا‬
                                                    ‫المننكبوي فقيهاً وفلكي ً‬
                  ‫أ.د. سوسكنان األزهري‬
 ‫451‬                 ‫الهند وأبناؤها ومعالمها في الشعر أ. د. نياز أحمد خان‬

                                      ‫3‬
‫مجلة الهند‬
                                                           ‫الفارسي-الهندي‬
              ‫ترجمة: محمد تابش خان‬
 ‫461‬         ‫الشيخ بدر جمال اإلصالحي‬               ‫البقرة في مختلف األديان‬
                                                               ‫والحضارات‬
                                                              ‫قراءة في كتب:‬
 ‫371‬           ‫د. الحافظ محمد فضل اهلل‬    ‫المصادر الهندية للعلوم اإلسالمية،‬
                               ‫شريف‬                           ‫دراسة تحليلية‬
                                                           ‫أخبار وتقارير:‬
 ‫381‬             ‫أ. د. محمد نعمان خان‬       ‫ندوة وطنية حول المدائح النبوية‬
                                                    ‫في الهند: أصالً وترجمة‬
 ‫881‬                     ‫د. ثمينة كوثر‬        ‫ندوة وطنية حول تدريس اللغة‬
                                                   ‫العربية في الهند: مناهجه‬
                                                          ‫وإمكانيات تطوره‬

 ‫391‬              ‫ندوة دولية حول الضوابط الشرعية مجمع الفقه اإلسالمي‬
                                          ‫والمنهجية للحوار بين األديان‬

                                                            ‫قصص وحكايات:‬
 ‫202‬                                ‫م‬
                              ‫أ ّ إيمان‬                             ‫القربى‬
                ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                            ‫األعظمي‬
 ‫212‬                        ‫قيوم ميئو‬                        ‫صندوق للجدد‬
                ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                            ‫األعظمي‬
                                                          ‫قصائد ومنظومات:‬
 ‫512‬            ‫دمعة على زعامة الهند‬                            ‫عبد المنان‬
 ‫712‬         ‫ذكرى الدكتور ذاكر حسين‬                            ‫نديم الرافعي‬
 ‫912‬                                                ‫المساهمون في هذا العدد‬



                                    ‫4‬
‫مجلة الهند‬




                               ‫االفتتاحية‬
‫بين أيديكم ثاني أعداد المجلد الثاني لهذه المجلة والحمد هلل على أن نقوم بنشرها‬
‫قبل األوان، ونحاول في المستقبل أن نقوم بنشر المجلة قبل الميعاد إن شاء اهلل‬
                                                                       ‫تعالى.‬
‫ونبدأ هذا العدد، حسب العادة، بترجمة تفسير تدبر قرآن، واآلن ننشر الحلقة‬
‫السادسة التي تشتمل على تفسير سورة البقرة من اآلية (12) حتى اآلية (22)،‬
               ‫ا‬                             ‫ر‬       ‫ج‬                ‫ر‬
‫ونستم ّ في نشرها إذا ش ّعنا الق ّاء على هذا العمل المبارك داعيً اهلل جل مجده‬
‫أن يتقبل هذه البضاعة المزجاة من كاتب هندي قليل العلم وضيع المنزلة.‬
‫والمقالة الثانية هي تعليقات اإلمام عبد الحميد الفراهي على كتاب "اإلتقان في‬
‫علوم القرآن" للسيوطي. كما أن الكتاب ال يحتاج إلى أي تعريف به فكذلك‬
                     ‫س‬                                           ‫ا‬
‫المعّق أيضً معروف بين الدوائر العلمية في العالم كمف ّر وأديب عربي. هذه‬   ‫ل‬
‫هي الحلقة األولى لهذه السلسلة ولو استلمنا تعليقاته األخرى على مؤلفات العرب‬
‫العرباء لنشرناها في أعدادها القادمة فإنها مفيدة للغاية لمن له إلمام بالدراسات‬
‫القرآنية والعربية. نشكر األخت سميراء أجمل التي قامت بترجمتها إلى اللغة‬
‫العربية. والمقالة الثالثة تناقش قضية التدليس بخصوص تدليس أبي الزبير‬
‫المكي عن جابر. هذه مقالة ق ّمة للدكتور ماجد محمد عبده الداللعه من دبئ،‬
                                                ‫ي‬
‫وبما أنها طويلة فنقوم بنشر حلقتها األولى في هذا العدد وسننشر الحلقة الثانية‬
‫في العدد القادم إن شاء اهلل تعالى. والمقالة الرابعة للبروفيسور غالم يحيى أنجم‬
            ‫د‬
‫حول موضوع "تأثير اللغة العربية على حضارة الهند وثقافتها". ق ّمها سماحة‬
‫البروفيسور في ندوة علمية حول "اللغة العربية وتأثيرها في الهند" في رحاب‬
‫جامعة همدرد في 12/ ديسمبر 2012م، والمقالة الخامسة عن فاتح الهند محمد‬
‫بن القاسم الثقفي للمؤرخ الشهير القاضي أبي المعالي أطهر المباركفوري.‬
‫والقاضي المباركفوري ال يحتاج إلى أي تعريف في العالم العربي لما أن كتابه‬
‫"رجال السند والهند" مصدر لن يستغني عنه من له أي إلمام بتاريخ دخول‬
‫اإلسالم والمسملين العرب في الهند القديمة. والمقالة السادسة عن براعة الشيخ‬
‫محمد طاهر جالل الدين المننكبوي في الفقه والفلك للدكتور إبنور أزلي إبراهيم‬
                        ‫ر‬
‫والبروفيسور سوسكنان األزهري. هذه المقالة تع ّف لنا بشخصية جديدة‬
‫فنشكرهما على هذه المساهمة. والمقالة السابعة للبروفيسور نياز أحمد خان حول‬

                                     ‫5‬
‫مجلة الهند‬

‫ما أدلى به شعراء الفارسية الهنود واإليرانيون من آراء عن الهند وأبنائها‬
‫وأماكنها ومعالمها وطيورها. هذه المقالة وحيدة من نوعها وسننشر أشياء أخرى‬
‫عن الموضوع في المستقبل إن شاء اهلل. والمقالة الثامنة ألستاذي بدر جمال‬
‫اإلصالحي حول البقرة وأهميتها لدى الهنود وكيف تناولها اإلسالم. والموضوع‬
                                                          ‫ّ‬
                                   ‫جذأب للهنود إلى حد قال شاعر أردوي فيها:‬
       ‫جس نے همارى گائے بنائى‬               ‫رب كا شكـــــر أدا كر بهائى‬
                                                   ‫ب‬
                        ‫ترجمة: أخي! لتشكر الر ّ تعالى الذي خلق بقرتنا هذه.‬
                  ‫ا‬
‫وقد أتبعنا هذه المقاالت والبحوث بدراسة نقدية للكتب وأخبارً وتقارير للندوات‬
‫العلمية وترجمة قصص هندية وقصائد ومنظومات الشعراء الهنود في مختلف‬
                      ‫ي‬
‫الموضوع. وقد نزعنا من فهرست المقاالت مقاالت ق ّمة للغاية سننشرها في‬
                                                ‫العدد القادم إن شاء اهلل تعالى.‬
‫د. أورنك زيب األعظمي‬




                                      ‫6‬
‫مجلة الهند‬


                                   ‫تفسيـر‬
                             ‫تدبر القـرآن‬
‫- الشيخ أمين أحسن اإلصالحي‬

                            ‫- تفسير اآليات (40-60)‬
‫سلسلة الكالم الممتدة من بداية السورة إلى هنا جاءت كمقدمة أو مدخل‬
                ‫ا‬                        ‫ج‬
‫للموضوع الرئيسي ولو أن الخطاب و ّه فيها إلى النبي عمومً فلم يخاطب فيها‬
                               ‫د‬
‫اليهود مباشرة ولكن يبدو من التفاصيل التي ق ّمناها أن ما قيل في صورة‬
‫اإلشارات والكنايات يتعلق باليهود وال غير. انتهى هذا المدخل اآلن فقد خوطب،‬
                                                   ‫ك‬
‫فيما بعد، اليهود مباشرة فذ ّر لهم واجباتهم التي كانت تقع على كتوفهم بالنسبة‬
‫لرسالة النبي ودعوته كما يشير إليه التوراة ثم ذكر بالتفصيل جرائمهم التي جعلتهم‬
‫جديرين بأن يعزلهم اهلل تعالى عن منصب اإلمامة فيعطي اآلخرين غيرهم هداه‬
                   ‫ا‬
‫وشريعته. يحتوي هذا الحديث على نصف هذه السورة تقريبً حيث ذكرت وجوه‬
‫عزلهم عن هذا المنصب، بعد الدعوة واللعنة، بكل تفصيل وبأحسن أسلوب جامع.‬
                              ‫ال‬        ‫ص‬
             ‫فاآلن نأخذ كل قطعة من هذا الحديث فنف ّلها تفصي ً. قال اهلل تعالى:‬
‫" يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي‬
                                              ‫ا‬
‫فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقً لما معكم وال تكونوا أول كافر به وال تشتروا‬
                                                               ‫ا ال‬
‫بآياتي ثمنً قلي ً وإياي فاتقون. وال تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم‬
‫تعلمون. وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين. أ تأمرون الناس بالبر‬
‫وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أ فال تعقلون. واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها‬
      ‫لكبيرة إال على الخاشعين. الذين يظنون أنهم مالقوا ربهم وأنهم إليه راجعون".‬
                      ‫77- تحقيق الكلمات وتفسير اآليات‬
‫يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم‬
                                                ‫وإياي فارهبون (12)‬
‫يبني إسرائيل: إسرائيل لقب ليعقوب عليه السالم ويقول علماء اليهود إنها تعني‬
                                   ‫ا‬       ‫ا‬
‫"بطل اهلل"، ولعل الذي لعب دورً قياديً في اختيار هذا المعنى هو إدخال‬
                                     ‫علمائهم في التوراة مصارعة يعقوب اهلل.‬

                                      ‫7‬
‫مجلة الهند‬

    ‫ك‬
‫كان أستاذي اإلمام الفراهي يعرف العبرية فهو يرى أن هذه الكلمة ر ّبت‬
‫بجزئين؛ إسرا+إيل فـ"إسرا" تعني، كما هو يرى، العبد وأما "إيل" فهي تعرف‬
         ‫لمعنى "اإلله" بالعبرية فـ"إسرائيل" تعني "عبد اهلل" عند األستاذ اإلمام.‬
‫وما أظهره اليهود في الكشف عن وجه تسمية إسرائيل من حدة الذهن قد أبرزوا‬
                       ‫م‬
‫نفسها في ذكر وجه تسمية يعقوب فيرون أن "يعقوب" س ّي بهذا االسم ألنه ولد‬
                    ‫ا‬
‫آخذً عقب أخيه يعسو، وأما توجيه األستاذ اإلمام فهو أيضً يختلف عما ذهب‬          ‫ا‬
                         ‫ا‬
‫إليه اليهود فهو يذكر تسمية اليهود بهذا االسم مستخرجً من القرآن وهو أن اهلل‬
                                                                            ‫ش‬
                                    ‫قد ب ّر إبراهيم بمولده بعد إسحاق عليه السالم.‬
‫اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم: اذكروا من ذكره يذكر: حفظ وذكر، هذه‬
            ‫ا‬
‫دعوة بني إسرائيل بأسلوب المالمة أي اذكروا بأنكم قد نسيتم تمامً وما أسديته‬
                            ‫إليكم من النعم قد اعتبرتموها مما ورثتموه عن آبائكم.‬
                               ‫ص‬
‫فما يريد اهلل اإلشارة إليه من نعمه وأفضاله قد ف ّلها في غير موضع من القرآن‬
                                      ‫ص‬
‫فننقل فيما يلي بعض اآليات رجاء أنها تف ّل ما أجمل هنا. قال اهلل تعالى في‬
                                                                     ‫نفس السورة:‬
                      ‫ض‬
‫" يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ف ّلتكم على العالمين"‬
                                                              ‫(سورة البقرة: 42)‬
‫في هذه اآلية أحال اهلل تعالى إلى الفضل الذي أعطاه لبني إسرائيل في صورة‬
                                       ‫سيادة وإمامة العالم. وقال في سورة المائدة:‬
            ‫"واذكروا نعمة اهلل عليكم وميثاقه الذي واثقكم به" (سورة المائدة: 4)‬
‫في هذه اآلية أشير إلى النعمة التي أعطاها اهلل لهم في صورة الشريعة فهذه‬
‫الشريعة كميثاق بينهم وبين اهلل تعالى وذلك ألن اهلل أخذ منهم ميثاق عبادته كما‬
     ‫ا‬                   ‫ض‬
‫كفل لهم النجاح في الدنيا واآلخرة إذا أوفوا به. ويو ّح تلك النعمة مزيدً في‬
                                                              ‫نفس السورة فيقول:‬
‫"وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اهلل عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم‬
                                                      ‫ً‬                     ‫ا‬
                  ‫ملوكً وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين" (سورة المائدة: 12)‬
                                                                 ‫ص‬
‫هذه اآليات تف ّل ما أجمل في اآلية التي نحن بصدد البحث عنها، ثم ما يلفت‬
                                          ‫ال‬
‫النظر إليه في هذه اآلية هو أنه قال أو ً "نعمتي" ثم أضاف إليها "التي أنعمت‬
                                                    ‫م‬
‫عليكم". جاء هذا التأكيد ألن أ ّ كافة آثام بني إسرائيل، كما سيتضح فيما بعد، هي‬
‫أن األفضال التي حصلوا عليها بمجرد تكريمهم باهلل اعتبروها معجزة لمؤهالتهم‬

                                       ‫8‬
‫مجلة الهند‬

                                                           ‫ا‬      ‫ا‬
‫وجداراتهم، وحقً فطريً لحسبهم ونسبهم، فالهدف من وراء "نعمتي" و"أنعمت‬
             ‫عليكم" هو اإلصالح لسوء الفهم هذا وسيتجلى هذا قدر ما يجري البيان.‬
‫وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم: ولو أن المراد بالعهد هو الشريعة الكاملة وذلك‬
                                                         ‫ا‬
‫ألن الشريعة تكون ميثاقً بين اهلل وعباده ويكون هذا الميثاق نعمة كبرى من اهلل‬
‫ألن اهلل مالك السماوات واألرض فال يجدر أحد بأن يعقد مالك السماوات‬
‫ا‬              ‫ج‬                             ‫ا‬
‫واألرض العهد معه وإن يعقد عهدً مع هذا فهذا يعني أنه يو ّه إليه تكريمً‬
‫خاصً من عنده ولكن قد أشير مع هذا العهد العام إلى ذاك الميثاق الخاص الذي‬      ‫ا‬
                                   ‫ل‬              ‫ل‬
‫أخذه اهلل معهم بالنسبة للنبي صّى اهلل عليه وسّم وقد ذكر هذا الميثاق في التوراة‬
                            ‫كما أشير إليه في القرآن ذاته. جاء في التثنية (10-10):‬
                                                          ‫ا‬
‫"يقيم لك الرب إلهك نبيً من وسطك من إخوتك مثلي، له تسمعون ---- أقيم لهم‬
                        ‫ل‬
‫نبيً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كالمي في فمه فيكّمهم بكل ما أوصيه.‬                 ‫ا‬
        ‫ويكون أن اإلنسان الذي ال يسمع لكالمي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".‬
                          ‫ا‬
‫وقد أشير إلى ذاك العهد في القرآن فقد قال اهلل تعالى ردً على ما دعا موسى اهلل‬
                                                       ‫لرحمته على بني إسرائيل:‬
‫" ورحمتي وسعت كل شيئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم‬
            ‫ً‬
‫بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي األمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في‬
               ‫ل‬
‫التوراة واإلنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويح ّ لهم الطيبات‬
‫ويح ّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم واألغالل التي كانت عليهم فالذين‬          ‫ر‬
                                                                     ‫ز‬
‫آمنوا به وع ّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"‬
                                                    ‫(سورة األعراف: 210-410)‬
                                                       ‫ي‬
‫قد اتضح من هذه اآلية أ ّ المسئولية التي ألقيت على بني إسرائيل بالنسبة للعهد‬
                      ‫ل‬              ‫ل‬
‫الذي أخذه اهلل من بني إسرائيل عن النبي صّى اهلل عليه وسّم ثم ماذا وعدهم اهلل‬
                                                             ‫من النعم إذا أوفوا به.‬
                                               ‫ز‬
‫وإياي فارهبون: الرهبة هي اله ّة التي تطرأ على قلب أحد بخيال عظمة أحد‬
                             ‫د‬
‫وجاللته وقد أوضحنا في تفسير "إياك نعبد" أنه إذا ق ّم المفعول على فعله فهذا‬
‫يعني مزيد االهتمام والتوكيد عليه وزدْ على ذلك أنه إذا جاءت "ف" على الفعل‬
                                                                ‫ا‬
‫فهذه تزيده اهتمامً آخر وكذا إذا جاء ضمير بعد الفعل فهي درجة أخرى لزيادة‬
            ‫االهتمام والتوكيد فمعنى "وإياي فارهبون" هو "فال ترهبوا إال إياي".‬


                                        ‫9‬
‫مجلة الهند‬

‫فـ"وإياي فارهبون" يعني هنا أن خيال عظمتي وجاللتي يجب أن يغلب‬
‫مصالحكم وغيرها من األمور لدى اإليفاء بمتطلبات عهدي فتخافون أنه إذا‬
‫أجبتم على دعوة النبي الخاتم فستزول سيادتكم ورئاستكم ويتفضل األميون‬
‫عليكم ويثور عامتكم عليكم فيعتدوا عليكم وتغلق أبواب الفوائد التي كنتم‬
‫تستدرونها منهم حتى اآلن والحال أن هذا ليس بما يخاف منه فال ترهبوا إال‬
‫إياي فإنني الذي يملك كل شيئ والذي جعل الجبال على رؤسكم مثل الظلل حين‬
                                                      ‫عقد الميثاق معكم.‬
‫وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم وال تكونوا أول كافر به وال تشتروا بآياتي‬
                                                                       ‫ً‬
                                              ‫ثمنا قليالً وإياي فاتقون (02)‬
  ‫د‬                              ‫ا‬                   ‫ا‬
‫وآمنوا بما أنزلت مصدقً لما معكم: "مصدقً لما معكم" أي القرآن يص ّق‬
‫النبوءة التي جاءت في التوراة بالنسبة لبعثة النبي الخاتم وخصائصها، والغرض‬
      ‫ر‬
‫وراءه أنه لو عقلتم فال ينبغي لكم أن تبغضوا القرآن والنبي بل لكم أن تك ّموهما‬
‫فإن مجيئهما قد رفعكما عزة وكرامة وذلك ألن النبوءات عنهما توجد في‬
‫صحفكم وهذه النبوءات تنتظر بمن يقوم بتصديقها، األمر الذي قام به هذا الكتاب‬
‫وهذا النبي وهكذا فقد أثبتا أن كتابكم صحيح صادق وعلى هذا فينبغي لكم أن‬
                                               ‫تسبقوا اآلخرين في اإليمان بهما.‬
‫والجانب اآلخر لهذا التصديق أنه كما يتعلق بكون التوراة واإلنجيل صحيفتين‬
‫سماويتين فالقرآن يصرح عن كونهما سماويين كما يقول بنبوة من جاءوا بهما‬
                                   ‫د‬       ‫ا‬    ‫د‬        ‫ال‬
‫ويص ّق تعاليمهما أص ً فإن ير ّد شيئً فهو ير ّد ما قد أتى في هذه الصحف عن‬  ‫د‬
           ‫ك‬                                                  ‫و‬
‫طرق باطلة أو ش ّهت صورها عن طريق التحريف وهكذا فإن تف ّروا تجدوا‬
       ‫ذ‬               ‫دا‬
‫أنه كما يتعلق بالتوراة األصلية فقد نزل القرآن مص ّقً لها فهو ال يك ّبها بل‬
                                                                 ‫ب‬
                                                       ‫يبعدها عما يس ّب تكذيبها.‬
‫وال تكونوا أول كافر به: إن كان المضاف إليه لـ"أفعل" نكرة مفردة فهو يفيد‬
           ‫ا ال‬
‫التمييز ولكنه إذا أضيف إلى معرفة فيكون المضاف إليه جمعً فمث ً قال تعالى‬
                                                         ‫د‬
              ‫"قل إن كان للرحمن ول ٌ فأنا أول العابدين" (سورة الزخرف: 01).‬
‫يشير اإلمام الفراهي إلى فرق لطيف بين استخدام "أول كافر" واستخدام "أول‬
‫الكافرين" فإذا استخدم "أول كافر" فال يبحث فيه عن أنه هل يوجد كافر آخر‬
                        ‫و‬
    ‫غيره أم ال وإذا استخدم "أول الكافرين" فهذا يعني أنه أ ّل فيما بين الكافرين.‬


                                      ‫01‬
‫مجلة الهند‬

‫وكلمة "كفر"، كما قد أوضحناها، تعني إنكار الحق كما هي تعني كفران النعمة،‬
‫وهنا تبدو أنها محتوية كال المعنيين فإنهم قد أخذوا الميثاق على اإليمان بالقرآن‬
‫فحقيته كانت واضحة عليهم وعلى هذا فهو إنكار بحق صريح وزدْ على هذا أن‬
‫القرآن قد نزل كنعمة عظيمة عليهم فإن آمنوا به فسيعطيهم اهلل نعمة أبدية كما‬
                      ‫ُ ِد وعلى هذا فاإلعراض عن هذا كان أشنع كفران للنعمة.‬  ‫وع َ‬
‫"ال تكونوا أول كافر به" ال يعني أنه يجوز لكم كفره بعدما ارتكبه اآلخرون بل‬
                                          ‫ا‬
‫هو يعني أنه بما أن القرآن قد نزل مصدقً لكتابكم وقد أخذتم الميثاق على اإليمان‬
                                                            ‫ال‬
‫به فيرجى منكم أو ً أن تجيبوا عليه وتؤمنوا به ولكن هذا من الظروف العجيبة‬
‫أن اآلخرين يسابقون في اإليمان ولو أنهم لم يعرفوه من قبل بينما أنتم تخالفونه‬
                                                ‫والحال أنكم كنتم تعرفونه من قبل.‬
‫فما يقال، بهذه المناسبة، في شكل النهي يراه األستاذ اإلمام إبراز شناعة ذاك‬
                                       ‫ا‬
‫الحدث فالنهي يتعلق بالفعل فقد زيد شرطً لكي تتجلى الحالة التي تكمن في‬
                   ‫ا‬                                                ‫ال‬
‫ارتكابه فمث ً جاء في القرآن الكريم: "ال تأكلوا الربوا أضعافً مضاعفة" (سورة‬
                     ‫ي‬
‫آل عمران: 140) فال تعني هذه اآلية أن الربا جائزة إذا تق ّدت بعدم المضاعفة‬
                         ‫بل المراد من ذكر الحالة الكشف عن صورة الفعل القبيحة.‬
         ‫ا ال‬
‫وكذا قال بعد الفقرة التي نحن بصددها "وال تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً" فهي ال‬
‫تعني كذلك أن تشتروا بها إذا حصل لكم الثمن الغالي بل النهي يتعلق بالفعل ذاته‬
                                  ‫ا ال‬
‫أي نهي هنا عن بيع الدين إال أن شرط "ثمنً قلي ً" قد كشف الغطاء عن الواقع‬
‫أن شراء الدين هذا يتم بأسلوب حقير للغاية وذلك ألنه لو حصلت الدنيا كلها بدل‬
                                            ‫آيات اهلل فهي مثل متاع حقير وال غير.‬
‫ويمكن أن ينشأ هنا سؤال في ذهن بعضكم بأن القريش سبقوا اليهود في إنكار‬
‫القرآن فلم يتهم اليهود بهذا؟ والرد على هذا السؤال هو أن القرآن يخاطب اليهود‬
                       ‫ا‬                ‫ا‬
‫كقوم كما يقابلهم العرب األميون كقوم عدنانيً كان أم قحطانيً. وال شك أن القريش‬
‫سابقوا غيرهم في إنكار القرآن ولكنه هذا حق كذلك أن األنصار قد سابقوا غيرهم‬
                ‫م‬
‫في قبوله، ومع ذلك فلم يكن إنكار القريش أن القريش كلهم ش ّروا عن ساقهم‬
                             ‫ح‬
‫إلنكاره فقد كان منهم من أنكره كما كان منهم من ض ّى بنفسه له ولكن حالة بني‬
  ‫ل‬                                         ‫ا‬
‫إسرائيل كانت مختلفة من غيرهم تمامً فقد قاموا إلى تكذيب القرآن والنبي صّى‬
                                                      ‫و‬              ‫ل‬
‫اهلل عليه وسّم كقوم وأصر ّا على ما ابتدأوا به حتى الموت، والحال أنه كان لهم أن‬



                                      ‫11‬
‫مجلة الهند‬
‫ينالوا درجة "أول المؤمنين" مقابل العرب األميين لكونهم ورثة الدين اإللهي‬
                          ‫وأمناء لما نزل في صحفهم من النبوءات عن النبي الخاتم.‬
                                                    ‫ا ال‬
‫وال تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً: أي ال تؤثروا فوائدكم ومصالحكم الدنيوية على‬
‫التوراة وأحكامها وإرشاداتها، هذا أسلوب بياني جامع أشير فيه إلى كافة أنواع‬
‫من نقض العهد من قبل اليهود، قد ارتكبوها والتي سيأتي تفصيلها في هذه‬
‫السورة فالعهد الذي أخذه اهلل من اليهود قد شمله ثالثة أمور خاصة أولها أن‬
‫يستقيموا على شريعة التوراة متمسكين بعراها وثانيها أن يؤمنوا بالقرآن الذي‬
                                                                   ‫ا‬
‫سينزل مصدقً للنبوءات التي توجد في التوراة وثالثها أن يشهدوا بما نزل فيهم‬
                                                         ‫ً‬
                                         ‫من الكتاب وال يخفوا شيئا منه على الناس.‬
                                               ‫ا ال‬
‫فلما قال "ال تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً" فكأنه قال بعبارة أخرى إن ال تنقضوا كافة‬
                        ‫العهود التي عقدتم مع اهلل لمجرد فوائدكم الدنيوية التافهة.‬
‫وقد استخدم القرآن هذا األسلوب للتعبير عن معنى نقض العهد في غيره من‬
                                                                   ‫ال‬
                                                        ‫مواضعه فمث ً قال تعالى:‬
                                                       ‫د‬
‫" إنا أنزلنا التوراة فيها ه ًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا‬
‫والر ّانّون واألحبار بما استحفظوا من كتاب اهلل وكانوا عليه شهداء فال تخشوا‬‫ب ي‬
                                      ‫ا ال‬
‫الناس واخشون وال تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً ومن لم يحكم بما أنزل اهلل فأولئك‬
                                                ‫هم الكافرون" (سورة المائدة: 22)‬
                               ‫ل‬       ‫ا ال‬                       ‫ل‬
‫فانظر إلى مح ّ "ال تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً" يتج ّ لك أنه يعني ال تنقضوا عهد‬
 ‫م‬
‫اهلل الذي أخذه منكم في التوراة، ألجل فوائدكم الدنيوية ولو أن هذه الفوائد مه ّة‬
                                                                ‫ً‬    ‫ً‬
         ‫لديكم اهتماما كبيرا ولكنها حقيرة مقابل عهد اهلل وميثاقه وأوامره وآياته.‬
‫خوطب في هذه الفقرة عامة اليهود كما خوطب خاصتهم فخوطب العامة بأنهم‬
                        ‫ا‬
‫ولو كانوا يؤمنون بالتوراة ولكن تدينهم كله كان ظاهرً فقد آثروا هوى أنفسهم‬
                                 ‫و‬
‫على التوراة وأما الخاصة فقد خوطبوا أنهم إما أ ّلوا ما وجدوه من النبوءات في‬
                                                 ‫ر‬
‫صحفهم عن النبي والقرآن أم ح ّفوها عن مواضعها. والدافع وراء هذا التأويل‬
‫أو التحريف كان شيئين اثنين أحدهما عاطفة الحسد ضد بني إسماعيل وآخرهما‬
‫أنهم كانوا يخافون أنه لو ظهر للناس الواقع فيمكن أن يثور عليهم العامة‬
             ‫فتتعرض عزتهم وسيادتهم للخطر، اللتين قد تمتعوا منهما حتى اآلن.‬
                                                              ‫ي‬
‫وإياي فاتقون: قد ب ّنا حقيقة كلمة "االتقاء" أو "التقوى" لدى تفسير قوله تعالى‬
‫"ه ًى للمتقين" فقد قال في اآلية السابقة "وإياي فارهبون" وهنا قال "وإياي‬       ‫د‬

                                       ‫21‬
‫مجلة الهند‬

‫فاتقون" ثم جاء في اآلية القادمة كلمة "الخشوع" فالرهبة والتقوى والخشوع‬
‫مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة فما يطرأ القلب من االهتزاز بتصور عظمة وجاللة‬
‫أحد يس ّى "الرهبة" ومن هنا ما ينشأ في قلبه من العجز والتضرع فيثور في‬  ‫م‬
‫الطبيعة الشعور بالفقر بدل الغنى واإلخبات بدل الكبرياء يقال له "الخشوع"‬
‫وهكذا ما يحدث من االضطرار للحذر عن قهر وغضب صاحب العظمة‬
                           ‫ر‬                ‫د‬
‫والجاللة هذا واالجتناب عن تع ّي الحدود التي ق ّرها واالحتراز عن مخالفة‬
     ‫ا‬               ‫ا‬
‫أحكامه وآياته ثم يبقي هذا االضطرار ذلك المرء متيقظً في مكان وحذرً بكل‬
                                                      ‫مناسبة يقال له "التقوى".‬
                                   ‫ا‬
‫فقرة "وإياي فاتقون" تشير إلى حقيقتين معً إحداهما أن ال تغفلوا عن بطشتي‬
                                                ‫ا‬     ‫ا‬
‫وغضبي ظانين إياي شيئً لطيفً فمن ال يحترم نعمتي وينقض عهدي ويعتبر آياتي‬
    ‫سلعا لكسر غضبي عظامه حينما ينزل عليه فال يقوم أحد لحمايته مقابل غضبي.‬ ‫ً‬
‫وأخراهما التي أوجدها تقديم المفعول على الفعل وهي أنكم تخافون أنكم لو‬
‫كشفتم عن الواقع لثار عليكم العامة ولتعرضت سيادتكم وإمامتكم للخطر‬
                                 ‫ر‬
‫والرتفعت رؤوس بني إسماعيل ضدكم ولض ّ هذا بفوائدكم الدنيوية األخرى فال‬
                                                    ‫ا‬
‫ينبغي لكم أن تخافوا شيئً مما ذكر فالشيئ الذي يحرى أن تخافوه هو غضبي‬
 ‫فإنه ال عاصم لكم عنه إال أني لو أحببت لحميت من يتقي غضبي عن كل خطر.‬
                     ‫وال تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (22)‬
‫وال تلبسوا الحق بالباطل: لبس الثوب يلبس: وارى جسده باللباس ولبس األمر‬
‫عليه يلبسه: خلط األمر عليه و"لبسهم" خلط البعض بالعض أو أثار األحد على‬
                            ‫ا‬
                          ‫اآلخر وقد جاء في القرآن الكريم: "أو يلبسكم شيعً".‬
                                   ‫ا‬           ‫ا‬
‫لبس الشيئ بالشيئ: خلط شيئً بآخر خلطً ويمكن أن نعني بذلك وضع الباطل‬
‫على الحق فيكمن هذان المعنيان في أصل الكلمة كما يمكن أن نريد بها كال‬
 ‫المعنيين وقد استخدم القرآن هذا األسلوب في غير هذا من مواضعه فقال تعالى:‬
‫"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم األمن وهم مهتدون" (سورة‬
                                                                  ‫األنعام: 21)‬
‫وفي اآلية التي نحن بصدد البحث عنها تمت اإلشارة إلى أن اليهود ابتدعوا في‬
‫التوراة وأدخلوا فيها من آرائهم فخلطوا باطلهم بالحق الذي أنزله اهلل وقد قال‬
                                                                ‫ا‬
                                               ‫القرآن مشيرً إلى هذا كما يلي:‬


                                     ‫31‬
‫مجلة الهند‬

‫ا‬
‫"فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند اهلل ليشتروا به ثمنً‬
     ‫قليال فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون" (سورة البقرة: 14)‬  ‫ً‬
‫فقد قامت اليهود بكل نوع من التصريفات إلخفاء الحق فأدخلوا فيها أشياء من‬
                                 ‫د‬          ‫ء‬
‫عند أنفسهم كما أخرجوا منها أشيا ً أخرى وب ّلوا بعضها الثالث، وهدفهم وراء‬
‫هذه التصريفات كلها كان إخفاء الحقائق التي نزلت في التوراة عن ذبح إبراهيم،‬
                                                ‫ل‬
‫ومذبحه، وقبلته، والتي كانت تد ّ على النبي اآلخر، وبما أن اليهود لم يقبلوا من‬
                                      ‫ي‬
‫أعماق قلوبهم أن تبدو آية من التوراة تؤ ّد النبي الخاتم فقد حاولوا إخفاء هذه‬
                                                                  ‫الحقائق كلها.‬
‫وتكتموا الحق وأنتم تعلمون: ال توجد مشكلة لغوية في هذه الفقرة إال أن‬
‫المف ّرين قد اختلفت آرائهم عن إعراب "وتكتموا" فيرى البعض أن "إنْ"‬          ‫س‬
‫مق ّرة هنا فيحكمون أن "تكتموا" منصوبة هنا بينما البعض يعطفونها على‬            ‫د‬
                        ‫ج‬
‫السباق فيحكمون أنه مجزومة، وأما اإلمام الفراهي فير ّح العطف فيقول "المآل‬
‫واحد، فإن اهلل تعالى نهاهم عما فعلوه، فالنهي والخبر سواء. فإنهم كما لبسوا‬
‫الحق بالباطل فكذلك كتموا الحق بعد العلم به، وكالهما مما ينهى عنه، كما قال‬
‫تعالى " يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون" فال‬
                                 ‫ا‬
‫وجه إلى العدول عن العطف، وجعل األول نهيً والثاني البيان. فإنهم لبسوا الحق‬
‫بالباطل لغرض الكتمان وقد نهوا في التوراة عن ذلك، ولكن ظاهر فعلهم كان‬
                                               ‫ال‬
            ‫لبس الحق بالباطل فنهاهم عنه أو ً، ثم نهاهم عما هو حقيقة أمرهم".‬
                                                                 ‫و‬
‫وعلى هذا يأ ّل اآليات "وال تأكلوا أموالكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام" و"وال‬
                                   ‫ص‬
         ‫تخونوا اهلل والرسول وتخونوا أماناتكم". سنف ّلها في الموقع المناسب لها.‬
                                             ‫ا‬
‫وسيأتي تحقيق كلمة "الحق" تمامً في هذه السورة فهنا يتضح من المحل أن‬
‫المراد من الحق هي الحقائق التي تمت صراحتها في التوراة والتي صرح عنها‬
‫القرآن أكثر من ذي قبل بتصديقه وتأييده لها، وهذه الحقائق، في الغالب، تتعلق‬
‫بآيات النبي الخاتم كما أشرنا إليها من قبل فقد كان اليهود يرغبون أشد رغبة في‬
                                                            ‫إخفائها على الناس.‬
                      ‫وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين (42)‬
               ‫ق‬
‫وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين: قد ح ّقنا كلمة "إقامة‬
                                                                ‫ا‬
                            ‫الصلوة" جيدً في البداية فال حاجة إلى إعادته هنا.‬


                                      ‫41‬
‫مجلة الهند‬

‫الزكوة: زكا يزكو زكوة: طهر ففي العربية تعني "نفس زكية" النفس التي هي‬
                            ‫ا‬            ‫و‬
‫عفيفة عن اآلثام وهي كذلك تعني النم ّ والنشوء ماديً فـ"زكا الزرع" تعني نشأ‬
                ‫ه‬
‫ونما ففي الزكوة يوجد كال المعنيين؛ العفة والنمو فإنها تط ّر النفس والمال‬
                                                                 ‫م‬
                  ‫كليهما كما تن ّي المال. تشير إلى هذا الواقع آيات قرآنية تالية:‬
                                           ‫ك‬         ‫ه‬
             ‫"خذ من أموالهم صدقة تط ّرهم وتز ّيهم بها" (سورة التوبة: 210)‬
                                                         ‫وجاء في موضع آخر:‬
‫" وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فال يربوا عند اهلل وما آتيتم من زكوة‬
                    ‫تريدون وجه اهلل فأولئك هم المضعفون" (سورة الروم: 14)‬
                                                                         ‫م‬
‫وقد ع ّ استخدام كلمة الزكوة في البداية لكافة أنواع اإلنفاق في سبيل اهلل وأريد‬
  ‫د‬                                         ‫د‬
‫بها ما أريد بالصدقة ولكنه قد ح ّدها القرآن والحديث في الدوائر المح ّدة‬
                      ‫لإلنفاق، التي فرضها اهلل على األغنياء للفقراء والمساكين.‬
‫الركوع: الركوع تعني الخضوع أمام أحد والتضرع والتذلل ألجل الفقر والبؤس‬
                              ‫م‬
‫والمراد منها في القرآن هو الصلوة ألنه من أه ّ أركان الصلوة، وأما إضافة‬
               ‫ك‬
‫"مع الراكعين" إليه فهي تبدي أهمية الصلوة مع الجماعة وتؤ ّد عليها ولو أن‬
‫معنى الصلوة مع الجماعة يوجد في "أقيموا الصلوة" كذلك ولكن أوضاع‬
                          ‫ً‬                            ‫ر‬
                   ‫الحضور الخاصة قد ص ّحت عن هذا المعنى تصريحا أكثر.‬
‫وقد و ّه الخطاب لدى أمر إقامة الصلوة وإيتاء الزكوة والركوع مع الراكعين،‬ ‫ج‬
‫إلى اليهود كما يتضح من سياق الحديث وقد أشير بها إلى خاصتهم كما إلى‬
‫عامتهم، فقد كانت هذه مبادئ ذاك العهد الذي جاء ذكره من قبل، والتي جعلها‬
‫اليهود وراء ظهورهم فلفت القرآن أنظار اليهود هنا إلى إحياء تلك المبادئ كما‬
‫أشار إلى أنهم قد محوا تلك المبادئ ولكن اكتفى هنا باإلشارة ولم يخض في‬
                                 ‫التصريح لكيال يناقشوا المسلمين في هذا األمر.‬
  ‫ا‬
 ‫وليتضح عن اليهود أنهم قد قضوا على أحكام الصلوة والزكوة وغيرهما تقريبً.‬
‫وأما الصلوة فال يوجد ذكرها في صحفهم البتة حتى ترى جماعة منهم أن موسى‬
                                ‫لم يأمرهم بها فهي بدعة ابتدعها من جاء بعدهم.‬
                    ‫و‬
‫ولو أنهم لم ينكروا الزكوة ولكن علمائهم وكهنتهم قد ح ّلوا موقع إنفاقها من‬
‫الفقراء والمساكين إلى أنفسهم فيخلو كتاب األحبار الذي تذكر فيه حقوق‬
        ‫ص‬
‫وواجبات الكهنة والنذور والقرابين، من ذكر الفقراء والمساكين فقد خ ّوا عشر‬
‫اإلنتاج الزراعي، وفدية بكرة األوالد، وكافة أنواع النذور بالكهنة وهكذا فقد‬

                                      ‫51‬
‫مجلة الهند‬

                                          ‫ال‬
‫استح ّ الزكوة العلماء والكهنة بد ً من الفقراء والمساكين فقد قام القرآن‬ ‫ق‬
‫بتوضيح حكم الشريعة اإللهية في الصلوة والزكوة كلتيهما كما الم اليهود على‬
                                                             ‫ما ظلموا أنفسهم.‬
        ‫مَ‬
‫وقد أوضح القرآن عن الصلوة أنها أول ما فرضه اهلل على اليهود فقد أ ِر موسى‬
                                   ‫عليه السالم بعد التوحيد بالصلوة فقال تعالى:‬
        ‫"إنني أنا اهلل ال إله إال أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري" (سورة طه: 20)‬
                                                         ‫وقال في موضع آخر:‬
                     ‫ا‬                       ‫و‬
‫" وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تب ّآ لقومكما بمصر بيوتً واجعلوا بيوتكم قبلة‬
                                            ‫وأقيموا الصلوة" (سورة يونس: 41)‬
                   ‫ال‬
‫يتضح من هذه اآليات أن اليهود قد جمعت شملهم أو ً بأول بالصلوة مع‬
                                ‫الجماعة ولكنهم قد قضوا على أهميتها فيما بعد.‬
   ‫وقد أشار اإلمام الفراهي إلى أمرين في ضوء "واركعوا مع الراكعين" فهو يقول:‬
‫"األول: هو األمر بالركوع وقد تركوه، وزعموا أنه ال يجب عليهم إال أن‬
‫يسجدوا مرة واحدة في السنة، وأجازوا في ذلك أن يضع الرجل جبينه على‬
                                      ‫م‬          ‫ي‬       ‫ا‬
          ‫جدران أو عمود قائمً. وهذا يب ّن كيف س ّاهم اهلل تعالى صلب الرقاب.‬
‫والثاني: هو األمر بالصلوة مع الجماعة، وذلك تنبيه أئمتهم على المساواة‬
             ‫ال‬
‫بالناس. فإن أول ما يهدم الصلوة ترك الجماعة. فالكبراء أو ً يأنفون عن‬
‫االختالط بعامة الناس فيصلون في بيوتهم وتسقط عزة الصالة. فال يجتمع في‬
‫المسجد إال الفقراء، وواحد من الكبراء لإلمامة. ثم بعد ذلك تقل الجماعة وتنعدم.‬
‫فالمراد بإقامة الصلوة هو االجتماع في المساجد. ومن ههنا ترى كيف أمر اهلل‬
‫مريم عليها السالم بلزوم الجماعة، حيث قال تعالى: "يا مريم اقنتي لربك‬
                       ‫واسجدي واركعي مع الراكعين" (سورة آل عمران: 42)‬
    ‫أ تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أ فال تعقلون (22)‬
                                                                   ‫ر ر‬
‫الب ّ: الب ّ أصله بالعربية إيفاء العهد والحق فتفرع منه ما يكون إيفاء للحقوق‬
‫األصلية من الطاعة للرب واألبوين، والمواساة بالناس. ومن هذه الجهة صار‬
                            ‫ا‬
‫بمعنى اإلحسان، واشتمل الخيرات، وصار وصفً للرب تعالى، ثم هو إيفاء‬
                        ‫ر‬
‫للحقوق الناشئة باالختيار من العهود واأليمان. ومنه ب ّ باليمين. ومن هذه الجهة‬
      ‫رة‬                                                       ‫ا‬
‫صار مضاهيً للعدل. فالبر خالف اإلثم، والعقوق، والغدر، والظلم. وب ّ ُ: علم‬
                     ‫ر‬                    ‫ر‬                  ‫ر‬      ‫ر‬
‫له. والب ّ والبا ّ: وصف منه. هو ب ّ بوالده: مطيع له. وب ّ بالقسم: أوفاه. وجاء‬

                                     ‫61‬
‫مجلة الهند‬

                  ‫ا ا‬
‫في القرآن الكريم في وصف يحيى عليه السالم "وكان تقيً وبرً بوالديه ولم يكن‬
                                                                  ‫ا‬
‫جبارً عصيً" (سورة مريم: 20) وقال تعالى "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما‬    ‫ا‬
‫تحبون" (سورة آل عمران: 21) وأيضً في وصف الرب تعالى "إنه هو الب ّ‬
‫ر‬                                       ‫ا‬
‫الرحيم" (سورة الطور: 12) وقال كذلك "وتعاونوا على البر والتقوى وال‬
‫تعاونوا على اإلثم والعدون" (سورة المائدة: 2) فظهر من هذا التفصيل أن للبر‬
                                                          ‫م‬
‫وجهين: أحدهما عا ّ يشتمل على جميع الخيرات كما له وجه خاص يحتوي على‬
                                                    ‫اإليفاء بالحقوق والواجبات.‬
‫خوطب في هذه اآلية علماء اليهود وأئمتهم ويؤيدها ما قلنا الجزء النهائي لهذه‬
‫اآلية "وأنتم تتلون الكتاب" وقد قيل بتوجيه الخطاب إلى هذه العلماء واألئمة أنكم‬
‫تجبرون العامة على أداء الحقوق والواجبات ولكنكم تجهلون أنفسكم لدى هذا‬
                                             ‫و‬
‫األمر فأنتم تنصحون الناس أن يف ّضوا أموالهم إليكم ولكنكم ال تلتفتون إلى ما‬
‫يجب عليكم من حقوق الفقراء والمساكين بل وتأكلون ما قد دفعوه إليكم من‬
                  ‫ً‬
‫األموال وقد أجبرتم الناس على أن يطيعوكم حتى أصبحتم أربابا لهم من دون اهلل‬
     ‫ي‬                       ‫ي‬                             ‫ا‬
‫بل أنتم أحرار تمامً عن طاعة اهلل وعبادته وقد ض ّعتم الدين كله بعدما ض ّعتم‬
‫الصلوة والزكوة. وقد أشار إلى هذه الحالة السيئة المسيح عليه السالم بكلمات‬
                                                         ‫بليغة للغاية فهو يقول:‬
        ‫ال‬              ‫م‬                                      ‫ا‬
‫"فقال وأنتم أيضً يا علماء الناموس! الويل لكم فإنكم تح ّلون الناس أحما ً شاقة‬
                                ‫1‬
                                                             ‫س‬
                                 ‫الحمل وأنتم ال تم ّون األحمال بإحدى أصابعكم".‬
                                                                           ‫ك‬
      ‫تف ّروا كم من تشابه بين كلمات اإلنجيل هذه وكلمات القرآن المذكورة أعاله.‬
‫وأنتم تتلون الكتاب: أي أنتم علماء الدين والشريعة وتعرفون أن واجبات‬
                              ‫ً‬     ‫ال‬
                ‫الشريعة عليكم أكثر من غيركم من الناس عق ً ونقال على السواء.‬
               ‫واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إال على الخاشعين (12)‬
‫قد قمنا بتحقيق كلمة "الصلوة" لدى تفسير اآلية الثالثة لسورة البقرة وعلى هذا‬
                                             ‫فنكتفي هنا بتحقيق كلمة "الصبر".‬
‫الصبر تعني المنع أي منع النفس عن االضطرار واليأس وضيق الذرع واستقامتها‬
‫على موقفه وقد اختار هذا الواقع صورة أزكى وأسمى في القرآن الكريم أي القرآن‬
                                                                ‫ة‬
‫يعني بذلك عام ً استقامة العبد على ميثاق اهلل بكل طمأنينة القلب ويؤمن بعهوده وال‬
                                                                       ‫ا‬
                         ‫يعبأ شيئً بما يعرقل ذاك السبيل من المشاكل والمصائب.‬

                                             ‫1 لوقا، الفصل الحادي عشر، اآلية: 47‬

                                      ‫71‬
‫مجلة الهند‬

‫يرى الناس عامة أن الصبر تعني العجز واالستكانة ولكن كالم العرب‬
                                    ‫ن‬
‫واستخدامات القرآن يأبيان هذا المعنى، يف ّد هذا الرأي العام أستاذي اإلمام في‬
                      ‫تفسيره لسورة والعصر في ضوء كالم العرب فهو يقول:‬
‫"الصبر عند العرب ليس من التذلل في شيئ، كما يصبر المضطهد العاجز، بل هو‬
 ‫أصل القوة والعزم. وكثر في كالم العرب استعماله بهذا المعنى. قال حاتم الطائي:‬
   ‫يكون صدور المشرفي جسورها‬               ‫وغمـــرة موت ليس فيها هوادة‬
   ‫بأســــــــيافنا حتى يبوخ سعيرها‬         ‫صبرنا له في نهكها ومصــابها‬
                                                               ‫وقال األصبغ:‬
      ‫والصابرين على المكاره‬                   ‫يا ابن الجحاجحة المداره‬
                                                    ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬
                              ‫ٌ‬
  ‫ر في مواطن لو كانوا بها سئموا‬            ‫قود الجياد وإصهار الملوك وصبْـ‬
                                                                     ‫وهذا كثير.‬
                                                                 ‫ي‬
                                 ‫وفي القرآن بّن معنى الصبر، حيث قال تعالى:‬
                                                ‫ر‬
          ‫"والصابرين في البأساء والض ّاء وحين البأس" (سورة البقرة: 440)‬
    ‫1‬
   ‫فذكر من مواطن الصبر: الفقر، والمرض، والحرب. وذلك أصول الشدائد" .‬
‫فما أمر بنو إسرائيل من األمور إلحياء ميثاق اهلل في اآليات السالفة أو ما منعوا‬
              ‫ل‬                                         ‫ر‬            ‫ر‬
‫عنها خيا ُها أو الحذ ُ منها شاق للغاية على النفس ولذلك فقد د ّ على الوصفة‬
                                                          ‫س‬
‫التي بإمكانها أن تي ّر هذه الصعوبة وهي تشتمل على جزئي الصبر والصلوة‬
‫وباختيار هذين األمرين يسهل للنفس الصعود إلى تلك الرفعة فالصبر يتعلق‬
‫باألخالق والمعامالت بينما الصلوة تتعلق بالعبادات فإن لم يمتلك اإلنسان سجية‬
‫االستقامة على الحق على الرغم من المشاكل والصعوبات فهو ال يقدر على‬
‫إتمام عمل خطير ما في العالم. ولكن سجية االستقامة على موقف صحيح ضد‬
   ‫ا‬      ‫ا‬
‫المشاكل والصعوبات ال تولد في المرء بسهولة بل هي تتطلب جهدً جهيدً بل‬
‫جهادً كبيرً أبرز مظاهره الصلوة فإن عزم المرء على السير على طريقة‬   ‫ا‬      ‫ا‬
                                                               ‫د‬
‫صحيحة ثم يق ّم خطوته عليها بجانب مواصلة الذكر لربه تعالى واالستعانة منه‬
         ‫ا‬
‫تعالى (وأحسن صورة لالستعانة هي الصلوة) فتزداد عزيمته أضعافً مضاعفة‬
‫وال تقدر حالة صعبة صعبة للغاية على أن تزلزل قدميه الثابتتين وإن كادت‬

                                                   ‫1 تفسير سورة العصر، ص 47‬

                                      ‫81‬
‫مجلة الهند‬

                                                ‫ا‬
‫قدماه تزالن عن موقعهما نظرً لدقة األوضاع وحساسيتها فتوزعه عالقته مع‬
                                            ‫اهلل، التي قامت على أواصر الصلوة.‬
‫فقد بدا من هذا التفصيل أن األمر بالصبر قد صدر ألنه ال يمكن لقوم أن يثبت‬
‫على ميثاق اهلل ما لم يلد فيه قوة الصبر وأما الصلوة فقد أمر بها ألنها هي‬
‫الوسيلة األصيلة لخلق الصبر فيه، وتنميته، وتبليغه إلى غاية الكمال، وبما أننا‬
     ‫نف ّل هذه القضية لدى التفكير على هذه اآليات فنكتفي هنا باإلشارة فحسب.‬ ‫ص‬
‫وقد أشار األستاذ اإلمام إلى جانب آخر من هذا األمر ولو أننا لم نختر ذاك‬
                                ‫الجانب ولكنه لطيف للغاية وسنوضحه فيما بعد.‬
‫وإنها لكبيرة إال على الخاشعين: أول سؤال يبدو في هذه الفقرة هو ما هو‬
              ‫ج‬
‫المرجع للضمير "ها" في "إنها"؟ فيرى مجاهد أنه الصلوة وقد ر ّح هذا القول‬
‫اإلمام ابن جرير ومعنى ذلك أن الصلوة لكبيرة على النفس فال يكاد يحملها إال‬
                                    ‫ا‬
      ‫من قلبه مليئ بتقوى اهلل وهو يخشع هلل دائمً مخافة الحساب في اليوم اآلخر.‬
‫والقول الثاني في تعيين المرجع هو أنه الهدى والنصح الذي جاء ذكره في‬
                                                                ‫الجملة السالفة.‬
                                        ‫ل‬
‫وأستاذنا اإلمام يرى رأي مجاهد واستد ّ على ذلك بدالئل عديدة فهو يرى أنه قد‬
‫صرف النظر هنا عن الصبر واعتبرت الصلوة شاقة على النفس لوجوه ثالثة تالية:‬
                                                     ‫ا‬
‫أولها أن كون الصبر شاقً أوضح مما يحتاج إلى توضيح مزيد وعلى هذا فلم‬
‫تمس الحاجة إلى ذكره وهو يستدل على ذلك بقوله تعالى "واستعينوا بالصبر‬
‫والصلوة إن اهلل مع الصبرين" (سورة البقرة: 410) فذكر فيها أن اهلل مع‬
‫الصابرين فلم يقل إن اهلل مع المصلين وهذا ألن الحصول على التقرب من اهلل‬
‫ا‬
‫حين الصلوة أوضح مما يحتاج إلى ذكرها وهكذا فلم يذكر الصبر ألن كونه شاقً‬
                                                                   ‫ً‬
                                           ‫كان واضحا للغاية فذكر الصلوة فقط.‬
‫وثانيها: أن الصبر مما يشترط في الصلوة فلن يقيم الصلوة إال من يتصف‬
                                                  ‫ا‬               ‫ك‬
‫بالصبر فتف ّر الصلوة واضعً أمامك هذه الخصوصية للصلوة فتجد أنه لم قيل‬
‫أن الصلوة كبيرة وصعبة فكأن جانبها للصعوبة قد اتضح بنفسه أي ال بد‬
‫إلقامتها من الصبر الذي هو كبير وشاق فهذا القول قد أغنى القائل عن‬
                                                        ‫الصراحة عن الصبر.‬




                                      ‫91‬
‫مجلة الهند‬

                ‫ا‬                        ‫ا‬
‫وثالثها: أنه بما أن كون الصبر شاقً واضح فاألمر به مبرزً جانبه الصعب‬
‫يمكن أن يتعسر على المخاطب فلم يشر إلى صعوبته فاكتفى بذكر صعوبة‬
                                                ‫الصلوة التي تبدو سهلة للغاية.‬
         ‫م‬
‫ولو أن هذه النكت لطيفة للغاية وهي تكشف عن بعض الجوانب المه ّة لآلية‬
‫التي نحن بصدد البحث عنها ولكني أميل إلى القول الثاني أي مرجع "ها" في‬
‫"إنها" هي نصيحة االستعانة بالصبر والصلوة، التي وردت في الفقرة السالفة‬
‫وهناك أمثلة كثيرة لهذا األسلوب في كالم العرب والقرآن الكريم ذاته. نذكر‬
                                                                ‫ً‬        ‫ً‬
                                 ‫طرفا منها آخذا من القرآن الكريم فقال تعالى:‬
   ‫ق‬        ‫ا‬
‫"وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اهلل خير لمن آمن وعمل صالحً وال يل ّاها‬
                                         ‫إال الصابرون" (سورة القصص: 11)‬
                                                          ‫وقال في موضع آخر:‬
‫" وال تستوي الحسنة وال السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة‬
                            ‫ق‬                           ‫ق‬
‫كأنه ولي حميم. وما يل ّاها إال الذين صبروا وما يل ّاها إال ذو حظ عظيم" (سورة‬
                                                           ‫حم السجدة: 24-14)‬
‫يقول العالمة ابن كثير رحمه اهلل في تفسير اآلية المذكورة أعاله: "أي وما يلقى‬
  ‫هذه الوصية إال الذين صبروا وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إال ذو حظ عظيم".‬
‫والفائدة وراء اختيار هذا القول أن الضمير "ها" ال يتعلق بالصلوة فحسب بل‬
‫يتعلق بالصبر والصلوة كليهما وهو موافق لقواعد اللغة العربية كما هو موافق‬
‫لما هو الواقع وذلك ألن كال األمرين شاق على النفس. أما الصبر فال يختلف‬
                                       ‫ا‬                    ‫ا‬
‫اثنان في كونه شاقً ولكن الصلوة أيضً تصبح شاقة إذا طلبت منا الدوام ورعاية‬
                                           ‫وف‬                ‫د‬
                                   ‫الوقت فال يكاد يؤ ّي حقها إال من ُ ّق لها.‬
‫لكبيرة: "كبيرة" هنا تعني ثقيلة وشاقة وفي نفس المعنى استخدمت هذه الكلمة‬
‫في غير هذا من مواضع القرآن فقال تعالى: "وإن كانت لكبيرة إال على الذين‬
                                       ‫ا‬
‫هدى اهلل" (سورة البقرة: 420) وأيضً قال "وإن كبر عليك إعراضهم" (سورة‬
                                                                  ‫األنعام: 14).‬
‫إال على الخاشعين: الخشوع أصلها االستكانة والصغارة والتذلل فهي تستخدم‬
    ‫للصوت الضئيل كذلك كما هي تستخدم للبصر الخافض ولسنام اإلبل الهزيل.‬
                                                            ‫ج‬
‫فالنصيحة التي و ّهت من قبل لالستقامة على ميثاق اهلل قيل عنها أن هذه‬
‫الطريقة ليست بسهلة إال لمن يتصف بالخشوع والتقوى والخلو عن الكبرياء‬

                                      ‫02‬
‫مجلة الهند‬

‫والعدوان وقلبه مليئ بالمخافة من تصور الحساب أمام اهلل تعالى فلن يسلكها من‬
‫يخلو قلبه من تقوى اهلل وهو ساقط في الكبرياء الوطنية والنسبية، وهو غارق في‬
                                                               ‫ً‬
                          ‫تخليد سيادته بدال من اتصاله باهلل والتفكير على اآلخرة.‬
                                        ‫ا‬
‫فالخشوع يبنى عليه الصبر والصلوة معً فالمراد بالصبر هنا، كما أسلفنا القول،‬
‫االستقامة على ميثاق اهلل رغم كل نوع من المصيبة واألذى واللوم وال يفعل هذا‬
   ‫إال من قبله مليئ بهيبة اهلل وعظمته اللتين يعتبر كل مصيبة وذلة أهون منهما.‬
‫وكذا يتضح لكل من له علم بالنسبة عن الصلوة أنها تبنى على الخشوع والخضوع‬
               ‫ال‬
              ‫فقد تم توضيح هذا الواقع في غير موضع من القرآن، قال تعالى مث ً:‬
      ‫"قد أفلح المؤمنون الذين هم عن صلوتهم خاشعون" (سورة المؤمنون: 0)‬
                                                           ‫وقال في موضع آخر:‬
                                                         ‫ا‬       ‫ً‬
                ‫"ويدعوننا رغبا ورهبً وكانوا لنا خاشعين" (سورة األنبياء: 11)‬
                        ‫الذين يظنون أنهم مالقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (22)‬
‫ما يدلي به المرء عن شيئ من رأي يقال له الظن وبما أن مثل هذه اآلراء تحرم‬
‫اليقين فأشبهت كلمة "الظن" بـ"الشك" فقد استخدمت هذه الكلمة لهذا المعنى‬
                                    ‫بكالم العرب والقرآن الكريم. قال طرفة:‬
                         ‫ّ‬
     ‫إذا ذل مولى المرء فهو ذليل‬                           ‫ا‬
                                            ‫وأعلم علمً ليس بالظن أنه‬
                             ‫ا‬     ‫ن‬
‫وكذا جاء في القرآن الكريم: "إن نظ ّ إال ظنً وما نحن بمستيقنين" (سورة‬
                                                            ‫الجاثية: 24)‬
    ‫ا‬
‫ولكن الرأي الذي يدلي به المرء عن شيئ لم يره ال يلزم أن يكون مشكوكً فيه‬
‫فربما هذا الرأي يبنى على اليقين ولكن كلمة "الظن" تستخدم لها كذلك فاستخدام‬
‫"الظن" هذا يرعى فيه معناها العام فال يكمن فيه معنى "الشك" فقال األوس بن‬
                                                                   ‫حجر:‬
       ‫كان قد رأى وقد سمعـــــا‬           ‫األلمعي الذي يظن بك الظن‬
                                                       ‫وقال دريد بن الصمة:‬
    ‫سراتهم في الفارسي المســرد‬                 ‫فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج‬
      ‫ب‬
‫وهذه صفة زائدة للخاشعين أنهم يؤمنون بالبعث بعد الموت وبلقائهم ر ّهم فهم‬
                                                 ‫ليسوا بغافلين عن اآلخرة.‬



                                      ‫12‬
‫مجلة الهند‬

‫وهذا القول عن الخاشعين يكشف عن باطنهم فيتضح من هذا أنما يطرأهم من‬
‫العجز واالستكانة والتضرع والخشوع فهي ألجل أن قلوبهم مليئة بمخافة اآلخرة‬
                                                    ‫والحساب أمام اهلل تعالى.‬
‫ومما يفيد استخدام كلمة "الظن" للتعبير عن باطن الخاشعين أن هذه الكلمة تكفي‬
‫دالة على التخوف والظن الغالب واليقين القطعي، وأمر اآلخرة أمر ال يلزم أن‬
‫يستع ّ له المرء إذا حصل له اليقين بل تخوفه وظنه يكفيان استعداد المرء له‬  ‫د‬
‫ومثله مثل السد العظيم الذي إذا انهار أمكن غرق المدينة كلها وهو ال يلفت‬
                           ‫ا‬                   ‫ال‬
‫أنظارنا إذا جعلت المياه خل ً في جدرانه بل نظرً لعاقبة انهياره السيئة يهتم‬
                              ‫ف‬      ‫ا‬     ‫ا‬
‫الناس بصيانته حينما يظهر مصونً تمامً فإذا تح ّظ الناس هذا القدر لخطر تافه‬
‫للغاية فكيف يسوغ له أن ال يشعر وال يتحفظ للحياة بعد الموت ولآلخرة التي‬
‫تتعلق بحياة أبدية، كأنه يغفل عن كافة آياته وشرائطه وال يشعر باالستعداد لها‬
                                                            ‫ا‬
                                                           ‫ما لم يتيقنها تمامً.‬
 ‫وأنهم إليه راجعون: إن هذه الفقرة تشير إلى األمرين للتوحيد والتفويض وهما:‬
                 ‫ل‬              ‫د‬
‫فعن التوحيد أنهم يوقنون أن كافة القضايا تق ّم أمام اهلل ج ّ وحده فهو الذي‬
‫يجزي المرء أو يعاقبه وما يحكم يوم ذاك يحكم بتمام العدل واإلنصاف فال يؤثر‬
‫في حكمه رجل غيره أو يعصم عن غضبه. يبدو هذا المفهوم بتقديم "إليه"‬
‫وأحيل إلى التوحيد هنا لمجرد أنه لو كان في القلب شيئ من شوبة الشرك فتبقى‬
       ‫ذ‬                                          ‫ا‬      ‫ا‬
‫عقيدة لقاء اهلل شيئً فارغً من الحيوية فإن المشرك يعتقد أن اهلل ال يع ّب ذاك‬
‫المرء رعاية لشركائه وإن فعل ذلك فشركاؤه يعصمون المجرم بتوصيتهم‬
                                                                    ‫وشفاعتهم.‬
‫وأما جانب التفويض فهو أن العراقيل والمصائب التي يعاني منها المستقيمون‬
‫على ميثاق اهلل للعبادة، يقبلونها بكل سرور ورغبة وذلك فإنهم يؤمنون بأن الذي‬
                                ‫د‬
‫يصبرون في سبيله على هذه المصائب كلها يق ّمون كل خطوة إليه وإذا نصب‬
         ‫لألعين من يطلبونه فال يعبأ بما يثار في الخلف من المشاكل والمصائب.‬
             ‫27- ترتيب المحتويات في مجموعة اآليات (40-60)‬
                                        ‫ي‬
‫وبعد تحقيق الكلمات وتفسير الجمل نب ّن لكم باإليجاز ما هو تريتيب المحتويات‬
‫في مجموعة اآليات المذكورة أعاله لكي يتضح لكم نظم الكالم وتبرز الدالئل‬
                                                                 ‫على كل أمر.‬
                                                                     ‫ك‬
               ‫أول ما ذ ّر بنو إسرائيل في هذه المجموعة هي ثالثة أمور تالية:‬

                                      ‫22‬
‫مجلة الهند‬

‫أولها أن النعم التي أعطاهم اهلل تعالى ليذكروها وال ينسوها فقد أعطوها بفضل‬
‫من اهلل وهي ليست نتيجة لجدارتهم الشخصية أو النسبية فيمتلكوها ظانين أنها‬
                                                                           ‫تراثهم.‬
‫وثانيها: أن يوفوا بالعهد الذي أخذوه من اهلل فإن يوفوا به فيوفي اهلل بما وعده‬
                                                                              ‫معهم.‬
                                                    ‫وثالثها: أن ال يخافوا إال اهلل.‬
                                                  ‫ج‬                     ‫ك‬
‫وبعدما ذ ّرهم هذه الثالثة و ّهت الدعوة إليهم إلى اإليمان بالقرآن، وهذه الدعوة‬
                  ‫ص‬                      ‫م‬
‫مبنية على تلك األمور الثالثة التي ت ّ تذكيرها من قبل، نف ّل هذا الموجز فيما‬
                                                                               ‫يأتي:‬
        ‫ا‬
‫ونظرً لجانب النعم أوجب عليهم اإليمان بالقرآن ألنهم أعطوا نعمً ظاهرة‬         ‫ا‬
  ‫ض‬                        ‫ض‬                                      ‫م‬
‫وباطنة كذلك ت ّ إتمامها عن طريق القرآن فقد ف ّل اهلل عليهم آخر ما ف ّل‬
‫بشكل القرآن وقد وعدهم بهذا الفضل قبل ظهوره لكيال يكون بنو إسرائيل‬
‫غافلين عنه وغير عارفين به بل ليعرفوه وينتظروا به حتى إذا نزل هذا الفضل‬
‫عليهم فيسرعوا إلى قبولها ويدعوا غيرهم من عباد اهلل إلى قبوله وعلى هذا فلما‬
‫نزلت هذه النعمة الموعودة فدعوا إلى أن يحترموا هذه النعمة العظمى وإن لم‬
                                                  ‫ا‬
‫يحترموها فسيكون هذا كفرانً أكبر للنعمة، يرتكبونه هم أنفسهم ومن ثم سيغلقون‬
                                                ‫عليهم آخر باب للرجاء واألمل.‬
                                             ‫ا‬
‫وقد وجب قبول هذه الدعوة نظرً للعهد ألنه قد عقد العهد لإليمان بهذا الكتاب‬
‫وهذا النبي مع بني إسرائيل في التوراة فإن لم يؤمنوا بهما اآلن فهذا يعني أنهم‬
                          ‫ر ّحوا الدنيا فنقضوا هذا العهد الذي عقدوه مع ربهم.‬    ‫ج‬
                                           ‫ا‬
‫وقد وجب اإليمان بهذه الدعوة طبقً لخشية اهلل أن تكذيب هذه الدعوة والتقدم في‬
‫مخالفتها من قبل بني إسرائيل، على الرغم من هذه الصراحات والعهود‬
                               ‫ب‬
‫القطعية، جرأة تدعو غضب اهلل عليهم فقد ن ّههم القرآن أن هذه المخاوف‬
‫الموهومة التي تبدو معاناتها بعد قبول هذه الدعوة ال تنسهم عذاب اهلل القطعي‬
                                             ‫الذي يسفر عنه تكذيب هذه الدعوة.‬
                                      ‫ج‬
‫وبعد عموم هذا التذكير وهذه الدعوة و ّه الخطاب خاصة إلى علمائهم وأئمتهم‬
‫فن ّهوا أن ال يخلطوا الحق بالباطل وال يخفوا الحق، على وعي ومعرفة من‬              ‫ب‬
‫كتاب اهلل وشريعته، لمجرد تضليل قومهم الذي قد خاضوا فيه بكل جهد ونشاط‬
‫فما أعطوا من علم الكتاب والشريعة يوجب عليهم أن يهدوا عامة قومهم إلى‬

                                        ‫32‬
‫مجلة الهند‬

‫الصراط المستقيم في ضوءه الالمع وال أن يسيئوا استخدام هذا المنصب‬
                                                                  ‫و‬
                                        ‫فيضلوهم ويح ّلوهم عن الصراط السوي.‬
‫وبعدما أشار إلى فساد عامتهم وخاصتهم قد ذكر كيف يتم مداواة ذينك المرضين‬
                                                                   ‫وهو كما يأتي:‬
‫فأو ً أخذ ذلك الفساد العام الذي بدا في صورة كفران النعمة ونقض العهد‬         ‫ال‬
‫الرباني وعدم خشية اهلل، ولمداواة هذه األمراض الثالثة أمر بنو إسرائيل بأداء‬
                              ‫ثالثة أشياء؛ الصلوة والزكوة والركوع مع الراكعين.‬
‫أمر بالصلوة ألنها مجموعة الذكر والشكر وعنوان كافة العهود التي تم عقدها‬
                                              ‫ه‬
‫بين اهلل وعباده فمجرد رعايتها تم ّد سبيل حياة تلك األشياء التي تقوم عليها‬
‫الشريعة الربانية وقد أشرنا إلى حقيقة الصلوة هذه لدى تفسير آيات هذه السورة‬
                                           ‫االبتدائية فال تحتاج إلى أي تفصيل هنا.‬
                 ‫ث‬
‫وأمر بالزكوة ألنها دواء مرض البخل وحب الدنيا هذا الذي ح ّهم على نقضهم‬
‫لعهد اهلل واشتراء شريعة اهلل بثمن بخس، وستقدر شدة هذا المرض على اليهود‬
                                                       ‫مما يأتي من آيات القرآن:‬
                 ‫ا‬                              ‫د‬
‫" ومنهم من إن تأمنه بدينار ال يؤ ّه إليكم إال ما دمت عليه قائمً ذلك بأنهم قالوا‬
‫ليس علينا في األميين سبيل ويقولون على اهلل الكذب وهم يعلمون. بلى من أوفى‬
‫ا ال‬                                                   ‫ب‬
‫بعهده واتقى فإن اهلل يح ّ المتقين. إن الذين يشترون بعهد اهلل وأيمانهم ثمنً قلي ً‬
‫أولئك ال خالق لهم في اآلخرة وال يكلمهم اهلل وال ينظر إليهم يوم القيامة وال‬
                             ‫يز ّيهم ولهم عذاب أليم" (سورة آل عمران: 14-44)‬  ‫ك‬
            ‫ل‬
‫وأمر بالركوع مع الراكعين ألن صالتهم مع عامة المصلين ستقّل كبرهم،‬
‫وتخلق فيهم التواضع الذي يحثهم على اإليمان بالبعثة التي قد عرقل سبيل‬
‫اإليمان بها مهما عرقل كبريائهم واغترارهم بأنهم من بيوت بني إسرائيل فكيف‬
                               ‫يسوغ لهم أن يؤمنوا برسول يبعث من بين األميين.‬
‫وبعدما ذكر فساد اليهود العام التفت إلى علمائهم فكشف عن مرضهم بأنهم ولو‬
‫يأمرون عامتهم بالخير والعبادة ولكنهم ينسون أنفسهم لدى هذا اإلرشاد والحال‬
‫أنهم أح ّ بعمل الخير والعبادة مما يستحقه عامتهم وذلك ألنهم يعرفون أسرار‬ ‫ق‬
                                                        ‫و‬
‫الكتاب السماوي فإن ح ّلوا أنفسهم إلى المتقين والعارفين بحقوق اهلل كما يطلبون‬
‫من عامتهم فتزول كافة العراقل في السبيل إلى اإلسالم وذلك ألن هذه كلها مما‬


                                       ‫42‬
‫مجلة الهند‬

‫قد س ّبها هم أنفسهم ولكن المشكلة كل المشكلة عند هؤالء الناصحين أنهم‬       ‫ب‬
                                ‫يجعلون أغطية على آذانهم لدى نصحهم لآلخرين.‬
                                            ‫ل‬
‫وبعد هذه التنبيهات واإلرشادات د ّ القرآن على الطريقة التي إن اختارها بنو‬
‫إسرائيل سهل لهم السبيل إلى تذليل هذه العراقيل وهي طريقة الصبر والصلوة‬
‫فقال إنه إن يصعب لكم اإليمان بالقرآن بترككم هواكم وبدعكم، وعزلكم عن‬
                                                             ‫ه‬
‫سيادتكم الثابتة فس ّلوا هذه الصعوبات باالستعانة بالصبر والصلوة اللذين‬
       ‫سي ّالن لكم هذه المشكلة. وسنقوم بتفصيل هذا المجمل في الفصول اآلتية.‬   ‫ه‬
                       ‫27- أهمية الصلوة في مبادئ الدين‬
                   ‫ال‬
‫وإن تف ّروا هنا تجدوا أن الصلوة ذكرت مرتين فقال أو ً: "وأقيموا الصلوة‬   ‫ك‬
‫وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين" (42) ثم قال بعد آية "واستعينوا بالصبر‬
                                  ‫والصلوة وإنها لكبيرة إال على الخاشعين" (12).‬
              ‫ال‬
‫فذكرت الصلوة بهاتين المناسبتين عن جهتين مختلفتين فذكرت أو ً أنها بند أول‬
‫لهذا الميثاق بعد اإليمان باهلل وتوحيده تعالى، للميثاق الذي عقد بين اهلل وعباده،‬
‫وأما ذكرها مرة ثانية فهو أنها مصدر كافة الحسنات والخيرات، ومفتاحها،‬
‫وناصرتها، ووسيلة لنيل كل منها فكأنها تبتدئ بها الشريعة كما ينحصر فيها قيام‬
‫الشريعة وبقاؤها ففي المرحلة األولى هي متالزمة مع الزكوة بينما في المرحلة‬
‫الثانية يؤيدها الصبر فلما يخرج الدين عن العقيدة ويخطو خطواته في الحياة‬
‫العملية فهي أول خطوة له ثم هي تتصدر ما يبذله المرء من جهد وسعي إلقامة‬
                            ‫د‬
‫الدين وتجديد الميثاق الرباني. وعلى أهميتها تلك نو ّ أن نتحدث عن كال جانبيها‬
          ‫ض‬
‫باإلجمال ففي هذا الفصل ننطق عنها بالنسبة للنظرية األولى ثم نو ّح جانبها‬
                                                       ‫الثاني تحت عنوان مستقل.‬
‫وفي الفصل السابع قمنا بتوضح أن أحكام الشريعة كلها تحصر في الصلوة والزكوة‬
‫فالصلوة مصدر لكافة األحكام التي تتعلق بحقوق اهلل بينما الزكوة منبع كافة األحكام‬
‫التي تنتمي إلى حقوق العباد، وبمناسبة المحل ننقل فيما يلي بعض اآليات التي‬
‫تو ّح أن الشيئ الذي يتمتع من أهمية كبرى بعد اإليمان في العهد الذي تم عقده‬   ‫ض‬
         ‫بين اهلل وعباده هو الصلوة فقد قال اهلل تعالى وهو يذكر ميثاق بني إسرائيل:‬
                   ‫ا‬
‫" ولقد أخذ اهلل ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبً وقال اهلل إني معكم‬
‫ا‬                             ‫ز‬
‫لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي وع ّرتموهم وأقرضتم اهلل قرضً‬


                                       ‫52‬
‫مجلة الهند‬

                                            ‫ن‬                       ‫ا ف ن‬
‫حسنً ألك ّر ّ عنكم سيئاتكم وألدخل ّكم جنات تجري من تحتها األنهار فمن كفر‬
                                                           ‫ّ‬
                       ‫بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل" (سورة المائدة: 20)‬
‫فهنا أحال القرآن إلى الميثاق الذي أخذ من بني إسرائيل فانظر أن أول شيئ ذكر‬
                                                    ‫بعد الميثاق هو إقامة الصلوة.‬
‫وهكذا فلما ذكر عهد انحطاط بني إسرائيل فأول شيئ ذكر فقده من بينهم هو‬
                   ‫الصلوة وبفقدها ذاتها قد سقطوا في اتباع شهواتهم فقال تعالى:‬
  ‫ا‬
‫"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيً"‬
                                                                ‫(يورة مريم: 11)‬
‫وكذا يتضح من موضع آخر من القرآن أن أول شيئ يطلب للوفاء بالعهد الرباني‬
                                     ‫هو إقامة الصلوة والحفاظ عليها فقال تعالى:‬
                                                                     ‫س‬
‫"والذين يم ّكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا ال نضيع أجر المصلحين" (سورة‬
                                                                 ‫األعراف: 140)‬
                                                  ‫ال‬
‫فقد اتضح من هذه اآلية أو ً أن االستقامة على كتاب اهلل أو الوفاء بالوعد‬
‫الرباني ال يتأتى إال لمن يقيم الصلوة كما يبدو منها أن من يستقيم على كتاب اهلل‬
                                ‫م‬
‫ويقيم الصلوة الستقامة الناس عليه هو الذي يس ّى مصلح هذه األرض وسيجزى‬
                                                         ‫ل‬
                                                   ‫ما سعى من قبل اهلل ج ّ مجده.‬
            ‫40- الصبر والصلوة سببان للنجاح في جهاد إقامة الدين‬
‫وقد ذكرت أهمية الصلوة هذه عن جهة الميثاق الرباني وتبعها الزكوة واآلن‬
‫نأخذ جهة إقامة الدين فنذكر أهمية الصلوة فيها حيث يتبعها الصبر وحيث أشير‬
         ‫إليه في آية "واستعينوا بالصبر والصلوة" التي نحن بصدد البحث عنها.‬
‫ال يخفى على من يتدبر القرآن أن النجاح في سبيل إقامة الدين قد حصره اهلل في‬
‫شيئين اثنين؛ الصبر والصلوة فجهاد إقامة الدين الذي بدأ به موسى في قومه‬
                                 ‫أمرهم بأن يستعينوا بذينك الشيئين فحسب فقال:‬
            ‫"قال موسى لقومه استعينوا باهلل واصبروا" (سورة األعراف: 120)‬
‫ولو أن كلمة "اهلل" قد قامت مقام الصلوة في هذه اآلية ولكنه ال يخفى على كل‬
   ‫ر‬
‫منا أن الصلوة هي الوسيلة الوحيدة لالستعانة باهلل تعالى وعلى هذا فقد ص ّح‬
                                                        ‫عنها في اآليات األخرى.‬
‫وهكذا فلما بدأ المسلمون بجهاد إقامة الدين اإللهي وواجهوا المشاكل التي‬
                   ‫عرقلت سبيله فأمروا باالستعانة بالصبر والصلوة فقال تعالى:‬

                                      ‫62‬
‫مجلة الهند‬

‫"يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلوة إن اهلل مع الصابرين. وال تقولوا‬
             ‫ن‬
‫لمن يقتل في سبيل اهلل أموات بل أحياء ولكن ال تشعرون. ولنبلو ّكم بشيئ من‬
                  ‫ش‬
‫الخوف والجوع ونقص من األموال واألنفس والثمرات وب ّر الصابرين الذين‬
‫إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا هلل وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم‬
                       ‫ورحمة وأولئك هم المهتدون" (سورة البقرة: 410-410)‬
                     ‫ا‬       ‫ل‬               ‫ل‬             ‫ج‬
‫ونفس اإلرشاد و ّه إلى النبي صّى اهلل عليه وسّم مرارً في عهد حياته المكية‬
‫الذي رفع فيه الدعوة إلى اإلسالم فأحيط بكل جانب من المخالفين والمعرضين‬
‫واألعداء فقد نرى أنه يؤمر باالستقامة والصلوة في السور المكية بعد ذكر‬
‫مخالفة الكفار والمشركين عامة وستجدون أمثلة على ذلك في معظم السور‬
                                                ‫ً‬
                            ‫ونكتفي بذكر بعض منها نظرا لإليجاز، قال تعالى:‬
                                               ‫ب‬
‫"فاصبر على ما يقولون وس ّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"‬
                                                           ‫(سورة طه: 140)‬
                                                                      ‫وقال:‬
                                                  ‫ب‬
                    ‫"فاصبر على ما يقولون وسّح بحمد ربك" (سورة ق: 14)‬
                                                                 ‫ا‬
                                                                ‫وقال أيضً:‬
                                           ‫ب‬
  ‫"واصبر بحكم ربك فإنك بأعيننا وس ّح بحمد ربك حين تقوم" (سورة الطور: 12)‬
‫فتجّى من هذا التفصيل أن الصبر والصلوة سالحان أعطاهما اهلل المؤمنين‬      ‫ل‬
                        ‫ك‬
‫لمواجهة الباطل حين النزاع بين الحق والباطل وإن تف ّروا في فطرتهما تجدوا‬
           ‫و‬                             ‫و‬
‫أنهما يغ ّي بعضهما البعض كما يق ّي بعضهما البعض فالصبر يق ّي الصلوة‬‫ذ‬
               ‫ا‬                          ‫و‬              ‫ذ‬
‫كما أن الصلوة تغ ّي الصبر وتق ّيه، والصلوة، كما قلنا سالفً، شيئ يتطلب‬
           ‫1‬
                                                    ‫د حق‬     ‫د‬
‫الصبر فلن يؤ ّي أح ٌ َّ الصلوة ما لم توجد فيه صفة ثابتة للصبر وعلى هذا‬
                                                                ‫و‬
‫فالصبر يق ّي الصلوة وهكذا فالصبر الذي أصله االستقامة على الموقف الحق‬
‫في مراحل الحياة لن يمكن نيله بدون معونة متينة وإن كانت هناك معونة قوية‬



                                   ‫1 وألستاذنا وجه آخر يختلف عما أرى وهو كما يلي:‬
‫ً‬
‫" واعلم أن المراد بهذا األمر هو التمسك بالصلوة، وأما ذكر الصبر قبلها فلكونه شرطا‬
‫وذريعة إليها، فإن الصلوة ال يمكن التمسك بها إال بالصبر. فالصلوة كجسر عظيم ال بد له‬
                                                     ‫ا‬
‫من أساس شديد. قال تعالى مخاطبً لنبيه عليه السالم: "وامرْ أهلك بالصلوة واصطبر عليها"‬
                                                                    ‫(سورة طه: 132)‬

                                        ‫72‬
‫مجلة الهند‬

                                           ‫ا‬
‫فهي معونة اهلل التي يمكن نيلها جيدً عن طريق الصلوة وعلى هذا فقد جاء في‬
             ‫القرآن الكريم "واصبر وما صبرك إال باهلل" (سورة النحل: 420).‬
‫الثبات على موقفه ضد المشاكل والمصائب وعدم فتور العزيمة صفة عليا‬
‫للغاية، ال تحسن بدونها حياة فرد وال يترقى قوم ما فتتخذ األقوام تدابير لخلق‬
‫الصفة في أفرادها، وأحسن وصفة لتربية هذه الصفة في عصرنا أن نثير فيهم‬
‫عاطفة الشهرة والحسن الصيت أو إثارة الحمية القومية والعزة الوطنية فيهم وال‬
                                                ‫ز‬
‫شك في أن القلوب تلهج وتهت ّ بتلك األشياء ولكن الحركة التي تنولد منها تكون‬
                                              ‫ً‬
‫مثل سكر الخمر الذي يكون مؤقتا وال تراعى فيه العواقب وبالعكس من ذلك فإن‬
                 ‫ا ا‬             ‫ي‬                                 ‫ب‬
‫الدين يرّي عزيمة اإلنسان وهمته تربية يع ّن بها موقفً حقً لكل مرحلة من‬
                                                         ‫ك‬
‫مراحل حياته ويؤ ّده على أن يثبت عليه في جانب وفي جانب آخر يوصله‬
‫بأكبر قوة في السماء واألرض عن طريق الصلوة فينصب لحياته هدفً ملكوتيً‬
‫ا‬        ‫ا‬
‫عاليً وهو "قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين" (سورة‬      ‫ا‬
                                                          ‫ك‬
‫األنعام: 220) فتف ّر أن الروح التي تتم تربيتها لالستقامة على الحق ومواجهة‬
‫الباطل هل تمكن تربيتها بالحرص على الوسامات والجوائز والهتافات الجوفاء‬
                                                      ‫للحب القومي والوطني؟‬
‫ولنالحظ هنا نكتة لطيفة للغاية وهي أن الصبر قد لزم ذكره في كل مكان ذكرت‬
          ‫ر‬
‫فيه الصلوة كوسيلة وسالح لجهاد إقامة الدين وكذا أن الصبر سبق ذك ُه في كل‬
                                                                  ‫ر‬
‫مكان ذك َ الصلوة وهذه إشارة إلى أن الشيئ المراد لجهاد إحقاق الحق وإبطال‬
‫الباطل هي الخطوة الحاسمة والعزيمة واالستقامة في سبيل الحق فإن أعلى‬
‫المرء صفته هذه ثم يحافظ على الصلوة فتزكو صفته هذه ويشرح صدره‬
‫لمواجهة المشاكل في سبيل الحق ويمتلئ قلبه باإليمان واليقين ولكنه إذا لم‬
                                                   ‫ا‬
‫يح ّك إرادته وعزيمته شيئً ويكثر ذكر اهلل في حجرة ضيقة فال تفيد صالته‬    ‫ر‬
                                                       ‫للهدف المذكور أعاله.‬
   ‫30- إرشاد خاص لمجموعة اآليات (40-60) عن وجهة نظر إصالح الملة‬
‫وقد قمنا بتوضيح ضروري لما يستخرج من التعاليم واإلرشادات العامة من‬
‫مجموعة اآليات المذكورة أعاله واآلن نريد لفت أنظاركم إلى أمر خاص‬
                                        ‫م‬        ‫ً‬
                  ‫يستخرج من هذه اآليات أيضا وهو مه ّ بالنسبة إلصالح األمة.‬
‫قد ذكر في الفصول السابقة أن الصلوة لها أهمية كبرى في الميثاق الرباني بعد‬
‫اإليمان كما ذكرنا أن الصلوة هي الروح والذريعة للنجاح في جهاد تجديد‬

                                    ‫82‬
‫مجلة الهند‬

     ‫س‬
‫الميثاق الرباني وكذا أوضحنا في ضوء آية سورة األعراف "الذين يم ّكون‬
  ‫ض‬
‫بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا ال نضيع أجر المصلحين" (140) أن القرآن يف ّل‬
‫من طرق اإلصالح أن يستمسك بعروة القرآن الوثقى التي هي أصل الميثاق‬
‫فيقوم على تعاليمه ثم يحاول إلقامة اآلخرين عليها ولن يترك حبل اهلل هذا في‬
                   ‫ا‬      ‫ا‬
‫أي حالة من األحوال، وكذا يعتني بإقامة الصلوة ميثاقً مبدئيً هلل وذريعة للنجاح‬
‫وهذه هي طريقة اإلصالح لدى القرآن ومن يختر هذه الطريقة فهو المصلح‬
                                            ‫الحقيقي للملة، الذي ال يضيع اهلل أجره.‬
                                      ‫ا‬        ‫ا‬            ‫د‬
‫فهذا البيان القرآني يق ّم لنا مقياسً موزونً لكافة الحركات والدعوات لتجديد‬
‫الدين وإصالح الملة ويبدو منه أنه ال تكون دعوة أو حركة دعوة أو حركة‬
‫صحيحة إلصالح الملة إال التي تتمتع الصلوة في بدايتها ونهايتها، وفي عقيدتها‬
‫وعملها، هدفها ومشروعها من األولية واألهمية ما أعطاه لها القرآن في غضون‬
‫ميثاق اهلل وجهاد إقامته فالدعوة أو الحركة التي ال تعطي الصلوة مثل هذه‬
‫األولية واألهمية هي عمل غير مبارك أو ال طائل تحته بالنسبة عن تجديد الدين‬
‫أو إصالح الملة فإنها تحرم العظم الفقري الذي يقوم عليه قالب الدعوة إلى تجديد‬
                             ‫الدين كما تحرم الروح التي تعطي الحياة لهذا القالب.‬
                          ‫70- تفسير اآليات (70-76)‬
                                        ‫ك‬
‫وفي اآليات التالية أعيد الخطاب لليهود فذ ّروا في مدخل وجيز أن الفضل الذي‬
‫تتمتعون منه قد أعطاكم اهلل وحده فال تحصلون عليه لجدارتكم به وال ألجل‬
‫شرفكم العائلي فال تخوضوا في وهم وال كبرياء فترغبوا عن دعوة الحق التي‬
‫ق ّمت إليكم وإال فال تنسوا أنه سيأتي يوم تسألون فيه عن أعمالكم فال يزر‬           ‫د‬
                                                                         ‫ٌ‬     ‫ر‬
                                                               ‫وز َكم أحد غيركم.‬
       ‫ثم أحيل إلى أحداث لتاريخ بني إسرائيل االبتدائي فأوضح لهم ثالثة أمور:‬
‫أحدها: أن كافة األفضال التي وهبها اهلل لكم قد وهبها بمجرد فضله ولو أنكم لم‬
         ‫و‬
‫تشكروه عليها فيشهد تاريخكم الكامل أنكم قد هتكتم نعم اهلل بما تع ّدتم على‬
                                                       ‫ض‬
‫كفرانها ولكنه تعالى قد ف ّل عليكم ولو أنكم كفرتم نعمها فال تغتروا بهذه‬
                                                 ‫األفضال الربانية التي تتمتعون بها.‬
‫وثانيها: أنما أعطاكم اهلل من النعم قد أعطاها بشريطة المسئوليات والواجبات فلم‬
‫يعطها مثلما أنتم ترثونه عن آبائكم فيشهد تاريخكم أنكم كلما قصرتم عن أداء‬
                 ‫ا‬
                ‫حق نعمة أو المسئوليات التي يوجبها عليكم قد عاقبكم اهلل شديدً.‬

                                        ‫92‬
‫مجلة الهند‬

‫وثالثها: أن اهلل ال ينعم على أحد لجدارته الشخصية أو العائلية أو انتمائه إلى‬
        ‫د‬
‫جماعة ما بل يعطيها إياه لمجرد إيمانه باهلل، وإيمانه باآلخرة، وما يق ّمه من‬
                                                                 ‫األعمال الصلحة.‬
‫ابتدأ هذا الحديث من اآلية (42) وانتهى على اآلية (22) والهدف وراءه هذا‬
‫ء‬
‫التفصيل كله القضاء على أمراء بني إسرائيل التي جعلت دعوة القرآن بال ً‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                      ‫عظيمً لهم.‬
                       ‫ضعْ هذا المدخل في ذهنك ثم اتل اآليات التالية، يقول تعالى:‬
                     ‫ض‬
‫"يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ف ّلتكم على العالمين.‬
                                         ‫ا‬
‫واتقوا يومً ال تجزي نفس عن نفس شيئً وال يقبل منها شفاعة وال يؤخذ منها‬ ‫ا‬
                                                   ‫ج‬
‫عدل وال هم ينصرون. وإذ ن ّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب‬
‫يذ ّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بالء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا بكم‬      ‫ب‬
‫البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون. وإذ واعدنا موسى أربعين‬
‫ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم‬
‫تشكرون. وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون. وإذ قال موسى لقومه‬
‫يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم‬
‫خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم. وإذا قلتم يا موسى لن‬
‫نؤمن لك حتى نرى اهلل جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من‬
                                                     ‫ل‬
‫بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا‬
‫من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وإذ قلنا ادخلوا‬
                     ‫ا‬                      ‫ا‬
‫هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدً وادخلوا الباب سجدً وقولوا حطة نغفر‬
                            ‫ال‬                  ‫د‬
‫لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين. فب ّل الذين ظلموا قو ً غير الذي قيل لهم فأنزلنا‬
                                                            ‫ا‬
‫على الذين ظلموا رجزً من السماء بما كانوا يفسقون. وإذ استسقى موسى لقومه‬
                   ‫ا‬
‫فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينً قد علم كل أناس‬
‫مشربهم كلوا واشربوا من رزق اهلل وال تعثوا في األرض مفسدين. وإذ قلتم يا‬
                                            ‫ع‬
‫موسى لن نصبر على طعام واحد فاد ُ لنا ربك يخرج لنا مما تنبت األرض من‬
‫بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أ تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو‬
                                                               ‫ا‬
‫خير اهبطوا مصرً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو‬
‫بغضب من اهلل ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. إن الذين آمنوا والذين هادوا‬


