Documents
Resources
Learning Center
Upload
Plans & pricing Sign in
Sign Out

سنة الله في القلة والكثرة نهائي _1_

VIEWS: 6 PAGES: 317

									 ‫سنة الله في القلة‬
          ‫والكثرة‬
   ‫في ضوء القرآن‬
           ‫الكريم‬
‫وموقف المسلمين منها بين الوعي والسعي‬

    ‫د. رمضان خميس زكي الغريب‬


                 ‫1‬
  ‫عضو هيئة التدريس يف جامعة األزهر, وأستاذ الدراسات القرآنية‬
 ‫املشارك يف كلية التربية, جامعة حائل – اململكة العربية السعودية.‬




                  ‫المقدمة‬

                   ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬

‫أمحد اهلل رب العاملني, وأصلي وأسلم على املعبعو رمحةة وهدايةة‬
‫للعاملني, حممدٍ – صلى اهلل عليه وسلم- وآله وصحعبه والتابعني, اللهم‬
‫إنا نربأ من حولنا وطولنا وقواتنا, ونلوذ حبولك وطولك وقوتك, فال‬
‫تكلنا على أنفسنا طرفة عني وال قعبضتها يا أرحم الرامحني, اللهم إنا‬
 ‫نسألك يا حنان يا منان يا بديع السماوات واألرض يةا ذا االةال‬
                                ‫2‬
‫واإلكرام أن جتعل أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكناتنا فيةك لةك‬
‫خالصة إنك على كل شيء قدير, اللهم إنا نسألك إميانا ال يرتةد,‬
‫ونعيما ال ينفد, وقرة عني ال تنقطع, ونسألك مرافقةة النعبةيني يف‬
                                                           ‫االنة...‬

                    ‫أمس‬
‫أما بعد فإن املسلمني اليوم, وكل يوم يف ِّ احلاجة إىل اسةتلهام‬
‫رأي القرآن الكرمي يف قضاياهم وتصوراهتم, وهم اليوم يعيشون عصرا‬
‫تتنازعه األفكار من كل صوب, وتتناوشه النظريات العبشرية من كل‬
‫حدب, ويف هذا الضجيج من الرؤى املتعباينة, والتقدم التقين العبةاهر‬
‫يشعرون بالقلة والذلة, وبعضهم يشعر فكريا أو عملياً بأن التةدين‬
‫عامة سعبب من أسعباب الرجوع احلضاري, خالطني بةني ديانةات‬
                 ‫جر‬      ‫وحر‬
‫عزلت أصحاهبا عن واقع احلياة َّمت بل َّمت التقدم والعلةم‬
‫واملعرفة, وما هنض أتعباعها إال بعد أن قالوا:(اشنقوا آخر قيصر بأمعاء‬
‫آخر قسيس), وبني دين أو كلماته: (اقرأ), وتكررت فيه الةدعوة‬
‫إىل عمارة األرض وإثارة خريها وارتفاق عطائها والسري يف مناكعبها,‬
‫أكثر مما تكرر فيه احلديث عن األحكام والفروع, فالفروع وحديث‬
‫القرآن الكرمي عنها ال يتجاوز 1/11 من جممةوع آيةات القةرآن‬
‫الكرمي(), أما عمارة األرض وخالفة احلياة فيدور أغلةب القةرآن‬
 ‫الكرمي عليها وما يقدم هلا وما يدور حوهلا من بناء اإلنسان الصةا‬
                                ‫3‬
‫الذي يصلح األرض بصالح نفسه, ويربطها بارتعباطه هو بةاهلل رب‬
                                                              ‫العاملني.‬

                             ‫أوال أمهية املوضوع وأسباب اختياره:‬

                        ‫تعبدو أمهية املوضوع من خال النقاط اآلتية:‬

‫1- أثر الوعي بسنة اهلل (تعاىل) يف القلة والكثرة يف تغري مفةاهيم‬
‫الناس مبا يترتب عليه التغيري يف رؤاهم وتصوراهتم, ومن مث يف‬
                                         ‫أفعاهلم وسلوكهم.‬
‫2- حتديد مهمة القلة يف هنضة األمم من عثرهتةا وقيامهةا مةن‬
‫كعبوهتا شأن القلة يف كل زمان ومكان, واليت تسميها السةنة‬
                                        ‫املطهرة: (الراحلة).‬
‫3- حاجة األمة اليوم إىل هذه الريادة الفكرية والعلمية والعمليةة‬
‫اليت تأخذ بيدها لتنهض من الوهدة, وتقا من العثرة, وتقوم‬
‫من تلك الكعبوة اليت تردت فيها إثر بعدها كالً أو بعضا عن‬
                  ‫منهاج الصالح والفالح يف الدنيا واآلخرة.‬

                    ‫ولدراسة هذه القضية أسعباب دفعتين إليها, منها:‬




                                ‫4‬
                                           ‫ي‬
‫التأكيد الذي ال ُمل منه: أن املرجعية العليا للمسةلمني يف‬        ‫1-‬
‫تصوراهتم ومنطلقاهتم, ومعاشهم, ومعادهم, هةي القةرآن‬
                                       ‫ح‬
‫الكرمي, يفيدون منه ُكمَه يف كل قضية, وفصله يف كةل‬
                                                       ‫مسألة.‬
‫أثر غياب هذه املرجعية من أذهان بعض املسلمني يف اهلزمية‬          ‫2-‬
‫النفسية, والتراجع الفكري, وبدؤهم من الصفر, دون اإلفادة‬
‫من عطاء القرآن وهديه مما يوفر عليهم جتارب بشرية ثعبةت‬
                                  ‫فشلها حىت عند أصحاهبا.‬
                            ‫ْ‬         ‫ْ‬
‫أثر املدنية الغربية يف بَهرها وقَهرها لكثري مةن املسةلمني,‬      ‫3-‬
       ‫وزعزعة بعض املفاهيم لديهم, وشعورهم بالقلة حنوها.‬
‫تأكيد القرآن والتاريخ والواقع املعيش: أن هنضةات األمةم‬          ‫4-‬
                              ‫تقوم على القلة الفاعلة املؤثرة.‬
                                            ‫ثانيا مشكلة البحث:‬

‫تدور مشكلة العبحث حو توصيف وتوظيف آيةات القةرآن‬
‫الكرمي لسنة اهلل – تعاىل - يف القلة والكثةرة, وبيةان موقةف‬
‫املسلمني من الوعي هبذه السنة, والسعي هبا يف الصراع احلضاري‬
‫بني احلق والعباطل, ومدى إفادهتم من منهجية القرآن الكرمي لعبيان‬
                                      ‫هذه السننية يف تلك القضية.‬

                                        ‫ثالثا أسئلة البحث:‬

                                  ‫5‬
‫السؤا األساس هلذه الدراسة هو: ما سنة اهلل يف القلة والكثةرة؟‬
‫وما موقف املسلمني منها بني اإلعما واإلمها ؟ ويتفرع عنةه‬
                                             ‫أسئلة أخرى هي:‬

                 ‫ما مفهوم القلة والكثرة يف القرآن الكرمي؟‬    ‫1-‬
                  ‫ما دوران القلة والكثرة يف القرآن الكرمي؟‬   ‫2-‬
            ‫ما مدى ظهور االانب السنين يف القلة والكثرة؟‬      ‫3-‬
‫ما موقف املسلمني من السننية يف القلة والكثرة, وإفةادهتم‬      ‫4-‬
                  ‫منها يف الشهود احلضاري لألمة املسلمة؟‬
          ‫ما موقف القلة احملمودة من الريادة لألمة املسلمة؟‬   ‫5-‬
                                        ‫رابعا أهداف الدراسة:‬

‫ميكن حصر أهداف الدراسة من خال اإلجابة علةى األسةئلة‬
                                              ‫السابقة يف اآليت:‬

‫1- حتديد مفهوم سنة اهلل يف القلة والكثرة يف اللغةة والقةرآن‬
                                                  ‫الكرمي.‬
        ‫2- معرفة دوران كلمة القلة والكثرة يف القرآن الكرمي.‬
‫3- إبراز االانب السنين يف القلة والكثرة من خةال حةديث‬
                                     ‫القرآن الكرمي عنهما.‬



                                ‫6‬
‫4- أثر الوعي باالانب السنين للقلة والكثرة يف الشهود احلضاري‬
                                          ‫لألمة املسلمة.‬
‫5- ريادة القلة احملمودة لنهضة األمة كما يصةورها ويةدعمها‬
                                          ‫القرآن الكرمي.‬
                                      ‫خامساً: حدود الدراسة:‬

‫تقتصر الدراسة على حصر اآليات اليت تتناو القلةة والكثةرة‬
‫ومتضي على املنهج املوضوعي الوسيط الذي يسعى إىل حصةر‬
‫اآليات االامعة للصورة القرآنية الشاملة عن سننية القلة والكثةرة‬
‫يف القرآن الكرمي, واالستعانة على فهم ذلك بالتفاسري املعتمةدة,‬
‫والعلوم اإلنسانية املتاحة, وما أفرزه علم االجتمةاع اإلسةالمي‬
                                        ‫حسب الطاقة العبشرية.‬

                                 ‫سادساً: منهج البحث وأداته:‬

‫يستخدم العباحث املنهج الوصفي واالسةتقرائي واالسةتنعباطي,‬
‫حسب طعبيعة التناو , وكانت أداته مجع اآليةات ذات الصةلة‬
‫باملوضوع, وحتليلةها, واسةتنعباط اصصةائ , والسةمات,‬
‫واألسعباب, والشروط, واألهداف املتعلقة بسةنة اهلل يف القلةة‬
‫والكثرة, اعتمادا على ما كتعبه علماء التفسري واللغة, وما يةدعم‬


                                ‫7‬
‫ذلك من ومضات السنة النعبوية املطهرة, وما خيدم هدف العبحث‬
‫من الدراسات اإلنسانية, دون اإلفراط يف الشروح؛ حرصا على‬
                                  ‫عدم خروج العبحث عن مساره.‬

‫وحرَصت على مجع اآليات املتعلقة باملوضوع , مث فرزهةا مةن‬
      ‫ة‬         ‫ة‬                                 ‫ع‬
‫حيث أمج ُها للقضية, ورتعبتها من حيث املكي ُ واملدني ُ, حةىت‬
‫تعطي صورة كاملة عن القضية والزمن جزء من رسةم تلةك‬
‫الصورة الصادقة, وحرَصت على أن تكون العناصر املعنونة مةن‬
‫صميم اآليات القرآنية؛ جريا على املعتمد من املنةاهج يف هةذا‬
‫اللون من ألوان التفسري املوضوعي(1), أما يف الشرح واالستنعباط,‬
‫فأفدت من كتب التفسري يف كل املدارس مةن مةأثور ورأي,‬
‫فمررت علةى مةدارس متعةددة وألةوان متعباينةة, زمانةا,‬
‫ومكانا,واجتاها, ومنهاجا, وفكرا, كما أفدت من السنة, وهةي‬
                                       ‫ل عب‬          ‫ل‬
‫الشارح اُمِعبني واُمَِّني آليات القرآن الكرمي, وأفدت مما قدمةه‬
‫االهد العبشري من دراسات إنسانية أو عربية يف هةذا الصةدد,‬
                 ‫حسب الطاقة والوسع, وحسب طعبيعة الدراسة.‬

    ‫1 - انظر: املدخل إىل التفسري املوضوعي,ألستاذنا د ععبد الستار فتح اهلل‬
     ‫سعيد ط:دار التوزيع والنشر اإلسالمية,ط الثانية,1141ه,1991م,ص‬
                                                         ‫95,59.‬
                                   ‫8‬
                                     ‫سابعاً: الدراسات السابقة:‬
‫احلق أين مل أقف على دراسة علمية تتنةاو جانةب السةنن‬
‫يف القلة والكثرة,وكل ما وقفةت عليةه مقةاالت ورصةد‬
‫آليات القلة والكثرة, وما تناو القلةة والكثةرة يف دراسةة‬
‫علمية تناوهلا من جانب أصويل أومن جانةب لغةوي بعيةد‬
                                         ‫عن قضية الدراسة هنا.‬
                                          ‫ثامناً: هيكل البحث:‬
                 ‫اشتمل العبحث على مقدمة, وثالثة فصو , وخامتة.‬

   ‫الفصل األو : القلة:مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل فيها, وفيه أربعة‬
                                                            ‫معباحث:‬

  ‫املعبحث األو : مفهوم سنة اهلل يف القلة, يف اللغة, والقرآن, وورود‬
                             ‫لفظة القلة ومترادفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

             ‫املعبحث الثاين: القلة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

            ‫املعبحث الثالث: القلة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

                             ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف القلة.‬

    ‫الفصل الثاين: الكثرة: مفهومها,وصفاهتا, وسنن اهلل فيها, وفيه‬
                                                      ‫أربعة مباحث:‬

                                 ‫9‬
 ‫املعبحث األو : مفهوم سنة اهلل يف الكثرة يف اللغة والقرآن, وورود‬
                         ‫لفظة الكثرة ومترادفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

          ‫املعبحث الثاين: الكثرة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

         ‫املعبحث الثالث: الكثرة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكرمي‬

                          ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف الكثرة.‬



‫الفصل الثالث: موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة,بني‬
                                   ‫السعي والوعي, وفيه معبحثان:‬

 ‫املعبحث األو : ريادة القلة العاملة وأثره يف الشهود احلضاري لألمة‬
                                 ‫سن‬
                                ‫املسلمة للكثرة يف ضوء هذه ال ُّة‬

                            ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة‬

                      ‫اصامتة, وتشمل أهم النتائج والتوصيات.‬

                                      ‫فهرس املصادر واملراجع.‬

                                           ‫فهرس املوضوعات.‬


                              ‫01‬
                                    ‫واهلل من وراء القصد.‬




                     ‫الفصل األول‬

‫القلة:مفهوما, وصفاهتا, وسنن اهلل فيها, وفيه أربعة مباحث‬

                     ‫املبحث األول‬




                          ‫11‬
‫مفهوم سنة اهلل يف القلة يف اللغة والقرآن, وورودها ومترادفاهتا يف‬

                        ‫القرآن الكرمي.‬

 ‫مفهوم سنة: السنة (هي القانون الضابط المهيممن والفعي‬
  ‫ب‬
 ‫مرت ًا‬   ‫النافذ الحاكم الذي مجري باطراد وثبات وعموم وشمو‬
                                             ‫على سلوك البشر).(1)‬

                                              ‫القلة يف اللسان العريب:‬

‫وردت القلة ومادهتةا يف اللسةان العةر دالةة علةى عةدد‬
‫من املعاين نريةد أن نقةف أمامهةا, ونفيةد مةن خالهلةا مةا‬
        ‫ة‬             ‫ة ة ة‬               ‫ة‬     ‫ة ة‬
‫يعينن ةا عل ةى حس ةن التعام ةل م ةع س ةنة اهلل – تع ةاىل - يف‬
     ‫تصة أسة السة‬
‫ةة يف ةرآن ةرمي, فال ةور ةاس ةلوك,‬  ‫الكة‬      ‫القة‬    ‫القلة‬
                            ‫واحلكم على الشيء فرع عن تصوره.‬

‫ومن تتعبةع اللسةان العةر , عةرب لسةان العةرب, وأسةاس‬
     ‫ومة‬
‫ةاييس, ةا دار‬           ‫ةائ , والتهة‬
             ‫ةذيب, واملقة‬                     ‫عبالغة‬
                                   ‫ال ةة ,واصصة‬
  ‫حو ذلك من معاجم وقةواميس جنةد الكلمةة تةدور حةو‬
                                                          ‫هذه الدالالت:‬

                                   ‫1- تد املادة على االرتفاع.‬

                                                                                 ‫1‬
                                ‫- مفهوم السنن الربانية من اإلدراك إلى التسخير:‬

                              ‫21‬
                                           ‫2- وتد على العلو.‬
                                     ‫3- كما تد على التفرد.‬
                                        ‫4- وتد على االنفراد.‬
                              ‫5- وتد على أهنا معتمد غريها.‬
             ‫9- وتد على ارتفاع غريها هبا, واعتماده عليها.‬
                             ‫7- وتد عل قمة الشيء وأعاله.‬
                              ‫8- وتد على النهضة من عثرة.‬
                                         ‫9- والنهوض من علة.‬
                           ‫51- وتد على النهوض من فقر.‬
                                     ‫11- وتد على السرعة.‬
                         ‫21- كما تد على اصسة والدناءة.‬
                                      ‫31- وتد على النذارة.‬
                             ‫41- وتد على عدم االستقرار.‬
                                      ‫51- وتد على النق .‬
                                      ‫91- وتد على الصغر.‬
                                    ‫71- ويكىن هبا عن العزة.‬
                                     ‫81- وتد على االهالة.‬
‫وحنن هنا نورد من نصوص اللغة ما يؤيةد مةا قلنةاه دون‬
‫إغراق يف النقل, بل مةا متةس إليةه احلاجةة, وتوجعبةه‬
‫ضرورة االعتماد واالستناد, وحنيل يف النصةوص املتشةاهبة‬


                              ‫31‬
‫على األقدم زمنا, فالكةل ميةتح مةن إنةاء واحةد وإن‬
‫اختلفت املشارب واملوارد: غرفا من العبحر أو رشةفا مةن‬
                                               ‫الدمي.‬

 ‫ل ُل‬                   ‫ل ق‬                 ‫ء يقل ل‬       ‫َل‬                ‫ق‬
‫( َا َ اللَّيْث: ق َّ الشي ُ ُّ قِّةً، فَهُوَ قلي ٌ، وُال ٌ، قَا َ: ورج ٌ ق ٌّ:‬
          ‫الد ء َ‬                                 ‫ري ُث َق‬
     ‫قَص ُ اجلَّة. وَا َ غري ُ: ُّ من ِّجَا : اخلسيس َّين ُ.ومِنْه‬
                               ‫ه القل الر‬
                                                                     ‫َ‬
                                                               ‫قَو الْأعْشَى:‬

                                               ‫َ كت ق‬
                       ‫ومَا ُْن ُ ُالً قعبلَ ذَلِك أزْيعبَا‬

‫األزي ُ: الدع ُّ. وفِي احلَدِيث: ( ِّبَا وإنْ كَُر فَهُوَ إلَى ق ّ) (1) أَي:‬
          ‫ُل‬               ‫ث‬           ‫الر‬               ‫ب ّ ِي َ‬
                                                                      ‫ل‬
                                                                    ‫إلَى قِّة.‬



‫1 - واحلديث : أخرجه ابةن أ شةيعبة يف املسةند: 1/752. وهةو‬
 ‫حديث صحيح، شَريك - وهو ابن ععبد اهلل النخعةي-، وإن كةان سةي‬
‫احلفظ - متابع. وبقية رجاله ثقات رجا الصحيح. حجةاج: هةو ابةن‬
‫حممد املصيصي األعور، والركني بن الربيةع: هةو ابةن عميلةة الفةزاري‬
‫الكويف.وأخرجه احلاكم 2/73 من طريق اإلمةام أمحةد، هبةذا اإلسةناد،‬
                                                 ‫ش‬
‫لكن حترف فيه َةريك إىل إسةرائيل وأخرجةه أبةو يعلةى (2455) و‬
     ‫الكة‬
‫ةرباين يف " ةعبري"‬‫ةي (858) ، والطة‬  ‫(8435) و (9435) ، والشاشة‬
  ‫ة ة ة‬                        ‫ة‬           ‫ة ة‬
‫(83551)، واب ةن ع ةدي يف "الكام ةل" 4/3331 م ةن ط ةرق ع ةن‬
‫شريك، بةه. وأخرجةه ابةن ماجةه (9722) ، والشاشةي (958) ،‬
‫والطةةرباين يف "الكةةعبري" (93551) ، واحلةةاكم 2/73 و4/713-‬
                                       ‫41‬
                                                                     ‫ع‬          ‫ق‬
                                            ‫َا َ أَبُو ُعبَيْدَة، وَأنْشد للعبيد:‬

                                  ‫ُل‬
        ‫ق ٌّ وإنْ أكَْثرَتْ من العَدَد‬             ‫ُر‬       ‫كل‬
                                          ‫ُّ بين ح َّةٍ مصريهم‬

         ‫َالَ َّيْث: وقُلةُ كل شَيْء: رأ ُه، وقُل ُ اجلَبَلِ: أَعْلَا ُ.)(1)‬
              ‫ه‬                   ‫س ّة‬                      ‫َّ‬       ‫ق الل‬

       ‫فهنا تد كما هو واضح على القصر, واصسة, كما تد على‬
                                          ‫االرتفاع والعلو.‬

‫و ( قل الشيء يقل قلة، وهو قليل. والقل: القلة، كالذل والذلة‬
‫....وفالن قل بن قل، إذا كان ال يعرف هو وال أبوه والقلة..والقلة:‬
                       ‫قلة اجلبل, واستقل القوم: مضوا لسبيلهم.)(2)‬

‫وهنا تد تلك النصوص على جهالة املوسوم بالقلة, وعدم معرفة‬
                ‫أصوله, وتد على االرتفاع, والعلو, والسري قدما.‬

                                                        ‫س‬
                                             ‫الْفرق بَني الْيَ ِري والقليل:‬

    ‫ُ‬                             ‫د ق‬               ‫ْ‬
‫(الْقلَّة َتقَْتضِي ُنقصَان الْع َد ُي َا قوم قَلِيل وقليلون وَمن اْلقرْآن‬
           ‫َ‬         ‫ع عد‬                          ‫ل ي‬
‫(شرذمة قَلِيُونَ) ُريد أَن عَددهمْ ينق َن َّة غَريهم وهِي نقيض‬

‫813 من طريق إسرائيل، عن الركني، به.قةا احلةاكم: هةذا حةديث‬
                      ‫صحيح اإلسناد، ومل خيرجاه، ووافقه الذهيب.‬

                   ‫1 - هتذيب اللغة (8/ 232), وانظر مقاييس اللغة:3/5.‬

                                  ‫2 - جممل اللغة البن فارس: (ص: 927).‬

                                     ‫51‬
                          ‫غ‬           ‫َ‬                                      ‫س‬
‫الْكَْثرَة وَلَيْ َت الْكَْثرَة إلَّا زيَادَة الْعدَد وهِي فِي َريه اسِْتعَارَة وتشعبيه‬
                                               ‫َس ْ‬
‫واليسري من الْأَشْيَاء مَا يَتَي َّر َتحصِيله أَو طلعبه وَلَا َيقَْتضِي مَا َيقَْتضِيهِ‬
                                            ‫أ‬         ‫د أ‬
‫اْلقَِيل من ُنقصَان الْع َد َال ترى َنه ُيقَا عدد قَلِيل وَلَا ُيقَا عدد‬   ‫ْ‬       ‫ل‬
    ‫س‬                          ‫َس‬                                ‫ك ق م‬
 ‫يسري وَلَ ِن ُي َا َا يسري لِأَن مجع مثله يَتَي َّر فَإن اسْتعْمل الْيَ ِري‬
    ‫فِي مَوضِع اْلقَلِيل فقد جيْري اسْم َّيْء على َريه إذا قرب مِنْ ُ)(1)‬
           ‫ه‬                    ‫غ‬          ‫الش‬

            ‫ل ُل ال‬                    ‫و‬
          ‫َقد كَانَ لَوَْا الق ُّ طَ ّعَ‬         ‫مه‬      ‫و ْ ُ ُل ف‬
                                                ‫( َقد يقصرُ الق ُّ اْل َىت دون ّه‬
                                                                        ‫أْن ُدِ)(2)‬
                                                                              ‫ج‬

‫األصفهاين يف املفردات وددناه رر أن‬                        ‫وإذا انتقلنا إىل الراب‬
  ‫ص‬                ‫ن‬
‫:(القِلَّ ُ والكثرة يستعمالن يف األعداد، كما أ ّ العظم وال ّغر‬    ‫ة‬
                                   ‫ل‬
‫يستعمالن يف األجسام، مث يستعار ك ّ واحد من الكثرة والعظم،‬
                  ‫ذل‬         ‫ل‬         ‫ن‬                 ‫ل ص‬
 ‫ومن القّة وال ّغر لآلخر. ... ويكّى باْلقَِّةِ عن ال ّّة اعتعبارا مبا قا‬
                                                                 ‫الشاعر:‬

          ‫ولست باألكثر منهم حصا ... وإمنا الع ّة للكاثر(3)‬
                     ‫ز‬


                                  ‫1 - الفروق اللغوية للعسكري: (ص: 252).‬

                                                       ‫2 - املخص : (4/ 54).‬

                                          ‫ض‬
‫3 - العبيت لألعشى يف ّل فيه عامر بن الطفيل على علقمة بن عالثة يف‬
‫املنافرة اليت جرت بينهما، ومطلع القصيدة: شاقتك من قتلة أطالهلا ... بالشط‬
                                                       ‫فالوتر إىل حاجر‬
                                         ‫61‬
             ‫َّ َك‬               ‫ت‬           ‫ْ ُر‬
‫( وعلى ذلك قوله: وَاذك ُوا إذْ كُنُْمْ قَلِيلًا فَكَثر ُمْ )[األعراف/‬
                                        ‫ز‬                  ‫ن‬
‫98] وركّى هبا تارة عن الع ّة اعتبارا بقوله: (وقَلِي ٌ منْ عِعبادِيَ‬
            ‫َ ل ِ‬
   ‫ن ل‬                                ‫َلل ه‬                   ‫الشك ر‬
‫َّ ُو ُ) [سعبأ/ 31] ، (وقَِي ٌ ما ُمْ) [ص/ 42], وذاك أ ّ ك ّ ما‬
 ‫ر‬               ‫له‬          ‫قلة‬                              ‫ز ِل‬
‫يع ّ َيق ُّ وجوده. وقوله: ... .... وال َُّ ُ: ما َأقََّ ُ اإلنسان من ج ّة‬
                 ‫ل‬            ‫َ َ ُه‬
‫، وُلَّ ُ االعبل: شعف ُ اعتبارا بق ّته إىل ما عداه من‬
                                            ‫قة‬                    ‫ب‬
                                                                  ‫وح ّ‬
                                                           ‫أدزائه،.)(1)‬
                 ‫َ‬                   ‫ق‬          ‫ه‬     ‫َل ش ِل‬
‫(ق َّ ال ّيء َيق ُّ قِلَّة فَ ُوَ قَليل وُال .(قا )أبو زيد: ومِنْةه رجةل‬
                          ‫ق‬                    ‫َق‬             ‫ل قل‬
‫قَِيل وُُل: أَي قصري دِيق االثة، وَلةذَلِك َةا َ سِةيعبَوَيْهٍ: وَقةد‬
                   ‫د َ‬           ‫و‬          ‫ق‬         ‫ل‬               ‫ق‬
‫ُي َا للْإنْسَان قَِيل كَمَا ُي َا قصري َافةق ضِة ّه وهُةوَ اْلعَظِةيم.‬
       ‫ش‬                    ‫و‬          ‫ل قل و أ‬                   ‫و‬
‫... َالْجمع قَلِيُونَ وُُلون َالُْنْثَى قَليلَة َقةد اسةتقللت ال ّةيء‬
           ‫م‬          ‫ه‬
‫جعلته قَلِيال، وأقللته صادفته كَذَلِك وقاللت لَة ُ املَةاء ُقالَةةً إذا‬
      ‫ق‬                  ‫قل‬        ‫د‬         ‫ه‬
‫خفْت اْلعَطش فأقللت لَ ُ. ابْةن ُرَيْةد: ال ُُةل: اْلقَلِيةل. َةا َ‬   ‫ِ‬
        ‫ق‬                                           ‫قل ش‬
‫سِيعبَوَيْهٍ: َّلْت ال ّيء: جعلته قَلِيال وأقللت: أتيةت بقَلِيةل، َةا َ:‬
                                  ‫َقد ُي َا قَّلت فِي معىن أقللت.)(2)‬
                                                            ‫و ق ل‬

‫ل‬                                              ‫ل‬
‫ويقولون: (صعدوا قّة االعبل وقلل االعبا . ...ومن اجملاز: هو مستق ّ‬
                      ‫ل‬
‫بنفسه, إذا كان ضابطاً ألمره. وهو ال يستق ّ هبذا األمر: ال يطيقه.‬

                                                ‫1 - املفردات: 1/589.‬
        ‫2 - املخص , أبو احلسن علي بن إمساعيل بن سيده املرسي (املتوىف:‬
     ‫854هة),ت: خليل إبراهيم جفا ,الناشر: دار إحياء الترا العر –‬
                ‫بريوت ,الطعبعة: األوىل، 7141هة 9991م:ج4/44.‬
                                   ‫71‬
                                   ‫ل‬                 ‫ل‬
‫واستقّوا عن ديارهم، واستقّت خيامهم، واستقل القوم عن جملسهم،‬
                                ‫ل‬                    ‫ل‬
‫واستقّوا يف مسريهم. واستق ّ الطائر يف طريانه. واستقل النجم.‬
                     ‫واستقل عمود الفجر. قا عمر بن أ ربيعة:‬

‫يا طيب طعم ثناياها وريقتها ... إذا استق ّ عمود الصعبح فاعتدال(1)‬
                       ‫ل‬

‫واستق ّ العبناء: أناف، وبناء مستقل. واستقل فالن غضعباً: شخص‬
                                                    ‫ل‬
‫من مكانه لفرط بضبه، وقيل: هو من الق ّ: ال ّعدة. وبلغ املاء قلة‬
                   ‫ل ر‬
‫رأسه، و يضربن القلل، ورجل طويل القّة وهي القامة. ورجل قليل:‬
                        ‫ل‬
‫صغري االّة، .....وقوم أقلة: خساس. وهو يق ّ عن كذا: يصغر عنه.‬
                  ‫ل‬                                ‫ث‬
                                ‫وتقلقل يف العبالد: طالت أسفاره..)(2).‬

‫معاين قرربة من املعاين اليت نص عليها‬              ‫البصائر رر‬       ‫وصاح‬
‫أصحاب اللسان واملفردات, ومن ذلك قوله: (احلمد هلل على ال ُ ّ‬
‫قل‬
          ‫َ‬                ‫ل ِل‬                              ‫ك‬
‫وال ُثْر، أي على القليل والكثرة. ق ّ َيق ّ، فهو قليل وقُال وقَال .‬
 ‫ِل‬                                     ‫أ‬                 ‫أ وقل‬
‫وَقلَّه َّله: جعله قليال. وَقلَّه: صادفه قليال، وأَتى بقليل. والقَّة‬
‫والكثرة يستعمالن يف ا َعداد؛ كما أ َّ العظَم والصغر رستعمالن يف‬
                      ‫َن ِ‬              ‫أل‬
‫األَدساد. ّ يستعار كل منهما لآلخر، قا تعاىل: {ُم الليل إ َّ‬
‫ال‬          ‫ق‬                                   ‫مث‬
                         ‫ال‬           ‫م‬
‫قَلِيالً} أي وقتاً قليالً. وقا : { َّا قاتلوا إ َّ قَلِيالً} . وقا : {وَالَ‬

                                                          ‫1 - انظر ديوانه:‬
                                            ‫2 - أساس العبالغة: (2/ 99).‬

                                    ‫81‬
                         ‫م هم‬              ‫م ه ال‬                      ‫َط ع‬
‫َتزَا ُ ت َّلِ ُ على خَآئِنَةٍ ِّنْ ُمْ إ َّ قَلِيالً ِّنْ ُ ُ} أي مجاعة قليلة. والقليل‬
                                        ‫د والذ‬
‫أَيضاً: القصري، وال ّقيق، َّليل. وقوم قليلون وَأقِ َّء وُُل وُُلُون.‬
     ‫ال قل قل‬
‫ورج ٌ قليل وقوم َأقِلَّة: خِسَاس. قا تعاىل: {واذكروا إذْ أَنُمْ قَلِي ٌ‬
‫ت ل‬                                                               ‫ل‬
                        ‫ِز‬
‫ُّسَْتضْع ُونَ}. وقد يعكس ويكىن هبا عن الع َّة اعتعباراً بقوله تعاىل:‬
                                                          ‫م َف‬
       ‫َن ل ِز يقل‬                                     ‫َ ل ل ِّ‬
‫{وقَِي ٌ منْ عِعبَادِيَ الشكور}، وذلك أ َّ ك ّ ما يع ُّ ُّ وجوده.‬
               ‫ي‬                                        ‫قل‬
‫واإلِقال : َّة اجلِدَة. رجل مق ٌّ وأ ُّ: فقري وفيه بقّة. وقوله تعاىل:‬
                              ‫ُ ِل َقل‬
                     ‫عب‬                   ‫ال‬           ‫َم أ ت ِّ‬
‫{و َآ ُوتِيُم منَ العلم إ َّ قَلِيالً}, ..... ويعَّر بالقليل عن النفي‬
                         ‫ال‬          ‫ق‬        ‫ل‬            ‫ُل‬
‫تقو : ق ُّ رجل أَو أَق ّ رجل َي ُو ُ ذلك إ َّ زيد، معنامها: ما رجل‬
                                              ‫يقوله إالَّ هو......)1 )‬
‫ومن هذه التطوافة يف كتب اللغة ندرك أن القلة تستعمل يف املعاين‬
‫السابقة, ومن تتعبع آيات القرآن فيها جند أن القرآن الكرمي تناوهلا هبذه‬
‫الصورة أيضا, كما سريد ذلك يف حديث القرآن عن القلة, ودوران‬
  ‫الكلمة فيه, وهذا يشري أيضا إىل أن حديث القرآن عن القلة تناو‬
                   ‫جوانعبها ودالالهتا اللغوية, كما سنقف عليه, آملني.‬
                                    ‫ألفاظ القلة ومقارباهتا يف القرآن الكرمي‬

‫ورد التععبري عن القلة يف القرآن الكرمي بععبارات متعددة دارت حو ما‬
                                                                                 ‫يلي:‬



             ‫1 - بصائر ذوي التمييز يف لطائف الكتاب العزيز : 4/ 292.‬

                                         ‫91‬
‫1- قليل, مبواطنه املتنوعة, وصوره املتعدد: (قليال, قليل,‬
                                        ‫قليلون,قليلة, أقل)‬
                                                   ‫2- شرذمة.‬
                                                      ‫3- أمة.‬
                                                      ‫4- فئة.‬
                                                     ‫5- فريق.‬
  ‫9- كما وردت الداللة على القلة بالن على العدد, مثل: قا‬
‫رجالن, سعبعني رجال, عشرون صابرون, مائة صابرة, دراهم‬
‫معدودة, , اثين عشر نقيعبا, أو باستخدام لفظة تد على القلة‬
‫مثل: يستضعفون, يسري, قتور, أو التركيب الدا عليها مثل‬
                       ‫التعبعيض, واالستثناء,... وحنو ذلك.‬
                                     ‫أنواع القلة يف القرآن الكرمي:‬
‫وقد تناو القرآن الكةرمي احلةديث عةن القلةة تنةاوال‬
‫واضحا يعبني خصائصها ويربز مساهتا, وبالتأمةل يف حصةر‬
‫اآليات اليت تد على القلة صةراحة أو ضةمنا ميكننةا أن‬
                          ‫نقسم القلة إىل نوعني جامعني:‬
                                      ‫النوع األول: القلة احملمودة:‬
‫وهي اليت ورد التععبري عنها يف القرآن الكرمي يف مقام املدح ألصحاهبا,‬
‫والداللة على أهنم تفردوا بسمات واتصفوا بصفات يرضاها اهلل –‬
‫تعاىل ويدعو إليها, سواء كانت تلك الصفات ريادة وسعبقا يف وقت‬


                                ‫02‬
‫يندر فيه السعبق والريادة, أو إميانا يستحق أن يؤيده اهلل ويؤوي أهله,‬
  ‫ويرزقهم من الطيعبات لعلهم يشكرون, أو ثعباتا يف ميدان القتا‬
‫واالهاد يف سعبيل اهلل, أو يقينا صادقا يف نصرة اهلل على الرغم من قلة‬
                                                         ‫ع‬
‫العَدد وال ُدد, أو دواما على األمانة وبعدا عن اصيانة,أو سعبقهم يف‬
‫العلم واملعرفة, أو شكرهم على العطاء مع قلة الشاكرين وكثرة‬
‫االاحدين, أو عدالتهم يف الشركة واصلطة, وبعدهم عن العبغي على‬
‫اصلطاء, أو رضاهم مبا قسم اهلل هلم من زخرف الدنيا وزينة احلياة,‬
‫مع إمياهنم ورؤيتهم لكثرة ما الكافرين االاحدين وولدهم, وحنو‬
   ‫ذلك مما سنقف عليه تفصيال عند تناو اآليات الكرمية إن شاء اهلل.‬
                                       ‫النوع الثاين: القلة املذمومة:‬

  ‫وهي اليت ورد احلديث عنها بصورة تنفر منها, وتعبعد عنها, وتد‬
      ‫على اتصاف أصحاهبا بصفات ال يرضاها اهلل - تعاىل-, وال ت‬
‫تقعبلها الفطر السوية, والنفوس األبية, ينعى القرآن على أصحاهبا,‬
‫وحيذر من مغعبة امليل إليها, مثل وصف ما لدى املفترين بأنه ليس‬
‫فالحا بل متاع قليل, ال يلعبث أن يزو وحيو , أو أن أماهنم ال‬
‫يستمر, وعدواهنم على املرسلني ال يدوم, بل عما قليل ليصعبحن‬
‫نادمني, نادمني على إنكارهم وشنيع صنيعهم مع األنعبياء واملرسلني,‬
‫أو وصف شكرهم مع عظم ما ينعم به عليهم بأنه قليل, ال يتناسب‬
‫مع حقيق الشكر وواجب االعتراف, أو وصف التذكر الصادر من‬
‫بعض العبشر بأنه قليل على الرغم من توفر دواعي التذكر, وأسعباب‬

                                ‫12‬
‫التفكر, أو النكري عليهم أهنم استعبدلوا الذي هو أدىن بالذي هو خري,‬
‫فيشترون بآيات اهلل مثناً قليالً, ويعبيعون دينهم بعرض من الدنيا زائل,‬
‫وعطاء من احلياة حائل, أو وصف متاع احلياة بأنه يف جنب اآلخرة‬
‫قليل, أو النعي على بين إسرائيل بأهنم ال يؤمنون إال قليالً, أو وصف‬
‫متعتهم وفرحهم يف احلياة بأنه قليل, أو أهنم ال يأتون العبأس إال قليالً,‬
             ‫وحنو ذلك مما سيتضح عند تناو اآليات الكرمية بإذن اهلل.‬
            ‫ولنتناو أوال القلة احملمودة وصفاهتا يف الصفحات القادمة:‬
                            ‫املبحث الثاين‬

        ‫القلة احملمودة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬

‫ومن خال تتعبع اآليات الكرمية ميكن أن نتعبني القلة احملمودة , وأهم‬

                                              ‫مساهتا على النحو التايل:‬

                  ‫القلة هم اخلالصة املصطفاة والبقية املنتقاة‬
‫القلة احملمودة هي يف كل مكان اصالصة املصطفاة, والعبقية‬
‫املنتقاة, املنتقاة من كل شيء: زمانا, ومكانا, وأفرادا,‬
                   ‫َّ‬
‫ومعادن, هم الرواحل اليت تتحمل إذا كَل غريها, وتصرب إذا‬
                                                    ‫َّ‬
‫مَل سواها, حتمل محلها وكثريا من محل غريها, فهي الرائدة‬
‫يف املتاهة, وهي القائدة يف اضطراب األمور, ولقد قيل يف‬
      ‫واحد من مثل هذه النماذج, وهو صاحب عمامة علمية:‬

                                 ‫22‬
  ‫أولت عمامتك العمائم كلها فخراً تقاصر دونه التيجان‬
    ‫غ ُ الزعامة والطريق‬‫ري‬          ‫خم ٌ‬
                                   ‫إن الزعامة والطريق ُوفَة‬
                  ‫أمةةةةةةةةةان‬
‫تلك القلة هي اليت تقل عند الطمع, وتكثر عند الفزع, فهم‬
  ‫- حبق خالصة جنسهم, وبقية نوعهم, ولقد تعبني من خال‬
‫سوق القرآن الكرمي لتلك النماذج القليلة ما يؤكد تفردهم‬
‫وندرهتم, وقلتهم (مبا تعنيه مادة القلة من داللة) فيما يتصفون‬
‫به, وإذا طالعنا القلة اليت عربت العبحر مع طالوت, عرفنا إىل‬
‫أي مدى تتضح فيهم تلك الصفة, فهم قلة لكنهم هم, هم‬
‫وحدهم الذين عربوا النهر مع طالوت, وهم هم وحدهم‬
‫الذين أدركوا واعني قوانني اهلل يف النصر واهلزمية إدراكا‬
‫عمليا, وإن أدركه غريهم إدراكا ثقافيا معرفيا, وسيعبني لنا‬
‫يف الصفحات القادمة كم كانوا واعني بل واععبني لقيم يندر‬
‫أن جيمعها سواهم, ويقل وجودها فيمن عداهم, وتلك من‬
‫سنن اهلل تعاىل يف خلقه وناموسه يف ععباده, لقد سئل احلسن‬
      ‫م‬
‫عن الذين عربوا النهر :(أَلَْيسَ اْلقَوْم جَمِيعًا كَانُوا ُؤمنني‬
‫الَّذين جاوزوا؟ ! فقَا َ: بلَى، وَلَكِن تفاضلوا بِمَا شحت‬
                   ‫أنفسهم من الْجِ َاد فِي سَبيله.)(1).‬
                                        ‫ه‬



                  ‫زمنني: (1/ 842).‬      ‫1 - تفسري القرآن العزيز البن أ‬

                                   ‫32‬
 ‫فالذين عربوا النهر كانوا كلهم مؤمنني لكن الذين صربوا,‬
 ‫وصابروا, ودعوا غريهم إىل املصابرة هم خالصةة هةؤالء,‬
     ‫ق َنه‬                                       ‫الذ ُن‬
‫فهؤالء َ َّ ِينَ َيظُّونَ أهنم مالقوا اهلل ( أي: يَتََي َّنْون أَّ ُةمْ‬
‫مُالقُوا اللَّهِ ويتوقعون ثوابَ الشهادة وهم اخلُلْصُ من أهلل‬
‫البصرية, قالوا: ال تفزعوا من كثرة عددهم كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ‬
                   ‫ِ‬
      ‫ه‬
‫غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ اللَّهِ وإرادته ومعونته، ...، وَاللَّ ُ مَةعَ‬
                                  ‫َّابرينَ بالنصر واملعونة.)(1)‬         ‫الص‬
‫و (كذلك اصواص يف كل وقت يقةل عةددهم ولكةن‬
‫جيل قدرهم.)(2) وتلك القلة الةيت يصةطفيها اهلل تعةاىل‬
‫هي اصالصة اليت يقوم عليها بناء احليةاة, وتنةهض هبةا‬
 ‫الريادة والقيادة, وتتقدم األمم, وتستعاد القةيم, واملتأمةل‬
‫لكل قليةل يف احليةاة واألحيةاء جيةده بقيةة جنسةه,‬
‫وخالصة نوعه, فالذهب سيد املعادن وهةو بينةهم قةل,‬
‫واألنعبياء هم رواد األمم وهم بني أقوامهم قلةة, والةدعاة‬
‫الصادقون هم األدالء للعبشر وهةم بةني املةدعوين قلةة,‬
‫واألزمنة املفضلة بةني سةائر األزمنةة قلةة, واألمةاكن‬
                              ‫املقدسة بني األماكن قلة:‬
                                                                             ‫1-‬
                       ‫772).3‬    ‫العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/‬
                                        ‫3 - لطائف اإلشارات : (1/ 391).‬




                                           ‫42‬
    ‫فقلت هلا إن الكرام قليل‬        ‫تعرينا أنا قليل عديدنا‬
  ‫وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار األكثرين ذليل‬
  ‫وما مات منا سيد حتف أنفه وال طل منا حيث كان‬
                            ‫قتيل‬
‫قئو ملا قا الكرام فعو (1)‬          ‫إذا مات منا سيد قام سيد‬
‫فهذه القلة على الرغم من أهنا يف عني غريها قلة, إال أهنم يف‬
‫واقع العمل كثرة؛ ألهنم قلة عاملة, (والقلة العاملة هتزم‬
                                         ‫الكثرة النائمة).‬
                                ‫املنصورون يف كل زمان قلة‬
‫واملتتعبع آليات القلة يف القرآن الكرمي, والراصد لطعبيعة‬
‫القلة يف واقع احلياة واألحياء جيد أن القلة العاملةة يف كةل‬
‫زمان هم املنصورون, ملا يشةتملون عليةه مةن مسةات‬
‫وخصائ , تعوض قلة عددهم بكثرة يقينهم واعتمةادهم,‬
‫وبعبذهلم ما ال يعبذله غريهم من الكثرة النائمة اهلائمة, الةيت‬
‫تقف عند حدود الشكل واملظهر فتغرهم كثرهتم وخيةدعهم‬
‫عددهم, والراصد لنصر املؤمنني يف غزواهتم كلها جيد أهنم مل‬
‫يعبلغوا عدد عةدوهم, بةل مل يتعةدوا ثلةث عةدوهم‬
‫حصرا,(حصر العدد يف الغزوات), واملعركة الوحيدة الةيت‬


                 ‫1 - العبيان والتعبيني: 3/281,والعقد الفريد:1/932.‬

                                  ‫52‬
‫قالوا فيها (لن نغلب اليوم من قلة)(1), هي املعركةة الةيت‬
‫سجل القرآن الكرمي عليهم فيها اهلزمية, ونسةعبها إىل هةذه‬
‫الكثرة املعجعبة, والعدد الذي اعتمدوا يف حساهبم عليه,( َلقَدْ‬
                            ‫َ ْ ح‬                            ‫َ َ م َّه‬
  ‫نَصركُ ُ الل ُ فِي مَوَاطِنَ كَِثريةٍ وَيَومَ ُنَيْنٍ إذْ أَعْجَعبَْتكُمْ‬
 ‫كم َ ض‬                        ‫ئ َض َ‬
 ‫كَْثرَُتكُمْ فَلَمْ ُتغْن عَْنكُمْ شَيًْا و َاقتْ عَلَْي ُ ُ الْةأرْ ُ‬
                                        ‫م َحَ ُم ول ت م ن‬
 ‫ب َا ر ُعبتْ ث َّ ََّيُْمْ ُدْبري َ), التوبة: (25). (فالقليةل‬
‫من ذوى العزائم الصادقة والنفوس اليت أشربت حب اإلميان‬
‫وامتألت غرية عليه- يفعل ما ال يفعله الكةثري مةن ذوى‬
                        ‫األهواء املختلفة، والنزعات املتضاربة )(2)‬
‫وسر ذلك أن القلة احملمودة هلا حساب آخةر غةري‬
                      ‫ع‬
‫حساب الكثرة املعتمدة علةى عَةددها و ُةددها, (وقةد‬
  ‫يكون عدوك كثرياً لكن ليس لةه رصةيد مةن ألوهيةة‬
    ‫عالية، وقد تكون يف قلة من العدد، لكةن لةك رصةيد‬
   ‫من ألوهية عالية، وهذا ما يريةد احلةق أن يلفتنةا إليةه‬
             ‫ال‬          ‫ل‬               ‫م‬           ‫َم ك‬
‫بقوله: {فَل َّا ُِتبَ عَلَةيْه ُ القتةا تَوََّةوْاْ إ َّ قَلِةيالً} .‬
    ‫كلمة {إ َّ قَلِيالً} جاءت لتخدم قضية، لةذلك جةاء يف‬   ‫ال‬
               ‫عب‬                     ‫م‬
  ‫آخر القصة قوله تعاىل: {كَم ِّن فِئَةٍ قَلِيلَةةٍ غَلََةتْ فِئَةةً‬
 ‫كَِثريَةً بإذْنِ اهلل} [العبقةرة: 942], أي: أن الغلعبةة تةأيت‬

  ‫1 - انظر مسند الزار:31/821,ومستخرج أ عوانة: 4/812.‬
                         ‫2 - تفسري املراغي: (2/ 322).‬
                                         ‫62‬
   ‫بإذن اهلل، إذن فالشيء املرئي واحد، لكةن وجهةة نظةر‬
  ‫الرائني فيه ختتلف علةى قةدر رصةيدهم اإلميةاين. ....‬
  ‫فالعدو قد يكون كثرياً أمامنةا وحنةن قلةة، وكلنةا رأى‬
   ‫العدو كثرياً ورأى نفسه قليالً، لكةن املواجيةد ختتلةف.‬
  ‫أنا سأحسب نفسي ومعي ر ، وغةريي رآهةم كةثريين‬
    ‫ة ة‬             ‫ة ة‬                ‫ة‬
 ‫وق ةا : ال نق ةدر عل ةيهم؛ ألن ةه أخ ةرج رب ةه م ةن‬ ‫ة‬                 ‫ة‬
                                                           ‫احلساب.)(1)‬
‫وإذا تتعبعنا عدد القلة يف جيش طالوت الذين كتب هلم وهبم‬
‫النصر على جالوت وجنوده وجدناهم ثالمثائة أو يزيةدون‬
  ‫َ‬           ‫َف‬                ‫ص ع‬
‫قليال,(أخرج سعيد بن مَْن ُور َن عُثْمَان بن ع َّان أَنه قَةرأَ‬
                                       ‫ه‬                    ‫شب ه‬
‫{فَ َرُوا مِنْ ُ إلَّا قَلِيال مِنْ ُم} قَا َ: اْلقَلِيل ثالمثائةة وَبضْةعَة‬
                                         ‫عشر َّة أهل بدر).(2)‬      ‫عد‬
   ‫(ألن املقاييس ليست بكثرة االمع، ولكن بنصةرة احلةق‬
                                               ‫سعبحانه وتعاىل.)(3)‬
‫والفئة القليلة تكون قلتها يف الظاهر املرئةي للنةاس أمةا‬
‫القوة املعنوية والروحية واليت هي أساس النصر فتلةك هلةا‬
‫مقاييس أخرى, مقاييس العبصةرية ال العبصةر, فاإلمةداد‬


                                ‫1 - تفسري الشعراوي: (2/ 4451).‬
                     ‫2 - الدر املنثور يف التفسري باملأثور: (1/ 597).‬
                               ‫3 تفسري الشعراوي (2/ 4451).‬
                                         ‫72‬
        ‫لت‬
‫على قدر االستعداد, (والفئةة القليلةة تكةون قَُّهةا يف‬
                                     ‫وكل‬
  ‫األفراد والعَتَاد ِّ لةوازم احلةرب، والفئةة الكةثرية،‬
   ‫ِّ لةوازم احلةرب،‬                 ‫ُد‬          ‫ر‬
                    ‫تظهر كث َهتا يف الع َّة والعَةدَد وكةل‬
      ‫يوض‬                            ‫ل‬
 ‫والفئة القليلة إمنا َتغِْب بإذن اهلل تعةاىل.وهكةذا ِّةح‬
  ‫احلق سعبحانه أن األسعباب تقضي بغلعبةة الفئةة الكةثرية،‬
  ‫لكن مشيئته سعبحانه تغلةب األسةعباب وتصةل إىل مةا‬
                                     ‫شاءه اهلل تعاىل.)(1)‬
‫وألمر ما ذكر اهلل – تعةاىل- تلةك النمةاذج يف القلةة‬
‫اليل النصةر األو ؛ يفيةدون منةه, ويقفةون عنةده,‬
‫ويقيمون دولتهم على أساس تلةك املفةاهيم الةيت تةعبين‬
‫احلضارة وتنش االستمرار احلقيق يف ريادة الةدنيا باسةم‬
                                                     ‫الدين.‬
‫وحري مبن انتةدب نفسةه لةعبالس رسةالة اهلل للنةاس‬
‫واستهدف إنارة الدنيا بالدين أن يعةي هةذه املفةاهيم,‬
‫حىت ال تعبهره الكثرة فتقهره, فينتقةل مةن دور املعبةهور‬
‫إىل دور املقهور أو املسةحور,أو إىل دور احلمامةة ينظةر‬
‫إليه الثععبان فتنشل وتنحةل وكةان مبكنتةها أن تطةري,‬
‫وواقع األمة املسلمة اليوم ونظرهتةا للعةامل الغةر خةري‬


                        ‫1 - تفسري الشعراوي: (11/ 9549).‬

                                ‫82‬
‫شاهد على هةذا, فةوعي املسةلم بسةنة اهلل يف القلةة‬
            ‫والكثرة يقيه هذه النظرة ويعفيه من تلك الوهدة.‬
                                        ‫القلة تأيت بعد ابتالء واختبار‬
‫ميزات القلة وصفاهتم ال تةأيت هكةذا ضةربة الزب, وال‬
‫تكون لكل حي, بل بعد تضحيتهم مبةا ال يضةحي بةه‬
‫غريهم, وصربهم على ما ال يصرب عليةه سةواهم, فالقلةة‬
‫تأيت بعد اختعبار يفرز الغث من السةمني, ومييةز اصعبيةث‬
                                                                ‫من الطيب.‬
‫من هنا تتعرض القلة للتمحي والفةرز فيفةوز بوصةفها‬
 ‫من حتقق بصفاهتا, ويعبعد عنها مةن ال يسةتطيع مهرهةا,‬
 ‫ولذا تعرض بنو إسرائيل مع طةالوت للفةرز واالبةتالء,‬
‫حىت يتعبني الصابر اجملاهد مةن اصةائر االعبةان, واملقةدام‬
                       ‫َ ْص‬
‫االسور من اصائف الرعديةد (فالْمق ُةودَ مِةنْ هَةذَا‬
         ‫و ق‬                   ‫الز‬           ‫َّ ِّد ق‬
 ‫الِابْتِلَاءِ أَنْ يَتَمَيزَ الص ِّي ُ عَةن ِّنْةدِيق، وَالْمُ َافِة ُ عَةن‬
               ‫كن‬           ‫ن ال‬            ‫َم َ َ ه‬                     ‫ُ‬
‫الْمخَالِفِ، فَل َّا ذكرَ اللَّ ُ َتعَالَى أَ َّ َّةذِينَ يَ ُوُةونَ َأهْلًةا‬
     ‫َ‬       ‫الن‬                    ‫ْب‬                ‫ت هم الذ‬
‫لِهَذَا اْلقَِا ُ ُ َّ ِينَ لَا يَشرَُونَ مِةنْ هَةذَا َّهْةر، وأَنَّ‬
        ‫ت‬                   ‫ه نه ك ن ْذ‬                          ‫ُل َ ش‬
‫ك َّ منْ َربَ مِنْ ُ فَإَّ ُ لَا يَ ُو ُ مَأ ُونًا فِي هَةذَا اْلقَِةا ،‬
   ‫َ‬                  ‫ت‬            ‫ة َ‬              ‫ْة‬
‫وكَانَ فِي قَلْعبهمْ َنفرَ ٌ شَدِيدَ ٌ عنْ ذَلِكَ اْلقَِةا ، لَةا جَةرمَ‬   ‫َ‬




                                          ‫92‬
         ‫ُ‬         ‫و ق‬              ‫َي‬           ‫ُّ‬            ‫َم‬
‫َأقْد ُوا عَلَى الشرْب، فَتَمَّةزَ الْمُ َافِة ُ عَةن الْمخَةالِفِ،‬
                                      ‫و َّ ِي ُ َن اْلعَد ِّ.)(1)‬
                                             ‫َالصد ق ع ُو‬
‫ولكل اختبار نتيجة, ولكل بالء عطلاء, ولكلل شلدة‬
‫على أمره, ولكلن أكثلر النلاس ال‬                           ‫رخاء, واهلل بال‬
‫رعلمون, وتأيت نتيجةة اختعبةار القلةة يف هةذا املوقةف‬
‫معباشرة إذ يصرب على القتا مةن مل يشةرب مةن النةهر‬
‫أصالً, ويتردد من اغترف غرفة بيةده, وال يقةوى علةى‬
 ‫العزم فضال عن السري والقتا من عةب وأتةرع,فعبشةم‬
                ‫ي‬
‫وترنح, وجلس لألرض غري مأسوف عليةه, (وَُةرْوَى أَنَّ‬
        ‫َط‬                ‫الن‬                  ‫ل َم َ‬
‫أَصحَابَ طَاُوتَ ل َّا هجَمُوا عَلَةى َّهْةر َبعْةدَ ع َةشٍ‬               ‫ْ‬
            ‫الش‬         ‫َ‬           ‫الن‬           ‫ث ُه‬
‫شَدِيدٍ، وقَعَ َأكَْةر ُمْ فِةي َّهْةر، وَأكْثَةرُوا ُّةرْبَ،‬      ‫َ‬
                                        ‫ْم ل ل ه ْ ل‬                         ‫َ‬
‫وأَطَاعَ قَو ُ قَِي ٌ مِنْ ُمْ َأمرَ الَّهِ َتعَالَى، فَلَةمْ يَزيةدُوا عَلَةى‬
     ‫َد‬           ‫ْ ل‬                        ‫ََم الذ ش‬
‫اِاغِْترَافِ، وأ َّا َّ ِينَ َربُوا وَخَاَلفُوا َأمرَ الَّةهِ فَاسْةو َّتْ‬   ‫ل‬
 ‫ط‬                                           ‫ِف هه َ هم َ َش‬
‫ش َا ُ ُمْ وغَلَعبَ ُ ُ اْلعط ُ وَلَمْ ُيرْوَوْا، وََبقُةوا عَلَةى شَة ِّ‬
                            ‫ُو ََم ال‬                          ‫عبن‬
‫َّهْر، وَجَُُوا عَلَى ِلقَاءِ اْلعَد ِّ، وأ َّا َّةذِينَ أَطَةاعُوا َأمْةرَ‬ ‫الن‬
        ‫الن‬        ‫ه َ‬               ‫عبه َح‬                  ‫َ‬
‫اللَّهِ َتعَالَى، فقَويَ قَلُْ ُمْ وَص َّ إميَةانُ ُمْ، وعَعبَةرُوا َّهْةرَ‬
                                                             ‫سَالِمنيَ.)(2)‬
                                                                        ‫ِ‬


                                        ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 955).‬

                                        ‫2 - مفاتيح الغيب: (9/ 115).‬
                                           ‫03‬
  ‫ذلك أن من مل يصرب على املاء كيف يصةرب علةى بةذ‬
‫الدماء؟, ومن مل يتحمل العطش كيةف يتحمةل وهةج‬
‫السيوف وتطاير األعضاء، (فمن ظهرت طاعتةه يف تَةرْك‬
 ‫ت‬
‫املاءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومةن غلعبتةه شةهْوَُه‬
‫يف املاء، وعصةى األمةر، فهةو بالعصةيان يف الشةدائد‬
                             ‫ُ‬
‫أحرى ورخ للمطيعني يف الغرْفةة لريتفةع عةنْهم أذى‬  ‫َّ‬
              ‫َّ‬
‫الع َش بعض االِرتفاع، وليكسروا نزاعَ الةنفْس يف هةذه‬     ‫َط‬
                                                       ‫احلا .‬
                                      ‫الد‬
‫ولقد أحْسنَ من شعبه ُّنْيا بنَهَر طالوتَ، فمةن اغتةرف‬‫َ‬
‫منْها غرفة بيد الزهد، وأقعبل علةى مةا يعينةه مةن أمةر‬
      ‫التأه‬
‫َّته عةن ُّةب‬                           ‫َ أكب‬
                  ‫آخرته، جنا، ومنْ َّ عليهةا، صةد‬
            ‫آلخرته، َّت سالمته إالَّ أنْ يتداركَه الَّه.)(1)‬
                  ‫َ ل‬                             ‫وقل‬
‫(وحكمة هذا االمتحان: ليةتخل للجهةاد املطيعةون‬
                   ‫املخلصون، إذ ال رقع النصر َّ هبم)(2).‬
                            ‫إال‬
                                       ‫القلة دائماً حلمة واحدة‬
‫واملتتعبع للقلة وواقعها جيةد أهنةا حلمةة واحةدة,‬
‫وسعبيكة انصهر بعضها يف بعةض, حيةرص كةل منةهم‬


              ‫1 - االواهر احلسان يف تفسري القرآن: (1/ 294).‬
             ‫2 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/ 772).‬


                                  ‫13‬
‫على اآلخر, ينصحه ويعظه ويرشده ويهديةه, ذلةك مةا‬
‫صنعته القلة مع طالوت, وهذا ما عاشته القلة مةع الةنيب‬
‫- صلى اهلل عليه وسلم-, ومن طالع سرية القلةة معةه -‬
‫صلى اهلل عليه وسلم - عرف حاهلم بعضِهم مةع بعةض,‬
‫يعرض الواحد علةى أخيةه مالةه, ومتاعةه, وزرعةه,‬
 ‫وضرعه, وعلى االانةب اآلخةر يتةأخ أخةوه فلاألول‬
‫رعطي يف سخاء واآلخر رتعفلف يف إبلاء ومبثةل تلةك‬
 ‫النماذج اليت تعطي الوادل قبلل أن تطالل بلاحلق,‬
‫وتعيش بالفضل قبل العدل تقلوم النهضلات وتسلتمر‬
‫احلضارات,وإذا ردعنا إىل دالللة القللة وألفاههلا يف‬
   ‫اللغة أعطتنا من املعاين ما رسند تلك النظلرة, ورقلو‬
‫تلك الفكرة, (فاْلفِئَ ُ: اْلجَمَاعَةُ، لِأ َّ َبعضَة ُمْ قَةدْ فَةاءَ‬
               ‫َن ْ ه‬                         ‫ة‬
‫إلَى َبعضٍ فصَا ُوا جَ َاعَةً)(1)، فلفظة الفئةة تةد علةى‬
                                           ‫ْ َ ر م‬
‫االماعية والتماسك, كما تد علةى رجةوع بعضةهم‬
       ‫ة‬        ‫م‬       ‫الن‬          ‫ة‬            ‫ة‬
‫على بعض,(فَاْلفِئَ ُ: اْلجَمَاعَ ُ مِةنَ َّةاس ُشْةَتقَّ ٌ مِةنَ‬
                  ‫ع‬           ‫َه الرج ع َن ْ ه‬
‫اْلفَيْءِ و ُوَ ُّ ُو ُ، لِأ َّ َبعضَة ُمْ َيرْجة ُ إلَةى َبعْةضٍ،‬
                    ‫َن‬                        ‫َ ه ُم م ِّ ة‬
‫ومِنْ ُ س َِّيتْ ُؤَخرَ ُ اْلجَيْش فِئَةةً، لِةأ َّ اْلجَةْيشَ َيفِةيءُ‬




                                              ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 315).‬
                                       ‫23‬
‫إلَيْهَا.)(1) , وهم:(االماعةة مةن النةاس قلةيالً كةان‬
                                     ‫عددهم أو كثريا)(2).‬
 ‫والفئة االماعة اليت يرجع إليها يف الشدائد، مةن قةوهلم:‬
‫فاء يفيء إذا رجع، وقةد يكةون الرجةل الواحةد فئةة‬
‫تشعبيها، وامللك فئة الناس، واالعبل فئةة، واحلصةن، كةل‬
‫ذلك تشعبيه)(3)، ويف قوهلم رضي اهلل عنةهم: كَةمْ مِةنْ‬
‫فِئَةٍ اآلية، حتريض باملثةا وحةض واستشةعار للصةرب،‬
‫واقتداء مبةن صةدق ربةه، و «إذن اهلل» هنةا متكينةه‬
        ‫الص‬     ‫ل ه‬
‫وعلمه، فمجموع ذلك هو اإلذن، وَالَّة ُ مَةعَ َّةابرينَ‬
                                           ‫بنصره وتأييده.‬

                ‫السابقون إىل اإلميان والناصرون للدعوات واحلق قلة:‬
‫أكد القرآن الكرمي من خال رصد آيات القلة فيه أن السابقني إىل‬
‫اإلميان والناصرين للدعوات قلة, وهم الذين تقوم عليهم الدعوة,‬
     ‫ْ َ َّن ر ق‬                            ‫َت‬
‫وتعبلغ هبم الرسالة, قا تعاىل: (حَّى إذَا جَاءَ َأمرُنَا وفَارَ التُّو ُ ُلْنَا‬
    ‫َ ِل َ َ ْ َ‬                            ‫ْ‬
‫احْملْ فِيهَا منْ ك ٍّ زَوْجَيْن اثْنَينِ وََأهْلكَ إَّا منْ سَبقَ عَلَيهِ اْلقوْلُ‬
                                                             ‫ِ ُل‬              ‫ِ‬
                                     ‫َ َ َ َ َم َ َه ِل ل‬
                        ‫ومنْ آمنَ و َا آَمنَ مَع ُ إَّا قَلِي ٌ ) هود:(40) .‬



                                             ‫1 - التحرير والتنوير: (2/ 994).‬
                                         ‫2 - تفسري املراغي: (2/ 522)‬
                                               ‫.‬

                     ‫3 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (1/ 933).‬
                                        ‫33‬
   ‫يقو :(وما أق ّ بوحدانية اهلل مع نوح من قومه إال قليل.)(1)‬
                                              ‫ر‬
   ‫وعلى الرغم من إسراف كثري مةن املفسةرين يف القةو‬
‫يف هذا القليل إال أننا نقةف عنةد مةا ورد يف القةرآن‬
‫الكرمي, وال نتجاوزه, إميانا منا أنه لةو كةان يف تفصةيله‬
‫فائدة ملا أغفله القرآن, قا أبو جعفةر:( والصةواب مةن‬
‫القو يف ذلك أن يقا كما قا اهلل: (وما آمةن معةه إال‬
            ‫حي د‬
‫قليل) ، يصفهم بأهنم كةانوا قلةيال, ومل ُة ّ عةددهم‬
‫مبقدار، وال خةرب عةن رسةو اهلل - صةلى اهلل عليةه‬
‫د‬
‫وسلم- صحيح، فال ينعبغةي أن يُتَجةاوز يف ذلةك حة ُّ‬
‫اهلل، إذ مل يكن ملعبلغ عدد ذلك حةد مةن كتةاب اهلل، أو‬
                  ‫أثر عن رسو اهلل صلى اهلل عليه وسلم.)(2)‬
‫وهذا القليل السابق إىل اإلميان هو الذي يلتفت إىل مراد اهلل‬
                  ‫يَفذ‬
‫(تعاىل), دون الوقوف عند الظاهر, فُن ِّ ُ كما نفذ نوح‬
‫والقلة املؤمنة معه, دون أن يتوقف عند أسعباب األرض, بل‬
‫ميتد نظره ونظرهم إىل مسعبب األرض والسماوات, من يف‬
‫يده األسعباب وهو رهبا, فإنه – عليه السالم – ومن معه من‬
‫القلة املؤمنة السابقة على إجابة دعوة التوحيد من نوح‬
‫نفذوا مراد رهبم, على الرغم من سخرية الكثرة الغالعبة منهم,‬


                                       ‫1 - جامع العبيان: (51/ 523).‬
                                        ‫2 - جامع العبيان:(51/ 723).‬
                                ‫43‬
   ‫ر‬       ‫ِْ‬         ‫أ‬             ‫ع ف َك َر‬
‫(وَيَصْنَ ُ اْل ُلْكَ و ُلَّمَا م َّ عَلَيْهِ مَلٌَ مِنْ قَومهِ سَخِ ُوا‬
        ‫ر ك‬                ‫َ ِن ف ن‬
‫مِْن ُ قَا َ إنْ تَسْخرُوا مَّا َإَّا َنسْخَ ُ مِْن ُمْ كَمَا‬       ‫ه‬
‫َتسْخرُونَ (33) فسَوفَ َتعْلَ ُونَ مَنْ يَأِْيهِ عَذَا ٌ‬
‫ب‬           ‫ت‬              ‫م‬            ‫َ ْ‬                       ‫َ‬
                               ‫ي ه وي ِل علْه عذ ب ُق م‬
   ‫ُخْزي ِ ََح ُّ ََي ِ َ َا ٌ م ِي ٌ (33), هود:93,83.‬
    ‫ل‬                                        ‫ق‬
‫فإنه (ملا حت ّق مبا أمر اهلل به مل يأبه عند إمضاء ما كّف به‬
‫مبا مسع من القيل، ونظر إىل املوعود بطرف التصديق فكان‬
                         ‫كاملشاهد له قعبل الوجود.)(1)‬
‫فحمله ذلك ومن معه على السمع والطاعة على الرغم من‬
                   ‫فقد األسعباب وكثرة السخرية واالستعجاب.‬
      ‫ح‬
‫وأما عن عدد هؤالء القلة فقد قيل: (كانوا مثانية: نو ٌ عليهِ‬
           ‫ؤ‬       ‫ة‬                ‫الص ة والس م ل‬
‫َّال ُ َّال ُ, وأهُه, وبنوه الثالث ُ, ونسا ُهم. وعن ابن‬
‫إسحق: كانوا عشرةً: مخسةَ رجا ٍ, ومخسَ نسوةٍ ,وعنه‬
‫أيضاً: أهنم كانوا عشرةً سوى نسائِهم. وقيل كانوا اثنني‬
      ‫م‬     ‫م‬         ‫د‬
‫وسعبعني رجالً وامرأةً وأوال ُ نوحٍ سا ٌ وحا ٌ ويافث‬
                             ‫ة‬                 ‫ؤ‬
‫ونسا ُهم فاالميع مثاني ٌ وسعبعون نصفُهم رجا ٌ ونصفُهم‬




                                          ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 931).‬

                                       ‫53‬
                                                    ‫ر‬
‫نساء واعتعبا ُ املعيةِ يف إمياهنم لإلمياء إىل املعية يف مقر األمان‬
                                                          ‫والنجاة)(1)‬
       ‫فما يكون هؤالء يف أمة أرسل إليها نوح عليه السالم؟!‬
‫ومما يد على أن السابقني إىل إجابة احلق قلة وصف أعداء‬
‫احلق هلم بسرعة إجابتهم, وهذا ما ورد يف قوله تعاىل:‬
         ‫ل‬            ‫ِْ م‬            ‫َ َر‬      ‫أ ال‬             ‫َ‬
‫(فقَا َ الْمَلَُ َّذِينَ كف ُوا مِنْ قَومهِ َا نَرَاكَ إَّا َبشَرًا‬
   ‫لن ب الر‬               ‫ل ال ه‬                ‫ات‬            ‫َ‬
‫مِثْلَنَا ومَا َنرَاكَ ََّعبعَكَ إَّا َّذِينَ ُمْ أَرَاذَُِا َادِيَ َّأْي‬
  ‫َم َر لك عل ن م ف ل ب نظُّك ك ذ ني‬
‫و َا ن َى َ ُمْ ََيَْا ِنْ َضْ ٍ َلْ َ ُن ُمْ َا ِب َ),‬
                                                        ‫هود: (25).‬
  ‫فهؤالء أسلموا بادي الرأي, أي: أو األمر, وفور وصو‬
‫الدعوة إليهم,ودون تفكر بل بظاهر من الرأي,- يف‬
‫زعمهم- وتلك اليت عابوها عليهم هي طعبيعة النفوس‬
‫الصافية, والقلوب الرائقة الفائقة, اليت ال حيو بينها وبني‬
          ‫احلق حائل, وال مينعها من اإلميان بداية ظهوره مانع.‬




             ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (4/ 852).‬

                                        ‫63‬
‫إن قوم نوح ملا رأوا إميان هؤالء مسرعني قالوا ما قالوا,وتلك‬
‫عجيعبة الكثرة والغالعبني أن يعدوا ما ميدح به عيعبا, وهي سنة‬
                       ‫ماضية يف الزمان واملكان واألمم واألفراد:‬
   ‫كانت ذنوبا فقل يل كيف‬                 ‫إذا حماسين الاليت أد هبا‬
                               ‫أعتذر(1)‬
‫وهؤالء هم الذين حيرص عليهم وال يفرط يف صحعبتهم لقد‬
‫أرشد اهلل تعاىل رسوله إىل مالزمتهم؛ ألن هبم تقوم الدعوات‬
‫وتنشأ احلضارات, وما أدق قو اهلل تعاىل يف أمثا هؤالء‬
                  ‫ولم أ‬
‫لرسوله صلى اهلل عليه وسالم: ( َاتْ ُ َا ُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ‬
                               ‫م‬          ‫مَد‬          ‫ت َب‬
 ‫كَِاب رِّكَ لَا ُعب ِّ َ ِلكَلِ َاِتهِ وَلَنْ تَجدَ مِنْ دُونهِ‬
  ‫ع َبه‬                ‫ال‬        ‫َ‬         ‫ْ‬
‫ُلْتَحَدًا (25) وَاصبِرْ َنفْسكَ مَعَ َّذِرنَ رَدْ ُونَ رَّ ُمْ‬
                                                              ‫م‬
                   ‫َه ل د‬                 ‫ِي ر د‬                ‫د‬
‫بِاْلغَ َاةِ وَاْلعَش ِّ ُرِر ُونَ وَدْه ُ وََا َتعْ ُ عَيْنَاكَ عَنْ ُمْ‬
  ‫ه‬
     ‫ه‬                ‫ْ‬            ‫ت‬            ‫ي الد‬               ‫ت د‬
‫ُري ُ زيَنةَ الْحََاةِ ُّنْيَا وَلَا ُطِعْ مَنْ أَغفَلْنَا قَلَْعب ُ عَنْ‬
                              ‫ِ ن َاتعبع هو ه َك ن ْ ُه ُرط‬
 ‫ذكْرَا و ََّ َ َ َا ُ و َا َ َأمر ُ ف ُ ًا (35)), الكهف:‬
                                                             ‫82,72.‬



‫1 - العبيت للعبحتري,انظر ديوانه:1/459 ت: كامل الصرييف,ط: دار‬
‫املعارف, والعبيت من قصيدته الرائية اليت ميدح فيها علي بن مر الطائي, وانظر‬
                            ‫مجهرة األمثا :1/574, وهناية األرب:2/29.‬

                                        ‫73‬
‫فلقد أمر اهلل رسوله – صةلى اهلل عليةه وسةلم- هنةا‬
‫بأمرين: تالوة ما أوحي إليه من كتاب ربه, والصةرب مةع‬
‫الذين يدعون رهبم بالغةداة والعشةي يريةدون وجهةه,‬
‫وأمره تعاىل بأن ال يعدو عينيه عنةهم, فةالوحي واتعبةاع‬
‫كلماته, والقلة العاملة احملمةودة, مهةا جناحةا النصةر‬
‫واحلضارة , ودعامتا العبقاء واالستمرار, وهذا مةا جعةل‬
‫نوحا (عليه السالم) ميتنع عن طةرد القلةة معةه الةذين‬
‫وصفوا بأهنم: (أراذ ), مةن قِعبَةل الكثةرة االاهلةة,ويف‬
‫تعليل نوح لعدم طردهم حيتاج إىل مزيةد تأمةل,فقولةه:‬
‫({إهنم مالقوا رهبم}, تعليل المتناعةه- صةلى اهلل عليةه‬
‫وسلم- عن طردهم أي: إهنم فةائزون يف اآلخةرة بلقةاء‬
         ‫أ د‬          ‫ر‬               ‫عز وجل كأن‬
‫اهلل َّ َّ َّه قيةل ال أطة ُدهم وال ُبعِة ُهم عةن‬
 ‫جملسي؛ ألهنم مقرَّبةون يف حضةرة القةدس والتعلرّ ُ‬
‫لوصف الربوبيلةِ لتربيلة ودلوبِ رعلارتِهم وِلتّمِ‬
                     ‫االمتناعِ عن طلردهم, أو مصةد‬
‫ِّقون يف الةدنيا بلقةاء‬
                                                    ‫رب‬
‫ِّهم, موقنون به, عالِمون أهنم مالقوه ال حمالةة, فكيةف‬
                                          ‫ل‬       ‫ر‬
‫أط ُدهم ومحُه على معىن أهنم يالقونةه فيجةازيهم علةى‬
‫ما يف قلوبهم منَ إميان صحيحٍ ثابةتٍ كمةا ظهةر يل أو‬
‫على خالف ذلك مما تعرفوهنم به من بنةاء إميةانهم علةى‬
                       ‫ك‬
‫بادِ َ الرأ من بري نظرٍ وتف ّر, ومةا علة ّ أن أشة َّ‬
‫ق‬         ‫ي‬

                             ‫83‬
       ‫ُد‬                       ‫وأتعر سر‬
‫عن قلوهبم َّفَ َّ ذلك منةهم حةىت أطةر َهم إنْ‬
     ‫ب‬          ‫م ت‬                ‫ع‬         ‫ر‬
‫كانَ األم ُ كَما تز ُمون يأباه االةز ُ بترّةب غضة ُ اهلل‬
‫َّ وجلَّ على طردهم كمةا سةيأيت وأيضةاً فهةم إمنةا‬     ‫عز‬
‫قالوا: إن اتباعَهم لك إمنا هو حبس باد اللرأ , بلال‬
‫تأمل وتفكرٍ, وهذا ال ركاد رصللُ ملداراً للطلرد يف‬
‫الدنيا, وال للمؤاخذة يف اآلخرة, بارتُله أن ال ركونلوا‬
‫يف مرتبة املوقنني, وادعاءُ أن بناءَ اإلميلانِ عللى هلاهر‬
‫الرأ رؤدّ إىل الردوع عنله عنلد التأمللِ, فكلأمم‬
‫قالوا: إمم اتبعوك بال تأمل, فال رثبُتون عللى درنلك,‬
                    ‫بل ررتدون عنه تعس ٌ ال خيفى.)(1)‬
                                 ‫ف‬
                             ‫ض‬           ‫ج ة و َ َه ل ل‬
‫(وَ ُمْلَ ُ:( َما آمنَ معَ ُ إَّا قَلِي ٌ) اعِْترَا ٌ لِتَكْمِيل اْلفَائِدَةِ مِنَ‬
‫اْلق َّةِ فِي قِلَّةِ َّاِلحِنيَ.)(2), (وَلَْيسَ َّذِينَ رَكِعبُوا فِي‬
                   ‫ال‬                         ‫الص‬              ‫ِص‬
  ‫السفِينَةِ ُأمَمًا ِلقِلَّةِ عَددهِمْ)(3) وهي كذلك السنة يف القلة.‬
                                   ‫َِ‬                            ‫َّ‬
           ‫َّ‬           ‫ل‬         ‫ل ال ه‬                ‫و ن ات‬
    ‫« َما َراكَ ََّعبعَكَ إَّا َّذِينَ ُمْ أَراذُِنا بادِيَ الرأْي» ..‬
‫(أي: دون ترو وال تفكري.. وهذه هتمةة كةذلك توجةه‬
‫دائماً من املأل العالني الموع املةؤمنني.. أهنةا ال تتةروى‬


       ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (4/ 252).‬
                                        ‫2 - التحرير والتنوير: (21/ 37).‬
                                             ‫3 - التحرير والتنوير: (21/ 59).‬

                                             ‫93‬
‫وال تفكر يف اتعباع الدعوات. ومةن مث فهةي متهمةة يف‬
‫اتعباعها واندفاعها، وال يليق بالكرباء أن ينةهجوا هنجهةا،‬
‫وال أن يسلكوا طريقها. فإذا كان األراذ يؤمنةون، فمةا‬
‫يليق إذن بالكرباء أن يؤمنوا إميةان األراذ وال أن يةدعوا‬
       ‫َ‬                   ‫ك‬           ‫و‬
‫األراذ يؤمنون! « َما نَرى لَ ُةمْ عَلَيْنةا مِةنْ فضْةلٍ»‬
‫..يدجمون الداعي مبن تعبعوه من األراذ ! مةا نةرى لكةم‬
‫علينا من فضل جيعلكةم أقةرب إىل اهلةدى، أو أعةرف‬
‫بالصواب. فلو كان ما معكم خةرياً وصةواباً الهتةدينا‬
‫إليه، ومل تسعبقونا أنتم إليه! وهم يقيسةون األمةور ذلةك‬
‫القياس اصاط الذي حتدثنا عنه. قيةاس الفضةل باملةا ،‬
‫والفهم باالاه، واملعرفة بالسلطان.. فةذو املةا أفضةل.‬
‫وذو االاه أفهم. وذو السلطان أعرف!!! هةذه املفةاهيم‬
‫وتلك القيم اليت تسود دائماً حني تغيب عقيةدة التوحيةد‬
‫عن اجملتمع، أو تضعف آثارها، فترتد العبشةرية إىل عهةود‬
                                                  ‫االاهلية.‬
‫ويف التعقيب على قصة نوح وقومه ما حيقةق عةددا مةن‬
‫احلكم العباهرة, والسنن احلاكملة, الليت ال تتخللف وال‬
‫تتبدل:«تِلْكَ منْ أَنْعباءِ اْلغَيْب ُوحِيهةا إلَيْةكَ مةا كُنْةتَ‬
                            ‫ن‬                      ‫ِ‬
              ‫ن‬                              ‫و ْم ِ‬                 ‫م‬
‫َتعْلَ ُها أَْنتَ َال قَو ُكَ منْ قَعبْل هةذا، فَاصْةعبرْ إ َّ الْعاقِعبَةةَ‬
                                                                    ‫مَّ ِ‬
                                                             ‫لِلْ ُتقنيَ» ..‬

                                         ‫04‬
‫القةرآين يف‬     ‫(فيحقق هذا التعقيب من أهةداف القصة‬
‫هذه السورة:حقيقة الةوحي الةيت ينكرهةا املشةركون.‬
‫غيب من الغيب، ما كةان يعلمةه الةنيب،‬             ‫فهذا القص‬
‫وما كان معلوماً لقومه، وال متداوالً يف حميطه. إمنةا هةو‬
                               ‫الوحي من لدن حكيم خعبري.‬
‫وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نةوح أ العبشةر الثةاين.‬
              ‫فهي هي. والتععبري عنها يكاد يكون هو التععبري.‬
‫وحقيقة تكرار االعتراضات واالهتامةات مةن املكةذبني‬
‫على الرغم من اآليات والعرب والعبينات اليت ال متنةع جةيالً‬
                        ‫أن يرددها وقد بدت باطلة يف جيل.‬
‫وحقيقة حتقق العبشرى والوعيد، كما يعبشر الةنيب وينةذر،‬
‫وهذا شاهد من التاريخ. وحقيقة السلنن اجلاررلة الليت‬
‫ال تتخلف وال ِايب وال ِيلد: «والعاقعبةة للمةتقني» ..‬
                        ‫فهم الناجون وهم املستخلفون.)(1)‬




                           ‫1 - يف ظال القرآن (4/ 5881).‬


                                ‫14‬
‫وهؤالء القلة هم السابقون إىل اإلميان يف كل زمان ومكان, وكما‬
‫كانوا مع نوح عليه السالم, كانوا مع موسى عليه السالم, ومع‬
‫حممد- صلى اهلل عليه وسلم- ومع األنعبياء واملصلحني يف كل‬
‫العصور وعلى تطاو الدهور, وكالم فرعون عن أتعباع موسى عليه‬
‫ن ؤ ِ ْ ِ َة‬
‫السالم يظهر هذه السنة جيدا؛ إذ قا عنهم(... إ َّ هَ ُلَاءِ َلشرذم ٌ‬
‫قَلِيلُونَ (52) وَإَّ ُمْ لَنَا َل َائِ ُونَ (22) وَإَّا لَجَمِي ٌ‬
‫ع‬          ‫ن‬             ‫غظ‬                ‫نه‬
                                                     ‫ح ِر ن‬
                           ‫َاذ ُو َ), (52), الشعراء: (45-95).‬

‫فوصفهم بأهنم شرذمة, وهي: الطائفة والبقية القليلة, فهم كانوا‬
‫السابقني إىل دعوة موسى عليه السالم, واملستجيعبني لنداء اإلميان, بني‬
‫هذه األعداد الغفرية اليت ذكرها املفسرون يف عدد جيش فرعون‬
    ‫ه ل‬
‫فضال عن رعيته, وهكذا السابقون إىل اإلميان قلة, (َيعْني ُمْ قَلِي ٌ فِي‬
  ‫َِ ْ ن َ ْ به ِت‬                         ‫ِت‬       ‫ْ بم‬            ‫َ‬
‫كَِثريٍ، وكَانَ أَصحَا ُ ُوسَى س َّ مِائَةِ أَلْفٍ، وفرعَوْ ُ وأَصحَاُ ُ سَّةَ‬
                                    ‫آالفِ أَلْفٍ، هَذَا َتفْس ُ ُّد ِّ.)(1)‬
                                         ‫ِري الس ِّي‬

‫وقد حرص فرعون على وصفهم مبالزمة القلة من خال هذا‬
‫اللفظ(شرذمة), ومن خال مجعهم على(قليلون), فهو يؤكد قلتهم‬


                                       ‫1 - تفسري حيىي بن سالم:(2/ 455).‬

                                     ‫24‬
‫هبذه الصورة لفظا ومعىن, (وقيل: قليلون، ألن كل مجاعة منهم كان‬
        ‫يلزمها معىن القلة; فلما مجع, مجع مجاعاهتم قيل: قليلون)(1)‬

                 ‫وقد ظلمهم فرعون هبذا الوصف, وبغى عليهم وعدا.‬

‫ووصف الطاغني هلةم بةأهنم أراذ أو شةرذمة ال يقلةل مةن‬
‫سعبقهم, وال يكدر من صةفوهم فالسةابقون السةابقون أولئةك‬
‫املقربون, أولئك الةذين يؤمنةون بةال تةردد, ويعتنقةون بةال‬
‫صوارف, ويقعبلون بال اشتراط, حسةعبهم أهنةم عرفةوا طةريقهم‬
‫ووجدوا ضالتهم, واهلل ورسوله يف ذلةك أمةن وأكةرم, ولقةد‬
‫عتب اهلل على قوم زعموا أهنةم سةعبقوا يف اإلميةان فةذكرهم اهلل‬
                     ‫ُن‬
‫تعاىل بأن السعبق حمض منة من اهلل وحةده,( يَمُّةونَ عَلَيْةكَ أَنْ‬
             ‫الل ه ُةن‬           ‫ُن َي َك‬                       ‫م ق‬
‫أَسْلَ ُوا ُلْ لَا تَمُّوا عَل َّ إسْلَام ُمْ بَل َّة ُ يَم ُّ عَلَةْيكُمْ‬
              ‫ن الل‬                         ‫ك‬
‫أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإميَانِ إنْ ُنْتُمْ صَةادِقِنيَ (17) إ َّ َّةهَ َيعْلَةمُ‬
    ‫َّة ه ِة ري َة‬                 ‫ْة َ‬              ‫َّة‬
‫غَي ةبَ الس ةمَاوَاتِ وَال ةأرْض وَالل ة ُ بَص ة ٌ بم ةا‬              ‫ْة‬
                                  ‫َتعْمَلُونَ)(17), ق: (17,17).‬
‫من صفات القلة احملمودة: قلة املال والسلطان وعدم‬
                                                      ‫احتفاهلم به‬



                                            ‫1 - جامع العبيان: (91/ 553).‬

                                    ‫34‬
‫ومن صفات القلة الرائدة, أهنةم ال يةأهبون باملةا ,‬
‫وال حيفلون باالةاه والسةلطان, إال بقةدر مةا حيقةق‬
‫أهدافهم, ويعينهم يف الوصو إىل غاياهتم, ال يةأهبون مبةا‬
‫يأبه به الناس, وال يشغلون مبا يشغل بةه العامةة, ولعةل‬
‫سؤا النيب – صلى اهلل عليةه وسةلم- ألصةحابه عةن‬
‫رجل ر الثياب, رقيةق احلةا , قليةل املةا , وآخةر‬
‫عظيم الثراء, كثري الزينة واملتاع , لريسةخ لةديهم هةذا‬
‫القانون الصادق والسنة احلقيقلة بالبقلاء, فقةد (م َّ‬
‫َةر‬
                  ‫َل َق‬             ‫َل هلل‬            ‫س‬            ‫ُل‬
  ‫رَج ٌ عَلَى رَ ُو اللَّهِ صَّى ا ُ عَلَيْهِ وَسَّمَ، ف َةا َ: «مَةا‬
           ‫ي‬            ‫َط‬                     ‫ل‬      ‫ذ‬
  ‫َت ُوُونَ فِي هَ َا؟» قَاُوا: حَةري إنْ خ َةبَ أَنْ ُةنْكَحَ،‬     ‫قل‬
  ‫َإنْ شفَعَ أَنْ ُش َّعَ، َإنْ َةا َ أَنْ ُسْةتَمَعَ، َةا َ: ث َّ‬
  ‫ُةم‬           ‫ق‬           ‫ي‬           ‫ي َف و ق‬                 ‫و َ‬
                  ‫ِ َق‬           ‫مل‬        ‫َر ُل ِ ُ‬
   ‫سَكتَ، فَم َّ رَج ٌ منْ فقَةرَاءِ ا ُسْةلِمنيَ، ف َةا َ: «مَةا‬   ‫َ‬
           ‫ي‬              ‫َط‬                   ‫ل‬      ‫ذ‬
 ‫َت ُوُونَ فِي هَ َا؟» قَاُوا: حَري إنْ خ َةبَ أَنْ الَ ُةنْكَحَ،‬   ‫قل‬
        ‫َق‬            ‫ي‬               ‫ق‬          ‫ي َف‬            ‫و َ‬
  ‫َإنْ شفَعَ أَنْ الَ ُش َّعَ، وَإنْ َةا َ أَنْ الَ ُسْةتَمَعَ، ف َةا َ‬
                   ‫ر‬                 ‫َل‬          ‫َل هلل‬              ‫س‬
 ‫رَ ُو ُ اللَّهِ صَّى ا ُ عَلَيْهِ وَسَّمَ: «هَذَا خَيْة ٌ مِةنْ مِةلْءِ‬
                                            ‫األَرْض مِْثلَ هَذَا»)(1).‬
‫فكأن النيب – صلى اهلل عليةه وسةلم- يريةد أن يلفةت‬
‫نظر أصحابه إىل هذه السنة املاضية يف القلةة وأصةحاهبا,‬


                                      ‫1 - صحيح العبخاري: (7/ 8).‬

                                       ‫44‬
‫وأهنم ال يأهبون بالدنيا ومتاعها, واحلياة وزخرفهةا, أمةا‬
  ‫الكرباء واألغنياء فال يةرون العةز والتقةدم إال يف املةا‬
‫واالاه والسلطان, فيقولون لنوح (عليه السةالم), معبيةنني‬
     ‫ل‬         ‫ه‬       ‫ل ال‬           ‫و ن ات‬
‫له عدم إمياهنم: ( َما َراكَ ََّعبعَكَ إَّا َّةذِينَ ُةمْ أَراذُِنةا،‬
‫بادِيَ الرأْي» !! وهةم يسةمون الفقةراء مةن النةاس‬           ‫َّ‬
‫«أراذ » .. كما ينظر الكرباء دائماً إىل اآلخةرين الةذين‬
‫مل يؤتوا املا والسلطان! وأولئةك هةم أتعبةاع الرسةل‬
‫السابقون غالعباً ألهنةم بفطةرهتم أقةرب إىل االسةتجابة‬
‫للدعوة اليت حترر الناس مةن الععبوديةة للكةرباء، وتصةل‬
‫القلوب بإله واحةد قةاهر عةا علةى األعليةاء. وألن‬
  ‫فطرهتم مل يفسدها العبطر والتةرف، ومل تعوقهةا املصةا‬
‫واملظاهر عن االستجابة وألهنم ال خيةافون مةن العقيةدة‬
‫يف اهلل أن تضيع عليهم مكانة مسةروقة لغفلةة االمةاهري‬
  ‫واستععبادها للخرافات الوثنيةة يف شةىت صةورها. وأو‬
‫صور الوثنيةة الدينونةة والععبوديةة والطاعةة واالتعبةاع‬
‫لألشخاص الزائلة بدالً من االجتاه هبةذا كلةه هلل وحةده‬
‫دون شريك. فرساالت التوحيد هةي حركةات التحريةر‬
‫احلقيقية للعبشر يف كةل طةور ويف كةل أرض. ومةن مث‬
‫كان يقاومها الطغاة دائمةاً، ويصةدون عنةها االمةاهري‬



