Docstoc

نظرية-الاستخلاف-في-القرآن-الكريم

Document Sample
نظرية-الاستخلاف-في-القرآن-الكريم Powered By Docstoc
					                                                   ‫نظرية االستخالف في القرآن الكريم‬

‫(واذ قال ربك للمالئكة اني جاعل في االرض خليفة. قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها‬
  ‫ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال : اني أعلم ما ال تعلمون. وعلم‬
       ‫آدم االسماء كلها، ثم عرضهم على المالئكة فقال انبئوني باسماء هؤالء ان كنتم‬
                                                                               ‫صادقين .‬
         ‫قالوا : سبحانك ال علم لنا اال ما علمتنا انك انت العليم الحكيم. قال يا آدم انبئهم‬
       ‫بأسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات واالرض‬
                                  ‫واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) البقرة: 30 - 00 .‬
                                        ‫ه‬
   ‫هذه اآليات االربع تتحدث عن قضية استخالف ّللا سبحانه آلدم على االرض. وهذا‬
  ‫الجانب من قصة آدم يكاد ينحصر ذكره واالشارة اليه في القرآن الكريم بهذا المقطع‬
                                                                            ‫القرآني فقط .‬
                  ‫ودراسة هذا المقطع وما تضمنه من معلومات ومفاهيم لها جانبان - :‬
      ‫الجانب االول : تحديد الموقف العام تجاه دراسة هذا المقطع القرآني وتصوير ما‬
                                                                ‫يعنيه القرآن الكريم منه .‬
    ‫الجانب الثاني : تحديد الموقف القرآني واالسالمي تجاه بعض المفاهيم التي جاءت‬
   ‫في المقطع بالشكل الذي ينسجم مع المسلمات القرآنية والظهور اللفظي لهذا المقطع‬
                                                                            ‫بالخصوص .‬
                           ‫وفيما يتعلق بالجانب االول نجد الشيخ محمد عبده تبعا ً لبعض‬
                                                                              ‫} 292 {‬
    ‫الدارسين المتقدمين يذكر رأيين مختلفين بحسب الشكل وان كانا يتفقان في النهاية،‬
                                                                         ‫حسب ما يقول :‬
 ‫الرأي االول : هو الذي سار عليه السلف واختاره الشيخ محمد عبده نفسه ايضا ً حيث‬
                              ‫ه‬
 ‫يقول : (وما ذلك الحوار في اآليات فهو شأن من شؤون ّللا مع مالئكته صوره لنا في‬
 ‫هذه الفصول بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن ال نعرف حقيقة ذلك القول.‬
      ‫ولكننا نعلم انه ليس كما يكون منا. وان هناك معان قصدت افادتها بهذه العبارات‬
                                      ‫ٍ‬
   ‫وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وانه كان يعد له الكون او شأن‬
            ‫مع المالئكة يتعلق بخلق نوع االنسان وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع‬
                                                                           ‫وفضله)(1 .)‬
      ‫والرأي الثاني : الرأي الذي سار عليه الخلف من المحققين وعلماء االسالم الذين‬
      ‫بذلوا جهدهم في دراسة القرآن والتعرف على مقاصده حيث يرون ان هذه القصة‬
         ‫بمواقفها المختلفة انما جاءت على شكل التمثيل ومحاولة تقريب النشأة اآلدمية‬
     ‫االنسانية واهميتها وفضيلتها. وان جميع المواقف والمفاهيم التي جاءت فيها يمكن‬
                                           ‫تحديد المعاني واالهداف التي قصدت منها .‬
       ‫ّللا سبحانه وتعالى وعالم‬ ‫فالرأي األول والثاني وان كانا يلتقيان في حقيقة تنزيه ه‬
      ‫الغيب عن مشابهة المخلوقات المادية المحسوسة في هذه المواقف المختلفة ويكاد‬
  ‫يتفقان أيضا ً في االهداف والغايات العامة المقصودة من هذا المقطع القرآني ولكنهما‬
  ‫مع ذلك يختلفان في امكانية تحديد بعض المفاهيم التي وردت في المقطع كما سوف‬