                                      ‫03‬
‫مجلة الهند‬

      ‫ا‬      ‫ال‬
‫والنصارى والصابئين من آمن باهلل واليوم اآلخر وعمل عم ً صالحً فلهم‬
                           ‫أجرهم عند ربهم وال خوف عليهم وال هم يحزنون".‬
                     ‫00- تحقيق الكلمات وتوضيح اآليات‬
                         ‫ض‬
   ‫يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ف ّلتكم على العالمين (42)‬
         ‫ض‬
‫قد أوضحنا كلمة "النعمة" من قبل، وهنا عطف عليها "وأني ف ّلتكم على‬
                            ‫ض‬
‫العالمين"، فهذا ذكر الخاص بعد العام وهو يو ّح ما أجمل في كلمة النعمة‬
‫فالمراد من هذا الفضل منصب هداية األقوام الذي قد اختار له اهلل تعالى بني‬
                                                     ‫د‬
‫إسرائيل في عصر مح ّد فالفضل الذي يختص بمسئوليات منصب ما فهو فضل‬
‫َّل مسئوليات هذا المنصب فهو يتمتع من هذا الفضل‬                   ‫د‬
                                                   ‫مق ّد فإن يؤ ّ القوم المفض‬‫ي‬
‫وإن يضعها وراء ظهره فهو ال يحرم ذاك الفضل فحسب بل يعاني من الذلة‬
                                              ‫ك‬
‫عقابً لكفران تلك النعمة فقد ذ ّر بنو إسرائيل هنا أن الفضل الذي تفتخرون به‬ ‫ا‬
‫هو ما وهبه اهلل لكم فإن تريدوا بقائه لكم فاثبتوا على وعد اهلل معكم وأوفوا به‬
‫فلن تخّدوا هذا الفضل في حقكم حين طرد هذا الوعد الرباني الذي عقدتموه‬   ‫ل‬
                                                                           ‫معه.‬
                                                                        ‫ي‬
‫وقد ب ّن اهلل تعالى خياره بني إسرائيل لهداية األقوام في غير هذا الموضع من‬
                                                              ‫ال‬
‫كتابه فقال مث ً "ولقد اخترناهم على علم على العالمين" (سورة الدخان: 24)‬
‫فهنا يبدو من كلمات "على علم" أن هذا الخيار لم يكن خيار رجل أعمى فاختاره‬
‫من وقعت عليه يداه بل قام به من هو بصير عليم يقدر أن يعلم بفضل علمه‬
                                                      ‫ق‬
‫وبصيرته متى يستح ّ هؤالء هذا المنصب ومتى تمس الحاجة إلى تبديلهم‬
                                                           ‫بغيرهم من األمم.‬
‫واتقوا يوماً ال تجزي نفس عن نفس شيئاً وال يقبل منها شفاعة وال يؤخذ منها‬
                                              ‫عدل وال هم ينصرون (12)‬
            ‫ا‬                                          ‫د‬
‫"جزى عنه" يعني أ ّى عنه أو كفاه فـ"ال تجزي نفس عن نفس شيئً" يعني أنه‬
‫ال ينصر أح ٌ غيره فال يؤ ّي أح ٌ ما يجب على اآلخر من المسئوليات وقد ب ِّ َ‬
‫ُين‬                                       ‫د‬     ‫د‬             ‫د‬
                                  ‫ال‬
‫هذا المعنى في القرآن بأساليب مختلفة فمث ً قال "وال تزر وازرة ورز أخرى"‬
                                  ‫ا‬
‫(سورة األنعام: 220) وقال "واخشوا يومً ال يجزي والد عن ولده وال مولود‬
                                                     ‫ا‬              ‫ز‬
‫هو جا ٍ عن والده شيئً" (سورة لقمان: 44) وقال كذلك "لكل امرئ منهم يومئذ‬
                                             ‫شأن يغنيه" (سورة عبس: 44).‬


                                      ‫13‬
‫مجلة الهند‬

                                            ‫و‬
‫الشفاعة من شفع الشيئ يشفعه: ز ّجه بما هو مثله وشفع لفالن يشفع أو شفع فيه‬
                                                            ‫ً‬         ‫ي‬
                                    ‫يشفع: يؤ ّد غرضا ألحد بتوصية من عنده.‬
‫العدل هو اإلنصاف فقال تعالى "تحكموا بالعدل" (سورة النساء: 11) ومن هنا‬
  ‫ا‬           ‫ل‬
‫تح ّلت الكلمة لما هو سوي أو صنو أو كفؤ فقال تعالى "أو عد ُ ذلك صيامً"‬       ‫و‬
         ‫د‬
‫(سورة المائدة: 11) وهكذا استخدمت هي لمعنى الفدية فإن الذي تؤ ّى الفدية‬
                                                        ‫عنه تعتبر الفدية قيمته.‬
‫ففي "وال يقبل منها شفاعة وال يؤخذ منها عدل وال هم ينصرون" روعي‬
                                 ‫ا‬
‫أسلوب العربية الذي ينفى فيه الزم شيئ ظاهرً ولكن الهدف هو نفي الملزوم فقد‬
                                   ‫ر‬
‫قال امرؤ القيس في بعض أبياته وهو يع ّف بطريق في الصحراء: ال يهتدى‬
‫بمناره" فالمراد من هذا األسلوب اإلشارة إلى أن هذا الطريق يفقد المنارات‬
‫واألبراج البتة للهداية إلى الجهة الصحيحة. فقد اتبع هنا نفس األسلوب وأشير‬
‫د‬                                                     ‫د‬
‫بذلك إلى أنه ال يقوم أح ٌ للشفاعة له ذاك اليوم وال تقبل شفاعة كما ال يمتلك أح ٌ‬
‫فدية يعطيها وال تقبل فدية من قبل أحد وال يوجد هناك ناصر وظهير وال يقبل‬
‫عون أحد وال يفيد. ونفس الواقع ذكره بعبارة أخرى فيما يلي: "فما تنفعهم‬
‫شفاعة الشافعين" (سورة المدثر: 12) وثم نقلت هذه الكلمات على لسان من هو‬
        ‫في النار "فما لنا من شافعين وال صديق حميم" (سورة الشعراء: 110).‬
‫إن هذه اآلية تقطع دابر الوهم الذي وقع فيه بنو إسرائيل باغترارهم بكونهم‬
‫أوالد إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السالم والذي قد اساءوا الفهم بأنهم‬
          ‫ك‬
‫سينجيهم انتمائهم إلى هؤالء اآلباء الصالحين وشفاعتهم لهم، وكذا تذ ّرهم اآلية‬
‫أن الذي يفيد عند اهلل هو الوفاء بالعهد الرباني واإليمان والعمل الصالح وال غير‬
                  ‫فال تغفلوا عن هذه كلها وال تبنوا قصور اآلمال التي ال تتحقق.‬
                    ‫ب‬                                           ‫ج‬
‫وإذ ن ّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذ ّحون أبناءكم ويستحيون‬
                                ‫نساءكم وفي ذلكم بالء من ربكم عظيم (12)‬
‫آل فرعون يعني قوم فرعون1 فال يراد من آل أوالد أحد فحسب بل هذه الكلمة‬
     ‫تشمل األوالد والقوم والقبيلة واألتباع واألنصار كلها. يقول النابغة الذبياني:‬
        ‫و‬
       ‫عجل فذا زاد وغير مز ّد‬                    ‫د‬
                                                 ‫من آل مية رائح أو مغت ِ‬



                ‫1 أخذنا تحقيق كلمة "آل" هذا من كتاب "مفردات القرآن" لإلمام الفراهي.‬
                                       ‫23‬
‫مجلة الهند‬

‫وجاء في سورة المؤمن: "وحاق بآل فرعون سوء العذاب" (12) وجاء في‬
   ‫سورة األعراف "ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات" (140).‬
‫فالعذاب الذي ذكر في هذه اآليات قد نزل، كما نعلم، على فرعون وقومه كلهم ال‬
                  ‫ل‬                     ‫ا‬
‫على أوالده فحسب حتى وال نجد ذكرً ما ألوالده بل كما تد ّ عليه القرائن أنه‬
‫كان محروم األوالد، ولو أن التوراة تذكر أن التي أمرت بإخراج موسى عليه‬
‫السالم في صغره من النهر كانت هي ابنة فرعون ولكن القرآن قد أقام هذا‬
‫العوج أنها لم تكن ابنته بل كانت امرأته فقال تعالى: "وقالت امرأة فرعون قرة‬
                          ‫ا‬
‫عين لي ولك ال تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدً وهم ال يشعرون" (سورة‬
                                                                 ‫القصص: 1).‬
                    ‫ا‬           ‫ً‬
‫السوم يعني تحميل أحد بأثقال فيقال "سامه ظلما وسامه خسفً" أي أذاقه الظلم أو‬
                                                                     ‫ب‬
‫الذلة فـ"يذ ّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم" تفصيل عذاب الظلم والذلة الذي قد‬
‫ابتلئ بنو إسرائيل على أيدي آل فرعون. ولو أن بني إسرائيل قد عانوا بأنواع‬
              ‫ّال‬                                     ‫ر‬
‫من الظلم في مصر وم ّوا بعديد من الذلل وهذا كله ذكر مفص ً في تاريخهم‬
                                         ‫د‬
‫ولكنه ذكر هنا أمران كنموذج وستق ّر من هذين النموذجين مدى معاناة بني‬
                                                ‫إسرائيل من أنواع الظلم والذلة.‬
‫وسنف ّل أسباب قتل األوالد وطريقته في موقع يناسبني إال أن هناك نكتة‬     ‫ص‬
‫بالغية يجب أن نعتني بها وهي أنه لما ذكر ذبح األوالد ذكرههم باسم "أبناء"‬
‫لكي تثور عاطفة األبوية ولما ذكر إحياء البنات ذكرهن باسم "نساء" فإن هذا‬
                                            ‫تعبير جميل إلثارة الغيرة تجاههن.‬
‫وفي ذالكم بالء من ربكم عظيم: أشار هنا لشدة هذا البالء لكي يقدروا أهمية‬
                     ‫ج‬
‫النجاة التي قد حصلوا عليها فكانوا يعانون من بالء عظيم ن ّاهم ربهم منه فإن لم‬
                                                                           ‫ينج‬
                                   ‫ِّهم فلم تكن هنا قوة تستطيع بتنجيتهم منه.‬
         ‫وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (11)‬
‫ٌ‬
‫فرقنا بكم البحر: تعني هذه الفقرة أننا قد جعلناكم تعبرون البحر كما يحمل أحد‬
                                                                       ‫ً‬
                                           ‫أحدا في حضنه فيقدره على العبور.‬
  ‫وأنتم تنظرون: أنكم شهدتم منظر غرق فرعون وآله قائمين على شاطئ البحر.‬
    ‫فأحداث تاريخ بني إسرائيل التي يشار إليها هنا لنالحظ عنها أمران كما يلي:‬
‫أولهما: أن هذه األحداث أهم وأخطر أحداث تاريخ بني إسرائيل التي كانوا‬
‫يعرفونها خير معرفة فلم تمس الحاجة إلى تفصيلها واكتفى القرآن باإلشارة فحسب.‬

                                     ‫33‬
‫مجلة الهند‬

‫وثانيهما: أن إسرائيل لم يكونوا يعتبرونها أخطر أحداث تاريخهم فحسب حين‬
                         ‫د‬
‫نزول القرآن بل كانوا يفتخرون بها وعلى هذا فقد ق ّم لهم القرآن أحداثهم تلك‬
‫من حيث أنهم قد عانوا منها، وهذا األسلوب البياني البليغ مؤثر ومفيد للغاية‬
                                                 ‫بالنسبة لنظرية إتمام الحجة.‬
‫وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا‬
                                      ‫عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (21)‬
‫وهذه إشارة إلى العهد الذي أخذه اهلل تعالى من موسى بعد خروجهم من مصر‬
‫وعبورهم البحر لكي يعطيه أحكامه وإرشاداته ولذا دعاه فوق الطور. فكان‬
  ‫ا م‬                                               ‫ا‬
‫قيامه به لمدة أربعين يومً الستعداده الروحي والقلبي الذي كان واجبً لتح ّل‬
               ‫ا‬
‫العبء العظيم للكتاب السماوي. وفي البداية واعد اهلل ثالثين يومً ولكن موسى‬
‫عليه السالم قد وصل إليه قبل األوان فعجلته هذه قد أجبرت حكمة اهلل التربوية‬
‫أن تزيد هذه المدة عشرة أيام أخرى وقد جمعت هذه المدة في اآلية المذكورة‬
‫أعاله ولكن تفصيلها مذكور في سورة األعراف "وواعدنا موسى ثالثين ليلة‬
                                                             ‫ّ‬
           ‫وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة" (سورة األعراف: 220).‬
‫ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون: أي لما غادركم موسى للطور وضعتم‬
                                                               ‫ال‬
‫من النحاس عج ً فجعلتم تعبدونه وستجد تفصيل هذا الحدث في الباب الثاني‬
                     ‫م‬
‫والثالثين من كتاب الخروج ولكن اليهود، كعادتهم، ض ّوا هارون إلى من‬
                                        ‫د‬
                    ‫ارتكب هذه الجريمة إال أن القرآن قد ر ّد على هذا فهو يقول:‬
‫"ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على‬
‫هارون وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. ألن هذا موسى الرجل الذي‬
‫أصعدنا من أرض مصر ال نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون انزعوا أقراط‬
‫الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط‬
   ‫و‬
‫الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وص ّره‬
                                               ‫ا‬       ‫ال‬
‫باإلزميل وصنعه عج ً مسبوكً. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من‬
‫أرض مصر---- فقال الرب لموسى اذهب انزل. ألنه قد فسد شعبك الذي‬
                                       ‫ا‬
‫أصعدته من أرض مصر. زاغوا سريعً عن الطريق الذي أوصيتهم به. صنعوا‬
                                                              ‫ا‬
‫لهم عج ً مسبوكً وسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي‬ ‫ال‬
‫أصعدتك من أرض مصر. وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب‬
               ‫صلب الرقاب فاآلن اتركني ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم" (0-4).‬

                                     ‫43‬
‫مجلة الهند‬

                    ‫ا‬
‫وأنتم ظالمون: أي ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل معبودً لكم فقد أوضح القرآن‬
‫نفسه بعد اآليتين: "يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل". الظلم أصله‬
‫ً‬                   ‫ق‬
‫اغتصاب الحق فعن طريق ارتكاب جريمة الشرك يح ّر المرء نفسه تحقيرا‬
‫شديدً فإنه على الرغم من أنه خليفة هلل على األرض وأشرف كافة المخلوقات‬‫ا‬
                                   ‫ا‬                     ‫ا‬     ‫ا‬
‫يعتبر خلقً حقيرً كمثله أو أحقر منه إلهً له يسجد له ويركع أمامه فهل اغتصاب‬
                                                                      ‫ّ‬
                                  ‫أشد أو أحقر من هذا لحق النفس البشرية؟‬
                          ‫وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (41)‬
‫الفرقان يعني الفارق بين الحق والباطل والواو هنا للبيان والتفسير. أي اعتبر‬
                                                     ‫ا‬
‫الكتاب (التوراة) فرقانً فكشف عن جانب لها آخر وقد استخدم القرآن الكريم‬
                                    ‫ا ال‬
‫كلمة "الفرقان" لذاته وللتوراة معً فمث ً قال تعالى "لقد آتينا موسى وهارون‬
         ‫ز‬
‫الفرقان" (سورة األنبياء: 12) وكذا قال عن القرآن "تبارك الذي ن ّل الفرقان‬
                                             ‫على عبده" (سورة الفرقان: 0).‬
   ‫ص‬
‫ولتعبير هذين الكتابين بكلمة "الفرقان" روعيت جوانب عدة أولها أنهما يف ّالن‬
                               ‫ي‬
‫كافة األحكام واإلرشادات، وثانيها: أنهما يم ّزان بين الحق والباطل، الحرام‬
‫والحالل، وثالثها: أنهما واضحان في محتواهما وهدفهما، ورابعها: أن المرء‬
                                          ‫و‬
‫يحصل بهما على الحكمة التي تن ّر المرء لكي يقوم بالتمييز بين الخير والشر‬
                                                    ‫في رفع الحياة وخفضها.‬
                         ‫ً‬              ‫ً‬
‫وكذا اعتبر القرآن غزوة البدر فرقانا وذلك ألنها أيضا فرقت بين الحق والباطل.‬
‫وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى‬
‫بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب‬
                                                           ‫الرحيم (21)‬
‫البرء يدنو من الخلق في المعنى وقد تم ذكر ثالث صفات هلل تعالى في مكان‬
                                      ‫و‬
‫واحد فجاء "هو الخالق البارئ المص ّر" (سورة الحشر: 22) فالخلق يعني‬
‫باإلنجليزية ‪ Design‬والبرء يعني تقويمه والتصوير يدل على إتمامه ومن هذه‬
                                                       ‫ا‬    ‫ا‬
‫الجهة نجد فرقً لطيفً بين معنى "الخالق" ومعنى "البارئ" إال أنهما يستخدم‬
                                                  ‫أحدهما مكان اآلخر عامة.‬
‫"فاقتلوا أنفسكم" ال يعني أن تضربوا أعناقكم بالسيوف بل هو معناه أن يقتل كل‬
                     ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫من كان بعيدً عن هذه الفتنة أي الشرك واتخاذ العجل إلهً من أفراد القبيلة يجب‬


                                   ‫53‬
‫مجلة الهند‬

‫عليه أن يقتل من قد خاض فيها من أفرادها، وقد خفيت العديد من المصالح وراء‬
                                                      ‫هذا الحكم وهي كما يأتي:‬
‫أوالها: هكذا قد اختارت التوبة صورة اجتماعية فكأن ضمير بني إسرائيل‬
                                                               ‫ع‬
                           ‫االجتماعي قد ب ّد عنهم من قد هتك عهد توحيد اإلله.‬
‫وثانيتها: قد اتضح منه أصل عظمة التوحيد وأصل كراهة الشرك فكأن الشرك‬
‫إثم إذا ارتكبته يسرى المرء فيجب على يمناه أن تقطعها فال يأخذ فيه أي‬
                                 ‫مصانعة ومداهنة وال أي قربى وال عالقة ودية.‬
‫وثالثتها: إذا رفع أخيار كل قبيلة على أشرار قبيلتهم فال تثور منه العصبية القبلية‬
                                      ‫فيتم تطهير بني إسرائيل بدون مخافة ثورة.‬
                      ‫ويبدو أقرب ما نراه من التوراة فقد جاء في كتاب الخروج:‬
             ‫ر‬                             ‫معر‬
‫"ولما رأى موسى الشعب أنه ًّى. ألن هارون كان قد ع ّاه للهزء بين‬
                    ‫ي‬
‫مقاوميه. وقف موسى في باب المحلة. وقال من للرب فإل ّ. فاجتمع إليه جميع‬
‫بني الوي. فقال لهم هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخذه‬
‫وم ّوا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد‬       ‫ر‬
‫صاحبه وكل واحد قريبه. ففعل بنو الوي بحسب قول موسى. ووقع من الشعب‬
‫في ذلك اليوم نحو ثالثة آالف رجل. وقال موسى امألوا أيديكم اليوم للرب حتى‬
     ‫كل واحد بابنه وبأخيه. فيعطيكم اليوم بركة" (الباب: 24 واآليات: 12-14).‬
                               ‫و‬
‫ولو أن حديث التوراة هذا يبدي أن موسى قد ف ّض أمر قتل المرتدين إلى بني‬
‫الوي فحسب ولكن الجزء األخير لهذا المقتبس يشهد أن أصل األمر هو ما‬
                                                      ‫ح‬
‫أشرنا إليه أي أمر مو ّدوا كل قبيلة بأن يضربوا أعناق المرتدين منهم لكي‬
                                                                 ‫ال‬
‫يكون هذا دلي ً آخر على مزيد إيمان المؤمنين ويعتبر الناس أن الشرك إثم كبير‬
                   ‫ال يمكن أن يغفر الوالد عن ولده وال الولد هو غافر عن والده.‬
‫ونتذكر مثل هذه المشورة التي أعطاها عمر الفاروق حين الفصل عن أسرى‬
                                                                    ‫غزوة البدر.‬
‫فيبدو من هذا الحكم أن قبول التوبة يوجب التنفر عن أصل اإلثم كما أن اإلثم‬
                    ‫د‬                                                  ‫م‬
‫الذي يع ّ المجتمع ألجل غفلة مسئولي المجتمع يجب أن يؤ ّي كفارته كل أفراده‬
‫فلن يغفر اهلل عنه بدون هذه وكذا يبدو منه أن عقاب االرتداد كان هو القتل في‬
                                                    ‫شريعة موسى عليه السالم.‬


                                      ‫63‬
‫مجلة الهند‬

             ‫ا‬
‫ذلكم خير لكم عند بارئكم: أي ولو أن هذا العقاب يبدو لكم ظلمً على الناس‬
‫وخسارة وطنية بأن نقطع هذا الجزء الكبير من جسد القوم ولكن من خلقكم يرى‬
‫أن صالح دينكم ودنياكم يكمن في هذا الحكم فإن لم تبعدوا لألبد هذا الجزء الفاسد‬
           ‫م‬                      ‫ا‬                   ‫ا‬
‫من جسدكم الوطني طبقً للعاطفة القبلية وحبً للوطن فيمكن أن يع ّ هذا الفساد‬
‫كل عضو من أعضاء جسدكم الوطني فإن تعلق مخالفي األصول هؤالء‬
‫بالجماعة الملتزمة باألصول لمجرد عالقتهم الوطنية والنسبية فيخاف أن ينتشر‬
                                              ‫م‬
                          ‫الفساد في أفراد الجماعة كلهم ويت ّ دمارهم بال منازع.‬
‫وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى اهلل جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم‬
                                                      ‫تنظرون (11)‬
      ‫ل‬
‫كان بنو إسرائيل أصابهم مرض الشك الشديد حيث لم يتيقنوا أن موسى يكّم اهلل‬
‫تعالى وعلى هذا فلما كان يقول لهم موسى عليه السالم إن اهلل يأمركم بكذا وكذا‬
                          ‫ل‬      ‫م‬      ‫ل‬
‫فيجيبون على هذا بأنه لو يمكن أن يكّمك فل َ ال يكّمنا فنراه بأعيننا وإال فلن‬
                                                      ‫نؤمن لك ولما تقول أنت.‬
‫وأما بالنسبة لرؤية اهلل فهذا ليس بأمل يعاب عليه فقد أظهر هذا األمل موسى‬
‫عليه السالم ولكن هناك فرق كبير بين أمل يظهر لنيل شرح الصدر وطمأنينة‬
          ‫د‬                    ‫د‬
‫القلب وبين أن نجعله وسيلة إلنكار شيئ فما و ّه موسى كان مثلما و ّ إبراهيم‬
‫عليه السالم كيف يقدر اهلل على إحياء الموتى لكي يشرح صدره بالنسبة لآلخرة‬
‫فلم يعب اهلل موسى إال أنه قال إنك لن تقدر على أن تريني بعينيك هاتين فال تقدر‬
                                                  ‫ص‬
                   ‫إال على أن ترى صفاتي، يف ّل القرآن هذا اإلجمال كما يلي:‬
                                                  ‫ل‬
‫"ولما جاء موسى لميقاتنا وكّمه ربه قال رب أرني انظر إليك قال لن تراني‬
                   ‫ل‬                            ‫ر‬
‫ولكن انظر إلى الجبل فإن استق ّ مكانه فسوف تراني فلما تجّى ربه للجبل جعله‬
                            ‫ت‬                          ‫ا‬
‫د ًّ وخ ّ موسى صعقً فلما أفاق قال سبحانك تب ُ إليك وأنا أول المؤمنين"‬‫كا ر‬
                                                      ‫(سورة األعراف: 220)‬
‫وبالعكس من ذلك فإن طلب بني إسرائيل هذا ينبئ عن عدم يقينهم ونفسيتهم‬
‫الشا ّة، وقد أظهروا مثل هذا في كل خطوة منهم ولو بعد أن شهدوا آيات اهلل‬   ‫ك‬
                                  ‫المبينة ولذا فقد نزل عليهم عتاب اهلل جل مجده.‬
            ‫ب‬
‫وقد ع ّر عن هذا العتاب هنا بكلمات "فأخذتكم الصاعقة" كما ع ّر عنها في‬   ‫ب‬
‫سورة األعراف بكلمات "فلما أخذتهم الرجفة" (210) وقد قمنا بتحقيق كلمة‬
‫"صاعقة" في الفصل السابع عشر من هذا التفسير. إنها تعني شدة الصوت‬

                                      ‫73‬
‫مجلة الهند‬

‫والصيحة كما هي تعني البرق النازل بالصيحة. والرجفة تعني الزلزلة. وما‬
‫استخدمه القرآن من كلمتين في موضعين مختلفين عن حدث واحد ال يوجد فيه‬
  ‫ل‬
‫أي تضاد وتناقض فهذان أثران مختلفان لحدث واحد تزامنا فيبدو أنه لما تجّى‬
        ‫ل‬              ‫كً‬
‫الرب على الجبل لرؤية موسى إياه فكما أصبح الجبل د ّا فكذلك فلما تجّى الرب‬
  ‫ال ر‬
‫على طلب بني إسرائيل فظهر في صورة صاعقة وزلزل الجبل زلزا ً فخ ّوا‬
                                                            ‫الناس صعقين.‬
                                ‫ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (21)‬
                                                 ‫ا‬
‫فما طرأ على سبعين زعيمً الذين قد صحبوا موسى إلى الطور من أجل هذه‬
                                                     ‫ب‬
‫الصاعقة والزلزلة قد ع ّر عنه القرآن بالموت فيمكن أن يراد به الموت الحقيقي‬
‫كما يمكن أن نستعير به الغشي فقد استعيرت كلمة الموت بالعربية للنوم والغشي‬
‫فالدعاء المنقول في األحاديث بعد االستيقاظ من النوم كلماته "الحمد هلل الذي‬
‫أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور". وكذا استخدمت كلمة البعثة لالستيقاظ عن‬
                                              ‫النوم في قصة أصحاب الكهف.‬
           ‫د‬
‫ولو أن بني إسرائيل كانوا يستحقون ألجل عدوانهم أن ال يبعثوا بع ُ ولكن اهلل‬
‫أنعم عليهم بأن أمهلهم للمزيد كما دعا لهم النبي بهذه المناسبة بكل تضرع‬
       ‫وتحزن فاستجاب اهلل دعاءه. أشير إلى ذلك في سورة األعراف فجاء فيها:‬
         ‫ب‬                                 ‫ال‬
‫"واختار موسى قومه سبعين رج ً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ر ّ لو شئت‬
     ‫ل‬
‫أهلكتهم من قبل وإياي، أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا، إن هي إال فتنتك تض ّ بها‬
                                         ‫ي‬
‫من تشاء وتهدي من تشاء وأنت ول ّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافلين"‬
                                                      ‫(سورة األعراف: 110)‬
                                                                    ‫ل‬
‫وظّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم‬
                             ‫وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (41)‬
       ‫ج‬
‫وهذا بيا ن النعم التي أنعمها على بني إسرائيل في صحراء سيناء لكي ين ّيهم من‬
                                                     ‫عذاب الشمس والجوع.‬
   ‫ف‬
‫"الم ّ" أصلها الفضل واإلحسان ولكن المراد هنا الغذاء الخاص الذي و ّرها‬ ‫ن‬
                         ‫ا‬          ‫ال‬
‫لبني إسرائيل في صحراء سيناء فض ً منه خاصً فال حرثوا له وال نشروا‬
                                            ‫ص‬        ‫ي‬
               ‫البذور وال قاموا بالر ّ. وقد ف ّلت التوراة هذا الفضل كما يلي:‬
                                 ‫ط‬
‫"فكان في المساء أن السلوى صعدت وغ ّت المحلة. وفي الصباح كان سقيط‬
‫الندى حوالي المحلة. ولما ارتفع سقيط الندى إذا على وجه البرية شيئ دقيق مثل‬

                                    ‫83‬
‫مجلة الهند‬

‫قشور. دقيق كالجليد على األرض. فلما رأى بنو إسرائيل قالوا بعضهم لبعض‬
‫من هو. ألنهم لم يعرفوا ما هو. فقال لهم موسى هو الخبز الذي أعطاكم الرب‬
                                     ‫ا‬          ‫ا‬
‫لتأكلوا ---- وكانوا يلتقطونه صباحً فصباحً كل واحد على حسب أكله. وإذا‬
             ‫حميت الشمس كان يذوب" (الخروج، الباب: 20 واآليات: 40-02).‬
‫فيبدو من هذا أنه كان شيئ يتقطر على األرض مثل الندي فيجمد مثل الثلج في‬
‫أيام الق ّ، وأمكن لهم أن يجمعوه قبل شدة الشمس فكانت هي تذوب كلما اشتدت‬   ‫ر‬
                 ‫م‬
‫الشمس. وبما أن هذه النعمة قد حصلوا عليها بدون أي مشقة تح ّلوها وكانت في‬
‫صحراء غير ذات زرع حيث فقدت لهم أساب توفير الغذاء فع ّر عنها بالم ّ‬
‫ن‬              ‫ب‬
                       ‫(وليتضح لنا أن العربية والعبرية بعضهما األخت للبعض).‬
                                                               ‫ال‬
‫هذا ما يبدو معقو ً بالنسبة لوجه تسمية "المن" ولكن مقتبس التوراة المذكور‬
‫أعاله ُريْ أنه لما رأى بنو إسرائيل هذا الشيئ العجيب فثار فيهم سؤال وقالوا‬ ‫ي‬
                                                  ‫م‬
‫"من هو؟" فعلى سؤالهم هذا س ّي هذا الغذاء بـ"المن". إنا نعتبر هذا الوجه‬
                                       ‫ي‬
      ‫للتسمية مما اخترعه سوء ذوق اليهود فال يؤ ّده اللفظ وال يقبله العقل السليم.‬
‫فإن ع ّر عنه موسى بالخبز فهذا ال يعني أنه كان مثل الخبز ذاته بل الخبز هنا‬ ‫ب‬
‫يعني الغذاء وقد كثر استخدام هذه الكلمة لمعنى الغذاء في الصحف السماوية‬
                                     ‫وحتى نجد استخدامها في لغتنا األردوية كذلك.‬
‫والسلوى كذلك جاءت في العربية عن طريق أهل الكتاب فاستخدمها العرب في‬
‫أبياتهم. استخدمت هذه الكلمة للطيور التي أرسلها اهلل تعالى إلى صحراء سيناء‬
‫لبني إسرائيل. إنها كانت تشبه السمانى وكان صيدها أسهل كما سهل صيد‬
                                         ‫السماني. جاء تفصيلها في الخروج كما يلي:‬
                      ‫ر‬
‫"ثم ارتحلوا من إيليم وأتى كل جماعة بني إسرائيل إلى ب ّية سين التي بين إيليم‬
‫وسيناء في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني بعد خروجهم من أرض مصر.‬
‫فتذ ّر كل جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون في البرية. وقال لهما بنو‬    ‫م‬
                              ‫ن‬
‫إسرائيل ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر إذ ك ّا جالسين عند قدور اللحم نأكل‬
                                                                      ‫ا‬
‫خبزً للشبع. فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع‬
           ‫ال‬       ‫ل‬                 ‫م‬         ‫ال‬                 ‫ل‬
‫---- فكّم الرب موسى قائ ً سمعت تذ ّر بني إسرائيل كّمهم قائ ً في العشية‬
                                       ‫ا‬                        ‫ا‬
‫تأكلون لحمً وفي الصباح تشبعون خبزً. وتعلمون أني أنا الرب إلهكم. فكان في‬
                                             ‫ط‬
       ‫المساء أن السلوى صعدت وغ ّت المحلة" (الباب: 20 واآليات: 0-40).‬


                                      ‫93‬
‫مجلة الهند‬

‫كلوا من طيبات ما رزقناكم: وفي مثل هذه المواضع يرى المفسرون عامة أن‬
                                                                    ‫د‬
‫"قلنا" مق ّر هنا أي أعطيناهم هذه األشياء وأمرناهم بأكل ما أعطيناهم، ونرى‬
‫أن حذف "قلنا" في مثل هذه المواقع يقع لسبب بالغي وهو أن كل نعمة من اهلل‬
‫تدعو بلسان حالها إلى التمتع منها وتقديم الشكر إلى الرب وقد كشف القناع عن‬
‫هذه اإلشارات في بعض مواضع القرآن كما أخفيت في البعض اآلخر كما نرى‬
       ‫ا‬                                                   ‫ً‬
      ‫هنا فمن يمتلك عقال لفهم إشارات النعم المنتشرة في الكون فهو يفهمها جيدً.‬
‫يتضح هنا من سياق الكالم وسباقه أن بني إسرائيل لم يعرفوا لنعم اهلل تلك أ ّ‬
‫ي‬
                                                         ‫ا‬               ‫ق‬
‫ح ّ فلم يزنوا لها شيئً ولم يشكروا عليها بما أن هذا يتضح من سياق الكالم فلم‬
                                                    ‫د‬
‫يع ّر عنه بالكلمات بل تب ّل القول بـ"وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"‬ ‫ب‬
‫وكذا اتضح من هذه الفقرة معاملة بني إسرائيل عن تلك النعم كما اتضح أن من‬
                                                 ‫ا‬
‫لم يزن أي نعمة من اهلل وزنً ما فهو ال يظلم اهلل بل يظلم على نفسه. لم يقل هذا‬
                                                        ‫ً‬
                                          ‫القول، كسابقه، مخاطبا لليهود مباشرة‬
         ‫ط‬
‫بل أعرض عنهم وخوطبوا خطاب الغائب وهذا أسلوب يبدي نفرة المخ ِب عن‬
                                                                      ‫ط‬
                                                                    ‫المخا َب.‬
‫وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجدًا‬
                       ‫وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (11)‬
‫القرية أصلها مكان االجتماع فنقول بالعربية قرى الماء في الحوض" أي اجمتع‬
‫فيه ومن هنا تدرج لمعنى القرية المسكونة بما أنها مكان اجمتاع الناس فيها‬
‫ّ‬
‫فيبدو من استخدامات هذه الكلمة أنها ال تستعمل لقرى مسكونة صغيرة بل يعم‬
                          ‫استخدامها لمدن كبرى وبلد يسكنه آالف من الناس.‬
‫فيمكن أن يراد من هذه القرية مدينة من فلسطين فما قيل في التعريف بها من‬
                      ‫ب‬     ‫ا‬
‫الكلمات التالية أي "فكلوا منها حيث شئتم رغدً" يط ّق على مدينة تتعلق بهذه‬
‫األرض فيمكن أن يراد بها أريحا أو يريحو كما يراها ابن عباس وابن زيد فقد‬
‫دخلت هذه المدينة المتعلقة بأرض فلسطين تحت سلطة بني إسرائيل قبل أي‬
                                                             ‫مدينة أخرى.‬
                                                        ‫ا‬
‫أدخلوا الباب سجدً: السجدة أصلها خفض الرأس ولهذا درجات وأكمل درجاتها‬
‫وضع الناصية على األرض والذي نجعله في الصلوة، ونفس المعنى اختاره‬
                                ‫عمرو بن كلثوم في بيته المشهور من معلقته:‬


                                     ‫04‬
‫مجلة الهند‬

                          ‫ر‬
       ‫تخ ّ له الجبابر ساجدينا‬                 ‫إذا بلغ الفطام لنا صبي‬
                                         ‫ّ‬
                      ‫والمراد هنا مجرد خفض الرأس كما يدل عليه موقع الكالم.‬
‫قد ذهب بعض المفسرين أن المراد بالباب هو باب القرية كما يرى بعضهم أنه‬
                                                ‫ج‬
‫باب مخيم العبادة وأما أنا فأر ّح القول الثاني فلو أن نصح دخول باب المدينة‬
‫ا‬      ‫ا‬
‫المفتوحة بالتواضع نصح رائع ولكن يناسب هذا النصح من كان شجاعً وقويً‬
‫وأما بنو إسرائيل فلما أمرهم موسى عليه السالم بالحملة على فلسطين في قفار‬
‫الفاران ففترت همتهم وصرحوا بالقول أنهم أقوياء وجبارون فال نرضى عن‬
‫مواجهتهم فاذهب أنت وربك فقاتال فإذا خال المكان منهم فندخل فيه فمثل هذا‬
‫النصح لهؤالء الرجال ال يعني هذا الموضع فنرى أن المراد من الباب هنا باب‬
‫مخ ّم العبادة والهدف وراء هذا إعالم المخاطبين أنهم أمروا بأن يدخلوا هذه‬    ‫ي‬
                    ‫ي‬
‫القرية ويتمتعوا من خصوبتها بكل حرية ويحضروا مخ ّم العبادة بالتواضع‬
      ‫فيشكروا هلل تعالى ويستغفروا لهم ولكنهم لم يمتثلوا به بل هتكوا عزة الحكم.‬
‫قولوا حطة: حطة جملة تامة فهي مثل قوله تعالى "يقولون طاعة" (سورة‬
  ‫ال‬                                        ‫ص‬             ‫د‬
‫النساء: 01) فهنا ق ّر المبتدأ. ف ّل هذا الموجز العالمة الزمخشري قائ ً:‬
                ‫ط‬                       ‫ط ط ا‬              ‫ط‬
‫مسئلتنا حطة". الح ّة من ح ّ يح ّ حطً: نفض والمراد هنا ح ّ اآلثام. وبما أن‬
                                             ‫ي ي‬
‫العربية والعبرية أختان فيتخ ّل إل ّ أنها قد استخدمت بالعبرية للنفض والمغفرة‬
‫كذلك وكانت هي من تعابير االستغفار والتوبة المستخدمة عندهم ومن هنا دخلت‬
                                                               ‫هي في العربية.‬
  ‫ا‬                                    ‫ا‬
‫محسنين: أحسن إلى فالن يحسن إحسانً: أكرمه وأحسن الشيئ يحسنه إحسانً:‬
‫فعله بالجودة فالمحسن بالعربية يستخدم لمن يحسن إلى أحد كما يستخدم لمن‬
‫يحسن عم ً ويبدو من موقع الكالم أنه قد استخدمت هذه الكلمة هنا للمعنى‬‫ال‬
                                                  ‫ال ا‬
‫اآلخر. لم أجد لها بدي ً جيدً في األردوية وعلى هذا فقد حاولت مجرد أداء‬
                                                           ‫المفهوم في الترجمة.‬
                                                                     ‫د‬
‫فب ّل الذين ظلموا قوالً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من‬
                                            ‫السماء بما كانوا يفسقون (11)‬
                ‫د‬                                              ‫د‬
‫أي أنهم ب ّلوا كلمات الدعاء التي أرشدوا إليها بكلمات تضا ّها معنًى. ويرى‬
‫بعض المفسرين أنه لم يرد هنا تبديل الكلمات بل المراد منها تبديل المعاملة‬
         ‫ي‬                                              ‫ب‬
‫فيذهب هذا المذه َ أبو مسلم اإلصبهاني ولكن كلمات القرآن ال تؤ ّدها وذلك‬
                                                      ‫د‬
‫فإنه لما تأتي كلمة "ب ّل" بمفعولين (كما هنا ولو أن أحدهما محذوف) فهي تعني‬

                                     ‫14‬
‫مجلة الهند‬

              ‫د‬                           ‫ر‬                      ‫ا‬
‫أنه وضع شيئً مكان شيئ، ولما ص ّح هنا عن أن الظالمين قد ب ّلوا ما قيل لهم‬
               ‫بما لم يقل لهم فال يناسبنا أن نريد به تبديل مجرد المعاملة والعمل.‬
                ‫ل‬
‫فنرى أن المراد هنا ليس مجرد تبديل المعاملة والعمل بل تد ّ كلمات القرآن‬
  ‫ن‬                                   ‫د‬
‫على أن بعض أشرار بني إسرائيل قد ب ّلوا كلمة "حطة" بكلمة تخالفها مع ًى‬
           ‫ا‬                                     ‫د‬
‫وأما السؤال عن الكلمة التي ب ّلوا بها فلم يصرح عنها القرآن شيئً وقد نقلت‬
                       ‫ّ‬
                 ‫أقوال مختلفة من المفسرين، ليس بإمكاننا أن نحكم على أي منها.‬
                                ‫د د‬                                   ‫ي ي‬
‫يخ ّل إل ّ بعض األحيان أن بني إسرائيل ق ّ ب ّلوا في معنى دعائهم كما فعل‬
‫النصارى مع معاني فقرات سورة الفاتحة المنزلة فيهم فقد جاء في فاتحة‬
‫النصارى المنقولة في لوقا: "خب َنا كفا َنا أعطنا ك ّ يوم"1 فيبدو أنها بعيدة عن‬
                              ‫ل‬         ‫ف‬     ‫ز‬
  ‫د‬
‫معنى الدعاء األصلي فيمكن أن يكون الدعاء األصلي هكذا "هبنا روح اله َى‬
‫التي تهدينا إلى الصراط المستقيم". ولكنه بما أن الكلمة المستخدمة للخبز‬
                          ‫ا‬      ‫ا‬                    ‫ا‬     ‫ا‬
‫بالعبرية تعني رزقً ماديً كما هي تعني رزقً روحانيً فيمكن أن تستخدم هذه‬
                                               ‫د‬
‫الكلمة الجامعة للتعبير عن اله َى ولكن روحها قد سلبت عنها عن طريق‬
‫الترجمة التي حدثت فيما بعد فبقي مجرد الخبز ولعل مثل هذا التبديل قد جاء به‬
      ‫بنو إسرائيل في كلمات الدعاء، األمر الذي قد ذهب بروح الدعاء األصلية.‬
                                                 ‫ا‬
‫فأنزلنا على الذين ظلموا رجزً من السماء: الرجز والرجس صورتان لكلمة‬
‫واحدة ومعناهما األصلي االضطراب واالرتعاش ومن هنا استخدمتا للوسخ‬
                            ‫ا‬      ‫ب‬
‫والنجاسة وذلك ألن رؤية الوسخ والنجاسة تسّب نوعً من االضطراب واالرتياع‬
                ‫ب‬
‫في الطبيعة ثم استخدمتا للعذاب وذلك ألن العذاب كذلك يسّب االضطراب‬
‫واالرتعاش في القلوب وأما زيادة "من السماء" فيها فهي تشير إلى أن هذه الحادثة‬
                                     ‫ا‬
‫كانت مختلفة عن غيرها من الحوادث تمامً فقد غلب عليها جانب الغضب اإللهي‬
                   ‫ال‬
                  ‫وقد أوضح بعض مواقع التوراة هذا الجانب الخاص فقد جاء مث ً:‬
‫" وإن مات هؤالء كموت كل إنسان وأصابتهم مصيبة كل إنسان فليس الرب قد‬
‫أرسلني ولكن إن ابتدع الرب بدعة وفتحت األرض فاها وابتلعتهم وكل ما لهم‬
                                                                   ‫ء‬
‫فهبطوا أحيا ً إلى الهاوية تعلمون أن هؤالء القوم قد ازدروا بالرب" (العدد،‬
                                                   ‫الباب: 20 واآليات:12-14).‬



                                                ‫1 لوقا، الباب الحادي عشر، اآلية: 3‬

                                      ‫24‬
‫مجلة الهند‬

‫وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب الخاص بالعذاب المذكور أعاله بزيادة كلمة‬
                                                  ‫ب‬
                   ‫"من السماء" وهذا مثلما نعّر عن آفة مهيبة بالقهر السماوي.‬
                                                ‫د‬
‫وأما عن ماهية العذاب فالر ّ على هذا صعب للغاية بالنسبة لهذه القرية التي‬
‫ذكرت هنا إال أنه يبدو من دراسة التوراة أن بني إسرائيل قد ارتكبوا العديد من‬
         ‫ال‬
‫العصيان خالل هذا السفر وبالتالي فقد عانوا من مختلف األوبية مث ً أنهم لما‬
‫قاموا بالزنى مع الفواحش الموآبية بشطيم (الذي هو أقرب من فلسطين) وبدأوا‬
‫يحضرون قرابينهم الشركية على دعوتهم وهكذا فقد جعلوا عبادة إلهكم "بعل‬
                                            ‫ً‬     ‫ء‬
       ‫فغور" فأنزل عليهم اهلل وبا ً شديدا ذهب ضحيته أربعون ألف نسمة منهم.‬
‫وقد جاء في الباب الثالث والثالثين للعدد أن موسى قد كان أرشد بني إسرائيل‬
‫في ميدان موآب أنه كلما يعبروا يرون ودخلوا بلد كنعان يخرجوا كافة‬
            ‫م‬
‫المشركين منه ويكسروا أوثانهم وأصنامهم التي وضعوها ويد ّروا مبانيهم‬
‫الفخمة وإن خالفوا هذه اإلرشادات فسأعامل معكم كما أمرتكم بالعمل معهم. يبدو‬
‫أن بني إسرائيل قد خالفوا، حسب العادة، إرشادات نبيهم تلك فعانوا من مثل‬
                                              ‫الوباء الذي عانوا منه في شطيم.‬
‫وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة‬
‫عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق اهلل وال تعثوا في األرض‬
                                                         ‫مفسدين (12)‬
‫يبدو من التوراة أن موسى قد استسقى بقفار الصين فقد جاء في الباب العشرين‬
                                                                   ‫من العدد:‬
‫" وأتى بنو إسرائيل الجماعة كلها إلى برية صين في الشهر األول وأقام الشعب‬
‫في قادش وماتت هناك مريم ودفنت هناك. ولم يكن ماء للجماعة فاجتمعوا على‬
            ‫ء‬                            ‫ل‬
‫موسى وهارون وخاصم الشعب موسى وكّموه قائلين: ليتنا فنينا فنا َ إخوتنا أمام‬
‫الرب. لماذا أتيتما بجماعة الرب إلى هذه البرية لكي نموت فيها نحن ومواشينا.‬
‫ولماذا أصعدتمانا من مصر لتأتيا بنا إلى هذا المكان الرديء. ليس هو مكان‬
                                                         ‫م‬
‫زرع وتين وكرم ور ّان وال فيه ماء للشرب. فأتى موسى وهارون من أمام‬
‫الجماعة إلى باب خيمة االجتماع وسقطا على وجهيهما. فتراءى لهما مجد‬
                                                  ‫ال‬
‫الرب. وكّم الرب موسى قائ ً خذ العصا واجمع الجماعة أنت وهارون أخوك‬‫ل‬
                ‫ء‬
‫وكّما الصخرة أمام أعينهم أن تعطي ماءها. فتخرج لهم ما ً من الصخرة‬         ‫ل‬
‫وتسقي الجماعة ومواشيهم. فأخذ موسى العصا من أمام الرب كما أمره. وجمع‬

                                    ‫34‬
‫مجلة الهند‬

‫موسى وهارون الجمهور أمام الصخرة فقال لهم اسمعوا أيها المردة. أ من هذه‬
                                                       ‫ء‬
‫الصخرة نخرج لكم ما ً ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين فخرج‬
                         ‫ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيهم" (اآليات: 0-20).‬
    ‫ا‬                             ‫ي‬
‫قد علم كل أناس مشربهم: قد علم أي قد تعّن لهم وبما أن اثنتي عشرة عينً قد‬
‫انفجرت من الحجر وكان عدد قبائل بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة وعلى هذا‬
‫فقد ح ّدت كل قبيلة موردها ولم تبق أي مخافة أن تقاتل بعضها البعض في‬      ‫د‬
                               ‫ل‬                            ‫ف‬
‫الشرب وإن لم تد ّق المياه بالكثرة فيمكن أن تس ّ السيوف على شرب الماء فهذه‬
‫الحادثة ليست مجرد معجزة عظيمة بل هي كذلك منة كبرى على بني إسرائيل‬
                                                               ‫ل‬
                                                         ‫من قبل اهلل ج ّ مجده.‬
‫كلوا واشربوا ---- اآلية: وكما قال تعالى بعد ذكر نعمة المن والسلوى في اآلية‬
‫السابعة والخمسين "كلوا من طيبات ما رزقناكم" وكذا قال بعد اإلشارة إلى‬
‫توفير هذه التسهيالت "كلوا واشربوا من رزق اهلل وال تعثوا في األرض‬
                                          ‫ك‬
‫مفسدين" فكل نعمة حصلنا عليها تذ ّرنا على لسان حالها الحق الذي يجب علينا‬
‫بعد التمتع منها. هذا تعبير لذلك الحق ولن تنكره فطرة اإلنسان إن لم يعلها الرين‬
       ‫من كفران النعمة فهذا صوت فطرته الذي يوصله الوحي اإللهي إلى آذانه.‬
‫ولنالحظ هنا دقيقة علمية بأن اهلل ذكر مجرد "كلوا" بعد المن والسلوى وذلك‬
‫ا‬                  ‫ف‬                                          ‫ف‬
‫ألنهما كانا يو ّران الغذاء فحسب ولكن انفجار األعين يو ّر لهم المياه أيضً‬
                                               ‫فأضاف "واشربوا" مع "كلوا".‬
‫وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادعُ لنا ربك يخرج لنا مما تنبت‬
‫األرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أ تستبدلون الذي هو أدنى‬
‫بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة‬
                     ‫وباءو بغضب من اهلل ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (02)‬
                                  ‫كلمة "البقل" تحوي كافة أنواع الخضراوات.‬
                                 ‫والقثاء: نوع من النبات ثمره يشبه ثمر الخيار.‬
‫والفوم والثوم شيئان واحدان. فهي تعني الحمص (بالعربية). فقد كانت العرب‬
                                                    ‫ال د‬
‫تب ّل الثاء بالفاء فمث ً يب ّلون "عاثور" بـ"عافور" وأثافي" بـ"أثاثي". ولعل‬ ‫د‬
‫كلمة "تهوم" عندنا قد سافرت منهم إلينا فهذه الكلمة شهيرة للفوم إلى حد ال‬
‫ً‬                       ‫ا‬
‫مجال ألحد أن يريد بها الخبز أو القمح أو الغلة أو شيئً آخر فلنأول القرآن دائما‬
                                                          ‫حسب المعاني العامة.‬

                                     ‫44‬
‫مجلة الهند‬

‫فمطلب بني إسرائيل الذي أشير إليه هنا قد جاء ذكره في الباب الحادي عشر‬
                                                ‫للعدد من التوراة وهو كما يلي:‬
                 ‫ً‬
‫"واللفيف الذي في وسطهم اشتهى شهوة فعاد بنو إسرائيل أيضا وبكوا وقالوا من‬
                ‫ج ا‬                   ‫ن‬                   ‫ك‬        ‫ا‬
‫يطعمنا لحمً. قد تذ ّرنا السمك الذي ك ّا نأكله في مصر م ّانً والقثاء والبطيخ‬
‫والك ّاث والبصل والثوم. واآلن قد يئست أنفسنا. ليس شيئ غير أن أعيننا إلى‬ ‫ر‬
                                                    ‫هذا المن" (اآليات: 2-4).‬
‫قال أ تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير: "أدنى" من الدناءة أي هل‬
                    ‫ف‬
‫تريدون تبديل الغذاء األعلى بالغذاء األدنى واألحقر فما و ّره اهلل لكم من المن‬
‫والسلوى في هذه األرض النائية من الصحراء وأنتم أحرار من ذلة عبودية‬
‫فرعون وطاعة الكفر والشرك فالغذاء الجاف الخالي من اللذات الذي تتمتعون‬
‫منه وأنتم أحرار خير ألف مرة من حلويات العبودية والذلة ولكن هذا من سوء‬
                      ‫ا‬                  ‫د‬
‫حظكم أنكم قد أولعتم باللذائذ إلى ح ّ أنكم ال تزنون شيئً الحرية التي ال يحكم‬
                                                   ‫فيها عليكم سوى اهلل تعالى.‬
‫هذه المعاملة من بني إسرائيل تطوي بين جنبيها عبرة لألقوام المسلمة الذين قد‬
‫عرضوا نعمة حريتهم للخطر في اتباع متطلبات وتنوعات الحضارة ولم يعتنوا‬
‫بأن ما حصلوا عليه من لذائذ الدنيا عن هذه الطريقة قد اختفت وراءها أنواع من‬
‫الفساد الشنيع للذلة والمسكنة، وهنا يتضح من القرآن أنه إذا كان ضمير اإلنسان‬
‫حيً فهو ال يبحث عن لذة الطعام فيما بين أنواع أطعمة المأدبة بل يبحث عنها في‬‫ا‬
                               ‫ف‬
‫حرية الضمير واإلرادة فإن وجدها فخبز جا ّ يقدر له على توفير كافة أنواع‬
                                                               ‫النعم واألفضال.‬
                                             ‫ا‬                   ‫ا‬
‫اهبطوا مصرً: هبط يهبط هبوطً: سقط وهي كذلك تستخدم لنزول مسافر بمكان‬
          ‫ا‬
‫فيقال مث ً "هبط الوادي" ومن هنا راجت محاورة "اهبطوا مصرً" وجعلت‬      ‫ال‬
‫كلمة الهبوط تستخدم مرادفة لكلمة النزول ولعل السبب وراء استخدام هذه الكلمة‬
                   ‫أنه لما يريد المسافر أن ينزل بمكان فهو يهبط من مركبه هنا.‬
‫وبالنسبة لهذا الموقع فهذه الكلمة تناسب أن الشيئ الذي طلبه بنو إسرائيل لن‬
                                        ‫و‬
                                      ‫يوجد إال في مكان خصب هابط ومست ٍ.‬
‫والمراد من "مصر" أي مصر من األمصار فلن يراد منه بلد مصر فقد‬
                         ‫ا‬
‫استخدمت كلمة "مصر" لبلد مصر في القرآن مرارً ولكنها استخدمت بدون‬
‫تصريف إال في هذه اآلية حيث استخدمت بالتصريف وعلى هذا فهي في معنى‬

                                     ‫54‬
‫مجلة الهند‬

                     ‫ا‬
‫مصر ما. وأما استخدام هذه الكلمة للمدينة فهو يمكن نظرً لجانب بالغي وهو‬
                                                              ‫ك‬
‫أن هذه الكلمة تذ ّرهم تلك المصائب والذالت التي عانوا منها في مصر‬
‫بخصوص اإلشارة إلى أنه إذا ما أمكن لهم قضاء الحياة بدون هذه اللذائذ فال بد‬
                           ‫ا‬
‫لكم من أن تقضوا حياتكم في مصر ما وذلك فإن قومً ال يقدر على خلق الصبر‬
                                                        ‫ٍ‬
                               ‫والثبات فيه لنيل هدف سام فهو لن يحميه عن الذلة.‬
‫وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من اهلل: المسكنة تعني العجز‬
‫واالستكانة وسوء الحال فتعبير "ضربت عليهم الذلة والمسكنة" يبدي أنه كما‬
‫يضرب الطين الالزب على الجدار فقد ضربت عليهم الذلة ألجل مواصلتهم‬
‫لعملية الكفران وعدم تقديرهم آليات اهلل تعالى وهذا أسفر عن أنهم أصبحوا كلحم‬
      ‫على وضم ألعدائهم ولم تبق فيهم أي عزيمة لمواجهة األوضاع والظروف.‬
                                                 ‫ف‬
‫وباءو بغضب من اهلل: أي ما و ّره اهلل لهم من الفرص لنيل النجاح وعلو القدر‬
                       ‫عادوا منها بلعنة اهلل عليهم ألجل فقدهم العزيمة والجدارة.‬
‫ذلك بأنهم ---- ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون: هذا هو السبب وراء ضرب‬
‫الذلة والمسكنة عليهم أي أنها ليست نتيجة خطأ منهم واحد بل تاريخهم الكامل‬
‫مليئ بسلسلة من الغفلة والعدوان، وبسبب عدوانهم واعتدائهم لم يزالوا ينكرون‬
‫بآيات اهلل ويقتلون أنبيائه فزعمهم بأنهم أولياء اهلل وأحباؤه وال يقدر أحد على أن‬
                                                      ‫ة‬
‫يزيلهم عن منزلتهم مفخر ٌ ال أساس لها فهؤالء ممن ضربت عليهم الذلة‬
                                                          ‫ل‬
                                                   ‫والمسكنة من قبل اهلل ج ّ مجده.‬
‫من يبدو قتله من األنبياء على أيدي اليهود من دراسة تاريخم أولهم زكريا عليه‬
‫السالم الذي رجم بين المقدس والمذبح في الهيكل ذاته على أمر من الملك يهوداه‬
                                                                            ‫يوآس.‬
‫ثم يأتي اسم يحيى عليه السالم الذي قتل على أمر من هيروددس ملك يهودية.‬
                                                ‫د‬
                                 ‫وضع الملك رأسه في صينية ثم ق ّمها إلى حبيبه.‬
‫ثم يأتي اسم المسيح عليه السالم الذي صلبه اليهود كما هم يزعمون ولو أن اهلل‬
                                                               ‫قد حماه عن شرهم.‬
                                                                        ‫ي‬
‫وهنا قد ق ّد قتل األنبياء هذا بـ"غير الحق" والمراد من هذا شدة جريمتهم فإن‬
                             ‫د‬
‫قتل النفس جريمة كبرى في المجتمع البشري وتشت ّ هذه الجريمة إذا كان تعلق‬
‫القتل باألنبياء والصالحين وتزداد هذه الجريمة شدة على شدة إذا كانت هي بدون‬
                                        ‫حق وقد جمع القرآن هنا كافة أنواع الشدة.‬

                                       ‫64‬
‫مجلة الهند‬

‫إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باهلل واليوم اآلخر‬
                                                           ‫ً‬      ‫ً‬
  ‫وعمل عمال صالحا فلهم أجرهم عند ربهم وال خوف عليهم وال هم يحزنون (22)‬
                                                              ‫ا‬
‫هاد يهود هودً: رجع وتاب وقد نقل دعاء موسى في القرآن بهذه الكلمات‬
‫"واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي اآلخرة إنا هدنا إليك" (سورة األعراف:‬
‫ا‬                        ‫ا‬       ‫د‬                  ‫و‬
‫210) ثم استخدم هاد وته ّد في معنى كون أح ٍ يهوديً وهذا االستخدام جاء طبقً‬
                             ‫ا‬                  ‫ص‬
                            ‫لقواعد اللغة العربية مثل تن ّر أي أصبح نصرانيً.‬
‫هذا هو أصل الكلمة ولكن اعترض بعض المعارضين أن القرآن قد أخطأ في‬
‫استخدام هذه الكلمة فهم يرون أن اليهود مادته ليست هود بل هي منسوبة إلى‬
‫يهوذا الذي كان أربع أوالد يعقوب عليه السالم وعلى هذا فيجب علينا أن نقوم‬
‫بتحقيقها فما قام به اإلمام الفراهي من تحقيق لهذه الكلمة نذكر ما وجب نقله هنا‬
                                                             ‫ا‬
                                          ‫فهو يقول مناقشً اشتقاق هذه الكلمة:‬
‫"--- وزعم الطاعنون في القرآن أن هذه الكلمة خطأ، فإن اسم اليهود ليس‬
                     ‫ي‬                                               ‫ا‬
‫مأخوذً من مادة "هود"، بل هو للنسبة إلى "يهوذا". فنبّن اشتقاق هذا االسم،‬
                               ‫لتعلم أن طعنهم من سوء فهمهم القرآن وصجفهم.‬
‫أما القرآن فاستعماله هذه الكلمة ليس إيجاد لفظ من قبله هو، بل هو حسب لسان‬
               ‫ه‬         ‫ا‬
‫العرب، فإنهم جعلوا فعل "هاد يهود" لمن كان يهوديً. وقوله " ُدنا" ليس لبيان‬
‫اشتقاق اسم اليهود، بل جاء في معناه األصلي. ومع ذلك أشار إلى أصل ذهلت‬
                                                 ‫اليهود عنه كما سيأتيك ذكره.‬
‫ا‬
‫وأما سوء فهمهم لصحفهم فستطلع عليه مما نذكره: فاعلم أن يهوذا كان ابنً‬
                                 ‫ا‬
‫رابعً ليعقوب عليه السالم من اثني عشر ابنً الذين خرج منهم األسباط االثنا‬‫ا‬
                                                   ‫ا‬
‫عشر. وأعطي كلهم نصيبً من األرض في عهد يشوع. فوقع في نصيب بني‬
‫يهوذا من أرشليم إلى أقصى الجنوب. وكان داود عليه السالم من هذا السبط.‬
‫وانحازت مملكة بني إسرائيل كلها إليه، فعظم أمر سبط يهوذا. ثم ورث الملك‬
‫بعده ابنه سليمان عليه السالم، وبنى الهيكل في دار ملكه فزاد ذلك عظمة أخرى‬
‫لسبط يهوذا وملكهم. ثم بعد ذلك وقع بينهم خالف، فصارت هذه األمة فرقتين:‬
‫يهوذا على جانب، وبقية بني إسرائيل على آخر. ثم بعدما سباهم الكلدانيون صار‬
                                                         ‫ا‬      ‫ا‬
‫"اليهود" اسمً عامً لبني إسرائيل. وذلك يدل على عدم فرقهم بين "يهوذا"‬
                                      ‫بالذال المعجمة و"يهود" بالدال المهملة.‬


                                    ‫74‬
‫مجلة الهند‬

‫وقد التبس اشتقاق هذا االسم على اليهود، فإنهم ظنوا أنه من "يهو" أي الرب‬
              ‫ء ك‬
‫تعالى، و"ذا" أي هذا. وسبب هذا الظن أنهم وجدوا أسما ً مر ّبة من "يهو"‬
‫وكلمة أخرى موصولة به مثل "يهوياقيم". ولم يفهموا العبارة التي وجدوها في‬
                                  ‫سفر التكوين في سبب التسمية وهي (14:12):‬
              ‫ا‬                                                 ‫ا‬
‫"وحبلت أيضً (أي ليئة زوجة يعقوب عليه السالم) وولدت ابنً، وقالت: هذه‬
                                     ‫المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا".‬
‫فظنوا أن "يهوذا" يشير إلى "هذه المرة" و"يهو"، وهذا خطأ. فإن االسم يشير إلى‬
                                 ‫ا‬
      ‫"أحمد الرب". والعبارة محتملة لهذا التأويل أيضً. والدليل على صحته أمور:‬
‫(0) األول أن اإلشارة إلى مععاني أسماء أبناء يعقوب عليه السالم كما جاءت في‬
‫ذكر والدتهم، فهكذا جاءت في دعاء يعقوب عليه السالم حين باركهم. مث ً‬
‫ال‬
                        ‫جاء عند ذكر الوالدة في سفر التكوين (10:14-12):‬
                                       ‫ا‬       ‫ا‬              ‫ا‬
‫"وحبلت أيضً ليئة، ولدت ابنً سادسً ليعقوب، فقالت ليئة: قد وهبني اهلل هبة‬
  ‫حسنة. اآلن يساكنني رجلي ألني ولدت له ستة بنين. فدعت اسمه زبولون".‬
                              ‫وجاء في هذا السفر عند ذكر البركة (40:12):‬
                                          ‫"زبولون عند ساحل البحر يسكن".‬
‫فأشار في كال الموضعين إلى معنى السكونة. فهكذا جاء في دعائه ليهوذا في‬
                                                        ‫هذا السفر (1:12):‬
         ‫"يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك".‬
    ‫ا‬
‫فتبّن أن وجه التسمية هو الحمد والطاعة، وأن اسم يهوذا ليس مركبً من‬      ‫ي‬
                           ‫"يهو" و"ذا"، بل هو كلمة واحدة من مادة "هود".‬
‫(2) والثاني أن بعد السبي نجد اسم اليهود يطلق عليهم واسم اليهودي على‬
‫لسانهم، كما جاء في سفر عزرا، ونحميا، وأستير، وإشعيا، وإرميا، ودانيال،‬
            ‫م‬
‫واإلنجيل، حتى اشتهر هذا االسم. فلو كان األصل "يهوذا" لس ّوا باليهوذي‬
                                                            ‫بالذال المعجمة.‬
‫(4) والثالث أن األسماء المركبة من "يهو" ال بد أن تتضمن كلمة أخرى تدل على‬
            ‫م‬
‫وصف يليق وصله بـ"يهو". وكلمة "ذا" ليست مما يليق بأن يض ّ بـ"يهو" في‬
         ‫تسمية مخلوق، فإن المعنى يكون: هذا اهلل. وشناعة هذه التسمية ظاهرة.‬




                                    ‫84‬
‫مجلة الهند‬

               ‫ب‬                                               ‫ب‬
‫(2) والقرآن ربما ن ّه على خطأهم، كما هو مبسوط في موضعه. فن ّه على أن اسم‬
‫"يهوذا" الذي انتسبوا إليه أصله من مادة "هود". ومن حسن إشارة القرآن أنه‬
       ‫ن ّه اليهود على معنى اسمهم، ليعلموا أنهم يلزمهم أن يتوبوا إلى ربهم"1.‬  ‫ب‬
          ‫وأما كلمة النصارى فقد ذكر اإلمام الفراهي تحقيق هذه الكلمة كما يلي:‬
‫"النصارى جم ُ نصران، مثل ندامى جمع ندمان. وهذا االسم كان لهم في‬  ‫ع‬
                 ‫ا‬
‫األول. وقدماؤهم لم ينكروه. ولكن المتأخرين منهم ظنوه شتمً، وأنكروا هذا‬
                                                                       ‫ً‬
                                                             ‫االسم عنادا بأوائلهم.‬
‫وبيان ذلك أن أتباع المسيح صاروا فرقتين: فرقة اتبعوا الخليفة بالحق شمعون،‬
              ‫ل‬               ‫ل‬
‫وتس ّوا باسم النصارى. وكلهم آمنوا بمحمد صّى اهلل عليه وسّم. وهم الذين‬        ‫م‬
                                                   ‫مدحهم القرآن حيث قال تعالى:‬
‫"ولتجدن أقربهم للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (سورة المائدة: 21)‬
                                                ‫م‬                            ‫ر‬
                                  ‫فص ّح بأن المراد هم الذين اس ّوا بهذا االسم.‬
‫وفرقة اتبعوا بولوس المبتدع، وهم الباقون اآلن. وهؤالء قد زعموا أن‬
‫"النصارى" كلمة التحقير، ألنها نسبة إلى "ناصرة" وهي قرية حقيرة عندهم‬
                                                ‫كما جاء في يوحنا (12:0-22):‬
‫"فيل ّس وجد نثنائيل، وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس‬               ‫ب‬
‫واألنبياء: يسوع بن يوسف الذي من الناصرة. فقال له نثنائيل: أمن الناصرة‬
                                                    ‫يمكن أن يكون شيئ صالح!".‬
                                                                     ‫ب‬
‫وهذا من تك ّر هذه الفرقة. فإن "الناصرة" إن كان مولد عيسى عليه السالم فأي‬
‫حقارة في النسبة إليها؟ وقد زعموا أن "الناصرة" كانت مولده، كما جاء في‬
                               ‫ت‬                 ‫ا‬
                   ‫أناجيلهم. بل إنه يدعى "ناصريً"، كما جاء في مّى (24:2):‬
‫"وأتى وسكن في مدينة يقال لها: ناصرة، لكي يتم ما قيل باألنبياء إنه سيدعى‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                         ‫ناصريً".‬
‫وزعم الطاعنون أن القرآن لم يعرف هذه التسمية، وجعلها من النصرة، لما جاء‬
                                                                                ‫فيه:‬
‫" كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى اهلل قال الحواريون نحن‬
                                               ‫أنصار اهلل" (سورة الصف: 20)‬


                                                        ‫1 تفسير سورة البقرة: 74-14‬

                                        ‫94‬
‫مجلة الهند‬

             ‫ا ا‬
‫وهذا الطعن منشؤه الجهل بمعنى اآلية. فإنها إنما ذكرت أمرً حقً، ولم تذكر‬
                                   ‫م‬
‫وجه التسمية. نعم فيها إشارة إلى أن المس ّين بالنصارى يجب عليهم نصر‬
‫الحق، لما في اسمهم تذكار لذلك. وأمثال هذه اإلشارات توجد في كالم األنبياء.‬
           ‫قال عيسى عليه السالم لشمعون- وكان يدعى "صفا"- (متى 10:20):‬
                ‫"وأنا أقول لك أيضً: أنت صفا. وعلى هذا الصفا أبني كنيستي"1.‬
                                                            ‫ا‬
‫صابئين: للمفسرين أقوال عديدة عن الصابئين فيرى مجاهد وحسن أنهم لم يكونوا‬
‫أتباع دين خاص بل كانوا بين اليهودية والمجوسية فكانوا يرون أن ذبيحتهم حرام‬
‫ويرى ابن زيد أنهم كانوا أتباع دين خاص وكانوا يسكنون جزيرة الموصل وكانوا‬
                               ‫ا‬       ‫ا‬
‫يقولون بتوحيد اإلله ولكنهم ما اتبعوا نبيً وال كتابً وال وزنوا األعمال الشرعية‬
                      ‫ل‬
‫زنة ما وأما قتادة فهو يرى أنهم كانوا يعبدون المالئكة ويصّون نحو القبلة ويتلون‬
             ‫الزبور ويرى أبو العالية وسفيان أنهم كانوا فرقة من فرق أهل الكتاب.‬
       ‫ا‬              ‫ا‬
‫يقول اإلمام الفراهي إنه ولو أن هذه األقوال تبدو مضادً بعضها بعضً ولكن‬
                                                ‫د‬
‫في الواقع ليس بينها أي تضا ّ فال شك أنهم كانوا بادئ ذي بدء يتبعون الدين‬
                                                  ‫د‬
‫الحق ولكنهم عدلوا عنه بع ُ وأخذوا يعبدون المالئكة والكواكب، وهذا مثلما‬
‫فعل أوالد بني إسماعيل الذين كانوا في البداية على ملة إبراهيم ولكنهم فيما بعد‬
                               ‫ي‬
‫خاض وا في الشرك وعبادة األوثان واألصنام وتؤ ّد اآلية التي نحن بصددها ما‬
‫ذهب إليه اإلمام الفراهي فإن األسلوب الذي استخدمه القرآن في ذكر هذه‬
‫الجماعة يتضح منه أنهم كانوا في البداية على دين الحق ثم خاضوا في البدع‬
                              ‫ل‬
‫والخرافات فيظن اإلمام الفراهي أنهم كانوا يصّون أكثر مما لدى اآلخرين‬
                        ‫ولذلك فقد دعا المشركون النبي وصحابته باسم الصابئين.‬
‫ويرى اإلمام الفراهي بالنسبة لوجه تسميتهم بهذا االسم أنه بما أن الصباء تعني‬
                                                         ‫م‬
                  ‫الشروق فيمكن أن س ّوا بهذا االسم لبراعتهم في معرفة النجوم.‬
‫وبما أن أتباع هذا الدين ال يوجدون في أي نحو من أنحاء العالم كما ال يوجد‬
                                 ‫ا‬
‫تاريخ لهم يوثق به فيصعب لنا أن نحكم شيئً عنهم ولكن يبدو أنهم كانوا‬
               ‫معروفين لكونهم فرقة من الفرق الدينية حين نزول القرآن الكريم.‬
                ‫ل‬
    ‫00- هل ال يجب على أهل الكتاب أن يؤمنوا برسول اهلل صّى اهلل عليه‬
                                        ‫ل‬
                                     ‫وسّم؟‬


                                                    ‫1 تفسير سورة البقرة: 69-74‬

                                     ‫05‬
‫مجلة الهند‬

‫وقد أشرنا قدر الحاجة إلى ما أرشدنا اهلل تعالى إليه من التعاليم والنصائح في‬
‫مجموعة اآليات هذه من خالل توضيح الكلمات والجمل فال حاجة إلى إعادتها‬
‫إال أننا سنتحدث عن اآلية النهائية لهذه المجموعة وهي "إن الذين آمنوا ----،‬
‫اآلية: 22" وذلك ألن بعض المتكلمين ومنكري السنة في هذا العصر قد‬
‫أخطأوا في فهم أن أهل الكتاب الذين يعملون على تعاليم مصاحفهم بكل جدية‬
  ‫ل‬               ‫ل‬
‫وإخالص النية ال يجبرهم القرآن على أن يؤمنوا بالرسول صّى اهلل عليه وسّم‬
‫لكي ينالوا النجاة فهم يزعمون أن يكفي مثل هؤالء أن يعملوا على تعاليم‬
‫صحفهم وأنبيائهم مخلصين لهم النية فاألشياء التي استدلوا بها على تأييد‬
                                                              ‫م‬
‫زعمهم هذا يض ّ إليها هذه اآلية من سورة البقرة فيجب أن نوضح سياق هذه‬
                                                           ‫ا‬
    ‫اآلية وسباقها توضيحً لكي يزول سوء فهم من لم يسقط في هذا الخطأ بوعي.‬
‫والسبب وراء تقديم هذه اآلية في تعضيد هذه الفكرة هو أنه، كما يزعمون، قد‬
‫خوطبت كافة الجماعات الدينية الشهيرة أمثال المسلمين، واليهود، والنصارى،‬
‫ً‬        ‫ال‬
‫والصابئين، فقيل لهم أن من يؤمن باهلل منهم وباليوم اآلخر ويعمل عم ً صالحا‬
             ‫و‬
‫له أجره عند اهلل فال خوف عليه وال هو يحزن، والبديهي أنه لو أ ّلنا هذه اآلية‬
                                                                    ‫و‬
‫كما هم يأ ّلون فال يبقى لنجاة هؤالء المؤمنين المزعومين أي حاجة إلى أن‬
‫يؤمنوا بالرسول العربي وال بما يوجب القرآن والحديث اإليمان به من األمور‬
                                                         ‫سوى اهلل واليوم اآلخر.‬
                 ‫ل‬
‫ولكن ال يمكن تأويل هذه اآلية التأويل المذكور أعاله إال إذا د ّ سياقها وسباقها‬
                                                ‫ص‬
‫على أن هذه اآلية نزلت تف ّل أجزاء اإليمان فيبدو من التفكير على موقع‬
                          ‫ا‬
‫ومح ّ اآلية أنه ليس السؤال هنا، كما أشرنا إليه سابقً، عن ما هي األمور التي‬ ‫ل‬
‫تتطلب النجاة اإليمان بها وما هي األمور التي ال حاجة إلى اإليمان بها بل‬
                                     ‫ض‬
‫السؤال هنا عن ما هي األشياء التي تف ّل المرء لدى اهلل هل هي نسبته إلى‬
              ‫د‬
‫عشيرة أو قبيلة أو جماعة أو عالقته باإليمان والعمل الصالح فر ّ القرآن على‬
‫هذا السؤال بأن هذه الفضيلة ال يحصل عليها المرء إال باإليمان والعمل الصالح‬
    ‫ر‬
‫فهي ليست بما يمتلكها أي قبيلة أو جماعة، والهدف وراءه هو أن يص ّح‬
‫لليهود أنهم إنْ بدأوا يعتبرون أنفسهم جماعة ناجية لنسبتهم إلى عشيرة األنبياء‬
                                                              ‫م ي‬
‫فهذا سوء فه ٍ بّن فمن يرد التقرب إلى اهلل فيجب عليه أن يتصف باإليمان‬
                                                                ‫والعمل الصالح.‬
                                                          ‫ا‬
  ‫ولفهم هذه الحقيقة جيدً يجب على القراء أن يضعوا أمامهم ما يلي من األمور:‬

                                      ‫15‬
‫مجلة الهند‬

        ‫ص‬
‫أولها: جاءت هذه اآلية في السورة التي موضوعها المركزي، كما ف ّلناه من‬
                        ‫ل‬              ‫ل‬
‫قبل، هو الدعوة إلى اإليمان بالرسول صّى اهلل عليه وسّم والقرآن الكريم وهي‬
‫قد و ّهت في هذه السورة، خاصة، إلى اليهود فبصرف النظر عن التلميحات‬              ‫ج‬
‫واإلشارات يبتدئ الحديث الذي انتهى على هذه اآلية التي نحن بصدد البحث‬
                                                      ‫عنها، بما يأتي من الكلمات:‬
‫"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم‬
‫وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم وال تكونوا أول كافر به وال‬
                                                           ‫ا ال‬
                    ‫تشتروا بآياتي ثمنً قلي ً وإياي فاتقون" (سورة البقرة: 12-02)‬
                                                             ‫ج‬
‫ففي هاتين اآليتين و ّه الخطاب إلى بني إسرائيل بصراحة ودعوا إلى اإليمان‬
                          ‫ك‬                                    ‫ب‬
‫بالقرآن الكريم وع ّر بصراحة عن إنكاره بالكفر فتف ّروا أن اإليمان بالقرآن‬
        ‫ك‬          ‫ل‬               ‫ل‬
‫كيف يمكن تحقيقه بدون اإليمان بالرسول صّى اهلل عليه وسّم ثم تف ّروا أنه‬
‫لما ع ّر عن عدم اإليمان بالقرآن والرسول بالكفر فكيف يمكن أن تأتي بعد‬           ‫ب‬
‫آيات في سلسلة الكالم هذه، أن ال يجب على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالقرآن أو‬
‫ّ‬                 ‫ح‬                                 ‫ل‬
‫بالرسول صّى اهلل عليه وسّم ويمكن أن ينجوا بدونه وإن ص ّ هذا فهذا تضاد‬  ‫ل‬
             ‫ال يعقل وهو عيب لكتاب دعْه أن يكون في كتاب حكيم محكمة آياته.‬
  ‫وثانيها: أن هذه اآلية قد وردت في سورة المائدة بتصريف قليل وهي كما يلي:‬
‫"إن الذن آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن باهلل واليوم اآلخر‬
                                                                      ‫ا‬
             ‫وعمل صالحً فال خوف عليهم وال هم يحزنون" (سورة المائدة: 12)‬
                                                      ‫وقد سبقتها هذه اآلية التالية:‬
‫"قل يا أهل الكتاب لستم على شيئ حتى تقيموا التوراة واإلنجيل وما أنزل إليكم‬
           ‫ا‬         ‫ا‬                                   ‫ا‬       ‫ن‬
‫من ربكم وليزيد ّ كثيرً منهم ما أنزل إليك من ربكم طغيانً وكفرً فال تأس‬
                                        ‫على القوم الكافرين" (سورة المائدة: 12)‬
‫فالمراد هنا من "ما أنزل إليكم من ربكم"، كما يبدو من السياق والسباق، هو‬
‫القرآن الكريم الذي طولبوا إقامته بجانب إقامة التوراة واإلنجيل والذي إذا لم‬
‫يقيموا فهم ال أساس لهم عند اهلل ولو أنهم يعتبرون أنفسهم أوليائه وأحبائه فما‬
‫أمروا بإقامة التوراة واإلنجيل فهو يعني أن يؤمنوا بالقرآن والنبي الخاتم فإنه ال‬
‫يت ّ، بدون اإليمان بهما، الوفاء بالعهد قد أخذ منكم في تلك الصحف بالنسبة‬           ‫م‬
                                                                         ‫للنبي الخاتم.‬
                           ‫وتو ّح هذا الواقع ما سبقتها من اآليات وهي كما يلي:‬  ‫ض‬

                                         ‫25‬
‫مجلة الهند‬

                             ‫ي‬           ‫ف‬
‫"ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لك ّرنا عنهم سّئاتهم وألدخلناهم جنات النعيم.‬
‫ولو أنهم أقاموا التوراة واإلنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ألكلوا من فوقهم ومن‬
  ‫ل‬
‫تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون. يا أيها الرسول بّغ‬
                                   ‫ل‬
‫ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بّغت رسالته واهلل يعصمك من الناس‬
                      ‫وإن اهلل ال يهدي القوم الكافرين" (سورة المائدة: 12-42)‬
‫ففي هذه اآلية قد أريد بإقامة التوراة واإلنجيل اإليمان بالقرآن الكريم (ما أنزل‬
                                   ‫م‬
‫إليهم من ربهم) وإقامته فإن اإليمان به يك ّل العهد الذي قد أخذ منهم في التوراة‬
‫واإلنجيل بالنسبة للنبي الخاتم وكذا أقنع فيها اليهود والنصارى بأن ال يخافوا‬
‫حرمانهم عن كافة الفوائد والمنافع الدنيوية التي يتمتعون بها إذا آمنوا بهذا‬
‫الكتاب السماوي فإن عزلوا عن فوائدهم الحاضرة لإليفاء بالوعد الذي عقدوه‬
                                                   ‫ً‬
                     ‫مع اهلل فسيفتح اهلل لهم أبوابا عديدة أخرى لرحمته وبركته.‬
‫وثالثها: أن القرآن قد صرح بأنه ال يحظى برحمة اهلل من أهل الكتاب بعد بعثة‬
                             ‫ل‬               ‫ل‬
‫النبي األمي إال من يؤمن به صّى اهلل عليه وسّم فلما دعا موسى عليه السالم‬
                                            ‫ال‬             ‫د‬
‫ليرحم اهلل أمته فر ّ عليه اهلل قائ ً إن هذه الرحمة تختص بمن يتقي اهلل ويعطي‬
‫الزكوة ويؤمن بآياته يؤمن بالنبي اآلخر إذا سعدوا بزمن بعثته فقد جاء في‬
                                                              ‫سورة األعراف:‬
‫"واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي اآلخرة، إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب‬
‫به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة‬
‫والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي األمي الذي يجدونه‬
‫مكتوبً عندهم في التوراة واإلنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر‬      ‫ا‬
                                                       ‫ر‬
‫ويح ّ لهم الطيبات ويح ّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم واألغالل التي‬     ‫ل‬
                                            ‫ز‬
‫كانت عليهم فالذين آمنوا به وع ّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه‬
                           ‫أؤلئك هم المفلحون" (سورة األعراف: 110-210)‬
‫ورابعها: وكذا صرح القرآن أن النبي قد بعث للناس كافة كما دعا الناس عامة‬
‫وأهل الكتاب خاصة إلى اإليمان بنبوته بكلمات صريحة فقد خاطب أهل الكتاب‬
                                                     ‫ا‬
                                             ‫بما يأتي من الكلمات داعيً إياهم:‬
                                 ‫ا‬
‫"قل يا أيها الناس إني رسول اهلل إليكم جميعً. الذي له ملك السماوات واألرض‬
‫ال إله إال هو يحيي ويميت فآمنوا باهلل ورسوله النبي األمي الذي يؤمن باهلل‬
                         ‫وكلماته واتبعوه لعلكم تتقون" (سورة األعراف: 410)‬

                                     ‫35‬
‫مجلة الهند‬

       ‫ل‬
‫فاتضح من هذا التفصيل أنه يجب على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي صّى اهلل‬
                                                                    ‫ل‬
‫عليه وسّم لنجاتهم كما يجب اإليمان به على غيرهم من الناس لنجاتهم بل يبدو‬
                                            ‫ا‬
‫من كلمات القرآن أنه أكثر وجوبً ألهل الكتاب بالنسبة لآلخرين والسبب وراء‬
‫هذا هو أن صحفهم كانت تطوي بين جنبيها نبوءات وآيات النبي األمي وقد أخذ‬
‫منهم الميثاق عن طريق أنبيائهم، أنه لما يبعث فيهم النبي الخاتم فيؤمنون به‬
‫ويسبقون غيرهم في تعضيده، وعلى هذا فقد خاطبهم القرآن وقال إن مسئوليتكم‬
‫باعتباركم ورثة تلك الصحف، أن تسبقوا غيركم في اإلجابة على هذه الدعوة‬
                                                ‫فال تكونوا سابقين في تكذيبها.‬
         ‫ا‬
‫وليتضح هنا أن القرآن لم يفرق هنا بين خير أهل الكتاب وشرهم شيئً بل كما‬
‫يتعلق بالنجاة يوم القيامة فقد أوجب على كال النوعين من أهل الكتاب أن يؤمنوا‬
                                       ‫ب‬
‫بالنبي والقرآن الذي أنزل إليه إذا أحّوا نجاتهم فيه. فإن أثنى القرآن في غير‬
‫يً‬
‫موضع منه على خير أهل الكتاب فال يعني هذا أن خيرهم هذا كفاهم منج ّا‬
‫إياهم بل المراد منه أن معاملتهم هذه كانت حسنة مع اإلسالم والمسلمين ألجل‬
             ‫ا‬     ‫ا‬
‫ح ّهم للحق وقد دخل في اإلسالم أمثال هؤالء من الناس شيئ ً فشيئً، وال شك أن‬   ‫ب‬
‫القرآن الكريم له موقف خاص من األديان والصحف السماوية األخرى بأنه‬
                                                          ‫ة‬
‫يص ّق كونها منزل ً من السماء ولكن تصديقه هذا كذلك ال يعني أنه يعترف‬     ‫د‬
                               ‫ة‬
‫بأنها مصونة من التحريف وأنها تكفيهم منجي ً لهم إذا لم يزل أهلها يتبعونها‬
‫بإخالص النية ولكنه بجانب تصديق نزولها من السماء يصرح عن أن هذه‬
     ‫ا‬                                              ‫ا‬
‫الصحف قد لقيت أنواعً من التحريف، األمر الذي لم يتركها موثوقً بها‬
‫فالصحيفة المصونة لدين اهلل هي القرآن الكريم وال غير فال توجد أي وسيلة‬
                                       ‫أخرى للوصول إلى الصراط المستقيم.‬
                                                     ‫ا‬
‫فإن توجد ذريعة موثوقً بها للعالمين للوصول إلى الصراط المستقيم ولقاء‬
                              ‫ل‬               ‫ل‬
‫النجاة بعد بعثة النبي الخاتم صّى اهلل عليه وسّم فهي أن يؤمنوا بالنبي الخاتم‬
                                                 ‫ل‬               ‫ل‬
‫ويتبعوه صّى اهلل عليه وسّم فلن توجد وسيلة أخرى للنجاة يوم اآلخرة فإن‬
                                                        ‫ا‬
‫يمكن أن نستثني أحدً من هذا األصل فليس إال من لم تصل إليه دعوة النبي‬
                                                          ‫ل‬
‫صّى اهلل عليه وسّم البتة ولكن الفصل في هذه القضية ليس بأيدينا بل هو‬       ‫ل‬
‫بأيدي من هو عالم الغيب وهو يعلم بما خفي للناس وما بطن فهو يعرف من هو‬
                                                          ‫د‬
‫يستحق بذلك، من أ ّى مسئولياته للبحث عن الحق ولكنهم حرموا الظفر بالحق‬


                                     ‫45‬
‫مجلة الهند‬

                              ‫ل‬
‫لما لم تصل إليهم الدعوة فالرجاء من اهلل ج ّ جالله أن يقبل معذرة مثل هؤالء‬
                          ‫الناس ويحاسبهم حسب معرفتهم عن مبادئ الدين.‬

                      ‫50- تنبيه خاص بالنسبة للمسلمين‬
‫وفي اآلية التي نحن بصدد البحث عنها جاء تنبيه خاص بالمسلمين، يجب أن‬
                                                      ‫نلفتهم إليه وهو كما يلي:‬
‫المراد من "إن الذين آمنوا ---" هنا المسلمون من حيث الجماعة فقال فيهم إنهم‬
‫ولو كانوا مسلمين أو اليهود أو النصارى أو الصابئين، سواء من حيث الجماعة‬
‫فال فضل ألحد وال عزة عند اهلل إال باإليمان والعمل الصالح. فهذا هو اإليمان‬
‫ومن ثم العمل الصالح الذي يمكن أن يثبت ذريعة للفضل والعزة عند اهلل تعالى.‬
‫فقد وضع في هذا الفهرس المسلمين قبل اآلخرين من أتباع األديان السماوية‬
      ‫ال‬
‫والهدف وراء هذا اإلشارة إلى الواقع أنه لو أمكن للناس أن يرجوا فض ً عند‬
‫اهلل من حيث الجماعة فهم المسلمون الذين بعثهم اهلل كآخر ملة وخيرها‬
‫إلصالح الدنيا ولكن ال فضل لهم وال درجة عند اهلل بدون اإليمان والعمل‬
‫الصالح. وأما الذين ذكرهم في النهاية فهم الصابئون الذين هم جماعة مجهولة، فقد‬
‫أشير من هذا إلى الواقع أن الجماعة التي تتصف باإليمان والعمل الصالح لها‬
‫درجة ومنزلة كبرى عند اهلل ولو هي أقل درجة من الجماعات األخرى وأكثرها‬
                                                                         ‫ال‬
                                                                   ‫جه ً عنها.‬
‫وكما زعم اليهود أنفسهم أحباء اهلل النتمائهم إلى األنبياء عليهم السالم وهكذا‬
‫نبذوا مسئوليات اإليمان والعمل الصالح وراء ظهورهم وظنوا أن نار جهنم‬
                                ‫س‬
‫ليست لهم بل لغيرهم من الناس وإن هي تم ّهم فهي ال تمسهم إال لمدة قصيرة‬
‫وكذا جعل المسلمون يظنون، لكونهم أمة مرحومة، أن لهم مغفرة عند اهلل ولو‬
 ‫ب‬
‫أن أعمالهم ال تجدر بها فهذه اآلية تقطع دابر كافة أوهام هذا النوع وتن ّه‬
                                                              ‫و‬
‫المسلمين أن أ ّل من يوزن عند اهلل على ميزان اإليمان والعمل الصالح هم‬
                                                           ‫المسلمون وال غير.‬




                                     ‫55‬
‫مجلة الهند‬




   ‫تعليقات اإلمام عبد الحميد الفراهي الخطية‬
     ‫على كتاب "اإلتقان في علوم القرآن"‬
                  ‫للسيوطي‬
‫- د. محمد أجمل اإلصالحي‬
‫قال الشيخ أمين أحسن اإلصالحي عن عادة أستاذه اإلمام عبد الحميد الفراهي‬
                                          ‫الختيار الكتب للقراءة والدراسة:‬
                                    ‫ل‬               ‫ا‬         ‫ا‬
‫"كان دائمً يلتقط كتبً ذات مستوى عا ٍ للقراءة، وكان يقرأ كل ما قرأ بإمعان‬
                                   ‫م‬         ‫ل‬
‫نظر وانتقاد دقيق، فكان يعّق على أه ّ مباحث الكتاب بالعربية، سواء كان‬
‫الكتاب بالعربية أو باإلنجليزية، ولذا فقد ثبت كل ما قرأه من الكتب ذا أهمية‬
                                                ‫بالغة للعلماء والباحثين"1.‬
‫فقد كانت مكتبة اإلمام الفراهي الشخصية تحتوي على أجود المؤلفات وأمهات‬
                                         ‫ا‬
‫الكتب في جميع الفنون، وال تجد كتاب ً فيها أو رسالة إال وقد قام اإلمام الفراهي‬
                                              ‫ص‬
‫بالتعليق عليه مرة أو مرتين. ونف ّل الضوء على ميزات هذه التعليقات بمناسبة‬
                                                             ‫د‬
‫أخرى إال أننا نق ّم في هذه العجالة ما قام به اإلمام الفراهي من التعليق على‬
                  ‫ت‬
‫"اإلتقان في علوم القرآن" لإلمام السيوطي رحمه اهلل وقد نقل ُ هذه التعليقات من‬
‫مكتبة مدرسة اإلصالح بسرائ مير في 40/ صفر عام 1140هـ الموافق لـ12/‬
                                                           ‫فبراير عام 1410م.‬
‫طبع "اإلتقان في علوم القرآن" ألول مرة في كولكاتا سنة 0420هـ، ثم صدرت‬
                               ‫ق‬
‫له طبعات عديدة، وفي عام 4140هـ قام المح ّق الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم‬
                                    ‫ً‬
‫بتحقيق هذا الكتاب في أربعة مجلدات بناء على نسخة خطية من المكتبة اآلصفية‬
‫بحيدراباد وصدرت هذه الطبعة المحققة من القاهرة، أما النسخة الموجودة لدى‬

                                               ‫1 مجموعة تفاسير فراهي، ص 11‬

                                     ‫65‬
‫مجلة الهند‬

‫اإلمام الفراهي فهي كانت قد طبعت من المطبعة الكستلية، مصر سنة 1420هـ،‬
‫وهي حتى اآلن مصونة في مكتبة مدرسة اإلصالح بسرائ مير، الهند، وفي‬
     ‫بدايتها ضبط اإلمام الفراهي ثمن النسخة وتاريخ الشراء مع اسمه كما يلي:‬
‫"اشتريته من حيدراباد بسبع روبيات عثمانية في شهر ربيع الثاني من‬
                                    ‫4440هـ- عبد الحميد الفراهي".‬
                                                ‫ي‬                       ‫م‬
‫وته ّ هذه الجملة بحيث إنها تع ّن زمن تعليق اإلمام الفرهي على هذا الكتاب فإنه‬
     ‫ا‬
‫توفي سنة 1240هـ أي إنه اشترى هذا الكتاب قبل وفاته بستة عشر عامً فهذه‬
                                  ‫التعليقات تتعلق بأواخر أيام حياته رحمه اهلل.‬
                                ‫ال‬
‫وطريقتي في تقديم هذه التعليقات هي أني أو ً قمت بذكر ملخص المبحث الذي‬
                 ‫ر‬                                                       ‫ل‬
‫عّق عليه اإلمام الفراهي ثم ذكرت تعليقه كيال يشكل على الق ّاء فهم المراد مما‬
     ‫ر‬                                        ‫ل‬
‫يريد اإلمام أن يقول، وإن ز ّ قلمي في نقل أي تعليق فالمرجو من الق ّاء أن‬
‫يقارنوه مع النسخة المصونة في مكتبة مدرسة اإلصالح فإن المرء ليس ببرئ‬
                                               ‫من أن تزل قدماه في مكان ما.‬
‫وحين نهاية سياق المبحث وسباقه أحيل إلى طبعة "اإلتقان" التي نشر على‬
‫هامشها كتاب إعجاز القرآن للقاضي أبي بكر الباقالني، وبما أن هذه الطبعة‬
‫متواجدة في الهند فقد أحيل إليها لتسهيل القراء، وأما اإلحالة إلى نسخة اإلمام‬
                                                               ‫م‬
                            ‫الفراهي فقد ت ّت بعد تعليقاته لما أنها كتبت عليها.‬
      ‫ونسأل اهلل أن يجعل هذه المحاولة المتواضعة مفيدة لطالب القرآن الكريم.‬
‫0- نقل السيوطي رحمه اهلل قول الزركشي من كتابه "البرهان في علوم القرآن"‬
‫(0:04) "وقال الزركشي في البرهان قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن‬
‫أحدهم إذا قال نزلت هذه اآلية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم ال‬
‫أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس االستدالل على الحكم باآلية ال من‬
                                              ‫جنس النقل لما وقع" (0:22).‬
                                                        ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                           ‫أصاب الزركشي رحمه اهلل (0:14)‬




