سنة الله في القلة والكثرة نهائي

Document Sample
سنة  الله في القلة والكثرة نهائي Powered By Docstoc
					 ‫سنة الله في القلة والكثرة‬
     ‫في ضوء القرآن الكريم‬
            ‫وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي‬

                   ‫د. رمضان خميس زكي الغريب‬
‫عضو هيئة التدريس يف جامعة األزهر, وأستاذ الدراسات القرآنية املشارك يف كلية التربية,‬
                      ‫جامعة حائل – اململكة العربية السعودية.‬




                                        ‫1‬
                                       ‫المقدمة‬

                              ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬

‫أمحد اهلل رب العاملني, وأصلي وأسلم على املعبعو رمحة وهداية للعاملني, حممدٍ – صللى‬
‫اهلل عليه وسلم- وآله وصحعبه والتابعني, اللهم إنا نربأ من حولنا وطولنا وقواتنا, ونللوذ‬
‫حبولك وطولك وقوتك, فال تكلنا على أنفسنا طرفة عني وال قعبضتها يا أرحم اللرامحني,‬
‫اللهم إنا نسألك يا حنان يا منان يا بديع السماوات واألرض يا ذا اجلالل واإلكلرا أن‬
‫جتعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيك لك خالصة إنك على كل شلي قلدير,‬
‫اللهم إنا نسألك إميانا ال يرتد, ونعيما ال ينفد, وقرة عني ال تنقطع, ونسألك مرافقة النعبيني‬
                                                                              ‫يف اجلنة...‬

                                      ‫أمس‬
‫أما بعد فإن املسلمني اليو , وكل يو يف ِّ احلاجة إىل استلها رأي القرآن الكلر يف‬
‫قضاياهم وتصوراهتم, وهم اليو يعيشون عصرا تتنازعه األفكار من كل صوب, وتتناوشه‬
  ‫النظريات العبشرية من كل حدب, ويف هذا الضجيج من الرؤى املتعباينة, والتقد اللتق‬
‫العباهر يشعرون بالقلة والذلة, وبعضهم يشعر فكريا أو عملياً بأن التدين عامة سعبب ملن‬
  ‫وحر‬
‫أسعباب الرجوع احلضاري, خالطني بني ديانات عزلت أصحاهبا عن واقع احلياة َّمت‬
                                                                             ‫جر‬
‫بل َّمت التقد والعلم واملعرفة, وما هنض أتعباعها إال بعد أن قالوا:(اشنقوا آخر قيصلر‬
‫بأمعا آخر قسيس), وبني دين أول كلماته: (اقرأ), وتكررت فيه اللدعوة إىل عملارة‬
‫األرض وإثارة خريها وارتفاق عطائها والسري يف مناكعبها, أكثر مما تكرر فيه احلديث عن‬
‫األحكا والفروع, فالفروع وحديث القرآن الكر عنها ال يتجاوز 1/11 من جمملوع‬
‫آيات القرآن الكر (), أما عمارة األرض وخالفة احلياة فيدور أغلب القرآن الكر عليها‬
‫وما يقد هلا وما يدور حوهلا من بنا اإلنسان الصاحل الذي يصلح األرض بصالح نفسه,‬
                                                  ‫ويربطها بارتعباطه هو باهلل رب العاملني.‬

                                           ‫2‬
                                                   ‫أوال أمهية املوضوع وأسباب اختياره:‬

                                              ‫تعبدو أمهية املوضوع من خالل النقاط اآلتية:‬

‫1- أثر الوعي بسنة اهلل (تعاىل) يف القلة والكثرة يف تغري مفاهيم الناس مبا يترتب عليه‬
                      ‫التغيري يف رؤاهم وتصوراهتم, ومن مث يف أفعاهلم وسلوكهم.‬
‫2- حتديد مهمة القلة يف هنضة األمم من عثرهتا وقيامها من كعبوهتا شأن القلة يف كلل‬
                           ‫زمان ومكان, واليت تسميها السنة املطهرة: (الراحلة).‬
‫3- حاجة األمة اليو إىل هذه الريادة الفكرية والعلمية والعملية اليت تأخلذ بيلدها‬
‫لتنهض من الوهدة, وتقال من العثرة, وتقو من تلك الكعبوة اليت تردت فيها إثلر‬
              ‫بعدها كالً أو بعضا عن منهاج الصالح والفالح يف الدنيا واآلخرة.‬

                                        ‫ولدراسة هذه القضية أسعباب دفعت إليها, منها:‬

                                                             ‫ي‬
‫1- التأكيد الذي ال ُمل منه: أن املرجعية العليا للمسلمني يف تصوراهتم ومنطلقاهتم,‬
                       ‫ح‬
‫ومعاشهم, ومعادهم, هي القرآن الكر , يفيدون منه ُكمَه يف كلل قضلية,‬
                                                         ‫وفصله يف كل مسألة.‬
‫2- أثر غياب هذه املرجعية من أذهان بعض املسلمني يف اهلزمية النفسية, والتراجلع‬
‫الفكري, وبدؤهم من الصفر, دون اإلفادة من عطا القرآن وهديه مما يوفر عليهم‬
                                  ‫جتارب بشرية ثعبت فشلها حىت عند أصحاهبا.‬
                                               ‫ْ‬       ‫ْ‬
‫3- أثر املدنية الغربية يف بَهرها وقَهرها لكثري من املسلمني, وزعزعة بعض املفلاهيم‬
                                              ‫لديهم, وشعورهم بالقلة حنوها.‬
‫4- تأكيد القرآن والتاريخ والواقع املعيش: أن هنضات األمم تقو على القلة الفاعللة‬
                                                                     ‫املؤثرة.‬
                                                               ‫ثانيا مشكلة البحث:‬



                                          ‫3‬
‫تدور مشكلة العبحث حول توصيف وتوظيف آيات القرآن الكر لسنة اهلل – تعاىل -‬
‫يف القلة والكثرة, وبيان موقف املسلمني من الوعي هبذه السنة, والسعي هبا يف الصراع‬
‫احلضاري بني احلق والعباطل, ومدى إفادهتم من منهجية القرآن الكر لعبيلان هلذه‬
                                                          ‫السننية يف تلك القضية.‬

                                                        ‫ثالثا أسئلة البحث:‬

‫السؤال األساس هلذه الدراسة هو: ما سنة اهلل يف القلة والكثرة؟ وما موقف املسللمني‬
                         ‫منها بني اإلعمال واإلمهال؟ ويتفرع عنه أسئلة أخرى هي:‬

                                  ‫1- ما مفهو القلة والكثرة يف القرآن الكر ؟‬
                                   ‫2- ما دوران القلة والكثرة يف القرآن الكر ؟‬
                             ‫3- ما مدى ظهور اجلانب السن يف القلة والكثرة؟‬
‫4- ما موقف املسلمني من السننية يف القلة والكثرة, وإفلادهتم منلها يف الشلهود‬
                                                    ‫احلضاري لألمة املسلمة؟‬
                           ‫5- ما موقف القلة احملمودة من الريادة لألمة املسلمة؟‬
                                                          ‫رابعا أهداف الدراسة:‬

        ‫ميكن حصر أهداف الدراسة من خالل اإلجابة على األسئلة السابقة يف اآليت:‬

                 ‫1- حتديد مفهو سنة اهلل يف القلة والكثرة يف اللغة والقرآن الكر .‬
                            ‫2- معرفة دوران كلمة القلة والكثرة يف القرآن الكر .‬
    ‫3- إبراز اجلانب السن يف القلة والكثرة من خالل حديث القرآن الكر عنهما.‬
     ‫4- أثر الوعي باجلانب السن للقلة والكثرة يف الشهود احلضاري لألمة املسلمة.‬
         ‫5- ريادة القلة احملمودة لنهضة األمة كما يصورها ويدعمها القرآن الكر .‬
                                                        ‫خامساً: حدود الدراسة:‬



                                        ‫4‬
‫تقتصر الدراسة على حصر اآليات اليت تتناول القلة والكثرة ومتضي عللى املنلهج‬
‫املوضوعي الوسيط الذي يسعى إىل حصر اآليات اجلامعة للصورة القرآنية الشاملة عن‬
‫سننية القلة والكثرة يف القرآن الكر , واالستعانة على فهم ذلك بالتفاسري املعتملدة,‬
  ‫والعلو اإلنسانية املتاحة, وما أفرزه علم االجتماع اإلسالمي حسب الطاقة العبشرية.‬

                                                          ‫سادساً: منهج البحث وأداته:‬

‫يستخد العباحث املنهج الوصفي واالستقرائي واالستنعباطي, حسب طعبيعة التنلاول,‬
‫وكانت أداته مجع اآليات ذات الصلة باملوضوع, وحتليلها, واسلتنعباط اخلصلائ ,‬
‫والسمات, واألسعباب, والشروط, واألهداف املتعلقة بسنة اهلل يف القللة والكثلرة,‬
‫اعتمادا على ما كتعبه علما التفسري واللغة, وما يدعم ذلك من ومضات السنة النعبوية‬
‫املطهرة, وما خيد هدف العبحث من الدراسات اإلنسانية, دون اإلفراط يف الشروح؛‬
                                            ‫حرصا على عد خروج العبحث عن مساره.‬

           ‫ع‬
‫وحرَصت على مجع اآليات املتعلقة باملوضوع , مث فرزها من حيث أمج ُها للقضلية,‬
                                           ‫ة‬         ‫ة‬
 ‫ورتعبتها من حيث املكي ُ واملدني ُ, حىت تعطي صورة كاملة عن القضية والزمن جلز‬
‫من رسم تلك الصورة الصادقة, وحرَصت على أن تكون العناصر املعنونة من صلميم‬
‫اآليات القرآنية؛ جريا على املعتمد من املناهج يف هذا الللون ملن أللوان التفسلري‬
‫املوضوعي(1), أما يف الشرح واالستنعباط, فأفدت من كتب التفسري يف كل املدارس‬
‫من مأثور ورأي, فمررت على مدارس متعددة وألوان متعباينة, زمانا, ومكانا,واجتاها,‬
                ‫ل عب‬          ‫ل‬
‫ومنهاجا, وفكرا, كما أفدت من السنة, وهي الشارح اُمِعبني واُمَِّني آليات القلرآن‬




‫1 - انظر: املدخل إىل التفسري املوضوعي,ألستاذنا د ععبد الستار فتح اهلل سعيد ط:دار التوزيع والنشر‬
                                            ‫اإلسالمية,ط الثانية,1141ه,1991 ,ص 95,59.‬
                                              ‫5‬
‫الكر , وأفدت مما قدمه اجلهد العبشري من دراسات إنسانية أو عربية يف هذا الصدد,‬
                                     ‫حسب الطاقة والوسع, وحسب طعبيعة الدراسة.‬

                                                        ‫سابعاً: الدراسات السابقة:‬
‫احلق أين مل أقلف عللى دراسلة علميلة تتنلاول جانلب السلنن يف القللة‬
‫والكثرة,وكل ما وقفت عليه مقاالت ورصد آليات القلة والكثلرة, وملا تنلاول‬
‫القلة والكثرة يف دراسة علمية تناوهلا من جانب أصلو أوملن جانلب لغلوي‬
                                               ‫بعيد عن قضية الدراسة هنا.‬
                                                              ‫ثامناً: هيكل البحث:‬
                                      ‫اشتمل العبحث على مقدمة, وثالثة فصول, وخامتة.‬

              ‫الفصل األول: القلة:مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل فيها, وفيه أربعة معباحث:‬

 ‫املعبحث األول : مفهو سنة اهلل يف القلة, يف اللغة, والقرآن, وورود لفظة القلة ومترادفاهتا‬
                                                                       ‫يف القرآن الكر .‬

                                  ‫املعبحث الثاين: القلة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

                                ‫املعبحث الثالث: القلة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

                                                  ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف القلة.‬

         ‫الفصل الثاين: الكثرة: مفهومها,وصفاهتا, وسنن اهلل فيها, وفيه أربعة مباحث:‬

          ‫املعبحث األول: مفهو سنة اهلل يف الكثرة يف اللغة والقرآن, وورود لفظة الكثرة‬
                                                            ‫ومترادفاهتا يف القرآن الكر .‬

                                ‫املعبحث الثاين: الكثرة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

                                 ‫املعبحث الثالث: الكثرة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكر‬
                                           ‫6‬
                                            ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف الكثرة.‬



‫الفصل الثالث: موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة,بني السعي والوعي,‬
                                                                       ‫وفيه معبحثان:‬

‫املعبحث األول: ريادة القلة العاملة وأثره يف الشهود احلضاري لألمة املسلمة للكثرة يف‬
                                                                     ‫سن‬
                                                                    ‫ضو هذه ال ُّة‬

                                              ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة‬

                                         ‫اخلامتة, وتشمل أهم النتائج والتوصيات.‬

                                                       ‫فهرس املصادر واملراجع.‬

                                                            ‫فهرس املوضوعات.‬

                                                          ‫واهلل من ورا القصد.‬




                                     ‫7‬
                                   ‫الفصل األول‬

            ‫القلة:مفهوما, وصفاهتا, وسنن اهلل فيها, وفيه أربعة مباحث‬

                                  ‫املبحث األول‬

  ‫مفهوم سنة اهلل يف القلة يف اللغة والقرآن, وورودها ومترادفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

 ‫مفهوم سنة: السنة (هي القانون الضابط المهيمن، والفعل النافذ الحاام الاذ‬
                                    ‫ب‬
               ‫يجر باطراد وثبات وعمو وشمول، مرت ًا على سلوك البشر).(1)‬

                                                                 ‫القلة يف اللسان العريب:‬

‫وردت القلة ومادهتا يف ال لسان العلر داللة عللى علدد ملن املعلاين نريلد أن‬
‫نقف أمامها, ونفيد من خالهللا ملا يعيننلا عللى حسلن التعاملل ملع سلنة اهلل‬
  ‫ل‬          ‫ل‬        ‫ل‬             ‫ل‬         ‫ل‬      ‫ل‬
‫– تعلاىل - يف القللة يف القلرآن الكلر , فالتصلور أسلاس السللوك, واحلكلم‬
                                                ‫على الشي فرع عن تصوره.‬

 ‫عبالغل‬
‫لاس ال لة‬          ‫عل لسل العل‬
           ‫لان لر , لرب لان لرب, وأسل‬                    ‫ومل عبل‬
                                         ‫لن تت لع اللسل العل‬
   ‫ل ذلل ل ل‬               ‫ومل‬       ‫ل‬          ‫ل‬            ‫ل‬
‫,واخلص لائ , والته لذيب, واملق لاييس, لا دار ح لول لك م لن مع لاجم‬
                            ‫وقواميس جند الكلمة تدور حول هذه الدالالت:‬

                                                    ‫1- تدل املادة على االرتفاع.‬
                                                           ‫2- وتدل على العلو.‬
                                                      ‫3- كما تدل على التفرد.‬
                                                                                                    ‫1‬
                                                   ‫- مفهوم السنن الربانية من اإلدراك إلى التسخير:‬

                                        ‫8‬
                                                          ‫4- وتدل على االنفراد.‬
                                                ‫5- وتدل على أهنا معتمد غريها.‬
                               ‫9- وتدل على ارتفاع غريها هبا, واعتماده عليها.‬
                                               ‫7- وتدل عل قمة الشي وأعاله.‬
                                                ‫8- وتدل على النهضة من عثرة.‬
                                                           ‫9- والنهوض من علة.‬
                                             ‫51- وتدل على النهوض من فقر.‬
                                                       ‫11- وتدل على السرعة.‬
                                           ‫21- كما تدل على اخلسة والدنا ة.‬
                                                        ‫31- وتدل على النذارة.‬
                                               ‫41- وتدل على عد االستقرار.‬
                                                        ‫51- وتدل على النق .‬
                                                        ‫91- وتدل على الصغر.‬
                                                      ‫71- ويكىن هبا عن العزة.‬
                                                       ‫81- وتدل على اجلهالة.‬
‫وحنن هنا نورد من نصوص اللغة ما يؤيد ما قلناه دون إغلراق يف النقلل, بلل‬
‫ما متس إليه احلاجلة, وتوجعبله ضلرورة االعتملاد واالسلتناد, وحنيلل يف‬
‫النصوص املتشاهبة على األقد زمنلا, فالكلل ميلتح ملن إنلا واحلد وإن‬
                 ‫اختلفت املشارب واملوارد: غرفا من العبحر أو رشفا من الد .‬

      ‫ل ُل ري ُث َ‬
 ‫( َالَ اللَّيْث: قَ َّ الشي ُ ُّ قِّةً، فَ ُوَ قلي ٌ، وُال ٌ، َالَ: ورج ٌ ق ٌّ: قَص ُ اجلَّة. وقَالَ‬
                                      ‫يقل ل ه ل ق ل ق‬                          ‫ل‬                  ‫ق‬
                                      ‫الد ء َ ق َ‬
                                ‫غري ُ: ُّ من ِّ َال: اخلسيس َّين ُ.ومِنْه َول الْأعْشَى:‬
                                                                       ‫ه القل الرج‬

                                                         ‫َ كت ق‬
                                 ‫ومَا ُْن ُ ُالً قعبلَ ذَلِك أزْيعبَا‬




                                                  ‫9‬
           ‫األزي ُ: الدع ُّ. وفِي احلَدِيث: ( ِّبَا وإنْ كَُر فَ ُوَ إلَى ق ّ) (1) أَي: إلَى قِّة.‬
             ‫ل‬                  ‫ُل‬         ‫ث ه‬               ‫الر‬               ‫ب ّ ِي َ‬

                                                                                           ‫ع‬          ‫ق‬
                                                                  ‫َالَ أَبُو ُعبَيْدَة، وَأنْشد للعبيد:‬

                                            ‫ُل‬
                  ‫ق ٌّ وإنْ أكَْثرَتْ من العَدَد‬              ‫ُر‬     ‫كل‬
                                                     ‫ُّ ب ح َّةٍ مصريهم‬

                               ‫َالَ َّيْث: وقُلةُ كل شَيْء: رأ ُه، وقُل ُ اجلَبَلِ: أَعْلَا ُ.)(2)‬
                                    ‫ه‬                   ‫س ّة‬                      ‫َّ‬       ‫ق الل‬

          ‫فهنا تدل كما هو واضح على القصر, واخلسة, كما تدل على االرتفاع والعلو.‬

‫و ( قل الشي يقل قلة، وهو قليل. والقل: القلة، كالذل والذلة ....وفالن قل بن قل، إذا‬
‫كان ال يعرف هو وال أبوه والقلة..والقلة: قلة اجلبل, واستقل القوم: مضوا‬
                                                                                    ‫لسبيلهم.)(3)‬

‫وهنا تدل تلك النصوص على جهالة املوسو بالقلة, وعد معرفة أصوله, وتدل على‬
                                                               ‫االرتفاع, والعلو, والسري قدما.‬

                                                                              ‫س‬
                                                                   ‫الْفرق بَني الْيَ ِري والقليل:‬


     ‫ش‬
‫1 - واحلديث : أخرجه ابن أ شيعبة يف املسند: 1/752. وهلو حلديث صلحيح، َلريك‬
‫- وهو ابن ععبد اهلل النخعي-، وإن كان سيئ احلفظ - متلابع. وبقيلة رجالله ثقلات رجلال‬
‫الصحيح. حجاج: هو ابن حممد املصيصي األعلور، واللركني بلن الربيلع: هلو ابلن عميللة‬
‫الفزاري الكويف.وأخرجه احلاكم 2/73 من طريق اإلما أمحلد، هبلذا اإلسلناد، لكلن حتلرف‬
‫فيه شَريك إىل إسرائيل وأخرجله أبلو يعللى (2455) و (8435) و (9435) ، والشاشلي‬
‫(858) ، والطرباين يف "الكعبري" (83551)، وابن علدي يف "الكاملل" 4/3331 ملن طلرق‬
‫عن شريك، به. وأخرجه ابن ماجله (9722) ، والشاشلي (958) ، والطلرباين يف "الكلعبري"‬
‫(93551) ، واحلاكم 2/73 و4/713-813 من طريق إسلرائيل، علن اللركني، بله.قلال‬
                            ‫احلاكم: هذا حديث صحيح اإلسناد، ومل خيرجاه، ووافقه الذهيب.‬

                                         ‫2 - هتذيب اللغة (8/ 232), وانظر مقاييس اللغة:3/5.‬

                                                       ‫3 - جممل اللغة البن فارس: (ص: 927).‬

                                               ‫01‬
           ‫ل ي‬                           ‫ُ‬                       ‫ل‬            ‫د ق‬           ‫ْ‬
‫(الْقلَّة َتقَْتضِي ُنقصَان الْع َد ُي َال قو قَِيل وقليلون وَمن اْلقرْآن (شرذمة قَلِيُونَ) ُريد أَن‬
           ‫َ‬                    ‫ل‬             ‫س‬                             ‫َ‬         ‫ع عد‬
‫عَددهمْ ينق َن َّة غَريهم وهِي نقيض الْكَْثرَة وَلَيْ َت الْكَْثرَة إَّا زيَادَة الْعدَد وهِي فِي‬
                                               ‫َس ْ‬
‫غَريه اسِْتعَارَة وتشعبيه واليسري من الْأَشْيَا مَا يَتَي َّر َتحصِيله أَو طلعبه وَلَا َيقَْتضِي مَا َيقَْتضِيهِ‬
                 ‫ك‬                                                 ‫ق‬              ‫د أ‬            ‫نْ‬
‫اْلقَِيل من ُقصَان الْع َد َال ترى أَنه ُي َال عدد قَلِيل وَلَا ُيقَال عدد يسري وَلَ ِن ُيقَال مَال‬         ‫ل‬
             ‫الش‬                                   ‫م‬           ‫س‬                    ‫َس‬
 ‫يسري لِأَن مجع مثله يَتَي َّر فَإن اسْتعْمل الْيَ ِري فِي َوضِع اْلقَلِيل فقد جيْري اسْم َّيْ على‬
                                                                                      ‫َريه إذا قرب مِنْ ُ)(1)‬
                                                                                           ‫ه‬                   ‫غ‬

                       ‫َقد كَانَ لَوَْا الق ُّ طَ ّعَ أْن ُدِ)(2)‬
                             ‫ل ُل ال ج‬                          ‫و‬         ‫مه‬      ‫و ْ ُ ُل ف‬
                                                                         ‫( َقد يقصرُ الق ُّ اْل َىت دون ّه‬

‫وإذا انتقلنا إىل الراغب األصفهاين يف املفردات وجدناه يرى أن :(القَِّ ُ والكثرة‬
        ‫لة‬
‫ل‬                                                ‫ص‬             ‫ن‬
‫يستعمالن يف األعداد، كما أ ّ العظم وال ّغر يستعمالن يف األجسا ، مث يستعار ك ّ‬
              ‫ذل‬         ‫ل‬         ‫ن‬                 ‫ل ص‬
‫واحد من الكثرة والعظم، ومن القّة وال ّغر لآلخر. ... ويكّى باْلقَِّةِ عن ال ّّة اعتعبارا مبا‬
                                                                                 ‫قال الشاعر:‬

                       ‫ولست باألكثر منهم حصا ... وإمنا الع ّة للكاثر(3)‬
                                  ‫ز‬
             ‫ن‬
‫( وعلى ذلك قوله: َاذ ُ ُوا إذْ ُنُْمْ قَلِيلًا فَكَثر ُمْ )[األعراف/ 98] ويكّى هبا تارة عن‬
                                   ‫َّ َك‬               ‫و ْكر ك ت‬
                                                                                   ‫ز‬
‫الع ّة اعتبارا بقوله: (وقَِي ٌ منْ عِعبادِيَ َّ ُو ُ) [سعبأ/ 31] ، (وقَلِي ٌ ما ُمْ) [ص/‬
       ‫َ ل ه‬                        ‫الشك ر‬              ‫َلل ِ‬
 ‫ر‬              ‫له‬           ‫قلة‬                              ‫ن ل ز ِل‬
‫42], وذاك أ ّ ك ّ ما يع ّ َيق ُّ وجوده. وقوله: ... .... وال َُّ ُ: ما َأقََّ ُ اإلنسان من ج ّة‬
                       ‫وح ّ ، وُلَّ ُ اجلعبل: شعفهُ اعتبارا بق ّته إىل ما عداه من أجزائه،.)(4)‬
                                                     ‫ل‬              ‫ََُ‬         ‫ب قة‬
       ‫قل‬                        ‫َ‬                              ‫ق‬       ‫َل ش ِل ه‬
‫(ق َّ ال ّي َيق ُّ قِلَّة فَ ُوَ قَليل وُالل.(قال)أبو زيلد: ومِنْله رجلل قَلِيلل وُُلل: أَي‬
                                           ‫و ق‬                       ‫ق‬       ‫و‬          ‫َق‬
‫قصري دِيق اجلثة، َلذَلِك َالَ سِيعبَوَيْهٍ: َقد ُي َال للْإنْسَلان قَلِيلل كَمَلا ُيقَلال قصلري‬
               ‫و‬                        ‫ل قل‬                      ‫و‬          ‫د َه َ‬
‫وَافق ضِ ّه و ُوَ اْلعظِيم. ... َالْجمع قَلِيُونَ وُُلون وَالْلأُنْثَى قَليلَلة َقلد اسلتقللت‬

                                                            ‫1 - الفروق اللغوية للعسكري: (ص: 252).‬

                                                                                 ‫2 - املخص : (4/ 54).‬

                                                                       ‫ض‬
‫3 - العبيت لألعشى يف ّل فيه عامر بن الطفيل على علقمة بن عالثة يف املنافرة اليت جرت بينهما،‬
                               ‫ومطلع القصيدة: شاقتك من قتلة أطالهلا ... بالشط فالوتر إىل حاجر‬
                                                                                   ‫4 - املفردات: 1/589.‬
                                                      ‫11‬
     ‫ِ‬           ‫م‬         ‫ه‬                         ‫ك‬
‫ال ّي جعلته قَلِيال، وأقللته صادفته َلذَلِك وقالللت لَل ُ املَلا ُقالَلةً إذا خفْلت‬     ‫ش‬
             ‫ش‬          ‫قل‬               ‫ل ق‬           ‫قل‬          ‫د‬       ‫ه‬
‫اْلعَطش فأقللت لَ ُ. ابْن ُرَيْد: ال ُُل: اْلقَِيل. َالَ سِليعبَوَيْهٍ: َّلْلت ال ّلي : جعلتله‬
                   ‫قَلِيال وأقللت: أتيت بقَلِيل، َالَ: َقد ُي َال قَّلت فِي معىن أقللت.)(1)‬
                                            ‫ق و ق ل‬

                 ‫ل‬                                            ‫ل‬
‫ويقولون: (صعدوا قّة اجلعبل وقلل اجلعبال. ...ومن اجملاز: هو مستق ّ بنفسه, إذا كان‬
   ‫ل‬                     ‫ل‬                           ‫ل‬
‫ضابطاً ألمره. وهو ال يستق ّ هبذا األمر: ال يطيقه. واستقّوا عن ديارهم، واستقّت‬
                  ‫ل‬                     ‫ل‬
‫خيامهم، واستقل القو عن جملسهم، واستقّوا يف مسريهم. واستق ّ الطائر يف طريانه.‬
                           ‫واستقل النجم. واستقل عمود الفجر. قال عمر بن أ ربيعة:‬

             ‫يا طيب طعم ثناياها وريقتها ... إذا استق ّ عمود الصعبح فاعتدال(2)‬
                                    ‫ل‬

‫واستق ّ العبنا : أناف، وبناء مستقل. واستقل فالن غضعباً: شخص من مكانه لفرط‬
                                                                  ‫ل‬
‫غضبه، وقيل: هو من الق ّ: ال ّعدة. وبلغ املاء قلة رأسه، و يضربن القلل، ورجل طويل‬
                                                  ‫ل ر‬
‫القّة وهي القامة. ورجل قليل: صغري اجلّة، .....وقو أقلة: خساس. وهو يق ّ عن كذا:‬
        ‫ل‬                               ‫ث‬                                 ‫ل‬
                                              ‫يصغر عنه. وتقلقل يف العبالد: طالت أسفاره..)(3).‬

‫وصاحب البصائر يرى معاين قريبة من املعاين اليت نص عليها أصحاب اللسان‬
‫ل‬                                      ‫ُل‬
‫واملفردات, ومن ذلك قوله: (احلمد هلل على الق ّ والكُثْر، أي على القليل والكثرة. ق ّ‬
                            ‫أل‬                   ‫أ وقل‬          ‫قال ق‬              ‫ِل‬
‫َيق ّ، فهو قليل وُ َل وَالل. وَقلَّه َّله: جعله قليال. وَقَّه: صادفه قليال، وأَتى بقليل.‬
‫والقِلَّة والكثرة يستعمالن يف ا َعداد؛ كما أ َّ العِظَم والصغر يستعمالن يف األَجساد. ّ‬
‫مث‬                                     ‫َن‬            ‫أل‬
 ‫م‬                                            ‫ال‬         ‫ق‬
‫يستعار كل منهما لآلخر، قال تعاىل: {ُم الليل إ َّ قَلِيالً} أي وقتاً قليالً. وقال: { َّا‬
             ‫م هم‬           ‫م ه ال‬                      ‫َ ل َط ع‬                                 ‫ال‬
‫قاتلوا إ َّ قَلِيالً} . وقال: {والَ َتزَا ُ ت َّلِ ُ على خَآئِنَةٍ ِّنْ ُمْ إ َّ قَلِيالً ِّنْ ُ ُ} أي مجاعة‬
                                    ‫والذ‬   ‫د‬
‫قليلة. والقليل أَيضاً: القصري، وال ّقيق، َّليل. وقو قليلون وَأق َّ وُُل وُُُون.‬
   ‫ِال قل قلل‬

 ‫, أبو احلسن علي بن إمساعيل بن سيده املرسي (املتوىف: 854هل),ت: خليل إبراهيم‬                      ‫1 - املخص‬
 ‫جفال ,الناشر: دار إحيا الترا العر – بريوت ,الطعبعة: األوىل، 7141هل 9991 :ج4/44.‬
                                                                ‫2 - انظر ديوانه:‬
                                                   ‫3 - أساس العبالغة: (2/ 99).‬

                                                    ‫21‬
‫ورج ٌ قليل وقو َأقِلَّة: خِسَاس. قال تعاىل: {واذكروا إذْ أَنُمْ قَلِي ٌ ُّسْتَضعَ ُونَ}. وقد‬
         ‫ت لم ْف‬                                                                       ‫ل‬
                                                                    ‫ِز‬
‫يعكس ويكىن هبا عن الع َّة اعتعباراً بقوله تعاىل: {وَقَِي ٌ منْ عِعبَادِيَ الشكور}، وذلك أ َّ‬
‫َن‬                              ‫ل ل ِّ‬
        ‫ي‬                                        ‫قل‬
‫ك ّ ما يع ُّ ُّ وجوده. واإلِقالل: َّة اجلِدَة. رجل ُق ٌّ وأ ُّ: فقري وفيه بقّة. وقوله‬
                       ‫م ِل َقل‬                                       ‫ل ِز يقل‬
         ‫ُل‬                            ‫عب‬                   ‫ال‬           ‫َم أ ت ِّ‬
‫تعاىل: {و َآ ُوتِيُم منَ العلم إ َّ قَلِيالً}, ..... ويعَّر بالقليل عن النفي تقول: ق ُّ رجل أَو‬
                  ‫أَق ّ رجل َي ُو ُ ذلك إ َّ زيد، معنامها: ما رجل يقوله إالَّ هو......)1 )‬
                                                                      ‫ال‬        ‫قل‬         ‫ل‬
‫ومن هذه التطوافة يف كتب اللغة ندرك أن القلة تستعمل يف املعاين السابقة, ومن تتعبع‬
‫آيات القرآن فيها جند أن القرآن الكر تناوهلا هبذه الصورة أيضا, كما سريد ذلك يف‬
‫حديث القرآن عن القلة, ودوران الكلمة فيه, وهذا يشري أيضا إىل أن حديث القرآن عن‬
                           ‫القلة تناول جوانعبها ودالالهتا اللغوية, كما سنقف عليه, آملني.‬
                                                    ‫ألفاظ القلة ومقارباهتا يف القرآن الكرمي‬

                ‫ورد التععبري عن القلة يف القرآن الكر بععبارات متعددة دارت حول ما يلي:‬
            ‫1- قليل, مبواطنه املتنوعة, وصوره املتعدد: (قليال, قليل, قليلون,قليلة, أقل)‬
                                                                           ‫2- شرذمة.‬
                                                                               ‫3- أمة.‬
                                                                               ‫4- فئة.‬
                                                                              ‫5- فريق.‬
‫9- كما وردت الداللة على القلة بالن على العدد, مثل: قال رجالن, سعبعني‬
‫رجال, عشرون صابرون, مائة صابرة, دراهم معدودة, , اث عشر نقيعبا, أو‬
‫باستخدا لفظة تدل على القلة مثل: يستضعفون, يسري, قتور, أو التركيب الدال‬
                                    ‫عليها مثل التعبعيض, واالستثنا ,... وحنو ذلك.‬
                                                              ‫أنواع القلة يف القرآن الكرمي:‬




                                 ‫1 - بصائر ذوي التمييز يف لطائف الكتاب العزيز : 4/ 292.‬

                                              ‫31‬
‫وقد تناول القرآن الكر احلديث عن القلة تناوال واضلحا يلعبني خصائصلها‬
‫ويربز مساهتا, وبالتأمل يف حصر اآليات الليت تلدل عللى القللة صلراحة أو‬
                           ‫ضمنا ميكننا أن نقسم القلة إىل نوعني جامعني:‬
                                                         ‫النوع األول: القلة احملمودة:‬
‫وهي اليت ورد التععبري عنها يف القرآن الكر يف مقا املدح ألصحاهبا, والداللة على أهنم‬
‫تفردوا بسمات واتصفوا بصفات يرضاها اهلل – تعاىل ويدعو إليها, سوا كانت تلك‬
‫الصفات ريادة وسعبقا يف وقت يندر فيه السعبق والريادة, أو إميانا يستحق أن يؤيده اهلل‬
‫ويؤوي أهله, ويرزقهم من الطيعبات لعلهم يشكرون, أو ثعباتا يف ميدان القتال واجلهاد يف‬
                  ‫ع‬
‫سعبيل اهلل, أو يقينا صادقا يف نصرة اهلل على الرغم من قلة العَدد وال ُدد, أو دواما على‬
‫األمانة وبعدا عن اخليانة,أو سعبقهم يف العلم واملعرفة, أو شكرهم على العطا مع قلة‬
‫الشاكرين وكثرة اجلاحدين, أو عدالتهم يف الشركة واخللطة, وبعدهم عن العبغي على‬
‫اخللطا , أو رضاهم مبا قسم اهلل هلم من زخرف الدنيا وزينة احلياة, مع إمياهنم ورؤيتهم‬
‫لكثرة مال الكافرين اجلاحدين وولدهم, وحنو ذلك مما سنقف عليه تفصيال عند تناول‬
                                                            ‫اآليات الكرمية إن شا اهلل.‬
                                                          ‫النوع الثاين: القلة املذمومة:‬

‫وهي اليت ورد احلديث عنها بصورة تنفر منها, وتعبعد عنها, وتدل على اتصاف أصحاهبا‬
                                          ‫بصفات ال يرضاها اهلل - تعاىل-, وال ت‬
‫تقعبلها الفطر السوية, والنفوس األبية, ينعى القرآن على أصحاهبا, وحيذر من مغعبة امليل‬
‫إليها, مثل وصف ما لدى املفترين بأنه ليس فالحا بل متاع قليل, ال يلعبث أن يزول‬
‫وحيول, أو أن أماهنم ال يستمر, وعدواهنم على املرسلني ال يدو , بل عما قليل ليصعبحن‬
‫نادمني, نادمني على إنكارهم وشنيع صنيعهم مع األنعبيا واملرسلني, أو وصف شكرهم مع‬
‫عظم ما ينعم به عليهم بأنه قليل, ال يتناسب مع حقيق الشكر وواجب االعتراف, أو‬
‫وصف التذكر الصادر من بعض العبشر بأنه قليل على الرغم من توفر دواعي التذكر,‬
‫وأسعباب التفكر, أو النكري عليهم أهنم استعبدلوا الذي هو أدىن بالذي هو خري, فيشترون‬
‫بآيات اهلل مثناً قليالً, ويعبيعون دينهم بعرض من الدنيا زائل, وعطا من احلياة حائل, أو‬

                                         ‫41‬
‫وصف متاع احلياة بأنه يف جنب اآلخرة قليل, أو النعي على ب إسرائيل بأهنم ال يؤمنون‬
‫إال قليالً, أو وصف متعتهم وفرحهم يف احلياة بأنه قليل, أو أهنم ال يأتون العبأس إال قليالً,‬
                                   ‫وحنو ذلك مما سيتضح عند تناول اآليات الكرمية بإذن اهلل.‬
                                  ‫ولنتناول أوال القلة احملمودة وصفاهتا يف الصفحات القادمة:‬
                                      ‫املبحث الثاين‬

                  ‫القلة احملمودة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬

‫ومن خالل تتعبع اآليات الكرمية ميكن أن نتعبني القلة احملمودة , وأهم مساهتا على النحو‬

                                                                                    ‫التا :‬

                                      ‫القلة هم اخلالصة املصطفاة والبقية املنتقاة‬
‫القلة احملمودة هي يف كل مكان اخلالصة املصطفاة, والعبقية املنتقاة, املنتقاة من كل‬
         ‫َّ‬
‫شي : زمانا, ومكانا, وأفرادا, ومعادن, هم الرواحل اليت تتحمل إذا كَل غريها,‬
                                                                    ‫َّ‬
‫وتصرب إذا مَل سواها, حتمل محلها وكثريا من محل غريها, فهي الرائدة يف املتاهة,‬
‫وهي القائدة يف اضطراب األمور, ولقد قيل يف واحد من مثل هذه النماذج, وهو‬
                                                            ‫صاحب عمامة علمية:‬
             ‫أولت عمامتك العمائم كلها فخراً تقاصر دونه التيجان‬
 ‫غ ُ الزعامة والطريق أملللللللللان‬            ‫ري‬        ‫خم ٌ‬
                                                        ‫إن الزعامة والطريق ُوفَة‬
‫تلك القلة هي اليت تقل عند الطمع, وتكثر عند الفزع, فهم - حبق خالصة‬
‫جنسهم, وبقية نوعهم, ولقد تعبني من خالل سوق القرآن الكر لتلك النماذج‬
‫القليلة ما يؤكد تفردهم وندرهتم, وقلتهم (مبا تعنيه مادة القلة من داللة) فيما‬
‫يتصفون به, وإذا طالعنا القلة اليت عربت العبحر مع طالوت, عرفنا إىل أي مدى‬
‫تتضح فيهم تلك الصفة, فهم قلة لكنهم هم, هم وحدهم الذين عربوا النهر مع‬
‫طالوت, وهم هم وحدهم الذين أدركوا واعني قوانني اهلل يف النصر واهلزمية‬
‫إدراكا عمليا, وإن أدركه غريهم إدراكا ثقافيا معرفيا, وسيعبني لنا يف الصفحات‬

                                           ‫51‬
‫القادمة كم كانوا واعني بل واععبني لقيم يندر أن جيمعها سواهم, ويقل وجودها‬
‫فيمن عداهم, وتلك من سنن اهلل تعاىل يف خلقه وناموسه يف ععباده, لقد سئل‬
              ‫ال‬                         ‫ْ‬
‫احلسن عن الذين عربوا النهر :(أَلَْيسَ اْلقَو جَمِيعًا كَانُوا مُؤمنني َّذين جاوزوا؟ !‬
       ‫ف َالَ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بِ َا شحت أنفسهم من الْجِهَاد فِي سَبيله.)(1).‬
                                                     ‫م‬                          ‫ق‬
‫فالذين عربوا النهر كانوا كلهم مؤمنني لكن الذين صربوا, وصلابروا, ودعلوا‬
                         ‫ُن‬        ‫ال‬
‫غريهم إىل املصابرة هم خالصة هؤال , فهؤال َ َّذِينَ َيظُّونَ أهنم مالقلوا اهلل (‬
‫أي: يَتََيقَّنْون أَنَّهُمْ مُالقُوا اللَّهِ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم اخلُلْصُ منن أهنل‬
‫البصرية, قالوا: ال تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَلِثريَةً‬
                                               ‫ِ‬
         ‫بإذْنِ اللَّهِ وإرادته ومعونته، ...، َاللَّ ُ مَعَ َّابرينَ بالنصر واملعونة.)(2)‬
                                    ‫و ه الص‬
‫و (كذلك اخلواص يف كل وقت يقل علددهم ولكلن جيلل قلدرهم.)(3)‬
 ‫وتلك القلة اليت يصطفيها اهلل تعاىل هي اخلالصلة الليت يقلو عليهلا بنلا‬
‫احلياة, وتنهض هبا الريادة والقيادة, وتتقد األمم, وتسلتعاد القليم, واملتأملل‬
‫لكل قليل يف احلياة واألحيا جيده بقية جنسله, وخالصلة نوعله, فاللذهب‬
‫سيد املعادن وهو بينهم قل, واألنعبيا هلم رواد األملم وهلم بلني أقلوامهم‬
‫قلة, والدعاة الصادقون هم األدال للعبشر وهم بني امللدعوين قللة, واألزمنلة‬
                ‫املفضلة بني سائر األزمنة قلة, واألماكن املقدسة بني األماكن قلة:‬
              ‫فقلت هلا إن الكرا قليل‬            ‫تعرينا أنا قليل عديدنا‬
            ‫وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار األكثرين ذليل‬
         ‫وما مات منا سيد حتف أنفه وال طل منا حيث كان قتيل‬
          ‫قئول ملا قال الكرا فعول(4)‬         ‫إذا مات منا سيد قا سيد‬

                                            ‫زمنني: (1/ 842).‬       ‫1 - تفسري القرآن العزيز البن أ‬
                                                                                                  ‫2-‬
                                            ‫772).3‬    ‫العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/‬
                                                            ‫3 - لطائف اإلشارات : (1/ 391).‬



                                            ‫4 - العبيان والتعبيني: 3/281,والعقد الفريد:1/932.‬

                                                 ‫61‬
‫فهذه القلة على الرغم من أهنا يف عني غريها قلة, إال أهنم يف واقع العمل كثرة؛‬
                                ‫ألهنم قلة عاملة, (والقلة العاملة هتزم الكثرة النائمة).‬
                                                             ‫املنصورون يف كل ممان قلة‬
‫واملتتعبع آليات القلة يف القرآن الكر , والراصد لطعبيعة القلة يف واقع احلياة‬
‫واألحيا جيد أن القلة العاملة يف كل زمان هم املنصورون, ملا يشتملون عليه من‬
‫مسات وخصائ , تعوض قلة عددهم بكثرة يقينهم واعتمادهم, وبعبذهلم ملا ال‬
‫يعبذله غريهم من الكثرة النائمة اهلائمة, اليت تقف عند حدود الشلكل واملظهلر‬
‫فتغرهم كثرهتم وخيدعهم عددهم, والراصد لنصر املؤمنني يف غزواهتم كلها جيلد‬
‫أهنم مل يعبلغوا عدد عدوهم, بل مل يتعدوا ثلث عدوهم حصرا,(حصر العندد يف‬
‫الغزوات), واملعركة الوحيدة اليت قالوا فيها (لن نغلب اليو من قلة)(1), هلي‬
‫املعركة اليت سجل القرآن الكر عليهم فيها اهلزمية, ونسعبها إىل هلذه الكثلرة‬
           ‫َ َكم َّه ف‬
‫املعجعبة, والعدد الذي اعتمدوا يف حساهبم عليه,( َلقَدْ نَصر ُ ُ الل ُ ِي مَوَاطِنَ‬
    ‫ئ َ َ‬               ‫ك‬                                                     ‫َ ْ ح‬
‫كَِثريةٍ وَيَو َ ُنَيْنٍ إذْ أَعْجَعبَْتكُمْ كَْثرَُتكُمْ فَلَمْ ُتغْن عَْن ُمْ شَليًْا وضَلاقتْ‬
                                    ‫علْكم َ ض م َحَ ُم ول ت م ن‬
‫ََي ُ ُ الْأرْ ُ ب َا ر ُعبتْ ث َّ ََّيُْمْ ُدْبري َ), التوبة: (25). (فالقليل ملن‬
‫ذوى العزائم الصادقة والنفوس اليت أشربت حب اإلميان وامتألت غلرية عليله-‬
         ‫يفعل ما ال يفعله الكثري من ذوى األهوا املختلفة، والنزعات املتضاربة )(2)‬
‫وسر ذلك أن القلة احملمودة هلا حسلاب آخلر غلري حسلاب الكثلرة‬
‫املعتمدة على َددها و ُددها, (وقد يكون علدوك كلثرياً لكلن لليس لله‬    ‫ع‬       ‫ع‬
   ‫رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون يف قلة من العدد، لكن للك رصليد ملن‬
    ‫م‬              ‫ت‬         ‫َم‬
    ‫ألوهية عالية، وهذا ما يريد احلق أن يلفتنا إليه بقوله: {فَل َّلا كُِلبَ عَلَليْه ُ‬
                                                           ‫ال‬                 ‫ال‬
  ‫القتال تَوَلَّوْاْ إ َّ قَلِيالً} . كلمة {إ َّ قَلِيالً} جلا ت لتخلد قضلية، للذلك‬
                                ‫عب‬                     ‫م‬
 ‫جا يف آخر القصة قوله تعاىل: {كَم ِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََلتْ فِئَلةً كَلِثريَةً بلإذْنِ‬
   ‫اهلل} [العبقرة: 942], أي: أن الغلعبة تلأيت بلإذن اهلل، إذن فالشلي املرئلي‬

                           ‫1 - انظر مسند الزار:31/821,ومستخرج أ عوانة: 4/812.‬
                                                             ‫2 - تفسري املراغي: (2/ 322).‬
                                                   ‫71‬
‫واحد، لكن وجهة نظر الرائني فيه ختتللف عللى قلدر رصليدهم اإلميلاين.‬
 ‫.... فالعدو قد يكون كثرياً أمامنا وحنلن قللة، وكلنلا رأى العلدو كلثرياً‬
   ‫ورأى نفسه قليالً، لكن املواجيد ختتلف. أنا سأحسلب نفسلي ومعلي ر ،‬
  ‫وغريي رآهم كثريين وقلال: ال نقلدر علليهم؛ ألنله أخلرج ربله ملن‬
                                                                                  ‫احلساب.)(1)‬
‫وإذا تتعبعنا عدد القلة يف جيش طالوت الذين كتب هلم وهبم النصر على جلالوت‬
             ‫ص ع‬
‫وجنوده وجدناهم ثالمثائة أو يزيدون قليال,(أخرج سعيد بن مَْن ُور َن عُثْمَلان‬
           ‫ْ‬                             ‫ه‬                    ‫ََ ش ب ه‬                     ‫َف‬
‫بن ع َّان أَنه قرأَ {فَ َرُوا مِنْ ُ إلَّا قَلِيال مِنْ ُم} قَالَ: اْلقَلِيل ثالمثائة وَبضعَة عشلر‬
                                                                             ‫َّة أهل بدر).(2)‬   ‫عد‬
   ‫(ألن املقاييس ليسلت بكثلرة اجلملع، ولكلن بنصلرة احللق سلعبحانه‬
                                                                                    ‫وتعاىل.)(3)‬
‫والفئة القليلة تكون قلتها يف الظلاهر املرئلي للنلاس أملا القلوة املعنويلة‬
‫والروحية واليت هي أساس النصلر فتللك هللا مقلاييس أخلرى, مقلاييس‬
‫العبصرية ال العبصر, فاإلمداد على قلدر االسلتعداد, (والفئلة القليللة تكلون‬
                                                                  ‫وكل‬
 ‫قلَُّها يف األفراد والعَتَاد ِّ لواز احلرب، والفئلة الكلثرية، تظهلر كثرَهتلا‬                   ‫ت‬
                   ‫ل‬                                                      ‫ُد د وكل‬
  ‫يف الع َّة والعَ َد ِّ لواز احلرب، والفئلة القليللة إمنلا َتغِْلب بلإذن اهلل‬
   ‫تعاىل.وهكذا ِّح احلق سعبحانه أن األسعباب تقضي بغلعبلة الفئلة الكلثرية،‬     ‫يوض‬
             ‫لكن مشيئته سعبحانه تغلب األسعباب وتصل إىل ما شا ه اهلل تعاىل.)(4)‬
‫وألمر ما ذكر اهلل – تعاىل- تللك النملاذج يف القللة جليلل النصلر األول؛‬
‫يفيدون منه, ويقفون عنده, ويقيمون دولتهم عللى أسلاس تللك املفلاهيم‬
             ‫اليت تعب احلضارة وتنشئ االستمرار احلقيق يف ريادة الدنيا باسم الدين.‬

                                                    ‫1 - تفسري الشعراوي: (2/ 4451).‬
                                             ‫2 - الدر املنثور يف التفسري باملأثور: (1/ 597).‬
                                                       ‫3 تفسري الشعراوي (2/ 4451).‬
                                                   ‫4 - تفسري الشعراوي: (11/ 9549).‬


                                                    ‫81‬
‫وحري مبن انتدب نفسه لعبالغ رسالة اهلل للنلاس واسلتهدف إنلارة اللدنيا‬
‫بالدين أن يعي هذه املفاهيم, حىت ال تعبهره الكثرة فتقهلره, فينتقلل ملن دور‬
‫املعبهور إىل دور املقهور أو املسحور,أو إىل دور احلماملة ينظلر إليله الثععبلان‬
‫فتنشل وتنحل وكان مبكنتها أن تطري, وواقع األملة املسللمة اليلو ونظرهتلا‬
‫للعامل الغر خري شاهد عللى هلذا, فلوعي املسللم بسلنة اهلل يف القللة‬
                             ‫والكثرة يقيه هذه النظرة ويعفيه من تلك الوهدة.‬
                                                               ‫القلة تأيت بعد ابتالء واختبار‬
 ‫ميزات القلة وصفاهتم ال تأيت هكذا ضلربة الزب, وال تكلون لكلل حلي,‬
‫بل بعد تضحيتهم مبا ال يضحي به غريهم, وصربهم على ملا ال يصلرب عليله‬
‫سواهم, فالقلة تأيت بعد اختعبار يفرز الغث من السلمني, ومييلز اخلعبيلث ملن‬
                                                                                        ‫الطيب.‬
 ‫من هنا تتعرض القلة للتمحي والفرز فيفوز بوصفها ملن حتقلق بصلفاهتا,‬
‫ويعبعد عنها من ال يستطيع مهرها, ولذا تعرض بنلو إسلرائيل ملع طلالوت‬
   ‫للفرز واالبتال , حىت يتعبني الصلابر اجملاهلد ملن اخللائر اجلعبلان, واملقلدا‬
       ‫َي‬                                        ‫َ ْص‬
‫اجلسور من اخلائف الرعديلد (فالْمق ُلودَ مِلنْ هَلذَا الِابْتِلَلا ِ أَنْ يَتَمَّلزَ‬
                ‫ل ه‬               ‫َم َ‬              ‫ِّد ق ع الز د و مو ِق ع ُ‬
‫الص ِّي ُ َن ِّنْ ِيق، َالْ ُ َاف ُ َن الْمخَلالِفِ، فَل َّلا ذكَلرَ الَّل ُ َتعَلالَى أَنَّ‬
     ‫َ‬         ‫الن‬                       ‫ب‬          ‫ت هم الذ‬                         ‫الذ ك ن‬
‫َّ ِينَ يَ ُوُونَ َأهْلًا لِهَذَا اْلقَِال ُ ُ َّ ِينَ لَا يَشْلرَُونَ مِلنْ هَلذَا َّهْلر، وأَنَّ‬
                               ‫َ‬        ‫ت‬             ‫ه نه ك ن ْذ‬                     ‫ُل َ ش‬
‫ك َّ منْ َربَ مِنْ ُ فَإَّ ُ لَا يَ ُو ُ مَأ ُونًا فِي هَذَا اْلقَِلال، وكَلانَ فِلي قَلْلعبهمْ‬
          ‫و‬        ‫َي‬                ‫الش‬       ‫َ َ َم‬              ‫ت‬              ‫ة َ‬        ‫ْة‬
‫َنفرَ ٌ شَدِيدَ ٌ عنْ ذَلِكَ اْلقَِال، لَا جر َ َأقْد ُوا عَلَى ُّلرْب، فَتَمَّلزَ الْمُ َافِلقُ‬
                                                  ‫َن الْمخَالِفِ، و َّ ِي ُ َن اْلعَد ِّ.)(1)‬
                                                        ‫َالصد ق ع ُو‬                     ‫ع ُ‬
‫ولكل اختبار نتيجة, ولكل بالء عطاء, ولكنل شندة رخناء, واهلل غالنب‬
‫على أمره, ولكن أكثر الناس ال يعلمون, وتلأيت نتيجلة اختعبلار القللة يف‬
‫هذا املوقف معباشرة إذ يصرب على القتال من مل يشلرب ملن النلهر أصلالً,‬


                                                              ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 955).‬


                                                    ‫91‬
‫ويتردد من اغترف غرفة بيده, وال يقوى عللى العلز فضلال علن السلري‬
 ‫والقتال من عب وأترع,فعبشم وترنح, وجلس لألرض غلري مأسلوف عليله,‬
                     ‫َط‬                  ‫الن‬         ‫ل َم َ م‬
‫(وَُيرْوَى أ َّ أَصحَابَ طَاُوتَ ل َّا هجَ ُوا عَلَى َّهْلر َبعْلدَ ع َلشٍ شَلدِيدٍ،‬‫َن ْ‬
                    ‫ل ه‬               ‫ْ‬          ‫َ‬        ‫الن َ ر ُّ‬                       ‫ُه‬
‫وقَعَ َأكَْثر ُمْ فِي َّهْر، وَأكَْث ُوا الشرْبَ، وأَطَاعَ قَو ُ قَلِيل ٌ مِلنْ ُمْ َأمْلرَ اللَّلهِ‬    ‫َ‬
                                              ‫ََم ال ذ‬                 ‫ل‬           ‫ي د‬
 ‫َتعَالَى، فَلَمْ َزي ُوا عَلَى اِاغِْترَافِ، وأ َّا َّل ِينَ شَلربُوا وَخَلاَلفُوا َأمْلرَ اللَّلهِ‬
          ‫َلط الن‬                                   ‫َد ِف هه َ هم َ َش ي‬
‫فَاسْو َّتْ ش َا ُ ُمْ وغَلَعبَ ُ ُ اْلعط ُ وَلَمْ ُلرْوَوْا، وََبقُلوا عَلَلى ش ِّ َّهْلر،‬
   ‫ه‬                  ‫َ‬                 ‫ُو ََم الذ ط ع ْ ل‬                                          ‫عبن‬
‫وَجَُُوا عَلَى ِلقَا ِ اْلعَد ِّ، وأ َّا َّ ِينَ أَ َا ُوا َأمرَ الَّلهِ َتعَلالَى، فقَلويَ قَلْلعبُ ُمْ‬
                                                   ‫وَص َّ إميَاُ ُمْ، وعََعب ُوا َّهرَ سَالِمنيَ.)(1)‬
                                                             ‫ِ‬        ‫َح نه َ ر الن ْ‬
‫ذلك أن من مل يصرب على املا كيف يصلرب عللى بلذل اللدما ؟, وملن مل‬
‫يتحمل العطش كيف يتحمل وهلج السليوف وتطلاير األعضلا ، (فملن‬
‫ظهرت طاعته يف َترْك املا ِ، علم أنه يطيع فيملا علدا ذللك، وملن غلعبتله‬
         ‫ورخ‬
      ‫شهْوَُه يف املا ، وعصى األمر، فهو بالعصليان يف الشلدائد أحلرى َّل‬                            ‫ت‬
                                                   ‫َط‬
‫للمطيعني يف الغرْفة لريتفع عنْهم أذى الع َلش بعلض االِرتفلاع، وليكسلروا‬             ‫ُ‬
                                                                     ‫نزاعَ النفْس يف هذه احلال.‬ ‫َّ‬
                                                               ‫الد ه‬
‫ولقد أحْسنَ من شعبه ُّنْيا بنَ َر طالوتَ، فملن اغتلرف منْهلا غرفلة بيلد‬                    ‫َ‬
   ‫َّ عليهلا، صلد‬
‫َّته‬                     ‫الزهد، وأقعبل على ما يعينه من أمر آخرته، جنا، ومَلنْ أكلب‬
                             ‫عن ُّب آلخرته، َّت سالمته إالَّ أنْ يتداركَه الَّه.)(2)‬
                                    ‫َ ل‬                                  ‫وقل‬                   ‫التأه‬
‫للجهلاد املطيعلون املخلصلون، إذ ال‬                        ‫(وحكمة هذا االمتحلان: ليلتخل‬
                                                                          ‫يقع النصر َّ هبم)(3).‬
                                                                                   ‫إال‬
                                                                         ‫القلة دائماً حلمة واحدة‬



                                                             ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 115).‬
                                             ‫2 - اجلواهر احلسان يف تفسري القرآن: (1/ 294).‬
                                           ‫3 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/ 772).‬


                                                        ‫02‬
‫واملتتعبع للقلة وواقعها جيد أهنا حلمة واحلدة, وسلعبيكة انصلهر بعضلها‬
‫يف بعض, حيرص كل منهم على اآلخر, ينصلحه ويعظله ويرشلده ويهديله,‬
‫ذلك ما صنعته القلة مع طالوت, وهذا ما عاشته القللة ملع اللنيب - صللى‬
‫اهلل عليه وسلم-, ومن طالع سرية القلة معله - صللى اهلل عليله وسللم -‬
‫عرف حاهلم بعضِهم مع بعض, يعرض الواحد عللى أخيله مالله, ومتاعله,‬
‫وزرعه, وضرعه, وعلى اجلانب اآلخر يتأىب أخوه فناألول يعطني يف سنخاء‬
‫واآلخر يتعفف يف إباء ومبثل تلك النماذج الليت تعطني الواجنب قبنل أن‬
‫تطالب باحلق, وتعيش بالفضل قبنل العندل تقنوم النهضنات وتسنتمر‬
‫احلضارات,وإذا رجعنا إىل داللة القلنة وألفاههنا يف اللغنة أعطتننا منن‬
‫املعاين ما يسند تلك النظرة, ويقوي تلنك الفكنرة, (فاْلفِئَل ُ: اْلجَمَاعَل ُ،‬
 ‫ة‬              ‫ة‬
‫لِأ َّ َبعضَ ُمْ قَدْ فَا َ إلَى َبعضٍ فصَا ُوا جَ َاعَةً)(1)، فلفظلة الفئلة تلدل عللى‬
                                             ‫ْ َ ر م‬                                  ‫َن ْ ه‬
  ‫ة‬
 ‫اجلماعية والتماسك, كما تدل على رجوع بعضلهم عللى بعلض,(فَاْلفِئَل ُ:‬
          ‫ع‬         ‫َن ْ ه‬             ‫َه الرج‬                 ‫م ةِ ن م ةِ‬
‫اْلجَ َاعَ ُ منَ الَّاس ُشَْتقَّ ٌ منَ اْلفَيْ ِ و ُوَ ُّ ُوعُ، لِأ َّ َبعضَل ُمْ َيرْجل ُ إلَلى‬
 ‫َبعضٍ، ومِنْ ُ س َِّيتْ ُؤَخرَ ُ اْلجَيْش فِئَةً، لِلأ َّ اْلجَلْيشَ َيفِلي ُ إلَيْهَلا.)(2) ,‬
                                      ‫َن‬                       ‫َ ه ُم م ِّ ة‬                 ‫ْ‬
                            ‫وهم:(اجلماعة من الناس قليالً كان عددهم أو كثريا)(3).‬
‫والفئة اجلماعة اليت يرجع إليها يف الشدائد، من قوهلم: فلا يفلي إذا رجلع،‬
‫وقد يكون الرجل الواحد فئة تشعبيها، واملللك فئلة النلاس، واجلعبلل فئلة،‬
‫واحلصن، كل ذلك تشعبيه)(4)، ويف قوهلم رضي اهلل عنلهم: كَلمْ مِلنْ فِئَلةٍ‬
‫اآلية، حتريض باملثال وحض واستشعار للصرب، واقتلدا مبلن صلدق ربله، و‬
         ‫ل ه‬
‫«إذن اهلل» هنا متكينه وعلمله، فمجملوع ذللك هلو اإلذن، وَالَّل ُ مَلعَ‬
                                                                   ‫َّابرينَ بنصره وتأييده.‬ ‫الص‬


                                                                       ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 315).‬
                                                                    ‫2 - التحرير والتنوير: (2/ 994).‬
                                                                      ‫3 - تفسري املراغي: (2/ 522).‬

                                             ‫4 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (1/ 933).‬
                                                   ‫12‬
                                           ‫السابقون إىل اإلميان والناصرون للدعوات واحلق قلة:‬
‫أكد القرآن الكر من خالل رصد آيات القلة فيه أن السابقني إىل اإلميان والناصرين‬
      ‫َت‬
‫للدعوات قلة, وهم الذين تقو عليهم الدعوة, وتعبلغ هبم الرسالة, قال تعاىل: (حَّى إذَا‬
           ‫َ ِل َ َ‬                 ‫ْ‬
‫جَا َ َأم ُنَا وفَارَ التُّو ُ ُلْنَا احْملْ فِيهَا منْ ك ٍّ زَوْجَيْن اثْنَينِ وََأهْلكَ إَّا منْ سَبقَ عَلَيْهِ‬
                                                     ‫ِ ُل‬              ‫ِ‬         ‫ْر َ َّن ر ق‬
                                                        ‫َ َه ِل ل‬                 ‫َ ل َ َ َ َ َم‬
                                           ‫اْلقوْ ُ ومنْ آمنَ و َا آَمَنَ مع ُ إَّا قَلِي ٌ ) هود:(40) .‬
                     ‫يقول:(وما أق ّ بوحدانية اهلل مع نوح من قومه إال قليل.)(1)‬
                                                                ‫ر‬
‫وعلى الرغم من إسراف كثري من املفسرين يف القول يف هلذا القليلل إال أننلا‬
‫نقف عند ما ورد يف القرآن الكر , وال نتجاوزه, إميانا منا أنله للو كلان يف‬
‫تفصيله فائدة ملا أغفله القرآن, قال أبو جعفلر:( والصلواب ملن القلول يف‬
‫ذلك أن يقال كما قال اهلل: (وما آمن معه إال قليل) ، يصلفهم بلأهنم كلانوا‬
                                                                ‫حيد‬
‫قليال, ومل ُ ّ عددهم مبقدار، وال خرب علن رسلول اهلل - صللى اهلل عليله‬
                         ‫وسلم- صحيح، فال ينعبغي أن َُجاوز يف ذللك حلد‬
‫ُّ اهلل، إذ مل يكلن ملعبللغ‬                  ‫يت‬
‫عدد ذلك ٌّ من كتلاب اهلل، أو أثلر علن رسلول اهلل صللى اهلل عليله‬‫حد‬
                                                                    ‫وسلم.)(2)‬
‫وهذا القليل السابق إىل اإلميان هو الذي يلتفت إىل مراد اهلل (تعاىل), دون‬
                                                  ‫يفُ‬
‫الوقوف عند الظاهر, فُنَ ِّذ كما نفذ نوح والقلة املؤمنة معه, دون أن يتوقف‬
‫عند أسعباب األرض, بل ميتد نظره ونظرهم إىل مسعبب األرض والسماوات, من‬
‫يف يده األسعباب وهو رهبا, فإنه – عليه السال – ومن معه من القلة املؤمنة‬
‫السابقة على إجابة دعوة التوحيد من نوح نفذوا مراد رهبم, على الرغم من‬
    ‫ْ‬        ‫أ‬              ‫ع ف َكلم َر‬
‫سخرية الكثرة الغالعبة منهم, (وَيَصْنَ ُ اْل ُلْكَ و َُّ َا م َّ عَلَْيهِ مَلٌَ مِنْ قَومِهِ‬
              ‫َر‬           ‫َر ك م‬                  ‫َر ِن ن‬                       ‫ه‬
 ‫سَخرُوا مِْن ُ قَالَ إنْ َتسْخ ُوا مَّا فَإَّا نَسْخ ُ مِْن ُمْ كَ َا تَسْخ ُونَ (33)‬   ‫ِ‬
            ‫َس ْف َ لم ن م ي ت ه عذ ب ي ه وي ِل علْه عذ ب ُق م‬
 ‫ف َو َ تعَْ ُو َ َنْ َأِْي ِ َ َا ٌ ُخْزي ِ ََح ُّ ََي ِ َ َا ٌ م ِي ٌ (33),‬
                                                                                   ‫هود:93,83.‬

                                                                            ‫1 - جامع العبيان: (51/ 523).‬
                                                                             ‫2 - جامع العبيان:(51/ 723).‬
                                                       ‫22‬
                      ‫ل‬                                       ‫ق‬
‫فإنه (ملا حت ّق مبا أمر اهلل به مل يأبه عند إمضا ما كّف به مبا مسع من القيل،‬
          ‫ونظر إىل املوعود بطرف التصديق فكان كاملشاهد له قعبل الوجود.)(1)‬
‫فحمله ذلك ومن معه على السمع والطاعة على الرغم من فقد األسعباب وكثرة‬
                                                                       ‫السخرية واالستعجاب.‬
     ‫الص ة والس‬      ‫ح‬
‫وأما عن عدد هؤال القلة فقد قيل: (كانوا مثانية: نو ٌ عليهِ َّال ُ َّال ُ,‬
                                           ‫ؤ‬       ‫ة‬                ‫ل‬
‫وأهُه, وبنوه الثالث ُ, ونسا ُهم. وعن ابن إسحق: كانوا عشرةً: مخسةَ رجالٍ,‬
‫ومخسَ نسوةٍ ,وعنه أيضاً: أهنم كانوا عشرةً سوى نسائِهم. وقيل كانوا اثنني‬
‫ة‬                 ‫ؤ‬                            ‫د‬
‫وسعبعني رجالً وامرأةً وأوال ُ نوحٍ سا ٌ وحا ٌ ويافث ونسا ُهم فاجلميع مثاني ٌ‬
                                        ‫ر‬               ‫ل ف‬           ‫ف‬
‫وسعبعون نص ُهم رجا ٌ ونص ُهم نسا واعتعبا ُ املعيةِ يف إمياهنم لإلميا إىل املعية يف‬
                                                                       ‫مقر األمان والنجاة)(2)‬
                                ‫فما يكون هؤال يف أمة أرسل إليها نوح عليه السال ؟!‬
‫ومما يدل على أن السابقني إىل إجابة احلق قلة وصف أعدا احلق هلم بسرعة‬
      ‫ِْ‬          ‫َ َر‬      ‫أ ل‬               ‫َ‬
‫إجابتهم, وهذا ما ورد يف قوله تعاىل: (فقَالَ الْمَلَُ اَّذِينَ كف ُوا مِنْ قَومهِ مَا‬
   ‫الر َ‬            ‫لن‬          ‫ل ل ه‬                  ‫ات‬            ‫َ‬              ‫ل َ‬
‫َنرَاكَ إَّا َبشرًا مِثْلَنَا ومَا َنرَاكَ ََّعبعَكَ إَّا اَّذِينَ ُمْ َأرَاذَُِا بَادِيَ َّأْي ومَا‬
                                 ‫َر ك عل ن م ف ل ب نظُّك ك ذ ني‬
                    ‫ن َى َل ُمْ ََيَْا ِنْ َضْ ٍ َلْ َ ُن ُمْ َا ِب َ), هود: (25).‬
‫فهؤال أسلموا بادي الرأي, أي: أول األمر, وفور وصول الدعوة إليهم,ودون‬
‫تفكر بل بظاهر من الرأي,- يف زعمهم- وتلك اليت عابوها عليهم هي طعبيعة‬
‫النفوس الصافية, والقلوب الرائقة الفائقة, اليت ال حيول بينها وبني احلق حائل, وال‬
                                                        ‫مينعها من اإلميان بداية ظهوره مانع.‬



                                                                     ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 931).‬

                                       ‫2 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (4/ 852).‬

                                                     ‫32‬
‫إن قو نوح ملا رأوا إميان هؤال مسرعني قالوا ما قالوا,وتلك عجيعبة الكثرة‬
‫والغالعبني أن يعدوا ما ميدح به عيعبا, وهي سنة ماضية يف الزمان واملكان واألمم‬
                                                                                              ‫واألفراد:‬
          ‫كيف أعتذر(1)‬             ‫كانت ذنوبا فقل‬               ‫إذا حماس الاليت أدل هبا‬
‫وهؤال هم الذين حيرص عليهم وال يفرط يف صحعبتهم لقد أرشد اهلل تعاىل رسوله‬
‫إىل مالزمتهم؛ ألن هبم تقو الدعوات وتنشأ احلضارات, وما أدق قول اهلل تعاىل‬
            ‫َ‬        ‫ُ أ ِ‬
‫يف أمثال هؤال لرسوله صلى اهلل عليه وسال : (وَاتْل مَا ُوحيَ إلَيْك مِنْ كِتَاب‬
  ‫َ‬         ‫ْ‬
‫رِّكَ لَا ُعب ِّلَ ِلكَلِمَاِتهِ وَلَنْ تَجدَ مِنْ دُونهِ ُلْتَحَدًا (25) وَاصبِرْ نَفْسكَ‬
                               ‫م‬                                          ‫مَد‬          ‫َب‬
          ‫ِي ي د َ َه ل د‬                             ‫د‬           ‫ع َبه‬                ‫ال‬
‫مَعَ َّذِينَ يَدْ ُونَ رَّ ُمْ بِاْلغَ َاةِ وَاْلعَش ِّ ُرِي ُونَ وجْه ُ وََا َتعْ ُ عَيْنَاكَ‬
‫ه‬            ‫ْ ن ه ِ ن َات‬                                 ‫ت‬            ‫ي الد‬               ‫ت د‬
‫عَنْهُمْ ُري ُ زيَنةَ الْحََاةِ ُّنْيَا وَلَا ُطِعْ مَنْ أَغفَلَْا قَلَْعب ُ عَنْ ذكْرَا و َّعبَعَ هَوَا ُ‬
                                                                                     ‫َك ن ْ ُه ُرط‬
                                              ‫و َا َ َأمر ُ ف ُ ًا (35)), الكهف: 82,72.‬
‫فلقد أمر اهلل رسوله – صلى اهلل عليه وسلم- هنا بأمرين: تلالوة ملا أوحلي‬
‫إليه من كتاب ربه, والصرب ملع اللذين يلدعون رهبلم بالغلداة والعشلي‬
‫يريدون وجهه, وأمره تعاىل بأن ال يعلدو عينيله عنلهم, فلالوحي واتعبلاع‬
‫كلماته, والقلة العاملة احملمودة, مها جناحلا النصلر واحلضلارة , ودعامتلا‬
‫العبقا واالستمرار, وهذا ما جعل نوحا (عليه السال ) ميتنع علن طلرد القللة‬
‫معه الذين وصفوا بأهنم: (أراذل), من قِعبَل الكثرة اجلاهللة,ويف تعليلل نلوح‬
‫لعد طردهم حيتاج إىل مزيد تأمل,فقوله: ({إهنلم مالقلوا رهبلم}, تعليلل‬
‫المتناعه- صلى اهلل عليه وسلم- عن طردهم أي: إهنلم فلائزون يف اآلخلرة‬
                       ‫أ د‬              ‫ر‬            ‫عز وجل كأن‬
‫بلقا اهلل َّ َّ َّه قيل ال أطل ُدهم وال ُبعِل ُهم علن جملسلي؛ ألهنلم‬
‫مقرَّبون يف حضرة القدس والتعنرُُّ لوصنف الربوبينةِ لتربينة وجنوبِ‬
                                                        ‫ت‬
 ‫رعايتِهم وحتّمِ االمتناعِ عن طردهم, أو ِّقون يف اللدنيا بلقلا ِّهلم,‬
     ‫رب‬                     ‫مصد‬

‫1 - العبيت للعبحتري,انظر ديوانه:1/459 ت: كامل الصرييف,ط: دار املعارف, والعبيت من قصيدته‬
         ‫الرائية اليت ميدح فيها علي بن مر الطائي, وانظر مجهرة األمثال:1/574, وهناية األرب:2/29.‬

                                                        ‫42‬
                      ‫ر‬
‫موقنون به, عالِمون أهنم مالقوه ال حمالة, فكيف أط ُدهم ومحلُله عللى معلىن‬
‫أهنم يالقونه فيجازيهم على ما يف قلوبهم ملنَ إميلان صلحيحٍ ثابلتٍ كملا‬
‫ظهر أو على خالف ذلك مما تعرفوهنم به من بنلا إميلانهم عللى بنادِيَ‬
 ‫ر‬                                              ‫ك‬
        ‫الرأي من غري نظرٍ وتف ّر, وما عل ّ أن َّ علن قللوهبم وأتعلر‬
‫َّفَ سل َّ‬                  ‫ي أشق‬
  ‫ت‬                       ‫ع‬         ‫ر‬                 ‫ُد‬
‫ذلك منهم حىت أطر َهم إنْ كانَ األم ُ كَما تز ُملون يأبلاه اجللز ُ بترّلب‬
‫غضبُ اهلل عزَّ وجلَّ على طردهم كما سليأيت وأيضلاً فهلم إمنلا قلالوا: إن‬
‫اتباعَهم لك إمنا هو حبسب بادي النرأي, بنال تأمنل وتفكنرٍ, وهنذا ال‬
‫يكاد يصلُح مداراً للطرد يف الدنيا, وال للمؤاخنذة يف اآلخنرة, غايتُنه أن‬
‫ال يكونوا يف مرتبة املوقنني, وادعاءُ أن بناءَ اإلمينانِ علنى هناهر النرأي‬
‫يؤدّي إىل الرجوع عنه عند التأملِ, فكأهنم قالوا: إهنم اتبعنو بنال تأمنل,‬
                 ‫فال يثُتون على دينك, بل يرتدون عنه تعس ٌ ال خيفى.)(1)‬
                              ‫ف‬                                    ‫ب‬
              ‫ِ ِص‬                                ‫لل رض‬                    ‫ج ة و َ َه‬
‫(وَ ُمْلَ ُ:( َما آمنَ معَ ُ إلَّا قَِي ٌ) اعِْت َا ٌ لِتَكْمِيل اْلفَائِدَةِ منَ اْلق َّةِ فِي قِلَّةِ‬
‫َّاِلحنيَ.)(2), (وَلَْيسَ َّ ِينَ ركُِوا فِي السفِينَةِ ُأمَمًا ِلقَِّةِ عَدَدهِمْ)(3) وهي‬
            ‫ِ‬       ‫ل‬                     ‫َّ‬        ‫الذ َ عب‬                        ‫الص ِ‬
                                                                          ‫كذلك السنة يف القلة.‬
                               ‫َّ‬           ‫ل‬         ‫ل الذ ه‬               ‫و ن ات‬
                        ‫« َما َراكَ ََّعبعَكَ إَّا َّ ِينَ ُمْ أَراذُِنا بادِيَ الرأْي» ..‬
‫(أي: دون ترو وال تفكري.. وهذه هتملة كلذلك توجله دائملاً ملن امللأل‬
‫العالني جلموع املؤمنني.. أهنا ال تتروى وال تفكر يف اتعبلاع اللدعوات. وملن‬
‫مث فهي متهمة يف اتعباعها واندفاعها، وال يليق بلالكربا أن ينلهجوا هنجهلا،‬
  ‫وال أن يسلكوا طريقها. فإذا كان األراذل يؤمنون، فملا يليلق إذن بلالكربا‬
     ‫ك‬
‫أن يؤمنوا إميان األراذل وال أن يدعوا األراذل يؤمنلون! «وَملا نَلرى لَ ُلمْ‬
‫عَلَيْنا منْ فضلٍ» ..يدجمون الداعي مبن تعبعوه ملن األراذل! ملا نلرى لكلم‬   ‫ِ َ ْ‬

                                 ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (4/ 252).‬
                                                      ‫2 - التحرير والتنوير: (21/ 37).‬
                                                                     ‫3 - التحرير والتنوير: (21/ 59).‬


                                                       ‫52‬
‫علينا من فضل جيعلكم أقرب إىل اهلدى، أو أعلرف بالصلواب. فللو كلان‬
‫ما معكم خرياً وصواباً الهتدينا إليه، ومل تسعبقونا أنتم إليله! وهلم يقيسلون‬
‫األمور ذلك القياس اخلاطئ الذي حتدثنا عنه. قياس الفضلل بامللال، والفهلم‬
‫باجلاه، واملعرفة بالسللطان.. فلذو امللال أفضلل. وذو اجللاه أفهلم. وذو‬
‫السلطان أعرف!!! هذه املفاهيم وتلك القيم اليت تسلود دائملاً حلني تغيلب‬
‫عقيدة التوحيد عن اجملتمع، أو تضعف آثارهلا، فترتلد العبشلرية إىل عهلود‬
                                                                   ‫اجلاهلية.‬
‫ويف التعقيب على قصة نوح وقومه ما حيقلق علددا ملن احلكلم العبلاهرة,‬
‫والسنن احلاكمة, اليت ال تتخلف وال تتبندل:«تِلْلكَ مِلنْ أَنْعبلا ِ اْلغَيْلب‬
                                       ‫و ْم‬               ‫م‬            ‫ك‬                  ‫ن‬
‫ُوحِيها إلَيْكَ ما ُْنتَ َتعْلَ ُها أَْنتَ َال قَو ُلكَ مِلنْ قَعبْلل هلذا، فَاصْلعبرْ إنَّ‬
                                                                             ‫مَّ ِ‬
                                                                      ‫الْعاقِعبَةَ لِلْ ُتقنيَ» ..‬
‫القرآين يف هلذه السلورة:حقيقلة‬                ‫(فيحقق هذا التعقيب من أهداف القص‬
‫غيب ملن الغيلب، ملا كلان‬                    ‫الوحي اليت ينكرها املشركون. فهذا القص‬
‫يعلمه النيب، وما كان معلوماً لقومه، وال متداوالً يف حميطه. إمنلا هلو اللوحي‬
                                                                   ‫من لدن حكيم خعبري.‬
‫وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أ العبشر الثلاين. فهلي هلي. والتعلعبري‬
                                                           ‫عنها يكاد يكون هو التععبري.‬
‫وحقيقة تكرار االعتراضات واالهتاملات ملن املكلذبني عللى اللرغم ملن‬
‫اآليات والعرب والعبينات اليت ال متنع جيالً أن يرددهلا وقلد بلدت باطللة يف‬
                                                                                         ‫جيل.‬




                                                ‫62‬
‫وحقيقة حتقق العبشرى والوعيد، كما يعبشر النيب وينلذر، وهلذا شلاهد ملن‬
‫التاريخ. وحقيقة السنن اجلارينة النيت ال تتخلنف وال حتنايب وال حتيند:‬
                         ‫«والعاقعبة للمتقني» .. فهم الناجون وهم املستخلفون.)(1)‬

‫وهؤال القلة هم السابقون إىل اإلميان يف كل زمان ومكان, وكما كانوا مع نوح عليه‬
 ‫السال , كانوا مع موسى عليه السال , ومع حممد- صلى اهلل عليه وسلم- ومع األنعبيا‬
‫واملصلحني يف كل العصور وعلى تطاول الدهور, وكال فرعون عن أتعباع موسى عليه‬
        ‫ن ؤ ِ ْ ِ َة ل‬
‫السال يظهر هذه السنة جيدا؛ إذ قال عنهم(... إ َّ هَ ُلَا ِ َلشرذم ٌ قَلِيُونَ (52)‬
                             ‫و ن لجم ع ح ِر ن‬             ‫و نه لن غ ئظ ن‬
   ‫َإَّ ُمْ ََا َل َاِ ُو َ (22) َإَّا َ َ ِي ٌ َاذ ُو َ), (52), الشعرا : (45-95).‬

‫فوصفهم بأهنم شرذمة, وهي: الطائفة والبقية القليلة, فهم كانوا السابقني إىل دعوة‬
‫موسى عليه السال , واملستجيعبني لندا اإلميان, بني هذه األعداد الغفرية اليت ذكرها‬
‫املفسرون يف عدد جيش فرعون فضال عن رعيته, وهكذا السابقون إىل اإلميان قلة, (َيعْني‬
        ‫َِ ْ ن َ ْ به ِت‬                         ‫ِت‬       ‫ْ بم‬            ‫َ‬              ‫ه لل‬
‫ُمْ قَِي ٌ فِي كَِثريٍ، وكَانَ أَصحَا ُ ُوسَى س َّ مِائَةِ أَلْفٍ، وفرعَوْ ُ وأَصحَاُ ُ سَّةَ آالفِ‬
                                                                  ‫أَلْفٍ، هَذَا َتفْس ُ ُّد ِّ.)(2)‬
                                                                       ‫ِري الس ِّي‬

‫وقد حرص فرعون على وصفهم مبالزمة القلة من خالل هذا اللفظ(شرذمة), ومن خالل‬
‫مجعهم على(قليلون), فهو يؤكد قلتهم هبذه الصورة لفظا ومعىن, (وقيل: قليلون، ألن كل‬
          ‫مجاعة منهم كان يلزمها معىن القلة; فلما مجع, مجع مجاعاهتم قيل: قليلون)(3)‬

                                        ‫وقد ظلمهم فرعون هبذا الوصف, وبغى عليهم وعدا.‬

                                                      ‫1 - يف ظالل القرآن (4/ 5881).‬


                                                             ‫2 - تفسري حيىي بن سال :(2/ 455).‬

                                                                   ‫3 - جامع العبيان: (91/ 553).‬

                                                ‫72‬
‫ووصف الطاغني هلم بأهنم أراذل أو شرذمة ال يقللل ملن سلعبقهم, وال يكلدر ملن‬
‫صفوهم فالسابقون السابقون أولئك املقربون, أولئلك اللذين يؤمنلون بلال تلردد,‬
‫ويعتنقون بال صوارف, ويقعبللون بلال اشلتراط, حسلعبهم أهنلم عرفلوا طلريقهم‬
  ‫ووجدوا ضالتهم, واهلل ورسوله يف ذلك أمن وأكلر , ولقلد عتلب اهلل عللى قلو‬
‫زعموا أهنم سعبقوا يف اإلميان فذكرهم اهلل تعلاىل بلأن السلعبق حملض منلة ملن اهلل‬
 ‫الل ه ُلن‬             ‫َك‬        ‫ُن َي‬              ‫م ق‬                           ‫ُن‬
‫وحده,( يَمُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَ ُوا ُلْ لَا تَمُّوا عَل َّ إسْللَام ُمْ بَلل َّل ُ يَم ُّ‬
         ‫م‬           ‫ن الل‬                             ‫ك‬
‫عَلَْيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإميَانِ إنْ ُنْلتُمْ صَلادِقِنيَ (17) إ َّ َّلهَ َيعْلَل ُ غَيْلبَ‬
                                                        ‫َّ ِري‬                 ‫َ‬
             ‫َّمَاوَاتِ وَالْأرْض وَاللهُ بَص ٌ بمَا َتعْمَلُونَ)(17), ق: (17,17).‬          ‫الس‬
                  ‫من صفات القلة احملمودة: قلة املال والسلطان وعدم احتفاهلم به‬
‫ومن صفات القلة الرائدة, أهنم ال يلأهبون بامللال, وال حيفللون باجللاه‬
‫والسلطان, إال بقدر ما حيقق أهلدافهم, ويعينلهم يف الوصلول إىل غايلاهتم,‬
‫ال يأهبون مبا يأبه به الناس, وال يشغلون مبا يشغل بله العاملة, ولعلل سلؤال‬
‫النيب – صلى اهلل عليه وسلم- ألصلحابه علن رجلل ر الثيلاب, رقيلق‬
‫احلال, قليل املال, وآخر عظيم الثرا , كثري الزينة واملتلاع , لريسلخ للديهم‬
‫هذا القانون الصادق والسنة احلقيقة بالبقاء, فقد (م َّ رَ ُل ٌ عَلَلى رَ ُلول‬
   ‫س‬           ‫َر ج ل‬
      ‫ي‬                                     ‫قل‬             ‫َل َق‬               ‫َل هلل‬
 ‫اللَّهِ صَّى ا ُ عَلَيْهِ وَسَّمَ، ف َالَ: «مَا َت ُوُونَ فِلي هَلذَا؟» قَلالُوا: حَلر ٌّ إنْ‬
    ‫ُلم‬         ‫ق‬          ‫ي‬            ‫ي َلف و ق‬                ‫و َ‬             ‫ي‬
    ‫خطبَ أَنْ ُنْكَحَ، َإنْ شفَعَ أَنْ ُش َّعَ، َإنْ َلالَ أَنْ ُسْلتَمَعَ، َلالَ: ث َّ‬    ‫ََ‬
                         ‫ل‬                  ‫َر ُل ِ ُ َ مل ِ َق‬
  ‫سَكتَ، فَم َّ رَج ٌ منْ فقرَا ِ ا ُسْلِمنيَ، ف َلالَ: «مَلا َتقُوُلونَ فِلي هَلذَا؟»‬     ‫َ‬
          ‫ق‬         ‫ي َلف‬                ‫و ش‬             ‫ي‬            ‫ل حي ََ‬
‫قَاُوا: َر ٌّ إنْ خطبَ أَنْ الَ ُلنْكَحَ، َإنْ َلفَعَ أَنْ الَ ُش َّعَ، وَإنْ َلالَ أَنْ‬
                ‫ر‬                     ‫َلل‬         ‫َل هلل‬           ‫َق س ل‬                  ‫ي‬
 ‫الَ ُسْتَمَعَ، ف َالَ رَ ُو ُ اللَّهِ صَّى ا ُ عَلَيْهِ وَس َّمَ: «هَلذَا خَيْل ٌ مِلنْ مِللْ ِ‬
                                                                   ‫األَرْض مِْثلَ هَذَا»)(1).‬




