مجلة الهند - المجلد الأول - العدد الرابع

Description

مجلة الهند - المجلد الأول - العدد الرابع

Shared by: majallatulhind
-
Stats
views:
246
posted:
12/7/2012
language:
pages:
212
Document Sample
scope of work template
							          ‫جملة اهلند‬
             ‫جملة فصلية‬
         ‫العدد: 4‬                ‫اجمللد: 1‬
     ‫ديسمرب 2112م‬             ‫عدد أكتوبر –‬




               ‫مدير التحرير‬
          ‫د. أورنك زيب األعظمي‬

             ‫نائب مدير التحرير‬
            ‫مهدي حسن القاسمي‬



                ‫تصدر عن‬
‫أكادمية كيشااليا، بنغال الغربية، الهند‬
‫جملة اهلند‬



                                                             ‫ر‬
                          ‫الم اسالت المتعلقة باالشت اك في الطباعة والنشر توجه إلى:‬      ‫ر‬
                                                                              ‫عنوان البريد:‬
                                                                          ‫أكادمية كيشااليا،‬
                                                                                         ‫ر‬
                                                                   ‫بي اتشامبا سقط بادوريا،‬
                                                                                   ‫ر‬
                                                                                  ‫كاؤكيبا ا،‬
                                                                  ‫صندوق البريد: ديفااليا،‬
                                                                  ‫مطقة البوليس: ديغانغا،‬
                                                                         ‫بر‬
                                                         ‫المحافظة: 42 غانا الشمالية،‬
                                                    ‫رقم البريد: 424444، بنغال الغربية‬
                                                                                          ‫أو‬
                                                          ‫الدكتور أورنك زيب األعظمي،‬
                           ‫ر‬
             ‫أستاذ مساعد، قسم اللغات العربية والفارسية واألردوية والد اسات اإلسالمية،‬
                                                           ‫ر‬
                                                       ‫باشا-بافانا، جامعة فيسفا-با اتي،‬
                                                                         ‫المحافظة:بيربهوم،‬
                                                              ‫شانتينيكيتان، بنغال الغربية‬
                                                                      ‫رقم البريد: 742144‬
                ‫موقع المجلة على شبكة اإلنترنت: ‪majallatulhind.blogspot.com‬‬
                                                                 ‫عنوان البريد اإللكتروني:‬
                                           ‫(1) ‪aurang11zeb@yahoo.co.in‬‬
                                                  ‫(2) ‪azebazmi@gmail.com‬‬
                                                 ‫(3) ‪mhdihsn1@gmail.com‬‬

                                                                                   ‫ر‬
                                                                         ‫االشت اك السنوي:‬
                                                                              ‫005 روبية‬




     ‫ها وطبعها السيد مهدي حسن نائب مدير مجلة الهند، أكادمية كيشااليا،‬       ‫نشر‬
                                                 ‫ر‬
     ‫بي اتشامبا سقط بادوريا، كاؤكيبا ا، صندوق البريد: ديفااليا، مطقة البوليس:‬‫ر‬
                                                          ‫بر‬
          ‫ديغانغا، المحافظة: 42 غانا الشمالية، رقم البريد: 424444، بنغال الغربية‬
                                              ‫2‬
‫جملة اهلند‬


                             ‫في هذا العدد‬
 ‫الصفحة‬
   ‫7‬            ‫د. أورنك زيب األعظمي‬                               ‫االفتتاحية‬
                                                            ‫مقاالت وبحوث:‬
   ‫4‬         ‫الشيخ أمين أحسن اإلصالحي‬               ‫تفسير تدبر القرآن (4)‬
                  ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                             ‫األعظمي‬
  ‫11‬            ‫د. أورنك زيب األعظمي‬          ‫األدب العربي الجاهلي عونا ً‬
                                           ‫كبيراً في تفسير محتويات القرآن‬
  ‫47‬            ‫تدريس اللغة العربية في الفصول أ. د. فيضان هللا الفاروقي‬
                                             ‫المسائية والجزئية في ضوء‬
                                                    ‫األهداف والمنجزات‬
  ‫18‬           ‫د. محمد عمّار شهباز عالم‬    ‫النثر الفني في العصر اإلسالمي‬
                                 ‫اللطيفي‬                ‫والقرآن نموذجا ً‬
  ‫22‬               ‫أ. د. سعد محمد حذيفة‬    ‫الفتح اإلسالمي لبالد وادي السند‬
                               ‫الغامدي‬                        ‫(2- األخير)‬
 ‫121‬                    ‫سعيد األنصاري‬                                  ‫أنا‬
                     ‫تخريج: رافعة إكرام‬
 ‫841‬            ‫د. أورنك زيب األعظمي‬          ‫القاضي أطهر المباركفوري،‬
                                                            ‫حياته ومآثره‬
 ‫741‬          ‫الشيخ بدر جمال اإلصالحي‬                                ‫الببر‬
                                                             ‫قراءة في كتب:‬
 ‫411‬              ‫كليم صفات اإلصالحي‬              ‫أحمد بن يحيى البالذري‬
                                           ‫وروايات السيرة في كتابه "فتوح‬

                                      ‫3‬
‫جملة اهلند‬

             ‫ترجمة: محمد أحمد بن عبد‬       ‫البلدان"، دراسة تحليلية نقدية‬
                           ‫هللا السنابلي‬
                                                        ‫قصص وحكايات:‬
 ‫112‬                    ‫عبد الماجد خان‬                   ‫أثـــــــــــــــرة‬
                ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                           ‫األعظمي‬
 ‫812‬                     ‫د. ذاكر حسين‬                      ‫خطوة نهائية‬
                ‫ترجمة: د. أورنك زيب‬
                           ‫األعظمي‬
                                                      ‫قصائد ومنظومات:‬
 ‫212‬                    ‫المسجد البابري‬        ‫الشيخ محيي الدين وانميل‬
 ‫112‬                    ‫المسجد البابري‬            ‫ن. ك. أحمد المولوي‬
 ‫112‬                                            ‫المساهمون في هذا العدد‬




                                      ‫4‬
‫جملة اهلند‬




                                  ‫االفتتاحية‬
‫بين أيديكم رابع أعداد المجلة وبذلك ينتهي المجلد األول فنشكر هللا تعالى على‬
                         ‫ّ‬
‫أنه وفّقنا إتمام مجلد أول لهذه المجلة التي تعنى بالبحوث والمقاالت العلمية في‬
                                                     ‫ّ‬
‫مختلف موضوعات الدراسات العربية واإلسالمية وتخصّ لها جانبا ً بما تعلّق‬
‫بالهند وأبنائها، في هذا المجلد نشرنا مقاالت قيّمة وبحوثا ً جميلة للعلماء‬
‫والباحثين الهنود والعرب على السواء، كلهم لبّوا دعوتي وساعدونا حسب‬
‫المستطاع. فأقدم إليهم الشكر الجزيل داعيا ً هللا سبحانه أن يغفر خطاياهم‬
                                                            ‫ّ‬
                                                       ‫ويزيدهم علما ً وتقوى.‬
‫هذا العدد، كالمعتاد، يشتمل على مقاالت وبحوث قيّمة حول موضوعات مختلفة‬
‫فالمقالة األولى، حسب العادة، ترجمة لتفسير "تدبر قرآن" الذي بدأنا العدد األول‬
‫بترجمة مقدمته ثم نشرنا ما كتب في تفسير البسملة وسورة الفاتحة الذي تبعه‬
‫تفسير بداية سورة البقرة واآلن نسعد بنشر قسطها الرابع الذي يشمل بحوثا ً جيدة‬
‫حول قضايا ومشاكل عن سورة البقرة، اللهم وفّقنا إتمام ترجمة هذا التفسير‬
‫القيّم. والمقالة الثانية إثبات أن األدب العربي الجاهلي يلعب دوراً قياديا ً مهما ً في‬
‫شرح وتفسير محتويات القرآن فكأنها جزء من مقدمة هذا التفسير أو شرح لما‬
‫ذكره الشيخ اإلصالحي من أصول اختارها لتفسير القرآن، أردت أن أنشرها بعد‬
‫نشر ترجمة المقدمة تواً ولكن لم يسمحني ضيق صفحات المجلة فأنشرها في‬
                                                        ‫ّ‬
                                       ‫ّ‬
‫هذا العدد وسأنشر مقاالت أخرى تثبت ما ادعى واختاره الشيخ اإلصالحي من‬
‫أصول ومناهج لتفسير القرآن الكريم. والمقالة الثالثة لشيخي العالمة فيضان هللا‬
‫الفاروقي الذي قد نشرنا مقالتيه في العدد األول والثاني وهذه المقالة جزء من‬
‫مقالته الثانية المنشورة في العدد الثاني وسننشر مقالة له أخرى كتبها في المناهج‬
‫الدراسية المتبعة في جامعات الهند، اللهم طول عمره بالصحة. والمقالة الرابعة‬
                                     ‫ّ‬
‫للدكتور محمد عمار شهباز عالم اللطيفي عن النثر الفني في العصر اإلسالمي‬
                                                              ‫ّ‬
                                 ‫ّ‬
‫بخصوص ما لعبه القرآن الكريم من دور ريادي في تطويره والمقالة الخامسة‬
‫قسط ثان أخير لمقالة البروفيسور سعد محمد حذيفة الغامدي حول الفتح‬

                                         ‫5‬
‫جملة اهلند‬

‫اإلسالمي لوادي السند، والمقالة السادسة سيرة ذاتية للشيخ األديب سعيد‬
‫األنصاري الذي كان رفيقا ً لدار المصنفين أكادمي شبلي النعماني. هذه سيرة‬
‫ذاتية أولى بالعربية ألديب وشاعر هندي نتكرّم بنشرها، وسننشر سيراً ذاتية‬
                                       ‫ّ‬
‫أخرى بالعربية لغيره من علماء وكتاب الهند. والمقالة السابعة عن الشيخ‬
‫المؤرخ القاضي أطهر المباركفوري صاحب "رجال السند والهند" و"العقد‬
‫الثمين فيمن ورد الهند من الصحابة التابعين". القاضي أطهر مؤرخ هندي‬
                 ‫ٌ‬
‫مشهور ال في الهند بل في العالم اإلسالمي كله ولكن لم يقم أحد منا بكتابة مقالة‬
‫مسهبة على سيرته ومآثره وهذه محاولة أولى رجاء أن يتبعها اآلخرون‬
‫بالبحوث القيّمة على سيرته وخدماته التاريخية. والمقالة الثامنة لشيخي بدر‬
‫جمال اإلصالحي عن الببر، وله مقاالت أخرى عن أبرز وأشهر حيوانات الهند‬
                                          ‫سننشرها فيما بعد إن شاء هللا تعالى.‬
‫وقد أتبعنا، حسب العادة، هذه المقاالت استعراضا ً لكتاب علمي وقصتين هنديتين‬
‫قصيرتين ومنظومات، وكلها مما اخترناها السيما المنظومتين عن المسجد‬
‫البابري، نشرناهما بمناسبة شهر ديسمبر الذي هدم فيه المسجد على أيدي‬
                                                         ‫المتطرفين الهنود.‬
‫ونشكر كل من ساعدوني في إعداد ونشر هذا العدد السيما أخي الفاضل محمد‬
            ‫نازش األعظمي وعزيزي هشام أجمل، اللهم زدهما علما ً وتقوى.‬
              ‫ً‬
‫د. أورنك زيب األعظمي‬




                                     ‫6‬
‫جملة اهلند‬



                                   ‫تفسيـر‬
                             ‫تدبر القـرآن‬
‫- الشيخ أمين أحسن اإلصالحي‬

                ‫2- نظرة سارحة على مجموعة اآليات (1-5)‬
‫وما ذكر من األمور في اآليات المذكورة أعاله نبيّنها باإلجمال حسب الترتيب‬
                                                    ‫ّ‬
‫الذي لوحظ فيها ثم نتفكر في جوانبها الدقيقة ونحاول اإلجابة على األسئلة التي‬
                                                                  ‫تثور هنا.‬
‫فقد ذكر بعد بيان اسم السورة الدعوى التي هي عمود السورة أو عنوانها‬
‫المركزي، وقد ذكرنا آنفا ً أن عنوان هذه السورة المركزي هو الدعوة إلى‬
‫اإليمان برسالة النبي والكتاب الذي نزل عليه فاألمر الذي بيّن أوالً هنا هو أن‬
‫هذا كتاب إلهي ثم وضِّح أن كون هذا الكتاب كتابا ً إلهيا ً ال يحتاج إلى دليل‬
‫خارج القرآن فإنه حجة قاطعة على كونه كتابا ً إلهيا ً ولكن اإليمان به ليس بسهل‬
‫لكل جاء وآت، ثم ذكر أي الناس يؤمن بهذا الكتاب وأيهم يحرم اإليمان به‬
‫فالشيئ األساسي الذي ذكر لإليمان به هو صالح القلب له، األمر الذي أوضح‬
‫أن الذين خلت قلوبهم عن هذه الصفة ال يقدرون على االستفادة من هذا الكتاب‬
                                    ‫كما صرّ ح عن أنّ هذه الصفة يلدها تقوى هللا.‬
                 ‫ثم ذكر ما يسفر عنه التقوى من المعارف واألعمال الصالحة.‬
‫فأول ما يثمره التقوى هو اإليمان بالغيب، ويتضح من هذا أن الذي يصلح قلبه‬
‫يكون عقله بعيد المدى فهو ال يرغب في الظواهر المادية كالبهائم بل يؤمن‬
‫بالحقائق التي يشهد بها العقل السليم ولو هي خفية على األعين واألبصار، إنه‬
‫يؤمن بها كما هي تراها األعين أو تسمعها اآلذان بل هو يؤمن بها أكثر مما‬
                               ‫يؤمن بما هو يراه باألعين أو يسمعه باآلذان.‬
‫مجرد اإليمان بشيئ ليس عبارة عن خيال بل أصله هو تصديقه الذي يرسخ في‬
‫أعماق القلب والذي يحرّ ك ما يريده البشر، وهذه هي اإلرادة التي تحث المرء‬

                                      ‫7‬
‫جملة اهلند‬

‫على إنجاز أعمال واالمتناع عن أخرى فاألعمال التي ينجزها المرء والتي جاء‬
‫ذكرها هنا هي اثنان: إقامة الصلوة واإلنفاق في سبيل هللا ومن هنا يلمح أن‬
‫هذين العملين هما أساسان لكافة الحسنات األخرى فسنوضّح فيما هو آت أنهما‬
                                    ‫حسنتان أساسيتان يقوم عليهما الدين كله.‬
              ‫وألحق بذكر اإلنفاق كلمة "مما رزقناهم" وهي أوحت إلى أشياء:‬
‫أوالً: إنفاق المال الذي وهبه هللا في سبيله هو في الواقع اعتراف بكون هذا‬
                                                   ‫المال مما وهبه هللا.‬
‫وثانيا ً: إن هذا يعطي دليالً قويا ً على اإلنفاق بحيث ينبغي للمرء أن ينفق شيئا ً‬
                    ‫من ماله في سبيل هللا لكي يؤدي به حق شكره هلل جل مجده.‬
‫وثالثا ً: إن هذا التصريح قد سهّل عملية اإلنفاق الصعبة إلى حد فإنه تعالى ال‬
‫يطلب من المرء كل ما وهبه من األموال بل شيئ يسير منها يجب إنفاقه في‬
                                                                 ‫سبيله.‬
‫وكذا يجب أن يرعى أنه قد استخدمت هنا كلمة "اإلنفاق" في موضع كلمة‬
                                                  ‫َ‬
         ‫"الزكوة" وهي واسع معناها فهي تشمل كل أنواع الصدقة والخير.‬
‫ثم ذكرت صفة خاصة لهؤالء المتقين بصورة خاصة هي أنهم يخلون عن كل‬
‫نوع من العصبية، وأحرار عن كافة قيود التقليد فهم ال يفرقون بين كتب هللا‬
                                              ‫ّ‬
‫ورسله فهم يؤمنون بكل ما نزله هللا تعالى ولو نزل على رسول منهم أو من‬
‫غيرهم من األقوام فهم ال يسئلون إال أن يكون الكالم منزالً من هللا تعالى فال‬
     ‫يكون كالم غيره معزواً إليه تعالى أو شيئ زيد إلى كالم هللا وهو ليس منه.‬
                            ‫ثم قال هؤالء هم المؤمنون باآلخرة والموقنون بها.‬
‫وكما يتعلق باإليمان باآلخرة إنه يشمله اإليمان بالغيب فلم تكن الحاجة إلى‬
                         ‫ّ‬
‫االنفراد بذكره فإفراده هنا يشير إلى أنه يمكن أن يدعي باإليمان باآلخرة أناس‬
‫كثيرون ولكنهم ليسوا بمن يؤمن بها سوى من يقيم الصلوة وينفق في سبيل هللا‬
                                         ‫ويؤمن بكل ما نزل من هللا تعالى.‬
 ‫ً‬
‫ثم قال من يتصف بما سلف من الصفات هو المهتدي وهو الذي يزداد هدى‬
                                        ‫وهو الذي سيفوز في اآلخرة.‬
                                      ‫8‬
‫جملة اهلند‬

                            ‫3- إشارات وكنايات‬
                                        ‫ً‬
‫وبعدما ذكر القرآن أن هذا الكتاب هدى للمتقين، أشار إلى من كانوا يصدقون‬
‫هذا اللفظ في ذلك العهد، وقد أشار إليهم بحيث إنه ذكر خصائص لهم مميزة.‬
‫فإن تفكروا هذه الميزات تجدوا أنها للمسلمين الذين آمنوا بالنبي صلّى هللا عليه‬
                                                                       ‫ّ‬
‫وسلّم. وقد بدا من هذا أنهم كانوا يتصفون بصفة التقوى من قبل وعلى هذا فقد‬
‫انتفعوا بالقرآن، فمن ضم إليهم من العرب األميين كانوا هم الذين اتصفوا‬
                                                    ‫ّ‬
‫بصفات عديدة، على فساد العصر، واحتفظوا بنور الفطرة الذي أودع فيهم،‬
‫وكذا من ضم إليهم من أهل الكتاب كانوا هم الذين كانوا يعملون على شريعتهم‬
                                                                 ‫ّ‬
‫مخلصين لها النية حسب معرفتهم لها، وعلى هذا فقد استحقوا أن يهديهم هللا إلى‬
                                                          ‫هداه النهائية التامة.‬
‫فمالمح المسلمين التي كشف عنها الستار في هذا التصوير إن تفكرنا عليها‬
‫يتضح لنا أوالً صفات المسلمين الحقة أو ما هي الصفات التي ينبغي لهم أن‬
‫يتصفوا بها وثانيا ً أن هذه الصورة تبين من أهل الكتاب من ال يؤمن بهذا‬
‫الكتاب، وإلى جانب هذا فقد أشير إلى األسباب وراء عدم إيمانهم به من خالل‬
‫اإلشارات والكنايات فإن ترفع القناع عن تلك اإلشارات والكنايات فستجد فيها‬
‫قوما ً يسمّى اليهود الذين خوطبوا أصالً في هذه السورة كما ذكرنا آنفا ً.‬
                        ‫َ‬
‫فاألمراض الروحية والخلقية التي حرم بها اليهود نعمة القرآن اختار القرآن هذا‬
‫األسلوب البليغ لرفع القناع عنها بحيث صرّ ح عن ميزات المسلمين االعتقادية‬
‫والعملية التي قد جمع اليهود خصائص تضادها، والتي عرقلت لهم سبيل قبول‬
                                  ‫الحق بحيث صعب عليهم أن يتحرّ روا عنها.‬
‫وفيما يلي توضيح وجيز لتلك اإلشارات والكنايات القرآنية لكي نعرف األسباب‬
                              ‫وراء عدم إيمان من لم يكد يؤمن بهذا الكتاب:‬
  ‫ً‬                                    ‫ً‬                  ‫ّ‬
‫قبل كل شيئ تفكروا على كلمات "هدى للمتقين" فالقول بأن هذا الكتاب هدى‬
‫للمتقين قد أشار إلى أمر مبرم اختاره هللا تعالى عن اليهود؛ فلما أجبر موسى‬
‫عليه السالم اليهود على التوبة بعد عبادتهم للعجل وجعلهم يمرّ ون بباليا شديدة‬
‫للتزكية والتطهير فقد دعا لهم آنذاك أن يعصمهم هللا في المستقبل عن غضب‬
‫هللا جل جالله ولن يحرم رحم َته. فلو قبل هللا دعاء موسى ذلك، ولكن، شريطة‬
                                                                    ‫ّ‬
‫أن ال يحظى من اليهود من نعمته التي تنزل في صورة شريعته النهائية إال من‬
                                      ‫9‬
‫جملة اهلند‬

‫يتقي هللا ويعطي الزكوة ويؤمن بما سينزل من هللا فقد جاءت هذه اآلية في‬
        ‫ّ‬
‫سورة األعراف حيث ذكر هذا الحدث المهم لتاريخ دعوة موسى فتفكروا تلك‬
                              ‫ّ‬
                              ‫اآلية في ضوء سياقها وسباقها وهي كما يلي:‬
‫" ورحمتي وسعت كل شيئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم‬
‫بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي األمي" (سورة األعراف: 156-‬
                                                            ‫156)‬
‫إن هذه اآلية تصرح أن نعمة القرآن واإلسالم كانت تعطى من قوم موسى من‬
‫كانوا يتقون ويؤتون الزكوة ويؤمنون بآيات هللا، ثم وضّح في نهاية اآلية أن‬
                      ‫المراد من هؤالء الناس من كانوا يتبعون النبي األمي.‬
                                        ‫ً‬          ‫ّ‬
‫ونفس هذا الشرط تذكره كلمة "هدى للمتقين" فمن صدق هذا الشرط من بين‬
‫أهل الكتاب آمنوا به، وكذا يلمح من هذا أنّ من لم يؤمن بهذا الكتاب كانوا‬
            ‫بعيدين عن صفة التقوى التي كانت ضرورية لإليمان بهذا الكتاب.‬
‫ونفس هذا القول ذكره هللا تعالى إلبراهيم عليه السالم، فلما وعده بإمامة األقوام‬
             ‫ّ‬
‫بعد ابتالئه بمختلف الكلمات فسأل هللا تعالى هل هذا المنصب يتواله ذريتي أم‬
‫ال؟ فقال هللا تعالى في الرد عليه: "ال ينال عهدي الظالمين" (سورة البقرة:‬
‫126) فالمراد من "الظالم"، كما يبدو، من هو يخلو عن توحيد اإلله وإخالص‬
‫الدين له ويبعد عن التقوى وخشية هللا تعالى ولو أنه ينتمي إلى إسماعيل عليه‬
                                    ‫ّ‬
‫السالم أو إلى إسحاق عليه السالم. وقد أدى هذا الواقع إبراهيم عليه السالم‬
‫حيث قال: أن الرسول الذي سيكون إمام الناس كافة ال يؤمن به الظالمون وال‬
           ‫يجدون أي نصيب من تلك العزة القعساء التي سيحظى بها هو وأمته.‬
‫فتشير كلمة "يؤمنون بالغيب" إلى عبادة اليهود للتماثيل التي قد خاضوا فيها منذ‬
‫فجر تاريخهم، وألجل مرضهم ذلك فقد جعلت اليهود العجل إلها ً لهم والحال أن‬
‫نبيهم كان حيا ً فيهم، وكذا قد أحاط بهم الذلة الروحية والعقلية خالل استرقاقهم‬
‫في مصر، والتي لم ينجوا منها حتى عكفوا، بعدما شهدوا آالفا ً من معجزات‬
‫موسى، على أن يروا هللا بأعينهم ولو مرة واحدة فيؤمنوا بأنه يكلّم موسى‬
‫بنفسه "لن نؤمن لك حتى نرى هللا جهرة" (سورة البقرة: 55) ونفس السؤال‬
‫ردده كفار مكة ومشركوها فقد اعترضوا على النبي بأنه لو يكلّمك هللا فلم ال‬  ‫ّ‬

                                     ‫01‬
‫جملة اهلند‬

‫يكلّمنا هو؟ فرد القرآن على هذا االعتراض بأنه ال يؤمن به إال من يؤمن به‬
                                                             ‫ّ‬
‫وهو بالغيب، وبعبارة أخرى أعلن بأنّ من يريد اإليمان باهلل بعد أن يمسّه‬
‫ويفحّ ص عنه ويشهد كافة الحقائق بأعين رأسه، ال نصيب له من القرآن، فال‬
      ‫تصل بركة القرآن إال من يؤمن به مستخدما ً عقله ال شاهداً ظاهر الواقع.‬
‫وكذا صفة المؤمنين بأنهم يقيمون الصلوة إنما هي تعريض على اليهود‬
  ‫وغيرهم من أتباعهم الذين قد ذكرهم القرآن في غير هذا الموقع بكلمات تالية:‬
‫"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ً"‬
                                                   ‫(سورة مريم: 55)‬
‫وكذا ذكر جانب المؤمنين لإلنفاق تعريض على بخل اليهود وغيرهم من‬
‫أتباعهم وحبّهم للمال فإنهم قد ضرب بهم المثل في حبّ األموال، فقد صوّ ر‬
‫القرآن في بداية نزوله ما كان عليه علماء اليهود وصوفيائهم، دعْ عامتهم،‬
                                                          ‫بكلمات تالية:‬
‫"يا أيها الذين آمنوا إنّ كثيراً من األحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس‬
                                                          ‫ّ‬
‫بالباطل ويصدون عن سبيل هللا والذين يكنزون الذهب والفضة وال ينفقونها في‬
                                                            ‫ّ‬
                          ‫سبيل هللا فبشرهم بعذاب أليم" (سورة التوبة: 14)‬
‫وكذا "الذين يؤمنون" تعريض على تلك العصبية القومية التي قد أصبحت لهم‬
‫عرقلة كبرى في سبيل إيمانهم بالقرآن. فلما كانت اليهود يدعون إلى اإليمان‬
‫بالقرآن آخر الكتب التي أنزلها هللا تعالى فكانوا يجيبون أنهم يؤمنون بالكتاب‬
‫الذي نزل فيهم وأن اإليمان به يكفيهم إيمانا ً بكتاب سماوي آخر فلن يؤمنوا‬
                                                                  ‫ّ‬
                                       ‫بالقرآن وال بكتاب سماوي غير هذا:‬
‫" وإذا قيل لهم آمنوا بما أنول هللا قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما‬
                                              ‫وراءه" (سورة البقرة: 65)‬
‫توصيف المؤمنين بأنهم هم الذين يؤمنون باآلخرة يشير إلى عدم يقين اليهود‬
‫باآلخرة، الذي كانت تشهده كل شعبة من شعب حياتهم. ولو أنهم لم يكونوا‬
                                ‫ّ‬
‫يدعون باإليمان باآلخرة فحسب بل كانوا يدعون أن الفالح كله في اآلخرة‬     ‫ّ‬
‫سيصل بهم وال غير، ولكنهم قد خاضوا في الحياة الدنية وأسبابها، في جانب‬
‫آخر، إلى حد فاقوا المشركين الذين إما لم يكونوا يتصوّ رون اآلخرة شيئا ً أو‬
                                   ‫11‬
‫جملة اهلند‬

  ‫كان تصورهم لها غير واضح إن كان فيهم شيئ من تصور اآلخرة. وقد اتبعوا‬
  ‫هؤالء المشركين في خطأ فهمهم لفلسفة الشفاعة فسقطوا في التوهم بأنهم ال‬
‫يسقطون في جهنم البتة وإن حدث كذلك فال يتجاوز سقوطهم فيها أياما ً‬
  ‫معدودات. ومن البديهي أن هذا النوع من اإليمان باآلخرة إيمان اليعنيّ فقد‬
                                  ‫كشف القرآن الستار عن إيمانهم ذاك كما يلي:‬
‫"قل إن كانت لكم الدار اآلخرة عند هللا خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن‬
‫كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم وهللا عليم بالظالمين. ولتجدنهم‬
                                        ‫ّ‬
        ‫أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا". (سورة البقرة: 15-15)‬
‫فقد اتضح من هذا التفصيل أنما صوّ ره القرآن هؤالء المتقين بعد ذكر صفات‬
‫المتقين ماز في جانب مؤمني الزمن الحديث وأن هؤالء هم الذين كانوا أودع‬
                              ‫ّ‬
‫فيهم الجدارة الفطرية للتقوى وعلى هذا فقد وفقوا اإليمان بالقرآن وفي جانب‬
‫آخر كشف الستار عن اليهود ومن اتبعهم وأنهم بعيدون عن تقوى هللا وما تنتجه‬
                     ‫من البركات وعلى هذا فال يجيبون على دعوة القرآن هذه.‬
‫وجمع تلك التفاصيل كلها في هذه الكلمات القالئل وكشف الستار عن اليهود‬
                     ‫بدون ذكرهم إعجاز معجز للبالغة القرآنية وال غير.‬
                         ‫4- أسئلة والردود عليها‬
                              ‫فمن يتدبّر هذه اآليات تثور في ذهنه أسئلة منها:‬
‫أولها: أن دعوى كون القرآن كتابا ً إلهيا ً وضعت كدعوى فقط ولم يذكر لها دليل‬
‫والحال أنه إذا كان هذا هو الموضوع المركزي للسورة فال يكفيه ذكرها‬
              ‫كدعوى بال دليل بل يجب أن يثبت هذا الواقع بدالئل قوية للغاية.‬
                                     ‫ً‬
‫وثانيها: أنه قد قيل عن هذا الكتاب أنه هدى للمتقين فإن كان هذا الكتاب هدى‬
‫للمتقين فال فائدة لنزوله فقد كان ينبغي أن يتحوّ ل ببركته الفاجر تقيا ً والمذنب‬
‫صالحا ً فإذا نزل الكتاب إلصالح الصالحين بدالً من إصالح الفاجرين فنزوله‬
                                                             ‫ما ال فائدة تحته.‬
‫وثالثها: أن المتقين قد وصفوا أول ما وصفوا بأنهم يؤمنون بالغيب، وقد عم‬
‫ّ‬
‫عن اإليمان بالغيب أنه يلده التقليد األعمى أو التوهم أو حسن العقيدة. فإن صح‬
  ‫ّ‬

                                     ‫21‬
‫جملة اهلند‬

‫ذلك فيعني هذا أن القرآن ال يؤثر إال فيمن له حسن الظن والعقيدة وال يفيد من‬
                                     ‫له عقل يعمله في مختلف شعب الحياة.‬
‫ورابعها: وكذا من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة‬
‫وينفقون في سبيل هللا ويؤمنون بكل ما أنزله هللا ويوقنون باآلخرة. فالسؤال‬
‫يثور هنا أنه إن يفعل هؤالء ما سلف ذكره من األعمال فأي شيئ بقي من هدى‬
                                       ‫ّ‬
‫الرب التي يحتاجون إليها والتي يوفرها هذا الكتاب؟ وهل الهدى شيئ يزيد‬
    ‫على ما سلف ذكره، ويحتاج إليه المرء بعد أداء كل ما سلف من الخدمات؟‬
‫وخامسها: أنه قد ذكرت حسنتان اثنتان بعد ذكر اإليمان وهما الصلوة واإلنفاق،‬
   ‫فأي شيئ وراء أهميتهما سبّب ذكرهما هنا من بين سائر الحسنات األخرى؟‬
‫ويمكن أن تثور هنا أسئلة أخرى ولكن يسهل للمرء أن يظفر بالردود عليها بعد‬
‫تفكير قليل فنصرف النظر عنها، نعم األسئلة التي ذكرناها لها أهمية وخطورة‬
                                                   ‫ّ‬
                       ‫وعلى هذا فنحاول الرد عليها حسب ترتيب ذكرها هنا:‬
  ‫والرد على السؤال األول هو أنه ولو كان معارضوا القرآن ينكرونه فلم ينكروه‬
  ‫بما أنّ كون القرآن كتابا ً إلهيا ً ال يتضح لهم فقد اتضح ذلك لكل من أهل الكتاب‬
  ‫والمشركين في بداية زمن هجرة المسلمين أي خالل نزول سورة البقرة على‬
  ‫األقل فالشيئ الذي كان يعرقل قبولهم للحق هو لم يكن أن الحق لم يتضح لهم‬
  ‫بل أن الجدارة التي يجب توافرها في الطبائع لقبول الحق لم تكن موجودة فيهم،‬
‫فلم تكن الحاجة إلى إثبات أن هذا كتاب إلهي وأن هذه دالئل على كونه كتابا ً‬
  ‫إلهيا ً بل احتيج إلى القول بأن هذا كتاب إلهي وال شك في كونه كتابا ً إلهيا ً ولكنه‬
  ‫ال بد لالستفادة منه من جدارة في الطبائع ولذلك فقد فعل القرآن مثلما قلنا فبقول‬
  ‫"هدى للمتقين" أشار القرآن إلى الشرط الذي ال بد منه لإليمان بهذا الكتاب‬         ‫ً‬
  ‫وهو التقوى فكأن القرآن هنا يعزي النبي صلّى هللا عليه وسلّم بأنه ال يحتاج‬
                                                ‫ّ‬
  ‫كون القرآن كتابا ً إلهيا ً إلى دليل وال كونه رسوالً من هللا فإنهما حقيقتان جليتان‬
       ‫ّ‬
  ‫ولكن جالئهما ال يفيد من يخلو قلبه من تقوى هللا، ومن عيناه مغطيتان‬
  ‫باإلدراكات الحسية، ومن عرّ ى نفسه عن الحسنات الفطرية، ومن جعله‬
                                                            ‫العصبية أعمى تماما ً.‬



                                        ‫31‬
‫جملة اهلند‬

‫وفوق ذلك ينبغي لنا أن ال ننسى أن الخطاب في هذه السورة، أصالً، وجّ ه إلى‬
‫اليهود كما ذكرنا ولم يكن اليهود جاهلين عن الكتاب النهائي والرسول الخاتم‬
‫فقد جاء في التثنية أن هللا قد وعدهم أنه سيرسل نبيا ً من بين إخوانهم فيضع‬
‫كالمه في فمه ويكمل الشريعة على يديه وينتقم من أعدائه بواسطته فمن لم‬
                                                           ‫ّ‬
‫يطعه فهو سيعذبه، إنه يكلّم باسم هللا وستكون نبوءاته صادقة وهو يقيم في‬
                                    ‫األرض ما لم تكن كلمة هللا هي العليا".‬
‫وقد كانت اليهود عارفين عن كل هذا كما أثبتت دعوة النبي وظروف حياته كالً‬
 ‫مما ذكر السيما ما تجلّى لهم بعدما هاجر النبي إلى المدينة، األمر الذي قد أيقن‬
 ‫اليهود أن ما تنبّأت عنه التوراة يصدقها النبي محمّد صلّى هللا عليه وسلّم، وزد‬
 ‫ْ‬                                         ‫ّ‬
 ‫على ذلك انتظار اليهود لنبي وكتابه طبق هذه النبوءة، ففي ضوء هذه الظروف‬
 ‫دعوى "ذلك الكتاب" ليست مجرد دعوى بل كأن هذه الكلمات تشير بالبنان إلى‬
 ‫أنّ هذا هو الكتاب الموعود الذي عقد معكم وعد نزوله والذي بقيتم منتظرين به‬
                                                                   ‫ّ‬
                                          ‫والذي يصدق كل ما قيل لكم من قبل.‬
                                              ‫ّ‬
‫ضع هذه الخلفية أمامك ثم تفكر عن القضية فتجد أنه لم تكن الدعوى هنا تحتاج‬
‫إلى أي دليل عليها بل كانت تحتاج إلى أن تبعد اليهود عن عصبيتهم وعنادهم‬
‫وحسدهم ويجيبوا على هذا الكتاب الذي كانوا ينتظرون به لمدة طويلة ويجرّ بوا‬
                                                  ‫أنواعا ً من بركته ورحمته.‬
‫ولو أن الرد على السؤال الثاني قد جاء معظمه في غضون الرد على السؤال‬
‫األول ولكن أريد أن أوضّحه توضيحا ً ما لكي يتجلّى لنا جوانبه التي لم تكن‬
                                                              ‫تتضح لنا.‬
‫ال يكفي للتأثير على المرء أن يكون الشيئ ذاته مؤثراً بل يجب أن يتصف‬
‫المرء بجدارة التأثر من شيئ وذلك ألن الشمس ال تستفيد من ضوءها إال من‬
‫ليس بأعمى وال يتمتع من تغريد البلبل إال من ليس بأصم وهكذا فال شك في‬
    ‫ّ‬             ‫ّ‬
‫كون القرآن نوراً وبصيرة وهدى ولكنه لو أضاع رجل من جداراته ما يجب‬
                                           ‫ً‬
‫لالستفادة من هذا النور وهذه الهدى فال نعيب القرآن لذلك فقد قال القرآن في‬
‫غير موضع منه "إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى" (سورة النازعات: 12) و"إنّ‬
   ‫في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (سورة ق: 14).‬

                                     ‫41‬
‫جملة اهلند‬

‫هذه إشارة إلى تلك الجدارة الفطرية للمرء، التي ال بد منها لالستفادة من القرآن‬
                                            ‫وهذه هي التي سمّيت هنا بالتقوى.‬
‫لهذه التقوى درجات ومنازل أوالها: التقوى التي أودعت في فطرة كل إنسان‬
‫والتي أشار إليها القرآن بكلمات "فألهمها فجورها وتقواها" فهذه التقوى‬
‫ضرورية لالستفادة من كل دعوة إلى البرّ فمن أخرجها من نفسه فكأنه خلت‬
                                                ‫ّ‬
‫نفسه مما أمكن له أن يرغب اإلنسان في أعمال البرّ فكما أن هذه التقوى‬
‫ضرورية للتحريض على كافة أعمال الخير والرفاهية للبشر فكذلك هي‬
‫ضرورية لإلمالة إلى دعوة القرآن فالقرآن شيئ لم يكن يلتفت إليه األخلعاء‬
‫والمتهتكون فكان يرجى الميل إليه ممن بقي فيه شوب من البرّ وقد شهد‬
‫التاريخ بأن دعوة القرآن لفتت من العرب من كان حليما ً ذا حجى كما جذب من‬
                                          ‫أهل الكتاب من كان تقيا ً صالحا ً.‬
‫وأخراها: التقوى التي يسفر عنها اتباع القرآن، ولها درجات عديدة كذلك ولكن‬
‫هذا الموقع ال يعني تفصيلها فال نريد هنا إال بيان أنه ولو أن "هدى للمتقين"‬
‫تشير إلى التقوى التي هي الشرط الالزم لالستفادة من القرآن ولكنه قد ذكر من‬
‫"يؤمنون بالغيب" إلى "وباآلخرة هم يؤقنون" صفات المتقين التي هي ما تسفر‬
                                        ‫عنها التقوى التي يلدها اتباع القرآن.‬
‫والرد على السؤال الثالث هو أن اإليمان بالغيب ال يثبت ضعف االعتقاد وال‬
‫التوهّم بل يثبت كون اإلنسان ذاتا ً روحيا ً وعقلياً، وطبقا ً لهذا الجانب ذكره‬
‫القرآن هنا فهنا أناس ينحصر كل سعيهم في اإلدراكات الحسية فال يرغبون‬
‫فيما هو فوق تلك وال يحاولون تجاوزها فهم يقيّدون عقولهم التي أودعت فيها‬
‫الطموح إلى العلى والتي ال تنحصر في اإلدراكات الحسية بل ما هي فوق تلك‬
‫اإلدراكات، يقيّدونها في تلك اإلدراكات وال يدعونها تتجاوزها فتسعى فيها ما‬
                                                                  ‫استطاعت.‬
‫وهنا أناس آخرون ال يقيمون وزنا ً لإلدراكات الحسية واألشياء المادية بل‬
       ‫ّ‬
‫يهمّون العقل وما يدركه فهم يعتبرون العقل ميزة اإلنسان وجوهره، ويعدونه ما‬
‫يفرّ ق بين الناس والبهائم، ويسرّ ون من أعماق قلوبهم فيما يفتح عليهم العقل ال‬
‫فيما يحسّونه وقد أشار القرآن إلى تلك الفئة بكلمات "يؤمنون بالغيب" فهو يرى‬
‫أن هذه هي الفئة التي تصاحب عاله كما شبّه الفئة األولى بالبهائم بل أضل منها‬
     ‫ّ‬
                                    ‫51‬
‫جملة اهلند‬

‫فقال "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إال كاألنعام بل هم أضل‬
‫ّ‬
‫سبيالً" (سورة الفرقان: 11). أي أن استماعهم ليس باالستماع الحقيقي وال‬
                            ‫ّ‬
‫إدراكهم إدراكا ً أصليا ً وذلك بما أنهم قد وطنوا عقولهم لخدمة اإلدراكات‬
             ‫الحسية، فهؤالء هم الحمقاء الذين يعملون السيوف مقام المناجل.‬
‫فاإليمان بالغيب يعني أنهم ليسوا بمن يعكف على الحس وال المادة بل هم‬
‫يمشون كما يهديه العقل ويعترفون بما ثبت عقليا ً أو شهد به الفطرة، ويضحّ ون‬
‫بما يحتاجون إليه من كل أنواع الراحة واللذة المحسوسة والمادية في سبيل‬
                                                             ‫تلبية متطلباته.‬
‫ولو أن الرد على السؤال الرابع قد جاء معظمه في غضون الرد على السؤال‬
                            ‫الثاني ولكنني أوضّحه بعض التوضيح هنا.‬
‫لنالحظ قبل كل شيئ أن الصفات التي تم بيانها بعد المتقين، هي صفات‬
‫توضيحية أي القرآن قد أشار بالبنان إلى من كان يراه مصدقا ً لها في ذاك‬
‫الزمن فهؤالء هم الذين يتصفون بالتقوى فقد استفادوا مني فال تعن بهذه‬
‫الصفات أن هذه الصفات شرائط بدائية لالستهداء من القرآن بل هي مما يسفر‬
                                                     ‫عنها اتباع القرآن.‬
‫والواقع الثاني هو الذي سمّاه القرآن بالهدى التي قمنا بتوضيحها في موقعها‬
‫فهي حقيقة زائدة على األعمال والمعتقدات الظاهرة فاألعمال والمعتقدات إما‬
‫هي نتيجة لتلك الهدى أم أسباب وذرائع للحصول عليها فهي ليست بالهدى‬
              ‫ً‬
‫ذاتها. فكلما تزداد رغبة المرء في األعمال والمعتقدات يزداد هدى فقد قال هللا‬
                                            ‫ً‬
                       ‫تعالى: "والذين اهتدوا زادهم هدى" (سورة محمد: 16)‬
‫وللرد على السؤال األخير نقول إنه يتضح بالتفكر في القرآن أن الصلوة‬
‫والزكوة حسنتان أساسيتان لدى اإلسالم، والحسنات األخرى كلها تأتي تحت‬
‫هاتين بل هي تنولد منهما فقد ذكرتا في غير موضع من القرآن بحيث أنهما‬
‫كفيتا كافة الحسنات لما ذكرتا فقد جاء "فإن تابوا وأقاموا وآتوا الزكوة فإخوانكم‬
‫في الدين" (سورة التوبة: 66) وقيل في توصيف إسماعيل عليه السالم "كان‬
‫يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا ً" (سورة مريم: 55) وقد‬


                                     ‫61‬
‫جملة اهلند‬

‫جاء على لسان عيسى عليه السالم "وأوصاني بالصلوة الزكوة ما دمت حيا ً"‬
                                                    ‫(سورة مريم: 64)‬
‫ولو أن اآليات المذكورة أعاله تذكر الصلوة والزكوة فحسب ولكن كالً منا يفهم‬
‫بسهولة أنه لم يرد بهما هاتان الحسنتان بل أريد منهما حسنات أخرى ولكنهما‬
                          ‫جاء ذكرهما بما أنهما أساسان لكافة تلك الحسنات.‬
                                                                  ‫ّ‬
‫فإن تفكر في أصل تينك الحسنتين تجد أنهما تجدران بأن تناال تلك األهمية في‬
‫الدين؛ إلى أي شيئ يحتاج المرء لكونه عبداً صالحا ً هلل؟ إلى أن يتعلق بربه‬
‫محكما ً في جانب وفي جانب آخر يتصل بخلقه متيناً؟ فالصلوة تعلّق المرء باهلل‬
 ‫محكما ً كما أن اإلنفاق يوصله بخلقه متينا ً فإن يؤد المرء حقوق ربه ويعرفْ‬
                             ‫ّ‬
‫حقوق خلقه فإنه قد فاز بمفتاح كافة الحسنات الذي يفتح به أبواب غيرها من‬
‫الحسنات فيسهل له أداؤها، وقد قال عيسى عليه السالم ما يشبه ذلك فقد جاء‬
                                                              ‫في اإلنجيل:‬
‫"وسأله واحد منهم وهو ناموسيّ ليجرّ به قائالً: يا معلّم أية وصية هي العظمى‬
‫في الناموس فقال له يسوع تحبّ الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن‬
‫كل فكرك، هذه هي الوصية األولى والعظمى. والثانية مثلها تحبّ قريبك‬
 ‫كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله واألنبياء". (متى: 54:22-41)‬
‫فيتجلّى من قول المسيح عليه السالم هذا أن الدين والشريعة بأجمعهما يبنيان‬
‫على هاتين الحسنتين وكونهما حسنتين أساسيتين ال يتضح من القرآن فحسب بل‬
                        ‫يثبت من التوراة واإلنجيل وصحف األنبياء األخرى.‬