                                     ‫75‬
‫مجلة الهند‬

 ‫ر‬
‫2- بعد نقل قول اإلمام الزركشي المذكور أعاله يدلي السيوطي برأيه: يتح ّر‬
                 ‫في سبب نزول اآلية أنه ما نزلت اآلية أيام وقوعه (0:22)1.‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                         ‫2‬
                                          ‫أخطأ فيما فهم من سبب النزول (0:14)‬
‫4- يقول اإلمام السيوطي: أنكر بعضهم كون شيء من القرآن يتكرر نزوله كذا‬
                           ‫رأيته في كتاب "الكفيل بمعاني التنزيل" (0:12).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                    ‫3‬
                     ‫لم يذكر اسم المصنف لكتاب الكفيل بمعاني التنزيل (0:22)‬
‫2- في اإلتقان "وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل‬
                                                           ‫قبيح" (0:22).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                  ‫القراءات السبع ليست التي أريدت من األحرف السبعة (0:22)‬
‫1- وفي اإلتقان "أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي‬
‫كتبها أبو بكر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك" (نقل اإلمام الفراهي هذه الجملة‬
                                                 ‫بعد تغيير بسيط).(0:22)‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫أجمع الصحابة رضي اهلل عنهم على نقل المصاحف العثمانية من المصحف‬
                       ‫األول الذي كتبه أبو بكر رضي اهلل عنه (0:22).‬
‫2- يقول اإلمام السيوطي "عن عبيدة السلماني أنه قال القراءة التي عرضت‬
‫على النبي في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرؤها الناس‬
                                                     ‫اليوم".(0:22).‬


‫1 ذكر اإلمام الفراهي هذا المقتبس الذي يحوي قول الزركشي ورأي السيوطي فيه، في كتابه‬
                                                                ‫ا‬
‫نظام القران (4) آخذً من اإلتقان في علوم القرآن، ولقد أخطأ مترجم فاتحة نظام القرآن في‬
                                 ‫فهم جملة السيوطي ولذا ترجم عكس ما يقصده الكاتب.‬
‫2 للتفصيل يرجى الرجوع إلى فاتحة نظام القرآن فصل (شأن النزول)، مجموعة تفاسير‬
                                                                          ‫فراهي: 4‬
‫3 صاحب هذا التفسير العماد الكندي قاضي إسكندرية النحوي المتوفى سنة 714هـ وقد ذكر‬
                     ‫ا‬     ‫ا‬
                    ‫في كشف الظنون (1537:2) أنه يقع في ثالثة وعشرين مجلدً ضخمً.‬

                                        ‫85‬
‫مجلة الهند‬

                                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                        ‫القراءة الباقية هي على العرضة األخيرة1 (0:22)‬
            ‫ي‬
‫4- ذكر اإلمام السيوطي من بين أوصاف القرآن "العزيز" وبّن سبب تسميته‬
       ‫ل‬                                 ‫ز‬
‫فقال: "وأما العزيز فألنه يع ّ على من يروم معارضته"(0:12) عّق عليه‬
                                  ‫اإلمام الفراهي بعدما وضع الخط عليه.‬
                                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
   ‫2‬
                       ‫ت ِ ب ِ ُ م ْ ب ن يد ِ َل م ْ َ فه‬
     ‫وفي القرآن "لَا يَأْ ِيه الْ َاطل ِن َيْ ِ َ َيْه وَا ِن خلْ ِ ِ". (سورة فصلت: 22)‬
‫1- نقل اإلمام السيوطي قول الزركشي فقال: "قال الزركشي في البرهان ينبغي‬
‫البحث عن تعداد األسامي هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات3 فإن كان‬
‫الثاني فلم يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق‬
                                            ‫أسماء لها وهو بعيد"(0:44).‬
                                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                                     ‫لم يجهل (0:12)‬
‫1–نقل السيوطي قول الحاكم: "قال الحاكم والجمع الثالث هو ترتيب السور في‬
‫زمن عثمان، روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان‬
‫يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة‬
‫اختالفهم في القراءة فقال لعثمان أدرك األمة قبل أن يختلفوا اختالف اليهود‬
‫والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف‬
                                                                 ‫د‬
                                 ‫ثم نر ّها إليك فأرسلت بها حفصة (0:14).‬
                                                          ‫ل‬
‫عّق عليه اإلمام الفراهي بعدما وضع الخط على الفقرة "ننسخها في‬
                                                   ‫المصاحف".‬

        ‫1 وقد أدلى الفراهي بنفس الرأي في موضع آخر فقال: "ثم عرض علي جبريل األمين‬
        ‫عرضة أخيرة بعد تمام القرآن كما جاء في الخبر الصحيح المتفق عليه، تفسير سورة‬
                                                                                             ‫القيامة، ص 41.‬
‫2 وقد جاء قبل هذه اآلية (إ َّ َّ ِينَ َفَ ُوا ب ِّكْ ِ ل َّا َا َ ُمْ وَإَّ ُ َ ِ َا ٌ َ ِي ٌ) ففي هذه اآلية‬
                ‫ِن الذ ك ر ِالذ ر َم ج ءه ِنه لكت ب عز ز‬
                                                                            ‫وض‬
‫وصف القرآن بالعزيز ثم ُ ّحت هذه الصفة في اآلية الالحقة فكأن القرآن نفسه قام ببيان‬
                                                                                      ‫وجه تسمية هذه الصفة.‬
‫3 ويبدو من الرجوع إلى الموضع اآلخر من مؤلفاته أن اإلمام الفراهي يميل إلى هذه‬
‫الصورة األخرى التي استبعدها الزركشي، اقرأ: فاتحة نظام القرآن، (مقدمة) ص 72‬
                                                                       ‫ومجموعة تفاسير فراهي، ص 19‬

                                                    ‫95‬
‫مجلة الهند‬

                                                         ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫ليس في رواية البخاري شيء يدل على أن ترتيب السور وقع في زمن عثمان‬
‫رضي اهلل عنه فإنه إنما نسخ مما كان قد جمعه أبو بكر رضي اهلل عنه (0:24).‬
‫10- قال اإلمام السيوطي فيما يتعلق بترتيب السور "وأما ترتيب السور فهل هو‬
                                                          ‫ا‬
‫توقيفي أيضً أو هو باجتهاد من الصحابة خالف فجمهور العلماء على‬
                                                        ‫الثاني"(0:21).‬
                                                         ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫ال يصح أن جمهور العلماء على الثاني وإنما ذهب إليه بعضهم بمجرد الرأي‬
                                                             ‫(0:44).‬
‫00- يقول السيوطي "قال البغوي في شرح السنة: "الصحابة رضي اهلل عنهم‬
‫جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله اهلل على رسوله من غير أن زادوا أو‬
                                                           ‫ا‬
‫نقصوا منه شيئً خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول‬
                    ‫ا‬                     ‫ا خ‬
‫اهلل من غير أن قدموا شيئً أو أ ّروا أو وضعوا له ترتيبً لم يأخذوه من رسول‬
‫اهلل وكان رسول اهلل يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب‬
‫الذي هو اآلن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعالمه عند نزول كل‬
‫آية أن هذه اآلية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت أن سعي الصحابة كان‬
‫في جمعه في موضع واحد ال في ترتيبه فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ‬
     ‫ا‬
‫على هذا الترتيب أنزله اهلل جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقً عند‬
                        ‫الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التالوة" (0:21).‬
                                                         ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                              ‫أصاب البغوي رحمه اهلل (0:44)‬
                    ‫ا‬
‫20- يقول السيوطي "وال ينبغي أن يستدل بقراءته سورً والء على أن ترتيبها‬
‫كذلك وحينئذ فال يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران ألن ترتيب السور في‬
                   ‫القراءة ليس بواجب فلعله فعل ذلك لبيان الجواز" (0:21).‬
                                                         ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                          ‫1‬
                           ‫رواية قراءة النساء قبل آل عمران ال تصح (0:14).‬

‫1 صحيح مسلم (2593:) كتاب صالة المسافرين، باب "استحباب تطويل القراءة في صالة‬
‫الليل" ويروى عن حذيفة رضي اهلل عنه أنه قال : «صليت مع النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلى بها في ركعة،‬
                                      ‫06‬
‫مجلة الهند‬

‫40- أخرج عن الحسن أنه كان يقرأ "وإن منكم إال واردها" الورود الدخول‬
                                                    ‫(سورة مريم:04).‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                        ‫غلط الرواة في ظنهم التفسير قراءة، وهذا كثير (0:41).‬
‫20- نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة‬
‫والمعوذتين من القرآن فيرد ابن حزم في المحلى "هذا كذب على ابن مسعود‬
‫وموضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه وفيها المعوذتان والفاتحة‬
                                                           ‫(0:110).‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                       ‫أصاب ابن حزم (0:11).‬
‫10- بعد قول ابن حزم نقل السيوطي قول ابن حجر والذي جمع عدة روايات‬
‫يبين فيه صحة حذف السورتين المذكورتين فيقول "قال ابن حجر فقول من قال‬
‫إنه كذب عليه مردود والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند ال يقبل"‬
                                                         ‫(0:110).‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                     ‫د‬
                                ‫أخطأ ابن حجر فيما ر ّ على ابن حزم (0:110).‬
‫20- نقل السيوطي قول البيهقي فقال "قال البيهقي في الشعب وآخرون: األفضل‬
                        ‫ا‬
‫الوقف على رؤوس اآليات وإن تعلقت بما بعدها اتباعً لهدي رسول اهلل وسنته،‬
‫روى أبو داود وغيره عن أم سلمة أن النبي كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول‬
‫بسم اهلل الرحمن الرحيم ثم يقف الحمد هلل رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم‬
                                                            ‫يقف" (0:100).‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                               ‫الوقوف على رؤوس اآليات هي السنة (0:110).‬



‫ال‬
‫فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترس ً‬
            ‫ا‬
‫...» وهكذا في النسائي (25462) وصحيح ابن حزيمة (773،25141) وأيضً في مسند أبو‬
‫عوانة (15692). ولكنها في المستدرك (25213) وفي شرح معاني اآلثار (25973) بترتيب‬
                                      ‫المصحف، يعني سورة البقرة فآل عمران فالنساء.‬
                                       ‫16‬
‫مجلة الهند‬

               ‫ا‬
‫40- ادعى ابن خير اإلجماع على أنه ليس ألحد أن ينقل حديثً عن النبي ما لم‬
‫يكن له به رواية ولو باإلجازة. بعدما نقل اإلمام السيوطي هذه الدعوى طرح‬
‫السؤال: فهل يكون حكم القرآن كذلك فليس ألحد أن ينقل آية أو يقرأها ما لم‬
                     ‫ال‬          ‫ر‬
‫يقرأها على شيخ؟ ثم أدلى برأيه فقال: لم أ َ في ذلك نق ً ولذلك وجه من حيث‬
‫أن االحتياط في أداء ألفاظ القرآن أشد منه في ألفاظ الحديث ولعدم اشتراطه فيه‬
‫وجه من حيث أن اشتراط ذلك في الحديث وإنما هو لخوف أن يدخل في الحديث‬
‫ما ليس منه أو يتقول على النبي ما لم يقله والقرآن محفوظ متلقى متداول ميسر‬
                                                 ‫وهذا هو الظاهر(0:140).‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                             ‫ن‬
                                         ‫القرآن مستغ ٍ عن الرواية (0:120).‬
‫10- أخرج الشيخان عن عبد اهلل بن عمرو قال: "قال لي رسول اهلل: اقرأ القرآن‬
‫في شهر قلت: إني أجد قوة قال: اقرأه في عشر قلت: إني أجد قوة قال: اقرأه في‬
                                          ‫سبع وال تزد على ذلك"(0:440).‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
             ‫نهى النبي صلى اهلل عليه وسلم عن الختم في أقل من سبع (0:140).‬
‫10- يقول عن من يريد التحقيق في ألفاظ القرآن الكريم ومعانيه "على الخائض‬
‫في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن فهذه الصحابة‬
‫وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل القرآن عليهم وبلغتهم‬
‫توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها فلم يقولوا فيها شيء" ثم نقل بعده قصة أبي‬
                                              ‫ا‬
                    ‫بكر في اآلية (فيها فاكهة وأبً) ومقولته الشهيرة (0:120).‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫ال يصح أن كلمة من القرآن خفي معناها على علماء الصحابة ال سيما‬
                                             ‫القريشيون 1(0:020).‬
‫12- كتب عن عمر قصة فقال "عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر‬
                        ‫ب‬                                      ‫ا‬
‫"وفاكهة وأبً" فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما األ ّ ثم رجع إلى نفسه فقال إن‬
                                           ‫هذا لهو الكلف يا عمر"(0:120).‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬

‫1 للمزيد انظر: مفردات القرآن، ص 4، وتفسير سورة عبس، فصل 72 (مجموعة تفاسير‬
                                                       ‫فراهي، ص 741).‬

                                    ‫26‬
‫مجلة الهند‬

                                                ‫كذب هذه الرواية ظاهر (0:020)‬
‫02- نقل قول الزركشي من البرهان "يحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم‬
                                                 ‫ا‬      ‫ال‬
‫اللغة أسماء وأفعا ً وحروفً فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها فيؤخذ ذلك‬
‫من كتبهم وأما األسماء واألفعال فتأخذ من كتب علم اللغة وأكبرها كتاب ابن‬
‫السيد ومنها التهذيب لألزهري والمحكم البن سيده والجامع للقزاز والصحاح‬
‫للجوهري والبارع للفارابي ومجمع البحرين للصاغاني ومن الموضوعات في‬
‫األفعال كتاب ابن القوطية وابن طريف والسرقسطي ومن أجمعها كتاب ابن‬
‫القطاع، قلت: وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه‬
‫اآلخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن باألسانيد الثابتة‬
                                                      ‫الصحيحة" (0:110)‬
                                                             ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫ّ‬
‫أصاب الزركشي رحمه اهلل. وأما السيوطي رحمه اهلل فقد أخطأ وغلب عليه حب‬
‫الروايات، والصواب هو االعتماد على ما ثبت من استعمال العرب، وأما‬
       ‫ل‬                         ‫ي‬               ‫ا‬
‫الروايات فأكثرها لم تثبت سندً، ثم إنها لم تبّن معاني األلفاظ وإنما تد ّ على ما‬
                      ‫1‬
                        ‫ا‬     ‫ا‬
            ‫هو المراد في مواضع خاصة، وترى فيها اختالفً شديدً (0:220).‬
‫22- بعد ذلك نقل اإلمام السيوطي رحمه اهلل في حوالي سبع صفحات من كتابه‬
‫"اإلتقان" ما روي من شروح ألفاظ القرآن عن عبد اهلل ابن عباس عن طريق‬
‫ابن أبي طلحة "ألنها من أصح الطرق عنه2 وعليها اعتمد البخاري في صحيحه‬
                                           ‫1‬
                                                        ‫ا‬
                                            ‫صحيحه مرتبً على السور"‬



‫1 للنظر إلى رأي اإلمام في تحقيق ألفاظ القرآن الكريم يرجى الرجوع إلى فاتحة نظام القرآن‬
           ‫(المآخذ اللسانية) مجموعة تفاسير فراهي، ص 17، ومفردات القرآن، ص : و6.‬
‫2 كان لدى علي بن أبي طلحة صحيفة تحتوي على التفسيرات المروية عن ابن عباس‬
                                                           ‫م‬
‫رضي اهلل عنه وكانت تس ّى بـ"صحيفة علي بن أبي طلحة"، وكان بينه وبين ابن عباس‬
‫واسطة ولم يسمع منه وهذا من أكبر الضعف للرواية، وقد ذكر أبو جعفر النحاس في‬
                         ‫ا‬
‫"الناسخ والمنسوخ" (ص 32) أن الواسط بينهما كان مجاهدً تارة وتارة عكرمة، أما‬
                      ‫ن‬             ‫ب‬
‫السيوطي فيقول: "لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عّاس التفسير، إّما أخذه عن مجاهد أو‬
‫سعيد بن جبير"، أما أهل العلم فقد اختلفوا في علي بن أبي طلحة فابن حبان وأبو داود يثقان‬
‫في رواياته، وقد نقل مسلم رواية عنه في باب النكاح، أما يعقوب بن سفيان فإنه يرى‬
                                  ‫ا‬
‫"ضعيف الحديث ليس بمحمود المذهب" ويقول أيضً "الشامي ليس هو بمتروك وال هو‬
‫حجة" أما أحمد بن حنبل فإنه يقول: "له أشياء منكرات"، تهذيب التهذيب (45773) ويقول‬
    ‫ا‬
‫الدكتور محمد كامل حسين: "ولعل هذا هو السبب وراء عدم رواية البخاري شيئً في‬
                                         ‫36‬
‫مجلة الهند‬

‫وضع اإلمام الفراهي الخط على األلفاظ المشروحة المذكورة أدناه، الذي‬
     ‫يصرح عن تأييده لتلك الشروح ونذكر، فيما يلي، تلك األلفاظ مع شروحها:‬
                            ‫الشرح‬      ‫السورة ورقم اآلية‬                                ‫الكلمة‬
               ‫2‬
                ‫سلطنا شرارها‬          ‫سورة اإلسراء: 20‬                   ‫0. أمرنا مترفيها‬
                        ‫3‬
                           ‫وال تقل‬    ‫سورة اإلسراء: 24‬                          ‫2. وال تقف‬
                       ‫1‬
                            ‫الجبلين‬     ‫سورة الكهف: 21‬                    ‫4. بين الصدفين‬

                    ‫ل‬                                                   ‫ا‬
‫صحيحه وإن نقل شيئً عن صحيفة تفسيره فلم يذكر اسمه، وبالجملة فك ٌ متفق على صحة‬
                                                                                ‫رواية الصحيفة.‬
‫وقد روى عنه معاوية بن صالح بن حدير ويقال عنه موثوق ومشكوك، يقول ابن معين في‬
‫رواية إنه "ثقة" ولكن قال الدوري عن ابن معين: "ليس بمرضي"، تهذيب التهذيب‬
                                                                                    ‫(725721).‬
‫السند الثالث لهذه الرواية والذي ينقل من معاوية بن صالح كاتب الليث قال أبو حاتم الرازي:‬
‫سمعت أبا االسود النضر بن عبد الجبار وسعيد بن عفير يثنيان على كاتب الليث وقال أبو‬
‫حاتم: أيضً سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول أبو صالح ثقة مأمون قد سمع من‬         ‫ا‬
                                                                ‫ض‬
‫جدي حديثه وكان أبي يح ّه على التحديث وكان يحدث بحضرة أبي وقال عبد العزيز بن‬
‫عم ران بن مقالص كنا نحضر شعيب بن الليث وأبو صالح يعرض عليه حديث الليث فإذا‬
‫فرغ قلنا يا أبا صالح نحدث بهذا عنك فيقول نعم وقال عبد اهلل ابن أحمد سألت أبي عنه فقال‬
                                                                        ‫ا‬
     ‫كان أول أمره متماسكً ثم فسد بآخره وليس هو بشيء"، تهذيب التهذيب 6:1،:54:1".‬
‫وقد رواه البخاري من أبي صالح كاتب الليث ولكنه استفاد من هذه الصحيفة في شرح ألفاظ‬
         ‫ا‬
‫القرآن الكريم فقط بوسائط بينهم وبين أبي صالح، أما الطبري فقد استفاد كثيرً من هذه‬
‫الصحيفة في تفسيره. للتفصيل يرجى الرجوع إلى مقالة الدكتور محمد حسين كامل "صحيفة‬
‫علي بن أبي طلحة في التفسير" والذي أضافه محمد فؤاد عبد الباقي في بداية كتابه "معجم‬
                                                                      ‫ا‬
‫غريب القرآن مستخرجً من صحيح البخاري"، المعلومات عن ابن أبي طلحة منقولة من‬
                                                           ‫هذه المقالة بعد التأكد من المراجع.‬
‫1 هذه العبارة (257:2) للسيوطي قد ت لد الشك في أن البخاري أخذ عن ابن أبي طلحة في‬
‫شرح كلمات القرآن، والحقيقة عكس ذلك فقد اعتمد البخاري في شرحه على مرويات أخرى‬
              ‫ا‬
‫وقد جمعها محمد فواد عبد الباقي في كتابه "معجم غريب القرآن مستخرجً من صحيح‬
                                                                                       ‫البخاري".‬
‫2 هذ الشرح في طريقة قراءة "أ ّرنا"، وقد اختار الطبري "أ َ َنا" فف ّر"أمرنا مترفيها‬
                 ‫س‬         ‫مر‬                            ‫م‬
           ‫أم م ف‬
‫بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم هلل، وقد نقل عن ابن عباس، قوله: ( َّرْنا ُترَ ِيها) يقول:‬
    ‫سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب" (تفسير الطبري، :257:).‬
‫3 واآلية هكذا ( َال َقْ ُ مَا َي َ ل َ ِ ِ عِلْ ٌ) ف ّر ابن عباس هذه اآلية: أي ال تقل، و"ال تقل"‬
                                            ‫و ت ف ل ْس َك به م س‬
‫ليس بشرح لغوي لـ"ال تقف" بل هو تفسر اآلية، وقد روي عن ابن عباس في رواية أخرى‬
                                                                              ‫س‬
                     ‫"بال ترم" وقد ف ّر الطبري بعد جمع الروايتين (تفسير الطبري :2594).‬

                                              ‫46‬
‫مجلة الهند‬
                 ‫2‬
                  ‫من غير خرس‬                    ‫سورة مريم: 10‬                                  ‫2. سويا‬
                       ‫3‬
                         ‫هو عيسى‬                ‫سورة مريم: 22‬                                  ‫1. سريا‬
        ‫4‬
         ‫خلق لكل شيء روحه‬                        ‫سورة طـه: 11‬                     ‫2. كل شيء خلقه‬
‫لمنكحه ومطعمه ومشربه‬                             ‫سورة طـه: 11‬                               ‫4. ثم هدى‬
             ‫5‬
              ‫ومسكنه‬
                        ‫6‬
                            ‫ال يخطئ‬              ‫سورة طـه: 21‬                              ‫1. ال يضل‬
                                 ‫7‬
                                 ‫مرة‬             ‫سورة طـه: 11‬                                   ‫1. تارة‬
  ‫8‬
    ‫أن يظلم فيزداد في سيئاته‬                   ‫سورة طـه: 400‬                     ‫10. فال يخاف ظلما‬
                             ‫9‬
                              ‫حطاما‬          ‫سورة األنبياء: 11‬                                ‫00. جذاذا‬


‫َّدَ َيْ ِ) فيقول: بين الجبلين، وعلماء اللغة يقولون:‬    ‫1 ف ّر ابن عباس، قوله ( َيْ َ الص ف ن‬
                                                                       ‫بن‬                               ‫س‬
                                                                                   ‫"الصدف" رأس الجبل.‬
‫2 واآلية هكذا "قَا َ آ َت َ َال ُكِّ َ َّا َ َال َ َيَا ٍ سوًّا" يعني من غير خرس. أما "سويا"‬
                                     ‫ل ي ُك أ ت َلم الن س ث ث ل ل َ ِي‬
‫فعند ابن عباس ثالث ليال متتابعات "فسوي" في األولى يعني "من غير خرس" فهذا ليس‬
                            ‫بشرح لغوي بل تفسير، أما معناه اللغوي فهو "صحيح ال علة".‬
‫3 في كلتا النسختين لإلتقان يوجد هذا التفسير وفي نسخته المحققة كذلك، ولكن في تفسير‬
‫الطبري روي عن علي بن أبي طلحة أنه "هو نهر عيسى" (92569) والدرر المنثور‬
‫(75491) وقد ر ّحه الطبري أيضاً، وقد نقل البخاري عن براء بن عازب تفسيره فقال‬              ‫ج‬
                         ‫"نهر صغير" (معجم: 44) ربما سقط لفظ "نهر" من متن اإلتقان.‬
                                                                                 ‫4 راجع: الهامش السابق.‬
‫5 في النسخة المحققة لإلتقان (1541) والدار المنثور (75173) لفظ "روحه" بدل "زوجه"‬
‫وهو تصحيف، انظر الطبري، 92542 وابن كثير، :5261 وتفسير هذه اآلية حسب رواية‬
                           ‫ُل ْء َه ُم ه‬                      ‫أْ‬
‫ابن عباس رضي اهلل عنه: "قوله (َعطَى ك َّ شَي ٍ خَلْق ُ ث َّ َدَى) يقول: خلق لكل شيء‬
                                  ‫زوجه، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده.‬
‫6 واآلية هكذا "قال علمها عند ربي في كتاب ال يضل ربي وال ينسى" عند ابن عباس (ال‬
                                                                                                    ‫ي ِل َب‬
                                                                      ‫َض ُّ ر ِّي) يقول: ال يخطئ ربي.‬
‫7 في كلتا النسختين ذكر لفظ "حاجة" ولكن في النسخة المحققة ذكر لفظ "م ّة" وهو صحيح،‬
              ‫ر‬
                     ‫والعجب أنه لم يذكره الطبري وال السيوطي، الدرر المنثور، 75173.‬
‫8 واآلية هكذا "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فال يخاف ظلمً وال هضمً" فشرح لفظ‬
            ‫ا‬         ‫ا‬
                                                              ‫ا‬
                              ‫"ظلمً" في الرواية بأنه "ال يخاف ظلمً" أي زيادة في سيئاته.‬                ‫ا‬
‫9 واآلية هكذا " َ َعََ ُمْ ُ َاذًا ِال َ ِيرًا َ ُمْ َ ََّ ُمْ إَِيْ ِ يَرْج ُو َ"، نقل اإلمام البخاري (معجم:‬
                             ‫فج له جذ إ كب له لعله ل ه ِع ن‬
                        ‫م‬
                     ‫91) عن قتادة في أن "جذاذًا" أي قطعهن، وعند ابن عباس "حطا ًا".‬

                                                    ‫56‬
‫مجلة الهند‬

‫البيت‬       ‫المؤمنون: تسمرون حول‬                          ‫سورة‬             ‫20. سامرا تهجرون‬
              ‫1‬
               ‫وتقولون هجرا‬                                 ‫42‬
                 ‫2‬
                    ‫الماء المهراق‬         ‫سورة الفرقان: 42‬                      ‫ا‬      ‫ً‬
                                                                                ‫40. هباء منثورً‬
                         ‫3‬
                         ‫مصائبكم‬            ‫سورة النمل: 42‬                            ‫20. طائركم‬
                     ‫4‬
                     ‫غاب علمهم‬              ‫سورة النمل: 22‬                     ‫10. ادارك علمهم‬
                ‫5‬
                 ‫في سابق علمه‬             ‫سورة الجاثية: 42‬            ‫20. وأضله اهلل على علم‬
‫ال تقولوا خالف الكتاب‬                    ‫40. ال تقدموا بين يدي سورة الحجرات: 0‬
               ‫6‬
                ‫والسنة‬                                          ‫اهلل ورسوله‬
                             ‫7‬
                             ‫سورة الذاريات: 14 بقوته‬                                 ‫ل‬
                                                                              ‫10. فتوّى بركنه‬



‫1 واآلية هكذا "مسْ َكْبِ ِي َ ِ ِ سَامِرًا َهْ ُ ُو َ"، ذكر تفسير ابن عباس رضي اهلل عنه قال:‬
                                                   ‫ت جر ن‬            ‫ُ ت ر ن به‬
‫يعني أنهم يستكبرون بالحرم. وقال: (به سامرًا)، ألنهم كانوا يسمرون، ويهجرون القرآن‬
                                           ‫َّ صلى اهلل عليه وسلم (الطبري، 77542-27)‬             ‫والنبي‬
‫2 واآلية هكذا "وَقَ ِمْنَا ِلَى مَا َ ُِوا ِنْ َ َ ٍ َ َعَلْ َا ُ َ َا ً َنُْو ًا"، ذكر تفسير ابن عباس‬
                          ‫عمل م عمل فج ن ه هب ء م ث ر‬                        ‫د إ‬
                                               ‫هب ء م ث‬
‫رضي اهلل عنه "عن ابن عباس، قوله: ( َ َا ً َنْ ُورًا) يقال: الماء المهراق" وقد ترك اإلمام‬
‫البخاري (معجم: 321) هذا الحديث المروي من علي بن أبي طلحة واختار تفسيراً آخر لهذه‬
                  ‫ت ُثه‬                             ‫هب ء م ث‬
‫اآلية فقال: "عن ابن عباس، قوله: ( َ َا ً َنْ ُورًا) قال: ما تسفي الريح َبُّ ُ" وقد ذكر اإلمام‬
‫الطبري: (:،6257) كال التفسيرين ورجح هذا التفسير المنقول من عكرمة ومجاهد وحسن‬
        ‫و‬
‫البصري أما "الهباء" فهو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من ك ّة يحسبه‬
             ‫الناظر غبارً ليس بشيء تقبض عليه األيدي وال تمسه، وال يرى ذلك في الظل.‬        ‫ا‬
‫3 واآلية هكذا " َاُوا اطَّرْنَا ب َ َ ِ َنْ َ َ َ قَا َ طَائِ ُ ُمْ ِنْ َ َّ ِ"، عند ابن عباس "عن ابن‬
                             ‫َّي ِك وبم معك ل رك ع د الله‬                           ‫قل‬
                                                               ‫ق ل رك ع الله‬
 ‫عباس قوله: ( َا َ طَائِ ُ ُمْ ِنْدَ َّ ِ) يقول: مصائبكم وهذا ليس بتشريح لغوي بل هو تفسير.‬
‫4 في النسخ الثالث لإلتقان طبع لفظ "ادراك" والصحيح "ادْ َك" والتشريح منقول من ابن‬
                               ‫ر‬
‫بِ‬
‫عباس من هذه القراءة، انظر الطبري (7154) والدار المنثور (:5722). واآلية هكذا " َل‬
                                       ‫ج‬                  ‫َك‬        ‫َة ب ه‬                  ‫اد َك مه‬
‫َّار َ عِلْ ُ ُمْ فِي الْآخِر ِ َلْ ُمْ فِي ش ٍّ ..."، وقد ر ّح اإلمام الطبري رواية عن ابن عباس‬
                                                                 ‫على ما روي عن ابن أبي طلحة.‬
                              ‫5 واآلية هكذا: أفرايت من اتخذ إلهه هواه وأضّه اهلل على علم".‬
                                                 ‫ل‬
‫6 ف ّر اإلمام الطبري لهذه اآلية "فرأيت من اتخذ دينه بهواه، فال يهوى شيئً إال ركبه، ألنه‬
               ‫ا‬                                                                                  ‫س‬
                                      ‫ل‬                          ‫َر‬         ‫يحر‬
‫ال يؤمن باهلل، وال ِّم ما ح َّمَ، وال يحلل ما حَل َ، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به"‬
                                                                                             ‫(915922)‬
‫7 في النسخ الثالث من اإلتقان ذكر لفظ "بقوته" وهو غير صحيح والصواب "بقومه"، في‬
‫تفسير الطبري نقل عن ابن أبي طلحة "لقومه" أو "بقومه" أشك فيه، وفي "الدرر المنثور"‬
                                                 ‫66‬
‫مجلة الهند‬

‫هذا وعيد من اهلل لعباده‬                ‫سورة الرحمن: 04‬                       ‫10. سنفرغ لكم‬
            ‫1‬
             ‫وليس باهلل شغل‬
                           ‫2‬
                            ‫النازعات: الحياة‬           ‫سورة‬                 ‫12. في الحافرة‬
                                                         ‫10‬
                      ‫3‬
                        ‫سورة االنشقاق: 20 لن يبعث‬                              ‫02. لن يحور‬
               ‫شوك4‬       ‫شجر ذو‬         ‫سورة الغاشية: 2‬                     ‫22. من ضريع‬
‫42- النوع السابع والثالثون في اإلتقان يتحدث عن ألفاظ القرآن الكريم‬
                      ‫المأخوذة من لهجات غير لهجة أهل الحجاز (0:140).‬
                                                                     ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                      ‫فيه أكاذيب (0:120)‬
‫22- يذكر اإلمام السيوطي عن حكمة وجود ألفاظ معربة في القرآن الكريم‬
‫فيقول "حكمة وقوع هذه األلفاظ في القرآن أنه حوى علوم األولين واآلخرين‬
‫ونبأ كل شيء فال بد أن تقع فيه اإلشارة إلى أنواع اللغات واأللسن ليتم إحاطته‬

‫(95:22) نقل ابن منذر وابن جرير لفظ "بقومه"، وقد اختاره الطبري وينقل اإلمام البخاري‬
                                            ‫نفس التفسير (معجم: 74) "بمن معه ألنهم قوته".‬
                                        ‫ر َ م ن ن‬              ‫ف َ َل ر نه ل‬
‫واآلية هكذا " َتوَّى بِ ُكْ ِ ِ وَقَا َ سَاحِ ٌ أوْ َجُْو ٌ" لم يعتن ابن كثير (45663) بهذه‬
‫الروايات في تفسير "فتولى بركنه" وقال: "فأعرض فرعون عما جاء به موسى من الحق‬
‫ومن الن س م يج دل‬                                                         ‫ا‬     ‫ا‬
‫المبين استكبارً وعنادً" ودللـه بآية من سورة الحج (رقم اآلية: 4) " َ ِ َ َّا ِ َنْ ُ َا ِ ُ‬
                                                  ‫كت ب من ر‬             ‫ه‬     ‫الله بغ ر م‬
‫فِي َّ ِ ِ َيْ ِ عِلْ ٍ وَلَا ُدًى وَلَا ِ َا ٍ ُ ِي ٍ" فكأن لدى ابن كثير معنى كال اللفظين "تولى‬
                                                            ‫س‬
‫بركنه" و"ثاني عطفة" واحد وقد ف ّر اإلمام الفراهي نفس التفسير، انظر "مجموعة تفاسير،‬
                                                                                   ‫9125412"‬
              ‫1 هذا ليس بتشريح لغوي بل إزالة لشبهة، واآلية هكذا "سنفرغ لكم أيها الثقالن".‬
‫2 (الْحَافِر ِ) الحياة، هذا ليس معناه اللغوي (الطبري، 735733) يقال أنه مأخوذ من "رجع‬ ‫َة‬
                                  ‫ف َة‬      ‫أ ِن ل د د ن‬
‫فالن على حافرته" واآلية هكذا: "َئَّا َمَرْ ُو ُو َ فِي الْحَا ِر ِ" يفسر الطبري أئنا لمردودون‬
‫إلى حالنا األولى قبل الممات، فراجعون أحياء كما كنا قبل هالكنا واستدل برواية ابن عباس‬
                                                             ‫رضي اهلل عنه في تفسير هذه اآلية.‬
‫3 واآلية هكذا: "إَّ ُ ظ َّ َنْ َنْ َ ُو َ" شرحه لن يرجع أبدً و"لن يبعث" أي "لن يحيا أبدً"‬
 ‫ا‬                                 ‫ا‬                      ‫ِنه َن أ ل يح ر‬
                                                      ‫ا‬
                                                    ‫والظاهر أن "لن يحور" ليس معنًى لغويً.‬
‫4 في هذه الرواية ف ّر الضريع بأنه "شجر من نار" ولكن اإلمام البخاري لم يعتمد في‬
                                                                            ‫س‬
             ‫الش ر‬         ‫ي‬
‫تفسيره على رواية ابن أبي طلحة ولكنه قال (معجم: 422) إنه نبت ُقال له ِّبْ ِق، وتسميه‬
                          ‫م‬             ‫الش‬             ‫م‬
‫أهل الحجاز َّريع إذا يبس، ويس ّيه غيرهم: ِّبْرق، وهو س ّ وقد نقل هذه الرواية‬  ‫الض‬
                        ‫الطبري البن أبي طلحة ولكنه لم يختره بل قال :إنه شبرق (735292).‬

                                              ‫76‬
‫مجلة الهند‬

           ‫ال‬
‫بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعما ً للعرب ثم‬
‫رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال من خصائص القرآن على سائر كتب اهلل‬
‫تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم ولم ينزل فيها شيء بلغة‬
‫غيرهم والقرآن احتوى على جميع لغات العرب وأنزل فيه بلغات غيرهم من‬
                ‫ا‬        ‫ال‬
‫الروم والفرس والحبشة شيء كثير". وأضاف قائ ً: "وأيضً النبي مرسل إلى‬
‫كل أمة وقد قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إال بلسان قومه" (سورة إبراهيم:‬
‫2) فال بد أن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة‬
                                                        ‫قومه هو(0:140).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                        ‫ا‬
‫أخطأ وابن النقيب أكبر منه خطأ. قوله "أيضً" إلى آخره في غاية الوهن‬
                                                        ‫(0:120).‬
 ‫ن‬
‫12- خالل البحث عن الوجوه والنظائر ذكر العالمة السيوطي سبعة عشر مع ًى‬
                                                ‫لكلمة "هدى". (0:010)‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
               ‫في هذه الوجوه ما ليس منها وما هو داخل في غيرها1 (0:140).‬
           ‫ل‬
‫22- ومن المعاني المذكورة لكلمة "هدى" هو "التوبة" واستد ّ عليه بقوله‬
                                                          ‫ه‬
                                        ‫تعالى "إنا ُدنا إليك" (0:210).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫أخطأ فيما جعل "هدنا إليك" من الهدى وإنما هو من "الهود"2 ولعله من السهو‬
                                        ‫فإن عدد 40 يتم بدونه (0:140)1.‬


       ‫1 ذكر اإلمام الفراهي أربعة أوجه لغوية للفظ "هدى، انظر: مفردات القرآن، ص 14.‬
‫2 هذا من عجائب األمثلة لترداد الروايات والذي يشهد في كتب التفاسير بكثرة، فسبعة عشر‬
                                                                               ‫ا‬
‫وجهً للفظ "هدي" الموجودة في أقدم كتاب لهذا الفن وهو "األشباه والنظائر" لصاحبه مقاتل‬
                            ‫ا‬
‫بن سليمان البلخي المتوفي عام 7:2هـ (64- :6) ذكر أيضً لفظ "هدنا" من ضمن هدى،‬
‫وال يوجد كتاب أقدم في هذا الفن من هذا الكتاب حتى نعرف هل أخطأ مقاتل أم إنه قام‬
                                  ‫ا‬
‫بالنسخ من كتاب آخر، المهم هنا سبعة عشر وجهً باإلضافة إلى "هدنا"، التصاريف‬
‫(965732) الدامغاني (3475947) الزركشي (25372) ثم قام بنقله السيوطي، إال أن ابن‬
                    ‫ا‬
‫الجوزي نقل في كتابه "نزهة" (9195739) للفظ "هدى" 71 وجهً ولم يذكر من ضمنه‬
‫"هدنا"، وقام ابن الجوزي بالنقد الشديد على هؤالء (74) بما أن السيوطي والزركشي لم‬

                                        ‫86‬
‫مجلة الهند‬

‫42- أخرج ابن أبي حاتم عن طريق عكرمة عن ابن عباس قال "كل شيء في‬
                                ‫القرآن الدين فهو الحساب" (0:110).‬
                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
              ‫َرع ل ُ من الد ن َص به ن ح‬
‫هذا ال يصح فإنه قال تعالى: "ش َ َ َكمْ ِ َ ِّي ِ مَا و َّى ِ ِ ُو ًا ....." (سورة‬
                                  ‫ف ل ُ ُ الد ن‬      ‫ا إ َّ الل َ‬
     ‫الشورى: 40). وأيضً "ِن َّه اصْطَ َى َكم ِّي َ ...." (سورة البقرة: 240)‬
                                     ‫ِن الد ن ع د الله ِ ْ م‬
‫وأيضًا "إ َّ ِّي َ ِنْ َ َّ ِ الْإسلَا ُ ...." (سورة آل عمران: 10) وهذا كثير.‬
                                                                   ‫(0:140).‬
‫12- في معرفة معاني األحرف واألدوات ذكر قوله تعالى: "وإنا أو إياكم لعلى‬
‫هدى أو في ضالل مبين" فيقول في بيان معنى لـ"على" و"في" "فاستعملت‬
‫"على" في جانب الحق و"في" في جانب الضالل ألن صاحب الحق كأنه‬
‫مستع ٍ يصرف نظره كيف شاء وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظالم‬         ‫ل‬
                                     ‫2‬
                                    ‫منخفض ال يدري أين يتوجه" (0:110) .‬
                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                   ‫أحسن (0:140).‬

‫يستطيعا التنبه على ذلك فال عجب أن لم ينتبه إليه محققوا األشباه والنظائر والتصاريف‬
                                                                    ‫والبرهان واإلتقان.‬
‫1 مع أنكم رأيتم أن سبعة عشر معنًى المذكورة أعاله التي يض ّ إليها "هدنا" مأخوذة من‬
                        ‫م‬
‫الكتب القديمة فهذا ليس بخطأ يختص به السيوطي إال أن المعنى األول "ثبات" زائد وقد‬
                                                                                ‫ل‬
‫استد ّ عليه السيوطي بـ"اهدنا الصراط المسستقيم" وتوجد هذه اآلية لدى اآلخرين من بين‬
‫أمثلة "إرشاد" (التصاريف: 772، والزركشي، 37252) وإن أضاف السيوطي هذا المعنى‬
‫في البداية فال بد أن يكون عدد المعاني ثمانية عشر معنًى أو أن يشطب معنًى من المعاني‬
‫المعدودة، وبهذه المناسبة قام محقق "اإلتقان" (:7251) بتصريف في النص وضبط تسعة‬
‫عشر في مكان سبعة عشر فيقول في الهامش: في النسخ المخطوطة هناك "سبعة" إال أنما‬
                                    ‫ج‬
‫ضبطناه يطابق واألوجه المذكورة وأمثلته" فقد تع ّل المحقق فلما رأى أن عدد األوجه‬
                                                                 ‫ي‬
‫ثمانية عشر فقد تح ّر فظن أن "سبعة" ال يكون تصحيف "ثمانية" إال أنه يمكن أن يكون‬
‫تصحيف "تسعة" بسهولة، ولقد رأى أمثلة عديدة في تحقيق المخطوطات فبدأ يحصي مرة‬
             ‫م‬
‫أخرى فوجد معنًى وهو "رسل وكتب" فظنه اثنين في مكان واحد وهكذا أت ّ تسعة عشر‬
                                                         ‫ا‬               ‫ذ‬
‫معنًى ولو تأ ّى المحقق شيئً فراجع "البرهان" للزركشي الذي هو مأخذ لإلتقان للسيوطي‬
‫والحال أنه قد قام بتحقيق "البرهان" قبل قيامه بتحقيق "اإلتقان" لعلم أن الزركشي قد ضبط‬
                                                                     ‫ا‬
‫سبعة عشر وجهً المذكورة أعاله والمعنى الخامس منها "الرسل والكتب" ولكن المحقق‬
‫المحترم لم يقم بتعليق على ذلك الموضع بينما يجب أن يكون عدد األوجه، عنده، ثمانية‬
                                                                   ‫ا‬        ‫ا‬
                         ‫عشر وجهً، وأيضً راجع الكتب المذكورة حول الوجوه والنظائر.‬
                     ‫2 الكشاف (35641)، ونقله أبو حيان من دون ذكر المرجع (45741).‬

                                         ‫96‬
‫مجلة الهند‬

‫12- "إن" تكون للتعليل كـ"إذ" قاله الكوفيون وخرجوا عليه قوله تعالى: "واتقوا‬
‫اهلل إن كنتم مؤمنين" (سورة المائدة: 41) "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اهلل‬
‫آمنين" (سورة الفتح: 42) "وأنتم األعلون إن كنتم مؤمنين" (سورة آل عمران:‬
                              ‫140)1 ونحو ذلك مما الفعل فيه محقق الوقوع.‬
‫وقد أريد ذلك في مواضع أخرى غير هذه حيث يتحتم وقوع الفعل، يقول اإلمام‬
‫السيوطي رحمه اهلل "وأجاب الجمهور عن آية المشيئة بأنه تعليم للعباد كيف‬
‫يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل أو بأن أصل ذلك الشرط ثم صار يذكر للتبرك‬
‫أو أن المعنى لتدخلن جميعً "إن شاء اهلل" أال يموت منكم أحد2 قبل الدخول وعن‬
                                                 ‫ا‬
‫سائر اآليات بأنه شرط جيء به للتهييج واإللهاب كما تقول البنك: إن كنت ابني‬
                                                      ‫فأطعني3"(0:212).‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                            ‫جواب الجمهور ليس بشيء (0:010).‬
‫14- ذكر مما ذكر من معاني حرف جر "في" "عن"4 واستدل عليه بقوله تعالى‬
        ‫"فهو في اآلخرة أعمى" (سورة اإلسراء: 24) أي عنها وعن محاسنها5.‬
                                                           ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                               ‫فيه نظر (1:112)‬
‫04- نقل العالمة السيوطي قول بعض علماء البالغة فيما يتعلق بـ"كل" فيقول‬
‫"وحيث وقعت في حيز النفي بأن تقدمت عليها أداته أو الفعل المنفي فالنفي‬
‫موجه إلى الشمول خاصة ويفيد بمفهومه إثبات الفعل لبعض األفراد، وقد أشكل‬

‫1 للتفصيل يرجى الرجوع إلى اإلنصاف، المسألة 44 (15139) ومأخذ السيوطي هو المغني‬
‫(77،63)، يقول ابو حيان إنه يوجد عند مقاتل بن سليمان وأبو عبيدة "إن" في نفس المعنى‬
                                                                  ‫(3563، 45272).‬
‫2 وهذا الجواب الثالث نقله أبو حيان (45272) والقرطبي (92561) من الحسين بن الفضل‬
‫البجلي (4425141هـ)، اسمه أبو حيان وعند الزركشي (25947) "الحسن" وهو غير‬
                                                                            ‫صحيح.‬
                                                                ‫3 أبو حيان، 15441.‬
‫4 هذا المعنى ما ذكره الزمخشري وال أبو حيان وال ابن هشام، وقد وهم السيوطي من بعض‬
‫التفاسير مع العلم بأنه يجب عليه أن ال يتجاوز عن رواية ابن أبي طلحة "من عمي عن قدرة‬
                 ‫ا‬
‫اهلل في الدنيا فهو في اآلخرة أعمى" (الطبري، :25412) فنظرً لهذا التفسير "في‬
                                      ‫الدنيا.....في اآلخرة" ظرفان في كال الموضعين.‬
                                                               ‫5 القرطبي، 725461.‬

                                       ‫07‬
‫مجلة الهند‬

‫على هذه القاعدة قوله سبحانه وتعالى "إن اهلل ال يحب كل مختال فخور" (سورة‬
‫الحديد: 42) إذ يقتضي إثبات الحب لمن فيه أحد الوصفين1 وأجيب بأن داللة‬
           ‫ل‬
‫المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض وهو هنا موجود إذ د ّ الدليل على‬
                                            ‫ا‬
                                 ‫تحريم االختيال والفخر مطلقً" (0:122).‬
                                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                ‫2‬
                                                  ‫ال معول على من زعم اإلشكال (0:112)‬
‫24- النوع 22 من اإلتقان يشتمل على قواعد مهمة يحتاج المفسر إلى معرفتها‬
                                    ‫وإحداها قاعدة في الضمائر (0:222).‬
                                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                      ‫م دا‬
                                                             ‫باب الضمائر مه ّ ج ًّ (0:042).‬
‫44- يقول السيوطي رحمه اهلل "وقد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين‬
‫نحو "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" (سورة الرحمن: 22) وإنما يخرج من‬
‫أحدهما" (0:122). الضمير "هما" للمثنى والمراد هنا من "اللؤلؤ"‬
                    ‫و"المرجان" قسم واحد يخرج من أحدهما الماء المالح3.‬
                                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                              ‫4‬
                                                                                ‫لم يصب (0:042)‬

‫1 من حيث القاعدة المذكورة يكون المعنى "إن اهلل سبحانه وتعالى ال يحب كل فخور‬
                                                           ‫ب‬                ‫ا‬
                              ‫ومختال" يعني أن هناك فخورً ومختاالً يحّه اهلل" وهذا هو اإلشكال.‬
‫2 يقول اإلمام الفراهي رحمه اهلل: في بعض األحيان يأتي ضد المنفي في معنى اإلثبات مث ً‬
‫ال‬
  ‫"ال يحب" يأتي بمعنى "يبغض" وله أمثلة كثيرة، مفردات القرآن: 39، وأساليب القرآن: 77‬
‫3 مجاز القرآن، 15711، ومعاني القرآن، 35:22، أنكر اإلمام الطبري رحمه اهلل هذا القول‬
‫وقال "المراد بـ"البحرين" بحر السماء، وبحر األرض، ألن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء‬
‫وأصداف بحر األرض"، إذن الضمير من حيث المرجع مثنى، هذا التفسير منقول من‬
‫مجاهد وسعيد بن جبير (الطبري، 415132)، لكن الحافظ ابن كثير (45497) لم يختر هذا‬
‫التفسير، بل قال "والمراد بقوله {البحرين} "الملح والحلو" وتفسير "منهما" أي من‬
  ‫أ ي تك‬                     ‫ي م ْشر‬
‫مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى، كما قال تعالى { َا َع َ َ الجن واإلنس َلَمْ َأْ ِ ُمْ‬
 ‫ر ُ ٌ ِّنْ ُمْ} [سورة األنعام: 732] والرسل إنما كانوا في اإلنس خاصة دون الجن وقد صح‬            ‫ُسل م ك‬
                ‫وم ُل كل ن ل ا ريا و َ ت رج ن ية َس نه‬
‫هذا اإلطالق وأما قوله: { َ ِن ك ٍّ تَأْ ُُو َ َحْمً طَ ِ ًّ َتسْ َخْ ِ ُو َ حِلْ َ ً تَلْب ُو َ َا} [سورة‬
         ‫فاطر: 12]، فاللحم من كل من األجاج والعذب، والحلية إنما هي من المالح دون العذب.‬
‫4 وقد نقل صاحب "تدبر قرآن" (45:32) عن مقالة (‪ )Pearl‬المنشورة في موسوعة‬
                                           ‫ا‬
 ‫بريطانيا فقال "تولد الحشرات التي في األصداف دررً ثمينة في المناطق المعتدلة في‬
                                                    ‫17‬
‫مجلة الهند‬

                                   ‫ال‬
‫24- ويقول: "قد يجيء الضمير متص ً بشيء وهو لغيره نحو "ولقد خلقنا‬
‫اإلنسان من ساللة من طين" يعني آدم ثم قال "ثم جعلناه نطفة" فهذه لولده ألن‬
                                            ‫1‬
                                             ‫آدم لم يخلق من نطفة" (0:122)‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫لم يصب، فإن المراد باإلنسان نوعه وكل ما يجري على بعض النوع ينسب إلى‬
                                                    ‫2‬
                                                      ‫النوع (0:242)‬
‫ً‬
‫14- فيما يتعلق عن الضمائر يقول: "األصل توافق الضمائر في المرجع حذرا‬
                                              ‫من التشتيت" (0:122).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                  ‫ل مهم‬
                                         ‫أص ٌ ٌّ في اختالف المرجع (0:222)‬
‫24- بعد ذكر األصل المذكور أعاله يقول السيوطي "لهذا لما جوز بعضهم في‬
‫"أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم"3 أن الضمير في الثاني للتابوت وفي‬
                        ‫ا‬      ‫ا‬
‫األول لموسى عابه الزمخشري وجعله تنافرً مخرجً للقرآن عن إعجازه فقال‬
‫والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه‬
‫هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن ومراعاته أهم ما‬
                                             ‫يجب على المفسر"(0:122)4.‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫لم يصب الزمخشري في إطالقه، ولكنه أراد مواضع خالية عن القرينة‬
                                                     ‫(0:242).‬
‫44- في باب مرجع الضمير ذكر أمثلة تخرج عن القاعدة المذكورة منها قوله‬
               ‫ا‬                          ‫ا‬
‫تعالى: "ولما جاءت رسلنا لوطً سيء بهم وضاق بهم ذرعً" (سورة الهود:‬



‫النصف الشمالي من الكرة األرضية، األصداف من المياه العذبة تخرج في األمم المتحدة‬
‫األمريكية عادة من بحيرة مس سسبي ... أما في الصين فكانت معروفة في إخراج‬
                                          ‫األصداف من المياه العذبة قبل ميالد المسيح"‬
                                                            ‫1 البحر المحيط، 95463.‬
                                                                     ‫2 الكشاف، 3541‬
                                       ‫3 هذا القول نقله أبو حيان من ابن عطية، 95271‬
                                                                   ‫4 الكشاف، 1593:‬

                                        ‫27‬
‫مجلة الهند‬

                      ‫ا‬                  ‫ا‬
‫44) قال ابن عباس: "ساء ظنً بقومه وضاق ذرعً بأضيافه" (0:222) يعني‬
                      ‫1‬
                        ‫الضمير األول "هم" مرجعه "قوم" والثاني "رسل"‬
                                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                             ‫ح‬
                                                  ‫ال يص ّ ما روي عن ابن عباس (0:242)‬
                                                            ‫ا‬
‫14- ويقول أيضً فيما يتعلق عن الضمائر "وأما غير العاقل فالغالب في جمع‬
‫الكثرة اإلفراد وفي القلة الجمع وقد اجتمعا في قوله "إن عدة الشهور عند اهلل اثنا‬
‫عشر شهرً" إلى أن قال "منها أربعة حرم" فأعاد منها بصيغة اإلفراد على‬‫ا‬
                       ‫ا‬
‫الشهور وهي للكثرة ثم قال فال تظلموا فيهن فأعاده جمعً على أربعة حرم وهي‬
                                      ‫ا‬    ‫ا‬
‫للقلة، وذكر الفراء لهذه القاعدة سرً لطيفً وهو أن المميز مع جمع الكثرة هو ما‬
                                           ‫ا ح‬
‫زاد على العشرة لما كان واحدً و ّد الضمير ومع القلة وهو العشرة فما دونها‬
                                         ‫2‬
                                                             ‫ا م‬
                                        ‫لما كان جمعً ج ّع الضمير(0:422) .‬
                                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫أ- عنون اإلمام الفراهي هذه القاعدة أولًا فقال: وحدة الضمير المؤنث وجمعه إذا‬
                                             ‫كان المرجع جمع غير العاقل.‬
                                                                    ‫ل‬
                                             ‫ثم عّق على قول الفراء فقال:‬
                                          ‫ب- أصاب الفراء وأحسن (0:442).‬
                                                ‫ال‬
‫14- ويمضي السيوطي قائ ً عن الضمائر "إذا اجتمع في الضمائر مراعاة‬
       ‫اللفظ والمعنى بدئ باللفظ ثم بالمعنى هذا هو الجادة في القرآن" (0:422)‬
                                                        ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                   ‫ل م‬
                   ‫أص ٌ مه ٌ في اختالف الضمائر مع اتحاد المرجع (0:442)‬
‫12- بعد ذكر القاعدة ينقل السيوطي عن الشيخ علم الدين العراقي فيقول "قال‬
‫الشيخ علم الدين العراقي ولم يجيء في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إال في‬


‫1 هذا التفسير رواه علي بن أبي طلحة من ابن عباس رضي اهلل عنه، وبحسب السيوطي‬
                                        ‫س‬
‫يجب التمسك بهذا التفسير، وقد نسي السيوطي عندما ف ّر في "الجاللين" (961) واختار‬
    ‫َم ج َ‬                                ‫س‬
‫من التفسير ما قام به الجمهور، والعجب أن الطبري ف ّر هذه اآلية (32524) "وَل َّا َاءتْ‬
                 ‫س َه مج ئه و ُو ف ل من الس وض ق ب بمج ئ ذ ع‬                                ‫َالئكت ل‬
‫م َ ِ َ ُنَا ُوطًا، َاء ُ َ ِي ُ ُمْ. َه َ َعْ ٌ ِ َ ُّوءِ، َ َا َ ِهِمْ ِ َ ِي ِهِمْ َرْ ًا" ولتأكيده ذكر‬
 ‫تفسير ابن عباس رضي اهلل عنه، لم يشر إلى هذه الرواية الحافظ ابن كثير (75491) وال‬
                                                 ‫ا‬
‫القرطبي (6574) وال الشوكاني (1532:) وأيضً الزمخشري وأبو حيان في تفاسيرهم، كأن‬
                                                ‫ا‬
‫التفسير من الطبري حتى الشوكاني كان منثورً على حد سوي، لم يذكر السيوطي هذه‬
   ‫الرواية في الدرر المنثور (35173) برواية ابن عباس رضي اهلل عنه بل نقله برواية قتادة.‬
                                                                             ‫2 معاني القرآن، 25:37‬

                                                   ‫37‬
‫مجلة الهند‬

‫موضع واحد وهو قوله: "وقالوا ما في بطون هذه األنعام خالصة لذكورنا‬
              ‫ا ال‬           ‫ن‬
‫ومحرم على أزواجنا" (سورة األنعام: 140) فأ ّث خالصً حم ً على معنى ما‬
                                   ‫1‬
                                                           ‫ك‬
                                    ‫ثم راعى اللفظ فذ ّر فقال محرم (0:422)‬
                                                        ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                         ‫2‬
‫ليس كما ظن، فإن التاء في "خالصة" ليست للتأنيث ، فإن ما في البطون غير‬
         ‫مختص بالمؤنث، فال حمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى (0:442)‬
‫02- "وقال ابن الجني في المحتسب يجوز3 مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى‬
‫ً‬
‫المعنى وأورد عليه قوله تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا‬
‫فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون" ثم قال: "حتى‬
‫إذا جاءنا ...." (سورة الزخرف: 14 و24) فقد أرجع اللفظ بعد االنصراف عنه‬
                                                      ‫إلى المعنى" (0:422).‬
                                                        ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫لم يصب ابن الجني4، فإن اآلية ليس فيها اتحاد المرجع، فإن قوله تعالى: "وإنهم‬
‫ا‬
‫ليصدونهم" بيان الجماعة، وقوله تعالى: "ومن يعش" هو بيان األفراد فردً‬
‫فردً ، أي كل غافل عن ذكر الرحمن له قرين، ثم دل ذلك على جماعة القرناء‬     ‫ا‬
                         ‫فرجع ضمير الجمع إلى هذا المفهوم، فافهم (0:442).‬
                                                             ‫ا‬
‫22- "قرئ شاذً قل هو اهلل األحد اهلل الصمد، حكى هذه القراءة أبو حاتم في‬
                                 ‫5‬
                                  ‫كتاب الزينة عن جعفر بن محمد" (0:112)‬
                                                              ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                 ‫ليس بقراءة، إنما تفسير (0:242)‬

‫1 نقل أبو حيان (75131) هذا القول من الشيخ علم الدين العراقي ثم يقول إن هذا القول‬
                                                                   ‫للمكي بن أبي طالب.‬
‫2 نقل اإلمام الطبري (762،125472) من بعض علماء النحاة الكوفيين أن "خالصة" أتت‬
                           ‫ا‬                         ‫ا‬
‫مؤنثة مراعاة "لألنعام"، وذكر أيضً أن "خالصة" أتت مصدرً كـ"عاقبة" و"عافية"، ولكنه‬
                                ‫رجح القول بأن التاء في "خالصة" للمبالغة وليست للتأنيث.‬
‫3 العبارة في الطبعة التي كانت لدى اإلمام هكذا "وقال ابن الجني في المحتسب يجوز‬
        ‫و‬
‫مراجعة اللفظ ...." وحاشية اإلمام على نفس العبارة ولذا قمت بذكره كما كان ثم ن ّهت ذلك‬
                                        ‫ا‬
‫هنا وهو "أن "ال" سقطت من هذه العبارة، علمً بأن اللفظ "ال يجوز" يوجد في الطبعة‬
             ‫ال‬
‫المتداولة (25471) والطبعة المحققة (15373)، إذا وهبنا "أورد" فعالً مجهو ً فتكون الجملة‬
‫"قال ابن الجني في المحتسب ال يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى المعنى". ذكر‬
                                       ‫اإلمام هذه اآلية بعد اعتراضه على رأي ابن الجني.‬
   ‫4 األصح أن يكون في حاشية اإلمام "المعترضون على ابن الجني" بدالً من "ابن الجني".‬
                                                                 ‫5 كتاب الزينة، 1563.‬

                                         ‫47‬
‫مجلة الهند‬

                               ‫ي‬
‫42- "أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أب ّ بن كعب قال كل شيء في القرآن من‬
‫الرياح فهو رحمة وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب ولهذا ورد في الحديث‬
                                     ‫ا‬              ‫ا‬
                         ‫(اللهم اجعلها رياحً وال تجعلها ريحً)" (0:212).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                 ‫ال يص ّ هذا الحديث (0:142)1.‬
                                                                      ‫ح‬
                                                                   ‫و‬
‫22- ف ّض الجمهور في المتشابه العلم إلى اهلل ولذا في قوله تعالى: "وما يعلم‬
‫تأويله إال اهلل والراسخون في العلم يقولون آمنا به" (سورة آل عمران: 4)‬
‫"الراسخون"جملة استئنافية بينما يقول بعضهم "الراسخون" معطوف، فيقول‬
‫السيوطي أن النووي رحمه اهلل اختار هذا القول فقال في شرح مسلم: "إنه‬
‫األصح ألنه يبعد أن يخاطب اهلل عباده بما ال سبيل ألحد من الخلق إلى معرفته،‬
                                         ‫وقال ابن الحاجب إنه الظاهر"(2:2).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                         ‫أخطأ النووي وابن الحاجب فيما خالفا به السلف (2:4).‬
                                     ‫ي‬
‫12- يقول السيوطي رحمه اهلل وهو يؤ ّد الجمهور في هذه المسألة: "ويؤيد ذلك‬
                                                               ‫ل‬
‫أن اآلية دّت على ذم متبعي المتشابه ووصفهم "بالزيغ" و"ابتغاء الفتنة" وعلى‬
‫مدح الذين فوضوا العلم إلى اهلل وسلموا إليه كما مدح اهلل المؤمنين بالغيب"‬
                                                                  ‫(2:2).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                        ‫أخطأ في تأويل المؤمنين بالغيب (2:4)2.‬
                                                            ‫ا‬
‫22- يقول أيضً: "وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق األعمش قال‬
‫في قراءة ابن مسعود (وإن تأويله إال عند اهلل والراسخون في العلم يقولون آمنا‬
                                                               ‫به)" (2:2)‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
              ‫أخطأ فيما زعم من قراءة ابن مسعود وإنما هو تفسير منه (2:4).‬
‫42- في هذا الفصل نقل السيوطي بعض الروايات المتعلقة بـ"سبعة أحرف"،‬
                                     ‫وأول رواية هي عن الحاكم (2:1).‬

                          ‫1 راجع مجمع الزوائد، 725:32، والمطالب العالية، 35431‬
             ‫2 راجع تفسير اإلمام رحمه اهلل لسورة البقرة (لم يطبع)، وتدبر قرآن، 2576.‬

                                       ‫57‬
‫مجلة الهند‬

                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                 ‫روايات تدل على تأويل سبعة أحرف (2:2).‬
‫12- نقل عن الراغب فقال "وقال الراغب في مفردات القرآن اآليات عند اعتبار‬
‫بعضها ببعض ثالثة أضرب؛ محكم على اإلطالق ومتشابه على اإلطالق‬
‫ومحكم من وجه متشابه من وجه فالمتشابه بالجملة ثالثة أضرب متشابه من‬
                   ‫جهة اللفظ فقط ومن جهة المعنى فقط ومن جهتهما" (2:2)1.‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                      ‫أخطأ الراغب فيما أدخل في المتشابه ما ليس منه (2:1).‬
‫12- نقل عن فخر الدين الرازي فقال: "وقال اإلمام فخر الدين صرف اللفظ عن‬
‫الراجح إلى المرجوح ال بد فيه من دليل منفصل وهو إما لفظي أو عقلي واألول‬
                  ‫ا‬
‫ال يمكن اعتباره في المسائل األصولية ألنه ال يكون قاطعً ألنه موقوف على‬
‫انتفاء االحتماالت العشرة المعروفة وانتفاؤها مظنون والموقوف على المظنون‬
‫مظنون والظني ال يكتفي به في األصول وأما العقلي فإنما يفيد صرف اللفظ من‬
                                             ‫ال‬
‫ظاهره لكونه الظاهر محا ً وأما إثبات المعنى المراد فال يمكن بالعقل ألن‬
‫طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل وذلك الترجيح ال يمكن‬
‫إال بالدليل اللفظي والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف ال يفيد إال الظن والظن ال‬
‫يعول عليه في المسائل األصولية القطعية فلهذا اختار األئمة المحققون من‬
‫السلف والخلف بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال‬
                                    ‫ترك الخوض في تعيين التأويل" (2:4).‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                        ‫أخطأ اإلمام فيما جعل من المتشابه ما ليس منه (2:2).‬
                                 ‫ال‬
‫11- في نفس الباب بدأ السيوطي فص ً بعنوان "أوائل السور من المتشابه"‬
                                                            ‫(2:00)‬
                                                      ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                         ‫أخطأ فيما زعم أن أوائل السور من المتشابه (2:10).‬
‫01- النوع الرابع واألربعون في اإلتقان يتعلق فيما يزعم الكاتب أن في القرآن‬
                                                       ‫د‬        ‫د خ‬
               ‫ما ق ّم وأ ّر، أي ق ّم ما حقه التأخير والعكس صحيح (2:40).‬

                                                        ‫1 مفردات: (شبه) 91.‬

                                    ‫67‬
‫مجلة الهند‬

                                                               ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
           ‫كل ما ذكر فيه التقديم والتأخير ليس فيه تقديم ما حقه التأخير (2:20).‬
‫21-"قد يقدم لفظ في موضع ويؤخر في آخر ومن نكتته قصد التفنن في‬
‫ً‬
‫الفصاحة وإخراج الكالم على عدة أساليب كما في قوله: "وادخلوا الباب سجدا‬
‫وقولوا حطة"1 (سورة البقرة: 11) وقوله: "وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدً"‬
  ‫ا‬
                                         ‫(سورة األعراف: 020). (2:12)‬
                                                               ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                                   ‫لم يصب (2:10).‬
‫41- فيما يتعلق عن العام والخاص ذكر السيوطي قوله تعالى "أم يحسدون‬
‫الناس ..." (سورة النساء: 21) أي رسول اهلل2 لجمعه ما في الناس من الخصال‬
                                                      ‫الحميدة. (2:22).‬
                                                               ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
‫(2:12)‬                                                         ‫أخطأ‬
‫21- "اختلف في الخطاب الخاص به نحو "يأيها النبي""يأيها الرسول" هل‬
           ‫ا‬
‫يشمل األمة فقيل نعم ألن أمر القدوة أمر ألتباعه معه عرفً واألصح في‬
                            ‫األصول المنع الختصاص الصيغة به" (2:22).‬
                                                               ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                        ‫3‬
                         ‫أخطأ، فإن التصحيح هو التفصيل حسب الموقع (2:22).‬
‫11- "ذكر هبة اهلل بن سالمة الضرير أنه قال: في قوله تعالى""ويطعمون‬
‫الطعام على حبه ... "اآلية (سورة اإلنسان: 1) إن المنسوخ من هذه الجملة‬
                                                              ‫ا‬
‫"وأسيرً" والمراد بذلك أسير المشركين فقرئ عليه الكتاب وابنته تسمع فلما‬



‫1 انظر تفسير اإلمام الفراهي لسورة البقرة (لم يطبع) وتدبر قرآن، 2514، ومقالة الشيخ بدر‬
       ‫الدين اإلصالحي "حروف مقطعات"، مجلة "اإلصالح" الشهرية، 1/72: 229- 929.‬
‫2 هذا القول ينسب أيضً إلى عكرمة ومجاهد وضحاك وابن عباس رضي اهلل عنه، وعند‬
                                                              ‫ا‬
‫قتادة المراد بـ"الناس" قريش، ولكن اإلمام الطبري رحمه اهلل قال: "أن المراد منه رسول اهلل‬
                                               ‫صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه (45941).‬
‫3 يعني أنه يفهم من سياق الجملة، للتفصيل انظر: فاتحة نظام القرآن، (مقدمة) ص : "تعيين‬
                             ‫خطاب"، مجموعة تفاسير فراهى: 19، وأساليب القرآن: 72.‬

                                          ‫77‬
‫مجلة الهند‬

‫انتهى إلى هذا الموضع قالت له: أخطأت يا أبت قال: وكيف؟ قالت: أجمع‬
      ‫المسلمون على أن األسير يطعم وال يقتل جوعً فقال: صدقت" (2:04)1.‬
                           ‫ا‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                                ‫حكاية عجيبة ذات فوائد (2:12).‬
‫21- ذكر جماعة من علماء البالغة بين اإليجاز واإلطناب واسطة وهي‬
‫المساواة يتساوى فيها اللفظ والمعنى وقد مثل لها في التلخيص بقوله تعالى2:‬
‫"وال يحيق المكر السيء إال بأهله" (سورة فاطر: 42) يذكر السيوطي "إطناب‬
                                    ‫ا‬
                          ‫بلفظ السيء ألن المكر ال يكون إال سيئً" (2:14).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                 ‫ا‬
‫أخطأ، فإن المكر ربما ال يكون سيئً ولذلك جاء قوله تعالى: "واهلل خير‬
                             ‫الماكرين" (سورة آل عمران: 21). (2:12).‬
                                 ‫م‬
‫41- ذكر السيوطي من أنواع الحذف ما يس ّى باالحتباك وهو من ألطف األنواع‬
                                           ‫ب‬          ‫ب‬       ‫ل‬
‫وأبدعها وق ّ من تن ّه له أو ن ّه عليه من أهل فن البالغة ولم أره إال في شرح‬
                                                            ‫3‬
‫بديعية األعمى لرفيقه أحمد بن يوسف الرعيني األندلسي، وقال األندلسي في‬
‫شرح البديعية من أنواع البديع االحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من‬
‫األول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في األول كقوله‬
‫تعالى: "ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ... اآلية" (سورة البقرة: 040)‬
‫التقدير "ومثل األنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به" فحذف من‬
‫األول األنبياء لداللة الذي ينعق عليه ومن الثاني الذي ينعق به لداللة الذين‬
                                                      ‫كفروا عليه (2:04).‬
                                                            ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬



‫1 لد ّ نسختان لكتاب "الناسخ والمنسوخ" لهبة اهلل بن سالمة ولم يذكر فيهما هذه القصة،‬
                                                                              ‫ي‬
‫فربما نقل السيوطي هذه القصة من كتاب الزركشي (1561)، والنسخة الموجودة لدى‬
‫الزركشي كان قد ذكر فيها هذه القصة وقد نقل الطبري (61: 671- 721) هذا القول من‬
                                 ‫ا‬
‫قتادة وعكرمة وحسن البصري إال أنه اعتبره راجحً، وأما ابن الجوزي فقد نقله برواية‬
‫سعيد بن جبير (نواسخ القرآن: :72) مع أن الطبري نقل قوله بأن المراد من "أسير" هو‬
                                                           ‫مسلم وغير مسلم كالهما.‬
                                                             ‫2 تلخيص المفتاح، 321‬
  ‫3 اسمه "الحلة السيراء" وهي قصيدة بديعية البن جابر األندلسي األعمى المتوفى (744هـ)‬

                                        ‫87‬
‫مجلة الهند‬

                                         ‫ا‬                ‫ا‬
‫لقد قرب أسلوبً من العربية عجيبً ولكن خفى عليه ونذكره: وهو حذف ما دل‬
‫عليه مناسبه، ومنه قوله تعالى: "فأذاقها اهلل لباس الجوع والخوف" أي أذاقها‬
‫طعم الجوع وألبسها لباس الخوف، وفي اآلية رعاية اللف والنشر ومنه قول‬
                                            ‫(الحارث بن حلزة اليشكري)1:‬
     ‫النوك ممن عاش كدا(2:14)‬                        ‫والعيش خيـــــر في ظالل‬
‫11- يذكر السيوطي قاعدة بشأن النفي "أن نفي المبالغة في الفعل ال يستلزم نفي‬
‫أصل الفعل وقد أشكل على هذا آيتان قوله تعالى: "وما ربك بظالم للعبيد"‬
                             ‫ا‬
‫(سورة فصلت: 22) وقوله: "وما كان ربك نسيً" (سورة مريم :22). وأجيب‬
                                   ‫ا‬
‫عن اآلية األولى بأجوبة أحدها: أن ظالمً وإن كان للكثرة لكنه جيء به في‬
‫مقابلة العبيد الذي هو جمع كثرة ويرشحه أنه تعالى قال عالم الغيوب فقابل‬
‫صيغة فعال بالجمع وقال في آية أخرى عالم الغيب فقابل صيغة فاعل الدالة على‬
‫أصل الفعل بالواحد. الثاني: أنه نفى الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة ألن الذي‬
‫يظلم إنما يظلم النتفاعه بالظلم فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فألن يترك القليل‬
‫أولى. الثالث: أنه على النسبة أي بذي ظلم حكاه ابن مالك عن المحققين"‬
                                                                    ‫(2:010)‬
                                                                ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
        ‫في جميع األجوبة دليل على عدم المعرفة بأسلوب كالم العرب2 (2:11).‬
‫11- قال ابن أبي اإلصبع في "تأكيد المدح بما يشبه الذم" "هو في غاية العزة‬
‫في القرآن قال ولم أجد منه إال آية واحدة3 وهي قوله: "قل يا أهل الكتاب هل‬
‫تنقمون منا إال أن آمنا باهلل ..." (سورة المائدة: 11) قلت "ونظيرها قوله: "وما‬
     ‫نقموا إال أن أغناهم اهلل ورسوله من فضله" (سورة التوبة: 24). (2:200).‬
                                                                ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬




‫1 ع ّف اإلمام بهذا األسلوب في كتابه "أساليب القرآن" (61) بعنوان "حذف جانبين من‬      ‫ر‬
‫المتقابلين لما دل عليه مقابله" وذكر العديد من األمثلة بما فيها "فأذاقها اهلل لباس الجوع‬
‫والخوف" وهذا الشعر، وبسبب هذا الحذف اعترض قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر"،‬
                                  ‫نقد العالمة قول قدامة في كتابه جمهرة البالغة، ص 44‬
                  ‫2 عند اإلمام نفي المبالغة هو المبالغة في النفي، انظر: أساليب القرآن، 77‬
                                                                       ‫3 بديع القرآن، 7:‬

                                           ‫97‬
‫مجلة الهند‬

‫ومنه1 قوله تعالى: "وما نقموا منهم إال أن يؤمنوا باهلل العزيز الحميد" (سورة‬
                                                      ‫البروج: 1) (2:010).‬
‫12- ذكر السيوطي نوعا في المطابقة فقال: "ومنه نوع يس ّى ترصيع الكالم وهو‬
                    ‫م‬                              ‫ً‬
                               ‫2‬
‫اقتران الشيء بما يجتمع معه في قدر مشترك كقوله: "إن لك أال تجوع فيها وال‬
‫تعرى وأنك ال تظمأ فيها وال تضحى"3 (سورة طـه: 100و100) أتى بالجوع مع‬
‫العرى وبابه أن يكون مع الظمأ وبالضحى مع الظمأ وبابه أن يكون مع العري لكن‬
‫الجوع والعري اشتركا في الخلو فالجوع خلو الباطن من الطعام والعري خلو‬
‫الظاهر من اللباس والظمأ والضحى اشتركا في االحتراق فالظمأ احتراق الباطن‬
                                  ‫ر‬
                ‫من العطش والضحى احتراق الظاهر من ح ّ الشمس" (2:220).‬
                                                                 ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                                           ‫هكذا قال ابن القيم4 وفيه تكلف (2:110).‬
‫02- "وقال الزركشي في أوائل البرهان: قد جرت عادة المفسرين أن يبدؤا بذكر‬
‫سبب النزول ووقع البحث في أنه أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب‬
  ‫أو بالمناسبة ألنها المصححة لنظم الكالم وهي سابقة على النزول" (2:442).‬
                                                                 ‫تعليق اإلمام الفراهي:‬
                              ‫هذا موافق بما اخترت في ترتيب الفصول (2:122).‬
‫ترجمة من األردوية: سميراء أجمل‬


                                 ‫المصادر والمراجع‬


‫1 وأيضً نظيره آية سورة األعراف، "وما تنقم منا إال أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا" (رقم‬
                                                                                 ‫ا‬
                                                                            ‫اآلية: 912).‬
‫2 لم أجد في أي كتاب للبالغة ما يس ّى بـ"ترصيع الكالم" حتى السيوطي لم يذكره في كتابه‬
                                                      ‫م‬
                                                       ‫د‬
‫"شرح عقود الجمان" فاآلية التي ق ّمها على سبيل المثال والتي نقل شرحها من ابن القيم،‬
                 ‫نقلها ابن القيم نفسه في كتابه الفوائد (621) تحت عنوان "المقابلة المعنوية"‬
‫3 شرح اإلمام هذه اآلية في حاشية كتاب العمدة فقال: "في اآلية نفى بؤس الدنيا، فإن فيها‬
‫شتاء وصيفاً، ففي الشتاء يشتد الجوع، ويقل الرزق، ويؤذي الهواء العريان، فيصيبه األذى‬
‫في باطنه وظاهره، وكذلك يتأذى في الصيف في جوفه وضاحي جسمه، ونظيره هذه اآلية:‬
                                                          ‫ا‬           ‫ا‬
                                                        ‫"ال يرون فيها شمسً وال زمهريرً".‬
                                             ‫4 بدائع الفوائد، 35771، والتفسير المقيم، 9:3‬

                                           ‫08‬
‫مجلة الهند‬

‫0. ابن أبي اإلصبع: بديع القرآن (تحقيق: حفني محمد شريف)، دار نهضة،‬
                                ‫القاهرة، الطبعة الثانية، سنة الطبع لم تذكر‬
‫2. ابن األنباري: اإلنصاف في مسائل الخالف (تحقيق: محمد محيي الدين عبد‬
                 ‫الحميد)، المطبع لم يذكر، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1140ه‬
‫4. ابن الجوزي: نزهة األعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (تحقيق: محمد‬
             ‫عبد الكريم الراضي)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 2120ه‬
‫2. ابن الجوزي: نواسخ القرآن (تحقيق: محمد أشرف علي الملباري)، الجامعة‬
                        ‫اإلسالمية، المدينة المنورة، الطبعة األولى، 2120ه‬
                      ‫1. ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 2120ه‬
‫2. ابن القيم: بدائع الفوائد، إدارة الطباعة المنيرية، تصوير دار الكتاب العربي،‬
                                               ‫بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫4. ابن جرير الطبري: تفسير الطبري (تحقيق: محمود شاكر وأحمد شاكر)،‬
                                ‫دار المعارف، القاهرة، سنة الطبع لم تذكر‬
‫1. ابن جرير الطبري: تفسير الطبري، الحلبي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1140ه‬
   ‫1. ابن حجر العسقالني: تهذيب التهذيب، دائرة المعارف، حيدراباد، 4240ه‬
‫10. ابن حجر: المطالب العالية (تحقيق: حبيب الرحمن األعظمي)، دار الكتب‬
                                       ‫العلمية، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫00. ابن خزيمة: صحيح ابن خزيمة (تحقيق: محمد مصطفى األعظمي)، المكتب‬
                                    ‫اإلسالمي، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫20. ابن كثير: تفسير ابن كثير (تحقيق: محمد إبراهيم البنا ورفقاؤه)، الشعب،‬
                                               ‫القاهرة، سنة الطبع لم تذكر‬
‫40. ابن هشام: مغني اللبيب (تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد اهلل)، دار‬
                                 ‫الفكر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1410م‬
      ‫20. أبو جعفر النحاس: الناسخ والمنسوخ، مطبعة السعادة، مصر، 4240ه‬
‫10. أبو حاتم الرازي: كتاب الزينة في الكلمات اإلسالمية العربية (تحقيق: حسين‬
                  ‫بن فيض اهلل الهمداني)، المطبع لم يذكر، القاهرة، 1110م‬
‫20. أبو حيان األندلسي: البحر المحيط، مكتبة النصر الحديثة، الرياض، المملكة‬
                                     ‫العربية السعودية، سنة الطبع لم تذكر‬
‫40. أبو عبيدة معمر المثنى: مجاز القرآن (تحقيق: محمد فؤاد سيزكين)، مؤسسة‬
                                 ‫الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 0120ه‬
       ‫10. أبو عوانة: مسند أبو عوانة، دار المعرفة، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫10. أشرف علي التهانوي: ترجمة القرآن األردوية، مكتبة سليم، نيو دلهي، سنة‬
                                                            ‫الطبع لم تذكر‬

                                    ‫18‬
‫مجلة الهند‬

‫12. أمين أحسن اإلصالحي: تدبر قرآن، فاران فاؤنديشن الهور، (الترتيب‬
‫الجديد)، الطبعة األولى، 4110م من المجلد الخامس إلى المجلد الثامن،‬
            ‫فاران فاؤنديشن الهور، (الترتيب القديم)، الطبعة الثانية، 2110م‬
                                              ‫ي‬
‫02. تفسير ابن القيم: التفسير الق ّم (ترتيب: محمد أويس الندوي)، دار الكتب‬
                                                  ‫العلمية، بيروت، 1140ه‬
      ‫22. حاجي خليفة: كشف الظنون، مكتبة المثنى، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
                      ‫42. الحاكم: المستدرك، المطبع لم يذكر، حيدراباد، 4440ه‬
‫22. الدامغاني: قاموس القرآن (إصالح الوجوه والنظائر، ترتيب: عبد العزيز‬
           ‫سيد األهل)، دار المعلم للمالئين، بيروت، الطبعة الرابعة، 4110م‬
‫12. الراغب اإلصفهاني: معجم مفردات القرآن (تحقيق: نديم شبلي)، دار الكتاب‬
                                       ‫العربي، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫22. الزركشي: البرهان في علوم القرآن (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم)، دار‬
                                       ‫المعرفة، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
                             ‫42. الزمخشري: الكشاف، الحلبي، القاهرة، 1140ه‬
‫12. السيوطي وصاحبه: الجاللين (على هامش المصحف)، دار المعرفة،‬
                                           ‫بيروت، الطبعة األولى، 2120ه‬
‫12. السيوطي: اإلتقان في علوم القرآن (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم)، الهيئة‬
                                  ‫المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2410م‬
        ‫14. السيوطي: اإلتقان في علوم القرآن، المطبعة الكستلية، مصر، 1420ه‬
                     ‫04. السيوطي: اإلتقان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت‬
            ‫24. السيوطي: الدر المنثور، دار المعرفة، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
          ‫44. السيوطي: شرح عقود الجمان، الحلبي، القاهرة، سنة الطبع لم تذكر‬
             ‫24. الشوطاني: فتح القدير، دار المعرفة، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫14. الطحاوي: شرح معنى اآلثار (تحقيق: محمد زهري النجار)، دار الكتب‬
                                        ‫العلمية، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
          ‫24. عبد الحميد الفراهي: تفسير سورة البقرة (مخطوط الدائرة الحميدية)‬
‫44. عبد الحميد الفراهي: تفسير نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان، الدائرة‬
                   ‫الحميدية، سرائ مير، أعظم كره، الطبعة األولى، 1112م‬
  ‫14. عبد الحميد الفراهي: جمهرة البالغة، مطبعة معارف، أعظم كره، 1240ه‬
‫14. عبد الحميد الفراهي: فاتحة نظام القرآن، مطبعة إصالح، أعظم كره،‬
                                                                  ‫4140ه‬
‫12. عبد الحميد الفراهي: مجموعة تفاسير فراهي (ترجمة أردوية: أمين أحسن‬
                           ‫اإلصالحي)، أنجمن خدام القرآن، الهور، 4140ه‬

                                    ‫28‬
‫مجلة الهند‬

‫02. عبد الحميد الفراهي: مفردات القرآن، مطبعة إصالح، سرائ مير، أعظم‬
                                                             ‫كره، 1140ه‬
‫22. عبد الحميد، الفراهي: أساليب القرآن، الدائرة الحميدية، سرائ مير، أعظم‬
                                                             ‫كره، 1140ه‬
‫42. الفراء: معاني القرآن (تحقيق: أحمد يوسف النجاتي ومحمد علي النجار)،‬
                                      ‫دار الكتب المصرية، القاهرة، 2440ه‬
‫22. قدامة بن جعفر: نقد الشعر (تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي)، مكتبة الكليات‬
                                               ‫األزهرية، القاهرة، 1140ه‬
           ‫12. القرطبي: تفسير القرطبي، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1140ه‬
‫22. القزويني: التلخيص (شرح: عبد الرحمن البرقوقي)، دار الكتاب العربي،‬
                                                ‫بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫42. مجلة "اإلصالح" الشهرية الصادرة عن الدائرة الحميدية، سرائ مير، أعظم‬
                                                                      ‫كره‬
‫12. مسلم: صحيح مسلم (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي)، الحلبي، القاهرة،‬
                                                    ‫الطبعة األولى، 2440ه‬
                                             ‫ا‬
‫12. معجم غريب القرآن مستخرجً من صحيح البخاري (ترتيب: محمد فؤاد عبد‬
                          ‫الباقي)، دار المعرفة، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫11. مقاتل بن سليمان البلخي: األشباه والنظائر في القرآن الكريم (تحقيق: عبد اهلل‬
            ‫محمود شحاتة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1140ه‬
        ‫01. النسأي: سنن النسأي، المكتبة السلفية، الهور، الطبعة الثانية، 2140ه‬
‫21. هبة اهلل بن سالمة: الناسخ والمنسوخ (على هامش أسباب النزول للواحدي)،‬
                              ‫دار الكتب العلمية، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
‫41. هبة اهلل بن سالمة: الناسخ والمنسوخ، الحلبي، القاهرة، الطبعة الثانية،‬
                                                                  ‫4140ه‬
               ‫21. الهيثمي: مجمع الزوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، 2120ه‬
‫11. يحيى بن سالم: التصاريف (تحقيق: هند شبلي)، الشركة التونسية، تونس،‬
                                                                  ‫1120ه‬




                                     ‫38‬
‫مجلة الهند‬




     ‫تدليس أبي الزبير المكي عن جابر بين‬
     ‫النظرية والتطبيق، دراسة تطبيقية على‬
               ‫صحيح ابن حبان‬
                              ‫(الحلقة األولى)‬
‫- د. ماجد محمد عبده الداللعه‬
                                                                     ‫مقدمة:‬
‫أشيع عن كثير من أئمة الحديث بعض التهم التي لم تثبت عند المتقدمين من‬
‫األئمة ومن هذه التهم تهمة التدليس، والتي اتهم بها كثير من الرواة أمثال أبي‬
‫الزبير المكي وابن جريج والحسن البصري واألعمش والوليد بن مسلم‬
‫وغيرهم، وعند التحقيق وتتبع أقوال أئمة النقد المتقدمين فيهم يتبين غير ذلك فإما‬
‫أنهم لم يصرحوا عن هذه التهم لهؤالء األئمة أو أنهم كانوا يعنون غير التدليس‬
                           ‫الذي اشتهر فيما بعد، كاإلرسال، أو المرسل الخفي.‬
‫ومن هؤالء األعالم أبي الزبير المكي- رحمه اهلل- حيث أشيع عنه أنه كان يكثر‬
‫التدليس ويدلس عن الضعفاء، لذا أردت في هذا البحث بيان حقيقة التدليس‬
‫وأنواعه، وبيان أقوال األئمة المتقدمين والمتأخرين في تدليسه، ومناقشة هل كان‬
                                                 ‫ال‬         ‫ا‬
‫فعله هذا تدليسً أم إرسا ً أو هو من باب المرسل الخفي، ومن ثم بيان التدليس‬
‫عند ابن حبان ورأيه فيه، ومقارنته برأي أئمة الحديث، وبعد ذلك تتبع روايات‬
‫أبي الزبير المكي في صحيح ابن حبان، وقد تتبعت مروياته عن شيخه جابر‬

                                     ‫48‬
‫مجلة الهند‬

‫عددها والصيغ التي روى بها، فما كان بصيغة (سمعت وحدثني وأخبرني) فال‬
       ‫أ‬
‫خالف بين األئمة على سماعها، وأما التي رواها بصيغ محتملة (كُخبرت‬
                                                                    ‫ح‬
‫و ُدثت وقال أو بالعنعنة) فهي موضوع البحث، ألنهم قالوا: أبو الزبير المكي‬
                                     ‫ل‬                      ‫د‬
‫مدلس وال ب ّ أن يصرح بالسماع ممن دًس عنه، سواء في صحيح ابن حبان أو‬
  ‫في غيره من كتب الصحيح والسنن أو غيرها، حتى تقبل مروياته ويطمئن لها.‬
                            ‫وقد قسمت بحثي إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة:‬
          ‫ل‬
         ‫المبحث األول: تعريف التدليس وأقسامه وحكمه ودرجة حديث المدّس‬
                       ‫المبحث الثاني: آراء العلماء في أبي الزبير المكي وتدليسه‬
                      ‫المبحث الثالث: مناقشة األقوال في تدليس أبي الزبير المكي‬
                                                  ‫ل‬
                                    ‫المبحث الرابع: رواية المدّس عند ابن حبان‬
 ‫المبحث الخامس: أحاديث أبي الزبير المكي في صحيح ابن حبان والحكم عليها‬
‫المبحث األول: تعريف التدليس وأقسامه، وحكمه ودرجة حديث المدلس‬
                                                    ‫أ. تعريف التدليس وأقسامه:‬
                                          ‫ل‬
‫التدليس في اللغة: مأخوذ من الدَس، وهو الظلمة والسواد. قال الليث: دلس في‬
                                     ‫1‬
                                             ‫ي‬
                                      ‫البيع، وفي كل شيء إذا لم يب ّن عيبه.‬
‫وقال ابن حجر: "إنه مشتق من الدلس وهو الظالم، وكأنه أظلم أمره على‬
                                       ‫2‬
                                        ‫الناظر لتغطية وجه الصواب".‬
          ‫3‬
                                         ‫م‬                    ‫ا‬
              ‫التدليس اصطالحً: هو ما أخفي عيبه إ ّا في اإلسناد، أو في الشيوخ.‬
           ‫م‬                                           ‫ي‬
‫وصورته: أنْ ُسقط الراوي اسم شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو َنْ فوقه ممن‬
       ‫1‬
                                                    ‫د‬
        ‫هو معاصر، أو يح ّث عمن لم يسمع منه بلفظ غير صريح في السماع.‬



                                               ‫1 انظر بتوسع: تهذيب اللغة، 12/193‬
                                       ‫2 توضيح األفكار لمعاني تنقيح األنظار، 2/973‬
‫3 انظر: الخالصة في أصول الحديث، ص24، ورسالة في أصول الحديث للجرجاني،‬
‫ص76. والتقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية، 2/24، بتصرف. وانظر بتوسع:‬
‫التقييد واإليضاح، 2/:6، والشذا الفياح، 2/342، والنكت على ابن الصالح، 1/49، وتدريب‬
                                                ‫الراوي، 2/311، والمقنع، 2/7:2‬

                                       ‫58‬
‫مجلة الهند‬

‫والتدليس قسمان كما هو معروف عند أهل الفن: تدليس اإلسناد، وتدليس‬
                                                       ‫الشيوخ.‬
                                                            ‫األول: تدليس اإلسناد:‬
‫اختلفت عبارات علماء الحديث في تعريفه على أقوال، ونستطيع أن نلخص هذه‬
‫األقوال في قولين أساسين؛ األول عند المتقدمين، والثاني عند المتأخرين من‬
                                                         ‫علماء الحديث.‬
‫فجمهور المتقدمين من علماء الحديث على أن تدليس اإلسناد هو:"رواية الراوي‬
                                           ‫ن‬       ‫ي‬
  ‫عمن عاصره ولم يلقه، ف ُتوهم أ ّه سمعه منه، أو عمن لقيه ما لم يسمعه منه".‬
‫وهو قول الخطيب البغدادي (ت422هـ )2 ، وابن األثـير (ت212هـ )3 ، وابن‬
‫الصالح (ت422هـ)4، ومشى على هذا القول من جاء بعد ابن الصالح، كاإلمام‬
‫النووي (ت242هـ )5 ، والطيبي (ت424هـ )6 ، وابن كثير (ت244هـ )7 ،‬
                                                 ‫والعراقي (ت211هـ)8.‬
‫تقول الدكتورة أميرة الصاعدي: "وهو صنيع عدد من أئمة الحديث المتقدمين‬
‫كاإلمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والعجلي، والفسوي، وابن حبان،‬
‫وابن عدي، والخليلي، وغيرهم. وعرف ذلك عنهم من خالل أقوالهم في‬
                                                        ‫9‬
                                                         ‫المدلسين".‬