                                                              ‫1 - صحيح العبخاري: (7/ 8).‬


                                                   ‫82‬
‫فكأن النيب – صلى اهلل عليه وسلم- يريد أن يلفت نظلر أصلحابه إىل هلذه‬
‫السنة املاضية يف القلة وأصحاهبا, وأهنم ال يأهبون باللدنيا ومتاعهلا, واحليلاة‬
‫وزخرفها, أما الكربا واألغنيا فال يرون العلز والتقلد إال يف امللال واجللاه‬
    ‫و‬
‫والسلطان, فيقولون لنوح (عليه السال ), معبيلنني لله علد إميلاهنم: ( َملا‬
                                 ‫َّ‬            ‫ل‬     ‫الذ ه‬                  ‫ن ات‬
 ‫َراكَ ََّعبعَكَ إلَّا َّ ِينَ ُمْ أَراذُِنا، بادِيَ اللرأْي» !! وهلم يسلمون الفقلرا‬
‫من الناس «أراذل» .. كما ينظر الكربا دائماً إىل اآلخلرين اللذين مل يؤتلوا‬
‫املال والسلطان! وأولئك هم أتعباع الرسل السلابقون غالعبلاً ألهنلم بفطلرهتم‬
‫أقرب إىل االستجابة للدعوة اليت حترر الناس ملن الععبوديلة للكلربا ، وتصلل‬
‫القلوب بإله واحد قاهر عال على األعليا . وألن فطلرهتم مل يفسلدها العبطلر‬
‫والترف، ومل تعوقها املصاحل واملظاهر عن االستجابة وألهنلم ال خيلافون ملن‬
‫العقيدة يف اهلل أن تضيع عليهم مكانة مسلروقة لغفللة اجلملاهري واسلتععبادها‬
‫للخرافات الوثنية يف شىت صورها. وأول صلور الوثنيلة الدينونلة والععبوديلة‬
‫والطاعة واالتعباع لألشخاص الزائلة بدالً من االجتلاه هبلذا كلله هلل وحلده‬
‫دون شريك. فرساالت التوحيد هي حركلات التحريلر احلقيقيلة للعبشلر يف‬
‫كل طور ويف كل أرض. ومن مث كان يقاومهلا الطغلاة دائملاً، ويصلدون‬
‫عنها اجلماهري وحياولون تشويهها واهتا الدعاة إليها بشلر التلهم للتشلويش‬
                                                                    ‫والتنفري.)(1)‬
                                           ‫من صفات القلة املنتصرة أهنم علماء فقهاء‬
‫ومن صفات القلة احملمودة أهنم علما واععبون وفقها فامهون, بدا ذلك يف ترتيب‬
‫الدعا لديهم كما بدا يف نصحهم ملن معهم, وحرصهم على هدايتهم, ومما يدل‬
‫على ذلك أيضا قوهلم: ({كَم ِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَعبَتْ فِئَةٍ كَِثريَةً بإذْنِ اهلل}(َتقْوي ُ‬
‫ة‬                                                                  ‫م‬
                                                         ‫ل‬                              ‫الذ‬
‫قلوب َّ ِينَ قالوا: {الَ طَاقَةَ لَنَا اليو بجَاُوتَ وَجُنودِهِ} ، واملعىن: ال عِربة بكثرةِ‬




                                                         ‫1 - يف ظالل القرآن (4/ 2781).‬
                                                   ‫92‬
                                                                          ‫ة بالت‬
 ‫العددِ، وإَّما العرب ُ َّأْييد اإلِهلي، مث قال: {واهلل مَعَ الصابرين} . وهذا من تَما‬     ‫ن‬
                                                                                         ‫قوهلم.)(1)‬
                                                      ‫ن َه ل‬                ‫ه ه َال‬            ‫َم‬
‫(فَل َّا جاوَزَ ُ ُوَ و َّذِينَ آمَُوا معَ ُ قاُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْ َ بجالُوتَ وَجُنُودِهِ أَي‬
‫م َن‬                   ‫ُه‬           ‫َّ ه‬                          ‫َل ف ه َ ق د ِّ‬
‫اسَْتقُّوا أَْن ُسَ ُمْ عنْ ِل َاءِ عَ ُوهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، فَشَجعَ ُمْ عُلَمَاؤ ُمْ اْلعَالِ ُونَ ِبأ َّ‬
             ‫وَعْدَ اللهِ ح ٌّ، فَإ َّ النصرَ منْ عِنْدِ اللَّهِ لَْيسَ عنْ كَْثرَةِ عَددٍ وَلَا عِددٍ)(2)‬
                   ‫َ‬           ‫َ‬              ‫َ‬                         ‫َّ َق ن َّ ْ ِ‬
                                                                                             ‫اإلميان باهلل‬
‫ومن صفات القلة أهنم مؤمنون باهلل إميانا يقينيلا عمليلا فهلم يلدركون أن‬
     ‫ِ‬                                        ‫ِ‬               ‫ن‬
‫اإلميان أساس النصر والتأييد, (إ َّ الْإميَلانَ بلقَلا ِ اهللِ َتعَلالَى فِلي الْلآخرَةِ،‬
                                           ‫ر َ‬            ‫و ل ص الص ال ه ِ ْ‬
‫َاِاعِْت َا َ ب َّعبْر - َّذِي ُوَ منْ أَركَانِ الْعب ِّ وكَمَالِلهِ مِلنْ ثَمَلرَاتِ الْإميَلانِ‬
     ‫ه‬              ‫ث َ‬                ‫َ‬                   ‫َ ل‬                           ‫ِ‬
‫- سَعبَعبَانِ منْ أَسْعبَاب َنصْر اْلعَددِ اْلقَِيل عَلَى اْلعَلددِ الْكَلِري وذَلِلكَ قَوْلُل ُ -‬
              ‫عب‬                     ‫ِ‬             ‫ق الذ ُن َنه م ق‬                        ‫َز َل‬
‫ع َّ وَج َّ -: (َالَ َّ ِينَ َيظُّونَ أَّ ُمْ ُلَاُو اهللِ كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَلةٍ غَلََلتْ فِئَلةً‬
                                            ‫كَِثريَةً بإذْنِ اهللِ وَا ُ مَعَ َّابرينَ) (942))(3)‬
                                                                      ‫هلل الص‬
‫وهذا اإلميان هو اللذي حيمللهم عللى التمسلك مبعبلدئهم, والتضلحية يف‬
‫سعبيله, والصرب على مشاقه,لعلمهلم ان اهلل ناصلر دينله, ومؤيلد أهلله,(إنَّ‬
        ‫ب‬
‫سَّةَ اهللِ َتعَالَى قَدْ مضتْ بأَنْ يَْنصرَ اْلح َّ وَحزْبَ ُ عَلَلى الْعبَاطِلل وَأَحْزَاِنهِ مَنا‬
                                      ‫ُ َق ِ ه‬                          ‫ََ‬                       ‫ُن‬
     ‫ه َ‬           ‫َع‬                     ‫َق َ م ه ع‬                           ‫ْب‬      ‫َ‬
‫اسْتَمْسكَ حِز ُ اهللِ بِح ِّهِمْ فأَقَنا ُو ُ وَدَ َنوْا إِلَيْنهِ وَدَاف ُنوا عَنْن ُ، وأَنَّ‬
          ‫ه ِ ه الت‬                                     ‫َق‬          ‫ُع ع مد َ َ ف‬
 ‫اْلق ُودَ َن الْ ُ َافعَةِ ضعْ ٌ فِي اْلح ِّ ُيغْري بلهِ َأعْلدَا َ ُ وَُيطْمعُ ُلمْ ب َّنْكِيلل‬
                                              ‫و نه‬          ‫ي ِع‬                 ‫َت عب‬
‫بحزْبهِ، حَّى يَتَأَلَُّوا عَلَيْهمْ وَُوق ُوا بهمْ، َإَّ ُ قَدْ سَلَعبقَ فِلي عِلْلم اهللِ َتعَلالَى‬   ‫ِ‬
                       ‫ُ‬                   ‫ِل‬       ‫ه ُ ه‬                                ‫ُد‬              ‫َن‬
 ‫أ َّ اهللَ لَا ب َّ أَنْ ُيظْهرَ دِينَ ُ وَيَْنصرَ َأهْلَ ُ عَلَى قَّلتِهمْ، وََيخْلذلَ َأهْللَ الْعبَاطِلل‬
       ‫هلل‬                                           ‫عب‬                       ‫ِ‬
‫عَلَى كَْثرَتِهمْ (كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَلةٍ غَلََلتْ فِئَلةً كَلِثريَةً بلإذْنِ اهللِ وَا ُ مَلعَ‬
    ‫عب‬                 ‫م‬            ‫َ ت‬            ‫هلل ُل‬              ‫َ‬
‫َّابرينَ) (2: 942) وقَدْ عَلِمَ ا ُ ك َّ هَذَا وأَنْلُمْ لَلا َتعْلَ ُلونَ مَلا خََّلأَ‬                ‫الص‬



                                                         ‫1 - اللعباب يف علو الكتاب: (4/ 882).‬
                                                   ‫.‬
                                                       ‫2 - تفسري ابن كثري, ط: العلمية: (1/ 955)‬
                                                                        ‫3 - تفسري املنار: (1/ 551).‬
                                                          ‫03‬
                ‫ُك‬                ‫و م‬                 ‫ث‬          ‫ت د ه‬                         ‫ك‬
‫لَ ُمْ فِي غَيْعبهِ، وَسََج ُونَ ُ فِي امْتَِال َأمْرهِ، َاْلعَ َل بمَلا ُيرْشِلد ُمْ إلَيْلهِ فِلي‬
                                                                                     ‫كِتَابهِ.)(1)‬
                                                                                       ‫أصحاب العزم‬
  ‫ومن صفات القلة أهنم أولو عز ومثابرة, واملتأمل لقصة امللأل ملن بل‬
‫إسرائيل من بعد موسى يلدرك ملدى علز هلؤال اللذين رأوا علدوهم‬
‫أضعاف عددهم أضعافا مضاعفة, فما وهنوا وملا اسلتكانوا بلل صلربوا يف‬
‫رضا, ومضوا يف عز واثقلني ملن نصلر اهلل وتأييلده, وملدده ومتكينله,‬
‫وأفرغوا هذه املعاين على من معهلم داعلني غيلاهم إىل الصلرب والليقني يف‬
‫موعود اهلل تعاىل بالنصر والظفر, وعندما قال أكثلر العلابرين للنلهر مللا رأوا‬
  ‫ْ ل ل َج ل ِ‬                           ‫ل‬                ‫ل ط‬
‫ط لالوت وجن لوده: (..لَ لا َاقَ لةَ لَنَ لا الْيَ لو َ بجَ لاُوتَ و ُنُ لودهِ‬
                                                                         ‫ل‬           ‫ل‬
‫...),العبقرة:(355) (كَيْفَ ُنطِيقُ اْلعَدُوَّ مَعَ كَْثرَتِهمْ! قَنالَ أُولُنو اْلعَنزمِ‬
  ‫ْ‬
                                                                                                     ‫ه‬
‫مِنْ ُمْ:" كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَلِثريَةً بلإذْنِ الَّلهِ". َلالَ الْعبَلرَا ُ بْلنُ‬
                       ‫ق‬      ‫ل‬                                                           ‫ِ‬
       ‫ال‬                            ‫َ ِلد‬         ‫ب‬        ‫ُن َد َن ِد‬
‫عَازبٍ: كَّا نََتح َّ ُ أ َّ ع َّةَ َأهْل َلدْرٍ كع َّةِ أَصْلحَاب طَلالُوتَ َّلذِينَ‬
                                    ‫َ ج َ‬                ‫ْ‬           ‫ز َ ه الن َ ث‬
‫جَاوَ ُوا معَ ُ َّهرَ ثَلَاُمِائَةٍ وَبضعَةَ عَشرَ رَ ُلًا- وفِلي روَايَلةٍ: وَثَلَاثَلةَ عَشَلرَ‬
                                                    ‫رَ ُلًا- ومَا جَازَ معَ ُ إلَّا ُؤم ٌ.)(2)‬
                                                           ‫َ ه م ْ ِن‬                  ‫ج َ‬
‫وهؤال املؤمنون الصابرون الثلابتون املصلابرون هلم القللة العامللة وهلم‬
‫خالصة غريهم, الذين يثعبتون عندما ينكسلر غريهلم وهلم لعظليم إميلاهنم‬
‫أكثر ثقة من غريهم فهؤال هلم ( اخللل منلهم اللذين تيقنلوا لقلا اهلل‬
‫وتوقعوا ثوابله، أو علملوا أهنلم يستشلهدون عملا قريلب فيلقلون اهلل‬
                                                        ‫تعاىل.)(3)‬
                                                                 ‫موصولون باهلل متعلقون بدعائه‬



                                                                     ‫1 - تفسري املنار: (2/ 552).‬
                                                                   ‫2 - تفسري القرطيب: (3/ 552).‬
                                                   ‫3 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 151).‬
                                                         ‫13‬
‫ومن صفات القلة اليت نفيدها من موقفهم مع طالوت - عليه السال - أهنم على‬
‫صلة قوية باهلل تعاىل, بدا ذلك يف يقينهم يف أهنم مالقوه, وبدا كذلك يف صيغة‬
‫تععبري القرآن عنهم بأهنم (الذين يطنون أهنم مالقو اهلل), والظن هنا إن كان مبعىن‬
‫اليقني فهو يدل على ثقتهم ويقينهم يف لقاء رهبم, وإن كان على بابه فهو من‬
‫هضم نفسهم حيث إهنم يف موطن الشهادة والقدوم على املوت,كما يعبدو‬
‫إمياهنم وحسن صلتهم باهلل من تععبريهم يف الدعا : (أفرغ علينا صربا وثعبت أقدامنا‬
                                                      ‫وانصرنا على القو الكافرين).‬
                                    ‫قو‬                   ‫عب‬
‫(وَأفْرغْ مبعىن: اصعبب وَثَِّتْ َأقْدامَنا أي: ِّ قلوبنا لتثعبيت أقدامنا، وإمنا تثعبت‬
                                                       ‫األقدا عند قوة القلوب.)(1)‬
‫ويف اختيارهم الدعا بلفظ الربوبية فيه ملا فيله ملن وعليهم وحسلن‬
‫صلتهم برهبم,و(هذه هي الشحنة اإلميانية ملن يريلد أن يواجله علدوه فهلو‬
                      ‫َب‬                                           ‫َبن‬
‫ينادي قائال: {رََّآ} إنه مل يقل: يا اهلل، بلل يقلول: {رَّنَلآ}؛ ألن اللرب‬
‫هو الذي يتلوىل التربيلة والعطلا ، بينملا مطللوب «اهلل» هلو الععبوديلة‬
‫والتكاليف؛ لذلك ينادي املؤمن ربه يف املوقف الصلعب «يلا ربنلا» أي يلا‬
‫من خلقتنا وتتوالنا ومتدنا باألسلعباب، ... وعنلدما نتأملل كلملة {َأفْلرغْ‬
‫عَلَيْنَا صَعبْراً} تفيدنا أهنم طلعبوا أن ميأل اهلل قلوهبم بالصرب ويكلون أثلر الصلرب‬
                                                             ‫د‬
‫تثعبيت األقدا {وَثَِّعبتْ َأقْ َامَنَا} حىت يواجهلوا العلدو بإميلان، وعنلد هنايلة‬
‫الصرب وتثعبيت األقدا يأيت نصر اهلل للمؤمنني عللى القلو الكلافرين، وتلأيت‬
                   ‫َ َم ه‬
‫النتيجة للعز اإلمياين والقتلال يف قولله احللق: {فَهز ُلو ُمْ بلإذْنِ اهلل ...‬
                                                                              ‫})(2)‬
 ‫ويف ترتيب الدعا : حسن صلة, وجودة وعي, من طلب إفراغ الصرب, مث‬
 ‫تثعبيت األقدا , وهو مرتب على سابقه, مث النصر على الكافرين, وهو نتيجة‬
 ‫املقدمتني السابقتني,واستخدا لفظ: (الكافرين)فيه حتضيض عليهم, واستجالب‬


                                          ‫1 - زاد املسري يف علم التفسري: (1/ 722).‬
                                                  ‫2 - تفسري الشعراوي: (2/ 9551).‬
                                             ‫23‬
  ‫للنصر على هؤال الكافرين, فلم يقولوا انصرنا على عدونا, بل على القو‬
‫الكافرين, حتضيضا عليهم وبيانا لسعبب طلب نصرهم على هؤال الذين جحدوا‬
‫اهلل يف ربوبيته وألوهيته, ففي هذا الدعا مع حسن الصلة ودقة الوعي ( ترتيب‬
‫بليغ إذ سألوا أوالً إفراغ الصرب يف قلوهبم الذي هو مالك األمر، مث ثعبات القد يف‬
             ‫مداحض احلرب املسعبب عنه، مث النصر على العدو املترتب عليهما غالعباً.‬
 ‫فَهز ُو ُمْ بإذْنِ اللَّهِ: فكسروهم بنصره، أو مصاحعبني لنصره إياهم إجابة‬                            ‫َ َم ه‬
                                                                                          ‫لدعائهم.)(1)‬
 ‫ومن لطائف صاحب العبحر مجعه لعبعض اللمسلات الليت يتميلز هبلا يف‬
                        ‫َّب َّال‬                                                 ‫ُّ‬            ‫فع‬
 ‫قوله: ( َز ُوا إلَى الدعَا ِ لِلَّهِ َتعَالَى فَنَادَوْا بَلفْظِ الر ِّ اللد ِّ عَلَلى الْإصْللَاح‬
                                 ‫َ ه‬               ‫ْ ر ععب ِي‬                           ‫م َ‬
‫وعَلَى الْ ُلْكِ، ففِي ذَلِكَ إشعَا ٌ باْل ُُودَّلةِ. وقَلوْلُ ُمْ: َأفْلرغْ عَلَيْنَلا صَلْعبرًا‬               ‫َ‬
       ‫ه‬          ‫ك‬                           ‫ُب م الص َت ك م‬
‫ُؤَا ٌ بأَنْ َيص َّ عَلَيْه ُ َّْعبرَ حَّى يَ ُونَ ُسْلَتعْلِيًا عَلَليْهمْ، وَيَ ُلونَ لَ ُلمْ‬           ‫س ل‬
      ‫ح‬                 ‫َل‬                                               ‫َ ْر ِ‬            ‫َّ َه‬
 ‫كَالظرْفِ و ُمْ كَالْمظ ُوفنيَ فِيهِ. وَثَِّعبتْ َأقْلدامَنا فَلَلا تَلز ُّ عَلنْ مَلدَا ِض‬
         ‫ك‬                      ‫َم‬                              ‫قل‬                ‫ة َ‬
‫اْلقَِال، و ُوَ كِنَايَ ٌ عنْ تَشْجيع ُُوبهمْ وََتقْويَتِهَلا، وَل َّلا سَلأَلُوا مَلا يَ ُلونُ‬‫ت َه‬
                                                  ‫د‬                    ‫ِ الص ل‬
                            ‫ُسَْتعْلِيًا عَلَيْهمْ منَ َّعبْر سَأَُوا تَثْعبيتَ َأقْ َامِهمْ وَإرْسَاخَهَا.‬     ‫م‬
           ‫ُ‬                                                              ‫ف‬
‫وَاْنصرْنا عَلَى اْلقَو الْكاِرينَ أَيْ: أعنا عليهم، وجلاؤا بالْوَصْلفِ الْمقَْتضِلي‬ ‫ْ‬                     ‫ُ‬
        ‫َب‬                   ‫َ‬                  ‫َه ُ ْر َ ن عبد‬
‫ِل ُذْلَانِ َأعْدَائِهمْ، و ُوَ الْكف ُ، وكَاُوا َيعُْ ُونَ الْأَصْنَا َ، وفِلي قَلوْلِهمْ: رَّنَلا،‬          ‫خ‬
                                       ‫إقرَا ٌ لِلَّهِ َتعَالَى بالْوَحْدَانَّةِ، َإقرَا ٌ لَ ُ باْل ُُودَّةِ.)(2)‬
                                              ‫ي و ْ ر ه ععب ِي‬                                             ‫ْ ر‬
‫هكذا.. «رَّنا َأفْرغْ عَلَيْنا صَعبْراً» .. (وهو تععبري يصور مشلهد الصلرب فيضلاً‬            ‫َب‬
 ‫من اهلل يفرغله علليهم فيغملرهم، وينسلكب علليهم سلكينة وطمأنينلة‬
                                                                    ‫عب‬
‫واحتماالً للهول واملشقة. «وَثَِّلتْ َأقْلدامَنا» .. فهلي يف يلده- سلعبحانه-‬
                    ‫ْ‬                      ‫ص‬
 ‫يثعبتها فال تتزحزح وال تتزلزل وال متيد. «وَاْن ُلرْنا عَلَلى اْلقَلو الْكلافِرينَ»‬
‫.. فقد وضح املوقف.. إميان جتاه كفلر. وحلق إزا باطلل. ودعلوة إىل اهلل‬


                                  ‫1 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
‫2 - العبحر احمليط يف التفسري:(2/ 295),وانظر: اللعباب يف علو الكتاب: (4/‬
                                                                       ‫982),وتفسري املنار (2/ 983).‬
                                                             ‫33‬
‫لينصر أوليا ه املؤمنني على أعدائه الكلافرين. فلال تلجللج يف الضلمري، وال‬
            ‫غعبش يف التصور، وال شك يف سالمة القصد ووضوح الطريق.)(1)‬
                                                    ‫واعون بالسنن اجلارية يف احلياة واألحياء‬
‫ومن أهم صفات القلة احملمودة واليت تظهر السننية يف هلذا اجلانلب أهنلم‬
‫على وعي ملحوظ بسنن اهلل (تعاىل) يف احليلاة واألحيلا , يظهلر ذللك يف‬
‫اجليل القرآين الفريد الذي رباه الرسول - صللى اهلل عليله وسللم- ,كملا‬
‫يظهر يف كل قلة متنح النصر, واملتأمل للقلة ملع طلالوت يلحلظ ذللك يف‬
‫غري موضع, يف وعنيهم بالندعاء, ومندى جلبنه للنصنر بعند األخنذ‬
‫باألسباب, ويف ترتيب الدعاء, كما ملر, ويف اختيلار األلفناظ ودقتنها,‬
‫ويف قوهلم:(كم من فئنة قليلنة غلبنت فئنة كلثرية بلإذن اهلل واهلل منع‬
‫الصابرين), فإدراكهم ملا مضى على اخللق من نصلر القللة العامللة عللى‬
‫الكثرة النائمة, وذلك من خالل التععبري (بكم) الليت تفيلد التكلثري, وقلوهلم‬
‫(واهلل مع الصابرين), وهذه سنة من سنن اهلل تعناىل. يقلول أبلو حيلان يف‬
   ‫س‬                   ‫ن‬          ‫و ث ر‬             ‫جن‬
‫العبحر: (إنا ال نكتر جبالوت وَ ُُلودِهِ َإنْ كَُل ُوا، فَلإ َّ الْكَثْلرَةَ لَيْ َلتْ‬
‫سَعبَعبًا لِلِانِْتصَار، فَكَِثريًا مَا انَْتصرَ اْلقَلِيلُ عَلَى الْكَلثِري وَلَمَّلا كَنانَ قَندْ سَنَبقَ‬
                                                             ‫َ‬
          ‫َ‬                                                                         ‫ْ‬
‫ذَِلكَ فِي اْلأَممَانِ الْمَاضِنَيةِ. وَعَلِمُنوا بِنذَِلكَ، ُأخْبِنرُوا بِصِنيغةِ: كَنمْ،‬
‫الْمقْتَضِي ُ للتكثري)(2), وذلك هلو علني إدراك السلنن الربانيلة, واإلفلادة‬              ‫ُ َة‬
                                                                    ‫منها.‬
‫كما أن املتأمل لدعائهم يلحظ فيه بوضوح هذا الوعي الراقلي, فهلم سلألوا‬
‫اهلل –تعاىل- بلفظ الربوبية, وهي مدار العطلا والرعايلة والتربيلة والعنايلة,‬
‫ومل يسألوه باأللوهية اليت هي مدار التكليف, كملا أهنلم قلالوا: ( أفلرغ )‬
‫الذي يدل على الشمول والعمو واالستيعاب, كملا أهنلم ربطلوه بلفلظ:‬
‫(على) الذي يدل على العلو وفيه من التمكن ما فيله, وتللك طعبيعلة القللة‬

                                                                  ‫1 - يف ظالل القرآن: (1/ 992).‬
                                                         ‫2 - العبحر احمليط يف التفسري: (2/ 195).‬
                                                         ‫43‬
‫الواعية للسنن يف كل زمان ومكان, والناظر يف أدعية اللنيب (صللى اهلل عليله‬
‫وسلم) والقلة املؤمنة معه يلمح هذا بوضوح, ويلمح ملدى التلرابط العبلديع‬
 ‫بني صفات القلة على ترابط الزمن وتعباعد األمصار, ففلي نلدائِهم بقلوهلم:‬
     ‫َّب‬                ‫َن‬                         ‫ب‬          ‫عُودي‬
   ‫«رَّنَا» ( اعترا ٌ منهم بال ُعب َّة، وطل ٌ إلِصلالحهم؛ أل َّ لفلط «اللر َّ»‬     ‫ف‬            ‫َب‬
   ‫ُشْعر بذلك دونَ غريها، وأَتوا بلفلظِ «عَلَلى» يف قلوهلم «َأفْلرغ عَلَيْنَلا»‬                      ‫ي‬
                                                                       ‫الص ر م‬
   ‫طلعباً؛ ألنْ يكونَ َّْعب ُ ُسْتعلِياً عليهم، وشامالً هلم كلالظرفِ. ونظلريه ملا‬
    ‫ه‬                             ‫عدو‬                           ‫َنه‬
  ‫حكى ا ُ عن قو آخرين أَّ ُم قالوا حني القوا َّهم: ومَلا كَلانوا قَلوْلَ ُم‬                 ‫هلل‬
              ‫د‬          ‫عب‬                      ‫ذن و ر‬                            ‫رب‬       ‫ل‬     ‫ال‬
 ‫إ َّ أَنْ قاُوا: { َّنَا اغفر لَنَا ُُوبَنَا َإسْل َافَنَا يف َأمْرنَلا وَثَِّلتْ َأقْل َامَنَا} [آل‬
   ‫عمران: 741] {وانصرنا عَلَلى القلو الكلافرين} [آل عملران: 741],‬
                       ‫وكذلك كان - عليه َّالة َّال - يفعل يف املواطن.)(1)‬
                                                         ‫الص والس‬
 ‫كما تلمح وعيهم بالسنن كلذلك يف طلعبلهم للصلرب,وثعبلات األقلدا ,‬
‫وتوقع النصر هبذا التدرج, وتلك هي مطاللب الفئلة املؤمنلة للنصلر عللى‬
                                          ‫الص‬
 ‫العدو وخالصتها يف ثالثة أمور:( األول: َّلرب عللى مشلاهدة املخلاوف‬
                                                               ‫د‬
                                                      ‫وهو املراد بقوهلم: {وَثَِّعبتْ َأقْ َامَنَا}.‬
 ‫الثاين: أن يكون قد وجد من اآلالت واألدوات ما ميكنه أن يقف ويثعبت، وال‬
                                                                              ‫يصري ملجأ إىل الفرار.‬
            ‫ُ‬                                                  ‫العدو‬
 ‫الثالث: زيادة َّة على ِّ؛ حىت يقهره، وهو املراد من قوهلم «واْنصرْنَا عَلَى‬       ‫القو‬
                                                                               ‫القَو الكَاِرينَ».)(2)‬
                                                                                          ‫ف‬     ‫ْ‬
‫وهذا هو ترتيب العقل والواقع, مبا يشعر بلأهنم واعلون واععبلون لسلنن اهلل‬
            ‫ُ َت ب‬          ‫ُم ر الث ة ْ‬                   ‫َ‬
‫– تعاىل- يف احلياة واحليا , ( وهَذِهِ الْلأ ُو ُ َّلَاثَل ُ َبعضُلهَا مرَّل ٌ عَلَلى‬
         ‫ب‬                     ‫َالص ر ب ث ال‬                                              ‫س‬
‫َبعضٍ بحَ َب الْأَسْعبَاب اْلغَالِعبَةِ، ف َّْعب ُ سََعب ٌ لِلَّعبَاتِ َّلذِي هُلوَ سَلَعب ٌ مِلنْ‬ ‫ْ‬




                                                    ‫1 - اللعباب يف علو الكتاب: (4/ 982).‬
                                                    ‫2 - اللعباب يف علو الكتاب: (4/ 982).‬
                                                      ‫53‬
                  ‫َز َلل‬                ‫َ ر ن الص م ْ ن‬                         ‫َّ‬
‫أَسْعبَاب النصْر، وأَجْدَ ُ الَّاس ب َّعبْر الْ ُؤمُِونَ باهللِ ع َّ وَج َّ اْلغَالِلب عَلَلى‬
                                                                                 ‫َأمْرهِ،)(1)‬
                                          ‫عدم احتفاهلم باملال واملنصب واجلاه والسلطان‬
‫ومن الصفات املالحظة يف القلة, عد احتفاهلم باملال فلال يشلغل بلاهلم,‬
‫وعد هتيعبهم بالسللطان, فلال يهلز يقينلهم, وعلد عنايتلهم باملنصلب‬
‫والوجاهة, فالنفوس الكعبرية ال تكثر يف أعينها األشليا مهملا تكلاثرت, وال‬
‫تشغلها لعاعات الدنيا مهما أبرقلت, ف(صلانع احليلاة يلدوس األلقلاب‬
‫برجله وحيطمها، وميضي يصلنع احليلاة ملن ملوطن التخصنص والفنن‬
‫واإلبداع. هو مليء الننفس وال حيتلاج أحلداً ملألهلا. اللذي ُطاللب‬
     ‫ي‬
‫باملسؤوليات واأللقاب الدعوية والنقابة واإلملارة عللى امللؤمنني إمنلا هلو‬
                                        ‫ن‬
  ‫العاجز الذي ال ُحس ُ علماً وال ختصصاً وال فّاً، فيطللب التعلويض بإنعلا‬‫ي ن‬
 ‫األلقاب عليه، ويعارك، وخيتلف ، ويناضل دون مكتسلعباته السلابقة، و ميلأل‬
                         ‫الكواليسَ مهساً وسعياً، وأما املقتدر فيتقد تقد الواثق)(2)‬
   ‫وداود - عليه السال - رمز من رموز القلة اليت أثرت احليلاة وأنقلذت بل‬
‫إسرائيل من ويالت جالوت, والصفات اليت بلدا هبلا تؤكلد هلذه الصلفة‬
 ‫لدى تلك القلة املؤثرة يف تاريخ احلياة, بدا ذللك يف ثيابله الليت لقلي هبلا‬
 ‫جالوت, ويف سالحه الذي قتله به, ويف علد احتفالله بوجاهتله ومنصلعبه,‬
‫وجنده وحاشيته, حىت أغاظ ذلك جلالوت وكسلر نفسله كسلرا وهزمله‬
       ‫غ‬
‫هزمية وقتله أوال روحا ونفساً قعبل أن يقتلله بنيانلاً وجسلداً, (كَلانَ ُلَامًلا‬
                                                      ‫ْ‬                                             ‫ْ‬
‫َيرعَى اْلغَنَمَ، وَلَمْ َيقَْعبلْ أَنْ يَلَْعبسَ دِرعًا وَلَلا أَنْ َيحْمِللَ سِللَاحًا، بَللْ حَمَللَ‬
  ‫ِد ه‬                                              ‫ِل ه ِ ه َِ ه لت‬
‫مقَْاعَ ُ وَحجَارَتَ ُ، فَسخرَ مِنْ ُ جَاُو ُ, وَاحْتَمَى عَلَيْلهِ إذَا لَلمْ يَسْلَتع َّ لَل ُ،‬
                       ‫َ َ ه ُد ِ‬                    ‫ْب ْ ُج َي ِ‬
‫وَالَ: هلْ أَنَا كَل ٌ فََتخر ُ إل َّ بالْمقْلَلاع؟ فرمَلا ُ دَاو ُ بمقْلَاعِلهِ فَأَصَلابَ‬ ‫َق َ‬
     ‫ل‬               ‫ه‬                         ‫ه َز َ ه‬                    ‫َ َر َ ه َ َ َ ه‬
‫اْلحج ُ رأْسَ ُ فصرعَ ُ فَدَنَا مِنْ ُ فَاحْت َّ رأْسَ ُ، وَجَا َ بلهِ فَأَْلقَلا ُ إلَلى طَلاُوتَ‬

                                                                  ‫1 - تفسري املنار :(2/ 983).‬

                                                                   ‫2- صناعة احلياة , للراشد: 49.‬
                                                       ‫63‬
      ‫ق‬                           ‫م‬                       ‫ه الش ن ال‬          ‫ُد َ‬
‫ف ُرفَ دَاو ُ، وكَانَ لَ ُ َّأْ ُ َّذِي وَر َ بلهِ ُلْلكَ إسْلرَائِيلَ، كَمَلا َلالَ‬           ‫َع‬
                         ‫َتعَالَى: (وَآتَاهُ ا ُ الْ ُلْكَ َاْلحِكْمَةَ وعَّمَ ُ م َّا يَشَا ُ)(1).‬
                                       ‫َ َل ه ِم‬                ‫هلل م و‬
‫(شا اهلل أن يرى القو وقتذاك أن األمور ال جتري بظواهرهلا، إمنلا جتلري‬
‫حبقائقها. وحقائقها يعلمها هو. ومقاديرها يف يلده وحلده. فلليس علليهم‬
‫إال أن ينهضوا هم بواجعبهم، ويفوا اهلل بعهلدهم. مث يكلون ملا يريلده اهلل‬
‫بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن جيعل مصرع هلذا اجلعبلار الغشلو عللى‬
 ‫يد هذا الفىت الصغري، لريى النلاس أن اجلعبلابرة اللذين يرهعبلوهنم ضلعاف,‬
‫ضعاف يغلعبهم الفتية الصغار حني يشلا اهلل أن يقتللهم.. وكانلت هناللك‬
‫حكمة أخرى مغيعبة يريدها اهلل. فلقد قدر أن يكون داود هلو اللذي يتسللم‬
‫امللك بعد طالوت، ويرثه إبنه سليمان، فيكلون عهلده هلو العهلد اللذهيب‬
‫لعب إسرائيل يف تارخيهم الطويل جزا انتفاضلة العقيلدة يف نفوسلهم بعلد‬
                                                        ‫الضالل واالنتكاس والشرود)(2)‬
‫إن قيمة املر يف نفسه, ومكانته هو اللذي يصلنعها, بعيلدا علن زخلرف‬
‫الدنيا, وشارات احلياة, وواقع الناس ينعبئ بذلك إنعبا ً, فلأحرص النلاس عللى‬
‫وجاهتهم وتقدمهم هم أكثر الناس فراغلا, فلاملمتلئ ملن داخلله لليس يف‬
‫حاجة إىل من ينعم عليه بشارة أو ععبلارة, ولعلل هلذا ملن حِكَلم اهلل -‬
 ‫تعاىل- يف: (إال من اغترف غرفة بيده)؛ رملزاً للتقللل مملا يثقلل العبلدن,‬
‫وُعتِم النفس, فالذي يتخفف من حاجاتله األساسلية يكلون عللى تلرك‬                                 ‫ي‬
‫غريها أقدر, وامليدان ميدان قتال ودما , وبلذل وأشلال , واللذي ال يصلرب‬
‫على ترك املا ال يصرب على مالقاة األعدا , ومقارعلة األبطلال, أملا اللذي‬
‫يكرع حىت ميتلئ, ويعب حىت يتور فال يقوى عللى مقاوملة نفسله, وملن‬




                                                                           ‫1 - تفسري املنار: (2/ 983).‬
                                                                      ‫2 - يف ظالل القرآن: (1/ 992).‬
                                                     ‫73‬
        ‫ن عب‬          ‫ق‬
‫ال يقوى على مقاومة نفسه ال يقوى على مقارعة غريه, (َلالَ ابْل ُ عََّلاسٍ:‬
                           ‫مَن اغَْترَفَ مِنْ ُ بيَدِهِ رَويَ، ومنْ َربَ مِنْ ُ لَمْ ُيرْوَ.)(1)‬
                                            ‫ه‬         ‫ََ ش‬                  ‫ه‬
                                                       ‫الد ه‬
‫( ولقد أحْسنَ من شعبه ُّنْيا بنَ َر طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد،‬     ‫َ‬
   ‫التأه‬       ‫صد‬           ‫َ أكب‬
‫وأقعبل على ما يعينه من أمر آخرته، جنا، ومنْ َّ عليها، َّته عن ُّب‬
                                     ‫آلخرته، َّت سالمته إالَّ أنْ يتدار َه اللَّه.)(2)‬
                                                     ‫َك‬                           ‫وقل‬
‫قال بعض احلكما : (الدنيا كنهر طالوت، ال ينجو منها إال من مل يشربْ أو‬
                                 ‫َ‬
‫اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ الضرورةِ كفَتْه، ونَشَطَ لععبادة مواله، ومن‬
                    ‫أخذ فوق احلاجة حُعبس يف سجنها، وكان أسريا يف يدها.)(3)‬
                                  ‫القراءات يف اآلية الكرمية وعالقتها بالسننية يف القلة‬
‫ومن القرا ات الواردة يف اآليات الكرمية اليت تعقب على قصة املأل من ب إسرائيل‬
‫ما يفيد يف تأكيد السننية فيما حوته اآليات الكرمية,فقد ورد فيها: (ولوال دفاع‬
‫اهلل الناس), وهي قرا ة:نافع, وأ جعفر,ويعقوب, وورد فيها:(لوال دفع اهلل‬
                                         ‫الناس) وهي قرا ة العباقني (4)‬

     ‫ه‬          ‫َن ه ه س‬                         ‫جه‬               ‫ِ‬          ‫َْ‬         ‫َ َم‬
‫(وقَدْ س َّى هَذَا دفعًا عَلَى قرَا َةِ اْل ُمْ ُلور باعْتِعبَلار أَّل ُ مِنْل ُ ُلْعبحَانَ ُ، إذْ‬
                                  ‫ش ي َلم ِ‬                                       ‫ُن ِ س‬
‫كَانَ سَّةً منْ ُنَنهِ فِي الِاجْتِمَاع الْعبَ َر ِّ، وَس َّاهُ دفَاعًلا فِلي قِلرَا َةِ نَلافِعٍ‬
                      ‫ُ‬                        ‫َق م ِ َ‬                         ‫َن ك ِ‬
‫باعْتِعبَار أ َّ ُلًّا منْ َأهْل اْلح ِّ الْ ُصِْلحنيَ وَأهْلل الْعبَاطِلل الْمفْسِلدِينَ ُيقَلاو ُ‬
                                                                              ‫الْآخرَ وَُيقَاتُِ ُ.)(5)‬
                                                                                     ‫له‬           ‫َ‬
‫ولعل تذييل اآلية الكرمية هبذا التذييل ليكون هنايلة وتعقيعبلا عللى كلل ملا‬
‫مضى من اآليات املتعلقة هبذه القصة وما قعبلها,كما يلرى صلاحب التحريلر‬

                                                        ‫1 - تفسري ابن كثري : (1/ 955).‬
                                            ‫2 - اجلواهر احلسان يف تفسري القرآن: (1/ 294).‬
                                          ‫3 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/ 772).‬
‫4- القرا ات العشر املتواترة, ص14,حممد راجح كر :,ط: دار املهاجر,املدينة املنورة,ط:‬
                                                          ‫الثالثة,4141هل,4991 .‬
                                                                     ‫5 - تفسري املنار: (2/ 593).‬
                                                       ‫83‬
                               ‫ل‬          ‫ع‬                 ‫ُل‬
‫والتنوير:أن هذه اآلية ذيلت ( ك َّ الْوَقَائِع اْل َجيعبَةِ اَّتِي أَشَلارَتْ بهَلا الْآيَلاتُ‬
                       ‫َل‬               ‫خ ِه‬                  ‫الس ة ْ ع الس م َص‬
‫َّاِلفَ ُ لِتَدفَعَ َن َّامِع الْ ُتَعب ِّر مَا ُي َلامرُ ُ مِلنْ َتطُّلب اْلحِكْمَلةِ فِلي‬
   ‫ي‬
‫حَدَثَانِ هَذِهِ الْوقَائِع وَأمْثَالِهَا فِي هَذَا اْلعَلالَم وَلِكَلوْنِ مضْل ُونِ هَلذِهِ الْآَنةِ‬
                    ‫َ م‬                                                 ‫َ َ‬
    ‫ال‬         ‫ع‬        ‫نظ‬            ‫الت‬         ‫َ ِ‬              ‫ْ‬               ‫َ‬
‫عِبْرَةً منْ عِبَرِ اْلأَكوَانِ وَحِكْمةً منْ حِكَمِ َّنارِيِِ، وَُ ُنمِ اْل ُمْنرَانِ َّتِني‬
                                                             ‫ه د ْ نز‬
‫لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْ َا أَحَ ٌ قَبلَ ُ ُولِ هَذِهِ الْآَيةِ، وقَعبْللَ إدْرَاكِ مَلا فِلي مطَاويهَلا،‬
          ‫َ‬                            ‫َ‬
                  ‫ليه‬          ‫ه‬             ‫ل ه‬          ‫ُ‬                      ‫عب‬            ‫ُ َِ‬
 ‫عطفتْ عَلَى اْلعَِر الْمَاضِيَةِ كَمَا عطِفَ قَوُْل ُ: وَقلالَ لَ ُلمْ نَعب ُّ ُمْ [الَْعبقَلرَة:‬
                                               ‫و ع‬                      ‫رؤ‬
‫742] ومَا بعده من ُ ُوس الْآي. َعدل َن الْمَُتعَلارف فِلي َأمْثَالِهَلا مِلنْ‬              ‫َ‬
                                                ‫َترْكِ اْلعطْفِ، وَ ُُوكِ سَعبيل الِاسْتِئْنَافِ.)(1)‬
                                                                               ‫سل‬            ‫َ‬
 ‫وما يؤكد السننية يف القلة ومهمتها يف احليلاة ونظرهتلا للمقلاييس واملعلايري,‬
  ‫واستمدادهم للقوة احلقيقية اختفا األشخاص ملن العلرض القلرآين هبلدو‬
‫وظهور احلكمة املاضية الثابتلة النيت هني سننة اهلل النيت ال تتخلنف وال‬
‫تتأجل, سنته يف القلة املؤمنة الصابرة, والكثنرة املغنرورة املتكن ة, الليت‬
‫تتكرر يف كل زمان ومكان, ويف كل عصر ومصر,فلل( السلياق يتجله إىل‬
‫هدف آخر من ورا القصة مجيعاً.. وحني ينتلهي إىل هلذه اخلامتلة، ويعللن‬
‫النصر األخري للعقيدة الواثقة ال للقوة املادية، وللإلرادة املسلتعلية ال للكثلرة‬
‫العددية.. حينئذ يعلن عن الغاية العليا ملن اصلطراع تللك القلوى.. إهنلا‬
‫ليست املغامن واألسالب، وليست األجماد واهللاالت.. إمنلا هلو الصلالح يف‬
                                 ‫األرض، وإمنا هو التمكني للخري بالكفاح مع الشر:‬
 ‫ذ‬          ‫ض ِلن‬                      ‫س‬      ‫ْ‬        ‫ن ْ ه‬                   ‫َع‬
‫«وَلَوْال دفْ ُ اللَّهِ الَّاسَ َبعضَ ُمْ بلَعبعضٍ َلفَ َلدَتِ الْلأَرْ ُ. وَلك َّ اللَّلهَ ُو‬
                                                                       ‫ِ‬
                                                              ‫فضلٍ عَلَى الْعالَمنيَ» ..‬   ‫َ ْ‬
‫وهنا تتوارى األشخاص واألحدا لتربز من خلالل اللن القصلري حكملة‬
‫اهلل العليا يف األرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقلات وانطلالق السلعي‬
‫يف تيار احلياة املتدفق الصاخب املوار. وهنا تتكشف على ملد العبصلر سلاحة‬
‫احلياة املترامية األطلراف متلوج بالنلاس، يف تلدافع وتسلابق وزحلا إىل‬

                                                              ‫1 - التحرير والتنوير: (2/ 555).‬
                                                      ‫93‬
‫الغايات.. ومن ورائها مجيعاً تلك اليلد احلكيملة امللدبرة متسلك بلاخليوط‬
‫مجيعاً، وتقود املوكب املتلزاحم املتصلارع املتسلابق، إىل اخللري والصلالح‬
                                                   ‫والنما ، يف هناية املطاف..‬
‫لقد كانت احلياة كلها تأسن وتتعفن لوال دفلع اهلل النلاس بعضلهم بلعبعض.‬
‫ولوال أن يف طعبيعة الناس الليت فطلرهم اهلل عليهلا أن تتعلارض مصلاحلهم‬
‫واجتاهاهتم الظاهرية القريعبلة، لتنطللق الطاقلات كللها تتلزاحم وتتغاللب‬
‫وتتدافع، فتنفض عنها الكسل واخلمول، وتستجيش ما فيهلا ملن مكنونلات‬
‫مذخورة، وتظل أبداً يقظلة عامللة، مسلتنعبطة للذخائر األرض مسلتخدمة‬
‫قواها وأسرارها الدفينة.. ويف النهايلة يكلون الصلالح واخللري والنملا ..‬
‫يكون بقيا اجلماعة اخلرية املهتدية املتجردة. تعلرف احللق اللذي بينله اهلل‬
‫هلا. وتعرف طريقها إليه واضحاً. وتعرف أهنا مكلفلة بلدفع العباطلل وإقلرار‬
                     ‫احلق يف األرض. وتعرف أن ال جناة هلا من عذاب اهلل)(1)‬

‫وما جرى على داود – عليه السال - هو ملا جيلري عللى القللة يف كلل‬
‫زمان ومكان فهي سنة ماضلية, ونلاموس ال يتعبلدل وال يتخللف, ولقلد‬
‫رصد لنا القرآن الكر منوذجا آخر من مناذج القللة بلدت يف عينله اللدنيا‬
‫قليلة, بالنسعبة إىل صلادق موعلود اهلل – تعلاىل- وعظليم إنعامله عللى‬
‫املؤمنني, إنه صلاحب ذي اجلنلتني, اللذي وقلف أملا صلاحعبه معلملا‬
‫ومرشدا, ومعبينا وهاديا, ذاكلرا لله أن القللة يف اللدنيا ال تعل القللة يف‬
‫اآلخرة وأن الغىن يف األوىل ليس دليال على وفرة امللال يف الثانيلة, ومقلاييس‬
‫العاجلة ليست مقلاييس العباقيلة, وبعلد حلوار طويلل رصلده القلرآن‬
           ‫ق‬                    ‫خ‬
‫الكر ,أكد له املؤمن أنه وإن كان يف امللال ُللواً, ويف األوالد ُلالً فلاهلل‬
                      ‫ال‬         ‫ره َ‬             ‫عبه َه‬          ‫ق ه‬
‫خري وأبقى, (َالَ لَ ُ صَاحُِ ُ و ُوَ ُيحَلاو ُ ُ َأكفَلرْتَ ب َّلذِي خََلقَلكَ مِلنْ‬
        ‫أ‬          ‫ل ه َب‬           ‫ِن‬            ‫ُم ِ ْ ُم َو ج‬
‫ُترَابٍ ث َّ منْ ُنطفَةٍ ث َّ س َّاكَ رَ ُلًا (73) لَكَّا هُلوَ الَّل ُ رِّلي وَلَلا ُشْلركُ‬


                                                         ‫1 - يف ظالل القرآن: (1/ 572).‬
                                                 ‫04‬
            ‫له ُلو ل‬                          ‫ْ َن ق ْ‬                                       ‫َب‬
‫برِّي أَحَدًا (83) وَلَوْلَا إذْ دَخَلتَ جَّتَكَ ُلتَ مَا شَا َ الَّ ُ لَا ق َّةَ إَّلا باللَّلهِ‬
                                                   ‫ن َل ْ ل َ‬
                         ‫إِنْ تَرَنِ أََا أَق َّ مِنكَ مَاًا ووَلَدًا (93), الكهف:73_93.‬
 ‫وهذا القول من املؤمن بيان واعي للقللة يف اللدنيا وصلفاهتا, وهلو مثلل‬
                   ‫م‬              ‫ه ْل م ْم ال‬
‫يتكرر يف كل زمان ومكان, و(َ ُوَ قَو ُ الْ ُؤ ِن َّلذِي لَلا َلالَ لَلهُ، وَلَلا‬
                       ‫ل‬              ‫َ‬             ‫َش‬            ‫َن‬        ‫ل ح‬
‫عَشريَةَ، مِْث ُ صَا ِب اْلجَّتَليْن وعَ ِلريَتِهِ، وهُلوَ مِثْل ُ سَللْمَانَ وَصُلهَْيبٍ‬     ‫ِ‬
                 ‫َي الر ُل َلل‬                         ‫ق ل ق م ْ ِن ف‬                       ‫عب‬
‫وَخََّابٍ، َي ُو ُ: َالَ الْ ُؤم ُ لِلْكَاِر: إنْ َترَنِ أُّهَا َّج ُ أَنَا َأق َّ مِنْلكَ مَالًلا‬
 ‫وَوَلَدًا،)(1) هكذا يف نظرك, وأنت الكثري امللال اللوافر العشلرية والعيلال,‬
‫فإين بفضل اهلل عزيز, وبعطائه غ , وبرضاه مطملئن, وبتأييلده آملن, فأنلا‬
‫ععبده وهو سيدي , (وهكذا تنتفض علزة اإلميلان يف اللنفس املؤمنلة، فلال‬
‫تعبا املال والنفر، وال تداري الغىن والعبطر، وال تتلعلثم يف احللق، وال جتاملل‬
‫فيه األصحاب. وهكذا يستشعر املؤمن أنه عزيز أما اجللاه وامللال، وأن ملا‬
‫عند اهلل خري من أعراض احلياة، وأن فضل اهلل عظيم وهلو يطملع يف فضلل‬
           ‫اهلل. وأن نقمة اهلل جعبارة وأهنا وشيكة أن تصيب الغافلني املتعبطرين.)(2)‬
 ‫إنه مثل يتكرر يف الزمان واملكان واألفراد وتلك مسة السنة املاضية, والقانون الذي‬
                                                                         ‫ال يتعبدل وال يتحول.‬
                                                              ‫الص والثبات وطاعة القواد‬
‫ومن صفات القلة احملمودة اليت جرت هبا سلنة القلرآن الكلر , الصلرب‬
‫والثعبات, بدا ذلك يف القلة املؤمنة مع طالوت, وبدا عمليلا يف غلزوات اللنيب‬
  ‫– صلى اهلل عليه وسلم- ويعبدو ذللك صلراحة يف طللب القلرآن الكلر‬
‫منهم الصرب والثعبات على مالقاة الكفار يف احلرب وبيلان أهنلم ال يفقهلون,(‬
           ‫ك ِ‬            ‫ك‬                                   ‫ْ‬           ‫َي الن ي َر‬
‫يَا أُّهَا َّعب ُّ ح ِّض الْمُؤمِننيَ عَلَى اْلقِتَلال إنْ َي ُلنْ مِلْن ُمْ عشْلرُونَ‬
        ‫ال‬                  ‫ة عب‬                     ‫ك‬                       ‫عب‬
‫صَابرُونَ َيغْلُِوا مِائَتَيْن وَإنْ َي ُنْ مِْنكُمْ مَِئ ٌ َيغْلُِلوا أَْلفًلا مِلنَ َّلذِينَ‬
            ‫الل ه ك‬              ‫َف‬                             ‫َ َر َن ْ ْ‬
‫كف ُوا بأَّهُمْ قَو ٌ لَا َيفقَهُونَ (25) الْآَنَ خ َّلفَ َّل ُ عَلْن ُمْ وَعَلِلمَ‬
                                                               ‫1 - جامع العبيان :(51/ 592).‬
                                                           ‫2 - يف ظالل القرآن: (4/ 1722).‬
                                                    ‫14‬
                             ‫ة َة عب‬                           ‫ك‬             ‫َْ‬         ‫َن‬
‫أ َّ فِيكُمْ ضعفًا فَإنْ َي ُنْ مِْنكُمْ مَِئ ٌ صَابر ٌ َيغْلُِلوا مِلائَتَيْن وَإنْ َيكُلنْ‬
  ‫َ‬       ‫ْ ِ الل ِ َالل ُ م َ الص‬                          ‫ف‬
‫مْنكم َألْلف َيغلُلوا َأْل َليْن بلإذن َّله و َّله َلع َّلابرين),‬     ‫ٌ ِْعب‬        ‫ِ ُْ‬
                                                                          ‫األنفال:(55).‬
                ‫ُلو‬                                    ‫ِب الص‬                                     ‫َن‬
‫(أ َّ اْلفِئَةَ اْلقَلِيلَةَ قَدْ َتغْل ُ - ب َّلعبْر وَالثَّعبَلاتِ وَطَاعَلةِ اْلق َّادِ - اْلفِئَلةَ‬
                      ‫َن‬         ‫ُلو‬          ‫ط‬         ‫َ الص ر و ِّ د‬
‫الْكَِثريَةَ الَّتِي َأعْوَزهَا َّْعب ُ َالِاتحَا ُ، مَعَ َاعَةِ اْلق َّادِ; لِلأ َّ َنصْلرَ اهللِ مَلعَ‬
           ‫ََن‬       ‫َالص‬           ‫ث‬         ‫ك َّ ْر‬              ‫ُنته‬        ‫َ‬
‫َّابرينَ; أَيْ جرَتْ سَُّ ُ بأَنْ يَ ُونَ النص ُ أََثرًا لِلَّعبَلاتِ و َّلعبْر، وأ َّ َأهْللَ‬       ‫الص‬
 ‫ك ل‬              ‫د‬       ‫م‬        ‫َ‬           ‫ف‬            ‫ن د ِّ‬            ‫َ وج ه‬
‫اْلجزَع َاْل ُعبْن ُمْ َأعْوَا ٌ ِلعَ ُوهِمْ عَلَى أَْن ُسِهمْ، وهَلذَا ُشَلاهَ ٌ فِلي ُل ِّ‬
                                                              ‫زمَانٍ، و ُوَ كَِث ٌ لَا م َّر ٌ )(1)‬
                                                                     ‫َه ري ُط د‬                         ‫َ‬

                                                                            ‫من صفات القلة أهنم العاملون‬

‫العلم أساس احلضارة, به تنشأ وعليه تقو , وبدونه ال تستمر وال تزدهر,وحضارة ال‬
‫تتعبىن العلم وال تعتمد عليه حضارة شوها , ترف - إن رفت- جبناح واحد, أو هي‬
 ‫عرجا متشي – إن مشت - على ساق واحدة, من هنا كان أول ما نزل يف بنا‬
‫حضارة اإلسال (اقرأ), ومن هنا كان العلم قعبل العقيدة(فاعلم أنه ال إله إال‬
                                                                                       ‫اهلل),حممد:(91).‬

‫والقلة الرائدة العاملة ال تكون مؤثرة إال بالعلم؛ للذا تلرى ملن أبلرز صلفات‬
  ‫ه‬          ‫ة‬             ‫ل‬          ‫عبه‬        ‫ة عه‬                  ‫قل‬
‫القلة أهنم عاملون, (سََي ُوُونَ ثَلَاثَ ٌ رَاب ُ ُمْ كَلْلُ ُمْ وََيقُوُلونَ خَمْسَل ٌ سَادِسُل ُمْ‬
      ‫م ِند‬              ‫ْ َة نه به ق َب‬                           ‫قل‬         ‫ْ‬
‫كَلُْ ُمْ رَجْمًا بِاْلغَيبِ وََي ُوُونَ سَبع ٌ وَثَامُِ ُمْ كَلُْ ُمْ ُنلْ رِّني أَعْلَن ُ ِبع َّتِهِمْ‬
                                                                                                 ‫عبه‬
                                                                    ‫م مه ِل ل ل ت‬
‫َا َيعْلَ ُ ُمْ إَّا قَلِي ٌ فَ َا ُمَار فِيهمْ إلَّا مرَا ً َلاهرًا وَلَلا تَسْلَتفتِ فِليهمْ مِلنْ ُمْ‬
  ‫ه‬                 ‫ْ‬                  ‫ِ ظ ِ‬
‫أَحَدًا), الكهف: (22), فوصف العاملون بعدد أهل الكهف بلأهنم قليلل, وهلذا‬
‫شأن القلة, تكون أكثر أهل أمتها علما, وأوفرهلا فهملا ألهنلم اللرادة اللذين‬
‫يسعبقون, والقادة الذين يدلون قومهم إىل مواطن اهللدى والفلالح,وكلان ابلن‬

                                                                      ‫1 - تفسري املنار :(2/ 393).‬
                                                        ‫24‬
‫ععباس من هذا القليل وهو من هو بلني الصلحابة علملا وفهملا,وإن ورد فيهلا‬
‫أهنم أهل الكتاب فهم أيضا بالنسلعبة عللى غريهلم قللة,وكلان ابلن ععبلاس‬
                                              ‫ل‬              ‫م مه‬
‫يقول:( َا َيعْلَ ُ ُمْ إِال قَلِي ٌ): يعين أهل الكتاب، وكان ابن عبناس يقنول: أننا‬
                                                                                          ‫ممن استثناه اهلل)(1).‬

                                               ‫خلَّ‬
‫وهؤال العلما هم األصفيا ا ُل , واخلواص من ععباد اهلل – تعاىل- ؛ ولذا أطلعهم‬
‫بعلمه على معرفة عدد هؤال األوليا من ععباده, أهل الكهف الدعاة الصابرين الفارين‬
            ‫بدينهم من الظلم وأهله, (ملا كانوا من أوليائه فال يعلمهم إال خواص‬
‫َّ عبادِه، ومن‬
‫كان قريعبا يف احلال منهم فهم يف كتم الغرية, وإيوا الستر, ال ي ّلع األجانب عليهم,‬
                 ‫ط‬
                                                  ‫ن‬
‫وال يعلمهم إال قليل أل ّ احلق- سبحانه- يستر أولياءه عن األجانب، فال يعلمهم‬
‫إال أهل احلقيقة فاألجانب ال يعرفون األقارب، وال تشكل أحوال األقارب على‬
                                      ‫األقارب)(2), (مث أخرب أن عامل ذلك من العبشر قليل)(3) .‬

‫وهؤال العاملون هم الذين وفقوا لعلم الصواب وإصابة احللق, (وهلم اللذين‬
                                                         ‫أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم.)(4)‬
       ‫ج ة‬
‫ولعل الترابط بني (ما يعلمهم إال قليل) وما قعبلها يظهر ذللك, (فَ ُمْلَل ُ مَلا‬
   ‫ل َن‬                            ‫ي َن‬                           ‫م ة‬                    ‫لل‬             ‫مه‬
‫َيعْلَ ُ ُمْ إلَّا قَِي ٌ كَذَلِكَ ُسْتَأَْنفَ ٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانًّا لِأ َّ الْإخْعبَلارَ عَلن الَّلهِ بأَّلهُ‬
                ‫َ ك ن ض الن‬                                                 ‫َ م ي ري ف الس ِ ِ‬
‫الْأعْلَ ُ ُِث ُ فِي ُن ُوس َّامعنيَ أَن يَسْأَلوا: هلْ يَ ُلو ُ َبعْل ُ َّلاس عَالِمًلا‬
                     ‫م‬             ‫الن‬                      ‫َن‬               ‫كِ أ‬
‫بع َّتِهمْ عِلْمًا غَْيرَ َاملٍ، فَُجيبَ بأ َّ قَلِيلًا مِلنَ َّلاس َيعْلَ ُلونَ ذَلِلكَ وَلَلا‬            ‫ِد‬




                           ‫1 - جامع العبيان : (71/ 249),وانظر: تفسري العبغوي:(3/ 981).‬
                                                       ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 983).‬
                                        ‫3 - الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (3/ 855).‬
                                                                     ‫4 - تيسري الكر الرمحن: (474).‬
                                                             ‫34‬
        ‫ه‬         ‫ُلل ح‬                    ‫َ‬                      ‫هم ه‬              ‫َ ه َ‬
‫محَالَةَ ُمْ منْ أَطَْلعَ ُ ُ اللَّ ُ عَلَى ذَلِكَ بلوَحْيٍ وعَلَلى ك ِّ َلالٍ فَ ُلمْ لَلا‬
            ‫يوصفون باألعلمية لِأ َّ عِلْمَ ُمْ ُكْتَس ٌ منْ جهَةِ الَّهِ الْأعْلَم بذَلِكَ)(1)‬
                             ‫ل َ‬                 ‫َن ه م َب ِ‬

‫إن هؤال القلة هم أهل العلم بزماهنم, وأهل الوعي بشأهنم, وما يلزمهم يف وقتهم, وذلك‬
‫العلم أحد األسعباب الرئيسة اليت تعبىن عليها احلضارة, وتؤسس عليها الدعوة إىل اهلل تعاىل,‬
                                                       ‫وحتفظ هذه احلضارة من التفسخ واالحنالل.‬

                                                                                      ‫شاكرون عمالً‬

‫وإذا كانت القلة العاملة هم العاملني الواععبني مللا دق عللى غريهلم, فهلم كلذلك‬
‫الشاكرون عمالً ال قوالً, واملستشعرون لنعمة اهلل تعاىل علليهم يلدفعهم علمهلم إىل‬
‫الشكر الصادق, وهو الشكر العمللي, اللذي ال يتوقلف عنلد شقشلقة اللسلان‬
‫وطمطمة األسنان, بل يعلمون أن العلم يولد العملل, والشلكر ملن جلنس النعملة‬
   ‫و‬             ‫ل‬
‫اليت رزقوها, كما أخرب اهلل تعلاىل علن آل داود يف قولله:(..... اعْمَ ُنوا آَلَ دَا ُودَ‬
                                                             ‫الشك ر‬              ‫لِ‬               ‫ش‬
                                                 ‫ُكْرًا وَقَلِي ٌ منْ عِبَادِيَ َّ ُو ُ)سعبأ: (31).‬

‫أي: (وقلنا هلم اعملوا بطاعة اهلل يا آل داود شكرًا له على ملا أنعلم علليكم‬
‫من النعم اليت خصكم هبا عن سائر خلقه مع الشكر لله عللى سلائر نعمله‬
                                          ‫ت‬
‫اليت عمكم هبا مع سائر خلقه، وُرك ذكلر: "وقلنلا هللم" اكتفلا بدالللة‬
                                              ‫الكال على ما ترك منه)(2).‬
‫ولعل السر يف التععبري عن الشكر بالعمل فلم يقلل اهلل – تعلاىل-: اشلكروا,‬
‫بل قال: اعملوا شكرا, ما يظهر أهنم مطالعبون بلأن يكلون شلكرهم شلكراً‬
    ‫ل‬                           ‫شْ‬
‫عملياً, ال شكرا قولياً, (وأخرج قوله: ( ُكرًا) مصدرا ملن قولله: (اعْمَُلوا‬



                                                        ‫1 - التحرير والتنوير: (51/ 392).‬
                                                             ‫2 - جامع العبيان: (52/ 893).‬
                                                  ‫44‬
                                            ‫ل‬
‫آلَ دَاودَ) ألن معىن قوله: (اعْمَُوا): اشلكروا ربكلم بطلاعتكم إيلاه، وأن‬
                                       ‫العمل بالذي رضي اهلل، هلل شكر.)(1)‬
                                                              ‫ش‬
‫(وانتصب ُكْراً على أنه مفعول له، أي: اعملوا هلل, واععبلدوه عللى وجله‬
                ‫د‬
‫الشكر لنعمائه. وفيه دليل على أن الععبلادة جيلب أن تلؤ ّى عللى طريلق‬
‫الشكر. أو على احلال، أي:شاكرين. أو عللى تقلدير اشلكروا شلكرا، ألن‬
                                     ‫ن‬
‫اعملوا فيه معىن اشكروا، من حيث إ ّ العمل للمنعم شلكر لله. وجيلوز أن‬
                     ‫ن‬
‫ينتصب با عملوا مفعوال به. ومعناه: إنا سخرنا لكم اجل ّ يعمللون لكلم ملا‬
                   ‫الش ك ر‬
 ‫شئتم، فاعملوا أنتم شكرا على طريق املشاكلة.و َّل ُو ُ املتلوفر عللى أدا‬
‫الشكر، العباذل وسعه فيه: قد شغل بله قلعبله ولسلانه وجوارحله، اعتقلادا‬
                                         ‫واعترافا وكدحا، وأكثر أوقاته.)(2)‬
‫وهؤال الشاكرون شكرا عمليا قليللون, وتلنك سننة اهلل تعناىل يف خلقنه‬
‫وعباده, أي:( وقليل ملن ععبلادي املخلصلو توحيلدي واملفلردو طلاعيت‬
                                          ‫وشكري على نعميت عليهم.)(3)‬
‫أَي:( ُّ الَّاس الْ ُؤمن)(4), فاملخلصون يف توحيلدهم واملفلردون للطاعلة‬
                                                       ‫أقل ن م‬
‫والشكر على النعمة هم الشاكرون عمالً, وهلم أقلل النلاس كملا جلرت‬
                                              ‫بذلك سنة اهلل تعاىل يف القلة.‬
‫والشكور: (املتوفر على أدا الشكر بقلعبه ولسلانه وجوارحله أكثلر أوقاتله,‬
                          ‫ة‬
‫ومع ذلك ال يوىف حقه؛ ألن توفيقه الشكرَ نعمل ٌ تسلتدعي شلكراً آخلر ال‬
               ‫إىل هنايته؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.)(5)‬
                                ‫والشكور:(العامل بطاعيت شكرا لنعميت)(1)‬


                                                ‫1 - جامع العبيان : (52/ 893).‬
                             ‫2 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 375).‬
                                               ‫3 - جامع العبيان: (52/ 993).‬
                               ‫4 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (4/ 51).‬
                                    ‫5 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 442).‬
                                        ‫54‬
     ‫ه الش‬       ‫َلر‬        ‫ال‬        ‫ك‬                                ‫ب‬
‫َالْفرق َني الشاكر والشكور: (أَن الش ُور هُوَ َّذِي يتَك َّر مِنْل ُ ُّلكْر،‬ ‫و‬
                                                 ‫والشاكر َّذِي يشْكر م ّة.)(2)‬
                                                       ‫ر‬            ‫ال‬
                                                                 ‫الشك ر‬
‫و ( { َّ ُو ُ} املؤمن املوحد , أو املطيع، أو ذاكر النعملة. والشلاكر ملن‬
‫مل يتكرر شكره والشكور ملن تكلرر شلكره، أو الشلاكر عللى اللنعم‬
‫والشكور على العبلوى، أو الشاكر من غلب خوفله والشلكور ملن غللب‬
                                                                   ‫رجاؤه.)(3)‬
‫(والشكور كثري الشكر، والشكور الذي يشلكر عللى النعملة فلوق ملا‬
‫يشكر أمثاله وأضرابه. وإذا كان الناس يشلكرونه عللى الرخلا فالشلكور‬
‫يشكره يف العبال .والشاكر يشكر على العبذل، والشلكور عللى املنلع فكيلف‬
‫بالعبذل؟والشكور يشكر بقلعبه ولسانه وجوارحله ومالله، والشلاكر بلعبعض‬
                                                                      ‫هذه.)(4)‬
‫وواقع الناس ينعبئ بأن القليل منهم من يشكر عللى هلذا النحلو, فيشلكر‬
‫على املنع كما يشكر على األخذ, ويشكر على اللعبال كملا يشلكر عللى‬
‫الرخا , ويشكر على القليل كما يشكر على الكلثري, ويشلكر بقلعبله وكلل‬
‫جوارحه, وهذا الصنف يف الناس ال أقول قليل بل نادر, فلالكثري ملن النلاس‬
‫من يهش للعطا ويأسى يف العبال , قليل من الناس (ملن يأخلذ النعملة ملن‬
‫اهلل وال حيملها على األسعباب فال يشكر الوسلائط ويشلكر اهلل. واألكثلرون‬
               ‫ن‬
‫يأخذون النعمة من اهلل، وجيدون اخلري من قعبله مث يتقللدون املّلة ملن غلري‬
                                                   ‫اهلل، ويشكرون غري اهلل.)(5)‬


       ‫لدي:(3/ 984), وانظل تفسل عبغل‬
‫لر: لري ال لوي :(3/‬                 ‫ليط للواحل‬‫لري الوسل‬ ‫1 - التفسل‬
                                 ‫479).و تفسري السمعاين: (4/ 223).‬
                                               ‫2 - لطائف اإلشارات:(3/ 971).‬
                                                ‫3 - تفسري القرطيب :(41/ 772).‬
                                               ‫4 - لطائف اإلشارات:(3/ 971).‬
                                 ‫5 - لطائف اإلشارات: (3/ 971), بتصرف يسري.‬
                                         ‫64‬
     ‫ر‬           ‫الش ك ر‬                ‫َ له َ ل ل ِ‬
‫يقول ابن كثري رمحه اهلل:وقَوُْ ُ: {وقَِي ٌ منْ عِعبَلادِيَ َّل ُو ُ} إخْعبَلا ٌ عَلن‬
                          ‫الْ َاقِع.)(1), وهذا هو عني السننية يف صفة تلك القلة.‬
                                                                          ‫و‬
                            ‫( وَإِذْ َانَ اْلعَملُ ُكْرًا أَفَادَ أ َّ العاملني قَلِيل.)(2)‬
                                                 ‫َن‬                ‫َ ش‬           ‫ك‬
‫و(هذا إخعبار بواقع. وصدق اهلل العظيم ,الشلاكرون هلل عللى نعمله قليلل,‬
‫ويف كل زمان ومكان؛ وذلك الستيال الغفللة عللى القللوب ملن جهلة,‬
                          ‫وجلهل الناس برهبم وإنعامه من جهة أخرى.)(3)‬
‫وهذه سنة اهلل تعاىل اليت ال تتعبدل وال تتخلف والليت يعلرب عنلها املفسلرون‬
‫بعادة اهلل تعاىل, (وقد جرت عادته- تعاىل- بكثرة اخلعبيث ملن كلل شلي ،‬
      ‫َ ل‬               ‫ه‬     ‫َ ل‬
‫وقلة الطيب من كل شي ، قال تعلاىل:(وقَلِيل ٌ ملا ُلمْ ) ، (وقَلِيل ٌ مِلنْ‬
                           ‫ن س‬                                ‫الشك ر‬
‫عِعبادِيَ َّ ُو ُ ) ، ويف احلديث الصحيح: «الّلا ُ كإبللٍ مِائلةٍ ال تكلادُ‬
                                                                ‫ح‬           ‫ت د‬
                                             ‫َج ُ فيها رَا ِلةَ» ، وقال الشاعر:‬
                                         ‫ِ ح‬            ‫ح‬
‫إّي ألفتَ ُ عَينيَ حنيَ أفَت ُهلا ... عَلَلى كلثري ولكلن ال أرى‬ ‫ن‬
                                                                             ‫ح‬
                                                                           ‫أ َدا‬
                                             ‫فأهل الصفا قليل يف كل زمان)(4)‬
‫والبن أيب عادل احلنبلي تقسيم بديع يف األسعباب الليت حتملل عللى قللة‬
‫الشاكرين وكثرة اجلاحدين, منها: أن يعتقد الرجلل أن هلذه اللنعم ليسلت‬
‫من اهلل (تعاىل),أو يعتقد أهنا من اهلل إال أن تعاقلب الليلل والنلهار ينسلي,‬
‫فإذا فقدها أدرك قيمة وجودها, أو أن حرصه على املال واجللاه حيملله عللى‬
‫كفران النعم, ( وملا كان أكثر اخللق واقعني يف أحد هلذه األوديلة الثالثلة ال‬
                            ‫ُر‬
‫جر قال تعاىل: {ولكن َأكَْثرَ الناس الَ يَشْلك ُونَ} .ونظلريه قولله تعلاىل:‬



                                                   ‫1 - تفسري ابن كثري : (9/ 155).‬
                                                  ‫2 - التحرير والتنوير: (22/ 391).‬
                                              ‫3 - أيسر التفاسري للجزائري: (4/ 513).‬
                                     ‫4 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 58).‬
                                               ‫74‬
    ‫َ ت‬                                                     ‫َ ل ل ِّ‬
‫{وقَِي ٌ منْ عِعبَادِيَ الشلكور} [سلعبأ: 31] وقلول إبلليس: {والَ َجلدُ‬
                               ‫َأكَْثر ُمْ شَا ِرينَ} [األعراف: 71] )(1)‬
                                                         ‫َه ك‬

                                                          ‫القلة احملمودة ال تبغي على خلطائها‬

‫والقليل الشاكر الذي يشكر عللى السلرا والضلرا , وعللى النعملة وعللى‬
‫العبال , وعلى األخذ واإليتا , حيمله هذا الوعي إىل سعي يرضلي ربله فلال يعبغلي يف‬
‫شركته, وال حييف يف قسمته, وال ميد عينيه إىل ما فضل بله بعلض النلاس؛ عامللاً أن‬
‫الرزاق واهب, وأن املعطي حكيم, وأن عطلا اللدنيا بلال واختعبلار,ولقلد أكلد‬
‫القرآن الكر أن القلة احملمودة ال تعبغلي وال تتحيلف, وال تشلتط وال متيلد, قلال‬
                ‫ن‬
‫تعاىل يف وصف هذه القلة بأهنا ال يعبغي بعضها عللى بعلض:( ...وَإ َّ كَلِثريًا مِلنَ‬
   ‫ل الص ح‬                ‫َن‬         ‫ْ ل ال‬                                            ‫خ‬
‫الْ ُلَطَا ِ لَيَْعبغِي َبعْضُهُمْ عَلَى َبعضٍ إَّلا َّلذِينَ آمَُلوا وَعَمُِلوا َّلالِ َاتِ‬
                   ‫َن و د َن َن ه ْ َ َّه َ َلر ِ‬                                        ‫ل‬
‫وَقَلِي ٌ مَا هُمْ وَظ َّ دَا ُو ُ أَّمَا فَتَّا ُ فَاسَْتغفرَ رَب ُ وخ َّ رَاكعًلا وَأَنَلابَ),ص:‬
                                                                                         ‫(55).‬

‫أي أن هؤال الذين ال يظلمون قليلون بالنسعبة إىل غريهم من اخللطا الظاملني الذين يعبغون‬
‫على شركائهم.أي: ( قليل من ال يعبغي.)(2)أو: (قَلِي ٌ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ )(3),(وهم قلة‬
                                   ‫ل‬
                                                                                      ‫نادرة.)(4)‬

‫وهؤال القليل الذين ال يظلمون, هم الصلاحلون القليللون يف كلل زملان ومكلان,‬
‫وقد أراد داود – عليه السال - بوصف القلة هنا ذكر حلال هلؤال القليلل اللذين‬


                                            ‫1 - اللعباب يف علو الكتاب: (71/ 87).‬
                   ‫2 -جامع العبيان: (12/ 581), وانظر املوسوعة القرآنية: (11/ 89).‬
                                           ‫3 - تفسري ابن أ حامت: (51/ 5423).‬
                                          ‫4 - املنتخب يف تفسري القرآن الكر :1/979.‬
                                               ‫84‬
‫هم ال يظلمون وال يعبغون, على سعبيل (املوعظة احلسلنة والترغيلب يف إيثلار علادة‬
                               ‫ر‬
‫اخللطا الصلحا الذين حكم هلم بالقلة، وأن يك ّه إلليهم الظللم واالعتلدا اللذي‬
‫عليه أكثرهم، مع التأسف على حاهلم، وأن يسلى املظللو عملا جلرى عليله ملن‬
                                                            ‫خليطه، وأ ّ له يف أكثر اخللطا أسوة.)(1).‬
                                                                                         ‫ن‬

‫وبني اإلما الرازي السننية يف قلة الصاحلني اللذين ال يعبغلي بعضلهم عللى بعلض‬
                                 ‫ق‬         ‫ري‬                 ‫َّ ْ‬            ‫ح‬
‫وأسعباب ذلك بأن ( الْ ُكْمَ ِبقِلةِ َأهلِ الْخَيْرِ كَثِ ٌ فِي اْل ُرْآنِ، َلالَ َتعَلالَى: وقَلِيل ٌ‬
‫َ ل‬                      ‫ق‬
                                 ‫الس‬          ‫ُد‬         ‫َق‬               ‫الشك ر‬              ‫ِ‬
‫منْ عِعبادِيَ َّ ُو ُ [سَعبَأٍ: 31] وَلالَ دَاو ُ عَلَيْلهِ َّللَا ُ فِلي هَلذَا الْمَوْضِلع:)(‬
             ‫َه‬         ‫و ت د‬            ‫ن هق‬                                   ‫َلل ه‬
‫وقَِي ٌ مَا ُمْ), وَحَكَى َتعَالَى عن إبليس أَّل ُ َلالَ: ( َال َجل ُ َأكْثَلر ُمْ شلاكِرينَ)‬
              ‫ة‬               ‫د‬                   ‫َب َّ َن َّ‬
‫[الْأعرَافِ: 71], وَسَب ُ اْلقِلةِ أ َّ الدوَاعِيَ إِلَنى الن ْنْيَا كَنثِريَ ٌ، وهلي احللواس‬
                                                                                       ‫َْ‬
        ‫ط ِي ة الس‬                    ‫و ض ب‬
‫العباطنة والظاهرة وهلي عشلرة, والشلهوة َاْلغَ َل ُ وَاْلقُلوَى ال َّعبيعَّل ُ َّلْعبعَةُ‬
                   ‫ْ‬        ‫َ ُل‬               ‫َن‬                  ‫َ و ِف‬          ‫َ مع ْ‬
‫فَالْمجْ ُو ُ تِسعَةَ عَشرَ َاق ُونَ عَلَى بَاب جَهَّمَ الْعبَدِنِ، وكُّهَلا تَلدعُو إلَلى اْلخَلْلق‬
                    ‫َ‬      ‫ل‬               ‫َق َاللد‬              ‫ِّي ََم الد‬                ‫َالد َالل‬
‫و ُّنْيَا و َّذَّةِ اْلحِسَّةِ، وأ َّا َّاعِي إلَى اْلح ِّ و ِّين فَلَلْيسَ إَّلا اْلعقْللَ وَاسْلتِيلَا ُ‬
  ‫الس َ‬
‫اْلق َّةِ اْلحِسَّةِ وَالطَّعبيعَّةِ عَلَى اْلخَلْق َأكَْث ُ منَ اْلق َّةِ اْلعقْلَّلةِ فِليهمْ، فَلِهَنذَا َّنببِ‬
                              ‫ر ِ ُلو َ ِي‬                                      ‫ِي‬              ‫ِّي‬        ‫ُو‬
                      ‫وَقعتِ اْلقِلةُ فِي جَاِنبِ َأهلِ الْخَيْرِ وَالْكَثْرَةُ فِي جَاِنبِ َأهلِ الش ِّ،)(2).‬
                            ‫ْ َّر‬                                              ‫ْ‬                 ‫َّ‬       ‫ََ‬

                                                                           ‫َلل م ه‬
                     ‫( وقَِي ٌ َّا ُمْ أي وهم قليل، وما مزيدة لإلهبا والتعجب من قلتهم.)(3)‬

                                                    ‫(واملعىن أن الصاحلني الذين ال يظلمون قليل)(4)‬


                                       ‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (4/ 78).‬

                                                      ‫2 - مفاتيح الغيب, أو التفسري الكعبري: (92/ 583).‬

                                                               ‫3 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (5/ 72).‬

                                                             ‫4 - لعباب التأويل يف معاين التنزيل: (4/ 93).‬

                                                       ‫94‬
               ‫والت‬      ‫ة‬          ‫ل‬               ‫َلل م ه‬
‫قال أبو السعود:{وقَِي ٌ َّا ُمْ} أي وهم قلي ٌ وما مزيد ٌ لإلهبا َّعجب من قلَّتِهم‬
                                                             ‫واجلمل ُ اعترا ٌ)(1).‬
                                                                   ‫ة ض‬

‫والتعجب ورد من القلة من عدة وجوه:) وصفهم بالقلة، وتنكري (قليل) وزيادة (ما)‬
         ‫اإلهبامية. والشي إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه. فكأنه قيل: ما أقلهم.)(2)‬

‫(وما مزيدة لتأكيد القلة أو لإلهبا أو التعجب من قللة املوصلوفني باإلميلان وصلاحل‬
                                                                                               ‫العمل)(3)‬

‫وتذييل اجلملة الكرمية هبذا الوصف يعبني نفاسلة القللة, وسلنة اهلل تعلاىل فيهلا,‬
‫اليت تؤكدها وقائع األحدا ودنيا النلاس, وهنلاك دواعلي هللذه القللة وعواملل‬
     ‫ك‬             ‫َلث ه‬         ‫ه‬      ‫َلل‬                      ‫ل‬              ‫َ‬
‫ساعدت عليها, (وفِي تَذْييل كََامِهِ بقَوْلِهِ: (وقَِي ٌ مَلا ُلمْ) ح ٌّ لَ ُمَلا أَنْ يَ ُونَلا‬
                                  ‫ْف ِ ف َ ُل‬                    ‫ِ الص ِ م ُ مَ َرر‬
‫منَ َّاِلحنيَ لِ َا هوَ ُتق َّ ٌ فِي الن ُوسِ منْ َن َاسةِ ك ِّ شَنيْء قَلِينلٍ، َلالَ َتعَلالَى:‬
               ‫ق‬
                                  ‫ة‬                 ‫ْ‬           ‫ث ِّب‬                                ‫ُ‬
‫قلْ لَا يَسْتَوي اْلخَعبي ُ وَالطَّي ُ وَلَلوْ َأعجَعبَلكَ كَثْلرَ ُ اْلخَعبيلثِ [الْمَائِلدَة: 551] .‬
‫ة‬               ‫َلذ اللد‬                ‫َن اللد‬                       ‫ِ‬            ‫َالس ب‬
‫و ََّعب ُ فِي ذَلِكَ منْ جَانب اْلحِكْمَلةِ: أ َّ َّوَاعِيَ إلَلى ل َّاتِ ُّنْيَا كَلِثريَ ٌ‬
‫ن َ ْف ف‬                    ‫َّ ع ة ُق‬                    ‫َ عب ب َ ُج‬                         ‫و‬
‫َالْمَشْيَ مَعَ الْهَوَى محُْو ٌ وم َاهَدَةَ النفْس َزيلزَ ُ الْوُلوع، فَالْإنْسَلا ُ مح ُلو ٌ‬
    ‫َ‬                 ‫اللد ن‬           ‫َلق و م‬              ‫ََم و‬             ‫َّي‬       ‫و‬
‫بجَ َاذِب السِّئَاتِ، وأ َّا دَ َاعِي اْلح ِّ َالْكَ َلال فَهُلوَ ِّي ُ وَاْلحِكْمَلةُ، وفِلي‬
               ‫ل ه ل‬              ‫َه ْر ض ِري‬                 ‫م ْر ض َ الش‬
‫أَسْعبَاب الْكَ َال إع َا ٌ عنْ َّهَوَاتِ، و ُوَ إع َا ٌ عَس ٌ لَا يَسْلُكُ ُ إَّلا مَلنْ سَلمَا‬
                 ‫ي‬         ‫اللد الش‬           ‫َّ ي َ ْ‬              ‫َّ‬           ‫َ ِم‬
‫بدِينهِ وه َّتِهِ إلَى الشرَفِ النفْسَان ِّ وَأعرَضَ عَلن َّاعِي َّلهْوَان ِّ، فَلذَلِكَ هُلوَ‬
                                                                 ‫اْلعِلَّ ُ فِي هَذَا اْل ُكْم باْلقَّةِ.)(4)‬
                                                                        ‫ِل‬         ‫ح‬               ‫ة‬


                                      ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (7/ 122).‬

                                                                    ‫2 - حماسن التأويل: (8/ 742).‬

                                                                         ‫3 - روح العبيان: (8/ 71).‬

                                                                ‫4 - التحرير والتنوير: (32/ 932).‬

                                                 ‫05‬
                                                                                     ‫ال حيتنكهم الشيطان‬
‫والقلة الرائدة ال يتحكم فيها الشليطان؛ فهلي تعلرف طريقهلا وتتمسلك‬
 ‫مبنهاجها, وتقتفي قدوهتا, فال يغريها الشليطان, وال تلتلعبس عليهلا الطلرق,‬
‫وال تتشعب هبا الوديلان, منلهاجها واضلح, وقلدوهتا رائلدة, وطريقهلا‬
  ‫مدروسة خطواته معلومة مالحمه, ولقد استثىن العلدو األكلرب إبلليس هلؤال‬
  ‫من سليطرته وهيمنتله, وإن كلانوا داخللني شلأن سلنة اهلل يف االبلتال‬
‫واالختعبار, استثناهم من حتكمه فيهم, واستيالئه عليهم, وأقسلم عللى ذللك‬
              ‫ْ‬           ‫ال ك َّ ْ َي َخ ت‬                                ‫ق َ‬
‫وشرط:( َالَ أَرأَيْتَكَ هَذَا َّذِي َرمتَ عَل َّ لَِئنْ أ َّلرَْن إلَلى يَلو اْلقِيَامَلةِ‬
                                                                               ‫َن ذ ِّي ِل ل‬
                                                                             ‫لَأَحْتَنك َّ ُرَّتَهُ إَّا قَلِي ًا)‬
‫وألحتنكن (َيعْنلي: «لَلأَحْتَوي َّ»)(1), أو: (ألحتلوين عَلَلى ذريتله إَّلا‬
     ‫ل‬                                                        ‫َن‬
                                                                                               ‫قليال.)(2)‬
‫و(عن عل ّ، عن ابن ععباس: (ألسلتول ّ.)(3), وعلن احلسلن:( لَلأهْلِكَّ ُمْ‬
   ‫ُ َنه‬                                             ‫ني‬                                       ‫ي‬
‫بالْإضَْال {إال قَلِيال} َيعْني: الْ ُؤمِننيَ.)(4)أو ألستأصللنهم, وأستقصلي ملا‬
                                                               ‫مْ‬                                      ‫ل‬
         ‫ه‬           ‫الس ة‬           ‫ك‬
‫عندهم فال يند منهم أحد,تقول العرب: (قَدِ احْتَنَ َلتِ َّلنَ ُ َأمْلوَالَ ُمْ؛ إذَا‬
                    ‫اسْتَأْصَلَتْهَا، وَاحْتَنَكَ ُلَا ٌ مَا عِنْدَ ُلَانٍ منَ اْلعِلْمَ؛ إذَا اسَْتقصَا ُ.)(5)‬
                            ‫ْ ه‬                        ‫ف ِ‬                 ‫ف ن‬
 ‫وهذا قسم من الشيطان أنه لن ينجلو ملن حعبائلله وشلراكه إال هلؤال , (‬
‫فألستولني عليهم وأحتويهم وأمللك زملامهم وأجعللهم يف قعبضلة يلدي‬
                                                                                   ‫أصرف أمرهم.)(6)‬

                                                                                       ‫1 - تفسري جماهد: (834).‬

                                                                    ‫2 - تفسري مقاتل بن سليمان: (5/ 122).‬
                                                                                 ‫.‬
                                                                                  ‫3 - جامع العبيان: (71/ 984)‬
                                                                 ‫4 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 92).‬

                       ‫5 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 92), وانظر: املوسوعة القرآنية: (8/ 151).‬