                                     ‫54‬
‫وحياولون تشويهها واهتةام الةدعاة إليهةا بشةر التةهم‬
                               ‫للتشويش والتنفري.)(1)‬
                      ‫من صفات القلة املنتصرة أمم علماء فقهاء‬
‫ومن صفات القلة احملمودة أهنم علماء واععبون وفقهاء‬
‫فامهون, بدا ذلك يف ترتيب الدعاء لديهم كما بدا يف‬
‫نصحهم ملن معهم, وحرصهم على هدايتهم, ومما يد على‬
                                                     ‫م‬
 ‫ذلك أيضا قوهلم: ({كَم ِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةٍ كَِثريَةً بإذْنِ‬
                                                           ‫الذ‬
‫اهلل}(َتقْوي ُ قلوب َّ ِينَ قالوا: {الَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بجَالُوتَ‬‫ة‬
  ‫وَ ُنودِهِ} ، واملعىن: ال عِربة بكثرةِ العددِ، وإَّما العرب ُ‬
  ‫ة‬               ‫ن‬                                                         ‫ج‬
‫َّأْييد اإلِهلي، مث قا : {واهلل مَعَ الصابرين} . وهذا من‬                     ‫بالت‬
                                                               ‫َمام قوهلم.)(2)‬  ‫ت‬
                                       ‫َه‬                  ‫ه ه َال‬        ‫َم‬
  ‫(فَل َّا جاوَزَ ُ ُوَ و َّذِينَ آمَنُوا معَ ُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ‬
    ‫د ِّ‬            ‫َل ف ه َ‬
‫بجاُوتَ وَ ُُودِهِ أَي اسَْتقُّوا أَْن ُسَ ُمْ عنْ ِلقَاءِ عَ ُوهِمْ‬
                                                       ‫جن‬       ‫ل‬
 ‫َّ َق‬             ‫م َن‬                   ‫ُه‬           ‫َّ ه‬
‫لِكَثْرَتِهِمْ، فَشَجعَ ُمْ عُلَمَاؤ ُمْ اْلعَالِ ُونَ ِبأ َّ وَعْدَ اللهِ ح ٌّ،‬
      ‫فَإ َّ النصرَ منْ عِنْدِ اللَّهِ لَْيسَ عنْ كَْثرَةِ عَددٍ وَلَا عِددٍ)(3)‬
            ‫َ‬           ‫َ‬              ‫َ‬                         ‫ن َّ ْ ِ‬
                                                                  ‫اإلميان باهلل‬



                                      ‫1 - يف ظال القرآن (4/ 2781).‬
                              ‫2 - اللعباب يف علوم الكتاب: (4/ 882).‬
                        ‫.‬
                            ‫3 - تفسري ابن كثري, ط: العلمية: (1/ 955)‬
                                            ‫64‬
 ‫ومن صفات القلة أهنم مؤمنون باهلل إميانةا يقينيةا عمليةا‬
 ‫َّ‬
 ‫فهم يدركون أن اإلميةان أسةاس النصةر والتأييةد, (إن‬
           ‫الص‬                      ‫ِ‬
‫الْإميَانَ بِلقَاءِ اهللِ َتعَالَى فِي الْآخرَةِ، وَالِاعِْتصَةامَ ب َّةعبْر -‬
                                            ‫ر َ‬               ‫ال ه ِ ْ‬
‫َّذِي ُوَ منْ أَركَانِ الْعب ِّ وكَمَالِهِ مِةنْ ثَمَةرَاتِ الْإميَةانِ -‬
    ‫ث‬        ‫َ‬                            ‫َ‬                            ‫ِ‬
 ‫سَعبَعبَانِ منْ أَسْعبَاب َنصْر اْلعَددِ اْلقَلِيل عَلَةى اْلعَةددِ الْكَةِري‬
       ‫َنه‬        ‫ُن‬        ‫ال‬                  ‫له َز َل‬
‫وذَلِكَ قَوُْ ُ - ع َّ وَج َّ -: (قَا َ َّةذِينَ َيظُّةونَ أَّ ُةمْ‬             ‫َ‬
                                                              ‫ِ‬             ‫م ق‬
‫ُلَاُو اهللِ كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةةً كَةِثريَةً بةإذْنِ اهللِ‬
                                   ‫وَا ُ مَعَ َّابرينَ) (942))(1)‬ ‫هلل الص‬
 ‫وهذا اإلميان هو الذي حيملهم علةى التمسةك مبعبةدئهم,‬
‫والتضحية يف سعبيله, والصرب على مشةاقه,لعلمهةم ان اهلل‬
        ‫َض‬                         ‫َّ ُن‬
‫ناصر دينه, ومؤيد أهله,(إن سَّةَ اهللِ َتعَةالَى قَةدْ م َةتْ‬
        ‫ب‬
‫بأَنْ يَْنصرَ اْلح َّ وَحزْبَة ُ عَلَةى الْعبَاطِةل وَأَحْزَاِلهِ مَلا‬
                                      ‫ُ َق ِ ه‬
              ‫َ مه ع‬                   ‫َق‬          ‫ْب‬       ‫َ‬
‫اسْتَمْسكَ حِلز ُ اهللِ بِح ههِلمْ فأَقَلا ُو ُ وَدَ َلوْا إِلَيْلهِ‬
                                   ‫َع ْه ََن ُع‬
‫وَدَاف ُوا عَن ُ، وأ َّ اْلق ُودَ عَةن الْ ُ َافعَةةِ َةعْ ٌ فِةي‬
     ‫ض ف‬         ‫مد َ‬
      ‫َت‬         ‫ِ‬          ‫ه ِ ه الت‬                                 ‫َق‬
‫اْلح ِّ ُيغْري بهِ َأعْدَاءَ ُ وَُيطْمعُ ُمْ ب َّنْكِيل بحزْبةهِ، حَّةى‬
                                 ‫نه‬                ‫ي ِع‬                ‫عب‬
‫يَتَأَلَُّوا عَلَيْهمْ وَُوق ُوا بهمْ، وَإَّ ُ قَدْ سَةَعبقَ فِةي عِلْةم اهللِ‬
          ‫ه‬         ‫ه ص‬                     ‫ُد ي‬                 ‫َن‬
‫َتعَالَى أ َّ اهللَ لَا ب َّ أَنْ ُظْهرَ دِينَة ُ وَيَْن ُةرَ َأهْلَة ُ عَلَةى‬
                                           ‫ُ ْ ط‬
‫قِلَّتِهمْ، وََيخْذ َ َأهلَ الْعبَا ِل عَلَى كَْثرَتِهمْ (كَةمْ مِةنْ فِئَةةٍ‬
                ‫الص‬          ‫هلل‬
 ‫قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ اهللِ وَا ُ مَةعَ َّةابرينَ) (2:‬

                                            ‫1 - تفسري املنار: (1/ 551).‬
                                            ‫74‬
   ‫عب‬              ‫م‬            ‫َت‬           ‫هلل ُل‬               ‫َ‬
‫942) وقَدْ عَلِمَ ا ُ ك َّ هَذَا وأَنُْمْ لَا تَعْلَ ُةونَ مَةا خََّةأَ‬
                                            ‫ت د ه‬
‫لَ ُمْ فِي غَيْعبهِ، وَسََج ُونَ ُ فِي امْتِثَا َأمْرهِ، وَاْلعَمَةل بمَةا‬‫ك‬
                                         ‫ُيرْشِد ُمْ إلَيْهِ فِي كِتَابهِ.)(1)‬
                                                                     ‫ُك‬
                                                                  ‫أصحاب العزم‬
‫ومن صفات القلةة أهنةم أولةو عةزم ومثةابرة,‬
‫واملتأمل لقصة املأل من بين إسةرائيل مةن بعةد موسةى‬
‫يدرك مدى عزم هةؤالء الةذين رأوا عةدوهم أضةعاف‬
‫عددهم أضعافا مضاعفة, فما وهنوا ومةا اسةتكانوا بةل‬
‫صربوا يف رضا, ومضوا يف عةزم واثقةني مةن نصةر اهلل‬
‫وتأييده, ومدده ومتكينه, وأفرغوا هذه املعةاين علةى مةن‬
‫معهم داعني غيةاهم إىل الصةرب والةيقني يف موعةود اهلل‬
‫تعاىل بالنصر والظفر, وعندما قا أكثةر العةابرين للنةهر‬
  ‫ْ‬                 ‫طق‬
‫ملا رأوا طالوت وجنةوده: (..لَةا َاَةةَ لَنَةا الْيَةومَ‬
                                     ‫ج ل ت َجن ِه‬
    ‫ب َاُو َ و ُُةود ِ ...),العبقةرة:(355) (كَيْةفَ‬
          ‫ه‬         ‫ْ‬        ‫أل‬
‫ُن ِي ُ اْلعَد َّ مَعَ كَْثرَتِهمْ! قَالَ ُوُو اْلعَلزمِ مِلنْ ُمْ:" كَةمْ‬
                                                         ‫ط ق ُو‬
      ‫ء‬                      ‫ل‬                                                         ‫ِ‬
‫منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ الَّهِ". قَا َ الْعبَةرَا ُ بْةنُ‬
                  ‫َ ِةد‬                     ‫ُن َد َن ِد‬
 ‫عَازبٍ: كَّا نََتح َّ ُ أ َّ ع َّةَ َأهْل بَدْرٍ كع َّةِ أَصْةحَاب‬
                                 ‫ز َ ه الن َ ث‬
‫طَاُوتَ َّ ِينَ جَاوَ ُوا معَ ُ َّهرَ ثَلَاُمِائَةةٍ وَبضْةعَةَ عَشَةرَ‬‫ل الذ‬



                                                ‫1 - تفسري املنار: (2/ 552).‬
                                                ‫84‬
      ‫َ‬           ‫َ ج َ‬                                     ‫ج َ‬
‫رَ ُلًا- وفِي روَايَةٍ: وَثَلَاثَةَ عَشرَ رَ ُلًا- ومَةا جَةازَ معَةهُ‬
                                                       ‫إلَّا ُؤم ٌ.)(1)‬
                                                             ‫م ْ ِن‬
‫وهؤالء املؤمنون الصابرون الثابتون املصابرون هةم القلةة‬
‫العاملة وهم خالصةة غريهةم, الةذين يثعبتةون عنةدما‬
‫ينكسر غريهم وهم لعظيم إمياهنم أكثر ثقةة مةن غريهةم‬
‫فهؤالء هم ( اصلة منةهم الةذين تيقنةوا لقةاء اهلل‬
‫وتوقعوا ثوابه، أو علموا أهنم يستشةهدون عمةا قريةب‬
                                             ‫فيلقون اهلل تعاىل.)(2)‬
                            ‫موصولون باهلل متعلقون بدعائه‬
‫ومن صفات القلة اليت نفيدها من موقفهم مع طالوت - عليه‬
‫السالم- أهنم على صلة قوية باهلل تعاىل, بدا ذلك يف يقينهم‬
‫يف أهنم مالقوه, وبدا كذلك يف صيغة تععبري القرآن عنهم‬
‫بأهنم (الذين يطنون أهنم مالقو اهلل), والظن هنا إن كان مبعىن‬
‫اليقني فهو يد على ثقتهم ورقينهم يف لقاء رهبم, وإن كان‬
‫على بابه فهو من هضم نفسهم حيث إمم يف موطن‬
‫الشهادة والقدوم على املوت,كما يعبدو إمياهنم وحسن‬
‫صلتهم باهلل من تععبريهم يف الدعاء: (أفرس علينا صربا وثعبت‬
                     ‫أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).‬


                               ‫1 - تفسري القرطيب: (3/ 552).‬
                     ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 151).‬
                                       ‫94‬
                ‫قو‬
‫(وَأفْرسْ مبعىن: اصعبب وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا أي: ِّ قلوبنا لتثعبيت‬
              ‫أقدامنا، وإمنا تثعبت األقدام عند قوة القلوب.)(1)‬
‫ويف اختيارهم الدعاء بلفظ الربوبية فيه مةا فيةه مةن‬
‫وعيهم وحسن صةلتهم بةرهبم,و(هةذه هةي الشةحنة‬
‫اإلميانية ملن يريد أن يواجه عةدوه فهةو ينةادي قةائال:‬
            ‫َب‬
‫{رََّآ} إنه مل يقل: يةا اهلل، بةل يقةو : {رَّنَةآ}؛ ألن‬      ‫َبن‬
‫الرب هو الذي يتوىل التربيةة والعطةاء، بينمةا مطلةوب‬
‫«اهلل» هو الععبودية والتكةاليف؛ لةذلك ينةادي املةؤمن‬
‫ربه يف املوقف الصعب «يا ربنةا» أي يةا مةن خلقتنةا‬
‫وتتوالنا ومتدنا باألسةعباب، ... وعنةدما نتأمةل كلمةة‬
‫{َأفْرسْ عَلَيْنَا صَةعبْراً} تفيةدنا أهنةم طلعبةوا أن ميةأل اهلل‬
      ‫عب‬
‫قلوهبم بالصرب ويكون أثر الصرب تثعبيت األقةدام {وَثَِّةتْ‬
‫َأقْ َامَنَا} حىت يواجهوا العدو بإميان، وعنةد هنايةة الصةرب‬     ‫د‬
‫وتثعبيت األقدام يةأيت نصةر اهلل للمةؤمنني علةى القةوم‬
‫الكافرين، وتأيت النتيجة للعزم اإلميةاين والقتةا يف قولةه‬
                      ‫احلق: {فَهز ُو ُمْ بإذْنِ اهلل ... })(2)‬
                                                  ‫َ َم ه‬
‫ويف ترتيب الدعاء: حسن صلة, وجودة وعي, من طلب‬
 ‫إفراس الصرب, مث تثعبيت األقدام, وهو مرتب على سابقه, مث‬


                     ‫1 - زاد املسري يف علم التفسري: (1/ 722).‬
                          ‫2 - تفسري الشعراوي: (2/ 9551).‬
                                    ‫05‬
‫النصر على الكافرين, وهو نتيجة املقدمتني‬
 ‫السابقتني,واستخدام لفظ: (الكافرين)فيه حتضيض عليهم,‬
 ‫واستجالب للنصر على هؤالء الكافرين, فلم يقولوا انصرنا‬
 ‫على عدونا, بل على القوم الكافرين, حتضيضا عليهم وبيانا‬
‫لسعبب طلب نصرهم على هؤالء الذين جحدوا اهلل يف‬
‫ربوبيته وألوهيته, ففي هذا الدعاء مع حسن الصلة ودقة‬
 ‫الوعي ( ترتيب بليغ إذ سألوا أوالً إفراس الصرب يف قلوهبم‬
 ‫الذي هو مالك األمر، مث ثعبات القدم يف مداحض احلرب‬
          ‫املسعبب عنه، مث النصر على العدو املترتب عليهما غالعباً.‬
‫فَهز ُو ُمْ بإذْنِ اللَّهِ: فكسروهم بنصره، أو مصاحعبني لنصره‬        ‫َ َم ه‬
                                             ‫إياهم إجابة لدعائهم.)(1)‬
‫ومن لطائف صاحب العبحر مجعه لةعبعض اللمسةات‬
                   ‫ُّ ل‬
‫اليت يتميز هبا يف قوله: (فَزعُوا إلَةى الةدعَاءِ لَِّةهِ َتعَةالَى‬
           ‫م‬            ‫َ‬                         ‫َّب الد‬
‫فَنَادَوْا بَلفْظِ الر ِّ َّا ِّ عَلَى الْإصْةلَاح وعَلَةى الْ ُلْةكِ،‬
                                 ‫ْ ر ععب ِي َ ه‬
‫ففِي ذَلِكَ إشعَا ٌ باْل ُُودَّةِ. وقَوْلُ ُمْ: َأفْةرسْ عَلَيْنَةا صَةْعبرًا‬‫َ‬
               ‫م‬       ‫ك‬      ‫َت‬          ‫ُب م الص‬
‫ُؤَا ٌ بأَنْ َيص َّ عَلَيْه ُ َّةْعبرَ حَّةى يَ ُةونَ ُسْةَتعْلِيًا‬        ‫س‬
                ‫َ ْر ِ‬           ‫َّ َه‬                  ‫ك ه‬
 ‫عَلَيْهمْ، وَيَ ُونَ لَ ُمْ كَالظرْفِ و ُةمْ كَةالْمظ ُوفنيَ فِيةهِ.‬
 ‫ة‬                  ‫َ‬      ‫ت‬          ‫ح‬          ‫َ َ‬
‫وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا فَلَا َتز ُّ عنْ مَدَا ِض اْلقَِةا ، وهُةوَ كِنَايَة ٌ‬
          ‫ك‬                      ‫َم‬                           ‫قل‬
‫عنْ تَشْجيع ُُوبهمْ وََتقْويَتِهَا، وَل َّةا سَةأَلُوا مَةا يَ ُةونُ‬        ‫َ‬


                       ‫1 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
                                          ‫15‬
       ‫د‬                   ‫ل‬                ‫الص‬
‫ُسَْتعْلِيًا عَلَةيْهمْ مِةنَ َّةعبْر سَةأَُوا تَثْعبيةتَ َأقْة َامِهمْ‬           ‫م‬
                                                                    ‫َإرْسَاخَهَا.‬‫و‬
‫وَانْصرْنا عَلَى اْلقَوْم الْكافِرينَ أَيْ: أعنةا علةيهم، وجةاؤا‬            ‫ُ‬
  ‫ُ ر‬               ‫َ‬                              ‫خ‬              ‫ُ‬
‫بالْوَصْفِ الْمقَْتضِي ِل ُةذْلَانِ َأعْةدَائِهمْ، وهُةوَ الْكفْة ُ،‬
         ‫ر‬              ‫َب‬                  ‫ن َ‬                    ‫َ ن عبد‬
‫وكَاُوا َيعُْ ُونَ الْأَصَْامَ، وفِي قَوْلِهمْ: رَّنَةا، إقْةرَا ٌ لِلَّةهِ‬
                       ‫َتعَالَى بالْوَحْدَانَّةِ، َإقرَا ٌ لَ ُ باْلعُعبُودَّةِ.)(1)‬
                               ‫ِي‬           ‫ي وْ ر ه‬
‫هكذا.. «رَّنا َأفْرسْ عَلَيْنا صَعبْراً» .. (وهو تعةعبري يصةور‬     ‫َب‬
‫مشهد الصرب فيضاً مةن اهلل يفرغةه علةيهم فيغمةرهم،‬
   ‫وينسكب عليهم سةكينة وطمأنينةة واحتمةاالً للةهو‬
‫واملشقة. «وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا» .. فهةي يف يةده- سةعبحانه-‬
                 ‫ص‬
‫يثعبتها فال تتزحزح وال تتزلز وال متيد. «وَاْن ُةرْنا عَلَةى‬
‫اْلقَوْم الْكاِرينَ» .. فقد وضةح املوقةف.. إميةان جتةاه‬              ‫ف‬
‫كفر. وحق إزاء باطل. ودعةوة إىل اهلل لينصةر أوليةاءه‬
‫املؤمنني على أعدائه الكافرين. فةال تلجلةج يف الضةمري،‬
  ‫ة‬                ‫ة‬           ‫ة‬
‫وال غةعبش يف التصةور، وال شةك يف سةالمة القصةد‬       ‫ة‬
                                                      ‫ووضوح الطريق.)(2)‬
                          ‫واعون بالسنن اجلاررة يف احلياة واألحياء‬


‫- العبحر احمليط يف التفسري:(2/ 295),وانظر: اللعباب يف علوم‬                        ‫1‬

                        ‫الكتاب: (4/ 982),وتفسري املنار (2/ 983).‬
                                  ‫2 - يف ظال القرآن: (1/ 992).‬
                                              ‫25‬
‫ومن أهم صفات القلة احملمودة والةيت تظهةر السةننية‬
‫يف هذا االانب أهنةم علةى وعةي ملحةون بسةنن اهلل‬
‫(تعاىل) يف احلياة واألحياء, يظهر ذلك يف االيةل القةرآين‬
‫الفريد الذي رباه الرسةو - صةلى اهلل عليةه وسةلم-‬
‫,كما يظهر يف كل قلة متنح النصر, واملتأمةل للقلةة مةع‬
   ‫ل‬
‫طةالوت يلحةظ ذلةك يف غةري موضةع, يف وعليهم‬
            ‫ة‬      ‫ة‬      ‫ة ة‬           ‫ة‬
‫بالدعاء, ومد دلبه للنصر بعلد األخلذ باألسلباب,‬
‫الدعاء, كمةا مةر, ويف اختيةار األلفلاظ‬                              ‫ويف ترتي‬
‫ودقتها, ويف قوهلم:(كم من فئة قليلة بلبت فئلة كةثرية‬
‫بإذن اهلل واهلل مع الصابررن), فإدراكهم ملا مضةى علةى‬
‫اصلق من نصر القلة العاملة على الكثرة النائمةة, وذلةك‬
‫من خال التععبري (بكم) الةيت تفيةد التكةثري, وقةوهلم‬
‫(واهلل مع الصابررن), وهذه سنة ملن سلنن اهلل تعلاىل.‬
‫يقو أبو حيان يف العبحةر: (إنةا ال نكتةر اةالوت‬
                             ‫َ‬                 ‫ن‬         ‫ر‬         ‫جن و‬
‫وَ ُُودِهِ َإنْ كَُث ُوا، فَإ َّ الْكَْثرَةَ لَيْستْ سَةعبَعبًا لِلِانِْتصَةار،‬
‫فَكَِثريًا مَا انَْتصرَ اْلقَلِيلُ عَلَى الْكَثِري وَلَمَّا كَلانَ قَلدْ سَلَبقَ‬
                                                           ‫َ‬
                                                           ‫ْ‬
 ‫ذَِلكَ فِي اْلأَزمَانِ الْمَاضَِيةِ. وَعَلِمُلوا بِلذَِلكَ، ُأخْبِلرُوا‬
‫بِ ِيغةِ: كَمْ، الْمقْتَضِي ُ للتكثري)(1), وذلةك هةو عةني‬
                                             ‫ُ َة‬                       ‫صَ‬
                                 ‫إدراك السنن الربانية, واإلفادة منها.‬

                              ‫1 - العبحر احمليط يف التفسري: (2/ 195).‬
                                           ‫35‬
‫كما أن املتأمل لدعائهم يلحظ فيه بوضوح هةذا الةوعي‬
‫الراقي, فهم سألوا اهلل –تعاىل- بلفةظ الربوبيةة, وهةي‬
‫مدار العطاء والرعايةة والتربيةة والعنايةة, ومل يسةألوه‬
‫باأللوهية اليت هي مدار التكليةف, كمةا أهنةم قةالوا: (‬
‫أفرس ) الذي يد على الشمو والعمةوم واالسةتيعاب,‬
‫كما أهنم ربطوه بلفظ: (على) الذي يةد علةى العلةو‬
‫وفيه من التمكن ما فيه, وتلةك طعبيعةة القلةة الواعيةة‬
‫للسنن يف كل زمان ومكةان, والنةاظر يف أدعيةة الةنيب‬
‫(صلى اهلل عليه وسلم) والقلة املؤمنةة معةه يلمةح هةذا‬
‫بوضوح, ويلمح مدى الترابط العبديع بني صةفات القلةة‬
‫على ترابط الةزمن وتعباعةد األمصةار, ففةي نةدائِهم‬
   ‫ب‬                 ‫ُودي‬                   ‫ف‬
   ‫بقوهلم: «رَّنَا» ( اعتةرا ٌ منةهم بالعُعب َّةة، وطلة ٌ‬         ‫َب‬
             ‫ة‬              ‫ة َّب ي‬
‫إلِصةالحهم؛ أل َّ لفةط «الةر َّ» ُشْةعر بةذلك دونَ‬      ‫َن‬
  ‫غريها، وأَتوا بلفظِ «عَلَةى» يف قةوهلم «َأفْةرس عَلَيْنَةا»‬
                                                ‫الص ر م‬
 ‫طلعباً؛ ألنْ يكونَ َّْعب ُ ُسْةتعلِياً علةيهم، وشةامالً هلةم‬
       ‫َنه‬                             ‫هلل‬
  ‫كالظرفِ. ونظريه ما حكى ا ُ عن قةوم آخةرين أَّ ُةم‬
                 ‫ه ال‬                               ‫عدو‬
  ‫قالوا حني القوا َّهم: ومَا كَانوا قَةوْلَ ُم إ َّ أَنْ قةالُوا:‬
          ‫د‬            ‫عب‬                     ‫ذن و ْر‬                      ‫رب‬
   ‫{ َّنَا اغفر لَنَا ُُوبَنَا َإس َافَنَا يف َأمْرنَا وَثَِّةتْ َأقْة َامَنَا}‬
 ‫[آ عمران: 741] {وانصرنا عَلَةى القةوم الكةافرين}‬



                                           ‫45‬
        ‫الص‬
  ‫[آ عمران: 741], وكةذلك كةان - عليةه َّةالة‬
                                ‫َّالم- يفعل يف املواطن.)(1)‬           ‫والس‬
‫كما تلمةح وعةيهم بالسةنن كةذلك يف طلعبةهم‬
‫للصرب,وثعبات األقدام, وتوقع النصر هبذا التةدرج, وتلةك‬
‫هي مطالب الفئة املؤمنة للنصر علةى العةدو وخالصةتها‬
                                        ‫الص‬
 ‫يف ثالثة أمور:( األو : َّرب علةى مشةاهدة املخةاوف‬
                                    ‫د‬
                            ‫وهو املراد بقوهلم: {وَثَِّعبتْ َأقْ َامَنَا}.‬
 ‫الثاين: أن يكون قد وجد من اآلالت واألدوات ما ميكنه أن‬
                       ‫يقف ويثعبت، وال يصري ملجأ إىل الفرار.‬
                                   ‫العدو‬
 ‫الثالث: زيادة َّة على ِّ؛ حىت يقهره، وهو املراد من‬   ‫القو‬
                    ‫قوهلم «واْنصرْنَا عَلَى القَوْم الكَافِرينَ».)(2)‬
                                                              ‫ُ‬
‫وهذا هو ترتيب العقل والواقع, مبا يشةعر بةأهنم واعةون‬
        ‫َ‬
 ‫واععبون لسنن اهلل – تعاىل- يف احلياة واحليةاء, ( وهَةذِهِ‬
       ‫س‬                      ‫ُ َت ب‬                 ‫ُم ر الث ة ْض‬
  ‫الْأ ُو ُ َّلَاثَة ُ َبع ُةهَا مرَّة ٌ عَلَةى َبعْةضٍ بحَ َةب‬
  ‫ب‬                     ‫َالص ر ب ث ال‬
‫الْأَسْعبَاب اْلغَالِعبَةِ، ف َّْعب ُ سََعب ٌ لِلَّعبَاتِ َّةذِي هُةوَ سَةَعب ٌ‬
              ‫ْن‬          ‫َ ر ن الص‬                        ‫َّ‬
‫منْ أَسْعبَاب النصْر، وأَجْدَ ُ الَّاس ب َّعبْر الْمُؤمُِةونَ بةاهللِ‬        ‫ِ‬
                                  ‫ع َّ وَجلَّ اْلغَاِب عَلَى َأمْرهِ،)(3)‬
                                                            ‫ل‬      ‫َز َ‬

                           ‫1 - اللعباب يف علوم الكتاب: (4/ 982).‬
                           ‫2 - اللعباب يف علوم الكتاب: (4/ 982).‬
                                         ‫3 - تفسري املنار :(2/ 983).‬

                                           ‫55‬
           ‫عدم احتفاهلم باملال واملنص واجلاه والسلطان‬
‫ومن الصفات املالحظةة يف القلةة, عةدم احتفةاهلم‬
‫باملا فال يشغل باهلم, وعدم هتيعبهم بالسلطان, فةال يهةز‬
‫يقينهم, وعدم عنايتهم باملنصةب والوجاهةة, فةالنفوس‬
‫الكعبرية ال تكثر يف أعينها األشةياء مهمةا تكةاثرت, وال‬
‫تشغلها لعاعات الدنيا مهما أبرقةت, ف(صةانع احليةاة‬
‫يدوس األلقاب برجله وحيطمها، وميضةي يصةنع احليةاة‬
‫من موطن التخصص والفلن واإلبلداع. هةو ملليء‬
                                  ‫الل‬
‫لنفس وال ةاج ةداً ملأل ةا. ةذي ي ةب‬
 ‫هة الة ُطالة‬        ‫حيتة أحة‬
‫باملسؤوليات واأللقاب الدعوية والنقابةة واإلمةارة علةى‬
           ‫ن‬      ‫ي‬
‫املؤمنني إمنا هةو العةاجز الةذي ال ُحسة ُ علمةاً وال‬
                                          ‫ن‬
‫ختصصاً وال فّاً، فيطلب التعويض بإنعام األلقةاب عليةه،‬
‫ويعارك، وخيتلف ، ويناضل دون مكتسةعباته السةابقة، و‬
‫ميأل الكواليسَ مهساً وسعياً، وأما املقتةدر فيتقةدم تقةدم‬
                                             ‫الواثق)(1)‬
‫وداود - عليه السالم- رمز من رموز القلةة الةيت أثةرت‬
‫احلياة وأنقذت بةين إسةرائيل مةن ويةالت جةالوت,‬
‫والصفات اليت بدا هبا تؤكد هذه الصفة لدى تلةك القلةة‬
‫املؤثرة يف تاريخ احلياة, بدا ذلك يف ثيابه الةيت لقةي هبةا‬

                              ‫1- صناعة احلياة , للراشد: 49.‬
                               ‫65‬
‫جالوت, ويف سالحه الذي قتله بةه, ويف عةدم احتفالةه‬
‫بوجاهته ومنصعبه, وجنده وحاشيته, حةىت أغةان ذلةك‬
‫جالوت وكسر نفسه كسرا وهزمةه هزميةة وقتلةه أوال‬
        ‫غ‬
‫روحا ونفساً قعبل أن يقتله بنياناً وجسةداً, (كَةانَ ُلَامًةا‬
                             ‫ْ‬                                               ‫ْ‬
‫َيرعَى اْلغَنَمَ، وَلَمْ َيقَْعبلْ أَنْ يَلْةَعبسَ دِرعًةا وَلَةا أَنْ َيحْمِةلَ‬
          ‫ِ‬                     ‫ِل ه ِ‬
‫سِلَاحًا، َبلْ حَمَةلَ مقَْاعَة ُ وَحجَارَتَةهُ، فَسَةخرَ مِنْةهُ‬
                     ‫ِد َ‬                                              ‫لت‬
‫جَاُو ُ, وَاحْتَمَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسَْتع َّ لَهُ، وقَا َ: هَةلْ أَنَةا‬
          ‫َ َ ه ُد ِ‬                      ‫ُج َةي ِ‬
‫كَل ٌ فََتخْةر ُ إل َّ بالْمقْلَةاع؟ فرمَةا ُ دَاو ُ بمقْلَاعِةهِ‬         ‫ْب‬
  ‫َز َ ه‬               ‫ه‬                ‫َ َر َ ه َ َ َ ه‬
 ‫فَأَصَابَ اْلحج ُ رأْسَ ُ فصرعَ ُ فَدَنَا مِنْة ُ فَةاحْت َّ رأْسَة ُ،‬
                ‫و َ‬                ‫َع‬                       ‫ه‬
‫وَجَاءَ بهِ فَأَْلقَا ُ إلَى طَةالُوتَ ف ُةرفَ دَا ُدُ، وكَةانَ لَةهُ‬
                  ‫ق‬                    ‫ْ‬        ‫م‬
 ‫َّأْ ُ َّذِي وَر َ بهِ ُلْكَ إسرَائِيلَ، كَمَةا َةا َ َتعَةالَى:‬    ‫الش ن ال‬
              ‫(وَآتَاهُ ا ُ الْ ُلْكَ َاْلحِكْمَةَ وعَّمَ ُ م َّا يَشَا ُ)(1).‬
                    ‫َ َل ه ِم ء‬                         ‫هلل م و‬
‫(شاء اهلل أن يرى القوم وقتةذاك أن األمةور ال جتةري‬
 ‫بظواهرها، إمنا جتري حبقائقها. وحقائقهةا يعلمهةا هةو.‬
‫ومقاديرها يف يده وحده. فلةيس علةيهم إال أن ينهضةوا‬
‫هم بواجعبهم، ويفوا اهلل بعهدهم. مث يكةون مةا يريةده‬
‫اهلل بالشكل الذي يريةده. وقةد أراد أن جيعةل مصةرع‬
‫هذا االعبار الغشوم على يد هةذا الفةىت الصةغري، لةريى‬
‫الناس أن االعبابرة الةذين يرهعبةوهنم ضةعاف, ضةعاف‬


                                                      ‫1 - تفسري املنار: (2/ 983).‬
                                           ‫75‬
‫يغلعبهم الفتيةة الصةغار حةني يشةاء اهلل أن يقتلةهم..‬
‫وكانت هنالك حكمة أخرى مغيعبةة يريةدها اهلل. فلقةد‬
‫قدر أن يكةون داود هةو الةذي يتسةلم امللةك بعةد‬
‫طالوت، ويرثه إبنه سليمان، فيكون عهةده هةو العهةد‬
‫الذهيب لعبين إسرائيل يف تارخيهم الطويةل جةزاء انتفاضةة‬
‫ةاس‬               ‫ةدة يف نفوسة بعة الضة‬
    ‫ةهم ةد ةال واالنتكة‬                         ‫العقية‬
                                          ‫والشرود)(1)‬
‫إن قيمة املرء يف نفسه, ومكانتةه هةو الةذي يصةنعها,‬
‫بعيدا عن زخرف الدنيا, وشارات احلياة, وواقةع النةاس‬
‫ينعب بذلك إنعبةاء, فةأحرص النةاس علةى وجاهتةهم‬
‫وتقدمهم هم أكثر الناس فراغةا, فةاملمتل مةن داخلةه‬
‫ليس يف حاجة إىل من ينعم عليه بشارة أو ععبةارة, ولعةل‬
‫هذا من حِكَم اهلل - تعاىل- يف: (إال مةن اغتةرف غرفةة‬
               ‫ي‬
‫بيده)؛ رمزاً للتقلل ممةا يثقةل العبةدن, وُعةتِم الةنفس,‬
‫فالذي يتخفف من حاجاته األساسية يكةون علةى تةرك‬
  ‫غريها أقةدر, وامليةدان ميةدان قتةا ودمةاء, وبةذ‬
‫وأشالء, والذي ال يصرب على ترك املةاء ال يصةرب علةى‬
‫مالقاة األعداء, ومقارعة األبطةا , أمةا الةذي يكةرع‬
‫حىت ميتل , ويعب حىت يتورم فال يقةوى علةى مقاومةة‬


                                   ‫1 - يف ظال القرآن: (1/ 992).‬
                              ‫85‬
‫نفسه, ومن ال يقوى على مقاومة نفسةه ال يقةوى علةى‬
         ‫ه‬                              ‫ق ن عب‬
‫مقارعة غريه, (َا َ اْب ُ عََّاسٍ: مَةن اغْتَةرَفَ مِنْة ُ بيَةدِهِ‬
                             ‫رَويَ، ومنْ َربَ مِنْ ُ لَمْ ُيرْوَ.)(1)‬
                                              ‫ه‬         ‫ََ ش‬
                                       ‫الد‬                ‫َ‬
‫( ولقد أحْسنَ من شعبه ُّنْيا بنَهَر طالوتَ، فمن اغترف منْها‬
‫غرفة بيد الزهد، وأقعبل على ما يعينه من أمر آخرته، جنا،‬
            ‫وقل‬               ‫التأه‬
‫ومنْ َّ عليها، َّته عن ُّب آلخرته، َّت سالمته‬‫صد‬               ‫َ أكب‬
                                           ‫إال أنْ يتداركَه اللَّه.)(2)‬
                                                            ‫َ‬       ‫َّ‬
‫قا بعض احلكماء: (الدنيا كنهر طالوت، ال ينجو منها إال‬
‫من مل يشربْ أو اغترف غرفةً بيده، فمن أخذ منها قَدْرَ‬
 ‫الضرورةِ كفَتْه، ونَشَطَ لععبادة مواله، ومن أخذ فوق احلاجة‬ ‫َ‬
                    ‫حعبس يف سجنها، وكان أسريا يف يدها.)(3)‬           ‫ُ‬
       ‫القراءات يف اآلرة الكرمية وعالقتها بالسننية يف القلة‬
‫ومن القراءات الواردة يف اآليات الكرمية اليت تعقب على‬
‫قصة املأل من بين إسرائيل ما يفيد يف تأكيد السننية فيما‬
‫حوته اآليات الكرمية,فقد ورد فيها: (ولوال دفاع اهلل الناس),‬




                                 ‫1 - تفسري ابن كثري : (1/ 955).‬
                ‫2 - االواهر احلسان يف تفسري القرآن: (1/ 294).‬
              ‫3 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (1/ 772).‬
                                       ‫95‬
‫وهي قراءة:نافع, وأ جعفر,ويعقوب, وورد فيها:(لوال دفع‬
                       ‫اهلل الناس) وهي قراءة العباقني (1)‬

      ‫َن‬                  ‫جه‬            ‫ِ‬            ‫َْ‬            ‫َ َم‬
‫(وقَدْ س َّى هَذَا دفعًا عَلَى قرَاءَةِ اْل ُمْ ُةور باعْتِعبَةار أَّةهُ‬
                              ‫س‬             ‫ُةن‬            ‫هس ه ْ‬
 ‫مِنْ ُ ُْعبحَانَ ُ، إذ كَانَ س َّةً مِةنْ ُةنَنهِ فِةي الِاجْتِمَةاع‬
       ‫َن ك‬                             ‫ِ‬            ‫ش ي َم ه ِف‬
‫الْعبَ َر ِّ، وَس َّا ُ دَاعًا فِي قرَاءَةِ نَةافِعٍ باعْتِعبَةار أ َّ ُلةا‬
            ‫ُ‬                         ‫ِ َ‬              ‫َق م‬
‫منْ َأهْل الْح ِّ الْ ُصْةِلحنيَ وَأهْةل الْعبَاطِةل الْمفْسِةدِينَ‬            ‫ِ‬
                                               ‫ُيقَاو ُ الْآخرَ وَُيقَاتُِ ُ.)(2)‬
                                                      ‫له‬           ‫م َ‬
‫ولعل تذييل اآلية الكرميةة هبةذا التةذييل ليكةون هنايةة‬
‫وتعقيعبا على كل ما مضى مةن اآليةات املتعلقةة هبةذه‬
‫القصة وما قعبلها,كما يرى صاحب التحريةر والتنةوير:أن‬
                       ‫ل‬           ‫ع‬             ‫ُل‬
‫هذه اآلية ذيلت ( ك َّ الْوَقَائِع اْل َجيعبَةِ اَّتِي أَشَةارَتْ بهَةا‬
    ‫ِ‬                  ‫َص‬              ‫ت الس ة ْ ع الس‬
‫الْآيَا ُ َّاِلفَ ُ لِتَدفَعَ َن َّامِع الْمُتَعب ِّةر مَةا ُيخَةامرُهُ‬
                   ‫َ َ‬                                                ‫ِ َل‬
‫منْ َتطُّب اْلحِكْمَةِ فِي حَدَثَانِ هَذِهِ الْوقَائِع وَأمْثَالِهَةا فِةي‬
           ‫م‬
‫هَذَا اْلعَالَم وَلِكَوْنِ مضْ ُونِ هَذِهِ الْآَرةِ عِبْلرَةً َلنْ عِبَلرِ‬
                                          ‫َ م‬
        ‫ع‬        ‫نظ‬            ‫الت‬         ‫َ ِ‬              ‫ْ‬
‫اْلأَكوَانِ وَحِكْمةً منْ حِكَمِ َّلارِرِِ، وَُ ُلمِ اْل ُمْلرَانِ‬
              ‫ر‬                ‫ه د ْ نز‬                                    ‫ال‬
‫َّتِي لَمْ رَهْتَدِ إِلَيْ َا أَحَ ٌ قَبلَ ُ ُولِ هَلذِهِ الْآَلةِ، وقَعبْةلَ‬
        ‫َ‬


‫1- القراءات العشر املتواترة, ص14,حممد راجح كرمي:,ط: دار‬
                ‫املهاجر,املدينة املنورة,ط: الثالثة,4141هة,4991م.‬
                                             ‫2 - تفسري املنار: (2/ 593).‬
                                            ‫06‬
                                        ‫ُ َِ‬            ‫َ‬
‫إدْرَاكِ مَا فِي مطَاويهَا، عطفتْ عَلَى اْلعِعبَر الْمَاضِةيَةِ كَمَةا‬
              ‫َ‬                 ‫َ‬        ‫ه يه‬               ‫له‬
‫عطِفَ قَوُْ ُ: وَقا َ لَ ُمْ نَعبُّ ُمْ [الَْعبقرَة: 742] ومَةا بعةده‬  ‫ُ‬
                                          ‫و ع‬
‫من ُ ُوس الْآي. َعد َن الْمَُتعَارف فِةي َأمْثَالِهَةا مِةنْ‬    ‫رؤ‬
                     ‫َترْكِ اْلعطْفِ، وَ ُُوكِ سَعبيل الِاسْتِئْنَافِ.)(1)‬
                                                    ‫سل‬         ‫َ‬
‫وما يؤكد السننية يف القلة ومهمتةها يف احليةاة ونظرهتةا‬
‫للمقاييس واملعايري, واستمدادهم للقوة احلقيقيةة اختفةاء‬
‫األشخاص من العرض القرآين هبةدوء وظهةور احلكمةة‬
‫املاضية الثابتة اليت هلي سلنة اهلل الليت ال تتخللف وال‬
‫تتأدل, سلنته يف القللة املؤمنلة الصلابرة, والكثلرة‬
‫املغرورة املتكربة, اليت تتكةرر يف كةل زمةان ومكةان,‬
‫ويف كل عصر ومصر,فةة( السةياق يتجةه إىل هةدف‬
‫آخر من وراء القصة مجيعةاً.. وحةني ينتةهي إىل هةذه‬
‫اصامتة، ويعلن النصر األخةري للعقيةدة الواثقةة ال للقةوة‬
‫املادية، ولإلرادة املستعلية ال للكثةرة العدديةة.. حينئةذ‬
‫يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلةك القةوى.. إهنةا‬
‫ليست املغامن واألسالب، وليسةت األجمةاد واهلةاالت..‬
‫إمنا هو الصالح يف األرض، وإمنةا هةو الةتمكني للخةري‬
                                     ‫بالكفاح مع الشر:‬



                                   ‫1 - التحرير والتنوير: (2/ 555).‬
                                        ‫16‬
  ‫ض‬                          ‫ن ْ ه ْ‬                       ‫َع‬
 ‫«وَلَوْال دفْ ُ اللَّهِ الَّاسَ َبعضَ ُمْ بَعبعضٍ َلفَسَةدَتِ الْةأَرْ ُ.‬
                                  ‫ِ‬               ‫َ ْ‬             ‫ِن‬
                          ‫وَلك َّ اللَّهَ ذُو فضلٍ عَلَى الْعالَمنيَ» ..‬
   ‫وهنا تتوارى األشخاص واألحةدا لتةربز مةن خةال‬
‫الن القصري حكمة اهلل العليةا يف األرض مةن اصةطراع‬
‫القوى وتنافس الطاقات وانطالق السعي يف تيةار احليةاة‬
‫املتدفق الصاخب املوار. وهنا تتكشف علةى مةد العبصةر‬
‫ساحة احلياة املترامية األطراف متةوج بالنةاس، يف تةدافع‬
‫وتسابق وزحام إىل الغايات.. ومن ورائهةا مجيعةاً تلةك‬
‫اليد احلكيمة املدبرة متسةك بةاصيوط مجيعةاً، وتقةود‬
‫املوكب املتزاحم املتصارع املتسابق، إىل اصةري والصةالح‬
                                       ‫والنماء، يف هناية املطاف..‬
‫لقد كانت احلياة كلها تأسةن وتةتعفن لةوال دفةع اهلل‬
‫الناس بعضهم بعبعض. ولةوال أن يف طعبيعةة النةاس الةيت‬
‫فطرهم اهلل عليهةا أن تتعةارض مصةاحلهم واجتاهةاهتم‬
‫الظاهرية القريعبةة، لتنطلةق الطاقةات كلةها تتةزاحم‬
‫وتتغالب وتتدافع، فتةنفض عنةها الكسةل واصمةو ،‬
‫وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظةل أبةداً‬
‫يقظة عاملة، مستنعبطة لةذخائر األرض مسةتخدمة قواهةا‬
‫وأسرارها الدفينة.. ويف النهاية يكةون الصةالح واصةري‬
 ‫والنماء.. يكون بقيام االماعة اصرية املهتديةة املتجةردة.‬


                                        ‫26‬
‫تعرف احلق الذي بينه اهلل هلةا. وتعةرف طريقهةا إليةه‬
‫واضحاً. وتعرف أهنا مكلفة بدفع العباطةل وإقةرار احلةق‬
       ‫يف األرض. وتعرف أن ال جناة هلا من عذاب اهلل)(1)‬

‫وما جرى على داود – عليه السةالم- هةو مةا جيةري‬
 ‫على القلة يف كل زمةان ومكةان فهةي سةنة ماضةية,‬
 ‫وناموس ال يتعبد وال يتخلف, ولقد رصةد لنةا القةرآن‬
‫الكرمي منوذجا آخر من مناذج القلة بدت يف عينةه الةدنيا‬
‫قليلة, بالنسعبة إىل صادق موعةود اهلل – تعةاىل- وعظةيم‬
‫إنعامه على املؤمنني, إنةه صةاحب ذي االنةتني, الةذي‬
 ‫وقف أمام صاحعبه معلمةا ومرشةدا, ومعبينةا وهاديةا,‬
 ‫ذاكرا له أن القلة يف الدنيا ال تعين القلةة يف اآلخةرة وأن‬
 ‫الغىن يف األوىل ليس دليال على وفةرة املةا يف الثانيةة,‬
‫ومقاييس العاجلة ليست مقاييس العباقيةة, وبعةد حةوار‬
 ‫طويل رصده القرآن الكرمي,أكد له املؤمن أنةه وإن كةان‬
       ‫ق‬                           ‫ق‬
‫يف املا ُلواً, ويف األوالد ُالً فاهلل خةري وأبقةى, (َةا َ‬  ‫خ‬
                          ‫ال‬         ‫ره َ‬              ‫عبه َه‬
‫لَ ُ صَاحُِ ُ و ُوَ ُيحَاو ُ ُ َأكفَةرْتَ ب َّةذِي خََلقَةكَ مِةنْ‬    ‫ه‬
                 ‫ِن‬            ‫ُم ِ ْ ُم َو ج‬
‫ُترَابٍ ث َّ منْ ُنطفَةٍ ث َّ س َّاكَ رَ ُلًا (73) لَكَّةا هُةوَ اللَّةهُ‬
                                                ‫أ ك َب‬
‫رِّي وَلَا ُشْر ُ برِّةي أَحَةدًا (83) وَلَوْلَةا إذْ دَخَلْةتَ‬      ‫َب‬


                                   ‫1 - يف ظال القرآن: (1/ 572).‬
                                        ‫36‬
‫ن َلل‬
‫جَّتَكَ ُلتَ مَا شَاءَ اللَّ ُ لَا ق َّةَ إَّا بالَّهِ إِنْ تَرَنِ أََلا أَق َّ‬
                           ‫ه ُو ل ل‬                                  ‫َن ق ْ‬
                                               ‫ْ ل َ‬
                     ‫مِنكَ مَاًا ووَلَدًا (93), الكهف:73_93.‬
‫وهذا القو من املةؤمن بيةان واعةي للقلةة يف الةدنيا‬
‫وصفاهتا, وهو مثل يتكرر يف كل زمان ومكةان, و(َهُةوَ‬
   ‫ح‬           ‫ل‬         ‫ِ‬                   ‫م‬           ‫ْ م ْم ال‬
 ‫قَو ُ الْ ُؤ ِن َّذِي لَا َا َ لَهُ، وَلَا عَشريَةَ، مِثْة ُ صَةا ِب‬
         ‫عب‬                             ‫َه ل‬               ‫َن َ ِ‬
‫اْلجَّتَيْن وعَشريَتِهِ، و ُوَ مِْث ُ سَلْمَانَ وَصُةهَْيبٍ وَخََّةابٍ،‬
                ‫َي الرج ل‬                   ‫ق ق م ْ ِن ف‬
‫َي ُو ُ: َا َ الْ ُؤم ُ لِلْكَاِر: إنْ َترَنِ أُّهَا َّ ُة ُ أَنَةا َأقَةلَّ‬
‫مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا،)(1) هكذا يف نظةرك, وأنةت الكةثري‬
 ‫املا الوافر العشرية والعيةا , فةإين بفضةل اهلل عزيةز,‬
‫وبعطائه غين, وبرضاه مطمئن, وبتأييده آمن, فأنةا ععبةده‬
‫وهو سيدي , (وهكذا تنتفض عةزة اإلميةان يف الةنفس‬
‫املؤمنة، فال تعبايل املا والنفر، وال تداري الغةىن والعبطةر،‬
‫وال تتلعثم يف احلق، وال جتامل فيةه األصةحاب. وهكةذا‬
‫يستشعر املؤمن أنه عزيز أمام االاه واملا ، وأن مةا عنةد‬
‫اهلل خري من أعراض احلياة، وأن فضةل اهلل عظةيم وهةو‬
‫يطمع يف فضل اهلل. وأن نقمة اهلل جعبةارة وأهنةا وشةيكة‬
                        ‫أن تصيب الغافلني املتعبطرين.)(2)‬



                                         ‫1 - جامع العبيان :(51/ 592).‬
                                     ‫2 - يف ظال القرآن: (4/ 1722).‬
                                           ‫46‬
‫إنه مثل يتكرر يف الزمان واملكان واألفراد وتلك مسة السنة‬
              ‫املاضية, والقانون الذي ال يتعبد وال يتحو .‬
                                          ‫الصرب والثبات وطاعة القواد‬
‫ومن صفات القلة احملمودة الةيت جةرت هبةا سةنة‬
‫القرآن الكرمي, الصرب والثعبات, بدا ذلك يف القلةة املؤمنةة‬
‫مع طالوت, وبدا عمليا يف غةزوات الةنيب – صةلى اهلل‬
‫عليه وسلم- ويعبدو ذلةك صةراحة يف طلةب القةرآن‬
‫الكرمي منهم الصرب والثعبةات علةى مالقةاة الكفةار يف‬
      ‫ي َيه الن ةي َةر‬
‫احلرب وبيان أهنم ال يفقهةون,( َا أُّ َا َّعب ُّ ح ِّض‬
                 ‫ك ِ‬                 ‫ك‬
   ‫الْمُؤمِننيَ عَلَى اْلقِتَةا إنْ َي ُةنْ مِةْن ُمْ عشْةرُونَ‬          ‫ْ‬
                  ‫ك ك ئ ة‬                                    ‫عب‬
     ‫صَابرُونَ َيغْلُِوا مِائَتَيْن وَإنْ َي ُنْ مِْن ُمْ مَِة ٌ َيغْلِعبُةوا‬
                     ‫ْه‬            ‫َ َر َنه ْم‬
 ‫أَْلفًا مِنَ الَّذِينَ كف ُوا بأَّ ُمْ قَو ٌ لَةا َيفقَ ُةونَ (25)‬
                 ‫َن ك ض ْف‬                               ‫خ َّ َّه‬
     ‫الْآَنَ َففَ الل ُ عَْنكُمْ وَعَلِمَ أ َّ فِي ُمْ َةع ًا فَةإنْ‬
                                      ‫َة عب‬                ‫ة‬
‫َي ُنْ مِْنكُمْ مَِئ ٌ صَةابر ٌ َيغْلُِةوا مِةائَتَيْن وَإنْ َيكُةنْ‬       ‫ك‬
            ‫الل َالل ه‬                                    ‫ف عب‬
  ‫مِْنكُمْ أَْل ٌ َيغْلُِوا أَْلفَةيْن بةإذْنِ َّةهِ و َّة ُ مَةعَ‬
                                        ‫َّابري َ), األنفا :(55).‬   ‫الص ن‬
                   ‫ث‬           ‫ِب الص‬                                     ‫َن‬
‫(أ َّ اْلفِئَةَ اْلقَلِيلَةَ قَدْ َتغْل ُ - ب َّةعبْر وَالَّعبَةاتِ وَطَاعَةةِ‬
               ‫َ الص ر ِّ‬                                                   ‫ُو‬
‫اْلق َّادِ - اْلفِئَةَ الْكَِثريَةَ الَّتِي َأعْوَزهَا َّْعب ُ وَالِاتحَةادُ، مَةعَ‬
                            ‫الص‬                          ‫ط قو َن‬
‫َاعَةِ اْل ُ َّادِ; لِأ َّ َنصْةرَ اهللِ مَةعَ َّةابرينَ; أَيْ جَةرَتْ‬
         ‫ََن‬         ‫َالص‬          ‫ث‬           ‫ك َّ ْر‬
‫سَُّ ُ بأَنْ يَ ُونَ النص ُ أََثرًا لِلَّعبَةاتِ و َّةعبْر، وأ َّ َأهْةلَ‬  ‫ُنته‬
                                             ‫56‬
      ‫َ‬        ‫ف‬                ‫ن ِّ‬                ‫َ وج ه‬
‫اْلجزَع َاْل ُعبْن ُمْ َأعْوَا ٌ ِلعَدُوهِمْ عَلَى أَْن ُسِةهمْ، وهَةذَا‬
             ‫ُ َاهَ ٌ فِي ك ِّ زمَانٍ، وهُوَ كَِث ٌ لَا م َّر ٌ )(1)‬
                     ‫ري ُط د‬              ‫َ‬         ‫مش د ُل َ‬

                                                ‫من صفات القلة أمم العاملون‬

‫العلم أساس احلضارة, به تنشأ وعليه تقوم, وبدونه ال تستمر وال‬
‫تزدهر,وحضارة ال تتعبىن العلم وال تعتمد عليه حضارة شوهاء,‬
‫ترف - إن رفت- اناح واحد, أو هي عرجاء متشي – إن‬
‫مشت - على ساق واحدة, من هنا كان أو ما نز يف بناء‬
‫حضارة اإلسالم (اقرأ), ومن هنا كان العلم قعبل العقيدة(فاعلم‬
                                          ‫أنه ال إله إال اهلل),حممد:(91).‬

‫والقلة الرائدة العاملة ال تكون مؤثرة إال بةالعلم؛ لةذا تةرى‬
   ‫ة ه‬                    ‫ل‬
‫من أبرز صفات القلة أهنم عاملون, (سَةَيقُوُونَ ثَلَاثَة ٌ رَابعُ ُةمْ‬
‫كَلُْ ُمْ وََي ُوُونَ خَمْسَ ٌ سَادِسُة ُمْ كَلْةعبُ ُمْ رَجْمًةا بِاْلغَيْل ِ‬
                        ‫ه‬            ‫ه‬          ‫ة‬           ‫عبه ق ل‬
           ‫م ِلد‬             ‫ْ َة نه به ُ َب‬                          ‫قل‬
‫وََر ُوُونَ سَبع ٌ وَثَامُِ ُمْ كَلُْ ُمْ قلْ رِّي أَعْلَل ُ ِبع َّتِهِمْ مَلا‬
                                                 ‫مه ِل ل ل ت‬
‫َرعْلَ ُ ُمْ إَّا قَلِي ٌ فَ َا ُمَار فِيهمْ إَّا مرَاء ظَةاهرًا وَلَةا تَسْةَتفتِ‬
  ‫ْ‬                  ‫ِ‬         ‫ل ِ‬
                                              ‫ه‬
‫فِيهمْ مِنْ ُمْ أَحَدًا), الكهف: (22), فوصف العةاملون بعةدد‬
‫أهل الكهف بأهنم قليل, وهذا شأن القلة, تكون أكثةر أهةل‬

                                           ‫1 - تفسري املنار :(2/ 393).‬
                                          ‫66‬
‫أمتها علما, وأوفرها فهما ألهنةم الةرادة الةذين يسةعبقون,‬
  ‫اهلة‬  ‫مة‬        ‫قة‬    ‫والقة الة ية‬
‫ةادة ةذين ةدلون ةومهم إىل ةواطن ةدى‬
‫والفالح,وكان ابن ععباس من هذا القليل وهو مةن هةو بةني‬
‫الصحابة علما وفهما,وإن ورد فيها أهنم أهةل الكتةاب فهةم‬
‫أيضا بالنسعبة على غريهم قلة,وكان ابن ععبةاس يقةو :(مَلا‬
                                    ‫ل‬              ‫مه‬
‫َرعْلَ ُ ُمْ إِال قَلِي ٌ): رعين أهل الكتاب، وكلان ابلن عبلاس‬
                               ‫رقول: أنا ممن استثناه اهلل)(1).‬

                         ‫صَّ‬
‫وهؤالء العلماء هم األصفياء ا ُل , واصواص من ععباد اهلل –‬
‫تعاىل- ؛ ولذا أطلعهم بعلمه على معرفة عدد هؤالء األولياء من‬
‫ععباده, أهل الكهف الدعاة الصابرين الفارين بدينهم من الظلم‬
            ‫وأهله, (ملا كانوا من أوليائه فال رعلمهم إال خواص‬
‫َّ عبادِه، ومن‬
‫كان قريعبا يف احلا منهم فهم يف كتم الغرية, وإيواء الستر, ال‬
      ‫ن‬
‫ي ّلع األجانب عليهم, وال رعلمهم إال قليل أل ّ احلق-‬
                                                ‫ط‬
‫سبحانه- رستر أولياءه عن األدان ، فال يعلمهم إال أهل‬
 ‫احلقيقة فاألجانب ال يعرفون األقارب، وال تشكل أحوا‬


‫1 - جامع العبيان : (71/ 249),وانظةر: تفسةري العبغةوي:(3/‬
                                                   ‫981).‬
                               ‫76‬
‫األقارب على األقارب)(1), (مث أخرب أن عامل ذلك من العبشر‬
                                                                          ‫قليل)(2) .‬

‫وهؤالء العاملون هم الذين وفقوا لعلم الصةواب وإصةابة‬
‫ةوا‬         ‫احلة وهة الة أصة الصة‬
   ‫ةق, ( ةم ةذين ةابوا ةواب وعلمة‬
                                     ‫إصابتهم.)(3)‬
‫ولعل الترابط بني (ما يعلمهم إال قليل) وما قعبلةها يظهةر‬
 ‫ة‬            ‫م‬          ‫ل‬             ‫مه ل‬                 ‫ج ة‬
‫ذلك, (فَ ُمْلَ ُ مَا َيعْلَ ُ ُمْ إَّةا قَلِية ٌ كَةذَلِكَ ُسْةتَأَْنفَ ٌ‬
           ‫ع ل َنه َ م ي ري‬                           ‫ي َن‬
‫اسْتِئْنَافًا بَيَانًّا لِأ َّ الْإخْعبَارَ َن الَّهِ بأَّ ُ الْةأعْلَ ُ ُةِث ُ فِةي‬
          ‫ك ن ض الن‬
 ‫ُن ُوس َّامعنيَ أَن يَسْأَلوا: هَةلْ يَ ُةو ُ بَعْة ُ َّةاس‬ ‫ف الس ِ ِ‬
                  ‫َن‬                  ‫ِ‬                           ‫ِد‬
‫عَالِمًا بع َّتِهمْ عِلْمًا غَْيرَ كَاملٍ، فَأُجيبَ بةأ َّ قَلِيلًةا مِةنَ‬
       ‫هم ل ه‬                 ‫َ ه َ‬                          ‫م‬          ‫ن‬
‫الَّاس َيعْلَ ُونَ ذَلِكَ وَلَا محَالَةَ ُمْ منْ أَطَْلعَ ُ ُ الَّة ُ عَلَةى‬
                                   ‫ه‬          ‫ُل‬          ‫َ‬
‫ذَلِكَ بوَحْيٍ وعَلَى ك ِّ حَا ٍ فَ ُمْ لَا يوصةفون باألعلميةة‬
         ‫لِأ َّ عِلْمَ ُمْ ُكْتَس ٌ منْ جهَةِ الَّهِ الْأعْلَم بذَلِكَ)(4)‬
                              ‫ل َ‬              ‫َن ه م َب ِ‬

‫إن هؤالء القلة هم أهل العلم بزماهنم, وأهل الوعي بشأهنم, وما‬
‫يلزمهم يف وقتهم, وذلك العلم أحد األسعباب الرئيسة اليت تعبىن عليها‬


                               ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 983).‬
                    ‫2 - الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (3/ 855).‬
                                       ‫3 - تيسري الكرمي الرمحن: (474).‬
                                      ‫4 - التحرير والتنوير: (51/ 392).‬
                                              ‫86‬
‫احلضارة, وتؤسس عليها الدعوة إىل اهلل تعاىل, وحتفظ هذه احلضارة‬
                                                ‫من التفسخ واالحنال .‬

                                                        ‫شاكرون عمالً‬

‫وإذا كانت القلة العاملة هةم العةاملني الةواععبني ملةا دق علةى‬
‫غريهم, فهم كذلك الشاكرون عمةالً ال قةوالً, واملستشةعرون‬
‫لنعمة اهلل تعاىل عليهم يةدفعهم علمهةم إىل الشةكر الصةادق,‬
‫وهو الشكر العملي, الةذي ال يتوقةف عنةد شقشةقة اللسةان‬
‫وطمطمة األسنان, بل يعلمون أن العلم يولةد العمةل, والشةكر‬
‫من جنس النعمة اليت رزقوها, كما أخرب اهلل تعةاىل عةن آ داود‬
              ‫لم‬                 ‫دو ش‬             ‫ل‬
‫يف قوله:(..... اعْمَ ُوا آَلَ َا ُودَ ُلكْرًا وَقَلِيل ٌ ِلنْ عِبَلادِ َ‬
                                                             ‫الشك ر‬
                                                 ‫َّ ُو ُ)سعبأ: (31).‬

‫أي: (وقلنا هلم اعملوا بطاعة اهلل يةا آ داود شةكرًا لةه‬
‫على ما أنعم عليكم من النعم اليت خصكم هبا عةن سةائر‬
‫خلقه مع الشكر له على سائر نعمه اليت عمكةم هبةا مةع‬
                                       ‫ت‬
‫سائر خلقه، وُرك ذكر: "وقلنةا هلةم" اكتفةاء بداللةة‬
                           ‫الكالم على ما ترك منه)(1).‬


                                 ‫1 - جامع العبيان: (52/ 893).‬
                                  ‫96‬
‫ولعل السر يف التععبري عن الشكر بالعمةل فلةم يقةل اهلل‬
‫– تعاىل-: اشكروا, بل قا : اعملوا شةكرا, مةا يظهةر‬
‫أهنم مطالعبون بأن يكةون شةكرهم شةكراً عمليةاً, ال‬
                        ‫شْ‬
‫شكرا قولياً, (وأخرج قوله: ( ُكرًا) مصدرا مةن قولةه:‬
                                                    ‫ل‬
‫(اعْمَُوا آ َ دَاودَ) ألن معىن قولةه: (اعْمَلُةوا): اشةكروا‬
‫ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمةل بالةذي رضةي اهلل، هلل‬
                                               ‫شكر.)(1)‬
                                            ‫ش‬
‫(وانتصب ُكْراً على أنه مفعةو لةه، أي: اعملةوا هلل,‬
‫واععبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيةه دليةل علةى أن‬
                                      ‫د‬
‫الععبادة جيب أن تؤ ّى علةى طريةق الشةكر. أو علةى‬
‫احلا ، أي:شاكرين. أو علةى تقةدير اشةكروا شةكرا،‬
           ‫ن‬
‫ألن اعملوا فيه معىن اشةكروا، مةن حيةث إ ّ العمةل‬
‫للمنعم شكر له. وجيوز أن ينتصب بةا عملةوا مفعةوال‬
                     ‫ن‬
‫به. ومعناه: إنا سخرنا لكةم االة ّ يعملةون لكةم مةا‬
‫ةق‬            ‫علة‬      ‫أنة شة‬
     ‫ةئتم، ةاعملوا ةتم ةكرا ةى طرية‬        ‫فة‬         ‫شة‬
                                        ‫الشك ر‬
  ‫املشاكلة.و َّ ُو ُ املتةوفر علةى أداء الشةكر، العبةاذ‬
‫وسعه فيه: قد شغل به قلعبه ولسةانه وجوارحةه، اعتقةادا‬
                       ‫واعترافا وكدحا، وأكثر أوقاته.)(2)‬


                              ‫1 - جامع العبيان : (52/ 893).‬
           ‫2 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 375).‬
                                ‫07‬
‫وهؤالء الشاكرون شكرا عمليا قليلون, وتللك سلنة اهلل‬
‫تعاىل يف خلقله وعبلاده, أي:( وقليةل مةن ععبةادي‬
‫املخلصو توحيدي واملفردو طاعيت وشكري علةى نعمةيت‬
                                           ‫عليهم.)(1)‬
‫أَي:( ُّ الَّاس الْ ُؤمن)(2), فاملخلصةون يف توحيةدهم‬
                                  ‫أقل ن م‬
‫واملفردون للطاعة والشكر على النعمةة هةم الشةاكرون‬
‫عمالً, وهم أقل الناس كما جرت بذلك سةنة اهلل تعةاىل‬
                                              ‫يف القلة.‬
‫والشكور: (املتةوفر علةى أداء الشةكر بقلعبةه ولسةانه‬
‫وجوارحه أكثر أوقاته, ومع ذلةك ال يةوىف حقةه؛ ألن‬
                                   ‫ة‬
‫توفيقه الشكرَ نعم ٌ تستدعي شةكراً آخةر ال إىل هنايتةه؛‬
      ‫ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.)(3)‬
                ‫والشكور:(العامل بطاعيت شكرا لنعميت)(4)‬
    ‫ال‬         ‫ك‬                                ‫ب‬
‫َالْفرق َني الشاكر والشكور: (أَن الشة ُور هُةوَ َّةذِي‬     ‫و‬
         ‫يتَك َّر مِنْ ُ ُّكْر، والشاكر َّذِي يشْكر م ّة.)(5)‬
               ‫ر‬             ‫ال‬            ‫َر ه الش‬

                          ‫1 - جامع العبيان: (52/ 993).‬
           ‫2 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (4/ 51).‬
                 ‫3 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 442).‬
‫4 - التفسري الوسيط للواحةدي:(3/ 984), وانظةر: تفسةري‬
            ‫العبغوي :(3/ 479).و تفسري السمعاين: (4/ 223).‬
                          ‫5 - لطائف اإلشارات:(3/ 971).‬
                                 ‫17‬
                                       ‫الشك ر‬
‫و ( { َّ ُو ُ} املؤمن املوحةد , أو املطيةع، أو ذاكةر‬
‫النعمة. والشاكر من مل يتكةرر شةكره والشةكور مةن‬
‫تكرر شكره، أو الشاكر علةى الةنعم والشةكور علةى‬
‫العبلوى، أو الشاكر من غلب خوفه والشكور مةن غلةب‬
                                          ‫رجاؤه.)(1)‬
‫(والشكور كثري الشكر، والشكور الةذي يشةكر علةى‬
‫النعمة فوق ما يشكر أمثاله وأضةرابه. وإذا كةان النةاس‬
         ‫يشة‬
‫ةكور ةكره يف‬     ‫ةاء فالشة‬          ‫علة‬
                          ‫ةكرونه ةى الرخة‬       ‫يشة‬
‫العبالء.والشاكر يشكر على العبذ ، والشكور علةى املنةع‬
‫فكيف بالعبذ ؟والشكور يشكر بقلعبه ولسةانه وجوارحةه‬
                       ‫وماله، والشاكر بعبعض هذه.)(2)‬
‫وواقع الناس ينعب بأن القليل منهم مةن يشةكر علةى‬
‫هذا النحو, فيشكر على املنع كما يشةكر علةى األخةذ,‬
‫ويشكر على العبالء كما يشكر علةى الرخةاء, ويشةكر‬
‫على القليل كما يشكر علةى الكةثري, ويشةكر بقلعبةه‬
‫وكل جوارحه, وهذا الصنف يف النةاس ال أقةو قليةل‬
‫بل نادر, فالكثري من الناس من يهش للعطةاء ويأسةى يف‬
‫العبالء, قليل من الناس (مةن يأخةذ النعمةة مةن اهلل وال‬


                          ‫1 - تفسري القرطيب :(41/ 772).‬
                         ‫2 - لطائف اإلشارات:(3/ 971).‬
                             ‫27‬
 ‫حيملها على األسعباب فال يشكر الوسةائط ويشةكر اهلل.‬
‫واألكثرون يأخذون النعمة من اهلل، وجيةدون اصةري مةن‬
                                               ‫ن‬
‫قعبله مث يتقلدون املّةة مةن غةري اهلل، ويشةكرون غةري‬
                                                        ‫اهلل.)(1)‬
                  ‫َ ه َ ل‬
‫يقو ابن كثري رمحه اهلل:وقَوْلُة ُ: {وقَلِية ٌ مِةنْ عِعبَةادِيَ‬
‫َّ ُو ُ} إخْعبَا ٌ عَةن الْ َاقِةع.)(2), وهلذا هلو علني‬
                          ‫و‬          ‫ر‬          ‫الشك ر‬
                                     ‫السننية يف صفة تلك القلة.‬
       ‫( وَإِذْ َانَ اْلعَملُ ُكْرًا أَفَادَ أ َّ العاملني قَلِيل.)(3)‬
                            ‫َن‬                ‫َ ش‬           ‫ك‬
‫و(هذا إخعبار بواقع. وصدق اهلل العظةيم ,الشةاكرون هلل‬
‫على نعمه قليةل, ويف كةل زمةان ومكةان؛ وذلةك‬
‫الستيالء الغفلة على القلوب من جهةة, والهةل النةاس‬
                        ‫برهبم وإنعامه من جهة أخرى.)(4)‬
‫وهذه سنة اهلل تعاىل الةيت ال تتعبةد وال تتخلةف والةيت‬
‫يعرب عنها املفسةرون بعةادة اهلل تعةاىل, (وقةد جةرت‬
‫عادته- تعاىل- بكثرة اصعبيث مةن كةل شةيء، وقلةة‬
       ‫ه‬     ‫َ ل‬
‫الطيب من كل شيء، قا تعةاىل:(وقَلِية ٌ مةا ُةمْ ) ،‬


               ‫1 - لطائف اإلشارات: (3/ 971), بتصرف يسري.‬
                            ‫2 - تفسري ابن كثري : (9/ 155).‬
                             ‫3 - التحرير والتنوير: (22/ 391).‬
                         ‫4 - أيسر التفاسري للجزائري: (4/ 513).‬
                                      ‫37‬
                               ‫الشك ر‬             ‫َلل ِ‬
‫(وقَِي ٌ منْ عِعبادِيَ َّ ُو ُ ) ، ويف احلةديث الصةحيح:‬
                           ‫دت د‬                     ‫نس‬
 ‫«الّا ُ كإبلٍ مِائةٍ ال تكا ُ َج ُ فيهةا رَاحِلةةَ» ، وقةا‬
                                                   ‫الشاعر:‬
              ‫ح‬          ‫ح‬         ‫ح‬         ‫ن‬
‫إّي ألفتَ ُ عَينةيَ ِةنيَ أفَت ُهةا ... عَلَةى‬
                                   ‫ح‬
                                 ‫كثري ولكن ال أرى أ َدا‬
                         ‫فأهل الصفا قليل يف كل زمان)(1)‬
‫والبن أيب عادل احلنبلي تقسةيم بةديع يف األسةعباب‬
‫اليت حتمل على قلة الشاكرين وكثةرة االاحةدين, منةها:‬
      ‫ة ة‬             ‫ة ة‬                ‫ة‬        ‫ة‬
‫أن يعتق ةد الرج ةل أن ه ةذه ال ةنعم ليس ةت م ةن اهلل‬
‫(تعاىل),أو يعتقد أهنا من اهلل إال أن تعاقب الليةل والنةهار‬
‫ينسي, فإذا فقدها أدرك قيمةة وجودهةا, أو أن حرصةه‬
‫على املا واالاه حيمله على كفران الةنعم, ( وملةا كةان‬
‫أكثر اصلق واقعني يف أحد هذه األوديةة الثالثةة ال جةرم‬
              ‫ُر‬
‫قا تعاىل: {ولكن َأكَْثرَ النةاس الَ يَشْةك ُونَ} .ونظةريه‬
                                     ‫َ ل ل ِّ‬
‫قوله تعاىل: {وقَِي ٌ منْ عِعبَادِيَ الشةكور} [سةعبأ: 31]‬
         ‫َ ت ة د َة َه َة‬
‫ةو ةيس: {والَ َج ة ُ َأكْث ةر ُمْ ش ةاكِرينَ}‬ ‫وقة إبلة‬
                                     ‫[األعراف: 71] )(2)‬

                                 ‫القلة احملمودة ال تبغي على خلطائها‬

              ‫1 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 58).‬
                     ‫2 - اللعباب يف علوم الكتاب: (71/ 87).‬
                                  ‫47‬
‫والقليل الشاكر الذي يشكر على السراء والضةراء, وعلةى‬
‫النعمة وعلى العبالء, وعلى األخذ واإليتاء, حيملةه هةذا اللوعي‬
‫إىل سعي يرضةي ربةه فةال يعبغةي يف شةركته, وال حييةف يف‬
‫قسمته, وال ميد عينيه إىل ما فضل بةه بعةض النةاس؛ عاملةاً أن‬
‫الرزاق واهب, وأن املعطةي حكةيم, وأن عطةاء الةدنيا بةالء‬
‫واختعبار,ولقد أكد القرآن الكرمي أن القلةة احملمةودة ال تعبغةي وال‬
‫تتحيف, وال تشتط وال متيد, قا تعاىل يف وصةف هةذه القلةة‬
        ‫خ‬                    ‫ن‬
‫بأهنا ال يعبغي بعضها على بعض:( ...وَإ َّ كَِثريًا مِةنَ الْ ُلَطَةاءِ‬
               ‫َن‬         ‫ل ال‬
‫لَيَْعبغِي َبعْضُهُمْ عَلَةى َبعْةضٍ إَّةا َّةذِينَ آمَُةوا وَعَمِلُةوا‬
  ‫َْ‬      ‫َن ه ف‬          ‫َن و د َن‬                    ‫ل‬            ‫الص ح‬
‫َّالِ َاتِ وَقَلِي ٌ مَا هُمْ وَظ َّ دَا ُو ُ أَّمَةا فَتَّةا ُ َاسْةَتغفرَ‬
                                        ‫رَّه َ َر ر ِع وأن ب‬
                              ‫َب ُ وخ َّ َاك ًا َََا َ),ص: (55).‬

‫أي أن هؤالء الذين ال يظلمون قليلون بالنسعبة إىل غريهم من اصلطاء‬
‫الظاملني الذين يعبغون على شركائهم.أي: ( قليل من ال يعبغي.)(1)أو:‬
                         ‫(قَِي ٌ َّ ِينَ ُمْ فِيهِ )(2),(وهم قلة نادرة.)(1)‬
                                                          ‫ل ل الذ ه‬


‫1 -جامع العبيةان: (12/ 581), وانظةر املوسةوعة القرآنيةة:‬
                                              ‫(11/ 89).‬
                        ‫2 - تفسري ابن أ حامت: (51/ 5423).‬
                                    ‫57‬
‫وهؤالء القليل الذين ال يظلمةون, هةم الصةاحلون القليلةون يف‬
‫كل زمان ومكان, وقةد أراد داود – عليةه السةالم- بوصةف‬
‫القلة هنا ذكر حا هؤالء القليةل الةذين هةم ال يظلمةون وال‬
‫يعبغون, على سعبيل (املوعظة احلسةنة والترغيةب يف إيثةار عةادة‬
               ‫ر‬
‫اصلطاء الصلحاء الذين حكم هلم بالقلة، وأن يك ّه إلةيهم الظلةم‬
‫واالعتداء الذي عليه أكثرهم، مةع التأسةف علةى حةاهلم، وأن‬
             ‫ن‬
‫يسلى املظلوم عما جرى عليةه مةن خليطةه، وأ ّ لةه يف أكثةر‬
                                                         ‫اصلطاء أسوة.)(2).‬

‫وبني اإلمام الرازي السةننية يف قلةة الصةاحلني الةذين ال يعبغةي‬
           ‫ِل‬          ‫ح‬
‫بعضهم على بعض وأسعباب ذلةك بةأن ( الْ ُكْلمَ ِبق َّلةِ َأهْللِ‬
                                                      ‫ق‬         ‫ري‬
‫الْخَيْرِ كَثِ ٌ فِي اْل ُرْآنِ، َا َ َتعَالَى: وقَلِي ٌ منْ عِعبةادِيَ َّة ُورُ‬
   ‫الش ك‬              ‫َ ل ِ‬                   ‫ق‬
‫َ ل‬                                 ‫السل م‬          ‫ُد‬        ‫َق‬
‫[سَعبَأٍ: 31] وَا َ دَاو ُ عَلَيْهِ ََّا ُ فِي هَةذَا الْمَوْضِةع:)( وقَلِية ٌ‬
  ‫َه‬         ‫و ت د‬            ‫نه ق‬                                  ‫ه‬
‫مَا ُمْ), وَحَكَى َتعَالَى عن إبليس أَّ ُ َةا َ: ( َال َجة ُ َأكْثَةر ُمْ‬
              ‫ِل َن َّ‬               ‫َ‬
‫شا ِرينَ) [الْأعرَافِ: 71], وَسَلب ُ الْق َّلةِ أ َّ اللدوَاعِيَ إِلَلى‬
                                                       ‫َْ‬          ‫ك‬
                                            ‫ة‬          ‫الد ي‬
‫ُّنَْا كَثِريَ ٌ، وهي احلواس العباطنةة والظةاهرة وهةي عشةرة,‬


                     ‫1 - املنتخب يف تفسري القرآن الكرمي:1/979.‬
            ‫2 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (4/ 78).‬

                                      ‫67‬
          ‫َ مع‬           ‫ِية الس ة‬                   ‫و َ َب و ق‬
‫والشهوة َاْلغض ُ َاْل ُوَى الطَّعبيعَّ ُ َّةْعبعَ ُ فَةالْمجْ ُو ُ تِسْةعَةَ‬
                   ‫ْ‬       ‫َ ُل‬               ‫َن‬                  ‫َ و ِف‬
‫عَشرَ َاق ُونَ عَلَى بَاب جَهَّمَ الْعبَدِنِ، وكُّهَا تَةدعُو إلَةى اْلخَلْةق‬
  ‫ل‬               ‫َق َالةد‬              ‫ِّي ََم الد‬                ‫َالد َالل‬
‫و ُّنْيَا و َّذَّةِ اْلحِسَّةِ، وأ َّا َّاعِي إلَى اْلح ِّ و ِّين فَلَةْيسَ إَّةا‬
      ‫ر‬                            ‫ِي‬              ‫ِّي‬        ‫ء ُو‬                    ‫َْ‬
‫اْلعقلَ وَاسْتِيلَا ُ اْلق َّةِ اْلحِسَّةِ وَالطَّعبيعَّةِ عَلَةى اْلخَلْةق َأكْثَة ُ مِةنَ‬
                     ‫َّة‬        ‫ََ‬       ‫الس‬
‫اْلق َّةِ اْلعقْلَّةِ فِيهمْ، فَلِهَذَا َّبَ ِ وَقعتِ اْلقِل ُ فِي دَانِل ِ َأهْللِ‬
                                                                ‫ُو َ ِي‬
                                  ‫الْخَيْرِ وَالْكَثْرَةُ فِي دَاِن ِ َأهلِ الش ِّ،)(1).‬
                                        ‫ْ َّر‬

                                            ‫َلل م ه‬
‫( وقَِي ٌ َّا ُمْ أي وهم قليل، وما مزيدة لإلهبام والتعجب من‬
                                                ‫قلتهم.)(2)‬

                           ‫(واملعىن أن الصاحلني الذين ال يظلمون قليل)(3)‬

        ‫ة‬          ‫ل‬                 ‫َلل م ه‬
‫قا أبو السعود:{وقَِي ٌ َّا ُمْ} أي وهم قلي ٌ وما مزيد ٌ لإلهبام‬
                           ‫َّعجب من قلَّتِهم واالمل ُ اعترا ٌ)(4).‬
                                ‫ة ض‬                             ‫والت‬




                             ‫1 - مفاتيح الغيب, أو التفسري الكعبري: (92/ 583).‬

                                      ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (5/ 72).‬

                                    ‫3 - لعباب التأويل يف معاين التنزيل: (4/ 93).‬

                ‫4 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (7/ 122).‬

                                           ‫77‬
‫والتعجب ورد من القلة من عدة وجوه:) وصفهم بالقلة، وتنكري‬
‫(قليل) وزيادة (ما) اإلهبامية. والشيء إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب‬
                                  ‫منه. فكأنه قيل: ما أقلهم.)(1)‬

‫(وما مزيدة لتأكيةد القلةة أو لإلهبةام أو التعجةب مةن قلةة‬
                        ‫املوصوفني باإلميان وصا العمل)(2)‬

‫وتذييل االملة الكرمية هبذا الوصف يعبني نفاسة القلةة, وسةنة‬
‫اهلل تعاىل فيها, اليت تؤكةدها وقةائع األحةدا ودنيةا النةاس,‬
             ‫َ‬
‫وهناك دواعي هلذه القلة وعوامل ساعدت عليهةا, (وفِةي تَةذْييل‬
           ‫ك‬             ‫َةث ه‬         ‫ه‬      ‫َلل‬                      ‫ل‬
‫كََامِهِ بقَوْلِهِ: (وقَِي ٌ مَةا ُةمْ) ح ٌّ لَ ُمَةا أَنْ يَ ُونَةا مِةنَ‬
       ‫س ك ل‬              ‫ُّف م‬          ‫الص ِ م ُ مَ َرر‬
‫َّاِلحنيَ لِ َا هوَ ُتق َّ ٌ فِي الن ُوسِ ِلنْ َنفَا َلةِ ُل ه شَليْء‬
‫قَلِيلٍ، َا َ َتعَالَى: قلْ لَا يَسْتَوي اْلخَعبي ُ وَالطِّة ُ وَلَةوْ َأعجَعبَةكَ‬
        ‫ْ‬           ‫ث َّي ب‬                              ‫ُ‬              ‫ق‬
                   ‫َالس ب‬                 ‫ئ‬                   ‫ة‬
‫كَثْرَ ُ اْلخَعبيثِ [الْمَاِةدَة: 551] . و َّةَعب ُ فِةي ذَلِةكَ مِةنْ‬
             ‫ة‬               ‫َذ الةد‬              ‫َن الدو‬
‫جَانب اْلحِكْمَةِ: أ َّ َّ َاعِيَ إلَى ل َّاتِ ُّنْيَا كَةِثريَ ٌ وَالْمَشْةيَ‬
                   ‫ة ُق‬               ‫َّ‬         ‫َ عب ب َ ُج‬
‫مَعَ الْهَوَى محُْو ٌ وم َاهَدَةَ النفْس عَزيةزَ ُ الْوُةوع، فَالْإنْسَةانُ‬
          ‫َةق م‬                 ‫ََم و‬             ‫َّي‬             ‫َ ْف ف‬
‫مح ُو ٌ بجَوَاذِب السِّئَاتِ، وأ َّا دَ َاعِي اْلح ِّ وَالْكَ َةا فَهُةوَ‬


                                              ‫1 - حماسن التأويل: (8/ 742).‬

                                                   ‫2 - روح العبيان: (8/ 71).‬

                                       ‫87‬
         ‫الش‬      ‫ض‬                               ‫ة َ‬           ‫الد ن و‬
‫ِّي ُ َاْلحِكْمَ ُ، وفِي أَسْعبَاب الْكَمَا إعْةرَا ٌ عَةنْ َّةهَوَاتِ،‬
           ‫َ ِم‬                    ‫لكه َ‬                 ‫َه ْر ض ِري‬
‫و ُوَ إع َا ٌ عَس ٌ لَا يَسُْ ُ ُ إلَّا منْ سَةمَا بدِينةهِ وه َّتِةهِ إلَةى‬
                 ‫ي‬         ‫الةد الش‬          ‫َّ ي َ ْ‬              ‫َّ‬
‫الشرَفِ النفْسَان ِّ وَأعرَضَ عَن َّاعِي َّةهْوَان ِّ، فَةذَلِكَ هُةوَ‬
                                                 ‫اْلعِلَّ ُ فِي هَذَا اْل ُكْم باْلقِلَّةِ.)(1)‬
                                                                     ‫ح‬               ‫ة‬

                                                     ‫ال حيتنكهم الشيطان‬
‫والقلة الرائدة ال يتحكم فيهةا الشةيطان؛ فهةي تعةرف‬
‫طريقها وتتمسك مبنهاجها, وتقتفي قدوهتا, فةال يغريهةا‬
‫الشيطان, وال تلتعبس عليهةا الطةرق, وال تتشةعب هبةا‬
‫الوديان, منهاجها واضةح, وقةدوهتا رائةدة, وطريقهةا‬
‫مدروسة خطواته معلومة مالحمه, ولقةد اسةتثىن العةدو‬
‫األكرب إبليس هؤالء من سةيطرته وهيمنتةه, وإن كةانوا‬
‫داخلني شأن سنة اهلل يف االبةتالء واالختعبةار, اسةتثناهم‬
‫من حتكمه فيهم, واستيالئه عليهم, وأقسةم علةى ذلةك‬
        ‫َةي‬         ‫َّ‬      ‫ه ال‬             ‫ق َ‬
‫وشرط:(َا َ أَرأَيْتَكَ َةذَا َّةذِي كَرمْةتَ عَل َّ لَةِئنْ‬
                          ‫َن ذ ِّي ِل‬
               ‫أَخرَْن إلَى يَوْم اْلقَِامَةِ لَأَحْتَنك َّ ُرَّتَهُ إَّا قَلِيلًا)‬
                                                          ‫ي‬                  ‫َّ ت‬
 ‫وألحتنكن (َيعْنةي: «لَةأَحْتَوي َّ»)(2), أو: (ألحتةوين‬
                     ‫َن‬
                                  ‫عَلَى ذريته إلَّا قليال.)(1)‬

                                                ‫1 - التحرير والتنوير: (32/ 932).‬

                                                          ‫2 - تفسري جماهد: (834).‬

                                           ‫97‬
‫و(عن عل ّ، عن ابةن ععبةاس: (ألسةتول ّ.)(2), وعةن‬
               ‫ني‬                                                ‫ي‬
     ‫ة‬         ‫ة‬                              ‫ُ َنه‬
 ‫احلس ةن:( لَ ةأهْلِكَّ ُمْ بالْإضْ ةلَا {إال قَلِ ةيال} َيعْن ةي:‬   ‫ة‬
 ‫الْ ُؤمِننيَ.)(3)أو ألستأصلنهم, وأستقصةي مةا عنةدهم‬                      ‫مْ‬
     ‫الس‬       ‫ك‬
‫فال يند منهم أحد,تقو العرب: (قَةدِ احْتَنَ َةتِ َّةنَةُ‬
             ‫ف‬           ‫ف ن‬                                          ‫وه‬
‫َأمْ َالَ ُمْ؛ إذَا اسْتَأْصَلَتْهَا، وَاحْتَنَكَ ُلَا ٌ مَا عِنْدَ ُلَةانٍ مِةنَ‬
                                            ‫اْلعِلْمَ؛ إذَا اسَْتقصَا ُ.)(4)‬
                                                     ‫ْ ه‬
‫وهذا قسم من الشيطان أنةه لةن ينجةو مةن حعبائلةه‬
‫وشراكه إال هةؤالء, ( فألسةتولني علةيهم وأحتةويهم‬
‫وأملك زمةامهم وأجعلةهم يف قعبضةة يةدي أصةرف‬
                                                               ‫أمرهم.)(5)‬
‫وواقع احلياة يؤكد تلك السنة املاضية, والصةفة احلاكمةة‬
                                                ‫للقلة احملمودة العاملة.‬


                                       ‫1 - تفسري مقاتل بن سليمان: (5/ 122).‬
                                                    ‫.‬
                                                     ‫2 - جامع العبيان: (71/ 984)‬

                                    ‫3 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 92).‬

‫4 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 92), وانظر: املوسوعة القرآنية: (8/‬
                                                                      ‫151).‬

                                                    ‫5 - يف ظال القرآن: (4/ 8322).‬



                                            ‫08‬
                                           ‫القلة احملمودة مؤردة منصورة‬
‫القلة احملمودة مؤيدة بنصر اهلل تعاىل وتأييةده, وهةذا‬
‫موطن قوهتم, وسر هنضتهم, مهمةا رآهةم النةاس قلةة,‬
‫فهم يف الواقع هلم مةدد إهلةي, واإلملداد عللى قلدر‬
‫االستعداد, واجلود عللى قلدر اوهلود, وإذا أيةد اهلل‬
‫ععبدا فما تكون الدنيا وما عليهةا, وإذا خةاله نصةر اهلل‬
‫فال يغين عنه كثري وال قليل, وهذا ما تعيةه القلةة املؤمنةة‬
‫مع طالوت عليه السالم إذ قالوا: ( .... كَمْ مِةنْ فِئَةةٍ‬
         ‫الل َالل ه‬              ‫َ‬
 ‫قَلِيَلةٍ غَلََعبتْ فِئَةةً كَةثِريةً بةإذْنِ َّةهِ و َّة ُ مَةعَ‬
 ‫َّابرينَ), العبقرة: (355).هكةذا بلذذن اهلل, أي:‬               ‫الص‬
        ‫الل‬        ‫َ َم ه‬
  ‫بنصره وتأييده, وقد فعل, (فَهز ُةو ُمْ بةإذْنِ َّةهِ‬
            ‫ِ‬       ‫ت ه الل ه م‬                      ‫ود‬
‫وَقَتَلَ دَا ُو ُ جَالُوتَ وَآََا ُ َّة ُ الْ ُلْةكَ وَالْحكْمَةةَ‬
                    ‫ع الل الن‬                 ‫َه ِم ء‬
    ‫وَعَلَّم ُ م َّا َيشَا ُ وَلَوْلَا دَفْ ُ َّةهِ َّةاسَ َبعْضَةهُمْ‬
                      ‫َ ض ِن َّ ذ‬                         ‫ْ َ‬
    ‫بَعبعضٍ َلفسَدَتِ الْأرْ ُ وََلك َّ اللهَ ُو فَضْةلٍ عَلَةى‬
                         ‫ر ت الل‬
 ‫اْلعَالَمِنيَ (225) تِلْكَ آََا ُ َّلهِ نَتُْوهَةا عَلَيْةكَ‬
                ‫ل‬
                             ‫َق و نك لمن ُ سلني‬
     ‫بالْح ِّ َإَّ َ َ ِ َ الْمرْ َِ َ), العبقرة:552,942.‬
        ‫ة الت‬                 ‫َ ن‬                                  ‫و َ َنه‬
‫( َالْمعْنَى أَّ ُ لَا عِْعبرَةَ بكَْثرَةِ اْلعَددِ إَّمَةا اْلعِعبْةرَ ُ ب َّأْييةدِ‬
        ‫الد ة‬                                ‫ي‬           ‫ي َّ الس‬
‫الْإلَه ِّ، وَالنصْر َّةمَاو ِّ، فَةإذَا جَةاءَتِ َّوْلَة ُ فَلَةا‬
      ‫َ‬           ‫ِ ة‬                                   ‫َالذ‬
‫مض َّةَ فِي اْلقِلَّةِ و ِّلَّةِ، وَإذَا جَاءَتِ الْمحْنَة ُ فَلَةا مَْنفعَةةَ‬ ‫َ َر‬