‫ترجمة من األردوية: د. أورنك زيب األعظمي‬




                                   ‫71‬
‫جملة اهلند‬



 ‫األدب العربي الجاهلي عونا ً كبيراً في تفسير‬
              ‫محتويات القرآن‬
‫- د. أورنك زيب األعظمي‬
‫الحمد هلل الذي هدانا لإليمان، بما أنعم علينا القرآن وحفظه عن النسيان‬
‫وتحريف البيان، بما يسّره على اللسان، وبما أحيى لغة بني عدنان على تقادم‬
‫الزمان، والصالة والسالم على سيّدنا محمّد الذي أيّده هللا بأقوى سلطان وأبقى‬
     ‫برهان، بما أرسله بهذا الفرقان الذي هو غاية الهدى وتمام التبيان، أما بعد!‬
‫فقد واجه كل رسول تصديا ً موافقا ً لعصره وتصدي عصر نبيّنا محمّد صلّى هللا‬
                            ‫ّ‬                       ‫ّ‬        ‫ّ‬
‫عليه وسلّم كان هو براعة اللغة وطالقة اللسان. يشير إلى ذلك آية القرآن‬
                                                                  ‫التالية:‬
                                    ‫ّ‬
‫"إنه لتنزيل ربّ العالمين. نزل به الروح األمين. على قلبك لتكون من‬
                                      ‫المنذرين. بلسان عربيّ مبين"1.‬
‫فالعرب كانوا يسجدون لكل ما هو عربيّ فصيح فيقول طلعت حرب عن‬
                                   ‫ّ‬
                            ‫المعلقات التي كانت بالعربية الفصحى:‬
‫"إنّ العرب بقيت تسجد لهذه المعلّقات مدة طويلة لفصاحتها إلى أنْ ظهر‬
       ‫اإلسالم وأبطل القرآن بسطوة فصاحته اعتبار العرب لهذه المعلّقات"2.‬
                                                                    ‫ّ‬
  ‫وبما أننا نحتاج لشرح كالم أو تفسيره إلى تراثه المنظوم أو المنثور، والقرآن‬
‫بلغة العرب، فاعتبر العلماء من السلف إلى الخلف التراث العربي األدبي عونا ً‬
  ‫كبيراً لشرح كتاب هللا وتفسيره وفيما يلي نتحدث عن مدى دعم األدب العربي‬
                                 ‫ّ‬
                                     ‫الجاهلي في شرح القرآن الكريم وتفسيره.‬



                                                    ‫1 سورة الشعراء: 192-192‬
                                              ‫2 تاريخ دول العرب واإلسالم، 2/86‬

                                     ‫81‬
‫جملة اهلند‬

‫أقوال العلماء في هذا الشأن: كما ذكرت أنّ لألدب العربي الجاهلي دوراً‬
 ‫كبيراً في شرح محتويات القرآن الكريم واعترف به العلماء من السلف إلى‬
               ‫الخلف فيقول ترجمان القرآن عبد هللا بن عباس رضي هللا عنه:‬
‫"الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله هللا بلغة‬
                          ‫العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه"1.‬
                                          ‫ويقول عمر بن الخطاب رضي هللا عنه:‬
      ‫"أيها الناس! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم"2.‬
                                                                     ‫ويقول مجاهد:‬
‫"ال يحل ألحد يؤمن باهلل واليوم اآلخر أن يتكلم في كتاب هللا إذا لم يكن عالما ً‬
                                                               ‫بلغات العرب"3.‬
                                                                   ‫ويقول ابن كثير:‬
‫"… فإن من القرآن ما استأثر هللا تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء ومنه ما‬
                                                    ‫تعلمه العرب من لغاتها"4.‬
                                                           ‫ويقول اإلمام الزركشي:‬
‫"ليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسير شيئ من الكتاب العزيز، وال‬
                                         ‫يكفى في حقه تعلّم اليسير منها"5.‬
                                                       ‫ويقول الدكتور عمر فرّ وخ:‬
      ‫"نحن نقبل الشعر الجاهلي كله على أنه من مصادر الحياة في الجاهلية"6.‬


                                                      ‫1 اإلتقان في علوم القرآن، 2/922‬
                                                                   ‫2 الموافقات، 1/66‬
                                                    ‫3 البرهان في علوم القرآن، 2/291‬
                                           ‫4 تفسير القرآن العظيم، 2/68 وهو الذي قال:‬
‫"أما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات عند من يعرف ذلك تفصيالً وإجماالً ممن فهم‬
                             ‫كالم العرب وتصاريف التعبير"، تفسير القرآن العظيم، 2/68‬
                                                    ‫5 البرهان في علوم القرآن، 1/291‬
                                                             ‫6 تاريخ الجاهلية، ص 12‬

                                         ‫91‬
‫جملة اهلند‬

                                           ‫ويقول الدكتور ناصر الدين األسد:‬
                 ‫"الشعر أصدق مصدر لدراسة حياته وحياة قومه من حوله"1.‬
‫وكذا كثر االستدالل باألدب العربي الجاهلي في تفاسير الطبري والزمخشري‬
‫والرازي والقرطبي والمهائمي حتى أننا نجد كثرة كاثرة من االحتجاج بكالم‬
‫العرب القح في تفسير ابن كثير الذي يعتبر أبرز تفاسير المنقول وأكثرها ثقة‬
                                                             ‫ّ‬
‫وفي القرن العشرين برز مفسّر كبير من أرض الهند لم يفق أقرانه فحسب بل‬
‫لم يبلغ شأوه كبار المفسّرين في هذا المجال وهو اإلمام عبد الحميد الفراهي.‬
                                              ‫يقول الفراهي في هذا الشأن:‬
‫"فأما في سائر األلفاظ وأساليب حقيقتها ومجازها فالمأخذ فيه كالم العرب القديم‬
‫والقرآن نفسه. وأما كتب اللغة فمقصّرة، فإنها كثيراً ما ال تأتي بحد تام، وال‬
      ‫ّ ّ‬
‫تميز بين العربي القح والمولد، وال تهديك إلى جرثومة المعنى، فال يدرى ما‬
                                                      ‫ّ‬
‫األصل وما الفرع، وما الحقيقة وما المجاز. فمن لم يمارسْ كالم العرب‬
‫واقتصر على كتب اللغة ربّما لم يهتد لفهم بعض المعاني من كتاب هللا. ومن‬
‫كالم العرب القديم الذي وصل إلينا ما هو منحول وما هو شاذ، ولكن ال يصعب‬
‫التمييز بين المنحول والصحيح على الماهر الناقد. فينبغي لنا أنْ ال نأخذ معنى‬
                       ‫ّ‬
           ‫القرآن إال مما ثبت، وكذلك يجب أنْ نترك المعنى الشاذ من اللغة"2.‬
 ‫فبدا من هذه األقوال الكثيرة من مختلف الصحابة والمفسّرين والباحثين أنّ‬
‫األدب العربي السيما الجاهلي يأخذ بأيدينا فيعيننا في شرح محتويات القرآن من‬
‫مفرداته وعباراته الخاصة وأساليبه والعقائد واألفكار التي أشار إليها القرآن‬
‫والمجتمع الذي انتقده الكتاب العزيز فقام ببناء مجتمع آخر إسالمي. نجد هذا‬
‫كله مذكوراً في التراث العربي الجاهلي، التراث المنظوم والمنثور كليهما إال‬
                                     ‫ّ‬
‫أنّ نصيب التراث المنظوم أكثر من حظ المنثور فنكثر االستدالل به فيما نقول‬
                                               ‫ونرى في هذه المقالة الوجيزة.‬




                                  ‫1 مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ص 8‬
                                                ‫2 فاتحة نظام القرآن، ص 12-62‬

                                    ‫02‬
‫جملة اهلند‬

‫مفردات القرآن: أبدأ حديثي بالمفردات فإنها تلعب دوراً رياديا ً مهما ً في فهم‬
          ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫أي قضية أو بحث فيقول اإلمام الفراهي مشيراً إلى أهمية المفردات في توجيه‬
                          ‫ّ‬
                         ‫القارئ إلى الهدف المراد أو زل قدميه في وادي الضالل:‬
                                                ‫ّ‬
‫"ال يخفى أن المعرفة باأللفاظ المفردة هي الخطوة األولى في فهم الكالم‬
‫وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع وإنما يسلم المرء عن‬
                                                              ‫ّ‬
‫الخطأ إذا سد جميع أبوابه فمن لم يتبين معنى األلفاظ المفردة من القرآن أغلق‬
‫عليه باب التدبر وأشكل عليه فهم الجملة وخفى عنه نظم اآليات والسورة… ثم‬
‫سوء فهم الكلمة ليس بأمر هيِّن، فإنه يتجاوز إلى إساءة فهم الكالم وكل ما يدل‬
‫ّ‬
‫عليه من العلوم والحكم فإن أجزاء الكالم يبين بعضها بعضا ً للزوم التوافق‬
                                                                ‫بينهما…"1.‬
                                                              ‫ويمضي قائالً:‬
‫"ربما ترى أن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها‬
  ‫فيتوجه المرء إلى سمت، كلما مرّ فيه بعد عن الفهم مثل لفظ القسم وأدواته"2.‬
‫وبما أنّ مفردات القرآن أكثر بكثير فنأخذ طرفا ً منها ونتحدث عن معانيها في‬
               ‫ّ‬
                                        ‫ضوء كالم العرب. وهي كما يلي:‬
‫6. اآلالء: جاءت هذه الكلمة 14 مرة في القرآن ودراسة هذه المواضع كلها‬
‫تدل على أنها تعني: الفعل العجيب والنعمة والعذاب وإذا أنعمنا النظر في‬
‫استخداماتها وجدنا أن هذه كلها تتعلق بأمر عجيب فالنعم التي ذكرها القرآن‬
‫هي من نوع الفعال الصعبة وكذلك العذاب واقرء اآليات التالية لكي يتضح‬
                                                           ‫لك ما أقول:‬
                                      ‫ّ‬
‫"خلق اإلنسان من صلصال كالفخار وخلق الجانّ من مارج من نار فبأيّ‬
                                                         ‫ّ‬
                                                  ‫آالء ربّكما تكذبان"3.‬
                                                     ‫وقال في موضع آخر:‬



                                                       ‫1 مفردات القرآن، ص 2‬
                                                              ‫2 المصدر نفسه‬
                                                       ‫3 سورة الرحمن: 12-62‬

                                    ‫12‬
‫جملة اهلند‬

‫"واألرض وضعها لألنام فيها فاكهة والنخل ذات األكمام والحبّ ذو العصف‬
                                              ‫ّ‬
                                        ‫والريحان فبأيّ آالء ربّكما تكذبان"1.‬
                                                                  ‫وقال أيضا ً:‬
‫"وأنه أهلك عاداً األولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم‬
           ‫وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأيّ آالء ربّك تتمارى"2.‬
                                      ‫ّ‬         ‫ّ‬
‫فثبت من هذه المواقع أن كلمة "اآلالء" ال تعني إال الفعال العجيبة من الخلق‬
‫والنعمة والعذاب ولمزيد البيان نتتبع استعمالها في كالم العرب القح فقال‬
                                                                        ‫طرفة:‬
      ‫3‬
                           ‫ٍ‬
        ‫نبه سـيِّد ســادات خضم‬              ‫كامل يحمـــــل آالء الفتى‬
                                              ‫وقالت مية بنت ضرار ترثي أخاها:‬
      ‫4‬
          ‫وكافي العشــيرة ما غالها‬               ‫كريم ثنــــــــــــــــاه وآالؤه‬
                                               ‫وقال المهلهل في رثاء أخيه كليب:‬
     ‫5‬
         ‫ما كل آالئه يا قوم أحصيها‬             ‫الحزم والعزم كانا من طبائعه‬
                                                         ‫وقال األجدع الهمداني:‬
     ‫6‬
         ‫فرسا ً فليس جوادنا بمبـــــاع‬         ‫ورضيت آالء الكميت فمن يبع‬
                                                     ‫وقال فضالة بن زيد العدواني:‬
      ‫رأيت فقيراً غير نكس مذمم‬                  ‫وفي الفقر ذل للرقــاب وقلما‬
     ‫7‬
       ‫ويحمد آالء البخيل المـدرهم‬           ‫يالم وإن كـان الصواب بكفه‬
‫2. اآلية: نرى في القرآن أنّ هللا تعالى كثيراً ما يستخدم كلمة "اآلية" للداللة‬
                  ‫على توحيده وقدرته على شيئ فيقول مثالً في موضع منه:‬



                                                           ‫1 السورة نفسها: 12-82‬
                                                                ‫2 سورة النجم: 11‬
                                                    ‫3 ديوان طرفة بن العبد، ص 122‬
                                                       ‫4 لسان العرب، مادة: ع ش ر‬
                                                            ‫5 العقد الفريد، 1/221‬
                                                            ‫6 األصمعيات، ص 98‬
                                                         ‫7 الحماسة البصرية، 1/16‬

                                         ‫22‬
‫جملة اهلند‬

‫"بل هو آيات مبيّنات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إال‬
                                                             ‫الظالمون"1.‬
       ‫نجد لشرحها أمثلة عديدة في كالم العرب فقال حارث بن حلزة اليشكري:‬
      ‫2‬
        ‫ت ثالث في كلهنّ القضاء‬            ‫من لنا عنده من الخير آيا‬
                                                          ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬
   ‫3‬
       ‫تذكر في بعض الذي كنت ناسيا‬                ‫أراني إذاما شــئت القيـت آيـــة‬
                                                        ‫وقال النمر بن تولب العكلي:‬
                ‫4‬
                    ‫يذكرنه دائه األقدما‬                ‫وأقصر عنها وآياتها‬
                                                       ‫وقال جندب وهو يرثي أخاه:‬
            ‫5‬
                ‫بآية أنْ قد ورثنا النباال‬             ‫وقالوا قتلناه في غارة‬
                                                          ‫وقال عبيد بن األبرص:‬
        ‫6‬                       ‫ّ‬
            ‫وفظت في المقالة بعد لين‬                 ‫تريني آية اإلعراض عنها‬
                                                            ‫وقال امرؤ القيس الكندي:‬
        ‫7‬
            ‫تقادم في سالف األحرس‬                      ‫لمن طلل داثر آيــــــه‬
                                                           ‫وقال بشر بن أبي حازم:‬
         ‫8‬
                              ‫ّ‬
             ‫وعفى آيها نسج الجنوب‬                    ‫تغيّرت المنازل بالكثيب‬
‫ففي كافة األبيات المذكورة أعاله ذكرت كلمة "اآلية" للداللة على العالمة‬
                                                                    ‫والعلم.‬
                                         ‫1‬
‫4. جيد: استخدم القرآن كلمة "جيد" لعنق زوجة أبي لهب والجيد كلمة تستخدم‬
‫للعنق اللطيف الطويل الجميل وال نجد هذا المعنى إال بتتبع كالم العرب فقال‬
                                                     ‫امرؤ القيس الكندي:‬

                                                                 ‫1 سورة العنكبوت: 92‬
                                                 ‫2 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 2/212‬
                                                   ‫3 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 122‬
                                                  ‫4 شعر النمر بن تولب الكلبي، ص 122‬
                                                              ‫5 رياض األدب، ص 16‬
                                                    ‫6 ديوان عبيد بن األبرص، ص 662‬
                                                        ‫7 ديوان امرئ القيس، ص 966‬
                                                        ‫8 مختارات ابن الشجري، 1/21‬

                                            ‫32‬
‫جملة اهلند‬
          ‫2‬    ‫ّ‬
              ‫إذا هي نصّته وال بمعـــطل‬              ‫وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش‬
                                                                            ‫وقال أيضا ً:‬
      ‫3‬
          ‫وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطال‬            ‫ليالي ســـلمى إذا تريك منصـّبا ً‬
                                                                  ‫ّ‬
                                                        ‫وقال عنترة بن شداد العبسي:‬
           ‫4‬
               ‫رشأ من الغزالن حرٍّ أرثم‬             ‫وكأنما التقت بجــيد جداية‬
                                                                 ‫وقال األعشى الكبير:‬
               ‫5‬
                   ‫تع ال حبـة وال مغــالق‬            ‫روّ حته جيداء ذاهبة المر‬
                                                                          ‫وقال أيضا ً:‬
  ‫6‬
      ‫ترعى األراك تعطي المرد والورثا‬               ‫وجـيد أدمــاء لم تذعــر فرائصها‬
                                                           ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬
      ‫7‬
          ‫من الظباء تراعي شادنا ً خرقا‬            ‫بجيــد مغـــزلة أدمــاء خادلة‬
                                                                ‫وقال النابغة الذبياني:‬
          ‫8‬
              ‫على جيــداء فاترة البغــــام‬          ‫كأنّ الشذور والياقوت منها‬
‫فيبدو من دراسة هذه األبيات أنّ "جيد" كلمة تستخدم للعنق الطويل الجميل‬
                              ‫اللطيف9، ونظراً لهذا المعنى قال الفزي في نفسه:‬
                                        ‫ّ‬
    ‫1‬
      ‫أروح بها مثل الحمام المطوّ قا‬       ‫وال تثقـال جيدي بمنة جاهــل‬


                                                                     ‫1 سورة المسد: 1‬
                         ‫2 ديوان امرئ القيس (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم)، ص 82‬
                                                                ‫3 المصدر نفسه، ص 61‬
                                                      ‫4 شرح المعلقات السبع، ص 221‬
                                                      ‫5 ديوان األعشى الكبير، ص 621‬
                                                             ‫6 المصدر نفسه، ص 612‬
                                                   ‫7 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 96‬
                                                            ‫8 النابغة الذبياني، ص 262‬
       ‫9 والعرب كانوا يفضلون المرأة الجيداء كما قال جاهلي حينما سئل عن المرأة المفضلة‬
                                                                                  ‫لديه:‬
‫" الهركولة اللفاء الممكورة الجيداء التي يشفي السقيم كالمها ويبري الوصب إلمامها، التي إن‬
‫أحسنت إليها شكرت وإن أسأت إليها صبرت وإن استعتبتها أعتبت، الفاترة الطرف الطفلة‬
                                     ‫الكف العميمة الردف"، جمهرة خطب العرب، 1/12‬

                                             ‫42‬
‫جملة اهلند‬

  ‫1. أحوى: استخدم في سورة األعلى كلمة ضمن نموّ نبات وهي "أحوى"2.‬
‫ذكر معظم المفسّرين أنّ معناها "نبات جافّ " ولكننا نجد معنى لها مخالفا ً‬
  ‫عن الماضي حينما ندرس الشعر العربي الجاهلي فيقول امرؤ القيس‬
                                                                 ‫الكندي:‬
       ‫3‬
         ‫تبطنته بشـــــــــيظم صلتان‬     ‫وغيث من الوسميّ حوٍّ تالعه‬
                                                             ‫ويقول زهير بن أبي سلمى:‬
    ‫4‬
        ‫أجابت روابيه النجا وهواطله‬                 ‫وغيث من الوسميّ حوٍّ تالعه‬
                                                                               ‫ويقول كذلك:‬
    ‫5‬
        ‫بمستأسد القريان حوٍّ مسايله‬                ‫فقال شياه راتعات بقفـــــــــرة‬
                                                                        ‫ويقول تأبّط شرّ اً:‬
        ‫6‬
            ‫وإذا يغــزو فســــمع أزل‬
            ‫ّ‬                                       ‫مسبل في الحيّ أحوى رفل‬
                                                    ‫ّ‬
                                                                ‫ويقول أسود بن يعفر:‬
    ‫7‬
        ‫أحوى المذانب مؤنق الروّ اد‬                 ‫ولقـد غـدوت لعازب متنــاذر‬
                                                                    ‫ويقول جابر بن حريش:‬
    ‫نرعى القرى فكامسا ً فاألصفرا‬                  ‫ولقــد أرانا يا ســميّ بحــــــــــائل‬
    ‫فعوارض حـوّ البسابس مقفــرا‬                   ‫فالجزع بين ضباعة فرصـــــــافة‬
    ‫ومذانبا ً تندى وروضــا ً أخضرا‬                ‫ال أرض أكثر منك بيض نعـــامة‬
    ‫متخــــــــــمّط قطـم إذاما بربرا‬             ‫ومغبّبا ً بحمى الصــــــــــوار كأنه‬
   ‫8‬
       ‫قبل الفســـــــــــاد إقامة وتديّرا‬        ‫إذ ال تخاف حدوجـــنا قذف النوى‬
                    ‫فكلمة "أحوى" في األبيات المذكورة أعاله تعني ما نقول ونرى.‬

                                                            ‫1 البالغة الواضحة، ص 962‬
                                                                       ‫2 سورة األعلى: 1‬
                                                            ‫3 ديوان امرئ القيس، ص 26‬
                                                      ‫4 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 612‬
                                                               ‫5 المصدر نفسه، ص 112‬
                                                    ‫6 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/282‬
                                                                  ‫7 المفضّ ليات، ص 921‬
                                                     ‫8 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/22‬

                                             ‫52‬
‫جملة اهلند‬

                                    ‫ّ‬   ‫ّ‬
                      ‫5. شوى: قال هللا تعالى في نار جهنم: "نزاعة للشوى"1.‬
‫فنود أنْ نقول شيئا ً عن تحقيق هذه الكلمة في ضوء كالم العرب الجاهلي. فقال‬  ‫ّ‬
                                                        ‫ابن حزابة الحماسي:‬
    ‫2‬
      ‫ما الوغد أسبل ثوبيه على القدم‬    ‫ومشــمّر للمنــايا عن شــــواه إذا‬
                                                         ‫وقال امرؤ القيس الكندي:‬
   ‫3‬
       ‫له حجبات مشـرفات على الفـال‬             ‫سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا‬
                                                                    ‫وقال جرير:‬
        ‫4‬
            ‫فينا الهذيل وفي شواه كبول‬           ‫ماذا ذكرت من الهذيل وقد شتا‬
                                                                 ‫وقال أفوه األودي:‬
    ‫5‬
        ‫تقلّب جيداً واضحا ً وشوى عبال‬           ‫تظل غيارى عـــند كل ســتيرة‬
                                                                       ‫وقال الخرنق:‬
       ‫6‬
           ‫عبالً شواه غير كاب عشور‬               ‫سـار به أجــــــــود ذو ميعة‬
                                                                    ‫وقال األعشى:‬
           ‫7‬
                                   ‫ٌ‬
               ‫كفت إذا عضّ بفأس اللجام‬           ‫مسـتقدم البركة عبـل الشـوى‬
                                                            ‫وقال المثقب العبدي:‬
    ‫8‬
        ‫يجـور صــراريّ بها وتقيـمها‬            ‫كأني وأقتادي على حمشة الشوى‬
                                                             ‫وقال عنترة العبسي:‬
       ‫9‬
                                 ‫ٍ‬
           ‫نهـــد مراكله نبـيل المخــزم‬        ‫وحشيتي سرج على عبل الشوى‬
                        ‫فيبدو من هذه االستخدامات أنّ كلمة "شوى" تعني لحم الساق.‬

                                                                 ‫1 سورة المعارج: 82‬
                                                ‫2 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/622‬
                                                        ‫3 ديوان امرئ القيس، ص 86‬
                                                                 ‫4 ديوان جرير، 1/89‬
                                                                  ‫5 األغاني، 12/882‬
                                                              ‫6 ديوان خرنق، ص 16‬
                                                        ‫7 شعراء النصرانية، ص 296‬
                                                       ‫8 ديوان المثقب العبدي، ص 11‬
                                                         ‫9 شعراء النصرانية، ص 22‬

                                          ‫62‬
‫جملة اهلند‬

‫عبارات القرآن الخاصة: وبجانب المفردات التي استخدمها العرب في‬
‫كالمهم ثم تناولها القرآن بشيء من التدرج هناك عبارات خاصة جاء ذكرها‬
 ‫في كالم العرب واستخدمها القرآن كذلك. أعني بهذه العبارات ”‪ “Idiom‬و‬
‫”‪ “Phrase‬فالقرآن يكثر استعماالتها إلبـالغ الرسالة عامة العرب الذين كانوا‬
‫عارفين لها وناطقين بها. ال أريد أن استقصيها بل اختار منها ما ال يمل القارئ‬
                                                       ‫وال تمتلئ بها المقالة.‬
‫6. أجمعوا أمرهم: هذه عبارة خاصة للغة العربية تعني عقد اإلجماع على‬
                                    ‫شيء. استخدمها القرآن كما يلي:‬
‫"واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إنْ كان كبر عليكم مقامي وتذكيري‬
                                                  ‫ّ‬
‫بآيات هللا فعلى هللا توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم ال يكن أمركم عليكم‬
                                                                 ‫غمّة"1.‬
‫واستخدمها األدب العربي في نفس المعنى فيقول زهير بن أبي سلمى في‬
                                                                ‫النعمان:‬
    ‫وودعهم وداع أن ال تالقـيــــــــا‬
                          ‫َ‬           ‫فـقال لهم خيــــراً وأثنى عليهم‬
    ‫2‬
        ‫وكان، إذاما اخلولج األمر، ماضيا‬           ‫وأجمع أمـراً كـان ما بعــده له‬
                                ‫ويقول الحارث بن حلزة عن قبيلة عمرو بن كلثوم:‬
               ‫ّ‬
    ‫ر موال لنــــــــــا وأنــا الـوالء‬
                                 ‫ٍ‬             ‫زعموا أن كل من ضرب العـيـ‬
    ‫أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء‬                     ‫أجمعوا أمرهم بليـــــــــــل فـلما‬
   ‫3‬
       ‫هال خيـل خالل ذاك رغــــــاء‬            ‫من مناد ومن مجيب ومـن تصـ‬
 ‫فإجماع األمر إحكامه وإبرامه4 وإليه اإلشارة في قوله، تعالى، المذكور أعاله:‬
                            ‫2. أحصن فرجه: قال هللا تعالى في مريم بنت عمران:‬
   ‫1‬
       ‫"والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين"‬

 ‫1 سورة يونس: 22، يقول ابن كثير في شرحها: "اجتمعوا" و"أفصلوا حالكم" تفسير القرآن‬
                                                                    ‫العظيم 1/222‬
‫2 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص612 وقال كرم البستاني في شرح "أجمع أمراً": عزم على‬
                                                               ‫أمر" ديوانه ص612‬
                                               ‫3 شرح القصائد العشر، ص291-991‬
              ‫4 قال التبريزي في شرحه "أجمعوا أحكموا"، شرح القصائد العشر، ص691‬

                                          ‫72‬
‫جملة اهلند‬

‫يقول عن هذه العبارة المعلِّم عبد الحميد الفراهي في حواشيه على القرآن‬
                                                               ‫الكريم:‬
‫"أحصن فرجه: تحصن من السوء، كما يقال: سد الثلمة، ورتق الفتق، وجبر‬
‫الكسر، وحمى البيضة. فما يراد منه حقيقة أفراد األلفاظ والفرج ههنا بعينه ال‬
‫يدل إلى على مظنة السوء مثل الخلل وقد استعمل للرجال والنساء ولفرجة‬
                                                             ‫2‬
                                                               ‫رجلي الفرس"‬
                                                      ‫ويقول لبيد بن أبي ربيعة العامري:‬
    ‫3‬
        ‫مولى المخافة خلفها وأمامها‬              ‫فغدت كال الفرجين تحسب أنها‬
                                                             ‫ويقول زهير بن أبي سلمى:‬
    ‫4‬
                        ‫ّ‬
        ‫إذا رفعت منه فروج حصان‬                 ‫وكل غريري كأن فروجـــــــــه‬
                                                                      ‫ويقول امرؤ القيس:‬
        ‫5‬
                            ‫ّ‬
            ‫تســـــد به فرجها من دبر‬                ‫لها ذنب مثل ذيل العروس‬
                                                                  ‫ويقول عمرو بن قميئة:‬
    ‫6‬
        ‫كريم المحيّا ماجد غير أحردا‬             ‫ولم يحم فرج الحي إال محافظ‬
                                                                   ‫ويقول متمم بن نويرة:‬
‫7‬
    ‫زجالً كما يحمي النجيد المشرع‬              ‫أهـــــوى ليحمي فرجها إذ أدبرت‬
                                     ‫4. ضرب عنه الذكر صفحا ً: قال هللا تعالى:‬
‫"حم والكتاب المبين إِنا جعلناه قرآنا ً عربيا ً لعلكم تعقلون وإِنه في أم الكتاب لدينا‬
‫لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا ً أن كنتم قوما ً مسرفين وكم أرسلنا من‬


                                                                        ‫1 سورة األنبياء: 29‬
               ‫2 حواشي اإلمام الفراهي على القرآن الكريم، حاشيته على سورتي األنبياء والتحريم‬
                                                  ‫3 ديوان لبيد بن أبي ربيعة العامري، ص226‬
                                                         ‫4 ديوان زهير بين أبي سلمى، ص611‬
                                  ‫5 ديوان امرئ القيس، ص28. يقول ابن قتيبة في "أدب الكاتب":‬
                    ‫"لم يرد بالفرج هنا الرحم، وإنما أراد ما بين رجليها، تسده بذنبها" ص122‬
                                                               ‫6 ديوان عمرو بن قميئة، ص16‬
                                                                       ‫7 المفضليات، ص11‬

                                               ‫82‬
‫جملة اهلند‬

‫نبي في األولين وما يأتيهم من نبي إِال كانوا بِه يستهزؤون فأهلكنا أشد منهم‬
                                               ‫1‬
                                                 ‫بطشا ً ومضى مثل األولين"‬
     ‫هذه عبارة خاصة يتم استخدامها لإلعراض الكلي عن شيء، وهي تأتي هكذا‬
                          ‫أو بشيء من التغيير. فيقول الشنفري في قصيدته:‬
‫وأصرف عنه الذكر صفحا فأذهل‬                 ‫أديم مـطال الجــــــوع حـتى أمـيته‬
‫علي من الطول امـــــــرؤ متطول‬             ‫وأستف ترب األرض كيال يرى لـه‬
‫2‬
    ‫بأعجلهم، إذ أجشع القـــوم أعجل‬         ‫وإن مدت األيدي إلى الزاد لم أكــن‬
                                                                ‫ويقول اإلمام مسلم:‬
‫" وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من عصرنا في تصحيح األسانيد وتسقيمها‬
    ‫ً 3‬
     ‫يقول لو ضربنا عن حكايته وذكره صفحا ً لكان رأيا ً متينا ً ومذهبا ً صحيحا"‬
                                                     ‫ويقول الزمخشري في مقاماته:‬
                 ‫4‬
                     ‫"يرى به الغرض الراجع إلى الدين ضاربا ً صفحا ً عمن يطلبه"‬
                                                                  ‫ويقول ابن كثير:‬
‫"ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هنا آثاراً عن بعض السلف رضي هللا عنهم‬
                 ‫5‬
                   ‫أحببنا أن نضرب عنها صفحا ً لعدم صحتها فال نوردها"‬
                                         ‫1. كشف عن ساق: جاء في القرآن الكريم:‬
                       ‫6‬
                           ‫"يوم يكشف عن ساق ويدعون إِلى السجود فال يستطيعون"‬
‫هذه العبارة تستخدم عندما يقع أمر عظيم يهرب فيه الرجال والنساء رافعين‬
                              ‫مآزرهم كاشفين عن أسواقهم فقال ذو الرمة:‬
    ‫7‬
        ‫إذا شمرت عن ساق خمس ذالذله‬              ‫قطـعت بنهاض إلى صعـــدائه‬


                                                             ‫1 سورة األحزاب: 2-6‬
                            ‫2 مختارات ابن الشجري، 2/62 ومختارات شعراء العرب، ص61‬
                                                              ‫3 صحيح مسلم، 2/11‬
                                                       ‫4 مقامات الزمخشري، ص62‬
                                                      ‫5 تفسير القرآن العظيم، 6/992‬
                                                                  ‫6 سورة القلم: 12‬
                                                       ‫7 ديوان ذي الرمة، ص1112‬

                                           ‫92‬
‫جملة اهلند‬

                                                          ‫وقال أبو جندب الهذلي:‬
   ‫1‬
             ‫َ‬
       ‫أشمر حتى ينصف الساق مئزري‬                ‫وكنت إذا جارٌ دعـا لمضــوفة‬
                              ‫ويكثر استعمالها عند شدة الحروب فيقول حاتم الطائي:‬
                       ‫أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها‬
                       ‫2‬
                           ‫وان شمرت عن ســــاقها الحرب شمرا‬
                                                ‫وقال الحارث مفتخراً أمام كسرى:‬
‫"أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرِّ راً بنفسه على الموت،‬
‫فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً،‬
‫وأحبسها وهي تصرّ ف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرت لظاها، وكشفت عن‬
‫ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفى، ورعدها زئيري، ولم أقصِّر عن‬
                                                    ‫3‬
                                                      ‫خوض خضخاضها…"‬
                                         ‫ويقول شاعر مشيراً إلى هذا الواقع:‬
        ‫4‬
            ‫عن خدام العقيلة العذراء‬            ‫تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي‬
                                                                        ‫وقال آخر:‬
    ‫5‬
        ‫ى إذا أبدت العذارى الخداما‬          ‫كان منا المطاردون على األخر‬
   ‫فثبت أن المراد منها شدة األمر، ويؤيد باقي القرآن فجاء في سورة المعارج:‬
‫" يوم يخرجون من األجداث سراعا كأنهم إِلى نصب يوفضون خاشعة‬
                ‫6‬
                  ‫أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون"‬
                                                             ‫وجاء في سورة يس:‬




                                                            ‫1 أشعار الهذليين، ص616‬
                                                         ‫2 ديوان حاتم الطائي، ص92‬
                                                        ‫3 جمهرة خطب العرب، 2/61‬
                                                           ‫4 لسان العرب، مادة: خ د م‬
                                                         ‫5 المصدر نفسه والمادة نفسها‬
                                                             ‫6 سورة المعارج: 62-22‬

                                          ‫03‬
‫جملة اهلند‬

‫"ما ينظرون إِال صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فال يستطيعون توصية‬
‫وال إِلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإِذا هم من األجداث إِلى ربهم‬
 ‫ِ‬                                                      ‫1‬
                                                          ‫ينسلون"‬
‫5. لسان صدق: قال هللا تعالى في عديد من مواضع القرآن فجاء في سورة‬
                                                                ‫يونس:‬
‫"أ كان للناس عجبا ً أن أوحينا إِلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا‬
               ‫2‬
                 ‫أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إِن هذا لساحر مبين"‬
                                                   ‫ِ‬
                                                           ‫وجاء في نفس السورة:‬
‫"ولقد بوأنا بني إِسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى‬
          ‫3‬
            ‫جاءهم العلم إِن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون"‬
‫هذه عبارة خاصة لعربية الجاهليين وهي تعني ذكراً حسنا ً ثابتا ً فاللسان تعبير‬
‫عن الذكر، والصدق بهذا األسلوب يعني الثبات.استعملت العرب هذه العبارة‬
                                         ‫فقال عنترة بن معاوية بن شداد العبسي:‬
     ‫4‬
         ‫بمثقف صدق الكعوب مقوَّ م‬           ‫جاءت يداي لـه بعاجل طعنـــة‬
                                                 ‫فصدق الكعوب أي ثابت الكعوب.‬
                                                  ‫وقال حسان بن ثابت األنصاري:‬
         ‫5‬
             ‫من يلقهم يوم الهياج يعـود‬        ‫فتيان صدق كالليوث مســاعر‬
                                           ‫ونفس التعبير جاء عند مسكين الدارمي:‬
    ‫6‬
        ‫على سر بعض غير أني جماعها‬              ‫وفتيان صدق لست مطلع بعضهم‬
                                                         ‫وقال األنصاري أيضا ً:‬
‫7‬
    ‫إذا راح فياض العشيات حضرما‬                ‫وندمان صدق تمطـر الخير كفه‬

                                                            ‫1 سورة يونس: 92-21‬
                                                                ‫2 السورة نفسها: 1‬
                                                               ‫3 السورة نفسها: 69‬
                                                    ‫4 شرح القصائد العشر، ص661‬
                                         ‫5 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص26‬
                                               ‫6 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/1‬
                                         ‫7 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص89‬

                                         ‫13‬
‫جملة اهلند‬

                           ‫فالصدق هنا ليس بمعنى "صادقين" بل "ثابتين في الود".‬
                                                ‫وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي:‬
    ‫1‬
        ‫هربوا وليس أوان ساعة مهرب‬           ‫واستيقنوا منا بـوقع صــــــــــادق‬
                                                                          ‫وقال أيضا ً:‬
‫2‬
    ‫من الطعن مثل النار في الحطب اليبس‬       ‫لقونا فضمّوا جانبينا بصــادق‬
    ‫فلسان صدق يعني ذكراً حسنا ً ثابتا ً ونفس المعنى اختاره ابن عباس في شرحه:‬
                     ‫3‬
                         ‫"قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني الثناء الحسن"‬
                                    ‫5‬
                                        ‫ونفس الرأي أدلى به السدي4 ومالك بن أنس.‬
‫المشاكل النحوية: وكما يعين األدب العربي الجاهلي في شرح معاني القرآن‬
                                                             ‫ّ‬
‫فذكلك يمد في حل عقد مشكالت القرآن النحوية وإلثبات هذه الدعوى نذكر فيما‬
                                                       ‫ّ‬
‫يلي أمثلة من مشكالت القرآن النحوية ونقوم بحلّها في ضوء األدب العربي‬
                                                               ‫الجاهلي.‬
‫6. حذف الماضي المركب بالمضارع: في معظم األحيان يحذف القرآن صيغة‬
‫الماضي المركبة بالمضارع ألجل اإلخبار بمواصلة ذلك الفعل فقال- مثالً-‬
             ‫تعالى في كتابه العزيز: "قد نرى تقلّب وجهك في السماء ---"6.‬
‫وإذا كشفنا عن المحذوف وجدنا الفعل "قد كنا نرى تقلّب وجهك ---" أي‬
                                 ‫ّ‬
‫واصل النبي صلّى هللا عليه وسلّم تقلّب وجهه في السماء دعاء لتبديل القبلة‬
              ‫ً‬
                                                     ‫وكان هللا يرى هذا كله.‬
‫وعندما نتتبع كالم العرب الجاهلي نجد دالئل عديدة على ما أشرنا إليه فقال‬
                                                        ‫امرؤ القيس الكندي:‬
       ‫1‬
         ‫بمنجـرد قيـــد األوابد هيكل‬     ‫وقد اغتدي والطير في وكناتها‬

                                             ‫1 شعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي، ص11‬
                                                            ‫2 المصدر نفسه، ص222‬
                                                      ‫3 تفسير القرآن العظيم، 6/262‬
                                                      ‫4 المصدر نفسه والصفحة ذاتها‬
                                                      ‫5 المصدر نفسه والصفحة ذاتها‬
                                                                ‫6 سورة البقرة: 222‬

                                           ‫23‬
‫جملة اهلند‬

                                                                 ‫أي وقد كنت اغتدي.‬
                                                                        ‫وقال الحطيئة:‬
      ‫2‬
          ‫بما قد ترى منهم حلوالً كراكرا‬        ‫تركت الميــاه من تميــم بالقعا ً‬
                                                               ‫أي قد كنت ترى.‬
                                                   ‫وقال حسان بن ثاب األنصاري:‬
       ‫3‬
           ‫عند ذي التاج مجلسي ومكاني‬                 ‫ّ‬
                                               ‫قــد أراني هنــاك حـق مكيـن‬
                                                               ‫أي قد كان أراني.‬
                                                                     ‫وقال أيضا ً:‬
  ‫4‬
      ‫فيها ويأوي إليها الذكر والحسب‬            ‫فقـد يصادف باغي الخـير حاجته‬
                                                              ‫أي فقد كان يصادف.‬
                                                           ‫وقال أبو محجن الثقفي:‬
       ‫5‬
           ‫إذا سما بصر الرعديدة الفرق‬          ‫قـد يعـلم الناس أنا من سـراتهم‬
                                                              ‫أي قد كان يعلم.‬
‫2. حذف الفعل بعد فعل مشابه: وبما أنّ العرب كانوا أسرع األمم إلى فهم‬
‫الكالم الموجز فحذفوا جزءه المفهوم ومن مواقع مثل هذا الحذف حذف‬
‫الفعل بعد فعل يشابهه فمثالً يقولون: أكلت التمر والحليب أي أكلت التمر‬
‫وشربت الحليب فحذفوا "شربت" ودل عليه الفعل "أكلت" وقد كثر مثل هذا‬
                                    ‫ّ‬
                 ‫األسلوب في القرآن الكريم لما أنه نزل بلغتهم فقال تعالى:‬
‫"وألقى في األرض رواسي أنْ تميد بكم وأنهاراً وسبالً لعلكم تهتدون‬
                                         ‫وعالمات وبالنجم هم يهتدون"6.‬
‫وإنْ فككنا الحذف لصار الكالم هكذا: وألقى في األرض رواسي أنْ تميد بكم‬
‫وفجّ ر أنهاراً كي تسقوا ومهّد سبالً لعلكم تهتدون وجعل عالمات وبالنجم هم‬
                                                                     ‫يهتدون".‬

                                                  ‫1 شرح ديون امرئ القيس، ص 26‬
                                                          ‫2 ديوان الحطيئة، ص 66‬
                                        ‫3 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص 222‬
                                                           ‫4 المصدر نفسه، ص 62‬
                                            ‫5 أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، ص 96‬
                                                              ‫6 سورة األحزاب: 22‬

                                          ‫33‬
‫جملة اهلند‬

‫ومن أمثلة كالم العرب الجاهلي على هذه الدعوى ما قاله لبيد بن أبي ربيعة‬
                                                              ‫العامري:‬
      ‫1‬
        ‫بالجهلتين ظباؤها ونعامها‬       ‫فعال فروع األيهقان وأطفلت‬
                                                                       ‫أي باضت نعامها.‬
                                                                        ‫وقال شاعر آخر:‬
           ‫2‬
               ‫متقــلّداً ســـيفا ً ورمحا‬                   ‫يا ليت زوجك قد غدا‬
                                                                         ‫أي حامالً رمحا ً.‬
                                                                    ‫وقال الراعي النميري:‬
      ‫3‬
          ‫وزجّ جن الحواجب والعيونا‬                      ‫إذاما الغانيـات برزن يوما ً‬
                                                                      ‫أي وكحّ لن العيونا.‬
                                                                ‫وقال أمية بن أبي الصلت:‬
       ‫4‬              ‫ّ‬
           ‫فشـــقيّ معـذب وســــعيد‬                    ‫يوقف الناس للحساب جميعا ً‬
                                                                ‫أي وسعيد منعم.‬
                                                                   ‫َ‬
‫4. اختالف الصلة والفعل: من مواقع الحذف في القرآن اختالف الصلة‬
                      ‫والفعل5 أي مجئ صلة لفعل يحذف فمثالً قال تعالى:‬
       ‫"قالوا أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين"6.‬
                   ‫ّ‬
‫هنا صلة "عن" ليست لـ"تأفك" بل هي لـ"تثني" أو "تصد" أو "تضل". وهذا‬
         ‫ّ‬
                                                  ‫كثير ومنه "وتبْ علينا ---"7.‬
      ‫ومن شواهد األدب العربي الجاهلي على ما قلنا قول امرئ القيس الكندي:‬
    ‫8‬
      ‫بناظرة من وحش وجرة مطفل‬             ‫تصد وتبــدي عن أصيل وتتقي‬   ‫ّ‬


                                                  ‫1 شرح القصائد العشر للتبريزي، ص 612‬
                                                                             ‫2 المصدر نفسه‬
                                                  ‫3 شعر الراعي النميري وأخباره، ص 812‬
                                                ‫4 أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، ص 692‬
                                            ‫5 مجموع رسائل اإلمام الفراهي في القرآن، ص 992‬
                                                                      ‫6 سورة األحقاف: 11‬
                                                                        ‫7 سورة البقرة: 612‬
                                                              ‫8 ديوان امرئ القيس، ص 16‬

                                                ‫43‬
   ‫جملة اهلند‬

                                                           ‫أي تكشف عن أصيل.‬
                                                      ‫وقول زهير بن أبي سلمى:‬
         ‫1‬
                   ‫ّ‬
             ‫إلى كأل مسـتوبل متوخـــــم‬        ‫فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا‬
                                                                   ‫أي جروا إلى كأل.‬
                                                        ‫وقول طرفة بن العبد البكري:‬
        ‫2‬
            ‫تخلّل حرّ الرّ مل دعص له ند‬        ‫وتبسـم عن ألمـى كأنّ منـوّ راً‬
                                                             ‫أي تكشف عن ألمى.‬
                                               ‫وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬
         ‫3‬
             ‫أقاتل عن أبناء جرم وفرّت‬           ‫ظللت كأني للرمـاح دريئة‬
                                                         ‫أي أدافع عن أبناء جرم.‬
                                                             ‫وقول مجنون ليلى:‬
             ‫4‬
                 ‫إلى حزن أعالجه شــديد‬         ‫فوني‬‫وراحوا مقصّرين وخلّ‬
                                                     ‫أي فوّ ضوني إلى حزن.‬
‫1. مجئ الحال عن المجرور: مما نجد في القرآن من مشكالت نحوية مجئ الحال‬
                                                   ‫ّ‬
‫عن المجرور فنرى أنه في بعض األحيان يستخدم الحال عن المجرور، األمر‬
                        ‫ّ‬
‫الذي يشكل على طلبة القرآن وباحثيه الذين ال يتفكرون فيه في ضوء كالم‬
                                            ‫العرب القح. فمثالً قال تعالى:‬
                                                                 ‫ّ‬
           ‫"إنْ نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلّت أعناقهم لها خاضعين" .‬
            ‫5‬
                                                               ‫ّ‬
                 ‫فهنا "خاضعين" وقع حاالً عن الضمير المجرور في "أعناقهم".‬
                                  ‫وكذا قوله تعالى: "به سامراً تهجرون ---"6.‬
                   ‫فهنا أيضا ً وقع "سامراً" حال عن الضمير المجرور في "به".‬
   ‫وقد كثر وقوع الحال عن المجرور في األدب العربي الجاهلي فقال امرؤ القيس‬
                                                                     ‫الكندي:‬

                                               ‫1 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 16‬
                                                    ‫2 شرح القصائد العشر، ص 62‬
                                           ‫3 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 11‬
                                                      ‫4 ديوان مجنون ليلى، ص 62‬
                                                              ‫5 سورة الشعراء: 2‬
                                                           ‫6 سورة المؤمنون: 28‬

