الجزء-الثامن-و-العشرون

					                                       ‫الجزء الثامن و العشرون‬

                                                     ‫سورة المجادلة‬


        ‫ُ َ ُم إ َّ الل َ م ِ‬          ‫َ َ الل ُ ْ َ ال ت ُِ َ ف ز ِ و َ َك ِ الله َالل ُ َ ْ ُ‬
 ‫قَدْ سمِع َّه قَول َّتِي ُجَادلك ِي َوْجهَا َتشْت ِي إلَى َّ ِ و َّه يسمَع تَحَاورك َا ِن َّه سَم ِيع َ ِمير (1)‬
‫ِْ‬       ‫َ َه ْ َإ َّه ْ ق ل َ م ا من‬                ‫الذ ن ُ ِر َ م ك م ِّ ِ م ه َّ ُم ِه ْ إ أ َّ ُه ِل الل‬
‫َّ ِي َ يظَاه ُون ِن ُم ِّن نسَائهِم َّا ُن أ َّهَات ِم ِنْ ُمهَات ُمْ إَّا َّائِي ولَدْن ُم وِن ُم لَيَ ُوُون ُنكَرً ِّ َ الْقَمول‬
    ‫ِ‬       ‫ْ ر ر ة م‬               ‫َالذ ن ُ ِر ن م ِّ ِه ْ ث َّ َع د َ ِ ل‬                      ‫َز ً َإ َّ الل َ َ ف ٌّ ف‬
‫و ُورا وِن َّه لعَ ُو غَ ُور (2) و َّ ِي َ يظَاه ُو َ ِن نسَائ ِم ُم ي ُو ُون لمَا قَاُوا فَتَحرِي ُ َقَ َ ٍ ِّن قََْمل أَن‬
                                                                                ‫ي َ َاس َِك ْ ت َظ َ ِ َالل ُ ِ َ ْ َل ن‬
                                                                     ‫َتم َّا ذل ُم ُوع ُون َِه و َّه َمَا تعمُو َ خََِير (3)‬

                                                                                                                 ‫سورة المجادلة‬

                                                                                                         ‫مقدمة لسورة المجادلة‬

‫نحن في هذه السورة - وفي هذا الجزء كله تقريَا - مع أحداث السيرة في المجتمع المدني . ممع الجماعمة‬
‫المسلمة الناشئة ; حيث ترَى وتقوم , وتعد للنهوض َدورها العالمي , َل َدورها الكوني , الذي قدره اهلل لها‬
‫في دورة هذا الكون ومقدراته . وهو دور ضخم يَدأ من إنشاء تِور جديد كامل شامل لهذه الحيماة , فمي‬
 ‫نفوس هذه الجماعة , وإقامة حياة واقعية على أساس هذا التِور , ثم تحمله هذه الجماعة إلى العمالم كلمه‬
‫لتنشئ للَشرية حياة إنسانية قائمة على أساس هذا التِور كذلك . . وهو دور ضخم إذن يقتضي إعدادا كامال‬
                                                                                                                                 ‫.‬

‫ولقد كان أولئك المسلمون الذين يعدهم القدر لهذا الدور الضخم , ناسا من النماس . ممنهم السماَقون ممن‬
‫المهاجرين واألنِار الذين نضج إيمانهم , واكتمل تِورهم للعقيدة الجديدة , وخلِت نفوسهم لها , ووِلوا‬
‫. . وِلوا إلى حقيقة وجودهم وحقيقة هذا الوجود الكَير ; واندمجت حقيقتهم مع حقيقة الوجود , فأِمَحوا‬
‫َهذا طرفا من قدر اهلل في الكون ; ال يجدون في أنفسهم عوجا عنه , وال يجدون في خطاهم تخلفا عن خطاه ,‬
‫وال يجدون في قلوَهم شيئا إال اهلل . . كانوا كما جاء عنهم في هذه السورة:(ال تجد قوما يؤمنون َاهلل واليموم‬
‫اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله , ولو كانوا آَاءهم أو أَناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم . أولئك كتب فمي‬
‫قلوَهم اإليمان , وأيدهم َروح منه , ويدخلهم جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها . رضي اهلل عمنهم‬
                                                   ‫ورضوا عنه . أولئك حزب اهلل . أال إن حزب اهلل هم المفلحون). .‬
‫ولكن هؤالء الساَقين كانوا قلة َالقياس إلى الجماعة المسلمة المتزايدة العدد - وَخاِة َعد أن أَِح اإلسالم‬
‫قوة ترهب - حتى قَل الفتح - ودخل فيه من لم يتلق من الترَية اإلسالمية القسط الكافي , ولم يتمنفس فمي‬
‫الجو اإلسالمي فترة طويلة . كما دخل فيه من المنافقين من آثر المِلحة أو العافية على دخل في القلموب ,‬
‫وترَص َالفرص , وذَذَة َين المعسكر اإلسالمي والمعسكرات القوية المناوئة له في ذلك الحمين . سمواء‬
‫معسكرات المشركين أو اليهود ! ولقد اقتضت ترَية النفوس وإعدادها للدور الكوني الكَير المقدر لهما فمي‬
‫األرض جهودا ضخمة , وَِرا طويال , وعالجا َطيئا , في ِغار األمور وفي كَارها . . كانت حركة َناء‬
‫هائلة هذه التي قام َها اإلسالم , وقام َها رسول اإلسالم [ ص ] َناء النفوس التي تمنهض ََنماء المجتممع‬
‫اإلسالمي والدولة اإلسالمية , وتقوم على منهج اهلل , تفهمه وتحققه , وتنقله إلى أطراف األرض في ِمورة‬
                                                                ‫حية متحركة , ال في ِحائف وكلمات .‬

‫ونحن نشهد في هذه السورة - وفي هذا الجزء كله - طرفا من تلك الجهود الضخمة , وطرفا من األسملوب‬
 ‫القرآني كذلك في َناء تلك النفوس , وفي عالج األحداث والعادات والنزوات ; كما نشهد جانَا من الِمرا‬
                                   ‫الطويل َين اإلسالم وخِومه المختلفين من مشركين ويهود ومنافقين .‬

‫وفي هذه السورة َِفة خاِة نشهد ِورة موحية من رعاية اهلل للجماعة الناشئة ; وهو يِنعها على عينه ,‬
‫ويرَيها َمنهجه , ويشعرها َرعايته , ويَني في ضميرها الشعور الحي َوجوده - سَحانه - معها في أخص‬
‫خِائِها , وأِغر شؤونها , وأخفى طواياها ; وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره ; وأخذها فمي‬
‫حماه وكنفه , وضمها إلى لوائه وظله ; وترَية أخالقها وعاداتها وتقاليدها ترَية تليق َالجماعة التي تنضوي‬
       ‫إلى كنف اهلل , وتنتسب إليه , وتؤلف حزَه في األرض , وترفع لواءه لتعرف َه في األرض جميعا .‬

‫ومن ثم تَدأ السورة َِورة عجيَة من ِور هذه الفترة الفريدة في تاريخ الَشرية . فترة اتِمال السمماء‬
‫َاألرض في ِورة مَاشرة محسوسة , ومشاركتها في الحياة اليومية لجماعة من الناس مشاركة ظاهرة:(قمد‬
 ‫سمع اهلل قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل , واهلل يسمع تحاوركما إن اهلل سميع َِير). . فنشهد‬
‫السماءتتدخل في شأن يومي ألسرة ِغيرة فقيرة مغمورة , لتقرر حكم اهلل في قضيتها , وقد سمع - سمَحانه‬
‫- للمرأة وهي تحاور رسول اهلل فيها , ولم تكد تسمعها عائشة وهي قريَة منها ! وهي ِورة تمم القلمب‬
                                                                     ‫َوجود اهلل وقرَه وعطفه ورعايته .‬

‫يليها في سياق السورة توكيد أن الذين يحادون اهلل ورسوله - وهم أعداء الجماعة المسلمة التي تعيش في كنف‬
‫اهلل - مكتوب عليهم الكَت والقهر في األرض , والعذاب المهين في اآلخرة , مأخوذون َما عملوا مما أحِاه‬
                                        ‫اهلل عليهم , ونسوه هم وهم فاعلوه(! واهلل على كل شيء شهيد). .‬
‫ثم توكيد وتذكير َحضور اهلل - سَحانه - وشهوده لكل نجوى في خلوة , يحسب أِحاَها أنهم منفردون َها‬
‫. واهلل معهم أينما كانوا: (ثم ينَئهم َما عملوا يوم القيامة , إن اهلل َكل شيء عليم). . وهي ِورة تم القلب‬
                                                ‫كذلك َوجود اهلل وحضوره , كما تملؤه َرقاَته واطالعه .‬

‫وهذا التوكيد مقدمة لتهديد الذين يتناجون في خلواتهم لتدَير المكايد للمسلمين , وملء قلوَهم َمالحزن والهمم‬
‫والتوجس . تهديد َأن أمرهم مكشوف , وأن عين اهلل مطلعة عليهم , ونجواهم َماإلثم والعمدوان ومعِمية‬
‫الرسول مسجلة , وأن اهلل آخذهم َها ومعذَهم عليها . ونهي للمسلمين عن التناجي َغير الَر والتقوى , وترَية‬
                                                                      ‫نفوسهم وتقويمها َهذا الخِوص .‬

‫ثم يستطرد في ترَية هذه النفوس المؤمنة ; فيأخذها َأدب السماحة وَالطاعة في مجلمس رسمول اهلل [ ص ]‬
‫ومجالس العلم والذكر . كما يأخذها َأدب السؤال والحديث مع الرسول [ ص ] والجد في هذا األمر والتوقير‬
                                                                                                      ‫.‬

‫أما َقية السورة َعد هذا فتنِرف إلى الحديث عن المنافقين الذين يتولون اليهود ; ويتآمرون معهم , ويدارون‬
‫تآمرهم َالكذب والحلف للرسول وللمؤمنين . وتِورهم في اآلخرة كذلك حالفين كذاَين ; يتقمون َمالحلف‬
‫والكذب ما يواجههم من عذاب اهلل , كما كانوا يتقون َهما في الدنيا ما يمواجههم ممن غضمب رسمول اهلل‬
‫والمؤمنين ! مع توكيد أن الذين يحادون اهلل ورسوله كتب اهلل عليهم أنهم في األذلين وأنهم هم األخسمرون .‬
‫كما كتب أنه ورسله هم الغالَون . وذلك تهوينا لشأنهم , الذي كان َعض المنتسَين إلى اإلسمالم - وَعمض‬
‫المسلمين - يستعظمه , فيحافظ على مودته معهم , وال يدرك ضرورة تميز الِف المسلم تحمت رايمة اهلل‬
‫وحدها , واالعتزاز َرعاية اهلل وحده , واالطمئنان إلى حراسته الساهرة للفئة التي يِمنعها علمى عينمه ,‬
                                                                       ‫ويهيئها لدورها الكوني المرسوم .‬

‫وفي ختام السورة تجيء تلك الِورة الوضيئة لحزب اهلل . هذه الِورة التي كمان يمثلهما َالفعمل أولئمك‬
‫الساَقون من المهاجرين واألنِار . والتي كانت اآلية الكريمة تشير لها كي ينتهي إليها أولئك الذين ما زالوا‬
                                                                                      ‫َعد في الطريق !‬

‫(ال تجد قوما يؤمنون َاهلل واليوم اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله . .)الخ اآلية . . . كما وردت فمي أول‬
                                                                                           ‫هذا التقديم .‬

                                                                      ‫الدرس األول:1 - 4 إَطال الظهار‬

‫(قد سمع اهلل قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل , واهلل يسمع تحاوركما , إن اهلل سمميع َِمير .‬
‫الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم , إن أمهاتهم إال الالئي ولدنهم , وإنهم ليقولون منكمرا ممن‬
‫القول وزورا , وإن اهلل لعفو غفور . والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقَة من قَمل‬
‫أن يتماسا , ذلكم توعظون َه , واهلل َما تعملون خَير . فمن لم يجد فِيام شهرين متتاَعين من قَل أن يتماسا‬
‫, فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا , ذلك لتؤمنوا َاهلل ورسوله . وتلك حدود اهلل , وللكافرين عذاب أليم). .‬

‫كان الرجل في الجاهلية يغضب ألمر من امرأته فيقول:أنت علي كظهر أمي . فتحرم عليه , وال تطلق منه .‬
‫وتَقى هكذا , ال هي حل له فتقوم َينهما الِالت الزوجية ; وال هي مطلقة منه فتجد لها طريقا آخر . وكان‬
                                                     ‫هذا طرفا من العنت الذي تالقيه المرأة في الجاهلية .‬

‫فلما كان اإلسالم وقعت هذه الحادثة التي تشير إليها هذه اآليات , ولم يكن قد شر حكم للظهار . قال اإلممام‬
‫أحمد:حدثنا سعد َن إَراهيم ويعقوب , قاال:حدثنا أَي , حدثنا محمد َن إسحاق , حدثني معمر اَن عَداهلل َن‬
‫حنظلة , عن يوسف َن عَداهلل َن سالم , عن خويلة َنت ثعلَة . قالت:في واهلل وفي أوس َن الِامت أنزل‬
‫اهلل ِدر سورة المجادلة . قالت:كنت عنده , وكان شيخا كَيرا قد ساء خلقه , قالت:فدخل علي يوما فراجعته‬
‫َشيء فغضب , فقال:أنت علي كظهر أمي . قالت:ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة , ثم دخل علي , فإذا‬
‫هو يريدني عن نفسي , قالت:قلت:كال والذي نفس خويلة َيده , ال تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم اهلل‬
‫ورسوله فينا َحكمه . قالت:فواثَني , فامتنعت منه فغلَته َما تغلب َه المرأة الشيخ الضعيف , فألقيته عني .‬
‫قالت:ثم خرجت إلى َعض جاراتي فاستعرت منها ثياَا , ثم خرجت حتى جئت رسول اهلل [ ص ] فجلست َين‬
‫يديه , فذكرت له ما لقيت منه , وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه . قالت:فجعمل رسمول اهلل [ ص ]‬
‫يقول:" يا خويلة اَن عمك شيخ كَير فاتقي اهلل فيه " قالت:فواهلل ما َرحت حتى نزل في قرآن ; فتغشى رسول‬
‫اهلل [ ص ] ما كان يتغشاه , ثم سري عنه , فقال لي:" يا خويلة قد أنزل اهلل فيك وفي ِاحَك قرآنا " . . ثمم‬
‫قرأ علي -:(قد سمع اهلل قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل , واهلل يسمع تحاوركما إن اهلل سمميع‬
‫َِير). . إلى قوله تعالى: (وللكافرين عذاب أليم). . قالت:فقال لي رسول اهلل [ ص ]:" مريه فليعتق رقَة . "‬
‫قالت:فقلت:يا رسول اهلل ما عنده ما يعتق . قال:" فليِم شهرين متتاَعين " . قالت:فقلت:واهلل إنه لشيخ ما له‬
‫من ِيام . قال:" فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر " . قالت:فقلت:واهلل يما رسمول اهلل مما ذاك عنمده .‬
‫قالت:فقال رسول اهلل [ ص ]:" فإنا سنعينه َعرق من تمر " . قالت:فقلت يا رسول اهلل وأنا سأعينه َعرق آخر‬
        ‫. قال:" قد أَِت وأحسنت فاذهَي فتِدقي َه عنه , ثم استوِي َاَن عمك خيرا " . قالت:ففعلت .‬

‫فهذا هو الشأن الذي سمع اهلل ما دار فيه من حوار َين رسول اهلل [ ص ] والمرأة التي جاءت تجادله فيمه .‬
‫وهذا هو الشأن الذي أنزل اهلل فيه حكمه من فوق سَع سماوات , ليعطي هذه المرأة حقها , ويريح َالها وَال‬
                                  ‫زوجها , ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية !‬

‫وهذا هو الشأن الذي تفتتح َه سورة من سور القرآن:كتاب اهلل الخالد , الذي تتجاوب جنَات الوجود َكل كلمة‬
‫من كلماته , وهي تتنزل من الم األعلى . . تفتتح َمثل هذا اإلعالن( :قد سمع اهلل قول التي تجادلمك فمي‬
‫زوجها . . .)فإذا اهلل حاضر هذا الشأن الفردي المرأة من عامة المسلمين , ال يشغله عمن سمماعه تمدَيره‬
               ‫لملكوت السماوات واألرض ; وال يشغله عن الحكم فيه شأن من شؤون السماوات واألرض !‬

‫وإنه ألمر . . إنه ألمر أن يقع مثل هذا الحادث العجيب ; وأن تشعر جماعة من الناس أن اهلل هكذا معهما ,‬
‫حاضر شؤونها , جليلها وِغيرها , معني َمشكالتها اليومية , مستجيب ألزماتها العاديمة . . وهمو اهلل . .‬
         ‫الكَيرالمتعال , العظيم الجليل , القهار المتكَر , الذي له ملك السماوات واألرض وهو الغني الحميد .‬

‫تقول عائشة - رضي اهلل عنها -:الحمد هلل الذي وسع سمعه األِوات . لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول‬
‫اهلل [ ص ] في جانب الَيت , ما أسمع ما تقول . فأنزل اهلل عز وجل: قد سمع اهلل قول التمي تجادلمك فمي‬
                                                                     ‫زوجها وتشتكي إلى اهلل . . . اآلية .‬

‫وفي رواية خولة - أو خويلة للتِغير والتدليل - للحادث , وتِرفها هي فيه , وذهاَها إلى رسول اهلل [ ص‬
‫] ومجادلتها له , ونزول القرآن َالحكم . . في هذا كله ِورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفتمرة‬
‫العجيَة . وشعورها َتلك الِلة المَاشرة , وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واسمتجاَة‬
‫السماء لهذا االنتظار , الذي يجعل الجماعة كلها - عيال اهلل - هو يرعاها وهي تتطلع إليمه تطلمع الطفمل‬
                                                                                 ‫الِغير ألَيه وراعيه !‬

‫وننظر في رواية الحادث في النص القرآني , فنجد عناِر التأثير واإليحاء والترَية والتوجيه تسير جنَا إلى‬
                                      ‫جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه , كما هو أسلوب القرآن الفريد :‬

‫(قد سمع اهلل قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل , واهلل يسمع تحاوركما , إن اهلل سميع َِمير). .‬
‫وهو مطلع ذو إيقا عجيب . . إنكما لم تكونا وحدكما . . لقد كان اهلل معكما . وكان يسمع لكما . لقد سممع‬
‫قول المرأة . سمعها تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل . وعلم القِة كلها . وهو يعلم تحاوركما وما كمان‬
‫فيه . . إن اهلل سميع َِير . يسمع ويرى . هذا شأنه وهذه ِورة منه في الحادث الذي كان اهلل ثالثكما فيه .‬
                                                                                                  ‫.‬

                                                                  ‫وكلها إيقاعات ولمسات تهز القلوب . .‬

                                                             ‫ثم يقرر أِل القضية , وحقيقة الوضع فيها:‬

‫(الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم . إن أمهاتهم إال الالئي ولدنهم . وإنهم ليقولون منكرا ممن‬
                                                                   ‫القول وزورا , وإن اهلل لعفو غفور). .‬

‫فهو عالج للقضية من أساسها . إن هذا الظهار قائم على غير أِل . فالزوجة ليست أما حتى تكون محرممة‬
‫كاألم . فاألم هي التي ولدت . وال يمكن أن تستحيل الزوجة أما َكلمة تقال . إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع .‬
‫وكلمة مزورة ينكرها الحق . واألمور في الحياة يجب أن تقوم على الحق والواقع , في وضوح وتحديد , فال‬
    ‫تختلط ذلك االختالط , وال تضطرب هذا االضطراب . . (وإن اهلل لعفو غفور)فيما سلف من هذه األمور .‬

‫وَعد تقرير أِل القضية على هذا النحو المحدد الواضح يجيء الحكم القضائي فمي الموضمو (. والمذين‬
‫يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقَة من قَل أن يتماسا . ذلكم توعظمون َمه , واهلل َمما‬
                                                                                                             ‫تعملون خَير). .‬

‫وقد جعل اهلل العتق في كفارات متنوعة , وسيلة من وسائل التحرير للرقاب التي أوقعها نظام الحمروب فمي‬
‫الرق إلى أجل , ينتهي َوسائل شتى هذه واحدة منها . وهناك أقوال كثيرة في معنى: (ثم يعودون لما قالوا). .‬
‫نختار منها أنهم يعودون إلى الوطء الذي حرموه على أنفسهم َالظهار . فهذا أقرب مما يناسمب السمياق .‬
 ‫فتحرير رقَة من قَل العودة إلى حله . . ثم التعقيب: (ذلكم توعظون َه). . فالكفارة مذكر وواعمظ َعمدم‬
‫العودة إلى الظهار الذي ال يقوم على حق وال معروف (واهلل َما تعملون خَير). . خَير َحقيقتمه , وخَيمر‬
                                                                                              ‫َوقوعه , وخَير َنيتكم فيه .‬




‫َم ل ْ يج ْ ِ ُ َ ْر ِ م ِع ِ م ْ ِ ي َ َاس َ ل ْ َ َ ْ ِ ْ ُ ِت َ ِ ْك ً َِك لت ْمن ِالل ِ‬
‫ف َن َّم َ ِد فَ ِيَام شه َيْن ُتَتَاَ َيْن ِن قََل أَن َتم َّا فمَن َّم يسْتطِع فَإطعَام س ِّين مس ِينا ذل َ ِ ُؤ ِ ُوا َ َّمه‬
  ‫إ َّ الذ َ ي َاد َ الل َ َ َس ُ كَت َ ك ِ َ ال ذ َ م‬            ‫َ َس ِ و ِ ْ َ حد ُ الل ِ َِ ْ ِر ن عذ َل‬
‫ور ُولِه َتلك ُ ُود َّه وللكَاف ِي َ َ َاب أِيم (4) ِن َّ ِين ُح ُّون َّه ور ُولَه ُ ِ ُوا كمَا َُت َّم ِين ِمن‬
                                                                     ‫ٍ َي ت َِ ْ ِر ن عذ ُّه‬                     ‫ِْه ْ و ْ َ‬
                                                               ‫قََل ِم َقَد أَنزلْنَا آيَات َ ِّنَا ٍ وللكَاف ِي َ َ َاب م ِين (5)‬
‫وهذا التعقيب يجيء قَل إتمام الحكم إليقاظ القلوب , وترَية النفوس , وتنَيهها إلى قيام اهلل على األمر َخَرته‬
                                                                      ‫وعلمه َظاهره وخافيه . ثم يتاَع َيان الحكم فيه:‬

            ‫(فمن لم يجد فِيام شهرين متتاَعين من قَل أن يتماسا . فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا . . .)‬

                                                                                                 ‫ثم التعقيب للَيان والتوجيه:‬

‫(ذلك لتؤمنوا َاهلل ورسوله). . . وهم مؤمنون . . ولكن هذا الَيان , وهذه الكفارات وما فيها من رَط أحوالهم‬
‫َأمر اهلل وقضائه . . ذلك مما يحقق اإليمان , ويرَط َه الحياة ; ويجعل له سلطانا َارزا في واقع الحيماة .‬
‫(وتلك حدود اهلل). . أقامها ليقف الناس عندها ال يتعدونها . وهو يغضب على من ال يرعاهما وال يتحمرج‬
    ‫دونها:( وللكافرين عذاب أليم). . َتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود اهلل كالمؤمنين . .‬

                                              ‫الدرس الثاني:5 - 6 هالك وكَت وخسارة الذين يحادون اهلل ورسوله‬
‫وتلك العَارة األخيرة: (وللكافرين عذاب أليم). . تناسب ختام اآلية الساَقة , وهي في الوقت ذاته قنطرة ترَط‬
‫َينها وَين اآلية الالحقة التي تتحدث عمن يحادون اهلل ورسوله . على طريقة القرآن في االنتقال من حمديث‬
                                                                              ‫لحديث في تسلسل عجيب:‬

‫(إن الذين يحادون اهلل ورسوله كَتوا كما كَت الذين من قَلهم , وقد أنزلنا آيات َينات وللكافرين عذاب مهين‬
                ‫. يوم يَعثهم اهلل جميعا , فينَئهم َما عملوا أحِاه اهلل ونسوه , واهلل على كل شيء شهيد). .‬

‫إن المقطع األول في السورة كان ِورة من ِور الرعاية والعناية َالجماعة المسلمة . وهذا المقطع الثماني‬
‫ِورة من ِور الحرب والنكاية للفريق اآلخر . فريق الذين يحادون اهلل ورسوله , أي الذين يأخذون لهمم‬
‫موقفا عند الحد اآلخر في مواجهة اهلل ورسوله ! وذكر المحادة َمناسَة ذكره قَلها لحمدود اهلل . فهمؤالء ال‬
‫يقفون عند حد اهلل ورسوله , َل عند الحد اآلخر المواجه ! وهو تمثيل للمتخاِمين المتنمازعين , لتفظيمع‬
 ‫عملهم وتقَيح موقفهم . وساء موقف مخلوق يتحدى فيه خالقه ورازقه , ويقف في تَجح عند الحد المواجمه‬
                                                                                                 ‫لحده !‬

‫هؤالء المحادون المشاقون المتَجحون: (كَتوا كما كَت الذين من قَلهم). . واألرجح أن هذا دعاء علميهم .‬
‫والدعاء من اهلل - سَحانه - حكم . فهو المريد وهو الفعال لما يريد . والكَت القهر والذل . والذين من قَلهم‬
‫إما أن يكونوا هم الغاَرين من األقوام الذين أخذهم اهلل َنكاله وإما أن يكونوا الذين قهرهم المسلمون في َعض‬
                                      ‫المواقع التي تقدمت نزول هذه اآلية , كما حدث في غزوة َدر مثال .‬

                                                                              ‫(وقد أنزلنا آيات َينات). .‬

‫تفِل هذه العَارة َين مِير الذين يحادون اهلل ورسوله في الدنيا ومِيرهم في اآلخرة . . لتقرير أن همذا‬
‫المِير وذاك تكفلت ََيانه هذه اآليات . وكذلك لتقرير أنهم يالقون هذه المِائر ال عمن جهمل وال عمن‬
                                      ‫غموض في الحقيقة , فقد وضحت لهم وعلموها َهذه اآليات الَينات .‬

                               ‫ثم يعرض مِيرهم في اآلخرة مع التعقيب الموحي الموقظ المرَي للنفوس:‬

‫(وللكافرين عذاب مهين . يوم يَعثهم اهلل جميعا , فينَئهم َما عملوا أحِاه اهلل ونسوه . واهلل على كل شميء‬
                                                                                               ‫شهيد). .‬
‫َ ْ َ َ َن الله َ ْ ُ‬          ‫ه الله و َس ُ َالل ُ َ ك ِّ ْ ٍ َه‬             ‫ي م ي ْع ُه ُ الل ُ َم ً ي ََ ُه ِ َ ِل‬
‫َوْ َ ََ َث ُم َّه ج ِيعا فَ ُن ِّئ ُم َمَا عمُوا أَحَِْا ُ َّ ُ َن ُوه و َّه علَى ُل شَيء ش ِيد (6) ألَم تر أ َّ َّ َ يعلَمم‬
          ‫َ ِ َك ُ م ن و َ ٍ ِل ه َ ر ِ ُه ْ َ َ ْ ٍ ِل هو ِ ُه َل‬                                     ‫َّ و ِ َ‬
‫مَا فِي السمَا َات ومَا فِي الْأرْض مَا ي ُون ِن َّجْ َى ثلَاثَة إَّا ُو َاَع ُم ولَا خمسَة إَّا ُ َ سَادس ُمْ وَا أَدْنَمى‬
                ‫ن ث َّ ي ََ ُه ِ َ ِل ي َ ق ِ إ َّ الله ِ ُل ْ ٍ َل‬                        ‫م َِ َ َل َ َ َ ِل ه َ َ َه ْ ن‬
          ‫ِن ذلك وَا أكْثر إَّا ُو مع ُم أَيْ َ مَا كَا ُوا ُم ُن ِّئ ُم َمَا عمُوا َوْم الْ ِيَامَة ِن َّ َ َك ِّ شَيء عِيم (7)‬
‫والمهانة جزاء التَجح . وهي مهانة يوم يَعثهم اهلل جميعا . مهانة على رؤوس الجمو . وهو عمذاب يقموم‬
‫على حق وَيان لما عملوا . إن كانوا هم قد نسوه فإن اهلل أحِاه َعلمه الذي ال يند عنه شيء , وال يغيب عنه‬
                                                                                    ‫خاف: (واهلل على كل شيء شهيد . .)‬

‫وتلتقي ِورة الرعاية والعناية , َِورة الحرب والنكاية , في علم اهلل واطالعه , وشهوده وحضوره . فهمو‬
‫شاهد حاضر للعون والرعاية ; وهو شاهد حاضر للحرب والنكاية . فليطمئن َحضوره وشهوده المؤمنمون .‬
                                                                                ‫وليحذر من حضوره وشهوده الكافرون !‬

                                                              ‫الدرس الثالث:7 علم اهلل الشامل لكل ما يحدث في الكون‬

‫ويستطرد السياق من تقرير حقيقة: (واهلل على كل شيء شهيد). . إلى رسم ِورة حية من هذا الشهود , تمس‬
                                                                                                                ‫أوتار القلوب:‬

‫ألم تر أن اهلل يعلم ما في السماوات وما في األرض , ما يكون من نجوى ثالثة إال هو راَعهم , وال خمسة إال‬
‫هو سادسهم , وال أدنى من ذلك وال أكثر إال هو معهم , أينما كانوا , ثم ينَئهم َما عملوا يوم القيامة , إن اهلل‬
                                                                                                         ‫َكل شيء عليم . .‬

‫تَدأ اآلية َتقرير علم اهلل الشامل لما في السماوات وما في األرض على إطالقه , فتد القلمب يمرود آفماق‬
‫السماوات وأرجاء األرض مع علم اهلل المحيط َكل شيء في هذا المدى الوسيع المتطاول . من ِغير وكَير‬
                                                                                 ‫, وخاف وظاهر , ومعلوم ومجهول . .‬

‫ثم تتدرج من هذه اآلفاق وتلك األرجاء , وتزحف وتقرب حتى تلمس ذوات المخاطَين وتمس قلوَهم َِورة‬
                                                                                         ‫من ذلك العلم اإللهي تهز القلوب:‬

‫ما يكون من نجوى ثالثة إال هو راَعهم , وال خمسة إال هو سادسهم , وال أدنى من ذلك وال أكثمر إال همو‬
                                                                                                        ‫معهم أينما كانوا . .‬

‫وهي حقيقة في ذاتها , ولكنها تخرج في ِورة لفظية عميقة التأثير . ِورة تترك القلوب وجلة ترتعش مرة‬
‫, وتأنس مرة , وهي مأخوذة َمحضر اهلل الجليل المأنوس . وحيثما اختلى ثالثة تلفتوا ليشعروا َاهلل راَعهم .‬
 ‫وحيثما اجتمع خمسة تلفتوا ليشعروا َاهلل سادسهم . وحيثما كان اثنان يتناجيان فاهلل هناك ! وحيثما كانوا أكثر‬
                                                                                                                  ‫فاهلل هناك !‬
‫إنها حالة ال يثَت لها قلب ; وال يقوى على مواجهتها إال وهو يرتعش ويهتز . . . وهو محضر مأنوس نعم .‬
                                                    ‫. ولكنه كذلك جليل رهيب . محضر اهلل: هو معهم أينما كانوا . .‬

                                                                                        ‫(ثم ينَئهم َما عملوا يوم القيامة). .‬

‫وهذه لمسة أخرى ترجف وتزلزل . . إن مجرد حضور اهلل وسماعه أمر هائل . فكيف إذا كان لهذا الحضور‬
‫والسما ما َعده من حساب وعقاب ? وكيف إذا كان ما يسره المتناجون وينعزلون َه ليخفوه , سيعرض على‬
                                        ‫األشهاد يوم القيامة وينَئهم اهلل َه في الم األعلى في ذلك اليوم المشهود ?!‬

                                                                                      ‫وتنتهي اآلية َِورة عامة كما َدأت:‬

                                                                                                      ‫إن اهلل َكل شيء عليم .‬

‫وهكذا تستقر حقيقة العلم اإللهي في القلوب , َهذه األساليب المنوعة في عرضها في اآلية الواحدة . األساليب‬
                    ‫التي تعمق هذه الحقيقة في القلب الَشري , وهي تدخل َها عليه من شتى المسالك والدروب !‬




  ‫ث َّ َع د َ ِ ُه ع ه وي ج َ َ إ ِ و ْع و ِ َ َ ِي ِ َّس ل َإذ‬                                ‫َ َ َ ِ الذ َ ُه ع ِ الن‬
 ‫ألَمْ تر إلَى َّ ِين ن ُوا َن َّجْوَى ُم ي ُو ُون لمَا ن ُوا َنْ ُ َ َتَنَا َوْن ِالِْثْم َال ُدْ َان ومعْ ِ َت الر ُو ِ وِ َا‬
‫َ‬   ‫ُ ِه ْ ُ َذَن الل ُ ِ ق ُ َ ُه ْ َ َنم َ ْ َ َ‬                                  ‫ؤ َ َي ْ َ ِم ْ يح ِّ َ ِ الل ُ و ق ل َ‬
‫جَا ُوك ح َّوك َ َا لَم ُ َيك َِه َّه َيَ ُوُون فِي أَنفس ِمْ لَولَا يع ِّ ُ َا َّه َمَا نَ ُول حسَْ ُم جه َّ ُ يِلَوْنهَا فَ ِمئْس‬
                                                                                                                        ‫ْم ُ‬
                                                                                                                    ‫ال َِِير (8)‬
‫الدرس الراَع:8 ذم المنافقين لتناجيهم َالَاطل ذلك التقرير العميق لحقيقة حضور اهلل وشهوده في تلك الِورة‬
‫المؤثرة المرهوَة تمهد لتهديد المنافقين , الذين كانوا يتناجون فيما َينهم َالمؤامرات ضمد الرسمول [ ص ]‬
                                                    ‫وضد الجماعة المسلمة َالمدينة . مع التعجيب من موقفهم المريب:‬

‫ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه , ويتناجون َاإلثم والعدوان ومعِية الرسمول ,‬
‫وإذا جاءوك حيوك َما لم يحيك َه اهلل , ويقولون في أنفسهم:لوال يعذَنا اهلل َما نقول ! حسَهم جهنم يِلونها‬
                                                                                                                ‫فَئس المِير .‬

‫واآلية توحي َأن خطة رسول اهلل [ ص ] مع المنافقين في أول األمر كانت همي النِمح لهمم َاالسمتقامة‬
‫واإلخالص , ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدَرونها َاالتفاق مع اليهود في المدنية وَوحيهم . وأنهم‬
‫َعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة , وفي دسائسهم الخفية , وفي التدَير السيء للجماعة المسلمة , وفمي‬
‫اختيار الطرق والوسائل التي يعِون َها أوامر الرسول [ ص ] ويفسدون عليمه أممره وأممر المسملمين‬
                                                                                                                    ‫المخلِين .‬
‫كما أنها توحي َأن َعضهم كان يلتوي في ِيغة التحية فيحورها إلى معنى سيء خفي: وإذا جاؤوك حيموك‬
‫َما لم يحيك َه اهلل . كأن يقولوا - كما كان اليهود يقولون - السام عليكم . وهم يوهمون أنهم يقولون:السالم‬
‫عليكم . َمعنى الموت لكم أو َمعنى تسامون في دينكم ! أو أية ِيغة أخرى ظاهرها َريء وَاطنها لئميم !‬
‫وهم يقولون في أنفسهم:لو كان نَيا حقا لعاقَنا اهلل على قولنا هذا . أي في تحيتهم , أو في مجالسمهم التمي‬
                                                              ‫يتناجون فيها ويدَرون الدسائس والمؤامرات .‬

‫وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن اهلل قد أخَر الرسول [ ص ] َمما كمانوا يقولونمه فمي أنفسمهم ,‬
‫وَمجالسهم ومؤامراتهم . فقد سَق في السورة إعالن أن اهلل قد سمع للمرأة المجادلة ; وأنه ما يكون من نجوى‬
‫ثالثة إال هو راَعهم . . الخ . مما يوحي َأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنمافقين وهمو حاضمر‬
                                                                 ‫مجالسهم ! وَما يقولونه كذلك في أنفسهم .‬

                                                                                  ‫ثم رد عليهم َقوله تعالى:‬

                                                                    ‫(حسَهم جهنم يِلونها فَئس المِير).‬

‫وكشف هذه المؤامرات الخفية , وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها َعدما نهوا عنها , وكذلك فضح مما كمانوا‬
‫َقولونه في أنفسهم: (لوال يعذَنا اهلل َما نقول). . هذا كله هو تِديق وتطَيق لحقيقة علم اهلل َما في السماوات‬
‫وما في األرض , وحضوره لكل نجوى , وشهوده لكل اجتما . وهو يوقع في نفوس المنمافقين أن أممرهم‬
                                                       ‫مفضوح , كما يوحي للمؤمنين َاالطمئنان والوثوق .‬

  ‫الدرس الخامس 9 - 11 النهي عن النجوى المحرمة وإَاحة النجوى الطيَة وتحِين من وساوس الشيطان‬

‫وهنا يلتفت إلى الذين آمنوا , يخاطَهم َهذا النداء: يا أيها الذين آمنوا لينهاهم عن التناجي َمما يتنماجى َمه‬
‫المنافقون من اإلثم والعدوان ومعِية الرسول , ويذكرهم تقوى اهلل , ويَين لهم أن النجوى على هذا النحمو‬
                                         ‫هي من إيحاء الشيطان ليحزن الذين آمنوا , فليست تليق َالمؤمنين:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فال تتناجوا َاإلثم والعدوان ومعِية الرسول , وتناجوا َالَر والتقوى , واتقوا‬
‫اهلل الذي إليه تحشرون . إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس َضارهم شميئا إال َمإذن اهلل ,‬
                                                                                                     ‫وعلى‬
‫ج َ إ م و ْع و ِ َ َ ِي ِ َّس ِ و ج َ ِر َالت و َاتق الل َ‬                                           ‫ُّ الذ َ من إذ ج ت ْ َ‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِ َا تَنَا َيْ ُم فلَا تَتَنَا َوْا ِالِْثْ ِ َال ُدْ َان ومعْ ِ َت الر ُول َتَنَا َوْا ِالَْ ِّ و َّقْ َى و َّ ُوا َّمه‬
    ‫ا ِل ِ ِ الل ِ و َ‬          ‫إ َّ الن و م َ الش ْ ِ لي ْز َ الذ َ من َ َ َ َاره‬                 ‫الذ ِ ِ ت ْ َر َ‬
‫َّ ِي إلَيْه ُحش ُون (9) ِنمَا َّجْ َى ِن َّيطَان ِ َح ُن َّ ِين آ َ ُوا ولَيْس ِض ِّ ِمْ شَيْئً إَّا َِإذْن َّه َعلَمى‬
                                                                                                                  ‫الل ِ َ ي و َّ ِ ْم ْمن ن‬
                                                                                                             ‫َّه فلْ َتَ َكل ال ُؤ ِ ُو َ )01(‬
                                                                                                                ‫اهلل فليتوكل المؤمنون). .‬

‫ويَدو أن َعض المسلمين ممن لم تنطَع نفوسهم َعد َحاسة التنظيم اإلسالمي , كانوا يتجمعون عندما تحمزب‬
‫األمور , ليتناجوا فيما َينهم ويتشاوروا َعيدا عن قيادتهم . األمر الذي ال تقره طَيعة الجماعمة اإلسمالمية ,‬
‫وروح التنظيم اإلسالمي , التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة اَتمداء , وعمدم‬
 ‫التجمعات الجانَية في الجماعة . كما يَدو أن َعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى الَلَلة , وما‬
‫يؤذي الجماعة المسلمة - ولو لم يكن قِد اإليذاء قائما في نفوس المتناجين - ولكن مجرد إثارتهم للمسمائل‬
                                 ‫الجارية وإَداء اآلراء فيها على غير علم , قد يؤدي إلى اإليذاء , وإلى عدم الطاعة .‬

‫وهنا يناديهم اهلل َِفتهم التي ترَطهم َه , وتجعل للنداء وقعه وتأثيره: يا أيها الذين آمنوا . . لينهماهم عمن‬
‫التناجي - إذا تناجوا - َاإلثم والعدوان ومعِية الرسول . ويَين لهم ما يليق َهم من الموضموعات التمي‬
‫يتناجى َها المؤمنون: (وتناجوا َالَر والتقوى . .)لتدَير وسائلهما وتحقيق مدلولهما . والَر:الخيمر عاممة .‬
 ‫والتقوى:اليقظة والرقاَة هلل سَحانه , وهي ال توحي إال َالخير . ويذكرهم َمخافة اهلل الذي يحشرون إليمه ,‬
                                                      ‫فيحاسَهم َما كسَوا . وهو شاهده ومحِيه . مهما ستروه وأخفوه .‬

‫قال اإلمام أحمد:حدثنا َهز وعفان , قاال:أخَرنا همام , عن قتادة , عن ِفوان َن محرز , قال:كنت آخذا َيد‬
‫اَن عمر , إذ عرض له رجل , فقال:كيف سمعت رسول اهلل [ ص ] يقول فمي النجموى يموم القياممة ?‬
‫قال:سمعت رسول اهلل [ ص ] يقول:" إن اهلل يدني المؤمن , فيضع عليه كنفه , ويستره من الناس , ويقمرره‬
‫َذنوَه , ويقول له:أتعرف ذنب كذا ? أتعرف ذنب كذا ? أتعرف ذنب كذا ? حتى إذا قرره َذنوَه , ورأى في‬
 ‫نفسه أنه قد هلك قال:فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته . وأمما‬
                     ‫الكفار والمنافقون فيقول األشهاد هؤالء الذين كذَوا على رَهم , أال لعنة اهلل على الظالمين " .‬

‫ثم ينفرهم من التناجي والمسارة والتدسس َالقول في خفية عن الجماعة المسلمة , التي هم منها , ومِلحتهم‬
‫مِلحتها , وينَغي أال يشعروا َاالنفِال عنها في شأن من الشئون . فيقول لهم:إن رؤية المسلمين للوسوسة‬
‫والهمس واالنعزال َالحديث تَث في قلوَهم الحزن والتوجس , وتخلق جوا من عدم الثقمة ; وأن الشميطان‬
 ‫يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم . ويطمئن المؤمنين َأن الشيطان لن‬
                                                                                                                          ‫يَلغ فيهم ما يريد:‬

‫(إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا , وليس َضارهم شيئا - إال َمإذن اهلل - وعلمى اهلل فليتوكمل‬
                                                                                                                                ‫المؤمنون). .‬
  ‫فالمؤمنون ال يتوكلون إال على اهلل . فليس وراء ذلك توكل , وليس من دون اهلل من يتوكل عليه المؤمنون !‬

‫وقد وردت األحاديث النَوية الكريمة َالنهي عن التناجي في الحاالت التي توقع الريَة وتزعز الثقة وتَعمث‬
                                                                                                                             ‫التوجس:‬

‫جاء في الِحيحين من حديث األعمش - َإسناده - عن عَداهلل َن مسعود - رضي اهلل عنمه - قمال:قمال‬
                             ‫رسول اهلل [ ص ]:" إذا كنتم ثالثة فال يتناجى اثنان دون ِاحَهما فإن ذلك يحزنه . "‬




 ‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِ َا قِيل ل ُم تَف َّ ُوا فِي ال َ َاِ ِ فَاف َ ُوا يَف َح َّه ل ُم وِ َا قِيلَ انش ُوا فَانش ُوا يرْفَ ِ َّ ُ‬
 ‫ُز َ ع الله‬              ‫ُز‬           ‫ْمج لس ْسح ْس ِ الل ُ َك ْ َإذ‬                   ‫ُّ الذ َ من إذ َ َك ْ َسح‬
‫ي ُّ الذ َ من إذ ج تم َّس َ‬                                   ‫الذ َ من م ك ْ َالذ َ أ ت ْ ِ َ َر ت َالله ِ َ ْ َل َ‬
‫َّ ِين آ َ ُوا ِن ُم و َّ ِين ُو ُوا العلْم د َجَا ٍ و َّ ُ َمَا تعمُون خََِير (11) َا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِ َا نَا َيْ ُ ُ الر ُول‬
  ‫ََ ت ْ ت ِّم‬                  ‫ل ْ جد إ َّ الل َ ف رح‬                  ‫َّك ْ وَ ْ َ ُ‬   ‫َ يد ْ و ك ْ ِد ً َِك‬              ‫ِّم‬
‫فَقَد ُوا َيْن َ َي نَجْ َا ُم َ َقَة ذل َ خَيْر ل ُم َأطهر فَإِن َّم تَ ِ ُوا فَِن َّه غَ ُور َّ ِيم )21( أأشْفَقْ ُم أَن ُقَد ُوا‬
‫َّ ََط ع الل َ َ َس ُ َالل ُ‬            ‫َّ َ و ت‬       ‫ْ َل و َ الل ُ َ ْك ْ ق م‬                  ‫َ يد ْ و ك ْ ِد ٍ إ‬
‫َيْن َ َي نَجْ َا ُم َ َقَات فَِذْ لَمْ تَفعُوا َتَاب َّه علَي ُم فَأَ ِي ُوا الِلَاة َآ ُوا الزكَاةَ وأ ِي ُوا َّه ور ُولَه و َّه‬
                                                                                                                 ‫ِ َ ْ َل ن‬
                                                                                                            ‫خََِير َمَا تعمُو َ )31(‬
‫وهو أدب رفيع , كما أنه تحفظ حكيم إلَعاد كل الريب والشكوك . فأما حيث تكون هناك مِلحة في كتممان‬
‫سر , أو ستر عورة , في شأن عام أو خاص , فال مانع من التشاور في سر وتكتم . وهذا يكون عمادة َمين‬
‫القادة المسئولين عن الجماعة . وال يجوز أن يكون تجمعا جانَيا َعيدا عن علم الجماعة . فهذا هو الذي نهى‬
‫عنه القرآن ونهى عنه الرسول . وهذا هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في ِفوفها الشك وفقدان الثقة . وهذا‬
‫هو الذي يدَره الشيطان ليحزن الذين آمنوا . ووعد اهلل قاطع في أن الشيطان لن يَلغ َهذه الوسيلة ما يريد في‬
‫الجماعة المؤمنة , ألن اهلل حارسها وكالئها ; وهو شاهد حاضر في كل مناجاة , وعالم َما يدور فيها من كيد‬
‫ودس وتآمر . ولن يضر الشيطان المؤمنين . .( إال َإذن اهلل). . وهو استثناء تحفظي لتقرير طالقة المشيئة‬
                              ‫في كل موطن من مواطن الوعد والجزم , لتَقى المشيئة حرة وراء الوعد والجزم . .‬

‫(وعلى اهلل فليتوكل المؤمنون). . فهو الحارس الحامي , وهو القوي العزيز , وهو العليم الخَير . وهو الشاهد‬
‫الحاضر الذي ال يغيب . وال يكون في الكون إال ما يريد . وقد وعد َحراسة المؤمنين . فأي طمأنينة َعد هذا‬
                                                                                                                          ‫وأي يقين ?‬

                                                                    ‫الدرس السادس:11 توجيه المسلمين إلى آداب المجالس‬

                                                                           ‫ثم يأخذ الذين آمنوا َأدب آخر من آداب الجماعة:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم:تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح اهلل لكم . وإذا قيل:انشزوا فانشزوا , يرفع‬
                                           ‫اهلل الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات . واهلل َما تعملون خَير). .‬
‫ويظهر من َعض الروايات التي حكت سَب نزول اآلية أن لها عالقة واقعية َالمنافقين , مما يجعل َينها وَين‬
                                                          ‫اآليات قَلها أكثر من ارتَاط واحد في السياق .‬

‫قال قتادة:نزلت هذه اآلية في مجالس الذكر , وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقَال ضمنوا َمجالسمهم عنمد‬
                                            ‫رسول اهلل [ ص ] فأمرهم اهلل تعالى أن يفسح َعضهم لَعض .‬

‫وقال مقاتل َن حيان:أنزلت هذه اآلية يوم الجمعة . وكان رسول اهلل [ ص ] يومئذ في الِفة , وفي المكمان‬
‫ضيق . وكان يكرم أهل َدر من المهاجرين واألنِار . فجاء ناس من أهل َدر وقد سَقوا إلمى المجمالس‬
‫فقاموا حيال رسول اهلل [ ص ] فقالوا:السالم عليكم أيها النَي ورحمة اهلل وَركاته , فرد النَي [ ص ] عليهم .‬
‫ثم سلموا على القوم َعد ذلك فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم . فعرف النَمي [ ص ]‬
‫ما يحملهم على القيام , فلم يفسح لهم . فشق ذلك على النَي [ ص ] فقال لمن حوله من المهاجرين واألنِار‬
‫من غير أهل َدر:قم يا فالن . وأنت يا فالن . فلم يزل يقيمهم َعدة النفر الذين همم قيمام َمين يديمه ممن‬
‫المهاجرين واألنِار أهل َدر . فشق ذلك على من أقيم من مجلسه , وعرف النَمي [ ص ] الكراهمة فمي‬
‫وجوههم . فقال المنافقون:ألستم تزعمون أن ِاحَكم هذا يعدل َين الناس ? واهلل ما رأيناه قد عمدل علمى‬
‫هؤالء ! إن قوما أخذوا مجالسهم وأحَوا القرب من نَيهم , فأقامهم وأجلس من أَطأ عنه . . فَلغنا أن رسول‬
‫اهلل [ ص ] قال:" رحم اهلل رجال يفسح ألخيه " . . فجعلوا يقومون َعد ذلك سراعا , فيفسح القوم إلخموانهم .‬
                                                                          ‫ونزلت هذه اآلية يوم الجمعة .‬

‫وإذا ِحت هذه الرواية فإنها ال تتنافى مع األحاديث األخرى التي تنهى عن أن يقيم الرجل الرجل من مكانه‬
‫ليجلس فيه . كما جاء في الِحيحين:" ال يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه , ولكن تفسحوا وتوسعوا "‬
‫. .وما ورد كذلك من ضرورة استقرار القادم حيث انتهى َه المجلس . فال يتخطى رقاب الناس ليأخذ مكانما‬
                                                                                           ‫في الِدر !‬

‫فاآلية تحض على اإلفساح للقادم ليجلس , كما تحض على إطاعة األمر إذا قيل لجالس أن يرفع فيرفع . وهذا‬
                                        ‫األمر يجيء من القائد المسئول عن تنظيم الجماعة . ال من القادم .‬

‫والغرض هو إيجاد الفسحة في النفس قَل إيجاد الفسحة في المكان . ومتى رحب القلمب اتسمع وتسمامح ,‬
‫واستقَل الجالس إخوانه َالحب والسماحة , فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح . فأما إذا رأى القائد أن‬
‫هناك اعتَارا من االعتَارات يقتضي إخالء المكان فالطاعة يجب أن ترعى عن طواعية نفس ورضى خاطر‬
‫وطمأنينة َال . مع َقاء القواعد الكلية مرعية كذلك , من عدم تخطي الرقاب أو إقامة الرجل للرجمل ليأخمذ‬
                       ‫مكانه . وإنما هي السماحة والنظام يقررهما اإلسالم . واألدب الواجب في كل حال .‬
‫وعلى طريقة القرآن في استجاشة الشعور عند كل تكليف , فإنه يعد المفسحين في المجالس َفسحة من اهلل لهم‬
‫وسعة: (فافسحوا يفسح اهلل لكم). . ويعد الناشزين الذين يرفعون من المكان ويخلونه عن طاعة ألمر الرسول‬
‫َرفعة في المقام: (وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع اهلل الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). . وذلمك‬
                                                                         ‫جزاء تواضعهم وقيامهم عند تلقي األمر َالقيام .‬

‫وقد كانت المناسَة مناسَة قرب من الرسول [ ص ] لتلقي العلم في مجلسه . فاآلية تعلمهم:أن اإليمان المذي‬
‫يدفع إلى فسحة الِدر وطاعة األمر , والعلم الذي يهذب القلب فيتسع ويطيع ; يؤديان إلى الرفعمة عنمد اهلل‬
‫درجات . وفي هذا مقاَل لرفعة المكان الذي تطوعوا َتركه ورفعوا عنه العتَار رآه الرسمول [ ص ] (واهلل‬
     ‫َما تعملون خَير). . فهو يجزي َه عن علم ومعرفة َحقيقة ما تعملون , وَما وراءه من شعور مكنون .‬

‫وهكذا يتولى القرآن ترَية النفوس وتهذيَها , وتعليمها الفسمحة والسمماحة والطاعمة َأسملوب التشمويق‬
            ‫واالستجاشة . فالدين ليس َالتكاليف الحرفية , ولكنه تحول في الشعور , وحساسية في الضمير . .‬

                                              ‫الدرس الساَع:21 - 31 دفع الِدقة عند مناجاة الرسول ثم نسخ ذلك‬

‫كذلك يعلمهم القرآن أدَا آخر في عالقتهم َرسول اهلل [ ص ] فيَدو أنه كان هناك تزاحم على الخلوة َرسمول‬
‫اهلل [ ص ] ليحدثه كل فرد في شأن يخِه ; ويأخذ فيه توجيهه ورأيه ; أو ليستمتع َاالنفراد َمه ممع عمدم‬
‫التقدير لمهام رسول اهلل [ ص ] الجماعية ; وعدم الشعور َقيمة وقته , وَجدية الخلوة َه , وأنها ال تكون إال‬
‫ألمر ذي َال . فشاء اهلل أن يشعرهم َهذه المعاني َتقرير ضريَة للجماعة من مال الذي يريد أن يخلو َرسول‬
‫اهلل [ ص ] ويقتطع من وقته الذي هو من حق الجماعة . في ِورة ِدقة يقدمها قَل أن يطلمب المناجماة‬
                                                                                                                        ‫والخلوة:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا َين يدي نجواكم ِدقة . ذلك خير لكم وأطهر . فإن لم تجمدوا‬
                                                                                                      ‫فإن اهلل غفور رحيم). .‬

‫وقد عمل َهذه اآلية اإلمام علي - كرم اهلل وجهه - فكان معه - كما روي عنه - دينار فِمرفه دراهمم .‬
‫وكان كلما أراد خلوة َرسول اهلل [ ص ] ألمر تِدق َدرهم ! ولكن األمر شق على المسلمين . وعلم اهلل ذلك‬
‫منهم . وكان األمر قد أدى غايته , وأشعرهم َقيمة الخلوة التي يطلَونها . فخفف اهلل عنهم ونزلت اآلية التالية‬
                                            ‫َرفع هذا التكليف ; وتوجيههم إلى العَادات والطاعات المِلحة للقلوب:‬




     ‫ً ض َ الل ُ َ ْ م ه م ك َ م ْه ْ وي ْ ف َ َ ْ ذ ِ ه ْ َ َْم َ‬                                ‫َ َ َ ِ الذ َ َل‬
‫ألَمْ تر إلَى َّ ِين تَوَّوْا قَوْما غَ ِب َّه علَيهِم َّا ُم ِّن ُمْ ولَا ِن ُم َ َحلِ ُون علَى الكَ ِب وَ ُم يعل ُمون (41)‬
  ‫ات ذ ْ َه ُنة َد ع س ل الله ََه عذ‬                                  ‫ن َ ْ َل ن‬            ‫َد الل ُ َه ْ عذ ً د ا إ َّه س‬
‫أَع َّ َّه ل ُم َ َاَا شَ ِيدً ِن ُمْ َاء مَا كَا ُوا يعمُو َ )51( َّخَ ُوا أَيمَان ُمْ ج َّ ً فَِ ُّوا َن ََِي ِ َّ ِ فل ُمْ َ َاب‬
‫ي م‬         ‫لد َ‬         ‫ُ الن ه ْ ف‬         ‫ُ َ ع ْه ْ َ و ُه ْ َل ْ ده من الل ِ ً أ ْ ئ َ‬                             ‫ُّه‬
‫م ِين (61) لَن تغْنِي َن ُم أمْ َال ُم وَا أَولَا ُ ُم ِّ َ َّه شَيْئا ُولَ ِك أَِْحَاب َّارِ ُم ِيهَا خَاِ ُون (71) َموْ َ‬
  ‫و‬               ‫ْ ٍ َل إ َّه ه ُ ْ ذَ َ‬           ‫ي ْع ُه ُ الل ُ َم ً ي ْ ف َ ُ َ ي ْ ف َ َك وي ْسَ ن َّه ْ َ‬
‫ََ َث ُم َّه ج ِيعا فَ َحلِ ُون لَه كمَا َحلِ ُون ل ُمْ َ َح َ ُو َ أَن ُم علَى شَيء أَا ِن ُمْ ُم الكَا ِ ُون (81) اسْمتَحْ َذَ‬
                   ‫ِر َ‬        ‫هُ‬      ‫َ ْه ُ الش ْ ُ س ه ِ ْ َ الل ِ أ ْ ِك ِ ب الش ْ ِ َل إ َّ ِ َ الش ْ‬
              ‫علَي ِم َّيطَان فَأَن َا ُمْ ذكر َّه ُولَئ َ حزْ ُ َّيطَان أَا ِن حزْب َّيطَانِ ُم الْخَاس ُون (91)‬
‫(أأشفقتم أن تقدموا َين يدي نجواكم ِدقات ? فإذ لم تفعلوا وتاب اهلل عليكم فأقيموا الِمالة وآتموا الزكماة‬
                                                                      ‫وأطيعوا اهلل ورسوله . واهلل خَير َما تعملون). .‬

‫وفي هاتين اآليتين والروايات التي ذكرت أسَاب نزولهما نجد لونا من ألوان الجهود الترَوية إلعمداد همذه‬
                                                 ‫الجماعة المسلمة في الِغير والكَير من شئون الشعور والسلوك .‬

                                          ‫الدرس الثامن:41 - 91 ذم المنافقين لمواالتهم اليهود ومتاَعتهم الشيطان‬

‫ثم يعود السياق إلى المنافقين الذين يتولون اليهود , فيِور َعض أحوالهم ومواقفهم , ويتوعمدهم َافتضماح‬
                ‫أمرهم , وسوء مِيرهم , وانتِار الدعوة اإلسالمية وأِحاَها على الرغم من كل تدَيراتهم:‬

‫ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب اهلل عليهم ? ما هم منكم وال منهم , ويحلفون على الكذب وهم يعلممون .‬
‫أعد اهلل لهم عذاَا شديدا , إنهم ساء ما كانوا يعملون . اتخذوا أيمانهم جنة فِدوا عن سَيل اهلل , فلهم عذاب‬
‫مهين . لن تغني عنهم أموالهم وال أوالدهم من اهلل شيئا . أولئك أِحاب النار هم فيها خالدون . يوم يَعمثهم‬
‫اهلل جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسَون أنهم على شيء . أال إنهم هم الكماذَون . إسمتحوذ علميهم‬
                    ‫الشيطان فأنساهم ذكر اهلل , أولئك حزب الشيطان , أال إن حزب الشيطان هم الخاسرون . .‬

‫وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوما غضب اهلل عليهم - وهم اليهود - تدل على أنهم كمانوا‬
‫يمعنون في الكيد للمسلمين , ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم ; كما تدل على أن سلطة اإلسمالم كانمت قمد‬
‫عظمت , َحيث يخافها المنافقون , فيضطرون - عندما يواجههم رسول اهلل [ ص ] والمؤمنون َما يكشفه اهلل‬
‫من تدَيراتهم ومؤامراتهم - إلى الحلف َالكذب إلنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال ; وهم يعلمون أنهم‬
‫كاذَون في هذه األيمان . إنما هم يتقون َأيمانهم ما يتوقعونه من مؤاخذتهم َما ينكشف من دسائسهم: اتخذوا‬
                                        ‫أيمانهم جنة أي وقاية . وَذلك يستمرون في دسائسهم للِد عن سَيل اهلل !‬

‫واهلل يتوعدهم مرات في خالل هذه اآليات:(أعد اهلل لهم عذاَا شديدا . إنهم ساء ما كانوا يعملمون). . (فلهمم‬
   ‫عذاب مهين). .(لن تغني عنهم أموالهم وال أوالدهم من اهلل شيئا . أولئك أِحاب النار هم فيها خالدون). .‬

‫ويِور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين , وهم يحلفون هلل كما كانوا يحلفون للناس( :يوم يَعثهم اهلل‬
‫جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم). . مما يشير إلى أن النفاق قد تأِل في كيانهم , حتى ليِاحَهم إلى يوم‬
‫القيامة . وفي حضرة اهلل ذي الجالل . الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الِدور ! (ويحسَون أنهم على شيء).‬
                                                                  ‫. وهم على هواء ال يستندون إلى شيء . أي شيء !‬
                                                     ‫ويدمغهم َالكذب األِيل الثاَت: (أال إنهم هم الكاذَون). .‬

‫ثم يكشف عن علة حالهم هذه . فقد استولى عليهم الشيطان كلية (فأنساهم ذكر اهلل). . والقلب الذي ينسى ذكر‬
‫اهلل يفسد ويتمحض للشر: (أولئك حزب الشيطان). . الخالص للشيطان الذي يقف تحت لوائه , ويعمل َاسمه ,‬
‫وينفذ غاياته . وهو الشر الخالص الذي ينتهي إلى الخسران الخالص: (أال إن حزب الشيطان هم الخاسرون).‬
                                                                                                                  ‫.‬

‫وهي حملة شديدة عنيفة تناسب الشر واألذى والفتنة التي يدَرونها للمسلمين مع أعدائهم الماكرين . وتطممئن‬
                     ‫قلوب المسلمين . واهلل - سَحانه وتعالى - يتولى عنهم الحملة على أعدائهم المستورين !‬




           ‫َ ُ ُل إ َّ الل َ و ٌّ َ‬   ‫ب الل ُ ْلَ َّ‬            ‫َل َ‬       ‫ِن الذ َ ي َاد َ الل َ َ َس ُ أ ْ ِ َ ف‬
  ‫إ َّ َّ ِين ُح ُّون َّه ور ُولَه ُولَئك ِي األَذِّين (12) كَتَ َ َّه لَأَغِ َن أَنَا ورسِي ِن َّه قَ ِي عزِيز (12)‬
‫الدرس التاسع:12 - 12 اهلل الغالب وأعداؤه أذلون ولما كان أولئك المنافقون يأوون إلى اليهود شعورا ممنهم‬
‫َأنهم قوة تخشى وترجى . ويطلَون عندهم العون والمشورة . فإن اهلل ييئسهم منهم , ويقرر أنه كتمب علمى‬
                                                  ‫أعدائه الذلة والهزيمة , وكتب لنفسه ولرسوله الغلَة والتمكين:‬

‫(إن الذين يحادون اهلل ورسوله أولئك في األذلين . كتب اهلل ألغلَن أنا ورسلي . إن اهلل قوي عزيز). . وهذا‬
‫وعد اهلل الِادق الذي كان والذي ال َد أن يكون على الرغم مما قد يَدو أحيانا من الظاهر الذي يخالف همذا‬
                                                                                                  ‫الوعد الِادق .‬

‫فالذي وقع َالفعل أن اإليمان والتوحيد قد غلَا على الكفر والشرك . واستقرت العقيدة في اهلل في هذه األرض‬
‫; ودانت لها الَشرية َعد كل ما وقف في طريقها من عقَات الشرك والوثنية , وَعد الِرا الطويل مع الكفر‬
‫والشرك واإللحاد . وإذا كانت هناك فترات عاد فيها اإللحاد أو الشرك إلى الظهور في َعض َقا األرض -‬
‫كما يقع اآلن في الدول الملحدة والوثنية - فإن العقيدة في اهلل ظلت هي المسيطرة َِفة عامة . فضال على أن‬
‫فترات اإللحاد والوثنية إلى زوال مؤكد , ألنها غير ِالحة للَقاء . والَشرية تهتدي في كل يوم إلمى أدلمة‬
                                             ‫جديدة تهدي إلى االعتقاد في اهلل والتمكين لعقيدة اإليمان والتوحيد .‬

‫والمؤمن يتعامل مع وعد اهلل على أنه الحقيقة الواقعة . فإذا كان الواقع الِغير في جيل محدود أو في رقعمة‬
‫محدودة يخالف تلك الحقيقة , فهذا الواقع هو الَاطل الزائل . الذي يوجد فترة في األرض لحكممة خاِمة .‬
                                            ‫لعلها استجاشة اإليمان وإهاجته لتحقيق وعد اهلل في وقته المرسوم .‬

‫وحين ينظر اإلنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء اإليمان على أهل اإليمان في ِورها المتنوعة‬
‫, من َطش ومن ضغط ومن كيد َكل ِنوف الكيد في عهود متطاولة , َلغ في َعضها من عنف الحملة على‬
‫المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذَوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنوا النكاية . ثم َقي اإليمان فمي‬
 ‫قلوب المؤمنين , يحميهم من االنهيار , ويحمي شعوَهم كلها من ضيا شخِيتها وذوَانها في األمم الهاجمة‬
‫عليها , ومن خضوعها للطغيان الغاشم إال ريثما تنقض عليه وتحطمه . . حين ينظر اإلنسان إلى هذا الواقمع‬
‫في المدى المتطاول يجد مِداق قول اهلل تعالى . يجده في هذا الواقع ذاته َدون حاجة إلى االنتظار الطويمل‬
                                                                                                                                      ‫!!‬

‫وعلى أية حال فال يخالج المؤمن شك في أن وعد اهلل هو الحقيقة الكائنة التي ال َد أن تظهر في الوجود , وأن‬
‫الذين يحادون اهلل ورسوله هم األذلون , وأن اهلل ورسله هم الغالَون . وأن هذا هو الكائن والمذي ال َمد أن‬
                                                                                  ‫يكون . ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون !‬

                                            ‫الدرس العاشر:22 الثناء على حزب اهلل في والئهم هلل وَراءتهم من أعدائه‬

‫وفي النهاية تجيء القاعدة الثاَتة التي يقف عليها المؤمنون , أو الميزان الدقيق لإليمان في النفوس:(ال تجمد‬
‫قوما يؤمنون َاهلل واليوم اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله , ولو كانوا آَاءهم أو أَنماءهم أو إخموانهم أو‬
‫عشيرتهم . أولئك كتب في قلوَهم اإليمان وأيدهم َروح منه , ويدخلهم جنات تجري من تحتها األنهار خالدين‬
                        ‫فيها . رضي اهلل عنهم ورضوا عنه . أولئك حزب اهلل . أال إن حزب اهلل هم المفلحون). .‬

‫إنها المفاضلة الكاملة َين حزب اهلل وحزب الشيطان , واالنحياز النهائي للِف المتميز , والتجرد ممن كمل‬
                                                        ‫عائق وكل جاذب , واالرتَاط في العروة الواحدة َالحَل الواحد .‬

                                              ‫(ال تجد قوما يؤمنون َاهلل واليوم اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله). .‬

‫فما جعل اهلل لرجل من قلَين في جوفه , وما يجمع إنسان في قلب واحد ودين:ودا هلل ورسوله وودا ألعداء اهلل‬
                                                            ‫ورسوله ! فإما إيمان أو ال إيمان . أما هما معا فال يجتمعان .‬




‫ه ْ إ و َه ْ‬                     ‫هْ ْ‬           ‫ج ُ ً ي ْمن َ ِالل ِ و ي ِ ِ ِ ي َاد َ م َاد الل َ َ َس ُ َ ْ ن‬
‫لَا تَ ِد قَوْما ُؤ ِ ُون َ َّه َالْ َوْم الْآخر ُو ُّون َنْ ح َّ َّه ور ُولَه ولَو كَا ُوا آََاء ُم أَو أََْنَاء ُم أَوْ ِخْ َان ُمْ أَو‬
    ‫ْه ر لد َ ف‬               ‫ِ‬      ‫ُل ِه ُ إ ن ََي ه ِر ٍ م ُ وي ُِه ْ َن ٍ ْ م‬                             ‫َ ر َه ْ أ ْ ِ َ َ‬
‫عشِي َت ُم ُولَئك كَتَب فِي قُوَ ِم الِْيمَا َ وأ َّدَ ُم َ ُوح ِّنْه َ ُدْخل ُم ج َّات تَجرِي ِن تَحْتهَا الْأَن َا ُ خَاِ ِين ِيهَا‬
                                      ‫ر َ الل ُ ع ْه ْ َرض ع ه أ ْ ِك ِ ُ الل ِ َل إ َّ ِ َ الل ه ُ ْم ْلح َ‬
                                 ‫َضِي َّه َن ُم و َ ُوا َنْ ُ ُولَئ َ حزْب َّه أَا ِن حزْب َّهِ ُم ال ُفِ ُون (22)‬
                                                                 ‫(ولو كانوا آَاءهم أو أَناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم). .‬