                                              ‫18‬
‫فِي كَْثرَةِ اْلعَددِ َاْل ُة َّةِ.)(1),(أ َّةا قَوْلُة ُ: وَالَّة ُ مَةعَ‬
      ‫ه ل ه‬                   ‫َم‬           ‫َ وع د‬
        ‫َع‬               ‫ن م‬              ‫ل ة ش‬
‫َّةةابرينَ فََةةا ُةةعبْهَةَ أَ َّ الْ ُةةرَادَ الْم ُونَةةةُ‬         ‫الص‬
‫وَالنصرَ ُ)(2)،(والعزيز: من أعزه اهلل، والةذليل مةن أذلةه‬       ‫ُّ ْ ة‬
‫اهلل، فال تغين الكثرة مع خذالنةه، وال تضةر القلةة مةع‬
‫نصره، {واهلل مع الصابرين} بالنصر واملعونةة والتوفيةق،‬
                    ‫فأعظم جالب ملعونة اهلل صرب الععبد هلل،)(3)‬

‫وإذا كانت القلة املؤمنة مع طالوت قد وعةت هةذه السةنة‬
‫الربانية, فإن اهلل تعاىل قد من هبةا علةى القلةة املؤمنةة مةع‬
‫رسو اهلل – صلى اهلل عليةه وسةلم-, إذ ذكةرهم بةذلك‬
     ‫َ‬             ‫ل ُ ْ َف‬                         ‫ْ ُر‬
  ‫فقا : (واذك ُوا إذْ أَنْتُمْ قَلِي ٌ مسْتَضع ُونَ فِةي الْةأرْض‬
              ‫َّ َ م الن س ك َي َك‬                                ‫خ‬
  ‫تَ َافُونَ أَنْ يَتَخَطفكُ ُ َّا ُ فَآَوَا ُمْ وَأَّةد ُمْ بنَصْةرهِ‬
                 ‫ُر‬          ‫َّك‬        ‫َّيعب‬           ‫ََ َ‬
  ‫ورزَقكُمْ مِنَ الطَِّاتِ َلعَل ُةمْ َتشْةك ُونَ), األنفةا :‬
                                                                     ‫(55).‬



         ‫1 - مفاتيح الغيب :(9/ 315), وانظر: اللعباب يف علوم الكتاب: (4/‬
                                                                     ‫882).‬
                                              ‫2 - مفاتيح الغيب: (9/ 415).‬
                                             ‫3 - تيسري الكرمي الرمحن: (851).‬

                                        ‫28‬
‫فهذه منة مين اهلل تعاىل هبا على ععبةاده, أهنةم كةانوا قلةيال‬
                      ‫عب ه‬
‫فكثرهم وأيدهم بنصره, ومدهم مبدده,(يُنَِّة ُ َتعَةالَى عِعبَةادَهُ‬
    ‫ن‬       ‫ث‬                             ‫و‬                          ‫مْ‬
‫الْ ُؤمِننيَ عَلَى نعَمِهِ عَلَيْهمْ َإحْسَةانهِ إلَةيْهمْ، حَيْة ُ كَةاُوا‬
   ‫َه‬            ‫قَلِيلنيَ َّرهم، و ُسْتَضعفِنيَ خَلاِئفِنيَ فقلو‬
‫َّاهم وَنَصَلر ُمْ،‬                    ‫َم ْ َ‬        ‫ِ فكث‬
    ‫َ َه‬                ‫َّي ة‬               ‫َه‬                             ‫َُ‬
‫وفقَ ةرَاءَ عَالَ ةةً فَ ةرَزقَ ُمْ مِ ةنَ الطِّعبَ ةاتِ، وَاسْتَشْ ةكر ُمْ ,‬
       ‫ح‬              ‫َه َ‬                             ‫طع ه و ل‬
‫فَأَ َا ُو ُ، َامْتَثَُوا جَمِيعَ مَةا َأمَةر ُمْ. وهَةذَا كَةانَ َةا َ‬
   ‫ْ ِ ُ َر‬             ‫ِ م‬                           ‫م ْ ح ُق‬
‫الْ ُؤمِننيَ َا َ م َامِهمْ بمَكَّةةَ قَلِةيلنيَ ُسْةَتخفنيَ مضْةط ِّينَ‬
         ‫م‬         ‫ل‬                  ‫خ َّ هم ن س ِ‬                   ‫ف‬
‫َيخَاُونَ أَنْ يََت َطفَ ُ ُ الَّا ُ منْ سَائِر بلَادِ الَّهِ، مِةنْ ُشْةركٍ‬
  ‫َ‬             ‫ِل‬
‫وم ُوس ٍّ وَ ُوم ٍّ، كُّ ُةمْ َأعْةدَا ل لَ ُةمْ؛ ِلق َّلتِهِمْ وَعَلدمِ‬
                           ‫ء ه‬                ‫َ َج ِي ر ِي ُله‬
        ‫الل ه ه‬             ‫َت‬                                     ‫ُو‬
‫ق َّتِهِمْ، فَلَمْ رَزَلْ ذَِلكَ دأهبلم حَّلى أَذِنَ َّل ُ لَ ُلمْ فِلي‬
   ‫ه‬           ‫ه‬
‫لَ ُلمْ َأهْلَ َلا،‬         ‫الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِرنةِ، فَآوَا ُمْ إِلَيْهَا، وق َّ‬
                            ‫َلي‬                ‫ه‬           ‫َ‬
  ‫ل‬                  ‫ب َْ‬         ‫ُ‬                  ‫ر ْ‬               ‫َ‬
‫آووْا وَنَصَ ُوا َرومَ بَدْرٍ وَبَيْرَه وآسَلوا ِلأموَالِهِمْ، وَبَلذَُوا‬
                               ‫ُهَجهم فِي َاعةِ اللهِ وَ َاعةِ رَ ُوِلهِ)(1)‬
                                        ‫ط َ َّ ط َ س‬                       ‫م‬

‫(وهَذَا تَذك ٌ منَ اللَّهِ ع َّ وَج َّ أَصحَابَ رَ ُو الَّهِ صَّى اهللُ‬
       ‫س ل َل‬                ‫َز َل ْ‬                   ‫ْ ِري ِ‬       ‫َ‬
    ‫ْن‬           ‫ه َي‬              ‫ل‬                  ‫َل َم َ ة ق‬
‫عَلَيْهِ وَسَّمَ و ُنَاصحَ ٌ. َي ُو ُ: أَطِيعُوا الَّهَ وَرَسُولَ ُ أُّهَا الْمُؤمُِونَ،‬
           ‫ْ‬                       ‫ك‬                ‫َ ك‬         ‫ت عب ه‬
‫وَاسَْجيُوا لَ ُ إذَا دعَا ُمْ لِمَا ُيحْيي ُمْ وَلَا ُتخَاِلفُوا َأمرَهُ، وَإنْ‬
  ‫َّ ل َو ه ك‬                        ‫كم َقة ِّد‬                                   ‫َ َك‬
‫َأمر ُمْ بمَا فِيهِ عَلَيْ ُ ُ الْمَش َّ ُ وَالش َّةُ، فَإن الَّهَ يُه ِّنْ ُ عَلَيْ ُمْ‬


                                                  ‫1 - تفسري ابن كثري: (4/ 54).‬

                                             ‫38‬
      ‫ََ ك‬               ‫عب‬         ‫ط ك ي ه ع ِّل ك ه‬
‫ب َاعَتِ ُمْ إَّا ُ وَُي َج ُ لَ ُمْ مِنْ ُ مَا ُتحُِّونَ، كَمَا فعلَ ب ُمْ إذْ‬
       ‫ِفكم ُف ر ن ك‬                             ‫َات تم ه َ ت ل ل‬                      ‫ت‬
‫آمَنُْمْ بهِ و ََّعبعُْ ُو ُ وأَنُْمْ قَِي ٌ يَسْتَضْع ُ ُ ُ الْك َّا ُ فََيفْتُِونَ ُمْ عَنْ‬
             ‫ف ك َْ ك‬                        ‫ر‬            ‫ل ك‬             ‫ك‬
‫دِين ُمْ وَيَنَاُونَ ُمْ بالْمَكْ ُوهِ فِي أَْن ُسِ ُمْ وَأعرَاضِ ُمْ َتخَافُونَ‬
   ‫وك‬          ‫ك‬                 ‫ْ‬       ‫خ َّف ك تل ك‬                      ‫ه‬
‫مِنْ ُمْ أَنْ يََت َط ُو ُمْ فََيقُُْو ُمْ وََيصطَلِمُوا جَمِيعَ ُمْ {فَآ َا ُمْ}‬
   ‫ه‬                                  ‫َ َ ك‬           ‫ق‬
‫[األنفا : 92] َي ُو ُ: فحَملَ لَ ُمْ مَأْوًى تَأْوُونَ إلَيْهِ مِنْ ُمْ.‬
                      ‫ق ََو ك‬                                     ‫ََي َك‬
‫{وأَّد ُمْ بَنصْرهِ} [األنفا : 92] َي ُو ُ: وق َّا ُمْ بَنصْرهِ عَلَيْهمْ،‬
                                         ‫حَّى قَتَلُْمْ مِنْ ُمْ منْ قَتَلُْم بعبَدْرٍ.)(1)‬
                                                       ‫َت ت ه َ ت ْ‬

 ‫وبني قتادة رضي اهلل عنه حا العرب قعبل تأييةد اهلل (تعةاىل)‬
            ‫َ‬    ‫ذ‬            ‫َ الن‬
‫هلم, ونصره إياهم, بأهنم كانوا (َأذ َّ َّةاس ُلةا، وأَشْةقَاهُ‬
                  ‫َ ه‬                 ‫َْ هج‬             ‫َ َه ط‬
‫عَيْشًا، وأَجْوعَ ُ ُب ُونًا، وَأعرَا ُ ُلُودًا، وأَبْيَنَة ُ ضَةلَالًا، مَةنْ‬
          ‫الن‬       ‫ه ُد‬                     ‫ِي َ َ‬
‫عَاشَ مِنْ ُمْ عَاشَ شَقًّا، ومنْ مَاتَ مِةنْ ُمْ ر ِّيَ فِةي َّةاس،‬  ‫ه‬
                                    ‫م‬              ‫ْكل و‬                   ‫يْ ل‬
 ‫ُؤكَُونَ وَلَا يَأ ُُونَ، َاللَّهِ مَا نَعْلَ ُ قَعبيلًا مِةنْ حَاضِةر َأهْةل‬
                     ‫َت‬                 ‫ن َر ه‬                      ‫ْ‬
‫الْأَرْض يَومَئِذٍ كَاُوا أَش َّ مِةنْ ُمْ مَنْزلًةا. حَّةى جَةاءَ اللَّةهُ‬
      ‫الةر‬                       ‫َس‬                          ‫َّ‬
‫بالْإسَْام، فَمَكنَ بهِ فِي الْعبلَةادِ، وَو َّةعَ بةهِ فِةي ِّزْق،‬      ‫ل‬
               ‫ْ‬                     ‫ن‬                      ‫مل‬          ‫َ ك‬
‫وَجعَلَ ُمْ بهِ ُُوكًا عَلَى رقَاب الَّاس، فَعبالْإسْلَام َأعطَةى اللَّةهُ‬



‫- جامع العبيان:(11/ 711), وانظر مفاتيح الغيب: (51/ 474),‬                                   ‫1‬


                                    ‫لعباب التأويل يف معاين التنزيل: (2/ 553).‬

                                                ‫48‬
‫ن َبك م م ح ب‬                                              ‫ُر‬          ‫َت‬
‫مَا رأَيُْمْ، فَاشْك ُوا اللَّهَ عَلَى نعَمِهِ، فَإ َّ رَّ ُةمْ ُةْنعِ ٌ ُي ِة ُّ‬
      ‫ُّكرَ، وَأه ُ ُّكْر فِي َزيدٍ منَ الَّهِ تَعبَارَكَ وََتعَالَى)(1).‬
                                   ‫م ِ ل‬                  ‫الش ْ َ ْل الش‬

‫وتلك نعمة مين اهلل تعاىل هبا علةى القلةة يف عهةد الةنيب –‬
‫صلى اهلل عليه وسلم- ويذكرهم مبا كةانوا فيةه مةن القلةة‬
‫والذلة, (...مث ما نقلةهم إليةه مةن اإلمكةان والعبسةطة،‬
                            ‫ر‬
‫ووجوه األمان واحليطة، وقة ّهبم إىل إقامةة الشةكر علةى‬
   ‫ن‬
‫جزيل تلك القسم، وإدامة احلمد على مجيةل تلةك الةّعم،‬
         ‫و‬                                            ‫ه‬
‫فم ّد هلم يف ظل أبوابه مقةيال، ومل جيعةل للعةد ّ إلةيهم-‬
‫بيمن رعايته- سةعبيال.... ورزق األشةعباح والظةواهر مةن‬
     ‫ة ة‬           ‫ة‬                        ‫ة‬        ‫ة‬
‫طيعب ةات الغ ةذاء، ورزق األرواح والس ةرائر م ةن ص ةنوف‬
‫الضياء. وحقيقة الشةكر علةى هةذه الةنعم الغيعبةة عنةها‬
                           ‫باالستغراق يف شهود املنعم.)(2)‬

                                          ‫استجابة اهلل للقلة الصابرة‬
‫والقلة احملمودة جماب دعاؤها, مسةتجاب نةداؤها؛ ألهنةا‬
‫بذلت األسعباب وتوكلت على الوهاب, عرفةت قةوانني‬
‫اهلل يف النصر فاتعبعتها, وأدركت سنن اهلزميةة فاجتنعبتةها,‬
                                            ‫مث‬
‫والناظر يف ُُل القلة الواردة يف القرآن الكرمي جيةد ذلةك‬

                                                    ‫1 - جامع العبيان:(11/ 911).‬

                             ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 719), بتصرف يسري.‬

                                         ‫58‬
‫واضحا بينا,فالقلة املؤمنة مع طالوت حقةق اهلل رجاءهةا‬
      ‫الص‬          ‫َ‬
‫واستجاب دعاءها, وأعطاها سةؤهلا, ( وَأفْةرَسَ َّةْعبرَ‬
                                  ‫َ َه‬         ‫د ه‬
 ‫عَلَيْهمْ، وَثََّعبتَ َأقْ َامَ ُمْ، وََنصر ُمْ عَلَى اْلقَةوْم الْكَةافِرينَ:‬
         ‫ق‬       ‫َةن‬                     ‫ح َّ َ‬                 ‫جن‬
 ‫جَاُوتَ وَ ُُودِهِ وَ َققَ بفضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ظ َّ مَةنْ َةا َ:‬         ‫ل‬
    ‫َ ََ ه‬           ‫ل‬                                                    ‫ِ‬
‫كَمْ منْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ الَّةهِ، وهزمُةو ُمْ‬
‫بإذْنِ اللَّهِ)(1)؛ وذلك جريا على سنة اهلل املاضةية مةن أن‬
 ‫اهلل – تعاىل- ({مَعَ َّابرينَ}بالنصةر واملعونةة.)(2),‬
                                        ‫الص‬
                                                              ‫(واإلثابة)(3).‬

‫واملتتعبع لآليات الكرمية اليت صورت تأييةد اهلل – تعةاىل- للقلةة‬
‫الصابرة, ومعونته هلم, يدرك كيف نسةب اهلل- تعةاىل – الةدفع‬
‫إىل نفسه معباشرة مع أن القلة املؤمنة هي املدافعة, وهةي املقاتلةة,‬
‫وهي املعباشرة لتك األسةعباب احلسةية واملعنويةة الةيت مصةريها‬
‫النصر والتأييد لعبيان تلك السنة الةيت ال تتخلةف حينمةا يأخةذ‬
‫العبشر بأسعباب اهلل تعاىل, وحيسةنون التعامةل مةع سةننه,(وقةد‬
‫نسب (عز امسه) الدفع إىل نفسه؛ ألنه سنة مةن سةننه يف اجملتمةع‬




                                                    ‫1 - مفاتيح الغيب: (9/ 515).‬
                                     ‫2 - تفسري العز بن ععبد السالم: (1/ 932).‬
                                   ‫3 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
                                           ‫68‬
‫العبشرى، وعليه بين نظام هذا العامل حةىت يةر اهلل األرض ومةن‬
                                                        ‫عليها)(1).‬
‫إهنا السنة اليت ال تتخلف وال تتأجل وقةانون اهلل تعةاىل املاضةي‬
‫يف ععباده, ومن حرص على نصر اهلل له وتأييده دعوتةه فليسةلك‬
‫سعبيل القلة املؤمنة اليت وفت هلل بسننه ووىف اهلل تعةاىل هلةا بعدلةه‬
                                                          ‫وعطائه.‬
 ‫وإذا كانت تلك صفات القلة احملمودة فللقلة بعض الصفات املذمومة‬
                    ‫كذلك, وهذا ما نتناوله يف الصفحات القادمة.‬




                        ‫املبحث الثالث‬

                    ‫القلة املذمومة وصفاهتا‬



                                        ‫1 - تفسري املراغي: (2/ 522).‬

                                ‫78‬
‫القلة الواردة يف القرآن الكرمي كمةا مةر بعضةها حممةود,‬
‫وهذا وقفنا على صفاته, وعرفنا أهم مةا مييةزه, أمةا القلةة‬
‫املذمومة فقد عرض القرآن الكرمي هلا كذلك بيانةا لصةفاهتا,‬
‫وتعريفا ملالحمها؛ كي حتةذرها كةل قلةة تريةد الشلهود‬
‫احلضار , وِقق خريرة األمة, وهةي رسةالتها وهةدفها يف‬
‫سعبيل مرضات اهلل (عز وجل),ومن تتعبةع تلةك األوصةاف‬
‫ندرك أن الوصف بالقلة املذمومةة ورد يف مةواطن متعةددة,‬
‫منها:وصف متاع احلياة وزخرفها بالقلةة, ووصةف زمةان‬
‫الكافرين بأنه قليل, ووصف متاع أهل سةعبأ بالقلةة بعةد أن‬
‫جحدوا نعمة اهلل تعاىل, ووصةف اللعبةث يف الةدنيا كلةها‬
‫بالنسعبة لآلخرة بالقلة, ووصف سكىن من بطةروا معيشةتهم‬
‫يف الدنيا بالقلة, ووصف متاع االاحةدين وطعةام اجملةرمني‬
‫بأنه قليل, كما وردت القلة يف وصف شكر عمةوم النةاس,‬
  ‫ووصف إمياهنم, وتةذكرهم, ويف الصةفحات اآلتيةة نعةا‬
                    ‫صفات القلة املذمومة على النحو اآليت:‬

                                             ‫متاع احلياة الدنيا قليل‬

‫الدنيا ظل زائل, ومتاع حائل, وعرض ال يعبقى وال يدوم,‬
‫متاعها مهما كثر قليل, وعطاؤها مهما زاد ضنني, وقد ورد‬
‫وصف متاعها بالقلة, يف مقام الذم يف قوله - تعاىل-:(وَلَا‬
‫َر م‬        ‫َ‬                         ‫ف تكم‬                        ‫قل‬
‫َت ُوُوا لِمَا َتصِ ُ أَلْسِنَُ ُ ُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَا ٌ وهَذَا ح َا ٌ‬
                                       ‫88‬
                ‫ل‬                           ‫ن ال‬                              ‫ر‬
‫لَِتفَْت ُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إ َّ َّذِينَ َيفَْترُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبَ لَا‬
‫),‬       ‫أَلِي ٌ‬
         ‫م‬           ‫ٌ‬
                     ‫عَذَاب‬         ‫وَلَ ُمْ‬
                                      ‫ه‬           ‫ل‬
                                                  ‫قَلِي ٌ‬      ‫تع‬
                                                               ‫مََا ٌ‬          ‫ح‬
                                                                            ‫ُيفِْل ُونَ‬
                                      ‫النحل:911,711.‬
‫أي: متاعهم هذا يف الدنيا قليل, قا الزجاج يف معاين القرآن: (املعىن‬
                            ‫مَتاعهم هذا الذي فعلوه متاع قليل.)(1)‬
‫والقرآن الكرمي يعبني للجاحدين هنا أن ما يعبذلونةه يف الةدنيا مةن‬
‫أجل حصوهلم على متاعها, وما يفترونه رغعبةةً يف نعيمهةا قليةل,‬
‫ال يستحق هذا العناء والعبالء,أي:(ما يفترون ألجلةه أو مةا هةم‬
   ‫ب م‬                 ‫ه‬
‫فيه منفعة قليلة تنقطةع عةن قريةب. وَلَ ُةمْ عَةذا ٌ أَلِةي ٌ يف‬
‫اآلخرة.)(2), وهو ليس شيئا مةذكورا إذا قةيس باملضةار الةيت‬
       ‫ب م‬                    ‫ع ل ه‬
‫يعاقعبون هبا على افترائهم,(مَتا ٌ قَلِي ٌ وَلَ ُةمْ عَةذا ٌ أَلِةي ٌ), أي:‬
          ‫د‬
‫إن (املنافع اليت قد حتصل هلم على ذلك ىف الةدنيا ال يعتة ّ هبةا ىف‬
                             ‫ر‬
‫نظر العقالء إذا ووزن بينها وبني املضةا ّ الةيت ىف اآلخةرة، فمةا‬
‫متاع الدنيا إال ظل زائل مث يفىن ويعبقى هلم العةذاب األلةيم حةني‬
             ‫ن‬
‫مصريهم إىل رهبم مبةا اجترحةوا مةن السةيئات، ودّسةوا بةه‬
‫أنفسهم من أو ضار اإلمث والفجور والكذب على بةارئهم الةذي‬




                                     ‫1 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (3/ 222).‬
                                      ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (3/ 442)‬
                                               ‫98‬
  ‫ن ِّ ه‬
‫خلقهم وص ّرهم فأحسن صورهم,وحنو اآليةة قولةه: «ُمَةتعُ ُمْ‬‫و‬
             ‫قَلِيلًا ث َّ َنض َر ُمْ إىل َذابٍ غَلِيظٍ» .), لقمان: 42.(1)‬
                                             ‫ع‬      ‫ُم ْط ُّه‬
‫ومجلة متاع قليل استئناف بياين ملةا سةعبق, وهةو تعليةل لنفةي‬
‫الفالح عن الذين يفترون على اهلل الكةذب, ( فةإهنم بةافترائهم‬
‫الكذب قد خسروا خسرانا معبينا.. ذلةك أن هةذا الةذي عةاد‬
‫عليهم من كذهبم وافترائهم، هةو شةيء تافةه، استرضةوا بةه‬
‫أهواءهم يف هذه احلياة الدنيا، فأوقعهم يف هذا الةذي هةم فيةه،‬
‫من عدوان على حرمات اهلل، وعصيان هلل، وشةرك بةه.. وذلةك‬
                                          ‫هو اصسران املعبني..!)(2).‬
‫وهي دعوة لكل قلة رائدة أن تتخلى عن صفات القلةة املذمومةة‬
                                                               ‫ْ‬
‫من بَهرٍ مبتاع احلياة القليل, وبَيْعٍ للقةيم العاليةة, وتنةاز ٍ عةن‬
‫املعبادئ السامية؛ فكل ذلك يف جنب اآلخةرة قليةل, (ويف هةذه‬
‫اآلية تلقني جليل وعظة اجتماعية مستمرة املةدى، فةأي جمتمةع‬
                              ‫ز‬
‫أراد أن حيتفظ بأسعباب القوة والعة ّة واحليةاة املطمئنةة والةرزق‬
   ‫امليسور عليه أن يلتةزم حةدود اهلل يف اإلخةالص لةه والعةد‬
 ‫واإلحسان وسةائر األعمةا الصةاحلة، وأن يعتةرف بفضةله,‬
                  ‫ل‬
‫ويداوم على ذكره وشكره وأن يعبتعد عةن كة ّ مةا فيةه ظلةم‬



         ‫1 - تفسري املراغي: (41/ 551), وانظر: حبر العلوم: (2/ 592).‬
                                ‫2 - التفسري القرآين للقرآن: (7/ 783).‬
                                   ‫09‬
     ‫ل‬           ‫ل‬
‫وإمث وبغي ومنكر واحنراف وإسراف. فإذا أخة ّ بةذلك اختّةت‬
         ‫شؤونه وانفرط كيانه وغدا عرضة للنوائب والكوار .)(1)‬
‫ووصف متاع احلياة بالقلة هنةا وحتةذير املقةعبلني عليةه بنةهم‬
‫يعبيعون من أجله كل غا , ويترخصةون يف سةعبيله بكةل سةعبيل‬
‫وصف يف مقام الذم, وهو وصةف ثابةت ثعبةات سةنن اهلل –‬
                                     ‫تعاىل- ال يتغري وال يتعبد .‬
                                ‫صفاء زمان الكافررن قليلُ‬

‫ومتضي آيات القلة تصةور للةواععبني يف كةل زمةان‬
‫ومكان أن صفاء زمةان الكةافرين يف الةدنيا قليةل,‬
‫حىت تكون األمة علةى بَصَةرٍ بسةنن اهلل (تعةاىل) يف‬
‫املكذبني, وليكون ذلةك تسةرية وتطمينةا للةدعاة‬
‫واملصلحني, أن هؤالء وإن صفا هلةم زمةاهنم إال أنةه‬
‫صفاء قليل, ال يلعبث أن يأتيه الكدر, ويعقعبةه الةعبالء,‬
‫ْةةة ُن‬
‫ةلٍ لَُيص ةعبح َّ‬              ‫َّةةة‬
                   ‫ةم ( عَم ةا قَلِيةةة‬       ‫فهةةة‬
‫نَادمنيَ),املؤمنون:54,أي: (عن وقةت قليةل لينةدمن‬   ‫ِِ‬
‫على تكذيعبةهم لةك, وذلةك حةني ينةز هبةم‬
                                          ‫العذاب.)(2)‬

                                    ‫1 - التفسري احلديث: (5/ 591).‬
‫2 - اهلداية إىل بلوس النهاية: (7/ 5994), وانظر: الوجيز للواحدي:‬
                                                        ‫(747).‬
                               ‫19‬
 ‫وورد (ما) هنا يؤكد هةذه القلةة, والصةفاء الةذي ال يةدوم,‬
  ‫ُن‬
‫(و«ما» صلة لتوكيد معىن القلة، أو نكةرة موصةوفة. لَُيصْةعبح َّ‬
                                 ‫نادمنيَ على التكذيب إذا عاينوا العذاب.)(1)‬        ‫ِِ‬
 ‫وهي تفيد القلة يف الصفاء , والقلة يف زمةان الصةفاء,(مةا) (...‬
‫مزيدة بني االار واجملرور للتوكيةد ...و «قَلِيةلٍ» صةفة لةزمن‬
                                             ‫حمذوف، أي: عن زمن قليل.)(2)‬
 ‫وهذا الندم الذي سيعاينونه عند رؤية العذاب إمنا هو بسعبب عنادهم‬
             ‫َم‬
‫وبعدهم عن احلق, وإصرارهم على ما هم فيه من الكفر, (ع َّا قَلِيلٍ‬
                     ‫الت‬       ‫َ ه‬                     ‫ُن ِ‬                     ‫ِ َّ‬
 ‫منَ الزمَانِ لَُيصْعبح َّ نَادِمنيَ عَلَى مَا وقَعَ مِنْ ُمْ مَن َّكْذِيب وَاْلعِنَادِ‬
  ‫ر‬              ‫ة‬                  ‫َم‬                         ‫ُ‬
‫َالْإصرَار عَلَى الْكفْر، وَ(مَا) فِي: «ع َّا قَلِيلٍ» مَزيدَ ٌ بَْينَ اْلجَا ِّ‬  ‫و ْ‬
                                                    ‫َّ‬               ‫و َ ْر ِلت ْ‬
‫َالْمج ُور ل َّوكِيدِ ِلقِلَّةِ الزمَانِ، أي: بعد زمان قليل ليصرين نادمني‬
                                                               ‫على التكذيب)(3)،‬
‫(ليصري ّ مكذبوك بعد زمن قليل نادمني على ما فعلوا، وستحل هبم‬                  ‫ن‬
                                         ‫نقمتنا، وال ينفعهم الندم حينئذ.)(4).‬


                           ‫1 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (4/ 88).‬
                            ‫2 - اللعباب يف علوم الكتاب: (41/ 412).‬
‫3 - فتح القدير للشوكاين: (3/ 275), وانظر: التفسري املظهري: (9/‬
                                                             ‫183).‬
‫4 - تفسري املراغي: (81/ 32), وانظر: مراح لعبيد لكشف معىن القرآن اجمليد:‬
                                                            ‫(2/ 88).‬

                                         ‫29‬
            ‫الس ق ِ ْل‬                      ‫َ‬           ‫ل ِة ص َ ذ‬
‫(وقَِيلٍ صفَ ٌ لِمَوْ ُوفٍ محْ ُوفٍ د َّ عَلَيْهِ ِّيَا ُ أَوْ فع ُ الْإصْعبَاح‬
   ‫ْ‬           ‫الرس‬            ‫له‬            ‫َّم َ‬
‫َّذِي ُوَ منْ َأف َا الز َن فَوعَدَ الَّ ُ هَذَا َّ ُو َ َنصرًا‬   ‫ه ِ ْع‬                    ‫ال‬
   ‫َ ه َمه‬                                  ‫َ‬            ‫ر‬        ‫َمه ك ن‬
‫عَاجلًا.وَنَد ُ ُمْ يَ ُو ُ عِنْدَ ُؤْيَةِ مَعبْدأِ الِاسْتِْئصَا وَلَا يَْنفعُ ُمْ نَد ُ ُمْ‬
                                                                ‫َبعْدَ ُُو اْلعَذَاب.)(1)‬
                                                                                     ‫حل‬
 ‫ووصف زمن صفائهم بالقلةة هنةا وصةف يف مةوطن الةذم,‬
‫وموضع اإلنكار, وهو سنة ماضية يف االاحةدين واملنكةرين أهنةم‬
‫ال يطو أماهنم وال يستمر نعيمهم, بل تأتيهم عقوبتةهم لةيال أو‬
‫هنارا فيصعبحوا كأن مل يغنوا باألمس؛ عربة للنةاظرين وآيةة مةن‬
                                                                 ‫آيات اهلل رب العاملني.‬
                                                       ‫وصف متاع أهل سبأ‬
‫أهل سعبأ أهل نعمة حاضرة, ومتاع مقيم, مجةع مةن‬
‫نضرة الدنيا أوععبها وأمشلها: جنان نضةرة, عةن ميةني‬
‫ومشا , ورزق غةدق ال خيشةى فواتةه, وال يتوقةع‬
‫نفاده, وبلدة طاب نعيمها, وطةاب أهلةها, وتلةك‬
‫نعمة تستحق الشكر, وتستوجب العبةذ ,(َلقَةدْ كَةانَ‬
                              ‫ة َنت‬
‫لِسَعبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آََر ٌ دََّلانِ عَةنْ يَ ِةنيٍ وَشِةمَا ٍ‬
               ‫م‬
       ‫ة َي ة‬             ‫ه‬         ‫ُ‬        ‫َبك‬          ‫كل ِ‬
‫ُُوا منْ رزْق رِّ ُمْ وَاشْكرُوا لَة ُ بَلْةدَ ٌ طِّعبَة ٌ وَرَب‬
                                            ‫َْ ض‬           ‫َف ر‬
‫غ ُو ٌ (51) فَأعرَ ُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَةيْهمْ سَةْيلَ اْلعَةرم‬



                                                   ‫1 - التحرير والتنوير: (81/ 85).‬
                                             ‫39‬
       ‫َ‬            ‫ك‬                   ‫َن‬         ‫َد ن ه َن‬
‫وَب َّلَْا ُمْ بجَّتَيْهمْ جَّتَيْن ذَوَاتَيْ ُأ ُةلٍ خَمْةطٍ وأَثْةلٍ‬
                                                       ‫ِ‬
                         ‫وَشَيْءٍ منْ سِدْرٍ قَلِيلٍ),سعبأ: (91).‬
‫مجعت اآلية الكرمية من نعيم الدنيا أوفةره, ومةن متةاع احليةاة‬
‫أغزره, وعربت اآلية الكرمية عن هذا النعةيم بدقةة بةاهرة, مةا‬
‫يدعو إىل العظة, ويستجلب الشكر, فتقةدمي االةار واجملةرور يف:‬
‫(لسعبإ), ما يفيد االختصاص, كأنه صنع هلةم رغعبةة يف انتفةاعهم‬
‫باآليةةات, ومسةةى اهلل منةةازهلم سةةكنا يف قولةةه: (يف‬
‫مسكنهم),وليس كل ما يعيش فيةه املةرء يسةمى سةكنا, إمنةا‬
                                              ‫ي‬
‫السكن ما مجع ما ُسْكن النفس, وتَسكن إليةه الةروح, ويهةدأ‬
‫معه اإلنسان وتنعم به احلياة, والتععبري بلفةظ: (آيةة), إرشةاد إىل‬
‫غرابة ما لديهم من النعيم, ووفرة ما عنةدهم مةن املتةاع, حةىت‬
‫كان ذلك عجيعبة من العجائب,والتععبري عةن الةزروع واحلةدائق‬
‫باالنة فيه ما فيه فليس كل بستان جنة إمنةا العبسةتان االنةة مةا‬
‫تتكاثف أشجاره, وتتعانق أغصةانه حةىت يسةتر الةداخل عةن‬
‫اصارج, واصارج عن الداخل فتتكاثف ظاللةه, وتتةوارد مثةاره,‬
‫ويستطاب هواؤه, ويرق عليله, والتعةعبري: (عةن ميةني ومشةا ),‬
‫تععبري رائق فائق ففي كل اجتاه تنظةره جتةد االنةان الةيت تةريح‬
                                                       ‫ت‬
‫النظر, وُهدئ اصاطر,والتععبري بلفظ (رزق)فيه مةن اإلكةرام مةا‬
‫فيه,واختيار لفظ الربوبية اليت تفيض إنعامةا وعطةاء, مةن مجلةة‬
‫النعيم,ولكنهم بدلوا نعمة اهلل كفرا, وأحلةوا قةومهم دار العبةوار,‬


                                        ‫49‬
‫(بينما شجر القوم خري الشجر، إذ صةريه اهلل مةن شةر الشةجر‬
                                                                  ‫بأعماهلم.)(1)‬
‫(كانوا يف رغد من العةيش وسةالمة احلةا ورفاهتةه، فةأمروا‬
‫بالصرب على العافية والشكر على النعمة، وهذا أمر سةهل يسةري،‬
    ‫ي‬
‫ولكنهم أعرضةوا عةن الوفةاق، وكفةروا بالنعمةة، وضةّعوا‬
                                                              ‫ّ‬      ‫د‬
                                  ‫الشكر، فعب ّلوا وبد هبم احلا ، كما قالوا:‬
‫تعبدلت وتعبدلنا يا حسرة ملةن ... ابتغةى عوضةا لسةلمى‬
                                                                             ‫فلم جيد‬
‫...كذلك من الناس من يكون يف رغد من احلا ، واتصةا مةن‬
‫التوفيق، وطرب من القلب، ومسةاعدة مةن الوقةت، فريتكةب‬
‫زّة أو يسيء أدبا أو يتعبع شهوة، وال يعرف قةدر مةا هةو بةه،‬                           ‫ل‬
  ‫فيتغري عليه احلا فال وقةت وال حةا ، وال طةرب وال وصةا‬
                              ‫يظلم عليه النهار وقد كانت لياليه مضيئة)(2)‬
        ‫م َق َع‬                       ‫ل‬          ‫ِْ‬          ‫عب ُ‬
‫( وَذَلِكَ بسََب كفْرهِمْ وَشركِهمْ بالَّهِ، وَتَكْذِيعبه ُ اْلح َّ و ُدُولِهمْ‬
                                                             ‫عَنْ ُ إلَى الْعبَا ِل)(3)؛‬
                                                                   ‫ط‬              ‫ه‬
‫(أعرضوا عن شكر اهلل، وعن العمل الصا ، والتصةرف احلميةد‬
‫فيما أنعم اهلل عليهم، فسلعبهم سعبب هذا الرخةاء االميةل الةذي‬


                                                  ‫1 - جامع العبيان: (52/ 483).‬
                              ‫2 - لطائف اإلشارات: (3/ 581), بتصرف يسري.‬
                                  ‫3 - تفسري ابن كثري, ت سالمة: (9/ 855).‬
                                          ‫59‬
‫يعيشون فيه وأرسل السيل االارف الذي حيمةل العةرم يف طريقةه‬
‫وهي احلجارة لشدة تدفقةه، فحطةم السةد وانسةاحت امليةاه‬
‫فطغت وأغرقت مث مل يعةد املةاء خيةزن بعةد ذلةك فجفةت‬
‫واحترقت. وتعبدلت تلك االنةان الفةيح صةحراء تتنةاثر فيهةا‬
                    ‫َن‬       ‫َةد ه َن‬
‫األشجار الربية اصشةنة: «وَب َّلْنا ُمْ بجَّتَةيْهمْ جَّتَةيْن ذَواتَةيْ‬
                                           ‫ِ س‬                ‫َ‬
‫ُأ ُلٍ: خَمْطٍ وأَْثلٍ وَشَيْءٍ منْ ِةدْرٍ قَلِيةلٍ» ..واصمةط شةجر‬            ‫ك‬
 ‫األراك أو كل شجر ذي شوك. واألثةل شةجر يشةعبه الطرفةاء.‬
‫والسدر النعبق. وهو أجود ما صةار هلةم ومل يعةد هلةم منةه إال‬
                                            ‫َف‬         ‫َ ه‬
‫قليل! «ذلِكَ جزَيْنا ُمْ بما ك َةرُوا» ..واألرجةح أنةه كفةران‬
                                                                ‫النعمة..)(1)‬
                          ‫َف ر‬
‫(هذه بلدة طيعبة لينة بال سعبخة وَرَب غ ُو ٌ ملن تاب من الشرك‬
 ‫فَأعرَ ُوا عن اإلميان. وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا‬     ‫َْ ض‬
                                                            ‫ع‬
 ‫عَلَيْهمْ سَْيلَ اْل َرم والعرم هو اسم لذلك الوادي. ويقا : اسم‬
‫للمنشأة. ويقا : هو اسم للفأرة اليت قرضت النهر حىت سا عليهم‬
 ‫املاء. وجرى يف بساتينهم ويف بيوهتم فخرهبا، وندت أنعامهم، وأخذ‬
 ‫كل واحد منهم بيد ولده وامرأته، فصعدوا هبم االعبل فذلك قوله‬
                               ‫ُ‬               ‫َن‬       ‫َد ه َن‬
‫تعاىل وَب َّلْنا ُمْ بجَّتَيْهمْ جَّتَيْن ذَواتَيْ ُأكلٍ خَمْطٍ يعين: أبدهلم اهلل‬
 ‫تعاىل مكان الفاكهة ذوايت أكل مخط أي األراك وَأَْثلٍ يعين: الطرفاء‬



   ‫1 - يف ظال القرآن: (5/ 1592), وانظر: تفسري املراغي: (22/ 57).‬
                                       ‫69‬
                                                 ‫ل‬         ‫ِ‬
‫وَشَيْءٍ منْ سِدْرٍ قَِيلٍ والسدر كانوا يستظلون يف ظله، ويأكلون من‬
                                                          ‫مثره.)(1)‬
                                                 ‫ل‬         ‫ِ‬
‫وَشَيْءٍ منْ سِدْرٍ قَِيلٍ، (قا الكليب: فكةانوا يسةتظلون بالشةجر‬
‫ويأكلون الرببر ومثر السدر وأبوا أن جييعبوا الرسةل ذلِةكَ الةذي‬
                                       ‫َ‬          ‫َ ه‬
‫جعلنا هبم، جزَيْنا ُمْ بمةا كفَةرُوا أي بكفةرهم، وحمةل ذلةك‬
‫نصب بوقوع اجملازاة عليه، تقديره جزيناهم ذلةك مبةا كفةروا:‬
                                              ‫َف‬             ‫ََ ن‬
‫وهلْ ُجازي إلَّا الْك ُورَ قرأ أهل الكوفة بةالنون وكسةر الةزاي‬
       ‫ه‬        ‫َ‬
‫ونصب الراء، واختاره أبو ععبيدة قا : [لقولةه] : جزَيْنةا ُمْ، ومل‬
‫يقل: جوزوا، وقرأ اآلخرون بياء مضمومة وفةتح الةزاي ورفةع‬
                 ‫ل‬
‫الراء، ومعىن اآلية: وهل جيازى مثل هةذا االةزاء إّةا الكفةور،‬
                               ‫وقا جماهد: جيازي أي يعاقب.)(2)‬
‫ووصف متعاهم بالقلة هنا وصةف يف مقةام الذم؛ألنةه يف مقةام‬
‫العقوبة على ما قدموا, واالزاء علةى مةا اقترفةوا مةن نكةران‬
‫النعم, وهذه سنة اهلل تعةاىل يف جحةد النعمةة بعةد معرفتةها‬
                         ‫والتمتع هبا, وهي سنة ال تتعبد وال تتحو .‬
                                ‫لبث الدنيا مهما طال قليل‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها ذم القلةة وصةف املكةث يف الةدنيا‬
‫للمكذبني, قا تعاىل:(قل كونةوا حجةارة أو حديةداً أَوْ خَ ْلقًةا‬

                                           ‫1 - حبر العلوم:(3/ 58).‬
                      ‫2 - الكشف والعبيان عن تفسري القرآن: (8/ 48).‬
                                ‫79‬
    ‫َ َك‬             ‫ق ال‬          ‫قل َ‬                  ‫ِم ر صد ك‬
‫م َّا يَكُْعب ُ فِي ُ ُور ُمْ فَسََي ُوُونَ منْ ُيعِيدُنَا ُل َّةذِي فطَةر ُمْ‬
        ‫ق‬                   ‫ل‬        ‫رء ه‬                      ‫َّ َر ي ِض‬
‫أَو َ م َّةٍ فَسَُْنغ ُونَ إلَيْكَ ُ ُوسَة ُمْ وََيقُوُةونَ مَتَةى هُةوَ ُةلْ‬
                  ‫ت عب‬        ‫ْع ك‬         ‫ْ‬                  ‫ك ق‬
 ‫عَسَى أَنْ يَ ُونَ َريعبًا (15) يَومَ يَةد ُو ُمْ فَتَسْةَجيُونَ بحَمْةدِهِ‬
                                                            ‫ت ل‬
‫وََتظُّونَ إنْ لَعبثُْمْ إَّةا قَلِيلًةا (25, اإلسةراء:25,15. خاصةة‬      ‫ُن‬
  ‫هلؤالء الذين يعيثون فيها فسادا, مكةذبني منكةرين, جاحةدين ,‬
‫فتأخذهم نواز اآلخرة, وقعبلها نةواز القةرب فةريون أن الةدنيا‬
    ‫ت‬        ‫َ‬
  ‫بالنسعبة ملا يعاينونه قليلة قصرية,فيقو اهلل تعةاىل هلةم : َأفحَسِةعبُْمْ‬
                                                                   ‫ك‬
‫أَّمَا خََلقْنَا ُمْ عَعبَثًا) (أفحسعبتم أيها األشقياء أنةا إمنةا خلقنةاكم‬   ‫َن‬
‫إذ خلقناكم، لععبا وبةاطال وأنكةم إىل ربكةم بعةد ممةاتكم ال‬
‫تصةةريون أحيةةاء، فتجةةزون مبةةا كنةةتم يف الةةدنيا‬
                                              ‫ت‬
                           ‫تعملون؟.)(1),ومعناه:(ما لَعبثُْمْ إال قَليالً.)(2)‬

‫ووصف اهلل تعاىل لعبثهم يف الدنيا بالقلة بالنسعبة ملا يالقون يف اآلخر,‬
      ‫وساعات الصفاء قليلة متر سريعة, وساعات املشقة بطيئة ثقيلة,‬

         ‫فكأهنا من قصرها أيام‬          ‫مرت سنني بالوصا وباهلنا‬

          ‫فكأهنا من طوهلا أعوام‬         ‫مث انثنت أيام هجر بعدها‬




                                          ‫1 - جامع العبيان: (91/ 38).‬
                               ‫2 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (4/ 52).‬
                                      ‫89‬
       ‫مث انقضت تلك السنون وأهلها فكأهنا وكأهنم أحالم(1)‬

       ‫م‬     ‫ط‬                  ‫َن‬
‫وإمنا مسى اهلل لعبثهم يف الدنيا قليال: (لِأ َّ الْوَاحِدَ وَإنْ َةا َ ُكْثُةهُ‬
             ‫ِ‬           ‫عب ث‬                            ‫الد نه ك ن‬
‫فِي ُّنْيَا فَإَّ ُ يَ ُو ُ قَلِيلًا فِي جَنْب مَا يَلَْة ُ فِةي الْةآخرَةِ لِةأَنَّ‬
       ‫ت‬                      ‫ت‬                         ‫م‬             ‫ل ه الد‬
‫ُعبْثَ ُ فِي ُّنْيَا والقرب ُتَنَاهٍ قةا َ إنْ لَعبثْةُمْ، أَيْ: مَةا لَعبثْةُمْ فِةي‬
          ‫ت م‬                  ‫َنك‬                    ‫َم ه‬                          ‫الد‬
‫ُّنْيَا، إلَّا قَلِيلًا، س َّا ُ قَلِيلًا ، لَةوْ أَّ ُةمْ كُنْةُمْ َتعْلَ ُةونَ، قةدر‬
                                                            ‫لعبثكم يف الدنيا. )(2)‬

                                 ‫ع َ‬              ‫ت‬
‫{كَمْ لَعبثُْمْ فِةي األرض َةددَ سِةننيَ} أي: (قةا اهلل هلةؤالء‬
‫األشقياء الذين كانوا يظنون أهنم ال يعبعثةون، وأن الةدنيا باقيةة:‬
‫كم لعبثتم يف األرض من الزمان بعةد مةوتكم، فأجةابوا وقةالوا‬
‫لعبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كةانوا فيةه مةن الةعبالء‬
‫وطو مكثهم يف القعبور يف العذاب ملا حل علةيهم مةن نقةم اهلل‬
               ‫ال‬
‫يف اآلخرة حىت ظنوا أهنم مل يلعبثوا يف الةربز إ ّ يومةاً أو بعةض‬
                                                                           ‫يوم.)(3)‬



    ‫1 - انظر: ديوان أ متام: وانظر الوساطة بني املتنيب وخصومه : 1/22.‬
                                        ‫2 - تفسري العبغوي:(3/ 773).‬

                                     ‫3 - اهلداية إىل بلوس النهاية: (7/ 5155).‬

                                          ‫99‬
‫(عدد سنني األشياء- وإن كانت كثرية- فقةد تقصةر أو تقةل‬
‫باإلضافة إىل ما يوىف ويرخ عليها، كذلك مةدة مقةامهم حتةت‬
‫األرض إن كانوا ىف الراحة فقد تقل باإلضافة إىل الراحةات الةيت‬
‫يلقوهنا ىف القيامة، وإن كانت شةدائد فتتالشةى يف جنةب مةا‬
                  ‫يرونه ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات املتوالية.)(1)‬

                                                 ‫د‬
‫(استقصروا م ّة لعبثهم يف الدنيا باإلضافة إىل خلةودهم وملةا هةم‬
‫ر‬
‫فيه من عذاهبا، ألن املمتحن يستطيل أيام حمنته ويستقصر مةا مة ّ‬
‫عليه من أيام الدعة إليهةا. أو ألهنةم كةانوا يف سةرور، وأيةام‬
                                    ‫ن‬
‫السرور قصار، أو أل ّ املنقضي يف حكم مةا مل يكةن، وصةدقهم‬
‫اهلل يف مقاهلم لسين لعبثهم يف الدنيا ووخبهةم علةى غفلتةهم الةيت‬
                                                          ‫كانوا عليها.)(2)‬

‫(وقرئ: العادين، بالتخفيف، أي: الظلمة، فةإهنم يقولةون كمةا‬
            ‫ََ‬                        ‫ِْ ه‬                ‫ْ ِري ل‬
‫نقو .)(3), (َتصغ ُ ُعبْثِهمْ وََتحقريُ ُ بالْإضَافَةِ إلَى مَةا وقعُةوا فِيةهِ‬



                                        ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 595).‬

                     ‫2 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 552).‬
                     ‫3 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 952).‬
                                    ‫001‬
                                                          ‫َ َ َف ه ِ‬
‫وعرُو ُ منْ أَلِيم اْلعَذَاب)(1), (استقلوا ذلك ملا صةاروا إليةه مةن‬
     ‫الةد‬                  ‫ْ َ ُةد‬               ‫َق‬
‫العذاب الطويل.)(2),وِيلَ: (اسَْتقصرُوا م َّةَ لُعبْةثِهمْ فِةي ُّنْيَا‬
                                                                      ‫َ‬
                 ‫وفِي القعبور وراؤه يسريا بالنسعبة إىل ما هم بصدده.)(3)‬

‫(استقصاراً ملدة لعبثهم فيهةا بالنسةعبة إىل خلةودهم يف النةار، أو‬
‫ألهنا كانت أيام سرورهم وأيام السرور قصار، أو ألهنةا منقضةية‬
                          ‫ئ ْعاد‬
‫واملنقضي يف حكم املعدوم. فَسَْل ال ِّينَ الةذين يتمكنةون مةن‬
‫عد أيامها إن أردت حتقيقها فإنةا ملةا حنةن فيةه مةن العةذاب‬
‫مشغولون عن تذكرها وإحصةائها، أو املالئكةة الةذين يعةدون‬
‫أعمار الناس وحيصون أعمةاهلم. وقةرئ «العةادين» بةالتخفيف‬
‫أي الظلمة فإهنم يقولون مةا نقةو ، و «العةاديني» أي القةدماء‬
                             ‫املعمرين فإهنم أيضاً يستقصرون.)(4)‬

    ‫م َص‬           ‫ع‬         ‫عه‬                           ‫م عب ه‬
 ‫(َي ُو ُ َتعَالَى ُنَِّهًا لَ ُمْ عَلَى مَا أَضَةا ُو ُ فِةي ُمْةرهِ ُ اْلق ِةري‬  ‫ق‬
                                             ‫َ‬                       ‫الد ِ ط‬
‫فِي ُّنْيَا منْ َاعَةِ اللَّهِ َتعَالَى وعِعبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَلَةوْ صَةعبَروا فِةي‬
              ‫ق‬       ‫ه َّق‬                              ‫ز‬           ‫ُد الد َ ِ‬
‫م َّةِ ُّنْيَا اْلقصريَةِ َلفَا ُوا كَمَا فَازَ أَوْلِيَاؤُ ُ الْمُت ُةونَ، {َةا َ كَةمْ‬
        ‫تك‬             ‫ن‬                                      ‫َ‬
‫لَعبثُْمْ فِي األرْض عَددَ سِننيَ} أَيْ: كَةمْ كَاَةتْ إقَةامَُ ُمْ فِةي‬            ‫ت‬

                                                ‫1 - مفاتيح الغيب: (32/ 892).‬
                                     ‫2 - تفسري العز بن ععبد السالم: (2/ 583).‬

                                               ‫3 - تفسري القرطيب: (21/ 951).‬

                                     ‫4 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 79).‬
                                         ‫101‬
           ‫َ َةاد‬                   ‫ْ‬                      ‫ْ‬            ‫ل‬
 ‫ُّنْيَا؟ {قَاُوا لَعبثْنَا يَومًا أَوْ َبعْةضَ يَةومٍ فَاسْةأ اْلع ِّينَ} أَي:‬   ‫الد‬
 ‫ك ل‬                    ‫ُد س‬                             ‫ت‬            ‫ق‬
‫اْلحَاسِعبنيَ {َا َ إنْ لَعبثُْمْ إال قَلِيال} أَيْ: م َّةً يَ ِةريَةً عَلَةى ُة ِّ‬
                    ‫تم‬                            ‫َنك ك ت م‬
‫َتقْدِيرٍ {لَوْ أَّ ُمْ ُنُْمْ َتعْلَ ُونَ} أَيْ: لَمَةا آثَةرُْ ُ اْلفَةانيَ عَلَةى‬
           ‫َّةي‬        ‫َّ َةر‬                ‫ف ك‬               ‫َر‬
‫الْعبَاقِي، وَلَمَا َتص َّفتم لِأَْن ُسِة ُمْ هَةذَا التص ُّفَ الس ِّ َ، وَلَةا‬
     ‫َنك‬                 ‫ُةد س‬                       ‫ُْ ه‬              ‫َْ ت ِ‬
‫اسَْتحققُْمْ منَ اللَّهِ سخطَ ُ فِي تِلْكَ الْم َّةِ الْيَ ِةريَةِ، وَلَةوْ أَّ ُةمْ‬
        ‫ْن‬                                             ‫َ‬           ‫ط‬           ‫ت‬
‫صََعبرُْمْ عَلَى َاعَةِ اللَّهِ وعِعبَادَتِةهِ (1) -كَمَةا فَعَةلَ الْمُؤمُِةونَ-‬
                                                                   ‫ز‬             ‫ُت‬
                                                           ‫لَفزُْمْ كَمَا فَا ُوا.)(1)‬

‫وإن اهلل- سعبحانه- لةيعلم. ولكنةه (سةؤا الستصةغار أمةر‬
‫األرض، واستقصار أيامهم فيها. وقد باعوا هبةا حيةاة اصلةود..‬
‫وإهنم ليحسون اليةوم بقصةر تلةك احليةاة وضةآلتها. وإهنةم‬
              ‫ليائسون ضيقو الصدر، ال يعنيهم حساهبا وعدهتا)(2):‬

                        ‫سكىن من بطروا معيشتهم يف الدنيا قليلة‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيهةا وصةف القلةة بالةذم‬
‫وصف سةكىن مةن بطةروا معيشةتهم, وصةف‬
‫القرآن سكناهم بأهنا مل تسةكن مةن بعةدهم إال‬
                 ‫َ‬                       ‫َ‬
‫قليال, قا تعاىل: (وكَمْ َأهْلَكْنَا مِةنْ قرْيَةةٍ َبطِةرَتْ‬



                                              ‫1 - تفسري ابن كثري:(5/ 555).‬
                                           ‫2 - يف ظال القرآن: (4/ 2842).‬
                                        ‫201‬
     ‫ِ ل‬             ‫ه ت َ ِ‬
‫معِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُ ُمْ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْةدهِمْ إَّةا‬  ‫َ‬
                                                 ‫َ ُن ْن‬
              ‫قَلِيلًا وكَّا َنح ُ الْوَارِثنيَ),القص : (85).‬
    ‫َب‬               ‫ه ُ‬                         ‫ال‬              ‫در‬
‫واملعىن:( فَتِلْكَ ُو ُ اْلقَةوْم َّةذِينَ َأهْلَكْنَةا ُمْ بكفْةرهِمْ بةرِّهمْ‬
              ‫ب‬             ‫ق‬                       ‫ت َ ِ ِ‬
‫ومَنَازُ ُمْ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًةا، َي ُةو ُ: خَرَةتْ مِةنْ‬  ‫َ له‬
            ‫ظ‬           ‫َل َ ُ َ ب‬                                  ‫َ‬                 ‫ِ‬
 ‫َبعْدهِمْ، فَلَمْ َيعْمرْ مِنْهَا إلَّا َأقُّهَا، وَأكَْثرهَا خرَا ٌ. وََلفْة ُ الْكَلَةام‬
                            ‫س‬         ‫هْ‬                 ‫َن‬
‫َإنْ كَانَ خَارجًا عَلَى أ َّ مَسَاكِنَ ُم قَةدْ ُةكَِنتْ قَلِيلًةا، فَةإنَّ‬            ‫و‬
                        ‫ِ ل‬             ‫ت َ ِ‬                  ‫نه‬
‫معْنَا ُ: فَتِلْكَ مَسَاكُِ ُمْ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْةدهِمْ إَّةا قَلِيلًةا مِنْهَةا،‬ ‫َ ه‬
                               ‫كَمَا ُي َا ُ: قضَْي ُ ح َّكَ إلَّا قَلِيلًا مِنْ ُ.)(1)‬
                                      ‫ه‬                      ‫ق َ ت َق‬
                      ‫َ‬                                         ‫ِ َ‬
 ‫(وكَمْ َأهْلَكْنا منْ قرْيَةٍ فيمةا مضةى َبطِةرَتْ معِيشَةتَها يعةين:‬                ‫َ‬
‫كفرت برزق رهبا. ذكر القرية، وأراد به أهل القرية يعةين: أهنةم‬
 ‫كانوا يتقّعبةون يف رزق اهلل تعةاىل فلةم يشةكروه يف نعمتةه.‬                  ‫ل‬
‫ويقا : َبطرَتْ معِيشَتَها يعين: طغةوا يف نعمةة اهلل، فةأهلكهم اهلل‬  ‫ِ َ‬
‫تعاىل بالعذاب يف الدنيا. ويقا : عاشوا يف العبطر وكفةران الةنعم‬
‫فَتِلْكَ مَساكُِ ُمْ يعةين: انظةروا واعتةربوا يف بيةوهتم وديةارهم‬      ‫نه‬
                                     ‫ِ ل‬                   ‫ت َ ِ‬
‫بقيت خالية لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْةدهِمْ إَّةا قَلِيلًةا وهةم املسةافرون‬
                                ‫ن‬                ‫َ ُن‬
    ‫ينزلون هبا يوماً أو ساعة وكَّةا َنحْة ُ الْةوارِثنيَ يعةين: نةر‬
                                                            ‫االرض ومن عليها.)(2)‬



                                                     ‫1 - جامع العبيان: (81/ 592)‬
                                                       ‫2 - حبر العلوم: (2/ 419).‬
                                           ‫301‬
 ‫(مل يعرفوا قدر نعمتهم، ومل يشكروا سالمة أحواهلم، وانتظام‬
                   ‫ر‬
 ‫أمورهم، فهاموا يف أودية الكفران على وجوههم، فخ ّوا يف أودية‬
 ‫الصغار على أذقاهنم، وأذاقهم اهلل من كاسات اهلوان ما كسر مخار‬
 ‫بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان‬
                                                                         ‫الدمار فيها ناععبة.)(1)‬
                                 ‫ل َ‬                        ‫ط َ‬                ‫َ ء ش‬
 ‫قَا َ عطَا ل: (عَا ُوا فِي الَْعب َر فَأكَلُوا رزْقَ الَّهِ وعَعبَدُوا الْأَصْنَامَ، فَتِلْكَ‬
                                                                 ‫نه ت َ ِ ِ‬
                                             ‫مَساكُِ ُمْ لَمْ ُسْكنْ منْ بَعْدهِمْ إلَّا قَلِيلًا.‬
                                                               ‫ه ه‬                   ‫ق ن عب‬
  ‫َا َ اْب ُ عََّاسٍ رَضِيَ اللَّ ُ عَنْ ُمَا: لَمْ يَسْكُنْهَا إال املسافرون وما رأوا‬
                ‫ه ت َ ِ ِ ل سك‬                                                ‫س‬
  ‫َّريق يَوْمًا أَوْ َاعَةً، مَعْنَا ُ لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْدهِمْ إَّا ُ ُونًا قَلِيلًا.‬        ‫الط‬
                       ‫وِيلَ: معْنَا ُ لَمْ ُيعَمرْ مِنْهَا إَّا َأقُّهَا وَأكَْثرهَا خراب)(2)‬
                                            ‫ل َل َ ُ‬                        ‫َّ‬      ‫َق َ ه‬
‫(هذا ختويف ألهل مكة من سوء عاقعبة قوم كانوا يف مثل حاهلم من‬
‫إنعام اهلل عليهم بالرقود يف ظال األمن وخفض العيش، فغمطوا‬
                    ‫ر‬                    ‫ر‬
  ‫النعمة وقابلوها باألشر والعبطر، فدم ّهم اهلل وخ ّب ديارهم.‬
  ‫وانتصعبت معِيشَتَها إ ّا حبذف االار وإيصا الفعل، كقوله تعاىل‬           ‫م‬         ‫َ‬
‫وَاخْتارَ ُوسى قَومَ ُ وإ ّا على الظرف بنفسها، كقولك: زيد ظىن‬        ‫ْه م‬               ‫م‬
‫مقيم «3» . أو بتقدير حذف الزمان املضاف، أصله: بطرت أيام‬
         ‫ِ‬                   ‫م‬
‫معيشتها، كخفوق النجم، ومقدم احلاج: وإ ّا بتضمني َبطرَتْ‬



                                                       ‫1 - لطائف اإلشارات: (3/ 47).‬
                                                         ‫2 - تفسري العبغوي: (3/ 545).‬
                                              ‫401‬
 ‫معىن:كفرت وغمطت. وقيل: العبطر سوء احتما الغىن: وهو أن ال‬
                             ‫حيفظ حق اهلل فيه إلَّا قَلِيلًا من السكىن. )(1)‬
 ‫(إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سعبب هالك القرى. وقد‬
‫أوتوا من نعمة اهلل ذلك احلرم اآلمن فليحذروا إذن أن يعبطروا، وأال‬
 ‫يشكروا، فيحل هبم اهلالك كما حل بالقرى اليت يروهنا ويعرفوهنا،‬
     ‫ت َ ِ ِ‬
‫ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية.. «لَمْ ُسْكنْ منْ َبعْدهِمْ‬
 ‫إلَّا قَلِيلًا» . وبقيت شاخصة حتد عن مصارع أهلها، وتروى قصة‬
‫العبطر بالنعمة وقد فين أهلها فلم يعقعبوا أحدا، ومل يرثها بعدهم أحد‬
                                           ‫«وكَّا َنح ُ الْوارِثنيَ».)(2)‬
                                                                  ‫َ ُن ْن‬
                                             ‫متاع اجلاحدرن يف الدنيا قليل‬

‫ومن مواطن القلة املذمومة: وصةف متةاع االاحةدين يف الةدنيا‬
‫بأنه قليل, سواء كان طعاما أو شرابا أو أي صةورة مةن صةور‬
                    ‫ُّه‬          ‫ُةم‬               ‫ن ِّعه‬
‫املتاع, قا تعاىل: (ُمَت ُ ُمْ قَلِيلًةا ث َّ َنضْةطَر ُمْ إلَةى عَةذَابٍ‬
                                                       ‫غَلِيظٍ), لقمان:(42)‬
 ‫ث م‬        ‫َّع‬                             ‫الةد‬     ‫ه‬      ‫ن َهله‬
‫واملعىن: (ُم ُِّ ُمْ فِي َةذِهِ ُّنْيَا مَهْلًةا قَلِيلًةا يتَمَت ُةونَ, ُة َّ‬
      ‫ب الن‬                   ‫َ‬                      ‫ُ ه‬               ‫ن ُه‬
‫ُورد ُمْ عَلَى كرْهٍ مِنْ ُمْ عَذَابًا غَلِيظًةا، وذَلِةكَ عَةذَا ُ َّةار،‬
                            ‫َن ُو ُ باللَّهِ مِنْهَا، ومنْ عَملٍ ُيق ِّ ُ مِنْهَا.)(3)‬
                                         ‫َ ِ َ َرب‬                             ‫عذ‬

                      ‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 324).‬
                                           ‫2 - يف ظال القرآن:(5/ 4572).‬
                                              ‫3 - جامع العبيان: (81/ 575).‬
                                     ‫501‬
 ‫والعذاب فِي ُّنْيَا,(َيعْني: إلَى مَوْتِهمْ.)(1), أي: (ميهلهم يف الدنيا‬
                                                                      ‫الد‬
                                                        ‫إمهاالً قليالً ووقتاً قليالً.)(2)‬
      ‫ِ‬                      ‫الد‬            ‫َّ‬          ‫ن له‬                      ‫ن ِّعه‬
‫(ُمَت ُ ُمْ قَلِيلًا، أَيْ: ُمْهُ ُمْ لِيَتَمَتعُوا بَنعِيم ُّنْيَا قَلِيلًا إلَى اْنقضَاءِ‬
                    ‫ِ‬              ‫ُم ْط ُّه ُم ن ئه ر ُّه‬
‫آجَالِهمْ، ث َّ َنض َر ُمْ، ث َّ ُلْجُ ُمْ وََن ُد ُمْ فِي الْآخرَةِ، إىل عَذابٍ‬
  ‫غَلِيظٍ، و ُوَ عَذَابُ َّار.)(3), (واملتاع القليل هو العمر يف الدنيا)(4)‬
                                                                ‫الن‬            ‫َه‬
 ‫واهلل (تعاىل) يعبني للمؤمنني الصادقني أن متةاع هةؤالء ال يةدوم؛‬
 ‫فال يغرنكم ما هم فيه, فهةو ظةل زائةل, وعاريةة مسةتردة,‬
 ‫يعبتليهم اهلل هبا ويعبتلي هبا غريهةم, فكأنةه (تعةاىل) يقةو :(لَةا‬
                       ‫ِّ‬                             ‫ُف م‬          ‫ؤ‬
‫تَْنظ ُوا إلَى مَا هَ ُلَاءِ الْك َّار ُتْرفون فِيةهِ، مِةنَ النعْمَةة والغِْعبطَةة‬    ‫ُر‬
           ‫ح م‬                      ‫ُله ه‬                     ‫م ل ز‬
‫َالس ُور، فعَ ّا قَِيلٍ َي ُو ُ هَذَا كُّ ُ عَنْ ُمْ، وَُيصْةعب ُونَ ُةرتَهنني‬      ‫و ُّر‬
                                 ‫ه‬                   ‫َ م َّي ن مد ه‬
‫بأعْمَالِه ُ السِّئَةِ، فَإَّمَا نَ ُ ّ لَ ُةمْ فِيمَةا ُةمْ فِيةهِ اسْةتِدْرَاجًا،‬
            ‫ع ل ُةم و ه َةنم‬                                               ‫ع ه‬
‫وَجَمِي ُ مَا ُمْ فِيهِ {مَتَةا ٌ قَلِية ٌ ث َّ مَةأْ َا ُمْ جَه َّ ُ وَبةْئسَ‬
‫الْمِهَا ُ}.)(5) , (ومتاع احليةاة الةذي خيدعةه قليةل، قصةري‬                         ‫د‬
 ‫األجل، زهيد القيمة..)(6). وهَذِهِ الْآيَة ُ كقَوْلِةهِ َتعَةالَى: {مَةا‬
                                 ‫ة َ‬                 ‫َ‬

‫1 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (3/ 773), تفسري السمعاين: (4/‬
                                                                                ‫.‬   ‫532).‬
                                   ‫2 - اهلداية إىل بلوس النهاية: (9/ 5375)‬
                                         ‫.‬

                                            ‫3 - تفسري العبغوي:(3/ 195).‬
                        ‫4 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (4/ 353).‬
                                                    ‫5 - تفسري ابن كثري: (2/ 291).‬
                                                   ‫6 - يف ظال القرآن:(5/ 4972).‬
                                             ‫601‬
       ‫ر َل به‬
‫ُيجَاد ُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إال َّ ِينَ كفرُوا فَال َرغْل ُرْكَ َتق ُّلُ ُمْ فِةي‬
                                       ‫الذ َ َ‬                             ‫ِ‬
                   ‫ر‬              ‫ن ال‬                  ‫َق‬        ‫ِ‬
‫الْعبالدِ} [غَافرٍ:4] ، وَا َ َتعَالَى: {إ َّ َّذِينَ َيفْتَة ُونَ عَلَةى اللَّةهِ‬
                             ‫ت ع للد ُةم‬
‫الْكَذِبَ لَا ُيفِْل ُونَ. مََا ٌ فِي ا ُّنْيَا ث َّ إلَيْنَةا مَةرْجعُ ُمْ ُة َّ‬
‫ه ث م‬                                                      ‫ح‬
          ‫ي‬      ‫ْف ر‬                         ‫الش‬           ‫نذ قهم‬
‫ُ ِي ُ ُ ُ اْلعَذَابَ َّدِيدَ بمَةا كَةانُوا يَك ُة ُونَ} [ُةوُنسَ:99،‬
                                           ‫ن ِّعه‬
‫57] ، وَا َ َتعَالَى: {ُمَت ُ ُمْ قَلِيال ث َّ َنضْةطَر ُمْ إلَةى عَةذَابٍ‬
                 ‫ُّه‬        ‫ُم‬                                    ‫َق‬
                              ‫َه‬
‫غَلِيظٍ} [ُلقْمَانَ:42] ، وَا َ َتعَالَى: {فَم ِّللِ الْكَةافِرينَ أَمْهلْ ُةمْ‬
   ‫ه‬                                               ‫َق‬
                          ‫َق‬                           ‫الط‬          ‫ر‬
‫ُوَيْدًا} [ َّةارق:71] ، أَيْ: قَلِيلًةا وَةا َ َتعَةالَى: {َأفَمَةنْ‬
     ‫اللد‬               ‫َ َّ ه ت‬
‫وعَدْنَا ُ وعْدًا حَسَنًا فَ ُوَ القِيهِ كَمنْ مَتعْنَا ُ مََلاعَ الْحَيَلاةِ ُّنْيَا‬
                                                       ‫ه‬                 ‫َ ه َ‬
                           ‫ََ‬            ‫ُْ‬              ‫ُم ه ْ ي‬
                      ‫ث َّ ُوَ يَومَ اْلقَِامَةِ مِنَ الْمحضَرينَ} [اْلقص :19]‬
                                                        ‫القلة املذمومة يف العدد‬
‫كثر ورود القلة يف العدد يف القرآن الكرمي يف موطن املدح, وهنا‬
‫وردت القلة يف العدد يف موطن الذم وهذا من املواطن القليلة الورود‬
        ‫ي‬          ‫َ‬       ‫َت‬
‫يف القرآن الكرمي, ومن ذلك قوله تعاىل:( حَّى إذَا رأَوْا مَا ُوعَدُونَ‬
                                   ‫م َ ْ ف ِ َ َل َ‬
                 ‫فَسََيعْلَ ُونَ منْ أَضعَ ُ نَاصرًا وَأق ُّ عَددًا),االن: (42).‬
 ‫والوصف بقلة العدد هنا من مواطن الوصةف بالقلةة املذمومةة,‬
‫ومعىن اآلية الكرمية:(إذا عاينوا ما يعةدهم رهبةم مةن العةذاب‬
              ‫ف ِ َ َل َ‬                       ‫م َ‬
‫وقيام الساعة (فَسََيعْلَ ُونَ منْ أَضْعَ ُ نَاصرًا وَأق ُّ عَةددًا), أجنةد‬
‫اهلل الذي أشركوا بةه، أم هةؤالء املشةركون بةه.)(1) (فهةو‬



         ‫1 - جامع العبيان:(32/ 179), وانظر: تفسري ابن فورك: (3/ 99).‬
                                        ‫701‬
‫التهديد الظاهر وامللفوف ملن يعبلغه هةذا األمةر مث يعصةي. بعةد‬
                   ‫التلويح باالد الصارم يف التكليف بذلك العبالس.‬
   ‫ة‬          ‫ة‬           ‫ة‬          ‫ة‬         ‫ة‬
‫وإذا ك ةان املش ةركون يركن ةون إىل ق ةوة وإىل ع ةدد،‬
‫ويقيسون قوهتم إىل قوة حممد- صةلى اهلل عليةه وسةلم-‬
‫واملؤمنني القالئل معةه، فسةيعلمون حةني يةرون مةا‬
‫يوعدون- إما يف الدنيا وإما يف اآلخةرة- «مَةنْ أَضْةعَفُ‬
                                 ‫ص َ َةل ع د‬
‫نا ِراً وَأق ُّ َة َداً» .. وأي الفةريقني هةو الضةعيف‬
                                        ‫املخذو القليل اهلزيل!)(1)‬

                                             ‫قلة شكر عموم الناس‬

‫ورد الوصف بالقلة لشكر عمةوم النةاس يف القةرآن‬
    ‫ق‬
 ‫الكرمي يف مواطن متعددة منها قةو اهلل تعةاىل: (ُةلْ‬
                     ‫ك م الس‬         ‫َك َ‬               ‫ه ال‬
‫ُوَ َّذِي أَنْشَأ ُمْ وَجعَةلَ لَ ُة ُ َّةمْعَ وَالْأَْبصَةارَ‬
                                     ‫ُ‬
‫وَالْأفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْةكرُون), امللةك: (32), وقولةه‬  ‫َ‬
‫تعاىل: (وََلقَدْ مَكَّا ُمْ فِي الْأَرْض وَجعَلْنَا لَ ُةمْ فِيهَةا‬
           ‫َ ك‬                            ‫َّن ك‬
                            ‫ُر‬                         ‫َ‬
‫معَايشَ قَلِيلًا مَا تَشْك ُونَ, األعةراف: (51), وقولةه:‬
     ‫ك م الس‬         ‫َ‬        ‫ِ ر‬                  ‫ُم َو ه‬
‫(ث َّ س َّا ُ وََنفَخَ فِيهِ منْ ُوحِهِ وَجعَةلَ لَ ُة ُ َّةمْعَ‬



                                 ‫1 - يف ظال القرآن: (9/ 7373).‬

                                      ‫801‬
                    ‫ُر‬                          ‫وَ‬              ‫و‬
 ‫َالْأَْبصَارَ َالْأفْئِدَةَ قَلِيلًةا مَةا تَشْةك ُونَ),السةجدة:‬
                                                         ‫(9).‬
‫( يعين بالقليل أهنم ال يشكرون رب هذه النعم يف حسن‬
‫خلقهم فيوحدونه.)(1),أي: (قليال ما تشكرون ربكم‬
                        ‫على هذه النعم اليت أنعمها عليكم.)(2)‬
‫ودهلم اهلل (تعاىل) على موطن املؤاخذة وهةو أهنةم مل‬
‫يسخروا النعم فيما خلقت لةه, فلةم يسةمعوا مةراد‬
 ‫اهلل, ومل يأمتروا بأمره وينتهوا بنهيه, ومل يعقلةوا عنةه,‬
  ‫َك‬                  ‫ال‬        ‫ُ‬
‫وهو الذي خلقهم لذلك, (قلْ هُةوَ َّةذِي أَنْشَةأ ُمْ‬
                               ‫َ َ كم الس‬
‫يعين: خلقكم وَجعلَ لَ ُ ُ َّمْعَ لكةي تسةمعوا هبةا‬
                 ‫َ‬                                     ‫و‬
 ‫احلق، َالْأَبْصارَ يعين: لكي تعبصةروا، وَالْأفْئِةدَةَ يعةين:‬
                               ‫القلوب لكي تعقلوا هبا اهلدى.‬
                                               ‫م ُر‬
‫قَلِيلًا َّا تَشْك ُونَ يعين: شكركم فيمةا صةنع إلةيكم‬
                            ‫ك م‬
 ‫قليالً. ويقا : معناه خلةق لَ ُة ُ السةمع واألبصةار‬
‫واألفئدة آلة لطاعةات ربكةم، وقطعةاً حلجةتكم،‬
‫وقدرة على ما أمةركم فاسةتعملتم اآلالت يف طاعةة‬
                                      ‫غريه ومل توحدوه.)(3)‬

                        ‫1 - تفسري مقاتل بن سليمان: (3/ 944).‬

                                    ‫2 - جامع العبيان: (32/ 715).‬

                                    ‫3 - حبر العلوم: (3/ 874).‬
                                     ‫901‬
‫(ذكر عظيم مّتةه علةيهم بةأن خلةق هلةم هةذه‬    ‫ن‬
‫األعضاء، وطالعبهم بالشكر عليهةا.وشةكرهم عليهةا‬
                           ‫س‬
‫استعماهلا ىف طاعته فشكر ال ّمع أال تسةمع إال بةاهلل‬
‫وهلل، وشكر العبصةر أال تنظةر إال بةاهلل هلل، وشةكر‬
       ‫القلب أّا تشهد غري اهلل، وأّا حت ّ به غري اهلل.)(1)‬
                        ‫ل ب‬                           ‫ل‬
‫ولعل السر يف ختصي السةمع واألبصةار واألفئةدة‬
‫ألهنا مواطن االنتفاع يف احلياة, وألهنا (يتعلق هبةا مةن‬
‫املنافع الدينية والدنيوية ما ال يتعلق بغريهةا. ومقدمةة‬
‫منافعها أن يعملوا أمسةاعهم وأبصةارهم يف آيةات اهلل‬
      ‫ة‬          ‫ة‬         ‫ة‬             ‫ة‬
‫وأفعال ةه، مث ينظ ةروا ويس ةتدلوا بقل ةوهبم. وم ةن مل‬ ‫ة‬
   ‫يعملها فيما خلقت له فهو مبنزلة عادمها، كمةا قةا‬
   ‫ُه‬          ‫ْه و‬            ‫ه‬
‫اهلل (تعاىل): (فَما َأغْىن عَنْ ُمْ سَةمعُ ُمْ َال أَبْصةار ُمْ‬
                                                ‫ته ِ‬
 ‫َال َأفْئِدَُ ُمْ منْ شَيْءٍ إذ كانوا جيحةدون بآيةات اهلل‬   ‫و‬
  ‫ةة َةة َةة ن ةة‬
‫وح ةاقَ به ةمْ م ةا ك ةاُوا ب ةهِ‬   ‫َ َةة‬
                                  ‫َ ت ئن‬
‫يسَْهْزُو َ),األحقاف:92. ومقدمةة شةكر النعمةة‬
    ‫د‬
‫فيها اإلقرار باملنعم هبةا، وأن ال جيعةل لةه نة ّ وال‬




                           ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 385).‬
                                    ‫011‬
‫شريك، أي: تشكرون شةكرا قلةيال، ومةا مزيةدة‬
                                                    ‫للتأكيد مبعىن حقا)(1)‬
                                                  ‫ُ‬
‫(وقوله: قَلِيلًا ما تَشْكرُونَ يقتضي ظاهره أهنم يشكرون‬
‫قليال، فهذا إما أن يريد به ما عسى أن يكون للكافر من‬
‫شكر وهو قليل غري نافع، وإما أن يريد مجلة فعرب بالقلة‬
‫كما تقو العرب: هذه أرض قل ما تنعبت كذا، وهي ال‬
                                                                ‫تنعبته بتة)(2)‬
‫ويف اآلية الكرمية تنعبيه على أن هذا العطاء ملهمة, وأن‬
‫إغفا اإلفادة من هذه النعم جملعبة للوم والذم, ناهيك عن‬
              ‫ْ تك‬                           ‫َنه‬
‫العتاب والعقاب,( كَأَّ ُ َتعَالَى قَا َ: َأعطَيُْ ُمْ هَذِهِ‬
      ‫ِنك‬            ‫الش‬                ‫ف ِ‬                   ‫الث‬
 ‫الْإعطَاءَاتِ َّلَاثَةَ مَعَ مَا ِيهَا منَ اْلقُوَى َّريفَةِ، لَكَّ ُمْ‬  ‫ْ‬
            ‫ت‬                  ‫ِت ه‬                 ‫ل‬                ‫َّ تم‬
  ‫ضَيعُْ ُوهَا فَلَمْ َتقْعبَُوا مَا سَمعُْمُو ُ وَلَا اعْتَعبَرُْمْ بمَا‬
      ‫َ تم ه َنك‬                                    ‫َم ت‬          ‫َ تم ه‬
  ‫أَْبصرُْ ُو ُ، وَلَا تَأ َّلُْمْ فِي عَاقِعبَةِ مَا عقَلُْ ُو ُ، فَكَأَّ ُمْ‬
                           ‫وِ‬               ‫ِّ َ ت‬                      ‫َّ ت‬
   ‫ضَيعُْمْ هَذِهِ النعَمَ وَأفْسَدُْمْ هَذِهِ الْمَ َاهبَ، فَلِهَذَا قَا َ:‬
          ‫ه‬            ‫ل‬              ‫َن ش ْ‬          ‫ُر َ‬
   ‫قَلِيلًا مَا تَشْك ُونَ وذَلِكَ لِأ َّ ُكرَ نعْمَةِ الَّهِ َتعَالَى ُوَ أَنْ‬
    ‫ه ت َم َ َ تم‬                                        ‫ِّ‬
    ‫َيصْرفَ تِلْكَ النعْمَةَ إلَى وَجْهِ رضَا ُ،وَأَنُْمْ ل َّا صرفُْ ُ‬



‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (3/ 891),أنوار‬
                          ‫التنزيل وأسرار التأويل: (4/ 39).‬
        ‫2 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (5/ 343).‬

                                             ‫111‬
     ‫ت‬                ‫ل َ‬               ‫الس و َ و َ ْ‬
‫َّمْعَ َالَْعبصرَ َاْلعقلَ لَا إلَى طََب مرْضَاتِهِ فَأَنُْمْ ما‬
                                       ‫شكرمت نعمته ألعبتة.)(1)‬
                                                ‫قلة إميان املدعورن‬

‫ومن املواطن اليت ورد فيها ذم القلةة, أو التعةعبري عنةها يف مقةام‬
‫الذم,وصف إميان املدعوين بالقلة, وورد ذلةك يف قولةه تعةاىل:‬
                                     ‫تْ ن‬              ‫َ ه ْ شِ‬
               ‫(ومَا ُوَ بقَو َاعرٍ قَلِيلًا مَا ُؤمُِونَ), احلاقة: (14).‬
                             ‫واملعىن: (أقلكم من ُؤمن)(2)‬
                                      ‫ي‬
‫والقلة هنا تد على العدم, أو الوجود غري املفيد فهو‬
‫أشعبه بالعدم, أي: (ال تصدقون بأن القرآن من عند اهلل،‬
‫وأريد بالقليل نفي إمياهنم أصلًا، كما تقو ملن ال يزورك:‬
‫َّ ما تأتينا, وأنت تريد: ال يأتينا أصلًا.)(3), (أَي: لَا‬  ‫قل‬
‫تؤمنون أصال.)(4), فالقلة مبعناها األصلي , أو داللتها‬
                 ‫الفرعية على العدم هنا يف موطن الذم.‬
                                               ‫قلة تذكر املدعورن‬



                              ‫1 - مفاتيح الغيب: (53/ 595).‬
             ‫2 - تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني:(5/ 33).‬
                 ‫3 - التفسري الوسيط للواحدي: (4/ 843).‬
                           ‫4 - تفسري السمعاين: (9/ 24).‬

                                    ‫211‬
‫ومن املواطن اليت ورد فيها احلديث عن القلةة يف مقةام‬
‫الذم, وصف تذكر املدعوين بالقلة, وقةد ورد ذلةك‬
   ‫ِ‬         ‫ْ‬
‫يف مواطن متعددة منها قوله تعاىل: (وَلَا بقَةو كَةاهنٍ‬
      ‫َ‬                                                   ‫ذ َّر‬
 ‫قَلِيلًا مَا تَ َك ُونَ), احلاقة: (24). وقوله تعةاىل: (ومَةا‬
      ‫َ ل‬               ‫َ‬          ‫و ص ري َال‬              ‫َ‬
‫يَسْتَوي الْةأعْمَى َالَْعب ِة ُ و َّةذِينَ آمَنُةوا وعَمُِةوا‬
                 ‫ذ َّر‬                        ‫م ء‬
 ‫َّاِلحَاتِ وَلَا الْ ُسِي ُ قَلِيلًةا مَةا تَتَة َك ُونَ),غةافر:‬ ‫الص‬
        ‫ر َ‬               ‫أ َّ ي ب ُ‬
‫(85), وقوله تعاىل:( َمنْ ُجية ُ الْمضْةطَ َّ إذَا دعَةاهُ‬
                 ‫ه‬                      ‫ْ لك خ‬            ‫ف الس‬
‫وَيَكْشِ ُ ُّوءَ وََيجعَُ ُمْ َُلفَاءَ الْأَرْض أَئِلَ ٌ مَةعَ اللَّةهِ‬
                                                           ‫ذ َّر‬
                                 ‫قَلِيلًا مَا تَ َك ُونَ), النمل: (29).‬
 ‫والتذكر هنا مبعىن االتعان, يقو الطربي: (قليال ما تعتربون به.)(1)‬
                        ‫أو:( قليال ما تتعظون وتعتربون فتراجعون احلق.)(2)‬
‫أو أن املراد أقلكم املتذكر, فالقلة هنا إما يف فعل التذكر, وإما يف‬
                                  ‫عدد املتذكرين, أو املراد قلة زمن التذكر(3)‬
‫واملراد من القلة هنا: إما الندرة, وإما العدم, على عادة القرآن الكرمي‬
 ‫يف التععبري بالقلة على العدم أو الفعل غري املفيد الذي وجوده كالعدم,‬
‫وتذييل اآلية الكرمية بنفي التذكر إشارة على وضوح هذه النعم اليت‬


            ‫1 - جامع العبيان: (32/ 295), وانظر: حبر العلوم: (3/ 294).‬
                                       ‫2 - جامع العبيان : (21/ 992).‬
       ‫3 - راجع: تفسري القرآن العزيز البن أ زمنني: (2/ 211), التفسري‬
                                  ‫املظهري (51/ 75), بتصرف يسري.‬
                                    ‫311‬
‫م‬                            ‫ل‬                      ‫ة‬
‫دهلم القرآن عليها, (وما مزيد ٌ لتأكيدِ معىن القَّةِ اليت أريدَ هبا العد ُ‬
‫أو ما جيري جمراه يف احلقارةِ وعدم االدوى ويف تذييل الكالم بنفي‬
  ‫وأن‬                  ‫كل‬              ‫ز‬           ‫ه‬
‫التذكر عنهم إيذا ٌ بأن مضمونَ ُ مركو ٌ يف ذهن ِّ ذكيَ وغيبَ َّه‬‫ن َّ‬
      ‫من الوضوح بيحث ال يتوق ُ إال على التوجه إليه وتذكره)(1).‬
                                                      ‫ف‬
‫وقد يكون املراد من القلة: الوجود القليل, وذلك ما كان يظهر منهم‬
‫على ندرة, ( َاْلقِلَّ ُ ُوَ إقرَار ُمْ إذَا سُئِلُوا منْ خََلقَ ُمْ؟ قَالُوا: اللَّهِ)(2)‬
                        ‫ه‬          ‫َ‬                  ‫و ة ه ْ ُه‬
‫وقد قرئ بالغيعبة, وهلا داللة إضافية, هي:(اإليذان باقتضاء‬
‫سوءِ حالِهم يف عدم االمتثا باألمر والنهي وصرفِ اصطاب‬
              ‫عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغريهم بطريق املعباالة)(3)‬

                       ‫النعي على من رشتر بآرات اهلل مثنا قليالً‬

‫كل عوض عن آيةات اهلل قليةل, فةال يشةترى هبةا‬
  ‫سواها, وال يعد هبا غريها, فمةن ذا الةذي يسةتعبد‬
‫الذي هو أدىن بالذي هو خري؟, ولقةد وردت القلةة يف‬
‫موطن الذم يف النعي على من يشةتري بآيةات اهلل مثنةا‬
      ‫ن‬                     ‫ل‬
‫قليالً, قا تعاىل: (وَلَا تَشَْترُوا بعَهْدِ الَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًةا إَّمَةا‬


                ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (9/ 592).‬
                              ‫2 - العبحر احمليط يف التفسري: (51/ 592).‬
                ‫3 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (3/ 112).‬

                                          ‫411‬
                   ‫ت م‬                      ‫ر ك‬           ‫ه‬
‫عِنْدَ اللَّهِ ُوَ خَيْة ٌ لَ ُةمْ إنْ كُنْةُمْ َتعْلَ ُةونَ),النحةل:‬
                                                              ‫(59).‬
     ‫الةد‬                    ‫ل‬                  ‫ض ع‬
‫أي: (لَا َتعْتَا ُوا َن الْإيْمَانِ بالَّهِ عَةرَض اْلحَيَةاةِ ُّنْيَا‬
                                       ‫َِنه ل ة‬
‫وَزينَتَهَا، فذَّ َا قَلِي َل ٌ، وَلَةوْ حِيةزَتْ لِةابْن آدمَ ُّنْيَا‬
     ‫َ الةد‬
                      ‫ر‬              ‫ل‬                            ‫ذف‬
‫بحَ َاِريهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ الَّهِ هُوَ خَيْة ٌ لَةهُ، أَيْ: جَةزَاءُ‬
     ‫َ‬                               ‫ه‬         ‫به ر َ‬
‫اللَّهِ وَثَوَاُ ُ خَْي ٌ لِمنْ رَجَا ُ وَآمَةنَ بةهِ وَطَلَعبَةهُ، وَحفِةظَ‬
                                     ‫عَهْدَهُ رَجَاءَ مَو ُودِهِ)(1)‬
                                                ‫ْع‬

‫ومن نظر إىل موعود اهلل تعاىل ونظةر إىل الةدنيا اسةتقل‬
‫الدنيا مبا فيها ومن فيها, فال خيتار علةى مةراد اهلل شةيئاً,‬
‫ومل مينعه من تنفيذ أمره عرض من أعراض الةدنيا, (فةال‬
                                     ‫ق‬
‫ختتاروا على القيام حب ّ اهلل والوفاء بعهةده عوضةا يسةريا‬
‫مما تنتفعون بةه مةن حطةام دنيةاكم مةن حاللكةم‬
                                  ‫د‬       ‫ن‬
‫وحرامكم، فإ ّ ما أعة ّ اهلل لكةم يف جناتةه- بشةرط‬
‫وفائكم إلميانكم- يوىف ويربو على ما تتعجلون بةه مةن‬
          ‫حظوظكم.)(2)ذلك أن (كل ما يف الدنيا قليل)(3)‬


                                      ‫1 - تفسري ابن كثري: (4/ 559).‬
                                    ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 813).‬
                            ‫3 - أيسر التفاسري للجزائري: (3/ 451).‬


                                         ‫511‬
‫ولقد حرص القرآن الكةرمي أن يةر املسةلمني علةى‬
‫االعتصام بكتةاب اهلل تعةاىل, وأن ال يشةتروا بةه مثنةا‬
‫قليال, (ولقد ترك القةرآن وسةنة الرسةو - صةلى اهلل‬
‫عليه وسلم- يف نفوس املسلمني أثراً قويةاً وطابعةاً عامةاً‬
‫يف هذه الناحية ظل هو طابع التعامل اإلسةالمي الفةردي‬
                                          ‫والدويل املتميز..‬
 ‫وقد ترك هذا القرآن يف النفوس ذلك الطابع اإلسالمي‬
‫العبارز. وهو يرغب ويرهب، وينذر وحيذر وجيعل العهد عهد‬
‫اهلل، ويصور النفع الذي جيره نقضه ضئيالً هزيالً، وما عند‬
                                     ‫و‬
‫اهلل على الوفاء عظيماً جزيالً: « َال تَشَْترُوا بعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً‬
       ‫ت م‬                    ‫ه ر ك‬                            ‫ن‬
‫قَلِيلًا. إَّما عِنْدَ اللَّهِ ُوَ خَْي ٌ لَ ُمْ إنْ كُنُْمْ َتعْلَ ُونَ» ..‬
‫ويذكر بأن ما عند العبشر ولو ملكه فرد فإنه زائل، وما عند‬
                ‫الل‬            ‫َك د‬
‫اهلل باق دائم: «ما عِنْد ُمْ يَنْفَ ُ وَما عِنْدَ َّهِ باقٍ» ، ويقوي‬
‫العزائم على الوفاء، والصرب لتكاليف الوفاء، ويعد الصابرين‬
  ‫ن‬       ‫س‬         ‫ْ َه‬                  ‫َن ال‬
‫أجراً حسناً «وَلََنجْزي َّ َّذِينَ صََعبرُوا أَجر ُمْ بأَحْ َن ما كاُوا‬
                                            ‫ل‬
‫َيعْمَُونَ» والتجاوز عما وقع منهم من عمل سي ، ليكون‬
                        ‫االزاء على أحسن العمل دون سواه.)(1)‬