                                                                                  ‫6 - يف ظالل القرآن: (4/ 8322).‬

                                                           ‫15‬
‫وواقع احلياة يؤكد تلك السنة املاضلية, والصلفة احلاكملة للقللة احململودة‬
                                                                ‫العاملة.‬
                                                                     ‫القلة احملمودة مؤيدة منصورة‬
‫القلة احملمودة مؤيدة بنصر اهلل تعلاىل وتأييلده, وهلذا ملوطن قلوهتم,‬
‫وسر هنضتهم, مهما رآهم الناس قللة, فهلم يف الواقلع هللم ملدد إهللي,‬
‫واإلمداد على قدر االستعداد, واجلود علنى قندر اوهنود, وإذا أيلد اهلل‬
‫ععبدا فما تكون الدنيا وما عليها, وإذا خاله نصر اهلل فلال يغل عنله كلثري‬
‫وال قليل, وهذا ما تعيه القلة املؤمنة مع طلالوت عليله السلال إذ قلالوا: (‬
      ‫الل َالل ه‬              ‫َ‬
‫.... كَمْ مِنْ فَِئةٍ قَلِيَلةٍ غَلََعبتْ فِئَلةً كَلِثريةً بلإذْنِ َّلهِ و َّل ُ مَلعَ‬
‫َّابرينَ), العبقرة: (355).هكذا بنذذن اهلل, أي: بنصلره وتأييلده,‬
                                                             ‫الص‬
    ‫ه الل‬             ‫ل‬    ‫ود‬                     ‫الل‬                ‫َ َم‬
‫وقد فعل, (فَهز ُوهُمْ بإذْنِ َّلهِ وَقَتَللَ دَا ُو ُ جَلاُوتَ وَآَتَلا ُ َّلهُ‬
                   ‫ع الل الن‬                        ‫َه ِم‬             ‫ِ َ‬           ‫م‬
‫الْ ُلْكَ وَالْحكْمةَ وَعَلَّم ُ م َّا َيشَا ُ وَلَوْلَا دَفْل ُ َّلهِ َّلاسَ َبعْضَلهُمْ‬
                                               ‫َ ض ِن َّ‬                      ‫ْ َ‬
 ‫بَعبعضٍ َلفسَدَتِ الْأرْ ُ وََلك َّ اللهَ ذُو فَضْللٍ عَلَلى اْلعَلالَمِنيَ (225)‬
                                        ‫ت ك آي ت َّه ن ل ه عل ك‬
‫ِلْ َ ََا ُ الل ِ َتُْو َا ََيْل َ بلالْح ِّ َإَّل َ َ ِل َ الْمرْ َلِ َ),‬
  ‫َق و ن ك لم ن ُ س لني‬
                                                                                ‫العبقرة:552,942.‬
      ‫ي َّ‬                       ‫ة الت‬                ‫َ ن‬                                   ‫و َ َنه‬
 ‫( َالْمعْنَى أَّ ُ لَا عِْعبرَةَ بكَْثرَةِ اْلعَددِ إَّمَلا اْلعِعبْلرَ ُ ب َّأْييلدِ الْلإلَه ِّ، وَالنصْلر‬
                       ‫ل َالذل‬                     ‫الد ة َ َلر‬
‫َّمَاو ِّ، فَإذَا جَا َتِ َّوْلَ ُ فَلَا مض َّةَ فِلي اْلقَِّلةِ و َِّّلةِ، وَإذَا جَلا َتِ‬      ‫الس ي‬
‫الْمحْنَ ُ فَلَا مَْنفعَةَ فِي كَثْلرَةِ اْل َلددِ َاْلع َّةِ.)(1),(أ َّلا قَوْلُل ُ: وَالَّل ُ مَلعَ‬
      ‫ه ل ه‬                  ‫َم‬            ‫ع َ و ُلد‬                                       ‫َ‬          ‫ِ ة‬
‫َّابرينَ فَلَا ُعبْهَةَ أ َّ الْم َادَ الْم ُونَل ُ وَالنصْلرَ ُ)(2)،(والعزيلز: ملن أعلزه‬
                                     ‫ة‬          ‫ش َن ُر َع ة ُّ‬                                           ‫الص‬
‫اهلل، والذليل من أذله اهلل، فال تغ الكثرة مع خذالنله، وال تضلر القللة ملع‬




                           ‫1 - مفاتيح الغيب :(9/ 315), وانظر: اللعباب يف علو الكتاب: (4/ 882).‬
                                                                                ‫2 - مفاتيح الغيب: (9/ 415).‬
                                                          ‫25‬
‫نصره، {واهلل مع الصابرين} بالنصلر واملعونلة والتوفيلق، فلأعظم جاللب‬
                                          ‫ملعونة اهلل صرب الععبد هلل،)(1)‬

‫وإذا كانت القلة املؤمنة مع طالوت قد وعلت هلذه السلنة الربانيلة, فلإن اهلل‬
‫تعاىل قد من هبا على القلة املؤمنة مع رسول اهلل – صللى اهلل عليله وسللم-, إذ‬
   ‫َ‬             ‫َف‬        ‫لُ‬                        ‫ْ ُر‬
‫ذكرهم بذلك فقلال: (واذك ُوا إذْ أَنْتُمْ قَلِيل ٌ مسْتَضْلع ُونَ فِلي الْلأرْض‬
      ‫َ َ َك ْ‬              ‫َي َك‬                  ‫َّ َ م الن س‬                  ‫خ‬
‫تَ َافُونَ أَنْ يَتَخَطفكُ ُ َّا ُ فَلآَوَاكُمْ وَأَّلد ُمْ بنَصْلرهِ ورزَق ُلم مِلنَ‬
                                                                  ‫َّيعب ت عَّك َ ْ ُر ن‬
                                                 ‫الطَِّا ِ َل َل ُمْ تشك ُو َ), األنفال: (55).‬

‫فهذه منة مين اهلل تعاىل هبا على ععبلاده, أهنلم كلانوا قلليال فكثلرهم وأيلدهم‬
                                              ‫ه مْ‬                       ‫ي عبه‬
‫بنصره, ومدهم مبدده,(ُنَِّ ُ َتعَالَى عِعبَادَ ُ الْ ُؤمِننيَ عَلَلى نعَمِلهِ عَلَليْهمْ وَإحْسَلانهِ‬
   ‫َه‬            ‫إلَيْهمْ، حَْي ُ كَاُوا قَلِيلنيَ َّرهم، و ُسْتَضْنعفِنيَ خَناِئفِنيَ فقنو‬
‫َّاهم وَنَصَنر ُمْ،‬                    ‫َ‬       ‫َم‬      ‫ث ن ِ فكث‬
                          ‫ع و‬                 ‫َ َه‬                 ‫َ َ ه ِ َّي‬                       ‫َُ َ‬
‫وفقرَا َ عَالَةً فرَزقَ ُمْ منَ الطِّعبَاتِ، وَاسْتَشْكر ُمْ , فَأَطَا ُوهُ، َامْتَثَلُلوا جَمِيلعَ مَلا‬
   ‫ِْ‬     ‫ِ م‬               ‫ك‬                ‫ُق‬       ‫ح م ْ ح‬
‫َأمر ُمْ. وهَذَا كَانَ َالَ الْ ُلؤمِننيَ َلالَ م َلامِهمْ بمَ َّلةَ قَلِليلنيَ ُسْلَتخفنيَ‬ ‫َ َه َ‬
 ‫ٍ‬     ‫ُْ‬            ‫ِ الل‬                   ‫ُ ْ َر َ ف َ ْ َّ َ ُ ُ الن ُ ْ‬
 ‫مضط ِّين َيخَاُون َأن َيَتخَطفهم َّلاس مِلن سَلائِر بلَلاد َّلهِ، مِلن مشْلرك‬
                               ‫َ ُنو‬              ‫ه ِل‬
‫وم ُوس ٍّ وَ ُوم ٍّ، كُّ ُمْ َأعْدَا ٌ لَ ُمْ؛ ِلق َّتِهِمْ وَعَدمِ ق َّتِهِمْ، فَلَنمْ يَنزَلْ ذَلِنكَ‬
                                                                             ‫َ َج ِي ر ِي ُله‬
   ‫َني ه‬                     ‫ه‬           ‫َ‬                                 ‫َّه ه‬              ‫َت‬
‫دأهبم حَّى أَذِنَ الل ُ لَ ُمْ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينةِ، فَآوَا ُمْ إِلَيْهَنا، وق َّل لَ ُنمْ‬
         ‫ل مه‬                     ‫ه س ب َْ‬                        ‫ر ْ‬               ‫َ‬
‫َأهْلَهَا، آووْا وَنَصَ ُوا َيومَ بَدْرٍ وَغَيْرَ ُ وآ َوا ِنأموَالِهِمْ، وَبَنذَُوا ُ َجهنم فِني‬
                                                                           ‫َاعةِ اللهِ وَ َاعةِ رَ ُوِلهِ)(2)‬
                                                                                    ‫ط َ َّ ط َ س‬

‫(وهَذَا تَذك ٌ منَ اللَّهِ ع َّ وَج َّ أَصحَابَ رَ ُول َّهِ صَّى ا ُ عَلَيْهِ وَسَّمَ و ُنَاصحَ ٌ.‬
 ‫َل َم َ ة‬                    ‫س الل َل هلل‬              ‫َز َل ْ‬                   ‫ْ ِري ِ‬       ‫َ‬
        ‫ك‬                ‫ه َ ك‬                   ‫ت‬          ‫ق ل ط ع الل س ه َي م ْ ن‬
‫َي ُو ُ: أَ ِي ُوا َّهَ وَرَ ُولَ ُ أُّهَا الْ ُؤمُِونَ، وَاسَْجيعبُوا لَ ُ إذَا دعَا ُمْ لِمَا ُيحْيي ُمْ وَلَا‬
  ‫كم َقة ِّد ن ل ي َو ه ك‬                                                          ‫ف ْ ه و َ َك‬
‫ُتخَاِل ُوا َأمرَ ُ، َإنْ َأمر ُمْ بمَا فِيهِ عَلَيْ ُ ُ الْمَش َّ ُ وَالش َّةُ، فَإ َّ الَّهَ ُه ِّنْ ُ عَلَيْ ُمْ‬

                                                                              ‫1 - تيسري الكر الرمحن: (851).‬

                                                                            ‫2 - تفسري ابن كثري: (4/ 54).‬

                                                          ‫35‬
  ‫َات تم ه ت‬                    ‫ت‬            ‫َ ك‬                 ‫عب‬         ‫ط ك ي ه ع ِّل ك ه‬
‫ب َاعَتِ ُمْ إَّا ُ وَُي َج ُ لَ ُمْ مِنْ ُ مَا ُتحُِّونَ، كَمَا فعَلَ ب ُمْ إذْ آمَنُْمْ بهِ و ََّعبعُْ ُو ُ وَأَنُْمْ‬
  ‫ف ك‬                 ‫ْ‬         ‫ل ك‬             ‫ك‬        ‫ِفكم ُف ر ن ك َ‬                               ‫لل‬
‫قَِي ٌ يَسَْتضْع ُ ُ ُ الْك َّا ُ فََيفْتُِونَ ُمْ عنْ دِين ُمْ وَيَنَاُونَ ُمْ بالْمَكرُوهِ فِي أَْن ُسِ ُمْ‬
   ‫وك‬          ‫ك‬                 ‫ْ‬       ‫خ َّف ك تل ك‬                      ‫ه‬         ‫ف‬        ‫َْ ك‬
‫وَأعرَاضِ ُمْ َتخَاُونَ مِنْ ُمْ أَنْ يََت َط ُو ُمْ فََيقُُْو ُمْ وََيصطَلِمُوا جَمِيعَ ُمْ {فَآ َا ُمْ}‬
            ‫ََي َك‬      ‫ه‬                 ‫و‬                ‫َ ك‬           ‫قل‬
‫[األنفال: 92] َي ُو ُ: فَحَملَ لَ ُمْ مَأْوًى تَأْ ُونَ إلَيْهِ مِنْ ُمْ. {وأَّد ُمْ بَنصْرهِ}‬
    ‫[األنفال: 92] َي ُو ُ: وق َّا ُمْ بَنصْرهِ عَلَيْهمْ، حَّى قَتَلُْمْ مِنْ ُمْ منْ قَتَلُْمْ بعبَدْرٍ.)(1)‬
                    ‫َت ت ه َ ت‬                                                ‫ق ل ََو ك‬

‫وبني قتادة رضي اهلل عنه حال العرب قعبلل تأييلد اهلل (تعلاىل) هللم, ونصلره‬
          ‫َ‬       ‫َ َ ه ط‬                     ‫ه‬          ‫َل ن ُل َ‬
‫إياهم, بأهنم كانوا (َأذ َّ الَّاس ذًّا، وأَشْلقَا ُ عَيْشًلا، وأَجْوعَل ُ ُب ُونًلا، وَأعْلرَاهُ‬
            ‫ه ُد‬                         ‫َ ِي َ‬               ‫ه‬               ‫َ‬               ‫َ ه‬
‫ُُودًا، وأَبْيَنَ ُ ضَلَالًا، منْ عَاشَ مِنْ ُمْ عَاشَ شقًّا، ومَلنْ مَلاتَ مِلنْ ُمْ ر ِّيَ فِلي‬          ‫جل‬
       ‫ْ‬                                  ‫ِ‬       ‫م‬                          ‫ْكل‬                ‫ن يْ ل‬
‫الَّاس، ُؤكَُونَ وَلَا يَأ ُُونَ، وَاللَّهِ مَا َنعْلَ ُ قَعبيلًا منْ حَاضِر َأهْلل الْلأَرْض يَومَئِلذٍ‬
             ‫َس‬                       ‫َّ‬        ‫ل‬        ‫ه‬                ‫َت‬                 ‫ن َر ه‬
‫كَاُوا أَش َّ مِنْ ُمْ مَنْزلًا. حَّى جَا َ اللَّ ُ بالْإسَْا ، فَمَكنَ بهِ فِي الْعبلَلادِ، وَو َّلعَ بلهِ‬
       ‫ل ه‬           ‫ْ‬                        ‫الن‬                         ‫َ ك مل‬
‫فِي ِّزْق، وَجعَلَ ُمْ بهِ ُُوكًا عَلَى رقَاب َّلاس، فَعبالْإسْللَا َأعطَلى الَّل ُ مَلا‬               ‫الر‬
       ‫الش‬        ‫ن َبك م م ِلب الش ْ َ‬                                                       ‫ُر‬
 ‫رأَيُْمْ، فَاشْك ُوا اللَّهَ عَلَى نعَمِهِ، فَإ َّ رَّ ُمْ ُْنعِ ٌ ُيح ُّ ُّلكرَ، وَأهْللُ ُّلكْر‬         ‫َت‬
                                                             ‫فِي َزيدٍ منَ اللَّهِ تَعبَارَكَ وََتعَالَى)(2).‬
                                                                                                  ‫م ِ‬

‫وتلك نعمة مين اهلل تعاىل هبا على القلة يف عهد النيب – صللى اهلل عليله وسللم-‬
‫ويذكرهم مبا كانوا فيه من القلة والذلة, (...مث ملا نقللهم إليله ملن اإلمكلان‬
                                       ‫ر‬
‫والعبسطة، ووجوه األمان واحليطة، وق ّهبم إىل إقامة الشلكر عللى جزيلل تللك‬
                              ‫ه‬      ‫ن‬
‫القسم، وإدامة احلمد على مجيل تلك الّعم، فم ّد هللم يف ظلل أبوابله مقليال،‬
                                                              ‫و‬
‫ومل جيعل للعد ّ إليهم- بيمن رعايتله- سلعبيال.... ورزق األشلعباح والظلواهر‬




‫- جامع العبيان:(11/ 711), وانظر مفاتيح الغيب: (51/ 474), لعباب التأويل يف معاين‬                                      ‫1‬


                                                                                            ‫التنزيل: (2/ 553).‬

                                                                                      ‫2 - جامع العبيان:(11/ 911).‬

                                                             ‫45‬
‫من طيعبات الغذا ، ورزق األرواح والسلرائر ملن صلنوف الضليا . وحقيقلة‬
              ‫الشكر على هذه النعم الغيعبة عنها باالستغراق يف شهود املنعم.)(1)‬

                                                                      ‫استجابة اهلل للقلة الصابرة‬
‫والقلة احملمودة جماب دعاؤها, مسلتجاب نلداؤها؛ ألهنلا بلذلت األسلعباب‬
‫وتوكلت على الوهاب, عرفت قلوانني اهلل يف النصلر فاتعبعتلها, وأدركلت‬
                                                        ‫مث‬
‫سنن اهلزمية فاجتنعبتها, والناظر يف ُُل القلة اللواردة يف القلرآن الكلر جيلد‬
‫ذلك واضحا بينا,فالقلة املؤمنة مع طلالوت حقلق اهلل رجا هلا واسلتجاب‬
     ‫د ه‬             ‫عب‬                      ‫الص‬           ‫َ‬
‫دعا ها, وأعطاهلا سلؤهلا, ( وَأفْلرَغَ َّلْعبرَ عَلَليْهمْ، وَثََّلتَ َأقْل َامَ ُمْ،‬
                        ‫َ‬      ‫َق‬             ‫جن‬         ‫ل‬               ‫ف‬          ‫ْ‬
‫وََنصر ُمْ عَلَى اْلقَو الْكَاِرينَ: جَاُوتَ وَ ُُلودِهِ وَح َّلقَ بفضْللِهِ وَرَحْمَتِلهِ‬       ‫َ َه‬
            ‫َ َ َم ه‬            ‫ل‬                                                  ‫ِ‬          ‫َن َ ق‬
 ‫ظ َّ منْ َالَ: كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ الَّلهِ، وهز ُلو ُمْ بلإذْنِ‬
‫اللَّهِ)(2)؛ وذلك جريا على سنة اهلل املاضلية ملن أن اهلل – تعلاىل- ({مَلعَ‬
                                            ‫َّابرينَ}بالنصر واملعونة.)(3), (واإلثابة)(4).‬             ‫الص‬

‫واملتتعبع لآليات الكرمية اليت صورت تأييد اهلل – تعلاىل- للقللة الصلابرة, ومعونتله‬
‫هلم, يدرك كيف نسب اهلل- تعاىل – الدفع إىل نفسه معباشلرة ملع أن القللة املؤمنلة‬
‫هي املدافعة, وهي املقاتلة, وهي املعباشلرة لتلك األسلعباب احلسلية واملعنويلة الليت‬
‫مصريها النصر والتأييد لعبيان تللك السلنة الليت ال تتخللف حينملا يأخلذ العبشلر‬
‫بأسعباب اهلل تعاىل, وحيسنون التعامل مع سننه,(وقلد نسلب (علز امسله) اللدفع إىل‬
   ‫نفسه؛ ألنه سنة من سننه يف اجملتمع العبشرى، وعليه ب نظا هذا العلامل حلىت يلر‬
                                                      ‫اهلل األرض ومن عليها)(5).‬

                                                        ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 719), بتصرف يسري.‬

                                                                              ‫2 - مفاتيح الغيب: (9/ 515).‬
                                                               ‫3 - تفسري العز بن ععبد السال : (1/ 932).‬
                                                             ‫4 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
                                                                       ‫5 - تفسري املراغي: (2/ 522).‬

                                                        ‫55‬
‫إهنا السنة اليت ال تتخلف وال تتأجلل وقلانون اهلل تعلاىل املاضلي يف ععبلاده, وملن‬
‫حرص على نصر اهلل له وتأييده دعوته فليسلك سلعبيل القللة املؤمنلة الليت وفلت هلل‬
                                             ‫بسننه ووىف اهلل تعاىل هلا بعدله وعطائه.‬
     ‫وإذا كانت تلك صفات القلة احملمودة فللقلة بعض الصفات املذمومة كذلك, وهذا ما‬
                                                       ‫نتناوله يف الصفحات القادمة.‬




                                ‫املبحث الثالث‬

                             ‫القلة املذمومة وصفاهتا‬

‫القلة الواردة يف القرآن الكر كما ملر بعضلها حمملود, وهلذا وقفنلا عللى‬
‫صفاته, وعرفنا أهم ما مييزه, أما القلة املذمومة فقد علرض القلرآن الكلر هللا‬
‫كذلك بيانا لصفاهتا, وتعريفا ملالحمها؛ كي حتلذرها كلل قللة تريلد الشنهود‬
‫احلضاري, وحتقق خريية األمة, وهي رسلالتها وهلدفها يف سلعبيل مرضلات اهلل‬
‫(عز وجل),ومن تتعبع تلك األوصاف نلدرك أن الوصلف بالقللة املذموملة ورد‬
‫يف مواطن متعددة, منها:وصف متاع احلياة وزخرفهلا بالقللة, ووصلف زملان‬
‫الكافرين بأنه قليل, ووصف متاع أهل سعبأ بالقللة بعلد أن جحلدوا نعملة اهلل‬
‫تعاىل, ووصف اللعبث يف الدنيا كلها بالنسعبة لآلخلرة بالقللة, ووصلف سلكىن‬
‫من بطروا معيشتهم يف الدنيا بالقلة, ووصف متلاع اجلاحلدين وطعلا اجمللرمني‬
‫بأنه قليل, كما وردت القلة يف وصف شكر عملو النلاس, ووصلف إميلاهنم,‬

                                         ‫65‬
‫وتذكرهم, ويف الصفحات اآلتية نعاجل صلفات القللة املذموملة عللى النحلو‬
                                                                ‫اآليت:‬

                                                                                  ‫متاع احلياة الدنيا قليل‬

‫الدنيا ظل زائل, ومتاع حائل, وعرض ال يعبقى وال يدو , متاعها مهما كثر قليل,‬
‫وعطاؤها مهما زاد ضنني, وقد ورد وصف متاعها بالقلة, يف مقا الذ يف قوله -‬
                      ‫ل َ َر‬                             ‫ف تكم‬                        ‫قل‬
‫تعاىل-:(وَلَا َت ُوُوا لِمَا َتصِ ُ أَلْسِنَُ ُ ُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَا ٌ وهَذَا ح َا ٌ لَِتفَْترُوا عَلَى‬
‫ب‬         ‫ٌ ل ه‬
‫اللَّهِ الْكَذِبَ إ َّ َّ ِينَ َيفْتَ ُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا ُيفِْل ُونَ مَتَاع قَلِي ٌ وَلَ ُمْ عَذَا ٌ‬
                                   ‫ح‬                                       ‫ر‬           ‫ن الذ‬
                                                                                            ‫م‬
                                                                          ‫أَلِي ٌ ), النحل:911,711.‬
‫أي: متاعهم هذا يف الدنيا قليل, قال الزجاج يف معاين القرآن: (املعىن مَتاعهم هذا الذي‬
                                                                 ‫فعلوه متاع قليل.)(1)‬
‫والقرآن الكر يعبني للجاحدين هنا أن ما يعبذلونه يف الدنيا من أجلل حصلوهلم عللى‬
‫متاعها, وما يفترونه رغعبةً يف نعيمها قليل, ال يستحق هلذا العنلا واللعبال ,أي:(ملا‬
   ‫ب م‬                 ‫ه‬
‫يفترون ألجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع علن قريلب. وَلَ ُلمْ عَلذا ٌ أَلِلي ٌ يف‬
‫اآلخرة.)(2), وهو ليس شيئا مذكورا إذا قليس باملضلار الليت يعلاقعبون هبلا عللى‬
                                                 ‫ع لل ه ع ب م‬
‫افترائهم,(مَتا ٌ قَِي ٌ وَلَ ُمْ َذا ٌ أَلِي ٌ), أي: إن (املنافع اليت قلد حتصلل هللم عللى‬
            ‫ر‬                                                    ‫د‬
‫ذلك ىف الدنيا ال يعت ّ هبا ىف نظلر العقلال إذا ووزن بينلها وبلني املضلا ّ الليت ىف‬
‫اآلخرة، فما متاع الدنيا إال ظل زائل مث يفلىن ويعبقلى هللم العلذاب األلليم حلني‬
                                       ‫ن‬
‫مصريهم إىل رهبم مبا اجترحوا من السيئات، ودّسوا بله أنفسلهم ملن أو ضلار اإلمث‬
                             ‫و‬
‫والفجور والكذب على بارئهم الذي خلقهلم وصل ّرهم فأحسلن صلورهم,وحنلو‬
           ‫اآلية قوله: «ُمَت ُ ُمْ قَلِيلًا ث َّ َنض َر ُمْ إىل َذابٍ غَلِيظٍ» .), لقمان: 42.(3)‬
                                          ‫ع‬       ‫ُم ْط ُّه‬                ‫ن ِّعه‬



                                                                 ‫1 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (3/ 222).‬
                                                                  ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (3/ 442)‬
                                        ‫3 - تفسري املراغي: (41/ 551), وانظر: حبر العلو : (2/ 592).‬
                                                            ‫75‬
‫ومجلة متاع قليل استئناف بياين ملا سعبق, وهلو تعليلل لنفلي الفلالح علن اللذين‬
‫يفترون على اهلل الكذب, ( فإهنم بافترائهم الكلذب قلد خسلروا خسلرانا معبينلا..‬
‫ذلك أن هذا الذي عاد عليهم من كذهبم وافترائهم، هو شلي تافله، استرضلوا بله‬
‫أهوا هم يف هذه احلياة الدنيا، فأوقعهم يف هذا الذي هلم فيله، ملن علدوان عللى‬
                ‫حرمات اهلل، وعصيان هلل، وشرك به.. وذلك هو اخلسران املعبني..!)(1).‬
‫وهي دعوة لكل قلة رائدة أن تتخلى عن صفات القللة املذموملة ملن بَهْلرٍ مبتلاع‬
‫احلياة القليل, وبَْيعٍ للقيم العالية, وتنازلٍ عن املعبادئ السلامية؛ فكلل ذللك يف جنلب‬
‫اآلخرة قليل, (ويف هذه اآلية تلقني جليل وعظلة اجتماعيلة مسلتمرة امللدى، فلأي‬
                                              ‫ز‬
‫جمتمع أراد أن حيتفظ بأسعباب القوة والع ّة واحلياة املطمئنلة واللرزق امليسلور عليله‬
‫أن يلتز حدود اهلل يف اإلخالص له والعدل واإلحسلان وسلائر األعملال الصلاحلة،‬
                 ‫ل‬
‫وأن يعترف بفضله, ويداو على ذكره وشكره وأن يعبتعد علن كل ّ ملا فيله ظللم‬
                       ‫ل‬               ‫ل‬
‫وإمث وبغي ومنكر واحنراف وإسراف. فإذا أخل ّ بلذلك اختّلت شلؤونه وانفلرط‬
                                            ‫كيانه وغدا عرضة للنوائب والكوار .)(2)‬
‫ووصف متاع احلياة بالقلة هنا وحتذير املقعبلني عليه بنلهم يعبيعلون ملن أجلله كلل‬
‫غال, ويترخصون يف سعبيله بكل سعبيل وصف يف مقا اللذ , وهلو وصلف ثابلت‬
                                           ‫ثعبات سنن اهلل – تعاىل- ال يتغري وال يتعبدل.‬
                                                     ‫صفاء ممان الكافرين قليلُ‬

‫ومتضي آيات القلة تصور للواععبني يف كل زمان ومكلان أن صلفا زملان‬
‫الكافرين يف الدنيا قليل, حىت تكون األمة على بَصَلرٍ بسلنن اهلل (تعلاىل)‬
‫يف املكذبني, وليكون ذللك تسلرية وتطمينلا لللدعاة واملصللحني, أن‬
‫هؤال وإن صفا هلم زملاهنم إال أنله صلفا قليلل, ال يلعبلث أن يأتيله‬
‫ُن‬                          ‫َم‬
‫الكللدر, ويعقعبلله الللعبال , فهللم ( ع َّللا قَلِيلللٍ لَُيصْللعبح َّ‬


                                                   ‫1 - التفسري القرآين للقرآن: (7/ 783).‬
                                                        ‫2 - التفسري احلديث: (5/ 591).‬
                                          ‫85‬
 ‫نَادمنيَ),املؤمنون:54,أي: (عن وقت قليل ليندمن عللى تكذيعبلهم للك,‬                                ‫ِِ‬
                                                               ‫وذلك حني ينزل هبم العذاب.)(1)‬
‫وورد (ما) هنا يؤكد هذه القلة, والصفا اللذي ال يلدو , (و«ملا» صللة لتوكيلد‬
                                                    ‫ُن ِ ِ‬
‫معىن القلة، أو نكلرة موصلوفة. لَُيصْلعبح َّ نلادمنيَ عللى التكلذيب إذا علاينوا‬
                                                                                                        ‫العذاب.)(2)‬
‫وهي تفيد القلة يف الصفا , والقلة يف زمان الصلفا ,(ملا) (... مزيلدة بلني اجللار‬
                     ‫واجملرور للتوكيد ...و «قَِيلٍ» صفة لزمن حمذوف، أي: عن زمن قليل.)(3)‬
                                                                                      ‫ل‬
 ‫وهذا الند الذي سيعاينونه عند رؤية العذاب إمنا هو بسعبب عنادهم وبعدهم عن احلق,‬
      ‫َ‬                  ‫ُن ِ‬                     ‫ِ َّ‬             ‫َم‬
‫وإصرارهم على ما هم فيه من الكفر, (ع َّا قَلِيلٍ منَ الزمَانِ لَُيصْعبح َّ نَادمِنيَ عَلَى مَا وقَعَ‬
 ‫َار‬            ‫ة‬                      ‫َم‬                        ‫ُ‬              ‫و ْ‬         ‫و‬            ‫ه م الت‬
 ‫مِنْ ُمْ َن َّكْذِيب َاْلعِنَادِ َالْإصرَار عَلَى الْكفْر، وَ(مَا) فِي: «ع َّا قَلِيلٍ» مَزيدَ ٌ بَْينَ اْلج ِّ‬
      ‫َالْمج ُور ل َّوكِيدِ ِلقِلَّةِ الزمَانِ، أي: بعد زمان قليل ليصرين نادمني على التكذيب)(4)،‬
                                                                                     ‫َّ‬              ‫و َ ْر ِلت ْ‬
‫(ليصري ّ مكذبوك بعد زمن قليل نادمني على ما فعلوا، وستحل هبم نقمتنا، وال ينفعهم‬                              ‫ن‬
                                                                                                ‫الند حينئذ.)(5).‬
        ‫ِ ْ‬                ‫ال‬                 ‫الس ق ِ ْل‬                ‫َل‬       ‫ل ِة ص َ ذ‬
 ‫(وقَِيلٍ صفَ ٌ لِمَوْ ُوفٍ محْ ُوفٍ د َّ عَلَيْهِ ِّيَا ُ أَوْ فع ُ الْإصْعبَاح َّذِي هُوَ منْ َأفعَال‬
                        ‫َ‬                      ‫َمه ك ن‬                        ‫ْ‬      ‫الرس‬         ‫ه‬         ‫َّم َ‬
 ‫الز َن فَوعَدَ اللَّ ُ هَذَا َّ ُولَ َنصرًا عَاجلًا.وَنَد ُ ُمْ يَ ُو ُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعبْدأِ الِاسْتِْئصَال وَلَا‬
                                                                        ‫يَْنف ُ ُمْ نَد ُ ُمْ َبعْدَ ُُول اْلعَذَاب.)(6)‬
                                                                                          ‫حل‬            ‫َعه َمه‬
‫ووصف زمن صفائهم بالقلة هنا وصف يف موطن اللذ , وموضلع اإلنكلار, وهلو‬
‫سنة ماضية يف اجلاحدين واملنكرين أهنم ال يطول أملاهنم وال يسلتمر نعليمهم, بلل‬
‫تأتيهم عقوبتهم ليال أو هنارا فيصعبحوا كأن مل يغنوا بلاألمس؛ علربة للنلاظرين وآيلة‬
                                                                                      ‫من آيات اهلل رب العاملني.‬

                        ‫1 - اهلداية إىل بلوغ النهاية: (7/ 5994), وانظر: الوجيز للواحدي: (747).‬
                                                     ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (4/ 88).‬
                                                       ‫3 - اللعباب يف علو الكتاب: (41/ 412).‬
                      ‫4 - فتح القدير للشوكاين: (3/ 275), وانظر: التفسري املظهري: (9/ 183).‬
              ‫- تفسري املراغي: (81/ 32), وانظر: مراح لعبيد لكشف معىن القرآن اجمليد: (2/ 88).‬
                                                                                             ‫5‬

                                                                              ‫6 - التحرير والتنوير: (81/ 85).‬
                                                          ‫95‬
                                                                      ‫وصف متاع أهل سبأ‬
‫أهل سعبأ أهل نعمة حاضرة, ومتاع مقيم, مجع من نضلرة اللدنيا أوععبلها‬
‫وأمشلها: جنان نضرة, عن ميني ومشلال, ورزق غلدق ال خيشلى فواتله,‬
‫وال يتوقع نفاده, وبلدة طاب نعيمهلا, وطلاب أهللها, وتللك نعملة‬
‫ي ة‬
‫تستحق الشكر, وتستوجب العبذل,(َلقَدْ كَانَ لِسَلعبَإٍ فِلي مَسْنكَنِهِمْ آََن ٌ‬
                                                                         ‫َنت َ ِ‬
‫جََّانِ عنْ يَمنيٍ وَشِ َالٍ ُُوا منْ رزْق رِّ ُمْ وَاشْلكرُوا لَل ُ بَلْلدَ ٌ طِّعبَل ٌ‬
‫ة َي ة‬              ‫ه‬         ‫ُ‬         ‫َبك‬          ‫م كل ِ‬
  ‫َلد ه‬                                                     ‫َْ ض‬          ‫َب َف ر‬
‫وَر ٌّ غ ُو ٌ (51) فَأعرَ ُوا فَأَرْسَللْنَا عَلَليْهمْ سَلْيلَ اْلعَلر وَب َّلْنَا ُمْ‬
                            ‫م‬
‫بجَّتَيْهمْ جَّتَيْن ذَوَاتَيْ ُأكلٍ خَمْطٍ وأَْثلٍ وَشَيْ ٍ ِننْ سِندْرٍ قَلِينلٍ),سلعبأ:‬
                                             ‫َ‬          ‫ُ‬                  ‫َن‬         ‫َن‬
                                                                                 ‫(91).‬
‫مجعت اآلية الكرمية من نعيم الدنيا أوفره, ومن متاع احليلاة أغلزره, وعلربت اآليلة‬
  ‫الكرمية عن هذا النعيم بدقة باهرة, ما يدعو إىل العظة, ويسلتجلب الشلكر, فتقلد‬
‫اجلار واجملرور يف: (لسعبإ), ما يفيد االختصاص, كأنه صلنع هللم رغعبلة يف انتفلاعهم‬
‫باآليات, ومسى اهلل منازهلم سكنا يف قوله: (يف مسكنهم),وليس كل ملا يعليش فيله‬
                                         ‫ي‬
‫املر يسمى سكنا, إمنا السكن ما مجع ما ُسْلكن اللنفس, وتَسلكن إليله اللروح,‬
‫ويهدأ معه اإلنسان وتنعم به احلياة, والتععبري بلفلظ: (آيلة), إرشلاد إىل غرابلة ملا‬
‫لديهم من النعيم, ووفرة ما عندهم ملن املتلاع, حلىت كلان ذللك عجيعبلة ملن‬
‫العجائب,والتععبري عن الزروع واحلدائق باجلنة فيه ما فيه فليس كل بسلتان جنلة إمنلا‬
‫العبستان اجلنة ما تتكاثف أشلجاره, وتتعلانق أغصلانه حلىت يسلتر اللداخل علن‬
‫اخلارج, واخلارج عن الداخل فتتكاثف ظالله, وتتلوارد مثلاره, ويسلتطاب هلواؤه,‬
‫ويرق عليله, والتععبري: (عن ميني ومشال), تععبري رائق فائق ففي كل اجتلاه تنظلره جتلد‬
                                                          ‫ت‬
‫اجلنان اليت تريح النظر, وُهدئ اخلاطر,والتععبري بلفلظ (رزق)فيله ملن اإلكلرا ملا‬
‫فيه,واختيار لفظ الربوبية اليت تفيض إنعاما وعطا , من مجللة النعليم,ولكنلهم بلدلوا‬
‫نعمة اهلل كفرا, وأحلوا قومهم دار العبوار, (بينملا شلجر القلو خلري الشلجر، إذ‬
                                             ‫صريه اهلل من شر الشجر بأعماهلم.)(1)‬

                                                                     ‫1 - جامع العبيان: (52/ 483).‬
                                                  ‫06‬
‫(كانوا يف رغد من العيش وسالمة احلال ورفاهتله، فلأمروا بالصلرب عللى العافيلة‬
‫والشكر على النعمة، وهذا أمر سهل يسري، ولكنهم أعرضوا علن الوفلاق، وكفلروا‬
                                                                           ‫د د‬                  ‫ي‬
                                        ‫بالنعمة، وضّعوا الشكر، فعب ّلوا وب ّل هبم احلال، كما قالوا:‬
                                ‫تعبدلت وتعبدلنا يا حسرة ملن ... ابتغى عوضا لسلمى فلم جيد‬
‫...كذلك من الناس من يكون يف رغد من احلال، واتصلال ملن التوفيلق، وطلرب‬
                                                           ‫ل‬
‫من القلب، ومساعدة من الوقت، فريتكب زّة أو يسلي أدبلا أو يتعبلع شلهوة، وال‬
‫يعرف قدر ما هو به، فيتغري عليه احلال فال وقت وال حلال، وال طلرب وال وصلال‬
                                                            ‫يظلم عليه النهار وقد كانت لياليه مضيئة)(1)‬
   ‫( وذَلِكَ بسََب كفْرهِمْ وَشركِهمْ باللَّهِ، وَتَكْذِيعبهمُ اْلح َّ و ُدُولِهمْ عَنْ ُ إلَى الْعبَا ِل)(2)؛‬
            ‫ط‬           ‫ه‬              ‫َق َع‬                                     ‫ِْ‬          ‫عب ُ‬          ‫َ‬
‫(أعرضوا عن شكر اهلل، وعن العملل الصلاحل، والتصلرف احلميلد فيملا أنعلم اهلل‬
‫عليهم، فسلعبهم سعبب هذا الرخا اجلميلل اللذي يعيشلون فيله وأرسلل السليل‬
‫اجلارف الذي حيمل العر يف طريقه وهي احلجلارة لشلدة تدفقله، فحطلم السلد‬
 ‫وانساحت املياه فطغت وأغرقت مث مل يعد املا خيزن بعد ذللك فجفلت واحترقلت.‬
  ‫َلد ه‬
‫وتعبدلت تلك اجلنان الفيح صحرا تتناثر فيها األشلجار الربيلة اخلشلنة: «وَب َّلْنا ُمْ‬
                                               ‫ِ س‬                       ‫َ‬           ‫ُ‬
‫بجَّتَيْهمْ جَّتَيْن ذَواتَيْ ُأكلٍ: خَمْطٍ وأَْثلٍ وَشَيْ ٍ منْ ِلدْرٍ قَلِيللٍ» ..واخلملط شلجر‬   ‫َن‬        ‫َن‬
‫األراك أو كل شجر ذي شوك. واألثل شجر يشعبه الطرفلا . والسلدر النعبلق. وهلو‬
           ‫َ‬             ‫ه‬          ‫َ‬
 ‫أجود ما صار هلم ومل يعد هللم منله إال قليلل! «ذلِلكَ جزَيْنلا ُمْ بملا كفَلرُوا»‬
                                                                           ‫..واألرجح أنه كفران النعمة..)(3)‬
                        ‫َْ‬                                 ‫َب َف ر‬
 ‫(هذه بلدة طيعبة لينة بال سعبخة وَر ٌّ غ ُو ٌ ملن تاب من الشرك فَأعرَضُوا عن اإلميان.‬
 ‫وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهمْ سَْيلَ اْلعَر والعر هو اسم لذلك‬
 ‫الوادي. ويقال: اسم للمنشأة. ويقال: هو اسم للفأرة اليت قرضت النهر حىت سال عليهم‬
 ‫املا . وجرى يف بساتينهم ويف بيوهتم فخرهبا، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد منهم بيد‬


                                                      ‫1 - لطائف اإلشارات: (3/ 581), بتصرف يسري.‬
                                                          ‫2 - تفسري ابن كثري, ت سالمة: (9/ 855).‬
                             ‫3 - يف ظالل القرآن: (5/ 1592), وانظر: تفسري املراغي: (22/ 57).‬
                                                      ‫16‬
   ‫ك‬                 ‫َن‬         ‫َد ه َن‬
‫ولده وامرأته، فصعدوا هبم اجلعبل فذلك قوله تعاىل وَب َّلْنا ُمْ بجَّتَيْهمْ جَّتَيْن ذَواتَيْ ُأ ُلٍ‬
                       ‫َ‬
  ‫خَمْطٍ يع : أبدهلم اهلل تعاىل مكان الفاكهة ذوايت أكل مخط أي األراك وأَثْلٍ يع : الطرفا‬
                ‫وَشَيْ ٍ منْ سِدْرٍ قَِيلٍ والسدر كانوا يستظلون يف ظله، ويأكلون من مثره.)(1)‬
                                                                                     ‫ل‬      ‫ِ‬
‫وَشَيْ ٍ منْ سِدْرٍ قَِيلٍ، (قال الكليب: فكلانوا يسلتظلون بالشلجر ويلأكلون الرببلر‬  ‫ل‬      ‫ِ‬
        ‫َ ر‬                ‫ه‬          ‫َ‬
‫ومثر السدر وأبوا أن جييعبوا الرسل ذلِكَ الذي جعلنا هبلم، جزَيْنلا ُمْ بملا كفَل ُوا أي‬
 ‫بكفرهم، وحمل ذلك نصب بوقوع اجملازاة عليه، تقديره جزيناهم ذللك مبلا كفلروا:‬
‫وهلْ ُجازي إلَّا الْك ُورَ قرأ أهل الكوفلة بلالنون وكسلر اللزاي ونصلب اللرا ،‬    ‫َف‬           ‫ََ ن‬
                                                             ‫َ ه‬
  ‫واختاره أبو ععبيدة قال: [لقوله] : جزَيْنا ُمْ، ومل يقل: جوزوا، وقلرأ اآلخلرون بيلا‬
    ‫ل‬
‫مضمومة وفتح الزاي ورفع الرا ، ومعىن اآلية: وهل جيلازى مثلل هلذا اجللزا إّلا‬
                                                          ‫الكفور، وقال جماهد: جيازي أي يعاقب.)(2)‬
‫ووصف متعاهم بالقلة هنا وصف يف مقلا الذ ؛ألنله يف مقلا العقوبلة عللى ملا‬
‫قدموا, واجلزا على ما اقترفوا من نكران اللنعم, وهلذه سلنة اهلل تعلاىل يف جحلد‬
                                    ‫النعمة بعد معرفتها والتمتع هبا, وهي سنة ال تتعبدل وال تتحول.‬
                                                               ‫لبث الدنيا مهما طال قليل‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها ذ القللة وصلف املكلث يف اللدنيا للمكلذبني, قلال‬
    ‫ل‬             ‫ص د ك‬             ‫ِم عب ر‬
‫تعاىل:(قل كونوا حجارة أو حديداً أَوْ خَ ْلقًا م َّا يَكُْل ُ فِلي ُل ُور ُمْ فَسَلَيقُوُونَ‬
                       ‫ل‬     ‫ه‬                   ‫َ د ق ال َ َ َك َّ َر ي ِض‬
‫منْ ُيعِي ُنَا ُل َّذِي فطر ُمْ أَولَ م َّةٍ فَسَُْنغ ُونَ إلَيْكَ رُ ُوسَ ُمْ وََيقُوُلونَ مَتَلى هُلوَ‬
          ‫ُن‬                  ‫ت عب‬            ‫ْ ي ْع ك‬                              ‫ك‬
‫قلْ عَسَى أَنْ يَ ُونَ قَريعبًا (15) يَلو َ َلد ُو ُمْ فَتَسْلَجيُونَ بحَمْلدِهِ وََتظُّلونَ إنْ‬        ‫ُ‬
 ‫لَعبثُْمْ إلَّا قَلِيلًا (25, اإلسرا :25,15. خاصة هلؤال اللذين يعيثلون فيهلا فسلادا,‬                 ‫ت‬
‫مكذبني منكرين, جاحدين , فتأخذهم نوازل اآلخرة, وقعبللها نلوازل القلرب فلريون‬
      ‫ت َن‬          ‫َ‬
‫أن الدنيا بالنسعبة ملا يعاينونه قليلة قصرية,فيقلول اهلل تعلاىل هللم : َأفحَسِلعبُْمْ أَّمَلا‬
‫خََلقْنَا ُمْ عَعبَثًا) (أفحسعبتم أيها األشلقيا أنلا إمنلا خلقنلاكم إذ خلقنلاكم، لععبلا‬       ‫ك‬


                                                                              ‫1 - حبر العلو :(3/ 58).‬
                                                   ‫2 - الكشف والعبيان عن تفسري القرآن: (8/ 48).‬
                                                   ‫26‬
‫وباطال وأنكم إىل ربكم بعد مماتكم ال تصريون أحيا ، فتجزون مبلا كنلتم يف اللدنيا‬
                                                         ‫ت‬
                                      ‫تعملون؟.)(1),ومعناه:(ما لَعبثُْمْ إال قَليالً.)(2)‬

‫ووصف اهلل تعاىل لعبثهم يف الدنيا بالقلة بالنسعبة ملا يالقون يف اآلخر, وساعات الصفا قليلة‬
                                                ‫متر سريعة, وساعات املشقة بطيئة ثقيلة,‬

                         ‫فكأهنا من قصرها أيا‬               ‫مرت سنني بالوصال وباهلنا‬

                           ‫فكأهنا من طوهلا أعوا‬              ‫مث انثنت أيا هجر بعدها‬

                     ‫مث انقضت تلك السنون وأهلها فكأهنا وكأهنم أحال (3)‬

   ‫اللد ن‬             ‫م ه‬          ‫و ط‬               ‫َن‬
‫وإمنا مسى اهلل لعبثهم يف الدنيا قليال: (لِأ َّ الْوَاحِدَ َإنْ َلالَ ُكْثُل ُ فِلي ُّنْيَا فَإَّلهُ‬
                                  ‫ِ َن ل ه اللد‬                        ‫ث‬                                ‫كن‬
‫يَ ُو ُ قَلِيلًا فِي جَنْب مَا يَلَْعب ُ فِي الْآخرَةِ لِأ َّ ُعبْثَ ُ فِي ُّنْيَا والقلرب مُتَنَلاهٍ قلالَ إنْ‬
          ‫ت م‬                  ‫َنك‬                   ‫َم ه‬                          ‫الد‬      ‫ت‬                    ‫ت‬
‫لَعبثُْمْ، أَيْ: مَا لَعبثُْمْ فِي ُّنْيَا، إلَّا قَلِيلًا، س َّا ُ قَلِيلًا ، لَوْ أَّ ُلمْ كُنْلُمْ َتعْلَ ُلونَ، قلدر‬
                                                                                           ‫لعبثكم يف الدنيا. )(4)‬

                                                       ‫َ‬               ‫ت‬
‫{كَمْ لَعبثُْمْ فِي األرض عَددَ سِننيَ} أي: (قلال اهلل هللؤال األشلقيا اللذين كلانوا‬
‫يظنون أهنم ال يعبعثون، وأن الدنيا باقيلة: كلم لعبثلتم يف األرض ملن الزملان بعلد‬
‫موتكم، فأجابوا وقالوا لعبثنا يوماً أو بعض يو ، فنسوا عظليم ملا كلانوا فيله ملن‬
‫العبال وطول مكثهم يف القعبور يف العذاب ملا حلل علليهم ملن نقلم اهلل يف اآلخلرة‬
                                                             ‫ال‬
                                       ‫حىت ظنوا أهنم مل يلعبثوا يف الربزخ إ ّ يوماً أو بعض يو .)(5)‬


                                                                     ‫1 - جامع العبيان: (91/ 38).‬
                                                       ‫2 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (4/ 52).‬
                                ‫3 - انظر: ديوان أ متا : وانظر الوساطة بني املتنيب وخصومه : 1/22.‬
                                                                                 ‫4 - تفسري العبغوي:(3/ 773).‬

                                                                   ‫5 - اهلداية إىل بلوغ النهاية: (7/ 5155).‬

                                                          ‫36‬
‫(عدد سنني األشيا - وإن كانت كثرية- فقد تقصر أو تقل باإلضلافة إىل ملا يلوىف‬
‫ويرىب عليها، كذلك مدة مقلامهم حتلت األرض إن كلانوا ىف الراحلة فقلد تقلل‬
‫باإلضافة إىل الراحات الليت يلقوهنلا ىف القياملة، وإن كانلت شلدائد فتتالشلى يف‬
                               ‫جنب ما يرونه ذلك اليو من أليم تلك العقوبات املتوالية.)(1)‬

                                                                    ‫د‬
‫(استقصروا م ّة لعبثهم يف الدنيا باإلضافة إىل خلودهم وملا هم فيله ملن علذاهبا، ألن‬
                                       ‫ر‬
‫املمتحن يستطيل أيا حمنته ويستقصر ما م ّ عليه ملن أيلا الدعلة إليهلا. أو ألهنلم‬
                              ‫ن‬
‫كانوا يف سرور، وأيا السلرور قصلار، أو أل ّ املنقضلي يف حكلم ملا مل يكلن،‬
‫وصدقهم اهلل يف مقاهلم لس لعبثهم يف اللدنيا ووههلم عللى غفلتلهم الليت كلانوا‬
                                                                                          ‫عليها.)(2)‬

   ‫ِ‬
‫(وقرئ: العادين، بالتخفيف، أي: الظلمة، فإهنم يقولون كملا نقلول.)(3), (َتصْلغريُ‬
                                        ‫َ َ َف ه‬        ‫ََع‬                        ‫ْ ِريه‬             ‫ل‬
‫ُعبْثِهمْ وََتحق ُ ُ بالْإضَافَةِ إلَى مَا وق ُوا فِيهِ وعرُو ُ مِلنْ أَلِليم اْلعَلذَاب)(4), (اسلتقلوا‬
                   ‫ُلد‬         ‫ْ‬              ‫َ‬
‫ذلك ملا صاروا إليه من العذاب الطويل.)(5),وقِيللَ: (اسَْتقصَلرُوا م َّةَ لُعبْلثِهمْ فِلي‬
                                                                                      ‫الد َ‬
                                 ‫ُّنْيَا وفِي القعبور وراؤه يسريا بالنسعبة إىل ما هم بصدده.)(6)‬

 ‫(استقصاراً ملدة لعبثهم فيها بالنسعبة إىل خللودهم يف النلار، أو ألهنلا كانلت أيلا‬
  ‫ئ‬
‫سرورهم وأيا السرور قصار، أو ألهنا منقضية واملنقضي يف حكلم املعلدو . فَسْلَل‬


                                                                 ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 595).‬

                                             ‫2 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 552).‬
                                             ‫3 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 952).‬
                                                               ‫4 - مفاتيح الغيب: (32/ 892).‬
                                                         ‫5 - تفسري العز بن ععبد السال : (2/ 583).‬

                                                                  ‫6 - تفسري القرطيب: (21/ 951).‬

                                                  ‫46‬
                                                                          ‫ْعاد‬
‫ال ِّينَ الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت حتقيقهلا فإنلا مللا حنلن فيله ملن‬
‫العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها، أو املالئكة اللذين يعلدون أعملار النلاس‬
‫وحيصون أعماهلم. وقرئ «العادين» بالتخفيف أي الظلمة فإهنم يقوللون ملا نقلول،‬
                     ‫و «العاديني» أي القدما املعمرين فإهنم أيضاً يستقصرون.)(1)‬

                     ‫اللد‬             ‫ض ع ه ع م َص‬                                    ‫م عب ه‬
‫(َي ُو ُ َتعَالَى ُنَِّهًا لَ ُمْ عَلَى مَا أَ َا ُو ُ فِي ُمْرهِ ُ اْلق ِري فِلي ُّنْيَا مِلنْ طَاعَلةِ‬ ‫قل‬
                                   ‫ُد اللد َص‬                                    ‫ه‬               ‫َ‬
‫اللَّهِ َتعَالَى وعِعبَادَتِهِ وَحْدَ ُ، وَلَوْ صَعبَروا فِي م َّةِ ُّنْيَا اْلق ِلريَةِ َلفَلازُوا كَمَلا فَلازَ‬
        ‫ن‬                              ‫ع َ‬                           ‫ت‬           ‫ق ك‬
‫أَوْلِيَا ُ ُ الْ ُت ُونَ، {َالَ َلمْ لَعبثْلُمْ فِلي األرْض َلددَ سِلننيَ} أَيْ: كَلمْ كَاَلتْ‬  ‫ؤه مَّق‬
                         ‫أ َلاد‬                   ‫ْ‬          ‫ْ‬         ‫ْ‬            ‫ل‬        ‫الد‬          ‫ق تك‬
 ‫إَامَُ ُمْ فِي ُّنْيَا؟ {قَاُوا لَعبثْنَا يَومًا أَوْ َبعضَ يَلو ٍ فَاسْلَل اْلع ِّينَ} أَي: اْلحَاسِلعبنيَ‬
   ‫ت‬            ‫َنك‬                    ‫ُلل‬                       ‫ُد س‬                            ‫ت‬
‫{َالَ إنْ لَعبثُْمْ إال قَلِيال} أَيْ: م َّةً يَ ِلريَةً عَلَلى ك ِّ َتقْلدِيرٍ {لَلوْ أَّ ُلمْ كُنْلُمْ‬     ‫ق‬
     ‫َّ َلر‬             ‫ف ك‬               ‫َر‬                                      ‫تم‬                       ‫م‬
‫َتعْلَ ُونَ} أَيْ: لَمَا آَثرُْ ُ اْلفَانيَ عَلَى الْعبَاقِي، وَلَمَا َتص َّفتم لِأَْن ُسِل ُمْ هَلذَا التص ُّفَ‬
   ‫ت‬             ‫َنك‬                  ‫ُد س‬                       ‫ُْ ه‬              ‫َْ ت ِ‬                  ‫َّي‬
‫السِّئَ، وَلَا اسَْتحققُْمْ منَ اللَّهِ سخطَ ُ فِي تِلْكَ الْم َّةِ الْيَ ِلريَةِ، وَلَلوْ أَّ ُلمْ صَلَعبرُْمْ‬
                                           ‫ََ م ْ ن ُ ت‬                                   ‫َ‬              ‫ط‬
                     ‫عَلَى َاعَةِ اللَّهِ وعِعبَادَتِهِ (1) -كَمَا فعلَ الْ ُؤمُِونَ-َلفزُْمْ كَمَا فَازُوا.)(2)‬

‫وإن اهلل- سعبحانه- لليعلم. ولكنله (سلؤال الستصلغار أملر األرض، واستقصلار‬
‫أيامهم فيها. وقد باعوا هبا حياة اخللود.. وإهنم ليحسون اليلو بقصلر تللك احليلاة‬
               ‫وضآلتها. وإهنم ليائسون ضيقو الصدر، ال يعنيهم حساهبا وعدهتا)(3):‬

                                                  ‫سكىن من بطروا معيشتهم يف الدنيا قليلة‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها وصف القللة باللذ وصلف سلكىن ملن‬
‫بطروا معيشتهم, وصف القرآن سكناهم بأهنا مل تسلكن ملن بعلدهم‬
                     ‫َ‬                  ‫ِ َ‬                   ‫َ‬
‫إال قليال, قال تعاىل: (وكَمْ َأهْلَكْنَا منْ قرْيَلةٍ َبطِلرَتْ معِيشَلتَهَا فَتِلْلكَ‬
            ‫ِ لل ل َ ُنل‬                                   ‫َ‬     ‫ت‬        ‫ل نه‬
‫مَسَ لاكُِ ُمْ لَ لمْ ُسْ لكنْ مِ لنْ َبعْ لدهِمْ إَّ لا قَلِيلً لا وكَّ لا َنحْ لنُ‬
                                                           ‫الْوَارِثنيَ),القص : (85).‬

                                                               ‫1 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 79).‬
                                                                      ‫2 - تفسري ابن كثري:(5/ 555).‬
                                                                      ‫3 - يف ظالل القرآن: (4/ 2842).‬
                                                      ‫56‬
            ‫ت َ‬                     ‫َب َ ه‬                      ‫نه ُ‬                ‫د ر ْ الذ‬
‫واملعىن:( فَتِلْكَ ُو ُ اْلقَو َّ ِينَ َأهْلَكَْا ُمْ بكفْرهِمْ برِّهمْ ومَنَازلُ ُمْ لَلمْ ُسْلكنْ مِلنْ‬
        ‫َ ُ‬               ‫ل َل‬                          ‫م‬                ‫ِ ِ‬             ‫قل خ‬
‫َبعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًا، َي ُو ُ: َرَبتْ منْ َبعْدهِمْ، فَلَمْ َيعْ َلرْ مِنْهَلا إَّلا َأقُّهَلا، وَأكَْثرهَلا‬           ‫ِ‬
                                   ‫س‬              ‫ه‬            ‫َن‬                           ‫َ ب ظ ل و‬
‫خرَا ٌ. وََلفْ ُ الْكََا َإنْ كَانَ خَارجًا عَلَى أ َّ مَسَاكِنَ ُمْ قَلدْ ُلكَِنتْ قَلِيلًلا، فَلإنَّ‬
            ‫ق ل َ‬                                                    ‫نه ت َ ِ ِ‬
‫معْنَا ُ: فَتِلْكَ مَسَاكُِ ُمْ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًلا مِنْهَلا، كَمَلا ُي َلا ُ: قضَلْيتُ‬            ‫َ ه‬
                                                                                            ‫ح َّكَ إلَّا قَلِيلًا مِنْ ُ.)(1)‬
                                                                                                    ‫ه‬                       ‫َق‬
                                                                  ‫ِ َ‬
‫(وكَمْ َأهْلَكْنا منْ قرْيَةٍ فيما مضى َبطرَتْ معِيشَتَها يع : كفرت بلرزق رهبلا. ذكلر‬            ‫ِ َ‬                       ‫َ‬
                                                   ‫ل‬
‫القرية، وأراد به أهل القرية يعل : أهنلم كلانوا يتقّعبلون يف رزق اهلل تعلاىل فللم‬
                                                                             ‫ِ َ‬
‫يشكروه يف نعمته. ويقال: َبطرَتْ معِيشَتَها يع : طغلوا يف نعملة اهلل، فلأهلكهم اهلل‬
    ‫ه‬
‫تعاىل بالعذاب يف الدنيا. ويقال: عاشوا يف العبطر وكفلران اللنعم فَتِلْلكَ مَسلاكِنُ ُمْ‬
      ‫ِ ل‬                           ‫ت َ‬
‫يع : انظروا واعتربوا يف بيوهتم وديارهم بقيت خالية لَلمْ ُسْلكنْ مِلنْ َبعْلدهِمْ إَّلا‬
                                          ‫ن‬               ‫َ ُن‬
      ‫قَلِيلًا وهم املسافرون ينزلون هبا يوماً أو ساعة وكَّلا َنحْل ُ الْلوارِثنيَ يعل : نلر‬
                                                                                           ‫االرض ومن عليها.)(2)‬
 ‫(مل يعرفوا قدر نعمتهم، ومل يشكروا سالمة أحواهلم، وانتظا أمورهم، فهاموا يف أودية‬
‫الكفران على وجوههم، فخ ّوا يف أودية الصغار على أذقاهنم، وأذاقهم اهلل من كاسات‬      ‫ر‬
 ‫اهلوان ما كسر مخار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان‬
                                                                                              ‫الدمار فيها ناععبة.)(3)‬
    ‫ه ت َ‬                                                ‫َ د‬                    ‫ط َ ل‬                 ‫ش‬
‫َالَ عطَا ٌ: (عَا ُوا فِي الَْعب َر فَأكَُوا رزْقَ اللَّهِ وعَعبَ ُوا الْأَصْنَا َ، فَتِلْكَ مَساكِنُ ُمْ لَمْ ُسْكنْ‬  ‫ق َ‬
                                                                                                                      ‫ِ ِ‬
                                                                                                  ‫منْ َبعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًا.‬
                  ‫ْ‬          ‫الط‬                                      ‫ك‬              ‫ه ه‬
 ‫َالَ اْب ُ عََّاسٍ رَضِيَ اللَّ ُ عَنْ ُمَا: لَمْ يَسْ ُنْهَا إال املسافرون وما رأوا َّريق يَومًا أَوْ سَاعَةً،‬  ‫ق ن عب‬
     ‫ل َل َ ُ‬                        ‫َّ‬         ‫َق َ ه‬                        ‫َ ه ت َ ِ ِ ل سك‬
 ‫معْنَا ُ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْدهِمْ إَّا ُ ُونًا قَلِيلًا. وِيلَ: معْنَا ُ لَمْ ُيعَمرْ مِنْهَا إَّا َأقُّهَا وَأكَْثرهَا‬
                                                                                                                 ‫خراب)(4)‬


                                                                                      ‫1 - جامع العبيان: (81/ 592)‬
                                                                                        ‫2 - حبر العلو : (2/ 419).‬
                                                                                    ‫3 - لطائف اإلشارات: (3/ 47).‬
                                                                                      ‫4 - تفسري العبغوي: (3/ 545).‬
                                                             ‫66‬
 ‫(هذا ختويف ألهل مكة من سو عاقعبة قو كانوا يف مثل حاهلم من إنعا اهلل عليهم‬
     ‫ر‬
‫بالرقود يف ظالل األمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها باألشر والعبطر، فدم ّهم‬
                                               ‫م‬         ‫َ‬
 ‫اهلل وخ ّب ديارهم. وانتصعبت معِيشَتَها إ ّا حبذف اجلار وإيصال الفعل، كقوله تعاىل‬      ‫ر‬
                                                                   ‫ْه م‬
 ‫وَاخْتارَ ُوسى قَومَ ُ وإ ّا على الظرف بنفسها، كقولك: زيد ظىن مقيم «3» . أو بتقدير‬    ‫م‬
  ‫م‬
 ‫حذف الزمان املضاف، أصله: بطرت أيا معيشتها، كخفوق النجم، ومقد احلاج: وإ ّا‬
‫بتضمني َبطرَتْ معىن:كفرت وغمطت. وقيل: العبطر سو احتمال الغىن: وهو أن ال حيفظ‬         ‫ِ‬
                                                      ‫حق اهلل فيه إلَّا قَلِيلًا من السكىن. )(1)‬
‫(إن بطر النعمة، وعد الشكر عليها، هو سعبب هالك القرى. وقد أوتوا من نعمة اهلل‬
 ‫ذلك احلر اآلمن فليحذروا إذن أن يعبطروا، وأال يشكروا، فيحل هبم اهلالك كما حل‬
       ‫ت َ‬
‫بالقرى اليت يروهنا ويعرفوهنا، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية.. «لَمْ ُسْكنْ مِنْ‬
‫َبعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًا» . وبقيت شاخصة حتد عن مصارع أهلها، وتروى قصة العبطر بالنعمة‬          ‫ِ‬
         ‫وقد ف أهلها فلم يعقعبوا أحدا، ومل يرثها بعدهم أحد «وكَّا َنحنُ الْوارِثنيَ».)(2)‬
                             ‫َ ُن ْ‬
                                                                             ‫متاع اجلاحدين يف الدنيا قليل‬

‫ومن مواطن القلة املذمومة: وصف متاع اجلاحدين يف الدنيا بأنه قليلل, سلوا كلان‬
  ‫ث م‬              ‫ن ِّ ه‬
‫طعاما أو شرابا أو أي صورة من صور املتلاع, قلال تعلاىل: (ُمَلتعُ ُمْ قَلِيلًلا ُل َّ‬
                                                            ‫َنض َر ُمْ إلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ), لقمان:(42)‬‫ْط ُّه‬
    ‫ه‬            ‫ك‬             ‫َّع ُم ن ُه‬                                    ‫الد‬              ‫ن َهله‬
‫واملعىن: (ُم ُِّ ُمْ فِي هَذِهِ ُّنْيَا مَهْلًا قَلِيلًا يتَمَت ُونَ, ث َّ ُلورد ُمْ عَلَلى ُلرْهٍ مِلنْ ُمْ‬
                ‫عَذَابًا غَِيظًا، وذَلِكَ عَذَا ُ َّار، َن ُو ُ باللَّهِ مِنْهَا، ومنْ عَملٍ ُيق ِّ ُ مِنْهَا.)(3)‬
                             ‫َ ِ َ َرب‬                             ‫ب الن ع ذ‬                   ‫َ‬      ‫ل‬
 ‫والعذاب فِي ُّنْيَا,(َيعْني: إلَى مَوْتِهمْ.)(4), أي: (ميهلهم يف الدنيا إمهاالً قليالً ووقتاً‬
                                                                                           ‫الد‬
                                                                                                    ‫قليالً.)(5)‬

                                                   ‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 324).‬
                                                                 ‫2 - يف ظالل القرآن:(5/ 4572).‬
                                                                      ‫3 - جامع العبيان: (81/ 575).‬
                 ‫.‬   ‫4 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 773), تفسري السمعاين: (4/ 532).‬
                                                                  ‫.‬   ‫5 - اهلداية إىل بلوغ النهاية: (9/ 5375)‬
                                                       ‫76‬
     ‫ُم ْ ُّه‬                    ‫ِ‬                       ‫الد‬          ‫َّع‬            ‫ن له‬                     ‫ن ِّعه‬
‫(ُمَت ُ ُمْ قَلِيلًا، أَيْ: ُمْهُ ُمْ لِيَتَمَت ُوا بَنعِيم ُّنْيَا قَلِيلًا إلَى اْنقضَا ِ آجَالِهمْ، ث َّ َنضطَر ُمْ،‬
‫ث َّ ُلْجُ ُمْ وََن ُد ُمْ فِي الْآخرَةِ، إىل َذابٍ غَلِيظٍ، وهُوَ عَذَا ُ َّار.)(1), (واملتاع القليل‬
                            ‫ب الن‬             ‫َ‬                    ‫ع‬               ‫ِ‬           ‫ُم ن ئه ر ُّه‬
                                                                                          ‫هو العمر يف الدنيا)(2)‬
‫واهلل (تعاىل) يعبني للمؤمنني الصادقني أن متاع هؤال ال يدو ؛ فلال يغلرنكم ملا هلم‬
‫فيه, فهو ظل زائل, وعارية مستردة, يعبتليهم اهلل هبلا ويعبتللي هبلا غريهلم, فكأنله‬
                     ‫ِّ‬                                ‫ُف م‬           ‫ؤ‬                   ‫ُر‬
‫(تعاىل) يقول:(لَا تَْنظ ُوا إلَى مَا هَ ُلَا ِ الْك َّار ُتْرفلون فِيلهِ، مِلنَ النعْمَلة والغِْعبطَلة‬
     ‫م َّلي‬              ‫َ‬            ‫ح م‬                       ‫ُله ه‬                 ‫م ل زل‬
‫َالس ُور، فعَ ّا قَِيلٍ َي ُو ُ هَذَا كُّ ُ عَنْ ُمْ، وَُيصْلعب ُونَ ُلرتَهنني بأعْمَلالِه ُ الس ِّئَةِ،‬        ‫و ُّر‬
  ‫ع ل ُلم و ه‬                                    ‫ع ه‬                                       ‫ه‬          ‫ن مد ه‬
‫فَإَّمَا نَ ُ ّ لَ ُمْ فِيمَا ُمْ فِيهِ اسْتِدْرَاجًا، وَجَمِي ُ مَا ُمْ فِيهِ {مَتَلا ٌ قَلِيل ٌ ث َّ مَلأْ َا ُمْ‬
‫جَهَّ ُ وَبْئسَ الْمِهَا ُ}.)(3) , (ومتاع احلياة اللذي خيدعله قليلل، قصلري األجلل،‬           ‫د‬                   ‫َنم‬
‫زهيد القيمة..)(4). وهَذِهِ الْآيَ ُ كقَوْلِهِ َتعَالَى: {مَا ُيجَاد ُ فِي آيَلاتِ الَّلهِ إال َّلذِينَ‬
         ‫ال‬        ‫ل‬                  ‫ِل‬                                ‫ة َ‬               ‫َ‬
                                                                  ‫ر َلبه‬
‫كف ُوا فَال َيغْ ُرْ َ َتق ُُّ ُمْ فِلي الْلعبالدِ} [ َلافرٍ:4] ، وَلالَ َتعَلالَى: {إ َّ َّلذِينَ‬
      ‫ن ال‬                    ‫َق‬        ‫غ ِ‬                                                   ‫َ َر‬
                                       ‫د ي ُم‬            ‫تع‬
‫َيفَْت ُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا ُيفِْل ُونَ. مََا ٌ فِي ال ْنَْا ث َّ إلَيْنَا مَلرْجعُ ُمْ ث َّ ُلذِيقُ ُمُ‬
  ‫ه ُلم ن ه‬                                                         ‫ح‬                                       ‫ر‬
  ‫ن ِّعه‬
‫اْلعَذَابَ َّدِيدَ بمَا كَاُوا يَكف ُونَ} [ُوُنسَ:99، 57] ، وَلالَ َتعَلالَى: {ُمَنت ُ ُمْ‬
                            ‫َق‬                ‫ي‬      ‫ن ْ ُر‬                  ‫الش‬
   ‫َه‬
‫قَلِيال ث َّ َنض َر ُمْ إلَى َلذَابٍ غَلِليظٍ} [ُلقْمَلانَ:42] ، وَلالَ َتعَلالَى: {فَم ِّنلِ‬
                          ‫َق‬                                   ‫ع‬        ‫ُم ْط ُّه‬
          ‫َ‬                           ‫َق‬                         ‫الط‬          ‫ه ر‬               ‫ف‬
‫الْكَاِرينَ َأمْهلْ ُمْ ُوَيْدًا} [ َّارق:71] ، أَيْ: قَلِيلًا وَلالَ َتعَلالَى: {َأفَمَلنْ وعَلدْنَاهُ‬
                                 ‫د ُلم‬                        ‫َ َّ ه ت‬
‫وعْدًا حَسَنًا فَ ُوَ القِيهِ كَمنْ مَتعْنَا ُ مََاعَ الْحَيَاةِ ال ْنْيَا ث َّ هُلوَ يَلو َ اْلقِيَامَلةِ مِلنَ‬
                      ‫ْ‬                                                                      ‫ه‬                 ‫َ‬
                                                                                     ‫ََ‬          ‫ُ ْض‬
                                                                                ‫الْمح َرينَ} [اْلقص :19]‬
                                                                                        ‫القلة املذمومة يف العدد‬
‫كثر ورود القلة يف العدد يف القرآن الكر يف موطن املدح, وهنا وردت القلة يف العدد يف‬
  ‫َت‬
‫موطن الذ وهذا من املواطن القليلة الورود يف القرآن الكر , ومن ذلك قوله تعاىل:( حَّى‬
                              ‫م َ ْ ف ن ِ َل َ‬                                   ‫ي د‬             ‫َ‬
              ‫إذَا رأَوْا مَا ُوعَ ُونَ فَسََيعْلَ ُونَ منْ أَضعَ ُ َاصرًا وََأق ُّ عَددًا),اجلن: (42).‬


                                                                         ‫1 - تفسري العبغوي:(3/ 195).‬
                                                    ‫2 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (4/ 353).‬
                                                                      ‫3 - تفسري ابن كثري: (2/ 291).‬
                                                                           ‫- يف ظالل القرآن:(5/ 4972).‬              ‫4‬


                                                         ‫86‬
‫والوصف بقلة العدد هنا ملن ملواطن الوصلف بالقللة املذموملة, ومعلىن اآليلة‬
         ‫م‬
‫الكرمية:(إذا عاينوا ما يعدهم رهبم ملن العلذاب وقيلا السلاعة (فَسَلَيعْلَ ُونَ مَلنْ‬
                                                              ‫ْ ف ِ َ َل َ‬
‫أَضعَ ُ نَاصرًا وَأق ُّ عَددًا), أجنلد اهلل اللذي أشلركوا بله، أ هلؤال املشلركون‬
 ‫به.)(1) (فهو التهديد الظاهر وامللفوف مللن يعبلغله هلذا األملر مث يعصلي. بعلد‬
                                        ‫التلويح باجلد الصار يف التكليف بذلك العبالغ.‬
‫وإذا كان املشركون يركنون إىل قوة وإىل علدد، ويقيسلون قلوهتم إىل قلوة‬
‫حممد- صلى اهلل عليه وسلم- وامللؤمنني القالئلل معله، فسليعلمون حلني‬
‫َ َلل‬            ‫ف‬           ‫َ‬
‫يرون ما يوعدون- إما يف الدنيا وإما يف اآلخرة- «منْ أَضْلعَ ُ ناصِلراً وَأق ُّ‬
                     ‫عَدَداً» .. وأي الفريقني هو الضعيف املخذول القليل اهلزيل!)(2)‬

                                                                        ‫قلة شكر عموم الناس‬

‫ورد الوصف بالقلة لشكر عملو النلاس يف القلرآن الكلر يف ملواطن‬
       ‫ك م الس‬         ‫َك َ‬                  ‫ُ ه ال‬
‫متعددة منها قول اهلل تعاىل: (قلْ ُوَ َّذِي أَنْشَأ ُمْ وَجعَللَ لَ ُل ُ َّلمْعَ‬
                                                ‫ُ‬                            ‫َ‬
 ‫وَالْأَْبصَارَ وَالْأفْئِدَةَ قَلِيلًا مَلا تَشْلكرُون), املللك: (32), وقولله تعلاىل:‬
 ‫(وََلقَدْ مَكَّا ُمْ فِي الْأَرْض وَجعَلْنَا لَ ُمْ فِيهَا معَايشَ قَلِيلًلا مَلا تَشْلك ُونَ,‬
     ‫ُر‬                            ‫َ‬           ‫َ ك‬                           ‫َّن ك‬
     ‫ك‬       ‫َ‬            ‫ر‬                       ‫ُم َو ه‬
‫األعراف: (51), وقوله: (ث َّ س َّا ُ وََنفَخَ فِيهِ مِلنْ ُوحِلهِ وَجعَللَ لَ ُلمُ‬
                                             ‫ُر‬                      ‫وَ‬            ‫الس و‬
                   ‫َّمْعَ َالْأَْبصَارَ َالْأفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْك ُونَ),السجدة: (9).‬
‫( يع بالقليل أهنم ال يشكرون رب هذه النعم يف حسن خلقهم‬
‫فيوحدونه.)(3),أي: (قليال ما تشكرون ربكم على هذه النعم اليت أنعمها‬
                                                                               ‫عليكم.)(4)‬

                                  ‫1 - جامع العبيان:(32/ 179), وانظر: تفسري ابن فورك: (3/ 99).‬
                                                      ‫2 - يف ظالل القرآن: (9/ 7373).‬

                                                   ‫3 - تفسري مقاتل بن سليمان: (3/ 944).‬

                                                                ‫4 - جامع العبيان: (32/ 715).‬

                                                     ‫96‬
‫ودهلم اهلل (تعاىل) على موطن املؤاخذة وهو أهنم مل يسلخروا اللنعم فيملا‬
‫خلقت له, فلم يسمعوا مراد اهلل, ومل يلأمتروا بلأمره وينتلهوا بنهيله, ومل‬
            ‫َك‬              ‫ال‬          ‫ُ‬
 ‫يعقلوا عنه, وهو الذي خلقهم لذلك, (قلْ هُلوَ َّلذِي أَنْشَلأ ُمْ يعل :‬
                                                          ‫َ َ كم الس‬
 ‫خلقكم وَجعلَ لَ ُ ُ َّمْعَ لكي تسلمعوا هبلا احللق، وَالْأَبْصلارَ يعل :‬
                                                                ‫وَ‬
                      ‫لكي تعبصروا، َالْأفْئِدَةَ يع : القلوب لكي تعقلوا هبا اهلدى.‬
                                                                      ‫ُر‬
‫قَلِيلًا َّا تَشْك ُونَ يع : شكركم فيما صنع إليكم قلليالً. ويقلال: معنلاه‬    ‫م‬
‫خلق لَ ُ ُ السمع واألبصلار واألفئلدة آللة لطاعلات ربكلم، وقطعلاً‬          ‫كم‬
‫حلجتكم، وقدرة على ما أمركم فاسلتعملتم اآلالت يف طاعلة غلريه ومل‬
                                                                       ‫توحدوه.)(1)‬
‫(ذكر عظيم مّته عليهم بأن خلق هلم هذه األعضلا ، وطالعبلهم بالشلكر‬    ‫ن‬
                         ‫س‬
‫عليها.وشكرهم عليها استعماهلا ىف طاعته فشلكر ال ّلمع أال تسلمع إال‬
              ‫ل‬
‫باهلل وهلل، وشكر العبصر أال تنظر إال باهلل هلل، وشلكر القللب أّلا تشلهد‬
                                               ‫غري اهلل، وأّا حت ّ به غري اهلل.)(2)‬
                                                                ‫ل ب‬
‫ولعل السر يف ختصي السمع واألبصار واألفئدة ألهنلا ملواطن االنتفلاع‬
‫يف احلياة, وألهنا (يتعلق هبا من املنلافع الدينيلة والدنيويلة ملا ال يتعللق‬
‫بغريها. ومقدمة منافعها أن يعمللوا أمسلاعهم وأبصلارهم يف آيلات اهلل‬
‫وأفعاله، مث ينظروا ويستدلوا بقلوهبم. ومن مل يعمللها فيملا خلقلت لله‬
       ‫ْه‬         ‫ه‬
‫فهو مبنزلة عادمها، كما قال اهلل (تعاىل): (فَما َأغْلىن عَلنْ ُمْ سَلمعُ ُمْ وَال‬
       ‫َ‬
‫أَبْصارهُمْ وَال َأفْئِدَتُهُمْ منْ شَيْ ٍ إذ كلانوا جيحلدون بآيلات اهلل وحَلاقَ‬
                                               ‫ِ‬                         ‫ُ‬
                                         ‫م كن هَ ت ئ ن‬
‫بهمْ َا َاُوا ب ِ يسَْهْزُو َ),األحقلاف:92. ومقدملة شلكر النعملة‬




                                                       ‫1 - حبر العلو : (3/ 874).‬
                                                ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 385).‬
                                              ‫07‬
                                            ‫د‬
‫فيها اإلقرار باملنعم هبا، وأن ال جيعل له نل ّ وال شلريك، أي: تشلكرون‬
                                              ‫شكرا قليال، وما مزيدة للتأكيد مبعىن حقا)(1)‬
                                                                         ‫ُر َ‬
‫(وقوله: قَلِيلًا ما تَشْك ُون يقتضي ظاهره أهنم يشكرون قليال، فهذا إما أن يريد‬
 ‫به ما عسى أن يكون للكافر من شكر وهو قليل غري نافع، وإما أن يريد مجلة‬
 ‫فعرب بالقلة كما تقول العرب: هذه أرض قل ما تنعبت كذا، وهي ال تنعبته‬
                                                                                                    ‫بتة)(2)‬
 ‫ويف اآلية الكرمية تنعبيه على أن هذا العطا ملهمة, وأن إغفال اإلفادة من هذه‬
                     ‫َنه‬
 ‫النعم جملعبة للو والذ , ناهيك عن العتاب والعقاب,( كَأَّ ُ َتعَالَى قَالَ:‬
   ‫ِنك‬               ‫الش‬               ‫ِ‬                            ‫الث‬         ‫ْ‬
‫َأعطَيُْ ُمْ هَذِهِ الْإعطَا َاتِ َّلَاثَةَ مَعَ مَا فِيهَا منَ اْلقُوَى َّريفَةِ، لَكَّ ُمْ‬       ‫ْ تك‬
         ‫َم ت‬             ‫َ تم ه‬            ‫ت‬                 ‫ِ تم ه‬             ‫ل‬                   ‫َّ تم‬
‫ضَيعُْ ُوهَا فَلَمْ َتقْعبَُوا مَا سَمعُْ ُو ُ وَلَا اعْتََعبرُْمْ بمَا أَْبصرُْ ُو ُ، وَلَا تَأ َّلُْمْ فِي‬
               ‫وِ‬                  ‫ِّ َ ت‬                       ‫َ تم ه َنك َّ ت‬
‫عَاقِعبَةِ مَا عقَلُْ ُو ُ، فَكَأَّ ُمْ ضَيعُْمْ هَذِهِ النعَمَ وَأفْسَدُْمْ هَذِهِ الْمَ َاهبَ، فَلِهَذَا‬
                            ‫ه‬           ‫الل‬             ‫َن ش ْ‬           ‫ُر َ‬
‫َالَ: قَلِيلًا مَا تَشْك ُونَ وذَلِكَ لِأ َّ ُكرَ نعْمَةِ َّهِ َتعَالَى ُوَ أَنْ َيصْرفَ تِلْكَ‬               ‫ق‬
                        ‫ْ‬        ‫َ‬          ‫ه َ ت َم َ َ تم الس‬
 ‫النعْمَةَ إلَى وَجْهِ رضَا ُ،وأَنُْمْ ل َّا صرفُْ ُ َّمْعَ وَالَْعبصرَ وَاْلعَقلَ لَا إلَى طَلَب‬          ‫ِّ‬
                                                       ‫مرْضَاتِهِ فَأَنُْمْ ما شكرمت نعمته ألعبتة.)(3)‬
                                                                                               ‫ت‬             ‫َ‬
                                                                                          ‫قلة إميان املدعوين‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها ذ القلة, أو التععبري عنلها يف مقلا اللذ ,وصلف إميلان‬
                 ‫ِ‬                       ‫َ‬
‫املدعوين بالقلة, وورد ذلك يف قوله تعلاىل: (ومَلا هُلوَ بقَلوْل شَلاعرٍ قَلِيلًلا مَلا‬
                                                                                ‫تْ ن‬
                                                             ‫ُؤمُِونَ), احلاقة: (14).‬
                                                ‫واملعىن: (أقلكم من ُؤمن)(4)‬
                                                        ‫ي‬


‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 891),أنوار التنزيل وأسرار التأويل:‬
                                                                      ‫(4/ 39).‬
                               ‫2 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (5/ 343).‬

                                                                    ‫3 - مفاتيح الغيب: (53/ 595).‬
                                              ‫4 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني:(5/ 33).‬
                                                              ‫17‬
‫والقلة هنا تدل على العد , أو الوجود غري املفيد فهو أشعبه بالعد , أي: (ال‬
‫تصدقون بأن القرآن من عند اهلل، وأريد بالقليل نفي إمياهنم أصلًا، كما تقول‬
‫ملن ال يزورك: َّ ما تأتينا, وأنت تريد: ال يأتينا أصلًا.)(1), (أَي: لَا تؤمنون‬
                                                             ‫قل‬
‫أصال.)(2), فالقلة مبعناها األصلي , أو داللتها الفرعية على العد هنا يف‬
                                                                  ‫موطن الذ .‬
                                                                       ‫قلة تذكر املدعوين‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها احلديث علن القللة يف مقلا اللذ , وصلف‬
‫تذكر املدعوين بالقلة, وقد ورد ذللك يف ملواطن متعلددة منلها قولله‬
                                         ‫ذ َّر‬               ‫كِ‬
 ‫تعاىل: (وَلَا بقَوْل َاهنٍ قَلِيلًا مَا تَ َك ُونَ), احلاقلة: (24). وقولله تعلاىل:‬
                ‫الص‬         ‫َ‬        ‫َ‬         ‫و ِري َال‬          ‫َ‬                ‫َ‬
‫(ومَا يَسْتَوي الْأعْمَى َالَْعبص ُ و َّلذِينَ آمَنُلوا وعَمِلُلوا َّلاِلحَاتِ وَلَلا‬
         ‫َم ي‬                                             ‫ذ َّر‬
‫الْ ُسِي ُ قَلِيلًا مَا تَتَ َك ُونَ),غافر: (85), وقولله تعلاىل:( أ َّلنْ ُجيلبُ‬   ‫م‬
               ‫ه‬                         ‫ْ لك خ‬            ‫ف الس‬         ‫ُ ْ َر َ ه‬
‫الْمضط َّ إذَا دعَا ُ وَيَكْشِ ُ ُّو َ وََيجعَُ ُمْ َُلفَا َ الْأَرْض أَئِلَل ٌ مَلعَ اللَّلهِ‬
                                                                               ‫ذ َّر‬
                                                         ‫قَلِيلًا مَا تَ َك ُونَ), النمل: (29).‬
 ‫والتذكر هنا مبعىن االتعاظ, يقول الطربي: (قليال ما تعتربون به.)(3) أو:( قليال ما تتعظون‬
                                                                       ‫وتعتربون فتراجعون احلق.)(4)‬
 ‫أو أن املراد أقلكم املتذكر, فالقلة هنا إما يف فعل التذكر, وإما يف عدد املتذكرين, أو املراد‬
                                                                                     ‫قلة زمن التذكر(5)‬
‫واملراد من القلة هنا: إما الندرة, وإما العد , على عادة القرآن الكر يف التععبري بالقلة على‬
 ‫العد أو الفعل غري املفيد الذي وجوده كالعد , وتذييل اآلية الكرمية بنفي التذكر إشارة‬

                                           ‫1 - التفسري الوسيط للواحدي: (4/ 843).‬
                                                       ‫2 - تفسري السمعاين: (9/ 24).‬

                             ‫3 - جامع العبيان: (32/ 295), وانظر: حبر العلو : (3/ 294).‬
                                                        ‫4 - جامع العبيان : (21/ 992).‬
       ‫5 - راجع: تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (2/ 211), التفسري املظهري (51/ 75),‬
                                                                                       ‫بتصرف يسري.‬
                                                 ‫27‬
                 ‫ل‬                  ‫ة‬
‫على وضوح هذه النعم اليت دهلم القرآن عليها, (وما مزيد ٌ لتأكيدِ معىن القَّةِ اليت أريدَ هبا‬
‫العد ُ أو ما جيري جمراه يف احلقارةِ وعد اجلدوى ويف تذييل الكال بنفي التذكر عنهم‬
       ‫ف‬                                 ‫وأن‬               ‫كل‬                ‫ز‬
‫إيذا ٌ َّ مضمونَ ُ مركو ٌ يف ذهن ِّ ذكيَ وغيبَ َّه من الوضوح بيحث ال يتوق ُ إال‬      ‫ه‬          ‫ن بأن‬
                                                                        ‫على التوجه إليه وتذكره)(1).‬
‫ِلة‬
‫وقد يكون املراد من القلة: الوجود القليل, وذلك ما كان يظهر منهم على ندرة, (وَاْلقَّ ُ‬
                                              ‫ُوَ إقرَار ُمْ إذَا ُئُِوا منْ خََلقَ ُمْ؟ قَاُوا: اللَّهِ)(2)‬
                                                             ‫ه ل‬                ‫سل َ‬            ‫ه ْ ُه‬
  ‫وقد قرئ بالغيعبة, وهلا داللة إضافية, هي:(اإليذان باقتضا سو ِ حالِهم يف عد‬
‫االمتثال باألمر والنهي وصرفِ اخلطاب عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغريهم بطريق‬
                                                                                             ‫املعباالة)(3)‬

                                                   ‫النعي على من يشتري بآيات اهلل مثنا قليالً‬

‫كل عوض عن آيات اهلل قليل, فال يشلترى هبلا سلواها, وال يعلدل هبلا‬
‫غريها, فمن ذا الذي يستعبدل الذي هلو أدىن باللذي هلو خلري؟, ولقلد‬
‫وردت القلة يف موطن الذ يف النعي عللى ملن يشلتري بآيلات اهلل مثنلا‬
‫ر‬                ‫ل‬               ‫ن‬                                      ‫ر‬
‫قليالً, قال تعاىل: (وَلَا تَشَْت ُوا بعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إَّمَا عِنْلدَ الَّلهِ هُلوَ خَيْل ٌ‬
                                                                                       ‫ك كت م‬
                                                        ‫لَ ُمْ إنْ ُنُْمْ َتعْلَ ُونَ),النحل: (59).‬
    ‫َِن‬
‫أي: (لَا َتعْتَا ُوا َن الْإيْمَانِ باللَّهِ َلرَض اْلحَيَلاةِ ُّنْيَا وَزينَتَهَلا، فذَّهَنا‬
                            ‫اللد‬               ‫ع‬                       ‫ض ع‬
                                                                                               ‫َة‬
‫قَلِيل ٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْن آد َ ُّنْيَا بحَ َاِريهَا لَكَانَ مَا عِنْلدَ الَّلهِ هُلوَ خَيْل ٌ‬
‫ر‬                 ‫ل‬                            ‫ذف‬           ‫َ الد‬
‫لَ ُ، أَيْ: جزَا ُ اللَّهِ وَثَوَاُ ُ خَْي ٌ لِمنْ رَجَا ُ وَآمنَ بلهِ وَطَلَعبَلهُ، وَحفِلظَ عَهْلدَ ُ‬
‫ه‬               ‫َ‬                        ‫ه َ‬             ‫به ر َ‬                           ‫َ‬        ‫ه‬
                                                                             ‫رَجَا َ مَو ُودِهِ)(4)‬
                                                                                           ‫ْع‬