                                          ‫53‬
‫جملة اهلند‬
    ‫1‬
        ‫مداك عروس أو صالية حنظل‬                ‫كأنّ ســــــراته لدى البيت قائما ً‬
                               ‫فوقع "قائما ً" حال عن الضمير المجرور في "سراته".‬
                                                                 ‫وقال نابغة بني جعدة:‬
    ‫2‬
      ‫وكان عمــــــاء دونها فتحسّرا‬                   ‫ّ‬
                                                  ‫تألأل كالشعرى العبور توقدت‬
                                           ‫فـ"توقدت" وقع حاالً عن الشعرى العبور.‬  ‫ّ‬
                                                   ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬
             ‫3‬
               ‫عليه جالسا ً أسده‬                        ‫تمناني على فرس‬‫ّ‬
                                ‫فـ"جالسا ً أسده" حال عن الضمير المجرور في "عليه"‬
                                                                ‫وقال الراعي النميري:‬
    ‫4‬
       ‫باألصبحية قائمــــــــا ً فعـلوال‬                      ‫ّ‬
                                                 ‫أخذوا العريف فقطعوا حيزومه‬
                                                                  ‫وقال مجنون ليلى:‬
   ‫5‬
       ‫لها كنية عمرو وليس لها عمرو‬             ‫أبى القلب إال حبّها عامـــــــرية‬
‫5. هل لإلثبات: وكذا يستخدم القرآن في معظم األحيان "هل" ال لالستفهام بل‬
                                                     ‫لإلثبات كما قال تعالى:‬
           ‫6‬
             ‫"هل أتى على اإلنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ً مذكورا ----"‬
                   ‫ّ‬
         ‫وكذا استخدمه العرب في كالمهم فقال عنترة بن معاوية بن شداد التالي:‬
     ‫7‬
                     ‫ّ‬
       ‫أم هل عرفت الدار بعد توهّم‬             ‫ّ‬
                                             ‫هل غادر الشعراء من متردم‬
                                                   ‫وقال باعث بن صريم اليشكري:‬
        ‫8‬
            ‫أم هل شفيت النفس من بلبالها‬         ‫سـائل أســيد هل ثارت بوائل‬
                                                         ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬

                           ‫1 ديون امرئ القيس (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم)، ص 626‬
                                                       ‫2 جمهرة خطب العرب، 1/922‬
                                            ‫3 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 22‬
                                             ‫4 شعر الراعي النميري وأخباره، ص 262‬
                                                         ‫5 ديوان مجنون ليلى، ص 66‬
                                                                   ‫6 سورة اإلنسان: 2‬
                                                      ‫7 شرح القصائد العشر، ص 121‬
                                                           ‫8 لسان العرب، مادة: و ء ل‬

                                          ‫63‬
‫جملة اهلند‬

        ‫وذبيان: هل أقسمتم كل مقسم‬
             ‫ّ‬                                   ‫أال أبلغ األحالف عني رسالة‬
       ‫1‬
           ‫ليخفى ومهما يكتـم هللا يعـــلم‬        ‫فال تكتمنّ هللا ما في نفوســكم‬
‫أساليب القرآن: كما ادعى القرآن ذاته بأنه نزل بلسان عربيّ مبين2 أي بنفس‬
                                                  ‫ّ‬
‫األساليب التي توجد في اللغة العربية والتي يستخدمها فصحاء العرب وبلغاءهم‬
‫ولنا أمثلة قادمة من القرآن الكريم واألدب العربي الجاهلي، تثبت ما نقول‬
                                                                ‫ونرى.‬
  ‫6. الجملة المعترضة: نجد في القرآن أمثلة عديدة حيث جاءت جملة معترضة‬
  ‫بين الكالم وهذه الجمل المعترضة تلعب دوراً بارزاً في تبليغ المعنى المراد‬
                               ‫وتنبيه القارئ فمثالً قال تعالى لدى ذكر الساعة:‬
                         ‫3‬
                       ‫"إنّ الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى" .‬
                                       ‫ّ‬
                                               ‫فمجيئ "أكاد أخفيها" لالعتراض.‬
‫وقد كثر في كالم العرب مجيئ الجمل المعترضة الهادفة وننقل فيما يلي طرفا ً‬
                                            ‫من األمثلة. قال زهير بن أبي سلمى:‬
       ‫4‬
         ‫أ قوم آل حصـن أم نســــــــاء‬       ‫وما أدري وسوف إخال أدري‬
                                             ‫فـ"وسوف إخال أدري" جملة معترضة.‬
                                                            ‫وقال الراعي النميري:‬
        ‫5‬
            ‫الدين لما اعتبرت والحسب‬             ‫ولم أجـد غـرة الخـالئق إال‬
                                                    ‫فـ"لما اعتبرت" جملة معترضة.‬
                                                                  ‫وقال مجنون ليلى:‬
‫6‬
    ‫جال كربة المكروب عن قلبه الوعد‬               ‫عديني بنفـسي أنت وعداً فربما‬
                                                    ‫فـ"بنفسي أنت" جملة معترضة.‬
                                                 ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬

                                                    ‫1 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 26‬
                                                               ‫2 سورة الشعراء: 192‬
                                                                    ‫3 سورة طه: 12‬
                                                    ‫4 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 12‬
                                                 ‫5 شعر الراعي النميري وأخباره، ص 62‬
                                                         ‫6 ديوان مجنون ليلى، ص 61‬

                                            ‫73‬
‫جملة اهلند‬

           ‫مبين قل من يجــــــــــــده‬
                               ‫ّ‬                       ‫ولو أبصرت والبصر الـ‬
           ‫1‬
               ‫ك ليث فوقه لبـــــــــــــده‬           ‫إذن لعلمــــــــــــت أنْ أبا‬
                              ‫فـ"والبصر المبين قل من يجده" جملة معترضة.‬
                                                         ‫ّ‬
                                                      ‫وقال الراعي النميري:‬
  ‫بعد الرقـاط وقد مالت بها األسد‬      ‫كأنّ رقيتها والليــــــــــل معتكـر‬
 ‫2‬
     ‫من خمر عانة يطفو فوقها الزبد‬                  ‫صهـباء صافية أغـلى التجار بها‬
             ‫فـ"والليل معتكر بعد الرقاط وقد مالت بها األسد" جملة معترضة.‬
‫2. البيض المكنون: في بعض األحيان يستخدم القرآن للشيئ المصون تعبير‬
‫"بيض مكنون" يعني أنّ ذاك الشيئ مصون فال تهتك عزته. إنه كذلك يشير‬
                                ‫إلى عفة ذاك الشيئ ولونه فمثالً قال تعالى:‬
                                                    ‫"كأنهنّ بيض مكنون"3.‬
‫ونجد في األدب العربي الجاهلي أمثلة عديدة لمثل هذا التعبير فقال امرؤ القيس‬
                                                                     ‫الكندي:‬
   ‫4‬
     ‫تمتعت من لهو بها غير معجل‬‫ّ‬         ‫وبيضة خـدر ال يرام خبــــاؤها‬
                                                                  ‫وقال النابغة الذبياني:‬
           ‫5‬
               ‫الخدر في اليوم المطر‬                    ‫لقد دخلت على الفتاة‬
                                                        ‫وقال امرؤ القيس وهو أوضح:‬
      ‫6‬
          ‫غذاها نمير الماء غير محلّل‬                ‫كبكر المقاناة البيض بصفرة‬
                                                            ‫وقال مجنون ليلى:‬
       ‫7‬
          ‫مكنونة مقل الغزالن والبقر‬        ‫غنت لنا وعيون من براقعها‬‫ّ‬
                 ‫ّ‬                                      ‫ّ‬
          ‫4. ضمير الجمع المذكر للمرأة: خاطب القرآن النساء بجمع المذكر فقال:‬

                                               ‫1 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 12‬
                                                  ‫2 شعر الراعي النميري وأخباره، ص 11‬
                                                                 ‫3 سورة الصافات: 91‬
                                                        ‫4 شرح القصائد العشر، ص 26‬
                                                            ‫5 النابغة الذبياني، ص 222‬
                                                        ‫6 شرح القصائد العشر، ص 92‬
                                                         ‫7 ديوان مجنون ليلى، ص 122‬

                                              ‫83‬
‫جملة اهلند‬

               ‫"أ تعجبين من أمر هللا رحمة هللا وبركاته عليكم أهل البيت"1.‬
  ‫ّ‬
‫وبما أنّ المفسّرين لم يحيطوا بكالم العرب الجاهلي فأخطأوا في تأويله وظنوا‬
‫أنّ هناك رجاالً اشتركوا في هذا الخطاب والواقع أنّ الخطاب لنسوة النبي وال‬
‫غير. نذكر هنا بعض األمثلة من كالم العرب الجاهلي. قال امرؤ القيس‬
                                                                      ‫الكندي:‬
    ‫2‬
      ‫وجدت مقيالً عندهم ومعرّ سا‬          ‫فلو أنّ أهل الدار فيها كعهدنا‬
                                                      ‫وقال عمر بن أبي ربيعة القرشي:‬
   ‫وما للهوى إذما تزارين من طعم‬                    ‫فوهللا ما للعيـــــــش ما لم أالقكم‬
   ‫3‬
       ‫وأقسمت ال تخلين ذاكرة باسمي‬                 ‫أ لم تعلمـي ما كنت آليـت فيــكم‬
                                                                 ‫وقال أبو صخر الهذلي:‬
       ‫بين الجوانح مضرع جسمي‬                         ‫ً‬
                                                    ‫ولما بقيـت ليبقـينّ جـــــــوى‬
    ‫4‬
        ‫ثم افعلـي ما شـئت عن علـم‬
                ‫ِ‬                                   ‫فتعلمـي أنْ قــد كلفـت بكــــم‬
                                                   ‫وقال دريد بن صمة تخاطب الخنساء:‬
           ‫5‬
               ‫واعتــــاده داء من الحـبّ‬               ‫أ خناس قد هام الفؤاد بكم‬
                                                                      ‫وقال خالد بن زهير:‬
       ‫6‬
           ‫ألذ من السلوى إذاما نشورها‬                ‫وقاسـمها باهلل جهـــــداً ألنتم‬
‫1. مجيئ الصفات المتعدّ دة بغير الواو: يكثر في القرآن مجيئ الصفات‬
                                                                  ‫ّ‬
‫المتعددة بدون الواو وهذا لمجرد أنّ القائل يريد أنْ يبيّن أنّ تلك الصفات‬
                     ‫شاملة في الموصوف في وقت واحد فمثالً قال تعالى:‬
                  ‫"وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعّال لما يريد"7.‬



                                                                       ‫1 سورة هود: 62‬
                                                          ‫2 ديوان امرئ القيس، ص 112‬
                                           ‫3 شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة القرشي، ص 621‬
                                                   ‫4 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/68‬
                                                         ‫5 ديوان دريد بن الصمة، ص 26‬
                                                             ‫6 شعراء الهزليين، ص 121‬
                                                                    ‫7 سورة البربوج: 22‬

                                              ‫93‬
‫جملة اهلند‬

                         ‫ّ‬
‫ولنا أمثلة كثيرة في األدب العربي الجاهلي تثبت ما ادعينا فقال امرؤ القيس‬
                                                            ‫الكندي يمدح فرسه:‬
‫بمنجرد قيـــــــــــــــد األوابد هيكل‬   ‫وقد اغتـــــــدي والطير في وكناتها‬
                ‫ّ‬
‫كجلمود صخر حطه السيل من عل‬             ‫مكـرّ مفـرّ مقبـــــــــل مدبر معـــــا ً‬
 ‫كما زلّت الصفـواء بالمتنــــــــــزل‬
  ‫ّ‬                                             ‫كميـت يزل اللبــــد عن حـال متـنه‬
                                                                        ‫ّ‬
‫إذا جاش فيه حميه غلي مرجــــــل‬                 ‫على الذبل جيّــــاش كأنّ اهتـــزامه‬
‫1‬
   ‫ّ‬
  ‫أثرن الغبـــــــــــار بالكديد المركل‬         ‫مصح إذاما الســــابحات على الونا‬
                                                                             ‫ّ‬
                                                  ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬
     ‫2‬
         ‫مجرّ ب عاقل نزه عن الرّ يب‬              ‫فقال لي قول ذي رأي ومقدرة‬
                                                                ‫وقال في موضع آخر:‬
      ‫وملك ثابت في الناس رأسي‬                    ‫وكائن كان قبلك من نعـــــــيم‬
     ‫3‬
         ‫عظيم قاهـر الجبروت قاسي‬                 ‫قديم عهـده من عهـد عـــــــاد‬
                                                            ‫وقال أمية بن أبي الصلت:‬
      ‫ن بكل صـــــــــــــــــــــالح‬
                                   ‫ّ‬              ‫القـائلين الفـاعلين اآلمـــريـ‬
     ‫4‬
       ‫ز شحمـــــــا ً كاألنافـــــــــع‬          ‫المطعمين الشحم فوق الخبـ‬
‫5. مبالغة النفي إذا دخل على المبالغة: يستخدم القرآن إلزالة الظلم من هللا‬
                                                  ‫ّ‬
‫تعالى تعبير "ليس بظالم" أي ينفي العيب البتة عن طريق المبالغة في النفي‬
                                             ‫ّ‬
                                 ‫فيقول مثالً: "إنّ هللا ليس بظالم للعبيد"5.‬
                                                     ‫أي ال يشوبه صفة الظلم.‬
                 ‫وهذا كثير في األدب العربي الجاهلي فقال امرؤ القيس الكندي:‬
     ‫6‬
       ‫بأنّ الفتى يهذي وليس بفعّال‬      ‫وقد علمت سلمى وإنْ كان بعلها‬

                                                        ‫1 شرح القصائد العشر، ص 11‬
                                           ‫2 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 91‬
                                                            ‫3 المصدر نفسه، ص 222‬
                                          ‫4 أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، ص 122‬
                            ‫5 سورة آل عمران: 162 وسورة األنفال: 21 وسورة الحج: 12‬
                                ‫ّ‬
                                                   ‫6 شرح ديوان امرئ القيس، ص 28‬

                                           ‫04‬
‫جملة اهلند‬

                                                                    ‫وقال أيضا ً:‬
      ‫1‬
            ‫ّ‬
          ‫فليس على شيئ سواه بحـــزان‬          ‫إذا المرء لم يحزن عليه لسانه‬
                                                               ‫وقال خثيم بن عدي:‬
       ‫2‬
           ‫يقول عداني اليوم وافٍ وحاتم‬              ‫ّ‬
                                               ‫ولست بهيّاب إذا شـــــد رحله‬
                                                               ‫وقال مجنون ليلى:‬
       ‫3‬
           ‫عن العهد منكم ما أقام عسيب‬         ‫فدومي على عهد فلست بزائل‬
                                                                      ‫وقال أيضا ً:‬
    ‫أع ْنك وإنْ تصبر فلست بصبّار‬
      ‫4‬
                                              ‫فإنْ تبكِ للبرق الذي هيّج الهوى‬
‫األعالم واألسماء: نجد في القرآن أعالما ً وأسماء لو جاء ذكرها في كتب‬
‫التاريخ ولكنها تزداد جالء وتفصيالً إذا استفدنا فيها من األدب العرب الجاهلي‬
                                                 ‫ً‬            ‫ّ‬
                                    ‫ومن مثل تلك األسماء واألعالم ما يلي:‬
                           ‫6. الرس: ذكر القرآن الكريم الرّ س وأصحابه كما يلي:‬
                                                                        ‫ّ‬
                    ‫"--- وعاداً وثموداً وأصحاب الرس وقرونا ً بين ذلك كثيراً" .‬
                       ‫5‬

‫يبدو من هذا أنّ أصحاب الرسّ كانوا قوما ً عرفهم العرب وقد جاء ذكرهم في‬
                                 ‫األدب العربي الجاهلي فقال زهير بن أبي سلمى:‬
     ‫6‬
       ‫فهنّ ووادي الرسّ كاليد للفم‬            ‫بكرن بكوراً واستحرن بسحرة‬
                                                                    ‫وقال أيضا ً:‬
   ‫7‬
     ‫عفا الرسّ منه فالرسيس فعاقله‬                    ‫ٍ‬
                                              ‫لمن طلل كالوحي عاف منازله‬
                                                          ‫وقال الشاعر الحماسي:‬
  ‫8‬
      ‫وال الرسّ إال وهو عجالن ساهر‬            ‫وما نام ميّـــاح البـطاح ومنعــج‬


                                                          ‫1 المصدر نفسه، ص 112‬
                                                       ‫2 لسان العرب، مادة: و ف ي‬
                                                       ‫3 ديوان مجنون ليلى، ص 21‬
                                                            ‫4 المصدر نفسه، ص 69‬
                                                                ‫5 سورة الفرقان: 66‬
                                                  ‫6 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 22‬
                                                            ‫7 المصدر نفسه، ص 28‬
                                               ‫8 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/611‬

                                         ‫14‬
 ‫جملة اهلند‬

                                                                       ‫وقال الحطيئة:‬
       ‫1‬
           ‫فبرك فؤادي واســـــــــط فمنيم‬        ‫عفى الرسّ والعلياء من أم مالك‬
                                                      ‫ّ‬
                                                                  ‫وقال امرؤ القيس:‬
 ‫2‬
     ‫بوادي الخزامي أو على رسّ أوعال‬               ‫وتحسب سلمى ال تزال كعهدنا‬
     ‫2. الشعرى: ذكر مما ذكره القرآن من الكواكب والنجوم الشعرى فيقول فيه:‬
                                 ‫"وإنه هو ربّ الشعرى وإنه هو أغنى وأقنى"3.‬
 ‫وبصرف النظر عن تاريخ الشعرى نراجع الشعر العربي الجاهلي الذي سيدلنا‬
 ‫على أهميته بين العرب وسنعلم به السبب وراء ذكر القرآن هذا النجم. ذكر ابن‬
                                           ‫منظور القول السائر عن هذا النجم:‬
                                 ‫4‬
                                ‫"إذا طلعت الشعرى جعل صاحب النخل يرى" .‬
                  ‫ومما ذكر فيه من أبيات الجاهلية قول الشنفري األزدي التالي:‬
      ‫5‬
        ‫أفاعــــــيه في رمصائه تتملل‬      ‫ويوم من الشعرى يذوب لعابه‬
                                                                  ‫وقال الراعي النميري:‬
       ‫6‬
           ‫من الشعرى نصبت لها الجبينا‬            ‫ونار وديقة في يوم هيـــــــــــج‬
                                                              ‫وقال الشاعر الحماسي:‬
            ‫7‬
                    ‫ٌ‬
                ‫ذكت الشعرى فبرد وظل‬
                ‫ّ‬                                  ‫شامس في القرّ حتى إذاما‬
  ‫4. التين: ذكر القرآن التين في سورة التين، يبدو من دراسته أنه اسم لمكان‬
  ‫ولكنّ المفسّرين زعموه فاكهة فكتبوا صفحات في فوائدها ولو راجعوا‬
                     ‫األدب العربي الجاهلي لما فعلوا ذلك. يقول النابغة الذبياني:‬
 ‫تزجي مع الليل من صرّ ادها صرما‬                ‫وهبّت الريح من تلقــــــاء ذي أرل‬
‫1‬
  ‫يزجين غيما ً قليـــــــــــالً ماؤه شبما‬     ‫صبّ الظالل أتين التين عن عرض‬

                                                            ‫1 ديوان الحطيئة، ص 112‬
                                                      ‫2 شرح ديوان امرئ القيس، ص 11‬
                                                                     ‫3 سورة النجم: 92‬
                                                          ‫4 لسان العرب، مادة: ش ع ر‬
                                                  ‫5 ديوان مختارات شعراء العرب، ص 81‬
                                                 ‫6 شعر الراعي النميري وأخباره، ص 612‬
                                                  ‫7 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 2/182‬

                                            ‫24‬
‫جملة اهلند‬

                                                           ‫وقال شييم بن خويلد الفزاري:‬
  ‫2‬
      ‫واحتل أهلك أرضا ً تنبت الرتما‬
                              ‫ّ‬                    ‫حلّت أمـــامة بطن التين فالرقما‬
                                                                            ‫وقال الباهلي:‬
 ‫3‬
     ‫وهضبة زيد الخيل فيها المصانع‬                  ‫إذاً لجعـلت التـين بينـي وبيــــنكم‬
                                                              ‫وقال عوام بن عبد الرحمن:‬
      ‫4‬
          ‫قاللكما إال لعينيّ ســــــــــاكب‬        ‫أ حقا ً ذرى التينين أنْ لست رائيا ً‬
                                                                          ‫وقال السكوني:‬
 ‫بأسفل ذات الطلح ممنوعة رهبى‬                       ‫أال ليت شعـــــري هل أبيتنّ ليلة‬
‫5‬
       ‫ْ‬
  ‫كأنْ ذرى أعــالمه عمّمت عصبا‬                     ‫وهــل قـائل هـذاكم التين قــد بدا‬
                                                                   ‫وقال أبو محمّد الفقعي:‬
            ‫6‬
          ‫أكناف خوٍّ فبراق التين‬                                ‫ٍّ‬
                                                       ‫ترعى إلى جد لها مكين‬
‫1. لقمان: ذكر القرآن من بين الصالحين لقمان الذي لم يكن عارفا ً باهلل فحسب‬
             ‫بل حاول أنْ يربّي ولده تربية إسالمية حقة. قال القرآن كما يلي:‬
‫"ولقد آتينا لقمان الحكمة أنْ اشكر هلل ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه --- وإذ قال‬
                              ‫لقمان البنه وهو يعظه يا بنيّ ال تشرك باهلل ---"7.‬
                     ‫يشير إلى هذا العبد الصالح تراث العربية المطبوع كما يلي:‬
                                               ‫فيقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:‬
     ‫8‬
       ‫وأهلك لقمان بن عاد وعاديا‬             ‫أ لم تر أنّ هللا أهـلك تبّعـــا ً‬
                                                                    ‫وقال سلمى بن ربيعة:‬
                           ‫ًّ‬
                ‫غـــذي وذا جــدون‬                        ‫أهلكن طمسا ً وبعـده‬


                                                           ‫1 ديوان النابغة الذبياني، ص 62‬
                                                                   ‫2 النقائض، ص 812‬
                                                                 ‫3 معجم الشمال، 2/621‬
                                                                    ‫4 الفرحة، ص 212‬
                                                                         ‫5 المصدر نفسه‬
                                                                  ‫6 بالد العرب، ص 62‬
                                                                  ‫7 سورة لقمان: 12-62‬
                                                       ‫8 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 212‬

                                              ‫34‬
‫جملة اهلند‬
               ‫1‬
                      ‫ّ‬
                   ‫وحيّ لقمان والتقون‬                   ‫وأهل جأش ومأرب‬
                                                                  ‫وقال صلّتان العبدي:‬
         ‫وأوصيت عمراً فنعم الوصيّ‬                  ‫أ لم تر لقمــــــــان أوصى ابنه‬
         ‫فكنْ عنـد سـرّك خبء النجيّ‬                ‫بنيّ بدا خبء نجوى الرّ جـــال‬
        ‫2‬
            ‫وسـرّ الثـالثة غيــــــر الخفيّ‬        ‫وســرّ ك ما كان عنـــد امــرئ‬
                                                                 ‫وقال أمية بن أبي الصلت:‬
                            ‫ّ‬
            ‫أشــــــد قـوى صلب من أدم‬              ‫ولسـتم بأحسـن صنــــــعا ً وال‬
         ‫لها صلب طامحــــات المجم‬                  ‫مصانع لقمــــــــــــان قد نالها‬
         ‫رأيت نصـــــــــاراهم كالنعم‬              ‫إذاما دخلت محـــــــــــاريبهم‬
         ‫عتاق الوجوه حســــان اللحم‬                ‫خــــــــــــال وقـد كان أربابها‬
         ‫وال يدهم كظبـــــــــــاء السلم‬           ‫ملوكا ً على أنهم ســـــــــــوقة‬
                                                                     ‫ّ‬
        ‫3‬
            ‫ن والمرء ليس له مال يحتكم‬              ‫فغيّـر ذلك ريب المنــــــــــــو‬
‫5. ذو القرنين: وعالوة على هؤالء هناك إشارة بليغة في األدب العربي‬
‫5‬
 ‫الجاهلي إلى الشخصيات المذكورة في القرآن مثل ذو القرنين4 وعاد‬
               ‫وثمود6. نذكر بعض األبيات كمثال. يقول امرؤ القيس الكندي:‬
    ‫7‬
      ‫تولّى عارض الملك الهمـــام‬                                ‫ّ‬
                                          ‫أصد نشاص ذي القرنين حتى‬
                                                           ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬
    ‫8‬
        ‫وفرعون، جبّاراً طغى والنجاشيا‬              ‫وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى‬
                                                    ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬

                                                    ‫1 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/22‬
                                                                ‫2 المصدر نفسه، ص 61‬
                                           ‫3 أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، ص 181-281‬
                                                           ‫4 سورة الكهف: 66 و86 و29‬
                              ‫5 أنظر: سورة األعراف: 62 وسورة التوبة: 12 وسورة هود: 11‬
                              ‫6 أنظر: سورة األعراف: 62 وسورة هود: 28 وسورة إبراهيم: 9‬
                                                            ‫7 ديوان امرئ القيس، ص 18‬
                                                     ‫8 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 212‬

                                              ‫44‬
‫جملة اهلند‬
      ‫1‬
          ‫تخيره الفتى من عهـــد عاد‬        ‫وسيف البن ذي قيفان عندي‬
                                                  ‫وقال لقيط بن يعمر األيادي:‬
          ‫2‬
              ‫أوان هالككم كهالك عاد‬          ‫على حنـق أتيـنكم فهـذا‬
                                                  ‫وقال زهير بن أبي سلمى:‬
       ‫3‬
           ‫فأضحوا مثل أحالم النيام‬          ‫كما سحرت به إرم وعاد‬
‫الحضارة والثقافة الجاهلية: نزل القرآن فيما بين العرب وبدأ دعوته منهم‬
‫فوجب أنْ يبحث عن ظروفهم وتقاليدهم وحدث كذلك وتكلّم القرآن عن‬
‫مجتمعهم وثقافتهم فكشف الستار عن عاداتهم السيئة كما أثنى على تقاليدهم‬
                                              ‫ٌ‬
‫الحسنة. وعندما يقوم أحد بدراسة القرآن يلجأ إلى الكتابات واألقوال التي‬
‫تصرح عن تلك الحقائق واألشياء واألدب العربي الجاهلي خير وسيلة لهذا‬
‫األمر فهو مليئ بالمعلومات عن عقائدهم وأفكارهم وما تخيّلوه صحيحا ً أو‬
          ‫خاطئا ً. يقول الشيخ أمين أحسن اإلصالحي وهو يشير إلى هذا الواقع:‬
‫"هذه الداللة ليست عن جهة اللغة وأسلوبها فقط بل هي أيضا ً عن جهة معروف‬
‫العرب ومنكرهم وخصائص حياتهم االجتماعية ومستويات الخير والشرّ في‬
‫مجتمعهم ووجهات نظرهم االجتماعية والحضارية والسياسية وأشغالهم اليومية‬
‫في حياتهم وأعراف وعقائدهم الدينية وما إلى ذلك فما أعانني الكالم في فهم‬
‫هذه األمور أكثر من مصدر آخر ويجب علمها على من يريد الفهم الصحيح‬
‫إلشارات القرآن وتلميحاته وتعريضاته وكناياته ثم يرغب في تفهيم الناس إياها‬
‫فقد تعرض القرآن لهذه األمور كلها وبيّن خيرها وشرّ ها ولذلك فنرى من بين‬
‫اآليات إشارات وكنايات يصعب توضيحها ما لم يقف القارئ على بدع العهد‬
                      ‫الجاهلي مع الوقوف على إصالحات العهد اإلسالمي"4.‬
                                                                  ‫ّ‬
‫فنود أنْ نشير إلى حقائق ومعارف عن الحضارة والثقافة الجاهلية، مذكورة في‬
                                               ‫القرآن وفي كالم العرب.‬


                                       ‫1 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 89‬
                                               ‫2 شرح القصائد العشر، ص 626‬
                                           ‫3 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 112‬
                                                          ‫4 تدبر قرآن، 2/82‬

                                      ‫54‬
    ‫جملة اهلند‬

        ‫1. يقول القرآن لدى إرشاد النساء: "--- ويدنين عليهنّ من جالبيبهنّ ---"1.‬
    ‫كان الحجاب متداوالً بين نساء األشراف فهذا األمر ليس بما ابتدعه اإلسالم كما‬
      ‫يظنه علماء االستشراق. يشير إلى هذا الواقع ما قاله شاعرة بني هذيل ترثي:‬‫ّ‬
       ‫2‬
         ‫مشي العذارى عليهنّ الجالبيب‬                           ‫ّ‬
                                            ‫تمشي الســـنور إليه وهي الهية‬
                                                             ‫وقال عبيد بن األبرص األسدي:‬
         ‫بيضاء آنسـة بالحسن موســـــومه‬                    ‫فيهنّ هنـد وقـد هـام الفؤاد بها‬
        ‫3‬
            ‫تدني النصيف بكفّ غير موشومه‬                    ‫مكمـــورة كمهاة الجوّ ناعمــة‬
                                                                       ‫وقال النابغة الذبياني:‬
       ‫4‬
           ‫فتنــــــــاولته واتقتنا باليــــــــد‬        ‫سقط النصيف ولم ترد إسقاطه‬
                                                                             ‫وقال الحطيئة:‬
‫ومن هـو ناء والصـبابة قد تضـــــر‬
                      ‫ٍ‬                                  ‫طـربت إلى من ال تؤاتيك داره‬
‫5‬
    ‫مع الحليّ والطيب المجاسد والخمر‬                ‫إلى طفلة األطراف زيّن جيدها‬
           ‫ّ‬                               ‫ّ‬
    ‫2. كانت العرب مولعين بالحرب وكانوا يشنون الغارة في الصباح المبكر فقال‬
                                                      ‫القرآن مشيراً إلى هذه العادة منهم:‬
                                                    ‫6‬
                                                   ‫"ولقد صبّحهم بكرة عذاب مستقرّ " .‬
                                  ‫ولفهم تلك اإلشارة ال بد من مراجعة األبيات التالية:‬
                                                               ‫يقول امرؤ القيس الكندي:‬
        ‫7‬
          ‫بمنجرد قيــــــد األوابد هيكل‬           ‫وقد اغتدي والطير في وكناتها‬
                                                          ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬
           ‫8‬
               ‫وجرد الخيل تعثر بالرّ مــاح‬                ‫صبّحت بهم بيوت بني زياد‬

                                                                      ‫1 سورة األحزاب: 91‬
                                                                       ‫2 تدبر قرآن، 8/981‬
                                                       ‫3 ديوان مختارات شعراء العرب، ص 89‬
                                                             ‫4 ديوان النابغة الذبياني، ص 69‬
                                                                    ‫5 ديوان الحطيئة، ص 62‬
                                                                         ‫6 سورة القمر: 66‬
                                                              ‫7 شرح القصائد العشر، ص 26‬
                                                     ‫8 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 91‬

                                                    ‫64‬
‫جملة اهلند‬

                                                                        ‫وقال أيضا ً:‬
 ‫1‬
     ‫قبيل طلوع الشمس أو حين ذرّ ت‬                               ‫ٍ‬       ‫ٍ‬
                                                  ‫ومرد على جرد شهدت طرادَ ها‬
                                                               ‫وقال النابغة الذبياني:‬
      ‫2‬
          ‫وأبيـــاتنا يوما ً بذات المزاود‬         ‫لعمري لنعم الحي صبّح سربنا‬
‫3. كانت العرب مولعين بالفخر بآبائهم حتى لم ينحرفوا عن هذه العادة السيئة‬
‫يوم عرفات وعقدوا لها جلسات أنشدوا فيها قصائد طواالً. قال هللا تعالى‬
                                                      ‫مشيراً إلى عادتهم تلك:‬
        ‫"فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا هللا كذكركم آبائكم أو أشد ذكراً ---" .‬
          ‫3‬
                      ‫ّ‬
        ‫ولفهم هذه الحقيقة جليا ً ننقل األبيات التالية التي هي ملؤها فخراً باآلباء:‬
                                                                ‫قال زياد الحارثي:‬
    ‫أقـل به منــا على قـوم فخــرا‬‫ّ‬       ‫لم أر قومـا ً مثـلنا خيــــــر قومهم‬
                                                                        ‫َ‬
    ‫إذا كلّمــــونا أنْ نكلّمـهم نزرا‬   ‫وما تزدهينا الكبـــــــــرياء عليهم‬
     ‫4‬
         ‫ألنفسنا من دون مملكة قصرا‬             ‫ونحن بنو ماء الســــماء فال نرى‬
                                                   ‫وقال حسان بن ثابت األنصاري:‬
      ‫األزد نسبتنا والمــــــاء غسّان‬             ‫إما ســألت فإنا معشـــــــر نجب‬
      ‫5‬
          ‫كانت لهم كجبال الطود أركان‬              ‫شم األنوف لهم مجد ومكــــرمة‬‫ّ‬
                                                                          ‫وقال أيضا ً:‬
          ‫د والمجـــد عن كابر كابر‬                   ‫ورثت الفعال وبذل التال‬
                            ‫ّ‬
          ‫ة والعز في الحسب الفاخر‬                    ‫وحمل الديات وفك العنا‬
                                                           ‫ّ‬
          ‫6‬
              ‫وأبيــض ذي رونق باتـــر‬                ‫بكل متين أصم الكعـوب‬
                                                             ‫ّ‬
          ‫وقال عمرو بن معديكرب الزبيدي مشيراً إلى ما قام به آباؤه من المحامد:‬


                                                                   ‫1 المصدر نفسه، 18‬
                                                        ‫2 ديوان النابغة الذبياني، ص 11‬
                                                                   ‫3 سورة البقرة: 111‬
                                                 ‫4 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/816‬
                                            ‫5 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص 11‬
                                                 ‫6 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/816‬

                                             ‫74‬
‫جملة اهلند‬

         ‫ّ‬
        ‫وحزني في كريهتهم وحدي‬               ‫أولئك معشـــري وهم جبــالي‬
     ‫وعلقــمة بن سعـــد يوم نجد‬             ‫هم قتـلوا عـزيزاً يـوم لجــــج‬
     ‫1‬
      ‫ّ‬
      ‫وآخــــر ســوقة عـزب قـمد‬          ‫وكم من ماجـــــــــد ملك قتلنا‬
   ‫4. قال هللا تعالى عن اإلنفاق فذكر ما هو المال الذي يعطي المنفق خيراً كثيراً:‬
                                                 ‫"وآتى المال على حبّه ---"2.‬
‫والشك أنه لو أعطي المال وهو محبوب النكشف منه الخلوص والعاطفة‬         ‫ّ‬
‫للرفاهية. فهم هذه الحقيقة عرب الجاهلية فنظموها في أبياتهم فيقول عدي بن‬
                                        ‫يزيد بن حمار وهو يمدح بني شيبان:‬
   ‫نيران قومي وفيهم شبّت النار‬        ‫إني حمدت بني شيبان إذ خمدت‬
   ‫ال يعلم الجـــــار فيهم أنه جار‬       ‫ومن تكرمهم في المحـــــل أنهم‬
   ‫3‬
     ‫أو أنْ يبين جميعا ً وهو مختار‬       ‫حتى يكون عـزيزاً من نفـوسهم‬
                                                                   ‫ّ‬
                                                          ‫وقال المقنع الكندي:‬
    ‫4‬
        ‫حتى تجــــود وما لديك قليل‬          ‫ليس العطاء الفضول سماحة‬
                                                ‫وقال حسان بن ثابت األنصاري:‬
     ‫5‬
         ‫لموقد ناري ليلة الريح أوقد‬         ‫إني لمعطٍ لو وجدت وقائل‬
                                                                  ‫وقال أيضا ً:‬
          ‫ليقين علمك حامــــــده‬              ‫فلتصبحــــن وأنت ما‬
          ‫6‬
              ‫ن المحل تصبح راكده‬              ‫المطعمـــــون إذا سنو‬
‫5. يأخذ القرآن إلثبات القيامة ودهشتها الجبال الراسية فيقول إنها تكون آنذاك‬
‫مثل كسرات القطن تطير في الفضاء، هذا شيئ عجيب ال سيما للعرب الذين‬
‫يظنون أنّ الجبال هي التي تصونهم من األعداء وتعطيهم رزقهم في بعض‬

                                      ‫1 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 16-26‬
                                                             ‫2 سورة البقرة: 222‬
                                           ‫3 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 2/612‬
                                                                 ‫4 المصدر نفسه‬
                                      ‫5 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص 61‬
                                                     ‫6 المصدر نفسه، ص 16-86‬

                                       ‫84‬
‫جملة اهلند‬

                                                           ‫ّ‬
‫األحيان وتمد في بناء بيوتهم الشامخة. أشار القرآن إلى معتقدهم ذلك بقوله‬
‫"ويسئلونك عن الجبال ---"1 ومضى قائالً فكسر ما اعتقدوه. لفهم هذه‬
‫الحقيقة وما يريد القرآن أنْ يبلّغه ندرس األدب العربي الجاهلي الذي يمأله‬
                  ‫ذكر الجيال وما اعتقدوه فيها. فيقول زهير بن أبي سلمى:‬
     ‫وال خالداً إال الجبال الرواسيا‬   ‫أال ال أرى على الحوادث باقيا‬
      ‫2‬
          ‫وأيامنا معــــــــــدودة واللياليا‬         ‫وإال الســـــــماء والبالد وربّنا‬
                                                                         ‫وقال مجنون ليلى:‬
  ‫3‬
      ‫عليه ضباب مثل رأس المعصّب‬                       ‫حلفت بمن أرسى ثبـــيراً مكانه‬
                                                                           ‫وقال المتلمّس:‬
       ‫4‬
           ‫تطيف به األيـــــام ما يتأيس‬              ‫ألم تر أنّ الجون أصبح راسيا ً‬
                                                         ‫وقال حسان بن ثابت األنصاري:‬
      ‫5‬
          ‫ويبقين ما يبقى الجبال الخوالد‬              ‫فيشفين من ال يستطاع شفاؤه‬
                                                                        ‫ً‬
                       ‫وبناء على ذلك قال علقمة بن عالثة العامري عن عزة العرب:‬
 ‫6‬
     ‫"ومن يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزاً"‬
‫6. وبما أنّ العرب كانوا يعيشون في الصحراء وكانوا محرومين من األسباب‬
‫للعلم باألوقات والجهات فكانوا يهتدون بالنجوم والكواكب، األمر الذي أشار‬
                                                  ‫إليه القرآن في اآلية التالية:‬
                                  ‫7‬
                                 ‫"وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ----" .‬
          ‫لفهم هذه اآلية نرجع إلى كالم العرب الجاهلي فيقول النابغة الذبياني:‬
     ‫8‬
       ‫إلى المغيب تبين نظرة جار‬             ‫أقول والنجم قد مالت أواخره‬


                                                                        ‫1 سورة طه: 112‬
                                                      ‫2 ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 212‬
                                                             ‫3 ديوان مجنون ليلى، ص 12‬
                                                    ‫4 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 2/981‬
                                               ‫5 ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، ص 16‬
                                                              ‫6 جمهرة خطب العرب 2/28‬
                                                                      ‫7 سورة األنعام: 29‬
                                                               ‫8 النابغة الذبياني، ص 221‬

                                                ‫94‬
‫جملة اهلند‬

                                                                 ‫وقال امرؤ القيس الكندي:‬
         ‫1‬
             ‫مصابيح رهبان تشبّ لقفال‬                    ‫نظرت إليها والنجوم كأنها‬
                                                                            ‫وقال تأبط شراً:‬
          ‫2‬
              ‫ذكت الشعرى فبرد وظل‬
              ‫ّ‬                                         ‫شامس في القرّ حتى إذاما‬
                                                                         ‫وقال شاعر آخر:‬
     ‫3‬
         ‫كما وفى بقالص النجم حاويها‬                     ‫أما ابن طوق فقد أوفى بذمته‬
                                                                            ‫وقال العرندس:‬
‫4‬
    ‫مثل النجوم التي يسري بها السّاري‬                     ‫ومن تلق منهم تقل القيت سيّدهم‬
‫7. من األشياء والشخصيات التي عبدها عرب الجاهلية الجنّ فأشار إليه القرآن‬
                                                        ‫في الكلمات التالية:‬
                                  ‫5‬
                                                                       ‫ّ‬
                                 ‫"أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ----" .‬
                  ‫لفهم هذه اإلشارة نراجع األدب العربي الجاهلي فقال الشاعر:‬
      ‫من شرّ ما فيه من األعادي‬              ‫قـد اسـتعذنا بعـظم الوادي‬
                                ‫6‬
                                    ‫فلم يجرنا من هزبر عادي‬
                                                                        ‫وقال شاعر آخر:‬
         ‫عاذ بكم ساري الظالم الدالج‬                     ‫يا جنّ أجزاء اللوى من عالج‬
                                    ‫7‬
                                        ‫وال ترهقوه بغويّ هائج‬
                                                                            ‫وقال شاعر آخر:‬
             ‫8‬
                 ‫بســـيّد معظـــم مجيـــــد‬               ‫أعوذ من شرّ البالد البعيد‬



                                                                ‫1 ديوان امرئ القيس، ص 922‬
                                                       ‫2 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 2/626‬
                                                   ‫3 بلوغ األرب في معرفة أحوال العرب، 1/961‬
                                                       ‫4 شرح ديوان الحماسة للتبريزي، 1/121‬
                                                                          ‫5 سورة الكهف: 11‬
                                                   ‫6 بلوغ األرب في معرفة أحوال العرب، 1/816‬
                                                                             ‫7 المصدر نفسه‬
                                                                             ‫8 المصدر نفسه‬

                                                   ‫05‬
‫جملة اهلند‬

‫8. وبالنسبة إلى عبادات العرب ومعتقداتهم فنجد كلمة "الرحمن" عامة متداولة‬
                                              ‫في العرب، يقول هللا تعالى:‬
                     ‫1‬
                    ‫"وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ---" .‬
        ‫لنر استخدامات الكلمة المذكورة في عرب الجاهلية، يقول حاتم الطائي:‬ ‫َ‬
   ‫2‬
     ‫فإنّ على الرحمـــن رزقكم غدا‬      ‫كلوا اآلن من رزق اإلله وأيسروا‬
                                                             ‫وقال أعشى قيس:‬
     ‫3‬
         ‫بأجياد غربيّ الصفا والمحرم‬         ‫وال جعل الرحمن بيتك في العال‬
                                                            ‫وقال المثقب العبدي:‬
    ‫4‬
        ‫على الوعواع أفراسي وعيسى‬              ‫لحى الرحمن أقواما َ أضاعوا‬
                                             ‫وقال سويد بن أبي كاهل اليشكري:‬
         ‫5‬                       ‫َ‬
             ‫سعة األخالق فينا والضلع‬         ‫كتب الرحمن والحمــــــد له‬
                                                 ‫وقال سالمة بن جندل السعدي:‬
     ‫6‬
         ‫وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق‬           ‫عجـلتم علينا عجلتيـنا عليكم‬
‫9. وقتل األوالد ووأد البنات كان عاما ً في العرب فكانوا يرتكبون هذه الجريمة‬
                                            ‫ّ‬
                     ‫ألجل عزة النفس وقلة المال. انتقد القرآن فعلهم هذا وقال:‬
                                        ‫"ال تقتلوا أوالدكم خشية إمالق ---"7.‬
                   ‫ّ‬
‫منع القرآن العرب عن هذا الفعل الشنيع وقال إنّ هللا هو الرزاق لكم وألوالدكم‬
                                                                   ‫فال تفعلوا كذلك.‬
‫لنفهم هذا الواقع في ضوء كالم العرب الجاهلي. فقال أبو الصلت والد أمية‬
                                                                    ‫يفتخر بأسرته:‬
    ‫بنسوة شـعث يزجين ولــــــدانا‬             ‫إنا لنحن نســوق العيـــر آونة‬


                                                             ‫1 سورة الفرقان: 18‬
                                                      ‫2 ديوان حاتم الطائي، ص 261‬
                                                      ‫3 ديوان أعشى قيس، ص 912‬
                                                           ‫4 معجم البلدان، 1/166‬
                                                           ‫5 المفضليات، ص 292‬
                                                          ‫6 األصمعيات، ص 292‬
                                                             ‫7 سورة اإلسراء: 26‬

                                       ‫15‬
‫جملة اهلند‬
     ‫1‬
         ‫فينا وقد وأدت أحياء عدنانا‬         ‫وما وأدنا حذار الهزل من ولد‬
                                                          ‫وقال ابن األعرابي:‬
    ‫2‬
        ‫كما لقيت ذهل جميعا ً وعامر‬           ‫ما لقي الموؤد من ظلم أمه‬
         ‫وممن منعهم عن هذه الجريمة جد الشاعر الكبير الفرزدق فيقول مفتخراً:‬
                                              ‫ّ‬
           ‫3‬
             ‫وأحيا الوئيـــدة لم توأد‬         ‫ومنا الذي منع الوائدات‬
‫11. ما احتله اإلبل من األهمية بين العرب ال يخفى على من له أدنى إلمام‬
‫باألدب العربي الجاهلي فكانوا ينالون منها رزقهم ويركبون حتى اعتبروا‬
                         ‫العشار خيراً4 فقال القرآن مشيراً إلى تلك الحقيقة:‬
                                                   ‫ّ‬
                                       ‫"وإذا العشار عطلت ---"5.‬
                             ‫لفهم هذا الواقع عند العرب ندرس األبيات التالية:‬
                                              ‫قال عمرو بن معديكرب الزبيدي:‬
     ‫6‬
       ‫فقـد تركتـك ذا مال وذا نشب‬        ‫أمرت الخير فافعل ما أمرت به‬
        ‫وهذا كثير فنوجز البحث ناقالً طرفا ً من أبيات معلقة طرفة بن العبد:‬
    ‫بعوجاء مرقال تروح وتغتـدي‬               ‫وإني ألمضي الهم عند احتضاره‬
                                                        ‫ّ‬
    ‫على الحب كأنه ظهـــر برجد‬               ‫أمون كألواح اإلران نســــــــأتها‬
    ‫وظيـفا ً وظيـفا ً فوق مـور معبّد‬        ‫تباري عتـــــاقا ً ناجيـات وأتبعت‬
    ‫حدائق مولي األســـــــرة أغيد‬           ‫تربّعت القفين بالشــــــول ترتقي‬
    ‫بذي فصـل ردعات أكلف ملبد‬                ‫تريع إلى صـوت المهـيب وتتقي‬
   ‫7‬
                      ‫ّ‬
     ‫حفافيه شكا في العسيب بمسود‬               ‫ّ‬
                                            ‫كأنّ جنــاحي مضـــــرحيّ تكنفا‬