                                             ‫1 - يف ظال القرآن: (4/ 3912).‬
                                         ‫611‬
‫والعلة يف كون ما يقابل كالم اهلل وآياته من مثن قليل مهما‬
‫كثر الفرق بني آيات اهلل تعاىل وما يف الدنيا من نعيم ومتاع,‬
‫(ووجه اصريية واضح، فإن ما عندكم من متاع ونعيم دنيوي‬
‫عرضة للنفاد والزوا ، وإن طا األمد، وما عند اهلل من‬
‫ثواب ونعيم يف االنة ومواهب اآلخرة باق خالد، ال انقطاع‬
‫له وال نفاد، وإمنا هو دائم ال حيو وال يزو ، أي إن الدنيا‬
                                ‫فانية، واآلخرة باقية دائمة.‬
‫واهلل بفضله وعدله جيزي باصري والثواب الطيب الذين صربوا‬
‫على أذى املشركني، وأعداء العقيدة، وعلى القيام بواجعبات‬
‫اإلسالم وأحكام الشريعة، اليت توجب الوفاء بالعهد وتنفيذ‬
‫العقد، وكذلك بالصرب عن الشهوات، وعلى مكاره الطاعة،‬
‫جيازيهم اهلل بأحسن أعماهلم، والتجاوز عن سيئاهتم، وهذا‬
‫هو الثواب العظيم، وهو الوعد احلسن بغفران الذنوب، وحمو‬
 ‫اصطايا، وهذه اآلية إشارة إىل الصرب عن شهوة كسب املا‬
                     ‫ر‬
‫بالوجوه املنكرة أو احملرمة، من ال ّشاوى، وأخذ األموا على‬
‫ترك الواجعبات، وفعل القعبائح واحملظورات، فإن كل عاقل‬




                               ‫711‬
‫ينفر من احلرام، وال يتقعبل العفيف الشريف تلويث مكاسعبه‬
                              ‫باحملرمات والشعبهات.)(1)‬




                        ‫1 - التفسري الوسيط للزحيلي: (2/ 9921).‬

                             ‫811‬
                         ‫املبحث الرابع‬

                       ‫سنن اهلل يف القلة‬

‫الناظر يف آيات القلة يف القرآن الكرمي جيد أهنةا متضةي يف خةط‬
‫واحد, وتسعى إىل هدف حمدد, مبا يةربز صةورة متكاملةة عةن‬
‫قضية كلية, هلا مالحمها ومساهتا, وهلةا أصةو جامعةة, ونظةائر‬
               ‫متناسقة, وميكن أن نرصد تلك السننية يف خطوتني:‬

               ‫األوىل يف بيان مالمح الترابط السنين يف آيات القلة.‬

            ‫والثانية يف بيان األصو االامعة لقضية السننية يف القلة‬

                             ‫مالم الترابط السنين يف آرات القلة‬

‫الناظر يف آيات القلة الواردة يف القرآن الكرمي جيةد هةذا اصةيط‬
‫الدقيق الرقيق الذي يربطها وجيمعهةا مةن أوهلةا إىل آخرهةا, ال‬
                              ‫911‬
‫تنقض آية أختها, وال تشاكسها وال تعكةر صةفوها, وال تكةدر‬
‫رواءها, بل متشةي يف مسةارها, وتؤكةد عطاءهةا, وترسةخ‬
‫داللتها, سواء ذلك يف وصف الفئة املؤمنةة الةيت اتعبعةت نوحةا‬
‫(عليه السالم), وآمنت به إذ كذبةه النةاس, وناصةرته إذ ختلةى‬
‫عنه العبشر, القريب والغريب والصديق والعدو حةىت ابنةه الةذي‬
‫هو من صلعبه, ختلى عن دعوتةه وهجةر رسةالته حةىت يوصةي‬
‫السالف اصالف, ويؤكد األجداد وصيتهم لألبنةاء بةل األحفةاد‬
                                  ‫موقفهم من نوح (عليه السالم).‬

‫والفئة القليلة من قوم نوح هي, هي, اليت وصةفها قومهةا بةأهنم‬
‫بل (أراذلنا),وأهنم متسرعون يف اإلميةان(بةادي الةرأي),‬     ‫أراذ‬
‫وأهنم ليس هلم على قومهم فضةل وال سةعبق, وهةذه الصةفات‬
‫وتلك اصيوط الدقيقة اليت وقفنا أمامها تفصةيال لةدى احلةديث‬
‫عن صفات القلة, وهي هي اليت تتكرر يف كل قلةة, مبةا يؤكةد‬
‫خط السننية يف تلك اآليات الكرمية, كما تلمةح التةهم نفسةها‬
‫والصفات ذاهتا تتكرر يف اهتام قريش أتعبةاعَ الرسةو (صةلى اهلل‬
‫عليه وسلم), ورغعبة أهل مكة يف أن جيعةل هلةم الرسةو يومةا‬
‫وهلؤالء يوما حىت نز القرآن الكرمي ينهى رسو اهلل عةن ذلةك‬
‫ويصف هؤالء القلة بةأهنم (يريةدون وجهةه), الكهةف:82,‬
                            ‫021‬
      ‫أ‬      ‫ل‬
‫ويأمر نعبيه بأن ال يعدو وجهه عنهم بقوله:(وَاتْة ُ مَةا ُوحِةيَ‬
      ‫َ‬                ‫مت‬           ‫مَد‬          ‫ت َب‬
‫إلَيْكَ مِنْ كَِاب رِّكَ لَا ُعب ِّ َ ِلكَلِ َاِةهِ وَلَةنْ تَجةد مِةنْ‬
                  ‫ال‬            ‫ْ‬                           ‫م‬
 ‫دُونهِ ُلْتَحَدًا (25) وَاصْعبرْ َنفسَةكَ مَةعَ َّةذِينَ يَةدْعُونَ‬
             ‫د‬              ‫َ ه ه‬           ‫َ ِي ي‬                       ‫َب‬
  ‫رَّهُمْ باْلغَدَاةِ وَاْلعش ِّ ُريدُونَ وجْ َة ُ وَلَةا َتعْة ُ عَيْنَةاكَ‬
       ‫ْ ن عب ه‬                    ‫ي الد ل ت‬                       ‫ت د‬
 ‫عَنْهُمْ ُري ُ زيَنةَ الْحََاةِ ُّنْيَا وََا ُطِعْ مَنْ أَغفَلَْا قَلَْة ُ عَةنْ‬
       ‫ق َةق‬              ‫ْ ُه ُرط‬          ‫هَ‬             ‫َات‬        ‫ِ‬
 ‫ذكْرنَا و َّعبَعَ هَوَا ُ وكَانَ َأمر ُ ف ُ ًا (35) وَُل الْح ُّ مِةنْ‬
                 ‫ْف ن‬                        ‫ْ َ‬                            ‫ِّ‬
  ‫رَبكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِنْ ومَنْ شَةاءَ فَلَْيك ُةرْ إَّةا أَعْتَةدْنَا‬
    ‫ث‬         ‫ث‬                  ‫س قه‬                                   ‫ِلظ‬
  ‫ل َّالِمِنيَ نَارًا َأحَاطَ بهمْ ُةرَادُِ َا وَإنْ َيسْةَتغِيُوا ُيغَةاُوا‬
            ‫الش ب‬               ‫ُج‬
 ‫بمَاءٍ كَالْمُهْل َيشْوي الْو ُةوهَ بةئْسَ َّةرَا ُ وَسَةاءَتْ‬
        ‫ل الص ح ن‬                   ‫َن‬             ‫ن‬            ‫ُ َ‬
 ‫مرَْتفقًا (35) إ َّ الَّذِينَ آمَُوا وَعَمُِوا َّةالِ َاتِ إَّةا لَةا‬
                                   ‫نض ع ْر م ْسن عمل‬
                  ‫ُ ِي ُ َأج َ َنْ َأح َ َ َ ًَا ), الكهف,82,92.‬

   ‫ع َبه‬                  ‫ْ ُ ال‬
‫وينهاه عن طردهم بقوله: (وَلَا تَطردِ َّةذِينَ يَةدْ ُونَ رَّ ُةمْ‬
          ‫ِ‬                  ‫َ َه م‬          ‫َ ِي ي‬
  ‫باْلغَدَاةِ وَاْلعش ِّ ُريدُونَ وجْه ُ َا عَلَيْةكَ مِةنْ حسَةابهمْ‬
      ‫ُ‬          ‫ْ‬                           ‫ِ‬         ‫َْ َ‬
‫مِنْ شيءٍ ومَا مِنْ حسَابكَ عَلَةيْهمْ مِةنْ شَةيءٍ فَتَطْةردَهُمْ‬
  ‫ْ‬        ‫ه‬           ‫َن‬            ‫َ‬              ‫الظ‬
‫فََتكُونَ مِنَ َّالِمِنيَ (52) وكَذَلِكَ فَتَّةا َبعْضَة ُمْ بةَعبعضٍ‬


                                     ‫121‬
            ‫الل ه‬            ‫ن‬                     ‫ل ؤ َن َّه‬
 ‫لَِيقُوُوا أَهَ ُلَاءِ م َّ الل ُ عَلَيْهمْ مِنْ بَيْنَا أَلَةيْسَ َّة ُ بةأَعْلَمَ‬
                                                        ‫الش ك ن‬
                                  ‫ب َّا ِري َ (32)), األنعام:25,35.‬

‫فهؤالء الذين وصفوا بالقلةة قةدميا وحةديثا ويف واقعنةا الةذي‬
‫نعيشه وتتأكد فيه سنن اهلل (تعاىل) تأكدا يربهن علةى صةالحية‬
    ‫ة‬       ‫ة‬          ‫ة‬       ‫ة‬       ‫ة ة‬           ‫ة‬
‫اإلس ةالم لك ةل زم ةان ومك ةان واس ةتيعابه لش ةؤون ال ةدنيا‬
‫واآلخرة,هؤالء هم خالصة قةومهم وبقيةة جنسةهم وجةوهر‬
‫أهل زماهنم, وهم الذين وعدوا بالنصةر يف كةل زمةان لتحقةق‬
‫شروط النصر فيهم وهةم أهةل االبةتالء واالختعبةار, والفةرز‬
‫والتمحي , وهم دائما حلمة واحةدة,تلمةح ذلةك يف حةديث‬
‫اآليات عن أتعباع نوع (عليه السالم)ويف بيانات القةرآن املتعةددة‬
  ‫ة قولة ومة ة‬            ‫وع ةه املوحية وجهة‬
‫ةة امل ةة, يف مث ةل ةه: ( ةا ن ةرى‬      ‫عباراتة‬
‫لكم),وقوله: (بل نظنكم),وقوله: (ومن آمن), كما تلمةح هةذا‬
‫التماسك يف الفئة املؤمنة مع طةالوت يف قولةه: (هةو والةذين‬
‫آمنوا معه),وقوله: (قا الذين يظنون أهنم مالقةوا اهلل كةم مةن‬
‫فئة قليلة غلعبت فئة كثرية بإذن اهلل واهلل مةع الصةابرين), وقولةه:‬
                                                         ‫(فهزموهم بإذن اهلل).‬



                                      ‫221‬
‫والفئة اليت آزرت رسو اهلل (صلى اهلل عليةه وسةلم) وآمنةت‬
‫به, وله,تعبدو فيها هذه الصفات الةيت بةدت يف قةوم نةوح ويف‬
‫الذين ناصروا طالوت من عدم االحتفا باملا واالةاه واملنصةب‬
‫والسلطان, وأهنم املسارعون إىل التصديق بالنعبوة والرسةالة,وهةم‬
‫الذين مجعهم اإلسالم وألف بينهم فكةانوا (فئةة),يفة بعضةهم‬
‫إىل بعض, ويتضام كل أ إىل أخيه, حىت يصري بةه ولةه عضةدا‬
‫وأزرا,حىت أذاب هذا الةدين فةوارق االةنس واللةون والعةرق‬
  ‫واللسان والزمان واملكان, فصارت جنسيتهم دينهم كمةا يقةو‬
‫األستاذ اإلمام حممد ععبده (رمحه اهلل), فأصةعبح عمةر العةدوي,‬
‫وأبو بكةر التميمةي, وبةال احلعبشةي, وسةلمان الفارسةي,‬
‫وصهيب الرومي يف اهلل إخوة, وأهل مكةة أحةزاب وشةيع وإن‬
                                              ‫كانوا من قريش:‬

   ‫إن العروبة يف بدر قد اقتتلت سيفا لسيف وكان الكل عربانا‬

   ‫فهل أبو جهلٍ يف غيه وأبو هلبٍ كخالدٍ قاد باسم اهلل فرسانا‬

   ‫شتان بينهما, شتان, شتان‬      ‫عروبتان فذي نور وذي ظلم‬

    ‫فإن أمتنا أوىل ضحايانا‬         ‫فإن نضح به يا أهل أمتنا‬

‫إن تلك القلة قةدميا وحةديثا ويف كةل زمةان ومكةان هةم‬
‫السابقون إىل اإلميان,وهم أهل العلةم والفقةه, وهةم الواعةون‬


                             ‫321‬
‫الواععبون لسنن اهلل يف احلياة واألحيةاء, وهةم أصةحاب العةزم‬
‫واحلزم, واإلرادة املاضية النافذة اليت تعةوض قلةة العةدد بكثةرة‬
‫الثر وتعوض الكم بالكيف وهم يف كل زمان علةى صةلة بةاهلل‬
‫ععبادة ودعاء وصلة ورجاء, ومهمثا يف الصةرب والثعبةات وطاعةة‬
‫القواد تلمحهم مع طالوت ميتنعون عن الشةرب وإن كةان أمةرا‬
‫حيويا, ويعربون معه النهر وهم يةرون عةدوهم يزيةد يف العةدد‬
                                                      ‫ع‬
‫وال ُدد والقوة والسالح والعتاد,وهم مةع رسةو اهلل (صةلى اهلل‬
‫عليه وسلم) (يروهنم مثلةيهم رأي العةني), ولكةن اهلل يلقةي يف‬
‫قلوهبم السكينة, ويغشيهم النعاس أمنةة منةه, ويثعبةت أقةدامهم,‬
                                            ‫ويربط على قلوهبم.‬

‫كما جتد اآليات اليت تصف القلة يربطهةا خةيط واحةد واضةح‬
‫من عالقتهم باحلياة واألحياء, كوصف متاع احليةاة الةدنيا بأنةه‬
‫قليل, وأن أمان الكافرين يف الةدنيا يةزو وال يةدوم, وصةف‬
‫عموم الناس بقلة الشكر, وقلة التذكر وقلةة العلةم وقلةة الفهةم‬
‫وقلة العقل, واصيط االامع هلذه األشياء هةي احليةاة ومةا فيهةا‬
                               ‫وما يدور حوهلا,ويغري الناس هبا.‬




                             ‫421‬
‫وال شك أن هذا كله يةؤدي بعةد مجعةه إىل تكةوين صةورة‬
‫صحيحة فصيحة دقيقة واضحة عن القلة مةدحا وذمةا, وإبةراز‬
‫موقف القرآن منها , وتلك منهجيةة القةرآن يف رسةم صةورة‬
‫واضحة املعامل بينة املالمح عن القلة اليت تناوهلا, تسةلم كةل آيةة‬
‫إىل أختها, يف تناسق بديع ميهد فيه السابق لالحةق ويؤكةد فيةه‬
                              ‫الالحق على السابق يف تناغم واتساق.‬



                           ‫األصول اجلامعة لقضية السننية يف القلة‬

‫بعد رصد اآليات اليت تناولةت القلةة مكيةة ومدنيةة, وسةواء‬
‫كانت تلك القلة يف األفراد أو األشياء ودرسةها وتأمةل دالالهتةا‬
‫ميكن أن نستخل يف نقاط السةنن املاضةية واألصةو االامعةة‬
                               ‫يف قضية القلة على النحو التايل:‬

          ‫1- أهنم السابقون إىل اإلميان والصابرون على ابتالءاته.‬
                          ‫2- أهنم الثابتون يف األزمات واالختعبار.‬
                              ‫3- أهنم يفرزون بعد ابتالء واختعبار.‬
                              ‫4- أهنم الناصرون للحق والدعوات.‬
                                   ‫5- أهنم الشاكرون قوال وعمال.‬
              ‫9- أهنم فقهاء علماء واعون بالدنيا واععبون باحلياة.‬

                                ‫521‬
     ‫7- أهنم عاملون بالسنن والنواميس االارية يف احلياة واألحياء.‬
                  ‫8- أهنم عادلون يف الشركة ال يعبغون يف اصلطة.‬
                              ‫9- أهنم الراضون بعطاء اهلل وقضائه.‬
                         ‫51- أهنم خالصة زماهنم وبقية جيلهم.‬
                                 ‫11- أهنم املنصورون املؤيدون.‬
                                  ‫21- أهنم دائما حلمة واحدة.‬
       ‫31- أهنم ال حيفلون باملا وال يأهبون باالاه والسلطان.‬
                                      ‫41- أهنم أصحاب العزم.‬
           ‫51- شدة صلتهم باهلل (تعاىل), وحسن ثنائهم عليه.‬
                ‫91- أهنم أقدر الناس على الثعبات وطاعة القواد.‬
                                     ‫71- ال حيتنكهم الشيطان.‬
‫تلك بعض األصو االامعة اليت ميكةن أن تصةور لنةا‬
‫سنن اهلل (تعاىل) يف القلة يف ضةوء اآليةات الكرميةة‬
‫واليت ميكن أن يفيد منها املسةلمون عامةة واملعنيةون‬
‫بنهضة األمة خاصة وسيعبني ذلةك يف صةفحات آتيةة‬
‫لدى احلديث عن ريةادة القلةة وأثرهةا يف الشةهود‬
       ‫احلضاري لألمة املسلمة, وفقه صناعة القلة الرائدة.‬




                                ‫621‬
                          ‫الفصل الثاين‬

          ‫الكثرة مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل (تعاىل)فيها‬

                          ‫املبحث األول‬

         ‫مفهوم الكثرة يف اللسان العريب والقرآن الكرمي‬

‫وردت مادة الكثرة وتقلعباهتا يف اللسان العر مشتملةً على عدد من‬
                     ‫املعاين ميكن أن نتلمسها على النحو اآليت:‬

 ‫ري‬
‫( الكثرة: نقيض القلة. ... وقد كثر الشيء فهو كثري. وقوم كَث ٌ،‬
                    ‫وهم كَثريونَ. وأكَْثرَ الرجل، أي كثر ماله.)(1)‬

                   ‫و (خري كثري وكوثر: بليغ الكثرة. قا الكميت:‬

    ‫وأنت كثري يا ابن مروان كوثر ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا‬

                                   ‫س‬
                      ‫(وتكوثر الغعبار: (جتمع) قا ح ّان بن نشيعبة:‬

 ‫أبوا أن يعبيحوا جارهم لعدوهم ... وقد ثار نقع املوت حىت تكوثرا)‬

        ‫بة‬      ‫عبنة‬
‫ةاهم، أي غل ةاهم ةالكثرة.‬       ‫ةاهم فكثرنة‬ ‫( ةا : كاثرنة‬ ‫ويقة‬
              ‫ر‬
‫....واستكثرت من الش ، أي أكثرت منه. والكُثْة ُ بالضةم مةن‬
                      ‫ر‬           ‫ُةل‬               ‫ري‬
‫املا : الكَث ُ. ويقا : ماله ق ٌّ وال كُثْة ٌ. ..ويقةا : احلمةد هلل‬

                  ‫1 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: (2/ 258).‬

                               ‫721‬
‫د‬       ‫ة‬       ‫ر مل‬                        ‫على ِّ وال ُثْر، والقل‬
‫ِّ والكِثْةر. والتكةاُث ُ: ا ُكةاثَر ُ. وعةد ٌ‬        ‫القل ك‬
                                                      ‫ري‬       ‫ر‬
                                       ‫كاِث ٌ، أي كَث ٌ. قا األعشى:‬

  ‫ةز‬        ‫َّمة‬     ‫ًة‬     ‫ولسة بة ث منة‬
‫ةتَ ةاألكَْر ةهم حص ةى * وإن ةا العِة َّةُ‬
                              ‫ث‬
                             ‫للكةةةةةةةةةةةاِر‬

                                              ‫َّر‬
‫وفالن يَتَكَث ُ مبا غريه. ابن السكيت: فةالن مكثةور عليةه، إذا‬
‫نفد ما عنده وكثرت عليه احلقوق، ....والكةوثر مةن الرجةا :‬
      ‫ري‬                     ‫ر‬                       ‫ري‬
‫السيد الكَث ُ اصري.... - والكَةوَْث ُ مةن الغعبةار: الكَةث ُ. وقةد‬
                                                     ‫تَكَوَْثرَ. (1)‬

    ‫ك‬
‫ورذكر ابن فارس يف مقلاريس اللغلة أن (الْ َلافُ‬
   ‫ِل م‬             ‫ُل ل‬                ‫َالث ء َالر ء ْل‬
‫و َّا ُ و َّا ُ َأص ٌ صَحِي ٌ رَد ُّ خِ َافَ اْلق َّلةِ. ِلنْ‬
     ‫ن‬                                   ‫الش ء ري َ‬
‫ذَلِكَ َّيْ ُ الْكَِث ُ، وقَدْ كَُثرَ. ...وَُيقَا ُ: كَةاَثرَ بَُةو‬
   ‫ه‬                                  ‫ره‬                ‫ف‬            ‫ف‬
‫ُلَانٍ [بَني ُلَانٍ] فَكََث ُو ُمْ، أَيْ: كَانُوا َأكْثَةرَ مِةنْ ُمْ.‬
                                  ‫وعَد ٌ كَاِث ٌ، أَيْ: كَِثري..)(2)‬
                                          ‫ٌ‬               ‫َ َد ر‬
                                     ‫الْفرق بَني الْكثري والوافر:‬




                            ‫ر.‬     ‫1 - انظر لسان العرب: 5/231, مادة: ك‬
                                            ‫2 - مقاييس اللغة: (5/ 591).‬
                                       ‫821‬
‫والفرق بني الكثرة والوفر: (أَن الْكَْثرَة زِرَلادَة الْعلدَد‬
 ‫َّل ركثل‬    ‫َل آخل َّل‬
‫ةوفر ادْتِم لاع لر الش ليْء حَت لى لر‬
                                    ‫والة‬
                                                       ‫حجمه.)(1)‬
                             ‫ري ُل‬              ‫َّم‬       ‫كر‬
‫( ال ُْث ُ، بالض ِّ: الْكَِث ُ كالق ِّ فِةي اْلقَلِيةل، والكُثْةرُ‬
                          ‫ء‬                ‫ر‬            ‫ُ ْ م الش‬
‫معظَ ُ َّيْءِ وأَكَْث ُه؛ كَُثرَ الشي ُ كَثةارَةً فَهُةوَ كَةثِري‬
         ‫م‬                     ‫ُل م ر‬                ‫كر ر‬
‫و ُثا ٌ وكَْث ٌ... وَرَج ٌ ُكِْث ٌ: ذُو كُثْةرٍ مِةنَ الْ َةا ؛‬
    ‫الةد‬        ‫ري َ‬         ‫َّةم‬         ‫كر‬
 ‫ومِكْثا ٌ ... وال ُثا ُ، بالض ِّ: الكَةِث ُ. وفِةي َّار‬   ‫ر‬
                                           ‫ن‬          ‫ر‬
‫ُثار وكِثا ٌ مِنَ الَّاس أَي جَمَاعَةاتٍ، ... وَاسْةتَكَْثرَ‬     ‫ك‬
                         ‫ْه‬                     ‫ِ‬
‫منَ َّيْءِ: رَب َ فِي الْكَثِريِ مِن ُ وأَكثةر مِنْة ُ أَيضةاً.‬
         ‫ه‬                                               ‫ِ الش‬
           ‫ل‬         ‫م‬             ‫ث‬
‫وَرَج ٌ مَكُْو ٌ عَلَيْهِ إذا كَُرَ عَلَيْلهِ َلنْ رَطْ ُل ُ مِنْلهُ‬
                                                    ‫ُل ث ر‬
‫املعروفَ، وفِي الصحَاح: إذا َنفِدَ مَا عِنْةدَ ُ وكَُةرَتْ‬
     ‫ه ث‬                                ‫ِّ‬     ‫َ‬
         ‫ث‬              ‫ج ل ث ر‬                  ‫حل ق ق‬
‫عَلَيْهِ ا ُقو ُ ُي َا ُ: رَ ُة ٌ مَكُْةو ٌ عَلَيْةهِ إذا كَُةرَتْ‬
 ‫ع‬          ‫ه‬                                      ‫ق‬
‫عَلَيْهِ احلقو ُ واملطالَعباتُ؛ أَراد أَنه كَةانَ عِنْةدَ ُ جَمْة ٌ‬
              ‫ه‬             ‫أ‬            ‫َ‬               ‫ِ ن‬
‫منَ الَّاس يسأَلونه عنْ أَشياء فكَهنم كَةانَ لَ ُةمْ عَلَيْةهِ‬
            ‫ث ر َل‬
‫ح ُو ٌ فَ ُمْ َيطُُْونَهَا. ..املَكُْةو ُ: الْمغْ ُلوبُ، وهُةوَ‬
     ‫َ‬                                     ‫ُق ق ه لعب‬
                                ‫ن س َ َر‬                             ‫ال‬
‫َّذِي تَكَاَثرَ عَلَيْهِ الَّا ُ فقَه ُوهُ، .. والكَةوْثَر: الْكَةِثريُ‬
               ‫ري َلف م‬
‫منْ ك ِّ شَيْءٍ. والكَوْثَر: الْكَثِ ُ الْمُلْت ُّ ِلنَ اْلغُبَلارِ‬
                                                           ‫ِ ُل‬
    ‫ري ط‬                                       ‫ث‬
‫إِذا سَطَعَ وكَُرَ، .... وَرَج ٌ كَةوَْث ٌ: كَلثِ ُ اْلعَ َلاءِ‬
                     ‫ر‬         ‫ُل‬


                                       ‫1 - الفروق اللغوية للعسكري: (252).‬

                                        ‫921‬
         ‫ري َي‬             ‫ر َّليد‬
‫الْخَيْرِ. والكَةوَْث ُ: الس ِّ ُ الْكَلثِ ُ الْخِّلرِ َةا َ‬
    ‫ق‬
                                                        ‫ك ت‬
                                                       ‫الْ ُمَْي ُ:‬
             ‫َ‬
‫وكَةانَ أَبةوك‬         ‫َي ب‬          ‫َ‬           ‫ري‬
                       ‫وأَنتَ كَِث ٌ، يَا ابنَ مرْوانَ، طِّة ٌ‬
                                              ‫ث‬        ‫ن ئ‬
                                           ‫اب ُ العقاِل كَوَْرا‬
                                                       ‫َق د‬
                                                     ‫وَا َ لَعبي ٌ:‬
                                 ‫ر‬             ‫ت‬           ‫الر‬
                                 ‫وعِنْدَ ِّداع بي ُ آخرَ كَوَْث ُ‬
                                            ‫والكَوَْث ُ: َّه ُ؛ )(1)‬
                                                   ‫ر الن ْر‬
                         ‫مي‬                         ‫ل‬
‫(الْكِْثرَةَ والقّة يسةتعمالن يف الك ّّةة املنفصةلة ....‬
‫وقوله: (بفاكِهَةةٍ كَةِثريَةٍ),ص:(15)؛ فإنةه جعلةها‬
            ‫ة‬                            ‫د‬
 ‫كثرية اعتعبارا مبطاعم ال ّنيا، وليسةت الْكَثْةرَ ُ إشةارة‬
 ‫ري‬
‫إىل العدد فقط بل إىل الفضل، ويقةا : عةدد كَةِث ٌ‬
           ‫م‬          ‫ر‬                             ‫ر‬
‫و ُثَا ٌ وكَاِث ٌ: زائد، ورجةل كَةاِث ٌ: ... والْ ُكَةاَثرَةُ‬ ‫كر‬
                     ‫ز‬                                ‫ت ر ت‬
 ‫والّكَاُث ُ: الّعباري يف كثرة املا والعة ّ. قةا تعةاىل:‬
                                               ‫كم الت ر‬
‫(أَلْها ُ ُ َّكاُث ُ) [التكاثر/ 1], ... ويقةا : تَكَةوَْثرَ‬
                              ‫الشي ُ: كَُثرَ كَْثرَةً متناهية،)(2).‬
                                                              ‫ء‬


‫1 - لسان العرب: (5/ 231), وانظر: القاموس احمليط:‬
                                                ‫894.‬
‫2 - املفردات يف غريب القرآن: (ص: 357), وانظر العبصائر:‬
                                                         ‫4/933.‬


                                      ‫031‬
‫ومن تتعبع املادة يف كتب اللغة واللسان يتضةح لنةا أن‬
                          ‫املادة تدور حو معاين منها:‬
                                   ‫1- أهنا نقيض القلة.‬
                               ‫2- وتد على التجمع.‬
                                 ‫3- وتد على الغلعبة.‬
                                      ‫4- وزيادة العدد.‬
        ‫5- ومن مشتقاهتا ما يد على السيد كثري اصري.‬
                              ‫9- وتد على السخاء.‬
                                ‫7- وتد على الدوام.‬
              ‫8- واملادة تد على االماعات من الناس.‬
            ‫9- وتد على التعباري يف كثرة املا والعز.‬
              ‫51-كما تستخدم يف العدد والفضل.‬
                           ‫تعبري القرآن الكرمي عن الكثرة‬
‫ورد التععبري عن الكثرة يف القرآن الكرمي بصةور متعةددة,‬
                ‫وألفان خمتلفة, فورد التععبري عنها بلفظ:‬
                                                 ‫ث‬
                                                ‫1- كُر‬
                                             ‫2- كثرت‬
                                                 ‫ث‬
                                            ‫3- كّركم‬
                                            ‫4- أكثرت‬
                                             ‫5- أكثروا‬


                              ‫131‬
                                       ‫9- استكثرت‬
                                        ‫7- استكثرمت‬
                                          ‫8- تستكثر‬
                                            ‫9- كثرة‬
                                      ‫51- كثرتكم‬
                                         ‫11- كثري‬
                                        ‫21- كثرية‬
                                         ‫31- أكثر‬
                                      ‫41- أكثركم‬
                                      ‫51- أكثرهم‬
                                        ‫91- تكاثر‬
                                        ‫71- كوثر‬
‫81- كما ورد التععبري عنها بألفةان أخةرى مةن غةري‬
        ‫مادهتا, مثل أساليب التكثري, وكم, وحنوها.‬

                        ‫موقف القرآن الكرمي من الكثرة‬

‫حني نتأمل اآليات اليت ورد فيها لفظ الكثةرة يف القةرآن‬
‫الكرمي, ونرد األشعباه والنظائر إىل أصةو جامعةة جنةدها‬
‫تتلخ يف أمرين جةامعني:الكثةرة احملمةودة, والكثةرة‬
                                             ‫املذمومة.‬


                             ‫231‬
                                    ‫أوالً: الكثرة احملمودة‬

‫وهي اليت تناوهلا القرآن مادحا هلةا بةذكرها يف مةواطن‬
‫تدعو إىل أمهيتها, وحتث على اإلفادة منها, سةواء كةان‬
‫ذلك على سعبيل االمتنان علةى أصةحاهبا بةأهنم كةانوا‬
                                                 ‫ث‬
‫قليال فكّةرهم اهلل, أو رغعبةة الةنيب - صةلى اهلل عليةه‬
‫وسلم- يف االستكثار من اصري لو كان يعلةم الغيةب, أو‬
                ‫ن‬
‫عفو اهلل – تعاىل- عن كثري من الذنوب مّةاً منةه علةى‬
‫ععباده وفضالً, أو الدعوة إىل تسةعبيح اهلل تعةاىل وذكةره‬
                                             ‫ُُ‬
                                              ‫ن‬
‫كثريا, أو مَِّه تعاىل على ععبةاده بالغيةث الكةثري الةذي‬
‫حييي به العبالد ويقيت الععباد, وينش هلم منه جنةات مةن‬
‫خنيل وأعناب هلم فيها فواكه كثرية, وأثةر كثةرة ذكةر‬
‫اهلل (تعاىل) يف عصمة املةؤمنني مةن أن يقولةوا مةا ال‬
                                          ‫ن‬
‫يفعلون, أو مَ ّ اهلل تعاىل على ععبةده ونعبيةه - صةلى اهلل‬
‫عليه وسلم – بالكوثر: النةهر الكةثري اصةري, الةذي ال‬
‫يظمأ من شرب منةه أبةدا, أو مةن اهلل (تعةاىل) علةى‬
‫املؤمنني بكثرة نصره هلةم يف مةواطن كةثرية, وتعديةده‬
‫(تعاىل) لكثرة مةن قاتةل مةع النعبةيني مةن الربةانيني‬
    ‫ة‬       ‫ة ة‬            ‫ة‬           ‫ة‬         ‫ة‬
‫واجملاه ةدين,وم ةن اهلل (تع ةاىل) عل ةى ععب ةاده بكث ةرة‬
‫الساجدين له من اصلق, واهتداء كةثري مةن النةاس مبةا‬
‫يضربه اهلل (تعاىل) هلم من األمثا , أو وصةفه تعةاىل ملةن‬

                              ‫331‬
‫يؤت احلكمة بأنه قد أويت خريا كةثريا, وأنةه ال يعقةل‬
                  ‫من‬
‫ذلك وال يفيده إال أولو األلعباب, أو ُّةه (تعةاىل) علةى‬
‫ععباده بكثرة ما خلق مةن نسةل آدم وحةواء ودعوتةه‬
       ‫إياهم أن يتقوه؛ شكرا هلذه املنة ووفاء لتلك النعمة.‬

                                    ‫ثانياً: الكثرة املذمومة‬

‫وتعبدو الكثرة املذمومة يف القرآن الكرمي من خةال تعةعبري‬
‫القرآن وحديثه عنها يف معرض الةذم واإلنكةار, سةواء‬
‫كان ذلك على سةعبيل العبيةان ألن كةثريا مةن النةاس‬
‫يضلون بأهوائهن بغةري علةم, أو أن كةثريا مةن االةن‬
‫واإلنس وقود جهنم, وبيان سةعبب ذلةك, أو بيةان أن‬
‫كثريا من الناس عن آيات اهلل غةافلون, أو بيةان دعةوى‬
‫األقوام أهنةم ال يفقهةون كةثريا ممةا يقولةه األنعبيةاء‬
     ‫ة‬           ‫ة‬               ‫ة‬
  ‫واملرسةلون, وتنكعبةهم الصةراط املسةتقيم , وإضةال‬
‫األصنام لكثري من الناس, وأن كةثريا مةن القةرون بةني‬
‫عاد ومثود هلكوا بذنوهبم, وأن كثريا منةهم بلقةاء رهبةم‬
‫كافرون, وإضال الشةياطني لكةثري منةهم, وبيةان أن‬
‫كثريا من اصلطاء يعبغي بعضهم علةى بعةض,إال الةذين‬
‫آمنوا وعملوا الصاحلات,وأن هؤالء قليلةون, أو أن املةرء‬
‫لو أطاع أكثر من يف األرض ألضةلوه عةن سةعبيل اهلل,‬
‫وبيان طعبيعة أكثر النةاس وأن أكثةرهم ال يعلمةون, وال‬
                              ‫431‬
  ‫ة‬           ‫ة ة‬                    ‫ة‬           ‫ة‬
‫يعقلةون, وال يسةمعون, وال يؤمن ةون بةاهلل إال وه ةم‬
‫مشركون, ومتضي الكثةرة يف القةرآن الكةرمي لتةعبني‬
‫للناس أن أكثر أهل الكتةاب ال عهةد هلةم, وأن كةثريا‬
‫منهم فاسقون, وأن كثريا منهم ساء ما كةانوا يعملةون,‬
‫وأن كثريا منهم عموا وصموا, وبيان أن الكثةرة املعاديةة‬
‫هلل تعاىل ال تغين عن أصةحاهبا شةيئا, أو أن اصعبيةث ال‬
‫يساوي الطيب ولو أعجب الناس كثةرة اصعبيةث, أو ذم‬
‫كثري من أهل الكتاب الذين يةودون أن يةردوا املةؤمنني‬
‫عن إمياهنم, أو كثرة النجةوى يف غةري أمةر بصةدقة أو‬
                            ‫معروف أو إصالح بني الناس.‬

‫ولنتناو الكثرة يف القرآن هبةذا الترتيةب يف الصةفحات‬
‫القادمة فنعبدأ بةالكثرة احملمةودة وصةفاهتا وخصائصةها‬
                       ‫كما وردت يف القرآن الكرمي.‬




                            ‫531‬
                            ‫املبحث الثاين‬

   ‫الكثرة احملمودة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬

‫إذا تتعبعنا اآليات اليت تصف الكثةرة احملمةودة يف القةرآن‬
                ‫الكرمي ميكن أن نتناوهلا على النحو اآليت:‬

            ‫امتنان اهلل - تعاىل- على قوم صاحل بكثرة العدد‬

‫كثرة العدد نعمة, إذا وضعت يف مكاهنةا, وأفيةد منةها‬
‫على الوجه املرضي, وقدميا كان العرب يتمةدحون هبةا,‬
                                     ‫فيقو قائلهم:‬

‫وإمنةا العةزة‬         ‫ولست بةاألكثر منةهم حصةا‬
                                                            ‫للكاثر(1)‬

‫والكثرة احملمودة نعمة من اهلل (تعاىل), امة هبةا علةى‬
 ‫قوم صا فقا يف معةرض تةذكريهم بنعمةه علةيهم,‬
‫ودعوته أن يَفيدوا من الكثةرة يف الةدعوة إليةه ولةيس‬
   ‫ت د‬                      ‫ُةل‬      ‫ْع‬
‫الصد عن سعبيله:(...وَلَا َتق ُدُوا بك ِّ صِةرَاطٍ ُوعِة ُونَ‬
                ‫غ‬                   ‫َ َ‬                    ‫ُد َ‬
‫وََتص ُّونَ عنْ سَعبيل اللَّهِ منْ آمَةنَ بةهِ وَتَْعب ُونَهَةا عِوَجًةا‬
                            ‫َث َك ظ‬                    ‫كت‬       ‫و ْ ُر‬
‫َاذك ُوا إذْ ُنُْمْ قَلِيلًا فَكَّةر ُمْ وَاْن ُةرُوا كَيْةفَ كَةانَ‬
                                                         ‫ة ُ د‬
                             ‫عَاقِعبَ ُ الْمفْسِ ِينَ) , األعراف: (98).‬

                 ‫1 - العبيت لألعشى, وانظر خزانة األدب: 1/581.‬
                                      ‫631‬
             ‫ث‬
‫(يذكرهم شعيب نعمة اهلل عنةدهم بةأن كّةرَ مجاعتةهم‬
‫بعد أن كانوا قلةيال عةددهم، وأنْ رَفعهةم مةن الذلةة‬
‫واصساسة، يقو هلم: فاشكروا اهلل الةذي أنعةم علةيكم‬
‫بذلك،أخلصوا لةه الععبةادة، واتقةوا عقوبتةه بالطاعةة،‬
‫واحذروا نقمته بترك املعصةية، (وانظةروا كيةف كةان‬
‫عاقعبة املفسدين) ، يقو : وانظروا مةا نةز مبةن كةان‬
‫قعبلكم من األمم حني عتوا على رهبم وعصوا رسةله، مةن‬
‫املَُالت والنقمات، وكيف وجدوا عقىب عصةياهنم إيةاه؟‬     ‫ث‬
‫أمل ُهلك بعضةهم غرقًةا بالطوفةان، وبعضةهم رمجًةا‬     ‫ي‬
‫باحلج ةارة، وبعض ةهم بالص ةيحة؟)(1), فقل ةل ب ةذلك‬
     ‫ة ة‬                   ‫ة‬          ‫ة‬           ‫ة‬
‫عددهم وحرمهم بذنوهبم تلك النعمةة الةيت امة هبةا‬
                  ‫عليكم, وأكرمكم هبا وأعزكم من خالهلا.‬
‫والكثرة هنا إما كثرة حقيقيةة بالعةدد, أو كثةرة عةن‬
‫طريق الغىن الةذي يكثةر القليةل, ويقةوي الضةعيف,‬
‫ويعطي للمرء يف احلياة قيمته ومكانتةه, أو تكةثري بةالقوة‬
‫بعد الضةعف, أو بطةو األعمةار بعةد قصةرها مةن‬
       ‫قعبل(2), أو تكون الكثرة بالربكة يف النسل واملا (1).‬


      ‫1 - جامع العبيان:(21/ 595), وانظر: تفسري السمعاين: (2/‬
                                                 ‫891).‬
                            ‫2 - النكت والعيون: (2/ 932).‬
                               ‫731‬
 ‫(م ّ عليهم بتكثري العدد؛ ألن بالتناصةر والتعةاون متشةي‬                 ‫ن‬
                                                ‫األمور وحيصل املراد.‬
‫ويقا كما أن كل أمةر بةاألعوان واألنصةار خةريا أو‬
‫شرا، فال نعمة فوق اتفاق األنصةار يف اصةري، وال حمنةة‬
                                  ‫فوق اتفاق األعوان يف الشر.)(2)‬
 ‫ويف تكثري عددهم إعةزاز هلةم وتقةدمي علةى غريهةم,‬
‫مضت بذلك سنة اهلل يف الكثةرة عنةدما تكةون كثةرة‬
                                 ‫حممودة تعز أهلها, وتعلي مكاهنم.‬
    ‫َِ‬        ‫ت م‬                  ‫َث َك‬                   ‫ك ت‬
‫( َاذك ُوا إذْ ُنْةُمْ قَلِيلًةا فَكَّةر ُمْ أَيْ :كُنْةُمْ ُسَْتضْةعفنيَ‬  ‫و ْ ُر‬
   ‫ك‬           ‫ل‬                 ‫َ ِك ْ ُ‬                    ‫ك َ ِ ت ِز‬
‫ِلقِلَّتِ ُمْ فصرُْمْ َأع َّةً لِكَْثرَةِ عَدد ُمْ فَاذكرُوا نعْمَةةَ الَّةهِ عَلَةيْ ُمْ‬
    ‫ُ‬                            ‫ة ُ‬                               ‫ُر‬
 ‫فِي ذَلِكَ وَاْنظ ُوا كَيْفَ كانَ عاقِعبَة ُ الْمفْسِةدِينَ أَيْ مِةنَ الْةأمَم‬
       ‫َالنك‬                             ‫َ َل‬
   ‫اْلخَالِيَةِ والقرون الْمَاضِيَةِ ومَا ح َّ بهةمْ مِةنَ اْلعَةذَاب و َّ َةا‬
‫باجِْترَائِهمْ عَلَى معَاصِي اللَّهِ وَتَكْةذِيب ُ ُةلِهِ.)(3) فةأهلكهم اهلل‬
                              ‫رس‬                                 ‫َ‬
‫وابتالهم بنق من األموا واألوالد والثمةرات, حةىت صةاروا‬
                                   ‫أثرا بعد عني, وحديثا غابرا يف الداثرين.‬
‫نوح وحرصه على بالغ الرسالة وإكثلاره ملن البيلان‬
                                                                      ‫لقومه‬

     ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (3/ 842).‬
                           ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 555).‬
                              ‫3 - تفسري ابن كثري: (3/ 254).‬

                                          ‫831‬
‫أرسل اهلل الرسل, وأنز الكتب, ليخرج مةن شةاء مةن‬
‫ععباده من الظلمات إىل النةور, وأيةد رسةله بةاحلجج‬
‫العباهرة واألدلة القاطعة والرباهني السةاطعة الةيت ترشةد‬
‫الناس إىل اهلدى, وتعبعةدهم عةن الةردى, وهتةديهم إىل‬
‫طريق اهلل رب العةاملني, وبةذ األنعبيةاء واملرسةلون يف‬
‫سعبيل بيان احلجة وتوضيح احملجةة كةل ممكةن, ومةن‬
 ‫هؤالء نوح عليه السالم الذي دعا قومةه بكةل سةعبيل ,‬
‫ونوع يف دعوته بكل طريةق, وسةجل القةرآن الكةرمي‬
‫ذلك يف سورة كاملة بامسه عليةه السةالم فقةا علةى‬
                                      ‫َب ن َ ت ْ‬
‫لسانه: (..ر ِّ إِّي دعَوْ ُ قَومِي لَيْلًةا وَنَهَةارًا (5) فَلَةمْ‬
        ‫ه ْ‬            ‫َ‬       ‫ن ُل‬                             ‫ي ْه ُ‬
‫َزد ُمْ دعَائِي إلَّا فِرَارًا (9) وَإِّي كَّمَةا دعَةوْتُ ُمْ لَِتغفِةرَ‬
   ‫ه‬                                 ‫َ‬         ‫ه‬                ‫ه َل‬
‫لَ ُمْ جعَُوا أَصَةابعَ ُمْ فِةي آذَانهةمْ وَاسَْتغْشَةوْا ثِيَةابَ ُمْ‬
   ‫ه‬         ‫َ‬      ‫ُةم ن‬                           ‫ر‬              ‫َ َر‬
‫وأَص ُّوا وَاسْتَكَْعب ُوا اسْةتِكْعبَارًا (7) ث َّ إِّةي دعَةوْتُ ُمْ‬
                   ‫ت ه‬           ‫ت ه َ‬              ‫ُم ن‬
‫جهَارًا (8) ث َّ إِّي َأعْلَْن ُ لَ ُمْ وأَسْةرَرْ ُ لَ ُةمْ إسْةرَارًا‬
                                                  ‫(9), نوح: 5-9.‬

‫وقد اعترف قومه بذلك, وذكروا أنه أكثر مةن جةداهلم,‬
‫والكثرة هنا يف جانب نةوح مةدح لةه مةن حيةث ال‬
‫يشعرون, حيث حرص نوح عليه السةالم علةى بةالس‬
‫الرسالة على الوجه األكمل, وسجل القرآن الكةرمي هةذا‬
‫احلرص وكثرة جدا نوح عليه السةالم بقولةه: (قَةالُوا‬

                                       ‫931‬
                                                  ‫َ‬                     ‫نح‬
‫يَا ُو ُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأكَْثرْتَ جدَالَنَا فَأْتِنَةا بمَةا َتعِةدُنَا إنْ‬
                                                             ‫ك ِ الص ِ‬
                                ‫ُْنتَ منَ َّادقِنيَ), هود: (23).‬

‫واملعىن:خاصمتنا يا نةوح فةأكثرت معنةا, أو ماريتنةا‬
‫فأكثرت مراءنا, أو دعوتنا فةأكثرت دعاءنةا, ووعظتنةا‬
         ‫فأكثرت وعظنا, وحاججتنا فأكثرت حجاجنا(1).‬

‫ولقد سلك نوح معهم يف بالس الرسالة مةا سةجله لةه‬
‫القرآن وشهد به الواقع, فقلب هلةم يف وسةائل الةدعوة‬
   ‫ة‬            ‫ة‬        ‫ة‬         ‫ة‬       ‫ة‬        ‫ة‬
‫ب ةني اللي ةل والن ةهار والس ةر واإلع ةالن, والزراف ةات‬
‫والوحدان, (وأوضح هلم من الةرباهني مةا لةوا أمعنةوا‬
                                          ‫م‬
‫النظر فيه لت ّ هلم اليقني، ولكنهم أصروا علةى االحةود،‬
                          ‫ومل يقنعوا من املوعود بغري املشهود.)(2)‬

                       ‫الس م‬            ‫َنه‬            ‫ُ‬
‫وكالم قوم نوح معه ( يَد ُّ عَلَى أَّ ُ عَلَيْهِ َّلَا ُ كَةانَ قَةدْ َأكْثَةرَ‬
                    ‫ل‬                                        ‫َه َ‬
‫فِي الْجدَا معَ ُمْ، وذَلِكَ الْجةدَا ُ مَةا كَةانَ إَّةا فِةي إثْعبَةاتِ‬
                              ‫َن‬             ‫ُ‬       ‫َ‬       ‫َالنُو و َ‬           ‫الت‬
 ‫َّوْحِيدِ و ُّعب َّةِ َالْمعَادِ، وهَذَا يَد ُّ عَلَى أ َّ الْجةدَا َ فِةي َتقْريةر‬




 ‫1 - انظر: جامع العبيان: (51/ 353), حبر العلوم (2/ 841), الكشاف عن‬
           ‫حقائق غوامض التنزيل: (2/ 193), تفسري ابن كثري: (4/ 813).‬
                                      ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 431).‬
                                           ‫041‬
        ‫َن َّ‬          ‫َ‬                  ‫ِْ ة‬            ‫الشعب‬            ‫الد ئ َ‬
‫َّلَاِل وفِي إزَالَةِ ُُّهَاتِ حرفَة ُ الْأَنْعبيَةاءِ، وعَلَةى أ َّ التقْلِيةدَ‬
                         ‫َاْلجَهلَ َالْإصرَارَ عَلَى الْعبَا ِل حرفَةُ الْك َّار.)(1)‬
                                ‫ط ِ ْ ُف‬                             ‫و ْ و ْ‬
‫حرص الرسلول – صللى اهلل عليله وسللم- عللى‬
                                                  ‫االستكثار من اخلري‬

‫حرص الرسو صلى اهلل عليه وسلم على بةالس الرسةالة‬
‫وأداء األمانة ويف سةعبيل ذلةك بشةر وأنةذر, ورغةب‬
 ‫ورهب, وأبان ألمته أنه ال ميلك لنفسةه خةريا وال شةرا,‬
‫وال ضرا وال نفعا, وال موتا وال حياة وال نشةورا, ولةو‬
‫كان يعلةم الغيةب السةتكثر مةن اصةري, وقةد ورد‬
‫االستكثار هنا يف مقةام املةدح وهةو االسةتكثار مةن‬
    ‫َةر ل‬               ‫ْ‬           ‫ك‬              ‫ُ‬
‫اصري,قا تعاىل: (قلْ لَا َأمْلِ ُ لَِنفْسِي َنفعًا وَلَةا ض ًّا إَّةا‬
        ‫ت‬                         ‫م‬           ‫كت‬          ‫ه‬
‫مَا شَاءَ اللَّ ُ وَلَوْ ُْن ُ َأعْلَة ُ اْلغَيْةبَ لَاسْةتَكَْثرْ ُ مِةنَ‬
  ‫ْ‬      ‫ر ش ري‬                 ‫ل‬           ‫َ َس الس ء‬
‫اْلخَيْر ومَا م َّنيَ ُّو ُ إنْ أَنَا إَّةا نَةذِي ٌ وَبَ ِة ٌ ِلقَةومٍ‬
                                     ‫ُؤمُِونَ, األعراف: (881).‬        ‫يْ ن‬

‫ومعىن السةتكثرت مةن اصةري أي: (السةتكثرت مةن‬
                              ‫العمل الصا .)(2)‬



                                              ‫1 - مفاتيح الغيب: (71/ 143).‬
                                                 ‫2 - جامع العبيان: (31/ 253).‬

                                        ‫141‬
‫أو: (الستكثرت من النفةع ومةا أصةابين الضةر.)(1),‬
‫واالستكثار هنا سواء كةان يف جلةب اصةري والنفةع أو‬
‫دفع الشر والضر استكثار ممةدوح, واآليةة تشةري إىل أن‬
‫النيب (صلى اهلل عليةه وسةلم) أمةر( بتصةريح اإلقةرار‬
                                ‫ن‬
‫بالتربي عن حوله ومّتةه، وأن قيامةه وأمةره ونظامةه‬
            ‫ى‬       ‫ن‬                   ‫ب ن‬
‫بطو رّه ومّتةه ولةذلك تتجةّس علة ّ األحةوا ،‬
                       ‫س‬
‫وختتلف األطوار فمن عسر مي ّين، ومن يسةر خيصةين،‬
‫ولو كان األمر مبرادي، ومل يكةن بيةد غةريي قيةادي‬
‫لتشاهبت أحوايل يف اليسر، ولتشاكلت أوقةايت يف العبعةد‬
‫من العسر.)(2),فاالستكثار هنةا ممةدوح والكثةرة هنةا‬
                                  ‫حممودة كما هو بني.‬

‫سؤال موسى عليه السالم اهلل (تعلاىل) أن جيعلل معله‬
‫أخاه هارون وزررا كي رعينه عللى رسلبحا اهلل كلثريا‬
                                         ‫ورذكراه كثرياً‬

‫الذكر والتسعبيح للمؤمن زاد ميضةي بةه يف طريقةه إىل اهلل‬
‫تعاىل, يستعني هبما علةى احملةن, ويتقةوى هبمةا علةى‬
‫الزمن, ويسلو هبما يف نةواز الةدهر ومفةاجع األيةام,‬

                                       ‫1 - حبر العلوم: (1/ 375).‬
                                   ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 495).‬

                             ‫241‬
‫ومها كذلك هدف يسعى له املؤمن, سةيما إذا كةان مةع‬
‫املرء أ صا ,إذا نسي ذكره, وإذا ذكةر أعانةه, ومةن‬
‫هنا طلب موسى- عليه السالم - من ربةه-عةز وجةل-‬
‫أن جيعل معه هارون وزيرا؛ ليسةعبحاه كةثريا, ويةذكراه‬
                                                          ‫كثريا.‬
   ‫فالكثرة هنا يف التسعبيح والذكر فهي كثةرة حممةودة,قةا‬
                          ‫َْ‬
‫موسى – عليه السالم -: (....وَاجعلْ لِةي وَزيةرًا مِةنْ‬
                        ‫ُ‬                    ‫ر‬
 ‫َأهْلِي (92) هَا ُونَ أَخِي (53) اشْةددْ بةهِ أَزْري (13)‬
                             ‫ن‬                         ‫َ ه‬
 ‫وأَشْركْ ُ فِي َأمْةري (23) كَةيْ ُسَةِّعبحَكَ كَةِثريًا (33)‬
      ‫ق‬             ‫ص‬                  ‫ن‬                   ‫ُْ‬
‫وَنَذكرَكَ كَِثريًا (43) إَّكَ كُْنتَ بنَةا َب ِةريًا (53) َةا َ‬
                                         ‫م‬       ‫س‬
              ‫قَدْ ُوتِيتَ ُؤْلَكَ يَا ُوسَى (93), طه:92/93.‬‫أ‬
    ‫ُْ‬
‫واملعىن: (كي نعظمك بالتسعبيح لةك كةثريا (وَنَةذكرَكَ‬
                          ‫ص‬           ‫ن ك‬
‫كَِثريًا) فنحمدك (إَّكَ ُْنتَ بنَةا َب ِةريًا) يقةو : إنةك‬
         ‫كنت ذا بصر بنا ال خيفى عليك من أفعالنا شيء.)(1)‬
‫ويف طلب موسى عليه السالم إشراك أخيةه هةارون معةه‬
 ‫يف الرسالة, بيان لطلب العون به علةى بةالس الرسةالة,‬
            ‫ق‬                              ‫ن‬
‫ويف هذا بيان (أ ّ طلعبه مشاركة أخيه لةه حبة ّ ربةه ال‬
    ‫ُْ‬          ‫ث‬               ‫ن‬
‫حب ّ نفسه حيث قا :«كَةيْ ُسَةِّعبحَكَ كَةِرياً وَنَةذكرَكَ‬  ‫ظ‬



                                  ‫1 - جامع العبيان: (81/ 153).‬
                                  ‫341‬
‫كَِرياً».)(1)؛ تعليالً لطلةب الرسةالة؛ وتعبيينةاً لعباعةث‬             ‫ث‬
 ‫الرغعبة, ويف إطالق الكثةرة مشةو للزمةان, واملكةان,‬
‫واألحوا , كأنه قا نسعبحك ونةذكرك يف كةل وقةت‬
           ‫د‬       ‫ُ‬      ‫ق‬
 ‫ويف كل مكان وعلى كل حةا , َةا َ مجَاهِة ٌ: ( لَةا‬
           ‫ُْ‬         ‫َت‬               ‫ك ن د ِ الذ ك ل‬
‫يَ ُو ُ اْلعَعبْ ُ منَ َّا ِرينَ الَّهَ كَةِثريًا، حَّةى يَةذكرَ اللَّةهَ‬
                       ‫َُ ط َ ه ن‬                             ‫َق‬
‫قَائِمًا وَاعِدًا ومضْة َجعًا.وقَوْلُة ُ: {إَّةكَ كُنْةتَ بنَةا‬
   ‫النُةو‬       ‫ي‬           ‫ْ‬                  ‫ِْ‬
‫َبصريًا} أَيْ: فِي اصطفَائِكَ لَنَا، وَإعطَائِةكَ إَّانَةا ُّعب َّةَ،‬‫ِ‬
           ‫د‬                           ‫ع ُو ِ ْ‬
‫وََبعْثَتِكَ لَنَا إلَى َةد ِّكَ فرعَةوْنَ، فَلَةكَ اْلحَمْة ُ عَلَةى‬
                                                         ‫ذَلِكَ.)(2)‬
‫(اجعله شريكي يف الرسالة حىت نتعةاون علةى ععبادتةك‬
‫وذكرك، فإن التعاون- ألنه مهيج الرغعبةات- يتزايةد بةه‬
                                 ‫ص‬             ‫ن ك‬
 ‫اصري ويتكاثر إَّكَ ُْنتَ بنا َب ِةرياً أي: عاملةا بأحوالنةا,‬
 ‫د‬
‫وبأن التعاضد مما يصلحنا، وأن هرون نعم املعةني والشةا ّ‬
                ‫لعضدى، بأنه أكرب مىن سنا وأفصح لسانا.)(3)‬
‫وليس املراد من التسعبيح التسةعبيح يف اصلةوات وااللةوات‬
 ‫فحسب, بل املراد ما يشةمل تسةعبيح احلةا وتسةعبيح‬


                                   ‫1 - لطائف اإلشارات (2/ 454):‬
                                    ‫2 - تفسري ابن كثري: (5/ 382).‬
‫3 - الكشاف عن حقائق غةوامض التنزيةل: (3/ 29), وانظةر:‬
                      ‫زاد املسري يف علم التفسري: (3/ 751).‬
                                      ‫441‬
      ‫ث‬        ‫ُْ‬            ‫ث‬            ‫ن‬
 ‫املقا فقوله:({كي ُسَّعبحَكَ كَِرياً} {وَنَةذكرَكَ كَةِرياً}‬
‫غاي ٌ لألدعية الثالثةِ األخرية فإن فعةل فيهةا كةل واحةد‬‫ة‬
 ‫منهما من التسعبيح والذكر مع كونه مكثِراً لفعةل اآلخةر,‬
                       ‫ر‬
‫ومضاعفاً له بسعبب انضمامِه إليه مكث ٌ له يف نفسةه أيضةاً‬
                         ‫د‬
‫بسعبب تقويتِه وتأييدِه إذ ليس املرا ُ بالتسعبيح والةذكر مةا‬
‫يكون منهما بالقلةب أو يف اصلَةوات حةىت ال يتفةاوت‬
‫حاُه عند التعدد واالنفةرادِ بةل مةا يكةون منةهما يف‬     ‫ل‬
                  ‫ع‬
‫تضاعيف أداءِ الرسالة, ودعةوةِ املَةرَدة ال ُتةاة إىل احلةق‬
‫وذلك مما ال ريب يف اخةتالف حالِةه يف حةاليت التعةددِ‬
‫واالنفراد؛ فإن كال منهما يصدر عنه بتأييةد اآلخةر مةن‬
                                                  ‫احلق‬
‫إظهار ِّ ما ال يكاد يصدر عنه مثلُه يف حةا االنفةراد‬
                                 ‫ت‬
‫وكثرياً يف املوضةعني نعة ٌ ملصةدر حمةذوف أو زمةانٍ‬
                                                 ‫حمذوف)(1)‬
 ‫ويف طلب موسى وترتيب دعائه مةن اللطةائف الكةثري,‬
 ‫منها ما يفيده التقدمي والتأخري, ومنها ما يفيةده التةذييل,‬
 ‫ومنها أدب الدعاء, ومقدمات الرجةاء, فقعبةل رجةاؤه‬
 ‫واستجيب دعاؤه وأعني على كثةرة التسةعبيح والةذكر,‬
                                    ‫وكان من نصره ما كان.‬



             ‫1 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي:9/31.‬
                                ‫541‬
‫(وقدم التسعبيح, وهو التنزيةه؛ ألن النفةي مقةدم علةى‬
‫اإلثعبات، فعبةاألو تةزو العقائةد الفاسةدة، وبالثةاين‬
‫ترتسم النقوش احلسنة املفيدة. مث خةتم األدعيةة بقولةه‬
                                        ‫ص‬          ‫ن ك‬
‫إَّكَ ُْنتَ بنا َب ِرياً وفيه فوائد منها:أنه فةوض اسةتجابة‬
‫الدعوات إىل عملةه بأحواهلمةا وأهنمةا بصةدد أهليةة‬
‫اإلجابة أم ال، وفيه مةن حسةن األدب مةا ال خيفةى.‬
‫ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمةه وأنةه مفتقةر‬
‫إىل التعاون والتعاضد وهلذا سأ ما سةأ . ومنةها أنةه‬
‫أعلم بةأحوا أخيةه هةل يصةلح لوزارتةه أم ال، وأن‬
‫وزارته هل تصري سعبعبا لكثرة التسةعبيح والةذكر. وحةني‬
‫راعى من دقائق األدب وأنواع حسن الطلةب مةا جيةب‬
‫رعايته فال جرم أجاب اهلل تعاىل مطالعبةه وأجنةح مآربةه‬
                                       ‫س‬        ‫أ‬
‫قائال قَدْ ُوتِيتَ ُؤْلَكَ والسؤ مبعةىن املسةئو كةاصعبز‬
                   ‫مبعىن املخعبوز واألكل مبعىن املأكو .)(1)‬

  ‫(وال شك أن االجتماع على الععبةادة والةذكر سلب‬
‫يف دوامهما وتكثريمهلا... ، ولةذلك ورد الترغيةب يف‬
‫االجتماع علةى الةذكر: واالمةع يف الصةالة ليقةوى‬
‫الضعيف بالقوي، والكسةالن بالنشةيط، وقيةل: املةراد‬
‫بكثرة التسعبيح والذكر ما يكون منةها يف تضةاعيف أداء‬

                       ‫1 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: (4/ 935).‬
                               ‫641‬
‫الرسالة ودعوة املردة العتاة، ألنه هةو الةذي خيتلةف يف‬
‫حاليت التعدد واالنفراد، فإن كُةال منةهما يصةدر منةه،‬
  ‫بتأييد اآلخر، من إظهار احلق، ما ال يصةدر منةه حةا‬
                         ‫االنفراد. واألو أظهر. )(1)‬

‫وال شك أن تكاليف الدعوة وأععباء التعامةل مةع النةاس‬
‫حتتاج إىل حسن صلة باهلل قويةة؛ تعةني علةى مواصةلة‬
‫اصري, ونشر الفضيلة, وبالس الرسالة للناس, ومةن أكثةر‬
‫األمور إعانة على ذلك التسعبيح والذكر, وحسةن الثنةاء‬
‫على امللك الوهاب من بيده مقاليةد األمةور, ومفةاتيح‬
‫القلوب, (واألمر االليل الذي هو مقدم عليةه حيتةاج إىل‬
‫التسبي الكثري, والذكر الكلثري, واالتصلال الكلثري.‬
‫فموسى- عليه السالم- يطلةب أن يشةرح اهلل صةدره‬
‫وييسر له أمره وحيل عقدة من لسانه ويعينةه بةوزير مةن‬
                                              ‫أهله..‬

‫كل أولئك ال ليواجه املهمة معباشرة ولكن ليتخةذ ذلةك‬
‫كله مساعدا له وألخيه على التسةعبيح الكةثري, والةذكر‬
   ‫ن‬
‫الكثري, والتلقي الكثري, مةن السةميع العبصةري.. «إَّةكَ‬



                  ‫1 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (3/ 483).‬
                              ‫741‬
                                           ‫ص‬
‫ُْنتَ بنا َب ِرياً» .. تعرف حالنا وتطلةع علةى ضةعفنا‬ ‫ك‬
        ‫وقصورنا وتعلم حاجتنا إىل العون والتدبري.. )(1)‬

                   ‫ه ْص‬             ‫الس م‬                ‫َ َّ م‬
‫(وعَللَ ُوسَى عَلَيْهِ َّلَا ُ سُةؤَالَ ُ َتح ِةيلَ مَةا سَةأَلَهُ‬
   ‫ك الل‬                        ‫ر َب الل‬
‫لَِنفْسِهِ وَلِأَخِيهِ، ِبأَنْ ُسِّحَا َّلهَ كَلثِريًا وَرَلذْ ُرَا َّلهَ‬
‫كَثِريًا. وَوَجْ ُ ذَلِكَ أ َّ فِيمَا سَأَلَ ُ لَِنفْسِةهِ تَسْةهيلًا لِةأدَاءِ‬
     ‫َ‬                           ‫ه‬               ‫َن‬          ‫ه‬
   ‫َ ِن‬        ‫َ‬                          ‫وج‬                ‫َف‬            ‫َّ‬
‫الدعْوَةِ بتَوُّر آلَاتِهَا وَ ُ ُودِ اْلعَوْنِ عَلَيْهَةا، وذَلِةكَ مظَّةةُ‬
                                                           ‫تَكِْريهَا.)(2)‬
                                                                         ‫ث‬

‫ومن األسعباب اليت محلت موسى علةى دعةاء ربةه بةأن‬
‫جيعل معه أخاه هةارون وزيةراً, والةيت تعةني علةى أن‬
‫يسعبحاه كثريا, ويذكراه كثريا: أن يف ذلك داللةة للنةاس‬
‫على رهبم, وفيه من إكثار املسةعبحني والةذاكرين مةا ال‬
‫خيفى؛ ولذلك أعقب اهلل كالمه بقولةه: (اذهةب أنةت‬
‫وأخوك بآيايت وال تنيا يف ذكري), [طةه: 24],كمةا أن‬
‫يف التعاون على أداء الرسالة من تقليةل االشةتغا بةأمور‬
‫الدنيا واملعاش ما يعني على اإلفادة مةن الوقةت, ونشةر‬
‫رسالة اصري إىل الكثري مةن النةاس, ممةا ال يتةأتى مةن‬
‫الرسو والداعية حةني يكةون مشةغوال بكةل أمةور‬

                                                ‫1 - يف ظال القرآن: (4/ 3332).‬

                                               ‫2 - التحرير والتنوير: (91/ 312).‬

                                          ‫841‬
                                   ‫م‬                ‫َال‬
‫اصاصة والعامة, (و َّذِي أَْلجَأَ ُوسَى إلَةى سُةؤَا ذَلِةكَ‬
       ‫ُ َ‬              ‫ُم‬             ‫َ‬          ‫ُ‬         ‫مه ِد ِ ْ‬
‫عِلْ ُ ُ بش َّةِ فرعَوْنَ وَطغْيَانهِ ومَْنعِةهِ الْأ َّةةَ مِةنْ مفَارقَةةِ‬
               ‫َ‬            ‫ِلد‬                  ‫َع َن َ‬
‫ضَلَالِهمْ، ف ُلِمَ أ َّ فِي دعْوَتِهِ فِتْنَةً ل َّاعِي, فَسَةأ َ الْإعَانَةةَ‬
    ‫ِّ‬                ‫ف ِلت‬                               ‫ِ‬
 ‫عَلَى اْلخَلَاص منْ تِلْكَ اْلفِتْنَة ليتةوّرا ل َّسْةعبيح وَالةذكْر‬
‫كَِثريًا.)(1), (فهذه هي العِّة يف مشاركة هةارون ألخيةه‬
                                           ‫ل‬
 ‫يف مهمته، ال طلعباً لراحة نفسه، وإمنا لتتضةافر جهودمهةا‬
                              ‫يف طاعة اهلل، وتسعبيحه وذكْره.)(2)‬
                                              ‫ِ‬

‫وذكر اهلل كةثريا وتسةعبيحه بالعشةي واإلبكةار مةن‬
‫املعينات على كل ما طلعبه موسةى عليةه السةالم, مةن‬
‫بالس الرسالة, والصرب علةى أذى املةدعوين, والربكةة يف‬
‫العمل والوقت, ولذا أرشد اهلل زكريا عليه السةالم بعةد‬
‫نعمته اليت أنعم هبةا عليةه أن يةذكره كةثريا ويسةعبحه‬
‫بالعشي واإلبكار,فقا له:) وَاذكرْ رَّةكَ كَةِثريًا وَسَةِّحْ‬
  ‫عب‬                   ‫ْ ُ َب‬
                                                            ‫ِي و‬
                                    ‫بالْعَش ِّ َالْإبْكَار ), مرمي:(14).‬

‫وذكر اهلل كثرياً سعبب الفةالح يف الةدنيا واآلخةرة, يف‬
‫السلم واحلرب, ويف الشدة والرخةاء, ولةذا أوصةى اهلل‬

                                    ‫1 - التحرير والتنوير: (91/ 412).‬

                                 ‫2 - تفسري الشعراوي: (51/ 4929).‬


                                          ‫941‬
       ‫َي ال‬
‫تعاىل به املؤمنني إذا لقوا فئة مقاتلةة,( يَةا أُّهَةا َّةذِينَ‬
     ‫َلك‬                ‫ل‬         ‫عبت ْك‬                    ‫ت‬             ‫َن‬
‫آمَُوا إذَا َلقِيُمْ فِئَةً فَاثُُْوا وَاذ ُةرُوا الَّةهَ كَةِثريًا َلعَّ ُةمْ‬
                                       ‫ُتفِْل ُونَ), األنفا : (54).‬     ‫ح‬

‫وأمر اهلل تعاىل به يف وقت ابتغاء فضةل اهلل ورزقةه, فهةو‬
‫يعني على تذكر فضةل اهلل تعةاىل وإنعامةه, ورد النعمةة‬
‫إليه, وذكر هذه النعمةة وشةكره عليةه وهةذا سةعبب‬
‫استمرارها ودوامها وهي سنة ثابتة هلل تعلاىل يف الشلكر‬
‫والشاكررن,(فَإذَا قضَِيتِ َّةلَا ُ فَانْتَشِةرُوا فِةي الْةأَرْض‬
                              ‫الص ة‬          ‫ُ‬
       ‫َلك‬                 ‫ل‬        ‫ْك‬                      ‫غ ِ َ‬
‫وَابَْت ُوا منْ فضْةل اللَّةهِ وَاذ ُةرُوا الَّةهَ كَةِثريًا َلعَّ ُةمْ‬
                                           ‫ُتفِْل ُونَ),االمعة: (51).‬ ‫ح‬
‫وذكر اهلل معني على التأسي بالقدوة الصاحلة, واملثةل الكامةل -‬
  ‫ل أ ة‬                 ‫س‬            ‫ك‬
‫صلى اهلل عليه وسلم- ,(َلقَدْ كَانَ لَ ُمْ فِةي رَ ُةو الَّةهِ ُسْةوَ ٌ‬
                  ‫ل‬          ‫ِ ََ‬          ‫و ْ‬            ‫ج‬              ‫ة َ‬
 ‫حَسَنَ ٌ لِمنْ كَانَ َيرْ ُو اللَّهَ َالْيَومَ الْةآَخرَ وذكَةرَ الَّةهَ كَةِثريًا),‬
                                                               ‫األحزاب: (12).‬
    ‫ِ‬       ‫ن م‬
‫وذكر اهلل كثريا جملعبة للمغفةرة واألجةر العظةيم,(إ َّ الْ ُسْةلِمنيَ‬
       ‫َة‬              ‫َة‬           ‫و ُة ْ و ْ َة‬                         ‫و م ْة‬
‫َالْ ُس ةلِمَاتِ َالْم ةؤمِننيَ َالْمُؤمِن ةاتِ وَاْلق ةانِتنيَ وَاْلقَانت ةاتِ‬
    ‫ش ِ‬                      ‫َالص‬           ‫َالص‬          ‫َالص ِِ َالص ِ‬
‫و َّادقنيَ و َّةادقَاتِ و َّةابرينَ و َّةابرَاتِ وَاْلخَا ِةعنيَ‬
    ‫ِ‬        ‫َالص‬       ‫ِّ‬                  ‫ِِّ‬           ‫وم‬
‫َاْلخَاشِةةعَاتِ َالْ َُتصَةةدقنيَ وَالْمَُتصَةةدقَاتِ و َّةةائِمنيَ‬                ‫و‬
      ‫الل‬        ‫َالةذ‬            ‫ِ‬          ‫و ِ ِ ُر ه‬
 ‫و َّائِمَاتِ َاْلحَافظنيَ ف ُوجَ ُمْ وَاْلحَافظَةاتِ و َّاكِرينَ َّةهَ‬       ‫َالص‬


                                          ‫051‬
            ‫َ‬         ‫َ‬          ‫َةد ه ه َ ْ‬                       ‫َالذ ِ‬
‫كَِثريًا و َّاكرَاتِ َأع َّ اللَّة ُ لَ ُةمْ مغفِةرَةً وأَجْةرًا عظِيمًةا),‬
                                                             ‫األحزاب: (53).‬
‫كما أن ذكر اهلل كثريا عصةمة للنةاس أن يقولةوا مةاال‬
‫يفعلون,وقد قا تعاىل يف وصف الشةعراء ومةن يتةعبعهم‬
                  ‫ْل‬                 ‫ل‬       ‫َنه‬
‫من الغاوين:(أمل ترَ أَّ ُمْ َيقُوُونَ مَا لَةا َيفعَُةونَ (922)‬
               ‫ل‬           ‫ََ‬          ‫الذ َ ن َ ل الص‬
‫إلَّا َّ ِينَ آمَُوا وعَمُِوا َّاِلحَاتِ وذكَةرُوا الَّةهَ كَةِثريًا‬
‫ي‬                       ‫م ال‬                 ‫ظ‬              ‫َر ِ‬
‫وَانَْتص ُوا منْ َبعْدِ مَا ُلِمُوا وَسَةَيعْلَ ُ َّةذِينَ ظَلَمُةوا أَ َّ‬
                           ‫لشة‬                     ‫ُة‬
‫ُْنقَل ةبٍ يَْنقَلِعب ةونَ (722), ا ةعراء:(922,722),‬             ‫م َة‬
‫مستثنيا املؤمنني الذاكرين اهلل كثريا,فهنا اإلميةان, وعمةل‬
‫الصاحلات, وذكر اهلل كثريا من أسعباب عصةمة اإلنسةان‬
‫أن يقو ما ال يفعل,فاآلية هنا فيها اسةتثناء منقطةع مةا‬
‫بعد إال مغاير ملةا قعبلةها, فالشةعراء يتةعبعهم الغةاوون,‬
‫وذلك أهنةم يف كةل واد يهيمةون, ويقولةون مةا ال‬
‫يفعلون, مث استثنت اآلية الكرمية الةذين آمنةوا وعملةوا‬
‫الصاحلات وذكروا اهلل كثريا وانتصةروا مةن بعةد مةا‬
‫ظلموا, فهةؤالء حكمهةم غةري حكةم سةابقيهم يف‬
‫االستثناء ,وما هم عليه من الصةفات يعصةمهم مةن أن‬
             ‫يقولوا ما ال يفعلون, أو تراهم يف كل واد يهيمون.‬

          ‫تفضيل اهلل - تعاىل- لبين آدم على كثري ممن خلق‬


                                   ‫151‬
 ‫مَ َّ اهلل تعاىل على بين آدم مبنن كةربى, ومةنح عظمةى,‬                 ‫ن‬
‫منها: أنه كرمهم بصةور مةن التكةرمي, وألةوان مةن‬
‫اإلكرام واإلنعام, ومحلهم يف الرب والعبحةر, ورزقهةم مةن‬
 ‫الطيعبات, وفضلهم علةى كةثري ممةن خلةق تفضةيال,‬
‫والكثرة هنا كثرة حممودة إذ قةد ذكرهةا اهلل تعةاىل يف‬
   ‫َ‬               ‫َّ‬
 ‫مقام املن واإلنعام, قا تعاىل: (وََلقَةدْ كَرمْنَةا بَنةي آَدمَ‬
        ‫َّي‬           ‫َ ه‬                    ‫َةر و‬            ‫نه‬
‫وَحَمَلَْا ُمْ فِي الْعب ِّ َالَْعبحْةر وَرَزقْنَةا ُمْ مِةنَ الطِّعبَةاتِ‬
                       ‫ْ‬                ‫ِم‬                    ‫ََض ن ه‬
  ‫وف َّلَْا ُمْ عَلَى كَِثريٍ م َّةنْ خََلقْنَةا َتفضِةيلًا, اإلسةراء:‬
                                                                ‫(57).‬

‫وهذا التكرمي متعدد األوجه, متنةوع االنعبةات, مثةل:‬
‫هيمنتهم على من سواهم من اصلةق, وتسةخري غريهةم‬
‫هلم, وبأن هلةم عقةوال ومتييةزا, أو بةاألمر والنةهي,أو‬
‫الكالم واصط والعبيان (1),(ومن التكرمي ما ألقةى علةيهم‬
‫من حمعبة اصالق حىت أحعبوه, ومن التكةرمي لقةوم توفيةق‬
                ‫صدق القدم، ولقوم حتقيق عل ّ اهلمم.)(2)‬
                           ‫و‬

‫ومن تكرمي اهلل تعاىل لإلنسةان أن:(كرمةه خبلقتةه علةى‬
‫تلك اهليئة، هبذه الفطرة اليت جتمع بةني الطةني والنفخةة،‬


        ‫1 - انظر: جامع العبيان: (51/ 5), و النكت والعيون: (3/ 752).‬
                                   ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 193).‬
                                       ‫251‬
‫فتجمع بني األرض والسماء يف ذلةك الكيةان! وكرمةه‬
‫باالستعدادات اليت أودعها فطرتةه والةيت اسةتأهل هبةا‬
‫اصالفة يف األرض، يغةري فيهةا ويعبةد ، وينةتج فيهةا‬
‫وينشىء، ويركب فيها وحيلل، ويعبلغ هبا الكمةا املقةدر‬
‫للحياة. وكرمه بتسةخري القةوى الكونيةة لةه يف األرض‬
         ‫وإمداده بعون القوى الكونية يف الكواكب واألفالك..‬
 ‫وكرمه بذلك االسةتقعبا الفخةم الةذي اسةتقعبله بةه‬
‫الوجود، وبذلك املوكب الةذي تسةجد فيةه املالئكةة‬
‫ويعلن فيه اصالق جل شأنه تكرمي هذا اإلنسةان! وكرمةه‬
‫بإعالن هذا التكرمي كله يف كتابه املنز من املةأل األعلةى‬
                  ‫ََض ه‬
‫العباقي يف األرض.. القةرآن...«وف َّةلْنا ُمْ عَلةى كَةِثريٍ‬
                                             ‫ْ‬          ‫َّ‬
‫مِمنْ خََلقْنا َتفضِيلًا» .. فضةلناهم هبةذا االسةتخالف يف‬
‫ملك األرض الطويل العريض.ومبا ركب يف فطةرهتم مةن‬
‫استعدادات جتعل املخلوق اإلنساين فةذا بةني اصالئةق يف‬
‫ملك اهلل ...ومن التكرمي أن يكون اإلنسةان قيمةا علةى‬
‫نفسه، حمتمال تعبعة اجتاهه وعملةه. فهةذه هةي الصةفة‬
‫األوىل اليت هبا كان اإلنسان إنسانا. حرية االجتةاه وفرديةة‬
                       ‫التعبعة. وهبا استخلف يف دار العمل.)(1)‬



                                   ‫1 - يف ظال القرآن: (4/ 1422).‬
                                ‫351‬
        ‫تفضيل اهلل تعاىل لداود وسليمان على كثري من عباده‬
                                                                        ‫املؤمنني‬

‫ومن مواطن الكثةرة احملمةودة مةا اعتةرف بةه داوود‬
‫وسليمان عليهما السالم, بأن اهلل تعاىل قد آتامهةا علمةا‬
‫وفضلهما على كثري من ععباده املؤمنني؛ ألن الكثةرة هنةا‬
‫يف مقام االمتنان واالعتةراف بالفضةل هلل عةز وجةل,(‬
‫وََلقَدْ آَتَيْنَا دَا ُودَ وَ ُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالَا اْلحَمْ ُ لَِّةهِ َّةذِي‬
    ‫د ل ال‬                     ‫َ‬                  ‫و س‬
                                ‫ْ‬                   ‫ِ‬                    ‫َض‬
           ‫ف َّلَنَا عَلَى كَِثريٍ منْ عِعبَادِهِ الْمُؤمِننيَ) النمل: (51) .‬

‫فالكثرة هنا كثرة حممودة وليس كل علةم بةل علةم خةاص‬
 ‫أيدمها اهلل تعاىل به ومةن عليهمةا بفهمةه واإلفةادة منةه,‬
  ‫ِم َص ه‬                ‫َالد َاب َ ر‬                 ‫م ل‬              ‫َ‬
‫(وذَلِكَ عَلْ ُ كََام الطَّيْر و َّو ِّ، وغَْي ُ ذَلِةكَ م َّةا خ َّة ُمُ‬
‫اللَّ ُ بعِلْمِهِ.)(1), أو هو علم القضةاء, والتفضةيل بالكتةاب‬         ‫ه‬
                                                    ‫والنعبوة وامللك(2)‬
‫(ويف اآلية دليل على أن التفضيل الذي حيصل بةالعلم ال حيصةل‬
‫بغريه من الصفات، فأخرب بأهنما شكرا اهلل على عظةيم مةا أنعةم‬
                                                             ‫به عليهما)(3)‬

                                                       ‫1 - جامع العبيان: (81/ 42).‬
                                                        ‫2 - حبر العلوم: (2/ 575).‬
       ‫3 - لطائف اإلشارات:(3/ 92), وانظر: الكشاف عن حقائق غوامض‬
                                             ‫التنزيل: (3/ 353).‬
                                            ‫451‬
                           ‫عفو اهلل تعاىل عن كثري من أفعال العباد‬
‫وتأيت الكثرة احملمةودة هنةا يف مقةام العفةو, عفةو اهلل العفةو‬
‫الكرمي عةن الكةثري مةن ذنةوب ععبةاده, وتةأيت الكثةرة يف‬
‫العفو هنا مةرتني يف سةورة واحةدة, بيانةا لعظةيم عفةو اهلل‬
‫تعاىل وكرمي صةفحه وغفرانةه,, وتةعبني اآليةات الكرميةة أن‬
‫كل ما يصيب اإلنسان فعبمةا كسةعبت يةداه ويعفةو اهلل عةن‬
‫كثري, فلةو شةاء- تعةاىل- ألسةكن الةريح, فتظةل الفلةك‬
   ‫ةد ةى ةر ال ةر ال ةرك, ويفقة اصلة‬
‫ةد ةق‬              ‫رواكة علة ظهة عبحة تتحة‬
     ‫مبة سة‬        ‫يغة‬
‫ةف ةاحلهم, أو ةرقهم ةا ك ةعبوا,‬‫ةم وتتوقة مصة‬     ‫أرزاقهة‬
‫ولكن عفو اهلل أوسةع هلةم, وأمجةل هبةم, فةالكثرة هنةا يف‬
               ‫ك‬             ‫َ‬
‫مقام العفةو فهةي كثةرة حممةودة,( ومَةا َأصَةاَب ُمْ مِةنْ‬
                       ‫ك ْفة‬                        ‫ة َ‬
 ‫مُصِ ةيَعبةٍ فَعبمَ ةا كسَ ةَعبتْ أَيْ ةدِي ُمْ وََيع ُ ةو عَ ةنْ كَ ةِثريٍ‬
             ‫ك ْ‬          ‫َ‬     ‫َ‬                    ‫ُ‬
     ‫(33) ومَا أَنْتُمْ بمعْجزينَ فِةي الْةأرْض ومَةا َل ُةم مِةنْ‬ ‫َ‬
                    ‫َ‬                  ‫ةي ة‬
  ‫دُونِ اللَّةهِ مِ ةنْ وَلِة ٍّ وَلَةا نَصِ ةريٍ (23) ومِ ةنْ آَيَاتِ ةهِ‬
       ‫الْجَوَار فِةي الْعبَحْةر كَالْأَعْلَةام (53) إنْ َيشَةأْ ُيسْةكِن‬
                 ‫ة ن ة‬             ‫ة‬                                   ‫ةر‬
   ‫الة ِّيحَ فَ ةيَظْلَلْنَ رَوَاكِ ةدَ عَلَ ةى ظَهْ ةرهِ إ َّ فِ ةي ذَلِ ةكَ‬
      ‫ية ُن ة‬                       ‫ك‬           ‫ةل عب‬                  ‫ة‬
    ‫لَآَيَ ةاتٍ ِلكُة ِّ صَ ةَّارٍ شَ ة ُورٍ (33) أَوْ ُ ةوبقْه َّ بمَ ةا‬
                                                ‫َسعب وَ ْف ع كِري‬
                   ‫ك َُوا َيع ُ َنْ َث ٍ (53) الشورى:(53-43)‬
      ‫ضرورة التأكيد أن العفو من الكرمي جير على سنن ثابتة‬


                                    ‫551‬
‫ومن العبني يف اآليات الكرمية أن العفو هنةا جيةري علةى سةنن‬
‫ثابتة,ومعىن ويعفو عن كةثري: ({ويعفةو عَةن كَةِثريٍ} أي مةن‬
‫الذنوب فال يعاقب عليه أو عن كثري مةن النةاس فةال يعةاالهم‬
  ‫بالعقوبة وقا ابن عطاء من مل يعلم أن ما وصل إليةه مةن الفة‬
‫واملصائب باكتسابه وان ما عفا عنه واله أكثر كان قليةل النظةر‬
‫يف إحسان ربه إليه وقةا حممةد بةن حامةد: الععبةد مةالزم‬
‫للجنايات يف كل أوان وجناياته يف طاعته أكثةر مةن جناياتةه يف‬
‫معاصيه ألن جناية املعصية من وجه وجناية الطاعةة مةن وجةوه‬
‫واهلل يطهر ععبده من جناياته بأنواع من املصةائب ليخفةف عنةه‬
‫أثقاله يف القيامة ولوال عفوه ورمحته هللةك يف أو خطةوة وعةن‬
‫علي (رضي اهلل عنه) هذه أرجى آيةة للمةؤمنني يف القةرآن؛ ألن‬
           ‫الكرمي إذا عاقب مرة ال يعاقب ثانياً وإذا عفا ال يعود)(1)‬
‫واآلرة هنا متثل سنة من سنن اهلل تعلاىل يف خلقله وهلي عفلوه‬
‫عن كثري من أفعال عبلاده, كمةا ورد يف آ عمةران: (ولقةد‬
  ‫عفا اهلل عنكم),يقو صاحب املنار وهةو يعقةب علةى آيةة آ‬
                    ‫َّ م س َ‬
‫عمران:(فَالْآيَتَانِ وَاردَتَانِ فِي بَيَانِ سُنةٍ ِلنْ ُلننِ اهللِ - َتعَةالَى‬
                  ‫ل‬            ‫َ َن َ‬                          ‫ش َ‬
‫- فِي أَخْلَاق الْعبَ َر وَأعْمَالِهمْ، وهِيَ أ َّ الْمصَةاِئبَ اَّتِةي َتعْةرضُ‬
 ‫ر ِي ة‬                              ‫ِي ن‬                ‫شئ م‬
‫لَ ُمْ فِي أَبْدَانهمْ و ُُونه ُ الِاجْتِمَاعَّةِ إَّمَةا هِةيَ آثَةا ٌ طَعبيعَّة ٌ‬   ‫ه‬
 ‫ُق ة د‬                      ‫َّب‬                              ‫ََن ِ‬
‫لَِعبعْض َأعْمَالِهمْ، وأ َّ منْ َأعْمَالِهمْ مَا لَا يََترَت ُ عَلَيْةهِ ع ُوبَة ٌ ُتعَة ُّ‬

                                 ‫1 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (3/ 952).‬
                                           ‫651‬
                        ‫ُةنة‬          ‫ال َض‬                   ‫َه َ ْ ُو ه‬
‫مصِيعبَةً و ُوَ الْمعف ُّ عَنْ ُ، أَي َّذِي م َةتْ س َّ ُ اهللِ - َتعَةالَى -‬              ‫ُ‬
         ‫َم‬             ‫َت ب‬                         ‫ره ِ َّ‬            ‫ْ يْ‬
 ‫بأَنْ ُيعفَى وَُمحَى أََث ُ ُ منَ النفْس، فَلَةا يََترَّة ُ عَلَيْةهِ الْأعْ َةا ُ‬
           ‫َ‬             ‫ِري‬        ‫َرر‬                 ‫َه ْض الل و َ ال‬
 ‫و ُوَ َبع ُ َّمَم َالْهفْو َّذِي لَا يَتَك َّ ُ وَلَا َيص ُ مَلَكَةةً وعَةادَةً.‬
                            ‫ة‬         ‫ْل‬                                 ‫َ عب ه‬
‫وقَدْ عََّرَ عَنْ ُ فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ الْأَص ُ وَاْلقَاعِدَ ُ فِةي بَيَةانِ هَةذِهِ‬
                    ‫ه‬                 ‫ي َي د‬                    ‫ْف َ‬
 ‫السَّةِ بقَوْلِهِ: وََيع ُو عنْ كَِثريٍ وَُؤِّة ُ ذَلِةكَ قَوْلُة ُ - َتعَةالَى -:‬    ‫ُّن‬
       ‫َاب‬                                        ‫عب‬               ‫ي ذ هلل ن‬
‫وَلَوْ ُؤَاخِ ُ ا ُ الَّاسَ بمَا كَسَُوا مَا َترَكَ عَلَى ظَهْرهَةا مِةنْ د َّةةٍ‬
                                    ‫ن‬         ‫عب‬
 ‫[53: 54] أَيْ بجَمِيع مَا كَسَُوا، فَإ َّ " مَةا " مِةنَ الْكَلِمَةاتِ‬
                                 ‫ي‬       ‫ُّن‬               ‫د عم َ َّن‬
‫الَّتِي ُتفِي ُ اْل ُ ُومَ. وقَدْ بَيَّا هَذِهِ السَّةَ الْإلَهَّةَ فِةي مَوَاضِةعَ كَةِثريَةٍ‬
     ‫ِ‬            ‫الةد‬          ‫َن َامة ُق‬                          ‫َ‬          ‫ِ َّ س‬
‫منَ التفْ ِري، وَجرَيْنَا عَلَى أَّهَا ع َّ ٌ فِي ع ُوبَاتِ ُّنْيَا وَالْةآخرَةِ‬
                                    ‫َّي َ‬               ‫َ م ع ر ِية َ م‬
‫فجَ ِي ُهَا آثَا ٌ طَعبيعَّ ٌ لِلْأعْ َا السِّئَةِ، وقَةدِ اهْتَةدَى إلَةى هَةذِهِ‬
                             ‫السَّةِ َبع ُ ُكَمَاءِ اْلغرْب فِي هَذَا اْلعصْر.)(1)‬
                                      ‫َ‬                       ‫َ‬         ‫ُّن ْض ح‬
‫مث فرق صاحب املنار رمحه اهلل بني عفةو اهلل تعةاىل الةوارد عةن‬
  ‫اصلق يف سورة الشورى والعفةو الةوارد يف سةورة آ عمةران‬
‫بأنه يف الشورى عفو عام قضت به حكمتةه وحلمةه, وإال فمةن‬
‫الذنوب ما ال يعفو اهلل تعاىل عنه ويؤاخذ بةه اصلةق لقصةورهم‬
                                                 ‫َو‬
‫ونكوهلم عن مراده, (... فَاْلعفْ ُ فِيةهِ(أي:الةوارد يف ولقةد عفةا‬
  ‫َ و‬             ‫َ‬            ‫َو‬                      ‫الش‬             ‫ر َ‬
‫عنكم) غَْي ُ اْلعفْو فِي آيَةِ ُّورَى، ذَلِكَ عفْ ٌ عَةام, وهَةذَا عفْة ٌ‬
                                       ‫َ و ر د َن ِ َّ‬
‫خَاص، ذَلِكَ عفْ ٌ ُي َا ُ بهِ أ َّ منْ سُنةِ اهللِ فِلي فِطْلرَةِ الْبَشَلرِ أَنْ‬
   ‫ُق ب‬              ‫َ‬     ‫ُ‬                 ‫ذن‬             ‫ََ‬           ‫ك‬
‫تَ ُونَ َبعْ ُ هفوَاتِهِمْ وَ ُُلوبِهِمْ بَيْلرَ مفْضِليةٍ إِلَلى اْلع ُوَلةِ‬