‫فرواَط الدم والقراَة هذه تتقطع عند حد اإليمان . إنها يمكن أن ترعى إذا لم تكن هناك محادة وخِومة َين‬
‫اللوائين:لواء اهلل ولواء الشيطان . والِحَة َالمعروف للوالدين المشركين مأمور َها حين ال تكمون هنماك‬
‫حرب َين حزب اهلل وحزب الشيطان . فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب والخِومة فقد تقطعت تلمك‬
‫األواِر التي ال ترتَط َالعروة الواحدة وَالحَل الواحد . ولقد قتل أَو عَيدة أَاه في يوم َدر . وهم الِديق‬
‫أَو َكر َقتل ولده عَد الرحمن . وقتل مِعب َن عمير أخاه عَيد َن عمير . وقتل عمر وحممزة وعلمي‬
‫وعَيدة والحارث أقرَاءهم وعشيرتهم . متجردين من عالئق الدم والقراَة إلى آِرة الدين والعقيدة . وكمان‬
                                              ‫هذا أَلغ ما ارتقى إليه تِور الرواَط والقيم في ميزان اهلل .‬

                                                                      ‫(أولئك كتب في قلوَهم اإليمان). .‬

‫فهو مثَت في قلوَهم َيد اهلل مكتوب في ِدورهم َيمين الرحمن . فال زوال له وال اندثار , وال انطماس فيه‬
                                                                                          ‫وال غموض !‬

                                                                                  ‫(وأيدهم َروح منه). .‬

‫وما يمكن أن يعزموا هذه العزمة إال َروح من اهلل . وما يمكن أن تشرق قلوَهم َهذا النور إال َهمذا المروح‬
                                         ‫الذي يمدهم َالقوة واإلشراق , ويِلهم َمِدر القوة واإلشراق .‬

                                                 ‫(ويدخلهم جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها). .‬

 ‫جزاء ما تجردوا في األرض من كل راَطة وآِرة ; ونفضوا عن قلوَهم كل عرض من أعراضها الفانية .‬

                                                                       ‫(رضي اهلل عنهم ورضوا عنه). .‬

‫وهذه ِورة وضيئة راضية مطمئنة , ترسم حالة المؤمنين هؤالء , في مقام عال رفيع . وفمي جمو راض‬
‫وديع . . رَهم راض عنهم وهم راضون عن رَهم . انقطعوا عن كل شيء ووِلوا أنفسهم َه ; فتقَلهم في‬
‫كنفه , وأفسح لهم في جناَه , وأشعرهم َرضاه . فرضوا . رضيت نفوسهم هذا القرب وأنست َه واطمأنمت‬
                                                                                                ‫إليه . .‬

                                                                                    ‫(أولئك حزب اهلل). .‬

‫فهم جماعته . المتجمعة تحت لوائه . المتحركة َقيادته . المهتدية َهديه . المحققة لمنهجه . الفاعلة في األرض‬
                                                                ‫ما قدره وقضاه . فهي قدر من قدر اهلل .‬

                                                                        ‫(أال إن حزب اهلل هم المفلحون).‬

                                                        ‫ومن يفلح إذن إذا لم يفلح أنِار اهلل المختارون ?‬
‫وهكذا تنقسم الَشرية إلى حزَين اثنين:حزب اهلل وحزب الشيطان . وإلى رايتين اثنتين:راية الحمق ورايمة‬
‫الَاطل . فإما أن يكون الفرد من حزب اهلل فهو واقف تحت راية الحق , وإما أن يكون من حزب الشيطان فهو‬
                             ‫واقف تحت راية الَاطل . . وهما ِفان متميزان ال يختلطان وال يتميعان !!‬

‫ال نسب وال ِهر , وال أهل وال قراَة , وال وطن وال جنس , وال عَِية وال قومية . . أنما هي العقيمدة ,‬
‫والعقيدة وحدها . فمن انحاز إلى حزب اهلل ووقف تحت راية الحق فهو وجميع الواقفين تحت هذه الراية إخوة‬
‫في اهلل . تختلف ألوانهم وتختلف أوطانهم , وتختلف عشائرهم وتختلف أسرهم , ولكنهم يلتقون في الراَطمة‬
 ‫التي تؤلف حزب اهلل , فتذوب الفوارق كلها تحت الراية الواحدة . ومن استحوذ عليه الشيطان فوقف تحمت‬
‫رايةالَاطل , فلن ترَطه َأحد من حزب اهلل راَطة . ال من أرض , وال من جنس , وال من وطن وال من لون‬
‫, وال من عشيرة وال من نسب وال من ِهر . . لقد أنَتت الوشيجة األولى التي تقوم عليهما همذه الوشمائج‬
                                                                          ‫فأنَتت هذه الوشائج جميعا . .‬

‫ومع إيحاء هذه اآلية َأنه كان هناك في الجماعة المسلمة من تشده أواِر الدم والقراَة وجواذب المِملحة‬
‫والِداقة , مما تعالجه هذه اآلية في النفوس , وهي تضع ميزان اإليمان َهذا الحسم الجمازم , والمفاضملة‬
‫القاطعة . . إال أنها في الوقت ذاته ترسم ِورة لطائفة كانت قائمة كذلك في الجماعة المسلمة , ممن تجردوا‬
                                                                     ‫وخلِوا ووِلوا إلى ذلك المقام .‬

‫وهذه الِورة هي أنسب ختام للسورة التي َدأت َتِوير رعاية اهلل وعنايته َهذه األمة في واقعمة الممرأة‬
                            ‫الفقيرة التي سمع اهلل لها وهي تجادل رسوله [ ص ] في شأنها وشأن زوجها !‬

‫فاالنقطا هلل الذي يرعى هذه األمة مثل هذه الرعاية هو االستجاَة الطَيعية . والمفاضملة َمين حمزب اهلل‬
       ‫وحزب الشيطان هي األمر الذي ال ينَغي غيره ل مة التي اختارها اهلل للدور الكوني الذي كلفها إياه .‬
                                           ‫سورة الحشر‬

                                              ‫َ ِ ه َ ْ َ ز َك م‬                      ‫َّ و ِ َ‬             ‫ََح ِل ِ‬
                                          ‫س َّ َ لَّه مَا فِي السمَا َات ومَا فِي الْأرْض وَ ُو العزِي ُ الْح ِي ُ (1)‬

                                                                                                       ‫سورة الحشر‬

‫مقدمة لسورة الحشر نزلت هذه السورة في حادث َني النضير - حي من أحياء اليهود - في السنة الراَعة من‬
‫الهجرة . تِف كيف وقع ? ولماذا وقع ? وما كان في أعقاَه من تنظيمات في الجماعة اإلسالمية . . ترويها‬
‫َطريقة القرآن الخاِة , وتعقب على األحداث والتنظيمات َطريقة القرآن كذلك في ترَية تلك الجماعة ترَية‬
                                                                       ‫حية َاألحداث والتوجيهات والتعقيَات .‬

‫وقَل أن نستعرض النِوص القرآنية في السورة , نعرض شيئا مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث المذي‬
‫نزلت السورة َشأنه ; لنرى ميزة العرض القرآني , وَعد آماده وراء األحداث التي تتنزل َشأنها النِوص ,‬
‫فتفي َمقتضيات األحداث , وتمتد وراءها وحولها في مجاالت أوسع وأشمل من مقتضميات تلمك األحمداث‬
                                                                                      ‫المحدودةَالزمان والمكان .‬

‫كانت وقعة َني النضير في أوائل السنة الراَعة من الهجرة َعد غزوة أحد وقَل غزوة األحزاب . ومما يذكر‬
‫عنها أن رسول اهلل [ ص ] ذهب مع عشرة من كَار أِحاَه منهم أَو َكر وعمر وعلي - رضي اهلل عنهم‬
‫- إلى محلة َني النضير , يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين َحكم ما كان َينه وَينهم من عهد في أول‬
‫مقدمه على المدينة . فاستقَله يهود َني النضير َالَشر والترحاب ووعدوا َأداء ما عليهم , َينما كانوا يدَرون‬
‫أمرا الغتيال رسول اهلل [ ص ] ومن معه . وكان [ ص ] جالسا إلى جدار ممن َيموتهم . فقمال َعضمهم‬
‫لَعض:إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه . فمن رجل منكم يعلو هذا الَيت , فيلقي عليمه ِمخرة ,‬
‫فيريحنا منه ? فانتدب لذلك عمرو َن جحاش َن كعب . فقال:أنا لذلك . فِعد ليلقي عليه ِخرة كما قال .‬
‫فألهم رسول اهلل [ ص ] ما يَيت اليهود من غدر . فقام كأنما ليقضي أمرا . فلما غاب استَطأه ممن معمه ,‬
                                                 ‫فخرجوا من المحلة يسألون عنه , فعلموا أنه دخل المدينة .‬

‫وأمر رسول اهلل [ ص ] َالتهيؤ لحرب َني النضير لظهور الخيانة منهم , ونقض عهد األمان الذي َينه وَينهم‬
‫. وكان قد سَق هذا إقذا كعب َن األشرف - من َني النضير - في هجماء رسمول اهلل [ ص ] وتأليَمه‬
‫األعداء عليه . وما قيل من أن كعَا ورهطا من َني النضير اتِلوا َكفار قريش اتِال تآمر وتحالف وكيد‬
‫ضد النَي [ ص ] مع قيام ذلك العهد َينهم وَينه . مما جعل رسول اهلل [ ص ] يأذن لمحمد َن مسلمة في قتل‬
                                                                                       ‫كعب َن األشرف . فقتله .‬
‫فلما كان التَييت للغدر َرسول اهلل في محلة َني النضير لم يَق مفر من نَذ عهدهم إلميهم . وفمق القاعمدة‬
‫اإلسالمية:(وإما تخافن من قوم خيانة فانَذ إليهم على سواء إن اهلل ال يحب الخائنين). . فتجهز رسمول اهلل [‬
‫ص ] وحاِر محلة َني النضير , وأمهلهم ثالثة أيام - وقيل عشرة - ليفارقوا جواره ويجلوا عمن المحلمة‬
 ‫على أن يأخذوا أموالهم , ويقيموا وكالء عنهم على َساتينهم ومزارعهم . ولكن المنافقين في المدينة - وعلى‬
‫رأسهم عَداهلل َن أَي َن سلول رأس النفاق - أرسلوا إليهم يحرضونهم على المرفض والمقاوممة , وقمالوا‬
                      ‫لهم:أن اثَتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم . وإن قوتلتم قاتلنا معكم , وإن أخرجتم خرجنا معكم .‬

‫وفي هذا يقول اهلل تعالى:(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون إلخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:لئن أخمرجتم‬
‫لنخرجن معكم وال نطيع فيكم أحدا أَدا , وإن قوتلتم لننِرنكم واهلل يشهد إنهم لكماذَون . لمئن أخرجموا ال‬
‫يخرجون معهم , ولئن قوتلوا ال ينِرونهم , ولئن نِروهم ليولن األدَار ثم ال ينِرون . ألنتم أشد رهَمة‬
                                                                 ‫في ِدورهم من اهلل , ذلك َأنهم قوم ال يفقهون . . .).‬

‫فتحِن اليهود في الحِون ; فأمر رسول اهلل [ ص ] َقطع نخيلهم والتحريق فيها . فنادوه:أن يا محمد قمد‬
‫كنت تنهى عن الفساد وتعيَه على من ِنعه:فما َال قطع النخيل وتحريقها ? وفي الرد علميهم نمزل قولمه‬
                         ‫تعالى:(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أِولها فَإذن اهلل وليخزي الفاسقين). .‬

‫ولما َلغ الحِار ستا وعشرين ليلة , يئس اليهود من ِدق وعد المنافقين لهم , وقذف اهلل في قلوَهم الرعب‬
‫, فسألوا رسول اهلل [ ص ] أن يجليهم ويكف عن دمائهم , كما سَق جالء َني قينقا - وقمد ذكرنما سمََه‬
    ‫وظروفه في تفسير سورة األحزاب في الجزء الحادي والعشرين - على أن لهم ما حملت اإلَل من أموالهم‬




   ‫ت ْ ي ْرج َ َن َّه م ِع ُه‬                      ‫ْ َ الذ َ َر م ْ ْ ِ ْك ِ م دي ه َّل َ ْ ِ م‬                           ‫هو الذ‬
 ‫ُ َ َّ ِي أَخرَج َّ ِين كَف ُوا ِن أَهل ال ِتَاب ِن ِ َارِ ِمْ لِأَو ِ الْحشر َا ظَنَن ُم أَن َخ ُ ُوا وظ ُّوا أَن ُم َّان َت ُمْ‬
        ‫ده َ‬              ‫ُل ِه ُ الر َ ي ْرَ َ َي َه‬        ‫حِ ُه م َ الل ِ ه ُ الل ُ م ْ ح ث ي َسَ و َ َ‬
‫ُ ُون ُم ِّن َّه فَأَتَا ُم َّه ِن َيْ ُ لَمْ َحْت ِ ُوا َقَذف فِي قُوَ ِم ُّعْب ُخ ِ ُون ُ ُوت ُم َِأَيْم ِي ِمْ وأَيْمدِي‬
‫خر ِ‬         ‫َ الل ُ َ ْه ُ َ َ َذ ه ْ الد ََه ف‬                              ‫َ ْ‬      ‫ِ ِ‬             ‫ِر ي أ‬            ‫ْم ْمن َ‬
‫ال ُؤ ِ ِين فَاعْتََ ُوا َا ُولِي الْأََْ َار (2) ولَولَا أَن كَتَب َّه علَي ِم الْجلَاء لع ََّ ُم فِي ُّنْيَا ول ُمْ ِمي الْمآ ِ َة‬
                               ‫َِ َ َّه ْ َاق الله َ َس ه َم ُ ِّ الل َ إ َّ الل َ د ُ ْ ِ‬                    ‫عذ ُ الن ِ‬
                           ‫َ َاب َّار (3) ذلك َِأَن ُم ش ُّوا َّ َ ور ُولَ ُ و َن يشَاق َّه فَِن َّه شَ ِيد العِقَاب (4)‬
‫إال السالح . فأجاَهم رسول اهلل [ ص ] فاحتملوا من أموالهم ما استقلت َه اإلَل . فكان الرجل منهم يهدم َيته‬
‫عن خشَة َاَه فيحمله على ظهر َعيره ; أو يخرَه حتى ال يقع في أيدي المسلمين ; وكان المسلمون قد هدموا‬
                                                        ‫وخرَوا َعض الجدران التي اتخذت حِونا في أيام الحِار .‬

‫وفي هذا يقول اهلل في هذه السورة:(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ألول الحشر مما‬
‫ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حِونهم من اهلل , فأتاهم اهلل من حيث لم يحتسَوا , وقذف في قلموَهم‬
‫الرعب , يخرَون َيوتهم َأيديهم وأيدي المؤمنين , فاعتَروا يا أولي األَِار . ولوال أن كتمب اهلل علميهم‬
 ‫الجالء لعذَهم في الدنيا ولهم في اآلخرة عذاب النار . ذلك َأنهم شاقوا اهلل ورسوله ومن يشاق اهلل فمإن اهلل‬
                                                                                         ‫شديد العقاب). .‬

‫وكان منهم من سار إلى خيَر , ومنهم من سار إلى الشام . وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيَر سالم َمن‬
‫أَي الحقيق , وكنانة َن الرَيع َن أَي الحقيق , وحي َن أخطب , ممن ورد ذكرهم َعد ذلمك فمي تأليمب‬
‫المشركين على المسلمين في غزوة األحزاب ووقعة َني قريظة" في سورة األحزاب" وكان لَعضهم كمذلك‬
                                                                    ‫ذكر في فتح خيَر "في سورة الفتح" .‬

‫وكانت أموال َني النضير فيئا خالِا هلل وللرسول ; لم يوجف المسلمون عليه َخيمل وال جممال . فقسممها‬
‫رسول اهلل [ ص ] على المهاجرين خاِة دون األنِار عدا رجلين من األنِار فقيرين هما سهل َن حنيف‬
‫, وأَو دجانة سماك َن خرشة . وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال َعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منمه‬
‫كله لعقيدتهم . وكان األنِار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم مالهم في أريحية عالية , وأخوة ِادقة , وإيثار‬
 ‫عجيب . فلما واتت هذه الفرِة سار رسول اهلل [ ص ] إلقامة األوضا الطَيعية في المجتمع اإلسالمي ,‬
‫كي يكون للفقراء مال خاص , وكي ال يكون المال متداوال في األغنياء وحدهم . ولم يعط من األنِمار إال‬
                                                                     ‫الفقيرين اللذين يستحقان لفقرهما . .‬

‫وتكلم في أموال َني النضير َعض من تكلم - والراجح أنهم من المنافقين - فقال تعالى(:وما أفاء اهلل علمى‬
‫رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل وال ركاب , ولكن اهلل يسلط رسله على من يشاء واهلل على كل شميء‬
                                                                                                ‫قدير). .‬

‫وقال رسول اهلل [ ص ] ل نِار:" إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشماركتموهم فمي همذه‬
‫الغنيمة . وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم , ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة " فقالت األنِار:َل نقسم من‬
                                                      ‫أموالنا وديارنا ونؤثرهم َالغنيمة وال نشاركهم فيها .‬

‫وفي هذا نزل قوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأمموالهم يَتغمون فضمال ممن اهلل‬
‫ورضوانا , وينِرون اهلل ورسوله , أولئك هم الِادقون . والذين تَوؤوا الدار واإليمان من قَلهم يحَون من‬
‫هاجر إليهم وال يجدون في ِدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان َهم خِاِة . ومن‬
                                                                     ‫يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .‬

‫فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة , وتعلقت َه نِوِها , َما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجمه‬
‫فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه َعد ذلك . على طريقة القرآن فمي ترَيمة‬
‫النفوس َاألحداث وَالتعقيب عليها , ورَطها َالحقائق الكلية الكَيرة . . ثم اإليقا األخير في السورة َمذكر‬
‫ِفات اهلل الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطَهم َهذا القرآن . وهي ِفات ذات فاعلية وأثر في همذا الكمون ;‬
                                           ‫وعلى أساستِور حقيقتها يقوم اإليمان الواعي المدرك الَِير .‬

‫وتَدأ السورة وتختتم َتسَيح اهلل الذي له ما في السماوات واألرض وهو العزيز الحكيم . فيتناسق الَدء والختام‬
                  ‫مع موضو السورة , ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشو والتفكر في تدَير اهلل الحكيم .‬

       ‫واآلن نسير مع النِوص القرآنية لنرى كيف تِور األحداث , وكيف ترَي النفوس َهذه األحداث . .‬

                                                                  ‫الدرس األول:1 تسَيح ما في الوجود هلل‬

                                       ‫(سَح هلل ما في السماوات وما في األرض , وهو العزيز الحكيم). .‬

‫َهذه الحقيقة التي وقعت وكانت في الوجود . حقيقة تسَيح كل شيء في السماوات وكل شيء في األرض هلل ,‬
‫واتجاهها إليه َالتنزيه والتمجيد . . تفتتح السورة التي تقص قِة إخراج اهلل للذين كفروا من أهل الكتاب من‬
‫ديارهم , وإعطائها للمؤمنين َه المسَحين َحمده الممجدين ألسمائه الحسنى . . (وهو العزيمز الحكميم). .‬
                              ‫القوي القادر على نِر أوليائه وسحق أعدائه . . الحكيم في تدَيره وتقديره .‬

                                              ‫الدرس الثاني:2 - 4 الدعوة لإلعتَار مما حدث لَني النضير‬

                                                              ‫ثم يقص نَأ الحادث الذي نزلت فيه السورة:‬

‫هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ألول الحشر . ما ظننتم أن يخرجوا , وظنموا أنهمم‬
‫مانعتهم حِونهم من اهلل ; فأتاهم اهلل من حيث لم يحتسَوا , وقذف في قلوَهم الرعب , يخرَون َيتهم َأيديهم‬
‫وأيدي المؤمنين , فاعتَروا يا أولي األَِار . ولوال أن كتب اهلل عليهم الجالء لعذَهم في الدنيا , ولهمم فمي‬
                   ‫اآلخرة عذاب النار . ذلك َأنهم شاقوا اهلل ورسوله , ومن يشاق اهلل فإن اهلل شديد العقاب .‬

‫ومن هذه اآليات نعلم أن اهلل هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ألول الحشر . واهلل همو‬
‫فاعل كل شيء . ولكن ِيغة التعَير تقرر هذه الحقيقة في ِورة مَاشرة , توقع في الحس أن اهلل تولى هذا‬
‫اإلخراج من غير ستار لقدرته من فعل الَشر ! وساق المخرجين ل رض التي منها يحشرون , فلم تعد لهمم‬
                                                                    ‫عودة إلى األرض التي أخرجوا منها .‬

                                      ‫ويؤكد فعل اهلل المَاشر في إخراجهم وسوقهم َالفقرة التالية في اآلية:‬

                                          ‫(ما ظننتم أن يخرجوا , وظنوا أنهم مانعتهم حِونهم من اهلل). .‬
‫فال أنتم كنتم تتوقعون خروجهم وال هم كانوا يسلمون في تِور وقوعه ! فقد كانوا من القوة والمنعمة فمي‬
‫حِونهم َحيث ال تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا . وَحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قموة‬
                                                                              ‫اهلل التي ال تردها الحِون !‬

                                               ‫(فأتاهم اهلل من حيث لم يحتسَوا . وقذف في قلوَهم الرعب).‬

‫أتاهم من داخل أنفسهم ! ال من داخل حِونهم ! أتاهم من قلوَهم فقذف فيها الرعمب , ففتحموا حِمونهم‬
‫َأيديهم ! وأراهم أنهم ال يملكون ذواتهم , وال يحكمون قلوَهم , وال يمتنعون على اهلل َإرادتهم وتِمميمهم !‬
‫فضال على أن يمتنعوا عليه ََنيانهم وحِونهم . وقد كانوا يحسَون حساب كل شيء إال أن يأتيهم الهجوم من‬
 ‫داخل كيانهم . فهم لم يحتسَوا هذه الجهة التي أتاهم اهلل منها . وهكذا حين يشاء اهلل أمرا . يأتي له من حيث‬
‫يعلم ومن حيث يقدر , وهو يعلم كل شيء , وهو على كل شيء قدير . فال حاجة إذن إلى سمَب وال إلمى‬
‫وسيلة , مما يعرفه الناس ويقدرونه . فالسَب حاضر دائما والوسيلة مهيأة . والسَب والنتيجة ممن ِمنعه ,‬
‫والوسيلةوالغاية من خلقه ; ولن يمتنع عليه سَب وال نتيجة , ولن يعز عليه وسيلة وال غاية . . . وهو العزيز‬
                                                                                                 ‫الحكيم . .‬

‫ولقد تحِن الذين كفروا من أهل الكتاب َحِونهم فأتاهم اهلل من حيث لم يحتسَوا وقذف في قلوَهم الرعب .‬
‫ولقد امتنعوا َدورهم وَيوتهم فسلطهم اهلل على هذه الدور والَيوت يخرَونها َأيديهم , ويمكنون المؤمنين من‬
                                                                                                  ‫إخراَها:‬

                                                               ‫(يخرَون َيوتهم َأيديهم وأيدي المؤمنين). .‬

‫وَهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب , في تلك الِورة الموحية , وهذه الحركة المِورة . .‬
‫واهلل - سَحانه - يأتيهم من وراء الحِون فتسقط َفعلهم هم ; ثم يزيدون فيخرَونها َأيديهم وأيدي المؤمنين‬
                                                                                                          ‫.‬

                                      ‫هنا يجيء أول تعقيب في ظل هذه الِورة , وعلى إيقا هذه الحركة:‬

                                                                            ‫(فاعتَروا يا أولي األَِار). .‬

                           ‫وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه . والقلوب متهيئة للعظة متفتحة لالعتَار .‬

‫واآلية التالية تقرر أن إرادة اهلل في النكاية َهم ما كانت لتعفيهم َأية حالة من نكال يِيَهم في الدنيا غير مما‬
                                                                                      ‫ينتظرهم في اآلخرة:‬

                         ‫(ولوال أن كتب اهلل عليهم الجالء لعذَهم في الدنيا , ولهم في اآلخرة عذاب النار . .)‬
‫فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من اهلل . َهذه الِورة التي وقعت أو َِورة أخرى . ولموال أن اختمار اهلل‬
‫جالءهم لعذَهم عذاَا آخر . غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك . فقد استحقوا عذاب اهلل في ِمورة ممن‬
                                                                                                ‫ِوره على كل حال !‬

                                      ‫(ذلك َأنهم شاقوا اهلل ورسوله . ومن يشاق اهلل فإن اهلل شديد العقاب). .‬

‫والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق اهلل , وجانَا غير جانَه . وقد جعل اهلل جانَه هو جانب رسموله حمين‬
‫وِف علة استحقاقهم للعذاب في ِدر اآلية . فاكتفى في عجزها َمشاقة اهلل وحده فهي تشمل مشاقة الرسول‬
‫وتتضمنها . ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام اهلل - سَحانه - وهو موقف فيه تَجح قَيح , حين يقف المخاليق‬
‫في وجه الخالق يشاقونه ! وموقف كذلك رعيب , وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب اهلل وعقاَه‬
                                                                                                  ‫. وهو شديد العقاب .‬

‫وهكذا تستقر في القلوب حقيقة مِائر المشاقين هلل في كل أرض وفي كل وقت . من خالل مِمير المذين‬
                                                           ‫كفروا من أهل الكتاب , وما استحقوا َه هذا العقاب .‬

‫وال يفوتنا أن نلحظ تسمية القرآن ليهود َني النضير َأنهم (الذين كفروا من أهل الكتاب)وتكرار هذه الِفة في‬
‫السورة . فهي حقيقة ألنهم كفروا َدين اهلل في ِورته العليا التي جاء َها محمد [ ص ] وقمد كمان اليهمود‬
‫ينتظرونها ويتوقعونها . وذكر هذه الِفة في الوقت نفسه يحمل َيانا َسَب التنكيل َهم ; كما أنه يعَئ شعور‬
‫المسلمين تجاههم تعَئة روحية تطمئن لها قلوَهم فيما فعلوا معهم , وفيما حل َهم من نكال وعذاب على أيديهم‬
                                                                          ‫. فذكر هذه الحقيقة هنا مقِود ملحوظ !‬

                                                             ‫الدرس الثالث:5 إَاحة الحرب اإلقتِادية ضد العدو‬

‫ثم يطمئن المؤمنين على ِواب ما أوقعوه َهؤالء الذين كفروا وشاقوا اهلل ورسوله من تقطيع نخيلهم وتحريقه‬
                                                                                                                           ‫,‬




                             ‫ق َ‬          ‫ِ ً َل أِ ِ إ ن الل ِ َلي ْز َ‬                  ‫َ َ ت م ل ٍ ْ َ َ ُم‬
                         ‫مَا قطعْ ُم ِّن ِّينَة أَو تركْت ُوهَا قَائمَة عَى ُ ُولهَا فََِِذْ ِ َّه وِ ُخ ِي الْفَاسِ ِين (5)‬
                   ‫أو تركه كذلك قائما , وَيان حكم اهلل فيه . وقد دخل نفوس َعض المسلمين شيء من هذا:‬

‫(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أِولها فَإذن اهلل , وليخزي الفاسقين). . واللينة الجيدة من النخل‬
‫, أو نو جيد منه معروف للعرب إذ ذاك . وقد قطع المسلمون َعض نخل اليهود , وأَقوا َعضه . فتحرجت‬
‫ِدورهم من الفعل ومن الترك . وكانوا منهيين قَل هذا الحادث وَعده عن مثل هذا االتجاه فمي التخريمب‬
‫والتحريق . فاحتاج هذا االستثناء إلى َيان خاص , يطمئن القلوب . فجاءهم هذا الَيان يرَط الفعل والتمرك‬
‫َإذن اهلل . فهو الذي تولى َيده هذه الموقعة ; وأراد فيها ما أراد , وأنفذ فيها ما قدره , وكان كل ما وقع ممن‬
‫هذا َإذنه . أراد َه أن يخزي الفاسقين . وقطع النخيل يخزيهم َالحسرة على قطعه ; وتركه يخزيهم َالحسرة‬
                                                      ‫على فوته . وإرادة اهلل وراء هذا وذاك على السواء .‬

‫َذلك تستقر قلوب المؤمنين المتحرجة , وتشفى ِدورهم مما حاك فيها , وتطمئن إلى أن اهلل هو المذي أراد‬
                                ‫وهو الذي فعل . واهلل فعال لما يريد . وما كانوا هم إال أداة إلنفاذ ما يريد .‬

          ‫الدرس الراَع:6 - 11 توزيع الفيء وثالث فئات للمجتمع اإلسالمي المهاجرون واألنِار والخلف‬

‫فأما المقطع الثاني في السورة فيقرر حكم الفيء الذي أفاءه اهلل على رسوله في هذه الوقعة وفيما يماثلها , مما‬
‫لم يتكلف فيه المسلمون غزوا وال قتاال . . أي الوقائع التي تولتها يد اهلل جهرة ومَاشرة وَدون سمتار ممن‬
                                                                                        ‫الخلق كهذه الوقعة:‬

‫وما أفاء اهلل على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل وال ركاب . ولكن اهلل يسلط رسله على من يشماء ,‬
‫واهلل على كل شيء قدير . ما أفاء اهلل على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولمذي القرَمى واليتمامى‬
‫والمساكين واَن السَيل . كي ال يكون دولة َين األغنياء منكم . وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنمه‬
‫فانتهوا واتقوا اهلل , إن اهلل شديد العقاب . للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأمموالهم , يَتغمون‬
‫فضال من اهلل ورضوانا , وينِرون اهلل ورسوله , أولئك هم الِادقون . والذين تَوأوا الدار واإليمان ممن‬
‫قَلهم يحَون من هاجر إليهم , وال يجدون في ِدورهم حاجة مما أوتوا , ويؤثرون على أنفسهم ولو كان َهم‬
‫خِاِة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جاءوا من َعدهم يقولمون:رَنما اغفمر لنما‬
          ‫وإلخواننا الذين سَقونا َاإليمان , وال تجعل في قلوَنا غال للذين آمنوا . رَنا إنك رؤوف رحيم . .‬

‫وهذه اآليات التي تَين حكم اهلل في هذا الفيء وأمثاله , تحوي في الوقت ذاته وِفا ألحوال الجماعة المسلمة‬
‫في حينها ; كما تقرر طَيعة األمة المسلمة على توالي العِور , وخِائِها المميزة التمي تتمراَط َهما‬
‫وتتماسك على مدار الزمان , ال ينفِل فيها جيل عن جيل , وال قوم عن قوم , وال نفس عن نفمس , فمي‬
‫الزمن المتطاول َين أجيالها المتعاقَة في جميع َقا األرض . وهي حقيقة ضخمة كَيمرة ينَغمي الوقموف‬
                                                                           ‫أمامها طويال في تدَر عميق . .‬

‫(وما أفاء اهلل على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل وال ركاب , ولكن اهلل يسلط رسله على من يشماء ,‬
                                                                                ‫واهلل على كل شيء قدير).‬

‫واإليجاف:الركض واإلسرا . والركاب:الجمال . واآلية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم َنو‬
‫النضير لم يركضوا هم عليه خيال , ولم يسرعوا إليه ركَا , فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم اهلل أرَعة‬
‫أخماسها , واستَقى خمسها فقط هلل والرسول ولذي القرَى واليتامى والمساكين واَن السَيل , كما حكم اهلل في‬
‫غنائم َدر الكَرى . إنما حكم هذا الفيء أنه كله هلل والرسول ولذي القرَى واليتامى والمساكين واَن السَيل .‬
                         ‫والرسول [ ص ] هو الذي يتِرف فيه كله في هذه الوجوه . وذو القرَى المذكورون‬




‫ت ْ َ ِ م ْل َل ِ ٍ ََك َّ الل َ ُسِّ ُ ُ ُ ُ َ م َش ء َالله‬                        ‫الل ُ َل َس ِ م ْه ْ َم‬             ‫َ‬
‫ومَا أَفَاء َّه عَى ر ُولِه ِن ُم ف َا أَوْجَفْ ُم علَيْه ِنْ خَي ٍ وَا ركَاب ول ِن َّه ي َلط رسلَه علَى َن ي َا ُ و َّ ُ‬
                                                                                                         ‫َ ك ِّ ْ ٍ‬
                                                                                              ‫علَى ُل شَيء قَدِير (6)‬
‫في اآليتين هم قراَة رسول اهلل [ ص ] أن كانت الِدقات ال تحل لهم , فليس لهم في الزكاة نِميب , وأن‬
‫كان النَي ال يورث فليس لذوي قراَته من ماله شيء . وفيهم الفقراء الذين ال مورد لهم . فجعل لهمم ممن‬
‫خمس الغنائم نِيَا , كما جعل لهم من هذا الفيء وأمثاله نِيَا . فأما َقية الطوائف والمِمارف فأمرهما‬
                                                                  ‫معروف . والرسول [ ص ] هو المتِرف فيها .‬

‫هذا هو حكم الفيء تَينه اآليات . ولكنها ال تقتِر على الحكم وعلته القريَة . إنما تفتح القلوب على حقيقمة‬
‫أخرى كَيرة: (ولكن اهلل يسلط رسله على من يشاء). . فهو قدر اهلل . وهم طرف من هذا القدر يسلطه علمى‬
                                                                           ‫من يشاء . (واهلل على كل شيء قدير). .‬

‫َهذا يتِل شأن الرسل َقدر اهلل المَاشر ; ويتحدد مكانهم في دوالب القدر الدوار . ويتَين أنهم - ولو أنهمم‬
‫َشر - متِلون َإرادة اهلل ومشيئته اتِاال خاِا , يجعل لهم دورا معينا في تحقيق قدر اهلل فمي األرض ,‬
‫َإذن اهلل وتقديره . فما يتحركون َهواهم , وما يأخذون أو يدعون لحساَهم . وما يغزون أو يقعمدون , ومما‬
‫يخاِمون أو يِالحون , إال لتحقيق جانب من قدر اهلل في األرض منوط َهم وَتِرفاتهم وتحركاتهم فمي‬
                                ‫هذه األرض . واهلل هو الفاعل من وراء ذلك كله . وهو على كل شيء قدير . .‬

‫(ما أفاء اهلل على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القرَى واليتامى والمساكين واَن السَيل . . كي‬
‫ال يكون دولة َين األغنياء منكم . وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنه فانتهوا . واتقوا اهلل إن اهلل شديد‬
                                                                                                             ‫العقاب). .‬

‫وتَين هذه اآلية الحكم الذي أسلفنا تفِيال . ثم تعلل هذه القسمة فتضع قاعدة كَمرى ممن قواعمد التنظميم‬
‫اإلقتِادي واإلجتماعي في المجتمع اإلسالمي: (كي ال يكون دولة َين األغنياء منكم). . كما تضمع قاعمدة‬
‫كَرى في التشريع الدستوري للمجتمع اإلسالمي: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). . ولو أن‬
‫هاتين القاعدتين جاءتا َمناسَة هذا الفيء وتوزيعه , إال أنهما تتجاوزان هذا الحادث الواقع إلى آماد كثيرة في‬
                                                                                 ‫أسس النظام االجتماعي اإلسالمي .‬
‫والقاعدة األولى , قاعدة التنظيم االقتِادي , تمثل جانَا كَيرا من أسس النظرية االقتِادية فمي اإلسمالم .‬
‫فالملكية الفردية معترف َها في هذا النظرية . ولكنها محددة َهذه القاعدة . قاعدة أال يكون المال دولمة َمين‬
‫األغنياء , ممنوعا من التداول َين الفقراء . فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة َين اإلغنياء وحدهم هو‬
 ‫وضع يخالف النظرية االقتِادية اإلسالمية كما يخالف هدفا من أهداف التنظيم االجتماعي كلمه . وجميمع‬
‫االرتَاطات والمعامالت في المجتمع اإلسالمي يجب أن تنظم َحيث ال تخلق مثل هذا الوضع أو تَقي عليه إن‬
                                                                                                                               ‫وجد .‬

‫ولقد أقام اإلسالم َالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة . ففرض الزكاة . وجعل حِيلتها في العمام اثنمين‬
‫ونِفا في المئة من أِل رؤوس األموال النقدية , وعشرة أو خمسة في المئة من جميع الحاِالت . ومما‬
‫يعادل ذلك في األنعام . وجعل الحِيلة في الركاز وهو كنوز األرض مثلها في المال النقدي . وهي نسمب‬
‫كَيرة . ثم جعل أرَعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء وأغنياء َينما جعل الفيء كله للفقراء . وجعل نظامه‬
‫المختار في إيجار األرض هو المزارعة - أي المشاركة في المحِول الناتج َين ِاحب األرض وزارعها .‬
                                                                                                                       ‫وجعل لإلمام‬




      ‫و ْ َ ك ِ و ِ الس ِ ْ‬              ‫و ي‬         ‫َِل ِ َل َّس ل َلذ ُ‬          ‫الل ُ َل َس ِ م ْ ْ ِ ُ‬              ‫م‬
 ‫َّا أَفَاء َّه عَى ر ُولِه ِن أَهل الْقرَى فلَّه وِلر ُو ِ وِ ِي الْقرََْى َالْ َتَامَى َالمسَا ِين َاَْن ََِّيل كَي لَما‬
‫َك ن د ً َ ن م ك ْ َم ك ُ َّس ُ خذ ه َ َ ك ْ ع ُ َه َاتق الل َ إ َّ لل َ د د ْ ِ‬
‫ي ُو َ ُولَة َيْن الْأَغْ ِيَاء ِن ُم و َا آتَا ُم الر ُول فَ ُ ُو ُ ومَا نهَا ُم َنْه فَانت ُوا و َّ ُوا َّه ِن ا َّه شَ ِي ُ العِقَاب‬
                                                                                                                                  ‫(7 )‬
‫الحق في أن يأخذ فضول أموال األغنياء فيردها على الفقراء . وأن يوظف في أموال األغنياء عند خلو َيمت‬
            ‫المال . وحرم االحتكار . وحظر الرَا . وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة َين األغنياء .‬

‫وعلى الجملة أقام نظامه االقتِادي كله َحيث يحقق تلك القاعدة الكَرى التي تعد قيدا أِيال على حق الملكية‬
                                                                                                ‫الفردية َجانب القيود األخرى .‬

‫ومن ثم فالنظام اإلسالمي نظام يَيح الملكية الفردية , ولكنه ليس هو النظمام الرأسممالي , كمما أن النظمام‬
‫الرأسمالي ليس منقوال عنه , فما يقوم النظام الرأسمالي إطالقا َدون رَا وَدون احتكار , إنما هو نظام خاص‬
‫من لدن حكيم خَير . نشأ وحده . وسار وحده , وَقي حتى اليوم وحده . نظاما فريدا متموازن الجوانمب ,‬
 ‫متعادل الحقوق والواجَات , متناسقا تناسق الكون كله . مذ كان ِدوره عن خالق الكون . والكون متناسمق‬
                                                                                                                           ‫موزون !‬

‫فأما القاعدة الثانية - قاعدة تلقي الشريعة من مِدر واحد: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).‬
‫. فهي كذلك تمثل النظرية الدستورية اإلسالمية . فسلطان القانون في اإلسالم مستمد من أن هذا التشريع جاء‬
‫َه الرسول [ ص ] قرآنا أو سنة . واألمة كلها واإلمام معها ال تملك أن تخالف عما جاء َه الرسمول . فمإذا‬
‫شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا سلطان , ألنه فقد السند األول الذي يستمد منمه السملطان . . وهمذه‬
‫النظرية تخالف جميع النظريات الَشرية الوضعية , َما فيها تلك التي تجعل األمة مِدر السلطات , َمعنمى‬
 ‫أن ل مة أن تشر لنفسها ما تشاء , وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان . فمِدر السلطات في اإلسالم هو شر‬
‫اهلل الذي جاء َه الرسول [ ص ] واألمة تقوم على هذه الشريعة وتحرسها وتنفذها - واإلمام نائب عن األمة‬
             ‫في هذا - وفي هذا تنحِر حقوق األمة . فليس لها أن تخالف عما آتاها الرسول في أي تشريع .‬

‫فأما حين ال توجد نِوص فيما جاء َه الرسول َخِوص أمر يعرض ل مة فسَيلها أن تشر لمه َمما ال‬
‫يخالف أِال من أِول ما جاء َه الرسول . وهذا ال ينقض تلك النظرية , إنما هو فر عنها . فالمرجع في‬
‫أي تشريع هو أن يتَع ما جاء َه الرسول إن كان هناك نص . وأال يخالف أِال من أِوله فيما ال نص فيه‬
‫. وتنحِر سلطة األمة - واإلمام النائب عنها - في هذه الحدود . وهو نظام فريد ال يماثله نظام آخمر ممما‬
‫عرفته الَشرية من نظم وضعية . وهو نظام يرَط التشريع للناس َناموس الكون كله . وينسق َمين نماموس‬
‫الكون الذي وضعه اهلل له والقانون الذي يحكم الَشر وهو من اهلل . كي ال يِطدم قانون الَشر َناموس الكون‬
                                                          ‫, فيشقى اإلنسان أو يتحطم أو تذهب جهوده أدراج الرياح !‬

‫وترَط اآلية هاتين القاعدتين في قلوب المؤمنين َمِدرهما األول . . وهو اهلل . . فتمدعوهم إلمى التقموى‬
‫وتخوفهم عقاب اهلل: (واتقوا اهلل إن اهلل شديد العقاب). . وهذا هو الضمان األكَر الذي ال احتيال عليمه , وال‬
‫هروب منه . فقد علم المؤمنون أن اهلل مطلع على السرائر , خَير َاألعمال , وإليه المرجع والمآب . وعلموا‬
 ‫أنه شديد العقاب . وعلموا أنهم مكلفون أال يكون المال دولة َينهم , وأن يأخذوا ما آتاهم الرسول عن رضى‬
                      ‫وطاعة , وأن ينتهوا عما نهاهم عنه في غير ترخص وال تساهل وأمامهم يوم عِيب . .‬

‫ولقد كان توزيع ذلك الفيء - فيء َني النضير - على المهاجرين وحدهم عدا رجلين من األنِمار إجمراء‬
          ‫خاِا َهذا الفيء , تحقيقا لقاعدة: (كي ال يكون دولة َين األغنياء منكم . .)فأما الحكم العام , فهو أن‬




‫ِ ف َر ْ ُ ِر ن الذ ن أ ْرج م د ه ََ و ِه ي َغ ن ْال من الله َر و ا وي ُر ن الله َ َس ه‬
‫للْ ُق َاء المهَاج ِي َ َّ ِي َ ُخ ِ ُوا ِن ِيارِ ِمْ وأمْ َال ِمْ ََْت ُو َ فَض ً ِّ َ َّ ِ و ِضْ َانً َ َنِ ُو َ َّ َ ور ُولَ ُ‬
   ‫َ َ ِ ْه ْ َ يج د َ ف‬            ‫َالذ َ َوؤ الد َ و إ ن م ِْه ْ يحَ َ م‬                         ‫أ ْ ِك ه ُ الِ دق َ‬
 ‫ُولَئ َ ُم َّا ِ ُون (8) و َّ ِين تََ َّ ُوا َّار َالِْيمَا َ ِن قََل ِم ُ ِ ُّون َنْ هَاجر إلَي ِم ولَما َ ِم ُون ِمي‬
‫ه ُ‬    ‫ٌ َم ي َ ش َّ ْس ِ أ ْ ئ‬                ‫ً ِّم أ ت وي ِر َ َل ُ ِه ْ َ ْ ن ِه‬                         ‫ِد ه‬
‫ُ ُورِ ِمْ حَاجَة م َّا ُو ُوا َ ُؤْث ُون عَى أَنفس ِم ولَو كَا َ َ ِمْ خََِاَِة و َن ُوق ُح نَف ِمه فَُولَ ِمكَ ُمم‬
                                                                                                                     ‫ْم ْلح َ‬
                                                                                                                 ‫ال ُفِ ُون (9)‬
‫يكون للفقراء عامة . من المهاجرين ومن األنِار وممن يأتي َعدهم من األجيال . وهذا ما تضمنته اآليمات‬
                                                                                                          ‫التالية في السياق .‬
‫ولكن القرآن ال يذكر األحكام جافة مجردة , إنما يوردها في جو حي يتجاوب فيه األحياء . ومن ثم أحاط كل‬
‫طائفة من هذه الطوائف الثالث َِفاتها الواقعية الحية التي تِور طَيعتها وحقيقتها ; وتقمرر الحكمم حيما‬
                                                                            ‫يتعامل مع هؤالء األحياء:‬

‫(للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يَتغون فضال ممن اهلل ورضموانا , وينِمرون اهلل‬
                                                                    ‫ورسوله , أولئك هم الِادقون). .‬

‫وهي ِورة ِادقة تَرز فيها أهم المالمح المميزة للمهاجرين . . أخرجوا إخراجا من ديمارهم وأمموالهم .‬
‫أكرههم على الخروج األذى واالضطهاد والتنكر من قراَتهم وعشيرتهم في مكة . ال لذنب إال أن يقولوا رَنا‬
‫اهلل . . . وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم( يَتغون فضال من اهلل ورضوانا)اعتمادهم على اهلل في فضمله‬
‫ورضوانه . ال ملجأ لهم سواه , وال جناب لهم إال حماه . . وهم مع أنهم مطاردون قليلمون (ينِمرون اهلل‬
‫ورسوله . .)َقلوَهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق األوقات . (أولئك هم الِادقون). . الذين قالوا كلمة‬
‫اإليمان َألسنتهم , وِدقوها َعملهم . وكانوا ِادقين مع اهلل في أنهم اختاروه . وِادقين مع رسوله في أنهم‬
                   ‫اتَعوه . وِادقين مع الحق في أنهم كانوا ِورة منه تدب على األرض ويراها الناس !‬

‫والذين تَوأوا الدار واإليمان من قَلهم , يحَون من هاجر إليهم , وال يجدون في ِدورهم حاجة مما أوتوا ,‬
                ‫ويؤثرون على أنفسهم ولو كان َهم خِاِة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . .‬

‫وهذه كذلك ِورة وضيئة ِادقة تَرز أهم المالمح المميزة ل نِار . هذه المجموعة التي تفردت َِفات ,‬
‫وَلغت إلى آفاق , لوال أنها وقعت َالفعل , لحسَها الناس أحالما طائرة ورؤى مجنحة ومثال عليا قد ِاغها‬
                                                                                      ‫خيال محلق . .‬

‫والذين تَوأوا الدار واإليمان من قَلهم . . أي دار الهجرة . يثرب مدينة الرسول [ ص ] وقد تَوأها األنِار‬
‫قَل المهاجرين . كما تَوأوا فيها اإليمان . وكأنه منزل لهم ودار . وهو تعَير ذو ظالل . وهمو أقمرب مما‬
‫يِور موقف األنِار من اإليمان . لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوَهم , وتسمكن إليمه‬
                              ‫أرواحهم , ويثوَون إليه ويطمئنون له , كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار .‬

‫(يحَون من هاجر إليهم وال يجدون في ِدورهم حاجة مما أوتوا). . ولم يعرف تاريخ الَشرية كله حادثما‬
‫جماعيا كحادث استقَال األنِار للمهاجرين . َهذا الحب الكريم . وَهذا الَذل السمخي . وَهمذه المشماركة‬
‫الرضية . وَهذا التساَق إلى اإليواء واحتمال األعَاء . حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنِماري إال‬
‫َقرعة . ألن عدد الراغَين في اإليواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين ! (وال يجدون في ِدورهم‬
‫حاجة مما أوتوا . .)مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في َعض المواضع , ومن مال يختِون َه كهمذا‬
‫الفيء , فال يجدون في أنفسهم شيئا من هذا . وال يقول:حسدا وال ضيقا . إنما يقول(:شيئا). مما يلقي ظمالل‬
                                             ‫النظافة الكاملة لِدورهم والَراءة المطلقة لقلوَهم , فال تجد شيئا أِال .‬

‫(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان َهم خِاِة). . واإليثار على النفس مع الحاجة قمة عليا . وقد َلغ إليهما‬
‫األنِار َما لم تشهد الَشرية له نظيرا . وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة َِورة خارقة لمألوف الَشر‬
                                                                                                                       ‫قديما وحديثا .‬




‫ُل َ ِلً ِّل ذ َ‬          ‫َ إ و ن الذ َ س ق َ إ ِ َ ْ َ ْ‬                             ‫ه ْ ق ل َ ََن ِ ْ‬                ‫َالذ َ ؤ م‬
‫و َّ ِين جَا ُوا ِن َعْدِ ِم يَ ُوُون ر َّ َا اغْفر لَنَا ولِِخْ َا ِنَا َّ ِين َ َ ُونَا ِالِْيمَان ولَا تَجعل فِي قُو ِنَا غّا لَّم ِين‬
                                                                                                     ‫من ََن إ َّ َ رؤ ٌ رح‬
                                                                                              ‫آ َ ُوا ر َّ َا ِنك َ ُوف َّ ِيم (11)‬
‫(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). . فهذا الشح . شح النفس . هو المعوق عن كل خير . ألن الخير‬
‫َذل في ِورة من الِور . َذل في المال . وَذل في العاطفة . وَذل في الجهد . وَذل فمي الحيماة عنمد‬
‫االقتضاء . وما يمكن أن يِنع الخير شحيح يهم دائما أن يأخذ وال يهم مرة أن يعطي . ومن يوق شح نفسه ,‬
             ‫فقد وقي هذا المعوق عن الخير , فانطلق إليه معطيا َاذال كريما . وهذا هو الفالح في حقيقة معناه .‬

‫والذين جاءوا من َعدهم , يقولون:رَنا اغفر لنا وإلخواننا الذين سَقونا َاإليمان , وال تجعل في قلوَنما غمال‬
                                                                                      ‫للذين آمنوا . رَنا إنك رؤوف رحيم . .‬

‫وهذه الِورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية . وهي تَرز أهم مالمح التاَعين . كما تَرز أخص خِمائص‬
                                                               ‫األمة المسلمة على اإلطالق في جميع األوطان واألزمان .‬

‫هؤالء الذين يجيئون َعد المهاجرين واألنِار - ولم يكونوا قد جاءوا َعد عند نزول اآلية في المدينة , إنمما‬
‫كانوا قد جاءوا في علم اهلل وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان - سمة نفوسهم‬
‫أنها تتوجه إلى رَها في طلب المغفرة , ال لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سَقوا َاإليمان ; وفي طلب َمراءة‬
‫القلب من الغل للذين آمنوا على وجه اإلطالق , ممن يرَطهم معهم رَاط اإليمان . مع الشمعور َرأفمة اهلل ,‬
                                            ‫ورحمته , ودعائه َهذه الرحمة , وتلك الرأفة: (رَنا إنك رؤوف رحيم). .‬

‫وتتجلى من وراء تلك النِوص طَيعة هذه األمة المسلمة وِورتها الوضيئة في هذا الوجود . تتجلى اآلِرة‬
‫القوية الوثيقة التي ترَط أول هذه األمة َآخرها , وآخرها َأولها , في تضامن وتكافمل وتمواد وتعماطف .‬
‫وشعور َوشيجة القرَى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب ; وتتفرد وحدها في القلموب ,‬
‫تحرك المشاعر خالل القرون الطويلة , فيذكر المؤمن أخاه المؤمن َعد القرون المتطاولة , كما يمذكر أخماه‬
 ‫الحي , أو أشد , في إعزاز وكرامة وحب . ويحسب السلف حساب الخلف . ويمضي الخلف على آثار السلف‬
‫.ِفا واحدا وكتيَة واحدة على مدار الزمان واختالف األوطان , تحت راية اهلل تغذ السير ِعدا إلى األفمق‬
                                                                         ‫الكريم , متطلعة إلى رَها الواحد الرؤوف الرحيم .‬

‫إنها ِورة َاهرة , تمثل حقيقة قائمة ; كما تمثل أرفع وأكرم مثال للَشرية يتِوره قلب كريم . ِورة تَدو‬
‫كرامتها ووضاءتها على أتمها حين تقرن مثال إلى ِورة الحقد الذميم والهدم اللئيم التي تمثلها وتَشمر َهما‬
‫الشيوعية في إنجيل كارل ماركس . ِورة الحقد الذي ينغل في الِدور , وينخر في الضمير , على الطَقات‬
 ‫, وعلى أجيال الَشرية الساَقة , وعلى أممها الحاضرة التي ال تعتنق الحقد الطَقي الذميم . وعلمى اإليممان‬
                                                                                               ‫والمؤمنين من كل أمة وكل دين !‬

‫ِورتان ال التقاء َينهما في لمحة وال سمة , وال لمسة وال ظل . ِورة ترفع الَشرية إلى أعلى مراقيهما ;‬
‫وِورة تهَط َها إلى أدنى دركاتها . ِورة تمثل األجيال من وراء الزمان والمكمان والجمنس والموطن‬
‫والعشيرة والنسب متضامنة متراَطة متكافلة متوادة متعارفة ِاعدة في طريقها إلى اهلل , َريئة الِدور من‬
‫الغل , طاهرة القلوب من الحقد , وِورة تمثل الَشرية أعداء متناحرين يلقي َعضهم َعضا َالحقد والمدخل‬
 ‫والدغل والغش والخدا وااللتواء . حتى وهم في المعَد يقيمون الِالة . فالِالة ليست سموى أحَولمة ,‬
                                                                      ‫والدين كله ليس إال فخا ينَِه رأس المال للكادحين !‬

‫(رَنا اغفر لنا وإلخواننا الذين سَقونا َاإليمان , وال تجعل في قلوَنا غال للذين آمنموا . رَنما إنمك رؤوف‬
                                                                                                                             ‫رحيم). .‬




‫ِ الذ َ ق ق ل َ إ و ِه ُ الذ ن َر م ْ ْ ِ ْك ِ ئ ْ أ ْر ت ْ ْرج َّ َ َك ْ َ ُط ع ف ك ْ‬                                                  ‫َ‬
‫ألَمْ تَر إلَى َّ ِين نَافَ ُوا يَ ُوُون لِِخْ َان ِم َّ ِي َ كَف ُوا ِن أَهل ال ِتَاب لَ ِن ُخ ِجْ ُم لَنَخ ُ َن مع ُم ولَا ن ِي ُ ِي ُم‬
       ‫ي ْرج َ َ َه َ ئ ق ِل‬             ‫ئ ْ أ ْرج‬         ‫ُر َّك ْ َالله َ ْهد إ َّه ْ َ ذَ َ‬         ‫ح ً َ ً َإ ق ِ ت ْ‬
‫أَ َدا أَ َدا وِن ُوتلْ ُم لَنَنِ َن ُم و َّ ُ يش َ ُ ِن ُم لكَا ِ ُون (11) لَ ِن ُخ ِ ُوا لَا َخ ُ ُون مع ُمْ ولَ ِن ُوتُوا لَما‬
‫ً ِد ه من الل ِ َِ َ َّه ْ‬                  ‫َ ت ْ َ ُّ‬        ‫ي ُر َه ْ َ ئ ن َر ه ْ يوُّن َ ر ث َّ ي َر َ‬
‫َنِ ُون ُم ولَ ِن َِّ ُو ُم لَ ُ َل َّ الْأَدْ َا َ ُم لَا ُنِ ُون (21) لأَن ُم أشَد رَهْ َة فِي ُ ُورِ ِم ِّ َ َّه ذلك َِأَن ُم‬
                                                                                                                     ‫ل َه َ‬
                                                                                                                ‫قَوْم َّا يَفْق ُون (31)‬
                           ‫هذه هي قافلة اإليمان . وهذا هو دعاء اإليمان . وإنها لقافلة كريمة . وإنه لدعاء كريم .‬

                                     ‫الدرس الخامس:11 - 71 الوالء َين المنافقين واليهود وإغواء الشيطان التَاعه‬

‫وحين ينتهي السياق من رسم هذه الِورة الوضيئة , ورفعها على األفق في إطار النور . يعود إلى الحمادث‬
                            ‫الذي نزلت فيه السورة , ليرسم ِورة لفريق آخر ممن اشتركوا فيها . فريق المنافقين:‬

‫ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون إلخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب:لئن أخرجتم لنخرجن معكم , وال نطيمع‬
‫فيكم أحدا أَدا , وإن قوتلتم لننِرنكم , واهلل يشهد إنهم لكاذَون . لئن أخرجوا ال يخرجون معهم , ولئن قوتلوا‬
‫ال ينِرونهم , ولئن نِروهم ليولن األدَار , ثم ال ينِرون . ألنتم أشد رهَة في ِدورهم من اهلل , ذلمك‬
‫َأنهم قوم ال يفقهون . ال يقاتلونكم جميعا إال في قرى محِنة أو من وراء جدر , َأسهم َينهم شديد , تحسَهم‬
‫جميعا وقلوَهم شتى , ذلك َأنهم قوم ال يعقلون . كمثل الذين من قَلهم قريَا ذاقوا وَال أمرهم , ولهم عمذاب‬
‫أليم . كمثل الشيطان إذ قال لإلنسان:اكفر . فلما كفر قال:إني َريء منك , إني أخاف اهلل رب العالمين . فكان‬
                                             ‫عاقَتهما أنهما في النار خالدين فيها , وذلك جزاء الظالمين . .‬

‫وهي حكاية لما قاله المنافقون ليهود َني النضير , ثم لم يفوا َه , وخذلوهم فيه , حتى أتاهم اهلل من حيث لمم‬
‫يحتسَوا وقذف في قلوَهم الرعب . ولكن في كل جملة قرآنية لفتة تقرر حقيقة , وتمس قلَا , وتَعث انفعاال ,‬
                                                ‫وتقر مقوما من مقومات الترَية والمعرفة واإليمان العميق .‬

‫وأول لفتة هي تقرير القراَة َين المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب: (ألم تر إلى الذين نمافقوا يقولمون‬
‫إلخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب). فأهل الكتاب هؤالء كفروا . والمنافقون إخوانهم ولو أنهم يلَسون رداء‬
                                                                                                 ‫اإلسالم !‬

‫ثم هذا التوكيد الشديد في وعد المنافقين إلخوانهم: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم وال نطيع فيكم أحدا أَدا , وإن‬
                                                                                      ‫قوتلتم لننِرنكم). .‬

‫واهلل الخَير َحقيقتهم يقرر غير ما يقررون , ويؤكد غير ما يؤكدون: (واهلل يشهد إنهم لكاذَون . لئن أخرجوا‬
          ‫ال يخرجون معهم , ولئن قوتلوا ال ينِرونهم , ولئن نِروهم ليولن األدَار . ثم ال ينِرون). .‬

                                                ‫وكان ما شهد َه اهلل . وكذب ما أعلنوه إلخوانهم وقرروه !‬

‫ثم يقرر حقيقة قائمة في نفوس المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب(:ألنتم أشد رهَة في ِدورهم‬
                                                                       ‫من اهلل . ذلك َأنهم قوم ال يفقهون).‬

‫فهم يرهَون المؤمنين أشد مما يرهَون اهلل . ولو خافوا اهلل ما خافوا أحدا من عَاده . فإنما هو خوف واحمد‬
‫ورهَة واحدة . وال يجتمع في قلب خوف من اهلل وخوف من شيء سواه . فالعزة هلل جميعا , وكل قوى الكون‬
‫خاضعة ألمره , (ما من داَة إال هو آخذ َناِيتها)فمم يخاف إذن ذلك الذي يخماف اهلل ? ولكمن المذين ال‬
                  ‫يفقهون هذه الحقيقة يخافون عَاد اهلل أشد مما يخافون اهلل . . (ذلك َأنهم قوم ال يفقهون). .‬

‫وهكذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة . ويقرر في الوقت ذاته تلك الحقيقة المجردة . ويمضي يقرر حالة قائمة‬
‫في نفوس المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب , تنشأ من حقيقتهم الساَقة , ورهَتهم للمؤمنين أشمد ممن‬
                                                                                              ‫رهَتهم هلل .‬
      ‫(ال يقاتلونكم جميعا إال في قرى محِنة أو من وراء جدر . َأسهم َينهم شديد . تحسَهم جميعا وقلوَهم‬




 ‫ْس ُه ْ َم ً و ُل ُه ْ َت َِ َ‬        ‫ُ م َِ ٍ ْ م َر ج ُر ْ ُه ْ َه ْ د‬                        ‫ي ِل َك ْ َم ً ِل‬
 ‫لَا ُقَاتُون ُم ج ِيعا إَّا فِي قرًى ُّح َّنَة أَو ِن و َاء ُد ٍ َأس ُم َيْن ُم شَ ِيد تَح ََ ُم ج ِيعا َقُوَ ُم ش َّى ذلك‬
                         ‫َم َ ِ الذ َ م ِْه َر ً ذ ق وَ َ َ ْ ه ْ ََه ْ عذ َل‬                     ‫ل َ ِل َ‬          ‫َّه ْ‬
                  ‫َِأَن ُم قَوْم َّا يعْقُون (41) ك َثل َّ ِين ِن قََل ِمْ ق ِيَا َا ُوا َ َال أمرِ ِم ول ُم َ َاب أِيم (51)‬
                                                                                    ‫شتى . ذلك َأنهم قوم ال يعقلون). .‬

‫وما تزال األيام تكشف حقيقة اإلعجاز في "تشخيص" حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون َهم في‬
‫أي زمان وفي أي مكان . َشكل واضح للعيان . ولقد شهدت االشتَاكات األخيرة في األرض المقدسمة َمين‬
‫المؤمنين الفدائيين وَين اليهود مِداق هذا الخَر َِورة عجيَة . فما كانوا يقاتلونهم إال فمي المسمتعمرات‬
‫المحِنة في أرض فلسطين . فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولوا األدَار كالجرذان . حتى لكأن هذه اآلية نزلمت‬
                                                                                   ‫فيهم اَتداء . وسَحان العليم الخَير !‬

‫وتَقى المالمح النفسية األخرى (َأسهم َينهم شديد). . (تحسَهم جميعا وقلوَهم شتى)على خمالف الممؤمنين‬
‫الذين تتضامن أجيالهم , وتجمعهم آِرة اإليمان من وراء فواِل الزممان والمكمان , والجمنس والموطن‬
                                                                          ‫والعشيرة . . (ذلك َأنهم قوم ال يعقلون). .‬

‫والمظاهر قد تخد فنرى تضامن الذين كفروا من أهل الكتاب فيما َينهم , ونرى عَِيتهم َعضهم لمَعض ,‬
‫كما نرى تجمع المنافقين أحيانا في معسكر واحد . ولكن الخَر الِادق من السماء يأتينا َأنهم ليسوا كذلك في‬
‫حقيقتهم ; إنما هو مظهر خارجي خاد . وَين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخدا . فيَدو من ورائمه‬
‫ِدق الخَر في دنيا الواقع المنظور , وينكشف الحال عن نزا في داخل المعسكر الواحد , قائم على اختالف‬
‫المِالح وتفرق األهواء , وتِادم االتجاهات . وما ِدق المؤمنون مرة , وتجمعت قلوَهم على اهلل حقا إال‬
‫وانكشف المعسكر اآلخر أمامهم عن هذه االختالفات وهذا التضارب وهذا الرياء الذي ال يمثل حقيقة الحال .‬
‫وما َِر المؤمنون وثَتوا إال وشهدوا مظهر التماسك َين أهل الَاطل يتفسخ وينهار , وينكشف عن الخالف‬
                                                          ‫الحاد والشقاق والكيد والدس في القلوب الشتيتة المتفرقة !‬

‫إنما ينال المنافقون والذين كفروا من أهل الكتاب . . من المسلمين . . عندما تتفرق قلوب المسملمين , فمال‬
‫يعودون يمثلون حقيقة المؤمنين التي عرضتها اآلية في المقطع الساَق في هذه السورة . فأما في غيمر همذه‬
‫الحالة فالمنافقون أضعف وأعجز , وهم والذين كفروا من أهل الكتاب متفرقو األهواء والمِمالح والقلموب‬
                                                            ‫(َأسهم َينهم شديد). .( تحسَهم جميعا وقلوَهم شتى). .‬
‫والقرآن يقر هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين , ليهون فيها من شأن أعدائهم ; ويرفع منها هيَة هؤالء األعمداء‬
‫ورهَتهم . فهو إيحاء قائم على حقيقة ; وتعَئة روحية ترتكن إلى حق ثاَت . ومتى أخذ المسملمون قمرآنهم‬
‫مأخذ الجد هان عليهم أمر عدوهم وعدو اهلل , وتجمعت قلوَهم في الِف الواحد , فلم تقف لهم قوة في الحياة‬
                                                                                                                        ‫.‬

‫والمؤمنون َاهلل ينَغي لهم أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم . فهذا نِف المعركة . والقرآن يطلعهم على‬
‫هذه الحقيقة في سياق وِفه لحادث وقع , وفي سياق التعقيب عليه , وشرح ما وراءه من حقائق ودالئمل ,‬
‫شرحا يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث َعينه , ويتدَره كل من جاء َعدهم , وأراد أن يعرف الحقيقمة ممن‬
                                                                                                        ‫العالم َالحقيقة !‬

‫ولم يكن حادث َني النضير هو األول من نوعه , فقد سَقه حادث َني قينقا الذي تشير إليه اآلية َعد ذلمك‬
                                                                                                                   ‫غالَا:‬

                                               ‫(كمثل الذين من قَلهم قريَا ذاقوا وَال أمرهم ولهم عذاب أليم). .‬

‫ووقعة َني قينقا كانت َعد غزوة َدر وقَل غزوة أحد . وكان َينهم وَين رسول اهلل [ ص ] عهمد . فلمما‬
     ‫انتِر المسلمون على المشركين في َدر كره اليهود ذلك , وحقدوا على المسلمين أن ينالوا هذا االنتِار‬




 ‫َ‬    ‫َ‬      ‫إن ر م َ ِن خ ُ الل َ ر َّ ْ َم َ‬                      ‫َم َل الش ْ ِ إ ْ َ ِ ن ُ ْ ََم َ َ‬
 ‫ك َث ِ َّيطَان ِذ قَال للْإِنسَا ِ اكْفر فل َّا كَفر قَالَ ِ ِّي َ ِيء ِّنك إ ِّي أَ َاف َّه َب العَمال ِين (61) فكَمان‬
                                                        ‫الن ِ لد ِ ف و َِ َ َز الظ ِم ن‬                  ‫ق َ ُ َّ ُ‬
                                                  ‫عَا ِ َتهمَا أَنهمَا فِي َّار خَاِ َيْن ِيهَا َذلك ج َاء َّال ِي َ( 71 )‬
‫العظيم , وخافوا أن يؤثر هذا على موقفهم في المدينة فيضعف من مركزهم َقدر ما يقوي من مركز المسلمين‬
‫. وَلغ رسول اهلل [ ص ] ما يتهامسون َه وما يفكرون فيه من الشر , فذكرهم العهد وحذرهم مغَة هذ االتجاه‬
‫. فردوا ردا غليظا مغيظا فيه تهديد . قالوا:يا محمد . إنك لترى أنا قومك ! ال يغرنك أنك لقيت قوما ال علم‬
                                ‫لهم َالحرب فأَِت منهم فرِة . إنا واهلل لئن حارَناك لتعلمن أنا نحن الناس !‬

‫ثم أخذوا يتحرشون َالمسلمين ; وذكرت الروايات من هذا أن امرأة من العرب قدمت ََضاعة لهما فَاعتهما‬
‫َسوق َني قينقا , وجلست إلى ِائغ َها , فجعلوا يريدونها على كشف وجهها , فأَت , فعمد الِائغ إلمى‬
‫طرف ثوَها فعقده إلى ظهرها , فلما قامت انكشفت سوأتها , فضحكوا َها , فِاحت . فوثمب رجمل ممن‬
‫المسلمين على الِائغ فقتله . وشدت يهود على المسلم فقتلوه فاستِرخ أهل المسملم المسملمين . فغضمب‬
                                                                     ‫المسلمون , فوقع الشر َينهم وَين َني قينقا .‬
‫وحاِرهم رسول اهلل [ ص ] حتى نزلوا على حكمه . فقام رأس المنافقين عَداهلل َن أَي اَن سلول يجمادل‬
‫رسول اهلل عنهم , َاسم ما كان َينهم وَين الخزرج من عهد ! ولكن الحقيقة كانت همي همذه الِملة َمين‬
‫المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ! فرضي رسول اهلل [ ص ] في النهاية أن يجلوا عن المدينة ,‬
                                     ‫وأن يأخذوا معهم أموالهم ومتاعهم - إال السالح - ورحلوا إلى الشام .‬

‫فهذه هي الواقعة التي يشير إليها القرآن ويقيس عليها حال َني النضير وحقيقتهم . . وحال المنافقين مع هؤالء‬
                                                                                              ‫وهؤالء !‬

‫ويضرب للمنافقين الذين أغروا إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب َالمقاومة , فانتهوا َهم إلى تلك النهايمة‬
‫الَائسة . يضرب لهم مثال َحال دائمة . حال الشيطان مع اإلنسان , الذي يستجيب إلغرائه فينتهي وإياه إلمى‬
                                                                                           ‫شر مِير:‬

‫(كمثل الشيطان إذ قال لإلنسان:اكفر . فلما كفر قال:إني َريء منك إني أخماف اهلل رب العمالمين . فكمان‬
                                           ‫عاقَتهما أنهما في النار خالدين فيها , وذلك جزاء الظالمين). .‬

‫وِورة الشيطان هنا ودوره مع من يستجيب له من َني اإلنسان , تتفقان مع طَيعته ومهمته . فأعجب العجب‬
                                                          ‫أن يستمع إليه اإلنسان . وحاله هو هذا الحال !‬