                                        ‫1 أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، ص 22‬
                                           ‫2 بلوغ األرب في أحوال العرب، 6/12‬
                                             ‫3 تاريخ دول العرب واإلسالم، 2/62‬
                                                    ‫4 لسان العرب، مادة: خ ي ر‬
                                                            ‫5 سورة التكوير: 2‬
                                        ‫6 شعر عمرو بن معديكرب الزبيدي، ص 22‬
                                              ‫7 شرح القصائد العشر، ص 16-26‬

                                       ‫25‬
‫جملة اهلند‬




                        ‫قائمة المصادر والمراجع‬
                                ‫(المختارة)‬

‫ابن عبد ربه: العقد الفريد (تحقيق: أحمد أمين وغيره)، مكتبة المثنى، بغداد،‬   ‫6.‬
                                                                ‫1156م‬
‫ابن قتيبة: أدب الكاتب (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد)، مطبعة‬           ‫2.‬
                                                ‫السعادة، مصر، 2346ه‬
‫أبو الفرج، األصبهاني: األغاني، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الخامسة،‬         ‫4.‬
                                                                ‫6416ه‬
‫أحمد زكي، صفوت: جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة،‬                   ‫1.‬
                  ‫المكتبة العربية، بيروت، اسم المطبع وسنة الطبع لم يذكرا‬
‫أمين أحسن، اإلصالحي: تدبر قرآن، شركة تاج، دلهي، الطبعة األولى،‬             ‫5.‬
                                                                ‫5356م‬
‫أمين أحسن، اإلصالحي: قاموس ألفاظ واصطالحات قرآن (جمع وتحقيق:‬               ‫1.‬
‫الدكتور أورنك زيب األعظمي)، إسالمك بك سينتر، دلهي، الطبعة األولى،‬
                                                                ‫1442م‬
‫األنباري: شرح المفضليات (تحقيق: كارنوس يعقوب البل)، بيروت،‬                 ‫1.‬
                                                                ‫6256م‬


                                    ‫35‬
‫جملة اهلند‬

‫3. بهجة عبد الغفور، الحديثي: أمية بن أبي الصلت حياته وشعره، مطبع‬
                                   ‫الشئون الثقافية العامة، بغداد، 6556م‬
‫5. التبريزي، العالمة: شرح القصائد العشر، دار الكتب العلمية، بيروت،‬
                                                ‫الطبعة األولى، 5356م‬
‫46. التيريزي، العالمة: شرح ديوان الحماسة، دار القلم، بيروت، لم يذكر‬
                                                 ‫اسم المطبع وسنة الطبع‬
‫66. جالل الدين، السيوطي: اإلتقان في علوم القرآن، دار ابن كثير، دمشق،‬
                                        ‫بيروت، الطبعة األولى، 1356م‬
‫26. الحسين بن أحمد، أبو عبد هللا، الزوزني: شرح المعلقات السبع،‬
                           ‫بيروت، لبنان، لم يذكر اسم المطبع وسنة الطبع‬
‫46. ديوان األعشى الكبير بن قيس (شرح وتحقيق: الدكتور محمد محمد‬
                   ‫حسين)، بيروت، لبنان، لم يذكر اسم المطبع وسنة الطبع‬
‫16. ديوان الحطيئة (شرح أبو الحسن السكري)، مطبعة التقدم، مصر،‬
                                                                ‫4246ه‬
           ‫56. ديوان الخرنق (تحقيق: حسين نصار)، دار الكتاب، 5156م‬
‫16. ديوان امرئ القيس (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم)، دار المعارف،‬
                                                      ‫سنة الطبع لم تذكر‬
    ‫16. ديوان جرير (شرح: ابن حبيب)، دار المعارف، سنة الطبع لم تذكر‬
‫36. ديوان حاتم الطائي (تحقيق: عادل سليمان جمال)، مطبعة المدني،‬
                                                  ‫القاهرة، الطبعة الثانية‬
‫56. ديوان دريد بن الصمة (جمع وتحقيق: محمد خير البقاعي)، دار قتيبة،‬
                                                         ‫دمشق، 6416ه‬
‫42. ديوان ذي الرمة، تحقيق: عبد القدوس أبو صالح، مجمع اللغة العربية،‬
                                                         ‫دمشق، 2546ه‬
‫62. ديوان زهير بن أبي سلمى، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت،‬
                                                                 ‫5156م‬
‫22. ديوان سيدنا حسان بن ثابت األنصاري، مطبعة اإلمام، مصر،‬
                                                                ‫6246ه‬


                                  ‫45‬
‫جملة اهلند‬

‫42. ديوان طرفة بن العبد (تحقيق: درية الخطيب)، مجمع اللغة العربية،‬
                                                       ‫دمشق، 5546ه‬
‫12. ديوان عدي بن زيد العبادي (تحقيق: محمد جبار المعيبد)، بغداد،‬
                                                             ‫5156م‬
 ‫52. ديوان عمرو بن قميئة، تحقيق: خليل إبراهيم العطية، بغداد، 2546ه‬
‫12. ديوان عنترة (تحقيق: محمد سعيد مولوي)، المكتب اإلسالمي،‬
                                                      ‫بيروت، 4416ه‬
                 ‫12. ديوان لبيد بن ربيعة (رواية الطوسي)، فينا، 1526ه‬
‫32. ديوان لقيط بن يعمر األيادي (تحقيق: خليل إبراهيم العطية)، بغداد،‬
                                                             ‫4156م‬
‫52. ديوان مجنون ليلى (شرح: الدكتور يوسف فرحات)، دار الكتاب‬
                                ‫العربي، بيروت، الطبعة األولى، 2556م‬
‫44. الزركشي: البرهان في علوم القرآن (تحقيق: محمد أبو الفضل‬
                                            ‫إبراهيم)، الحلبي، 1146ه‬
‫64. الزمخشري: أساس البالغة (تحقيق: عبد الرحيم محمود)، دار‬
                        ‫المعرفة، بيروت، لم يذكر اسم المطبع وسنة الطبع‬
‫24. السكري: شرح أشعار الهزليين (تحقيق: عبد الستار مزاج)، دار‬
                                            ‫العروبة، القاهرة، 1346ه‬
‫44. شعر الراعي النميري وأخباره (جمع وتقديم: ناصر الحاني)، دمشق،‬
                                                             ‫1156م‬
‫14. شعر المثقب العبدي (تحقيق: محمد حسن آل ياسين)، مطبعة المعارف،‬
                                                        ‫بغداد، 5146ه‬
‫54. شعر النمر بن تولب (جمع وتحقيق: نوري حموي القيسي)، مطبعة‬
                                             ‫المعارف، بغداد، 3346ه‬
     ‫14. شعراء النصرانية (جمع وتحقيق: لويس شيخو)، بيروت، 4536م‬
‫14. عاصم بن أيوب، أبو بكر، الوزير: شرح ديوان امرئ القيس، مطبعة‬
                                                ‫هندية، مصر، 1456م‬
‫34. عبد الحميد، الفراهي: حواشي اإلمام عبد الحميد الفراهي على القرآن‬
                                                     ‫الكريم، (مخطوط)‬

                                 ‫55‬
‫جملة اهلند‬

‫54. عبد الحميد، الفراهي: رسائل اإلمام الفراهي في علوم القرآن، الدائرة‬
‫الحميدية، مدرسة اإلصالح، سرائ مير، أعظم كره، الطبعة الثانية،‬
                                                                ‫6556م‬
‫41. عبد الحميد، الفراهي: مفردات القرآن، مطبعة إصالح، سرائ مير،‬
                                                     ‫أعظم كره، 3546ه‬
‫61. عبد الخالق، ابن الخواجه: مختارات شعراء العرب، المطبعة العامرة،‬
                                              ‫شارع المغربلين، 4146ه‬
‫21. عمر فروخ: تاريخ الجاهلية، دار العلم للمالئين، بيروت، الطبعة‬
                                                         ‫الثانية، 1356م‬
‫41. عمر، الدسوقي: النابغة الذبياني، دار الفكر العربي، الطبعة السابعة،‬
                                                                ‫5156م‬
‫11. مجلة فكر ونظر الفصلية، إدارة تحقيقات إسالمي، إسالم اباد،‬
                                                                ‫الباكستان‬
‫51. مجلة مدرسة اإلصالح السنوية، مدرسة اإلصالح، سرائ مير، أعظم‬
                                                                     ‫كره‬
‫11. محمد بن عبد الوهاب: مسائل الجاهلية، الجامعة اإلسالمية، المدينة‬
                                                       ‫المنورة، 1546ه‬
‫11. محمد شكر، األلوسي، البغدادي: بلوغ األرب في معرفة أحوال‬
                        ‫العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية‬
‫31. محمد طلعت حرب: تاريخ دول العرب واإلسالم، مكتبة اإلصالح،‬
                                                 ‫الطبعة األولى، 5356م‬
‫51. محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس أللفاظ القرآن الكريم، دار‬
                                           ‫الفكر، الطبعة الثانية، 2556م‬
‫45. المضليات (تحقيق وشرح: شاكر هارون)، دار المعارف، مصر، سنة‬
                                                           ‫الطبع لم تذكر‬
‫65. ناصر الدين، األسد: مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، دار‬
                                  ‫الجيل، بيروت، الطبعة السابعة، 3356م‬
‫25. ياقوت، الحموي: معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت،‬
                                                       ‫سنة الطبع لم تذكر‬
                                  ‫65‬
‫جملة اهلند‬


                    ‫تدريس اللغة العربية‬
             ‫في الفصول المسائية والجزئية‬
              ‫)في ضوء األهداف والمنجزات(‬

‫- أ. د. فيضان هللا الفاروقي‬


‫تدريس اللغة العربية في الهند قديم كقدم ورود اإلسالم إليها أو أقدم منه. فهي‬
‫كانت تدرس منذ ذلك العصر إلى أوائل القرن العشرين كلغة دينية محضة‬
‫تولّت تعليمها المدارس اإلسالمية لفهم وتفهيم القرآن الكريم واألحاديث النبوية‬
‫الشريفة من جانب والقيام بالدراسات اإلسالمية األخرى من جانب آخر، ولما‬
‫بدأت الجامعات العصرية تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية في أوائل القرن‬
‫العشرين قصدها أصحاب المدارس اإلسالمية من معشر المعلمين والمتعلمين‬
‫أفواجا ً كأن اللغة العربية ضالّتهم فهم أحق بها. فوق هذا، كان المنهج الدراسي‬
                                    ‫ّ‬
‫للعربية الذي وضعته الجامعات لفصولها مأخوذاً إلى بعض الحد من األدب‬
            ‫ّ‬
‫العربي المتداول في تلك المدارس فلم يكن أي فرق بين أقسام العربية للجامعات‬
‫وما للمدارس اإلسالمية العربية إال أنّ األولى قامت بتدريس األدب العربي وما‬
‫يتعلق بها من الفنون كتاريخ األدب والنقد وغيرهما. وتولّت الثانية تدريس‬
‫سائر الفنون اإلسالمية العربية. استمرّ الحال على هذا المنوال حتى انقلبت‬
‫الظروف، وبتقدم الدول العربية اقتصاديا ً اضطرت بالد أوربا إلى دراسة اللغة‬
‫العربية كلغة اقتصادية وما هي إال أيام قالئل حتى شعرت الهند بأهمية العربية‬
‫من ناحية السياسة واالقتصاد. ولكن هذه اللغة التي كانت وليدة الظروف‬
‫االقتصادية والدبلوماسية كانت تختلف اختالفا ً واضحا ً عن اللغة التي تدرس في‬
‫الجامعات الهندية آنذاك. فهذه لغة حديثة مستخدمة في شتى حقول الحياة اليومية‬
‫من المكاتب الرسمية والشركات الشخصية واإلذاعات اليومية وتلك لغة حافلة‬
‫بالعلوم الدينية وآثار العرب األوائل. وشتان ما بينهما. نظراً إلى هذا عمدت‬

                                    ‫75‬
‫جملة اهلند‬

‫الجامعات إلى تدريس اللغة العربية الحديثة بجنب تدريس األدب العربي، أما‬
‫العامل السياسي وراء االعتناء باللغة العربية فليس أقل أهمية فإن الظروف‬
                     ‫ّ‬
‫السياسية العالمية الراهنة وشرها المستطير ألجأت الدول كافة إلى أن تكون‬
‫مطلعة على أحوال صواحبها اطالعا ً كامالً مؤثراً وذلك أمر متعذر التحقيق ما‬
‫دامت اللغة لم تكن واسطة. تحقيقا ً لهذه األغراض قامت المعاهد والجامعات‬
‫بترويج هذه الفصول المسائية الجزئية وفوّ ضت إليها مهمة تعليم الشعب بحيث‬
‫يتمكن من بلوغ الغاية التي تأسّست من أجلها هذه الفصول. أما غايتها فهي‬
‫واضحة كل الوضوح أنْ تخرج فئة من الطلبة ملمّين باللغة العربية كلغة حية‬
‫بحيث يتقنها طلبتها كتابة وقراءة ونطقا ً وفهما ً إتقانا ً ما حسب مقتضيات العصر‬
‫ومستلزماته في مختلف مرافق الحياة. فيرجى من خريجي هذه الفصول أن ال‬
‫يعجزوا عن إظهار ما يريدونه نطقا ً وكتابة ويقدرون على استعمال اللغة‬
‫المستخدمة بالمكاتب الرسمية والمنظمات االقتصادية والثقافية. هذه هي الغاية‬
‫الكبرى لهذه الفصول ومقالتي هذه تدور حول هذه الفصول من ناحية هدفها‬
                                                        ‫ّ‬
‫ومنجزاتها، ولكن أود أن أقول قبل خوضي في البحث عن المقصود أنه ما‬
‫زالت معاهدنا العربية التي تتولّى تدريس هذه الفصول غير واضحة في تعيين‬
‫الهدف والغاية حتى يومنا هذا. ولكن حاجات العصر الراهن ومقتضياتها فهي‬
‫كما ذكرنا. أما من ناحية الوصول إلى الهدف المعين في ضوء الحاجات فأنا‬
‫لست بمتردد في قولي أن هذه الفصول فشلت فشالً ذريعا ً في الوصول إلى‬
‫الهدف وتحقيقه حسب المرجوء منها. ولو أنها تبدو ناجحة بقدر كبير بعين‬
   ‫ّ‬
‫االعتبار إلى عدد الناجحين في االمتحانات المقرّ رة لها، وكذلك من ناحية تدفق‬
‫الطالبين إليها بعدد ضخم حافلين بصفوفها مزدحمين في قاعاتها، أقول هذا وال‬
‫أخاف ألني أرى معظم عدد الخريجين ال يستطيع كتابة عشر جمل يصح أن‬
     ‫ّ‬
‫يقال فيها أنها عربية خالصة صحيحة ودع عنك صالحيته في التحدث واإلنشاء‬
‫بمستوى اإلبالغ الكامل. أما الشهادات التي تمنح من قبل األقسام العربية‬
‫للجامعات فمن األسف أنها ال تصلح حتى اآلن أن تعتبر معياراً لألهلية أو‬
‫تضمن لبراعة صاحبها فيما منحت فيه. ولو صلحت لكفاني في إثبات دعوى‬
‫جمع نتائج االمتحان لبضعة أعوام ماضية من شتى الجامعات وتقديمها إلى‬
‫حضراتكم. فإذا خضنا في البحث عن أسباب الخيبة وجدناها تقوم على عدة‬
‫عوامل- منها- عدم تعيين الغاية: نرى أن القاصدين إلى هذه الفصول هم على‬
                                     ‫85‬
‫جملة اهلند‬

  ‫أنواع. فمنهم من يريدها لفهم لغة القرآن الكريم والدراسات اإلسالمية األخرى.‬
  ‫ومنهم من يقصدها كلغة اقتصادية ومنهم من يطلبها كلغة أدبية ومنهم من‬
  ‫يدرسها ألنها تساعده على مهنته، وكل من هؤالء يتوقع من هذه الفصول‬
  ‫تحقيق ما يريده هو بنفسه. أما نحن فال نتجاوز عن حد تدريس اللغة إجماالً.‬
                         ‫ّ‬
  ‫فإذا لم تتحقق غايته ولو بعد عامين أو ثالثة أعوام يحكم بفشل الفصل. وإن‬
  ‫أجاب أحد منا أنه ال بد من تدريس اللغة مطلقا ً في المرحلة األولى وبعده يمكن‬
                                                         ‫ّ‬
  ‫أن تتشعب الفصول في ضوء األغراض المخصوصة ألكون أول مؤيده ولكن‬
  ‫من يتكفل هذا اإلمكان. أما ما نقول عن تدريس اللغة مطلقا ً فهل نجحنا فيه؟ مع‬
  ‫األسف ليس األمر كذلك ألن التفحص جازم بأن هذه الفصول ال تخرج وحتى‬
  ‫عدداً ضئيالً من الذين يستطيعون أن يعبّروا عما في نفوسهم باللغة العربية‬
  ‫الصحيحة ولو قضوا في تعلّم هذه اللغة ثالثة أعوام. والذي اعتبره كالسبب‬
  ‫الثاني للخيبة هو منهاج تدريسنا البالي غير المطابق للوضع التعليمي الراهن‬
  ‫والذي ال يهتم بشئون المساهمين الخارجية أيّ اهتمام يذكر، وقد زاد الطين بلة‬
                                                                ‫ّ‬
                                                       ‫ّ‬
  ‫منهجنا الدراسي المخطط من غير وتدبر وتفكير، ويطيب لي بهذه المناسبة أن‬
  ‫أحل عقدته وأشرح هذا اإلجمال بشرح مقنع حسب ما أرى وبعد ذلك لكم‬          ‫ّ‬
  ‫الخيار في أن تخالفوني أو توافقوني: تقرّ ر الجامعات لهذه الفصول ثالثة أعوام‬
  ‫على العموم. السنة األولى ما تسمّيه السرتيفيكيت (‪ )Certificate‬أو ما‬
  ‫يعادلها والسنة الثانية تسمّى الدبلوم (‪ )Diploma‬والثالثة الدبلوم العالي‬
  ‫(‪ )Adv. Diploma‬أو ما يعادله ومعنى ثالث سنين التعليمية أربعة‬
  ‫وعشرون شهراً فقط، ألن السنة التعليمية ال تزيد على تسعة أشهر وإن تعد‬
  ‫ّ‬
  ‫اإلجازات القصيرة المتخلّلة من حين إلى حين طوال السنة لتنحط مدة هذه‬
  ‫الفترة من تسعة أشهر إلى ثمانية وإن أضيف إلى هذا تناسب أيام غياب األستاذ‬
  ‫والتالمذة خالل الفترة لتنحط مدة التدريس إلى سبعة أشهر أو أقل ثم إننا نجتمع‬
                 ‫ّ‬
  ‫للتعليم والعلم ثالث مرات في األسبوع فقط. ومعنى ذلك اثنا عشر يوما ً في‬
  ‫شهر كامل والتجربة التدريسية تشهد أنه يمكن بسهولة أن يكون مجموع األيام‬
  ‫التعليمية عشرة أو أحد عشر في الشهر ولكنه قلما وقع أن يكون ثالثة عشر‬
  ‫يوما ً. فعلى هذا يبلغ عدد الفصول الدراسية إلى ما بين ثمانين أو خمسة وثمانين‬
  ‫يوما ً في سنة كاملة. وليست هذه الفصول متوالية مسلسلة بل تكون منقطعة‬
‫عادة بسبب اإلجازات القصيرة المدى أو طويلها. أما المساهمون فليسوا شابا ً‬

                                     ‫95‬
‫جملة اهلند‬

‫نشيطين بل إنهم من الموظفين الذين يكدحون في مهن متنوعة طوال النهار‬
‫وفي المساء يتدحرجون نحو الفصول فيتهالكون على مقاعدهم بالفصول الهثين‬
‫متقطعي األنفاس يجمعون أوالً ما تشتت من نشاطهم ويستعيدون ما زال عنهم‬
                                           ‫ّ‬
‫من قواتهم وقد بلغ بهم التعب واإلعياء كل مبلغ فهم كاشفوا البال مشوشوا‬
‫الذهن مضطربوا الحال قد نسوا ما ذكروا به أمس وال يسئل عنه األستاذ‬
‫إلحافا ً. اآلن بدأنا الدرس الجديد فيا لك من نتيجة خائبة وحاصل عقيم! هذه‬
‫كانت أوضاع المساهمين وأحوال الفصول، إذن ألقي الضوء على ما يجب‬
‫تدريسه. فاللغة تقسم إلى أربعة أقسام: 6-االستماع، 2- والقراءة، 4- والكالم،‬
‫1- والكتابة. ولكن تسهيالً لألمر أنا أحددها في قسمين: األول لغة التكلم والثاني‬
                                         ‫ّ‬
‫لغة اإلنشاء. ليس المراد باإلنشاء ههنا اللغة األدبية العالية بل يراد أهلية الرجل‬
                     ‫ّ‬                        ‫ّ‬
‫في أن يكتب حول عناوين محددة مخصوصة إلى حد ما وكذلك يستطيع‬
‫الترجمة من لغة معلومة إلى العربية وبالعكس. والمراد بالتحدث أنه يستطيع‬
‫التعبير عما يريده بكلمات صحيحة وحسب القواعد الصرفية والنحوية يعني أنه‬
‫يستطيع اإلبالغ الكامل. فالذي يريد دراسة اللغة العربية ال بد له أن يعلم‬
‫القراءة ثم الكتابة في المرحلة األولى. ثم إنه يحتاج إلى الكلمات وما يضبطها‬
‫أي القواعد حتى تكون مجموعة الكلمات التي يتلفظ بها دالة على معان‬
                                      ‫مخصوصة معروفة عند من يعرف اللغة.‬
‫كما صرح به الخبراء والمتخصّصون في اللغة أنه إذا عرف المرء ألفي كلمة ال‬
                                                                  ‫ّ‬
‫يعجز عن تعبير المعاني الكامنة في ذهنه، سنبحث عن صحة هذا الرأي بعد قليل.‬
‫أرى من الضروري أن أوضّح أوالً أن المعرفة المجردة أللفي كلمة شيئ‬
‫واستحضارها وأهلية استخدامها شيئ آخر ألن االستحضار ليس نفس المعرفة فإن‬
‫أردنا بألفي كلمة مجرد معرفتها فقد أخطأنا ألنها ال تفيد إال في القراءة أو‬
‫االستماع ونحن نتكلم في التحدث واإلنشاء. فتعيّن أن المراد بألفي كلمة هو‬
‫استخدامها ورسوخها في ذهن المرء. أما تعيين النسبة بين المعرفة المجردة‬
‫واالستحضار فهي تزيد وتنقص بالنسبة إلى كل فرد حسب مساعيه ومزاولته‬
‫وميله الذاتي إلى اللغة ثم الظروف الخارجية المتفاوتة. أما رأيي في هذا الشأن‬
‫فهو إن استطاع المرء أن يستخدم خمس مجموع الكلمات التي يعرفها فال يعاب‬
‫ألنها نسبة مرضية مستحسنة. فمعنى استخدام ألفي كلمة إما أن يكون عند المرء‬
‫ذخيرة وافرة لعشرة آالف كلمة بحيث إنه يعرف تلك الكلمات إذا وجدها في الكتب‬
                                      ‫06‬
‫جملة اهلند‬

‫أو في كالم الناس يبلغ إلى معناها بدون أن يراجع إلى المعاجم أو يستعين بمعلمه،‬
‫اآلن هو يستخدم خمسها على ما أنا عيّنت وهذا متعذر التحقيق ألنه ال يستطيع‬
‫أحد أن يعلم أو يتعلم هذا المبلغ من الكلمات في مدة سنتين اثنتين أو ثالث سنين‬
‫السيما إذا كانت الفصول مسائية جزئية، إذن تعيّن األمر بأنه ال بد من أن يكون‬
‫منهاج التعليم نافعا ً مؤثراً عمليا ً ثم تطبيقيا ً حتى تفيد معرفة الكلمات في التحدث‬
‫والكتابة أيضا ً. نبحث اآلن عن أصول نسج تلك الكلمات في كالم مفيد أعني به‬
‫القواعد النحوية والصرفية الضرورية التي ال مندوحة منها للمرء إذا حاول‬
‫استعمال ألفي كلمة التي استهدفناها. لقد تفكرت وعبثا ً حاولت أن أبلغ إلى نتيجة‬
‫حتمية حالً للمشكلة، اقترحت على قريحتي أن اختار عدداً من الكتب الدراسية‬
‫التي قامت بتدريس اللغة العربية في الفصول البدائية فنحصي عدد الدروس‬
‫الواردة فيها للقواعد النحوية والصرفية الضرورية لفصولنا هذه. تحقيقا ً لهذا‬
                                     ‫الغرض اخترت أربعة كتب وهي كما يلي:‬
                   ‫منهاج العربية (خمسة أجزاء) لسيد نبي الحيدرابادي‬            ‫6.‬
                   ‫القراءة الواضحة (جزءان) لوحيد الزمان الكيرانوي‬             ‫2.‬
                        ‫معلم اإلنشاء (جزءان منها) لعبد الماجد الندوي‬          ‫4.‬
‫المنهاج الجديد في النحو (ثالثة أجزاء) أصدرت من المملكة العربية‬                ‫1.‬
                                                          ‫السعودية.‬
‫أما السبب وراء انتخاب هذه الكتب من بين سائر الكتب الدراسية فأوالً ألنه‬
‫حاول كل من مؤلفي هذه الكتب تدريس اللغة العربية لصفوف االبتدائية على‬
                                                 ‫ّ‬
‫منهاج جديد فكل منهم رتب القواعد تحت دروس سهلة محتوية على كلمات‬
‫بسيطة مأخوذة من بيئة الطالب وحياته اليومية كما أنهم اتفقوا على ترك البسط‬
‫والتفصيل المتعب للقواعد فإنهم درسوا القواعد ال كفن بل كوسيلة- ولكن‬
‫السبب األهم هو أني لم أجد بالفعل غير هذه الكتب وبذلك اضطررت على‬
‫االقتصار عليها غير أني عند حصر الدروس الواردة في تلك الكتب بعد‬
‫اإلحاطة بها قراءة وتعمقا ً فيها حذفت ما وجدت فيها من المكررات واإلعادات‬
                                         ‫ُّ‬
‫لألصول النحوية من ناحية كما أثبت اسم القواعد التي نبذها المؤلف في الدرس‬
‫المذكور وأدرجت في فهرسي هذا كل األصول المذكورة في الحواشي كقاعدة‬
‫مستقلة جديدة إذا كان من شأنها أن تكون ذات أثر فيما يتعلق بالدرس من ناحية‬
‫أخرى فبلغ عدد القواعد الواردة في الجزء األول من القراءة الواضحة إلى‬

                                       ‫16‬
‫جملة اهلند‬

‫الثالثين تحت عشرة أبواب ومثله في الجزء الثاني منه- فهذه ستون كالمجموع-‬
‫قرّ ر المؤلف سنتين لتدريس جزئي الكتاب وفي الجزء األول من معلم اإلنشاء‬
‫ست وثالثون قاعدة فصّلت في دروس يتجاوز عددها على خمسين وفي الجزء‬
‫الثاني منه إحدى عشرة قاعدة جديدة فقط من حيث المجموع يمكن جمع هذه‬
‫القواعد في ستين درسا ً- ومنهاج العربية ففي الجزء األول منه ثماني عشرة‬
‫(36) قاعدة وفي الجزء الثاني سبع عشرة قاعدة وفي الجزء الرابع خمس‬
‫عشرة قاعدة وفي الخامس مثله فهي خمس وسبعون قاعدة على المجموع فإن‬
‫أضفنا بعض الدروس مما يتعلق باألفعال أو الضمائر إلى البعض األخرى فإنه‬
‫يمكننا أن نحط عدد الدروس من خمس وسبعين إلى ستين. أما المنهاج الجديد‬
‫ففي جزئه األول ثماني عشرة قاعدة وفي الثاني أربع وعشرون قاعدة، وفي‬
‫الثالث تسع عشرة قاعدة، يبلغ مجموعها إلى إحدى وستين قاعدة. أما مدة‬
‫تدريس هذه األجزاء الثالثة فهي ثالثة أعوام الدراسية. اختلف ترتيب الدروس‬
‫في كل كتاب كما أنه تفرّ د كل مؤلف بطريقته الخاصة لتفهيم األصول‬
‫وتدريسها ولكنهم متفقون كليا ً على انتخاب األصول والقواعد النحوية‬
‫والصرفية التي تناولوها، ويمكن الرجوع للتأكيد إلى فهارس تلك الدروس التي‬
‫توجد عندي على حدة--- يمكننا أن نستنتج بهذه الدراسة أنه ال بد من ثالثة‬
‫أعوام لمن يريد اإللمام باللغة العربية إلى حد ما وأنه تدرس كل سنة عشرون‬
‫من تلك األصول وإلى جنب هذا يجب علينا تعليم ألفي كلمة في ثالث مراحل‬
‫وكما صرّ ح به الباحثون المتخصصون في اللغة أنه ال يستحسن إيراد كلمات‬
‫جديدة فوق خمس عشرة في درس واحد وخاصة في الفصول االبتدائية أو في‬
‫الدروس المسائية ففي ضوء ما أسلفنا سابقا ً فإن كنا نرمي بتدريس هذه الدروس‬
‫إلقائها جزافا ً براءة منا عن أداء الواجب بحيث نلقن الدروس كما هي وبطريقة‬
‫تسنت لنا فال حاجة إذن للبحث والمناقشة ولكنا إذا كنا نتركز الدروس‬       ‫ّ‬
‫ونرسخها في ذهن الطلبة أصوالً وكلمة وقراءة وكتابة فالمسئولية تزداد بدون‬
‫أدنى شك وريب. أما ما هو الحد األدنى لترسيخ الدرس في أذهانهم فهي مسئلة‬
‫أخرى ال تتعلق بما نحن فيه ولكن األهم بهذه المناسبة هو إرادتنا يعني هل‬
‫أردنا وسعينا إلى ترسيخها في أذهانهم أم ال؟ وما ال شك فيه أيها السادة! أننا‬
‫حاولنا وأردنا تحقيق هذه المهمة فإذن تزداد مسئوليتنا إلى حد كبير وهنا أرى‬
‫أننا ال نبرئ عن ذمتنا حتى نؤكد على التمرين والممارسة عن طريق التطبيق‬
                                   ‫26‬
‫جملة اهلند‬

‫الفني للدرس كما أنه يلزم علينا إعادة ما سبق من الدروس وهي تتزايد يوما ً‬
  ‫فيوما ً فتعرقل سرعة التقدم إلى دروس جديدة بعد هذه التجربة. والتحليل‬
  ‫المتعلق بالتدريس ومنهجه الذي قمنا به في عدة صفحات سابقة نبلغ إلى هذه‬
  ‫النتيجة بأن األستاذ يجب أن يعطي خمس مائة كلمة على األقل في سنة واحدة‬
  ‫تحت الدروس المرتبة على القواعد النحوية والصرفية ال يزيد عددها عن‬
  ‫عشرين على كل حال بطريق التطبيق والتمرين العملي حيث تترسخ الكلمات‬
  ‫واألصول في أذهان المساهمين فال يصعب عليهم استخدامها في محادثاتهم‬
  ‫ومراسالتهم. هذه هي ذمتنا ومسئولياتنا وهو الهدف بال ريب فهل بلغنا أهدافنا؟‬
  ‫كال! فلماذا؟ إما ألن منهاج تعليمنا ليس عمليا ً منضبطا ً معتمداً على آراء‬
  ‫الخبراء في الطرق التدريسية منتبها ً ألوضاع المساهمين ونفسياتهم فكأننا نلقي‬
  ‫الدروس غير مرتبة وغير منسقة وال نهتم بالطرق المساعدة على ما نروم أو‬
  ‫ألن الفترة المعينة لمنهج معيّن ال تكفي للتمرين والتطبيق العملي مهما يكن‬
  ‫األمر، شتان ما بين األمل والمأمول. أما فيما يتعلق بالكلمات واستخدامها فأرى‬
  ‫أنّ تحديد ألفي كلمة غير عملي واإلصرار على هذا العدد ال يالئم هدفنا. فإنه ال‬
  ‫يستحسن أن يزيد عدد الكلمات الجديدة في درس فوق خمس عشرة كلمة فعلى‬
  ‫هذا ال يمكننا أن نزيد عدد الكلمات عن ثالث مائة في سنة واحدة فإن زدنا ال‬
  ‫توافق الزيادة بعدد الدروس. اعتقد أنا بأنّ ترسيخ الكلمات في أذهان‬
  ‫المساهمين، ولو كان قليالً، أنفع من ازدياد المعرفة المجردة دون استحضارها‬
  ‫وأهلية استخدامها، والسبيل إلى هذا بأن نهتم بالقواعد وبصحة استخدامها أكثر‬
  ‫من اهتمامنا بعدد الكلمات فإن تزويد الذاكرة بكلمات جديدة عمل يستمرّ طول‬
                                         ‫ّ‬
  ‫الحياة، ليس ألحد غنى عنه وإذا تمكن الطالب مرة من استعمال القواعد‬
  ‫فيستطيع حتما ً في العثور على الكلمة المطلوبة عندما تمسّ به الحاجة إليها ولو‬
                                                   ‫بمساعدة المعاجم أو الخبراء.‬
                         ‫معيار األهلية لمنح الشهادة‬
‫نشاهد أن الجامعات والمعاهد تضع منهجا ً دراسيا ً معينا ً لفصل ما وضع مثالً‬
 ‫لفصل السرتيفيكيت عشرة دروس وما يتعلق بها من القواعد ولكنه إلى نهاية‬
 ‫السنة ما أمكننا إال أن ندرّ س ثمانية دروس فقط فينعقد االمتحان على أساس‬
 ‫المقروء من الدروس أي ثمانية دروس فقط ومعناه أنه ال ينعقد االمتحان على‬

                                     ‫36‬
‫جملة اهلند‬

‫أساس المنهج المعيّن الكامل المقرر لذلك الفصل بل على المقروء فقط إذ‬
‫الشهادة تمنح على أساس المنهج الكامل أو بعبارة أخرى إننا ننعته ناجحا ً في‬
‫المقررات كلها والحال أنه لم يلم إال بشطر منها. والمنهج الدراسي يوضع‬
‫للسنة القادمة ال على ما درسوا في الفصول السابقة فعالً بل على ما قرّ ر‬
‫كالمنهج الدراسي للسنة التالية ويلعب كذلك نظام االمتحان دوراً هاما ً في سبيل‬
‫الفصل والنتيجة الغير المجدية. من أعجب ما شاهده التاريخ التعليمي في الهند‬
‫السيما لفصولنا العربية هو أنه في الوقت الذي يعتبر الحصول على الشهادة‬
‫بأعلى التقدير لفصل ما من الفصول العربية من أيسر المهام وأسهلها يعتبر‬
‫كون المؤهّل أهالً بصورة واقعية لهذه الشهادة من أصعب األمور وأعسرها‬
          ‫تحقيقا ً. فلله درّ من قال وهو يصوّ ر الوضع الذي ابتلينا به حيث ينشد:‬
                 ‫كالج سے آرهى هے صـــــدا پاس پاس كى‬
                 ‫1‬
                     ‫عهدوں سے آرهى هے صدا دور دور كى‬
‫في نظامنا ليس من الضروري أن يعرف الطالب كل ما درس في الفصل بل‬
‫يكفيه اإلجابة عن بضعة أسئلة من مجموع األسئلة التي طرحت عليه في ورقة‬
                                                            ‫ً‬
‫االمتحان سواء كان الجواب من عنده أو بمساعدة المساهمين اآلخرين وبعد أن‬
‫نجح في االمتحان تمنح عليه الشهادة التي تضمن له األهلية الكاملة ولو لم يوف‬
‫بالحق وكذا الحال في فصولنا المسائية وبما أن الغرض بانعقاد هذا المجلس هو‬
‫البحث عن دراسة اللغة العربية بكل ناحية والقيام بتحسين العمل الدراسي عن‬
‫ساق الجد. أرى من الضروري أن اتعرض لكل نقص يوجد في نظامنا‬
‫التعليمي واتفقد بكل ناحية عن وجوه الفشل، فمنها ما يشاهد أن معظم عدد‬
‫الطلبة ال يواظب على الحضور في فصولهم ويكون غيابهم أكثر من الحضور‬
‫ولكن أنتم يا سادتي! أعلم مني بمن يرسب من الغائبين وإن استمرت الحال‬
‫على هذا المنوال فكيف يرجى لنتيجة مثمرة من أول شرائطها القدرة الكاملة‬
‫على المقررات الدراسية، فمن الضروري أن ال نعتمد على االختبار النهائي‬
‫وحده في تعيين النجاح أو الخيبة. بل نتخذ أصوالً وقوانين تشتمل على‬
‫نشاطاتهم التعليمية عبر السنة فيكون االمتحان النهائي متكفالً لنصف النجاح‬

              ‫1 ترجمة: الكلية تدعو الطالب إليها بينما الوظائف تدعّهم عنها. (األعظمي)‬

                                       ‫46‬
‫جملة اهلند‬

‫فقط واألشغال التعليمية األخرى كالفروض الدرسية والتمرينات واالختبارات‬
‫األسبوعية أو الشهرية من الشرط الثاني الضروري لهذا النجاح وال يعقد‬
‫االمتحان النهائي إال إذا انتهى المنهج الدراسي المقرر لتلك السنة أعني به كون‬
‫معيار الشهادة هو اإلحاطة بالمنهج الكامل التام ال المدروس منه فقط. أخال أن‬
‫ال أقول شيئا ً في منهاج التعليم والمنهج الدراسي فإن له أساتذة ومتخصصين‬
‫السيما مقالة حضرة األستاذ عبد الحليم الندوي تتعلق بهذه األمور فاستماعي‬
‫إلى مثل هذه اآلراء أحبّ إليّ من توليّ في هذا الميدان ما دام الكالم يدور حول‬
‫الموضوع ولكنني عارض عليكم بعض االقتراحات راجيا ً أنها تساعدنا إلى حد‬
‫كبير في رفع مستوى فصولنا المسائية وبما أني أتولّى تدريس هذه الفصول فأنا‬
‫أحق بكشف الستار ورفع الغطاء عن المكنون فصاحب البيت أدرى بما فيه‬           ‫ّ‬
‫فأول ما اقترح هو تدريب المدرسين القائمين بتدريس هذه الفصول على‬
‫المبادئ الحديثة والطرق الحاضرة ليعلموا كيف يدرس منهج معيّن في وقت‬
‫معيّن لفصل له أوضاع خاصة وشأن مخصوص وبكلمة أخرى يجب الحصول‬
‫على التدريب العملي لمنهاج التدريس. والثاني هو تعيين األهداف لكل مرحلة‬
‫من هذه المراحل الثالثة وإن قال أحد إن الهدف متعين بأن الشهادات التي تمنح‬
‫هي معروفة المعاني واضحة القيمة معترفة المعيار والمستوى فالمراد بشهادة‬
‫الدبلوم مثالً هو الدبلوم نفسه وهو معيّن معروف فال حاجة إلى تعيين هدف‬
‫آخر. قلت إني ال أنازعكم في تسمية الصفوف والفصول فإن أسماءها معروفة،‬
                                                    ‫ّ‬
‫وال شك فيها، ولكن الذي أوده هو تعيين مقدار األهلية بكل شهادة وهذا يختلف‬
‫عن تعيين المنهج الدراسي كما ال يخفى وليكن المقدار مسلما ً عند كل جامعة أو‬
‫معهد على السواء. وبكلمة أخرى ينبغي أن يكون منهج دراسيّ معيّن لكل من‬
‫هذه الفصول وليكن ذلك المنهج بعينه جاريا ً في كل جامعة أو معهد يتولّى‬
‫دراسات اللغة العربية كما علمنا تنقسم اللغة إلى أربعة أجزاء؛ االستماع،‬
‫التحدث، القراءة، ثم الكتابة، هذا بالنسبة إلى اللغة األولى. أما إذا كانت اللغة،‬
‫اللغة الثانوية ينقلب هذا الترتيب السيما إذا كان الطالب من البالغين ففي هذا‬
‫الترتيب يعرف الطالب الكتابة أوالً ثم القراءة ثم التحدث ثم الكتابة. أما الطريقة‬
‫المباشرة للتدريس فإنها ال تفرق بين اللغة األولى والثانوية فلهم نظام‬
‫مخصوص ولكني لست بباحث عنها العتقادي بأنها ال تنجح في بيئتنا، ذلك‬
‫ألنها تقتضي بيئة مخصوصة فلذلك أنا أتناول التدريس في ضوء منهاجنا‬

                                     ‫56‬
‫جملة اهلند‬

‫المخصوص فنبدأ التدريس بتعليم الكتابة في المراحل االبتدائية ونقرّ ر لها فترة‬
   ‫ّ‬
‫أربعة أشهر ثم نشرع في تدريس السنة األولى من شهادة السرتيفيكيت ونعدها‬
‫السنة األولى، ويشترط للدخول فيها معرفة القراءة والكتابة للغة ونستهدف‬
‫تدريس اللغة في هذه السنة إلى أن يعرف الطالب اللغة إلى حد اإلبالغ المجمل‬
‫أعني به خلق الصالحية في الطالب للتعبير عما في ذهنه بكلمات مناسبة‬
‫مالئمة للمعنى أو غير مناسبة شريطة أن تؤدي إلى تفهيم المعنى بوجه ما ولو‬
‫وجدت بعض األغالط النحوية أو الصرفية، هذا ليكن هو الهدف وأنتم يا‬
‫سادتي! أعلم مني بالطرق والمناهج المؤدية إلى هذا الهدف. وأما ما يتعلق بعدد‬
‫القواعد النحوية والصرفية التي حصرتها في ستين درسا ً موزعة على ثالث‬
‫مراحل فهذا العدد أي الستين ليس بعدد قطعي حيث ال يمكن االنحراف عنه كل‬
‫ما في الباب هو اإلحاطة بالقواعد الضرورية وتوضيح الضرورة كما صرحت‬
‫بها عدة مرات في هذه المقالة هي القواعد التي ال مندوحة منها للطالب في‬
         ‫ّ‬
‫سبيل وصوله إلى حد اإلبالغ الكامل المؤثر. وفي الوقت الذي يحدد مؤلف‬
‫القواعد النحوية في خمسة وعشرين درسا ً هناك من يتوسع في تدريسها بحيث‬
‫يجعلها ستين درسا ً ومن يجعلها ثمانين وهلم جراً، ولكن الدروس سواء أ كانت‬
‫ستين أو ثمانين أو أي عدد آخر تستغرق من الوقت فترة متساوية في جميع‬
‫الحاالت وتوضيح هذا مثالً يوضح مؤلف األحوال المختلفة للمبتدأ والخبر‬
‫وقواعدها في خمسة دروس ومصنف آخر يوضحها في درس واحد فقط‬
‫فوضع األول خمسة دروس للمبتدأ والخبر، وقرّ ر الثاني درسا ً واحداً لهذه‬
‫القاعدة بالذات فعلى هذا الترتيب إذا يبلغ األول إلى ستين ال يتجاوز الثاني عن‬
‫ّ‬
‫اثني عشر درسا ً ولكن تكون مدة التدريس مساوية لكليهما ألن الثاني ولو حط‬
‫عدد الدرس فإنه ال يبرئ عن ذمته حتى يدرس كل قاعدة ضرورية متفرعة‬
‫من قاعدة أصلية كما فعله األول نظراً إلى هذا أخال أن عدد الدروس ال يتعلق‬
‫بالقواعد ولكنه يتعلق بالكلمات واأللفاظ حيث تزداد بازدياد الدروس. لقد‬
‫اضطررت إلى هذا البحث المتعب ألني اقترحت في ما سبق أن يكون عدد‬
‫الدروس ستين وذلك مبنيا ً على التجزية والتحليل دون أن يكون مجرد اقتراح‬
‫أو تخمين مني. أما رأيي بهذه المناسبة فهو أنه من المناسب أن يقرّ ر لتدريس‬
‫القواعد سنتين فقط ففي السنة األولى ندرّ س مثالً ستين في المائة أي ثالثة‬
‫أخماس من مجموع القواعد المقرّ ر تدريسها في السنتين ويبذل المدرس أقصى‬
                                    ‫66‬
‫جملة اهلند‬

  ‫جهوده في أن تترسخ القواعد في أذهان الطلبة وتستقر بهم حتى ال يخطئوا في‬
  ‫استعمالها ثم يحاول في تزويدهم بالكلمات الجديدة المتزايدة كل يوم مع زيادة‬
‫عدد الدروس ولتكن مأخوذة من بيئة الطالب لكي تكون مسموعة مقبولة تحقيقا ً‬
  ‫لهذا الغرض يجب أن ينعقد الفصل أربع مرات في األسبوع وساعتين كل يوم‬
  ‫ويعوّ دهم المدرس بالتكلم باللغة العربية من أول يوم فيتكلم أمامهم ويأمرهم‬
  ‫بالتكلم ولو خطأ. أما السنة الثانية فتدرس أربعون بالمائة من مجموع القواعد‬
  ‫المقررة مع إعادة ما سبق في السنة األولى من القواعد. أما أيام التدريس فإنه‬
  ‫ال بأس أن تكون ثالثة أيام في األسبوع بواقع ساعتين كل يوم أو ثالث‬
  ‫ساعات، أتوقع أن الطالب ال يخطئ في استخدام القواعد في نهاية السنة الثانية‬
  ‫إن جرت الدراسة حسب ما أشرنا إليه ولكنه ال يتوقع منه اإلبالغ الكامل‬
  ‫المؤثر بهذا القدر من الدراسة أيضا ً ألن اإلبالغ المؤثر يقتضي اإلتقان في‬
  ‫اللغة، واإلتقان يتطلب عدة أشياء باإلضافة إلى القواعد والكلمات فنخصص‬
  ‫السنة الثالثة لهذه األشياء حتى يخطو الطالب من اإلبالغ الكامل إلى اإلبالغ‬
  ‫البليغ. أما مشكلة الترجمة ومسئلة اللغة القديمة والحديثة والخطأ التعبيري‬
  ‫الناتج عن أثر اللغة األردوية فقد قمت ببحث كل هذه النقاط في مقالة على حدة‬
  ‫سأقدمها إن سمحتموني بها. هذا، ولم أحاول في مقالي هذا أيها السادة! اإلحاطة‬ ‫ّ‬
  ‫واالستيعاب باألمور والمسائل المتعرضة لنا ونحن بصدد تعليم أبنائنا اللغة‬
  ‫العربية بأبسط طريقة وأسهل منهج، وإنما التلميح إلى ما نتعرض له من‬
  ‫النقائص والزالت ونحن نمضي في طريقنا لتحقيق هذا الهدف المنشود‬
                  ‫ّ‬       ‫ّ‬
  ‫فلإلحاطة واالستيعاب مناسبة أخرى ومحفل آخر أتمنى أن يوفرها هللا تعالى‬
                                     ‫يوما ً. وما ذلك على هللا بعزيز، فهو الموفق؟‬