‫1 التقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية، 2/24، وص41، بتصرف. وانظر بتوسع:‬
‫التقييد واإليضاح، 2/:6، والشذا الفياح، 2/342، والنكت على ابن الصالح، 1/49، وتدريب‬
                                                ‫الراوي، 2/311، والمقنع، 2/7:2‬
                                                     ‫2 الكفاية في علم الرواية، ص43‬
                                   ‫3 انظر: جامع األصول في أحاديث الرسول، 2/492‬
                                                       ‫4 معرفة علوم الحديث، ص43‬
                              ‫5 انظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، 2/311‬
                                      ‫6 التبصرة والتذكرة، شرح ألفية العراقي، 2/742‬
                           ‫7 اختصار علوم الحديث (مطبوع مع الباعث الحثيث)، ص3:‬
                                            ‫8 الخالصة في أصول الحديث، ص24-14‬
      ‫9 ابن جريج مروياته وأقواله في التفسير من أول القرآن إلى نهاية سورة الحج،2/941‬

                                       ‫68‬
‫مجلة الهند‬

‫ثم قالت: " وكانوا يطلقون هذا المعنى على تدليس ابن جريج؛ حيث يطلقون على‬
‫المدلس أنه لم يسمع من فالن ويدلس عنه، وبذلك أدخلوا في تعريف التدليس‬
                                    ‫1‬
                                       ‫ا‬
                                     ‫رواية الراوي عمن عاصره أيضً".‬
‫وأضافت قائلة: "بينما نجد التعريف الثاني للتدليس، خص التدليس برواية‬
‫الراوي عمن لقيه فقط. وعلى هذا جمهور المتأخرين، حيث قالوا في تدليس‬
‫ً‬
‫اإلسناد: "هو أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، موهما‬
                               ‫2‬
                                ‫السماع، من غير أن يذكر أنه سمعه منه".‬
‫وهكذا عرفه ابن حجر العسقالني (ت211هـ )3 ، ومن جاء بعده كالسخاوي‬
‫(211هـ )4 ، وشيخ اإلسالم األنصاري (ت221ه )5 ، ومحمد بن إبراهيم‬
             ‫المعروف بابن الحنبـلي (ت041هـ)6، والمنـاوي (ت2410هـ)7.‬
‫وقد أخذ ابن حجر هذا التعريف، من كالم أبي بكر البزار8 (ت212هـ)، وأبي‬
‫الحسن بن القطـان (ت 122هـ )9 ، وابن عبد الب ر01 ، والحافظ العـالئي‬
                                                       ‫(ت024هـ)11.‬
‫ومن خالل النظر في التعريفين، نجد أن التعريف األول، دخل فيه رواية الراوي‬
‫عمن عاصره ولم يلقه بصيغة موهمة للسماع، وهذا ما يعرف بالمرسل الخفي،‬
             ‫عند الحافظ ابن حجر1 وهو قسم من أقسام التدليس عند المتقدمين.‬


                                                          ‫1 المصدر نفسه، 2/441‬
                                                          ‫2 المصدر نفسه، 2/441‬
                                             ‫3 نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص63‬
                                     ‫4 فتح المغيث شرح ألفية الحديث، 2/671-221‬
                ‫5 فتح الباقي على ألفية العراقي (مطبوع مع التبصرة والتذكرة)، 2/742‬
                                          ‫6 قفو األثر في صفو علم األثر، ص14-34‬
                      ‫7 انظر: اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، 2/::3-143‬
                                 ‫8 التقييد واإليضاح شرح مقدمة ابن الصالح، ص46‬
                              ‫9 بيان الوهم واإليهام الواقعين في كتاب األحكام، ص46‬
                                                                 ‫01 التمهيد، 2/2:‬
                                      ‫11 جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص46‬

                                     ‫78‬
‫مجلة الهند‬

                                             ‫مي‬
‫أما التعريف الثاني فقد َ ّز ابن حجر، بين تدليس اإلسناد، والمرسل الخفي،‬
                                               ‫ا ل‬
      ‫وهو فرق دقيق جدً، يد ّ على دقة علماء الحديث في تحديد مصطلحاتهم.‬
                     ‫ا‬
‫تقول أميرة الصاعدي: "وعلى هذا نجد أن هناك عددً من الرواة، وصفهم‬
    ‫د‬
‫المتقدمون بالتدليس، بناء على تعريفهم السابق، بينما نجد المتأخرين ال يع ّونهم‬
                 ‫2‬
                                                        ‫د‬           ‫ل‬
                  ‫من المدّسين، بل يع ّون فعلهم من باب اإلرسال ال التدليس".‬
‫قال ابن حجر: "من ذكر بالتدليس أو اإلرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن‬
‫لقيه فهو تدليس، أوعمن أدركه ولم يلقه، فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه‬
                                                    ‫فهو مطلق إرسال"3.‬
‫ثم تقول أميرة الصاعدي: "بهذا التفريق الدقيق بين المصطلحات الثالثة:‬
  ‫ي‬                   ‫د‬
‫اإلرسال، والتدليس، والمرسل الخفي، نستطيع أن نح ّد فعل ابن جريج، ونبّن‬
‫منه ما هو من باب اإلرسال، أو من باب التدليس، أو المرسل الخفي، وذلك عند‬
     ‫4‬
      ‫دراسة أقوال المتقدمين والمتأخرين، في تدليس ابن جريج، وتحديد نوعه".‬
‫وعلى هذا يمكن حمل األمر في أبي الزبير المكي في روايته عن شيخه جابر‬
                                                         ‫بن عبد اهلل.‬
                                      ‫وتدليس اإلسناد هنا على أربعة أضرب:‬
                        ‫ل‬
‫0. تدليس التسوية: "وصورته أن يجيء المدّس إلى حديث سمعه من شيخ‬
‫ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف وذلك الشيخ الضعيف يرويه‬
                                                      ‫عن شيخ ثقة.‬
‫فيعمل المدّس الذي سمع الحديث من الثقة األول فيسقط منه شيخ شيخه‬‫ل‬
‫الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة‬
‫ونحوها، فيصير اإلسناد كله ثقات ويصرح هو عن االتصال بينه وبين شيخه،‬
‫ألنه قد سمعه منه فال يظهر حينئذ في اإلسناد ما يقتضى عدم قبوله إال ألهل‬
                                                   ‫5‬
                                                    ‫النقد والمعرفة بالعلل".‬

                ‫1 نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل األثر، ص17-37‬
                                   ‫2 ابن جريج مروياته وأقواله في التفسير، 2/441‬
                                          ‫3 النكت على كتاب ابن الصالح، 1/319‬
                                   ‫4 ابن جريج مروياته وأقواله في التفسير، 2/441‬
              ‫5 التقييد واإليضاح، ص96. وجامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص172‬

                                    ‫88‬
‫مجلة الهند‬

‫2. تدليس القطع: وهو أن يقطع اتصال أداة الرواية بالراوي أو "أن يحذف‬
                            ‫1‬
                              ‫الصيغة ويقتصر على قوله: فالن عن فالن".‬
‫4. تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخً‬
‫ا‬
‫آخر لم يسمع منه ذلك المروي أو "وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه، ما‬
‫سمعاه من شيـخ اشتركا فيـه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون اآلخر،‬
                       ‫2‬
                        ‫فيصرح عن األول بالسماع، ويعطف الثاني عليه".‬
   ‫ل‬                               ‫ل‬
‫وحكم هذا القسم عدم قبول رواية المدّس فيه، ولكن إذا صرح المدّس‬
‫المعروف بما يقتضي االتصال كأن يقول: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا وكان ثقة‬
         ‫3‬
                          ‫م‬                        ‫ا‬
           ‫قبل مرويه". وحكمه أيضً الكراهة عند الجمهور وذ ّه أكثر العلماء.‬
‫1. تدليس الصيغ: وهو أن يذكر الراوي، صيغة التحمل من شيخه، على غير‬
‫ما اصطلح عليه أهل الحديث، كأن يصرح عن اإلخبار في اإلجازة، أو عن‬
                               ‫4‬
                                ‫التحديث في الوجادة، أو فيما لم يسمعه.‬
          ‫ال‬
‫2. تدليس السكوت: "وهو أن يذكر صيغة التحمل، ثم يسكت قلي ً، ثم يقول:‬
                                                           ‫5‬
                                                            ‫فالن".‬
                                    ‫م‬
‫الثاني تدليس الشيوخ: "وهو أن يس ّي شيخه الذي سمع منه بغير اسمه‬
‫المعروف أو يصفه بما لم يشتهر به من كنية أو لقب أو نسبة إلى بلد ألجل أن‬
     ‫يص ّب على غيره الطريق.6 ويلحق بهذا النوع من التدليس تدليس البلدان.‬
                                                                   ‫ع‬
                                                    ‫د‬
‫وهناك مراتب ع ّة للتدليس ذكرها ابن حجر في كتابه "تعريف أهل التقديس"‬
                                           ‫7‬
                                            ‫وذكر حكم كل طبقة منها:‬

          ‫1 تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص:1، والتبصرة، 2/142‬
                                                   ‫2 النكت على ابن الصالح، 1/929‬
‫3 التقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية، 2/74، بتصرف، وانظر: التقييد واإليضاح،‬
                                                                            ‫2/96‬
                                         ‫4 فتح المغيث، 2/773، والموقظة، ص9:-4:‬
                                                   ‫5 النكت على ابن الصالح، 1/429‬
                                    ‫6 الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث، ص492‬
‫7 انظر: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص:7، وكراسة علم الرجال‬
                                                    ‫والجرح والتعديل، ص71‬

                                        ‫98‬
‫مجلة الهند‬

                                                  ‫ا ا‬
                                                 ‫0. ما كان تدليسهم نادرً جدً.‬
                                                            ‫ل‬
                                           ‫2. الثقات الذين دّسوا عن ثقات مثلهم‬
‫وحكم هاتين المرتبتين أنه يحمل حديثهم على االتصال ولو لم يصرحوا عن‬
                                                             ‫السماع.‬
                                                       ‫ل‬
                                ‫4. الثقات الذين دّسوا عن الثقات والضعفاء.‬
                    ‫2. الثقات الذين أكثروا من التدليس عن الثقات والضعفاء.‬
‫وحكم هاتين المرتبتين أنه ال يحمل حديثهم على االتصال إال إذا صرحوا عن‬
                                                               ‫السماع.‬
                                        ‫ل‬
‫1. الضعفاء الذين دّسوا عن غيرهم، وحكم قبول حديثهم مردود وإن‬
                                           ‫صرحوا عن السماع.‬
           ‫ل‬                                        ‫ن‬
‫والصحيح على ما ُقل عن الجمهور التفصيل وأن ما رواه المدّس بلفظ مبين‬
‫لالتصال نحو: سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباهها فهو مقبول محتج به، وفي‬
‫الصحيحين وغيرهم من الكتب المعتمد عليها من حديث هذا الضرب كثير جدً‬
‫ا‬
                                           ‫1‬
                                            ‫كقتادة واألعمش والسفيانين.‬
                                                ‫ب. حكم المدلس ودرجة حديثه:‬
‫ذ ّ علماء الحديث التدليس، وكرهوه لما فيه من اإليهام، وكان شعبة من أشدهم‬   ‫م‬
   ‫د‬
‫ذمً له، وتختلف درجة كراهته باختالف الغرض الحامل على التدليس. ور ّ عن‬    ‫ا‬
                              ‫2‬
                      ‫وق ل أ‬                                ‫ف‬
‫شعبة التشديد ِيْه، قال: "التدليس أخو الكذب" ، َ َا َ َيْضا: "إلنْ أزني أحب‬
                                                      ‫3‬
             ‫ا‬                         ‫ه‬                    ‫ل‬
‫إلي من أن أدّس" . ومنهم من س ّل أمره وتسامح فيه كثيرً، قال أبو بكر‬
               ‫4‬
                                       ‫ه‬
                ‫البزار: "التدليس ليس بكذب، وإنما ُو تحسين لظاهر اإلسناد".‬
  ‫ح‬                                 ‫ل‬
‫وذكروا عدة أقوال في قبول رواية المدّس حسب نوع تدليسه، ولعل من أص ّها‬
     ‫ي‬                   ‫ل‬
‫التفصيل كما قال ابن الصالح، أن ما رواه المدّس بلفظ محتمل لم يب ّن فيه‬

                              ‫1 انظر: الشذا الفياح من علوم ابن الصالح، 2/942-442‬
‫2 رواه ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، 2/472، والبيهقي، مناقب الشافعي، 1/:3،‬
                                               ‫والخطيب البغدادي، الكفاية، 2/::3‬
‫3 رواه ابن أبي حاتم، في تقدمة الجرح والتعديل، 2/342، وابن عدي، في الكامل، ص2‬
                                          ‫و472، والخطيب في الكفاية، ص9:3‬
                                              ‫4 النكت على مقدمة ابن الصالح، 1/24‬

                                      ‫09‬
‫مجلة الهند‬

                ‫ي‬
‫السماع واالتصال، فحكمه حكم المرسل. وما رواه بلفظ مبّن لالتصال كسمعت،‬
                             ‫وحدثنا، وأخبرنا، وشابهها، فمقبول محتج به1.‬
‫وجميع أنواع التدليس غير مقبولة عند الجمهور المحدثين ما لم يتحقق السماع‬
                                     ‫ا‬         ‫ال‬
‫وما لم يكن المدلس ثقة عد ً وخصوصً النوع األول، وقد جعله فريق من أهل‬
                                                     ‫ا‬
‫الحديث والفقهاء محرمً كما هو شأن النوع الثاني وقالوا ال تقبل روايته بحال‬
‫بين السماع أو لم يبين، ولكن في األمر تفصيل. قال ابن حجر: "وحكم من ثبت‬
                                                  ‫ال‬
‫عنه التدليس، إذا كان عد ً، أن ال يقبل منه، إال ما صرح فيه عن التحديث على‬
                                                                ‫األصح"2.‬
  ‫و‬
‫والصحيح الذي عليه الجمهور أنه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرا ِي‬
                                   ‫هو َ ب‬
‫َتى نرد جميع حديثه، وإنما ُ َ ضرْ ٌ من اإليهام، وعلى هذا نص الشافعي‬       ‫ح‬
                                             ‫ق‬
‫فقال: "ومن عرفناه دلس مرة فَ َدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة‬
‫بالكذب فنرد بها حديثه، وال النصيحة في الصدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل‬
‫النصيحة في الصدق"3. ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة علَى "المبالغة في‬
                ‫َ‬
                                                       ‫الزجر عنه والتنفير"4.‬
  ‫ل‬
‫وعلى هذا فال بد من معرفة صيغة العنعنة ونوعها، وال يحكم على المدّس‬
‫بحكم عام بل ال بد من التفصيل في المسالة، لذلك قال المعلمي اليماني: "اشتهر‬
        ‫ي‬
‫في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي ُذكر اسمه‬
                                           ‫5‬
                                            ‫قبلها، بل هي من لفظ من دونه".‬
‫تقول أميرة الصاعدي: "ولعل معرفة هذا األمر مما يصعب، فال نستطيع أن‬
‫نحكم على الراوي بالتدليس في هذا الحديث من خالل الصيغة، بل نعرف ذلك‬
‫بتصريح العلماء بسماعه من فالن أو عدم سماعه، وبتدليسه في هذا الحديث‬
‫خاصة، أو أحاديث فالن، بنـاء على معرفتهم التامـة برواياته وصيغها،‬
                             ‫6‬
                                                              ‫ا‬
                              ‫وخصوصً عند المتقدمين من علماء الحديث".‬

                     ‫1 انظر: معرفة علوم الحديث، ص242، وتدريب الراوي، 2/617‬
                                                            ‫2 نزهة النظر، ص37‬
                                                               ‫3 الرسالة، 2/643‬
                                                ‫4 معرفة أنواع علم الحديث، ص49‬
                                 ‫5 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من األباطيل، 2/94‬
                                   ‫6 ابن جريج مروياته وأقواله في التفسير، 1/141‬

                                    ‫19‬
‫مجلة الهند‬

‫وهذا الحكم بالنسبة لتدليس اإلسناد، حيث ال يقبل إال ما صرح فيه الراوي عن‬
                                                                ‫السماع.‬
‫وحكم تدليس الشيوخ يختلف بحسب الغرض الحامل عليه، فإن كان لضعف‬
‫الشيخ المروي عنه فيدلسه حتى ال تظهر روايته عن الضعفاء، فالحرمة‬
‫لتضمنه الغش والخيانة، وال يقبل خبره. وإن كان لصغر سنه عن المدلس، حتى‬
      ‫1‬
                                               ‫م‬
       ‫ال يشاركه في األخذ عنه َن هو دونه فالكراهة وال يقبل ألنه مجهول".‬
‫قال السيوطي: "وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه، فإن كان لكون‬
‫ّ‬                                             ‫ا‬
‫المغير اسمه ضعيفً، فيدلسه حتى ال يظهر روايته عن الضعفاء، فهو شر‬
                                                         ‫قسم"2.‬
                                                      ‫ل‬
                                                    ‫أما درجة حديث المدّس:‬
                 ‫ال‬
‫فيمكن أن يرتقي حديث المدلس إلى الحسن لغيره ويكون قاب ً لإلعتضاد بغيره،‬
‫لذلك قال ابن حجر: "ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله‬
‫ال دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، واإلسناد المرسل، كذا المدلس‬
‫إذا لم يعرف المحذوف منه، صار حديثهم حسنً ال لذاته بل بالمجموع".3 وإلى‬
                             ‫ا‬
                                               ‫ا‬
‫هـذا ذهب السيوطي أيضـً حيث قال: "وكذا إذا كان ضعفها إلرسال، أو‬
   ‫4‬
    ‫تدليس، أو جهالة حال، زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته".‬
        ‫المبحث الثاني: آراء األئمة في أبي الزبير المكي وتدليسه‬
‫ض ّف الشيخ شعيب األرنؤوط أحاديث أبي الزبير المكي في صحيح ابن حبان؛‬‫ع‬
                        ‫بسبب تدليسه كما قال، وليس لها علة عنده غيرها.‬
                                         ‫ال‬     ‫ل‬
‫قلت: لكن هل أبو الزبير مدّس فع ً أم ال؟ وإذا ثبتت براءته من تهمة التدليس،‬
               ‫ا‬
‫فيكفيني هذا مؤنة تخريج هذه األحاديث؛ ألن عللها واحدة علمً أن جميعها من‬
‫رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد اهلل، وهنا تكمن المشكلة فيمن ضعف رواية أبي‬
     ‫الزبير عن جابر، لهذا سيدور النقاش حول أبي الزبير من عدة أمور، أبرزها:‬
                         ‫ترجمة أبي الزبير المكي‬

                     ‫1 التقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية، 2/74، بتصرف.‬
                                                        ‫2 تدريب الراوي، 2/731‬
                                                       ‫3 نزهة النظر، ص2:-1:‬
                                                        ‫4 تدريب الراوي، 2/442‬

                                    ‫29‬
‫مجلة الهند‬

‫هو محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير القرشي األسدي المكي، ولد بين‬
‫األربعين والخمسين للهجرة.1 وهو من الطبقة الرابعة التي تلي الوسطى من‬
‫التابعين، وتوفي سنة: 220هـ، وروى له البخاري 10 مرات، مرة واحدة منها‬
‫مقرونً بغيره، و1 مرات في المتابعات المعلقة، ومسلم وأبو داود والترمذي‬ ‫ا‬
             ‫2‬
‫والنسائي وابن ماجة. وقال ابن حجر: "صدوق إال أنه يدلس". وقال الذهبـي:‬
                ‫3‬
                                                       ‫ل ا‬
                 ‫حافظ ثقة، وكان مدّسً واسع العلم، قال أبو حاتم: ال يحتج به.‬
‫أقول: إذن المشكلة في تدليس أبي الزبير، ال في كونه ثقة وحافظاً؛ فإن جميع من‬
                                            ‫ترجموا له وصفوه بالحفظ والثقة.‬
‫وأما الذين وصفوه بالتدليس فهم: أبو الزبير نفسه اعترف على نفسه بالتدليس‬
‫فيما رواه عنه الليث بن سعد4، والنسائي كما ذكر ابن حجر5، وابن حزم6،‬
                     ‫والذهبي7، وسبط بن العجمي8، والعالئي9، وابن حجر01.‬

‫1 صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، مجلة جامعة اإلمام محمد بن سعود اإلسالمية، العدد‬
                                                      ‫الثامن، رجب: 4020هـ، ص20‬
                                              ‫2 تقريب التهذيب، ص97:، ترجمة:2619‬
‫3 الكاشف، 1/921، ترجمة: 672:. وانظر: ترجمته في الطبقات الكبرى، :/247،‬
‫والمزي، تهذيب الكمال، 91/177-727، ترجمة: 179:، وتهذيب التهذيب، 6/263- 163،‬
                                ‫ترجمة: 614، والكامل في ضعفاء الرجال، 1/112‬
‫4 رواه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال، 9/712؛ والعقيلي في الضعفاء الكبير،‬
‫7/132 ومن طريقه ابن حزم في المحلى، 4/963. و6/22 وما بعدها، 4/963 و6/22‬
‫و22/:13 وقال في 72/33: "أصح طريق" من طريق سعيد بن أبي مريم يقول: سمعت‬
                                            ‫ي‬
‫الليث يقول: أتيت أبا الزبير المكي، فدفع إل ّ كتابين. قال: فلما سرت إلى منزلي قلت: ال‬
‫أكتبهما حتى أسأله. قال: فرجعت إليه فقلت: هذا كله سمعته من جابر؟ قال: ال. قلت: فأعلم لي‬
                                  ‫على ما سمعت. قال: فأعلم لي على هذا الذي كتبته عنه".‬
                                                                                      ‫5‬
                                                                   ‫ل‬
                                                  ‫طبقات المدّسين، ص:7 رقم: 272‬
                                                                                      ‫6‬
                           ‫المحلى، 4/963 و6/22 و22/:13 وحجة الوداع، ص:61‬
                                                                                      ‫7‬
                                                              ‫ميزان االعتدال، 7/43‬
                                                                                      ‫8‬
                                                           ‫ل‬
                                       ‫التبيين ألسماء المدّسين، ص771، ترجمة: :4‬
                                                                                      ‫9‬
                                          ‫جامع التحصيل في أحكام المراسيل، 2/691‬
                                                                                     ‫01‬
                                           ‫تقريب التهذيب، ص97:، ترجمة: 2619‬

                                         ‫39‬
‫مجلة الهند‬

‫لذلك قال ابن العجمي: "ولهذا توقف جماعة من األئمة بما لم يروه الليث عن أبي‬
‫الزبير عن جابر بلفظ عن".1 وقال ابن حزم: "فما لم يكن من رواية الليث عن‬
‫أبي الزبير، وال قال فيه أبو الزبير إنه أخبره به جابر، فلم يسمعه من جابر‬
‫بإقراره، وال ندري عمن أخذه، فال يجوز االحتجاج به، فهو منقطع"2. وقال‬
‫الذهبي في حكاية الليث: "وعمدة ابن حزم حكاية الليث، ثم هي دالة على أن‬
                    ‫3‬
                      ‫الذي عنده إنما هو مناولة، فاهلل أعلم أ سمع ذلك منه أم ال.‬
                                          ‫ال‬
‫وقال الشيخ صالح بن أحمد محاو ً اإلجابة عن مشكلة أخذ أبي الزبير لبعض‬
                              ‫ل‬
‫األحاديث مناولة: "وهذه حكاية ال تفيد أنه كان يدّس في الحديث، وذلك أن عادة‬
                       ‫د‬
‫طلبة العلم أنهم يأخذون أصول الشيخ لينسخوها، ثم ير ّوها إليه، وذلك لقراءتها‬
            ‫ا‬
‫عليه بعد ذلك، وغاية ما تفيد أن أبا الزبير كان حديث جابر مكتوبً عنده، وكان‬
‫من الحفظ واإلتقان بحيث يستطيع أن يميز، ويفرق بين ما سمعه وما لم يسمعه،‬
              ‫4‬
               ‫رغم أن الليث رآه بعد ما كبر سنه، وجاوز الستين أو كان فيها".‬
        ‫المبحث الثالث: مناقشة األقوال في تدليس أبي الزبير المكي‬
       ‫ل‬                   ‫ل‬            ‫ن‬         ‫ال‬
‫أقوال األئمة السالفة تدل فع ً على أ ّ أبا الزبير مدّس، ولكن هل كان يدّس عن‬
                                                               ‫ل‬
‫الضعفاء أم يدّس عن الثقات؟ وهل كل أنواع التدليس مذمومة أم ال؟ وفي حدود‬
                                           ‫هم‬                 ‫ا‬
‫علمي أن كثيرً من المحدثين ات ِ ُوا بالتدليس، ولكن المحققين لم يردوا حديثهم،‬

                                                                                        ‫1‬
                                         ‫التبيين ألسماء المدلسين، ص771، ترجمة: :4‬
                                                                                        ‫2‬
                                                    ‫المحلى، 4/963 و6/22 و22/:13‬
                                                                                        ‫3‬
                                                             ‫سير أعالم النبالء، :/343‬
‫4 صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص21. قال الدكتور محمد أبو الليث الخير آبادي‬
                              ‫ل‬
‫"شيخي": "قول الشيخ صالح: "وهذه حكاية ال تفيد أنه كان يدّس في الحديث" "إن كان األمر‬
‫كما يظن الشيخ صالح فلماذا لم يقل أبو الزبير عند سؤال الليث ما يرد عنه تهمة التدليس، مع‬
‫أن سؤال الليث كان يدل على ذلك، ومثل هذا السؤال ينبغي أن تخفى تبعاته على أمثال أبي‬
‫الزبير المكي. وليس ذلك فحسب بل سكت وأعلم على ما سمع. وأما قوله: "وغاية ما تفيد أن‬
                                                         ‫ا‬
‫أبا الزبير كان حديث جابر مكتوبً عنده، وكان من الحفظ واإلتقان بحيث يستطيع أن يميز،‬
‫ويفرق بين ما سمعه، وما لم يسمعه" المشكلة ليست في قدرته على التمييز بين ما سمعه وبين‬
                    ‫ا‬                                   ‫ا‬
‫ما لم يسمعه؛ ألنه لو لم يكن قادرً على ذلك لما قبل العلماء وال حديثً من أحاديثه، ولكنهم‬
‫قبلوا ما صرح فيه بالسماع، وإنما المشكلة في أنه دفع إلى الليث ذينك الكتابين لينسخهما على‬
‫أنهما من مسموعاته، لذلك سأله الليث. أما قول الشيخ صالح: "رغم أن الليث رآه بعد ما كبر‬
           ‫ن‬          ‫د‬
‫سنه، وجاوز الستين أو كان فيها" أقول: الذي جاوز الستين ال يع ّ كبير الس ّ، ولكن إذا‬
                                   ‫فرضنا ذلك فهذا ال يبيح ألبي الزبير التدليس. واهلل أعلم.‬

                                           ‫49‬
‫مجلة الهند‬

               ‫ا‬                      ‫ن‬
‫ولم يتكلموا في عدالتهم بسببه؛ أل ّ التدليس ليس كله مذمومً، بل هناك أنواع‬
                           ‫غير مذمومة؛ وإن كان الجميع يكرهون التدليس.‬
‫وعرض الشيخ صالح بن أحمد السبب المباشر الذي اتهم فيه أبو الزبير‬
‫بالتدليس، حيث قال: "والذي يدل على تدليسه، ما رواه الترمذي في فضائل‬
‫القرآن، قال: حدثني هريم بن مسعر، أخبرنا الفضيل بن عياض، عن ليث، عن‬
                            ‫ل‬              ‫ل‬
‫أبي الزبير، عن جابر، أن النبي صّى اهلل عليه وسّم كان ال ينام حتى يقرأ: "آلم‬
‫تنزيل... وتبارك الذي بيده الملك". ثم قال الترمذي: "هذا حديث رواه غير واحد‬
‫عن ابن أبي سليم مثل هذا، وروى زهير قال: قلت ألبي الزبير: سمعت عن‬
‫جابر هذا الحديث؟ فقال أبو الزبير: إنما أخبرنيه صفوان، أو ابن صفوان. وكأ ّ‬
‫ن‬
‫زهيرً أنكر أن يكون هذا الحديث عن جابر". ثم قال الترمذي: "حدثنا هريم بن‬‫ا‬
  ‫ل‬
‫مسعر، أخبرنا الفضيل، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صّى‬
                                                       ‫1‬
                                                                ‫ل‬
                                                        ‫اهلل عليه وسّم نحوه".‬
‫ثم حاول صالح بن أحمد اإلجابة على هذه المشكلة، حيث قال: "إذا قبلنا هذه‬
‫الرواية، فأبو الزبير قد أحال إلى ثقة، فهو إذا دّس فإنما يدّس عن الثقات2 فيقبل‬
                    ‫ل‬         ‫ل‬
‫حديثه، ولو عنعنه مثله في ذلك مثل الثوري وابن عيينة. والحكاية رواها‬
‫الترمذي منقطعة فقال: وروى زهير وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي أبو‬
‫خيثمة (240هـ)، وهو ثقة ثبت، ولكنا لم نعلم من رواها عنه.3 وسياق الترمذي‬
‫لهذه الحكاية يوحي بضعفها عنده، فهو روى الحديث بإسناد ثم قال بعده: هذا‬
‫حديث رواه غير واحد عن ليث بن أبي سليم مثل هذا. وقال: ورواه مغيرة بن‬
                                          ‫4‬
                                           ‫مسلم عن أبي الزبير عن نحو هذا.‬

‫1 نق ً عن صالح رضا: الترمذي السنن، باب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الملك،‬
                                                                        ‫ال‬
               ‫:/:92، حديث: 1641 ونحوه في كتاب الدعوات، :/:47، حديث: 7773‬
‫2 قال الخير آبادي: "ال يمكن اتخاذ هذه الواقعة قاعد ً مطرد ً لدفع شبهة التدليس عنه؛ ألنه‬
                            ‫ة‬      ‫ة‬
‫يدّس عن الضعفاء أيضاً، وانتبه لذلك ابن حزم في المحلى في مواضع عديدة. ثم إن كان‬       ‫ل‬
                ‫ل‬                                              ‫ال‬
‫األمر كما تقول فكان سه ً عليه أن يقول لليث عند سؤاله: ال تخف، أنا ال أدّس عن الضعفاء،‬
                                                ‫ولكنه لم يفعل ذلك، بل أعلم على ما سمع".‬
‫3 قال الخير آبادي: "وهل مثل هذا الكالم يصدر عن عالم؟ المهم إسنادها ذكره النسائي في‬
‫عمل اليوم والليلة، ص137، رقم674 قال: أخبرنا أبو داود قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا‬
‫زهير... وأبو داود وهو سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي الحراني، وهو ثقة حافظ.‬
‫والحسن هو ابن محمد بن أعين الجزري، وهو صدوق كما قال ابن حجر في التقريب. فيكون‬
                                                                           ‫ا‬
                              ‫اإلسناد حسنً. وبذلك هذا الكالم بالكامل ال يستحق أن يكتب".‬
                                          ‫4 صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص62.‬

                                          ‫59‬
‫مجلة الهند‬

       ‫ا‬
‫ثم قال صالح بن أحمد: "بعد أن ذكر الترمذي القصة أعاد اإلسناد تأكيدً لثبوته‬
                                                      ‫ا‬
‫عنده، ثم قال: كأن زهيرً أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر.‬
‫فكل ذلك يؤكد ما قلته في أنه يشكك في صحتها ثم أتى بما يثبت أن هذه الرواية‬
‫ثابتة عند أبي الزبير من غير رواية ليث بن أبي سليم ـ وهو ضعيف ـ فيثبت‬
                         ‫1‬
                          ‫الحديث عن أبي الزبير، ويبقى تدليس أبي الزبير فيها".‬
                ‫ي‬
‫أقول: هذه األدلة التي ذكرها الشيخ صالح بن أحمد، وب ّن فيها أن رواية‬
‫الترمذي وإن كان فيها كالم فعلى فرض ثبوتها فإنها ال تدل على أن التدليس من‬
   ‫ل‬               ‫ل‬
‫األمور المذمومة، فقد ذكر كثير من أئمة الحديث أن المدّس الذي كان ال يدّس‬
                                                ‫إال عن ثقة تدليسه، مقبول.‬
                         ‫ل‬                 ‫ي‬      ‫ل‬         ‫ن‬
‫وإذا ثبت أ ّ هذا المدّس قد ب ّن سماعه ممن دّس عنه في كتابه الذي ذكر‬
‫الرواية فيه، أو في غيره من كتبه، أو حتى ذكر ذلك غيره من أئمة الحديث بعد‬
             ‫ض‬                               ‫ن ل‬
‫تتبعهم لطريقه التي اتهم أ ّه دّسها عن شيخه، قبل تدليسه. وو ّحت هذا األمر‬
                                                  ‫ي‬
                              ‫في مبحث التدليس، وب ّنت رأي ابن حبان فيه.‬
                                         ‫ن‬      ‫ع‬      ‫ل‬
‫قال ابن عبد البر: "وك ّ من ُرف أّه ال يأخذ إال عن ثقة فتدليسه ومرسله‬
                                                                 ‫ال‬
‫مقبوالن فمث ً مراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي‬
                       ‫ج‬
‫عندهم صحاح، وقالوا: مراسيل عطاء والحسن ال يحت ّ بها ألنهما كانا يأخذان‬
                             ‫2‬
                              ‫عن كل أحد، ومراسيل أبي قالبة وأبي العالية...".‬
                            ‫ع‬
‫فهذا ابن عبد البر يؤكد هذا المعنى في أن من ُرف بالتدليس أو اإلرسال عن‬
                                                              ‫ق‬
           ‫الثقات ُبل منه الحديث، ومن عرف بهما عن الضعفاء لم يقبل منه.‬
‫ثم قال صالح بن أحمد: "ومن أجل أن أعرف مدى صحة الدعوى بتدليس أبي‬
‫الزبير في روايته عن جابر، قمت بجمع الرواة عن جابر3 في الكتب الستة كما‬

                                                                   ‫1 المصدر نفسه، ص71‬
                                                                           ‫2 التمهيد، 2/73‬
‫3 قال الشيخ أبو الليث الخير أبادي: لماذا جمعت الرواة عن جابر؟ المفروض أن تجمع شيوخ‬
‫أبي الزبير، ثم تنظر من منهم يروي عن جابر، ثم تنظر من منهم ثقات ومن منهم ضعفاء.‬
                            ‫ا‬
‫وجمعتهم أنا فتبين أن من يروي عنهم أبو الزبير هم (:3) شيخً، (6) منهم صحابة، و(62)‬
‫ثقات، و(2) ثقة كثير اإلرسال، (2) منهم صدوق، و(2) صدوق تغير حفظه، و(2) صدوق‬
‫ربما أخطأ، و(2) وثقه العجلي، و(1) مقبوالن. وهذا ال يعني أن هؤالء هم شيوخه فقط، قد‬
‫يكون له شيوخ آخرون في غير الكتب الستة. ولكن بهذه المحاولة ال نستطيع أن نبرز من‬
                  ‫ل ال‬              ‫د‬
‫يسقطهم أبو الزبير عند التدليس. ثم إن أئمة الشأن لم يع ّوه ممن ال يدّس إ ّ عن ثقة. انتبه هذا‬
                                                                         ‫ا ا‬
                                               ‫العلم ليس علمً مبنيً على العاطفة أو الحماس.‬

                                           ‫69‬
‫مجلة الهند‬

                            ‫ا‬
‫في تحفة األشراف، فكانوا ثمانية وتسعين راويً، الضعفاء منهم: ثمانية عشر‬
                                   ‫ل‬                               ‫ا‬
‫راويً، فإذا كان أبو الزبير يريد أن يدّس عن جابر وروى الحديث عن هؤالء‬
‫الضعفاء، فهم أص ً غير مكثرين في الرواية عن جابر، فهل يعقل أن يترك ك ّ‬
‫ل‬                                                    ‫ال‬
   ‫ل‬     ‫ل‬
‫أولئك الثقات فال يروي عنهم، ويروي عن هؤالء الضعفاء المقّين فيدّس‬
             ‫عنهم".1 اثنان وثالثون شيخً ذكرهم المزي في شيوخ أبي الزبير.‬
                                             ‫ا‬
                    ‫ن‬      ‫ي‬
‫أقول: هذا إثبات جيد من الشيخ صالح بن أحمد، ب ّن فيه أ ّ أبا الزبير روى عن‬
‫كثير من الرواة حسبما جاء في الكتب الستة، وغالبهم من الثقات إال ثمانية عشر‬
                                                    ‫ج ن‬
‫راويً، والعقل ير ّح أ ّه من غير الممكن أن يروي أبو الزبير عن هؤالء‬    ‫ا‬
‫الضعفاء ويترك الثقات، ثم ذكر صالح بن أحمد جميع هؤالء الرواة في كتابه،‬
                                                 ‫2‬
                                                  ‫فمن أراد المزيد فليراجعه.‬
                      ‫ال‬
‫ثم أضاف صالح بن أحمد بعد أن سرد هؤالء الرواة قائ ً: "فهؤالء هم الضعفاء‬
‫الذين رووا عن جابر، وأكثرهم من طبقة دون طبقة أبي الزبير، وكلهم على‬
             ‫ل‬                                                    ‫مل‬
‫اإلطال ق ُقّون في الرواية عن جابر، وال أظن أبا الزبير يترك ك ّ الثقات الذين‬
‫رووا عن جابر، ويأخذ هذه األحاديث الكثيرة التي رواها عن جابر عن هؤالء‬
      ‫ع‬                                                          ‫ل‬
‫الضعفاء فيدّ سها عنهم، ولو جمعت أحاديثهم كلها المروية عنهم لم تأت ُشر ما‬
‫روى أبو الزبير عن جابر. ولذا ما زلت أشكك في دعوى تدليس أبي الزبير عن‬
                                             ‫3‬
                                              ‫جابر إال ما ثبت بالدليل القاطع".‬
‫أقول: هذا هو المنطق الذي يجب أن يقبل في موضوع تدليس أبي الزبير، فإن‬
                     ‫ا‬                                   ‫ل‬     ‫ال‬
‫ثبت فع ً أنه دّس وقامت الحجة على ذلك، ينظر ثانيً في الرواية نفسها وال‬
              ‫ل‬                      ‫ن‬
‫يتعدى الحكم إلى غيرها، فإذا ثبت أ ّ هذا الراوي أو ذاك مدّس فال يسحب‬
                          ‫ل‬
‫التدليس على جميع مروياته، بل نرى متى وعمن دّس، وهذه خالصة جيدة في‬
                                                ‫دعوى تدليس أبي الزبير.‬
‫من خالل ترجمة أبي الزبير السابقة، وبعد التأكد من كالم أئمة الجرح والتعديل،‬
‫تب ّ ن لي أنه أثبت الرواة في جابر، وأن أصحاب أبي الزبير كانوا يتذاكرون‬  ‫ي‬
‫الحديث بعد مجلسه، فكان كما قالوا أثبتهم بحديث شيخهم جابر، وكما قال صالح‬
‫بن أحمد: فمن غير المعقول أن يأخذ أبو الزبير الحديث بواسطة عن شيخه جابر‬
        ‫ا‬
‫الذي هو أقرب وأحفظ وألزم تالمذته به من هؤالء الضعفاء، خصوصً أنهم من‬

                                                                             ‫1‬
                                      ‫صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص71‬
                              ‫2 انظر: صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص71-11‬
                                      ‫3 صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص :1.‬

                                     ‫79‬
‫مجلة الهند‬

‫المقلين في الرواية عن جابر، وأبو الزبير هو من المكثرين، ولهذا ال يسلم قول‬
       ‫ا‬
      ‫من قال ذلك؛ ألن الحقيقة والواقع الحديثي ألبي الزبير ينفيان كونه مدلسً.‬
‫ثم يضيف صالح في بحثه: "وأبو الزبير الذي جعله ابن حجر في المرتبة الثالثة‬
               ‫ال‬          ‫ا‬          ‫ا‬             ‫ال‬            ‫ل‬
‫من المدّسين أحسن حا ً، وأحفظ حديثً، وأتقن حفظً وأوثق حا ً من كثير من‬
                         ‫ل‬
‫الرواة الذين وضعوا في المرتبة الثانية من مراتب المدّسين، بل هو أفضل ممن‬
‫جعل في المرتبة األولى من المدّسين1 مثل: عبد ربه بن نافع الحناط الذي قيل‬
                                            ‫ل‬
‫فيه: صدوق في حفظه شيء، وقال يحيى بن سعيد: لم يكن بالحافظ، ولم يرض‬
‫أمره، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ولم يكن بالمتين‬
                   ‫2‬
                    ‫وتكلموا في حفظه، وكعبد اهلل بن عطاء الطائفي، وغيرهما".‬
‫أقول: هذه مقارنة جيدة بين أبي الزبير وبين هذا الراوي الذي كان أبو الزبير‬
                                                              ‫ال‬
‫أحفظ وأتقن حا ً من عبد ربه بن نافع، ومع هذا فقد قبل تدليسه غير واحد من‬
                      ‫ال‬
‫أهل الحديث، وأبو الزبير أولى بالقبول منه ألنه أحسن حا ً منه. فإذا قبله األئمة‬
 ‫ن‬
‫كابن حجر ووضعه في المرتبة األولى، فاألولى وضع أبي الزبير فيها أل ّه‬
                                                                   ‫ال‬
                               ‫أحسن حا ً من كثير ممن هم في المرتبة األولى.‬
                                   ‫ال‬
‫ثم يتابع صالح قوله: "وهو أحسن حا ً من يحيى بن أبي كثير، واألعمش،‬
‫والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار ... وغيرهم، والذين‬
‫وضعهم ابن حجر والعالئي في المرتبة الثانية رغم أنهم وصفوا بالتدليس، الذي‬
‫لم يوصف به أبو الزبير، ولمن راجع كتب الرجال علم حقيقة الحال، فقبول‬
‫عنعنة هؤالء المذكورين وغيرهم تقتضي قبول عنعنة أبي الزبير من باب أولى،‬
                                                           ‫ا‬
‫ولذا نرى مسلمً قد قبل عنعنة أبي الزبير؛ ألنه كان يسير على قواعد أهل‬
‫الحديث، ويطبقها في صحيحه، وهو دقيق في هذا، ولم يأت بشيء غريب أو‬
                                                                   ‫3‬
                                                                    ‫شاذ".‬
‫أقول: فإذا كان حال أبي الزبير هذا فلم وصفه العالئي وابن حجر بالتدليس،‬
                 ‫د‬                          ‫ا‬                      ‫ل‬
‫وقّدهم من جاء بعدهم تقليدً ال يقوم على دليل واضح، أ ّى هذا التقليد إلى‬
‫تضعيف الشيخ األلباني رحمه اهلل بعض األحاديث في صحيح مسلم وجاء بعده‬
  ‫ع‬
‫تلميذه الشيخ شعيب األرنؤوط حفظه اهلل فتابع ابن حجر في قوله، وض ّف‬

                                                                               ‫1‬
                                                         ‫المصدر نفسه، ص:1.‬
‫2 نق ً عن صالح بن أحمد رضا، صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، انظر: ميزان االعتدال‬
                                                                           ‫ال‬
                                               ‫في نقد الرجال، 7/::1، ترجمة: :747‬
                                        ‫3 المصدر نفسه، ص:1، بتصرف واختصار.‬

                                      ‫89‬
‫مجلة الهند‬

‫روايات في صحيح مسلم، وفي صحيح ابن حبان، وإذا كان شعيب ال يعتد بقبول‬
‫مسلم ألبي الزبير، وروايته له أحاديثه التي رواها عن جابر بصيغة العنعنة أو‬
‫بغيرها فهذا شأنه هو، أما األحاديث التي هي في صحيح ابن حبان والتي رواها‬
                 ‫ا‬
‫أبو الزبير فجميعها تدور في دائرة الصحة- وسأناقشها جميعً-، وليس كما قال‬
                       ‫ل‬                              ‫ا‬
‫الشيخ شعيب متابعً فيها من قال: إن أبا الزبير مدّس، فهذا مسلم من أئمة‬
‫الحديث قد قبلها ألنه يسير على منهج األئمة الجهابذة المحققين، وليس العلماء‬
                                         ‫ا‬
‫المقلدين، وأورد الشيخ صالح أمورً يناقش فيها ابن حجر على جعله أبا الزبير‬
 ‫ا‬
‫في المدّسين حيث قال: "رغم أن اتهامه بالتدليس غير مقبول عندي كثيرً،‬‫ل‬
                                                             ‫وذلك ألمور:‬
                      ‫ال‬
‫األول: أنه كان في التابعين، ولم يكن مذهبهم التدليس إ ّ عن الثقات، ولهذا نجد‬
                  ‫ي‬
‫العالئي يجعل التابعين كلهم في المرتبة الثانية، أقصد ممن ُقبل تدليسهم، حيث‬
                                                      ‫ل‬
‫قال: فإنهم كانوا ال يدّسون إال عن ثقة ولم يكن غرضهم في الرواية إال أن‬
                   ‫1‬
                                                    ‫م‬
                    ‫يدعوا إلى اهلل تعالى، فأ ّا غير التابعين فأغراضهم مختلفة".‬
‫الثاني: أنه كان من أهل الحجاز وليس مذهبهم التدليس. قال الحاكم: "أهل‬
‫الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم".2 هذا على فرض‬
               ‫ا‬                       ‫ا‬
‫ثبوت التدليس عنه، وال أظنه ثابتً لألدلة التي ذكرتها سابقً، وألنه من أهل‬
‫الحجاز والحرمين، فالتدليس ليس من مذهبهم، وال اشتهروا به كما اشتهر به‬
                                                       ‫3‬
                                                          ‫ال‬
                                                        ‫أهل العراق مث ً".‬
                                                      ‫ا‬
‫قلت: قال الحاكم أيضً في ذكر النوع الحادي عشر من علوم الحديث هذا النوع‬
‫من هذه العلوم هو معرفة األحاديث المعنعنة، وليس فيها تدليس، وهي متصلة‬
‫بإجماع أئمة أهل النقل على تورع رواتها، عن أنواع التدليس، مثال ذلك ما‬
‫حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر الخوالني، حدثنا عبد اهلل‬
‫بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد األنصاري، عن‬
           ‫ل‬             ‫ل‬
‫أبي الزبير، عن جابر بن عبد اهلل، عن رسول اهلل صّى اهلل عليه وسّم أنه قال:‬
                 ‫ز ل‬
‫«لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن اهلل ع ّ وج ّ» قال الحاكم: هذا‬




   ‫1 نق ً عن صالح بن أحمد، صحيفة أبي الزبير، وزاد المعاد في خير هدي العباد، :/4:7.‬
                                                                            ‫ال‬
                          ‫2 المصدر نفسه، وانظر: معرفة أنواع علوم الحديث، ص222.‬
                                                           ‫3 المصدر نفسه، ص:1.‬

                                       ‫99‬
‫مجلة الهند‬

‫حديث رواته مصريون، ثم مدنيون ومكيون، وليس من مذاهبهم التدليس فسواء‬
           ‫1‬
                        ‫ال‬
            ‫عندنا ذكروا سماعهم أو لم يذكروه، وإنما جعلته مثا ً أللوف مثله.‬
   ‫و‬
‫ثم يتكلم صالح بن أحمد عن مسألة خطيرة، وهي الجرأة على تضعيف را ٍ أو‬
‫حديث ورد في الصحيحين، وهما مما أجمعت األمة على صحتهما، حيث نقل‬
‫كالم العالمة أحمد شاكر ليؤكد ما ذهب إليه من خطورة العبث بهذين‬
                   ‫ال‬                       ‫م‬
         ‫الصحيحين اللذين أجمعت األ ّة على صحة ما فيهما إجما ً، حيث قال:‬
‫الثالث: " ينظر إلى عنعنة أبي الزبير من حيث وجودها في صحيح مسلم، بل في‬
‫صحيح البخاري، ومن كان بهذه المثابة، فأحاديثه المخرجة في الصحيحين أو‬
‫في أحدهما ال يجوز أن يتطرق الشك إلى صحتها؛ ألن صاحبي الصحيحين إنما‬
               ‫ا‬                                         ‫ح‬
‫أخرجا ما ص ّ وتركا غيره، وهذا أمر يعرفه أهل الفن مبثوثً في كتب أهل‬
                          ‫ل‬      ‫ا‬
‫العلم، فال يجوز ألحد أن يضعف حديثً فيه مدّس إن كان الحديث في أحد‬
             ‫م‬
‫الصحيحين، فليحذر طلبة العلم من الجرأة على كتابين أجمعت األ ّة على صحة‬
                                                    ‫ا‬
‫ما فيهما فيكون فاسقً بخرقه إلجماعها، وادعائه ضعف أحاديث فيهما أسأل اهلل‬
                                                      ‫2‬
                                                       ‫السالمة والعافية".‬
‫ثم استفاض صالح بن أحمد في نقل كالم أهل العلم في منزلة الصحيحين‬
‫وأهميتهما في علم الحديث وال يلزم نقل كل ما كتب عن موضوع قبول‬
                                                     ‫الصحيحين.‬
                        ‫ر ا‬
‫الرابع: يقول الشيخ صالح بن أحمد: "إني لم أ َ أحدً رماه بالتدليس ممن تلقى‬
‫عنه العلم أو ممن بعدهم، وابن حجر لم يجد أقدم من النسائي وصف أبا الزبير‬
            ‫3‬
                 ‫ي‬
             ‫بالتدليس، فلذا ذكره، ولو علم من السابقين من وصفه بذلك لب ّن".‬
           ‫ن‬        ‫د‬
‫إذن وصفه بالتدليس لم يكن ممن عاصره من األئمة المح ّثين، وإ ّما كان ذلك‬
                 ‫ن‬                         ‫د‬                       ‫ا‬
‫متأخرً عنه بزمن، ولذلك ال يعت ّ بمن وصفه بالتدليس؛ أل ّ األئمة المتقدمين‬
           ‫ن ا‬
‫كيحيى وابن المديني والبخاري ومسلم وغيرهم، لم يثبت أ ّ أحدً منهم ذكره‬
                  ‫ل‬
‫بسوء، بل أجمعوا على توثيقه، ولم يذكر أحد منهم أنه كان يدّس، حتى وإن كان‬
                                ‫ا‬              ‫ا‬
                               ‫ذلك النوع من التدليس محمودً كما ذكرت سابقً.‬


                                              ‫1 معرفة أنواع علوم الحديث، ص33‬
‫2 المصدر نفسه، ص22-42. ثم نقل كالم الشيخ أحمد شاكر، في الباعث الحثيث ليؤكد‬
                                                             ‫ب‬
                                         ‫وجهة نطره وليذ ّ عن أحاديث الصحيحين.‬
                                                                            ‫3‬
                                                       ‫المصدر نفسه، ص61.‬

                                    ‫001‬
‫مجلة الهند‬

‫" وأما بالنسبة لسماع أبي الزبير من الصحابة فكثير، ذكره غير واحد من األئمة‬
‫قال ابن حجر: أبو الزبير أحد األئمة، عن جابر وابن عباس وعائشة وعبد اهلل‬
    ‫1‬
     ‫بن عمرو وعنه أيوب والسفيانان ومالك ومن شيوخه عطاء وثقه ابن معين".‬
    ‫ن‬         ‫ي‬
‫أ ثبت الشيخ صالح بن أحمد بأدلة كثيرة ال يتسع المقام لذكرها، بّن فيها أ ّ أبا‬
                                                      ‫ك‬
‫الزبير سمع من صحابة ُثر وذكر أحاديثه عنهم في الصحاح والسنن، فمن أراد‬
‫االستزادة فليراجع بحثه حيث قال: "عائشة (11هـ)، وجبير بن نضير (11هـ أو‬
‫11هـ)، وأبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة (12هـ)، وأم سلمة (22هـ)، وعبد‬
‫اهلل بن عمرو بن العاص (42هـ)، وعبد اهلل بن عباس (12هـ)، وعبد اهلل بن‬
‫عمر (44هـ)، وجابر بن عبد اهلل بعد 14هـ، وعبد اهلل بن الزبير (44هـ)، وأبو‬
                        ‫ا‬
‫الطفيل عامر بن واثلة (100هـ) رضي اهلل عنهم جميعً، ثم قال فللناقش روايته‬
‫عن كل واحد من هؤالء الصحابة رضوان اهلل عليهم، ونرى إمكان ذلك من‬
                                                                 ‫2‬
                                                                  ‫عدمه...".‬
‫ثم قال صالح بن أحمد: "وقد يورد البعض شبهة، وهي أن شعبة بن الحجاج قد‬
           ‫ا‬     ‫ا‬
‫تكلم في أبي الزبير وترك حديثه، ولم يرو عنه إال حديثً واحدً، ويتساءل‬
                                          ‫ا‬
‫البعض: لم روى له البخاري حديثً عن طريق شعبة هذا؟ فالبخاري يعتبر أبا‬
‫الزبير من الثقات، فما دام شعبة قد تكلم في أبي الزبير، وترك روايته ألحاديثه،‬
                           ‫ا‬                     ‫ا‬            ‫ا‬
‫فالبخاري أيضً ال يورد شيئً له في كتابه إال مقترنً بغيره، أو ما ثبت عنده أصل‬
                                                                  ‫3‬
                                                                   ‫الحديث".‬
‫وهذه لفتة مفيدة من اإلمام البخاري أراد أن يثبت أنه يعتد بأبي الزبير وإن أورد‬
                                                                 ‫ا‬
‫حديثً واحدً له، حتى وإن كان في المتابعات، ليخرج من خالف المحدثين في‬     ‫ا‬
‫أبي الزبير ويروى له ألنه ال يستحق الترك، وكما قيل: فمن روى له البخاري‬
  ‫ص‬
‫فقد جاز القنطرة. وقال عبد العزيز النخشبي (412هـ) في فوائد الخيال ما ن ّه:‬
                              ‫ا‬
‫ولم يخرج البخاري ألبي الزبير في الصحيح شيئً ألن شعبة تكلم في أبي الزبير،‬
‫وقال: رأيته يتزن لنفسه فاسترجح، "وردت فاسترجع" فترك حديثه ألجل هذا،‬




                                                                               ‫1‬
                                          ‫لسان الميزان، 4/:43، ترجمة: :747.‬
                                                                               ‫2‬
                 ‫للمزيد أنظر: صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص13 وما بعدها.‬
                                                                               ‫3‬
                                               ‫المصدر نفسه، ص39، بتصرف.‬

                                    ‫101‬
‫مجلة الهند‬

                                               ‫ا‬     ‫ا‬
‫ولم يحدث عنه إال حديثً واحدً، فتركه البخاري متابعة لشعبة، غير أن أبا الزبير‬
                                   ‫1‬
                                    ‫حديثه مشهور صحيح، وهو حافظ متقن".‬
                              ‫ا‬
‫أقول: وكالم النخشبي هنا يؤيد ما ذكرته سابقً من أن البخاري لم يخرج ألبي‬
‫الزبير، ال رغبة عن حديثه، ولكن ألن شعبة تكلم فيه، فأراد البخاري أن ال‬
‫يكون في صحيحه إال ما أجمعت عليه األئمة في عهده، ومع هذا فال يقصر‬
‫حديث أبي الزبير عن رتبة الصحيح بسبب كالم شعبة فيه، وألن شعبة خالف‬
‫كالم الجمهور الذين وثقوه كما قال ابن حجر، وسبب ترك البخاري ألحاديثه ال‬
‫يعني تركه، فالبخاري لم يخرج كل الصحيح، بل ترك منه الكثير، فحديث أبي‬
                                                               ‫ذ‬
                                 ‫الزبير إ ًا صحيح مشهور وهو حافظ متقن.‬
‫ثم قال صالح بن أحمد: "والذي يؤكد ما قاله النخشبي أن البخاري روى الحديث‬
                              ‫ا‬
‫الذي رواه شعبة من طريقه، ولكنه أورده معلقً ليشير بذلك لما قاله فيه شعبة.‬
‫هذا و قمت بجمع ما ألبي الزبير عن جابر في مسند أحمد فزادت عن خمسين‬
‫وأربعمائة حديث، وفي كثير منها تصريح أبي الزبير لسماعه عن جابر، ولذا‬
‫عزمت إخراج هذه األحاديث من مسند أحمد، وأذكر من خرجها من باقي‬
‫األئمة، وما وجدت من األحاديث في غير المسند ذكرته، ولعل اهلل ييسر لي‬
                                  ‫2‬
                                   ‫إخراج أحاديث أبي الزبير مخرجة محققة".‬
‫قلت: وهذا أكبر دليل ذكره صالح بن أحمد على أن أبا الزبير وإن لم يصرح‬
‫بالسماع في هذه الروايات عند ابن حبان، إال أنه صرح عند غيره بالسماع،‬
‫ووجدت أنه صرح بالسماع في بعض روايته عند ابن حبان وغيره، وهذا أكبر‬
                        ‫دليل على أنه سمع من جابر ما رواه بصيغة العنعنة.‬
    ‫ا‬
‫ثم يل ّص صالح بن أحمد األمر فيقول: "ووجدت فيما جمعت أن كثيرً من‬     ‫خ‬
         ‫ا‬
‫أحاديثه قد شاركه فيها عن جابر غيره من التابعين، والكثير منها أيضً قد شارك‬
                                                               ‫ا‬
‫فيها جابرً غيره من الصحابة بل الكثير منها قد بلغ حد التواتر على المذهب‬
                                        ‫ا‬
‫المختار من اعتبار الحديث متواترً إذا حدث به عشرة من الصحابة، ولهذا‬
‫حرصت في دراستي ألحاديثه على إيراد ما أمكن من الشواهد واالعتبارات لكل‬
                                                                 ‫3‬
                                                                  ‫حديث".‬

‫1 نق ً عن صالح بن أحمد رضا، صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص 79، نقله في تنبيه‬
                                                                         ‫ال‬
                                                                  ‫المسلم، ص17.‬
                                                                              ‫2‬
                                      ‫صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر، ص 79.‬
                                                         ‫3 المصدر نفسه، ص:9.‬

                                     ‫201‬
‫مجلة الهند‬

‫أقول: وهذا دليل آخر على أن أبا الزبير لم يتفرد بإخراج ما رواه عن جابر، بل‬
                   ‫ا‬       ‫ال‬
‫شاركه في هذه األحاديث غيره من التابعين هذا أو ً، وثانيً: قد تابع جابر غيره‬
            ‫ل‬              ‫ل‬
‫من الصحابة في إخراج هذه األحاديث عن النبي صّى اهلل عليه وسّم، بل الكثير‬
‫منها بلغ حد التواتر. لذا بعد هذه األدلة فال يقبل قول في أبي الزبير، من أي‬
                         ‫ا‬                        ‫ا‬
‫كان، وإال يكون األمر عنادً ومن أجل العناد، وتشكيكً فيما أجمعت عليه األمة‬
              ‫واألئمة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الصحيح.‬
                                                                ‫خ‬
‫ثم يل ّص صالح بن أحمد أهم األمور في أبي الزبير، والتي أرى أنه وفق في‬
                                              ‫نقاشه لمن وصفه بالتدليس:‬
                                               ‫وخالصة القول في أبي الزبير:‬
                            ‫0- أنه ثقة ثبت ال ينزل حديثه عن مرتبة الصحيح.‬
                                                          ‫ال‬      ‫ل‬
                  ‫2- أنه مدّس، تنز ً عند األئمة الكبار الذين وصفوه بالتدليس.‬
             ‫4- تدليسه عن الثقات، فيقبل حديثه سواء صرح فيه بالتحديث أم ال.‬
‫2- روايته من صحيفة سليمان اليشكري، إن كانت قبل وفاة جابر فكان بمقدوره‬
‫أن يتأكد من الرواية بسؤال جابر عن األحاديث التي فيها، وإن كانت بعده‬
‫فمستبعدة ألن روايته أضعاف ما عند سليمان من حديث، وليس هناك ما يثبت‬
                      ‫روايته لها ألنها مضت إلى البصرة، ولم تمض إلى مكة.‬
‫1- ما نسب إليه أنه روى من صحيفة فالمقصود به هو ما كتبه من حديث جابر‬
                                                   ‫1‬
                                                    ‫من سماعه منه".‬
‫قلت: الراجح عندي ومن خالل نقلي ألقوال أئمة الجرح والتعديل أنه ثقة ثبت‬
‫حافظ متقن، وأن حديثه صحيح متابعة لعمل األئمة كمسلم وابن حبان الذين‬
‫ص ّحوا حديثه، وذكروه في صحاحهم، وابن حبان هنا متابع لألئمة األثبات،‬   ‫ح‬
                                         ‫ر‬
‫لذلك ذكره في كتابه الثقات، وخ ّج أحاديثه في صحيحه متابعة لغيره، وليس‬
                                                 ‫ال‬                  ‫ا‬
                                 ‫تفردً بتوثيقه، وال تساه ً كما يزعم البعض.‬
‫يقول الشيخ عبد اهلل السعد: "حيث إني تتبعت أحاديثه منذ سنوات، فوجدتها‬
                     ‫ل‬
‫مستقيمة، سواء عنعن أم لم يعنعن، وحتى لو قيل بأنه مدّس كما وصفه بذلك‬
                   ‫ا‬                                   ‫ا‬
‫النسائي ـ وال أعلم أحدً نص على ذلك سواه ـ فهو قليل جدً من التدليس، ومما‬
‫جعل بعض أهل العلم يضعفه بالتدليس قصته مع الليث بن سعد حيث قال سعيد‬
                        ‫ي‬
‫بن أبي مريم حدثنا الليث قال: "جئت أبا الزبير فدفع إل ّ كتابين، فانقلبت بهما ثم‬
                                                                             ‫1‬
                                                       ‫المصدر نفسه، ص :9.‬

                                     ‫301‬
‫مجلة الهند‬

‫قلت في نفسي: لو أنني عاودته فسألته: أسمع هذا كله من جابر؟ فسألته فقال: منه‬
‫ما سمعت، ومنه ما حدثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي‬
                                                     ‫1‬
                                                      ‫على هذا الذي عندي".‬
           ‫ا‬
‫ثم قال الشيخ عبد اهلل السعد: "والصحيح أن روايته عن جابر حجة مطلقً، سواء من‬
‫طريق الليث أم غيره وسواء صرح بالتحديث أم لم يصرح، وهذه األحاديث التي لم‬
‫يسمعها من جابر إنما أخذها من صحيفة سليمان اليشكري كما قاله أبو حاتم،‬
‫وسليمان اليشكري ثقة. فإذا علمت الواسطة وكان ثقة انتفى تعليل رواية أبي الزبير‬
‫عن جابر باالنقطاع. وقد احتج برواية أبي الزبير عن جابر ولو بالعنعنة أكثر‬
‫المتقدمين منهم: مسلم والترمذي وابن خزيمة وابن حبان. ومما يؤيد ويقوي روايته‬
‫بالعنعنة أنه ليس ألبي الزبير شيوخ ضعفاء كما قال ابن القيم وهو كما قال. وتتبعت‬
                       ‫2‬
                                      ‫ت‬
                        ‫حديثه ولم أتوقف إال في حديثين أو ثالثة قد ُكلم فيها ...".‬
‫ثم يقول الشيخ عبد اهلل السعد: "وبناء على ذلك أرى أن يحول من الدرجة الثالثة‬
                                                           ‫ل‬
‫من مراتب المدّسين التي وضعه فيها ابن حجر، إلى المرتبة الثانية، ويدل على‬
‫ذلك فعل مسلم في صحيحه، حيث اعتبره من الصحيح، وأخرجه في موضع‬
    ‫ح‬
‫االستدالل، وكذا الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم حيث ص ّحوا‬
‫أحاديثه، وكذا فعل الدارقطني في االستدراكات على مسلم "اإللزامات" وفعل‬
‫أبو مسعود الدمشقي في جوابه عن إلزامات الدارقطني، بل فعل البخاري في‬
                   ‫ا‬        ‫ال‬
‫غير الصحيح حيث جاء بحديث أبي الزبير مستد ً به محتجً به على رفع اليدين‬
                                                              ‫3‬
                                                               ‫في الدعاء".‬
                      ‫ل‬
‫أقول: فإذا ثبت هذا فال حاجة لتتبع أقوال األئمة في ك ّ حديث، فقد كفاني الشيخ‬
‫شعيب مؤ نة البحث، ولكن خلص إلى ما ال يحمد عقباه من تضعيف أحاديث أبي‬
‫الزبير، وهذا مزلق ومدخل خطير إلى أحاديث الصحيحين وقع فيه الشيخ شعيب‬
‫ومشايخه من قبله، ولن أذكر تخريج كل حديث ألنه قد كفى ووفى في تخريجه‬
‫ألحاديثه عند ابن حبان، وخالصة األمر أن هذه األحاديث كلها صحيحة بدليل ما‬
                         ‫ي‬                                  ‫ا ل‬         ‫ص‬
‫ف ّلته سابقً فعّتها عند الشيخ شعيب؛ أبي الزبير وبّنت حاله فهو ثقة ثبت حافظ‬
‫متقن وأحاديثه عند ابن حبان صحيحة وابن حبان مصيب عندما رواها في‬


                                                                                ‫1‬
                                                     ‫شرح سنن الترمذي، ص73.‬
                                                                                ‫2‬
                                                          ‫المصدر نفسه، ص:3.‬
                                                                                ‫3‬
                                                         ‫المصدر نفسه، ص :9.‬

                                      ‫401‬
‫مجلة الهند‬

‫صحيحه على أنها صحيحة وهذه األحاديث على شرطه وسكت عليه البخاري‬
                ‫1‬
                 ‫في التاريخ الكبير والذهبي في الكاشف واهلل أعلم بالصواب.‬
         ‫ل ا‬             ‫ا ي‬
‫أقول: وهذا الكالم قد نقلته وذكرته وناقشته سابقً وبّنت أنه ليس مدّسً، واألدلة‬
‫كثيرة على ذلك ذكرها كثير من األئمة سواء من المتقدمين بسكوتهم على‬
‫روايات أبي الزبير عن جابر وذكروها في كتبهم أو من المتأخرين، والحق في‬
                                              ‫هذه المسألة واضح ال لبس فيه.‬
‫قال الشيخ عبد اهلل السعد2 في ر ّه على سؤال عن تدليس أبي الزبير المكي عن‬
                                           ‫د‬
                                             ‫ل‬
‫جابر بن عبد اهلل: "هناك من تكّم في هذه الرواية إذا لم تكن من طريق الليث بن‬
                                                             ‫ي ر‬
‫سعد، ولم ُص ّح فيها أبو الزبير بالتحديث عن جابر: "هناك من تكلم فيها‬
  ‫وج م‬                                  ‫ُ‬                               ‫د‬
‫ور ّها، مع أنها باتفاق أهل الحديث تعْتَبر من أصح األسانيد، ومع ذلك ُ ِد َن‬
‫ي ُ ّ هذا اإلسناد الذي هو في غاية من الصحة. فما الذي جعل هذا الشخص ـ‬     ‫َرد‬
                                               ‫َرد‬
      ‫وغيره من أهل العلم ـ أنْ ي َّ مثـل هذا اإلسناد، وهو في غاية من الصحة؟‬
                             ‫وص ف‬
‫الوجه األول: ما المقصود بالتدليس هنا فيما ُ ِـ َ به أبو الزبير؟ هل هو التدليس‬
                                                           ‫ُرد‬
‫المذموم الذي ي ُّ به خبر الراوي أم ال؟ ألن التدليس يطلق على أشياء كثيرة،‬
                                            ‫ا‬
      ‫فيطلق على اإلرسال، ويطلق ـ أيضً ـ على التدليس؛ الذي هو إسقاط الراوي.‬
   ‫ُد‬        ‫ا‬     ‫ا‬                    ‫م‬                  ‫ن‬
‫الوجه الثاني: أ ّ التدليس تحته أقسام ُتعددة، وليس هو قسمً واحدً، فال ب َّ أن‬
                              ‫ُي‬
‫ُح َّد، ما المقصود من هذا التدليس الذي رمِ َ به أبو الزبير؟ فهناك تدليس‬  ‫ي َد‬
                             ‫ي م‬
‫اإلسناد، وهناك تدليس الشيوخ ـ وهو أن ُس ّي التلميذ شيخه بغير االسم‬
        ‫َ‬                                        ‫ة‬      ‫ين‬
‫المشهور به ـ أو ُكّيه بكني ٍ غير معروف بها... وهكذا، وهناك تدليس العطْف،‬
       ‫3‬
                                           ‫ع‬               ‫س‬
‫وهناك تدليس ال ُكوت، وهناك أنوا ٌ متعددة، قد تصل إلى خمسة أو ستة ، فما‬
                                          ‫و ِف‬
                          ‫المقصود من هذا التدليس الذي ُص َ به أبو الزبير؟.‬
              ‫ل‬                      ‫ُ ث م‬
‫الوجه الثالث: هل أبو الزبير مكْـ ِر ِن التدليس أم ال؟ فليس ك ّ شخص قيل فيه‬
 ‫ا‬              ‫مل‬                                  ‫ا‬
‫أ ّه مدّ س يكون مكثرً من التدليس، بل هناك من هو ُق ّ من التدليس جدً،‬‫ن ل‬
                                   ‫ومنهم أبو الزبير، ويدل على هذا شيئان:‬



                                                                                   ‫1‬
      ‫انظر بتوسع: منهج المتقدمين في التدليس، ص19- 49 وما بعده بتصرف واختصار‬
‫الحديثية،‬    ‫الدراسات‬    ‫منتدى‬   ‫الحديث،‬   ‫أهل‬     ‫ملتقى‬ ‫موقع‬   ‫2 انظر:‬
                         ‫‪ http://www.ahlalhdeeth.com‬تاريخ: :1/37/1771م.‬
              ‫3 انظر مقدمة الشيخ عبد اهلل السعد لكتاب منهج المتقدمين في التدليس، ص40.‬

                                        ‫501‬
‫مجلة الهند‬

‫0. أنه لم يصفه أحد من ال ُـ ّاظ بهذا، إال ما جاء عن النسائي1، وهناك كالم‬
                                              ‫حف‬
                                                                ‫ي‬
              ‫ألبي حاتم ُفهم منه هذا الشيء، وأما الباقي فلم يصفوه بالتدليس.‬
               ‫ا‬                                 ‫ا‬
‫2. قد تتبعنا حديثه، فأحيانً في روايته عن جابر يذكر شخصً آخر، فلو كان‬
                          ‫ا‬                                          ‫م ا‬
‫ُكثرً من التدليس ألسقط هذه الواسطة، كذلك ـ أيضً ـ عندما تتبعنا حديثه لم‬
                 ‫تتتب‬            ‫ل‬                           ‫ا‬
‫نجده ـ أحيانً ـ يذكر واسطة، وكثير من المدّسين عندما َ َ َ ّع حديثه قد يذكر‬
    ‫ل‬
‫واسطة بينه وبين هذا الشخص الذي يروي عنه مباشرة، فهنا يكون قد دّس،‬
                        ‫ص‬
‫وأما أبو الزبير فقد تتبعنا أحاديثه في الكتب، في ال ِحَاح والسنن والمسانيد‬
                        ‫ر‬                ‫ا‬     ‫م‬
‫والمصنفات، فما وجدناه إال ُستـقيمً، وبحمد اهلل قد م ّت علينا سنوات ونحن‬
                            ‫م لا‬                    ‫ُقل‬
‫نتتبع حديثه، فهو م ٌّ من التدليس، ومن كان ُقًّ من التدليس فاألصل في‬
      ‫روايته أنها محمولة على السماع واالتصال ما لم يدل دليل على خالف ذلك.‬
             ‫ُِم‬                      ‫ل‬             ‫ز‬
‫الوجه الرابع: لو تنـ ّلنا وقلنا أنه دّس. فنقول: الواسطة قد عل َت بينه وبين‬
‫جابر بن عبد اهلل، وصحيفة جابر صحيفة مشهورة، وقد رواها كبار التابعين في‬
              ‫ا‬
‫العلم والعمل، كقتادة وقبله الحسن البصري والشعبي، وأيضً أبي الزبير،‬
                                                    ‫وغيرهم من أهل العلم.‬
                             ‫ص‬
‫كذلك نقول: أن أبا حاتم الرازي ـ وغيره ـ قد ن ّوا على أنهم قد أخذوا حديث أبا‬
‫الزبير من سليمان بن قيس ال َشْـ ُري2، وسليمان بن قيس اليشكري ثقة، فانتفى هذا‬
                                             ‫ي ك‬
                                                        ‫ّ‬
 ‫التعليل من أصله، ألن االنقطاع على قسمين: 0ـ انقطاع مقبول. 2ـ انقطاع مردود.‬
                                                 ‫ا‬
                                    ‫ومتى يكون االنقطاع مردودً، ويتوقف فيه؟‬
      ‫ـ ر‬        ‫ُ ق‬                ‫ُل‬            ‫م ق‬                 ‫ُ‬
‫إذا لم تعْرف الواسطة ال ُسْ َطة، أما إذا عِمت الواسطة المسْ َطة فيُنْظ ُ فيها،‬
                             ‫م‬
                         ‫فإن كان هذا الواسطة ثـقة أصبح هذا االنقطاع غير ُؤثر.‬
          ‫ن‬                                                    ‫ال ُم‬
‫فمث ً: ح َيْد الطويل، روايته عن أنس مقبولة على اإلطالق، أل ّ الواسطة‬
                      ‫ال ن‬             ‫ُس‬       ‫حم و‬
‫معلومة، وإن كان ُ َيْد ُصف وم َّ بالتدليس، إ ّ أ ّ الواسطة معلومة، أال‬
                                     ‫3‬
                                                             ‫ب‬
‫وهي ثابت ال ُناني كما ذكر ذلك الحفاظ ، وثابت رأس في الحفظ واإلتـقان، إذا‬
                                                     ‫ُم‬
                                 ‫من توقف في حديث ح َيْد الطويل فقد أخطأ.‬



                                                 ‫1 انظر: سير أعالم النبالء، 4/74.‬
                                                   ‫2 الجرح والتعديل، ص2 و240.‬
‫3 انظر: الكامل في ضعفاء الرجال، 3/49، وتعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين‬
                                             ‫بالتدليس، المرتبة الثالثة، وغيرهم.‬

                                     ‫601‬
‫مجلة الهند‬

                                                                       ‫ال‬
‫ومث ً: أبو عبيدة بن عبد اهلل بن مسعود لم يسمع من أبيه ابن مسعود، ومع ذلك‬
                                            ‫ن‬
‫حديثه عن أبيه مقبول، وذلك أل ّ الحفاظ قد تتبعوا روايته عن أبيه فوجدوها‬
                                    ‫ُ ق‬             ‫ن‬
‫مستـقيمة، فعلموا بذلك أ ّ الواسطة المسْ َطة ثـقة، لذلك إمام أهل الحديث في علم‬
‫صناعة الحديث في عصره "علي بن المديني"، يحكي عنه تلميذه يعقوب بن‬
                                                              ‫ن‬
‫شيبة فيقول: إ ّ أصحابنا، علي بن المديني وغيره، أدخلوا رواية أبو عبيدة عن‬
     ‫2‬                                                    ‫1‬
         ‫ح‬                                                     ‫ُ‬
‫أبيه ضمن المسْند ، أي ضمن المتصل. كذلك الدارقطني قد ص ّحها. ونقل‬
                           ‫3‬
                                 ‫ح‬             ‫ّ‬
                            ‫الحافظ ابن حجر في النكت أن النسائي يص ّحها.‬
            ‫ن‬             ‫َ ُده‬
‫فعندما يسمع شخص هذا اإلسناد فيقول لم يسمع فير َّ ُ، فال شك أ ّه قد أخطأ،‬
                     ‫كن‬         ‫ُِم‬             ‫ن‬
‫وهذا من االتصال المقبول، أل ّ الواسطة قد عل َت، وإنْ ُ ّا لم نعرفها بأعيانها،‬
              ‫لكن بسبب استـقامة هذه األحاديث التي قد رواها أبو عبيدة عن أبيه.‬
                                      ‫د‬        ‫ز‬
‫إذا الواسطة- على سبيل التنـ ّل أنه قد َلس- معلومة بين أبي الزبير وجابر، أال‬
         ‫وهي سليمان بن قيس اليشكري وهو ثـقة، فانتفى هذا التعليل من أصله.‬
                                                      ‫ن‬
‫الوجه الخامس: أ ّ كبار الحفاظ قد قبلوها، كاإلمام مسلم بن الحجاج وكذلك‬
    ‫ا‬
‫الترمذي يقول: "حسن صحيح"، وكذلك النسائي بدليل أنه قد أخرجها كثيرً في‬
                                            ‫م‬
‫كتابه السنن، والنسائي كان يس ّيه كبار الحفاظ المتـقدمين أنه "صحيح النسائي"‬
                             ‫4‬
‫كما ن ّ على ذلك ابن عدي في كتابه الكامل حيث قال: "ذكره النسائي في‬‫ص‬
‫صحاحه"، وكذلك عندما تستقرأ كتابه تجد أن الغالب عليه األحاديث الصحيحة،‬
                                         ‫ي‬
‫وأنه إذا كان هناك حديث معلول بّنه، ولذلك قيل: من يصبر على ما صبر عليه‬
       ‫5‬
        ‫ا‬               ‫ي ر‬                    ‫ه‬
‫النسائي، عنده حديث ابن ل ِيعة عن قـتيبة ولم ُخ ّج من حديثه شيئً ، وابن‬
           ‫ا‬      ‫ي ر‬
‫لهيعة فيه ضعـف وليس بشديد الضعـف، ومع ذلك لم ُخ ّج له أبدً، حتى قال‬
   ‫ال‬          ‫ن‬
‫الزنجاني عندما سأله أبو الفضل بن طاهر المقدسي، قال: "إ ّ هناك رجا ً قد‬
                                            ‫ر‬
‫أعرض عنهم النسائي، وقد خ ّج لهم البخاري في كتابه الصحيح، قال: يا بني‬


‫1 انظر: شرح علل الترمذي، 2/461، ونص العبارة: قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز‬
‫أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند يعني في الحديث المتصل لمعرفة‬
                          ‫أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها وأنه لم يأت فيها بحديث منكر.‬
                                              ‫2 السنن، 2/:72، برقم: 77 و:7 و97.‬
                                             ‫3 النكت على كتاب ابن الصالح، 0/114.‬
             ‫4 الكامل في ضعفاء الرجال، 1/243، ومثله الذهبي، وتذكرة الحفاظ، 2/412.‬
                      ‫5 انظر: شروط األئمة الستة (تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة)، ص110.‬

                                      ‫701‬
‫مجلة الهند‬

‫إ ّ إلبي عبد الرحمن النسائي شرطً أش ّ من شرط البخاري1، وال شك أن هذا‬
                                  ‫ا د‬                                 ‫ن‬
‫على سبيل المبالغة. وكذلك الحافظ الذهبي في كتابه الميزان، ويستفاد هذا من‬
                        ‫كالم البن تيمية، وللعالئي، وشيئ من كالم ابن حجر.‬
‫وكذلك ابن حبان وابن خزيمة وكذلك الدارقطني لم ينتقد على اإلمام مسلم- فيما‬
‫نعلم- من رواية أبي الزبير عن جابر، فهي صحيحة، وشبه اتفاق بين الحفاظ‬
                                                               ‫على قبولها.‬
‫الوجه السادس: أننا نطلب من يدعي تدليسه بأن يأتي بأحاديث منكرة ألبي‬
          ‫ت م‬
‫الزبير عن جابر، ولن يجد، ونحن قد تتبعنا حديثه- كما ذكر ُ- ُـنْذ سنوات‬
‫فوجدناها مستقيمة وفي غاية من االستقامة، إال في حديثين أو ثالثة، وجدنا فيها‬
                               ‫ح‬                                      ‫ا‬
                           ‫نوعً من النكارة، ومع أن هناك من قبلها وص ّحها.‬
                                                ‫ل‬
‫حديثه عن ابن عمر، عندما طّق امرأته وهي حائض، ففي رواية أبي الزبير‬
‫أنها لم تحسب عليه طلقة، وفي رواية غيره كما عـند البخاري في رواية أنس بن‬
                                                              ‫حس‬
‫سيرين أنها ُ ِبت عليه طلقة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذكر‬
                                                             ‫ر‬
‫أبو داود أنه تف ّد بهذا الشيء عن ابن عمر، وكذلك ابن عبد البر، مع أن هناك‬
                                  ‫ح‬
‫من تابعه، لكن الصواب رواية الجماعة، وأنها ُسبت طلقة، بخالف رواية أبي‬
‫الزبير بأنها لم تحْـسب، ومع ذلك اعتمد على هذه الرواية من اعتمد من كبار‬
 ‫ذ‬                                ‫ي‬
‫أهل العلم مثل اإلمام ابن تيمية واإلمام ابن القـّم وغيرهما من أهل العلم، إ ًا‬
‫فالغالب على أحاديثه االستقامة، والسبب في تضعيف هذا الشخص وغيره‬
            ‫2‬
                                  ‫صح َ‬
              ‫لرواية أبي الزبير المكي عن جابر هو عدم ِ ّة المنهج، واهلل أعلم.‬
          ‫ل‬
‫ويقول الشيخ ناصر بن حمد: "والنسائي - الذي ذكر أبا الزبير مع المدّسين- ذكر‬
              ‫ا‬
‫مجموعة كبيرة من أحاديثه في كتابه السنن منها: خمسة وستون حديثً بالعنعنة، ولم‬
     ‫3‬
‫.‬     ‫السماع "‬          ‫بعدم‬     ‫أو‬     ‫بالتدليس‬      ‫منها‬      ‫ا‬
                                                                ‫شيئً‬     ‫ل‬
                                                                        ‫يعّل‬
                         ‫ا‬
‫وهو يذكر األحاديث والعلل واالختالفات في سننه دائمً، فهذا يدل على أن وصفه‬
‫بالتدليس ال يراد منه رد عنعنته. وبعد السبر والتتبع واالستقراء هذه مرويات أبي‬
                                 ‫ل‬
‫الزبير في كتب السنة، فليأت من قال بأنه مدّس "التدليس الخاص" بحديث واحد‬


                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص772.‬
‫الدراسات‬     ‫منتدى‬     ‫الحديث،‬     ‫أهل‬     ‫ملتقى‬   ‫موقع‬     ‫2 انظر:‬
                ‫الحديثية.‪ http://www.ahlalhdeeth.com‬تاريخ: :1/37/1771م.‬
‫3 نق ً عن منهج المتقدمين في التدليس، وضوابط تصحيح مسلم لمرويات أبي الزبير،‬
                                                                     ‫ال‬
                                                                  ‫ص122.‬

                                    ‫801‬
‫مجلة الهند‬

        ‫ل‬
‫قال عنه أحد األئمة المتقدمين بأنه مدلس، أو اتضح عند االعتبار أنه دّسه عن‬
‫ضعيف فهذا األعمش وهشيم وابن جريج والثوري ونحوهم، يمكن بسهولة اإلتيان‬
                                                             ‫ل‬
‫بأحاديث لهم مدّسة صرحوا هم بتدليسها، وذكر ناصر بن حمد أمثلة كثيرة في‬
          ‫ل‬
‫الفصل الرابع من كتابه، حيث يقول: إننا لو سلمنا بعد هذا كله بأنه مدّس، فإنه‬
  ‫ي‬                                                                 ‫ر ا‬
‫مكث ٌ جدً عن جابر، واألصل في روايته عنه االتصال حتى يتبين االنقطاع كما ب ّن‬
                ‫1‬
                 ‫ذلك بعض األئمة في روايات المدلسين إذا رووا عمن أكثروا عنه.‬
‫قال السلمي في آخر السؤاالت:2 "قال الشيخ أبو الحسن: قرأت بخط أبي بكر‬
‫الحداد عن أبي عبد الرحمن النسائي، قال: ذكر المدلسين:..." وذكر منهم أبي‬
‫الزبير المكي ... وألن عامة هؤالء موصوفون بتدليس اإلسناد، فالظاهر أن‬
          ‫ل‬
‫النسائي "إن صحت هذه الوجادة" يرى أن أبا الزبير المكي يدّس تدليس‬
                                                ‫ال‬
‫اإلسناد، لكننا ال نرى تفصي ً في هذا النص: فحميد الطويل أسوأ أحوال تدليسه‬
                                                             ‫ا‬
‫أنه يسقط ثابتً بينه وبين أنس، "إن كان شيء لم يسمعه من أنس"، وألن كالم‬
‫شعبة فيه يدل على أن عامة حديثه عن أنس سمعها من ثابت أو ثبته فيها ثابت‬
‫"كما في ترجمته من الكامل"، وسفيان بن عيينة، ربما أسقط عبد الرزاق عن‬
‫معمر بينه وبين الزهري، كما في كتاب المدخل إلى كتاب اإلكليل للحاكم،3 وال‬
‫يضر، عبد الرزاق جيد الحفظ لحديث معمر، ومعمر من أثبت أصحاب‬
‫الزهري، فبأي منزلة من أهل تدليس اإلسناد يضعه اإلمام النسائي؟ أ بمنزلة‬
              ‫الحسن وأبي إسحاق السبيعي، أم بمنزلة حميد الطويل وابن عيينة؟‬
‫الظاهر أن النسائي يتوقف في رواية أبي الزبير عن جابر حتى يتبين له السماع:‬
 ‫َ ر ن َِي ق ل َدث أب د د ق ل‬
‫فإنه قد قال في السنن الكبرى: "أنبا عمْ ُو بْ ُ عل ٍّ، َا َ: ح َّ َنِي َُو َاو َ، َا َ:‬
 ‫أب الزب ْر ع ج ِر‬                  ‫َ ِ ت ُ ة ق ل الس ة ي ْرج الس ة ي رج‬
‫سمعْ ُ شعْبَ َ يَ ُو ُ: َّاعَ َ َخ ُ ُ، َّاعَ َ َخْ ُ ُ، أنبأنا َ ُو ُّ َي ِ، َنْ َاب ٍ،‬
    ‫ل َ‬                    ‫َّف الث ي م َل َس ل الله ل‬
‫َا َ: " ُنْ ُ فِي الص ِّ َّانِي َوْ َ صَّى ر ُو ُ َّ ِ صّى اهلل عليه وسّم علَى‬   ‫قل كت‬
 ‫الن ِي ق ل أب ع د الر ْمن أب الزب ر ْمه م َمد ن ُ ْلم ن ت ْرس‬
‫َّجَاش ِّ"، َا َ َ ُو َبْ ِ َّح َ ِ: َ ُو ُّ َيْ ِ: اس ُ ُ ُح َّ ُ بْ ُ مسِ ِ بْ ِ َد ُ َ،‬
‫ن‬         ‫م ِّي ن ُ بة ي ي َّ ي ف ه وأب الزب ْر من ُف ظ رو ع ه ي‬
‫َك ٌّ كَا َ شعْ َ ُ ُس ُء الرأْ ِ ِي ِ، ََ ُو ُّ َي ِ ِ َ الْح َّا ِ، َ َى َنْ ُ، َحْيَى بْ ُ‬
 ‫َع د أل ص ِي ََي ب َم ِك ن أنس إذ ل َم ت ب ا َهو صح ح‬
‫س ِي ٍ ا َنْ َار ُّ، وأُّو ُ، و َال ُ بْ ُ َ َ ٍ، فَِ َا قَا َ: س ِعْ ُ جَا ِرً، ف ُ َ َ ِي ٌ،‬




                              ‫1 منهج المتقدمين في التدليس، ص29-49 بتلخيص واختصار.‬
                                 ‫2 انظر: سؤاالت السلمي للدارقطني، 0/224، حديث: 142.‬
                                                             ‫3 اإلكليل، النص 91، ص322.‬

                                            ‫901‬
‫مجلة الهند‬

 ‫ِر م أ س ي ن َأب س ي ن هذ ْمه‬                                 ‫َ ن ي َلس وهو أ َب ِل‬
‫وكَا َ ُدِّ ُ، َ ُ َ َح ُّ إَيْنَا فِي جَاب ٍ ِنْ َبِي ُفْ َا َ، وَ ُو ُفْ َا َ َ َا اس ُ ُ:‬
                                                                           ‫1‬
                                                                              ‫َ ُ ن ع‬
                                                                             ‫طلْحَة بْ ُ نَافِ ٍ.‬
‫قال الشيخ عبد العزيز الطريفي2 عن ذلك فقال: أبو الزبير ليس مدلسً، ومن‬
      ‫ا‬
‫اتهمه بالتدليس ورد خبره، فليأت بخبر واحد ثبت تدليسه فيه، بوجه معتبر، وال‬
‫يرد حديثه لمجرد العنعنة، بل إن كان ثمت مخالفة أو نكارة في حديثه، هنا‬
                                                 ‫يتوقف في حديثه فقط.أ.هـ‬
‫قلت: وخرج قبل فترة قصيرة كتاب للشيخ الفهد في منهج المتقدمين في التدليس،‬
                                                                         ‫د‬
                   ‫ر ّ على من اتهمه بالتدليس بقوة وها آنذا أذكر موجز األدلة:‬
‫0- روى عنه شعبة بن الحجاج ومع تعنته في التدليس وطعنه به لم يذكر عنه‬
                                                              ‫تدليس.‬
                                         ‫2- أخراج مسلم ألبي الزبير جملة من روايته.‬
‫4- الدارقطني استدرك على الصحيحين أحاديث لم يشر ولو إلى حديث واحد من‬
                                                           ‫أحاديثه.‬
                                                              ‫ح‬
‫2- ص ّح أحاديثه المعنعنة الترمذي وابن حبان وابن خزيمة وأبو داود وابن‬
                                                      ‫الجارود وغيرهم.‬
‫1- ترجم له البخاري وأبو حاتم والعقيلي وابن عدي وابن حبان ولم يرموه‬
                                                           ‫بالتدليس.‬
                   ‫ا‬    ‫ل‬       ‫ا‬
‫2- أخرج النسائي له أكثر من ستين حديثً وما عّل شيئً منها، مع أنه وصفه‬
                                       ‫د‬            ‫ن‬
    ‫بالتدليس مما يدل على أ ّه ال يعني ر ّه لعنعنته بل يتوقف عند النكارة فقط.‬
                                   ‫ل‬
             ‫4- صرح الحاكم صراحة على أنه ليس بمدّس كما في معرفة العلوم.‬
                                       ‫1- إنه من أهل الحجاز وهم ال يعرفون التدليس.‬
                                            ‫ا‬     ‫ا‬          ‫ل‬
                                           ‫1- بالسبر لم يثبت أنه دّس ولو حديثً واحدً.‬
                  ‫المبحث الرابع: رواية المدلس عند ابن حبان‬

                                                          ‫1 انظر: السنن الكبرى، رقم: 2002.‬
‫الحديثية،‬     ‫الدراسات‬       ‫منتدى‬    ‫الحديث،‬   ‫أهل‬     ‫ملتقى‬  ‫موقع‬   ‫2 انظر:‬
                                  ‫‪ http://www.ahlalhdeeth.com‬تاريخ: 12/4/2112.‬



                                              ‫011‬
‫مجلة الهند‬

                                             ‫1. رأي ابن حبان في التدليس وشروطه:‬
                ‫ل‬                                                     ‫ا‬
‫يقول ابن حبان عارضً رأيه في قبول رواية المدلسين: "وأما المدّسون الذين هم‬
                                        ‫ي‬                       ‫ج‬          ‫ن‬
‫ثقات وعدول، فإ ّا ال نحت ّ بأخبارهم إال ما ب ّنوا السماع فيما رووا مثل: الثوري‬
 ‫ن‬                                        ‫م‬
‫واألعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من األئ ّة المتقنين وأهل الورع في الدين أل ّا‬
                                                           ‫ي‬             ‫ل‬
‫متىىى قبلنىىا خبىىر مىىدّس لىىم يب ى ّن السىىماع فيىىه وإن كىىان ثقىىة لزمنىىا قبىىول المقىىاطيع‬
                                      ‫ل ل‬                         ‫ن ي‬
‫والمراسيل كلها أل ّه ال ُدرى لعل هذا المدّس دّس هذا الخبر عىن ضىعيف يهىي‬
             ‫ل ط‬              ‫ن‬         ‫ل‬                ‫ّ‬                 ‫ع‬
‫الخب ُ بذكره إذا ُرف اللهم إال أن يكون المدّس يعلم أ ّه ما دّس ق ّ إال عىن ثقىة‬           ‫ر‬
                                                   ‫ي‬
‫فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يب ّن السماع وهذا ليس في الدنيا إال سفيان بن‬
                                                     ‫ل‬              ‫ل‬
‫عيينة وحده فإ ّه كان يدّس وال يدّس إال عن ثقة متقن وال يكاد يوجد لسىفيان بىن‬ ‫ن‬
                                        ‫ي‬
‫عيينة خبر دّس فيه إال وجد الخبر بعينه قد ب ّن سماعه عن ثقة نفسه والحكم فىي‬      ‫ل‬
                                                      ‫ي‬
‫قبول روايته لهذه العلةـ وإن لم يب ّن السماع فيها ـ كىالحكم فىي روايىة ابىن عبىاس‬
                      ‫1‬
                                                 ‫ل‬                     ‫ل‬
                       ‫إذا روى عن النبي صّى اهلل عليه وسّم ما لم يسمع منه ...".‬
                                                              ‫ي‬
‫ابن حبان يب ّن منهجه في قبول روايات وأخبار المدلسين في صىحيحه، فقىد ذكىر‬
                                           ‫م‬     ‫ل‬                 ‫ً‬
                                        ‫شروطا لقبول رواية المدّس أه ّها:‬
                                      ‫ً‬      ‫ً ً‬       ‫ل‬
‫األول: أن يكون المدّس ثقة عدال مأمونا في دينه يعتمد عليه في التحمل واألداء.‬
                       ‫ي‬               ‫ل‬                     ‫ي‬        ‫ا‬
‫ثانيً: أن يب ّن المدلس السماع ممن دّس عنه، سواء بى ّن السىماع فىي صىحيحه أم‬
                                               ‫في غيره من كتب الحديث.‬
                                            ‫ل‬
‫هذه الشروط مهمة في قبول رواية المدّس، فهو يشترط فيه الثقة والعدالىة والسىماع‬
              ‫ل‬                            ‫ن‬
‫حتى يقبل حديثه في صحيحه، وبهذا فإ ّ ابن حبان ال يقبل رواية المدّس غير العدل‬
                      ‫ي‬
‫وغير الثقة، وكذلك ال يقبل رواية المدلس الثقة العدل إذا لم يب ّن السماع في روايته،‬
                                                                      ‫ل‬
                          ‫فرواية المدّس مردودة عنده إال إذا وافقت شروطه الثالثة.‬
              ‫ل‬
‫وقىىد ضىىرب أمثلىىة علىىى الثقىىات العىىدول الىىذين يقبىىل روايىىتهم إن دّسىىوا أمثىىال:‬
‫الثوري واألعمش وأبي إسحاق من أئمة الحىديث المتقنىين، يعنىي الضىابطين، ثىم‬
                                                  ‫وصفهم بأنهم أهل الورع في الدين.‬
   ‫ل‬                     ‫ن‬                                    ‫ل‬
‫وبعد هذه الشروط يعّل ابن حبان اشتراطه لها بقوله: "أل ّا متى قبلنا خبر مىدّس‬
     ‫ن‬       ‫كل‬                                                              ‫ي‬
‫لم يب ّن السماع فيه وإن كىان ثقىة؛ لزمنىا قبىول المقىاطيع والمراسىيل ِّهىا أل ّىه ال‬