‫وهي حقيقة دائمة ينتقل السياق القرآني إليها من تلك الواقعة العارضة . فيرَط َين الحادث المفرد والحقيقمة‬
‫الكلية , في مجال حي من الواقع ; وال ينعزل َالحقائق المجردة في الذهن . فالحقائق المجردة الَاردة ال تؤثر‬
‫في المشاعر , وال تستجيش القلوب لالستجاَة . وهذا فرق ما َين منهج القرآن في خطاب القلوب , وممنهج‬
                                                                         ‫الفالسفة والدارسين والَاحثين !‬

‫وَهذا المثل الموحي تنتهي قِة َني النضير . وقد ضمت في ثناياها وفي أعقاَها هذا الحشد ممن الِمور‬
‫والحقائق والتوجيهات . واتِلت أحداثها المحلية الواقعة َالحقائق الكَرى المجردة الدائمة . وكانت رحلة في‬
‫عالم الواقع وفي عالم الضمير , تمتد إلى أَعد من حدود الحادث ذاته , وتفترق روايتها في كتماب اهلل عمن‬
                        ‫روايتها في كتب الَشر َمقدار ما َين ِنع اهلل وِنع الَشر من فوارق ال تقاس !!‬

‫الدرس السادس:81 - 12 الدعوة إلى التقوى والتحذير من النسيان وعدم استواء أِحاب النمار وأِمحاب‬
                                                                                                  ‫الجنة‬

‫وعند هذا الحد من رواية الحادث والتعقيب عليه ورَطه َالحقائق الَعيدة المدى يتجه الخطاب في السورة إلى‬
‫المؤمنين , يهتف َهم َاسم اإليمان , ويناديهم َالِفة التي ترَطهم َِاحب الخطاب , وتيسر عليهم االستجاَة‬
   ‫َ َك ن‬           ‫ِ َ ْ َل َ‬         ‫م َّم ِ ٍ َاتق الل َ إ َّ الل َ‬            ‫ُّ الذ َ من اتق الل َ َ ُ ْ‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا َّ ُوا َّه ولْتَنظر نَفْس َّا قَد َتْ لغَد و َّ ُوا َّه ِن َّه خََِير َمَا تعمُون (81) ولَا ت ُو ُموا‬
 ‫ب‬         ‫ُ َنة‬             ‫ُ الن ِ َ‬        ‫َ و‬              ‫ق َ‬          ‫َالذ َ َس الل َ س ه ْ ُ َه ْ أ ْ ِك هم‬
 ‫ك َّ ِين ن ُوا َّه فَأَن َا ُم أَنفس ُم ُولَئ َ ُ ُ الْفَاسِ ُون (91) لَا يسْتَ ِي أَِْحَاب َّار وأَِْحَاب الْج َّ ِ أَِْحَا ُ‬
                                                                                                        ‫َن ه ُ ِز َ‬
                                                                                                   ‫الْج َّةِ ُم الْفَائ ُون (12)‬
‫لتوجيهه وتكليفه . يتجه إليهم ليدعوهم إلى التقوى . والنظر فيما أعدوه لآلخرة , واليقظة الدائمة , والحذر من‬
    ‫نسيان اهلل كالذين نسوه من قَل , ممن رأوا مِير فريق منهم , وممن كتب عليهم أنهم من أِحاب النار:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل , ولتنظر نفس ما قدمت لغد , واتقوا اهلل إن اهلل خَير َما تعملون , وال تكونموا‬
‫كالذين نسوا اهلل فأنساهم أنفسهم , أولئك هم الفاسقون . ال يستوي أِحاب النار وأِحاب الجنة . أِمحاب‬
                                                                                                     ‫الجنة هم الفائزون). .‬

‫والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ َظالله , ولكن العَارة ال تَلغ تِوير حقيقتها . حالة تجعل القلب يقظا‬
‫حساسا شاعرا َاهلل في كل حالة . خائفا متحرجا مستحييا أن يطلع عليه اهلل في حالة يكرهها . وعين اهلل على‬
                                                                      ‫كل قلب في كل لحظة . فمتى يأمن أن ال يراه ?!‬

                                                                                           ‫(ولتنظر نفس ما قدمت لغد). .‬

‫وهو تعَير كذلك ذو ظالل وإيحاءات أوسع من ألفاظه . . ومجرد خطوره على القلب يفتح أماممه ِمفحة‬
‫أعماله َل ِفحة حياته , ويمد ََِره في سطورها كلها يتأملها وينظر رِيد حساَه َمفرداته وتفِيالته .‬
‫لينظر ماذا قدم لغده في هذه الِفحة . . وهذا التأمل كفيل َأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضمع نقمص‬
‫ومواضع تقِير , مهما يكن قد أسلف من خير وَذل من جهد . فكيف إذا كان رِيده ممن الخيمر قلميال ,‬
                   ‫ونِيَه من الَر ضئيال ? إنها لمسة ال ينام َعدها القلب أَدا , وال يكف عن النظر والتقليب !‬

                    ‫وال تنتهي اآلية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة َمزيد من اإليقا :‬

                                                                                 ‫(واتقوا اهلل إن اهلل خَير َما تعملون). .‬

                                         ‫فتزيد هذه القلوب حساسية ورهَة واستحياء . . واهلل خَير َما يعملون . .‬

‫وَمناسَة ما تدعوهم إليه هذه اآلية من يقظة وتذكر يحذرهم في اآلية التالية . من أن يكونوا (كالذين نسوا اهلل‬
‫فأنساهم أنفسهم). . وهي حالة عجيَة . ولكنها حقيقة . . فالذي ينسى اهلل يهيم في هذه الحياة َال راَطة تشده‬
‫إلى أفق أعلى , وَال هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى . وفي هذا نسيان إلنسمانيته . وهمذه‬
‫الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى , وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فال يدخر لهما زادا للحيماة‬
                                                        ‫الطويلة الَاقية , وال ينظر فيما قدم لها في الغداة من رِيد .‬

                                                                        ‫(أولئك هم الفاسقون). . المنحرفون الخارجون .‬

‫وفي اآلية التالية يقرر أن هؤالء هم أِحاب النار , ويشير للمؤمنين ليسلكوا طريقما غيمر طمريقهم وهمم‬
                                                 ‫أِحاب الجنة . وطريق أِحاب الجنة غير طريق أِحاب النار:‬

                                       ‫(ال يستوي أِحاب النار وأِحاب الجنة . أِحاب الجنة هم الفائزون). .‬

‫ال يستويان طَيعة وحاال , وال طريقا وال سلوكا , وال وجهة وال مِيرا . فهما على مفرق طريقين ال يلتقيان‬
‫أَدا في طريق . وال يلتقيان أَدا في سمة . وال يلتقيان أَدا في خطة . وال يلتقيان أَدا في سياسة . وال يلتقيان‬
                                                                                 ‫أَدا في ِف واحد في دنيا وال آخرة . .‬

‫(أِحاب الجنة هم الفائزون). . يثَت مِيرهم ويد مِير أِحاب النار مسكوتا عنه . معروفا . وكأنمه‬
                                                                                                 ‫ضائع ال يعنى َه التعَير !‬




    ‫ر ُه ِلن س َعَّه‬            ‫ا م َد ا م ْ َ ِ الل ِ و ِ ْ َ َ ُ‬                ‫َ هذ ُ َ َ ج ٍ َّ َ ُ‬
 ‫لَوْ أَنزلْنَا َ َا الْقرْآن علَى ََل لرأَيْتَه خَاشِعً ُّتَِ ِّعً ِّن خشْيَة َّه َتلك الْأمْثَال نَضْم َِ َا ل َّما ِ ل َل ُممْ‬
                                                                                                                    ‫ي ف َّر َ‬
                                                                                                               ‫َتَ َك ُون (12)‬
                                                                               ‫الدرس الساَع:12 أثر القرآن على النفوس‬

‫ثم يجيء اإليقا الذي يتخلل القلب ويهزه ; وهو يعرض أثر القرآن في الِخر الجامد لو تنزل عليمه:(لمو‬
‫أنزلنا هذا القرآن على جَل لرأيته خاشعا متِدعا من خشية اهلل . وتلك األمثمال نضمرَها للنماس لعلهمم‬
                                                                                                                    ‫يتفكرون).‬

‫وهي ِورة تمثل حقيقة . فإن لهذا القرآن لثقال وسلطانا وأثرا مزلزال ال يثَت له شيء يتلقاه َحقيقته . ولقمد‬
‫وجد عمر َن الخطاب - رضي اهلل عنه - ما وجد , عندما سمع قارئا يقرأ: والطور , وكتاب مسطور , في‬
‫, والَحر المسجور , إن عذاب رَك لواقع ما له من دافع .‬                     ‫رق منشور , والَيت المعمور , والسقف المرفو‬
                                            ‫. . فارتكن إلى الجدار . ثم عاد إلى َيته يعوده الناس شهرا مما ألم َه !‬
‫واللحظات التي يكون فيها الكيان اإلنساني متفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازا ويرتجمف‬
‫ارتجافا . ويقع فيه من التغيرات والتحوالت ما يمثله في عالم المادة فعل المغنطيس والكهرَاء َاألجسام . أو‬
                                                                                                     ‫أشد .‬

‫واهلل خالق الجَال ومنزل القرآن يقول: (لو أنزلنا هذا القرآن على جَل لرأيته خاشعا متِدعا من خشية اهلل).‬
‫. والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا ال يعَر عنه إال هذا النص القرآني‬
                                                                                          ‫المشع الموحي .‬

                                                           ‫(وتلك األمثال نضرَها للناس لعلهم يتفكرون). .‬

                                                           ‫وهي خليقة َأن توقظ القلوب للتأمل والتفكير . .‬

                                  ‫الدرس الثامن:22 - 42 مجموعة من أسماء اهلل الحسنى وتسَيح الكون له‬

‫وأخيرا تجيء تلك التسَيحة المديدة َأسماء اهلل الحسنى ; وكأنما هي أثر من آثار القرآن في كيان الوجود كله ,‬
‫ينطلق َها لسانه وتتجاوب َها أرجاؤه ; وهذه األسماء واضحة اآلثار في ِميم هذا الوجود وفمي حركتمه‬
                                                          ‫وظواهره , فهو إذ يسَح َها يشهد كذلك َآثارها :‬

                                   ‫(هو اهلل الذي ال إله إال هو , عالم الغيب والشهادة , هو الرحمن الرحيم).‬

‫(هو اهلل الذي ال إله إال هو , الملك القدوس السالم المؤمن المهيمن العزيز الجَار المتكَر . سَحان اهلل عمما‬
                                                                                                ‫يشركون).‬

‫(هو اهلل الخالق الَارئ المِور , له األسماء الحسنى , يسَح له ما في السمماوات واألرض وهمو العزيمز‬
                                                                                                  ‫الحكيم).‬

‫إنها تسَيحة مديدة َهذه الِفات المجيدة . ذات ثالثة مقاطع . يَدأ كل مقطع منها َِفة التوحيد: (هو اهلل الذي‬
                                                                          ‫ال إله إال هو). . أو (هو اهلل). .‬

‫ولكل اسم من هذه األسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ , وأثر في حياة الَشر ملموس . فهي توحي إلى‬
‫القلب َفاعلية هذه األسماء والِفات . فاعلية ذات أثر وعالقة َالناس واألحياء . وليست هي ِفات سلَية أو‬
                                      ‫منعزلة عن كيان هذا الوجود , وأحواله وظواهره المِاحَة لوجوده .‬

‫(هو اهلل الذي ال إله إال هو). . فتتقرر في الضمير وحدانية االعتقاد , ووحدانية العَادة , ووحدانية االتجماه ,‬
‫ووحدانية الفاعلية من مَدأ الخلق إلى منتهاه . ويقوم على هذه الوحدانية منهج كامل في التفكيمر والشمعور‬
‫والسلوك , وارتَاطات الناس َالكون وَسائر األحياء . وارتَاطات الناس َعضهم ََعض على أساس وحدانية‬
                                                                                                                  ‫اإلله .‬

‫(عالم الغيب والشهادة). . فيستقر في الضمير الشعور َعلم اهلل للظاهر والمستور . ومن ثم تستيقظ مراقَة هذا‬
‫الضمير هلل في السر والعالنية ; ويعمل اإلنسان كل ما يعمل َشعور المراقب من اهلل المراقمب هلل , المذي ال‬
   ‫يعيش وحده , ولو كان في خلوة أو مناجاة ! ويتكيف سلوكه َهذا الشعور الذي ال يغفل َعده قلب وال ينام !‬




‫ُ َ َّه َّ ِي َا إلَه إَّا ُو َاِم الغَيْب َالشهَا َ ِ ُ َ َّح َن َّ ِيم (22) ُو َّه َّ ِي َا إلَه إَّا ُم َ المِم ُ‬
‫ه َ الل ُ الذ ل ِ َ ِل ه و ْ َل ك‬           ‫هو الل ُ الذ ل ِ َ ِل ه َ ع ل ُ ْ ِ و َّ دة هو الر ْم ُ الرح ُ‬
                              ‫ُد ُ َّ ُ ْم ْم ُ ْ ُه ْم ُ ْ َ ز ََ ر ْم َ ِّ ُ س َ الل ِ َم ُ ْ ِك َ‬
                         ‫الْق ُّوس السلَام ال ُؤ ِن الم َي ِن العزِي ُ الْج َّا ُ ال ُتكََر َُْحَان َّه ع َّا يشر ُون (32)‬
‫(هو الرحمن الرحيم)فيستقر في الضمير شعور الطمأنينة لرحمة اهلل واالسترواح . ويتعادل الخوف والرجاء ,‬
‫والفز والطمأنينة . فاهلل في تِور المؤمن ال يطارد عَاده ولكن يراقَهم . وال يريد الشر َهم َمل يحمب‬
                                               ‫الهدى , وال يتركهم َال عون وهم يِارعون الشرور واألهواء .‬

‫(هو اهلل الذي ال إله إال هو). . يعيدها في أول التسَيحة التالية , ألنها القاعدة التي تقوم عليها سائر الِفات .‬
                                                                                                                        ‫.‬

‫(الملك). . فيستقر في الضمير أن ال ملك إال اهلل الذي ال إله إال هو . وإذا توحدت الملكية لم يَق للمملموكين‬
‫إال سيد واحد يتوجهون إليه , وال يخدمون غيره . فالرجل ال يخدم سيدين في وقت واحد (ما جعل اهلل لرجل‬
                                                                                                ‫من قلَين في جوفه). .‬

‫(القدوس)وهو اسم يشع القداسة المطلقة والطهارة المطلقة . ويلقي في ضمير المؤمن هذا اإلشعا الطهمور ,‬
               ‫فينظف قلَه هو ويطهره , ليَِح ِالحا لتلقي فيوض الملك القدوس , والتسَيح له والتقديس .‬

‫(السالم). . وهو اسم كذلك يشيع السالم واألمن والطمأنينة في جنَات الوجود , وفي قلب المؤمن تجاه رَه .‬
‫فهو آمن في جواره , سالم في كنفه . وحيال هذا الوجود وأهله من األحياء واألشياء . ويؤوب القلب من هذا‬
             ‫االسم َالسالم والراحة واالطمئنان . وقد هدأت شرته وسكن َلَاله وجنح إلى الموادعة والسالم .‬

‫(المؤمن)واهب األمن وواهب اإليمان . ولفظ هذا االسم يشعر القلب َقيمة اإليمان , حيث يلتقي فيمه َماهلل ,‬
                                ‫ويتِف منه َإحدى ِفات اهلل . ويرتفع إذن إلى الم األعلى َِفة اإليمان .‬
‫(المهيمن). . وهذا َدء ِفحة أخرى في تِور ِفة اهلل - سَحانه - إذ كانت الِفات الساَقة( :القمدوس‬
‫السالم المؤمن)ِفات تتعلق مجردة َذات اهلل . فأما هذه فتتعلق َذات اهلل فاعلة في الكون والنماس . تموحي‬
                                                                                                      ‫َالسلطان والرقاَة .‬

‫وكذلك( :العزيز . الجَار . المتكَر). . فهي ِفات توحي َالقهر والغلَة والجَروت واالستعالء . فال عزيمز‬
‫إال هو . وال جَار إال هو . وال متكَر إال هو . وما يشاركه أحد في ِفاته هذه . وما يتِف َها سواه . فهو‬
                                                                                                  ‫المتفرد َها َال شريك .‬

                                                             ‫ومن ثم يجيء ختام اآلية: (سَحان اهلل عما يشركون). .‬

                                                                           ‫ثم يَدأ المقطع األخير في التسَيحة المديدة .‬

                                                               ‫(هو اهلل). . فهي األلوهية الواحدة . وليس غيره َإله .‬

‫(الخالق). .(الَارئ). . والخلق:التِميم والتقدير . والَرء:التنفيذ واإلخراج , فهما ِفتان متِلتان والفارق‬
                                                                                                   ‫َينهما لطيف دقيق . .‬

‫(المِور). وهي كذلك ِفة مرتَطة َالِفتين قَلها . ومعناها إعطاء المالمح المتميزة والسمات التي تممنح‬
                                                                                          ‫لكل شيء شخِيته الخاِة .‬

‫وتوالي هذه الِفات المتراَطة اللطيفة الفروق , يستجيش القلب لمتاَعة عملية الخلمق واإلنشماء واإليجماد‬
‫واإلخراج مرحلة مرحلة - حسب التِور اإلنساني - فأما في عالم الحقيقة فليست هناك مراحل وال خطوات‬
‫. وما نعرفه عن مدلول هذه الِفات ليس هو حقيقتها المطلقة فهذه ال يعرفها إال اهلل . إنما نحن ندرك شميئا‬
                                                          ‫من آثارها هو الذي نعرفها َه في حدود طاقاتنا الِغيرة !‬

  ‫(له األسماء الحسنى). . الحسنى في ذاتها . َال حاجة إلى استحسان من الخلق وال توقف على استحسانهم .‬




 ‫َّ و ِ و َ ِ ه َ ْ َ ُ َك م‬                          ‫ُ ََح ُ‬          ‫ُ‬        ‫هو الل ُ ِ ُ َ ر ُ ْمِ ِّ ُ ُ َ ْ‬
 ‫ُ َ َّه الْخَالق الْ َا ِئ ال ُ َور لَه الْأسمَاء الْحسْنَى يس ِّ ُ لَه مَا فِي السمَا َات َالْأرْض وَ ُو العزِيز الْح ِمي ُ‬
                                                                                                                       ‫)42(‬
‫والحسنى التي توحي َالحسن للقلوب وتفيضه عليها . وهي األسماء التي يتدَرها المؤمن ليِوغ نفسه وفمق‬
           ‫إيحائها واتجاهها , إذ يعلم أن اهلل يحب له أن يتِف َها . وأن يتدرج في مراقيه وهو يتطلع إليها .‬
‫وخاتمة هذه التسَيحة المديدة َهذه األسماء الحسنى , والسَحة الَعيدة مع مدلوالتها الموحية وفمي فيوضمها‬
                         ‫العجيَة , هي مشهد التسَيح هلل يشيع في جنَات الوجود , وينَعث من كل موجود:‬

                                               ‫يسَح له ما في السماوات واألرض وهو العزيز الحكيم . .‬

‫وهو مشهد يتوقعه القلب َعد ذكر تلك األسماء ; ويشارك فيه مع األشياء واألحياء . . كما يتالقى فيه المطلمع‬
                                                                          ‫والختام . في تناسق والتئام .‬
                                                            ‫سورة الممتحنة‬


 ‫ِّ‬      ‫َتخذ ع ُو وعد َّك ْ ْلي ُ ق ن ِ ْه َ ْم َد ِ و ْ َر ِ ج ك م َ‬                                         ‫ُّ الذ َ من‬
 ‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا لَا ت َّ ِ ُوا َد ِّي َ َ ُو ُم أَوِ َاء تلْ ُو َ إلَي ِم ِال َو َّة َقَد كَف ُوا َمَا َماء ُم ِّمن الْحَمق‬
  ‫ُ ِر ن ِ ْه‬             ‫و ِغ َ‬            ‫ت ْمن ِالله ر ِّك إ ك ت َر ت ِ ا س‬                            ‫ي ْرج ن َّس َِي ك‬
 ‫ُخ ِ ُو َ الر ُولَ وإ َّا ُمْ أَن ُؤ ِ ُوا َ َّ ِ ََ ُمْ ِن ُن ُمْ خ َجْ ُمْ جهَادً فِي ََِيلِي َاَْت َاء مرْضَاتِي تس ُّو َ إلَي ِم‬
  ‫إ ي ف ك َك ن َك د‬                         ‫َل سو الس ل‬                 ‫ْ ت َم ي ْ َ ه م ك‬              ‫ت َ‬               ‫ْم ِ‬           ‫َ ْم َدة َ‬
‫ِال َو َّ ِ وأَنَا أَعلَ ُ َمَا أَخْفَيْ ُمْ ومَا أَعلَن ُمْ و َن َفعلْ ُ ِن ُمْ فَقَدْ ض َّ َ َاء ََِّي ِ (1) ِن َثْقَ ُو ُمْ ي ُو ُوا ل ُمْ أَعْ َاء‬
‫َ َك ْ َ ُك ْ َ ْ ُك ي َ قي م ِ ِ ُ‬                                  ‫وي ْ ُط ِ ْك ْ د َه ْ ََ ْس َه ِالس ء و َد ْ َ ُر َ‬
‫َ ََس ُوا إلَي ُم أَيْ ِي ُم وأل ِنَت ُم َ ُّو ِ َو ُّوا لَو تكْف ُون (2) لَن تَنفع ُم أرْحَام ُم ولَا أَولَاد ُمْ َوْم الْ ِ َا َة يَفِْل‬
                                                                                                                  ‫َك ْ َالل ُ ِ َ ْ َل ن‬
                                                                                                        ‫َيْن ُم و َّه َمَا تعمُو َ َِِير (3)‬

                                                                                                                                          ‫الممتحنة‬

                                                                                                                         ‫تقديم لسورة الممتحنة‬

‫هذه السورة حلقة في سلسلة الترَية اإليمانية والتنظيم االجتماعي والدولة في المجتمع المدني . حلقة من تلمك‬
‫السلسلة الطويلة , أو من ذلك المنهج اإللهي المختار للجماعة المسلمة المختارة , التي نماط َهما اهلل تحقيمق‬
 ‫منهجه الذي يريده للحياة اإلنسانية , في ِورة واقعية عملية , كيما يستقر في األرض نظاما ذا معالم وحدود‬
‫وشخِية مميزة ; تَلغ إليه الَشرية أحيانا , وتقِر عنه أحيانا , ولكنها تَقى معلقة دائما َمحاولة َلوغمه ;‬
                                                             ‫وتَقى أمامها ِورة واقعية منه , تحققت يوما في هذه األرض .‬

‫وقد اقتضى هذا - كما قلنا في أول هذا الجزء - إعدادا طويال في خطوات ومراحل . وكانت األحداث التمي‬
‫تقع في محيط هذه الجماعة , أو تتعلق َها , مادة من مواد هذا اإلعداد . مادة مقدرة في علم اهلل , تقوم عليها‬
                                                                          ‫مادة أخرى هي التفسير والتوضيح والتعقيب والتوجيه .‬

‫وفي مضطرب األحداث , وفي تيار الحياة المتدفق , تمت عملية َناء النفوس المختارة لتحقيق ذلمك الممنهج‬
‫اإللهي في األرض . فلم تكن هناك عزلة إال العزلة َالتِور اإليماني الجديد , وعدم خلطه َأية رقع غريَمة‬
 ‫عنه في أثناء التكوين النفسي لهذه الجماعة . وكانت الترَية المستمرة متجهة دائما إلى إنشاء همذا التِمور‬
‫اإليمانيالخاص المميز , المنعزل َحقيقته وطَيعته عن التِورات السائدة في العالم كله يومذاك , وفي الجزيرة‬
‫العرَية َِفة خاِة . أما الناس الذين ينشأ هذا التِور المتميز في نفوسهم فلم يكونوا َمعزل عمن واقمع‬
 ‫الحياة ومضطرب األحداث , َل كانوا يِهرون في َوتقة الحوادث يوما َعد يوم , ومرة َعد مرة , ويعماد‬
‫ِهرهم في األمر الواحد والخلق الواحد مرات كثيرة , وتحت مؤثرات متنوعة ; ألن اهلل الذي خلمق همذه‬
‫النفوس يعلم أنها ليست كلها مما يتأثر ويستجيب ويتكيف ويستقر على ما تكيف َه منذ اللمسة األولى . وكان‬
‫يعلم أن رواسب الماضي , وجواذب الميول الطَيعية , والضعف الَشري , ومالمسات الواقع , وتحكم اإللف‬
 ‫والعادة , كلها قد تكون معوقات قوية تغلب عوامل الترَية والتوجيه مرة َعد مرة . وتحتاج في مقاومتها إلى‬
‫التذكير المتكرر , والِهر المتوالي . . فكانت األحداث تتوالى كما هي منسموقة فمي قمدر اهلل , وتتموالى‬
                                  ‫الموعظة َها . والتحذير على ضوئها , والتوجيه َهديها , مرة َعد مرة .‬

‫وكان رسول اهلل [ ص ] يقوم في يقظة دائمة وإلهام َِير , َالتقاط األحداث والوقائع والمناسَات فمي كمل‬
‫فرِة , واستخدامها َحكمة َالغة في َناء هذه النفوس . والوحي واإللهام يؤيدانه ويسمددانه [ ص ] حتمى‬
                            ‫تِنع تلك الجماعة المختارة على عين اهلل . َتوفيق اهلل . على يدي رسول اهلل .‬

‫هذه السورة حلقة في سلسلة ذلك اإلعداد الطويل , تستهدف - مع غيرها مما جاء في مثل موضوعها - إقامة‬
‫عالم رَاني خالص في ضمير المسلم . عالم محوره اإليمان َاهلل وحده , يشد المسلمين إلى هذا المحور وحده‬
‫, َعروة واحدة ال انفِام لها ; ويَرئ نفوسهم من كل عَِية أخرى . عَِية للقوم أو للجنس أو ل رض أو‬
‫للعشيرة أو للقراَة . ليجعل في مكانها جميعا عقدة واحدة . هي عقدة اإليمان َاهلل . والوقوف تحت راية اهلل .‬
                                                                                         ‫في حزب اهلل .‬

‫إن العالم الذي يريده اإلسالم عالم رَاني إنساني . رَاني َمعنى أنه يستمد كل مقوماته من توجيه اهلل وحكمه ,‬
‫ويتجه إلى اهلل َكل شعوره وعمله . وإنساني َمعنى أنه يشمل الجنس اإلنساني كله - في رحماب العقيمدة -‬
‫وتذوب فيه فواِل الجنس والوطن واللغة والنسب . وسائر ما يميز إنسانا عن إنسان , عدا عقيدة اإليممان .‬
     ‫وهذا هو العالم الرفيع الالئق أن يعيش فيه اإلنسان الكريم على اهلل , المتضمن كيانه نفحة من روح اهلل .‬

‫ودون إقامة هذا العالم تقف عقَات كثيرة - كانت في الَيئة العرَية وما تزال في العالم كله إلى اليوم - عقَات‬
‫من التعِب للَيت , والتعِب للعشيرة , والتعِب للقوم , والتعِب للجنس , والتعِب ل رض . كما تقف‬
‫عقَات أخرى من رغائب النفوس وأهواء القلوب , من الحرص والشح وحب الخير للذات , وممن الكَريماء‬
                                    ‫الذاتية وااللتواءات النفسية . . وألوان غيرها كثير من ذوات الِدور !‬

‫وكان على اإلسالم أن يعالج هذا كله في الجماعة التي يعدها لتحقيق منهج اهلل في األرض في ِورة عمليمة‬
                                         ‫واقعة . وكانت هذه الِورة حلقة في سلسلة هذا العالج الطويل .‬

‫وكان َعض المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم في سَيل عقيدتهم , ما تزال نفوسهم مشدودة إلى‬
‫َعض من خلفوا هنالك من ذرية وأزواج وذوي قرَى . وعلى الرغم من كل ما ذاقوا من العنت واألذى فمي‬
‫قريش فقد ظلت َعض النفوس تود لو وقعت َينهم وَين أهل مكة المحاسنة والمودة ; وأن لمو انتهمت همذه‬
              ‫الخِومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قراَتهم , وتقطع ما َينهم وَينهم من ِالت !‬

‫وكان اهلل يريد استِفاء هذه النفوس واستخالِها من كل هذه الوشائج , وتجريدها لدينه وعقيدتمه ومنهجمه‬
‫.وهو - سَحانه - يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من الميول الطَيعية ورواسب الجاهلية جميعا - وكان العرب‬
‫َطَيعتهم أشد الناس احتفاال َعَِية القَيلة والعشيرة والَيت - فكان يأخذهم يوما َعد يوم َعالجه الناجع الَالغ‬
   ‫, َاألحداث وَالتعقيب على األحداث , ليكون العالج على مسرح الحوادث وليكون الطرق والحديد ساخن !‬

‫وتذكر الروايات حادثا معينا نزل فيه ِدر هذه السورة . وقد تكون هذه الروايات ِحيحة في سَب النمزول‬
                                  ‫المَاشر . ولكن مدى النِوص القرآنية دائما أَعد من الحوادث المَاشرة .‬

‫وقد قيل في هذا الحادث:إن حاطب َن أَي َلتعة كان رجال من المهاجرين . وكان من أهل َدر أيضا . وكان‬
‫له َمكة أوالد ومال , ولم يكن من قريش أنفسهم َل كان حليفا لعثمان . فلما عزم رسول اهلل [ ص ] على فتح‬
‫مكة لما نقض أهلها عهد الحديَية أمر المسلمين َالتجهيز لغزوهم , وقال:" اللهم عم عليهم خَرنا " . . وأخَر‬
‫رسول اهلل [ ص ] جماعة من أِحاَه َوجهته , كان منهم حاطب . فعمد حاطب فكتب كتاَا وَعثه مع امرأة‬
‫مشركة - قيل من مزينة - جاءت المدينة تسترفد - إلى أهل مكة يعلمهم َعزم رسول اهلل [ ص ] على غزوهم‬
‫, ليتخذ َذلك عندهم يدا . فأطلع اهلل - تعالى - رسوله على ذلك استجاَة لدعائه . وإمضاء لقدره في فتح مكة‬
                                                                ‫. فَعث في أثر المرأة , فأخذ الكتاب منها .‬

‫وقد روى الَخاري في المغازي , ورواه مسلم في ِحيحه من حديث حِين َن عَدالرحمن , عن سعد اَمن‬
‫عَيدة عن أَي عَدالرحمن السلمي , عن علي - رضي اهلل عنه - قال:"َعثني رسول اهلل [ ص ] وأَا مرثمد‬
‫والزَير َن العوام - وكلنا فارس - وقال:" انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ , فإن َها امرأة ممن المشمركين‬
‫معها كتاب من حاطب َن أَي َلتعة إلى المشركين . " فأدركناها تسير على َعير لها حيث قال رسمول اهلل [‬
‫ص ] فقلنا:الكتاب ? فقالت ما معي كتاب . فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاَا . فقلنا:ما كذب رسمول اهلل [ ص ]‬
‫لتخرجن الكتاب أو لنجردنك . فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها , وهي محتجزة َكساء , فأخرجته . فانطلقنا‬
‫َه إلى رسول اهلل [ ص ] فقال عمر:يا رسول اهلل . قد خان اهلل ورسوله والمؤمنين , فدعني ف ضرَن عنقه .‬
‫فقال النَي [ ص ]:" ما حملك على ما ِنعت ? " قال حاطب:واهلل ما َي إال أن أكون مؤمنا َاهلل ورسوله [‬
‫ص ] أردت أن تكون لي عند القوم يد . يدفع اهلل َها عن أهلي ومالي , وليس أحد من أِحاَك إال له هنماك‬
‫من عشيرته من يدفع اهلل َه عن أهله وماله . فقال:" ِدق ال تقولوا إال خيرا " . فقال عمر:إنه قد خمان اهلل‬
‫ورسوله والمؤمنين , فدعني ف ضرب عنقه . فقال:" أليس من أهل َدر - ? فقال -:لعل اهلل اطلع إلمى أهمل‬
‫َدر فقال:اعملوا ما شئتم فقد وجَت لكم الجنة - أو - قد غفرت لكم " فدمعت عينا عمر , وقال:اهلل ورسموله‬
‫أعلم . . وزاد الَخاري في كتاب المغازي:فأنزل اهلل السورة: (يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا عدوي وعمدوكم‬
           ‫أولياء تلقون إليهم َالمودة). . وفي رواية أخرى أن الذين أرسلوا كانوا هم علي والزَير والمقداد .‬

‫ولوقوف قليال أمام هذا الحادث وما دار َشأنه ال يخرج َنا عن " ظالل القمرآن" والترَيمة َمه وَاألحمداث‬
                              ‫والتوجيهات والتعقيَات عن طريق رسول اهلل [ ص ] القائد المرَي العظيم . .‬
‫وأول ما يقف اإلنسان أمامه هو فعلة حاطب , وهو المسلم المهاجر , وهو أحد الذين أطلعهم رسول اهلل [ ص‬
‫] على سر الحملة . . وفيها ما يكشف عن منحنيات النفس الَشرية العجيَة , وتعرض هذه المنفس للحظمات‬
 ‫الضعف الَشري مهما َلغ من كمالها وقوتها ; وأن ال عاِم إال اهلل من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها .‬

‫ثم يقف اإلنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول [ ص ] وهو ال يعجل حتى يسأل:" ما حملك على ما ِنعت "‬
‫في سعة ِدر وعطف على لحظة الضعف الطارئة في نفس ِاحَه , وإدراك ملهم َأن الرجل قد ِمدق ,‬
‫ومن ثم يكف الِحاَة عنه:" ِدق ال تقولوا إال خيرا " . . ليعينه وينهضه من عثرته , فال يطارده َهما وال‬
‫يد أحدا يطارده . َينما نجد اإليمان الجاد الحاسم الجازم في شدة عمر:"إنه قد خان اهلل ورسوله والمؤمنين .‬
‫فدعني ف ضرب عنقه" . . فعمر - رضي اهلل عنه - إنما ينظر إلى العثرة ذاتها فيثور لهما حسمه الحاسمم‬
‫وإيمانه الجازم . أما رسول اهلل [ ص ] فينظر إليها من خالل إدراكه الواسع الشامل للمنفس الَشمرية علمى‬
‫حقيقتها , ومن كل جوانَها , مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية . في موقف المرَي الكمريم‬
                                                ‫العطوف المتأني الناظر إلى جميع المالَسات والظروف . .‬

‫ثم يقف اإلنسان أمام كلمات حاطب , وهو في لحظة ضعفه , ولكن تِوره لقدر اهلل ول سَاب األرضية همو‬
‫التِور اإليماني الِحيح . . ذلك حين يقول:"أردت أن تكون لي عند القوم يد . . يدفع اهلل َها عمن أهلمي‬
‫ومالي" . . فاهلل هو الذي يدفع , وهذه اليد ال تدفع َنفسها , إنما يدفع اهلل َها . ويؤكد هذا التِور فمي َقيمة‬
‫حديثه وهو يقول:"وليس أحد من أِحاَك إال له هناك من عشيرته من يدفع . . اهلل . . َه عن أهله ومالمه"‬
                  ‫فهو اهلل حاضر في تِوره , وهو الذي يدفع ال العشيرة . إنما العشيرة أداة يدفع اهلل َها . .‬

‫ولعل حس رسول اهلل الملهم قد راعى هذا التِور الِحيح الحي في قول الرجل , فكان هذا من أسَاب قوله‬
                                                                 ‫[ ص ]:" ِدق . ال تقولوا إال خيرا " . .‬

‫وأخيرا يقف اإلنسان أمام تقدير اهلل في الحادث ; وهو أن يكون حاطب من القلة التي يعهد إليها رسمول اهلل [‬
‫ص ] َسر الحملة . وأن تدركه لحظة الضعف الَشري وهو من القلة المختارة . ثم يجمري قمدر اهلل َكمف‬
‫ضرر هذه اللحظة عن المسلمين . كأنما القِد هو كشفها فقط وعالجها ! ثم ال يكون من اآلخرين الذين لمم‬
‫يعهد إليهم َالسر اعتراض على ما وقع , وال تنفج َالقول:ها هو ذا أحد من استودعوا السر خمانوه , ولمو‬
‫أودعناه نحن ما َحنا َه ! فلم يرد من هذا شيء . مما يدل على أدب المسلمين مع قيادتهم , وتواضعهم فمي‬
                                                          ‫الظن َأنفسهم , واعتَارهم َما حدث ألخيهم . . .‬

‫والحادث متواتر الرواية . أما نزول هذه اآليات فيه فهو أحد روايات الَخاري . وال نستَعد ِحة هذه الرواية‬
‫; ولكن مضمون النص القرآني - كما قلنا - أَعد مدى , وأدل على أنه كان يعالج حالة نفسمية أوسمع ممن‬
                 ‫حادث حاطب الذي تواترت َه الروايات , َمناسَة وقو هذا الحادث , على طريقة القرآن .‬
‫كان يعالج مشكلة األواِر القريَة , والعَِيات الِغيرة , وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة ليخرج‬
                                                   ‫َها من هذا الضيق المحلي إلى األفق العالمي اإلنساني .‬

‫وكان ينشيء في هذه النفوس ِورة جديدة , وقيما جديدة , وموازين جديدة , وفكرة جديدة عن الكون والحياة‬
                                        ‫واإلنسان , ووظيفة المؤمنين في األرض , وغاية الوجود اإلنساني .‬

‫وكان كأنما يجمع هذه النَتات الِغيرة الجديدة في كنف اهلل ; ليعلمهم اهلل ويَِرهم َحقيقة وجودهم وغايته ,‬
‫وليفتح أعينهم على ما يحيط َهم من عداوات ومكر وكيد , وليشعرهم أنهم رجاله وحزَه , وأنه يريد َهم أمرا‬
‫, ويحقق َهم قدرا . ومن ثم فهم يوسمون َسمته ويحملون شارته , ويعرفون َهذه الشارة وتلك السممة َمين‬
 ‫األقوام جميعا . في الدنيا واآلخرة . وإذن فليكونوا خالِين له , منقطعين لواليته , متجردين من كل وشيجة‬
                                                          ‫غير وشيجته . في عالم الشعور وعالم السلوك .‬

‫والسورة كلها في هذا االتجاه . حتى اآليات التشريعية التنظيمية الواردة في آخرها عن معاملمة المهماجرات‬
 ‫المؤمنات , ومَايعة من يدخلن في اإلسالم , والفِل َين المؤمنات وأزواجهن من الكفار . وَين الممؤمنين‬
                                    ‫وزوجاتهم من الكوافر . . فكلها تنظيمات منَثقة من ذلك التوجيه العام .‬

‫ثم ختام السورة كما َدأت َالنهي عن مواالة أعداء اهلل , ممن غضب عليهم اهلل , سواء من المشركين أو ممن‬
‫اليهود . ليتم التمييز واالنفراد والمفاِلة من جميع الوشائج والرواَط غير راَطة العقيمدة وغيمر وشميجة‬
                                                                                              ‫اإليمان . .‬

                                       ‫الدرس األول 1 - 2 النهي عن مواالة الكفار والتهييج على معاداتهم‬

‫(يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم َالمودة , وقد كفروا َما جاءكم من الحمق ,‬
‫يخرجون الرسول وإياكم , أن تؤمنوا َاهلل رَكم . إن كنتم خرجتم جهادا في سَيلي واَتغاء مرضاتي تسرون‬
‫إليهم َالمودة وأنا أعلم َما أخفيتم وما أعلنتم ; ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السَيل . إن يثقفوكم يكونوا لكم‬
                                      ‫أعداء , ويَسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم َالسوء , وودوا لو تكفرون). .‬

‫تَدأ السورة َذلك النداء الودود الموحي: يا أيها الذين آمنوا . . نداء من رَهم الذي آمنوا َه , يدعوهم َاسمم‬
‫اإليمان الذي ينسَهم إليه . يدعوهم ليَِرهم َحقائق موقفهم , ويحذرهم حَائل أعدائهم , ويذكرهم َالمهممة‬
                                                                                     ‫الملقاة على عاتقهم .‬

                                                           ‫وفي مودة يجعل عدوهم عدوه , وعدوه عدوهم:‬

                                                  ‫(ال تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم َالمودة). .‬
‫فيشعر المؤمنين َأنهم منه وإليه . يعاديهم من يعاديه . فهم رجاله المنتسَون إليه الذين يحملون شارته في هذه‬
                          ‫األرض , وهم أوداؤه وأحَاؤه . فال يجوز أن يلقوا َالمودة إلى أعدائهم وأعدائه .‬

  ‫ويذكرهم َجريرة هؤالء األعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم , وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم:‬

                      ‫(وقد كفروا َما جاءكم من الحق . يخرجون الرسول وإياكم . أن تؤمنوا َاهلل رَكم). .‬

‫فماذا أَقوا َعد هذه الجرائر الظالمة للمواالة والمودة ? كفروا َالحق . وأخرجوا الرسول والمؤمنين , ال لشيء‬
‫إال ألنهم آمنوا َاهلل رَهم ? إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتَطة َعقيدتهم . وهي التي حارَهم‬
‫المشركون من أجلها , ال من أجل أي سَب آخر . ويَرز القضية التي عليها الخالف والخِومة والحمرب .‬
‫فهي قضية العقيدة دون سواها . قضية الحق الذي كفروا َه والرسول الذي أخرجوه , واإليمان الذي من أجله‬
                                                                                             ‫أخرجوهم .‬

‫وإذا تمحضت القضية هكذا وَرزت , ذكرهم َأنه ال محل إذن للمودة َينهم وَين المشمركين إن كمانوا قمد‬
                                                 ‫خرجوا من ديارهم اَتغاء رضوان اهلل وجهادا في سَيله:‬

                                                    ‫إن كنتم خرجتم جهادا في سَيلي وإَتغاء مرضاتي . .‬

‫فما يجتمع في قلب واحد أن يهاجر جهادا في سَيل اهلل اَتغاء مرضاة اهلل , مع مودة لمن أخرجه ممن أجمل‬
                                                            ‫إيمانه َاهلل , وهو عدو اهلل وعدو رسول اهلل !‬

‫ثم يحذرهم تحذيرا خفيا مما تكن قلوَهم , وما يسرون َه إلى أعدائهم وأعداء اهلل من المودة , وهو مطلع على‬
                            ‫خفية القلوب وعالنيتها: (تسرون إليهم َالمودة وأنا أعلم َما أخفيتم وما أعلنتم).‬

                                          ‫ثم يهددهم تهديدا مخيفا , يثير في القلب المؤمن الوجل والمخافة:‬

                                                               ‫(ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السَيل). .‬

                         ‫وهل يخيف المؤمن شيء ما يخيفه أن يضل سواء السَيل َعد الهداية والوِول ?!‬

‫وهذا التهديد وذلك التحذير يتوسطان تَِير المؤمنين َحقيقة أعدائهم وما يضمرون لهم من الشر والكيد . ثم‬
                                                                                            ‫تجيء الَقية:‬

                                   ‫(إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويَسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم َالسوء). .‬
‫فال تعرض لهم فرِة يتمكنون فيها من المسلمين حتى يتِرفوا معهم تِرف العدو األِيل . ويوقعوا َهم‬
                                ‫ما يملكون من أذى ومن تنكيل َاأليدي وَاأللسنة وَكل وسيلة وكل سَيل .‬

                                                                    ‫واألدهى من هذا كله واألشد واألنكى:‬

                                                                                  ‫(وودوا لو تكفرون). .‬

‫وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يِيَه َاليد أو اللسان . فالذي يود له أن يخسر هذا الكنمز‬
                    ‫العزيز . كنز اإليمان . ويرتد إلى الكفر , هو أعدى من كل عدو يؤذيه َاليد وَاللسان !‬

‫والذي يذوق حالوة اإليمان َعد الكفر , ويهتدي َنوره َعد الضالل , ويعيش عيشة المؤمن َتِوراته ومداركه‬
‫ومشاعره واستقامة طريقه وطمأنينة قلَه يكره العودة إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار . أو أشد . فعمدو‬
‫اهلل هو الذي يود أن يرجعه إلى جحيم الكفر وقد خرج منه إلى جنة اإليمان , وإلى فراغ الكفر الخاوي َعمد‬
                                                                                  ‫عالم اإليمان المعمور .‬

‫لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يِل إلى قمته َقوله لهم عنهم: (وودوا‬
                                                                                          ‫لو تكفرون). .‬

                                                  ‫الدرس الثاني:3 انقطا الرواَط يوم القيامة إال اإليمانية‬

‫هذه هي الجولة األولى َلمساتها المتعددة . ثم تليها جولة ثانية َلمسة واحدة تعالج مشاعر القراَة ووشمائجها‬
               ‫المتأِلة ; والتي تشتجر في القلوب فتجرها جرا إلى المودة ; وتنسيها تكاليف التميز َالعقيدة:‬

                    ‫(لن تنفعكم أرحامكم وال أوالدكم . يوم القيامة يفِل َينكم . واهلل َما تعملون َِير . .)‬

‫إن المؤمن يعمل ويرجو اآلخرة . يزر هنا وينتظر الحِاد هناك . فلمسة قلَه َما يكون في اآلخمرة ممن‬
‫تقطيع وشائج القرَى كلها إذا تقطعت وشيجة العقيدة , من شأنها أن تهون عنده شأن هذه الوشائج فمي فتمرة‬
              ‫الحياة الدنيا القِيرة ; وتوجهه إلى طلب الوشيجة الدائمة التي ال تنقطع في دنيا وال في آخرة:‬

‫ومن ثم يقول لهم: (لن تنفعكم أرحامكم وال أوالدكم). . التي تهفون إليها وتتعلق قلوَكم َها ; وتضطركم إلى‬
‫موادة أعداء اهلل وأعدائكم وقاية لها - كما حدث لحاطب في حرِه على أوالده وأموالمه - وكمما تجميش‬
‫خواطر آخرين غيره حول أرحامهم وأوالدهم الذين خلفوهم في دار الهجرة . لن تنفعكم أرحامكم وال أوالدكم‬
‫. ذلك أنه (يوم القيامة يفِل َينكم . .)ألن العروة التي ترَطكم مقطوعة . وهي العروة التي ال رَاط َغيرها‬
                                                                                               ‫عند اهلل .‬
                                       ‫(واهلل َما تعملون َِير). . مطلع على العمل الظاهر والنية وراءه في الضمير‬




     ‫ْ ِه ْ ِن ُر م ك ْ َ ِم َ َد َ م د ن الله َ‬                     ‫ْ َك ْ ُ و ٌ َس ٌ ف إ ه َ َالذ َ َ ُ إ ل‬
‫قَدْ كَانَت ل ُم أسْ َة ح َنَة ِي َِْرَا ِيم و َّ ِين معَه ِذْ قَاُوا لِقَوم ِم إ َّا َ َاء ِن ُم وم َّا تعْ ُ ُون ِن ُو ِ َّ ِ كَفرْنَا‬
  ‫َ َم‬     ‫و َك ُ ْعد وة و ض َ ً َت ت ْمن ِالل ِ و د ُ ِل ْ إ ْر ه م َ ِ َ َ ِر َّ‬                                                    ‫ِك ْ و د‬
‫َ ُم ََ َا َيْنَنَا َ َيْن ُم ال َ َا َ ُ َالَْغْ َاء أَ َدا ح َّى ُؤ ِ ُوا َ َّه َحْ َه إَّا قَولَ َِ َا ِي َ لِأَ ِيه لَأسْتغْف َن لَمك و َما‬
                                                  ‫َِ ْك ْم ر‬                  ‫ْ ٍ ََّ َ ْ َ و َّ َِ ْ َ‬             ‫َ ِْ ُ َ َ م َ الله م‬
                                             ‫أملك لك ِن َّ ِ ِن شَيء ر َّنَا علَيك تَ َكلْنَا وإلَيك أَنََْنَا وإلَي َ ال َِِي ُ( 4 )‬
                                              ‫الدرس الثالث:4 - 6 الدعوة لإلقتداء َإَراهيم ومن معه في الوالء والَراء‬

‫ثم تأتي الجولة الثالثة فتِل المسلمين َأول هذه األمة الواحدة:أمة التوحيد . وهذه القافلة الواحدة:قافلة اإليمان‬
‫. فإذا هي ممتدة في الزمان , متميزة َاإليمان , متَرئة من كل وشيجة تنافي وشيجة العقيدة . . إنهما األممة‬
 ‫الممتدة منذ إَراهيم . أَيهم األول وِاحب الحنيفية األولى . وفيه أسوة ال في العقيدة وحدها , َل كذلك فمي‬
‫السيرة , وفي التجارب التي عاناها مع عاطفة القراَة ووشائجها ; ثم خلص منها هو ومن آمن معه , وتجمرد‬
                                                                                                                           ‫لعقيدته وحدها:‬

‫(قد كانت لكم أسوة حسنة في إَراهيم والذين معه ; إذ قالوا لقومهم:إنا َرآء منكم , ومما تعَدون من دون اهلل ,‬
‫كفرنا َكم , وَدا َيننا وَينكم العداوة والَغضاء أَدا حتى تؤمنوا َاهلل وحده . إال قول إَراهيم ألَيه , ألستغفرن‬
 ‫لك , وما أملك لك من اهلل من شيء . رَنا عليك توكلنا , وإليك أنَنا , وإليك المِير . رَنا ال تجعلنا فتنمة‬
‫للذين كفروا , واغفر لنا رَنا , إنك أنت العزيز الحكيم . . لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجمو اهلل‬
                                                                       ‫واليوم اآلخر . ومن يتول فإن اهلل هو الغني الحميد). .‬

‫وينظر المسلم فإذا له نسب عريق , وماض طويل , وأسوة ممتدة على آماد الزمان . وإذا همو راجمع إلمى‬
‫إَراهيم , ال في عقيدته فحسب , َل في تجارَه التي عاناها كذلك . فيشعر أن له رِيدا من التجارب أكَمر‬
‫من رِيده الشخِي وأكَر من رِيد جيله الذي يعيش فيه . إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزممان ممن‬
‫المؤمنين َدين اهلل , الواقفين تحت راية اهلل , قد مرت َمثل ما يمر َه , وقد انتهت في تجرَتها إلمى قمرار‬
 ‫اتخذته . فليس األمر جديدا وال مَتدعا وال تكليفا يشق على المؤمنين . . ثم إن له ألمة طويلة عريضة يلتقي‬
‫معها في العقيدة ويرجع إليها , إذا انَتت الرواَط َينه وَين أعداء عقيدته . فهو فر من شجرة ضخمة َاسقة‬
               ‫عميقة الجذور كثيرة الفرو وارفة الظالل . . الشجرة التي غرسها أول المسلمين . . إَراهيم . .‬

‫مر إَراهيم والذين معه َالتجرَة التي يعانيها المسلمون المهاجرون . وفيهم أسوة حسنة( :إذ قالوا لقومهم:إنما‬
‫َرآء منكم ومما تعَدون من دون اهلل , كفرنا َكم , وَدا َيننا وَينكم العداوة والَغضاء أَدا حتى تؤمنوا َماهلل‬
                                                                                                                                   ‫وحده). .‬
‫فهي الَراءة من القوم ومعَوداتهم وعَاداتهم . وهو الكفر َهم واإليمان َاهلل . وهي العداوة والَغضاء ال تنقطع‬
‫حتى يؤمن القوم َاهلل وحده . وهي المفاِلة الحاسمة الجازمة التي ال تستَقي شيئا من الوشائج واألواِر َعد‬
‫انقطا وشيجة العقيدة وآِرة اإليمان . وفي هذا فِل الخطاب في مثل هذه التجرَة التي يمر َها المؤمن في‬
                                ‫أي جيل . وفي قرار إَراهيم والذين معه أسوة لخلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين .‬

‫ولقد كان َعض المسلمين يجد في استغفار إَراهيم ألَيه - وهو مشرك - ثغرة تنفذ منها عواطفهم الحَيسمة‬
‫ومشاعرهم الموِولة َذوي قرَاهم من المشركين . فجاء القرآن ليشرح لهم حقيقة موقف إَراهيم في قولمه‬
                                                                                                            ‫ألَيه: (ألستغفرن لك). .‬

‫فلقد قال هذا قَل أن يستيقن من إِرار أَيه على الشرك . قاله وهو يرجو إيمانه ويتوقعه( :فلما تَين له أنمه‬
                                                                              ‫عدو هلل تَرأ منه). . كما جاء في سورة أخرى .‬

           ‫ويثَت هنا أن إَراهيم فوض األمر كله هلل , وتوجه إليه َالتوكل واإلناَة والرجو إليه على كل حال:‬

                                    ‫(وما أملك لك من اهلل من شيء . رَنا عليك توكلنا وإليك أنَنا وإليك المِير). .‬

‫وهذا التسليم المطلق هلل , هو السمة اإليمانية الواضحة في إَراهيم يَرزها هنا ليوجمه إليهما قلموب أَنائمه‬
‫المسلمين . كحلقة من حلقات الترَية والتوجيه َالقِص والتعقيب عليه , وإَراز ما في ثنايماه ممن مالممح‬
                                                                                                                    ‫وسمات وتوجيهات‬




  ‫ْ َ َك ْ ف ه ْ ُ وة َس ة ِم‬                   ‫ْ َ ف ً ِّلذ َ َر و ِ ْ ن ََ إ َّك َ ْ َ ُ َك ُ‬                                         ‫ََ‬
‫ر َّنَا لَا تَجعلْنَا ِتْنَة لَّ ِين كَف ُوا َاغْفر لَ َا ر َّنَا ِن َ أَنت العزِيز الْح ِيم (5) لَقَد كَان ل ُم ِي ِم أسْ َ ٌ ح َنَ ٌ ل َمن‬
                                                        ‫َ َ ج الل َ و ي َ ِ َ َم ي َل ِن الل ه َ ْ ُّ َم ُ‬
                                                    ‫كَان يرْ ُو َّه َالْ َوْم الْآخر و َن َتَو َّ فَإ َّ َّهَ ُو الغَنِي الْح ِيد (6)‬
                                                                                                        ‫على طريقة القرآن الكريم .‬

                                                                  ‫ويستطرد لهذا في إثَات َقية دعاء إَراهيم ونجواه لمواله:‬

                                                                                              ‫(رَنا ال تجعلنا فتنة للذين كفروا). .‬

‫فال تسلطهم علينا . فيكون في ذلك فتنة لهم , إذ يقولون:لو كان اإليمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم‬
‫! وهي الشَهة التي كثيرا ما تحيك في الِدور , حين يتمكن الَاطل من الحق , ويتسلط الطغاة علمى أهمل‬
‫اإليمان - لحكمة يعلمها اهلل - في فترة من الفترات . والمؤمن يَِر لالَتالء , ولكن هذا ال يمنعه أن يمدعو‬
                                                         ‫اهلل أال يِيَه الَالء الذي يجعله فتنة وشَهة تحيك في الِدور .‬
                                                                                          ‫وَقية الدعاء:‬

                                                                                         ‫(واغفر لنا). .‬

‫يقولها إَراهيم خليل الرحمن . إدراكا منه لمستوى العَادة التي يستحقها منه رَه , وعجزه ََشريته عن َلوغ‬
‫المستوى الذي يكافئ َه نعم اهلل وآالءه , ويمجد جالله وكَرياءه فيطلب المغفرة من رَه , ليكون في شمعوره‬
                                                               ‫وفي طلَه أسوة لمن معه ولمن يأتي َعده .‬

                                    ‫ويختم دعاءه وإناَته واستغفاره يِف رَه َِفته المناسَة لهذا الدعاء:‬

                                                                        ‫(رَنا إنك أنت العزيز الحكيم). .‬

                                                ‫العزيز:القادر على الفعل , الحكيم:فيما يمضي من تدَير .‬

‫وفي نهاية هذا العرض لموقف إَراهيم والذين معه , وفي استسالم إَراهيم وإناَتمه يعمود فيقمرر األسموة‬
                                                             ‫ويكررها ; مع لمسة جديدة لقلوب المؤمنين:‬

     ‫(لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو اهلل واليوم اآلخر . ومن يتول فإن اهلل هو الغني الحميد). .‬

‫فاألسوة في إَراهيم والذين معه متحققة لمن كان يرجو اهلل واليوم اآلخر . وهؤالء هم الذين يمدركون قيممة‬
‫التجرَة التي عاناها هذا الرهط الكريم , ويجدون فيها أسوة تتَع , وساَقة تهدي . فمن كان يرجو اهلل واليموم‬
                                    ‫اآلخر فليتخذ منها أسوة . . وهو تلميح موح للحاضرين من المؤمنين .‬

‫فأما من يريد أن يتولى عن هذا المنهج . من يريد أن يحيد عن طريق القافلة . من يريد أن ينسلخ ممن همذا‬
                         ‫النسب العريق . فما َاهلل من حاجة إليه - سَحانه - (فإن اهلل هو الغني الحميد). .‬

‫وتنتهي الجولة وقد عاد المؤمنون أدراجهم إلى أوائل تاريخهم المديد , ورجعوا َذكرياتهم إلى نشمأتهم فمي‬
‫األرض ; وعرفوا تجارَهم المذخورة لهم في األجيال المتطاولة , ورأوا القرار الذي انتهى إليه من مروا َهذه‬
                                    ‫التجرَة ; ووجدوها طريقا معَدة من قَل ليسوا هم أول السالكين فيها .‬

‫والقرآن الكريم يؤكد هذا التِور ويكرره ليتِل ركب المؤمنين , فال يشعر َالغرَة أو الوحشة سالك - ولو‬
                        ‫كان وحده في جيل ! وال يجد مشقة في تكليف نهض َه السالكون معه في الطريق !‬

  ‫َعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب التي يعلم اهلل ما َها من حنين ورغَة في زوال حالة العداء والجفوة التي‬
‫ي ْ كم الل ه ع ِ‬              ‫َالل ُ ف رح‬              ‫َ الل ُ ي ْ َ َ َك ْ و َ الذ َ د ت م ْه م َدة والل ُ‬
‫عسَى َّه أَن َجعل َيْن ُم َ َيْن َّ ِين عَا َيْ ُم ِّن ُم َّو َّ ً َ َّه قَدِير و َّه غَ ُور َّ ِيم (7) لَا َنهَا ُ ُ َّم ُ َمن‬
     ‫َر ه ْ وت ْ ِط ِ ْه ْ إ َّ الل َ ي ِب ْم ْ ط ن‬                ‫الذ َ ْ ي ِل ك ْ الد ِ َ ْ ي ْرج ك م دي ِك‬
‫َّ ِين لَم ُقَاتُو ُم فِي ِّين ولَم ُخ ِ ُو ُم ِّن ِ َار ُمْ أَن تََ ُّو ُم َ ُقس ُوا إلَي ِم ِن َّه ُح ُّ ال ُقسِم ِي َ( 8 )‬
  ‫َل ه َم‬             ‫الد ن َ ْرج ك م دي ِك ْ َ َر َل إ ْر ِك ْ‬                   ‫إ َّ ي ْ ك ُ الل ُ ع ِ الذ َ َل ك ْ‬
‫ِنمَا َنهَا ُم َّه َن َّ ِين قَاتُو ُم فِي ِّي ِ وأَخ َ ُو ُم ِّن ِ َار ُم وظَاه ُوا عَى ِخ َاج ُم أَن تَوَّوْ ُمْ و َمن‬
                                                                                              ‫ي وَّه ْ أ ْ ِ ه ُ الظ ِم َ‬
                                                                                          ‫َتَ َل ُم فَُولَئكَ ُم َّال ُون (9)‬
‫الدرس الراَع:7 - 11 تِنيف الكفار حسب العداوة وامتحان المهاجرات ونتائجه تكلفهم هذه المشقة . ينسمم‬
‫عليها َنسمة األمل الندية في أن ينضم هؤالء األعداء إلى راية اإلسالم , وإلى ِفوف المسلمين ; فيكون هذا‬
 ‫هو الطريق لزوال الجفوة وقيام الود على أساسه الركين . . ثم يخفف عنهم مرة أخرى - وهو يضع القاعدة‬
‫اإلسالمية الكَرى في العالقات الدولية َين المسلمين وغيرهم , فيجعل المقاطعة والخِومة خاِمة َحالمة‬
‫العداء والعدوان . فأما حين ينتفي العداء والعدوان فهو الَر لمن يستحق الَر , وهو القسمط فمي المعاملمة‬
                                                                                                                      ‫والعدل:‬

‫(عسى اهلل أن يجعل َينكم وَين الذين عاديتم منهم مودة , واهلل قدير واهلل غفور رحيم . ال ينهاكم اهلل عن الذين‬
‫لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَروهم وتقسطوا إليهم . إن اهلل يحب المقسمطين . إنمما‬
‫ينهاكم اهلل عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم , وظاهروا على إخراجكم أن تولموهم . وممن‬
                                                                                           ‫يتولهم فأولئك هم الظالمون). .‬

‫إن اإلسالم دين سالم , وعقيدة حب , ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله َظله , وأن يقيم فيه منهجمه , وأن‬
‫يجمع الناس تحت لواء اهلل إخوة متعارفين متحاَين . وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إال عدوان‬
‫أعدائه عليه وعلى أهله . فأما إذا سالموهم فليس اإلسالم َراغب في الخِومة وال متطو َها كذلك ! وهمو‬
 ‫حتى في حالة الخِومة يستَقي أسَاب الود في النفوس َنظافة السلوك وعدالة المعاملة , انتظارا لليوم الذي‬
‫يقتنع فيه خِومه َأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع . وال ييأس اإلسالم من هذا اليوم الذي تستقيم‬
                                                                              ‫فيه النفوس , فتتجه هذا االتجاه المستقيم .‬

‫وفي اآلية األولى من هذا المقطع إشارة إلى هذا الرجاء الذي ال يغلب عليه اليأس ; في معرض التخفيف على‬
                      ‫نفوس َعض المهاجرين , وتغذية قلوَهم المتعَة َمشقة المقاطعة والحرب ل هل والعشيرة:‬

                                                          ‫(عسى اهلل أن يجعل َينكم وَين الذين عاديتم منهم مودة). .‬

‫وهذا الرجاء من اهلل , معناه القطع َتحققه . والمؤمنون الذين سمعوه ال َد قد أيقنوا َه , ولقد وقع َعمد همذا‬
‫َوقت قِير أن فتحت مكة , وأن أسلمت قريش , وأن وقف الجميع تحت لواء واحد , وأن طويت الثمارات‬
                                                                     ‫والمواجد , وأن عاد الجميع إخوة مؤتلفي القلوب .‬
                                                                                         ‫(واهلل قدير). . يفعل ما يريد َال معقب .‬

                                                               ‫(واهلل غفور رحيم). . يغفر ما سلف من الشرك والذنوب . .‬

‫وإلى أن يتحقق وعد اهلل الذي دل عليه لفظ الرجاء رخص اهلل لهم في موادة من لم يقاتلوهم في المدين ولمم‬
‫يخرجوهم من ديارهم . ورفع عنهم الحرج في أن يَروهم , وأن يتحروا العدل في معمامالتهم معهمم فمال‬
‫يَخسونهم من حقوقهم شيئا . ولكنه نهى أشد النهي عن الوالء لمن قاتلوهم في الدين وأخرجوهم من ديمارهم‬
‫وساعدوا على إخراجهم . وحكم على الذين يتولونهم َأنهم هم الظالمون . . وممن معماني الظلمم الشمرك‬
‫َالرجو إلى قوله تعالى( :إن الشرك لظلم عظيم). . وهو تهديد رهيب يجز منه المؤمن , ويتقي أن يدخل‬
                                                                                                                   ‫في مدلوله المخيف !‬

‫وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طَيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى‬
‫الحياة اإلنسانية , َل نظرته الكلية لهذا الوجود , الِادر عن إله واحد , المتجه إلى إله واحد , المتعاون فمي‬
                                                           ‫تِميمه اللدني وتقديره األزلي , من وراء كل اختالف وتنويع .‬




    ‫ك ُ ْم ْم ُ ُ ِر ت حن ُن الل ُ ْ ُ إ ِه َّ إ ْ َِ ُم ه َّ م ْم ت َ‬                                    ‫ُّ الذ َ من إذ‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِ َا جَاء ُم ال ُؤ ِنَات مهَاج َا ٍ فَامْتَ ِ ُوه َّ َّه أَعلَم َِِيمَان ِن فَِن علمْت ُو ُن ُؤ ِنَما ٍ فلَما‬
 ‫كح ُن إذ‬              ‫َ ِع ه َّ ِ ْ ُف ِ ه َّ ح ٌّ َّه ْ َ ه ي ِل َ َه َّ و ت ه م ق َ ج َ َ ْك ْ‬
‫ترْج ُو ُن إلَى الك َّار لَا ُن ِل ل ُم ولَا ُمْ َحُّون ل ُن َآ ُو ُم َّا أَنفَ ُوا ولَا ُنَاح علَمي ُم أَن تَن ِ ُموه َّ ِ َا‬
‫ت ْ َ َ َل م ق َلك ُ م الل ِ ي ْك ُ َك ْ‬                            ‫ُم ه َّ أج ه َّ َ ُ ْ ِك ِعِم ْ و ِر و َل م‬
‫آتَيْت ُو ُن ُ ُورَ ُن ولَا تمس ُوا َ ِ َ ِ الكَ َاف ِ َاسْأُوا َا أَنفَقْ ُم ولْيسْأُوا َا أَنفَ ُوا ذِ ُمْ حكْ ُ َّه َح ُم َيْمن ُم‬
  ‫ق‬             ‫م َ و ِك ِ ْ ُف ر َ ت ت الذ ن ه َ و ُه م ْ‬                                                   ‫َإ َك‬             ‫َالله َل َك‬
‫و َّ ُ عِيم ح ِيم (11) وِن فَات ُمْ شَيْء ِّنْ أزْ َاج ُمْ إلَى الك َّا ِ فعَاقََْ ُمْ فَآ ُوا َّ ِي َ ذَ َ َتْ أزْ َاج ُم ِّثلَ مَا أَنفَ ُوا‬
                                                                                                  ‫َاتق الل َ الذ ت ِ م ْمن َ‬
                                                                                             ‫و َّ ُوا َّه َّ ِي أَن ُم َِه ُؤ ِ ُون (11)‬
‫وهي أساس شريعته الدولية , التي تجعل حالة السلم َينه وَين الناس جميعا هي الحالة الثاَتة , ال يغيرهما إال‬
‫وقو االعتداء الحرَي وضرورة رده , أو خوف الخيانة َعد المعاهدة , وهي تهديد َاالعتداء ; أو الوقموف‬
‫َالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية االعتقاد . وهو كذلك اعتداء . وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والَمر‬
                                                                                                                ‫والعدل للناس أجمعين .‬

‫ثم هي القاعدة التي تتفق مع التِور اإلسالمي الذي يجعل القضية َين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية همذه‬
‫العقيدة دون غيرها ; ويجعل القيمة التي يضن َها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها . فليس َينهم‬
‫وَين الناس ما يتخاِمون عليه ويتقاتلون إال حرية الدعوة وحرية االعتقاد , وتحقيق منهج اهلل في األرض ,‬
                                                                                                                       ‫وإعالء كلمة اهلل .‬
‫وهذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إَراز قيمة العقيدة , وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها‬
‫المسلمون . فمن وقف معهم تحتها فهو منهم , ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم . ومن سالمهم فتمركهم لعقيمدتهم‬
‫ودعوتهم , ولم يِد الناس عنها , ولم يحل َينهم وَين سماعها , ولم يفتن المؤمنين َها , فهو مسالم ال يمنع‬
                                                                         ‫اإلسالم من الَر َه والقسط معه .‬

‫إن المسلم يعيش في هذه األرض لعقيدته , ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله . فال خِومة على‬
‫مِلحة , وال جهاد في عَِية - أي عَِية - من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب . إنما الجهاد لتكمون‬
                                         ‫كلمة اهلل هي العليا , ولتكون عقيدته هي المنهج المطَق في الحياة .‬

‫ولقد نزلت َعد ذلك سورة التوَة وفيها (َراءة من اهلل ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشمركين . . المخ). .‬
‫فانتهت َهذا حالة المعاهدة والموادعة َين المسلمين والمشركين كافة . َعد مهلمة أرَعمة أشمهر ألِمحاب‬
‫المعاهدات غير المسماة األجل , ومهلة إلى انتهاء األجل ألِحاب المعاهدات المسماة . ولكن هذا إنما كمان‬
‫َعدما أثَتت التجارب أن القوم ال يرعون عهودهم مع المسلمين إال ريثما تسنح لهم الفرِة لنقضمها وهمم‬
 ‫الراَحون ! فانطَقت القاعدة األخرى:(وإما تخافن من قوم خيانة فانَذ إليهم علمى سمواء إن اهلل ال يحمب‬
‫الخائنين). . وكان هذا ضرورة لتأمين القاعدة اإلسالمية - وهي حينئذ شَه الجزيرة كلها - من المترَِمين‬
‫َالمسلمين من أعدائهم المعايشين لهم من المشركين وأهل الكتاب الذين تكررت غدراتهم ونقضهم للعهمود .‬
‫وهي حالة اعتداء في ِميمها . تنطَق عليها حالة االعتداء . وَخاِة أن األمَراطوريتين المحيطتين َأرض‬
 ‫اإلسالم قد َدأتا تجمعان له وتشعران َخطره , وتؤلَان عليه اإلمارات العرَية المتاخمة الخاضعة للمدولتين‬
‫الرومانية والفارسية . فلم يَق َد من تطهير المعسكر اإلسالمي من َقية أعدائه قَل االلتحام فمي المعمارك‬
                                                                              ‫الخارجية المتوقعة يومذاك .‬