                                      ‫76‬
‫جملة اهلند‬


             ‫النثر الفني في العصر اإلسالمي‬
                   ‫والقرآن نموذجا ً‬
‫- د. محمد عمار شهباز عالم اللطيفي‬
                     ‫ّ‬
                                                                          ‫النثر:‬
‫النثر هـو الكالم الجيد المرسل الذي لم يتقيد بقيود الوزن والقافي ة، وه و خ الف‬
                                   ‫ّ‬                    ‫ّ‬
                              ‫النظم. وهو على نوعين: نثر علمي، ونثر فني.‬
‫أما النثر الذي يسـتخدمه عامة الناس في حياتهم للتعبير ع ن ش ؤونهم المختلف ة،‬
‫وفي الحوار والمفاوض ة والمحادث ة، يس ـمّى لغ ة التخاط ب أوالمحادث ة أو النث ر‬
‫العادي، ألنه ال يتسـم بالروية والتفكير، وال باإلجادة، ب ل وإنم ا يري د ب ه الن اس‬
                                                     ‫ّ‬
  ‫تأدية ما في نفوسهـم من المعاني، وتحقيق ما تقتضيه منافعهم من األغراض.‬
                                                                  ‫أ: نثر علمي:‬
‫هو كالم مرسل يتناوله العالم للتعبير عن الحقائق العلمي ة وإبرازه ا، ب ال عناي ة‬
‫بالناحية الفنية، ومع أنه يعمل فكره وعقله في ه، ولك ن الط ابع العلم ي أو ال روح‬
‫الفكري في بحثه يغلب على الروح الفني أو الطابع الفني، ألن العلم يستمد قوته‬
                             ‫ّ‬
‫وحياته من التفكير الخالص، واألدب أو الفن يسـتمد قوته وحيويته م ن الش عور‬
                                                                     ‫والوجدان.‬
                                                                  ‫ب: نثر فني:‬
‫هو الكالم المرسل الغير الموزون، المرتفع عن اللغة العلمية الجاف ة، وع ن لغ ة‬
‫التخاطب والمحادثة، المشتمل على األ فكار المنظمة، المتسم بالروية والتفكي ر،‬
            ‫ّ‬
‫المتصف بتركيب الجمل، وص ياغة العب ارات جي دة الس بك، فص يحة األس لوب،‬
‫وبالتأليف في المعاني، واالختيار في األلفاظ وتنميقها. معنى ذلك أنه نثر منم ق‬
   ‫ّ‬
‫صيغ في قالب أدبي يثير المشاعر ويحرّ ك العواطف، ولون جمي ل م ن اإلنش اء‬
‫العالي للتعبي ر ع ن خلج ات ال نفس، وومض ات العق ل، وخط رات الش عور، ألن‬
‫النثر وليد العـقل والشعر وليد الخيال. وهذا النوع من النث ر أج در ب أن يس تعمل‬

                                       ‫86‬
‫جملة اهلند‬

                                ‫ّ‬                    ‫ّ‬
‫في الكتابة، ألن الكاتب يرتب فيه ا أفك اره، ويح دد معاني ه وأغراض ه، ث م ي أتي‬
                              ‫ّ‬
‫بالكلم ات الت ي تناس ب له ا، فل ذلك الكات ب أو الكت اب تتف اوت من ازلهم األدبي ة‬
         ‫الختالفهم في الذوق األدبي، وفي المقدرة على االفتنان في هذه األشياء.‬
                                                        ‫ج: متى يوجد النثر الفني:‬
‫إذا تصفحنا العوامل التي تسبب وجود النثر الفن ي، وج دنا أن الق راءة والكتاب ة،‬
                                                          ‫ّ‬                     ‫ّ‬
‫والتوسع في الثقافة، ونضج العقل والتفكير وته ذيبهما، ه ي الت ي تمه د الطري ق‬
            ‫ّ‬
‫لوجود ه ذا الن وع م ن النث ـر، ألن النث ر الفن ـي إنم ا يحت اج إل ى الرق ي الفك ري‬
‫والتهذيب العقل ي، وإل ى وج ود جماع ة إنس انية منظم ة راقي ة، تس ودها أوض اع‬
‫اجتماعية معقدة، كما يرى األستاذ محمد الرابع الحس ـني الن دوي: "إن اإلن ـسان‬
‫حينم ا تنض ج أفك اره، وتتوس ع ثقافت ه العلمي ة واألدبي ة، يتوس ع نث ره وأدب ه،‬
‫فيتزوّ دان بالثقافة والتفكير، فال يبقى نثر الرج ل نث راً ب دائيا ً بس يطا ً ..... والنث ر‬
‫البسيط يتحول إلى النثر الفني حينم ا يترق ى ص احبه بثقافات ه ومعارف ه وعلوم ه‬
‫وعقليته الفنية، فيزوّ د ويزين نثره بك ل ذل ك1. وم ن المؤك د أن اإلنس ان عن دما‬
‫يخرج من طور البداوة والبساطة، إلى طور الحضارة والثقافة، وتنضج مداركه‬
‫العقلية والفنية، يترك اللغة البسيطة، ويركن إلى الدقة في التعبير، والتحبير في‬
‫األلف اظ، والوض وح ف ي المع اني، ألن العق ل البس يط ال يس ع ذل ك، فحينئ ذ ينش أ‬
                                                                            ‫النثر الفني.‬
                               ‫النثر الفني اإلسالمي‬
                                                                                ‫تمهيد:‬
‫إن الع رب ف ي الجاهلي ة ك انوا يعيش ون حي اة ال يش وبها الش مل، وال يمس ها‬
‫االجتماع، حياة مشحونة بالتفاضل بالعـصبية، وبالتفاخر باألنساب وما شاكلهـا،‬
‫حتى ظهر اإلسالم، وك ان ظه وره ف ي الحقيق ة ح دثا ً خطي راً، وفتح ا ً جدي داً ف ي‬
‫حي اة األم ة العربي ة، فغيّرمج رى الحي اة، وقلّ ب ك ل ش يء رأس ا ً عل ى عق ب،‬
‫وتبلورت آثار هذا التغيي ر والتب ديل ف ي ك ل مظه رمن مظاهرالحي اة وش ؤونها،‬
‫إلى أن جمع شملهم وكلمتهم، وصاروا بفضله يداً واح داً عل ى اخ تالف أنس ابهم‬
‫ومواطنهم. وذلك ألن اإلسالم قد جاء لتهذيب اإلنسان وتثقيفه، وتوحيده وجمعه‬

                                          ‫1 األدب العـربي بين عـرض ونقـد، ص 11-81‬

                                           ‫96‬
‫جملة اهلند‬

‫تحت ألوية الوحدة واألخ وة والوئ ام، وج اء لقي ام مجتم ع إنس اني ترف رف علي ه‬
‫رأي ة األم ن والطمأنين ة، وته ب في ه ري اح الم ودة واإلخ اء، والح ب والحن ان‬
      ‫ّ‬
‫والس الم، فل م ي دع ف ي الحي اة اإلنس انية الجـاهلي ـة ناحي ـة إال وغيّره ا وبدله ـا.‬
‫فاإلس ـالم نظ ام كام ل ش امل للحي ـاة، وش ملت قوانين ه ك ل ناحي ـة م ن نواحيه ـا‬
                                                                   ‫وجميع شؤونهـا.‬
                                                 ‫أ:- تأثير اإلسالم في الحياة األدبية:‬
‫كان ظهور اإلسالم في الحقي ـقة انقالب ا ً ديني ـاً، وتغيي ـراً سيـاسـي ـا ً واجتمـاعي ـا،‬
‫وأدبيـا ً ولغوياً، وال بد لكل انقـالب وتبـدل أن يترك أثره في نفوس أولئـك الذيـن‬
                                                ‫ّ‬
‫واجهوا التغيير، وفي عقولهـم وأفكارهم. فتطورت آدابه ـم وعلومه ـم ولغاته ـم،‬
‫بم ا اقتض ته طبيع ـة ه ذا االنتق ـال ال ذي غي ر من اهج تفكي ـرهم ومعتـقـداتـه ـم‬
                                         ‫ّ‬
                                                           ‫وأخالقهـم، بل وحياتهـم جميعـا ً.‬
‫ولق د تط وّ ر األدب العرب ي من ذ طل ع فج ر اإلس الم تط وراً عميق ـا ً محسـوس ـا ً‬
   ‫ملموس ـاً، ف إن الع ـرب ق ـد وج دوا بي ـن أيديه ـم منـه ـالً عذب ـا ً صافـي ـا ً يفـي ـض‬
   ‫عليـه ـم م ن سح ـره وإعج ـازه، وبالغت ـه وفصـاحت ـه، وطالوت ـه وحالوت ـه،‬
   ‫فـنهـل ـوا من ـه وعل ـوا، وانتزع وا معـاني ـه وأغراض ه وأس لوبه وألفاظ ـه،‬
   ‫فاتضـحت في كالمهـم آث ار ه ذه المعـج ـزة الكب ـرى، وتجل ت في ـه مظ اهر ه ذه‬
   ‫النقلـة المفـاجئـة التي أتى بهـا اإلسـالم والقـرآن، وكان أكثـر تأثراً بهـا "الشعـر‬
   ‫والخطاب ـة"، وهم ـا م ن اآلداب الجاهلي ـة الت ي زاده ا اإلس الم رونق ـا ً. ولك ن‬
   ‫الخطاب ـة س بقت الشع ـر ف ي الرق ي لحاج ـة المسلمي ـن إليه ا ف ي الفت وح‬
   ‫والغ زوات"1. عل ى ك ل ح ال أنن ا ال نتف ق م ع رأي ج ورجي زي دان ف ي أن‬
   ‫الخطابة تسـتخـدم في اإلسـالم للفتوح والغزوات فقـط، بل نقول بصراحـة إنه ـا‬
 ‫استخدمت قبـل كل ش يء لل دعوة اإلسـالمي ـة والديني ة، وجعله ـا فرض ـا ً مكتوب ا ً‬
                        ‫في صالة الجمعـة والعيدين والحج واالستسـقاء وما إلى ذلـك.‬
‫وكان ت ال دعوة اإلسالمي ـة غ ذاء جدي داً يتغ ذى ب ه الفك ـر وال روح، فق د ت أثرت‬
                                                ‫ً‬
‫الحياة األدبيـة بالدعوة الجديدة ــ اإلسـالم ــ تأثـراً كبيراً من ناحيـة شتى، وكان‬
‫ه ذا التأث ـر به ـا ف ي ألف ـاظ اللغ ـة وأسلوبه ـا، وف ي فن ون اآلداب المختلف ـة م ن‬

                                   ‫1 تاريخ آداب اللغـة العـربيـة لجـورجي زيـدان، 2/821‬

                                            ‫07‬
‫جملة اهلند‬

‫شعـر ونثـر، وكتابـة وخطابـة وفي أغراض ك ل ف ن منه ـا. وعل ى الجمل ـة لق ـد‬
    ‫غيّر اإلسـالم مجرى الحيـاة األدبيـة والفكريـة والثقافيـة تغييراً كبيراً واسعـا ً.‬
                                                                   ‫ّ‬
‫ولم يكن هذا التبدل من أجل م ا اكتـس ـبه الن اس أو المسـلم ـون م ن ثقاف ـة وعل م‬
‫وأدب م ن الب ـالد الت ي فتحه ـا اإلس ـالم، ب ل برجوعهـ ـم إل ى المنب ـع الث ر‬
‫والمصـدر األول لثقافتهـم الدينيـة والعقليـة واألدبيـة، وه و الق رآن الك ريم ال ذي‬
‫قلب خشونة الطباع عذوبـة ولينـة، وسالسـة وقوة، والذي غيـر حوشـيـة اللسـن‬
‫سهولـة ووضـوحـاً، وبالغـة ورونقـاً، وأورث العـرب وضـوح ـا ً ف ي التفكي ـر،‬
    ‫ودقـة في التعـبـيـر والتـصـويـر، وروعـة في الحجـة، ورقـة في األسلـوب.‬
                                              ‫ب:- أثر اإلسالم في أغراض اللغة:‬
‫لقد تأثـرت اللغ ـة ف ي ه ذا العص ـر بالدع ـوة اإلسـالمي ـة، ف ازدادت أغراضه ـا،‬
‫وتوجه ـت نح و وجه ـات جدي ـدة، تختل ـف عم ـا كان ت علي ـه قب ـل اإلس ـالم،‬
‫وأخذت تعـبـر عن عقول استضـاءت بهدي القرآن، وتأدبت بأدب اإلسـالم. فقـد‬
‫استعملـت في تفـسـيـر العقـيـدة اإلسـالمـيـة وتوضيحهـا، والدعوة إليهـا، وكذلك‬
‫استخدم ـت ف ي الحج ج لخصومه ـا، وتبي ين مراميه ـا ومقاصـده ـا، واستنب ـاط‬
‫أحكامهـا، كمـا استعـملـت في حفظ نظام الملك والدولـة، ونشر األمن والس ـالم،‬
‫وإقام ـة الع ـدل واإلنص ـاف، وفيم ـا تطلبت ـه حي ـاة الحض ـر الجدي ـدة، وش ؤون‬
‫الثقـافـة والمعـرفـة، واستخدمـت أيضـا ً في إرشـاد النـاس وتوجيههـم إلى أحكام‬
       ‫الشـريعـة اإلسـالمـيـة، وإلى التذكـيـر بأوامر هللا ونواهيـه، وما إلى ذلك.‬
                                       ‫ج:- أثر اإلسالم في معانيها وأساليبها:‬
‫كما أثر اإلسـالم في اللغـة وأغراضهـا، كذلـك أثر في معانيهـا وأساليبهـا، فبرز‬
‫في معانيهـا "الدقـة والتفكيـر والفهـم والعمـق، بما أفاده المـسـلم ـون م ن ثقـاف ـة‬
‫القـرآن والديـن، ومن خب ـرة وتجرب ـة وإدراك صحي ـح للحـي ـاة، كم ـا اتسـع ـت‬
‫م ادة المع ـاني باتس ـاع المش ـاهدات والمنـاظ ـر والمعـق ـوالت والمعـنـوي ـات،‬
‫تعـددت صـور الخيـال في روعـة وجمـال تعبيـر بتجدد وتعـدد المشـاه ـد ال ـتي‬
                                             ‫انتـزع منـهـا، والتي كانت مادة لـه.‬
‫أما أسلوب اللغ ـة فق ـد شـاع ـت في ـه العـذوب ـة والسـالس ـة ف ي جزال ـة، وأخ ذت‬
‫بأطراف ـه الق ـوة والجم ـال والوض ـوح وروع ـة التأثي ـر وق وة الحج ـة، وتأج ـج‬

                                         ‫17‬
‫جملة اهلند‬

‫العاطف ـة والته ـاب الشعـ ـور، ودق ـة اإلحس ـاس األدب ـي، وذل ك لتأثـرهــــ ـم‬
‫بالق ـرآن وبالغـت ـه، مم ـا رق ـق م ن نفوسـه ـم القـاسـي ـة، فسلس ـت طبـاعـه ـم و‬
         ‫ألسـنـتـهـم وملكاتهـم، فلم تقبــــــل إال السمـح المهـذب من األسـاليب"1.‬
                                              ‫د:- أثر اإلسالم في ألفاظ اللغة:‬
‫لقد أثر اإلسـالم وبالغـة القـرآن والحديـث في عقليـة األدباء والكتـاب والبلغـاء‬
‫وتفكيـرهم تأثيـراً كبيـراً، حتى أنهـم جعـلـوا يتجـنبون في إنتـاجاتـهـم األدبـيـة‬
‫والفكريـة عن استعمـال األلفـاظ والكلمـات الحوشيـة الغريبـة النافـرة التي تثقـل‬
‫الطبـع، إال ما جاء مـن ذلك عـفــواً، أو ما الءم الذوق وقبلـه الطبـع. فلذلـك ال‬
‫نجـد في كتاباتهـم ورسائلهـم وخطبهـم ألفاظا ً صعبـة ثقيلـة، مع أنهـم كانـوا‬
‫حديثي العهـد باإلسـالم والقـرآن وبالغـة النبي صلّى هللا عليه وسلّم، بل وإنمـا‬
‫نجـد األلفـاظ السلسـة العذبـة السهـلـة الرشيقـة اللطيـفـة التي تنـم عـن استحكام‬
                ‫ّ‬
                                                    ‫الطبـع وقوة الذوق وغلبتـه.‬
‫وكذلك نالحـظ هنـاك ألفـاظا ً كره اإلسـالم مدلـولـهـا، فتركـهـا األدبـاء‬
‫والفصـحـاء والمتـكلمـون في االسـتخـدام، مثـل "عـم صـباحـاً، وعـم مسـاء"‬
  ‫ً‬
‫وما شاكل ذلك، وجعـل مكان ذلك "الـسـالم عـلـيـكـم ورحـمـة هللا وبـركاتـه"،‬
‫ومنـهـا تهـذيـب األلـفـاظ بالـعـدول عـن الـحوشـي الغـريـب وغيـر‬
‫المـسـتحـسـن من اللهجـات، ممـا أتم على توحيـد اللغـة، وأوصلـهـا النهـايـة في‬
                                            ‫ّ‬
                                        ‫ّ‬
‫تنقيتهـا وتهذيبهـا، ألن القـرآن استمد ألفـاظـه من الـسـهـل الـنـطـق عـلى‬
‫اللسـان، والحـســن الوقــع في اآلذان، الـقـريـب المعـنى من األفهـام. وكذلك‬
‫هنـاك ألـفـاظ أحـبهـا اإلسـالم ووجهـهـا نحو معـنى سـديـد صـالـح يالئـم‬
                                          ‫ّ‬               ‫ّ‬
‫طـبـيـعـة الـديـن الجـديـد في مدلـوالتـهـا، كالـصـالة والـزكاة والصـيـام‬
‫والحـج، والمؤمـن والكافـر والمنـافـق والفاسـق والمسـلـم، وأسمـاء هللا‬
‫وصفـاتـه والرسـل وصفـاتـه. وكذلك ألفـاظ التشـريـع الشـخـصي من زواج‬
‫وطالق وتوريث والتشـريع المدني من بيـع وشراء وسلـم وإجارة وشفـعـة‬




                                       ‫1 الحيـاة األدبيـة بعـد ظهـور اإلسـالم، 22-62‬

                                       ‫27‬
‫جملة اهلند‬

‫ونحـوهـا، وغـيـرهـا من األلـفـاظ الكثيـرة التي تزخـر بهـا قواميس اللغـة‬
                                                            ‫ومعاجمهـا1.‬
 ‫والذي يعنيـنـا اآلن أن ندرس النثـر الفني في عهـد النـبـوة، وهـو الفــتـرة التي‬
 ‫يطـلـق علـيـهـا كثـيـر من المؤرخيـن لألدب اسـم "صـدر اإلسـالم" ـــ السـنـة‬
 ‫األولى الهـجـريـة إلى العـام الواحـد واألربعـيـن بعـد الـهـجـرة ـــ، والذي يهمنـا‬
 ‫في هذا الفصـل هو: أن ندرس النثـر في تلك الفتـرة، ونبيـن خصـائصـه‬
 ‫وممـيـزاتـه، وماذا عسى أن يكون قد أصـاب من تطـور بظهـور هذا الديـن‬
 ‫الجديـد، وهل اختلـفت مناهجـه وأوضـاعـه عن ذاك النثـر الذي عرفنـاه في‬
‫الجاهلـيـة؟ وسندرس ــ بعــون هللا وتأييـده ــ قدر المسـتطاع كل ذلك مسـتمـداً‬
                             ‫ومسـتدالً عليـه بالنصـوص النثريـة في هذا العـصـر.‬
                                         ‫النثر الفني في عصر صدر اإلسالم:‬
  ‫كمـا كان للعـرب في الجاهليـة نثـر فني، كذلك كان في هذا العصـر الكريم،‬
  ‫وذلك ألن القـرآن الكـريـم قد نزل، وجاءت الدعـوة النبويـة الكريمـة بجمـيـع‬
‫خصـائـصـهـا األدبيـة والفنـيـة، وكانـت هـذه الدعـوة النبويـة غذاء صالـحـا ً‬
           ‫ً‬
  ‫للروح والفـكـر، فاستتبعـت هذه الدعـوة اإلسـالمـيـة الجديـدة قيـام نظام جديـد‬
  ‫وإدارة جديـدة، وكان ال بد لنشـر الدعـوة الجديـدة من التعليـم واإلرشـاد‬
  ‫والوعـظ، فـكانت األداة الـصالحة لذلك الكالم المنـثـور ال المنظـوم، من أجـل‬
  ‫ذلك فاقت أهميـة النثـر مكانـة الشـعـر، وجعـل القـرآن والحديث النبـوي‬
                              ‫الشـريف للنثـر دولـة، ووضعـاه في منزلـة أسـمى.‬
‫ولمـا جاء اإلسـالم ونزل الفرقـان، وقام النبي صلّى هللا عليه وسلّم بأمـر‬
    ‫ّ‬
‫الدعــوة وصـدع بهـا، أنشـأ ذلك االختـالف في النـاس بين مكـذب ومصـدق،‬
‫فكثـرت دواعـي الحجـاج والكالم والخـطابـة، وأخـذ النثـر ينمـو ويزدهــر‬
‫ويقـوى، فمـن وفـقـه هللا عز وجـل لقـبـول هذه الدعـوة الكريمـة من البلغـاء‬
‫واألدبـاء والخطـبـاء والفصـحـاء أخذوا يتتلمـذون عـلى مائـدة القـرآن الكــريـم،‬
‫ويتطـفـلـون عـلى مائـدة الحــديـث الشــريـف، وبدأوا يشـفــون غلتـهـم األدبـيـة‬
‫والعلمـيـة، ونهـلـوا منهـمـا وعلـوا، فنهجـوا نهجهـمـا في تأييد الديـن الحنيـف،‬

        ‫1 لمزيـد من التفصيـل راجع تاريخ األدب العـربي لسـباعي البيومي، 1/262-662‬

                                       ‫37‬
‫جملة اهلند‬

‫ونشـر الدعـوة اإلسـالمـيـة السمحـة، والرسـالـة الخـالـدة النـيـرة، وتوجـيـه‬
‫النـاس إلى الخـيـر والحـق، والتبشـيـر بالفـوز والنـصـر، واإلنذار من عقـاب‬
‫هللا الشـديـد، وغيـر ذلك من تحميس الجنـود اإلسـالميـة وتبشـيـرهـم بالنصـر‬
‫والتأيـيـد. فهذه األسبـاب كلهـا ساعـدت عـلى نهـضـة النثـر الفـني في هذا‬
                                                ‫العـصـر وبعـد عصـر النبـوة.‬
‫وأيضـا ً أنهـم أشربوا أدبهـم وإنتاجـهـم وخطبـهـم وكتبهـم ورسائلهـم بهذيـن‬
‫المنهليـن الـصافييـن العـذبـين من معـانيهـمـا الشـريفـة، وأساليبهـمـا الرفـيعـة‬
‫الرائعـة، وألفاظـهـمـا الساحـرة، فاتسـعـت أغراض النثـر في هـذا العـصـر،‬
                         ‫واستحكمـت أسـاليبـه، وعذبت ألفاظه، وعمقت معانيـه.‬
                                        ‫أ:- أغراض النثر الفني في هذا العصر:‬
‫إذا قارنـا بين أغـراض الـنثـر الفـني في عـصـر صـدر اإلسـالم وأغـراض‬
‫النثـر الجاهـلي أو موضـوعاتـه، أدركنـا أن النثـر في هـذا العصـر اإلسـالمي‬
‫يختلـف عن الجاهليـة، وتدور موضوعاتـه حول الدين الجديـد كثيـراً، فهي‬
                                                     ‫تشتمـل على ما يأتي:‬
‫تحتـوي أغـراض النـثـر في هذا العـصـر عـلى الدعـوة إلى العقـائـد‬                        ‫6.‬
         ‫اإلسـالمـيـة، وبيـان مبادئـهـا وغاياتهـا وأهـدافـهـا الـسـامـيـة النبيـلـة.‬
‫كمـا تشـتمـل على تبيـان األحكام الشـرعـيـة وحقائقـهـا، والسـيـاسـة الدينيـة‬            ‫2.‬
‫واالجتماعـيـة في عهـود الخـلفـاء إلى والتهـم وقـضـاتهـــــــم وقوادهـم‬
‫كعهـد علي رضي هللا عنه إلى األشتـر النخـعـي، وعهـد عمـر رضي هللا‬
                                       ‫عنه إلى أبي مـوسـى األشعـري وغير ذلك.‬
‫وكذلك اسـتـهـدف إلى الرسـائـل الدينيـة والسياسـية التي تصـدر عـن النبي‬                 ‫4.‬
                                    ‫صلّى هللا عليه وسلّم أو الخليفـة أو عن والتـه.‬
‫واستخـدم كأداة صالـحـة في نشـر الدعـوة الدينـيـة، وأصـبـح معـينـا ً للدولـة‬            ‫1.‬
                         ‫اإلسـالمـيـة الجديـدة، ولسـان المدنيـة اإلسـالمـيـة كافـة.‬
‫"وقد أتاح اإلسـالم اللسـان والقلـم أن يعمـل كل منهمـا عملـه في دأب وجهـد‬               ‫5.‬
‫للدفـاع عنـه والدعايـة له، من إحبـاط المؤامـرات وحركات المقاومـة التي‬
‫لقيهـا في بدء ظهـوره، ثم في الكتابـة إلى الملوك ورؤساء القبائـل والرد‬

                                          ‫47‬
‫جملة اهلند‬

‫عليهـم، والحديث إلى وفودهـم، ثم في استنهـاض همم النـاس، وحفـز‬
‫عـزائمهــم للجهــاد والغــزو، كل ذلك وما إليـه مما يتطلـبـه قيـام هـذا الديـن‬
‫الجديد قد بعث نهـضـة أدبيـة وجهـهـا القـرآن الكريـم، وقومتـهـا أحاديث‬
                       ‫الرسـول وكتبـه وخطـبـه وخطـب صحابتـه وخلفائـه"1.‬
‫هـذه أغـراض جـديـدة قد ابتكـرهـا اإلسـالم، والعـرب ال عـهـد لهـم بهـا مـن‬
‫قبـل، فألـفـوا بهـا، واستخـدمـهـا الفـصـحـاء والبلـغـاء واألدبـاء والخـطـبـاء في‬
          ‫أدبهـم وخطبـهـم ورسـائـلهـم وإنتـاجـاتهـم األدبـيـة والفكـريـة الفنـيـة.‬
                                                          ‫ب:- معاني النثر الفني:‬
‫وكذلك نجـد االختـالف في المعـاني بيـن الجاهليـة واإلسـالم، وذلك ألن هـذا‬
‫العصـر يزخـر بمعيـن فيـاض من القـرآن والحـديث. والجاهليـة لم يكـن بيـن‬
‫يديـهـا أي معـيـن ثر كالكـتـاب الحـكـيـم والحـديـث الشـريف. فهذان‬
‫المـصـدران أو المنـبـعـان العذبـان قد أغدقـا عليهـمـا حـرارة اإليـمـان وقـوة‬
             ‫العقيـدة، وترتيبـا ً وتنسـيـقـاً، وبالجمـلـة تحـيـط المـعـاني بمـا يـأتي:‬
‫يسـتمـد النثـر في العـصـر اإلسـالمي معانيـه مـن منهليـن عذبيـن، همـا‬               ‫6.‬
‫أدب القـرآن وأدب النبـوة، ألنهـمـا وجهـا النـثـر نحـو التخــلـق باألخـالق‬
‫الفـاضـلـة الكـريمـة، والتحـلي باألخـوة اإلنسـانـيـة النبيـلـة، والدعـوة إلى‬
     ‫التوحيـد، وتقرير اإليمـان باهلل وأنبيـائه وكتبـه ومالئكتـه واليـوم اآلخـر.‬
‫كانـت المعـاني تصـدر عن عقـل خصـب، وتفكـيـر منظـم، وملكـة حصيـفـة‬                  ‫2.‬
                           ‫مثقفـة بثقافـة اإلسـالم، وكتاب هللا المعجـز الكريـم.‬
‫أصـبحـت معـاني النثـر في هذا العصـر منظمـة منسقـة، واألفكار مرتبـة.‬                ‫4.‬
‫وذلك ألن اإلسـالم يتطلـب من معتقديـه التنسـيـق والترتيـب والتنظـيـم في‬
‫كل أمر من األمـور، سـواء يتعـلـق بالحيـاة وشؤونهـا، أم باألفكار‬
                                                                    ‫وإنتاجاتهـا.‬
‫امتألت المعـاني بحـرارة اإليمـان، وقـوة العقيـدة، ويغلـب عليهـا الروح‬              ‫1.‬
                                                                         ‫الديني.‬



                                               ‫1 النثر الفني وأثر الجـاحـظ فيـه، ص 18‬

                                         ‫57‬
‫جملة اهلند‬

‫5. وهي فوق ذلك كله صـورة للحيـاة اإلسالمـيـة في هذا العصـر، بما اشتمـل‬
‫عليـه من فتوحـات وانتصـارات وأحداث سياسـية، وثورات فكـريـة‬
                                                          ‫واجتماعيـة.‬
                                                        ‫ج:- أسلوب النثر الفني:‬
             ‫يختلـف النثـر اإلسـالمي في أسلوبـه عن النثـر الجاهـلي فيمـا يـلي:‬
  ‫يمتـاز هذا األسلـوب بحسـن سبكه، وجمـال رصفه، وقوة نظمـه، وإحكام‬                   ‫6.‬
  ‫فصـوله، والتئـام أجزائه. وذلك بسبب تأثرهـم بالقرآن الكريـم والحديث‬
                                                                        ‫الشريف.‬
  ‫كمـا يمتـاز ببعـده عن الغرابة والحوشية النافـرة، والسجع المتكلـف بنهـي‬            ‫2.‬
  ‫الـنبي صلّى هللا عليه وسلّم عن اقتـداء سجع الكهـان المزخرف، و كذلك عن‬
                                                          ‫االستكراه والـصنعـة.‬
  ‫وقـد اتصـف النثـر اإلسـالمي في أسلـوبه بكثـرة االقتبـاس من الذكـر‬                 ‫4.‬
         ‫الحكيـم، وكالم الـنـبي الكـريم من معانـيهـمـا وألفاظهـمـا وأساليبهـمـا.‬
  ‫وكذلك اتسـم بالقـوة والوضوح، والجمـال والجالل، والسـالسة والسهولـة،‬               ‫1.‬
  ‫والتعـبـيـر الواضـح عـن أغـراضـه ومعانيـه. وذلك بفضـل اإلسـالم‬
                                                             ‫والقرآن والحديث.‬
  ‫"ولما جـاء اإلسـالم بفتوحاتـه ازداد النثـر توسـعـاً، وعمـد إلى الصنـعـة،‬          ‫5.‬
  ‫ولكـن في اقتصـاد كبيـر، ال بل غلب عليـه الطبـع، وكان يقصـد فيـه إلى‬
  ‫توضيـح الفكـرة بأيسـر عبـارة وأقرب طرق، وكانت قاعـدة البالغـة فيـه‬
  ‫اإليجـاز، فاتسـم النثـر من ثم بسمـة اإليجـاز"1، وهذا بديهـي ألن العـرب‬
‫يرون البالغـة في اإليجـاز. فليـس معنى ذلك أن النثـر إذا كان مسهبـا ً‬
  ‫متصـفـا ً بخصـائـص األسـلـوب األدبي وعناصـره من حيـث الفكـرة‬
  ‫والعاطفـة والصـورة ال يأتي تحت البالغـة، وال يطلـق عليـه اسـم العـمـل‬
                                                                    ‫األدبي الفني.‬
‫وكذلك نجـد النثـر في هذا العـصـر قد تطـرق إليـه طابع اإلطن ـاب ـ ـ ول و ك ان‬
‫قليـالً ــ، فأحيانـا ً نراه يجنـح إلى اإليجـاز، وأخرى يميـل إل ى اإلطن ـاب، وه ـذا‬

                                       ‫1 تاريخ األدب العربي لحنا الفاخـوري، ص 226‬

                                        ‫67‬
‫جملة اهلند‬

‫بمقتـضـيـات األحـوال والظـروف، "وذل ك ي دل عل ى أن الفـط ـرة كان ت غالب ـة‬
‫عل ى ذل ك العـص ـر، وإن القاع ـدة المط ـردة ل م تك ن شيئ ـا ً آخ ـر غي ر مراع ـاة‬
                                                                       ‫الظـروف.‬
‫ورسـائل عل ي ب ن أب ي طال ب وخطب ـه ووصاي ـاه وعه ـوده إل ى والت ه تج ـري‬
‫عـلى هذا النمـط، فهـو يطيـل حيـن يكتـب عهـداً يبين فيـه ما يجب على الحاكـم‬
‫في سيـاسـة القطـر ال ذي يرع ـاه، وي وجز ح ين يكت ب إل ى بع ض خواص ـه ف ي‬
                                           ‫شأن معيـن ال يقتضي التطـويـل"1.‬
                                                     ‫د:- ألفاظ النثر اإلسالمي:‬
‫أما ألفاظ النثـر في هذا العـصـر، فهـي بعي ـدة ع ن الحوش ي والغ ـريب النـاف ـر،‬
‫والسوقـي المبتذل، والبعيد المعـقـد، وهـي ما فيهـا من سحـر وجمـال، وسالسـة‬
‫وسهولـة، ورشاقـة وخفـة، وهي سليمـة من الخطـأ والعيب واللحـن، فاختي ـرت‬
‫اختي ـاراً جي ـداً، ووض عت ف ي مواضعه ـا المالئم ـة، ووش يت بالبـالغ ـة‬
                 ‫والعذوبـة، وما فيهـا من موسيقى وروعـة وجالل وقوة وتأثيـر.‬
                  ‫موازنة بين النثرين الجاهلي واإلسالمي‬
‫ق د اعتمدن ـا ف ي ه ـذه عل ى م ا كتب ـه صاح ـب الوسـي ـط، فق ـال: إنه ـم ك انوا ال‬
‫يحفلـون بانتقـاء األلفـاظ، والتعمـق في المعـاني وترتيبه ـا، وال يولع ون بالت أنق‬
‫في صوغ العبارات وسجع الك الم، وال يبع ـدون الشـق ـة بي ـن طرف ي الجـمـل ـة،‬
‫وبخاصـة الحكمـة والمثـل، على قصـد منهـم إلى اإليج ـاز ف ي األلف اظ، وتعم ـد‬
‫إلى استيفـاء المعنى م ن غي ر إخ الل، اعتم ـاداً ع ـلى سليق ـة المتفـه ـم لكالمه ـم‬
                                                                 ‫ودقيـق كناياتهـم.‬
‫إن أهـل هذا العـصـر لمـا ط رأ عليـه ـم م ن الح وادث االجتمـاعي ـة والسـياسي ـة‬
              ‫والدينيـة، قد خالفـوا طريقـة سابقيهـم بما يمكن إجمـالـه فيما يأتي:‬
‫6. اتسـاع وجـوه الكالم ومقـاصده التسـاع الملك ودواعي السيـاسـة وشعائـر‬
                                                             ‫الديـن.‬



                                            ‫1 النثر الفني في القرن الرابع، ص 68-98‬

                                       ‫77‬
‫جملة اهلند‬

‫2. عنايـة أهـل هذا العـصـر بعـض العـنـايـة بتهذيـب ألفاظهـم، فهجروا‬
‫بعـضـا ً وحرصـوا على آخـر، وسعـد من بيـن هذه األلفـاظ باالستعمـال‬
‫والرواج ما دار في عبارات القرآن والسنـة، مع حفلهـم بتوليـد الحديـث‬
                                                              ‫من القديم.‬
‫4. تأنقـهـم في صوغ عبـاراتهـم ومحاكاتـهـم فيهـا ألسالـيـب الكتـاب‬
‫والسـنـة، واقتبـاسـهـم منهـمـا واستشـهـادهـم بهـمـا، وقلـة اقتـصـارهـم‬
‫على الجمـل القصيـرة والمـسجوعـة، وبقائهـم على اتبـاع خطـة اإليجـاز‬
‫في أول هـذا العـصـر، وميلهـم إلى اإلطنـاب أواخره، وغلبـة استعمـالـهـم‬
‫في مبـادئ الرسـائـل والخـطـب، والـتحمــيـدات والصـالة على الـرســول‬
                                  ‫الـكـريــم، والثنـاء على هللا ونحو ذلك.‬
‫1. ترتيبهـم للمعـاني واألفـكار بدون تغلغـل فيـهـا، ويظهـر ذلك جليـا ً في‬
‫الخطـب التي كانوا يعـدونهـا قبـل القـول، وفي الرسائـل التي كانت تدور‬
                        ‫بيـن الخلـفـاء واألمـراء أخـريـات هـذا العـصـر1.‬
‫والدكتور عمر فروخ يرى أن النثر اإلسالمي يختلف عن النثر الجاهلي ف ي‬
                                                         ‫عدة أمور:‬
‫6. إن هـذا النثـر الذي جاء إلينـا من صدر اإلسـالم كان موثـوق الروايـة‬
                         ‫ثبتـا أكثر من النثـر الذي وصل إلينـا من الجاهليـة.‬
‫2. ثـم أن هذا النثـر كان، بطبيـعـة الحـال، شـديـد التـأثـر في أغـراضـه‬
‫وأساليبـه بالقـرآن الكـريـم من وجهـيـن: كان في الدرجـة األولى أفـصـح‬
‫ألـفـاظاً، وأسـهـل تـركـيـبـاً، وأعـذب تعـبـيـراً، وأمـا مـن الجـهـة الثـانـيـة‬
‫فقـد كان أمتـن سـبـكاً، وأبرع داللـة، وآنق ديبـاجـة، ألن الناثريـن كانـوا‬
‫قـد تأثـروا ببالغـة القـرآن الكـريـم التي كانت تجـري في أسـاليـب‬
‫متعـددة بـتعـدد األغـراض من ترغيـب وترهيـب، ومن وعد ووعيـد،‬
‫ومن سرد وقصـص، ومن وصـف وتشـريـع. ثـم أن العـرب كانوا قد‬



                                                   ‫1 الوسيـط في األدب، ص 862‬

                                     ‫87‬
‫جملة اهلند‬

‫جعـلوا النثـر ميـدان براعتـهـم في التعبيـر عن المقـاصـد والمعـاني، بعـد‬
                   ‫أن كانـوا قـد انصـرفـوا عن الشعـر كثيـراً أو قليـالً1.‬
                              ‫القــــرآن الكــــريم‬
‫من أهـم العـوامل التي لعـبت دوراً هام ـا ً ف ي تط ـور النث ـر الفن ي ف ي العـص ـر‬
‫اإلسـالمي، واتسـاع م داه وفس ـح مجال ـه وآفاق ـه، ه ي الق ـرآن الك ريم، بالغت ـه‬
‫وإعجـازه وأسلوبـه الذي غيـر منـاهـج التفكيـر، وطبيعـة الحي ـاة األدبي ـة، وق ـد‬
‫ارتفـع بمسـتوياتـه الفكريـة والعـاطفيـة والبـالغيـة، وكل هذا ــ من غيـر شك ــ‬
‫ق د طع ـم النث ـر الفن ي بطعـوم ـات جدي ـدة تتـض ـح فيه ـا معـال ـم ه ذا التـط ـور‬
‫الش ـامل ال ذي ترت ب عل ى ظه ـور اإلس ـالم، فق د أح دث في ـه فنون ا ً جدي ـدة،‬
‫وموضـوعـات حديثـة، لم يعه ـد به ـا الـع ـرب م ن قـب ـل. فكس ـاه خل ع الحيوي ـة‬
‫والحرك ة والق وة، وعرف ه ببيئ ـة يحيطه ـا االستق ـرار، والح رارة اإليماني ـة،‬
      ‫والعاطفـة الدينيـة القويـة الجيـاشـة، فازداد توسعـا ً وتفوقـا ً عوض الشـعـر.‬
                                                             ‫أ:- إعجاز القرآن:‬
                                                  ‫ٌ‬
‫إن القرآن الكريـم أثرٌ خالـد من آثار النثـر العربي، ومعجزة فني ة رائع ة س تبقى‬
‫على مرّ الزمان، وتاج لتلك النهضـة األدبيـة عرفهـا العـصـر الجاهلي، وعامل‬
 ‫من أقوى العوامل التي وجهت تطور الحيـاة األدبية في العصـو ر اإلسـالميـة.‬
‫وم ن المؤك ـد أن الق ـرآن الك ـريم نث ـر فن ي خال ـص، بل ـغ ف ي نظم ـه وأسلوب ـه‬
‫وتفوقـه وإحكامـه إلى مرتبـة ال يسـامى فيهـا، وال يدرك مـداه ـا، وه ي مرتب ـة‬
‫اإلعجـاز، وقـد نزل بلغـة العـرب، وعلى لسـان رجل من رجالـه ـم، ن زل بتل ك‬
‫اللهجـة األدبيـة العامـة الموحـدة التي كان بهـا التصـاول والتج ـاول ف ي مي ادين‬
‫البالغ ـة والبي ـان، وبه ـا وردت معظ ـم اآلث ار األدبي ـة م ن شع ـر ونث ـر. وإن‬
‫العـرب كانوا أهل لسن وبالغـة وفصـاحـة، ولهـم في ميـدان البيـان قدم ثابتـة،‬
                                                                        ‫ّ‬
‫فلم ا تحداه ـم الق رآن الحكي ـم أن ي أتوا بمثل ـه أو بعش ر س ور أو بس ـورة واح دة‬
                           ‫على األقل، عجـزوا عن اإلتيـان بمثلـه، ألنه معجـز.‬



                                     ‫1 تاريخ األدب العربي لعمر فروخ، 2/211-111‬

                                       ‫97‬
‫جملة اهلند‬

‫وقد اختلف العلمـاء في وجـه اإلعجـاز1، فمن قائل إنه ش رف الغ رض، وتن وع‬
‫القص ـد، واإلخب ـار بالغي ـب، وم ن قائ ل إن ه الفص ـاحة الرائع ـة، والم ذهب‬
‫الواضـح، واألسلوب المؤنق، وإن إعجـازالقـرآن إنمـا يتمثـل أكثـرما يتمثـل في‬
‫طريقت ـه الف ـذة ف ي نظ ـم الجم ـل، وتركي ب األلف ـاظ، والمالئم ـة الدقيق ـة بينه ـا‬
‫وب ين المع اني، ومراع اة الظ ـروف ومقتضـي ـات األح وال بص ـورة ت دعو إل ى‬
‫اإلعج اب والدهش ـة، يق ول الب اقالني: "فالق ـرآن أعل ى من ازل البي ان، وأعل ى‬
‫مراتب ـه م ا جم ـع م ن وج وه الحس ـن وأس بابه، وطرق ـه وأبواب ـه، م ن تع ديل‬
‫النـظـم وسالمتـه، وحس ـنه وبهـجت ـه، وحس ـن موقع ـه ف ي السـم ـع، وسهـولت ـه‬
‫على اللسـان، ووقوعـه في النفس موقـع القب ول، وتص ـوره تص ـور المشـاه ـد،‬
‫وتشـكلـه على جهتـه حتى يحـل محـل البره ـان، و داللـــــــ ـة التألي ـف مم ـا ال‬
                                         ‫ينحـصـر حسـنـا ً وبهجـة وسنـاء ورفعـة "2.‬
                                                    ‫ً‬
                                                    ‫ب:- أسلوب القرآن الحكيم:‬
‫إذا تتبعنـا أسلـوب القـرآن الكريم، وتأملنـا فيـه، وأمعـنـا النظـر في معانيـه‬
‫وأسـراره، وجدنـا أنه نسـيـج وحـده وفريـد عهـده ــ من بيـن الكتـب األدبيـة‬
‫النثريـة الفنيـة ذات البالغـة والفصـاحـة والبيـان ــ مـن ناحيـة النظـم والتألـيـف‬
‫والنسـق البياني، وإنـه يتفـرد ويتميـز كل التمييـز عن األساليـب النثريـة، ال‬
                                    ‫يصـعـد إلى سموّ بيـانـه أسـلـوب وال يدانيـه.‬
‫إن القـرآن الكريـم نثـرٌ فني خالـص، ال يبلـغ إلى مرتبتـه كالم العـرب من‬
‫الفـصـحـاء والبلغـاء واألدباء في النظـم والترتيـب في المعاني واأللفـاظ، وفي‬
‫جودة البنـاء ومحكم السـبـك وفصـاحـة األسلوب، وفي تأديـة األلفـاظ لمعانيهـا،‬
‫وانطبـاقـهـا على مدلوالتهـا، وإن كانوا ذوي فصـاحـة وبالغـة وبيـان. فللقـرآن‬
‫أسلـوب ال يشـاركـه وال يضـاهيـه أسلـوب كالم البشـر قبـلـه وال بعـده، فـال‬
‫يشـوبه سجـع وال مزاوجـة، وال يمسـه الشـعـر الموزون المقفى وال الخطابـة،‬
‫يقـول ابن خلدون: "أما القـرآن، وإن كان من المنثـور، إال أنه خارج عـن‬

‫1 للتفـصيل راجع كتب إعجاز القـرآن للباقـالني والرمـاني والجرجـاني والخطابي والرافعي‬
                                                                       ‫وغيرهـم‬
                                                  ‫2 إعجـاز القـرآن للباقالني، ص 126‬