                          ‫يتضح ذلك عند معالجتنا للمقطع القرآني من جانبه اآلخر .‬
                       ‫وفيما يتعلق بالجانب الثاني نجد السلف انسجامه مع موقفهم في‬
                              ‫______________________________‬
                                                              ‫)1(المنار 1/254 .‬
                                                                            ‫} 392 {‬
        ‫الجانب االول يقفون من دراسة المقطع موقفا ً سلبيا ً ويكتفون في بعض حاالت‬
        ‫االنفتاح بذكر الفوائد الدينية التي تترتب على ذكر القرآن لهذا المقطع القرآني‬
                                                                             ‫المتشابه .‬
      ‫وقد اشار الشيخ محمد عبده الى بعض هذه الفوائد. ونكتفي بذكر فائدتين منها :‬
                                                                          ‫ه‬
‫االول : ان ّللا سبحانه وتعالى في عظمته وجالله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته‬
                                   ‫في صنعه وما يخفى عليهم من اسراره في خلقه .‬
                                                                        ‫ه‬
    ‫الثانية : ان ّللا سبحانه لطيف بعباده رحيم بهم يعمل على معالجتهم بوجوه اللطف‬
  ‫والرحمة فهو يهدي المالئكة في حيرتهم ويجيبهم على سؤالهم عندما يطلبون الدليل‬
 ‫والحجة بعد ان يرشدهم الى واجبهم من الخضوع والتسليم : (اني اعلم ما ال تعلمون‬
                              ‫وعلهم آدم االسماء كلها ثم عرضهم على المالئكة )....‬
   ‫واما الخلف فقد حاولوا ايضاح المفاهيم التي وردت في هذا المقطع القرآني ليتجلى‬
                                                            ‫ه‬
  ‫بذلك معنى استخالف ّللا سبحانه وتعالى آلدم. وسوف نعرض هنا اهم هذه المفاهيم‬
‫المرتبطة بقضية االستخالف مع ذكر اآلراء المختلفة فيها ثم نتحدث عن المعنى العام‬
                                                                  ‫للمقطع القرآني .‬
                                                                     ‫- 1الخالفة :‬
     ‫الخليفة بحسب اللغة : من خلف من كان قبله وقام مقامه. فلماذا سمي آدم خليفة ؟‬
                                                               ‫توجد هنا عدة آراء :‬
                                   ‫ه‬
         ‫االول : ان آدم سمي خليفة النه خلف مخلوقات ّللا سبحانه في االرض وهذه‬
‫المخلوقات اما ان تكون مالئكة او يكونوا الجن الذين أفسدوا في االرض وسفكوا فيها‬
              ‫الدماء كما روي عن ابن عباس. او يكونوا آدميين آخرين قبل آدم هذا .‬
                                                                            ‫} 492 {‬
       ‫الثاني : انه سمي خليفة النه وابناءه يخلف بعضهم بعضا ً فهم مخلوقات تتناسل‬
           ‫ويخلف بعضها البعض اآلخر. وقد نسب هذا الرأي الى الحسن البصري .‬
                                               ‫ه‬
  ‫الثالث : انه سمي خليفة النه يخلف ّللا سبحانه في االرض. وفي تفسير هذه الخالفة‬
                      ‫هلل سبحانه وارتباطها بالمعنى اللغوي تعددت اآلراء واختلفت :‬
                                     ‫أ - انه يخلف ّللا في الحكم والفصل بين الخلق .‬
                                                                      ‫ه‬
     ‫ب - يخلف ّللا سبحانه في عمارة االرض واستثمارها من انبات الزرع واخراج‬
                                                 ‫الثمار وشق االنهار وغير ذلك(4 .)‬
‫ج - يخلف ّللا سبحانه في العلم باالسماء كما ذهب الى ذلك العالمة الطباطبائي(0 .)‬
                                                                             ‫ه‬
‫د - يخلف ّللا سبحانه في االرض بما وهبه ّللا من قوة غير محدودة سواء في قابليتها‬
                     ‫او شهواتها او علومها. كما ذهب الى ذلك الشيخ محمد عبده(2 .)‬