                                           ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (9/ 592).‬
                                                        ‫2 - العبحر احمليط يف التفسري: (51/ 592).‬
                                           ‫3 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (3/ 112).‬

                                                                   ‫4 - تفسري ابن كثري: (4/ 559).‬
                                                         ‫37‬
‫ومن نظر إىل موعود اهلل تعاىل ونظر إىل الدنيا استقل اللدنيا مبلا فيهلا وملن‬
‫فيها, فال خيتار على مراد اهلل شيئاً, ومل مينعه ملن تنفيلذ أملره علرض ملن‬
                                      ‫ق‬
‫أعراض الدنيا, (فال ختتاروا على القيا حب ّ اهلل والوفا بعهلده عوضلا يسلريا‬
     ‫د‬         ‫ن‬
‫مما تنتفعون به من حطا دنياكم من حاللكم وحلرامكم، فلإ ّ ملا أعل ّ اهلل‬
‫لكم يف جناته- بشرط وفائكم إلميانكم- يوىف ويربو على ملا تتعجللون بله‬
                          ‫من حظوظكم.)(1)ذلك أن (كل ما يف الدنيا قليل)(2)‬
‫ولقد حرص القرآن الكر أن ير املسللمني عللى االعتصلا بكتلاب اهلل‬
‫تعاىل, وأن ال يشتروا به مثنا قليال, (ولقلد تلرك القلرآن وسلنة الرسلول-‬
‫صلى اهلل عليه وسلم- يف نفوس املسلمني أثراً قويلاً وطابعلاً عاملاً يف هلذه‬
                 ‫الناحية ظل هو طابع التعامل اإلسالمي الفردي والدو املتميز..‬
‫وقد ترك هذا القرآن يف النفوس ذلك الطابع اإلسالمي العبارز. وهو يرغب‬
‫ويرهب، وينذر وحيذر وجيعل العهد عهد اهلل، ويصور النفع الذي جيره نقضه‬
          ‫الل‬                     ‫و‬
‫ضئيالً هزيالً، وما عند اهلل على الوفا عظيماً جزيالً: « َال تَشَْترُوا بعَهْدِ َّهِ ثَمَناً‬
                               ‫كت م‬                  ‫ه ر ك‬                            ‫ن‬
‫قَلِيلًا. إَّما عِنْدَ اللَّهِ ُوَ خَْي ٌ لَ ُمْ إنْ ُنُْمْ َتعْلَ ُونَ» .. ويذكر بأن ما عند العبشر‬
                 ‫َك د و‬
‫ولو ملكه فرد فإنه زائل، وما عند اهلل باق دائم: «ما عِنْد ُمْ يَْنفَ ُ َما عِنْدَ اللَّهِ‬
‫باقٍ» ، ويقوي العزائم على الوفا ، والصرب لتكاليف الوفا ، ويعد الصابرين أجراً‬
                 ‫ل‬                  ‫س‬         ‫ر ْ َه‬              ‫َن الذ‬
‫حسناً «وَلََنجْزي َّ َّ ِينَ صََعب ُوا أَجر ُمْ بأَحْ َن ما كانُوا َيعْمَُونَ» والتجاوز عما‬
        ‫وقع منهم من عمل سيئ، ليكون اجلزا على أحسن العمل دون سواه.)(3)‬
‫والعلة يف كون ما يقابل كال اهلل وآياته من مثن قليل مهما كثر الفرق بني آيات‬
‫اهلل تعاىل وما يف الدنيا من نعيم ومتاع, (ووجه اخلريية واضح، فإن ما عندكم من‬

                                                           ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 813).‬
                                                    ‫2 - أيسر التفاسري للجزائري: (3/ 451).‬


                                                                     ‫3 - يف ظالل القرآن: (4/ 3912).‬
                                                     ‫47‬
‫متاع ونعيم دنيوي عرضة للنفاد والزوال، وإن طال األمد، وما عند اهلل من ثواب‬
‫ونعيم يف اجلنة ومواهب اآلخرة باق خالد، ال انقطاع له وال نفاد، وإمنا هو دائم‬
                    ‫ال حيول وال يزول، أي إن الدنيا فانية، واآلخرة باقية دائمة.‬
‫واهلل بفضله وعدله جيزي باخلري والثواب الطيب الذين صربوا على أذى املشركني،‬
‫وأعدا العقيدة، وعلى القيا بواجعبات اإلسال وأحكا الشريعة، اليت توجب‬
‫الوفا بالعهد وتنفيذ العقد، وكذلك بالصرب عن الشهوات، وعلى مكاره الطاعة،‬
‫جيازيهم اهلل بأحسن أعماهلم، والتجاوز عن سيئاهتم، وهذا هو الثواب العظيم،‬
‫وهو الوعد احلسن بغفران الذنوب، وحمو اخلطايا، وهذه اآلية إشارة إىل الصرب عن‬
                      ‫ر‬
‫شهوة كسب املال بالوجوه املنكرة أو احملرمة، من ال ّشاوى، وأخذ األموال على‬
‫ترك الواجعبات، وفعل القعبائح واحملظورات، فإن كل عاقل ينفر من احلرا ، وال‬
               ‫يتقعبل العفيف الشريف تلويث مكاسعبه باحملرمات والشعبهات.)(1)‬




                                              ‫1 - التفسري الوسيط للزحيلي: (2/ 9921).‬

                                         ‫57‬
                                 ‫املبحث الرابع‬

                                ‫سنن اهلل يف القلة‬

‫الناظر يف آيات القلة يف القرآن الكر جيد أهنا متضلي يف خلط واحلد, وتسلعى إىل‬
‫هدف حمدد, مبا يربز صورة متكاملة عن قضية كليلة, هللا مالحمهلا ومساهتلا, وهللا‬
              ‫أصول جامعة, ونظائر متناسقة, وميكن أن نرصد تلك السننية يف خطوتني:‬

                                 ‫األوىل يف بيان مالمح الترابط السن يف آيات القلة.‬

                               ‫والثانية يف بيان األصول اجلامعة لقضية السننية يف القلة‬

                                                 ‫مالمح الترابط السنين يف آيات القلة‬

‫الناظر يف آيات القلة الواردة يف القرآن الكر جيد هذا اخلليط اللدقيق الرقيلق اللذي‬
‫يربطها وجيمعها من أوهلا إىل آخرهلا, ال تلنقض آيلة أختلها, وال تشاكسلها وال‬
‫تعكر صفوها, وال تكدر روا ها, بل متشي يف مسارها, وتؤكلد عطا هلا, وترسلخ‬

                                       ‫67‬
‫داللتها, سوا ذلك يف وصف الفئة املؤمنلة الليت اتعبعلت نوحلا (عليله السلال ),‬
‫وآمنت به إذ كذبه النلاس, وناصلرته إذ ختللى عنله العبشلر, القريلب والغريلب‬
‫والصديق والعدو حىت ابنه الذي هو من صلعبه, ختللى علن دعوتله وهجلر رسلالته‬
‫حىت يوصي السالف اخلالف, ويؤكلد األجلداد وصليتهم لألبنلا بلل األحفلاد‬
                                                                   ‫موقفهم من نوح (عليه السال ).‬

‫والفئة القليلة من قو نوح هلي, هلي, الليت وصلفها قومهلا بلأهنم أراذل بلل‬
‫(أراذلنا),وأهنم متسرعون يف اإلميان(بادي الرأي), وأهنلم لليس هللم عللى قلومهم‬
‫فضل وال سعبق, وهذه الصفات وتلك اخليوط الدقيقلة الليت وقفنلا أمامهلا تفصليال‬
‫لدى احلديث عن صفات القلة, وهي هي اليت تتكرر يف كل قللة, مبلا يؤكلد خلط‬
‫السننية يف تلك اآليات الكرمية, كما تلمح التهم نفسها والصلفات ذاهتلا تتكلرر يف‬
‫اهتا قريش أتعباعَ الرسول (صلى اهلل عليه وسللم), ورغعبلة أهلل مكلة يف أن جيعلل‬
‫هلم الرسول يوما وهلؤال يوما حىت نزل القرآن الكر ينلهى رسلول اهلل علن ذللك‬
‫ويصف هؤال القلة بأهنم (يريدون وجهه), الكهف:82, ويأمر نعبيله بلأن ال يعلدو‬
                 ‫ل مَلد‬        ‫ت َب‬           ‫َ‬        ‫ل أ ِ‬
‫وجهه عنهم بقوله:(وَاتْ ُ مَا ُوحيَ إلَيْك مِنْ كَِاب رِّلكَ َلا ُعب ِّلَ ِلكَلِمَاتِلهِ‬
   ‫ع َبه‬                  ‫ال‬          ‫ْ‬                           ‫م‬
‫وَلَنْ تَجدَ مِنْ دُونهِ ُلْتَحَدًا (25) وَاصْعبرْ َنفسَكَ مَعَ َّلذِينَ يَلدْ ُونَ رَّ ُلمْ‬
               ‫ه ت د ن‬                         ‫د‬            ‫َ َه‬          ‫َ ِي ي‬
‫بالْغَدَاةِ وَاْلعش ِّ ُريدُونَ وجْه ُ وَلَا َتعْ ُ عَيْنَلاكَ عَلنْ ُمْ ُريل ُ زيَلةَ الْحَيَلاةِ‬
    ‫ُه ُر‬              ‫ه َ‬              ‫َات‬        ‫ه ِ‬                     ‫ْ‬            ‫ت‬            ‫الد‬
‫ُّنْيَا وَلَا ُطِعْ مَنْ أَغفَلْنَا قَلَْعب ُ عَنْ ذكْرنَا و َّعبَلعَ هَلوَا ُ وكَلانَ َأمْلر ُ ف ُطًلا‬
               ‫ْف ن‬                       ‫ْ َ‬                            ‫ِّ‬       ‫ق َق‬
‫(35) وَُل الْح ُّ مِنْ رَبكُمْ فَمَنْ شَا َ فَلْيُؤمِنْ ومَنْ شَا َ فَلَْيك ُلرْ إَّلا أَعْتَلدْنَا‬
         ‫ك‬           ‫ث‬         ‫ث‬                            ‫س‬                             ‫ِلظ‬
‫ل َّالِمِنيَ نَارًا َأحَاطَ بهمْ ُلرَادِقُهَا وَإنْ َيسْلَتغِيُوا ُيغَلاُوا بمَلا ٍ َالْمُهْلل‬
   ‫َن‬         ‫ن ال‬             ‫ُ َ‬               ‫الش ب‬               ‫ُ‬
‫َيشْوي الْوجُوهَ بئْسَ َّلرَا ُ وَسَلا َتْ مرَْتفقًلا (35) إ َّ َّلذِينَ آمَُلوا‬
                            ‫وعمل الص لح ت ن ل نض ع ْ َ م ْسن عمل‬
           ‫َ َ ُِوا َّاِ َا ِ إَّا َا ُ ِي ُ َأجر َنْ َأح َ َ َ ًَا ), الكهف,82,92.‬

                                                  ‫77‬
‫َ ِلي‬                      ‫َبه‬                          ‫ُْ‬
‫وينهاه عن طردهم بقوله: (وَلَا تَطردِ الَّذِينَ يَلدْعُونَ رَّ ُلمْ باْلغَلدَاةِ وَاْلعش ِّ‬
                  ‫ِ‬           ‫َْ َ‬               ‫ِ‬                   ‫َ َه‬          ‫ي‬
‫ُريدُونَ وجْه ُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حسَابهمْ مِنْ شي ٍ ومَلا مِلنْ حسَلابكَ عَلَليْهمْ‬
              ‫َن‬             ‫َ‬               ‫ظ‬                           ‫َ ْ ُْ‬
‫مِنْ شي ٍ فَتَطردَهُمْ فََتكُونَ مِلنَ ال َّلالِمِنيَ (52) وكَلذَلِكَ فَتَّلا َبعْضَلهُمْ‬
    ‫الش ك‬               ‫الل ه‬                                  ‫ل ؤ َن َّه‬                          ‫ْ‬
‫بَعبعضٍ لَِيقُوُوا أَهَ ُلَا ِ م َّ الل ُ عَلَيْهمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ َّل ُ بلأَعْلَمَ ب َّلا ِرينَ‬
                                                                        ‫(32)), األنعا :25,35.‬

‫فهؤال الذين وصفوا بالقلة قدميا وحديثا ويف واقعنا الذي نعيشه وتتأكلد فيله سلنن‬
‫اهلل (تعاىل) تأكدا يربهن على صالحية اإلسلال لكلل زملان ومكلان واسلتيعابه‬
‫لشؤون الدنيا واآلخرة,هؤال هم خالصة قلومهم وبقيلة جنسلهم وجلوهر أهلل‬
‫زماهنم, وهم الذين وعدوا بالنصر يف كل زمان لتحقق شلروط النصلر فليهم وهلم‬
‫أهل االبتال واالختعبار, والفرز والتمحي , وهم دائما حلملة واحلدة,تلملح ذللك‬
‫يف حديث اآليات عن أتعباع نلوع (عليله السلال )ويف بيانلات القلرآن املتعلددة‬
‫وععباراته املوحيلة املوجهلة, يف مثلل قولله: (وملا نلرى لكلم),وقولله: (بلل‬
‫نظنكم),وقوله: (ومن آمن), كما تلمح هذا التماسك يف الفئة املؤمنلة ملع طلالوت‬
‫يف قوله: (هو والذين آمنوا معه),وقوله: (قال الذين يظنون أهنم مالقلوا اهلل كلم ملن‬
‫فئة قليلة غلعبت فئة كثرية بإذن اهلل واهلل ملع الصلابرين), وقولله: (فهزملوهم بلإذن‬
                                                                                                  ‫اهلل).‬

‫والفئة اليت آزرت رسول اهلل (صلى اهلل عليه وسلم) وآمنت بله, ولله,تعبلدو فيهلا‬
‫هذه الصفات اليت بدت يف قو نوح ويف الذين ناصروا طالوت ملن علد االحتفلال‬
       ‫ل ل‬                  ‫ل‬      ‫ل‬          ‫ل‬        ‫ل‬       ‫ل‬        ‫ل‬
‫بامللال واجللاه واملنصلب والسللطان, وأهنلم املسلارعون إىل التصلديق بلالنعبوة‬
‫والرسالة,وهم الذين مجعهم اإلسال وألف بينلهم فكلانوا (فئلة),يفلئ بعضلهم إىل‬
‫بعض, ويتضا كل أخ إىل أخيه, حىت يصري به ولله عضلدا وأزرا,حلىت أذاب هلذا‬
‫الدين فوارق اجلنس واللون والعرق واللسان والزملان واملكلان, فصلارت جنسليتهم‬
                                                  ‫87‬
‫دينهم كما يقول األستاذ اإلما حممد ععبلده (رمحله اهلل), فأصلعبح عملر العلدوي,‬
‫وأبو بكر التميمي, وبالل احلعبشلي, وسللمان الفارسلي, وصلهيب الروملي يف اهلل‬
                             ‫إخوة, وأهل مكة أحزاب وشيع وإن كانوا من قريش:‬

            ‫إن العروبة يف بدر قد اقتتلت سيفا لسيف وكان الكل عربانا‬

            ‫فهل أبو جهلٍ يف غيه وأبو هلبٍ كخالدٍ قاد باسم اهلل فرسانا‬

             ‫شتان بينهما, شتان, شتان‬        ‫عروبتان فذي نور وذي ظلم‬

              ‫فإن أمتنا أوىل ضحايانا‬          ‫فإن نضح به يا أهل أمتنا‬

‫إن تلك القلة قدميا وحديثا ويف كل زمان ومكان هلم السلابقون إىل اإلميلان,وهلم‬
‫أهل العلم والفقه, وهم الواعلون الواععبلون لسلنن اهلل يف احليلاة واألحيلا , وهلم‬
‫أصحاب العز واحلز , واإلرادة املاضية النافذة اليت تعوض قللة العلدد بكثلرة الثلر‬
‫وتعوض الكم بالكيف وهم يف كل زمان عللى صللة بلاهلل ععبلادة ودعلا وصللة‬
‫ورجا , ومهمثال يف الصرب والثعبات وطاعة القواد تلمحهم مع طلالوت ميتنعلون علن‬
‫الشرب وإن كان أمرا حيويا, ويعربون معه النلهر وهلم يلرون علدوهم يزيلد يف‬
                                                                   ‫ع‬
‫العدد وال ُدد والقوة والسالح والعتاد,وهم مع رسلول اهلل (صللى اهلل عليله وسللم)‬
‫(يروهنم مثليهم رأي العني), ولكن اهلل يلقي يف قللوهبم السلكينة, ويغشليهم النعلاس‬
                                       ‫أمنة منه, ويثعبت أقدامهم, ويربط على قلوهبم.‬

‫كما جتد اآليات اليت تصف القلة يربطها خيط واحد واضلح ملن عالقتلهم باحليلاة‬
‫واألحيا , كوصف متاع احلياة الدنيا بأنه قليل, وأن أمان الكلافرين يف اللدنيا يلزول‬
‫وال يدو , وصف عمو الناس بقلة الشكر, وقلة التلذكر وقللة العللم وقللة الفهلم‬
‫وقلة العقل, واخليط اجلامع هللذه األشليا هلي احليلاة وملا فيهلا وملا يلدور‬
                                                             ‫حوهلا,ويغري الناس هبا.‬

                                       ‫97‬
‫وال شك أن هذا كله يؤدي بعد مجعه إىل تكوين صلورة صلحيحة فصليحة دقيقلة‬
‫واضحة عن القلة مدحا وذما, وإبراز موقف القرآن منلها , وتللك منهجيلة القلرآن‬
‫يف رسم صورة واضحة املعامل بينة املالمح عن القلة اليت تناوهلا, تسللم كلل آيلة إىل‬
‫أختها, يف تناسق بديع ميهد فيه السابق لالحق ويؤكد فيله الالحلق عللى السلابق يف‬
                                                                         ‫تناغم واتساق.‬

                                              ‫األصول اجلامعة لقضية السننية يف القلة‬

‫بعد رصد اآليات اليت تناولت القلة مكية ومدنيلة, وسلوا كانلت تللك القللة يف‬
‫األفراد أو األشيا ودرسها وتأمل دالالهتلا ميكلن أن نسلتخل يف نقلاط السلنن‬
                              ‫املاضية واألصول اجلامعة يف قضية القلة على النحو التا :‬

                        ‫أهنم السابقون إىل اإلميان والصابرون على ابتال اته.‬       ‫1-‬
                                         ‫أهنم الثابتون يف األزمات واالختعبار.‬    ‫2-‬
                                             ‫أهنم يفرزون بعد ابتال واختعبار.‬     ‫3-‬
                                            ‫أهنم الناصرون للحق والدعوات.‬         ‫4-‬
                                                  ‫أهنم الشاكرون قوال وعمال.‬      ‫5-‬
                            ‫أهنم فقها علما واعون بالدنيا واععبون باحلياة.‬        ‫9-‬
                   ‫أهنم عاملون بالسنن والنواميس اجلارية يف احلياة واألحيا .‬      ‫7-‬
                                ‫أهنم عادلون يف الشركة ال يعبغون يف اخللطة.‬       ‫8-‬
                                          ‫أهنم الراضون بعطا اهلل وقضائه.‬         ‫9-‬
                                         ‫أهنم خالصة زماهنم وبقية جيلهم.‬         ‫51-‬
                                                 ‫أهنم املنصورون املؤيدون.‬       ‫11-‬
                                                   ‫أهنم دائما حلمة واحدة.‬       ‫21-‬
                         ‫أهنم ال حيفلون باملال وال يأهبون باجلاه والسلطان.‬      ‫31-‬
                                                      ‫أهنم أصحاب العز .‬         ‫41-‬

                                         ‫08‬
                            ‫51- شدة صلتهم باهلل (تعاىل), وحسن ثنائهم عليه.‬
                                ‫91- أهنم أقدر الناس على الثعبات وطاعة القواد.‬
                                                     ‫71- ال حيتنكهم الشيطان.‬
‫تلك بعض األصول اجلامعة اليت ميكن أن تصور لنلا سلنن اهلل (تعلاىل) يف‬
‫القلة يف ضو اآليات الكرمية واليت ميكن أن يفيلد منلها املسللمون عاملة‬
‫واملعنيون بنهضة األمة خاصة وسليعبني ذللك يف صلفحات آتيلة للدى‬
‫احلديث عن ريادة القلة وأثرها يف الشلهود احلضلاري لألملة املسللمة,‬
                                               ‫وفقه صناعة القلة الرائدة.‬




                                   ‫الفصل الثاين‬

                   ‫الكثرة مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل (تعاىل)فيها‬

                                  ‫املبحث األول‬

                  ‫مفهوم الكثرة يف اللسان العريب والقرآن الكرمي‬

‫وردت مادة الكثرة وتقلعباهتا يف اللسان العر مشتملةً على عدد من املعاين ميكن أن‬
                                                       ‫نتلمسها على النحو اآليت:‬

                        ‫ري‬
‫( الكثرة: نقيض القلة. ... وقد كثر الشي فهو كثري. وقو كَث ٌ، وهم كَثريونَ. وأكْثَرَ‬
                                                          ‫الرجل، أي كثر ماله.)(1)‬

                                     ‫و (خري كثري وكوثر: بليغ الكثرة. قال الكميت:‬


                                     ‫1 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: (2/ 258).‬

                                       ‫18‬
                               ‫وأنت كثري يا ابن مروان كوثر ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا‬

                                                                    ‫س‬
                                                       ‫(وتكوثر الغعبار: (جتمع) قال ح ّان بن نشيعبة:‬

                            ‫أبوا أن يعبيحوا جارهم لعدوهم ... وقد ثار نقع املوت حىت تكوثرا)‬

‫(ويقال: كاثرناهم فكثرناهم، أي غلعبناهم بلالكثرة. ....واسلتكثرت ملن الشلئ،‬
  ‫ر‬          ‫ُلل‬                    ‫ك ري‬                        ‫كر‬
‫أي أكثرت منه. وال ُْث ُ بالضم من امللال: ال َلث ُ. ويقلال: مالله ق ٌّ وال كُثْل ٌ.‬
‫د‬          ‫ة‬     ‫ر مل‬                       ‫..ويقال: احلمد هلل على ِّ وال ُثْر، والقل‬
‫ِّ والكِثْلر. والتكلاُث ُ: ا ُكلاثَر ُ. وعلد ٌ‬        ‫القل ك‬
                                                                         ‫ري‬        ‫ر‬
                                                            ‫كاِث ٌ، أي كَث ٌ. قال األعشى:‬

  ‫ولسلللتَ بلللاألكَْر منلللهم ح ًلللى * َّملللا العِلللز‬
‫َّةُ‬            ‫وإن‬      ‫ص‬            ‫ث‬
                                         ‫ث‬
                                        ‫للكلللللللللللاِر‬

                                                              ‫َّر‬
‫وفالن يَتَكَث ُ مبال غريه. ابن السكيت: فلالن مكثلور عليله، إذا نفلد ملا عنلده‬
             ‫ري‬
‫وكثرت عليه احلقوق، ....والكلوثر ملن الرجلال: السليد الكَلث ُ اخللري.... -‬
                                      ‫والكَوَْثرُ من الغعبار: الكَث ُ. وقد تَكَوَْثرَ. (1)‬
                                                           ‫ري‬

‫ل‬       ‫ك ف َالث ء َالنر ء‬
‫ويذكر ابن فارس يف مقاييس اللغة أن (الْ َنا ُ و َّنا ُ و َّا ُ َأصْن ٌ‬
                                               ‫ِل م‬            ‫ح ُل ل‬
‫صَحِي ٌ يَد ُّ خِ َافَ اْلق َّةِ. ِننْ ذَلِلكَ َّليْ ُ الْكَلِثريُ، وقَلدْ كَُلرَ.‬
    ‫ث‬        ‫َ‬                   ‫الش‬
   ‫ه‬                                   ‫ره‬                ‫ف‬            ‫ن ف‬             ‫قل‬
‫...وَُي َا ُ: كَاَثرَ بَُو ُلَانٍ [بَني ُلَانٍ] فَكََث ُو ُمْ، أَيْ: كَلانُوا َأكْثَلرَ مِلنْ ُمْ.‬
                                                            ‫وعَد ٌ كَاِث ٌ، أَيْ: كَِث ٌ..)(2)‬
                                                                    ‫ري‬              ‫َ َد ر‬
                                                                ‫الْفرق بَني الْكثري والوافر:‬
   ‫م‬
‫والفرق بني الكثرة والوفر: (أَن الْكَْثرَة مِيَنادَة الْعندَد واللوفر اجْتِ َناع‬
                                                    ‫آخر َّيْء حَّى يكثر حجمه.)(3)‬
                                                                    ‫الش َت‬


                                                      ‫ر.‬      ‫1 - انظر لسان العرب: 5/231, مادة: ك‬
                                                                       ‫2 - مقاييس اللغة: (5/ 591).‬
                                                                  ‫3 - الفروق اللغوية للعسكري: (252).‬

                                                      ‫28‬
      ‫ر ُ ْ م الش‬                              ‫ري ُلل‬               ‫ك ر َّم‬
‫( ال ُْث ُ، بالض ِّ: الْكَِث ُ كالق ِّ فِلي اْلقَلِيلل، والكُثْل ُ معظَل ُ َّليْ ِ‬
   ‫ج لم ر ذ‬               ‫ر‬        ‫ه ث كر‬                                        ‫ر‬
‫وَأكَْث ُه؛ كَُثرَ الشي ُ كَثارَةً فَ ُوَ كَِري و ُثا ٌ وكَثْل ٌ... وَرَ ُل ٌ ُكْثِل ٌ: ُو‬
      ‫اللد ك‬          ‫ري َ‬       ‫َّم‬       ‫كر‬               ‫ر‬             ‫ك ِ م‬
‫ُْثرٍ منَ الْ َال؛ ومِكْثا ٌ ... وال ُثا ُ، بالض ِّ: الكَِث ُ. وفِلي َّار ُثلار‬
‫وكِثا ٌ مِنَ الَّاس أَي جَ َاعَاتٍ، ... وَاسْتَكَْثرَ مِلنَ َّليْ ِ: رَغِنبَ فِني‬
                   ‫الش‬                               ‫م‬          ‫ن‬         ‫ر‬
   ‫م‬              ‫ث‬                                                     ‫ْه أ‬
‫الْكَثِريِ مِن ُ وَكثر مِنْ ُ أَيضاً. وَرَج ٌ مَكُْلو ٌ عَلَيْلهِ إذا كَُنرَ عَلَيْنهِ َننْ‬
                                    ‫ُل ث ر‬                    ‫ه‬
                                                                      ‫ُب ْه‬
‫يَطْل ُ مِن ُ املعروفَ، وفِي الص َاح: إذا َنفِدَ مَلا عِنْلدَ ُ وكَُلرَتْ عَلَيْلهِ‬
               ‫ه ث‬                               ‫ِّح‬      ‫َ‬
  ‫ت‬             ‫ق‬                       ‫ث‬                ‫حل ق ق ل ُل ث ر‬
‫ا ُقو ُ ُي َا ُ: رَج ٌ مَكُْو ٌ عَلَيْهِ إذا كَُلرَتْ عَلَيْلهِ احلقلو ُ واملطالَعبلا ُ؛‬
    ‫ه‬              ‫أ‬                              ‫ه عِ ن‬
‫أَراد أَنه كَانَ عِنْدَ ُ جَمْ ٌ منَ الَّاس يسأَلونه عَنْ أَشيا فكلَهنم كَلانَ لَ ُلمْ‬
                              ‫ثر َل‬
‫عَلَيْهِ ح ُو ٌ فَ ُمْ َيطُُْونَهَا. ..املَكُْو ُ: الْمغْ ُنوبُ، وهُلوَ َّلذِي تَكَلاَثرَ‬
               ‫ال‬      ‫َ‬                                    ‫ُق ق ه لعب‬
                      ‫ُلل‬        ‫ري‬           ‫ث‬            ‫ن س َ َر ه‬
‫عَلَيْهِ الَّا ُ فقَه ُو ُ، .. والكَوَْر: الْكَلِث ُ مِلنْ ك ِّ شَليْ ٍ. والكَلوْثَر:‬
                                       ‫ث‬                   ‫ري ف ِ غب‬
‫الْكَثِ ُ الْمُلْتَ ْ منَ اْل َُارِ إِذا سَطَعَ وكَُنرَ، .... وَرَ ُل ٌ كَلوَْث ٌ: كَنثِريُ‬
          ‫ر‬         ‫ج ل‬
                                          ‫َي‬                  ‫ر َّي‬                            ‫ط‬
                    ‫اْلعَ َاءِ الْخَيْرِ. والكَوَْث ُ: السِّدُ الْكَثِريُ الْخِّرِ؛ قَالَ الْ ُمَْي ُ:‬
                     ‫ك ت‬
                     ‫ئ‬                      ‫ِّب َ‬             ‫َ‬          ‫ري‬
           ‫وأَنتَ كَِث ٌ، يَا ابنَ مرْوانَ، طَي ٌ وكَانَ أَبوك ابنُ العقاِل كَوْثَرا‬
                                                                             ‫َق د‬
                                                                            ‫وَالَ لَعبي ٌ:‬
                                                    ‫ر‬              ‫ت‬          ‫الر‬
                                                    ‫وعِنْدَ ِّداع بي ُ آخرَ كَوَْث ُ‬
                                                                ‫والكَوَْث ُ: َّه ُ؛ )(1)‬
                                                                      ‫ر الن ْر‬
                                              ‫مي‬                       ‫ل‬
‫(الْكِْثرَةَ والقّة يستعمالن يف الك ّّلة املنفصللة .... وقولله: (بفاكِهَلةٍ‬
                ‫د‬
‫كَِثريَةٍ),ص:(15)؛ فإنه جعلها كثرية اعتعبلارا مبطلاعم الل ّنيا، وليسلت‬
‫ر‬         ‫ري‬
‫الْكَْثرَ ُ إشارة إىل العدد فقط بل إىل الفضل، ويقلال: علدد كَلِث ٌ وكُثَلا ٌ‬   ‫ة‬
                    ‫م ة ت ر ت‬                         ‫ر‬                         ‫ر‬
‫وكَاِث ٌ: زائد، ورجل كَاِث ٌ: ... والْ ُكَاَثرَ ُ والّكَلاُث ُ: الّعبلاري يف كثلرة‬
                                ‫كم الت ر‬
‫املال والع ّ. قال تعاىل: (أَلْهلا ُ ُ َّكلاُث ُ) [التكلاثر/ 1], ... ويقلال:‬‫ز‬
                                         ‫تَكَوَْثرَ الشي ُ: كَُثرَ كَْثرَةً متناهية،)(2).‬


                    ‫1 - لسان العرب: (5/ 231), وانظر: القاموس احمليط: 894.‬
              ‫2 - املفردات يف غريب القرآن: (ص: 357), وانظر العبصائر: 4/933.‬


                                                       ‫38‬
‫ومن تتعبع املادة يف كتب اللغة واللسان يتضح لنلا أن امللادة تلدور حلول‬
                                                              ‫معاين منها:‬
                                                    ‫1- أهنا نقيض القلة.‬
                                                 ‫2- وتدل على التجمع.‬
                                                   ‫3- وتدل على الغلعبة.‬
                                                        ‫4- وزيادة العدد.‬
                        ‫5- ومن مشتقاهتا ما يدل على السيد كثري اخلري.‬
                                                ‫9- وتدل على السخا .‬
                                                  ‫7- وتدل على الدوا .‬
                               ‫8- واملادة تدل على اجلماعات من الناس.‬
                             ‫9- وتدل على التعباري يف كثرة املال والعز.‬
                               ‫51-كما تستخد يف العدد والفضل.‬
                                              ‫تعبري القرآن الكرمي عن الكثرة‬
‫ورد التععبري عن الكثرة يف القرآن الكر بصلور متعلددة, وألفلاظ خمتلفلة,‬
                                              ‫فورد التععبري عنها بلفظ:‬
                                                                ‫ث‬
                                                              ‫1- كُر‬
                                                           ‫2- كثرت‬
                                                                ‫ث‬
                                                          ‫3- كّركم‬
                                                          ‫4- أكثرت‬
                                                           ‫5- أكثروا‬
                                                       ‫9- استكثرت‬
                                                        ‫7- استكثرمت‬
                                                          ‫8- تستكثر‬
                                                             ‫9- كثرة‬
                                                      ‫51- كثرتكم‬

                                        ‫48‬
                                                            ‫11- كثري‬
                                                           ‫21- كثرية‬
                                                            ‫31- أكثر‬
                                                         ‫41- أكثركم‬
                                                         ‫51- أكثرهم‬
                                                           ‫91- تكاثر‬
                                                           ‫71- كوثر‬
‫81- كما ورد التععبري عنها بألفاظ أخرى من غلري مادهتلا, مثلل أسلاليب‬
                                           ‫التكثري, وكم, وحنوها.‬

                                             ‫موقف القرآن الكرمي من الكثرة‬

‫حني نتأمل اآليات اليت ورد فيها لفلظ الكثلرة يف القلرآن الكلر , ونلرد‬
‫يف أملرين جلامعني:الكثلرة‬       ‫األشعباه والنظائر إىل أصول جامعة جندها تتلخ‬
                                                 ‫احملمودة, والكثرة املذمومة.‬

                                                       ‫أوالً: الكثرة احملمودة‬

‫وهي اليت تناوهلا القرآن مادحا هلا بلذكرها يف ملواطن تلدعو إىل أمهيتلها,‬
‫وحتث على اإلفادة منها, سوا كلان ذللك عللى سلعبيل االمتنلان عللى‬
                                               ‫ث‬
‫أصحاهبا بأهنم كانوا قليال فكّلرهم اهلل, أو رغعبلة اللنيب - صللى اهلل عليله‬
‫وسلم- يف االستكثار من اخلري لو كان يعلم الغيلب, أو عفلو اهلل – تعلاىل-‬
                                                      ‫ن‬
‫عن كثري من الذنوب مّاً منه على ععباده وفضلالً, أو اللدعوة إىل تسلعبيح اهلل‬
                                                   ‫ُُ‬
                                                    ‫ن‬
‫تعاىل وذكره كثريا, أو مَِّه تعاىل على ععباده بالغيث الكلثري اللذي حييلي بله‬
‫العبالد ويقيت الععباد, وينشئ هلم منه جنات ملن ييلل وأعنلاب هللم فيهلا‬
‫فواكه كثرية, وأثر كثرة ذكر اهلل (تعاىل) يف عصمة امللؤمنني ملن أن يقوللوا‬
                                                         ‫ن‬
‫ما ال يفعلون, أو مَ ّ اهلل تعاىل على ععبده ونعبيه - صللى اهلل عليله وسللم –‬
‫بالكوثر: النهر الكثري اخلري, الذي ال يظمأ من شرب منله أبلدا, أو ملن اهلل‬

                                        ‫58‬
‫(تعاىل) على املؤمنني بكثرة نصره هلم يف ملواطن كلثرية, وتعديلده (تعلاىل)‬
‫لكثرة من قاتل مع النعبيني من الربانيني واجملاهلدين,وملن اهلل (تعلاىل) عللى‬
‫ععباده بكثرة الساجدين له من اخللق, واهتدا كثري ملن النلاس مبلا يضلربه‬
‫اهلل (تعاىل) هلم من األمثال, أو وصفه تعاىل ملن يؤت احلكملة بأنله قلد أويت‬
            ‫من‬
‫خريا كثريا, وأنه ال يعقل ذلك وال يفيده إال أولو األلعبلاب, أو ُّله (تعلاىل)‬
‫على ععباده بكثرة ما خلق من نسل آد وحلوا ودعوتله إيلاهم أن يتقلوه؛‬
                                           ‫شكرا هلذه املنة ووفا لتلك النعمة.‬

                                                       ‫ثانياً: الكثرة املذمومة‬

‫وتعبدو الكثرة املذمومة يف القرآن الكر من خلالل تعلعبري القلرآن وحديثله‬
‫عنها يف معرض الذ واإلنكار, سوا كلان ذللك عللى سلعبيل العبيلان ألن‬
‫كثريا من الناس يضلون بأهوائهن بغري علم, أو أن كثريا ملن اجللن واإلنلس‬
‫وقود جهنم, وبيان سعبب ذلك, أو بيان أن كثريا من النلاس علن آيلات اهلل‬
  ‫غافلون, أو بيان دعوى األقوا أهنم ال يفقهلون كلثريا مملا يقولله األنعبيلا‬
‫واملرسلون, وتنكعبهم الصلراط املسلتقيم , وإضلالل األصلنا لكلثري ملن‬
‫الناس, وأن كثريا من القرون بني عاد ومثلود هلكلوا بلذنوهبم, وأن كلثريا‬
‫منهم بلقا رهبم كافرون, وإضالل الشياطني لكثري منلهم, وبيلان أن كلثريا‬
   ‫ل‬          ‫ل‬        ‫ل‬        ‫ل ل‬           ‫ل‬        ‫ل ل‬
‫ملن اخللطلا يعبغلي بعضلهم عللى بعلض,إال اللذين آمنلوا وعمللوا‬
‫الصاحلات,وأن هؤال قليلون, أو أن املر للو أطلاع أكثلر ملن يف األرض‬
‫ألضلوه عن سعبيل اهلل, وبيان طعبيعة أكثلر النلاس وأن أكثلرهم ال يعلملون,‬
‫وال يعقلون, وال يسمعون, وال يؤمنون بلاهلل إال وهلم مشلركون, ومتضلي‬
‫الكثرة يف القرآن الكر لتعبني للناس أن أكثر أهلل الكتلاب ال عهلد هللم,‬
‫وأن كثريا منهم فاسقون, وأن كثريا منلهم سلا ملا كلانوا يعمللون, وأن‬
‫كثريا منهم عموا وصموا, وبيان أن الكثرة املعاديلة هلل تعلاىل ال تغل علن‬
‫أصحاهبا شيئا, أو أن اخلعبيث ال يساوي الطيب وللو أعجلب النلاس كثلرة‬
‫اخلعبيث, أو ذ كثري من أهل الكتاب الذين يلودون أن يلردوا امللؤمنني علن‬
                                        ‫68‬
‫إمياهنم, أو كثرة النجوى يف غري أمر بصلدقة أو معلروف أو إصلالح بلني‬
                                                          ‫الناس.‬

‫ولنتناول الكثرة يف القرآن هبذا الترتيب يف الصفحات القادملة فنعبلدأ بلالكثرة‬
                   ‫احملمودة وصفاهتا وخصائصها كما وردت يف القرآن الكر .‬




                               ‫املبحث الثاين‬

            ‫الكثرة احملمودة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬

‫إذا تتعبعنا اآليات اليت تصف الكثلرة احململودة يف القلرآن الكلر ميكلن أن‬
                                             ‫نتناوهلا على النحو اآليت:‬

                            ‫امتنان اهلل - تعاىل- على قوم صاحل بكثرة العدد‬

‫كثرة العدد نعمة, إذا وضعت يف مكاهنا, وأفيد منها عللى الوجله املرضلي,‬
                          ‫وقدميا كان العرب يتمدحون هبا, فيقول قائلهم:‬

                     ‫ولست باألكثر منهم حصا وإمنا العزة للكاثر(1)‬

‫والكثرة احملمودة نعمة من اهلل (تعاىل), امنت هبا عللى قلو صلاحل فقلال يف‬
‫معرض تذكريهم بنعمه عليهم, ودعوته أن يَفيلدوا ملن الكثلرة يف اللدعوة‬

                                ‫1 - العبيت لألعشى, وانظر خزانة األدب: 1/581.‬
                                        ‫78‬
    ‫ُلد‬         ‫ت د‬                    ‫ْعد ُل‬
‫إليه وليس الصد عن سعبيله:(...وَلَا َتق ُ ُوا بك ِّ صِلرَاطٍ ُوعِل ُونَ وََتص ُّونَ‬
  ‫َث َك‬                 ‫ت‬              ‫وُْ‬                ‫غ‬               ‫َ ََ‬                    ‫َ‬
‫عنْ سَعبيل اللَّهِ منْ آمنَ بهِ وَتَْعب ُونَهَا عِوَجًا َاذكرُوا إذْ كُنْلُمْ قَلِيلًلا فَكَّلر ُمْ‬
                                                       ‫ة ُ د‬
                           ‫وَاْنظرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِعبَ ُ الْمفْسِ ِينَ) , األعراف: (98).‬  ‫ُ‬

‫(يذكرهم شعيب نعمة اهلل عندهم بأن كّثرَ مجاعتلهم بعلد أن كلانوا قلليال‬
                                                           ‫ر‬
‫عددهم، وأنْ َفعهم من الذلة واخلساسة، يقلول هللم: فاشلكروا اهلل اللذي‬
‫أنعم عليكم بذلك،أخلصوا له الععبادة، واتقلوا عقوبتله بالطاعلة، واحلذروا‬
‫نقمته بترك املعصية، (وانظلروا كيلف كلان عاقعبلة املفسلدين) ، يقلول:‬
‫وانظروا ما نزل مبن كان قعبلكم من األمم حلني عتلوا عللى رهبلم وعصلوا‬
                                                             ‫ث‬
‫رسله، من املَُالت والنقمات، وكيلف وجلدوا عقلص عصلياهنم إيلاه؟ أمل‬
‫ُهلك بعضلهم غرقًلا بالطوفلان، وبعضلهم رمجًلا باحلجلارة، وبعضلهم‬           ‫ي‬
‫بالصيحة؟)(1), فقلل بذلك عددهم وحلرمهم بلذنوهبم تللك النعملة الليت‬
                           ‫امنت هبا عليكم, وأكرمكم هبا وأعزكم من خالهلا.‬
‫والكثرة هنا إما كثرة حقيقية بالعدد, أو كثرة عن طريق الغلىن اللذي يكثلر‬
‫القليل, ويقوي الضعيف, ويعطي للمر يف احلياة قيمتله ومكانتله, أو تكلثري‬
‫بالقوة بعد الضعف, أو بطول األعمار بعد قصلرها ملن قعبلل(2), أو تكلون‬
                                         ‫الكثرة بالربكة يف النسل واملال(3).‬
‫(م ّ عليهم بتكثري العدد؛ ألن بالتناصلر والتعلاون متشلي األملور وحيصلل‬  ‫ن‬
                                                                     ‫املراد.‬
‫ويقال كما أن كل أمر باألعوان واألنصار خريا أو شلرا، فلال نعملة فلوق‬
           ‫اتفاق األنصار يف اخلري، وال حمنة فوق اتفاق األعوان يف الشر.)(4)‬



                       ‫1 - جامع العبيان:(21/ 595), وانظر: تفسري السمعاين: (2/ 891).‬
                                                    ‫2 - النكت والعيون: (2/ 932).‬
                           ‫3 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (3/ 842).‬
                                                            ‫4 - لطائف اإلشارات: (1/ 555).‬
                                                     ‫88‬
‫ويف تكثري عددهم إعزاز هلم وتقد على غريهم, مضلت بلذلك سلنة اهلل يف‬
                         ‫الكثرة عندما تكون كثرة حممودة تعز أهلها, وتعلي مكاهنم.‬
  ‫ت ِلز‬           ‫َ ِ ِل ك َ‬                ‫ك ت م‬              ‫َّ َك‬               ‫كت‬         ‫و ْ ُر‬
‫( َاذك ُوا إذْ ُنُْمْ قَلِيلًا فَكَثر ُمْ أَيْ : ُنْلُمْ ُسَْتضْلعفنيَ ِلقَّلتِ ُمْ فصِلرُْمْ َأع َّةً‬
                                   ‫ظ‬                   ‫ك‬                        ‫َ ِك ْ ُر‬
‫لِكَْثرَةِ عَدد ُمْ فَاذك ُوا نعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْ ُمْ فِلي ذَلِلكَ وَاْن ُلرُوا كَيْلفَ كلانَ عاقِعبَلةُ‬
                          ‫َلل‬          ‫َ‬                                        ‫ِ ُ‬            ‫ُ د‬
 ‫الْمفْسِ ِينَ أَيْ منَ الْأمَم اْلخَالِيَةِ والقرون الْمَاضِليَةِ ومَلا ح َّ بهلمْ مِلنَ اْلعَلذَاب‬
‫و َّ َال باجِْترَائِهمْ عَلَى معَاصِي اللَّهِ وَتَكْلذِيب ُ ُللِهِ.)(1) فلأهلكهم اهلل وابلتالهم‬
                                         ‫رس‬                                ‫َ‬                      ‫َالنك‬
‫بنق من األموال واألوالد والثمرات, حىت صاروا أثرا بعلد علني, وحلديثا غلابرا‬
                                                                                           ‫يف الداثرين.‬
                            ‫نوح وحرصه على بالغ الرسالة وإكثاره من البيان لقومه‬

‫أرسل اهلل الرسل, وأنزل الكتب, ليخرج من شا من ععبلاده ملن الظلملات‬
‫إىل النور, وأيد رسله باحلجج العباهرة واألدللة القاطعلة واللرباهني السلاطعة‬
‫اليت ترشد الناس إىل اهلدى, وتعبعدهم علن اللردى, وهتلديهم إىل طريلق اهلل‬
‫رب العاملني, وبذل األنعبيا واملرسللون يف سلعبيل بيلان احلجلة وتوضليح‬
‫احملجة كل ممكن, ومن هؤال نوح عليه السلال اللذي دعلا قومله بكلل‬
‫سعبيل , ونوع يف دعوته بكل طريق, وسجل القرآن الكلر ذللك يف سلورة‬
              ‫َب ن َ ت ْ‬
‫كاملة بامسه عليه السال فقال على لسانه: (..ر ِّ إِّلي دعَلوْ ُ قَلومِي لَيْلًلا‬
        ‫ه‬       ‫ه ْ‬              ‫ن ُل َ‬                     ‫ِ‬            ‫ي ْه ُ‬
‫وَنَهَارًا (5) فَلَمْ َزد ُمْ دعَائِي إلَّا فرَارًا (9) وَإِّي كَّمَا دعَلوْتُ ُمْ لَِتغفِلرَ لَ ُلمْ‬
                                    ‫ه َ َلر‬                                   ‫َ‬       ‫ه‬            ‫َل‬
‫جعَُوا أَصَابعَ ُمْ فِي آذَانهمْ وَاسَْتغْشَوْا ثِيَابَ ُمْ وأَص ُّوا وَاسْلتَكَْعبرُوا اسْلتِكْعبَارًا‬
                  ‫ت ه‬              ‫ت ه َ‬               ‫ُم ن‬                     ‫ُم ن َ ته‬
‫(7) ث َّ إِّي دعَوُْ ُمْ جهَارًا (8) ث َّ إِّي َأعْلَْن ُ لَ ُمْ وأَسْلرَرْ ُ لَ ُلمْ إسْلرَارًا‬
                                                                                ‫(9), نوح: 5-9.‬

‫وقد اعترف قومه بذلك, وذكروا أنه أكثر ملن جلداهلم, والكثلرة هنلا يف‬
‫جانب نوح مدح له من حيلث ال يشلعرون, حيلث حلرص نلوح عليله‬
  ‫السال على بالغ الرسالة على الوجله األكملل, وسلجل القلرآن الكلر‬

                                                                 ‫1 - تفسري ابن كثري: (3/ 254).‬

                                                       ‫98‬
      ‫ن ح‬
‫هذا احلرص وكثرة جدال نوح عليه السال بقولله: (قَلالُوا يَلا ُلو ُ قَلدْ‬
            ‫الص ِِ‬                      ‫ع د‬                          ‫د‬           ‫َ‬
 ‫جَادَلْتَنَا فَأكَْثرْتَ ج َالَنَا فَأْتِنَا بمَا َت ِل ُنَا إنْ كُنْلتَ مِلنَ َّلادقنيَ), هلود:‬
                                                                                     ‫(23).‬

‫واملعىن:خاصمتنا يا نوح فلأكثرت معنلا, أو ماريتنلا فلأكثرت مرا نلا, أو‬
‫دعوتنا فأكثرت دعا نا, ووعظتنا فلأكثرت وعظنلا, وحاججتنلا فلأكثرت‬
                                                          ‫حجاجنا(1).‬

‫ولقد سلك نوح معهم يف بالغ الرسالة ما سلجله لله القلرآن وشلهد بله‬
‫الواقع, فقلب هلم يف وسائل الدعوة بني الليلل والنلهار والسلر واإلعلالن,‬
‫والزرافات والوحدان, (وأوضح هلم من الرباهني ما للوا أمعنلوا النظلر فيله‬
                                                                    ‫م‬
‫لت ّ هلم اليقني، ولكنهم أصروا على اجلحود، ومل يقنعلوا ملن املوعلود بغلري‬
                                                          ‫املشهود.)(2)‬

       ‫َه‬                                           ‫السل‬        ‫َنه‬        ‫ُل‬
‫وكال قو نوح معه ( يَد ُّ عَلَى أَّ ُ عَلَيْهِ ََّا ُ كَانَ قَدْ َأكَْثرَ فِلي الْجلدَال معَ ُلمْ،‬
              ‫ُل‬           ‫َ‬              ‫َالنُو و َ‬         ‫الت‬                               ‫ل‬              ‫َ‬
‫وذَلِكَ الْجدَا ُ مَا كَانَ إلَّا فِي إثْعبَاتِ َّوْحِيدِ و ُّعب َّةِ َالْمعَلادِ، وهَلذَا يَلد ُّ عَلَلى أَنَّ‬
        ‫َن َّ‬           ‫َ‬                 ‫ِْ ة‬          ‫الد ئ َ ز الش عب‬
‫الْجدَالَ فِي َتقْرير َّلَاِل وفِي إ َالَةِ ُّلُهَاتِ حرفَل ُ الْأَنْعبيَلا ِ، وعَلَلى أ َّ التقْلِيلدَ‬
                                                  ‫َاْلجَهلَ َالْإصرَارَ عَلَى الْعبَا ِل حرفَ ُ الْك َّار.)(3)‬
                                                           ‫ط ِ ْ ة ُف‬                         ‫و ْ و ْ‬
                ‫حرص الرسول – صلى اهلل عليه وسلم- على االستكثار من اخلري‬

‫حرص الرسول صلى اهلل عليه وسلم عللى بلالغ الرسلالة وأدا األمانلة ويف‬
‫سعبيل ذلك بشر وأنذر, ورغب ورهب, وأبان ألمتله أنله ال ميللك لنفسله‬
‫خريا وال شرا, وال ضرا وال نفعلا, وال موتلا وال حيلاة وال نشلورا, وللو‬
 ‫كان يعلم الغيب الستكثر من اخللري, وقلد ورد االسلتكثار هنلا يف مقلا‬

‫1 - انظر: جامع العبيان: (51/ 353), حبر العلو (2/ 841), الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:‬
                                             ‫(2/ 193), تفسري ابن كثري: (4/ 813).‬
                                                     ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 431).‬
                                                                        ‫3 - مفاتيح الغيب: (71/ 143).‬
                                                      ‫09‬
           ‫ْ‬              ‫ك‬               ‫ُ‬
‫املدح وهو االستكثار من اخلري,قال تعاىل: (قلْ لَا َأمْلِل ُ لَِنفْسِلي َنفعًلا وَلَلا‬
     ‫َ‬                  ‫ت‬                          ‫ه كت م‬                                        ‫َر‬
‫ض ًّا إلَّا مَا شَا َ اللَّ ُ وَلَوْ ُْن ُ َأعْلَ ُ اْلغَيْلبَ لَاسْلتَكَْثرْ ُ مِلنَ اْلخَيْلر ومَلا‬
                                            ‫ر ِري ْ ي ْ ن‬                              ‫َس الس‬
              ‫م َّنيَ ُّو ُ إنْ أَنَا إلَّا نَذِي ٌ وَبَش ٌ ِلقَو ٍ ُؤمُِونَ, األعراف: (881).‬

                ‫ومعىن الستكثرت من اخلري أي: (الستكثرت من العمل الصاحل.)(1)‬

 ‫أو: (الستكثرت من النفع وما أصاب الضلر.)(2), واالسلتكثار هنلا سلوا‬
‫كان يف جلب اخلري والنفع أو دفع الشر والضلر اسلتكثار مملدوح, واآليلة‬
‫تشري إىل أن النيب (صلى اهلل عليه وسلم) أمر( بتصريح اإلقلرار بلالتربي علن‬
  ‫ن‬                 ‫ن‬     ‫ب‬                                    ‫ن‬
‫حوله ومّته، وأن قيامه وأمره ونظامه بطلول رّله ومّتله وللذلك تتجلّس‬
                          ‫س‬
‫عل ّ األحوال، وختتلف األطوار فمن عسلر مي ّل ، وملن يسلر خيصل ،‬      ‫ى‬
‫ولو كان األمر مبرادي، ومل يكن بيلد غلريي قيلادي لتشلاهبت أحلوا يف‬
‫اليسر، ولتشاكلت أوقايت يف العبعد من العسر.)(3),فاالسلتكثار هنلا مملدوح‬
                                        ‫والكثرة هنا حممودة كما هو بني.‬

‫سؤال موسى عليه السالم اهلل (تعاىل) أن جيعل معنه أخناه هنارون ومينرا‬
                                         ‫كي يعينه على يسبحا اهلل كثريا ويذكراه كثرياً‬

‫الذكر والتسعبيح للمؤمن زاد ميضي به يف طريقه إىل اهلل تعلاىل, يسلتعني هبملا‬
‫على احملن, ويتقوى هبما على الزمن, ويسلو هبما يف نلوازل اللدهر ومفلاجع‬
‫األيا , ومها كذلك هدف يسعى له امللؤمن, سليما إذا كلان ملع امللر أخ‬
‫صاحل,إذا نسي ذكره, وإذا ذكر أعانه, وملن هنلا طللب موسلى- عليله‬
‫السال - من ربه-عز وجل- أن جيعل معه هارون وزيلرا؛ ليسلعبحاه كلثريا,‬
                                                           ‫ويذكراه كثريا.‬

                                                                           ‫1 - جامع العبيان: (31/ 253).‬

                                                                               ‫2 - حبر العلو : (1/ 375).‬
                                                                          ‫3 - لطائف اإلشارات: (1/ 495).‬

                                                      ‫19‬
‫فالكثرة هنا يف التسعبيح والذكر فهي كثلرة حمملودة,قلال موسلى – عليله‬
                      ‫ر‬                                                  ‫َْ‬
 ‫السال -: (....وَاجعلْ لِي وَزيلرًا مِلنْ َأهْلِلي (92) هَلا ُونَ أَخِلي (53)‬
                             ‫ن‬                                ‫َ ه‬
 ‫اشْددْ بهِ أَزْري (13) وأَشْركْ ُ فِي َأمْري (23) كَليْ ُسَلِّعبحَكَ كَلِثريًا (33)‬             ‫ُ‬
                           ‫أ‬                     ‫ِ‬             ‫ن ك‬
‫وَنَذكرَكَ كَِثريًا (43) إَّكَ ُْنتَ بنَا َبصريًا (53) قَالَ قَدْ ُوتِيلتَ سُلؤْلَكَ يَلا‬     ‫ُْ‬
                                                                ‫ُوسَى (93), طه:92/93.‬                  ‫م‬
                             ‫ُْ‬
‫واملعىن: (كي نعظمك بالتسعبيح للك كلثريا (وَنَلذكرَكَ كَلِثريًا) فنحملدك‬
‫(إَّكَ ُْنتَ بنَا َبصريًا) يقول: إنك كنت ذا بصر بنلا ال خيفلى عليلك ملن‬      ‫ِ‬             ‫ن ك‬
                                                                               ‫أفعالنا شي .)(1)‬
‫ويف طلب موسى عليه السال إشراك أخيه هلارون معله يف الرسلالة, بيلان‬
                                 ‫ن‬
‫لطلب العون به على بالغ الرسالة, ويف هذا بيان (أ ّ طلعبله مشلاركة أخيله‬
     ‫ُْ‬           ‫ث‬                ‫ن‬
‫له حب ّ ربه ال حب ّ نفسه حيلث قلال:«كَليْ ُسَلِّعبحَكَ كَلِرياً وَنَلذكرَكَ‬  ‫ظ‬               ‫ق‬
‫كَِرياً».)(2)؛ تعليالً لطلب الرسلالة؛ وتعبيينلاً لعباعلث الرغعبلة, ويف إطلالق‬                       ‫ث‬
‫الكثرة مشول للزمان, واملكان, واألحوال, كأنه قلال نسلعبحك ونلذكرك يف‬
                 ‫ك‬           ‫د‬         ‫ق ُ‬
‫كل وقت ويف كل مكان وعلى كل حال, َالَ مجَاهِل ٌ: ( لَلا يَ ُلونُ اْلعَعبْلدُ‬
   ‫َُ ط َ ه‬                          ‫َ‬                  ‫َت ْ ُ‬                           ‫ِ الذ ك‬
 ‫منَ َّا ِرينَ اللَّهَ كَِثريًا، حَّى يَذكرَ اللَّهَ قَائِمًلا وقَاعِلدًا ومضْل َجعًا.وقَوْلُل ُ:‬
    ‫ي النُلو‬                 ‫ْ‬                   ‫ِ‬                          ‫ِ‬
‫{إَّكَ ُْنتَ بنَا َبصريًا} أَيْ: فِي اصْلطفَائِكَ لَنَلا، وَإعطَائِلكَ إَّانَلا ُّعب َّةَ،‬‫ن ك‬
                           ‫وََبعْثَتِكَ لَنَا إلَى عَد ِّكَ فرعَوْنَ، فَلَكَ اْلحَمْ ُ عَلَى ذَلِكَ.)(3)‬
                                             ‫د‬                       ‫ُو ِ ْ‬
‫(اجعله شريكي يف الرسالة حلىت نتعلاون عللى ععبادتلك وذكلرك، فلإن‬
       ‫ص‬                       ‫ن‬
‫التعاون- ألنه مهيج الرغعبات- يتزايد به اخلري ويتكاثر إَّكَ كُنْلتَ بنلا َب ِلرياً‬




                                                                  ‫1 - جامع العبيان: (81/ 153).‬
                                                                ‫2 - لطائف اإلشارات (2/ 454):‬
                                                                 ‫3 - تفسري ابن كثري: (5/ 382).‬
                                                       ‫29‬
‫أي: عاملا بأحوالنا, وبأن التعاضلد مملا يصللحنا، وأن هلرون نعلم املعلني‬
                         ‫والشا ّ لعضدى، بأنه أكرب مىن سنا وأفصح لسانا.)(1)‬
                                                                       ‫د‬
‫وليس املراد من التسعبيح التسعبيح يف اخللوات واجللوات فحسلب, بلل امللراد‬
      ‫ث‬             ‫ن‬
‫ما يشمل تسعبيح احلال وتسلعبيح املقلال فقولله:({كلي ُسَلّعبحَكَ كَلِرياً}‬
                                                      ‫ة‬         ‫ث‬      ‫ُْ‬
‫{وَنَذكرَكَ كَِرياً} غاي ٌ لألدعية الثالثةِ األخرية فإن فعلل فيهلا كلل واحلد‬
                                     ‫ث‬
‫منهما من التسعبيح والذكر مع كونه مكِلراً لفعلل اآلخلر, ومضلاعفاً لله‬
                                                   ‫ر‬
‫بسعبب انضمامِه إليه مكث ٌ له يف نفسه أيضاً بسلعبب تقويتِله وتأييلدِه إذ لليس‬
‫املرا ُ بالتسعبيح والذكر ما يكلون منلهما بالقللب أو يف اخللَلوات حلىت ال‬  ‫د‬
                                                                  ‫ل‬
‫يتفاوت حاُه عند التعدد واالنفرادِ بل ملا يكلون منلهما يف تضلاعيف أدا ِ‬
                                                    ‫َ ع‬
‫الرسالة, ودعوةِ املرَدة ال ُتاة إىل احلق وذلك مملا ال ريلب يف اخلتالف حالِله‬
                                           ‫كال‬
‫يف حاليت التعددِ واالنفراد؛ فإن ًّ منهما يصلدر عنله بتأييلد اآلخلر ملن‬
                                  ‫ل‬                                 ‫ِّ‬
‫إظهار احلق ما ال يكلاد يصلدر عنله مثُله يف حلال االنفلراد وكلثريًا يف‬
                            ‫املوضعني نع ٌ ملصدر حمذوف أو زمانٍ حمذوف)(2)‬
                                                               ‫ت‬
   ‫ويف طلب موسى وترتيب دعائه من اللطائف الكثري, منها ملا يفيلده التقلد‬
‫والتأخري, ومنها ما يفيده التذييل, ومنها أدب اللدعا , ومقلدمات الرجلا ,‬
‫فقعبل رجاؤه واستجيب دعاؤه وأعني على كثلرة التسلعبيح واللذكر, وكلان‬
                                                         ‫من نصره ما كان.‬

‫(وقد التسعبيح, وهو التنزيه؛ ألن النفي مقد على اإلثعبلات، فعبلاألول تلزول‬
‫العقائد الفاسدة، وبالثاين ترتسم النقوش احلسلنة املفيلدة. مث خلتم األدعيلة‬
                                                  ‫ص‬          ‫ن ك‬
‫بقوله إَّكَ ُْنتَ بنا َب ِرياً وفيه فوائد منها:أنله فلوض اسلتجابة اللدعوات‬
‫إىل عمله بأحواهلما وأهنما بصدد أهليلة اإلجابلة أ ال، وفيله ملن حسلن‬
‫األدب ما ال خيفى. ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمله وأنله مفتقلر‬

‫1 - الكشاف عن حقائق غلوامض التنزيلل: (3/ 29), وانظلر: زاد املسلري يف عللم‬
                                                        ‫التفسري: (3/ 751).‬
                               ‫2 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر :9/31.‬
                                        ‫39‬
‫إىل التعاون والتعاضد وهلذا سأل ما سأل. ومنها أنله أعللم بلأحوال أخيله‬
‫هل يصلح لوزارته أ ال، وأن وزارتله هلل تصلري سلعبعبا لكثلرة التسلعبيح‬
‫والذكر. وحني راعى من دقائق األدب وأنلواع حسلن الطللب ملا جيلب‬
        ‫أ‬
‫رعايته فال جر أجاب اهلل تعاىل مطالعبه وأجنلح مآربله قلائال قَلدْ ُوتِيلتَ‬
                                                                  ‫ُْ َ‬
 ‫سؤَلك والسؤل مبعلىن املسلئول كلاخلعبز مبعلىن املخعبلوز واألكلل مبعلىن‬
                                                             ‫املأكول.)(1)‬

 ‫ن‬             ‫ن‬
‫(وال ش لك أن االجتم لاع عل لى الععب لادة وال لذكر س نبب يف دوامهم نا‬
                      ‫ل‬        ‫ل‬        ‫ل‬      ‫ل‬            ‫ل‬
‫وتكثريمها... ، ولذلك ورد الترغيب يف االجتملاع عللى اللذكر: واجلملع‬
‫يف الصالة ليقوى الضعيف بلالقوي، والكسلالن بالنشليط، وقيلل: امللراد‬
‫بكثرة التسعبيح والذكر ما يكلون منلها يف تضلاعيف أدا الرسلالة ودعلوة‬
‫املردة العتاة، ألنه هو الذي خيتلف يف حاليت التعلدد واالنفلراد، فلإن كُلالًّ‬
‫منهما يصدر منه، بتأييد اآلخر، من إظهار احلق، ملا ال يصلدر منله حلال‬
                                               ‫االنفراد. واألول أظهر. )(2)‬

‫وال شك أن تكاليف الدعوة وأععبا التعامل ملع النلاس حتتلاج إىل حسلن‬
‫صلة باهلل قوية؛ تعني على مواصلة اخلري, ونشلر الفضليلة, وبلالغ الرسلالة‬
 ‫للناس, ومن أكثر األمور إعانة على ذلك التسلعبيح واللذكر, وحسلن الثنلا‬
‫على امللك الوهاب من بيده مقاليلد األملور, ومفلاتيح القللوب, (واألملر‬
‫اجلليل الذي هو مقد عليه حيتاج إىل التسنبيح الكنثري, والنذكر الكنثري,‬
‫واالتصال الكثري. فموسى- عليه السلال - يطللب أن يشلرح اهلل صلدره‬
                    ‫وييسر له أمره وحيل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله..‬

‫كل أولئك ال ليواجه املهمة معباشرة ولكن ليتخذ ذللك كلله مسلاعدا لله‬
‫وألخيه على التسعبيح الكثري, والذكر الكثري, والتلقلي الكلثري, ملن السلميع‬

                                         ‫1 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: (4/ 935).‬
                                      ‫2 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (3/ 483).‬
                                        ‫49‬
                                           ‫ص‬           ‫ن ك‬
‫العبصري.. «إَّكَ ُْنتَ بنا َب ِرياً» .. تعلرف حالنلا وتطللع عللى ضلعفنا‬
                        ‫وقصورنا وتعلم حاجتنا إىل العون والتدبري.. )(1)‬

     ‫ب‬
‫(وعَللَ ُوسَى عَلَيْهِ ََّا ُ ُ َالَ ُ َتح ِيلَ مَا سَلأَلَ ُ لَِنفْسِلهِ وَلِأَخِيلهِ، ِنأَنْ‬
                                 ‫ه‬                ‫السل سؤ ه ْص‬                       ‫َ َّ م‬
                                                                ‫ك َّ‬                       ‫ي َبح َّ‬
‫ُسِّ َا اللهَ كَثِريًا وَيَذْ ُرَا اللهَ كَثِريًا. وَوَجْ ُ ذَلِلكَ أ َّ فِيمَلا سَلأَلَ ُ لَِنفْسِلهِ‬
            ‫ه‬                 ‫َن‬           ‫ه‬
   ‫َ ِن‬        ‫َ‬                            ‫وج‬                 ‫َف‬           ‫َّ‬       ‫َ‬
‫تَسْهيلًا لِأدَا ِ الدعْوَةِ بتَوُّر آلَاتِهَلا وَ ُ ُلودِ اْلعَلوْنِ عَلَيْهَلا، وذَلِلكَ مظَّلةُ‬
                                                                               ‫تَكِْريهَا.)(2)‬‫ث‬

‫ومن األسعباب اليت محلت موسى على دعلا ربله بلأن جيعلل معله أخلاه‬
‫هارون وزيراً, واليت تعني على أن يسلعبحاه كلثريا, ويلذكراه كلثريا: أن يف‬
‫ذلك داللة للناس على رهبم, وفيه من إكثلار املسلعبحني واللذاكرين ملا ال‬
‫خيفى؛ ولذلك أعقب اهلل كالمه بقوله: (اذهلب أنلت وأخلوك بآيلايت وال‬
‫تنيا يف ذكري), [طه: 24],كملا أن يف التعلاون عللى أدا الرسلالة ملن‬
 ‫تقليل االشتغال بأمور الدنيا واملعاش ما يعلني عللى اإلفلادة ملن الوقلت,‬
‫ونشر رسالة اخلري إىل الكثري من الناس, مما ال يتلأتى ملن الرسلول والداعيلة‬
               ‫م‬                ‫َال‬
‫حني يكون مشغوال بكل أمور اخلاصة والعامة, (و َّلذِي أَْلجَلأَ ُوسَلى إلَلى‬
                  ‫ُ َ‬             ‫ُم‬             ‫َ‬         ‫ُ‬         ‫مه ِد ِ ْ‬                      ‫س‬
‫ُؤَال ذَلِكَ عِلْ ُ ُ بش َّةِ فرعَوْنَ وَطغْيَانهِ ومَْنعِهِ الْأ َّلةَ مِلنْ مفَارقَلةِ ضَللَالِهمْ،‬
                                                       ‫َ‬            ‫ِلد‬               ‫َع َن َ‬
‫ف ُلِمَ أ َّ فِي دعْوَتِهِ فِتْنَةً ل َّاعِي, فَسَألَ الْإعَانَلةَ عَلَلى اْلخَلَلاص مِلنْ تِلْلكَ‬
‫اْلفِتْنَة ليتوّرا ل َّسْعبيح َالذكْر كَِثريًا.)(3), (فهلذه هلي العِّلة يف مشلاركة‬
                     ‫ل‬                                               ‫و ِّ‬         ‫ف ِلت‬
‫هارون ألخيه يف مهمته، ال طلعباً لراحة نفسله، وإمنلا لتتضلافر جهودمهلا يف‬
                                                             ‫طاعة اهلل، وتسعبيحه وذكْره.)(4)‬
                                                                         ‫ِ‬


                                                                       ‫1 - يف ظالل القرآن: (4/ 3332).‬

                                                                       ‫2 - التحرير والتنوير: (91/ 312).‬

                                                            ‫3 - التحرير والتنوير: (91/ 412).‬

                                                           ‫4 - تفسري الشعراوي: (51/ 4929).‬

                                                      ‫59‬
‫وذكر اهلل كثريا وتسعبيحه بالعشي واإلبكار من املعينات على كلل ملا طلعبله‬
‫موسى عليه السال , ملن بلالغ الرسلالة, والصلرب عللى أذى امللدعوين,‬
‫والربكة يف العمل والوقت, ولذا أرشد اهلل زكريا عليله السلال بعلد نعمتله‬
‫اليت أنعم هبا عليه أن يذكره كثريا ويسعبحه بالعشلي واإلبكلار,فقلال لله:)‬
                                         ‫ِي و‬           ‫عب‬                ‫و ْ ُ َب‬
                  ‫َاذكرْ رَّكَ كَِثريًا وَسَِّحْ باْلعَش ِّ َالْإبْكَار ), مر :(14).‬

‫وذكر اهلل كثرياً سعبب الفالح يف الدنيا واآلخلرة, يف السللم واحللرب, ويف‬
‫الشدة والرخا , ولذا أوصى اهلل تعاىل به املؤمنني إذا لقلوا فئلة مقاتللة,( يَلا‬
        ‫ح‬         ‫َلك‬                 ‫عبت و ْ ُر ل‬                     ‫ت‬             ‫َي الذ َ ن‬
‫أُّهَا َّ ِينَ آمَُوا إذَا َلقِيُمْ فِئَةً فَاثُُْوا َاذك ُوا الَّهَ كَلِثريًا َلعَّ ُلمْ ُتفِْل ُلونَ),‬
                                                                                   ‫األنفال: (54).‬

‫وأمر اهلل تعاىل به يف وقت ابتغا فضل اهلل ورزقله, فهلو يعلني عللى تلذكر‬
‫فضل اهلل تعاىل وإنعامه, ورد النعمة إليه, وذكر هلذه النعملة وشلكره عليله‬
‫وهذا سعبب استمرارها ودوامهنا وهني سننة ثابتنة هلل تعناىل يف الشنكر‬
‫والشاكرين,(فَإذَا قضَِيتِ َّلَا ُ فَانْتَش ُوا فِي الْأَرْض وَابَْتغُوا مِلنْ فضْلل اللَّلهِ‬
             ‫َ‬                                  ‫الص ة ِر‬                 ‫ُ‬
                                                                ‫َلك ح‬                         ‫و ْ ُر‬
                                      ‫َاذك ُوا اللَّهَ كَِثريًا َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ),اجلمعة: (51).‬
‫وذكر اهلل معني على التأسي بالقدوة الصلاحلة, واملثلل الكاملل - صللى اهلل عليله‬
  ‫ْ‬             ‫ل‬                        ‫أ ة ة َ‬                     ‫س‬          ‫ك‬
‫وسلم- ,(َلقَدْ كَانَ لَ ُمْ فِي رَ ُول اللَّهِ ُسْوَ ٌ حَسَنَ ٌ لِمنْ كَلانَ َيرْجُلو الَّلهَ وَالْيَلو َ‬
                                                                                                 ‫ِ ََ َ‬
                                                        ‫اْلآَخرَ وذكرَ اللَّهَ كَِثريًا), األحزاب: (12).‬
              ‫م‬       ‫ِ‬      ‫ن م‬
‫وذكر اهلل كلثريا جملعبلة للمغفلرة واألجلر العظليم,(إ َّ الْ ُسْللِمنيَ وَالْ ُسْللِمَاتِ‬
           ‫َالص‬        ‫َالص ِِ َالص ِ‬                             ‫و‬           ‫و‬           ‫و مْ و مْ‬
‫َالْ ُؤمِننيَ َالْ ُؤمِنَاتِ َاْلقَلانِتنيَ َاْلقَانتَلاتِ و َّلادقنيَ و َّلادقَاتِ و َّلابرينَ‬
    ‫َالصل ِ‬            ‫ل ِّ‬            ‫و م ل ِِّ‬                        ‫ِ و‬                ‫و‬
‫و َّ لابرَاتِ َاْلخَاشِ لعنيَ َاْلخَاشِ لعَاتِ َالْ َُتصَ لدقنيَ وَالْمَُتصَ لدقَاتِ و َّ لائِمنيَ‬   ‫َالصل‬
      ‫َاللذ ِ‬                  ‫ل‬           ‫َاللذ‬            ‫و ِ ِ ُر ه و ِ‬
‫و َّائِمَاتِ َاْلحَافظنيَ ف ُوجَ ُمْ َاْلحَافظَلاتِ و َّاكِرينَ الَّلهَ كَلِثريًا و َّاكرَاتِ‬         ‫َالص‬
                                                                          ‫َد ه ه َ ْ ِ َ ْ َ‬
                                            ‫َأع َّ اللَّ ُ لَ ُمْ مغفرَةً وأَجرًا عظِيمًا), األحزاب: (53).‬
‫كما أن ذكر اهلل كثريا عصمة للناس أن يقولوا ماال يفعلون,وقلد قلال تعلاىل‬
                    ‫ل‬         ‫َنه‬
‫يف وصف الشعرا ومن يتعبعهم من الغاوين:(أمل تلرَ أَّ ُلمْ َيقُوُلونَ مَلا لَلا‬


                                                       ‫69‬
               ‫ل‬            ‫ََ‬            ‫الذ َ ن َ ل الص‬
‫َيفعَُونَ (922) إلَّا َّ ِينَ آمَُوا وعَمُِلوا َّلاِلحَاتِ وذكَلرُوا الَّلهَ كَلِثريًا‬     ‫ْل‬
       ‫عب‬          ‫َي ل‬                    ‫م ال ذ‬                ‫ظم‬                 ‫َر ِ‬
‫وَانَْتص ُوا منْ َبعْدِ مَا ُلِ ُوا وَسَلَيعْلَ ُ َّل ِينَ ظَلَمُلوا أ َّ مُْنقََلبٍ يَْنقَلُِلونَ‬
‫(722), الشللعرا :(922,722), مسللتثنيا املللؤمنني الللذاكرين اهلل‬
‫كثريا,فهنا اإلميان, وعمل الصاحلات, وذكر اهلل كلثريا ملن أسلعباب عصلمة‬
‫اإلنسان أن يقول ما ال يفعل,فاآلية هنا فيهلا اسلتثنا منقطلع ملا بعلد إال‬
 ‫مغاير ملا قعبلها, فالشعرا يتعبعهم الغاوون, وذلك أهنلم يف كلل واد يهيملون,‬
‫ويقولون ما ال يفعلون, مث اسلتثنت اآليلة الكرميلة اللذين آمنلوا وعمللوا‬
‫الصاحلات وذكروا اهلل كثريا وانتصروا من بعد ما ظلملوا, فهلؤال حكمهلم‬
‫غري حكم سابقيهم يف االستثنا ,وما هم عليه ملن الصلفات يعصلمهم ملن‬
                                ‫أن يقولوا ما ال يفعلون, أو تراهم يف كل واد يهيمون.‬

                                     ‫تفضيل اهلل - تعاىل- لبين آدم على كثري ممن خلق‬

‫مَ َّ اهلل تعاىل على ب آد مبنن كربى, ومنح عظملى, منلها: أنله كلرمهم‬                               ‫ن‬
 ‫بصور من التكر , وألوان من اإلكرا واإلنعلا , ومحللهم يف اللرب والعبحلر,‬
‫ورزقهم من الطيعبات, وفضلهم على كثري ممن خللق تفضليال, والكثلرة هنلا‬
 ‫كثرة حممودة إذ قد ذكرها اهلل تعاىل يف مقلا امللن واإلنعلا , قلال تعلاىل:‬
       ‫َّي‬           ‫َ ه‬                     ‫َر و‬             ‫نه‬             ‫ََ‬           ‫ك َّ‬
‫(وََلقَدْ َرمْنَا بَني آد َ وَحَمَلَْا ُمْ فِي الْعب ِّ َالَْعبحْلر وَرَزقْنَلا ُمْ مِلنَ الطِّعبَلاتِ‬
                                                         ‫ْ‬               ‫َّ‬                  ‫ََض ن ه‬
                         ‫وف َّلَْا ُمْ عَلَى كَِثريٍ مِمنْ خََلقْنَا َتفضِيلًا, اإلسرا : (57).‬

‫وهذا التكر متعدد األوجه, متنوع اجلنعبلات, مثلل: هيمنتلهم عللى ملن‬
‫سواهم من اخللق, وتسخري غريهم هلم, وبأن هلم عقلوال ومتييلزا, أو بلاألمر‬
‫والنهي,أو الكال واخلط والعبيان (1),(ومن التكلر ملا ألقلى علليهم ملن‬
 ‫حمعبة اخلالق حىت أحعبوه, ومن التكر لقلو توفيلق صلدق القلد ، ولقلو‬
                                                    ‫حتقيق عل ّ اهلمم.)(2)‬
                                                               ‫و‬

                                   ‫1 - انظر: جامع العبيان: (51/ 5), و النكت والعيون: (3/ 752).‬
                                                                        ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 193).‬
                                                      ‫79‬
‫ومن تكر اهلل تعاىل لإلنسان أن:(كرمه هلقتله عللى تللك اهليئلة، هبلذه‬
‫الفطرة اليت جتمع بني الطني والنفخة، فتجمع بلني األرض والسلما يف ذللك‬
‫الكيان! وكرمه باالستعدادات اليت أودعها فطرته واليت اسلتأهل هبلا اخلالفلة‬
‫يف األرض، يغري فيها ويعبدل، وينتج فيها وينشلى ، ويركلب فيهلا وحيللل،‬
‫ويعبلغ هبا الكمال املقدر للحياة. وكرمله بتسلخري القلوى الكونيلة لله يف‬
                       ‫األرض وإمداده بعون القوى الكونية يف الكواكب واألفالك..‬
‫وكرمه بذلك االستقعبال الفخم الذي استقعبله به الوجلود، وبلذلك املوكلب‬
‫الذي تسجد فيه املالئكة ويعلن فيه اخلالق جل شلأنه تكلر هلذا اإلنسلان!‬
‫وكرمه بإعالن هذا التكر كله يف كتابه املنزل ملن امللأل األعللى العبلاقي يف‬
        ‫ْ ل‬                  ‫ِم‬             ‫ََض ه ل‬
‫األرض.. القلرآن...«وف َّللْنا ُمْ عَللى كَلِثريٍ م َّلنْ خََلقْنلا َتفضِليلًا» ..‬
‫فضلناهم هبذا االستخالف يف ملك األرض الطويل العلريض.ومبلا ركلب يف‬
‫فطرهتم من استعدادات جتعل املخلوق اإلنساين فلذا بلني اخلالئلق يف مللك‬
‫اهلل ...ومن التكر أن يكون اإلنسان قيما على نفسه، حملتمال تعبعلة اجتاهله‬
‫وعمله. فهذه هي الصفة األوىل اليت هبا كان اإلنسان إنسلانا. حريلة االجتلاه‬
                                       ‫وفردية التعبعة. وهبا استخلف يف دار العمل.)(1)‬
                        ‫تفضيل اهلل تعاىل لداود وسليمان على كثري من عباده املؤمنني‬

‫ومن مواطن الكثرة احملمودة ما اعترف به داوود وسلليمان عليهملا السلال ,‬
‫بأن اهلل تعاىل قد آتامها علما وفضلهما على كلثري ملن ععبلاده امللؤمنني؛ ألن‬
‫الكثرة هنا يف مقا االمتنان واالعتراف بالفضل هلل عز وجلل,( وََلقَلدْ آَتَيْنَلا‬
                                                                          ‫م َ‬
‫دَا ُودَ وَ ُلَيْمَانَ عِلْ ًا وقَالَا اْلحَمْ ُ لِلَّهِ َّذِي ف َّلَنَا عَلَلى كَلِثريٍ مِلنْ عِعبَلادِهِ‬
                                       ‫د ال َض‬                                               ‫و س‬
                                                                                             ‫مْ‬
                                                                        ‫الْ ُؤمِننيَ) النمل: (51) .‬

‫فالكثرة هنا كثرة حممودة وليس كل علم بل علم خلاص أيلدمها اهلل تعلاىل بله‬
           ‫َاللد َاب‬    ‫ط‬            ‫م‬             ‫َ‬
‫ومن عليهما بفهمه واإلفادة منه, (وذَلِكَ عَلْل ُ كَلَلا ال َّيْلر و َّو ِّ، وَغَيْلرُ‬


                                                                         ‫1 - يف ظالل القرآن: (4/ 1422).‬
                                                        ‫89‬
‫ذَلِكَ م َّا خ َّ ُ ُ اللَّ ُ بعِلْمِهِ.)(1), أو هو عللم القضلا , والتفضليل بالكتلاب‬
                                                        ‫ِم َصهم ه‬
                                                               ‫والنعبوة وامللك(2)‬
‫( ويف اآلية دليل على أن التفضليل اللذي حيصلل بلالعلم ال حيصلل بغلريه ملن‬
                 ‫الصفات، فأخرب بأهنما شكرا اهلل على عظيم ما أنعم به عليهما)(3)‬
                                              ‫عفو اهلل تعاىل عن كثري من أفعال العباد‬
‫وتأيت الكثرة احملمودة هنا يف مقلا العفلو, عفلو اهلل العفلو الكلر علن الكلثري‬
‫من ذنوب ععباده, وتأيت الكثلرة يف العفلو هنلا ملرتني يف سلورة واحلدة, بيانلا‬
‫لعظيم عفلو اهلل تعلاىل وكلر صلفحه وغفرانله,, وتلعبني اآليلات الكرميلة أن‬
‫كل ما يصيب اإلنسان فعبما كسلعبت يلداه ويعفلو اهلل علن كلثري, فللو شلا -‬
‫تعاىل- ألسكن اللريح, فتظلل الفللك رواكلد عللى ظهلر العبحلر ال تتحلرك,‬
‫ويفقد اخلللق أرزاقهلم وتتوقلف مصلاحلهم, أو يغلرقهم مبلا كسلعبوا, ولكلن‬
‫عفو اهلل أوسع هللم, وأمجلل هبلم, فلالكثرة هنلا يف مقلا العفلو فهلي كثلرة‬
              ‫ك ْف‬                    ‫َ‬                           ‫ْ‬            ‫َ‬
‫حمملودة,( ومَا َأصَاَبكُم مِنْ مُصِليَعبةٍ فَعبمَلا كسَلَعبتْ أَيْلدِي ُمْ وََيع ُلو عَلنْ‬
     ‫د ِ الل‬               ‫ك‬       ‫َ‬       ‫َ‬                     ‫ُ‬           ‫َ‬
‫كَِثريٍ (33) ومَا أَنْتُمْ بمعْجزينَ فِلي الْلأرْض ومَلا َل ُلمْ مِلنْ ُون َّلهِ‬
             ‫ك‬                                              ‫َ‬                      ‫ِي‬
  ‫مِنْ وَل ٍّ وَلَا نَصِلريٍ (23) ومِلنْ آَيَاتِلهِ الْجَلوَار فِلي الْعبَحْلر َالْأَعْلَلا‬
   ‫ل ن ل‬                 ‫ل‬              ‫َ‬               ‫لر‬
‫(53) إنْ َيشَلأْ ُيسْلكِن الل ِّيحَ فَليَظْلَلْن رَوَاكِلدَ عَلَلى ظَهْلرهِ إ َّ فِلي‬
          ‫يل ُن ل َ‬                           ‫ك‬          ‫عب‬     ‫ل ِّ‬           ‫ل‬
‫ذَلِ لكَ لَآَيَ لاتٍ ِلكُ لل صَ لَّارٍ شَ ل ُورٍ (33) أَوْ ُ لوبقْه َّ بمَ لا كسَ لعبُوا‬
                                                                           ‫وَ ْف ع كِري‬
                                             ‫َيع ُ َنْ َث ٍ (53) الشورى:(53-43)‬
                          ‫ضرورة التأكيد أن العفو من الكرمي جيري على سنن ثابتة‬
‫ومن العبني يف اآليات الكرمية أن العفو هنا جيري على سنن ثابتلة,ومعلىن ويعفلو علن‬
                                                             ‫ع‬
‫كثري: ({ويعفو َن كَِثريٍ} أي من الذنوب فال يعاقب عليه أو عن كلثري ملن النلاس‬
‫فال يعاجلهم بالعقوبة وقال ابن عطا من مل يعللم أن ملا وصلل إليله ملن الفلنت‬