                                                        ‫1 - تفسري املنار: (4/ 851).‬
                                            ‫751‬
                                          ‫ذ‬          ‫الد ي‬
‫بِالْمَصَاِئ ِ فِي ُّنَْا وَاْلعَ َابِ فِي الْآخِرَةِ، وهَذَا اْلعفْة ُ خَةاص‬
      ‫َ و‬            ‫َ‬
                                     ‫ر د َن ه ْ ح ال‬                              ‫مْ‬
‫بالْ ُؤمِننيَ ُي َا ُ بهِ أ َّ ذَنْعبَ ُمْ يَومَ أُ ُدٍ َّذِي كَةانَ مِةنْ شَةأْنهِ أَنْ‬
            ‫ُق ه الد ي ة‬                             ‫الد و ِ‬                       ‫َ‬
‫ُيعَاقبَ عَلَيْهِ فِي ُّنْيَا َالْآخرَةِ قَدْ كَاَنتْ ع ُوبَتُة ُ ُّنْيَوَّة ُ َترْبيَةةً‬
          ‫ق‬                ‫ِ‬                         ‫ْح َ َ هلل ع ُق‬
 ‫وَتَم ِيصًا وعفَا ا ُ َن اْلع ُوبَةِ عَلَيْهِ فِي الْةآخرَةِ، وَلِةذَلِكَ َةا َ:‬
                   ‫َ‬            ‫ِ‬               ‫ن َف ر م َج ل‬
‫إ َّ اهللَ غ ُو ٌ حَلِي ٌ لَا ُيع ِّة ُ بَتحْتِةيم اْلعقَةاب. ومِةنْ آيَةاتِ‬
  ‫ه‬            ‫ِم َ‬                         ‫ْف قه‬                        ‫َ ِْ ه‬
‫مغفرَتِهِ لَ ُمْ وَحِلْمِهِ بهمْ تَةوِي ُ ُمْ لِلِاسْةِتفَادَةِ م َّةا وقَةعَ مِةنْ ُمْ‬
                  ‫َت ت َح‬                   ‫الت‬       ‫و تهم َم ال ََ ه‬
‫َإثَابَُ ُ ُ اْلغ َّ َّذِي دفعَ ُمْ إلَى َّوْبَةةِ حَّةى ُم ِّة َ مَةا فِةي‬
                                                ‫َق َ َ ذن‬
                                       ‫ُُوبهمْ وَاسَْتح ُّوا اْلعفْوَ عنْ ُُوبهمْ.‬    ‫قل‬
‫وبيان الفرق بني النوعني من الذنوب الةيت يعفةى عنةها والةيت‬
‫يؤاخذ أن اليت يؤاخذ عليها هي تلك اليت يصةر عليهةا أصةحاهبا‬
‫وتكون سعبعبا يف هالك العبشر, وفساد حيةاهتم مةن فسةق وظلةم‬
                                                                                   ‫)(1)‬
                        ‫امتنان اهلل تعاىل على اخللق بنزول الغيث‬

‫املاء روح احلياة , وسر النجةاة, جعةل اهلل – تعةاىل-‬
‫منه كل شيء حي, سيما إذا كان غيثةا, ينظةره النةاس,‬
                         ‫ن‬
‫وتتوقف عليه احلياة, وقد مَ َّ اهلل – تعاىل- علةى اصلةق‬
‫بذلك, وأبان أنه حييي هبذا الغيةث ممةن خلةق أنعامةا‬
‫وأناسي كثريا, فةالكثرة هنةا كثةرة حممةودة فهةي يف‬
‫مواطن االمتنان من اهلل تعةاىل وتعبةدو مالمةح االطةراد‬

                                                     ‫1 - تفسري املنار: (4/ 851).‬
                                          ‫851‬
‫والسننية هنا يف أن اهلل تعاىل جعل من هةذا املةاء حيةاة‬
                  ‫ال‬         ‫َ‬
‫حتيي مما خلق أنعاما وأناسي كثريا, (وهُةوَ َّةذِي أَرْسَةلَ‬
              ‫الس‬                   ‫َ‬                           ‫الري ب ْ‬
 ‫َِّاحَ ُشرًا بَْينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَْنزَلْنَا مِةنَ َّةمَاءِ مَةاء‬
              ‫ه ِم‬             ‫ن‬                                        ‫ه‬
‫طَ ُورًا (84) لُِنحْييَ بهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَُسْةقِيَ ُ م َّةا خََلقْنَةا‬
   ‫َّ ه ه َةذ َّر‬                                             ‫ع َ ِي‬
‫أَْن َامًا وأَنَاس َّ كَِثريًا (94) وََلقَدْ صَرفْنَا ُ بَيْةنَ ُمْ لِي َّك ُوا‬
      ‫ة‬                         ‫ر النة لة ُفة‬
 ‫فَ ةأَبَى َأكْثَ ة ُ َّ ةاس إَّ ةا ك ُ ةورًا (55) , الفرق ةان:‬
                                                                ‫84/55.‬

‫(أنز من السماء ماء املطر فأحيا به الغيةاض والريةاض،‬
‫وأنعبت به األزهار واألنوار، وأنةز مةن السةماء مةاء‬
‫الرمحة فغسل العصاة ما تلطخوا به مةن األوضةار، ومةا‬
‫تدّسوا به من األوزار.)(1) (وكةذا سةّته مةع ععبةاده‬
              ‫ن‬                                    ‫ن‬
                          ‫ير ّدهم بني إفناء وإبقاء.)(2)‬
                                                   ‫د‬

‫امتنان اهلل باملطر الذ ركون سلببا يف إنشلاء اجلنلات‬
                                                                   ‫والفواكه‬

‫ويف موطن آخر مي اهلل – تعاىل- على ععبةاده بةاملطر الةذي‬
‫يكون سعبعبا يف إنشةاء االنةات والفواكةه الكةثرية فيقةو :‬


                                              ‫1 - لطائف اإلشارات: (2/ 549).‬
                                              ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 939).‬

                                          ‫951‬
       ‫و‬              ‫ك‬             ‫َ‬           ‫َن ِ‬           ‫ك‬
‫(فَأَنْشَأْنَا لَ ُمْ بهِ جَّاتٍ منْ َنخِيلٍ وَأعْنَابٍ لَ ُةمْ فِيهَةا فَ َاكِةهُ‬
                                                        ‫ْكل‬         ‫ةَ‬
                                  ‫كَِثريَ ٌ ومِنْهَا تَأ ُُونَ),املؤمنون:91.‬
‫ويف سياق امتنان اهلل تعاىل على ععباده باملطر الةذي حييةي‬
‫به أنعاما وأناسي كثريا, منة أخةرى منةه تعةاىل, بةأن‬
 ‫جعل من هذا الغيث جنات من خنيل وأعناب, هلةم فيهةا‬
‫فواكه كثرية, ومنها يأكلون,والكثرة احملمودة هنةا تعبةدو‬
‫يف مَ َّ اهلل تعاىل على خلقه بالفواكه الكثرية الةيت سةعبب‬       ‫ن‬
‫حياهتا ومنائها واحد وهةو املةاء, وأنواعهةا وأصةنافها‬
‫متعددة, فهي ختضع يف هةذا العبقةاء والنمةاء لسةنن اهلل‬
  ‫ة‬         ‫ة‬               ‫ة‬                 ‫ة‬
‫تعةاىل الةيت ال تتعبةد وال تتحةو , والسسةننية هنةا‬       ‫ة ة‬
‫واالطراد بَِّن مةن خةال خضةوع الفاكهةة الكةثرية‬           ‫ي‬
‫لقانون يضةعبطها وسةنة حتكمهةا يف النشةوء والعبقةاء‬
       ‫َةد َ‬               ‫ه ال‬
‫والنماء,كما قا – تعاىل- (وَ ُوَ َّةذِي م َّ الْةأرْضَ‬
           ‫ُةل ثم‬             ‫َ‬              ‫ِ‬                 ‫ََ‬
    ‫وجعَلَ فِيهَا رَوَاسيَ وَأَنْهَارًا ومِةنْ ك ِّ الَّ َةرَاتِ‬
         ‫ن‬           ‫ْش الل الن‬                    ‫ْ‬             ‫َ‬
   ‫جعَلَ فِيهَا زَوجَيْن اثْنَيْن ُيغ ِي َّيْلَ َّهَةارَ إ َّ فِةي‬
  ‫ع‬             ‫َ‬       ‫ف‬           ‫ْ َّر‬                ‫ي‬
  ‫ذَلِكَ لَآََاتٍ ِلقَومٍ يََتفَك ُونَ (3) وَِي الْةأرْض قِطَة ٌ‬
     ‫ُتَجَاورَا ٌ وجَّا ٌ مِةنْ أَعْنَةابٍ وزرْ ٌ وَنَخِية ٌ‬
     ‫ل‬          ‫ََ ع‬                       ‫ت َ َن ت‬                ‫م‬
  ‫َض ل‬                             ‫ْق‬                ‫ن ر‬
  ‫صِنْوَا ٌ وَغَْي ُ صِنْوَانٍ ُيس َى بمَةاءٍ وَاحِةدٍ وَُنف ِّة ُ‬
                             ‫ُك ن‬                ‫ْ‬
 ‫َبعْضَهَا عَلَى َبعضٍ فِي الْأ ُل إ َّ فِةي ذَلِةكَ لَآَيَةاتٍ‬
                                                     ‫ق ْم َ ْقل ن‬
                             ‫ِل َو ٍ يع ُِو َ (5), الرعد:3,4.‬
                                         ‫061‬
         ‫امتنان اهلل تعاىل على عباده باألنعام ومنافعها الكثرية‬

‫ومن املواطن اليت ذكرت فيها الكثةرة يف القةرآن الكةرمي‬
‫تلك اآلية الكرمية اليت مي اهلل تعاىل فيهةا علةى ععبةاده‬
 ‫بنعمة األنعام اليت يسةقيهم اهلل تعةاىل ممةا يف بطوهنةا,‬
                                     ‫ن ك‬
‫وهلم فيها منافع كثرية, (وَإ َّ لَ ُةمْ فِةي الْأَْنعَةام َلعِعبْةرَةً‬
          ‫ة َ‬             ‫ع‬             ‫ك‬           ‫ط‬         ‫ن ْ ك ِم‬
‫ُسقِي ُمْ م َّا فِي ُب ُونهَا وَلَ ُمْ فِيهَا مَنَافِ ُ كَةِثريَ ٌ ومِنْهَةا‬
                                              ‫تَأ ُُونَ),املؤمنون: (12).‬‫ْكل‬
‫والسننية هنا واضحة من خةال املنةافع الةيت يصةيعبها‬
‫الععباد من األنعام واليت تزيدها التقنيةة والعلةم احلةديث‬
                             ‫تأكيدا إلعجاز القرآن الكرمي وقضاياه.‬

‫ولعلنا نشري هنا إىل دقة تعةعبري القةرآن الكةرمي: (ممةا يف‬
‫بطوهنا),فهل يف بطون األنعام غري ما هو مةألوف للنةاس‬
‫معروف للعامة, مما يصلح غةذاء أو دواء ممةا عةرب عنةه‬
‫القرآن بأنه (منافع)؟, اللهم إنا بةك مؤمنةون, ولنعمةك‬
‫حامدون شاكرون, وعةن شةكر صةنيعك عةاجزون,‬
  ‫فامحد اللهم عنا نفسك لنفسةك؛ كمةا ينعبغةي الةال‬
‫وجهك وكما قدسك, فإنا عةن القيةام حبةق محةدك‬
‫عاجزون, ولعظمة جربوتةك خاضةعون,وإليةك فيمةا‬
‫منحت أهل قربك راغعبون, فجةد علينةا مةن خةزائن‬


                                         ‫161‬
‫جودك مبا تعلقت به اآلما ,فإنك واسةع العطةاء جزيةل‬
                                             ‫النوا .‬

‫امتنان اهلل تعاىل عللى عبلاده باجلنلات ذات الفاكهلة‬
                                            ‫الكثرية والشراب‬
‫ُّ اهلل – تعاىل- هنا علةى ععبةاده املةؤمنني باالنةات‬    ‫ومن‬
 ‫ذات الفاكهة الكثرية والشراب جزاء مرتعبا علةى عمةل,‬
‫وعطاء معبنيا على إميان وبذ , وتقوى هلل تعةاىل محلتةهم‬
       ‫ِ ر‬
‫على اجتناب حمارمةه وفعةل أوامةره (هَةذَا ذكْة ٌ وَإنَّ‬
      ‫ه‬        ‫م َّ‬          ‫َن‬           ‫مَّ ِ ح ْ َ‬
‫لِلْ ُتقنيَ َل ُسنَ مآَبٍ (94) جَّاتِ عَةدْنٍ ُفَتحَةةً لَ ُةمُ‬
                              ‫الْأَبْوَابُ (55) ص:(94,55).‬

‫فهذا العطاء سنة من سنن اهلل تعاىل يف خلقةه هةي سلنة‬
‫اجلزاء,هذا وقد قدمت اآليات الكرميةة وصةف هةؤالء‬
‫املعطَيْنَ بةةة (املتقني) بياناً ملقةدمات هةذا العطةاء,‬
‫وتوجيهاً للععباد أنه مرتب على صةفات وأعمةا هةؤالء‬
‫املتقني, وإرشاداً وإغراء لسلوك سةعبيلهم والنسةج علةى‬
                                            ‫منواهلم.‬

‫أما الكثرة يف سورة الواقعة يف قولةه تعةاىل: ومَةاءٍ مَسْةكُوبٍ‬
              ‫ن‬                 ‫َ ْط‬                              ‫َ‬
 ‫(13) وفَاكِهَةٍ كَِثريَةٍ (23) لَةا مق ُوعَةةٍ وَلَةا مَمُْوعَةةٍ (33),‬
 ‫الواقعة:13/33, فهي كثرة ختضع لسنة أخةرى خارقةة, فةإذا‬

                                  ‫261‬
‫كانت هناك سنن جارية, فهناك سةنن خارقةة, متضةي حسةب‬
‫قانون آخر يتقابل مع قانون السنن االاريةة, وال يتعةارض, بةل‬
‫كل يف فلك يسعبحون, فالسنة يف فواكه الةدنيا أهنةا لةزمن دون‬
‫زمن, وبثمن أ ّ مثن, أما هذه الكثرة هنةا فهةي لسةنة أخةرى‬      ‫ي‬
‫متضي على غري معهود الناس فهةي فاكهةة كةثرية ال مقطوعةة‬
‫بالزمن, وال ممنوعة بالثمن, (ال ينقطع عنةهم شةيء منةها أرادوه‬
‫يف وقت من األوقات، كما تنقطع فواكةه الصةيف يف الشةتاء يف‬
‫الدنيا، وال مينعهم منها، وال حيو بينةهم وبينةها شةوك علةى‬
‫أشجارها، أو بعدها منهم، كما متتنع فواكةه الةدنيا مةن كةثري‬
‫ممن أرادها بعبعدها على الشجرة منهم، أو مبا علةى شةجرها مةن‬
‫الشوك، ولكنها إذا اشتهاها أحدهم وقعت يف فيةه أو دنةت منةه‬
‫حىت يتناوهلا بيده.)(1),أو(ال مقطوعة عنةهم نعمتةه، وال ممنوعةة‬
‫منهم رؤيته.)(2), أو كما قا العبغةوي: (وَةا َ َبعضُة ُمْ: لَةا‬
        ‫ْ ه‬          ‫َق‬
                         ‫مق ُوعَةٍ بالْأَزمَانِ وَلَا مَمُْوعَةٍ بالْأَثْمَانِ)(3)،‬
                                                 ‫ن‬                ‫ْ‬            ‫َ ْط‬
  ‫قتال كثري من الربيني مع األنبياء فما وهنوا ملا أصاهبم يف‬
                              ‫سبيل اهلل وما ضعفوا وما استكانوا‬



                                               ‫1 - جامع العبيان: (32/ 811).‬
                                             ‫2 - لطائف اإلشارات:(2/ 842).‬
                                                ‫3 - تفسري العبغوي: (8/ 31).‬
                                       ‫361‬
‫مضت سنة اهلل تعاىل يف ععباده أنه حةني يرسةل الرسةل‬
 ‫ويعبعث األنعبياء,معبشرين ومنةذرين,أن يؤيةدهم بةاحلحج‬
                                                      ‫ويت‬
 ‫والرباهني, َّعبعهم من اصلق من يريةد اهلل هلةم اهلدايةة,‬
‫ويتنكب طريق دعةوهتم مةن اسةتكرب وعانةد, فيقاتةل‬
‫هؤالء هبؤالء ويكتب اهلل النصةر حلزبةه, وجيعلةهم مةن‬
      ‫َ‬         ‫َ ِّ ِ ةي‬
‫املفلحني, ويرد قوله تعاىل: ( وكَأَينْ منْ نَعب ٍّ قَاتَةلَ معَةهُ‬
     ‫ل َ‬                        ‫ه‬             ‫َن‬         ‫ري‬        ‫ِّي‬
‫ربُّونَ كَِث ٌ فَمَا وهَُوا لِمَا أَصَابَ ُمْ فِي سَةعبيل الَّةهِ ومَةا‬
                   ‫ن و ه ِةب الص‬
 ‫ضع ُوا ومَا اسْتَكَاُوا َاللَّة ُ ُيح ُّ َّةابرينَ (941),‬  ‫َ ُف َ‬
‫آ عمران:941. معبينا كثةرة هةؤالء الربةانيني الةذين‬
‫يقاتلون مع األنعبياء, سواء كانةت تلةك الكثةرة بيانةا‬
‫للواقع, أو حتريضا للناس على اتعبةاع طةريقهم وسةلوك‬
                                                              ‫سعبيلهم.‬
‫وهؤالء الثابتون على الدين, املقةاتلون يف سةعبيل نشةره ودعةوة‬
‫الناس إليه, هةم أهةل الوفةاء والصةفاء, وأصةحاب الطريةق‬
‫والتحقيق,(إ ّ الذين درجوا على الوفاء، وقةاموا حبةق الصةفاء،‬      ‫ن‬
‫ومل يرجعوا عن الطريق، وطالعبوا نفوسةهم بةالتحقيق، وأخةذوا‬
                       ‫ق‬
   ‫عليها بالتضييق والتدقيق- وجدوا حمعبةة احلة ّ سةعبحانه مةريا‬
                                        ‫ق‬
‫صربهم، وكان اصلف عنهم احل ّ عند هناية أمةرهم، فمةا زاغةوا‬
                ‫ل‬
‫عن شرط االهد، وال زاغوا يف حفظ العهةد، وسةّموا تسةليما،‬



                                 ‫461‬
                               ‫ل‬
‫وخرجوا عن الدنيا وكان ك ّ منةهم للعهةد مقيمةا مسةتدميا،‬
                     ‫وعلى شرط اصدمة والوداد مستقيما.)(1)‬
     ‫امتنان اهلل على املؤمنني بالنصر يف مواطن كثرية وكثرهتم مل تغن‬
                                                                      ‫عنهم شيئا‬
‫نعم اهلل تعاىل على ععباده كةثرية, وهةي ال تعةد وال حتصةى,‬
‫ومنها نعمته بالنصر على املؤمنني يف مةواطن عديةدة, وتعبةدو‬
‫النعمة أجلى عندما تتقطع األسعباب, وهتي قةوى العبشةر الةيت‬
‫يعتمدون عليها فيكون التوكل أظهر ودالئةل املةنن أوضةح,‬
‫وما حد من نصر للمسةلمني يف حةنني بعةد أن اعتمةدوا‬
‫على كثرهتم (لن نغلب اليوم من قلة), منةة ظةاهرة, ونعمةة‬
‫جلية وجليلة, إذ قد أتاهم النصر بعد نفةاد أسةعبابه, وضةاقت‬
‫عليهم األرض مبا رحعبت, وولوا مدبرين, وكثةرة النصةر هنةا‬
 ‫كثرة حممودة, ونعمة من نعم اهلل تعةاىل علةى ععبةاده. (َلقَةدْ‬
   ‫ك‬        ‫ْ‬                   ‫ْ‬                    ‫ِ‬            ‫َ َكم ه‬
‫َنصر ُ ُ اللَّ ُ فِي مَةوَاطنَ كَةِثريَةٍ وَيَةومَ حُنَةْينٍ إذْ َأعجَعبَةتْ ُمْ‬
         ‫ض‬            ‫كم‬           ‫َ‬                   ‫ك‬                  ‫تك‬
‫كَْثرَُ ُمْ فَلَمْ ُتغْن عَنْ ُمْ شَيْئًا وَضَةاقتْ عَلَةيْ ُ ُ الْةأَرْ ُ بمَةا‬
                                                          ‫ح ُم ت م‬
                                ‫رَ َُعبتْ ث َّ وَلَّيُْمْ ُدْبرينَ), التوبة: (52).‬
      ‫(خيربهم تعبارك وتعاىل أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة‬
        ‫وخيل‬
      ‫العدد وشدة العبطش، وأنه ينصر القليلَ على الكثري إذا شاء، ِّي‬
                                              ‫الكثريَ والقليلَ، فَيهْزم الكث ُ.)(1)‬
                                                    ‫ري‬

                                           ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 382).‬
                                       ‫561‬
                           ‫ر‬
‫(يعىن نصركم يوم حنني حني تف ّق أكثر األصةحاب، وافتةرت‬
                                                 ‫ر‬
‫أنياب الك ّة عن نقاب القهةر فاضةطربت القلةوب، وخانةت‬
‫القوى أصةحاهبا، ومل تغةن عةنكم كثةرتكم، فاسةتخل اهلل‬
‫أسراركم- عند صدق الرجوع إليةه- حبسةن السةكينة النازلةة‬
‫عليكم، فقلب اهلل األمر على األعداء، وخفقت رايةات النصةرة،‬
                         ‫د‬
‫ووقعت الدائرة على الكفار، وارتة ّت اهلزميةة علةيهم فرجعةوا‬
                                              ‫صاغرين.)(2)‬
                                     ‫إكرام اهلل تعاىل لنبيه بالكوثر‬
‫ومن مواطن الكثرة احملمةودة بشةارة اهلل تعةاىل لرسةوله‬
          ‫ن ْ‬
‫صلى اهلل عليه وسةلم بةالكوثر, بقولةه:(إَّةا َأعطَيْنَةاكَ‬
                                        ‫الْكَوَْثرَ), الكوثر:1.‬
                        ‫ٌ‬              ‫ء أي‬       ‫ٌ ي من‬
 ‫وهنا مَن أ ُّ ٍّ, وعطا ل ُّ عطاء, إنه مَةن بالعطةاء املتكةاثر,‬
‫الذي دونه كل عطاء, فداللة الكثرة هنةا ال حتتةاج إىل تعقيةب‬
          ‫ن ْ‬
‫بل حتتاج إىل دعاء, (عن ابةن عمةر، يف قولةه: (إَّةا َأعطَيْنَةاكَ‬
 ‫ر‬
‫الْكَوَْثرَ) قا : "هنر يف االنة حافتاه الةذهب، وجمةراه علةى الةد ّ‬
                   ‫د‬                         ‫د‬
‫والياقوت، وماؤه أش ّ بياضا مةن الةثلج، وأشة ّ حةالوة مةن‬
                           ‫العسل، وتربته أطيب من ريح املسك".)(3)‬


                                       ‫1 - جامع العبيان: (41/ 971).‬
                                     ‫2 - لطائف اإلشارات: (2/ 81).‬
                                       ‫3 - جامع العبيان:(42/ 549).‬
                               ‫661‬
‫(جاء يف التفسري أن الكوثر هنر يف االنة أشد بياضةاً مةن اللة ,‬
‫وأحلى من العسل، حافَّتَةاه قعبةاب الةدر، جمةوف، وجةاء يف‬
                   ‫ة‬
‫التفسري أيضاً أن الكوثر: اإلسالم, والنعبةو ُ.وقةا أهةل اللغةة:‬
‫الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه اصري الكثري.ومجيةع مةا جةاء يف‬
‫تفسري هذا قد أعطيه النيب- عليه السالم-.قةد أعطةي اإلسةالم‬
‫والنعبوة وإظهار الدين الذي أتى به على كل ديةن, والنصةر علةى‬
‫عدوه والشفاعة.وما ال حيصى مما أعطيه، وقد أعطةي مةن االنةة‬
                            ‫على قدر فضله على أهل االنة.)(1)‬
       ‫امتنان اهلل تعاىل على اخللق بأن بث من آدم وحواء ردال‬
                                                                    ‫كثريا ونساء‬
‫ومن املواطن اليت من اهلل تعاىل فيها علةى ععبةاده منةه علةيهم‬
      ‫َي‬
‫بأن خلق هلم من نفس واحدة رجاالً كثريا ونسةاء, (يةا أُّهَةا‬
                                          ‫ك‬               ‫ن س َّق َبكم ال‬
‫الَّا ُ ات ُوا رَّ ُ ُ َّذِي خََلقَ ُمْ مِةنْ َنفْةسٍ وَاحِةدَةٍ وَخَلَةقَ‬
                ‫َّ‬                                  ‫َث ه‬
‫مِنْهَا زَوْجَهَا وَب َّ مِنْ ُمَا رجَالًا كَةِثريًا وَنسَةاء وَاتقُةوا اللَّةهَ‬
           ‫ك َ‬                      ‫و ح ن ل‬                       ‫ل‬           ‫ال‬
 ‫َّذِي تَسَاءَُونَ بهِ َالْأَرْ َامَ إ َّ الَّةهَ كَةانَ عَلَةيْ ُمْ رقِيعبًةا ,‬
‫النساء:(1).وهي يف موطن االمتنان واإلنعام بأن جعلةهم مةن‬
‫أصل واحد, على تعباين أصةنافهم وتنةوع مشةارهبم, فهةي‬
                                                                ‫كثرة حممودة.‬
                          ‫أضعافا كثرية‬          ‫مضاعفة اهلل تعاىل للقر‬

                               ‫1 - معاين القرآن وإعرابه للزجاج: (5/ 993).‬

                                       ‫761‬
 ‫كما وردت الكثرة يف موضع وصف املضاعفة للقرض يف قوله تعاىل:‬
  ‫ه‬                         ‫ِ ه ْ‬                              ‫ض َ‬                  ‫ال‬
  ‫(منْ ذَا َّذِي ُيقْر ُ اللَّهَ قرْضًا حَسَنًا فَُيضَاعفَهُ لَ ُ أَضعَافًا كَِثريَةً وَاللَّ ُ‬
                                                                ‫ض سط و ت َع‬
                                      ‫َيقْعب ُ وَيَعبْ ُ ُ َإلَيْهِ ُرْج ُونَ, العبقرة:(542).‬
  ‫واملضاعفة هنا حممودة ألهنا جزاء من اهلل تعةاىل علةى العبةذ‬
                                                      ‫والعطاء, فالكثرة كثرة حممودة.‬
                                                         ‫عند اهلل مغامن كثرية‬
‫كما وردت الكثرة احملمودة يف حض اهلل تعةاىل املةؤمنني‬
‫احملاربني على عدم التسرع يف وصف مةن ألقةى إلةيهم‬
‫السالم بأنه ليس مؤمنا رغعبة يف عرض الةدنيا فمةا عنةد‬
          ‫ت‬                         ‫َ‬           ‫َي ال‬
‫اهلل أكثر وأبقى (يَا أُّهَا َّةذِينَ آمَنُةوا إذَا ضَةرَبُْمْ فِةي‬
        ‫كم الس‬                                         ‫ق‬          ‫َين‬
‫سَعبيل اللَّهِ فَتَعبَُّوا وَلَا َت ُولُوا لِمَةنْ أَْلقَةى إلَةيْ ُ ُ َّةلَامَ‬
         ‫الد َ ل َ‬                                      ‫غ َ‬            ‫ْ مْ‬
‫لَستَ ُؤمِنًا تَعبَْت ُونَ عرَضَ اْلحَيَاةِ ُّنْيَا فعِنْدَ الَّةهِ مغَةانمُ‬
 ‫كَِثريَ ٌ كَذَلِكَ ُنُْمْ منْ قَْعب ُ فَم َّ الَّة ُ عَلَةيْ ُمْ فَتَعبَّنُةوا إ َّ‬
 ‫ن‬         ‫ك َي‬                 ‫ك ت ِ ل َن ل ه‬                             ‫ة‬
                                                             ‫ل‬
                          ‫اللَّهَ كَانَ بمَا َتعْمَُونَ خَعبريًا , النساء:(49).‬
‫ووردت كذلك يف مقام وعةد اهلل- تعةاىل- للمةؤمنني‬
 ‫باملغامن الكثرية اليت يأخةذوهنا, يف قولةه تعةاىل: (َلقَةدْ‬
     ‫الش َ‬                            ‫ع‬                  ‫هع م ْ‬
‫رَضِيَ اللَّ ُ َن الْ ُةؤمِننيَ إذْ يُعبَاي ُونَةكَ َتحْةتَ َّةجرَةِ‬
              ‫َ ه‬                          ‫َ الس‬                  ‫قل‬
‫فعَلِمَ مَا فِي ُُوبهمْ فَأَْنز َ َّكِينَةَ عَلَيْهمْ وأَثَةابَ ُمْ فَْتحًةا‬        ‫َ‬
            ‫ل ه‬                 ‫َ‬        ‫خذ‬                      ‫ََ‬
‫َريعبًا (81) ومغَانمَ كَِثريَةً يَأْ ُ ُونَهَا وكَةانَ الَّة ُ عَزيةزًا‬             ‫ق‬
       ‫خ ذ‬                              ‫َ َكم ل ه َ‬
‫حَكِيمًا (91) (وعَد ُ ُ الَّة ُ مغَةانمَ كَةِثريَةً تَأْ ُة ُونَهَا‬


                                             ‫861‬
            ‫ك ك‬                 ‫ن‬             ‫َ َف‬           ‫َع َّ ك‬
‫ف َجلَ لَ ُمْ هَذِهِ وك َّ أَيْدِيَ الَّاس عَنْ ُمْ وَلِتَ ُةونَ آَيَةةً‬
                                   ‫م‬            ‫ك ص‬
‫لِلْ ُؤمِننيَ وَيَهْدِيَ ُمْ ِةرَاطًا ُسْةَتقِيمًا), الفةتح: (91-‬    ‫مْ‬
                                                                    ‫52)‬
‫وهنا مي اهلل (تعاىل) علةى ععبةاده باملغةامن الكةثرية الةيت‬
‫يأخذوهنا, فالكثرة هنا كثرة حممودة؛ ألهنا يف مقةام االمتنةان‬
                                                            ‫من اهلل (تعاىل).‬
   ‫ضرب اهلل (تعاىل) األمثال للناس رهتد هبا كثري ورَضِل هبا‬
                                                                           ‫كثري‬
‫مضت سنة اهلل تعاىل يف خلقه أن يقةيم علةيهم احلجةة,‬
‫ويعلمهم العبينة؛ لئال يكون للناس علةى اهلل حجةة بعةد‬
‫الرسل, ومن ذلك أن ضرب هلم يف كتابه األمثةا ُيضِةل‬
            ‫ن ل‬
‫هبا كثريا ويهدي هبا كةثريا, قةا تعةاىل:( إ َّ الَّةهَ لَةا‬
      ‫َم‬        ‫ْ‬                  ‫ع‬
‫يَسْتَحْيي أَنْ َيضْربَ مَثَلًا مَا َب ُوضَةةً فَمَةا فَوقَهَةا فَأ َّةا‬
          ‫ََم ال‬         ‫َب‬         ‫م َنه َق‬                     ‫الذ َ ن‬
‫َّ ِينَ آمَُوا فََيعْلَ ُونَ أَّ ُ اْلح ُّ مِةنْ رِّهةمْ وأ َّةا َّةذِينَ‬
                  ‫ِةل‬                ‫ر له‬                     ‫َ َر ق ل‬
‫كف ُوا فََي ُوُونَ مَاذَا أَ َادَ الَّ ُ بهَذَا مَثَلًا ُيض ُّ بةهِ كَةِثريًا‬
         ‫س ِ‬          ‫ل‬       ‫ِةل‬                  ‫َ‬
 ‫وَيَهْدِي بهِ كَةِثريًا ومَةا ُيض ُّ بةهِ إَّةا اْلفَا ِةقنيَ ),‬
                                                             ‫العبقرة:(92).‬
 ‫وقد يتسائل سائل كيف يضل بةه كةثريا ويهةدي بةه كةثريا,‬
 ‫فاملتوقع أن يكون بعض الفةريقني كةثريا واآلخةر قليال،وبةالنظر‬
‫يظهر أن هذا فيه بيان قيمة املهتدين وإن كةانوا يف أعةني النةاس‬


                                      ‫961‬
               ‫ه‬
‫قلة, فهم يف الواقع ونفس األمر كثرة,( فَلَةا تَنَةافِيَ بَيْنَ ُمَةا لِةأَنَّ‬
        ‫ري‬                  ‫ف‬             ‫د‬           ‫ي‬            ‫ْ‬             ‫و‬
‫الْكَْثرَةَ َاْلقِلَّةَ َأمرَانِ نسْعبَّانِ، فَالْمُهْتَ ُونَ فِي أَْن ُسِةهمْ كَةِث ٌ، وَإذَا‬
‫وُص ُوا باْلقِلَّةِ فَعب ِّسْعبَةِ إلَةى َأهْةل َّةلَا ، أَوْ تَ ُةو ُ الْكَثْةرَ ُ‬
‫ة‬            ‫ك ن‬                      ‫الض‬                       ‫الن‬                   ‫ِف‬
    ‫ُةم‬                                       ‫َق و ة الن‬
‫ب ِّسْعبَةِ إلَى اْلح ِيقَةِ، َاْلقِلَّ ُ ب ِّسْةعبَةِ إلَةى الْأَشْةخَاص، فَس ُّوا‬       ‫الن‬
                                    ‫ق الش ِر‬                 ‫َق‬                    ‫َ‬
                                   ‫كَِثريًا ذهَابًا إلَى اْلح ِيقَةِ، كَمَا َا َ َّاع ُ:‬

  ‫ُه‬                 ‫َل‬                           ‫ن ِر ري‬
‫إ َّ الْك َامَ كَِث ٌ فِي الْعبلَادِ وَإنْ ... قُّةوا كَمَةا غَيْةر ُمْ‬
                                                                   ‫قُّوا َإنْ كَُث ُوا)(1)‬
                                                                         ‫َل و ر‬




                                    ‫املبحث الثالث‬
          ‫الكثرة املذمومة صفاهتا وخصائصها يف القرآن الكرمي‬


  ‫وإذا تتعبعنا الكثرة املذمومة يف القرآن الكرمي, وجدناها تدور حو‬
    ‫بعض املعاين اليت ميكن أن نردها إىل أصو جامعة على النحو‬
                                                         ‫التايل:‬


‫- العبحر احمليط يف التفسري: (1/ 252) وانظر: الكشاف عن حقائق‬                                 ‫1‬


                                                         ‫غوامض التنزيل: (1/ 811).‬



                                            ‫071‬
                                                   ‫1- وصف أكثر الناس‬
                                           ‫2- وصف أكثر أهل الكتاب‬
                                ‫3- صلة اجلن باإلنس يف ضوء الكثرة‬
                               ‫0- وصف الكثرة ملفردات من األشياء‬
                                                        ‫وصف أكثر الناس‬
‫خلق اهلل (تعةاىل) اصلةق وهةو هبةم أعلةم, وبطعبةائعهم‬
‫أخرب,وخبلجات صدورهم أبصر, (أال يعلم مةن خلةق وهةو‬
‫اللطيف اصعبري), امللك:41, ووصةفهم اهلل تعةاىل وصةفا ال‬
‫يستطيعه غريه, وال يقدر على القطع به سةواه؛ ألنةه األعلةم‬
‫بطوايا النفوس, وخعبايا الصةدور, وخفايةا السةرائر, ووردت‬
‫آيات القرآن الكرمي تؤكد هذا الوصف يف مةواطن متعةددة,‬
‫ذلك الوصف الذي يؤكده الواقع, وتدعمةه جتةارب احليةاة,‬
‫وميكن أن نتابع وصف القرآن للكثلرة ملن النلاس ملن‬
                                                     ‫خالل هذه الصفات:‬
                                 ‫كثري من الناس عن آرات اهلل بافلون‬
‫بث اهلل (تعاىل) يف اصلةق آيةات وعِعبَةرا, ويف الكةون‬
‫عظات و ُُال, والسعيد من اعترب والشةقي مةن تعةداها‬          ‫مث‬
‫ومل َّكر, وقد مضةى حكةم اهلل (تعةاىل) وسةنته يف‬                    ‫يد‬
  ‫خلقه بأن كثريا منةهم عةن آيةات اهلل غةافلون, قةا‬
                              ‫ك‬                   ‫ْ نَج‬
‫تعاىل: (فَالْيَومَ ُن ِّيكَ بعبَدَنكَ لِتَ ُونَ لِمَةنْ خَ ْلفَةكَ آَيَةةً‬

                                       ‫171‬
           ‫ن غ ل‬                    ‫ِ الن ع‬              ‫ِن‬
‫وَإ َّ كَثِريًا منَ َّاسِ َلنْ آَرَاتَِلا َل َلافِ ُونَ, رلونس:‬
                                                       ‫(22).‬
‫وقد وردت هذه اآلية الكرمية يف بيةان هةالك فرعةون‬
‫الذي ذكر بوصفه دون امسه, حىت ميضةي وصةفه علةى‬
‫كل (فرعون) ما بقيت احليةاة, وتلةك بعةض مالمةح‬
‫السننية يف القرآن الكةرمي, فهةي ال حتةدد االسةم, وال‬
‫الزمان, وال املكان؛ حىت يفيد النةاس مةن الوصةف, وال‬
‫يتوقفوا عند االسم والرسم, ولكن أكثر النةاس غةافلون‬
‫عن هذه العرب, وتلةك الفوائةد الةيت تعبقةى مةا بقةي‬
‫اإلنسان, وتتعاقب ما تعاقةب الليةل والنةهار, ومعةىن‬
‫(غافلون) أي :(ساهون، ال يتفكرون فيهةا وال يعتةربون‬
‫هبا.)(1) , أو (معْر ُةونَ عَةنْ تَأ ُّةل آيَاتِنَةا وَالتف ُّةر‬
    ‫َّ َك‬                ‫َم‬               ‫ُ ض‬
                                                       ‫فيها)(2)‬
‫(وقرئ: ملن خلقك، بالقاف: أي لتكةون صالقةك آيةة‬
‫كسائر آياته. وجيوز أن يةراد: ليكةون طرحةك علةى‬
‫الساحل وحدك ومتييزك من بني املغةرقني- لةئال يشةتعبه‬
‫ن‬
‫على الناس أمرك، ولئال يقولةوا- الدعائةك العظمةة إ ّ‬
‫مثله ال يغرق وال ميوت- آية من آيات اهلل الةيت ال يقةدر‬

                             ‫1 - جامع العبيان: (51/ 891).‬
                              ‫2 - تفسري القرطيب:(8/ 183).‬
                                  ‫271‬
                                                 ‫أن‬
‫عليها غريه، وليعلموا َّ ذلك تعمد منه إلماطةة الشةعبهة‬
                                                               ‫يف أمرك.)(1)‬
‫(وقرأ أ بن كعب «نن ّيةك» باحلةاء املشةددة مةن‬ ‫ح‬
‫التنحية، وهي قراءة حممد بن السةميفع اليمةاين ويزيةد‬
                                                                  ‫الربيدي)(2)‬
‫(واإلخعبار هبذا األخذ الذي وقةع يف قعةر العبحةر مةن‬
                ‫ال‬
‫أعالم النعبوة؛ إذ ال ميكن أن خيرب هبةا إال عَة َّم الغيةوب‬
             ‫الذي ال خيفى عليه شيء، وال خيلو منه مكان.)(3)‬
 ‫وكثرة التأكيدات الةواردة يف اآليةة الكرميةة مةن إن,‬
 ‫وامسية االملة,والالم يظهر مدى غفلة الناس عةن العةربة,‬
 ‫ََك ه‬                  ‫ض‬
 ‫على الرغم من ظهورها, وفيه (َتعْةري ٌ بهةمْ ,وأ َّةدَ ُ‬
              ‫ِدة َ ِ ُةو ت‬                                            ‫الت ْ‬
‫هَذَا َّأكِيدَ لِمَا َتقَْتضِيهِ ش َّ ُ اْلغفْلَةِ منْ ق َّةِ الَّنْعبيةهِ، أَيْ‬
                  ‫ِةد ه‬                                           ‫د‬
‫إَّ ُمْ لَشَدِي ُو اْلغَفْلَةِ عَنْهَةا عَلَةى ش َّةِ ظُ ُورهَةا فَلَةا‬        ‫نه‬
                                               ‫ئ‬
‫يََتفَك ُونَ فِي أَسْعبَابهَا وَنَتَاِجهَةا وَحِكَةم اهللِ فِيهَةا، وَلَةا‬‫َّر‬
     ‫ُةر‬                  ‫ُ ِ‬                    ‫و ن ُر‬
‫َيعْتَعب ُونَ بهَا، َإَّمَا يَم ُّونَ عَلَيْهَا معْرضنيَ كَمَةا يَم ُّونَ‬    ‫ر‬
            ‫َ د َّ َك‬              ‫ع َ ذ َ‬
‫عَلَى مَسَارح الْأَْن َام، وفِيهِ َم لِ ْلغفْلَةِ، وعَ َم التف ُّةر فِةي‬


             ‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (2/ 993).‬
      ‫ة‬         ‫ة‬        ‫ة‬            ‫ة ة‬
‫2 - احمل ةرر ال ةوجيز يف تفس ةري الكت ةاب العزي ةز: (3/‬
                                              ‫241).‬
                         ‫3 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 994).‬
                                           ‫371‬
                 ‫س َ‬
‫أَسْعبَاب اْلحَ َادِ ِ وعَ َاقِعبهَةا وَاسْلتِبَاَنةِ ُلننِ اهللِ فِيهَلا،‬
                                              ‫َو‬         ‫و‬
                                          ‫لِ ِاعْتَِارِ وَالِات َاظِ بِ َا.)(1)‬
                                                ‫ِّع ه‬                ‫ل ب‬
                                                   ‫أكثر الناس ال رشكرون‬
‫نعم اإلله على الععباد كثرية, ومننةه علةى خلقةه ال حتةد وال‬
‫تعد ومع ذلك أكثرهم ال يشكرون, مضةت بةذلك سةنة اهلل‬
‫(تعاىل), فاهلل تعاىل ذو فضل على النةاس, ولكةن أكثةرهم ال‬
‫يشكرون, وقد بذ إبلةيس يف ذلةك, واجتهةد أن يكةون‬
‫أكثر الناس ال يشكرون, ووردت اآليةات القرآنيةة الكرميةة‬
 ‫دالة على ذلك, وأيده واقع الناس وحيةاهتم, قةا (تعةاىل):‬
         ‫َه أل ف‬                            ‫الذ َ ج ِ‬
‫(أَلَمْ َترَ إلَى َّ ِينَ خرَ ُوا منْ دِيَةارهِمْ و ُةمْ ُُةو ٌ حَةذَرَ‬
       ‫َ‬         ‫َق هم ه م ت ُم ه ن ل‬
‫الْمَوْتِ ف َا َ لَ ُ ُ اللَّ ُ ُوُوا ث َّ أَحْيَا ُمْ إ َّ الَّةهَ لَةذُو فضْةلٍ‬
               ‫كر‬          ‫ل‬     ‫الن‬          ‫ِن‬
‫عَلَى الَّاس وَلَك َّ أَكْثَلرَ َّلاسِ َلا رَشْل ُ ُونَ), العبقةرة:‬
                                                         ‫ن‬
      ‫َ ْع‬
‫(342),وقا عز من قائل: (... قَا َ فَعبمَا َأغْةوَيْتَني لَأق ُةدَنَّ‬
                                 ‫م َنه‬                     ‫م‬            ‫ه ِ‬
‫لَ ُمْ صرَاطَكَ الْ ُسَْتقِيمَ (91) ُث َّ َلآَتِيَّ ُمْ مِةنْ بَةيْن أَيْةدِيهمْ‬
  ‫َه‬         ‫د‬
‫ومنْ خَ ْلفِهمْ وعنْ أَيْمَانهمْ وعنْ شَمَائِلِهمْ وَلَا تَجِل ُ أَكْثَلر ُمْ‬
                                          ‫ََ‬               ‫ََ‬              ‫َِ‬
                                                                             ‫ش‬
                                                                ‫َاكِرِرنَ (71)‬
  ‫ْ‬                  ‫ل‬              ‫َ َن الذ ت ر‬
‫وقا تعاىل: (ومَا ظ ُّ َّ ِينَ َيفَْة ُونَ عَلَةى الَّةهِ الْكَةذِبَ يَةومَ‬
       ‫َه‬         ‫ِلن‬
‫اْلقَِامَةِ إ َّ اللَّهَ لَ ُو فضْةلٍ عَلَةى َّةاس وَلَك َّ أَكْثَلر ُمْ لَلا‬
                              ‫الن‬            ‫ذ َ‬             ‫ي ن‬
                                                         ‫كر‬
‫رَشْ ُ ُونَ (59), وقا تعةاىل: (وَإ َّ رَّةكَ لَةذُو فضْةلٍ عَلَةى‬
            ‫َ‬           ‫ن َب‬

                                           ‫1 - تفسري املنار: (11/ 593).‬
                                        ‫471‬
                                   ‫ِن َه ل كر‬
‫الَّاس وَلَك َّ أَكْثَر ُمْ َا رَشْ ُ ُونَ (37), وقا تعةاىل:(أَلَةمْ تَةرَ‬
                                                                      ‫ن‬
    ‫َق‬                     ‫َه أل ف‬                  ‫الذ َ ج ِ‬
‫إلَى َّ ِينَ خرَ ُوا منْ دِيَارهِمْ و ُمْ ُُو ٌ حَةذَرَ الْمَةوْتِ ف َةا َ‬
‫لَ ُ ُ اللَّ ُ ُوُوا ث َّ أَحَْا ُمْ إ َّ اللَّهَ لَذُو فضلٍ عَلَةى َّةاس وَلَك َّ‬
‫ِلن‬         ‫الن‬         ‫َ ْ‬              ‫هم ه م ت ُم ي ه ن‬
                                                          ‫الن ل كر‬
                                                ‫أَكْثَرَ َّاسِ َا رَشْ ُ ُونَ (342).‬
                                           ‫َ م‬                ‫ِ ْره َن‬
‫( أَخَْعبرَ َتعَالَى ذك ُ ُ أ َّ َأكَْثرَ منْ يُْنعِ ُ عَلَيْةهِ مِةنْ عِعبَةادِهِ بنعَمِةهِ‬
        ‫ف َّ‬                          ‫ْ ُر‬                                 ‫ُن‬
‫اْلجَلِيلَةِ وَيَم ُّ عَلَيْهِ بمِنَنهِ اْلجَسِيمَةِ، يَكف ُ بةهِ، وََيصْةر ُ الرغْعبَةةَ‬
                                   ‫ُْ‬          ‫ْد‬         ‫َّ ذ‬                           ‫و َّ‬
‫َالرهْعبَةَ إلَى غَيْرهِ، وَيَتخِ ُ إلَهًا مِن ُونهِ، كفرَانًا مِنْةهُ لِنعَمِةهِ الَّتِةي‬
                           ‫ه َ‬                      ‫ِ الش‬
‫ُوج ُ أَصغرهَا عَلَيْهِ منَ ُّكْر مَا َيفْدَحُة ُ ومَةن اْلحَمْةدِ مَةا‬    ‫ت ب َُْ‬
                                  ‫ل‬                 ‫ُر‬
‫ُْثقُِ ُ، وهم مع هذا لَا يَشْك ُونَ نعْمَتِةي اَّتِةي أَْنعَمْتُهَةا عَلَةيْهمْ‬         ‫ي له‬
     ‫ْ‬                                                          ‫َض ْت‬
‫وفضْلِي َّذِي َتف َّل ُ بهِ عَلَةيْهمْ، بعِعبَةادَتِهمْ غَيْةري، وَصَةرفِهمْ‬     ‫ال‬         ‫ََ‬
          ‫َةر‬          ‫ك ه‬                  ‫َّ‬         ‫َ د‬               ‫َ ه َ ه‬
‫رغْعبَتَ ُمْ وَرهْعبَتَ ُمْ إلَى منْ ُوني، مِمنْ لَا يَمْلِ ُ لَ ُةمْ ض ًّا وَلَةا‬
                                 ‫َنفعًا، وَلَا يَمْلِ ُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا ُ ُورًا)(1)‬
                                           ‫نش‬                            ‫ك‬                  ‫ْ‬
‫ويف ذلك (تنعبيه على فضل اهلل على هؤالء القةوم الةذين تفضةل‬
  ‫عليهم بالنعم وأمرهم باالهاد، وأمةرهم بةأن ال جيعلةوا احلةو‬
‫والقوة إّا له، حسعبما أمر مجيةع العةامل بةذلك، فلةم يشةكروا‬                        ‫ل‬
‫نعمته يف مجيع هذا، بل اسةتعبدوا وظنةوا أن حةوهلم وسةعيهم‬
‫ينجيهم. وهذه اآلية حتذير لسائر الناس مةن مثةل هةذا الفعةل،‬
‫أي فيجب أن يشكر الناس فضل اهلل يف إجياده هلم ورزقةه إيةاهم‬
‫وهدايته باألوامر والنواهي، فيكون منةهم االةري إىل امتثاهلةا ال‬

                          ‫1 - جامع العبيان:(4/ 924), بتصرف يسري.‬
                                             ‫571‬
‫طلب اصروج عنها، وختصيصه تعاىل األكثر داللةة علةى األقةل‬
                                               ‫الشاكر.)(1)‬
            ‫ُق‬       ‫قم‬
‫(وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا يَشْك ُونَ) أَ ْ: لَا َر ُو ُونَ بِح ُلوقِ هَلذِهِ‬
                                           ‫ُر‬            ‫ن‬             ‫ِن‬
     ‫ش‬                ‫الس َّ‬          ‫ِّ َ ل َ د ِ ي‬
‫النعْمةِ، وََا رَسْتفِي ُونَ منْ بََانِ هَلذِهِ ُّلنةِ; أَ ْ هَلذَا َلأْنُ‬
                       ‫َ َب‬                                 ‫َ‬        ‫الن‬
‫أَكْثَرِ َّاسِ فِي بفْلَتِهِمْ وَدَهْلِهِمْ بِحِكْمةِ رِّهِلمْ، فَلَةا تَ ُوُةوا‬
   ‫كن‬
         ‫َد‬          ‫ك‬           ‫َ‬          ‫ر‬          ‫َي م ْ ن ب‬
‫كَذَلِكَ أُّهَا الْ ُؤمُِونَ، َل اعْتَعب ُوا بمَا َنز َ عَلَةيْ ُمْ وَتَةأ َّبُوا بةهِ‬
             ‫ك‬                ‫َت ِم‬                      ‫د ِ ُل و‬
‫لِتَسَْتفِي ُوا منْ ك ِّ حَ َادِ ِ الْكَوْنِ، حَّى م َّةا يَنْةز ُ ب ُةمْ مِةنَ‬
‫الْعبَلَاءِ إذَا وقَعَ مِنْ ُمْ َتفْري ٌ فِي َبعْض ُُّونِ)(2)،واطةراد السةنة‬
                                ‫الشئ‬                 ‫ط‬        ‫َ ك‬
‫هنا واضح من تأكيد القةرآن الكةرمي وتعةعبريه, وواقةع النةاس‬
                                                            ‫يؤكد ذلك واطراده.‬
                                                         ‫أكثر الناس ال رعلمون‬
‫ومن وصةف القةرآن الكةرمي للنةاس وأكثةرهم, أهنةم ال‬
‫يعلمون, ورد ذلك يف آيات متعددة, وقةد ورد نفةي العلةم‬
‫عن أكثر الناس يف مقامات متعةدد, ومةواطن شةىت, ومةن‬
                     ‫خال تتعبع اآليات الكرمية ندرك اآليت:‬
‫نفي العلم عن أكثر النلاس أن اللدرن هلو: اللرباءة ملن‬
‫عبادة ما سو اهلل –تعاىل-, وإخةالص التوحيةد لةه عةز‬
  ‫ل‬        ‫د‬          ‫عبد‬
‫وجل هو الدين القيم, قا تعاىل:(مَا َتعُْ ُونَ مِةنْ ُونةهِ إَّةا‬

            ‫1 - احملرر الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: (1/ 823).‬
                                 ‫2 - تفسري املنار: (2/ 493).‬
                                        ‫671‬
         ‫س‬             ‫َ له‬                ‫ت َ ُك‬                   ‫َم تم‬
‫أَسْمَاء س َّيُْ ُوهَا أَنُْمْ وآَبَاؤ ُمْ مَا أَْنز َ الَّ ُ بهَا مِةنْ ُة ْلطَانٍ‬
  ‫الةد ن َةي‬                 ‫عبد ل ي ه‬                   ‫َ‬                ‫ح م‬
‫إنِ اْل ُكْ ُ إلَّا لِلَّهِ َأمرَ أَلَّا َتعُْ ُوا إَّا إَّةا ُ ذَلِةكَ ِّي ُ اْلق ِّمُ‬
                                                   ‫م‬               ‫ن‬
                      ‫وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا َيعْلَ ُونَ),يوسف: (54)‬     ‫ِن‬
‫واملعىن: ( ولكن أهل الشرك بةاهلل جيهلةون أن الةدين القةيم‬
          ‫هو الرباءة مما سوى اهلل-تعاىل-، فال يعلمون حقيقته.)(1)‬
‫وورد نفي العلم عن أكثلر النلاس يف بيلان مقلام العللم‬
‫بأولياء اهلل تعاىل, يف قوله: (وَل َّا دَخَلُوا مِةنْ حَيْة ُ َأمَةر ُمْ‬
  ‫ث َه‬                             ‫َم‬
                     ‫ل‬           ‫ه ِ ل ِ‬                                 ‫به‬
‫أَُو ُمْ مَا كَانَ ُيغْني عَنْ ُمْ منَ الَّهِ منْ شَيْءٍ إَّةا حَاجَةةً فِةي‬
          ‫َل ُ ِةن‬                          ‫ْق َض و نه ذ‬
‫َنفْس َيع ُوبَ ق َاهَا َإَّ ُ لَ ُو عِلْمٍ لِمَا عَّمْنَةاه وَلَك َّ َأكْثَةرَ‬
                       ‫ن عب‬                                    ‫م‬
‫الَّاس لَا َيعْلَ ُةونَ (89), قةا ابْة ُ عََّةاسٍ: (لَةا َيعْلَةمُ‬        ‫ن‬
                                    ‫الْ ُشْر ُونَ ما أهلم اهلل أولياءه.)(2)‬
                                                                     ‫م ك‬
‫وورد نفي العلم عنهم يف مقام بيان معرفتهم بلأن وعلد اهلل‬
‫حق, قال تعاىل: (وَأقْسَ ُوا بالَّهِ جَهْدَ أَيْمَانهمْ لَا يَْعب َة ُ اللَّةهُ‬
         ‫ع ث‬                                 ‫َ م ل‬
        ‫الن‬          ‫ِةن‬         ‫ح‬               ‫َ‬       ‫َ مت‬
‫منْ يَ ُو ُ بَلَى وعْدًا عَلَيْهِ َقةا وَلَك َّ َأكْثَةرَ َّةاس لَةا‬
‫َيعْلَ ُونَ (83), أي: (ولكن أكثر قةريش ال يعلمةون وعةد‬          ‫م‬
        ‫اهلل ععباده، أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماهتم أحياء.)(3)‬



                                              ‫1 - جامع العبيان: (91/ 951).‬
                                               ‫2 - تفسري العبغوي: (2/ 355).‬
                                               ‫3 - جامع العبيان: (71/ 352).‬
                                           ‫771‬
‫ونفى علمهم مبعرفة البعث فقا تعاىل: (وَلك َّ َأكْثَةرَ َّةاس لَةا‬
        ‫الن‬          ‫ِن‬
                                         ‫َيعْلَ ُونَ), أي: أَّ ُمْ مَْعب ُوُونَ.(1)‬
                                                ‫َنه ع ث‬                    ‫م‬
‫ونفى اهلل تعاىل عدم علم أكثر الناس بلأن اهلل قلادر عللى‬
‫أن رنزل آرة, وال يعلمون مةا يترتةب علةى نةزو اآليةة‬
‫ورفضهم هلا من وجوب حلو العذاب كمةا مضةت بةذلك‬
   ‫َب‬         ‫ة‬                ‫ن ِّ‬              ‫َ‬
‫سنة اهلل (تعاىل) يف خلقه, (وقَالُوا لَوْلَا ُز َ عَلَيْهِ آَيَ ٌ مِةنْ رِّةهِ‬
       ‫َه‬          ‫ِةن‬                     ‫ين ِّ‬             ‫ر‬         ‫ُ ن‬
‫قلْ إ َّ اللَّهَ قَادِ ٌ عَلَةى أَنْ َُةز َ آَيَةةً وَلَك َّ َأكْثَةر ُمْ لَةا‬
                                                                          ‫م‬
                                                            ‫َيعْلَ ُونَ), (73)‬
   ‫ال‬                                                    ‫م‬        ‫ِن َه‬
   ‫(وَلك َّ َأكَْثر ُمْ الَ َيعْلَ ُونَ بأن اهلل قادر على أن ينزهلا. ويقا : َّ‬
     ‫َيعْلَ ُونَ مبا يف نزو اآلية ألنه لو نزلت اآلية عليهم فلم يؤمنون به‬      ‫م‬
                                                          ‫استوجعبوا العذاب.)(2)‬
‫وهؤالء الطالعبون آلية من اهلل تعاىل ال يعلمون أن اآليةات جتةري‬
‫على سنن ثابتة وقوانني هلل عز ودل يف عباده, فةال تنةز تلعبيةة‬
‫لطلب املدعوين, وإال لو نزلةت وكةذبوا هبةا لكةان يف ذلةك‬
‫هالكهم؛ لكثرة تكذيعبهم, وصالفت تلك اآليةة سةنة اهلل تعةاىل‬
‫يف استئصا املكذبني, ورسالة النيب - صةلى اهلل عليةه وسةلم-‬
‫يف األمة عامة ال يرد عليها سةنة االستئصةا فيكةون يف ذلةك‬
           ‫َل‬
‫تعارض لسنن اهلل تعاىل وهذا ال يكون, فهم قةالوا: (هَّةا أُنْةز َ‬


                                 ‫1 - تفسري القرطيب: (51/ 551).‬
      ‫2 - حبر العلوم: (1/ 944), وانظر: النكت والعيون: (2/ 511).‬
                                     ‫871‬
  ‫م ف س ِ‬
‫عَلَيْهِ - أَي َّ ُو - آيَ ٌ منْ رِّهِ منَ الْآرَلاتِ الْ ُخَاِل َلةِ لِ ُلنَنهِ‬
                                        ‫ة ِ َب ِ‬             ‫الرس‬
                                                                 ‫ْ ِ ِم‬
‫َتعَالَى فِي خَلقهِ، م َّا اقْتَرَحْنَا عَلَيْهِ، وَجعَلْنَا ُ شَةرْطًا لِإميَاننَةا بةهِ؟‬
                            ‫َ ه‬
                                                  ‫َق ِن م َه ة َة‬
‫وِيلَ: إ َّ ُرَاد ُمْ آَر ٌ مُلْجِئ ٌ إِلَى اْلذِميَانِ، وَالْإْلجَةا ُ اضْةطرَا ٌ لَةا‬
     ‫ِ ر‬        ‫ء‬
      ‫ق ن‬               ‫َ‬             ‫َد‬          ‫ر ي َجه الطَب‬
‫اخْتِيَا ٌ، فَلَا ُو َّ ُ إلَيْهِ َّل ُ وَلَا ُيعْت ُّ بةهِ إنْ حصَةلَ (ُةلْ إ َّ اهللَ‬
        ‫ق َي‬                ‫م‬          ‫ِن َه‬                       ‫ين ِّ‬           ‫ر‬
‫قَادِ ٌ عَلَى أَنْ َُز َ آيَةً وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُةونَ) أَيْ: ُةلْ أُّهَةا‬
        ‫ن‬         ‫ح‬       ‫ِم‬                        ‫ر‬                     ‫الرس ن‬
‫َّ ُو ُ: إ َّ اهللَ َتعَالَى قَادِ ٌ عَلَى تَنْزيل آيَةٍ م َّةا اقَْترَ ُةوا، وَإَّمَةا‬
  ‫ْ ته‬           ‫َّ‬            ‫ل‬                ‫ُه‬          ‫َ‬
‫ُن ُِّهَا إِذَا اقْتَضتْ حِكْمَت ُ تَنْزِرلَهَلا، َلا إِذَا َتعَلقَلتْ شَلهوَُ ُمْ‬
                                                                            ‫يَزل‬
                                                    ‫ه‬             ‫الرس‬        ‫َ‬
‫بِتعْجِيزِ َّ ُولِ بِطَلَبِ َا، فَةإ َّ إجَابَةةَ الْمعَانةدِينَ إلَةى الْآيَةاتِ‬
                           ‫ُ‬              ‫ن‬
                                           ‫أ َّ ِ ُ‬            ‫ُ‬
‫الْمقَْترَحَةِ لَمْ رَكنْ فِي ُمةٍ منَ اْلأمَمِ سَبَبًا لِلْهِدَاَرةِ، وَقَلدْ مَضَلتْ‬
                                                                                  ‫ُ‬
             ‫ِلرس‬         ‫ُ َج‬       ‫عِ‬                  ‫ْ‬                   ‫ُنُه‬
‫سَّت ُ َتعَالَى فِي اْلأَقوَامِ، ِبأَنْ ُر َاق َ الْمع ِّلزِرنَ ل ُّ ُللِ بِلذَِلكَ‬
                                                                    ‫ذ ل ص‬
‫ِبعَ َابِ اِاسْتِئْ َالِ، فَتَنْزي ُ آيَةٍ مقَْترَحَةٍ لَا يَ ُو ُ خَْيرًا لَ ُةمْ، بَةلْ‬
          ‫ه‬            ‫كن‬                    ‫ل ُ‬
                                  ‫م‬                ‫ِن َه‬                 ‫ه ش ه‬
‫ُوَ َر لَ ُمْ، وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَةا َيعْلَ ُةونَ شَةيْئًا مِةنْ حِكَةم اهللِ‬
     ‫أ ْ‬         ‫َن‬                             ‫ِ س‬                    ‫ْ‬
‫َتعَالَى فِي َأفعَالِهِ، وَلَا منْ ُنَنهِ فِي خَ ْلقِةهِ، وَلَةا أَّةكَ ُرْسِةلتَ‬
       ‫ُم‬      ‫ب ص‬                        ‫ي‬                           ‫ِ‬
‫رَحْمَةً لِ ْلعَالَمنيَ، فَلَا يَأْتِي عَلَى َةدَيْكَ سَةَعب ُ اسْتِْئ َةا أ َّتِةكَ‬
          ‫َ‬                                                        ‫ُ د‬
‫بإجَابَةِ الْمعَان ِينَ مِنْهَا إلَى مَا اقَْترَحُوا عَلَيْةكَ لِإظْهَةار عجْةزكَ،‬
                        ‫َد‬                                ‫َن‬               ‫م‬
‫وَلَا َيعْلَ ُونَ أَْيضًا أ َّ إجَابَةَ اقِْترَاحٍ وَاحِدٍ يُةؤ ِّي إلَةى اقِْترَاحَةاتٍ‬
                                  ‫كَِثريَةٍ لَا ح َّ لَهَا، وَلَا فَائِدَةَ مِنْهَا.)(1)‬
                                                                      ‫َد‬
‫كما أهنم ال يقدرون املعجةزة الكةربى وهةي القةرآن الكةرمي‬
‫وحصروا أنفسهم يف املعجةزات احلسةية الةيت تنتةهي بانتةهاء‬

                                                 ‫- تفسري املنار: (7/ 323).‬          ‫1‬


                                          ‫971‬
‫زماهنا, ومل يدروا أن القرآن جتاوز الزمةان واملكةان, وحاجةات‬
‫العبشر, ففيه لكل زمان ما يعجةز أهلةه ويرشةدهم إىل صةدق‬
                                                     ‫قائله.‬
‫ومما نفى اهلل تعاىل علم أكثر الناس بله: علمهلم بلأن العطلاء‬
                                                                       ‫واملنع من اهلل‬
‫تعاىل, قال سبحانه: (فَإذَا جَاءَتْ ُ ُ اْلحَسَنَ ُ قَةالُوا لَنَةا هَةذِهِ وَإنْ‬
                              ‫ة‬           ‫هم‬
                   ‫ُه‬          ‫ََ َ ه ن‬                  ‫ه َي ة َّر م‬
‫ُتصِعبْ ُمْ سِّئَ ٌ َيطَّي ُوا ب ُوسَى ومنْ معَ ُ أَلَا إَّمَا طَاِئر ُمْ عِنْةدَ اللَّةهِ‬
                                                           ‫م‬           ‫ِن َه‬
                           ‫وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ), األعراف: (131).‬
‫فهم ال يعلمون أن العطاء واملنع من اهلل, وأن تطريهةم غةري مةعبين‬
 ‫على وعي وال بصرية؛ ألن مقاليد األمةور كلةها بيةد امللةك ,‬
‫لكنهم ال يرون ذلك وال يلحظةون أنةه فضةل اهلل يؤتيةه مةن‬
‫يشاء, فالشكور يرد النعمةة إىل مصةدرها, ويسةند الفضةل إىل‬
‫صاحب الفضةل,و(الكفةور ال يةرى فضةل املةنعم فةيالحظ‬
‫اإلحسان بعني االستحقاق، مث إذا اتصل بةه شةىء ممةا يكرهةه‬
                                                   ‫ن‬
                                                 ‫جتّي ومحل األمر على ما يتمّي:‬         ‫ن‬
                               ‫ل‬
‫وكذا امللو إذا أراد قطيعة ... م ّ الوصا وقةا كةان‬
                                                                     ‫وكانا‬
                                           ‫د‬
‫إن الكرمي إذا حعبةاك بةو ّه ... سةتر القعبةيح وأظهةر‬
                                                               ‫اإلحسانا‬



                                          ‫081‬
‫املتفرد باإلجياد هو الواحد, ولكةن بصةائرهم مسةدودة،‬
‫وعقوهلم عن شهود احلقيقة مصةدودة، وأفهةامهم عةن‬
                          ‫إدراك املعاين مردودة)(1)‬
‫نفي علم أكثر الناس بأن وعد اهلل حلق, وأن كلل ملا يف‬
                                              ‫هلل.‬    ‫السماوات واألر‬
‫وورد نفي علم أكثر الناس بأن وعةد اهلل حةق, وأن مةا‬
               ‫ن ل‬
‫يف السماوات واألرض يف قوله تعاىل: (أَلَا إ َّ لَِّهِ مَةا فِةي‬
  ‫َه‬         ‫ِةن‬            ‫ن َ ل ح‬                      ‫و‬         ‫الس‬
‫َّمَاوَاتِ َالْأَرْض أَلَا إ َّ وعْدَ الَّهِ َق وَلَك َّ َأكْثَةر ُمْ‬
                                   ‫ن‬
‫لَا َيعْلَ ُةونَ), (55). أي:( ّ كةل مةا يف السةموات‬            ‫م‬
‫وكل ما يف األرض من شيء، هلل مِلْةك، ال شةيء فيةه‬
                                                  ‫ألحدٍ سواه. )(2)‬
‫فالوجود كله يف يديه, واصري كلةه منةه وإليةه, و (احلادثةات‬
‫بأسرها هلل ملكا، وبه ظهورا، ومنه ابتداء، وإليةه انتةهاء فقولةه‬
 ‫ى‬
‫ح ّ، ووعده صدق، وأمره حتم، وقضاؤه بةات. وهةو العلة ّ،‬      ‫ق‬
                                        ‫وعلى ما يشاء قوى.)(3)‬
                                   ‫نفي علم أكثر الناس مبا رصل للناس‬



                                             ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 595).‬
                                           ‫2 - جامع العبيان: (51/ 351).‬
                                         ‫3 - لطائف اإلشارات:(2/ 151).‬
                                     ‫181‬
    ‫ونفى اهلل تعاىل علم أكثر الناس مبا فيه مصلحة األنام, وأن النسخ‬
‫واإلحكام من لدن عالم الغيوب, وأنك يا رسو اهلل ال تأتيهم بشيء‬
         ‫من عند نفسك بل الذي ( الذي تأتيهم به من عند اهلل ناسخه‬
   ‫ومنسوخه، وهم ال يعلمون حقيقة صحته.)(1), قا تعاىل: (وَإذَا‬
                   ‫ُ‬           ‫ِّ ل ن‬                  ‫م‬               ‫و‬                            ‫َد‬
        ‫ب َّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ َاللَّهُ َأعْلَ ُ بمَا يُنَز ُ قَاُوا إَّمَا أَْنتَ مفَْترٍ َبلْ‬
                                                                                ‫م‬
                                             ‫َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ, النحل: (151)‬       ‫ُه‬
   ‫(فيه وجهان: أحدمها: ال يعلمون جواز النسخ. الثاين: ال يعلمون‬
                                                                ‫سعبب ورود النسخ.)(2)‬
                                         ‫نفي علم أكثر الناس باحلق‬
 ‫كما نفى اهلل تعاىل علم أكثر النةاس بةاحلق,ومعرفتةهم‬
 ‫به, فال يدرون ما يأخذون وما يةدعون, فقةا تعةاىل:(‬
      ‫ِ‬           ‫ْ ك‬                     ‫ُ‬              ‫أ َّ ذ ِ د‬
‫َم اتخَ ُوا منْ ُونهِ آَلِهَةً قلْ هَاتُوا ُبرهَةانَ ُمْ هَةذَا ذكْةرُ‬
 ‫ق‬            ‫م‬               ‫ُه‬                        ‫َ َ َ ِ ْر َ‬
‫منْ معِيَ وذك ُ منْ قَعبْلِي َبلْ َأكَْثر ُمْ لَةا َيعْلَ ُةونَ اْلحَة َّ‬
                                                               ‫ه ُ ض‬
                                             ‫فَ ُمْ معْر ُونَ), (42).‬
‫واملعىن: (بل أكثر هؤالء املشةركني ال يعلمةون الصةواب فيمةا‬
‫يقولون وال فيما يأتون ويةذرون، فهةم معرضةون عةن احلةق‬




                                                            ‫1 - جامع العبيان:71/ 792).‬
                                                         ‫2 - النكت والعيون: (3/ 412).‬
                                                ‫281‬
  ‫جهال منهم به، وقلَّة فهم.)(1),أو(ال يصةدقون بةالقرآن، ويقةا‬
                                                   ‫بالتوحيد.)(2)‬
    ‫وهؤالء (إمنا عدموا العلم إلعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر‬
   ‫موضعه لوجب هلم العلم ال حمالة، واألمر يد على وجوب النظر،‬
                               ‫وأ ّ العلوم الدينية كّها كسعبية)(3)‬
                                            ‫ل‬                 ‫ن‬
                                         ‫أكثر الناس ال رعلمون قدر عظمة اهلل‬
‫الناظر يف ملك اهلل تعاىل يعبةهره هةذا العلةم احملكةم وهةذا‬
‫الترتيب الدقيق الذي يشمل كل شيء مةن أصةغر ذرة إىل أكةرب‬
‫جمرة,ومن علم اإلنسان إىل علم احليةوان والنعبةات واحلشةرات,‬
‫فكل حبسعبان, وكةل يةد علةى عظمةة خالقةه, والنةاس يف‬
‫غفالهتم عن هذا اإلدراك سادرون, ويف غةيهم يعمهةون, ولقةد‬
‫ضرب اهلل تعاىل مثاالً الفتاً ألنظار الناس واضةحاً بينةاً ال حيتةاج‬
‫إىل عمق يف العلم , وال مهارة دقيقة يف اإلدراك بل يةراه العةامي‬
‫والعامل, وكل يفهمه حسب معطياتةه وقدراتةه, :( أ َّةنْ جعَةلَ‬
     ‫َ‬    ‫َم‬
     ‫َ‬                                ‫َ‬                              ‫ََ‬        ‫َ‬
‫الْأَرْضَ قرَارًا وَجعلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجعَةلَ لَهَةا رَوَاسِةيَ وَجعَةلَ‬
               ‫م‬             ‫ُه‬                          ‫ه‬                     ‫ْ‬
 ‫بَْينَ الَْعبحرَيْن حَاجزًا أَئِلَ ٌ مَعَ اللَّهِ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُةونَ),النمةل:‬
                                                                                 ‫(19).‬


                                                     ‫1 - جامع العبيان: (81/ 724).‬
                                                     ‫2 - حبر العلوم: (2/ 424).‬
                                                ‫3 - لطائف اإلشارات: (2/ 894).‬
                                            ‫381‬
‫ولكن أكثر الناس ال يعلمون ألهنةم ال يقفةون وال يفكةرون يف‬
‫دالئل قدرة اهلل تعاىل, فهم (ال رعلمون قلدر عظملة اهلل، وملا‬
                                            ‫ر‬
‫عليهم من الض ّ يف إشراكهم يف عبادة اهلل بريه، وما هللم ملن‬
‫النفع يف إفرادهم اهلل باأللوهية، وإخالصهم له الععبةادة، وبةراءهتم‬
                                       ‫من ك ّ مععبود سواه.)(1)‬
                                                          ‫ل‬
‫نفي اهلل (تعاىل) علم أكثر الناس بلأن وعلد اهلل حلق,‬
                              ‫َر‬           ‫َ َ َ ه ُم‬
‫قا تعاىل: (فرددْنَا ُ إلَى أ ِّهِ كَيْ َتق َّ عَيْنُهَةا وَلَةا َتحْةزَنَ‬
  ‫ةن َة َه َة‬                      ‫ِة َن َ ْة َّة َة‬
‫وَل ةَتعْلَمَ أ َّ وع ةدَ الل ةهِ ح ةق وَلَكِة َّ َأكْث ةر ُمْ ل ةا‬
‫َيعْلَ ُونَ),القص :(31), أي: (ولكن أكثةر املشةركني‬                       ‫م‬
                                      ‫ق‬
‫ال يعلمون أن وعد اهلل حة ّ، ال يصةدقون بةأن ذلةك‬
‫كذلك.)(2), أو: (وَلك َّ َأكَْثر ُمْ لَةا َيعْلَ ُةونَ، أ َّ اللَّةهَ‬
         ‫َن‬        ‫م‬                ‫ِن َه‬
                                                 ‫وعَدهَا ر َّ ُ إلَيْهَا.)(3)‬
                                                               ‫َ َ َده‬
   ‫نفى اهلل (تعاىل) عن أكثر الناس علمهم بأن اهلل هو الذ رزقهم‬
                                                                  ‫وأم‬
                                      ‫َّنهم ودىب إليهم مثرات كل شيء.‬
‫كثريا ما يصد الناس عن اإلميان, ويردهم عةن الطاعةة خةوفهم‬
‫على مصلحة حاضةرة خيشةون فواهتةا, أو طمعهةم يف منفعةة‬
‫منتظرة يرجون نواهلا,انطعبق ذلك علةى قةريش مةع الرسةو –‬


                                                   ‫1 - جامع العبيان:(91/ 484).‬
                                                   ‫2 - جامع العبيان:(91/ 535).‬
                                                     ‫3 - حبر العلوم: (2/ 159).‬
                                         ‫481‬
‫صلى اهلل عليه وسلم- كما انطعبق على كل األمةم السةابقة مبةا‬
‫يؤكد السننية يف تلك القضية املطردة, ولقةد أبطةل اهلل –تعةاىل‬
‫– حجتهم ودحض مزاعمهم بصورة واقعية رائقةة يفهمهةا كةل‬
      ‫َت‬
‫ذي عينني, ويعقلها كل ذي عقل, قا تعةاىل:(وقَةالُوا إنْ نَّعبةع‬
       ‫ََ َ‬           ‫ن َك ه‬                         ‫ِ‬          ‫ه َ ن َ‬
‫الْ ُدَى معَكَ َُتخطَّفْ منْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ ُم ِّةنْ لَ ُةمْ حرمًةا آمِنًةا‬
         ‫َه‬       ‫ُن ِةن‬             ‫ْ ِ‬                 ‫َ ت ُل‬
‫ُيجْعبَى إلَيْهِ ثَمرَا ُ ك ِّ شَيْءٍ رزقًا منْ لَةدَّا وَلَك َّ َأكْثَةر ُمْ لَةا‬
                                                ‫َيعْلَ ُونَ), القص : (75).‬ ‫م‬
              ‫ََ‬       ‫َّن ه‬         ‫م َن ْن ال‬
‫أي: (لَا َيعْلَ ُونَ أَّا نَح ُ َّذِينَ مَكَّا لَ ُةمْ حرمًةا آمِنًةا،‬
                  ‫ُةل‬                ‫َ الث َ‬                     ‫َنه‬
‫وَرَزقَْا ُمْ فِيهِ، وَجعَلْنَا َّمرَاتِ مِةنْ ك ِّ أَرْضٍ ُتجْعبَةى‬
            ‫ْف ر‬                    ‫َ ََ‬                      ‫ه‬
‫إلَيْهمْ، فَ ُمْ بجَهْلِهمْ بمنْ فعلَ ذَلِكَ بهةمْ يَك ُة ُونَ، لَةا‬
                          ‫يَشْك ُونَ مَنْ أَْنعَمَ عَلَيْهمْ بذَلِكَ.)(1)‬
                                                                  ‫ُر‬
‫ولقد قا اهلل (تعاىل) ذلك لقريش ردا على ختةوفهم مةن‬
‫اإلميان وأهنم خيشون إن هم اتعبعةوا اهلةدى أن يتخطفةوا‬
‫من أرضهم, فذكرهم اهلل تعاىل بأنه هو الةذي أطعمهةم‬
‫من جوع وآمنهم من خوف وجىب إلةيهم مثةرات كةل‬
   ‫ة‬               ‫ة ة‬             ‫ة‬              ‫ة‬
‫شةيء, واملتأم ةل يف اآليةة الكرمي ةة يةدرك أن امل ةراد‬              ‫ة‬
‫بالثمرات هنا ليست مثرات الفاكهةة بةل (مثةرات كةل‬
‫شيء), أي : خالصة كل شيء, وأفضل مةا فيةه سةواء‬
  ‫كان ذلك يف الطعام أو الشراب, أو الثيةاب, أو العقةو‬


                                               ‫1 - جامع العبيان:(81/ 982).‬
                                      ‫581‬
‫العبشرية,أو اصربات اإلنسانية, أو غريها مةن مثةرة كةل‬
‫شيء, واأليام تزيد هذه النعبوءة القرآنيةة تأكيةداً, فمةا‬
‫زلنا نرى مثرات كل شيء جتىب إىل هذه الةعبالد املعباركةة,‬
‫قدميا وحديثاً, ومع ذلك (هم غافلون عةن االسةتدال ،‬
‫وأن من رزقهم وأمنةهم فيمةا مضةى حةا كفةرهم‬
      ‫ةرزقهم ةو ةلموا، ةع الكفة عنة‬
‫ةار ةهم يف‬               ‫ومينة‬      ‫لة أسة‬           ‫ية‬
                                          ‫إسالمهم.)(1)‬
‫نفي علم أكثر الناس بأن لللذرن هلملوا علذابا دون‬
                                                                ‫ذلك‬
‫ونفى اهلل (تعاىل) عن أكثر الناس علمهةم بةأن للظةاملني‬
‫عذابا غري عذاهبم يف الدنيا, وأنه ناز هبةم مةا مل يتوبةوا‬
   ‫د‬                           ‫ن ِل‬
‫ال حمالة, قا تعةاىل: (وَإ َّ لَّةذِينَ ظَلَمُةوا عَةذَابًا ُونَ‬
                                     ‫م‬          ‫ِن َه‬
                        ‫ذَلِكَ وَلَك َّ َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ (74).‬
    ‫ُة ِة‬              ‫َن ُة‬
‫ةون (أَّه ةمْ ذَاِئق ةو ذَل ةكَ‬   ‫ةىن: ةرهم ال يعلمة‬   ‫واملعة أكثة‬
‫اْلعَذَاب)(2),أو: (أ ّ اهلل ناصر لدينةه.)(3), أو (أ َّ اْلعَةذَابَ‬
            ‫َن‬                                    ‫ن‬
                                                           ‫نَاز ٌ بهمْ.)(4)‬


                                            ‫1 - تفسري القرطيب: (31/ 553).‬
                                              ‫2 - جامع العبيان: (12/ 559).‬
                                            ‫3 - لطائف اإلشارات:(3/ 874).‬
                                                ‫4 - تفسري الثعليب:9/331.‬
                                      ‫681‬
                                            ‫نفي علم أكثر الناس باملتقني حقاً‬
‫ونفى اهلل (تعاىل) علم أكثر الناس بةأن أوليةاء اهلل هةم املتقةون‬
           ‫ُةد‬           ‫َذ هم له َه‬                   ‫َ ه‬
 ‫حقا, قا (تعاىل): (ومَا لَ ُمْ أَلَّا ُيع ِّبَ ُ ُ الَّ ُ و ُةمْ َيص ُّونَ عَةن‬
     ‫َّق‬       ‫ه ل‬                    ‫ه‬                ‫ن‬        ‫َر َ‬
‫الْمَسْجدِ اْلح َام ومَا كَةاُوا أَوْلِيَةاءَ ُ إنْ أَوْلِيَةاؤُ ُ إَّةا الْمُت ُةونَ‬
                                                            ‫م‬         ‫ِن َه‬
                                  ‫وَلَك َّ أَكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ),األنفا : (43).‬
‫(ولكن أكثر املشركني ال يعلمةون أن أوليةاء اهلل املتقةون، بةل‬
                                    ‫حيسعبون أهنم أولياء اهلل.)(1)‬
      ‫نفي علم أكثر الناس أن اهلل وحده هو احلقيق باحلمد‬
‫اهلل (عز وجل) وحده هةو احلقيةق باحلمةد والثنةاء,‬
‫واالدير بالشةكر والةدعاء, لفضةله وإنعامةه, وبةره‬
‫وإكرامه, وأكثر الناس ال يعلمون ذلك, قةا (تعةاىل):‬
     ‫ج‬            ‫س‬            ‫َُ ء‬                ‫ج‬          ‫ه‬
‫(ضرَبَ اللَّ ُ مَثَلًا رَ ُلًا فِيهِ شركَا ُ مُتَشَاكِ ُةونَ وَرَ ُلًةا‬  ‫َ‬
  ‫ُه‬                  ‫د ل‬                                   ‫ُ َ‬
‫سَلَمًا ِلرَجلٍ هلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا اْلحَمْ ُ لَِّةهِ بَةلْ َأكْثَةر ُمْ‬
                                                                    ‫م‬
                                           ‫لَا َيعْلَ ُونَ), الزمر: (92).‬
 ‫( إمنا احلمد الكامل هو هلل خالصا؛ ألنه هةو املةنعم واصةالق ,‬
  ‫يعلمة أهنة‬                ‫ولكة أكثة هة الكفة‬
‫ةرازق ةن ةر ةؤالء ةرة ال ةون ةا‬                                               ‫والة‬




                                              ‫- جامع العبيان: (31/ 525).‬             ‫1‬



                                        ‫781‬
‫ك ةذلك.)(1), ف ةة (الثن ةاء ل ةه، وه ةو مس ةتح ّ لص ةفات‬
   ‫ة ة ق ة‬               ‫ة ة‬                          ‫ة‬
                                                ‫االال .)(2)‬
                                       ‫أكثر الناس ال رعلمون مدار العطاء واملنع‬
‫يعطي اهلل تعاىل ومينع, ويهب وينزع حلِكَمٍ يعلمها, وأسرارٍ‬
  ‫ير هبا ععباده, منها االبتالء واالختعبار, وإقامة احلجة على‬
                ‫ض َ ثم‬                         ‫َس‬
         ‫ععباده, قا تعاىل: (فَإذَا م َّ الْإنْسَانَ ُر دعَانَا ُ َّ إذَا‬
‫ة ِن‬                                     ‫ِن ق ن أ ته‬                       ‫َو ه‬
‫خ َّلْنَا ُ نعْمَةً مَّا َا َ إَّمَا ُوتِيُ ُ عَلَى عِلْمٍ َبلْ هِيَ فِتْنَ ٌ وَلَك َّ‬
                                                               ‫م‬            ‫َه‬
                                   ‫َأكَْثر ُمْ لَا َيعْلَ ُونَ), الزمر: (94).‬
                           ‫ر‬
‫واملعىن: (عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضة ّ الةذي كةانوا‬
‫فيه فتنة هلم، يعين بالء ابتلينةاهم بةه، واختعبةارا اختربنةاهم بةه‬
                   ‫م‬
‫(وَلَك َّ َأكَْةر ُمْ) الهلةهم، وسةوء رأيهةم (ال َيعْلَ ُةونَ) ألي‬          ‫ِن ث َه‬
‫ةعبب ةوا ةك.)(3), أو ال ةون (ال ةوى ةن‬
   ‫عبلة مة‬                        ‫يعلمة‬                          ‫سة أعطة ذلة‬
‫النعمى.)(4)وال يعلمون (أ َّ هَذَا التخْويةلَ إَّمَةا كَةانَ لِأَجْةل‬
                                 ‫ن‬              ‫َّ‬         ‫َن‬
                                                                                   ‫الِاخْتِعبَار.)(5)‬




                                  ‫1 - الكشف والعبيان عن تفسري القرآن: (9/ 23).‬
                                             ‫2 - لطائف اإلشارات: (3/ 582).‬
                                                ‫3 - جامع العبيان: (12/ 453).‬
                                              ‫4 - النكت والعيون: (5/ 131).‬
                                 ‫5 - مفاتيح الغيب أو التفسري الكعبري: (92/ 854).‬
                                               ‫881‬
‫وأكثر الناس ال يعلمةون حكمةة اهلل (تعةاىل) يف ذلةك, وقةد‬
‫يكون العطاء يف السلب, وقد يكةون السةلب يف العطةاء,كمةا‬
         ‫قا ابن عطاء اهلل: (واعلم أنه ما منعك إال ليعطيك)(1)‬
                                    ‫أكثر الناس ال رعلمون سنن اهلل املاضية‬
‫أكثر الناس ال يعلمون حكم اهلل تعاىل يف خلقةه, وسةننه املاضةية‬
 ‫يف ععباده, وأن ما تصري إليه األمور جتري حبسةعبان وقةدر معلةوم,‬
‫صالق األرض والسماء,وأن الكةون مسةطوره ومنظةوره جيةري‬
‫(حبسعبان)وأنه (تعاىل) لذلك وضع (امليزان) وخلقةه مجيعةا (كةل‬
‫يف فلك يسعبحون), وما جيري يف عةامل احليةاة جيةري يف عةامل‬
        ‫ه‬                 ‫َ ال‬
‫األحياء, قا (تعاىل) يف شأن يوسف:( وقَا َ َّةذِي اشْةَترَا ُ مِةنْ‬
          ‫ه‬      ‫َّ‬            ‫َ‬                 ‫ه‬                         ‫ْ ل َْ‬
‫مِصرَ ِامرأَتِهِ َأكْرمِي مَثْةوَا ُ عَسَةى أَنْ يَْنفعَنَةا أَوْ نَتخِةذَ ُ وَلَةدًا‬
                             ‫َل ه ِ‬                         ‫َّن ي س‬
‫وكَذَلِكَ مَكَّا لُِو ُفَ فِي الْأَرْض وَلُِنعِّمَ ُ منْ تَأْويةل الْأَحَادِيةثِ‬   ‫َ‬
                        ‫م‬                 ‫ن‬      ‫ِن‬                    ‫و ه ب‬
 ‫َاللَّ ُ غَاِل ٌ عَلَى َأمْرهِ وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَةا َيعْلَ ُةونَ), يوسةف:‬
                                                                             ‫(12).‬
 ‫أي: (لَا يَدْ ُونَ حِكْمَتَ ُ فِي خَ ْلقِهِ، وَتَلَطفَة ُ لِمَةا ُرية ُ)(2), ( َّ‬
 ‫أن‬          ‫ي د‬               ‫ُّ ه‬                    ‫ه‬              ‫ر‬
‫األمر كله بيد اهلل.)(3)أو: (ال يعلمةون أن سةنة اهلل ماضةية وأن‬
                                                   ‫أمره هو الذي يكون.)(4),‬