‫ونكتفي َهذا القدر من االستطراد لنعود إلى سياق السورة في حكم المؤمنات المهاجرات( :يا أيها الذين آمنموا‬
‫إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن , اهلل أعلم َإيمانهن , فإن علمتموهن مؤمنات فال ترجعموهن إلمى‬
‫الكفار , ال هن حل لهم وال هم يحلون لهن , وآتوهم ما أنفقوا , وال جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتمموهن‬
‫أجورهن ; وال تمسكوا َعِم الكوافر , واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا . ذلكم حكم اهلل يحكم َينكم , واهلل‬
‫عليم حكيم . وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقَتم فآتوا الذين ذهَت أزواجهم مثل ما أنفقوا , واتقوا‬
                                                                              ‫اهلل الذي أنتم َه مؤمنون). .‬

‫وقد ورد في سَب نزول هذه األحكام أنه كان َعد ِلح الحديَية الذي جاء فيه:"على أال يأتيك منا أحمد وإن‬
‫كان على دينك إال رددته إلينا . . "فلما كان الرسول [ ص ] والمسلمون معه َأسفل الحديَيمة جاءتمه نسماء‬
 ‫مؤمنات يطلَن الهجرة واالنضمام إلى دار اإلسالم في المدينة ; وجاءت قريش تطلب ردهن تنفيذا للمعاهدة .‬
‫ويظهر أن النص لم يكن قاطعا في موضو النساء , فنزلت هاتات اآليتان تمنعان رد المهاجرات المؤمنمات‬
                                                                 ‫إلى الكفار , يفتن في دينهن وهن ضعاف .‬

‫ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها , تنظم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته دون تمأثر‬
  ‫َسلوك الفريق اآلخر , وما فيها من شطط وجور . على طريقة اإلسالم في كل معامالته الداخلية والدولية .‬

‫وأول إجراء هو امتحان هؤالء المهاجرات لتحري سَب الهجرة , فال يكون تخلِا من زواج مكمروه , وال‬
                                                  ‫طلَا لمنفعة , وال جريا وراء حب فردي في دار اإلسالم !‬

‫قال اَن عَاس:كان يمتحنهن:َاهلل ما خرجت من َغض زوج , وَاهلل ما خرجت رغَة عن أرض إلى أرض ,‬
                                        ‫وَاهلل ما خرجت التماس دنيا , وَاهلل ما خرجت إال حَا هلل ورسوله .‬

‫وقال عكرمة:يقال لها:ما جاء َك إال حب اهلل ورسوله , وما جاء َك عشق رجل منا , وال فرارا من زوجك .‬

‫وهذا هو االمتحان . . وهو يعتمد على ظاهر حالهن واقرارهن مع الحلف َاهلل . فأما خفايا الِدور فأمرهما‬
     ‫إلى اهلل , وال سَيل للَشر إليها: (اهلل أعلم َإيمانهن .). فإذا ما أقررن هكذا (فال ترجعوهن إلى الكفار). .‬

                                                                     ‫(ال هن حل لهم وال هم يحلون لهن). .‬

‫فقد أنَتت الوشيجة األولى . . وشيجة العقيدة . . فلم تعد هناك وشيجة أخرى يمكن أن تِل هذه القطيعمة .‬
‫والزوجية حالة امتزاج واندماج واستقرار , ال يمكن أن تقوم إذا انقطعت هذه الوشيجة األولى . واإليمان هو‬
‫قوام حياة القلب الذي ال تقوم مقامه عاطفة أخرى , فإذا خوى منه قلب لم يستطع قلب مؤمن أن يتجاوب معه‬
‫, وال أن يأنس َه , وال أن يواده وال أن يسكن إليه ويطمئن في جواره . والزواج مودة ورحمة وأنس وسكن‬
                                                                                                          ‫.‬

‫وكان األمر في أول الهجرة متروكا َغير نص , فلم يكن يفرق َين الزوجة المؤمنة والزوج الكافر ; وال َين‬
‫الزوج المؤمن والزوجة الكافرة , ألن المجتمع اإلسالمي لم يكن قد استقرت قواعده َعد . فأما َعمد ِملح‬
‫الحديَية - أو فتح الحديَية كما يعتَره كثير من الرواة - فقد آن أن تقع المفاِلة الكاملة ; وأن يسمتقر فمي‬
‫ضمير المؤمنين والمؤمنات , كما يستقر في واقعهم , أن ال راَطة إال راَطة اإليممان , وأن ال وشميجة إال‬
                                                ‫وشيجة العقيدة , وأن ال ارتَاط إال َين الذين يرتَطون َاهلل .‬

‫ومع إجراء التفريق إجراء التعويض - على مقتضى العدل والمساواة - فيرد على الزوج الكافر قيمة ما أنفق‬
‫من المهر على زوجته المؤمنة التي فارقته تعويضا للضرر . كما يرد على الزوج المؤمن قيمة ما أنفق ممن‬
                                                        ‫المهر على زوجته الكافرة التي يطلقها من عِمته .‬
‫وَعد ذلك يحل للمؤمنين نكاح المؤمنات المهاجرات متى آتوهن مهورهن . . مع خالف فقهي:هل لهن عدة ,‬
‫أم ال عدة إال للحوامل حتى يضعن حملهن ? وإذا كانت لهن عدة فهل هي عدة المطلقات . . . ثالثة قروء . .‬
                                                             ‫أم هي عدة استَراء للرحم َحيضة واحدة ?‬

‫(وآتوهم ما أنفقوا , وال جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن . وال تمسكوا َعِم الكوافر ,واسألوا‬
                                                                           ‫ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا).‬

   ‫ثم يرَط هذه األحكام كلها َالضمانة الكَرى في ضمير المؤمن . ضمانة الرقاَة اإللهية وخشية اهلل وتقواه:‬

                                                         ‫(ذلكم حكم اهلل يحكم َينكم , واهلل عليم حكيم). .‬

‫وهي الضمانة الوحيدة التي يؤمن عليها من النقض وااللتواء واالحتيال . فحكم اهلل , هو حكم العليم الحكميم .‬
‫وهو حكم المطلع على ذوات الِدور . وهو حكم القوي القدير . ويكفي أن يستشعر ضمير المسلم هذه الِلة‬
                                ‫, ويدرك مِدر الحكم ليستقيم عليه ويرعاه . وهو يوقن أن مرده إلى اهلل .‬

‫فإذا فات المؤمنين شيء مما أنفقوا , َامتنا الكوافر أو أهليهن من رد حق الزوج المؤمن - كما حمدث فمي‬
‫َعض الحاالت - عوضهم اإلمام مما يكون للكافرين الذين هاجرت زوجاتهم من حقوق على زوجاتهم في دار‬
                                            ‫اإلسالم , أو مما يقع من مال الكفار غنيمة في أيدي المسلمين:‬

‫(وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقَتم فآتوا الذين ذهَت أزواجهم مثل ما أنفقوا)ويرَط هذا الحكمم‬
                                            ‫وتطَيقاته كذلك َالضمان الذي يتعلق َه كل حكم وكل تطَيق:‬

                                                                    ‫(واتقوا اهلل الذي أنتم َه مؤمنون). .‬

                                                       ‫وهي لمسة للمؤمنين َاهلل عميقة األثر في القلوب .‬

‫وهكذا تكون تلك األحكام َالمفاِلة َين األزواج تطَيقا واقعيا للتِور اإلسالمي عن قيم الحياة وارتَاطاتها ;‬
‫وعن وحدة الِف اإلسالمي وتميزه من سائر الِفوف ; وعن إقامة الحياة كلها على أساس العقيدة , ورَطها‬
‫كلها َمحور اإليمان ; وإنشاء عالم إنساني تذوب فيه فوارق الجنس واللون واللغة والنسب واألرض . وتَقى‬
‫شارة واحدة تميز الناس . . شارة الحزب الذي ينتمون إليه . . وهما حزَان اثنان:حزب اهلل وحزب الشيطان .‬
                                                                                                 ‫.‬

                                                                    ‫الدرس الخامس:21 مَايعة المؤمنات‬

‫ثم َين لرسول اهلل [ ص ] كيف يَايعهن على اإليمان , هن وغيرهن ممن يردن الدخول في اإلسالم . وعلى‬
                                                                                    ‫أي األسس يَايعهن:‬
‫يا أيها النَي إذا جاءك المؤمنات يَايعنك على أال يشركن َاهلل شيئا , وال يسمرقن , وال يمزنين , وال يقمتلن‬
‫أوالدهن , وال يأتين ََهتان يفترينه َين أيديهن وأرجلهن , وال يعِينك في معروف , فَايعهن , واستغفر لهن‬
                                                                                                     ‫اهلل , إن اهلل غفور رحيم . .‬

                        ‫وهذه األسس هي المقومات الكَرى للعقيدة , كما أنها مقومات الحياة االجتماعية الجديدة . .‬

‫إنها عدم الشرك َاهلل إطالقا . . وعدم إتيان الحدود . . السرقة والزنا . . وعدم قتل األوالد . . إشارة إلى ما‬
‫كان يجري في الجاهلية من وأد الَنات , كما أنه يشمل قتل األجنة لسَب من األسَاب . . وهن أمينات علمى‬
‫ما في َطونهن . . (وال يأتين ََهتان يفترينه َين أيديهن وأرجلهن). . قال اَمن عَماس:يعنمي ال يلحقمن‬
‫َأزواجهن غير أوالدهن . وكذلك قال مقاتل . ولعل هذا التحفظ - َعد المَايعة على عدم الزنا - كان للحاالت‬
‫الواقعة في الجاهلية من أن تَيح المرأة نفسها لعدة رجال , فإذا جاءت َولد , نظرت أيهم أقمرب َمه شمَها‬
                                    ‫فألحقته َه , ورَما اختارت هي أحسنهم فألحقت َه اَنها وهي تعلم من هو أَوه !‬

‫وعموم اللفظ يشمل هذه الحالة وغيرها من كل َهتان مزور يدعى . ولعل اَن عَاس ومقاتل خِِاه َمذلك‬
                                                                                                     ‫المعنى لمناسَة واقعة وقتذاك‬




 ‫ل ُ ْ ِ ن ِالل ِ ً َ َ ْر َ َ َ ن َ َ ُ ن ْ ُن‬                                      ‫َ ْم ْم ُ ي ِ َ َ َل‬            ‫ُّ النَ ُّ إذ‬
 ‫يَا أَيهَا َّ ِي ِ َا جَاءك ال ُؤ ِنَات ََُايعْنك عَى أَن َّا يشركْ َ َ َّه شَيْئا ولَا يس ِقْن ولَا يزْ ِين ولَا يَقْتلْ َ أَولَادَه َّ‬
‫َ ْر ٍ ِ ْه َّ و َ ِ َه َّ الل َ إ َّ الل َ‬        ‫َ ت َ َ ُ ٍ َر ُ َ د ِن ََ ُِ ِن َ َ ِ َ َ‬
‫ولَا يَأْ ِين َِهْتَان يَفْت ِينَه َيْن أَيْ ِيه َّ وأرْجله َّ ولَا يعْ ِينك فِي مع ُوف فَََايع ُن َاسْتغْفرْ ل ُن َّمه ِن َّمه‬
‫ً ض َ الل ُ َ ْه ْ ْ ي ِس من ِرة َ يئ َ ْ ُف ُ م ْ‬                         ‫َل‬            ‫ي ُّ الذ ن من‬                  ‫ف رح‬
‫غَ ُور َّ ِيم (21) َا أَيهَا َّ ِي َ آ َ ُوا لَا تَتَوَّوْا قَوْما غَ ِب َّه علَي ِم قَد َئ ُوا ِ َ الْآخ َ ِ كمَا َ ِس الك َّار ِن‬
                                                                                                                   ‫ِ قَ ِ‬
                                                                                                              ‫أَِْحَاب الْ ُ ُور (31)‬
‫والشرط األخير: (وال يعِينك في معروف). . وهو يشمل الوعد َطاعة الرسول [ ص ] في كل ما يأمرهن‬
‫َه . وهو ال يأمر إال َمعروف . ولكن هذا الشرط هو أحد قواعد الدستور في اإلسالم , وهمو يقمرر أن ال‬
‫طاعة على الرعية إلمام أو حاكم إال في المعروف الذي يتفق مع دين اهلل وشريعته . وأنها ليست طاعة مطلقة‬
‫لولي األمر في كل أمر ! وهي القاعدة التي تجعل قوة التشريع واألمر مستمدة من شريعة اهلل , ال ممن إرادة‬
‫إمام وال من إرادة أمة إذا خالفت شريعة اهلل . فاإلمام واألمة كالهما محكوم َشريعة اهلل , ومنهما يسمتمدان‬
                                                                                                                           ‫السلطات !‬

‫فإذا َايعن على هذه األسس الشاملة قَلت َيعتهن . واستغفر لهن الرسول [ ص ] عما سملف( إن اهلل غفمور‬
                                                                                       ‫رحيم). . يغفر ويرحم ويقيل العثرات .‬

                                                                                  ‫الدرس السادس:31 النهي عن مواالة الكفار‬
                                                                    ‫وفي الختام يجيء هذا اإليقا العام:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا ال تتولوا قوما غضب اهلل عليهم , قد يئسوا من اآلخرة كما يئس الكفمار ممن أِمحاب‬
                                                                                             ‫القَور).‬

‫يجيء هتافا للذين آمنوا َاسم اإليمان , وَالِفة التي تميزهم عن سائر األقوام , إذ تِلهم َاهلل وتفِلهم عن‬
                                                                                          ‫أعداء اهلل .‬

‫وقد وردت َعض الروايات َأن المقِود َالقوم الذين غضب اهلل عليهم هم اليهود , استنادا إلى دمغهم َهمذه‬
‫الِفة في مواضع أخرى من القرآن . ولكن هذا ال يمنع من عموم النص ليشمل اليهود والمشركين الذين ورد‬
‫ذكرهم في السورة , وكل أعداء اهلل . وكلهم غضب عليه اهلل . وكلهم يائس من اآلخرة , ال يعلق َها رجاء ,‬
‫وال يحسب لها حساَا كيأس الكفار من الموتى - أِحاب القَور - العتقادهم أن أمرهم انتهى , وما عاد لهم‬
                                                                                 ‫من َعث وال حساب .‬

‫وهو هتاف يتجمع من كل إيقاعات السورة واتجاهاتها . فتختم َه كما َدأت َمثله . ليكون هو اإليقا األخير .‬
                                                              ‫الذي تترك السورة أِداءه في القلوب . .‬
                                            ‫سورة الِف‬


                                               ‫َ ِ ه َ ْ َ ز َك م‬                      ‫َّ و ِ َ‬             ‫ََح ِل ِ‬
                                            ‫س َّ َ لَّه مَا فِي السمَا َات ومَا فِي الْأرْض وَ ُو العزِي ُ الْح ِي ُ(1)‬

                                                                                                       ‫سورة الِف‬

                                                                                               ‫مقدمة لسورة الِف‬

‫هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح , إلى جانب اإلشمارات والتلميحمات‬
                                                   ‫الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى ذينك األمرين األساسيين:‬

‫تستهدف أوال أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج اإللهي للَشرية في ِورته األخيرة , سَقته ِور‬
‫منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ الَشرية , وسَقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات , تمهد كلهما‬
‫لهذه الِورة األخيرة من الدين الواحد , الذي أراد اهلل أن يكون خاتمة الرساالت . وأن يظهره على الدين كله‬
                                                                                                     ‫في األرض . .‬

‫ومن ثم يذكر رسالة موسى ليقرر أن قومه الذين أرسل إليهم آذوه وانحرفوا عن رسالته فضلوا , ولم يعمودوا‬
‫امناء على دين اهلل في األرض:(وإذ قال موسى لقومه:يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول اهلل إلميكم .‬
‫فلما زاغوا أزاغ اهلل قلوَهم , واهلل ال يهدي القوم الفاسقين). . وإذن فقد انتهت قوامة قوم موسى على دين اهلل‬
  ‫; فلم يعودوا أمناء عليه , مذ زاغوا فأزاغ اهلل قلوَهم , ومذ ضلوا فأضلهم اهلل واهلل ال يهدي القوم الفاسقين .‬

‫ويذكر رسالة عيسى ليقرر أنه جاء امتدادا لرسالة موسى , ومِدقا لما َين يديه من التوراة , وممهدا للرسالة‬
‫األخيرة ومَشرا َرسولها ; ووِلة َين الدين الكتاَي األول والدين الكتاَي األخير: وإذ قمال عيسمى اَمن‬
‫مريم:يا َني إسرائيل إني رسول اهلل إليكم , مِدقا لما َين يدي من التوراة , ومَشرا َرسول يأتي من َعدي‬
    ‫اسمه أحمد . . وإذن فقد جاء ليسلم أمانة الدين اإللهي التي حملها َعد موسى إلى الرسول الذي يَشر َه .‬

‫وكان مقررا في علم اهلل وتقديره أن تنتهي هذه الخطوات إلى قرار ثاَت دائم , وأن يستقر دين اهلل في األرض‬
‫في ِورته األخيرة على يدي رسوله األخير:(هو الذي أرسل رسوله َالهدى ودين الحق ليظهره على المدين‬
                                                                                         ‫كله ولو كره المشركون).‬

‫هذا الهدف األول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني . فإن شعور المسلم َهذه الحقيقمة , وإدراكمه‬
‫لقِة العقيدة , ولنِيَه هو من أمانتها في األرض . . يستتَع شعوره َتكاليف هذه األمانة شعورا يدفعه إلى‬
‫ِدق النية في الجهاد إلظهار دينه على الدين كله - كما أراد اهلل - وعدم التردد َين القول والفعل ; ويقمَح‬
 ‫أن يعلن المؤمن الرغَة في الجهاد ثم ينكص عنه , كما يَدو أنه حدث من فريق من المسلمين كمما تمذكر‬
‫الروايات . . ومن ثم يجيء في مطلع السورة َعد إعالن تسَيح الكون وما فيه هلل . .(يا أيها الذين آمنموا لمم‬
‫تقولون ما ال تفعلون ? كَر مقتا عند اهلل أن تقولوا ما ال تفعلون . إن اهلل يحب الذين يقاتلون في سَيله ِمفا‬
                                                                                   ‫كأنهم َنيان مرِوص).‬

‫ثم يدعوهم في وسط السورة إلى أرَح تجارة في الدنيا واآلخرة:(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم علمى تجمارة‬
‫تنجيكم من عذاب أليم ? تؤمنون َاهلل ورسوله , وتجاهدون في سَيل اهلل َأموالكم وأنفسكم . ذلكم خير لكم إن‬
‫كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوَكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها األنهار , ومساكن طيَة في جنات عدن , ذلك‬
                               ‫الفوز العظيم . وأخرى تحَونها:نِر من اهلل وفتح قريب , وَشر المؤمنين).‬

 ‫ثم يختم السورة َنداء أخير للذين آمنوا , ليكونوا أنِار اهلل كما كان الحواريون أِحاب عيسى أنِارهإلى‬
‫اهلل , على الرغم من تكذيب َني إسرائيل َه وعدائهم هلل:(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنِار اهلل كما قال عيسى‬
 ‫اَن مريم للحواريين:من أنِاري إلى اهلل ? قال الحواريون:نحن أنِار اهلل . فآمنت طائفة من َني إسرائيل‬
                                       ‫وكفرت طائفة , فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأَِحوا ظاهرين). .‬

‫هذان الخطان واضحان في السورة كل الوضوح , يستغرقان كل نِوِها تقريَا . فمال يَقمى إال التنديمد‬
‫َالمكذَين َالرسالة األخيرة - وهذه قِتها وهذه غايتها - وهذا التنديد متِل دائما َالخطين األساسيين فيها .‬
‫وذلك قول اهلل تعالى , عن رسول اهلل [ ص ] َعد ذكر تَشير عيسى - عليه السالم - َمه: (فلمما جماءهم‬
‫َالَينات قالوا:هذا سحر مَين . ومن أظلم ممن افترى على اهلل الكذب وهو يدعى إلى اإلسالم ? واهلل ال يهدي‬
                  ‫القوم الظالمين . يريدون ليطفئوا نور اهلل َأفواههم , واهلل متم نوره , ولو كره الكافرون . .)‬

‫وفيه يتضح في ضمير المسلم أن دينه هو دين اهلل في ِورته األخيرة في األرض ; وأن أمانة العقيمدة فمي‬
‫الَشرية كلها موكولة إليه ; يعلم أنه مكلف أن يجاهد في سَيل اهلل , كما يحب اهلل ; ويتضح طريقه , فال يَقى‬
‫في تِوره غَش , وال يَقى في حياته مجال للتمتمة والغمغمة في هذه القضية , أو للتردد والتلفت عن الهدف‬
                                                  ‫المرسوم والنِيب المقسوم في علم اهلل وتقديره منذ َعيد .‬

‫وفي أثناء توجيهه إلى هذا الهدف الواضح يوجه كذلك إلى خلق المسلم وطَيعة ضميره . وهو أن ال يقول ما‬
‫ال يفعل , وأال يختلف له قول وفعل , وال ظاهر وَاطن , وال سريرة وعالنية . وأن يكون هو نفسه في كمل‬
‫حال . متجردا هلل . خالِا لدعوته . ِريحا في قوله وفعله . ثاَت الخطو في طريقه . متضامنا مع إخوانه .‬
                                                                                   ‫كالَنيان المرِوص . .‬

                                                                    ‫الدرس األول:1 تسَيح ما في الوجود هلل‬

                                          ‫(سَح هلل ما في السماوات وما في األرض وهو العزيز الحكيم). .‬
‫تجيء هذه التسَيحة من الوجود كله هلل العزيز الحكيم , في مطلع السورة التي تعلن للمسلمين أن ديمنهم همو‬
‫الحلقة األخيرة في دين اهلل ; وأنهم هم األمناء على هذا الدين الذي يوحد اهلل , وينكر على الكافرين المشركين‬
‫كفرهم وشركهم , والذي يدعوهم للجهاد لنِرته , وقد قدر اهلل أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون‬
‫. فيوحي هذا المطلع أن األمانة التي يقوم عليها المسلمون هي أمانة الوجود كله ; وأن العقيدة التي يطلب إليهم‬
‫الجهاد فيها هي عقيدة كل ما في السماوات وما في األرض ; وأن ظهور هذا الدين على المدين كلمه , همو‬
                                                  ‫ظاهرة كونية تتسق مع اتجاه الكون كله إلى اهلل العزيز الحكيم .‬

                                               ‫الدرس الثاني:2 - 4 لوم من يقول وال يفعل ومحَة اهلل للمجاهدين‬

‫ثم يعاتب اهلل الذين آمنوا عتاَا شديدا على أمر حدث من طائفة منهم . أمر يكرهه اهلل أشد الكره , ويمقته أكَر‬
                                                          ‫المقت , ويستفظعه من الذين آمنوا على وجه الخِوص:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ال تفعلون ? كَر مقتا عند اهلل أن تقولوا ماال تفعلون . إن اهلل يحمب المذين‬
                                                                 ‫يقاتلون في سَيله ِفا , كأنهم َنيان مرِوص . .‬

‫قال علي َن طلحة عن اَن عَاس قال:كان ناس من المؤمنين قَل أن يفرض الجهاد يقولون:لوددنا أن اهلل عز‬
‫وجل دلنا على أحب األعمال إليه , فنعمل َه , فأخَر اهلل نَيه أن أحب األعمال إيمان َه ال شك فيه , وجهاد‬
              ‫أهل معِيته الذين خالفوا اإليمان ولم يقروا َه . فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين ,‬




                      ‫ْ َل َ‬       ‫ق ل م‬          ‫ُر ا ع َ الل ِ‬           ‫ْ َل َ‬       ‫ُّ الذ َ َمن ل َ ق ل َ م‬
                  ‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِم تَ ُوُون َا لَا تَفعُون (2) كََ َ مَقْتً ِند َّه أَن تَ ُوُوا َا لَا تَفعُون (3)‬
‫وشق عليهم أمره , فقال اهلل سَحانه وتعالى:(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ال تفعلون ? كَر مقتا عند اهلل أن‬
                                      ‫تقولوا ما ال تفعلون . . .). . وقد اختار اَن جرير في تفسيره هذا القول .‬

‫وقال اَن كثير في تفسيره:"وحملوا اآلية - يعني الجمهور - على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم‬
‫, فلما فرض نكل عنه َعضهم , كقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم:كفوا أيديكم وأقيموا الِمالة وآتموا‬
‫الزكاة , فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية اهلل أو أشد خشية . وقالوا:رَنا لم كتَمت‬
‫علينا القتال ? لوال أخرتنا إلى أجل قريب ! قل:متا الدنيا قليل واآلخرة خير لمن اتقى وال تظلمون فتميال .‬
                                                        ‫أينما تكونوا يدرككم الموت . ولو كنتم في َروج مشيدة). .‬

‫وقال قتادة والضحاك نزلت توَيخا لقوم كانوا يقولون:قتلنا . ضرَنا . طعنا . وفعلنا . . . ولم يكونوا فعلوا ذلك‬
                                                                                                                             ‫!‬
‫والراجح من سياق اآليات وذكر القتال أن مناسَة النزول هي التي عليها الجمهور وهي اختيار اَن جريمر .‬
‫ولكن النِوص القرآنية دائما أَعد مدى من الحوادث المفردة التي تنزل اآليات لمواجهتها , وأشمل لحماالت‬
‫كثيرة غير الحالة التي نزلت َسََها . ومن ثم فإننا نسير مع هذه النِوص إلى مدلوالتها العامة , مع اعتَار‬
                                                                     ‫الحادث الذي تذكره روايات النزول .‬

                                                               ‫إنها تَدأ َعتاب على حادث وقع أو حوادث:‬

                                                           ‫(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ال تفعلون ?).‬

                                     ‫وتثني َاستنكار لهذا الفعل وهذا الخلق في ِيغة تضخم هذا االستنكار:‬

                                                           ‫(كَر مقتا عند اهلل أن تقولوا ما ال تفعلون ?). .‬

‫والمقت الذي يكَر (عند اهلل). . هو أكَر المقت وأشد الَغض وأنكر النكر . . وهذا غايمة التفظيمع ألممر ,‬
                         ‫وَخاِة في ضمير المؤمن , الذي ينادى َإيمانه , والذي يناديه رَه الذي آمن َه .‬

‫واآلية الثالثة تشير إلى الموضو المَاشر الذي قالوا فيه ما لم يفعلوا . . وهو الجهاد . . وتقرر ما يحَمه اهلل‬
                                                                                             ‫فيه ويرضاه:‬

                                      ‫(إن اهلل يحب الذين يقاتلون في سَيله ِفا كأنهم َنيان مرِوص). .‬

‫فليس هو مجرد القتال . ولكنه هو القتال في سَيله . والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الِف .‬
                                                ‫والقتال في ثَات وِمود (ِفا كأنهم َنيان مرِوص). .‬

‫إن القرآن - كما قلنا في مناسَات متعددة في هذا الجزء - كان يَني أمة . كان يَنيها لتقوم على أمانة دينمه‬
‫في األرض , ومنهجه في الحياة , ونظامه في الناس . ولم يكن َد أن يَني نفوسها أفرادا ويَنيهما جماعمة ,‬
‫ويَنيها عمال واقعا . . كلها في آن واحد . . فالمسلم ال يَنى فردا إال في جماعة . وال يتِور اإلسالم قائمما‬
‫إال في محيط جماعة منظمة ذات ارتَاط , وذات نظام , وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته َكل فمرد‬
‫فيها . هو إقامة هذا المنهج اإللهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في األرض . وهو ال يقوم فمي األرض‬
                                  ‫إال في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج اإللهي .‬

‫واإلسالم على شدة ما عني َالضمير الفردي وَالتَعة الفردية - ليس دين أفراد منعزلين , كل واحد منهم يعَد‬
‫اهلل في ِومعة . . إن هذا ال يحقق اإلسالم في ضمير الفرد ذاته , وال يحققه َطَيعة الحال في حياته .ولمم‬
‫يجئ اإلسالم لينعزل هذه العزلة . إنما جاء ليحكم حياة الَشرية ويِرفها . ويهيمن على كل نشماط فمردي‬
‫وجماعي في كل اتجاه . والَشرية ال تعيش أفرادا إنما تعيش جماعات وأمما . واإلسالم جاء ليحكمها وهمي‬
‫كذلك . وهو مَني على أساس أن الَشر يعيشون هكذا . ومن ثم فإن آداَه وقواعده ونظمه كلها مِوغة على‬
‫هذا األساس . وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يِوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة‬
‫. وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى اهلل , ويقوم - فيها - على أمانة دينه في األرض , ومنهجمه‬
                                                                           ‫في الحياة , ونظامه في الناس .‬

‫ومنذ اليوم األول للدعوة قام مجتمع إسالمي - أو جماعة مسلمة - ذات قيادة مطاعة هي قيادة رسمول اهلل [‬
‫ص ] وذات التزامات جماعية َين أفرادها , وذات كيان يميزها عن سائر الجماعمات حولهما , وذات آداب‬
‫تتعلق َضمير اإلنسان مراعى فيها - في الوقت ذاته - حياة هذه الجماعة . . وذلك كله قَل أن تقوم الدولمة‬
                    ‫المسلمة في المدينة . َل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة . .‬

‫وننظر في هذه اآليات الثالث فنرى امتزاج الخلق الفردي َالحاجة الجماعية , فمي ظمل العقيمدة الدينيمة ,‬
           ‫وطَيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة الَشرية في ِورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتواله .‬

       ‫إن اآليتين األوليين تتضمنان العقاب من اهلل سَحانه واالستنكار ألن يقول الذين آمنوا ما ال يفعلون . .‬

‫وهما َهذا ترسمان الجانب األِيل في شخِية المسلم . . الِدق . . واالستقامة . وأن يكون َاطنه كظاهره‬
 ‫, وأن يطاَق فعله قوله . . إطالقا . . وفي حدود أَعد مدى من موضو القتال الذي يجيء في اآلية الثالثة .‬

‫وهذه السمة في شخِية المسلم يدق القرآن عليها كثيرا , وتتاَعها السنة في تكرار يزيدها توكيمدا:يقمول اهلل‬
‫تعالى منددا َاليهود:(أتأمرون الناس َالَر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب . أفال تعقلمون ?). . ويقمول‬
‫تعالى منددا َالمنافقين:( ويقولون:طاعة . فإذا َرزوا من عندك َيت طائفة منهم غير الذي تقول). . ويقمول‬
‫فيهم كذلك(:ومن الناس من يعجَك قوله في الحياة الدنيا ويشهد اهلل على ما في قلَه وهو ألمد الخِمام , وإذا‬
‫تولى سعى في األرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل واهلل ال يحب الفساد . .)ويقول رسمول اهلل [ ص ]:"‬
‫آية المنافق ثالث:إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا أؤتمن خان " . واألحاديث في هذا المعنى كثيمرة .‬
‫ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النَوية الكريمة في هذا االتجاه . . روى اإلممام‬
‫أحمد وأَو داود عن عَداهلل َن عامر َن رَيعة قال:أتانا رسول اهلل [ ص ] وأنا َِي , فذهَت ألخرج أللعب‬
‫. فقالت أمي:يا عَداهلل تعال أعطك . فقال لها رسول اهلل [ ص ]:" وما أردت أن تعطيه ! " فقالمت:تممرا .‬
‫فقال:" أما إنك لو لم تفعلي كتَت عليك كذَة " . . ولعله استقاء من هذا النَع النَوي الطاهر الرائمق امتنمع‬
‫اإلمام أحمد َن حنَل - رضي اهلل عنه - من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا .‬
‫حينما وجده يضم حجره ويدعو َغلته يوهمها َطعام وحجره فارغ ! فتحرج أن يروي عنه , وقد كذب علمى‬
                                                                                                  ‫َغلته !‬
‫فهذا َناء أخالقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخِيته التي تليق َمن يقوم أمينا على منهج اهلل فمي األرض‬
‫.وهو األمر الذي تقرره هذه السورة . وهذه حلقة من حلقات الترَية في الجماعة المسلمة التي يعدها اهلل لتقوم‬
                                                                                         ‫على هذا األمر .‬

‫فإذا جئنا للموضو المَاشر الذي كانت هذه اآليات تواجهه عند نزولها . . وهو موضو الجهاد . . فإننا نقف‬
                                                       ‫أمام موضوعات شتى للحديث والمالحظة والعَرة .‬

‫نقف أوال أمام النفس الَشرية التي تلم َها لحظات الضعف الطارئة , فال يعِمها منهما إال عمون اهلل , وإال‬
‫التذكير الدائم , والتوجيه الدائم , والترَية الدائمة . . فهؤالء جماعة من المسلمين قيل في َعض الروايات:إنهم‬
‫من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن اهلل لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس واالندفا . وكانوا‬
‫يؤمرون َكف أيديهم وإقامة الِالة وإيتاء الزكاة (فلما كتب عليهم القتال)في المدينة في الوقت المناسب الذي‬
‫قدره اهلل (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية اهلل أو أشد خشية , وقالوا:رَنا لم كتَت علينا القتمال ? لموال‬
‫أخرتنا إلى أجل قريب !). . أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب األعمال إلمى اهلل‬
                                                                       ‫ليفعلوه فلما أمروا َالجهاد كرهوه !‬

‫وهذه الوقفة كفيلة َأن تفتح أعيننا على ضرورة المواالة للنفس الَشرية َالتقوية والتثَيت والتوجيمه ; وهمي‬
‫تواجه التكاليف الشاقة , لتستقيم في طريقها , وتتغلب على لحظات ضعفها , وتتطلع دائما إلى األفق الَعيمد .‬
‫كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية ! فلعلنا ال نقوى على ما نقترح على‬
‫اهلل حين يكلفنا إياه ! وهؤالء جماعة من المسلمين األوائل يضعفون ويقولون ما ال يفعلون ; حتى يعماتَهم اهلل‬
                                                    ‫هذا العتاب الشديد , وينكر عليهم هذا اإلنكار المخيف !‬

‫ونقف ثانية أمام حب اهلل للذين يقاتلون في سَيله ِفا كأنهم َنيان مرِوص . . نقف أمام هذا اإلغراء القوي‬
‫العميق على القتال في سَيل اهلل . . وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال‬
           ‫. ولكن هذا السَب الغريب في الحادث المحدود ال ينفي أن الحض عام , وأن وراءه حكمة دائمة .‬

‫إن اإلسالم ال يتشهى القتال , وال يريده حَا فيه . ولكنه يفرضه ألن الواقع يحتمه , وألن الهدف الذي وراءه‬
‫كَير . فاإلسالم يواجه الَشرية َالمنهج اإللهي في ِورته األخيرة المستقرة . وهذا المنهج - ولو أنه يلَمي‬
‫الفطرة المستقيمة - إال أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه , ولتستقر على همذا المسمتوى الرفيمع .‬
‫وهناك قوى كثيرة في هذه األرض ال تحب لهذا المنهج أن يستقر , ألنه يسلَها كثيرا من االمتيازات , التمي‬
‫تستند إلى قيم َاطلة زائفة , يحارَها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة الَشمر . وهمذه القموى‬
‫تستغل ضعف النفوس عن الَقاء في المستوى اإليماني وتكاليفه , كما تستغل جهمل العقمول , وموروثمات‬
‫األجيال , لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه . والشر عارم . والَاطل متَجح . والشيطان لئيم ! ومن ثمم‬
‫يتعين على حملة اإليمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلَوا عمالء الشر وأعوان الشيطان . أقوياء فمي‬
‫أخالقهم , وأقوياء في قتال خِومهم على السواء . ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يَِح القتمال همو األداة‬
      ‫الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد , وحرية االعتقاد َه , وحرية العمل وفق نظامه المرسوم .‬

‫وهم يقاتلون في سَيل اهلل . . ال في سَيل ذواتهم أو عَِيتهم من أي لون . . عِمَية الجمنس وعِمَية‬
‫األرض وعَِية العشيرة وعَِية الَيت . . . في سَيل اهلل وحده , لتكون كلمة اهلل هي العليا . والرسول [‬
                                      ‫ص ] يقول:" من قاتل لتكون كلمة اهلل هي العليا فهو في سَيل اهلل " .‬




                                            ‫َّ ِ‬       ‫ِن الل َ يح ُّ الذ ن ي ِل َ ف س ِ فً َّه َ‬
                                      ‫إ َّ َّه ُ ِب َّ ِي َ ُقَاتُون ِي ََِيلِه َِ ّا كَأَن ُم ُنيَان مرْ ُوص (4)‬
‫وكلمة اهلل هي التعَير عن إرادته . وإرادته الظاهرة لنا - نحن الَشر - هي التي تتفق مع الناموس الذي يسير‬
‫عليه الكون كله . الكون الذي يسَح َحمد رَه . ومنهج اهلل في ِورته األخيرة التي جاء َها اإلسالم هو الذي‬
‫يتناسق مع ذلك الناموس ; ويجعل الكون كله - والناس من ضمنه - يحكممون َشمريعة اهلل . ال َشمريعة‬
                                                                                                 ‫يضعها سواه .‬

‫ولم يكن َد أن يقاومه أفراد , وأن تقاومه طَقات , وأن تقاومه دول . ولم يكن َد كذلك أن يمضي اإلسالم في‬
‫وجه هذه المقاومة ; ولم يكن َد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنِرة هذا المنهج , وتحقيق كلممة اهلل فمي‬
                ‫األرض . ولهذا أحب اهلل - سَحانه - الذين يقاتلون في سَيله ِفا كأنهم َنيان مرِوص .‬

‫ونقف ثالثا أمام الحالة التي يحب اهلل للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها: (ِفا كأنهم َنيان مرِوص). . فهمو‬
‫تكليف فردي في ذاته , ولكنه فردي في ِورة جماعية . في جماعة ذات نظام . ذلك أن المذين يواجهمون‬
‫اإلسالم يواجهونه َقوى جماعية , ويؤلَون عليه تجمعات ضخمة ; فال َد لجنود اإلسالم أن يواجهوا أعمداءه‬
‫ِفا . ِفا سويا منتظما , وِفا متينا راسخا ذلك إلى أن طَيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على‬
‫جماعة , وأن ينشئ مجتمعا متماسكا . . متناسقا . فِورة الفرد المنعزل الذي يعَد وحده , ويجاهد وحمده ,‬
‫ويعيش وحده , ِورة َعيدة عن طَيعة هذا الدين , وعن مقتضياته في حالة الجهاد , وفي حالة الهيمنة َعمد‬
                                                                                              ‫ذلك على الحياة .‬

‫وهذه الِورة التي يحَها اهلل للمؤمنين ترسم لهم طَيعة دينهم , وتوضح لهم معالم الطريق , وتكشف لهم عن‬
‫طَيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعَير القرآني المَد :( ِفا كأنهم َنيان مرِوص). . َنيان تتعماون‬
‫لَناته وتتضامن وتتماسك , وتؤدي كل لَنة دورها , وتسد ثغرتها , ألن الَنيان كله ينهار أذا تخلت منه لَنمة‬
 ‫عن مكانها . تقدمت أو تأخرت سواء . وإذا تخلت منه لَنة عن أن تمسك َأختها تحتها أو فوقهما أو علمى‬
‫جانَيها سواء . . إنه التعَير المِور للحقيقة ال لمجرد التشَيه العام . التعَير المِور لطَيعمة الجماعمة ,‬
‫ولطَيعة ارتَاطات األفراد في الجماعة . ارتَاط الشعور , وارتَاط الحركة , داخل النظام المرسوم , المتجمه‬
                                                                                                             ‫إلى هدف مرسوم .‬

                                               ‫الدرس الثالث:5 - 6 موسى وعيسى يقرعان َني إسرائيل لسوء فعلهم‬

                                           ‫َعدئذ يذكر قِة هذا المنهج اإللهي ومراحلها في الرساالت قَل اإلسالم .‬

‫(وإذ قال موسى لقومه:يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول اهلل إليكم ? فلما زاغوا أزاغ اهلل قلموَهم ,‬
                                                                                                 ‫واهلل ال يهدي القوم الفاسقين).‬

‫وإذ قال عيسى َن مريم:يا َني إسرائيل إني رسول اهلل إليكم مِدقا لما َين يدي من التوراة ومَشرا َرسول‬
                                                                                                ‫يأتي من َعدي اسمه أحمد . .‬

‫وإيذاء َني إسرائيل لموسى - وهو منقذهم من فرعون وملئه , ورسولهم وقائدهم ومعلمهم - إيذاء متطماول‬
‫متعدد األلوان , وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق . ويذكر القرآن في قِص َني إسرائيل‬
                                                                             ‫ِورا شتى من ذلك اإليذاء ومن هذا العناء .‬

‫كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم , ويتعرض لَطشه وجَروته وهم آمنون َذلتهم له‬
   ‫! فكانوا يقولون له الئمين متَرمين: (أوذينا من قَل أن تأتينا ومن َعد ما جئتنا)! كأنهم ال يرون في رسالته‬




    ‫و َّ َْم ن َن َس ُ الل ِ ِ ْك ْ ََم ز غ َز َ ل ُ ُل ه َالله‬                           ‫ِ لَ ت ذ‬           ‫ْ ِ‬       ‫َإ َ م س‬
‫وِذْ قَال ُو َى لِقَومِه يَا قَوْم ِم ُؤْ ُونَنِي َقَد تعل ُو َ أ ِّي ر ُول َّه إلَي ُم فل َّا َا ُوا أ َاغ الَّه قُوَ ُمْ و َّ ُ لَا‬
                                                                                                           ‫ق َ‬          ‫َ‬             ‫َ‬
                                                                                                       ‫يهْدِي الْقَوْم الْفَاسِ ِين (5)‬
                                                                         ‫خيرا , أو كأنما يحملونه تَعة هذا األذى األخير !‬

‫وما كاد ينقذهم من ذل فرعون َاسم اهلل الواحد الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون . . حتى ممالوا‬
‫إلى عَادة فرعون وقومه . . (فأتوا على قوم يعكفون على أِنام لهم قالوا:يا موسى اجعل لنا إلها كما لهمم‬
‫آلهة). . وما كاد يذهب لميقات رَه على الجَل ليتلقى األلواح , حتى أضلهم السامري:(فأخرج لهمم عجمال‬
                                                                  ‫جسدا له خوار فقالوا:هذا إلهكم وإله موسى فنسي !). .‬

‫ثم جعلوا يتسخطون على طعامهم في الِحراء:المن والسلوى . فقالوا: (يا موسى لن نَِر على طعام واحد‬
                             ‫فاد لنا رَك يخرج لنا مما تنَت األرض من َقلها وقثائها وفومها وعدسها وَِلها)!‬
‫وفي حادث الَقرة التي كلفوا ذَحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسيئون األدب مع نَيهم ورَهم وهم يقولمون:‬
‫(اد لنا رَك يَين لنا ما هي). . (اد لنا رَك يَين لنا ما لونها( . .)اد لنا رَك يَين لنا ما همي إن الَقمر‬
                                                               ‫تشاَه علينا). . (فذَحوها وما كادوا يفعلون)!‬

                                            ‫ثم طلَوا يوم عطلة مقدسا فلما كتب عليهم السَت اعتدوا فيه .‬

‫وأمام األرض المقدسة التي َشرهم اهلل َدخولها وقفوا متخاذلين يِعرون خدهم في الوقت ذاته لموسى:(قالوا‬
‫يا موسى إن فيها قوما جَارين , وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلمون). . فلمما‬
‫كرر عليهم التحضيض والتشجيع تَجحوا وكفروا(:قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أَدا ما داموا فيها فاذهب أنت‬
                                                                           ‫ورَك فقاتال إنا هاهنا قاعدون). .‬

‫ذلك إلى إعنات موسى َاألسئلة واالقتراحات والعِيان والتمرد , واالتهام الشخِي َالَاطل كما جماء فمي‬
                                                                                            ‫َعض األحاديث .‬

                                                          ‫وتذكر اآلية هنا قول موسى لهم في عتاب ومودة:‬

                                                ‫(يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول اهلل إليكم ?). .‬

                                        ‫وهم كانوا يعلمون عن يقين . . إنما هي لهجة العتاب والتذكير . .‬

‫وكانت النهاية أنهم زاغوا َعدما َذلت لهم كل أسَاب االستقامة , فزادهم اهلل زيغا , وأزاغ قلوَهم فلمم تعمد‬
                     ‫ِالحة للهدى . وضلوا فكتب اهلل عليهم الضالل أَدا: (واهلل ال يهدي القوم الفاسقين). .‬

        ‫وَهذا انتهت قوامتهم على دين اهلل , فلم يعودوا يِلحون لهذا األمر , وهم على هذا الزيغ والضالل .‬

                                                         ‫ثم جاء عيسى َن مريم . جاء يقول لَني إسرائيل:‬

                                                                   ‫(يا َني إسرائيل إني رسول اهلل إليكم). .‬

                                        ‫فلم يقل لهم:إنه اهلل , وال إنه اَن اهلل , وال إنه أقنوم من أقانيم اهلل .‬

                            ‫(مِدقا لما َين يدي من التوراة ومَشرا َرسول يأتي من َعدي اسمه أحمد). .‬

‫في هذه الِيغة التي تِور حلقات الرسالة المتراَطة , يسلم َعضها إلى َعض , وهي متماسكة في حقيقتها ,‬
‫واحدة في اتجاهها , ممتدة من السماء إلى األرض , حلقة َعد حلقة في السلسلة الطويلة المتِملة . . وهمي‬
‫الِورة الالئقة َعمل اهلل ومنهجه . فهو منهج واحد في أِله , متعدد في ِوره , وفق اسمتعداد الَشمرية‬
‫وحاجاتها وطاقاتها , ووفق تجارَها ورِيدها من المعرفة حتى تَلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري , فتجيء‬
‫الحلقة األخيرة في الِورة األخيرة كاملة شاملة , تخاطب العقل الراشد , في ضوء تلك التجارب , وتطلق هذا‬
                                                                                                    ‫العقل يعمل في حدوده ,‬




‫َ يد َّ م َ الت ْر ِ َم َش ا ِ َس ل‬       ‫ُ َ ي َ ن ِ ْر َ ِن َس ُ الله ِ ْك م َد ً ِّ‬                        ‫َإ ْ َ س‬
‫وِذ قَال عِي َى اَْن مرْ َم يَا َ ِي إس َائِيل إ ِّي ر ُول َّ ِ إلَي ُم ُِّ ِّقا لمَا َيْن َ َي ِن َّو َاة و َُ ِّرً َر ُو ٍ‬
 ‫الل ِ‬    ‫َ‬    ‫َم ْ َ ْ ُ ِم ِ َ‬           ‫ه َ َي ت ل ه س مَ‬                            ‫ْم ُ ْم ُ ََم‬       ‫ت م د‬
 ‫يَأْ ِي ِن َعْ ِي اس ُه أَح َد فل َّا جَاء ُم ِالَْ ِّنَا ِ قَاُوا َذَا ِحْر ُّ ِين (6) و َن أظلَم م َّن افْترَى علَمى َّمه‬
                                                         ‫م الظ ِم ن‬               ‫ِ ْ ِ َالل ُ َ‬           ‫ْ ذب ه َ ي ع ِ‬
                                                    ‫الكَ ِ َ وَ ُو ُدْ َى إلَى الْإسلَام و َّه لَا يهْدِي الْقَوْ َ َّال ِي َ( 7 )‬
                                 ‫داخل نطاق المنهج المرسوم لإلنسان في جملته , المتفق مع طاقاته واستعداداته .‬

‫وَشارة المسيح َأحمد ثاَتة َهذا النص , سواء تضمنت األناجيل المتداولة هذه الَشارة أم لم تتضمنها . فثاَت‬
   ‫أن الطريقة التي كتَت َها هذه األناجيل والظروف التي أحاطت َها ال تجعلها هي المرجع في هذا الشأن .‬

‫وقد قرئ القرآن على اليهود والنِارى في الجزيرة العرَية وفيه: (النَي األمي الذي يجدونه مكتوَا عنمدهم‬
‫في التوراة واإلنجيل). . وأقر َعض المخلِين من علمائهم الذين أسلموا كعَداهلل َن سالم َهذه الحقيقة , التي‬
                                                                                                  ‫كانوا يتواِون َتكتمها !‬

‫كما أنه ثاَت من الروايات التاريخية أن اليهود كانوا ينتظرون مَعث نَي قد أظلهم زمانه , وكمذلك َعمض‬
‫الموحدين المنعزلين من أحَار النِارى في الجزيرة العرَية . ولكن اليهود كانوا يريدونه منهم . فلما شاء اهلل‬
                                               ‫أن يكون من الفر اآلخر من ذرية إَراهيم , كرهوا هذا وحارَوه !‬

                   ‫وعلى أية حال فالنص القرآني َذاته هو الفيِل في مثل هذه األخَار . وهو القول األخير . .‬

                                ‫الدرس الراَع:7 - 9 فشل األعداء في ضرب اإلسالم ووعد اهلل َظهوره ونِره‬

‫ويَدو أن اآليات التالية في السورة جاءت على األكثر َِدد استقَال َني إسرائيل - اليهمود والنِمارى -‬
‫للنَي الذي َشرت َه كتَهم . والتنديد َهذا االستقَال , وكيدهم للدين الجديد الذي قدر اهلل أن يظهره على الدين‬
                                                                                      ‫كله , وأن يكون هو الدين األخير !‬

‫فلما جاءهم َالَينات قالوا:هذا سحر مَين . ومن أظلم ممن افترى على اهلل الكذب وهو يدعى إلى اإلسمالم ?‬
‫واهلل ال يهدي القوم الظالمين , يريدون ليطفئوا نور اهلل َأفواههم , واهلل متم نوره ولوكره الكافرون . هو الذي‬
                                 ‫أرسل رسوله َالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . .‬
‫ولقد وقف َنو إسرائيل في وجه الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل , وحارَوه َشتى الوسائل والطرق‬
‫حرَا شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم . حارَوه َاالتهام( :فلما جاءهم َالَينات قالوا:هذا سحر مَمين). .‬
‫كما قال الذين ال يعرفون الكتب وال يعرفون الَشارة َالدين الجديد . وحارَوه َالدس والوقيعة داخل المعسكر‬
‫اإلسالمي , لإليقا َين المهاجرين واألنِار في المدينة , وَين األوس والخزرج من األنِمار . وحمارَوه‬
‫َالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة . وحارَوه َاالنضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع فمي‬
‫غزوة األحزاب . وحارَوه َاإلشاعات الَاطلة كما جرى في حديث اإلفك على يد عَداهلل َن أَي َن سملول ,‬
 ‫ثم ما جرى في فتنة عثمان على يد عدو اهلل عَداهلل َن سَأ . وحارَوه َاألكاذيب واإلسرائيليات التي دسوها‬
                    ‫في الحديث وفي السيرة وفي التفسير - حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم .‬

‫ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة . فقد دأَت الِمهيونية العالميمة والِمليَية‬
‫العالمية على الكيد لإلسالم , وظلتا تغيران عليه أو تؤلَان عليه في غير وناة وال هدنة في جيل من األجيال .‬
‫حارَوه في الحروب الِليَية في المشرق , وحارَوه في األندلس في المغرب , وحارَوه في الوسط في دولة‬
‫الخالفة األخيرة حرَا شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه "الرجل المريض" . . واحتاجوا أن‬
‫يخلقوا أَطاال مزيفين في أرض اإلسالم يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد اإلسمالم . فلمما أرادوا‬
‫تحطيم "الخالفة " واإلجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم اإلسالمي ِنعوا فمي تركيما "َطمال" ! . .‬
‫ونفخوا فيه . وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل األستانة أمامه لتحقق منه َطال في أعين مواطنيمه .‬
 ‫َطال يستطيع إلغاء الخالفة , وإلغاء اللغة العرَية وفِل تركيا عن المسلمين , وإعالنها دولة مدنية ال عالقة‬




‫هو الذ َ ْ َ َس ه َ ْهد ود ن‬                 ‫ِه َالله م ِم ن ره َ َره ْ ِر ن‬                            ‫ُر د ن ل ُ فؤ ن َ الله‬
‫ي ِي ُو َ ِيطْ ِ ُوا ُور َّ ِ َِأَفْوَاه ِمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ ولَوْ ك ِ َ الكَاف ُو َ (8) ُ َ َّ ِي أرسلَ ر ُولَ ُ ِال ُ َى َ ِي ِ‬
                                                                        ‫ح ِّ ل ُ ْ ِر ُ َ الد ِ كل ِ َ ْ َره ْ ُ ْ ِك ن‬
                                                                   ‫الْ َق ِيظه َه علَى ِّين ُِّه ولَو ك ِ َ المشر ُو َ( 9 )‬
‫لها َالدين ! وهم يكررون ِنع هذه الَطوالت المزيفة كلما أرادوا أن يضرَوا اإلسالم والحركات اإلسمالمية‬
                  ‫في َلد من َالد المسلمين , ليقيموا مكانه عَِية غير عَِية الدين ! وراية غير راية الدين .‬

                                          ‫(يريدون ليطفئوا نور اهلل َأفواههم . واهلل متم نوره ولو كره الكافرون). .‬

‫وهذا النص القرآني يعَر عن حقيقة , ويرسم في الوقت ذاته ِورة تدعو إلى الرثاء واالستهزاء ! فهي حقيقة‬
‫أنهم كانوا يقولون َأفواههم: (هذا سحر مَين). . ويدسون ويكيدون محاولين القضاء على الدين الجديد . وهي‬
                  ‫ِورة َائسة لهم وهم يحاولون إطفاء نور اهلل َنفخة من أفواههم وهم هم الضعاف المهازيل !‬

‫(واهلل متم نوره ولو كره الكافرون). . وِدق وعد اهلل . أتم نوره في حياة الرسول [ ص ] فأقمام الجماعمة‬
‫اإلسالمية ِورة حية واقعة من المنهج اإللهي المختار . ِورة ذات معالم واضمحة وحمدود مرسمومة ,‬
‫تترسمها األجيال ال نظرية في َطون الكتب , ولكن حقيقة في عالم الواقع . وأتم نوره فأكمل للمسلمين دينهم‬
‫وأتم عليهم نعمته ورضي لهم اإلسالم دينا يحَونه , ويجاهدون في سَيله , ويرضى أحدهم أن يلقى في النار‬
‫وال يعود إلى الكفر . فتمت حقيقة الدين في القلوب وفي األرض سواء . وما تزال هذه الحقيقة تنَعمث َمين‬
‫الحين والحين . وتنَض وتنتفض قائمة - على الرغم من كل ما جرد على اإلسالم والمسلمين من حرب وكيد‬
‫وتنكيل وتشريد وَطش شديد . ألن نور اهلل ال يمكن أن تطفئه األفواه , وال أن تطمسه كذلك النار والحديمد ,‬
‫في أيدي العَيد ! وإن خيل للطغاة الجَارين , ول َطال المِنوعين على أعين الِليَيين واليهود أنهم َمالغو‬
                                                                                        ‫هذا الهدف الَعيد !‬

                                           ‫لقد جرى قدر اهلل أن يظهر هذا الدين , فكان من الحتم أن يكون:‬

                ‫(هو الذي أرسل رسوله َالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون . .)‬

‫وشهادة اهلل لهذا الدين َأنه (الهدى ودين الحق)هي الشهادة . وهي كلمة الفِل التي ليس َعدها زيادة . ولقمد‬
‫تمت إرادة اهلل فظهر هذا الدين على الدين كله . ظهر في ذاته كدين , فما يثَت له دين آخر في حقيقته وفمي‬
‫طَيعته . فأما الديانات الوثنية فليست في شيء في هذا المجال . وأما الديانات الكتاَية فهذا الدين خاتمتهما ,‬
        ‫وهو الِورة األخيرة الكاملة الشاملة منها , فهو هي , في الِورة العليا الِالحة إلى نهاية الزمان .‬

‫ولقد حرفت تلك الديانات وشوهت ومزقت وزيد عليها ما ليس منها , ونقِت من أطرافها , وانتهت لحال ال‬
‫تِلح معه لشيء من قيادة الحياة . وحتى لو َقيت من غير تحريف وال تشويه فهي نسخة ساَقة لم تشمل كل‬
                                       ‫مطالب الحياة المتجددة أَدا , ألنها جاءت في تقدير اهلل ألمد محدود .‬

‫فهذا تحقيق وعد اهلل من ناحية طَيعة الدين وحقيقته . فأما من ناحية واقع الحياة , فقد ِدق وعد اهلل ممرة ,‬
‫فظهر هذا الدين قوة وحقيقة ونظام حكم على الدين كله فدانت له معظم الرقعة المعمورة في األرض في مدى‬
‫قرن من الزمان . ثم زحف زحفا سلميا َعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقية , حتى دخل فيه َالمدعوة المجمردة‬
‫خمسة أضعاف من دخلوا في إَان الحركات الجهادية األولى . . وما يزال يمتد َنفسه دون دولة واحدة - منذ‬
‫أن قضت الِهيونية العالمية والِليَية العالمية على الخالفة األخيرة في تركيا على يمدي" الَطمل" المذي‬
‫ِنعوه ! - وعلى الرغم من كل ما يرِد له في أنحاء األرض من حرب وكيد , ومن تحطميم للحركمات‬
‫اإلسالمية الناهضة في كل َلد من َالد اإلسالم على أيدي "أَطال" آخرين من ِمنع الِمهيونية العالميمة‬
                                                                          ‫والِليَية العالمية على السواء .‬

‫وما تزال لهذا الدين أدوار في تاريخ الَشرية يؤديها , ظاهرا َإذن اهلل على الدين كله تحقيقا لوعد اهلل , المذي‬
                                   ‫ال تقف له جهود العَيد المهازيل , مهما َلغوا من القوة والكيد والتضليل !‬
  ‫ت ْمن َ ِالل ِ َ َس ِ وتج ه د َ ف‬            ‫ُّ الذ َ من َ ْ دُّك ْ َ تج ر ٍ ت ج ك م عذ ب َل ٍ‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آَ َ ُوا هل أَ ُل ُم علَى ِ َا َة ُن ِي ُم ِّنْ َ َا ٍ أِيم (11) ُؤ ِ ُون َ َّه ور ُولِه َ ُ َا ِم ُون ِمي‬
  ‫َ ِ ْ َك ْ ذن ك وي ِ ْك ْ َن ت ْر م‬                   ‫َّك ْ إ ك ت َ َْم َ‬          ‫س ل الل ِ َ و ِك ْ َ ُ ِك ْ َِك ْ‬
‫ََِي ِ َّه َِأمْ َال ُم وأَنفس ُم ذل ُم خَيْر ل ُم ِن ُن ُمْ تعل ُون (11) يغْفر ل ُم ُ ُوَ ُمْ َ ُدْخل ُم ج َّا ٍ تَج ِي ِمن‬
                                                     ‫َن ِ ع ن َِك ْ ُ ْ َظ ُ‬               ‫ْه ُ َ َ ك َ َي ً‬              ‫ِ‬
                                                ‫تَحْتهَا الْأَن َار ومسَا ِن ط ِّ َة فِي ج َّات َدْ ٍ ذل َ الْفَوز الع ِيم (21)‬
‫ولقد كانت تلك اآليات حافزا للمؤمنين المخاطَين َها على حمل األمانة التي اختارهم اهلل لها َعد أن لم يرعها‬
‫اليهود والنِارى . وكانت تطمينا لقلوَهم وهم ينفذون قدر اهلل في إظهار دينه الذي أراده ليظهر , وإن هم إال‬
 ‫أداة . وما تزال حافزا ومطمئنا لقلوب المؤمنين الواثقين َوعد رَهم , وستظل تَعث في األجيال القادمة مثل‬
                                        ‫هذه المشاعر حتى يتحقق وعد اهلل مرة أخرى في واقع الحياة . َإذن اهلل .‬

      ‫الدرس الخامس:11 - 41 الجهاد الراَح ومكاسَه وثمراته في الدنيا واآلخرة والدعوة ليكونوا أنِار اهلل‬

‫وفي ظالل قِة العقيدة , وفي مواجهة وعد اهلل َالتمكين لهذا الدين األخير , يهتف القرآن الكريم َالذين آمنوا‬
‫. . من كان يواجه ذلك الخطاب ومن يأتي َعدهم من المؤمنين إلى يوم الدين . . يهتف َهم إلى أرَح تجارة‬
                                                       ‫في الدنيا واآلخرة . تجارة اإليمان َاهلل والجهاد في سَيل اهلل:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون َاهلل ورسوله وتجاهدون في سمَيل‬
‫اهلل َأموالكم وأنفسكم . ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوَكم ويدخلكم جنات تجري ممن تحتهما‬
‫األنهار ومساكن طيَة في جنات عدن , ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحَونها:نِر من اهلل وفتح قريب , وَشر‬
                                                                                                                ‫المؤمنين). .‬

‫وِيغة التعَير َما فيها من فِل ووِل , واستفهام وجواب , وتقديم وتأخير , ِيغة ظاهر فيها القِد إلى‬
                                                         ‫إقرار هذا الهتاف في القلوب َكل وسائل التأثير التعَيرية .‬

‫يَدأ َالنداء َاسم اإليمان: يا أيها الذين آمنوا . . يليه االستفهام الموحي . فاهلل - سَحانه - هو المذي يسمألهم‬
                                         ‫ويشوقهم إلى الجواب: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ?). .‬

‫ومن ذا الذي ال يشتاق ألن يدله اهلل على هذه التجارة ? وهنا تنتهي هذه اآلية , وتنفِل الجملتمان للتشمويق‬
‫َانتظار الجواب المرموق . ثم يجيء الجواب وقد ترقَته القلوب واألسما : (تؤمنون َاهلل ورسوله). . وهمم‬
‫مؤمنون َاهلل ورسوله . فتشرق قلوَهم عند سما شطر الجواب هذا المتحقق فيهم ! (وتجاهدون في سَيل اهلل‬
 ‫َأموالكم وأنفسكم). . وهو الموضو الرئيسي الذي تعالجه السورة , يجيء في هذا األسلوب , ويكرر همذا‬
‫التكرار , ويساق في هذا السياق . فقد علم اهلل أن النفس الَشرية في حاجة إلى هذا التكرار , وهذا التنويمع ,‬
‫وهذه الموحيات , لتنهض َهذا التكليف الشاق , الضروري الذي ال مفر منه إلقامة هذا المنهج وحراسته فمي‬
‫األرض . . . ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها َالتحسين والتزيين: (ذلكم خير لكم إن كنمتم‬
‫تعلمون). . فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير األكيد . . ثم يفِل هذا الخير في آية تالية مستقلة , ألن‬
‫التفِيل َعد اإلجمال يشوق القلب إليه , ويقره في الحس ويمكن له: (يغفر لكم ذنوَكم . .)وهذه وحدها تكفي .‬
‫فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنَه ثم يتطلع َعدها إلى شيء ? أو يدخر في سَيلها شيئا ? ولكن فضمل اهلل‬
‫ليست له حدود: (ويدخلكم جنات تجري من تحتها األنهار ومساكن طيَة في جنات عدن). . وإنهما ألرَمح‬
‫تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القِيرة - حتى حين يفقد هذه الحياة كلها - ثم يعوض عنها تلك الجنمات‬
                                           ‫وهذه المساكن في نعيم مقيم . . وحقا . . (ذلك الفوز العظيم). .‬

‫وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الراَحة . وإنه لرَح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخمذ اآلخمرة .‬
‫فالذي يتجر َالدرهم فيكسب عشرة يغَطه كل من في السوق . فكيف َمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه‬
‫األرض , ومتا محدود في هذه الحياة الدنيا , فيكسب َه خلودا ال يعلم له نهاية إال ما شاء اهلل , ومتاعا غير‬
                                                                                         ‫مقطو وال ممنو ?‬




                                                ‫م َ الل ِ و َر وَ ِّر ْم ْمن ن‬                    ‫َأ ْر تحَ َ‬
                                          ‫وُخ َى ُ ِ ُّونهَا نَِْر ِّن َّه َفَتْح ق ِيب َ َش ِ ال ُؤ ِ ِي َ( 31 )‬
‫لقد تمت المَايعة على هذه الِفقة َين رسول اهلل [ ص ] وعَداهلل َن رواحة - رضي اهلل عنه - ليلة العقَة .‬
‫قال لرسول اهلل [ ص ]:"اشترط لرَك ولنفسك ما شئت" . فقال [ ص ]:" أشترط لرَي أن تعَدوه وال تشركوا‬
‫َه شيئا , وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . . قال:فما لنا إذا فعلنا ذلك ? قال:"‬
                                                            ‫الجنة " قالوا ":رَح الَيع وال نقيل وال نستقيل" !‬

‫ولكن فضل اهلل عظيم . وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق َشيء قريب في هذه األرض , يناسب تركيَهما‬
‫الَشري المحدود . وهو يستجيب لها فيَشرها َما قدره في علمه المكنون من إظهار هذا الدين فمي األرض ,‬
‫وتحقيق منهجه وهيمنته على الحياة في ذلك الجيل(:وأخرى تحَونها:نِر من اهلل وفمتح قريمب . وَشمر‬
                                                                                                   ‫المؤمنين). .‬

‫وهنا تَلغ الِفقة ذروة الرَح الذي ال يعطيه إال اهلل . اهلل الذي ال تنفد خزائنه , والذي ال ممسمك لرحمتمه .‬
‫فهي المغفرة والجنات والمساكن الطيَة والنعيم المقيم في اآلخرة . وفوقها . . فوق الَيعة الراَحة والِمفقة‬
           ‫الكاسَة النِر والفتح القريب . . فمن الذي يدله اهلل على هذه التجارة ثم يتقاعس عنها أو يحيد ?!‬

‫وهنا يعن للنفس خاطر أمام هذا الترغيب والتحَيب . . إن المؤمن الذي يدرك حقيقة التِور اإليماني للكون‬
‫والحياة ; ويعيش َقلَه في هذا التِور ; ويطلع على آفاقه وآماده ; ثم ينظر للحياة َغير إيمان , في حمدودها‬
‫الضيقة الِغيرة , وفي مستوياتها الهاَطة الواطية , وفي اهتماماتها الهزيلة الزهيدة . . هذا القلب ال يطيق أن‬
‫يعيش لحظة واحدة َغير ذلك اإليمان , وال يتردد لحظة واحدة في الجهاد لتحقيق ذلك التِور الضخم الوسيع‬
‫الرفيع في عالم الواقع , ليعيش فيه , وليرى الناس من حوله يعيشون فيه كذلك . . ولعله ال يطلب على جهاده‬
‫هذا أجرا خارجا عن ذاته . فهو ذاته أجر . . هذا الجهاد . . وما يسكَه في القلب من رضى وارتياح . ثم إنه‬
 ‫ال يطيق أن يعيش في عالم َال إيمان . وال يطيق أن يقعد َال جهاد لتحقيق عالم يسوده اإليمان . فهو مدفو‬
                                                                                ‫دفعا إلى الجهاد . كائنا مِيره فيه ما يكون . .‬

‫ولكن اهلل - سَحانه - يعلم أن النفس تضعف , وأن االندفا يهَط , وأن الجهد يكل وأن حب السالمة قد يهَط‬
                                                                  ‫َتلك المشاعر كلها ويقودها إلى الرضى َالواقع الهاَط . .‬

‫ومن ثم يجاهد القرآن هذه النفس ذلك الجهاد ; ويعالجها ذلك العالج , ويهتف لها َالموحيات والمؤثرات ذلمك‬
‫الهتاف المتكرر المتنو , في شتى المناسَات . وال يكلها إلى مجرد اإليمان , وال إلى نداء واحد َاسم همذا‬
                                                                                                                                  ‫اإليمان .‬

                         ‫فهذا هو ذا يختم السورة َنداء جديد , يحمل طاَعا جديدا , وإغراء جديدا , وموحيا جديدا :‬

‫يا أيها الذين آمنوا كونوا أنِار اهلل , كما قال عيسى َن مريم للحواريين:ممن أنِماري إلمى اهلل ? قمال‬
‫الحواريون:نحن أنِار اهلل . فآمنت طائفة من َني إسرائيل وكفرت طائفة . فأيدنا الذين آمنوا على عمدوهم‬
                                                                                                                 ‫فأَِحوا ظاهرين . .‬

‫والحواريون هم تالميذ المسيح - عليه السالم - قيل:االثنا عشر الذين كانوا يلوذون َه , وينقطعون للتلقي عنه‬
                                                                 ‫. وهم الذين قاموا َعد رفعه َنشر تعاليمه وحفظ وِاياه .‬

‫واآلية هنا تهدف إلى تِوير موقف ال إلى تفِيل قِة , فنسير نحن معها في ظاللها المقِودة إلى الغايمة‬
                                                                                        ‫من سردها في هذا الموضع من السورة .‬

‫(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنِار اهلل). . في هذا الموضع الكريم الذي يرفعكم إليه اهلل . وهل أرفع من مكان‬
‫يكون فيه العَد نِيرا للرب ?! إن هذه الِفة تحمل من التكريم ما هو أكَر من الجنة والنعميم . . كونموا‬
           ‫أنِار اهلل , (كما قال عيسى َن مريم للحواريين:من أنِاري إلى اهلل ? قال الحواريون:نحن أنِار‬