                                                           ‫1 صحيح ابن حبان، 2/292-192.‬

                                             ‫111‬
‫مجلة الهند‬

                                                       ‫ل ل‬
‫يىىدرى لعىىل هىىذا المىىدّس دّ ىس هىىذا الخبىىر عىىن ضىىعيف يهىىي الخبىىر بىىذكره إذا‬
                                                                            ‫1‬
                                                                             ‫عرف".‬
                       ‫ل‬               ‫ي‬               ‫ل‬                 ‫ن‬
‫أي أ ّه لو قبل خبر المدّس الذي لىم يبى ّن سىماعه ممىن دّىس عنىه، وإنْ كىان هىذا‬
   ‫ل‬               ‫ن‬                                           ‫ن‬          ‫ل‬
‫المدّ س ثقة، فإ ّه يلزمه قبول جميع المراسيل والمنقطعات أل ّ عدم بيان المىدّس‬
                                  ‫ا‬              ‫المدل‬
     ‫للسماع يعني أن بينه وبين َّس عنه سقطً كما في المراسيل والمنقطعات.‬
  ‫م‬                    ‫ال‬
‫ولهذا فشرط ابن حبان فيمن يقبل خبره أن يكون ثقة عد ً، ثم يذكر سىماعه م ّىن‬
          ‫ل‬
‫دّس عنه، ثم استثنى ابن حبان مىن شىروطه هىذه الىراوي الىذي ال يىدّس إال عىن‬ ‫ل‬
                        ‫ثقة مأمون وهذا ليس في الدنيا إال سفيان بن عيينة وحده.‬
‫ثم يشير ابن حبان كذلك إلى موضوع مهىم أال وهىو حكىم قبىول روايىة الصىحابي‬
                  ‫ن‬
‫ورأيىىه فيىىه حيىىث أشىىار إلىىى جاللىىة قىىدر الصىىحابة وتقىىديرهم بىىأ ّهم عىىدول ثقىىات،‬
   ‫ن‬                                        ‫ل‬                  ‫ل‬
‫مستد ً بحديث النبي صّى اهلل عليه وسّم: "أال ليبلغ الشاهد مىنكم الغائىب" بىأ ّهم‬    ‫ال‬
            ‫ل‬
‫رضي اهلل عنهم بمجملهم يعتمد عليهم وعلى رواياتهم عىن النبىي صىّى اهلل عليىه‬
       ‫ً‬
‫وسّم حتى وإن لم يسمعوا منه مشافهة، بل سمعوا من بعضىهم الىبعض نقىال عنىه‬                 ‫ل‬
                                                                      ‫ل‬
                                                                  ‫صّى اهلل عليه وسّم.‬    ‫ل‬
              ‫7. رأي الجمهور في التدليس وأحكامه ومقارنته برأي ابن حبان:‬
                                                    ‫د‬
‫وقد قسم المحدثون التدليس إلى ع ّة أقسام: األول: تدليس اإلسناد: وهو هنىا علىى‬
                                              ‫ي‬
‫أربعة أضرب: تدليس اإلسقاط: وهىو أن ُسىقط الىراوي اسىم شىيخه ويرتقىي إلىى‬
‫شىىيخ شىىيخه أو مىىن فوقىىه ممىىن هىىو معاصىىر لىىذلك الىىراوي فيسىىند ذلىىك إليىىه بلفىىظ‬
‫يقتضىىي اتصىىا ً لىىئال يكىىون كىىذبً. وتىىدليس التسىىوية.2 وتىىدليس القطىىع وتىىدليس‬
                                                     ‫ا‬                   ‫ال‬
                                                      ‫4‬
                                                       ‫العطف،3 الثاني: تدليس الشيوخ.‬
                                                                           ‫ن‬
‫إ ّ ابن حبان لم يشر في مقدمته إلى هذه التفاصىيل فىي أنىواع التىدليس وحكىم كىل‬
‫نوع؛ بل الذي أشار إليه ابن حبان هو تدليس اإلسقاط، وهىو متفىق مىع غيىره فىي‬
                                                        ‫هذا النوع من التدليس.‬


                                                              ‫1 صحيح ابن حبان، 2/292.‬
                                                                 ‫2 التقييد واإليضاح، 2/96‬
‫3 انظر: التقريرات السنية في شرح المنظومة البيقونية، 2/74 بتصرف، والتقييد واإليضاح،‬
                                                                             ‫2/96‬
                                                                                         ‫4‬
                       ‫المصدر نفسه، 2/74. وانظر: التقييد واإليضاح، 2/96 وما بعدها.‬

                                           ‫211‬
‫مجلة الهند‬

                   ‫ل‬                                  ‫ر‬
‫فابن حبان لم يخرج عما ق ّره الجمهور في قبول روايىة المىدّس وشىروطه التىي‬
          ‫ا‬                            ‫ر‬
‫ذكرهىىا فىىي مقدمىىة صىىحيحه فهىىي التىىي ق ّرهىىا أهىىل الحىىديث خصوصىً البخىاري‬
                       ‫ي‬                       ‫ّ‬
‫ومسلم وإن لم يصرحوا بهىا إال أن روايىتهم فىي كتىبهم ب ّنىت مىنهجهم فىي قبىولهم‬
                  ‫ال‬           ‫ل‬                                    ‫ل‬
‫لرواية المدّس بالشروط ذاتها وهي أن يكون المدّس ثقة عد ً ويصرح بسىماعه‬
                                                               ‫ل‬
                                                         ‫من شيخه الذي دّس عنه.‬
  ‫ل‬                      ‫ل‬
‫بقيت المسألة األخيرة وهي أن ابن حبان يقبل رواية المدّس الثقىة الىذي ال يىدّس‬
                                     ‫ي‬
‫إال عن الثقات وإن لم يصرح بالسماع، وقىد أ ّىده فىي هىذا الىرأي أبىو بكىر البىزار‬
                           ‫ً‬                              ‫ل‬
‫حيث قال: "من كان يدّس عن الثقات كان تدليسه مقبوال عند أهل العلم وإن كىان‬
                                                                        ‫1‬
                                                                           ‫ل ا‬
                                                                         ‫مدّسً".‬
                                                                                ‫ر‬
‫وهىذا مىا قى ّ ره ابىن حبىان فىي هىذه المسىألة فجىاءت آراءه موافقىة لمىنهج جمهىور‬
                                                       ‫ل‬
‫المحىىىدثين فىىىي قبىىىول روايىىىة المدّسىىىين علىىىى الشىىىروط التىىىي ذكرهىىىا فىىىي مقدمىىىة‬
‫صىىحيحه. ولىىذلك استشىىهد إبىىراهيم األبناسىىي بكىىالم ابىىن حبىىان فىىي قبولىىه لروايىىة‬
                   ‫ل‬                  ‫ل‬
‫المدّسىىىين الثقىىىات المصىىىرحين بالسىىىماع، والمدّسىىىين الىىىذين ال يدّسىىىون إال عىىىن‬ ‫ل‬
‫الثقىىات: كسىىفيان بىىن عيينىىة وغيىىره وتشىىبيهه روايىىاتهم بروايىىات مراسىىيل كبىىار‬
‫2‬
                                            ‫ل ن‬                     ‫ل‬
   ‫الصحابة عن النبي صّى اهلل عليه وسّم أل ّهم عدول عدلهم اهلل تعالى ورسوله.‬
     ‫ن‬                                                       ‫ج‬         ‫ن‬
‫وخالصة األمر أ ّ الذي ر ّحه ابن حبان هو رأي الجمهور من المحىدثين أ ّىه ال‬
                     ‫ل‬                                                  ‫ل‬
‫يقبىىل روايىىة المىىدّس إال بالشىىروط التىىي تىىدل علىىى أن هىىذا المىىدّس ثقىىة لىىم يتعمىىد‬
                   ‫ل‬                       ‫ل‬
‫الكذب، وأ ّ المدّس هذا ثبت سماعه ممن دّس عنه أو كان ال يىدّس إال عىن ثقىة‬‫ن ل‬
‫كما هو شأن سفيان ابىن عيينىة، ولهىذا فىابن حبىان فىي هىذه المسىألة موافىق لىرأي‬
                                       ‫ل‬
‫ومىىنهج األئمىىة المحىىدثين فىىي قبىىول روايىىة المىىدّس فلىىم يخىىالفهم فىىي القبىىول وإن‬
                             ‫اختلفت بعض عباراته عن ما قرروه في كتبهم واهلل أعلم.‬
‫ومن هنىا فىإن قبىول ابىن حبىان لروايىة أبىي الزبيىر عىن جىابر فىي صىحيحه علىى‬
‫الرغم من أ ّ أبا الزبير لم يصرح بسماعه في بعض األحاديث عن شيخه جىابر،‬         ‫ن‬
    ‫ل‬
‫يدل ع لى أنه ثبت عند ابن حبان أن أبا الزبير قىد سىمع هىذه الروايىات ممىن دّىس‬
              ‫ال‬         ‫ل‬                      ‫ن‬
‫عنىىه، أو يكىىون ثبىىت عنىىد ابىىن حبىىان أ ّ أبىىا الزبيىىر لىىم يىىدّس أص ى ً،... أو يكىىون‬
‫المقصىىود بالتىىدليس هنىىا التىىدليس علىىى مىىنهج المتقىىدمين والىىذي يعنىىي اإلرسىىال ال‬
‫غير، فتكون روايات أبي الزبير صحيحة على منهج ابن حبان وعلى ما تقدم من‬
‫توضىىيح لمىىا أشىىكل فىىي موضىىوع تىىدليس أبىىي الزبيىىر مىىن أنىىه بىىريء مىىن تهمىىة‬

                                                                                             ‫1‬
                                                   ‫الشذا الفياح بعلوم ابن الصالح، 2/942‬
                                                                                             ‫2‬
                                                                    ‫المصدر نفسه، 2/942‬

                                             ‫311‬
‫مجلة الهند‬

‫التدليس، وإن كان األحوط أن ينظر في رواياته ويبحث لهىا عىن روايىات أخىرى‬
                                     ‫ن‬
‫بين أبي الزبير السماع فيها، ومن هنا فإ ّ المبحث القىادم سىيكون بدراسىة عمليىة‬
‫ألحاديث أبي الزبير عن شيخه جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنىه فىي صىحيح ابىن‬
                ‫ا‬                         ‫ي‬
‫حبان، حيث سىأجمعها وأخرجهىا وأبى ّن الىراجح فيهىا، خصوصىً األحاديىث التىي‬
               ‫ض ّفها الشيخ شعيب بسبب تدليس أبي الزبير وعنعنته على رأيه.‬ ‫ع‬




                    ‫تأثير اللغة العربية‬
               ‫على حضارة الهند وثقافتها‬
‫- أ. د. غالم يحيى أنجم‬
‫اللغة العربية ليست بلغة العرب والدين فحسب بل هي لغة دولية تنافس ما دونها‬
                          ‫ال‬               ‫ا‬
‫من اللغات الدولية األكثر رواجً في العالم وتداو ً بين الناس. فكما هي لغة‬
‫العرب والرسول األمي، ولغة القرآن والجنة فكذلك هي إحدى اللغات الدولية‬
‫التي ال تتخلف عن غيرها من اللغات الدولية في مختلف مجاالت العلم واألدب‬
                                ‫والفن فصدق ما قال األديب الشهير الثعالبي:‬
‫"والعرب خير األمم، والعربية خير اللغات واأللسنة، واإلقبال على تفهمها من‬
                                                                ‫الديانة"1.‬



                                              ‫1 األدب العربي اإليرانيون، ص 39‬

                                    ‫411‬
‫مجلة الهند‬

                                        ‫ب‬
‫وألجل أهمية اللغة العربية تلك فلم يح ّها المسلمون في كافة أرجاء العالم فقط بل‬
                ‫ج‬
‫قاموا بتأسيس المراكز والمعاهد في ترويجها ونشرها، ولم يو ّهوا هذا االلتفات‬
‫إليها بما أن لهم عالقة عاطفية شديدة بل بما يوجد فيها من خصائص تفقدها‬
                           ‫غيرها من لغات العالم، ونكتفي هنا بذكر مثالين فقط:‬
‫وأكبر خصوصية وأبرزها لهذه اللغة أنك تقدر على أن تتلو كلمة منها على ستة‬
‫طرق ولكل طريقة منها معنى يختلف عما سبق فنتناول، على سبيل المثال، كلمة‬
‫من مجموعة أحرف (ق، ب، ل) فتتمكن من أن تقرأ هذه الكلمة على ستة‬
‫أساليب ولكل منه معنى ال يتفق مع المعنى السابق، وكل صورة منها تدل على‬
                                                      ‫معنى. وهي كما يلي:‬
 ‫معناها‬                                                                  ‫الكلمة‬
 ‫‪Before‬‬                                                                ‫0. قبل‬
 ‫‪Nickname‬‬                                                              ‫ق‬
                                                                      ‫2. ل َب‬
 ‫‪Vegetable‬‬                                                             ‫4. بقل‬
 ‫‪Heart‬‬                                                                ‫2. قلب‬
 ‫‪Soft spoken‬‬                                                           ‫1. لبق‬
 ‫‪White stone‬‬                                                           ‫2. بلق‬
‫ففي هذه األمثلة كلها استخدمت أحرف (ق، ب، ل) ويمكن لنا أن نشق كلمات‬
‫عديدة من مادة الفعل الثالثي، وال توجد مثل هذه الخصوصية إال في اللغة‬
                                                            ‫العربية.‬
‫والخصوصية الثانية لهذه اللغة هي أنه ذات مرة أحيط بامرئ القيس الشاعر‬
                                       ‫ق‬
‫الجاهلي ا لكبير من قبل أعدائه فلما تي ّن أنه ال يفلت من أيدي األعداء ويلقى‬
  ‫ل‬                                ‫ل‬
‫حتفه في حين أو آخر فاشترط معهم أن يبّغوا ابنتيه هذه الرسالة ولو ال يخّوا‬
                      ‫سبيله. والرسالة المنظومة التي كتبها البنتيه هي كما يلي:‬
                        ‫"أال يا ابنتا امرء القيس أباكما"‬
‫وبما أن العرب كانوا هم األوفى بالميثاق الذي عقدوه ولم يكن لهم في كل أنحاء‬
             ‫ل‬
‫العالم من ينافسهم فيه فلما وصولوا إلى أوالده بعدما قتلوه لكي يبّغوهم ما قال‬
‫لهم أبوهم فصاحت ابنتا امرئ القيس بعدما سمعتا "أال يا ابنتا امرء القيس‬
          ‫ب‬
‫أباكما" وناديتا أفراد قبيلتهما وطلبتا منهم أن يأخذوا ثار دم أبيهما فل ّوا دعوتهما‬


                                      ‫511‬
‫مجلة الهند‬

‫واجتمعوا ألخذ ثار دم أبيهما إال أنهم سألوهما كيف علمتما أن هؤالء قتلوا أباكما‬
                                                            ‫ل‬
                ‫فأجابتا عليهم بأنما بّغهما أبوهما من الرسالة ال تكمل إال بما يأتي:‬
                                ‫"قد قتل وقاتاله لداكما"‬
                                                               ‫فالشعر التام كما يلي:‬
    ‫1‬
     ‫قد قتــــــــــــــل، وقاتاله لداكما‬         ‫أال يا ابنتا امرء القيس أباكما‬
‫وما يطويه القرآن من إعجاز بليغ بين جنبيه ال يوجد له نظير في أي لغة من‬
‫لغات العالم فكما أثبت في القرآن أن القمر والكواكب تدور في السماء فاستخدم‬
‫لذلك كلمة يبدو منها أنها تعني نفس المعنى سواء نقرأها من البداية أو من النهاية‬
‫فقال "كل في فلك "2 فاألحرف المستخدمة فيها هي‬
‫الخلف‬       ‫من‬         ‫اقرأ‬     ‫واآلن‬     ‫(ك←ل←ف←ي←ف←ل←ك)‬
        ‫م‬      ‫م‬
‫(ك→ل→ف→ي→ف→ل→ك) تجد نفس المعنى. ول ّا نض ّ إليها‬
‫"يسبحون" فهذا يعني أن كل ما في السماء يسبح، وقد قام القرآن باكتشاف المآت‬
‫من مثل هذه الحقائق والمعارف، وهذا كله مما قد حوته اللغة العربية وصدق‬
                                                                       ‫القائل:‬
    ‫3‬
        ‫وما ضقت عن آي به وعظات‬                          ‫ً‬
                                                  ‫وسعت كتاب اهلل لفظا وغاية‬
                 ‫ج‬
‫وقد تأثرت الحضارة الهندية والثقافة باللغة العربية منذ أن تو ّهت تجار العرب‬
                                                              ‫ث‬
‫نحوها فقد أ ّر العرب حيثما وردوا بلغتهم، وحضارتهم، وثقافتهم والسبب‬
   ‫و‬
‫الرئيسي وراء اختالف جنوب الهند عن شمالها هو أن التجار العرب قد تب ّأوا‬
                                           ‫ً‬      ‫ً‬       ‫ا‬
                          ‫بها تاركين فيهم أثرً واضحا ملموسا للغتهم وثقافتهم.‬
‫منذ أن قامت الحكومة اإلسالمية في الهند خاضت علماء هذه البالد وفضالؤها‬
‫في توطيد عالقتهم العلمية والثقافية مع العرب فكما جاءت علماء العرب إلى‬
‫الهند فكذلك ذهبت علماؤنا إلى الدول العربية وبقي هذا التبادل العلمي والثقافي‬
                                                                     ‫ً‬
                        ‫مستمرا بكل حيوية ونشاط منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.‬



                                                              ‫1 المصدر نفسه، 312‬
                                                                ‫2 سورة األنبياء: 33‬
 ‫3 هذا البيت من منظومة حافظ بك إبراهيم الشهيرة عن لسان حال اللغة العربية وهي تبتدئ‬
                                                                             ‫بما يلي:‬
      ‫وناديت قومي فاحتسبت حياتي‬                 ‫رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي‬
‫مجموعة من النظم والنثر للحفظ والتسميع، ص :-4‬

                                            ‫611‬
‫مجلة الهند‬

‫وبفضل ورود العلماء العرب في الهند ما لقيته اللغة العربية من رواج وتداول‬
                                                      ‫و‬
‫بين الهنود بجانب تط ّر العلم والفن هنا قد لفت أنظار العالم كله فقد عرفت‬
‫دلهي عاصمة الهند في عهد السلطان شمس الدين ألتمش بـ"مركز دائرۂ إسالم"‬
‫و"حوزۂ دين محمدي" و"بيضۂ ملة أحمدي" و"قبة اإلسالم" واعتبرت هي‬
‫مضاهية بسمرقند وبخارا في ترويج ونشر العلوم والفنون واللغات والثقافات.‬
‫وألجل توطيد العالقات بين الهند والعرب بعث الخليفة الناصر لدين اهلل اإلمام‬
                                            ‫م د‬
‫رضي الدين الصغاني، عال ٌ جي ٌ في عصره، كسفير له لدى السلطان شمس‬
                           ‫ا‬
‫الدين ألتمش بدلهي كما بعث السلطان ألتمش سفيرً له لدى الخليفة المستنصر‬
‫باهلل فأثنى على رغبة السالطين العرب في الهند وولعهم بها، ومن هنا بدأت‬
‫سلسلة جديدة من الروابط، لم تنقطع حتى اآلن فقد ورد الهند العديد من العلماء‬
‫أمثال سراج الدين محمد الجوزجاني وبرهان الدين محمود البلخي وبدر الدين‬
                               ‫ا‬
‫إسحاق فنشروا العلوم والفنون هنا كما ألفوا كتبً ورسائل لترويج اللغة العربية‬
‫وأ ّسوا مدارس ومعاهد. وقد كان عهد السلطان محمد تغلق على ذروة العلم‬     ‫س‬
                                     ‫ا‬
‫والفن وذلك ألن السلطان نفسه كان مولعً بالعلم والفن وكان يتضلع من العربية‬
‫كما ضبطه المؤرخ الشهير صاحب كتاب "تاريخ فرشته". وقد شهد التاريخ‬
‫الهندي اإلسالمي ما قام به السالطين والعلماء من تطوير العلوم والفنون‬
‫واآلداب وكذا ما نالت العلوم اإلسالمية من رواج تام وقبول عام في المدارس‬
‫اإلسالمية، ال يحيط به قلم هذا العاجز حتى قال الشيخ نصير الدين محمود لما‬
                           ‫شهد ما شهد من خدمات الشيخ شمس الدين األودهي:‬
    ‫1‬
     ‫فقال العلم شمس الدين يحيى‬               ‫سألت العلم من أحياك حقً‬
                                             ‫ا‬
‫وكذا قد استحقت المنطقة الشرقية لشمال الهند لولع إبراهيم شاه الشرقي في عهد‬
                                        ‫م‬
‫فيروز شاه التغلق، استحقت أن تس ّى "شيراز هند". ولما رأى السلطان أورنغ‬
‫زيب الخدمات العلمية والدينية للعالمة شهاب الدين الدولت آبادي والشيخ أشرف‬
‫جهان غير السمناني قال "پورب شيراز ما است" (ترجمة: شرق الهند لنا مثل‬
                                                     ‫شيراز ألهالي إيران).‬
                                                  ‫و‬
‫ولو أن الفارسية قد تر ّجت في العصر المغولي ولكنه بما أن العلم كله كان‬
‫بالعربية فقد كانت معرفتها الزمة لكل عالم من علماء الهند وعلى هذا فلما قام‬
‫الشيخ المال نظام الدين السهالوي بوضع المنهاج الدراسي النظامي في عصر‬
‫السلطان أورنغ زيب عالمغير فاعتنى فيه بالعربية بجانب المواد الدراسية‬
‫األخرى المتداولة وذلك لكي يتعرفوا بها على تلك العلوم والفنون واآلداب، ولم‬


                                 ‫1 الطلح المنضود في شعراء العربية الهنود، ص 24‬

                                    ‫711‬
‫مجلة الهند‬

                                                                ‫م‬
‫يهت ّ بالعربية منثورها ومنظومها فيما بين العلوم الموضوعة في المنهاج‬
‫الدراسي فحسب بل أدخل فيه قواعد اللغة العربية وبالغتها وعروض الشعر‬
                        ‫العربي لكي يتعرف الطالب على أهمية هذه اللغة.‬
                                             ‫م‬
‫وبالنسبة للغة العر بية وآدابها ت ّ تقرير العديد من الكتب القيمة في هذا المنهاج‬
‫الدراسي ولقد درس الكاتب ذاته ما يأتي من الكتب والرسائل بشأن اللغة العربية‬
                                                                      ‫وآدابها:‬
               ‫4. پنج گنج‬                  ‫2. منشعب‬                ‫0. ميزان‬
                ‫2. الكافية‬              ‫1. نحو مير‬         ‫2. فصول أكبري‬
      ‫1. مختصر المعاني‬            ‫1. تلخيص المفتاح‬            ‫4. شرح جامي‬
        ‫20. شرح مأة عامل‬            ‫00. مجاني األدب‬              ‫10. القليوبي‬
        ‫10. ديوان أبي تمام‬           ‫20. سبع معلقات‬         ‫40. ديوان المتنبي‬
                                ‫بديع 40. مقامات الحريري‬       ‫20. مقامات‬
                                                      ‫الزمان الهمداني‬
                                                           ‫ل‬
‫فالعلماء الذين تعّموا على المنهاج الدراسي المحتوي على اللغة العربية قاموا‬
‫بأداء أعمال جليلة في كل عصر من عصور التاريخ اإلسالمي الهندي فممن‬
‫يجدر بالذكر من بين علماء العصر المغولي المبرزين الذين خلفوا األعمال‬
                                             ‫ا‬     ‫ا‬
‫باللغة العربية ولعبوا دورً بارزً في القيام بنشر العلوم الدينية، هم الشيخ رحمت‬
‫اهلل السندي والشيخ عبد النبي الغنغوهي والشيخ عبد اهلل السلطانفوري والشيخ‬
‫وجيه الدين العلوي والشيخ يعقوب الكشميري والشيخ عبد الحق المحدث‬
‫الدهلوي والمال محمود الجونفوري والمال عبد الحكيم السيالكوتي وأبو الفيض‬
‫الفيضي، والعالم األخير قام بتأليف تفسير للقرآن في مجلدين ال يوجد له نظير ال‬
‫في العالم اإلسالمي بل في العالم كله فهو قام باختيار الكلمات الغير منقوطة‬
‫واستخدامها في تفسيره كمثل "اهلل" و"محمد" وبما أن هذا عمل تفسيري يشتمل‬
                                               ‫ي‬
‫على ألفاظ ال نقط فيها فقد ح ّر هذا العمل الجليل أنظار العلماء والباحثين في‬
                                                                ‫العالم بأسره.‬
‫وعلماؤنا الهنود الذين سافروا إلى الدول العربية فاعترف بعلو كعبهم في اللغة‬
‫العربية قاموا بتدريب العديد من التالمذة وبالرغم من كونهم ممن ليس بالناطقين‬
‫بلغة الضاد فقد قاموا بتأليف كتب ورسائل لفتت أنظار العرب وجذبت التفاتهم‬
‫إليها، أبرزهم الشيخ صفي الدين بن عبد الرحيم األرملوي والشيخ سراج الدين‬
‫الغزنوي والشيخ سعيد بن عبد اهلل الدهلوي والشيخ علي متقي البرهانفوري والشيخ‬

                                     ‫811‬
‫مجلة الهند‬

‫قطب الدين أحمد النهروالي والشيخ إبراهيم بن صالح الهندي والعالمة المرتضى‬
‫الزبيدي البلغرامي، وقد قام األخير بتأليف معجم كبير بالعربية في مجلدات ضخام‬
         ‫باسم "تاج العروس" وهذا خير شاهد وأصدقه على تضلعه من العربية.‬
‫ولو أن اإلنجليز قد قاموا بتخريب اآلالف من المدارس اإلسالمية بعدما سيطروا‬
‫على الهند ولكنهم لم يستطيعوا بقطع عالقة المسلمين مع العلوم الدينية والسيما‬
‫اللغة العربية. وهؤالء المهرة في اللغة العربية، الذين كانوا منتسبين بالمدارس‬
      ‫ح‬         ‫ا‬          ‫ال‬
‫الدينية قد أطاحوا بحكومة هذه اإلنجليز البيض شك ً والسود قلبً ولو ض ّوا في‬
‫سبيلهم هذا بأموالهم وأنفسهم وهتكت عزة نسائهم. ومع هذا وذلك لم يغفل هؤالء‬
‫العلماء الضليعون من اللغة العربية عن أداء خدمات جليلة في مجال اللغة‬
‫واألدب ومن برز فيهم من العلماء هم الشاه ولي اهلل الدهلوي والشاه عبد العزيز‬
‫الدهلوي والعالمة غالم علي آزاد البلغرامي والشيخ محمد حسين الشاه‬
                ‫ي‬
‫جهانفوري والعالمة فضل حق الخيرابادي والشيخ عبد الح ّ الرائ بريلوي‬
‫والنواب صديق حسن خان القنوجي والعالمة فيض الحسن السهارنفوري‬
‫واإلمام عبد الحميد الفراهي والفاضل أحمد رضا خان البريلوي القادري والشيخ‬
                                                         ‫عبد القادر الكوكني.‬
‫وال ننس هنا أن اللغة العربية في عصرنا هذا لم تبق لغة الشريعة اإلسالمية‬
‫ورغبة المسلمين فيها وولعهم بها فحسب بل نالت أهمية اجتماعية وثقافية‬
                         ‫ف‬
‫واقتصادية أكثر من ذي قبل في بالدنا الهند فما تو ّر في الدول العربية من‬
‫الوظائف بفضل اكتشاف البترول في آراضيها، الوظائف التي سبق في التمتع‬
                                              ‫ب‬
‫منها إخواننا الهنود هي التي س ّبت وجوب معرفة هؤالء الهنود بها، وهذا هو‬
                                    ‫م‬
‫السبب وراء اعتبار اللغة العربية مادة مه ّة فيما بين المواد الدراسية ليس في‬
‫المدارس اإلسالمية فحسب بل في المدارس والكليات والجامعات الهندية‬
‫الحكومية وغير الحكومية حتى قاموا بتدشين الدبلوم والدبلوم المتقدم في اللغة‬
‫العربية الجديدة والترجمة منها وإليها، وبجانب هذه المدارس والكليات‬
‫والجامعات العصرية فقد رغبت المؤسسات غير الحكومية بفتح أبوابها لخلق‬
‫المهارة في هذه اللغة لكيال يحرم مسئولوها زيارة هذه البالد الغنية ويستوي فيها‬
                           ‫ي‬
‫الطلبة المسلمون ومن هم ال يدينون هذا الدين القّم بل الطلبة غير المسلمين‬
‫يسابقون المسلمين منهم بما أن معرفتها منوطة باالقتصاد. هذا كما يغنيهم عن‬
‫الفقر فكذلك يخلق في قلوبهم رأفة ورحمة على إخوانهم المسلمين القاطنين في‬
                                            ‫هذه البالد ذات األغلبية الهندوسية.‬
‫وكذا يوجد في الهند علماء وباحثون هندوس لم يتخذوا اللغة العربية وسيلة‬
            ‫ص‬
‫لمعاشهم فحسب بل استخدموا هذه اللغة لنشر ديانتهم وأخ ّ بالذكر منهم‬

                                     ‫911‬
‫مجلة الهند‬

‫الدكتور ماخان راهي والدكتور شيف روئ التشودهري وكوندون لعل أشكي‬
                                       ‫و‬
‫البريلوي وغورديا سينغ المجذوب. فأ ّلهم قام بترجمة غيتا إلى اللغة العربية‬
‫وأما ال بقية فهم حاولوا أن ينقلوا أفكارهم ونظرياتهم إلى هذه اللغة حتى أن‬
 ‫األخير قد ظفر بشهادة الشرف على خدماته الجليلة للعربية من قبل رئيس الهند.‬
       ‫ا‬        ‫ال‬                                       ‫ل‬
‫واللغات التي يتكّمها الهنود دخلت فيها كلمات العربية قلي ً أو كثيرً فاللغة‬
‫األردوية والفارسية والبنجابية والسندية والسنسكريتية لغات هندية يوجد فيها‬
‫العديد من الكلمات والتعابير واألساليب العربية ويستخدمها الناس بوعي أو‬
                                            ‫ا‬
‫بدون وعي. نعم وتعرفون خيرً أن اللغة الفارسية قد قضى عليها الدهر كلغة‬
‫رسمية للهند وقام مقامها اللغة اإلنجليزية ثم الهندية ولكنه يستخدم حتى اآلن‬
‫العديد من الكلمات العربية في المحاكم والمكاتب الهندية الحكومية وغير‬
‫الحكومية كما كانت تستخدم من قبل، ومن هذه الكلمات العديدة "داخل"‬
‫و"خارج" و"م ّعي" و"مدعى عليه" و"عدالت" و"شهادت" و"مجرم"‬    ‫د‬
‫و"ملزم" و"قاتل" وغيرها من العديد من الكلمات العربية التي نستخدمها كأنها‬
                                                      ‫كلمات هندية األصل.‬
                ‫م‬
‫قد ض ّت عامة الناس هذه اللغة إلى لغاتهم بدون وعي بينما ض ّها خاصتهم إلى‬‫م‬
           ‫ل‬
‫لغاتهم بوعي وهي كلماتها وتراكيبها ومصطلحاتها وأساليبها تنح ّ في اللغة‬
‫ً‬                  ‫ث‬
‫الفارسية واألردوية بحيث ال تشعر بأنها أشياء أجنبية ونم ّل، فيما يلي، أبياتا‬
                                     ‫فارسية وأردوية كي يثبت ما قلنا به ونقول:‬
                      ‫ً‬
              ‫أال يا أيها الســــــــــــــــــــــاقي أدر كأسا وناولها‬
                                ‫و‬
              ‫كہ عشق آســـــــــاں نمود أ ّل ولے افتاد مشكلها‬
              ‫حضورى گر همى خواهى ازو غائب مشو حافظ‬
               ‫1‬
                  ‫متى ما تلق من تهوى دع الدنيـــــــــــــا وأمهلها‬
              ‫بس كنم دلبـــــــــــــــــــــــــــر در آمد در خطاب‬
               ‫2‬
                   ‫گوش شو! واهلل أعلم بالصـــــــــــــــــــــــــواب‬
              ‫مؤذن بر آورد بانگ قنـــــــــــــــــــــــــــــــــوت‬
              ‫1‬
               ‫كہ سبحــــــــــــــــــــــــــــان حي الذي ال يموت‬


                                                               ‫1 ديوان حافظ، ص 2‬
                                                        ‫2 حافظانه هائے عربي، ص 71‬

                                         ‫021‬
‫مجلة الهند‬

‫هذه أبيات فارسية ألشهر شعراء الفارسية وفيما يلي أبيات أردوية من ديوان‬
                     ‫األستاذ إبراهيم ذوق وهو شاعر أردوي كبير فهو يقول:‬
               ‫نطق شيريں وه ترا شهــــد كہ هر درد كو راس‬
               ‫2‬
                   ‫شان ميں جس كے شها "فيه شـــــــفاء للناس"‬
               ‫سرو قامت اگر اس كے هو طــــــــوبى سركش‬
               ‫3‬
                   ‫راست هاں راست هے "كل طــــــويل أحمق"‬
               ‫نور افزائ بصيرت هو اگر تيرا جمــــــــــــــال‬
               ‫آئيں آنكهوں سے نظر معنى "اهلل جميـــــــــــل"‬
               ‫روئے نيكو كى طــــرف مائل هے خوئے نيكو‬
               ‫4‬
                ‫كهوں كيوں كر نہ كہ "الجنس إلى الجنس يميل"‬
‫الهند بلد هندوسي وحيد يتواجد فيه عدد ال يحصى من الكتب المطبوعة‬
                                                         ‫ل‬
‫والمخطوطة التي أّفت باللغة العربية فمكتبة خدا بخش، بتنة، بيهار ومكتبة‬
‫رضا، رامفور، أوترابراديش ومكتبة آزاد، جامعة علي كره اإلسالمية، علي‬
‫كره، أوترابراديش ومكتبة الحكيم محمد سعيد المركزية، جامعة همدرد، دلهي‬
‫الجديدة والمكتبة اآلصفية، حيدراباد، آندهربراديش ومكتبة دار العلوم‬
‫المركزية، ندوة العلماء، لكناؤ، أوترابراديش تحتوي على عدد ال يحصى من‬
‫المؤلفات المخطوطة التي ال توجد في غيرها من البالد الهندوسية األخرى،‬
                         ‫وهذا خير شاهد على ولع الهنود بهذه اللغة المباركة.‬
‫وبالجملة فاللغة العربية تحتل أهمية كبرى في وطننا الهندي وهي تتميز عن‬
‫غيرها من لغات العالم عن جانبها الثقافي واالقتصادي واالجتماعي الذي أثرت‬
‫به على اللغات الهندية األخرى أو اللغات التي تستخدم فيها مباشرة أو بغير‬
                                      ‫ا ما‬
‫مباشرة، وهي كذلك لعبت دورً مه ًّ في توحيد أبناء الهند وسالمتها. وهنا‬
‫يؤسفنا للغاية أن الجامعة الشهيرة في الدول العربية مثل جامعة همدرد تحرم هذا‬
                                                          ‫ي‬
‫التراث العلمي الق ّم بينما يوجد معظم التراث اإلسالمي بهذه اللغة المباركة. وقد‬
‫أقمنا وحدة للغة الفارسية بالتعاون مع سفارة جمهورية إيران اإلسالمية في‬

                                                       ‫1 المصدر نفسه، ص 9:‬
                                                   ‫2 قصائد إبراهيم ذوق، ص 47‬
                                                       ‫3 المصدر نفسه، ص 1:‬
                                                       ‫4 المصدر نفسه، ص 19‬

                                     ‫121‬
‫مجلة الهند‬

‫قسمها للدراسات اإلسالمية فالمرجو من سماحتكم أن تلتفتوا إلى هذا الجانب‬
  ‫ر‬
‫المه ّ مقيمين وحدة أخرى للغة العربية لكي يستفيد منها طالبنا الهنود، ويس ّنا‬‫م‬
                                                   ‫ر‬         ‫ا‬
‫هنا أن نفيدكم علمً بأننا ند ّس العلوم اإلسالمية في هذا القسم في البكالوريوس‬
                      ‫ر‬
‫والماجستير وحتى الدكتوراه وفي غضون هذه المواد ند ّس اللغة العربية كمادة‬
                                                  ‫ر‬
‫إجبارية إال أنها ال تكفي مد ّبة طالبنا على التضلع من هذه اللغة، هذا وندعو‬
                                                                      ‫ف‬
            ‫اهلل أن يو ّقنا لخدمة اللغة العربية التي هي لغة الجنة، وباهلل التوفيق؟‬
‫ترجمة من األردوية: رافعة إكرام‬
                              ‫المصادر والمراجع‬
                                                            ‫القرآن الكريم‬       ‫0.‬
‫الحافظ الشيرازي: ديوان حافظ (تصحيح: بهاء الدين خرم شاهي)، إيران،‬                ‫2.‬
                                                                 ‫4440ه‬
‫إبراهيم ذوق: قصائد إبراهيم ذوق (ترتيب: الشاه محمد سليمن)، اهلل اباد،‬            ‫4.‬
                                                                 ‫2210م‬
‫عبد الغني إيرواني زاده: األدب العربي والغيرانيون، اسم المطبع لم يذكر،‬           ‫2.‬
                                                         ‫تهران، 2140ه‬
‫محمد شريف سليم: مجموعة من النظم والنثر للحفظ والتسميع، إدارة‬                    ‫1.‬
‫البحوث اإلسالمية والدعوة واإلفتاء، الجامعة السلفية، بنارس، الهند، 4110م‬
‫الدكتور أورنك زيب األعظمي: الطلح المنضود في شعراء العربية الهنود‬                ‫2.‬
        ‫(دليل أكثر من خمسمائة شاعر هندي للعربية ونماذج كالمهم) (مخطوط)‬




                                      ‫221‬
‫مجلة الهند‬



         ‫فاتح الهند محمد بن القاسم الثقفي‬
‫- القاضي أبو المعالي أطهر المباركفوري‬
              ‫ر‬
‫في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه تع ّفت الهند على‬
‫اإلسالم على أيدي بني العاصي من بني مالك أحد فروع قبيلة بني ثقيف بفضل‬
‫جهادهم ضد الهندوس، ومن ثم عقدت أواصر الود واإلخالص بين هذين‬
                                        ‫د‬
‫البلدين حتى فتح هذه البالد أفرا ُ بني أبي عقيل "أحالف" فرع آخر من هذه‬
          ‫ا‬
‫القبيلة في عهد الخليفة األموي الوليد بن عبد الملك وجعلوها موطنً لإلسالم‬
‫والمسلمين. ولو أن العديد من الثقفيين السيما رجال من آل أبي عقيل قدموا‬
‫إليها في هذا العهد مقاتلين وفاتحين، ونفخوا الروح الجديدة في هذه البالد‬
   ‫ق‬
‫بحرارتهم اإليمانية ولكن محمد بن القاسم الثقفي يحرى من بينهم بأن يل ّب‬
‫بـ"فاتح الهند" بسبب كفائته الموهوبة وشجاعته، والواقع أن تاريخ الهند سيظل‬
        ‫ا‬
‫معيدً ذكرى هذا الشاب الثقفي، وال يزال حديث محمد بن القاسم حيً ما دام‬ ‫ا‬
                                                             ‫ا‬
                                              ‫اإلسالم باقيً في هذه البالد.‬
‫ولد محمد بن القاسم في البصرة في سنة 22هـ تحت ظل اإلمارة والخالفة،‬
‫وترعرع في النعمة في أزقة وشوارع البصرة، حيث كان يرزق الحياة‬
‫الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي اهلل عنه وكان يقطنها من كبار التابعيين‬
‫ً‬      ‫م‬      ‫عي‬
‫اإلمام الحسن البصري واإلمام محمد بن سيرين رحمهما اهلل. و ُ ّن مح ّد واليا‬
        ‫ا‬
‫على فارس في سنة 41هـ ولم يتجاوز من عمره سبعة عشر عامً، وقاد‬
                 ‫ا‬
‫الجيوش في غزاوات الهند منذ 21ه وقام بتسخيرها الفظً نفسه األخيرة‬
‫بالعراق في سنة 21هـ، وهكذا فقد شغلت قافلة حياته في جمع الزاد واقتنائه‬
                                                            ‫ا‬
‫لمدة سبعة عشر عامً في أزقة البصرة ثم بدأت رحلتها العملية من ساحة القتال‬
‫بفارس، وما ّة بالهند وصلت هي إلى سجن واسط حيث ألقت عصاها، وهذه‬   ‫ر‬
   ‫ت‬      ‫ا م‬
‫هي قصة قافلة حياته المنتشرة في مختلف الجهات، فال نجد كتابً يل ّ ما تش ّت‬
                                                         ‫ر‬
                               ‫من قصص وأحداث م ّت بها هذه القافلة الباسلة.‬
‫ومن أعجب العجاب أن التاريخ اإلسالمي لم ينس هذا الفاتح المسلم الكبير‬
‫فحسب بل نسي مآثره التي كانت بمثابة األمانة األثرية المقدسة فقد كان من‬
‫واجباب المؤرخين اإلسالميين أن يحتفظوا بها ولكنهم ما فعلوا ذلك، فنحن اآلن‬
‫ال نجد المعلومات التامة المفيدة عن مآثر هذا الفاتح المجاهد ومحامده في‬
                                          ‫ص‬
‫فارس كما ال يوجد أي كتاب مف ّل أو موثوق به عما قام به في بالد الهند من‬
‫المغازي والفتوح. نعم إنه قد بذلت، فيما بعد، جهود مضنية لعرضه في شكل‬

                                   ‫321‬
‫مجلة الهند‬

              ‫د‬
‫بطل أسطوري. وعلى هذا وذلك فنحاول في هذه المقالة أن نق ّم ما ظفرنا به‬
‫من المعلومات المتعلقة بشخصية محمد بن القاسم الثقفي إال أنها ال تطوي‬
‫بالتفصيل خدماته وفتوحه، وإنما هي تعنى بنسبته إلى الحجاج كصهر، ومآثره‬
‫في عهده ألمارة فارس، والبحث عن عمره عند تسخيره للهند، وما هي‬
‫األسباب التي كانت وراء موته. هذه هي المباحث المهمة التي تم التركيز عليها‬
                                                          ‫في هذه المقالة.‬
‫اسمه ونسبه وأخبار أسرته: هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي‬
‫عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن‬
‫عوف بن ثقيف1. كان ينتمي إلى "أحالف" فرع من بني ثقيف يعني آل أبي‬
                                 ‫ال‬
‫عقيل من أسرة بني عوف، وممن أسلم أو ً من آبائه هو معتب بن مالك، ثم‬
                                          ‫ل‬               ‫ل‬
‫أرسله النبي صّى اهلل عليه وسّم إلى قبيلته بني ثقيف وعشيرته "أحالف"‬
‫ليدعوهم إلى اإلسالم، ولكنهم قتلوه، فقال فيه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
‫"مثله مثل صاحب ياسين"، ومن أبنائه كان أبو عقيل بن مسعود بن عامر بن‬
‫معتب الذي أنجب المجاهدين الكبار والفاتحين واألمراء والوالة خالل العهد‬
                                                        ‫ا‬
‫األموي وخصوصً من أسرة الحكم بن عقيل التي هي مليئة بالرجال، فالحجاج‬
‫بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل ومحمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي‬
‫عقيل كالهما من أسرة آل أبي عقيل هذه، وكذا محمد بن القاسم ابن العم‬
        ‫م‬
‫للحجاج بن يوسف، ويبدو من دراسة بعض الكتب أن والدته كانت تس ّى حبيبة‬
                           ‫2‬
                             ‫ولم نظفر بما يزيد على هذا من المعلومات عنها.‬
‫وقد ذكر علي بن حامد أوجي الكوفي في "چچ نامه" (‪ )Chach Namah‬لقبه‬
                                             ‫ا‬        ‫ا‬
‫"عماد الدين" مرارً وتكرارً ولكن تقليد مثل هذه األلقاب ابتدئ في القرن‬
                                                        ‫م‬
‫السادس حينما ع ّ األمراء والسالطين واألعيان واألشراف خيارهم لأللقاب‬
            ‫المضاف إليها "الدين" فال نجد له مثل هذا اللقب في كتب التاريخ.‬
‫وكان والده القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي والي البصرة في العهد األموي،‬
                                              ‫ل‬
‫عّنه على هذا المنصب ك ٌ من الحجاج بن يوسف ويوسف بن عمر بن محمد‬      ‫ي‬
‫بن الحكم في زمني إمارتهما للعراق فيقول ابن حزم عن توليته هذا المنصب‬
                                   ‫في البصرة من قبل الحجاج بن يوسف:‬
             ‫3‬
                                  ‫ل‬
                 ‫"والقاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، وّي البصرة للحجاج".‬

                                                                               ‫1‬
                                                 ‫جمهرة أنساب العرب، ص 491 -491‬
                                                                               ‫2‬
                                                              ‫چچ نامه، ص 162‬
                                                                               ‫3‬
                                                ‫جمهرة أنساب العرب، ص 491 -491‬

                                      ‫421‬
‫مجلة الهند‬

                                               ‫ل‬
‫وبعد الحجاج بن يوسف وّاه يوسف بن عمر البصرة، وكما كتب العالمة‬
       ‫ي‬
‫البالذري في "أنساب األشراف" أنه لما توفي الوليد بن عبد الملك عّن أهل‬
‫البصرة هم أنفسهم عبد اهلل بن أبي عثمان بن عبد اهلل بن وليد بن خالد بن أسيد‬
                                                          ‫ال‬
‫والي البصرة بد ً من القاسم بن محمد وهو كان آنذاك عامل البصرة من قبل‬
                           ‫يوسف بن عمر، يختم البالذري كالمه على ما يلي:‬
               ‫"وهرب القاسم بن محمد الثقفي عامل يوسف بن عمر عليها"1.‬
‫ً‬         ‫ا‬    ‫ا‬
‫يرى بادئ ذي بدء أن القاسم بن محمد الثقفي لم يكن واليً ناجحً وحاكما‬
                                                                       ‫ر ا‬
‫خ ّيتً، فلم يقدر على أن يقوم بالتنظيم والتنسيق في مدينة مزدحمة وواعية مثل‬
‫البصرة، وقد سعى الحجاج ويوسف، ألجل نسبتهما إلى بني ثقيف، إلى تنمية‬
                                   ‫ا‬
‫هذا الرجل الثقفي، ولكنه لم يكد يتقدم وأيً كان فقد كان القاسم بن محمد يعتبر‬
                                        ‫د‬
‫من الثقفيين الغير واعين، ولذا فع ّه محمد بن حبيب البغدادي في كتابه‬
      ‫م‬                                   ‫م‬
‫"المحبر" من حمقى ثقيف، كما ض ّ إلى هذه الشرذمة عبد الرحمن بن أ ّ الحكم‬
                   ‫(بن عبد اهلل بن ربيعة) والمغيرة بن عبد اهلل بن أبي عقيل .‬
                    ‫2‬


‫ويبدو من بعض جمل "چچ نامه" أن القاسم بن محمد قد حضر فتوح الهند مع‬
‫ابنه، ولكن هذا ال يصح ألن فترة فتوح محمد بن القاسم في الهند كانت ممتدة‬
‫ا‬
‫من سنة 21هـ إلى سنة 21هـ وكما نعرف أن أباه القاسم بن محمد كان واليً‬
‫على البصرة في تلك الفترة، واستقال عن هذا المنصب في سنة 21هـ، فكيف‬
                                 ‫3‬
                                   ‫يمكن له أن يجيء إلى الهند في هذه الفترة؟‬
                                ‫س‬
‫والدته في البصرة سنة 66ه: وعندما أ ّست مدينة البصرة في سنة 20هـ‬
‫فصارت هي بمنزلة الطائف الثانية لبني ثقيف، فقد شاركوا في تمصير هذه‬
‫المدينة، وغلبوا على األموال والممتلكات، وحصلوا على اآلراضي والعقارات،‬
‫وأنشأوا القصور والمحالت والبيوت، وقد كان العديد من أنهارها وحماماتها‬
‫تحت سيطرتهم، فقد كان "شط عثمان" و"درجاه جنك" من أشهر أحياء هذه‬
                                            ‫ظ‬
‫القبيلة، وبجانب هذه فقد تو ّف بنو ثقيف في إدارة البالد والحكومة في العهد‬
                 ‫و‬                                         ‫ل‬
‫األموي وتوّوا مناصب عليا في الحكومة، وهكذا فقد تح ّلت أنوار الطائف‬
                                            ‫م‬
‫كلها إلى مدينة البصرة وتج ّعت بها. واستمر والد محمد بن القاسم في إمارة‬
                 ‫ن‬                     ‫ا‬
‫البصرة لزمن طويل، فقد كان واليً على هذه المدينة زم َ إمارة الحجاج بن‬
‫يوسف ويوسف بن عمر حتى ترك هذا المنصب في سنة 21هـ، وفي هذه‬

                                                                              ‫1‬
                                                       ‫أنساب اآلشراف، 7/1/3:2‬
                                                                              ‫2‬
                                                         ‫كتاب المحبر، ص 743‬
                                                          ‫3 چچ نامه، ص 162‬

                                    ‫521‬
‫مجلة الهند‬

   ‫ل‬
‫المدينة ولد محمد بن القاسم وترعرع في بحبوحة النعمة. وكما سيأتي أنه وّي‬
 ‫ا‬                              ‫ا‬
‫على فارس في 41ه وهو كان آنذاك شابً لم يتجاوز عمره سبعة عشر عامً،‬
                                                                  ‫ً‬
        ‫وبناء على ما سبق فقد ولد هذا الفاتح اإلسالمي في حوالي سنة 22هـ.‬
‫نشأته وتعليمه وتثقيفه: ولو أن دار الخالفة في ذلك الزمن كانت دمشق مدينة‬
‫للشام، ولكن كلتي مدينتي العراق المعمورتين؛ الكوفة والبصرة كانتا مركزين‬
‫للحضارة اإلسالمية والثقافة، والعلوم الدينية والفنون اإلسالمية، وقد كانت بنو‬
‫ثقيف في األغلبية في البصرة وكانوا مسيطرين على معظم ممتلكاتها وكانت‬
         ‫ي‬
‫لهم جولة وصولة في أمور الخالفة كما كانت القبائل األخرى تزّن المدينة‬
‫حسب تقاليدها ومراسمها، هذا في جانب وفي جانب آخر كان الصحابة [رضي‬
                               ‫ر‬
‫اهلل عنهم أجمعين] والتابعون الكرام يش ّفونها بوجودهم المبارك وكان‬
                                            ‫ل ج‬
‫المسلمون يأتون إليهم من ك ّ ف ّ للزيارة ولنيل العلوم والفنون. فذات مرة في‬
‫عهد زياد بن أبيه تم إحصاء المجاهدين والغزاة الكائنين في البصرة فوجد‬
               ‫1‬
                 ‫ثمانون ألف مجاهد بينما بلغ عدد أوالدهم مائة وعشرين ألف.‬
                                                                    ‫د‬
‫ويق ّر من هذه اإلحصائية أعداد سكان مدينة البصرة ومحبتهم الدينية وحميتهم‬
                                           ‫و‬
‫اإلسالمية، و في مثل هذا الج ّ الديني والعلمي نشأ وترعرع محمد بن القاسم،‬
‫وكان بالبصرة أنس بن مالك رضي اهلل عنه المتوفى عام 21هـ وكان المسلمون‬
                                                       ‫ل‬
‫يفدون إليه من ك ّ فج عميق لكي يزوروا هذا الصحابي األخير ويسمعوا منه‬
‫األحاديث النبوية، وزدْ على ذلك وجود اإلمام الحسن البصري المتوفى عام‬
                                                     ‫و‬
‫100هـ الذي قد ح ّل زهده وتقدسه، وعلمه وفضله، وشهرته وعظمته، قد‬
                  ‫ب‬
‫ح ّلت هذه المدينة إلى مركز ألتباع الدين اإلسالمي ومح ّي الزهد والعكوف‬‫و‬
                                                         ‫على جادة الحق.‬
‫ّ‬                                ‫ا‬
‫وقد قضى محمد بن القاسم سبعة عشر عامً من حياته حتى 41هـ في هذا الجو‬
‫المبارك وإذ ال نجد أي شهادة على لقاءه مع أنس بن مالك والحسن البصري‬
‫واستفاضته منهما، ولكن ال بد أن يرسل أبواه للتعليم على هذين الشيخين حسب‬
                                                                    ‫و‬
‫الج ّ الديني واإلسالمي السائد في ذلك الزمن، كما أمكن أنهما قاما بإرساء‬
‫محبة اإليمان وشدة العقيدة في قلبه، وكان من المعتاد في ذلك الزمن أن يرسل‬
‫الخلفاء واألمراء أوالدهم إلى الصحابة والتابعين الكرام ليتعلموا عليهم‬
‫ويتبركوا بهم، فيمكن لمحمد بن القاسم أن يتشرف باتباعه لصحابة الرسول وإال‬
‫فال شك في أنه كان من تبع التابعين، فهو ولد عام 22هـ وفي عنفوان شبابه قام‬
                               ‫ا‬
‫بقيادة الجيش في معركة فارس وأصبح واليً عليها في عام 41هـ، وثم بعدها‬

                                                                               ‫1‬
                                                         ‫فتوح البلدان، ص :73‬

                                   ‫621‬
‫مجلة الهند‬

                                                 ‫ر‬
‫بتسع أو عشر سنوات اضط ّ إلى الخوض في معركة الهند، وظل فيها حتى‬
                            ‫ا‬             ‫ف‬
‫وافته المنية عام 21هـ وهكذا فقد و ّق ثالثين عامً من حياته وعاجلته المنية في‬
‫شرخ شبابه. فيناسبنا القول بأنه بدأ حياته العملية بالجهاد والقتال وختمها عليها‬
‫فال نجد ذكر عامة أخباره في كتب التاريخ كما لم يبلغنا شيئ عن حياته‬
                                                 ‫ف‬
‫العلمية، فلو طالت حياته وو ّق لاللتقاء فالتعليم لبلغت مروياته إلينا كما نرى‬
                                           ‫1‬
                                             ‫في حق المجاهدين األخر لإلسالم.‬
          ‫قصة زواج محمد بن القاسم ومصاهرته للحجاج بن يوسف الثقفي:‬
‫لم يكن محمد بن القاسم ابن العم الحقيقي للحجاج بن يوسف الثقفي إال أنه كان‬
‫بمنزلة ابن عمه في العالقة من قبل األسرة، وأما مصاهرته للحجاج بن يوسف‬
‫وزواجه من ابنته فال يوجد له شاهد سوى كتاب "چچ نامه" الذي يذكره عن‬
‫ً‬
‫طريق األساطير، فقد جاء فيه أن محمد بن القاسم كان ابن العم للحجاج وصهرا‬
                  ‫ُر‬                        ‫ص‬
‫له كذلك" ثم ذكرت حكاية ملخ ّها أن الحجاج بن يوسف س ّ بمحمد بن القاسم‬
  ‫ال‬                       ‫د‬
‫ذات يوم فقال له: اطلب مني أي حاجة تريدها؟ فر ّ عليه محمد بن القاسم قائ ً:‬
                                                    ‫و‬
‫وّني على منطقة ثم ز ّجني من إحدى بناتك، فغضب عليه الحجاج وضرب‬              ‫ل‬
‫على رأسه بخيزرانته حتى سقطت عمامته ثم طرح عليه الحجاج نفس السؤال‬
                                               ‫د‬
‫فأجاب عليه محمد نفس الر ّ فلما حدث كذلك ثالث مرات قال الحجاج: إني‬
‫سأز ّج ابنتي منك على شرط وهو أن تذهب بالجيش إلى فارس والهند‬             ‫و‬
                                              ‫2‬
                                                         ‫ي‬
                                                ‫وافتحْهما وأرسل إل ّ الغنيمة.‬
‫ولكن هذه الحكاية تخالف المعتاد لدى الحجاج ومحمد بن القاسم ولم يذكر كتاب‬
‫األنساب والتذكرة والتاريخ أي واقعة تدل على زواج محمد بن القاسم من ابنة‬
                                              ‫ر‬
‫الحجاج، بل وحتى لم يأت خب ٌ بابنة كبرى من بين أوالد الحجاج، فقد ذكر ابن‬
‫قتيبة الدينوري أسماء أوالد الحجاج الثقفي كما يلي: (0) محمد، (2) وإبان (4)‬
                               ‫3‬
                                 ‫وعبد الملك (2) والوليد (1) وجارية (طفلة).‬
‫وأما ابن حزم فقد ضبط هذه األسماء: (0) محمد (2) وإبان (4) وعبد الملك‬
                                           ‫ال‬
              ‫(2) وسليمان،4 وهنا سليمان بد ً من الوليد ولم يذكر اسم طفلة.‬
             ‫و‬
‫وكتب بعض الفضالء المعاصرين من مصر أن الحجاج قد ز ّج أخته زينب‬
‫من محمد بن القاسم، التي كانت تفقد نظيرها في الحسن والجمال والعقل، فكان‬

                                                                             ‫1‬
                                                         ‫المصدر نفسه، ص :73‬
                                                                             ‫2‬
                                                            ‫چچ نامه، ص 462‬
                                                                             ‫3‬
                                                        ‫كتاب المعارف ص 742‬
                                                                             ‫4‬
                                                    ‫جمهرة أنساب العرب، ص 461‬

                                    ‫721‬
‫مجلة الهند‬

‫شعراء ذاك العصر يذكرون حسنها وجمالها في أبياتهم ولم يكن يتجاوز محمد‬
                                     ‫ا‬
‫بن القاسم من عمره إال سبعة عشر عامً،1 ويوجد في هذا القول التباس بأنه لما‬
‫ً‬
‫ُعث محمد بن القاسم إلى معركة فارس عام 41هـ كان عمره سبعة عشر عاما‬        ‫ب‬
‫ونفس السنة ماتت أخت الحجاج زينب، كما كتب ابن األثير في الكامل عن‬
‫الوقائع التي حدثت في عام 41هـ فهو يقول إن الحجاج بن يوسف نقل النساء‬
‫واألوالد من البصرة إلى الشام بسبب خروج عبد الرحمن بن األشعث عليه في‬
                   ‫هذا العام: "وفيهن أخته زينب التي ذكرها النمير في شعره،"‬
                                           ‫ش‬
‫فلما انهزم ابن األشعث ب ّر بها الحجاج عبد الملك وأخته زينب، وحينما‬
‫وصلت إليها هذه الرسالة كانت زينب تريد أن تركب البغل ففتحت الرسالة‬
                                                                ‫ا‬
‫فورً وتعثرت البغلة فسقطت منها زينب وماتت،2 وبرغم هذا اإلشكال يمكن‬
          ‫ا‬               ‫ال‬
‫كون محمد بن القاسم زوج األخت للحجاج بد ً من كونه صهرً، وعسى أن‬
                  ‫يكون عمر بن محمد بن القاسم قد ولد من بطن زينب هذه.‬
‫واليته على فارس عام 02هـ: برز محمد بن القاسم إلى حيز الوجود في ظل‬
‫الحكومة واإلمارة فنشأ وترعرع فيها حتى نمت فيه الكفاءة الموهوبة منذ شبابه‬
                                                                    ‫ر‬
‫وتم ّن على شئون اإلدارة فلذلك نراه يشارك في المعارك الدامية منذ حداثة‬
‫سنه ووّاه الحجاج فارس حيث كانت الظروف واألحوال مضطربة، وفي عام‬    ‫ل‬
                                                               ‫ج‬
‫14هـ تو ّه الحجاج إلى إدارة البلدان الشرقية من خراسان وكرمان وفارس‬
                                        ‫ي‬
‫وما إليها بعد أن هزم الخوارج، وع ّن األمراء والحكام الجدد في هذه المناطق،‬
                    ‫ل‬
‫ووّى المهلب بن أبي صفرة خراسان وأما سجستان فقد وّاها عبيد اهلل بن أبي‬ ‫ل‬
‫بكرة، فمات األخير في عام 11هـ واستخلف المغيرة ابن المهلب بن أبي صفرة‬
‫عام 01هـ للحصول على الخراج من خراسان، ومات المهلب والمغيرة كالهما‬
                                                             ‫3‬
                                                               ‫عام 21هـ.‬
                                          ‫ل‬
‫ونظرً لهذه اإلدارة الجديدة وّى الحجاج بن يوسف محمد بن القاسم فارس‬ ‫ا‬
‫وشيراز وأمره بقتل البغاة والمعتدين، كما بدأ خليفة بن خياط ذكر وقائع عام‬
                                                             ‫41هـ هكذا:‬
                               ‫ج‬        ‫ل‬
‫"سنة ثالث وثمانين، فيها وّى الحجا ُ محمد بن القاسم فارس وأمره بقتل‬
                                                            ‫4‬
                                                              ‫الكرد.‬

                                                                               ‫1‬
                                                    ‫راجع: المحاضرات اإلسالمية‬
                                                                               ‫2‬
                                                        ‫الكامل، 7/967 (بيروت)‬
                                                                               ‫3‬
                                                          ‫تاريخ الطبري، 9/623‬
                                                                               ‫4‬
                                                    ‫تاريخ خليفة بن خياط، 2/:43‬

                                   ‫821‬
‫مجلة الهند‬

                                          ‫وكتب ابن قتيبة في عيون األخبار:‬
                                                    ‫ل‬
‫"وقال أبو اليقظان: وّى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي قتال‬
      ‫ال‬      ‫ا‬
‫األكراد بفارس فأبادهم (إلى أن قال) وهو جعل شيراز معسكرً ومنز ً لوالة‬
                                                                ‫فارس"1.‬
‫وذكر ياقوت الحموي عن والية محمد بن القاسم بفارس وعمارة مدينة شيراز‬
                                                              ‫هكذا:‬
 ‫ل‬
‫"شيراز وهي مما استجد عمارتها واختطاطها في اإلسالم قيل: أول من توّى‬
           ‫م‬
 ‫عمارتها محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، ابن ع ّ الحجاج"2.‬
                                                                 ‫الحجاج"2.‬
                           ‫ا‬
‫ظ ّ محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي واليً على فارس فقاتل األكراد‬ ‫ل‬
‫وأبادهم وأنشأ مدينة شيزاز على األصول اإلسالمية والعربية الحديثة، حيث‬
                                      ‫ا‬        ‫ا‬     ‫ا‬
‫أصبحت شيراز مركزً إسالميً ومعسكرً للمسلمين ودار اإلمارة للعمال والوالة‬
‫األمويين، وقضى هذه الفترة الكاملة لمدة تسع أو عشر سنوات من الوالية في‬
‫الخدمات والغزوات والفتوح اإلسالمية حتى نقل إلى ثغر الهند حينما كان‬
                                             ‫ي‬                       ‫ا‬
‫مستعدً للذهاب إلى معركة الر ّ؛ كان محمد بن القاسم بقارس وقد بلغه األمر‬
                                    ‫ر‬             ‫د‬     ‫ي‬           ‫د‬
‫بأن يتق ّم إلى الر ّ، فأع ّ محمد العدة وق ّر أبا األسود جهم بن زحر الجعفي‬
‫على مقدمة الجيش ولكن الحجاج منعه عنه، وأمره بأن يثور على ثغر الهند‬
                              ‫ض‬
                          ‫كما أمره بأن يقيم بشيراز حتى يصل إليه ما يع ّده3.‬
‫وذات مرة ذكر محمد بن القاسم، وهو مسجون، عن خدماته وغزواته وفتوحه‬
                                               ‫في فارس بهذا الشعر:‬
      ‫4‬
          ‫ولرب قرن قد تركت قتيال‬             ‫فلرب فتية فارس قد رعتها‬
‫فتنة ابن األشعث ومحمد بن القاسم: خرج ابن األشعث على الحجاج بن‬
                                      ‫ر‬
‫يوسف بسبب ظلمه وشارك معه الق ّاء والعباد والزهاد من البصرة حتى انتهت‬
                            ‫ل‬
‫هذه الحركة في عام 41هـ وفي نفس العام وّي محمد بن القاسم فارس وسعى‬
                                            ‫ر‬
                                         ‫ضد هؤالء العباد والزهاد والق ّاء.‬


                                                                               ‫1‬
                                                          ‫عيون األخبار، 2/611‬
                                                                               ‫2‬
                                                           ‫معجم البلدان، :/713‬
                                                                               ‫3‬
                                                          ‫فتوح البلدان، ص 717‬
                                                                               ‫4‬
                                                         ‫نفس المصدر، ص 417‬

                                   ‫921‬
‫مجلة الهند‬

‫وقد كتب العالمة ابن سعد في الطبقات أن عطية بن سعد بن جنادة العوفي‬
‫شارك مع ابن األشعث في الخروج، فلما انهزم جيش ابن األشعث ولجأوأ إلى‬
‫البلدان واألمصار المختلفة هرب عطية العوفي إلى فارس، وكان محمد بن‬
                                                               ‫ا‬
‫القاسم واليً عليها ذلك الوقت، فكتب الحجاج بن يوسف إلى محمد بن القاسم‬
‫الثقفي أن يعامل ضد عطية العوفي أشد معاملة فامتثل محمد بن القاسم بما أمره‬
                                        ‫الحجاج، ويكتب ابن سعد بهذا الشأن:‬
‫"خرج عطية مع ابن األشعث على الحجاج فلما انهزم جيش ابن األشعث‬
‫ولجأوأ إلى البلدان واألمصار المختلفة هرب عطية العوفي إلى فارس، فكتب‬
‫الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي، أن ادع عطية فان لعن علي بن أبي طالب،‬
                      ‫وإال فاضربه أربع مائة سوط واحلق رأسه ولحيته"1.‬
‫بعد قراءة محمد بن القاسم رسالة الحجاج أمام عطية وبعد إنكاره أمر الحجاج‬
    ‫ا‬          ‫ل‬                        ‫ل‬
‫قام بضربه أربعمائة سوط ثم حّق رأسه ولحيته، ولكن ظ ّ عطية مقيمً في‬
                ‫ل‬
‫فارس بعد هذه الحادثة الفاجعة، ثم انتقل إلى خراسان ولما وّي عمير بن هبيرة‬
‫العراق عام 210هـ استأذنه وقضى بقية حياته بالكوفة حتى مات فيها عام‬
                                                            ‫ا‬
‫000هـ، ووفقً لـ"چچ نامه" شارك عطية العوفي في فتوح الهند مع محمد بن‬
               ‫القاسم وقام بأعمال بارزة فيها، وهذه هي عبارة من چچ نامه:‬
                           ‫ر‬
‫"فلما سار (محمد بن القاسم) من أرمائيل ق ّر (محمد بن) صاحب (مصعب)‬
                           ‫ر‬
‫بن عبد الرحمن على مقدمة الجيش كما ق ّر جهم بن زحر الجعفي الرائد‬
‫وجعل عطية بن سعد العوفي على الميمنة وموسى بن سنان بن سلمة الهذلي‬
                                                    ‫على الميسرة"2.‬
‫وهذا أقوى برهان وأوضح دليل على إيمان عطية العوفي وإخالصه حيث إنه‬
‫ساهم في شئون الدعوة والجهاد في سبيل اهلل برغم اختالفه مع الحجاج‬
‫وسياسته وبرغم العقوبة المهينة من قبله، وأسدى بخدمات جليلة لإلسالم‬
‫والدين، وأبو الحسن عطية بن جناده العوفي تابعي جليل روى الحديث عن‬
‫الصحابة الكرام أمثال أبي هريرة وعبد اهلل بن عباس رضي اهلل عنهم، وتوفي‬
                                                 ‫3‬
                                                   ‫بالكوفة عام 000هـ.‬
‫ً‬
‫إمارة الهند والغزوات والفتوح في عام 72هـ: كان محمد بن القاسم مشغوال‬
‫بفارس في إقامة عوج الظروف وفي كسر شوكة القوات الثائرة ضد الخالفة‬

                                                                           ‫1‬
                                                       ‫طبقات ابن سعد، 9321‬
                                                                           ‫2‬
                                                          ‫چچ نامه، ص 172‬
                                                                           ‫3‬
                                                       ‫لسان الميزان، ص 439‬

                                  ‫031‬
‫مجلة الهند‬

‫من ناحية ومن ناحية أخرى كانت األحوال تصير أسوأ فأسوأ، فقد قتل محمد‬
        ‫د‬
‫بن حارث العالني ومعاوية بن حارث العالني بتعاون أصحابهما سعي َ بن أسلم‬
‫الكالبي عامل الحجاج بمكران في عام 14هـ واجتمعت قواتهما في مكران،‬
‫وكان هذان األخوان يتعلقان بأسرة سامة بن لوئي، وقد رفع علم البغي ضد‬
                                        ‫ل‬
‫الخالفة األموية في السند، ولكن وّى الحجاج فجاعة بن سعر التميمي على‬
         ‫ال‬
‫مكران في عام 14هـ، فقام فجاعة بهزمهما إال أنه لم يعش طوي ً وفاجأته‬
‫ً‬                                                                ‫ي‬
‫المنية، فع ّن الحجاج في عام 11هـ، محمد بن هارون بن ذراع النميري واليا‬
‫بمكران،1 وفي عهد واليته ثار السؤال في داخل الهند عن مسئولية الخالفة‬
‫األموية، وصارت األحوال والظروف أسوأ للغاية، وأرسل ملك سرانديب في‬
‫عهد والية محمد بن هارون إلى الحجاج النساء المسلمات الالتي كان آباؤهن‬
‫تجارً وماتوا في سرانديب، وكانت هؤالء النساء من مواليدها، وبينما كانت‬ ‫ا‬
‫السفينة في طريقها إلى البصرة مارة بميناء الديبل ببالد السند إذ خرج قراصنة‬
‫من السند وهجموا على هذه السفينة بالسفن الصغيرة واستولوا عليها. وصرخت‬
‫مسلمة من بني يرموع "وا حجاج، وا حجاج" فلما وصل الخبر إلى الحجاج‬
                    ‫ا‬
‫عن غصب السفينة وعن استغاثة تلك المسلمة فنادى فورً "لبيك، لبيك" وعندئذ‬
‫أرسل الحجاج إلى ملك السند "داهر" يطلب منه اإلفراج عن النساء المسلمات‬
‫والسفينة، ولكنه اعتذر عن ذلك بأنه ما خطفهن بل خطفهن قراصنة ال يقدر‬
‫عليهم، فبعث الحجاج عبيد اهلل بن نبهان السلمي على الديبل للهجوم فاستشهد،‬
‫فكتب الحجاج إلى بديل بن طهفة البجلي للمضي إلى الديبل وهو كان عندئذ في‬
                              ‫عمان فوصل إلى الديبل إال أنه ظفر بالشهادة2.‬
                                                                 ‫ف‬
‫فاختطا ُ السفينة في حدود السند، التي بعث بها الملك الكافر بهدايا إلى‬
‫الحجاج، وعليها النساء المسلمات العربيات، واستفسار الخالفة من هذا الملك‬
‫عن هذا الحادث فاعتداز الملك عن ذلك وفشل الحملتين عليها من قبل الخالفة،‬
‫هذه كلها حوادث أثارت السؤال أمام الخالفة األموية فاضطر الحجاج إلى أن‬
‫يستخدم السهم األخير من جعبته وأمر محمد بن القاسم في عام 21هـ بترك‬
‫فارس والذهاب إلى الهند وكاد محمد بن القاسم أن يسير إلى الري ولكنه اشتغل‬
                     ‫بعد هذا الحكم باستعداد الحملة على الهند وقال البالذري:‬




                                                                                ‫1‬
                                                ‫تاريخ خليفة بن خياط، 2/4:3 و763‬
                                                                                ‫2‬
                                                          ‫فتوح البلدان، ص :17‬

                                   ‫131‬
‫مجلة الهند‬

                        ‫ي‬
‫"وكان محمد بفارس، وقد أمره أن يسير إلى الر ّ، وعلى مقدمته أبو األسود‬
                                                ‫د‬
‫جهم بن زحر الجعفي، فر ّه إليه، وعقد له على ثغر الهند وأمره أن يقيم‬
                         ‫1‬
                                ‫د‬
                           ‫بشيراز حتى يتتام إليه أصحابه ويوافيه ما ع ّ له،"‬
                                                      ‫وقال المؤرخ اليعقوبي:‬
‫"و ّه الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي إلى‬ ‫ج‬
‫السند، سنة اثنتين وتسعين، وأمر أن يقيم بشيراز من أرض فارس حتى يمكن‬
                           ‫2‬
                             ‫الزمان فقدم محمد شيراز فأقام بها ستة أشهر،"‬
‫فقد أقام محمد بن القاسم بشيراز ستة أشهر حتى يجمع له بكل ما يحتاج إليه في‬
‫ميدان القتال ضد الهند، وبعث الحجاج إليه من جيوش فارس باإلضافة إلى ستة‬
                          ‫ر‬
‫آالف جيش من الشام، وما عدا ذلك اجتمع كثي ٌ من المتطوعين والفدائيين،‬
                                                                    ‫ه‬
‫وج ّزهم بكل ما احتاجوا إليه من عدة، ثم اتجهوا نحو بالد السند ووصلوا إلى‬
                                                             ‫ر‬
                                            ‫أرمائيل ما ّين بمدينة شيراز.‬
    ‫ا‬
‫عمر محمد بن القاسم عند قيادته إلى الهند: كتب جميع المؤرخين تقريبً أنه‬
‫لما قاد محمد بن القاسم الجيوش إلى الهند وفتحها لم يتجاوز عمره إال سبعة‬
                                                                ‫ا‬
‫عشر عامً، والحال أن عمره المذكور أعاله لم يكن عند قيادته في الهند بل عند‬
‫توليته قالدة الحكم في فارس، ومن العجب أنهم ال يمتلكون إال بيتين أو ثالثة‬
‫ً‬
‫قرضت عند توليته على فارس تهنئة بصغر سنه، وكتب خليفة بن خياط ذاكرا‬
                                   ‫فتح الديبل عام 41هـ والقدوم نحو النيرون:‬
                                                   ‫ل‬
‫"قال أبو عبيدة ووّاه الحجاج وهو ابن سبع عشرة سنة وفي ذلك يقول يزيد بن‬
                                                               ‫الحكم:‬
  ‫حملمد بن القاسم بن حممــــــد‬             ‫إن الشجاعة والسماحة، والندى‬
     ‫3‬
         ‫يا قرب ذلك سودداً من مولد"‬         ‫قاد اجليوش لسبع عشرة حجــة‬
‫ولم يذكر في هذه األبيات شيئ عن القيادة والوالية بالسند ولكنها تم تطبيقها‬
‫على والية السند وفتحها بدون قرينة، والواقع أن هذه األبيات قرضت تهنئة‬
‫بتوليته على فارس وقيادته للجيوش بها، وقد عزي هذان البيتان إلى شعراء‬
‫عدة باختالف بسيط، فقال بعضهم إن قائلهما هو يزيد بن الحكم، وبينما البعض‬

                                                                                 ‫1‬
                                                          ‫المصدر نفسه، ص 717‬
                                                                                 ‫2‬
                                                          ‫تاريخ اليعقوبي، 2/:77‬
                                                                                 ‫3‬
                                                      ‫تاريخ خليفة بن خياط، 2/:77‬

                                      ‫231‬
‫مجلة الهند‬

‫اآلخر يقول إن قارضهما زياد األعجم وقال البعض الثالث إنهما لحمزة بن‬
‫بيض الحنفي، وكتب المؤرخ اليعقوبي أن محمد بن القاسم كان ابن خمسة عشر‬
                                                                  ‫ا‬
‫عامً آنذاك، ويستدل بهذين البيتين من زياد األعجم ولكنه كتب في صدر البيت‬
        ‫الثاني "لخمس عشرة حجة" بدل من "لسبع عشرة حجة" فعبارته هكذا:‬
‫" وكان لمحمد بن القاسم في الوقت الذي غزا فيه بالد السند والهند وقاد الجيوش‬
                                           ‫وفتح الفتوح خمس عشرة حجة".‬
‫1‬
    ‫وكما ذكرنا أنه يستدل بصدر البيت الثاني بـ"قاد الجيوش لخمس عشرة حجة".‬
                   ‫ا‬
‫وأول من ذكر أن محمد بن القاسم كان ابن سبعة عشر عامً عند فتح الهند، هو‬
                          ‫ال‬
          ‫ابن قتيبة كما نرى، فكتب في "عيون األخبار" ناق ً عن أبي اليقظان:‬
                                                                   ‫ل‬
‫"ثم وّاه السند فافتتح السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة فقال‬
                                                             ‫فيه الشاعر.‬
                                                                 ‫م‬
‫ثم س ّى الشاعر فقال إنه حمزة بن بيض الحنفي، ونقل البيتين فصدر البيت‬
      ‫األول هكذا "إن السماحة والمروءة والندى" وقال عن عجز البيت الثاني:‬
               ‫2‬
                   ‫"ويروى "يا قرب ذلك سورة من مولد" السورة المنزلة الرفيعة"‬
‫َّ‬
‫ومن العجب أن العالمة ابن قتيبة قد ذكر اختالف لفظ وتحقيقه، ولكنه لم يتأذ‬
         ‫ا‬
‫لتحقيق عمر محمد بن القاسم بحيث إنه إن كان عمره سبعة عشر عامً فقط عند‬
‫فتح السند فماذا يكون عمره عند فتح فارس وفي هذه السن هل يمكن ألحد أن‬
‫يلقى عليه حمل الوالية لدولة حتى أي مسئولية؟ ونفس العمر ذكره العالمة ابن‬
                                    ‫حزم ولو أنه معروف بنظرته الفاحصة:‬
                          ‫3‬
                              ‫"محمد بن القاسم الذي فتح الهند وله سبع عشرة سنة."‬
‫وكتب ابن الكثير في كتابه "البداية والنهاية" عن الوقائع التي حدثت في عام‬
                               ‫ا‬
               ‫21ه، فذكر أن عمره كان سبعة عشر عامً عند فتح الديبل:‬
‫"وافتتح محمد بن القاسم، وهو ابن عم الحجاج بن يوسف، مدينة الديبل وغيرها‬
     ‫4‬
                                               ‫ل‬
       ‫من بالد الهند وكان قد وّاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة."‬


                                                                                     ‫1‬
                                                             ‫المصدر نفسه، 1/473‬
                                                                                     ‫2‬
                                                            ‫عيون األخبار، 2/ 211‬
                                                                                     ‫3‬
                                                       ‫جمهرة أنساب العرب، ص 491‬
                                                                                     ‫4‬
                                                              ‫البداية والنهاية، 2/44‬

                                         ‫331‬
‫مجلة الهند‬

‫ونفس الشيئ مذكور في چچ نامه "فلما ولي الهند لم يتجاوز عمره إال سبعة‬
                                                                 ‫ا‬
‫عشر عامً فقال حمزة بن بيض الحنفي هذين البيتين تهنية له". ثم كتب البيتين‬
                                                        ‫1‬
                                                          ‫المذكورين أعاله.‬
‫وقد تناول العالمة البالذري بالتفصيل فتوح محمد بن القاسم على السند والهند‬
‫بالنسبة لجميع هؤالء المؤرخين ولكنه لم يذكر ما قالوا إال أنه نقل هذين البيتين‬
‫ً‬
‫لحمزة بن بيض الحنفي عند ذكر القبض عليه وموته وأضاف إليهما شعرا‬
                                                               ‫م‬
                                                         ‫لشاعر لم يس ّه وهو:‬
     ‫2‬
         ‫ولداته عن ذاك يف إشغــال‬          ‫ساس الرجال لسبع عشرة حجة‬
                                                       ‫ا‬
‫ونظم هذا البيت أيضً في التهنئة بواليته لفارس حينما كان هو ابن سبعة عشر‬
‫عامً، وإن اعترفنا بقول المؤرخين بأن محمد بن القاسم كان ابن سبعة عشر‬     ‫ا‬
‫عامً عند فتح الهند عام 21ه/41ه، فنضطر إلى أن نعترف بأن عمره كان‬         ‫ا‬
‫ست وسبع سنوات عند واليته لفارس وهذا أمر يثير الضحك والسخرية، وفي‬
‫هذا القصير من العمر لن يمكن لطفل أن يلقى عليه مسئولية للبيت ودعْ تحميله‬
‫مسئولية الوالية لمنطقة مليئة بالفوضى، والواقع أن محمد بن القاسم كان ابن‬
                                                    ‫ل‬      ‫ا‬
‫سبعة عشر عامً عندما وّي فارس، وبهذه المناسبة قرض بعض الشعراء هذه‬
‫األبيات حينما شهدوا بأعماله الجليلة، واعترفوا بأن محمد بن القاسم بالرغم من‬
                        ‫ن‬
‫فتوته وحداثة سنه كاد أن يسبق الرجال المسنين المحّكين في المهارة والكفاءة‬
‫والمروءة والشرف والجود والكرم، وفي هذا العمر القصير قاد محمد الجيوش‬
‫اإلسالمية بسبب تلك الكفاءة اإلدارية وذلك الوعي السياسي، وحاز حسن القبول‬
‫لدى العوام والخواص على السواء، فهو يستحق هذا المنصب ويحرى به في‬
‫هذه الحداثة السنية وعلى هذا فال تتعلق هذه األبيات بواليته للهند وفتحه لها بل‬
‫حينما قام محمد بمهمته الجليلة في بالد الهند كان ابن ستة وعشرين أو سبعة‬
                                                              ‫ا‬
   ‫وعشرين عامً، وقد مارس تسع أو عشر سنوات في المعارك الدامية بفارس.‬
                   ‫ا‬
‫الموجز عن فتوح السند والهند: هذه مأساة مؤسفة جدً من حياة محمد بن‬
‫القاسم الشاب الثقفي والغازي اإلسالمي أنه ظفر بالفتوح المثالية على بالد‬
                          ‫ا‬
‫فارس والهند في مدة قليلة من حياته، فكان واليً بفارس لمدة تسع أو عشر‬
‫سنوات وقام بخدماته البارزة في معاقبة البغاة، وسلسلة الغزوات، والفتوح‬
‫اإلسالمية، وتأسيس البالد وعمرانها، ثم أقام الدين في السند والهند لمدة أربع‬
                                                             ‫ا‬
‫سنوات تقريبً، فقام بشتى أنواع خدماته اإلسالمية لمدة ثالثة أو أربعة عشر‬
                                                                              ‫1‬
                                                             ‫چچ نامه، ص 36‬
                                                                              ‫2‬
                                                          ‫فتوح البلدان، ص 417‬

                                    ‫431‬
‫مجلة الهند‬

          ‫ل‬
‫عامً منذ حداثة سنه حتى موته في عنفوان الشباب، ولم يذكر أق ّ قليل من‬    ‫ا‬
‫أعماله الجليلة في كتبنا التاريخية، وعسى أن جاء تفصيل مقنع عن فتح محمد‬
‫بن القاسم في الكتب مثل "أخبار فتوح بلد السند" للواقدي، و"ثغر الهند"‬
‫للمدائني و"عمال الهند" و"فتح مكران" ولكن هذه الكتب كلها مفقودة واآلن ال‬
‫توجد في أي مكان إال روايات من هذه الكتب نقلها البالذري واليعقوبي‬
‫وغيرهما في كتبهم، تدل على الفتوح بقدر يسير، وكلما كتبه ابن األثير وابن‬
                                  ‫ا‬
‫خلدون بقدر من التفصيل هو منقول أيضً من هذه الكتب، ولم يكتب الطبري‬
‫وغيره من المؤرخين عن فتوح الهند إال عدد السنوات والقائمات، وكتاب "چچ‬
                                     ‫ا‬       ‫ص‬
‫نامه" التاريخي الفارسي مف ّل نسبيً، ولكن اإليمان بما يضبطه هو بدون‬
‫تائيده بالروايات األخرى الموثوق بها، ال يوافق والسير التحقيقي والجادة‬
                          ‫ص‬
‫البحثية المعترف بها. وبما أننا ال نريد هنا أن نف ّل عن فتح بالد الهند فنقوم،‬
                              ‫فيما يلي، بتلخيص ما كتبه البالذري واليعقوبي:‬
‫ذكر البالذري أن محمد بن القاسم خرج من شيراز إلى مكران ثم فتح قزبور‬
                   ‫ي‬
‫وأرمائيل والديبل والنيرون وبعث مهمة إلى سدوسان، وع ّن أميره فيها بعدما‬
                                                      ‫ا‬
‫فتحها، ثم وصل عابرً نهر السند إلى قصة (كجه) وقاتل فيها الملك "داهر"‬
‫فقتله، ثم فتح الراور وبرهمان آباد (منصور)، الرور، بغرور وساوندري‬
‫ً‬                          ‫ا‬
‫وبسمد حتى حتى وصل إلى مدينة ملتان عابرً نهر بياس وفتحها أيضا‬
‫واستوطن فيها أربعة آالف مسلم وبنى المسجد الجامع، وكان محمد بن القاسم‬
‫مشغو ً بتنظيم البالد إذ مات الحجاج في شهر رمضان عام 11هـ، فرجع‬      ‫ال‬
‫محمد بن القاسم إلى الرور بغرور بعد أن سمع هذا الخبر، ثم أرسل الكتيبة إلى‬
‫بهيلمان منطقة من غوجرات فصالح في بهيلمان وسرست، ثم نزل في الكيرج‬
‫حيث قاتل فيها دوهر بن داهر فقتله ثم استسلم إيل الكيرج لهم، وفي هذه األثناء‬
‫مات الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 21هـ، وذات مرة حاسب الحجاج ما أنفق‬
‫في الفتوح والمغازي في الهند فوجد أنه أنفق ستة ماليين من المبلغ وحصل‬
                                                      ‫ا‬
‫على اثني عشر مليونً من المبلغ، فاطمأن وقال شفينا غيضنا وأدركنا ثارنا‬
     ‫وازددنا ستة ماليين من المبلغ وأما رأس داهر فهو ما عاد إلينا من النفع .‬
      ‫1‬


‫وأما المؤرخ اليعقوبي فهو يقول إن الحجاج بعث محمد بن القاسم إلى السند‬
‫ففتح مكران وفنزبور وأرمائيل والديبل وكانت حرب الديبل معركة حاسمة،‬
‫وأطاع له جميع المناطق، واستأذن الحجاج بعد فتح النيرون بالتقدم فكتب‬
                          ‫ا‬
‫الحجاج إليه: أنت أمير ما افتتحت، وكتب أيضً مثل هذه الرسالة إلى والي‬
      ‫ا‬
‫خراسان قتيبة بن مسلم: من يدخل منكما في حدود بالد الصين انتصارً فيكون‬
                                                                                  ‫1‬
                                                             ‫ا‬
                                          ‫المصدر نفسه (ملخصً)، من ص 717 إلى 617‬

                                    ‫531‬
‫مجلة الهند‬

‫أميرً لها، فأسرع محمد بن القاسم تحركاته االنتصارية حتى افتتح سهيان‬    ‫ا‬
                                                           ‫ا‬
‫(سدوسان) عابرً نهر السند، وقاتل الملك داهر على شاطئ النهر فقتله ثم افتتح‬
‫الرور والبلدان واألمصار األخرى، وفي أثنائه كتب الحجاج إلى محمد بن‬
      ‫ا‬                              ‫ا‬
‫القاسم: قد أعطيت الخليفة الوليد ضمانً بأني سأدخل في بيت المال مبلغً ينفق‬
‫في معركة الهند فأفرجني عن هذه المصيبة فلما بلغت هذه الرسالة محمد بن‬
                                   ‫1‬
                                     ‫القاسم أرسل المزيد من النقود من الهند.‬
‫وتاريخ خليفة بن خياط العصفري هو أقدم كتاب في التاريخ حسب السنوات،‬
‫ذكر فيه عن فتوح محمد بن القاسم حسب السنين: في عام 21هـ افتتح محمد بن‬
‫القاسم قزفور وأرمائيل، و في عام 41هـ افتتح الديبل وسار إلى النيرون فأتاه‬
‫كتاب الحجاج: أنت أمير ما افتتحت، وفي عام 21هـ قتل قصة، وفي عام 11هـ‬
‫فتح ملتان.2 وكتب ابن قتيبة في كتاب المعارف عن الفتوح: وأما أرض الهند‬
               ‫3‬
                 ‫فافتتحها محمد بن القاسم الثقفي في سنة ثالث وتسعين للهجرة.‬
‫معركة مع الملك داهر عام 02ه: كانت المعركة بين محمد بن القاسم والملك‬
                     ‫و‬
‫داهر معركة حاسمة للغاية فلما قتل الملك داهر صفا الج ّ للمسلمين ليفعلوا ما‬
‫شاءوا حتى كتب بعض المؤرخين: قد افتتحت الهند بعد هذه المعركة، وتم‬
‫تقريره هذا العام عام الفتح، وننقل تفصيل هذه المعركة من رواية المؤرخين‬
‫الموثوق بهما ألنها محيطة لمدة أربع سنوات افتتح فيها محمد بن القاسم الهند.‬
      ‫ا‬
‫فكتب البالذري أن محمد بن القاسم احتال لعبور نهر السند فبنى جسرً على‬
‫النهر في منطقة راسل ملك قصة (كجه) ثم عبر عن طريقه، وكان داهر‬
                                     ‫ه‬
‫مستخفيً في تلك المنطقة فأراد أن يج ّز جيشه حينما وصلت إليها الجيوش‬    ‫ا‬
                                           ‫ا ال‬
‫اإلسالمية دفعة فهو كان راكبً في ً وحوله الفيلة فتقاتل الجيشان وقاتل تكاكرة‬
                                              ‫ج‬
‫جيشه ببسالة لم يسمع بمثلها وتر ّل داهر فقاتل ودامت الحرب طول النهار حتى‬
‫قتل داهر في المساء وانهزم جيشه فقتلهم المسلمون كيف شاءوا والذي قتل داهر‬
                                                                   ‫ال‬
        ‫كان رج ً من بني كالب كما يقول المدائني فقال ذلك الغازي هذه األبيات:‬
        ‫م‬
       ‫وحممد بن القاسم بن حم ّد‬              ‫اخليل تشهد يوم داهر والقنــا‬
        ‫ن‬
       ‫حىت علوت عظيمهم مبهّد‬                    ‫ر‬
                                               ‫أين فرجت اجلمع غري مع ّد‬
      ‫س‬
     ‫متعفـــر اخلدين غري مؤ ّد‬                   ‫د‬
                                              ‫فتركته حتت العجاج جمــ ّالً‬

                                                                                    ‫1‬
                                                  ‫خ ا‬
                                                 ‫تاريخ اليعقوبي، 1/:73-473 (مل ّصً)‬
                                                                                    ‫2‬
                                       ‫تاريخ خليفة بن خياط، 2/777 و:77 و477 و677‬
                                                                                    ‫3‬
                                  ‫كتاب المعارف، ص 471 وتاريخ خليفة بن خياط، 2/717‬