                                                                         ‫1-‬
                                               ‫2 - تفسري ابن كثري: (4/ 873).‬
                                      ‫3 - اللعباب يف علوم الكتاب: (11/ 35).‬
                                         ‫4 - يف ظال القرآن: (4/ 9791).‬
                                        ‫981‬
‫(ولو بدا يف الظاهر أهنم علماء، وأهنم يعرفةون الكةثري. ذلةك أن‬
‫علمهم سطحي، رتعللق بظلواهر احليلاة، وال رتعملق سلننها‬
‫الثابتة، وقوانينلها األصليلة وال رلدرك نواميسلها الكةربى،‬
              ‫الةد‬                           ‫م‬
‫وارتعباطاهتا الوثيقة: «َيعْلَ ُونَ ظاهِراً مِةنَ اْلحَيةاةِ ُّنْيا» .. مث ال‬
                  ‫يتجاوزون هذا الظاهر وال يرون بعبصريهتم ما وراءه.‬
‫وظاهر احلياة الدنيا حمدود صةغري، مهمةا بةدا للنةاس واسةعا‬
‫شامال، يستغرق جهةودهم بعضةه، وال يستقصةونه يف حيةاهتم‬
‫احملدودة. واحلياة كلها طرف صغري مةن هةذا الوجةود اهلائةل،‬
        ‫حتكمه نواميس وسنن مستكنة يف كيان هذا الوجود وتركيعبه.‬
‫والذي ال يتصل قلعبه بضمري ذلةك الوجةود وال يتصةل حسةه‬
‫بالنواميس والسنن اليت تصةرفه، يظةل ينظةر وكأنةه ال يةرى‬
‫ويعبصر الشكل الظةاهر واحلركةة الةدائرة، ولكنةه ال يةدرك‬
‫حكمته، وال يعيش هبا ومعها.وأكثر الناس كةذلك، ألن اإلميةان‬
‫احلق هو وحده الذي يصل ظاهر احلياة بأسةرار الوجةود وهةو‬
‫الذي مينح العلم روحه املدرك ألسرار الوجةود. واملؤمنةون هةذا‬
‫اإلميان قلة يف جمموع الناس. ومن مث تظل األكثريةة حمجوبةة عةن‬
                                             ‫املعرفة احلقيقية.)(1)‬
‫وقد مضت سنة اهلل تعةاىل الةيت أرادهةا يف يوسةف؛ألن أمةره‬
                ‫غالب, وحكمه نافذ وال يقع يف ملكه إال ما يريد.‬

                                       ‫1 - يف ظال القرآن: (5/ 8572).‬
                                    ‫091‬
‫أكثر الناس ال رعلمون أن خلق السلماوات أكلرب ملن خللق‬
                                                                                   ‫الناس‬
‫الناظر يف ظاهر األمر يظن أن كثريا من النةاس علةى وعةي‬
    ‫ة‬               ‫ة‬              ‫ة ة‬
‫وعلةم, وواقةع األمةر يثعبةت أن أكثةرهم ال يعلمةون,‬    ‫ة‬         ‫ة‬
                     ‫ق الس‬
‫وعلمهم الظاهر علم ظةين, (َلخَلْة ُ َّةمَاوَاتِ وَالْةأَرْض‬
                 ‫م‬         ‫ن‬             ‫ِن‬         ‫الن‬        ‫ر ِ‬
‫َأكَْعب ُ منْ خَلْق َّاس وَلَك َّ َأكَْثرَ الَّاس لَا َيعْلَ ُةونَ, غةافر:‬
                                                               ‫(75).‬
                                                         ‫أكثر الناس جيهلون‬
‫ومن مواطن الكثرة اليت ذكرهةا القةرآن يف مقةام الةذم‬
 ‫ذكره أن أكثر الناس جيهلون, وهذه تتمة حلكةم القةرآن‬
     ‫َن‬
‫يف عموم الناس أهنم ال يؤمنون, قا تعةاىل: (وَلَةوْ أَّنَةا‬
                                        ‫َ َل هم‬                     ‫م‬        ‫َز‬
‫ن َّلْنَا إلَيْه ُ الْمَلَائِكَةَ وكَّمَ ُ ُ الْمَةوْتَى وَحَشَةرْنَا عَلَةيْهمْ‬
 ‫ن‬         ‫ل ه‬                    ‫ن ْ ل‬                         ‫قعب‬        ‫ُل‬
‫ك َّ شَيْءٍ ُُلًا مَا كَاُوا لِيُؤمِنُوا إَّا أَنْ يَشَةاءَ الَّة ُ وَلَكِة َّ‬
                                                             ‫ل‬
                              ‫َأكَْثر ُمْ َيجْهَُونَ),األنعام: (111).‬   ‫َه‬
‫يقو : (ولكن أكثر هؤالء املشةركني جيهلةون أن ذلةك‬
‫كذلك، حيسعبون أن اإلميةان إلةيهم، والكفةرَ بأيةديهم،‬
‫مىت شاءوا آمنوا، ومىت شةاءوا كفةروا. ولةيس ذلةك‬
‫كذلك، ذلك بيدي، ال يؤمن منهم إال مةن هديتةه لةه‬




                                           ‫191‬
‫ةد‬         ‫ةه، وال ةر إال ةن خذلتة عة‬
   ‫ةه ةن الرشة‬            ‫مة‬       ‫يكفة‬         ‫فوفقتة‬
                                           ‫فأضللته.)(1)‬
‫أو أن جهلهم هنا إما أن يكون املراد بةه جهلةهم فيمةا‬
‫يقترحونه من اآليات, أو أهنم لةو أجيعبةوا إىل اقتةراحهم‬
‫ملا متكنوا من اإلميان طوعا, والقرآن ال جيرب النةاس علةى‬
‫اإلميان بةه, أو لةو أجيعبةوا ومل يؤمنةوا حلةق علةيهم‬
    ‫ة‬        ‫ة‬            ‫ة‬            ‫ة‬
‫العةذاب.وذلةك (ألن اآليةات وإن توالةت، ومشةوس‬      ‫ة‬
                     ‫ز‬
‫الربهان وإن تعالت فمن قصمته العة ّة وكعبسةته القسةمة‬
        ‫ة‬              ‫ة‬      ‫ة‬          ‫ة‬        ‫ة‬
‫مل ي ةزده ذل ةك إال ح ةرية وض ةالال، ومل يس ةتنجز إال‬
                                      ‫للشقوة حاال.)(2)‬
                                                               ‫أكثر الناس ال رعقلون‬
 ‫ومضى القرآن الكرمي يؤكد طعبع األكثرية بةأهنم ال يعلمةون,‬
   ‫ه‬
‫وأكثرهم جيهلون, وأهنم ال يعقلون فقا تعةاىل: (وَلَةِئنْ سَةأَلْتَ ُمْ‬
 ‫ن‬                                 ‫ِ‬                                   ‫َ ن َّ ِ الس‬
‫منْ َز َ منَ َّمَاءِ مَاء فَأَحْيَا بهِ الْأَرْضَ منْ َبعْةدِ مَوْتِهَةا لََيقُةوُل َّ‬
                                        ‫ْل‬             ‫ُه‬                 ‫د‬          ‫هق‬
                           ‫اللَّ ُ ُل اْلحَمْ ُ لِلَّهِ َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا َيعقُِونَ), (39).‬
                                                                ‫ْل‬
‫(َبلْ َأكَْثر ُمْ ال َيعقُِونَ) يقو : (بةل أكثةر هةؤالء املشةركني‬             ‫ُه‬
  ‫ر‬
‫باهلل ال يعقلون ما هلم فيه النفع من أمر دينهم، ومةا فيةه الضة ّ،‬
‫فهم الهلهم حيسعبون أهنم لععبةادهتم اآلهلةة دون اهلل، ينةالون هبةا‬


                                                     ‫1 - جامع العبيان: (21/ 74).‬
                                                 ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 594).‬
                                            ‫291‬
                                                ‫ز‬
‫عند اهلل ُلْفةة وقربةة، وال يعلمةون أهنةم بةذلك هةالكون،‬
                           ‫مستوجعبون اصلود يف النار.)(1)‬
                                           ‫أكثر الناس ال رؤمنون‬
       ‫وجرت سنة اهلل تعاىل يف الناس بأن الكثرة منهم ال تؤمن, وال‬
            ‫ْ‬      ‫ْ‬              ‫ر ن‬              ‫َ‬
    ‫تستجيب, قا تعاىل: ( ومَا َأكَْث ُ الَّاس وَلَوْ حَرَصتَ بمُؤمِننيَ),‬
                                                ‫يوسف: (351).‬
‫وسواء أكان املراد بالنةاس هنةا أهةل مكةة, أم النةاس علةى‬
‫عمومهم وحقيقتهم, فةإن السةنة هنةا ماضةية ال تتخلةف وال‬
‫تتأجل, أي: (وما أكثةر مشةركي قومةك، يةا حممةد، ولةو‬
                                ‫د‬
‫حرصت على أن يؤمنوا بك فيص ّقوك، ويتعبعوا مةا جئتةهم بةه‬
                         ‫من عند ربك، ِّقيك وال مَّعبعيك.)(2)‬
                                   ‫ُت‬         ‫مبصد‬
‫واهلل عز وجل هنا (أخرب عن سةابق علمةه هبةم، وصةادق‬
‫حكمه حكمته فيهم. ويقا معنةاه: أقمتةك شةاهدا إلرادة‬
                 ‫د‬            ‫ق‬                  ‫د‬
‫إمياهنم، وش ّة احلرص علةى حت ّقهةم بالة ّين، وإيقةاهنم. مث‬
‫إّى أعلم أهنم ال يؤمن أكثرهم، وأخربتةك بةذلك، وفةرض‬        ‫ن‬
‫عليك تصديقى بذلك، وفرضت عليةك إرادتةى كةون مةا‬
                            ‫علمت أنه ال يكون من إمياهنم.)(3)‬


                                          ‫1 - جامع العبيان: (52/ 95).‬
                                       ‫2 - جامع العبيان: (91/ 482).‬
                                    ‫3 - لطائف اإلشارات: (2/ 112).‬
                                 ‫391‬
‫يف اآلية تقدمي ومعناه: (وما أكثر النةاس مبةؤمنني ولةو‬
            ‫َ‬
‫حرصت لعلم اهلل السابق فيهم. ويقا : وَلَةوْ حرَصْةتَ‬
‫ب ُؤمِننيَ. يعين: من قدرت عليه الكفةر، وعلمةت أنةه‬                   ‫مْ‬
                                      ‫أهل لذلك، ال يؤمن بك.)(1)‬
 ‫كما أبان القرآن الكرمي عن سنة يف عدم إميان أكثر الناس على‬
        ‫الرغم من علمهم باحلق ورؤيتهم له, قا تعاىل: (املر تِلْكَ‬
              ‫َق ِن‬             ‫ِ َب‬                 ‫َال أ‬               ‫ت‬
    ‫آَيَا ُ الْكِتَاب و َّذِي ُنْز َ إلَيْكَ منْ رِّكَ اْلح ُّ وَلَك َّ َأكَْثرَ‬
                                                                ‫يْ ن‬
                                         ‫الَّاس لَا ُؤمُِونَ), الرعد: (1).‬  ‫ن‬
 ‫(ويف املراد ب {أكثر الناس} قوالن: أحدمها: أكثر اليهود والنصارى‬
  ‫, ألن أكثرهم مل يسلم. الثاين: أكثر الناس يف زمان رسو اهلل صلى‬
                                                               ‫اهلل عليه وسلم.)(2)‬
  ‫وسواء أكان املراد من أكثر الناس هنا اليهود والنصارى أم الناس يف‬
   ‫زمان الرسو - صلى اهلل عليه وسلم- , فالسنة هبذا ماضية, أي:‬
         ‫(ولكن األكثر من الناس من أصناف الكفار ال يؤمنون به، فهم‬
                                  ‫األكثرون عددا، واألقلون قدرا وخطرا )(3)‬
                     ‫أكثر الناس ال رؤمنون باهلل إال وهم مشركون‬


      ‫1 - حبر العلوم: (2/ 212), وانظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (3/‬
                                                                 ‫871).‬
                                             ‫2 - النكت والعيون: (3/ 19).‬
                                         ‫3 - لطائف اإلشارات: (2/ 512).‬
                                      ‫491‬
 ‫وتعدد حديث القرآن عن وصةف طعبيعةة أكثةر النةاس,‬
‫وأهنم كةافرون أو مشةركون أو ال يةؤمن أكثةرهم إال‬
‫وهم مشركون باهلل تعةاىل,وتنةوع حةديث القةرآن يف‬
‫التععبري عن هذه الكثرة كمةا تنةوع احلةديث عنةها يف‬
    ‫الزمان فشملت السور املكية واملدنية علةى السةواء, قةا‬
     ‫َ ي ْ ِن ث ُه ل ل َه م ك‬
‫تعاىل: (ومَا ُؤم ُ َأكَْةر ُمْ بالَّةهِ إَّةا و ُةمْ ُشْةر ُونَ‬
                 ‫ل ن‬
‫),يوسف:(951)., وقا تعاىل:(فَإنْ تَوََّوْا فَإَّمَةا عَلَيْةكَ‬
          ‫ل ُةم ِر‬                           ‫ف‬             ‫س م ني‬
‫الْعبَلَا ُ الْ ُعب ُ (28) َيعْرُونَ نعْمَةةَ الَّةهِ ث َّ يُنْك ُونَهَةا‬
                                                     ‫َ ُهم ك ِر‬
    ‫وَأكَْثر ُ ُ الْ َةاف ُونَ (38), النحةل:28, 38., وقةا‬
        ‫ْ‬       ‫ُه‬                         ‫َ‬                    ‫ن‬
 ‫تعاىل:(إ َّ فِي ذَلِكَ َلآَيَةً ومَةا كَةانَ َأكْثَةر ُمْ مُةؤمِننيَ)‬
                             ‫ق س‬
 ‫الشعراء: (8).وقا تعةاىل:( ُةلْ ِةريُوا فِةي الْةأَرْض‬
   ‫ُه‬                 ‫ل‬            ‫ة ال ِ‬                          ‫ُر‬
‫فَاْنظ ُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِعبَ ُ َّذِينَ منْ قَعبْة ُ كَةانَ َأكْثَةر ُمْ‬
                                                                  ‫م ِ‬
                                                ‫ُشْركنيَ), الروم:24.‬
 ‫ويف هذه اآلية الكرمية أمر من اهلل (تعاىل) لرسةوله (صةلى‬
‫اهلل عليه وسةلم) واملةؤمنني أن يسةريوا يف األرض حةىت‬
‫يروا واقع هذه السنة الةيت ال تتخلةف وهةي أن أكثةر‬
                                         ‫الناس قعبلهم كانوا مشركني.‬
                                              ‫أكثر الناس للحق كارهون‬
 ‫وأكد القرآن الكرمي ، أن أكثر الناس للحةق كةارهون, قةا‬
        ‫ه م الظ ِ‬                         ‫نه‬
‫تعاىل: (وَمَا ظَلَمَْا ُمْ وَلَكِةنْ كَةانُوا ُة ُ َّةالِمنيَ (97)‬


                                        ‫591‬
              ‫ث‬             ‫نك‬                ‫َب‬                     ‫ك‬
 ‫وَنَادَوْا يَا مَالِ ُ لَِيقْض عَلَيْنَا رُّكَ قَا َ إَّ ُةمْ مَةاكُِونَ (77)‬
    ‫ه‬           ‫َك َةق‬                     ‫َق ِةن‬
‫َلقَدْ جئَْةا ُمْ بةاْلح ِّ وَلَك َّ َأكْثَةر ُمْ لِ ْلح ِّ كَةار ُونَ‬  ‫ن ك‬
                                                   ‫(87),الزخرف:97-87.‬
                     ‫َل‬                    ‫َل‬
‫(ولكن أكثرهم ملا جاء به حممد صَّى اهلل عَلَيْهِ وَسَّم مةن احلةق‬
                                                                             ‫كارهون.)(1)‬
      ‫َالرج‬             ‫م م ق‬                            ‫م‬
‫( َالْم َا ُ باحلق هاهنةا إ َّةا الْإسْةلَا ُ وَإ َّةا اْل ُةرْآنُ، و َّ ُةلُ‬     ‫و ُر د‬
                                ‫َن‬                  ‫ُ‬              ‫م م ْه ل‬
‫الْ ُسْلِ ُ لَا يَكرَ ُ الْإسَْامَ وَلَا اْلقرْآنَ، فَثََعبتَ أ َّ مَا قَعبْةلَ هَةذِهِ الْآيَةةِ‬
 ‫ومَا َبعْدهَا، يَد ُّ عَلَى أ َّ الْ ُة َادَ مِةنَ الْمجْةرمنيَ الْك َّةا ُ)(2)،‬
       ‫ِ ُف ر‬                   ‫ُ‬                ‫َن م ر‬                     ‫ُ‬        ‫َ َ‬
‫وعندما يتحد الناس يوم القيامة يرد القرآن شةعبهتهم بةأهنم قةد‬
 ‫جاءهم احلق, ولكنهم كرهوه ومل يقعبلةوه, فهةم أحةق بةاللوم,‬
         ‫ه‬                 ‫ك‬                            ‫ِ‬
‫وأجدر بالعتاب, (أَيْ: وَلَكنْ كَاَنتْ سَةجَايَا ُمْ لَةا َتقْعبَلُة ُ وَلَةا‬
 ‫ق‬                   ‫ِةد‬              ‫َظ‬                         ‫د‬          ‫ون‬
‫ُتقْعب ُ عَلَيْهِ، َإَّمَا تَْنقَا ُ لِلْعبَاطِةل وَُتع ِّمُةهُ، وََتص ُّ عَةن اْلحَة ِّ‬   ‫ل‬
   ‫َم‬                           ‫ف ك‬                      ‫ه ت ِض ه َع د‬
‫وَتَأْبَا ُ، وَُْعبغ ُ َأهْلَ ُ، ف ُو ُوا عَلَى أَنْ ُسِة ُمْ بالْمَلَامَةةِ، وَانْةد ُوا‬
                                                    ‫حَْي ُ لَا تَْنف ُ ُ ُ ا َّ َامَ ُ.)(3).‬
                                                              ‫ث َعكم لند ة‬
 ‫كما نفى القرآن الكرمي كةون رفضةهم للحةق معبنيةا علةى أن‬
‫بالرسو جنة؛ بل ألهنم هةم الةذين كرهةوا احلةق وأعرضةوا‬



                                                        ‫1 - جامع العبيان:(12/ 949).‬
                                                      ‫2 - مفاتيح الغيب:(72/ 349).‬
                                                      ‫3 - تفسري ابن كثري:(7/ 142).‬
                                             ‫691‬
  ‫َه‬            ‫ن ة‬            ‫ل‬
‫عنه,وتنكعبوا صراطه املستقيم,(َأمْ َيقُوُونَ بةهِ جَّة ٌ بَةلْ جَةاء ُمْ‬
                                            ‫َق َ ُه َق ه‬
                  ‫باْلح ِّ وَأكَْثر ُمْ لِ ْلح ِّ كَار ُونَ), املؤمنون: (57).‬
 ‫وبني القرآن الكرمي علة رفضةهم احلةق, وكةرههم لةه؛ بأنةه:‬
‫(خيالف شهواهتم وأهواءهم فلذلك أنكةروه، وإمنةا قيةد احلكةم‬
‫باألكثر ألنه كان منهم من ترك اإلِميةان اسةتنكافاً مةن تةوبيخ‬
‫قومه, أو لقلة فطنته وعدم فكرته ال كراهةة للحةق.)(1), واحلةق‬
‫ال يتعبع األهواء بل يفرض نفسه ويتعبعه النةاس ألنةه احلةق, وإال‬
‫لو اتعبع هوى كل هاو ملا قرت احلياة,ولو كان هةذا احلةق ميشةي‬
‫على رغعبات الناس وجاء (موافقاً ألهوائهم العباطلة لفسةد نظةام‬
          ‫ألن‬            ‫عب‬
‫العامل، وختصي العقالء بالذكر حيةث عَّةر مبةن َّ غريهةم‬
                                                                   ‫تعبع.)(2)‬
                                   ‫كثري من الناس بلقاء رهبم كافرون‬
‫وتتم اآليات اطراد سنة اهلل تعةاىل يف األكثريةة, فهةم ال‬
‫يؤمنون , وهم للحةق كةارهون, وهةم بلقةاء رهبةم‬
               ‫ف‬              ‫َّ‬
‫كافرون, فيقو تعاىل:(أَوَلَمْ يََتفَكرُوا فِةي أَْن ُسِةهمْ مَةا‬
 ‫َق‬            ‫ل‬     ‫ه‬           ‫َ‬          ‫و‬           ‫ه الس‬
‫خََلقَ اللَّ ُ َّمَاوَاتِ َالْأَرْضَ ومَةا بَيْنَ ُمَةا إَّةا بةاْلح ِّ‬
    ‫ِر‬            ‫َب‬             ‫ِ ن‬              ‫َ َ م َم و ن‬
‫وأَجلٍ ُس ًّى َإ َّ كَِثريًا منَ الَّاس بِلقَاءِ رِّهةمْ لَكَةاف ُونَ‬
‫(8), أي: (وإن كثريا من الناس بلقةاء رهبةم جاحةدون‬


                               ‫1 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (4/ 29).‬
                         ‫2 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (3/ 885).‬
                                      ‫791‬
‫منكرون؛ جهال منهم بأن معةادهم إىل اهلل بعةد فنةائهم،‬
‫وغفلة منهم عن اآلخةرة.)(1) (أَي: جاحةدون، ولقةاء‬
                              ‫َهبم ُوَ الَْعبعْث يَوْم اْلقَِامَة.)(2)‬
                                         ‫ي‬                      ‫ر ه‬
‫ذلك أهنم مل ينظروا يف اآليات والعةرب, نظةر املتعبصةر, راغةب‬
 ‫اإلميان, بل حجعبتهم أهةواؤهم ومنعتةهم شةهواهتم وشةعبهاهتم,‬
‫(إ ّ من نظر ح ّ النظر، ووضع النظر موضةعه أمثةر لةه العلةم‬    ‫ق‬         ‫ن‬
 ‫واجعبا، فإذا استعبصةر بنةور الةيقني أحكةام الغائعبةات، وعلةم‬
     ‫جنة ة كة د التة‬
‫ةوده ةادق يف ةتأنف- ةا ع ةن ة ّ ةردد‬     ‫املسة‬               ‫موعة الصة‬
‫والتجويز.فسعبيل من صحا عقله أال جينح إىل التقصةري فيمةا بةه‬
                                                       ‫كما سكونه.)(3)‬
                     ‫ه‬             ‫ل ر‬
‫وختام اآلية بتلك االملة (تذيي ٌ مقر ٌ ملَا قعبلَة ُ بعبيةانِ أن أكثةرَهم‬
                                                   ‫ذ‬
‫غ ُ مقتصرين على ما ُكر مةن الغفلةةِ عةن أحةوا اآلخةرةِ‬                 ‫ري‬
                                           ‫ي‬          ‫َّفك‬
 ‫واإلعراض عن الت ُّر فيمةا ُرشةدهم إىل معرفتِهةا مةن خلةق‬
‫السمواتِ واألرض وما بينهما من املصنُوعاتِ بةل هةم مُنكةرون‬
                    ‫جاحدون بلقاءِ حسابه تعاىل وجزائِه بالعبعثِ)(4)‬
                        ‫كثري من الناس رضلون بأهوائهم بغري علم‬


                                           ‫1 - جامع العبيان:(52/ 77).‬
                                        ‫2 - تفسري السمعاين: (4/ 891).‬
                                    ‫3 - لطائف اإلشارات:(3/ 951).‬
               ‫4 - إرشاد العقل السليم إىل مزايا الكتاب الكرمي: (7/ 25).‬
                                  ‫891‬
‫ينعى اهلل تعاىل على من يتنكب طريقةه, ويةنك علةى‬
‫عقعبيه, بعد أن تعبني له احلق, ويتعبع أهواء الةذين يضةلون‬
‫بغري علم, ويؤكد أن كثريا من الناس يضةلون بةأهوائهم‬
 ‫بغري علم؛ اتعباعاً ألهوائهم, ونكوصاً عةن طريةق احلةق,‬
               ‫ْك ِم ُ ِ م ل‬                          ‫ك‬
‫قا تعاىل: (وَمَا لَ ُمْ أَلَّا تَأ ُلُوا م َّا ذكرَ اسْ ُ الَّةهِ عَلَيْةهِ‬
           ‫ط ت‬                    ‫َ ف َّ ك ح َّ ك ل‬
‫وقَدْ َصلَ لَ ُمْ مَا َرمَ عَلَيْ ُمْ إَّةا مَةا اضْة ُررُْمْ إلَيْةهِ‬
                                            ‫ي ِل َ ْ‬                 ‫ِن‬
‫وَإ َّ كَثِريًا لَُض ُّونَ ِبأهوَائِهِمْ ِبغَيْرِ عِلْلمٍ إ َّ رَّةكَ هُةوَ‬
         ‫ن َب‬
                                                 ‫م ُ د‬
                              ‫َأعْلَ ُ بالْمعْتَ ِينَ),األنعام: (911)‬
‫واملعىن أن هؤالء الةذين يفتةون ألتعبةاعهم وحيرمةون علةيهم‬
           ‫ي‬
 ‫وحيلون هلم ال برهان لديهم على مةا يقولةون, فهةم (ُضةلون‬
‫أتعباعهم بأهوائهم من غري علم منةهم بصةحة مةا يقولةون، وال‬
‫برهان عندهم مبا فيةه جيةادلون، إال ركوبًةا منةهم ألهةوائهم،‬
‫واتعباعًا منهم لدواعي نفوسهم، اعتداء وخالفًةا ألمةر اهلل وهنيةه،‬
                                                 ‫وطاعة للشياطني)(1)‬
‫(ويضلون الناس مبا يشةرعونه هلةم مةن عنةد أنفسةهم،‬
   ‫ويعتدون على ألوهيةة اهلل وحاكميتةه مبزاولتةهم صصةائ‬
‫األلوهية وهم ععبيد)(2), وهذه السنة هةي مةا عةرب عنةها‬
‫القرآن الكرمي يف موطن آخر بقوله تعةاىل:(وَإنْ ُتطِةعْ َأكْثَةرَ‬


                                                ‫1 - جامع العبيان: (21/ 17).‬
                                            ‫2 - يف ظال القرآن: (3/ 7911).‬
                                        ‫991‬
‫ل الظ ن‬          ‫ل َت ع‬                      ‫ِل َ‬                      ‫َ‬
‫منْ فِي الْأَرْض ُيضُّوكَ عنْ سَعبيل الَّهِ إنْ يَّعب ُةونَ إَّةا َّة َّ‬
                                                    ‫ْص‬           ‫و ه‬
                          ‫َإنْ ُمْ إلَّا َيخرُ ُونَ),األنعام: (911).‬
                               ‫كثري من اخللطاء ربغي بعضهم على بع‬
‫حكم القرآن الكرمي بةأن كةثريا مةن اصلطةاء يعبغةي‬
‫بعضهم على بعض, ومل يسةتثن مةن هةذا احلكةم إال‬
‫الذين آمنوا وعملوا الصاحلات, ووصف هةذا االسةتثناء‬
          ‫ْ‬
‫بأنه قليل, فقا تعاىل:(قَا َ َلقَدْ ظَلَمَكَ بسُةؤَا َنعجَتِةكَ‬
            ‫ْ ه‬                      ‫ِ خ‬                ‫ون‬
‫إلَى نعَاجهِ َإ َّ كَِثريًا منَ اْل َُلطَاءِ لَيَْعبغِةي َبعضُة ُمْ عَلَةى‬
     ‫ه‬         ‫َ ل‬              ‫الص‬          ‫الذ َ ن َ‬
‫َبعضٍ إلَّا َّ ِينَ آمَُوا وعَمِلُوا َّاِلحَاتِ وقَلِية ٌ مَةا ُةمْ‬    ‫ْ‬
      ‫رر ِ‬         ‫ْ َ َب ه‬                 ‫َن و د َن َن ه‬
‫وَظ َّ دَا ُو ُ أَّمَا فَتَّةا ُ فَاسْةَتغفرَ رَّة ُ وَخَة َّ َاكعًةا‬
‫وأَنَابَ), ص: (42).واملعىن:(وإن كةثريا مةن الشةركاء‬                     ‫َ‬
                         ‫ال‬
‫َّى بعضهم علةى بعةض (إال َّةذِينَ آمَنُةوا) بةاهلل‬                  ‫ليتعد‬
        ‫ة‬         ‫ة‬               ‫ة‬                   ‫َ لة الصة‬
‫(وعَمُِ ةوا َّ ةاِلحَاتِ) يق ةو : وعمل ةوا بطاع ةة اهلل،‬
                      ‫وانتهوا إىل أمره وهنيه، ومل يتجاوزوه)(1)‬
        ‫واختيار القرآن الكرمي للخلطاء مع أن العبغي والظلم جعبلة ال‬
            ‫يتخلى عنها إال من وفقه اهلل تعاىل, كما قا أبو الطيب:‬
       ‫والظلم من شيم النفوس فإن جتد ذا عفة فلعلة ال‬
                                                                      ‫يظلم(2)‬


                                               ‫1 - جامع العبيان:(12/ 581).‬
                                                         ‫2 - انظر ديوانه:‬
                                      ‫002‬
‫ألن املخالطة مظنة كثرة املنازعة, وهةم إذا اختلطةوا (اطلةع‬
‫كل واحد منهما على أحوا اآلخر فكةل مةا ميلكةه مةن‬
        ‫ْ‬
‫األشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمةت رغعبتةه فيةه فُيفضِةي‬
‫ذلك إىل زيادة املخاصةمة واملنازعةة فلهةذا خة داود -‬
          ‫ع‬
‫عليه الصالة السالم- اصلطةاء بزيةادة العبغةي وال ُةدْوَان مث‬
‫استثىن عن هذا احلكم الذين آمنةوا وعملةوا الصةاحلات ألن‬
                         ‫خمالطة هؤالء ال تكون ألجل الدين.)(1)‬
                                           ‫مفردات تتعلق بكثري من الناس‬
                 ‫1- احلياة الدنيا وتكاثر الناس يف األموال واألوالد‬
‫الدنيا قنطةرة اآلخةرة, ومعةرب اآلجلةة, وهةي دار ابةتالء‬
‫واختعبار, وهي سوق ملا بعدها يربح فيه مةن يةربح, وخيسةر‬
‫فيه من خيسر, وكثري من الناس تغيب عنةه مهمتةها فيتكةاثر‬
 ‫فيها يف األموا واألوالد, فحةذر اهلل تعةاىل املةؤمنني منةها,‬
     ‫َن‬
 ‫وأمرهم أن جيعلوها معربا ملا بعده, قا تعةاىل: (اعْلَمُةوا أَّمَةا‬
        ‫ر‬             ‫ُر ك‬                ‫ة الد ِب و ة‬
‫اْلحَيَا ُ ُّنْيَا َلع ٌ وَلَهْ ٌ وَزينَ ٌ وََتفَةاخ ٌ بَيْةنَ ُمْ وَتَكَةاُث ٌ فِةي‬
          ‫ه ُةم‬             ‫ُف‬        ‫َْ‬               ‫ث‬                ‫و‬
‫الْأمْوَا َالْأَوْلَادِ كَمََل غَْيثٍ َأعجبَ الْك َّارَ نَعبَاتُة ُ ث َّ يَهةيجُ‬ ‫َ‬
 ‫د‬         ‫ب‬            ‫ِ‬               ‫ه ُ ْ َر ُم ك ن ُط َ‬
‫فََترَا ُ مصف ًّا ث َّ يَ ُو ُ ح َامًا وفِةي الْةآَخرَةِ عَةذَا ٌ شَةدِي ٌ‬
            ‫ة الةد ل‬                      ‫ن َ‬                           ‫ََ ِْ ة ِ‬
‫ومغفرَ ٌ منَ اللَّهِ وَرضْةوَا ٌ ومَةا اْلحَيَةا ُ ُّنْيَا إَّةا مَتَةاعُ‬
                                                     ‫اْلغ ُور), احلديد:52.‬     ‫ُر‬

                                ‫1 - اللعباب يف علوم الكتاب: (91/ 954).‬
                                          ‫102‬
                       ‫و‬
‫فهي لعب (كلعةب الصةعبيان ,{وَلَهْة ٌ} كلةهو الفتيةان‬
                         ‫ُر‬
‫,{وَزينَ ٌ} كزينة النسةوان, {وََتفَةاخ ٌ بيةنكم} كتفةاخر‬          ‫ة‬
      ‫األمة‬
  ‫ةاثر ةدهقان {يف ةوا‬     ‫األ ةران { ةاثر} كتكة الة‬    ‫وتكة‬         ‫قة‬
       ‫ة‬        ‫ة‬          ‫ة‬               ‫ة‬        ‫ة‬
‫واألوالد} أي: معباه ةاة هبم ةا والتك ةاثر ادع ةاء االس ةتكثار‬
   ‫ه ُ َر‬             ‫ج‬       ‫ه ُم‬                     ‫َْ‬           ‫ث‬
‫{كَمََل غَْيثٍ َأعجبَ الكفار نَعبَاتُ ُ ث َّ يَهةي ُ فَتَةرَا ُ مصْةف ّاً}‬
                                               ‫ُم ك ن ُ‬
‫بعد خضرته {ث َّ يَ ُو ُ حطَاماً} متفتتاً, شةعبه حةا الةدنيا‬
‫وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنعبات أنعبته الغيةث فاسةتوى‬
‫وقوي وأعجب به الكفار االاحدون لنعمةة اهلل فيمةا رزقهةم‬
‫من الغيث والنعبات فعبعث عليه العاهة فهةاج واصةفر وصةار‬
‫حطاماً عقوبة هلم على جحودهم كما فعل بأصةحاب االنةة‬
                          ‫وصاحب االنتني وقيل الكفار الزراع)(1)‬
                                                        ‫ر‬
‫(احلياة الدنيا مع ّضة للزوا ، غري البثة وال ماكثةة، وهةي يف‬
‫احلا شاغلة عن اهلل، مطمعة وغري مشةعبعة، وجتةرى علةى‬
‫غري سنن االستقامة كجريان لعب الصعبيان، فهةى تلةهى عةن‬
                                                  ‫ق‬
  ‫الصواب واستعبصار احل ّ، وهي تفةاخر وتكةاثر يف األمةوا‬
                                                            ‫واألوالد)(2).‬
      ‫ومن بيان القرآن الكرمي لسنته يف الكثرة حديثه عن تكاثر‬
       ‫الناس يف الدنيا وهلوهم هبذا التكاثر حىت وقفوا على جلية‬


                         ‫1 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (3/ 934).‬
                                 ‫2 - لطائف اإلشارات:(3/ 145).‬
                                     ‫202‬
 ‫األمر وحقيقة احلق عندما رجعوا على عقوهلم وزاروا املقابر,‬
    ‫وذلك بعد أن فارقوا الدنيا وانكشفت هلم حقائق األشياء,‬
                                         ‫كم الت‬
    ‫قا تعاىل: (َألْهَا ُ ُ َّكَاُثرُ حىت زرمت املقابر), التكاثر:1,‬
                                                                ‫2.‬
‫واملعىن: ( شغلكم تفاخركم فيما بيةنكم إىل آخةر أعمةاركم إىل‬
‫أن مّم.ويقا : كةانوا يفتخةرون بآبةائهم وأسةالفهم فكةانوا‬           ‫ت‬
‫يشيدون بذكر األحياء، ومبن مضى مةن أسةالفهم.فقةا هلةم:‬
‫شغلكم تفاخركم فيمةا بيةنكم حةىت عةددمت أمةواتكم مةع‬
        ‫أحيائكم. وأنساكم تكاثركم باألموا واألوالد طاعة اهلل.)(1)‬
                                                ‫كثري من جنو الناس ال خري فيه‬
  ‫حكم القرآن على كثري من جنوى الناس بأنه ال خري فيه, واستثىن‬
                ‫من هذا احلكم من أمر بصدقة أو معروف أو إصالح بني‬
                        ‫َ‬       ‫ِ وه ل َ َ‬
               ‫الناس,(ال خَْيرَ فِي كَِثريٍ منْ َنجْ َا ُمْ إَّا منْ َأمرَ بصَدقَةٍ أَوْ‬
                      ‫َ‬                  ‫َ َْ‬             ‫الن‬          ‫ل‬
    ‫مع ُوفٍ أَوْ إصَْاحٍ بَْينَ َّاس وَمنْ َيفعلْ ذَلِكَ ابِْتغَاءَ مرْضَاةِ اللَّهِ‬‫َ ْر‬
                                                                  ‫نت ْ َ‬
                                ‫فَسَوْفَ ُؤِْيهِ أَجرًا عظِيمًا), النساء: (411).‬
                 ‫َّ‬              ‫الن‬             ‫َق‬         ‫ة َامة‬
 ‫َا َ م َاهِ ٌ:( الْآيَ ُ ع َّ ٌ فِي ح ِّ جَمِيةع َّةاس، وَالنجْةوَى:‬        ‫ق ُج د‬
                   ‫د‬                            ‫َق َّ‬               ‫ْ ر الت‬
‫هِيَ الْإسرَا ُ فِي َّدْبري، وِيلَ: النجْةوَى مَةا يَْنفَةر ُ بتَةدْبريهِ‬
     ‫ِم‬                                                 ‫َ‬                        ‫ْم ِر‬
‫قَو ٌ س ًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا، فَمعْنَى الْآيَةِ: لَا خَْيرَ فِةي كَةِثريٍ م َّةا‬
                                ‫ل‬             ‫َ‬         ‫َ َ‬
‫ُدَب ُونَ ُ بَيْنَ ُمْ، {إلَّا منْ َأمرَ بصَدقَةٍ} أَيْ: إَّةا فِةي َنجْةوَى‬‫ي ِّر ه ه‬

                                            ‫1 - لطائف اإلشارات: (3/ 297).‬

                                            ‫302‬
‫ء‬                           ‫َ‬       ‫كنِ‬                    ‫َّ‬    ‫َ‬        ‫َ َ‬
‫منْ َأمرَ بصَدقَةٍ، فَالنجْوَى تَ ُو ُ فعْلًةا وقِيةلَ: هَةذَا اسْةتِثْنَا ل‬
                                       ‫َ‬       ‫ِ َ َ‬
‫ُْنقطِ ٌ، َيعْني: لَكنْ منْ َأمرَ بصَدقَةٍ، وقيل النجةوى هةا هنةا:‬       ‫مَ ع‬
                   ‫ه‬                 ‫ق الله‬                    ‫الرج م ج‬
‫ِّ َا ُ الْ ُتَنَا ُونَ، كَمَا َا َ َّ ُ َتعَةالَى "وَإذْ ُةمْ َنجْةوَى"‬
              ‫َةث‬             ‫َ‬            ‫َ َ‬
‫(الْإسرَاءِ -74) . {إلَّا منْ َأمرَ بصَةدقَةٍ} أَيْ: ح َّ عَلَيْهَةا،‬      ‫ْ‬
         ‫َ م‬          ‫َ ِّ ه الش‬                    ‫ط‬                 ‫َ ْر‬
‫{أَوْ مع ُوفٍ} أَيْ: ب َاعَةِ اللَّهِ ومَا ُيعَرفُة ُ َّةرْعُ، وَأعْ َةا ُ‬
                          ‫الْعب ِّ كُّهَا مع ُو ٌ، لِأَنَّ اْلع ُو َ َتعْرفُهَا.)(1)‬
                                             ‫ُق‬               ‫ر ُل َ ْر ف‬
‫فاحلكم هنا عام يف مجيةع النةاس ميثةل سةنة اهلل تعةاىل يف‬
                          ‫الكثرة.ويشمل الزمان ويعم املكان والفراد.‬
                      ‫كثرة اخلبيث ال تغين شيئا ولو أعجبتك كثرته‬
‫ومن ضوابط سةنة اهلل يف الكثةرة أن اصعبيةث والطيةب ال‬
‫يستويان ولو بدا للرائي ما يعجعبه من كثةرة اصعبيةث,وهةذه‬
‫سنة اهلل تعاىل يف الكثري, فليس كل كثري جيةدا, مهمةا بةان‬
        ‫ث َّي ب‬                                         ‫ُ‬
‫رواؤه وظهر هباؤه,( قلْ لَا يَسْتَوي اْلخَعبية ُ وَالطِّة ُ وَلَةوْ‬
     ‫َلك‬                                     ‫َّق ل‬                     ‫ة‬
‫َأعجَعبَكَ كَْثرَ ُ اْلخَعبيثِ فَات ُوا الَّهَ يَةا أُولِةي الْأَلْعبَةاب َلعَّ ُةمْ‬ ‫ْ‬
                                                   ‫ُتفِْل ُونَ), املائدة: (551).‬ ‫ح‬
      ‫ص‬                 ‫َن‬          ‫َام َ‬              ‫ة ق‬
‫(وَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَ ُ باْل َاعِدَةِ اْلع َّةِ وهِةيَ أ َّ اْلعِعبْةرَةَ ب ِةفَةِ‬
           ‫الت‬                          ‫َ و ن ك ن ِزة‬
 ‫َّيْءِ لَا بعَددِهِ، َإَّمَا تَ ُو ُ اْلع َّ ُ بةالْكَْثرَةِ َبعْةدَ َّسَةاوي‬     ‫الش‬
                      ‫َ‬                  ‫َ‬                        ‫َم‬
 ‫فِي الصفَاتِ.وَل َّا كَةانَ مِةنْ دأْب َأهْةل اْلغفْلَةةِ وَاْلجَهْةل‬        ‫ِّ‬
       ‫ه‬                             ‫ْ‬               ‫ق‬         ‫ُ‬                 ‫و ُر‬
‫َاْلغ ُور بالْكَْثرَةِ مطَْلقًا، َا َ َتعَالَى َتعقِيعبًا عَلَى مَةا أَثْعبَتَة ُ مِةنْ‬

                                               ‫1 - تفسري العبغوي: (2/ 982).‬
                                           ‫402‬
          ‫َّ‬      ‫ث‬                 ‫ث‬                                ‫ْض َّي‬
‫َتف ِيل الطِّب عَلَى اْلخَعبيثِ وَإنْ كَُةرَ اْلخَعبية ُ: (فَةاتقُوا اهللَ‬
                             ‫َّ‬                ‫َلك ح‬                           ‫أ‬
‫يَا ُولِي الْأَلْعبَاب َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ) أَيْ فَةاتقُوا اهللَ يَةا أَصْةحَابَ‬
                                                    ‫َر‬                 ‫ُق الر‬
‫اْلع ُو َّاجحَةِ وَلَا َتغْت ُّوا بكَْثرَةِ الْمَا اْلخَعبيةثِ وَلَةا بكَثْةرَةِ‬
                                ‫ن‬                     ‫ِ‬            ‫ط و‬
‫َأهْل الْعبَا ِل َاْلفَسَادِ منَ اْلخَعبيِثنيَ، فَإ َّ َتقْوَى اهللِ َتعَةالَى هِةيَ‬
       ‫كن‬            ‫ك‬                          ‫َّي‬                  ‫مك‬
‫َّتِي تَْنظِ ُ ُمْ فِي سِلْكِ الطِّةعبنيَ، فَُيرْجَةى لَ ُةمْ أَنْ تَ ُوُةوا‬      ‫ال‬
                  ‫منَ الْمفِْلحنيَ، أَيْ فَاِزينَ بخَيْر ُّنْيَا وَالْآخرَةِ.)(1)‬
                           ‫ِ‬            ‫الد‬             ‫ئ‬             ‫ِ ُ ِ‬
                                    ‫الكثرة املعجبة ال تغىن عن املرء شيئا‬
‫مضت سنة اهلل تعاىل يف ععباده بأن الكثةرة املعجعبةة ال تغةين‬
‫عن أصحاهبا شيئاً, فهي يف احلرب ليس هلا قيمةة مةا تشةفع‬
 ‫بثعبات, ويف السلم ليس هلا وزن مةا مل تؤيةد بعمةل, (َلقَةدْ‬
  ‫كْ‬        ‫ْ‬                   ‫ْ‬                   ‫ِ‬             ‫َ َكم ه‬
 ‫َنصر ُ ُ اللَّ ُ فِي مَوَاطنَ كَةِثريَةٍ وَيَةومَ حُنَةْينٍ إذْ َأعجَعبَةتْ ُم‬
         ‫ض‬            ‫كم‬            ‫َ‬               ‫ك‬                     ‫تك‬
  ‫كَْثرَُ ُمْ فَلَمْ ُتغْن عَنْ ُمْ شَيْئًا وَضَاقتْ عَلَةيْ ُ ُ الْةأَرْ ُ بمَةا‬
                                                         ‫ح ُم ت م‬
                                           ‫رَ َُعبتْ ث َّ وَلَّيُْمْ ُدْبرينَ (52)‬
‫(فأمرهم اهلل تعاىل بأن يقاتلوا ويتوكلةوا علةى اهلل، ويطلعبةوا‬
‫النصرة منه، وال يعتمدوا على الكثةرة والقلةة، ألن النصةرة‬
   ‫ِ‬                 ‫َكم ل ه‬                   ‫ق‬
‫من اهلل تعاىل فذلك قوله: َل َةدْ َنصَةر ُ ُ الَّة ُ فِةي مَةواطنَ‬
‫كَِثريَةٍ، يعين: من مشاهد كثرية وهو يةوم بةدر، ويةوم بةين‬
‫قريظة، ويوم خيرب، ويوم فتح مكةة، وخاصةة يةوم حةنني‬
     ‫تك‬           ‫ك‬         ‫ْ‬
‫يعين: نصركم اهلل يف مواطن كةثرية. إذْ َأعجَعبَةتْ ُمْ كَثْةرَُ ُمْ،‬

                                                ‫1 - تفسري املنار: (7/ 451).‬
                                          ‫502‬
                                             ‫ك‬
‫يعين: مجاعتكم، فَلَمْ ُتغْن عَنْ ُمْ شَيْئاً يعةين: عةن قضةاء اهلل‬
        ‫ل‬
‫تعاىل مل تغن كثرتكم شيئاً. وذلةك أن رسةو اهلل صةّى اهلل‬
‫عليه وسّم خرج إىل حةنني يف اثةين عشةر ألفةاً، وعشةرة‬                   ‫ل‬
‫آالف خرجوا معه من املدينة إىل فةتح مكةة، وخةرج معةه‬
‫ألفان من أهل مكة، ف َا َ رجل من املسلمني يقا لةه سةلمة‬ ‫َق‬
                               ‫بن سالمة: لن نغلب اليوم من قلة.)(1)‬
‫(إن الكثرة العددية ليست بشيء، إمنةا هةي القلةة العارفةة‬
‫املتصلة الثابتة املتجردة للعقيدة. وإن الكثةرة لتكةون أحيانةاً‬
‫سعبعباً يف اهلزميةة، ألن بعةض الةداخلني فيهةا، التةائهني يف‬
‫غمارها، ممن مل يدركوا حقيقةة العقيةدة الةيت ينسةاقون يف‬
‫تيارها، تتزلز أقدامهم وترجتف يف سةاعة الشةدة فيشةيعون‬
‫االضطراب واهلزمية يف الصفوف، فةوق مةا ختةدع الكثةرة‬
 ‫أصحاهبا فتجعلهم يتهاونون يف توثيق صةلتهم بةاهلل، انشةغاالً‬
               ‫هبذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر يف احلياة.‬
‫لقد قامت كل عقيدة بالصةفوة املختةارة، ال بالزبةد الةذي‬
                ‫يذهب جفاء، وال باهلشيم الذي تذروه الرياح!)(2)‬
  ‫وهذا مةا وضةحته اآليةة األخةرى يف قولةه تعةاىل: (إنْ‬
           ‫ر ك‬                                ‫َكم ح‬                  ‫ح َ‬
‫تَسَْتفِْت ُوا فقَدْ جَاء ُ ُ اْلفَتْ ُ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْة ٌ لَ ُةمْ وَإنْ‬


                                                ‫1 - حبر العلوم: (2/ 84).‬
                                          ‫2 - يف ظال القرآن: (3/ 8191).‬
                                          ‫602‬
     ‫َ‬       ‫ث‬                     ‫ك تك‬                              ‫عد ع‬
‫َت ُو ُوا َن ُدْ وََلنْ ُتغْنيَ عَنْ ُمْ فِئَُ ُمْ شَةيْئًا وَلَةوْ كَُةرَتْ وأَنَّ‬
                                                                  ‫مْ‬
                                  ‫اللَّهَ مَعَ الْ ُؤمِننيَ), األنفا : (91).‬
            ‫فإن (من غلعبته قدرة األحد مل تغن عنه كثرة العدد.)(1)‬


                                                  ‫وصف أكثر أهل الكتاب‬
‫وتنتقل سنة الكثرة من وصف عموم الناس, إىل وصةف بةين‬
‫إسرائيل,وهم شرحية مةن النةاس هلةم مةن الصةفات مةا‬
‫يستدعي الوقوف أمامهم, وحتليل تلةك األوصةاف الةيت مل‬
‫يكتف القرآن الكرمي بةأن يشةاركوا عمةوم النةاس فيمةا‬
 ‫وصفوا به بل خصهم بصفات اطردت فةيهم اطةرادا سةننياً,‬
‫فقد وصفهم بأن أكثرهم فاسقون, وأن كثريا منهم سةاء مةا‬
‫ساء ما يعملون, وأن كثريا منةهم عمةوا وصةموا, وكةثريا‬
‫منهم يودون أن يردوا املؤمنني مةن بعةدهم كفةارا حسةداً‬
 ‫من عند أنفسهم,وأن كثريا منهم يصةدون عةن سةعبيل اهلل,‬
‫وأن أكثرهم ال يعقلون, وأن كةثريا منةهم يتولةون الةذين‬
    ‫كفروا, وأن كثريا من األحعبةار والرهعبةان يةأكلون أمةوا‬
‫الناس بالعباطل ويصدون عن سعبيل اهلل, وجةاء الواقةع علةى‬
‫مدار الزمن يؤكد تلك األوصاف؛ فسعبحان من وصةفهم هبةا‬
 ‫من حكيم خعبري, ومن تتعبع آيات الكثرة الدالةة علةى تلةك‬

                                         ‫1 - لطائف اإلشارات: (1/ 319).‬

                                         ‫702‬
‫الصفات أن نصنف وصف أهةل الكتةاب حسةب الكثةرة‬
                               ‫على النحو اآليت:‬
                ‫أكثر بين إسرائيل ال عهد هلم وأكثرهم فاسقون‬
‫حكم القرآن الكرمي أن أكثةر أهةل الكتةاب ال عهةد‬
               ‫َ‬
‫هلم, وأن أكثرهم فاسقون, قا تعةاىل: (ومَةا وَجَةدْنَا‬
     ‫َه س ِ‬                                ‫و‬          ‫َ ث ِ‬
‫لِأكَْرهِمْ منْ عَهْةدٍ َإنْ وَجَةدْنَا َأكْثَةر ُمْ َلفَا ِةقنيَ),‬
                                                       ‫(251).‬
‫قا أبو جعفر: (ومل جند ألكثر أهةل هةذه القةرى الةيت‬
‫أهلكناها واقتصصنا عليك، يا حممةد، نعبأهةا "مةن عهةد‬
‫أي: من وفاء مبا وصيناهم بةه، مةن توحيةد اهلل، واتعبةاع‬
‫رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصةيه، وهجةر ععبةادة‬
                                              ‫األوثان واألصنام.)(1)‬
‫ذلك أهنم (جنم يف الغدر طارقهم، وأفل مةن مسةاء الوفةاء‬
‫شارقهم، فعدم أكثرهم رعاية العهد، وحقةت مةن احلةق‬
‫هلم قسمة الرد والصةد.ويقةا : شةكا مةن أكثةرهم إىل‬
                                         ‫د‬
‫أقّهم، فاألكثرون مةن ر ّهتةم القسةمة، واألقلةون مةن‬                 ‫ل‬
                                                 ‫قعبلتهم الوصلة.)(2)‬


                                      ‫1 - جامع العبيان: (21/ 51).‬

                                ‫2 - لطائف اإلشارات: (1/ 455).‬
                                   ‫802‬
‫(ما وَجَدْنا لِأكَْرهِمْ مِةنْ عَهْةدٍ الضةمري للنةاس علةى‬      ‫َ ث‬
 ‫ن‬
‫اإلطالق، أي وما وجدنا ألكثر الناس مةن عهةد يعةين أ ّ‬
‫أكثرهم نقض عهد اهلل وميثاقةه يف اإلميةان والتقةوى وَإنْ‬
‫وَجَدْنا وإ ّ الشأن واحلةديث وجةدنا أكثةرهم فاسةقني،‬                   ‫ن‬
                                        ‫خارجني عن الطاعة مارقني.)(1)‬
‫وتنوع حديث القرآن عن تأكيد هذه السةنة يف الكثةرة عةن‬
             ‫َ‬          ‫ِل‬
‫أهل الكتاب فمنها قوله تعةاىل: (أملْ يَةأْنِ لَّةذِينَ آمَنُةوا أَنْ‬
       ‫كن‬              ‫َةق‬                  ‫َ َ‬                    ‫قل به ِ‬
‫َتخْشَعَ ُُوُ ُمْ لِذكْر اللَّهِ ومَا َنز َ مِةنَ اْلح ِّ وَلَةا يَ ُوُةوا‬
        ‫َ دَس‬                             ‫ِ ل َط‬                          ‫َالذ أ ت‬
‫ك َّ ِينَ ُوُوا الْكِتَابَ منْ قَْعب ُ ف َةا َ عَلَةيْهمُ الْأمَة ُ فقَ َةتْ‬
                                                     ‫قل به َ ري ه ِق‬
 ‫ُُوُ ُمْ وكَِث ٌ مِنْ ُمْ فَاس ُونَ), احلديد: (91).وقولةه تعةاىل:‬
  ‫النُةو‬            ‫ذ ِّي‬                 ‫َ‬               ‫ن ور‬
‫( َلقَدْ أَرْسَلْنَا ُوحًا َإْب َاهِيمَ وَجعَلْنَةا فِةي ُرَّتِهمَةا ُّعب َّةَ‬        ‫و‬
                   ‫ه م ت َ ري ه س ق‬
 ‫َالْكِتَابَ فَمِنْ ُمْ ُهَْةدٍ وكَةِث ٌ مِةنْ ُمْ فَا ِة ُونَ),احلديةد:‬                  ‫و‬
         ‫ََ‬       ‫رس‬                                  ‫ُم َ‬
‫(92).وقوله تعاىل: (ث َّ قفَّيْنَا عَلَةى آَثَةارهِمْ ب ُ ُةلِنَا وقفَّيْنَةا‬
          ‫ال‬          ‫ق‬              ‫َ‬                    ‫َ َ ه‬
‫بعِيسَى ابْن مرْيَمَ وآَتَيْنَا ُ الْإنْجيلَ وَجعَلْنَا فِةي ُلُةوب َّةذِينَ‬
     ‫ل‬                                  ‫َ ي َع‬                                  ‫ات ع ه َ‬
‫ََّعب ُو ُ رْأفَةً وَرَحْمَةً وَرهْعبَانَّةً ابْتَد ُوهَا مَا كَتَعبْنَاهَا عَلَةيْهمْ إَّةا‬
          ‫ال‬        ‫َ‬                ‫َ ْ َةق‬
‫ابِْتغَاءَ رضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رعَوهَا ح َّ رعَايَتِهَةا فآَتَيْنَةا َّةذِينَ‬
                                ‫َ ن ه ْ َه َ ري ه س ق‬
 ‫آمَُوا مِنْ ُمْ أَجر ُمْ وكَِث ٌ مِةنْ ُمْ فَا ِة ُونَ), احلديةد: (72).‬
   ‫ُةر ك‬                                ‫هم م ْ ن َ ُهم س ق‬
‫مِنْ ُ ُ الْ ُؤمُِونَ وَأكَْثر ُ ُ اْلفَا ِة ُونَ (511) لَةنْ َيض ُّو ُمْ‬
     ‫ر‬                 ‫ُةم‬             ‫و ْ ل ك ي َل كم َ‬
‫إلَّا َأذًى َإن ُيقَاتُِو ُمْ ُوُّةو ُ ُ الْأدْبَةارَ ث َّ لَةا يُْنصَة ُونَ‬

                  ‫1 - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: (2/ 931).‬

                                              ‫902‬
         ‫ك‬
‫(111).كما قا تعاىل:(كَيْةفَ وَإنْ َيظْهَةرُوا عَلَةيْ ُمْ لَةا‬
  ‫قل ه‬                       ‫ِم ض ك َ و‬                                   ‫ْقعب ك‬
‫َيرُُوا فِي ُمْ إلا وَلَا ذ َّةً ُيرْ ُونَ ُمْ بةأفْ َاهِهمْ وَتَةأْبَى ُُةوبُ ُمْ‬
                    ‫ق‬
‫وَأكَْثر ُمْ فَاس ُونَ),التوبة: (8).وقا تعاىل: ( ُةلْ يَةا َأهْةلَ‬‫َ ُه ِق‬
       ‫َ‬                    ‫َ َن ل َ‬                    ‫َ م ِن‬
‫الْكِتَاب هلْ تَْنقِ ُونَ مَّا إلَّا أَنْ آمَّا بالَّهِ ومَا أُنْةز َ إلَيْنَةا ومَةا‬
   ‫ة‬                     ‫ق‬            ‫َك‬                 ‫لَ‬
  ‫ُنْةز َ مِةنْ قَعبْة ُ وأَنَّ َأكْثَةر ُمْ فَاسِة ُونَ), (95). وقةا‬          ‫أة‬
                              ‫الن ي َ‬                    ‫ن يْ ن‬
‫تعاىل:(وَلَوْ كَاُوا ُؤمُِونَ باللَّهِ وَ َّعب ِّ ومَةا أُنْةز َ إلَيْةهِ مَةا‬
                                ‫ه ِق‬                     ‫ِن‬                 ‫َّ ذ ه‬
                  ‫اتخَ ُو ُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَك َّ كَِثريًا مِنْ ُمْ فَاس ُونَ (18)‬
   ‫وهكذا تتنوع ععبارات القرآن الكرمي يف بيان فسق أكثر أهل‬
                                ‫الكتاب, وبعدهم عن سواء السعبيل,‬
                                ‫كثري من أهل الكتاب ساء ما رعملون‬
‫ذكر القرآن الكرمي أن كثريا من أهل الكتةاب سةاء مةا‬
                      ‫الت‬             ‫َنه‬
‫يعملون, قا تعاىل:(وَلَوْ أَّ ُمْ َأقَةامُوا َّةوْرَاةَ وَالْإنْجيةلَ‬
                  ‫ْ َ‬          ‫ِ‬        ‫ِ َب َ‬                  ‫َ أ‬
‫ومَا ُنْز َ إلَيْهمْ منْ رِّهمْ لَأكَلُوا منْ فَةوقِهمْ ومِةنْ َتحْةتِ‬
                  ‫ة َ ري ه‬                       ‫ه ُم ة ُ‬         ‫ج‬
‫أَرْ ُلِهمْ مِنْ ُمْ أ َّة ٌ مقَْتصِةدَ ٌ وكَةِث ٌ مِةنْ ُمْ سَةاءَ مَةا‬
 ‫َيعْمَُونَ), املائدة: (99). أي:(كثري منهم سةي عملةهم،‬            ‫ل‬
‫وذلك أهنم يكفرون بةاهلل، فتكةذب النصةارى مبحمةد‬
                              ‫ع‬
 ‫صلى اهلل عليةه وسةلم، وتةز ُم أن املسةيحَ ابةن اهلل,‬
 ‫ِّب اليهود بعيسى ومبحمةد -صةلى اهلل عليهمةا-.‬                 ‫وتكذ‬




                                          ‫012‬
                                           ‫ذام‬
‫فقا اهلل تعاىل فيهم ًّا هلةم:"سةاء مةا يعملةون"، يف‬
                                               ‫ذلك من فعلهم.)(1)‬
‫كما أخرب القرآن الكرمي أن كثريا منهم بةئس عملةهم, وبةني‬
‫القرآن سعبب ذم عملهم, بأهنم يسةارعون يف اإلمث والعةدوان‬
                 ‫ع‬          ‫ه ي‬
‫وأكل السحت,(وََترَى كَِثريًا مِةنْ ُمْ ُسَةار ُونَ فِةي الْةإثْم‬
                ‫ل‬                              ‫َ م ُّ ْ‬              ‫وع‬
‫َاْل ُدْوَانِ وَأكْلِه ُ السحتَ لَعبْئسَ مَا كَانُوا َيعْمَُةونَ),املائةدة:‬
‫(29).( وكان من أكلهم أموا الناس بالعباطةل، مةا كةانوا‬
‫يأخذون من أمثان الكتب اليت كةانوا يكتعبوهنةا بأيةديهم، مث‬
‫يقولون:"هذا من عند اهلل"، ومةا أشةعبه ذلةك مةن املآكةل‬
‫اصسيسة اصعبيثة. فعاقعبهم اهلل على مجيع ذلةك، بتحرميةه مةا‬
‫َّم عليهم من الطيعبةات الةيت كانةت هلةم حةالال قعبةل‬                  ‫حر‬
                                                             ‫ذلك.)(2)‬
                                 ‫كثري من أهل الكتاب عموا وصموا‬
‫ووصف القرآن الكرمي كثريا مةن أهةل الكتةاب بةأهنم‬
   ‫َل‬
‫عموا وصموا, ومن ذلك قولةه تعةاىل:(وَحَسِةعبُوا أَّةا‬
     ‫ُةم م‬              ‫له‬           ‫َم ُم‬           ‫ةَم‬               ‫ك‬
‫تَ ُونَ فِتْنَ ٌ فعَ ُوا وَص ُّوا ث َّ تَابَ الَّ ُ عَلَةيْهمْ ث َّ عَ ُةوا‬
                  ‫ل‬             ‫َم ري ه و ه ص ري‬
‫وَص ُّوا كَِث ٌ مِنْ ُمْ َاللَّ ُ َب ِة ٌ بمَةا َيعْمَُةونَ),املائةدة:‬
                                                                   ‫(17).‬


                                              ‫1 - جامع العبيان:(51/ 594).‬
                                                ‫2 - جامع العبيان:(9/ 293).‬
                                        ‫112‬
‫(فعموا عن احلق والوفاء بامليثاق الذي أخذتةه علةيهم، مةن‬
‫إخالص ععبةاديت، واالنتةهاء إىل أمةري وهنيةي، والعمةل‬
                                              ‫بطاعيت )(1)‬
‫فهؤالء:(داروا مع اهلوى فوقعةوا يف الةعبالء. ومةن أمةارات‬
‫الشقاء اإلصرار على متابعة اهلوى، وحسعبوا أال تكةون فتنةة،‬
‫فعموا وصموا. واغتروا بطو اإلمها فأصةروا علةى قعبةيح‬
‫األعما ، فلما أخذهتم فجةاءة االنتقةام مل يةنفعهم النةدم،‬
                                       ‫وب ّح هبم األمل.)(2)‬
                                                       ‫ر‬
     ‫كثري من أهل الكتاب رودون أن رردوا املؤمنني من بعد إميامم‬
                                   ‫كفارا حسدا من عند أنفسهم‬
‫وصف القرآن الكرمي الكثرة من أهل الكتةاب بةأهنم يةودون‬
‫لو يردون املؤمنني إىل الكفر من بعد إميةاهنم كفةارا؛ حسةدا‬
‫من عند أنفسهم, وقد أيد الواقع الذي يعيشةه النةاس قةدميا‬
‫وحديثا هذه األحكام القرآنية املعجزة الةيت تظهةر لكةل ذي‬
‫عينني أن هذا القرآن (ال يأتيه العباطل من بةني يديةه وال مةن‬
                 ‫خلفه تنزيل من حكيم محيد), فصلت:24.‬
‫ومن اآليات اليت رصدت تلك الصفة لةدى أهةل الكتةاب,‬
‫وأكدت أن الكثرة منهم هبذا امليل القليب واحلنةف االةائر مةا‬


                                ‫1 - جامع العبيان: (51/ 874).‬
                               ‫2 - لطائف اإلشارات:(1/ 934).‬
                             ‫212‬
                                  ‫ري‬        ‫َد‬
‫ورد يف قوله تعةاىل: ( و َّ كَةِث ٌ مِةنْ َأهْةل الْكِتَةاب لَةوْ‬
          ‫ف‬                               ‫ك ُف‬                      ‫ُد ك ِ‬
‫َير ُّونَ ُمْ منْ َبعْدِ إميَان ُمْ ك َّارًا حَسَةدًا مِةنْ عِنْةدِ أَْن ُسِةهمْ‬
                      ‫َت‬       ‫ْ‬            ‫َّ هم َق ف‬
‫منْ َبعْدِ مَا تَعبَينَ لَ ُ ُ اْلح ُّ َاعْفُوا وَاصفَحُوا حَّةى يَةأْتِيَ اللَّةهُ‬‫ِ‬
                                     ‫ر‬            ‫ُل‬
                 ‫بأمْرهِ إنَّ اللَّهَ عَلَى ك ِّ شَيْءٍ قَدِي ٌ ), العبقرة:(951).‬ ‫َ‬
‫(ولكن كثريا منهم ودوا أهنم يةردونكم مةن بعةد إميةانكم‬
‫كفارا، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنعبةيكم حممةد صةلى‬
‫اهلل عليه وسلم، من بعد ما تعبني هلةم احلةق يف أمةر حممةد،‬
                                 ‫وأنه نيب إليهم وإىل خلقي كافة.)(1)‬
‫(وقد أخرب اهلل جل ثناؤه أن كثريا منهم يةودون لةو يةردون‬
‫املؤمنني كفارا بعد إمياهنم، والواحد ال يقا له"كةثري"، مبعةىن‬
‫الكثرة يف العدد، إال أن يكون قائل ذلك أراد بوجةه الكثةرة‬
‫اليت وصف اهلل هبا من وصفه هبا يف هةذه اآليةة، الكثةرة يف‬
‫العز ورفعة املنزلة يف قومه وعشريته، كمةا يقةا :"فةالن يف‬
‫الناس كثري"، يراد به كثرة املنزلةة والقةدر. فةإن كةان أراد‬
‫ذلك فقد أخطأ، ألن اهلل جةل ثنةاؤه قةد وصةفهم بصةفة‬
 ‫االماعة فقا : (لو يردونكم من بعد إميانكم كفةارا حسةدا)‬
‫، فذلك دليل على أنه عىن الكثرة يف العةدد, أو يكةون ظةن‬
‫أنه من الكالم الةذي خيةرج خمةرج اصةرب عةن االماعةة،‬
‫واملقصود باصرب عنه الواحد، نظري مةا قلنةا آنفةا يف بيةت‬

                                                 ‫1 - جامع العبيان: (2/ 894).‬

                                          ‫312‬
‫مجيل، فيكون ذلك أيضا خطأ. وذلةك أن الكةالم إذا كةان‬
‫بذلك املعىن، فال بد من داللة فيه تد على أن ذلةك معنةاه،‬
‫وال داللة تد يف قوله: (ود كةثري مةن أهةل الكتةاب) أن‬
‫املراد به واحد دون مجاعة كةثرية، فيجةوز صةرف تأويةل‬
‫اآلية إىل ذلك، وإحالةة دليةل ظةاهره إىل غةري الغالةب يف‬
‫االستعما .)(1), وهذه الكثرة هي مناط السةننية يف حةديث‬
                                              ‫القرآن الكرمي.‬
‫يقو اإلمام القشريي معبينا مالمةح السةننية يف اآليةة الكرميةة:‬
                   ‫د‬
‫(من حلقه خسران الفهم من أصحاب الغفلة و ّ أال يطلةع ألحةد‬
‫بالسالمة جنم، ومن اعتراه احلسد أراد أال تنعبسةط علةى حمسةوده‬
‫مشس. وكذلك كانةت صةفات الكفةار، فةأرغم اهلل أنفهةم،‬
                                    ‫وكّهم على وجوههم.)(2)‬   ‫عب‬
                                        ‫كثري من أهل الكتاب مسرفون‬
          ‫ه‬                ‫ه رسل َي ُم ن‬
‫(.. وََلقَدْ جَاءَتْ ُمْ ُ ُُنَا بالْعبِّنَاتِ ث َّ إ َّ كَِثريًا مِةنْ ُمْ َبعْةدَ‬
                                       ‫م ف‬
 ‫ذَلِكَ فِةي الْةأَرْض لَ ُسْةرُونَ), املائةدة:(23).أي: (أن‬
‫كثريًا من بين إسرائيل.=و"اهلةاء واملةيم" يف قولةه:"مث إن‬
‫كثريًا منهم"، من ذكر بين إسةرائيل، وكةذلك ذلةك يف‬
‫قوله:"ولقد جاءهتم"بعد ذلك"، يعين: بعةد جمةيء رسةل‬


                                                 ‫1 - جامع العبيان:(2/ 555).‬
                                              ‫2 - لطائف اإلشارات:(1/ 311).‬
                                            ‫412‬
       ‫يعة أهنة‬                      ‫ملسة‬
‫اهلل بال ةات "يف األرض ةرفون"، ةين: ةم يف‬                        ‫عبينة‬
‫األرض لعاملون مبعاصي اهلل، وخمةالفون أمةر اهلل وهنيةه،‬
                               ‫ء‬
‫ُّو اهلل ورسله، باتعباعهم أهةوا َهم. وخالفهةم علةى‬                     ‫وحماد‬
‫أنعبيائهم، وذلك كان إسةرافهم يف األرض.)(1) (أَيْ: لَةمْ‬
                       ‫ذ ف ه‬                   ‫ه َي ت الرس‬
‫ُتغْن عَنْ ُمْ بِّنَا ُ ُّ ُل، وَلَا هَ ََّبتْ ُن ُوسَ ُمْ، بَةلْ كَةانَ‬
                              ‫ال ُ ِ ِ الت‬                          ‫ري ه‬
‫كَِث ٌ مِنْ ُمْ َبعْدَ ذَلِكَ َّذِي ذكرَ منَ َّشْةدِيدِ عَلَةيْهمْ فِةي‬
             ‫ي ف‬                 ‫الرس َي‬            ‫َِ م‬
‫َأمْر اْلقَتْل، ومنْ َجيءِ ُّ ُل بالْعبِّنَةاتِ، ُسْةرُونَ فِةي‬
                           ‫َك‬               ‫ئ ُ‬
‫الْأَرْض باْلقَتْل وَسَاِر ضرُوب الَْعبغْي. أ َّدَ إثْعبَةاتَ وَصْةفِ‬
              ‫َن‬                 ‫ْ‬           ‫ه ْ‬                        ‫ْ‬
‫الْإسرَافِ لِكَِثريٍ مِنْ ُمْ تَأكِيدًا َبعْدَ تَأكِيةدٍ ; لِةأ َّ تَشْةدِيدَ‬
  ‫َ‬                          ‫ن‬         ‫ْ َي الرس‬
‫َّريعَةِ، وَتَكرَارَ بِّنَاتِ ُّ ُةل، كَاَةتْ َتقَْتضِةي عَةدمَ‬           ‫الش‬
     ‫ُم‬                   ‫ث د‬              ‫ند ه و ح م‬
‫ذَلِكَ أَوْ ُ ُورَ ُ. َاْل ُكْ ُ عَلَى الْكَةِري ُونَ جَمِيةع الْأ َّةةِ‬
         ‫َ ئ َ‬                                ‫الص‬
‫منْ دَّةِ اْلقرْآنِ فِي ِّةدْق وََتحْدِيةدِ اْلحقَةاِق، وهَةذَا‬ ‫ِ ِق ُ‬
      ‫ُم‬               ‫ي ن ُةم‬                         ‫ْ‬
‫ُّ ُو ُ فِي الْإسرَافِ لَا ُمْكِة ُ أَنْ َيع َّ َأفْةرَادَ الْأ َّةةِ،‬  ‫الرس‬
                                   ‫ث‬
‫وَالَّا ُ ُيطِْل ُةونَ وَصْةفَ الْكَةِري عَلَةى اْلجَمِيةع فِةي‬‫نس ق‬
                                                               ‫اْلغَاِب.)(2)‬
                                                                        ‫ل‬
                 ‫كثري من أهل الكتاب ضالون ومضلون عن سبيل اهلل‬
‫وصف القرآن الكرمي أكثر أهل الكتاب بأهنم ضةلوا وأضةلوا‬
    ‫ل‬                      ‫ْ‬         ‫ُ‬
‫عن سعبيل اهلل وسواء السعبيل,(قلْ يَا َأهلَ الْكِتَةاب لَةا َتغُْةوا‬


                                            ‫1 - جامع العبيان: (51/ 242).‬
                                                ‫2 - تفسري املنار: (9/ 592).‬
                                         ‫512‬
                 ‫َةل‬         ‫ْ‬                ‫ق َت ع‬                         ‫ك‬
‫فِي دِين ُمْ غَْيرَ اْلحَ ِّ وَلَا تَّعب ُوا َأهْوَاءَ قَومٍ قَدْ ض ُّوا مِةنْ قَعبْةلُ‬
                                     ‫الس‬                ‫َل َ‬
            ‫وأَضُّوا كَِثريًا وَضُّوا عنْ سَوَاءِ َّعبيل), املائدة: (77).‬        ‫َ َل‬
 ‫يقو :(وال تتعبعوا أيضًا يف املسيح أهواء اليهود الةذين قةد ضةلوا‬
‫قعبلكم عن سعبيل اهلةدى يف القةو فيةه، فتقولةون فيةه كمةا‬
                          ‫ت‬                ‫أم‬
 ‫قالوا:"هو لغري رَشْدة"، وتعبهتوا َّه كما بَهَُوهةا بالفريةة وهةي‬
‫ِّيقة , "وأضلوا كثريًا"، يقو تعةاىل ذكةره: وأضةل هةؤالء‬                                 ‫صد‬
‫اليهود كثريًا من الناس، فحادوا هبم عن طريةق احلةق، ومحلةوهم‬
 ‫على الكفر باهلل والتكذيب باملسيح"وضلوا عةن سةواء السةعبيل"،‬
‫يقو : َّ هؤالء اليهود عةن قصةد الطريةق، وركعبةوا غةري‬                        ‫وضل‬
             ‫ر‬
‫َّة احلق. وإمنا يعين تعةاىل ذكةره بةذلك، كفة َهم بةاهلل،‬                                ‫حمج‬
‫وتكذيعبَهم رسةله: عيسةى وحممةدًا صةلى اهلل عليةه وسةلم،‬
‫وذهابَهم عن اإلميان وبع َهم منه. وذلك كةان ضةالهلم الةذي‬‫د‬
                                                                  ‫وصفهم اهلل به.)(1)‬
                                                  ‫أكثر أهل الكتاب ال رؤمنون‬
‫وصف القرآن الكةرمي أهةل الكتةاب بةأن أكثةرهم ال‬
  ‫ق ه‬             ‫ه‬                               ‫َ ُل‬
‫يؤمنون, فقا : (أَوكَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَعبَةذَ ُ فَرية ٌ مِةنْ ُمْ‬
                                                      ‫ُه ي ْ ن‬
                       ‫َبلْ َأكَْثر ُمْ لَا ُؤمُِونَ), العبقرة: (551).‬




                                           ‫1 - جامع العبيان: (51/ 784, 784).‬
                                           ‫612‬
‫أي:(بل أكثر هؤالء - الذين كلما عاهةدوا اهلل عهةدا وواثقةوه‬
                       ‫موثقا، نقضه فريق منهم - ال يؤمنون.)(1)‬
                            ‫2-كثري من أهل الكتاب رتولون الذرن كفروا‬
                        ‫َ‬        ‫ه ل ال‬
       ‫يقل (تعاىل(: (َترَى كَِثريًا مِنْ ُمْ يَتَوََّوْنَ َّذِينَ كَفرُوا لَعبْئسَ مَا‬
            ‫ه‬                 ‫َ‬            ‫له‬                       ‫َّ َ ه فسه‬
          ‫قَدمتْ لَ ُمْ أَْن ُ ُ ُمْ أَنْ سَخِطَ الَّ ُ عَلَيْهمْ وفِي اْلعَذَاب ُمْ‬
                      ‫ن ي ْ ن َ ل َالن ي َ أ‬                                 ‫د‬
     ‫خَالِ ُونَ (58) وَلَوْ كَاُوا ُؤمُِون بالَّهِ و َّعب ِّ ومَا ُنْز َ إلَيْهِ مَا‬
                                      ‫ه ِق‬                  ‫ِن‬             ‫َّ ذ ه‬
 ‫اتخَ ُو ُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَك َّ كَِثريًا مِنْ ُمْ فَاس ُونَ), املائدة: (58,18).‬
          ‫ال‬          ‫ل‬                                             ‫ث ه‬
‫(تَرى كَِرياً مِنْ ُمْ قا مقاتل: يعةين: اليهةود يَتَوََّةوْنَ َّةذِينَ‬
               ‫ث‬
‫كف ُوا من مشركي العرب. وقا الكليب: تَةرى كَةِرياً مةن‬                         ‫َ َر‬
    ‫َّ َ‬                                              ‫الذ َ َر‬
‫املنافقني يَتَوَلَّوْنَ َّ ِينَ كف ُوا يعين:اليهود، لَعبةْئسَ مَةا قَةدمتْ‬
                                                     ‫ه‬         ‫َ‬         ‫ه فسه‬
‫لَ ُمْ أَْن ُ ُ ُمْ أَنْ سخِطَ اللَّ ُ عَلَيْهمْ معناه: لعبئس الفعةل الةذي‬
‫كانوا يستوجعبون به السخط مةن اهلل تعةاىل، ويوجةب هلةم‬
     ‫ة‬            ‫د‬                 ‫ة ه‬
 ‫العقوبةة والعةذاب وفِةي اْلعَةذاب ُةمْ خالِة ُونَ يعةين:‬ ‫َ‬
                                                                       ‫دائمون.)(2)‬
         ‫كثري من األحبار والرهبان رأكلون أموال الناس بالباطل‬
                                                      ‫ورصدون عن سبيل اهلل‬
‫أكد القرآن الكرمي للمؤمنني أن كثريا مةن أهةل الكتةاب‬
‫يأكلون أموا الناس بالعباطل عةن طريةق الرشةا والربةا‬


                                                      ‫1 - جامع العبيان: (2/ 554).‬
                                                        ‫2 - حبر العلوم: (1/ 114).‬
                                           ‫712‬
 ‫والسحت, ويزعمون ألتعباعهم أهنم يفتوهنم مةن الةوحي,‬
‫وينفروهنم عن الدخو يف اإلسالم, وأكةد واقةع النةاس‬
 ‫قدميا وحديثا هذه الصفة يف أهل الكتةاب, قةا تعةاىل:‬
          ‫ُّ‬                                     ‫َي الذ َ ن ن‬
‫(يَا أُّهَا َّ ِينَ آمَُوا إ َّ كَةِثريًا مِةنَ الْأَحْعبَةار وَالرهْعبَةانِ‬
                                  ‫ُد‬      ‫ط‬              ‫ن‬
 ‫لَيَأ ُُونَ َأمْوَا َ الَّاس بالْعبَا ِل وََيص ُّونَ عَةنْ سَةعبيل اللَّةهِ‬ ‫ْكل‬
                            ‫ِق‬         ‫ِض‬           ‫َّ َ‬           ‫ز‬
  ‫و َّ ِينَ يَكْن ُونَ الذهبَ وَاْلف َّةَ وَلَا يُْنف ُونَهَةا فِةي سَةعبيل‬   ‫َالذ‬
                                                                      ‫ِّ ْه‬
                         ‫اللَّهِ فَعبَشر ُمْ بعَذَابٍ أَلِيمٍ ), التوبة:(43).‬
        ‫ه‬                                            ‫ِ ع و ُر‬
‫(إ َّ كَِثريًا منَ اْل ُلَمَاءِ َاْلق َّاءِ مِةنْ بَنةي إسْةرَائِيلَ مِةنَ الْيَ ُةودِ‬‫ن‬
                                             ‫الن‬                      ‫ْكل‬
  ‫وَالنصَارَى {لَيَأ ُُونَ أَمْةوَا َ َّةاس بالْعبَاطِةل} [التوبةة: 43]‬                 ‫َّ‬
                              ‫ِّف‬              ‫ك‬                     ‫خذ الر‬
‫َي ُو ُ: يَأْ ُ ُونَ ُّشَى فِي أَحْ َامِهمْ، وَُيحَرُةونَ كِتَةابَ اللَّةهِ،‬               ‫ق‬
                                              ‫كت ُةم ق ل‬
‫وَيَكُُْونَ بأَيْدِيهمْ ُُعبًا ث َّ َي ُوُةونَ: هَةذِهِ مِةنْ عِنْةدِ اللَّةهِ،‬     ‫تعب‬
                      ‫ُةد‬                        ‫ِ س‬
  ‫وَيَأْ ُ ُونَ بهَا ثَمَنًا قَلِيلًا منْ َةفَلَتِهمْ. {وََيص ُّونَ عَةنْ سَةعبيل‬  ‫خذ‬
              ‫الةدخ‬                        ‫ع‬               ‫ق‬
‫اللَّهِ} [األنفا : 74] َي ُو ُ: وَيَمَْن ُةونَ مَةنْ أَرَادَ ُّ ُو َ فِةي‬
                                     ‫الْإسَْام ُّ ُو َ فِيهِ بَيْنَ ُمْ إَّا ُمْ عَنْ ُ)(1)‬
                                          ‫ه يه ه‬                             ‫ل الدخ‬
‫(قا السدي: األحعبار اليهود، والرهعبةان النصةارى. وقةا ابةن‬
             ‫ععباس: «األحعبار العلماء، والرهعبان أصحاب الصوامع»)(2) .‬



                                                    ‫1 - جامع العبيان: (11/ 424).‬
‫2 - حبر العلةوم: (2/ 45), وانظةر: الكشةف والعبيةان عةن تفسةري‬
                                            ‫القرآن: (5/ 73).‬
                                           ‫812‬
              ‫َ‬                                 ‫و ِل َّ ر ِ الت عب‬
‫( َاْلحَاص ُ التحْذِي ُ منَ َّشَُّهِ بهةمْ فِةي أَحْةوَالِهمْ وَأقْةوَالِهمْ؛‬
           ‫َ‬                         ‫الن‬               ‫ْكل‬
‫وَلِهَذَا َا َ َتعَالَى: {لَيَأ ُُونَ َأمْةوَا َ َّةاس بالْعبَاطِةل} وذَلِةكَ‬  ‫ق‬
          ‫لن‬                                      ‫َنه ْكل الد الد َ‬
 ‫أَّ ُمْ يَأ ُُونَ ُّنْيَا ب ِّين ومَنَاصِةعبهمْ وَريَاسَةتِهمْ فِةي ا َّةاس،‬
                           ‫ه‬                                            ‫وه‬
 ‫يَأ ُُونَ َأمْ َالَ ُمْ بذَلِكَ، كَمَا كَانَ لِأَحْعبَةار الْيَ ُةودِ عَلَةى َأهْةل‬‫ْكل‬
            ‫بت‬                          ‫ج ِي َ ف ه ده َ َ‬
‫اْل َاهِلَّةِ شرَ ٌ، وَلَ ُمْ عِنْ ُ ُمْ خرْج وهَةدَايَا وَضَةرَاِئ ُ َجةيءُ‬
                  ‫ه‬                 ‫ت ل‬           ‫ه س ه‬                 ‫َم َ‬
 ‫إلَيْهمْ، فَل َّا َبعثَ اللَّ ُ رَ ُولَ ُ، صَلَوَا ُ الَّةهِ وَسَةلَامُ ُ عَلَيْةهِ (4)‬
                 ‫ه‬              ‫َ‬        ‫َ ِ‬           ‫َُ‬                         ‫َر‬
‫اسْتَم ُّوا عَلَى ضَلَالِهمْ وكفْرهِمْ وعِنَادهِمْ، طَمعًةا مِةنْ ُمْ أَنْ تَْعبقَةى‬
          ‫ه ي‬                  ‫َ ه ن النُةو‬                    ‫الر ت‬
‫لَ ُمْ تِلْكَ ِّيَاسَا ُ، فَأَطْفَأهَا اللَّ ُ بُور ُّعب َّةِ، وَسَةلَعبَ ُمْ إَّاهَةا،‬ ‫ه‬
                   ‫وعَ َّضَ ُمْ ب ِّلَّةِ َالْمَسْكَنَةِ، وَبَا ُوا بغضبٍ منَ الَّهِ.)(1)‬
                          ‫ء ََ ِ ل‬                               ‫َ و ه الذ و‬
                     ‫ه د‬               ‫ث‬                 ‫ُ‬        ‫ج‬            ‫و د‬
‫( َإسْنَا ُ هَذِهِ اْل َرميَةِ الْمزْريَةِ إلَى الْكَةِريينَ مِةنْ ُمْ ُونَ جَمِةيعِهمْ‬
                                                           ‫َق‬        ‫ِ َ ئ ر‬
‫منْ دقَاِق َتحَ ِّي اْلح ِّ فِي عِعبَارَاتِ الْكِتَةاب اْلعَزيةز، فَهُةوَ لَةا‬
                            ‫ْ ِ‬                                     ‫ُم‬            ‫كم‬
‫َيحْ ُ ُ عَلَى الْأ َّةِ الْكَعبريَةِ بفَسَةادِ جَمِيةع َأفرَادهَةا أَوْ فِسْةقِهمْ أَوْ‬
        ‫ق َّ‬                      ‫َ‬         ‫ث‬                    ‫ي د‬
‫ُلْمِهمْ، َبلْ ُسْن ُ ذَلِكَ إلَى الْكَِري أَو الْةأكْثَر، أَوْ ُيطْلِة ُ اللفْةظَ‬       ‫ظ‬
                                                        ‫اْل َا َّ ث َّ يَسْتَثْني مِنْ ُ،)(2)‬
                                                               ‫ه‬               ‫ع م ُم‬
 ‫فهؤالء األحعبار والرهعبان جيعلون من أنفسةهم وجيعلةهم قةومهم‬
‫أرباباً تتعبع وتطاع وهم فيما يشةرعون يةأكلون أمةوا النةاس‬
                                              ‫بالعباطل ويصدون عن سعبيل اهلل.‬
                     ‫وأكل أموا الناس كان يتمثل يف صور شىت وما يزا :‬


                                                   ‫1 - تفسري ابن كثري: (4/ 831).‬
                                                     ‫2 - تفسري املنار: (51/ 443).‬
                                            ‫912‬
  ‫(منها ما يأخذونه على فتةاوى حتليةل احلةرام وحتةرمي احلةال‬
‫لصا من ميلكون املا أو السلطان. ومنها مةا يأخةذه القسةيس‬
‫أو الكاهن مقابل االعتراف لةه باصطايةا وغفرانةه- بالسةلطان‬
‫املخو للكنيسة يف زعمهم- لتلك اصطايا! ومنةها الربةا- وهةو‬
‫أوسع أبواهبا وأبشعها- وغريها كثري.كةذلك مةا جيمعونةه مةن‬
‫أموا الناس حملاربة دين احلةق وقةد كةان الرهعبةان واألسةاقفة‬
     ‫ة‬         ‫ة‬         ‫ة‬      ‫ة‬          ‫ة ة‬
‫والكرادلةة والعبةابوات جيمعةون مئةات املاليةني يف احلةروب‬
‫الصليعبية، وما يزالون جيمعوهنا للتعبشري واالستشةراق للصةد عةن‬
                                                   ‫سعبيل اهلل.‬
‫...والكثري من األحعبار والرهعبان يكنةزون هةذه األمةوا الةيت‬
‫يأكلوهنا بالعباطل. وقد شهد تاريخ هؤالء النةاس أمةواالً ضةخمة‬
‫تنتهي إىل أيدي رجا الةدين وتةؤو إىل الكنةائس واألديةرة.‬
‫وقد جاء عليهم زمان كانوا أكثر ثةراء مةن امللةوك املتسةلطني‬
                                        ‫واألباطرة الطغاة!)(1)‬
                     ‫صلة اجلن باإلنس وعالقتها بالكثرة‬
‫ومن األصو االامعة يف الكثرة ما يتعلق بصةلة االةن بةاإلنس,‬
‫وقد ورد يف القرآن الكرمي ما يعبني صلتهم هبةم بصةورة كاشةفة‬
‫سننية ماضية, لدالالت اآليات وتأكيةد الواقةع املعةيش, ومةن‬
‫ذلك: بيان أن االن يستكثرون من اإلنةس وأن اإلنةس خيةربون‬

                    ‫1 - يف ظال القرآن: (3/ 5491), بتصرف يسري.‬
                             ‫022‬
‫يوم القيامة بأهنم استمتع بعضهم بعبعض, بيان إضةال كةثري مةن‬
‫االن لإلنس, وأهنم يوحون إىل أوليائهم ليجةادلوا املةؤمنني, وان‬
‫اإلنس يلقون إليهم السمع, وأكثرهم كةاذبون, وبيةان أن كةثريا‬
‫من االن واإلنس وقود جهنم, وميكن أن نتتعبةع تلةك الضةوابط‬
                                             ‫على النحو التايل:‬
                                    ‫إضالل اجلن لكثري من اإلنس‬
‫أبان القرآن الكرمي يف أصوله االامعة أن االن يضةلون كةثريا مةن‬
          ‫ةن‬                ‫َ‬                  ‫ُ ُه‬      ‫ْ‬
‫اإلنس, فقا تعاىل:(وَيَومَ َيحْشر ُمْ جَمِيعًا يَا معْشَةرَ الْج ِّ قَةدِ‬
                    ‫َب‬                         ‫ُه‬         ‫َق‬              ‫ت ِ‬
‫اسْتَكَْثرُْمْ منَ الْإنْس وَا َ أَوْلِيَاؤ ُمْ مِةنَ الْةإنْس رَّنَةا اسْةتَمْتَعَ‬
   ‫الن ر و ك‬                    ‫ق‬           ‫ال َج ْ‬                          ‫ْض ْ‬
‫َبع ُنَا بَعبعضٍ وَبََلغْنَا أَجَلَنَا َّذِي أ َّلتَ لَنَةا َةا َ َّةا ُ مَثْة َا ُمْ‬
                 ‫م‬         ‫م‬                  ‫ه َّ َب‬
 ‫خَالِ ِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَاءَ اللَّ ُ إن رَّةكَ حَكِةي ٌ عَلِةي ٌ),األنعةام:‬ ‫د‬
                                                                              ‫(821).‬
          ‫ةن‬                ‫َ‬            ‫عب‬         ‫ع‬                 ‫َق ِي ن‬
‫(وَا َ عَل ُّ ْب ُ أَبي طَ ْلحَةَ َن ابْن عََّاسٍ: (يَامعْشَةرَ الْج ِّ قَةدِ‬
        ‫ق‬              ‫َ‬                ‫ت ه‬                               ‫ت ِ‬
‫اسْتَكَْثرُْمْ منَ الْإنْس) َيعْني أَضْلَلُْمْ مِنْ ُمْ كَةِثريًا. وكَةذَلِكَ َةا َ‬
            ‫ث‬       ‫ذ‬             ‫ر‬                       ‫ُج د و َن َ ة‬
‫م َاهِ ٌ َاْلحَس ُ وقَتَادَ ُ. انْتَهَى. فَالِاسْتِكْثَا ُ هُنَا أَخْة ُ الْكَةِري لَةا‬
                                   ‫ن‬               ‫َ ِري‬               ‫عبه َ م‬
 ‫طَلَُ ُ، كقَوْلِه ُ اسْتَكَْثرَ الْةأم ُ مِةنَ اْلجُُةودِ، أَيْ أَخَةذَ كَةِثريًا،‬
   ‫عه‬              ‫م د َنه م‬                                           ‫َف ن ِ َّع‬
‫وُلَا ٌ منَ الط َام أَيْ َأكَةلَ كَةِثريًا. وَالْ ُةرَا ُ أَّ ُة ُ اسْةتَتَْعب ُو ُمْ‬
        ‫َن م َّف‬                  ‫َه‬             ‫ي ه َحش‬
‫بسََب إضْةلَالِهمْ إَّةا ُمْ ف ُ ِةرُوا معَ ُةمْ ; لِةأ َّ الْ ُكَل ِةنيَ‬           ‫عب‬