                               ‫- 2كيف عرف المالئكة ان الخليفة يفسد في االرض ؟‬
‫لقد ذكر المقطع القرآني ان جواب المالئكة على اخبارهم بجعل آدم خليفة في االرض‬
‫انهم تساءلوا عن سبب انتقاء هذا الخليفة الذي يفسد في االرض فكيف عرف المالئكة‬
                                       ‫هذه الخصيصة في هذا الخليفة وهنا عدة آراء .‬
                                                                           ‫ه‬
‫االول : ان ّللا سبحانه وتعالى اعلمهم بذلك ألن المالئكة ال يمكن ان يقولوا هذا القول‬
                                                       ‫رجما ً بالغيب وعمالً بالظن(5 .)‬
                                ‫______________________________‬
                          ‫)2(هذا الرأي وما قبله ذكره الطوسي في التبيان 1/101 .‬
                                                                ‫)3(الميزان : 1/111 .‬
                                                                  ‫)4(المنار : 1/364 .‬
                                                                 ‫)5(التبيان : 1/401 .‬
                                                                               ‫} 592 {‬
      ‫الثاني : انهم قاسوا ذلك على المخلوقات التي سبقت هذا الخليفة الذي سوف يقوم‬
                             ‫مقامها كما يشير الى ذلك بعض الروايات والتفاسير(6 .)‬
 ‫الثالث : ان طبيعة الخالفة تكشف عن ذلك بناء على الرأي االول من المذهب الثالث‬
                                ‫في معنى الخالفة. كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره .‬
                             ‫الرابع : ان طبيعة الخليفة نفسه تقتضي ذلك وهنا رأيان :‬
‫أ - ان المزاج المادي والروحي لهذا المخلوق الذي يريد ان يجعله ّللا خليفة واالساس‬
 ‫االجتماعي للعالقات االرضية التي سوف تحصل بين ابناء هذه المخلوقات هي التي‬
  ‫جعلت المالئكة يعرفون ذلك. يقول العالمة الطباطبائي : (ان الموجود االرضي بما‬
   ‫انه مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية والدار دار التزاحم محدودة الجهات‬
   ‫وافرة المزاحمات مركباتها في معرض االنحالل وانتظاماتها واصطالحاتها مظنة‬
  ‫الفساد ومصب البطالن ال تتم الحياة فيها اال بالحياة النوعية وال يكمل البقاء فيها اال‬
                           ‫باالجتماع والتعاون فال تخلو من الفساد وسفك الدماء)(7 .)‬
   ‫ب - ان االرادة االنسانية بما اعطيت من اختيار يتحكم في توجيهه العقل بمعلوماته‬
   ‫الناقصة هي التي تؤدي باالنسان الى أن يفسد في االرض ويسفك الدماء قال محمد‬
           ‫ه‬                                                            ‫ه‬
‫عبدة( : اخبر ّللا المالئكة بأنه جاعل في االرض خليفة نفهم من ذلك ان ّللا يودع في‬
  ‫فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة.. ان يكون ذا ارادة مطلقة واختيار في عمله غير‬
    ‫محدود وان الترجيح بين ما يتعارض من االعمال التي تعن له تكون بحسب علمه‬
    ‫وان العلم اذا لم يكن محيطا ً بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه االرادة الى خالف‬
                  ‫المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد وهو معين الزم الوقوع الن العلم‬
                                ‫______________________________‬
                                                                 ‫)6(التبيان : 1/001 .‬
                 ‫)7(الميزان : 1/511. والتفسير الكبير 1/141 والميزان 1/111 .‬
                                                                           ‫} 692 {‬
                                                                ‫ه‬
                                                   ‫المحيط ال يكون اال هلل تعالى(1 .))‬
                                                                        ‫- 3االسماء :‬
‫واالسماء من المفاهيم التي وقع الخالف فيها بين علماء التفسير حول حقيقتها والمراد‬