                                                              ‫1 - جامع العبيان: (81/ 42).‬
                                                               ‫2 - حبر العلو : (2/ 575).‬
      ‫3 - لطائف اإلشارات:(3/ 92), وانظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 353).‬
                                            ‫99‬
‫واملصائب باكتسابه وان ما عفا عنه واله أكثر كان قليل النظر يف إحسلان ربله إليله‬
‫وقال حممد بن حامد: الععبد مالز للجنايات يف كل أوان وجناياتله يف طاعتله أكثلر‬
‫من جناياته يف معاصيه ألن جناية املعصية من وجه وجنايلة الطاعلة ملن وجلوه واهلل‬
‫يطهر ععبده من جناياته بأنواع من املصائب ليخفلف عنله أثقالله يف القياملة وللوال‬
‫عفوه ورمحته هللك يف أول خطوة وعن علي (رضلي اهلل عنله) هلذه أرجلى آيلة‬
‫للمؤمنني يف القلرآن؛ ألن الكلر إذا عاقلب ملرة ال يعاقلب ثانيلاً وإذا عفلا ال‬
                                                                      ‫يعود)(1)‬
‫واآلية هنا متثل سنة من سنن اهلل تعاىل يف خلقه وهي عفوه عنن كنثري منن أفعنال‬
‫عباده, كما ورد يف آل عمران: (ولقد عفا اهلل عنكم),يقلول صلاحب املنلار وهلو‬
                    ‫ُنن م س َ‬
‫يعقب على آية آل عمران:(فَالْآيَتَانِ وَاردَتَانِ فِي بَيَانِ س َّة ِننْ ُنننِ اهللِ - َتعَلالَى‬
                          ‫ه‬                               ‫َ َن َ‬                      ‫ش َ‬
‫- فِي أَخْلَاق الْعبَ َر وَأعْمَالِهمْ، وهِيَ أ َّ الْمصَاِئبَ الَّتِلي تَعْلرضُ لَ ُلمْ فِلي أَبْلدَانهمْ‬
                             ‫ََن ِ‬                          ‫ر ِية‬                  ‫م ِي ن‬               ‫شئ م‬
‫و ُُونه ُ الِاجْتِ َاعَّةِ إَّمَا هِيَ آثَا ٌ طَعبيعَّ ٌ لَِعبعْض َأعْمَالِهمْ، وأ َّ منْ َأعْمَلالِهمْ مَلا لَلا‬
                  ‫س نة‬          ‫ال َض‬                ‫َه َ ْ ُو ه‬                 ‫ُق ة َد ُ‬                  ‫َّب‬
‫يََترَت ُ عَلَيْهِ ع ُوبَ ٌ ُتع ُّ مصِيعبَةً و ُوَ الْمعف ُّ عَنْ ُ، أَي َّذِي م َلتْ ُلَّ ُ اهللِ - َتعَلالَى‬
        ‫ض الل‬               ‫َم ل َ‬                 ‫َّب‬                  ‫ره ِ َّ‬             ‫ْ يْ‬
  ‫- بأَنْ ُيعفَى وَُمحَى أََث ُ ُ منَ النفْس، فَلَا يََترَت ُ عَلَيْهِ الْأعْ َلا ُ وهُلوَ َبعْل ُ َّمَلم‬
               ‫ل‬                ‫ه‬                  ‫َ‬          ‫َ‬           ‫ِري‬        ‫َرر‬                ‫و َ ال‬
 ‫َالْهفْو َّذِي لَا يَتَك َّ ُ وَلَا َيص ُ مَلَكَةً وعَادَةً. وقَدْ عََّعبرَ عَنْل ُ فِلي الْآيَلةِ اَّتِلي هِليَ‬
    ‫ه‬                  ‫َي د‬                   ‫ْف َ‬                  ‫ُّن‬                       ‫ْل و ق ة‬
‫الْأَص ُ َاْل َاعِدَ ُ فِي بَيَانِ هَذِهِ السَّةِ بقَوْلِهِ: وََيع ُو عنْ كَلِثريٍ وَيُؤِّل ُ ذَلِلكَ قَوْلُل ُ -‬
             ‫َاب‬                                     ‫ت‬        ‫عب‬               ‫ي ذ هلل ن‬
  ‫َتعَالَى -: وَلَوْ ُؤَاخِ ُ ا ُ الَّاسَ بمَا كَسَُوا مَا َلرَكَ عَلَلى ظَهْرهَلا مِلنْ د َّلةٍ [53:‬
    ‫َّن‬       ‫َ‬         ‫د عم‬            ‫ل‬                   ‫ِ‬            ‫عب ن‬
‫54] أَيْ بجَمِيع مَا كَسَُوا، فَإ َّ " مَا " منَ الْكَلِمَاتِ اَّتِي ُتفِيل ُ اْل ُ ُلو َ. وقَلدْ بَيَّلا‬
         ‫َام ة‬         ‫َن‬                ‫َ‬             ‫ِ َّ س‬                                 ‫ي‬         ‫ُّن‬
‫هَذِهِ السَّةَ الْإلَهَّةَ فِي مَوَاضِعَ كَِثريَةٍ منَ التفْ ِلري، وَجرَيْنَلا عَلَلى أَّهَلا ع َّل ٌ فِلي‬
                           ‫َّلي َ‬               ‫الد و ِ َ م ع ر ِية َ م‬
‫ع ُوبَاتِ ُّنْيَا َالْآخرَةِ فجَ ِي ُهَا آثَا ٌ طَعبيعَّ ٌ لِلْأعْ َلال الس ِّئَةِ، وقَلدِ اهْتَلدَى إلَلى‬      ‫ُق‬
                                               ‫هَذِهِ السَّةِ َبع ُ ُكَمَا ِ اْلغرْب فِي هَذَا اْلعصْر.)(2)‬
                                                          ‫َ‬                   ‫َ‬           ‫ُّن ْض ح‬
‫مث فرق صاحب املنار رمحه اهلل بني عفلو اهلل تعلاىل اللوارد علن اخلللق يف سلورة‬
‫الشورى والعفو الوارد يف سورة آل عمران بأنه يف الشورى عفلو علا قضلت بله‬


                                                          ‫1 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (3/ 952).‬
                                                                               ‫2 - تفسري املنار: (4/ 851).‬
                                                      ‫001‬
‫حكمته وحلمه, وإال فمن الذنوب ما ال يعفو اهلل تعلاىل عنله ويؤاخلذ بله اخلللق‬
                                                ‫َو‬
 ‫لقصورهم ونكوهلم عن مراده, (... فَاْلعفْ ُ فِيلهِ(أي:اللوارد يف ولقلد عفلا علنكم)‬
     ‫َ وي د‬                  ‫َ و ع َ َ و َاص‬                            ‫الش‬             ‫ر َ‬
‫غَْي ُ اْلعفْو فِي آيَةِ ُّورَى، ذَلِكَ عفْ ٌ َا ٌّ, وهَذَا عفْ ٌ خ ٌّ، ذَلِلكَ عفْل ٌ ُلرَا ُ بلهِ‬
 ‫ي‬     ‫ُ‬                 ‫ن‬               ‫ل َف‬          ‫ك‬                                        ‫َن ِ سَّ‬
‫أ َّ منْ ُنةِ اهللِ فِي فِطْرَةِ الْبَشَرِ أَنْ تَ ُونَ َبعْ ُ ه َنوَاتِهِمْ وَذُُنوبِهِمْ غَيْنرَ مفْضِنَة‬
                                             ‫دي ع ذ‬                                      ‫ُق‬
‫إِلَى اْلع ُوَبةِ بِالْمَصَاِئبِ فِي ال ْنَْا وَاْل َن َابِ فِني الْنآخِرَةِ، وهَلذَا اْلعَفْل ُ خ ٌّ‬
‫و َلاص‬                ‫َ‬
                  ‫ق‬                                   ‫ر د َن ه ْ أح ال‬                                  ‫مْ‬
‫بالْ ُؤمِننيَ ُي َا ُ بهِ أ َّ ذَنْعبَ ُمْ يَو َ ُ ُدٍ َّذِي كَانَ مِلنْ شَلأْنهِ أَنْ ُيعَاَلبَ عَلَيْلهِ فِلي‬
        ‫ُق‬              ‫هلل‬      ‫ََ‬            ‫ْ‬                 ‫ُق ته الد ية‬                           ‫الد و ِ‬
‫ُّنْيَا َالْآخرَةِ قَدْ كَاَنتْ ع ُوبَُ ُ ُّنْيَوَّ ُ َترْبيَلةً وَتَمحِيصًلا وعفَلا ا ُ عَلن اْلع ُوبَلةِ‬
       ‫َ‬              ‫ِ‬               ‫ق ن َف ر م َج ل‬                                                 ‫ِ‬
‫عَلَيْهِ فِي الْآخرَةِ، وَلِذَلِكَ َالَ: إ َّ اهللَ غ ُو ٌ حَلِي ٌ لَا ُيع ِّل ُ بَتحْتِليم اْلعقَلاب. ومِلنْ‬
 ‫م‬        ‫هم‬                ‫ه‬            ‫ِم َ‬                        ‫ْف قه‬                       ‫َ ِْ ه‬
‫آيَاتِ مغفرَتِهِ لَ ُمْ وَحِلْمِهِ بهمْ تَوِي ُ ُمْ لِلِاسِْتفَادَةِ م َّلا وقَلعَ مِلنْ ُمْ وَإثَلابَتُ ُ ُ اْلغَل َّ‬
                      ‫َق َ َ ن‬                          ‫قل‬                 ‫الت َت تم ِّ‬
             ‫َّذِي دفعَ ُمْ إلَى َّوْبَةِ حَّى ُ َح َ مَا فِي ُُوبهمْ وَاسَْتح ُّوا اْلعفْوَ عنْ ذُُوبهمْ.‬ ‫ال ََ ه‬
‫وبيان الفرق بني النوعني من الذنوب اليت يعفى عنها والليت يؤاخلذ أن الليت يؤاخلذ‬
‫عليها هي تلك اليت يصر عليها أصحاهبا وتكلون سلعبعبا يف هلالك العبشلر, وفسلاد‬
                                                                                  ‫حياهتم من فسق وظلم )(1)‬
                                                    ‫امتنان اهلل تعاىل على اخللق بنزول الغيث‬

 ‫املا روح احلياة , وسر النجاة, جعل اهلل – تعاىل- منه كلل شلي حلي,‬
         ‫ن‬
‫سيما إذا كان غيثا, ينظره الناس, وتتوقلف عليله احليلاة, وقلد مَل َّ اهلل –‬
‫تعاىل- على اخللق بذلك, وأبان أنه حييي هبلذا الغيلث مملن خللق أنعاملا‬
‫وأناسي كثريا, فالكثرة هنا كثرة حممودة فهلي يف ملواطن االمتنلان ملن اهلل‬
‫تعاىل وتعبدو مالمح االطراد والسننية هنلا يف أن اهلل تعلاىل جعلل ملن هلذا‬
        ‫الر‬                     ‫ال‬    ‫َ‬
‫املا حياة حتيي مما خلق أنعاما وأناسي كثريا, (وهُلوَ َّلذِي أَرْسَللَ ِّيَلاحَ‬
                                      ‫ه‬            ‫ِ الس‬             ‫َ‬                              ‫بْ‬
‫ُشرًا بَْينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَْنزَلْنَا منَ َّمَا ِ مَا ً طَ ُورًا (84) لُِنحْيليَ بلهِ بَلْلدَةً‬
   ‫َّ ه ه‬                                        ‫ع َ ِلي‬                          ‫ن ْ ه ِم‬
‫مَيْتًا وَُسقِيَ ُ م َّا خََلقْنَا أَْن َامًا وأَنَاس َّ كَلِثريًا (94) وََلقَلدْ صَلرفْنَا ُ بَيْلنَ ُمْ‬
                                                        ‫ُف‬               ‫ر ن‬
                       ‫لِي َّكرُوا فَأَبَى َأكْثَ ُ الَّاس إلَّا ك ُورًا (55) , الفرقان: 84/55.‬  ‫َذ َّ‬


                                                                                  ‫1 - تفسري املنار: (4/ 851).‬
                                                        ‫101‬
‫(أنزل من السما ما املطر فأحيا به الغياض والرياض، وأنعبلت بله األزهلار‬
‫واألنوار، وأنزل من السما ما الرمحة فغسل العصاة ملا تلطخلوا بله ملن‬
‫األوضار، وما تدّسوا به من األوزار.)(1) (وكذا سّته ملع ععبلاده يلر ّدهم‬
   ‫د‬                   ‫ن‬                               ‫ن‬
                                                     ‫بني إفنا وإبقا .)(2)‬

                      ‫امتنان اهلل باملطر الذي يكون سببا يف إنشاء اجلنات والفواكه‬

‫ويف موطن آخر مينت اهلل – تعاىل- على ععبلاده بلاملطر اللذي يكلون سلعبعبا يف‬
                   ‫َن‬          ‫ك‬
‫إنشا اجلنات والفواكه الكثرية فيقول: (فَأَنْشَأْنَا لَ ُلمْ بلهِ جَّلاتٍ مِلنْ َنخِيللٍ‬
                                                ‫ْكل‬     ‫و ه ةَ‬                        ‫ك‬             ‫َ‬
                        ‫وَأعْنَابٍ لَ ُمْ فِيهَا فَ َاكِ ُ كَِثريَ ٌ ومِنْهَا تَأ ُُونَ),املؤمنون:91.‬
‫ويف سياق امتنان اهلل تعاىل على ععباده باملطر الذي حييي بله أنعاملا وأناسلي‬
‫كثريا, منة أخرى منه تعاىل, بأن جعل من هلذا الغيلث جنلات ملن ييلل‬
‫وأعناب, هلم فيها فواكه كثرية, ومنها يأكلون,والكثرة احململودة هنلا تعبلدو‬
                                                                    ‫ن‬
‫يف مَ َّ اهلل تعاىل على خلقه بالفواكه الكلثرية الليت سلعبب حياهتلا ومنائهلا‬
 ‫واحد وهو املا , وأنواعها وأصنافها متعلددة, فهلي ختضلع يف هلذا العبقلا‬
‫والنما لسنن اهلل تعاىل اليت ال تتعبدل وال تتحول, والسسلننية هنلا واالطلراد‬
‫بَِّن من خالل خضوع الفاكهة الكثرية لقلانون يضلعبطها وسلنة حتكمهلا يف‬      ‫ي‬
     ‫َلد َ‬               ‫ه ال‬
‫النشو والعبقا والنما ,كما قال – تعلاىل- (وَ ُلوَ َّلذِي م َّ الْلأرْضَ‬
       ‫ْ‬                   ‫َ‬      ‫َ ُل َ‬                         ‫ِ‬                 ‫ََ‬
 ‫وجعَلَ فِيهَا رَوَاسيَ وَأَنْهَارًا ومِنْ ك ِّ الثَّمرَاتِ جعَللَ فِيهَلا زَوجَليْن‬
         ‫ْ َك ر‬                                     ‫ل الن ن‬                  ‫ْ‬
 ‫اثْنَيْن ُيغشِي الَّيْلَ َّهَارَ إ َّ فِي ذَلِلكَ لَآَيَلاتٍ ِلقَلو ٍ يََتف َّل ُونَ (3)‬
 ‫ل‬         ‫ََ ع‬                        ‫ت َ َن ت‬                 ‫عم‬
‫وَفِي الْأرْض قِطَ ٌ ُتَجَاورَا ٌ وجَّلا ٌ مِلنْ أَعْنَلابٍ وزرْ ٌ وَنَخِيل ٌ‬‫َ‬
                    ‫ه‬         ‫َضل‬                       ‫ْ‬                ‫ن ر‬
‫صِنْوَا ٌ وَغَْي ُ صِنْوَانٍ ُيسقَى بمَا ٍ وَاحِدٍ وَُنف ِّ ُ َبعْضَل َا عَلَلى َبعْلضٍ‬
                                   ‫ف ُك ن ف ذلك لآي ت ق ْ َ ْقل ن‬
               ‫ِي الْأ ُل إ َّ ِي َِ َ َ ََا ٍ ِل َو ٍ يع ُِو َ (5), الرعد:3,4.‬


                                                                  ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 549).‬
                                                                  ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 939).‬

                                                  ‫201‬
                                   ‫امتنان اهلل تعاىل على عباده باألنعام ومنافعها الكثرية‬

‫ومن املواطن اليت ذكرت فيها الكثرة يف القرآن الكلر تللك اآليلة الكرميلة‬
‫اليت مينت اهلل تعاىل فيها على ععباده بنعمة األنعا اليت يسلقيهم اهلل تعلاىل مملا‬
  ‫ك‬       ‫ن‬                                 ‫ون ك‬
‫يف بطوهنا, وهلم فيها منافع كثرية, ( َإ َّ لَ ُمْ فِلي الْأَْنعَلا َلعِعبْلرَةً ُسْلقِي ُمْ‬
                                      ‫ْكل‬        ‫ع ةَ‬                      ‫ك‬           ‫ط‬         ‫ِم‬
          ‫م َّا فِي ُب ُونهَا وَلَ ُمْ فِيهَا مَنَافِ ُ كَِثريَ ٌ ومِنْهَا تَأ ُُونَ),املؤمنون: (12).‬
‫والسننية هنا واضحة من خالل املنافع اليت يصيعبها الععبلاد ملن األنعلا والليت‬
                ‫تزيدها التقنية والعلم احلديث تأكيدا إلعجاز القرآن الكر وقضاياه.‬

‫ولعلنا نشري هنا إىل دقة تععبري القرآن الكر : (مما يف بطوهنلا),فهلل يف بطلون‬
 ‫األنعا غري ما هو مألوف للناس معروف للعاملة, مملا يصللح غلذا أو دوا‬
‫مما عرب عنه القرآن بأنه (منلافع)؟, الللهم إنلا بلك مؤمنلون, ولنعملك‬
‫حامدون شاكرون, وعن شكر صنيعك عاجزون, فامحد الللهم عنلا نفسلك‬
‫لنفسك؛ كما ينعبغي جلالل وجهك وكمال قدسك, فإنلا علن القيلا حبلق‬
‫محدك عاجزون, ولعظمة جربوتك خاضلعون,وإليلك فيملا منحلت أهلل‬
‫قربك راغعبون, فجد علينا من خزائن جودك مبا تعلقلت بله اآلملال,فإنلك‬
                                          ‫واسع العطا جزيل النوال.‬

              ‫امتنان اهلل تعاىل على عباده باجلنات ذات الفاكهة الكثرية والشراب‬
‫ُّ اهلل – تعاىل- هنا على ععباده امللؤمنني باجلنلات ذات الفاكهلة الكلثرية‬    ‫ومن‬
‫والشراب جزا مرتعبا على عمل, وعطا معبنيا عللى إميلان وبلذل, وتقلوى‬
   ‫ِ ر ن م َّ ِ‬
‫هلل تعاىل محلتهم على اجتناب حمارمه وفعل أوامره (هَلذَا ذكْل ٌ وَإ َّ لِلْ ُلتقنيَ‬
                   ‫َل ُ َّ َل ُل ْل‬                 ‫َّل‬            ‫ح ْل َل‬
 ‫َل ُس لنَ م لآَبٍ (94) جَن لاتِ ع لدْنٍ مفَتح لةً لَه لمُ ال لأَبْوَابُ (55)‬
                                                                 ‫ص:(94,55).‬

‫فهذا العطا سنة من سنن اهلل تعاىل يف خلقه هلي سننة اجلنزاء,هلذا وقلد‬
‫قدمت اآليات الكرمية وصلف هلؤال املعطَليْنَ بلللل (امللتقني) بيانلاً‬


                                                     ‫301‬
‫ملقدمات هذا العطا , وتوجيهاً للععباد أنله مرتلب عللى صلفات وأعملال‬
          ‫هؤال املتقني, وإرشاداً وإغرا لسلوك سعبيلهم والنسج على منواهلم.‬

                     ‫َ‬
‫أما الكثرة يف سورة الواقعة يف قوله تعاىل: ومَلا ٍ مَسْلكُوبٍ (13) وفَاكِهَلةٍ كَلِثريَةٍ‬
‫(23) لَا مق ُوعَةٍ وَلَا مَمُْوعَةٍ (33), الواقعة:13/33, فهلي كثلرة ختضلع لسلنة‬   ‫ن‬                ‫َ ْط‬
‫أخرى خارقة, فإذا كانت هناك سنن جارية, فهناك سلنن خارقلة, متضلي حسلب‬
‫قانون آخر يتقابل مع قلانون السلنن اجلاريلة, وال يتعلارض, بلل كلل يف فللك‬
                        ‫ي‬
‫يسعبحون, فالسنة يف فواكه الدنيا أهنا لزمن دون زملن, وبلثمن أ ّ مثلن, أملا هلذه‬
‫الكثرة هنا فهي لسنة أخرى متضي على غري معهلود النلاس فهلي فاكهلة كلثرية ال‬
‫مقطوعة بالزمن, وال ممنوعة بالثمن, (ال ينقطع عنلهم شلي منلها أرادوه يف وقلت‬
‫من األوقات، كما تنقطع فواكه الصيف يف الشتا يف اللدنيا، وال ميلنعهم منلها، وال‬
‫حيول بينهم وبينها شوك على أشجارها، أو بعدها منهم، كملا متتنلع فواكله اللدنيا‬
‫من كثري ممن أرادها بعبعدها على الشجرة منهم، أو مبا عللى شلجرها ملن الشلوك،‬
   ‫ل‬           ‫ل ل ل‬                           ‫ل‬              ‫ل‬
‫ولكن لها إذا اش لتهاها أح لدهم وقع لت يف في له أو دن لت من له ح لىت يتناوهل لا‬‫ل‬             ‫ل‬            ‫ل‬
‫بيده.)(1),أو(ال مقطوعة عنهم نعمته، وال ممنوعة منلهم رؤيتله.)(2), أو كملا قلال‬
                       ‫العبغوي: (وَالَ َبع ُ ُمْ: لَا مق ُوعَةٍ بالْأَزمَانِ وَلَا مَمُْوعَةٍ بالْأَثْمَانِ)(3)،‬
                                               ‫ن‬                ‫ْ‬            ‫َ ْط‬        ‫َق ْضه‬
‫قتال كثري من الربيني مع األنبياء فما وهنوا ملا أصاهبم يف سبيل اهلل وما ضعفوا‬
                                                                                    ‫وما استكانوا‬

  ‫ل‬       ‫ل‬       ‫ل‬      ‫ل ل ل‬                   ‫ل‬        ‫ل ل‬
‫مضلت سلنة اهلل تعلاىل يف ععبلاده أنله حلني يرسلل الرسلل ويعبعلث‬
           ‫ويت‬
‫األنعبيا ,معبشرين ومنذرين,أن يؤيلدهم بلاحلحج واللرباهني, َّلعبعهم ملن‬
‫اخللق من يريد اهلل هلم اهلداية, ويتنكب طريق دعلوهتم ملن اسلتكرب وعانلد,‬
‫فيقاتل هؤال هبؤال ويكتب اهلل النصر حلزبه, وجيعلهم ملن املفلحلني, ويلرد‬


                                                                          ‫1 - جامع العبيان: (32/ 811).‬
                                                                        ‫2 - لطائف اإلشارات:(2/ 842).‬
                                                                            ‫3 - تفسري العبغوي: (8/ 31).‬
                                                     ‫401‬
   ‫ه‬                       ‫َ‬       ‫ري‬        ‫َ ه ِّي‬            ‫َ ِّ ِ ي‬
‫قوله تعاىل: ( وكَأَينْ منْ نَعب ٍّ قَاَتلَ معَ ُ ربُّونَ كَِث ٌ فَمَا وهَنُلوا لِمَلا أَصَلابَ ُمْ‬
                       ‫ن و ه ِلب الص‬                               ‫َ َ ُف َ‬
‫فِي سَعبيل اللَّهِ ومَا ضع ُوا ومَا اسْتَكَاُوا َاللَّل ُ ُيح ُّ َّلابرينَ (941), آل‬
  ‫عمران:941. معبينا كثرة هؤال الربانيني الذين يقاتلون ملع األنعبيلا , سلوا‬
‫كانت تلك الكثرة بيانا للواقلع, أو حتريضلا للنلاس عللى اتعبلاع طلريقهم‬
                                                                                   ‫وسلوك سعبيلهم.‬
‫وهؤال الثابتون على الدين, املقاتلون يف سعبيل نشره ودعوة النلاس إليله, هلم أهلل‬
                                           ‫ن‬
‫الوفا والصفا , وأصحاب الطريلق والتحقيلق,(إ ّ اللذين درجلوا عللى الوفلا ،‬
‫وقاموا حبق الصفا ، ومل يرجعوا عن الطريق، وطلالعبوا نفوسلهم بلالتحقيق، وأخلذوا‬
                                                ‫ق‬
‫عليها بالتضييق والتدقيق- وجدوا حمعبلة احلل ّ سلعبحانه ملريا صلربهم، وكلان‬
 ‫اخللف عنهم احل ّ عند هناية أمرهم، فما زاغلوا علن شلرط اجلهلد، وال زاغلوا يف‬              ‫ق‬
                             ‫ل‬
‫حفظ العهد، وسّموا تسليما، وخرجوا عن الدنيا وكان كل ّ منلهم للعهلد مقيملا‬                  ‫ل‬
                                             ‫مستدميا، وعلى شرط اخلدمة والوداد مستقيما.)(1)‬
                 ‫امتنان اهلل على املؤمنني بالنصر يف مواطن كثرية وكثرهتم مل تغن عنهم شيئا‬
‫نعم اهلل تعاىل على ععباده كثرية, وهي ال تعد وال حتصلى, ومنلها نعمتله بالنصلر‬
 ‫على املؤمنني يف مواطن عديدة, وتعبدو النعملة أجللى عنلدما تتقطلع األسلعباب,‬
‫وهتي قوى العبشر اليت يعتمدون عليهلا فيكلون التوكلل أظهلر ودالئلل امللنن‬
‫أوضح, وما حد من نصر للمسلمني يف حنني بعلد أن اعتملدوا عللى كثلرهتم‬
‫(لن نغلب اليو من قلة), منة ظاهرة, ونعمة جلية وجليللة, إذ قلد أتلاهم النصلر‬
‫بعد نفاد أسعبابه, وضاقت عليهم األرض مبلا رحعبلت, ووللوا ملدبرين, وكثلرة‬
   ‫َك‬
‫النصر هنا كثرة حممودة, ونعمة من نعم اهلل تعلاىل عللى ععبلاده. (َلقَلدْ َنصَلر ُمُ‬
           ‫ك‬                        ‫تك‬           ‫ْ ك‬                    ‫ْ ح‬                   ‫ِ‬          ‫ه‬
‫اللَّ ُ فِي مَوَاطنَ كَِثريَةٍ وَيَو َ ُنَْينٍ إذْ َأعجَعبَتْ ُمْ كَثْلرَُ ُمْ فَلَلمْ ُتغْلن عَلنْ ُمْ شَليْئًا‬
                                               ‫ح ُم ت م‬                         ‫كم ض‬                  ‫َ‬
                    ‫وَضَاقتْ عَلَيْ ُ ُ الْأَرْ ُ بمَا رَ َُعبتْ ث َّ وَلَّيُْمْ ُدْبرينَ), التوبة: (52).‬




                                                                         ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 382).‬
                                                       ‫501‬
    ‫(خيربهم تعبارك وتعاىل أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدة العبطش،‬
            ‫وأنه ينصر القليلَ على الكثري إذا شا ، وخيِّي الكثري والقليلَ، فَيهْز الكث ُ.)(1)‬
                 ‫ري‬                      ‫َ‬       ‫ل‬
      ‫ر‬                                                  ‫ر‬
‫(يعىن نصركم يو حنني حني تف ّق أكثر األصحاب، وافتلرت أنيلاب الكل ّة علن‬
‫نقاب القهر فاضلطربت القللوب، وخانلت القلوى أصلحاهبا، ومل تغلن علنكم‬
‫كثرتكم، فاستخل اهلل أسراركم- عند صلدق الرجلوع إليله- حبسلن السلكينة‬
‫النازلة عليكم، فقلب اهلل األمر على األعلدا ، وخفقلت رايلات النصلرة، ووقعلت‬
                        ‫الدائرة على الكفار، وارت ّت اهلزمية عليهم فرجعوا صاغرين.)(2)‬
                                                                  ‫د‬
                                                            ‫إكرام اهلل تعاىل لنبيه بالكوثر‬
‫ومن مواطن الكثرة احملمودة بشارة اهلل تعاىل لرسلوله صللى اهلل عليله وسللم‬
                                                               ‫ن ْ‬
                              ‫بالكوثر, بقوله:(إَّا َأعطَيْنَاكَ الْكَوَْثرَ), الكوثر:1.‬
                                        ‫ٌ‬                       ‫ي‬
‫وهنا مَن ُّ ٍّ, وعطا ٌ أ ُّ عطا , إنه مَلن بالعطلا املتكلاثر, اللذي دونله كلل‬  ‫ٌ أي من‬
‫عطا , فداللة الكثرة هنا ال حتتاج إىل تعقيب بل حتتاج إىل دعلا , (علن ابلن عملر،‬
                                                                                ‫ن ْ‬
‫يف قوله: (إَّا َأعطَيْنَاكَ الْكَوَْثرَ) قال: "هنر يف اجلنلة حافتلاه اللذهب، وجملراه عللى‬
                                ‫د‬                                 ‫د‬
‫الد ّ والياقوت، وماؤه أش ّ بياضا من الثلج، وأشل ّ حلالوة ملن العسلل، وتربتله‬              ‫ر‬
                                                                ‫أطيب من ريح املسك".)(3)‬
‫(جا يف التفسري أن الكوثر هنر يف اجلنة أشد بياضاً من اللنب, وأحللى ملن العسلل،‬
                        ‫ً‬
‫حافتَاه قعبلاب اللدر، جملوف، وجلا يف التفسلري أيضلا أن الكلوثر: اإلسلال ,‬                 ‫َّ‬
‫والنعبو ُ.وقال أهل اللغة: الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه اخللري الكلثري.ومجيلع ملا‬       ‫ة‬
‫جا يف تفسري هذا قد أعطيه النيب- عليله السلال -.قلد أعطلي اإلسلال والنعبلوة‬
‫وإظهار الدين الذي أتى به على كل دين, والنصر عللى علدوه والشلفاعة.وملا ال‬
              ‫حيصى مما أعطيه، وقد أعطي من اجلنة على قدر فضله على أهل اجلنة.)(4)‬

                                                               ‫1 - جامع العبيان: (41/ 971).‬
                                                             ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 81).‬
                                                                ‫3 - جامع العبيان:(42/ 549).‬
                                                  ‫4 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (5/ 993).‬

                                            ‫601‬
                  ‫امتنان اهلل تعاىل على اخللق بأن بث من آدم وحواء رجال كثريا ونساء‬
‫ومن املواطن اليت من اهلل تعاىل فيها على ععباده منه علليهم بلأن خللق هللم ملن‬
            ‫ك‬              ‫َي ن س َّق َبك م ال‬
‫نفس واحدة رجاالً كثريا ونسا , (يا أُّهَا الَّا ُ ات ُوا رَّ ُل ُ َّلذِي خََلقَ ُلمْ مِلنْ‬
              ‫َّ‬                                   ‫َث ه‬                                                 ‫ْ‬
‫َنفسٍ وَاحِدَةٍ وَخََلقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَب َّ مِنْ ُمَا رجَالًلا كَلِثريًا وَنسَلا ً وَاتقُلوا اللَّلهَ‬
                                       ‫ك َ‬                         ‫و ح ن‬                      ‫ل‬
‫َّذِي تَسَا َُونَ بهِ َالْأَرْ َا َ إ َّ اللَّهَ كَانَ عَلَليْ ُمْ رقِيعبًلا , النسلا :(1).وهلي يف‬        ‫ال‬
‫موطن االمتنان واإلنعا بأن جعلهم ملن أصلل واحلد, عللى تعبلاين أصلنافهم‬
                                                            ‫وتنوع مشارهبم, فهي كثرة حممودة.‬
                                                           ‫مضاعفة اهلل تعاىل للقرُ أضعافا كثرية‬
            ‫ال‬
 ‫كما وردت الكثرة يف موضع وصف املضاعفة للقرض يف قوله تعاىل: (منْ ذَا َّذِي ُيقْرضُ‬
                    ‫َع‬              ‫ً و ه ض سط‬                                   ‫ضِ ه ْ‬                             ‫َ‬
              ‫اللَّهَ قرْضًا حَسَنًا فَُي َاعفَهُ لَ ُ أَضعَافًا كَِثريَة َاللَّ ُ َيقْعب ُ وَيَعبْ ُ ُ وَإلَيْهِ ُترْج ُونَ,‬
                                                                                                       ‫العبقرة:(542).‬
‫واملضاعفة هنا حممودة ألهنا جزا من اهلل تعلاىل عللى العبلذل والعطلا , فلالكثرة‬
                                                                                                      ‫كثرة حممودة.‬
                                                                                      ‫عند اهلل مغامن كثرية‬
  ‫كما وردت الكثرة احملمودة يف حض اهلل تعاىل املؤمنني احمللاربني عللى علد‬
‫التسرع يف وصف من ألقى إليهم السال بأنه لليس مؤمنلا رغعبلة يف علرض‬
                    ‫ت‬                      ‫َي الذ َ‬
 ‫الدنيا فما عند اهلل أكثر وأبقى (يَا أُّهَا َّ ِينَ آمَنُلوا إذَا ضَلرَبُْمْ فِلي سَلعبيل‬
                  ‫غ‬            ‫ْ‬                  ‫كم السل‬              ‫قل َ‬                      ‫َين‬
‫اللَّهِ فَتَعبَُّوا وَلَا َت ُوُوا لِمنْ أَْلقَى إلَيْ ُ ُ ََّا َ لَسْلتَ مُؤمِنًلا تَعبَْت ُلونَ عَلرَضَ‬
  ‫ك‬         ‫ل َلن ل ه‬                  ‫كت ِ‬               ‫َ م ة‬                         ‫الد َ‬
‫اْلحَيَاةِ ُّنْيَا فعِنْدَ اللَّهِ مغَان ُ كَِثريَ ٌ كَذَلِكَ ُنُْمْ منْ قَعبْل ُ فَم َّ الَّل ُ عَلَليْ ُمْ‬
                                                                  ‫ل‬                                   ‫َين‬
                                   ‫فَتَعبَُّوا إنَّ اللَّهَ كَانَ بمَا َتعْمَُونَ خَعبريًا , النسا :(49).‬
‫ووردت كذلك يف مقا وعد اهلل- تعاىل- للملؤمنني باملغلامن الكلثرية الليت‬
                    ‫ع‬               ‫ْ‬           ‫هع‬
‫يأخذوهنا, يف قوله تعاىل: (َلقَدْ رَضِيَ اللَّ ُ َن الْمُلؤمِننيَ إذْ يُعبَاي ُونَلكَ َتحْلتَ‬
                      ‫َ ه‬                             ‫َ الس‬             ‫قل‬                     ‫َّ َ َ‬
‫الشجرَةِ فعَلِمَ مَا فِي ُُوبهمْ فَأَْنزلَ َّلكِينَةَ عَلَليْهمْ وأَثَلابَ ُمْ فَْتحًلا قَريعبًلا‬
  ‫َ َك‬                             ‫ه‬             ‫َ‬       ‫خذ‬                       ‫ََ‬
‫(81) ومغَانمَ كَِثريَةً يَأْ ُ ُونَهَا وكَانَ اللَّل ُ عَزيلزًا حَكِيمًلا (91) (وعَلد ُمُ‬



                                                           ‫701‬
  ‫ك‬           ‫الن‬         ‫َ َلف‬        ‫خذ َع َّ ك ه‬                                    ‫هَ‬
‫اللَّ ُ مغَانمَ كَِثريَةً تَأْ ُ ُونَهَا ف َجلَ لَ ُمْ َلذِهِ وك َّ أَيْلدِيَ َّلاس عَلنْ ُمْ‬
                                       ‫ك ِ م‬                          ‫مْ‬                ‫ك‬
            ‫وَلِتَ ُونَ آَيَةً لِلْ ُؤمِننيَ وَيَهْدِيَ ُمْ صرَاطًا ُسَْتقِيمًا), الفتح: (91-52)‬
‫وهنا مينت اهلل (تعاىل) على ععباده باملغامن الكلثرية الليت يأخلذوهنا, فلالكثرة هنلا‬
                                ‫كثرة حممودة؛ ألهنا يف مقا االمتنان من اهلل (تعاىل).‬
                        ‫ضرب اهلل (تعاىل) األمثال للناس يهتدي هبا كثري ويَضِل هبا كثري‬
‫مضت سنة اهلل تعاىل يف خلقه أن يقيم عليهم احلجة, ويعلمهلم العبينلة؛ للئال‬
‫يكون للناس على اهلل حجة بعد الرسلل, وملن ذللك أن ضلرب هللم يف‬
             ‫ن ل‬
‫كتابه األمثال ُضِل هبا كثريا ويهدي هبا كلثريا, قلال تعلاىل:( إ َّ الَّلهَ لَلا‬          ‫ي‬
         ‫م‬               ‫َ‬          ‫ْ َم ال‬                        ‫ع‬
‫يَسَْتحْيي أَنْ َيضْربَ مَثَلًا مَا َب ُوضَةً فَمَا فَوقَهَا فَأ َّلا َّلذِينَ آمَنُلوا فََيعْلَ ُلونَ‬
                     ‫ل ه‬                          ‫َنه َق ِ َب ََم الذ َ َر ق ل‬
‫أَّ ُ اْلح ُّ منْ رِّهمْ وأ َّا َّ ِينَ كف ُوا فََي ُوُلونَ مَلاذَا أَرَادَ الَّل ُ بهَلذَا مَثَلًلا‬
                                       ‫ِِ‬     ‫َ ِل ل‬                                               ‫ِل‬
             ‫ُيض ُّ بهِ كَِثريًا وَيَهْدِي بهِ كَِثريًا ومَا ُيض ُّ بهِ إَّا اْلفَاسقنيَ ), العبقرة:(92).‬
‫وقد يتسائل سائل كيف يضل به كثريا ويهدي به كثريا, فلاملتوقع أن يكلون بعلض‬
‫الفريقني كثريا واآلخر قليال،وبالنظر يظهر أن هلذا فيله بيلان قيملة املهتلدين وإن‬
                 ‫ه‬
‫كانوا يف أعني الناس قلة, فهم يف الواقع ونفس األمر كثرة,( فَلَلا تَنَلافِيَ بَيْنَ ُمَلا لِلأَنَّ‬
                    ‫ص‬             ‫ري‬                ‫ف‬                 ‫م د‬             ‫ي‬          ‫ْ‬       ‫و‬
‫الْكَْثرَةَ َاْلقِلَّةَ َأمرَانِ نسْعبَّانِ، فَالْ ُهْتَ ُونَ فِلي أَْن ُسِلهمْ كَلِث ٌ، وَإذَا وُ ِلفُوا باْلقِلَّلةِ‬
          ‫ل ة الن‬                    ‫َ‬                  ‫ة ن‬             ‫كن‬                ‫الضل‬                  ‫الن‬
‫فَعب ِّسْعبَةِ إلَى َأهْل ََّال، أَوْ تَ ُو ُ الْكَْثرَ ُ بالِّسْلعبَةِ إلَلى اْلحقِيقَلةِ، وَاْلقَِّل ُ ب ِّسْلعبَةِ‬
                                  ‫الش ِر‬                   ‫َق‬                ‫َ‬             ‫سم‬             ‫ْ‬
                                 ‫إلَى الْأَشخَاص، فَ ُ ُّوا كَِثريًا ذهَابًا إلَى اْلح ِيقَةِ، كَمَا قَالَ َّاع ُ:‬

             ‫إنَّ الْك َا َ كَِث ٌ فِي الْعبلَادِ َإنْ ... قُّوا كَمَا غَْير ُمْ قُّوا وَإنْ كَُث ُوا)(1)‬
                   ‫ر‬              ‫ُه َل‬                 ‫َل‬         ‫و‬                ‫ِر ري‬




                                                 ‫املبحث الثالث‬
                       ‫الكثرة املذمومة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬


‫1 - العبحر احمليط يف التفسري: (1/ 252) وانظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (1/ 811).‬


                                                        ‫801‬
    ‫وإذا تتعبعنا الكثرة املذمومة يف القرآن الكر , وجدناها تدور حول بعض املعاين اليت‬
                                 ‫ميكن أن نردها إىل أصول جامعة على النحو التا :‬
                                                                     ‫1- وصف أكثر الناس‬
                                                             ‫2- وصف أكثر أهل الكتاب‬
                                                   ‫3- صلة اجلن باإلنس يف ضوء الكثرة‬
                                                  ‫0- وصف الكثرة ملفردات من األشياء‬
                                                                               ‫وصف أكثر الناس‬
‫خلق اهلل (تعاىل) اخللق وهو هبم أعلم, وبطعبلائعهم أخلرب,وهلجلات صلدورهم‬
‫أبصر, (أال يعلم من خلق وهلو اللطيلف اخللعبري), املللك:41, ووصلفهم اهلل‬
‫تعاىل وصفا ال يستطيعه غريه, وال يقدر على القطلع بله سلواه؛ ألنله األعللم‬
‫بطوايا النفوس, وخعبايلا الصلدور, وخفايلا السلرائر, ووردت آيلات القلرآن‬
‫الكر تؤكد هذا الوصف يف مواطن متعلددة, ذللك الوصلف اللذي يؤكلده‬
‫الواقع, وتدعمه جتارب احلياة, وميكن أن نتنابع وصنف القنرآن للكثنرة منن‬
                                                               ‫الناس من خالل هذه الصفات:‬
                                                        ‫كثري من الناس عن آيات اهلل غافلون‬
                   ‫م‬
‫بث اهلل (تعاىل) يف اخللق آيات وعِعبَرا, ويف الكون عظلات و ُلُثال, والسلعيد‬
                                         ‫يلد‬
‫من اعترب والشقي من تعداها ومل َّكر, وقلد مضلى حكلم اهلل (تعلاىل)‬
  ‫ْ‬
‫وسنته يف خلقه بأن كثريا منهم عن آيات اهلل غافلون, قلال تعلاىل: (فَلالْيَو َ‬
               ‫ع‬     ‫م الن‬            ‫ِن‬
‫ُن ِّيكَ بعبَدَنكَ لِتَ ُونَ لِمنْ خَ ْلفَكَ آَيَةً وَإ َّ كَثِريًا ِننَ َّناسِ َننْ آَيَاتِنَنا‬
                                                                ‫ك َ‬                        ‫نَج‬
                                                                                  ‫غ ل‬
                                                                  ‫َل َافِ ُونَ, يونس: (22).‬
‫وقد وردت هذه اآلية الكرمية يف بيان هالك فرعلون اللذي ذكلر بوصلفه‬
‫دون امسه, حىت ميضي وصفه على كل (فرعون) ملا بقيلت احليلاة, وتللك‬
‫بعض مالمح السننية يف القرآن الكر , فهلي ال حتلدد االسلم, وال الزملان,‬
‫وال املكان؛ حىت يفيلد النلاس ملن الوصلف, وال يتوقفلوا عنلد االسلم‬

                                                  ‫901‬
‫والرسم, ولكن أكثر الناس غافلون عن هذه العرب, وتلك الفوائلد الليت تعبقلى‬
‫ما بقي اإلنسان, وتتعاقب ما تعاقب الليلل والنلهار, ومعلىن (غلافلون) أي‬
‫:(ساهون، ال يتفكرون فيهلا وال يعتلربون هبلا.)(1) , أو (معْر ُلونَ عَلنْ‬
              ‫ُ ض‬
                                                                     ‫تَأ ُّل آيَاتِنَا وَالتف ُّر فيها)(2)‬
                                                                                   ‫َّ َك‬             ‫َم‬
 ‫(وقرئ: ملن خلقك، بالقاف: أي لتكلون خلالقلك آيلة كسلائر آياتله.‬
‫وجيوز أن يراد: ليكون طرحك على السلاحل وحلدك ومتييلزك ملن بلني‬
 ‫ن‬
‫املغرقني- لئال يشتعبه على الناس أمرك، ولئال يقوللوا- الدعائلك العظملة إ ّ‬
‫مثله ال يغرق وال ميوت- آية من آيلات اهلل الليت ال يقلدر عليهلا غلريه،‬
                               ‫وليعلموا أ َّ ذلك تعمد منه إلماطة الشعبهة يف أمرك.)(3)‬    ‫ن‬
‫(وقرأ أ بن كعب «نن ّيك» باحلا املشددة ملن التنحيلة، وهلي قلرا ة‬       ‫ح‬
                                              ‫حممد بن السميفع اليماين ويزيد الربيدي)(4)‬
‫(واإلخعبار هبذا األخذ الذي وقع يف قعلر العبحلر ملن أعلال النعبلوة؛ إذ ال‬
‫ميكن أن خيرب هبا إال عَال الغيوب الذي ال خيفى عليه شلي ، وال خيللو منله‬   ‫َّ‬
                                                                                           ‫مكان.)(5)‬
  ‫وكثرة التأكيدات الواردة يف اآلية الكرمية ملن إن, وامسيلة اجلمللة,واللال‬
 ‫ض‬
‫يظهر مدى غفلة الناس عن العربة, على الرغم من ظهورهلا, وفيله (َتعْلري ٌ‬
     ‫نه‬                ‫ِدة َ ِ ُلو الت‬                                        ‫ََك ه الت ْ‬
‫بهمْ ,وأ َّدَ ُ هَذَا َّأكِيدَ لِمَا َتقَْتضِيهِ ش َّ ُ اْلغفْلَةِ منْ ق َّةِ َّنْعبيلهِ، أَيْ إَّ ُلمْ‬
        ‫ئ‬                            ‫َّر‬                   ‫ِد ظه‬                          ‫د َ‬
‫لَشَدِي ُو اْلغفْلَةِ عَنْهَا عَلَى ش َّةِ ُ ُورهَا فَلَا يََتفَك ُونَ فِلي أَسْلعبَابهَا وَنَتَاِجهَلا‬
               ‫ُ ض‬                  ‫ُلر‬               ‫ون‬                ‫ر‬
‫وَحِكَم اهللِ فِيهَا، وَلَا َيعْتَعب ُونَ بهَا، َإَّمَلا يَم ُّونَ عَلَيْهَلا معْر ِلنيَ كَمَلا‬



                                                               ‫1 - جامع العبيان: (51/ 891).‬
                                                                ‫2 - تفسري القرطيب:(8/ 183).‬
                                        ‫3 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (2/ 993).‬
                                ‫4 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (3/ 241).‬
                                                   ‫5 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 994).‬
                                                        ‫011‬
                  ‫َ َ َّ َك‬             ‫ع َ َ َ‬                                          ‫ُر‬
‫يَم ُّونَ عَلَى مَسَارح الْأَْن َا ، وفِيهِ ذ ٌّ لِ ْلغفْلَلةِ، وعَلد التف ُّلر فِلي أَسْلعبَاب‬
              ‫اْلحَ َادِ ِ وعَ َاقِعبهَا وَاسْتِبَاَنةِ ُننِ اهللِ فِيهَا، لِ ِاعْتِبَارِ وَالِاتعَاظِ بِهَا.)(1)‬
                              ‫ِّ‬                ‫ل‬                    ‫سَ‬                        ‫َو‬         ‫و‬
                                                                                     ‫أكثر الناس ال يشكرون‬
‫نعم اإلله على الععباد كثرية, ومننه عللى خلقله ال حتلد وال تعلد وملع ذللك‬
‫أكثرهم ال يشكرون, مضت بذلك سنة اهلل (تعاىل), فاهلل تعلاىل ذو فضلل عللى‬
‫الناس, ولكن أكثرهم ال يشكرون, وقلد بلذل إبلليس يف ذللك, واجتهلد أن‬
‫يكون أكثر الناس ال يشكرون, ووردت اآليلات القرآنيلة الكرميلة داللة عللى‬
                ‫َ‬           ‫ال‬
‫ذلك, وأيده واقع الناس وحياهتم, قال (تعاىل): (أَلَمْ َترَ إلَى َّلذِينَ خرَجُلوا مِلنْ‬
  ‫ذ‬       ‫ه ن ل‬                  ‫َق هم ه م ُلم‬                                      ‫َه أل ف‬
‫دِيَارهِمْ و ُمْ ُُو ٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ف َالَ لَ ُ ُ اللَّ ُ ُوتُوا ث َّ أَحْيَلا ُمْ إ َّ الَّلهَ لَل ُو‬
                               ‫كر‬         ‫الن ل‬            ‫ِن‬
‫فضلٍ عَلَى الَّاس وَلَك َّ أَكْثَرَ َّاسِ َا يَشْن ُ ُونَ), العبقلرة: (342),وقلال علز‬
                                                                      ‫ن‬            ‫َ ْ‬
‫ث م‬                  ‫م‬                   ‫َ ْع َن ه‬                                ‫ق‬
‫من قائل: (... َالَ فَعبمَا َأغْوَيْتَني لَأق ُلد َّ لَ ُلمْ صِلرَاطَكَ الْ ُسْلَتقِيمَ (91) ُل َّ‬
          ‫ل‬
‫َلآَتِيَّ ُمْ منْ بَيْن أَيْدِيهمْ ومنْ خَ ْلفِهمْ وعنْ أَيْمَلانهمْ وعَلنْ شَلمَائِلِهمْ وََنا تَجِندُ‬
                                 ‫َ‬                ‫ََ‬              ‫َِ‬                    ‫َنه ِ‬
                                                                                                  ‫َه ش‬
                                                                                     ‫أَكْثَر ُمْ َاكِرِينَ (71)‬
 ‫ذ‬        ‫ن ل‬                       ‫ْ‬         ‫ك‬                      ‫ر‬           ‫َ َن الذ‬
‫وقال تعاىل: (ومَا ظ ُّ َّ ِينَ َيفَْت ُونَ عَلَى اللَّهِ الْ َلذِبَ يَلو َ اْلقِيَامَلةِ إ َّ الَّلهَ لَل ُو‬
                                            ‫ِن َه ل كر‬
‫فضلٍ عَلَى الَّاس وَلَك َّ أَكْثَر ُمْ َا يَشْ ُ ُونَ (59), وقال تعلاىل: (وَإ َّ رَّلكَ لَل ُو‬
 ‫ذ‬        ‫ن َب‬                                                                 ‫ن‬            ‫َ ْ‬
                                           ‫ِن َه ل كر‬
‫فضلٍ عَلَى الَّاس وَلَك َّ أَكْثَر ُمْ َا يَشْ ُ ُونَ (37), وقلال تعلاىل:(أَلَلمْ تَلرَ إلَلى‬
                                                                              ‫ن‬            ‫َ ْ‬
‫ث م‬         ‫ه م ل هم‬              ‫َق‬                    ‫َه أل ف‬                  ‫الذ َ ج ِ‬
‫َّ ِينَ خرَ ُوا منْ دِيَارهِمْ و ُمْ ُُو ٌ حَذَرَ الْمَلوْتِ ف َلالَ لَ ُل ُ الَّل ُ ُوتُلوا ُل َّ‬
                          ‫كر‬              ‫الن‬         ‫ِن‬
                ‫أَحَْا ُمْ إنَّ اللَّهَ لَذُو فضلٍ عَلَى الَّاس وَلَك َّ أَكْثَرَ َّاسِ لَا يَشْ ُ ُونَ (342).‬
                                                                 ‫ن‬            ‫َ ْ‬                     ‫يه‬
          ‫ُلن‬                                            ‫ِ‬           ‫َ ي م‬               ‫ِ ْره َن‬
‫( أَخَْعبرَ َتعَالَى ذك ُ ُ أ َّ َأكَْثرَ منْ ُْنعِ ُ عَلَيْهِ منْ عِعبَلادِهِ بنعَمِلهِ اْلجَلِيلَلةِ وَيَم ُّ عَلَيْلهِ‬
               ‫َّ ذ‬                                   ‫ف َّ و َّ‬                            ‫ْ ُر‬
‫بمِنَنهِ اْلجَسِيمَةِ، يَكف ُ بهِ، وََيصْر ُ الرغْعبَةَ َالرهْعبَةَ إلَلى غَيْلرهِ، وَيَتخِل ُ إلَهًلا مِلنْ‬
        ‫ه َ‬                         ‫الش‬                    ‫ت ب َُْ‬                                ‫ه‬
 ‫ُونهِ، كفرَانًا مِنْ ُ لِنعَمِهِ الَّتِي ُوج ُ أَصغرهَا عَلَيْهِ مِلنَ ُّلكْر مَلا َيفْدَحُل ُ ومَلن‬     ‫ُْ‬            ‫د‬
          ‫ََ‬                                                      ‫ُر‬                                ‫ي له‬
‫اْلحَمْدِ مَا ُْثقُِ ُ، وهم مع هذا لَا يَشْك ُونَ نعْمَتِلي الَّتِلي أَْنعَمْتُهَلا عَلَليْهمْ وفضْللِي‬




                                                                             ‫1 - تفسري املنار: (11/ 593).‬
                                                           ‫111‬
              ‫ص ْ َ ه َ ه‬                                                                           ‫َض ْت‬
‫َّذِي َتف َّل ُ بهِ عَلَيْهمْ، بعِعبَادَتِهمْ غَيْري، وَ َلرفِهمْ رغْعبَلتَ ُمْ وَرهْعبَلتَ ُمْ إلَلى مَلنْ‬       ‫ال‬
         ‫ُوني، مِمنْ لَا يَمْلِ ُ لَ ُمْ ض ًّا وَلَا َنفعًا، وَلَا يَمْلِ ُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا ُ ُورًا)(1)‬
                  ‫نش‬                             ‫ك‬                  ‫ْ‬          ‫ك ه َر‬                     ‫َّ‬      ‫د‬
‫ويف ذلك (تنعبيه على فضل اهلل على هلؤال القلو اللذين تفضلل علليهم بلالنعم‬
                                         ‫ل‬
‫وأمرهم باجلهاد، وأمرهم بأن ال جيعلوا احلول والقوة إّلا لله، حسلعبما أملر مجيلع‬
‫العامل بذلك، فلم يشكروا نعمته يف مجيلع هلذا، بلل اسلتعبدوا وظنلوا أن حلوهلم‬
‫وسعيهم ينجيهم. وهذه اآلية حتذير لسائر الناس من مثلل هلذا الفعلل، أي فيجلب‬
‫أن يشكر الناس فضل اهلل يف إجياده هلم ورزقه إيلاهم وهدايتله بلاألوامر والنلواهي،‬
‫فيكون منهم اجلري إىل امتثاهلا ال طلب اخللروج عنلها، وختصيصله تعلاىل األكثلر‬
                                                                                ‫داللة على األقل الشاكر.)(2)‬
           ‫ِّ م‬                ‫ُق‬        ‫ل قم‬
‫(وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا يَشْك ُونَ) أَيْ: َنا َي ُو ُنونَ بِح ُنوقِ هَنذِهِ النعْ َنةِ، وَلَنا‬
                                                               ‫ُر‬            ‫ن‬             ‫ِن‬
                         ‫َ‬          ‫الن‬         ‫َن‬                  ‫سَّ‬             ‫َ د ِ ي‬
‫يَسْتفِي ُونَ منْ بََانِ هَذِهِ ال ْنةِ; أَيْ هَذَا شأْ ُ أَكْثَرِ َّناسِ فِني غفْلَنتِهِمْ وَجَهْلِهِنمْ‬
                                                                                             ‫َ َب‬
‫بِحِكْمةِ رِّهِمْ، فَلَا تَ ُوُوا كَذَلِكَ أُّهَا الْ ُؤمُِونَ، بَلل اعْتَعبلرُوا بمَلا نَلزلَ عَلَليْ ُمْ‬
  ‫ك‬           ‫َ‬                                ‫َي م ْ ن‬                    ‫كن‬
                           ‫ل ك‬           ‫َت ِم‬                     ‫د ِ ُل و‬                            ‫َدب‬
‫وَتَأ َُّوا بهِ لِتَسَْتفِي ُوا منْ ك ِّ حَ َادِ ِ الْكَوْنِ، حَّى م َّا يَنْلز ُ ب ُلمْ مِلنَ الْعبَلَلا ِ إذَا‬
‫وقَعَ مِنْ ُمْ َتفْري ٌ فِي َبعْض ُُّونِ)(3)،واطلراد السلنة هنلا واضلح ملن تأكيلد‬
                                                                     ‫الشئ‬            ‫ط‬             ‫َ ك‬
                                        ‫القرآن الكر وتععبريه, وواقع الناس يؤكد ذلك واطراده.‬
                                                                                      ‫أكثر الناس ال يعلمون‬
‫ومن وصف القرآن الكر للنلاس وأكثلرهم, أهنلم ال يعلملون, ورد ذللك يف‬
‫آيات متعددة, وقد ورد نفي العللم علن أكثلر النلاس يف مقاملات متعلدد,‬
                     ‫ومواطن شىت, ومن خالل تتعبع اآليات الكرمية ندرك اآليت:‬
‫نفي العلم عن أكثر الناس أن الدين هو: ال اءة منن عبنادة منا سنوى اهلل –‬
    ‫عب د‬
‫تعاىل-, وإخالص التوحيد له عز وجل هو الدين القيم, قال تعلاىل:(مَلا َتعُْل ُونَ‬
         ‫س ْ‬              ‫َ ل ه‬                ‫ت َ ُك‬                ‫َم تم‬                         ‫ِ د‬
‫منْ ُونهِ إلَّا أَسْمَا ً س َّيُْ ُوهَا أَنُْمْ وآَبَاؤ ُمْ مَا أَْنزلَ الَّل ُ بهَلا مِلنْ ُللطَانٍ إنِ‬


                                              ‫1 - جامع العبيان:(4/ 924), بتصرف يسري.‬
                                       ‫2 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (1/ 823).‬
                                                                     ‫3 - تفسري املنار: (2/ 493).‬
                                                       ‫211‬
        ‫الن‬          ‫الد ن َليم ِلن‬                  ‫يه‬             ‫عبد‬              ‫َ‬                 ‫ح م‬
‫اْل ُكْ ُ إلَّا لِلَّهِ َأمرَ أَلَّا َتعُْ ُوا إلَّا إَّا ُ ذَلِكَ ِّي ُ اْلق ِّ ُ وَلَك َّ َأكْثَلرَ َّلاس لَلا‬
                                                                      ‫َيعْلَ ُونَ),يوسف: (54)‬              ‫م‬
‫واملعىن: ( ولكن أهل الشرك باهلل جيهلون أن الدين القيم هلو اللربا ة مملا سلوى‬
                                                   ‫اهلل-تعاىل-، فال يعلمون حقيقته.)(1)‬
‫وورد نفي العلم عن أكثر الناس يف بينان مقنام العلنم بأوليناء اهلل تعناىل, يف‬
‫قوله: (وَل َّا دَخَُوا منْ حَْي ُ َأمر ُمْ أَُو ُمْ مَا كَانَ ُيغْنلي عَلنْ ُمْ مِلنَ الَّلهِ مِلنْ‬
         ‫ل‬            ‫ه‬                           ‫َم ل ِ ث َ َه ب ه‬
          ‫َل ه ِلن‬                                 ‫ْق َض و نه‬
‫شَيْ ٍ إلَّا حَاجَةً فِي َنفْس َيع ُوبَ ق َاهَا َإَّ ُ لَذُو عِلْمٍ لِمَلا عَّمْنَلا ُ وَلَك َّ َأكْثَلرَ‬
                      ‫م م ك‬                                    ‫ن عب‬                     ‫م‬
‫الَّاس لَا َيعْلَ ُونَ (89), قال اْب ُ عََّلاسٍ: (لَلا َيعْلَل ُ الْ ُشْلر ُونَ ملا أهللم اهلل‬         ‫ن‬
                                                                                         ‫أوليا ه.)(2)‬
‫وورد نفي العلم عنهم يف مقام بيان معرفتهم بأن وعند اهلل حنق, قنال تعناىل:‬
‫(وَأقْسَ ُوا باللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانهمْ لَا يَْعبع ُ اللَّ ُ منْ يَ ُلو ُ بَلَلى وعْلدًا عَلَيْلهِ ح ًّلا‬
  ‫َق‬                   ‫َ‬        ‫َث ه َ م ت‬                                                      ‫َ م‬
                                                    ‫م‬         ‫ن‬            ‫ِن‬
‫وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا َيعْلَ ُونَ (83), أي: (ولكن أكثر قلريش ال يعلملون وعلد‬
                       ‫اهلل ععباده، أنه باعثهم يو القيامة بعد مماهتم أحيا .)(3)‬
‫ونفى علمهم مبعرفة البعث فقال تعاىل: (وَلك َّ َأكْثَلرَ َّلاس لَلا َيعْلَ ُلونَ), أي:‬
          ‫م‬                ‫الن‬          ‫ِلن‬
                                                                                             ‫أَّ ُمْ مَْعب ُوُونَ.(4)‬
                                                                                                    ‫َنه ع ث‬
‫ونفى اهلل تعاىل عدم علم أكثر الناس بأن اهلل قنادر علنى أن يننزل آينة, وال‬
‫يعلمون ما يترتب على نزول اآلية ورفضهم هللا ملن وجلوب حللول العلذاب‬
      ‫ة‬                   ‫ن ِّ‬            ‫َ ل‬
‫كما مضت بذلك سنة اهلل (تعاىل) يف خلقه, (وقَاُوا لَوْلَلا ُلزلَ عَلَيْلهِ آَيَل ٌ مِلنْ‬
                               ‫م‬          ‫ِن َه‬                       ‫ين ِّ‬          ‫ر‬                      ‫َب ُ‬
                 ‫رِّهِ قلْ إنَّ اللَّهَ قَادِ ٌ عَلَى أَنْ َُزلَ آَيَةً وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ), (73)‬
                       ‫ال م‬                                                         ‫م‬               ‫ِن َه‬
    ‫(وَلك َّ َأكَْثر ُمْ الَ َيعْلَ ُونَ بأن اهلل قادر على أن ينزهلا. ويقال: َّ َيعْلَ ُونَ مبا يف نزول‬
                          ‫اآلية ألنه لو نزلت اآلية عليهم فلم يؤمنون به استوجعبوا العذاب.)(1)‬


                                                                        ‫1 - جامع العبيان: (91/ 951).‬
                                                                         ‫2 - تفسري العبغوي: (2/ 355).‬
                                                                         ‫3 - جامع العبيان: (71/ 352).‬
                                                                        ‫4 - تفسري القرطيب: (51/ 551).‬
                                                        ‫311‬
‫وهؤال الطالعبون آلية من اهلل تعاىل ال يعلمون أن اآليلات جتلري عللى سننن ثابتنة‬
‫وقوانني هلل عز وجل يف عباده, فال تنزل تلعبيلة لطللب امللدعوين, وإال للو نزللت‬
‫وكذبوا هبا لكان يف ذلك هالكهم؛ لكثرة تكذيعبهم, وخلالفت تللك اآليلة سلنة اهلل‬
‫تعاىل يف استئصال املكذبني, ورسالة النيب - صلى اهلل عليه وسللم- يف األملة عاملة‬
‫ال يرد عليها سنة االستئصال فيكون يف ذللك تعلارض لسلنن اهلل تعلاىل وهلذا ال‬
‫يكون, فهم قالوا: (هَلَّا ُنْزلَ عَلَيْهِ - أَي َّ ُلول - آيَل ٌ مِلنْ رِّلهِ مِلنَ الْآيَناتِ‬
                    ‫َب‬        ‫ة‬           ‫الرس‬                     ‫أ‬
                                                                   ‫ْ ِ ِم‬                      ‫م َ سِ‬
‫الْ ُخَاِلفةِ لِ ُنَنهِ َتعَالَى فِي خَلقهِ، م َّا اقَْترَحْنَا عَلَيْلهِ، وَجعَلْنَلا ُ شَلرْطًا لِإميَاننَلا بلهِ؟‬
                            ‫ه‬         ‫َ‬
                                                       ‫مي و‬                ‫َق ِن م َه ة َة‬
‫وِيلَ: إ َّ ُرَاد ُمْ آَي ٌ مُلْجِئ ٌ إِلَى اْلذِ َانِ، َالْإْلجَا ُ اضطرَا ٌ لَلا اخْتِيَلا ٌ، فَلَلا يُو َّلهُ‬
   ‫َج‬             ‫ر‬                ‫ِْ ر‬
‫ن‬                   ‫ِّ‬                 ‫ر‬                ‫ن‬       ‫ََ ق‬                 ‫َد‬           ‫الطَب‬
‫إلَيْهِ َّل ُ وَلَا ُيعْت ُّ بهِ إنْ حصلَ (ُللْ إ َّ اهللَ قَلادِ ٌ عَلَلى أَنْ يُنَلزلَ آيَلةً وَلَكِل َّ‬
    ‫ِم‬                           ‫ر‬                   ‫ُ َي لرس ل ن‬                         ‫م‬              ‫َه‬
‫َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ) أَيْ: قلْ أُّهَا ا َّ ُو ُ: إ َّ اهللَ َتعَالَى قَادِ ٌ عَلَلى تَنْزيلل آيَلةٍ م َّلا‬
  ‫ْ ته‬           ‫َّ‬            ‫ل‬                ‫ت ه‬           ‫ض‬
‫اقَْترَ ُوا، َإَّمَا ُن ُِّهَا إِذَا اقْتَ َنتْ حِكْمَُن ُ تَنْزِيلَهَنا، َنا إِذَا َتعَلقَنتْ شَنهوَُ ُمْ‬
                                                                               ‫ح و ن يَزل‬
        ‫ك‬                                                                ‫ه ن‬                    ‫الرس‬        ‫َ‬
‫بِتعْجِيزِ َّ ُولِ بِطَلَبِ َا، فَإ َّ إجَابَةَ الْمعَان ِينَ إلَى الْآيَاتِ الْمقَْترَحَلةِ لَنمْ يَ ُننْ فِني‬
                              ‫ُ‬                      ‫ُ د‬
                ‫ْ ب‬                            ‫َ ُنُه‬                              ‫ب‬         ‫ُم ِ ُ‬
‫أ َّة منَ اْلأمَمِ سَبًَا لِلْهِدَاَيةِ، وَقَدْ مَضتْ سَّت ُ َتعَنالَى فِني الْنأَقوَامِ، ِنأَنْ ُيعَاقِنبَ‬
                                                         ‫ذ ل ص‬                            ‫رُ‬          ‫ُ َج‬
‫الْمع ِّزِينَ لِل ْسلِ بِذَِلكَ ِبعَ َابِ اِاسْتِئْ َالِ، فَتَنْزي ُ آيَةٍ مقَْترَحَلةٍ لَلا يَ ُلو ُ خَيْلرًا‬
         ‫ك ن‬                      ‫ل ُ‬
                                                     ‫م‬           ‫ِن َه‬                 ‫ه َر ه‬
‫لَ ُمْ، َبلْ ُوَ ش ٌّ لَ ُمْ، وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ شَليْئًا مِلنْ حِكَلم اهللِ َتعَلالَى فِلي‬     ‫ه‬
                             ‫ِ‬                        ‫َن أ ْ‬                               ‫ِ س‬
‫َأفعَالِهِ، وَلَا منْ ُنَنهِ فِي خَ ْلقِهِ، وَلَا أَّكَ ُرْسِلتَ رَحْمَلةً لِ ْلعَلالَمنيَ، فَلَلا يَلأْتِي عَلَلى‬‫ْ‬
                                                       ‫ُ د‬                       ‫ب ص ُم‬
‫يَدَيْكَ سَعبَ ُ اسْتِْئ َال أ َّتِكَ بإجَابَةِ الْمعَان ِينَ مِنْهَا إلَى مَلا اقَْترَحُلوا عَلَيْلكَ لِإظْهَلار‬
                                          ‫ي َد‬                             ‫َن‬              ‫م‬
‫عجْزكَ، وَلَا َيعْلَ ُونَ أَْيضًا أ َّ إجَابَةَ اقِْترَاحٍ وَاحِدٍ ُلؤ ِّي إلَلى اقِْترَاحَلاتٍ كَلِثريَةٍ لَلا‬   ‫َ‬
                                                                           ‫ح َّ لَهَا، وَلَا فَائِدَةَ مِنْهَا.)(2)‬
                                                                                                               ‫َد‬
‫كما أهنم ال يقدرون املعجزة الكربى وهلي القلرآن الكلر وحصلروا أنفسلهم يف‬
‫املعجزات احلسية اليت تنتهي بانتها زماهنلا, ومل يلدروا أن القلرآن جتلاوز الزملان‬
‫واملكان, وحاجات العبشر, ففيه لكل زمان ملا يعجلز أهلله ويرشلدهم إىل صلدق‬
                                                                                                            ‫قائله.‬

                                 ‫1 - حبر العلو : (1/ 944), وانظر: النكت والعيون: (2/ 511).‬
                                                                            ‫- تفسري املنار: (7/ 323).‬         ‫2‬


                                                       ‫411‬
                   ‫ومما نفى اهلل تعاىل علم أكثر الناس به: علمهم بأن العطاء واملنع من اهلل‬
‫تعاىل, قال سبحانه: (فَإذَا جَا َتْ ُ ُ اْلحَسَنَ ُ قَاُوا لَنَا َلذِهِ وَإنْ ُتصِلعبْ ُمْ س ِّئَ ٌ َيطَّل ُوا‬
  ‫ه َلي ة َّي ر‬                             ‫ه‬         ‫ة ل‬              ‫هم‬
                ‫م‬               ‫ِن ث َه‬                             ‫ُه‬          ‫ََ َ ه ن‬                 ‫م‬
‫ب ُوسَى ومنْ معَ ُ أَلَا إَّمَا طَاِئر ُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَك َّ َأكَْلر ُمْ لَلا َيعْلَ ُلونَ), األعلراف:‬
                                                                                                    ‫(131).‬
‫فهم ال يعلمون أن العطا واملنع من اهلل, وأن تطريهلم غلري ملعب عللى وعلي وال‬
‫بصرية؛ ألن مقاليد األمور كلها بيد امللك , لكنلهم ال يلرون ذللك وال يلحظلون‬
‫أنه فضل اهلل يؤتيه من يشا , فالشكور يلرد النعملة إىل مصلدرها, ويسلند الفضلل‬
‫إىل صاحب الفضل,و( الكفلور ال يلرى فضلل امللنعم فليالحظ اإلحسلان بعلني‬
            ‫ن‬                          ‫ن‬
          ‫االستحقاق، مث إذا اتصل به شى مما يكرهه جتّي ومحل األمر على ما يتمّي:‬
                                          ‫ل‬
                 ‫وكذا امللول إذا أراد قطيعة ... م ّ الوصال وقال كان وكانا‬
                                                    ‫د‬
                    ‫إن الكر إذا حعباك بو ّه ... ستر القعبيح وأظهر اإلحسانا‬
‫املتفرد باإلجياد هو الواحد, ولكن بصائرهم مسدودة، وعقلوهلم علن شلهود‬
                    ‫احلقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك املعاين مردودة)(1)‬
‫نفي علم أكثر الناس بأن وعد اهلل حق, وأن كنل منا يف السنماوات واألرُ‬
                                                                                                   ‫هلل.‬
‫وورد نفي علم أكثر النلاس بلأن وعلد اهلل حلق, وأن ملا يف السلماوات‬
     ‫ن َ‬                               ‫الس‬                ‫ن‬
‫واألرض يف قوله تعاىل: (أَلَا إ َّ لِلَّهِ مَا فِي َّمَاوَاتِ وَالْلأَرْض أَلَلا إ َّ وعْلدَ‬
                                ‫ن‬                          ‫م‬            ‫َق ِن َه‬
‫اللَّهِ ح ٌّ وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ), (55). أي:( ّ كلل ملا يف السلموات‬
             ‫وكل ما يف األرض من شي ، هلل مِلْك، ال شي فيه ألحدٍ سواه. )(2)‬
‫فالوجود كله يف يديه, واخلري كله منه وإليه, و (احلادثلات بأسلرها هلل ملكلا، وبله‬
                                                  ‫ق‬
‫ظهورا، ومنه ابتدا ، وإليه انتها فقوله ح ّ، ووعده صدق، وأملره حلتم، وقضلاؤه‬
                                                  ‫بات. وهو العل ّ، وعلى ما يشا قوى.)(3)‬
                                                                                     ‫ى‬


                                                                         ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 595).‬
                                                                      ‫2 - جامع العبيان: (51/ 351).‬
                                                                    ‫3 - لطائف اإلشارات:(2/ 151).‬
                                                    ‫511‬
                                                                         ‫نفي علم أكثر الناس مبا يصلح للناس‬
     ‫ونفى اهلل تعاىل علم أكثر الناس مبا فيه مصلحة األنا , وأن النسخ واإلحكا من لدن عال‬
      ‫الغيوب, وأنك يا رسول اهلل ال تأتيهم بشي من عند نفسك بل الذي ( الذي تأتيهم به‬
‫من عند اهلل ناسخه ومنسوخه، وهم ال يعلمون حقيقة صحته.)(1), قال تعاىل: (وَإذَا ب َّلْنَا‬
     ‫َد‬
                        ‫م‬           ‫ُه‬                   ‫ُ‬           ‫َالله م ين ِّل ل ن‬
          ‫آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ و َّ ُ َأعْلَ ُ بمَا َُز ُ قَاُوا إَّمَا أَْنتَ مفَْترٍ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ, النحل:‬
                                                                                                                    ‫(151)‬
‫(فيه وجهان: أحدمها: ال يعلمون جواز النسخ. الثاين: ال يعلمون سعبب ورود النسخ.)(2)‬
                                                                            ‫نفي علم أكثر الناس باحلق‬
‫كما نفى اهلل تعاىل علم أكثر الناس باحلق,ومعرفتهم بله, فلال يلدرون ملا‬
   ‫ت‬         ‫ق‬                  ‫د‬             ‫َّ ذ‬
‫يأخذون وما يدعون, فقال تعاىل:( َأ اتخَ ُوا مِلنْ ُونلهِ آَلِهَلةً ُللْ هَلاُوا‬
‫ق‬              ‫م‬              ‫ُه‬                         ‫ِ ْر َ َ َ ِ ْر َ‬              ‫ْ ك‬
‫ُبرهَانَ ُمْ هَذَا ذك ُ منْ معِيَ وذك ُ منْ قَعبْلِي َبلْ َأكْثَلر ُمْ لَلا َيعْلَ ُلونَ اْلحَل َّ‬
                                                                                    ‫ه ُ ض‬
                                                                     ‫فَ ُمْ معْر ُونَ), (42).‬
‫واملعىن: (بل أكثر هؤال املشركني ال يعلملون الصلواب فيملا يقوللون وال فيملا‬
‫يأتون ويذرون، فهم معرضون عن احلق جهلال منلهم بله، وقَّلة فهلم.)(3),أو(ال‬
                         ‫ل‬
                                                              ‫يصدقون بالقرآن، ويقال بالتوحيد.)(4)‬
 ‫وهؤال (إمنا عدموا العلم إلعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر موضعه لوجب هلم العلم‬
               ‫ال حمالة، واألمر يدل على وجوب النظر، وأ ّ العلو الدينية كّها كسعبية)(5)‬
                                 ‫ل‬                       ‫ن‬
                                                                         ‫أكثر الناس ال يعلمون قدر عظمة اهلل‬
‫الناظر يف ملك اهلل تعاىل يعبهره هذا العلم احملكلم وهلذا الترتيلب اللدقيق اللذي‬
‫يشمل كل شي من أصغر ذرة إىل أكرب جمرة,ومن عللم اإلنسلان إىل عللم احليلوان‬


                                                                                        ‫1 - جامع العبيان:71/ 792).‬
                                                                                   ‫2 - النكت والعيون: (3/ 412).‬
                                                                                    ‫3 - جامع العبيان: (81/ 724).‬
                                                                                       ‫4 - حبر العلو : (2/ 424).‬
                                                                                ‫5 - لطائف اإلشارات: (2/ 894).‬
                                                             ‫611‬
‫والنعبات واحلشرات, فكل حبسعبان, وكلل يلدل عللى عظملة خالقله, والنلاس يف‬
‫غفالهتم عن هذا اإلدراك سادرون, ويف غليهم يعمهلون, ولقلد ضلرب اهلل تعلاىل‬
‫مثاالً الفتاً ألنظار الناس واضحاً بيناً ال حيتاج إىل عمق يف العللم , وال مهلارة دقيقلة‬
‫يف اإلدراك بل يراه العامي والعامل, وكل يفهمه حسلب معطياتله وقدراتله, :( أ َّلنْ‬
      ‫َم‬
                             ‫َ‬                       ‫ََ‬                           ‫ََ‬          ‫َ‬
 ‫جعلَ الْأَرْضَ قرَارًا وَجعلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجعلَ لَهَلا رَوَاسِليَ وَجعَللَ بَلْينَ الَْعبحْلرَيْن‬  ‫ََ‬
                                                            ‫م‬               ‫ُه‬                    ‫ه‬
                                      ‫حَاجزًا أَئِلَ ٌ مَعَ اللَّهِ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ),النمل: (19).‬
‫ولكن أكثر الناس ال يعلمون ألهنلم ال يقفلون وال يفكلرون يف دالئلل قلدرة اهلل‬
               ‫ر‬
‫تعاىل, فهم (ال يعلمون قدر عظمة اهلل، وما علنيهم منن الضن ّ يف إشنراكهم يف‬
‫عبادة اهلل غريه، وما هلم منن النفلع يف إفلرادهم اهلل باأللوهيلة، وإخالصلهم لله‬
                                                             ‫الععبادة، وبرا هتم من ك ّ مععبود سواه.)(1)‬
                                                                              ‫ل‬
‫نفي اهلل (تعاىل) علم أكثر الناس بأن وعد اهلل حق, قلال تعلاىل: (فرددْنَلاهُ‬
        ‫َََ‬
  ‫َه‬         ‫َن َ ل َلق ِلن‬                                    ‫ْ‬            ‫َر ن‬                ‫ُم‬
‫إلَى أ ِّهِ كَيْ َتق َّ عَيُْهَا وَلَا َتحزَنَ وَلَِتعْلَمَ أ َّ وعْدَ الَّلهِ ح ٌّ وَلَك َّ َأكْثَلر ُمْ‬
‫لَا َيعْلَ ُونَ),القص :(31), أي: (ولكلن أكثلر املشلركني ال يعلملون أن‬                          ‫م‬
‫وعد اهلل ح ّ، ال يصدقون بأن ذلك كذلك.)(2), أو: (وَلك َّ َأكْثَلر ُمْ لَلا‬
       ‫َه‬         ‫ِلن‬                                                                  ‫ق‬
                                                ‫َيعْلَ ُونَ، أَنَّ اللَّهَ وعَدهَا ر َّ ُ إلَيْهَا.)(3)‬
                                                                 ‫َ َ َده‬                            ‫م‬
                 ‫وأم‬
   ‫نفى اهلل (تعاىل) عن أكثر الناس علمهم بأن اهلل هو الذي رمقهم َّنهم وجىب إليهم‬
                                                                                             ‫مثرات كل شيء.‬
‫كثريا ما يصد الناس عن اإلميان, ويلردهم علن الطاعلة خلوفهم عللى مصللحة‬
‫حاضرة خيشون فواهتا, أو طمعهم يف منفعة منتظرة يرجون نواهلا,انطعبلق ذللك عللى‬
‫قريش مع الرسول – صلى اهلل عليه وسلم- كما انطعبق عللى كلل األملم السلابقة‬
‫مبا يؤكد السننية يف تلك القضلية املطلردة, ولقلد أبطلل اهلل –تعلاىل – حجتلهم‬
‫ودحض مزاعمهم بصورة واقعية رائقة يفهمها كلل ذي عيلنني, ويعقللها كلل ذي‬


                                                                              ‫1 - جامع العبيان:(91/ 484).‬
                                                                              ‫2 - جامع العبيان:(91/ 535).‬
                                                                                  ‫3 - حبر العلو : (2/ 159).‬
                                                       ‫711‬
     ‫ه‬        ‫ن َك‬                     ‫ِ‬      ‫َت ه َ ن َ‬                             ‫ل‬
‫عقل, قال تعاىل:(وقَاُوا إنْ نَّعبع الْ ُدَى معَكَ َُتخطَّفْ منْ أَرْضِنَا أَوَلَلمْ ُم ِّلنْ لَ ُلمْ‬
         ‫م‬             ‫َه‬         ‫ْ ِ ُن ِلن‬                           ‫َ ت ُل‬                          ‫ََ َ‬
 ‫حرمًا آمِنًا ُيجْعبَى إلَيْهِ ثَمرَا ُ ك ِّ شَيْ ٍ رزقًا منْ لَدَّا وَلَك َّ َأكْثَلر ُمْ لَلا َيعْلَ ُلونَ),‬
                                                                                           ‫القص : (75).‬
          ‫َ ه‬                          ‫ََ‬        ‫م َن ْن الذ َّن ه‬
‫أي: (لَا َيعْلَ ُونَ أَّا َنح ُ َّ ِينَ مَكَّا لَ ُلمْ حرمًلا آمِنًلا، وَرَزقْنَلا ُمْ فِيلهِ،‬
                 ‫َ‬                      ‫ه‬                              ‫ِ ُل‬            ‫َ الث َ‬
‫وَجعَلْنَا َّمرَاتِ منْ ك ِّ أَرْضٍ ُتجْعبَى إلَيْهمْ، فَ ُمْ بجَهْلِهمْ بمَلنْ فعَللَ ذَلِلكَ‬
                                 ‫بهمْ يَكف ُونَ، لَا يَشْك ُونَ منْ أَْنعَمَ عَلَيْهمْ بذَلِكَ.)(1)‬
                                                                   ‫ُر َ‬                   ‫ْ ُر‬
‫ولقد قال اهلل (تعاىل) ذلك لقريش ردا عللى ختلوفهم ملن اإلميلان وأهنلم‬
‫خيشون إن هم اتعبعوا اهلدى أن يتخطفوا ملن أرضلهم, فلذكرهم اهلل تعلاىل‬
‫بأنه هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خلوف وجلص إلليهم مثلرات‬
‫كل شي , واملتأمل يف اآلية الكرمية يدرك أن امللراد بلالثمرات هنلا ليسلت‬
‫مثرات الفاكهة بل (مثرات كل شي ), أي : خالصلة كلل شلي , وأفضلل‬
‫ما فيه سوا كلان ذللك يف الطعلا أو الشلراب, أو الثيلاب, أو العقلول‬
‫العبشرية,أو اخلربات اإلنسانية, أو غريها من مثرة كلل شلي , واأليلا تزيلد‬
‫هذه النعبو ة القرآنية تأكيداً, فما زلنا نرى مثرات كلل شلي جتلص إىل هلذه‬
‫العبالد املعباركة, قدميا وحديثاً, ومع ذلك (هلم غلافلون علن االسلتدالل،‬
‫وأن من رزقهم وأمنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم للو أسللموا، ومينلع‬
                                                                ‫الكفار عنهم يف إسالمهم.)(2)‬
                             ‫نفي علم أكثر الناس بأن للذين هلموا عذابا دون ذلك‬
‫ونفى اهلل (تعاىل) عن أكثر الناس علمهم بأن للظاملني علذابا غلري علذاهبم يف‬
    ‫م‬           ‫ن ِل‬
‫الدنيا, وأنه نازل هبم ما مل يتوبوا ال حمالة, قلال تعلاىل: (وَإ َّ لَّلذِينَ ظَلَ ُلوا‬
                                             ‫م‬             ‫ِن َه‬                        ‫د‬
                                   ‫عَذَابًا ُونَ ذَلِكَ وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ (74).‬




                                                                          ‫1 - جامع العبيان:(81/ 982).‬
                                                                       ‫2 - تفسري القرطيب: (31/ 553).‬
                                                    ‫811‬
‫واملعىن: أكثرهم ال يعلمون (أَّ ُمْ ذَاِئ ُلو ذَلِلكَ اْلعَلذَاب)(1),أو: (أ ّ اهلل ناصلر‬
           ‫ن‬                                  ‫َنه ق‬
                                          ‫لدينه.)(2), أو (أَنَّ اْلعَذَابَ نَاز ٌ بهمْ.)(3)‬
                                                      ‫ل‬
                                                                        ‫نفي علم أكثر الناس باملتقني حقاً‬
 ‫ونفى اهلل (تعاىل) علم أكثر الناس بأن أوليا اهلل هلم املتقلون حقلا, قلال (تعلاىل):‬
    ‫ه‬                           ‫ر َ‬                     ‫َذ هم ه َه ُد ع‬                                  ‫َ ه‬
‫(ومَا لَ ُمْ أَلَّا ُيع ِّبَ ُ ُ اللَّ ُ و ُمْ َيص ُّونَ َن الْمَسْجدِ اْلحَل َا ومَلا كَلانُوا أَوْلِيَلا َ ُ إنْ‬
                                                        ‫م‬          ‫ِن َه‬                   ‫ؤه ل مَّق‬
                                 ‫أَوْلِيَا ُ ُ إَّا الْ ُت ُونَ وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ),األنفال: (43).‬
  ‫(ولكن أكثر املشركني ال يعلمون أن أوليا اهلل املتقون، بلل حيسلعبون أهنلم أوليلا‬
                                                                                                        ‫اهلل.)(4)‬
                                 ‫نفي علم أكثر الناس أن اهلل وحده هو احلقيق باحلمد‬
‫اهلل (عز وجل) وحده هلو احلقيلق باحلملد والثنلا , واجللدير بالشلكر‬
‫والدعا , لفضله وإنعامه, وبره وإكرامه, وأكثلر النلاس ال يعلملون ذللك,‬
             ‫ج‬          ‫س‬                ‫َُ‬          ‫ج‬            ‫ه‬           ‫َ‬
‫قال (تعاىل): (ضرَبَ اللَّ ُ مَثَلًا رَ ُلًا فِيهِ شركَا ُ مُتَشَاكِ ُلونَ وَرَ ُلًلا سَللَمًا‬
                   ‫م‬          ‫ُه‬                         ‫د‬                               ‫ُ َ‬
‫ِلرَجلٍ هلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا اْلحَمْ ُ لِلَّلهِ بَللْ َأكْثَلر ُمْ لَلا َيعْلَ ُلونَ), الزملر:‬
                                                                                          ‫(92).‬
‫( إمنا احلمد الكامل هو هلل خالصا؛ ألنه هو املنعم واخلالق , واللرازق ولكلن أكثلر‬
‫هؤال الكفرة ال يعلمون أهنا كذلك.)(5), فل (الثنا لله، وهلو مسلتح ّ لصلفات‬
           ‫ق‬
                                                                                               ‫اجلالل.)(6)‬
                                                             ‫أكثر الناس ال يعلمون مدار العطاء واملنع‬




                                                                             ‫1 - جامع العبيان: (12/ 559).‬
                                                                          ‫2 - لطائف اإلشارات:(3/ 874).‬
                                                                              ‫3 - تفسري الثعليب:9/331.‬
                                                                           ‫- جامع العبيان: (31/ 525).‬             ‫4‬