                                        ‫08‬
‫جملة اهلند‬

‫الوصفين، وليس يسـمّى مرسـالً مطلـقـا ً وال مسـجعـاً، بل تفصـيـل آيات ينتهي‬
‫إلى مقاطـع يشهـد الذوق بانتهـاء الكالم عندهـا، ثم يعـاد الكالم في اآليـة‬
‫األخرى بعـدهـا، ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعـا ً وال قافيـة ....‬
‫ويسـمّى آخر اآليات منهـا فواصـل، إذ ليسـت أسجـاعـاً، وال التزام فيهـا مـا‬
‫يلتزم في السـجـع، وال هي أيضـا ً قواف ...."1. بل وإنمـا هو نظـم بديـع رائع‬
‫من كالم عذب اللفـظ، محكـم الوضـع، باهر الروعـة، حصيـف المعنى، وهو‬
‫دقيـق التشبيـه، جميـل التمثيـل، يجمع بيـن الجزالـة والسهولـة، وبيـن السـالسـة‬
‫والعـذوبـة، وبيـن االنسـجـام والتنغيـم، ويرى األستـاذ محمـد الرابع الحسـني:‬
‫"لقـد جمـع القـرآن بيـن غزارة المعنى وإحكامـه، ورصانة اللفــظ‬
‫وفـصـاحـتــه، واشتمـل عـلى نـواح فكـريـة ونفسـيـة مختلفـة من تشـريـع‬
‫وتهـذيب ووصـف، في أبلـغ الصـور البيانيـة معنى وعبـارة، وأشـدهـا‬
‫وأسمـاهـا تأثيـراً ومكانـة، مع عدم التقيـد بقيـود الفـن المفروضـة أو طرق‬
         ‫أدبيـة مرسومـة، بل سار على التجديـد واالبتـكار والتنويـع واإلعجـاز.‬
  ‫فليسـت طريقتـه طريقـة الشعـر الذي يتبـع خطـة نظـم مألـوف، وليسـت من‬
  ‫النثـر المطـلـق الخالي من جمـال التعبيـر ومحسـنات اللفـظ واإليقـاع أيضـاً، بل‬
  ‫أنهـا طريقـة بينهـمـا تتقيـد بقيـود تشبـه في بعـض خصـائصـهـا قيـود الشـعـر‬
  ‫الجميـلـة، وتتحـرر في أخرى بحيـث تشـبـه النثـر الفـني الجميـل، ولكنـهـا‬
  ‫تفـوق طريقتي الشـعـر والنثـر كلتيهـمـا على كل حال، وتحمـل تأثيـراً أعـظـم‬
  ‫من تأثيـرهمـا، وفائـدة أوسـع من فائدتيهـمـا، وجمـاالً أسحـر، ومعـنى أغـزر‬
  ‫منهـمـا جميعـا ً. وحينـا ً يمتلئ أسلوبـه بجمـال العبـارة، وتأثيـر اللفـظ مع جزالـة‬
  ‫المعنى وقوتـه، فتحمـل تأثيـراً أشـد من تأثيـر الشعـر، عذوبة أشد من‬
‫عذوبتـه، وتحمـل أواخـر آياتـه مع تحـررهـا من قيـود النظـم المقـررة جرسـا ً‬
                                                                  ‫شعريا ً مؤثراً"2.‬
‫والدكتور شوقي ضيـف يرى "أنه حقـا ً اختـط أسلوبا ً جزالً، له رونق وطالوة‬
‫مع وضوح القصـد والوصول إلى الغرض من أقرب مسـالكه. وهو أسلوب‬
‫ليس فيه زوائد وال فضـول، فاللفظ على قدر المعنى، وكأنما رسـم له رسمـاً،‬

                                                   ‫1 مقدمـة ابن خلدون، ص 216‬
                                         ‫2 األدب العربي بين عرض ونقد، ص 62-22‬

                                        ‫18‬
‫جملة اهلند‬

‫وهو لفـظ ال يرتفـع عن األفهـام وال عن القلوب، بل يقـرب منهـا حتى يلمس‬
‫الشغاف. ومما ال شك فيه أن القـرآن هو الذي ابتـدع هذا األسلوب المحكـم، بل‬
‫هذا األسـلوب السـهـل الممتنـع الذي يلذ اآلذان حين تسـتمـع له، واألفـواه حين‬
‫تنطـق به، والقلوب حين تصـغي إليـه، هذا األسلوب الذي يميـز عربيتنـا،‬
‫والذي اسـتطاع أن يفتح القلوب حين فتح العـرب األمصار، فإذا أهلهـا‬
‫مشـدوهون، وإذا هم يهجرون لغاتهـم المختلفـة إلى لغتـه الصافيـة الشـفافـة.‬
‫واقرأ في قوارعـه حيـن يتحدث عن البعـث والحسـاب والعـذاب، وفي‬
‫مالطفاتـه حيـن يتحدث عن الرحمـة والمغفـرة، أو حيـن يتحدث إلى رسولـه،‬
‫فإنك ستجـد األسـلوب دائما ً مطرداً في جودة اإلفهـام وروعتـه، مع سهولـة‬
                                         ‫اللفـظ ومتانته وسالمتـه من التكلف"1.‬
‫ومن أبرز مميزات األسلوب القرآني أنه يرعـى رعاية دقيقة في نظمـه وتأليفـه‬
‫الظروف واألوضـاع، والمناسبات ومقتضيـات األحوال، فأحيـانا ً يطيـل الكالم،‬
‫وأخرى يوجزه إذا دعت إليـه الحاجـة والمقـام، وطوراً يقدمه وآخر يؤخره،‬
‫ويعرفه وينكره، وتارة يأتي الكالم حسـب المكان، من حيث الذكر والحذف،‬
‫والتلميـح والتصريح، واالسـتعارة والتشـبيـه، ودقة اإلشارة وسرعة اللمح. وكل‬
‫ذلك في أداء محكم معجز، وإنشـاء عال رصين، مع موسيقى وروعة وبالغة‬
                                                                  ‫وتعبيـر.‬
‫ومن أهم خصائص أسلوب القـرآن أنه يوافـق موافقـة تامـة كاملـة بارعـة‬
‫نفسيـة المخاطب في تأدية األغراض المنشـودة الفاضلة، من أجل ذلك تأتي‬
‫عباراته في أداء معانيـه وأغراضـه حسـب مقتضى األحوال، ومطابقا ً لألجواء‬
‫الذهنيـة والوجدانيـة للمخاطبيـن التي يسـبحون فيهـا. وكذلك يقوم أسلوبه في‬
‫األداء النفسي على مالحظة الصلة الدقيقـة بين اللفـظ والمعنى، والمناسـبـة بيـن‬
‫العبـارات والربط بينهـا بما يوافق االنفعال النفسي من عنف ورقة، فهو يأخـذ‬
‫النفس دائمـا ً بموافقه. ومن المحقـق أن أصدق األدب وأعذبه وأروعه هـو ما‬
‫يثيـر االنفعـال ويحرك العاطفة والنفس بحركتـه دائمـاً، ولذلك تنوعـت أساليب‬



                                       ‫1 العصـر اإلسالمي لشـوقي ضيـف، ص 66‬

                                     ‫28‬
‫جملة اهلند‬

‫القرآن الكريم بتنوع الحالة والموضوع وباختالف مسـتوى الوعي الوجداني‬
               ‫والنفسي للمخاطبين، كل ذلك في تناسق دقيق وانسجام لطيف.‬
‫ويجري أسلوبه على نمط فريد من البالغة المتدفقـة، والفصاحة الباهرة،‬
‫والروعة التصويرية، وجمال الديباجة، وإشـراق البيان، وقوة المنطق، ودقـة‬
‫التعبير، وعبقرية التصـوير، وشدة التأثيـر، وله أسلوب يتدفق بالبالغـة‬
‫وحرارة اإليمان، والعاطفـة الجياشـة، والفكـر الرفيـع، والخيـال الصادق،‬
‫والنظـم الرائع الذي يتملك على القارئ والسـامع لبـه ووجدانه، وعقلـه وبيانـه.‬
‫وكذلك يتصـف بجمال التعبيـر، ودقة التشبيه، وحسـن التأليف، وتخير األلفاظ،‬
‫والتئام الكلمات، وإحكام الصنعة، وجودة السبك، وكمال البيـان، ومتانـة النسـج،‬
‫وروعة التصويـر. "وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب‬
‫الكالم المعتـاد، وليس للعرب كالم مشتمل على مثل هذه الفـصاحة والغرابة‬
‫والتصرف البديع، والمعـاني اللطيفة والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتشابه‬
‫في البراعة، والتناسب في البالغة، على هذا الطول وعلى هذا القدر"1، وإنمـا‬
‫تنتسـب إلى حكيمهـم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد‬
‫محصورة يقع فيهـا أحيانا ً االختالل واالختالف، والتعمل والتكلف، والتجـوز‬
‫والتعسـف. ولقـد جاء القـرآن على كثرتـه وطولـه متناسبا ً في الفصاحة على ما‬
‫وصفه هللا به: "هللا نزل أحسـن الحديث كتابا ً متشـابها ً مثاني تقشعـر منـه جلـود‬
‫الذين يخشـون ربهـم ثم تلين جلودهـم وقلوبهم إلى ذكر هللا"2، "ولوكان من عند‬
‫غير هللا لوجدوا فيـه اختالفا ً كثيـراً"3. وكذلك يمتـاز "باالستدالل على حقـائـق‬
‫األمور باآلثـار المشـاهدة في خلـق السموات واألرض، وبقيـاس الـغائب على‬
‫الشـاهـد، وبضرب األمثال، وبالبراهيـن العقليـة المجردة، وفيه من حسـن‬
‫التقسيم، وجمال المقابلة، وروعة الطبـاق وبديع الجناس، ورفيع الفواصل، ما‬
                    ‫يهز القلوب، ويملك على عقل اإلنسـان كل منافذه وأبوابه"4.‬



                                 ‫1 الحيـاة األدبيـة في عصـر صدر اإلسـالم، ص 68‬
                                                          ‫2 سورة الزمـر: 61‬
                                                          ‫3 سورة النسـاء: 16‬
                              ‫4 الحيـاة األدبيـة في عصـر صـدر اإلسـالم، ص 86-26‬

                                      ‫38‬
‫جملة اهلند‬

  ‫إنه قد عني عناية فائقـة بضرب األمثـال وسرد القصص، ليكون في ذلك‬
‫العظـة والعبـرة بحال من سبق من األمم، وإن آياته المحكمات قد رتبت ترتيبـا ً‬
  ‫جميـالً، ونظمت نظمـا ً رائعـا ً محكمـاً، يجعـل لترتيلهـا لذة وحالوة ال يحس‬
  ‫بهمـا اإلنسـان في أسلوب نثري آخر، مهمـا أتيح له من قوة البيان وجودة‬
  ‫اإلنشـاء. وإنه قد ابتـدأ كثيـراً من سوره بألفـاظ مبهمـة الداللـة غير مفهمومة‬
  ‫المراد، مثل: طسـم، حم، الم، عسق، إلى آخر هذه االبتداءات التي اختلف‬
  ‫العلماء والمفسـرون في فهـم معناهـا، وتعييـن المراد منهـا، وهي على الرغـم‬
  ‫من خفـاء داللتهـا، إال أن لهـا وقعـا ً حسنـا ً في الكالم، وأثراً عميـقا ً في النفـس‬
                                       ‫ما يزيد األسلوب روعة ورهبة وقوة أسر1.‬
 ‫أما ألفاظ القـرآن الكريم فهي سهـلـة متينـة قويـة سلسـة متخيـرة عذبة، بريئـة‬
 ‫من الضعـف وااللتواء، منطبقة على مدلولهـا، مؤدية معانيهـا المنشـودة،‬
 ‫متسـمة باالنسجام واألنغمـام، بعيـدة عن الحوشيـة والغـريبـة النافـرة والسـوقي‬
 ‫المبتذل، متحليـة بالسحـر والجمـال والرشاقــة والخفـة، فهـي كأنهـا درّ المـع‬
‫منثـور مصبوغ، "تشـع نوراً كمـا يشـع الفجـر، وتهـدر حركـة وحيـاة ونمـواً‬
 ‫وتجـدداً كمـا يهـدر البحــر، وتهـدأ وتعـذب وتسلـس كمـا تهـدأ صفحـة‬
 ‫الـنهـر"2، هــي "ألفـاظ إذا اشتدت فأمواج البحـار الزاخرة، وإذا هي النـت‬
                                                      ‫فأنفاس الحياة اآلخرة"3.‬
‫أما معانيـه فهي ما تشـمـل علـيـه من صـدق ووضـوح وحق وجالل، وهي من‬
‫غيـر معيـن العـرب الذي ينـهـلـون منـه، لقـرب تنـاولـهـا ووضـوح صـدقـهـا،‬
‫واطـمـئـنـان النفـوس إلـيهـا، ولمـا تنتظـمـه من الحـجـة الباهـرة، واألدلـة‬
‫السـاطعـة، واألحـكام الصـائـبـة، والتـشبيهـات الرائعـة، ومعـان بينـا هي‬
‫عذوبـة ترويـك من ماء البيـان، ورقـة تسـتروح منـهـا نسـيـم الجنـان، وبحـق‬
                                 ‫أنه معجـزة البيـان، وآيـة النبـوة المحمـديـة.‬



                                          ‫1 النثـر الفني وأثر الجاحـظ فيـه، ص 21‬
                         ‫2 الحيـاة األدبيـة في عـصـري ..... لخفـاجي ورفاقـه، ص 181‬
                                                     ‫3 إعجـاز القـرآن للرافـعي، 16‬

                                         ‫48‬
‫جملة اهلند‬

‫وإذا أمعـنـا النـظـر في السـور المكيـة والمدنيـة من ناحيـة المضمـون‬
‫واألسـلـوب رأيـنـا اخـتـالف األحـوال يسـتـدعـي اختـالف األسـلـوب، كـمـا قال‬
‫أبـو هـالل العسـكـري: "قـد رأيـنـا هللا تعـالى إذا خاطـب العـرب واألعراب،‬
‫أخرج الـكالم مخرج اإلشارة والوحي، وإذا خاطـب بني إسـرائـيـل وحكى‬
‫عنهـم، جعـل الكالم مبسـوطاً، وقلمـا تجـد قصـة لبني إسـرائيـل في القـرآن إال‬
‫مطـولـة مشـروحـة، ومكـررة في مواضـع متعـددة لبـعـد فهـمـهـم وتأخـر‬
‫معـرفـتـهـم "1 . ويقـول ابن قتيبـة في هذا الصـدد، متـحـدثـا ً عن اإليجـاز:‬
‫"وهـذا ــ اإليجـاز ــ ليـس بمحمـود في كل موضـع، وال بـمخـتـار في كل‬
‫كتـاب، بل لكل مقـام مقـال، ولو كان اإليجـاز محموداً في كل األحـوال لجـرده‬
 ‫ّ‬
‫هللا تعـالى في القـرآن، ولم يفعـل هللا ذلك، ولكنـه أطال تارة للتوكيـد، وحذف‬
                                       ‫تارة لإليجـاز، وكـرّ ر تارة لإلفهـام"2.‬
‫وملخص القـول أن الـقـرآن الكـريـم لم يلتـزم في أسلوبـه طريقـة واحدة، بل‬
‫كان يختـلـف باختالف الظـروف، ويتبايـن بتباين مقتضيـات األحوال،‬
‫ويستخـدم لكل حالـة ما يناسـبهـا من اإليجـاز أو اإلطنـاب، الذكـر أو الذف،‬
‫التقديـم أو التأخيـر، الهدوء أو االنفعـال والحرارة، وكل ذلك في بنـاء محكـم،‬
    ‫وسبك جيـد، وتناسـق دقيـق، وانسجام لطيف، وإنشـاء بديـع، وبيـان رفيـع.‬
                                                      ‫ج:- التصوير القرآني:‬
‫التصـوير في القـرآن الحـكيـم يوجـه أوالً وقبـل كل شيء إلى النفـوس البشـريـة‬
‫ليحـدث فيهـا تأثيـره الفعـال، فإن هذه الصورة تعتمـد على عنصـر الصوت،‬
‫وذلك ألن مادة الصـوت هي مظهـر االنفعـال النفسي، فلذلك يرعى القرآن‬
‫األثر الصوتي الذي تتركه الكلمة على نفـس المخاطب، وفي ذلك أنه يرعى‬
‫أيضـا ً الجو النفسي والوجداني للمخاطب في كثيـر من األحيـان، فتؤثر الكلمـة‬
‫على ذهـن المخـاطب بشكلهـا ومبناهـا نفـس التأثيـر الذي يؤثر به معنى‬
                                                                    ‫الكلمـة3.‬


                                                   ‫1 كتـاب الصناعتيـن، ص 121‬
                                                        ‫2 أدب الكاتـب، ص 11‬
                                          ‫3 األدب العـربي بين عرض ونقـد، ص 92‬

                                     ‫58‬
‫جملة اهلند‬

‫والتصويـر القـرآني نشـعـر من خاللـه بأن الكالم وراءه قوة أعلى من أن‬
‫تنفعـل بهذا الغـرض أو ذلك، قوة تؤثر حيـن تصـور وال تتأثر، قوة العالـم‬
‫بخفايـا النفـوس وطبائع األشيـاء، فهـو يسـوق لهـا من ألوان المؤثرات مـا‬
                              ‫يتناسـب مع طبيعتهـا وينفذ منها إلى األعماق.‬
‫أمـا الـتـصـويـر عـنـد الـبـلـغـاء، فـيـكـون عـلى مـعـرفـتـهـم بـطـبـائـع األشـيـاء‬
‫ودخـائـل الـنـفـوس، فـلـذلـك ال يـخـرج عـن نـطاق الـتـصـويـر الـبـشـري‬
‫فـحـسـب، فـضـالً عـن أن تـكـون عـلـيـه مـسـحـة االنـفـعـال بـأغـراضـه. مـن‬
‫أجـل ذلـك يـكـون تـأثـيـره في الـسـامـع أو الـقـارئ عـلى قـدر تـأثـره الـطـبـع‬
                                                                       ‫أوالـتـطـبـع.‬
‫والـفرق بيـن التـأثـيـر البشـري والقـرآني هو أن تأثـيـر التـصـويـر في غـيـر‬
‫القـرآن ال يتعـدى سلطـانـه على النفـوس حد اإلطـراب والحـصـول عـلى‬
‫اإلعجـاب، فينقضي هذا اإلعجـاب واإلطـراب بانـتـهـاء معـالـم هذا التصـويـر‬
‫والتعبيـر. أما تأثيـر التصـويـر القرآني فإنه يسـري في النفوس سريان الروح‬
‫في األجسـاد، فال يزال يحركهـا، ويتسـلط على مشـاعرهـا، فـال تملك النفـس‬
      ‫إال أن تتابع بخيالهـا ووجدانهـا تلك الصـورة، ذاهبـة وراءهـا كل مذهـب.‬
‫وإذا نظـرنـا إلى األحـداث والمشـاهـد، والقصـص والمناظـر، وأخبـار األمـم‬
‫الماضـيـة والقـرون الخالـيـة، وإلى الحـيـاة اإلنسـانـيـة في حاضـرهـا‬
‫وماضيـهـا ومسـتقبلهـا، المسـوقـة في القـرآن الكريـم ألداء الغـرض الديني،‬
‫وإلـى آياتـه المحكـمـات التي تعـبـرهـا وتصـورهـا، إذ أن هـذا التصـويـر‬
‫والتعبيـر يأتي بالصـورة الحسـيـة المتخيـلـة عن المعنى الذهني والحالـة‬
‫النفسـيـة، رأينـاهـا شاخصـة حاضـرة فيهـا الحيـاة والحركـة، فإذا أضيـف إليهـا‬
‫الحوار فقـد اسـتوت لهـا عندئـذ كل عنـاصـر التأثيـر. ومن أجل ذلك تخاطـب‬
‫العقـل والقلـب معـاً، وهذه الصورة الحيـة النابضـة التي يتمـالهـا الخيـال،‬
        ‫تنطـبـع في النفـس، وتؤثر في الحـس، وتقـنـع الخيـال، وتمتـع الوجدان.‬
‫فالتصـويـر القـرآني يتمـيـز بالـتـنـاسـق الـفـني البـديـع، الـذي يجـمـع في إطـار‬
‫الـصـورة، مـع رشـاقـة الـلـفـظ، ودقـة المعـنى، وجمـال االتسـاق بيـن اللفـظ‬
‫والمعـنى. ومن خالل هذا التنـاسـق نجـد أن القـرآن الكـريـم يستخـدم كل ما‬

                                        ‫68‬
‫جملة اهلند‬

‫يمكـن من الوسـائـل المثيـرة للخيـال، من تشبـيـه وتمثيـل واستعـارة وكناية‬
‫وغيرهـا، لكي تفعـل فعلهـا في النفـوس، ولكي تتعـمـق الصـورة وتثـبـت في‬
                                                       ‫اإلدراك والوجـدان.‬
‫وكذلك يخـتـص أسلـوب التـصـويـر القـرآني بسـرعـة االنـتـقـال وروعتـه من‬
‫معـنى إلى معـنى، أو "من حالـة إلى حالـة، انتـقـاالً يحـرك النفـس ويزيد من‬
‫متابعـة الخيـال لهذه الـصور المتتـابعـة، وهي تنتقـل مـن الدنيـا إلى اآلخـرة،‬
‫وترتفـع من األرض إلى السـمـاء، وتتحـول مـن خطاب اإلنسـان العـاقـل إلى‬
‫خطاب الجـامـد الذي ال يفـهـم وال يعي، واألعجـب من هذا، أن التصـويـر‬
‫القـرآني مع كونـه في أروع الكلمـات افتنانـا ً وتنويعـا ً في الموضـوعـات، هو‬
‫أروعه افتنـانـا وتنويعـا ً في الموضـوع الواحـد، مـع أن هذه التحـوالت‬
‫السـريعـة المستمـرة، والتنقـالت العديـدة المنوعـة مظنـة االضطـراب، ولكنـه‬
‫التصـويـر القـرآني الـذي يحتـفـظ دائمـا ً بتـلك الطـبـقـة العـلـيـا مـن متـانـة‬
‫النـظـم وروعـة التـأليـف وجودة السـبـك، حتى صـاغ من هـذه األفانيـن‬
‫الكـثيـرة منظـراً مؤتلفـا ً متنـاسقـاً، يشهـد لهذه القـدرة الباهـرة بـالعـظمـة‬
                                                          ‫واإلبداع واإلعجـاز"1.‬
‫والتصـويـر فـي القـرآن الكـريـم يقـصـد بـه شرح النفــوس اإلنسـانيـة المقفـلـة،‬
‫وفتـح العقـول المغلقـة لفهـم الحقائـق الدينيـة الناصعـة وتلقيـهـا، لذلك تأتي فيـه‬
‫المعـاني والمشـاهـد مصـورة بصـورة صـادقـة مخيـلـة محسـوسـة، فصـوره‬
‫تمـوج كمـا تمـوج البحـار الزاخـرة، وتهتـز كمـا تهتـز العواصـف، وتتحـرك‬
                             ‫كمـا تتحـرك األشـبـاح لراكـب مسـرع في السـيـر2.‬
                                                               ‫د:- السور القرآنية:‬
‫إن س ور الق ـرآن الكـري ـم لنجـده ـا بي ـن القص ـار والط ـوال، ولكنه ـا تج يء‬
‫ممثـل ـة لفـك ـرة، ومص ـورة لغ ـرض، ومؤدي ـة لمع ـنى، وتسـي ـر ف ي جوه ـا‬
‫العـبـق، وأفقـهـا الـسـاحـر، وجوانـبـهـا المشـرقـة، وهي مع طولـهـا وقـصـرهـا‬
‫سلسـل ـة م ن الحـلـق ـات، محـكـم ـة االتـص ـال، مشـرق ـة الص ـور والقسـم ـات‬

                                               ‫1 الحيـاة األدبيـة في عصـري ...، ص 211‬
  ‫2 لمزيـد من التفصيـل يراجع كتـاب التصـوير الفني في القـرآن، وكتـاب مشـاهـد القـيـامـة‬
                                                                           ‫للسيـد قـطـب‬
                                         ‫78‬
‫جملة اهلند‬

  ‫والصـفـحـات، متـعـاقـبـة ف ي التـرتـي ـب، ممـثـل ـة ف ي كلم ـات. فنج ـد ف ي ه ـذه‬
‫السـورة فكـرة واحـدة غيـر الفـكـرة التي تمثـلـه ـا الس ـورة األخ ـرى، وغرض ـا ً‬
  ‫واضـح ـا ً غي ـر الغ ـرض ال ذي تقص ـد، وتت وخى إلي ـه الس ـورة الالحق ـة أو‬
                                                                           ‫السـابقـة.‬
‫ونجـد لكل سورة اسمـا ً عجيبـا ً من البقـرة، والمـائـدة، والنسـاء، واألعـراف،‬
‫واألنـفـال، والتـوبـة، ويـوسـف، والـكـهـف، ومريـم، والتـحـريـم، والسـجـدة،‬
‫والطـالق، والجمـعـة، والعـاديـات، والعـصـر إلى غيـر ذلك، فلكل اسـم مـن‬
                           ‫أسمـاء السـورة قـصـة، ولكل قـصـة حدث وعبـرة.‬
‫وكذلك نجـد أن كالً من السـور القرآنيـة تتمـيـز بالحركـة والقـوة ودقـة‬
‫التصـويـر، وإبراز معـالـم المعـنى جـزءا جـزءا، وحركـة بعـد حركـة. فإذا‬
‫تأملنـا مثـالً في هذه اآليـة: "وتركنـا بعـضـهـم يومئـذ يموج في بعـض ونفـخ‬
‫في الـصـور فجمعـنـاهـم جمـعـا ً "1 ، لرأيـنـا فيهـا هـذه الحـركـة العـنـيـفـة‬
‫المتـدافـعـة ممثـلـة في أروع بيـان، وأبسـط تعبيـر، ولرأيـنـا فيهـا هـذا اإليجـاز‬
‫الرفـيـع البليـغ من أداء المعـنى كامـالً غيـر منـقـوص، ولرأيـنـا فيهـا هـذه‬
                         ‫الصـورة البـديـعـة ألروع تصـويـر للغـرض المقـصـود.‬
‫أما اآليات فنجدهـا تسـيـر مع الفكـرة المقـصـودة، والغـرض المنـشـود في‬
‫وحدة واتسـاق، وفي نظـام عجيـب، وترتيـب غريب. وتتحـرك في معـرض‬
‫االسـتدالل كأنهـا موكـب من النـور، ومهـرجـان مصـور ألدق خفـايـا النفـوس‬
‫والشـعـور، وحنـايـا الصـدور. وتتوالى في السـورة كأنهـا اللؤلـؤ المنظـوم في‬
                                                                    ‫العقـد.‬
‫هذه نظـرات عابـرة عن أسلـوب القـرآن الكـريـم وتعبيـره وإعجـازه، ألن‬
‫االسـتيـعـاب بصـور التعـبيـر القرآني الجميـل الكثيـرة، واإلحاطـة بإعجـاز‬
‫أسلوبـه البيـاني الرشيـق صعـب ومسـتحـيـل، ويفـوق كل وصـف. وذلك ألن‬
‫اإلنسـان ألعجـز أن يحيـط بمـا احتـوى عليـه القـرآن وأسلـوبـه وإعجـازه‬
‫وصوره، من أسرار البيـان، ودقائـق الفرقـان، وروائع التصـويـر وجمـال‬
‫التعبيـر، إال أن يحني رأسـه أمام هذا األسـلـوب الرائع البليـغ، وأن يبذل كل‬

                                                                 ‫1 سورة الكهـف: 99‬

                                         ‫88‬
‫جملة اهلند‬

‫الجهـد وما في وسعـه من القـوة والطاقـة والهمـة في التمتـع بمـا جاء فيـه من‬
                                     ‫روعة وإبداع، وسحـر وجمـال وبالغـة.‬
‫فلـم نسـق فيمـا سبـق إال نزراً يسيـراً من ذلك، ليكون إشـارة بسـيط ـة إل ى ق ـوة‬
‫التعبيـر القرآني وجمالـه وبالغتـه وإعجـازه. ومن أراد التـوس ـع ف ي المعـرف ـة‬
‫واالطالع المزيـد، فعليـه أن يتلو القرآن الك ريم، ويتدب ـر ف ي آيات ـه المحكم ـات‬
                                     ‫المتشـابهـات، فإنـه بحر ال تنتـهي عجائبـه.‬


                      ‫فهرس المراجع والمصادر‬
‫6. ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الـفجر للتراث، القاهرة، الطبعة األولى،‬
                                                               ‫1442م‬
‫2. ابن قتيبة، الدينوري: أدب الكاتب (شـرح وتعليق: األستاذ علي فاعور)، دار‬
                          ‫الكتب العلمية، بيروت، الطبعة األولى، 3356م‬
‫4. أبو بكر، الباقالني: إعجاز القرآن (شرح وتعليق: محمد شريف سكر)، دار‬
                            ‫إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الثانية، 4556م‬
‫1. أبو عثمان، الجاحظ: البيان والتبيين (تحقيق: حسن السندوبي)، المطبعة‬
                             ‫الرحمانية، القاهرة، الطبعة األولى، 1256م‬
‫5. أبو هالل، العسكري: كتاب الصناعتين الكتابة والشعر (تحقيق: الدكتور‬
          ‫مفيد قميحة)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 5356م‬
‫1. أحمد حسـن، الزيات: تاريخ األدب العربي، دار الثقافة، بيروت، الـطبعة‬
                                            ‫التاسعة والعشـرون، 5356م‬
‫1. أحمد، اإلسكندري ورفاقه: الوسيط في األدب العربي وتاريخه، دار‬
                                 ‫المعارف، القاهرة، الطبعة السادسة عشرة‬
‫3. أحمد، اإلسكندري ورفاقه: تاريخ األدب العربي، المطبعة األميرية بوالق،‬
                                                       ‫القاهرة، 6156م‬
             ‫5. بطرس، البستاني: أدباء العرب، دار الجيل، بيروت، 5356م‬
‫46. بيومي بك، السباعي: تاريخ األدب العربي في العصر اإلسالمي،‬
                                ‫مكتبة اإلنجلو المصرية، القاهرة، 2556م‬

                                      ‫98‬
‫جملة اهلند‬

        ‫66. جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، دار الهالل، 1556م‬
‫26. جودة الركابي، الدكتور وآخرون: تاريخ األدب العربي، المطبعة‬
                                                 ‫الجديدة، دمشق، 1556م‬
                                                     ‫46. الحديث الشريف‬
  ‫16. حنا، الفاخوري: تاريخ األدب العربي، المطبعة البولسية، غير مؤرخ‬
‫56. الرماني ، الخطابي ، الجرجاني: ثـالث رسائل في إعجاز القرآن‬
‫(تحقيق: الدكتور محمد زغلول سالم ومحمد خلف هللا)، دار المعارف،‬
                                                   ‫القاهرة، الطبعة الرابعة‬
‫16. زكي مبارك، الدكتور: النثر الفني في القرن الرابع، المكتبة العصرية،‬
                                               ‫صيدا، بيروت، غير مؤرخ‬
‫16. سعـيد الدفتر دار وأحمد حسن كحيل: تاريخ األدب العربي، مطبعة دار‬
                                   ‫النيل، القاهرة، الطبعة الثانية، 4556م‬
‫36. شوقي ضيف، الدكتور: العصـر اإلسالمي، دار المعارف، القاهرة،‬
                                                      ‫الطبعة الثالثة عشرة‬
‫56. عبد الحكيم بلبع: النثر الفني وأثر الجاحظ فيه، مكتبة اإلنجلو‬
                                                       ‫المصرية، 5556م‬
‫42. علي شلق، الدكتور: مراحل تطور النثر العربي في نماذجه الجزء‬
                ‫األول، دار العلم للماليين، بيروت، الطبعة األولى، 6556م‬
‫62. عمر فروخ، الدكتور: تاريخ األدب العربي، دار العلم للماليين،‬
                                       ‫بيروت، الطبعة السادسة، 2556م‬
                                                        ‫22. القرآن الكريم‬
‫42. محمد الرابع الحسني، السيد، الندوي: األدب العربي بين عرض ونقد،‬
        ‫مكتبة دار العلوم ندوة العلماء، لكناؤ، الهند، الطبعة الثالثة، 2356م‬
‫12. محمد عبد المنعم خفاجي، الدكتور ورفاقه: الحياة األدبية في عصري‬
     ‫الجاهلية وصدر اإلسالم، مكتبة الكليات األزهرية، القاهرة، غير مؤرخ‬
‫52. محمد عبد المنعم خفاجي، الدكتور: الحياة األدبية بعد ظهور اإلسالم،‬
                            ‫مكتبة الحسين التجارية، مصر، الطبعة األولى‬
‫12. محمد عبد المنعم خفاجي، الدكتور: الحياة األدبية في عصر صدر‬
             ‫اإلسالم، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الثالثة، 1356م‬
                                   ‫09‬
‫جملة اهلند‬

‫12. محمد عبد المنعم خفاجي، الدكتور: تاريخ األدب العربي في العصرين‬
         ‫الجاهلي واإلسالمي، مكتبة الكليات األزهرية، القاهرة، غير مؤرخ‬
‫32. محمد قطـب، السيد: التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، القاهرة،‬
                                                           ‫الطبعة الثانية‬
‫52. محمد قطـب، السيد: مشاهد القيامة في القرآن، دارالشـروق، القاهرة،‬
                                                           ‫الطبعة الثانية‬
‫44. مصطفى صادق، الرافعي: إعجاز القرآن والبالغة النبوية، دار الكتاب‬
                                               ‫العربي، بيروت، 4556م‬
‫64. مصطفى صادق، الرافعي: تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي،‬
                                          ‫بيروت، الطبعة الثانية، 1156م‬




                                  ‫19‬
‫جملة اهلند‬



             ‫الفتح اإلسالمي لبالد وادي السند‬
                          ‫(القسط الثاني األخير)‬


‫- أ. د. سعد محمد حذيفة الغامدي‬


               ‫حملة محمد بن القاسم لفتح "بالد السند"‬
‫بعد أن قتل القائد المجاهد، عبد هللا بن نبهان، وهو يحاصر "دبل"، وكذلك بعد‬
‫ّ‬
‫مقتل بديل على أيدي "داهر" ورجاله رأى الحجاج أن األمر أضحى جد‬
‫خطير، فأخذ له العدة، فانتدب لذلك ابن عمه، وختنه، محمد ابن القاسم الثقفي،‬
‫الذي كان قد أرسل من فارس إلى الري، في إقليم العراق العجمي، أو بالد‬
                                                               ‫ّ‬
‫الجبل، فرده الحجاج إلى فارس وأمره بأن يتجهز لقيادة حملة لفتح "بالد‬
‫السند". سار محمد بحملته، وقوامها ستة آالف من رجال العرب األشداء‬
‫بالشام، إضافة إلى المتطوعة من العراق عامة والبصرة خاصة. كانت مدينة‬
‫شيراز، عاصمة إقليم فارس، مركزاً لتجمع قوات محمد البرية، حيث ظل بها‬
‫فترة من الزمن تجمعت إليه قواته، ووصلته اإلمدادات، واكتمل في استعداه لتلك‬
‫الحملة، حتى إن الخيوط والمسال والخل كانت من األشياء التي لم تنقص ذلك‬
‫الجيش. وإضافة إلى تلك القوات البرية، فقد كانت هناك قوات بحرية، قوامها‬
‫حوالي خمس سفن، تحمل آالت الحرب الثقيلة، وآالت الحصار األخرى1. كما‬
‫تذكر بعض الروايات األخرى، أن قافلة كبيرة من الجمال ذات السنامين كانت‬
‫قوام هذه الحملة، حيث حملت أثقالها ومؤنها2. كما أمر والي "ثغر السند" وقتها‬


‫1 كان على رأس تلك اآلالت منجنيق يسمى (العروس) يقوم على إدارته والعمل عليه‬
                                          ‫ّ‬
‫خمسمائة رجل. انظر: فتوح البلدان، ص 424، كذلك الكامل، 4/111، ذكر اليعقوبي (تاريخ‬
                                             ‫ّ‬
‫اليعقوبي، ص 112)، أن ابن القاسم ظل في شيراز ستة أشهر من عام 22هـ/114-114م،‬
                                                                 ‫لالستعداد والتهيؤ.‬
‫2 يذكر أن الجمال التي كانت تحمل األمتعة من ذوات السنامين، وعددها حوالي ثالثة آالف‬
                          ‫جمل. انظر: تاريخ الهند.."، ص44؛ وتاريخ الحضارة، ص 4.‬

                                        ‫29‬
‫جملة اهلند‬

‫محمد بن هارون بن ذراع بأن يلتحق بالحملة مع جميع من كان معه من‬
                                   ‫الرجال، والقائد العام لها محمد بن القاسم1.‬
‫بناء على ذلك، يمكننا القول بأن القوات التي تجمعت تحت إدارة محمد بن‬
‫القاسم، عشية وصوله إلى "بالد السند"، تقدر بحوالي خمسة عشر إلى عشرين‬
‫ألف رجل تقريبا ً. في أواخر عام 22ه/114م، سارت الحملة من شيراز، متجهة‬
‫إلى الشرق، وسالكة الطريق نفسها التي سلكها اإلسكندر المقدوني، أثناء رحلة‬
                 ‫ً‬
‫العودة، من حملته الشرقية المشهورة، التي ذكرناها سابق ا2 . عبرت القوات‬
‫اإلسالمية إقليم فارس إلى إقليم كرمان، ومن هذا األخير دخلت مكران، ومنه‬
‫إلى "إقليم السند"، حيث سارت، كما يبدو لنا، محاذية لمياه البحر العربي، حتى‬
‫ال تكون بعيدة عن السفن اإلسالمية، التي سلكت هي األخرى البحر، بالقرب من‬
‫اليابسة،على مرأى من القوات البرية. وهنا يذكر البالذري أن محمداً فتح، في‬
‫طريقه، كالً من "فنز بور" و"رمائيل "3 . بعد ذلك نجده يسير باتجاه هدفه‬
‫األكبر، وهو مدينة "دبل" حيث وصلها في شهر رجب من العام التالي،‬
                                                         ‫42ه/أبريل 214م4.‬

‫1 توفي محمد بن هارون قبل أن تصل القوات اإلسالمية "ديبل"، ودفن بالقرب من مدينة‬
‫"رمائيل"، فتوح البلدان"، ص 424 وتاريخ اليعقوبي، ص 112. مدينة "أرمابيل" أو‬
‫"أرمائيل" تقع على طريق مكران-السند، باتجاه "ديْبل"، انظر: تاريخ الهند، 1/482-784،‬
                                        ‫ِ‬
                  ‫كذلك مسالك الممالك، ص 141 وبعدها؛ وصورة األرض، ص 822-242.‬
                                                                    ‫2 تاريخ المسند، 4/241.‬
‫3 لمعلومات عن "فنزبور" وهي مدينة بنجبور، عاصمة إقليم كرمان، راجع: تاريخ‬
‫الهند،1/214. وهي تعرف اليوم بـ"بنج غور"، انظر أحسن التقاسيم، ص 144 وقد جعل هذا‬
                 ‫الجغرافي المسلم بالد السند ومكران، كإقليم واحد. انظر صفحاته:444-814.‬
‫4 شش نامة، ص 211، كذلك ترجمته اإلنجليزية، 1/844. كذلك تاريخ الهند..، ص 74؛‬
‫تاريخ السند"، 4/241. أما ما يتعلق بكلمة "ديبل" أو "دبل" فيقول البالذري (فتوح البلدان،‬
                                   ‫ِ‬
‫ص 224)، وعنه نقل ابن األثير وغيره، "وكان بالديبل بد عظيم عليه دقل طويل، وعلى‬
‫الدقل راية حمراء إذاهبت الريح أطافت بالمدينة، وكانت تدور والبد فيما ذكروا منارة عظيمة‬
‫يتخذ في بنائهم فيه صنم أو أصنام يشهر بها. وقد يكون الصنم في داخل المنارة أيضا ً وكل‬
‫شيء أعظموه عن طريق العبادة فهو عندهم بد، والصنم أيضا ً ...." ومدينة الديبل مشتقة من‬
‫"ديفل" والتي تعنى "معبد" وتتكون من قلعة، ومعبد وعليه قبه عالية. وهي مبنية من‬
‫الصخور وذات ارتفاع عال جداً، وخاصة معبدها، وقلعتها والقبة. فجدران المعبد مبينة‬
‫بارتفاع يقدر بحوالي 44 متراً تقريبا ً (14 يادرة، 121 قدم)، وعلى المعبد تقع قبته، التي يبلغ‬
‫ارتفاعها، فوق المعبد ارتفاع المعبد عن مستوى سطح األرض، إذ يبلغ ارتفاع القبة عن‬
‫مستوى سطح األرض حوالي 44 متراً (11 ياردة، 142 قدما ً). انظر: المسلمون األول في‬

                                           ‫39‬
‫جملة اهلند‬

‫ضرب المسلمون الحصار حول تلك المدينة، براً وبحراً، وأخذوا يقذفونها،‬
‫بالحجارة، والنيران. وقد كان لذلك المنجنيق "العروس" أثره البالغ في النيل من‬
‫الروح المعنوية للمدافعين، حيث كسرت إحدى قذائفه دقالً كبير الحجم، كان‬
‫يحمل راية حمراء، إذا هبّت ريح دار حول قلعتها، ذات التحصينات المنيعة. بعد‬
‫حصار، دام قرابة ثالثة أسابيع، سقطت المدينة في أيدي المسلمين الفاتحين، بعد‬
‫أن تسلق رجالها األشاوس جدران المدينة وأسوارها، ورفع علم المسلمين يحمل‬       ‫ْ‬
‫راية التوحيد، في أعلى القلعة، مكان تلك الراية الحمراء في أعلى قبة صنمهم.‬
‫وبهذا أصبحت مدينة "دبل" أول حلقة في سلسلة مدن "وادي السند"، التي فتحها‬
                                           ‫المسلمون بقيادة محمد بن القاسم1.‬
‫بعد أن اطمأن على أوضاع "دبل" األمنية، سار محمد بجيشه باتجاه الشمال‬
                        ‫ّ‬
‫الشرقي إلى مدينة "نيرون"، التي كانت قد أعلنت استسالمها إلى الحجاج‬
‫شخصيا ً في العراق، على لسان رجلين من رهبان معبدها البوذي، فدخلها‬
‫محمد، ولم يمس أهلها بسوء، ال في النفس وال في المال، وبنى بها مسجداً،‬
                          ‫وعيّن لها حاكما ً وإماماً، وغادرها إلى مدينة أخرى2.‬
            ‫ِ ْ‬
‫ومن "نيرون" اتجه الجيش اإلسالمي إلى الشمال الغربي نحو "سهوان"، وبعد‬
‫أسبوع من الحصار خرج رجالها البوذيون وأعلنوا خضوعهم، بعد أن هجرهم‬
‫حاكمها الهندوسي وهرب بجلده، للقائد المسلم محمد، وفي أثناء طريقه إلى‬
     ‫"سهوان" اعترضه كبار رجال الدين، وأعلنوا استسالم مدينة "سربيدس"3.‬

‫الهند، ص 41، 17 حاشية رقم: 11، ولمعلومات إضافية عن كلمة "بد" وعالقتها بـ"بودا"‬
‫والديانة البوذية راجع: تاريخ الهند...."، ص 417 وبعدها. والدقل هو السارية أو الخشبة‬
                    ‫الغليظة الطويلة عادة تحمل شراع السفينة الشراعية أو الفارب الشراعي.‬
                                                               ‫1 فتوح البلدان، ص 424‬
‫2 لمعلومات أكثر تفصيالً عن كيفية استسالم "نيرون"، انظر: شش نامة (الترجمة‬
‫اإلنجليزية)، ص 411، وهذه المدينة تقع إلى الشمال الشرقي من "ديبل" على بعد 121 كيالً‬
 ‫وهي قريبة من مدينة "حيدر آباد السند" الحالية . ولمعلومات إضافية عن هذه المدينة، وما‬
‫أئير حولها من إشكاالت، ومداوالت، منشؤها اإللباس الواقع بينها وبين مدينة أبي الريحان‬
‫البيروني، انظر: تاريخ الهند، 1/824 وبعدها. انظر كذلك: المسلمون األول في الهند، ص‬
                                              ‫41. انظر كذلك: تاريخ اليعقوبي، ص 212.‬
‫3 يسمي البالذري، (فتوح البلدان، ص 724) رجال الدين أولئك بـ"السمنية "، وهم رجال‬  ‫ّ‬
 ‫الدين ذوو الديانة البوذية. انظر: تاريخ قرشي"، 2/4. ومدينة "سهوان" أو "سيوسنان"‬
‫(‪ ")Siwistan‬تبعد عن "نيرون" بحوالي 141 كيالً إلى الشمال منها. انظر: المسلمون‬