                                       ‫منها واآلراء فيها تسير في االتجاهين التاليين :‬
  ‫االول : ان المراد من االسماء االلفاظ التي سمى ّللا سبحانه بها من خلقه من اجناس‬
        ‫وانواع المحدثات وفي جميع اللغات. وهذا الرأي هو المذهب السائد عند علماء‬
                                  ‫التفسير ونسب الى ابن عباس وبعض التابعين(1 .)‬
    ‫وينطلق اصحاب هذا المذهب في تفكيرهم الى ان ّللا سبحانه كان قد علم آدم جميع‬
      ‫اللغات الرئيسية. وقد كان ولده على هذه المعرفة ثم تشعبت بعد ذلك واختص كل‬
                                         ‫جماعة منهم بلغة غير لغة الجماعة االخرى .‬
  ‫الثاني : ان المراد من االسماء : المسميات او صفاتها وخصائصها ال االلفاظ وحينئذ‬
‫فنحن بحاجة الى القرينة القرآنية أو العقلية التي تصرف اللفظ الى هذا المعنى الذي قد‬
    ‫يبدو انه يخالف ظاهر االطالق القرآني. ويمكن ان نتصور هذه القرينة في االمور‬
                                                                              ‫التالية :‬
   ‫أ - (ان العلم الحقيقي انما هو ادراك المعلومات انفسها وااللفاظ الدالة عليها تختلف‬
 ‫باختالف اللغات التي تجري بالمواضعة واالصطالح فهي تتغير وتختلف والمعنى ال‬
                                                       ‫تغيير فيه وال اختالف(31 .))‬
   ‫ب - ان االسماء حين يقصد منها االلفاظ واللغات فهي اذن من االشياء التي ال يمكن‬
      ‫تحصيلها اال بالتعليم فال يحسن تحدي المالئكة بها، اذ ال داللة على وجود موهبة‬
                                ‫خاصة في لم يتمكن بها من معرفة االسماء. وهذا على‬
                                ‫______________________________‬
                                                              ‫)8(المنار : 1/654 .‬
                                     ‫)9(التبيان : 1/101 والتفسير الكبير 4/671 .‬
                                                            ‫)01(المنار : 1/464 .‬
                                                                           ‫} 792 {‬
‫خالف ما اذا قلنا ان المقصود منها المسميات فانها مما يمكن ادراكه ولو جزئيا ً - عن‬
 ‫طريق استعمال العقل والذهن - فيكون لمعرفة آدم بها داللة على موهبة خاصة منحه‬
                                                                                     ‫ه‬
                                                                            ‫ّللا اياها .‬
‫قال الطوسي : (ان االسماء بال معان ال فائدة فيها وال وجه اليثاره الفضيلة بها(11))‬
      ‫وقال الرازي : (وذلك الن العقل ال طريق له الى معرفة اللغات البتة، بل ذلك ال‬
 ‫يحصل اال بالتعليم فان حصل التعليم حصل العلم به واال فال اما العلم بحقائق االشياء‬
                           ‫فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه(41 .))‬
   ‫ج - ان هذه االسماء لو كانت الفاظا ً لتوصل المالئكة الى معرفتها بانباء آدم لهم بها‬
    ‫وهم بذلك يتساوون مع آدم فال تبقى له مزية وفضيلة عليهم. فال بد لنا من ان نلتزم‬
    ‫بانها اشياء تختلف مراتب العلم بها، االمر الذي ادى ان يعرفها آدم بمعرفة خاصة‬
‫تختلف عن معرفة المالئكة لها حين اخباره لهم بها. وهذا يدعونا الن نقول انها عبارة‬
 ‫عن المسميات ال االلفاظ. قال العالمة الطباطبائي بصدد شرح هذه الفكرة : (ان قوله‬
    ‫تعالى : وعلم آدم االسماء كلها ثم عرضهم.. شعر بان هذه االسماء او ان مسمياتها‬
  ‫كانت موجودات احياء عقالء محجوبين تحت حجاب الغيب وان العلم بأسمائهم كان‬
         ‫غير العلم الذي عندنا باسماء االشياء واال كانت بانباء آدم اياهم بها عالمين بها‬
                                              ‫وصائرين مثل آدم مساوين معه(01 .))‬
     ‫وحين يصل اصحاب هذا االتجاه الى هذه النقطة نجدهم يحاولون ان يتعرفوا على‬
  ‫العالقة التي صححت استعمال لفظ (االسماء) محل لفظ (المسميات) ويذكرون لذلك‬
                                                                        ‫قرائن متعددة .‬