                                         ‫122‬
                       ‫َةق‬             ‫م ات ع ه‬              ‫َر ْ ي‬
 ‫ُيحْش ُونَ يَومَ اْلقَِامَةِ مَعَ َن ََّعب ُو ُمْ فِي اْلح ِّ وَاْلخَيْةر أَوْ فِةي‬
                                                            ‫الْعبَا ِل َالش ِّ.)(1)‬
                                                                      ‫ط و َّر‬
‫(وهكذا جند تعباد استمتاع من خالف منهج اهلل، هلةؤالء إغةواءٍ‬
‫وسيادة، يأمروهنم بعمل األشةياء املخالفةة ملنةهج اهلل، وهةؤالء‬
‫يستمتعون هبم حيققون هلم شةهواهتم يف صةور تةدين، فيقولةون‬
‫هلم: اععبةدوا األصةنام، واععبةدوا الشةمس، واععبةدوا القمةر،‬
‫فيفعلون. وذلك يرضي فيهم غريزة االنقيةاد التةديين؛ ألن كةل‬
‫نفس مفطورة على أن ترتعبط بقوة أعلةى منةها؛ ألن اإلنسةان إذا‬
‫نظر لنفسه وإىل أقرنائه وجةدهم أبنةاء أغيةار؛ الواحةد منةهم‬
‫يكون اليوم صحيحاً وغداً مريضاً، ويكةون اليةوم غنيةاً وغةداً‬
‫فقرياً، فما الذي يضةمن للةنفس العبشةرية محايةة مةن هةذه‬
             ‫ي‬                                    ‫ب‬
‫األغيار؟.إن اإلنسان حي ّ أن يلجةأ ويةرتعبط بقَةو ّ؛ حةىت إذا‬
                                ‫جاءت هذه األغيار كانت سنداً له.)(2)‬
‫(واملراد أهنم استتعبعوهم بسعبب إضالهلم إيةاهم فحشةروا معهةم،‬
‫ألن املكلفني حيشرون يوم القيامةة مةع مةن اتعبعةوهم يف احلةق‬
     ‫َب‬                   ‫ؤه‬
 ‫واصري، أو يف العباطل والشر.(وَقا َ أَوْلِيةا ُ ُمْ مِةنَ الْةإنْس رَّنَةا‬
                                                              ‫ْض ْ‬
‫اسْتَمْتَعَ َبع ُنا بَعبعضٍ) أي وقا الذين تولةوا االةن مةن اإلنةس‬
‫ىف جواب الرب تعاىل: ربنا متتع كل منا باآلخر مبةا كةان للجةن‬


                                                ‫1 - تفسري املنار: (8/ 95).‬
                                          ‫2 - تفسري الشعراوي: (7/ 1493).‬
                                       ‫222‬
‫من اللذة ىف إغوائنا باألباطيل وأهةواء األنفةس وشةهواهتا، ومبةا‬
‫كان لنا يف طاعتهم ووسوسةتهم مةن اللةذة ىف اتعبةاع اهلةوى‬
‫واالنغماس ىف اللةذات، قةا احلسةن العبصةري: ومةا كةان‬
‫استمتاع بعضهم بعبعض إال أن االةن أمةرت وعملةت اإلنةس‬
                                                                ‫)(1)اهة.‬
‫ومن تععبريات القرآن الكرمي عةن إضةال االةن والشةياطني‬
         ‫َةل ك‬
‫صلق كثري من اإلنس قوله تعاىل:(وََلقَةدْ أَض َّ مِةنْ ُمْ جعبلةا‬
                                             ‫كن ْل‬
                          ‫كَِثريًا َأفَلَمْ تَ ُوُوا َتعقُِونَ), يس: (29).‬
‫(ولقد صد الشيطان منكم خلقًا كثريا عةن طةاعيت، وإفةرادي‬
             ‫باأللوهة حىت ععبدوه، واختذوا من دوين آهلة يععبدوهنا.)(2)‬
               ‫كثري من اجلن واإلنس وقود دهنم وأسباب ذلك‬
‫بني القرآن الكرمي يف أصوله االامعةة أن كةثريا مةن االةن‬
‫واإلنس وقود جهنم, معبينةا أسةعباب ذلةك وهةي أهنةم ال‬
‫يفيدون من حواسهم اليت رزقهةم اهلل إياهةا, فةال يفقهةون‬
         ‫ة‬       ‫ة‬           ‫ة‬         ‫ة‬              ‫ة‬
‫بقل ةوهبم,وال يعبص ةرون بأعين ةهم, وال يسةمعون ب ةآذاهنم,‬
‫وأنز اهلل تعاىل درجتهم عن العبشرية إذ مل يفيدوا ممةا خلقةه‬
‫اهلل هلم, فهم كالنعام, بل هةم أضةل منةهم ألن األنعةام مل‬
‫تعط حواسا تعينها على الوعي والعبصر, قةا تعةاىل:(وََلقَةدْ‬

                                             ‫1 - تفسري املراغي: (8/ 82).‬
                                         ‫- جامع العبيان: (52/ 345)‬
                                         ‫.‬
                                                                         ‫2‬




                                   ‫322‬
      ‫ْه‬         ‫ه ق ب‬                   ‫ن‬         ‫ِ‬             ‫َن‬           ‫َ‬
‫ذَرأْنَا ِلجَهَّمَ كَِثريًا منَ الْج ِّ وَالْإنْس لَ ُمْ ُلُو ٌ لَةا َيفقَ ُةونَ‬
           ‫َع‬            ‫ه َ ن‬                   ‫ه ن ي ِر‬
‫بهَا وَلَ ُمْ َأعُْي ٌ لَا ُْعبص ُونَ بهَا وَلَ ُمْ آذَا ٌ لَةا يَسْةم ُونَ بهَةا‬
    ‫ةل ِة ُة‬                    ‫َة َة ُة‬
‫ُولَئ ةكَ كَالْأَْنع ةام ب ةلْ ه ةمْ أَضَة ُّ أُولَئ ةكَ ه ةمُ‬           ‫أ ِة‬
                                        ‫اْلغَافُِونَ),األعراف: (971).‬      ‫ل‬
 ‫وهؤالء يف الدنيا عن احلق تائهون, وعةن الصةراط نةاكعبون,‬
‫ويف الغي يعمهةون, (هةم- اليةوم- ىف جحةيم االحةود،‬
‫مق ّنني ىف أصفاد اصذالن، ملعبسني ثياب احلرمةان، طعةامهم‬                      ‫ر‬
‫ضريع الوحشة، وشراهبم محيم الفرقة، وغةداً هةم ىف جحةيم‬
                                                                   ‫احلرقة)(1)‬
‫(هم الكفار من الفريقني املعرضون عن تةدبر آيةات اهلل واهلل‬
‫تعاىل علم منهم اختيار الكفر فشاء منهم الكفر وخلةق فةيهم‬
‫ذلك وجعل مصريهم جهنم لذلك, وال تنايف بني هةذا وبةني‬
‫قوله و ما خلقت االن واإلنس إال ليععبدون ألنةه إمنةا خلةق‬
‫منهم للععبادة من علم أنه بعديه وأنا من علةم أنةه يكفةر بةه‬
‫فإمنا خلقه ملا علم أنه يكون منه فاحلاصل أن مةن علةم منةه‬
‫يف األز أنه يكون منه الععبادة خلقه للععبادة ومةن علةم منةه‬
‫أن يكون منه الكفر خلقه لذلك وكةم مةن عةامٍ يةراد بةه‬
                                                             ‫اصصوص)(2)‬

                                    ‫1 - لطائف اإلشارات:(1/ 985).‬
                          ‫2 - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: (1/ 919).‬

                                        ‫422‬
                        ‫املبحث الرابع‬

                      ‫سنن اهلل يف الكثرة‬

‫املتأمل آليات الكثرة يف القرآن الكرمي جيد خيطةا دقيقةا رقيقةا‬
‫يربطها, وسياجا واضحا حيكم صورهتا, مبا يؤكةد السةننية فيهةا‬
‫,وأن اآليات متضي بطريقةة يكمةل بعضةها بعضةا, ويؤكةد‬
‫بعضها بعضا يف غري تنافر وال غرابة, بةل الكةل ميضةي ليؤكةد‬
‫هدفا واحدا, ويسعى ليؤدي رسالة واضةحة, وميكةن أن نتةابع‬
                     ‫رسم تلك الصورة الرائقة الفائقة يف خطوتني:‬

                     ‫األوىل: مالمح الترابط السنين يف آيات الكثرة‬

                       ‫الثانية: األصو االامعة لسنن اهلل يف الكثرة‬

                         ‫وميكن أن نتناو ذلك على النحو اآليت:‬

                   ‫أوالً: مالم الترابط السنين يف آرات الكثرة:‬




                             ‫522‬
‫وإذا نظرنا إىل آيات الكثرة وتفحصنا سةريها ودالالهتةا, رأينةا‬
‫أهنا متضي يف خط واحد, وهتدف إىل رسةالة واضةحة, يف كةل‬
‫اآليات الكرمية, مبا يربز السةننية الواضةحة والقاعديةة املطةردة,‬
‫فهي مثالً تأيت يف مواطن لوم قوم نوح لةه علةى كثةرة جدالةه‬
‫هلم, وإحلاحةه يف دعةوهتم إىل, ورد يف مةوطن وصةف قةوم‬
‫فرعون الذين طغوا يف العبالد فأكثروا فيهةا الفسةاد, ويف مةوطن‬
‫لوم اهلل تعاىل للضالني من االةن الةذين اسةتكثروا مةن اإلنةس‬
‫ووصف أكثر الناس بأهنم يضةلون عةن سةعبيل اهلل, وأن أكثةر‬
‫االن واإلنس ذرأهم الهنم,وبيان أن كثريا من الناس عةن آيةات‬
‫اهلل غافلون, وبيان أن كثريا من اصلطةاء يعبغةي بعضةهم علةى‬
‫بعض, وبيةان أن أكثةر النةاس ال يشةكرون, وأن أكثةرهم ال‬
‫يعقلون, وأن أكثرهم ال يعلمةون, وأن أكثةرهم جيهلةون, وأن‬
‫أكثرهم فاسقون, وأن أكثرهم ال يعقلون, وبيان أنةه ال يسةتوي‬
‫اصعبيث والطيب ولو أعجعبت الرائي كثرة اصعبيةث, املتتعبةع هلةذه‬
‫اآليات الكرمية جيد اصيط الذي يربطهةا واحملةور الةذي تةدور‬
‫حوله هو وصف أكثر الناس ووصف أكثر أهةل الكتةاب وهةو‬
‫من وصف العبعض بعد الكةل أو وصةف اصةاص بعةد العةام,‬
‫ووصف صلة االن بةاإلنس, ووصةف ملفةردات مةن األشةياء‬

                             ‫622‬
‫متجانسة كما مر يف صلب العبحث م ,مبا يشةعر النةاظر املتأمةل‬
‫أن هذه السنة متكاملة املعامل واضحة املالمةح بينةة القسةمات,‬
                                                     ‫جلية الصفات.‬

               ‫ومن بينات الداللة السننية يف تلك اآلرات ما رأيت:‬

‫1- تععبريات القرآن الكرمي نفسةه عنةها اةالء ووضةوح‬
‫بألفان تؤكد سننيتها مثةل التعةعبري عنةها باألحكةام‬
‫العامة الةيت تتسةم بالشةمو والعمةوم, والقابلةة‬
    ‫ة ة‬           ‫ة‬       ‫ة‬     ‫ة‬       ‫ة‬
‫للتطعبيةق يف أفةراد كةثرية مثةل: (أكثةر النةاس),‬
‫(أكثرهم),(كثري منهم), وحنو ذلةك مةن الععبةارات‬
                                  ‫حل‬
                 ‫اليت تعبني السننية وا ُكْمية يف الداللة.‬
‫2- األحكام املطلقة الواردة يف اآليةات, (أكثةرهم, كةثري,‬
‫أكثر الناس,كثري منهم, ), وهذا اإلطالق الةذي تعةرب‬
‫عنه اآليات الكرمية مسة من مسةات السةنن الربانيةة,‬
‫وخصيصة من خصائصها, سواء كانةت سةننا تتعلةق‬
‫بالكون واحليةاة, أو سةننا اجتماعيةة, أو تارخييةة,‬
                                       ‫فردية أو مجاعية.‬



                              ‫722‬
‫3- كما أن من بينةات الداللةة السةننية يف آيةات القلةة‬
‫والكثرة, ما ورد يف تعقيب القرآن علةى كةثري مةن‬
‫اآليات اليت تتناو وصف تلك السنة,مةن مثةل قولةه‬
‫(تعاىل) بعد احلديث عن قوم طةالوت وقصةة الةذين‬
‫خرجوا من ديارم وهم ألوف حةذر املةوت: (تلةك‬
‫آيات اهلل نتلوا عليك باحلق وإنةك ملةن املرسةلني),‬
                                           ‫العبقرة:252.‬
‫بلفظ (اآليات),يقو ابن القةيم يف زاد املسةري:‬
             ‫ن‬
  ‫(أي: نق عليك من أخعبةار املتقةدمني. وَإَّةكَ لَمِةنَ‬
                                             ‫ُ ِ ح م‬
  ‫الْمرْسَلنيَ ُك ُك حكمهةم، فمةن صةدقك، فسةعبيله‬
   ‫سعبيل من صدقهم، ومن عصةاك، فسةعبيله سةعبيل مةن‬
                                               ‫عصاهم.)(1)‬
                                              ‫ت‬
‫(تِلْكَ آيا ُ اللَّهِ إشارة إىل ما ق من حديث األلوف‬
‫د‬
‫ومتليك طالوت وإتيان التابوت واهنزام االعبابرة وقتل داو ُ‬
                                ‫َق‬               ‫ل‬
‫جالوت نَتُْوها عَلَيْكَ باْلح ِّ بالوجه املطابق الذي ال يشك‬
                       ‫فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ.)(2)‬



                    ‫1 - زاد املسري يف علم التفسري: (1/ 722).‬
                 ‫2 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل: (1/ 251).‬
                               ‫822‬
‫وتلك كلها عني السنن الربانية يف خصائصها وبياما ويف‬
                                                  ‫داللتها وتعبريها.‬

‫وقد عقب اهلل تعاىل هذه السنن الواردة يف قصةة األلةوف واملةأل‬
‫من بين إسرائيل من بعد موسى بقولةه: (ولةوال دفةع اهلل النةاس‬
‫بعضهم بةعبعض لفسةدت األرض ولكةن اهلل ذو فضةل علةى‬
         ‫ْع‬                       ‫َن‬
 ‫العاملني), العبقةرة:152.(أَيْ: لَوْلَةا أ َّ اهللَ َتعَةالَى يَةدفَ ُ َأهْةلَ‬
                ‫َ‬                              ‫َق َ ْ‬           ‫ط َ‬
‫الْعبَا ِل بأهْل اْلح ِّ، وَأهلَ اْلفَسَادِ فِةي الْةأَرْض بأهْةل الْإصْةلَاح‬
                                              ‫َ ْل ط و‬
‫فِيهَا َلغَلبَ َأه ُ الْعبَا ِل َالْإفْسَةادِ فِةي الْةأَرْض، وََبغَةوْا عَلَةى‬
   ‫َه‬       ‫ه م الس ن‬               ‫َت ك‬             ‫الص ِ َ َْع‬
‫َّاِلحنيَ وأَوق ُوا بهمْ حَّى يَ ُةونَ لَ ُة ُ ُّة ْلطَا ُ وَحْةد ُمْ،‬
                                ‫َ‬                    ‫ِ‬       ‫ض‬           ‫س‬
‫فََتفْ ُدَ الْأَرْ ُ بفَسَادهِمْ، فَكَانَ مِةنْ فضْةل اهللِ عَلَةى اْلعَةالَمَيْن‬
‫ق‬                  ‫َة‬                       ‫َ‬       ‫و ة ة النة‬
‫َإحْسَةانهِ إلَةى َّةاس أَجْمعِةنيَ أَنْ َأذِنَ لِأهْةل دِينةهِ اْلحَة ِّ‬
                                      ‫ُ‬      ‫ت‬                    ‫ُ ِ‬
‫الْمصِْلحنيَ فِي الْأَرْض بقَِةا الْمفْسِةدِينَ فِيهَةا مِةنَ الْكَةافِرينَ‬
‫ك ل‬                        ‫ُ د َ ْل َق ح ب َ‬                                   ‫و‬
‫َالُْعبغَاةِ الْمعْتَ ِينَ، فَأه ُ اْلح ِّ َةرْ ٌ لِأهْةل الْعبَاطِةل فِةي ُة ِّ‬
                           ‫ص ر َةق َ‬                  ‫هلل ِ ُه‬            ‫َ‬
‫زمَانٍ، وَا ُ نَاصر ُمْ مَةا َن َة ُوا اْلح َّ وأَرَادُوا الْإصْةلَاحَ فِةي‬
                                                                    ‫الْأَرْض)(1)‬



                                       ‫تفسري املنار: (2/ 983).‬     ‫-‬
                                                                       ‫1‬




                                      ‫922‬
‫الذي تدور عليه آيةة الكثةرة‬         ‫4- التععبري القرآين عن الشخ‬
‫أو تعقب عليه بالوصف ال باالسةم وال بالرسةم, ممةا‬
‫يعطي مشوال لكل من وصف وصةفه, ونسةج علةى‬
‫منواله, وتلك واضحة يف عةدم ذكةر اسةم فرعةون‬
‫الذي عقب اهلل تعةاىل علةى إغراقةه بقولةه(فةاليوم‬
‫ننجيك بعبدنك لتكون ملن خلفك آيةة),حةىت ميضةي‬
‫وصفه على كل (فرعون) ما بقيةت احليةاة, وتلةك‬
‫بعض مالمح السننية يف القرآن الكرمي, فهةي ال حتةدد‬
‫االسم, وال الزمان, وال املكان؛ حىت يفيد النةاس مةن‬
‫الوصف, وال يتوقفوا عند االسةم والرسةم, ولكةن‬
‫أكثر الناس غافلون عن هذه العةرب, وتلةك الفوائةد‬
‫اليت تعبقى ما بقي اإلنسان, وتتعاقب ما تعاقةب الليةل‬
                                               ‫والنهار.‬
‫5- كثرة التأكيدات يف التعقيب على بعةض آيةات الكثةرة‬
‫لفتا ألنظار الناس وبيانا لسننية اآليةات الكرميةة ممةا‬
‫يدعو إىل لفةت أنظةار النةاس إليهةا وتنعبةيههم إىل‬
‫اإلفادة منها؛ ألهنا تتكرر مع غريه كمةا حةدثت لةه,‬
‫كما يقو صاحب املنةار يف بيةان أثةر املؤكةدات‬

                              ‫032‬
             ‫الت ْ‬      ‫ََك ه‬
‫الواردة يف شأن فرعون: (وأ َّدَ ُ هَةذَا َّأكِيةدَ لِمَةا‬
 ‫د‬             ‫نه‬                 ‫ِدة َ ِ ُو الت‬
‫َتقَْتضِيهِ ش َّ ُ اْلغفْلَةِ منْ ق َّةِ َّنْعبيهِ، أَيْ إَّ ُةمْ لَشَةدِي ُو‬
        ‫َك ر‬                     ‫ِد ه‬                            ‫َ‬
‫اْلغفْلَةِ عَنْهَا عَلَى ش َّةِ ظُ ُورهَةا فَلَةا يََتف َّة ُونَ فِةي‬
          ‫ر‬                                           ‫ئ‬
‫أَسْعبَابهَا وَنَتَاِجهَا وَحِكَم اهللِ فِيهَا، وَلَا َيعْتَعبة ُونَ بهَةا،‬
          ‫ُةر‬               ‫ُ ض‬                 ‫و ن ُر‬
‫َإَّمَا يَم ُّونَ عَلَيْهَا معْر ِةنيَ كَمَةا يَم ُّونَ عَلَةى‬
       ‫د َّ َك‬                 ‫ع َ ذ َ‬
‫مَسَارح الْأَْن َام، وفِيهِ َم لِ ْلغفْلَةِ، وَعَة َم التف ُّةر فِةي‬
   ‫ه‬             ‫س َ‬
‫أَسْعبَاب اْلحَ َادِ ِ وعَ َاقِعبهَا وَاسْتِبَاَنةِ ُلننِ اهللِ فِي َلا،‬
                                            ‫َو‬         ‫و‬
                                         ‫لِ ِاعْتَِارِ وَالِات َاظِ بِ َا.)(1)‬
                                               ‫ِّع ه‬                ‫ل ب‬

                                   ‫ثانيا: األصول اجلامعة لسنن اهلل يف الكثرة‬

‫بعد رصد اآليات اليت تناولت الكثةرة: مكيةة ومدنيةة, وسةواء‬
‫كانت تلك الكثرة يف األمةم, أو األفةراد أو األشةياء ودرسةها‬
‫وتأمل دالالهتا ميكةن أن نسةتخل يف نقةاط السةنن املاضةية‬
               ‫واألصو االامعة يف قضية الكثرة على النحو التايل:‬



                 ‫1- أن الكثرة مشلت يف آياهتا األفراد واألمم,واألشياء‬
                                                            ‫واألشخاص.‬

                                               ‫1 - تفسري املنار: (11/ 593).‬
                                           ‫132‬
‫2- أن منها ما يتعلق بالناس, ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب,ومنها‬
   ‫ما يتعلق باالن,ويف كل متضي يف سننية مطردة تزيدها‬
    ‫احلياة تأكيدا, خاصة يف املقدور على معرفته من واقع‬
                                   ‫الناس وأحدا احلياة.‬
‫3- أن الكثرة تكون حممودة إذا كانت فيما يفيد كالكثرة يف عدد‬
  ‫القعبيل واآل الذين يستعان هبم يف قضاء املراد, والتغلب‬
                                             ‫على األعداء.‬
    ‫4- أن الكثرة تكون حممودة إذا كان العدد فيها ال يؤثر على‬
  ‫النوع, والكم فيها ال يفسد الكيف,بل يدعمه ويقويه.‬
       ‫5- أهنا تكون حممودة يف استجالب اصري, واحلرص عليه.‬
         ‫9- أهنا تكون حممودة يف باب ذكر اهلل (تعاىل),وشكره‬
                                                ‫وتسعبيحه.‬
       ‫7- وتكون حممودة إذا كانت يف جانب النفع عامة للعبالد‬
 ‫والععباد,كالكثرة يف الغيث املفيد الذي حييي اهلل به العبالد‬
                                         ‫ويقيت به الععباد.‬
                   ‫8- أن أكثر الناس يضلون بأهوائهم بغري علم.‬
                      ‫9- أن كثريا من الناس بلقاء رهبم كافرون.‬
    ‫51- أن أكثر الناس ال يؤمنون باهلل إال وهم به مشركون.‬

                                 ‫232‬
                     ‫11- أن أكثر الناس ال يعلمون.‬
                      ‫21- أن أكثر الناس ال يعقلون.‬
                 ‫31- أن أكثر الناس للحق كارهون.‬
                    ‫41- أن أكثر الناس ال يشكرون.‬
                   ‫51- أن أكثر بين آدم ال عهد هلم.‬
                 ‫91- أن أكثر أهل الكتاب فاسقون.‬
       ‫71- أن كثريا من أهل الكتاب ساء ما يعملون.‬
         ‫81- أن كثريا من أهل الكتاب عموا وصموا.‬
             ‫91- أن كثريا من أهل الكتاب مسرفون.‬
       ‫52- أن كثريا من أهل الكتاب ضالون مضلون.‬
               ‫12- أن أكثر أهل الكتاب ال يؤمنون.‬
   ‫22- أن كثريا من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا.‬
‫32- أن كثريا من األحعبار والرهعبان يأكلون أموا الناس‬
                ‫بالعباطل ويصدون عن سعبيل اهلل.‬
    ‫42- أن كثريا من اصلطاء يعبغي بعضهم على بعض.‬
               ‫52- أن كثريا من االن يضلون اإلنس.‬
          ‫92- أن كثريا من االن واإلنس وقود جهنم.‬


                      ‫332‬
‫تلك بعض األصو االامعة اليت ميكةن أن تصةور لنةا‬
‫سنن اهلل (تعاىل) يف القلة يف ضةوء اآليةات الكرميةة,‬
‫واليت ميكن أن يفيد منها املسةلمون عامةة واملعنيةون‬
‫بنهضة األمة خاصة وسيعبني ذلةك يف صةفحات آتيةة‬
‫لدى احلديث عن ريةادة القلةة وأثرهةا يف الشةهود‬
       ‫احلضاري لألمة املسلمة, وفقه صناعة القلة الرائدة.‬
‫وهذا مةا سةتعااله الصةفحات اآلتيةة بعةون اهلل‬
                                                ‫وتيسريه.‬




                      ‫الفصل الثالث‬
 ‫موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة بني الوعي‬
                         ‫والسعي‬

                       ‫وفيه مبحثان‬

                               ‫432‬
‫املعبحث األو : ريادة القلة وأثرها يف الشهود احلضاري لألمة‬
                               ‫املسلمة وموقف األمة منها‬

  ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة, وموقف األمة منها.‬



                      ‫املبحث األول‬
      ‫ررادة القلة وأثرها يف الشهود احلضار لألمة‬
               ‫املسلمة,وموقف األمة منها‬
                                      ‫سنة اهلل يف ودود القلة‬
‫جرت سنة اهلل (تعاىل) يف ععباده أن جيعل يف كل زمان قلة‬
‫رائدة, تدعو الناس إىل اهلدى, وتردهم عن الردى, وهتديهم‬
                                  ‫إىل صراط اهلل املستقيم.‬
‫والناظر يف حياة األنعبياء واملرسلني, والدعاة واملصلحني جيد‬
‫أهنم بدؤوا دعواهتم أفرادا, مث انضم إليهم من محل فكرهتم,‬
‫َّى من أجلها, حىت‬ ‫وتعبىن رؤيتهم, وبذ يف سعبيلها, وضح‬
‫استقرت على النهج املعبتغى, واهلدف املرجتى, وأفاد منها من‬
‫يسر اهلل له سعبل اهلداية, (فكل احملاوالت اليت غريت جمرى‬
‫التاريخ أو عدلته وقومته بدأت بأفراد, فإبراهيم, وموسى,‬
‫وعيسى, وحممد, وكل الرسل – صلى اهلل عليهم وسلم-‬
‫بدؤوا أفرادا, وعن طريق التأثري التربوي آمن هبم العبعض‬


                               ‫532‬
‫فعاونوهم فتوسع التأثري حىت غري جمرى احلياة, وخرب‬
‫املصلحني اجملددين من بعد األنعبياء مشهور مستفيض,‬
    ‫َي‬
‫وكذلك كل احملاوالت غري اإلسالمية,(مع الفارق العبِّن)‬
‫فأصحاب العبدع يف التاريخ بدؤوا أفرادا, مث انتهوا إىل تكوين‬
‫طوائف واسعة, وماركس وهتلر كل منهم بدأ فردا‬
‫واستعمل التأثري التربوي فكون حزبا واستلم احلزب السلطة‬
‫فتغري جمرى التاريخ, وال مغري إال اهلل وال من حركة إال بإذنه,‬
‫وكذلك هرتز ووايزمن وأصحاهبما, بدؤوا أفردا واستغلوا‬
‫التأثري التربوي املزدوج يف اليهود وشعوب العامل أمجع فتغري‬
                                      ‫جمرى تاريخ اليهود)(1)‬
‫والناظر يف أنواع القلة اليت حفل هبا التاريخ العبشري قدميا‬
‫وحديثا جيد أن هلا أثرها العبارز ومهمتها اليت ال تنكر, فالقلة‬
   ‫املؤمنة مع نوح عليه السالم واليت وصفها قومه بأهنم أراذ‬
‫وأهنم اتعبعوه بادي الرأي بال تفكر وال وعي هي الفئة اليت‬
‫عمرت األرض وبلغت رسالة اهلل تعاىل وحفظ هبم اهلل عز‬
‫وجل العبشرية من الفناء,وأصحاب الكهف الذين لعبثوا يف‬
‫كهفهم ثال مئة سنني وازدادوا تسعا بعدا عن طواغيت‬
‫األرض وظلمهم ونأيا بدعوهتم من أن يستأصلها العبغاة‬

 ‫1 - منهجية التربية الدعوية, حممد أمحد الراشد,ط: دار احملراب, ط: أوىل2241هة,‬
                                                                     ‫1552م.‬

                                   ‫632‬
‫الطغاة, رواد يف احلفان على دينهم ,ويوسف يف أهل مصر‬
‫فرد واحد لكنه استطاع أن يعرب هبم سين الغالء والعبالء, وأن‬
‫يكون ذلك مفتاح إسالمهم له وإمياهنم بدينه, استطاع أن‬
‫يقود هذه األمة مبا لديه من حفظ وأمانة, وعلم وختص ,‬
‫وذو القرنني فرد وهو من القلة لكنه استطاع أن يفيد من‬
‫القوم الذين ال يكادون يفقهون قوال, وكيف آثر أن‬
‫يشركهم معه يف العبناء احلضاري الذي يفوق بناء السد فعبناء‬
‫اإلنسان وداللته على مكامن نفسه وإرشاده إىل قدراته‬
‫واكتشاف نفسه أمر ال يقدر بثمن وتعبذ فيه املهج‬
‫والنفوس, وأهل بدر الذين كانوا مقارنة بعدوهم قلة‬
‫استطاعوا أن يفرقوا - بإمياهنم وبذهلم وتضحيتهم- بني احلق‬
‫والعباطل هلم وملن بعدهم حىت مسى اهلل تعاىل يوم لقائهم‬
‫بعدوهم (يوم الفرقان), وكان هلم بعد يف جمتمع النعبوة وما‬
   ‫بعده شأن أي شأن, وهكذا كل قلة يف كل زمان ومكان.‬
       ‫الرو‬
‫وقد حفلت آيات القرآن الكرمي باحلديث عن أن َّاد يف‬
‫كل زمان قلة, وأن الفاعلني يف جمرى احلياة قلة, وأن‬
‫النهضات العبشرية واحلضارية واإلصالحية محل لواءها قلة,‬
‫وأن الكثرة غري الفاعلة ال وزن هلا وال قيمة فهي غثاء كغثاء‬
      ‫ُ‬
‫السيل, أو مجع كحَطْب الليل, أوهعباء تذروه الرياح, (قلْ ال‬



                              ‫732‬
    ‫َّ‬              ‫ة‬               ‫ْ‬          ‫ث ِّب‬
‫يَسْتَوي اْلخَعبي ُ وَالطَّي ُ وَلَوْ َأعجَعبَكَ كَْثرَ ُ اْلخَعبيثِ فَاتقُوا‬
                                       ‫َلك ح‬                         ‫أ‬
          ‫اللَّهَ يا ُولِي الْأَلْعباب َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ), املائدة: (551)‬
‫(وقد درت عادته- تعاىل- بكثرة اخلبيلث ملن كلل‬
‫من كل شيء، قا تعةاىل: (وقلِية ٌ‬
‫ل‬                                                      ‫شيء، وقلة الطي‬
  ‫الش ك ر‬                   ‫َ ل‬
 ‫ما ُمْ) ص:«42» ، (وقَلِية ٌ مِةنْ عِعبةادِيَ َّة ُو ُ)‬‫ه‬
         ‫ن س‬
‫سعبأ:«31» ، ويف احلةديث الصةحيح: «الّةا ُ كإبةلٍ‬
         ‫مِائةٍ ال تكا ُ َج ُ فيها رَاحِلةَ» «1» ، وقا الشاعر:‬
                                          ‫دت د‬
                                   ‫ِ ح‬            ‫ح‬
 ‫إّي ألفتَ ُ عَينيَ حنيَ أفَت ُهةا ... عَلَةى كةثري لكةن ال‬ ‫ن‬
                                              ‫أرى أ َدا(2)‬
                                                    ‫ح‬
‫فأهل الصفا قليل يف كلل زملان، ولةذلك خاطعبةهم‬
                                     ‫أ‬              ‫َّق‬
‫بقوله: فَات ُوا اللَّهَ يا ُولِي الْأَلْعباب أي: القلةوب الصةافية‬
 ‫ل‬
‫يف جتنب اصعبيث وإن كثةر، وأخةذ الطيةب وإن قة ّ،‬
                    ‫َلعَّ ُمْ ُتفِْل ُونَ بصالح الدارين.)(3)‬
                                                   ‫َلك ح‬
‫والعربة يف القلة ليس العدد, بل جةودة املعةدن, ونفاسةة‬
‫احملتد, وطيب املنعبت, وعراقةة األصةل, والعمةل الةذي‬
                                                   ‫ْل‬
‫يولده حَم ُ الرسالةِ, وتقدير املسؤولية, واالنشةغا هبةم‬
‫األمة اليت يعيشون فيها بةل تعةيش فةيهم, إن صةحت‬
‫النوايا واستقام الفهم, وإال لو استوت القلةة والكثةرة يف‬

                                                                                          ‫1‬
            ‫- أخرجه البخاري, باب رفع األمانة, 3/532, ومسلم باب الناس كإبل مائة, 5/3232.‬
                               ‫2 - انظر العبيت يف العقد الفريد:2/251.‬
                         ‫3 - العبحر املديد يف تفسري القرآن اجمليد: (2/ 58).‬
                                         ‫832‬
‫صفة من الصفات فإن قانون اهلل الغالب وسةنته املاضةية‬
‫أن يكون األمر يف جانب الكثةرة, ومةن معةاين قولةه‬
‫تعاىل(قل ال يستوي اصعبيث والطيةب) أي: (يف القلةوب‬
‫واألحوا واألعما واألمةوا واألشةخاص، فالطيةب‬
‫من ذلك كله مقعبو حمعبوب، والرديء مةردود ممقةوت،‬
 ‫ل‬                                      ‫ل‬
‫فالطيب مقعبو وإن ق ّ، والةرديء مةردود ولةو جة ّ،‬
                                        ‫ْ‬
‫وهو معىن قوله: وَلَوْ َأعجَعبَةكَ كَثْةرَةُ اْلخَعبيةثِ، فةالعربة‬
                   ‫باالودة والرداءة، دون القلة والكثرة، )(1)‬
‫وإال فالعدد املؤثر مقصود, ومن سنن اهلل اليت ال تتغري سنته‬
‫يف الغلب والنصر, وهو ما حوته آية األنفا ,« إن يكن‬
‫منكم عشرون صابرون يغلعبوا مئتني وإن يكن منكم مئة‬
‫يغلعبوا ألفاً من الذين كفروا بأمم قوم ال رفقهون . اآلن‬
‫خفف اهلل عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة‬
‫صابرة يغلعبوا مشتني وإن يكن منكم ألف يغلعبوا ألفني بإذن‬
                  ‫اهلل واهلل مع الصابرين » األنفا – 99 - .‬
‫فالنص على العدد هنا له داللة, و(نفهم من هذه اآلية أن‬
‫صرب عدد قليل كعشرة أمام ألف ال يشترط إحراز النصر ،‬
‫فكأن اآلية تتحد عن توازن يف الكم والكيف ضمن حدين‬
‫. وميكن االختالف على اعتعبار أن العدد ال مفهوم له .‬

                                              ‫1 - السابق: 2/58.‬

                                   ‫932‬
‫ولكن الذي ال ميكن اصالف عليه هو اعتعبار التوازن يف الكم‬
‫والكيف ، وزيادة الكم حني يضعف الكيف، وهذا واضح‬
‫يف قوله تعاىل :« اآلن خفف اهلل عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً‬
 ‫فإن يكن منكم مئة صابرة يغلعبوا مئتني » ، بعد أن كانوا‬
                                             ‫يغلعبون ألفاً .‬

‫فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الةذي حيةرزه اجملتمةع ،‬
‫أو األمة املخاطعبة بقوله : (منكم) ال يتم بثعبةات فةرد ، أو بةأن‬
‫يكون ما بنفس فرد قد تغري ، إذ ال بد من ثعبةات عةدد معةني ،‬
‫له حد أدىن وأعلى، وإن كانت آية األنفا هةذه حتةدد الكةم،‬
‫وتدخل عامل الكيف ، الذي جاء حبثةه يف موضةوع خةاص أال‬
                                             ‫وهو الثعبات يف املعركة.‬

‫إال أن هذه اصصوصية ليست حمصورة يف املعركةة القتاليةة‬
‫، فمعارك احلياة كثرية ، فمعركة بناء اجملتمةع كةذلك حتتةاج إىل‬
                                         ‫ر‬
‫التوازن نفسه .ونَذْ ُ اإلنسان نفسةه، ومةا وهعبةه اهلل مةن قةوة‬
‫وعمر يف سعبيل فهم مشكالت املسلمني ، يشةمل كةذلك نفةس‬
                          ‫التوازن، سواء ذلك يف بناء الفرد واجملتمع.‬

‫ومعركة التعامل مع سنن اهلل علةى أسةاس الةوعي ، أمةر‬
‫يشمل الكافرين واملؤمنني، وأن الفقه لسةنن اهلل يعطةي النتةائج‬
                                ‫042‬
‫حىت للكافرين ، وملا قا تعاىل :« يغلعبوا ألفاً مةن الةذين كفةروا‬
‫» أعقعبه بقوله « بأهنم قوم ال يفقهون » فهذا يةد علةى تةدخل‬
‫فقه الكافرين أيضاً، كماً وكيفاً، والسةيما الفقةه لسةنن احليةاة‬
‫الدنيا كما سنعبحثه فيما يأيت ، ألن اهلل ميةد املةؤمنني والكةافرين:‬
                                                       ‫ك ن ِد‬
‫« ُلَّاً ُم ُّ هؤالء وهؤالء من عطاء ربك وما كان عطةاء ربةك‬
                                       ‫حمظوراً ».اإلسراء 52(1).‬

                                        ‫ملاذا الفئة املؤمنة قليلة‬

‫واملتأمل للقلة يف اآليات اليت رصةدَتْها, وحتةدثتْ عنةها يف‬
‫ثنايا القرآن الكرمي, جيد أهنا قاعلدة مطلردة, وسلنة حاكملة,‬
‫وأن الفئة املؤمنة دائما قلة, فالذين عربوا النهر مةع طةالوت قلةة,‬
‫والذين اتعبعوا نوحا يف دعوته قلةة, والةذين آووا ونصةروا قلةة,‬
‫وهكذا يف سننية ماضية, ونلاموس ال رتخللف وال رتأدلل, (‬
‫فهذه هي القاعدة يف حةس الةذين يوقنةون أهنةم مالقةوا اهلل.‬
‫القاعدة: أن تكون الفئة املؤمنة قليلةة ألهنةا هةي الةيت ترتقةي‬
‫الدرج الشاق حةىت تنتةهي إىل مرتعبةة االصةطفاء واالختيةار.‬
‫ولكنها تكون الغالعبة؛ ألهنا تتصل مبصةدر القةوى؛ وألهنةا متثةل‬




                                                                            ‫1‬
                                           ‫- حتى يغيروا ما بأنفسهم:53,23.‬

                               ‫142‬
‫القوة الغالعبة. قوة اهلل الغالب على أمةره، القةاهر فةوق ععبةاده،‬
             ‫حمطم االعبارين، وخمزي الظاملني وقاهر املتكربين.)(1)‬

                                     ‫خطورة عدم ودود القلة العاملة‬

            ‫ْ‬
‫واجملتمع الذي خيلو من قلة تقوده, وفئة خمتارة تَةرُودُه, وخنعبةة‬
‫سابقة ترتاد له مواطن اصري,تكون وارده إليها, وفرطا له لديها, تدله‬
‫عليها, وترشده إليها, وحتذره من مغعبات الشر والفسةاد, وحتةذره‬
‫منها, جمتمع على خطر عظيم؛ ألن القلة الرائدة يف كل جمتمع مبثابةة‬
‫العقل الواعي, والذاكرة الواععبة اليت حتفظ األمة, وحتفظ هلا, وتعةي‬
‫أسعباب عزها ونصرها, وعوامل حتللها وفسادها, وهؤالء هم أولةو‬
     ‫ُ‬            ‫ل ك‬
‫العبقية اليت يعرب عنهم القرآن الكرمي يف قوله: (فَلَوَْا َانَ مِنَ اْلقرُونِ‬
                                                      ‫َّ‬
‫مِنْ قَعبْلكُمْ أُولُو َبقِيةٍ يَنْهَوْنَ عَن اْلفسَادِ ِي الْأرْض إَّةا قَلِيلًةا‬
            ‫ل‬      ‫َ ف َ‬                                               ‫ِ‬
   ‫َ ن‬             ‫م م أ ف‬                          ‫َات‬                         ‫ِم‬
 ‫م َّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ و َّعبَعَ الَّذِينَ ظَلَ ُوا َا ُتْرُوا فِيةهِ وكَةاُوا‬
                                                              ‫م مني‬
                                                ‫ُجْر ِ َ), هود: (522).‬

‫(وهذا النظر إىل املوضوع يعبني خطورة أن يعبقةى يف اجملتمةع‬
‫أعداد، مهما كانوا قلة، ال يتمتعون بالوعي التام لقضةايا اجملتمةع .‬
‫وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكايف ، أو احلد األدىن ، مةن‬

                                                     ‫1 - يف ظال القرآن: 1/992.‬
                                       ‫242‬
‫الذين يعون األمور على هذا األساس من النظر . وإدراك ضرر وجود‬
‫غري الواعني يف األمة ، يولد لدى اجملتمع شعوراً باصطر ، أن يكةون‬
‫املركب الذي يسري باجملتمع ، حيتوي على مناذج ال تعرف سنن طفو‬
‫األجسام على املاء ، فيسعون حبسن نية، أو سوء نية ، صرق السفينة‬
                         ‫، كما ورد يف احلديث الشريف الصحيح (1).‬

‫علينا أن ندرك؛ أن التوازن الدقيق يف وعي اجملتمع ، يتأثر كمةا‬
‫يتأثر توازن املركب ، حبيث لو أن ذبابة وقعت على طرف املركب ،‬
‫أثرت يف توازنه مهما كان التأثري ضئيالً . كما أن االسم اإلنسةان‬
‫نفسه ، قائم على مثل هذا التوازن الدقيق يف عوامل الصحة واملرض ،‬
‫فالغدد يف االسم تفرز – حسب احلاجة – اإلفرازات . إال أن اجملتمع‬
‫ال يفرز بالغريزة ، الوعي ذاته ، بتنظيمه . وهذه مهمة عقل اجملتمع ،‬
‫الذي يعترب كل فرد فيه مسئوال. وتتعاظم املسؤولية على قدر ما يتوفر‬
                               ‫للمرء من فرص يف حتصيل ذلك وتنفيذه .‬

‫هذا ونالحظ أن مثا السفينة (املادة) فيزيائي ، بينما يف االسم‬
        ‫بيولوجي يعتمد على الغريزة ، ويف اجملتمع يعتمد على العقل .‬

    ‫1 - إشارة إىل حديث السفينة: (مثل القائم على حدود اهلل والواقع فيها), واحلديث‬
     ‫خرجه العباري يف صحيحه من حديث النعمان بن بشري, باب هل يقرع يف القسمة‬
                                                           ‫واالستهام فيه,3/391.‬
                                     ‫342‬
‫وإدراك املوضوع هبذا املستوى ، جيعل املرء يشعر بقشعريرة حني‬
‫يتذكر أنه سيسأ عن عمره فيم أفناه ، هذا العمر الةذي يعبعثةره .‬
‫وسيسأ عن اإلمكانات األخرى اليت أمهلها وضيعها حني مل يسع إىل‬
‫حتويل ما أودع اهلل يف نفسه من إمكانيات بةالقوة إىل إمكانيةات‬
                                                                               ‫بالفعل.)(1)‬

                  ‫سر الررادة يف القلة وعالقة ذلك بالسننية‬
‫وإذا تأملنا آيات القرآن الكرمي ومطابقتةها لواقةع احليةاة‬
‫واألحياء أدركنا سر كون الريادة للقلةة وأن ذلةك سةنة‬
‫من سةنن اهلل (تعةاىل)؛ ذلةك أن العةربة يف األشةياء‬
    ‫ة‬                   ‫ة‬           ‫ة‬
‫خبصائص ةها وص ةفاهتا وكيفه ةا, ال بع ةددها وكثرهت ةا‬   ‫ة‬       ‫ة‬
‫وكمها, وقد فصلت آيةة األنفةا هةذه القاعةدة أميةا‬
         ‫ص‬               ‫َام َ َن‬                   ‫ق‬
‫تفصيل, فجاءت (باْل َاعِدَةِ اْلع َّةِ وهِيَ أ َّ اْلعِعبْةرَةَ ب ِةفَةِ‬
                         ‫ك ن ِةزة‬                     ‫َ ون‬
‫َّيْءِ لَا بعَددِهِ، َإَّمَةا تَ ُةو ُ اْلع َّ ُ بةالْكَْثرَةِ َبعْةدَ‬‫الش‬
                                                           ‫ِّ‬           ‫الت‬
                                                    ‫َّسَاوي فِي الصفَاتِ.‬
                  ‫ُ‬                       ‫َ‬               ‫ِ َ‬         ‫َم‬
 ‫وَل َّا كَانَ منْ دأْب َأهْل اْلغفْلَةِ وَاْلجَهْل وَاْلغرُور بالْكَثْرَةِ‬
       ‫َّي‬       ‫هِ ْ‬                                 ‫ْ‬               ‫ق‬         ‫ُ‬
‫مطَْلقًا، َا َ تَعَالَى َتعقِيعبًا عَلَى مَا أَثْعبَتَ ُ منْ َتفضِيل الطِّب عَلَى‬
  ‫َلك‬                                       ‫ث َّ‬                        ‫و‬
‫اْلخَعبيثِ َإنْ كَُثرَ اْلخَعبي ُ: (فَاتقُوا اهللَ يَا أُولِي الْأَلْعبَاب َلعَّ ُمْ‬


‫1 - حىت يغريوا ما بأنفسهم, جودت سعيد, ط الثالثة, 7931هة,7791م: 53,93.‬
                                             ‫442‬
            ‫ُق الر‬          ‫ْ‬               ‫َّق‬             ‫ح‬
‫ُتفِْل ُونَ) أَيْ فَات ُوا اهللَ يَا أَصحَابَ اْلع ُو َّاجحَةِ وَلَا‬
              ‫ط‬                                          ‫م‬                 ‫َر‬
‫َتغْت ُّوا بكَْثرَةِ الْ َا اْلخَعبيثِ وَلَا بكَْثرَةِ َأهْل لْعبَا ِل وَاْلفَسَادِ‬
      ‫مك‬            ‫ل‬                               ‫ن‬                       ‫ِ‬
‫منَ اْلخَعبيِثنيَ، فَإ َّ َتقْوَى اهللِ َتعَالَى هِيَ اَّتِي تَنْظِ ُ ُمْ فِي‬
         ‫ِ ُ ِ‬              ‫ك‬           ‫ك‬                    ‫َّي‬
‫سِلْكِ الطِّعبنيَ، فَُيرْجَى لَ ُمْ أَنْ تَ ُونُوا منَ الْمفِْلحنيَ، أَيْ‬
                                        ‫فَاِزينَ بخَيْر ُّنْيَا َالْآخرَةِ.)(1)‬
                                                 ‫الد و ِ‬                   ‫ئ‬
‫والقليل النافع املفيد من األشةياء واألحيةاء هةو الةذي‬
               ‫َي‬
‫يكتب له القعبو والعبقاء,واصريية و(اْلقَلِيةلَ اْلجِّةدَ مِةنَ‬
                         ‫ث َّ ال‬                ‫رِ‬
 ‫اْلغِذَاءِ أَو الْمَتَاع خَْي ٌ منَ الْكَِري الردِيءِ َّةذِي لَةا ُيغْنةي‬
          ‫د‬             ‫ُب ُر ه‬                   ‫د ه‬                       ‫ه‬
‫غِنَاءَ ُ وَلَا ُيفِي ُ فَائِدَتَ ُ، َبلْ رَّمَا َيض ُّ آكِلَ ُ وَُيفْسِة ُ عَلَيْةهِ‬
   ‫ث‬                  ‫ر‬           ‫ل ل ِّب ِ ن‬
 ‫مَعِدَتَ ُ.كَذَلِكَ اْلقَِي ُ الطَّي ُ منَ الَّاس خَيْة ٌ مِةنَ الْكَةِري‬  ‫ه‬
                         ‫الش‬                   ‫ة‬              ‫ة‬
‫اْلخَعبيثِ، فَاْلفِئَ ُ اْلقَلِيلَة ُ مِةنْ َأهْةل َّةجَاعَةِ وَالثَّعبَةاتِ‬
   ‫َّ ُ‬                 ‫ج‬                                       ‫ِب‬
   ‫َالْإميَانِ َتغْل ُ اْلفِئَةَ الْكَِثريَةَ مِةنْ ذَوي اْل ُةعبْن وَالتخَةاذ‬      ‫و‬
     ‫ت‬             ‫و َّ‬           ‫ص‬              ‫و ِّ و ن ْر َ‬
‫َالشرْكِ، َإ َّ َأف َادًا منْ أُولِي الَْعب ِةريَةِ َالةرأْي، لَيَةأُْونَ‬
                                              ‫ز ه م ت‬
‫بمَا َيعْج ُ عَنْ ُ اْلجَ َاعَا ُ مِةنْ َأهْةل اْلغَعبَةاوَةِ وَاْلخَةرَق،‬
    ‫ِ‬                    ‫أل ف‬              ‫م يس َّر ْ‬
‫َاْلعَالَ ُ الْحَكِي ُ ُ َخ ُ ِلخِدمَتِةهِ ُُةو ٌ مِةنَ اْلجَةاهِلنيَ‬      ‫و م‬
         ‫م‬                    ‫َال‬         ‫م‬         ‫الذ‬
 ‫(قلْ هلْ يَسْتَوي َّ ِينَ َيعْلَ ُةونَ و َّةذِينَ لَةا َيعْلَ ُةونَ)‬      ‫ُ َ‬
                                                          ‫(الزمر: 9). (2)‬


                                                     ‫1 - تفسري املنار: 7/451.‬
                                                   ‫2 - تفسري املنار: (7/ 451).‬
                                             ‫542‬
       ‫والسر يف ريادة القلة يف كل زمان؛ أهنا حتمل من اصصائ‬
        ‫ق‬
 ‫والسمات ما خيتز هلا الزمن ويطوي هلا القوى وال ُدَر,‬
 ‫وجيمع فيها من أسس العبقاء والتحمل ما ال يتوفر لغريها,‬
 ‫فهي يف جهدها ختتلف عن غريها, ويف عطائها تعباين من‬
‫سواها, ويف مقاييسها ومعايريها منط آخر, تستمد من‬
‫مصدر قوهتا وإهلامها ماال يقدره إال الراسخون, وما ال يعرفه‬
‫إال العاملون الواععبون, وهذا ما عشته الفئة املؤمنة مع داوود‬
 ‫(عليه السالم), يف حركتها وسريها, ويف دعائها وتععبريها,‬
 ‫ويف نصحها وإرشادها, (فالقلب الذي يتصل باهلل تتغري‬
‫موازينه وتصوراته؛ ألنه يرى الواقع الصغري احملدود بعني متتد‬
 ‫وراءه إىل الواقع الكعبري املمتد الواصل، وإىل أصل األمور‬
‫كلها وراء الواقع الصغري احملدود. فهذه الفئة املؤمنة الصغرية‬
 ‫اليت ثعبتت وخاضت املعركة وتلقت النصر، كانت ترى من‬
 ‫قلتها وكثرة عدوها ما يراه اآلخرون الذين قالوا: «ال طاقَةَ‬
                                                    ‫جن‬    ‫ل‬
  ‫لَنَا الْيَومَ بجاُوتَ وَ ُُودِهِ» .. ولكنها مل حتكم حكمهم‬         ‫ْ‬
          ‫ِ‬
‫على املوقف. إمنا حكمت حكماً آخر، فقالت: «كَمْ منْ فِئَةٍ‬
                   ‫له الص‬                ‫الل‬
  ‫قَلِيلَةٍ غَلََعبتْ فِئَةً كَِثريَةً بإذْنِ َّهِ، وَالَّ ُ مَعَ َّابرينَ» .. مث‬
               ‫عب‬                               ‫َب‬
‫اجتهت لرهبا تدعوه: «رَّنا َأفْرسْ عَلَيْنا صَعبْراً وَثَِّتْ َأقْدامَنا‬
                                                   ‫ف‬
  ‫وَاْنصرْنا عَلَى اْلقَوْم الْكاِرينَ» .. وهي حتس أن ميزان القوى‬      ‫ُ‬
‫ليس يف أيدي الكافرين، إمنا هو يف يد اهلل وحده. فطلعبت منه‬


                                           ‫642‬
‫النصر، ونالته من اليد اليت متلكه وتعطيه.. وهكذا تتغري‬
‫التصورات واملوازين لألمور عند االتصا باهلل حقا، وعند ما‬
‫يتحقق يف القلب اإلميان الصحيح. وهكذا يثعبت أن التعامل‬
‫مع وعد اهلل الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع‬
                            ‫الواقع الصغري الظاهر للعيون!.)(1)‬
‫وهذا هو السر يف الريادة من هذه القلة اليت ذكرها القرآن‬
‫منوذجا حيتذى, وأسوة تقتدى, يف بياهنا وتععبريها, ويف ثقتها‬
‫وتوكلها, ويف مقياسها لألشياء, وميزاهنا لألحدا , ورؤيتها‬
                                                    ‫لألمور.‬
                                   ‫أثر ررادة القلة يف اوتمع‬
‫وهذه القلة وإن كانت يف أعني النةاس كةذلك إال أهنةا‬
‫يف الواقع ونفس األمر كةثرية, كةثرية بأفعاهلةا, كةثرية‬
‫بأثرها, وقد وصفها اهلل (تعاىل) هبةذا الوصةف يف آيةة‬
‫سورة العبقرة, يف قوله (تعاىل):)يضل بةه كةثريا ويهةدي‬
‫به كثريا), مع أن املتوقةع يف غةري القةرآن أن التقسةيم‬
‫يكون بعضهم قليال وبعضهم كثريا, وهذا لعبيةان أهنةم يف‬
‫أثرهم وفعلهم كثرة, (فإنْ قيل: كيف وصةف املهتةدين‬
           ‫َ لم ه‬
‫هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: {وقَلِي ٌ َّةا ُةمْ} [ص:‬
                                   ‫َ ل ل ِّ‬
‫42] ، و {وقَِي ٌ منْ عِعبَةادِيَ الشةكور} [سةعبأ: 31]‬


                                  ‫1 - يف ظال القرآن:(1/ 292).‬
                                ‫742‬
            ‫الص‬                             ‫ب ن‬
‫فاالوا ُ أَّهم، وإن كةانوا قلةيلنيَ يف ُّةورة، فهةم‬
                               ‫كثريون يف احلقيقةِ؛)(1)‬
‫(أ َّا وأهل اهلدى كةثري يف أنفسةهم وحيةث يوصةفون‬    ‫َم‬
‫بالقلة ... إمنا يوصفون هبا بالقيةاس إىل أهةل الضةال .‬
‫وأيضا فةإن املهةديني كةثري يف احلقيقةة وإن قلةوا يف‬
                                          ‫الصورة.)(2)‬

   ‫أو(حتمل الكثرة على الكثةرة املعنويةة اعةل كثةرة اصصةائ‬
                 ‫اللطيفة مبنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:‬

‫لدى اجملد حىت عد ألف‬               ‫ومل أر أمثا الرجا تفاوتت‬
                                                      ‫بواحد)(3)‬

‫وهذه القلة هي الةيت حيمةي اهلل (تعةاىل) هبةا األمةة,‬
‫وينهض هبا الكساىل, ويوقظ هبةا النةائمني, فالقلةة مةع‬
‫طالوت هي اليت أعطةت النمةوذج الصةابر والواعةب‬
‫لسنن اهلل (تعاىل) يف احلياة واألحياء, وهي الةيت أعطةت‬
‫القدوة من نفسها, يف صةربها علةى الظمةأ, وإرادهتةا‬


                           ‫1 - اللعباب يف علوم الكتاب:(1/ 174).‬
                     ‫2 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: (1/ 952).‬
‫3 - حاشية الشهاب علي تفسري العبيضةاوي, عنايةة القاضةي وكفايةة‬
                                              ‫الراضي: (2/ 99).‬

                                  ‫842‬
‫القوية, وتغلعبها على نفسها ومتطلعباهتا األساسةية, وهةي‬
‫اليت من أجلها صنع اهلل ما صةنع يف جةالوت وجنةوده,‬
‫وهي اليت من أجلها صنع اهلل مةا صةنع يف األرض مةن‬
‫طوفان نوح, ذلك أن ثعبات هذه الفئة هةو الةذي يغةري‬
‫جمرى احلياة, وانتفاضة تلك اجملموعة هةي الةيت أزهةرت‬
                       ‫عصور بين إسرائيل يف عهد داوود.‬
‫(إن هذه االنتفاضة- انتفاضة العقيدة- علةى الةرغم مةن‬
‫كل ما اعتورها أمام التجربة الواقعة من نقة وضةعف،‬
‫ومن ختلي القوم عنةها فوجةاً بعةد فةوج يف مراحةل‬
‫الطريق- على الرغم من هذا كله فإن ثعبات حفنةة قليلةة‬
‫من املؤمنني عليها قد حقق لعبين إسةرائيل نتةائج ضةخمة‬
                                                 ‫جداً..‬
‫فقد كان فيها النصةر والعةز والةتمكني، بعةد اهلزميةة‬
  ‫املنكرة، واملهانة الفاضةحة، والتشةريد الطويةل والةذ‬
‫حتت أقدام املتسلطني. ولقد جةاءت هلةم مبلةك داود، مث‬
‫ملك سليمان- وهذه أعلى قمة وصلت إليها دولةة بةين‬
    ‫الة‬     ‫وهة عهة الة‬
‫ةرائيل يف األرض، ةي ةدهم ةذهيب ةذي‬                ‫إسة‬
‫يتحدثون عنه والذي مل يعبلغوه من قعبةل يف عهةد النعبةوة‬
                                               ‫الكربى..‬



                             ‫942‬
‫وكان هذا النصر كله مثرة معباشرة النتفاضة العقيةدة مةن‬
‫حتت الركام وثعبات حفنة قليللة عليهلا أملام دحافلل‬
                                                            ‫دالوت!)(1)‬
                   ‫أثر هذه القلة يف النهضات والشهود احلضار‬
‫وهذه القلة هي اليت تؤثر يف الشةهود احلضةاري لألمةم‬
‫واالماعات, وهي اليت تقوم هبةا احلضةارات, وتسةتمر‬
‫هبا أسس التمكني, فلها الريادة فيةه, وعليهةا املعةو يف‬
‫بقائه,والنماذج اليت ذكرها القةرآن للقلةة خةري شةاهد‬
 ‫على هذا,( إذا هذه الفئة هي اليت تقةرر مصةري املعركةة.‬
‫بعد أن جتدد عهةدها مةع اهلل، وتتجةه بقلوهبةا إليةه،‬
 ‫وتطلب النصر منه وحده، وهي تواجةه اهلةو الرعيةب:‬
                        ‫َب‬                         ‫َم ز ل ل‬
‫«وَل َّا َبرَ ُوا ِجاُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَّنةا َأفْةرسْ عَلَيْنةا‬
                                        ‫ص‬
 ‫صَعبْراً، وَثَِّعبتْ َأقْدامَنا، وَانْ ُةرْنا عَلَةى الْقَةوْم الْكةافِرينَ.‬
         ‫ه‬                     ‫ُد‬             ‫َ‬                    ‫َ َم ه‬
‫فَهز ُو ُمْ بإذْنِ اللَّهِ، وقَتَةلَ داو ُ جةالُوتَ، وَآتةا ُ اللَّةهُ‬
                             ‫َ َل ه ِم ء‬                         ‫م و‬
                         ‫الْ ُلْكَ َاْلحِكْمَةَ، وعَّمَ ُ م َّا يَشا ُ» ..‬
            ‫ة ة‬                 ‫ة ة ة‬
 ‫وكانةت النتيجةة هةي الةيت ترقعبوهةا واس ةتيقنوها:‬                ‫ة‬
 ‫«فَهز ُو ُمْ بإذْنِ اللَّهِ» .. ويؤكد الةن هةذه احلقيقةة:‬     ‫َ َم ه‬
 ‫«بإذْنِ اللَّهِ» .. ليعلمها املؤمنون أو ليةزدادوا هبةا علمةاً.‬
‫وليتضح التصور الكامةل حلقيقةة مةا جيةري يف هةذا‬

                                                    ‫1 - يف ظال القرآن: (1/ 292).‬

                                         ‫052‬
‫الكون، ولطعبيعة القوة الةيت جتريةه.. إن املةؤمنني سةتار‬
‫القدرة يفعل اهلل هبم ما يريد، وينفةذ هبةم مةا خيتةار..‬
‫بإذنه..ليس هلم من األمر شيء، وال حو هلةم وال قةوة‬
‫ولكن اهلل خيتارهم لتنفيذ مشةيئته، فيكةون منةهم مةا‬
‫يريده بإذنه.. وهي حقيقة خليقة بأن متةأل قلةب املةؤمن‬
‫بالسالم والطمأنينة واليقني.. إنةه ععبةد اهلل. اختةاره اهلل‬
‫لدوره. وهذه منة من اهلل وفضةل. وهةو يةؤدي هةذا‬
‫الدور املختار، وحيقق قةدر اهلل النافةذ. مث يكرمةه اهلل-‬
‫بعد كرامة االختيار- بفضل الثةواب.. ولةوال فضةل اهلل‬
‫ما فعل، ولوال فضل اهلل ما أثيب.. مث إنةه مسةتيقن مةن‬
‫نعبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق.. فلةيس لةه يف‬
‫شيء من هذا كله أرب ذايت، إمنا هةو منفةذ ملشةيئة اهلل‬
‫اصرية قائم مبا يريد. استحق هةذا كلةه بالنيةة الطيعبةة‬
         ‫والعزم على الطاعة والتوجه إىل اهلل يف خلوص.)(1)‬
‫وإذا تتعبعنا القلة ومهمتها يف هنضات األمم عرفنا قيمتها‬
                                       ‫د‬
‫وأثرها, ورص ُ القرآنِ الكرمي هلا دليل صدق, وبرهان حق‬
‫على هذا األثر للقلة العاملة, وواقع الناس بفطرهم السوية‬
‫وإدراكهم السليم يعي هذا األمر ويعمل يف ضوءه, فالعرب‬


                                            ‫1 - السابق جزءا وصفحة.‬

                               ‫152‬
‫بعبساطتهم وصفاء فطرهتم يعرفون هذه املعادلة وكالم‬
            ‫السموأ يف ذلك غين عن التعقيب, فهو يقو :‬
      ‫فقلت هلا إن الكرام قليل‬            ‫(تعرينا أنا قليل عديدنا‬
                                             ‫ل‬
 ‫وما ق ّ من كانت بقاياه مثلنا ..شةعباب تسةامى للعةال‬
                                                            ‫وكهو‬
‫عزيةز وجةار‬                                  ‫ر‬
                    ‫وما ضة ّنا أنةا قليةل وجارنةا ...‬
                                                  ‫األكثرين ذليل‬
‫د‬
‫فنحن كماء املزن ما يف نصابنا ... كهةام وال فينةا يعة ّ‬
                                                              ‫خبيل‬
 ‫وأسيافنا يف كل شةرق ومغةرب ... هبةا مةن قةراع‬
                                                    ‫الدارعني فلو‬
‫.. فتغمةد حةىت يسةتعباح‬                      ‫ل‬
                                    ‫معوذة أال تس ّ نصاهلا .‬
                                                              ‫قتيل‬
‫سلي، إن جهلت، الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عامل‬
                                               ‫وجهو )(1)‬
                  ‫وقا غريه معبينا أثر القلة عمال ال عددا:‬

  ‫(سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأهنم من طو ما التئموا مرد‬

            ‫1 - العبيان والتعبيني: (3/ 821),وانظر: نقد الشعر: (47).‬
                                  ‫252‬
 ‫قليل إذا عدوا كثري إذا ش ّوا)(1)‬
       ‫د‬                                   ‫ثقا إذا القوا خفاف إذا دعوا‬

 ‫(وقالت احلكماء: الكرام يف اللئام كالغرة يف الفرس.وقا‬
                                                  ‫الشاعر:‬
                            ‫ل‬
        ‫تفاخرين بكثرهتا قريط ... وق ّ والد احلجل الصقور‬
                          ‫ن‬
        ‫فإن أك يف شراركم قليال ... فإّي يف خياركم كثري‬
  ‫بغا ال ّري أكثرها فراخاً ... وأم ال ّقر مقالت نزور)(2)‬
                    ‫ص‬                           ‫ط‬
                                             ‫وقا دععبل:‬
        ‫ن‬                    ‫ل‬
‫(ما أكثر الناس ال بل ما أقّهم .. . واهلل يعلم أّي مل أقل‬
                                                               ‫فندا‬
‫إين ألغلق عيين مث أفتحها ... على كثري ولكن ما أرى‬
                                                         ‫أحدا)(3)‬
‫(وقا اإلمام جعفر الصادق، (رضي اهلل تعاىل عنه): ال‬
‫تستح من إعطاء القليل فكل فوائد الدنيا قليل، واحلرمان أقل‬
                                               ‫منه. وقا الشاعر:‬



‫1 - حاشيه الشهاب علي تفسري العبيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي:‬
                                                        ‫(2/ 551).‬
                                         ‫2 - العقد الفريد: (1/ 932).‬
                                          ‫3 - العقد الفريد (1/ 932).‬
                                    ‫352‬
‫ليس العطاء من الفضو مساحة ... حىت جتود وما لديك‬
                                                         ‫قليل)(1)‬
‫وغري ذلك من نتاج الفكر العبشري:العر , واإلسالمي,‬
‫واإلنساين, وهذه القلة املختارة والصفوة املنتقاة هي اليت تؤثر‬
‫وال تتأثر, وتقود وال تقاد, وتُتْعبع وال تَتْعبع, أما الكثرة الفارغة‬
‫من كل عطاء, والقاعدة عن كل مضاء, فال تقوم هبا‬
‫حضارة, وال تنهض عليها أمة, وال يؤسس عليها متكني, (إن‬
‫الكثرة العددية ليست بشيء، إمنا هي القلة العارفة املتصلة‬
‫الثابتة املتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سعبعباً يف‬
‫اهلزمية، ألن بعض الداخلني فيها، التائهني يف غمارها، ممن مل‬
 ‫يدركوا حقيقة العقيدة اليت ينساقون يف تيارها، تتزلز‬
‫أقدامهم وترجتف يف ساعة الشدة فيشيعون االضطراب‬
‫واهلزمية يف الصفوف، فوق ما ختدع الكثرة أصحاهبا فتجعلهم‬
‫يتهاونون يف توثيق صلتهم باهلل، انشغاالً هبذه الكثرة الظاهرة‬
                                ‫عن اليقظة لسر النصر يف احلياة.‬
‫لقد قامت كل عقيدة بالصفوة املختارة، ال بالزبد الذي‬
          ‫يذهب جفاء، وال باهلشيم الذي تذروه الرياح!)(1)‬

                                     ‫1 - اللطائف والظرائف: (551).‬
                                    ‫452‬
   ‫القلة مع نوح (عليه السالم) وأثرها يف الشهود احلضار‬
‫وإذا نظرنا إىل قلة مؤمنة أخرى عاشةت احملنةة واملنحةة,‬
‫والعبالء والعطاء, والسلب واإليتاء,وهي القلة املؤمنةة مةع‬
‫نوح (عليه السةالم) وجةدنا كةم كةان جهةدها يف‬
‫الشهود احلضاري وكم كان هلةا مةن مهمةة يف بقةاء‬
‫بذور اإلميان باهلل, ولذا صنع اهلل هلا ما صنع مةن إغةراق‬
‫الكافرين وتغةيري نةاموس األرض, (إن هةذه احلفنةة-‬
‫وهي مثرة ذلك العمر الطويةل واالهةد الطويةل- قةد‬
‫استحقت أن يغري اهلل هلةا املةألوف مةن ظةواهر هةذا‬
‫الكون وأن جيري هلا ذلك الطوفةان الةذي يغمةر كةل‬
‫شيء وكل حةي يف املعمةور وقتةها مةن األرض! وأن‬
‫جيعل هذه احلفنة وحدها هي وارثةة األرض بعةد ذلةك،‬
‫وبذرة العمران فيها واالستخالف مةن جديةد.. وهةذا‬
                                         ‫أمر خطري..)(2)‬



                             ‫1 - يف ظال القرآن: (3/ 8191).‬
                             ‫2 - يف ظال القرآن: (4/ 2981).‬


                              ‫552‬
‫ونوح عليه السالم هو أو من صنع الفلك, الفئة املؤمنة معه‬
                                          ‫ُ‬
                ‫هي اليت منها عَمرَت الدنيا واستقرت احلياة.‬
                ‫حادة القلة املعاصرة لإلفادة من هذه املالم‬
‫والقلة املؤمنة اليوم اليت تسعى لريادة العبشرية باسم اهلل,‬
‫وقيادة الدنيا بالدين, يف أمس احلاجة لتفهم هذه املالمح‬
‫السننية يف قانون القلة, وإدراك هذه األسس اليت تتكرر يف‬
‫كل زمن ويف كل قلة؛ ألهنا قانون مطرد وناموس حاكم,‬
‫ويف حاجة ماسة إلدراك عاقعبة هذه القلة اليت رصدها القرآن,‬
‫وأ يف عرض صورها, ونوع يف بيان خصائصها, على‬
‫تعباعد الزمن وتعباعد املكان, وتغاير األفراد, إال أن القانون‬
‫واحد يف كل زمن ويف كل مكان,(إن طالئع العبعث‬
‫اإلسالمي اليت تواجه االاهلية الشاملة يف األرض كلها واليت‬
‫تعاين الغربة يف هذه االاهلية والوحشة كما تعاين األذى‬
‫واملطاردة والتعذيب والتنكيل.. إن هذه الطالئع ينعبغي أن‬
‫تقف طويالً أمام هذا األمر اصطري، وأمام داللته اليت تستحق‬
‫التدبر والتفكري! إن وجود العبذرة املسلمة يف األرض شيء‬
‫عظيم يف ميزان اهلل تعاىل.. شيء يستحق منه سعبحانه أن‬
‫يدمر االاهلية وأرضها وعمراهنا ومنشآهتا وقواها ومدخراهتا‬

                               ‫652‬
‫مجيعاً كما يستحق منه سعبحانه أن يكأل هذه العبذرة ويرعاها‬
‫األرض وتعمرها من جديد! لقد‬                ‫حىت تسلم وتنجو وتر‬
‫كان نوح عليه السالم يصنع الفلك بأعني اهلل ووحيه، كما‬
             ‫و ت‬                    ‫ف َ‬
‫قا تعاىل: «وَاصْنَع اْل ُلْكَ بأعْيُننا وَوَحْينا َال ُخاطِعبْني فِي‬
                             ‫َّ ِينَ ظَلَ ُوا إَّ ُمْ مغرُونَ» ..)(1)‬
                                        ‫الذ م نه ُ ْ َق‬
‫وحينما تدرك هذه الطالئع تلك العاقعبة وتدرك قعبلها اتفاق‬
‫السمات واصصائ , وتوافق املالمح والصفات, يأتيها شيء‬
‫من برد اليقني, ورَوْح اإلميان وهدوء االطمئنان إىل سالمة‬
‫العاقعبة, وحني تدرك تأييد اهلل (تعاىل) للقلة العاملة وتغيري‬
‫نواميس الكون هلا بسننه اصارقة, توقن من نصر اهلل‬
                                               ‫هلا,ومحايته لعبقائها.‬
                             ‫تغيري نواميس الكون للقلة املؤمنة‬
‫وهذه القلة املؤمنة مرعية يف عني اهلل (تعاىل) ويف عنايته؛ إهنا‬
‫العبقية العباقية اليت تسعى لتععبيد الناس هلل وهتيئة الوجود ألرقى‬
‫حاالت الشهود,تتحمل ما تتحمل يف سعبيل تعريف الناس‬
‫برهبم, وصلتهم به, وداللتهم عليه, وهي من أجل ذلك‬
‫استحقت أن حتظى برعاية اهلل تعاىل وتأييده,فيغري هلا‬

                                                      ‫القرآن:2/325.‬     ‫1 - يف ظال‬
                                    ‫752‬
‫النواميس وخيضع السنن االارية يف حقها للسنن اصارقة,‬
‫فالكل مربوب هلل رب العاملني, واملتأمل للقلة مع داوود جيد‬
‫بوضوح هذا التغيري فداود قتل جالوت مبقالع, بسيط,‬
‫والعدد القليل الذي عرب النهر هو الذي هتيأت له األسعباب‬
‫للغلب على الكثرة املغرورة, والقلة املؤمنة نعبينا حممد (صلى‬
‫اهلل عليه وسلم) هي اليت تغري هلا وهبا الناموس احلاكم والسنن‬
‫االارية, فانتصروا يف بدر وغريها وهم ال يصلون على ثلثي‬
‫عدد جيش عدوهم, والقلة املؤمنة مع نوح هي اليت غري اهلل‬
‫(تعاىل) هلا السنن االارية فأرسل هلا الطوفان, ومحله رائده‬
‫على ذات ألواح ودسر, جتري بأعني اهلل تعاىل جزاء ملن كان‬
‫كفر, (عند ما الأ نوح إىل ربه يعلن أنه «مغلوب» ويدعو‬
                          ‫غ‬
‫ربه أن «ينتصر» هو وقد ُلب رسوله.. عندئذ أطلق اهلل‬
‫القوى الكونية اهلائلة لتكون يف خدمة ععبده املغلوب:‬
    ‫ي‬                  ‫ِ َف َّ‬                  ‫الس‬                 ‫َ‬
‫«ففََتحْنا أَبْوابَ َّماءِ بماءٍ مُنْهَمرٍ. وَجرْنَا الْأَرْضَ عُُوناً‬
                                       ‫ءع ْ ق‬
                               ‫فَالَْتقَى الْما ُ َلى َأمرٍ قَدْ ُدِرَ» ..‬
‫وبينما كانت تلك القوى اهلائلة تزاو عملها على هذا‬
‫املستوي الكوين الرائع املرهوب.. كان اهلل سعبحانه- بذاته‬


                                     ‫852‬
                ‫ه ع‬
‫العلية- مع ععبده املغلوب: «وَحَمَلْنا ُ َلى ذاتِ أَلْواحٍ‬
                  ‫ُِ‬        ‫َ‬              ‫َي‬              ‫َد ُ‬
           ‫و ُسرٍ. َتجْري بأعُْننا.. جَزاء لِمنْ كانَ كفرَ..» .‬
‫أن تقف طالئع البعث‬          ‫هذه هي الصورة اهلائلة اليت جي‬
‫اإلسالمي يف كل مكان ويف كل زمان أمامها حني تطاردها‬
‫اجلاهلية وحني «تغلبها» اجلاهليه! إما تستحق أن رسخر‬
‫اهلل هلا القو الكونية اهلائلة.. وليس من الضرور أن‬
‫تكون هي الطوفان. فما الطوفان إال صورة من صور تلك‬
                        ‫دن ِّ ِل ُ‬
                  ‫القو ! «وَما َرعْلَمُ ُُودَ رَبكَ إَّا هوَ» ..‬
‫وإنه ليس عليها إال أن تثعبت وتستمر يف طريقها وإال أن‬
‫تعرف مصدر قوهتا وتلجأ إليه وإال أن تصرب حىت يأيت اهلل‬
‫بأمره، وإال أن تثق أن وليها القدير ال يعجزه شيء يف األرض‬
‫وال يف السماء. وأنه لن يترك أولياءه إىل أعدائه، إال فترة‬
‫اإلعداد واالبتالء وأهنا مىت اجتازت هذه الفترة فإن اهلل‬
                 ‫سيصنع هلا وسيصنع هبا يف األرض ما يشاء.‬
‫.. وهذه هي عربة احلاد الكوين العظيم..إنه ال ينعبغي ألحد‬
‫يواجه االاهلية باإلسالم أن يظن أن اهلل تاركه للجاهلية وهو‬
‫يدعو إىل إفراد اهلل سعبحانه بالربوبية. كما أنه ال ينعبغي له أن‬
‫يقيس قوته الذاتية إىل قوى االاهلية فيظن أن اهلل تاركه هلذه‬

                                 ‫952‬
 ‫َن‬
‫القوى وهو ععبده الذي يستنصر به حني يغلب فيدعوه: «إِّي‬
                                                ‫َلب ِ‬
                                          ‫مغُْو ٌ فَانَْتصرْ» ..‬
‫إن القوى يف حقيقتها ليست متكافئة وال متقاربة.. إن‬
‫االاهلية متلك قواها.. ولكن الداعي إىل اهلل يستند إىل قوة‬
‫اهلل. واهلل ميلك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما‬
‫يشاء وكيفما يشاء- وأيسر هذه القوى يدمر على االاهلية‬
‫من حيث ال حتتسب! وقد تطو فترة االبتالء ألمر يريده‬
‫اهلل.. ولقد لعبث نوح يف قومه ألف سنة إال مخسني عاماً قعبل‬
‫أن يأيت األجل الذي قدره اهلل. ومل تكن حصيلة هذه الفترة‬
‫الطويلة إال اثين عشر مسلماً.. ولكن هذه احلفنة من العبشر‬
‫كانت يف ميزان اهلل تساوي تسخري تلك القوى اهلائلة،‬
‫والتدمري على العبشرية الضالة مجيعاً، وتوريث األرض لتلك‬
            ‫احلفنة الطيعبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها..‬
‫إن عصر اصوارق مل ميض! فاصوارق تتم يف كل حلظة- وفق‬
‫مشيئة اهلل الطليقة- ولكن اهلل يستعبد بأمناط من اصوارق‬
‫أمناطاَ أخرى، تالئم واقع كل فترة ومقتضياهتا. وقد تدِق‬
‫فال تدركها ولكن‬          ‫بعض اصوارق على بعض العقو‬
‫املوصولني باهلل يرون يد اهلل دائماً، ويالبسون آثارها املعبدعة.‬

                                 ‫062‬
‫والذين يسلكون السعبيل إىل اهلل ليس عليهم إال أن يؤدوا‬
‫واجعبهم كامالً، بكل ما يف طاقتهم من جهد مث يدَعوا األمور‬
                          ‫ي‬
‫هلل يف طمأنينة وثقة. وعند ما ُغلعبون عليهم أن يلجأوا إىل‬
‫الناصر املعني وأن جيأروا إليه كما جأر ععبده الصا نوح:‬
                          ‫ِ‬         ‫د به َن َ ل ب‬
‫«فَ َعا رََّ ُ أِّي مغُْو ٌ، فَانَْتصرْ» .. مث ينتظروا فرج اهلل‬
‫القريب. وانتظار الفرج من اهلل ععبادة فهم على هذا االنتظار‬
                                               ‫مأجورون.)(1)‬

                                          ‫مهمة القلة املؤمنة اليوم‬

‫ومهمة القلة املؤمن اليوم اليت تسةعى إلهنةاض أمتنةا علةى‬
‫أسس ربانية يف حاجة ماسة ملعايشةة هةذه السةنن تقةف‬
‫أمامها طويال وترى كيف نصةر اهلل القلةة املؤمنةة, خاصةة‬
‫وان العام العر اليوم يف حالة خماض جديةد يةؤذن مبةيالد‬
‫عصر سعيد ورشيد, تعلو فيه كلمة العةد واحلةق واحلريةة,‬
‫سيما وقد عاش النةاس عصةورا مةن اصسةف والتنكيةل,‬
‫واملسخ الفكري,والتيه التارخيي املمنةهج وآن هلةا أن تعةود‬
‫إىل رهبا وكتابه ومنهاجه والسعيد مةن وعةظ بغةريه, وقةد‬
‫بصر اهلل تعاىل القلة املؤمنة األوىل مع النيب حممةد (صةلى اهلل‬


                                           ‫3981).‬   ‫1 - يف ظال القرآن: (4/‬
                                  ‫162‬
‫عليه وسلم) للوقوف والتذكر لتقارن بةني حةالني, وتعبصةر‬
 ‫الفرق بني زمانني, زمان القلة والذلةة, واهلةوان واالمتةهان,‬
    ‫َف‬       ‫لم‬           ‫ت‬             ‫وُْ‬
‫وزمان اإليواء والعناية, ( َاذكرُوا إذْ أَنُْمْ قَلِية ٌ ُسَْتضْةع ُونَ‬
   ‫ك ََي َك‬              ‫خ َّ كم ن س‬                 ‫ت ف‬
‫فِي الْأَرْض، َخاُونَ أَنْ يََت َطفَ ُ ُ الَّا ُ فَةآوا ُمْ، وأَّةد ُمْ‬
                  ‫ُر‬               ‫َلك‬       ‫َ ك ِ َّي‬
‫بَنصْرهِ، وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ َلعَّ ُةمْ تَشْةك ُونَ» ..اذكةروا‬
‫هذا لتستيقنوا أن الرسو يةدعوكم ملةا حييةيكم واذكةروه‬
     ‫ة ة‬                          ‫ة‬
‫كةي ال تقعةدوا عةن مكافحةة الظلةم يف كةل صةوره‬          ‫ة‬
       ‫ة‬        ‫ة‬              ‫ة‬         ‫ة ة‬
‫وأش ةكاله.. اذك ةروا أي ةام الض ةعف واص ةوف، قعب ةل أن‬           ‫ة‬
         ‫ة‬        ‫عبة‬
‫ةركني، وق ةل أن ي ةدعوكم‬                      ‫ة‬
                                    ‫ةوجهكم اهلل إىل قت ةا املشة‬     ‫ية‬
 ‫الرسو إىل الطائفةة ذات الشةوكة وأنةتم كةارهون.. مث‬
‫انظروا كيف صرمت بعد الدعوة احمليية اليت انقلعبةتم هبةا أعةزاء‬
‫منصورين مأجورين مةرزوقني. يةرزقكم اهلل مةن الطيعبةات‬
‫ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شةكركم لفضةله! ويرسةم‬
‫ةق‬   ‫ةعف والقلة‬   ‫ةة والضة‬                ‫حية‬
                                ‫ةعبري ةهدا ةا للقلة‬    ‫التعة مشة‬
                      ‫خ َّ كم الن س‬
‫واصوف:«َخاُونَ أَنْ يَةَت َطفَ ُ ُ َّةا ُ» ..وهةو مشةهد‬ ‫ت ف‬
‫الترب الوجل، والترقب الفزع، حىت لتكةاد العةني تعبصةر‬
                                  ‫املفز‬
‫بالسمات اصائفة، واحلركات َّعةة، والعيةون الزائغةة..‬
     ‫ة‬             ‫ة‬         ‫ة‬            ‫ة‬            ‫ة‬
‫واألي ةدي متت ةد للتخط ةف والقل ةة املس ةلمة يف ارتق ةاب‬         ‫ة‬
 ‫وتوجس! ومن هذا املشهد املفزع إىل األمن والقةوة والنصةر‬



                                    ‫262‬
‫والرزق الطيب واملتاع الكرمي، يف ظل اهلل الةذي آواهةم إىل‬
              ‫َ ك ِ َّي‬                         ‫ف ك ََي َك‬
     ‫محاه:«َآوا ُمْ، وأَّد ُمْ بَنصْرهِ، وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ» ..‬

     ‫َلك‬          ‫ة‬        ‫ة‬      ‫ة‬          ‫ة‬       ‫ة‬
‫ويف ظ ةل توجي ةه اهلل هل ةم ليش ةكروا في ةؤجروا:«َلعَّ ُ ةمْ‬
                                                        ‫ُر‬
‫تَشْك ُونَ» ..فمن ذا الذي يتأمل هةذه النقلةة العبعيةدة، مث ال‬
‫يستجيب لصوت احليةاة اآلمنةة القويةة الغنيةة.. صةوت‬
‫الرسو األمني الكرمي.. مث من ذا الةذي ال يشةكر اهلل علةى‬
‫إيوائه ونصره وآالئه وهذا املشهد وذلةك معروضةان عليةه،‬
                                  ‫ولكل منهما إيقاعه وإحياؤه؟‬

‫على أن القوم إمنا كانوا يعيشون هذا املشةهد وذاك.. كةانوا‬
               ‫يذكرون مبا يعرفون من حاهلم يف ماضيهم)(1)‬

‫(والعصعبة املسلمة اليت جتاهد اليوم إلعادة إنشاء هذا الدين يف‬
‫واقع األرض ويف حياة الناس قد ال تكون قد مرت باملرحلتني،‬
‫وال تذوقت املذاقني.. ولكن هذا القرآن يهتف هلا هبذه احلقيقة‬
‫ت ل‬
‫كذلك. ولئن كانت اليوم إمنا تعيش يف قوله تعاىل: «إذْ أَنُْمْ قَلِي ٌ‬
                    ‫خ َّ كم ن س‬            ‫ت ف‬                  ‫م َف‬
‫ُسَْتضْع ُونَ فِي الْأَرْض َخاُونَ أَنْ يَتَ َطفَ ُ ُ الَّا ُ» ..فأوىل هلا‬
‫أن تستجيب لدعوة احلياة اليت يدعوها إليها رسو اهلل وأن‬
‫تترقب يف يقني وثقة، موعود اهلل للعصعبة املسلمة، موعوده الذي‬
‫حققه للعصعبة األوىل، ووعد بتحقيقه لكل عصعبة تستقيم على‬

                                        ‫1 - يف ظال القرآن: (3/ 9941).‬

                                     ‫362‬
  ‫ك‬
‫طريقه، وتصرب على تكاليفه.. وأن تنتظر قوله تعاىل:«فَآوا ُمْ‬
               ‫َلك كر‬                  ‫َ ك ِ َّي‬                         ‫ََي َك‬
         ‫وأَّد ُمْ بَنصْرهِ، وَرَزقَ ُمْ منَ الطِّعباتِ َلعَّ ُمْ تَشْ ُ ُونَ» .‬

‫وهي إمنا تتعامل مع وعد اهلل الصادق- ال مع ظواهر الواقع‬
‫اصادع- ووعد اهلل هو واقع العصعبة املسلمة الذي يرجح كل‬
 ‫واقع! مث يتكرر اهلتاف للذين آمنوا مرة أخرى.. إن األموا‬
         ‫واألوالد قد ُقعد الناس عن االستجابة خوفا وخبال.)(1)‬
                                               ‫ت‬

‫وعندما تقف القلة املعاصرة الرائدة هبذه النيةة, وهةذا العةزم‬
‫وتعبصر السابق وتنسج على منواله تنجةو كمةا جنةا, وحتيةا‬
‫عزيزة االانب مرعية االناب, واهلل غالب علةى أمةره ولكةن‬
                                     ‫أكثر الناس ال يعلمون.‬




                                  ‫املبحث الثاين‬

               ‫فقه صناعة القلة الرائدة وموقف األمة منها‬




                                              ‫1 - يف ظال القرآن (3/ 7941):‬



                                        ‫462‬
‫إذا تأملنا واقع املسلمني بني املاضةي واحلاضةر, ومةوقفهم مةن‬
‫سنة اهلل يف القلة والكثرة, رأينا أن وعي املسلمني هبةا وعنايتةهم‬
‫بأثرها, أو إمهاهلم هلا وعدم اهتمامهم هبا هو الةذي شةكل حمةور‬
‫األساس وحجر الزاوية يف فترات االنتصةار أو االنكسةار, فيةوم‬
‫أن وعى املسلمون – على ضوء مقاصد القرآن, وفلسةفته للقلةة‬
‫والكثرة بل سنته فيها - يةوم أن وعةوا أثةر القلةة يف الشةهود‬
‫احلضاري وقيمة هذا التضام والتجمةع علةى مسةتوى العلمةاء‬
‫واألمراء, والنخعبة الفكريةة والعلميةة وعلةى مصةاف الساسةة‬
‫واحلكام, والزهاد وأربةاب السةلوك, يةوم أن عةزوا وقةدموا‬
‫للعبشرية - فضال عن اإلسةالم أروع صةور احلضةارة, وأرقةى‬
‫مناذج اإلنسان عندما يعبدع ويعبتكةر يف ضةوء مقةوالت الةوحي‬
‫ومتطلعبات السماء, ويةوم أن أغفلةوا النظةر إىل هةذه السةنة‬
‫املاضية وأمهلوا التعامل معها يوم أن أصعبحوا غثةاء كغثةاء السةيل‬
‫أو هعباء تذروه الرياح, فال وزن يف عةامل احلضةارة, وال قيمةة يف‬
‫دنيا األرقام, وال سةعبق يف جمةا العلةم وال ريةادة يف جانةب‬
‫االجتماع, وكانوا هم مةن انطعبقةت علةيهم السةنة يف القلةة‬
‫والكثرة كما انطعبقت على غريهم.( كةذلك يضةرب اهلل احلةق‬


                             ‫562‬
‫والعباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفةع النةاس فيمكةث‬
      ‫يف األرض كذلك يضرب اهلل األمثا ), الرعد: من اآلية:71 .‬

‫وإذا سألنا التاريخ عن فترات الشهود احلضةاري لألمةة املسةلمة‬
‫أخربنا أهنا تلك الفترات اليت فهم املسلمون فيها أثةر هةذه القلةة‬
‫ومهمتها يف الشهود احلضاري وإهناض األمة وقةد بةدا ذلةك يف‬
‫عصور متتابعة, فيوم أن تصدر العلمةاء إلرشةاد األمةة ونصةح‬
‫األمراء بالكتاب والسةنة يةوم أن وصةلت األمةة إىل مرحلةة‬
‫مشهودة من الةتمكني, وإذا نظرنةا إىل حمنةة ضةياع األقصةى‬
‫وكيف عاد إىل دوحة اإلسالم وحصن املسةلمني عرفنةا مهمةة‬
‫القلة من العلماء الرواد الذين تعةاونوا مةع األمةراء احلكمةاء يف‬
‫معركة حطني اليت انتصر فيهةا صةالح الةدين األيةو , عةام‬
‫385ه, واليت مل تكن وليدة تراتيب إداريةة وعسةكرية فقةط,‬
‫بل تراتيب تربوية لنفوس االيش واألمةة ولةيس علةى مسةتوى‬
‫املرحلة الزمنية للمعركة بةل علةى تطةاو أجيةا متعاقعبةة يف‬
‫عهود زنكي ونور الدين مث صالح الةدين, ( فةإن عةددا مةن‬
‫الدعاة والعلماء قد وقفوا مع هؤالء األبطةا الثالثةة – زنكةي‬
 ‫ونور الدين وصالح الدين, - وكان علةى رأس هةؤالء املةؤر‬
‫هباء الدين أبةو احملاسةن يوسةف بةن شةداد (935/239ه)‬
                             ‫662‬
‫,والفقيه ضياء الةدين عيسةى بةن حممةد اهلكةاري (585ه),‬
‫واملؤر املعروف ععبد اهلل حممةد األصةفهاين املعةروف بالعمةاد‬
‫الكاتب, (915/795ه/ 5211/5521م) الةذي كةان قلمةه‬
‫كما يصفه املؤرخون أشد وأنكى على الصةليعبيني مةن سةيوف‬
‫اجملاهدين, إذ بةه مجةع صةالح الةدين عسةاكر املسةلمني,‬
‫وبأسلوبه العبليغ املؤثر ألف بني قلةوهبم وحعبةب االستشةهاد إىل‬
                                                                 ‫نفوسهم)(1).‬