                                         ‫49‬
‫جملة اهلند‬

‫قبل االنتقال إلى شرح تفاصيل فتح مدينة أخرى، رأيت أن أقف قليالً عند فتح‬
‫مدينة "سهوان"، لنطلع من خالل إيراد أحداث الحصار واالستسالم السلمي من‬
‫أهلها، على أن ما كان يعرقل دخول اإلسالم إلى هاتيك البقاع، وتسهيل مهمة‬
‫الفتح اإلسالمي لها، هو وجود الملك الهندوسي الديانة، وأن األهالي "البوذيين"‬
‫كانوا شديدي الميل إلى المسلمين، بدافع من حبهم للتخلص من ذلك الحكم‬
                                  ‫الجائر، الذي كان يمارسه الهندوسيون عليهم.‬
‫كانت مدينة "سهوان" تعتبر بمثابة مفتاح لبقية مدن "وادي السند"، خاصة وأن‬
‫استسالمها جاء على وجه سلمي، وعن طواعية واختيار من قبل األهالي، بعد أن‬
‫هرب واليها، حيث ذهب وفد من المدينة وأخبروا قائد المسلمين بأنهم ال يكنّون‬
 ‫أي والء لذلك الحاكم الهندوسي الجائر ويدعى "بجهرا بن تشندرا بن تشش"‬
‫(‪ )Bajhra son of Chandra son of Chach‬وهو ابن أخي الملك "راجا‬
                                         ‫ْ ّ‬
‫داهر"1. وقد سبق لهذا الحاكم أن قرر بأن يدفاع عن مدينته، في أول األمر،‬
‫ولكن عند ما ضرب المسلمون الحصار حولها تخلى أهلها عنه؛ فدبّر خطة،‬
‫وهرب منها، حتى دون علم المسلمين، فأرسلوا بعد ذلك خلفه من طارده؛ وقد‬
‫قتل فيما بعد. يقول مصنف (شش نامة) بأن رهبان مدينة (سهوان) خرجوا إلى‬
‫محمد بن القاسم وقالوا له: "......جميع المواطنين، الفالحون، وأصحاب‬
‫الحرف، والتجار، والطبقات الدنيا، ال يدينون بوالئهم لـ"بجهرا". كما أنه لم يكن‬
‫يملك أية قوة تقف معارضة لك ...."2. كما يذكر المصنف بأنهم قد قالوا ألميرهم‬
‫الهندوسي ".... إن محمد بن القاسم لديه أمر من الحجاج بأن يحمي كل إنسان‬
           ‫يطلب منه حمايته،.....كما أن العرب أوفياء، ويلتزمون بعهودهم....3..‬
‫بناء على ذلك، يظهر لنا، أن مدة حصار مدينة "سهوان" لم تستمر، لمدة‬
‫أسبوع، إال لوجود حاكم "داهر" في داخلها، ولوال ذلك لقابلوا المسلمين كما‬
                                                    ‫سبق وقابلهم أهل "نيرون".‬

‫األول.... "، ص4. و يسمي اليعقوبي (تاريخه...)، ص212 هذه المدينة "سهبان". أما مدينة‬
                                                               ‫ّ‬
‫"سربيدس" فيبدو لنا بأنها ليست بعيدة عن "سهوان" بدليل أنها فتحت في الفترة نفسها التي‬
                                                                 ‫افتتحت فيها "سهوان".‬
                    ‫1 لمعلومات إضافية أوفى عنه، انظر: المسلمون األول في الهند، ص 1.‬
    ‫2 شش نامة، 2/612-282 من الترجمة اإلنجليزية لـ: ايلليوت. كذلك المسلمون األول في‬
                                                                         ‫الهند، ص 62‬
                                                   ‫3 المصدر السابق نفسه، الصفحة نفسها‬

                                         ‫59‬
‫جملة اهلند‬

  ‫توالت مدن، ومناطق "وادي السند" السفلى تعلن خضوعها للفتح الجديد، ولم‬
  ‫يقف دون خضوع ما تبقى منها سوى وجود "داهر" متحصنا ً في قلعة "برهمان‬
  ‫آباد" ثم أخبار كانت تصل إلى سكان تلك المنطقة، وشائعات، تردد هنا وهناك،‬
  ‫عن االستعدادات التي بدأ يتخذها ذلك الملك الهندوسي، لمنازلة المسلمين، في‬
                                   ‫معركة مفتوحة لطرد المسلمين من تلك الديار1.‬
  ‫لو نظرنا إلى خارطة "وادي السند السفلى"، لوجدنا أن محمداً قد أوغل في‬
  ‫تقدمه شماالً، محاذيا ً لـ"نهر السند"، من جهته الغربية. وبذلك أصبح في موقف‬
  ‫عسكري ضعيف، حيث ترك مكاسبه في الجنوب، وعلى رأسها "نيرون" مهددة‬
  ‫بالخطر من قبل "داهر" الذي أخذ فعالً يستعد من "برهمان آباد"، القريبة من‬
‫"نيرون" لمنازلة المسلمين، وطردهم من أرض السند كلية. لذلك، كان لزاما ً‬
      ‫على ابن القاسم أن يعود بجيشه جنوبا ً، لمواجهة خطر الملك الهندوسي الداهم.‬
  ‫والسؤال، الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا توغل المسلمون في فتوحاتهم شماالً،‬
  ‫بينما كان "داهر" في قلعة "برهمان آباد"، مع أن سرعة القضاء عليه تعني‬
  ‫شيئا ً واحداً، وهو: نهاية كل مقاومة قد تقف أمام الزحف اإلسالمي، في أراضي‬
                                                                          ‫السند؟‬
                            ‫والذي يبدو لنا أن السبب، قد يكمن في نقاط، لعل منها:‬
  ‫1- صعوبة عبور نهر السند الكبير، وخوف الترصد للمسلمين، من قبل‬
  ‫"داهر" ورجاله، أثناء فترة العبور، فخشي المسلمون أن يؤخذوا على غرة،‬
                                                         ‫وهم مشغولون بالعبور.‬
  ‫2- النجاح الكبير، الذي القاه المسلمون في زحفهم إلى الشمال، وأن ذلك‬
  ‫سيجعل روح "داهر" ورجاله تضعف يوما ً بعد يوم، كلما نجح المسلمون في‬
                                                          ‫توغلهم داخل أراضيه.‬



‫1 كانت مدينة "برهمان آباد" تعتبر عاصمة "إقليم السند السفلى" وتقع إلى الشرق من "نهر‬
‫السند"، والذي تسميه مصادرنا اإلسالمية "نهر مهران" غير أن اليعقوبي في "تاريخه"، ص‬
                                                                     ‫ّ‬
‫212، يذكر أن مهران غير السند، بعبارة صريحة، ولعل األمر أشكل عليه لمعلومات عن‬
‫هذه المدينة، وموقعها واالختالف، بيّن من طرقها، في موقعها، انظر: تاريخ الهند، ص‬
                             ‫ّ‬
‫184- 144، ولو أن البالذري، (فتوح البلدان، ص 824) حدد موقعها بحوالي فرسخين (41‬
            ‫كيالً تقريباً) من مدينة المنصورة، القريبة من مدينة "حيدر آباد السند" الحالية.‬

                                           ‫69‬
‫جملة اهلند‬

‫4- ربما أن محمداً رأى أن يتوغل حتى يجد الفرصة مواتية لعبور النهر، ثم‬
‫يأتي إلى "برهمان آباد" من الشمال فيكون بذلك قد حصر ملكها في منطقة‬
‫ضيقة، تتكون من هذه المدينة، وما حولها، فال يصل إليه مدد من الشمال، وكان‬
‫المسلمون قد ضموا الجنوب منها، والغرب في أيديهم، وبذلك يقطع أي أمل‬
                             ‫لنجاح مقاومة "داهر" أو هربه، إن هو حاول ذلك.‬
‫مهما كانت أسباب تقدم محمد إلى الشمال، فقد جاءته اآلن أوامر الحجاج،‬
‫وهو القائد المدبّر، والمخطّط لفتح السند، بأن يرجع جنوبا ً إلى "نيرون" ثم منها‬
                                                    ‫يبداً في مناجزة "داهر"1.‬
                        ‫معركة "الراور ‪"Rawar‬‬
   ‫ّ‬
‫تذكر الروايات التاريخية التي بين أيدينا، أن المعركة التي حددت‬
‫مصير"أراضي السند" وغيّرت مجرى حياة أهله، من جميع النواحي، كانت قد‬
‫جرت بالقرب من مدينة "الراور" (‪ ،)Rawar‬الوقعة في المسافة بين "برهمان‬
‫آباد" و"نيرون "2 وبما أن تجمع قوات "داهر" كانت إلى الشرق من نهر‬

‫1 فيما يتعلق بمتابعة الحجاج لمسيرة فتح السند، والمراسالت بينه وبين قائد الحملة، محمد بن‬
‫القاسم، يروي لنا البالذري (فتوح البلدان، ص 424)، رواية يستدل من خاللها على أن‬
‫الحجاج كان دائما ً في الصورة، وكأنه يشاهد كل حركة من تحركات جند المسلمين، سواء في‬
‫حصار مدينة، أو مناجزة عدو في ميدان معركة مفتوحة فيقول البالذري: "وكانت كتب‬
                                                         ‫ّ‬
‫الحجاج ترد على محمد وكتب محمد ترد عليه بصفة ما قبله، واستطالع رأيه فيما يعمل به‬
  ‫في كل ثالثة أيام..."، راجع أيضا ً: تو جيهات الحجاج له أثناء حصار "ديبل" في ص 724.‬
‫2 يبدو لي أن ايلليوت ودوسون (ناريخ الهند..."، ص 484)، قد جانبا الصواب عندما جعال‬
‫"الرور" وهي "الور" مدينة "رهري ..." الحالية، الواقعة في "أواسط وادي نهر السند" أي‬
‫إلى الشمال البعيد عن كل من "النيرون"، التي ليست بعيدة عن مدينة "حيدر آباد السند"، وقد‬
‫أصبحت اآلن، على ما يبدو لي، جزءاً منها، و"برهمان آباد" والتي كان بها "راجا داهر"‬
‫بمئآت الكيالت، فال يعقل، أن تكون المعركة جرت عليها، ألن محمد بن القاسم رجع من‬
‫منطقة مدينة "سهوان" (‪ )Sihwan‬إلى الجنوب، بينما تقع الور إلى الشمال، والمسافة بين‬
‫"سهوان" و"ديبل" الواقعة على شاطئ البحر العربي، في الجنوب تساوي تقربياً، المسافة بين‬
‫"سهوان" و"آلور" في الشمال، إذاً فالمعركة ال بد أن تكون قد جرت على أرض تقع بين‬
‫"النيرون" في الجنوب، والتي كان قد فتحها المسلمون، وأضحت تحت حكمهم، وبين "برهان‬
‫آباد" التي كانت معقالً لـ"راجا داهر"، ومنها كان خروجه، لمالقاة جيش المسلمين، والمسافة‬
‫بين المدينتين حوالي 44 ميالً (48 و77 كيالً) . وقد أشار، إلى ما يؤيد ذلك األستاذ شاهبور‬
‫شاه، في كالمه حول تحديد مكان "الراور" وما يؤيد هذا مجريات األحداث، فال يعقل على‬
‫اإلطالق، أن "آلور" و"رهرى" الحالية كانت مكاناً للمعركة المذكورة، دراسات في تاريخ‬
        ‫مسلمي الهند وتعليقات نقدية على "تاريخ الهند" لكل من ايلليوت، ودوسون، ص 41.‬

                                          ‫79‬
‫جملة اهلند‬

‫"مهران" وهو "السند" المعروف حالياً، كان ال بد لجيوش المسلمين من العبور‬
                             ‫ّ‬
‫إليهم. وفي هذا مجازفة كبيرة، وخطورة على حياة المسلمين ومصيرهم في‬
                               ‫ّ‬
‫أرض "السند" بأسرها، حيث كان "داهر قد أعد لهم كمائن على جانب الوادي‬
‫من الشرق ليتخطفوا المسلمين، فرادى وجماعات، أثناء العبور، ولكن هللا سلم،‬
‫فقد كان لسياسة القائد ومستشاريه الحكيمة، وتخطيطهم السليم، وما نمت عنه‬
‫نتائج العبور من حنكة عسكرية، ومواهب قيادية نادرة، االنتصار الحاسم على‬
‫قوة الهندوس. دخل ابن القاسم في مفاوضات سرية مع أحد المسؤولين الكبار،‬
‫وكان واحداً من أمراء "الملك داهر"، ومن أنيطت به رئاسة تلك الكمائن،‬
‫وحماية المناطق التي كانت سهلة العبور، ومنها كان المسلمون قدروا العبور‬
‫إلى الضفة الشرقية "للسند". وعد ابن القاسم ذلك األمير الوعود الحسنة، حتى‬
‫رضي، ليس فقط بأن يخلّي بين المسلمين ومعابر النهر، بل لقد انضم إلى‬
                                  ‫صفوفهم مقاتالً ضد سيده. ويدعى "راسل"1.‬
‫تذكر الروايات التاريحية أن معركة "الراور" لم تكن بأقل من معركة القادسية‬
‫ضراوة وبسالة من جانب الخصمين المتحاربين من ناحية، وال من حيث النتائج‬
‫التي تمخضت عنها المعركة من ناحية ثانية. فإن كانت القادسية، بقيادة سعد بن‬
‫أبي وقاص (رضي هللا عنه)، قد فتحت الباب، تقريباً، على مصراعيه لفتح بالد‬
‫فارس، ودخول أهلها إلى اإلسالم، فقد بسطت "الراور" بقيادة ابن القاسم،‬
‫أراضي "السند" ممهدة أمام الفتح اإلسالمي، حتى وصلت قواته إلى حدود والية‬
                                                       ‫"كشمير" في الشمال.‬
‫بعد أن عبر المسلمون "نهر السند"، وتالحقت قواتهم جاءهم "داهر" بقضه‬
‫وقضيضه، راكبا ً فيله األبيض، يسير، وفي ذهنه سحق المسلمين، وإجالئهم من‬
‫السند كلية. بدأت المناوشات، بين الخصمين كما ظهر لنا من نتائج حسابنا في‬
‫يوم الخميس السادس من رمضان عام 42هـ/ 81حزيران/ يونيه عام 214م؛‬
‫واستمرت طوال األيام الخمسة التالية، أي حتى يوم االثنين العاشر من‬

‫1 لقد كان ذلك األمير "راسل" حاكما ً لقلعة كانت تعرف بـ"بايت" (‪ )Bait‬أو "بت" (‪)Bet‬‬
‫وكان أحد نواب الملك "راجا داهر" وأحد قواد فصائل جيشه، حيت أوكلت إليه على ما يبدو‬
‫مهمة حراسة األماكن التي يمكن أن تكون سهلة العبور لجيش المسلمين، مخافة سباحة، راجع‬
‫ذلك في فتوح البلدان، ص 724-824، وهناك تفاصيل أكثر عن موقف الملك "راسل" من‬
                          ‫المسلمين في شش نامة (الترجمة اإلنجليزية)، ص 181- 281.‬

                                       ‫89‬
‫جملة اهلند‬

‫رمضان/12 حزيران/ يونيه، من العام نفسه1. وفي اليوم األخير أحاطت ثلة من‬
‫خيالة المسلمين بذلك الفيل األبيض، وأشعلوا النيران في هودجه، فذهب الفيل‬
‫مسرعا ً إلى النهر وألقى بنفسه فيه ليطفىء النيران، فأطيح بفارسه ومن كان‬
‫معه؛ حيث يذكر بأن فتاتين كانتا معه، إحداهن تناوله السهام للرمي، واألخرى‬
‫تزوده باللوز إلنعاشه وتجديد نشاطه. ويذكر بأن أهل "الراور" لم يستسلموا إال‬
                           ‫بعد أن أشارت عليهم بذلك إحدى زوجات "داهر"2.‬
‫بعد ذلك االنتصار الحاسم، اتجه محمد بجيشه إلى قلعة (الراور) وضرب حولها‬
‫الحصار، حيث كانت في داخلها إحدى زوجات الملك المقتول. وتدعى (راني‬
‫باي: ‪ )Rani Bai‬وأحد أبنائه (جاي سينغ:‪ .)Jai 3Singh‬وبعد أن اشتدت وطأة‬
‫الحصار قرر ابن "داهر" الهروب إلى قلعة "برهمان آباد" أمالً بجمع الشتات،‬
                                                              ‫ّ‬
                                    ‫ّ‬
‫وأن يتصدى للزحف اإلسالمي؛ بينما فضلت الزوجة حشد الطاقات والدفاع عن‬
‫القلعة. ومع ذلك فقد انتهى األمر بأن اقتحم المسلمون قلعتها، فعمدت المرأة،‬
‫التي يذكر أيضا ً بأنها كانت أختا ً لداهر وزوجته في الوقت نفسه، إلى إحراق‬
                                          ‫نفسها ومن معها من نساء القصر4.‬
‫بعد أن أخضعت مدينة "الراور" سار جيش المسلمين باتجاه "برهمان آباد"،‬
‫وفي طريقه فتح عدة أماكن وقالع، كانت "بهرور" و"دهليال" الواقعتان بين‬

‫1 ال يظهر أن يوم الخميس، الذي ذكره صاحب "شش نامة" هو يوم العاشر من رمضان، بل‬
                              ‫إن ذلك يصادف يوم االثنين، راجع ترجمته اإلنجليزية، ص 41.‬
‫2 شش نامة، ص 141-741، وترجمته اإلنجليزية "تاريخ الهند"، ص 781-141، وفتوح‬
‫البلدان، ص 724-824، وتاريخ اليعقوبي، ص 212. وهنا يذكر أن أهل "الراور" هم الذين‬
‫رفضوا االستسالم إال بعد أن أخرج لهم محمد بن القاسم زوجة داهر، فأقنعتهم أن الملك قد‬
‫قتل، وليس عند مدينة "الور" كما ورد ذلك عند الكوفي، "شش نامة" (ترجمته اإلنجليزية)،‬
‫ص 221، انظر حاشية رقم: 21 ولعل اليعقوبي كان يقصد "آلور" وليس "الرور"، انظر‬
‫كذلك من المراجع الحديثة: "باثان" الذي اعتمد في ذلك على المصدر األول حيث فصل‬
‫المعركة يوماً فيوما ً، طبقا ً لما جاء في "شش نامة"، تاريخ السند، 4/411-811، تاريخ‬
‫الهند...."، ص 74، تاريخ المسلمين األول.....، ص 21-12 وقد ذكر هذا األخير أن تعداد‬
‫الفرسان في جيش "داهر" بلغوا خمسين ألفاً ربما كان يقصد جيش داهر كان خمسين ألف‬
 ‫رجل في مجموعة "إكرام" "تاريخ الحضارة..."، ص 7، انظر كذلك حاشية رقم: 12 تحت.‬
‫3 شش نامة (ترجمته اإلنجليزية)، ص 141-421 وقد أورد اسم المرأة أحيانا ً (راني ماين:‬
                            ‫‪ – )Rani Main‬وكذلك يسمى االبن (جاي سيا: ‪ Jaisiya‬جيسيه)‬
                                                            ‫ّ‬
‫4 راجع التفاصيل في "شش نامة" (ترجمته اإلنجليزية)، ص 141-241، انظر كذلك: فتوح‬
                                                                      ‫البلدان، ص 824.‬

                                         ‫99‬
‫جملة اهلند‬

 ‫"الروار" و"برهمان آباد"، مما فتحه المسلمون، وذلك بعد حصار دام قرابة‬
                       ‫شهرين، لكل واحدة منهما، كما يذكر مصنّف "شش نامة"1.‬
 ‫قبل أن يتقدم إلى الشمال، باتجاه "برهمان آباد" يبدو لنا أن ابن القاسم رأى أن‬
 ‫يستميل قلوب مواطني األراضي المفتوحة حديثاً، أكثر فأكثر، فقام بتعيين‬
 ‫شخصيتين بارزتين، في تاريخ تلك الفترة، فعيّن ابنا ً للملك "داهر" اسمه‬
 ‫"نوبة"، وكان ممن استجاب لنداء القائد المسلم، بأن يدخل الناس في اإلسالم،‬
 ‫بعد أن أرسل خطابات إلى مختلف العشائر وعلية القوم، يدعوهم إلى الدخول في‬
 ‫اإلسالم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أو دفع الجزية، ثم وعدهم‬
 ‫الحماية والرعاية؛ فاستجاب له ابن "داهر" هذا، وكذلك وزيره "سيساكر"‬
 ‫(‪ .)Sisakar‬وقد جعل محمد مقره في مدينة دهليال2. كما قام بتعيين وزير‬
‫(داهر)، الذي كان ممن استجاب لدعوة القائد المسلم، للدخول في طاعته، وزيراً‬
 ‫ومستشاراً له. وحول هذا الشأن، يحدثنا مصنف "شش نامة" قائالً: (.....‬
                                        ‫ّ‬
 ‫وعندما سمع سيساكر (‪ )Sisakar‬وزير داهر، هذا الندء، أرسل بعضا ً من ثقات‬
 ‫خدامه، وطلب الحماية للدخول في طاعة محمد بن القاسم. وعند ذلك قام هذا‬
                                            ‫ّ‬
 ‫الوزير فأرسل إليه النساء الالئي كن محتجزات عنده، وقال بأنهن أولئك اللواتي‬
              ‫3‬
             ‫"أسرهن قراصنة داهر" وصرخن مستنجدات بالحجاج إلنقاذهن..." .‬
 ‫وهنا أبدى محمد بن القاسم احتراما ً كبيراً، بعد أن رحب بتلك البادرة الطيبة،‬
                           ‫ّ‬
 ‫لممثلي ذلك الوزير، وأرسل إليه بأن يقدم إلى عنده، كما أرسل كبار أمرائه‬



‫1 الترجمة اإلنجليزية، ص 441-741، حيث يذكر صاحب هذا المصنف، أن المسافة التي‬
‫تفصل بين "برهمان آباد" و"هليال" أو "دهليله" فرسخ واحد فقط أي حوالي 4 أميال (44،8)‬
‫كيالً تقريبا ً). أما "بهرور" فإنها ليست، كما يظهر، بعيدة عن "دهليال" حيث لم أجد في‬
                                                                 ‫ّ‬
‫مصادر مادتي ما يحدد مكانها، ويبدو لنا، بأنها ليست بـ"غرور" التي أشار إليها البالذري‬
                                                              ‫(فتوح البلدان، ص 824).‬
‫2 لقد أورد مصنف كتاب "شش نامة" (ترجمته اإلنجليزية)، ص 841، معلومات وافية، في‬
 ‫هذا الخصوص، ال توجد في أي مصدر آخر، وخاصة في مصادرنا التي ألّفت باللغة العربية.‬
‫3 يظهر لنا أن النساء المسلمات الالئي أسرهن القراصنة البحارة الهنود، وأخذن إلى "ديبل"‬
                                         ‫ّ‬
‫حيث كان أسرهن أمر أعجل بفتح بالد السند، كن تحت حراسة هذا الوزير وإشرافه، أثناء‬
                                                                            ‫ّ‬
‫احتجازهن لدى الملك، "داهر" لذلك تقرب ذلك الوزير بهن إلى القائد المسلم محمد، وطلب‬
              ‫الحماية كما تذكر هذه الرواية، راجع شش نامة (ترجمته اإلنجليزية)، ص 741.‬

                                       ‫001‬
‫جملة اهلند‬

‫الستقباله، وأظهر له تقديراً عظيما ً، وعامله معاملة غاية في اللطف واالعتبار،‬
   ‫وأسبغ عليه منصب الوزيرية. وبذلك أضحى "سيساكر" وزيراً البن القاسم1.‬
‫كانت هذه سياسة حكيمة، من محمد، حيث استمال، بعمله ذلك، وزير "داهر"‬
‫فكان من نتائج هذه السياسة إطالق النساء من أسر العدو؛ كما أراد أن يستفيد من‬
‫خبراته، في إدارة البالد. وبذلك يكون قد سحب البساط، تماماً، من تحت "جاي‬
‫سينغ" باستمالة أخيه، وكسب جانبه هو ووزير أبيه؛ وفوق ذلك عيّن األول‬
‫حاكماً، والثاني وزيراً، فحال، بذلك بين "جاي سينغ" وبين اتحاد سكان أواسط‬
‫وأعالي وادي السند تحت لوائه، وقد أثمرت هذه السياسة، فأخذ الناس يغدون إلى‬
‫المسلمين، ويعلنون خضوعهم تحت سلطة اإلسالم، اقتداء بابن "داهر" ووزيره.‬
                        ‫ً‬
                   ‫ّ‬
‫وبذلك نجد أن صرخات االستنجاد، وخطابات الدعوة التي وجهها "جاي سينغ"‬
‫إلى سكان "السند" للوحدة والوقوف أمام المسلمين بقيادته، لم تثمر، حتى مع‬
                                                   ‫اإلخوة والمقربين من أبيه2.‬
‫عندما لم يستجب أحد لنداءاته، وصيحات االستغاثة، قام "جاي سينغ بن داهر"‬
‫بتنظيم ما نعرفه اليوم بحرب العصابات، بعد أن هجر "برهمان آباد" التي سار‬
‫إليها المسلمون، وأحكموا حولها الحصار، الذي استمر حسب أوثق الروايات،‬
‫مدة ستة أشهر، فاستسلمت في يوم األحد 22 من شهر ذي الحجة من عام‬
‫42ه/72 أيلول/ سبتمبر سنة 214م. أما ابن "داهر" فقد فشل في حروبه، التي‬
                     ‫لم يكن لها جدوى، وهرب في نهاية األمر إلى ملك "كشمير".‬
‫وقد رفض (هوديفاال) مسألة هروب "جاي سينغ" إلى ملك كشمير، أما التاريخ‬
‫الذي ذكره مصنف "شش نامه" فإنه ال يتفق مع مجريات األحداث، ومتناقض‬
‫مع ما سبق ذكره في صفحات سابقة. وقد فاتت على المترجم، والمحقق (ايلليوث‬
‫ودوسون)، وكذلك على كل من نقل عنه من المؤرخين الالحقين. ولم يشر أحد‬
                                        ‫ّ‬                    ‫ّ‬
‫إلى ذلك. غير أن (هوديفاال) قد صحح األيام وأسماءها الواردة خطأ عند هذا‬
    ‫ّ‬
‫المصنف. وكان قد سبق وأشار إلى هذا الخطأ، الذي جانبه المصنف، فصححه،‬
‫حسب قوله، بأن جعل ذلك في العام السابق، أي في عام 22ه/ 114م. وهذا‬
‫أيضا ً خطأ، ألن محمد بن القاسم استدعي من جبهة القتال في منتصف عام‬

                                                ‫1 الترجمة اإلنجليزية، 2/122-822‬
‫2 فيما يتعلق بنداءات "جاي سينغ" وخطاباته إلى إخوانه وإلى أمراء المناطق، راجع: شش‬
                                               ‫نامة (الترجمة اإلنجليزية)، ص 441.‬

                                      ‫101‬
‫جملة اهلند‬

‫82ه/ ربيع سنة 714م، وهو على مشارف "مملكة كشمير" فال يعقل أن يظل‬
‫تلك السنوات ما بين "برهمان آباد" و"الملتان" وقد زالت أكبر عقبة في طريقه‬
‫وهي مقتل "راجا داهر". لذلك فإن الذي يظهر لنا كما يلي: أشار صاحب "شش‬
                          ‫ّ‬
‫نامة" أن راجا داهر "قتل وهزم جيشه، كما مر معنا في شهر رمضان عام‬
‫42ه/حزيران يونيه سنة 214م. وأن فتح كل من قلعة "بهرور" و"دهليال" قد‬
‫استغرق قرابة أربعة أشهر من بعد مقتل "داهر". ومعروف أن مدينة "برهمان‬
‫آباد" لم يفتحها المسلمون إال بعد هزيمة "داهر". إذاً فكيف يكون حصارها في‬
‫شهر رجب عام 42ه/ نيسان أبريل سنة 214م، قبل ذلك ويستمر حصارها،‬
‫وكما أورد المصنف، ستة أشهر أي حتى أواخر شهر ذي الحجة من عام‬
‫42ه/تشرين األول/ أكتوبر سنة 214م؟ إذاً، فال بد أن يكون العام المقصود‬
‫هوعام 42ه /214-414م. بناء على ذلك فال بد أن الحصار بدأ في يوم السبت‬
‫أول رجب عام 42ه / الموافق للثاني من نيسان /أبريل سنة 414م، واستمر ستة‬
‫أشهر حيث اقتحم المسلمون قلعة "برهمان آباد" في يوم األحد 22 من ذي‬
‫الحجة عام 42هـ/ الموافق 72 أيلول/سبتمبر عام 414م. وإضافة إلى ذلك فإن‬
‫حملة ابن القاسم قد جعلها اليعقوبي في عام 22ه وهو الصحيح، بعد أن قضى‬
                                    ‫ستة أشهر في شيراز لالستعداد للحملة1.‬
                  ‫2‬
                      ‫فتح عاصمة السند "الور" (‪(Alor‬‬
‫بعد أن انتهى المسلمون من القضاء على "داهر" وقتله في معركة "الراور" وما‬
‫نتج من جراء ذلك، حيث فتح المسلمون كافة أراضي السند السفلى، وعلى‬
                      ‫ّ‬
‫رأسها عاصمتها اإلقليمية "برهمان آباد" كان ال بد من السير شماأل، على‬
‫االتجاه نفسه، لفتح عاصمة الهندوس الكبرى في وسط أراضي "السند" ألن‬
‫فتحها يعني دخول تلك األراضي، من وسط مملكة "داهر" تحت سلطان‬

‫1 راجع في هذا الخصوص: شش نامة (الترجمة اإلنجليزية)، ص 441 وبعدها، وفتوح‬
‫البلدان، ص 824، والكامل في التاريخ، 4/211، وتاريخ اليعقوبي، ص 112 ودراسات‬
                                                                 ‫نقدية..."، ص 42-42.‬
‫2 تقع مدينة "الور" (‪ )Alor‬وهي "رهري" (‪ )Rohri‬الحالية على الضفة الشرقية لنهر‬
‫"مهران" وهو نهر السند المعروف، في منتصف المسافة تقريباً بين "دبيل" على شاطىء‬
‫البحر العربي، ومدينة "الملتان" في وسط وادي السند، والمسافة بين المدينتين األخبرتين‬
‫حوالي 112 كيالً، تقل أو تزيد قليالً ...انظر: تاريخ السند، 4/121، والمسلمون األول ..."،‬
                                                                               ‫ص 82.‬

                                        ‫201‬
‫جملة اهلند‬

 ‫اإلسالم. لذلك فقد سار ابن القاسم من منطقة "برهمان آباد" بعد أن رتّب أمور‬
 ‫إدارة المناطق المفتوحة، في أوائل العام التالي، وهو على ما نعتقده، عام 72ه /‬
                                                ‫تشرين األول/أكتوبر سنة 414م1.‬
 ‫اتجهت القوات اإلسالمية شماأل، ونهر "السند" إلى يسارها، أي إلى الغرب،‬
 ‫وفي الطريق استقبله سكان منطقة "ساوندي" بالترحاب، والرقص والغناء‬
 ‫الشعبيين، وأعلنوا خضوعهم تحت سلطة اإلسالم2. ثم سارت، بعد ذلك، حتى‬
                       ‫وصلت منطقة العاصمة الكبرى لـ"مملكة السند" وقتذاك3..‬
 ‫كان أحد أبناء الملك "داهر" يتولى شؤون العاصمة، والدفاع عنها، وهناك حشد‬
 ‫كل طاقاته داخلها، اعتقاداً منه، على ما يمكنني فهمه من الروايات التاريخية‬
‫التي تمكنت من االطالع عليها، أن والده ما يزال حيا ً4. وهذا االعتقاد كان سائداً‬
                                                                      ‫ّ‬
 ‫حتى بين األوساط الشعبية. هنا يحدثنا مصنف "شش نامة" أن سكان مدينة‬
 ‫"الور" كانوا يدافعون عنها بروح معنوية كبيرة، لالعتقاد عينه؛ وأن ملكهم،‬
 ‫وخاصة من جانب الهندوس كان يسير في طريقه إلنقاذهم من جيش المسلمين.‬

‫1 يذكر مصنف "شش نامة" (ترجمة ايللبوت ودوسون، ص 121)، وعنه نقل كل من جاء‬
‫بعده، أن محمد بن القاسم غادر "برهمان آباد" يوم الخميس الثالث من شهر محرم عام‬
‫42ه/الموافق لـ2 تشرين األول/أكتوبر، عام 214م، وهذا خطأ على ما أظن، ألن الثالث من‬
‫الشهر المذكور من هذا العام ليس يوم الخميس، وإنما يصادف يوم األحد. وإذا تمشينا مع ما‬
‫نعتقد أنه هو الصحيح، وأن العام المقصود هو العام التالي" (72ه/414م) فإن اليوم الذي‬
‫غادر فيه محمد "برهمان آباد" هو فعالً يوم الخميس الثالث من محرم عام 72ه/12‬
‫أيلول/سبتمبر سنة 414م، وليس العام السابق وهنا رجع هوديقاال في (دراسات.....)، ص 82‬
‫إلى هذا القول، مناقضاً بذلك نفسه في ص 42 حيث قال في هذه الصفحة إن اليوم الصحيح‬
‫الذي قتل فيه "داهر" هو العاشر من رمضان عام 22ه. وهذا بطبيعة الحال خطأ ألن "داهر"‬
                                       ‫بموجب حساباتنا قتل في العام التالي، وهو عام 42ه.‬
‫2 "ساوندي" أو "ساوندسي" أو "ساوندر"، راجع في ذلك: تاريخ الهند....."، ص171-121‬
‫كذلك: فتوح البلدان، ص 824. وال أظن أن هوديفاال، "دراسات. "، ص 82، مصيب، عندما‬
‫ذكر أن هذه المنطقة تقع جنوب مدينة "برهمان آباد" بحوالي أربعة أميال، ألن الجيش متجه‬
                                                                   ‫ً‬
                        ‫شماالً ال جنوبا ً فال بد إذا أن تكون شمال "برهمان آباد" وليس جنوبها.‬
‫3 لمعلومات عن سير الحملة وكيفية استقبال مواطني "وادي السند" لمحمد بن القاسم وجيشه،‬
‫حتى وصلوا "الور" راجع تقاصبل ذلك في "شش نامة" (ترجمة ايلليوت ودوسون‬
                                                              ‫اإلنجليزية)، ص 12-221.‬
‫4 يسمى مصنف "شش نامة"، ص 221 ذلك االبن (كوفي) و(فوفي) عند الل، (المسلمون‬              ‫ّ‬
‫األول...."، ص 72) كذلك يرساد، (تاريح الهند....، ص 114)، أما باثان (تاريخ السند....،‬
                                                       ‫ص 121) فيسميه غوبي (‪.)Gopi‬‬
                                                                          ‫ّ‬
                                           ‫301‬
‫جملة اهلند‬

‫لهذا، فقد كانوا يصرخون في قوات المسلمين التي أطبقت على مدينتهم محاصرة‬
‫لها، إلعالمهم بأن "داهراً" قادم بقوات كبيرة، ويحثون المسلمين بأن يهربوا قبل‬
‫أن يصل ملكهم فيقضي عليهم. ويستمر هذا المصنف في حديثه عن هذا‬
‫الموضوع فيقول بأن المدافعين استمروا على ذلك الوضع، وعدم االنصياع‬
‫للنداءات التي ترسل لهم لالستسالم للمسلمين بالتي هي أحسن، حتى أخرج ابن‬
‫القاسم إليهم إحدى نساء ملكهم، األسيرات لدى المسلمين فأعلمتهم بحقيقة‬
‫الوضع، وأن ملكهن قد قتل1. بعد ذلك شرع المدافعون في فتح باب المفاوضات‬
  ‫السلمية، فاستسلمت المدينة للفاتحين، ودخل المسلمون عاصمة مملكة السند"2.‬
‫من الشخصيات الهامة، التي استسلمت البن القاسم "كاكسة بن جندر بن ساليج"‬
    ‫ّ‬
‫وهو ابن أخي "داهر"3. وما يمكننا فهمه، مما أورده صاحب "شش نامة" أن ما‬
‫كان يضمره القائد محمد بن القاسم، من شعور طيب، تجاه أفراد أسرة "داهر"‬
‫الذين كانوا يأتون إليه مستسلمين عن طواعية واختيار، قد ظهر على فلتات‬
‫لسانه. فقد أثنى عليهم، بوصفه لهم بأنهم "ينتمون إلى أسرة عريقة من أسر‬
‫"الور"، فهم أناس عقالء، ومثقفون، وأنهم جديرون بالثقة، ألنهم أمناء. فهم‬
‫مشهورون باألمانة والصراحة......". لذلك، فإنهم إذا ما جاءوا إليه فإنهم سوف‬
                                                    ‫يكرمون، ويصفح عنهم4.‬
‫كانت هذه من سجايا ابن القاسم، الستمالة القوم وكسب قلوبهم، لذلك آتت هذه‬
‫السياسة الحكيمة ثمارها، حيث شجعت ذلك األمير بأن يأتي إليه، ويعلن‬
                                        ‫ّ‬
‫استسالمه. فاستقبله القائد المسلم، ورحب به، وعفا عنه؛ على الرغم من سوابقه،‬
‫حيث كان ممن حارب إلى جانب عمه "داهر" ضد المسلمين، في معركة‬
                                     ‫ّ‬
‫"الراور" ثم هرب، بعد مقتل عمه. وثق به محمد بن القاسم غاية الثقة، حيث‬
‫كان ذا ثقافة عالية، وكان يعد واحداً من فالسفة الهند. فأخذ يستشيره، في كل‬
                                                ‫ّ‬

‫1 وتدعى "الدي" (‪" ،)Ladi‬شش نامة" (ترجمة ايليوت ودوسون)، ص 221. راجع كذلك‬
                                                                 ‫حاشية رقم: 84 أعاله.‬
‫2 راجع تفاصيل ذلك في المصدر السابق، ص221-421. أما المعلومات التي أوردها‬
‫البالذري، (فتوح البلدان، ص 824) وغيره من المصادر العربية األولى فإنها هزيلة، إذا ما‬
                                                  ‫قورنت مما جاء في هذا المصدر المهم.‬
‫3 لمعلوت إضافية في هذا الخصوص، راجع: المسلمون األول...."، ص 72، وتاريخ‬
                                                               ‫الهند....."، ص 14-24.‬
                                               ‫4 شش نامة (الترجمة اإلنجليزية)، 1/212.‬

                                        ‫401‬
‫جملة اهلند‬

‫صغيرة وكبيرة، ويستعين به، في كيفية إدارة البالد الجديدة، فكان "كاكسة"‬
‫يشير بما هو في صالح المسلمين، وصالح البالد وأهلها. وفوق ذلك تذكر‬
‫الروايات بأنه أصبح من أول من يأخذ السالح، من بين بقية األمراء وكبار القادة‬
‫ويحمله مقاتالً إلى جانب المسلمين. لهذا نجد القائد المسلم يعيّنه مستشاراً،‬
‫ويطلق عليه لقب "المشير المبارك". وقد مر معنا سابقا ً أن وزير "داهر" نفسه‬
                                   ‫ّ‬
‫كان قد انضم إلى ابن القاسم، فعيّنه وزيراً له. ويبدو لنا أن (كاكسة) قد أصبح‬
                                         ‫مستشاراً خاصاً، و(سيساكر) وزيراً1.‬
‫لقد أثمرت سياسة ابن القاسم التسامحية مع سكان السند، حين سهلت عليه مهمته‬
               ‫في الميدان العسكري، لذلك لم تقف في وجه جيشه مدينة وال قلعة.‬
               ‫2‬
                   ‫فتح أعالي وادي السند، وعاصمته الملتان‬
‫لم أعثر في مادتنا التاريخية، التي تسنى لنا الرجوع إليها، على تواريخ تذكر‬
‫الزمن الذي فتح فيه الجيش اإلسالمي مناطق أواسط السند وأعاليه. حيث نعرف‬
‫أن هذا الجيش غادر مدينة "برهمان آباد" في أوائل عام 72ه / أواخر سنة‬
‫414م، وقد تكون أخذت منه المسافة بين هذه المدينة، وعاصمة "داهر" "الور"‬
‫قرابة ثالثة أشهر3. وهذه الفترة الزمنية فرضية فقط، ويمكننا معها القول إن‬
‫الفترة التي استغرقها جيش المسلمين، في حصار، وفتح "الور" وما يجاورها،‬
‫مع فترة للراحة، هي األخرى ثالثة أشهر4. لذلك، فقد بقي لدينا اآلن سنة كاملة‬
‫تقريبا ً، من المدة الكلية التي قضاها محمد بن القاسم في "السند" حتى قبض عليه‬
‫في رجب عام 82ه /نيسان، أبريل سنة 714م، كما سيرد معنا في آخر هذا‬
                                                  ‫البحث، من "فتوح السند".‬
‫بعد أن رتّب أمور المناطق الوسطى، لـ"وادي السند"، بمساعدة أهلها‬
‫ومشاورتهم، وعلى رأسهم مستشاره المبارك، ووزيره، نجد الجيش اإلسالمي‬
‫يسير في اتجاه الشمال الشرقي، في طريقه إلى أراضي "وادي السند العالية".‬

‫1 المصدر السابق، ص 412. فيما يتعلق بحسن سياسة ابن القاسم راجع في ذلك: تاريخ‬
                                                                    ‫باكستان....، 2/21.‬
                                                         ‫2 انظر الحاشية رقم: 42 تحت.‬
‫3 األشهر؛ محرم، وصفر، وربيع األول من عام 72ه/تشرين األول والثاني وكانون األول/‬
                                                  ‫أكتوير، نوفمبر، ديسمبر من سنة 414م.‬
‫في حاشية: 72،‬ ‫4 ربيع الثاني، وجمادى األول، وجمادى الثاني، من نفس العام المذكور سابقا ً‬
                                      ‫والموافقة لثالثة األشهر الميالدية من أول عام 414م.‬

                                         ‫501‬
‫جملة اهلند‬

‫صوب عاصمتها العريقة مدينة "الملتان"1.. لو نظرنا إلى موقع "مدينة الملتان"‬
‫لوجدناها تحتل الوسط من المنطقة الوسطى، تقريبا ً، من أراضي السند العليا،‬
‫وهذه المنطقة هي المتاخمة لمنطقة والية "كشمير"، وهي والية "إقليم البنجاب"‬
                                                         ‫في الباكستان الحالية.‬
‫تحدثنا مصادر مادتنا التاريخية، في هذا الشأن، أن ملك "الملتان"، ويدعى‬
‫"راجاكندا" (‪ )Raja Kanda‬قرر مناجزة المسلمين، ظنا ً منه بأنه سيحرز‬
       ‫نصراً عليهم2. ولعل بعض األسباب، التي جعلته يتخذ ذلك القرار ما يلي:-‬
‫1-قرب مملكته من حدود مملكة "كشمير" ووجود صالت ودية بين‬
‫الطرفين، فرأى أن يطلب نجدة ومساعدة أهل "كشمير" ضد المسلمين، كعدو‬
‫مشترك لهم. لذلك فقد راسل ملكهم، وطلب منه إرسال نجدات عسكرية وغيرها،‬
‫ظنا ً منه بأنه سوف يتلقى طلباته بسرعة منه، لمعرفته أن المسلمين سيغزون‬
‫أراضيه، فور االنتهاء من أراضي "الملتان". لذلك، فقد رأى ملك "الملتان" أن‬
‫األولى لصديقه ملك "كشمير" أن يساعده في حرب المسلمين خارج أراضيه، ال‬
‫بعد أن يأتوا إليه، ويحاربهم وهم في عقر داره؛ ربما يفقد معها مملكته وحياته‬
‫ومن يلوذ به. من هذا المنطلق، على ما يبدو لنا، كانت الرؤيا قد ارتسمت في‬
              ‫ذهن ملك "الملتان"، وما كان يعتقده تجاه تعامله مع ملك "كشمير".‬
‫2-حصانة "مدينة الملتان"، فقد رأى ملكها، أنه إذا ما اضطر إلى اللجوء‬
‫إليها، بعد هزيمة مع األعداء فإنه سيلجأ إلى معقله الذي يصعب، بل يستحيل‬
‫ألية قوة، اقتحامه. لذلك سنجد أن الجيش االسالمي لم يستطع أخذها بالقوة،‬
‫لمناعتها، إال بعد أن أطلع قائدهم، من قبل أناس كانوا محاصرين داخل القلعة‬
‫نفسها، ومن سكانها، على منطقة الضعف، التي يمكن فتح المدينة من خاللها.‬
‫وقد اختلفت الروايات، ذات الصلة، حول نقطة الضعف تلك، كما سنشاهد، ومع‬
                       ‫ذلك سنرى أن المدينة لم تفتح إال بشكل غاية في الصعوبة.‬


‫1 عن مدينة "الملتان" راجع: المعاجم الجغراقية الواردة في الحاشية: رقم: 14 وإن كان كالم‬
‫مصنفيها عائما ً ومكرراً. فقد أوردها المقدسي، (أحسن التقاسيم ---، ص 114-114) وابن‬
‫حوقل (صورة األرض، ص 442-142) وغيرهما إال أن باثان (تاريخ السند....، 4/144‬
                                                     ‫وبعدها) أورد معلومات طيبة عنها.‬
           ‫2 لمعلومات عن تاريخ "الملتان" القديم، انظر: تاريخ السند....، ص: 244-444.‬

                                        ‫601‬
‫جملة اهلند‬

‫4-هروب حاكم مدينة "السكة"، ويدعى رائي بجهرا (‪ )Rai Bajahra‬إلى‬
‫ملك "الملتان" بعد هزيمته واحتالل مدينته، وتحريضه له بأن يحارب المسلمين،‬
‫حيث رأى أن في وجود حاكم "السكة" معه عامالً مقويا ً، ومشجعا ً له، لمنازلة‬
                                                                      ‫المسلمين1.‬
‫بعد أن فتح المسلمون مدينة "بهاتيا" (‪ 2)Bahatiya‬ساروا منها إلى مدينتي‬
‫"إسكلنده" و"السكة"، فأخذوا األولى بعد سبعة أيام من الحصار، أما الثانية، فقد‬
‫استغرق حصارها قرابة سبعة عشر يوماً، واستشهد من المسلمين قرابة مائتين‬
                                                     ‫وأربعين، بين قائد وجندي3.‬
‫لم يتلق ملك "الملتان" استجابة من جاره الشمالي، كما كان يتوقع. لذلك لم ير‬
‫جدوى للخروج من معقله الحصين، لمقابلة المسلمين، فأخذ يشحن قلعته بالمؤن‬
‫والذخائر، ما يستطيع معها مقاومة حصار المسلمين، مهما طال. وفعالً فقد طال‬
‫حصارهم له، والذي ضربه محمد بن القاسم ورجاله حول قلعة "الملتان"‬
‫المنيعة، ألكثر من شهرين، دون الوصول إلى النيل منها، حيث لقي المسلمون‬
‫األمرين، وعانوا أشد المعاناة وأقساها. فقد قلّت المواد التموينية، والغذائية منها‬
‫على وجه الخصوص، لدرجة لجأوا معها إلى أكل الحمير. وفي هذا الخصوص‬
‫يحدثنا البالذري قائالً " ...... ونفدت أزواد المسلمين فأكلوا الحمر...."4. أما‬
‫صاحب مصنف "شش نامة" فيقول " ---- وأخيراً نفدت المواد الغذائية وعزت‬
‫لدى المسلمين، إلى درجة أن ثمن رأس الحمار ارتفع حتى بلغ خمسمائة‬
                                                                    ‫درهم......)5.‬
‫ال بد أن تكون أوضاع المسلمين المحاصرين السيئة قد وصلت إلى حاكم القلعة،‬
‫ورغم ذلك وجد أنهم مستمرون، ومصرون على الحصار، حتى يقتحموا مدينته.‬
                                                                ‫ّ‬
‫لذلك خافهم، وقرر الهروب، فدبّر له أمره، ونجح في ذلك، حتى إنه خرج من‬
                     ‫المدينة، وهرب إلى ملك "كشمير" دون علم المحاصرين له.‬