                                                         ‫5 - الكشف والعبيان عن تفسري القرآن: (9/ 23).‬
                                                                         ‫6 - لطائف اإلشارات: (3/ 582).‬
                                                       ‫911‬
  ‫يعطي اهلل تعاىل ومينع, ويهب وينزع حلِكَمٍ يعلمها, وأسرارٍ ير هبا ععباده, منها‬
   ‫َ ُر‬             ‫َس‬
   ‫االبتال واالختعبار, وإقامة احلجة على ععباده, قال تعاىل: (فَإذَا م َّ الْإنْسَان ض ٌّ‬
   ‫ٌ ِن َه‬                                          ‫ِن ق ن أ ته‬                              ‫َ ُم َو‬
‫دعَانَا ث َّ إذَا خ َّلْنَاهُ نعْمَةً مَّا َالَ إَّمَا ُوتِيُ ُ عَلَى عِلْمٍ َبلْ هِيَ فِتْنَة وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ‬
                                                                            ‫لَا َيعْلَ ُونَ), الزمر: (94).‬‫م‬
                                                           ‫ر‬
    ‫واملعىن: (عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الض ّ الذي كانوا فيله فتنلة هللم، يعل‬
                                                ‫ِن ث َه‬
‫بال ابتليناهم به، واختعبارا اختربناهم به (وَلَك َّ َأكَْلر ُمْ) جلهللهم، وسلو رأيهلم‬
‫(ال َيعْلَم لونَ) ألي لعبب لوا لك.)(1), أو ال لون (ال لوى لن‬
     ‫عبلل مل‬                     ‫يعلمل‬                          ‫سل أعطل ذلل‬                                        ‫ُل‬
                             ‫النعمى.)(2)وال يعلمون (أ َّ هَذَا التخْويلَ إَّمَا كَانَ لِأَجْل الِاخْتِعبَار.)(3)‬
                                                                   ‫ن‬         ‫َّ‬         ‫َن‬
‫وأكثر الناس ال يعلملون حكملة اهلل (تعلاىل) يف ذللك, وقلد يكلون العطلا يف‬
‫السلب, وقد يكون السلب يف العطا ,كما قلال ابلن عطلا اهلل: (واعللم أنله ملا‬
                                                                                                 ‫منعك إال ليعطيك)(4)‬
                                                                 ‫أكثر الناس ال يعلمون سنن اهلل املاضية‬
‫أكثر الناس ال يعلمون حكم اهلل تعاىل يف خلقه, وسلننه املاضلية يف ععبلاده, وأن ملا‬
‫تصري إليه األمور جتري حبسعبان وقدر معللو , خللالق األرض والسلما ,وأن الكلون‬
‫مسطوره ومنظوره جيري (حبسعبان)وأنه (تعاىل) لذلك وضع (امليلزان) وخلقله مجيعلا‬
‫(كل يف فلك يسعبحون), وما جيري يف عامل احليلاة جيلري يف علامل األحيلا , قلال‬
         ‫ه‬                        ‫ه ِ ِ ْ َْ‬                   ‫َق ال‬
‫(تعاىل) يف شأن يوسف:( وَالَ َّذِي اشَْترَا ُ منْ مصرَ لِامرأَتِهِ َأكْرمِلي مَثْلوَا ُ عَسَلى‬
                ‫َل ه‬                              ‫َّن ي س‬                 ‫َ‬       ‫َّ ه‬               ‫َ‬
‫أَنْ يَْنفعَنَا أَوْ نَتخِذَ ُ وَلَدًا وكَذَلِكَ مَكَّا لُِو ُفَ فِلي الْلأَرْض وَلُِنعِّمَل ُ مِلنْ تَأْويلل‬
                                    ‫م‬           ‫ن‬           ‫ِن‬                  ‫و ه ب‬
           ‫الْأَحَادِيثِ َاللَّ ُ غَاِل ٌ عَلَى َأمْرهِ وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا َيعْلَ ُونَ), يوسف: (12).‬
‫أي: (لَا يَدْ ُونَ حِكْمَتَ ُ فِي خَ ْلقِهِ، وَتََطفَ ُ لِمَلا ُريل ُ)(5), ( َّ األملر كلله بيلد‬
                       ‫أن‬            ‫ي د‬              ‫ل ُّ ه‬                  ‫ه‬               ‫ر‬
                ‫اهلل.)(1)أو: (ال يعلمون أن سنة اهلل ماضية وأن أمره هو الذي يكون.)(2),‬

                                                                              ‫1 - جامع العبيان: (12/ 453).‬
                                                                            ‫2 - النكت والعيون: (5/ 131).‬
                                                        ‫3 - مفاتيح الغيب أو التفسري الكعبري: (92/ 854).‬
                                                                                                    ‫4-‬
                                                                     ‫5 - تفسري ابن كثري: (4/ 873).‬
                                                        ‫021‬
‫(ولو بدا يف الظاهر أهنم علما ، وأهنم يعرفون الكلثري. ذللك أن علمهلم سلطحي،‬
  ‫يتعلق بظواهر احلياة، وال يتعمق سنننها الثابتنة، وقوانيننها األصنيلة وال يندر‬
‫نواميسها الكربى، وارتعباطاهتا الوثيقة: «َيعْلَ ُونَ ظا ِراً مِلنَ اْلحَيلاةِ ُّنْيا» .. مث ال‬
              ‫اللد‬                   ‫ه‬       ‫م‬
                            ‫يتجاوزون هذا الظاهر وال يرون بعبصريهتم ما ورا ه.‬
‫وظاهر احلياة الدنيا حمدود صلغري، مهملا بلدا للنلاس واسلعا شلامال، يسلتغرق‬
‫جهودهم بعضه، وال يستقصونه يف حياهتم احمللدودة. واحليلاة كللها طلرف صلغري‬
‫من هذا الوجود اهلائل، حتكمه نلواميس وسلنن مسلتكنة يف كيلان هلذا الوجلود‬
                                                                        ‫وتركيعبه.‬
‫والذي ال يتصل قلعبه بضمري ذلك الوجود وال يتصل حسه بلالنواميس والسلنن الليت‬
‫تصرفه، يظل ينظر وكأنه ال يرى ويعبصر الشكل الظلاهر واحلركلة اللدائرة، ولكنله‬
‫ال يدرك حكمته، وال يعيش هبا ومعها.وأكثر الناس كلذلك، ألن اإلميلان احللق هلو‬
‫وحده الذي يصل ظاهر احلياة بأسرار الوجود وهو الذي مينح العللم روحله امللدرك‬
‫ألسرار الوجود. واملؤمنون هلذا اإلميلان قللة يف جمملوع النلاس. وملن مث تظلل‬
                                        ‫األكثرية حمجوبة عن املعرفة احلقيقية.)(3)‬
‫وقد مضت سنة اهلل تعاىل اليت أرادها يف يوسف؛ألن أملره غاللب, وحكمله نافلذ‬
                                                    ‫وال يقع يف ملكه إال ما يريد.‬
                              ‫أكثر الناس ال يعلمون أن خلق السماوات أك من خلق الناس‬
‫الناظر يف ظاهر األمر يظن أن كثريا من الناس على وعي وعللم, وواقلع األملر‬
         ‫ق الس‬
‫يثعبت أن أكثرهم ال يعلمون, وعلمهم الظاهر عللم ظل , (َلخَلْل ُ َّلمَاوَاتِ‬
                           ‫م‬              ‫ن‬             ‫ِن‬         ‫ن‬            ‫رِ‬                  ‫و‬
           ‫َالْأَرْض َأكَْعب ُ منْ خَلْق الَّاس وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا َيعْلَ ُونَ, غافر: (75).‬
                                                                             ‫أكثر الناس جيهلون‬



                                                               ‫1 - اللعباب يف علو الكتاب: (11/ 35).‬
                                                                  ‫2 - يف ظالل القرآن: (4/ 9791).‬
                                                                    ‫3 - يف ظالل القرآن: (5/ 8572).‬
                                                    ‫121‬
‫ومن مواطن الكثرة اليت ذكرها القرآن يف مقا اللذ ذكلره أن أكثلر النلاس‬
‫جيهلون, وهذه تتمة حلكم القرآن يف عمو النلاس أهنلم ال يؤمنلون, قلال‬
      ‫ك‬                                  ‫َ َل هم‬                   ‫م‬             ‫َن َز‬
‫تعاىل: (وَلَوْ أَّنَا ن َّلْنَا إلَيْه ُ الْمَلَائِكَةَ وكَّمَ ُ ُ الْمَوْتَى وَحَشَلرْنَا عَلَليْهمْ ُللَّ‬
   ‫َه‬        ‫ل الل ه لن‬                      ‫قعب ل ل ل ن ي ْ نل لل‬
‫شَليْ ٍ ُُلًلا مَلا كَلاُوا لُِؤمُِلوا إَّلا أَنْ يَشَلا َ َّل ُ وَلَكِل َّ َأكْثَلر ُمْ‬
                                                                  ‫َيجْهَُونَ),األنعا : (111).‬         ‫ل‬
‫يقول: (ولكن أكثر هؤال املشركني جيهلون أن ذللك كلذلك، حيسلعبون أن‬
 ‫اإلميان إليهم، والكفرَ بأيديهم، مىت شلا وا آمنلوا، وملىت شلا وا كفلروا.‬
‫وليس ذلك كذلك، ذلك بيدي، ال يؤمن منهم إال ملن هديتله لله فوفقتله،‬
                                      ‫وال يكفر إال من خذلته عن الرشد فأضللته.)(1)‬
‫أو أن جهلهم هنا إما أن يكون امللراد بله جهللهم فيملا يقترحونله ملن‬
 ‫اآليات, أو أهنم لو أجيعبوا إىل اقتلراحهم مللا متكنلوا ملن اإلميلان طوعلا,‬
‫والقرآن ال جيرب الناس على اإلميان به, أو لو أجيعبوا ومل يؤمنلوا حللق علليهم‬
‫العذاب.وذلك (ألن اآليات وإن توالت، ومشوس الربهلان وإن تعاللت فملن‬
‫قصمته الع ّة وكعبسته القسمة مل يزده ذلك إال حلرية وضلالال، ومل يسلتنجز‬                        ‫ز‬
                                                                           ‫إال للشقوة حاال.)(2)‬
                                                                                           ‫أكثر الناس ال يعقلون‬
 ‫ومضى القرآن الكر يؤكد طعبع األكثرية بأهنم ال يعلملون, وأكثلرهم جيهللون,‬
                             ‫الس‬           ‫ه َ ن َّ‬
‫وأهنم ال يعقلون فقال تعاىل: (وَلَِئنْ سَأَلْتَ ُمْ منْ َلزلَ مِلنَ َّلمَا ِ مَلا ً فَأَحْيَلا بلهِ‬
                            ‫ْل‬     ‫ُه‬                     ‫د‬          ‫ق ُن ه ق‬                                 ‫ِ‬
           ‫الْأَرْضَ منْ َبعْدِ مَوْتِهَا لََي ُول َّ اللَّ ُ ُل اْلحَمْ ُ لِلَّهِ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا َيعقُِونَ), (39).‬
‫(َبلْ َأكَْثر ُمْ ال َيعقُِونَ) يقول: (بل أكثر هؤال املشركني بلاهلل ال يعقللون ملا هللم‬     ‫ْل‬             ‫ُه‬
                                                                ‫ر‬
‫فيه النفع من أمر دينهم، وما فيه الض ّ، فهم جلهلهم حيسلعبون أهنلم لععبلادهتم اآلهللة‬




                                                                                   ‫1 - جامع العبيان: (21/ 74).‬
                                                                            ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 594).‬
                                                          ‫221‬
                                              ‫ز‬
‫دون اهلل، ينالون هبا عند اهلل ُلْفلة وقربلة، وال يعلملون أهنلم بلذلك هلالكون،‬
                                            ‫مستوجعبون اخللود يف النار.)(1)‬
                                                                        ‫أكثر الناس ال يؤمنون‬
   ‫َ‬
‫وجرت سنة اهلل تعاىل يف الناس بأن الكثرة منهم ال تؤمن, وال تستجيب, قال تعاىل: ( ومَا‬
                                                                            ‫ْ مْ‬                   ‫ر ن‬
                                             ‫َأكَْث ُ الَّاس وَلَوْ حَرَصتَ ب ُؤمِننيَ), يوسف: (351).‬
‫وسوا أكان املراد بالناس هنا أهل مكة, أ الناس عللى عملومهم وحقيقتلهم, فلإن‬
‫السنة هنا ماضية ال تتخلف وال تتأجلل, أي: (وملا أكثلر مشلركي قوملك، يلا‬
                                                        ‫د‬
‫حممد، ولو حرصت على أن يؤمنوا بك فيص ّقوك، ويتعبعوا ما جئتلهم بله ملن عنلد‬
                                                                       ‫ربك، ِّقيك وال مَّعبعيك.)(2)‬
                                                                                 ‫ُت‬          ‫مبصد‬
‫واهلل عز وجل هنا (أخرب عن سابق علمه هبم، وصلادق حكمله حكمتله فليهم.‬
     ‫د‬                ‫ق‬                         ‫د‬
‫ويقال معناه: أقمتك شاهدا إلرادة إمياهنم، وش ّة احلرص عللى حت ّقهلم بالل ّين،‬
‫وإيقاهنم. مث إّى أعلم أهنم ال يؤمن أكثرهم، وأخربتلك بلذلك، وفلرض عليلك‬                 ‫ن‬
‫تصديقى بذلك، وفرضت عليك إرادتى كون ملا علملت أنله ال يكلون ملن‬
                                                                                         ‫إمياهنم.)(3)‬
‫يف اآلية تقد ومعناه: (وما أكثر الناس مبلؤمنني وللو حرصلت لعللم اهلل‬
                                               ‫َ ْ م ْ‬
‫السابق فيهم. ويقال: وَلَوْ حرَصتَ ب ُلؤمِننيَ. يعل : ملن قلدرت عليله‬
                                      ‫الكفر، وعلمت أنه أهل لذلك، ال يؤمن بك.)(4)‬
      ‫كما أبان القرآن الكر عن سنة يف عد إميان أكثر الناس على الرغم من علمهم‬
       ‫ِ َب‬                      ‫َال‬            ‫ت‬
    ‫باحلق ورؤيتهم له, قال تعاىل: (املر تِلْكَ آَيَا ُ الْكِتَاب و َّذِي أُنْزلَ إلَيْكَ منْ رِّكَ‬
                                                                    ‫ن ل يْ ن‬           ‫َق ِن‬
                                           ‫اْلح ُّ وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس َا ُؤمُِونَ), الرعد: (1).‬



                                                                     ‫1 - جامع العبيان: (52/ 95).‬
                                                                   ‫2 - جامع العبيان: (91/ 482).‬
                                                                ‫3 - لطائف اإلشارات: (2/ 112).‬
                    ‫4 - حبر العلو : (2/ 212), وانظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (3/ 871).‬
                                                ‫321‬
   ‫(ويف املراد ب {أكثر الناس} قوالن: أحدمها: أكثر اليهود والنصارى , ألن أكثرهم مل‬
                 ‫يسلم. الثاين: أكثر الناس يف زمان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.)(1)‬
‫وسوا أكان املراد من أكثر الناس هنا اليهود والنصارى أ الناس يف زمان الرسول - صلى‬
‫اهلل عليه وسلم- , فالسنة هبذا ماضية, أي: (ولكن األكثر من الناس من أصناف الكفار ال‬
                          ‫يؤمنون به، فهم األكثرون عددا، واألقلون قدرا وخطرا )(2)‬
                                             ‫أكثر الناس ال يؤمنون باهلل إال وهم مشركون‬
‫وتعدد حديث القرآن عن وصف طعبيعلة أكثلر النلاس, وأهنلم كلافرون أو‬
‫مشركون أو ال يؤمن أكثرهم إال وهم مشركون باهلل تعلاىل,وتنلوع حلديث‬
‫القرآن يف التععبري عن هذه الكثلرة كملا تنلوع احللديث عنلها يف الزملان‬
  ‫ُه‬           ‫ْ ِن‬          ‫َ‬
‫فشملت السور املكية واملدنية على السوا , قال تعاىل: (ومَلا يُلؤم ُ َأكْثَلر ُمْ‬
     ‫ن‬           ‫ل‬                                                 ‫َه م ك‬
‫باللَّهِ إلَّا و ُمْ ُشْر ُونَ ),يوسف:(951)., وقال تعلاىل:(فَلإنْ تَوََّلوْا فَإَّمَلا‬
  ‫ُه‬         ‫َ‬          ‫ل ُلم ِر‬                       ‫ف‬           ‫غ م ني‬
‫عَلَيْكَ الْعبَلَا ُ الْ ُعب ُ (28) َيعْرُلونَ نعْمَلةَ الَّلهِ ث َّ يُنْك ُونَهَلا وَأكْثَلر ُمُ‬
     ‫َ‬                           ‫ن‬
‫الْكَاف ُونَ (38), النحل:28, 38., وقال تعاىل:(إ َّ فِلي ذَلِلكَ َلآَيَلةً ومَلا‬          ‫ِر‬
                            ‫ق س‬                                       ‫ُه م ْ‬
 ‫كَانَ َأكَْثر ُمْ ُؤمِننيَ) الشعرا : (8).وقال تعاىل:( ُللْ ِلريُوا فِلي الْلأَرْض‬
   ‫ِ َ‬          ‫َ ْ ُُ ْ ُ‬          ‫ُر َ َ َ ِ ُ ال َ ْ َ ُ‬
 ‫فَاْنظ ُوا كْيف كَان عَاقعبَلة َّلذِين مِلن قعبْلل كَلان َأكثَلرهم مشْلركني),‬
                                                                              ‫الرو :24.‬
 ‫ويف هذه اآلية الكرمية أمر من اهلل (تعاىل) لرسلوله (صللى اهلل عليله وسللم)‬
‫واملؤمنني أن يسريوا يف األرض حىت يروا واقع هلذه السلنة الليت ال تتخللف‬
                                             ‫وهي أن أكثر الناس قعبلهم كانوا مشركني.‬
                                                                     ‫أكثر الناس للحق كارهون‬
    ‫َ‬
‫وأكد القرآن الكر ، أن أكثر النلاس للحلق كلارهون, قلال تعلاىل: (ومَلا‬
     ‫َب‬                    ‫ك‬                               ‫ن ه ِ ن هم ظ ِ‬
‫ظَلَمَْا ُمْ وَلَكنْ كَاُوا ُ ُ ال َّالِمنيَ (97) وَنَادَوْا يَا مَالِل ُ لِلَيقْض عَلَيْنَلا رُّلكَ‬



                                                                       ‫1 - النكت والعيون: (3/ 19).‬
                                                                  ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 512).‬
                                                  ‫421‬
     ‫ه‬           ‫َك َلق‬                     ‫َق ِلن‬                        ‫ك‬
‫َالَ إَّ ُمْ مَاكُِونَ (77) َلقَدْ جئْنَا ُمْ باْلح ِّ وَلَك َّ َأكْثَلر ُمْ لِ ْلح ِّ كَلار ُونَ‬  ‫ث‬          ‫ق نك‬
                                                                                      ‫(87),الزخرف:97-87.‬
                  ‫(ولكن أكثرهم ملا جا به حممد صَّى اهلل عَلَيْهِ وَسَلَّم من احلق كارهون.)(1)‬
                                                                               ‫َل‬
              ‫ه‬                ‫م ل و م ُ ن َالر ُل م م‬
‫( َالْم َا ُ باحلق هاهنا إ َّا الْإسَْا ُ َإ َّا اْلقرْآ ُ، و َّج ُ الْ ُسْللِ ُ لَلا يَكْلرَ ُ الْإسْللَا َ‬      ‫و ُر د‬
                 ‫َن م‬              ‫ُل‬                ‫َ‬                   ‫َ‬                      ‫َن‬
‫وَلَا اْلقرْآنَ، فَثََعبتَ أ َّ مَا قَْعبلَ هَذِهِ الْآيَةِ ومَلا َبعْلدهَا، يَلد ُّ عَلَلى أ َّ الْ ُلرَادَ مِلنَ‬   ‫ُ‬
‫الْمجْرمنيَ الْك َّا ُ)(2)، وعندما يتحد الناس يلو القياملة يلرد القلرآن شلعبهتهم‬                       ‫ُ ِ ُف ر‬
‫بأهنم قد جا هم احلق, ولكنهم كرهوه ومل يقعبللوه, فهلم أحلق بلاللو , وأجلدر‬
              ‫د‬              ‫ن‬               ‫ل‬              ‫له‬               ‫َ ك‬                  ‫ِ‬
 ‫بالعتاب, (أَيْ: وَلَكنْ كَاَنتْ سجَايَا ُمْ لَا َتقْعبَُ ُ وَلَا ُتقْعب ُ عَلَيْهِ، وَإَّمَلا تَْنقَلا ُ لِلْعبَاطِلل‬
                   ‫ف ك‬                                ‫ِد ع َق ه ت ِض ه َع‬
‫وَُتع ِّ ُ ُ، وََتص ُّ َن اْلح ِّ وَتَأْبَا ُ، وَُْعبغ ُ َأهْلَ ُ، ف ُلودُوا عَلَلى أَْن ُسِل ُمْ بالْمَلَامَلةِ،‬   ‫َظمه‬
                                                                            ‫وَانْد ُوا حَْي ُ لَا تَْنف ُ ُمُ َّ َامَ ُ.)(3).‬
                                                                                     ‫َم ث َعك الند ة‬
‫كما نفى القرآن الكر كون رفضهم للحق معبنيا على أن بالرسول جنلة؛ بلل ألهنلم‬
 ‫ن ة‬                     ‫ل‬
‫هم الذين كرهوا احلق وأعرضوا عنه,وتنكعبوا صراطه املسلتقيم,(َأ ْ َيقُوُلونَ بلهِ جَّل ٌ‬
                                                                           ‫َق َ ُه َق ه‬
                                    ‫َبلْ جَا َ ُمْ باْلح ِّ وَأكَْثر ُمْ لِ ْلح ِّ كَار ُونَ), املؤمنون: (57).‬    ‫ه‬
‫وبني القرآن الكر علة رفضهم احللق, وكلرههم لله؛ بأنله: (خيلالف شلهواهتم‬
‫وأهوا هم فلذلك أنكروه، وإمنا قيد احلكم باألكثر ألنه كان منهم ملن تلرك اإلِميلان‬
 ‫استنكافاً من توبيخ قومه, أو لقللة فطنتله وعلد فكرتله ال كراهلة للحلق.)(4),‬
‫واحلق ال يتعبع األهوا بل يفرض نفسه ويتعبعه الناس ألنه احللق, وإال للو اتعبلع هلوى‬
  ‫كل هاو ملا قرت احلياة,ولو كان هذا احللق ميشلي عللى رغعبلات النلاس وجلا‬
     ‫عب‬
‫(موافقاً ألهوائهم العباطلة لفسد نظا العامل، وختصي العقلال باللذكر حيلث عَّلر‬
                                                                                             ‫مبن َّ غريهم تعبع.)(5)‬ ‫ألن‬


                                                                                    ‫1 - جامع العبيان:(12/ 949).‬
                                                                             ‫2 - مفاتيح الغيب:(72/ 349).‬
                                                                              ‫3 - تفسري ابن كثري:(7/ 142).‬
                                                                     ‫4 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (4/ 29).‬
                                                          ‫5 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (3/ 885).‬
                                                           ‫521‬
                                                        ‫كثري من الناس بلقاء رهبم كافرون‬
‫وتتم اآليات اطراد سنة اهلل تعلاىل يف األكثريلة, فهلم ال يؤمنلون , وهلم‬
             ‫َك‬
‫للحق كارهون, وهم بلقا رهبم كافرون, فيقول تعاىل:(أَوَلَلمْ يََتف َّلرُوا فِلي‬
        ‫ق َ‬             ‫ل‬        ‫ه‬         ‫َ‬          ‫و‬         ‫ه الس‬                      ‫ف‬
‫أَْن ُسِهمْ مَا خََلقَ اللَّ ُ َّمَاوَاتِ َالْأَرْضَ ومَلا بَيْنَ ُمَلا إَّلا بلاْلحَ ِّ وأَجَللٍ‬
                                ‫ِر‬             ‫َب‬                ‫ِ ن‬             ‫م َم و ن‬
‫ُس ًّى َإ َّ كَِثريًا منَ الَّاس بِلقَلا ِ رِّهلمْ لَكَلاف ُونَ (8), أي: (وإن كلثريا‬
‫من الناس بلقا رهبم جاحدون منكرون؛ جهال منلهم بلأن معلادهم إىل اهلل‬
‫بعد فنائهم، وغفلة منهم عن اآلخرة.)(1) (أَي: جاحدون، ولقلا َهبلم هُلوَ‬
             ‫ر‬
                                                                  ‫الَْعبعْث يَوْ اْلقَِامَة.)(2)‬
                                                                              ‫ي‬
‫ذلك أهنم مل ينظروا يف اآليات والعرب, نظر املتعبصر, راغلب اإلميلان, بلل حجعبتلهم‬
                               ‫ق‬                       ‫ن‬
‫أهواؤهم ومنعتهم شهواهتم وشعبهاهتم, (إ ّ ملن نظلر حل ّ النظلر، ووضلع النظلر‬
‫موضعه أمثر له العلم واجعبا، فإذا استعبصلر بنلور الليقني أحكلا الغائعبلات، وعللم‬
                                                    ‫د‬
‫موعوده الصادق يف املستأنف- جنا عن ك ّ التلردد والتجلويز.فسلعبيل ملن صلحا‬
                                         ‫عقله أال جينح إىل التقصري فيما به كمال سكونه.)(3)‬
                     ‫ري‬          ‫ر‬                ‫ه‬       ‫ل ر‬
‫وختا اآلية بتلك اجلملة (تذيي ٌ مقر ٌ ملَا قعبلَ ُ بعبيانِ أن أكث َهم غل ُ مقتصلرين عللى‬
                ‫ي‬             ‫َّفك‬
‫ما ُكر من الغفلةِ عن أحوال اآلخرةِ واإلعلراض علن الت ُّلر فيملا ُرشلدهم إىل‬                       ‫ذ‬
‫معرفتِها من خلق السمواتِ واألرض وما بينهما من املصلنُوعاتِ بلل هلم مُنكلرون‬
                                              ‫جاحدون بلقا ِ حسابه تعاىل وجزائِه بالعبعثِ)(4)‬
                                                ‫كثري من الناس يضلون بأهوائهم بغري علم‬
‫ينعى اهلل تعاىل على من يتنكب طريقه, وينك على عقعبيله, بعلد أن تلعبني‬
‫له احلق, ويتعبع أهوا الذين يضلون بغري علم, ويؤكلد أن كلثريا ملن النلاس‬
‫يضلون بأهوائهم بغري علم؛ اتعباعاً ألهوائهم, ونكوصلاً علن طريلق احللق,‬


                                                                   ‫1 - جامع العبيان:(52/ 77).‬
                                                                ‫2 - تفسري السمعاين: (4/ 891).‬
                                                               ‫3 - لطائف اإلشارات:(3/ 951).‬
                                      ‫4 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكر : (7/ 25).‬
                                               ‫621‬
        ‫ك‬       ‫َ َص‬                  ‫ْكل ِم ُ ِ م ل‬                          ‫ك‬
‫قال تعاىل: (وَمَا لَ ُمْ أَلَّا تَأ ُُوا م َّا ذكرَ اسْ ُ الَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ ف َّللَ لَ ُلمْ مَلا‬
                           ‫ي ِل ب َ ْ‬               ‫ِن‬
‫َر َ عَلَيْ ُمْ إلَّا مَا اض ُررُْمْ إلَيْهِ وَإ َّ كَثِريًا لَُض ُّونَ ِنأهوَائِهِمْ ِبغَيْنرِ عِلْنمٍ‬
                                                                     ‫ْط ت‬                 ‫ح َّ ك‬
                                                                ‫ن َب ه م ُ د‬
                                      ‫إ َّ رَّكَ ُوَ َأعْلَ ُ بالْمعْتَ ِينَ),األنعا : (911)‬
‫واملعىن أن هؤال الذين يفتون ألتعباعهم وحيرملون علليهم وحيللون هللم ال برهلان‬
                                                                   ‫ي‬
‫لديهم على ما يقولون, فهم (ُضلون أتعباعهم بأهوائهم من غلري عللم منلهم بصلحة‬
‫ما يقولون، وال برهان عندهم مبا فيه جيادلون، إال ركوبًلا منلهم ألهلوائهم، واتعباعًلا‬
                 ‫منهم لدواعي نفوسهم، اعتدا ً وخالفًا ألمر اهلل وهنيه، وطاعة للشياطني)(1)‬
‫(ويضلون الناس مبا يشرعونه هلم من عند أنفسهم، ويعتلدون عللى ألوهيلة اهلل‬
‫وحاكميته مبزاولتهم خلصائ األلوهية وهم ععبيد)(2), وهلذه السلنة هلي ملا‬
‫عرب عنها القرآن الكر يف موطن آخر بقوله تعلاىل:(وَإنْ ُتطِلعْ َأكْثَلرَ مَلنْ فِلي‬
 ‫َت عل لل الظلن ه لل‬                                  ‫الل‬                    ‫لل‬
‫الْ لأَرْض ُيضِلُّوكَ عَ لنْ سَ لعبيل َّ لهِ إنْ يَّعب ُ لونَ إَّ لا َّل َّ وَإنْ ُ لمْ إَّ لا‬
                                                                                        ‫ْص‬
                                                                ‫َيخرُ ُونَ),األنعا : (911).‬
                                                       ‫كثري من اخللطاء يبغي بعضهم على بعل‬
‫حكم القرآن الكر بأن كثريا من اخللطا يعبغلي بعضلهم عللى بعلض, ومل‬
‫يستثن من هذا احلكم إال الذين آمنوا وعمللوا الصلاحلات, ووصلف هلذا‬
                ‫ْ‬                                    ‫ق‬
‫االستثنا بأنه قليل, فقال تعاىل:(قَالَ َل َلدْ ظَلَمَلكَ بسُلؤَال َنعجَتِلكَ إلَلى‬
     ‫َن‬         ‫ل ال‬                              ‫ْضه‬                 ‫ِ خ‬              ‫ون‬
‫نعَاجهِ َإ َّ كَِثريًا منَ اْل َُلطَا ِ لَيَْعبغِي َبع ُ ُمْ عَلَلى َبعْلضٍ إَّلا َّلذِينَ آمَُلوا‬
‫ر‬        ‫ْ َ َب ه‬            ‫َ ل ل ه َن و د َن َن ه‬                                  ‫َ ل الص‬
‫وعَمُِوا َّاِلحَاتِ وقَِي ٌ مَا ُمْ وَظ َّ دَا ُو ُ أَّمَا فَتَّا ُ فَاسْلَتغفرَ رَّل ُ وَخَل َّ‬
‫َّى‬‫َاكعًا وأَنَابَ), ص: (42).واملعلىن:(وإن كلثريا ملن الشلركا ليتعلد‬                     ‫ر ِ َ‬
                      ‫الص‬               ‫َ‬                    ‫الذ ن‬
‫بعضهم على بعض (إال َّ ِينَ آمَُلوا) بلاهلل (وعَمِلُلوا َّلاِلحَاتِ) يقلول:‬
                       ‫وعملوا بطاعة اهلل، وانتهوا إىل أمره وهنيه، ومل يتجاوزوه)(3)‬



                                                                           ‫1 - جامع العبيان: (21/ 17).‬
                                                                       ‫2 - يف ظالل القرآن: (3/ 7911).‬
                                                                             ‫3 - جامع العبيان:(12/ 581).‬
                                                      ‫721‬
  ‫واختيار القرآن الكر للخلطا مع أن العبغي والظلم جعبلة ال يتخلى عنها إال من وفقه‬
                                                     ‫اهلل تعاىل, كما قال أبو الطيب:‬
                ‫والظلم من شيم النفوس فإن جتد ذا عفة فلعلة ال يظلم(1)‬
‫ألن املخالطة مظنة كثرة املنازعة, وهم إذا اختلطوا (اطللع كلل واحلد منلهما‬
‫على أحوال اآلخر فكل ما ميلكه من األشليا النفسلية إذا اطللع عليله عظملت‬
                                                                      ‫ْ‬
‫رغعبته فيه فُيفضِي ذلك إىل زيادة املخاصمة واملنازعة فلهلذا خل داود - عليله‬
                                          ‫ع‬
‫الصالة السال - اخللطا بزيادة العبغي وال ُدْوَان مث استثىن عن هلذا احلكلم اللذين‬
                ‫آمنوا وعملوا الصاحلات ألن خمالطة هؤال ال تكون ألجل الدين.)(2)‬
                                                                    ‫مفردات تتعلق بكثري من الناس‬
                                          ‫1- احلياة الدنيا وتكاثر الناس يف األموال واألوالد‬
‫الدنيا قنطرة اآلخرة, ومعرب اآلجلة, وهي دار ابتال واختعبلار, وهلي سلوق مللا‬
‫بعدها يربح فيه من يربح, وخيسر فيه من خيسر, وكثري ملن النلاس تغيلب عنله‬
 ‫مهمتها فيتكاثر فيهلا يف األملوال واألوالد, فحلذر اهلل تعلاىل امللؤمنني منلها,‬
 ‫ة اللد ع ب‬                     ‫َن‬
‫وأمرهم أن جيعلوها معربا ملا بعده, قال تعاىل: (اعْلَمُوا أَّمَلا اْلحَيَلا ُ ُّنْيَا َل ِل ٌ‬
      ‫ْج‬                                 ‫َ و‬                     ‫ر‬           ‫ُر ك‬               ‫و ة‬
‫وَلَهْ ٌ وَزينَ ٌ وََتفَاخ ٌ بَيْنَ ُمْ وَتَكَاُث ٌ فِي الْلأمْوَال َالْأَوْلَلادِ كَمَثَلل غَيْلثٍ َأع َلبَ‬
 ‫د‬         ‫ب‬           ‫ِ‬           ‫ُف ته ُم ج ه ُ ْ َر ُم ك ن ُط َ‬
‫الْك َّارَ نَعبَاُ ُ ث َّ يَهي ُ فََترَا ُ مصف ًّا ث َّ يَ ُو ُ ح َامًا وفِي الْلآَخرَةِ عَلذَا ٌ شَلدِي ٌ‬
                                  ‫ُر‬                      ‫ة الد‬            ‫نَ‬                     ‫ََ ِْ ة ِ‬
                 ‫ومغفرَ ٌ منَ اللَّهِ وَرضْوَا ٌ ومَا اْلحَيَا ُ ُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ اْلغ ُور), احلديد:52.‬
               ‫ة‬                                   ‫و‬
‫فهي لعب (كلعلب الصلعبيان ,{وَلَهْل ٌ} كللهو الفتيلان ,{وَزينَل ٌ} كزينلة‬
 ‫النسوان, {وََتفَاخ ٌ بينكم} كتفاخر األقران {وتكلاثر} كتكلاثر اللدهقان {يف‬          ‫ُر‬
‫األموال واألوالد} أي: معباهاة هبما والتكاثر ادعلا االسلتكثار {كَمَثَلل غَيْلثٍ‬
          ‫ُلم ك ن ُ‬                                  ‫ته ُم ج ه ُ ْ َر‬
 ‫َأعجبَ الكفار نَعبَاُ ُ ث َّ يَهي ُ فََترَا ُ مصف ّاً} بعد خضرته {ث َّ يَ ُلو ُ حطَاملاً}‬               ‫َْ‬
‫متفتتاً, شعبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قللة جلدواها بنعبلات أنعبتله الغيلث‬
‫فاستوى وقوي وأعجب به الكفار اجلاحدون لنعمة اهلل فيما رزقهلم ملن الغيلث‬


                                                                                             ‫1 - انظر ديوانه:‬
                                                         ‫2 - اللعباب يف علو الكتاب: (91/ 954).‬
                                                      ‫821‬
                      ‫ً‬
‫والنعبات فعبعث عليه العاهة فهلاج واصلفر وصلار حطاملا عقوبلة هللم عللى‬
        ‫جحودهم كما فعل بأصحاب اجلنة وصاحب اجلنتني وقيل الكفار الزراع)(1)‬
                                                                      ‫ر‬
‫(احلياة الدنيا مع ّضة للزوال، غري البثة وال ماكثة، وهلي يف احللال شلاغلة علن‬
‫اهلل، مطمعة وغري مشعبعة، وجترى على غلري سلنن االسلتقامة كجريلان لعلب‬
                                ‫ق‬
‫الصعبيان، فهى تلهى عن الصواب واستعبصلار احلل ّ، وهلي تفلاخر وتكلاثر يف‬
                                                                 ‫األموال واألوالد)(2).‬
  ‫ومن بيان القرآن الكر لسنته يف الكثرة حديثه عن تكاثر الناس يف الدنيا وهلوهم‬
   ‫هبذا التكاثر حىت وقفوا على جلية األمر وحقيقة احلق عندما رجعوا على عقوهلم‬
     ‫وزاروا املقابر, وذلك بعد أن فارقوا الدنيا وانكشفت هلم حقائق األشيا , قال‬
                                                                ‫كم الت‬
                        ‫تعاىل: (َألْهَا ُ ُ َّكَاُثرُ حىت زرمت املقابر), التكاثر:1, 2.‬
           ‫ت‬
‫واملعىن: ( شغلكم تفاخركم فيما بيلنكم إىل آخلر أعملاركم إىل أن ملّم.ويقلال:‬
‫كانوا يفتخرون بآبائهم وأسالفهم فكانوا يشيدون بذكر األحيا ، ومبلن مضلى ملن‬
‫أسالفهم.فقال هلم: شغلكم تفلاخركم فيملا بيلنكم حلىت علددمت أملواتكم ملع‬
                            ‫أحيائكم. وأنساكم تكاثركم باألموال واألوالد طاعة اهلل.)(3)‬
                                                                        ‫كثري من جنوى الناس ال خري فيه‬
    ‫حكم القرآن على كثري من جنوى الناس بأنه ال خري فيه, واستثىن من هذا احلكم من‬
    ‫ِ وه ل َ َ‬
  ‫أمر بصدقة أو معروف أو إصالح بني الناس,(ال خَْيرَ فِي كَِثريٍ منْ َنجْ َا ُمْ إَّا منْ َأمرَ‬
                   ‫ل‬           ‫َ‬                    ‫الن َ َ ْ َ‬              ‫ل‬            ‫َ ْر‬          ‫َ‬
       ‫بصَدقَةٍ أَوْ مع ُوفٍ أَوْ إصَْاحٍ بَْينَ َّاس ومنْ َيفعلْ ذَلِكَ ابْتِغَا َ مرْضَاةِ الَّهِ فَسَوْفَ‬
                                                                                            ‫ْ َ‬
                                                               ‫ُؤْتِيهِ أَجرًا عظِيمًا), النسا : (411).‬     ‫ن‬
         ‫ر‬                                    ‫َّ‬           ‫الن‬      ‫َق‬         ‫ة َامة‬
‫َالَ م َاهِ ٌ:( الْآيَ ُ ع َّ ٌ فِي ح ِّ جَمِيع َّلاس، وَالنجْلوَى: هِليَ الْإسْلرَا ُ فِلي‬  ‫ق ُج د‬
                    ‫َ‬                               ‫ْ ِر‬            ‫فد‬                  ‫َق َّ‬
‫َّدْبري، وِيلَ: النجْوَى مَا يَْن َر ُ بتَدْبريهِ قَو ٌ س ًّا كَانَ أَوْ جَهْلرًا، فَمعْنَلى الْآيَلةِ:‬   ‫الت‬
                           ‫ل‬                ‫َ‬       ‫َ َ‬           ‫ِم ي ِّر ه ه‬
‫لَا خَْيرَ فِي كَِثريٍ م َّا ُدَب ُونَ ُ بَيْنَ ُمْ، {إلَّا منْ َأمرَ بصَدقَةٍ} أَيْ: إَّلا فِلي َنجْلوَى‬

                                                      ‫1 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (3/ 934).‬
                                                              ‫2 - لطائف اإلشارات:(3/ 145).‬
                                                                    ‫3 - لطائف اإلشارات: (3/ 297).‬

                                                      ‫921‬
                   ‫َ ع‬                               ‫ك ن ِ َق‬                  ‫َّ‬      ‫َ‬        ‫َ َ‬
‫منْ َأمرَ بصَدقَةٍ، فَالنجْوَى تَ ُو ُ فعْلًا وِيلَ: هَذَا اسْلتِثْنَا ٌ مُْنقطِل ٌ، َيعْنلي: لَكِلنْ‬
           ‫الل ه‬     ‫ق‬                ‫ج‬       ‫الرج ل‬                                   ‫َ‬
‫منْ َأمرَ بصَدقَةٍ، وقيل النجوى ها هنا: ِّ َا ُ الْمُتَنَا ُونَ، كَمَا َلالَ َّل ُ َتعَلالَى‬    ‫َ َ‬
            ‫َلث‬             ‫َ‬                ‫َ م‬                           ‫ْ‬
‫" َإذْ ُمْ َنجْوَى" (الْإسرَا ِ -74) . {إلَّا منْ َأ َلرَ بصَلدقَةٍ} أَيْ: ح َّ عَلَيْهَلا،‬   ‫و ه‬
  ‫َ رف‬            ‫َ ع ِّفه َّ ع َ ل لر ُل‬                                  ‫ط‬                ‫َ ْر‬
‫{أَوْ مع ُوفٍ} أَيْ: ب َاعَةِ اللَّهِ ومَا ُي َرُ ُ الشرْ ُ، وَأعْمَا ُ الْعب ِّ كُّهَلا معْل ُو ٌ،‬
                                                                           ‫لِأَنَّ اْلع ُولَ َتعْرُهَا.)(1)‬
                                                                                    ‫ف‬        ‫ُق‬
‫فاحلكم هنا عا يف مجيع الناس ميثل سنة اهلل تعلاىل يف الكثلرة.ويشلمل الزملان‬
                                                                              ‫ويعم املكان والفراد.‬
                                                ‫كثرة اخلبيث ال تغين شيئا ولو أعجبتك كثرته‬
‫ومن ضوابط سنة اهلل يف الكثرة أن اخلعبيث والطيب ال يستويان وللو بلدا للرائلي‬
‫ما يعجعبه من كثرة اخلعبيث,وهذه سنة اهلل تعلاىل يف الكلثري, فلليس كلل كلثري‬
         ‫ث َّي ب‬                                           ‫ُ‬
‫جيدا, مهما بان رواؤه وظهر هباؤه,( قلْ لَلا يَسْلتَوي اْلخَعبيل ُ وَالطِّل ُ وَلَلوْ‬
                       ‫ح‬           ‫َلك‬                       ‫أ‬              ‫َّق‬               ‫ة‬           ‫ْ‬
 ‫َأعجَعبَكَ كَْثرَ ُ اْلخَعبيثِ فَات ُوا اللَّهَ يَا ُولِلي الْأَلْعبَلاب َلعَّ ُلمْ ُتفِْل ُلونَ), املائلدة:‬
                                                                                                   ‫(551).‬
      ‫َ‬                  ‫ص الش‬                    ‫َام َ َن‬                    ‫ة ق‬
‫(وَجَا َتْ هَذِهِ الْآيَ ُ باْل َاعِدَةِ اْلع َّةِ وهِيَ أ َّ اْلعِْعبرَةَ ب ِلفَةِ َّليْ ِ لَلا بعَلددِهِ،‬
               ‫َ‬                    ‫َم‬        ‫ِّ‬                 ‫الت‬                   ‫و ن ك ن ِزة‬
 ‫َإَّمَا تَ ُو ُ اْلع َّ ُ بالْكَْثرَةِ َبعْدَ َّسَاوي فِي الصفَاتِ.وَل َّا كَلانَ مِلنْ دأْب َأهْلل‬
         ‫ه‬                               ‫ْ‬             ‫ق‬         ‫ُ‬                  ‫و ُر‬            ‫َ و‬
‫اْلغفْلَةِ َاْلجَهْل َاْلغ ُور بالْكَْثرَةِ مطَْلقًا، َالَ َتعَالَى َتعقِيعبًلا عَلَلى مَلا أَثْعبَتَل ُ مِلنْ‬
                                      ‫َّ‬       ‫ث‬                       ‫و‬                        ‫ْض َّي‬
 ‫َتف ِيل الطِّب عَلَى اْلخَعبيثِ َإنْ كَُثرَ اْلخَعبيل ُ: (فَلاتقُوا اهللَ يَلا أُولِلي الْأَلْعبَلاب‬
               ‫َلر‬                       ‫ُق الر‬              ‫ْ‬                 ‫َّق‬              ‫َلك ح‬
‫َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ) أَيْ فَات ُوا اهللَ يَا أَصحَابَ اْلع ُول َّاجحَلةِ وَلَلا َتغْت ُّوا بكَثْلرَةِ‬
                  ‫ن‬                                         ‫ط و‬                                           ‫م‬
‫الْ َال اْلخَعبيثِ وَلَا بكَْثرَةِ َأهْل الْعبَا ِل َاْلفَسَلادِ مِلنَ اْلخَعبيلِثنيَ، فَلإ َّ َتقْلوَى اهللِ‬
                  ‫ك‬           ‫ك‬                        ‫َّي‬                         ‫مك‬
‫َتعَالَى هِيَ الَّتِي تَْنظِ ُ ُمْ فِي سِللْكِ الطِّلعبنيَ، فَُيرْجَلى لَ ُلمْ أَنْ تَ ُونُلوا مِلنَ‬
                                                 ‫الْمفِْلحنيَ، أَيْ فَاِزينَ بخَيْر ُّنْيَا َالْآخرَةِ.)(2)‬
                                                           ‫الد و ِ‬                     ‫ئ‬             ‫ُ ِ‬
                                                              ‫الكثرة املعجبة ال تغىن عن املرء شيئا‬



                                                                        ‫1 - تفسري العبغوي: (2/ 982).‬
                                                                          ‫2 - تفسري املنار: (7/ 451).‬
                                                       ‫031‬
 ‫مضت سنة اهلل تعاىل يف ععباده بأن الكثرة املعجعبة ال تغل علن أصلحاهبا شليئاً,‬
‫فهي يف احلرب ليس هلا قيمة ما تشفع بثعبات, ويف السللم لليس هللا وزن ملا مل‬
    ‫ك‬          ‫ْ‬                 ‫ْ‬                  ‫ِ‬            ‫َ َكم ه‬
‫تؤيد بعمل, (َلقَدْ َنصر ُ ُ اللَّ ُ فِلي مَلوَاطنَ كَلِثريَةٍ وَيَلو َ حُنَلْينٍ إذْ َأعجَعبَلتْ ُمْ‬
    ‫ت‬        ‫ُلم‬         ‫عب‬
 ‫كَْثرَُ ُمْ فَلَمْ ُتغْن عَنْ ُمْ شَيْئًا وَضَاقتْ عَلَيْ ُ ُ الْلأَرْ ُ بمَلا رَحَُلتْ ث َّ وَلَّيْلُمْ‬
                                        ‫ض‬          ‫كم‬       ‫َ‬                ‫ك‬                  ‫تك‬
                                                                                       ‫ُدْبرينَ (52)‬    ‫م‬
‫(فأمرهم اهلل تعاىل بأن يقاتلوا ويتوكلوا عللى اهلل، ويطلعبلوا النصلرة منله، وال‬
‫يعتمدوا على الكثرة والقلة، ألن النصلرة ملن اهلل تعلاىل فلذلك قولله: َلقَلدْ‬
                                                                              ‫ِ‬
   ‫َنصر ُ ُ اللَّ ُ فِي مَواطنَ كَِثريَةٍ، يع : من مشاهد كثرية وهلو يلو بلدر، ويلو‬        ‫َ َكم ه‬
‫ب قريظة، ويو خيرب، ويو فتح مكة، وخاصة يلو حلنني يعل : نصلركم اهلل‬
               ‫ك‬                                         ‫تك‬       ‫ْ ك‬
‫يف مواطن كثرية. إذْ َأعجَعبَتْ ُمْ كَْثرَُ ُمْ، يع : مجاعتكم، فَلَمْ ُتغْلن عَلنْ ُمْ شَليْئاً‬
       ‫ل‬
‫يع : عن قضا اهلل تعاىل مل تغن كثرتكم شيئاً. وذللك أن رسلول اهلل صلّى اهلل‬
‫عليه وسّم خرج إىل حنني يف اث عشر ألفاً، وعشلرة آالف خرجلوا معله ملن‬                          ‫ل‬
                                       ‫َ‬
‫املدينة إىل فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فقَالَ رجلل ملن املسللمني‬
                                          ‫يقال له سلمة بن سالمة: لن نغلب اليو من قلة.)(1)‬
‫(إن الكثرة العددية ليست بشي ، إمنا هي القلة العارفة املتصللة الثابتلة املتجلردة‬
‫للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سعبعباً يف اهلزميلة، ألن بعلض اللداخلني فيهلا،‬
‫التائهني يف غمارها، ممن مل يدركوا حقيقلة العقيلدة الليت ينسلاقون يف تيارهلا،‬
‫تتزلزل أقدامهم وترجتف يف سلاعة الشلدة فيشليعون االضلطراب واهلزميلة يف‬
‫الصفوف، فوق ما ختدع الكثرة أصحاهبا فتجعلهم يتلهاونون يف توثيلق صللتهم‬
                            ‫باهلل، انشغاالً هبذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر يف احلياة.‬
‫لقد قامت كل عقيدة بالصفوة املختلارة، ال بالزبلد اللذي يلذهب جفلا ، وال‬
                                                              ‫باهلشيم الذي تذروه الرياح!)(2)‬



                                                                           ‫1 - حبر العلو : (2/ 84).‬
                                                                ‫2 - يف ظالل القرآن: (3/ 8191).‬
                                                    ‫131‬
   ‫ك‬               ‫َ‬
‫وهذا ما وضحته اآلية األخرى يف قولله تعلاىل: (إنْ تَسْلَتفِْتحُوا فقَلدْ جَلا َ ُمُ‬
           ‫تك‬         ‫ك‬                         ‫حو ه ه ر ك و ع د ع‬
‫اْلفَتْ ُ َإنْ تَنْتَ ُوا فَ ُوَ خَْي ٌ لَ ُمْ َإنْ َت ُو ُوا َن ُدْ وََلنْ ُتغْنليَ عَلنْ ُمْ فِئَلُ ُمْ شَليْئًا‬
                                                                        ‫مْ‬                   ‫َ‬
                                         ‫وَلَوْ كَُثرَتْ وأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْ ُؤمِننيَ), األنفال: (91).‬
                                   ‫فإن (من غلعبته قدرة األحد مل تغن عنه كثرة العدد.)(1)‬


                                                                               ‫وصف أكثر أهل الكتاب‬
‫وتنتقل سنة الكثرة من وصف عمو النلاس, إىل وصلف بل إسلرائيل,وهلم‬
‫شرحية من الناس هلم من الصفات ما يستدعي الوقلوف أملامهم, وحتليلل تللك‬
‫األوصاف اليت مل يكتف القرآن الكر بأن يشاركوا عمو النلاس فيملا وصلفوا‬
‫به بل خصهم بصفات اطردت فيهم اطرادا سننياً, فقلد وصلفهم بلأن أكثلرهم‬
‫فاسقون, وأن كثريا منهم سا ما سا ملا يعمللون, وأن كلثريا منلهم عملوا‬
‫وصموا, وكثريا منهم يودون أن يردوا املؤمنني من بعلدهم كفلارا حسلداً ملن‬
‫عند أنفسهم,وأن كثريا منهم يصدون عن سلعبيل اهلل, وأن أكثلرهم ال يعقللون,‬
‫وأن كثريا منهم يتولون الذين كفروا, وأن كثريا من األحعبلار والرهعبلان يلأكلون‬
‫أموال الناس بالعباطل ويصدون عن سعبيل اهلل, وجا الواقلع عللى ملدار اللزمن‬
‫يؤكد تلك األوصاف؛ فسعبحان من وصفهم هبا من حكليم خلعبري, وملن تتعبلع‬
‫آيات الكثرة الدالة على تلك الصفات أن نصنف وصف أهلل الكتلاب حسلب‬
                                                      ‫الكثرة على النحو اآليت:‬
                                              ‫أكثر بين إسرائيل ال عهد هلم وأكثرهم فاسقون‬
‫حكم القرآن الكر أن أكثر أهلل الكتلاب ال عهلد هللم, وأن أكثلرهم‬
  ‫َه‬                                    ‫َ ث ِ‬                      ‫َ‬
‫فاسقون, قال تعاىل: (ومَا وَجَدْنَا لِأكَْرهِمْ منْ عَهْلدٍ وَإنْ وَجَلدْنَا َأكْثَلر ُمْ‬
                                                                                   ‫ِِ‬
                                                                      ‫َلفَاسقنيَ), (251).‬
‫قال أبو جعفر: (ومل جند ألكثر أهل هلذه القلرى الليت أهلكناهلا واقتصصلنا‬
‫عليك، يا حممد، نعبأها "من عهد أي: من وفا مبا وصليناهم بله، ملن توحيلد‬

                                                                      ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 319).‬

                                                         ‫231‬
‫اهلل، واتعباع رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصيه، وهجلر ععبلادة األوثلان‬
                                                                                       ‫واألصنا .)(1)‬
  ‫ذلك أهنم (جنم يف الغدر طارقهم، وأفل ملن مسلا الوفلا شلارقهم، فعلد‬
‫أكثرهم رعاية العهد، وحقت من احلق هلم قسمة اللرد والصلد.ويقلال: شلكا‬
                                                    ‫د‬
‫من أكثرهم إىل أقّهم، فاألكثرون من ر ّهتم القسلمة، واألقللون ملن قعبلتلهم‬          ‫ل‬
                                                                                         ‫الوصلة.)(2)‬
                                                                            ‫َ ث ِ‬
‫(ما وَجَدْنا لِأكَْرهِمْ منْ عَهْدٍ الضمري للناس على اإلطلالق، أي وملا وجلدنا‬
                                                                  ‫ن‬
‫ألكثر الناس من عهد يع أ ّ أكثلرهم نقلض عهلد اهلل وميثاقله يف اإلميلان‬
‫والتقوى َإنْ وَجَدْنا وإ ّ الشأن واحلديث وجدنا أكثلرهم فاسلقني، خلارجني‬  ‫ن‬                  ‫و‬
                                                                           ‫عن الطاعة مارقني.)(3)‬
‫وتنوع حديث القرآن عن تأكيد هذه السنة يف الكثرة علن أهلل الكتلاب فمنلها‬
            ‫َ‬          ‫ِ ل َ‬                ‫قل به‬                     ‫ِلذ َ ن‬
‫قوله تعاىل: (أملْ يَأْنِ لَّ ِينَ آمَُوا أَنْ َتخْشَعَ ُُوُ ُمْ لِلذكْر الَّلهِ ومَلا نَلزلَ مِلنَ‬
        ‫م َ دَس‬                        ‫ل َط‬             ‫ِ‬               ‫َق ك ن َالذ أ ت‬
‫اْلح ِّ وَلَا يَ ُوُوا ك َّ ِينَ ُوُوا الْكِتَابَ منْ قَعبْل ُ ف َلالَ عَلَليْه ُ الْأمَل ُ فقَ َلتْ‬
                                                                           ‫قل به َ ري ه ِق‬
‫ُُوُ ُمْ وكَِث ٌ مِنْ ُمْ فَاس ُونَ), احلديلد: (91).وقولله تعلاىل: (وَلقَلدْ أَرْسَللْنَا‬
   ‫َ ري ه‬                         ‫ه‬                  ‫ذ ِّي النُو و‬                   ‫َ‬          ‫ن ور‬
‫ُوحًا َإْب َاهِيمَ وَجعَلْنَا فِي ُرَّتِهمَا ُّعب َّةَ َالْكِتَابَ فَمِلنْ ُمْ مُهْتَلدٍ وكَلِث ٌ مِلنْ ُمْ‬
         ‫ََ‬        ‫رس‬                               ‫ُم َ‬
‫فَاس ُونَ),احلديد: (92).وقوله تعاىل: (ث َّ قفَّيْنَلا عَلَلى آَثَلارهِمْ ب ُ ُللِنَا وقفَّيْنَلا‬          ‫ِق‬
                     ‫ات ع ه َ‬          ‫قل ال‬                  ‫َ‬                ‫َ َ ه‬
‫بعِيسَى ابْن مرْيَمَ وآَتَيْنَا ُ الْإنْجيلَ وَجعَلْنَا فِي ُُوب َّلذِينَ ََّعب ُلو ُ رْأفَلةً وَرَحْمَلةً‬
 ‫ق‬               ‫َ ْ‬              ‫ل‬                                        ‫ن‬              ‫َ ي َع‬
‫وَرهْعبَانَّةً ابْتَد ُوهَا مَا كَتَعبَْاهَا عَلَيْهمْ إلَّا ابِْتغَا َ رضْلوَانِ الَّلهِ فَمَلا رعَوهَلا حَل َّ‬
                     ‫َه َ ري ه س ق‬                                ‫ه‬            ‫َ الذ َ ن‬
 ‫رعَايَتِهَا فآَتَيْنَا َّ ِينَ آمَُوا مِلنْ ُمْ أَجْلر ُمْ وكَلِث ٌ مِلنْ ُمْ فَا ِل ُونَ), احلديلد:‬
                  ‫ُلر ك ل‬                                 ‫هم م ْ ن َ ُهم ِق‬
‫(72). مِنْ ُ ُ الْ ُؤمُِونَ وَأكَْثر ُ ُ اْلفَاس ُونَ (511) لَلنْ َيض ُّو ُمْ إَّلا َأذًى وَإنْ‬
                                                              ‫ل ك ي َل كم َ ُم ي َر‬
‫ُيقَاتُِو ُمْ ُوُّو ُ ُ الْأدْبَارَ ث َّ لَا ُْنص ُونَ (111).كملا قلال تعلاىل:(كَيْلفَ وَإنْ‬


                                                                        ‫1 - جامع العبيان: (21/ 51).‬

                                                                 ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 455).‬
                                            ‫3 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (2/ 931).‬

                                                        ‫331‬
  ‫قل به‬                    ‫ِم ض ك َ و‬                                  ‫ْقعب ك‬                ‫ك‬         ‫َر‬
‫َيظْه ُوا عَلَيْ ُمْ لَا َيرُُوا فِي ُمْ إلًّا وَلَا ذ َّةً ُيرْ ُلونَ ُمْ بلأفْ َاهِهمْ وَتَلأْبَى ُُلوُ ُمْ‬
       ‫م‬                           ‫ْ‬          ‫ُ‬                                           ‫َ ُه ِق‬
‫وَأكَْثر ُمْ فَاس ُونَ),التوبة: (8).وقال تعاىل: ( قلْ يَا َأهلَ الْكِتَلاب هَللْ تَْنقِ ُلونَ‬
      ‫َك س ق‬                ‫ل ََن‬                         ‫َ أ‬              ‫َ أ‬              ‫َ َن‬             ‫ِن‬
 ‫مَّا إلَّا أَنْ آمَّا باللَّهِ ومَا ُنْزلَ إلَيْنَا ومَا ُنْزلَ مِلنْ قَعبْل ُ وأ َّ َأكْثَلر ُمْ فَا ِل ُونَ),‬
  ‫َّ ذ ه‬                              ‫َالن ي َ‬                ‫ن يْ ن‬
‫(95). وقال تعاىل:(وَلَوْ كَاُوا ُؤمُِونَ باللَّهِ و َّعب ِّ ومَا أُنْزلَ إلَيْلهِ مَلا اتخَل ُو ُمْ‬
                                                                      ‫ه ِق‬                     ‫ِن‬
                                                           ‫أَوْلِيَا َ وَلَك َّ كَِثريًا مِنْ ُمْ فَاس ُونَ (18)‬
  ‫وهكذا تتنوع ععبارات القرآن الكر يف بيان فسق أكثر أهل الكتاب, وبعدهم عن‬
                                                                                       ‫سوا السعبيل,‬
                                                           ‫كثري من أهل الكتاب ساء ما يعملون‬
‫ذكر القرآن الكر أن كثريا من أهلل الكتلاب سلا ملا يعمللون, قلال‬
   ‫َ ل‬             ‫َب‬                  ‫َ أ‬                 ‫َنه ق م الت و‬
‫تعاىل:(وَلَوْ أَّ ُمْ َأَا ُوا َّوْرَاةَ َالْإنْجيلَ ومَا ُنْزلَ إلَليْهمْ مِلنْ رِّهلمْ لَلأكَُوا‬
                  ‫ة َ ري ه‬                 ‫ه ُمة ُ‬               ‫ِ ْ َِ ْ ج‬
‫منْ فَوقِهمْ ومنْ َتحتِ أَرْ ُلِهمْ مِنْ ُمْ أ َّ ٌ مقَْتصِلدَ ٌ وكَلِث ٌ مِلنْ ُمْ سَلا َ مَلا‬
‫َيعْمَُونَ), املائدة: (99). أي:(كثري منلهم سليئ عمللهم، وذللك أهنلم‬                           ‫ل‬
      ‫ع‬
‫يكفرون باهلل، فتكذب النصارى مبحمد صللى اهلل عليله وسللم، وتلز ُم أن‬
 ‫املسيحَ ابن اهلل, ِّب اليهلود بعيسلى ومبحملد -صللى اهلل عليهملا-.‬       ‫وتكذ‬
               ‫فقال اهلل تعاىل فيهم ًّا هلم:"سا ما يعملون"، يف ذلك من فعلهم.)(1)‬
                                                                       ‫ذام‬
  ‫كما أخرب القرآن الكر أن كثريا منهم بئس عمللهم, وبلني القلرآن سلعبب ذ‬
  ‫ه‬
‫عملهم, بأهنم يسارعون يف اإلمث والعدوان وأكل السلحت,(وَتَلرَى كَلِثريًا مِلنْ ُمْ‬
   ‫َ ل الس ْ ل َل َل ن‬                                       ‫ي َل ع ِل ْل و ُل‬
‫ُس لار ُونَ ف لي ال لإثْم َاْلع لدْوَانِ وَأكْلِه لمُ ُّ لحتَ لَعب لْئسَ م لا ك لاُوا‬
‫َيعْمَُونَ),املائدة: (29).( وكان من أكلهم أملوال النلاس بالعباطلل، ملا كلانوا‬                     ‫ل‬
‫يأخذون من أمثان الكتب اليت كانوا يكتعبوهنلا بأيلديهم، مث يقوللون:"هلذا ملن‬
‫عند اهلل"، وما أشعبه ذلك من املآكل اخلسيسة اخلعبيثلة. فعاقعبلهم اهلل عللى مجيلع‬
 ‫ذلك، بتحرميه ما حر عليهم ملن الطيعبلات الليت كانلت هللم حلالال قعبلل‬       ‫َّ‬
                                                                                            ‫ذلك.)(2)‬


                                                                          ‫1 - جامع العبيان:(51/ 594).‬
                                                                            ‫2 - جامع العبيان:(9/ 293).‬
                                                        ‫431‬
                                                            ‫كثري من أهل الكتاب عموا وصموا‬
‫ووصف القرآن الكر كثريا من أهل الكتاب بلأهنم عملوا وصلموا, وملن‬
           ‫ل ه‬            ‫َم ُم‬           ‫ةَم‬               ‫ك‬             ‫عب‬
‫ذلك قوله تعاىل:(وَحَسُِوا أَلَّا تَ ُونَ فِتْنَ ٌ فعَ ُوا وَص ُّوا ث َّ تَلابَ الَّل ُ عَلَليْهمْ‬
                                       ‫ل‬            ‫م ري ه و ه ِري‬                          ‫ُم م‬
                ‫ث َّ عَ ُوا وَصَ ُّوا كَِث ٌ مِنْ ُمْ َاللَّ ُ َبص ٌ بمَا َيعْمَُونَ),املائدة: (17).‬
‫(فعموا عن احلق والوفا بامليثاق الذي أخذته علليهم، ملن إخلالص ععبلاديت،‬
                                              ‫واالنتها إىل أمري وهنيي، والعمل بطاعيت )(1)‬
‫فهؤال :(داروا مع اهلوى فوقعوا يف العبال . ومن أملارات الشلقا اإلصلرار عللى‬
‫متابعة اهلوى، وحسعبوا أال تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتلروا بطلول اإلمهلال‬
‫فأصروا على قعبيح األعمال، فلما أخلذهتم فجلا ة االنتقلا مل يلنفعهم النلد ،‬
                                                                                   ‫وب ّح هبم األمل.)(2)‬
                                                                                                     ‫ر‬
     ‫كثري من أهل الكتاب يودون أن يردوا املؤمنني من بعد إمياهنم كفارا حسدا من عند‬
                                                                                                        ‫أنفسهم‬
‫وصف القرآن الكر الكثرة من أهل الكتاب بأهنم يلودون للو يلردون امللؤمنني‬
‫إىل الكفر من بعد إمياهنم كفارا؛ حسدا من عند أنفسهم, وقد أيلد الواقلع اللذي‬
‫يعيشه الناس قدميا وحديثا هذه األحكا القرآنية املعجلزة الليت تظهلر لكلل ذي‬
‫عينني أن هذا القرآن (ال يأتيه العباطل من بني يديله وال ملن خلفله تنزيلل ملن‬
                                                                        ‫حكيم محيد), فصلت:24.‬
‫ومن اآليات اليت رصدت تلك الصفة لدى أهلل الكتلاب, وأكلدت أن الكثلرة‬
               ‫ري‬     ‫َد‬
‫منهم هبذا امليل القليب واحلنف اجلائر ما ورد يف قوله تعاىل: ( و َّ كَلِث ٌ مِلنْ َأهْلل‬
                         ‫ف‬              ‫ِ‬             ‫ك ُف‬                     ‫ُد ك ِ‬
‫الْكِتَاب لَوْ َير ُّونَ ُمْ منْ َبعْدِ إميَان ُمْ ك َّارًا حَسَدًا منْ عِنْدِ أَْن ُسِهمْ مِلنْ َبعْلدِ مَلا‬
         ‫ُلل‬                  ‫ه َ ن ل‬                       ‫ْ َح َت‬               ‫َّ هم َق ف ْف‬
‫تَعبَينَ لَ ُ ُ اْلح ُّ َاع ُوا وَاصف ُوا حَّى يَأْتِيَ اللَّ ُ بأمْرهِ إ َّ الَّلهَ عَلَلى ك ِّ شَليْ ٍ‬
                                                                                                     ‫ر‬
                                                                              ‫قَدِي ٌ ), العبقرة:(951).‬



                                                                       ‫1 - جامع العبيان: (51/ 874).‬
                                                                      ‫2 - لطائف اإلشارات:(1/ 934).‬
                                                      ‫531‬
‫(ولكن كثريا منهم ودوا أهنم يردونكم من بعد إميانكم كفارا، حسلدا ملن عنلد‬
‫أنفسهم لكم ولنعبيكم حممد صلى اهلل عليه وسلم، من بعد ما تلعبني هللم احللق يف‬
                                 ‫أمر حممد، وأنه نيب إليهم وإىل خلقي كافة.)(1)‬
‫(وقد أخرب اهلل جل ثناؤه أن كثريا منهم يودون لو يردون امللؤمنني كفلارا بعلد‬
‫إمياهنم، والواحد ال يقال له"كثري"، مبعىن الكثلرة يف العلدد، إال أن يكلون قائلل‬
‫ذلك أراد بوجه الكثرة اليت وصف اهلل هبا من وصفه هبلا يف هلذه اآليلة، الكثلرة‬
‫يف العز ورفعة املنزلة يف قومه وعشريته، كما يقال:"فالن يف النلاس كلثري"، يلراد‬
‫به كثرة املنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطلأ، ألن اهلل جلل ثنلاؤه قلد‬
‫وصفهم بصفة اجلماعة فقال: (لو يردونكم من بعلد إميلانكم كفلارا حسلدا) ،‬
‫فذلك دليل على أنه عىن الكثرة يف العدد, أو يكون ظن أنله ملن الكلال اللذي‬
‫خيرج خمرج اخلرب عن اجلماعة، واملقصود باخلرب عنه الواحد، نظلري ملا قلنلا آنفلا‬
‫يف بيت مجيل، فيكون ذلك أيضا خطلأ. وذللك أن الكلال إذا كلان بلذلك‬
‫املعىن، فال بد من داللة فيه تدل على أن ذلك معنلاه، وال دالللة تلدل يف قولله:‬
‫(ود كثري من أهل الكتاب) أن املراد بله واحلد دون مجاعلة كلثرية، فيجلوز‬
‫صرف تأويلل اآليلة إىل ذللك، وإحاللة دليلل ظلاهره إىل غلري الغاللب يف‬
           ‫االستعمال.)(2), وهذه الكثرة هي مناط السننية يف حديث القرآن الكر .‬
‫يقول اإلما القشريي معبينا مالمح السننية يف اآليلة الكرميلة: (ملن حلقله خسلران‬
                                                       ‫د‬
‫الفهم من أصحاب الغفلة و ّ أال يطلع ألحد بالسلالمة جنلم، وملن اعتلراه احلسلد‬
‫أراد أال تنعبسط على حمسوده مشس. وكلذلك كانلت صلفات الكفلار، فلأرغم اهلل‬
                                                 ‫أنفهم، وكّهم على وجوههم.)(3)‬
                                                                       ‫عب‬
                                           ‫كثري من أهل الكتاب مسرفون‬



                                                   ‫1 - جامع العبيان: (2/ 894).‬

                                                   ‫2 - جامع العبيان:(2/ 555).‬
                                               ‫3 - لطائف اإلشارات:(1/ 311).‬
                                     ‫631‬
                                    ‫ه‬             ‫ه رسل َي ُم ن‬
 ‫(.. وََلقَدْ جَا َتْ ُمْ ُ ُُنَا بالْعبِّنَاتِ ث َّ إ َّ كَِثريًا مِنْ ُمْ َبعْلدَ ذَلِلكَ فِلي الْلأَرْض‬
 ‫لَ ُسْرُونَ), املائدة:(23).أي: (أن كثريًا من ب إسلرائيل.=و"اهللا واملليم"‬                         ‫م ف‬
‫يف قوله:"مث إن كثريًا منهم"، من ذكلر بل إسلرائيل، وكلذلك ذللك يف‬
 ‫قوله:"ولقد جا هتم"بعد ذلك"، يعل : بعلد جملي رسلل اهلل بالعبينلات "يف‬
‫األرض ملسرفون"، يع : أهنلم يف األرض لعلاملون مبعاصلي اهلل، وخملالفون‬
‫ُّو اهلل ورسلله، باتعبلاعهم أهلوا َهم. وخالفهلم عللى‬                          ‫أمر اهلل وهنيه، وحملاد‬
‫أنعبيائهم، وذلك كان إسرافهم يف األرض.)(1) (أَيْ: لَلمْ ُتغْلن عَلنْ ُمْ بِّنَلاتُ‬
          ‫ه َي‬
              ‫ُ‬         ‫ال‬            ‫ري ه‬                             ‫ف ه‬
‫ُّ ُل، وَلَا هَذََّبتْ ُن ُوسَ ُمْ، َبلْ كَانَ كَِث ٌ مِنْ ُمْ َبعْدَ ذَلِكَ َّلذِي ذكِلرَ مِلنَ‬      ‫الرس‬
            ‫ي ف‬              ‫َي‬       ‫الرس‬            ‫َِ م‬
‫َّشْدِيدِ عَلَيْهمْ فِي َأمْر اْلقَتْل، ومنْ َجي ِ ُّ ُلل بالْعبِّنَلاتِ، ُسْلرُونَ فِلي‬                ‫الت‬
                                                 ‫َك‬                     ‫ئ ُر‬
‫الْأَرْض باْلقَتْل وَسَاِر ض ُوب الَْعبغْي. أ َّدَ إثْعبَلاتَ وَصْلفِ الْإسْلرَافِ لِكَلِثريٍ‬
       ‫الرس‬         ‫َي‬                      ‫الش‬                ‫َن‬                ‫ْ‬
‫مِنْ ُمْ تَأكِيدًا َبعْدَ تَأكِيدٍ ; لِأ َّ تَشْلدِيدَ َّلريعَةِ، وَتَكْلرَارَ بِّنَلاتِ ُّ ُلل،‬ ‫ه ْ‬
     ‫ُم‬                ‫ث د‬               ‫ند ه و ح م‬                                ‫َ‬
‫كَاَنتْ َتقَْتضِي عَد َ ذَلِكَ أَوْ ُ ُورَ ُ. َاْل ُكْ ُ عَلَى الْكَلِري ُونَ جَمِيلع الْأ َّلةِ‬
                     ‫الرس خ‬             ‫َ ئ َ‬                                ‫الص‬
‫منْ دقَّةِ اْلقرْآنِ فِي ِّدْق وََتحْدِيدِ اْلحقَاِق، وهَلذَا ُّ ُلو ُ فِلي الْإسْلرَافِ‬     ‫ِ ِ ُ‬
                       ‫ث‬                        ‫نس ق‬                   ‫ي ِن ُم ر ُم‬
 ‫لَا ُمْك ُ أَنْ َيع َّ َأفْ َادَ الْأ َّةِ، وَالَّا ُ ُيطِْل ُونَ وَصْلفَ الْكَلِري عَلَلى اْلجَمِيلع‬
                                                                                     ‫فِي اْلغَاِب.)(2)‬
                                                                                                 ‫ل‬
                                            ‫كثري من أهل الكتاب ضالون ومضلون عن سبيل اهلل‬
‫وصف القرآن الكر أكثر أهل الكتاب بلأهنم ضللوا وأضللوا علن سلعبيل اهلل‬
     ‫َت ع‬         ‫َلق‬               ‫ك‬             ‫ل‬                     ‫ْ‬         ‫ُ‬
‫وسوا السعبيل,(قلْ يَا َأهلَ الْكِتَاب لَا َتغُْوا فِي دِيلن ُمْ غَيْلرَ اْلح ِّ وَلَلا تَّعب ُلوا‬
                     ‫الس‬                   ‫َل‬               ‫َل ِ ل َ َل‬                   ‫ْ‬
‫َأهْوَا َ قَو ٍ قَدْ ضُّوا منْ قَْعب ُ وأَضُّوا كَِثريًا وَضُّوا عَلنْ سَلوَا ِ َّلعبيل), املائلدة:‬
                                                                                            ‫(77).‬
‫يقول:(وال تتعبعوا أيضًا يف املسيح أهوا اليهود الذين قلد ضللوا قلعبلكم علن سلعبيل‬
             ‫أم‬
‫اهلدى يف القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا:"هو لغلري رَشْلدة"، وتعبلهتوا َّله كملا‬
                                                                             ‫صد‬
  ‫بَهَُوها بالفرية وهي ِّيقة , "وأضلوا كثريًا"، يقول تعلاىل ذكلره: وأضلل هلؤال‬                      ‫ت‬


                                                                         ‫1 - جامع العبيان: (51/ 242).‬
                                                                                ‫2 - تفسري املنار: (9/ 592).‬
                                                        ‫731‬
‫اليهود كثريًا من الناس، فحادوا هبم عن طريق احللق، ومحللوهم عللى الكفلر بلاهلل‬
‫َّ هلؤال اليهلود علن‬ ‫والتكذيب باملسيح"وضلوا عن سوا السعبيل"، يقلول: وضلل‬
                                                  ‫حمج‬
‫قصد الطريق، وركعبوا غري َّة احلق. وإمنا يعل تعلاىل ذكلره بلذلك، كفلرَهم‬
‫باهلل، وتكذيعبَهم رسله: عيسى وحممدًا صلى اهلل عليه وسللم، وذهلابَهم علن اإلميلان‬
                         ‫وبع َهم منه. وذلك كان ضالهلم الذي وصفهم اهلل به.)(1)‬
                                                                          ‫د‬
                                                                                  ‫أكثر أهل الكتاب ال يؤمنون‬
    ‫َ ُل‬
‫وصف القرآن الكر أهل الكتاب بأن أكثرهم ال يؤمنلون, فقلال: (أَوكَّمَلا‬
                                 ‫ُه ي ْ ن‬                     ‫هف ق ه‬                           ‫ع د‬
            ‫َاهَ ُوا عَهْدًا نَعبَذَ ُ َري ٌ مِنْ ُمْ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا ُؤمُِونَ), العبقرة: (551).‬
‫أي:(بل أكثر هؤال - الذين كلما عاهدوا اهلل عهدا وواثقوه موثقلا، نقضله فريلق‬
                                                                               ‫منهم - ال يؤمنون.)(2)‬
                                                         ‫2-كثري من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا‬
            ‫َّ َ ه ف ه‬                              ‫الذ َ َر‬                     ‫ه‬
     ‫يقل (تعاىل(: (َترَى كَِثريًا مِنْ ُمْ يَتَوَلَّوْنَ َّ ِينَ كف ُوا لَعبْئسَ مَا قَدمتْ لَ ُمْ أَْن ُسُ ُمْ أَنْ‬
      ‫ل َالن ي َ‬                ‫ْن‬                            ‫د‬            ‫ه‬                    ‫َ‬         ‫ه‬
  ‫سخِطَ اللَّ ُ عَلَيْهمْ وفِي اْلعَذَاب ُمْ خَالِ ُونَ (58) وَلَوْ كَانُوا يُؤمُِونَ بالَّهِ و َّعب ِّ ومَا‬      ‫َ‬
                                                  ‫ه ِق‬                  ‫ِن‬                      ‫َّ ذ ه‬
              ‫ُنْزلَ إلَيْهِ مَا اتخَ ُو ُمْ أَوْلِيَا َ وَلَك َّ كَِثريًا مِنْ ُمْ فَاس ُونَ), املائدة: (58,18).‬   ‫أ‬
                                   ‫َ‬             ‫ال‬
‫(تَرى كَِرياً مِنْ ُمْ قال مقاتل: يع : اليهود يَتَوَلَّوْنَ َّلذِينَ كفَلرُوا ملن مشلركي‬            ‫ث ه‬
   ‫َل ْ َ ال َ َ ر‬
‫العرب. وقال الكلليب: تَلرى كَلثِريًا ملن املنلافقني َيَتوَّلون َّلذِين كفَل ُوا‬
                                       ‫ل ه‬            ‫َ‬       ‫َّ َ ه فسه‬
‫يع :اليهود، لَعبْئسَ مَا قَدمتْ لَ ُمْ أَْن ُ ُ ُمْ أَنْ سخِطَ الَّل ُ عَلَليْهمْ معنلاه: لعبلئس‬
‫الفعل الذي كانوا يستوجعبون به السخط من اهلل تعلاىل، ويوجلب هللم العقوبلة‬
                                            ‫والعذاب وفِي اْل َذاب ُمْ خالِ ُونَ يع : دائمون.)(3)‬
                                                                              ‫د‬           ‫َ ع ه‬
    ‫كثري من األحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اهلل‬
‫أكد القرآن الكر للمؤمنني أن كثريا ملن أهلل الكتلاب يلأكلون أملوال‬
‫الناس بالعباطل عن طريق الرشا والربا والسلحت, ويزعملون ألتعبلاعهم أهنلم‬


                                                                        ‫1 - جامع العبيان: (51/ 784, 784).‬
                                                                               ‫2 - جامع العبيان: (2/ 554).‬
                                                                                      ‫3 - حبر العلو : (1/ 114).‬
                                                          ‫831‬
‫يفتوهنم من الوحي, وينفروهنم عن الدخول يف اإلسال , وأكلد واقلع النلاس‬
      ‫َن‬          ‫َي ال‬
‫قدميا وحديثا هذه الصفة يف أهل الكتاب, قال تعاىل: (يَلا أُّهَلا َّلذِينَ آمَُلوا‬
             ‫ُلد‬                               ‫ن‬              ‫ْكل‬          ‫و ُّ‬                   ‫ِ‬
‫إ َّ كَِثريًا منَ الْأَحْعبَار َالرهْعبَانِ لَيَأ ُُونَ َأمْوَالَ الَّاس بالْعبَاطِلل وََيص ُّونَ عَلنْ‬     ‫ن‬
                                      ‫ِق‬                 ‫َّ َ و ِض‬            ‫ز‬             ‫َالذ‬
‫سَعبيل اللَّهِ و َّ ِينَ يَكْن ُونَ الذهبَ َاْلف َّةَ وَلَلا يُْنف ُونَهَلا فِلي سَلعبيل اللَّلهِ‬
                                                                                                      ‫ِّ ْه‬
                                                            ‫فَعبَشر ُمْ بعَذَابٍ أَلِيمٍ ), التوبة:(43).‬
     ‫ْكل‬                     ‫َّ‬              ‫ه‬               ‫ْ ئ‬             ‫ِ ع و ُر ِ‬
‫(إ َّ كَِثريًا منَ اْل ُلَمَا ِ َاْلق َّا ِ منْ بَني إسرَاِيلَ مِلنَ الْيَ ُلودِ وَالنصَلارَى {لَيَلأ ُُونَ‬         ‫ن‬
                                   ‫ق ل خ ذ الر‬
‫أَمْوَالَ الَّاس بالْعبَا ِل} [التوبلة: 43] َي ُلو ُ: يَأْ ُل ُونَ ُّشَلى فِلي أَحْكَلامِهمْ،‬     ‫ط‬          ‫ن‬
                                                 ‫كت ُلم ق ل‬                        ‫تعب‬
‫وَُي َرُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكُُْونَ بأَيْدِيهمْ ُُعبًا ث َّ َي ُوُلونَ: هَلذِهِ مِلنْ عِنْلدِ اللَّلهِ،‬     ‫ح ِّف‬
                                ‫ل‬                           ‫ُد‬                  ‫ِ َ‬
 ‫وَيَأْ ُ ُونَ بهَا ثَمَنًا قَلِيلًا منْ سفَلَتِهمْ. {وََيص ُّونَ عَلنْ سَلعبيل الَّلهِ} [األنفلال: 74]‬         ‫خذ‬
                ‫َي ُو ُ: وَيَمَْن ُونَ منْ أَ َادَ ُّ ُولَ فِي الْإسَْا ُّ ُولَ فِيهِ بَيْنَ ُمْ إَّا ُمْ عَنْ ُ)(1)‬
                     ‫ه يه ه‬                             ‫ل الدخ‬                  ‫ع َ ر الدخ‬                         ‫قل‬
‫(قال السدي: األحعبار اليهود، والرهعبان النصلارى. وقلال ابلن ععبلاس: «األحعبلار‬
                                                               ‫العلما ، والرهعبان أصحاب الصوامع»)(2) .‬
                   ‫ق‬                                ‫و َ‬                        ‫و ِل َّ ر ِ الت عب‬
 ‫( َاْلحَاص ُ التحْذِي ُ منَ َّشَُّهِ بهمْ فِي أَحْل َالِهمْ وَأقْلوَالِهمْ؛ وَلِهَلذَا َلالَ َتعَلالَى:‬
              ‫ْكل اللد اللد َ‬                                  ‫ط َ َنه‬                          ‫ن‬
‫{لَيَأ ُُونَ َأمْوَالَ الَّاس بالْعبَا ِل} وذَلِكَ أَّ ُلمْ يَلأ ُُونَ ُّنْيَا ب ِّين ومَنَاصِلعبهمْ‬            ‫ْكل‬
                          ‫ه‬                                             ‫وه‬             ‫ْكل‬          ‫ن‬
 ‫وَريَاسَتِهمْ فِي الَّاس، يَأ ُُونَ َأمْ َالَ ُمْ بذَلِكَ، كَمَا كَانَ لِأَحْعبَلار الْيَ ُلودِ عَلَلى َأهْلل‬
       ‫َم ع‬                                   ‫ض بت‬                  ‫ج ِي َ ف ه ُه َ َ‬
‫اْل َاهِلَّةِ شرَ ٌ، وَلَ ُمْ عِنْد ُمْ خرْج وهَدَايَا وَ َلرَاِئ ُ َجلي ُ إلَليْهمْ، فَل َّلا َب َلثَ‬
           ‫َُ‬                                 ‫َر‬                         ‫ل مه‬              ‫ت الل‬
‫اللَّ ُ رَ ُولَ ُ، صَلَوَا ُ َّهِ وَسَلَا ُ ُ عَلَيْلهِ (4) اسْلتَم ُّوا عَلَلى ضَللَالِهمْ وكفْلرهِمْ‬      ‫ه س ه‬
   ‫النُلو‬          ‫ل ه ن‬              ‫ت َْ‬                    ‫الر‬         ‫ه‬                    ‫َ ه‬
‫وعِنَادهِمْ، طَمعًا مِنْ ُمْ أَنْ تَْعبقَى لَ ُمْ تِلْكَ ِّيَاسَلا ُ، فَأَطفَأهَلا الَّل ُ بُلور ُّعب َّةِ،‬       ‫َ ِ‬
                         ‫وَسَلَعبَ ُمْ إَّاهَا، وعَ َّضَ ُمْ ب ِّلَّةِ َالْمَسْكَنَةِ، وَبَا ُوا بغضبٍ منَ الَّهِ.)(3)‬
                                  ‫ََ ِ ل‬                                   ‫ه ي َ و ه الذ و‬
    ‫َ ئ َلر‬                                             ‫ه د‬          ‫ث‬                   ‫ُ‬          ‫ج‬
‫( َإسْنَا ُ هَذِهِ اْل َرميَةِ الْمزْريَةِ إلَى الْكَِريينَ مِنْ ُمْ ُونَ جَمِليعِهمْ مِلنْ دقَلاِق َتح ِّي‬    ‫و د‬
                                              ‫ُم‬          ‫كم‬           ‫ه‬         ‫ع‬
 ‫اْلح ِّ فِي عِعبَارَاتِ الْكِتَاب اْل َزيز، فَ ُوَ لَا َيحْ ُ ُ عَلَى الْأ َّلةِ الْكَلعبريَةِ بفَسَلادِ جَمِيلع‬  ‫َق‬



                                                                 ‫1 - جامع العبيان: (11/ 424).‬
                      ‫2 - حبر العلو : (2/ 45), وانظر: الكشف والعبيان عن تفسري القرآن: (5/ 73).‬
                                                                             ‫3 - تفسري ابن كثري: (4/ 831).‬
                                                        ‫931‬
                     ‫َ‬           ‫ث‬                     ‫ي د‬                  ‫ظ‬            ‫ْ‬               ‫ْر ِ‬
‫َأف َادهَا أَوْ فِسقِهمْ أَوْ ُلْمِهمْ، َبلْ ُسْلن ُ ذَلِلكَ إلَلى الْكَلِري أَو الْلأكْثَر، أَوْ ُيطْلِلقُ‬
                                                                  ‫اللفْظَ اْل َا َّ ث َّ يَسْتَثْني مِنْ ُ،)(1)‬
                                                                         ‫ه‬               ‫َّ ع ُم‬
‫فهؤال األحعبار والرهعبان جيعلون من أنفسهم وجيعلهم قلومهم أربابلاً تتعبلع وتطلاع‬
                       ‫وهم فيما يشرعون يأكلون أموال الناس بالعباطل ويصدون عن سعبيل اهلل.‬
                                          ‫وأكل أموال الناس كان يتمثل يف صور شىت وما يزال:‬
‫(منها ما يأخذونه على فتاوى حتليل احلرا وحتر احلالل لصلاحل ملن ميلكلون امللال‬
‫أو السلطان. ومنها ما يأخذه القسيس أو الكلاهن مقابلل االعتلراف لله باخلطايلا‬
‫وغفرانه- بالسلطان املخول للكنيسة يف زعمهلم- لتللك اخلطايلا! ومنلها الربلا-‬
‫وهو أوسع أبواهبا وأبشعها- وغريها كثري.كذلك ملا جيمعونله ملن أملوال النلاس‬
‫حملاربة دين احلق وقد كان الرهعبان واألساقفة والكرادللة والعبلابوات جيمعلون مئلات‬
‫املاليني يف احلروب الصليعبية، وما يزالون جيمعوهنا للتعبشلري واالستشلراق للصلد علن‬
                                                                                                ‫سعبيل اهلل.‬
‫...والكثري من األحعبار والرهعبان يكنزون هذه األموال الليت يأكلوهنلا بالعباطلل. وقلد‬
‫شهد تاريخ هؤال الناس أمواالً ضخمة تنتهي إىل أيلدي رجلال اللدين وتلؤول إىل‬
‫الكنائس واألديرة. وقد جا عليهم زمان كانوا أكثلر ثلرا ملن املللوك املتسللطني‬
                                                                              ‫واألباطرة الطغاة!)(2)‬
                                                       ‫صلة اجلن باإلنس وعالقتها بالكثرة‬
‫ومن األصول اجلامعة يف الكثرة ما يتعلق بصلة اجللن بلاإلنس, وقلد ورد يف القلرآن‬
‫الكر ما يعبني صلتهم هبم بصورة كاشفة سننية ماضلية, للدالالت اآليلات وتأكيلد‬
‫الواقع املعيش, ومن ذلك: بيان أن اجلن يستكثرون من اإلنلس وأن اإلنلس خيلربون‬
‫يو القيامة بأهنم استمتع بعضهم بعبعض, بيان إضالل كثري من اجللن لإلنلس, وأهنلم‬
‫يوحون إىل أوليائهم ليجادلوا املؤمنني, وان اإلنس يلقلون إلليهم السلمع, وأكثلرهم‬