                                                ‫ي‬     ‫َث‬
‫ومَّل وع ُ العلماء وفقههم مبتطلعبات احلضةارة وإقةرار شةؤون‬
‫الدولة ومصا الععباد ورعايتةهم, جانعبةا مهمةا مةن عالقتةهم‬
‫باألمراء ومدى تأثريهم فةيهم ومسةاعهم رأيهةم, فقةد أشةار‬
‫القاضي الفاضل على صالح الدين بعةد صةلح الرملةة (885ه)‬
‫بتأجيل احلج إىل سنة أخةرى ألسةعباب عرضةها عليةه؛ مؤيةدا‬
‫إقناعه بفتوى دينية نصها : أن االنقطاع لكشةف مظةامل اصلةق‬
                                     ‫أهم من كل ما يتقرب به إىل اهلل)(2)‬


 ‫1 - املسلمون من التعبعية والفتنة إىل القيادة والتمكني, د ععبد احلليم عويس, 411,ط:‬
                               ‫مكتعبة الععبيكان, ط أوىل 7241هة , 9552م.‬
                                                                                ‫2‬
        ‫- السابق, نقال عن: املؤرخني املعاصرين لصالح الدين األيو , لنظري حسان‬
                                                             ‫سعداوي: 13, 23.‬
                                      ‫762‬
‫واملطالع حلقب التاريخ املتطاولة يف حياة املسةلمني يةرى ريةادة‬
‫القلة والتكامل بينها وبني األمة عن طريق قيادهتا وتعبصةريها, ممةا‬
‫كان له أبعد األثر يف هنضة األمة فالتكامل بةني الساسةة والةدعاة‬
‫يف العصر اململوكي والعثماين كان لةه أثةره العبةالغ يف حضةارة‬
‫األمة واستقرارها, كما ال خيفةى علةى مطةالع للتةاريخ مةدى‬
‫التكامل بني أمراء املماليةك والعلمةاء يف مقاومةة التتةار, وإذا‬
‫نظرنا إىل بالد املغرب وبالد اهلند واستعرضةنا مواقةف العلمةاء‬
‫والقلة الرائدة وأثرها باألمساء واألرقام عرفنا مةدى أثةر الةوعي‬
                          ‫بسنة القلة وريادهتا يف الشهود احلضاري.‬

‫ووجود هذه القلة الرائدة اآلمرة بةاملعرف الناهيةة عةن املنكةر‬
‫الداعية إىل صراط اهلل املستقيم ضةرورة مةن ضةرورات املنةهج‬
‫اإلهلي ذاته؛ (فهذه االماعة هي الوسط الذي يتةنفس فيةه هةذا‬
‫املنهج ويتحقق يف صورته الواقعية. هو الوسةط اصةري املتكافةل‬
‫املتعاون على دعوة اصري. املعةروف فيةه هةو اصةري والفضةيلة‬
‫واحلق والعد . واملنكر فيه هو الشر والرذيلة والعباطةل والظلةم..‬
‫عمل اصري فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيةه أقةل تكةاليف‬
‫من الرذيلة. واحلق فيه أقوى من العباطل. والعد فيةه أنفةع مةن‬
                                                        ‫الظلم..‬


                              ‫862‬
‫فاعل اصري فيه جيد على اصري أعوانا. وصةانع الشةر فيةه جيةد‬
‫مقاومة وخذالناً.. ومن هنا تربز قيمة هذا التجمةع.. إنةه العبيئةة‬
‫اليت ينمو فيها اصري واحلق بال كعبري جهةد، ألن كةل مةا حولةه‬
‫وكل من حوله يعاونه. واليت ال ينمةو فيهةا الشةر والعباطةل إال‬
            ‫بعسر ومشقة، ألن كل ما حوله يعارضه ويقاومه...)(1)‬
                                        ‫كيفية صناعة القلة الرائدة‬
‫وإذا انتقلنا من التنظري إىل التطعبيق ومن ميدان الكةالم إىل ميةدان‬
‫العمل نستطيع أن نرصد يف برجمةة عمليةة وخطةوات إجرائيةة‬
‫كيفية صناعة القلةة الرائةدة الةيت تةرود أمتةها إىل الشةهود‬
‫احلضاري وأستاذية العامل كمةا أراد اهلل (تعةاىل)حةني أخةرب :‬
‫(وكذلك جعلناكم أمة وسةطا لتكونةوا شةهداء علةى النةاس‬
           ‫ويكون الرسو عليكم شهيدا), العبقرة:من اآلية: 341.‬

‫وميكن أن نرصد بعض اصطةوات العمليةة الةيت مةن شةأهنا أن‬
                 ‫تساعد يف صناعة القلة الرائدة على النحو التايل:‬

‫1- إدراك أمهية هلذه القللة الرائلدة, والقناعةة العمليةة‬
‫وليست الفكرية أو النظرية مبةدى حاجةة األمةة إىل‬
‫ريادة حقيقية إن مل تكن على املسةتوى الرمسةي مةن‬
‫احلكومات والدو فلتكن علةى مسةتوى أصةحاب‬

                                    ‫1 - يف ظال القرآن: 1/444, 544.‬
                              ‫962‬
‫ةالمي‬           ‫ةر واملعنة بة‬
     ‫ةيني ةاهلم اإلسة‬        ‫ةرأي والفكة‬‫الة‬
‫العام,واملنشغلني بةه؛ فقةد ثعبةت عمليةا أن غيةاب‬
‫الوعي وعدم اإلدراك احلقيقي ملةدى خطةورة فةراس‬
‫األمة من قلة رائدة أثر تأثريا مروعةا يف عةدم بةروز‬
‫هذه القلة, وعدم العناية هبةا إذا بةرزت وبةدا ذلةك‬
‫بصورة ملحوظة يف عدم تفرس كفايات علميةة حلمةل‬
‫ما خلقت من أجله من وعي يكون أساسةا للسةعي,‬
‫ومن مث توعية األمة برسالتها ومهمتها حسةب طعبيعةة‬
‫كل مرحلة من املراحل اليت متةر هبةا واملكةان الةذي‬
‫تشغله, فما يصلح يف وقت قةد ال يصةلح يف وقةت‬
‫آخر,وما ينفع يف زمان قةد ال ينفةع يف زمةان آخةر‬
‫وما يفيد قوما قد ال يفيد منه آخةرون, وقةد حةوت‬
‫الشريعة اإلسالمية من عوامةل السةعة واملرونةة مةا‬
‫أثعبت لدى العبعيد قعبل القريب صالحيتها لكةل زمةان‬
                                           ‫ومكان.‬

‫وهذه القناعة العملية احلقيقية ليسةت بةاألمر السةهل‬
‫اليسري بل حتتاج إىل توطني الةنفس واكتشةاف نقطةة‬
‫العبداية؛ ألن معرفة مدى حاجة األمةة إىل قلةة رائةدة‬
                             ‫072‬
‫هلا أثر تربوي وفكري وعلمي يسةتطيع أن يةؤثر وال‬
    ‫ة ة ة‬              ‫ة‬           ‫ة‬        ‫ة‬
‫يت ةأثر وجي ةذب وال ينج ةذب أم ةر ه ةام وم ةؤثر,‬
‫واكتشاف نقطة العبداية هذه له ما بعده مةن تكةاليف‬
‫ومشاق, (ولعل أعظم زيغنةا وتنكعبنةا عةن طريةق‬
‫التاريخ أننا جنل النقطة اليت منها نعبةدأ تارخينةا, ولعةل‬
‫أكرب أخطاء القادة أهنم يسقطون مةن حسةاهبم هةذه‬
‫املالحظة االجتماعيةة , ومةن هنةا تعبةدأ الكارثةة,‬
‫وخيرج قطارنا عن طريقه حيث يسري خةعبط عشةواء,‬
‫وال عجب فإن كوار التاريخ الةيت حتيةد بالشةعب‬
                            ‫عن طريقه ليست بشاذة)(1)‬

‫2- إعداد قيادات املستقبل, يف ضةوء النظةرة االستشةرافية‬
‫العامة اليت تنورنا هبا قضية السنن بصةفة خاصةة فةإن‬
‫أوجب الواجعبات لةدارس السةنن أن يفيةد منةها,‬
‫ويفيد مةن تيارهةا وال يصةادمها, خاصةة أن مةن‬
‫خصائصها عدم التعبد أو الةتغري فةإذا وعينةا ثعباهتةا‬
‫واطرادها فلنفد منها على ضوء خصائصةها ومساهتةا,‬


         ‫1 - شروط النهضة, مالك بن نيب: 74,ط: دار الفكر9931ه ,9791م.‬
                               ‫172‬
‫وقد ثعبت سننيا من خال عرض هذه السةنة يف القلةة‬
‫والكثرة أن الريادة لكل أمر ال تكةون لعامةة النةاس‬
‫وال المهور العبشر بل لفئة هلا من الةوعي مةا يعينةها‬
‫على إحسان السعي,وهلا من العلم ما ييسر هلةا إتقةان‬
‫العمل, وقةد سةعبقنا الغةرب يف هةذه الدراسةات‬
‫االستشرافية واملستقعبلية بصةورة جعلتةه يفيةد مةن‬
‫السنن وإن مل يسندها إىل رهبا وجمريهةا, لكةن علةى‬
‫عادة السنن أهنا تعطي من حيسةن التعامةل معهةا دون‬
‫السةنن‬     ‫تفريق بني مسلم وكافر, وتلك من خصةائ‬
 ‫ةات الرقمية‬
‫ةة‬                  ‫نة‬       ‫ةيت ال تتخلة‬
           ‫ةف, فرأي ةا الدراسة‬          ‫الة‬
‫واإلحصائية اليت متهد الختاذ القرار الصةحيح, وكةثري‬
‫من أعمالنا ارجتايل حلظي, ال ميهةد لةه بدراسةة وال‬
‫يعبىن على معرفة متينة ومعلومة قوية, وهةذا مةا جعةل‬
‫أعمالنا ختضع إىل حد كعبري ملفاجئات القدر,مةع أننةا‬
‫أوىل الناس بةالوعي بالسةنن فكةل شةيء يف ديننةا‬
‫(حبسبان),وبة (تقدرر العزرلز العلليم) ععبةادةً‬
‫ومعاملةً,وفرائض وسةننا, وهنةاك تالزميةات بةني‬


                             ‫272‬
 ‫ةا يف خريطة العمة‬
‫ةة ةل‬                       ‫ةرائض والسة‬
                 ‫ةنن ومواقعهة‬         ‫الفة‬
                                                  ‫اإلسالمي.‬

‫والناظر يف منهجية القرآن الكرمي جيد أنه عين بةالنظرة املسةتقعبلية‬
‫حىت يف العهد املكي الذي بدا فيه للنةاظر املتأمةل معانةاة‬
‫املسلمني فيه, لكن القرآن الذي هو كلمةة اهلل اصامتةة للعبشةرية‬
‫يهي األمة املسلمة لتكون رائدة ميدان وفارسةة مضةمار, فهةو‬
‫منذ العبداية (يوجه أنظار املسلمني إىل الغةد املةأمو , واملسةتقعبل‬
 ‫املرجتى, ويعبني هلم أن الفلك يتحرك, والعةامل يةتغري, واألحةوا‬
‫تتحو , فاملهزوم قد ينتصر, واملنتصر قد يهةزم, والضةعيف قةد‬
‫يقوى,والدوائر تدور, سواء أكان ذلك علةى املسةتوى احمللةي أم‬
‫العاملي, وعلى املسلمني أن يهيئوا ويرتعبةوا بيتةهم ملةا يةتمخض‬
                                        ‫عنه الغد القريب أو العبعيد)(1),‬

‫واملتأمل لسورة القمر مثالً ورصدها املركةز لغةزوة بةدر جيةد‬
‫مدى عناية القرآن الكرمي بالنظرة املستقعبلية,وإرشةادها املسةلمني‬
‫ملا سيكون بعد سنني, فما بان معةىن قولةه (تعةاىل): (سةيهزم‬
‫االمع ويولون الدبر ), القمر:54.لعمةر بةن اصطةاب وقةت‬


     ‫1 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة,د.يوسف القرضاوي, 411 ,‬
                                  ‫372‬
‫نزوهلا وما فهمها إال يوم بدر حةني رأى رسةو اهلل صةلى اهلل‬
                               ‫عليه وسلم, يثب يف الدرع ويتلوها, (1)‬

        ‫غ‬
‫واملتأمل لصدر سورة الروم يف قولةه تعةاىل: (امل (2) ُلِعبَةتِ‬
                            ‫ه‬       ‫َ‬                      ‫الر م‬
‫ُّو ُ (5) فِي َأدْنَةى الْةأرْض وَ ُةمْ مِةنْ َبعْةدِ غَلَةعبهمْ‬
  ‫سََيغْلِعبُونَ (3) فِي بضْع سِننيَ لِلهِ الْأم ُ مِنْ قَعبْ ُ ومِةنْ َبعْة ُ‬
  ‫د‬            ‫لَ‬             ‫َّ َ ْر‬
 ‫ء‬              ‫َّ ص ر‬                            ‫ْ ْح ْ‬
 ‫وَيَومَئِذٍ َيفرَ ُ الْمُؤمِنُونَ (5) بنَصْر اللهِ يَنْ ُة ُ مَةنْ َيشَةا ُ‬
 ‫وَهُوَ اْل َزي ُ الرحِي ُ (2) وَعْدَ اللهِ َا يُخْلِة ُ َّة ُ وَعْةد ُ‬
 ‫َه‬       ‫ف الل ه‬          ‫َّ ل‬               ‫ع ز َّ م‬
         ‫ِ‬         ‫م‬                ‫م‬              ‫الن‬         ‫ِن‬
‫وََلك َّ َأكَْثرَ َّاس لَا َيعْلَ ُةونَ (5) َيعْلَ ُةونَ ظَةاهرًا مِةنَ‬
                       ‫حي ة الد ي وه ع َ ِ َة ه غ فل ن‬
               ‫الْ ََا ِ ُّنَْا َ ُمْ َن الْآخر ِ ُمْ َاُِو َ (2))(2)‬

‫جيد مدى حرص القرآن الكرمي على توعية املسةلمني مبةا يةدور‬
‫حوهلم من أحدا , يترتب عليها كةثري ممةا خيصةهم, ويظهةر‬
                                                                 ‫منها أمران:‬




                                  ‫1 - انظر أسعباب النزو : ولعباب النقو :1/99.‬
                                                            ‫2 - الروم:1ة7.‬
                                    ‫472‬
‫(األو : مدى وعي اجملموعة املسةلمة_ علةى قلتةها وضةعفها‬
‫املادي _ بأحدا العامل الكربى,وصراع العمالقةة مةن حوهلةا,‬
                                             ‫وأثره عليها إجيابا وسلعبا.‬

‫الثاين: تسجيل القرآن هلذه األحدا ,وتوجيةه النظةر إىل عوامةل‬
        ‫التغري, واالنتقا من الواقع إىل املتوقع يف ضوء السنن.)(1)‬

‫3- إعداد حماضن علميلة خاصلة بتكلورن القلادة,علةى‬
‫مستوى العلةوم الشةرعية واالجتماعيةة والسياسةية‬
‫وتشرف عليها هيئة عاملية, تستقل ماليا وإداريةا عةن‬
‫رعاية دولة بعينها؛ حىت تكةون حةرة اإلرادة, قةادرة‬
‫على االستقال العلمي والعملي كمةا يفةاد يف ذلةك‬
‫من اصربات العلمية العاملية اليت متةأل أصةقاع العةامل‬
‫اإلسالمي وتوضع مل برامج تربوية وعلميةة وعمليةة‬
‫تؤهلهم للقيام باملهمة املنوطةة هبةم يف قيةادة األمةة‬
‫وإرشادها, واألمة غنية بفضل اهلل تعاىل بةالعقو الةيت‬
‫حتتاج من يفيد منها والطاقات املؤهلةة للقيةام هبةذه‬
                                               ‫املهمة.‬




                      ‫1 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة: 511‬
                               ‫572‬
 ‫4- اإلفادة من احملاضلن العلميلة القائملة كةل يف جمةا‬
‫ختصصه لتكون رافدا من الروافةد املهمةة يف تزويةد‬
‫اجملتمع مبا يتطلعبه من رموز علميةة وقياديةة تتحمةل‬
                               ‫املهمة أو جزءا منها.‬

‫كاألزهر والزيتونةة واألمةوي‬         ‫5- تفعيل دور العلم الكرب‬
‫واالامعة اإلسةالمية ودار العلةوم باهلنةد وغريهةا,‬
‫لتقوم مبهمتها الرمسية واصروج هبا مةن حالةة االمةود‬
‫واهلمود إىل حالة الةوعي احلقيقةي والسةعي االةاد‬
‫إلخراج األمة مةن وهةدهتا والسةري هبةا قةدما إىل‬
                           ‫مصاف الريادة احلضارية,‬

‫منله ملثلل‬     ‫9- تفعيل الوقف اإلسالمي ورصد قدر مناس‬
‫هذا البناء البشر امللتني , فةال أوىل بةه منةه, وال‬
‫أحوج إىل الوقف من هذا املشروع الةذي يةعبين أمةة,‬
‫وميهد اليل تتعبعه أجيةا , ودعةوة أهةل الفضةل إىل‬
‫املشاركة يف هذا اهلم العام الذي لةه مةا بعةده مةن‬
               ‫تعبصري األمة برسالتها وحتميلها مبهمتها,‬

‫7- توهيف القدر املتاح من اإلعالم املسللم خلدملة هلذا‬
‫املشروع الرراد , ميهد لةه ويعلةن عنةه, ويغةري‬
‫الناس مبا له من أثر وفضل, ويساعد يف توعيةة األمةة‬

                              ‫672‬
‫خبطورة خلوها من هذه القلة الرائةدة, وتوعيةة هةذه‬
‫القلة مبهمتها عرب وسةائله االاذبةة واملةؤثرة,والةيت‬
‫أثعبتت جتربة األيام أن أثره ال ينكةر بةل ال يقةاوم يف‬
‫اصري والشر, وهذا ما عرب عنةه الطيةب برغةو يف‬
‫دراسته املتميزة عن سةنن الصةريورة واالسةتخالف‬
‫يف ضوء التدافع والتجدد احلضةاري يف حديثةه عةن‬
  ‫ة‬          ‫ة‬       ‫ة‬         ‫ة‬
‫خصةائ ومقوم ةات التجةدد احلض ةاري بقول ةه:‬    ‫ة‬
‫(الشرط الثةاين يف الفعةل التجديةدي وهةو وصةل‬
‫احلاضر بالعصر,خاصةة إذا كانةت األمةة يف وضةع‬
‫املستضعف أو املتطلع علةى االنعتةاق مةن التخلةف‬
‫والتعبعية واالستضعاف, حيث يتحتم عليهةا التواصةل‬
‫العبصري مع ثقافة العصةر وحضةارته؛ اسةتفادة مةن‬
‫معطياته وخرباته, وفهما الجتاهاته وجمةاالت وآليةات‬
‫الصراع فيه, وارتقةاء إىل مسةتوى التفاعةل الةواعي‬
         ‫معه أو الفعل اإلجيا فيه كلما أمكن ذلك.)(1)‬

   ‫التجل‬
‫لحاب لارب‬       ‫العقل الرائل‬ ‫اسل‬
         ‫8- لتكتاب لول لدة وأصل‬
‫واخلربات النادحة يف هلذا امليلدان مةن تربةويني‬
‫وشرعيني واجتماعيني وإصةالحيني وكةل مةن لةه‬

       ‫1 - مدخل إىل سنن الصريورة االستخالفية على ضوء نظرية التدافع والتجديد‬
                                                       ‫احلضاري, 281,381.‬
                                  ‫772‬
‫شغل باهلم اإلسالمي العام ليقةدم تصةوره يف جمالةه,‬
‫ونتاج خربته موثقا, ويف األمة مةن اصةربات املتنةاثرة‬
‫والعقو املهاجرة ما يكفي ويغين إذا صةحت العزميةة‬
                      ‫وسلمت النوايا ويسرت السعبل.‬

‫وهذا عينه ما تنعبه له شيخنا الشةيخ صةادق عرجةون‬
‫يف كتابه املعبارك واملةاتع (سةنن اهلل يف اجملتمةع مةن‬
‫خال القرآن الكرمي), حني تسائل بعد رحلةة علميةة‬
‫قوية مؤصلة عن املخرج ملا فيه املسلمون اليةوم وقةد‬
‫وضح الصةعبح لةذي عيةنني, وبةان النةهار لةذي‬
   ‫ة‬       ‫ة‬          ‫ة‬
‫باص ةرين, وخل ة إىل وج ةوب أن تك ةون هن ةاك‬    ‫ة‬
‫(دراسة حتليليةة تصةف الةداء يف لطةف ال يةزعج‬
‫املريض, وتضع أمام الدواء,وذلةك يف خطةة إجيابيةة‬
‫يسجلها العلماء ورواد اإلصةالح اإلسةالمي مكتوبةة‬
‫يف هدوء احلق, ترفةع إىل املسةئولني عةن التنفيةذ يف‬
‫مجيع األوطان اإلسالمية تةذاع يف رفةق بةني سةائر‬
‫املسلمني ليفهموا داءهم ودواءهةم, وعلةى العلمةاء‬
‫يف صورة مجاعية حيققها موسم احلةج -وهةو املةؤمتر‬
‫الذي أمر اهلل بعقده- أن يتةابعوا السةعي وراء هةذه‬
‫اصطة ليتعرفوا العقعبةات الةيت تقةف دون تطعبيقهةا‬
‫عمليا, واملشاكل اليت تعترضها, ليشةاركوا يف حلةها‬

                              ‫872‬
‫حال ال يهدم بناء دون أن يقيم على أرضه بنةاء يقةوم‬
‫مقامه وعلى أسس من القرآن الكرمي العظةيم, وجيةب‬
‫أن تكون احللو يف مستوى واقةع األمةة اإلسةالمية,‬
       ‫فال حتلق يف مساء اصيا وتنسى أزمات األمة)(1)‬

‫وقد قدم الشيخ رمحةه اهلل هةذه الدراسةة السةننية‬
‫الراقية وهذا االقتراح إىل رابطة العامل اإلسةالمي ومةا‬
‫زا أمله وأملنا معقودا -بعد اهلل -يف الرابطةة وكةل‬
‫رابطة تتقدم حلمل العبء وتةرود النةاس إىل مكةان‬
                                            ‫الصدارة.‬

‫9- استدعاء تراثنا احلي ليعيش معنا هذه اللدورة احلضلاررة‬
‫اللتغري السلنين يف‬          ‫من ددرلد حسل‬               ‫اليت تكت‬
‫الكون واحلياة, وحسب قةانون التةداو احلضةاري‬
‫الذي رصده القرآن الكرمي وعين بتأكيةده, ونرتشةف‬
‫منه جتارب القرون املاضية الةيت ثعبةت علةى مةدار‬
‫التاريخ ريادهتةا وقيادهتةا لنهضةات ظلةت قرونةا‬
‫مشاعل نور ومنارات هدى يفيء إليهةا النةاس مةن‬
                                   ‫شرق وغرب.‬

 ‫1 - سنن اهلل يف اجملتمع, الدار السعودية للنشر والتوزيع, ط الثالثة,4541/ 4891م,‬
   ‫وانظر: حديث األستاذ أ احلسن الندوي عن قيادة اإلسالم للعامل, فصل هنضة العامل‬
   ‫اإلسالمي, من كتابه الراقي : ماذا خسر العامل باحنطاط املسلمني,ص 852 /772 .‬
                                    ‫972‬
   ‫(وال خيفى أن أي خلل يف عالقةة احلاضةر بةالترا‬
‫احلضاري لألمة, سيجعل حركةة التجديةد متتةد يف‬
‫فراس, وستجد نفسها بعةد فتةور محاسةة العبدايةة,‬
‫وكأهنا تتحرك يف مكاهنةا, إن مل تتقهقةر إىل الةوراء؛‬
‫لنها ال جتد السند الفكةري والنفسةي واالجتمةاعي‬
‫الذي مينحها مةربرات االسةتمرارية, ويضةمن هلةا‬
‫حيوية التجدد واالندفاع, ويقيهةا خمةاطر التذبةذب‬
‫والتأرجح بني التيارات الفكريةة والكتةل احلضةارية‬
‫املتدافعة, الذي قد يفقةدها هويتةا وميسةخها خلقةا‬
                                      ‫اجتماعيا آخر!‬

‫ويكفي يف هذا السياق استحضةار مسةار ومةآالت‬
‫جتربة النهضة احلديثة يف العةامل اإلسةالمي, وعجزهةا‬
‫عن حل معادلة التواصل األصةيل مةع الةذات, ومةا‬
‫جنم عن ذلك من ازدواجية وتذبذب واهةتالك وهةدر‬
‫لإلمكانات واإلرادات احلضةارية لألمةة,ومضةاعفة‬
‫هلمومها, ومعباعدة بينها وبةني طموحاهتةا.. للتأكةد‬
‫فعال كيف مسخت هذه النهضةة مسةخا, وأفرغةت‬
‫من حمتواها احلضاري األصيل! ومن هنا فةإن الشةرط‬
‫األساس األو يف الفعةل التجديةديي, هةو وصةل‬
‫احلاضر باملاضي وصال واعيا,عةن طريةق اسةتيعاب‬

                             ‫082‬
 ‫ةة ةة, ةل روحهة‬
‫ةا‬                               ‫ثوابة اصة‬
          ‫ةت ةربة الذاتية لألمة ومتثة‬
 ‫ةا يف العصة‬
‫ةر‬                    ‫ةحاهبا إىل احلاضة‬
           ‫ةر, وإدماجهة‬                ‫واستصة‬
                                    ‫باستمرار)(1)‬

‫51- استلهام حركات اإلصلالح والتجدرلد يف العصلور‬
                                                 ‫السابقة‬

  ‫فلكل فضل السعبق وبدايةة الشةرارة, علةى تطةاو‬
‫الرقعة املكانية والزمانية نفيد مةن كةلٍ مةا يناسةب‬
‫عصرنا ويزهي حياتنا فقد كانةت ومةا زالةت عنةد‬
‫كثري مةن املنصةفني زادا حقيقيةا يغةري بالتقةدم‬
‫والريادة, وقةد قةا غوسةتاف لوبةون يف كتابةه‬
‫حضارة العرب(...إن جامعات الغرب مل تعةرف هلةا‬
‫مدة مخسة قرون مةوردا علميةا سةوى مؤلفةاهتم -‬
‫أي: املسلمني- وإهنم هم الذين مةدنوا أوربةة مةادة‬
‫وعقال وأخالقا, وإن التاريخ مل يعر أمةة أنتجةت مةا‬
‫أنتجوه يف وقت قصةري, وإهنةم مل يفقهةم قةوم يف‬
‫اإلبداع الفةين) ويقةو : (كةان تةأثري العةرب يف‬

‫1 - مدخل على سنن الصريورة االسةتخالفية علةى ضةوء نظريةة التةدافع‬
‫والتجديد, الطيب برغو , 181, 281, وانظر حنو حركةة إسةالمية عامليةة‬
‫واحدة, فتحي يكةن,ط: مؤسسةة الرسةالة, الطعبعةة اصامسةة , 7541ه/‬
                                          ‫7891م,ص 44 وما بعدها.‬

                                ‫182‬
‫القطار اليت فتحوها عظيما جةداً يف احلضةارة, ولعةل‬
  ‫فرنسة كانت أقل حظا منهم, فقد رأينا الةعبالد تتعبةد‬
‫صورهتا حينما خيفةق علةم الرسةو الةذي أظلةها‬
‫بأسرع ما ميكةن, ازدرت فيهةا العلةوم والفنةون‬
‫والزراعة أي ازدهةار... ومل يقتصةر العةرب علةى‬
‫ترقية العلوم مبةا اكتشةفوه, فةالعرب قةد نشةروها‬
‫كذلك مبا أقاموا مةن االامعةات ومةا ألفةوا مةن‬
‫الكتب, فكان هلم األثر العبةالغ يف أوربةة مةن هةذه‬
‫الناحية, ولقد كان العرب أسةاتذة لألمةم املسةيحية‬
‫عدة قرون, وإننةا مل نطلةع علةى علةوم القةدماء‬
‫والرومان إال بفضل العرب, وإن التعلةيم يف جامعاتنةا‬
   ‫ة ة ة‬                  ‫ة ة ة‬
‫مل يس ةتغن عم ةا نق ةل عل ةى لغاتن ةا م ةن لغ ةات‬
‫العرب)(1), واملتابع لقصة احلضارة لةوو ديورانةت‬
                        ‫جيد من هذه األمثلة الشيء الكثري.‬

             ‫11- اإلنسان قبل البنيان والسادد قبل املسادد‬

‫ومن اصطوات العمليةة الةيت جيةب علةى املعنةيني‬
  ‫ة‬        ‫ة‬      ‫ة‬      ‫ة‬       ‫ة‬           ‫ة‬
‫مبس ةتقعبل األم ةة يف ض ةوء عل ةم الس ةنن أو عل ةم‬
‫االستشراف وما يسميه بعضةهم علةم االسةتراتيجية‬

                                 ‫1 - حضارة العرب:92, 99, 995.‬

                               ‫282‬
‫,أن يكون اهتمةام املؤسسةات السةابقة واالهةات‬
‫املهتمة هبذا الشأن منصةعبا علةى اإلنسةان أوال قعبةل‬
‫املناهج واألدوات والوسائل, كمةا نةرى يف واقةع‬
‫املسلمني اآلن؛ فاإلنسان قعبل العبنيان, والسةاجد قعبةل‬
‫املساجد, ولعل االد يف تلك النظرة إىل اإلنسةان هةو‬
‫حمور األساس يف النجةاح والنصةر والةتمكني, فمةا‬
‫يفيد إذا وفرنا مؤسسةات تصةفر فيهةا الةريح بةال‬
‫عقو قادرة على إدارهتا وملئها مبا حتتاجه األمةة مةن‬
‫أفكار ورؤى,ومةا يفيةد إذا عةددنا مةن عالمةات‬
‫جناحنا أننا أسسنا مةن اهليئةات واملؤسسةات كةذا‬
‫وكذا دون أن يكةون لةدينا القةدرة علةى احلشةد‬
‫اإلنساين,واالنتخاب العبشةري, الةذي يةزين هةذه‬
‫العبنايات الضخمة والصروح الفخمة,كمةا قةا أبةو‬
                                 ‫الطيب يف بيته الرائد:‬

‫إذا مل يكةن فةوق‬         ‫وما تنفع اصيل الكرام وال القنا‬
                                         ‫الكرام كرام(1)‬

‫واملتأمل للقلة الرائدة اليت رباها رسةو اهلل (صةلى اهلل‬
‫علي وسلم), جيد اهتمامه باإلنسةان قعبةل أي شةيء‬
‫آخر, فانتصر هبم حني أخرجهم مةن بةداة جفةاة إىل‬
                                                              ‫1‬
                                                          ‫-‬

                              ‫382‬
‫رادة وقادة, يعلمون الدنيا معةىن احلضةارة واملدنيةة,‬
‫ويعبعثون يف نفوسهم معةىن العةزة والكرامةة, ومةا‬
              ‫موقف ربعي بن عامر وحديثه عنا بعبعيد,.‬



‫فهذا هو مؤشر النصر احلقيقي يف تكون القةادة الةرادة‬
‫الذين يقولون يف حزم ويعملون يف عةزم شةأن االيةل‬
‫القرآين الفريد الذي رباه الرسةو (صةلى اهلل عليةه‬
‫وسلم), هبذه املنهجية القرآنية, وكةان مؤشةرا مةن‬
‫مؤشرات انتصاره, فلقةد انتصةر (صةلى اهلل عليةه‬
‫وسلم) (يوم أن صنع أصةحابه رضةوان اهلل علةيهم‬
‫صورا حية مةن إميانةه, تأكةل الطعةام ومتشةي يف‬
‫األسواق,يوم صاس من كةل فةرد منوذجةا جمسةما‬
‫لإلسالم, يراه الناس فةريون اإلسةالم, إن النصةوص‬
‫وحدها ال تصةنع شةيئا, وإن املصةحف وحةده ال‬
‫يعمل حىت يكةون رجةال, وإن املعبةادئ وحةدها ال‬
‫تعيش إال أن تكون سةلوكا, ومةن مث جعةل حممةد‬
‫(صلى اهلل عليه وسلم) هدفه األو أن يصةنع رجةاالً‬
‫ال أن يلقي مواعظ, وأن يصوس ضةمائر ال أن يةدبج‬
‫خطعبا, وأن يعبين أمة ال أن يقيم فلسةفة, أمةا الفكةرة‬
‫ذاهتا فقد تكفل هبا القرآن الكرمي, وكان عمةل حممةد‬
                             ‫482‬
‫أن حيو الفكرة اجملردة إىل رجةا تلمسةهم األيةدي‬
‫وتراهم العيون,...ولقد انتصر حممد بن ععبةد اهلل يةوم‬
‫صاس من فكرة اإلسةالم شخوصةاً, وحةو إميةاهنم‬
‫باإلسالم عمالً, وطعبع من املصةحف عشةرات مةن‬
‫النسخ مث مئات وألوفةا, ولكنةه مل يطعبعهةا باملةداد‬
‫على صحائف الةورق, إمنةا طعبعهةا بةالنور علةى‬
‫صحائف من القلوب, وأطلقهةا تتعامةل مةع النةاس‬
‫وتأخذ منهم وتعطي, وتقو بالفعل والعمةل مةا هةو‬
‫اإلسالم الذي جاء به حممد بةن ععبةد اهلل مةن عنةد‬
                                            ‫اهلل.)(1)‬

‫وهذا ما يصر به عالمة اهلند األسةتاذ أبةو احلسةن‬
‫الندوي يف كتابه املاتع (ماذا خسةر العةامل باحنطةاط‬
‫املسلمني) ,بعد ما شةخ الةداء ووصةفه وصةف‬
‫الطعبيب املاهر كأنه حييا بني ظهةراين العةرب غةدوا‬
‫ورواحا, فاملهم لديه بل(املهةم األهةم لقةادة العةامل‬
       ‫ةه الدينية وللة‬
  ‫ةة ةدو‬                      ‫ةالمي ومجعياتة‬
                     ‫ةه وهيئاتة‬               ‫اإلسة‬
        ‫ة‬        ‫قلة‬      ‫ة اإلمية‬
‫اإلس ةالمية غ ةرس ةان يف ةوب املس ةلمني,‬      ‫ة‬
             ‫ة ة‬         ‫ة‬        ‫ة‬           ‫ة‬
‫وإشةعا العاطفةة الدينيةة, ونشةر الةدعوة إىل اهلل‬

‫1 - دراسات إسالمية, لألستاذ سيد قطب, ط: دار الشروق, 3931 هة / 3791م,‬
                                               ‫ص92/ 82, باختصار.‬
                               ‫582‬
‫ورسوله,واإلميةان بةاآلخرة علةى منةهاج الةدعوة‬
    ‫ذلة وسة‬              ‫تة‬
‫ةالمية األوىل, ال ةدخر يف ةك ةعا,‬            ‫اإلسة‬
‫وتستخدم لذلك مجيةع الوسةائل القدميةة واحلديثةة,‬
‫وطرق النشر والتعليم, كتجةوا الةدعاة يف القةرى‬
‫واملدن, وتنظيم اصطب والةدروس, ونشةر الكتةب‬
‫واملقاالت, ومدارسة كتب السرية,وأخعبةار الصةحابة,‬
  ‫وكتب املغازي والفتوح اإلسةالمية, وأخعبةار أبطةا‬
‫اإلسالم وشهدائه, ومذاكرة أبواب االهةاد, وفضةائل‬
                                      ‫الشهداء)(1).‬

                                ‫21- دقة االنتخاب ومهارة االختيار‬

‫كما ال يفوتنا التنعبيه على أمهية مصداقية االختيةار, ودقةة‬
‫الفرز هلذه القلة الرائدة, فما كل من تلقةاه يصةلح هلةا,‬
‫وال كل فصيح يصيح, وال كل من يصةيح قةادر علةى‬
‫الريادة والقيادة, فميدان الكةالم غةري ميةدان العمةل,‬
‫وميدان العمل غري ميدان االةاد, وميةدان االهةاد غةري‬
‫ميدان االهاد املنتج الفاعل املؤثر, فتختار هلةذا املشةروع‬
‫الضخم (جمموعة من النوابةغ املخلصةني الةذين تتةوافر‬

     ‫1 - ماذا خسر العامل باحنطاط املسلمني,أل احلسن الندوي, ط: دار املعارف, ط‬
  ‫السابعة, 8541ه / 8891م, ص172, وانظر أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة‬
                                                      ‫القادمة: 37 وما بعدها.‬
                                   ‫682‬
‫فيهم الصفات العقلية والنفسةية واإلميانيةة والسةلوكية,‬
‫وأن يزكيهم عدد من الشخصةيات املعروفةة, العبصةرية‬
‫خبصائ الرجا , وأن يعقةد هلةم بعةض االختعبةارات‬
‫املتنوعة حتريرية وشفهية, وحيسةن أن يكونةوا يف معهةد‬
‫يتعايشون فيه وحييون حياة ربانية, علمية دعويةة أخويةة‬
                                           ‫جهادية)(1)‬

  ‫ومن خال هذا احلشد لنوعيات خاصة ميكن أن خيتار من‬
    ‫بني هؤالء من يصلح بعد التجربة واالختعبار, خاصة بعد‬
  ‫الرصد الراقب واملتابعة الواعية من تلمع فيه صفات الريادة‬
   ‫والقيادة, وهذا ال يأيت من خال االمع العشوائي بل بعد‬
    ‫انتخاب أفضل العناصر املؤهلة مث فرزها ليتميز منهم من‬
     ‫يتميز, وساعتها يتقدم اصعبري اجملرب امليداين ليختار على‬
        ‫بصرية ووعي, و(لن ختط عينك الرائد أبداً، ولعلك‬
  ‫تصادف فىت من ناشئة الدعوة مل يعبلغ معبلغ الرجا ، فتدرك‬
          ‫أنه هلا، وليس هو بالذي مييز مقدمات الدعوة بعد.‬

‫أو ما تقع عليةه عينةك، ومةن النظةرة األوىل تقةو : هةذا‬
                                                ‫معبتغاي.‬



         ‫1 - أولويات احلركة اإلسالمية يف املرحلة القادمة,48,58, بتصرف يسري.‬
                                  ‫782‬
‫وملثل هذا نفتش عن منهجية التربيةة، وحنةاو تلمةس املةدارج‬
                                       ‫اليت تأخذ به صعدا.‬
‫لو كانت جمرد صيحة لتركنا كل فصةيح يصةيح، لكنةه علةم‬
‫الدعوة يقو :ال، ليس هةو الصةياح، وال جمةرد العواطةف، وال‬
‫قفزات املستعجل، إمنا هي أنغةام احلةداء الةيت تقةود القوافةل‬
                                         ‫ن‬
                 ‫فتوصلها، والبد أن ُعلم كل فصيح هذه الصنعة.‬

‫يف األنغام جتانس وتوافق، ومجا وتناسةب، وتةدرج واسةتمرار،‬
‫من الصفات املتماثالت، ولكةن فيهةا أيضةاً مةن النقةائض:‬
‫السرعة والسكون، والرتابة والتجديد، والعلةو واهلعبةوط، وكةل‬
‫هذا التماثل والتناقض الزم لتربية الرائد، فمتماثالتةه تةؤدي بةه‬
‫إىل استواء النفس، ووحدة الفكةر واتسةاقه، ومنهجيةة السةري،‬
‫والثعبات على االرتعباط باملنطلقات اإلميانية األساسةية، وتناقضةاته‬
‫متكنه من التكيف مع الظرف، واملرونةة إزاء املفاجةأة، وإتقةان‬
                               ‫ي‬
‫التمل واإلفالت و الفةر إذا مل ُةتَح لةه االقتحةام ومواصةلة‬
                                                       ‫الكر.)(1)‬
‫31- وال يفوتنا هنا أن نغري القائمني بصناعة القلةة بإدامةة‬
‫النظر يف تلاررِ املصللحني اولددرن, كاألفغةاين‬
‫وحممد ععبده,ورشيد رضةا, والسنوسةي, اإلدريسةي‬


                               ‫1 - فضائح الف , حملمد أمحد الراشد,ص:9.‬
                              ‫882‬
‫والعبشري اإلبراهيمي, وابن بةاديس, وبةديع الزمةان‬
‫النورسي, وأورانةك ذيةب , وأمحةد السةرهندي,‬
‫والعبنا, واملودودي, والندوي, وغريم ممةا يزخةر هبةم‬
‫تارخينا احلديث واملعاصر, واهلل وحةد بيةده مقاليةد‬
                     ‫األمور, وإليه يرجع األمر كله.‬

‫41- أما عن املهلج واحملتلو , فهةو واضةح وضةوح‬
                                           ‫بي ٌ‬
‫الشمس ِّن بيانَ الدليل الساطع, والربهةان القةاطع,‬
‫هو نفس املنهج الذي اختةاره اهلل للعبشةرية, كلةها,‬
‫منهج جيمةع بةني متطلعبةات العصةر وضةرورات‬
‫الواقع,املنهج املتكامل الشامل لكةل جنعبةات احليةاة,‬
‫فال يتضخم فيه شيء على حساب آخةر, وال يضةمر‬
‫فيه معىن حتيفا أو انتقاصا, (وهو نفةس املنةهج الةذي‬
‫أخرج من متاهةات االاهليةة خةري أمةة أخرجةت‬
‫للناس, والذي ميلك أن خيرج يف كةل زمةان ومكةان‬
‫االيل القائم على احلق, اجملاهد مةن أجلةه, الةذي ال‬
                 ‫يضره من خالفه حىت يأيت أمر اهلل)(1)‬

‫51- االنتقال من طور الكالم والتنظري إىل طلور العملل‬
                                                   ‫والبناء‬

 ‫1 - حنو حركة إسالمية عاملية,فتحي يكن, ط: مؤسسة الرسالة, ط اصامسة,7541ه‬
                                                     ‫/7891م, ص: 23.‬
                                 ‫982‬
‫فقد ثعبت واقعا, أن ميدان الكةالم غةري ميةدان العمةل‬
‫وميدان العمل غري ميدان العمل املنةتج العبنةاء, وسةيظل‬
‫الناس وقوفا حةىت يقرنةوا بةني الكةالم والعمةل,(إن‬
‫أصحاب األقالم يستطيعون أن يصةنعوا شةيئا كةثريا,‬
‫ولكن بشرط واحد: أن ميوتوا هم لتعةيش أفكةارهم, أن‬
‫يطعموا أفكارهم من حلةومهم ودمةائهم, فةداء لكلمةة‬
‫احلق, أن يقولوا ما يعتقةدون أنةه احلةق, إن أفكارنلا‬
‫وكلماتنا تظل دثثا هامدة, حىت إذا متنلا يف سلبيلها أو‬
  ‫ل ل‬         ‫ل‬    ‫ل‬           ‫ل‬          ‫ل‬
‫بلذرناها باللدماء, انتفضلت حيلة, وعاشلت بلني‬
                                         ‫ل‬
‫األحيلاء....والكلمةة ذاهتةا – مهمةا تكةن خملصةة‬
 ‫ة‬      ‫ة ة‬          ‫ة ة‬
‫وخالقة- فإهنةا ال تسةتطيع أن تفعةل شةيئا, قعبةل أن‬
‫تستحيل حركةة, وأن تةتقم إنسةانا, النةاس هةم‬
‫الكلمات احلية اليت تؤدي معانيها أبلةغ أداء, إن الفةارق‬
‫األساسي بني العقائد والفلسةفات , إن العقيةدة كلمةة‬
‫حية تعمل يف كيةان إنسةان, ويعمةل علةى حتقيقهةا‬
‫إنسان, أما الفلسفة فهي كلمة ميتة, جمةردة مةن اللحةم‬
     ‫والدم, تعيش يف ذهن, وتعبقى باردة ساكنة هناك )(1)‬
‫وهذا هو السعبيل الوحيد الذي ينقل الكةالم مةن ميةدان‬
‫الترف العلمةي والسةرف الثقةايف إىل ميةدان اإلنتةاج‬

                            ‫1 - دراسات إسالمية: 931, 541 باختصار.‬
                             ‫092‬
‫الفاعل العبناء, ومن ميةدان القةو إىل ميةدان التطعبيةق‬
‫العملي الذي يأخذ بيةد العبشةرية إىل مراقةي الصةعود‬
                                      ‫والكما العبشري.‬
‫(فإذا أراد العامل اإلسالمي أن يسةتأنف حياتةه, ويتحةرر‬
‫من رق غريه, وإذا كان يطمةح إىل القيةادة, فالبةد إذن‬
‫من االستقال التعليمي, بل البد مةن الزعامةة العلميةة,‬
‫وما هي باألمر اهلني ؛ إهنةا حتتةاج إىل تفكةري عميةق,‬
‫وحركة التدوين والتأليف الواسةعة, وخةربة إىل درجةة‬
‫التحقيق والنقةد بعلةوم العصةر, مةع التشةعبع بةروح‬
‫اإلسالم, واإلميان الراسخ بأصوله وتعاليمةه,إهنةا ملهمةة‬
‫تنوء بالعصعبة أويل القوة, إمنا هي مةن شةأن احلكومةات‬
‫اإلسالمية,فتنظم لذلك مجعيةات,وختتةار هلةا أسةاتذة‬
‫بارعني يف كل فن, فيضعون منهاجا تعليميا, جيمةع بةني‬
  ‫حمكمات الكتاب والسنة,وحقائق الةدين الةيت ال تتعبةد‬
 ‫ة‬             ‫ة‬          ‫ة‬           ‫ة‬
‫وبةةني العلةةوم العصةةرية النافعةةة والتجربةةة‬ ‫ة‬
‫واالختيار,ويدونون العلوم العصةرية للشةعباب اإلسةالمي‬
‫على أساس اإلسالم وبروح اإلسةالم,وفيهةا كةل مةا‬
‫حيتاج إليه النشء االديةد, ممةا ينظمةون بةه حيةاهتم,‬
  ‫ة ة‬            ‫ة‬         ‫ة ة ة‬
‫وحيةافظون بةه علةى كيةاهنم, ويسةتغنون بةه عةن‬    ‫ة‬
‫الغرب,ويستعدون به للحرب, ويسةتخرجون بةه كنةوز‬


                             ‫192‬
‫أرضهم, وينتفعون خبةريات بالدهةم, وينظمةون ماليةة‬
‫العبالد اإلسةالمية, ويةديرون حكوماتةه علةى تعةاليم‬
‫اإلسالم, حبيث يظهر فضةل النظةام اإلسةالمي يف إدارة‬
‫العبالد وتنظيم الشئون املالية عن النظم األوربيةة, وتنحةل‬
    ‫ةاكل اقتصة عجة أوربة عة حلة‬
‫ةادية ةزت ةا ةن ةها,‬                                  ‫مشة‬
  ‫وباالستعداد الروحةي, واالسةتعداد الصةناعي واحلةر‬
‫واالستقال التعليمي ينهض العةامل اإلسةالمي,ويةؤدي‬
‫رسالته, وينقذ العامل من االهنيار الةذي يهةدده, فليسةت‬
‫القيادة باهلز , إمنا هي جةد االةد, فتحتةاج إىل جةد‬
            ‫واجتهاد, وكفاح وجهاد, واستعداد أي استعداد‬
       ‫يوم اهلياج مبا استعدا)(1)‬          ‫كل امرئ جيري إىل‬
‫إننا أمة متلك من مقومات العبقةاء والنمةاء مةا ال يتةوفر‬
‫لغريها من األمم, فقط حنتاج أن ندرك رسةالتنا ونعةرف‬
‫غايتنا, ومنضي بعةزم إىل هةدفنا بعةد وضةوح الغايةة‬
‫واستعبانة الطريق, وقد رصد اهلل تعاىل ألمتنا مةن عوامةل‬
‫العبقاء والنماء ما ميدها مبصةادر القةوة ومينحهةا دميومةة‬
‫احلياة؛ ألهنا األمة اصامتةة, صةاحعبة الرسةالة األخةرية,‬
‫واحلضارة العاملية, واملنهج الوسةط الةذي جيمةع بةني‬
                             ‫مقوالت الدين ومتطلعبات احلياة.‬


                                                                                ‫1‬
                                ‫- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 525, 225.‬

                               ‫292‬
                  ‫اخلامتة أسأل اهلل حسنها‬
‫وبعد هذه الرحلة مع سنة من سنن اهلل (تعاىل) ويف ضوء‬
‫كتابه الكرمي, دستور العبشرية وهاديها, ومرشدها إىل نفعها‬
‫وخريها وحاديها, عرفنا من خالهلا مفهوم سنة اهلل (تعاىل)‬
‫يف القلة والكثرة, تتعبعنا معىن القلة والكثرة لغة وقرآنا وبان‬
‫من خال هذا التتعبع مدى التوافق والتطابق بني اللغة‬
‫ومضامني القرآن الكرمي, كما بان من خال التتعبع صفات‬
‫القلة احملمودة ومدى وعي املسلمني احلريصني على الشهود‬
‫احلضاري هبا واحلرص على التحلي بصفاهتا, وأن خيطا رفيعا‬
‫يربط بني القلة احملمودة على تطاو الزمان واملكان, من لدن‬
‫نوح وهود إىل حممد (صلى اهلل عليه وسلم) إىل القلة يف‬
‫العصر احلديث, والصحوة اإلسالمية املعاصرة,كما بان‬
‫القلة‬   ‫صفات القلة املذمومة ومدى أثرها يف فقدان خصائ‬
                  ‫احلقيقية, ومدى السننية يف األوىل والثانية.‬

                                ‫392‬
 ‫كما اتضح من خال املعايشة صفات الكثرة احملمودة وكيف‬
      ‫يَفيد منها املسلمون يف عصرهم احلاضر, وصفات الكثرة‬
        ‫املذمومة وكيف يتقيها من يرغب يف الصالح والفالح,‬
                                             ‫والسننية املطردة يف ذلك.‬
‫كما اتضح مدى حاجة املسلمني إىل الوعي هبذه السنة‬
‫خاصة والسنن عامة, استشرافا إىل مستقعبل يكون رائدا كما‬
‫أراد اهلل (عز وجل), وبان موقف املسلمني من سنة اهلل يف‬
‫القلة والكثرة, وريادة القلة العاملة وأثرها يف الشهود‬
‫احلضاري لألمة املسلمة, وأن صناعة هذه القلة بات من‬
‫الواجعبات املتحتمة على األمة املسلمة أفرادا ومجاعات‬
‫وشعوبا وحكومات ويزداد التحتم على قدر الوعي مبدى‬
‫خطورة فقد القلة الرائدة, وأن صناعة هذه القلة ليس من‬
‫املستحيل بل العامل كله من حولنا ميضي هبذه املنهجية اليت‬
                                        ‫ن‬
‫سعبق القرآ ُ هبا ودعا إليها وأكدها,وأن غياب احلكومات‬
‫الراعية ملثل ذلك ال يعفي النخعبة املثقفة والقيادة الفكرية من‬
                              ‫املسؤولية واملسائلة أمام اهلل والتاريخ.‬
                  ‫ُةم‬         ‫عِ‬               ‫ََ َ‬
‫(ذَلِكَ ومنْ عَاقبَ بمِثْل مَا ُوقبَ بةهِ ث َّ ُبغِةيَ عَلَيْةهِ‬
         ‫َن‬                  ‫َف َف ر‬               ‫ُ َنه ه ن‬
‫لَيَْنصرَّ ُ اللَّ ُ إ َّ اللَّهَ َلع ُو غ ُو ٌ (59) ذَلِةكَ بةأ َّ اللَّةهَ‬

                                        ‫492‬
         ‫ََن‬       ‫ل‬              ‫ي ج الن‬         ‫ن‬                  ‫ي ج‬
‫ُولِ ُ اللَّْيلَ فِي الَّهَار وَُولِ ُ َّهَارَ فِةي الَّيْةل وأ َّ اللَّةهَ‬
     ‫َةق ََن‬                ‫َن ل‬                   ‫ع ِري‬
‫سَمِي ٌ َبص ٌ (19) ذَلِكَ بأ َّ الَّةهَ هُةوَ اْلح ُّ وأ َّ مَةا‬
            ‫ِةي‬               ‫ِل ََن ل‬                ‫ْع ِ د ه‬
‫يَد ُونَ منْ ُونهِ ُوَ الْعبَاط ُ وأ َّ الَّهَ هُةوَ اْلعَل ُّ الْكَةعبريُ‬
                        ‫الس‬        ‫َ‬        ‫َن الل‬
‫(29) أَلَمْ َترَ أ َّ َّهَ أَنْةز َ مِةنَ َّةمَاءِ مَةاء فَُتصْةعبحُ‬
                  ‫ض ُ ْ َر ن الل ف ري‬
‫الْأَرْ ُ مخض َّةً إ َّ َّهَ َلطِي ٌ خَعب ٌ (39), (احلةج مةن:‬
                                                       ‫59ةةة39)‬
‫واهلل وحده بيده مقاليد األمور وهو وحده املستعان وعليه‬
                                                                ‫التكالن.‬


                                 ‫وكتعبه‬
 ‫الفقري إىل عفو ربه ورمحته واملنسلخ من حوله وطوله وقوته‬
                   ‫والالئذ حبو اهلل وطوله وقوته‬
                    ‫رمضان مخيس زكي الغريب‬
                  ‫حائل/ اململكة العربية السعودية‬
         ‫يف اصامس من شهر ربيع األو عام 3341ه‬
              ‫الثامن والعشرين من يناير 21552م‬




                                        ‫592‬
                 ‫أهم املصادر واملرادع‬

                                        ‫أوالً: القرآن الكرمي.‬

                                                       ‫ثانياً:‬

  ‫اإلتقان يف علوم القرآن: ععبد الةرمحن بةن أ‬             ‫1-‬
‫بكر، جال الدين السةيوطي (املتةوىف: 119هةة),‬
‫احملقق: حممد أبةو الفضةل إبةراهيم,الناشةر: اهليئةة‬
    ‫ة‬            ‫ة‬         ‫ة‬       ‫ة‬         ‫ة‬
‫املص ةرية العام ةة للكت ةاب,الطعبع ةة: 4931ه ةة/‬
                                          ‫4791 م‬
‫أساس العبالغة: أبو القاسم حممود بةن عمةرو‬                ‫2-‬
      ‫املتة‬        ‫جة‬
‫ةري ةار اهلل ( ةوىف:‬                  ‫بة أمحة‬
                           ‫ةن ةد، الزخمشة‬
‫835هة),حتقيق: حممد باسل عيون السةود,الناشةر:‬
‫دار الكتب العلمية، بريوت – لعبنةان,الطعبعةة: األوىل،‬
                             ‫9141 هة - 8991 م‬



                             ‫692‬
‫أنوار التنزيل وأسرار التأويةل: ناصةر الةدين‬             ‫3-‬
‫أبو سعيد ععبد اهلل بةن عمةر بةن حممةد الشةريازي‬
‫العبيضاوي (املتوىف: 589هة),احملقةق: حممةد ععبةد‬
‫الرمحن املرعشلي,الناشر: دار إحياء التةرا العةر –‬
                 ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 8141 هة‬
‫أيسر التفاسري لكالم العلي الكةعبري: جةابر بةن‬           ‫4-‬
‫موسى بةن ععبةد القةادر بةن جةابر أبةو بكةر‬
‫االزائري,الناشر: مكتعبةة العلةوم واحلكةم، املدينةة‬
‫املنورة، اململكة العربية السةعودية,الطعبعةة: اصامسةة،‬
                               ‫4241هة/3552م‬
‫حبر العلوم: أبو الليث نصةر بةن حممةد بةن‬                ‫5-‬
       ‫أمحد بن إبراهيم السمرقندي (املتوىف: 373هة).‬
‫العبحر احمليط يف التفسري: أبو حيان حممةد بةن‬            ‫9-‬
‫يوسف بن علي بن يوسف بةن حيةان أثةري الةدين‬
‫األندلسي (املتوىف: 547هة),احملقق: صةدقي حممةد‬
‫مجيل,الناشر: دار الفكر – بةريوت, الطعبعةة: 5241‬
                                               ‫هة.‬
‫العبحر املديد يف تفسةري القةرآن اجمليةد: أبةو‬           ‫7-‬
‫الععباس أمحد بن حممد بن املهدي بن عجيعبةة ,حلسةين‬
‫ةوىف:‬‫ةويف (املتةة‬‫ةي الصةة‬   ‫ةري الفاسةة‬      ‫األجنةة‬


                              ‫792‬
‫ةي‬             ‫هة احملقة أمحة عبة‬
  ‫4221 ةة), ةق: ةد ع ةد اهلل القرشة‬
‫رسالن,الناشر: الةدكتور حسةن ععبةاس زكةي –‬
                          ‫القاهرة,الطعبعة: 9141 هة.‬
‫الربهان يف علوم القرآن: املؤلةف: أبةو ععبةد‬            ‫8-‬
‫اهلل بدر الدين حممد بن ععبد اهلل بن هبةادر الزركشةي‬
‫(املتوىف: 497هةة),احملقةق: حممةد أبةو الفضةل‬
              ‫هة‬                    ‫عبعة‬
‫ةراهيم,الط ةة: األوىل، 9731 ةة - 7591‬            ‫إبة‬
‫م,الناشر: دار إحياء الكتةب العربيةة عيسةى العبةاخ‬
                                     ‫احلليب وشركائه.‬
   ‫طة الكتة‬
‫ةز يف ل ةائف ةاب‬        ‫ةائر ذوي التميية‬ ‫بصة‬           ‫9-‬
‫العزيز:املؤلف: جمد الدين أبو طاهر حممد بةن يعقةوب‬
‫الفريوزآبادى (املتوىف: 718هة),احملقق: حممةد علةي‬
‫النجار,الناشر: اجمللس األعلةى للشةئون اإلسةالمية -‬
                 ‫النة إحياء الترا اإلسالمي، القاهرة,.‬
           ‫ة ة‬               ‫ة‬       ‫ة‬
‫التحريةر والتنةوير «حتريةر املعةىن السةديد‬            ‫51-‬
‫وتنوير العقل االديد مةن تفسةري الكتةاب اجمليةد»:‬
‫حممد الطاهر بن حممد بن حممد الطةاهر بةن عاشةور‬
‫التونسي (املتةوىف : 3931هةة),الناشةر : الةدار‬
        ‫التونسية للنشر – تونس,سنة النشر: 4891 هة‬



                            ‫892‬
‫تفسري ابن فورك من أو سةورة املؤمنةون -‬                 ‫11-‬
‫آخر سورة السجدة: حممد بةن احلسةن بةن فةورك‬
     ‫أبة بكة املتة‬
‫ةعبهاين، ةو ةر ( ةوىف:‬           ‫ةاري األصة‬   ‫األنصة‬
   ‫ةق: جمموعة مة‬
‫ةة ةن‬                ‫ةة وحتقية‬‫954 ةة),دراسة‬‫هة‬
‫العباحثني,الناشر: جامعة أم القرى - اململكةة العربيةة‬
          ‫السعودية,الطعبعة األوىل: 5341 - 9552 م.‬
‫تفسري أ السعود = إرشةاد العقةل السةليم‬                 ‫21-‬
‫إىل مزايا الكتاب الكرمي: أبو السعود العمةادي حممةد‬
‫بن حممد بن مصطفى (املتةوىف: 289هةة),الناشةر:‬
                     ‫دار إحياء الترا العر – بريوت‬
‫التفسري احلةديث [مرتةب حسةب ترتيةب‬                     ‫31-‬
‫النزو ]: حممةد عةزت دروزة:الناشةر: دار إحيةاء‬
          ‫الكتب العربية – القاهرة,الطعبعة: 3831 هة.‬
‫تفسري الشعراوي – اصةواطر: حممةد متةويل‬                 ‫41-‬
‫الشعراوي (املتةوىف: 8141هةة),الناشةر: مطةابع‬
‫أخعبار اليوم, (ليس على الكتةاب األصةل - املطعبةوع‬
‫- أي بيانات عن رقم الطعبعة أو غةريه، غةري أن رقةم‬
                ‫اإليداع يوضح أنه نشر عام 7991 م)‬
‫تفسري القرآن العزيز: أبو ععبةد اهلل حممةد بةن‬          ‫51-‬
‫ععبد اهلل بةن عيسةى بةن حممةد املةري، اإللةعبريي‬


                             ‫992‬
     ‫املتة‬      ‫َ َة املة‬
‫ةروف ةابن أ زم ةنني ةالكي ( ةوىف:‬    ‫بة‬         ‫املعة‬
‫993هة),احملقق: أبو ععبد اهلل حسني بةن عكاشةة -‬
‫حممد بن مصطفى الكنز,الناشر: الفةاروق احلديثةة -‬
      ‫هة‬                 ‫عبعة‬
‫ةر/ ةاهرة,الط ةة: األوىل، 3241 ةة -‬   ‫مصة القة‬
                                             ‫2552م‬
‫تفسري القرآن العظةيم البةن أ حةامت: أبةو‬              ‫91-‬
‫حممد ععبد الرمحن بن حممد بةن إدريةس بةن املنةذر‬
‫التميمي، احلنظلي، الرازي ابةن أ حةامت (املتةوىف:‬
‫723هة), أسعد حممد الطيب,الناشر: مكتعبةة نةزار‬
‫مصطفى العباز - اململكة العربيةة السةعودية,الطعبعةة:‬
                                ‫الثالثة - 9141 هة‬
‫تفسري القرآن العظيم: أبو الفداء إمساعيةل بةن‬          ‫71-‬
‫عمر بن كثري القرشي العبصري مث الدمشةقي (املتةوىف:‬
‫477هة),احملقق: سامي بن حممةد سةالمة,الناشةر:‬
‫دار طيعبة للنشر والتوزيع,الطعبعة: الثانيةة 5241هةة‬
                                       ‫- 9991 م.‬
‫تفسري القرآن: أبو املظفر، منصور بةن حممةد‬             ‫81-‬
‫بن ععبد االعبار ابن أمحد املةروزى السةمعاين التميمةي‬
‫احلنفي مث الشافعي (املتوىف: 984هة),احملقةق: ياسةر‬
‫بن إبراهيم وغنيم بن ععبةاس بةن غنةيم,الناشةر: دار‬


                            ‫003‬
           ‫عبعة‬         ‫السة‬
‫ةوطن، ةاض – ةعودية,الط ةة: األوىل،‬   ‫الرية‬        ‫الة‬
                               ‫8141هة- 7991م‬
‫تفسري املةاوردي = النكةت والعيةون: أبةو‬                   ‫91-‬
‫احلسن علي بن حممد بن حممد بةن حعبيةب العبصةري‬
     ‫ة‬              ‫ة‬         ‫ة‬               ‫ة‬
‫العبغة ةدادي، الشة ةهري باملة ةاوردي (املتة ةوىف:‬
‫554هة),احملقق: السيد ابن ععبد املقصةود بةن ععبةد‬
‫الرحيم,الناشةر: دار الكتةب العلميةة - بةريوت /‬
                                                ‫لعبنان.‬
‫تفسري املراغي: أمحد بةن مصةطفى املراغةي‬                   ‫52-‬
‫(املتوىف: 1731هة),الناشر: شركة مكتعبةة ومطعبعةة‬
‫مصطفى العباخ احلليب وأوالده مبصةر,الطعبعةة: األوىل،‬
                            ‫5931 هة - 9491 م‬
  ‫ة ة‬              ‫ة‬         ‫ة‬         ‫ة‬
‫التفس ةري املظه ةري: املظه ةري، حمم ةد ثن ةاء‬             ‫12-‬
‫اهلل,احملقق: غالم نيب التونسي,الناشر: مكتعبةة الرشةدية‬
                    ‫– العباكستان,الطعبعة: 2141 هة.‬
‫تفسري جماهد: أبو احلجاج جماهةد بةن جةرب‬                   ‫22-‬
     ‫ةي املخزومة املتة‬
‫ةي ( ةوىف:‬                           ‫املكة‬
                          ‫ةابعي ةي القرشة‬        ‫التة‬
‫451هة),احملقق: الدكتور حممد ععبةد السةالم أبةو‬
‫ةة،‬‫ةالمي احلديثة‬        ‫لفكة‬          ‫النية الناشة‬
                 ‫ةل, ةر: دار ا ةر اإلسة‬
          ‫مصر,الطعبعة: األوىل، 5141 هة - 9891 م‬


                               ‫103‬
‫تفسري مقاتل بن سليمان: أبو احلسةن مقاتةل‬               ‫32-‬
‫بن سةليمان بةن بشةري األزدي العبلخةى (املتةوىف:‬
‫551هة),احملقق: ععبد اهلل حممةود شةحاته,الناشةر:‬
            ‫عبعة‬          ‫بة‬
‫دار ةاء ةرا – ةريوت,الط ةة: األوىل -‬‫إحية التة‬
                                         ‫3241 هة.‬
‫هتذيب اللغة,املؤلف: حممد بن أمحةد بةن األزهةري‬         ‫42-‬
‫اهلروي، أبو منصةور (املتةوىف: 573هةة),احملقةق:‬
  ‫حممد عوض مرعب,الناشر: دار إحياء التةرا العةر‬
                      ‫– بريوت,الطعبعة: األوىل، 1552م‬
‫تيسري الكرمي الرمحن يف تفسري كةالم املنةان:‬            ‫52-‬
‫ععبد الرمحن بن ناصر بن ععبد اهلل السةعدي (املتةوىف:‬
  ‫ة ة‬               ‫ة ة‬         ‫ة‬         ‫ة‬
‫9731ه ةة),احملق ةق: ععب ةد ال ةرمحن ب ةن مع ةال‬
‫اللوحيق,الناشةر: مؤسسةة الرسةالة, الطعبعةة: األوىل‬
                              ‫5241هة -5552 م.‬
‫جامع العبيان يف تأويةل القةرآن: حممةد بةن‬              ‫92-‬
‫جرير بن يزيد بن كثري بن غالب اآلملي، أبةو جعفةر‬
‫الطربي (املتوىف: 513هةة),احملقةق: أمحةد حممةد‬
‫شاكر,الناشةر: مؤسسةة الرسةالة,الطعبعةة: األوىل،‬
                             ‫5241 هة - 5552 م‬



                             ‫203‬
  ‫االامع املسند الصحيح املختصر مةن أمةور رسةو‬           ‫72-‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم وسةننه وأيامةه = صةحيح‬
‫العبخاري,املؤلف: حممد بةن إمساعيةل أبةو ععبةداهلل‬
‫العبخاري االعفي,احملقةق: حممةد زهةري بةن ناصةر‬
‫الناصر,الناشةر: دار طةوق النجةاة (مصةورة عةن‬
‫السلطانية بإضافة تةرقيم تةرقيم حممةد فةؤاد ععبةد‬
                     ‫العباقي),الطعبعة: األوىل، 2241هة‬
‫االامع ألحكام القةرآن, تفسةري القةرطيب:‬                 ‫82-‬
‫أبو ععبد اهلل حممد بن أمحد بةن أ بكةر بةن فةرح‬
‫األنصاري اصزرجي مشس الةدين القةرطيب (املتةوىف :‬
‫179هة),ت حقيةق : أمحةد الةربدوين وإبةراهيم‬
‫أطفةةيش,الناشةةر : دار الكتةةب املصةةرية –‬
      ‫القاهرة,الطعبعة : الثانية ، 4831هة - 4991 م,‬
‫مجهرة األمثا : أبو هال احلسن بةن ععبةد اهلل‬             ‫92-‬
‫بن سهل بن سعيد بن حيةىي بةن مهةران العسةكري‬
     ‫ة‬
‫(املتةوىف: حنةو 593هةة),الناشةر: دار الفكةر –‬
                                             ‫بريوت‬
‫االواهر احلسان يف تفسري القةرآن: أبةو زيةد‬              ‫53-‬
‫ععبد الرمحن بن حممد بن خملةوف الثعةاليب ,املتةوىف:‬
‫578هة),احملقةق: الشةيخ حممةد علةي معةوض‬


                              ‫303‬
‫والشيخ عاد أمحد ععبد املوجود,الناشةر: دار إحيةاء‬
‫الترا العةر – بةريوت,الطعبعةة: األوىل - 8141‬
                                              ‫هة.‬
‫خزانة األدب ولب لعباب لسان العةرب: ععبةد‬              ‫13-‬
     ‫ة‬           ‫ة‬         ‫ة‬        ‫ة‬
‫القةةادر بةةن عمةةر العبغةةدادي (املتةةوىف:‬ ‫ة‬
‫3951هة),حتقيق وشةرح: ععبةد السةالم حممةد‬
‫هارون,الناشر: مكتعبةة اصةاجني، القةاهرة,الطعبعةة:‬
                    ‫الرابعة، 8141 هة - 7991 م.‬
  ‫الدر املنثور: ععبد الرمحن بن أ بكةر، جةال‬           ‫23-‬
‫الدين السيوطي (املتةوىف: 119هةة),الناشةر: دار‬
                                    ‫الفكر – بريوت.‬
‫روح العبيان: إمساعيةل حقةي بةن مصةطفى‬                 ‫33-‬
‫اإلستانعبويل احلنفةي اصلةويت , املةوىل أبةو الفةداء‬
      ‫(املتوىف: 7211هة),الناشر: دار الفكر – بريوت.‬
‫زاد املسري يف علم التفسري: مجةا الةدين أبةو‬           ‫43-‬
‫الفرج ععبد الرمحن بةن علةي بةن حممةد االةوزي‬
      ‫عبة الة‬        ‫هة احملقة‬
‫( ةوىف: 795 ةة), ةق: ع ةد ةرزاق‬              ‫املتة‬
       ‫ة‬        ‫ة‬               ‫ة‬
‫املهة ةدي,الناشة ةر: دار الكتة ةاب العة ةر –‬‫ة‬
                  ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 2241 هة‬



                             ‫403‬
‫سنن ابن ماجه,املؤلف: ابةن ماجةة أبةو ععبةد اهلل‬        ‫53-‬
‫حممد بن يزيد القةزويين، وماجةة اسةم أبيةه يزيةد‬
  ‫ة‬        ‫ة ة‬         ‫ة‬        ‫ة‬
‫(املتةوىف: 372هةة),حتقيةق: حممةد فةؤاد ععبةد‬    ‫ة‬
‫العباقي,الناشر: دار إحياء الكتةب العربيةة - فيصةل‬
                                   ‫عيسى العبا احلليب‬
   ‫ة‬        ‫ة‬        ‫ة‬       ‫ة‬
‫س ةنن أ داود,املؤل ةف: أب ةو داود س ةليمان ب ةن‬ ‫ة‬      ‫93-‬
‫األشعث بن إسحاق بن بشري بن شةداد بةن عمةرو‬
    ‫ة‬        ‫ة‬            ‫ة‬        ‫الس ة‬
‫األزدي ِّجسْ ةتاين (املت ةوىف: 572ه ةة),احملق ةق:‬
‫حممد حميي الةدين ععبةد احلميةد,الناشةر: املكتعبةة‬
                            ‫العصرية، صيدا – بريوت,‬
‫سنن الترمذي,املؤلف: حممد بن عيسةى بةن سَةوْرة‬          ‫73-‬
‫بن موسى بةن الضةحاك، الترمةذي، أبةو عيسةى‬
‫(املتوىف: 972هة),حتقيةق وتعليةق:,أمحةد حممةد‬
‫شاكر (جة 1، 2),وحممد فؤاد ععبةد العبةاقي (جةة‬
  ‫ة‬               ‫ة‬      ‫ة ة‬               ‫ة‬
‫3),وإب ةراهيم عط ةوة ع ةوض امل ةدرس يف األزه ةر‬
  ‫ة‬          ‫ة ة‬                    ‫ة‬
‫الش ةريف (ج ةة 4، 5),الناش ةر: ش ةركة مكتعب ةة‬  ‫ة‬
‫ومطعبعة مصةطفى العبةا احللةيب – مصةر,الطعبعةة:‬
                     ‫الثانية، 5931 هة - 5791 م‬
‫الصحاح تاج اللغة وصةحاح العربيةة: أبةو‬                 ‫83-‬
‫نصر إمساعيل بن محاد االةوهري الفةارا (املتةوىف:‬


                             ‫503‬
‫393هة),حتقيق: أمحد ععبد الغفةور عطةار,الناشةر:‬
‫ةة‬          ‫عبعة‬          ‫بة‬
  ‫ةني – ةريوت,الط ةة: الرابعة‬                  ‫العلة‬
                                    ‫دار ةم للمالية‬
                                 ‫7541 هة7891 م.‬
                 ‫صناعة احلياة, حملمد أمحد الراشد‬          ‫93-‬
‫العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الةدين أمحةد‬                  ‫54-‬
‫بن حممد بن ععبد ربه ابن حعبيب ابن حدير بةن سةامل‬
      ‫ة‬      ‫ة‬           ‫ة ة‬              ‫ة‬       ‫ة‬
‫املع ةروف ب ةابن ععب ةد رب ةه األندلس ةي (املت ةوىف:‬
‫823هةةة),الناشةةر: دار الكتةةب العلميةةة –‬
                    ‫يروت,الطعبعة: األوىل، 4541 هة.‬
‫غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظةام الةدين‬                 ‫14-‬
‫احلسن بن حممةد بةن حسةني القمةي النيسةابوري‬
‫ةا‬           ‫هة احملقة الشة‬
  ‫( ةوىف: 558 ةة), ةق: ةيخ زكرية‬                  ‫املتة‬
‫عمريات,الناشةر: دار الكتةب العلميةه – بةريوت,‬
                         ‫الطعبعة: األوىل - 9141 هة.‬
‫الفروق اللغوية: أبو هال احلسن بةن ععبةد اهلل‬              ‫24-‬
‫بن سهل بن سعيد بن حيةىي بةن مهةران العسةكري‬
‫(املتوىف: حنو 593هة),حققه وعلةق عليةه: حممةد‬
‫إبراهيم سةليم,الناشةر: دار العلةم والثقافةة للنشةر‬
                             ‫والتوزيع، القاهرة – مصر.‬



                               ‫603‬
‫يف ظال القرآن: سيد قطب إبةراهيم حسةني‬                  ‫34-‬
‫الشار (املتوىف: 5831هة),الناشةر: دار الشةروق‬
    ‫عبعة السة عشة‬                 ‫القة‬
‫- ب ةريوت- ةاهرة,الط ةة: ةابعة ةر -‬            ‫ة‬
                                          ‫2141 هة‬
‫القراءات العشر املتةواترة,هبةامش املصةحف‬               ‫44-‬
‫الكرمي, حممد علةي كةرمي,ط: دار املهةاجر, املدينةة‬
             ‫املنورة, ط: الثالثة,4141هة, 4991م.‬
‫الكشاف عن حقائق غةوامض التنزيةل: أبةو‬                  ‫54-‬
‫القاسم حممود بن عمرو بن أمحةد، الزخمشةري جةار‬
  ‫اهلل (املتوىف: 835هة),الناشر: دار الكتةاب العةر‬
‫– بريوت,الطعبعة: الثالثةة - 7541 هةة, الكتةاب‬
‫مذيل حباشية (االنتصةاف فيمةا تضةمنه الكشةاف)‬
‫البن املنري اإلسكندري (ت 389) وختةريج أحاديةث‬
                              ‫الكشاف لإلمام الزيلعى]‬
‫الكشف والعبيان عن تفسةري القةرآن:: أمحةد‬               ‫94-‬
‫بن حممد بن إبراهيم الثعليب، أبةو إسةحاق (املتةوىف:‬
   ‫ةام أ حممة بة‬
‫ةد ةن‬                           ‫حتقية‬
                       ‫724 ةة), ةق: اإلمة‬    ‫هة‬
   ‫ةة ةدقيق: األسة نظة‬
‫ةتاذ ةري‬                  ‫ةور,مراجعة وتة‬       ‫عاشة‬
‫الساعدي,الناشر: دار إحياء التةرا العةر ، بةريوت‬
     ‫– لعبنان,الطعبعة: األوىل 2241، هة - 2552 م.‬


                             ‫703‬
‫لعباب التأويل يف معاين التنزيةل: عةالء الةدين‬        ‫74-‬
‫علي بن حممد بن إبراهيم بةن عمةر الشةيحي أبةو‬
     ‫املتةة‬
‫ةازن ( ةوىف:‬    ‫ةروف باصةة‬     ‫ةن، املعةة‬ ‫احلسةة‬
    ‫حممة علة‬         ‫احملقة تصة‬
‫147 ةة), ةق: ةحيح ةد ةي‬                   ‫هة‬
    ‫ة‬          ‫ة‬               ‫ة‬
‫شة ةاهني,الناشة ةر: دار الكتة ةب العلمية ةة –‬ ‫ة‬
                ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 5141 هة‬
‫اللعباب يف علوم الكتاب: أبو حفة سةراج‬                ‫84-‬
‫الدين عمر بن علي بةن عةاد احلنعبلةي الدمشةقي‬
  ‫النعماين (املتوىف: 577هة),احملقةق: الشةيخ عةاد‬
   ‫ةود والشة علة حممة‬
‫ةيخ ةي ةد‬                              ‫أمحة عبة‬
                            ‫ةد ع ةد املوجة‬
‫معوض,الناشةر: دار الكتةب العلميةة - بةريوت /‬
            ‫لعبنان,الطعبعة: األوىل، 9141 هة -8991‬
‫اللعباب يف علوم الكتاب: أبو حفة سةراج‬                ‫94-‬
‫الدين عمر بن علي بةن عةاد احلنعبلةي الدمشةقي‬
  ‫النعماين (املتوىف: 577هة),احملقةق: الشةيخ عةاد‬
   ‫ةود والشة علة حممة‬
‫ةيخ ةي ةد‬                              ‫أمحة عبة‬
                            ‫ةد ع ةد املوجة‬
‫معوض,الناشةر: دار الكتةب العلميةة - بةريوت /‬
          ‫لعبنان,الطعبعة: األوىل، 9141 هة -8991م.‬
‫لطائف اإلشارات, تفسةري القشةريي: ععبةد‬               ‫55-‬
‫الكرمي بن هوازن بن ععبد امللةك القشةريي (املتةوىف:‬


                            ‫803‬
‫594هة),احملقق: إبراهيم العبسةيوين,الناشةر: اهليئةة‬
            ‫املصرية العامة للكتاب – مصر,الطعبعة: الثالثة‬
‫جممل اللغة البن فارس,املؤلف: أمحد بن فةارس بةن‬             ‫15-‬
‫زكرياء القةزويين الةرازي، أبةو احلسةني (املتةوىف:‬
‫593هة),دراسةة وحتقيةق: زهةري ععبةد احملسةن‬
     ‫ة‬           ‫ة‬              ‫ة‬
‫سةةلطان,دار النشة ةر: مؤسسةةة الرسة ةالة –‬       ‫ة‬
        ‫بريوت,الطعبعة الثانية - 9541 هة - 9891 م‬
‫حماسن التأويل:املؤلف: حممد مجا الةدين بةن‬                  ‫25-‬
‫حممد سعيد بةن قاسةم احلةالق القةامسي (املتةوىف:‬
    ‫احملقة حممة باسة عية‬
‫2331 ةة), ةق: ةد ةل ةون‬                     ‫هة‬
‫السود,الناشر: دار الكتب العلميةة, بةريوت,الطعبعةة:‬
                                  ‫األوىل - 8141 هة.‬
‫احملرر الوجيز يف تفسري الكتةاب العزيةز: أبةو‬               ‫35-‬
‫حممد ععبد احلق بن غالب بن ععبد الرمحن بن متةام بةن‬
‫عطية األندلسي احملار (املتوىف: 245هةة),احملقةق:‬
‫ععبد السالم ععبد الشايف حممةد,الناشةر: دار الكتةب‬
        ‫العلمية – بريوت,الطعبعة: األوىل - 2241 هة.‬
‫املخص : أبو احلسن علي بن إمساعيةل بةن‬                      ‫45-‬
‫سيده املرسي (املتةوىف: 854هةة),احملقةق: خليةل‬



                               ‫903‬
‫العةر –‬         ‫إبراهم جفا ,الناشر: دار إحيةاء التةرا‬
            ‫بريوت,الطعبعة: األوىل، 7141هة 9991م‬
‫مراح لعبيد لكشف معىن القرآن اجمليةد: حممةد‬                ‫55-‬
‫بن عمر نووي االاوي العبنتين إقليمةا، التنةاري بلةدا‬
     ‫هة احملقة حممة أمة‬
‫( ةوىف: 9131 ةة), ةق: ةد ةني‬                    ‫املتة‬
‫الصةةناوي,الناشةةر: دار الكتةةب العلميةةة –‬
                   ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 7141 هة.‬
‫مستخرج أ عوانة: أبو عوانةة يعقةوب بةن‬                     ‫95-‬
‫إسحاق بن إبراهيم النيسابوري اإلسةفراييين (املتةوىف:‬
‫913هة),حتقيق: أمين بن عارف الدمشةقي,الناشةر:‬
‫دار املعرفة – بريوت,الطعبعةة: األوىل، 9141هةة-‬
                                             ‫8991م.‬
‫املستدرك علةى الصةحيحني: أبةو ععبةد اهلل‬                  ‫75-‬
‫احلاكم حممد بن ععبد اهلل بن حممد بةن محدويةه بةن‬
‫ُعةيم بةن احلكةم الضةيب الطهمةاين النيسةابوري‬         ‫ن‬
‫املعروف بابن العبيةع (املتةوىف: 554هةة),حتقيةق:‬
‫مصطفى ععبد القادر عطا,الناشر: دار الكتةب العلميةة‬
            ‫– بريوت,الطعبعة: األوىل، 1141 – 5991‬
‫مسند ابن أ شيعبة: أبو بكةر بةن أ شةيعبة،‬                  ‫85-‬
‫ععبد اهلل بن حممد بن إبراهيم بن عثمان بةن خواسةيت‬


                               ‫013‬
‫الععبسي (املتةوىف: 532هةة),احملقةق: عةاد بةن‬
‫يوسف العزازي و أمحد بن فريةد املزيةدي,الناشةر:‬
         ‫دار الوطن – الرياض,الطعبعة: األوىل، 7991م.‬
‫مسند العبزار املنشور باسةم العبحةر الزخةار:‬         ‫95-‬
‫أبو بكر أمحد بن عمرو بن ععبد اصالق بن خةالد بةن‬
     ‫املتة‬      ‫بة‬
‫ةي ةروف ةالعبزار ( ةوىف:‬                       ‫عبية‬
                          ‫ع ةد اهلل العتكة املعة‬
‫292هة), احملقق: حمفون الرمحن زيةن اهلل، (حقةق‬
‫األجزاء مةن 1 إىل 9),وعةاد بةن سةعد (حقةق‬
‫األجزاء مةن 51 إىل 71),وصةربي ععبةد اصةالق‬
‫الشافعي (حقق االزء 81),الناشةر: مكتعبةة العلةوم‬
‫واحلكم - املدينةة املنةورة,الطعبعةة: األوىل، (بةدأت‬
                         ‫8891م، وانتهت 9552م)‬
‫معامل التنزيل يف تفسري القرآن: حمليةي السةنة ،‬      ‫59-‬
‫أ حممد احلسني بن مسعود بةن حممةد بةن الفةراء‬
‫العبغوي الشافعي (املتوىف : 515هة),احملقةق : ععبةد‬
‫الرزاق املهدي,الناشر : دار إحياء التةرا العةر –‬
                 ‫بريوت,الطعبعة : األوىل ، 5241 هة‬
  ‫معجم الفروق اللغويةة,املؤلةف: أبةو هةال‬           ‫19-‬
‫احلسن بن ععبد اهلل بن سهل بن سعيد بةن حيةىي بةن‬
‫مهران العسكري (املتوىف: حنةو 593هةة),احملقةق:‬


                           ‫113‬
‫ةر‬  ‫ةة النشة‬                 ‫بية‬
            ‫ال ةيخ ةت اهلل ةات، ومؤسسة‬   ‫شة بية‬
‫اإلسالمي,الناشر: مؤسسة النشةر اإلسةالمي التابعةة‬
           ‫عبعة‬       ‫ةة املدرسة بة قة‬
‫ةني ةة « ةم»,الط ةة: األوىل،‬                    ‫الماعة‬
                                          ‫2141هة.‬
‫معجم مقاييس اللغة,املؤلف: أمحد بةن فةارس بةن‬             ‫29-‬
‫زكرياء القةزويين الةرازي، أبةو احلسةني (املتةوىف:‬
‫593هة),احملقق: ععبد السالم حممد هةارون,الناشةر:‬
          ‫دار الفكر,عام النشر: 9931هة - 9791م.‬
‫مفاتيح الغيب = التفسري الكعبري: أبةو ععبةد اهلل‬          ‫39-‬
‫حممد بن عمر بن احلسن بن احلسةني التيمةي الةرازي‬
‫امللقب بفخر الدين الرازي خطيةب الةري (املتةوىف:‬
‫959هة),الناشةر: دار إحيةاء التةرا العةر –‬
                  ‫بريوت,الطعبعة: الثالثة - 5241 هة.‬
‫املفردات يف غريةب القةرآن: أبةو القاسةم‬                  ‫49-‬
‫احلسني بن حممةد املعةروف بالراغةب األصةفهاىن‬
      ‫عة‬        ‫هة احملقة صة‬
‫( ةوىف: 255 ةة), ةق: ةفوان ةدنان‬                 ‫املتة‬
‫الداودي,الناشر: دار القلم، الدار الشةامية - دمشةق‬
                 ‫بريوت,الطعبعة: األوىل - 2141 هة.‬
‫مناهل العرفان يف علوم القةرآن: حممةد ععبةد‬               ‫59-‬
                                            ‫الز‬
‫العظيم ُّرْقةاين (املتةوىف: 7931هةة),الناشةر:‬


                              ‫213‬
‫مطعبعة عيسى العبا احلليب وشةركاه,الطعبعةة: الطعبعةة‬
                                               ‫الثالثة.‬
‫املوسوعة القرآنيةة: إبةراهيم بةن إمساعيةل‬               ‫99-‬
‫األبياري (املتةوىف: 4141هةة),الناشةر: مؤسسةة‬
                      ‫سجل العرب,الطعبعة: 5541 هة‬
‫هناية األرب يف فنون األدب: أمحةد بةن ععبةد‬              ‫79-‬
‫الوهاب بن حممد بن ععبةد الةدائم القرشةي التيمةي‬
     ‫املتة‬        ‫النة‬     ‫الة‬
‫ال ةري، ةهاب ةدين ةويري ( ةوىف:‬     ‫شة‬         ‫عبكة‬
‫337هة),الناشر: دار الكتةب والوثةائق القوميةة،‬
                   ‫القاهرة,الطعبعة: األوىل، 3241 هة.‬
‫اهلداية إىل بلوس النهاية يف علم معةاين القةرآن‬          ‫89-‬
‫وتفسريه، وأحكامه، ومجل مةن فنةون علومةه: أبةو‬
                         ‫م‬
‫حممد مكي بن أ طالب حَ ّوش بن حممد بةن خمتةار‬
     ‫ة‬        ‫ة ة‬                     ‫ة‬
‫القيسةي القةريواين مث األندلسةي القةرطيب املةالكي‬
‫(املتوىف: 734هة),احملقق: جمموعة رسةائل جامعيةة‬
‫بكلية الدراسات العليا والعبحةث العلمةي - جامعةة‬
‫الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد العبوشةيخي,الناشةر:‬
‫جمموعة حبو الكتةاب والسةنة - كليةة الشةريعة‬
‫والدراسات اإلسالمية - جامعةة الشةارقة,الطعبعةة:‬
                     ‫األوىل، 9241 هة - 8552 م.‬


                             ‫313‬
‫الوجيز يف تفسري الكتاب العزيز: أبةو احلسةن‬        ‫99-‬
   ‫علة بة أمحة بة حممة بة علة‬
‫ةي ةن ةد ةن ةد ةن ةي‬
     ‫املتةة‬
‫ةافعي ( ةوىف:‬    ‫ةابوري، الشةة‬   ‫الواحدي،النيسةة‬
                ‫ة‬       ‫ة‬       ‫ة‬
‫894هةة),حتقيةق: صةفوان عةدنان داوودي, دار‬‫ة‬
‫ةق،‬             ‫القلة الة الشة‬
   ‫ةر: دار ةم , ةدار ةامية - دمشة‬           ‫النشة‬
                 ‫بريوت,الطعبعة: األوىل، 5141 هة.‬
‫الوسيط يف تفسري القرآن اجمليةد: أبةو احلسةن‬       ‫57-‬
‫علي بن أمحةد بةن حممةد بةن علةي الواحةدي،‬
‫النيسابوري، الشافعي (املتةوىف: 894هةة), حتقيةق‬
‫وتعليق: الشيخ عاد أمحةد ععبةد املوجةود، الشةيخ‬
‫علي حممد معوض، الةدكتور أمحةد حممةد صةرية،‬
‫الدكتور أمحد ععبةد الغةين االمةل، الةدكتور ععبةد‬
‫الرمحن عويس, قدمه وقرظه: األستاذ الةدكتور ععبةد‬
  ‫ة‬          ‫ة‬          ‫ة‬            ‫ة‬       ‫ة‬
‫احلةي الفرمةاوي, الناشةر: دار الكتةب ,العلميةة،‬
     ‫ة‬                  ‫ة‬          ‫ة‬          ‫ة‬
‫ب ةريوت – لعبن ةان,الطعبع ةة: األوىل، 5141 ه ةة-‬
                                         ‫4991 م‬




                          ‫413‬
                                    ‫فهرس املوضوعات‬

‫الصفحة‬                                                               ‫املوضوع‬
  ‫1‬                                                                     ‫املقدمة‬
  ‫7‬                ‫الفصل األو : القلة:مفهومها وصفاهتا وسنن اهلل فيها.‬
  ‫7‬      ‫املعبحث األو : مفهوم سنة اهلل يف القلة, يف اللغة, والقرآن, وورود لفظة‬
                                             ‫القلة ومترادفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

 ‫51‬               ‫املعبحث الثاين: القلة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

 ‫55‬             ‫املعبحث الثالث: القلة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

 ‫57‬                                 ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف القلة.‬


                                            ‫513‬
‫58‬           ‫الفصل الثاين: الكثرة: مفهومها, وصفاهتا, وسنن اهلل فيها.‬

‫58‬          ‫املعبحث األو : مفهوم سنة اهلل يف الكثرة يف اللغة والقرآن,‬
                      ‫وورود لفظة الكثرة ومترادفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

‫98‬            ‫املعبحث الثاين: الكثرة احملمودة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

‫751‬          ‫املعبحث الثالث: الكثرة املذمومة وصفاهتا يف القرآن الكرمي.‬

‫141‬                            ‫املعبحث الرابع: مالمح السننية يف الكثرة.‬

‫741‬   ‫الفصل الثالث: موقف املسلمني من سنة اهلل يف القلة والكثرة,بني‬
                                                        ‫الوعي والسعي.‬

‫841‬       ‫املعبحث األو : ريادة القلة العاملة وأثره يف الشهود احلضاري‬
                                ‫ن‬
                              ‫لألمة املسلمة للكثرة يف ضوء هذه السُّة.‬

      ‫املعبحث الثاين: فقه صناعة القلة الرائدة, يف ضوء سنة اهلل يف القلة.‬
‫591‬
‫281‬                                                               ‫اصامتة‬
‫481‬                                               ‫أهم املصادر واملراجع‬
‫591‬                                                  ‫فهرس املوضوعات‬



                                         ‫613‬
317

								
To top