                                ‫______________________________‬
                                                             ‫)11(التبيان : 1/101 .‬
                                                      ‫)21(التفسير الكبير : 4/671 .‬
                                                            ‫)31(الميزان : 1/711 .‬
                                                                            ‫} 892 {‬
 ‫فالرازي يرى هذه القرينة في مصدر اشتقاق االسم فانه اما أن يكون من السمة او من‬
 ‫السمو (فان كان من السمة كان االسم هو العالمة، وصفات االشياء ولقوتها دالة على‬
    ‫ماهياتها فصح ان يكون المراد من االسماء : (الصفات) وان كان من السمو فكذلك‬
          ‫الن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فان العلم بالدليل حاصل قبل العلم‬
                                                                      ‫بالمدلول(21 .))‬
 ‫والشيخ محمد عبده يرى هذه القرينة في (شدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له‬
                                             ‫وسرعة االنتقال من احدهما الى اآلخر .)‬
 ‫كما انه يرى في ذلك وجها ً آخر يكاد يغنيه عن هذه العالقة حيث : ان االسم قد يطلق‬
   ‫اطالقا ً صحيحا ً على صورة المعلوم الذهنية (اي ما به يعلم الشيء عند العالم) فاسم‬
      ‫ّللا مثالً هو ما به عرفناه في اذهاننا ال نفس اللفظ بحيث يقال : اننا نؤمن بوجوده‬
   ‫ونسند اليه صفاته. فاالسماء هي ما يعلم بها االشياء في الصور الذهنية وهي العلوم‬
 ‫المطابقة للحقائق الخارجية الموضوعية. واالسم بهذا المعنى هو الذي جرى الخالف‬
      ‫بين الفالسفة في انه عين المسمى او غيره، االمر الذي يدعونا ان نقول ان لالسم‬
                                ‫معنى آخر غير اللفظ اذ ال شك بان اللفظ غير المعنى .‬
     ‫واالسم بهذا االطالق ايضا ً هو الذي يتبارك ويتقدس (سبح اسم ربك االعلى) اذ ال‬
                                 ‫معنى الن يكون اللفظ هو الذي يتبارك ويتقدس(51 .)‬
 ‫وبعد هذا كله نجدهم يختلفون في حقيقة هذه المسميات والمراد منها في اآلية الكريمة‬
                                                                                    ‫:‬
    ‫فالعالمة الطباطبائي يراها - كما في النص السابق - موجودات احياء عقالء ولعله‬
                               ‫يفهم هذه الحياة لها والعقل من قوله تعالى (ثم عرضهم )‬
                                ‫______________________________‬
                                            ‫)41(المصدر السابق : الموضوع نفسه .‬
                                                              ‫)51(المنار : 1/464 .‬
                                                                          ‫} 992 {‬
       ‫حيث استعمل ضمير الجماعة المختص بمن يعقل. وهذا االتجاه نجده في بعض‬
‫اآلراء المتقدمة على العالمة الطباطبائي نفسه، كما في حكاية الطبري عن الربيع ابن‬
                                                               ‫ه‬
                       ‫زيد انهما قاال : علمه ّللا اسماء ذريته واسماء المالئكة(61 .)‬
 ‫ولكن الشيخ الطوسي يناقش فكرة االعتماد على الضمير بقوله : (وهذا غلط لما بيناه‬
 ‫من التغلب وحسنه كما قال تعالى : (وّللا خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على‬
              ‫بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع(71 .))‬
‫والشيخ محمد عبده يرى انها تعني جميع االشياء من غير تحديد وال تعيين(11) ولعل‬
  ‫هذا االتجاه هو الذي يظهر من كالم الشيخ الطوسي والرازي في تفسيرهما(11 .)‬
                                                                  ‫نظرية االستخالف :‬
    ‫بعد أن تعرفنا على آراء العلماء المختلفة تجاه المفاهيم البارزة التي جاءت في هذا‬
 ‫المقطع القرآني البد لنا من معرفة الصورة الكاملة للمقطع القرآني لنستخلص نظرية‬