                                    ‫631‬
‫مجلة الهند‬

‫وكتب ابن الكلبي أن الذي قتل داهر هو قاسم بن ثعلبة بن عبد اهلل بن حصن‬
                   ‫و‬
‫الطائي، قال منصور بن حاتم: داهر وقاتله كالهما مص ّران ببروص، وفي‬
‫1‬
  ‫األخير يكتب البالذري: "لما قتل داهر غلب محمد بن القاسم على بالد السند."‬
‫وقال خليفة بن خياط: حدثني ابن كهمس بن الحسن البصري حدثني أبي قال:‬
‫ً‬
‫كنت مع محمد بن القاسم فجاءنا داهر في جمع كثير ومعه سبعة وعشرون فيال‬
                                  ‫فعبرنا إليهم فهزمهم اهلل وهرب داهر.‬
                 ‫و‬
‫وقال أبي: ثم عبرنا إليهم، وأتبع عصابة من المسلمين العد ّ فقتلوهم ثم رجعوا‬
‫إلى العسكر، فلما كان الليل أقبل داهر ومعه جمع كثير مصلتين، فقتل داهر‬
‫وعامة أصحابه، وانهزم اآلخرون، واتبعهم محمد بن القاسم حتى أتى مدينة‬
‫برهما (برهمن آباد) فخرج قوم منهم فقاتلوهم فطردهم محمد إلى مدينتهم‬
‫فحصرهم حتى فتحها ثم سار إلى الكيرج فافتتحها،2 وأبو الحسن كهمس بن‬
‫الحسن البصري تبع تابعي وهو أستاذ وكيع وعبد اهلل بن مبارك وغيرهما،‬
                                          ‫م‬              ‫ا‬       ‫ا‬
‫وكان عابدً وزاهدً وكان يخدم أ ّه، فانتقل بعد وفاتها إلى مكة المكرمة وأقام‬
                                             ‫3‬
                                               ‫بها حتى توفي فيها عام 120هـ.‬
‫اعتقال محمد بن القاسم ووفاته في عام 62هـ: وهذا من األسف الشديد أن‬
‫العصبية القبلية ومحبة االنتقام في عهد بني أمية قد خطفتا محمد بن القاسم‬
                     ‫ا‬   ‫ا‬                       ‫ظ‬
‫الشجاع والفاتح والمن ّم، وفقد العهد األموي فاتحً كبيرً، وقد ساءت في ذلك‬
‫الزمن الظروف واألحوال حيث ذهب رجال أكفاء ضحية العداوة واالنتقام‬
                                               ‫ا‬
                                              ‫واعتبروه نجاحاً لهم باهرً.‬
                           ‫ل‬
‫ومات الحجاج في عام 11هـ ولكن قبل وفاته وّى ابنه عبد الملك ويزيد بن‬
‫المهلب العراق للخراج، وتوفي الخليفة الوليد بن عبد الملك في شهر ربيع‬
‫األول عام 21هـ فتولى منصب الخالفة عبد الملك، فعزل عبد الملك بن الحجاج‬
‫واستخلف يزيد بن أبي الكبشة العراق للخراج ثم في نفس العام عزل يزيد بن‬
                                ‫ل‬
‫أبي الكبشة ويزيد بن مسلم من العراق ووّي يزيد بن المهلب بن أبي صفرة‬
                                                               ‫ل‬
‫العراقين ووّي صالح بن عبد الرحمن التميمي للخراج، هذا كان يحدث في‬
‫العراق من ناحية ومن ناحية أخرى كان محمد بن القاسم يستمر في انتصار‬
‫الهند، فدفعة اشتعلت نار من العداوة واالنتقام حتى وصلت شعلتها إلى بالد‬
‫الهند، وذهبت بمحمد بن القاسم، وأشعل يزيد بن المهلب وصالح بن عبد‬
                                           ‫و‬
‫الرحمن نار الحسد واالنتقام وز ّداها بالوقود بسبب العداوة القديمة التي كانت‬
                                                                                   ‫1‬
                                                             ‫فتوح البلدان، ص 917‬
                                                                                   ‫2‬
                                                        ‫تاريخ خليفة بن خياط، 2/:77‬
                                                                                   ‫3‬
                                         ‫تهذيب التهذيب، 4/2:7 وصفة الصفوة، 3/:31‬

                                   ‫731‬
‫مجلة الهند‬

‫تضرم نارها في قلبي يزيد بن المهلب وصالح بن عبد الرحمن ضد الحجاج‬
                                                         ‫م‬
‫وأفراد أسرته وع ّالها، وهما كانا منتظزين بانتقام، وخلفية هذه العداوة هي أن‬
                             ‫م‬
‫الحجاج عند إمارته العراق في عام 14هـ أ ّر المهلب بن آل صفرة على‬
‫خراسان واستخلف ابنه يزيد بن المهلب عند موته عام 41هـ، وكان يزيد ابن‬
                                                                ‫ا‬
‫ثالثين عامً وحينما استولى سليمان بن عبد الملك الخالفة فعزله عن خراسان‬
‫وّاها قتيبة بن مسلم، وتمت هذه األمور بالتشاور مع الحجاج بن يوسف، وكان‬   ‫ل‬
‫الحجاج بن يوسف زوج أخت يزيد، وكانت أخته هند بن المهلب زوجة له‬
‫ولكن الحجاج كان يكره يزيد بسبب نجابته في الشباب، ويخاف أال يحل هذا‬
                                ‫الرجل على مكانه فيكتب ابن خلكان عن هذا:‬
‫"وكان الحجاج يكره يزيد لما يرى من النجابة فيخشى منه لئال يترتب مكانه‬
                      ‫1‬
                        ‫فكان يقصده بالمكروه في كل وقت كي ال يثب عليه."‬
     ‫ر‬
‫وفي النهاية اعتقل الحجاج يزيد بن المهلب وألقاه في السجن، ولكن ف ّ يزيد‬
‫ولجأ إلى سليمان بن عبد الملك في الشام، فرافع سليمان األمور إلى أخيه‬
                            ‫م‬             ‫و‬
‫الخليفة الوليد بن عبد الملك فس ّى بينهما، فل ّا تولى سليمان بن عبد الملك‬
                 ‫ذ‬                                             ‫ل‬
‫الخالفة وّى يزيد بن المهلب خراسان، وكان الحجاج يع ّبه أشد العذاب في‬
‫السجن، وذات مرة استدعى يزيد منه بالتخفيف فقال له ادفع مائة ألف درهم كل‬
                   ‫ذ‬
‫يوم وحينما لم يكن يصل إليه هذا المبلغ كان الحجاج يع ّبه حتى الليل،2 وكذا‬
                                                                      ‫ج‬
                              ‫و ّه الحجاج العقوبات الرادعة إلى آل المهلب.‬
          ‫ل‬
‫وكانت آل المهلب يعيشون منتظرين أن ترجع إليهم أيامهم فلما توّى يزيد بن‬
                                       ‫د‬
‫المهلب في عام 21هـ العراق فتص ّى آل بني المهلب الحجاج وأسرته آل أبي‬
‫عقيل، فتولية صالح بن عبد الرحمن مع يزيد بن المهلب العراق للخراج أشعلت‬
                                                ‫و‬
‫نيران الحسد والبغض وز ّدته بالوقود، كما ذكر البالذري بأن الحجاج قتل آدم‬
‫بن عبد الرحمن أخا صالح وكان يرى رأي الخوارج. فانتقم صالح ألخيه من‬
                      ‫3‬

                                     ‫ذ‬
‫أسرة الحجاج بعد توليته العراق وع ّب آل أبي عقيل بشتى أنواع العقوبات،‬
                        ‫ا‬
‫كما يبدو أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان مخالفً آلل أبي عقيل مثل يزيد‬
‫بن المهلب وصالح بن عبد الرحمن وأصدر الحكم بتطبيق العقوبات عليهم.‬
                                                    ‫ويقول خليفة بن خياط:‬



                                                                            ‫1‬
                                                           ‫ابن خلكان، 1/727‬
                                                                            ‫2‬
                                                    ‫المصدر نفسه، 1/727 و:27‬
                                                                            ‫3‬
                                                        ‫فتوح البلدان، ص 417‬

                                   ‫831‬
‫مجلة الهند‬

‫"كتب سليمان بن عبد الملك إلى صالح بن عبد الرحمن أن يأخذ آل أبي عقيل‬
                                                          ‫ل‬
‫ويحاسبهم فوّى صالح حبيب بن المهلب حرب الهند، ويزيد بن أبي كبشة‬
‫الخراج، فأقام بها يزيد بن أبي كبشة أقل من شهر ثم مات واستخلف أخاه عبيد‬
                                   ‫ل‬
‫اهلل بن أبي كبشة فعزله صالح، ووّى عمران بن نعمان الكالعي، ثم جمع‬
                                    ‫1‬
                                      ‫حربها وخراجها الحبيب بن المهلب"‬
‫وفي العراق كانت إدارة السند تتغير في جانب وفي جانب آخر كان محمد بن‬
            ‫م‬                                             ‫ال‬
‫القاسم مشغو ً في انتصار الهند والسند وفي هذه األثناء ت ّ حبسه بسبب‬
                               ‫ذ‬
‫المؤامرة الناقمة وبعث إلى العراق حيث ع ّبه صالح بن عبد الرحمن في رجال‬
                                         ‫ا‬
                   ‫من آل أبي عقيل حتى ماتوا جميعً فيها، فيقول البالذري:‬
‫"وولى سليمان بن عبد الملك فاستعمل صالح بن عبد الرحمن على خراج‬
‫ً‬                                                          ‫ل‬
‫العراق، ووّى يزيد بن أبي كبشة السكسكي السند، فحمل محمد بن القاسم مقيدا‬
‫مع معاوية بن المهلب، فحبسه صالح بواسط، فعذبه صالح في رجال من آل‬
‫أبي عقيل حتى قتلهم، وكان الحجاج قتل آدم أخا صالح، وكان يرى رأي‬
                                                            ‫2‬
                                                              ‫الخوارج."‬
                    ‫و‬
‫ويبدو من حديث خياط والبالذري أن الخليفة سليمان ف ّض السلطة إلى صالح‬
                                                   ‫ال‬
‫بن عبد الرحمن بد ً من آل أبي عقيل لكي يحاسبهم عن مكاسب أمراءهم‬
‫وحكامهم، ويعاقبهم بارتكابهم الجريمة كيف شاء، كأنه شكل المحكمة مثل اليوم‬
                                      ‫و ا‬          ‫ا‬       ‫ا‬
‫وجعل صالحً قاضيً فيها مف ّضً تعذيب آل أبي عقيل إلى عبد الملك بن‬
                                                                ‫3‬
                                                                  ‫المهلب.‬
‫فلما حصل صالح على نظام السند أقام له قسمين من المال والحرب وفق‬
                        ‫ل‬                                   ‫ل‬
‫إرادته، ووّى حبيب بن المهلب لقسم الحرب بينما وّي يزيد بن أبي كبشة لقسم‬
‫المال، الذي اعتقل محمد بن القاسم ثم أرسله إلى العراق بيدي معاوية بن‬
                             ‫ا‬
‫المهلب أخي حبيب بن المهلب الذي كان مقيمً بالسند في ذلك الوقت، ومن ثم‬
‫تم تفويضه إلى صالح بن عبد الرحمن وبسبب عالقة محمد بن القاسم مع أسرة‬
                                                 ‫ي‬
‫الحجاج وآل أبي عقيل ق ّده مع هذه األسرة في سجن "ديماس" بواسط الذي كان‬
                                                      ‫ذ‬
‫أنشأه الحجاج وع ّب فيه يزيد بن المهلب، فعذبهم صالح حتى مات محمد بن‬
   ‫القاسم ومعه اآلخرون من آل أبي عقيل بسبب شدة العذاب والعقاب في السجن.‬



                                                                              ‫1‬
                                                 ‫تاريخ خليفة بن خياط، ص 737‬
                                                                              ‫2‬
                                                      ‫فتوح البلدان، ص 417‬
                                                                              ‫3‬
                                                         ‫ابن خلكان، 1/117‬

                                  ‫931‬
‫مجلة الهند‬

‫ولم يذكر المؤرخ اليعقوبي تولية يزيد بن أبي كبشة للخراج بمناسبة هذه الحادثة‬
          ‫وكتب عن إمارة حبيب بن المهلب أنه اعتقل محمد بن القاسم، فهو يقول:‬
            ‫ا‬
‫"فوجه سليمان حبيب بن المهلب إليها فدخل البالد وقاتل قومً كانوا ناحية‬
               ‫1‬
                            ‫ي‬
                 ‫مهران، وأخذ محمد بن القاسم فألبسه المسوح وق ّده، وحبسه."‬
‫ولو أن هذا ال يدل على إرسال محمد بن القاسم والي العراق صالح بن عبد كما‬
‫ال يشير إلى موته في السجن ولكن هذا من الواقع أنه مات في السجن بشتى‬
                                                        ‫أنواع التعذيب.‬
‫وقد خالف ابن حزم هذين المؤرخين فقال إن محمد بن القاسم قتل نفسه ألنه لم‬
     ‫2‬
       ‫يستطع بتحمل العقاب الشديد فيها: "وقتل نفسه في عذاب يزيد بن المهلب"‬
       ‫ذ‬
‫وأما تعذيب والي العراق يزيد بن المهلب فهو معقول وذلك ألنه قد ع ّب من‬
‫قبل الحجاج، وإنه كان من السابقين في اعتقال محمد بن القاسم وتعذيبه مع‬
‫أخيه حبيب بن المهلب ومعاوية بن المهلب، وكان انتقامه النتقام صالح بن عبد‬
‫الرحمن، ولكن ال يصح أن محمد بن القاسم قتل نفسه في قيد يزيد بن المهلب‬
‫أو صالح بن عبد الرحمن أو أثناء تعذيبهما، ولعل األمر قد اشتبه على ابن حزم‬
‫ونسب موت االبن إلى موت األب، وفي الحقيقة قتل عمر بن محمد بن القاسم‬
    ‫ابن محمد بن القاسم نفسه في سجن محمد بن غزوان الكلبي وتعذيبه بالسند.‬
‫وبالرغم من هذه الروايات الثالث المذكورة أعاله هناك أسطورة جاء ذكرها‬
                                                           ‫خ‬
‫في چچ نامه ومل ّصها أن محمد بن القاسم أرسل ابنتي الملك داهر سريا ديو‬
‫وبرمل ديو إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك، فلما دعا الوليد سريا أجابت قائلة:‬
‫أنا لست بصالحة لك، فإن محمد بن القاسم قد عقد أواصر الجماع معي، فقام‬
‫الخليفة الوليد غضبان عندما سمع منها هذا القول وكتب إلى محمد بن القاسم‬
‫رسالة أمر فيها بأن يحضر نفسه على الفور في المسوح في بالط الخالفة،‬
‫ومحمد بن القاسم كان في أودهابر فأطاع الحكم وأتي به إلى العراق في نفس‬
‫الحالة ولكنه مات بعد يومين في الطريق ولما وصلت الجثة في بالط الخالفة‬
‫قالت سريا ديو إني قد أخذت الثأر بأبي الملك داهر والملوك اآلخرين، وال بد‬
‫للخليفة أن يعمل بالعقل والفكر، وحينما سمع الخليفة هذا القول نصب األختين‬
                                                                  ‫3‬
                                                                    ‫في الجدار.‬


                                                                                ‫1‬
                                                          ‫تاريخ اليعقوبي، 1/9:3‬
                                                                                ‫2‬
                                                     ‫جمهرة أنساب العرب، ص 491‬
                                                                                ‫3‬
                                                             ‫چچ نامه، ص 771‬

                                     ‫041‬
‫مجلة الهند‬

                                        ‫ال‬
‫وذكرت هذه القصة في چچ نامه نق ً عن المدائني، ويذكر البالذري واليعقوبي‬
‫ً‬
‫وخليفة بن خياط عامة عن الفتوح والحوادث المتعلقة بالسند في ذلك العهد نقال‬
                                              ‫د‬
‫عن المدائني ولكن لم يشر أح ٌ منهم إلى هذه القصة، ولم يعرف من أين ظفر‬
‫مً‬
‫صاحب چچ نامه بهذه القصة التي تناولها المؤرخون بالفارسية في كتبهم ص ّا‬
‫وعميانً، فنقل هذه الرواية مير معصوم البهكري ونظام الدين البخشي ومير‬‫ا‬
‫شير علي قانع التتوي، ويدل على كذب هذه العبارة ما ذكر في چچ نامه‬
                       ‫بمناسبة إرسال محمد بن القاسسم بنات داهر إلى الوليد:‬
‫"محمد بن قاسم بدست خادمان حبشى بحضرت دار الخالفة به بغداد فرستاده‬
                                                            ‫1‬
                                                              ‫بود".‬
   ‫ترجمة: فأرسل محمد بن القاسم مع األرقاء األحباش إلى دار الخليفة ببغداد.‬
                              ‫م‬
‫ولم يكن وجود بغداد في ذلك الزمن، إنما ع ّرها الخليفة المنصور العباسي في‬
                                                             ‫عام 120هـ.‬
‫ويذكر المستشرقون والمحققون األوربيون هذه األساطير في موت محمد بن‬
                           ‫القاسم، ويبذلون قصارى جهودهم في إثباتها.‬
                                                                       ‫رثاءه:‬
                                               ‫ا‬
‫كان محمد بن القاسم مفطورً على الشرف والطاعة، وفي مدة أربع سنوات‬
‫حاز حسن القبول في جيشه وعامة الناس، افتتح فيها الهند وكان بوسعه أن يقوم‬
       ‫ل‬
‫ضد الخالفة واإلمارة األموية مع الملوك واألمراء الهنود، ولكنه سّم نفسه‬
                  ‫ا‬      ‫ا‬
‫بالحلم والمروءة واإلنسانية إلى السجن، وقال شعرً واحدً أبدى فيه عن حزنه‬
                                              ‫د‬
           ‫وه ّه على خسران الخالفة أش ّ مما حزن ووجد على ضياع نفسه:‬ ‫م‬
       ‫ليوم كريهة، وسداد ثغر"‬                ‫"أضاعوين وأي فىت أضاعوا‬
‫وحينما عانى بمظالم شديدة في سجن ديماس بواسط تحمل كلها بالصبر‬
 ‫واالستقامة، ولم يشب جانبه شيئ من الذلة واالستكانة، ورثى نفسه بهذين البيتين:‬
      ‫رهن احلـديد مكبالً مغلوال‬              ‫فلئن تويث بواسط وبأرضها‬
       ‫ولرب قرن قد تركت قتيال‬              ‫فلرب فتيــة فارس قد رعتها‬
                                                               ‫ا‬
                                  ‫وقال أيضً هذه األبيات حينما حبس بواسط:‬

                                                                              ‫1‬
                                                         ‫المصدر نفسه، ص 371‬

                                    ‫141‬
‫مجلة الهند‬

   ‫أناث أعددت للوغى وذكـــور‬              ‫ولو كتب مجعت القرار ولوطئت‬
   ‫وال كان من عك علي أميــــر‬             ‫وما دخلت خيل السكاسك أرضنا‬
  ‫1‬
      ‫فيالك دهر بالكرام عثـــــور‬      ‫وال كنب للعبد املوزوين تابعــــــاً‬
‫وازدرى محمد بن القاسم في هذه األبيات بالذين اعتقلوه وحبسوه وعذبوه،‬
‫وأع ّ أسرته أعلى أسرة وأشرفها، وكان يزيد بن أبي كبشة السكسكي من بني‬‫د‬
‫السكسك الذي اعتقله ويزيد بن المهلب وحبيب بن المهلب ومعاوية بن المهلب‬
‫الذين كانوا مشتركين في المؤامرة والعقاب، من بني أزد وكان وطنهم عمان‬
‫ويقال مزون لعمان في اللغة الفارسية فهذا يدل على كذب القصة من چچ نامه‬
                            ‫وأن من اعتقلوه كانوا من قبائل رضيعة للغاية.‬
‫عزاء أهل الهند: ومن أعجب الدهر كيف دال مع هذا الشاب الثقفي؛ وهو الذي‬
                           ‫ا‬       ‫ي‬
‫قرض الشعراء في قصائد مدحهم لما ع ّن أميرً على فارس في عمر يبلغ‬
                                                       ‫ج‬    ‫ا‬
‫سبعة عشر عامً وض ّ العالم بمحامده ومآثره الجليلة وهذا الذي لما رأى بعينيه‬
            ‫ا‬
‫تخلفه فقرض هو نفسه قصيدة في رثائه فلم يقرض شاعر ما بيتً أو بيتين في‬
                                          ‫ب‬
‫رثائه إال أن شعبه الهندي قد ص ّ الدموع على موت حاكمه العادل الشريف‬
    ‫و‬                                             ‫ال‬
‫المؤ ّل، وأقاموا له تمثا ً بديارهم "فبكى أهل الهند على محمد وص ّروه‬  ‫ه‬
                                                                  ‫بالكيرج".‬
‫ً‬             ‫ا‬
‫مات محمد بن القاسم ولم يبلغ من عمره إال أربعة وعشرين عامً أو أكثر خالفا‬
                                               ‫م‬         ‫ا‬     ‫ا‬
                             ‫وراءه ولدً فاتحً للهند يس ّى عمرو بن محمد.‬
‫وظهرت آل أبي عقيل مثل العاصفة وانتهت مثل اإلعصار، وحدث مثله مع‬
                                                     ‫ا‬
‫حريفه آل المهلب أيضً، إنهم اشتعلوا مثل الشعلة وانطفأوا مثل الرماد، وهناك‬
‫عبرة في ازدهار آل البرامكة وانحطاطهم، ولكن العبرة فوق العبرة فيما قبلها‬
‫من قصتين تجمع بين االزدهار واالنحطاط، وهذا واقع تاريخي أن الذي لعب‬
                                                              ‫ا‬
‫دورً قياديً في سقوط آل أبي عقيل وآل المهلب هو سياسة الحجاج المعادية،‬‫ا‬
                                   ‫د‬
‫الحجاج الذي لم يرض عن أن يبرز أح ٌ غيره فمارس معه كل أنواع الظلم،‬
‫أشعل نار الحسد والعداوة بينهم فذهبت هي بالعديد من كبار فاتحي العهد‬
‫األموي ومجاهديه وحكامه وأمرائه ومن بينهم محمد بن القاسم المجاهد الذي‬
                            ‫ثبت اسمه على صفحات التاريخ الهندي اإلسالمي.‬
‫ترجمة من األردوية: محمد معتصم األعظمي‬
                                                                                ‫1‬
                                                          ‫فتوح البلدان، ص 417‬

                                    ‫241‬
‫مجلة الهند‬




                    ‫المصادر والمراجع‬
                            ‫2. ابن الجوزي: وصفة الصفوة، حيدرآباد‬
                         ‫1. ابن جرير الطبري: تاريخ الطبري، مصر‬
                               ‫3. ابن حجر: تهذيب التهذيب، حيدرآباد‬
                                 ‫7. ابن حجر: لسان الميزان، حيدرآباد‬
                            ‫:. ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، مصر‬
                                  ‫9. ابن خلكان: وفيات األعيان، إيران‬
                                    ‫4. ابن قتيبة: عيون األخبار، مصر‬
                                   ‫4. ابن قتيبة: كتاب المعارف، مصر‬
                                  ‫6. ابن كثير: البداية والنهاية، بيروت‬
                                     ‫ابن كثير: الكامل، بيروت‬       ‫72.‬
                  ‫البالذري: أنساب األشراف، يروشلم وبيروت‬           ‫22.‬
                                ‫البالذري: فتوح البلدان، مصر‬        ‫12.‬
                 ‫خليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط، دمشق‬          ‫32.‬
                  ‫عبد الرحمن: المحاضرات اإلسالمية، مصر‬             ‫72.‬
                  ‫علي بن حامد الكوفي أوشي: چچ نامه، دلهي‬           ‫:2.‬
                        ‫ب‬
             ‫محمد بن حبيب البغدادي: كتاب المح ّر، حيدرآباد‬         ‫92.‬
              ‫محمد بن سعد الواقدي: طبقات ابن سعد، بيروت‬            ‫42.‬
                          ‫ياقوت الحموي: معجم البلدان، مصر‬          ‫42.‬
                      ‫اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ليدن وبيروت‬        ‫62.‬




                            ‫341‬
‫مجلة الهند‬




    ‫الشيخ محمد طاهر جالل الدين المننكبوي‬
                 ‫ا‬       ‫ً‬
                 ‫فقيها وفلكي ً‬
‫- د. إبنور أزلي إبراهيم وأ.د. سوسكنان األزهري‬
                                                                            ‫تمهيد:‬
                          ‫د‬      ‫ل ين‬
‫كان لعدد من الفقهاء الماليويين فض ٌ بّ ٌ في تق ّم علم الفلك في المنطقة‬
                      ‫ا‬                      ‫م‬
‫الماليوية (نوسنتارا)، وال يس ّى الشخص عندهم فلكيً إذا كان لديه المعرفة‬
             ‫ا‬
‫الفلكية مجردة عن العلوم الشرعية بشتى أنواعها وإن كان مسلمً، وال بد وأن‬
           ‫1‬


                            ‫ا‬
‫يكون لديهم إلمام واسع في الشريعة والفلك معً، ذلك للمحافظة على العقيدة‬
                                                           ‫وال‬
‫اإلسالمية أ ّ ً والحيلولة دون وقوع أي مخالفة شرعية أثناء التعامل مع هذا‬
                ‫ا‬
‫العلم إذا تعارض مع األحكام الشرعية ومصالح المسلمين ثانيً. وهي عالقة بين‬
                        ‫ا‬
               ‫العموم والخصوص، فكل فلكي فقيه وليس كل فقيه فلكيً عندهم.‬
                                                             ‫ر‬
‫ولقد تعمق غي ُ واحد من الفقهاء الماليويين في هذا الفن بعد أن تفقهوا في أمور‬
‫دينهم ولهم آثار واضحة في توريث هذا العلم إلى األجيال الالحقة، لذا يحمل هذا‬
‫العلم المالمح الشرعية أكثر من أن يكون من العلوم البحتة، فالمصطلح العربي‬
                     ‫م‬                        ‫ر ي‬        ‫ا‬
‫في نوسنتارا عمومً له دو ٌ ب ّن في تحديد مفهوم المس ّى، فعلى سبيل المثال‬
‫كلمة "الكتاب" ال يعني به إال الكتب الدينية، أما الكتب األخرى تطلق عليها‬
           ‫م‬
‫بالكلمة الماليوية "‪ ،"BUKU‬والفلكي الذي ليس بفقيه يس ّونه بـ"أهل‬
                                                             ‫2‬
                                                              ‫أسطرونوميا".‬


  ‫1 هذه السمة تجعل الفلكيين في نوسنتارا يتميزون عن أقرانهم الفلكيين في الشرق األوسط‬
‫وآسيا الوسطى، فالفلكي ال يستلزم أن يكون من الفقهاء، وهذا الخوارزمي والكندي والباتاني‬
       ‫والفزاري والبوزجاني وغيرهم كثيرون ليسوا من الفقهاء، وبعضهم أسلموا في الفترة‬
                                                          ‫المتأخرة من مشواره العلمي.‬
 ‫2 إبراهيم، إبنور أزلي، علم الفلك والتنجيم من المنظور الشرعي، مسودة رسالة الدكتوراه،‬
                                          ‫الجامعة اإلسالمية العالمية، ماليزيا 4771م‬

                                       ‫441‬
‫مجلة الهند‬

‫وقد اعتنى بعض المؤرخين الماليويين بهؤالء األعالم وسيرهم ومن أشهر‬
‫الفلكيين في العالم الماليو هو الشيخ محمد طاهر جالل الدين ويعتبر إحدى‬
‫الشخصيات البارزة في تحديث عملية الحسابات الفلكية في نوسنتارا. وعملنا في‬
                                               ‫ا‬
‫هذا البحث فقد اعتمدنا كثيرً على كتابات الشيخ الحاج وان محمد صغير1 مع‬
‫1 الحاج وان محمد صغير بن عبد اهلل: وهو الشيخ محمد صغير بن وان عبداهلل بن وان‬
‫عبدالرحمن بن وان أبو بكر بن معارس جيء وان تعظيم الفطاني، وأمه وان زينب بنت العالم‬
‫العالمة الشيخ وان أحمد بن الشيخ وان محمد زين العابدين بن الشيخ الحاج وان مصطفى.‬
‫واتصل نسبه بالشيخ وان أحمد الفطاني أحد كبار العلماء في نوسنتارا، ولد في 40 أغسطس‬
‫1210م في جزيرة ميداي برياو اإلندونسية وتوفي في 22 ربيع األول 1220هـ/20 أبريل‬
‫4112م (وهو العام الذي كتبت فيه هذه األطروحة). وقد أفنى رحمه اهلل عمره في طلب العلم‬
‫ونشره والقيام بجمع المعلومات عن الفقهاء الماليويين وسيرتهم والبحث عن مؤلفاتهم في‬
                                                  ‫ة‬
‫جميع أنحاء العالم وفي نوسنتارا خاص ً، ومن ثم قام بتهذيبها وتحقيقها، وقد قام بهذا الجهد‬
                                                                              ‫د‬
‫العظيم م ّة حياته (أكثر من ستين سنة) وانتقل من مكان إلى مكان في أرجاء نوسنتارا ومكة‬
                                                                  ‫ا‬     ‫ا‬
‫المكرمة وأحيانً مشيً على األقدام ويبيت حيث يقف. وقد هان عليه جميع المشقات‬
                                 ‫د‬
‫والصعوبات والعقبات في طريقه إلى أن توفي وهو يع ّ دروسه الدينية لطالبه في كواال‬
‫لمبور. وترك لنا ثروات هائلة من مؤلفات الفقهاء الماليويين بعضها قد قام بتحقيقها وبعضها‬
                                                        ‫ا‬
‫مازال في قيد التحقيق وألف كتابً حول علماء الماليو الذي يقع في أكثر من 1112 صفحة‬
‫ود ّ ر في الحريق الذي نشب بمكتب وزارة الثقافة والشباب والرياضة الماليزية وكان هذا‬    ‫م‬
‫ً‬                  ‫أ‬
‫العمل بتكليف من الوزارة نفسها. وأنشأ المعهد اإلسالمي بإندونسيا وملجً لأليتام وكان مديرا‬
                                                             ‫ا‬                 ‫س‬
‫لهما وأ ّس رحمه اهلل أيضً شركة الخزانة الفطانية وجمعية الباحثين للخزانة التراثية في‬
‫نوسنتارا وكان من مهامهما البحث والتحقيق وطباعة كتب الفقهاء الماليويين. وكتب أكثر من‬
‫110 مقالة علمية حول سلسلة فقهاء الماليو عبر العصور وأكثر من 12 مناقشة علمية حول‬
‫الثروات العلمية التي تركها علماء الماليو التي بحوزته، وقال عن نفسه: "ما أنجزت من‬
‫تحقيق هذه الثروات التي بحوزتي سوى الثلث منها". وقد كلفته الحكومة اإلندونسية كذلك‬
‫بالبحث التاريخي لبعض المناطق اإلندونسية. ويعتبر المرجع الفريد المعول إليه في تاريخ‬
‫علماء الماليو يستند إليه الباحثون والدارسون داخل ماليزيا وخارجها كألمانيا وهولندا‬
‫والعراق وإندونسيا وأستراليا وتايالند. واعترف به الباحثون الغربيون حيث التمسوا من‬
                                                                          ‫ا‬
‫كتاباته مرجعً لهم في بحوثهم مثل بجينيا ماتيسن (‪ )Virginia Matheson‬وم.ب هوكر‬
‫(‪ )M.B Hooker‬ووكارل أ.ستينبريك (‪ )Karel A.Ssteenbrick‬و مارتين فان‬
‫بروينسان (‪ )Martin Van Bruinessen‬وفي.أ براجينسكي (‪ )V.I Braginsky‬وغيرهم.‬
                                                                  ‫ا د‬
‫وقد قابلته شخصيً ع ّة مرات لتبادل اآلراء حول تاريخ علماء الماليو أثناء المؤتمرات‬
‫والندوات التي شارك فيها – أنظر التفصيل عن الشيخ وان محمد صغير في البحث الذي‬
                                                                             ‫كتبته ابنته:‬

                                          ‫541‬
‫مجلة الهند‬

‫تصرف وتلخيص وجمع ما تفرق وتناثر منها بخصوص سيرة الشيخ محمط‬
                  ‫م‬
 ‫طاهر جالل الدين رحمه اهلل، وقد نقلناها إلى اللغة العربية لتع ّ الفائدة للجميع .‬
                 ‫1‬
                  ‫الشيخ محمد طاهر جالل الدين ( 2623-6523م)‬
‫هو محمد طاهر ابن الشيخ محمد بن أحمد جالل الدين، ولد في أمفيء أنكيء،‬
‫ببوكيت تينكي بوالية مينانكاباو، بسومطرة الغربية اإلندونسية في يوم الثالثاء 2‬
                     ‫ا‬
‫من رمضان 2120هـ/ 1 دسيمبر 1210م. وكان يتيمً منذ نعومة أظفاره‬
                                    ‫د‬
          ‫وترعرع عند قرابة والدته، وكان أبوه2 وج ّه3 من كبار علماء المنطقة.‬
                            ‫ر‬                   ‫ا‬                    ‫م‬
‫ول ّا بلغ من عمره 10 عامً سافر إلى مكة المك ّمة ليتفقه في أمور دينه، وكان‬
‫بصحبة ابن عمه الشيخ أحمد الخطيب يعيش معه هناك وبرعاية الشيخ محمد‬
‫صالح الكردي، وتعلم القرآن من الشيخ عبد الحق في مدرسة الشيخ رحمة اهلل،‬
‫وتعمق في علم الفقه من الشيخ أبو بكر أحمد شطا (صاحب إعانة الطالبين)،‬
                                                              ‫ا‬
             ‫وأخذ أيضً من الشيخ محمد الخياط والشيخ أحمد الخطيب ابن عمه.‬
                                                  ‫و‬       ‫ا‬
‫وكان مزواجً حيث تز ّج بأكثر من امرأة في أوقات متقاربة ويحضره العلماء،‬
                                                             ‫ج‬
‫وكان يس ّل تلك الذكريات بنفسه، منها زواجها من عائشة بنت الشيخ محمد بن‬
‫الشيخ إسماعيل الخالدي، ذلك في يوم السبت 22 من ذي القعدة 1140هـ/2 من‬
                                                ‫4‬


‫أغسطس 1110م، وكان الشيخ أبو بكر أحمد شطا (صاحب إعانة الطالبين)‬
‫يجري عقد قرانه بالتوكيل من الشيخ إسماعيل الخالدي، وحضره الشيخ السيد‬

‫‪Wan Jumanatul Karamah Wan mohd Shaghir. Biografi Sheikh Hj.Wan‬‬
‫‪Mohd Shaghir Abdullah dan Hasil Karyanya. Kertas Kerja Sempena‬‬
‫‪Majlis Tahlil dan Pengumpulan Dana Waqaf Kitab untuk Kemboja‬‬
‫‪dan Fathani.24 September 2007. Madrasah Ad diniah Cheras Kajang‬‬
                                                      ‫.‪Selangor‬‬
‫1‬
 ‫‪Wan Mohd Shaghir Abdullah. Sheikh Tahir Jalaluddin al-Azhari: Ahli‬‬
‫7.‪Falak Tanah Melayu. Ruang Agama. Utusan Malaysia.Isnin‬‬
‫.4002.‪Jun‬‬
        ‫أبوه محمد بن أحمد جالل الدين المعروف بالشيخ النكانج أو توانكو محمد أو توانكو‬     ‫2‬

    ‫جانكينج. وتوفي بها يوم األحد 41 جمادي األولى 4412هـ، وتوفيت والدته كذلك بها‬
                                                              ‫عام :612هـ/4442م.‬
                                                                                ‫د‬
                            ‫ج ّه كان من شرفاء مينانكباو وهو توانكو أحمد جالل الدين.‬      ‫3‬


                ‫وهو أحد كبار علماء الماليو وقطب الطريقة النقشبندية الخالدية بنوسنتارا.‬   ‫4‬




                                          ‫641‬
‫مجلة الهند‬

‫عمر شطا، والشيخ محمد نور بن الشيخ إسماعيل، والشيخ إسماعيل الخالدي،‬
‫والشيخ محمد صالح الكردي، والشيخ أحمد خطيب الميننكباوي، والشيخ‬
                                  ‫إسماعيل بن الشيخ محمد (أخو عائشة).‬
‫وكذلك زواجه من كلثوم بنت إبراهيم، ذلك في يوم الجمعة 1 رجب‬
‫1040هـ/42 يناير 4110م، ثم تزوج في يوم الجمعة 40 رمضان 1040هـ/04‬
‫مارس 4110م من امرأة يقال لها جميلة بنت الحاج عبد الكريم، ثم تزوج‬
‫بأخرى وهي عائشة بنت الحاج مصطفى في ليلة الخميس 12 جماد األولى‬
‫4040هـ/42 سبتمبر 1110م، وحضره الشيخ محمد الخياط والشيخ الحاج هاشم‬
                                    ‫ً‬
                         ‫الكلنتاني وغيرهما. وروي أنه تزوج ستا من النساء.‬
                                             ‫ا‬
‫وقطن بمكة ما يقارب 20 عامً ثم رحل إلى مصر ليتعلم علم الفلك بجامع‬
‫األزهر الشريف وبرع فيه ويلقب بالفلكي. وأتقن رحمه اهلل العلوم المختلفة غير‬
‫علم الفلك كعلوم القرآن والحديث والتوحيد والفقه وأصول الفقه والفنون العربية‬
               ‫ا‬
‫المختلفة والمنطق والتفسير والهندسة والحساب. وتأثر كثيرً بشيخه أحمد‬
         ‫ا‬                    ‫د‬                        ‫ث‬
  ‫الخطيب الذي كان يح ّه وشباب الماليو بمكة لش ّ الرحال إلى مصر طلبً للعلم.‬
‫وتلقى العلم باألزهر الشريف حوالي 2 سنوات ( 2040-1040هـ/4110-4110م)‬
‫وتأثر بأفكار السيد جمال الدين األفغاني والشيخ محمد عبده وهما من قادة حركة‬
‫التجديد واإلصالح وكان يالزم الشيخ محمد رشيد رضا أحد تالميذ الشيخ محمد‬
 ‫د‬
‫عبده، واشتهر بهذا التيار الفكري بعد عودته إلى جنوب شرق آسيا. وكتب ع ّة‬
‫مقاالت تحمل فكرة حركة التجديد واإلصالح ونشرها في مجلة المنار بمصر‬
‫ومجلة اإلمام ومجلة اإلخوان بجنوب شرق آسيا بقيادة السيد الشيخ الهادي . وكتب‬
                                                                      ‫ا‬
‫أيضً في جريدة "سودارا" باللغة الماليوية. ثم رجع رحمه اهلل إلى مكة المكرمة‬
                     ‫د‬
‫بعد إنهاء دراسته بمصر وتولى وظيفة التدريس هناك لم ّة سنتين ثم رجع إلى‬
                                                   ‫ا‬
‫أرض الماليو (ماليزيا حاليً) لنشر الدعوة اإلسالمية ذلك في عام 1110م. وكان‬
           ‫دا‬     ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫رحمه اهلل معروفً بحسن الخلق والزهد والورع وكان مخلصً ومج ًّ في كفاحه‬
       ‫1‬
         ‫الدعوي وهو معروف في نوسنتارا ببراعته في علم الفلك وخطبه المؤثرة.‬
                                              ‫إسهاماته النضالية والعلمية:‬
      ‫ه‬    ‫ا‬                                      ‫ب‬
‫كان رحمه اهلل يح ّ وطنه كل الحب ووقف أمام االستعمار وجهً لوج ٍ، وقد‬
                                           ‫د‬
‫سجنه المستعمر الهولندي لم ّة ستة أشهر عام 1240هـ/4210م ألجل التهمة‬
                                ‫ا‬
‫الموجهة إليه ثم أفرج. وكان يتردد كثيرً بين مكة ومصر والعالم الماليوي.‬
‫1‬
 ‫11 .‪Tajudin Saman. Tokoh Reformasi Islam. Berita Harian‬‬
‫.2991.‪September‬‬

                                   ‫741‬
‫مجلة الهند‬

‫وتوّى وظيفة القاضي األكبر بالمحكمة الشرعية بتايفينج، بوالية بيراق دار‬   ‫ل‬
                                                            ‫ل‬
‫الرضوان ثم توّى اإلفتاء بها لمدة ثالث سنوات، غير أن فتاواه لم تلق القبول‬
‫من قبل العلماء اآلخرين لتأثره بفكرة التجديد واإلصالح التي كانت بمصر. ثم‬
                                                       ‫ا‬        ‫ا‬
‫عمل مفتشً ومدرسً بالعديد من المدارس الدينية بوالية جوهر من فترتين‬
‫(1440-2240هـ/2010-1210م و2240-1240م/1210-1210هـ)، وكان‬
                          ‫د‬
‫يهتم باللغة الماليزية والعربية واإلنجليزية على ح ّ سواء ويحث الطلبة على‬
                            ‫اإللمام بها ألجل التقدم المعرفي الدنيوي واألخروي.‬
‫ً‬
‫ثم انتقل إلى سنغافورة للمساهمة في كتابة ونشر مجلة اإلمام، وعمل مديرا‬
‫ومدرسً بمدرسة "المشهور" ببولو بينانج بعد ذلك لمدة 4 سنوات (0240-‬   ‫ا‬
‫2240هـ/1210-4210م) وتقاعد عن العمل عام 1140هـ/1210م. وبقي‬
‫يمارس الكتابة وتعليم علم الفلك في شتى المناطق الماليزية وله تالميذ كثيرون‬
‫أخذوا عنه علم الفلك منهم الشيخ محمد خير بن طيب1 أحد أشهر الفلكيين في‬
‫ماليزيا. وساهم في إصدار مجلة العروة الوثقى. وتوفي رحمه اهلل بعد صالة‬
‫الفجر في يوم الجمعة 22 من ربيع األول 2440هـ/22 أكتوبر 2110م عن‬
                                                        ‫ا‬
‫عمر ناهز 41 عامً ودفن بمقبرة جالن بارو بكواال كانسار بوالية بيراق، وأعلن‬
     ‫المتحف الوطني الماليزي بأن ضريحه من ضمن اآلثار التاريخية لماليزيا.‬
                                                                            ‫مؤلفاته:‬
                                                 ‫ومن مؤلفاته المطبوعة حتى اآلن:‬
                                          ‫0. اإلسالم والنصرانية مع العلم والمدنية‬
                                                     ‫2. اإلسالم والرد على منتقديه‬
                                               ‫4. إرشاد الخيض في علم الفرائض.‬
                        ‫2. هوراين يغ ممباكر تامن فرسوراين حج ( بالماليوية).‬
                           ‫1. فريساي أورغ برإيمان فغيساي مذهب أورغ قديان.‬

 ‫1 الفلكي الشيخ محمد خير بن طيب، صاحب المؤلفات في علم الفلك، وهو الفقيه والقاضي‬
    ‫الشرعي، ولد عام 1162م وتوفي عام::62م. ومنحه والية بيراق جائزة نوبيل للفلك‬
                              ‫اعترافاً بإسهاماته للدولة في مجال الفلك عام :771م. أنظر:‬
  ‫,‪Ibnor Azli. Tuan Haji Mohd Khair Taib dan Sumbangannya Ibrahim‬‬
      ‫‪dalam Pembangunan Ilmu Falak di Malaysia. Hal262. Prosiding‬‬
                   ‫.6002.‪Nadwah Ulama Nusantara III. UKM Malaysia‬‬

                                        ‫841‬
‫مجلة الهند‬

                                           ‫2. اتحاف المريد في أحكام التجويد.‬
                                                  ‫4. تأييد التذكرة لمتبع السنة.‬
                                    ‫وله مؤلفات مطبوعة في علم الفلك وهي:‬
‫0. نتيجة العمر – وانتهى من تأليفه عام 1140هـ/2410م، وطبعت في مطبعة‬
‫فرينتر للنشر بوالية فوالو فينانج الماليزية عام 1140هـ/2410م ، تناول هذا‬
‫الكتاب الموضوعات الفلكية كالحسابات والتقاويم والميقات وجهة القبلة، وقد‬
      ‫قام بتنظيم األزياج والجداول الفلكية التي تصلح لالستعمال مدى الحياة.‬
‫2. جدول فاتي كيراءن – وانتهى من تأليفه في 10 شعبان 2140ه وطبعت‬
‫بمطبعة األحمدية للنشر بسنغافورة عام 4140هـ/1410م، وطبعت‬
             ‫ا‬
‫بالماليوية وباألحرف الجاوية العربية. تناول هذا الكتاب أيضً الموضوعات‬
‫الفلكية باستخدام اللوغارثمات. وذكر المؤلف في كتابه هذا بأن شيخه في علم‬
‫الفلك هو الشيخ محمد يوسف الخياط وهو أحد كبار علماء مكة في عصره،‬
‫وكان يلقي الدروس في مختلف الفنون بالمسجد الحرام منها علم الفلك‬
                                             ‫ا‬       ‫ي‬
‫والرياض يات، وعّن أخيرً لمنصب شيخ اإلسالم بوالية قدح الماليزية وتوفي‬
‫في باتو أوبان بوالية فوالو فينانج الماليزية يوم األربعاء، 40 من رجب عام‬
                      ‫4440هـ. هذا ما كتبه الشيخ محمد طاهر جالل الدين.‬
‫4. نخبة التقريرات في حساب األوقات وسمت القبلة باللوغارثمات – الطبعة‬
‫األولى منه كانت في مطبعة رويال للنشر بسنغافورة عام 2140هـ/4410م.‬
‫كتب بالعربية وال يزال هذا الكتاب يدرسه هواة الفلك بمنطقة الخليج العربي‬
‫بطريقة تقليدية غير نظامية، هذا ما أفادني بعض اإلخوان الخليجيين عبر‬
                                                ‫1‬
                                                  ‫الموقع الفلكي باإلنترنت.‬
‫2. القبلة في نصوص العلماء الشافعية فيما يتعلق باستقبال القبلة الشرعية منقولة‬
‫من أمهات كتب المذهب (كتب بالعربية والماليوية)، وطبع بمطبعة الزيدية‬
‫بتايفينج بوالية بيراق الماليزية عام 0110م وبإذن المجلس اإلسالمي‬
‫بالوالية رقم الملف: (05/011 .‪ )18 dlm.pk.Red.Dept‬بتاريخ 02 من‬
‫سبتمبر 1110م. وتمتع هذا الكتاب بقبول واسع في أوساط مجتمع نوسنتارا،‬
                         ‫ا‬         ‫ا‬
‫ونال ثناء العلماء الماليويين عليه شفويً وتحريريً منهم: الشيخ الحاج زبير‬
‫بن أحمد إسماعيل من المدرسة اإلدريسية، والشيخ الحاج نور الدين، والشيخ‬
‫زين أمين (مفتي الوالية)، والشيخ إسماعيل علي، والشيخ الحاج صالح،‬
                                    ‫1‬
                                        ‫7002.01.40 - /‪http://www.qasweb.org‬‬

                                   ‫941‬
‫مجلة الهند‬

‫والش يخ عبد الوهاب بن عبد اهلل، وهؤالء من علماء الوالية، أما من خارج‬
      ‫د‬
‫الوالية فهم: الشيخ عبد اهلل فاهم (مفتي والية فوالو فينانج وج ّ رئيس‬
                                                 ‫ا‬
‫الوزراء الماليزي حاليً الرئيس عبد اهلل أحمد بدوي)، والشيخ الحاج أحمد بن‬
‫توان حسين قدح، والشيخ الحاج شهاب الدين بن عبد الصمد، والشيخ الحاج‬
‫حمزة بن الحاج محمد علي فأجأ، والشيخ الحاج محمد صالح المصري،‬
‫والشيخ الحاج محمد سعد المصري، والشيخ عبد الحليم عثمان، والشيخ‬
                                           ‫محمد نووي بن محمد طاهر.‬
                         ‫1‬
                          ‫مرصد الشيخ طاهر جالل الدين‬
                  ‫ً‬
‫وشيد مرصد فلكي بجبل أتشيه ببولو بينانج يحمل اسمه اعترافا بإسهاماته الفلكية‬
                                       ‫ج‬
‫للدولة. وكان الشيخ محمد طاهر يس ّل رحالته العلمية الطويلة وجوالته في‬
                                  ‫نوسنتارا بكل تفصيل وليس لنا مجال لذكرها.‬
‫شيد هذا المرصد عام 1110م/1120هـ بوضع حجر األساس له في شاطئ قرية‬
‫أتشيه بوالية بولو بينانج، ويقع على قطعة أرض تبلغ مساحتها 2 أكار، وبنى‬
     ‫ا‬
‫عليها مبنى بكلفة بـ11.111011100 رنجيت ماليزي. وافتتح رسميً يوم‬
‫األربعاء في 14 من ربيع األول عام 2020هـ، الموافق ليوم 1 من أكتوبر‬
‫0110 م، ويدار هذا المرصد بالتعاون بين شعبة دراسة الفلك بجامعة العلوم‬
‫بماليزيا والمجلس اإلسالمي بالوالية، وقد تم توقيع وثيقة التفاهم بين الجهتين في‬
   ‫و‬
‫02 أكتوبر 2110م، الموافق يوم األربعاء 12 ربيع األخير 4020هـ، وف ّض‬
                                        ‫ا‬          ‫د‬
‫إدارته إلى جامعة العلوم لم ّة 14 عامً ويمثله مركز الدراسات الفلكية بالجامعة‬
‫حسب اإلتفاقية بين الطرفين. وبهذه اإلتفاقية يشترك الطرفان في مالية المرصد‬
   ‫والدراسات الفلكية فيه وقد تم تشكيل اللجنة اإلستشارية المشتركة لهذه الغاية.‬
‫ويتميز المرصد بموقعه اإلستراتيجي حيث يقع في أقصى جهة الغرب من شبه‬
                                              ‫شد‬
‫الجزيرة الماليزية (وقد ُي َ قبل تشييد المرصد الوطني بالنكاوي)، ولها ميزات‬
                                                               ‫ا‬
‫مهمة جدً وفيها قيمة إضافية في األعمال الرصدية للهالل وغروب األجرام‬
                                                                ‫السماوية.‬
                                       ‫ا‬       ‫ا‬
‫ويعتبر هذا المرصد مركزً ميدانيً للجامعة في الدراسات الفلكية من الناحية‬
‫الشرعية والعلمية والتطبيقية. وكان من هدف إنشائه هو تلبية متطلبات العلوم‬
                                                   ‫ة‬
‫في مجال الفلك خاص ً األمور المتعلقة بالتقاويم واألرصاد الفضائية، وكذلك‬
                  ‫1‬
                      ‫7002.11.01 - ‪http://mufti.penang.gov.my/pusatfalak.htm‬‬



                                      ‫051‬
‫مجلة الهند‬

                   ‫ح‬
‫يقوم بمحاولة جادة لتشكيل قاعدة المعلومات الفلكية المو ّدة واألزياج الفلكية‬
                                                  ‫ا‬
         ‫العالمية المعول إليها عالميً. ومن أهداف الدراسات الفلكية في المرصد:‬
‫0. تلبية متطلبات التقاويم اإلسالمية وتدويلها في العالم اإلسالمي، واالهتمام‬
‫بدراسة ظاهرة الفجر والشفق (‪ )Twilight‬وآثار األضواء المصاحبة له‬
                                                             ‫ومراحلها.‬
                     ‫ا‬
                    ‫2. تكوين األزياج أو الجداول الفلكية المعتمد عليها عالميً.‬
‫4. إقامة الدراسات الفلكية التطبيقية المتماشية مع التطور التكنولوجي والمطالب‬
‫البشرية بصفة عامة، ويدخل فيه الدراسات حول الفيزياء الفلكية‬
                   ‫(‪ )Astrophysics‬ودراسة طبقة األوزون (‪.)Ozone‬‬
                            ‫1‬
                             ‫الدراسات الفلكية بالمرصد‬
‫اهتم هذا المرصد بالبحوث والدراسات الفلكية المتواصلة من حين إلى آخر‬
                             ‫و‬
‫وبقيادة شعبة الدراسات الفلكية والغالف الج ّي بالجامعة. وباب المرصد مفتوح‬
‫للدارسين والباحثين من الخارج للقيام بالبحث الفلكي واألعمال الرصدية فيه،‬
                   ‫ومن أهم الدراسات الفلكية الجارية في المرصد اآلن هي:‬
‫0. دراسة الفجر والشفق (‪ )Twilight Zone‬واألضواء المحيطة به ومراحلها.‬
‫2. دراسة حول تقارير األهلة التي تم رصدها من جميع محطات الرؤية في‬
                                                   ‫أنحاء ماليزيا.‬
‫4. دراسة طبقة األوزون (‪ )Ozone‬في الغالف الجوي األرضي‬
                                    ‫(‪.)Atmosphere‬‬
                                                ‫0. دراسة التقاويم الشمسية.‬
                                       ‫2. دراسة الفلك التطبيقي في ماليزيا.‬
      ‫4. دراسة نظام األزياج أو الجداول الفلكية (‪ )ALMANAC‬في ماليزيا.‬
                                ‫2. دراسة أحوال السماء عند غروب الشمس.‬
                                    ‫ّ‬
                            ‫1. دراسة حول تالشي الغالف الجوي األرضي.‬

 ‫1‬
     ‫‪Memorandum Persefahaman antara Jab.Mufti Negeri Pulau Pinang‬‬
         ‫22 ,‪dengan Unit Penyelidikan Ilmu Falak dan Atmosfera USM‬‬
                                                          ‫6002.‪Nov‬‬

                                    ‫151‬
‫مجلة الهند‬

                                                 ‫2. دراسة األشعة البنفسجية.‬
                                                            ‫نشاطات المرصد:‬
                                ‫ومن النشاطات الفلكية التي تقام بالمرصد منها:‬
                                           ‫0. رصد األهلة الشهرية طوال العام.‬
    ‫2. رصد األجرام السماوية من الكواكب والنجوم والشمس والقمر واألحداث‬
             ‫الفضائية األخرى مثل مرور الكوكبات والخسوف والكسوف.‬
                    ‫4. إقامة المناقشات الفلكية التي يشترك فيها المتخصصون.‬
‫2. إقامة الدورات والندوات الفلكية المفتوحة خاصة للطلبة المدرسية والجامعية.‬
                 ‫1. القيام بنشاطات التصوير الفلكي (‪.)Astrophotography‬‬
                                   ‫الخاتمة‬
‫بهذا قد وصلنا إلى نهاية هذا البحث، ونرجو أننا قد وفينا المطلوب من موضوع‬
                             ‫ن‬
‫البحث، وأهم ما توصلنا إليه من هذا البحث هو أ ّ الشيخ محمد طاهر رحمه اهلل‬
     ‫ا‬     ‫ال‬                           ‫ة‬          ‫ما‬           ‫ا‬
‫كان رج ً محبً للعلم ومل ًّ به خاص ً في علم الفلك. وكان رج ً فريدً في‬ ‫ال‬
                                                 ‫ل‬              ‫ن‬
‫عصره حيث م ّ اهلل عز وج ّ عليه بقوة اإلدراك في الجمع بين العلم الشرعي‬
‫النصي وبين علم الفلك العلمي والعقلي، وكما قال سيدنا علي رحمه اهلل تعالى:‬
‫"العقل والشرع ما أحالهما إذا اجتمعا". وله من المؤلفات ما ال يستهان به وقد‬
                                                              ‫ا‬     ‫ا‬
‫فتح لنا أفقً جديدً في مجال حسابات الفلكية المتعلقة بفقه العبادات. ونسأل اهلل‬
‫عز وج ّ أن يجعل هذه اإلسهامات المباركة في ميزان حسناته وأن يدخله في‬   ‫ل‬
                                           ‫فسيح جنانه، آمين... يا رب العالمين.‬


                              ‫قائمة المراجع‬
                                                               ‫0.‬
                ‫7002.11.01 - ‪http://mufti.penang.gov.my/pusatfalak.htm‬‬
                                                               ‫2.‬
                                 ‫7002.01.40 - /‪http://www.qasweb.org‬‬
‫4. إبنور أزلي إبراهيم: ‪Tuan Haji Mohd Khair Taib dan Sumbangannya‬‬
‫‪dalam Pembangunan Ilmu Falak di Malaysia. Hal262. Prosiding‬‬
             ‫.6002.‪Nadwah Ulama Nusantara III. UKM Malaysia‬‬
‫2. ‪Memorandum Persefahaman antara Jab.Mufti Negeri Pulau Pinang‬‬
‫22 ,‪dengan Unit Penyelidikan Ilmu Falak dan Atmosfera USM‬‬
                                                    ‫6002.‪Nov‬‬

                                     ‫251‬
‫مجلة الهند‬

Tajudin Saman. Tokoh Reformasi Islam. Berita Harian. 11 .1
                                         September.1992.
Wan Jumanatul Karamah Wan mohd Shaghir. Biografi Sheikh Hj.Wan      .2
Mohd Shaghir Abdullah dan Hasil Karyanya. Kertas Kerja Sempena
Majlis Tahlil dan Pengumpulan Dana Waqaf Kitab untuk Kemboja dan
Fathani.24 September 2007. Madrasah Ad diniah Cheras Kajang
                                                        Selangor.
Wan Mohd Shaghir Abdullah. Sheikh Tahir Jalaluddin al-Azhari: .4
Ahli Falak Tanah Melayu. Ruang Agama. Utusan Malaysia.Isnin.7
                                                    Jun.2004.
،‫1. إبنور أزلي إبراهيم: علم الفلك والتنجيم من المنظور الشرعي‬
،‫رسالة دكتوراه، قسم الفقه وأصوله، الجامعة اإلسالمية العالمية‬
                                               ‫ماليزيا 1112م‬




                                153
‫مجلة الهند‬



                    ‫الهنــــد وأبناؤها ومعالمها‬
                        ‫في الشعر الفارسي-الهندي‬
‫- أ. د. نياز أحمد خان‬
‫ال‬        ‫ه‬                    ‫ا‬
‫منذ قديم الزمان كانت وال تزال الهند تعتبر بالدً تتمتع بالجمال المب ّت، ودو ً‬
                          ‫ا‬
‫تمتلئ باألسرار لألجانب المولعين باالكتشاف، ومعبرً للتبادل الثقافي بين األمم‬
                            ‫ح‬          ‫ش‬
‫المختلفة. فنزل بها العديد من المب ّرين والر ّاالت، وقطنوها فوصفوا‬
‫خصائصها المتنوعة حسب طرقهم الخاصة. وذات مرة في الزمن السحيق سمع‬
‫الملك الساساني أنوشيروان (‪ )Anushervan‬عن بعض العقاقير الذي كان يلمع‬
‫مثل القمر ويوجد في المناطق الجبلية للهند والذي قد يبعث الموتى. فبعث بطبيب‬
‫بالطه برزويه (‪ )Burzoia‬إلى الهند ليحمله إليه. فاتصل برزويه برجل دين‬
                      ‫ق‬
‫هندوسي (‪ )Pandit‬في كشمير واستفسره عن ذلك الع ّار. فأجاب عليه ذلك‬
                                                               ‫م‬
‫البانديت بأنه ل ّا يعثر على أي شيء من هذا النوع إال أنه يقال من الزمن القديم‬
‫أن الرجال المثقفين هم مثل الجبال، والعقاقير التي تنفخ الروح في الموتى هي‬
                        ‫ً‬
‫ليست إال كلماتهم الحكيمة، وأما الموتى الذين بعثوا أحياء بعد سماع تلك الكلمات‬
‫فهم الجهالء. وكل هذه الكلمات الحكيمة مضبوطة في كتاب يخ ّ باألمثال والذي‬
               ‫ص‬
‫يعرف باسم "بانج تانترا" (‪ )Panj Tantra‬وذلك تحت رعاية الملوك وحواشيهم‬
‫الهنود. إذا كان بمستطاعك أن تهتبل هذه الفرصة فافعل وستنجح في غايتك التي‬
‫بعثت ألجلها1. فقام برزويه بترجمة ذلك الكتاب إلى اللغة الفهلوية. وبعد مدة من‬
‫الزمان نقله ابن المقفع إلى اللغة العربية في عام 114م، ومن ثم ترجم هذا الكتاب‬
‫إلى العديد من اللغات كما أخذ منها فصنع العديد من الكتب بالفارسية حول‬
                                  ‫ً‬
‫الموضوع، وهذه الكتب والرسائل قد تركت أثرا بعيد المدى في الكتابات الخلقية في‬
                                                               ‫إيران وخارجها.‬

                                                                            ‫1 يقول فردوسي:‬
      ‫همى بنگـــــــــــريدم بر دشت روان‬             ‫من امروز در دفتر هنــــــــــدوان‬
      ‫گياهيست رخشــــان چو رومى پرند‬                 ‫نبشته چنين بد كه در كوه هنــــــد‬
      ‫سخنگوى گردد هم اندر زمـــــــــان‬              ‫چو بر مرده بپراكنى بيگمـــــــان‬
      ‫دل راد بايد كه دانا شــــــــــــــــــنيد‬     ‫بگويم كنون آنچه مارا رســــــــيد‬
      ‫خنك رنج بردارد پاينـــــــــــــده مرد‬         ‫بدانش بود بيگمان زنده مــــــــرد‬
      ‫گياه چون كليله است ودانش چو كوه‬                ‫چو مردم ز داناى آمد ســـــــــتوه‬


                                               ‫451‬
‫مجلة الهند‬

‫على الرغم من أن العالقات الهندية-اإليرانية كانت عميقة الجذور وهي تغل‬
‫حتى في العصر األسطوري حينما نزل اآلريون بكال البلدين واستقروا فيهما إال‬
                                                           ‫ج‬
‫أن التاريخ المس ّل للعالقات الثقافية بين الهند وإيران يبتدئ من بداية القرن‬
‫الخامس الهجري في شكل اللغة الفارسية، ولمدة ثمانيمائة سنة القادمة كانت هذه‬
‫اللغة وسيلة للتعبير عن المشاعر والعواطف باإلضافة إلى األفكار الفلسفية‬
‫العميقة والغامضة للشعب الهندي. فالعصر المغولي في الهند الذي يتزامن مع‬
‫الزمن الصفوي في إيران يحتل أهمية كبرى في تاريخ األدب الفارسي. وعندما‬
‫تولى الشاه إسماعيل زمام السلطة تم إكراه اإليرانيين في كل أنحاء البالد على‬
                ‫ر‬
‫اعتناق المذهب الشيعي وأما أتباع المذاهب األخرى فإما تع ّضوا الضطهاد‬
‫شديد أو أجبروا على هجرة البالد. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد كان‬
‫ملوك الهند وحواشيها الذين كانوا يتمتعون بطعم الذوق األدبي العالي، كانوا‬
‫يعاملون مع رجال المهارة والحذاقة بكل جود وسخاء. وعلى هذا وذلك فقد‬
                                      ‫ن‬      ‫ت‬                     ‫م‬
‫هاجر ج ّ غفير من الشعراء والك ّاب والفّانين إلى بالد الهند. ويمكن تقدير ما‬
                                                       ‫ت‬
‫تم ّع به الشعراء والك ّاب من رعاية شديدة بحدث واحد وهو حينما أعرب‬        ‫ت‬
‫الشاعر الشهير في بالط عبد الرحيم خان خانان نظيري النيشابوري عن رغبته‬
‫في رؤية مبلغ كبير؛ مائة ألف روبية بما أنه لم ير قط مثل هذا المبلغ الكبير في‬
            ‫ا‬                                  ‫م‬          ‫و‬
‫آن واحد. فأمر الن ّاب بذلك وت ّ جمع المبلغ المذكور أمامه. وناظرً إلى تحقيق‬
    ‫و‬                                                      ‫و‬
‫أمنيته من قبل الن ّاب فقد شكر نظيري اهلل جل مجده. ومن أعجب جود الن ّاب‬
                   ‫ت‬
‫أنه وهب المبلغ كله لهذا الشاعر. وقد كان عدد شعراء وك ّاب اللغة الفارسية‬
        ‫ت‬
‫الذين عاشوا في الهند أكثر بكثير ممن عاش في إيران من الشعراء والك ّاب لهذه‬
‫اللغة. وقد رغب شعراء وعلماء إيران في أن يردوا إلى الهند ويتمتعوا بما يوجد‬
                     ‫فيها من الحظ األوفر تحت رعاية سخية من الملوك والنبالء.‬
‫واللغة الفارسية التي أخذت عناصر كثيرة من اللغتين؛ العربية والتركية، وردت‬
‫إلى الهند وعن طريق تبني تراثها الثقافي الثري قامت هي بتطوير أسلوب لها أدبي‬
‫مستقل يعرف اليوم باسم "سبك هندي" (الطراز الهندي). ومن خالل التاريخ‬
                                ‫ل‬
‫الطويل للعالقة األدبية بين الهند وإيران يحت ّ إقليم بنغال درجة هامة من بين‬
 ‫ج‬
‫األقاليم األخرى ألن السلطان غياث الدين بن سكندر المعروف باسم أعظم شاه و ّه‬
‫ذات مرة دعوة إلى شاعر الفارسية اإليراني الكبير حافظ الشيرازي لكي يشرفه‬
                ‫م‬
‫بزيارته ويسعده بلقائه. ولو أن الشاعر ألجل كبر سنه لم يكد يتح ّل مكابد مثل هذه‬
    ‫الرحلة الطويلة إلى بنغال ولكنه أرسل قصيدة تحتوي على البيت التالي الشهير:‬
  ‫زين قند بارسى كہ ببنگالہ مى رود‬         ‫شكر شكن شوند همہ طوطيان هند‬



                                    ‫551‬
‫مجلة الهند‬

‫ترجمة: سيغمر جميع الببغاوات الهنود (الشعراء) حالوة الحلوى الفارسية‬
                                                   ‫ج‬
                                       ‫(القصيدة) التي تتو ّه نحو بنغال.‬
       ‫ا‬
‫كما سبق أن أهالي إيران كانوا يعتبرون الهند، منذ زمن سحيق، أرضً يمألها‬
‫العجائب التي أثارت في قلب كل منهم رغبة في أن يقوم بزيارتها وبالتالي أن‬
                      ‫ء ت‬
        ‫يتمتع من ثرواتها، فإنها منطقة تفي برغبات كل جا ٍ وآ ٍ. يقول صائب:‬
 ‫نامرادان وطن را كام شيرين كردنست‬             ‫حاصل خاك مراد كشور هندوستان‬
                    ‫ال ما‬
‫ترجمة: وبالجملة فإن ألرض الهند المباركة شغ ً مه ًّ وهو الوفاء برغبة كل‬
                                                            ‫ي‬
                                               ‫مواطن مخ ّب (من إيران).‬
‫ويوجد هنا عدد من األوصاف التي تكشف عن الجمال الهندي باإلضافة إلى وصف‬
 ‫مدنها مع خصائصها المميزة التي خطرت ببال الشعراء اإليرانيين وهي كما يلي:‬
                                                                              ‫1‬
 ‫الخلد الهندي (عالمة للجمال تجعل‬                                                  ‫خال هند‬
                    ‫الوجه أجذب)‬
                                                                    ‫2‬
 ‫روعة الفتيات البيض (فتاة لها لحية‬                                      ‫جلوۂ سبزان هند‬
                              ‫دقيقة)‬
                                                                ‫3‬
 ‫الغزالن ذوات القامة المثيلة (مراهقة‬                                ‫غزاالن شير اندام‬
       ‫لها صدر واسع وخصر نحيل)‬
                                                                    ‫4‬
 ‫الهنديات ذوات العيون السوداء‬                                           ‫سيہ چشمان هند‬
 ‫(والفتيات يكتحلن عيونهن لجعلها‬
                             ‫ذ‬
                        ‫ج ّابة.‬
                                                           ‫5‬
 ‫جمالية الشعب الهندي (لمحة عن‬                                  ‫نمك مردم هندوستان‬

                                                             ‫1 يقول نسبت التبريزي:‬
  ‫ترك ما چيزى كه كم دارد مســلمانى بود‬        ‫خط فرنگى، خال هندى، لب بدخشانى بود‬
                                                            ‫2 يقول مانهي الزواروي:‬
             ‫كه ز دل برد ياد ايران را‬                 ‫رنگ سبزان هند را نازم‬
                                                                     ‫3 يقول صائب:‬
      ‫فغان ز هنــــد وغزاالن شير اندامش‬         ‫كدام دل كه نشد صيد اين سيه چشمان‬
                                                          ‫4 يقول نذيري النيشابوري:‬
   ‫آب ريزان مى شود از دور چشمى آب ده‬             ‫از سيه چشمان هندى آب در چشمم نماند‬
                                                                        ‫5 علي الخراساني:‬

                                        ‫651‬
‫مجلة الهند‬

                          ‫مالحة الوجه)‬
                                                                       ‫1‬
                           ‫س‬
     ‫ما يم ّ جميع األمراض فيشفيها.‬                                         ‫دوابخش دردمندان‬
                                                            ‫2‬
 ‫الببغاوات مثل الفتيات الهندية الحلوة‬                           ‫طوطى مقاالن هندوستان‬
 ‫اللسان (الببغاء في اللغة الفارسية هي‬
            ‫التعبير المجازي للفصاحة.‬
                                                                   ‫3‬
                      ‫أرض الفرح الهند‬                                  ‫عيش آباد هندوستان‬
                                                                        ‫4‬
                       ‫ثراء الهند الوافر‬                                    ‫نعمت فراوان هند‬
                                                                            ‫5‬
                    ‫أرض الحدائق الهند‬                                           ‫گلشن سراى هند‬
                                                        ‫6‬
    ‫ينبوع البالغة ومعدن السخاء الهند‬                        ‫هند منبع سخن ومعدن سخا‬
                                                 ‫7‬
             ‫عالما الحور آغره والهور‬                 ‫آگره والهور مجمع پرى وحور‬
                                                       ‫ش‬
‫والهنود هم الع ّاق المخلصون للفن واألدب، وهذا من دواعي الفخر واالعتزاز‬
                   ‫ألي شاعر أن يحصل على التقدير من قبلهم. يقول شاعر:‬
 ‫چون طوطيان 'حديث' مكرر نمى كنم‬                ‫از چشم اهل هند سخن آفرين ترم‬
                            ‫ً‬     ‫ا‬      ‫ر‬
             ‫ترجمة: أنا أبلغ لدى الهنود فإني ال أك ّر حديثً واحدا مثل الببغاوات.‬

             ‫نمك در مردم هندوستانست‬                     ‫خنك رويند تركان سمرقندى‬
                                                                       ‫1 س ّار التبريزي:‬
                                                                                   ‫ت‬
        ‫كه مومياى انسـانى اين سياهانند‬                 ‫بتان هند دوا بخش درد مندانند‬
                                                              ‫2 يقول خوجي النيشابوري:‬
         ‫به طوطى مقاالن هندوســــــتان‬                 ‫به سبزان مطبوع شيرين زبان‬
                                                                  ‫3 يقول سليم الطهراني:‬
  ‫كه موتو اند از شرك كمرها شد سفيد آنجا‬         ‫به عيش آباد هندوستان غم پيرى نمى باشد‬
                                                                 ‫4 يقول سليم الطهراني:‬
       ‫ياد گيالن ز دل وحسرت نان الكو‬                   ‫نعمت هند فراوان بود اما نرود‬
                                                                 ‫5 يقول باقي النهاوندي:‬
   ‫يك جهان گل بهر زينت در گلستان ريختم‬               ‫گريه را سر دارم وگلشن سراى هند را‬
                                                             ‫6 يقول طالب اآلملي:‬
      ‫كه منبع سخن ومعدن سخا اين جاست‬             ‫در آبه هند وبه بين رتبه سخا وسخن‬
                                                         ‫7 يقول شريف الشوستري:‬
      ‫بودن به مجمع پرى وحورم آرزوست‬              ‫يك چند سير آگره والهورم آرزوست‬

                                         ‫751‬
‫مجلة الهند‬

            ‫ا‬                             ‫ا ب‬
‫تتمتع الهند بشرف كونها بلدً للح ّ والروحية وعلى هذا فنرى شررً ترتفع من‬
        ‫د‬
‫كل ذرة من أرضها، حيث تعتكف كل امرأة على زوجها وتفي به إلى ح ّ أنها ال‬
                      ‫ب‬
‫تنأى بنفسها حتى بعد وفاته وتلقي نفسها في لهيب الح ّ جالسة على الحريق‬
                             ‫بجانب جثة زوجها المتوفى. يقول نواي الكاشاني:‬
                                  ‫آتش عشق ز خاكستر هنــــــــــد است بلند‬
‫زن درين شعلہ ستان بر سر شوهر سوزد‬
              ‫ر‬
‫ترجمة: شعلة الحب ترتفع من رماد الهند. في هذا المستق ّ من اللهب تحرق‬
                                         ‫المرأة نفسها مع زوجها المتوفى.‬
‫فيكثر الشعراء اإليرانيون القريض عن "ستي" (‪ )Sati‬ليعتبر به من يملك العقل‬
                                        ‫والحجى. يقول نوعي الخيوشاني:‬
                                 ‫جان فداى دوست كن، كم زان زن هندو نئى‬
‫كز وفاى شــــوى در آتش بسوزد خويش را‬
                                                         ‫ّ‬
‫ترجمة: ضح بنفسك لصديقك فإنك لست إال كزوجة هندوسية تحرق نفسها لتثبت‬
                                                    ‫إخالصها لزوجها.‬
                                                  ‫أو كما قال األمير خسرو:‬
                                 ‫خسروا در عشق بازى كم زهندو زن مباش‬
‫كز براى مرده سوزد زنده جـــان خويش را‬
‫ترجمة: يا خسرو، ال تكن أقل من امرأة هندوسية في الحب إذ أن حية تحرق‬
                                                        ‫نفسها لميت.‬
‫وبما أن "ستي" عمل جريء ال مثيل له في الطريق إلى الحب واإلخالص فقد‬
‫اعترف الشعراء اإليرانيون بجاللته. قد سبق أن مثل هذا المثال للثبات والصبر‬
                                          ‫ً‬        ‫ا‬              ‫ب‬
    ‫في الح ّ قد تلقى إعجابً واحتراما من قبل الشعراء اإليرانيين. يقول صائب:‬
                               ‫چون زن هندو كسى در عاشقى مردانه نيست‬
‫سوختن بر شـــمع كشته كار هر پروانه نيست‬
‫ترجمة: لن يمكن ألحد أن يضاهي بشجاعة امرأة هندوسية في الحب فالتضحية‬
                           ‫بحياتها على الشعلة الخامدة ليست عمل كل عثة.‬



                                   ‫851‬
‫مجلة الهند‬

          ‫ب ء‬
‫ومن المالحظ هنا أن الشعر الفارسي كله مليء بالتعبير عن الح ّ بد ًا من إثارة‬
                                                           ‫ب‬
‫الوقوع في الح ّ والرغبة في االتحاد إلى الحزن على الفصل. والعاشق ال‬
                                         ‫ا‬     ‫ب‬
‫يضحي بنفسه من أجل الح ّ. وآخذً هذا التقليد بعين االعتبار، ينتقد الشاعر‬
    ‫ا‬                                        ‫ش‬
‫الفارسي من الطراز الهندي الع ّاق الضعفاء الشخصية الذين يتحدثون دائمً عن‬
 ‫ب‬
‫قصة الفصل إال أنهم ال يجترءون على التضحية بأنفسهم في السعي وراء الح ّ،‬
                                                          ‫فهو يقول كما يلي:‬
                              ‫ازآن عاشق كه ماند زنده در هجـــران بود بهتر‬
‫زن هندو كه خود را در وفا مردانه (مى) سوزد‬
           ‫ب‬
‫ترجمة: المرأة الهندوسية التي تحرق نفسها بشجاعة من أجل الح ّ، هي أفضل‬
      ‫من العاشق الذي ال يزال على قيد الحياة حتى ولو بعد الفصل عن حبيبه.‬
‫الهند تشبه الفرن الذي ينقي كل ما يخترق الطريق من خالله. وهذا هو الموقد‬
                                                                  ‫م‬
                   ‫الذي ت ّ فيه تطهير آدم من الخطيئة. يقول نوعي الخيوشاني:‬
  ‫زين بو ته محالست كسى خام برآيد‬         ‫ز آتشكدۂ هنــــــد شد آدم زگنه پاك‬
                ‫كى‬                                 ‫ا‬
‫ترجمة: مرورً من خالل فرن الهند أصبح آدم مز ّ ً من الخطيئة. فمن‬
                        ‫المستحيل ألي شخص أن يخرج غير كامل من هنا.‬
‫وهناك إشارات إلى ثقافة مشتركة منذ تلك األيام، تنعكس في المرآة الشعرية‬
‫لتلك الفترة. فالممارسة العادية لطلي الشعر بالزيت العطر السيما بين النساء،‬
                                 ‫يبالغ في وصفها كما يقول سليم الطهراني:‬
                                 ‫آب بر آتش زدن كار بتــــــــــــان هند نيست‬
‫كز سر هر مويشان چون شمع روغن مى چكد‬
‫ترجمة: ال تعتبر عملية إطفاء النار طريقة األصنام الهندية (الفتيات الجميالت).‬
                                  ‫فيقطر الزيت من كل خط لشعرهن كالقنديل.‬
‫وقد استخدم طلي الشعر بالزيت في معنى إثارة هوى النفس، فالعطور‬
‫المستخرجة من جوهر أشجار نادرة الروح الذابلة تنشط المرأ بالنسبة لقوة باهه.‬
‫سبق وأن الشعر الفارسي الذي قد تعرض للعديد من التغييرات في المفاهيم‬
           ‫ا‬                                       ‫ا‬
‫الدينية االجتماعية نظرً للتطور والقبول العام للتصوف، واضعً المزيد من‬
‫التركيز على وحدة الوجود، دخل الهند مع الصوفيين والقديسيين الذين كانوا هم‬
‫ّ‬
‫أنفسهم يقرضون الشعر الفارسي لنشر انعكاساتهم الباطنية. وبالتالي فقد تم‬
‫تخصيص القدرة على التبنيات الدينية حيث يرغب كل شخص في الحصول‬

                                   ‫951‬
‫مجلة الهند‬

‫على هذا الهدف المنشود في الحياة وبعدها. كما أن الشاعر البارز في عصر‬
                                           ‫أكبر عرفي يصرح كما يلي:‬
                                      ‫چنان با نيك وبد عرفى بســـر كن پس مردن‬
‫مسلمانت به زمزم شويد وهنــــــدو بسو زاند‬
                                     ‫عارف هم از اسالم خـراب است وهم از كفر‬
‫پروانه چراغ حـــــــــــــــــــــــرم ودير نداند‬
‫ترجمة: يا عرفي: عامل مع الخير والشر من حيث أن يغسلك المسلمون بماء‬
‫زمزم بعد موتك كما أن يحرقك الهندوس. هذه الرهبانية ال يوافقها الكفر وال‬
                 ‫اإلسالم. فال تجد العثة أي فرق بين شمعة الكعبة وشمعة المعبد.‬
‫ولو أن كل شيء يكثر وجوده في المجتمع الهندي ولكنه يشهد بعدم التوازن في‬
             ‫النسبة الديموغرافية للرجال والنساء. كما يقول طغراي المشهدي:‬
                                         ‫طالع شهر زنان دارد نگارســـــــــــــــتان‬
‫هست هر چيز فراوان مرد كميابست وبس‬
‫ترجمة: يجعل النصيب مدينة نساء الهند مشبهة بمعرض فني مائة بالمائة.‬
                              ‫ل‬
                             ‫فيتوفر كل شيء هنا إال أن عدد الرجال أق ّ.‬
‫وحتى جذبت صورة اإللهة دورغا (‪ )Durga‬التي تركب على نمر، انتباه‬
‫الشاعر ال فارسي سليم الطهراني فيتعجب منها ويقول إن هذه الخدود الحمراء‬
                          ‫مثل الغزالن التي اتخذت مثواها على ظهر النمر.‬
                                       ‫جز هند وگلرخانش، در هيچ كشورى نيست‬
‫آهو كه خوابگاهش پشت پلنگ باشــــــــــــد‬
‫ترجمة: باستثناء الهند مع خديها األحمرين، ال يوجد أي بلد آخر حيث تستريح‬
                                              ‫الغزالن على ظهر النمر.‬
      ‫م‬
‫وبالجملة فيمكن القول بأن الهند ولو تبدو سوداء ولكنها حلوة للغاية. وت ّ تزيين‬
                ‫ا‬      ‫ال‬
‫كلماتها بالحالوة، وبما أن العالم يميل إلى الظالم مي ً شديدً فأرسلت جميع‬
                                     ‫مواردها نحو الهند. يقول سليم الطهراني:‬
                                      ‫كالم تلخ جبينان حالوت آميـــــــــــــــز است‬
‫زمين هنــــــــــد به آن تيرگى شكر خيز است‬

                                         ‫061‬
‫مجلة الهند‬

                                  ‫دنيــــــــــــــــــــا كند به دل سيهان ميل بيشتر‬
‫از شش جهت به هند رود هر زرى كه هست‬
                                                        ‫ر‬
‫ترجمة: كلمات م ّة تخرج من أفواه الفتيات ذوات الدالل حلوة. فالهند مليئة‬
‫بالحالوة بالرغم من الظالم الحالك، والعالم أميل إلى جوهر الظالم. وتجري كل‬
                          ‫ذرة من الذهب إلى الهند من جميع االتجاهات الستة.‬
                      ‫ا‬
‫وعندما يقترب منها رجل مولع بها فتزداد الهند جذبً على جذب. ويسحره‬
                                                     ‫د‬
‫جمالها وازدهارها إلى ح ّ ال ينساها لألبد. ويعترف بهذا الواقع الشاعر الفارسي‬
    ‫ر‬                                                     ‫ال‬
‫قدسي المشهدي قائ ً: إن فكرة قدومي إلى الهند كانت تبدو مرة وغير سا ّة لي‬
  ‫ق‬
‫واآلن عندما أنا موجود بالهند وأرى جمالها المتزايد ال يناسبني إال أن ال اتو ّف‬
                                                             ‫عن الحديث عنها.‬
                                 ‫بيشتر زين در مذاقم بود ياد هنـــــــــــــــد تلخ‬
‫وين زمان جز حرف هندم خوش نمى آيد مقال‬
          ‫ا‬
‫ترجمة: وقبل هذا كان مجرد التفكير في الهند يجعل ذوقي مرً، واآلن ال‬
                                              ‫يجتذبني إال حديث الهند.‬
‫والهند بلد يخلو من الحزن فال يواجه أي مواطن هنا مشكلة ما، وإذا أصابتها‬
                                                            ‫ل‬
            ‫مشكلة فيجد حّها على الفور. يقول هذا أشرف المازندراني كما يلي:‬
   ‫پيوسته دروست درد ودرمان باهم‬             ‫در كشور هند كس چرا دارد غم؟!‬
                                                         ‫ٌ‬
     ‫ترجمة: لم يجد أحد في الهند والحال أن األلم يتبعه العالج بصورة مستمرة.‬
‫وقد زادها وصف الهند على لسان كليم الهمداني الشاعر البليغ في بالط‬
                                                  ‫ال‬
‫اإلمبراطور شاهجهان جما ً على جمال. فهو يعتبر الهند جنة على األرض.‬
                                                   ‫ا‬
‫فهيامه بالهند يجعله أكثر قلقً حتى إنه يندم على مغادرته للهند فال يغادر الهند إال‬
                                                                            ‫ال‬
                                            ‫آم ً أنه سيعود إليها في وقت قريب.‬
                                  ‫تو ان بهشت دوم گفتـــــــــــــــن به اين معنى‬
‫كه هر كه رفت ازين بوســـــــتان پشيمان شد‬
                                  ‫ز شوق هند زآنسان چشم حسرت بر قفا دارم‬
‫كه روهم گـر به راه آرم نمى بينم مقــــابل را‬
                                  ‫اسير هنـــــــــــــــدم وزين رفتن بيجا پشيمانم‬


                                      ‫161‬
‫مجلة الهند‬

‫كجا خواهد رساندن پر فشانى مرغ بسـمل را‬
                                  ‫به اميد صبورى از درش بار ســــــــفر بستم‬
‫خورند آرى به اميد دوا، زهـــــــر هالهل را‬
‫ترجمة: وصفها بجنة على األرض يعني مجرد أن كل من رجع عن هذه الحديقة‬
                  ‫ي‬
‫ركب الندامة. في الحاجة الماسة إلى الهند، وضعت عين ّ الحزينتين على مثل‬
    ‫ا‬
‫هذه الطريقة مرة أخرى. وأنه حتى إذا انتقلت إلى األمام ولكن ال أرى شيئً في‬
‫الجبهة. أنا، األسير لدى الهند، أشعر بالندامة بسبب المغادرة في وقت غير‬
‫مناسب. أنى ينتهي ترفرف أجنحة هذه الطيور الذبيحة. مع أمل الحصول على‬
      ‫ا‬
‫فرصة، انصرف عن عتبة بابها. في الحقيقة، أن الناس يتناولون قروصً مرة‬
                                                          ‫لكي يشفيهم اهلل.‬
                ‫ا‬
‫ويعتبر موالنا عبد الرزاق فياض الالهيجي الهند مصدرً للصفاء والنجاح.‬
                                                   ‫و‬
‫وهكذا فهو يصدر فت ًى لهذا الهدف، ويقول إن الهند هي أرض الفضيلة والجودة‬
                     ‫والفن فمن يهتبل الفرصة فيجب عليه أن يزور بالدها.‬
    ‫خاصــــــه ياران عافيت جو را‬                                           ‫ب‬
                                             ‫ح ّذا هنـــــــــــــد كعبۂ حاجات‬
    ‫رفتن هنــــــــــد واجبست او را‬          ‫هر كه شد مستطيع فضل وهنر‬
‫ترجمة: ما أجمل الهند األرض المباركة لتحقيق الرغبة، وخاصة لمن يسعى‬
         ‫للرقي. ومن له إلمام بالصنائع والحرف يجب عليه أن يقدم إلى الهند.‬
                     ‫ت‬
‫اجتذبت المالحة المتوفرة في جمال الهند شعراء إيران وك ّابها المولعين بالجمال‬
                                             ‫د‬
          ‫فيصفها آصف جاه الطهراني أح ُ هؤالء الشعراء اإليرانيين كما يلي:‬
  ‫گوئ كه هند را به نمك آب داده اند‬          ‫يك سبزه بى نمك نبود در تمام هند‬
‫ترجمة: ال يوجد أي مراهق في جميع أنحاء الهند بدون نعمة المالحة كأن أرض‬
                                               ‫الهند كلها قد سقيت بالملح.‬
   ‫ب‬
‫فلو أن الهند يتوفر فيها ثروات وأسباب للراحة، ولكن الحرارة الحارقة س ّبت‬
‫االنزعاج وخاصة للذين ينتمون إلى المنطقة الباردة مثل إيران. على هذا فيعبر‬
                   ‫أشرف المازندراني عن عدم تمكنه من تبني مثل هذا الجو.‬
  ‫تا گنبد الجورد مى گردد گـــــــــــرم‬     ‫در هند كه خاك وگرد مى گردد گرم‬
                           ‫ّ‬
‫ترجمة: األرض في الهند والغبار ساخنان إلى حد يجعل إشعاعها السماء ساخنة.‬


                                      ‫261‬
‫مجلة الهند‬

‫وهنا لمحات عن المدن والمناطق الهندية مع ميزاتها حيث تعتبر كشمير جنة‬
                              ‫يسكنها الحور العين. يقول قدسي المشهدي:‬
                                 ‫خوشا كشميـــــر وخاک پاک كشميـــــــــــر‬
‫كہ سر بر زد بهشت از خاک كشميــــــــــر‬
                                  ‫كشمير بود فصـــــــــــــــل خزان عالم نور‬
‫بر طالب فيض ديدنش هست ضــــــــــرور‬
                                  ‫من ز كشمير سيہ چشمان نہ آسان مى روم‬
‫با دل صد پاره وچاک گريبــــــان مى روم‬
‫ترجمة: ما أجمل أرض كشمير النقية فكأن الجنة قد برزت من تربتها. فتتوهج‬
                                        ‫د د‬
‫كشمير في موسم الخريف. وإن يو ّ أح ٌ أن يستفيض فليزر هذه األرض. وال أفلت‬
    ‫ز‬              ‫ش‬                   ‫و‬
 ‫عن تأثير جمال حور كشمير العين. فأط ّف فيها بالقلب المع ّر والملبس المم ّق.‬
     ‫وكذا هناك أحاديث عن المدن مثل آغرة والهور فيقول شريف الشوستري:‬
‫يک چند سير آگــــره والهور آرزوست بودن بہ مجمع پرى وحورم آرزوست‬
‫زانرو بہ هند مى بردم مرغ دل كہ جان بگرفتہ از خرابہ ومعمـورم آرزوست‬
                                                           ‫د‬
‫ترجمة: أو ّ أن أقوم بزيارة آلغرة والهور ألكون وسط حشد الحور. أطرت‬
    ‫طائر قلبي إلى الهند فإنه قد فقد الصبر على الخراب واشتاق إلى الخصبة.‬
              ‫ا‬
‫فيثبت من هذه الصفات واألوصاف كلها أن الهند كانت أرضً جميلة مليئة‬
‫بالخصبة، وأن األشجار المزدهرة تلجأ إليها الطيور الصغيرة الناغمة مثل‬
                                               ‫م‬
‫الببغاء التي تتمتع بدرجة مه ّة للبالغة في الشعر الفارسي وكذلك الطاؤوس‬
‫تتزين باأللوان المزدهرة المتنوعة وهكذا رقصها الرائع. وإنها أرض للنوافير‬
‫والحدائق المضاهية بما في الجنة، التي تجذب كل من له حس جمالي. إنها‬
                     ‫ق‬
‫أرض تناطح كل ذرة من تربتها ذرة من الذهب الذي يح ّق رغبة الكل. وعلى‬
         ‫ال‬     ‫ا‬
‫هذه الكلمات المعدودات يجدر بنا أن نقول إن الهند كانت بلدً مستق ً بذاته ال‬
‫يحتاج إلى غيره وال يعتقد في توسيع حدوده وبالعكس من ذلك فلم تزل تحدقها‬
                                                    ‫م‬
                                   ‫عيون جشعة لكل قوم نا ٍ مجاور أو غريب.‬
‫ترجمة من اإلنجليزية: محمد تابش خان‬
‫المالحظة: قد بنى الكاتب مقالته هذه على دواوين شعراء الفارسية المبعثرة في‬
        ‫مكتبات الجامعات والكليات فال حاجة إلى ضبط الصفحات. (األعظمي)‬

                                   ‫361‬
‫مجلة الهند‬




       ‫البقرة في مختلف األديان والحضارات‬
‫- الشيخ بدر جمال اإلصالحي‬

                                                          ‫مدخل إلى الموضوع:‬

‫جاء ذكر "البقرة" في القرآن الكريم بشيئ من التفصيل في سورتي "البقرة"‬
                                                              ‫م‬
‫و"يوسف". س ّيت السورة األولى بنفس الكلمة "البقرة" والسبب وراء هذا مجيئ‬
                    ‫ا‬
‫هذه الكلمة فيها بأن اهلل أمر اليهود بذبح بقرة رخيصة عذابً لما أفسدوا وارتكبوا‬
‫الجريمة ولكنهم لم يفعلوا ذلك وجاءوا بمشكالت وأسئلة عديدة عن االمتثال بهذا‬
           ‫األمر الرباني. يوجد تفصيل هذا كله في اآليات 2-49 من هذه السورة.‬
           ‫ا‬      ‫ا‬
‫أما سورة يوسف فقد جاء ذكرها لدى رؤية عزيز مصر حدثً خطرً في المنام،‬
                                    ‫ل‬
‫لم يستطع بتأويله علماء تلك الدولة فد ّ عليه يوسف الذي كان في السجن آنذاك‬
                                                                    ‫ُر‬
        ‫فس ّ به عزيز وفرح. راجع تفصيله في اآليات 37-67 من هذه السورة.‬
‫مصر بلد وسيع يكثر فيه الزرع والنسل ولذلك فقد نالت البقرة أهمية كبرى فيها‬
‫ألنها تحرث الحقول وتميز البذور عن القشور وتعطي األلبان التي هي ذريعة‬
                                                      ‫ا‬
‫كبرى للحياة والعراق أيضً كان يحظى بنفس الوضع الجوي والعمراني فقد كانت‬
‫البقرة تحصل على نفس األهمية والدرجة، والدليل على ذلك بداية بعض الحروف‬
   ‫التي تشبه قرن البقرة كما كانوا يعتقدون بأن الدنيا تبقى قائمة على قرني البقرة.‬
                                                        ‫أهميتها في بالد الهند:‬
‫والهند أشهر البالد وأسبقها في اإليمان بالبقرة والمحبة لها فإنها مقدسة لديهم‬
‫ومكرمة فيهم ويظنون أن برازها وبولها طاهران ال نجاسة فيهما فيطلون‬
‫ببرازها الجدران والفرش كما يعبدون تمثالها في المعابد وأما محبة كريشن‬
‫جي (أحد كبرائهم وأعالمهم) للبقرة وأربابها فال حاجة إلى ذكرها فإنها‬
‫معروفة معلومة لكل منا وهي أظهر من الشمس وأشهر من نار على علم واآلن‬
‫وقد فرضوا الحظر على ذبحها في بعض والياتهم كما فعل ذلك أكبر من قبل‬