‫حو ِي ن‬               ‫ن َ يم ِ حو ِي ن م ِ ر ِ الله‬                                       ‫ِ ر الله َم‬           ‫ُّ الذ َ َمن ك‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ُونوا أَن َا َ َّ ِ ك َا قَالَ عِيسَى اَْ ُ مرْ َ َ للْ َ َار ِّي َ َنْ أَن َا ِي إلَى َّ ِ قَالَ الْ َ َار ُّو َ‬
‫ح َ ِر ن‬                ‫َ َر ط ة َي الذ ن َمن َ ع ُوه‬                                    ‫ِ ْر‬       ‫ن ِ ر الله َم ط ة م‬
‫نَحْ ُ أَن َا ُ َّ ِ فَآ َنَت َّائِفَ ٌ ِّن َنِي إس َائِيلَ وكَف َت َّائِفَ ٌ فَأ َّدْنَا َّ ِي َ آ َ ُوا علَى َد ِّ ِمْ فَأَِْ َ ُوا ظاه ِي َ‬
                                                                                                                                    ‫(41 )‬
‫اهلل . .)فانتدَوا لهذا األمر ونالوا هذا التكريم . وعيسى جاء ليَشر َالنَي الجديد والدين األخير . . فما أجمدر‬
‫أتَا محمد أن ينتدَوا لهذا األمر الدائم , كما انتدب الحواريون ل مر الموقوت ! وهذه هي اللمسة الواضمحة‬
                                                                    ‫في عرض هذا الحوار في هذا السياق .‬

                                                                                      ‫وماذا كانت العاقَة ?‬

         ‫(فآمنت طائفة من َني إسرائيل وكفرت طائفة , فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأَِحوا ظاهرين). .‬

‫وتأويل هذا النص يمكن أن ينِرف إلى أحد معنيين:إما أن الذين آمنوا َرسالة عيسمى عليمه السمالم همم‬
‫المسيحيون إطالقا من استقام ومن دخلت في عقيدته االنحرافات , وقد أيدهم اهلل على اليهود الذين لم يؤمنوا َه‬
‫أِال كما حدث في التاريخ . وإما أن الذين آمنوا هم الذين أِروا على التوحيد في وجه الممؤلهين لعيسمى‬
‫والمثلثين وسائر النحل التي انحرفت عن التوحيد . ومعنى أنهم أَِحوا ظاهرين أي َالحجة والَرهمان . أو‬
‫أن التوحيد الذي هم عليه هو الذي أظهره اهلل َهذا الدين األخير ; وجعل له الجولة األخيرة في األرض كمما‬
                                ‫وقع في التاريخ . وهذا المعنى األخير هو األقرب واألرجح في هذا السياق .‬

‫والعَرة المستفادة من هذه اإلشارة ومن هذا النداء هي العَرة التي أشرنا إليها , وهي استنهاض همة المؤمنين‬
‫َالدين األخير , األمناء على منهج اهلل في األرض , ورثة العقيدة والرسالة اإللهية . المختارين لهذه المهممة‬
‫الكَرى . استنهاض همتهم لنِرة اهلل ونِرة دينه (كما قال عيسى َن مريم للحواريين:من أنِاري إلى اهلل‬
                            ‫? قال الحواريون:نحن أنِار اهلل). . والنِر في النهاية ألنِار اهلل المؤمنين .‬

‫إنها الجولة األخيرة في السورة , واللمسة األخيرة في السياق ; وهي ذات لون وذات طعم يناسَان جو السورة‬
                                              ‫وسياقها , مع ما فيها من تجدد في اللون وتنو في المذاق . .‬
                                             ‫سورة الجمعة‬

                                     ‫َ ض ْ َِك ُد س ْ َ ِ َك ِ‬                          ‫َّ و ِ َ‬             ‫ُ ََح ِل ِ‬
                                 ‫يس ِّ ُ لَّه مَا فِي السمَا َات ومَا فِي الْأرْ ِ المل ِ الْق ُّو ِ العزِيز الْح ِيم (1)‬

                                                                                                         ‫سورة الجمعة‬

                                                                                                  ‫تقديم لسورة الجمعة‬

‫نزلت هذه السورة َعد سورة "الِف" الساَقة . وهي تعالج الموضو الذي عالجته سورة الِف , ولكن من‬
                                                               ‫جانب آخر , وَأسلوب آخر , وَمؤثرات جديدة .‬

‫إنها تعالج أن تقر في أخالد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة اإليمانية ;‬

‫وأن هذا فضل من اهلل عليها ; وأن َعثة الرسول األخير في األميين - وهم العرب - منمة كَمرى تسمتحق‬
‫االلتفات والشكر , وتقتضي كذلك تكاليف تنهض َها المجموعة التي استجاَت للرسول , واحتملت األمانمة ;‬
‫وأنها موِولة على الزمان غير مقطوعة وال منَتة , فقد قدر اهلل أن تنمو هذه الَذرة وتمتد . َعدما نكل َنمو‬
‫إسرائيل عن حمل هذه األمانة وانقطعت ِلتهم َأمانة السماء ; وأَِحوا يحملون التوراة كالحممار يحممل‬
                                             ‫أسفارا , وال وظيفة له في إدراكها , وال مشاركة له في أمرها !‬

‫تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين . من كان منهم في المدينة يوممذاك‬
‫على وجه الخِوص , وهم الذين ناط اهلل َهم تحقيق المنهج اإلسالمي في ِورة واقعة . ومن يأتي َعمدهم‬
                                     ‫ممن أشارت إليهم السورة , وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان .‬

‫وفي الوقت ذاته تعالج السورة َعض الحاالت الواقعة في تلك الجماعة األولى ; في أثناء عملية الَناء النفسمي‬
‫العسيرة المتطاولة الدقيقة . وتخلِها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغَمة العاجلمة فمي المرَح ,‬
‫وموروثات الَيئة والعرف . وَخاِة حب المال وأسَاَه الملهية عن األمانة الكَرى , واالستعداد النفسي لها .‬
‫وتشير إلى حادث معين . حيث كان رسول اهلل [ ص ] يخطَهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة ممن‬
‫قوافلهم التجارية ; فما إن أعلن نَأ قدومها حتى انفض المستمعون منِرفين إلى التجارة واللهو الذي كانمت‬
‫القافلة تحاط َه - على عادة الجاهلية - من ضرب َالدفوف وحداء وهيِة ! وتركوا رسول اهلل [ ص ] قائما‬
‫. فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أَو َكر وعمر َقوا يستمعون ! كما تذكر الروايات , التمي قمد ال‬
‫تكون دقيقة من حيث العدد , ولكنها ثاَتة من حيث وقو هذه الحركة من عدد من الحاضرين اقتضى التنَيمه‬
                                                                                             ‫إليها في القرآن الكريم .‬
‫وهي حادثة تكشف َذاتها عن مدى الجهد الذي َذل في ترَية تلك الجماعة األولى حتى انتهت إلى ما انتهمت‬
‫إليه ; وحتى ِارت ذلك النموذج الفريد في تاريخ اإلسالم وفي تاريخ الَشرية جميعا . وتلهمنا الَِر علمى‬
‫مشقة َناء النفوس في أي جيل من األجيال , لتكوين الجماعة المسلمة التي تنهض َحمل أمانة هذه العقيمدة ,‬
                                                         ‫وتحاول تحقيقها في عالم الواقع كما حققتها الجماعة األولى .‬

‫وفي السورة مَاهلة مع اليهود , َدعوتهم إلى تمني الموت للمَطلين من الفريقين وذلك ردا على دعواهم أنهم‬
‫أولياء اهلل من دون الناس , وأنهم شعب اهلل المختار , وأن َعثة الرسول في غيرهم ال تكمون ! كمما كمانوا‬
‫يدعون ! مع جزم القرآن َأنهم لن يقَلوا هذه المَاهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ََطالن دعواهم .‬
‫وتعقب السورة على هذا َتقرير حقيقة الموت الذي يفرون منه , وأنه مالقيهم مهما فروا , وأنهم مردودون إلى‬
‫عالم الغيب والشهادة فمنَئهم َما كانوا يعملون . . وهو تقرير ال يخص اليهود وحدهم , إنما يلقيمه القمرآن‬
‫ويدعه يفعل فعله في نفوس المؤمنين كذلك . فهذه الحقيقة ال َد أن تستقر في نفوس حملمة أمانمة اهلل فمي‬
                                                                     ‫األرض , لينهضوا َتكاليفها وهم يعرفون الطريق !‬

‫هذا هو اتجاه السورة , وهو قريب من اتجاه سورة الِف قَلها , مع تميز كل منهما َالجانب الذي تعالجمه ,‬
‫وَاألسلوب الذي تأخذ القلوب َه , والظالل التي تلقيها هذه وتلك في اإلتجاه الواحد العام . فلننظر كيف يتناول‬
                                                                                          ‫األسلوب القرآني هذا االتجاه . .‬

                                                                                  ‫الدرس األول:1 تسَيح ما في الوجود هلل‬

                                     ‫(يسَح هلل ما في السماوات وما في األرض , الملك القدوس العزيز الحكيم). .‬




‫ُ‬       ‫ن م‬          ‫ه و ُ َك ه ْ و ُعِّ ُه ُ ْك َ و ِ ْ َ َ‬              ‫أ ِّي َ َس ً م ْه ْ ي ْل َ ْه‬            ‫ع َ‬     ‫هو ال‬
‫ُ َ َّذِي َ َث فِي الُْم ِّين ر ُوال ِّن ُم َتُو علَي ِمْ آيَاتِ ِ َيز ِّي ِم َي َلم ُم ال ِتَاب َالْحكمَة وإِن كَا ُوا ِن قََْمل‬
                                                                                                             ‫َ ٍ مَ ٍ‬
                                                                                                         ‫لَفِي ضلَال ُّ ِين (2)‬
‫هذا المطلع يقرر حقيقة التسَيح المستمرة من كل ما في الوجود هلل ; ويِفه - سَحانه - َِفات ذات عالقة‬
‫لطيفة َموضو السورة . السورة التي اسمها "الجمعة " وفيها تعليم عن ِالة الجمعة , وعن التفرغ لذكر اهلل‬
‫في وقتها , وترك اللهو والتجارة , واَتغاء ما عند اهلل وهو خير ممن اللهمو وممن التجمارة . وممن ثمم‬
‫تذكر:(الملك). . الذي يملك كمل شميء َمناسمَة التجمارة التمي يسمارعون إليهما اَتغماء الكسمب .‬
 ‫وتذكر(القدوس)الذي يتقدس ويتنزه ويتوجه إليه َالتقديس والتنزيه كل ما في السماوات واألرض , َمناسمَة‬
‫اللهو الذي ينِرفون إليه عن ذكره . وتذكر(العزيز). . َمناسَة المَاهلة التي يدعى إليها اليهود والموت الذي‬
‫ال َد أن يالقي الناس جميعا والرجعة إليه والحساب . وتذكر(الحكيم). . َمناسَة اختياره األميين ليَعث فيهم‬
     ‫رسوال يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . وكلها مناسَات لطيفة المدخل واالتِال .‬

                                         ‫الدرس الثاني:2 - 4 مهمة الرسول وطَيعة رسالته وأثره في أمته‬

                                                                    ‫ثم يَدأ في موضو السورة الرئيسي:‬

‫(هو الذي َعث في األميين رسوال منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم , ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا ممن‬
                               ‫قَل لفي ضالل مَين . وآخرين منهم لما يلحقوا َهم , وهو العزيز الحكيم). .‬

‫قيل إن العرب سموا األميين ألنهم كانوا ال يقرأون وال يكتَون - في األعم األغلب - وروي عن النَي [ ص ]‬
‫أنه قال:الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار َأِاَعه وقال:" إنا نحن أمة أمية ال نحسب وال نكتب " . . وقيل:إنما‬
        ‫سمي من ال يكتب أميا ألنه نسب إلى حال والدته من األم , ألن الكتاَة إنما تكون َاالستفادة والتعلم .‬

‫ورَما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من األمم:إنهم "جوييم" َاللغة العَرية أي أمميون . نسَة‬
‫إلى األمم - َوِفهم هم شعب اهلل المختار وغيرهم هم األمم - ! والنسَة في العرَية إلى المفرد . . أمة . .‬
                                              ‫أميون . ورَما كان هذا أقرب َالنسَة إلى موضو السورة .‬

‫ولقد كان اليهود ينتظرون مَعث الرسول األخير منهم , فيجمعهم َعد فرقة , وينِرهم َعد هزيمة , ويعزهم‬
                        ‫َعد ذل . وكانوا يستفتحون َهذا على العرب , أي يطلَون الفتح َذلك النَي األخير .‬

‫ولكن حكمة اهلل اقتضت أن يكون هذا النَي من العرب , من األميين غير اليهود ; فقد علم اهلل أن يهود قد فرغ‬
‫عنِرها من مؤهالت القيادة الجديدة الكاملة للَشرية - كما سيجيء في المقطع التالي في السمورة - وأنهما‬
‫زاغت وضلت كما جاء في سورة الِف . وأنها ال تِلح لحمل األمانة َعدما كان منها في تاريخها الطويل !‬

‫وكانت هناك دعوة إَراهيم خليل الرحمن - عليه الِالة والسالم - تلك الدعوة التي أطلقها في ظل الَيت هو‬
‫وإسماعيل عليه السالم:(وإذ يرفع إَراهيم القواعد من الَيت وإسماعيل . . رَنا تقَل منا إنك أنت السميع العليم‬
‫, رَنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . رَنا‬
   ‫واَعث فيهم رسوال منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . إنك أنت العزيز الحكيم). .‬

‫كانت هناك هذه الدعوة من وراء الغيب , ومن وراء القرون , محفوظة عند اهلل ال تضميع , حتمى يجميء‬
‫موعدها المقدور في علم اهلل , وفق حكمته ; وحتى تتحقق في وقتها المناسب في قدر اهلل وتنسميقه , وحتمى‬
  ‫تؤدي دورها في الكون حسب التدَير اإللهي الذي ال يستقدم معه شيء , وال يستأخر عن موعده المرسوم .‬
‫وتحققت هذه الدعوة - وفق قدر اهلل وتدَيره - َنِها الذي تعيده السورة هنا لتذكر َحكاية ألفاظ إَراهيم . .‬
‫(رسوال منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). . كما قال إَراهيم ! حتى ِفة اهلل في دعاء‬
‫إَراهيم: (إنك أنت العزيز الحكيم)هي ذاتها التي تعقب على التذكير َمنة اهلل وفضله هنما: (وهمو العزيمز‬
                                                                                                 ‫الحكيم).‬

‫وقد سئل رسول اهلل [ ص ] عن نفسه فقال:" دعوة أَي إَراهيم . وَشرى عيسى . ورأت أمي حين حملت َي‬
                                        ‫كأنه خرج منها نور أضاءت له قِور َِرى من أرض الشام " .‬

‫(هو الذي َعث في األميين رسوال منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قَل‬
                                                                                     ‫لفي ضالل مَين). .‬

‫والمنة ظاهرة في اختيار اهلل ل ميين ليجعلهم أهل الكتاب المَين ; وليرسل فيهم رسموال ممنهم , يرتفعمون‬
‫َاختياره منهم إلى مقام كريم ; ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم َتالوة آيات اهلل عليهم , وتغيير ما َهمم ,‬
                                                                               ‫وتمييزهم على العالمين . .‬

‫(ويزكيهم). . وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم َه الرسول [ ص ] تطهير للضمير والشعور ,‬
‫وتطهير للعمل والسلوك , وتطهير للحياة الزوجية , وتطهير للحياة االجتماعية . تطهير ترتفع َه النفوس من‬
‫عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ; ومن التِورات الَاطلة إلى االعتقاد الِحيح , ومن األساطير الغامضمة‬
 ‫إلى اليقين الواضح . وترتفع َه من رجس الفوضى األخالقية إلى نظافة الخلق اإليماني . ومن دنس الرَما‬
‫والسحت إلى طهارة الكسب الحالل . . إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع . تزكية‬
‫ترتفع َاإلنسان وتِوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتِل فيها َرَه , ويتعامل‬
                             ‫مع الم األعلى ; ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الم العلوي الكريم .‬

‫(ويعلمهم الكتاب والحكمة). . يعلمهم الكتاب فيَِحون أهل كتاب . ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق األمور ,‬
                          ‫ويحسنون التقدير , وتلهم أرواحهم ِواب الحكم وِواب العمل وهو خير كثير .‬

‫(وإن كانوا من قَل لفي ضالل مَين). . ضالل الجاهلية التي وِفها جعفر َن أَي طالب لنجاشي الحَشمة‬
‫حين َعثت قريش إليه عمرو َن العاص وعَداهلل َن أَي رَيعة ليكرهاه في المهاجرين من المسلمين , ويشوها‬
                                              ‫موقفهم عنده , فيخرجهم من ضيافته وجيرته . . فقال جعفر :‬

‫"أيها الملك . كنا قوما أهل جاهلية . نعَد األِنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع األرحام , ونسيء‬
‫الجوار , ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى َعث اهلل إلينا رسوال منا , نعرف نسَه وِمدقه‬
‫وأمانته وعفافه . فدعانا إلى اهلل لنوحده ولنعَده ونخلع ما كنا نعَد نحن وآَاؤنا من دونه من الحجارة واألوثان‬
‫; وأمرنا َِدق الحديث , وأداء األمانة , وِلة الرحم , وحسن الجوار , والكف عن المحارم والدماء . ونهانا‬
‫عن الفواحش وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحِنات . وأمرنا أن نعَد اهلل وال نشرك َه شميئا ,‬
                                                                                  ‫وأمرنا َالِالة والزكاة والِيام" . .‬



 ‫ْ ِ ْ َظ م‬         ‫َِك ْ ُ الل ِ ي ت ِ م َش ُ َالل ُ ذ‬        ‫و َر ن م ْه ْ َم َ ق ِه ْ ه َ ْ َ ُ َك ُ‬
 ‫َآخ ِي َ ِن ُم ل َّا يلْحَ ُوا َ ِم وَ ُو العزِيز الْح ِيم (3) ذل َ فَضل َّه ُؤْ ِيه َن ي َاء و َّه ُو الْفَضل الع ِمي ِ‬
‫ت الل ِ‬         ‫ِ الذ َ َذَ‬            ‫ً َ َ مَ ُ‬      ‫م َ ُ الذ َ ح ِّل الت ْر َ ث َّ ْ ي ْ ِل ه َم َل ِم ر ي ْ ِ ُ َ‬
‫)4( َثل َّ ِين ُمُوا َّو َاة ُم لَم َحمُو َا ك َث ِ الْح َا ِ َحمل أسْفَارا ِئْس َثل الْقَوْم َّ ِين ك َّ ُوا َِآيَا ِ َّمه‬
                                                                                          ‫َ الظ ِم َ‬             ‫َالل ُ َ‬
                                                                                      ‫و َّه لَا يهْدِي الْقَوْم َّال ِين (5)‬
‫ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من ضالل فقد علم اهلل أنهم هم حملة هذه العقيدة األمناء عليها , َما علمم‬
‫في نفوسهم من استعداد للخير والِالح ; ومن رِيد مذخور للدعوة الجديدة ; وقد فرغت منه نفوس اليهود‬
‫التي أفسدها الذل الطويل في مِر , فامت ت َالعقد وااللتواءات واالنحرافات , ومن ثم لم تستقيم أَدا َعد ذلك‬
‫, ال في حياة موسى عليه السالم , وال من َعده . حتى كتب اهلل عليهم لعنته وغضَه , وانتز من أيديهم أمانة‬
                                                                         ‫القيام على دينه في األرض إلى يوم القيامة .‬

‫وعلم اهلل أن الجزيرة في ذلك األوان هي خير مهد للدعوة التي جاءت لتحرير العالم كله من ضالل الجاهلية ,‬
‫ومن انحالل الحضارة في االمَراطوريات الكَيرة , التي كان سوس االنحالل قد نخر فيها حتى اللَاب ! هذه‬
                                                                       ‫الحالة التي يِفها كاتب أورَي حديث فيقول :‬

‫"ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى . ألن العقائد التي كانت‬
‫تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت , ولم يك ثم ما يعتد َه مما يقوم مقامها . وكان يَمدو إذ ذاك أن‬
‫المدنية الكَرى التي تكلف َناؤها أرَعة آالف سنة , مشرفة على التفكك واالنحالل ; وأن الَشرية توشمك أن‬
 ‫ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية , إذ القَائل تتحارب وتتناحر , ال قانون وال نظام . أما النظم التي‬
‫خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة واالنهيار َدال من االتحاد والنظام . وكانت المدنية , كشجرة ضخمة‬
‫متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله , واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللَاب . . . وَين مظاهر همذا‬
                                                               ‫الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه " . .‬

 ‫وهذه الِورة مأخوذة من زاوية النظر لكاتب أورَي . وهي من زاوية النظر اإلسالمية أشد عتاما وظالما !‬

‫وقد اختار اهلل - سَحانه - تلك األمة الَدوية في شَه الجزيرة الِحراوية لتحمل هذا الدين , َما علمم فمي‬
‫نفوسها وفي ظروفها من قاَلية لالستِالح وذخيرة مرِودة للَذل والعطاء . فأرسل فيهم الرسول يتلو عليهم‬
                               ‫آيات اهلل ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . وإن كانوا من قَل لفي ضالل مَين .‬

                                                             ‫(وآخرين منهم لما يلحقوا َهم , وهو العزيز الحكيم). .‬

                                                                    ‫وهؤالء اآلخرون وردت فيهم روايات متعددة . .‬
‫قال اإلمام الَخاري - رحمه اهلل تعالى -:حدثنا عَدالعزيز َن عَداهلل , حدثنا سليمان َن َالل , عن ثور , عن‬
‫أَي الغيث , عن أَي هريرة - رضي اهلل عنه - قال:"كنا جلوسا عند النَي [ ص ] فأنزلمت عليمه سمورة‬
‫الجمعة (وآخرين لما يلحقوا َهم)قالوا:من هم يا رسول اهلل ? فلم يراجعهم حتى سئل ثالثما , وفينما سملمان‬
‫الفارسي , فوضع رسول اهلل [ ص ] يده على سلمان الفارسي ثم قال:" لو كان اإليمان عند الثريا لناله رجال‬
‫أو رجل من هؤالء " . فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس . ولهذا قال مجاهد في هذه اآليمة:همم‬
                                                  ‫األعاجم وكل من ِدق النَي [ ص ] من غير العرب .‬

‫وقال اَن أَي حاتم:حدثنا أَي , حدثنا إَراهيم َن العالء الزَيدي , حدثنا الوليد َن مسلم , حدثنا أَمو محممد‬
‫عيسى َن موسى عن أَي حازم , عن سهل َن سعد الساعدي . قال:قال رسول اهلل [ ص ]:" إن في أِالب‬
‫أِالب أِالب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة َغير حساب " ثم قرأ:( وآخرين منهم لما يلحقوا َهم). .‬
                                                               ‫يعني َقية من َقي من أمة محمد [ ص ] .‬

‫وكال القولين يدخل في مدلول اآلية . فهي تدل على آخرين غير العرب . وعلى آخرين غير الجيل الذي نزل‬
‫فيه القرآن . وتشير إلى أن هذه األمة موِولة الحلقات ممتدة في شعاب األرض وفي شعاب الزمان , تحمل‬
                                                        ‫هذه األمانة الكَرى , وتقوم على دين اهلل األخير .‬

                    ‫(وهو العزيز الحكيم). . القوي القادر على االختيار . الحكيم العليم َمواضع االختيار . .‬

                                                            ‫واختياره للمتقدمين والمتأخرين فضل وتكريم:‬

                                               ‫(ذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء , واهلل ذو الفضل العظيم). .‬

‫وإن اختيار اهلل ألمة أو جماعة أو فرد ليحمل هذه األمانة الكَرى , وليكون مستود نور اهلل وموضع تلقمي‬
‫فيضه , والمركز الذي تتِل فيه السماء َاألرض . . إن اختيار اهلل هذا لفضل ال يعدله فضل . فضل عظيم‬
‫يرَى على كل ما يَذله المؤمن من نفسه وماله وحياته ; ويرَى على متاعب الطريق وآالم الكفماح وشمدائد‬
                                                                                                ‫الجهاد .‬

‫واهلل يذكر الجماعة المسلمة في المدينة , والذين يأتون َعدها الموِولين َها والذين لم يلحقوا َها . يمذكرهم‬
‫هذا الفضل في اختيارهم لهذه األمانة , ولَعث الرسول فيهم يتلو عليهم الكتاب ويمزكيهم ويعلمهمم الكتماب‬
‫والحكمة . ويترك لآلتين في أطواء الزمان ذلك الرِيد الضخم من الزاد اإللهي , ومن األمثلة الواقعية فمي‬
‫حياة الجماعة األولى . يذكرهم هذا الفضل العظيم الذي تِغر إلى جانَه جميع القيم , وجميع المنعم ; كمما‬
                                                            ‫تِغر إلى جانَه جميع التضحيات واآلالم . .‬

                                                 ‫الدرس الثالث:5 اليهود مع التوراة كالحمار يحمل األسفار‬
‫َعد ذلك يذكر ما يفيد أن اليهود قد انتهى دورهم في حمل أمانة اهلل ; فلم تعد لهم قلوب تحمل هذه األمانة التي‬
                                        ‫ال تحملها إال القلوب الحية الفاقهة المدركة الواعية المتجردة العاملة َما تحمل:‬

‫(مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا . َئس مثل القوم الذين كذَوا َآيات اهلل !‬
                                                                                                    ‫واهلل ال يهدي القوم الظالمين). .‬

‫فَنوا إسرائيل حملوا التوراة , وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة . . (ثم لم يحملوها . .)فحملهما يَمدأ َماإلدراك‬
‫والفهم والفقه , وينتهي َالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع . ولكن سيرة َني إسرائيل كمما‬
‫عرضها القرآن الكريم - وكما هي في حقيقتها - ال تدل على أنهم قدروا هذه األمانة , وال أنهم فقهوا حقيقتها‬
‫, وال أنهم عملوا َها . ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام , وليس له منها إال ثقلهما . فهمو لميس‬
                                                                                         ‫ِاحَها . وليس شريكا في الغاية منها !‬

‫وهي ِورة زرية َائسة , ومثل سيئ شائن , ولكنها ِورة معَرة عن حقيقة ِادقة (َئس مثل القوم المذين‬
                                                                               ‫كذَوا َآيات اهلل واهلل ال يهدي القوم الظالمين). .‬

‫ومثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها . . كل الذين حملوا أمانة العقيدة ثم لم يحملوها . والمسلمون المذين‬
‫غَرت َهم أجيال كثيرة , والذين يعيشون في هذا الزمان , وهم يحملون أسماء المسلمين وال يعملمون عممل‬
‫المسلمين . وَخاِة أولئك الذين يقرأون القرآن والكتب , وهم ال ينهضون َما فيها . . أولئك كلهم , كالحمار‬
 ‫يحمل أسفارا . وهم كثيرون كثيرون ! فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس . إنما هي مسألة فقه وعمل‬
                                                                                                                          ‫َما في الكتب .‬




‫قلْ يَا أَيهَا َّ ِي َ هَا ُوا ِن َعمْ ُمْ أَن ُمْ أَوِ َاء لَّ ِ ِن ُو ِ َّا ِ فَتم َّ ُا ال َوْتَ ِن ُن ُمْ َِا ِ ِي َ (6) ولَا َتم َّوْنَ ُ‬
‫َ ي َ َن ه‬            ‫دق ن‬         ‫ُّ الذ ن د إ ز َ ت َّك ْلي ِله م د ن الن س َ َنو ْم إ ك ت‬                                                 ‫ُ‬
‫ِر َ م ُ ِنه ُ ق ك ث َّ ُ َد َ ِ ع ِ ِ‬                     ‫ُ ْ إ َّ ْم َ ال‬     ‫َ ً ِ َّم ْ د ه ْ َالل ُ َل ِالظ ِم ن‬
‫أَ َدا َمَا قَد َت أَيْ ِي ِم و َّه عِيم َ َّال ِي َ( 7 )قل ِن ال َوْت َّذِي تَف ُّون ِنْه فَإ َّ ُ ملَا ِي ُمْ ُم تر ُّون إلَى َالم‬
                                                                                         ‫ْ ِ و َّ دة ي ََ ُك ِم ك ت ْ َ ْ َل َ‬
                                                                                     ‫الغَيْب َالشهَا َ ِ فَ ُن ِّئ ُم َ َا ُن ُم تعمُون (8)‬
‫الدرس الراَع:6 - 8 مَاهلة القرآن لليهود وكان اليهود يزعمون - كما يزعمون حتى اليوم - أنهم شعب اهلل‬
‫المختار , وأنهم هم أولياؤه من دون الناس وأن غيرهم هم "الجوييم" أو األمميون أو األميون . وأنهم من ثمم‬
‫غير مطالَين َمراعاة أحكام دينهم مع غيرهم من األميين: (قالوا ليس علينا في األميين سَيل). . إلى آخر هذه‬
‫الدعاوى التي تفتري الكذب على اهلل َال دليل ! فهنا دعوة لهم إلى المَاهلة التي تكررت معهم ومع النِارى‬
                                                                                                                         ‫ومع المشركين:‬
‫(قل:يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء هلل من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ِادقين . وال يتمنونه‬
‫أَدا َما قدمت أيديهم واهلل عليم َالظالمين . قل:إن الموت الذي تفرون منه فإنه مالقيكم , ثم تردون إلى عمالم‬
                                                                ‫الغيب والشهادة , فينَئكم َما كنتم تعملون). .‬

‫والمَاهلة معناها وقوف الفريقين المتنازعين وجها لوجه , ودعاؤهما معا إلى اهلل أن ينكل َالمَطل منهمما . .‬
‫وقد خاف كل من دعاهم رسول اهلل [ ص ] إلى هذه المَاهلة ونكلوا عنها , ولم يقَلوا التحدي فيها . مما يدل‬
                       ‫على أنهم في قرارة نفوسهم كانوا يعرفون ِدق رسول اهلل [ ص ] وحقية هذا الدين .‬

‫وقد قال اإلمام أحمد:حدثنا إسماعيل َن يزيد الزرقي , حدثنا أَو يزيد , حدثنا فرات , عن عَدالكريم اَن مالك‬
‫الجزري , عن عكرمة , عن اَن عَاس , قال:قال أَو جهل - لعنه اهلل - إن رأيت محمدا عند الكعَة آلتينمه‬
‫حتى أطأ على عنقه . قال:فقال رسول اهلل [ ص ]:" لو فعل ألخذته المالئكة عيانا . ولمو أن اليهمود تمنموا‬
‫الموت لماتوا ورأو مقاعدهم من النار . ولو خرج الذين يَاهلون رسول اهلل [ ص ] لرجعوا ال يجدون أهمال‬
                                                                                                 ‫وال ماال " .‬

‫وقد ال تكون هذه مَاهلة ولكن مجرد تحد لهم , َما أنهم يزعمون أنهم أولياء هلل من دون الناس . فما يخميفهم‬
‫إذن من الموت , ويجعلهم أجَن خلق اهلل ? وهم حين يموتون ينالون ما عند اهلل مما يلقاه األولياء والمقرَون‬
                                                                                                          ‫?!‬

‫ثم عقب على هذا التحدي َما يفيد أنهم غير ِادقين فيما يدعون , وأنهم يعرفون أنهم لم يقدموا َين أيديهم ما‬
‫يطمئنون إليه , وما يرجون الثواب والقرَى عليه , إنما قدموا المعِية التي تخيفهم من الموت ومما وراءه .‬
                                                                ‫والذي لم يقدم الزاد يجفل من ارتياد الطريق:‬

                                                   ‫(وال يتمنونه أَدا َما قدمت أيديهم واهلل عليم َالظالمين). .‬

‫وفي نهاية الجولة يقرر حقيقة الموت وما َعده , ويكشف لهم عن قلة الجدوى في فرارهم من الموت , فهمو‬
                ‫حتم ال مهرب منه , وما َعده من رجعة إلى اهلل , وحساب على العمل حتم كذلك ال ريب فيه:‬

‫(قل:إن الموت الذي تفرون منه فإنه مالقيكم . ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة , فينَئكم َما كنتم تعملون).‬
                                                                                                            ‫.‬

‫وهي لفتة من اللفتات القرآنية الموحية للمخاطَين َها وغير المخاطَين . تقر في األخالد حقيقة ينساها الناس ,‬
‫وهي تالحقهم أينما كانوا . . فهذه الحياة إلى انتهاء . والَعد عن اهلل فيها ينتهي للرجعة إليه , فال ملجأ منه إال‬
                                ‫إليه . والحساب والجزاء َعد الرجعة كائنان ال محالة . فال مهرب وال فكاك .‬
‫روى الطَري في معجمه من حديث معاذ َن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعا ":مثمل‬
    ‫الذي يفر من الموت كمثل الثعلب , تطلَه األرض َدين , فجاء يسعى , حتى إذا أعيا وأنهر دخل جحره ,‬




  ‫َّك ْ إ ك ت‬         ‫َ َِك ْ‬          ‫ُّ الذ َ من إذ ن د ل َّ ِ م ي ِ ُ ُ ة ْع ِ ِ ْ ِ الل ِ و َر‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ِ َا ُو ِي ِلِلَاة ِن َوْم الْجمعَ ِ فَاس َوْا إلَى ذكر َّه َذ ُوا الْ َيْع ذل ُم خَيْر ل ُم ِن ُنم ُمْ‬
                                                                                                                       ‫َ َْم َ‬
                                                                                                                   ‫تعل ُون (9)‬
         ‫فقالت له األرض:يا ثعلب ! ديني . فخرج له حِاص . فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات " . .‬

                                                                         ‫وهي ِورة متحركة موحية عميقة اإليحاء . .‬

                                                   ‫الدرس الخامس:9 - 11 توجيه إلى فضائل وأحكام ِالة الجمعة‬

‫واآلن يجيء المقطع األخير في السورة خاِا َتعليم يتعلق َالجمعة , َمناسَة ذلك الحادث الذي وقمع رَمما‬
                                                                                ‫أكثر من مرة , ألن الِيغة تفيد التكرار:‬

‫يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للِالة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اهلل وذروا الَيع . ذلكم خير لكم إن كنمتم‬
  ‫تعلمون . فإذا قضيت الِالة فاننتشروا في األرض واَتغوا من فضل اهلل واذكروا اهلل كثيرا لعلكم تفلحون .‬

‫(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . قل:ما عند اهلل خير من اللهو ومن التجارة . واهلل خير‬
                                                                                                                  ‫الرازقين). .‬

‫وِالة الجمعة هي الِالة الجامعة , التي ال تِح إال جماعة . . وهي ِالة أسَوعية يتحتم أن يتجمع فيها‬
‫المسلمون ويلتقوا ويستمعوا إلى خطَة تذكرهم َاهلل . وهي عَادة تنظيمية على طريقة اإلسالم فمي اإلعمداد‬
‫للدنيا واآلخرة في التنظيم الواحد وفي العَادة الواحدة ; وكالهما عَادة . وهي ذات داللة خاِة على طَيعمة‬
‫العقيدة اإلسالمية الجماعية التي تحدثنا عنها في ظالل سورة الِف . وقد وردت األحاديث الكثيرة في فضل‬
                                                 ‫هذه الِالة والحث عليها واالستعداد لها َالغسل والثياب والطيب .‬

‫جاء في الِحيحين عن اَن عمر - رضي اهلل عنهما - قال:قال رسول اهلل [ ص ]:" إذا جاء أحمدكم إلمى‬
                                                                                                          ‫الجمعة فليغتسل " .‬

‫وروى أِحاب السنة األرَعة من حديث أوس َن أوس الثقفي قال:سمعت رسول اهلل [ ص ] يقول ":من غسل‬
‫واغتسل يوم الجمعة , وَكر واَتكر , ومشى ولم يركب , ودنا من اإلمام واستمع ولم يلغ , كان له َكل خطوة‬
                                                                                            ‫أجر سنة ِيامها وقيامها " . .‬
‫وروى اإلمام أحمد من حديث كعب َن مالك عن أَي أيوب األنِاري قال:سمعت رسول اهلل [ ص ] يقول:"‬
‫من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده , ولَس من أحسن ثياَه , ثم خرج يأتي المسمجد ,‬
‫فيركع إن َدا له , ولم يؤذ أحدا , ثم أنِت إذا خرج إمامه حتى يِلي , كانت كفارة لما َينهما وَين الجمعة‬
                                                                                                                        ‫األخرى " . .‬

‫واآلية األولى في هذا المقطع تأمر المسلمين أن يتركوا الَيع - وسائر نشاط المعاش - َمجرد سماعهم ل ذان:‬

                        ‫(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للِالة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اهلل وذروا الَيع . .)‬

                                   ‫وترغَهم في هذا االنخال من شؤون المعاش والدخول في الذكر في هذا الوقت:‬

                                                                                             ‫(ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). .‬

‫مما يوحي َأن االنخال من شؤون التجارة والمعاش كان يقتضي هذا الترغيب والتحَيب . وهو في الوقمت‬
‫ذاته تعليم دائم للنفوس ; فال َد من فترات ينخلع فيها القلب من شواغل المعاش وجواذب األرض , ليخلو إلى‬
        ‫رَه , ويتجرد لذكره , ويتذوق هذا الطعم الخاص للتجرد واالتِال َالم األعلى , ويم قلَه وِدره‬




  ‫َإذ‬       ‫ْل الله و ْ ُر الله ث ً َّعَّك ْ ت ْلح َ‬           ‫َ ِ و َغ م‬                ‫إذ قضي ِ َّ ُ َ ِر‬
 ‫فَِ َا ُ ِ َت الِلَاة فَانتش ُوا فِي الْأرْض َاَْت ُوا ِن فَض ِ َّ ِ َاذك ُوا َّ َ كَ ِيرا ل َل ُم ُفِ ُمون (11) وِ َا‬
‫من َّ و َمن التج رة َالله ْر الر زق ن‬                      ‫ع د الله‬        ‫َ تج رة َ ا َض ِ ْ و َ َك ك ا ُ‬
‫رأَوْا ِ َا َ ً أَوْ لهْوً انف ُّوا إلَيهَا َتر ُو َ قَائِمً قلْ مَا ِن َ َّ ِ خَيْر ِّ َ اللهْ ِ و ِ َ ِّ َا َ ِ و َّ ُ خَي ُ َّا ِ ِي َ‬
                                                                                                                                 ‫(11 )‬
                                                                     ‫من ذلك الهواء النقي الخالص العطر ويستروح شذاه !‬

                                                                                       ‫ثم يعود إلى مشاغل العيش مع ذكر اهلل:‬

‫فإذا قضيت الِالة فانتشروا في اإلرض , واَتغوا من فضل اهلل , واذكروا اهلل كثيرا لعلكم تفلحون . . وهمذا‬
‫هو التوازن الذي يتسم َه المنهج اإلسالمي . التوازن َين مقتضيات الحياة في األرض , من عمل وكد ونشاط‬
‫وكسب . وَين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطا القلب وتجرده للذكر . وهي ضرورة لحيماة القلمب‬
 ‫اليِلح َدونها لالتِال والتلقي والنهوض َتكاليف األمانة الكَرى . وذكر اهلل ال َد منه في أثنماء اَتغماء‬
‫المعاش , والشعور َاهلل فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عَادة . ولكنه - مع هذا - الَد من فترة للذكر‬
                                        ‫الخالص , واالنقطا الكامل , والتجرد الممحض . كما توحي هاتان اآليتان .‬

‫وكان عراك َن مالك - رضي اهلل عنه - إذا ِلى الجمعة انِرف فوقف على َاب المسجد فقال":اللهم إني‬
‫أجَت دعوتك , وِليت فريضتك , وانتشرت كما أمرتني . فارزقني من فضلك وأنت خير المرازقين" . . [‬
‫رواه اَن أَي حاتم ] . . وهذه الِورة تمثل لنا كيف كان يأخذ األمر جدا , في َساطة تامة , فهو أمر للتنفيذ‬
                                                                     ‫فور سماعه َحرفيته وَحقيقته كذلك !‬

‫ولعل هذا اإلدراك الجاد الِريح الَسيط هو الذي ارتقى َتلك المجموعة إلى مستواها الذي َلغت إليه , مع كل‬
                                  ‫ما كان فيها من جواذب الجاهلية . مما تِوره اآلية األخيرة في السورة:‬

‫(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . قل:ما عند اهلل خير من اللهو ومن التجارة . واهلل خير‬
                                                                                            ‫الرازقين). .‬

‫عن جاَر - رضي اهلل عنه - قال:" َينا نحن نِلي مع النَي [ ص ] إذ أقَلت عير تحمل طعاما , فمالتفتوا‬
‫إليها حتى ما َقي مع النَي [ ص ] إال اثنا عشر رجال , منهم أَو َكر وعمر رضي اهلل عنهما . فنزلت: (وإذا‬
                                                     ‫رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " . . )‬

‫وفي اآلية تلويح لهم َما عند اهلل وأنه خير من اللهو ومن التجارة . وتذكير لهم َأن الرزق من عند اهلل (واهلل‬
                                                                                        ‫خير الرازقين). .‬

‫وهذا الحادث كما أسلفنا يكشف عن مدى الجهد الذي َذل في الترَية وَناء النفوس حتى انتهت إلى إنشاء تلك‬
‫الجماعة الفريدة في التاريخ . ويمنح القائمين على دعوة اهلل في كل زمان رِيدا من الَِر على ما يجدونه‬
‫من ضعف ونقص وتخلف وتعثر في الطريق . فهذه هي النفس الَشرية َخيرها وشرها . وهي قاَلة أن تِعد‬
‫مراقي العقيدة والتطهر والتزكي َال حدود , مع الَِر والفهم واإلدراك والثَات والمثاَرة , وعدم النكموص‬
                                                                     ‫من منتِف الطريق . واهلل المستعان‬
                                                   ‫سورة المنافقون‬


     ‫َ ْم ق َ ل َ ْه ُ إ َّ َ َ َس ُ الله َالله َ ْ ُ إ َّ َ َ َس ل ُ َالل ُ َ ْه ُ إ َّ ْم ق ن َ ذَ ن‬                     ‫إذ‬
‫ِ َا جَاءك ال ُنَافِ ُون قَاُوا نش َد ِنك لر ُول َّ ِ و َّ ُ يعلَم ِنك لر ُوُه و َّه يش َد ِن ال ُنَافِ ِي َ لكَما ِ ُو َ( 1 )‬
   ‫َِ َ َّه ْ من ُم َر َط َ َ‬                     ‫م ن َ ْ َل َ‬             ‫س ِ الله إ َّه‬        ‫ات ذ ْ َه ْ ُن ً َد‬
‫َّخَ ُوا أَيمَان ُم ج َّة فَِ ُّوا عَن ََِيل َّ ِ ِن ُمْ سَاء َا كَا ُوا يعمُون (2) ذلك َِأَن ُم آ َ ُوا ث َّ كَف ُوا ف َُِع علَى‬
                                                                                                       ‫َه َ‬          ‫ُل ِه ْ َه ْ‬
                                                                                                   ‫قُوَ ِم ف ُم لَا يَفْق ُون (3)‬

                                                                                                               ‫سورة المنافقون‬

                                                                                                       ‫تقديم لسورة المنافقون‬

‫هذه السورة التي تحمل هذا االسم الخاص "المنافقون" الدال على موضوعها . . ليست هي السمورة الوحيمدة‬
‫التي فيها ذكر النفاق والمنافقين , ووِف أحوالهم ومكائدهم . فال تكاد تخلو سورة مدنية من ذكر المنمافقين‬
‫تلميحا أو تِريحا . ولكن هذه السورة تكاد تكون مقِورة على الحديث عن المنافقين , واإلشارة إلى َعض‬
                                                                     ‫الحوادث واألقوال التي وقعت منهم ورويت عنهم .‬

‫وهي تتضمن حملة عنيفة على أخالق المنافقين وأكاذيَهم ودسائسهم ومناوراتهم , وما في نفوسهم من الَغض‬
                                                   ‫والكيد للمسلمين , ومن اللؤم والجَن وانطماس الَِائر والقلوب .‬

‫وليس في السورة عدا هذا إال لفتة في نهايتها إلى الذين آمنوا لتحذيرهم من كل ما يلِق َهم ِفة من ِفات‬
‫المنافقين , ولو من َعيد . وأدنى درجات النفاق عدم التجرد هلل , والغفلة عن ذكره اشتغاال َاألموال واألوالد ,‬
                             ‫والتقاعس عن الَذل في سَيل اهلل حتى يأتي اليوم الذي ال ينفع فيه الَذل والِدقات .‬

‫وحركة النفاق التي َدأت َدخول اإلسالم المدينة , واستمرت إلى قرب وفاة رسول اهلل [ ص ] ولم تنقطع في‬
‫أي وقت تقريَا , وإن تغيرت مظاهرها ووسائلها َين الحين والحين . . هذه الحركة ذات أثر واضح في سيرة‬
‫هذه الفترة التاريخية وفي أحداثها ; وقد شغلت من جهد المسلمين ووقتهم وطاقتهم قدرا كَيرا ; وورد ذكرهما‬
‫في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف مرات كثيرة تدل على ضخامة هذه الحركة , وأثرها الَالغ في حيماة‬
                                                                                                      ‫الدعوة في ذلك الحين .‬

‫وقد ورد عن هذه الحركة فِل جيد في كتاب:"سيرة الرسول:ِور مقتَسة من القرآن الكريم "لمؤلفه األستاذ‬
                                                                         ‫"محمد عزة دروزة " نقتطف منه فقرات كاشفة:‬

‫"وعلة ظهور تلك الحركة في المدينة واضحة , فالنَي [ ص ] والمسلمون األولون في مكة لم يكونوا من القوة‬
‫والنفوذ في حالة تستدعي وجود فئة من الناس ترهَهم أو ترجو خيرهم , فتتملقهم وتتزلف إليهم في الظاهر ,‬
‫وتتآمر عليهم وتكيد لهم وتمكر َهم في الخفاء , كما كان شأن المنافقين َوجه عام . ولقد كمان أهمل مكمة‬
‫وزعماؤها خاِة يناوئون النَي جهارا , ويتناولون من استطاعوا من المسلمين َاألذى الشديد , ويقماومون‬
‫الدعوة َكل وسيلة دون ما تحرز أو تحفظ ; وكانت القوة لهم حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة فرارا َدينهم‬
‫ودمهم إلى الحَشة أوال , ثم إلى يثرب ; وحتى فتن َعضهم عن دينه َالعنف واإلكراه , أو َاإلغراء والتهويش‬
‫; وحتى تزلزل َعضهم وتَرم ونافق المشركين , وحتى مات َعض من ناله األذى ممن ثَت على دينه نتيجة‬
                                                                                         ‫للتعذيب . . .‬

‫"أما في المدينة فقد كان األمر مختلفا جدا . فالنَي [ ص ] استطا قَل أن يهاجر إليها أن يكسمب أنِمارا‬
‫أقوياء من األوس والخزرج ; ولم يهاجر إال َعد أن استوثق من موقفه , ولم يَق تقريَا َيت عرَي فيهما لمم‬
‫يدخله اإلسالم . ففي هذه الحالة لم يكن من الهين أن يقف الذين لم يؤمنوا َه - إما عن جهالة وغَاء , وإمما‬
‫عن غيظ وحقد وعناد , ألنهم رأوا في قدوم النَي حدا لنفوذهم وسلطانهم - موقف الجحود والعمداء العلنمي‬
‫للنَي والمسلمين من المهاجرين واألنِار ; وكان للعَِية في الوقت نفسه أثر غير قليل في عدم الوقوف هذا‬
‫الموقف , ألن سواد األوس والخزرج أَِحوا أنِار النَي , ومرتَطين َه َمواثيق الدفا والنِر , إلى أن‬
‫جلهم قد حسن إسالمهم , وغدوا يرون في النَي رسول اهلل , وقائدهم األعلى الواجب الطاعمة , ومرشمدهم‬
‫األعظم الواجب االتَا , فلم يكن يسع الذين ظلت تغلَهم نزعة الشرك , ويتحكم فيهم مرض القلب والمكاَرة‬
‫والحقد , ويحملهم ذلك على مناوأة النَي [ ص ] ودعوته ونفوذه - أن يظهروا علنا في نزعتهموعدائهم , ولم‬
‫يكن أمامهم إال التظاهر َاإلسالم , والقيام َأركانه , والتضامن مع قَائلهم . وجعل مكرهم وكيمدهم ودسمهم‬
‫ومؤامراتهم َأسلوب المراوغة والخدا والتمويه , وإذا كانوا وقفوا أحيانا مواقف علنية فيها كيد ودس , وعليها‬
‫طاَع من النفاق َارز , فإنما كان هذا منهم في َعض الظروف واألزمات الحادة التي كانمت تحمدق َمالنَي‬
‫والمسلمين , والتي كانوا يتخذونها حجة لتلك المواقف َداعي المِلحة والمنطق واالحتياط ; ولم يكونوا على‬
‫كل حال يعترفون َالكفر أو النفاق , غير أن نفاقهم وكفرهم ومواقفهم في الكيد والدس والتآمر لم تكن لتخفمى‬
 ‫على النَي [ ص ] والمخلِين من أِحاَه من المهاجرين واألنِار , كما أن المواقف العلنية التي كمانوا‬
‫يقفونها في فرص األزمات كانت مما تزيد كفرهم ونفاقهم فضيحة ومقتا . وقد كانت اآليات القرآنيمة توجمه‬
‫إليهم كذلك الفضائح المرة َعد المرة , وتدل عليهم َما يفعلون أو يمكرون , وتمدمغهم َشمرورهم وخَمثهم‬
                                 ‫ومكايدهم , وتحذر النَي [ ص ] والمسلمين منهم في كل ظرف ومناسَة .‬

‫"ولقد كانت مواقف المنافقين ومكايدهم َعيدة المدى واألثر على ما تلهم اآليات المدنية , حتى لكأنه نضال قوي‬
‫, يذكر َما كان من نضال َين النَي [ ص ] وزعماء مكة , وإن اختلفت األدوار والنتائج ; إذ أن النَمي لمم‬
‫يلَث أن أخذ مركزه يتوطد وقوته تزداد , ودائرة اإلسالم تتسع , وِار ِاحب سلطان وأمر نافذ وجانمب‬
‫عزيز ; وإذ لم يكن المنافقون كتلة متضامنة ذات شخِية خاِة َارزة , وكان ضمعفهم وضمآلة عمددهم‬
‫وشأنهم يسيران سيرا متناسَا عكسيا مع ما كان من تزايد قوة النَي [ ص ] واتسا دائرة اإلسمالم , وتوطمد‬
                                                                                     ‫عزته وسلطانه" .‬
‫[ويكفيك ألجل أن تشعر َخطورة الدور الذي قام َه المنافقون , وخاِة في أوائل العهمد , أن تالحمظ أن‬
‫المنافقين كانوا أقوياء نسَيا َعَِياتهم التي كانت ما تزال قوية األثر في نفوس سواد قَائلهم , كما أنهمم لمم‬
‫يكونوا مفضوحين فضيحة تامة , ولم يكن اإلسالم قد رسخ في هذا السواد رسوخا كافيا ; وأن النَمي [ ص ]‬
‫كان محوطا َالمشركين الجاحدين من كل جانب , وأهل مكة خِومه األلداء , وهم قَلة الجزيرة يترَِون َه‬
‫الدوائر , ويتحينون كل فرِة ووسيلة للقضاء عليه ; واليهود في المدينة وحولها قد تنكروا له منذ عهد مَكر‬
‫وتطيروا َه , ثم جاهروه َالكفر والعداء والمكر ; ولم يلَث أن انعقد َينهم وَين المنافقين حلف طَيعي علمى‬
‫توحيد المسعى , والتضامن في موقف المعارضة والكيد , حتى ليمكن القول:إن المنافقين لم يقمووا ويثَتموا‬
‫ويكن منهم ذلك األذى الشديد واالستمرار في الكيد والدس إال َسَب ما لقوه من اليهود من تعضيد , وما انعقد‬
‫َينهم من تضامن وتواثق , ولم يضعف شأنهم ويخف خطرهم إال َعد أن مكن اهلل للنَي من هؤالء وأظهمره‬
                                                                                  ‫عليهم , وكفاه شرهم ] .‬

                 ‫الدرس األول:1 - 4 سَب تكذيب المنافقين وتالعَهم وِدهم عن سَيل اهلل وتِوير جَنهم‬

‫وهذه السورة تَدأ َوِف طريقتهم في مداراة ما في قلوَهم من الكفر , وإعالنهم اإلسالم والشهادة َأن النَي [‬
‫ص ] هو رسول اهلل . وحلفهم كذَا ليِدقهم المسلمون , واتخاذهم هذه األيمان وقاية وجنة يخفون وراءهما‬
                                                                  ‫حقيقة أمرهم , ويخدعون المسلمين فيهم :‬

‫(إذا جاءك المنافقون قالوا:نشهد إنك لرسول اهلل - واهلل يعلم إنك لرسوله - واهلل يشهد إن المنافقين لكاذَون .‬
                                    ‫اتخذوا أيمانهم جنة فِدوا عن سَيل اهلل , إنهم ساء ما كانوا يعملون). .‬

‫فهم كانوا يجيئون إلى رسول اهلل [ ص ] فيشهدون َين يديه َرسالته شهادة َاللسان , ال يقِدون َهما وجمه‬
‫الحق , إنما يقولونها للتقية , وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين . فهم كاذَون في أنهم جاءوا ليشهدوا هذه‬
‫الشهادة , فقد جاءوا ليخدعوا المسلمين َها , ويداروا أنفسهم َقولها . ومن ثم يكذَهم اهلل فمي شمهادتهم َعمد‬
             ‫التحفظ الذي يثَت حقيقة الرسالة: (واهلل يعلم إنك لرسوله). .( واهلل يشهد إن المنافقين لكاذَون).‬

‫والتعَير من الدقة واالحتياط َِورة تثير االنتَاه . فهو يَادر َتثَيت الرسالة قَل تكذيب مقالمة المنمافقين .‬
‫ولوال هذا التحفظ ألوهم ظاهر العَارة تكذيب المنافقين في موضو شهادتهم وهو الرسالة . وليس هذا همو‬
      ‫المقِود . إنما المقِود تكذيب إقرارهم فهم ال يقرون الرسالة حقا وال يشهدون َها خالِي الضمير !‬

‫(اتخذوا أيمانهم جنة). . وهي توحي َأنهم كانوا يحلفون األيمان كلما انكشف أمرهم , أو عرف عنهم كيد أو‬
‫تدَير , أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين . كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم‬
‫, فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها , ليواِلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم . (فِدوا‬
‫عن سَيل اهلل). . ِدوا أنفسهم وِدوا غيرهم مستعينين َتلك األيمان الكاذَة: (إنهم ساء ما كانوا يعملون . .)‬
                                                               ‫وهل أسوأ من الكذب للخدا والتضليل ! ?‬

‫ويعلل حالهم هذه من شهادة مدخولة كاذَة , وأيمان مكذوَة خادعة , وِد عن سَيل اهلل وسوء عمل . . يعلله‬
                                          ‫َأنهم كفروا َعد اإليمان , واختاروا الكفر َعد أن عرفوا اإلسالم :‬

                                          ‫(ذلك َأنهم آمنوا ثم كفروا فطَع على قلوَهم , فهم ال يفقهون). .‬

‫فهم عرفوا اإليمان إذن , ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر . وما يعرف اإليمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه‬
‫, أو تذوق , أو حياة . وإال فمن ذا الذي يذوق ويعرف , ويطلع على التِور اإليماني للوجود , وعلى التذوق‬
‫اإليماني للحياة , ويتنفس في جو اإليمان الذكي , ويحيا في نور اإليمان الوضيء , ويتفيأ ظالل اإليمان الندية‬
‫. . ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود ? من ذا الذي يِنع هذا إال المطمموس الكنمود‬
         ‫الحقود , الذي ال يفقه وال يحس وال يشعر َهذا الفارق الَعيد ! (فطَع على قلوَهم فهم ال يفقهون). .‬

‫ثم يرسم لهم السياق ِورة فريدة مَدعة ; تثير السخرية والهزء والزراية َهذا الِنف الممسوخ المطمموس‬
‫من الناس , وتسمهم َالفراغ والخواء واالنطماس والجَن والفز والحقد والكنود . َل تنَِهم تمثاال وهمدفا‬
                                                                            ‫للسخرية في معرض الوجود:‬

‫(وإذا رأيتهم تعجَك أجسامهم . وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة . يحسَون كل ِيحة عليهم . هم‬
                                                          ‫العدو فاحذرهم . قاتلهم اهلل ! أنى يؤفكون ?). .‬

‫فهم أجسام تعجب . ال أناسي تتجاوب ! وما داموا ِامتين فهم أجسام معجَة للعيون . . فأما حين ينطقون فهم‬
‫خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة . . (تسمع لقولهم كأنهم خشب). . ولكنها ليسمت خشمَا‬
                                ‫فحسب . إنما هي (خشب مسندة). . ال حركة لها , ملطوعة َجانب الجدار !‬

‫هذا الجمود الراكد الَارد يِورهم من ناحية فقه أرواحهم إن كانت لهم أرواح ! ويقاَله من ناحية أخرى حالة‬
                                                         ‫من التوجس الدائم والفز الدائم واالهتزاز الدائم:‬

                                                                           ‫(يحسَون كل ِيحة عليهم). .‬

‫فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون َستار رقيق من التظاهر والحلف والملق وااللتواء . وهم يخشون في كل‬
‫ِْه َّه ْ ُش ُّ َند ٌ ي ْسَ َ ك َّ ِ ة َ ْه ه ُ ْع د ُّ‬                        ‫َإذ َ َه ْ ُ ج ُ َ ْ ُه ْ َإ ق ل َ ْ‬
‫وِ َا رأَيْت ُم تعْ َِك أَجسَام ُم وِن يَ ُوُوا تسمَعْ لِقَول ِمْ كَأَن ُم خ ُب مس َّ َة َح َ ُون ُل َيْحَ ٍ علَي ِمْ ُم ال َم ُو‬
‫ه َ َ َه ْ‬          ‫َإذ َ َه ْ َع َ َ ِ ْ َك ْ َس ُ الل ِ َمو رؤ‬                      ‫َ ه ْ ََه ُ الل ُ َن ي َك ن‬
‫فَاحْذرْ ُم قَاتل ُم َّه أ َّى ُؤْف ُو َ )4( وِ َا قِيل ل ُم ت َالَوْا يسْتغْفر ل ُم ر ُول َّه ل َّوْا ُ ُوسَم ُمْ ورأَيْمت ُم‬
      ‫َ‬      ‫سو َ ْه َ َ َ َ َه ْ ْ ْ َ َ ِ ْ َه ْ َ ِر الله َه ْ ِن الل َ‬                          ‫ي ُد َ ه ُّ َ ِر َ‬
‫َِ ُّون وَ ُم مسْتكَْ ُون (5) َ َاء علَي ِمْ أسْتغْفرْت ل ُم أَم لَم تسْتغْفر ل ُم لَن يغْف َ َّ ُ ل ُم إ َّ َّه لَما يهْمدِي‬
‫هم الذ ن ق ل َ ت ق َ م ْ ع َ َس ِ الل ِ َت ي َض َِل ِ ز ئ ُ الس و ِ‬                                   ‫ق َ‬          ‫َ‬
‫الْقَوْم الْفَاسِ ِين (6) ُ ُ َّ ِي َ يَ ُوُون لَا ُنفِ ُوا علَى َن ِند ر ُول َّه ح َّى َنف ُّوا ولَّه خَم َا ِن َّممَا َات‬
                                                                                        ‫َه َ‬          ‫و َ ِ ََ ِن ْم ق ن‬
                                                                                    ‫َالْأرْض ولك َّ ال ُنَافِ ِي َ لَا يَفْق ُون (7)‬
‫لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف . والتعَير يرسمهم أَدا متلفتين حواليهم ; يتوجسون من‬
                       ‫كل حركة ومن كل ِوت ومن كل هاتف , يحسَونه يطلَهم , وقد عرف حقيقة أمرهم !!‬

‫وَينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان األمر أمر فقه وروح وشعور َإيقاعات اإليمان . . إذا هم كالقِمَة‬
                                         ‫المرتجفة في مهب الريح إذا كان األمر أمر خوف على األنفس واألموال !‬

                                                      ‫وهم َهذا وذاك يمثلون العدو األول للرسول [ ص ] وللمسلمين:‬

                                                                                                      ‫(هم العدو فاحذرهم). .‬

‫هم العدو الحقيقي . العدو الكامن داخل المعسكر , المختَئ في الِف . وهو أخطر ممن العمدو الخمارجي‬
‫الِريح .(فاحذرهم). . ولكن الرسول [ ص ] لم يؤمر هنا َقتلهم , فأخذهم َخطة أخرى فيها حكمة وسمعة‬
                                      ‫وثقة َالنجاة من كيدهم - كما سيجيء نموذج من هذه المعاملة َعد قليل - . .‬

                                                                                                  ‫(قاتلهم اهلل أنى يؤفكون). .‬

‫فاهلل مقاتلهم حيثما ِرفوا وأنى توجهوا . والدعاء من اهلل حكم َمدلول هذا الدعاء , وقضاء نافذ ال راد له وال‬
                                                                ‫معقب عليه . . وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف .‬

                                       ‫الدرس الثاني:5 - 8 تآمر المنافقين على المسلمين وقِة اَن أَي في الفتنة‬

‫ويستطرد السياق في وِف تِرفاتهم الدالة على دخل قلوَهم , وتَييمتهم للرسمول [ ص ] وكمذَهم عنمد‬
                                                       ‫المواجهة . . وهي مجموعة من الِفات اشتهر َها المنافقون:‬

‫(وإذا قيل لهم:تعالوا يستغفر لكم رسول اهلل لووا رؤوسهم , ورأيتهم يِدون وهم مستكَرون . سواء علميهم‬
‫أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم , لن يغفر اهلل لهم , إن اهلل ال يهدي القوم الفاسقين . هم الذين يقولون:ال تنفقوا‬
‫على من عند رسول اهلل حتى ينفضوا . وهلل خمزائن السمماوات واألرض ولكمن المنمافقين ال يفقهمون .‬
‫يقولون:لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن األعز منها األذل . وهلل العزة ولرسوله وللمؤمنين . ولكن المنافقين ال‬
                                                                                                                      ‫يعلمون). .‬
                        ‫وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عَداهلل َن أَي َن سلول:‬

‫وفِل اَن إسحاق هذا في حديثه عن غزوة َني المِطلق سنة ست على المريسيع . . ماء لهمم . . فَينما‬
‫رسول اهلل [ ص ] على ذلك الماء - َعد الغزوة - وردت واردة الناس , ومع عمر َن الخطاب أجير له من‬
‫َني غفار يقال له:جهجاه َن مسعود يقود فرسه , فازدحم جهجاه وسنان َن وَر الجهني حليف َني عون اَن‬
‫الخزرج على الماء , فاقتتال , فِرخ الجهني:يا معشر األنِار . وِرخ جهجاه . يا معشر المهماجرين .‬
‫فغضب عَداهلل َن أَي َن سلول , وعنده رهط من قومه , فيهم زيد َن أرقم غالم حدث . فقال:أوقد فعلوها ?‬
‫قد نافرونا وكاثرونا في َالدنا . واهلل ما أعدنا وجالَيب قريش إال كما قال األول:سمن كلَك يأكلك ! أما واهلل‬
‫لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن األعز منها األذل . ثم أقَل على من حضره من قومه فقال لهم:هذا ما فعلمتم‬
‫َأنفسكم:أحللتموهم َالدكم , وقاسمتموهم أموالكم , أما واهلل لو أمسكتم عنهم َأيديكم لتحولوا إلى غير داركم .‬
‫فسمع ذلك زيد َن أرقم . فمشى َه إلى رسول اهلل [ ص ] وذلك عند فراغ رسول اهلل [ ص ] ممن عمدوه ,‬
‫فأخَره الخَر , وعنده عمر َن الخطاب . فقال:مر َه عَاد َن َشر فليقتله . فقال رسول اهلل [ ص ]:" فكيمف‬
‫يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أِحاَه ? ال ولكن أذن َالرحيل " . وذلك في ساعة لم يكن رسمول‬
‫اهلل [ ص ] يرتحل فيها . فارتحل الناس , وقد مشى عَداهلل َن أَي َن سلول إلى رسول اهلل [ ص ] حين َلغه‬
‫أن زيد َن أرقم قد َلغه ما سمع منه - فحلف َاهلل ما قلت ما قال وال تكلمت َه . وكان في قومه شريفا عظيما‬
‫. فقال من حضر رسول اهلل [ ص ] من األنِار من أِحاَه:يا رسول اهلل عسى أن يكون الغالم قد أوهم في‬
                                  ‫حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل . حدَا على اَن أَي َن سلول ودفعا عنه .‬

‫قال اَن إسحاق فلما استقل رسول اهلل [ ص ] وسار لقيه أسيد َن حضير , فحياه َتحية النَوة وسلم عليه , ثم‬
‫قال:يا نَي اهلل , واهلل لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . فقال له رسول اهلل [ ص ]:" أو ما‬
‫َلغك ما قال ِاحَكم ? " قال:وأي ِاحب يا رسول اهلل ? قال " عَداهلل َن أَي " قال:وما قال ? قال:" زعم‬
‫أنه إن رجع إلى المدينة أخرج األعز منها األذل ? " قال:فأنت يا رسول اهلل واهلل لتخرجنه منها إن شئت . هو‬
‫واهلل الذليل وأنت العزيز . ثم قال:يا رسول اهلل ارفق َه . فواهلل لقد جاءنا اهلل َك وإن قوممه لينظممون لمه‬
                                                          ‫الخرز ليتوجوه , فإنه ليرى أنك قد استلَته ملكا !‬

‫ثم مشى رسول اهلل [ ص ] َالناس يومهم ذلك حتى أمسى , وليلتهم حتى أَِح , وِدر يومهم ذلمك حتمى‬
‫آذتهم الشمس . ثم نزل َالناس , فلم يلَثوا أن وجدوا مس األرض فوقعوا نياما , وإنما فعل ذلك رسمول اهلل [‬
                              ‫ص ] ليشغل الناس عن الحديث الذي كان َاألمس من حديث عَداهلل اَن أَي .‬

‫قال اَن إسحاق:ونزلت السورة التي ذكر اهلل فيها المنافقين , في اَن أَي ومن كان على مثل أمره . فلما نزلت‬
‫أخذ رسول اهلل [ ص ] َأذن زيد َن ارقم , ثم قال:" هذا الذي أوفى هلل َأذنه " . . وَلغ عَداهلل َن عَداهلل َمن‬
                                                                             ‫أَي الذي كان من أمر أَيه .‬
‫قال اَن إسحاق . فحدثني عاِم َن عمر َن قتادة أن عَداهلل أتى رسول اهلل [ ص ] فقال:يا رسول اهلل , إنمه‬
‫َلغني أنك تريد قتل عَداهلل َن أَي فيما َلغك عنه . فإن كنت ال َد فاعال فمرني َه فأنا أحمل إليك رأسمه ,‬
‫فواهلل لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أَر َوالده مني , وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله , فال تدعني‬
‫نفسي أنظر إلى قاتل عَداهلل َن أَي يمشي في الناس , فأقتله , فأقتل مؤمنا َكافر , فأدخل النار . فقال رسول‬
                                                 ‫اهلل [ ص ]:" َل نترفق َه ونحسن ِحَته ما َقي معنا " .‬

‫وجعل َعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتَونه ويأخذونه ويعنفونه . فقال رسمول اهلل [ ص ]‬
‫لعمر َن الخطاب حين َلغه ذلك من شأنهم:" كيف ترى يا عمر ? أما واهلل لو قتلته يوم قلت لي:اقتله ألرعدت‬
‫له آنف لو أمرتها اليوم تقتله لقتلته " . . قال:قال عمر:قد واهلل علمت ألمر رسول اهلل [ ص ] أعظم َركة من‬
                                                                                                 ‫أمري . .‬

‫وذكر عكرمة واَن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عَداهلل َن عَداهلل َن أَي على‬
‫َاب المدينة , واستل سيفه , فجعل الناس يمرون عليه , فلما جاء أَوه عَداهلل َن أَي قال لمه اَنمه:وراءك !‬
‫فقال:مالك ? ويلك ! فقال:واهلل ال تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول اهلل [ ص ] فإنه العزيز وأنت الذليل‬
‫! فلما جاء رسول اهلل [ ص ] وكان إنما يسير ساقة , فشكا إليهعَداهلل َن أَي اَنه . فقال اَنه عَداهلل:واهلل يما‬
‫رسول اهلل ال يدخلها حتى تأذن له . فأذن له رسول اهلل [ ص ] فقال:أما إذ أذن لك رسول اهلل [ ص ] فجمز‬
                                                                                                   ‫اآلن . .‬

‫وننظر مرة إلى األحداث , ومرة إلى الرجال , ومرة إلى النص القرآني , فنجدنا مع السيرة , وممع الممنهج‬
                                             ‫الترَوي اإللهي , ومع قدر اهلل العجيب في تِريف األمور . .‬