                                                                  ‫استخالف آدم منها .‬
                            ‫وهنا صورتان لهذه النظرية بينهما كثير من وجوه الشبه .‬
   ‫االولى : الصورة التي ذكرها السيد رشيد رضا في تفسيره عن استاذه الشيخ محمد‬
     ‫عبده : حيث يرى ان القصة وردت مورد التمثيل لغرض تقريبها من تناول افهام‬
                          ‫الخلق لها لتحصل لهم الفائدة من معرفة حال النشأة االولى .‬
                               ‫______________________________‬
                                                            ‫)61(التبيان : 1/101 .‬
                                                                  ‫)71(النور : 52 .‬
                                                            ‫)81(المنار : 1/464 .‬
                                   ‫)91(التبيان : 1/101 والتفسير الكبير 0/671 .‬
                                                                          ‫} 003 {‬
       ‫من جوانب هذه المحاورة وااللفاظ التي‬    ‫وعلى هذا االساس يمكننا ان نفهم كثيراً‬
                             ‫استعملت فيها دون ان تتقيد بالمعنى اللغوي العرفي لها .‬
       ‫فاهلل سبحانه اخبر المالئكة بانه بصدد ان يجعل في االرض خليفة عنه يودع في‬
  ‫فطرته االرادة المطلقة التي تجعله االشياء حسب قدرته ومعلوماته التي ال يمكن ان‬
                                                                 ‫تصل مرتبة الكمال .‬
   ‫وعلى اساس هذه االرادة المطلقة وهذا العلم الناقص عرف المالئكة ان هذا الخليفة‬
  ‫سوف يسفك الدماء ويفسد في االرض الن ذلك نتيجة طبيعية لما يتمتع به من ارادة‬
    ‫مطلقة يسير بها حسب علمه الذي ال يحيط بجميع جوانب المصالح والمنافع االمر‬
                 ‫الذي قد يوجه االرادة الى خالف الحكمة والمصلحة فيقع في الفساد .‬
‫وحين عرف المالئكة ذلك تعجبوا من خلق ّللا لهذا النوع من الخلق الذي يسفك الدماء‬
   ‫ويفسد في االرض فسألوا ّللا سبحانه (عن طريق النطق او الحال او غير ذلك) ان‬
                                 ‫يتفضل عليهم باعالمهم عن ذلك وبيان الحكمة لهم .‬
      ‫وكان الجواب لهم على ذلك هو بيان الخضوع والتسليم لمن هو بكل شيء عليم الن‬
                                                ‫هذا هو موقف جميع المخلوقات تجاهه .‬
       ‫على ان هذا النوع من الخضوع والتسليم الذي ينشأ من معرفة المالئكة باحاطة ّللا‬
           ‫بكل شيء قد ال يذهب الحيرة وال يزيل االضطراب.. وانما تسكن النفس باظهار‬
                 ‫الحكمة والسر الذي يختفي وراء الفعل الذي حصل منه تعجب المالئكة .‬
           ‫ولذلك تفضل ّللا سبحانه على المالئكة بان اوضح لهم السر واكمل علمهم ببيان‬
      ‫الحكمة في هذا الخلق فأودع في نفس آدم وفطرته علم جميع االشياء من غير تحديد‬
‫وال تعيين االمر الذي جعل آلدم امتيازاً خاصا ً استحق به الخالفة عن ّللا في االرض .‬
                                                                           ‫} 103 {‬
                           ‫ه‬
         ‫ويظهر هذا االمتياز حين نقارن بين االنسان وبين المخلوقات هلل سبحانه فقد نطق‬
  ‫الوحي ودل العيان واالختيار على ان ّللا تعالى خلق العالم انواعا ً مختلفة وخص كل‬
      ‫نوع منها بقدرات ومواهب. ولكن االنسان مع ذلك يختلف عنها في ان لما منحه ّللا‬
     ‫من قدرات ومواهب ليست لها حدود معينة ال يتعداها على خالف بقية المخلوقات .‬
         ‫فالمالئكة - الذي ال نتمكن من معرفة حقيقتهم اال عن طريق الوحي - لهم وظائف‬
         ‫محدودة - كما دلت اآليات واالحاديث - فهم يسبحون ّللا ليالً ونهاراً وهم صافون‬
                               ‫ويفعلون ما يؤمرون الى غير ذلك من االعمال المحدودة .‬
  ‫وما نعرفه بالنظر واالختيار عن حال الحيوان والنبات والجماد فانها بين ما يكون ال‬
        ‫علم له وال عمل كالجماد. او يكون له عمل معين يختص به نفسه دون ان يكون له‬
   ‫علم او ارادة. ولو فرض ان له علما ً او ارادة فهما ال أثر لهما في جعل عملهما مبنيا ً‬