                                      ‫461‬
‫مجلة الهند‬

‫وهو ملك مغولي شهير في سعة اآلفاق وحكمة اإلدارة وفطنة الذهن وحدة‬
                                                           ‫العقل.‬
                                                                ‫جانبها اللغوي:‬
  ‫ع‬
‫والبقرة اسم للجنس وتطلق هذه الكلمة على المذكر والمؤنث كليهما، جم ُها‬
‫أبقار وأما "التاء" في "البقرة" فهي للوحدة وجمعها "بقرات" وإذا أريد التمييز‬
                        ‫بين المذكر والمؤنث فيقولون "هذا بقرة" و"هذه بقرة".‬
‫وتطلق كلمات "بقير" و"بقران" و"باقر" على جماعة البقرات كما تطلق هي‬
   ‫على أربابها وأما "البقور" فهي تعني جماعة البقرات. يقول ورل الطائي:‬
    ‫1‬
     ‫ذريعة لك بين اهلل والمظهر‬                      ‫ا‬
                                              ‫أ جاعل أنت بيقورً مسلعة‬
      ‫ل‬                                                             ‫م‬
‫يس ّيها بعض قبائل العرب "الباقورة" فقد جاء في رسالة بعثها النبي صّى اهلل‬
                                                               ‫ل‬
                                 ‫عليه وسّم إلى اليمنيين عن نصاب الزكوة:‬
                                               ‫"وفي كل ثالثين باقورة، بقرة"2.‬
                       ‫والبقرة من بقره يبقر بقرً: ش ّه3، جاء في حديث اإلفك:‬
                                             ‫ا ق‬
                         ‫"إن عائشة لم تعرف شيئً حتى بقرت أ ّ مسطح بها"4.‬
                                     ‫م‬            ‫ا‬
                       ‫ق‬          ‫ا‬             ‫ق م‬         ‫ا‬
 ‫بقر يبقر بقرً: انش ّ. س ّيت البقرة بقرً ألنها تش ّ الحقول عن طريق الحرث.‬
‫ّ‬        ‫ا‬
‫ل ّب اإلمام محمد بن علي زين العابدين بن حسين بن علي "باقرً" ألنه شق‬‫ق‬
                                     ‫سبيل العلم ورسخت قدماه في ثراه.‬
 ‫م‬                              ‫ق‬
‫وكذلك يعطى لقب "البقر" للمرأة التي يش ّ بطنها ويخرج منه الولد كما يس ّى‬
                                  ‫به الملبس الذي ليس فيه الكم وال النحر5.‬
                                                  ‫م‬
        ‫وأما ولد البقرة فهو يس ّى "العجل" جمعه عجول، جاء في القرآن الكريم:‬


                                                          ‫1 كتاب الحيوان، 7/497‬
                                 ‫2 سنن أبي داؤد، في الزكوة، سنن النسأي، في الزكوة‬
                                            ‫3 المنجد والمعجم الوسيط، مادة: ب ق ر‬
                                                    ‫4 حياة الحيوان الكبرى، 2/121‬
                                            ‫5 المنجد والمعجم الوسيط، مادة: ب ق ر‬

                                     ‫561‬
‫مجلة الهند‬

                                   ‫"قال سالم فما لبث أن جاء بعجل حنيذ"1.‬
‫ولو أن كلمة "البقرة" تستخدم للبقرة والبقر كليهما ولكن هناك كلمة خاصة‬
                                              ‫ع‬
‫للمذكر وهي "الثور" جم ُه ثيران وثيرة. يكنى الثور بـ"أبي العجل" والسبب‬
                       ‫وراء تسميته بهذا مذكور في "كتاب الحيوان" هكذا:‬
     ‫"س ّي الثور ثورً ألنه يثير األرض كما س ّيت البقرة بقرة ألنها تبقرها"2.‬
                                   ‫م‬                       ‫ا‬           ‫م‬
‫يكون صوت الثور أخفت من صوت البقرة. يقال لهذا الصوت "خور"‬
                                                  ‫و"خوار".‬
                                                     ‫أهميتها لدى اآلخرين:‬
‫كان األلمانيون يعبدون الثور في الزمن الماضي ويعتبرونه إله الكهرباء ثم‬
‫ً‬
‫ع ّوه إله الحرب الذي كان يحمل مطرق السحر ويلبس قفاز الحديد، راكبا‬      ‫د‬
                                                                 ‫ر‬
‫عربة يج ّها الرعد وهو معروف في شفقته بالناس ومحبته لهم. وهذه اإللهة‬
           ‫م‬
‫تس ّى "المشتري" وهناك يوم رائج معروف عند اإلنجليز يس ّى فيه يوم‬       ‫م‬
                                   ‫3‬
                                  ‫الخميس بـ"يوم الجوفيتر" أو "يوم الثور" .‬
‫ذات مرة خرج كسرى للصيد فارتفعت الغيوم وجعلت السماء تمطر حتى أمسى‬
                    ‫د‬
‫فبات الملك لدى فالح كضيف له. حلب الفالح بقرته وق ّم الحليب إليه. شاهد‬
                                        ‫ا‬     ‫ا‬
‫كسرى أن البقرة أعطت حليبً كثيرً فأراد أن يزيد في خراج الفالحين ولكن لما‬
                           ‫ف‬
‫أراد الفالح أن يحلبها في الصباح فلم تعطه وج ّ اللبن فقالت ابنة الفالح إن‬
                                                         ‫ء‬
‫الملك ألراد سو ًا بنا فسمع الملك هذا وألغى ما أراد فأعطت البقرة نفس قدر‬
                                                       ‫4‬
                                                      ‫الحليب في المساء .‬




                                                             ‫1 سورة هود: 69‬
                                                     ‫2 حياة الحيوان، 2/321‬
                                          ‫3 الموسوعة العربية المي ّرة، ص 672‬
                                                   ‫س‬
                                           ‫4 مواعظ الملوك والسالطين، ص 3:‬

                                   ‫661‬
‫مجلة الهند‬

‫كان العرب يربطون النار في ذنب البقرة في أيام السنين وكانوا يمنعون العجل‬
‫1‬
 ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫عنها جاعلين إياه في صخرة فكان اهلل يرحم على عباده ويمطر مطرً غزيرً‬
                                                                  ‫ي‬
                               ‫كما بّن ذلك صاحب "دول العرب واإلسالم":‬
‫"وكان من عوائدهم االستقاء بالعشر، وذلك أنهم كانوا يخرجون في أوقات‬
          ‫م‬
‫الجدب واحتباس المطر لطلب السقيا، فيجمعون حزم النبات المس ّى بالعشر‬
‫والسلع ويربطونها في أذناب البقر، ثم يشعلونها بالنار ويصعدون البقر على‬
‫هذه الحال إلى الجبال والربوات المرتفعة، مفرقين بينها وبين أوالدها. هذا، وقد‬
‫ج ّب بعض علماء الفرنج حديث إنزال المطر بإطالق الدخان الكثير المتكاثف،‬   ‫ر‬
            ‫2‬
                                   ‫م‬
           ‫فنجحت بعض التجارب بأمريكا وهو المس ّى باإلمطار الصناعي" .‬
                                  ‫خ‬
‫ما ظنك عن قوة البقرة وفوائدها؟ س ّرها اهلل للناس ولكنهم يعبدونها فال‬
                                       ‫يتفكرون وال ينظرون فيما يعملون.‬
                                                 ‫حيوانات أخرى من جنسها:‬
‫وهناك حيوانات من جنس البقرة، توجد في مختلف بالد العالم مثل "الجاموس"‬
‫الذي يوجد في جنوب شرق آسيا وجنوب أمريكا وإفريقيا و"غنو" (‪)Ganu‬‬
‫الذي يوجد في إفريقيا و"الباك" (الخشفاء) في تبت وآسيا الوسطى و"المها" في‬
                                                           ‫البالد العربية.‬
‫كلمة "بهينس" (‪ )Bhains‬تخفيف لكلمة "غو بهينس" (‪ )Gau Bhains‬وهي‬
‫كلمة سنسكريتية تعني "البقر الوحشي" وهي مركبة من "غو" و"بهينس"‬
‫فالكلمة األولى تعني "البقرة" بينما األخرى تدل على "البيداء". سارت هذه‬
                            ‫ا‬                ‫ي‬
‫الكلمة إلى بالد أخرى وتغّرت صورتها شيئً فهي صارت "كاو ميش" ( ‪Gau‬‬
                                         ‫‪ )Maish‬و"جاموس" تعريبها.‬
      ‫ا‬                             ‫ا‬
‫يعطى الجاموس أكثر وأطيب لبنً من البقرة وهو أحسن وأفضل جسدً منها.‬
                                               ‫يقول العالمة الجاحظ:‬



                ‫1 حياة الحيوان الكبرى، 2/321، وتاريخ دول العرب واإلسالم، ص 7:‬
                                           ‫2 تاريخ دول العرب واإلسالم، 2/7:‬

                                    ‫761‬
‫مجلة الهند‬

‫"الجواميس ضأن البقر وهذا يقتضي أنها أطيب وأفضل من العراب حتى أنها‬
          ‫تكون مقدمة عليها في األضحية كما يقدم الضأن فيها على المعز"1.‬
                          ‫وقال العالمة الزمخشري في كتابه "ربيع األبرار":‬
‫"أشرف السباع ثالثة األسد والنمر والببر وأشرف البهائم ثالثة الفيل والكركدن‬
                                                              ‫والجاموس"2.‬
        ‫ويوجد عديد من أنواع البقرة حسب مناخ وأجواء البالد المختلفة وهي:‬
‫2. بقرة جرسي: إنها توجد في تشرسي (‪ .)Charsi‬لونها أصفر ضارب إلى‬
    ‫ا‬
‫الحمرة ورأسها وما يليه أصفر ضارب إلى السواد. إنها أكثر وزنً من‬
                                                 ‫ا‬
                             ‫البقرة وحليبها سنويً يبلغ 7713 كيلوغرام.‬
       ‫م‬
‫1. بقرة نندي (‪ :)Nandi‬توجد في شرق آسيا كما توجد في الهند. تس ّى "بقرة‬
‫دربانه" في العربية. لها ألوان عديدة؛ البياض والسواد والحمرة والسفرة.‬
               ‫تتميز عن غيرها من البقرات لوجود سنام الشحم على كتفها.‬
‫3. گئور (‪ :)Gaur‬هي أجمل البهائم البرية، لون أجفانها رمادي، وجلدها‬
‫لطيف ملمس المع وينبت الشعر على جبينها وتكون قوس من الشعر بين‬
                                             ‫ج‬
       ‫قرنيها الغليظين المعو ّين وطول جسمها يكون أكثر من ستة أقدام.‬
‫توجد گئور في الهند، وفي الهند الصينية، وفي ميانمار (بورما) وفي شبه‬
‫جزيرة ماليزيا وتتجول مع القطعان الصغيرة في المناطق السهلية والجبلية،‬
          ‫ا‬             ‫ا‬                                         ‫ر‬
   ‫تف ّ من اإلنسان ولكنها تهجم عليه إذا كانت جريحً، وتكون خطرً عليهم.‬
‫7. گيال (‪ :)Gayal‬يقال لها في شمال الهند "دن هيال" وهذا نوع من گئور‬
‫ويوجد نتوء فوق عنقها ويذهب إلى نصف ظهره وموطنها في آسام‬
‫وميانمار وماليزيا، وأكثر ما توجد في المناطق الجبلية ويكون لون جسمها‬
‫أسود واألجزاء السفلية من أرجلها تكون بيضاء، ويكون قرناها لدى‬
                                                ‫ً‬     ‫ا‬
  ‫أصلهما مطلحً عريضا ولحمها لذيذ وجلدها ثمين تصنع منه أدوات جميلة.‬


                          ‫1 كتاب الحيوان، 7/497، وحياة الحيوان الكبرى، 2/721‬
                                                       ‫2 ربيع األبرار، ص 74‬

                                  ‫861‬
‫مجلة الهند‬

‫:. بايزن (‪ :)Bison‬موطنها األصلي أمريكا الشمالية، يكون مقدم جسمها‬
                                 ‫ا‬      ‫ا‬
‫ضخمً غير منضد وتحمل سنانً كبيرً وراء عنقها، ولها شعر طويل غير‬ ‫ا‬
‫ناعم على الرأس والعنق والكتف والصدر، ويكون شعر الذكر أطول‬
  ‫و‬
‫وأكثف من األنثى. والقرن أصغر بالنسبة ألنواع البقر األخر ومعوج مد ّر‬
  ‫و‬
‫وتكون بين القرنين فاصلة كبيرة وعدد أضالعها أربعة عشر، ويتح ّل‬
 ‫ا‬
‫لونها في فصل الشتاء إلى الكبودي الغامق، ويكون في الصيف خفيفً،‬
            ‫ا‬
           ‫وطول الذكر الكبير يكون ستة أقدام ووزنه مائة وخمسون طنً.‬
‫وتلد األنثى من أبريل إلى يونيه ومدة حملها تسعة أشهر والنصف، وتلد‬
                                                     ‫ا‬      ‫ال‬
‫عج ً واحدً في بطن واحد وتستعد األنثى بعد وضعها بشهرين أو ثالثة‬
                                                   ‫أشهر للتزاوج.‬
      ‫ا‬
‫وتكون باصرتها ضئيلة ولكن شامتها وسامعتها تكونان قويتين جدً وهي‬
                                                             ‫ب‬
‫تح ّ االجتماع وتجعل الذكور دائرة حول اإلناث. ولما وصل كولمبس إلى‬
‫أمريكا كان هناك مالئين من باتزن ولكن نقض عددها بعد ذلك حتى صار‬
                                                ‫ا‬
‫عددها عشرين ألفً في 7362م ولكن اآلن زاد عددها مرة أخرى بعد المنع‬
                                                       ‫عن صيدها.‬
  ‫م‬
‫ويوجد في آسام وما يتصل بها من المناطق األخرى نوع من باتزن يس ّيه‬
                                    ‫سكان هذه المناطق "أرنا بهينسا".‬
‫9. أرني بهينس (‪ :)Areni Bhains‬ويقال للذكر "أرنا بهينسا" وهي توجد في‬
    ‫ا‬
‫سهول هماليا في الغابات الوحلية من أوده إلى بهوتان، وتوجد أيضً في‬
‫مناطق الهند الوسطية وفي آسام وبورما وفي جنوب الهند إلى سرنديب‬
‫(سريالنكا) ويكون هذا الجاموس أكبر وأضخم من الجاموس األهلي ويكون‬
            ‫ال‬
‫طول قرنيه إلى ستة أقدام وال يوجد الشعر على جلده إال قلي ً فلذلك يكون‬
    ‫ا‬                                                  ‫ا ا‬
‫جلده غليظً جدً، ويكون جسمه غير متزن وغير متناسب ويمكث نهارً في‬
  ‫م‬
‫الوحل والماء وهكذا يريح نفسه من حرارة الصيف. وال يستطيع أن يتح ّل‬
‫الحرارة بدون الماء ويمضي طول نهاره في داخل الماء والوحل ويخرج‬
                                                           ‫ال‬
‫للرعي لي ً كالبهائم المجترة األخرى. وهو معروف للشجاعة واإلقدام‬
                             ‫ا‬
                            ‫ويهجم بضع جواميس على األسد والببر أيضً.‬


                                 ‫961‬
‫مجلة الهند‬

‫ً‬
‫4. الثور البري: ذو جسم ضخم كبير، يتشابه بالثيران األهلية، ويكون نشيطا‬
‫ّ‬                                                     ‫ا‬
‫ويجري سريعً مع ضخامة جسمه ويتناول غذاءه بسرعة فائقة ثم يجتر‬
                                                              ‫ا‬
‫جالسً في مكان حريز. وتهضمه معدته بالطمأنينة، وتكون معدته مشتملة‬
‫على أربع حصص، وال يوجد األسنان في الفك العلوي من فمه. ويوجد‬
                                             ‫السنام الشحمي على كتفه.‬
‫4. نيل گائ (‪ :)Nylghai‬توجد في وديان الهند المفتوحة وارتفاعها يكون‬
‫أربعة أقدام والنصف ورجالها الخلفيتان أصغر من رجليها األماميتين وال‬
‫يوجد القرن إال على رأس الذكر، واألنثى تكون خالية من القرن. والقرن‬
‫يكون أصغر بالنسبة للبهائم األخرى، وتوجد في الهند من سفاح جبال‬
‫هماليا إلى ميسور من جنوب الهند ولكن بنغال وآسام خاليتان من وجدودها.‬
                                                  ‫ا‬
‫وكذلك ال توجد أيضً على سواحل ماالبار (كيراال) وفي مدراس (تشنائ)‬
‫وسرنديب (سريالنكا) ويكون جسمها غير متوازن. وطولها من األنف إلى‬
‫أساس الذنب ستة أقدام والنصف وطول ذنبها قدم واحد والنصف ووزنها‬
                                         ‫عند نموها الكامل ستمائة بوند.‬
                                            ‫ال‬
‫ويكون لون الذكر مشتم ً على الزرقة إلى السواد ويكون لون األثنى أصفر‬
‫لوزيً وتوجد على أسفل أرجلها حلقة بيضاء، ويكون البياض على الذنب‬ ‫ا‬
‫والبطن وداخل األذنين ويوجد عيال من الشعر األسود على جسم الذكر‬
‫واألنثى كليهما، وعلى رأس الذنب وتحت العنق يوجد كالعنقود من الشعر‬
                 ‫ا‬
‫األسود، وهو يشاهد في الحقول الخضراء يرتع أسرابً ويحتوي السرب‬
                                      ‫ا‬
‫على عشرة أو خمسة عشر فردً من البقر، وعندما دخل المزارع أبادها‬
                 ‫ل‬        ‫ا‬      ‫ا‬                ‫ا‬         ‫م‬
‫إبادة ود ّرها تدميرً. وهكذا صار عدوً مبغوضً لدى الفّاحين بالهند. ومدة‬
                                   ‫ا‬
‫حملها تسعة أشهر وتضع األنثى ولدً أو ولدين في بطن واحد وله خطر‬
‫عظيم وخوف الحق من الصيادين من البشر، واألسد، والببر، والكلب‬
                                               ‫البري، والفهد وغيرها.‬
‫6. ياك (‪ :)Yak‬موطن هذا البقر األصلي في بالد التبت واآلن يوجد في البالد‬
          ‫ال‬
‫اآلسيوية الشمالية وفي أنحاء جبال هماليا، يكون جسمه طوي ً وأطرافه‬
                 ‫قصيرة ويكون على جسمه وعنقه أشعار كثيفة كالسحاب.‬


                                  ‫071‬
‫مجلة الهند‬

                              ‫ا ا‬        ‫ا‬
‫ولون الياك البري يكون لوزيً مشبعً قاتمً وارتفاع جسمه إلى خمسة أقدام‬
‫والنصف ووزنه ألف ومئتا رطل، واآلن موطنه األساسي بالد التبت‬
‫والصين الغربي، وينزل في الصيف من أعلى عشرين ألف قدم من الجبال‬
‫يرتع وفي سابق الزمان كان سكان هذه المناطق يربونه للحم واللبن وأشغال‬
                          ‫ا‬
‫الحمل والنقل. الياك األصلي يكون أصغر شيئً بالنسبة إلى البري، ولونه‬
                        ‫1‬
                                                         ‫ا‬
                       ‫يكون مختلفً كاألبيض واألسود والوردي وغيرها .‬
‫في الزمن القديم كانت جزيرة العرب مملوءة من بقرة المها. قد كثر ذكرها في‬
                             ‫ل‬              ‫ل‬
‫كالمهم القديم كما قال النبي صّى اهلل عليه وسّم لما بعث خالد بن الوليد في 6‬
‫للهجرة لكبح جماح أكيدر بن عبد الملك الكندي ملك دومة الجندل: "إنك تجده‬
                                                      ‫يصيد بقر الوحش"2.‬
                           ‫ن‬
‫فلما دنا خالد بن الوليد من قلعة الملك رأى أ ّ بقر المها تأتي من كل جانب‬
             ‫ا‬          ‫ا‬
‫وتضرب جدران القلعة بقرونها، خرج الملك راكبً فرسه، مزينً بملبس فاخر‬
           ‫ل‬
‫لكي يصيدها فأقبض عليه فرسان خالد ورجع به إلى الرسول صّى اهلل عليه‬
                                  ‫ل‬               ‫ل‬                ‫ل‬
‫وسّم فدعاه النبي صّى اهلل عليه وسّم إلى اإلسالم ولكنه لم يؤمن فأطلقه‬
                                                ‫3‬
                                               ‫شريطة أنْ يؤدي الجزية .‬
                                                          ‫البقرة في دين اإلسالم:‬
                                     ‫ن‬
‫أجمعت كافة المذاهب الفقهية على أ ّ لحم البقرة وحليبها يجوز تناولهما فقد‬
                               ‫روي عن عبد اهلل بن عباس رضي اهلل عنهما:‬
                                         ‫"سمن البقر وألبانها شفاء ولحمها داء"4.‬
                        ‫وروي عن عائشة رضي اهلل عنها في صحيح البخاري:‬
                      ‫"إن النبي صّى اهلل عليه وسّم ض ّى عن نسائه بالبقر"5.‬
                                          ‫ل ح‬                 ‫ل‬


                                           ‫1 جامع أردو إنسائكلوبيديا، الجزء الثالث.‬
 ‫2 رواه البخاري، في الهبة وبدء الخلق واللباس واإلسكان، ورواه مسلم في فضائل الصحابة‬
                                                    ‫3 حياة الحيوان الكبرى، 2/211‬
                                               ‫4 الكامل في ضعفاء الرجال، 9/272‬
                                                                     ‫5 المصدر نفسه‬

                                       ‫171‬
‫مجلة الهند‬

                                                 ‫ع‬
‫أما زكوة البقرة فتبي ٌ على كل ثالثين سائمة التي مضت عليها سنة كاملة،‬
                                                              ‫ٌ‬
     ‫ومسنة على أربعين سائمة والتي حال عليها الحول. فقد روي عن طاؤس:‬
              ‫ا‬
‫" إن معاذ بن جبل أخذ في كل ثالثين من البقر سائمة تبيعً وفي كل أربعين‬
                             ‫مسنة واتي بما دون ذلك فلم يأخذ منها شيئً"1.‬
                                ‫ا‬


                             ‫المصادر والمراجع‬
        ‫2. ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬
                  ‫1. أبو عثمان الجاحظ: الحيوان، دار الجيل، بيروت، 7662م‬
‫3. أي. وتسفك وي. ب. منسنج: المعجم المفهرس أللفاظ الحديث النبوي،‬
                                         ‫مطبع بريل، لندن، 2210م‬
         ‫7. توني هاري: ‪ ،Animal Habitats‬اسم المطبع لم يذكر، 2771م‬
‫جامع أردو إنسائكلوبيديا، قومي كونسل برائ فروغ أردو زبان، آر كے‬              ‫1.‬
                                   ‫بورم، دلهي الجديدة، 1112م‬
‫9. طلعت حرب: تاريخ دول العرب واإلسالم، مكتبة اإلصالح، سرائ مير،‬
                                 ‫أعظم كره، الهند، سنة الطبع لم تذكر‬
             ‫عدد من المؤلفين: المنجد، دار المشرق، بيروت، لبنان، 7962م‬       ‫4.‬

‫4. كمال الدين محمد بن موسى الدميري: حياة الحيوان الكبرى، مكتبة دار‬
                                               ‫الباز، مكة المكرمة‬
               ‫المعجم الوسيط، المكتبة الحسينية، ديوبند، سنة الطبع لم تذكر‬   ‫6.‬




                                                       ‫قراءة في كتاب:-‬

                                                     ‫1 سنن أبي داؤد، في الزكوة‬

                                    ‫271‬
‫مجلة الهند‬



‫"المصادر الهندية للعلوم اإلسالمية"، دراسة‬
                ‫1‬
                  ‫تحليلية‬
‫- د. الحافظ محمد فضل اهلل شريف‬
                                         ‫د‬
‫أيها اإلخوة األفاضل! إني أريد أن أق ّم أمامكم في هذه الندوة العلمية كلمة وجيزة‬
    ‫حول موضوع "دراسة تحليلية لكتاب "المصادر الهندية للعلوم اإلسالمية".‬
                                                                   ‫ل‬
‫ويعلم ك ّ من له إلمام بالتاريخ أن الهند اشتهرت في اآلفاق منذ القدم بأفضليتها‬
‫في العلوم والفنون والحكم واألمثال والقصص والروايات، ومنتجاتها الزراعية‬
‫وصناعاتها اليدوية من العقاقير والتوابل وأسباب الحرب المختلفة، ولما توطدت‬
‫الصالت بين العرب والهند بالتجارة القائمة بين تجارهما، وجعل العرب يحملون‬
‫بضائع الهند المختلفة عن طريق البحر إلى أنحاء العالم، وجعلوا يستوطنون‬
‫سواحل الهند، هذا بادئ بدء في توثيق العالقات الهندية-العربية، فقد فتحت هذه‬
                                                     ‫ا‬
‫العالقات التجارية بابً لتبادل الحضارات والثقافات وتناقل العلوم والفنون‬
‫المختلفة الهندية، فقد ذهب العرب إلى أوطانهم حاملين علوم الهند وصناعاتها‬
            ‫ا‬               ‫ا‬          ‫و‬     ‫ا‬
     ‫المختلفة – واستفادوا منها كثيرً، وط ّروها تطويرً، وجعلوها علومً نافعة.‬
‫فقد ذكر المؤرخون ما للهند من نصيب كبير وحظ وافر في تقديم الحضارة‬
                       ‫والثقافة والعلوم النافعة إلى أمم العالم، يقول الجاحظ:‬
‫"اشتهرت الهند بالحساب وعلم النجوم وأسرار الطب والخرط والنجر‬
                            ‫والتصاوير والصناعات الكثيرة العجيبة2.‬
                                                    ‫وقال القاضي صاعد األندلسي:‬
‫"إن الهنود يعرفون أكثر من غيرهم من كافة أمم العالم عن علم الطب، فهم‬
      ‫أبصر من غيرهم بقوى األدوية وطبائع المؤلدات وخواص الموجودات3.‬
                                                  ‫تعريف موجز بالكتاب وصاحبه:‬


‫1 ت ّ تقديم هذه الدراسة في مؤتمر دولي عن إبداعات األعمال المترجمة من اللغات والثقافات‬
                                                                                ‫م‬
                   ‫الهندية إلى اللغة العربية وبالعكس خالل الفترة 11-31/ مارس، 3271م‬
                                                           ‫2 رسائل الجاحظ، ص 64‬
                                                             ‫3 طبقات األمم، ص 12‬

                                        ‫371‬
‫مجلة الهند‬

                                                                       ‫ا‬
‫نظرً ألهمية الهند وما لها من مكانة عظيمة بين البلدان األخرى بقدم تاريخها،‬
‫وتنوع حضاراتها، وما تمتلك من العلوم والحكم التي استنار منها البلدان‬
‫األخرى خاصة بالد العرب والمسلمين، واستفادت من معارفها ومعادنها، لقد‬
‫قام الفاضل الجليل محمود حسن قيصر األمروهوي بتأليف كتاب حول موضوع‬
                           ‫د‬
‫"المصادر الهندية للعلوم اإلسالمية" ذكر فيه ما ق ّمت الهند للحضارة العربية‬
‫اإلسالمية من الخدمات العلمية، وأوضح ما لها من مشاركة قيمة بالحركة‬
‫العلمية العربية مع البالد األخرى من الشرق والغرب، كما أشار إلى علماء الهند‬
‫الذين وصلوا إلى البلدان العربية بعدد كبير، وما قدموه مما لديهم من علوم قيمة،‬
                          ‫بجانب كتب مترجمة هندية سابقة استفاد منها العرب.‬
                                        ‫ي‬                 ‫رً‬
                                      ‫ويقول المترجم مع ّفا بهذا الكتاب الق ّم:‬
                                                                   ‫ا‬
‫" ونظرً لهذه األهمية الكبرى التي تنالها الهند وأهاليها لدى العرب قام السيد‬
‫محمود حسن قيصر األمروهوي بتأليف رسالة موجزة قيمة، بحث فيها عن كل‬
                              ‫و‬
‫العلوم والفنون التي أخذها العرب من الهند وط ّروها خير تطوير، وهي تشتمل‬
‫على الطب والبيطرة، والرياضيات والجبر، والهيئة، والمواليد، والكيمياء،‬
‫والسحرة والزجر، والسياسة، والحرب، والشطرنج، والنرد، بجانب اآلداب‬
                       ‫والقصص والحكم الهندية التي كان العرب مولعين بها1.‬
                                                                  ‫ال‬
                                                                 ‫ويضيف قائ ً:‬
         ‫د‬
‫"إن هذا بحث مقنع حافل بالمعلومات النادرة عن الموضوع، لقد ق ّم المؤلف‬
                                      ‫ت‬
‫بهذا السفر الوجيز ما يعجز عنه الك ّاب بمؤلفات ضخمة وكتب مسهبة، ولذلك‬
                         ‫2‬
                        ‫فقد أثنى عليه العلماء وأمطروا شآبيب المدح عليه" .‬
                          ‫ا‬           ‫ا ال‬         ‫ا‬      ‫ا‬
‫وكان المؤلف عالمً كبيرً ومؤرخً جلي ً، وكان مولعً بالعلم والتدقيق منذ نعومة‬
                                            ‫ا‬    ‫ء‬
‫أظفاره، وقد كان أنفق جز ًا كبيرً من حياته في قراءة الكتب وتفصح أوراقها،‬
‫وتفحص موادها، وهذا الكتاب بنفسه يشير إلى ما له من اهتمام وعناية بالتاريخ‬
                                        ‫ل‬
‫والعلوم والرغبة في قراءة الكتب وتقّب أوراقها، واقتناء ما فيها من مواد قيمة‬
‫ً‬                             ‫ض‬                         ‫ا‬     ‫ا‬
‫وتنسيقها نسقً بديعً يلفت أنظار القراء ويح ّهم على قراءة الكتاب مرارا‬
                                                                    ‫ا‬
                                                                   ‫وتكرارً.‬


                                         ‫ب‬
               ‫تعريف بالمترجم والدواعي التي س ّبت نقل الكتاب إلى العربية:‬

                                          ‫1 المصادر الهندية للعلوم اإلسالمية، ص 4‬
                                                          ‫2 المصدر نفسه، ص 4‬

                                    ‫471‬
‫مجلة الهند‬

                                                        ‫ال‬
‫هذا الكتاب ليس أص ً في اللغة العربية، بل قام المؤلف بـتأليفه باللغة األردية‬
‫باسم "اسالمي علوم كےهندى مصادر" فقام األخ الفاضل الدكتور أورنك زيب‬
‫األعظمي الذي ذاع صيته في اآلفاق ككاتب إسالمي وصحفي خبير، وهو‬
‫يشرف على إدارة "مجلة الهند"، التي تحتوي على مقاالت وبحوث علمية، وله‬
‫عدة أعمال وخدمات، وله كتب مترجمة من األردية إلى العربية كمثل هذا‬
‫الكتاب الذي طبع من دار الفكر بدمشق سنة 1012 للميالد، ويقوم اآلن بعمل‬
‫جليل بنقل تفسير "تدبر القرآن" للشيخ أمين أحسن اإلصالحي إلى العربية (وفقه‬
                                                        ‫اهلل لما يحب ويرضى).‬
                   ‫د‬
‫إن الكتاب المذكور "المصادر العربية للعلوم اإلسالمية" يع ّ من األعمال الجليلة‬
                        ‫ق‬
‫للمترجم حيث قام بترتيب الكتاب بأسلوب جديد، فقد ح ّق األصل، وأضاف إليه‬
‫بعض المعلومات القيمة وأعاد النظر في المقتبسات، كما قام بترجمته العربية‬
‫السلسة، وإعداد الفهارس القيمة، فالكتاب بشكله الجديد جاء في حلة قشيبة‬
‫وعلمية وبأسلوب دولي حديث، وأن المترجم بترجمته العربية قام بعمل جليل لم‬
‫يقل من عمل المصنف، وما يحمل هذا الكتاب من أفكار ومعلومات عن الهند إن‬
‫لم ُترجم لم تصل إلى العرب، كما قام بعمل الترجمة بحيث لم يشعر للقارئ عند‬  ‫ت‬
       ‫ي‬
‫ق راءة الكتاب بأن هذا الكتاب قد تم نقله من األردية إلى العربية، بذلك ُعلم ما‬
                           ‫للمترجم من مهارة ونبوغ وتضلع في عمل الترجمة.‬
‫هذه حقيقة ال تنكر أن للترجمة والنقل من لغة إلى أخرى أهمية كبرى في‬
‫تواصل األمم والحضارات، فالترجمة هي من الجسور للتواصل بين األمم، إنها‬
‫هي النافذة التي تفتحها الشعوب المختلفة لتستنير بنور غيرها، هذا الكتاب القيم‬
                                                                        ‫ا‬
‫أيضً حلقة من تلك السلسلة الذهبية المتوارثة منذ القدم، ويذكر المترجم أهمية‬
                          ‫د‬                                      ‫ً‬
            ‫الكتاب مشيرا إلى العوامل األساسية والبواعت التي أ ّته إلى ترجمته:‬
                                                                     ‫ا‬
‫"نظرً ألهمية الكتاب هذه، والحتفاله بهذا القدر من المعلومات القيمة النادرة،‬
                          ‫ر‬
‫قمت بترجمته إلى اللغة العربية؛ لكي يستفيد منه الق ّاء العرب، ويثبت هو دفعة‬
‫لرجال البحث والتحقيق إلى األمام، لتقديم مزيد من البحوث والتحقيقات في هذا‬
            ‫ّا‬
‫المجال الشريف، المجال الذي يوصل الجديد بالقديم، ويخلق جوً من الوحدة‬
                                                       ‫والتالحم بين الناس1.‬
                                                             ‫ا‬
                      ‫ويقول مصرحً عن األعمال التي قام بها في هذا الكتاب:‬



                                                         ‫1 المصدر نفسه، ص 6‬

                                    ‫571‬
‫مجلة الهند‬

‫"وعالة على ترجمة الكتاب السلسة قمت بمراجعة النظر في المقتبسات ودعمها‬
‫بالمزيد منها، وإعداد الفهارس الفنية التي تسهل بها االستفاضة، وكذلك ألحقت‬
     ‫بها توطئة كتبها الشيخ عبد المجيد الندوي عميد مدرسة اإلصالح سابقً"1.‬
        ‫ا‬
                                                            ‫محتويات الكتاب:‬
‫هذا الكتاب ينطوي على كلمة المترجم من الصفحة الخامسة حتى الصفحة‬
                                                       ‫ي‬
‫العاشرة، وقد ب ّن فيها المترجم حاجة الترجمة إلى العربية، وما قام من عمل‬
‫فني جديد حسب مقتضيات العصر بجانب وصف موجز عن صاحب الكتاب‬
                                                             ‫ومشموالته.‬
                      ‫د‬
‫ومن الصفحة الحادية عشرة يبتدئ تقديم الكتاب الذي ق ّمه السيد حامد شيخ‬
‫جامعة همدرد بدلهي الجديدة، ذكر خالل الدراسة والبحث عن الكتاب، كيف‬
                                        ‫ل‬
‫استفاد العرب من العلوم الهندية، وبّغوها إلى ذرة االزدهار والرقي؟ فنقل‬
                                              ‫ت ل‬
‫مقتبسات عديدة للكتاب نفسه ُسّط األضواء التامة على العالقة الودية والعلمية‬
‫بين الهند واألمم األخرى، وقام بتحليل جيد يدعو القارئ إلى التفكير، هذا التقديم‬
                                                      ‫يحتوي على 20 صفحة.‬
                        ‫ويقول في األسطر األخيرة وهو يبين قيمة هذا الكتاب:‬
                                                          ‫د‬       ‫ر‬
‫"ولعل الق ّاء قد ق ّروا بهذا أن الكاتب قد درس مصادر العلوم اإلسالمية والعربية‬
‫دراسة عميقة، ويؤيد دعواي ذكر المصادر العربية للعلوم والفنون واآلداب في كل‬
                                  ‫ا‬
‫صفحة من صفحاته، قد زاده المؤلف جذبً عن طريق ذكر الحكايات العلمية‬
‫والمقتبسات العربية، أسلوبه علمي بحت، وليس عندي كتاب موجز كمثله، يحتوي‬
                     ‫على هذا القدر من المعلومات القيمة النادرة عن الموضوع"2.‬
                                     ‫ر‬
‫يتبعه توطئة يستغرق 40 صفحة، ح ّرها الشيخ عبد المجيد الندوي. إن هذه‬
‫التوطئة النادرة تشتمل على ثالثة مباحث قيمة، ففي البحث األول ذكر الندوي‬
‫المفردات الهندية التي اختلطت بكلمات اللغة العربية، بحيث يصعب على القارئ‬
‫معرفتها والوصول إلى أصولها دون المعاجم والقواميس، مثل الهند، وبروص،‬
‫والنيلج، والقرمز، والموز، والفوطة، والنارجيل، والقسط، والعود، والفلفل،‬
‫والجوزبوا، والقرنفل، والكافور، والمسك، وغضارة وعنب والرخ، والقار،‬
‫والرند، الهرد، والفالج، والفيل، وفي المبحث الثاني ذكر القصص الهندية التي‬
                                                              ‫ا‬
‫أثرت كثيرً في اللغة العربية، بحيث تم نقلها إلى اللغة العربية، وكان العرب‬

                                                        ‫1 المصدر نفسه، ص 6‬
                                                       ‫2 المصدر نفسه، ص 21‬

                                    ‫671‬
‫مجلة الهند‬

‫يستمعون إلى هذه القصص في الليالي المقمرة، ومن أبرز القصص والحكايات‬
‫الهندية التي تمت ترجمتها إلى العربية "كليلة ودمنة"، و"السندباد"،‬
‫و"بوذاسف"، و"بلوهر"، و"حدود منطق الهند"، و"كتاب شاناق الهندي"،‬
‫وغيرها من الرسائل القصصية الهندية التي ترجمت إلى العربية، والمبحث‬
‫الثالث للندوي يضم الحكم والنصائح الهندية التي يكثر وجودها في األدب‬
‫العربي، فذكر فيه من أمثال الحكم: "عدل السلطان أنفع للرعية من خضب‬
‫الزمان" وشر المال ما ال ينفق منه" وشر اإلخوان الخاذل" وشر السلطان من‬
‫خافه البرئ" ينال بالحزم ما ال ينال بالقوة والجنود" وثالثة أشياء تزيد في‬
        ‫األنس والثقة: "الزيادة في الرحل ، والمؤاكلة ، ومعرفة األهل والحشم1.‬
                                                      ‫الباب األول من الكتاب:‬
                                                              ‫ال‬
‫فالكتاب أص ً يبتدئ من صفحة 12، فقد ذكر المؤلف في الباب األول "خلفية‬
‫الهند البيثقافية" فجاء فيه ذكر المراكز األربعة العلمية عبر المعمورة التي انتشر‬
‫منها العلم في مختلف أرجاء العالم، فهي: الهند، واألسكندرية، واليونان وإيران،‬
                                      ‫ا‬     ‫ا‬
‫ولكن الهند من بينها لعبت دورً كبيرً في تزويد العالم عامة والعرب خاصة‬
            ‫ا‬
‫بالعلوم واآلداب، حيث استفاد العرب من معارفها وعلومها كثيرً واستفاضوا‬
              ‫من علماءها النبغاء ذوي المواهب، والجدرات الممتازة في فنونهم.‬
‫يكتب المؤلف عن هذه المراكز ودورها في انتشار العلوم المختلفة في أنحاء‬
                               ‫العالم، خاصة للهند أياد بيضاء في هذا الصدد:‬
‫"هذه هي المراكز العلمية األساسية التي انتشر منها العلم في مختلف أرجاء‬
‫الهند، ويكشف التحقيق عن وجود عالقات ثقافية سحيقة في القدم بين هذه‬
‫المدارس بحيث إن مؤلفات مدرسة منها كانت تحمل إلى مدرسة أخرى، كما‬
‫كانت هي تنقل إلى لغاتها وتصان فيها. وهكذا فقد ساهمت إحداها في تطور‬
‫األخرى إال أن للهند خصوصية، وهي أن ما تمتلكه من التراث العلمي هو من‬
                                                 ‫ا‬
‫عند نفسها، فلم تستعر شيئً من الطب والفلسفة والرياضيات وغيرها من العلوم‬
‫والفنون من البالد المجاورة، أو التي كانت تعدلها في هذا المجال، والسبب وراء‬
‫هذا لم يكن غناها في هذا الحقل العلمي، بل هي فوارقها الجنسية وأنانيتها التي‬
‫كانت تعمل من ورائها، وتمنعها من االستفادة من غيرها، وهذا واقع ال يعتريه‬
                                               ‫أي نوع من الشك والريب"2.‬


                                                        ‫1 المصدر نفسه، ص 63‬
                                                        ‫2 المصدر نفسه، ص 77‬

                                     ‫771‬
‫مجلة الهند‬

‫فقد ذكر المؤلف العديد من العلماء الهنود الذين توجهوا نحو العرب كمثل "كنكا‬
                                                     ‫د‬
‫الهندي" الذي كان يع ّ من كبار فالسفة الهند، وله حذق ومهارة في الطب‬
‫ً‬
‫وكانت له اليد الطولي في أمزجة األشياء وطبائعها وخواصها، وآثارها، وفضال‬
‫عن هذا فقد كان عارفً بعلم األفالك وتركيبها وحركة الكواكب1. ولهذا العالم‬
                                                     ‫ا‬
               ‫الهندي الجليل كتب مستقلة وترجمات من السنسكرتية إلى العربية.‬
‫وكما ذكر المؤلف من علماء الهند المشهورين "صالح بهلة الهندي" الذي جاء‬
‫إلى العراق في أيام الرشيد، ونال شهرة عظيمة ومكانة مرقومة بين أطباء‬
           ‫العرب، وقد عالج ابن عم الخليفة هارون الرشيد عالجً ال مثيل له2.‬
                        ‫ا‬
                              ‫فو‬
‫وكما جاء ذكر العالم الهندي "ابن دهن" الذي ُ ّض إليه أمر بيمارستان البرامكة،‬
‫وهو أيضً نقل الكتب الهندية إلى العربية3 ، كما أتى بذكر عالم هندي آخر‬
                                                                  ‫ا‬
     ‫ا‬
    ‫"صنجهل الهندي" الذي برع في النجوم والطب، وذكر له مؤلفات عديدة أيضً.‬
‫ويقول المؤلف بعد ذكر الروايات التي تدل داللة واضحة على أن العرب استفادوا‬
                                                          ‫ق‬
‫من العلوم الهندية ور ّوها ترقية، وإن كانت العلوم والفنون ازدهرت بأيدي العلماء‬
    ‫المسلمين ولكنهم استناروا لوعة سراجهم العلمية بنور مستفاد من العلوم الهندية.‬
‫"يتضح من الروايات المذكورة أعاله أن الثقافة الهندية قد بلغ أثرها أنحاء العالم‬
‫كافة حينما جاء اإلسالم ونال درجة عالية في العالم اإلسالمي. كان العرب‬
‫واقفين على الهند منذ القدم، فكانت بينهما عالقة تجارية وطيدة مع وجود‬
‫العالقات األخرى، ولما بدأت عملية التدوين عند المسلمين تقربت الهند من‬
‫العرب كثيرً، حتى انضمت منطقة من مناطقها إلى العالم اإلسالمي، فيشهد‬ ‫ا‬
                                                         ‫ا‬     ‫ا‬
‫التاريخ بأن عددً كبيرً من علماء الهند وحكمائها وصلوا إلي بالط العرب في‬
‫العهد العباسي والسيما عهد هارون الرشيد والمأمون بن هارون الرشيد. كان‬
‫من بين هؤالء الهندوس من تعلم اللغة الفارسية والعربية ألجل ارتباطهم‬
   ‫بمدرسة جنديسابور، فأفادوا العرب بحيث نقلوا العلوم والفنون إلى العربية"4.‬
                                                     ‫والباب الثاني من الكتاب:‬
‫الباب الثاني من الكتاب ينطق عن العلوم التي أخذها العرب من الهند،‬
                                             ‫ا‬
‫وترجموها إلى العربية، حقً أن للعلماء الهنود مساهمة ملموسة في تدوين هذه‬
‫العلوم التي يأتي ذكرها فيما يلي فلما جاء اإلسالم، وأيقظ الوعي في قلوب‬

                                                         ‫1 المصدر نفسه، ص 47‬
                                                         ‫2 المصدر نفسه، ص 7:‬
                                                         ‫3 المصدر نفسه، ص 2:‬
                                                         ‫4 المصدر نفسه، ص 47‬

                                     ‫871‬
‫مجلة الهند‬

‫المسلمين والحرص على تناول العلوم المختلفة، بدأ المسلمون يبحثون عن العلوم‬
‫والفنون المختلفة، فقاموا بترجمة عدد كبير من رسائل الهند في الطب‬
‫والرياضيات وعلم الجبر والفلك والنجوم، فقد ذكر المؤلف من هذه العلوم (0)‬
                    ‫ض‬                              ‫د‬
‫الطب )‪ :(Medicne‬وع ّ الكتب الطبية الهندية و و ّح أسماءها وأسماء‬
‫مؤلفيها كمثل كتاب "سشرت سنهتا" و"تشرك سنهتا" و"كتاب السموم"‬
‫و"كتاب في عالجات النساء" و"كتاب توقشنل"/نوكشنل" و"كتاب في أجناس‬
                          ‫ا‬
‫الحيات وسمومها" و"كتاب ندان" وكما ذكر كتبً هندية مجهولة عناوينها‬
‫ومجهول مؤلفوها، وسائر الكتب المذكورة أعاله في فن الطب، وأكثر الكتب من‬
                                                              ‫ن‬
‫هذا الفهرس ُقلت من الهندية إلي العربية (2) والبيطرة )‪ (Veterinary‬فقد دل‬
‫المؤلف على كتاب في هذا العلم لشاناق الهندي تم نقله إلى اللغة العربية، (4)‬
‫والرضيات )‪ (Mathematics‬أشار المؤلف أن العرب قد أخذوا األعداد (من‬
‫0إلى 1) من األعداد الهندية، كانوا يكتبون األعداد من قبل عن طريق الحروف،‬
                                                                    ‫م‬
‫فلذا س ّوها "األعداد الهندية" (2) وعلم الجبر )‪ (Algebra‬فقد ذكر المؤلف أن‬
‫العرب فاقوا غيرهم في وضع علم الجبر، ولكنهم وضعوا هذا العلم على أساس‬
‫األعداد الهندية، (1) وعلم الفلك والنجوم )‪ : (Astronomy &Astrology‬فقد‬
                                ‫ً‬     ‫ً‬
‫و ّح المؤلف أن للكتاب الهندوس دورا بارزا في تطور علم الفلك والنجوم، كما‬‫ض‬
‫ع ّ الكتب الهندية في هذا الفن "برهم سدهاند" و"أرجبهذ" و"خانداخادياكا"‬    ‫د‬
‫و"براهمر" وغيرها.(2)وعلم المواليد )‪ : (Horoscope‬كتب المؤلف أن هذا‬
                        ‫د‬                                        ‫ا‬
‫العالم أيضً نقل إلى العربية الكتب السنسكريتية، ثم ع ً أسماء الكتب الهندية في‬
‫ال‬                                                         ‫ن‬
‫هذا الفن، التي ُقلت إلي العربية .هذا الباب ينطق عن هذه العلوم مفص ً‬
‫ومجم ً، فقد جاء خاللها التعريف عن الكتاب واسم صاحب الكتاب وترجمتها‬ ‫ال‬
                    ‫1‬
                   ‫إلى العربية، يحتوي هذا البحث نحو ثالث وعشرين صفحة .‬
                                                     ‫والباب الثالث من الكتاب:‬
                             ‫م‬             ‫ت‬
‫والباب الثالث يبحث عن العلماء والك ّاب الذين اهت ّوا بذكر العلوم الهندية ونقلها‬
‫إلى العربية، ومن العلماء الذين جاء ذكرهم في هذا الباب ليسوا من الهنود بل‬
                                                  ‫ج‬
‫هم من العلماء العرب الذين و ّهوا عناياتهم إلى العلوم والكتب الهندية ونقلوها‬
                                ‫ص‬
‫إلى العربية، مثل أبو ريحان البيروني، فقد ف ّل المؤلف الكالم عن البيروني‬
                                                               ‫ً‬
                                    ‫حيث ذكر فهرسا طويال لمؤلفاته، ويقول فيه:‬
‫"إن أبا ريحان البيروني يجدر أن يكتب اسمه بماء الذهب بشأن ضبط علوم‬
‫الهند ونقلها إلى العربية والتعريف بحضارتها وثقافتها فهو يتفرد بأنه لم يقنع بما‬


                                                     ‫1 المصدر نفسه، ص 3:-:4‬

                                     ‫971‬
‫مجلة الهند‬

‫راج من العلوم في عصره ---- أنه قد سمع عن ذكر الهند الرفيع في مجال‬
‫الفلسفة، والحكمة، قرأ كتب السنسكرتية التي تم نقلها إلى العربية، ألقى نظرة‬
‫خاطفة على هذه التراجم العربية، فعرف قدرها ومنزلتها، وارتحل إلى الهند‬
                                                                ‫و‬
‫لكي يتر ّى من منهلها ---- وواجه البيروني هذه الصعوبات ونجح فيما جاهد‬
                                                                 ‫ل‬
‫فيه، فتعّم السنسكرتية بعدما أقام بها لمدة غير قصيرة وبرع فيها إلى حد أصبح‬
              ‫1‬
             ‫قادرا على ترجمة الكتب العربية إلى السنسكرتية وعلى العكس" .‬
‫وغيرها من العلماء كأمثال محمد بن إبراهيم الفزاري من أفاضل علماء الفلك‬
‫ويعقوب بن طارق من أفاضل المنجمين العرب، وأحمد بن عبد اهلل حبش‬
‫البغدادي من أبرز علماء الفلك، ومحمد بن موسى الخوارزمي من كبار منجمي‬
‫العصر العباسي، استفاد من علوم الهند ونقلها إلى العربية، ومحمد بن إسحاق‬
‫السرخسي من أشهر منجمي عصر المأمون، وحسين بن حميد بن األوحي‬
‫الفلكي، وحسين صباح الذي اتبع في علم الفلك مذهب علماء الهنود، ومحمد بن‬
‫إسماعيل، وعبد اهلل بن أماجور، ومسلمة بن أحمد. تحدث الكاتب عن بعضهم‬
                   ‫بالبسط والتفصيل بينما تكلم عن اآلخرين بصورة موجزة2.‬
                                                  ‫والباب الرابع من الكتاب:‬
                                                                   ‫ص‬
‫وخ ّ المؤلف الباب الرابع بذكر اللغة وآدابها ومساهمة الهند في تطوير علوم‬
‫اللغة من النحو والبالغة وقواعد العروض والقوافي، ثم تحدث عن الكلمات الهندية‬
           ‫ت‬
‫التي تم تعريبها إلى العربية كما تكلم عن القصص والحكايات التي ُرجمت إلى‬
‫العربية، فقد ذكر "كليلة ودمنة" وكتب عن الكتاب وتعريفه ووصفه، فناقش خالل‬
‫البحث عن أصوله الهندية وتراجمه المختلفة وعن أبوابه ومقدماته وتأثيره في‬
                    ‫القصص العربية وأشياء أخرى بقدر من التفصيل واإلطناب.‬
                             ‫ي‬
‫يقول المؤلف عن كتاب "كليلة ودمنة" وهو ُثبت أن هذا الكتاب هندي األصل،‬
                                                                    ‫ت‬
                                                    ‫و ُرجم من الفهلوية:‬
‫"وبالجملة فهذا ال ينكر أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية رهينة بترجمته‬
‫الفهلوية، فالمعروف أن أصل هذا الكتاب جاء به برزوية من الهند في عصر أنو‬
‫شيروان الكسرى ومن ثم تمت ترجمته إلى الفهلوية، ولما ابتدأت عملية نقل‬




                                                  ‫1 المصدر نفسه، ص 94-44‬
                                                  ‫2 المصدر نفسه، ص 94-94‬

                                   ‫081‬
‫مجلة الهند‬

‫العلوم في المسلمين ترجمه ابن المقفع من هذه النسخة الفهلوية، وهذا ما يبدو من‬
                                                           ‫مقدمة الكتاب"1.‬
                                ‫ت‬
‫ثم دار النقاش حول الكتب التي حذا فيها ك ّابها حذو كليلة ودمنة، وذكر أسماء‬
‫الكتب مع مؤلفيها، ثم أطنب الكالم عن الكتب الهندية األخرى في فن القصص،‬
‫مثل كتاب البد، وكتاب يوباسف وبلوه، وكتاب سندباد، وكتاب علم الهند، وكتاب‬
                                         ‫ا‬      ‫ا‬
‫مكر النساء، فقد ذكر وصفً موجزً عن الكتب ومؤلفيها. كما أشار إلى بعض‬
‫الكتب الهندية التي لم يجد عنها سوى أسمائها، كما ذكر القصص القصيرة‬
                                             ‫ت‬
‫الهندية التي ذكرها األدباء والك ّاب العرب في مؤلفاتهم، ثم ذكر مثالين للقصص‬
        ‫ال‬
‫القصيرة الهندية من الكتب العربية. يذكر لهذه القصص القصيرة مثا ً، كماجاء‬
                      ‫ال‬
‫ذكر هذه القصة في "عيون األخبار" البن قتيبة محي ً إلى واحد من كتب الهند‬
                                             ‫(كليلة ودمنة) هاهي ذي القصة:‬
                         ‫ا‬
‫"إن ناسكً كان له عسل وسمن في جرة، ففكر يومً، قال: أبيع الجرة بعشرة‬‫ا‬
‫دراهم، واشتري خمس أعنز فأولدهن في كل سنة مرتين، ويبلغ النتاج في سنتين‬
                                ‫ا‬              ‫ا‬
‫مئتين، وابتاع بكل أربع بقرً، وأصيب بذرً فأزرع، وينمي المال في يدي،‬
                     ‫م‬
‫فأتخذ المساكن والعبيد واإلماء واألهل، ويولد لي ابن فأس ّيه كذا وآخذه باألدب،‬
‫ً‬
‫فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه، وكانت في يده عصا فرفعها حاكيا‬
     ‫للضرب، فأصابت الجرة فانكسرت، وانصب العسل والسمن على رأسه"2.‬
                                  ‫ّ‬
‫كما دل على األمثال والحكم الهندية التي استعلمت واستخدمت في العربية كما‬
‫جاء ذكرها في التوطئة التي كتبها الشيخ الندوي. وكذا جاء في آخر الباب ذكر‬
                                             ‫د‬
‫النصائح والمواعظ الهندية، وق ّم لها األمثلة: مثل ما ذكر ابن أبي صبيعة في‬
‫كتابه عيون األنباء في طبقات األطباء من النصائح الهندية مقتبساة، فقد جاء ذكر‬
                            ‫هذه الموعظة في "منتحل الجواهر لشاناق الهندي".‬
‫"يا أيها الوالي اتق عثراث الزمان، واخش تسلط األيام ولوعة غلبة الدهر، وأعلم‬
                                                           ‫ت‬
‫أن لألعمال جزاء فا ّق عوائق الدهر واأليام، فإن لها غدرات فكنْ منها على حذر،‬
‫واألقدار مغيبات فاستعد لها، والزمان منقلب فاحذر دولته، لئيم الكرة فخف‬
‫سطوته، سريع الغرة فال تأمن دولته، واعلم أن من لم يداو نفسه من سقام اآلثام في‬
‫أيام حياته فما أبعده من الشفاء في دار ال دواء لها، ومن أذل حواسه واستعبدها فيما‬
‫تق ّم من خير لنفسه أبان فضله وأظهر نبله، ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة ولم‬     ‫د‬



                                                         ‫1 المصدر نفسه، ص 76‬
                                                        ‫2 المصدر نفسه، ص 622‬

                                     ‫181‬
‫مجلة الهند‬
‫يضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط األعوان مع كثرتهم وخشونة‬
  ‫جانبهم فكانت عامة الرعية في أقاصي البالد وأطراف المملكة أبعد من الضبط"1.‬
                                                 ‫والباب الخامس من الكتاب:‬
‫البا ب الخامس للكتاب يتعلق بالمجاالت األخرى التي تأثرت فيها العرب بالهند مثل‬
                        ‫ا‬
‫(0) علم الكيمياء )‪ (Chemistry‬فقد ذكر ابن نديم كتابً في هذا الفن تمت ترجمته‬
‫إلى العربية لعالم يذكر "خاطف الهندي" (2) والشعبدة والسحر )‪ (Magic‬فذكر‬
                                                               ‫ال‬
‫المؤلف محي ً إلى ابن نديم أن للهنود عالقة وطيدة بهذا الفن، والمصنفات لعلماء‬
‫الهند في هذا المجال كثيرة، مثل كتاب "سسه" و"كتاب في توهم". (4) والفال‬
‫والزجر وقال المؤلف: لهذين الفنين صلة وطيدة مع الهند، ترجم فيهما كتابان من‬
‫الهندية إلى العربية "كتاب زجر الهند" و"كتاب خطوط الكف والنظر في اليد‬
‫للهند" (2) والسياسة والحرب، أوضح فيه المؤلف أن الكتب المترجمة في الفن‬
‫للهنود ثالثة، وهذه الكتب تدل على تدبير الحرب واختيار الجنود وتوزيع الفرسان‬
 ‫واألطعمة والسموم، ويتحدث عن معرفة السيوف وصفاتها. (1) والشطرنج‬
          ‫ال‬
‫)‪(Chess‬فقد أطنب المؤلف الكالم في وصف الشطرنج، وفصل تفصي ً وذكر أن‬
‫هذا من األلعاب الشهيرة الهندية وهو يدل داللة قاطعة على ذكاء الهنود، ثم ذكر‬
‫المصادر والمراجع من الكتب المختلفة، التي تشير إلى أنه من إبداعات الهند، ثم‬
‫ذكر دور العلماء المسلمين في تطوير وازدهار هذه الفنون وما لهم من كتب بهذا‬
‫الصدد. (2) والنرد )‪ (Backgammon‬قال عنه المؤلف: هذا لعب آخر مثل‬
                                                               ‫م‬
‫الشطرنج يس ّيه العرب بالنرد، أوجده الهنود مثل الشطرنج، ثم ذكر المصادر التي‬
                                    ‫2‬
                                   ‫تدل على أن هذا اللعب جاء عن طريق الهند .‬
    ‫ا‬      ‫ا‬
‫ثم يأتي ثبت المراجع والمصادر المختارة، فذكر فيها 12 مصدرً ومرجعً، ثم‬
‫أثبت المترجم في الكتاب الفهارس الفنية: فهرس األعالم وفهرس البالد‬
‫والمواضع الشهيرة، وفهرس المعاهد والمؤسسات والمكتبات، وفهرس الكتب‬
‫والرسائل، وفهرس األبيات، وفهرس إنجازات وانتقادات المؤلف، وفهرس‬
                                                    ‫محتويات الكتاب.‬
‫وملخص القول أن الكتاب جاء في حلته الجديدة العربية محتفلة بمعلومات قيمة.‬
                                                         ‫د‬
‫إن المترجم الذي أ ّى حق الترجمة، وأبلغ فكرة هذا الكتاب ورسالته إلى العالم‬
‫العربي، يستحق التقدير والشكر البالغين من أعماق القلوب على ترجمته السلسة‬
                                    ‫وترتيبه الجديد اللذين يزيدان قيمة الكتاب.‬


                                     ‫1 راجع للتفصيل: المصدر نفسه، ص 44-622‬
                                    ‫2 راجع للتفصيل: المصدر نفسه، ص 112-232‬

                                    ‫281‬
‫مجلة الهند‬




                       ‫ندوة وطنية حول:‬
         ‫ً‬
 ‫"المدائح النبوية في الهند: أصال وترجمة"‬
‫إعداد: أ. د. محمد نعمان خان‬

                                                 ‫ا‬
‫نظم قسم اللغة العربية وٓدابها لجامعة دلهي ندوة وطنية ليومين بالتعاون مع‬
                                        ‫ال‬
‫المجلس الوطني لترقية اللغة ا ٔردية التابع لوزارة تنمية الموارد البشرية‬
               ‫ا ال‬
‫لحکومة الهند، حول موضوع "المدائح النبوية في الهند: ٔص ً وترجمة" وذلك‬
‫في فترة ما بين الخامس والسادس من مارس ۲۰۱۳م، في قاعة االحتفاالت‬
             ‫التعليمية مقابل کلية خالصة (‪ )Khalisa College‬لجامعة دلهي.‬
‫عقدت الجلسة االفتتاحية برئاسة البروفيسور احتشام الندوي، علي كره، وكان‬
                                  ‫ال‬
‫سماحة الشيخ الدکتور سعيد الرحمن ا ٔعظمي الندوي رئيس تحرير مجلة‬
‫"البعث اإلسالمي" ضيف شرف لها، فاستهلت الجلسة بتالوة آي من القرآن‬
                                                               ‫د‬
‫الکريم، وق ّم البروفيسور محمد نعمان خان، رئيس القسم بجامعة دلهي کلمة‬
      ‫ال‬                                  ‫ل‬
‫الترحيب بالضيوف الکرام، وسّط الضوء على أهمية موضوع الندوة قائ ً: "إن‬
  ‫ا ا‬
‫هذا موضوع علمي وأدبي وال يمکن تقليل أهميته باعتباره موضوعً دينيً"،‬
                                                            ‫ال‬
‫واستطرد قائ ً: "إن المدائح النبوية بدأت في الهند منذ القرن الثامن من حيث‬
‫الصنف األدبي باللغة العربية وكذلك ترجمت قصيدة البردة في اللغتين األردوية‬
                                                     ‫ا‬     ‫ا‬
                                                   ‫والفارسية نظمً ونثرً".‬
        ‫ر‬                    ‫ا‬
‫وقام بإدارة هذه الجلسة فضيلة الدکتور ولي ٔختر الندوي كما ع ّف بضيف‬
‫الشرف البروفيسور شفيق أحمد خان الندوي وذكر أبرز إسهاماته في مجال‬
‫األدب العربي واإلسالمي والسيما المديح النبوي، وكذا ذكر أعمال رئيس‬
           ‫الجلسة البروفيسور احتشام الندوي في مجال اللغة العربية وآدابها.‬
‫وفي خطبته الرئاسية ألقی البروفيسور احتشام الندوي الضوء على خدمات‬
‫العلماء الهنود في المدائح النبوية وقال فيما قال: إن جهود علماء جنوب الهند في‬
                                              ‫ل‬
‫هذا المجال المبارک ال تق ّ أهمية عن جهود علماء أي منطقة من المناطق‬
                                                                  ‫الهندية".‬

                                    ‫381‬
‫مجلة الهند‬

       ‫ا ال‬         ‫ا‬
‫وألقی ضيف الشرف الدکتور سعيد األعظمي الندوي خطابً جامعً شام ً، فقال:‬
         ‫ل‬       ‫م‬                   ‫ل‬
‫"إن موضوع هذہ الندوة هو موضوع ک ّ عصر ومصر، ويع ّ العالم کّه في کل‬
‫مکان وزمان، إن رحمة النبي محمد صلی اهلل عليه وسلم تشمل اإلنسان کله في‬
‫کل مکان. اإلسالم ال يفصل بين إنسان وإنسان، فإن النبي صلی اهلل عليه وسلم‬
                                    ‫ال‬
‫قدوة لإلنسانية بأجمعها"، واستطرد قائ ً: "تشمل رحمته صلی اهلل عليه وسلم‬
               ‫ا‬                       ‫ا‬             ‫ا‬
‫جميع المخلوقات صغيرً کان أو کبيرً، فهي تشمل الخلق جميعً، تشمل األجواء‬
‫والفضاء، وتشمل کل ما هو بين السماء واألرض، إنه هو الرحمة المهداة، هذہ‬
‫الرحمة حقيق بأن يثنی عليها ويبدأ بها کل حفل، رحمته في کافة المجاالت ترشد‬
‫اإلنسان إلی سواء السبيل، فهي هداية لإلنسان سواء کان في الشرق أو في‬
           ‫ک‬
‫الغرب أو في القطب الشمالی أو الجنوبی وتشمل کل دابة"، وأ ّد الدکتور‬
                                                                 ‫ال‬
‫الندوي قائ ً: "ال أقول هذا الکالم إال نتيجة لدراسة الموضوع دراسة عميقة،‬
‫ونحن المسلمين أحوج إلی أن نتبعه صلی اهلل عليه وسلم حتی نکون سعداء‬
‫ونکون فائزين في کل مجال من مجاالت الحياة، ومطلوب من البشر أن يجعل‬
‫هذہ المدائح النبوية قدوة له في کل مجال من مجاالت حياته، ونحن أولی بأن‬
‫نتصف بهذہ الصفات العالية التي أکرم بها اإلنسان، وإذا اتصف اإلنسان‬
                                    ‫بالصفات النبوية يمکن له أن يقود العالم".‬
                      ‫س‬                            ‫ر‬
‫وکان من المتوقع أن يش ّف هذہ الندوة بحضوره رئي ُ ندوة العلماء سماحة‬
‫الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، ولکنه لم يتح له ذلك لظروف طارئة فبعث‬
                                                               ‫ي‬
‫بمقالته الق ّمة في موضوع "المدائح النبوية ومساهمة الشعراء فيها" فقرأ المقالة‬
          ‫د‬
‫نيابة عن سماحته، سعادة الشيخ الدکتور سعيد الرحمن األعظمي، وق ّم الدکتور‬
‫نعيم الحسن األثري من قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دلهي کلمة الشکر‬
                                           ‫لجميع الضيوف الکرام والحضور.‬
‫وقبل هذہ الجلسة االفتتاحية، ألقی البروفيسور السيد کفيل أحمد القاسمی، جامعة‬
‫علي كرہ اإلسالمية، المحاضرة السادسة من سلسلة محاضرات خورشيد أحمد‬
‫فارق التذکارية حول موضوع "نبذة عن مساهمة جامعة علي كرہ اإلسالمية في‬
‫تطوير اللغة العربية وآدابها"، وقد بسط البروفيسور مساهمات أساتذة وعلماء‬
 ‫ا‬       ‫ً‬        ‫ا‬       ‫ا‬
‫الجامعة المذكورة في ترويج اللغة العربية وآدابها بحثً وتحقيقً، وتصنيفا وتأليفً.‬
                             ‫ل‬               ‫د‬
‫وفي الجلسة األولى لهذه الندوة ق ّم مقاالتهم ک ّ من البروفيسور زبير أحمد‬
‫الفاروقي، نيو دلهي حول موضوع "مساهمة علماء ديوبند في المديح النبوي"،‬
‫والبروفيسور محمد إقبال حسين عميد كلية اللغة العربية بجامعة اللغة اإلنجليزية‬
‫واللغات األجنبية حول موضوع "المديح النبوي في شعر باقر آغا (آگاه)"،‬
‫والبروفيسور شفيق أحمد خان الندوي، نيو دلهي حول موضوع "نظرة عابرة‬

                                     ‫481‬
‫مجلة الهند‬

‫على المدائح النبوية في الهند"، والبروفيسور صالح الدين العمري من جامعة‬
‫علي كره اإلسالمية حول موضوع "احمد مجتبیٰ خوش دل فاروقی گوپامؤی"‬
‫(أحمد مجتبى خوشدل الفاروقي الغوفامئوي) باألردوية، والبروفيسور محمد‬
‫أسلم اإلصالحي عميد كلية اآلداب بجامعة جواهرالل نهرو حول موضوع‬
‫"لمحة عن تطور المديح النبوي في الهند"، والبروفيسور شريف حسين‬
‫القاسمی، نيو دلهي حول موضوع "سيرت پيغمبر اسالم اورغالب کی مثنوی‬
‫ابر گہر بار" (سيرة الرسول وملحمة غالب "أبر گہر بار") باألردوية،‬
‫والدکتور إشارت علي المال رئيس قسم اللغة العربية والفارسية بجامعة کولکاتا‬
       ‫حول موضوع "المديح النبوى للشاعر المطبوع عبد األول الجونفوري".‬
‫وفي اليوم الثانی بدأت الجلسة برئاسة البروفيسور عبد المعز رئيس قسم اللغة‬
                   ‫ا‬
‫العربية وآدابها بجامعة موالنا آزاد الوطنية األردوية بحيدرٓباد، الهند، وبإدارة‬
     ‫ل‬                  ‫د‬
‫الدکتور فوزان أحمد من الجامعة الملية اإلسالمية، ق ّم فيها المقاالت ک ّ من‬
‫الدکتور أشرف علي من جامعة كولكاتا حول موضوع "أنورشاه الكشميري‬
‫وقصائده العربية في المديح النبوي"، والدکتور صدر الحسن من أورنغ آباد‬
‫حول موضوع "من شعراء المديح النبوي في الهند: الشاه عبد العزيز‬
‫الدهلوي"، والدکتور قطب الدين الندوي من جامعة جواهرالل نهرو حول‬
                                                               ‫ل‬
‫موضوع "العّامة فضل حق الخير آبادي في مديح النبي صلى اهلل عليه وسلم"‬
‫والبروفيسور أيوب تاج الدين الندوي من الجامعة الملية اإلسالمية حول‬
‫موضوع "المديح النبوي في الهند في القرن العشرين"، والدکتور شمس الدين‬
‫ملك من جامعة كولكاتا " ‪The Arabic Eulogy of the Prophet‬‬
‫‪Raza Khan (S.A.W) composed by Maulana Mohd. Ahmad‬‬
‫‪( "Al- Barelawi‬قصيدة الشيخ محمد أحمد رضا خان البريلوي في مدح‬
‫النبي) باإلنجليزية، والبروفيسور غالم يحيی أنجم من جامعة همدرد حول‬
‫موضوع "امام احمد رضا خاں بريلوی کی عربی نعتيہ شاعری، علماء ازہر‬
‫کی نظرميں" (قصائد اإلمام أحمد رضا خان البريلوي في مدح النبي كما يراها‬
‫علماء الجامع األزهر)، والدکتور محمد سميع أختر من جامعة علي كره‬
‫اإلسالمية حول موضوع "الخصائص البارزة للمدائح العربية الهندية: دراسة‬
‫نقدية" والدكتور أبو بكرمنجاتوشاني من كلية ‪ ،MAMO‬كيراال حول موضوع‬
‫"نشأة المدائح النبوية وتطورها في كيراال" والباحث عبد العليم حول موضوع‬


                                    ‫581‬
‫مجلة الهند‬

‫"السيد إبراهيم األديب في قصيدته الالمية في المديح النبوي" والباحث رياض‬
  ‫حول موضوع "مساهمة الشيخ حبيب الرحمن العثماني في المدائح النبوية".‬

‫وفي هذہ الجلسة ألقى سماحة البروفيسور عبد الحق، نيو دلهي خطبة وجيزة‬
            ‫حول موضوع "مساهمة العالمة محمد إقبال في المديح النبوي".‬
‫والجلسة الثانية بدأت برئاسة الدکتور صدر الحسن وبإدارة الدکتور قطب الدين‬
                                ‫ل‬                            ‫د‬
‫الندوي. وق ّم المقاالت في هذہ الجلسة ک ّ من البروفيسور عبد المعز حول‬
‫موضوع "الشيخ محمد عمران األعظمي في ضوء ألفيته في السيرة‬
‫المصطفوية"، والدکتور نسيم أختر الندوي من الجامعة الملية اإلسالمية حول‬
‫موضوع "مساهة شعراء كيراال في المديح النبوي"، والدكتور أورنك زيب‬
‫األعظمي من جامعة فيسفا-باراتي، شانتينيكيتان حول موضوع "شعراء مجاهيل‬
‫للمديح النبوي" والدکتورة تسنيم کوثر من جامعة علي كرہ اإلسالمية حول‬
‫موضوع "مساهمة العالمة أنور شاه الكاشميري في المديح النبوي"، والدكتور‬
‫عبيد الرحمن الطيب من جامعة جواهر لعل نهرو حول موضوع "القصيدة‬
‫العنبرية: دراسة تحليلية" والدکتور علي رضا من کولکاتا حول موضوع‬
‫"العالمة فضل حق الخيرآبادي ومساهمته في المديح النبوي الشريف"،‬
‫والدکتور عرفات ظفر من جامعة لکناؤ حول موضوع "الشيخ العالمة فيض‬
‫الحسن السهارنفوري ومدائحه النبوية"، والدکتور السيد مجيد أندرابي من‬
‫الجامعة التكنولوجية اإلسالمية في کاشمير حول موضوع "نشأة المدائح النبوية‬
‫وتطورها في كيراال"، والباحث صدر اإلسالم حول موضوع " ‪Mualana‬‬
‫‪Wilayat Hussain Birbhumi in the light of Qasida-e-Mimiya‬‬
‫‪( "al-Bitaqa fi al-Madih al-Nabawi‬الشيخ واليت حسين البيربهومي‬
‫في ضوء قصيدته الميمية "البطاقة في المديح النبوي") باإلنجليزية والباحث‬
‫غياث اإلسالم الصديقي حول موضوع "حياة الشيخ فيض الحسن السهارنفوري‬
                                       ‫وشعره في المديح النبوي الشريف".‬
‫وقام برئاسة الجلسة الثالثة البروفيسورالسيد محمد حسان خان من جامعة‬
 ‫د‬
‫بهوفال، بينما أدارها الدکتور عرفات ظفر. وفي هذہ الجلسة األخيرة للندوة ق ّم‬
                                                             ‫ل‬
‫المقاالت ک ّ من الدکتور حسنين أختر من جامعة إله آباد حول موضوع‬
‫"المدائح النبوية في شعر شوقي وإقبال"، والدکتور عبد القدوس من جامعة‬
‫موالنا آزاد الوطنية األردية (حرمها بلكناؤ) حول موضوع "مدح النبی: آداب‬
‫اورتقاضے" (المديح النبوي: أساليبه ومتطلباته) باألردوية، والدکتور فوزان‬
‫أحمد حول موضوع "المدائح النبوية العربية في الهند"، والدکتور نجم الحق من‬

                                   ‫681‬
‫مجلة الهند‬

‫جامعة غوربانغا، بنغال الغربية حول موضوع "مساهمة شاکر النائطي في‬
‫المديح النبوي" والسيد سعيد الرحمن من الجامعة العالية في كولكاتا حول‬
‫موضوع "دراسة مقارنة بين القصيدة البائية للشاه ولي اهلل المحدث الدهلوي‬
‫ومنظومة أالياعاذلى دم في مالمي للشاه عبدالعزيز الدهلوي"، والباحث محمد‬
‫أحمد نعيمي من جامعة همدرد حول موضوع "محمد العربي في اللغة‬
‫السنسكريتية وآدابها" بالهندية، والباحث محمد جسيم الدين من جامعة دلهي‬
‫حول موضوع "مساهمة علماء ديوبند في مديح رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                                 ‫وسلم".‬
 ‫ء‬
‫عقدت الجلسة الختامية في السادس من شهر مارس في الساعة الرابعة مسا ً،‬
‫وترأس هذہ الجلسة األکاديمية البروفيسور أختر الواسع أستاذ، قسم الدراسات‬
‫اإلسالمية بالجامعة الملية اإلسالمية، وقام بإدارة الجلسة الدکتور محمد قاسم‬
‫الندوي من قسم اللغة العربية بکلية ذاکر حسين، دلهي، التابعة لجامعة دلهي،‬
                                 ‫ا‬                                 ‫د‬
‫كما ق ّم الدکتور نعيم الحسن األثري تقريرً عن الندوة، وتال الدکتورمجيب أختر‬
                                         ‫د‬
‫الندوي توصيات الندوة التي أع ّها لجنة توصيات الندوة. ووصلت الندوة إلی‬
‫نهاية المطاف بعدما تقدم البروفيسور محمد نعمان خان بکلمة الشکر إلی جميع‬
                     ‫الضيوف والمشاركين من الحضور والطالب والموظفين.‬
‫واستمرت هذه الندوة ليومين (الخامس والسادس من مارس) وألقی فيها حوالي‬
                                                           ‫ال‬
‫أربعين مقا ً في الموضوع، وشارك فيها األساتذة والباحثون من مختلف‬
                      ‫الجامعات والمعاهد الهندية الحکومية وغير الحکومية.‬




                                   ‫781‬
‫مجلة الهند‬



  ‫ندوة وطنية حول "تدريس اللغة العربية في‬
      ‫الهند: مناهجه وإمكانيات تطوره"‬
‫إعداد: د. ثمينة كوثر‬
‫إن قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة موالنا آزاد األردوية الوطنية، حيدرآباد قىام‬
‫بعقىىد نىىدوة وطنيىىة حىىول موضىىوع "تىىدريس اللغىىة العربيىىة فىىي الهنىىد: مناهجىىه‬
‫وإمكانيات تطوره" وذلك خالل الفترة ما بين 12 و02 من فبراير سىنة 4012م.‬
‫استغرقت فعاليات هذه الندوة يومين كاملين، فقد تم تقديم أكثر مىن أربعىين ورقىة‬
‫بحثية من قبل المشاركين القادمين من مختلف الجامعات الهندية والمعاهد العلمية‬
                                                                          ‫م‬
‫العديىىدة، ومىىن أه ّهىىا جامعىىة كشىىمير، والجامعىىة المليىىة اإلسىىالمية، نيىىو دلهىىي،‬
‫وجامعىىة دلهىىي، وجامعىىة جىىواهر الل نهىىرو، نيىىو دلهىىي، والجامعىىة العثمانيىىة،‬
‫حيىىدرآباد، وجامعىىة اإلنجليزيىىة واللغىىات األجنبيىىة، حيىىدرآباد، وجامعىىة كولكاتىىا‬
‫وجامعىىىة غوربانغىىىا، بنغىىىال الغربيىىىة، والكليىىىة الجديىىىدة، تشىىىنائي وغيرهىىىا مىىىن‬
                                                  ‫الجامعات والكليات الشهيرة في الهند.‬
‫واحتوت الندوة على عشر جلسات بما فيها الجلسة االفتتاحيىة والجلسىة الختاميىة.‬
‫عقدت الجلسىة االفتتاحيىة ل هىذه النىدوة برئاسىة سىعادة مىدير الجامعىة البروفيسىور‬
‫محمد ميان، وكان سعادة الملحق الثقافي بسىفارة المملكىة العربيىة السىعودية بنيىو‬
‫دلهىىي الىىدكتور عل ىي محمىىد علىىي الشىىهري ضىىيف شىىرف لهىىذه الحفل ىة الكريم ىة.‬
                             ‫ر‬
‫اسىىتهلت هىىذه الجلسىىة بىىتالوة آي مىىن القىىرآن الكىىريم تشى ّف بهىىا المقىىرئ الحىىافظ‬
                                               ‫د‬
‫محمد ذبيح اهلل أحد طالب هذا القسم، ثم ق ّم األستاذ عبد المعز رئىيس قسىم اللغىة‬
‫العربيىىة كلمىىة الترحيىىب، و بعىىد ذلىىك قىىام الىىدكتور سىىيد علىىيم أشىىرف الجائسىىي‬
‫بالتعريف بضىيوف شىرف. ثىم ألقىى األسىتاذ الىدكتور زبيىر أحمىد الفىاروقي، نيىو‬
‫دلهي الكلمة الرئاسية للنىدوة، التىي تنىاول فيهىا األسىتاذ أهميىة الموضىوع وأحىاط‬
‫بجوانب مهمة للبحث وقام باستعراض وضع اللغىة العربيىة فىي الهنىد بىين الواقىع‬
‫والمىىىأمول. وأشىىىار فيهىىىا بوجىىىه خىىىاص إلىىىى التعريىىىف بماجسىىتير فىىىي الترجمىىىة‬
‫وضرورة االستمرار في عقد الندوات المماثلة في المستقبل والتركيز على صحة‬
‫النطىىق واالبتعىىاد عىىن تىىدخل اللغىىة األم فىىي عمليىىة التعلىىيم والىىتعلم كمىىا أشىىار إلىىى‬
        ‫الواقع الم ّ بأ ّا ولو حققنا النجاح في الكمية ولكن فشلنا في تحقيق الجودة.‬‫ر ن‬
‫ثم تكرم سىعادة الملحىق الث قىافي الىدكتور علىي محمىد علىي الشىهري بإلقىاء كلمتىه‬
‫وأعرب فيها عن إعجابه وتقديره البىالغين بجامعىة موالنىا آزاد وأسىاتذتها الكىرام‬
                                             ‫881‬
‫مجلة الهند‬

‫وق ّم الشكر إلى مدير الجامعة المحترم على دعوته إلى الحضور فىي هىذه النىدوة‬      ‫د‬
‫ووعد بتقديم مساعدة ثقافية بين الجامعة والمملكة العربيىة السىعودية فىي التبىادل‬
‫الثقافي بين البلىدين وإهىداء كتىب علميىة وأدبيىة للجامعىة ودعىم الفعاليىات الثقافيىة‬
                                                                  ‫والمشاركة فيها.‬
‫وألقى مدير الجامعة األستاذ الدكتور محمد ميىان كلمىة الرئاسىة، وأكىد فيهىا الىدكتور‬
‫المحترم على ضرورة إيجاد تفاعل حيوي بين جامعة موالنا آزاد وجامعات المملكة‬
‫ال عربية السىعودية وأعىرب عىن اسىتعداده التىام لتقىديم أي نىوع مىن المسىاعدة لتفعيىل‬
‫التوصيات والمشاريع المقترحة من القسم العربي، وأمر قسىم اللغىة العربيىة وآدابهىا‬
‫بجامعة موالنا آزاد بأن يحتفل باليوم العالمي للغىة العربيىة كىل سىنة، وبىارك سىعادة‬
‫مدير الجامعة المشاركين في هذه الندوة والقسم العربىي لمبىادرة عقىد النىدوة الثقافيىة‬
‫كهىىذه. وانتهىىت هىىذه الجلسىىة بكلمىىة الشىىكر التىىي ألقاهىىا الىىدكتور جاويىىد نىىديم األسىىتاذ‬
                                  ‫المساعد بالقسم العربي. ثم تتابعت الجلسات األكاديمية.‬
‫أما الجلسة األكاديميىة األولىى فقىد ابتىدأت برئاسىة سىعادة الملحىق الثقىافي بسىفارة‬
‫المملكة العربية السعودية، نيو دلهي الدكتور علي محمىد علىي الشىهري، وقىدمت‬
                                                     ‫و د‬
‫فيها ثالثة بحوث فالبحث األ ّل ق ّمه األستاذ شفيق أحمد خان الندوي، نيىو دلهىي‬
‫بعنوان "بناء المناهج وطرق تدريس اللغة العربيىة فىي الهنىد"، ذكىر فيىه األسىتاذ‬
‫الندوي أن الجامعات الهندية بحاجة إلى منهج تدريجي لتدريس اللغة العربية ألن‬
                              ‫د‬
‫المنهج هو خالق األجيال وصىانعها، والبحىث الثىاني ق ّمىه األسىتاذ سىيد جهىانغير‬
‫مىىىن جامعىىىة اإلنجليزيىىىة واللغىىىات األجنبيىىىة، حيىىىدراباد بعنىىىوان "تجربىىىة جامعىىىة‬
‫الحرمين الشريفين العربيىة اإلسىالمية النموذجيىة بحيىدرآباد فىي تنميىة المهىارات‬
‫اللغويىىة"، تنىىاول السىىيد جهىىانغير فىىي بحثىىه المىىوجز أهميىىة اللغىىة العربيىىة وسىىرد‬
‫تجربة معهده النمىوذجي فىي إعىداد طلبىة قىادرين علىى التحىدث بالعربيىة بطالقىة‬
                                  ‫د‬
‫وذلك في أقىل مىن سىنة. وأمىا البحىث الثالىث فقىد ق ّمىه الىدكتور سىيد راشىد نسىيم‬
‫الندوي من نفس الجامعة مقاله بعنوان "المنهج القىويم إلعىداد المقىررات العربيىة‬
‫للمبتىىدئين"، وأشىىار بوجىىه خىىاص إلىىى المقىىررات الدراسىىية وقىىال إنىىه ال بىىد أن‬
‫تتضمن هذه المقررات على النمىو المنسىجم لكافىة مهىارات التلميىذ مىن االسىتماع‬
          ‫والقراءة والمحادثة واالستنتاج الفكري والتعبير األدبي واإلمالء والخط.‬
‫وأما الجلسة الثانية فقىد ترأسىها األسىتاذ الىدكتور محمىد عبىد المجيىد مىن الجامعىة‬
                ‫ل‬
‫العثمانية، حيدراباد. تناولت هذه الجلسة ست مقاالت علمية ألقاها ك ٌ من األستاذ‬
‫الدكتور منظور أحمد خان من جامعة كشىمير بعنىوان "تطىوير المقىرر الدراسىي‬
‫الشىىىىامل للماجسىىىىتير" والىىىىدكتور إشىىىىارت علىىىىي المىىىىال مىىىىن جامعىىىىة كولكاتىىىىا‬
‫بعنىىوان"تىىدريس اللغىىة العربيىىة وتطورهىىا فىىي بنغىىال الغربيىىة عبىىر العصىىور"‬

                                              ‫981‬
‫مجلة الهند‬

‫والدكتور ولي أختر من جامعة دلهي بعنوان "الحد األدنى مىن القواعىد العربيىة"‬
‫والىىدكتور عبىىد القىىدوس مىىن الحىىرم الجىىامعي بلكنىىاؤ، التىىابع لجامعىىة موالنىىا آزاد‬
‫بعنوان "تدريس اللغة العربيىة: مشىاكلها وحلولهىا" والىدكتور شىاذلي حسىن خىان‬
‫من كلية تربية المعلمىين بجامعىة موالنىا آزاد بعنىوان "تىدريس اللغىة العربيىة فىي‬
‫الهنىىد: مكانتهىىا وإمكانياتهىىا فىىي مجىىال التعلىىيم العىىالي الهنىىدي الىىراهن" والىىدكتور‬
‫محمد صفي اهلل خان من الجامعة العثمانية بعنوان "المناهج النافعة لتدريس اللغة‬
                                                                       ‫العربية في الهند".‬
‫والجلسة الثالثىة اشىتملت علىى خمىس مقىاالت قيمىة وتلىك لألسىتاذ الىدكتور محمىد‬
‫أيىىوب تىىاج الىىدين مىىن الجامعىىة المليىىة اإلسىىالمية بعنىىوان "اسىىتخدام التكنولوجيىىا‬
‫المعلوماتية في تدريس اللغىة العربيىة" والىدكتور كمىال اهلل البختيىاري مىن الكليىة‬
‫الجديدة بتشينائي بعنوان "مساهمة أبناء دار العلوم ندوة العلماء في تدريس اللغىة‬
‫العربية وآدابها" واألستاذة الدكتورة عائشىة كمىال مىن جامعىة بركىة اهلل، بهوفىال‬
‫بعنوان " ديناميىة تطىوير تىدريس اللغىة العربيىة فىي الجامعىات الهنديىة" واألسىتاذ‬
‫محمد حسىان خىان مىن نفىس الجامعىة بعنىوان "منىاهج تىدريس اللغىة العربيىة فىي‬
‫الهند" والدكتور نجم الحق من جامعة غوربانغا بعنوان "خصائص منهج التعلىيم‬
         ‫القديم". ترأس هذه الجلسة األستاذ منظور أحمد خان من جامعة كاشمير.‬
‫أمىىا الجلسىىة األكاديميىىة الرابعىىة فقىىد عقىىدت صىىباح اليىىوم الواحىىد والعشىىرين مىىن‬
                                         ‫د‬
‫فبرايىىر، ضىىمت هىىذه الجلسىىة سىىتة بحىىوث ق ى ّمها كىىل مىىن الىىدكتور عبىىد الماجىىد‬
‫القاضي من الجامعة الملية اإلسىالمية بعنىوان "مىنهج تىدريس النصىوص األدبيىة‬
‫فىىي األقسىىام العربيىىة فىىي الجامعىىات الهنديىىة" والىىدكتور نعىىيم الحسىىن األثىىري مىىن‬
‫جامعة دلهي بعنوان "دور المهارات اللغويىة فىي إتقىان اللغىة العربيىة" والىدكتور‬
‫مظفىىر عىىالم مىىن جامعىىة اإلنجليزيىىة واللغىىات األجنبيىىة بعنىىوان "دور الجامعىىات‬
‫الهنديىىة فىىي النهىىوض باللغىىة العربيىىة وآدابهىىا" والىىدكتور محمىىد أشىىرف علىىي مىىن‬
‫جامعىىىة كولكاتىىىا بعنىىىوان "مواصىىىفات المىىىدرس الجيىىىد لتىىىدريس اللغىىىة العربيىىىة"‬
‫والىدكتورة مىىه جبىىين أختىىر مىىن كليىىة اإلنىىاث بالجامعىىة العثمانيىىة بعنىىوان "منىىاهج‬
‫تدريس اللغة العربيىة فىي العصىر الحىديث" والىدكتورة طلعىت سىلطانة مىن نفىس‬
‫الكليىىة بعنىىوان "مقومىىات فىىن التىىدريس للغىىة العربيىىة". وكىىان يىىرأس هىىذه الجلسىىة‬
          ‫األستاذ محمد حسان خان من جامعة بركة اهلل، بهوفال، مادهيا براديش.‬
              ‫ً‬
‫وممىىا يجىىدر بالىىذكر أن قىىد أقيمىىت جلسىىات أكاديميىىة موازيىىة نظىىرا إلىىى زيىىادة‬
‫المشاركين على العدد المظنون وهذا أصدق شاهد على اإلقبال المتهافت من قبىل‬
‫محبي لغىة الضىاد علىى دراسىة اللغىة العربيىة وكيفيىة تطويرمنىاهج تدريسىها فىي‬
‫ربوع الهند. فالجلستان؛ الخامسة والسادسة عقدتا موازيتين وتانك بكل مىن قاعىة‬

                                            ‫091‬
‫مجلة الهند‬

‫المؤتمرات بمبنى المكتبة المركزية وقاعىة المىؤتمرات بكليىة الكىوادر األكاديميىة‬
‫بجامعىىة موالنىىا آزاد. فالجلسىىة التىىي أقيمىىت فىىي قاعىىة المكتبىىة المركزيىىة برئاسىىة‬
‫األسىىتاذ شىىفيق أحمىىد خىىان تناولىىت سىىتة بحىىوث علميىىة قىىدمها كىىل مىىن األسىىتاذة‬
‫عصمت مهدي، حيدراباد بعنوان "طىرق تىدريس النطىق" والىدكتور نسىيم أختىر‬
‫مىن الجامعىىة المليىة اإلسىىالمية بعنىىوان "مىنهج تىىدريس اللغىىة العربيىة وآدابهىىا فىىي‬
‫الجامعة المليىة اإلسىالمية مىا لىه ومىا عليىه" والىدكتور سىيد محامىد الهاشىمي مىن‬
‫جامعة اإلنجليزية واللغات األجنبية بعنوان "اللغىة العربيىة المعاصىرة وتدريسىها‬
‫فىىي واليىىة آنىىدرا بىىراديش" والىىدكتور شىىاهد عبىىد اهلل مىىن معهىىد غلىىوب لدراسىىات‬
‫الترجمىىة، نيىىو دلهىىي بعنىىوان "تىىدريس العربيىىة فىىي الهنىىد: مشىىاكلها وحلولهىىا"‬
‫والىىدكتور عبيىىد الرحمىىان بعنىىوان "ضىىرورة تنميىىة مهىىارات االسىىتماع والتحىىدث‬
            ‫لمتعلمي اللغة العربية، خطوات وتقنيات" من جامعة جواهر الل نهرو.‬
‫والجلسىىىة الساد سىىىة الموازيىىىة التىىىي عقىىىدت بقاعىىىة المىىىؤتمرات بكليىىىة الكىىىوادر‬
‫األكاديمية فقد شملت ثماني مقاالت علمية ألقاها كل من ذكر اهلل العربي، الباحث‬
‫في قسم اللغة العربية بجامعة موالنا آزاد بعنوان "مساهمات الجامعات والمعاهد‬
‫اإلسالمية في تطور اللغة العربية"، والدكتورة فاطمة تبسىم الباحثىة مىن الجامعىة‬
‫العثمانيىة بعنىوان "تىىدريس اللغىة العربيىىة ومناهجهىا السىائدة المتنوعىىة فىي الهنىىد:‬
‫دراسىىة واسىىتعراض" ومحمىىد فضىىيل، الباحىىث مىىن قسىىم اللغىىة العربيىىة بجامعىىة‬
‫موالنىىا آزاد بعنىىوان "مواصىىفات المىىدرس الجيىىد للغىىة العربيىىة" ومحمىىد كىىامران‬
‫عزيز الباحث بجامعة اإلنجليزية واللغات األجنبية بعنوان "تدريس اللغة العربية‬
‫في المملكة العربية السعودية ودارالعلوم ندوة العلماء – دراسة مقارنة" وآصىف‬
‫لئيىىق الباحىىث بالقسىىم العربىىي بجامعىىة موالنىىا آزاد بعنىىوان "أدب األطفىىال والقىىيم‬
‫التربوية فىي الهنىد" ومحمىد نفىيس الباحىث بجامعىة اإلنجليزيىة واللغىات األجنبيىة‬
‫بعنوان "ميزات المدرس الجيد للمهارات اللغويىة" وعلىي أكبىر الهىداوي بجامعىة‬
‫اإلنجليزية واللغىات األجنبيىة، بعنىوان "دور حلقىات المسىاجد فىي تطىور تىدريس‬
‫اللغة العربية في كيراال: تاريخها ومناهجها الدراسية" وأحسىن بىن عبىد الىرحمن‬
‫الحمومي بجامعة اإلنجليزية واللغات األجنبية بعنوان "منهج جديد لتدريس اللغة‬
                                                              ‫العربية لغير الناطقين بها".‬
                                   ‫ا‬
‫وأما الجلستان؛ السابعة والثامنىة فقىد أقيمتىا أيضىً مىوازيتين. فالجلسىة األكاديميىة‬
‫السىىابعة التىىي عقىىدت بقاعىىة المىىؤتمرات بمبنىىى المكتبىىة المركزيىىة انطىىوت علىىى‬
‫خمىس مقىاالت علميىة تقىدم بهىا كىل مىن الىدكتور محمىد شىهاب الىدين مىن جامعىىة‬
‫اإلنجليزية واللغات األجنبية بعنوان "دور آي سي تي فىي تىدريس اللغىة : الواقىع‬
‫واإلمكانيىىات" والىىدكتور محمىىد أيىىوب الصىىديقي مىىن جامعىىة اإلنجليزيىىة واللغىىات‬