‫فهذا هو الِف المسلم يندس فيه المنافقون ; ويعيشون فيه - في حياة الرسول [ ص ] قراَة عشر سمنوات .‬
‫والرسول [ ص ] ال يخرجهم من الِف , وال يعرفهم اهلل له َأسمائهم وأعيانهم إال قَيل وفاتمه . وإن كمان‬
‫يعرفهم في لحن القول , َااللتواء والمداورة . ويعرفهم َسيماهم ومما يَمدو فيهما ممن آثمار االنفعماالت‬
‫واالنطَاعات . ذلك كي ال يكل اهلل قلوب الناس للناس . فالقلوب له وحده , وهو الذي يعلم ما فيها ويحاسمب‬
‫عليه , فأما الناس فلهم ظاهر األمر ; كي ال يأخذوا الناس َالظنة , وكي ال يقضوا في أممورهم َالفراسمة !‬
‫وحتى حينما عرف اهلل نَيه [ ص ] َالنفر الذين ظلوا على نفاقهم إلى أواخر حياته , فإنه لمم يطمردهم ممن‬
‫الجماعة وهم يظهرون اإلسالم ويؤدون فرائضه . إنما عرفهم وعرف َهم واحدا فقط من رجاله هو حذيفة َن‬
‫اليمان - رضي اهلل عنه - ولم يشع ذلك َين المسلمين . حتى إن عمر - رضي اهلل عنه - كان يأتي حذيفمة‬
‫ليطمئن منه على نفسه أن الرسول [ ص ] لم يسمه له من المنافقين ! وكان حذيفة يقول له:يا عمر لست منهم‬
‫. وال يزيد ! وكان رسول اهلل [ ص ] قد أمر أال يِلي على أحد منهم مات أَدا . فكان أِمحاَه يعرفمون‬
‫عندما يرون الرسول ال يِلي على ميت . فلما قَض [ ص ] كان حذيفة ال يِلي على من عرف أنه منهم .‬
‫وكان عمر ال ينهض للِالة على ميت حتى ينظر . فإن رأى حذيفة هناك علم أنه ليس من المجموعة وإال لم‬
                                                                                                    ‫يِل هو اآلخر ولم يقل شيئا !‬

‫وهكذا كانت تجري األحداث - كما يرسمها القدر - لحكمتها ولغايتها , للترَية والعَرة وَناء األخالق والنظم‬
                                                                                                                               ‫واآلداب .‬

                                     ‫وهذا الحادث الذي نزلت فيه تلك اآليات هو وحده موضع عَر وعظات جمة . .‬

‫هذا عَداهلل َن أَي َن سلول . يعيش َين المسلمين . قريَا من رسول اهلل [ ص ] تتوالى األحداث واآليات من‬
‫َين يديه ومن خلفه على حقيقة هذا الدين وِدق هذا الرسول . ولكن اهلل ال يهدي قلَه لإليمان , ألنه لم يكتب‬
‫له هذه الرحمة وهذه النعمة . وتقف دونه ودون هذا الفيض المتدفق من النور والتأثير , تقف دونه إحنة فمي‬
 ‫ِدره أن لم يكن ملكا على األوس والخزرج , َسَب مقدم رسول اهلل [ ص ] َاإلسالم إلى المدينة ! فتكفمه‬
   ‫هذه وحدها عن الهدى . الذي تواجهه دالئله من كل جانب . وهو يعيش في فيض اإلسالم ومده في يثرب !‬

‫وهذا اَنه عَداهلل - رضي اهلل عنه وأرضاه - نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع . يشمقى َأَيمه ويضميق‬
‫َأفاعيله ويخجل من مواقفه . ولكنه يكن له ما يكنه الولد الَار العطوف . ويسمع أن رسول اهلل [ ص ] يريمد‬
‫أن يقتل أَاه هذا . فيختلج قلَه َعواطف ومشاعر متَاينة , يواجهها هو في ِراحة وفي قوة وفي نِماعة .‬
                      ‫إنه يحب اإلسالم , ويحب طاعة رسول اهلل [ ص ] ويحب أن ينفذ أمره ولو في أَيه . ولكنه‬




     ‫َل َِل ِ ْ ِز ُ َِ َس ِ َِ ْم ْمن َ ََك َّ ْم ق ن‬                       ‫ر َ ن ِ ْمد ِ ي ْرج َّ ع ُّ م ْ‬                       ‫ق ل ن‬
‫يَ ُوُو َ لَئِن َّجعْ َا إلَى ال َ ِينَة لَ ُخ ِ َن الْأَ َز ِنهَا الْأَذ َّ ولَّه الع َّة ولر ُولِه ولل ُؤ ِ ِين ول ِن ال ُنَمافِ ِي َ لَما‬
‫ِر َ‬        ‫َ َِك أ ْ ِ ه ُ‬            ‫ُ ْ ِك َ و ُك ْ َل ْ ُك ْ ع ِ ْ ِ الل ِ َم‬             ‫ي ُّ الذ َ من‬              ‫َ َْم َ‬
‫يعل ُون (8) َا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا لَا تله ُمْ أمْ َال ُم وَا أَولَاد ُم َن ذكر َّه و َن يَفْعلْ ذل َ فَُولَئكَ ُم الْخَاس ُون‬
‫ِل َ ٍ َر ٍ َِ َّ َ‬              ‫َ ح َك ُ ْم ُ ق َ ر ِّ ْ َّ‬                         ‫م َز ك م ْ ِ‬                   ‫َ ق‬
‫(9) وأَنفِ ُوا مِن َّا ر َقْنَا ُم ِّن قََل أَن يَأْتِي أَ َد ُم ال َوْت فَيَ ُول َب لَولَا أَخرْتَنِي إَى أَجل ق ِيمب فَأ َّمدق‬
                               ‫ِ َ ْ َل ن‬          ‫َُ َالل ُ‬           ‫َ ي ِّ َ الل ُ ً إذ‬            ‫ََك م َ الِ لح َ‬
                         ‫وأ ُن ِّن َّاِ ِين (11) ولَن ُؤَخر َّه نَفْسا ِ َا جَاء أَجلهَا و َّه خََِير َمَا تعمُو َ( 11 )‬
‫ال يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أَيه ويظل يمشي على األرض َعده أمام ناظريه . وهو يخشى أن تخونه‬
‫نفسه , وأال يقدر على مغالَة شيطان العَِية , وهتاف الثأر . . وهنا يلجأ إلى نَيه وقائده ليعينه على خلجات‬
 ‫قلَه , ويرفع عنه هذا العنت الذي يالقيه . فيطلب منه إن كان ال َد فاعال أن يأمره هو َقتل أَيه . وهو ال َد‬
‫مطيع . وهو يأتيه َرأسه . كي ال يتولى ذلك غيره , فال يطيق أن يرى قاتل أَيه يمشي على األرض . فيقتله‬
                                                                                           ‫. فيقتل مؤمنا َكافر . فيدخل النار . .‬

‫وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلب النظر في هذا الموقف الكريم . روعة اإليمان في قلب إنسان‬
‫, وهو يعرض على رسول اهلل [ ص ] أن يكل إليه أشق عمل على النفس الَشرية - أن يقتل أَماه - وهمو‬
‫ِادق النية فيما يعرض . يتقي َه ما هو أكَر في نظره وأشق . . وهو أن تضطره نوازعه الَشرية إلى قتل‬
‫مؤمن َكافر , فيدخل النار . . وروعة الِدق والِراحة وهو يواجه ضعفه الَشمري تجماه أَيمه وهمو‬
‫يقول:"فواهلل لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أَر َوالده مني" . وهو يطلب من نَيه وقائده أن يعينمه‬
‫على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج ; ال َأن يرد أمره أو يغيره - فاألمر مطا واإلشارة نافذة - ولكن‬
                                                                       ‫َأن يكل إليه هو أن يأتيه َرأسه !‬

‫والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المحرجة , فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة [:َل نترفق َمه‬
‫ونحسن ِحَته ما َقي معنا ] . . ومن قَل هذا يكف عمر َن الخطاب رضي اهلل عنه عن رأيه:" فكيف يما‬
                                                      ‫عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أِحاَه ? " .‬

‫ثم تِرف الرسول [ ص ] في الحادث تِرف القائد الملهم الحكيم . . وأمره َالسير في غير أوان , ومتاَعة‬
‫السير حتى اإلعياء , ليِرف الناس عن العَِية المنتنة التي أثارها ِياح الرجلين المتقاتلين:يا ل نِار !‬
‫يا للمهاجين ! وليِرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عَداهلل َن أَي َن سلول , وأرادها أن تحرق ما‬
‫َين األنِار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ اإلنسان . . وحديث الرسول [‬
‫ص ] مع أسيد َن حضير , وما فيه من تعَئة روحية ضد الفتنة , واستجاشة ل خذ على يد ِماحَها وهمو‬
                                                             ‫ِاحب المكانة في قومه حتى َعد اإلسالم !‬

‫وأخيرا نقف أمام المشهد الرائع األخير . مشهد الرجل المؤمن عَداهلل َن عَداهلل َن أَي . وهو يأخذ َسميفه‬
‫مدخل المدينة على أَيه فال يدعه يدخل . تِديقا لمقاله هو:( ليخرجن األعز منها األذل). ليعلم أن رسول اهلل‬
‫هو األعز . وأنه هو األذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول اهلل [ ص ] فيأذن له . فيدخلها َإذنمه . ويتقمرر‬
                      ‫َالتجرَة الواقعة من هو األعز ومن هو األذل . في نفس الواقعة . وفي ذات األوان .‬

‫أال إنها لقمة سامقة تلك التي رفع اإليمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة , وهم َعد َشمر , َهمم‬
‫ضعف الَشر , وفيهم عواطف الَشر , وخوالج الَشر . وهذا هو أجمل وأِدق ما في هذه العقيمدة , حمين‬
‫يدركها الناس على حقيقتها , وحين يَِحون هم حقيقتها التي تدب على األرض في ِمورة أناسمي تأكمل‬
                                                                           ‫الطعام وتمشي في األسواق .‬

                                         ‫ثم نعيش في ظالل النِوص القرآنية التي تضمنت تلك األحداث:‬

            ‫(وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اهلل لووا رؤوسهم , ورأيتهم يِدون وهم مستكَرون . .)‬

‫فهم يفعلون الفعلة , ويطلقون القولة . فإذا عرفوا أنها َلغت رسمول اهلل [ ص ] جَنموا وتخماذلوا وراحموا‬
‫يقسمون َاأليمان يتخذونها جنة . فإذا قال لهم قائل:تعالوا يستغفر لكم رسول اهلل , وهم في أمن من مواجهته ,‬
‫لووا رؤوسهم ترفعا واستكَارا ! وهذه وتلك سمتان متالزمتان في النفس المنافقة . وإن كان همذا التِمرف‬
‫يجيء عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام . ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف ممن المواجهمة ; فهمم‬
‫يستكَرون ويِدون ويلوون رؤوسهم ما داموا في أمان من المواجهة . حتى إذا ووجهوا كان الجَن والتخاذل‬
                                                                                              ‫واأليمان !‬

‫ومن ثم يتوجه الخطاب إلى رسول اهلل [ ص ] َما قضاه اهلل في شأنهم على كل حال . وَعدم جدوى االستغفار‬
                                                                                       ‫لهم َعد قضاء اهلل:‬

           ‫(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اهلل لهم . إن اهلل ال يهدي القوم الفاسقين). .‬

                                                  ‫ويحكي طرفا من فسقهم , الذي استوجب قضاء اهلل فيهم:‬

                                      ‫(هم الذين يقولون:ال تنفقوا على من عند رسول اهلل حتى ينفضوا). .‬

‫وهي قولة يتجلى فيها خَث الطَع , ولؤم النحيزة . وهي خطة التجويع التي يَدو أن خِوم الحق واإليممان‬
‫يتواِون َها على اختالف الزمان والمكان , في حرب العقيدة ومناهضة األديان . ذلك أنهم لخسة مشاعرهم‬
                  ‫يسحَون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة كما هي في حسهم فيحارَون َها المؤمنين .‬

‫إنها خطة قريش وهي تقاطع َني هاشم في الشعب لينفضوا عن نِرة رسول اهلل [ ص ] ويسلموه للمشركين‬
                                                                                                        ‫!‬

 ‫وهي خطة المنافقين كما تحكيها هذه اآلية لينفض أِحاب رسول اهلل [ ص ] عنه تحت وطأة الضيق والجو‬
                                                                                                        ‫!‬

‫وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في َالدهم من َطاقات التموين , ليموتوا جوعا أو يكفروا َماهلل ,‬
                                                                                       ‫ويتركوا الِالة !‬

‫وهي خطة غيرهم ممن يحارَون الدعوة إلى اهلل وحركة الَعث اإلسالمي فمي َمالد اإلسمالم , َالحِمار‬
                                                       ‫والتجويع ومحاولة سد أسَاب العمل واالرتزاق . .‬

‫وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خِوم اإليمان , من قديم الزمان , إلى هذا الزمان . . ناسمين‬
                                              ‫الحقيقة الَسيطة التي يذكرهم القرآن َها قَل ختام هذه اآلية:‬

                                          ‫(وهلل خزائن السماوات واألرض . ولكن المنافقين ال يفقهون). .‬

‫ومن خزائن اهلل في السماوات واألرض يرتزق هؤالء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين , فليسوا‬
           ‫هم الذين يخلقون رزق أنفسهم . فما أغَاهم وأقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن اآلخرين !‬
‫وهكذا يثَت اهلل المؤمنين ويقوي قلوَهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة والوسيلة الخسيسة , التي يلجأ أعمداء‬
‫اهلل إليها في حرَهم . ويطمئنهم إلى أن خزائن اهلل في السماوات واألرض هي خمزائن األرزاق للجميمع .‬
‫والذي يعطي أعداءه ال ينسى أولياءه . فقد شاءت رحمته أال يأخذ حتى أعداءه من عَاده َمالتجويع وقطمع‬
‫األرزاق . وقد علم أنهم ال يرزقون أنفسهم كثيرا وال قليال لو قطع عنهم األرزاق ! وهو أكرم أن يكل عَاده‬
‫- ولو كانوا أعداءه - إلى ما يعجزون عنه الَتة . فالتجويع خطة ال يفكر فيها إال أخس األخساء وأألم اللؤماء‬
                                                                                                      ‫!‬

                                                                                     ‫ثم قولتهم األخيرة:‬

                                            ‫(يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن األعز منها األذل). .‬

                ‫وقد رأينا كيف حقق ذلك عَداهلل َن عَداهلل َن أَي ! وكيف لم يدخلها األذل إال َإذن األعز !‬

                                           ‫(وهلل العزة ولرسوله وللمؤمنين . ولكن المنافقين ال يعلمون). .‬

‫ويضم اهلل - سَحانه - رسوله والمؤمنين إلى جانَه , ويضفي عليهم من عزته , وهو تكريم هائل ال يكرممه‬
‫إال اهلل ! وأي تكريم َعد أن يوقف اهلل - سَحانه - رسوله والمؤمنين معه إلى جواره . ويقول:ها نحن أوالء‬
                                                          ‫! هذا لواء األعزاء . وهذا هو الِف العزيز !‬

‫وِدق اهلل . فجعل العزة ِنو اإليمان في القلب المؤمن . العزة المستمدة من عزته تعالى . العمزة التمي ال‬
‫تهون وال تهن , وال تنحني وال تلين . وال تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظمات إال أن يتضعضمع فيمه‬
                                        ‫اإليمان . فإذا استقر اإليمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة . .‬

                                                                          ‫(ولكن المنافقين ال يعلمون). .‬

                               ‫وكيف يعلمون وهم ال يتذوقون هذه العزة وال يتِلون َمِدرها األِيل ?‬

                    ‫الدرس الثالث:9 - 11 تحذير المؤمنين من التثاقل والتلهي عن ذكر اهلل والدعوة لإلنفاق‬

‫لهؤالء المؤمنين الذين أوقفهم اهلل في ِفه مع رسول اهلل [ ص ] وجعل عزتهم من عزته يوجه النداء األخير‬
‫في السورة , ليرتفعوا إلى هذا المكان الكريم , ويَرأوا من كل ِفة تشَه ِفات المنافقين , ويختاروا ذلمك‬
                    ‫المقام األسنى على األموال واألوالد , فال يدعوها تلهيهم عن َلوغ ذلك المقام الوضيء:‬
‫يا أيها الذين آمنوا ال تلهكم أموالكم وال أوالدكم عن ذكر اهلل . ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . وأنفقوا‬
‫مما رزقناكم من قَل أن يأتي أحدكم الموت , فيقول:رب لوال أخرتني إلى أجل قريب فأِمدق وأكمن ممن‬
                                  ‫الِالحين . ولن يؤخر اهلل نفسا إذا جاء أجلها , واهلل خَير َما تعملون . .‬

‫واألموال واألوالد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب , ويدرك غاية وجوده , ويشعر أن له هدفا أعلى يليمق‬
‫َالمخلوق الذي نفخ اهلل فيه من روحه , فأود روحه الشوق إلى تحقيق َعض ِفاته اإللهية في حدود طاقته‬
‫الَشرية . وقد منحه األموال واألوالد ليقوم َالخالفة في األرض ال لتلهيه عن ذكر اهلل واالتِال َالمِمدر‬
‫الذي تلقى منه ما هو َه إنسان . ومن يغفل عن االتِال َذلك المِدر , ويلهه عن ذكر اهلل ليمتم لمه همذا‬
‫االتِال( فأولئك هم الخاسرون). . وأول ما يخسرونه هو هذه السمة . سمة اإلنسان . فهي موقوفمة علمى‬
‫االتِال َالمِدر الذي ِار َه اإلنسان إنسانا . ومن يخسر نفسه فقد خسر كل شيء . مهما يملك من مال‬
                                                                                             ‫ومن أوالد .‬

                                            ‫ويلمسهم في موضو اإلنفاق لمسات متنوعة في آية واحدة . .‬

‫وأنفقوا مما رزقناكم . . فيذكرهم َمِدر هذا الرزق الذي في أيديهم . فهو من عند اهلل الذي آمنوا َه والذي‬
                                                                                        ‫يأمرهم َاإلنفاق .‬

                                                                 ‫(من قَل أن يأتي أحدكم الموت . . .). .‬

    ‫فيترك كل شيء وراءه لغيره ; وينظر فال يجد أنه قدم شيئا لنفسه , وهذا أحمق الحمق وأخسر الخسران .‬

‫ثم يرجو حينئذ ويتمنى أن لو كان قد أمهل ليتِدق وليكون من الِالحين ! وأنى له هذا( :? ولن يمؤخر اهلل‬
                                                                                    ‫نفسا إذا جاء أجلها)?‬

                                                          ‫وأنى له ما يتقدم َه ? (واهلل خَير َما تعملون ?)‬

‫إنها اللمسات المنوعة في اآلية الواحدة . في مكانها المناسب َعد عرض سمات المنافقين وكيدهم للممؤمنين .‬
‫ولواذ المؤمنين َِف اهلل الذي يقيهم كيد المنافقين . . فما أجدرهم إذن أن ينهضوا َتكماليف اإليممان , وأال‬
                                                               ‫يغفلوا عن ذكر اهلل . وهو مِدر األمان . .‬

                                                          ‫وهكذا يرَي اهلل المسلمين َهذا القرآن الكريم . .‬
                                               ‫سورة التغاَن‬

                            ‫َ ِ ُ ْ ُ ْك َ ه َ ُ ه َ َ ك ِّ ْ ٍ‬                        ‫َّ و ِ َ‬             ‫ُ ََح ِل ِ‬
                 ‫يس ِّ ُ لَّه مَا فِي السمَا َات ومَا فِي الْأرْض لَه المل ُ ولَ ُ الْحمْد وَ ُو علَى ُل شَيء قَدِير (1)‬
                                                                                                  ‫تقديم لسورة التغاَن‬

‫هذه السورة أشَه شيء َالسور المكية في موضوعها وفي سياقها وفي ظاللها وإيحاءاتها , وَخاِة المقماطع‬
                                             ‫األولى منها . فال يكاد الجو المدني يتَين إال في فقراتها األخيرة .‬

‫والفقرات األولى إلى اَتداء النداء: يا أيها الذين آمنوا . . تستهدف َناء أسمس العقيمدة , وإنشماء التِمور‬
‫اإلسالمي في القلوب َأسلوب السور المكية التي تواجه الكفار المشركين اَتداء , وتخاطَهم َهمذا التِمور‬
‫خطاب المَتدئ في مواجهته . ثم هي تستخدم المؤثرات الكونية والنفسية كما تستعرض مِائر الغاَرين من‬
‫المكذَين قَلهم ; وتعرض عليهم مشاهد القيامة إلثَات الَعث , وتوكيده توكيدا شديدا , يدل على أن المخاطَين‬
                                                                                        ‫َه من المنكرين الجاحدين .‬

‫فأما الفقرات األخيرة فهي تخاطب الذين آمنوا َما يشَه خطاَهم في السور المدنية , لحثهم علمى اإلنفماق ,‬
‫وتحذرهم فتنة األموال واألوالد . وهي الدعوة التي تكررت نظائرها في العهد المدني َسَب مقتضيات الحياة‬
‫اإلسالمية الناشئة فيها . كما أن فيها ما قد يكون تعزية عن مِاب أو تكاليف وقعت على عاتق الممؤمنين ,‬
‫ورد األمر فيها إلى قدر اهلل , وتثَيت هذا التِور . . وهو ما يتكرر في السور المدنية وَخاِة َعد األممر‬
                                                                              ‫َالجهاد وما ينشأ عنه من تضحيات .‬

‫ولقد وردت روايات أن السورة مكية , ووردت روايات أخرى أنها مدنية مع ترجيحها . وكدت أميمل إلمى‬
‫اعتَارها مكية تأثرا َأسلوب الفقرات األولى فيها وجوها . ولكني أَقيت اعتَارها مدنية - مع الرأي المراجح‬
‫فيها - ألنه ليس ما يمنع أن تكون الفقرات األولى فيها خطاَا للكفار َعد الهجرة سواء كانوا كفمار مكمة أم‬
‫الكفار القريَين من المدينة . كما أنه ليس ما يمنع أن يستهدف القرآن المدني في َعض األحيان جالء أسمس‬
      ‫العقيدة , وإيضاح التِور اإلسالمي , َهذا األسلوب الغالب على أسلوب القرآن المكي . . واهلل أعلم . .‬

‫والمقطع األول في السورة يستهدف َناء التِور اإليماني الكوني , وعرض حقيقة الِملة َمين الخمالق -‬
‫سَحانه - وهذا الكون الذي خلقه . وتقرير حقيقة َعض ِفات اهلل وأسمائه الحسنى وأثرها في الكون وفمي‬
                                                                                                      ‫الحياة اإلنسانية:‬

‫(يسَح هلل ما في السماوات وما في األرض , له الملك وله الحمد , وهو على كل شيء قدير . هو الذي خلقكم‬
‫فمنكم كافر ومنكم مؤمن واهلل َما تعملون َِير . خلق السمماوات واألرض َمالحق , وِموركم فأحسمن‬
‫ِوركم , وإليه المِير . يعلم ما في السماوات واألرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون . واهلل علميم َمذات‬
                                                                                               ‫الِدور). .‬

‫وهذا التِور الكوني اإليماني هو أدق وأوسع تِور عرفه المؤمنون في تماريخ العقيمدة . ولقمد جماءت‬
‫الرساالتاإللهية كلها َوحدانية اهلل , وإنشائه لهذا الوجود ولكل مخلوق , ورعايته لكل كائن في الوجمود . . ال‬
‫نشك في هذا ألن القرآن يحكيه عن الرسل وعن الرساالت كلها . وال عَرة َما نجده فمي الكتمب المفتمراة‬
‫والمحرفة ; أو فيما يكتَه عن الديانات المقارنة أناس ال يؤمنون َالقرآن كله أو َعضه . إنما جاء االنحمراف‬
‫عن العقيدة اإليمانية من أتَاعها , فَدا أنها لم تأت َالتوحيد الخالص , أو لم تأت َهيمنة اهلل واتِاله َكل كائن‬
‫. فهذا من التحريف الطارئ ال من أِل الديانة . فدين اهلل واحد منذ أولى الرساالت إلى خاتمة الرسماالت .‬
 ‫ويستحيل أن ينزل اهلل دينا يخالف هذه القواعد , كما يزعم الزاعمون َناء على ما يجدونه في كتب مفتراة أو‬
                                                                                       ‫محرفة َاسم الدين !‬

‫ولكن تقرير هذه الحقيقة ال ينافي أن التِور اإلسالمي عن الذات اإللهية , وِفاتها العلويمة , وآثمار همذه‬
‫الِفات في الكون وفي الحياة اإلنسانية . . أن هذا التِور أوسع وأدق وأكمل من كل تِور سماَق فمي‬
‫الديانات اإللهية . . وهذا متفق مع طَيعة الرسالة ومهمتها األخيرة . ومع الرشد الَشري الذي جماءت همذه‬
           ‫الرسالة لتخاطَه وتوجهه ; وتنشئ فيه هذا التِور الشامل الكامل َكل مقتضياته وفروعه وآثاره .‬

‫ومن شأن هذا التِور أن يدرك القلب الَشري - َمقدار ما يطيق - حقيقة األلوهية وعظمتها , ويشعر َالقدرة‬
‫اإللهية ويراها في آثارها المشهودة في الكون , ويحسها في ذوات األنفس َآثارهما المشمهودة والمدركمة ;‬
‫ويعيش في مجال هذه القدرة وَين آثارها التي ال تغيب عن الحس والعقل واإللهام . ويراها محيطة َكل شيء‬
‫, مهيمنة على كل شيء , مدَرة لكل شيء , حافظة لكل شيء , ال يند عنها شيء . سواء في ذلمك الكَيمر‬
                                                                                ‫والِغير والجليل والحقير .‬

‫ومن شأنه كذلك أن يعيش القلب الَشري في حساسية مرهفة , وتوفز دائم , وخشية وارتقاب , وطمع ورجاء ;‬
‫وأن يمضي في الحياة معلقا في كل حركة وكل خالجة َاهلل , شاعرا َقدرته وهيمنته , شاعرا َعلمه ورقاَته ,‬
                           ‫شاعرا َقهره وجَروته , شاعرا َرحمته وفضله , شاعرا َقرَه منه في كل حال .‬

‫وأخيرا فإن من شأنه أن يحس َالوجود كله متجها إلى خالقه فيتجه معه , مسَحا َحمد رَه فيشاركه تسَيحه ,‬
‫مدَرا َأمره وحكمته فيخضع لشريعته وقانونه . . ومن ثم فهو تِور إيماني كوني َهذا المعنمى , وَمعمان‬
‫أخرى كثيرة تتجلى في المواضع المتعددة في القرآن التي تضمنت عرض جوانب من هذا التِور اإليمماني‬
            ‫الشامل الكامل المحيط الدقيق . وأقرب مثل منها ما ورد في ختام سورة الحشر , في هذا الجزء .‬

                                        ‫الدرس األول:1 - 4 تسَيح ما في الوجود هلل القادر الخالق المِور‬
                                          ‫(يسَح هلل ما في السماوات وما في األرض , له الملك وله الحمد). .‬

‫فكل ما في السماوات واألرض متوجه إلى رَه , مسَح َحمده ; وقلب هذا الوجود مؤمن , وروح كل شميء‬
‫في هذا الوجود مؤمنة , واهلل مالك كل شيء . وكل شيء شاعر َهذه الحقيقة . واهلل محمود َذاته ممجد ممن‬
‫مخلوقاته . فإذا وقف اإلنسان وحده في خضم هذا الوجود الكَير كافر القلب جامد الروح , متمردا عاِيا , ال‬
‫يسَح هلل , وال يتجه إلى مواله , فإنه يكون شاذا َارز الشذوذ , كما يكون في موقف المنَوذ من كل مما فمي‬
                                                                                                       ‫الوجود .‬

                                                                                  ‫(وهو على كل شيء قدير). .‬

‫فهي القدرة المطلقة , التي ال تتقيد َقيد . وهي حقيقة يطَعها القرآن في القلب المؤمن فيعرفها ويتأثر َمدلولها‬
  ‫, ويعلم أنه حين يركن إلى رَه فإنما يركن إلى قدرة تفعل ما تشاء , وتحقق ما تريد . َال حدود وال قيود .‬




‫ح ِّ‬      ‫َ َ الس و ِ و َ َ‬                    ‫َ َك ْ َم ك ْ ف َم ك م ْم َالل ُ ِ َ ْ َل ن‬                 ‫هو ال‬
‫ُ َ َّذِي خلَق ُم ف ِن ُم كَا ِر و ِن ُم ُّؤ ِن و َّه َمَا تعمُو َ َِِير (2) خلَمق َّممَا َات َالْمأرْض َِمالْ َق‬
                                                                      ‫وِ َّ َك ْس َ ِ َ َك ْ َِ ِ ْم ُ‬
                                                                  ‫َ َور ُمْ فَأَح َن ُور ُم وإلَيْه ال َِِير (3)‬
‫وهذا التِور لقدرة اهلل وتسَيح كل شيء له , وتوجه الوجود إليه َالحمد . . هو طرف من ذلمك التِمور‬
                                                                                               ‫اإليماني الكَير .‬

‫واللمسة الثانية في ِميم القلب اإلنساني , الذي يقف في خضم الوجود المؤمن المسَح َحمد اهلل . مؤمنا تارة‬
                                                      ‫وكافرا تارة . وهو وحده الذي يقف هذا الموقف الفريد .‬

                                                                  ‫(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن). .‬

‫فعن إرادة اهلل وعن قدرته ِدر هذا اإلنسان ; وأود إمكان االتجاه إلى الكفر وإمكان االتجاه إلى اإليممان ;‬
‫وتميز َهذا االستعداد المزدوج من َين خلق اهلل ; ونيطت َه أمانة اإليمان َحكم هذا االستعداد . وهي أمانمة‬
‫ضخمة وتَعة هائلة . ولكن اهلل كرم هذا المخلوق فأودعه القدرة على التمييز والقدرة على االختيار ; وأممده‬
‫َعد ذلك َالميزان الذي يزن َه عمله ويقيس َه اتجاهه . وهو الدين الذي نزله على رسل منه . فأعانه َهمذا‬
                                                                 ‫كله على حمل هذه األمانة . ولم يظلمه شيئا .‬

                                                                                    ‫(واهلل َما تعملون َِير). .‬
‫فهو رقيب على هذا اإلنسان فيما يعمل , َِير َحقيقة نيته واتجاهه , فليعمل إذن وليحذر هذا الرقيب الَِير‬
                                                                                                    ‫..‬

‫وهذا التِور لحقيقة اإلنسان وموقفه هو طرف من التِور اإلسالمي الواضح المستقيم لموقف اإلنسان فمي‬
                                                    ‫هذا الوجود , واستعداداته وتَعاته أمام خالق الوجود .‬

‫واللمسة الثالثة تشير إلى الحق األِيل الكامن في طَيعة الوجود , الذي تقوم َه السمماوات واألرض , كمما‬
      ‫تشير إلى ِنعة اهلل المَدعة في كيان المخلوق اإلنساني . وتقرر رجعة الجميع إليه في نهاية المطاف:‬

                          ‫(خلق السماوات واألرض َالحق , وِوركم فأحسن ِوركم , وإليه المِير). .‬

‫وِدر هذا النص: (خلق السماوات واألرض َالحق). . يقر في شعور المؤمن أن الحق أِيل في كيان همذا‬
‫الكون , ليس عارضا وليس نافلة ; فَناء الكون قام على هذا األساس . والذي يقرر هذه الحقيقة هو اهلل المذي‬
‫خلق السماوات واألرض , والذي يعلم على أي أساس قامتا . واستقرار هذه الحقيقة في الحس يمنحه الطمأنينة‬
 ‫والثقة في الحق الذي يقوم عليه دينه , ويقوم عليه الوجود من حوله ; فهو ال َد ظاهر , وال َد َاق , وال َد‬
                                                                      ‫مستقر في النهاية َعد زَد الَاطل !‬

‫والحقيقة الثانية: (وِوركم فأحسن ِوركم). . تشعر اإلنسان َكرامته على اهلل , وَفضل اهلل عليه في تحسين‬
‫ِورته:ِورته الخلقية وِورته الشعورية . فاإلنسان هو أكمل األحياء في األرض ممن ناحيمة تكوينمه‬
‫الجثماني ; كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداداته الروحية ذات األسرار العجيَة . ومن ثمم‬
                                    ‫وكلت إليه خالفة األرض , وأقيم في هذا الملك العريض َالقياس إليه !‬

‫ونظرة فاحِة إلى الهندسة العامة لتركيب اإلنسان , أو إلى أي جهاز من أجهزتمه , تثَمت تلمك الحقيقمة‬
‫وتجسمها: (وِوركم فأحسن ِوركم). . وهي هندسة يجتمع فيها الجمال إلى الكمال . ويتفاوت الجمال َين‬
‫شكل وشكل . ولكن التِميم في ذاته جميل وكامل الِنعة , وواف َكل الوظائف والخِائص التي يتفوق َها‬
                                                                 ‫اإلنسان في األرض على سائر األحياء .‬

‫(وإليه المِير). . مِير كل شيء وكل أمر وكل خلق . . مِير هذا الكون ومِير هذا اإلنسمان . فممن‬
‫إرادته انَثق , وإليه - سَحانه - يعود . ومنه المنشأ وإليه المِير . وهو األول واآلخر . المحيط َكل شيء‬
                                                                                                    ‫من‬
 ‫َ ْ ِك ْ أ الذ َ‬               ‫َّ و ِ و َ ِ و َ ْ ُ ُ ِر َ َ ُ ْلن ن َالل ُ َل َذ ِ الِد ِ‬                          ‫َْم‬
 ‫يعلَ ُ مَا فِي السمَا َات َالْأرْض َيعلَم مَا تس ُّون ومَا تعِ ُو َ و َّه عِيم ِ َات ُّ ُور (4) ألَم يَأْت ُم نَ َُ َّ ِين‬
                                                                    ‫َر م ْ ُ ذ ق وَ َ َ ْ ه ْ ََه ْ عذ َل‬
                                                             ‫كَف ُوا ِن قََل فَ َا ُوا َ َال أمرِ ِم ول ُم َ َاب أِيم( 5 )‬
                                                            ‫طرفيه:مَدئه ونهايته . وهو - سَحانه - غير محدود !‬

‫واللمسة الراَعة في هذا المقطع هي تِوير العلم اإللهي المحيط َكل شيء , المطلمع علمى سمر اإلنسمان‬
                                ‫وعالنيته , وعلى ما هو أخفى من السر , من ذوات الِدور المالزمة للِدور :‬

                 ‫(يعلم ما في السماوات واألرض , ويعلم ما تسرون وما تعلنون , واهلل عليم َذات الِدور . .)‬

‫واستقرار هذه الحقيقة في القلب المؤمن يفيده المعرفة َرَه , فيعرفه َحقيقته . ويمنحه جانَما ممن التِمور‬
‫اإليماني الكوني . ويؤثر في مشاعره واتجاهاته ; فيحيا حياة الشاعر َأنه مكشوف كله لعين اهلل . فليس له سر‬
                               ‫يخفى عليه , وليس له نية غائرة في الضمير ال يراها وهو العليم َذات الِدور .‬

‫وإن آيات ثالثة كهذه لكافية وحدها ليعيش َها اإلنسان مدركا لحقيقة وجوده , ووجود الكون كلمه , وِملته‬
                                            ‫َخالقه , وأدَه مع رَه , وخشيته وتقواه , في كل حركة وكل اتجاه . .‬

                                                               ‫الدرس الثاني:5 - 6 تذكير َمِار الكفار الساَقين‬

‫والمقطع الثاني في السورة يذكر َمِير الغاَرين من المكذَين َالرسل والَينات , المعترضين علمى َشمرية‬
‫الرسل . كما كان المشركون يكذَون ويعترضون على َشرية الرسول [ ص ] ويكفرون َما جاءهم َمه ممن‬
                                                                                                                  ‫الَينات:‬

‫(ألم يأتكم نَأ الذين كفروا من قَل فذاقوا وَال أمرهم ? ولهم عذاب أليم . ذلك َأنه كانمت تمأتيهم رسملهم‬
                             ‫َالَينات , فقالوا:أَشر يهدوننا ? فكفروا وتولوا , واستغنى اهلل , واهلل غني حميد). .‬

‫والخطاب هنا للمشركين - غالَا - وهو تذكير لهم َعاقَة المكذَين وتحذير لهم ممن مثمل همذه العاقَمة .‬
‫واالستفهام قد يكون إلنكار حالهم َعد ما جاءهم من نَأ الذين كفروا من قَل فذاقوا وَال أمرهم . وقد يكمون‬
‫للفت أنظارهم إلى هذا النَأ الذي يقِه عليهم . وهم كانوا يعرفون ويتناقلون أنَاء َعض الهلكى من الغاَرين .‬
                ‫كعاد وثمود وقرى لوط . وهم يمرون عليها في شَه الجزيرة , في رحالتهم للشمال والجنوب .‬

‫ويضيف القرآن إلى المعروف من مآلهم في الدنيا ما ينتظرهم هنالك في اآلخرة: (ولهم عذاب ألميم). . ثمم‬
‫يكشف عن السَب الذي استحقوا َه ما نالهم وما ينتظرهم: (ذلك َأنه كانت تأتيهم رسلهم َالَينات فقالوا:أَشر‬
‫يهدوننا ?). . وهو االعتراض ذاته الذي يعترضه المشركون على الرسول [ ص ] وهو اعتراض فج ناشمئ‬
 ‫عن الجهل َطَيعة الرسالة , وكونها منهجا إلهيا للَشر , فال َد أن تتمثل واقعيا في َشر , يحيا َها , ويكون‬
‫َشخِه ترجمانا لها ; فيِوغ اآلخرون أنفسهم على مثاله َقدر ما يستطيعون . وال ينعزل هو عنهم َجنسه ,‬
‫فيتعذر أن يجدوا للرسالة ِورة واقعية يحاولون تحقيقها في ذوات أنفسهم , وفي حياتهم ومعاشهم . وناشمئ‬
‫كذلك من الجهل َطَيعة اإلنسان ذاته ورفعة حقيقته َحيث يتلقى رسالة السماء ويَلغها , َدون حاجة إلمى أن‬
 ‫يحملها إلى الناس ملك كما كانوا يقترحون . ففي اإلنسان تلك النفخة من روح اهلل , وهي تهيئمة السمتقَال‬
‫الرسالة من اهلل , وأدائها كاملة كما تلقاها من الم األعلى . وهي كرامة للجنس الَشري كله ال يرفضمها إال‬
‫جاهل َقدر هذا اإلنسان عند اهلل , حين يحقق في ذاته حقيقة النفخة من روح اهلل ! وناشئ في النهايمة ممن‬
‫التعنت واالستكَار الكاذب عن اتَا رسول من الَشر . كأن في هذا غضا من قيمة هؤالء الجهال المتكَرين !‬
‫فجائز في عرفهم أن يتَعوا رسوال من خلق آخر غير جنسهم َال غضاضة . أما أن يتَعوا واحدا منهم فهمي‬
                                                                                                      ‫في نظرهم حطة وقلة قيمة !‬

   ‫ومن ثم كفروا وتولوا معرضين عن الرسل وما معهم من الَينات , ووقفت في ِدورهم هذه الكَرياء وذلك‬




       ‫َ َر و َل و ن الل ُ َالله ِمي َم‬                           ‫ت ت ه ْ ُ ُُه َ َي ِ ل ش َ د‬                                ‫َِك َن ُ‬
‫ذل َ َِأ َّه كَانَت َّأْ ِي ِم رسل ُم ِالَْ ِّنَات فَقَاُوا أََ َر يهْ ُونَنَا فكَف ُوا َتَوَّوا َّاسْتَغْ َى َّه و َّ ُ غَن ٌّ ح ِيمد (6)‬
‫من ِالل ِ‬               ‫َ ََ ت ْعث َّ ث َّ ت ََؤ َّ ِ َ ِ ت ْ و َِ َ َ الله َ‬               ‫ل ي ْعث ُ ْ‬           ‫زع َ الذ َ َر‬
‫َ َم َّ ِين كَف ُوا أَن َّن َُ َ ُوا قل َلَى ور ِّي لَ َُ َ ُن ُم لَ ُن َّ ُن َمَا عملْ ُم َذلك علَى َّ ِ يسِير (7) فَآ ِ ُوا َ َّه‬
                                                                                ‫َ َالل ُ ِ َ ْ َل َ‬          ‫َ َس ِ َالن ِ الذ‬
                                                                     ‫ور ُولِه و ُّور َّ ِي أَنزلْنَا و َّه َمَا تعمُون خََِير (8)‬
                                                                                  ‫الجهل . فاختاروا ألنفسهم الشرك والكفر . .‬

‫(واستغنى اهلل . واهلل غني حميد). . استغنى اهلل عنهم وعن إيمانهم وعن طاعتهم . . وما هو - سمَحانه -‬
                                       ‫َمحتاج إلى شيء منهم وال من غيرهم , وال َمحتاج أِال: (واهلل غني حميد).‬

‫فهذا نَأ الذين كفروا من قَل فذاقوا وَال أمرهم . وهذا سَب ما ذاقوا وما ينتظرهم . فكيف يكذب َعد هذا النَأ‬
                                                                                ‫مكذَون جدد ? أليلقوا مِيرا كهذا المِير ?‬

‫الدرس الثالث:7 - 31 رد على تكذيب الكفار َالَعث وافتراق المؤمنين عن الكافرين فيه وتوجيه الممؤمنين‬
                                                                                                                             ‫لطاعة اهلل‬

‫والمقطع الثالث َقية للمقطع الثاني يحكي تكذيب الذين كفروا َالَعث - وظاهر أن الذين كفروا هم المشركون‬
‫الذين كان الرسول [ ص ] يواجههم َالدعوة - وفيه توجيه للرسول أن يؤكد لهم أمر الَعث توكيمدا وثيقما .‬
‫وتِوير لمشهد القيامة ومِير المكذَين والمِدقين فيه ; ودعوة لهم إلى اإليمان والطاعة ورد كل شيء هلل‬
                                                                                                            ‫فيما يقع لهم في الحياة :‬
‫زعم الذين كفروا أن لن يَعثوا . قل َلى ورَي لتَعثن , ثم لتنَئون َما عملتم . وذلك على اهلل يسير . فمآمنوا‬
‫َاهلل ورسوله والنور الذي أنزلنا . واهلل َما تعملون خَير . يوم يجمعكم ليوم الجمع , ذلك يوم التغاَن , وممن‬
‫يؤمن َاهلل ويعمل ِالحا يكفر عنه سيئاته , ويدخله جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها أَدا . ذلمك‬
‫الفوز العظيم . والذين كفروا وكذَوا َآياتنا أولئك أِحاب النار خالدين فيها وَئس المِير . ما أِاب ممن‬
‫مِيَة إال َإذن اهلل , ومن يؤمن َاهلل يهد قلَه , واهلل َكل شيء عليم , وأطيعوا اهلل وأطيعوا الرسول , فمإن‬
                      ‫توليتم فإنما على رسولنا الَالغ المَين . اهلل ال إله إال هو , وعلى اهلل فليتوكل المؤمنون . .‬

‫ومنذ الَدء يسمي مقالة الذين كفروا عن عدم الَعث زعما , فيقضي َكذَه من أول لفظ في حكايته . ثم يوجه‬
‫الرسول [ ص ] إلى توكيد أمر الَعث َأوثق توكيد , وهو أن يحلف َرَه . وليس َعد قسمم الرسمول َرَمه‬
‫توكيد: (قل:َلى ورَي لتَعثن). . (ثم لتنَئون َما عملتم . .)فليس شيء منه َمتروك . واهلل أعلم منهم َعملهمم‬
 ‫حتى لينَئهم َه يوم القيامة( ! وذلك على اهلل يسير). . فهو يعلم ما في السماوات واألرض ويعلم السر والعلن‬
         ‫وهو عليم َذات الِدور . وهو على كل شيء قدير . كما جاء في مطلع السورة تمهيدا لهذا التقرير .‬

‫وفي ظل هذا التوكيد الوثيق يدعوهم إلى اإليمان َاهلل ورسوله والنور الذي أنزله مع رسوله . وهو هذا القرآن‬
‫. وهو هذا الدين الذي يَشر َه القرآن . وهو نور في حقيقته َما أنه من عنمد اهلل . واهلل نمور السمماوات‬
                 ‫واألرض . وهو نور في آثاره إذ ينير القلب فيشرق َذاته ويَِر الحقيقة الكامنة فيه هو ذاته .‬

‫ويعقب على دعوتهم إلى اإليمان , َما يشعرهم أنهم مكشوفون لعين اهلل ال يخفى عليه منهم شيء: (واهلل َمما‬
                                                                                                                 ‫تعملون خَير). .‬

                                          ‫وَعد هذه الدعوة يعود إلى استكمال مشهد الَعث الذي أكده لهم أوثق توكيد:‬

                                                                               ‫(يوم يجمعكم ليوم الجمع:ذلك يوم التغاَن). .‬

‫فأما أنه يوم الجمع ف ن جميع الخالئق في جميع األجيال تَعث فيه , كما يحضره المالئكة وعددهم ال يعلممه‬
‫إال اهلل . ولكن قد يقرَه إلى التِور ما جاء في حديث رسول اهلل [ ص ] - عن أَي ذر رضي اهلل عنمه -‬
‫قال:قال رسول اهلل [ ص ]:" إني أرى ما ال ترون , وأسمع ما ال تسمعون . أطت السماء وحق لها أن تيط ,‬
                                       ‫ما فيها موضع أرَع أِاَع إال وفيه ملك واضع جَهته هلل تعالى ساجدا . واهلل‬




   ‫ي م ي ْ َ ُك ْ لي ِ َ ِ َِ َ ي ُ َّ َ ِ َم ي ْم ِالله و َ ْ َ ْ ِ ً ُ ِّ ْ ع ُ َي ِ وي ِ ه َن ت ْ‬
‫َوْ َ َجمع ُم ِ َوْم الْجمْع ذلك َوْم التغَا ُن و َن ُؤ ِن َ َّ ِ َيعمل َالِحا يكَفر َنْه س ِّئَاتِه َ ُدْخلْ ُ ج َّا ٍ تَجرِي‬
‫ب الن ِ‬          ‫تن أ ْ ِك‬             ‫َالذ َ َر َ َذَ‬              ‫ْه ُ لد َ ف ه َ ً َِك ْز ْ َظ ُ‬                           ‫ِ‬      ‫م‬
‫ِن تَحْتهَا الْأَن َار خَاِ ِين ِي َا أَ َدا ذل َ الْفَو ُ الع ِيم (9) و َّ ِين كَف ُوا وك َّ ُوا َِآيَا ِ َا ُولَئ َ أَِْمحَا ُ َّمار‬
‫َ م مِ ة ِل إ ِ الل ِ َم ي ْم ِالل ِ َ ِ َ ه َالله ِك ِّ ْ ٍ‬                        ‫م‬      ‫لد َ ف وَ َ ْم ُ‬
‫خَاِ ِين ِيهَا َ ِئْس ال َِِير (11) َا أََِاب ِن ُّ ِي َ ٍ إَّا َِِذْن َّه و َن ُؤ ِن َ َّه يهْد قلْ َ ُ و َّ ُ َ ُل شَيء‬
                                                                                                                    ‫َل‬
                                                                                                             ‫عِيم (11)‬
‫لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليال , ولَكيتم كثيرا , ولما تلذذتم َالنساء على الفرش , ولخرجتم إلى الِمعدات‬
                                                            ‫تجأرون إلى اهلل تعالى . لوددت أني شجرة تعضد " . .‬

‫والسماء التي ليس فيها موضع أرَع أِاَع إال وفيه ملك . هي هذا االتسا الهائل الذي ال يعرف له الَشمر‬
‫حدودا . والذي تَدو فيه شمس كشمسنا ذرة كالهَاءة الطائرة في الفضاء ! فهل هذا يقمرب شميئا للتِمور‬
                                                  ‫الَشري عن عدد المالئكة ? إنهم من َين الجمع في يوم الجمع !‬

‫وفي مشهد من هذا الجمع يكون التغاَن ! والتغاَن مفاعلة من الغَن . وهو تِوير لما يقع من فوز المؤمنين‬
‫َالنعيم ; وحرمان الكافرين من كل شيء منه ثم ِيرورتهم إلى الجحيم . فهما نِيَان متَاعدان . وكأنما كان‬
‫هناك سَاق للفوز َكل شيء , وليغَن كل فريق مساَقه ! ففاز فيه المؤمنون وهزم فيه الكافرون ! فهو تغاَن‬
                                                                    ‫َهذا المعنى المِور المتحرك ! يفسره ما َعده:‬

‫(ومن يؤمن َاهلل ويعمل ِالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيهما أَمدا .‬
           ‫ذلك الفوز العظيم . والذين كفروا وكذَوا َآياتنا أولئك أِحاب النار خالدين فيها وَئس المِير). .‬

‫وقَل أن يكمل نداءه إليهم َاإليمان يقرر قاعدة من قواعد التِور اإليماني في القدر , وفي أثر اإليمان َاهلل في‬
                                                                                                           ‫هداية القلب:‬

                        ‫(ما أِاب من مِيَة إال َإذن اهلل . ومن يؤمن َاهلل يهد قلَه , واهلل َكل شيء عليم . .)‬

‫ولعل مناسَة ذكر هذه الحقيقة هنا هي مجرد َيانها في ِدد عرض حقيقة اإليمان الذي دعاهم إليه في همذا‬
‫المقطع . فهو اإليمان الذي يرد كل شيء إلى اهلل , ويعتقد أن كل ما يِيب من خير ومن شر فهو َإذن اهلل .‬
‫وهي حقيقة ال يكون إيمان َغيرها . فهي أساس جميع المشاعر اإليمانية عند مواجهة الحياة َأحداثها خيرهما‬
‫وشرها . كما يجوز أن تكون هناك مناسَة حاضرة في واقع الحال عند نزول هذه السورة . أو هذه اآلية من‬
                                                       ‫السورة , فيما كان يقع َين المؤمنين والمشركين من وقائع .‬

‫وعلى أية حال فهذا جانب ضخم من التِور اإليماني الذي ينشئه اإلسالم في ضمير المؤمن . فيحس يمد اهلل‬
‫في كل حدث , ويرى يد اهلل في كل حركة , ويطمئن قلَه لما يِيَه من الضراء ومن السراء . يَِر ل ولى‬
‫ويشكر للثانية . وقد يتسامى إلى آفاق فوق هذا , فيشكر في السراء وفي الضراء ; إذ يرى في الضراء كمما‬
      ‫في السراء فضل اهلل ورحمته َالتنَيه أو َالتكفير أو َترجيح ميزان الحسنات , أو َالخير على كل حال .‬
‫وفي الحديث المتفق عليه:" عجَا للمؤمن ! ال يقضي اهلل قضاء إال كان خيرا له . إن أِاَته ضمراء ِمَر‬
                         ‫فكان خيرا له . وإن أِاَته سراء شكر فكان خيرا له . وليس ذلك ألحد إال للمؤمن " . .‬

                                                                                                  ‫(ومن يؤمن َاهلل يهد قلَه). .‬

‫وقد فسرها َعض السلف َأنها اإليمان َقدر اهلل والتسليم له عند المِيَة . وعن اَن عَاس يعني يهدي قلَمه‬
‫هداية مطلقة . ويفتحه على الحقيقة اللدنية المكنونة . ويِله َأِل األشياء واألحداث , فيرى هناك منشمأها‬
‫وغايتها . ومن ثم يطمئن ويقر ويستريح . ثم يعرف المعرفة الواِلة الكلية فيستغني عن الرؤيمة الجزئيمة‬
                                                                                                   ‫المحفوفة َالخطأ والقِور .‬




 ‫الل ُ ل ِ َ ِل ه َ و َ الل ِ‬        ‫ُ مَ ُ‬                ‫َّس َ إ َل ت ْ إ َّ َ َس ل‬                   ‫ََط ع الل َ ََط ع‬
 ‫وأ ِي ُوا َّه وأ ِي ُوا الر ُول فَِن تَوَّيْ ُم فَِنمَا علَى ر ُوِنَا الَْلَاغ الْ ُ ِين (21) َّه َا إلَه إَّا ُو َعلَى َّمه‬
  ‫ي ُّ الذ َ من ِن م َ و ِك ْ َ ْ ِك ْ عد ًّ َّك ْ َر ه ْ َإ َ ف و ح‬                                          ‫َ ي و َّ ِ ْم ْمن َ‬
‫فلْ َتَ َكل ال ُؤ ِ ُون (31) َا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا إ َّ ِنْ أزْ َاج ُم وأَولَاد ُم َ ُوا ل ُم فَاحْذ ُو ُم وِن تعْ ُوا َتَِْفَ ُوا‬
                                                                                                 ‫و َ ِر إ َّ الله ف رح‬
                                                                                          ‫َتغْف ُوا فَِن َّ َ غَ ُور َّ ِيم (41)‬
                                                                                                  ‫ومن ثم يكون التعقيب عليها:‬

                                                                                                      ‫(واهلل َكل شيء عليم). .‬

‫فهي هداية إلى شيء من علم اهلل , يمنحه لمن يهديه , حين يِح إيمانه فيستحق إزاحمة الحجمب , وكشمف‬
                                                                                                        ‫األسرار . . َمقدار . .‬

                                                   ‫ويتاَع دعوتهم إلى اإليمان فيدعوهم إلى طاعة اهلل وطاعة الرسول:‬

                                     ‫(وأطيعوا اهلل وأطيعوا الرسول , فإن توليتم فإنما على رسولنا الَالغ المَين). .‬

‫وقد عرض عليهم من قَل مِير الذين تولوا . وهنا يقرر لهم أن الرسول مَلغ . فإذا َلغ فقد أدى األمانمة ,‬
        ‫ونهض َالواجب , وأقام الحجة . وَقي ما ينتظرهم هم من المعِية والتولي , مما ذكروا َه منذ قليل .‬

‫ثم يختم هذا المقطع َتقرير حقيقة الوحدانية التي ينكرونها ويكذَونها , ويقرر شأن المؤمنين َاهلل في تعماملهم‬
                                                                                                                            ‫مع اهلل:‬

                                                                      ‫(اهلل ال إله إال هو , وعلى اهلل فليتوكل المؤمنون). .‬
‫وحقيقة التوحيد هي أساس التِور اإليماني كله . ومقتضاها أن يكون التوكل عليه وحده . فهمذا همو أثمر‬
                                                                                              ‫التِور اإليماني في القلوب .‬

              ‫وَهذه اآلية يدخل السياق في خطاب المؤمنين . فهي وِلة َين ما مضى من السورة وما يجيء .‬

   ‫الدرس الراَع:41 - 81 تحذير من عداوة األوالد واألزواج واألموال وتوجيه إلى السمع والطاعة واإلنفاق‬

‫وفي النهاية يوجه الخطاب إلى المؤمنين يحذرهم فتنة األزواج واألوالد واألموال , ويدعوهم إلى تقموى اهلل ,‬
‫والسمع والطاعة واإلنفاق , كما يحذرهم شح األنفس , ويعدهم على ذلك مضاعفة الرزق والمغفرة والفالح .‬
                              ‫ويذكرهم في الختام َعلم اهلل للحاضر والغائب , وقدرته وغلَته , مع خَرته وحكمته:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأوالدكم عدوا لكم فاحذروهم , وإن تعفوا وتِفحوا وتغفمروا فمإن اهلل‬
‫غفور رحيم . إنما أموالكم وأوالدكم فتنة , واهلل عنده أجر عظيم . فاتقوا اهلل ما استطعتم , واسمعوا وأطيعوا ,‬
‫وأنفقوا خيرا ألنفسكم , ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . إن تقرضوا اهلل قرضا حسنا يضاعفه لكم ,‬
                                              ‫ويغفر لكم , واهلل شكور حليم . عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم). .‬

‫وقد ورد عن اَن عَاس - رضي اهلل عنه - في اآلية األولى من هذا السياق وقد سأله عنها رجل فقال:فهؤالء‬
‫رجال أسلموا من مكة , فأرادوا أن يأتوا إلى رسول اهلل [ ص ] فأَى أزواجهم وأوالدهم أن يدعوهم . فلمما‬
‫أتوا رسول اهلل [ ص ] رأوا الناس قد فقهوا في الدين , فهموا أن يعاقَوهم , فأنزل اهلل هذه اآلية: (وإن تعفوا‬
‫وتِفحوا وتغفروا فإن اهلل غفور رحيم). . وهكذا رواه الترمذي َإسناد آخر وقال:حسن ِحيح . وهكذا قال‬
                                                                                                   ‫عكرمة مولى اَن عَاس .‬

‫ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي وأَعد مدى وأطول أمدا . فهذا التحذير ممن األزواج واألوالد‬
‫كئالتحذير الذي في اآلية التالية من األموال واألوالد معا: أنما أموالكم وأوالدكم فتنة . . والتنَيه إلى أن ممن‬
‫األزواج واألوالد من يكون عدوا . . إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحيماة الَشمرية . ويممس وشمائج‬
‫متشاَكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي مالَسات الحياة سواء . فاألزواج واألوالد قد يكونون مشغلة وملهاة‬
‫عن ذكر اهلل . كما أنهم قد يكونون دافعا للتقِير في تَعات اإليمان اتقاء للمتاعب التي تحيط َهمم لمو قمام‬
                                                                                                                ‫المؤمن َواجَه‬




 ‫ً‬        ‫َ َ ت ْ و ْ َع ََط ع َ ق‬                   ‫َاتق الل َ‬          ‫َظ‬        ‫إ َّ َ و ُك ْ َ ْ ُك ْ ف ٌ َالل ُ ع د ُ‬
 ‫ِنمَا أمْ َال ُم وأَولَاد ُم ِتْنَة و َّه ِن َه أَجْر ع ِيم )51( ف َّ ُوا َّه مَا اسْتطعْ ُم َاسم ُوا وأ ِي ُوا وأَنفِ ُوا خَيْرا‬
                                                                      ‫ل ُ ِك ْ َم ي َ ش َّ ْ ِ أ ْ ِ هم ْم ْلح ن‬
                                                                ‫ِّأَنفس ُم و َن ُوق ُح نَفسِه فَُولَئكَ ُ ُ ال ُفِ ُو َ( 61 )‬
‫فلقي ما يلقاه المجاهد في سَيل اهلل ! والمجاهد في سَيل اهلل يتعرض لخسارة الكثير , وتضحية الكثير . كمما‬
‫يتعرض هو وأهله للعنت . وقد يحتمل العنت في نفسه وال يحتمله في زوجه وولده . فيَخل ويجَن ليوفر لهم‬
‫األمن والقرار أو المتا والمال ! فيكونون عدوا له , ألنهم ِدوه عن الخير , وعوقوه عمن تحقيمق غايمة‬
‫وجوده اإلنساني العليا . كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض َواجَه , اتقاء لما يِيَهم من‬
‫جرائه , أو ألنهم قد يكونون في طريق غير طريقه , ويعجز هو عن المفاِلة َينه وَينهم والتجمرد هلل . .‬
         ‫وهي كذلك ِور من العداوة متفاوتة الدرجات . . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن .‬

‫ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشاَكة , التحذير من اهلل , إلثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا , والحذر‬
                                                           ‫من تسلل هذه المشاعر , وضغط هذه المؤثرات .‬

               ‫ثم كرر هذا التحذير في ِورة أخرى من فتنة األموال واألوالد . وكلمة فتنة تحتمل معنيين :‬

‫األول أن اهلل يفتنكم َاألموال واألوالد َمعنى يختَركم , فانتَهوا لهذا , وحاذروا وكونوا أَدا يقظين لتنجحوا في‬
                    ‫االَتالء , وتخلِوا وتتجردوا هلل . كما يفتن الِائغ الذهب َالنار ليخلِه من الشوائب !‬

‫والثاني أن هذه األموال واألوالد فتنة لكم توقعكم َفتنتها في المخالفة والمعِية , فاحمذروا همذه الفتنمة ال‬
                                                                                 ‫تجرفكم وتَعدكم عن اهلل .‬

                                                                           ‫وكال المعنيين قريب من قريب .‬

‫وقد روى اإلمام أحمد - َإسناده - عن عَد اهلل َن َريدة:سمعت أَي َريدة يقول:"كمان رسمول اهلل [ ص ]‬
‫يخطب , فجاء الحسن والحسين - رضي اهلل عنهما - عليهما قميِان أحمران , يمشميان ويعثمران فنمزل‬
‫رسول اهلل [ ص ] من المنَر فحملهما , فوضعهما َين يديه . ثم قال:" ِدق اهلل ورسموله . إنمما أمموالكم‬
‫وأوالدكم فتنة . نظرت إلى هذين الَِيين يمشيان ويعثران , فلم أَِر حتى قطعت حديثي ورفعتهمما " . .‬
 ‫ورواه أهل السنة من حديث اَن واقد . فهذا رسول اهلل [ ص ] وهذان اَنا َنته . . وإنه ألمر إذن خطيمر .‬
‫وخطر . وإن التحذير والتنَيه فيه لضرورة يقدرها من خلق قلوب الناس , وأودعها هذه المشاعر , لتكفكمف‬
‫نفسها عن التمادي واإلفراط , وهي تعلم أن هذه الوشائج الحَيَة قد تفعل َها ما يفعل العدو , وتؤدي َها إلى‬
                                                                              ‫ما تؤدي إليه مكايد األعداء !‬

‫ومن ثم يلوح لها َما عند اهلل َعد التحذير من فتنة األموال واألوالد , والعداوة المستسرة في َعمض األَنماء‬
                                                            ‫واألزواج . فهذه فتنة (واهلل عنده أجر عظيم). .‬

                             ‫ويهتف للذين آمنوا َتقوى اهلل في حدود الطاقة واإلستطاعة , وَالسمع والطاعة:‬
                                                                ‫(فاتقوا اهلل ما استطعتم - واسمعوا وأطيعوا). .‬

‫وفي هذا القيد: (ما استطعتم)يتجلى لطف اهلل َعَاده , وعلمه َمدى طاقاتهم في تقواه وطاعته . وقد قال رسول‬
‫اهلل [ ص ]:" إذا أمرتكم َأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنَوه " فالطاعة في األمر لميس لهما‬
‫حدود , ومن ثم يقَل فيها ما يستطا . أما النهي فال تجزئة فيه فيطلب َكامله دون نقِان . ويهيب َهم إلمى‬
                                                                                                         ‫اإلنفاق:‬




‫ِ َالش د ِ ْ َز ز‬              ‫ع لُ‬        ‫َل‬   ‫ُ َك ْ و َ ِ ْ َك َالله َك‬           ‫إ ت ْرض الل َ َ ً َس ً ي‬
‫ِن ُق ِ ُوا َّه قرْضا ح َنا ُضَاعِفْه ل ُم َيغْفر ل ُمْ و َّ ُ ش ُور حِيم (71) َاِم الْغَيْب و َّمهَا َة الع ِيم ُ‬
                                                                                                          ‫َك ُ‬
                                                                                                    ‫الْح ِيم( 81 )‬
                                                                                      ‫(وأنفقوا خيرا ألنفسكم). .‬

‫فهم ينفقون ألنفسهم . وهو يأمرهم أن ينفقوا الخير ألنفسهم . فيجعل ما ينفقونه كأنه نفقة مَاشمرة لمذواتهم ,‬
                                                                                ‫ويعدها الخير لهم حين يفعلون .‬

          ‫ويريهم شح النفس َالء مالزما . السعيد السعيد من يخلص منه ويوقاه ; والوقاية منه فضل من اهلل:‬

                                                                  ‫(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). .‬

‫ثم يمضي في إغرائهم َالَذل وتحَيَهم في اإلنفاق , فيسمي إنفاقهم قرضا هلل . ومن ذا الذي ال يمرَح همذه‬
‫الفرِة التي يقرض فيها مواله ? وهو يأخذ القرض فيضاعفه ويغفر َه , ويشكر المقرض , ويحلم عليه حين‬
                                                                                   ‫يقِر في شكره . وهو اهلل !‬

                                  ‫(إن تقرضوا اهلل قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم . واهلل شكور حليم). .‬

‫وتَارك اهلل . ما أكرمه ! وما أعظمه ! وهو ينشئ العَد ثم يرزقه . ثم يسأله فضل مما أعطماه . قرضما .‬
‫يضاعفه . . ثم . . يشكر لعَده الذي أنشأه وأعطاه ! ويعامله َالحلم في تقِيره هو عن شكر مواله . . ! ياهلل‬
                                                                                                              ‫!!!‬

‫إن اهلل يعلمنا - َِفاته - كيف نتسامى على نقِنا وضعفنا , ونتطلع إلى أعلى دائمما لنمراه - سمَحانه -‬
‫ونحاول أن نقلده في حدود طاقتنا الِغيرة المحدودة . وقد نفخ اهلل في اإلنسان من روحه . فجعله مشتاقا أَدا‬
‫إلى تحقيق المثل األعلى في حدود طاقته وطَيعته , ومن ثم تَقى اآلفاق العليا مفتوحة دائمما ليتطلمع همذا‬
    ‫المخلوق إلى الكمال المستطا , ويحاول االرتفا درجة َعد درجة , حتى يلقى اهلل َما يحَه له ويرضاه .‬
              ‫ويختم هذه الجولة َعد هذا اإليقا العجيب , َِفة اهلل التي َها اإلطال والرقاَة على القلوب:‬

                                                               ‫(عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم). .‬

‫فكل شيء مكشوف لعلمه , خاضع لسلطانه , مدَر َحكمته . كي يعيش الناس وهم يشعرون َمأن عمين اهلل‬
‫تراهم , وسلطانه عليهم , وحكمته تدَر األمر كله حاضره وغائَه . ويكفي أن يستقر هذا التِور في القلوب‬
                                                                    ‫, لتتقي اهلل وتخلص له وتستجيب .‬
                                                      ‫سورة الطالق‬


    ‫َ َلق ُن ِ ِد ِ ِن َ ِ ْ ِد َ َاتق الل َ ر َّك ْ ت ْرج ُن م َي ِه َّ َ‬                         ‫ُّ الن ُّ إ َل ت ُ ِّ‬
‫يَا أَيهَا ََِّي ِذَا طَّقْ ُم النسَاء فطِّ ُوه َّ لع َّته َّ وأَحْ ُوا الع َّة و َّ ُوا َّه ََ ُم لَا ُخ ِ ُوه َّ ِن ُ ُموت ِن ولَما‬
‫ت ن ِ ة م َي ٍ و ِ ْ َ حد ُ الل ِ َم ي َع َّ حد د الله ْ َ َ ْ ُ ْر َع َّ الل َ ي د ُ‬                                  ‫ي ْر َ ِل‬
‫َخ ُجْن إَّا أَن يَأْ ِي َ َِفَاحشَ ٍ َُّ ِّنَة َتلك ُ ُود َّه و َن َت َد ُ ُو َ َّ ِ فَقَد ظلَم نَفسَه لَا تَد ِي ل َل َّه ُحْ ِث‬
                                                                                                                    ‫د َِك َ ً‬
                                                                                                                ‫َعْ َ ذل َ أمْرا (1)‬

                                                                                                                    ‫سورة الطالق‬

                                                                                                             ‫تقديم لسورة الطالق‬

‫هذه سورة الطالق , يَين اهلل فيها أحكامه , ويفِل فيها الحاالت التي لم تفِل في السورة األخرى "سمورة‬
‫الَقرة " التي تضمنت َعض أحكام الطالق ; ويقرر فيها أحكام الحاالت المتخلفة عن الطمالق ممن شمؤون‬
‫األسرة . وقد تضمنت هذه السورة َيان الوقت الذي يمكن أن يقع فيه الطالق الذي يقَله اهلل ويجمري وفمق‬
                                                                ‫سنته: (يا أيها النَي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن). .‬

‫وحق المطلقة وواجَها في الَقاء في َيتها - وهو َيت مطلقها - فترة العدة ال تخرج وال تخرج إال أن تمأتي‬
                                ‫َفاحشة مَينة: (ال تخرجوهن من َيوتهن وال يخرجن إال أن يأتين َفاحشة مَينة). .‬

‫وحقها َعد انقضاء العدة في الخروج لتفعل َنفسها ما تشاء , ما لم يكن الزوج قد راجعها وأمسكها في فتمرة‬
‫العدة , ال ليضارها ويؤذيها َهذا اإلمساك ويعطلها عن الزواج , ولكن لتعود الحياة الزوجية َينهما َالمعروف:‬
‫(فإذا َلغن أجلهن فأمسكوهن َمعروف أو فارقوهن َمعروف). . وهذا مع اإلشهاد على اإلمساك أو الفمراق:‬
                                                                                                 ‫(وأشهدوا ذوي عدل منكم . .)‬

‫وفي سورة الَقرة َين مدة العدة للمطلقة ذات الحيض - وهي ثالثة قروء َمعنى ثمالث حيضمات أو ثالثمة‬
‫أطهار من الحيضات على خالف فقهي - وهنا َين هذه المدة َالنسَة لآليسة التي انقطع حيضها وللِمغيرة‬
  ‫التي لم تحض: (والالئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتَتم فعدتهن ثالثة أشهر والالئي لم يحضن). .‬