                                                                               ‫ه‬
                             ‫لحكم ّللا وسنته في الخلق وال وسيلة لبيان احكامه وتنفيذها .‬
         ‫فكل حي من االحياء المحسوسة والغيبية - عدا االنسان - له استعداد محدود وعلم‬
  ‫الهامي محدود وعمل محدود وما كان كذلك ال يصلح ان يكون خليفة عن الذي ال حد‬
                                                                       ‫لعلمه وارادته .‬
           ‫واما االنسان فقد خلقه ّللا ضعيفا ً وجاهالً ولكنه على ضعفه وجهله يتصرف في‬
                                                ‫ه‬
 ‫االقوياء ويعلم جميع االسماء بما وهبه ّللا من قدرة على النمو والتطور التدريجي في‬
 ‫احساسه ومشاعره وادراكه فيكون له السلطة على هذه الكائنات يسخرها ثم يذللها بعد‬
          ‫ذلك كما تشاء قوته الغريبة التي يسمونها العقل وال يعرفون حقيقتها وال يدركون‬
  ‫كنهها .فهذه القوة نجدها تغني االنسان عن كل ما وهب ّللا للحيوان في اصل الفطرة‬
                                                ‫وااللهام من الكساء والغذاء واالعضاء .‬
                                                                           ‫} 203 {‬
     ‫فاالنسان بهذه القوة غير محدود االستعداد وال محدود الرغائب وال محدود العلم وال‬
                                                                        ‫محدود العمل .‬
     ‫وكما اعطاه ّللا تعالى هذه المواهب اعطاه احكاما ً وشرائع حدد فيها اعماله واخالقه‬
 ‫وهي في الوقت نفسه تساعده على بلوغ كماله النها مرشد للعقل الذي كان له كل تلك‬
                                                                              ‫المزايا .‬
                                                        ‫ه‬
        ‫وبهذا كله استحق االنسان خالفة ّللا في االرض وهو خلق المخلوقات بها ونحن‬
 ‫نشاهد في عصرنا آثار هذه الخالفة بما فعله االنسان من تطوير وسيطرة وتعرف في‬
                                                                                   ‫الكون .‬
          ‫وحين اودع ّللا في فطرة آدم علم االشياء من غير تحديد. عرض االشياء على‬
       ‫المالئكة واطلعهم عليها اطالعا ً اجماليا ً ثم طالبهم بمعرفتها واالنباء بهذه واذا بهم‬
                           ‫يظهرون التأكيد على التسليم والخضوع والعجز واالعتراف .‬
                                                                            ‫ه‬
      ‫وعند ذلك أمر ّللا آدم أن ينبئهم باالشياء ففعل، وذلك لتتكشف لهم الحقيقة بأوضح‬
                                                                        ‫صورها واشكالها .‬
          ‫واما الصورة الثانية : فهي التي عرضها العالمة الطباطبائي وهي تختلف عن‬
      ‫الصورة السابقة في بعض الجوانب. ونحن نقتصر على ذكر جوانب الخالف التي‬
                                                                ‫سبق ان اشرنا الى بعضها .‬
        ‫- 1ان خليفة ّللا موجود مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية والدار دار‬
          ‫تزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات ال يمكن ان تتم فيها الحياة اال بايجاد‬
       ‫العالقات االجتماعية وما يستتبعها من تصادم االمر الذي يؤدي الى الفساد وسفك‬
                                                                                   ‫الدماء .‬
      ‫- 2ان المالئكة حين تعجبوا كانوا يرون ان الغاية من جعل الخالفة هو أن يحكى‬
                                     ‫الخليفة ومستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده‬
                                                                                ‫} 303 {‬
          ‫واالرضية ال تدعه يفعل ذلك بل تجره الى الفساد والشر والغاية من هذا الجعل‬
                                                                          ‫ه‬