                                                                           ‫1 - تفسري املنار: (51/ 443).‬
                                                     ‫2 - يف ظالل القرآن: (3/ 5491), بتصرف يسري.‬
                                                     ‫041‬
‫كاذبون, وبيان أن كثريا من اجلن واإلنس وقلود جهلنم, وميكلن أن نتتعبلع تللك‬
                                                 ‫الضوابط على النحو التا :‬
                                                                ‫إضالل اجلن لكثري من اإلنس‬
‫أبان القرآن الكر يف أصوله اجلامعة أن اجللن يضللون كلثريا ملن اإلنلس, فقلال‬
        ‫َق‬                    ‫ت‬                ‫َ َ لن ق‬                         ‫ُ ُه م‬
‫تعاىل:(وَيَو َ َيحْشر ُمْ جَ ِيعًا يَا معْشرَ الْج ِّ َلدِ اسْلتَكَْثرُْمْ مِلنَ الْلإنْس وَلالَ‬     ‫ْ‬
        ‫ق‬               ‫َج‬       ‫ال‬                      ‫ْض ْ‬                         ‫َب‬             ‫ُه ِ‬
‫أَوْلِيَاؤ ُمْ منَ الْإنْس رَّنَا اسْتَمْتَعَ َبع ُنَا بَعبعضٍ وَبََلغْنَا أَجَلَنَلا َّلذِي أ َّلْلتَ لَنَلا َلالَ‬
                                  ‫م م‬               ‫ه ن َب‬                                 ‫د‬         ‫الن ر و ك‬
             ‫َّا ُ مَثْ َا ُمْ خَالِ ِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَا َ اللَّ ُ إ َّ رَّكَ حَكِي ٌ عَلِي ٌ),األنعا : (821).‬
           ‫ت‬                 ‫لن‬           ‫يَش‬                 ‫عب‬           ‫ع‬                   ‫َق ِي ن‬
‫(وَالَ عَل ُّ ْب ُ أَبي طَ ْلحَةَ َن ابْن عََّلاسٍ: (َامعْ َلرَ الْج ِّ قَلدِ اسْلتَكَْثرُْمْ مِلنَ‬
               ‫ة‬       ‫ن َ‬              ‫ق ُج ه د‬                  ‫َ‬               ‫ت ه‬
 ‫الْإنْس) َيعْني أَضْلَلُْمْ مِنْ ُمْ كَِثريًا. وكَذَلِكَ َالَ م َا ِل ٌ وَاْلحَسَل ُ وقَتَلادَ ُ. انْتَهَلى.‬
                       ‫ن‬           ‫َ ِري‬              ‫عبه َ م‬                     ‫ره ذ ث‬
‫فَالِاسْتِكْثَا ُ ُنَا أَخْ ُ الْكَِري لَا طَلَُ ُ، كقَوْلِه ُ اسْتَكَْثرَ الْلأم ُ مِلنَ اْلجُُلودِ، أَيْ أَخَلذَ‬
                  ‫عب‬       ‫عه‬            ‫و ُر د َنه م‬                    ‫َ‬             ‫َف ن ِ َّع‬
‫كَِثريًا، وُلَا ٌ منَ الط َا أَيْ َأكلَ كَِثريًا. َالْم َا ُ أَّ ُل ُ اسْلتَتَْعب ُو ُمْ بسَلَب إضْللَالِهمْ‬
           ‫ات ع ه‬                             ‫َر ْ‬                  ‫ي ه َح ِر َ ه َن م َّ ِ‬
‫إَّا ُمْ ف ُش ُوا معَ ُمْ ; لِأ َّ الْ ُكَلفنيَ ُيحْش ُونَ يَو َ اْلقِيَامَلةِ مَلعَ مَلن ََّعب ُلو ُمْ فِلي‬
                                                            ‫اْلح ِّ َاْلخَيْر أَوْ فِي الْعبَا ِل َالش ِّ.)(1)‬
                                                                      ‫ط و َّر‬                            ‫َق و‬
‫(وهكذا جند تعبادل استمتاع من خالف منهج اهلل، هلؤال إغلوا ٍ وسليادة، يلأمروهنم‬
‫بعمل األشيا املخالفة ملنهج اهلل، وهؤال يستمتعون هبلم حيققلون هللم شلهواهتم يف‬
‫صور تدين، فيقولون هلم: اععبدوا األصلنا ، واععبلدوا الشلمس، واععبلدوا القملر،‬
‫فيفعلون. وذلك يرضي فيهم غريزة االنقياد التدي ؛ ألن كلل نفلس مفطلورة عللى‬
  ‫أن ترتعبط بقوة أعلى منها؛ ألن اإلنسان إذا نظر لنفسله وإىل أقرنائله وجلدهم أبنلا‬
‫أغيار؛ الواحد منهم يكون اليو صحيحاً وغداً مريضاً، ويكلون اليلو غنيلاً وغلداً‬
 ‫ب‬
‫فقرياً، فمال الذي يضمن للنفس العبشرية محاية من هذه األغيلار؟.إن اإلنسلان حيل ّ‬
                      ‫أن يلجأ ويرتعبط بقَو ّ؛ حىت إذا جا ت هذه األغيار كانت سنداً له.)(2)‬
                                                                                      ‫ي‬
‫(واملراد أهنم استتعبعوهم بسلعبب إضلالهلم إيلاهم فحشلروا معهلم، ألن املكلفلني‬
‫حيشرون يو القيامة مع من اتعبعوهم يف احلق واخللري، أو يف العباطلل والشلر.(وَقلالَ‬


                                                                                  ‫1 - تفسري املنار: (8/ 95).‬
                                                                        ‫2 - تفسري الشعراوي: (7/ 1493).‬
                                                       ‫141‬
                                                    ‫ْض ْ‬                       ‫َب‬
‫أَوْلِياؤ ُمْ منَ الْإنْس رَّنَا اسْتَمْتَعَ َبع ُنا بَعبعضٍ) أي وقلال اللذين توللوا اجللن ملن‬ ‫ُه ِ‬
‫اإلنس ىف جواب الرب تعاىل: ربنا متتع كل منا باآلخر مبا كان للجلن ملن الللذة ىف‬
‫إغوائنا باألباطيل وأهوا األنفس وشهواهتا، ومبا كلان لنلا يف طاعتلهم ووسوسلتهم‬
‫من اللذة ىف اتعباع اهلوى واالنغماس ىف اللذات، قال احلسلن العبصلري: وملا كلان‬
                 ‫استمتاع بعضهم بعبعض إال أن اجلن أمرت وعملت اإلنس )(1)اهل.‬
‫ومن تععبريات القرآن الكر عن إضالل اجلن والشياطني خللق كلثري ملن اإلنلس‬
                        ‫كن ْل‬                                       ‫َل ك‬
         ‫قوله تعاىل:(وََلقَدْ أَض َّ مِنْ ُمْ جعبلًّا كَِثريًا َأفَلَمْ تَ ُوُوا َتعقُِونَ), يس: (29).‬
‫(ولقد صد الشيطان منكم خلقًا كلثريا علن طلاعيت، وإفلرادي باأللوهلة حلىت‬
                                                 ‫ععبدوه، واختذوا من دوين آهلة يععبدوهنا.)(2)‬
                                            ‫كثري من اجلن واإلنس وقود جهنم وأسباب ذلك‬
 ‫بني القرآن الكر يف أصوله اجلامعة أن كثريا من اجللن واإلنلس وقلود جهلنم,‬
 ‫معبينا أسعباب ذلك وهي أهنم ال يفيدون من حواسلهم الليت رزقهلم اهلل إياهلا,‬
‫فال يفقهون بقلوهبم,وال يعبصرون بأعينلهم, وال يسلمعون بلآذاهنم, وأنلزل اهلل‬
‫تعاىل درجتهم عن العبشرية إذ مل يفيدوا مما خلقه اهلل هللم, فهلم كالنعلا , بلل‬
‫هم أضل منهم ألن األنعا مل تعط حواسا تعينلها عللى اللوعي والعبصلر, قلال‬
             ‫ْه‬         ‫ه ق ب‬                  ‫نو‬            ‫ِ‬             ‫َن‬        ‫َ‬
‫تعاىل:(وََلقَدْ ذَرأْنَا ِلجَهَّمَ كَِثريًا منَ الْج ِّ َالْإنْس لَ ُمْ ُلُلو ٌ لَلا َيفقَ ُلونَ بهَلا‬
     ‫ه‬                                     ‫َع‬          ‫ه َ ن‬                   ‫ه ن ي ِر‬
‫وَلَ ُمْ َأعُْي ٌ لَا ُْعبص ُونَ بهَا وَلَ ُمْ آذَا ٌ لَا يَسْم ُونَ بهَا أُولَئِكَ كَالْأَْنعَلا بَللْ ُلمْ‬
                                                                              ‫هم ل‬
                                             ‫أَض ُّ ُولَئِكَ ُ ُ اْلغَافُِونَ),األعراف: (971).‬     ‫َل أ‬
 ‫وهؤال يف الدنيا عن احلق تائهون, وعن الصراط نلاكعبون, ويف الغلي يعمهلون,‬
                                                      ‫ر‬
‫(هم- اليو - ىف جحيم اجلحود، مقل ّنني ىف أصلفاد اخللذالن، ملعبسلني ثيلاب‬
‫احلرمان، طعامهم ضريع الوحشة، وشراهبم محيم الفرقلة، وغلداً هلم ىف جحليم‬
                                                                                            ‫احلرقة)(3)‬


                                                                              ‫1 - تفسري املراغي: (8/ 82).‬
                                                                          ‫.‬‫- جامع العبيان: (52/ 345)‬           ‫2‬



                                                                   ‫3 - لطائف اإلشارات:(1/ 985).‬
                                                      ‫241‬
‫(هم الكفار من الفريقني املعرضون عن تدبر آيلات اهلل واهلل تعلاىل عللم منلهم‬
‫اختيار الكفر فشا منهم الكفر وخللق فليهم ذللك وجعلل مصلريهم جهلنم‬
‫لذلك, وال تنايف بني هذا وبني قوله و ملا خلقلت اجللن واإلنلس إال ليععبلدون‬
‫ألنه إمنا خلق منهم للععبادة من علم أنه بعديه وأنا من عللم أنله يكفلر بله فإمنلا‬
‫خلقه ملا علم أنه يكون منه فاحلاصل أن من علم منله يف األزل أنله يكلون منله‬
‫الععبادة خلقه للععبادة ومن علم منه أن يكون منه الكفر خلقله للذلك وكلم ملن‬
                                                    ‫عا ٍ يراد به اخلصوص)(1)‬




                                  ‫املبحث الرابع‬

                                ‫سنن اهلل يف الكثرة‬

‫املتأمل آليات الكثرة يف القرآن الكر جيد خيطلا دقيقلا رقيقلا يربطهلا, وسلياجا‬
‫واضحا حيكم صورهتا, مبا يؤكد السننية فيها ,وأن اآليلات متضلي بطريقلة يكملل‬
‫بعضها بعضا, ويؤكد بعضها بعضا يف غري تنافر وال غرابة, بل الكلل ميضلي ليؤكلد‬
‫هدفا واحدا, ويسعى ليؤدي رسالة واضحة, وميكن أن نتلابع رسلم تللك الصلورة‬
                                                             ‫الرائقة الفائقة يف خطوتني:‬

                                         ‫األوىل: مالمح الترابط السن يف آيات الكثرة‬

                                             ‫الثانية: األصول اجلامعة لسنن اهلل يف الكثرة‬

                                               ‫وميكن أن نتناول ذلك على النحو اآليت:‬


                                      ‫1 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (1/ 919).‬

                                       ‫341‬
                                       ‫أوالً: مالمح الترابط السنين يف آيات الكثرة:‬

‫وإذا نظرنا إىل آيات الكثرة وتفحصنا سريها ودالالهتا, رأينلا أهنلا متضلي يف خلط‬
‫واحد, وهتدف إىل رسالة واضحة, يف كلل اآليلات الكرميلة, مبلا يلربز السلننية‬
‫الواضحة والقاعدية املطردة, فهي مثالً تأيت يف مواطن لو قو نلوح لله عللى كثلرة‬
‫جداله هلم, وإحلاحه يف دعوهتم إىل, ورد يف ملوطن وصلف قلو فرعلون اللذين‬
‫طغوا يف العبالد فأكثروا فيها الفساد, ويف موطن لو اهلل تعلاىل للضلالني ملن اجللن‬
‫الذين استكثروا من اإلنس ووصف أكثر الناس بلأهنم يضللون علن سلعبيل اهلل, وأن‬
‫أكثر اجلن واإلنس ذرأهم جلهنم,وبيان أن كثريا من النلاس علن آيلات اهلل غلافلون,‬
‫وبيان أن كثريا من اخللطا يعبغي بعضهم عللى بعلض, وبيلان أن أكثلر النلاس ال‬
   ‫أكثل‬     ‫يعلمل‬   ‫أكثل‬     ‫يعقلل‬   ‫أكثل‬       ‫يشل‬
‫لكرون, وأن لرهم ال لون, وأن لرهم ال لون, وأن لرهم‬
‫جيهلون, وأن أكثرهم فاسقون, وأن أكثلرهم ال يعقللون, وبيلان أنله ال يسلتوي‬
‫اخلعبيث والطيب ولو أعجعبت الرائي كثرة اخلعبيث, املتتعبع هللذه اآليلات الكرميلة جيلد‬
‫اخليط الذي يربطها واحملور الذي تدور حوله هلو وصلف أكثلر النلاس ووصلف‬
‫أكثر أهل الكتاب وهو من وصف العبعض بعد الكل أو وصلف اخللاص بعلد العلا ,‬
‫ووصف صلة اجلن باإلنس, ووصف ملفردات ملن األشليا متجانسلة كملا ملر يف‬
‫صلب العبحث منت,مبا يشعر الناظر املتأمل أن هذه السلنة متكامللة املعلامل واضلحة‬
                                               ‫املالمح بينة القسمات, جلية الصفات.‬

                                   ‫ومن بينات الداللة السننية يف تلك اآليات ما يأيت:‬

‫تععبريات القرآن الكر نفسله عنلها جبلال ووضلوح بألفلاظ تؤكلد‬                ‫1-‬
‫سننيتها مثل التععبري عنها باألحكا العامة اليت تتسلم بالشلمول والعملو ,‬



                                       ‫441‬
‫والقابلة للتطعبيق يف أفراد كثرية مثل: (أكثلر النلاس), (أكثلرهم),(كلثري‬
                          ‫حل‬
         ‫منهم), وحنو ذلك من الععبارات اليت تعبني السننية وا ُكْمية يف الداللة.‬
‫األحكا املطلقة الواردة يف اآليات, (أكثرهم, كثري, أكثلر النلاس,كلثري‬                   ‫2-‬
‫منهم, ), وهذا اإلطالق الذي تعرب عنه اآليات الكرميلة مسلة ملن مسلات‬
‫السنن الربانية, وخصيصة من خصائصلها, سلوا كانلت سلننا تتعللق‬
              ‫بالكون واحلياة, أو سننا اجتماعية, أو تارخيية, فردية أو مجاعية.‬
‫كما أن من بينات الداللة السننية يف آيلات القللة والكثلرة, ملا ورد يف‬                  ‫3-‬
‫تعقيب القرآن على كثري من اآليات اليت تتناول وصف تللك السلنة,ملن‬
‫مثل قوله (تعاىل) بعد احلديث عن قو طالوت وقصة اللذين خرجلوا ملن‬
‫ديار وهم ألوف حذر املوت: (تللك آيلات اهلل نتللوا عليلك بلاحلق‬
                                            ‫وإنك ملن املرسلني), العبقرة:252.‬
‫بلفظ (اآليات),يقول ابن القيم يف زاد املسلري: (أي: نقل عليلك‬
                             ‫ُ ِ ح م‬                       ‫ون‬
 ‫من أخعبار املتقدمني. َإَّلكَ لَمِلنَ الْمرْسَللنيَ ُك ُلك حكمهلم، فملن‬
 ‫صدقك، فسعبيله سعبيل من صلدقهم، وملن عصلاك، فسلعبيله سلعبيل ملن‬
                                                                      ‫عصاهم.)(1)‬
                                                                     ‫ت‬
‫(تِلْكَ آيا ُ اللَّهِ إشارة إىل ما ق من حديث األلوف ومتليك طالوت وإتيان‬
               ‫َق‬                   ‫ل‬           ‫د‬
‫التابوت واهنزا اجلعبابرة وقتل داو ُ جالوت نَتُْوها عَلَيْكَ باْلح ِّ بالوجه املطابق‬
                              ‫الذي ال يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ.)(2)‬
    ‫وتلك كلها عني السنن الربانية يف خصائصها وبياهنا ويف داللتها وتعبريها.‬

‫وقد عقب اهلل تعاىل هذه السنن الواردة يف قصة األلوف واملأل من بل إسلرائيل ملن‬
‫بعد موسى بقوله: (ولوال دفع اهلل الناس بعضهم بلعبعض لفسلدت األرض ولكلن اهلل‬

                                           ‫1 - زاد املسري يف علم التفسري: (1/ 722).‬
                                       ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
                                           ‫541‬
                    ‫ْع‬                       ‫َن‬
‫ذو فضل على العاملني), العبقرة:152.(أَيْ: لَوْلَلا أ َّ اهللَ َتعَلالَى يَلدفَ ُ َأهْللَ الْعبَاطِلل‬
            ‫ل‬          ‫ل‬               ‫ل‬            ‫َ‬                            ‫َق ْ‬              ‫َ‬
‫بأهْل اْلح ِّ، وََأهلَ اْلفَسَادِ فِي الْأَرْض بأهْلل الْإصْلَاح فِيهَلا َلغََلبَ َأهْل ُ الْعبَاطِلل‬
         ‫ه م الس‬        ‫َت ك‬             ‫الص ِ َ َْع‬                                                ‫و‬
‫َالْإفْسَادِ فِي الْأَرْض، وََبغَوْا عَلَى َّاِلحنيَ وأَوق ُوا بهمْ حَّى يَ ُلونَ لَ ُل ُ ُّل ْلطَانُ‬
                                             ‫َ‬                    ‫ِ‬       ‫ض‬           ‫س‬           ‫َه‬
‫وَحْد ُمْ، فََتفْ ُدَ الْأَرْ ُ بفَسَادهِمْ، فَكَانَ مِلنْ فضْلل اهللِ عَلَلى اْلعَلالَمَيْن وَإحْسَلانهِ‬
     ‫ِ‬     ‫َ‬          ‫ِّ ُ ِ ِ َ‬          ‫ِ‬          ‫ْ َِ َ ْ ِ َ َ‬         ‫الن‬
‫إلَى َّاس َأجمعني َأن َأذن ِلأهْلل دِينله اْلحَلق اْلمصْللحني فِلي الْلأرْض بقتَلال‬
                     ‫ُ د َ ْل َق َ ب َ‬                                  ‫ف و‬             ‫ِ‬           ‫ُ د‬
‫الْمفْسِ ِينَ فِيهَا منَ الْكَاِرينَ َالُْعبغَاةِ الْمعْتَ ِينَ، فَأه ُ اْلح ِّ حرْ ٌ لِأهْلل الْعبَاطِلل فِلي‬
                                                   ‫َر َق َ ر د‬                    ‫هلل ِ ُه‬            ‫ُل َ‬
                    ‫ك ِّ زمَانٍ، وَا ُ نَاصر ُمْ مَا َنص ُوا اْلح َّ وأَ َا ُوا الْإصْلَاحَ فِي الْأَرْض)(1)‬

‫الذي تدور عليه آية الكثلرة أو تعقلب عليله‬                         ‫التععبري القرآين عن الشخ‬              ‫4-‬
‫بالوصف ال باالسم وال بالرسم, مما يعطلي مشلوال لكلل ملن وصلف‬
‫وصفه, ونسج على منواله, وتلك واضحة يف علد ذكلر اسلم فرعلون‬
‫الذي عقب اهلل تعاىل على إغراقه بقوله(فلاليو ننجيلك بعبلدنك لتكلون‬
‫ملن خلفك آية),حىت ميضي وصفه على كل (فرعون) ملا بقيلت احليلاة,‬
‫وتلك بعض مالمح السننية يف القرآن الكر , فهلي ال حتلدد االسلم, وال‬
‫الزمان, وال املكان؛ حىت يفيد النلاس ملن الوصلف, وال يتوقفلوا عنلد‬
‫االسم والرسم, ولكن أكثر الناس غافلون عن هذه العلرب, وتللك الفوائلد‬
                      ‫اليت تعبقى ما بقي اإلنسان, وتتعاقب ما تعاقب الليل والنهار.‬
‫كثرة التأكيدات يف التعقيب على بعض آيات الكثرة لفتلا ألنظلار النلاس‬                                      ‫5-‬
‫وبيانا لسننية اآليات الكرمية مما يلدعو إىل لفلت أنظلار النلاس إليهلا‬
‫وتنعبيههم إىل اإلفادة منها؛ ألهنا تتكرر مع غريه كملا حلدثت لله, كملا‬
‫يقول صاحب املنار يف بيان أثلر املؤكلدات اللواردة يف شلأن فرعلون:‬

                                                                  ‫تفسري املنار: (2/ 983).‬       ‫-‬
                                                                                                    ‫1‬




                                                    ‫641‬
   ‫نه‬                  ‫ُلو الت‬               ‫ِدة َ‬                              ‫َك ه الت ْ‬
‫(وَأ َّدَ ُ هَذَا َّأكِيدَ لِمَا َتقَْتضِيهِ ش َّ ُ اْلغفْلَةِ مِلنْ ق َّةِ َّنْعبيلهِ، أَيْ إَّ ُلمْ‬
                      ‫َك ر‬                     ‫ِلد ظه‬                         ‫د َ‬
‫لَشَدِي ُو اْلغفْلَةِ عَنْهَا عَلَى ش َّةِ ُ ُورهَلا فَلَلا يََتف َّل ُونَ فِلي أَسْلعبَابهَا‬
              ‫ُلر‬        ‫ن‬               ‫ر‬                                            ‫ئ‬
‫وَنَتَاِجهَا وَحِكَم اهللِ فِيهَا، وَلَلا َيعْتَعبل ُونَ بهَلا، وَإَّمَلا يَم ُّونَ عَلَيْهَلا‬
 ‫َ َ‬           ‫َ َ‬               ‫َ‬     ‫ع‬                           ‫ُر‬              ‫ُ ِ‬
 ‫معْرضنيَ كَمَا يَم ُّونَ عَلَى مَسَلارح الْأَْن َلا ، وفِيلهِ ذ ٌّ لِ ْلغفْلَلةِ، وعَلد‬
           ‫ل‬                     ‫س َ‬
‫التف ُّر فِي أَسْعبَاب اْلحَ َادِ ِ وعَ َاقِعبهَا وَاسْتِبَاَنةِ ُنننِ اهللِ فِيهَنا، لِ ِاعْتِبَنارِ‬
                                                            ‫َو‬         ‫و‬                      ‫َّ َك‬
                                                                             ‫وَال ِّ َاظِ بِ َا.)(1)‬
                                                                                   ‫ِاتع ه‬

                                                             ‫ثانيا: األصول اجلامعة لسنن اهلل يف الكثرة‬

‫بعد رصد اآليات اليت تناولت الكثرة: مكية ومدنية, وسلوا كانلت تللك الكثلرة‬
‫يف األمم, أو األفراد أو األشيا ودرسلها وتأملل دالالهتلا ميكلن أن نسلتخل يف‬
              ‫نقاط السنن املاضية واألصول اجلامعة يف قضية الكثرة على النحو التا :‬



                    ‫أن الكثرة مشلت يف آياهتا األفراد واألمم,واألشيا واألشخاص.‬                           ‫1-‬
           ‫أن منها ما يتعلق بالناس, ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب,ومنها ما يتعلق‬                           ‫2-‬
  ‫باجلن,ويف كل متضي يف سننية مطردة تزيدها احلياة تأكيدا, خاصة يف املقدور‬
                                             ‫على معرفته من واقع الناس وأحدا احلياة.‬
     ‫أن الكثرة تكون حممودة إذا كانت فيما يفيد كالكثرة يف عدد القعبيل واآلل‬                              ‫3-‬
                            ‫الذين يستعان هبم يف قضا املراد, والتغلب على األعدا .‬
‫أن الكثرة تكون حممودة إذا كان العدد فيها ال يؤثر على النوع, والكم فيها ال‬                               ‫4-‬
                                                           ‫يفسد الكيف,بل يدعمه ويقويه.‬
                                ‫أهنا تكون حممودة يف استجالب اخلري, واحلرص عليه.‬                         ‫5-‬


                                                                        ‫1 - تفسري املنار: (11/ 593).‬
                                                       ‫741‬
               ‫أهنا تكون حممودة يف باب ذكر اهلل (تعاىل),وشكره وتسعبيحه.‬            ‫9-‬
     ‫وتكون حممودة إذا كانت يف جانب النفع عامة للعبالد والععباد,كالكثرة يف‬          ‫7-‬
                       ‫الغيث املفيد الذي حييي اهلل به العبالد ويقيت به الععباد.‬
                                   ‫أن أكثر الناس يضلون بأهوائهم بغري علم.‬          ‫8-‬
                                      ‫أن كثريا من الناس بلقا رهبم كافرون.‬          ‫9-‬
                        ‫51- أن أكثر الناس ال يؤمنون باهلل إال وهم به مشركون.‬
                                                   ‫11- أن أكثر الناس ال يعلمون.‬
                                                    ‫21- أن أكثر الناس ال يعقلون.‬
                                               ‫31- أن أكثر الناس للحق كارهون.‬
                                                  ‫41- أن أكثر الناس ال يشكرون.‬
                                                ‫51- أن أكثر ب آد ال عهد هلم.‬
                                               ‫91- أن أكثر أهل الكتاب فاسقون.‬
                                  ‫71- أن كثريا من أهل الكتاب سا ما يعملون.‬
                                    ‫81- أن كثريا من أهل الكتاب عموا وصموا.‬
                                         ‫91- أن كثريا من أهل الكتاب مسرفون.‬
                                  ‫52- أن كثريا من أهل الكتاب ضالون مضلون.‬
                                            ‫12- أن أكثر أهل الكتاب ال يؤمنون.‬
                             ‫22- أن كثريا من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا.‬
‫32- أن كثريا من األحعبار والرهعبان يأكلون أموال الناس بالعباطل ويصدون عن سعبيل‬
                                                                           ‫اهلل.‬
                              ‫42- أن كثريا من اخللطا يعبغي بعضهم على بعض.‬
                                            ‫52- أن كثريا من اجلن يضلون اإلنس.‬

                                         ‫841‬
                                     ‫92- أن كثريا من اجلن واإلنس وقود جهنم.‬
‫تلك بعض األصول اجلامعة اليت ميكن أن تصور لنلا سلنن اهلل (تعلاىل) يف‬
‫القلة يف ضو اآليات الكرمية, واليت ميكن أن يفيد منلها املسللمون عاملة‬
‫واملعنيون بنهضة األمة خاصة وسليعبني ذللك يف صلفحات آتيلة للدى‬
‫احلديث عن ريادة القلة وأثرها يف الشلهود احلضلاري لألملة املسللمة,‬
                                                  ‫وفقه صناعة القلة الرائدة.‬
                       ‫وهذا ما ستعاجله الصفحات اآلتية بعون اهلل وتيسريه.‬




                                ‫الفصل الثالث‬
       ‫موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة بني الوعي والسعي‬

                                ‫وفيه مبحثان‬

    ‫املعبحث األول: ريادة القلة وأثرها يف الشهود احلضاري لألمة املسلمة وموقف‬
                                                                 ‫األمة منها‬

                      ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة, وموقف األمة منها.‬



                                ‫املبحث األول‬

                                         ‫941‬
   ‫ريادة القلة وأثرها يف الشهود احلضاري لألمة املسلمة,وموقف األمة منها‬
                                                                ‫سنة اهلل يف وجود القلة‬
‫جرت سنة اهلل (تعاىل) يف ععباده أن جيعل يف كل زمان قلة رائدة, تدعو الناس إىل‬
                      ‫اهلدى, وتردهم عن الردى, وهتديهم إىل صراط اهلل املستقيم.‬
‫والناظر يف حياة األنعبيا واملرسلني, والدعاة واملصلحني جيد أهنم بدؤوا دعواهتم‬
   ‫ح‬
‫أفرادا, مث انضم إليهم من محل فكرهتم, وتعبىن رؤيتهم, وبذل يف سعبيلها, وض َّى‬
‫من أجلها, حىت استقرت على النهج املعبتغى, واهلدف املرجتى, وأفاد منها من يسر‬
‫اهلل له سعبل اهلداية, (فكل احملاوالت اليت غريت جمرى التاريخ أو عدلته وقومته‬
‫بدأت بأفراد, فإبراهيم, وموسى, وعيسى, وحممد, وكل الرسل – صلى اهلل‬
‫عليهم وسلم- بدؤوا أفرادا, وعن طريق التأثري التربوي آمن هبم العبعض فعاونوهم‬
  ‫فتوسع التأثري حىت غري جمرى احلياة, وخرب املصلحني اجملددين من بعد األنعبيا‬
     ‫َي‬
‫مشهور مستفيض, وكذلك كل احملاوالت غري اإلسالمية,(مع الفارق العبِّن)‬
‫فأصحاب العبدع يف التاريخ بدؤوا أفرادا, مث انتهوا إىل تكوين طوائف واسعة,‬
‫وماركس وهتلر كل منهم بدأ فردا واستعمل التأثري التربوي فكون حزبا واستلم‬
‫احلزب السلطة فتغري جمرى التاريخ, وال مغري إال اهلل وال من حركة إال بإذنه,‬
‫وكذلك هرتزل ووايزمن وأصحاهبما, بدؤوا أفردا واستغلوا التأثري التربوي‬
                ‫املزدوج يف اليهود وشعوب العامل أمجع فتغري جمرى تاريخ اليهود)(1)‬
‫والناظر يف أنواع القلة اليت حفل هبا التاريخ العبشري قدميا وحديثا جيد أن هلا أثرها‬
‫العبارز ومهمتها اليت ال تنكر, فالقلة املؤمنة مع نوح عليه السال واليت وصفها‬
‫قومه بأهنم أراذل وأهنم اتعبعوه بادي الرأي بال تفكر وال وعي هي الفئة اليت‬
‫عمرت األرض وبلغت رسالة اهلل تعاىل وحفظ هبم اهلل عز وجل العبشرية من‬
‫الفنا ,وأصحاب الكهف الذين لعبثوا يف كهفهم ثال مئة سنني وازدادوا تسعا‬
‫بعدا عن طواغيت األرض وظلمهم ونأيا بدعوهتم من أن يستأصلها العبغاة الطغاة,‬
‫رواد يف احلفاظ على دينهم ,ويوسف يف أهل مصر فرد واحد لكنه استطاع أن‬

              ‫1 - منهجية التربية الدعوية, حممد أمحد الراشد,ط: دار احملراب, ط: أوىل2241هل, 1552 .‬

                                             ‫051‬
 ‫يعرب هبم س الغال والعبال , وأن يكون ذلك مفتاح إسالمهم له وإمياهنم بدينه,‬
 ‫استطاع أن يقود هذه األمة مبا لديه من حفظ وأمانة, وعلم وختص , وذو‬
 ‫القرنني فرد وهو من القلة لكنه استطاع أن يفيد من القو الذين ال يكادون‬
  ‫يفقهون قوال, وكيف آثر أن يشركهم معه يف العبنا احلضاري الذي يفوق بنا‬
 ‫السد فعبنا اإلنسان وداللته على مكامن نفسه وإرشاده إىل قدراته واكتشاف‬
 ‫نفسه أمر ال يقدر بثمن وتعبذل فيه املهج والنفوس, وأهل بدر الذين كانوا مقارنة‬
‫بعدوهم قلة استطاعوا أن يفرقوا - بإمياهنم وبذهلم وتضحيتهم- بني احلق والعباطل‬
 ‫هلم وملن بعدهم حىت مسى اهلل تعاىل يو لقائهم بعدوهم (يو الفرقان), وكان هلم‬
‫بعد يف جمتمع النعبوة وما بعده شأن أي شأن, وهكذا كل قلة يف كل زمان‬
                                                                                                  ‫ومكان.‬
                                  ‫الرو‬
 ‫وقد حفلت آيات القرآن الكر باحلديث عن أن َّاد يف كل زمان قلة, وأن‬
‫الفاعلني يف جمرى احلياة قلة, وأن النهضات العبشرية واحلضارية واإلصالحية محل‬
 ‫لوا ها قلة, وأن الكثرة غري الفاعلة ال وزن هلا وال قيمة فهي غثا كغثا السيل,‬
    ‫ث ِّ‬                                ‫ُ‬
‫أو مجع كحطْب الليل, أوهعبا تذروه الرياح, (قلْ ال يَسْتَوي اْلخَعبي ُ وَالطَّيبُ‬             ‫َ‬
                ‫َلك ح‬                             ‫أ‬              ‫َّق‬               ‫ة‬               ‫ْ‬
 ‫وَلَوْ َأعجَعبَكَ كَْثرَ ُ اْلخَعبيثِ فَات ُوا اللَّهَ يا ُولِي الْأَلْعباب َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ), املائدة:‬
                                                                                                  ‫(551)‬
‫(وقد جرت عادته- تعاىل- بكثرة اخلبيث من كل شنيء، وقلنة الطينب‬
‫من كل شيء، قال تعلاىل: (وقلِيل ٌ ملا ُلمْ) ص:«42» ، (وقَلِيل ٌ مِلنْ‬
      ‫َ ل‬                     ‫ه‬     ‫ل‬
               ‫ن س‬                                               ‫الشك ر‬
‫عِعبادِيَ َّ ُو ُ) سعبأ:«31» ، ويف احلديث الصحيح: «الّلا ُ كإبللٍ مِائلةٍ‬
                                ‫ال تكا ُ َج ُ فيها رَا ِلةَ» «1» ، وقال الشاعر:‬
                                                          ‫ح‬         ‫دت د‬
                ‫إّي ألفتَ ُ عَينيَ حنيَ أفَت ُها ... عَلَى كثري لكن ال أرى أحَدا(2)‬
                                                     ‫ِ ح‬                ‫ح‬        ‫ن‬
‫فأهل الصفا قليل يف كل ممان، ولذلك خاطعبلهم بقولله: فَلاتقُوا الَّلهَ يلا‬
       ‫َّ ل‬
‫ُولِي الْأَلْعباب أي: القلوب الصلافية يف جتنلب اخلعبيلث وإن كثلر، وأخلذ‬‫أ‬
                                      ‫الطيب وإن ق ّ، َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ بصالح الدارين.)(1)‬
                                                            ‫ل َلك ح‬
                                                                                                                       ‫1‬
                                         ‫- أخرجه البخاري, باب رفع األمانة, 3/532, ومسلم باب الناس كإبل مائة, 5/3232.‬
                                                                ‫2 - انظر العبيت يف العقد الفريد:2/251.‬
                                                         ‫151‬
‫والعربة يف القلة ليس العدد, بل جلودة املعلدن, ونفاسلة احملتلد, وطيلب‬
                        ‫ل‬
‫املنعبت, وعراقة األصل, والعملل اللذي يوللده حَمْل ُ الرسلالةِ, وتقلدير‬
‫املسؤولية, واالنشغال هبم األمة اليت يعيشلون فيهلا بلل تعليش فليهم, إن‬
‫صحت النوايا واستقا الفهم, وإال لو استوت القللة والكثلرة يف صلفة ملن‬
‫الصفات فإن قانون اهلل الغالب وسنته املاضلية أن يكلون األملر يف جانلب‬
‫الكثرة, ومن معاين قوله تعاىل(قلل ال يسلتوي اخلعبيلث والطيلب) أي: (يف‬
‫القلوب واألحوال واألعمال واألموال واألشخاص، فالطيب ملن ذللك كلله‬
  ‫ل‬
‫مقعبول حمعبوب، واللردي ملردود ممقلوت، فالطيلب مقعبلول وإن قل ّ،‬
             ‫ة‬                 ‫ْ‬                           ‫ل‬
‫والردي مردود ولو ج ّ، وهو معىن قوله: وَلَلوْ َأعجَعبَلكَ كَثْلرَ ُ اْلخَعبيلثِ،‬
                                    ‫فالعربة باجلودة والردا ة، دون القلة والكثرة، )(2)‬
‫وإال فالعدد املؤثر مقصود, ومن سنن اهلل اليت ال تتغري سنته يف الغلب والنصر,‬
‫وهو ما حوته آية األنفال,« إن يكن منكم عشرون صابرون يغلعبوا مئتني وإن‬
‫يكن منكم مئة يغلعبوا ألفاً من الذين كفروا بأهنم قوم ال يفقهون . اآلن خفف اهلل‬
‫عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلعبوا مشتني وإن يكن‬
       ‫منكم ألف يغلعبوا ألفني بإذن اهلل واهلل مع الصابرين » األنفال – 99 - .‬
‫فالنص على العدد هنا له داللة, و(نفهم من هذه اآلية أن صرب عدد قليل كعشرة‬
‫أما ألف ال يشترط إحراز النصر ، فكأن اآلية تتحد عن توازن يف الكم‬
‫والكيف ضمن حدين . وميكن االختالف على اعتعبار أن العدد ال مفهو له .‬
‫ولكن الذي ال ميكن اخلالف عليه هو اعتعبار التوازن يف الكم والكيف ، وزيادة‬
‫الكم حني يضعف الكيف، وهذا واضح يف قوله تعاىل :« اآلن خفف اهلل عنكم‬
‫وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلعبوا مئتني » ، بعد أن كانوا‬
                                                              ‫يغلعبون ألفاً .‬



                                          ‫1 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 58).‬
                                                                     ‫2 - السابق: 2/58.‬

                                             ‫251‬
‫فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي حيلرزه اجملتملع ، أو األملة املخاطعبلة‬
‫بقوله : (منكم) ال يتم بثعبات فرد ، أو بأن يكون ما بلنفس فلرد قلد تغلري ، إذ ال‬
‫بد من ثعبات عدد معني ، له حد أدىن وأعلى، وإن كانت آيلة األنفلال هلذه حتلدد‬
‫الكم، وتدخل عامل الكيف ، الذي جا حبثه يف موضلوع خلاص أال وهلو الثعبلات‬
                                                                              ‫يف املعركة.‬

‫إال أن هذه اخلصوصية ليست حمصورة يف املعركلة القتاليلة ، فمعلارك احليلاة‬
         ‫ر‬
‫كثرية ، فمعركة بنا اجملتمع كلذلك حتتلاج إىل التلوازن نفسله .ونَلذْ ُ اإلنسلان‬
‫نفسه، وما وهعبه اهلل من قوة وعمر يف سلعبيل فهلم مشلكالت املسللمني ، يشلمل‬
                                ‫كذلك نفس التوازن، سوا ذلك يف بنا الفرد واجملتمع.‬

‫ومعركة التعامل مع سنن اهلل عللى أسلاس اللوعي ، أملر يشلمل الكلافرين‬
‫واملؤمنني، وأن الفقه لسنن اهلل يعطي النتائج حلىت للكلافرين ، ومللا قلال تعلاىل :«‬
‫يغلعبوا ألفاً من الذين كفروا » أعقعبه بقوله « بلأهنم قلو ال يفقهلون » فهلذا يلدل‬
‫على تدخل فقه الكافرين أيضاً، كماً وكيفاً، والسليما الفقله لسلنن احليلاة اللدنيا‬
         ‫ُل ن ِلد‬
 ‫كما سنعبحثه فيما يأيت ، ألن اهلل ميلد امللؤمنني والكلافرين: « كَّلاً ُم ُّ هلؤال‬
                 ‫وهؤال من عطا ربك وما كان عطا ربك حمظوراً ».اإلسرا 52(1).‬

                                                          ‫ملاذا الفئة املؤمنة قليلة‬

‫واملتأمل للقلة يف اآليات اليت رصدَتْها, وحتدثتْ عنلها يف ثنايلا القلرآن الكلر ,‬
‫جيد أهنا قاعدة مطردة, وسنة حاكمة, وأن الفئة املؤمنة دائملا قللة, فاللذين علربوا‬
‫النهر مع طالوت قلة, والذين اتعبعوا نوحلا يف دعوتله قللة, واللذين آووا ونصلروا‬
‫قلة, وهكذا يف سننية ماضنية, ونناموس ال يتخلنف وال يتأجنل, ( فهلذه هلي‬
‫القاعدة يف حس الذين يوقنون أهنم مالقلوا اهلل. القاعلدة: أن تكلون الفئلة املؤمنلة‬

                                                                                              ‫1‬
                                                             ‫- حتى يغيروا ما بأنفسهم:53,23.‬

                                        ‫351‬
 ‫قليلة ألهنا هي الليت ترتقلي اللدرج الشلاق حلىت تنتلهي إىل مرتعبلة االصلطفا‬
‫واالختيار. ولكنها تكون الغالعبة؛ ألهنا تتصل مبصلدر القلوى؛ وألهنلا متثلل القلوة‬
‫الغالعبة. قوة اهلل الغالب على أمره، القاهر فلوق ععبلاده، حمطلم اجلعبلارين، وخملزي‬
                                                     ‫الظاملني وقاهر املتكربين.)(1)‬

                                                                ‫خطورة عدم وجود القلة العاملة‬

                                ‫رْ‬
‫واجملتمع الذي خيلو من قلة تقوده, وفئة خمتارة َت ُودُه, ويعبة سابقة ترتاد له ملواطن‬
‫اخلري,تكون وارده إليها, وفرطا له لديها, تدله عليها, وترشده إليها, وحتذره من مغعبلات‬
‫الشر والفساد, وحتذره منها, جمتمع على خطر عظيم؛ ألن القلة الرائدة يف كل جمتمع مبثابة‬
‫العقل الواعي, والذاكرة الواععبة اليت حتفظ األمة, وحتفظ هلا, وتعي أسعباب عزها ونصرها,‬
‫وعوامل حتللها وفسادها, وهؤال هم أولو العبقية اليت يعرب عنهم القرآن الكر يف قولله:‬
                                                   ‫ِي‬
‫(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ اْلقرُونِ مِنْ قَعبْلكُمْ أُولُو َبقَّة يَنْهَوْنَ عَن اْلفسَادِ ِي الْأرْض إَّا قَلِيلًا‬
          ‫ل‬      ‫َ ف َ‬                                              ‫ِ‬                ‫ُ‬
                      ‫م أ ف َ ن‬                                        ‫َات‬                         ‫ِم‬
‫م َّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ و َّعبَعَ الَّذِينَ ظَلَ ُوا مَا ُتْرفُوا ِيهِ وكَلاُوا مُجْلرمِنيَ), هلود:‬
                                                                                                  ‫(522).‬

‫(وهذا النظر إىل املوضوع يعبني خطورة أن يعبقى يف اجملتمع أعداد، مهما كانوا قلة، ال‬
‫يتمتعون بالوعي التا لقضايا اجملتمع . وكذلك ، خطورة عد وجود العدد الكلايف ، أو‬
‫احلد األدىن ، من الذين يعون األمور على هذا األساس من النظر . وإدراك ضرر وجلود‬
‫غري الواعني يف األمة ، يولد لدى اجملتمع شعوراً باخلطر ، أن يكون املركب الذي يسلري‬




                                                                               ‫1 - يف ظالل القرآن: 1/992.‬
                                                     ‫451‬
‫باجملتمع ، حيتوي على مناذج ال تعرف سنن طفو األجسا على املا ، فيسعون حبسن نية،‬
                 ‫أو سو نية ، خلرق السفينة ، كما ورد يف احلديث الشريف الصحيح (1).‬

‫علينا أن ندرك؛ أن التوازن الدقيق يف وعي اجملتمع ، يتأثر كما يتأثر توازن املركب ،‬
‫حبيث لو أن ذبابة وقعت على طرف املركب ، أثرت يف توازنه مهما كان التأثري ضئيالً .‬
‫كما أن اجلسم اإلنسان نفسه ، قائم على مثل هذا التوازن اللدقيق يف عواملل الصلحة‬
‫واملرض ، فالغدد يف اجلسم تفرز – حسب احلاجة – اإلفرازات . إال أن اجملتمع ال يفلرز‬
‫بالغريزة ، الوعي ذاته ، بتنظيمه . وهذه مهمة عقل اجملتمع ، الذي يعترب كل فلرد فيله‬
  ‫مسئوال. وتتعاظم املسؤولية على قدر ما يتوفر للمر من فرص يف حتصيل ذلك وتنفيذه .‬

‫هذا ونالحظ أن مثال السفينة (املادة) فيزيائي ، بينما يف اجلسم بيولوجي يعتمد على‬
                                                        ‫الغريزة ، ويف اجملتمع يعتمد على العقل .‬

‫وإدراك املوضوع هبذا املستوى ، جيعل املر يشعر بقشعريرة حني يتذكر أنه سيسلأل‬
‫عن عمره فيم أفناه ، هذا العمر الذي يعبعثره . وسيسأل عن اإلمكانات األخرى اليت أمهلها‬
‫وضيعها حني مل يسع إىل حتويل ما أودع اهلل يف نفسه من إمكانيات بالقوة إىل إمكانيات‬
                                                                                        ‫بالفعل.)(2)‬

                                      ‫سر الريادة يف القلة وعالقة ذلك بالسننية‬
‫وإذا تأملنا آيات القرآن الكر ومطابقتها لواقلع احليلاة واألحيلا أدركنلا‬
‫سر كون الريادة للقلة وأن ذلك سنة من سنن اهلل (تعلاىل)؛ ذللك أن العلربة‬
‫يف األشيا هصائصها وصفاهتا وكيفها, ال بعلددها وكثرهتلا وكمهلا, وقلد‬
   ‫َام‬
‫فصلت آية األنفال هذه القاعدة أميلا تفصليل, فجلا ت (باْلقَاعِلدَةِ اْلع َّلةِ‬

 ‫1 - إشارة إىل حديث السفينة: (مثل القائم على حدود اهلل والواقع فيها), واحلديث خرجه العباري يف صحيحه من‬
                               ‫حديث النعمان بن بشري, باب هل يقرع يف القسمة واالستها فيه,3/391.‬
                      ‫2 - حىت يغريوا ما بأنفسهم, جودت سعيد, ط الثالثة, 7931هل,7791 : 53,93.‬
                                                ‫551‬
                           ‫ك ن ِلزة‬                       ‫َ ون‬                  ‫ِ الش‬             ‫َن‬
‫وَهِيَ أ َّ اْلعِْعبرَةَ بصفَةِ َّيْ ِ لَا بعَددِهِ، َإَّمَلا تَ ُلو ُ اْلع َّ ُ بلالْكَْثرَةِ َبعْلدَ‬
                                                                                         ‫ِّ‬
                                                                                   ‫َّسَاوي فِي الصفَاتِ.‬  ‫الت‬
        ‫ْ‬                          ‫ُ‬                ‫و ُر‬            ‫َ و‬                   ‫ِ َ‬          ‫َم‬
 ‫وَل َّا كَانَ منْ دأْب َأهْل اْلغفْلَةِ َاْلجَهْل َاْلغ ُور بالْكَْثرَةِ مطَْلقًا، قَالَ َتعَالَى َتعقِيعبًا‬
              ‫ث َّ‬                                             ‫َّي‬     ‫ه ِ ْض‬
‫عَلَى مَا أَثْعبَتَ ُ منْ تَف ِيل الطِّب عَلَى اْلخَعبيثِ وَإنْ كَُثرَ اْلخَعبي ُ: (فَاتقُوا اهللَ يَا‬
            ‫ُق الر‬           ‫ْ‬               ‫َّق‬             ‫َلك ت ح‬                            ‫أ‬
‫ُولِي الْأَلْعبَاب َلعَّ ُمْ ُفِْل ُونَ) أَيْ فَات ُوا اهللَ يَا أَصحَابَ اْلع ُول َّاجحَةِ وَلَا‬
‫ن‬                       ‫ِ‬               ‫ط‬                                           ‫م‬                 ‫َر‬
‫َتغْت ُّوا بكَْثرَةِ الْ َال اْلخَعبيثِ وَلَا بكَْثرَةِ َأهْل لْعبَا ِل وَاْلفَسَادِ منَ اْلخَعبيِثنيَ، فَإ َّ‬
                      ‫ك‬                    ‫َّي‬                ‫مك‬
‫َتقْوَى اهللِ َتعَالَى هِيَ الَّتِي تَْنظِ ُ ُمْ فِي سِلْكِ الطِّعبنيَ، فَُيرْجَى لَ ُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ‬
                                              ‫الْمفْلِحنيَ، أَيْ فَاِزينَ بخَيْر ُّنْيَا َالْآخرَةِ.)(1)‬
                                                       ‫الد و ِ‬                   ‫ئ‬             ‫ُ ِ‬
‫والقليل النافع املفيد من األشيا واألحيا هلو اللذي يكتلب لله القعبلول‬
   ‫ث‬                 ‫ر‬                           ‫غ‬                ‫َي‬         ‫ل‬
 ‫والعبقا ,واخلريية و(اْلقَِيلَ اْلجِّدَ مِلنَ اْل ِلذَا ِ أَو الْمَتَلاع خَيْل ٌ مِلنَ الْكَلِري‬
               ‫ه‬       ‫ُلر‬            ‫ُب‬       ‫د ه‬                   ‫ه‬                      ‫َّ ال‬
‫الردِي ِ َّذِي لَا ُيغْني غِنَا َ ُ وَلَا ُيفِي ُ فَائِدَتَ ُ، َبلْ رَّمَلا َيض ُّ آكِلَل ُ وَُيفْسِلدُ‬
                             ‫ث‬         ‫رِ‬         ‫ل ل ِّب ِ ن‬                              ‫َ ه‬
‫عَلَيْهِ معِدَتَ ُ.كَذَلِكَ اْلقَِي ُ الطَّي ُ منَ الَّاس خَْي ٌ منَ الْكَلِري اْلخَعبيلثِ، فَاْلفِئَلةُ‬
                                           ‫ل‬            ‫و‬                      ‫َّج‬            ‫ةِ‬
‫اْلقَلِيلَ ُ منْ َأهْل الش َاعَةِ وَالثَّعبَاتِ َالْإميَلانِ َتغِْلبُ اْلفِئَلةَ الْكَلِثريَةَ مِلنْ ذَوي‬
              ‫ت‬          ‫ِ و َّ‬                 ‫َّ ذ و ِّ و ن ْر َ أ‬
‫اْل ُعبْن وَالتخَا ُل َالشرْكِ، َإ َّ َأف َادًا منْ ُولِي الَْعبصريَةِ َاللرأْي، لَيَلأُْونَ بمَلا‬ ‫ج‬
  ‫م ي َّ‬                   ‫م‬                  ‫وخ‬                           ‫ز ه م تِ‬
‫َيعْج ُ عَنْ ُ اْلجَ َاعَا ُ منْ َأهْل اْلغَعبَاوَةِ َاْل َلرَق، وَاْلعَلالَ ُ اْلحَكِلي ُ ُسَلخرُ‬
                 ‫َال‬      ‫م‬             ‫ال‬                     ‫ْ أل ف ِ ج ِ ُ‬
‫ِلخِدمَتِهِ ُُو ٌ منَ اْل َاهِلنيَ (قلْ هَلْ يَسْلتَوي َّلذِينَ َيعْلَ ُلونَ و َّلذِينَ لَلا‬
                                                                      ‫َيعْلَ ُونَ) (الزمر: 9). (2)‬‫م‬
‫والسر يف ريادة القلة يف كل زمان؛ أهنا حتمل من اخلصائ والسمات ما خيتزل‬
                                                            ‫ق‬
 ‫هلا الزمن ويطوي هلا القوى وال ُدَر, وجيمع فيها من أسس العبقا والتحمل ما ال‬
 ‫يتوفر لغريها, فهي يف جهدها ختتلف عن غريها, ويف عطائها تعباين من سواها,‬
 ‫ويف مقاييسها ومعايريها منط آخر, تستمد من مصدر قوهتا وإهلامها ماال يقدره‬
‫إال الراسخون, وما ال يعرفه إال العاملون الواععبون, وهذا ما عشته الفئة املؤمنة مع‬


                                                                               ‫1 - تفسري املنار: 7/451.‬
                                                                             ‫2 - تفسري املنار: (7/ 451).‬
                                                          ‫651‬
 ‫داوود (عليه السال ), يف حركتها وسريها, ويف دعائها وتععبريها, ويف نصحها‬
‫وإرشادها, (فالقلب الذي يتصل باهلل تتغري موازينه وتصوراته؛ ألنه يرى الواقع‬
 ‫الصغري احملدود بعني متتد ورا ه إىل الواقع الكعبري املمتد الواصل، وإىل أصل األمور‬
‫كلها ورا الواقع الصغري احملدود. فهذه الفئة املؤمنة الصغرية اليت ثعبتت وخاضت‬
‫املعركة وتلقت النصر، كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه اآلخرون الذين‬
                                                        ‫جن‬       ‫ل‬
‫قالوا: «ال طاقَةَ لَنَا الْيَوْ َ بجاُوتَ وَ ُُودِهِ» .. ولكنها مل حتكم حكمهم على‬
                                              ‫ِ‬
‫املوقف. إمنا حكمت حكماً آخر، فقالت: «كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً‬
                              ‫َب‬                                       ‫َالله الص‬
‫بإذْنِ اللَّهِ، و َّ ُ مَعَ َّابرينَ» .. مث اجتهت لرهبا تدعوه: «رَّنا َأفْرغْ عَلَيْنا صَعبْراً‬
                                                         ‫ف‬     ‫ْ‬            ‫ُ‬
‫وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا وَاْنصرْنا عَلَى اْلقَو الْكاِرينَ» .. وهي حتس أن ميزان القوى ليس‬
 ‫يف أيدي الكافرين، إمنا هو يف يد اهلل وحده. فطلعبت منه النصر، ونالته من اليد‬
 ‫اليت متلكه وتعطيه.. وهكذا تتغري التصورات واملوازين لألمور عند االتصال باهلل‬
 ‫حقا، وعند ما يتحقق يف القلب اإلميان الصحيح. وهكذا يثعبت أن التعامل مع‬
‫وعد اهلل الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغري الظاهر‬
                                                                                  ‫للعيون!.)(1)‬
 ‫وهذا هو السر يف الريادة من هذه القلة اليت ذكرها القرآن منوذجا حيتذى, وأسوة‬
‫تقتدى, يف بياهنا وتععبريها, ويف ثقتها وتوكلها, ويف مقياسها لألشيا , وميزاهنا‬
                                                                    ‫لألحدا , ورؤيتها لألمور.‬
                                                                 ‫أثر ريادة القلة يف اوتمع‬
‫وهذه القلة وإن كانت يف أعني النلاس كلذلك إال أهنلا يف الواقلع ونفلس‬
‫األمر كثرية, كثرية بأفعاهلا, كثرية بأثرها, وقلد وصلفها اهلل (تعلاىل) هبلذا‬
‫الوصف يف آية سورة العبقرة, يف قوله (تعاىل):)يضل بله كلثريا ويهلدي بله‬
‫كثريا), مع أن املتوقع يف غري القلرآن أن التقسليم يكلون بعضلهم قلليال‬
‫وبعضهم كثريا, وهذا لعبيان أهنم يف أثرهم وفعلهم كثرة, (فلإنْ قيلل: كيلف‬
           ‫َ لم ه‬
‫وصف املهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقولله: {وقَلِيل ٌ َّلا ُلمْ} [ص:‬

                                                               ‫1 - يف ظالل القرآن:(1/ 292).‬
                                                  ‫751‬
          ‫ب ن‬                                          ‫َ ل ل ِّ‬
‫42] ، و {وقَِي ٌ منْ عِعبَادِيَ الشكور} [سلعبأ: 31] فلاجلوا ُ أَّهلم، وإن‬
                        ‫كانوا قليلنيَ يف ُّورة، فهم كثريون يف احلقيقةِ؛)(1)‬
                                                         ‫الص‬
‫(أ َّا وأهل اهلدى كلثري يف أنفسلهم وحيلث يوصلفون بالقللة ... إمنلا‬       ‫َم‬
‫يوصفون هبا بالقياس إىل أهلل الضلالل. وأيضلا فلإن املهلديني كلثري يف‬
                                            ‫احلقيقة وإن قلوا يف الصورة.)(2)‬

‫اللطيفلة مبنزللة كثلرة‬        ‫أو(حتمل الكثرة على الكثرة املعنوية جبعل كثلرة اخلصلائ‬
                                                            ‫الذوات الشريفة كما قيل:‬

           ‫لدى اجملد حىت عد ألف بواحد)(3)‬                 ‫ومل أر أمثال الرجال تفاوتت‬

‫وهذه القلة هي اليت حيمي اهلل (تعاىل) هبلا األملة, وينلهض هبلا الكسلاىل,‬
‫ويوقظ هبا النائمني, فالقلة مع طالوت هي الليت أعطلت النملوذج الصلابر‬
‫والواعب لسنن اهلل (تعاىل) يف احلياة واألحيا , وهلي الليت أعطلت القلدوة‬
‫من نفسها, يف صربها على الظمأ, وإرادهتا القويلة, وتغلعبلها عللى نفسلها‬
‫ومتطلعباهتا األساسية, وهي اليت من أجلها صلنع اهلل ملا صلنع يف جلالوت‬
‫وجنوده, وهي اليت من أجلها صلنع اهلل ملا صلنع يف األرض ملن طوفلان‬
‫نوح, ذلك أن ثعبات هذه الفئة هو الذي يغري جمرى احليلاة, وانتفاضلة تللك‬
                 ‫اجملموعة هي اليت أزهرت عصور ب إسرائيل يف عهد داوود.‬
‫(إن هذه االنتفاضة- انتفاضة العقيدة- على اللرغم ملن كلل ملا اعتورهلا‬
‫أما التجربة الواقعة من نق وضعف، ومن ختلي القلو عنلها فوجلاً بعلد‬
‫فوج يف مراحل الطريق- على الرغم من هذا كله فلإن ثعبلات حفنلة قليللة‬
                 ‫من املؤمنني عليها قد حقق لعب إسرائيل نتائج ضخمة جداً..‬



                                                   ‫1 - اللعباب يف علو الكتاب:(1/ 174).‬
                                           ‫2 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: (1/ 952).‬
            ‫3 - حاشية الشهاب علي تفسري العبيضاوي, عناية القاضي وكفاية الراضي: (2/ 99).‬

                                            ‫851‬
‫فقد كان فيها ا لنصلر والعلز واللتمكني، بعلد اهلزميلة املنكلرة، واملهانلة‬
‫الفاضحة، والتشريد الطويل والذل حتت أقدا املتسلطني. ولقلد جلا ت هللم‬
  ‫مبلك داود، مث ملك سليمان- وهذه أعلى قملة وصللت إليهلا دوللة بل‬
‫إسرائيل يف األرض، وهي عهدهم الذهيب اللذي يتحلدثون عنله واللذي مل‬
                                       ‫يعبلغوه من قعبل يف عهد النعبوة الكربى..‬
 ‫وكان هذا النصر كله مثرة معباشرة النتفاضلة العقيلدة ملن حتلت الركلا‬
                                    ‫وثعبات حفنة قليلة عليها أمام جحافل جالوت!)(1)‬
                                         ‫أثر هذه القلة يف النهضات والشهود احلضاري‬
‫وهذه القلة هي اليت تؤثر يف الشهود احلضلاري لألملم واجلماعلات, وهلي‬
 ‫اليت تقو هبا احلضارات, وتستمر هبا أسلس اللتمكني, فللها الريلادة فيله,‬
‫وعليها املعول يف بقائه,والنماذج اليت ذكرها القرآن للقلة خلري شلاهد عللى‬
‫هذا,( إذا هذه الفئة هي اليت تقرر مصري املعركة. بعد أن جتلدد عهلدها ملع‬
‫اهلل، وتتجه بقلوهبا إليه، وتطلب النصر منله وحلده، وهلي تواجله اهللول‬
                                    ‫َب‬                  ‫جن‬         ‫َم ز ل ل‬
‫الرعيب: «وَل َّا َبرَ ُوا ِجاُوتَ وَ ُُودِهِ قلالُوا: رَّنلا َأفْلرغْ عَلَيْنلا صَلعبْراً،‬
        ‫َ‬     ‫ل‬               ‫َ َم ه‬               ‫ف‬        ‫ْ‬                  ‫ُ‬
‫وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا، وَاْنصرْنا عَلَى اْلقَو الْكاِرينَ. فَهز ُلو ُمْ بلإذْنِ الَّلهِ، وقَتَللَ‬
                                  ‫َ َل ه ِم‬                 ‫ه ه م و‬                         ‫ُ ل‬
                      ‫داودُ جاُوتَ، وَآتا ُ اللَّ ُ الْ ُلْكَ َاْلحِكْمَةَ، وعَّمَ ُ م َّا يَشا ُ» ..‬
          ‫ل‬              ‫َ َم ه‬
‫وكانت النتيجة هي اليت ترقعبوها واسلتيقنوها: «فَهز ُلو ُمْ بلإذْنِ الَّلهِ» ..‬
‫ويؤكد الن هذه احلقيقة: «بإذْنِ اللَّلهِ» .. ليعلمهلا املؤمنلون أو ليلزدادوا‬
‫هبا علماً. وليتضح التصور الكامل حلقيقة ما جيري يف هلذا الكلون، ولطعبيعلة‬
‫القوة اليت جتريه.. إن املؤمنني ستار القدرة يفعل اهلل هبلم ملا يريلد، وينفلذ‬
‫هبم ما خيتار.. بإذنه..ليس هلم من األملر شلي ، وال حلول هللم وال قلوة‬
‫ولكن اهلل خيتارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منلهم ملا يريلده بإذنله.. وهلي‬
‫حقيقة خليقة بأن متأل قلب املؤمن بالسال والطمأنينلة والليقني.. إنله ععبلد‬
‫اهلل. اختاره اهلل لدوره. وهذه منة من اهلل وفضل. وهلو يلؤدي هلذا اللدور‬

                                                                            ‫1 - يف ظالل القرآن: (1/ 292).‬

                                                     ‫951‬
‫املختار، وحيقق قلدر اهلل النافلذ. مث يكرمله اهلل- بعلد كراملة االختيلار-‬
‫بفضل الثواب.. ولوال فضل اهلل ما فعل، ولوال فضل اهلل ملا أثيلب.. مث إنله‬
  ‫مستيقن من نعبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق.. فلليس لله يف شلي‬
 ‫من هذا كله أرب ذايت، إمنا هو منفذ ملشليئة اهلل اخللرية قلائم مبلا يريلد.‬
‫استحق هذا كله بالنيلة الطيعبلة والعلز عللى الطاعلة والتوجله إىل اهلل يف‬
                                                               ‫خلوص.)(1)‬
         ‫د‬
‫وإذا تتعبعنا القلة ومهمتها يف هنضات األمم عرفنا قيمتها وأثرها, ورص ُ القرآنِ‬
‫الكر هلا دليل صدق, وبرهان حق على هذا األثر للقلة العاملة, وواقع الناس‬
‫بفطرهم السوية وإدراكهم السليم يعي هذا األمر ويعمل يف ضو ه, فالعرب‬
‫بعبساطتهم وصفا فطرهتم يعرفون هذه املعادلة وكال السموأل يف ذلك غ عن‬
                                                               ‫التعقيب, فهو يقول:‬
                         ‫فقلت هلا إن الكرا قليل‬              ‫(تعرينا أنا قليل عديدنا‬
                                                                   ‫ل‬
                    ‫وما ق ّ من كانت بقاياه مثلنا ..شعباب تسامى للعال وكهول‬
                   ‫عزيز وجار األكثرين ذليل‬                                ‫ر‬
                                                    ‫وما ض ّنا أنا قليل وجارنا ...‬
                         ‫د‬
                     ‫فنحن كما املزن ما يف نصابنا ... كها وال فينا يع ّ هيل‬
                  ‫وأسيافنا يف كل شرق ومغرب ... هبا من قراع الدارعني فلول‬
                      ‫.. فتغمد حىت يستعباح قتيل‬                    ‫ل‬
                                                          ‫معوذة أال تس ّ نصاهلا .‬
          ‫سلي، إن جهلت، الناس عنا وعنهم ... وليس سوا عامل وجهول)(2)‬
                                  ‫وقال غريه معبينا أثر القلة عمال ال عددا:‬

                      ‫(سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأهنم من طول ما التئموا مرد‬

                    ‫قليل إذا عدوا كثري إذا ش ّوا)(1)‬
                          ‫د‬                                  ‫ثقال إذا القوا خفاف إذا دعوا‬

                                                                      ‫1 - السابق جز ا وصفحة.‬

                                ‫2 - العبيان والتعبيني: (3/ 821),وانظر: نقد الشعر: (47).‬
                                          ‫061‬
                ‫(وقالت احلكما : الكرا يف اللئا كالغرة يف الفرس.وقال الشاعر:‬
                                                ‫ل‬
                             ‫تفاخرين بكثرهتا قريط ... وق ّ والد احلجل الصقور‬
                                              ‫ن‬
                             ‫فإن أك يف شراركم قليال ... فإّي يف خياركم كثري‬
                       ‫بغا ال ّري أكثرها فراخاً ... وأ ال ّقر مقالت نزور)(2)‬
                                          ‫ص‬                         ‫ط‬
                                                                 ‫وقال دععبل:‬
                                   ‫ن‬                    ‫ل‬
                      ‫(ما أكثر الناس ال بل ما أقّهم .. . واهلل يعلم أّي مل أقل فندا‬
                  ‫إين ألغلق عي مث أفتحها ... على كثري ولكن ما أرى أحدا)(3)‬
‫(وقال اإلما جعفر الصادق، (رضي اهلل تعاىل عنه): ال تستح من إعطا القليل‬
                           ‫فكل فوائد الدنيا قليل، واحلرمان أقل منه. وقال الشاعر:‬
                 ‫ليس العطا من الفضول مساحة ... حىت جتود وما لديك قليل)(4)‬
‫وغري ذلك من نتاج الفكر العبشري:العر , واإلسالمي, واإلنساين, وهذه القلة‬
‫املختارة والصفوة املنتقاة هي اليت تؤثر وال تتأثر, وتقود وال تقاد, وتُتْعبع وال تَتْعبع,‬
‫أما الكثرة الفارغة من كل عطا , والقاعدة عن كل مضا , فال تقو هبا حضارة,‬
‫وال تنهض عليها أمة, وال يؤسس عليها متكني, (إن الكثرة العددية ليست بشي ،‬
‫إمنا هي القلة العارفة املتصلة الثابتة املتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً‬
‫سعبعباً يف اهلزمية، ألن بعض الداخلني فيها، التائهني يف غمارها، ممن مل يدركوا‬
‫حقيقة العقيدة اليت ينساقون يف تيارها، تتزلزل أقدامهم وترجتف يف ساعة الشدة‬
‫فيشيعون االضطراب واهلزمية يف الصفوف، فوق ما ختدع الكثرة أصحاهبا‬
‫فتجعلهم يتهاونون يف توثيق صلتهم باهلل، انشغاالً هبذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة‬
                                                                  ‫لسر النصر يف احلياة.‬

            ‫1 - حاشيه الشهاب علي تفسري العبيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي: (2/ 551).‬
                                                             ‫2 - العقد الفريد: (1/ 932).‬
                                                               ‫3 - العقد الفريد (1/ 932).‬
                                                           ‫4 - اللطائف والظرائف: (551).‬
                                              ‫161‬
‫لقد قامت كل عقيدة بالصفوة املختارة، ال بالزبد الذي يذهب جفا ، وال باهلشيم‬
                                                        ‫الذي تذروه الرياح!)(1)‬
                      ‫القلة مع نوح (عليه السالم) وأثرها يف الشهود احلضاري‬
‫وإذا نظرنا إىل قلة مؤمنة أخرى عاشت احملنلة واملنحلة, واللعبال والعطلا ,‬
‫والسلب واإليتا ,وهي القلة املؤمنة مع نلوح (عليله السلال ) وجلدنا كلم‬
‫كان جهدها يف الشهود احلضاري وكم كان هلا ملن مهملة يف بقلا بلذور‬
‫اإلميان باهلل, ولذا صنع اهلل هلا ما صنع من إغلراق الكلافرين وتغليري نلاموس‬
‫األرض, (إن هذه احلفنة- وهي مثرة ذلك العمر الطويلل واجلهلد الطويلل-‬
‫قد استحقت أن يغري اهلل هلا املألوف من ظواهر هذا الكلون وأن جيلري هللا‬
‫ذلك الطوفان الذي يغمر كل شلي وكلل حلي يف املعملور وقتلها ملن‬
‫األرض! وأن جيعل هذه احلفنلة وحلدها هلي وارثلة األرض بعلد ذللك،‬
            ‫وبذرة العمران فيها واالستخالف من جديد.. وهذا أمر خطري..)(2)‬
   ‫م‬
‫ونوح عليه السال هو أول من صنع الفلك, الفئة املؤمنة معه هي اليت منها عَ ُرَت‬
                                                          ‫الدنيا واستقرت احلياة.‬
                                   ‫حاجة القلة املعاصرة لإلفادة من هذه املالمح‬
‫والقلة املؤمنة اليو اليت تسعى لريادة العبشرية باسم اهلل, وقيادة الدنيا بالدين, يف‬
‫أمس احلاجة لتفهم هذه املالمح السننية يف قانون القلة, وإدراك هذه األسس اليت‬
‫تتكرر يف كل زمن ويف كل قلة؛ ألهنا قانون مطرد وناموس حاكم, ويف حاجة‬
‫ماسة إلدراك عاقعبة هذه القلة اليت رصدها القرآن, وأحل يف عرض صورها, ونوع‬
‫يف بيان خصائصها, على تعباعد الزمن وتعباعد املكان, وتغاير األفراد, إال أن‬

                                                    ‫1 - يف ظالل القرآن: (3/ 8191).‬
                                                    ‫2 - يف ظالل القرآن: (4/ 2981).‬


                                          ‫261‬
‫القانون واحد يف كل زمن ويف كل مكان,(إن طالئع العبعث اإلسالمي اليت تواجه‬
‫اجلاهلية الشاملة يف األرض كلها واليت تعاين الغربة يف هذه اجلاهلية والوحشة كما‬
‫تعاين األذى واملطاردة والتعذيب والتنكيل.. إن هذه الطالئع ينعبغي أن تقف طويالً‬
‫أما هذا األمر اخلطري، وأما داللته اليت تستحق التدبر والتفكري! إن وجود العبذرة‬
‫املسلمة يف األرض شي عظيم يف ميزان اهلل تعاىل.. شي يستحق منه سعبحانه أن‬
‫يدمر اجلاهلية وأرضها وعمراهنا ومنشآهتا وقواها ومدخراهتا مجيعاً كما يستحق‬
‫األرض‬        ‫منه سعبحانه أن يكأل هذه العبذرة ويرعاها حىت تسلم وتنجو وتر‬
‫وتعمرها من جديد! لقد كان نوح عليه السال يصنع الفلك بأعني اهلل ووحيه،‬
  ‫نه‬                  ‫ال‬              ‫ت‬                   ‫ف َي‬
‫كما قال تعاىل: «وَاصْنَع اْل ُلْكَ بأعُْننا وَوَحْينا وَال ُخاطِعبْني فِي َّذِينَ ظَلَمُوا إَّ ُمْ‬
                                                                              ‫مغرُونَ» ..)(1)‬
                                                                                         ‫ُ ْ َق‬
‫وحينما تدرك هذه الطالئع تلك العاقعبة وتدرك قعبلها اتفاق السمات واخلصائ ,‬
 ‫وتوافق املالمح والصفات, يأتيها شي من برد اليقني, ورَوْح اإلميان وهدو‬
‫االطمئنان إىل سالمة العاقعبة, وحني تدرك تأييد اهلل (تعاىل) للقلة العاملة وتغيري‬
             ‫نواميس الكون هلا بسننه اخلارقة, توقن من نصر اهلل هلا,ومحايته لعبقائها.‬
                                                         ‫تغيري نواميس الكون للقلة املؤمنة‬
‫وهذه القلة املؤمنة مرعية يف عني اهلل (تعاىل) ويف عنايته؛ إهنا العبقية العباقية اليت‬
‫تسعى لتععبيد الناس هلل وهتيئة الوجود ألرقى حاالت الشهود,تتحمل ما تتحمل يف‬
‫سعبيل تعريف الناس برهبم, وصلتهم به, وداللتهم عليه, وهي من أجل ذلك‬
‫استحقت أن حتظى برعاية اهلل تعاىل وتأييده,فيغري هلا النواميس وخيضع السنن‬
‫اجلارية يف حقها للسنن اخلارقة, فالكل مربوب هلل رب العاملني, واملتأمل للقلة مع‬
‫داوود جيد بوضوح هذا التغيري فداود قتل جالوت مبقالع, بسيط, والعدد القليل‬

                                                                                  ‫القرآن:2/325.‬   ‫1 - يف ظالل‬
                                                   ‫361‬
‫الذي عرب النهر هو الذي هتيأت له األسعباب للغلب على الكثرة املغرورة, والقلة‬
‫املؤمنة نعبينا حممد (صلى اهلل عليه وسلم) هي اليت تغري هلا وهبا الناموس احلاكم‬
‫والسنن اجلارية, فانتصروا يف بدر وغريها وهم ال يصلون على ثلثي عدد جيش‬
‫عدوهم, والقلة املؤمنة مع نوح هي اليت غري اهلل (تعاىل) هلا السنن اجلارية فأرسل‬
‫هلا الطوفان, ومحله رائده على ذات ألواح ودسر, جتري بأعني اهلل تعاىل جزا ملن‬
‫كان كفر, (عند ما جلأ نوح إىل ربه يعلن أنه «مغلوب» ويدعو ربه أن «ينتصر»‬
                                                              ‫غ‬
‫هو وقد ُلب رسوله.. عندئذ أطلق اهلل القوى الكونية اهلائلة لتكون يف خدمة‬
               ‫عي‬                ‫ِ َف َّ‬                  ‫الس‬                 ‫َ‬
‫ععبده املغلوب: «ففََتحْنا أَبْوابَ َّما ِ بما ٍ مُنْهَمرٍ. وَجرْنَا الْأَرْضَ ُُوناً فَالَْتقَى‬
                                                                        ‫ع ْ ق‬
                                                                ‫الْما ُ َلى َأمرٍ قَدْ ُدِرَ» ..‬
‫وبينما كانت تلك القوى اهلائلة تزاول عملها على هذا املستوي الكوين الرائع‬
     ‫ه‬
‫املرهوب.. كان اهلل سعبحانه- بذاته العلية- مع ععبده املغلوب: «وَحَمَلْنا ُ عَلى‬
                              ‫ُِ‬        ‫َ‬               ‫َي‬              ‫َد ُ‬
                       ‫ذاتِ أَلْواحٍ و ُسرٍ. َتجْري بأعُْننا.. جَزا ً لِمنْ كانَ كفرَ..» .‬
‫هذه هي الصورة اهلائلة اليت جيب أن تقف طالئع البعث اإلسالمي يف كل‬
‫مكان ويف كل ممان أمامها حني تطاردها اجلاهلية وحني «تغلبها» اجلاهليه! إهنا‬
‫تستحق أن يسخر اهلل هلا القوى الكونية اهلائلة.. وليس من الضروري أن‬
‫تكون هي الطوفان. فما الطوفان إال صورة من صور تلك القوى! «وَما َيعْلَمُ‬
                                                                          ‫جن ِّ ِل ه‬
                                                                    ‫ُُودَ رَبكَ إَّا ُوَ» ..‬
‫وإنه ليس عليها إال أن تثعبت وتستمر يف طريقها وإال أن تعرف مصدر قوهتا وتلجأ‬
 ‫إليه وإال أن تصرب حىت يأيت اهلل بأمره، وإال أن تثق أن وليها القدير ال يعجزه شي‬
‫يف األرض وال يف السما . وأنه لن يترك أوليا ه إىل أعدائه، إال فترة اإلعداد‬
‫واالبتال وأهنا مىت اجتازت هذه الفترة فإن اهلل سيصنع هلا وسيصنع هبا يف األرض‬
                                                                                     ‫ما يشا .‬

                                                  ‫461‬
‫الكوين العظيم..إنه ال ينعبغي ألحد يواجه اجلاهلية‬        ‫.. وهذه هي عربة احلاد‬
‫باإلسال أن يظن أن اهلل تاركه للجاهلية وهو يدعو إىل إفراد اهلل سعبحانه‬
‫بالربوبية. كما أنه ال ينعبغي له أن يقيس قوته الذاتية إىل قوى اجلاهلية فيظن أن اهلل‬
‫ن َ ب‬
‫تاركه هلذه القوى وهو ععبده الذي يستنصر به حني يغلب فيدعوه: «إَِّي مغْلُو ٌ‬
                                                                            ‫ِ‬
                                                                      ‫فَانَْتصرْ» ..‬
‫إن القوى يف حقيقتها ليست متكافئة وال متقاربة.. إن اجلاهلية متلك قواها..‬
‫ولكن الداعي إىل اهلل يستند إىل قوة اهلل. واهلل ميلك أن يسخر له بعض القوى‬
‫الكونية- حينما يشا وكيفما يشا - وأيسر هذه القوى يدمر على اجلاهلية من‬
‫حيث ال حتتسب! وقد تطول فترة االبتال ألمر يريده اهلل.. ولقد لعبث نوح يف‬
‫قومه ألف سنة إال مخسني عاماً قعبل أن يأيت األجل الذي قدره اهلل. ومل تكن‬
‫حصيلة هذه الفترة الطويلة إال اث عشر مسلماً.. ولكن هذه احلفنة من العبشر‬
‫كانت يف ميزان اهلل تساوي تسخري تلك القوى اهلائلة، والتدمري على العبشرية‬
‫الضالة مجيعاً، وتوريث األرض لتلك احلفنة الطيعبة تعمرها من جديد وتستخلف‬
                                                                            ‫فيها..‬
‫إن عصر اخلوارق مل ميض! فاخلوارق تتم يف كل حلظة- وفق مشيئة اهلل الطليقة-‬
‫ولكن اهلل يستعبدل بأمناط من اخلوارق أمناطاَ أخرى، تالئم واقع كل فترة‬
‫ومقتضياهتا. وقد تدِق بعض اخلوارق على بعض العقول فال تدركها ولكن‬
‫املوصولني باهلل يرون يد اهلل دائماً، ويالبسون آثارها املعبدعة. والذين يسلكون‬
‫السعبيل إىل اهلل ليس عليهم إال أن يؤدوا واجعبهم كامالً، بكل ما يف طاقتهم من‬
                          ‫ي‬
‫جهد مث يدَعوا األمور هلل يف طمأنينة وثقة. وعند ما ُغلعبون عليهم أن يلجأوا إىل‬
 ‫َبه َن‬
‫الناصر املعني وأن جيأروا إليه كما جأر ععبده الصاحل نوح: «فَدَعا رَّ ُ أِّي‬



                                           ‫561‬
                                                               ‫ِ‬         ‫َلب‬
‫مغُْو ٌ، فَانَْتصرْ» .. مث ينتظروا فرج اهلل القريب. وانتظار الفرج من اهلل ععبادة‬
                                              ‫فهم على هذا االنتظار مأجورون.)(1)‬

                                                                 ‫مهمة القلة املؤمنة اليوم‬

‫ومهمة القلة املؤمن اليو اليت تسعى إلهناض أمتنا عللى أسلس ربانيلة يف حاجلة‬
‫ماسة ملعايشة هذه السنن تقف أمامها طلويال وتلرى كيلف نصلر اهلل القللة‬
‫املؤمنة, خاصة وان العا العر اليو يف حالة خماض جديد يلؤذن مبليالد عصلر‬
‫سعيد ورشيد, تعلو فيه كلمة العد واحلق واحلريلة, سليما وقلد علاش النلاس‬
‫عصورا من اخلسف والتنكيل, واملسخ الفكلري,والتيله التلارخيي املمنلهج وآن‬
‫هلا أن تعود إىل رهبا وكتابه ومنهاجه والسعيد من وعلظ بغلريه, وقلد بصلر اهلل‬
‫تعاىل القلة املؤمنة األوىل مع اللنيب حمملد (صللى اهلل عليله وسللم) للوقلوف‬
 ‫والتذكر لتقارن بني حالني, وتعبصر الفرق بلني زملانني, زملان القللة والذللة,‬
 ‫ل‬          ‫ت‬             ‫ْك ر‬
‫واهل لوان واالمت لهان, وزم لان اإلي لوا والعناي لة, (وَاذ ُ ل ُوا إذْ أَنْ لُمْ قَلِي ل ٌ‬
                                        ‫ل‬           ‫ل‬        ‫ل‬         ‫ل‬             ‫ل‬
   ‫ك ََي َك‬                  ‫خ َّ كم الن س‬                ‫ف‬                      ‫م ْ َف‬
‫ُسَْتضع ُونَ فِي الْلأَرْض، تَخلاُونَ أَنْ يَلَت َطفَ ُ ُ َّلا ُ فَلآوا ُمْ، وأَّلد ُمْ‬
                                                ‫ُر‬       ‫لك‬       ‫َ ك ِ َّي‬
‫بَنصْرهِ، وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ َلعََّ ُمْ تَشْلك ُونَ» ..اذكلروا هلذا لتسلتيقنوا أن‬
‫الرسول يدعوكم ملا حيييكم واذكروه كي ال تقعلدوا علن مكافحلة الظللم يف‬
‫كل صوره وأشكاله.. اذكروا أيا الضلعف واخللوف، قعبلل أن يلوجهكم اهلل‬
‫إىل قتال املشركني، وقعبل أن يدعوكم الرسول إىل الطائفلة ذات الشلوكة وأنلتم‬
  ‫كارهون.. مث انظروا كيف صرمت بعد الدعوة احملييلة الليت انقلعبلتم هبلا أعلزا‬
‫منصورين مأجورين مرزوقني. يلرزقكم اهلل ملن الطيعبلات ليلؤهلكم لشلكره‬
‫فتؤجروا على شكركم لفضله! ويرسم التعلعبري مشلهدا حيلا للقللة والضلعف‬
                                       ‫خ َّ كم الن س‬              ‫ف‬
     ‫والقلق واخلوف:«تَخلاُونَ أَنْ يَلَت َطفَ ُ ُ َّلا ُ» ..وهلو مشلهد التلرب‬
‫الوجل، والترقب الفزع، حىت لتكاد العني تعبصر بالسلمات اخلائفلة، واحلركلات‬
‫َّعة، والعيون الزائغة.. واأليدي متتد للتخطلف والقللة املسللمة يف ارتقلاب‬              ‫املفز‬

                                                                  ‫3981).‬   ‫1 - يف ظالل القرآن: (4/‬
                                              ‫661‬
‫وتوجس! ومن هذا املشهد املفزع إىل األمن والقلوة والنصلر واللرزق الطيلب‬
             ‫ك ََي َك‬
‫واملتاع الكر ، يف ظل اهلل الذي آواهم إىل محلاه:«فَلآوا ُمْ، وأَّلد ُمْ بَنصْلرهِ،‬
                                                                  ‫َ ك ِ َّي‬
                                                         ‫وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ» ..‬

                       ‫ُر‬         ‫َلك‬
‫ويف ظل توجيه اهلل هلم ليشكروا فيؤجروا:«َلعَّ ُمْ تَشْلك ُونَ» ..فملن ذا اللذي‬
‫يتأمل هذه النقلة العبعيدة، مث ال يستجيب لصوت احليلاة اآلمنلة القويلة الغنيلة..‬
‫صوت الرسول األمني الكلر .. مث ملن ذا اللذي ال يشلكر اهلل عللى إيوائله‬
‫ونصره وآالئه وهذا املشهد وذللك معروضلان عليله، ولكلل منلهما إيقاعله‬
                                                                       ‫وإحياؤه؟‬

‫على أن القو إمنا كانوا يعيشلون هلذا املشلهد وذاك.. كلانوا يلذكرون مبلا‬
                                        ‫يعرفون من حاهلم يف ماضيهم)(1)‬

 ‫(والعصعبة املسلمة اليت جتاهد اليو إلعادة إنشا هذا الدين يف واقع األرض ويف حياة‬
 ‫الناس قد ال تكون قد مرت باملرحلتني، وال تذوقت املذاقني.. ولكن هذا القرآن‬
   ‫ت‬
‫يهتف هلا هبذه احلقيقة كذلك. ولئن كانت اليو إمنا تعيش يف قوله تعاىل: «إذْ أَنُْمْ‬
                               ‫خ َّ كم ن س‬             ‫ت ف‬                       ‫ل ل م ْ َف‬
‫قَِي ٌ ُسْتَضع ُونَ فِي الْأَرْض َخاُونَ أَنْ يََت َطفَ ُ ُ الَّا ُ» ..فأوىل هلا أن تستجيب‬
 ‫لدعوة احلياة اليت يدعوها إليها رسول اهلل وأن تترقب يف يقني وثقة، موعود اهلل‬
‫للعصعبة املسلمة، موعوده الذي حققه للعصعبة األوىل، ووعد بتحقيقه لكل عصعبة‬
   ‫ك ََي ك‬
‫تستقيم على طريقه، وتصرب على تكاليفه.. وأن تنتظر قوله تعاىل:«فَآوا ُمْ وأَّدَ ُمْ‬
                                             ‫ُر‬        ‫َلك‬          ‫َ ك ِ َّي‬
                                       ‫بَنصْرهِ، وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ َلعَّ ُمْ تَشْك ُونَ» .‬

‫وهي إمنا تتعامل مع وعد اهلل الصادق- ال مع ظواهر الواقع اخلادع- ووعد اهلل هو‬
‫واقع العصعبة املسلمة الذي يرجح كل واقع! مث يتكرر اهلتاف للذين آمنوا مرة‬
         ‫أخرى.. إن األموال واألوالد قد ُقعد الناس عن االستجابة خوفا وهال.)(2)‬
                                              ‫ت‬

                                                                 ‫1 - يف ظالل القرآن: (3/ 9941).‬

                                                                   ‫2 - يف ظالل القرآن (3/ 7941):‬

                                                  ‫761‬
‫وعندما تقف القلة املعاصرة الرائدة هبذه النيلة, وهلذا العلز وتعبصلر السلابق‬
‫وتنسج على منواله تنجو كما جنا, وحتيا عزيلزة اجلانلب مرعيلة اجلنلاب, واهلل‬
                                 ‫غالب على أمره ولكن أكثر الناس ال يعلمون.‬