                                                     ‫وَين عدة الحامل: (وأوالت األحمال أجلهن أن يضعن حملهن). .‬

‫ثم فِل حكم المسكن الذي تعتد فيه المعتدة ونفقة الحمل حتى تضع: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ,‬
                     ‫وال تضاروهن لتضيقوا عليهن . وإن كن أوالت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن). .‬
‫ثم حكم الرضاعة لولد المطلقة حين تضعه , وأجر األم على الرضاعة في حالة اإلتفاق َينها وَين أَيه علمى‬
‫مِلحة الطفل َينهما , وفي حالة إرضاعه من أخرى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتممروا َيمنكم‬
                                                          ‫َمعروف . وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). .‬

‫ثم زاد حكم النفقة واألجر في جميع الحاالت تفِيال , فجعله تاَعا لحالة الزوج وقدرته: (لينفق ذو سعة ممن‬
                         ‫سعته , ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اهلل . ال يكلف اهلل نفسا إال ما آتاها). .‬

‫وهكذا تتَعت النِوص سائر الحاالت , وما يتخلف عنها , َأحكام مفِلة دقيقة , ولم تد شيئا من أنقماض‬
            ‫األسرة المفككة َالطالق إال أراحته في مكانه , وَينت حكمه , في رفق وفي دقة وفي وضوح . .‬

‫ويقف اإلنسان مدهوشا أمام هذه السورة وهي تتناول أحكام هذه الحالة ومتخلفاتها . وهي تحشد ل ممر همذه‬
‫الحشد العجيب من الترغيب والترهيب , والتعقيب على كل حكم , ووِل هذا األمر َقدر اهلل في السمماوات‬
‫واألرضين , وسنن اهلل في هالك العاتين عن أمره , وفي الفرج والسعة لمن يتقونه . وتكرار األمر َالمعروف‬
‫والسماحة والتراضي , وإيثار الجميل . واإلطما في الخير . والتذكير َقدر اهلل في الخلق وفي الرزق , وفي‬
                                                                                          ‫اليسر والعسر . .‬

‫يقف اإلنسان مدهوشا أمام هذا الحشد من الحقائق الكونية الكَرى في معرض الحديث عن الطالق أمام همذا‬
‫االحتفال واالهتمام - حتى ليوجه الخطاب إلى النَي [ ص ] َشخِه , وهو أمر عام للمؤمنين وحكمم عمام‬
‫للمسلمين , زيادة في االهتمام وإشعارا َخطورة األمر المتحدث فيه . وأمام هذا التفِيل الدقيق ل حكام حالة‬
‫حالة , واألمر المشدد في كل حكم َالدقة في مراعاته , وتقوى اهلل في تنفيذه , ومراقَمة اهلل فمي تناولمه .‬
‫واإلطالة في التعقيب َالترغيب والترهيب , إطالة تشعر القلب كأن هذا األمر هو اإلسالم كله ! وهو الدين كله‬
‫! وهو القضية التي تفِل فيها السماء , وتقف لتراقب تنفيذ األحكام ! وتعد المتقين فيها َأكَر وأسممى مما‬
‫يتطلع إليه المؤمن ; وتوعد الملتوين والمتلكئين والمضارين َأعنف وأشد ما يلقاه عماص ; وتلموح للنماس‬
                    ‫َالرجاء الندي والخير المخَوء وراء أخذ األمر َالمعروف والسماحة والتجمل والتيسير .‬

‫ويقرأ القارئ في هذه السورة . . (واتقوا اهلل رَكم). . (وتلك حدود اهلل ومن يتعد حدود اهلل فقد ظلم نفسه). .‬
‫(ال تدري لعل اهلل يحدث َعد ذلك أمرا). . (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة هلل). . (ذلكم يوعظ َمه‬
‫من كان يؤمن َاهلل واليوم اآلخر).( . ومن يتق اهلل يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ال يحتسمب . . وممن‬
‫يتوكل على اهلل فهو حسَه إن اهلل َالغ أمره . قد جعل اهلل لكل شيء قدرا). . (ومن يتق اهلل يجعل له من أمره‬
‫يسرا). (ذلك أمر اهلل أنزله إليكم) (ومن يتق اهلل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا( . .)سيجعل اهلل َعد عسمر‬
                                                                                                  ‫يسرا). .‬
‫كما يقرأ ذلك التهديد العنيف الطويل المفِل: (وكأين من قرية عتت عن أمر رَها ورسله فحاسَناها حسماَا‬
     ‫شديدا , وعذَناها عذاَا نكرا . فذاقت وَال أمرها وكان عاقَة أمرها خسرا . أعد اهلل لهم عذاَا شديدا). .‬

‫يعقَه التحذير من مثل هذا المِير , والتذكير َنعمة اهلل َالرسول وما معه من النور , والتلويح َاألجر الكَير:‬
‫(فاتقوا اهلل يا أولي األلَاب الذين آمنوا , قد أنزل اهلل إليكم ذكرا:رسوال يتلو عليكم آيات اهلل مَينمات ليخمرج‬
‫الذين آمنوا وعملوا الِالحات من الظلمات إلى النور . ومن يؤمن َاهلل ويعمل ِالحا يدخله جنات تجري من‬
                                                     ‫تحتها األنهار خالدين فيها أَدا قد أحسن اهلل له رزقا). .‬

‫ثم يقرأ هذا اإليقا الهائل الضخم في المجال الكوني الكَير:(اهلل الذي خلق سَع سماوات ومن األرض مثلهن ,‬
               ‫يتنزل األمر َينهن , لتعلموا أن اهلل على كل شيء قدير , وأن اهلل قد أحاط َكل شيء علما). .‬

 ‫يقرأ هذا كله تعقيَا على أحكام الطالق . ويجد سورة كاملة في القرآن , من هذا الطراز , كلها موقوفمةعلى‬
‫تنظيم هذه الحالة ومتخلفاتها كذلك ! ورَطها هكذا َأضخم حقائق اإليمان في المجال الكوني والنفسي . وهمي‬
‫حالة تهدم ال حالة َناء , وحالة انتهاء ال حالة إنشاء . . ألسرة . . ال لدولة . . وهي توقع في الحمس أنهما‬
                                                                                     ‫أضخم من إنشاء دولة !‬

                                                                                            ‫عالم يدل هذا ?‬

‫إن له عدة دالالت تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانَثاقه من نَع غير َشري على وجمه التأكيمد .‬
                                                 ‫حتى لو لم تكن هناك داللة أخرى سوى داللة هذه السورة !‬

                                               ‫إنه يدل اَتداء على خطورة شأن األسرة في النظام اإلسالمي:‬

‫فاإلسالم نظام أسرة . الَيت في اعتَاره مثاَة وسكن , في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف‬
‫والستر والتجمل والحِانة والطهر ; وفي كنفه تنَت الطفولة , وتدرج الحداثة ; ومنه تمتد وشمائج الرحممة‬
                                                                                          ‫وأواِر التكافل .‬

‫ومن ثم يِور العالقة الَيتية تِويرا رفافا شفيفا , يشع منه التعاطف , وترف فيه الظالل , ويشيع فيه الندى‬
‫, ويفوح منه العَير: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل َينكم مودة ورحممة). .‬
‫(هن لَاس لكم وأنتم لَاس لهن). . فهي ِلة النفس َالنفس , وهي ِلة السكن والقرار , وهي ِلة الممودة‬
‫والرحمة , وهي ِلة الستر والتجمل . وإن اإلنسان ليحس في األلفاظ ذاتها حنوا ورفقما , ويسمتروح ممن‬
‫خاللها نداوة وظال . وإنها لتعَير كامل عن حقيقة الِلة التي يفترضها اإلسالم لذلك الرَاط اإلنساني الرفيق‬
‫الوثيق . ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرَاط كلها , َما فيها امتداد الحياة َالنسل , فيمنح همذه‬
‫األغراض كلها طاَع النظافة والَراءة , ويعترف َطهارتها وجديتها , وينسق َين اتجاهاتها ومقتضياتها . ذلك‬
                                   ‫حين يقول: (نساؤكم حرث لكم). فيلحظ كذلك معنى اإلخِاب واإلكثار .‬

‫ويحيط اإلسالم هذه الخلية , أو هذا المحضن , أو هذه المثاَة َكل رعايته وَكل ضماناته . وحسمب طَيعمة‬
   ‫اإلسالم الكلية , فإنه ال يكتفي َاإلشعاعات الروحية , َل يتَعها التنظيمات القانونية والضمانات التشريعية .‬

‫والذي ينظر في تشريعات األسرة في القرآن والسنة في كل وضع من أوضاعها ولكل حالة ممن حاالتهما ,‬
‫وينظر في التوجيهات المِاحَة لهذه التشريعات , وفي اإلحتشاد الظاهر حولها َالمؤثرات والمعقَات ; وفي‬
‫رَط هذا الشأن َاهلل مَاشرة في كل موضع , كما هو الحال في هذه السورة وفي غيرها . . يمدرك إدراكما‬
‫كامال ضخامة شأن األسرة في النظام اإلسالمي , وقيمة هذا األمر عند اهلل , وهو يجمع َين تقواه - سَحانه -‬
 ‫وتقوى الرحم في أول سورة النساء حيث يقول:(يا أيها الناس اتقوا رَكم الذي خلقكم من نفس واحدة , وخلق‬
‫منها زوجها وَث منهما رجاال كثيرا ونساء , واتقوا اهلل الذي تساءلون َه واألرحمام . إن اهلل كمان علميكم‬
‫رقيَا). . كما يجمع َين عَادة اهلل واإلحسان للوالدين في سورة اإلسراء وفي غيرها: (وقضى رَك أال تعَدوا‬
   ‫إال إياه وَالوالدين إحسانا). . وَين الشكر هلل والشكر للوالدين في سورة لقمان: (أن اشكر لي ولوالديك). .‬

‫وإن هذه العناية القِوى َأمر األسرة لتتناسق مع مجرى القدر اإللهي َإقامة الحياة الَشرية اَتداء على أساس‬
‫األسرة , حين جرى قدر اهلل أن تكون أول خلية في الوجود الَشري هي أسرة آدم وزوجه , وأن يتكاثر الناس‬
 ‫َعد ذلك من هذه الخلية األولى . وكان اهلل - سَحانه - قادرا على أن يخلق الماليين من األفراد اإلنسمانيين‬
‫دفعةواحدة . ولكن قدره جرى َهذا لحكمة كامنة في وظيفة األسرة الضخمة في حياة هذا المخلوق , حيث تلَي‬
‫حياة األسرة فطرته واستعداداته , وحيث تنمي شخِيته وفضائله , وحيث يتلقى فيها أعمق الممؤثرات فمي‬
‫حياته . ثم جرت هذه العناية في النظام اإلسالمي - منهج اهلل األخير في األرض - مع القدر اإللهي في خلقة‬
                    ‫اإلنسان اَتداء . كما هو الشأن في تناسق كل ما يِدر عن اهلل َال تفاوت وال اختالف .‬

‫والداللة الثانية لسياق السورة , ولالحتفال َشأن العالقات الزوجية والعائلية هذا االحتفال في القرآن كله , هي‬
‫اتجاه النظام اإلسالمي لرفع هذه العالقات اإلنسانية إلى مستوى القداسة المتِلة َاهلل ; واتخاذها وسيلة للتطهر‬
‫الروحي والنظافة الشعورية - ال كما كان ينظر إليها في العقائد الوثنية , وعند أتَا الديانات المحرفة , الَعيدة‬
                                                       ‫َهذا التحريف عن فطرة اهلل التي فطر الناس عليها .‬

‫[إن اإلسالم ال يحارب دوافع الفطرة وال يستقذرها , إنما ينظمها ويطهرها , ويرفعها عن المستوى الحيواني‬
‫, ويرقيها حتى تَِح هي المحور الذي يدور عليه الكثير من اآلداب النفسية واالجتماعية . ويقيم العالقمات‬
‫الجنسية على أساس من المشاعر اإلنسانية الراقية , التي تجعل من التقاء جسدين , التقماء نفسمين وقلَمين‬
‫وروحين . وَتعَير شامل التقاء إنسانين , ترَط َينهما حياة مشتركة , وآممال مشمتركة , وآالم مشمتركة ,‬
‫ومستقَل مشترك , يلتقي في الذرية المرتقَة , ويتقاَل في الجيل الجديد , الذي ينشأ في العش المشترك , الذي‬
                                                                ‫يقوم عليه الوالدان حارسين ال يفترقان ] .‬

‫ويعد اإلسالم الزواج وسيلة للتطهر واالرتفا فيدعو األمة المسلمة لتزويج رجالها ونسائها إذا قام المال عقَة‬
‫دون تحقيق هذه الوسيلة الضرورية لتطهير الحياة ورفعها:( وأنكحوا األيامى منكم والِالحين ممن عَمادكم‬
‫وإمائكم , إن يكونوا فقراء يغنهم اهلل من فضله واهلل واسع عليم . وليستعفف الذين ال يجدون نكاحا حتى يغنيهم‬
‫اهلل من فضله . .)ويسمي الزواج إحِانا أي وقاية وِيانة . ويستقر في أخالد الممؤمنين أن الَقماء َمدون‬
‫إحِان ولو فترة قِيرة ال ينال رضى اهلل . فيقول اإلمام علي - كرم اهلل وجهه - وقد سار َالزواج عقب‬
‫وفاة زوجه فاطمة َنت الرسول [ ص ]:" لقد خشيت أن ألقى اهلل وأنا عزب " . . فيدخل الزواج في عمرف‬
‫المؤمن في الطاعات التي يتقرب َها إلى رَه . وترتفع هذه الِلة إلى مكان القداسة في ضميره َمما أنهما‬
                                                                                   ‫إحدى الطاعات لرَه .‬

‫والداللة الثالثة لسياق سورة الطالق ونظائرها هي واقعية هذا النظام اإلسالمي ومعاملته للحياة وللنفس الَشرية‬
‫كما هي في فطرتها , مع محاولة رفعها إلى ذلك المستوى الكريم , عن طريق استعداداتها ومالَسات حياتها .‬
‫ومن ثم ال يكتفي َالتشريع الدقيق في هذا األمر الموكول إلى الضمير . وال يكتفي َالتوجيه . ويستخدم همذا‬
                                                              ‫وذاك في مواجهة واقع النفس وواقع الحياة .‬

‫إن األِل في الراَطة الزوجية هو االستقرار واالستمرار . واإلسالم يحيط هذه الراَطة َكل الضمانات التي‬
‫تكفل استقرارها واستمرارها . وفي سَيل هذه الغاية يرفعها إلى مرتَة الطاعات , ويعين على قيامهما َممال‬
‫الدولة للفقراء والفقيرات , ويفرض اآلداب التي تمنع التَرج والفتنة كي تستقر العواطف وال تتلفمت القلموب‬
 ‫على هتاف الفتنة المتَرجة في األسواق ! ويفرض حد الزنا وحد القذف ; ويجعل للَيوت حرمتها َاالستئذان‬
                                                                   ‫عليهاواالستئذان َين أهلها في داخلها .‬

‫وينظم االرتَاطات الزوجية َشريعة محددة , ويقيم نظام الَيت على أساس قوامة أحد الشريكين وهو األقمدر‬
‫على القوامة , منعا للفوضى واالضطراب والنزا . . إلى آخر الضمانات والتنظيمات الواقية من كل اهتزاز‬
                              ‫. فوق التوجيهات العاطفية . وفوق رَط هذه العالقة كلها َتقوى اهلل ورقاَته .‬

‫ولكن الحياة الواقعية للَشر تثَت أن هناك حاالت تتهدم وتتحطم على الرغم من جميع الضمانات والتوجيهات‬
‫. وهي حاالت ال َد أن تواجه مواجهة عملية , اعترافا َمنطق الواقع الذي ال يجدي إنكاره حين تتعذر الحياة‬
                                           ‫الزوجية , ويَِح اإلمساك َالزوجية عَثا ال يقوم على أساس !‬

‫"واإلسالم ال يسر إلى رَاط الزوجية المقدسة فيفِمه ألول وهلة , وألول َادرة من خالف . إنه يشد على‬
                                                ‫هذا الرَاط َقوة , فال يدعه يفلت إال َعد المحاولة واليأس .‬
‫"إنه يهتف َالرجال: (وعاشروهن َالمعروف , فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اهلل فيه خيمرا‬
‫كثيرا). . فيميل َهم إلى التريث والمِاَرة حتى في حالة الكراهية , ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة: (فعسى‬
‫أن تكرهوا شيئا ويجعل اهلل فيه خيرا كثيرا)فما يدريهم أن في هؤالء النسوة المكروهات خيرا , وأن اهلل يدخر‬
‫لهم هذا الخير . فال يجوز أن يفلتوه . إن لم يكن ينَغي لهم أن يستمسكوا َه ويعزوه ! وليس أَلغ من هذا في‬
                                  ‫استحياء اإلنعطاف الوجداني واستثارته , وترويض الكره وإطفاء شرته .‬

‫"فإذا تجاوز األمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور , فليس الطالق أول خاطر يهدي إليه اإلسالم . َل‬
‫ال َد من محاولة يقوم َها اآلخرون , وتوفيق يحاوله الخيرون(:وإن خفتم شقاق َينهما فاَعثوا حكما من أهله ,‬
‫وحكما من أهلها إن يريدا إِالحا يوفق اهلل َينهما . إن اهلل كان عليما خَيرا). . (وإن امرأة خافت من َعلها‬
                            ‫نشوزا أو إعراضا . فال جناح عليهما أن يِلحا َينهما ِلحا والِلح خير). .‬

‫[فإذا لم تجد هذه الوساطة , فاألمر إذن جد , وهناك ما ال تستقيم معه هذه الحياة , وال يستقر لهما قمرار .‬
‫وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة , يزيدها الضغط فشال , ومن الحكمة التسليم َالواقع‬
                           ‫, وإنهاء هذه الحياة على كره من اإلسالم , فإن أَغض الحالل إلى اهلل الطالق ] .‬

‫فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطالق . إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء . . وفي‬
‫هذا ما يؤجل فِم العقدة فترة َعد موقف الغضب واالنفعال . وفي خالل هذه الفترة قد تتغير النفوس , وتقر‬
                                                    ‫القلوب , ويِلح اهلل َين المتخاِمين فال يقع الطالق !‬

‫ثم َعد ذلك فترة العدة . ثالثة قروء للتي تحيض وتلد . وثالثة أشهر لآليسة والِغيرة . وفترة الحمل للحوامل‬
‫. وفي خاللها مجال للمعاودة إن نَضت في القلوب ناَضة من مودة , ومن رغَة في استئناف ما انقطع ممن‬
                                                                                          ‫حَل الزوجية .‬

‫ولكن هذه المحاوالت كلها ال تنفي أن هناك انفِاال يقع , وحاالت ال َد أن تواجهها الشريعة مواجهة عمليمة‬
‫واقعية , فتشر لها , وتنظم أوضاعها , وتعالج آثارها . وفي هذا كانت تلك األحكام الدقيقة المفِلة , التمي‬
         ‫تدل على واقعية هذا الدين في عالجه للحياة , مع دفعها دائما إلى األمام . ورفعها دائما إلى السماء .‬

‫والداللة الراَعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفِيل الشديد والتوكيد , هو أنهاكانمت‬
‫تواجه حاالت واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية , وما كانت تالقيه المرأة ممن العنمت‬
  ‫والخسف , مما اقتضى هذا التشديد , وهذا الحشد من المؤثرات النفسية , ومن التفِيالت الدقيقة , التي ال تد‬
‫مجاال للتالعب وااللتواء مع ما كان مستقرا في النفوس من تِورات متخلفة عن عالقات الجنسمين , وممن‬
                                                                        ‫تفكك وفوضى في الحياة العائلية .‬
‫ولم يكن الحال هكذا في شَه الجزيرة وحدها , إنما كان شائعا في العالم كله يومذاك . فكان وضع المرأة همو‬
‫وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنَات األرض جميعا . فوق ما كان ينظر إلى العالقات الجنسية‬
                                             ‫نظرة استقذار , وإلى المرأة كأنها شيطان يغري َهذه القذارة .‬

‫ومن هذه الوهدة العالمية ارتفع اإلسالم َالمرأة وَالعالقات الزوجية إلى ذلك المستوى الرفيع الطاهر الكمريم‬
‫الذي سَقت اإلشارة إليه . وأنشأ للمرأة ما أنشأ من القيمة واالعتَار والحقوق والضمانات . . وليدة ال تموأد‬
‫وال تهان . ومخطوَة ال تنكح إال َإذنها ثيَا أو َكرا . وزوجة لها حقوق الرعاية فوق ضمانات الشمريعة .‬
                             ‫ومطلقة لها هذه الحقوق المفِلة في هذه السورة وفي سورة الَقرة وغيرها . .‬

‫شر اإلسالم هذا كله . ال ألن النساء في شَه الجزيرة أو في أي مكان في العالم حينذاك شعرن َأن مكانهن‬
‫غير مرض ! وال ألن شعور الرجال كذلك قد تأذى َوضع النساء . وال ألنه كان هناك اتحاد نسائي عرَي أو‬
‫عالمي ! وال ألن المرأة دخلت دار الندوة أو مجلس الشورى ! وال ألن هاتفا واحدا في األرض هتف َتغييمر‬
‫األحوال . . إنما كانت هي شريعة السماء ل رض . وعدالة السماء ل رض . وإرادة السماء َاألرض . . أن‬
‫ترتفع الحياة الَشرية من تلك الوهدة , وأن تتطهر العالقات الزوجية من تلك الوِمة , وأن يكون للمزوجين‬
                                                         ‫من نفس واحدة حقوق اإلنسان وكرامة اإلنسان .‬

‫. .هذا دين رفيع . . ال يعرض عنه إال مطموس . وال يعيَه إال منكوس , وال يحارَه إال موكوس . فإنه ال‬
                                    ‫يد شريعة اهلل إلى شريعة الناس إال من أخلد إلى األرض واتَع هواه .‬

‫واآلن نستعرض األحكام في سياق السورة - َعد هذا االستطراد الذي ال يَعد كثيرا عن جو هذا الجزء ومما‬
‫فيه من تنظيم وَناء للجماعة المسلمة - واألحكام في سياق السورة شيء آخر غير ذلك التلخيص . شيء حي‬
‫. فيه روح . وفيه حركة . وفيه حياة . وفيه إيحاء . . وله إيقا . وهذا هو الفارق األِميل َمين مدارسمة‬
                                                  ‫األحكام في القرآن ومدارستها في كتب الفقه واألِول .‬

                                                           ‫الدرس األول:1 قضاء المطلقة عدتها في َيتها‬

‫(يا أيها النَي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن , وأحِوا العدة , واتقوا اهلل رَكم , ال تخرجوهن من َيوتهن‬
‫, وال يخرجن إال أن يأتين َفاحشة مَينة . وتلك حدود اهلل , ومن يتعد حدود اهلل فقد ظلم نفسه . ال تدري لعل‬
                                                                             ‫اهلل يحدث َعد ذلك أمرا). .‬

‫هذه هي أول مرحلة وهذا هو أول حكم يوجه الخطاب َه إلى النَي [ ص ] (يا أيها النَي . .)ثمم يظهمر أن‬
‫الحكم خاص َالمسلمين ال َشخِه [ ص ]: إذا طلقتم النساء . . . الخ فيوحي هذا النسق من التعَيمر َمما‬
‫وراءه , وهو إثارة اإلهتمام , وتِوير الجدية . فهو أمر ذو َال , ينادي اهلل نَيه َشخِهليلقي إليه فيه َأمره‬
         ‫, كما يَلغه لمن وراءه . وهي إيحاءات نفسية واضحة الداللة على ما يراد َها من احتفال واحتشاد .‬
                                                                  ‫(إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن). .‬

‫وقد ورد في تحديد معنى هذا النص حديث ِحيح رواه الَخاري ولفظه:حدثنا يحيى َن َكير , حدثنا الليث ,‬
‫حدثني عقيل , عن اَن شهاب , أخَرني سالم , أن عَد اهلل َن عمر أخَره أنه طلق امرأة له وهي حمائض ,‬
‫فذكر عمر لرسول اهلل [ ص ] فتغيظ رسول اهلل [ ص ] ثم قال:" ليراجعها , ثم يمسكها حتمى تطهمر , ثمم‬
‫تحيض فتطهر , فإن َدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قَل أن يمسها , فتلك العدة التي أمر َها اهلل عز وجل "‬
                                                                                                     ‫..‬

                                    ‫ورواه مسلم ولفظه:" فتلك العدة التي أمر اهلل أن يطلق لها النساء " . .‬

‫ومن ثم يتعين أن هناك وقتا معينا إليقا الطالق ; وأنه ليس للزوج أن يطلق حينما شاء إال أن تكون امرأتمه‬
‫في حالة طهر من حيض , ولم يقع َينهما في هذا الطهر وطء . وتفيد آثار أخرى أن هناك حالة ثانية يجموز‬
 ‫فيها الطالق , وهو أن تكون الزوجة حامال َينة الحمل . والحكمة في ذلك التوقيت هي أوال إرجماء إيقما‬
‫الطالق فترة َعد اللحظة التي تتجه فيها النفس للطالق ; وقد تسكن الفورة إن كانت طارئة وتعود النفوس إلى‬
‫الوئام . كما أن فيه تأكدا من الحمل أو عدمه قَل الطالق . فقد يمسك عن الطالق لو علم أن زوجه حاممل .‬
‫فإذا مضى فيه وقد تَين حملها دل على أنه مريد له ولو كانت حامال . فاشتراط الطهر َال وطء هو للتحقيمق‬
                                 ‫من عدم الحمل , واشتراط تَين الحمل هو ليكون على َِيرة من األمر .‬

                    ‫وهذه أول محاولة لرأب الِد في َناء األسرة , ومحاولة دفع المعول عن ذلك الَناء .‬

‫وليس معنى هذا أن الطالق ال يقع إال في هذه الفترة . فهو يقع حيثما طلق . ولكنه يكون مكروها ممن اهلل ,‬
‫مغضوَا عليه من رسول اهلل . وهذا الحكم يكفي في ضمير المؤمن ليمسك َه حتى يأتي األجل . فيقضي اهلل‬
                                                                               ‫ما يريد في هذه المسألة .‬

                                                                                     ‫(وأحِوا العدة). .‬

‫كي ال يكون في عدم إحِائها إطالة ل مد على المطلقة , ومضارة لها َمنعها من الزواج َعد العدة . أو نقص‬
‫في مدتها ال يتحقق َه الغرض األول , وهو التأكد من َراءة رحم المطلقة من الحمل المستكن حفظا ل نساب‬
         ‫. ثم هو الضَط الدقيق الذي يوحي َأهمية األمر , ومراقَة السماء له , ومطالَة أِحاَه َالدقة فيه !‬

                    ‫(واتقوا اهلل رَكم . ال تخرجوهن من َيوتهن , وال يخرجن إال أن يأتين َفاحشة مَينة .)‬

‫هذا أول تنَيه - َعد وهلة النداء األول - وأول تحذير من اهلل وتقديم تقواه . قَل األمر َعدم إخمراجهن ممن‬
‫َيوتهن - وهي َيوت أزواجهن ولكنه يسميها َيوتهن لتوكيد حقهن في اإلقامة َها فترة العمدة - ال يخمرجن‬
‫منها وال يخرجن , إال في حالة وقو فاحشة ظاهرة منهن . وقد ورد أن هذه الفاحشة قد تكون الزنا فتخمرج‬
‫للحد:وقد تكون إيذاء أهل الزوج . وقد تكون هي النشوز على الزوج - ولو أنه مطلق - وعمل ما يؤذيمه .‬
 ‫ذلك أن الحكمة من إَقاء المطلقة في َيت الزوج هي إتاحة الفرِة للرجعة , واستثارة عواطمف الممودة ,‬
‫وذكرياتالحياة المشتركة , حيث تكون الزوجة َعيدة َحكم الطالق قريَة من العين ; فيفعل هذا في المشماعر‬
‫فعله َين اإلثنين ! فأما حين ترتكس في حمأة الزنا وهي في َيته ! أو تؤذي أهله , أو تنشز عليه , فال محمل‬
‫الستحياء المشاعر الطيَة , واستجاشة المودة الدفينة . وال حاجة إلى استَقائها في فترة العدة . فإن قرَها منه‬
                                                                     ‫حينذاك يقطع الوشائج وال يستحييها !‬

                                                    ‫(تلك حدود اهلل . ومن يتعد حدود اهلل فقد ظلم نفسه). .‬

‫وهذا هو التحذير الثاني . فالحارس لهذا الحكم هو اهلل . فأي مؤمن إذن يتعرض لحمد يحرسمه اهلل ?! إنمه‬
‫الهالك والَوار . . (ومن يتعد حدود اهلل فقد ظلم نفسه). . ظلم نفسه لتعريضها هكذا لَأس اهلل القمائم علمى‬
‫حدوده يحرسها ويرعاها . وظلم نفسه َظلم زوجه . وهي وهو من نفس واحدة , فما يظلمها يظلمه كذلك َهذا‬
                                                                                      ‫االعتَار . . ثم . .‬

                                                                  ‫(ال تدري لعل اهلل يحدث َعد ذلك أمرا).‬

‫وهي لمسة موحية مؤثرة . فمن ذا الذي يعلم غيب اهلل وقدره المخَوء وراء أممره َالعمدة , وأممره ََقماء‬
‫المطلقات في َيوتهن . . إنه يلوح هناك أمل , ويوِوص هناك رجاء . وقد يكون الخير كله . وقمد تتغيمر‬
‫األحوال وتتَدل إلى هناءة ورضى . فقدر اهلل دائم الحركة , دائم التغيير , ودائم األحداث . والتسليم ألمر اهلل‬
                                        ‫أولى , والرعاية له أوفق , وتقواه ومراقَته فيها الخير يلوح هناك !‬

                                                ‫الدرس الثاني:2 - 3 ماذا َعد انتهاء العدة وفتح َاب األمل‬

‫والنفس الَشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة , وما فيها من أوضا ومالَسات , وقد تغلمق عليهما منافمذ‬
 ‫المستقَل , فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة , وتشعر أنها سرمد , وأنها َاقية , وأن ما فيها ممن أوضما‬
             ‫وأحوال سيرافقها ويطاردها . . وهذا سجن نفسي مغلق مفسد ل عِاب في كثير من األحيان .‬

‫وليست هذه هي الحقيقة . فقدر اهلل دائما يعمل , ودائما يغير , ودائما يَدل , ودائما ينشئ ما ال يجمول فمي‬
‫حسَان الَشر من األحوال واألوضا . فرج َعد ضيق . وعسر َعد يسر . وَسط َعد قَض . واهلل كل يموم‬
                                                   ‫هو في شأن , يَديه للخلق َعد أن كان عنهم في حجاب .‬

‫ويريد اهلل أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس الَشر , ليظل تطلعهم إلى ما يحدثه اهلل من األمر متجددا ودائمما .‬
‫ولتظل أَواب األمل في تغيير األوضا مفتوحة دائمة . ولتظل نفوسهم متحركة َاألمل , ندية َالرجماء , ال‬
‫تغلق المنافذ وال تعيش في سجن الحاضر . واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسَان . . (ال تدري لعمل‬
                                                                                               ‫اهلل يحدث َعد ذلك أمرا . .)‬

‫(فإذا َلغن أجلهن فأمسكوهن َمعروف أو فارقوهن َمعروف , وأشهدوا ذوي عدل منكم , وأقيموا الشهادة هلل .‬
‫ذلكم يوعظ َه من كان يؤمن َاهلل واليوم اآلخر . ومن يتق اهلل يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ال يحتسب .‬
                                ‫ومن يتوكل على اهلل فهو حسَه إن اهلل َالغ أمره . قد جعل اهلل لكل شيء قدرا). .‬

‫وهذه هي المرحلة الثانية وهذا هو حكمها . وَلوغ األجل آخر فترة العدة . وللزوج ما دامت المطلقة لم تخرج‬
‫من العدة - على آجالها المختلفة التي سَق َيانها - أن يراجعها فتعود إلى عِمته َمجرد مراجعتها - وهذا‬
‫هو إمساكها - أو أن يد العدة تمضي فتَين منه وال تحل له إال َعقد جديد كالزوجة الجديدة . وسواء راجمع‬
‫أم فارق فهو مأمور َالمعروف فيهما . منهي عن المضارة َالرجعة , كأن يراجعها قَيل انتهاء العدة ثم يعود‬
                                                                                                                       ‫فيطلقها‬




  ‫َّ د َ ِله َِك‬         ‫إذ َ َ ََه َّ َ ْ ِك ه َّ ِ َ ْر ٍ ْ رق هن ِ َ ْر ف ََ ْهد و ْ ع ْ ٍ م ك ْ َ ق م‬
‫فَِ َا َلغْن أَجل ُن فَأمس ُو ُن َمع ُوف أَو فَا ِ ُو ُ َّ َمع ُو ٍ وأش ِ ُوا ذَ َي َدل ِّن ُم وأَ ِي ُوا الشهَا َة لَّ ِ ذل ُمْ‬
 ‫و َ ْز ُ م ْ ح ُ ي َس ب‬            ‫َ ي ْم ُ ِالل ِ و ي ِ ِ ِ َم ي َّق الل َ ي ْع ل ُ م ْ ً‬              ‫ي َُ ِ‬
 ‫ُوعظ َِه مَن كَان ُؤ ِن َ َّه َالْ َوْم الْآخر و َن َت ِ َّه َج َل َّه َخرَجا (2) َير ُقْه ِن َيْث لَا َحْت ِم ُ‬
                                    ‫َم َ و َّ ْ َل الل ِ َه َ َ َ ُ إ َّ الل َ َ غ َ ْره ْ َ َ َ الل ُ ِك ِّ ْ ٍ ً‬
                                ‫و َن يتَ َكل عَى َّه ف ُو حسْ ُه ِن َّه َالِ ُ أم ِ ِ قَد جعل َّه ل ُل شَيء قَدْرا (3)‬
‫الثانية ثم الثالثة ليطيل مدة َقائها َال زواج ! أو أن يراجعها ليَقيها كالمعلقة , ويكايدها لتفتدي منه نفسمها -‬
‫وكان كالهما يقع عند نزول هذه السورة , وهو ما يزال يقع كلما انحرفت النفوس عمن تقموى اهلل . وهمي‬
‫الضمان األول ألحكامه في المعاشرة والفراق . كذلك هو منهي عن المضارة في الفمراق َالسمب والشمتم‬
 ‫والغلظة في القول والغضب , فهذه الِلة تقوم َالمعروف وتنتهي َالمعروف استَقاء لمودات القلوب ; فقمد‬
‫تعود إلى العشرة , فال تنطوي على ذكرى رديئة , لكلمة ناَية , أو غمزة شائكة , أو شائَة تعكمر ِمفائها‬
                           ‫عندما تعود . ثم هو األدب اإلسالمي المحض الذي يأخذ اإلسالم َه األلسنة والقلوب .‬

‫وفي حالتي الفراق أو الرجعة تطلب الشهادة على هذه وذاك . شهادة اثنين من العدول . قطعا للريَة . فقد يعلم‬
‫الناس َالطالق وال يعلمون َالرجعة , فتثور شكوك وتقال أقاويل . واإلسالم يريد النِاعة والطهارة في هذه‬
‫العالقات وفي ضمائر الناس وألسنتهم على السواء . والرجعة تتم وكذلك الفرقة َدون الشهادة عنمد َعمض‬
 ‫الفقهاء وال تتم عند َعضهم إال َها . ولكن اإلجما أن ال َد من الشهادة َعد أو مع الفرقة أو الرجعة علمى‬
                                                                                                                      ‫القولين .‬

                                                                 ‫وعقب َيان الحكم تجيء اللمسات والتوجيهات تترى:‬
                                                                                   ‫(وأقيموا الشهادة هلل). .‬

‫فالقضية قضية اهلل , والشهادة فيها هلل , هو يأمر َها , وهو يراقب استقامتها , وهو يجزي عليها . والتعاممل‬
                                                            ‫فيها معه ال مع الزوج وال الزوجة وال الناس !‬

                                                         ‫(ذلكم يوعظ َه من كان يؤمن َاهلل واليوم اآلخر).‬

‫والمخاطَون َهذه األحكام هم المؤمنون المعتقدون َاليوم اآلخر . فهو يقول لهم:إنه يعظهم َما هو من شأنهم .‬
‫فإذا ِدقوا اإليمان َه وَاليوم اآلخر فهم إذن سيتعظون ويعتَرون . وهذا هو محك إيمانهم , وهذا هو مقياس‬
                                                                                     ‫دعواهم في اإليمان !‬

                                           ‫(ومن يتق اهلل يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ال يحتسب). .‬

‫مخرجا من الضيق في الدنيا واآلخرة , ورزقا من حيث ال يقدر وال ينتظر . وهو تقرير عام , وحقيقة دائمة .‬
‫ولكن إلِاقها هنا َأحكام الطالق يوحي َدقة انطَاقها وتحققها عندما يتقي المتقون اهلل في هذا الشأن َِمفة‬
‫خاِة . وهو الشأن الذي ال ضاَط فيه أحس وال أدق من ضاَط الشعور والضمير , فالتالعب فيمه مجالمه‬
                                                     ‫واسع , ال يقف دونه إال تقوى اهلل وحساسية الضمير .‬

                                                    ‫(ومن يتوكل على اهلل فهو حسَه , إن اهلل َالغ أمره). .‬

‫فمجال الكيد في هذه العالقة واسع , ومسالكه كثيرة , وقد تؤدي محاولة اتقاء الكيد إلى الكيد ! فهنما إيحماء‬
‫َترك هذه المحاولة , والتوكل على اهلل , وهو كاف لمن يتوكل عليه . فاهلل َالغ أمره . فما قدر وقع , وما شاء‬
                ‫كان ; فالتوكل عليه توكل على قدرة القادر , وقوة القاهر . الفعال لما يريد . الَالغ ما يشاء .‬

‫والنص عام . والمقِود َه هو إنشاء التِور اإليماني الِحيح في القلب , َالنسمَة إلرادة اهلل وقمدره . .‬
                                   ‫ولكن وروده هنا َمناسَة أحكام الطالق له إيحاؤه في هذا المجال وأثره .‬

                                                                          ‫(قد جعل اهلل لكل شيء قدرا). .‬

‫فكل شيء مقدر َمقداره , وَزمانه , وَمكانه , وَمالَساته , وَنتائجه وأسَاَه . وليس شيء مِادفة , وليس‬
       ‫شيء جزافا . في هذا الكون كله , وفي نفس اإلنسان وحياته . . وهي حقيقة ضخمة يقوم عليها جانب‬
‫ت َ ِد ُ ُن َ ُ َ ْ ُ ٍ و لل ئ ْ يح َ َأ ْ ُ ْم ل َُه َّ‬                             ‫َالل ي ِ َ م َ ْمح ِ م ِّ ِك ْ إ ِ‬
‫و َّائِي َئسْن ِن ال َ ِيض ِن نسَائ ُم ِن ارْتََْ ُمْ فع َّته َّ ثلَاثَة أشهر َا َّا ِي لَم َ ِضْن وُولَات الْأَح َا ِ أَجل ُن‬
‫َِ َ َ ْ ُ الل ِ َ ُ ِ ْك ْ َم ي َّق الل َ ُ ِّ ْ ع ُ‬    ‫ي َ َ َ َْه َّ َم ي َّ ِ الل َ ي ْع له م ْ َ ْر ِ ُ ً‬
‫أَن َضعْن حمل ُن و َن َتق َّه َج َل َّ ُ ِن أم ِه يسْرا (4) ذلك أمر َّه أَنزلَه إلَي ُم و َن َت ِ َّه يكَفر َنْه‬
                                                                                                   ‫ً‬      ‫َي ِ و ُ ْظ ْ ه‬
                                                                                               ‫س ِّئَاتِه َيع ِم لَ ُ أَجْرا (5)‬
‫كَير من التِور اإليماني . [ وقد فِلنا الحديث عنها عند استعراض قوله تعالى( :وخلق كل شميء فقمدره‬
‫تقديرا)في سورة الفرقان . وعند قوله تعالى:(إنا كل شيء خلقناه َقدر). . في سورة القمر ] . ولكن ذكر هذه‬
 ‫الحقيقة الكلية هنا يرَط َها ما قدره اهلل عن الطالق وفترته , والعدة ووقتها , والشهادة وإقامتها . ويطَع هذه‬
‫األحكام َطاَع السنة اإللهية النافذة , والناموس الكلي العام . ويوقع في الحس أن األمر جد من جمد النظمام‬
                                                                                         ‫الكوني المقدر في كل خلق اهلل .‬

                                            ‫الدرس الثالث:4 - 5 عدة أنوا من المطلقات وتوجيه إليهن َتقوى اهلل‬

‫(والالئي يئسن من المحيض من نسائكم - إن ارتَتم - فعدتهن ثالثة أشهر والالئمي لمم يحضمن . وأوالت‬
‫األحمال أجلهن أن يضعن حملهن . ومن يتق اهلل يجعل له من أمره يسرا . ذلك أمر اهلل أنزله إليكم , وممن‬
                                                                             ‫يتق اهلل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا).‬

‫وهذا تحديد لمدة العدة لغير ذوات الحيض والحمل . يشمل اللواتي انقطع حيضهن , والالتي لم يحضن َعمد‬
‫لِغر أو لعلة . ذلك أن المدة التي َينت من قَل في سورة الَقرة كانت تنطَق على ذوات الحيض - وهمي‬
‫ثالث حيضات أو ثالثة أطهار من الحيضات . حسب الخالف الفقهي في المسألة - فأما التي انقطع حيضمها‬
‫والتي لم تحض أِال فكان حكمها موضع لَس:كيف تحسب عدتها ? فجاءت هذه اآلية تَين وتنفمي اللمَس‬
‫والشك , وتحدد ثالثة أشهر لهؤالء وهؤالء , الشتراكهن في عدم الحيض الذي تحسب َه عدة أولئمك . أمما‬
‫الحوامل فجعل عدتهن هي الوضع . طال الزمن َعد الطالق أم قِر . ولو كان أرَعين ليلة فترة الطهر ممن‬
‫النفاس . ألن َراءة الرحم َعد الوضع مؤكدة , فال حاجة إلى االنتظار . والمطلقة تَين من مطلقهما َمجمرد‬
‫الوضع , فال حكمة في انتظارها َعد ذلك , وهي غير قاَلة للرجعة إليه إال َعقد جديد على كل حمال . وقمد‬
                                                      ‫جعل اهلل لكل شيء قدرا . فليس هناك حكم إال ووراءه حكمة .‬

                                                                           ‫هذا هو الحكم ثم تجيء اللمسات والتعقيَات:‬

                                                                             ‫(ومن يتق اهلل يجعل له من أمره يسرا). .‬

‫واليسر في األمر غاية ما يرجوه إنسان . وإنها لنعمة كَرى أن يجعل اهلل األمور ميسرة لعَد من عَاده . فال‬
‫عنت وال مشقة وال عسر وال ضيقة . يأخذ األمور َيسر في شعوره وتقديره . وينالها َيسر في حركته وعمله‬
‫. ويرضاها َيسر في حِيلتها ونتيجتها . ويعيش من هذا في يسر رخي ندي , حتى يلقمى اهلل . . أال إنمه‬
                                                      ‫إلغراء َاليسر في قضية الطالق مقاَل اليسر في سائر الحياة !‬
                                                                                               ‫(ذلك أمر اهلل أنزله إليكم). .‬

‫وهذه لمسة أخرى في جانب آخر . لمسة الجد واالنتَاه إلى مِدر األمر . . فقد أنزله اهلل . أنزله للمؤمنين َه‬
                                                     ‫, فطاعته تحقيق لمعنى اإليمان , ولحقيقة الِلة َينهم وَين اهلل .‬

                                                    ‫ثم عودة إلى التقوى التي يدق عليها دقا متواِال في هذا المجال:‬

                                                                     ‫(ومن يتق اهلل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا). .‬

‫فاألولى تيسير ل مور . والثانية تكفير للسيئات وإعظام ل جر َعد التكفير . . فهو الفيض المغري والعمرض‬
   ‫المثير . وهو حكم عام ووعد شامل . ولكنه يخلع على موضو الطالق ظالله , ويغمر القلب َالشعور َاهلل‬




  ‫َ ْكن ُن م ْ ح ُ َ ت م و ِك ْ َ ت َار ُن لتضيق َ ْه َّ َ ك َّ أ ِ َ ْ ٍ ق َ ْ ِن َت‬
 ‫أس ِ ُوه َّ ِن َيْث سكَن ُم ِّن ُجْد ُم ولَا ُض ُّوه َّ ِ ُ َ ِّ ُوا علَي ِن وإِن ُن ُولَات حمل فَأَنفِ ُوا علَيه َّ ح َّى‬
  ‫ُ ُأ ر‬          ‫َك ِ َ ْر ٍ َإ َ َ ت ْ َس ُ‬           ‫ي َ َ َ َْه َّ إ ْ َ َ َ َك ْ ت ه َّ أج ُن َ َ ِر‬
 ‫َضعْن حمل ُن فَِن أرْضعْن ل ُم فَآ ُو ُن ُ ُورَه َّ وأْتم ُوا َيْن ُم َمع ُوف وِن تعَاسرْ ُم ف َترْضِع لَه ُخْم َى‬
‫سي ْ َ ُ الل ُ‬          ‫لي ِ ْ ذ َ ة م َع ِ َم ق ِ َ َ ِ ِ قه َ ي ِ ِم ُ الل ُ ُكِّ ُ الل ُ ً ِل‬
‫)6(ِ ُنفق ُو سعَ ٍ ِّن س َتِه و َن ُدر علَيْه رزْ ُ ُ فلْ ُنفقْ م َّا آتَاه َّه لَا ي َلف َّه نَفْسا إَّا مَا آتَاهَا َ َجعل َّه‬
                                                                                                              ‫َ ٍُُْ ً‬
                                                                                                          ‫َعْد عسر يسْرا (7)‬
                           ‫وفضله العميم . فما له إذن يعسر ويعقد واهلل يغمره َالتيسير والمغفرة واألجر الكَير ?‬

                                                 ‫الدرس الراَع:6 - 7 ما يترتب على الطالق من نفقة وسكن ورضا‬

‫(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم , وال تضاروهن لتضيقوا عليهن . وإن كن أوالت حمل فأنفقوا عليهن‬
‫حتى يضعن حملهن . فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن , وأتمروا َينكم َمعروف , وإن تعاسرتم فسترضع له‬
‫أخرى . لينفق ذو سعة من سعته , ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اهلل , ال يكلف اهلل نفسا إال ما آتاهما ,‬
                                                                                             ‫سيجعل اهلل َعد عسر يسرا . .)‬

‫وهذا هو الَيان األخير لتفِيل مسألة اإلقامة في الَيوت , واإلنفاق في فترة العدة - على اخمتالف ممدتها .‬
‫فالمأمور َه هو أن يسكنوهن مما يجدون هم من سكنى . ال أقل مما هم عليه في سكناهم , وما يسمتطيعونه‬
‫حسب مقدرتهم وغناهم . غير عامدين إلى مضارتهم سواء َالتضييق عليهن في فسحة المسكن أو مستواه أو‬
‫في المعاملة فيه . وخص ذوات األحمال َذكر النفقة - مع وجوب النفقة لكل معتدة - لتوهم أن طمول ممدة‬
 ‫الحمل يحدد زمن اإلنفاق ََعضه دون َقيته , أو َزيادة عنه إذا قِرت مدته . فأوجب النفقة حتى الوضع ,‬
                                                                    ‫وهو موعد انتهاء العدة لزيادة اإليضاح التشريعي .‬
‫ثم فِل مسألة الرضاعة فلم يجعلها واجَا على األم َال مقاَل . فما دامت ترضع الطفل المشمترك َينهمما ,‬
‫فمن حقها أن تنال أجرا على رضاعته تستعين َه على حياتها وعلى إدرار اللَن للِمغير , وهمذا منتهمى‬
‫المراعاة ل م في هذه الشريعة . وفي الوقت ذاته أمر األب واألم أن يأتمرا َينهما َالمعروف في شمأن همذا‬
‫الوليد , ويتشاورا في أمره ورائدهما مِلحته , وهو أمانة َينهما , فال يكون فشلهما هما في حياتهما نكَة على‬
                                                                                                 ‫الِغير الَريء فيهما !‬

‫وهذه هي المياسرة التي يدعوهما اهلل إليها . فأما إذا تعاسرا ولم يتفقا َشأن الرضاعة وأجرها , فالطفل مكفول‬
‫الحقوق: (فسترضع له أخرى). . دون اعتراض من األم ودون تعطيل لحق الطفل في الرضماعة , َسمَب‬
                                                                                                 ‫تعاسرهما َعد فشلهما !‬

‫ثم يفِل األمر في قدر النفقة . فهو اليسر والتعاون والعدل . ال يجور هو , وال تتعنت هي . فمن وسمع اهلل‬
‫عليه رزقه فلينفق عن سعة . سواء في السكن أو في نفقة المعيشة أو في أجر الرضاعة . ومن ضيق عليمه‬
‫في الرزق , فليس عليه من حرج , فاهلل ال يطالب أحدا أن ينفق إال في حدود ما آتاه . فهمو المعطمي , وال‬
‫يملك أحد أن يحِل على غير ما أعطاه اهلل . فليس هناك مِدر آخر للعطاء غير هذا المِمدر , وليسمت‬
                                                ‫هناك خزانة غير هذه الخزانة: (ال يكلف اهلل نفسا إال ما آتاها). .‬

                                                         ‫ثم لمسة اإلرضاء , وإفساح الرجاء , لالثنين على السواء:‬

                                                                                       ‫(سيجعل اهلل َعد عسر يسرا). .‬

‫فاألمر منوط َاهلل في الفرج َعد الضيق , واليسر َعد العسر . فأولى لهما إذن أن يعقدا َه األمر كلمه , وأن‬
‫يتجها إليه َاألمر كله , وأن يراقَاه ويتقياه واألمر كله إليه . وهو المانح المانع . القماَض الَاسمط . وَيمده‬
                                                               ‫الضيق والفرج , والعسر واليسر , والشدة والرخاء .‬

‫وإلى هنا يكون قد تناول سائر أحكام الطالق ومتخلفاته , وتتَع كل أثر من آثاره حتى انتهى إلى حل واضح ;‬
        ‫ولم يد من الَيت المتهدم أنقاضا وال غَارا يم النفوس ويغشى القلوب , ولم يترك َعده عقاَيل غير‬




                      ‫عذ ً ُّ ً‬            ‫ِ ا د ً و َذ‬                 ‫َ َي م َ ٍ ع ْ ع ْ َ ْ ِ ر ِّ َر ُ ِ س‬
                  ‫وكَأ ِّن ِّن قرْيَة َتَت َن أمر ََهَا و ُسلِه فَحَا ََْنَاهَا حسَاًَ شَ ِيدا َع ََّْنَاهَا َ َاَا نكْرا (8)‬
                                                                     ‫مستريحة َعالج , وال قالقل تثير االضطراب .‬

‫وكذلك يكون قد عالج جميع الوساوس والهواجس التي تثور في القلوب , فتمنعها ممن السمماحة والتيسمير‬
‫والتجمل ل مر . فأَعد أشَاح الفقر والضيق وضيا األموال من نفس الزوج إذا هو أسكن وأنفق ووسع على‬
‫مطلقته أو مرضعة ولده . ومن نفس الزوجة التي تضيق َنفقة اإلعسار , أو تطمع في زيادة ما تِيب ممن‬
‫مال زوجها الساَق . فأكد اليسر َعد العسر لمن اتقى , والضيق َعد الفرج , والرزق من حيث ال يحتسمب ,‬
                                            ‫وفوق رزق الدنيا رزق اآلخرة واألجر الكَير هناك َعد التكفير .‬

‫كما عالج ما تخلفه حالة الخالف والشقاق التي أدت إلى الطالق . من غيظ وحنق ومشادة وغَار في الشمعور‬
‫والضمير . . فمسح على هذا كله َيد الرفق والتجمل , ونسم عليه من رحمة اهلل والرجاء فيه ; ومن ينماَيع‬
                    ‫المودة والمعروف التي فجرها في القلوب َلمسات التقوى واألمل في اهلل وانتظار رضاه .‬

‫وهذا العالج الشامل الكامل , وهذه اللمسات المؤثرة العميقة , وهذا التوكيد الوثيق المتكرر . . هذه كلها همي‬
‫الضمانات الوحيدة في هذه المسألة لتنفيذ الشريعة المقررة . فليس هناك ضاَط إال حساسية الضمائر وتقموى‬
‫القلوب . وإن كال الزوجين ليملك مكايدة ِاحَه حتى تنفقئ مرارته إذا كانت الحواجز همي فقمط حمواجز‬
‫القانون !! وَعض األوامر من المرونة َحيث تسع كل هذا . فاألمر َعدم المضارة: وال تضماروهن يشممل‬
‫النهي عن ألوان من العنت ال يحِرها نص قانوني مهما اتسع . واألمر فيه موكول إلمى همذه الممؤثرات‬
‫الوجدانية , وإلى استجاشة حاسة التقوى وخوف اهلل المطلع على السرائر , المحيط َكل شيء علمما . وإلمى‬
‫التعويض الذي يعده اهلل للمتقين في الدنيا واآلخرة . وَخاِة في مسألة الرزق التي تكرر ذكرها في ِمور‬
                      ‫شتى , ألنها عامل مهم في تيسير الموقف , وتندية الجفاف الذي تنشئه حالة الطالق . .‬

‫وإن الزوجين ليفارقان - في ظل تلك األحكام والتوجيهات - وفي قلوَهما َذور للود لم تمت , ونمداوة قمد‬
‫تحيي هذه الَذور فتنَت . . ذلك إلى األدب الجميل الرفيع الذي يريد اإلسالم أن يَِغ َمه حيماة الجماعمة‬
                                                                        ‫المسلمة , ويشيع فيها أرجه وشذاه .‬

                               ‫الدرس الخامس:8 - 11 عاقَة المتمردين على أحكام اهلل وثواب المطيعين هلل‬

‫فإذا انتهى السياق من هذا كله ساق العَرة األخيرة في مِير الذين عتوا عن أمر رَهم ورسله , فلم يسممعوا‬
‫ولم يستجيَوا . وعلق هذه العَرة على الرؤوس , تذكرهم َالمِير الَائس الذي ينتظر من ال يتقي وال يطيع .‬
                                          ‫كما تذكرهم َنعمة اهلل على المؤمنين المخاطَين َالسورة والتشريع:‬

‫وكأين من قرية عتت عن أمر رَها ورسله , فحاسَناها حساَا شديدا وعذَناها عذاَا نكرا . فذاقت وَال أمرها‬
‫, وكان عاقَة أمرها خسرا . أعد اهلل لهم عذاَا شديدا . فاتقوا اهلل يا أولي األلَاب الذين آمنوا , قد أنمزل اهلل‬
‫إليكم ذكرا:رسوال يتلوا عليكم آيات اهلل مَينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الِالحات من الظلمات إلى النور .‬
‫ومن يؤمن َاهلل ويعمل ِالحا يدخله جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها أَدا . قد أحسن اهلل له رزقا .‬
                                                                                                          ‫.‬
‫وهو إنذار طويل وتحذير مفِل المشاهد . كما أنه تذكير عميق َنعمة اهلل َاإليمان والنور , ووعده َاألجر في‬
                                                                                               ‫اآلخرة وهو أحسن الرزق وأكرمه .‬

‫فأخذ اهلل لمن يعتو عن أمره وال يسلم لرسله هو سنة متكررة:(وكأين من قرية عتت عن أمر رَهما ورسمله‬
           ‫فحاسَناها حساَا شديدا وعذَناها عذاَا نكرا). وتفِيل أخذها وذكر الحساب العسير والعذاب النكير ,‬




  ‫َ ب الذ ن من‬                 ‫َد الله َه عذ ا د ا َاتق الله أ ْ‬                         ‫ُ ا‬        ‫َ َ قة َْ‬               ‫ذ وَ َ َ ْ‬
‫فَ َاقَتْ َ َال أمرِهَا وكَان عَا ِ َ ُ أمرِهَا خسْرً (9) أَع َّ َّ ُ ل ُمْ َ َاًَ شَ ِيدً ف َّ ُوا َّ َ يَا ُولِي الْألََْا ِ َّ ِي َ آ َ ُوا‬
                                                                                                             ‫ْ َ َ الل ُ ِ ْك ِ ً‬
                                                                                                        ‫قَد أَنزل َّه إلَي ُمْ ذكْرا (11)‬
‫ثم تِوير العاقَة وسوء المِير:(فذاقت وَال أمرها وكان عاقَة أمرها خسرا). . ثم تمأخير ِمورة همذه‬
‫العاقَة الخاسرة في اآلية التالية: (أعد اهلل لهم عذاَا شديدا . .)كل هذا إلطالمة المشمهد وتفِميل خطواتمه‬
   ‫ومراحله . وهي طريقة من طرق األسلوب القرآني في تعميق األثر في الحس وإطالة مكثه في األعِاب .‬

‫ونقف لحظة أمام هذا التحذير فنرى أن اهلل أخذ القرى واحدة َعد واحدة كلما عتت عن أمر رَها ورسمله . .‬
‫ونجد أن هذا التحذير يساق هنا َمناسَة الطالق وأحكامه , فيرتَط الطالق وحكمه َهذه السنة الكلية . ويوحي‬
‫هذا االرتَاط أن أمر الطالق ليس أمر أسر أو أزواج . إنما هو أمر األمة المسلمة كلها . فهي المسؤولة عمن‬
 ‫هذا األمر . وهي المسؤولة فيه عن شريعة اهلل . ومخالفتها عن أمر اهلل فيه - أو مخالفتها عن أمر اهلل فمي‬
‫غيره من أحكام هذا النظام , أو هذا المنهج اإللهي المتكامل للحياة - هي عتو عن أمر اهلل , ال يؤاخمذ َمه‬
‫األفراد الذين يرتكَونه , إنما تؤاخذ َه القرية أو األمة التي تقع فيها المخالفة , والتي تنحرف في تنظيم حياتها‬
‫عن نهج اهلل وأمره . فقد جاء هذا الدين ليطا , ولينفذ كله , وليهيمن على الحياة كلها . فمن عتا عن أمر اهلل‬
‫فيه - ولو كان هذا في أحوال األفراد الشخِية - فقد تعرض لما تعرضت له القرى من سمنة اهلل التمي ال‬
                                                                                                                             ‫تتخلف أَدا .‬

‫وتلك القرى ذاقت وَال أمرها وكان عاقَة أمرها خسرا . . ذاقته في هذه األرض قَل يوم الحساب األخيمر .‬
‫ولقد ذاقت هذا الوَال قرى وأمم وشعوب عتت عن منهج اهلل في األرض . ونحن نشهد وأسالفنا شهدوا همذا‬
‫الوَال . ذاقته فسادا وانحالال , وفقرا وقحطا , وظلما وجورا , وحياة مفزعة ال أمن فيهما وال سمالم , وال‬
                                                        ‫طمأنينة فيها وال استقرار . وفي كل يوم نرى مِداق هذا النذير !‬

‫وذلك فوق العذاب الشديد الذي ينتظر العتاة عن أمر اهلل ونهجه في الحياة حيث يقول اهلل( :أعد اهلل لهم عمذاَا‬
                                                                                                     ‫شديدا). . واهلل أِدق القائلين .‬
‫إن هذا الدين منهج نظام جماعي - كما أسلفنا الحديث في سورة الِف - جاء لينشىء جماعة مسملمة ذات‬
‫نظام خاص . وجاء ليِرف حياة هذه الجماعة كلها . ومن ثم فالجماعة كلها مسؤولة عنه , مسمؤولة عمن‬
‫أحكامه . ولن تخالف عن هذه األحكام حتى يحق عليها هذا النذير الذي حق على القرى التي عتت عن أممر‬
                                                                                                            ‫رَها ورسله .‬

‫وفي مواجهة هذا اإلنذار ومشاهده الطويلة يهتف َأولي األلَاب الذين آمنوا . الذين هدتهم ألَاَهم إلى اإليمان .‬
‫يهتف َهم ليتقوا اهلل الذي أنزل لهم الذكر: (قد أنزل اهلل إليكم ذكرا). . ويجسم هذا الذكر ويمزجمه َشمخص‬
‫الرسول [ ص ] فيجعل شخِه الكريم هو الذكر , أو َدال منه في العَارة: (رسوال يتلمو علميكم آيمات اهلل‬
                                                                                                               ‫مَينات). .‬

                                                                ‫وهنا لفتة مَدعة عميقة ِادقة ذات دالئل منوعة . .‬

‫إن هذا الذكر الذي جاء من عند اهلل مر إليهم من خالل شخِية الرسول الِادق حتى لكأن الذكر نفذ إلميهم‬
                                                       ‫مَاشرة َذاته , لم تحجب شخِية الرسول شيئا من حقيقته .‬

‫والوجه الثاني إليحاء النص هو أن شخِية الرسول [ ص ] قد استحالت ذكرا , فهي ِورة مجسممة لهمذا‬
‫الذكر ِنعت َه فِارت هو . وهو ترجمة حية لحقيقة القرآن . وكذلك كمان رسمول اهلل [ ص ] وهكمذا‬
‫وِفته عائشة - رضي اهلل عنها - وهي تقول:" كان خلقه القرآن " . . وهكذا كان القرآن في خماطره فمي‬
                                                                     ‫مواجهة الحياة . وكان هو القرآن يواجه الحياة !‬




  ‫ِ الل ِ م َي ٍ لي ْ َ الذ ن من و َ ِل الِ ل ِ م َ ُُّ ِ ِ الن ِ َم ي ْم‬                      ‫َّس ً ي ْل َ ْك ْ‬
 ‫ر ُوال َتُو علَي ُم آيَات َّه َُ ِّنَات ِّ ُخرِج َّ ِي َ آ َ ُوا َعمُوا َّاِحَات ِن الظلمَات إلَى ُّور و َن ُؤ ِن‬
 ‫الل ه‬      ‫ْه ر لد َ ف ه َ ً ْ ْس َ الل ُ ُ ِ ً‬                          ‫ِ‬      ‫ِالله و َ ْ َ ْ ِ ً ي ِ ُ َن ٍ ْ م‬
 ‫َ َّ ِ َيعمل َالِحا ُدْخلْه ج َّات تَجرِي ِن تَحْتهَا الْأَن َا ُ خَاِ ِين ِي َا أَ َدا قَد أَح َن َّه لَه رزْقا (11) َّم ُ‬
‫َ َّ الل َ ْ‬        ‫ََ َ س َ َ و ٍ َمن َ ِ م َْ ُن ي ن َّل َ ْ ُ َه َّ ل َ َْم َّ الل َ َ ك ِّ ْء‬                     ‫ال‬
‫َّذِي خلق ََْع سمَا َات و ِ َ الْأرْض ِثله َّ َتَ َز ُ الْأمر َيْن ُن ِتعل ُوا أَن َّه علَى ُل شَي ٍ قَدِير وأَن َّه قَد‬
                                                                                                  ‫َ ِك ِّ ْ ٍ ِ ً‬
                                                                                             ‫أَحَاط َ ُل شَيء علْما (21)‬
‫وفوق نعمة الذكر والنور والهداية والِالح , وعد َنعيم الجنات خالدين فيها أَدا . وتذكير َأن هذا الرزق هو‬
‫أحسن الرزق , فال يقاس إليه رزق األرض: (قد أحسن اهلل له رزقا). . وهو الرازق في المدنيا واآلخمرة ,‬
                                         ‫ولكن رزقا خير من رزق , واختياره ل حسن هو االختيار الحق الكريم .‬

‫وهكذا يلمس نقطة الرزق مرة أخرى , ويهون َهذه اإلشارة من رزق األرض , إلى جانمب رزق الجنمة .‬
                                                       ‫َعدما وعد في المقاطع األولى َسعة رزق األرض أيضا . .‬

                                                  ‫الدرس السادس:21 اهلل الخالق للسماوات واألرض العالم َما فيها‬
‫وفي الختام يجيء ذلك اإليقا الكوني الهائل , فيرَط موضو السورة وتشريعاتها وتوجيهاتها َقدر اهلل وقدرة‬
                                                           ‫اهلل , وعلم اهلل , في المجال الكوني العريض:‬

‫(اهلل الذي خلق سَع سماوات ومن األرض مثلهن , يتنزل األمر َينهن , لتعلموا أن اهلل على كل شيء قدير ,‬
                                                                    ‫وأن اهلل قد أحاط َكل شيء علما). .‬

‫والسماوات السَع ال علم لنا َحقيقة مدلولها وأَعادها ومساحاتها . وكذلك األراضي السَع . فقد تكون أرضمنا‬
‫هذه التي نعرفها واحدة منهن والَاقيات في علم اهلل . وقد يكون معنى مثلهن أن همذه األرض ممن جمنس‬
‫السماوات فهي مثلهن في تركيَها أو خِائِها . . وعلى أية حال فال ضمرورة لمحاولمة تطَيمق همذه‬
‫النِوص على ما يِل إليه علمنا , ألن علمنا ال يحيط َالكون , حتى نقول على وجه التحقيق:هذا ما يريده‬
      ‫القرآن . ولن يِح أن نقول هكذا إال يوم يعلم اإلنسان تركيب الكون كله علما يقينيا . . وهيهات . . !‬

‫فننتفع َإيحاء هذه اإلشارة إلى تلك الحقيقة في مجالها النفسي , وفي إنشاء التِور اإليماني الكوني الِحيح .‬

‫واإلشارة إلى هذا الكون الهائل: (سَع سماوات ومن األرض مثلهن). . يهول الحس ويقف القلب وجها لوجه‬
‫أمام مشهد من مشاهد قدرة الخالق , وسعة ملكه , تِغر أمامه هذه األرض كلها , فضال على َعض ما فيها ,‬
                ‫فضال على حادث من أحداثها . فضال على دريهمات ينفقها الزوج أو تتنازل عنها الزوجة !‬

‫وَين هذه السماوات السَع واألرض أو األرضين السَع يتنزل أمر اهلل - ومنه هذا األمر الذي هم َِدده في‬
‫هذا السياق . فهو أمر هائل إذن , حتى َمقاييس الَشر وتِوراتهم في المكان والزمان َقمدر مما يطيقمون‬
‫التِور . والمخالفة عنه مخالفة عن أمر تتجاوب َه أقطار السماوات واألرضين , ويتسامع َه الم األعلى‬
‫وخلق اهلل األخرون في السماوات واألرضين . فهي مخالفة َلقاء شنعاء , ال يقدم عليها ذو عقل مؤمن , جاءه‬
                ‫رسول يتلو عليه آيات اهلل مَينات , ويَين له هذا األمر , ليخرجه من الظلمات إلى النور . .‬

‫وهذا األمر يتنزل َين السماوات واألرض , لينشئ في قلب المؤمن عقيدة أن اهلل على كل شيء قمدير ; فمال‬
‫يعجزه شيء مما يريد . وأنه أحاط َكل شيء علما ; فال يند عن علمه شيء مما يكون فمي ملكمه الواسمع‬
                                                          ‫العريض , وال مما يسرونه في حنايا القلوب .‬

                                                                    ‫ولهذه اللمسة قيمتها هنا من وجهين:‬

‫األول أن اهلل الذي أحاط َكل شيء علما هو الذي يأمر َهذه األحكام . فقد أنزلها وهو يحيط َكمل ظمروفهم‬
‫ومالَساتهم ومِالحهم واستعداداتهم . فهي أولى َاالتَا ال يلتفتون عنها أدنى التفات ; وهي من وضع العليم‬
                                                                              ‫المحيط َكل شيء علما .‬
‫والثاني أن هذه األحكام َالذات موكولة إلى الضمائر , فالشعور َعلم اهلل واطالعمه علمى كمل شميء همو‬
             ‫الضمانلحساسية هذه الضمائر , في شأن ال يجدي فيه شيء إال تقوى اهلل العليم َذات الِدور .‬

‫وهكذا تختم السورة َهذا اإليقا الذي يهول ويرو , َقدر ما يحرك القلوب لتخَت وتطيع . فسمَحان خمالق‬
                                                     ‫القلوب , العليم َما فيها من المنحنيات والدروب !‬
                                                 ‫سورة التحريم‬


   ‫ْ َر َ الل ُ َك ِل‬             ‫َ و ِ َ َالل ُ ف رح‬               ‫ُّ الن ُّ ل َ ت َر ُ م ح َّ الل ُ َ َ َ َ‬
‫يَا أَيهَا ََِّي ِم ُح ِّم َا أَ َل َّه لك تََْتغِي مرْضَاتَ أزْ َاجك و َّه غَ ُور َّ ِيم (1) قَد ف َض َّه ل ُمْ تَحَّمةَ‬
                                                                             ‫ْ ِك ْ َالل ُ م ْ ك ْ ه َ ْ َل ُ َك ُ‬
                                                                         ‫أَيمَان ُم و َّه َولَا ُم وَ ُو العِيم الْح ِيم (2)‬

                                                                                                           ‫سورة التحريم‬

                                                                                               ‫التعريف َسورة التحريم‬

‫عندما جرى قدر اهلل أن يجعل اإلسالم هو الرسالة األخيرة ; وأن يجعل منهجه هو المنهاج الَاقي إلمى آخمر‬
‫الخليقة ; وأن تجري حياة المؤمنين َه وفق الناموس الكوني العام ; وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حيماة‬
                                                                     ‫الَشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان . .‬