                                                          ‫بتسبيحهم بحمد ّللا وتقديسهم له .‬
  ‫- 3ان آدم استحق الخالفة لقدرته على تحمل السر الذي هو عبارة عن تعلم االسماء‬
‫التي هي اشياء حية عاقلة محجوبة تحت حجاب الغيب محفوظة عند ّللا. وقد انزل ّللا‬
     ‫كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السموات واالرض من نورها‬
           ‫وبهائها .وانهم على كثرتهم وتعددهم ال يتعددون تعدد االفراد وانما يتكاثرون‬
                                                                     ‫بالمراتب والدرجات .‬
                                                                  ‫الموازنة بين الصورتين :‬
         ‫ويحسن بنا ان نوازن بين هاتين الصورتين لنخرج بالصورة الكاملة التي نراها‬
   ‫صحيحة لتصوير هذا المقطع القرآني. ولنأخذ النقاط الثالثة التي خالف فيها العالمة‬
                                                             ‫الطباطبائي الشيخ محمد عبده .‬
      ‫ففي النقطة االولى قد نجد العالمة الطباطبائي على جانب من الحق كما نجد الشيخ‬
   ‫محمد عبده على جانب آخر منه. ذلك الن العالمة الطباطبائي أكد على ما فطر عليه‬
    ‫االنسان من غرائز وعواطف مختلفة. وهذا شيء صحيح لما لهذه الغرائز من تأثير‬
 ‫كبير في حصول التزاحم والتنافس في المجتمع االنساني االمر الذي يؤدي الى الفساد‬
     ‫وسفك الدماء. واساس هذه الغرائز غريزة حب الذات التي جاءت االديان السماوية‬
              ‫ومنها االسالم من اجل توجيهها صالحا ً يدفعها الى تجنب الفساد والسفك .‬
    ‫والشيخ محمد عبده حين يغفل هذا الجانب - في مسألة معرفة المالئكة للفساد وسفك‬
 ‫الدماء - يؤكد على جانب آخر له دور كبير ايضا ً في الفساد وسفك الدماء وهو االرادة‬
‫المطلقة والمعرفة الناقصة فلوال هذه االرادة ولوال هذا النقص في العلم لما كان السفك‬
                                                                               ‫والفساد .‬
 ‫وعلى هذا االساس يمكن ان نعتبر كال الجانبين مؤثراً في معرفة المالئكة لنتيجة هذا‬
                                                                                ‫الخليفة .‬
                                                                             ‫} 403 {‬
                                                                    ‫تابع هامش ص 231‬
                                 ‫______________________________‬
   ‫)*(لم يكن اسم السائل «ابن صبيغ» بل اسمه «صبيغ بن عسل التميمي» ولم يكن‬
  ‫السؤال عن متشابه القرآن وانما كان السؤال عن «والذاريات ذرواً»(1) وهو بحث‬
    ‫عن تفسير لغوي .واذا رجعنا الى قوله تعالى «فأصبح هشيما ً تذروه الرياح»(4)‬
                                                                     ‫عرفنا تفسير اللفظ .‬
  ‫كما أن الخليفة عمر قرأ على المنبر «فأنبتنا فيها حبا ً وعنبا ً وقضبا ً - الى قوله تعالى‬
     ‫- وأبا ً» قال : كل هذا قد عرفناه، فما األب ؟ ثم رفض عصا كانت في يده فقال :‬
‫لعمر ّللا هو التكلف فما عليك أن ال تدري ما االب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب‬
                                           ‫فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه الى ربه.(0 )‬
      ‫وكذلك عندما سُئل ايضا ً عن «فاكهة وأَبها ً» أقبل عليهم بالدرة(2). مع أن تفسير‬
                      ‫اللفظين ورد بعدهما في قوله تعالى «متاعا ً لكم والنعامكم»(5 .)‬
                          ‫_________________________________‬
                                              ‫)1(نقش أئمة در احياء دين، ج 6/711 .‬
                                                                ‫)2(سورة الكهف /52 .‬
                                 ‫)3(و(2) الدر المنثور في تفسير اآلية، ج 6/710 .‬
                                                                  ‫)5(سورة عبس /40.‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:4
posted:2/15/2013
language:Arabic
pages:9