                                  ‫املبحث الثاين‬

                    ‫فقه صناعة القلة الرائدة وموقف األمة منها‬

‫إذا تأملنا واقع املسلمني بني املاضلي واحلاضلر, وملوقفهم ملن سلنة اهلل يف القللة‬
 ‫والكثرة, رأينا أن وعي املسلمني هبلا وعنايتلهم بأثرهلا, أو إمهلاهلم هللا وعلد‬
‫اهتمامهم هبا هو الذي شكل حمور األساس وحجلر الزاويلة يف فتلرات االنتصلار أو‬
‫االنكسار, فيو أن وعى املسلمون – على ضو مقاصلد القلرآن, وفلسلفته للقللة‬
‫والكثرة بل سنته فيها - يو أن وعوا أثر القلة يف الشلهود احلضلاري وقيملة هلذا‬
‫التضا والتجمع على مستوى العلما واألمرا , والنخعبلة الفكريلة والعلميلة وعللى‬
‫مصاف الساسة واحلكا , والزهاد وأرباب السلوك, يلو أن علزوا وقلدموا للعبشلرية‬
‫- فضال عن اإلسال أروع صور احلضارة, وأرقلى منلاذج اإلنسلان عنلدما يعبلدع‬
‫ويعبتكر يف ضو مقوالت الوحي ومتطلعبلات السلما , ويلو أن أغفللوا النظلر إىل‬
‫هذه السنة املاضية وأمهلوا التعامل معها يو أن أصعبحوا غثا كغثلا السليل أو هعبلا‬
‫تذروه الرياح, فال وزن يف عامل احلضارة, وال قيملة يف دنيلا األرقلا , وال سلعبق يف‬
‫جمال العلم وال ريادة يف جانب االجتماع, وكانوا هم ملن انطعبقلت علليهم السلنة‬
‫يف القلة والكثرة كما انطعبقت على غريهلم.( كلذلك يضلرب اهلل احللق والعباطلل‬




                                      ‫861‬
‫فأما الزبد فيذهب جفا وأما ما ينفلع النلاس فيمكلث يف األرض كلذلك يضلرب‬
                                                                ‫اهلل األمثال), الرعد: من اآلية:71 .‬

‫وإذا سألنا التاريخ عن فترات الشهود احلضاري لألملة املسللمة أخربنلا أهنلا تللك‬
‫الفترات اليت فهم املسلمون فيها أثر هلذه القللة ومهمتلها يف الشلهود احلضلاري‬
‫وإهناض األمة وقد بدا ذلك يف عصور متتابعلة, فيلو أن تصلدر العلملا إلرشلاد‬
‫األمة ونصح األمرا بالكتاب والسنة يو أن وصللت األملة إىل مرحللة مشلهودة‬
 ‫من التمكني, وإذا نظرنا إىل حمنة ضياع األقصى وكيلف علاد إىل دوحلة اإلسلال‬
‫وحصن املسلمني عرفنا مهمة القلة من العلما اللرواد اللذين تعلاونوا ملع األملرا‬
‫احلكما يف معركة حطني اليت انتصر فيهلا صلالح اللدين األيلو , علا 385ه,‬
‫واليت مل تكن وليدة تراتيب إدارية وعسكرية فقلط, بلل تراتيلب تربويلة لنفلوس‬
‫اجليش واألمة وليس على مستوى املرحلة الزمنية للمعركة بلل عللى تطلاول أجيلال‬
‫متعاقعبة يف عهود زنكي ونور الدين مث صلالح اللدين, ( فلإن علددا ملن اللدعاة‬
‫والعلما قد وقفوا مع هؤال األبطال الثالثة – زنكي ونور اللدين وصلالح اللدين,‬
‫- وكان على رأس هؤال املؤرخ هبلا اللدين أبلو احملاسلن يوسلف بلن شلداد‬
‫(935/239ه) ,والفقيه ضليا اللدين عيسلى بلن حمملد اهلكلاري (585ه),‬
  ‫ل‬         ‫ل‬          ‫ل‬
‫وامل لؤرخ املع لروف ععب لد اهلل حمم لد األص لفهاين املع لروف بالعم لاد الكات لب,‬
                                   ‫ل‬       ‫ل‬           ‫ل‬        ‫ل‬         ‫ل‬
‫(915/795ه/ 5211/5521 ) الذي كان قلمه كملا يصلفه املؤرخلون أشلد‬
‫وأنكى على الصليعبيني من سيوف اجملاهدين, إذ بله مجلع صلالح اللدين عسلاكر‬
‫املسلمني, وبأسللوبه العبليلغ امللؤثر أللف بلني قللوهبم وحعبلب االستشلهاد إىل‬
                                                                                            ‫نفوسهم)(1).‬


   ‫1 - املسلمون من التعبعية والفتنة إىل القيادة والتمكني, د ععبد احلليم عويس, 411,ط: مكتعبة الععبيكان, ط أوىل‬
                                                                                     ‫7241هل , 9552 .‬
                                                   ‫961‬
                                                                     ‫َث ي‬
‫ومَّل وع ُ العلما وفقههم مبتطلعبات احلضارة وإقرار شؤون الدوللة ومصلاحل الععبلاد‬
‫ورعايتهم, جانعبا مهما من عالقتهم باألمرا ومدى تأثريهم فليهم ومسلاعهم رأيهلم,‬
‫فقد أشار القاضي الفاضل على صالح الدين بعلد صللح الرمللة (885ه) بتأجيلل‬
‫احلج إىل سنة أخرى ألسعباب عرضها عليه؛ مؤيدا إقناعله بفتلوى دينيلة نصلها : أن‬
                      ‫االنقطاع لكشف مظامل اخللق أهم من كل ما يتقرب به إىل اهلل)(1)‬

‫واملطالع حلقب التاريخ املتطاولة يف حياة املسلمني يرى ريادة القللة والتكاملل بينلها‬
‫وبني األمة عن طريق قيادهتا وتعبصريها, مما كلان لله أبعلد األثلر يف هنضلة األملة‬
‫فالتكامل بني الساسة والدعاة يف العصر اململوكي والعثماين كلان لله أثلره العبلالغ يف‬
‫حضارة األمة واستقرارها, كما ال خيفى على مطلالع للتلاريخ ملدى التكاملل بلني‬
‫أمرا املماليك والعلما يف مقاومة التتار, وإذا نظرنا إىل بلالد املغلرب وبلالد اهلنلد‬
‫واستعرضنا مواقف العلما والقلة الرائدة وأثرها باألمسا واألرقلا عرفنلا ملدى أثلر‬
                                           ‫الوعي بسنة القلة وريادهتا يف الشهود احلضاري.‬

‫ووجود هذه القلة الرائدة اآلمرة باملعرف الناهية علن املنكلر الداعيلة إىل صلراط اهلل‬
‫املستقيم ضرورة من ضرورات املنهج اإلهلي ذاتله؛ (فهلذه اجلماعلة هلي الوسلط‬
‫الذي يتنفس فيه هذا املنهج ويتحقق يف صورته الواقعية. هو الوسلط اخللري املتكافلل‬
‫املتعاون على دعوة اخلري. املعروف فيه هو اخلري والفضليلة واحللق والعلدل. واملنكلر‬
‫فيه هو الشر والرذيلة والعباطل والظلم.. عمل اخللري فيله أيسلر ملن عملل الشلر.‬
‫والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. واحلق فيه أقلوى ملن العباطلل. والعلدل فيله‬
                                                                     ‫أنفع من الظلم..‬
‫فاعل اخلري فيه جيد على اخلري أعوانا. وصانع الشلر فيله جيلد مقاوملة وخلذالناً..‬
‫ومن هنا تربز قيمة هذا التجمع.. إنه العبيئة اليت ينمو فيهلا اخللري واحللق بلال كلعبري‬


                                                                                                 ‫1‬
          ‫- السابق, نقال عن: املؤرخني املعاصرين لصالح الدين األيو , لنظري حسان سعداوي: 13, 23.‬
                                            ‫071‬
‫جهد، ألن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. واليت ال ينملو فيهلا الشلر والعباطلل‬
                        ‫إال بعسر ومشقة، ألن كل ما حوله يعارضه ويقاومه...)(1)‬
                                                         ‫كيفية صناعة القلة الرائدة‬
‫وإذا انتقلنا من التنظري إىل التطعبيق ومن ميدان الكال إىل ميلدان العملل نسلتطيع أن‬
‫نرصد يف برجمة عملية وخطوات إجرائية كيفية صلناعة القللة الرائلدة الليت تلرود‬
‫أمتها إىل الشهود احلضاري وأسلتاذية العلامل كملا أراد اهلل (تعلاىل)حلني أخلرب :‬
‫(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدا على النلاس ويكلون الرسلول علليكم‬
                                                  ‫شهيدا), العبقرة:من اآلية: 341.‬

‫وميكن أن نرصد بعض اخلطوات العملية اليت من شلأهنا أن تسلاعد يف صلناعة القللة‬
                                                       ‫الرائدة على النحو التا :‬

‫إدرا أمهية هذه القلة الرائدة, والقناعلة العمليلة وليسلت الفكريلة أو‬        ‫1-‬
‫النظرية مبدى حاجة األمة إىل ريادة حقيقيلة إن مل تكلن عللى املسلتوى‬
‫الرمسي من احلكومات والدول فللتكن عللى مسلتوى أصلحاب اللرأي‬
‫والفكر واملعنيني باهلم اإلسالمي العا ,واملنشغلني بله؛ فقلد ثعبلت عمليلا‬
‫أن غياب الوعي وعد اإلدراك احلقيقي ملدى خطلورة فلراغ األملة ملن‬
‫قلة رائدة أثر تأثريا مروعا يف عد بروز هذه القلة, وعلد العنايلة هبلا إذا‬
‫برزت وبدا ذلك بصورة ملحوظة يف عد تفرغ كفايلات علميلة حلملل‬
‫ما خلقت من أجله من وعي يكون أساسا للسعي, وملن مث توعيلة األملة‬
‫برسالتها ومهمتها حسب طعبيعة كل مرحلة ملن املراحلل الليت متلر هبلا‬
‫واملكان الذي تشغله, فملا يصللح يف وقلت قلد ال يصللح يف وقلت‬
‫آخر,وما ينفع يف زمان قد ال ينفع يف زمان آخر وملا يفيلد قوملا قلد ال‬
‫يفيد منه آخرون, وقد حوت الشلريعة اإلسلالمية ملن عواملل السلعة‬

                                                    ‫1 - يف ظالل القرآن: 1/444, 544.‬
                                       ‫171‬
‫واملرونة ما أثعبت لدى العبعيلد قعبلل القريلب صلالحيتها لكلل زملان‬
                                                                  ‫ومكان.‬

‫وهذه القناعة العملية احلقيقية ليست باألمر السهل اليسلري بلل حتتلاج إىل‬
‫توطني النفس واكتشاف نقطة العبداية؛ ألن معرفة ملدى حاجلة األملة إىل‬
‫قلة رائدة هلا أثر تربوي وفكلري وعلملي يسلتطيع أن يلؤثر وال يتلأثر‬
‫وجيذب وال ينجذب أمر ها ومؤثر, واكتشاف نقطة العبداية هلذه لله ملا‬
‫بعده من تكاليف ومشاق, (ولعلل أعظلم زيغنلا وتنكعبنلا علن طريلق‬
‫التاريخ أننا جنل النقطة اليت منها نعبدأ تارخينا, ولعل أكلرب أخطلا القلادة‬
‫أهنم يسقطون من حساهبم هذه املالحظة االجتماعيلة , وملن هنلا تعبلدأ‬
‫الكارثة, وخيرج قطارنا عن طريقله حيلث يسلري خلعبط عشلوا , وال‬
‫عجب فإن كوار التاريخ الليت حتيلد بالشلعب علن طريقله ليسلت‬
                                                                ‫بشاذة)(1)‬

‫إعداد قيادات املستقبل, يف ضلو النظلرة االستشلرافية العاملة الليت‬              ‫2-‬
‫تنورنا هبا قضية السنن بصفة خاصلة فلإن أوجلب الواجعبلات للدارس‬
‫السنن أن يفيد منها, ويفيد ملن تيارهلا وال يصلادمها, خاصلة أن ملن‬
‫خصائصها عد التعبدل أو التغري فإذا وعينا ثعباهتلا واطرادهلا فلنفلد منلها‬
‫على ضو خصائصها ومساهتا, وقد ثعبت سننيا ملن خلالل علرض هلذه‬
‫السنة يف القلة والكثرة أن الريادة لكل أملر ال تكلون لعاملة النلاس وال‬
‫جلمهور العبشر بل لفئة هلا من الوعي ما يعينها على إحسلان السلعي,وهللا‬
‫من العلم ما ييسر هللا إتقلان العملل, وقلد سلعبقنا الغلرب يف هلذه‬


                            ‫1 - شروط النهضة, مالك بن نيب: 74,ط: دار الفكر9931ه ,9791 .‬
                                        ‫271‬
‫الدراسات االستشرافية واملستقعبلية بصورة جعلتله يفيلد ملن السلنن وإن‬
‫مل يسندها إىل رهبا وجمريها, لكن على عادة السنن أهنا تعطلي ملن حيسلن‬
‫السلنن‬     ‫التعامل معها دون تفريق بني مسلم وكافر, وتلك ملن خصلائ‬
‫اليت ال تتخلف, فرأينا الدراسات الرقمية واإلحصلائية الليت متهلد الختلاذ‬
‫القرار الصحيح, وكثري من أعمالنا ارجتا حلظلي, ال ميهلد لله بدراسلة‬
‫وال يعبىن على معرفة متينة ومعلومة قوية, وهذا ملا جعلل أعمالنلا ختضلع‬
‫إىل حد كعبري ملفاجئات القدر,مع أننا أوىل النلاس بلالوعي بالسلنن فكلل‬
‫شي يف ديننا (حبسنبان),وبلل (تقندير العزينز العلنيم) ععبلادةً‬
‫ومعاملةً,وفرائض وسلننا, وهنلاك تالزميلات بلني الفلرائض والسلنن‬
                                       ‫ومواقعها يف خريطة العمل اإلسالمي.‬

     ‫حللللل‬
‫لىت يف‬                   ‫والناظر يف منهجية القرآن الكر جيد أنه ع بالنظرة املستقعبلية‬
‫العهد املكي الذي بدا فيه للناظر املتأمل معاناة املسللمني فيله, لكلن القلرآن اللذي‬
‫هو كلمة اهلل اخلامتة للعبشرية يهيئ األملة املسللمة لتكلون رائلدة ميلدان وفارسلة‬
‫مضمار, فهو منذ العبداية (يوجله أنظلار املسللمني إىل الغلد امللأمول, واملسلتقعبل‬
‫املرجتى, ويعبني هلم أن الفلك يتحرك, والعامل يتغري, واألحوال تتحلول, فلاملهزو قلد‬
‫ينتصر, واملنتصر قد يهز , والضعيف قد يقوى,والدوائر تلدور, سلوا أكلان ذللك‬
‫على املستوى احمللي أ العاملي, وعلى املسلمني أن يهيئوا ويرتعبوا بيتلهم مللا يلتمخض‬
                                                           ‫عنه الغد القريب أو العبعيد)(1),‬

‫واملتأمل لسورة القمر مثالً ورصدها املركز لغزوة بلدر جيلد ملدى عنايلة القلرآن‬
‫الكر بالنظرة املستقعبلية,وإرشادها املسلمني ملا سيكون بعد سلنني, فملا بلان معلىن‬


                        ‫1 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة,د.يوسف القرضاوي, 411 ,‬
                                          ‫371‬
‫قوله (تعاىل): (سيهز اجلمع ويولون الدبر ), القمر:54.لعمر بلن اخلطلاب وقلت‬
‫نزوهلا وما فهمها إال يو بدر حني رأى رسول اهلل صلى اهلل عليله وسللم, يثلب يف‬
                                                                               ‫الدرع ويتلوها, (1)‬

            ‫اللر‬       ‫غ‬
‫واملتأمل لصدر سورة الرو يف قولله تعلاىل: (امل (2) ُلِعبَلتِ ُّو ُ (5) فِلي‬
  ‫َْ‬        ‫ِل‬                 ‫ف‬                                                    ‫َ‬
‫َأدْنَى الْأرْض وَهُمْ مِنْ َبعْدِ غَلَعبهمْ سََيغْلِعبُونَ (3) ِي بضْلع سِلننيَ لَّلهِ الْلأمرُ‬
               ‫َّ ص ر‬                            ‫د ْ ْح ْ‬                              ‫ل َ‬
‫مِنْ قَعبْ ُ ومِنْ َبعْ ُ وَيَومَئِذٍ َيفرَ ُ الْمُؤمِنُونَ (5) بنَصْر اللهِ يَنْ ُل ُ مَلنْ َيشَلا ُ‬
   ‫ِف َّه َه ِلن ث الن‬                              ‫َّ‬             ‫ع ز َّ م‬
‫وَهُوَ اْل َزي ُ الرحِي ُ (2) وَعْدَ اللهِ لَا يُخْل ُ الل ُ وَعْد ُ وََلك َّ َأكَْلرَ َّلاس‬
   ‫َ َِ ه‬              ‫ي اللد ي ه‬                    ‫ِ‬
‫لَا َيعْلَمُونَ (5) َيعْلَمُونَ ظَاهرًا مِنَ الْحََاةِ ُّنَْا وَ ُلمْ عَلن الْلآخرةِ ُلمْ‬
                                                                                         ‫غ فل ن‬
                                                                                 ‫َاُِو َ (2))(2)‬

‫جيد مدى حرص القرآن الكر على توعية املسلمني مبا يدور حلوهلم ملن أحلدا ,‬
                                             ‫يترتب عليها كثري مما خيصهم, ويظهر منها أمران:‬

  ‫(األول: مدى وعي اجملموعة املسلمة_ عللى قلتلها وضلعفها امللادي _ بأحلدا‬
                         ‫العامل الكربى,وصراع العمالقة من حوهلا, وأثره عليها إجيابا وسلعبا.‬

‫الثاين: تسجيل القرآن هلذه األحدا ,وتوجيه النظلر إىل عواملل اللتغري, واالنتقلال‬
                                                      ‫من الواقع إىل املتوقع يف ضوء السنن.)(3)‬

 ‫إعداد حماضن علمية خاصة بتكنوين القنادة,عللى مسلتوى العللو‬                                   ‫3-‬
‫الشرعية واالجتماعية والسياسية وتشلرف عليهلا هيئلة عامليلة, تسلتقل‬
‫ماليا وإداريا عن رعاية دولة بعينها؛ حلىت تكلون حلرة اإلرادة, قلادرة‬

                                                        ‫1 - انظر أسعباب النزول: ولعباب النقول:1/99.‬
                                                                                      ‫2 - الرو :1ل7.‬
                                                  ‫3 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة: 511‬
                                                ‫471‬
‫على االستقالل العلمي والعملي كما يفاد يف ذلك ملن اخللربات العلميلة‬
‫العاملية اليت متأل أصقاع العلامل اإلسلالمي وتوضلع مل بلرامج تربويلة‬
‫وعلمية وعملية تؤهلهم للقيلا باملهملة املنوطلة هبلم يف قيلادة األملة‬
‫وإرشادها, واألمة غنية بفضل اهلل تعاىل بالعقول الليت حتتلاج ملن يفيلد‬
                                ‫منها والطاقات املؤهلة للقيا هبذه املهمة.‬

‫اإلفادة من احملاضن العلمية القائمة كل يف جمال ختصصله لتكلون رافلدا‬           ‫4-‬
‫من الروافد املهمة يف تزويد اجملتمع مبا يتطلعبه من رملوز علميلة وقياديلة‬
                                             ‫تتحمل املهمة أو جز ا منها.‬

‫تفعيل دور العلم الكن ى كلاألزهر والزيتونلة واألملوي واجلامعلة‬                ‫5-‬
‫اإلسالمية ودار العلو باهلند وغريها, لتقلو مبهمتلها الرمسيلة واخللروج‬
‫هبا من حالة اجلمود واهلمود إىل حالة اللوعي احلقيقلي والسلعي اجللاد‬
       ‫إلخراج األمة من وهدهتا والسري هبا قدما إىل مصاف الريادة احلضارية,‬

‫تفعيل الوقف اإلسالمي ورصد قدر مناسنب مننه ملثنل هنذا البنناء‬                 ‫9-‬
‫البشري املتني , فال أوىل بله منله, وال أحلوج إىل الوقلف ملن هلذا‬
‫املشروع الذي يعب أمة, وميهد جليل تتعبعه أجيلال, ودعلوة أهلل الفضلل‬
‫إىل املشاركة يف هذا اهلم العا الذي لله ملا بعلده ملن تعبصلري األملة‬
                                          ‫برسالتها وحتميلها مبهمتها,‬

‫توهيف القدر املتاح منن اإلعنالم املسنلم خلدمنة هنذا املشنروع‬                 ‫7-‬
‫الريادي, ميهد له ويعلن عنه, ويغري الناس مبلا لله ملن أثلر وفضلل,‬
‫ويساعد يف توعية األمة هطورة خلوها من هلذه القللة الرائلدة, وتوعيلة‬
 ‫هذه القلة مبهمتها عرب وسائله اجلاذبة واملؤثرة,واليت أثعبتلت جتربلة األيلا‬
‫أن أثره ال ينكر بل ال يقاو يف اخلري والشر, وهذا ما علرب عنله الطيلب‬
 ‫برغو يف دراسته املتميزة عن سلنن الصلريورة واالسلتخالف يف ضلو‬
‫التدافع والتجدد احلضاري يف حديثه علن خصلائ ومقوملات التجلدد‬

                                        ‫571‬
‫احلضاري بقوله: (الشرط الثاين يف الفعل التجديدي وهلو وصلل احلاضلر‬
‫بالعصر,خاصة إذا كانت األمة يف وضلع املستضلعف أو املتطللع عللى‬
‫االنعتاق من التخللف والتعبعيلة واالستضلعاف, حيلث يتحلتم عليهلا‬
‫التواصل العبصري مع ثقافلة العصلر وحضلارته؛ اسلتفادة ملن معطياتله‬
‫وخرباته, وفهما الجتاهاته وجماالت وآليلات الصلراع فيله, وارتقلا إىل‬
‫مستوى التفاعل اللواعي معله أو الفعلل اإلجيلا فيله كلملا أمكلن‬
                                                         ‫ذلك.)(1)‬

‫استكتاب العقول الرائدة وأصحاب التجنارب واخلن ات الناجحنة يف‬                         ‫8-‬
‫هذا امليدان من تربويني وشرعيني واجتماعيني وإصالحيني وكلل ملن لله‬
‫شغل باهلم اإلسالمي العا ليقد تصوره يف جماله, ونتلاج خربتله موثقلا,‬
‫ويف األمة من اخلربات املتناثرة والعقول املهلاجرة ملا يكفلي ويغل إذا‬
                          ‫صحت العزمية وسلمت النوايا ويسرت السعبل.‬

‫وهذا عينه ما تنعبه له شيخنا الشليخ صلادق عرجلون يف كتابله املعبلارك‬
‫واملاتع (سنن اهلل يف اجملتمع من خالل القرآن الكر ), حلني تسلائل بعلد‬
‫رحلة علمية قوية مؤصلة عن املخرج ملا فيه املسلمون اليلو وقلد وضلح‬
‫الصعبح لذي عينني, وبان النهار لذي باصلرين, وخلل إىل وجلوب أن‬
‫تكون هناك (دراسة حتليلية تصلف اللدا يف لطلف ال يلزعج امللريض,‬
‫وتضع أما اللدوا ,وذللك يف خطلة إجيابيلة يسلجلها العلملا ورواد‬
‫اإلصالح اإلسالمي مكتوبة يف هلدو احللق, ترفلع إىل املسلئولني علن‬
‫التنفيذ يف مجيع األوطان اإلسالمية تذاع يف رفلق بلني سلائر املسللمني‬
‫ليفهموا دا هم ودوا هم, وعلى العلما يف صورة مجاعيلة حيققهلا موسلم‬
‫احلج -وهو املؤمتر الذي أمر اهلل بعقلده- أن يتلابعوا السلعي ورا هلذه‬
‫اخلطة ليتعرفوا العقعبات اليت تقف دون تطعبيقهلا عمليلا, واملشلاكل الليت‬


        ‫1 - مدخل إىل سنن الصريورة االستخالفية على ضو نظرية التدافع والتجديد احلضاري, 281,381.‬
                                           ‫671‬
‫تعترضها, ليشاركوا يف حلها حلال ال يهلد بنلا دون أن يقليم عللى‬
‫أرضه بنا يقو مقامه وعلى أسس من القرآن الكلر العظليم, وجيلب أن‬
 ‫تكون احللول يف مستوى واقع األملة اإلسلالمية, فلال حتللق يف مسلا‬
                                       ‫اخليال وتنسى أزمات األمة)(1)‬

‫وقد قد الشيخ رمحه اهلل هذه الدراسة السننية الراقيلة وهلذا االقتلراح إىل‬
‫رابطة العامل اإلسلالمي وملا زال أملله وأملنلا معقلودا -بعلد اهلل -يف‬
‫الرابطة وكل رابطة تتقلد حلملل العلب وتلرود النلاس إىل مكلان‬
                                                                ‫الصدارة.‬

‫استدعاء تراثنا احلي ليعيش معنا هذه الندورة احلضنارية النيت تكتنب‬                                ‫9-‬
‫من جديد حسب التغري السنين يف الكنون واحليناة, وحسلب قلانون‬
‫التداول احلضاري الذي رصده القرآن الكر وعل بتأكيلده, ونرتشلف‬
‫منه جتارب القرون املاضية اليت ثعبت على مدار التلاريخ ريادهتلا وقيادهتلا‬
‫لنهضات ظلت قرونا مشاعل نور ومنارات هدى يفي إليهلا النلاس ملن‬
                                                          ‫شرق وغرب.‬

‫(وال خيفى أن أي خلل يف عالقلة احلاضلر بلالترا احلضلاري لألملة,‬
‫سيجعل حركة التجديد متتد يف فراغ, وستجد نفسها بعلد فتلور محاسلة‬
‫العبداية, وكأهنا تتحرك يف مكاهنا, إن مل تتقهقر إىل اللورا ؛ لنلها ال جتلد‬
     ‫لاعي لذي مينحهل مل‬
‫لا لربرات‬              ‫لي واالجتمل الل‬                 ‫السل الفكل‬
                                            ‫لند لري والنفسل‬
‫االستمرارية, ويضمن هلا حيويلة التجلدد واالنلدفاع, ويقيهلا خملاطر‬
‫التذبذب والتأرجح بني التيارات الفكريلة والكتلل احلضلارية املتدافعلة,‬
                      ‫الذي قد يفقدها هويتا وميسخها خلقا اجتماعيا آخر!‬


  ‫1 - سنن اهلل يف اجملتمع, الدار السعودية للنشر والتوزيع, ط الثالثة,4541/ 4891 , وانظر: حديث األستاذ أ‬
  ‫احلسن الندوي عن قيادة اإلسال للعامل, فصل هنضة العامل اإلسالمي, من كتابه الراقي : ماذا خسر العامل باحنطاط‬
                                                                                ‫املسلمني,ص 852 /772 .‬
                                                  ‫771‬
‫ويكفي يف هذا السياق استحضار مسار ومآالت جتربلة النهضلة احلديثلة‬
‫يف العامل اإلسالمي, وعجزها عن حلل معادللة التواصلل األصليل ملع‬
‫الذات, وما جنم عن ذلك ملن ازدواجيلة وتذبلذب واهلتالك وهلدر‬
‫لإلمكانات واإلرادات احلضارية لألملة,ومضلاعفة هلمومهلا, ومعباعلدة‬
‫بينها وبني طموحاهتا.. للتأكلد فعلال كيلف مسلخت هلذه النهضلة‬
‫مسخا, وأفرغت من حمتواها احلضاري األصيل! وملن هنلا فلإن الشلرط‬
‫األساس األول يف الفعل التجديديي, هو وصل احلاضلر باملاضلي وصلال‬
‫واعيا,عن طريق استيعاب ثوابت اخللربة الذاتيلة لألملة, ومتثلل روحهلا‬
                ‫واستصحاهبا إىل احلاضر, وإدماجها يف العصر باستمرار)(1)‬

                    ‫51- استلهام حركات اإلصالح والتجديد يف العصور السابقة‬

‫فلكل فضل السعبق وبدايلة الشلرارة, عللى تطلاول الرقعلة املكانيلة‬
‫والزمانية نفيد من كلٍ ما يناسب عصرنا ويزهي حياتنا فقلد كانلت وملا‬
‫زالت عند كثري من املنصفني زادا حقيقيا يغري بالتقلد والريلادة, وقلد‬
‫قال غوستاف لوبون يف كتابه حضلارة العلرب(...إن جامعلات الغلرب‬
‫مل تعرف هلا مدة مخسة قلرون ملوردا علميلا سلوى مؤلفلاهتم - أي:‬
‫املسلمني- وإهنم هم الذين ملدنوا أوربلة ملادة وعقلال وأخالقلا, وإن‬
‫التاريخ مل يعر أمة أنتجت ما أنتجوه يف وقلت قصلري, وإهنلم مل يفقهلم‬
‫قو يف اإلبداع الف ) ويقلول: (كلان تلأثري العلرب يف القطلار الليت‬
‫فتحوها عظيما جداً يف احلضارة, ولعل فرنسة كانت أقلل حظلا منلهم,‬
‫فقد رأينا العبالد تتعبدل صورهتا حينما خيفق عللم الرسلول اللذي أظللها‬
‫بأسرع ما ميكن, ازدرت فيها العلو والفنلون والزراعلة أي ازدهلار...‬


‫1 - مدخل على سنن الصريورة االستخالفية على ضو نظريلة التلدافع والتجديلد, الطيلب برغلو ,‬
‫181, 281, وانظر حنو حركة إسالمية عاملية واحدة, فتحلي يكلن,ط: مؤسسلة الرسلالة, الطعبعلة‬
                                             ‫اخلامسة , 7541ه/ 7891 ,ص 44 وما بعدها.‬

                                           ‫871‬
‫ومل يقتصر العرب على ترقية العلو مبا اكتشلفوه, فلالعرب قلد نشلروها‬
‫كذلك مبا أقاموا من اجلامعات وما ألفوا من الكتلب, فكلان هللم األثلر‬
‫العبالغ يف أوربة من هذه الناحيلة, ولقلد كلان العلرب أسلاتذة لألملم‬
‫املسيحية عدة قرون, وإننا مل نطللع عللى عللو القلدما والروملان إال‬
‫بفضل العرب, وإن التعليم يف جامعاتنا مل يستغن عملا نقلل عللى لغاتنلا‬
‫من لغات العرب)(1), واملتابع لقصة احلضارة لوول ديورانلت جيلد ملن‬
                                            ‫هذه األمثلة الشي الكثري.‬

                               ‫11- اإلنسان قبل البنيان والساجد قبل املساجد‬

 ‫ومن اخلطوات العملية اليت جيب على املعنليني مبسلتقعبل األملة يف ضلو‬
‫علم السنن أو علم االستشراف وما يسميه بعضلهم عللم االسلتراتيجية‬
‫,أن يكون اهتما املؤسسات السلابقة واجلهلات املهتملة هبلذا الشلأن‬
‫منصعبا على اإلنسان أوال قعبل املناهج واألدوات والوسلائل, كملا نلرى‬
‫يف واقع املسلمني اآلن؛ فاإلنسان قعبل العبنيلان, والسلاجد قعبلل املسلاجد,‬
‫ولعل اجلد يف تلك النظرة إىل اإلنسلان هلو حملور األسلاس يف النجلاح‬
‫والنصر والتمكني, فما يفيد إذا وفرنا مؤسسات تصلفر فيهلا اللريح بلال‬
‫عقول قادرة على إدارهتا وملئها مبا حتتاجه األمة ملن أفكلار ورؤى,وملا‬
‫يفيد إذا عددنا من عالمات جناحنا أننا أسسنا ملن اهليئلات واملؤسسلات‬
‫لد‬        ‫علل‬        ‫القل‬         ‫يكل لل‬
  ‫لذا لذا دون أن لون لدينا لدرة لى احلشل‬                 ‫كل وكل‬
‫اإلنساين,واالنتخاب العبشلري, اللذي يلزين هلذه العبنايلات الضلخمة‬
                     ‫والصروح الفخمة,كما قال أبو الطيب يف بيته الرائد:‬

         ‫إذا مل يكن فوق الكرا كرا (2)‬         ‫وما تنفع اخليل الكرا وال القنا‬



                                                     ‫1 - حضارة العرب:92, 99, 995.‬
                                                                                        ‫2‬
                                                                                    ‫-‬

                                        ‫971‬
‫واملتأمل للقلة الرائدة اليت رباها رسول اهلل (صلى اهلل عللي وسللم), جيلد‬
‫اهتمامه باإلنسان قعبل أي شي آخر, فانتصر هبلم حلني أخلرجهم ملن‬
‫بداة جفاة إىل رادة وقلادة, يعلملون اللدنيا معلىن احلضلارة واملدنيلة,‬
‫ويعبعثون يف نفوسهم معىن العزة والكرامة, وما موقلف ربعلي بلن علامر‬
                                                  ‫وحديثه عنا بعبعيد,.‬



‫فهذا هو مؤشر النصر احلقيقي يف تكون القادة اللرادة اللذين يقوللون يف‬
‫حز ويعملون يف عز شأن اجليل القرآين الفريلد اللذي ربلاه الرسلول‬
‫(صلى اهلل عليه وسلم), هبلذه املنهجيلة القرآنيلة, وكلان مؤشلرا ملن‬
‫مؤشرات انتصاره, فلقد انتصر (صلى اهلل عليله وسللم) (يلو أن صلنع‬
‫أصحابه رضوان اهلل عليهم صورا حية من إميانله, تأكلل الطعلا ومتشلي‬
‫يف األسواق,يو صاغ من كل فرد منوذجا جمسما لإلسلال , يلراه النلاس‬
‫فريون اإلسال , إن النصلوص وحلدها ال تصلنع شليئا, وإن املصلحف‬
‫وحده ال يعمل حىت يكون رجال, وإن املعبلادئ وحلدها ال تعليش إال أن‬
‫تكون سلوكا, ومن مث جعل حممد (صلى اهلل عليله وسللم) هدفله األول‬
‫أن يصنع رجاالً ال أن يلقي ملواعظ, وأن يصلوغ ضلمائر ال أن يلدبج‬
‫خطعبا, وأن يعب أمة ال أن يقيم فلسفة, أما الفكرة ذاهتلا فقلد تكفلل هبلا‬
‫القرآن الكر , وكان عمل حمملد أن حيلول الفكلرة اجمللردة إىل رجلال‬
 ‫تلمسهم األيدي وتراهم العيون,...ولقد انتصر حمملد بلن ععبلد اهلل يلو‬
‫صاغ من فكرة اإلسال شخوصاً, وحول إمياهنم باإلسلال عملالً, وطعبلع‬
‫من املصحف عشرات من النسخ مث مئلات وألوفلا, ولكنله مل يطعبعهلا‬
‫باملداد على صحائف الورق, إمنا طعبعهلا بلالنور عللى صلحائف ملن‬
‫القلوب, وأطلقها تتعامل ملع النلاس وتأخلذ منلهم وتعطلي, وتقلول‬



                                       ‫081‬
‫بالفعل والعمل ما هو اإلسال الذي جا به حممد بن ععبلد اهلل ملن عنلد‬
                                                         ‫اهلل.)(1)‬

‫وهذا ما يصرخ به عالمة اهلند األسلتاذ أبلو احلسلن النلدوي يف كتابله‬
 ‫املاتع (ماذا خسر العامل باحنطلاط املسللمني) ,بعلد ملا شلخ اللدا‬
‫ووصفه وصف الطعبيب املاهر كأنله حييلا بلني ظهلراين العلرب غلدوا‬
‫ورواحا, فاملهم لديه بل(املهم األهم لقلادة العلامل اإلسلالمي ومجعياتله‬
‫وهيئاته الدينية وللدول اإلسالمية غلرس اإلميلان يف قللوب املسللمني,‬
‫وإشعال العاطفة الدينية, ونشر الدعوة إىل اهلل ورسلوله,واإلميلان بلاآلخرة‬
‫على منلهاج اللدعوة اإلسلالمية األوىل, ال تلدخر يف ذللك وسلعا,‬
‫وتستخد لذلك مجيع الوسائل القدمية واحلديثة, وطلرق النشلر والتعلليم,‬
‫كتجوال الدعاة يف القرى واملدن, وتنظليم اخلطلب واللدروس, ونشلر‬
‫الكتب واملقاالت, ومدارسة كتب السلرية,وأخعبلار الصلحابة, وكتلب‬
‫املغازي والفتوح اإلسالمية, وأخعبار أبطال اإلسلال وشلهدائه, وملذاكرة‬
                                     ‫أبواب اجلهاد, وفضائل الشهدا )(2).‬

                                                     ‫21- دقة االنتخاب ومهارة االختيار‬

‫كما ال يفوتنا التنعبيه على أمهية مصداقية االختيار, ودقلة الفلرز هللذه القللة‬
‫الرائدة, فما كل من تلقاه يصلح هلا, وال كل فصيح يصليح, وال كلل ملن‬
‫يصيح قادر على الريادة والقيلادة, فميلدان الكلال غلري ميلدان العملل,‬
‫وميدان العمل غري ميدان اجلاد, وميدان اجلهاد غلري ميلدان اجلهلاد املنلتج‬
‫الفاعل املؤثر, فتختار هلذا املشروع الضخم (جمموعة ملن النوابلغ املخلصلني‬
‫الذين تتوافر فيهم الصلفات العقليلة والنفسلية واإلميانيلة والسللوكية, وأن‬


 ‫1 - دراسات إسالمية, لألستاذ سيد قطب, ط: دار الشروق, 3931 هل / 3791 , ص92/ 82, باختصار.‬
  ‫2 - ماذا خسر العامل باحنطاط املسلمني,أل احلسن الندوي, ط: دار املعارف, ط السابعة, 8541ه / 8891 ,‬
                           ‫ص172, وانظر أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة: 37 وما بعدها.‬
                                              ‫181‬
‫يزكيهم عدد من الشخصيات املعروفلة, العبصلرية هصلائ الرجلال, وأن‬
‫يعقد هلم بعض االختعبارات املتنوعة حتريريلة وشلفهية, وحيسلن أن يكونلوا‬
‫يف معهد يتعايشون فيله وحييلون حيلاة ربانيلة, علميلة دعويلة أخويلة‬
                                                          ‫جهادية)(1)‬

 ‫ومن خالل هذا احلشد لنوعيات خاصة ميكن أن خيتار من بني هؤال من يصلح‬
  ‫بعد التجربة واالختعبار, خاصة بعد الرصد الراقب واملتابعة الواعية من تلمع فيه‬
 ‫صفات الريادة والقيادة, وهذا ال يأيت من خالل اجلمع العشوائي بل بعد انتخاب‬
     ‫أفضل العناصر املؤهلة مث فرزها ليتميز منهم من يتميز, وساعتها يتقد اخلعبري‬
 ‫اجملرب امليداين ليختار على بصرية ووعي, و(لن ختطئ عينك الرائد أبداً، ولعلك‬
    ‫تصادف فىت من ناشئة الدعوة مل يعبلغ معبلغ الرجال، فتدرك أنه هلا، وليس هو‬
                                               ‫بالذي مييز مقدمات الدعوة بعد.‬

                         ‫أول ما تقع عليه عينك، ومن النظرة األوىل تقول: هذا معبتغاي.‬

         ‫وملثل هذا نفتش عن منهجية التربية، وحناول تلمس املدارج اليت تأخذ به صعدا.‬
‫لو كانت جمرد صيحة لتركنا كل فصيح يصيح، لكنه عللم اللدعوة يقلول:ال، لليس‬
‫هو الصياح، وال جمرد العواطف، وال قفزات املستعجل، إمنا هلي أنغلا احللدا الليت‬
                                               ‫ن‬
                     ‫تقود القوافل فتوصلها، والبد أن ُعلم كل فصيح هذه الصنعة.‬

‫يف األنغا جتانس وتوافق، ومجلال وتناسلب، وتلدرج واسلتمرار، ملن الصلفات‬
‫املتماثالت، ولكن فيها أيضاً من النقائض: السرعة والسلكون، والرتابلة والتجديلد،‬
‫والعلو واهلعبوط، وكل هذا التماثل والتناقض الز لتربيلة الرائلد، فمتماثالتله تلؤدي‬
‫به إىل استوا النفس، ووحدة الفكلر واتسلاقه، ومنهجيلة السلري، والثعبلات عللى‬
‫االرتعباط باملنطلقات اإلميانية األساسية، وتناقضاته متكنه ملن التكيلف ملع الظلرف،‬



                            ‫1 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة,48,58, بتصرف يسري.‬
                                         ‫281‬
                  ‫ي‬
 ‫واإلفلالت و الفلر إذا مل ُلتَح لله االقتحلا‬           ‫واملرونة إزا املفاجأة، وإتقان التمل‬
                                                                      ‫ومواصلة الكر.)(1)‬
‫31- وال يفوتنا هنا أن نغري القائمني بصناعة القللة بإداملة النظلر يف تناريِ‬
‫املصلحني اوددين, كاألفغاين وحممد ععبده,ورشليد رضلا, والسنوسلي,‬
‫اإلدريسي والعبشري اإلبراهيمي, وابن باديس, وبلديع الزملان النورسلي,‬
‫وأورانك ذيب , وأمحلد السلرهندي, والعبنلا, وامللودودي, والنلدوي,‬
‫وغري مما يزخر هبم تارخينا احلديث واملعاصلر, واهلل وحلد بيلده مقاليلد‬
                                       ‫األمور, وإليه يرجع األمر كله.‬

‫41- أما عن املهج واحملتوى, فهو واضح وضوح الشمس ِّن بيلانَ اللدليل‬
               ‫بلي ٌ‬
‫الساطع, والربهان القاطع, هو نفس املنلهج اللذي اختلاره اهلل للعبشلرية,‬
‫كلها, منهج جيمع بلني متطلعبلات العصلر وضلرورات الواقلع,املنلهج‬
‫املتكامل الشامل لكل جنعبات احليلاة, فلال يتضلخم فيله شلي عللى‬
‫حساب آخر, وال يضمر فيه معىن حتيفا أو انتقاصا, (وهلو نفلس املنلهج‬
‫الذي أخرج من متاهات اجلاهلية خلري أملة أخرجلت للنلاس, واللذي‬
‫ميلك أن خيرج يف كل زمان ومكان اجليل القائم على احللق, اجملاهلد ملن‬
                    ‫أجله, الذي ال يضره من خالفه حىت يأيت أمر اهلل)(2)‬

                  ‫51- االنتقال من طور الكالم والتنظري إىل طور العمل والبناء‬
‫فقد ثعبت واقعا, أن ميدان الكال غري ميلدان العملل وميلدان العملل غلري‬
 ‫ميدان العمل املنتج العبنا , وسيظل الناس وقوفلا حلىت يقرنلوا بلني الكلال‬
‫والعمل,(إن أصحاب األقال يستطيعون أن يصلنعوا شليئا كلثريا, ولكلن‬
‫بشرط واحد: أن ميوتوا هم لتعليش أفكلارهم, أن يطعملوا أفكلارهم ملن‬
‫حلومهم ودمائهم, فدا لكلمة احلق, أن يقولوا ملا يعتقلدون أنله احللق, إن‬


                                                   ‫1 - فضائح الفنت, حملمد أمحد الراشد,ص:9.‬
    ‫2 - حنو حركة إسالمية عاملية,فتحي يكن, ط: مؤسسة الرسالة, ط اخلامسة,7541ه /7891 , ص: 23.‬
                                          ‫381‬
‫أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة, حن إذا متننا يف سنبيلها أو غنذيناها‬
‫بالدماء, انتفضت حية, وعاشت بني األحيناء....والكلملة ذاهتلا – مهملا‬
‫تكن خملصة وخالقة- فإهنا ال تسلتطيع أن تفعلل شليئا, قعبلل أن تسلتحيل‬
‫حركة, وأن تتقم إنسانا, الناس هم الكلمات احليلة الليت تلؤدي معانيهلا‬
‫أبلغ أدا , إن الفارق األساسي بني العقائد والفلسلفات , إن العقيلدة كلملة‬
‫حية تعمل يف كيان إنسان, ويعمل على حتقيقها إنسان, أملا الفلسلفة فهلي‬
‫كلمة ميتة, جمردة من اللحم والد , تعيش يف ذهلن, وتعبقلى بلاردة سلاكنة‬
                                                               ‫هناك )(1)‬
‫وهذا هو السعبيل الوحيد الذي ينقل الكلال ملن ميلدان التلرف العلملي‬
‫والسرف الثقايف إىل ميدان اإلنتاج الفاعل العبنلا , وملن ميلدان القلول إىل‬
‫ميدان التطعبيق العملي الذي يأخذ بيد العبشرية إىل مراقلي الصلعود والكملال‬
                                                                  ‫العبشري.‬
‫(فإذا أراد العامل اإلسالمي أن يستأنف حياته, ويتحلرر ملن رق غلريه, وإذا‬
‫كان يطمح إىل القيادة, فالبد إذن من االستقالل التعليملي, بلل البلد ملن‬
‫الزعامة العلمية, وما هي بلاألمر اهللني ؛ إهنلا حتتلاج إىل تفكلري عميلق,‬
 ‫وحركة التدوين والتأليف الواسعة, وخربة إىل درجة التحقيلق والنقلد بعللو‬
‫العصر, مع التشعبع بروح اإلسال , واإلميان الراسلخ بأصلوله وتعاليمله,إهنلا‬
    ‫ل‬          ‫ل ل ل ل‬                 ‫ل‬
‫ملهملة تنلو بالعصلعبة أو القلوة, إمنلا هلي ملن شلأن احلكوملات‬ ‫ل ل‬
‫اإلسالمية,فتنظم لذلك مجعيات,وختتار هللا أسلاتذة بلارعني يف كلل فلن,‬
‫فيضعون منهاجا تعليميا, جيمع بلني حمكملات الكتلاب والسلنة,وحقلائق‬
‫لة‬‫لة والتجربل‬           ‫لدين ليت ال تت لدل لني لو العصل‬
             ‫لرية النافعل‬       ‫عبل وبل العلل‬                ‫الل الل‬
‫واالختيار,ويدونون العللو العصلرية للشلعباب اإلسلالمي عللى أسلاس‬
‫اإلسال وبروح اإلسال ,وفيها كل ملا حيتلاج إليله اللنش اجلديلد, مملا‬
‫ينظمون به حياهتم, وحيلافظون بله عللى كيلاهنم, ويسلتغنون بله علن‬

                                               ‫1 - دراسات إسالمية: 931, 541 باختصار.‬
                                       ‫481‬
‫الغرب,ويستعدون به للحرب, ويستخرجون به كنلوز أرضلهم, وينتفعلون‬
‫هريات بالدهم, وينظمون مالية العبالد اإلسالمية, ويلديرون حكوماتله عللى‬
‫تعاليم اإلسال , حبيث يظهر فضل النظا اإلسلالمي يف إدارة اللعبالد وتنظليم‬
‫الشئون املالية عن النظم األوربية, وتنحل مشاكل اقتصلادية عجلزت أوربلا‬
   ‫ل‬           ‫ل‬           ‫ل‬           ‫ل‬              ‫ل‬          ‫ل ل‬
  ‫ع لن حل لها, وباالس لتعداد الروح لي, واالس لتعداد الص لناعي واحل لر‬
‫واالستقالل التعليمي ينهض العامل اإلسالمي,ويؤدي رسلالته, وينقلذ العلامل‬
‫من االهنيار الذي يهدده, فليست القيلادة بلاهلزل, إمنلا هلي جلد اجللد,‬
               ‫فتحتاج إىل جد واجتهاد, وكفاح وجهاد, واستعداد أي استعداد‬
                          ‫يو اهلياج مبا استعدا)(1)‬         ‫كل امرئ جيري إىل‬
‫إننا أمة متلك من مقومات العبقا والنما ملا ال يتلوفر لغريهلا ملن األملم,‬
‫فقط حنتاج أن ندرك رسالتنا ونعرف غايتنا, ومنضلي بعلز إىل هلدفنا بعلد‬
‫وضوح الغاية واستعبانة الطريق, وقد رصلد اهلل تعلاىل ألمتنلا ملن عواملل‬
‫العبقا والنما ما ميدها مبصادر القوة ومينحهلا دميوملة احليلاة؛ ألهنلا األملة‬
‫اخلامتة, صاحعبة الرسالة األخرية, واحلضارة العامليلة, واملنلهج الوسلط اللذي‬
                                     ‫جيمع بني مقوالت الدين ومتطلعبات احلياة.‬




                          ‫اخلامتة أسأل اهلل حسنها‬
‫وبعد هذه الرحلة مع سنة من سنن اهلل (تعاىل) ويف ضو كتابه الكر , دستور‬
 ‫العبشرية وهاديها, ومرشدها إىل نفعها وخريها وحاديها, عرفنا من خالهلا مفهو‬


                                                                                                    ‫1‬
                                                    ‫- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 525, 225.‬

                                        ‫581‬
‫سنة اهلل (تعاىل) يف القلة والكثرة, تتعبعنا معىن القلة والكثرة لغة وقرآنا وبان من‬
‫خالل هذا التتعبع مدى التوافق والتطابق بني اللغة ومضامني القرآن الكر , كما‬
‫بان من خالل التتعبع صفات القلة احملمودة ومدى وعي املسلمني احلريصني على‬
‫الشهود احلضاري هبا واحلرص على التحلي بصفاهتا, وأن خيطا رفيعا يربط بني‬
‫القلة احملمودة على تطاول الزمان واملكان, من لدن نوح وهود إىل حممد (صلى‬
‫اهلل عليه وسلم) إىل القلة يف العصر احلديث, والصحوة اإلسالمية املعاصرة,كما‬
‫القلة احلقيقية, ومدى‬           ‫بان صفات القلة املذمومة ومدى أثرها يف فقدان خصائ‬
                                                                     ‫السننية يف األوىل والثانية.‬
  ‫كما اتضح من خالل املعايشة صفات الكثرة احملمودة وكيف يَفيد منها املسلمون‬
‫يف عصرهم احلاضر, وصفات الكثرة املذمومة وكيف يتقيها من يرغب يف الصالح‬
                                                          ‫والفالح, والسننية املطردة يف ذلك.‬
‫كما اتضح مدى حاجة املسلمني إىل الوعي هبذه السنة خاصة والسنن عامة,‬
‫استشرافا إىل مستقعبل يكون رائدا كما أراد اهلل (عز وجل), وبان موقف املسلمني‬
‫من سنة اهلل يف القلة والكثرة, وريادة القلة العاملة وأثرها يف الشهود احلضاري‬
‫لألمة املسلمة, وأن صناعة هذه القلة بات من الواجعبات املتحتمة على األمة‬
‫املسلمة أفرادا ومجاعات وشعوبا وحكومات ويزداد التحتم على قدر الوعي مبدى‬
‫خطورة فقد القلة الرائدة, وأن صناعة هذه القلة ليس من املستحيل بل العامل كله‬
                               ‫ن‬
‫من حولنا ميضي هبذه املنهجية اليت سعبق القرآ ُ هبا ودعا إليها وأكدها,وأن غياب‬
‫احلكومات الراعية ملثل ذلك ال يعفي النخعبة املثقفة والقيادة الفكرية من املسؤولية‬
                                                                   ‫واملسائلة أما اهلل والتاريخ.‬
              ‫ص َنه ل ه‬                                ‫ُم‬         ‫عِ‬               ‫ََ َ‬
‫(ذَلِكَ ومنْ عَاقبَ بمِثْل مَا ُوقبَ بهِ ث َّ ُبغِليَ عَلَيْلهِ لَيَْن ُلرَّ ُ الَّل ُ إنَّ اللَّلهَ‬
           ‫ج الن‬              ‫الن‬              ‫َن ي ج‬                           ‫َ ُو َف ر‬
‫َلعف ٌّ غ ُو ٌ (59) ذَلِكَ بأ َّ اللَّهَ ُولِ ُ اللَّْيلَ فِي َّهَلار وَيُلولِ ُ َّهَلارَ فِلي‬

                                                    ‫681‬
   ‫ْع‬          ‫َلق ََن‬                     ‫َن‬                ‫ع ِري‬                 ‫ََن‬
‫اللَّيْل وأ َّ اللَّهَ سَمِي ٌ َبص ٌ (19) ذَلِكَ بأ َّ اللَّهَ هُلوَ اْلح ُّ وأ َّ مَلا يَلد ُونَ‬
  ‫َ‬         ‫َن ل‬                         ‫ِل ََن ه ِي ري‬                                     ‫ِ د ه‬
‫منْ ُونهِ ُوَ الْعبَاط ُ وأ َّ اللَّهَ ُوَ اْلعَل ُّ الْكَعب ُ (29) أَلَلمْ تَلرَ أ َّ الَّلهَ أَنْلزلَ‬
             ‫ري‬      ‫ف‬                ‫ح ض ُ ْ َر ن‬                                  ‫ِ الس‬
‫منَ َّمَا ِ مَا ً فَُتصْعب ُ الْأَرْ ُ مخض َّةً إ َّ اللَّهَ َلطِيل ٌ خَلعب ٌ (39), (احللج‬
                                                                            ‫من: 59للل39)‬
                  ‫واهلل وحده بيده مقاليد األمور وهو وحده املستعان وعليه التكالن.‬


                                               ‫وكتعبه‬
              ‫الفقري إىل عفو ربه ورمحته واملنسلخ من حوله وطوله وقوته‬
                                ‫والالئذ حبول اهلل وطوله وقوته‬
                                 ‫رمضان مخيس زكي الغريب‬
                                ‫حائل/ اململكة العربية السعودية‬
                      ‫يف اخلامس من شهر ربيع األول عا 3341ه‬
                             ‫الثامن والعشرين من يناير 21552‬




                                     ‫أهم املصادر واملراجع‬

                                                                                   ‫أوالً: القرآن الكر .‬

                                                                                                      ‫ثانياً:‬
                                                      ‫781‬
‫اإلتقان يف علو القرآن: ععبلد اللرمحن بلن أ بكلر، جلالل اللدين‬             ‫1-‬
‫لل‬           ‫احملقل حممل أبل‬           ‫هل‬
   ‫ليوطي ( لوىف: 119 لل), لق: لد لو الفضل‬            ‫املتل‬        ‫السل‬
‫إبراهيم,الناشر: اهليئة املصلرية العاملة للكتلاب,الطعبعلة: 4931هلل/‬
                                                                ‫4791‬
‫أساس العبالغة: أبو القاسم حممود بن عمرو بن أمحلد، الزخمشلري جلار‬          ‫2-‬
‫اهلل (املتوىف: 835هل),حتقيق: حممد باسلل عيلون السلود,الناشلر: دار‬
     ‫ل‬                    ‫ل‬       ‫ل‬              ‫ل ل‬
‫الكتلب العلميلة، بلريوت – لعبنلان,الطعبعلة: األوىل، 9141 هلل -‬   ‫ل‬
                                                                ‫8991‬
‫أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ناصر الدين أبو سلعيد ععبلد اهلل بلن عملر‬    ‫3-‬
‫بن حممد الشريازي العبيضاوي (املتوىف: 589هلل),احملقلق: حمملد ععبلد‬
‫الرمحن املرعشلي,الناشر: دار إحيا التلرا العلر – بلريوت,الطعبعلة:‬
                                                  ‫األوىل - 8141 هل‬
‫أيسر التفاسري لكال العلي الكعبري: جابر بن موسى بلن ععبلد القلادر بلن‬      ‫4-‬
‫جابر أبو بكر اجلزائري,الناشر: مكتعبة العللو واحلكلم، املدينلة املنلورة،‬
              ‫اململكة العربية السعودية,الطعبعة: اخلامسة، 4241هل/3552‬
‫حبر العلو : أبو الليث نصر بن حممد بن أمحد بلن إبلراهيم السلمرقندي‬         ‫5-‬
                                                   ‫(املتوىف: 373هل).‬
‫العبحر احمليط يف التفسري: أبو حيان حممد بلن يوسلف بلن عللي بلن‬            ‫9-‬
‫يوسف بن حيان أثري اللدين األندلسلي (املتلوىف: 547هلل),احملقلق:‬
‫صدقي حممد مجيلل,الناشلر: دار الفكلر – بلريوت, الطعبعلة: 5241‬
                                                                   ‫هل.‬
‫العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: أبو الععبلاس أمحلد بلن حمملد بلن‬    ‫7-‬
    ‫ل‬                 ‫ل‬                                    ‫ل‬
‫املهلدي بلن عجيعبلة ,حلسل األجنلري الفاسلي الصلويف (املتلوىف:‬
‫4221هل),احملقق: أمحد ععبد اهلل القرشلي رسلالن,الناشلر: اللدكتور‬
                        ‫حسن ععباس زكي – القاهرة,الطعبعة: 9141 هل.‬


                                       ‫881‬
‫الربهان يف علو القرآن: املؤلف: أبو ععبد اهلل بدر الدين حمملد بلن ععبلد‬      ‫8-‬
‫اهلل بن هبادر الزركشي (املتوىف: 497هل),احملقلق: حمملد أبلو الفضلل‬
 ‫إبراهيم,الطعبعلة: األوىل، 9731 هلل - 7591 ,الناشلر: دار إحيلا‬
                              ‫الكتب العربية عيسى العباىب احلليب وشركائه.‬
‫بصائر ذوي التمييز يف لطائف الكتاب العزيز:املؤللف: جملد اللدين أبلو‬          ‫9-‬
‫طاهر حممد بن يعقوب الفريوزآبادى (املتوىف: 718هلل),احملقلق: حمملد‬
 ‫علي النجار,الناشر: اجمللس األعللى للشلئون اإلسلالمية - جلنلة إحيلا‬
                                            ‫الترا اإلسالمي، القاهرة,.‬
‫التحرير والتنوير «حترير املعىن السديد وتنوير العقل اجلديلد ملن تفسلري‬      ‫51-‬
‫الكتاب اجمليد»: حممد الطاهر بن حممد بلن حمملد الطلاهر بلن عاشلور‬
‫التونسي (املتوىف : 3931هلل),الناشلر : اللدار التونسلية للنشلر –‬
                                          ‫تونس,سنة النشر: 4891 هل‬
‫تفسري ابن فورك من أول سلورة املؤمنلون - آخلر سلورة السلجدة:‬                ‫11-‬
‫حممد بن احلسن بن فورك األنصلاري األصلعبهاين، أبلو بكلر (املتلوىف:‬
 ‫954هل),دراسة وحتقيق: جمموعلة ملن العبلاحثني,الناشلر: جامعلة أ‬
‫القرى - اململكلة العربيلة السلعودية,الطعبعلة األوىل: 5341 - 9552‬
                                                                      ‫.‬
‫تفسري أ السعود = إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتلاب الكلر : أبلو‬         ‫21-‬
     ‫املتل‬     ‫حممل بل حممل بل مصل‬
‫لعود لادي لد لن لد لن لطفى ( لوىف:‬                      ‫السل العمل‬
                     ‫289هل),الناشر: دار إحيا الترا العر – بريوت‬
‫التفسري احللديث [مرتلب حسلب ترتيلب النلزول]: حمملد علزت‬                    ‫31-‬
‫دروزة:الناشر: دار إحيا الكتلب العربيلة – القلاهرة,الطعبعلة: 3831‬
                                                                    ‫هل.‬
‫تفسري الشلعراوي – اخللواطر: حمملد متلو الشلعراوي (املتلوىف:‬                ‫41-‬
‫8141هل),الناشر: مطابع أخعبار اليو , (ليس عللى الكتلاب األصلل -‬


                                       ‫981‬
‫املطعبوع - أي بيانات عن رقم الطعبعة أو غلريه، غلري أن رقلم اإليلداع‬
                                          ‫يوضح أنه نشر عا 7991 )‬
‫تفسري القرآن العزيز: أبو ععبد اهلل حممد بن ععبد اهلل بن عيسلى بلن حمملد‬      ‫51-‬
     ‫املتل‬        ‫َ َل املل‬         ‫بل‬
‫لري، لعبريي لروف لابن أ زم لنني لالكي ( لوىف:‬  ‫املعل‬     ‫اإللل‬       ‫املل‬
‫993هل),احملقق: أبو ععبد اهلل حسني بن عكاشة - حمملد بلن مصلطفى‬
‫الكنز,الناشلر: الفلاروق احلديثلة - مصلر/ القلاهرة,الطعبعلة: األوىل،‬
                                                   ‫3241هل - 2552‬
‫تفسري القرآن العظيم البن أ حامت: أبو حممد ععبلد اللرمحن بلن حمملد‬            ‫91-‬
‫بن إدريس بن املنذر التميمي، احلنظلي، اللرازي ابلن أ حلامت (املتلوىف:‬
‫723هل), أسعد حممد الطيب,الناشر: مكتعبلة نلزار مصلطفى العبلاز -‬
                       ‫اململكة العربية السعودية,الطعبعة: الثالثة - 9141 هل‬
‫تفسري القرآن العظيم: أبو الفدا إمساعيل بن عملر بلن كلثري القرشلي‬             ‫71-‬
‫العبصري مث الدمشقي (املتوىف: 477هلل),احملقلق: سلامي بلن حمملد‬
‫سالمة,الناشر: دار طيعبة للنشر والتوزيع,الطعبعلة: الثانيلة 5241هلل -‬
                                                              ‫9991 .‬
‫تفسري القرآن: أبو املظفر، منصور بن حممد بن ععبلد اجلعبلار ابلن أمحلد‬         ‫81-‬
      ‫املتل‬
‫لي مث لافعي ( لوىف:‬‫الشل‬      ‫لي احلنفل‬                 ‫السل‬
                                      ‫لروزى لمعاين التميمل‬           ‫املل‬
‫984هل),احملقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن ععبلاس بلن غنليم,الناشلر:‬
     ‫هل‬                    ‫عبعل‬      ‫السل‬
‫دار لوطن، لاض – لعودية,الط لة: األوىل، 8141 لل-‬      ‫الريل‬        ‫الل‬
                                                                  ‫7991‬
‫تفسري املاوردي = النكت والعيون: أبو احلسن علي بن حمملد بلن حمملد‬             ‫91-‬
     ‫املتل‬         ‫الشل باملل‬          ‫عبغل‬
‫لن ح لب ال لري ال لدادي، لهري لاوردي ( لوىف:‬      ‫بل عبيل عبصل‬
‫554هل),احملقق: السيد ابن ععبد املقصود بن ععبلد اللرحيم,الناشلر: دار‬
                                        ‫الكتب العلمية - بريوت / لعبنان.‬



                                        ‫091‬
      ‫لطفى املراغل املتل‬
‫لي ( لوىف:‬                         ‫لري املراغل أمحل بل‬
                           ‫لي: لد لن مصل‬                         ‫تفسل‬      ‫52-‬
‫1731هل),الناشر: شركة مكتعبلة ومطعبعلة مصلطفى العبلاىب احللليب‬
                     ‫وأوالده مبصر,الطعبعة: األوىل، 5931 هل - 9491‬
  ‫ل ل ل‬                   ‫ل ل‬              ‫ل‬           ‫ل‬         ‫ل‬
‫التفسلري املظه لري: املظهلري، حمم لد ثنلا اهلل,احملقلق: غلال ن ليب‬         ‫12-‬
           ‫التونسي,الناشر: مكتعبة الرشدية – العباكستان,الطعبعة: 2141 هل.‬
‫تفسري جماهد: أبو احلجاج جماهلد بلن جلرب التلابعي املكلي القرشلي‬            ‫22-‬
‫املخزومي (املتوىف: 451هل),احملقق: الدكتور حمملد ععبلد السلال أبلو‬
‫النيل,الناشلر: دار الفكلر اإلسلالمي احلديثلة، مصلر,الطعبعلة: األوىل،‬
                                                ‫5141 هل - 9891‬
‫تفسري مقاتل بن سليمان: أبو احلسن مقاتلل بلن سلليمان بلن بشلري‬              ‫32-‬
   ‫حممل‬        ‫عبل‬    ‫هل احملقل‬
‫األزدي ال لى ( لوىف: 551 لل), لق: ع لد اهلل لود‬‫عبلخل املتل‬
‫شحاته,الناشر: دار إحيا التلرا – بلريوت,الطعبعلة: األوىل - 3241‬
                                                                   ‫هل.‬
‫هتذيب اللغة,املؤلف: حممد بن أمحد بن األزهري اهللروي، أبلو منصلور‬           ‫42-‬
 ‫(املتوىف: 573هل),احملقق: حمملد علوض مرعلب,الناشلر: دار إحيلا‬
                          ‫الترا العر – بريوت,الطعبعة: األوىل، 1552‬
‫تيسري الكر الرمحن يف تفسري كال املنان: ععبد اللرمحن بلن ناصلر بلن‬          ‫52-‬
‫ععبد اهلل السعدي (املتوىف: 9731هل),احملقق: ععبلد اللرمحن بلن معلال‬
‫اللوحيق,الناشر: مؤسسة الرسلالة, الطعبعلة: األوىل 5241هلل -5552‬
                                                                     ‫.‬
‫جامع العبيان يف تأويل القرآن: حممد بن جرير بلن يزيلد بلن كلثري بلن‬         ‫92-‬
‫غالب اآلملي، أبو جعفر الطلربي (املتلوىف: 513هلل),احملقلق: أمحلد‬
‫حممد شاكر,الناشر: مؤسسلة الرسلالة,الطعبعلة: األوىل، 5241 هلل -‬
                                                                 ‫5552‬



                                       ‫191‬
‫اجلامع املسند الصحيح املختصر من أملور رسلول اهلل صللى اهلل عليله‬           ‫72-‬
‫وسلم وسننه وأيامه = صحيح العبخاري,املؤلف: حممد بلن إمساعيلل أبلو‬
‫ععبداهلل العبخاري اجلعفي,احملقق: حممد زهري بلن ناصلر الناصلر,الناشلر:‬
‫دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم تلرقيم حمملد فلؤاد‬
                                   ‫ععبد العباقي),الطعبعة: األوىل، 2241هل‬
‫اجلامع ألحكا القرآن, تفسري القرطيب: أبو ععبلد اهلل حمملد بلن أمحلد‬         ‫82-‬
‫بن أ بكر بن فرح األنصاري اخلزرجي مشس اللدين القلرطيب (املتلوىف :‬
‫179هل),ت حقيق : أمحد اللربدوين وإبلراهيم أطفليش,الناشلر : دار‬
        ‫الكتب املصرية – القاهرة,الطعبعة : الثانية ، 4831هل - 4991 ,‬
‫مجهرة األمثال: أبو هالل احلسن بن ععبد اهلل بن سلهل بلن سلعيد بلن‬           ‫92-‬
‫حيىي بن مهران العسكري (املتوىف: حنلو 593هلل),الناشلر: دار الفكلر‬
                                                             ‫– بريوت‬
‫اجلواهر احلسان يف تفسري القرآن: أبو زيد ععبد اللرمحن بلن حمملد بلن‬         ‫53-‬
‫خملوف الثعاليب ,املتوىف: 578هل),احملقق: الشليخ حمملد عللي معلوض‬
‫والشيخ عادل أمحد ععبد املوجود,الناشلر: دار إحيلا التلرا العلر –‬
                                    ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 8141 هل.‬
‫خزانة األدب ولب لعباب لسان العرب: ععبد القلادر بلن عملر العبغلدادي‬         ‫13-‬
‫(املتوىف: 3951هل),حتقيق وشرح: ععبد السال حمملد هلارون,الناشلر:‬
           ‫مكتعبة اخلاجني، القاهرة,الطعبعة: الرابعة، 8141 هل - 7991 .‬
‫الدر املنثور: ععبد الرمحن بن أ بكر، جالل اللدين السليوطي (املتلوىف:‬        ‫23-‬
                                 ‫119هل),الناشر: دار الفكر – بريوت.‬
‫روح العبيان: إمساعيل حقي بن مصطفى اإلسلتانعبو احلنفلي اخلللويت ,‬           ‫33-‬
          ‫املوىل أبو الفدا (املتوىف: 7211هل),الناشر: دار الفكر – بريوت.‬
‫زاد املسري يف علم التفسري: مجال الدين أبو الفرج ععبد اللرمحن بلن عللي‬      ‫43-‬
     ‫ل ل‬          ‫ل‬         ‫ل‬            ‫ل‬         ‫ل ل‬
‫ب لن حمم لد اجل لوزي (املت لوىف: 795ه لل),احملق لق: ععب لد ال لرزاق‬ ‫ل‬


                                       ‫291‬
‫املهدي,الناشر: دار الكتاب العلر – بلريوت,الطعبعلة: األوىل - 2241‬
                                                                     ‫هل‬
‫سنن ابن ماجه,املؤلف: ابلن ماجلة أبلو ععبلد اهلل حمملد بلن يزيلد‬             ‫53-‬
‫القزوي ، وماجة اسم أبيه يزيد (املتوىف: 372هل),حتقيلق: حمملد فلؤاد‬
  ‫ععبد العباقي,الناشر: دار إحيا الكتلب العربيلة - فيصلل عيسلى العبلا‬
                                                                   ‫احلليب‬
‫سنن أ داود,املؤلف: أبو داود سليمان بن األشلعث بلن إسلحاق بلن‬                ‫93-‬
     ‫املتل‬       ‫الس ْل‬            ‫شل بل شل بل عمل‬
‫ب لري لن لداد لن لرو األزدي ِّجس لتاين ( لوىف:‬
‫572هل),احملقق: حممد حميلي اللدين ععبلد احلميلد,الناشلر: املكتعبلة‬
                                             ‫العصرية، صيدا – بريوت,‬
‫سنن الترمذي,املؤلف: حممد بن عيسى بلن سَلوْرة بلن موسلى بلن‬                  ‫73-‬
  ‫هل حتقيل‬                ‫أبل عيسل املتل‬
‫لحاك، لذي، لو لى ( لوىف: 972 لل), لق‬               ‫الترمل‬         ‫الضل‬
‫وتعليق:,أمحد حممد شاكر (جل 1، 2),وحممد فؤاد ععبلد العبلاقي (جلل‬
‫3),وإبراهيم عطلوة علوض امللدرس يف األزهلر الشلريف (جلل 4،‬
‫ليب –‬          ‫عبل‬     ‫عبعل مصل‬         ‫عبل‬
     ‫5), لر: لركة مكت لة ومط لة لطفى ال لا احللل‬    ‫الناشل شل‬
                              ‫مصر,الطعبعة: الثانية، 5931 هل - 5791‬
‫الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيلة: أبلو نصلر إمساعيلل بلن محلاد‬               ‫83-‬
‫اجلوهري الفارا (املتلوىف: 393هلل),حتقيلق: أمحلد ععبلد الغفلور‬
‫عطار,الناشر: دار العلم للماليلني – بلريوت,الطعبعلة: الرابعلة 7541‬
                                                    ‫هل - 7891 .‬
                                       ‫صناعة احلياة, حملمد أمحد الراشد‬      ‫93-‬
‫العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الدين أمحد بن حممد بن ععبلد ربله ابلن‬           ‫54-‬
‫حعبيب ابن حدير بن سامل املعروف بابن ععبلد ربله األندلسلي (املتلوىف:‬
           ‫ل‬
‫823هلل),الناشلر: دار الكتلب العلميلة – يلروت,الطعبعلة: األوىل،‬
                                                          ‫4541 هل.‬


                                        ‫391‬
‫غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظا اللدين احلسلن بلن حمملد بلن‬              ‫14-‬
‫حسني القمي النيسابوري (املتوىف: 558هلل),احملقلق: الشليخ زكريلا‬
‫عمريات,الناشلر: دار الكتلب العلميله – بلريوت, الطعبعلة: األوىل -‬
                                                          ‫9141 هل.‬
‫الفروق اللغوية: أبو هالل احلسن بن ععبد اهلل بن سلهل بلن سلعيد بلن‬         ‫24-‬
‫حيىي بن مهران العسكري (املتوىف: حنو 593هلل),حققله وعللق عليله:‬
‫حممد إبراهيم سليم,الناشر: دار العلم والثقافة للنشلر والتوزيلع، القلاهرة‬
                                                               ‫– مصر.‬
‫يف ظالل القلرآن: سليد قطلب إبلراهيم حسلني الشلار (املتلوىف:‬               ‫34-‬
‫5831هل),الناشر: دار الشروق - بريوت- القلاهرة,الطعبعلة: السلابعة‬
                                                    ‫عشر - 2141 هل‬
‫القرا ات العشر املتواترة,هبامش املصحف الكر , حمملد عللي كلر ,ط:‬           ‫44-‬
               ‫دار املهاجر, املدينة املنورة, ط: الثالثة,4141هل, 4991 .‬
‫الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: أبو القاسم حممود بلن عملرو بلن‬             ‫54-‬
‫أمحد، الزخمشري جلار اهلل (املتلوىف: 835هلل),الناشلر: دار الكتلاب‬
‫العر – بريوت,الطعبعة: الثالثة - 7541 هل, الكتلاب ملذيل حباشلية‬
‫(االنتصاف فيما تضمنه الكشاف) البلن امللنري اإلسلكندري (ت 389)‬
                               ‫وختريج أحاديث الكشاف لإلما الزيلعى]‬
‫الكشف والعبيان عن تفسري القلرآن:: أمحلد بلن حمملد بلن إبلراهيم‬            ‫94-‬
‫الثعليب، أبو إسحاق (املتوىف: 724هل),حتقيلق: اإلملا أ حمملد بلن‬
 ‫عاشور,مراجعة وتدقيق: األسلتاذ نظلري السلاعدي,الناشلر: دار إحيلا‬
     ‫ل‬                   ‫ل‬         ‫ل‬             ‫ل‬        ‫ل‬
‫الت لرا الع لر ، ب لريوت – لعبن لان,الطعبع لة: األوىل 2241، ه لل -‬ ‫ل‬
                                                             ‫2552 .‬
‫لعباب التأويل يف معاين التنزيل: عال الدين علي بلن حمملد بلن إبلراهيم‬      ‫74-‬
     ‫املتل‬    ‫باخلل‬
‫لن، لروف لازن ( لوىف:‬                      ‫أبل‬
                         ‫لن لر ليحي لو احلسل املعل‬   ‫بل عمل الشل‬


                                       ‫491‬
‫147هل),احملقق: تصحيح حمملد عللي شلاهني,الناشلر: دار الكتلب‬
                           ‫العلمية – بريوت,الطعبعة: األوىل - 5141 هل‬
‫اللعباب يف علو الكتاب: أبو حف سراج الدين عملر بلن عللي بلن‬                     ‫84-‬
‫عادل احلنعبلي الدمشقي النعماين (املتلوىف: 577هلل),احملقلق: الشليخ‬
‫عادل أمحد ععبد املوجود والشيخ علي حممد معلوض,الناشلر: دار الكتلب‬
             ‫العلمية - بريوت / لعبنان,الطعبعة: األوىل، 9141 هل -8991‬
‫اللعباب يف علو الكتاب: أبو حف سراج الدين عملر بلن عللي بلن‬                     ‫94-‬
‫عادل احلنعبلي الدمشقي النعماين (املتلوىف: 577هلل),احملقلق: الشليخ‬
‫عادل أمحد ععبد املوجود والشيخ علي حممد معلوض,الناشلر: دار الكتلب‬
           ‫العلمية - بريوت / لعبنان,الطعبعة: األوىل، 9141 هل -8991 .‬
‫لطائف اإلشارات, تفسري القشريي: ععبد الكر بلن هلوازن بلن ععبلد‬                  ‫55-‬
‫امللك القشريي (املتوىف: 594هل),احملقلق: إبلراهيم العبسليوين,الناشلر:‬
                         ‫اهليئة املصرية العامة للكتاب – مصر,الطعبعة: الثالثة‬
  ‫جممل اللغة البن فارس,املؤلف: أمحد بن فلارس بلن زكريلا القلزوي‬                ‫15-‬
‫الرازي، أبو احلسني (املتوىف: 593هلل),دراسلة وحتقيلق: زهلري ععبلد‬
‫احملسن سلطان,دار النشر: مؤسسة الرسلالة – بلريوت,الطعبعلة الثانيلة -‬
                                                  ‫9541 هل - 9891‬
‫حماسن التأويل:املؤلف: حممد مجال الدين بلن حمملد سلعيد بلن قاسلم‬                ‫25-‬
‫احلالق القامسي (املتلوىف: 2331هلل),احملقلق: حمملد باسلل عيلون‬
‫السود,الناشر: دار الكتلب العلميلة, بلريوت,الطعبعلة: األوىل - 8141‬
                                                                      ‫هل.‬
‫احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: أبو حممد ععبلد احللق بلن غاللب‬           ‫35-‬
‫بن ععبد اللرمحن بلن متلا بلن عطيلة األندلسلي احمللار (املتلوىف:‬
‫245هل),احملقق: ععبد السال ععبد الشلايف حمملد,الناشلر: دار الكتلب‬
                          ‫العلمية – بريوت,الطعبعة: األوىل - 2241 هل.‬


                                         ‫591‬
‫املخص : أبو احلسن علي بن إمساعيلل بلن سليده املرسلي (املتلوىف:‬             ‫45-‬
  ‫854هل),احملقق: خليل إبراهم جفال,الناشر: دار إحيلا التلرا العلر‬
                             ‫– بريوت,الطعبعة: األوىل، 7141هل 9991‬
‫مراح لعبيد لكشف معىن القرآن اجمليد: حممد بلن عملر نلووي اجللاوي‬            ‫55-‬
‫العبنت إقليما، التناري بلدا (املتوىف: 9131هلل),احملقلق: حمملد أملني‬
‫الصناوي,الناشلر: دار الكتلب العلميلة – بلريوت,الطعبعلة: األوىل -‬
                                                          ‫7141 هل.‬
‫مستخرج أ عوانة: أبو عوانلة يعقلوب بلن إسلحاق بلن إبلراهيم‬                  ‫95-‬
‫النيسابوري اإلسفرايي (املتوىف: 913هل),حتقيلق: أميلن بلن علارف‬
‫الدمشقي,الناشر: دار املعرفة – بلريوت,الطعبعلة: األوىل، 9141هلل-‬
                                                             ‫8991 .‬
‫املستدرك على الصحيحني: أبو ععبد اهلل احلاكم حمملد بلن ععبلد اهلل بلن‬       ‫75-‬
                                                    ‫ن‬
‫حممد بن محدويه بن ُعليم بلن احلكلم الضليب الطهملاين النيسلابوري‬
‫املعروف بابن العبيع (املتوىف: 554هل),حتقيلق: مصلطفى ععبلد القلادر‬
‫عطا,الناشر: دار الكتب العلميلة – بلريوت,الطعبعلة: األوىل، 1141 –‬
                                                                ‫5991‬
‫مسند ابن أ شيعبة: أبو بكر بلن أ شليعبة، ععبلد اهلل بلن حمملد بلن‬           ‫85-‬
‫إبراهيم بن عثمان بن خواسليت الععبسلي (املتلوىف: 532هلل),احملقلق:‬
‫عادل بن يوسف العزازي و أمحد بن فريد املزيلدي,الناشلر: دار اللوطن‬
                                    ‫– الرياض,الطعبعة: األوىل، 7991 .‬
‫مسند العبزار املنشور باسم العبحر الزخار: أبو بكر أمحلد بلن عملرو بلن‬       ‫95-‬
‫ععبد اخلالق بن خالد بن ععبيلد اهلل العتكلي املعلروف بلالعبزار (املتلوىف:‬
‫292هل), احملقق: حمفوظ الرمحن زين اهلل، (حقلق األجلزا ملن 1 إىل‬
‫9),وعادل بن سعد (حقق األجلزا ملن 51 إىل 71),وصلربي ععبلد‬



                                       ‫691‬
‫اخلالق الشافعي (حقق اجللز 81),الناشلر: مكتعبلة العللو واحلكلم -‬
           ‫املدينة املنورة,الطعبعة: األوىل، (بدأت 8891 ، وانتهت 9552 )‬
‫معامل التنزيل يف تفسري القرآن: حمليلي السلنة ، أ حمملد احلسلني بلن‬            ‫59-‬
‫مسعود بن حممد بن الفرا العبغوي الشافعي (املتلوىف : 515هلل),احملقلق‬
‫: ععبد الرزاق املهدي,الناشر : دار إحيا الترا العلر –بلريوت,الطعبعلة‬
                                                 ‫: األوىل ، 5241 هل‬
‫معجم الفروق اللغوية,املؤلف: أبو هالل احلسن بلن ععبلد اهلل بلن سلهل‬            ‫19-‬
‫بن سعيد بن حيىي بن مهران العسكري (املتوىف: حنلو 593هلل),احملقلق:‬
‫الشيخ بيت اهلل بيات، ومؤسسة النشر اإلسالمي,الناشلر: مؤسسلة النشلر‬
          ‫ل‬            ‫ل‬   ‫ل ل‬             ‫ل‬        ‫ل‬              ‫ل‬
‫اإلس لالمي التابع لة جلماع لة املدرس لني ب لل «ق لم»,الطعبع لة: األوىل،‬
                                                            ‫2141هل.‬
  ‫معجم مقاييس اللغة,املؤلف: أمحد بلن فلارس بلن زكريلا القلزوي‬                 ‫29-‬
‫الرازي، أبو احلسني (املتوىف: 593هلل),احملقلق: ععبلد السلال حمملد‬
               ‫هارون,الناشر: دار الفكر,عا النشر: 9931هل - 9791 .‬
‫مفاتيح الغيب = التفسري الكعبري: أبو ععبد اهلل حممد بن عملر بلن احلسلن‬         ‫39-‬
‫بن احلسني التيمي الرازي امللقب بفخلر اللدين اللرازي خطيلب اللري‬
‫(املتوىف: 959هل),الناشر: دار إحيا الترا العلر – بلريوت,الطعبعلة:‬
                                                  ‫الثالثة - 5241 هل.‬
‫املفردات يف غريب القرآن: أبو القاسلم احلسلني بلن حمملد املعلروف‬               ‫49-‬
‫بالراغب األصلفهاىن (املتلوىف: 255هلل),احملقلق: صلفوان علدنان‬
‫الداودي,الناشر: دار القلم، اللدار الشلامية - دمشلق بلريوت,الطعبعلة:‬
                                                 ‫األوىل - 2141 هل.‬
                   ‫الز‬
‫مناهل العرفان يف علو القرآن: حمملد ععبلد العظليم ُّرْقلاين (املتلوىف:‬         ‫59-‬
‫7931هل),الناشر: مطعبعة عيسلى العبلا احللليب وشلركاه,الطعبعلة:‬
                                                           ‫الطعبعة الثالثة.‬


                                         ‫791‬
     ‫املتل‬
‫لل لاري ( لوىف:‬                  ‫بل‬        ‫لوعة القرآنيل إبل‬
                ‫لة: لراهيم لن إمساعيل األبيل‬                 ‫املوسل‬     ‫99-‬
             ‫4141هل),الناشر: مؤسسة سجل العرب,الطعبعة: 5541 هل‬
‫هناية األرب يف فنون األدب: أمحد بن ععبد الوهاب بلن حمملد بلن ععبلد‬      ‫79-‬
‫الدائم القرشي التيملي العبكلري، شلهاب اللدين النلويري (املتلوىف:‬
‫337هل),الناشر: دار الكتلب والوثلائق القوميلة، القلاهرة,الطعبعلة:‬
                                                  ‫األوىل، 3241 هل.‬
‫اهلداية إىل بلوغ النهاية يف عللم معلاين القلرآن وتفسلريه، وأحكامله،‬     ‫89-‬
                   ‫م‬
‫ومجل من فنون علومه: أبو حممد مكي بن أ طالب حَ ّلوش بلن حمملد‬
‫بن خمتار القيسلي القلريواين مث األندلسلي القلرطيب امللالكي (املتلوىف:‬
‫734هل),احملقق: جمموعة رسلائل جامعيلة بكليلة الدراسلات العليلا‬
    ‫الشل‬             ‫بإشل‬
‫لة لارقة، لراف أ. د: لاهد‬       ‫لي - جامعل الشل‬              ‫عبحل‬
                                                    ‫وال لث العلمل‬
‫العبوشيخي,الناشر: جمموعة حبلو الكتلاب والسلنة - كليلة الشلريعة‬
‫والدراسات اإلسالمية - جامعة الشلارقة,الطعبعلة: األوىل، 9241 هلل‬
                                                        ‫- 8552 .‬
‫الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: أبو احلسن علي بن أمحد بلن حمملد بلن‬      ‫99-‬
‫علي الواحدي،النيسلابوري، الشلافعي (املتلوىف: 894هلل),حتقيلق:‬
      ‫ل‬        ‫ل ل‬               ‫ل‬                     ‫ل‬
‫صلفوان علدنان داوودي, دار النشلر: دار القللم , اللدار الشلامية -‬ ‫ل‬
                             ‫دمشق، بريوت,الطعبعة: األوىل، 5141 هل.‬
‫الوسيط يف تفسري القرآن اجمليد: أبو احلسن علي بن أمحد بلن حمملد بلن‬      ‫57-‬
‫علي الواحدي، النيسلابوري، الشلافعي (املتلوىف: 894هلل), حتقيلق‬
‫وتعليق: الشيخ عادل أمحد ععبد املوجود، الشليخ عللي حمملد معلوض،‬
‫الدكتور أمحد حممد صرية، الدكتور أمحد ععبلد الغل اجلملل، اللدكتور‬
‫ععبد الرمحن علويس, قدمله وقرظله: األسلتاذ اللدكتور ععبلد احللي‬
‫الفرماوي, الناشلر: دار الكتلب ,العلميلة، بلريوت – لعبنلان,الطعبعلة:‬
                                          ‫األوىل، 5141 هل- 4991‬


                                      ‫891‬
                        ‫فهرس املوضوعات‬

‫الصفحة‬                                                               ‫املوضوع‬
  ‫1‬                                                                    ‫املقدمة‬
  ‫7‬                ‫الفصل األول: القلة:مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل فيها.‬
  ‫7‬      ‫املعبحث األول: مفهو سنة اهلل يف القلة, يف اللغة, والقرآن, وورود لفظة‬
                                             ‫القلة ومترادفاهتا يف القرآن الكر .‬

 ‫51‬               ‫املعبحث الثاين: القلة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

 ‫55‬             ‫املعبحث الثالث: القلة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

 ‫57‬                                ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف القلة.‬


                                 ‫991‬
‫58‬           ‫الفصل الثاين: الكثرة: مفهومها, وصفاهتا, وسنن اهلل فيها.‬

‫58‬          ‫املعبحث األول: مفهو سنة اهلل يف الكثرة يف اللغة والقرآن,‬
                      ‫وورود لفظة الكثرة ومترادفاهتا يف القرآن الكر .‬

‫98‬            ‫املعبحث الثاين: الكثرة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

‫751‬          ‫املعبحث الثالث: الكثرة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكر .‬

‫141‬                           ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف الكثرة.‬

‫741‬   ‫الفصل الثالث: موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة,بني‬
                                                       ‫الوعي والسعي.‬

‫841‬       ‫املعبحث األول: ريادة القلة العاملة وأثره يف الشهود احلضاري‬
                                ‫سن‬
                              ‫لألمة املسلمة للكثرة يف ضو هذه ال ُّة.‬

      ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة, يف ضو سنة اهلل يف القلة.‬
‫591‬
‫281‬                                                              ‫اخلامتة‬
‫481‬                                               ‫أهم املصادر واملراجع‬
‫591‬                                                 ‫فهرس املوضوعات‬




                              ‫002‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:14
posted:2/8/2013
language:
pages:200