                                           ‫191‬
‫مجلة الهند‬

‫األجنبية بعنوان "تىدريس التعبيىر فىي اللغىة العربيىة: مشىاكل وحلىول" والىدكتور‬
‫محمد فضل اهلل شريف من كلية آفانتي بحيدرآباد بعنىوان "تىدريس اللغىة العربيىة‬
‫باعتبارهىىا لغىىة ثانيىىة" والىىدكتور محمىىد أنظىىر مىىن جامعىىة اإلنجليزيىىة واللغىىات‬
‫األجنبية بعنوان "تدريس اللغة العربية باعتبارها لغة ثانيىة". تىرأس هىذه الجلسىة‬
         ‫البروفيسور محمد أيوب تاج الدين الندوي من الجامعة الملية اإلسالمية.‬
‫والجلسىىة الثامنىىة الموازيىىة التىىي عقىىدت بقاعىىة المىىؤتمرات بكليىىة الكىىوادر األكاديميىىة‬
                                                             ‫د‬
‫احتوت على سبعة مقاالت ق ّمها كل من الدكتور نوشىاد عىالم المحاضىر بكليىة اتىش‬
‫آر دي بحيىىدرآباد بعنىىوان " اسىىتخدام الوسىىائل التعليميىىة الحديثىىة فىىي تىىدريس اللغىىة‬
‫العربية" وعبد العليم الباحث بقسم اللغة العربية بجامعىة موالنىا آزاد بعنىوان "تنميىة‬
‫أثر اسىتخدام الوسىائط المتعىددة فىي التعلىيم والىتعلم" وعمىر فىاروق الباحىث بجامعىة‬
‫اإلنجليزية واللغات األجنبية بعنوان "تنمية مهارات التعبيىر فىي اللغىة العربيىة لغيىر‬
‫الناطقين بها: مشاكلها وحلولهىا" وعبىد الىرحمن الباحىث بجامعىة جىواهر الل نهىرو‬
‫بعنوان "تدريس اللغة العربية في الهند كلغة أجنبية " والباحث شىاكر رضىا بعنىوان‬
‫"اللغىىة العربيىىة ومشىىاكلها" والباحىىث عبىىد الجليىىل بعنىىوان "المنىىاهج المتداولىىة فىىي‬
‫تدريس اللغة العربية في مراحل مختلفة وضرورة إصالحها" وعبد الرحيم الباحىث‬
                                  ‫ّ‬
‫بجامعىىة اإلنجليزيىىة واللغىىات األجنبيىىة بعنىىوان "الح ىل المقتىىرح فىىي طىىرق تىىدريس‬
‫القواعىىد فىىي تامىىل نىىادو خاصىىة وفىىي الهنىىد عامىىة". تىىرأس هىىذه الجلسىىة البروفيسىىور‬
                                 ‫السيد جهانغير من جامعة اإلنجليزية واللغات األجنبية.‬
‫وفىىي نهايىىة المطىىاف عقىىدت الجلسىىة الختاميىىة لهىىذه النىىدوة الوطنيىىة فىىي السىىاعة‬
‫الخامسة من 02/ فبرايىر بقاعىة المىؤتمرات بالمكتبىة المركزيىة. ترأسىها األسىتاذ‬
‫الىىدكتور محمىىد مصىىطفى شىىريف، مىىدير دائىىرة المعىىارف العثمانيىىة، بحيىىدرآباد.‬
                                     ‫ً‬         ‫ً‬
‫وق ّمت أنىا باعتبىاري منسىقة للنىدوة تقريىرا مىوجزا عىن فعاليىات النىدوة الوطنيىة‬        ‫د‬
‫التي استمرت ليومين، ثم أعرب نخبة من المشاركين عن انطباعىاتهم حىول هىذه‬
‫الندوة وع ّروا فيها عن إعجابهم بما شاهدوا من تنظيم جيد ألعمال الندوة وأبدوا‬        ‫ب‬
                          ‫د‬
‫عىىن شىىكرهم وتقىىديرهم للقىىائمين علىىى هىىذه النىىدوة. ثىىم ق ى ّم الىىدكتور جاويىىد نىىديم‬
‫النىىدوي التوصىىيات مىىن النىىدوة فوافىىق الجميىىع علىىى هىىذه التوصىىيات قىىائلين إنهىىم‬
                                    ‫ا‬
‫سيبذلون جهودهم إلبرازها إلى حيز التنفيذ. وأخيرً ألقى الرئيس المحتىرم كلمتىه‬
‫الرئاسية وأ ّىد فيهىا علىى ضىرورة إيجىاد مىنهج تدريسىي يفىي بمتطلبىات العصىر‬     ‫ك‬
‫وخاصة في مجال الترجمة وإدخال اللغة اإلنجليزية في المقررات الدراسية حتى‬
                                                             ‫د‬
‫ال يجد الدارسون عرقلة تص ّهم عن اللحاق بالركىب ومواكبىة المسىتقبل. وبىارك‬
‫قسم اللغة العربية وآدابها على عقد الندوة الوطنية بهذا الموضوع المهم. وانتهىت‬
                 ‫الجلسة بكلمة الشكر التي ألقاها الدكتور سيد عليم أشرف الجائسي.‬


                                             ‫291‬
‫مجلة الهند‬



              ‫ندوة دولية حول:‬
  ‫"الضوابط الشرعية والمنهجية للحوار بين‬
                 ‫األديان"‬
‫إعداد: مجمع الفقه اإلسالمي (الهند)‬
‫انعقدت الندوة العلمية حول موضوع "الضوابط الشرعية والمنهجية للحوار بين‬
                         ‫ا‬
‫األديان" في رحاب جامعة دلهي لمدة ثالثة أيام ابتداءً من 22/ أبريل إلى 22/‬
‫أبريل 4012 م تحت إشراف ورعاية اإليسسكو بالتنسيق مع قسم اللغة العربية‬
                     ‫وآدابها بجامعة دلهي وبتعاون مجمع الفقه اإلسالمي بالهند.‬
‫وقد حضر الحفل االفتتاحي يوم االثنين 22/أبريل عدد كبير من األساتذة‬
‫والمثقفين والشخصيات البارزة خاصة من السلك الدبلوماسي ومن البرلمان‬
‫الهندي الحكومي والمؤسسات والمعاهد اإلسالمية والمدارس الدينية والجامعات‬
‫الحكومية الهندية وقد بلغ عدد المشاركين في الحفل االفتتاحي إلى ثالث مأة‬
                                                                 ‫ا‬
                                                                ‫مشارك تقريبً.‬
‫ووزع المجمع بين المشاركين الملف المحتوي على األوراق الالزمة والكلمة‬
‫األساسية المطبوعة باألردوية والعربية وكتيب تعريفي عن اإليسسكو وقسم‬
                             ‫اللغة العربية والمجمع باللغة العربية وأشياء أخرى.‬
                                                           ‫د‬
‫وفي هذا الحفل ق ّم فضيلة الدكتور عبد اإلله بن عرفة كلمته االفتتاحية التي‬
‫شرح فيها أهداف الحوار وضرورته في هذا العصر وما تتوجه إليه اإليسسكو‬
‫باختيار مناهج قويمة مؤثرة لتحقيق األهداف العليا على المستوى الدولي، ثم‬
        ‫م‬
‫ألقى فضيلة الشيخ عتيق أحمد البستوى سكريتر الشؤون العلمية للمج ّع كلمته‬
‫التعريفية بخصوص موضوع الندوة، ثم تحدث السفير الجزائري بهذه المناسبة‬
‫حيث أشاد بدور اإليسسكو وجهوده في مجال الحوار والثقافة والتربية، وقد‬
                                                        ‫ل م‬
‫حضر هذا الحف َ القائ ُ باألعمال لسفارة المملكة المغربية على وجه الخصوص‬
‫كما ش ّفه بحضوره السيد كي رحمن خان وزير شئون األقليات للحكومة الهندية‬   ‫ر‬
                                                    ‫وألقى كلمته بهذه المناسبة.‬
‫وق ّم رئيس هذا الحفل الدكتور ظفر اإلسالم خان كلمته الرئاسية التي استعرض‬    ‫د‬
‫فيها جميع آراء المتحدثين في هذه الندوة وصرح في كلمته الواضحة عن جهود‬
                                                ‫ا‬
                 ‫اإليسسكو المتميزة وبين أبعادً مهمة ما يتعلق بموضوع الندوة.‬

                                     ‫391‬
‫مجلة الهند‬

‫وأدار الحفل االفتتاحي الدكتور ولي أختر الندوي األستاذ المشارك في قسم اللغة‬
                                                    ‫ح‬
‫العربية بجامعة دلهي، ور ّب رئيس قسم اللغة العربية البروفيسور محمد نعمان‬
          ‫ً ا‬
         ‫خان بجميع الحاضرين والمشاركين والضيوف لهذه الندوة ترحيبا حارً.‬
‫كما ق ّم البروفيسور محسن العثماني الندوي، نيو دلهي والبروفيسور شفيق أحمد‬‫د‬
‫خان الندوي، نيو دلهي وفضيلة الشيخ شوكت القاسمي أستاذ اللغة العربية بدار‬
‫العلوم، ديوبند عن كلماتهم بشان أهمية الموضوع في هذا الحفل االفتتاحي،‬
                                             ‫وبرنامج الحفل االفتتاحي كما يلي:‬
       ‫يوم االثنين 77/أبريل، الوقت: 44:33/ صباحا إلى 44:7 / ظهرً‬
       ‫ا‬                 ‫ً‬
         ‫قاعة المؤتمرات أمام قسم النباتات، رقم البوابة: 2، جامعة دلهي‬
                                                                ‫تالوة آي من‬
                                                               ‫القرآن الكريم:‬
      ‫الضيف الرئيسي: سعادة السيد كى رحمن خان (وزير شؤون األقليات‬
                                  ‫للحكومة الهندية)‬
   ‫الدكتور ظفر اإلسالم خان (عضو مجلس األمناء االتحاد‬               ‫الرئاسة:‬
                              ‫العالمي لعلماء المسلمين)‬
       ‫سعادة الدكتور عبد اإلله بن عرفة (مدير قسم التراث‬     ‫كلمات افتتاحية:‬
                             ‫والتنوع الثقافي اإليسيسكو)‬
  ‫البروفيسور محمد نعمان خان (رئيس قسم اللغة العربية‬         ‫كلمات ترحيبية:‬
                                       ‫بجامعة دلهي)‬
 ‫فضيلة الشيخ عتيق أحمد البستوي (أستاذ دار العلوم ندوة‬              ‫التعريف‬
          ‫العلماء لكناؤ وسكرتير الشئون العلمية للمجمع)‬          ‫بالموضوع:‬
      ‫فضيلة الشيخ خالد سيف اهلل الرحماني (األمين العام‬              ‫الخطبة‬
                                              ‫للمجمع)‬            ‫األساسية:‬
  ‫سعادة الشيخ محمد حسن الشريف (سفير دولة الجزائر)‬            ‫ضيف الشرف:‬
 ‫سعادة الشيخ محمد سيدي (القائم باألعمال لسفارة المملكة‬
                                             ‫المغربية)‬
 ‫الشيخ محمد بن عبد العزيز المدني (نائب القنصل الثقافي‬
                              ‫لسفارة المملكة السعودية)‬
             ‫البروفيسور محسن العثماني الندوي (نيو دلهي)‬            ‫الكلمات:‬

                                    ‫491‬
‫مجلة الهند‬

                ‫البروفيسور شفيق أحمد خان (نيو دلهي)‬
‫الشيخ شوكت حسين القاسمي (أستاذ في دارالعلوم ديوبند)‬
                             ‫الدكتور ظفر اإلسالم خان‬          ‫كلمات رئيس‬
                                                                  ‫الحفل:‬
     ‫فضيلة الشيخ عبيد اهلل األسعدي (سكرتير المؤتمرات‬          ‫كلمات الشكر:‬
                                            ‫للمجمع)‬
     ‫الدكتور ولي أختر الندوي (قسم اللغة العربية بجامعة‬        ‫عريف الحفل:‬
                                                ‫دلهي)‬
‫وفي يوم الثالثاء 42/ أبريل انعقدت الجلسة األولى لهذه الندوة تحت رئاسة‬
‫البروفيسور عبد المجيد وأدارها البروفيسور عبد المعز، قدم في هذه الجلسة‬
‫العلماء واألساتذة والباحثون مقاالتهم وبلغت البحوث المقدمة في هذه الجلسة إلى‬
‫01 أبحاث علمية، وقد حضر هذه الجلسة مأة مشارك من الجامعات والمؤسسات‬
‫العلمية المختلفة كما قدم الدكتور عبد اإلله بن عرفة كلمته التوجيهية في هذه‬
                          ‫الجلسة وانعقدت الجلسة األولى حسب الجدول التالي:‬
                    ‫الموضوع: الحوار في القرآن والسنة‬
                        ‫ا‬
                        ‫الوقت: 14:1-14:00 صباحً‬
         ‫البروفيسور عبد المجيد (الجامعة العثمانية، حيدرآباد)‬    ‫الرئاسة:‬
   ‫البروفيسور عبد المعز (جامعة موالنا أبو الكالم، حيدرآباد)‬          ‫مدير‬
                                                                  ‫الجلسة:‬
              ‫"الفكرة األساسية للندوة" (صفدر زبير الندوي)‬            ‫تقديم‬
                                                                   ‫الورقة:‬
                                                                    ‫تقديم‬
                                                                  ‫البحوث:‬
  ‫0. الحوار من إعجاز القرآن الكريم (البروفيسور عبد المعز)‬
    ‫2- مبادي الحوار بين أصحاب الديانات المختلفة في ضوء‬
      ‫القرآن والسنة (البروفيسور محمد حسان خان الندوي)‬
   ‫4- فقه الحوار في ضوء القرآن (الشيخ جاويد أحمد الندوي)‬
    ‫2- ‪Formulation of Interfaith Dialogue in the‬‬


                                   ‫591‬
‫مجلة الهند‬

‫)‪Quranic Pradigm (Dr. Obaidullah Fahad Falahi‬‬
 ‫1- موقف اإلسالم من غير المسلمين في ضوء الكتاب والسنة‬
                              ‫(الدكتور محمد نعمان خان)‬
‫2- موقف القرآن الكريم من الديانات السماوية وأهلها (الدكتور‬
                                        ‫محمد أكرم الفالحي)‬
‫4- آداب الحوار والمجادلة في ضوء الكتاب والسنة (الدكتور‬
                                    ‫نعيم الحسن األثري)‬
     ‫1- الحوار بين األديان في ضوء القرآن (الشيخ قمر الدين‬
                                                 ‫القاسمي)‬
       ‫1- فقه الحوار في ضوء القرآن (الشيخ أجمل القاسمي)‬
       ‫10- فقه الحوار في ضوء السنة (الشيخ أعظم القاسمي)‬
‫وفي نفس اليوم انعقدت الجلسة الثانية تحت رئاسة الدكتور مصطفى شريف‬
                                       ‫د‬
‫وأدارها السيد محمد أعظم الندوي وق ّمت في هذه الجلسة 10 أبحاث من جهة‬
                            ‫المشاركين العلماء واألساتذة حسب الجدول التالي:‬
                    ‫الموضوع: األسس الشرعية للحوار‬
                          ‫من 44:73-40:3 ظهرً‬
                          ‫ا‬
‫البروفيسور مصطفى الشريف (مدير دائرة المعارف العثمانية،‬           ‫الرئاسة:‬
                                                 ‫حيدرآباد)‬
                                   ‫السيد محمد أعظم الندوي‬           ‫مدير‬
                                                                 ‫الجلسة:‬
                                                                  ‫تقديم‬
                                                                ‫البحوث:‬
    ‫0- األسس الشرعية للتفاهم والتقارب مع الديانات (الدكتور‬
                                    ‫محمد شاهجهان الندوي)‬
         ‫2- الحوار إلبراز القيم المشتركة للتعايش بين األديان‬
                            ‫(البروفيسور محمد أيوب الندوي)‬
             ‫4- األسس الشرعية للتفاهم والتقارب بين الديانات‬
                              ‫(البروفيسور مصطفى شريف)‬


                                   ‫691‬
‫مجلة الهند‬

 ‫2- منهج الحوار بين الديانة السيخية (البروفيسور شفيق أحمد‬
                                              ‫خان الندوي)‬
     ‫1- األسس الشرعية للتفاهم (الدكتور شمس الدين الندوي)‬
      ‫2- الحوار بين األديان رؤية فقهية (الشيخ أعظم الندوي)‬
   ‫4- فقه الحوار – دراسة تأصيلية (األستاذ محمد امتياز عالم‬
                                                 ‫القاسمي)‬
             ‫1- الحوار مع أهل الوطن (الشيخ أنيس الرحمن)‬
 ‫1- الديانات السماوية في القرآن والسنة (الشيخ منير اإلسالم)‬
      ‫10- الحوار بين األديان في ضوء القرآن والسنة (الشيخ‬
                                           ‫وضاح محمد)‬
‫وفي الجلسة الثالثة التي انعقدت تحت رئاسة الدكتور محمد حسان خان الندوي‬
                               ‫د‬
‫وأدارها الدكتور عبد الماجد قاضي الندوي وق ّم فيها المشاركون بحوثهم العلمية‬
                            ‫التي بلغ عددها إلى 00 بحثا حسب الجدول التالي:‬
                       ‫الموضوع: آفاق وأبعاد للحوار‬
                        ‫الوقت: 44:0-40:0 عصرً‬
                        ‫ا‬
        ‫البروفيسور محمد حسان خان الندوي (رئيس قسم اللغة‬         ‫الرئاسة:‬
                           ‫العربية بجامعة بركت اهلل بوفال)‬
                          ‫الدكتور عبد الماجد قاضي الندوي‬            ‫مدير‬
                                                                 ‫الجلسة:‬
                                                                  ‫تقديم‬
                                                                ‫البحوث:‬
‫0- الحوار إلبراز القيم المشتركة (الشيخ ضياء الدين القاسمي)‬
  ‫2- ‪Dialogue among Religion-Valid & Invalid‬‬
                                ‫‪Perspective‬‬
                          ‫)‪(Dr. Abdul Majeed Khan‬‬
        ‫4- الحوار بين األديان بين منطق القوة ومنطق الحجة‬
                      ‫(الدكتور عبد الماجد قاضي الندوي)‬
 ‫2- الضوابط الشرعية والمنهجية للحوار (األستاذ عبد الباسط‬

                                   ‫791‬
‫مجلة الهند‬

                                                     ‫الندوي)‬
   ‫1- ضرورة الحوار مع األديان في العصر الراهن شروطه‬
                   ‫وآدابه (الدكتور عبد القدوس الندوي)‬
   ‫2- الحوار بين األديان- أنواعه وأهدافه (المفتي محمد ساجد‬
                                                  ‫القاسمي)‬
             ‫4- الحوار بين األديان (المفتي عبيد اهلل القاسمي)‬
         ‫1- أثر الحوار في التعايش (الشيخ عبد السالم حمود)‬
 ‫1- الضوابط الشرعية والمنهجية للحوار بين األديان (األستاذ‬
                                         ‫عبد الغني النهاري)‬
  ‫10- ‪The Phenomena of Interfaith Dialogue in‬‬
 ‫)‪Islamic Shariah (M. Mohammadullah Qasmi‬‬
                   ‫00- أسلوب الحوار (ظفر دارك القاسمي)‬
‫وفي يوم األربعاء 22/ ابريل انعقدت الجلسة الرابعة تحت رئاسة البروفيسور‬
‫ً‬                      ‫د‬
‫محسن العثماني وأدارها الشيخ عبد الباسط الندوي وق ّم في هذه الجلسة 20 بحثا‬
                                                      ‫حسب الجدول التالي:‬
                  ‫الموضوع: الحوار مع الديانات الهندية‬
                      ‫ا‬
                      ‫الوقت: 03:9-14:00 صباحً‬
                     ‫البروفيسور محسن العثماني (نيو دلهي)‬         ‫الرئاسة:‬
                                    ‫الشيخ عبد الباسط الندوي‬        ‫مدير‬
                                                                ‫الجلسة:‬
                                                                  ‫تقديم‬
                                                                ‫البحوث:‬
         ‫0- ضرورة الحوار لحل مشكالت المسلمين في الهند‬
                             ‫(البروفيسور محسن العثماني)‬
  ‫2- ‪A Comparative Study of Islam & Vedanta‬‬
                         ‫)‪(Prof. Shafi Shaikh‬‬
   ‫4- حوار األديان والتعايش السلمي توأمان (البروفيسور شاد‬
                                         ‫حسين الكشميري)‬

                                    ‫891‬
‫مجلة الهند‬

   ‫2- الحوار بين األديان للتعايش السلمي (الدكتور نسيم أختر‬
                                                   ‫الندوي)‬
 ‫1- مناهج الحوار مع الديانات الهندية (المفتي أرشد الفاروقي)‬
 ‫2- ‪Relation between Islam & World Religions‬‬
                         ‫)‪(Prof. Abdul Khaliq‬‬
‫4- الضوابط الشرعية والمنهجية للحوار (الدكتور مجيب أختر‬
                                                ‫الندوي)‬
     ‫1- فقه الحوار في ضوء القرآن (الدكتور غطريف شهباز‬
                                             ‫الندوي)‬
   ‫1- الحوار بين األديان في ضوء الشريعة اإلسالمية والواقع‬
                         ‫المعاصر (الشيخ آفتاب عالم الندوي)‬
  ‫10- هندوستاني مذاهب كى ساتهـ مكالمه كي ضرورت اور‬
  ‫طريقه كار (ضرورة الحوار فيما بين أديان الهند وطريقتها،‬
                                    ‫الدكتور وارث مظهري)‬
   ‫00- طرق الحوار مع الديانات الهندية (الدكتور شكيل أحمد‬
                                                  ‫الحبيبي)‬
        ‫20- فقه الحوار في ضوء القرآن (الدكتور عبد الكريم‬
                                                ‫القاسمي)‬
             ‫40- اتحاد العلماء (الشيخ مقصود أحمد الفرقاني)‬
   ‫20- الضوابط الشرعية للحوار (السيد ظفير الدين القاسمي)‬
‫10- الحوار بين األديان في العالم المتحضر – ضوابطه وآدابه‬
                                 ‫(السيد عبد الخالق كامل)‬
    ‫20- سماوي اديان مين تصور توحيد (تصور التوحيد لدى‬
                      ‫األديان السماوية، السيد محمد ناصر)‬
‫وفي نفس اليوم 22/إبريل انعقد الحفل االختتامي تحت رئاسة الدكتور عبد اإلله‬
‫بن عرفة وأداره الشيخ محمد أرشد الفاروقي، وقدم فيه البيان الختامي‬
                         ‫ا‬
‫والتوصيات وافق عليها المشاركون وأيدوها تائيدً، وأعرب المشاركون عن‬
    ‫تقديرهم وشكرهم لإليسسكو على أداء دور مهم في مجال الحوار والوسطية.‬

                                   ‫991‬
‫مجلة الهند‬

                       ‫ا‬
                       ‫الوقت: 00:21 - 00:2 ظهرً‬
             ‫الدكتور عبد اإلله بن عرفة (ممثل اإليسسكو)‬          ‫الرئاسة:‬
                             ‫الشيخ محمد أرشد الفاروقي‬      ‫مدير الجلسة:‬
 ‫البروفيسور محمد نعمان خان (رئيس قسم اللغة العربية)‬         ‫كلمة ختامية:‬
                                                               ‫انطباعات‬
                                                             ‫المشاركين:‬
                        ‫0- البروفيسور محسن العثماني‬
                             ‫2- البروفيسور شفيع شيخ‬
                     ‫4- الشيخ محمد يعقوب بلندشهري‬
                       ‫2- البروفيسور عبد المجيد خان‬
                       ‫1- الشيخ محمد منصف القاسمي‬
                              ‫2- السيد إلياس النعماني‬
                         ‫4- األستاذ عبد الغني النهاري‬
                         ‫1- األستاذ عبد الباسط الندوي‬
                              ‫السيد صفدر زبير الندوي‬      ‫تقديم القرارات:‬
                            ‫الدكتور نعيم الحسن األثري‬        ‫كلمة الشكر:‬
                             ‫الدكتور عبد اإلله بن عرفة‬   ‫كلمات الرئاسة:‬
‫تم فيها تقديم أكثر من خمسين ورقة، معظمها باللغة العربية، وبعضها باللغة‬
‫اإلنجليزية واألردوية، وقد وزعت على المشاركين كافة الورقات لجميع‬
‫المشاركين، ولو لم يستطيعوا الحضور، وكانت مواضيع هذه البحوث تدور‬
‫حول أسس الحوار في الكتاب والسنة والفقه اإلسالمي، ونواحي الحوار المنوعة‬
                ‫وسعة أفقها، كما جرت مداخالت ونقاشات جادة عقب كل جلسة.‬
‫أ ّد جميع أصحاب البحوث على أهمية الحوار، وأشاروا إلى أن المسلمين‬        ‫ك‬
‫يتوجب عليهم أن يتقدموا بنموذج مثالي قائم على الخير والعدل، والمساواة‬
‫والمؤاساة، وكرامة اإلنسانية، وطرائق إيصال النفع بكافة مجاالته إلى خلق اهلل‬

                                    ‫002‬
‫مجلة الهند‬

‫إلى أتباع الديانات والثقافات المنوعة المتواجدة في الهند في أوضاعها الحالية‬
‫المتفائلة. والمتفاعلة مع كل جديد ومفيد، وأوضح الباحثون كافة أسس القيم‬
      ‫المشتركة وضرورة إبرازها وتطبيقها على أرض الواقع وصوره المختلفة.‬
‫كما ر ّزوا على حقيقة ناصعة وهي أن القرآن الكريم ذكر الحوار الذي جرى‬         ‫ك‬
‫بين األبناء وأقوامهم، وجاء خالل هذه الورقات أن الحوار ينبغي أن يقوم على‬
‫ثالثة أسس: التضامن والكرامة والمساواة، فالقرآن يرسخ في ذهن اإلنسان أن‬
‫الناس كلهم سواسية كأسنان المشط في اإلنسانية، وكلهم بنو آدم وحواء، أب‬
‫واحد وأم واحدة، إال أنهم موزعون في مختلف األمم والشعوب، وغاية ذلك في‬
‫المصطلح القرآن هي التعارف، وذلك يعني المواساة واطالع بعضها على‬
                                                                     ‫البعض اآلخر.‬
‫وألقي الضوء في الحديث على هذا المنهج بأن الخلق عيال اهلل، وأحسن خلقه من‬
                                                           ‫ك‬
‫يحسن إلى خلقه وكما ر ّز النبي صلى اهلل عليه وسلم على أنني أشهد أن الناس‬
                 ‫ر‬
      ‫كلهم إخوة، وأشار القرآن إلى تصور الكرامة البشرية بأن اهلل ك ّم بني آدم.‬
‫ا‬                 ‫ز‬
‫و ّع المجمع بين الحاضرين بحوث جميع المستكتبين كما و ّع حقائب تكريمً‬             ‫ز‬
              ‫لجهودهم العلمية وشهادة المشاركة بين المشاركين خالل ثالثة أيام.‬
                             ‫بمناسبة هذه الندوة تم توزيع األشياء والكتيبات التالية:‬
                                                                  ‫0- كلمة اإليسسكو‬
                                                             ‫2- فكرة أساسية للندوة‬
                                                                  ‫4- البيان الختامي‬
                       ‫2- التعريف لشخصية الدكتور عبد اإلله بن عرفه باألردية.‬
                                      ‫1- الخطبة األساسية باللغتين العربية واألردية‬
                                                   ‫2- كتيب تعريفي للجهات المعنية‬
                                       ‫4- الملف لكل مشارك مع المعلومات الالزمة‬
                                                   ‫1- الحقيبة التذكارية لكل مشارك‬




                                       ‫102‬
‫مجلة الهند‬



                          ‫القـــــــــــربى‬
      ‫م‬
‫- أ ّ إيمان‬
‫"ال أدري أي مصيبة سألقاها اليوم" قالت حليمة حينما رأت أخت زوجها تدخل‬
                                ‫ح‬
‫البيت وأحاط بها وساوس مفاجئة إال أنها ر ّبت بها قائمة "السالم عليكم، أختي‬
‫المحترمة!" ولو أن األخت جاءت من الخارج ولكن الواجب على حليمة أن‬
                  ‫ي‬
‫تبادرها بالسالم عليها. "وعليكم السالم ------ أسرعي إل ّ بعشرة آالف روبية‬
                  ‫تتأذ‬
‫فإني في حاجة شديدة إليها". أمرت بهذا األخت ولم َّ أن تسأل حالتها ثم‬
‫جلست على السرير الموضوع أمامها ولم تراع هل يسقط أمرها حليمة في‬
                                                             ‫مشكلة أم ال".‬
‫"أيا حليمة! ماذا ترين حتى اآلن، إني سألتك عشرة آالف ولم أسألك عشر مآت‬
              ‫ألف فيغشى عليك" ولما لم تتحرك حليمة لهنيهة فار غضبها".‬
‫"أختي! ليس كذلك ---- والواقع أن ----" ولكن لم تقدر حليمة على أن تتم‬
       ‫ن‬
‫كالمها. "هيا السيدة! ال تقولي إني ال أجد ذاك القدر من األموال. إ ّ أخي ال‬
                  ‫ذ‬                                            ‫ا‬
‫يزال غريبً لالكتساب حتى اشتعل رأسه بينما زوجته تب ّر ما اكتسب بدون‬
                                                  ‫ً‬
        ‫حساب، وإن سألناها شيئا ونحن شقيقاته فهي تحاول أن تتغافل سؤالنا".‬
                                           ‫ت‬
‫فكالم األخت الكبرى قد ف ّرت عزيمة حليمة بيغم المتبقية وهي سكتت ودخلت‬
                                                           ‫حجرتها.‬
‫"أختي المحترمة! ليس عندي سوى هذا القدر القليل من سبعة آالف روبية‬
                     ‫ي‬
‫فخذي خمسة منها واتركي لي ألفين فقط ----؟" فعل ّ أن اشتري بهما حقيبة‬
                                    ‫ي‬
‫سدرة وحنا وبزلتهما النظامية كما عل ّ أن ألحق جويرية بالمدرسة هذا الشهر".‬
            ‫ر‬
‫رجعت حليمة بالمبلغ بعد هنيهة واآلن قامت أمام األخت المك ّمة متضرعة‬
                                                                    ‫إليها.‬
               ‫ِ‬                                 ‫و‬          ‫ّ‬
‫"أيا حليمة! أف لك فقد ك ّم أخي األموال أمامك ولكنها لم تغن عنك من الحرص‬
       ‫ي‬            ‫د‬                                         ‫د‬
‫فهل أقيم س ّ رمقي بخمسة آالف روبية هذه التي تص ّقين بها عل ّ، ضعيها‬
                        ‫ر‬       ‫د‬
‫عندك. فسأشكو إلى أحمد أن زوجتك ال تو ّ أن تتق ّب منا فلم تبخع نفسك في‬
‫الخارج، إننا نزور بيتك زاعمين أنك شقيقنا. أيا السيدة! عندما ال تصبرين على‬
                 ‫رحمنا والحب الجم بيننا فلم نوطأ الطريق إلى بيت شقيقنا؟".‬


                                   ‫202‬
‫مجلة الهند‬

                ‫ر‬               ‫ف‬                   ‫ي‬
‫ومظهرة الكآبة المزّفة على وجهها ما تل ّظته األخت المك ّمة فقد رشد حليمة‬
                             ‫بيغم فهي كانت تعرف عاقبة شكواها إلى أحمد.‬
                                                     ‫ر‬
‫"أيا أختي المك ّمة! ليس كذلك --- أيا أختي! ماذا تقولين؟ --- لم يسيئني‬
                  ‫زيارتكم فإنك لست أخت أحمد فحسب بل أنت أختي كذلك".‬
                           ‫ا‬
‫فلهجة حليمة الذليلة قد زادت همة األخت شيئً. "دعي يا سيدتي! إنه كله ما‬
             ‫ي‬                       ‫ا‬
‫تظهرين أمامي فإن اعتبرتني أختً لك حقيقية فلم تدفعي إل ّ هذه األموال‬
‫الناقصة. قد اقتنيت ماليين روبية ولكنك تكادين تلفظين نفسك األخيرة كلما‬
                                               ‫ً‬
                                          ‫تخرجين من جيبك لنا ماال ما".‬
                       ‫فلم تكد األخت المحترمة ترضى عما كانت حليمة تقول.‬
                                                                 ‫ر‬
‫"أختي المك ّمة! اهلل يشهد بأنه ليس عندي أي خرزة سوى سبعة آالف روبية‬
                                                         ‫م‬
‫هذه، وتعرفين أن الع ّال في الدول العربية ال يحظون اليوم بما كانوا يتمتعون به‬
    ‫ي‬
‫من قبل. إن هذه األموال قد بقيت من عشرين ألف روبية التي قد أرسلها إل ّ في‬
‫ً‬             ‫ا‬           ‫ي‬
‫الشهر الماضي، وقد خلت عشرة أيام ولم يرسل إل ّ أحمد شيئً ما ولعل أياما‬
‫تمضي على أن تبلغنا األموال وعلى هذا فقد سألتكم ألفين وإن كانت لك حاجة‬
                               ‫ا‬                                         ‫ح‬
               ‫مل ّة فخذيهما كذلك ---- فإني لم أسألك إال نظرً لهؤالء البنات".‬
             ‫ر‬
‫أبانت حليمة عن حالتها وهي تبدو بائسة إال أن األخت المك ّمة لم تصغ إلى‬
                     ‫بؤسها فسلبت من يديها ما أبقته من ألفي روبية وقالت:‬
                                         ‫ل ج‬             ‫ر‬
‫"أيا حليمة! لقد ك ّرت لك أّا تش ّعي هذه البنات فإنهن سيهجرن البيت فلم‬
                                                    ‫ن ر‬                  ‫ذ‬
            ‫تب ّرين في تعليمه ّ وأق ّهن في البيت كلما أتممن ما قبل الثانوية".‬
              ‫ر‬
‫لقد كانت حليمة مضطرة إلى أن تنصت إلرشادات األخت المك ّمة فبدأت تستمع‬
                  ‫إليها وهي أذن كلها ولو أنها لم ترد أن تعمل على ملفوظاتها.‬
                                               ‫ً‬
‫"نعم، نعم، ال تظهري مزيدا من البؤس. خذ األلف روبية لتلبية حاجيات الدار".‬
                                                         ‫د‬
‫وبما أن حليمة لم تر ّ عليها فقد فار غضبها ولكنها سكتت رجاء أن تنال الباقي‬
                                                            ‫د‬
‫من الروبيات وق ّمت ورقة األلف روبية إليها فقامت. ناظرة إلى أسلوبها الملكي‬
      ‫ب‬                            ‫ا‬                   ‫ذ‬
‫خطرت ببال حنا أن تع ّب أخت أبيها عذابً يناسبها ولكن نظرة أمها المن ّهة قد‬
              ‫ر‬
‫أمسكتها وهي خائفة ولكن هذا السكوت كان ما دامت األخت المك ّمة في البيت‬
                                 ‫م‬        ‫ج‬
‫فلما هي خرجت منه بدأت حنا تحا ّ أمها "أ ّي! إنك تعملين ما يعجبنا فأعطيت‬
‫أخت أبي كل ما ك ان في البيت من األموال فإنها لم تكن تعرف أننا نقتني ألفي‬
                                             ‫روبية أو سبعة آالف روبية ---؟".‬


                                    ‫302‬
‫مجلة الهند‬

‫بعدما سمعت حليمة ما قالت لها حنا ألقت عليها نظرة خاطفة فقالت "فلما يعطي‬
                                     ‫ا‬    ‫ا‬
‫والدك كل حصى مما يكتسبه حسابً شديدً فلم تؤمن هي بما أقول لها بل هي في‬
          ‫ذ‬
‫معظم األحيان تلومني على ما أصرفه وتطعن على ما أنفق كأني أب ّر ما أنفق‬
                           ‫د‬
‫على أوالدي". فأثار كالم األم حنا وقالت "فر ّي عليها بأن هذه أموالي،‬
      ‫أصرفها كما أشاء، من أنت تسألينني عنها وتحاسبينني عليها بهذه الشدة؟".‬
         ‫د‬
‫" نعم، لكي هي تشكو إليه ما خالفها مضيفة إليه ما لم أقل لها، إنه ته ّدني بأن‬
‫سيطّقني على ما شكت إليه أخواته وحينما يسمع هذا كله فال يقعد لهنيهة‬     ‫ل‬
            ‫ا‬                             ‫ج د‬
‫وتطردني من داره فأين أتو ّه بع ُ معكم ثالثة ---؟ وأنت أيضً تجتنبين أن‬
‫تدخلي في مثل هذه القضايا، أنظري إلى سدرة التي هي أكبر منك سنة ولكنها ال‬
            ‫ي‬
‫تجمع خاطرها على أن تعارضني كما فعلت. أنت ال تسمعين إل ّ فتخالفين ما‬
‫أقول فإن لم تتركي هذه العادة منك فتجبرك أخوات أبيك على أن تغادري‬
                                                               ‫ر‬
                                                   ‫الدراسة وتق ّي في الدار".‬
‫وقد أسكت غضب حليم بيغم حنا لهنيهة ولكنها كانت تخاف أخوات أبيها حتى‬
  ‫م‬
‫اآلن، الالتي يودن أن يسلبن حتى لقمة من أفواههم وألنها قد شهدت أ ّها‬
               ‫د‬          ‫ر‬
‫تتضرع إلى أبيها وأخواته، فهي كانت على م ّ الزمان تر ّ على قولهن كما‬
                        ‫ن‬                                   ‫ر‬
‫كانت تح ّض والدتها على أن تصرح بالقول لديه ّ ولكنها كانت تصمت لسخط‬
                                                 ‫حليمة بيغم هي األخرى.‬
     ‫ك‬
‫"ال أدري متى يفهم أبي أن ال يأذن لآلخرين فيوذي ذريته" كانت حنا تتف ّر على‬
                                           ‫هذا متأسفة على وضعه الراهن.‬
                         ‫۞۞۞۞۞۞‬
‫"سدرة، أيا سدرة! أنظري إلى الخارج، من هو بالباب؟ نادت حليمة بيغم وهي‬
                                         ‫كانت تطوي المالبس المغسولة.‬
                                                    ‫"أمي! جاءت حوالة النقود"‬
                                             ‫م‬                             ‫د‬
                                          ‫فق ّمت سدرة المبلغ وإيصاله إلى أ ّها.‬
                       ‫ر‬                          ‫ل‬
‫"نعم، كان أبوك قد بّغني أن رميز ولد األخت المك ّمة يطلب مني الدراجة‬
                ‫ا‬    ‫ي‬
‫النارية بعدما حاز امتحان إيف. إيه (.‪ )F.A‬بتقدير جّد جدً، وهذا المبلغ قد‬
  ‫و‬                                                                 ‫و‬
‫ح ّله ألجله وكان يقول لي: أعطيه أربعين ألف روبية اآلن وما بقي فسأح ّله‬
                                                     ‫في المرة األخرى".‬
                                              ‫د‬                 ‫ق‬
              ‫إنها و ّعت على الورقة فق ّمتها إلى سدرة وجعلت تحصي المبلغ.‬


                                    ‫402‬
‫مجلة الهند‬

‫"أي هدف أصابه السيد رميز؟ إن هذا األمير لم يكد يحصل إال على "تقدير‬
                                                                  ‫ي‬
‫ج ّد" وأما أنا فقد حصلت على الدرجة الخامسة في الهيئة كلها فماذا أعطيت‬
                                                            ‫كجائزة؟"‬
‫وكلما عادت سدرة بعدما رجعت اإليصال إلى الساعي البريد قد انتهت حنا عن‬
                                                      ‫قدح رميز ولومه.‬
                  ‫ف‬
‫"أنشدك باهلل يا حنا! ال تؤذين رأسي فما تريدين أن تقولي تل ّظيه أمام أبيك ---"‬
                                                         ‫قالت حليمة معتذرة.‬
‫لم تخف حنا من غضبها ودخلت البيت وقالت "سأقول له ما يجعل رميز يسوق‬
                                            ‫الدراجة النارية في المنام".‬
          ‫د‬
‫قالت بنفسها ما قالت ودخلت الدار ولما خرجت بعد عشر دقائق فق ّمت التلفون‬
                             ‫ّ‬                      ‫م‬
            ‫الذي كان بيدها إلى أ ّها وقالت متبسمة "أبي يود أن يتحدث معكم".‬
                                 ‫ذ‬                               ‫ر‬
‫وح ّكت الكتف بلطافة كأنها كانت تل ّ بكالمها بينما حليمة أنصت للتلفون‬
                                                              ‫متحيرة.‬
‫"نعم --- نعم --- بلى --- نعم ولكن أمرتني بأن أدفع ذلك المبلغ إلى رميز ---‬
                                      ‫نعم نعم ---- نعم سأفعل حسبما تأمر".‬
                                     ‫س‬                 ‫د‬
   ‫فقطعت التلفون وق ّمته إلى حنا وتنف ّت الصعداء فسألت "ماذا قلت ألبيك؟".‬
                                                    ‫د‬        ‫ا‬
                     ‫"لم أقل له شيئً ---" ر ّت عليها حنا بأسلوب ساذج للغاية.‬
  ‫"فلم قال: أعطي 10 ألف روبية لرميز واشتري ما شاءت حنا بما بقي لديك".‬
                                   ‫سألت حليمة بيغم بأسلوب ملؤه قلق وحيرة.‬
‫لم أقل سوى أن عباراتي ودرجتي أكثر وأرفع من عبارات رميز ودرجته بثالث‬
                                                      ‫ي‬
‫مرات فأرسلي إل ّ مبلغ ثالث دراجات نارية وألن تلك تتعلق بعزتي فيقول‬
‫الناس كلهم إن أباك يصرف األموال والهدايا لآلخرين وال ينفقها عليكم فهل‬
                                                      ‫ا‬      ‫ب‬
                                               ‫أبوكم ال يج ّكم شيئً ---؟".‬
                      ‫ا‬                  ‫ي‬
‫فتبسمت سدرة من حدبث حنا كأنها أ ّدتها فهي كانت بنتً قليلة الكالم وغافلة‬
‫ب با‬                                                 ‫ا‬
‫للغاية ولكن قلبها أيضً كان يرجو من أبيها أن يرسل الهدايا إليها ويح ّها ح ًّ‬
                                                                       ‫ا‬
                                                                      ‫جمً.‬
                                                 ‫د‬
‫"ولكن ماذا أر ّ على أخت أبيكم الكبرى؟" فقد جئت بمصيبة أخرى جديدة‬
                                                      ‫بحديثك هذا.‬

                                    ‫502‬
‫مجلة الهند‬

                  ‫و‬                                        ‫ا‬
‫"ال تقولي شيئً سوى أن أبي قد أرسل األموال لشراء الج ّال لرميز كما أمرني‬
                                              ‫بأني أشتري الكمبيوتر لحنا".‬
  ‫ب‬                         ‫و‬      ‫ر‬
‫وبعدما أنهت كالمها دخلت حجرتها مح ّكة الج ّال في يديها ولكنها قد س ّبت‬
           ‫ر‬
‫مصيبة أخرى جديدة لحليمة بيغم. فهي كانت تتيقن أن األخت المك ّمة ال تصبر‬
                                                     ‫ا‬
                   ‫على هذا الخبر صبرً ما، وحدث كذلك فتلفنت أحمد لفورها.‬
‫"هل رأيت أحمد! كيف ضاق خاطر زوجتك؛ فلما أرسلت المبلغ لشراء الدراجة‬
‫النارية لرميز فلم وضعت خمسة عشر ألف روبية فقط على كف الولد، ال‬
          ‫استطيع ببيان ما أصاب ولدي من القلق فلم يأكل بانتظام ليومين ---".‬
                                               ‫ر‬
‫فقد حاولت األخت المك ّمة أن تثير غضب أحمد بصوتها المليئ بالوجد والحزن‬
                           ‫ن‬                                ‫د‬
‫ولكن الر ّ الذي قد استلمته كان خالف ما ظ ّته ولذا فقد قامت حيران ولم‬
                                                              ‫تتحرك.‬
                                                                  ‫ر‬
‫"أختي المك ّمة! ليس األمر كذلك فقد أمرت حليمة بأن تفعل ذاك، ولذلك ألني‬
‫لم امتلك إال هذا القدر من المبلغ إلى اآلن وتعرفون أنتم ما حازت حنا من نتيجة‬
‫ممتازة وعلى هذا فهي طلبت مني أن اشتري لها الكمبيوتر، بل وهي اآلن تحتاج‬
‫إليها فإنها قد اختارت مادة الكمبيوتر في السنة األولى. إنها بنت لي فهمة فلو‬
                ‫س‬                          ‫ً‬      ‫ا‬
‫طلبت مني جائزة لنيلها تقديرً ممتازا فهي ما كانت في حاجة ما ّة إليها وإال فلو‬
                                                              ‫و‬
‫طلبت مني الج ّال كما سألني رميز أو أنفقت مبلغ جائزتها على المالبس‬
                            ‫ي‬
             ‫واألحذية فهي كانت مسموحة فإن الكمبيوتر كان عل ّ أن أبيعه لها".‬
                                                           ‫م‬
‫فما كانت تن ّ لهجة أحمد من المحبة لحنا كأنها قد أقلقت األخت المحترمة‬
‫وأثارت سخطها فقد قضت األخت طول عمرها في إسخاط أخيها ضد زوجته‬
                  ‫ي‬
‫وأوالده ومن ثم تغصب حقهم ولكن هذه البنت الجديدة قد غ ّرت مجرى المسألة‬
‫وح ّلت المحبة التي كانت تتجه نحو األخت وأوالدها إلى الزوجة وأوالده،‬‫و‬
                                                           ‫ز‬
‫كانت هذه ه ّة قد جعلت األخت بكماء والحال أن أحمد قد قطع الحديث التلفوني‬
                                                               ‫د‬
                                                          ‫بعد أن و ّعها.‬
                         ‫۞۞۞۞۞۞‬
                                          ‫"حنا! --- انظري من هو بالباب ---؟‬
‫ن ّهت سدرة التي كانت تكوي المالبس، حنا على الجرس الدائم الرنين ولما‬ ‫ب‬
‫سمعت سدرة نداء حنا المفاجئ خرجت وتبعتها حليمة التي كانت تطبخ الطعام‬
                                            ‫في المطبخ وهي تثبت قلبها.‬
                                             ‫"يا للسالمة --- ماذا حدث حنا!؟"‬
                                    ‫602‬
‫مجلة الهند‬

             ‫فرفعت حليمة بيغم صوتها بالتفتيش ولكنها اعتكفت بالباب جامدة.‬
                                                           ‫"أبي! أنت ---؟"‬
                  ‫ل‬
  ‫مليئة بالسرور والبهجة عانقت سدرة أباها وقد كانت حنا تعّق بكتفها من قبل.‬
                                  ‫"ولدي! كيف أنت؟ --- وأين جويرية ---؟"‬
                                                 ‫ي‬
‫فسؤاله عن جويرية قد ح ّر حليمة بيغم فإنه لم يعرب عن عجلته من قبل؟ فقد‬
‫كان المعتاد لديه أن يرجع إلى البيت بعد سنوات قضاها خارجه ولكنه لم يكن‬
                  ‫ل‬
‫يسأل عن األوالد ويدخل حجرته فينام بينما كانت حليمة تسّي قلوب بناته بآالف‬
                                                        ‫ز‬
                                                     ‫من الكلمات المع ّية.‬
‫"أبي! إنها نائمة، فقد حدث عهدها بالمدرسة ولذا يصيبها العنت فتنام فور‬
                                                      ‫بلوغها البيت".‬
‫ل‬
‫فاستئناف الذهاب إلى المدرسة أو الكلية بعد قضاء عطلة الصيف المديدة عم ٌ‬
                                                                 ‫ٌ‬
               ‫صعب لألطفال واألوالد ولذا فقد ضحك أحمد مما قالت سدرة.‬
                    ‫"وكيف والدتكم؟ --- كأنها قد نسيت تبسمها على رؤيتي".‬
        ‫د‬
‫ناظرة إلى حليمة بنظرتها الالهية طرح أحمد السؤال على األوالد فتق ّمت حليمة‬
                                                          ‫وهي على حياء.‬
‫"قد أوقفتم والدكم بالباب، دعوه ليدخل البيت فقد قطع مسافة بعيدة فلعله قد‬
                                                       ‫أصابه النصب".‬
                                                  ‫ل‬              ‫ب‬
‫فلما ن ّهتهن حليمة تسّلت البنات الثالث إلى البيت، واآلن خاض كل منهم في‬
                                                 ‫يل‬
‫اللهو والثرثرة، وال ُعَم حتى متى تنتهي هذه السلسلة إذ نادت حليمة سدرة‬
                                   ‫وأمرتها بأن تضع الطعام على المأدبة.‬
‫"أمي الحنون! قد انتهيت عن كل شيئ وحيدة فلتأمريني به ---" قالت لها سدرة‬
                                ‫م‬                           ‫م‬
                        ‫وهي مستحية ع ّا رأت أن بقية األشغال قد ت ّ أداؤها.‬
                     ‫د‬
‫"ال حرج يا بنتي! فقد رجع أبوك بعد مدة مديدة فلعله يو ّ أن يتكلم معكم والشغل‬
                                                         ‫د‬    ‫ا‬
              ‫لم يكن ضخمً فقد أ ّيت كل الواجبات فابدأي بترتيب الصحون".‬
‫ولما فرغوا من الطعام ابتدئت سلسلة الشأي إذ قدمت األخت المحترمة ولما‬
                                       ‫رأت أحمد مفاجئة ركبت البكامة.‬
        ‫ي‬
‫"أحمد! أنت --- فاجأتنا؟ لم تخبرنا عن مجيئك فنذهب إلى المطار لتح ّتك؟ قالت‬
                                                ‫هذا ألخيها وهي قد عانقته.‬

                                   ‫702‬
‫مجلة الهند‬

‫"أختي! قد خطر ببالي أن أفاجأ الكل هذه المرة ولذا ما أخبرتهم عن مجيئي على‬
   ‫ا‬            ‫د‬          ‫ص‬
‫التلفون وال دعوتهم للقدوم إلى المطار" فف ّل أحمد ر ّه عليها فاسحً في‬
                                                 ‫المجلس لألخت المحترمة.‬
                                 ‫ل‬
‫"حنا، سدرة ---! هل فقدتم عقولكم فلم تسّموا على أخت والدكم بما أني جئت‬
                 ‫ب‬
‫من الخارج أو سألتموها عن النزل. أنظر يا أحمد! هذا ما ر ّاهن زوجتك. اسمع‬
                                         ‫ا‬
‫نطلع على خبرك وصحتك وقتً آلخر وإال فهذه البنات السيئات المعاملة‬
                                                              ‫تزعجننا".‬
‫فلما وجدت حنا وسدرة محيطتين بوالدهما قد ركبت القلق فلم تعلم ماذا تعمل‬
‫وجعلت تشكو إليه هذه المعاملة، ولم يكن الهدف سوى بيان عدم جدارة زوجته‬
                                                                  ‫له.‬
       ‫ر‬
‫"ال يا أختنا المحترمة! --- بناتي لسن كما تقولين، إنما هي مس ّة مجيئي‬
                            ‫ً‬
                     ‫المفاجئ الذي ---" وجذب أحمد حنا إليه قاطعا كالمه.‬
‫"إنكم قد رجعتم بعد قضاء خمس سنوات تامات" قالت حنا وهي وضعت رأسها‬
‫على كتف والدها بمحبة طفالنية ولما شهد أحمد أسلوبها الحنون قد غمره‬
‫السرور بينما األخت المحترمة لم تصبر على هذا األسلوب المليئ بالحب‬
                                                           ‫والوداد.‬
‫"أيا حنا! ال تزعجي أباك فإنه قد أصابه العنت فدعيها يهدأ لدقائق" قالت لحنا‬
                                    ‫وهي مليئة بالغضب ومحدقة إليها النظر.‬
                                   ‫ا‬
‫"أختي المحترمة! ال تقولي لهن شيئً فلما رأيتهن قد زال ما قد لحق بي من‬
                                                            ‫النصب".‬
          ‫ي‬                                        ‫ر‬                ‫ب‬
‫ولما ن ّه أحمد أخته المك ّمة وهو ماسح رأس سدرة بيديه بالوداد فتح ّرت حليمة‬
‫بيغم من هذه المعاملة المتغيرة من أحمد فهي كانت ترى بعينيها ما قد شهدته قبل‬
                                                   ‫ب‬
‫اآلن بخمس سنوات إذ نّهت األخت المحترمة أوالده حين رجوعه من الخارج‬
                         ‫ي‬                             ‫ب‬
‫وهي كذلك كانت تنّه حليمة وأما أحمد فهو كان يؤ ّدها كلمة بكلمة واآلن إنه‬
                                                                      ‫د‬
                                                ‫يضا ّها في كل خطوة منها.‬
               ‫م‬                               ‫ي‬                  ‫ا‬
‫"رويدً فاهدأ واسمع ما يحّرك؛ وقد طلبت للتأشيرة لكندا فت ّ قبولها فسأسافر‬
‫إليها مع أفراد العائلة كلهم في الشهر القادم" فلما سمعوا ما أخبرهم به أحمد‬
                                                                      ‫ي‬
                                                           ‫تح ّر كل منهم.‬
                     ‫"هيا --- صدقت يا أبي!؟" فكأن حنا قد وثبت من مقامها.‬


                                   ‫802‬
‫مجلة الهند‬

                                  ‫د‬
‫"أنا صادق في قولي يا ابنتي! --- فقد ق ّمت الطلب منذ زمن طويل واآلن قد‬
       ‫ل‬                                 ‫ّا‬          ‫ف‬              ‫ب‬
‫تق ّل طلبي، وهم يو ّرون لي مقرً بجانب الوظيفة الحكومية واآلن سيتعّم ولدي‬
                           ‫في كندا وسيحوز هنا بتقدير ممتاز، صحيح هذا؟"‬
                   ‫ي‬                                    ‫ال‬
‫قال هذا أحمد محي ً إلى ما حازته حنا من تقدير ممتاز فأ ّدته حنا بشدة وقالت:‬
‫"صحيح مائة بالمائة يا أبي! --- ولكني سأدعو صواحبي للطعام قبل مغادرتي‬
                                                ‫هذا الوطن" قالت هذا فقامت.‬
‫"بلى، ولكن لم تدعين صواحبك فقط يا ابنتي! هل ال نقوم بالدعوة إلى الطعام‬
‫على مستوى أرفع وندعو إليه كافة أعضاء العائلة فإننا ال ندري متى نرجع منها‬
                                                                         ‫د‬
‫فنو ّ أن نلتقي مع أحبائنا وأقربائنا ولو مرة واحدة قبل المغادرة. يا أخت! هل أنا‬
                                                 ‫مصيب فيما أقول أم ال ---".‬
‫وحين ترتيب المشروع مع حنا أراد أن يستشير أخته المكرمة في النهاية، وهي‬
                                 ‫ي‬                      ‫ي‬
               ‫قد فطنت لما قد تغ ّر من الوضع ولذا فقد أ ّدته بصوتها الضئيل.‬
    ‫ا‬
‫وأحمد أمعن النظر في أسلوبها وحيرة حليمة وأغدق عينيه مضطجعً على‬
                                                       ‫األريكة.‬
                                 ‫ي‬          ‫ي‬     ‫ا‬
‫"إني أشهد حيرتكم جيدً فقد تح ّرتم مما تغ ّر من معاملتي معكم ولكني لو لم‬
                                                              ‫ي‬
‫أشهد بعين ّ حالة فاروق حسين فلعلي قضيت حياتي كلها في عدم االقتصاد في‬
                                                ‫ج‬
‫معاملة القربى؛ فإنه قد ر ّح إخوته وأخواته طول حياته ولم يلتفت إلى أوالده‬
‫وزوجته، واآلن وقد أضاع كلتا رجليه في حادث فبجانب رغبة أوالده عنه قد‬
‫قطع عالقتهم عنه إخوته وأخواته، الذين قد عمل لهم طول حياته كماكينة وقضى‬
‫حياته كلها في تلبية حاجياتهم واآلن هو داخل في مستشفى وال عائد له وهو‬
                                   ‫ا‬    ‫ا‬
‫يو ّه إلى كل باكستاني يعوده نصحً واحدً وهو أن اقتصدوا في شأن القربى‬   ‫ج‬
‫وإال فال تستلم أي اقتصاد في القربى حينما تبلغ من عمرك ستين وأنت أحوج‬
                                          ‫د‬
‫إلى معونة اآلخرين، أختي! هل أو ّ أن أضع نفسي في مكان فاروق؟ ولذا فقد‬
‫بدأت أتوب في حياتي كيال أفقد من ينصرني في سقط تتوقف قافلة حياتي لحافز‬
                                                            ‫ز‬
‫ما. آنذاك تع ّيني بناتي بتبسمهن الطفالني وتنسى رفيقة حياتي التي قد رغبت‬
   ‫د‬
‫عنها طول حياتي ما قد عانته من مظالم من قبلي للفتة مني نهائية فهي تم ّني‬
       ‫ه‬                ‫ر‬       ‫ر‬
‫بيديها اللطيفتين وتبكي على ما أصابني وتس ّ بما يس ّني، ولو أني تنب ّت بعد‬
                      ‫د‬              ‫ا‬
‫طويل ولكن عجلة الوقت لم تمض بعيدً فبإمكاني أن أس ّ اليوم ما نقص باألمس‬
           ‫ل‬
‫وأحاول محاولة وضيعة بخلق االقتصاد في القربى وإعطاء ك ّ قريب ما‬
                                                                   ‫ق‬
                                                                ‫يستح ّه."‬


                                     ‫902‬
‫مجلة الهند‬

‫قال هذا أحمد وعزم على ما سيقوم به في المستقبل وخاض في أمانيه التي‬
                                                  ‫يطويها في صدره.‬
                           ‫۞۞۞۞۞۞‬
                                        ‫ي‬
‫أيا حليمة! إذا كانت لك حاجة إل ّ أو خدمة أسديها فلتخبريني عنها فال تبخعي‬
                                                      ‫نفسك وحيدة ---؟"‬
‫وجاء يوم المأدبة فقد شهدت األخت المحترمة تابعة حليمة بيغم مع أخت أحمد‬
‫الصغيرة فقد أيقنت معاملة أحمد المتغيرة أنه ال خير اليوم إال أن نصانع حليمة‬
                    ‫ن‬
‫في كثير من األمور فاألخوات المحترمات الالئي ك ّ وضعن حليمة وراء‬
               ‫ً‬                                          ‫د‬
         ‫ظهورهن قد ص ّرنها واستشرنها في كافة األمور واتبعنها حذوا بحذو.‬
‫"ال يا أختي المحترمة! قد أنهيت كل مسئولية فال تتكلفي، وتعالي واجلسي في‬
                                                          ‫هذا المكان".‬
                                                                   ‫ة‬
‫فاسح ً في األريكة لألخت المحترمة دعتها حليمة لكي تجلس معها، وقد كانت‬
‫بعض النساء القريبات اجتمعن على كثب عنها، وبعد هنيهة بلغ الخبر أن الطعام‬
                                        ‫جاهز فقامت النسوة وخرجن للطعام.‬
     ‫ك‬
‫"حليمة! اسمعي، ال تنسينا معشر األخوات حينما غادرت الوطن فنحن نتف ّر في‬
         ‫و‬                           ‫و‬
‫شئون البنات وقد قلت ألحمد أن يز ّج سدرة من رميز بينما يز ّج البنت‬
‫األصغر منها لفرخ شقيقتي كي يدعو األوالد حيث يقطن فإنهم أوالدك‬
‫ا‬     ‫ّ‬                                                           ‫ر‬
‫فسيك ّمون الخال فال نتكل على من سيأتي خارج الرحم ---؟ ولكنه لم يرد جوابً‬
                                              ‫ن‬                     ‫ر‬
‫يس ّنا، فال تني في تذكيره ع ّا وعن هذا األمر الالزم وإن ترجعي مرة أخرى‬
           ‫ً ال‬
        ‫فال تني في تزويجهما فإن جمع األموال واقتنائها سيقتضي وقتا طوي ً".‬
                ‫د‬                            ‫د‬
‫فقد كانت األ خت المحترمة تو ّ أن تصون مستقبل ولدها وقد ر ّ عليها أحمد بأنه‬
‫سيقوم به بعد سنوات وقد حصره في رضى البنات ولكن األختين كانتا مولعتين‬
                                                               ‫د‬
‫باستالم الر ّ ولو على لسان حليمة لكي يسافر ولداهما إلى كندا فيكتسب‬
                                              ‫الدوالرات في حياتهما القادمة.‬
                   ‫د‬              ‫د‬                             ‫ر‬
‫"أيا أختنا المك ّمة! لم تقلقين فإن أحمد لم ير ّد عليك فلم ير ّ إال أن يأني األوان‬
 ‫ت‬               ‫ل‬
‫فإذا بلغت األوالد سن الزواج فنقوم بتزويجهم، وحتى اآلن يتعّم كلهم وإن نتح ّم‬
                                                            ‫ل‬
                                           ‫على شيئ فهذا سيخّل في دراساتهم."‬
                           ‫ا‬
‫فلما سمعت كلتا األختين قد أجابتا عليها ولو كرهً وبفطنة حليمة لما كان يبرز‬
               ‫س‬                                     ‫د‬
           ‫من وجوههما من الر ّ الكامن في صدورهما، بفطنتها له قد تب ّمت.‬


                                      ‫012‬
‫مجلة الهند‬

                  ‫ي ن‬
‫"اللهم لك الحمد، إن شأنك رافع للغاية فقد مضى عل ّ حي ٌ من الدهر لم أكن‬
      ‫ي‬            ‫ا‬               ‫ي‬                             ‫ا‬
‫شيئً مذكورً عند هاتين األختين واآلن قد غ ّرت أحمد ظهرً لبطن فقد تغ ّر كل‬  ‫ا‬
‫شيئ وكل قريب وبعيد فقد صدق القول "الصبر جزاؤه حلو وال غير" فقد‬
‫ص برت أنا وبناتي لمدة طويلة على مظالمهما واآلن قد جزيتنا بأن رجعت أحمد‬
‫إلينا فال يناسبني أن أمشي خيالء وأجيب عليهما باستكبار؟ فلما مضت األيام‬
         ‫م‬
‫الصعبة فلم أوذيني بتذكيرها لي؟ فألعامل معهما معاملة حسنة لكي يت ّ أحمد لي‬
                  ‫م‬
‫ولبناتي وال يتأذى قلبه فإنهما في الواقع شقيقتا أحمد فال يت ّ أحمد بدونهما فال‬
                                         ‫ا‬     ‫ا‬           ‫ي‬
‫أريد أن يرجع إل ّ أحمد تمامً راغبً عنهما فتوجيهي المحبة لشقيقتيهما يفيدني‬
                                                                        ‫ا‬
                                                                      ‫أيضً".‬
              ‫د‬                     ‫ك‬                              ‫ا‬
‫وطاردً ما ران في القلب من االنتقام تف ّرت حليمة بلطافة وق ّمت خطواتها إلى‬
                              ‫الخارج حيث كان زوجها وبناتها ينتظرون بها.‬
‫ترجمة من األردوية: د. أورنك زيب األعظمي‬




                                    ‫112‬
‫مجلة الهند‬



                            ‫ق جد‬
                           ‫صندو ٌ لل ُ َد‬
‫- قيوم ميئو‬
‫كان اسمه الكامل "طوني" ولكنه ألحق باسمه "دي سوزا" لكيال تصعب هويته.‬
                                           ‫م هْ‬                  ‫ا‬
‫واليوم أيضً ذهب إلى كنيسة َا ِم للصالة، والمسئولون عن كنيسة ماهم كانوا‬
‫يد ّبون الناس على الصالة بثالث لغات، فللمراطيين باللغة المراطية ولمن‬     ‫ر‬
‫يعرف الهندية بالهندية وألهل اإلنكليزية باإلنكليزية وكلهم كانوا يعرفون اللغة‬
‫اإلنكليزية معرفة كثيرة أو قليلة ولكن المسكين طوكي ما كان يعرف إال الهندية،‬
                                        ‫ال‬
‫وكان يسعى أن يصل إلى الصالة أو ً، ليسمع الدعاء بالسكينة والطمأنينة ويسأل‬
                        ‫ا‬
‫اليسوع مراد قلبه، والذين قد اعتنقوا المسيحية أخيرً كانوا يستمعون للصالة‬
          ‫ا‬
         ‫بالمراطية أو الهندية. وقد قال "األب دي سلوا" بعد انتهاء الصالة فورً:‬
        ‫ا‬
      ‫"من فضلك يا طوكي، زرني في مقصورتي، إني أريد أن أقول لك شيئً".‬
             ‫ن‬
‫لب ّك أيها األب: آئي --- آئي إيم --- كم --- نو پرابلم" (آلتي ّكم) أقنع طوني‬‫ي‬
                                                                         ‫ب‬
                          ‫األ َ بإنكليزيته الغير فصيحة الالحنة. وبعد قليل ---،‬
                                                              ‫ا‬
‫بعد الدعاء فورً جعل الناس يعودون من الكنيسة إلى بيوتهم، وستبدأ الصالة‬
‫بالمراطية واألب دي سلوا لم يكن يعرف إال اللغتين الهندية واإلنكليزية، وهكذا‬
‫وجد األب وطوني فرصة ساعة، فقد وصل طوني إلى مقصورة األب وقد كانت‬
                          ‫ال‬
‫المقصورة تقع وراء الكنيسة وقد كان األب مشتغ ً بتقليب صفحات كتاب إذ‬
                    ‫ب‬                  ‫ا‬
‫تفزع من وقع أقدام فوجد طوني قائمً بالقرب منه، فق ّل طوني يدي األب‬
                                                                      ‫ا‬
       ‫احترامً له ومسحهما بعينيه وقال: أيها األب! ها أنا ذا، فأمرني بما تريد.‬
                           ‫ا‬
                 ‫فأمعن األب النظر فيه ثم قال نعم وكأنه قد تذكر شيئً، فقال له:‬
‫"أيها السيد طوني! نخرج نحن معشر أهل الكنيسة اليوم للتبشير وتبليغ ديننا في‬
                                                         ‫د‬
‫منطقة أهلها في أش ّ البؤس وسوء الحال. وما زال الناس يبتعدون عن ديننا، وقد‬
                                       ‫ا‬    ‫ا‬
‫أمرنا األب الكبير من أمريكا أمرً مؤكدً أن نستميل ما استطعنا من الناس إلى‬
            ‫ا‬            ‫س‬          ‫ج‬                          ‫د‬
‫ديننا، فاستع ّ وجئ على الميعاد وأنت قد ن ّيت نفو َ حزبنا مرارً عندما رجم‬
‫الناس علينا ورموننا بما ظفروا به وأنت فديتنا بنفسك فحفظتنا من األعداء، ولذا‬
                                  ‫ً‬        ‫ر‬
 ‫عرضنا على األب الكبير لنا أن يق ّر لك عمال يناسبك في أمريكا لتحسن حالك.‬
                                         ‫ا‬                       ‫ب‬
‫فق ّل طوني يدي األب متربعً على فخذيه ووعده أن يعود إليه في الظهيرة‬
                           ‫ا‬          ‫ا‬
‫وذهب إلى بيته وهو كان مستبشرً ويطير فرحً ال تقع قدماه على األرض. ثم‬

                                     ‫212‬
‫مجلة الهند‬

                                              ‫ي‬        ‫د‬
‫وصل إلى بيته وتغ ّى ثم تز ّن بلباسه الفاخر المتوفر لديه، وعاد إلى الكبيسة‬
                                              ‫ا‬
‫على الميعاد. ثم انطلقوا جميعً إلى المكان الموعود، قاطعين مسافة مائة وخمسة‬
                                                           ‫ً‬
                  ‫وعشرين كلومترا من المدينة فوصلوا إلى منطقة صحراوية.‬
                                                        ‫د‬
‫فكان أهلها في أش ّ البداوة واإلفالس وال يعرفون العلم والرقي ألجل رغبة‬
‫الحكومة عنهم وتغافلها، فما أقيمت فيها المدارس، وما أوصلت إليهم المياه‬
‫العذبة الصافية، وما كانت لديهم تسهيالت االتصاالت، وأسباب الكسب وكانت‬
             ‫ال‬     ‫ف‬
‫حالهم سيئة منهوكة، وفوق ذلك كثرة األوالد، وأنهم لم يو ّقوا شغ ً ما. وكانت‬
‫النساء يتعبن أنفسهن في الحقول والمزارع ويجتهدن أشد االجتهاد ويعدن في‬
       ‫ة‬
‫المساء إلى بيوتهن بأجورهن من الحبوب فهكذا تصير مواقدهن متوقد ً بالنار‬
                         ‫فأخبرهم األب دي سلوا بالهدف وراء زيارته لديارهم.‬
                                            ‫ا‬    ‫ا‬
‫فاجتمع الناس كلهم شيئ ً فشيئً لدى األب حتى جلس صبيانهم فوق سياراتهم‬
                       ‫ب‬
‫الالمعة بمالبسهم القذرة. ورجال الكبيسة كانوا يق ّلون الصبيان ويمسحون على‬
                                         ‫ب‬
                                  ‫رؤوسهم ويحتضنونهم ويبدون ح ّهم لهم.‬
‫وخاطبهم األب فقال: أيها اإلخوان واألخوات نرى حالكم البائسة، لماذا ال يلتفت‬
‫أصحاب دينكم إلى وضعكم الراهن، وال يأتونكم إال حين تدنو االنتخابات،‬
                       ‫ة‬      ‫ء‬
‫صاغرين غير مستكبرين، ويعدون لكم أشيا ً كثير ً وعندما تنتهي هذه‬
‫االنتخابات فيغيبون عنكم مثل الغمام على أكتاف الرياح وأما نحن فندعوكم إلى‬
                                    ‫ديننا، ادخلوا في ديننا نفضكم بأموال جمة.‬
‫وبعد ذلك يرتفع ذكركم في المجتمع وتكونون أعلين غير سافلين. ونعطي كل‬
‫م‬       ‫ا‬
‫فرد منكم خمسة آالف روبية، وتتحمل كنيستنا ثقل تعليم أوالدكم أيضً، ونهت ّ‬
         ‫ا‬              ‫ال‬                           ‫ر‬
‫لكم بالوظائف ونق ّرها، فإننا نريد ترقيتكم أص ً ورفاهيتكم حقً، وذلك‬
        ‫ك‬
‫ليستجيب اليسوع دعاءنا لكم، وسنعود إليكم في األسبوع اآلتي، فتف ّروا في‬
                                                        ‫مستقبلكم وأجيبونا.‬
                              ‫ا‬          ‫ا‬      ‫ا‬                 ‫ل‬
‫ثم سّم لرئيسهم كرتونً كبيرً كان مليئً بالمالبس والشوكوالت والباسكيت‬
                                   ‫والبطانيات واألردية واألدوية الالزمة.‬
          ‫ا ا‬              ‫د‬
‫ورجع حزب المبشرين إلى الكنيسة مطمئنين بما ق ّموا اطمئنانً بالغً، وموقنين‬
       ‫ا‬
‫أن المنطقة بأجمعها ستكون تحت سيطرتهم. وكان األسبوع اآلتي بعيدً فاشتغل‬
                                                              ‫طوني بأعماله.‬
           ‫س‬
‫وقبل أن يذهب طوني إلى القرية بيومين اصطدم هو بشاحنة فد ّت الشاحنة‬
                                 ‫ا‬     ‫ا‬                      ‫سا‬
‫رجليه د ًّ وجرحت خاصرته جرحً شديدً. وعندما اطلع على الحادثة عاده‬
                ‫ا‬                                  ‫ز‬
‫األب في المستشفى وع ّاه، ففرح طوني لعيادته المفاجئة فرحً ونسي آالمه كلها‬
                                    ‫312‬
‫مجلة الهند‬

                             ‫ج‬
‫لوقت، كأنه صحيح ما حدث له شيئ، وتع ّب أعضاء المستشفى من قدوم األب‬
                                            ‫ال‬
                                           ‫--- ثم أوصى له األب قائ ً:‬
                                     ‫ك‬           ‫ي‬
‫"مائي سن (يا بن ّ) اصبر وتو ّل على اليسوع وهو يحسن إليك ويشفيك"،‬
‫وجعل على صدره عالمة الصليب. وما كاد ينطق طوني ببنت شفتيه ثم جمع‬
                                                    ‫همته كلها وقال:‬
‫"أيها األب أنا مأذور في المستشفى منذ أربعة أيام وإخوتنا وأخواتنا جوعى في‬
‫البيت وبفضلك أرسلْ إليهم من جيبك الخاص أربعة آالف روبية أو ألفي روبية‬
                                            ‫ً‬
                     ‫على األقل، وذلك سيكون معروفا لدينا ومنة علينا منكم.‬
                ‫و‬                                                       ‫ف‬
‫"أ ّ لك يا طوني ---- ال ---- ال -----". كل تلك الفلوس قد ح ّلها إلينا السادة‬
   ‫ا‬
‫لنص ّر الناس مسيحيين، ال إلعطاء من قد دخلوا في ديننا من قبل، عفوً يا‬   ‫ي‬
                                                                ‫ا‬
                               ‫طوني! عفوً" ثم قام األب وخرج من المستشفى.‬
                                              ‫ً‬
   ‫ولم يزل طوني يحدقه خارجا من المستشفى وعيناه مليئتان باليأس والحسرة.‬
‫ترجمة من األردوية: د. أورنك زيب األعظمي‬




                                    ‫412‬
‫مجلة الهند‬


                                                                          ‫عبد المنان:‬
                            ‫دمعة على زعامة الهند‬
       ‫بمناسبة وفاة الدكتور ذاكر حسين خان رئيس جمهورية الهند‬
   ‫رزء الرئيـس، وإنه رزء الورى‬                   ‫شق القلوب، شعرت أم لم تشعــر‬
   ‫وترق أفئـــــــــــدة له ولما جرى‬             ‫خبر ترقرقت العيــــــــون ألجله‬
   ‫وطوى الممالك نعيـــه لما انبرى‬                ‫خبــــــر تطاير في العوالم صيته‬
                        ‫ً‬
   ‫متصدعا جل المصـــاب وال مرا‬                   ‫خبر تزلزل منه قصر رئاســــــة‬
          ‫ل‬
   ‫وجه المســـــــرة منه وّى مدبرا‬               ‫خبر يهد قرار كل طبيــــــــــــعة‬
   ‫حال الصبور كمثل من لم يصبرا‬                   ‫حدث وما أدراك ما حـــــــدث به‬
     ‫ي‬
   ‫يدع الحليم بدهشـــــــــــة متح ّرا‬                                  ‫ف‬
                                                 ‫حدث تخ ّفت الحوادث بعــــــــده‬
     ‫ك‬
   ‫كمعرف األسمـــــاء صار من ّرا‬                                      ‫ي‬
                                                 ‫حدث تغ ّرت السمـــــاء وأرضها‬
   ‫يخشى ويحـــذر من رآه وأبصرا‬                   ‫حدث يشاهـــــد مثل برق خاطف‬
     ‫ً س‬                        ‫ً‬
   ‫وتحزنا وتأســــــــــــــفا وتح ّرا‬           ‫حدث يهز تألما وتفجعـــــــــــــــ ً‬
                                                 ‫ا‬                      ‫ّ ً‬
  ‫مخشية تخشى وأظهر مضمــــرا‬                     ‫حدث فأحدث للزمـــــــان مصيبة‬
    ‫ب‬     ‫ً‬            ‫م‬
  ‫لسنا نطيق تح ّـــــــــــال وتص ّرا‬            ‫حدث نعوذ بمن تلــــــــوذ بحفظه‬
  ‫لرزية، وكفى بحالك مخبـــــــــرا‬               ‫كم زفـــــــرة لك يا فؤاد وصيحة‬
  ‫بدموعه بحــــــــــــر يشابه أبحرا‬             ‫كيف القـرار وال قرار لمن جرى‬
                               ‫ا‬
  ‫شوقً إليــــــــه لكي يزور وينظرا‬              ‫كيف القـــــــــرار لمن تقطع قلبه‬
  ‫ال يستطيع لحمله أســـــــد الشرى‬               ‫ا‬
                                                 ‫ال والذي يحيي ويبعث ميــــــــتً‬
                            ‫ا‬
  ‫ظلمً فأظلمت العواصــــم والقرى‬                 ‫ما لي أرى وجه النهــــــار كليلة‬
                   ‫و‬
  ‫ال استطيع ولو أس ّد دفتــــــــــرا‬            ‫وحكاية اآلالم كيف بيــــــــــانها‬
  ‫قلم الكتــــــــــــابة لو أردت تعثرا‬          ‫وبيان فاجعـــــــــة أمامك أمرها‬
  ‫ياقوتة الهنــــــــــــد العزيزة إندرا‬         ‫سل عن مرارة بينـــــــه وفراقه‬


                                           ‫512‬
‫مجلة الهند‬

                       ‫ً‬       ‫ال‬
  ‫متسلس ً متسائال متحــــــــــــــدرا‬             ‫بنت الجواهـــر ليس يرقأ دمعها‬
                               ‫م‬
  ‫ويه ّهــــــــا أن ال تزور وال ترى‬               ‫تجد الحيــــــــاة مريرة من بعده‬
    ‫ب‬                     ‫ً‬
  ‫فقدت زعيما يستشــــــــــار مد ّرا‬               ‫تبكي وتذكر ذاكـــــــرا مترح ً‬
                                                   ‫ال‬     ‫ً‬
    ‫ً ب‬                             ‫ال‬
  ‫وتأم ً وتعمقـــــــــــــــــــا وتد ّرا‬         ‫رجال تدين له الرجـــــــال تد ّنً‬
                                                   ‫يا‬                           ‫ً‬
  ‫فالذكر يبقى للشمـــــــــائل مظهرا‬                                  ‫تغيب‬
                                                   ‫فلئن َّ َ جســـــــمه وعظامه‬
  ‫فاحت مجالســــــــنا لنثرك عنبرا‬                 ‫يا ذاكر ذكراك زينــــــــة حفلة‬
                ‫ا‬    ‫ً‬
  ‫ومعـــــاليا عجبً لمن سكن الثرى‬                  ‫ولقد بلغت كما تشــــاء مدارجً‬
                                                   ‫ا‬
  ‫ومهـــــــــــــارة وذكاوة1، وتد ّرا‬
    ‫ب‬                                              ‫أنت الحبيـب إلى القلوب فطانة‬
  ‫وشرافة، وكرامــــــــة ال تشترى‬                                       ‫ا‬
                                                   ‫وتواضعً، ومرونـة، وفتـــــوة‬
                    ‫ال‬
  ‫وفكاهة، وتخي ً، وتصــــــــــورا‬                 ‫ا‬       ‫ال‬            ‫ا‬
                                                   ‫وتخاطبً، وتحمــــــ ً، وتبسمً‬
    ‫خ‬        ‫د‬
  ‫وطالقة، وتقـــــــــــــ ّما، وتأ ّرا‬            ‫ونضارة، ومالحــــة، وحالوة‬
    ‫ر‬                     ‫را‬
  ‫ومش ّقً، ومن العيوب محـــــ ّرا‬                  ‫وا‬           ‫ا‬
                                                   ‫قد كنت مرجـوً جعـلت مس ّدً‬
    ‫و‬                          ‫ً‬
  ‫قسما بمن جعل النهـــــــار من ّرا‬                ‫ً و ا‬           ‫ر‬      ‫ز ا‬
                                                   ‫ومع ّزً، ومك ّمــــــا ومت ّجً‬
  ‫فاهلل يرفع من يشـــــــاء كما يرى‬                 ‫من كل ناحية حبيـت فضيـــلة‬
    ‫ب ر‬
  ‫بيد المجـــــــــاهد قد يح ّ تح ّرا‬                      ‫َ‬
                                                    ‫وبنيت جامعـــــة وشيد بناءها‬
    ‫م‬
  ‫حصل السالح على العـدو مش ّرا‬                      ‫و‬
                                                   ‫أستاذنا المحمــــود رغم عد ّه‬
            ‫ل‬
  ‫عقد السياســـــــــة حّه ال يزدرى‬                 ‫ل‬
                                                   ‫فهم بجودة فكـــــــــــرة منحّة‬
    ‫ح‬
  ‫أ فهل رأيت كمثــــــــــــله متب ّرا‬             ‫بعلومهـا وفنـــــــونها وشؤنها‬
    ‫ّ ذ‬
  ‫مال وأحسبه أشـــــــــــــــد تح ّرا‬             ‫يعطــي وينفــق ما لديه وما له‬
  ‫هلل يحسب ما سواه محقــــــــــــرا‬               ‫صحب الشيوخ محبــة ووداده‬
    ‫ث‬
  ‫والمـــــــــــرء يصلح حاله متأ ّرا‬                                      ‫ّ‬
                                                   ‫حب المشائخ نعمــة مغبــوطة‬
        ‫ً‬
  ‫أبدية وتعيش عيشــــــــــــا مثمرا‬                ‫لو كنت ذا أدب تحوز سعــادة‬


   ‫1 "الذكاوة" ليست كلمة عربية، إنما هي أردوية أصلها عربي، والكلمة العربية الصحيحة‬
                                                           ‫هي "الذكاء". (األعظمي)‬
                                             ‫612‬
‫مجلة الهند‬

     ‫ر‬
   ‫سيصيبني سهــــــم الفراق مق ّرا‬             ‫ما كنت أحسب يا حبيــب بأنه‬
     ‫ي‬
   ‫وكذلك المحمــــــــــود هام تح ّرا‬          ‫وأخوك يوسف في نهاية فجعة‬
     ‫ر‬                ‫َّ‬
   ‫سل عنهما أي الدروس يقـــــ ّرا‬              ‫أخوان حازا في الدراسة ميزة‬
     ‫ر‬       ‫ب‬
   ‫فكـــــــــــري كما جر ّته متك ّرا‬          ‫ولقد نظمت قصيــــدة فأجادها‬


                                                                      ‫نديم الرافعي:‬
     ‫في ذكرى وفاة الدكتور ذاكر حسين الرئيس الهندي األسبق‬
  ‫أو قال إن األلمعــــــــــــــي يغيب‬     ‫من قال إن العبــــــــــــــــقري يذوب‬
  ‫خسئ المنـــــــــــــافق إنه لكذوب‬       ‫دعــــــــــــواه باطلة ومحض ضاللة‬
  ‫حقل رحيب للنبــــــــــوع خصيب‬           ‫إن المواهب نعمـــــــــــــــــــة قدسية‬
  ‫بدر العلى ال يحتـــــــــويه غروب‬           ‫ض‬
                                           ‫وكذا النبــــــــــــــــــاهة درة و ّاءة‬
  ‫واللوذعي العالمــــــــــــــي مهيب‬      ‫والعالم المفضـــــــــــــــال سيد قومه‬
 ‫ال مال ينفـــــــــــع عندها وحسيب‬        ‫تفنى الجسـوم متى توارت في الثـرى‬
  ‫طول المدى ال يعتـــــريها شحوب‬           ‫أما المآثر فهي باقيــــــــــــــــــة على‬
       ‫ً‬
 ‫ذكراه تعبــــــــــــــق دائما وتطيب‬                                           ‫ب‬
                                           ‫ر ّ المآثر والمفاخــــــــــــــــر خالد‬
 ‫في العـــــلم قطب زمانه الموهوب‬           ‫ا‬
                                           ‫من لي بذكــــــــــــــراها بها متضلعً‬
  ‫علم األولى في عقـــــــــله مكتوب‬                               ‫ه‬
                                           ‫من لي به عالمة ف ّــــــــــــــــــــامة‬
 ‫بالمجد يهوي المكـــــــرمات أديب‬          ‫ا‬     ‫ً‬    ‫ً‬
                                           ‫من لي به بحــــــــــرا خضما زاخرً‬
  ‫رب الفضــــــــــائل مسلم محبوب‬          ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ً‬
                                           ‫من لي به شهمــــــــا عظيمً مخلصً‬
 ‫ساس البالد وفي المضــاء مصيب‬              ‫من لي به بطل بحنكــــــــــــــة رأيه‬
 ‫وصفاء عهــــــــد ليس فيه حروب‬            ‫أ من مساواة إخاء وحــــــــــــــــــدة‬
 ‫كل النفوس تهيم فيـــــــــــــه قلوب‬      ‫عهد الحسين نموذج تهفــــــــــــو له‬
 ‫هلل ذاك العهــــــــــــــد فهو طروب‬             ‫ر‬
                                           ‫عهد الرخـــــــــــــــاء مك ّم ومعظم‬
 ‫سرعان ما أخنت عليه خطــــــوب‬             ‫ا‬              ‫ل‬
                                           ‫عهـــــــــــــد تجّى بالسرور مجسمً‬

                                         ‫712‬
‫مجلة الهند‬

 ‫والنحس الح ووجهه مرهـــــــوب‬                                            ‫د‬
                                          ‫فتب ّل السعد المرجى حســـــــــــــرة‬
 ‫حل الفراغ وما حمـــــــــــاه نجيب‬       ‫مذ فارق األسد الهصــــــــور عرينه‬
 ‫نعم "الحسين" األلمعـــــــــي لبيب‬        ‫ا‬
                                          ‫أنا فقدنا في الشـــــــــــــدائد "ذاكرً"‬
 ‫بدم سخــــــــــــــــي شع منه لهيب‬      ‫فبكته أمته بدمـــــــــــــــــــــع ساخن‬
 ‫وصــــــــــداه عند المسلمين نحيب‬        ‫والحــــــــــزن عم الجامعات بأمرها‬
 ‫رب الفضــــــــائل والعالء خطيب‬          ‫في ذمة اهلل الهمـــــــــــــــام المجتبى‬
 ‫لكوارث األحـــــــــداث فهو طبيب‬         ‫في ذمة التاريخ شهــــــــــــم يرتجى‬
      ‫ّ‬
 ‫فلكل مجتهــــــــــــــــد يجد نصيب‬      ‫نم في رحاب الخلد في روض الصفا‬
 ‫واهنأ بذاك فأنت منه قــــــــــــريب‬     ‫نم في حمى المولى الكـــــريم مك ّمً‬
                                          ‫را‬
                         ‫ب‬
 ‫ما ناح ض ّ أو بكاك حبيـــــــــــب‬       ‫ط ا‬
                                          ‫فلك التحية والســــــــــــــالم مع ّرً‬




                                        ‫812‬
‫مجلة الهند‬



                  ‫المساهمون في هذا العدد‬
‫2. البروفيسور الدكتور سوسكنان األزهري، قسم الشريعة اإلسالمية، جامعة‬
             ‫المحافظة اإلسالمية، ‪ ،Yogyakarta ،Sunan Kalaijaga‬إندونيسيا‬
‫1. البروفيسور غالم يحيى أنجم، أستاذ قسم الدراسات اإلسالمية، جامعة‬
                                                     ‫همدرد، نيو دلهي، الهند‬
‫3. البروفيسور نياز أحمد خان، أستاذ اللغة الفارسية وآدابها في قسم اللغات‬
‫العربية والفارسية واألردوية والدراسات اإلسالمية، جامعة فيسفا-باراتي،‬
‫شانتينيكيتان، بنغال الغربية، الهند. له مؤلفات عديدة بما فيها ترجمة فارسية‬
                                             ‫لرحلة طاغور إليران والعراق.‬
‫7. الدكتور إبنور أزلي إبراهيم، معهد ‪،UKM ،Kajian Rantau Asia Barat‬‬
                                                                      ‫ماليزيا‬
  ‫:. الدكتور الحافظ محمد فضل اهلل شريف، أستاذ مساعد، كلية ‪AKM‬‬
                      ‫الشرقية، غاتشي غوره، حيدرآباد، آندهرابراديش، الهند‬
‫9. الدكتور أورنك زيب األعظمي، أستاذ مساعد، قسم اللغات العربية‬
‫والفارسية واألردوية والدراسات اإلسالمية، جامعة فيسفا-باراتي،‬
                                           ‫شانتينيكيتان، بنغال الغربية، الهند‬
‫4. الدكتور ماجد محمد عبده الداللعه، أستاذ مساعد، قسم الشريعة، كلية القانون،‬
              ‫الجامعة األمريكية في اإلمارات، دبي، اإلمارت العربية المتحدة‬
                                     ‫ق‬
‫4. الدكتور محمد أجمل اإلصالحي، مح ّق كبير، الرياض، المملكة العربية‬
                                                                   ‫السعودية.‬
‫6. الدكتورة ثمينة كوثر، أستاذة مساعدة، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة‬
‫موالنا أبو الكالم آزاد األردوية الوطنية، حيدراباد، آندهرابراديش، الهند.‬
                             ‫د‬
‫إنها قامت بترجمة أردوية لـ"الغربال" وهي تو ّ أن تقوم بدراسة مقارنة بين‬
                                                 ‫رسالة الغفران وجاويد نامه.‬
‫رافعة إكرام، طالبة في الدبلوم العالي في اللغة العربية والترجمة، قسم‬           ‫72.‬
‫اللغات العربية والفارسية واألردوية والدراسات اإلسالمية، جامعة فيسفا-‬
                                  ‫باراتي، شانتينيكيتان، بنغال الغربية، الهند‬
‫سميراء أجمل، مترجمة وكاتبة للقصص القصيرة، أعظم كره،‬                           ‫22.‬
                                                          ‫أوترابراديش، الهند‬
               ‫السيد قيوم ميئو، كاتب هندي للقصص األردوية القصيرة‬              ‫12.‬
                ‫السيدة أم إيمان، كاتبة هندية للقصص األردوية القصيرة‬           ‫32.‬

                                      ‫912‬
‫مجلة الهند‬

                    ‫س‬
‫الشيخ أمين أحسن اإلصالحي، كاتب إسالمي ومف ّر كبير من محافظة‬                  ‫72.‬
                                               ‫أعظم كره، أوترابراديش، الهند‬
‫عبد المنان، شاعر معاصر من كيراال، وكيراال منطقة خصبة بشعراء‬                  ‫:2.‬
                                 ‫ا ي‬
                      ‫العربية فنجد فيه أكثر من خمسين شاعرً ح ّاً للعربية.‬
‫القاضي أطهر المباركفوري، كاتب ومؤرخ إسالمي كبير، له خدمات‬                    ‫92.‬
‫جليلة في مجال التاريخ اإلسالمي والدعوة اإلسالمية. قد نشرت "مجلة‬
       ‫الهند" مقالة طويلة حول حياته وخدماته في العدد الرابع للمجلد األول‬
                                   ‫مجمع الفقه اإلسالمي، نيو دلهي، الهند‬      ‫42.‬
          ‫م‬
‫محمد تابش خان، أستاذ مساعد، قسم اللغات األجنبية، المج ّع الوطني‬              ‫42.‬
                                               ‫للدفاع، بوني، مهاراشترا، الهند‬
‫محمد معتصم األعظمي، باحث، مركز الدراسات العربية واإلفريقية،‬                  ‫62.‬
                                     ‫جامعة جواهر لعل نهرو، نيو دلهي، الهند‬
‫نديم عبد الفتاح الرافعي الفاروقي، من شعراء طرابلس، الشام، إنه‬                ‫71.‬
                                                                 ‫ي‬
‫ر ّالة عرب ّ. وبجانب ولعه باألدب فقد رغب في التجارة فجمع بين العلم‬       ‫ح‬
          ‫والمال، الصفة التي قلما تجتمع في أحد. له قصائد في رجال الهند.‬




                                     ‫022‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Stats:
views:4
posted:6/2/2013
language:Arabic
pages:220
Description: مجلة الهند - المجلد الثاني - العدد الثاني