‫عندما جرى قدر اهلل َهذا كله جعل اهلل هذا المنهج في هذه الِورة , شامال كامال متكامال , يلَي كل طاقمات‬
‫الَشر واستعداداتهم , في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه االستعدادات إلى األفق الالئق َخليفمة اهلل فمي‬
                                  ‫األرض , وَالكائن الذي كرمه اهلل على كثير من عَاده , ونفخ فيه من روحه .‬

‫وجعل طَيعة هذا الدين االنطالق َالحياة إلى األمام:نموا وتكاثرا , ورفعة وتطهرا , في آن واحد . فلم يعطل‬
‫طاقة َانية , ولم يكَت استعدادا نافعا . َل نشط الطاقات وأيقظ االستعدادات وفي الوقت ذاتمه حمافظ علمى‬
‫توازن حركة االندفا إلى األمام مع حركة االرتفا إلى األفق الكريم , الذي يهيئ األرواح في الدنيا لمستوى‬
                                   ‫نعيم اآلخرة , ويعد المخلوق الفاني في األرض للحياة الَاقية في دار الخلود .‬

‫وعندما جرى قدر اهلل أن يجعل طَيعة هذه العقيدة هكذا جرى كذلك َاختيار رسولها [ ص ] إنسانا تتمثل فيه‬
‫هذه العقيدة َكل خِائِها , وتتجسم فيه َكل حقيقتها , ويكون هو َذاته وَحياته الترجمة الِحيحة الكاملمة‬
‫لطَيعتها واتجاهها . إنسانا قد اكتملت طاقاته اإلنسانية كلها . ضليع التكوين الجسدي , قوي الَنية , سليم الَناء‬
‫; ِحيح الحواس , يقظ الحس , يتذوق المحسوسات تذوقا كامال سليما . وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة ,‬
‫حي الطَع , سليم الحساسية , يتذوق الجمال , متفتح للتلقي واإلستجاَة . وهو في الوقت ذاته كَيمر العقمل ,‬
‫واسع الفكر , فسيح األفق , قوي اإلرادة , يملك نفسه وال تملكه . . ثم هو َعد ذلك كله . . النَي . . المذي‬
‫تشرق روحه َالنور الكلي , والذي تطيق روحه اإلسراء والمعراج , والذي ينادى من السماء , والذي يمرى‬
‫نور رَه , والذي تتِل حقيقته َحقيقة كل شيء في الوجود من وراء األشكال والظواهر , فيسلم عليه الحِى‬
‫والحجر , ويحن له الجذ , ويرتجف َه أحد - الجَل . . ! . . ثم تتوازن في شخِيته هذه الطاقات كلها .‬
                                                          ‫فإذا هو التوازن المقاَل لتوازن العقيدة التي اختير لها . .‬
‫ثم يجعل اهلل حياته الخاِة والعامة كتاَا مفتوحا ألمته وللَشرية كلها , تقرأ فيه ِور هذه العقيدة , وترى فيه‬
‫تطَيقاتها الواقعية . ومن ثم ال يجعل فيها سرا مخَوءا , وال سترا مطويا . َل يعرض جوانب كثيرة منها في‬
‫القرآن , ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة اإلنسان العادي . حتى مواضع الضمعف الَشمري‬
‫الذي ال حيلة فيه لَشر . َل إن اإلنسان ليكاد يلمح القِد في كشف هذه المواضع في حياة الرسمول [ ص ]‬
                                                                                                 ‫للناس !‬

‫إنه ليس له في نفسه شيء خاص . فهو لهذه الدعوة كله . فعالم يختَئ جانب من حياته [ ص ]أو يخَأ ? إن‬
‫حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطَيق من هذه العقيدة ; وقد جاء [ ص ] ليعرضها للنماس فمي‬
                            ‫شخِه , وفي حياته , كما يعرضها َلسانه وتوجيهه . ولهذا خلق . ولهذا جاء .‬

‫ولقد حفظ عنه أِحاَه [ ص ] ونقلوا للناس َعدهم - جزاهم اهلل خيرا - أدق تفِيالت هذه الحياة . فلم تَق‬
‫ِغيرة وال كَيرة حتى في حياته اليومية العادية , لم تسجل ولم تنقل . . وكان هذا طرفا من قمدر اهلل فمي‬
‫تسجيل حياة هذا الرسول , أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطَقة في حياة الرسول . فكان هذا إلى جانمب مما‬
                                 ‫سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الَاقي للَشرية إلى نهاية الحياة .‬

 ‫وهذه السورة تعرض في ِدرها ِفحة من الحياة الَيتية لرسول اهلل [ ص ] وِمورة ممن االنفعماالت‬
‫واالستجاَات اإلنسانية َين َعض نسائه وَعض , وَينهن وَينه ! وانعكاس هذه االنفعاالت واالستجاَات فمي‬
‫حياته [ ص ] وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك . . ثم في التوجيهات العامة ل مة على ضوء ما وقمع فمي‬
                                                                          ‫َيوت رسول اهلل وَين أزواجه .‬

‫والوقت الذي وقعت فيه األحداث التي تشير إليها السورة ليس محددا . ولكن َالرجو إلى الروايمات التمي‬
                             ‫جاءت عنه يتأكد أنه َعد زواج رسول اهلل [ ص ] من زينب َنت جحش قطعا .‬

‫ولعله يحسن أن نذكر هنا ملخِا عن قِة أزواج النَي , وعن حياته الَيتية يعين على تِمور الحموادث‬
‫والنِوص التي جاءت َِددها في هذه السورة . ونعتمد في هذا الملخص على ما أثَته اإلمام اَن حزم في‬
                          ‫كتاَه:" جوامع السيرة " . . وعلى السيرة الَن هشام مع َعض التعليقات السريعة:‬

‫أول أزواجه [ ص ] خديجة َنت خويلد . تزوجها رسول اهلل [ ص ] وهو اَن خمس وعشرين سنة وقيل ثالث‬
‫وعشرون , وسنها - رضي اهلل عنها - أرَعون أو فوق األرَعين , وماتت - رضي اهلل عنها - قَل الهجرة‬
                              ‫َثالث سنوات , ولم يتزوج غيرها حتى ماتت . وقد تجاوزت سنه الخمسين .‬

‫فلما ماتت خديجة تزوج عليه السالم سودة َنت زمعة - رضي اهلل عنها - ولم يرو أنها ذات جمال وال شَاب‬
‫. إنما كانت أرملة للسكران َن عمرو َن عَد شمس . كان زوجها من الساَقين إلى اإلسالم ممن مهماجري‬
                                                ‫الحَشة . فلما توفي عنها , تزوجها رسول اهلل - [ ص . ]‬
‫ثم تزوج عائشة - رضي اهلل عنها - َنت الِديق أَي َكر - رضي اهلل عنه وأرضاه - وكانت ِغيرة فلم‬
‫يدخل َها إال َعد الهجرة . ولم يتزوج َكرا غيرها . وكانت أحب نسائه إليه , وقيل كانت سنها تسع سمنوات‬
                                 ‫وَقيت معه تسع سنوات وخمسة أشهر . وتوفي عنها رسول اهلل [ ص ] .‬

‫ثم تزوج حفِة َنت عمر - رضي اهلل عنه وعنها - َعد الهجرة َسنتين وأشهر . تزوجهما ثيَما . َعمدما‬
                ‫عرضها أَوها على أَي َكر وعلى عثمان فلم يستجيَا . فوعده النَي خيرا منهما وتزوجها !‬

‫ثم تزوج زينب َنت خزيمة . وكان زوجها األول عَيدة َن الحارث َن عَد المطلب قد قتل يوم َدر . وتوفيت‬
‫زينب هذه في حياته [ ص ] . وقيل كان زوجها قَل النَي هو عَد اهلل َن جحش األسدي المستشهد يوم أحد .‬
                                                                               ‫ولعل هذا هو األقرب .‬

‫وتزوج أم سلمة . وكانت قَله زوجا ألَي سلمة , الذي جرح في أحد , وظل جرحه يعاوده حتى مات َمه .‬
                                     ‫فتزوج رسول اهلل [ ص ] أرملته . وضم إليه عيالها من أَي سلمة .‬

‫وتزوج زينب َنت جحش . َعد أن زوجها لمواله ومتَناه زيد َن حارثة فلم تستقم حياتهمما فطلقهما . وقمد‬
‫عرضنا قِتها في سورة األحزاب في الجزء الثاني والعشرين , وكانت جميلة وضيئة . وهي التمي كانمت‬
‫عائشة - رضي اهلل عنها - تحس أنها تساميها , لنسَها من رسول اهلل [ ص ] وهي َنت عمته , ولوضاءتها !‬

‫ثم تزوج جويرية َنت الحارث سيد َني المِطلق َعد غزوة َني المِطلق في أواسط السنة السادسة الهجرية‬
‫. قال اَن إسحاق:وحدثني محمد َن جعفر َن الزَير , عن عروة َن الزَير عن عائشة رضمي اهلل عنهما .‬
‫قالت:" لما قسم رسول اهلل [ ص ] سَايا َني المِطلق وقعت جويرية َنت الحارث في أسهم الثاَت اَن قيس‬
‫َن الشماس أو الَن عم له فكاتَته على نفسها , وكانت امرأة حلوة مليحة مالحة ال يراها أحد إال أخذت َنفسه‬
‫, فأتت رسول اهلل [ ص ] تستعينه في كتاَتها . قالت عائشة:فواهلل ما هو إال أن رأيتها على َماب حجرتمي‬
‫فكرهتها ! وعرفت أنه سيرى منها [ ص ] ما رأيت , فدخلت عليه فقالت:يا رسول اهلل . أنا جويريمة َنمت‬
‫الحارث َن أَي ِرار سيد قومه . وقد أِاَني من الَالء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثاَت َن قيس‬
‫َن الشماس - أو الَن عم له - فكاتَته على نفسي , فجئت أستعينك على كتاَتي . قال:" فهل لك في خير من‬
‫ذلك ? " قالت:وما هو يا رسول اهلل ? قال:" أقضي عنك كتاَتك وأتزوجك " ? قالت:نعم يا رسول اهلل . قال:"‬
                                                                                      ‫قد فعلت . . " "‬

‫ثم تزوج أم حَيَة َنت أَي سفيان َعد الحديَية . وكانت مهاجرة مسلمة في َالد الحَشة , فارتد زوجها عَمد‬
‫اهلل َن جحش إلى النِرانية وتركها . فخطَها النَي [ ص ] وأمهرها عنه نجاشي الحَشة . وجاءت من هناك‬
                                                                                        ‫إلى المدينة .‬
‫وتزوج إثر فتح خيَر َعد الحديَية ِفية َنت حيي َن أخطب زعيم َني النضير . وكانت زوجة لكنانة اَمن‬
‫أَي الحقيق وهو من زعماء اليهود أيضا . ويذكر اَن إسحاق في قِة زواجه [ ص ] منها:أنمه أتمي َهما‬
‫وَأخرى معها من السَي , فمر َهما َالل - رضي اهلل عنه - على قتلى من قتلى اليهود فلما رأتهم التي ممع‬
‫ِفية ِاحت وِكت وجهها وحثت التراب على رأسها . فقال [ ص ]:" اعزَوا عني هذه الشيطانة " وأمر‬
‫َِفية فحيزت خلفه , وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول اهلل [ ص ] قد اِطفاها لنفسه . فقمال‬
‫رسول اهلل [ ص ] لَالل - فيما َلغني - حين رأى َتلك اليهودية ما رأى:" أنزعت منك الرحمة يا َمالل ?‬
                                                           ‫حين تمر َامرأتين على قتلى رجالهما ? " .‬

‫ثم تزوج ميمونة َنت الحارث َن حزن . وهي خالة خالد َن الوليد وعَد اهلل َن عَاس . وكانت قَل رسمول‬
    ‫اهلل [ ص ] عند أَي رهم َن عَد العزى . وقيل حويطب َن عَد العزى . وهي آخر من تزوج [ ص ] .‬

‫وهكذا ترى أن لكل زوجة من أزواجه [ ص ] قِة وسََا في زواجه منها . وهن فيمن عدا زينب َنت جحش‬
‫, وجويرية َنت الحارث , لم يكن شواب وال ممن يرغب فيهن الرجال لجمال . وكانت عائشة - رضمي اهلل‬
‫عنها - هي أحب نسائه إليه . وحتى هاتان اللتان عرف عنهما الجمال والشَاب كان هنماك عاممل نفسمي‬
‫وإنساني آخر - إلى جانب جاذَيتهن - ولست أحاول أن أنفي عنِر الجاذَية الذي لحظته عائشة في جويرية‬
‫مثال , وال عنِر الجمال الذي عرفت َه زينب . فال حاجة أَدا إلى نفي مثل هذه العناِر اإلنسانية من حياة‬
‫النَي [ ص ] وليست هذه العناِر موضع اتهام يدفعه األنِار عن نَيهم . إذا حال ألعدائه أن يتهموه ! فقمد‬
‫اختير ليكون إنسانا . ولكن إنسانا رفيعا . وهكذا كان . وهكذا كانت دوافعه فيحياته وفي أزواجه [ ص ] على‬
                                                                          ‫اختالف الدوافع واألسَاب .‬

‫ولقد عاش في َيته مع أزواجه َشرا رسوال كما خلقه اهلل , وكما أمره أن يقول:( قل:سَحان رَي ! هل كنت‬
                                                                              ‫إال َشرا رسوال ?). .‬

‫استمتع َأزواجه وأمتعهن , كما قالت عائشة - رضي اهلل عنها - عنه:" كان إذا خال َنسائه ألمين النماس .‬
‫وأكرم الناس ضحاكا َساما " . . ولكنه إنما كان يستمتع َهن ويمتعهن من ذات نفسه , ومن فيض قلَه , ومن‬
‫حسن أدَه , ومن كريم معاملته . فأما حياتهن المادية فكانت في غالَها كفافا حتى َعد أن فتحت لمه الفتموح‬
 ‫وتَحَح المسلمون َالغنائم والفيء . وقد سَق في سورة األحزاب قِة طلَهن الوسعة في النفقة , وما أعقب‬
‫هذا الطلب من أزمة , انتهت َتخييرهن َين اهلل ورسوله والدار اآلخرة , أو المتا والتسريح من عِممته [‬
                                                            ‫ص ] فاخترن اهلل ورسوله والدار اآلخرة .‬

‫ولكن الحياة في جو النَوة في َيت رسول اهلل [ ص ] لم تكن لتقضي على المشماعر الَشمرية , والهواتمف‬
‫الَشرية في نفوس أزواجه - رضي اهلل عنهن - فقد كان يَدر أو يشجر َينهن , ما الَد أن يشجر في قلموب‬
‫النساء في مثل هذه الحال . وقد سلف في رواية اَن إسحاق عن عائشة - رضي اهلل عنها - أنهما كرهمت‬
‫جويرية َمجرد رؤيتها لما توقعته من استمالح رسول اهلل [ ص ] لها إذا رآها . وِح ما توقعتمه فعمال !‬
‫وكذلك روت هي نفسها حادثا لها مع ِفية . قالت . " قلت للنَي [ ص ]:حسَك من ِفية كذا وكذا" . قمال‬
‫الراوي:تعني قِيرة ! فقال [ ص ]:" لقد قلت كلمة لو مزجت َماء الَحر لمزجته " . . كذلك روت عن نفسها‬
‫أن النَي [ ص ] حين نزلت آية التخيير التي في األحزاب , فاختارت هي اهلل ورسوله والدار اآلخرة , طلَت‬
‫إليه أال يخَر زوجاته عن اختيارها ! - وظاهر لماذا طلَت هذا ! - فقال [ ص ]:" إن اهلل تعالى لم يَعثنمي‬
                   ‫معنفا , ولكن َعثني معلما ميسرا . ال تسألني امرأة منهن عما اخترت إال أخَرتها . . " .‬

‫وهذه الوقائع التي روتها عائشة - رضي اهلل عنها - عن نفسها - َدافع من ِمدقها ولترَيتهما اإلسمالمية‬
‫الناِعة - ليست إال أمثلة لغيرها تِور هذا الجو اإلنساني الذي الَد منه في مثل هذه الحياة . كما تِمور‬
               ‫كيف كان الرسول [ ص ] يؤدي رسالته َالترَية والتعلية في َيته كما يؤديها في أمته سواء .‬

‫وهذا الحادث الذي نزل َشأنه ِدر هذه السورة هو واحد من تلك األمثلة التي كانت تقع في حياة الرسمول [‬
‫ص ] وفي حياة أزواجه . وقد وردت َشأنه روايات متعددة ومختلفة سنعرض لها عند استعراض النِموص‬
                                                                                    ‫القرآنية في السورة .‬

‫وَمناسَة هذا الحادث وما ورد فيه من توجيهات . وَخاِة دعوة الزوجتين المتآمرتين فيه إلى التوَة . أعقَه‬
‫في السورة دعوة إلى التوَة وإلى قيام أِحاب الَيوت على َيوتهم َالترَية , ووقاية أنفسهم وأهليهم من النار‬
‫.كما ورد مشهد للكافرين في هذه النار . واختتمت السورة َالحديث عن امرأة نوح وامرأة لوط كمثل للكفر في‬
‫َيت مؤمن . وعن امرأة فرعون كمثل لإليمان في َيت كافر , وكذلك عن مريم اَنة عمران التمي تطهمرت‬
                              ‫فتلقت النفخة من روح اهلل وِدقت َكلمات رَها وكتَه وكانت من القانتين . .‬

‫يا أيها النَي لم تحرم ما أحل اهلل لك , تَتغي مرضاة أزواجك , واهلل غفور رحيم . قد فرض اهلل لكمم تحلمة‬
                                                                 ‫أيمانكم واهلل موالكم وهو العليم الحكيم .‬

‫وإذا أسر النَي إلى َعض أزواجه حديثا فلما نَأت َه وأظهره اهلل عليه عرف َعضه وأعرض عن َعمض ,‬
                                              ‫فلما نَأها َه قالت:من أنَأك هذا ? قال:نَأني العليم الخَير .‬

‫(إن تتوَا إلى اهلل فقد ِغت قلوَكما , وإن تظاهرا عليه فإن اهلل هو مواله وجَريمل وِمالح الممؤمنين ,‬
‫والمالئكة َعد ذلك ظهير . عسى رَه إن طلقكن أن يَدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائَات‬
                                                                      ‫عاَدات سائحات ثيَات وأَكارا). .‬

‫وردت في سَب نزول هذه اآليات روايات متعددة منها ما رواه الَخاري عند هذه اآلية قال:حدثنا إَراهيم اَن‬
‫موسى , أخَرنا هشام َن يوسف , عن اَن جريج , عن عطاء , عن عَيد َن عمير , عن عائشة , قالت:كان‬
‫النَي - ِلى اهلل عليه وعلى آله وسلم - يشرب عسال عند زينب َنت جحش , ويمكث عندها . فتواطأت أنا‬
‫وحفِة على أيتنا دخل عليها فلتقل له:أكلت مغافير . إني أجد منك ريح مغافير . قال:" ال . ولكنمي كنمت‬
 ‫أشرب عسال عند زينب َنت جحش فلن أعود له . وقد حلفت . ال تخَري َذلك أحدا " . . فهذا هو ما حرمه‬
                                                  ‫على نفسه وهو حالل له: (لم تحرم ما أحل اهلل لك ?).‬

‫ويَدو أن التي حدثها رسول اهلل [ ص ] هذا الحديث وأمرها َستره قالت لزميلتها المتآمرة معها . فمأطلع اهلل‬
‫رسوله [ ص ] على األمر . فعاد عليها في هذا وذكر لها َعض ما دار َينها وَين زميلتهما دون استقِماء‬
‫لجميعه . تمشيا مع أدَه الكريم . فقد لمس الموضو لمسا مختِرا لتعرف أنه يعرف وكفى . فدهشت همي‬
 ‫وسألته: (من أنَأك هذا ?). . ولعله دار في خلدها أن األخرى هي التي نَأته ! ولكنه أجاَها: (نَأني العلميم‬
‫الخَير . .)فالخَر من المِدر الذي يعلمه كله . ومضمون هذا أن الرسول [ ص ] يعلمم كمل مما دار , ال‬
                                                                         ‫الطرف الذي حدثها َه وحده !‬

‫وقد كان من جراء هذا الحادث وما كشف عنه من تآمر ومكايدات في َيت الرسول [ ص ] أن غضب . فآلى‬
‫من نسائه ال يقرَهن شهرا , وهم َتطليقهن - على ما تسامع المسلمون - ثم نزلت هذه اآليات . وقمد همدأ‬
                      ‫غضَه [ ص ] فعاد إلى نسائه َعد تفِيل سنذكره َعد عرض رواية أخرى للحادث .‬

‫وهذه الرواية األخرى أخرجها النسائي من حديث أنس , أن رسول اهلل [ ص ] كان له أمة يطؤها , فلم تمزل‬
‫َه عائشة وحفِة حتى حرمها . فأنزل اهلل عز وجل: يا أيها النَي لم تحرم ما أحل اهلل لك ; تَتغي مرضات‬
                                                                                         ‫أزواجك . . .‬

‫وفي رواية الَن جرير والَن أسحاق أن النَي [ ص ] وطئ مارية أم ولده إَراهيم في َيت حفِة . فغضَت‬
‫وعدتها إهانة لها . فوعدها رسول اهلل [ ص ] َتحريم مارية وحلف َهذا. وكلفها كتمان األمر . فأخَرت َمه‬
                                                 ‫عائشة . . فهذا هو الحديث الذي جاء ذكره في السورة .‬

‫وكال الروايتين يمكن أن يكون هو الذي وقع . ورَما كانت هذه الثانية أقرب إلى جو النِوص وإلى ما أعقب‬
‫وشمدة حساسميته .‬      ‫الحادث من غضب كاد يؤدي إلى طالق زوجات الرسول [ ص ] نظرا لدقة الموضو‬
‫ولكن الرواية األولى أقوى إسنادا . وهي في الوقت ذاته ممكنة الوقو , ويمكن أن تحدث اآلثار التي ترتَت‬
‫عليها . إذا نظرنا إلى المستوى الذي يسود َيوت النَي , مما يمكن أن تعد فيه الحادثة َهذا الوِمف شميئا‬
                                                                      ‫كَيرا . . واهلل أعلم أي ذلك كان .‬

‫أما وقع هذا الحادث - حادث إيالء النَي [ ص ] من أزواجه , فيِوره الحديث الذي رواه اإلمام أحمد فمي‬
‫مسنده عن اَن عَاس - رضي اهلل عنهما - وهو يرسم كذلك جانَا من ِورة المجتمع اإلسالمي يومذاك . .‬
‫قال:حدثنا عَد الرزاق , أخَرنا معمر , عن الزهري , عن عَيد اهلل َن عَد اهلل َن أَي ثور , عن اَن عَاس‬
‫قال:"لم أزل حريِا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول اهلل [ ص ] اللتين قال اهلل تعالى: (إن‬
‫تتوَا إلى اهلل فقد ِغت قلوَكما)حتى حج عمر وحججت معه , فلما كان ََعض الطريق عدل عمر وعمدلت‬
‫معه َاإلداوة , فتَرز , ثم أتاني فسكَت على يديه فتوضأ , فقلت:يا أمير المؤمنين من المرأتمان ممن أزواج‬
‫النَي [ ص ] اللتان قال اهلل تعالى: (إن تتوَا إلى اهلل فقد ِغت قلوَكما)? فقال عمر:واعجَا لك يا اَن عَاس‬
‫! [ قال الزهري:كره واهلل ما سأله عنه ولم يكتمه ] قال:هي عائشة وحفِة . قال:ثم أخذ يسموق الحمديث ,‬
‫قال:كنا معشر قريش قوما نغلب النساء , فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلَهم نساؤهم , فطفق نساؤنا يمتعلمن‬
‫من نسائهم . قال:وكان منزلي في دار أمية َن زيد َالعوالي . قال:فغضَت يوما على امرأتمي , فمإذا همي‬
‫تراجعني , فأنكرت أن تراجعني . فقالت:ما تنكر أن أراجعك ? فواهلل إن أزواج رسول اهلل [ ص ] ليراجعنه‬
‫وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ! قال:فانطلقت فدخلت على حفِة فقلمت:أتمراجعين رسمول اهلل [ ص ] ?‬
‫قالت:نعم ! قلت:وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ? قالت:نعم ! قلت:قد خاب من فعل ذلمك ممنكن وخسمر !‬
 ‫أفتأمن إحداكن أن يغضب اهلل عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت ? ال تراجعي رسمول اهلل [ ص ] وال‬
‫تسأليه شيئا وسليني من مالي ما َدا لك , وال يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم - أي أجمل - وأحمب إلمى‬
‫رسول اهلل [ ص ] منك - يريد عائشة - قال:وكان لي جار من األنِار وكنا نتناوب النزول إلى رسول اهلل [‬
‫ص ] ينزل يوما وأنزل يوما , فيأتيني َخَر الوحي وغيره وآتيه َمثل ذلك . قال:وكنا نتحدث أن غسان تنحل‬
‫الخيل لتغزونا . فنزل ِاحَي يوما ثم أتى عشاء فضرب َاَي ثم نادى , فخرجت إليه , فقال:حدث أمر عظيم‬
‫. فقلت:وما ذاك ? أجاءت غسان ? قال:ال . َل أعظم من ذلك وأطول ! طلق رسمول اهلل [ ص ] نسماءه !‬
‫فقلت:قد خاَت حفِة وخسرت ! قد كنت أظن هذا كائنا . حتى إذا ِليت الَِح شددت على ثياَي ثم نزلت‬
‫فدخلت على حفِة وهي تَكي . فقلت:أطلقكن رسول اهلل - ِلى اهلل عليه وعلى آله وسملم ? - فقالمت:ال‬
‫أدري . هو هذا معتزل في هذه المشرَة . فأتيت غالما أسودا فقلت:استأذن لعمر . فدخل الغالم ثم خرج إلي‬
‫فقال:ذكرتك له فِمت ! فانطلقت حتى أتيت المنَر , فإذا عنده رهط جلوس يَكي َعضهم . فجلسمت عنمده‬
‫قليال , ثم غلَني ما أجد , فأتيت الغالم فقلت:استأذن لعمر . فدخل ثم خرج إلي فقال:ذكرتك لمه فِممت !‬
 ‫فخرجت فجلست إلى المنَر , ثم غلَني ما أجد , فأتيت الغالم فقلت:استأذن لعمر . فدخل ثمم خمرج إلمي‬
‫فقال:ذكرتك له فِمت ! فوليت مدَرا فإذا الغالم يدعوني . فقال:ادخل قد أذن لك . فدخلت فسملمت علمى‬
‫رسول اهلل [ ص ]فإذا هو متكئ على رمل حِير قد أثر في جنَه . فقلت:أطلقت يا رسول اهلل نساءك ? فرفع‬
‫رأسه إلي وقال:" ال " . فقلت:اهلل أكَر ! ولو رأيتنا يا رسول اهلل وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء , فلمما‬
‫قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلَهم نساؤهم , فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم , فغضَت على امرأتي يوما , فإذا‬
‫هي تراجعني , فأنكرت أن تراجعني , فقالت:ما تنكر أن أراجعك ? فواهلل إن أزواج النَي [ ص ] ليراجعنمه‬
‫وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل . فقلت:قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ! أفتأمن إحداكن أن يغضمب اهلل‬
‫عليها لغضب رسوله ; فإذا هي قد هلكت ? فتَسم رسول اهلل [ ص ] فقلت:يا رسول اهلل قد دخلت على حفِة‬
‫فقلت:ال يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول اهلل [ ص ] منك ! فتَسم أخرى . فقلت:أستأنس‬
‫يا رسول اهلل ! قال:" نعم " فجلست , فرفعت رأسي في الَيت فواهلل ما رأيت في الَيت شيئا يمرد الَِمر إال‬
‫هيَة مقامه فقلت:اد اهلل يا رسول اهلل أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم ال يعَدون اهلل .‬
‫فاستوى جالسا وقال:" أفي شك أنت يا َن الخطاب ? أولئك قوم عجلت لهم طيَاتهم فمي الحيماة المدنيا " .‬
‫فقلت:استغفر لي يا رسول اهلل . . وكان أقسم أال يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتَمه اهلل‬
      ‫عز وجل [ . . " وقد رواه الَخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري َهذا النص ] . .‬

            ‫الدرس األول:1 - 5 معالجة مشكلة في َيت النَي وعتاَه على يمينه وعتاب زوجاته على فعلهن‬

                                        ‫هذه رواية الحادث في السير . فلننظر في السياق القرآني الجميل:‬

                                                 ‫تَدأ السورة َهذا العتاب من اهلل سَحانه لرسوله [ ص ]:‬

‫يا أيها النَي لم تحرم ما أحل اهلل لك , تَتغي مرضاة أزواجك , واهلل غفور رحيم ? قد فرض اهلل لكمم تحلمة‬
                                                           ‫أيمانكم , واهلل موالكم , وهو العليم الحكيم . .‬

‫وهو عتاب مؤثر موح . فما يجوز أن يحرم المؤمن على نفسه ما أحله اهلل له من متا . والرسول [ ص ] لم‬
‫يكن حرم العسل أو مارية َمعنى التحريم الشرعي ; إنما كان قد قرر حرمان نفسه . فجاء هذا العتاب يوحي‬
‫َأن ما جعله اهلل حالال فال يجوز حرمان النفس منه عمدا وقِدا إرضاء ألحد . . والتعقيمب: (واهلل غفمور‬
‫رحيم). . يوحي َأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة , وأن تتداركه مغفرة اهلل ورحمته . وهمو‬
                                                                                           ‫إيحاء لطيف .‬

‫فأما اليمين التي يوحي النص َأن الرسول [ ص ] قد حلفها , فقد فرض اهلل تحلتها . أي كفارتها التمي يحمل‬
‫منها . ما دامت في غير معروف والعدول عنها أولى . (واهلل موالكم . .)فهو يعينكم على ضعفكم وعلى مما‬
‫يشق عليكم . ومن ثم فرض تحلة األيمان , للخروج من العنت والمشقة . . (وهو العليم الحكيم). يشر لكمم‬
‫عن علم وعن حكمة , ويأمركم َما يناسب طاقتكم وما يِلح لكم . فال تحرموا إال ما حرم , وال تحلوا غيمر‬
                                                        ‫ما أحل . وهو تعقيب يناسب ما قَله من توجيه .‬

‫ثم يشير إلى الحديث وال يذكر موضوعه وال تفِيله , ألن موضوعه ليس هو المهم , وليس همو العنِمر‬
                                                       ‫الَاقي فيه . إنما العنِر الَاقي هو داللته وآثاره:‬

                                                            ‫(وإذ أسر النَي إلى َعض أزواجه حديثا). .‬

‫ومن النص نطلع على نموذج من تلك الفترة العجيَة في تاريخ الَشرية . الفترة التي يعيش فيها النماس ممع‬
‫السماء . والسماء تتدخل في أمرهم عالنية وتفِيال . ونعلم أن اهلل قد أطلع نَيه على ما دار َين زوجيه َشأن‬
                                                                                             ‫ذلك الحديث‬
  ‫ُ َ ْر َ ع ض ََم‬              ‫ِ َ و ِ حد ً ََم ََ ه ََ ْ َر ُ الل ُ َ ِ ع َّ َ‬                     ‫َإ َس َّ الن ُّ ِ‬
 ‫وِذْ أ َر ََِّي إلَى َعْض أزْ َاجِه َ ِيثا فل َّا ن َّأَتْ َِ ِ وأظه َه َّه علَيْه َرف َعْضَه وأَع َض َن َعْ ٍ فل َّا‬
‫إ ت َ ِل الل ِ ْ َ ْ ُل ُ ُ َإ َ َر َ ِ‬                         ‫ُ‬         ‫ْ م ْ َ هذ َ َ ي ْ َل م‬                          ‫ِ‬        ‫ََ‬
‫ن َّأَهَا َِه قَالَت َن أَن َأكَ َ َا قَال نَ َّأَنِ َ العِي ُ الْخََِير (3) ِن تَ ُو َا إَى َّه فَقَد ِغَت قُوَكمَا وِن تظَاه َا علَيْه‬
‫َس ََ ُ إ َل َ ُمن ي ِ ُ‬                     ‫إ َّ الل ه َ م ْ ُ وج ْ ُ وِ لح ْم ْمن ن و ْ َ ِ ُ َ َِ َ َ‬
‫فَِن َّهَ ُو َولَاه َ َِرِيل َ َاِ ُ ال ُؤ ِ ِي َ َالملَائكَة َعْد ذلك ظهِير (4) ع َى ر ُّمه ِن طَّقك َّ أَن َُْدلَمه‬
                                 ‫ً م ك َّ ُ ِْ ت م ْم ت ن ٍ ئ ٍ َد ٍ ئ ٍ َي ٍ َ ْ ا‬                                           ‫َ و ً‬
                             ‫أزْ َاجا خَيْرا ِّن ُن مسلمَا ٍ ُّؤ ِنَا ٍ قَا ِتَات تَا ََِات عَا ِ َات سَا ِحَات ث ََِّات وأََكَارً )5(‬
‫الذي أسره إلى َعض أزواجه . وأنه [ ص ] حين راجعها فيه اكتفى َاإلشارة إلى جانب منه . ترفعما عمن‬
             ‫السرد الطويل , وتجمال عن اإلطالة في التفِيل ; وأنه أنَأها َمِدر علمه وهو المِدر األِيل:‬

‫(فلما نَأت َه وأظهره اهلل عليه عرف َعضه وأعرض عن َعض . فلما نَأها َه قالت:ممن أنَمأك همذا ?‬
                                                                                                       ‫قال:نَأني العليم الخَير). .‬

‫واإلشارة إلى العلم والخَرة هنا إشارة مؤثرة في حالة التآمر والمكايدات المحَوكة وراء األستار ! ترد السائلة‬
‫إلى هذه الحقيقة التي رَما نسيتها أو غفلت عنها , وترد القلوب َِفة عامة إلى هذه الحقيقة كلما قرأت همذا‬
                                                                                                                             ‫القرآن .‬

                     ‫ويتغير السياق من الحكاية عن حادث وقع إلى مواجهة وخطاب للمرأتين كأن األمر حاضر :‬

‫(إن تتوَا إلى اهلل فقد ِغت قلوَكما . وإن تظاهرا عليه فإن اهلل هو ممواله وجَريمل وِمالح الممؤمنين‬
                                                                                                    ‫والمالئكة َعد ذلك ظهير). .‬

‫وحين نتجاوز ِدر الخطاب , ودعوتهما إلى التوَة لتعود قلوَهما فتميل إلى اهلل , فقد َعدت عنه َما كان منها‬
                           ‫. . حين نتجاوز هذه الدعوة إلى التوَة نجد حملة ضخمة هائلة وتهديدا رعيَا مخيفا . .‬

‫ومن هذه الحملة الضخمة الهائلة ندرك عمق الحادث وأثره في قلب رسول اهلل [ ص ] حتى احتاج األمر إلى‬
‫إعالن مواالة اهلل وجَريل وِالح المؤمنين . والمالئكة َعد ذلك ظهير ! ليطيمب خماطر الرسمول [ ص ]‬
                                                                        ‫ويحس َالطمأنينة والراحة من ذلك األمر الخطير !‬

‫وال َد أن الموقف في حس رسول اهلل [ ص ] وفي محيطه كان من الضخامة والعمق والتأثير إلى الحد الذي‬
‫يتناسب مع هذه الحملة . ولعلنا ندرك حقيقته من هذا النص ومما جاء في الرواية علمى لسمان األنِماري‬
‫ِاحب عمر - رضي اهلل عنهما - وهو يسأله:جاءت غسان ? فيقول ال َل أعظم من ذلك وأطول . وغسان‬
‫هي الدولة العرَية الموالية للروم في الشام على حافة الجزيرة , وهجومها إذ ذاك أمر خطير . ولكن األممر‬
 ‫اآلخر في نفوس المسلمين كان أعظم وأطول ! فقد كانوا يرون أن استقرار هذا القلب الكَير , وسمالم همذا‬
‫الَيت الكريم أكَر من كل شأن . وأن اضطراَه وقلقه أخطر على الجماعة المسلمة من هجوم غسان عممالء‬
‫الروم ! وهو تقدير يوحي َشتى الدالالت على نظرة أولئك الناس ل مور . وهو تقدير يلتقي َتقدير السمماء‬
                                                                                           ‫ل مر , فهو إذن ِحيح قويم عميق .‬

‫وكذلك دالله اآلية التالية , وتفِيل ِفات النساء اللواتي يمكن أن يَدل اهلل النَي َهن من أزواجه ولو طلقهن‬
                                                                             ‫. مع توجيه الخطاب للجميع في معرض التهديد:‬

‫(عسى رَه إن طلقكن أن يَدله أزواجا خيرا منكن مسلمات , مؤمنات , قانتات , تائَات , عاَدات , سائحات ,‬
                                                                                                                     ‫ثيَات وأَكارا). .‬

                                                           ‫وهي الِفات التي يدعوهن إليها عن طريق اإليحاء والتلميح .‬

‫اإلسالم الذي تدل عليه الطاعة والقيام َأوامر الدين . واإليمان الذي يعمر القلب , وعنه ينَثق اإلسالم حمين‬
‫يِح ويتكامل . والقنوت وهو الطاعة القلَية . والتوَة وهي الندم على ما وقع من معِمية واالتجماه إلمى‬
‫الطاعة . والعَادة وهي أداة االتِال َاهلل والتعَير عن العَودية له . والسياحة وهي التأمل والتدَر والتفكر في‬
‫إَدا اهلل والسياحة َالقلب في ملكوته . وهن - مع هذه الِفات - من الثيَات ومن األَكار . كما أن نسماءه‬
                                                                                     ‫الحاضرات كان فيهن الثيب وفيهن الَكر .‬




    ‫َ ِ ن الله‬          ‫ُّ الذ َ من ق ُ َك ْ َ ْل ك ْ ً وق د الن س و حج ر ُ َ ْه َ ِ ٌ ِ ٌ شد‬
‫يَا أَيهَا َّ ِين آ َ ُوا ُوا أَنفس ُم وأَهِي ُم نَارا َ ُو ُهَا َّا ُ َالْ ِ َا َة علَي َا ملَائكَة غلَاظ ِ َاد لَا يعْ ُو َ َّ َ مَا‬
  ‫ي ُّه‬        ‫َ ِر ي َ إ َّ ت ْز َ م ك ت ْ َ ْ َل ن‬                    ‫ي ُّ الذ ن َر‬               ‫َ َ ه ْ و ْ َل َ ي ْ َر َ‬
‫أمرَ ُم َيَفعُون مَا ُؤم ُون (6) َا أَيهَا َّ ِي َ كَف ُوا لَا تعْتَذ ُوا الْ َوْم ِنمَا ُج َوْن َا ُن ُم تعمُو َ )7( َا أَي َما‬
  ‫ِه‬        ‫الذ َ من ت َ ِل الل ِ ً نِ ا َ ر ُّك ْ ُ ِّ َ ع ك ْ َي ِك ْ وي َِك ْ َن ت ْر م‬
‫َّ ِين آ َ ُوا ُو ُوا إَى َّه تَوْ َة َّ ُوحً عسَى ََ ُم أَن يكَفر َن ُم س ِّئَات ُم َ ُدْخل ُم ج َّا ٍ تَج ِي ِمن تَحْت َما‬
   ‫َ د ه و ْ ِه ق ل َ ر َّن ْم ْ ن َ‬                                  ‫ْه ُ ي َ ي ْز الل ُ الن ِي َالذ ن من َ ُ ن ره ْ َ ْ‬
‫الْأَن َار َوْم لَا ُخ ِي َّه ََّ َّ و َّ ِي َ آ َ ُوا معَه ُو ُ ُم يسعَى َيْن أَيْ ِي ِمْ ََِأَيمَان ِمْ يَ ُوُون ََ َا أَت ِم لَنَا ُورنَا‬
 ‫َاغْفر لَنَا ِن َ علَى ُل شَيء قَدِير (8) َا أَيهَا ََِّي َا ِ ِ الك َّا َ َال ُنَافِ ِين َاغلظ علَي ِم ومَأْوَا ُم جه َّ ُ َ ِئْ َ‬
 ‫ي ُّ الن ُّ ج هد ْ ُف ر و ْم ق َ و ُْ ْ َ ْه ْ َ ه ْ َ َنم وَ س‬                                      ‫و ِ ْ إ َّك َ ك ِّ ْ ٍ‬
                                                                                                                                ‫ْم ُ‬
                                                                                                                            ‫ال َِِير (9)‬
‫وهو تهديد لهن ال َد كان له ما يقتضيه من تأثير مكايداتهن في قلب رسول اهلل [ ص ] وما كان ليغضب من‬
                                                                                                                                    ‫قليل !‬

‫وقد رضيت نفس النَي [ ص ] َعد نزول هذه اآليات , وخطاب رَه له وألهل َيته . واطممأن همذا الَيمت‬
‫الكريم َعد هذه الزلزلة , وعاد إليه هدوؤه َتوجيه اهلل سَحانه . وهو تكريم لهذا الَيت ورعاية تناسمب دوره‬
                                                                               ‫في إنشاء منهج اهلل في األرض وتثَيت أركانه .‬
‫وَعد فهذه ِورة من الحياة الَيتية لهذا الرجل الذي كان ينهض َإنشاء أمة , وإقامة دولة , على غير مثمال‬
‫معروف , وعلى غير نسق مسَوق . أمة تنهض َحمل أمانة العقيدة اإللهية في ِورتها األخيرة , وتنشئ في‬
                                               ‫األرض مجتمعا رَانيا , في ِورة واقعية يتأسى َها الناس .‬

‫وهي ِورة من حياة إنسان كريم رفيع جليل عظيم . يزاول إنسانيته في الوقت الذي يزاول فيه نَوته . فمال‬
‫تفترق هذه عن تلك ; ألن القدر جرى َأن يكون َشرا رسوال , حينما جرى َأن يحمله الرسالة األخيرة للَشر‬
                                                                                   ‫أو منهج الحياة األخير .‬

‫إنها الرسالة الكاملة يحملها الرسول الكامل . ومن كمالها أن يظل اإلنسان َها إنسانا . فال تكَت طاقمة ممن‬
‫طاقاته الَانية , وال تعطل استعدادا من استعداداته النافعة ; وفي الوقت ذاته تهذَه وترَيه , وترتفع َه إلى غاية‬
                                                                                                  ‫مراقيه .‬

‫وكذلك فعل اإلسالم َمن فقهوه وتكيفوا َه , حتى استحالوا نسخا حية منه . وكانت سيرة نَيهم وحياته الواقعية‬
‫, َكل ما فيها من تجارب اإلنسان , ومحاوالت اإلنسان , وضعف اإلنسان , وقوة اإلنسان , مختلطة َحقيقمة‬
‫الدعوة السماوية , مرتقية َها خطوة خطوة - كما يَدو في سيرة أهله وأقرب الناس إليه - كانت هي النموذج‬
‫العملي للمحاولة الناجحة , يراها ويتأثر َها من يريد القدوة الميسرة العملية الواقعية , التي ال تعيش في هاالت‬
                                                                                          ‫وال في خياالت !‬

‫وتحققت حكمة القدر في تنزيل الرسالة األخيرة للَشر َِورتها الكاملة الشاملة المتكاملمة . وفمي اختيمار‬
‫الرسول الذي يطيق تلقيها وترجمتها في ِورة حية . وفي جعل حياة هذا الرسول كتاَا مفتوحا يقرؤه الجميع‬
                                                                      ‫. وتراجعه األجيال َعد األجيال . . .‬

                                     ‫الدرس الثاني:6 - 9 توجيه المؤمنين إلى ترَية أَنائهم والتوَة النِوح‬

‫وفي ظالل هذا الحادث الذي كان وقعه عميقا في نفوس المسلمين , يهيب القرآن َالذين آمنوا ليؤدوا واجمَهم‬
‫في َيوتهم من الترَية والتوجيه والتذكير , فيقوا أنفسهم وأهليهم من النار . ويرسم لهم مشهدا من مشاهدها .‬
‫وحال الكفار عندها . وفي ظالل الدعوة إلى التوَة التي وردت في سياق الحادث يدعو الذين آمنوا إلى التوَة‬
‫, ويِور لهم الجنة التي تنتظر التائَين . ثم يدعو النَي [ ص ] إلى جهاد الكفار والمنافقين . . وهمذا همو‬
                                                                                 ‫المقطع الثاني في السورة:‬

‫(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا , وقودها الناس والحجارة عليها مالئكة غالظ شداد ال يعِون اهلل‬
‫ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون . يا أيها الذين كفروا ال تعتذروا اليوم , إنما تجزون ما كنتم تعملون . يا أيها‬
 ‫الذين آمنوا توَوا إلى اهلل توَة نِوحا عسى رَكم أن يكفر عنكم سيئاتكم , ويدخلكم جنات تجري من تحتها‬
‫األنهار , يوم ال يخزي اهلل النَي والذين آمنوا معه , نورهم يسعى َين أيديهم وَأيمانهم , يقولون:رَنا أتمم لنا‬
‫نورنا , واغفر لنا إنك على كل شيء قدير . يا أيها النَي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ علميهم , وممأواهم‬
                                                                                ‫جهنم وَئس المِير). .‬

‫إن تَعة المؤمن في نفسه وفي أهله تَعة ثقيلة رهيَة . فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهلمه , وعليمه أن‬
‫يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك . إنها نار . فظيعمة متسمعرة: (وقودهما النماس‬
‫والحجارة). . الناس فيها كالحجارة سواء . في مهانة الحجارة وفي رخص الحجارة , وفي قذف الحجمارة .‬
‫دون اعتَار وال عناية . وما أفظعها نارا هذه التي توقد َالحجارة ! وما أشده عذاَا هذا الذي يجمع إلى شمدة‬
‫اللذ المهانة والحقارة ! وكل ما َها وما يالَسها فظيع رهيب:( عليها مالئكة غالظ شداد). تتناسب طَيعتهم‬
‫مع طَيعة العذاب الذي هم َه موكلون . .( ال يعِون اهلل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). . فمن خِائِهم‬
‫طاعة اهلل فيما يأمرهم , ومن خِائِهم كذلك القدرة على النهوض َما يأمرهم . . وهم َغلظتهم هذه وشدتهم‬
‫موكلون َهذه النار الشديدة الغليظة . وعلى المؤمن أن يقي نفسه وأن يقي أهله من هذه النار . وعليه أن يحول‬
‫َينها وَينهم قَل أن تضيع الفرِة وال ينفع االعتذار . فها هم أوالء الذين كفروا يعتذرون وهم عليها وقوف ,‬
                                                              ‫فال يؤَه العتذارهم , َل يجَهون َالتيئيس :‬

                                   ‫(يا أيها الذين كفروا ال تعتذروا اليوم . إنما تجزون ما كنتم تعملون). .‬

‫ال تعتذروا فليس اليوم يوم اعتذار , إنما هو يوم الجزاء على ما كان من عمل . وقد عملتم ما تجزون عليمه‬
                                                                                            ‫َهذه النار !‬

             ‫فكيف يقي المؤمنون أنفسهم وأهليهم من هذه النار ? إنه يَين لهم الطريق , ويطمعهم َالرجاء :‬

‫(يا أيها الذين آمنوا توَوا إلى اهلل توَة نِوحا , عسى رَكم أن يكفر عنكم سيئاتكم , ويدخلكم جنات تجمري‬
‫من تحتها األنهار . يوم ال يخزي اهلل النَي والذين آمنوا معه , نمورهم يسمعى َمين أيمديهم وَأيممانهم ,‬
                                       ‫يقولون:رَنا أتمم لنا نورنا , واغفر لنا إنك على كل شيء قدير). .‬

                 ‫هذا هو الطريق . . توَة نِوح . . توَة تنِح القلب وتخلِه , ثم ال تغشه وال تخدعه .‬

‫توَة عن الذنب والمعِية , تَدأ َالندم على ما كان , وتنتهي َالعمل الِالح والطاعة , فهي عندئمذ تنِمح‬
‫القلب فتخلِه من رواسب المعاِي وعكارها ; وتحضه على العمل الِالح َعدها . فهذه هي التوَة النِوح‬
                                      ‫. التوَة التي تظل تذكر القلب َعدها وتنِحه فال يعود إلى الذنوب .‬

‫فإذا كانت هذه التوَة فهي مرجوة إذن في أن يكفر اهلل َها السيئات . وأن يدخلهم الجنات . في اليموم المذي‬
         ‫يخزي فيه الكفار كما هم في المشهد الذي سَق في السياق . وال يخزي اهلل النَي والذين آمنوا معه .‬
‫وإنه إلغراء مطمع , وتكريم عظيم , أن يضم اهلل المؤمنين إلى النَي [ ص ] فيجعلهم معه ِفا يتلقى الكرامة‬
‫في يوم الخزي . ثم يجعل لهم نورا (يسعى َين أيديهم وَأيمانهم .)نورا يعرفون َه في ذلك اليوم الهائل المائج‬
‫العِيب الرهيب . ونورا يهتدون َه في الزحام المريج . ونورا يسعى َين أيديهم وَأيمانهم إلى الجنمة فمي‬
                                                                                          ‫نهاية المطاف !‬

‫وهم في رهَة الموقف وشدته يلهمون الدعاء الِالح َين يدي اهلل: (يقولون:رَنا أتمم لنا نورنا , واغفر لنما ,‬
‫إنك على كل شيء قدير). . وإلهامهم هذا الدعاء في هذا الموقف الذي يلجم األلسنة ويسمقط القلموب , همو‬
‫عالمة االستجاَة . فما يلهم اهلل المؤمنين هذا الدعاء إال وقد جرى قدره َأنه سيستجيب . فالدعاء هنما نعممة‬
                                                  ‫يمن َها اهلل عليهم تضاف إلى منة اهلل َالتكريم وَالنور .‬

                                                        ‫فأين هذا من النار التي وقودها الناس والحجارة ?‬

‫إن هذا الثواب , كذلك العقاب , كالهما يِور تَعة المؤمن في وقاية نفسه وأهله من النار , وإنالتهمهذا النعيم‬
                                                                     ‫في جنات تجري من تحتها األنهار .‬

‫وفي ظالل ذلك الحادث الذي كان في َيوت النَي [ ص ] ندرك اإليحاء المقِود هنا من وراء هذه النِوص‬
                                                                                                        ‫.‬

                    ‫إن المؤمن مكلف هداية أهله , وإِالح َيته , كما هو مكلف هداية نفسه وإِالح قلَه .‬

‫إن اإلسالم دين أسرة - كما أسلفنا في سورة الطالق - ومن ثم يقرر تَعة المؤمن في أسرته , وواجَه فمي‬
‫َيته . والَيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة , وهو الخلية التي يتألف منها ومن الخاليا األخرى ذلك الجسم‬
                                                                         ‫الحي . . المجتمع اإلسالمي . .‬

‫إن الَيت الواحد قلعة من قال هذه العقيدة . وال َد أن تكون القلعة متماسكة من داخلها حِينة في ذاتها , كل‬
‫فرد فيها يقف على ثغرة ال ينفذ إليها . وإال تكن كذلك سهل اقتحام المعسكر من داخل قالعه , فمال يِمعب‬
                                                                ‫على طارق , وال يستعِي على مهاجم !‬

‫وواجب المؤمن أن يتجه َالدعوة أول ما يتجه إلى َيته وأهله . واجَه أن يؤمن هذه القلعة من داخلها . واجَه‬
                                                   ‫أن يسد الثغرات فيها قَل أن يذهب عنها َدعوته َعيدا .‬

‫والَد من األم المسلمة . فاألب المسلم وحده ال يكفي لتأمين القلعة . الَد من أب وأم ليقوما كذلك على األَناء‬
‫والَنات . فعَثا يحاول الرجل أن ينشئ المجتمع اإلسالمي َمجموعة من الرجال . الَد من النساء فمي همذا‬
                                        ‫المجتمع فهن الحارسات على النشء , وهو َذور المستقَل وثماره .‬
‫ومن ثم كان القرآن يتنزل للرجال وللنساء ; وكان ينظم الَيوت , ويقيمها على المنهج اإلسالمي , وكان يحمل‬
               ‫المؤمنين تَعة أهليهم كما يحملهم تَعة أنفسهم: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا). .‬

‫هذا أمر ينَغي أن يدركه الدعاة إلى اإلسالم وأن يدركوه جيدا . إن أول الجهد ينَغي أن يوجه إلى الَيت . إلى‬
‫الزوجة . إلى األم . ثم إلى األوالد ; وإلى األهل َعامة . ويجب االهتمام الَالغ َتكوين المسلمة لتنشئ الَيمت‬
‫المسلم . وينَغي لمن يريد َناء َيت مسلم أن يَحث له أوال عن الزوجة المسلمة . وإال فسيتأخر طويال َنماء‬
                                                ‫الجماعة اإلسالمية . وسيظل الَنيان متخاذال كثير الثغرات !‬

‫وفي الجماعة المسلمة األولى كان األمر أيسر مما هو في أيامنا هذه . . كان قد أنشئ مجتمع مسملم - فمي‬
‫المدينة - يهيمن عليه اإلسالم . يهيمن عليه َتِوره النظيف للحياة الَشرية , ويهيمن عليه َتشريعه المنَثمق‬
‫من هذا التِور . وكان المرجع فيه , مرجع الرجال والنساء جميعا , إلى اهلل ورسوله . وإلى حكم اهلل وحكم‬
 ‫رسوله . فإذا نزل الحكم فهو القضاء األخير . . وَحكم وجود هذا المجتمع وسيطرة تِوره وتقاليده علمى‬
‫الحياة كان األمر سهال َالنسَة للمرأة لكي تِوغ نفسها كما يريد اإلسالم . وكان األمر سهال َالنسَة ل زواج‬
                                                 ‫كي ينِحوا نساءهم ويرَوا أَناءهم على منهج اإلسالم . .‬

‫نحن اآلن في موقف متغير . نحن نعيش في جاهلية . جاهلية مجتمع . وجاهلية تشريع . وجاهلية أخمالق .‬
                                    ‫وجاهلية تقاليد . وجاهلية نظم . وجاهلية آداب . وجاهلية ثقافة كذلك !!‬

‫والمرأة تتعامل مع هذا المجتمع الجاهلي , وتشعر َثقل وطأته الساحقة حين تهم أن تلَمي اإلسمالم , سمواء‬
                                    ‫اهتدت إليه َنفسها , أو هداها إليه رجلها . زوجها أو أخوها أو أَوها . .‬

‫هناك كان الرجل والمرأة والمجتمع . كلهم . يتحاكمون إلى تِور واحد , وحكم واحد , وطاَع واحد .فأمما‬
‫هنا فالرجل يتحاكم إلى تِور مجرد ال وجود له في دنيا الواقع . والمرأة تنوء تحت ثقل المجتمع الذي يعادي‬
‫ذلك التِور عداء الجاهلية الجامح ! وما من شك أن ضغط المجتمع وتقاليده على حمس الممرأة أضمعاف‬
                                                                                 ‫ضغطه على حس الرجل !‬

‫وهنا يتضاعف واجب الرجل المؤمن . إن عليه أن يقي نفسه النار ! ثم عليه أن يقي أهله وهم تحمت همذا‬
                                                                          ‫الضغط الساحق والجذب العنيف !‬

‫فينَغي له أن يدرك ثقل هذا الواجب ليَذل له من الجهد المَاشر أضعاف ما كان يَذله أخموه فمي الجماعمة‬
‫المسلمة األولى . ويتعين حينئذ على من يريد أن ينشئ َيتا أن يَحث أوال عن حارسة للقلعة , تستمد تِورها‬
‫من مِدر تِوره هو . . من اإلسالم . . وسيضحي في هذا َأشياء:سيضحي َااللتما الكاذب في المرأة .‬
‫سيضحي َخضراء الدمن ! سيضحي َالمظهر الَراق للجيف الطافية على وجه المجتمع . ليَحمث عمن ذات‬
‫الدين , التي تعينه على َناء َيت مسلم , وعلى إنشاء قلعة مسلمة ! ويتعين على اآلَاء المؤمنين الذين يريدون‬
‫الَعث اإلسالمي أن يعلموا أن الخاليا الحية لهذا الَعث وديعة في أيديهم وأن عليهم أن يتوجهوا إليهن وإلميهم‬
‫َالدعوة والترَية واإلعداد قَل أي أحد آخر . وأن يستجيَوا هلل وهو يدعوهم: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسمكم‬
                                                                                                                  ‫وأهليكم نارا);‬

‫ونرجع الكرة - َهذه المناسَة - إلى طَيعة اإلسالم التي تقتضي قيام الجماعة المسلمة التمي يهميمن عليهما‬
‫اإلسالم , والتي يتحقق فيها وجوده الواقعي . فهو مَني على أساس أن تكون هناك جماعة . اإلسالم عقيدتها ,‬
               ‫واإلسالم نظامها , واإلسالم شريعتها , واإلسالم منهجها الكامل الذي تستقي منه كل تِوراتها .‬

‫هذه الجماعة هي المحضن الذي يحمي التِور اإلسالمي ويحمله إلى النفوس , ويحميها من ضغط المجتممع‬
                                                                            ‫الجاهلي , كما يحميها من فتنة اإليذاء سواء .‬

‫ومن ثم تتَين أهمية الجماعة المسلمة التي تعيش فيها الفتاة المسلمة والمرأة المسلمة , محتمية َها من ضمغط‬
‫المجتمع الجاهلي حولها . فال تتمزق مشاعرها َين مقتضيات تِورها اإلسالمي وَين تقاليد المجتمع الجاهلي‬
‫الضاغط الساحق . ويجد فيها الفتى المسلم شريكة في العش المسلم , أو في القلعة المسلمة , التي يتألف منها‬
                                                                                        ‫ومن نظيراتها المعسكر اإلسالمي .‬

‫إنها ضرورة - وليست نافلة - أن تقوم جماعة مسلمة , تتواِى َاإلسالم , وتحتضن فكرته وأخالقه وآداَه‬
‫وتِوراته كلها , فتعيش َها فيما َينها , وتعيش لها تحرسها وتحميها وتدعو إليها , في ِورة واقعية يراها‬
‫من يدعون إليها من المجتمع الجاهلي الضال ليخرجوا من الظلمات إلى النور َإذن اهلل . إلمى أن يمأذن اهلل‬
                      ‫َهيمنة اإلسالم . حتى تنشأ األجيال في ظله , في حماية من الجاهلية الضارَة األطناب . .‬

‫وفي سَيل حماية الجماعة المسلمة األولى كان األمر لرسول اهلل [ ص ] َمجاهدة أعدائها(:يا أيها النَي جاهد‬
                                                 ‫الكفار والمنافقين , واغلظ عليهم , ومأواهم جهنم وَئس المِير . .)‬

‫وهي لفتة لها معناها وقيمتها َعدما تقدم من أمر المؤمنين َوقاية أنفسهم وأهليهم من النار . وَالتوَة النِوح‬
                                                  ‫التي تكفر عنهم السيئات وتدخلهم الجنة تجري من تحتها األنهار . .‬

‫لها معناها وقيمتها في ضرورة حماية المحضن الذي تتم فيه الوقاية من النار . فال تترك هذه العناِر المفسدة‬




   ‫ُم َ ُ ن‬                   ‫َ ع د ِ م ْ ع د ِ لح ِ‬                        ‫َرب الل ُ م َ ً ِّلذ ن َر ِ ْ َ َ ن ٍ َِ ْ َ َ ل ط‬
‫ض َ َ َّه َثال لَّ ِي َ كَف ُوا امرأَة ُوح وامرأَة ُو ٍ كَانَتَا تَحْت ََْ َيْن ِن ََِا ِنَا َاِ َيْن فَخَانَتَاه َا فلَمْ يغْ ِيَا‬
                                                                      ‫ع ْ ُم م َ الل ِ ً و َ ُ الن َ ع الد ِل ن‬
                                                                ‫َنه َا ِن َّه شَيْئا َقِيل ادْخلَا َّار مَ َ َّاخِي َ( 11 )‬
‫الجائرة الظالمة , تهاجم المعسكر اإلسالمي من خارجه كما كان الكفار يِنعون . أو تهاجمه من داخله كمما‬
                                                                                  ‫كان المنافقون يفعلون .‬

‫وتجمع اآلية َين الكفار والمنافقين في األمر َجهادهم والغلظة عليهم . ألن كال من الفريقين يؤدي دورا مماثال‬
‫في تهديد المعسكر اإلسالمي , وتحطيمه أو تفتيته . فجهادهم هو الجهاد الواقي من النار . وجمزاؤهم همو‬
                                                         ‫الغلظة عليهم من رسول اهلل والمؤمنين في الدنيا .‬

                                                               ‫(ومأواهم جهنم وَئس المِير)في اآلخرة !‬

   ‫وهكذا تتناسق هذه الجولة فيما َين آياتها واتجاهاتها ; كما تتناسق َجملتها مع الجولة األولى في السياق . .‬

                                      ‫الدرس الثالث:11 - 21 نموذجان امرأتان كافرتان وامرأتان مؤمنتان‬

‫ثم تجيء الجولة الثالثة واألخيرة . وكأنها التكملة المَاشرة للجولة األولى . إذ تتحدث عن نساء كافرات فمي‬
                                                             ‫َيوت أنَياء . ونساء مؤمنات في وسط كفار:‬

‫(ضرب اهلل مثال للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط , كانتا تحت عَدين من عَادنا ِالحين , فخانتاهما فلمم‬
‫يغنيا عنهما من اهلل شيئا , وقيل ادخال النار مع الداخلين . . وضرب اهلل مثال للذين آمنوا امرأة فرعمون , إذ‬
‫قالت رب اَن لي عندك َيتا في الجنة , ونجني من فرعون وعمله , ونجني من القوم الظالمين . ومريم اَنمة‬
   ‫عمران التي أحِنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا , وِدقت َكلمات رَها وكتَه . وكانت من القانتين). .‬

‫والمأثور في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط , أنها كانت خيانة في الدعوة , وليست خيانة الفاحشة . امرأة‬
‫نوح كانت تسخر منه مع الساخرين من قومه ; وامرأة لوط كانت تدل القوم على ضيوفه وهي تعلم شأنهم مع‬
                                                                                                ‫ضيوفه !‬

‫والمأثور كذلك عن امرأة فرعون أنها كانت مؤمنة في قِره - ولعلها كانت أسيوية من َقايا المؤمنين َمدين‬
‫سماوي قَل موسى . وقد ورد في التاريخ أن أم "أمنحوتب الراَع" الذي وحد اآللهة في مِر ورممز لإللمه‬
‫الواحد َقرص الشمس , وسمى نفسه "إخناتون" . . كانت أسيوية على دين غير دين المِريين . . واهلل أعلم‬
       ‫إن كانت هي المقِودة في هذه السورة أم أنها امرأة فرعون موسى . . وهو غير "أمنحوتب" هذا . .‬

‫وال يعنينا هنا التحقيق التاريخي لشخص امرأة فرعون . فاإلشارة القرآنية تعني حقيقة دائممة مسمتقلة عمن‬
                                                     ‫األشخاص . واألشخاص مجرد أمثلة لهذه الحقيقة . .‬
‫إن مَدأ التَعة الفردية يراد إَرازه هنا , َعد األمر َوقاية النفس واألهل من النار . كما يراد أن يقمال ألزواج‬
‫النَي [ ص ] وأزواج المؤمنين كذلك:إن عليهن أنفسهن َعد كل شيء . فهن مسؤوالت عن ذواتهمن , ولمن‬
                                                      ‫يعفيهن من التَعة أنهن زوجات نَي أو ِالح من المسلمين !‬

‫وها هي ذي امرأة نوح . وكذلك امرأة لوط . (كانتا تحت عَدين من عَادنا ِالحين).(. فخانتاهما). . (فلمم‬
                                                    ‫يغنيا عنهما من اهلل شيئا). . (وقيل:ادخال النار مع الداخلين . .)‬

                 ‫فال كرامة وال شفاعة في أمر الكفر واإليمان . وأمر الخيانة في العقيدة حتى ألزواج األنَياء !‬

‫وها هي ذي امرأة فرعون , لم يِدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه . . في قِر فرعون . . عن طلب النجاة‬
‫وحدها . . وقد تَرأت من قِر فرعون طالَة إلى رَها َيتا في الجنة . وتَرأت من ِلتها َفرعون فسمألت‬
‫رَها النجاة منه . وتَرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألِق الناس َمه: (ونجنمي ممن‬
                                                                                                                  ‫فرعون‬




 ‫ِ ع َ‬       ‫َن ِ و َجن م‬            ‫َب ِ ع َ َ ً‬                     ‫و َرب الل ُ م َ ً ِّلذ َ من ِ ْ َ َ ِ ع َ إ ْ‬
 ‫َض َ َ َّه َثال لَّ ِين آ َ ُوا امرأَة فرْ َوْن ِذ قَالَتْ ر ِّ اَْن لِي ِندك َيْتا فِي الْج َّة َن ِّ ِي ِمن فرْ َموْن‬
     ‫ف ِم ر ح‬                      ‫ِ َْ َ‬          ‫ِ ر ن الت‬             ‫َ َ يَ‬       ‫ِ الظ ِم َ‬        ‫و َ َ ِ و َجن م َ‬
 ‫َعملِه َن ِّ ِي ِن الْقَوْم َّال ِين (11) ومرْ َم اَْنَتَ عمْ َا َ َّ ِي أَحْ َنَت فرْجهَا فَنَفَخْنَا ِيمه ِمن ُّو ِنَما‬
                                                                   ‫و َد ِ َِ ِ ر ِّ َكت ِ َ ْ م َ نت َ‬
                                                              ‫َِ َّقَتْ َكلمَات ََهَا و ُ َُِه وكَانَت ِن الْقَا ِ ِين (21)‬
                           ‫وعمله . .)وتَرأت من قوم فرعون وهي تعيش َينهم: (ونجني من القوم الظالمين . .)‬

‫ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل لالستعالء على عرض الحياة الدنيا في أزهى ِورة . فقد كانمت اممرأة‬
‫فرعون أعظم ملوك األرض يومئذ . في قِر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي . . ولكنها استعلت‬
‫على هذا َاإليمان . ولم تعرض عن هذا العرض فحسب , َل اعتَرته شرا ودنسا وَالء تستعيذ َاهلل منمه .‬
                                                                            ‫وتتفلت من عقاَيله , وتطلب النجاة منه !‬

‫وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية . . وهذا فضل آخر عظيم . فالمرأة - كما أسلفنا - أشمد شمعورا‬
‫وحساسية َوطأة المجتمع وتِوراته . ولكن هذه المرأة . . وحدها . . في وسط ضغط المجتممع , وضمغط‬
‫القِر , وضغط الملك , وضغط الحاشية , والمقام الملوكي . في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء . .‬
                                                                            ‫وحدها . . في خضم هذا الكفر الطاغي !‬

‫وهي نموذج عال في التجرد هلل من كل هذه المؤثرات وكل هذه األواِر , وكل هذه المعوقات , وكمل همذه‬
‫الهواتف . ومن ثم استحقت هذه اإلشارة في كتاب اهلل الخالد . الذي تتردد كلماته في جنَمات الكمون وهمي‬
                                                                                            ‫تتنزل من الم األعلى . .‬
‫(ومريم اَنة عمران). . إنها كذلك مثل للتجرد هلل منذ نشأتها التي قِها اهلل في سور أخرى . ويمذكر هنما‬
‫تطهرها: (التي أحِنت فرجها). . يَرئها مما رمتها َه يهود الفاجرة( ! فنفخنا فيه من روحنا). وممن همذه‬
‫النفخة كان عيسى عليه السالم , كما هو مفِل في السورة المفِلة لهذا المولد "سورة مريم" فال نستطرد معه‬
 ‫هنا تمشيا مع ظل النص الحاضر , الذي يستهدف تِوير طهارة مريم وإيمانها الكامل وطاعتها: (وِدقت‬
                                                              ‫َكلمات رَها وكتَه وكانت من القانتين). .‬

‫وإفراد امرأة فرعون َالذكر هنا مع مريم اَنة عمران يدل على المكانة العالية التي جعلتها قرينة ممريم فمي‬
‫الذكر . َسَب مالَسات حياتها التي أشرنا إليها . وهما االثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المِمدقة‬
‫القانتة يضرَهما اهلل ألزواج النَي [ ص ] َمناسَة الحادث الذي نزلت فيه آيات ِدر السورة , ويضمرَهما‬
                                                                      ‫للمؤمنات من َعد في كل جيل . .‬

‫وأخيرا فإن هذه السورة - وهذا الجزء كله - قطعة حية من السيرة , رسمها القرآن َأسملوَه المموحي . ال‬
‫تملك روايات الَشر التاريخية عن تلك الفترة أن ترسمها . فالتعَير القرآني أكثر إيحاء , وأَعد آمادا , وهمو‬
‫يستخدم الحادثة المفردة لتِوير الحقيقة المجردة , الَاقية وراء الحادثة ووراء الزمان والمكان . . كما همو‬
                                                                                        ‫شأن القرآن . .‬

                                            ‫انتهى الجزء الثامن والعشرون ويليه الجزء التاسع والعشرون:‬

                                                                                               ‫ا‬
                                                                                   ‫مَدوءً َسورة تَارك‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:1
posted:2/15/2013
language:Arabic
pages:148