                                                 ‫1 راجع في ذلك: تاريخ باكستان، 2/21‬
    ‫2 تقع هذه المدينة على نهر "بياس" (‪ )Biyas‬في إقليم البنجاب السفلي، دولة الباكستان‬
                                          ‫الحالية. راجع: المرجع السابق، الصفحة نفسها.‬
‫3 راجع في هذا الشأن: شش نامة (ترجمة ايلليوت)، ص 412-412، وفتوح البلدان، ص‬
                                          ‫424، انظر أيضا ً: الكامل في التاريخ، 4/211.‬
                                                             ‫4 فتوح البلدان، ص424.‬
                                                                           ‫5 ص 412.‬

                                        ‫701‬
‫جملة اهلند‬

‫أدى تصرف ملك "الملتان" هذا إلى أن بعض سكان المدينة خرج إلى قائد‬              ‫ّ‬
‫المسلمين، وطلب منه األمان في سبيل إعالمه الطريقة التي يمكنه معها اقتحام‬
‫المدينة. وحول هذه المسألة، يحدثنا مصنف "شش نامة" بأن، رجالً (لم يذكر‬
‫اسمه) خرج إلى محمد بن القاسم مستأمناً، وأخبره بأن المدينة يمكن أن يدخلها‬
‫المسلمون إذا ما هم ركزوا جهودهم على سور من الناحية الشمالية منها، فتم‬
‫ذلك. وبعد ثالثة أيام اجتاح المسلمون "مدينة المتان"1. أما البالذري، فيذكر بأن‬
‫ذلك الرجل، الذي جاء إلى محمد بن القاسم، قد دل المسلمين إلى مجرى لماء،‬
‫كان يدخل إلى المدينة فيغذيها باحتياجاتها من الشرب، دون علم المسليمن به.‬
‫وهناك غور المسلمون مجراه حتى لم يعد يصل إلى المدينة الحصينة شيء منه،‬‫ّ‬
‫فأخذ منهم العطش كل مأخذ. بعدها نزلوا على حكم ابن القاسم، فدخل المسلمون‬
                                                                      ‫المدينة2.‬
‫لم تذكر مصادرنا العربية التى تسنى لي االطالع عليها أية فتوحات جديدة‬
‫لجيش المسلمين، بقيادة ابن القاسم، بعد مدينة "الملتان" بحيث جعلت، على ما‬
‫يبدو لي، هذه المدينة آخر فتوحات ذلك الشاب الفاتح في بالد "السند والهند"3.‬
‫إن هذا األمر، على ما يبدو لي، غير صحيح، ألننا لو تتبعنا مجريات األحداث‬
‫في هاتيك البقاع، حسب التواريخ الزمنية لوجدنا أن محمد بن القاسم قد ظل‬
‫حوالي سنة كاملة مقيما ً في "الملتان" وما جاورها، وهذا شيء غير متوقع، من‬
‫هذا المجاهد الشاب، وخاصة إذا أخذنا في االعتبار أن شؤون الفتح واإلدارة بعد‬
‫فتح هذه المدينة أو تلك لم يكن يستغرق أكثر من شهر، على أقصى حد. هذا‬
‫إضافة إلى أننا لم نجد في مصادر مادتنا ما يدل على شيء قد يكون حبس جيش‬
                                      ‫المسلمين وقائده في "الملتان" سنة كاملة.‬
‫بناء على ذلك وعلى ما يمكن استنتاجه، فإن فتح مدينة "الملتان" والمنطقة التي‬
‫حولها، ربما يكون قد تم خالل النصف الثاني من عام 72ه/ آخر النصف األول‬
‫من سنة 414م. لهذا، فإنه يمكننا القول بأن ابن القاسم ربما غادر منطقة‬
 ‫"الملتان"، والواقعة في أواسط "إقليم البنجاب" الحالية، في أوئل عام 42ه‬

                                                                  ‫1 ص 412-712.‬
                                                            ‫2 فتوح البلدان، ص424.‬
  ‫3 المصدر السابق، ص 424-124، وغيره ممن نقل عنه، كابن األثير (الكامل في التاريخ،‬
                                                               ‫4/441,211-441).‬

                                      ‫801‬
‫جملة اهلند‬

‫/أوائل النصف الثاني من سنة 414م، متجها ً شماالً باتجاه مملكة "كشمير". وهنا‬
‫يحدثنا مصنف "شش نامة" أن محمداً غادر" الملتان" إلى الشمال بعد أن بنى‬     ‫ّ‬
‫مسجداً جامعا ً بها؛ ورتّب أمورها، وعيّن حاكما ً عليها حتى وصل منطقة سماها‬
   ‫ّ‬
                  ‫ّ‬
‫المؤلف بـ"أراضي األنهار الخمسة "1 . وهذه المنطقة حددها المصنف بأنها‬
‫منطقة الحدود بين واليتي "السند"، جنوبا ً و" كشمير"، شماأل حيث ذكر أن‬
‫محمد بن القاسم، عندما وصل إليها، قام بتجديد معالم الحدود بين تلكما‬
‫الواليتين2. إذاً، لو أمعنا النظر في موقع هذه المنطقة المذكورة، لوجدنا أن جيش‬
‫المسلمين قد واصل السير شماأل حتى وصل، ربما إلى الشمال الشرقي من مدينة‬
‫"الهور" الحالية، وهذا ما تؤيده رواية تذكر أن ملك "كشمير" أرسل إلى‬
‫الصينيي ن يطلب منهم النجدة ضد جيوش المسلمين، التي أضحت قاب قوسين من‬
                                                                    ‫بالده3.‬
             ‫توقف الفتوحات اإلسالمية في "الهند والسند"‬
                     ‫على أيدي العرب المسلمين‬
‫في أواخر النصف األول من عام 82ه/ أوائل سنة 714م، أصبح ابن القاسم‬
‫يحكم جميع مناطق "نهر وادي السند"، وأضحى على مشارف حدود مملكة‬
‫"كشمير"، ويطل على حدود "راجيبوثان" من ناحيته الغربية، من هناك، أخذ‬
‫يخطط، على ما يبدو لنا، لحملة يقوم بها ضد أحد اإلقليمين، ولعل األخير كان‬
                                                     ‫هدفه، لألسباب التالية:‬
‫1 - سهولة أراضي إقليم "راجيبوثان" وعلى العكس منه مملكة "كشمير"‬
                                              ‫الجبلية الوعرة المسالك.‬
‫2 - كان الجو ما يزال بارداً، إذ أنه كان في أواخر أشهر شتاء عام 42ه/414-‬
                                                                ‫714م.‬

‫1 ربما أن المصنف كان يقصد باألنهار الخمسة: "نهر بياس" ويعتبر رافداً رئيسيا ً له و"نهر‬
‫ستليج"، والثالث "نهر رافي"، و"نهر جناب"، و"نهر جهيالم" من الشرق إلى الغرب على‬
‫التوالي، والتي تكون جميعها مجرى نهر السند الكبير وقد ورد ذكر األنهار الخمسة هذه عند‬
                        ‫ابن بطوطة (رحلته...."، 2/144) باسم "بنج آب" أو "المياه الخمسة".‬
‫2 يذكر هذا المصنف، (شش نامة-الترجمة اإلنجليزية، 2/211)، أن والد "داهر"، وهو تش‬
‫بن ساليج (2-82ه/118-888م) كان قد وضع معالم تلك الحدود، وذلك بزراعة أشجار‬
                                     ‫التنوت والجور، لتكون الحد الفاصل بين ذينك اإلقليمين.‬
                                                            ‫3 تاريخ الحضارة....، ص7-8.‬

                                          ‫901‬
‫جملة اهلند‬

‫4 - إن "البنجاب" في كل من "الهند والباكستان" الحاليتين، ما هو إال أرض‬
                      ‫واحدة مستوية السطح، وقريبة الشبه بالجزيرة العربية.‬
‫ومع ذلك، فال يمكننا إال القول، بأنه مهما كانت نوايا ومخططات ذلك الفاتح‬
‫العظيم، والمجاهد الكبير، إن شاء هللا، فإن هللا قدر أن يقف في فتوحاته في "بالد‬
‫الهند والسند" حيث كان قد وصل؛ وأن تتوقف معه الفتوحات اإلسالمية، في تلك‬
‫ّ‬
‫البالد الطيبة، على أيدي العرب المسلمين، حيث وقف. ويستمر توقف المد‬
‫اإلسالمي هناك ألكثر من ثالثة قرون ونيف؛ بعدها يستأنفه المسلمون، ولكن من‬
‫غير العرب، على أيدي الغزنوبين األتراك وذلك في أوئل القرن الخامس‬
‫للهجرة/الحادي عشر الميالدي، هذا إذا استثنينا بعض الهجمات السريعة، وغير‬
                   ‫المستقرة، أيام قادة خلفوا ابن القاسم على أرض "الهند والسند".‬
‫جاء سليمان بن عبد الملك (82-22ه/714-414م) إلى الخالفة األموية بعد وفاة‬
‫أخيه الوليد بن عبد الملك، فكان أول عمل قام به، تجاه الفتوحات في بالد "الهند‬
‫والسند "، أن عزل محمداً من القيادة، وفوق ذلك أمر بأن يرسل إلى العراق‬
‫مكبالً في األغالل، وزج به في سجن خصومه، فتولوا تعذيبه حتى مات. وهذه‬
                                                         ‫ّ‬
‫مسألة معروفة لدى كل باحث وقاريء. لذلك لم أجد داعياً، أو ضرورة لتكرار‬
‫شيئ من تلك المأساة التي حلّت بـ"فاتح السند" العربي المسلم. ولكن لنا هنا‬
‫تعليق قصير، وهو أن أجر محمد بن القاسم قد ثبت، إن شاء هللا، عند رب‬
‫السماء واألرض، ومن فيهن، إن كان قد ضاع عند طالبي الدنيا، من هذا أو ذاك‬
‫. ولقد كان عزل محمد، من قيادة تلك الجبهة، قد أفقد المسلمين عامة، وبني‬
‫أمية، وعلى رأسهم الخليفة الذي عزله خاصة، الشيء الكثير. فقد صدق، وهللا،‬
                                                   ‫محمد عندما تمثل بقول القائل:‬
        ‫1‬
       ‫ليوم كريهة وسداد ثغــــــر .‬            ‫أضاعوني وأي فتى أضاعوا‬


‫1 فتوح البلدان، ص 124، فيما يتعلق بنهاية هذا القائد، راجع هذا المصدر، الصفحة نفسها‬
‫أما القصة التي أوردها مصنف "شش نامة" (الترجمة اإلنجليرية، ص 212-112) فال شك‬
‫أنها قصة خيالية، وترهات ال أساس لها من الصحة. وقد أورها مؤرخون جاءوا فيها بعد‬
‫فنقلوا عن هذا المصنف، مثل، فريشتا (تاريخ....، 4/242) وغيره. ولعل منشأ هذه القصة في‬
‫مصنف الكوفي، إن كان صادقا ً، من أن كتابه هذا ترجمة من مصنف باللغة العربية، وهو‬
‫معاصر أحداث فتوحات ابن القاسم في السند، أن ذلك المصنف العربي وهو مقيم بأرض‬
                                                  ‫ّ‬
‫السند، قد أخذه الذهوق، ولم يفهم سر استدعاء محمد بن القاسم، وهو مكبل في األغالل، مع‬

                                      ‫011‬
‫جملة اهلند‬

‫فقد أضاع سليمان محمداً، بعزله عن تلك الجبهة التي كانت من جبهات الجهاد‬
‫في سبيل نشر الدين اإلسالمي، وشريعته السمحاء، وأضاع معه ثغر "بالد الهند‬
                                                                   ‫والسند".‬
‫لقد كان ابن القاسم قائداً، صدق هللا الجهاد في سبيله، فصدقه هللا وعده له‬
‫بالنصر- "وكان حقا ً علينا نصر المؤمنين"، كان متميزاً، في خلقه وفي تعامله‬
‫مع سكان المناطق المفتوحة؛ وفي حنكته السياسية؛ وفي إدارته الفذة؛ وفي‬
‫عسكريته النابغة؛ وفوق ذلك كله، في إخالصه لمعتقده. كان لينا ً فوق العصر،‬
‫ويابسا ً دون الكسر. أحبّ الناس الذين حوله، فأحبّوه وأخلصوا له. احترم أهل‬
‫البالد المفتوحة غاية االحترام، فأعطى كل ذي حق حقه وزيادة؛ فوفوا له،‬
‫وأخلصوا في وفائهم له؛ وبذلوا دمائهم دونه، مقاتلين بني قومهم وأهليهم دونه.‬
‫إن الزائر للبالد التي فتحها محمد بن القاسم في هذا الوقت، وبعد مرور أكثر من‬
‫ثالثة عشر قرناً، ليسمع على شفاه سكان هاتيك البالد ذكرى محمد الطيبة،‬
‫تعيش معهم، يومياً؛ فال يذكرون اسمه مجرداً بل يسبقونه بـ: سيدي أو موالي،‬
‫عماد الدين محمد بن القاسم. وألول مرة أسمع لقبه "عماد الدين" فرحم هللا ذلك‬
                                                ‫المجاهد رحمة واسعة. آمين.‬
                   ‫"بالد الهند والسند" بعد ابن القاسم‬
‫على الرغم من الجهود المضنية، التي بذلها قادة "ثغر السند" الذين جاءوا بعد‬
‫محمد بن القاسم، فقد ضاع في النهاية أغلب ما فتحه العرب المسلمون، مع‬
‫قائدهم محمد. وعلى الرغم من دخول "حكام السند" جميعا ً تقريباً، في اإلسالم،‬
‫استجابة لدعوة الخليفة األموي الصالح عمر بن عبدالعزيز (22-111ه/414-‬
‫124م) بأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وبقائهم حكاما ً لبالدهم تحت‬
‫المظلة اإلسالمية، مظلة العدل والرحمة، فقد نبذوا اإلسالم، وحاربوا المسلمين،‬
‫وأخرجوهم من "بالد السند العليا، والوسطى"؛ ولم يبق لهم إال أجزاء قليلة في‬



‫بالئه في فتوحات السند، بسرعة، وبهذه الكيفية، وأخذ منه ذلك التصرف، من قبل الخليفة في‬
‫دمشق، كل مأخذ. لذلك، هداه تفكيره، وربما أن ذلك قد شاع في أوساط الناس في أرض السند‬
‫آنذاك، إلى الربط بين هذه الحادثة، وهي استدعاء ابن القاسم على هذه الصورة، وبين إرسال‬
‫بنات المللك "داهر" إلى العراق، ومن ثم إلى الخليفة، في دمشق وإنهن كن المتسببات في‬
                                                    ‫استدعاء ابن القاسم، وقتله فيما بعد.‬

                                         ‫111‬
‫جملة اهلند‬

‫مناطقه السفلى؛ كل ذلك نتيجة عدم وجود قائد وأمير كمحمد بن القاسم، أو‬
                                     ‫خليفة كعمر، رضي هللا عنه وأرضاه1.‬
‫انحصر جهد المسلمين ونفوذهم في معقلين بناهما العرب المسلمون، هناك، هما‬
‫"المحفوظة" و"المنصورة2. ثم إن المسلمين هناك انشغلوا بالحروب الطاحنة‬
‫بينهم، فأضحى تاريخهم مترعالً بأحداث مؤلمة، مليئة بالصراعات بين القوى‬
‫اإلسالمية والهندوسية، وبعد أن استتب األمر للمسلمين جاءت موجة من‬
‫الصراعات القبلية العربية، لعصبيات منتنة ومقيتة، بين عرب الشمال وعرب‬
‫الجنوب، وما أن خبا سعيرها، حتى أعقبه صراع أشد ضراوة منه بين المذاهب‬
                              ‫اإلسالمية التي خرجت عن المنهج المحمدي3.‬
‫كان منصور بن جمهور الكلبي، كما قلنا في حاشية سابقة4، هو آخر أمراء بني‬
‫أمية حيث دخلت "بالد السند" في ظل الحكم العباسي، حوالي 241ه / 174م،‬
‫واستمر والتهم يحكمون حتى عام 142ه/7711م، حيث كان عمر بن عبد‬
‫العزيز الحبّاري، آخر أمراء الدولة العباسية هناك، وفي تلك السنوات األخيرة،‬

   ‫1 فتوح البلدان، ص 224 وبعدها، لمعلومات إضافية عن هذا الخليفة، الصالح إن شاء هللا،‬
               ‫راجع سيرته في: سيرة عمر بن عبد العزيز ألبي محمد عبد هللا بن عبد الحكم.‬
‫2 تقع مدينة "المحفوظة" بالقرب من مدينة "برهمان آباد" وعلى مرأى منها، وإلى الشمال‬
‫الشرقي من مدينة "حيدر آباد" الحالية، وعلى بعد 48 كيالً (14 ميالً) منها، وقد بناها الحكم‬
‫بن عوام الكلبي، أما مدينة المنصورة التي بناها عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي فتقع على‬
‫بعد 41 كيالً (1 أميال) تقريبا ً من مدينة "برهمان آباد"، راجع في هذا الحصوص: المعاجم‬
‫الجغرافية اإلسالمية، تحت اسم المنصورة بأرض السند، مثل القزويني في "نزهة القلوب"‬
‫ومجهول المؤلف "حدود العالم" ، وياقوت الحموي، في معجمه، ولم يأت جديد في هذه‬
‫المصادر بمعلومات ذات بال عن هذه المدينة إال أن األخير قد أورد، نقالً عن المسعودي،‬
‫القول بأن منصور بن جمهور الحميري، وهو آخر أمراء بني أمية هو الذي بناها. وهذا على‬
‫ما يبدو خطأ، فالذي بناها، كما ذكر ذلك البالذري، عمرو بن محمد بن القاسم وهذه إشارة‬
‫سبقنا إليها ايلليوت، (تاريخ الهند...، ص 444) حاشية: رقم: 1، راجع أيضا ً، هذا المصدر،‬
‫"شش نامة" (الترجمة اإلنجليزية)، ص 144 وبعدها، وكذلك: "دراسات...."، ص 11 من‬
                                                                                 ‫مقدمته.‬
‫3 فتوح البلدان، ص 224-444، وتاريخ معصومي، الفصلين األول والثاني، وشش نامة‬
‫(الترجمة اإلنجليزية)، وتاريخ الهند...."، ص 412 وبعدها، ومن المراجع الحديثة: تاريخ‬
‫السند....، 4/412 وبعدها، والمسلمون األول....."، ص 82-42 وتاريخ الحضارة ---، ص‬
                                                   ‫41-81، وتاريخ الهند، ص 17 وبعدها‬
                                                                  ‫4 راجع الهامش رقم: 21‬

                                         ‫211‬
‫جملة اهلند‬

  ‫أسس عمر هذا له بتلك الديار دولة مستقلة، حكمت حتى جاء الغزنويون عام‬          ‫ّ‬
‫814ه /8211م فقضوا عليهم، وأصبح تاريخ "بالد السند" بعد ذلك مرتبطا ً‬
  ‫بمدينة غزنة، حاضرة الغزنوبين، ثم بتاريخ األسر التي خلفت الغزنويين،‬
  ‫كالغوربين ومماليكهم، حتى جاء المغول، وأدخلوا تلك الديار، فأضافوها تحت‬
  ‫نفوذهم، وبذلك انقطعت بالد وادي السند سياسيا ً، وإداريا ً عن مركز الدولة‬
  ‫اإلسالمية في دمشق، أوالً، ثم في بغداد، ثانيا ً منذئذ. وكانت بداية هذه النهاية‬
                            ‫تنحية ابن القاسم عن قيادة ثغر بالد "الهند والسند"1..‬
                        ‫بعض نتائج هذه الدراسة‬
‫لقد رأيتني، في هذا البحث المتواضع، أنني قد توصلت إلى بعض النتائج التي‬
‫أرجو أن أكون قد وفقت إليها، إلفادة القارئ العربي عامة، والباحث المؤرخ‬
                                                ‫خاصة، فلعل من هاتيك النتائج:-‬
‫(1) الرد على بعض مؤرخي (بالد الهند والسند) المتحاملبين، في رواياتهم‬
‫ضد الفتح اإلسالمي عموما ً، وحملة محمد بن القاسم على وجه‬
‫الخصوص، حيث يذكر بعضهم بأنها حملة توسعية، استعبادية، متخذة‬
                    ‫من الدين مطية، لتحقيق طموحات الحجاج وأغراضه.‬
‫(2) إن النجاح الكبير الذي حققه ابن القاسم، في تلك الحملة، كان يعود،‬
‫وبالدرجة األولى إلى التمسك بالعقيدة اإلسالمية، وسيرة السلف‬
‫الصالح، فكان يعامل البالد وسكانها، طبقا ً لما جاء في الشرع الحنيف،‬
         ‫فأحبّه الناس وانضووا، طائعين، تحت سلطانه، سلطان اإلسالم.‬
‫رفع ابن القاسم، الظلم عن أهل البالد، فبكوه عندما غادرهم؛ وهذا‬              ‫(4)‬
             ‫بعكس أقوال بعض ذوي األهواء، من مؤرخي هاتيك البقاع المحدثين.‬
‫التعريف باألماكن، وتحديد مواضعها، باألكيال، بقدر ما في وسعي،‬               ‫(4)‬
   ‫وطاقتي. والتعريف بأسماء الشخصيات الهامة، والواردة في حملة ابن القاسم.‬
‫(7) االستفادة من مصادر هامة، في موضوع محمد بن القاسم، دونت باللغة‬
           ‫ّ‬
‫الفارسية، أو بلغات غيرها، كالسنسكريتية، والهندية الحديثة مثالً، والتي‬
                  ‫ترجمت إلى اللغة اإلنجليزية، وتسنى لنا االطالع عليها.‬



                                 ‫1 الحاشية السابقة نفسها، ومصادرها نفسها ومراجعها.‬

                                      ‫311‬
‫جملة اهلند‬

‫تحديد حركات حملة ابن القاسم، بالتاريخ، حسب اجتهادي، وعزائي إن‬      ‫(8)‬
                                          ‫أخطأت، أنني اجتهدت.‬
‫أهمية وقوف اإلدارة المركزية، المهتمة والحازمة، خلف قائد هذه‬        ‫(4)‬
‫الحملة أو تلك، ومتى أصيبت بالالمباالة، فشلت الحملة، وضاع معها‬
                  ‫هدفها السامي، التي تريد، بل وتسعى، إلى تحقيقه.‬
‫كيف أضاع الخليفة، األموي الجديد في دمشق، محمداً، فضاع معه‬          ‫(1)‬
‫جميع ما فتحه المسلمون، وكسبوه، في "بالد الهند والسند" رغم‬
                      ‫التضحيات الجسام، التي بذلت في ذاك السبيل.‬
                                     ‫ّ‬
‫لعل هذا البحث قد يكون سد ثغرة في فتوحات اإلسالم، ورجاله في‬         ‫(2)‬
‫الجبهة الجنوبية الشرقية، التي لم تحظ في نظري بالدراسة والتمحيص،‬
                                     ‫كغيرها من الجبهات األخرى.‬




                                  ‫411‬
‫جملة اهلند‬



                             ‫مصادر البحث ومراجعه‬
                           ‫أولا: مصادر البحث باللغتين اإلسالميتين؛ العربية والفارسية‬
             ‫اللغة‬                  ‫المؤلف والمصدر‬                          ‫العدد‬
                                                                         ‫المسلسل‬
        ‫العربية‬      ‫ابن األثير، أبو الحسن علي، الملقب بـ"عز الدين":‬         ‫1.‬
                          ‫الكامل في التاريخ، بيروت، 1141ه/1121م‬
        ‫العربية‬      ‫اإلدريسي، محمد بن محمد بن عبيد هللا علي‬                 ‫2.‬
                     ‫الشريف: نزهة المشتاق في اختراق اآلفاق،‬
                                  ‫تفاصيل المطبع وسنة الطبع ال توجد‬
        ‫العربية‬      ‫األصطخري، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد‬                    ‫4.‬
                     ‫الفارسي: كتاب مسالك الممالك، طبعة بريل،‬
                                                     ‫4221م‬
        ‫العربية‬      ‫ابن بطوطة، أبو عبد هللا محمد بن عبد هللا اللواتي:‬       ‫4.‬
                     ‫رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب‬
                     ‫األمصار وعجائب األسفار، تحقيق: د. علي‬
                                        ‫الكتاني، بيروت، 114اه/1121م‬
        ‫العربية‬      ‫البالذري، أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر:‬               ‫7.‬
                              ‫فتوح البلدان، بيروت، 1241ه/1421م‬
     ‫اإلنجليزية‬      ‫البيروني، محمد بن أحمد، المشهور أيضا ً بـ"أبو‬           ‫8.‬
                     ‫الريحان": كتاب الهند عند البيروني، وتحقيق ما‬
                     ‫للهند من مقولة مقبولة للعقل أو مرذولة، ترجمة:‬
                                               ‫زخاو، الهور، 2821م‬
     ‫اإلنجليزية‬      ‫البيروني: اآلثار الباقية عن القرون الخالية،‬             ‫4.‬
                                     ‫ترجمة: زخاو، الهور، 4121م‬

                                     ‫511‬
‫جملة اهلند‬

     ‫اإلنجليزية‬    ‫الجبلي، محمد بن علي مترجم كتاب "مجمل‬             ‫1.‬
                  ‫التواريخ" من العربية إلى الفارسية، ترجم جزءاً‬
                   ‫منه: ايلليوت، ودوسون، في "تاريخ الهند كما‬
                            ‫أورده مؤرخوها"، طبعة الهور، 2421م‬
        ‫العربية‬   ‫الحموي، ياقوت بن عبد هللا: معجم البلدان، دار‬      ‫2.‬
                                           ‫صادر، 4141ه/4121م‬
        ‫العربية‬   ‫ابن حوقل، أبو القاسم محمد بن علي الموصلي:‬        ‫11.‬
                  ‫كتاب صورة األرض أو كتاب المسلك والممالك،‬
                              ‫والمفاوز والمهالك، بيروت، 2421م‬
        ‫العربية‬   ‫الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: تاريخ الطبري‬      ‫11.‬
                   ‫أو تاريخ األمم والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل‬
                                ‫إبراهيم، بيروت، 4141ه/7821م‬
        ‫العربية‬   ‫ابن عبد الحكم، أبو محمد عبد هللا: سيرة عمر بن‬    ‫21.‬
                  ‫عبد العزيز، تصحيح: أحمد عبيد، بيروت،‬
                                                        ‫4141ه‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫فريشته، مال محمد قاسم هند وشاه: تاريخ فريشته،‬    ‫41.‬
                  ‫ترجمه من الفارسية إلى اإلنجليزية جون بريكز‬
                        ‫"تاريخ المسلمين في الهند"، دلهي، 1121م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫القزويني، حمد هللا المستوفي: القسم الجغرافي من‬   ‫41.‬
                  ‫كتاب نزهة القلوب، ترجمة وتحقيق: المستشرق:‬
                         ‫ج. لوسترينج، ذكرى جب، لندن، 2121م‬
        ‫العربية‬   ‫القزويني، زكريا بن محمد بن محمود: آثار البالد‬    ‫71.‬
                  ‫وأخبار العباد، بيروت، دار صادر، سنة الطبع ال‬
                                                          ‫توجد‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫مجهول المؤلف: حدود العالم، ترجمة وتحقيق:‬         ‫81.‬


                                 ‫611‬
‫جملة اهلند‬

                                ‫مينورسكي، ذكرى جب، لندن، 1421م‬
     ‫اإلنجليزية‬      ‫الكوفي، محمد بن علي بن حامد بن أبي بكر: شش‬                ‫41.‬
                     ‫نامة أو تاريخ الهند والسند أو كتاب الفتح أو منهاج‬
                     ‫الدين والملك، راجع: حاشية رقم: 24، عن هذا‬
                     ‫الكتاب ترجم جزءاً منه: ايلليوت، ودوسون في‬
                     ‫الكتاب الوارد ذكره في رقم: 1 أعاله، انظر أيضا ً:‬
                                                 ‫رقم: 4 تحت المراجع‬
       ‫الفارسية‬      ‫الكوفي: شش نامة، تحقيق: د. داود بوتا، دلهي،‬               ‫11.‬
                                                         ‫2421م‬
       ‫الفارسية‬      ‫معصومي، سيد محمد معصوم بخاري: تاريخ‬                       ‫21.‬
                     ‫معصومي، تحقيق: د. داود بوتا، بومبي، 1421م‬
                     ‫وقد ترجم جزءا منه: ايلليوت، ضمن كتابه‬
                                  ‫المذكور في رقم: 4 تحت المراجع‬
        ‫العربية‬      ‫المقدسي، شمس الدين أبو عبد هللا محمد بن أحمد:‬             ‫12.‬
                     ‫أحسن التقاسيم في معرفة األقاليم، طبعة بريل،‬
                                                           ‫8121م‬
        ‫العربية‬      ‫اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب‬                ‫12.‬
                     ‫بن واضح: تاريخ اليعقوبي، بيروت،‬
                                                ‫1141ه/1121م‬
                                                               ‫ثانيا ا: المراجع األجنبية‬
             ‫اللغة‬                   ‫المؤلف والمرجع‬                            ‫العدد‬
                                                                            ‫المسلسل‬
     ‫اإلنجليزية‬      ‫أكرم ص.م: تاريخ الحضارة اإلسالمية في الهند‬                 ‫1.‬
                                           ‫وباكستان، الهور، 2121م‬
     ‫اإلنجليزية‬      ‫آمستد: تاريخ اإلمبراطورية الفارسية، شيكاغو‬                 ‫2.‬


                                     ‫711‬
‫جملة اهلند‬

                                                     ‫ولندن، 1421م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫ايلليوت: تاريخ الهند كما أورده مؤرخوها، المجلد‬        ‫4.‬
                            ‫األول، الفترة اإلسالمية، الهور، 2421م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫بللكر، ج. اي: أ. ب. سي. للفن الهندي، لندن،‬            ‫4.‬
                                                     ‫2221م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫بورن: فارس واإلغريق، دفاع الغرب، (847-‬                ‫7.‬
                                     ‫144ق.م)، لندن، 1421م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫باثان، ممتاز حسين: تاريخ السند، الفترة العربية،‬       ‫8.‬
                                      ‫ج4، حيدر آباد السند، 1421م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫برساد اشواري: تاريخ الهند في العصور الوسطى،‬           ‫4.‬
                           ‫من عام 448-827ام، هللا آباد، 8421م‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫بول، اتستانلي لين بول: الهند في العصور الوسطى‬         ‫1.‬
                  ‫في ظل الحكم اإلسالمي، 214-4841م، الهور،‬
                                                         ‫242ام‬
     ‫اإلنجليزية‬              ‫ثبر، رومير: تاريخ الهند، لندن، 412ام‬       ‫2.‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫حوراني، جورج: العرب والمالحة في المحيط‬               ‫11.‬
                      ‫الهندي، ترجمة: يعقوب بكر، القاهرة، 172ام‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫خان، رحمة هللا: التيارات الدينية الحديثة في الهند،‬   ‫11.‬
                  ‫"اإلسالم" جمع وتحرير: سيد عبد اللطيف، دلهي‬
                  ‫2421م وهي مقالة علمية نشرت في "خط عام‬
                  ‫لتاريخ حضارة الهند"، انظر: رقم 21و12 تحت،‬
                                        ‫وكذلك حاشية رقم: 12 أعاله‬
     ‫اإلنجليزية‬               ‫خان ف.أ.: بنبهور، كراتشي، 8421م‬          ‫21.‬
     ‫اإلنجليزية‬   ‫خان، نصر زاهد: تاريخ وحضارة السند،‬                   ‫41.‬


                                  ‫811‬
‫جملة اهلند‬

                                                    ‫كراتشي، 112ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫داني، أحمد حسن: مدينة تتا، العمارة اإلسالمية،‬       ‫41.‬
                                           ‫إسالم آباد، 214اه/212ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫قرشي: تاريخ باكستان المختصر، كراتشي،‬                ‫71.‬
                                                  ‫182ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫الل، ك.س: المسلمون األول في الهند، دلهي،‬            ‫81.‬
                                                      ‫412ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫لطيف، سيد محمد: الهور، تاريخها وآثارها الباقية‬      ‫41.‬
                                  ‫وعصورها السحيقة، الهور، 112ام‬
         ‫العربية‬   ‫لوسترينج: بلدان الخالفة الشرقية، ترجمة: بشير‬        ‫11.‬
                          ‫فرنسيس وسركيس عواد، بيروت، 714اه‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫نترجن، األستاذ الدكتور، أس: مجتمع ديانة العصر‬       ‫21.‬
                   ‫الفيدي، مقالة علمية نشرت في "خط عام لتاريخ‬
                   ‫حضارة الهند" جمع وتحرير: سيد عبد اللطيف،‬
                                                    ‫دلهي، 242ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫هنومنثة، االستاذ الدكتور التيارات الدينية الحديثة‬   ‫12.‬
                   ‫في الهند (الهند وسية)، مقالة علمية نشرت في‬
                   ‫"خط عام لتاريخ حضارة الهند"، جمع وتحرير:‬
                                     ‫سيد عبد اللطيف، دلهي، 242ام.‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫هوديفاال، شاهبور شاه: دراسات في تاريخ مسلمي‬         ‫12.‬
                   ‫الهند، وهو تعليقات نقدية على "تاريخ الهند كما‬
                        ‫أورده مؤرخوها" لـ: ايلليوت، الهور، 242ام‬
     ‫اإلنجليزية‬    ‫المجلة الجغرافية الوطنية، واشنطن، خرائط‬             ‫22.‬
                                                 ‫ورسومات‬



                                   ‫911‬
‫جملة اهلند‬



                                       ‫أنا‬
‫- سعيـــــــــــد األنصــــــــاري‬
‫تخريج: رافعــــــــــــــــــة إكرام‬

‫حفظك هللا يا بنَ أم سليمان! سألتني أن أكتب لك هذا المقال بقلمي، نعم وكرامةً!‬
            ‫َ‬                                                  ‫ِّ‬
                 ‫جلست ألكتُب فجاءني شيئ كما أردتُه. ولقد أحسنت ما شئت، فُ‬
‫ُ أسرِّ ح بالصحيفة‬                ‫ُ‬                                 ‫َ‬     ‫ُ‬
‫إن شاء هللا. فهذا‬   ‫مع البريد وأحمل معه صورتي في اإلطار، يقدم عليك وشيكا ً‬
                                                                  ‫ُ‬
                  ‫مطالعتها.‬   ‫أطرف شيئ وأشرف أهديه لك، فيه تفاصيل كافية تلذّ‬
                                                                        ‫ُ‬
                                                 ‫ّ‬
‫أنا محمد سعيد األنصاري معز الدين أبو سليمان، المتخلص بـ"نشتر"،‬
‫الفتحبوري مولداً والكانبوري منشأ، ابن محمد صديق (1273هـ=1853م-‬
‫2113هـ=1913م) المتخلّص بـ"غيبى" وكان صنّفَ كتابين، كتاب سماه‬
   ‫ّ‬
‫"سلطان أيوب" وهو في سيرة سيدنا أبي أيوب األنصاري الصحابي رضي هللا‬
‫عنه وكتاب اسمه "ندائ غيب" وهو ديوان شعره االُردو، ابن الشيخ مبارك‬
‫علي (1533ه=1123م-8273ه=1853م)، ابن الشيخ كالُو، وهو به أشهر من‬
‫اسمه غالم محيي الدين، ومعناه األسود، وكان رحمه هللا أيضا ً مشربا ً بالحمرة،‬
‫وكان صاحب وجاهة، وكانوا يعرفون منزلته في حوالي قرية يسين بور ومنزلة‬
 ‫ّ‬                              ‫ّ‬
‫بيته في العشيرة. وهؤالء، أعني أبي (وعمي) وجدي وأباه كلهم ماتوا عن سن‬
                                           ‫ْ‬
‫عالية. كانوا أبناء نيّف وتسعين سنة! ففز بحظ من العجب، وال تجعلها كالسمر،‬
‫تستمتع به، ابن الشيخ معز الدين الخطيب بن غالم إبراهيم الخطيب، بن الشيخ‬
‫آداري (=آدهاري) الخطيب1، ومعنى اللفظ "النصفي". وكان يمتلك النصف من‬
‫الضياع والمزارع واإلقطاعات المتسعة في قرى يسين بور وأيجي (=أيجهي)‬
‫وغيرهما حسب السجّل، والنصف اآلخر كان في ملك ابن عمه الشيخ عبد‬
              ‫ّ‬
        ‫ُ‬             ‫ُ‬
‫المجيد بن الشيخ حبيب هللا المعروف بالشيخ بوال على وزن كودَى. فولد هذا ما‬
‫كانوا أتباعا ً أذنابا ً لولد اآلخر! ابن مظفر علي الخطيب بن الشيخ محمد ياسين‬
                                                            ‫ِ‬
‫الخطيب. والشيخ يسين كان مؤسس قرية يسين بور في القرية الكبيرة فيروز‬
‫بور فهني2 بكسر الباء الفارسية المنقوطة بثالث تحتها وسكون الهاء وكسر‬


                                             ‫1 ال أعلم اسمه وكان مشهوراً بهذا االسم‬
                                                                       ‫2 (‪)Pahni‬‬

                                       ‫021‬
‫جملة اهلند‬

‫النون، في برغنة1 (عمل) فتحبور هسوه2 بفتح الهاء وسكون السين المهملة‬
‫وفتح الواو، بجوار قصبة حسين غنج من ناحية نهر الكنك3. وهو الصريح‬
‫الصحيح من ولد مشيخت مآب الشيخ عبد هللا الخطيب. ومعنى "مشيخت مآب"‬
‫مالذ المشيخة العظمى، وكان عبد هللا حيا ً سنة ثالث وثمانين وتسع مائة من‬
‫الهجرة في ربيع الثاني منها يرزق، واأللسنة لفضله تطلق، وهو أحد الستة الذين‬
‫ِ ُ‬
‫تزملوا في أهبة السفر ومضوا من دلمئو4، القرية العظمى التي كان إليها جماع‬
‫أهل تلك البالد، حتى عبروا الكنك ثم أخذوا سكة حسين غنج، شريعة القديم،‬
‫فو صلوا فيروز بور فهني وأقاموا بها، وهم عبد هللا الخطيب والشيخ قاسم‬
‫والشيخ بير (علي) والشيخ بابر والشيخ شكر هللا والسادس ال أذكر اسمه. فمن‬
‫هنالك كان أصل الخطابة بدلمئو كما جاء في القاموس الجغرافي5 لتلك الخطط.‬
‫ونسب الشيخ عبد هللا الخطيب ينمى إلى الشيخ صالح األنصاري ويرتقي إلى‬
‫شيخ اإلسالم أبي إسماعيل عبد هللا األنصاري ثم إلى سيدنا أبي أيوب خالد بن‬
          ‫زيد األنصاري رضي هللا عنه صاحب رسول هللا صلى هللا عليه وسلّم.‬
‫وأما أمي فالسيدة عزيز النساء، (7173ه=8253م-رجب 5313ه=1113م)‬
‫ابنة الحاج الحافظ السيد مؤمن علي الجنيدي المتخلص بـ"مؤمن". وكان شاعراً،‬
‫وله ديوان يدعى "تحفۂ مؤمن"، ابن حافظ علي المتخلص بـ"ثابت" ابن باسط‬
‫علي بن مظهر علي بن فخر الدين ابن السيد شاكر علي المتولّي، من آل الزاهد‬
               ‫ّ‬
‫المشهور أبي القاسم الجنيد ابن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز القواريري‬
‫رحمه هللا، وكانوا متولّين أي نظّار األوقاف والمساجد والجبّانات وغيرها في‬
‫عهد الدولة المغولية. وكانوا يسكنون في قصبة هسوه بمحلة تدعَى باسمهم‬
                                                              ‫"متوليانه"6.‬
‫أنا من بيت كبير في برغنه فتحبور7 هسوه من أعمال صوبة (إيالة) إله آباد8 في‬
                                       ‫ّ‬                         ‫ّ‬
‫الهند. جدي الشيخ أبو منصور أيوب مت المدني الصحابي رضي هللا عنه كان‬
‫رجل أهل بيت سيدنا أبي أيّوب خالد بن زيد رضي هللا عنه ابن كليب األنصاري‬

                                                                       ‫1 (‪)Pargana‬‬
                                                                            ‫2 ‪Haswa‬‬
                                                                           ‫3 ‪Ganges‬‬
       ‫4 ‪ ،Dalmau‬سمّيت القصبة باسم مؤسّسه الملك دال (‪ ،)Dāl‬داال مئو، وكان من البر‬
                                                                         ‫ّ‬
                                                     ‫(البهر) ثم خفف اللفظ وقيل دلمئو.‬
                                  ‫5 انظر: )‪Gazetteer of Rai Brely, (U.P., India‬‬
                                                                 ‫6 ‪Matawalliyana‬‬
                                                                         ‫7 ‪Fatahpur‬‬
                                                                        ‫8 ‪Allahabad‬‬

                                        ‫121‬
‫جملة اهلند‬

‫النجّاري الخزرجي الصحابي المشهور (م سنة 78ه بالقسطنطينيّة) وأكبر‬
‫أوالده. لم يخلف أبو أيوب رضي هللا عنه من بنيه غيره. فارق رتاجه1 بالمدينة‬
‫في حياة أبيه في سنة 37ه حين دفع سيدنا عمر بن الخطاب لواء خراسان إلى‬
‫األحنف بن قيس، مقبالً إلى أصبهان وبعد سنة إلى طبسين، إلى بلخ. خرج‬
‫رضي هللا عنه مع الجند راجيا ً من ربه في هذا الوجه إحدى الحسنيين إما‬
‫الشهادة وإما القفل في عافية، فنزلوا على مدينة بلخ وبها جمع المشركين، فلم‬
‫يزالوا حملة وحملة، وفي خالل ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة حتى‬
‫منح هللا المسلمين أكتافهم، فذلّلوهم وفلّوهم وأخضعوا أعناقهم. فلما ظفرت كفهم‬
‫وعال كعبهم ودان لهم أهلها، أقام الشيخ بها حتى توفي وترك عقبه هناك،‬
‫فاستوطن منهم شيخ اإلسالم اإلمام أبو إسماعيل عبد هللا األنصاري‬
‫(111هـ359ه) هراة، وكان أكثر منهم ريشا ً وعقبا ً. وأصرحهم أما ً وأبًا، ثم‬
             ‫ّ‬
         ‫سارت ذريّته، بنواب واحد، إلى الهند حينا ً بعد حين، وتفرقوا أيدي سبا .‬
          ‫2‬
                                                                       ‫ّ‬
‫، ما أصاب من الدنيا‬  ‫وكان الشيخ صالح األنصاري منهم رجل آخرة يرجو ثوابا ً‬
                                              ‫ّ‬
‫وما تمرّغ فيها. وكانت الخاصة والدهماء3 واألقصون واألدنون4. تعرفه في‬
‫شرفه وعفافه وطهارته. فرحل أبناؤه من هراة يريدون عاصمة الهند دهلي،‬
‫وكان سلطان دهلي شمس الدين ايلتتمش (211ه-111ه) والخواجه معين الدين‬
‫الجشتي رحمه هللا والشيخ الفقيه المخدوم بدر الدين رحمه هللا بن المخدوم منهاج‬
‫الدين العلوي بايعوا الشيخ الكبير عثمان الهاروني رحمه هللا وسعدوا بصحبته‬
‫وأخذوا عنه الطريقة الجشتية. فلما وجّه السلطان جيوشه المنصورة مع قائد من‬
‫قواده إلى نواحي الهند لمجاهدة أعداء الدين، ولّي المخدوم بدر الدين حرب من‬     ‫ّ‬
‫مة ومعه أخوه وبطانته‬      ‫بناحية رائ بريلي، فشخص على بركة هللا في كتيبة مقلّ‬
‫وعيبته، غطارفة مجد، عرفهم المخدوم بالنصيحة واالستقامة. وكان أبناء الشيخ‬
                                                           ‫ٍ‬
‫صالح يبذلون له النصيحة، وكان لهم رحم ماسّة وقرابة منه ومن آبائه العلويين‬
‫وأخواله الحسينيين، ساقهم هللا حتى جعلهم في نبيّه! فوافوه لألجل الذي ضرب‬
‫وفي الموطن الذي ذكر وخرجوا ترفعُهم أرض وتخفضهم أخرى حتى هبطوا‬
                                                    ‫ّ‬        ‫ّ‬
‫دلمئو، على وزن بدلوا بفتح الدال المهملة، بيت مملكة البر (البهر5)، أمة من أمم‬
                                                               ‫ُ‬
                                       ‫الهند، فأتوهم في عقر دارهم وفتحوها عنوة.‬

                                                                ‫1 أي غادر المدينة‬
                                                         ‫2 هي منصوبة على الحال‬
                                                                           ‫3 العامة‬
                                           ‫4 جمع أقصى وأدنى، األبعدون واألقربون‬
                                                                  ‫5 بالهاء المختفية‬

                                     ‫221‬
‫جملة اهلند‬

‫وكانوا أصابوا فيها سبيا ً كثيراً وغنموا غنيمة عظيمة من صفراء وبيضاء‬
‫والروائع، فنزلوها وزرعوها واتخذوا بها أمواالً ومواشي واختطّوها وقطعوها‬
‫مساكن ودوراً دعيت بأسمائهم محلة مخدوم زادغان ومحلة أنصاريان والسيد‬
                                                      ‫ْ‬
‫واره، فأقاموا بها دهراً فيما يقاس مائتي سنة، ليس عليهم سلطان يدر لهم‬
      ‫ّ‬
        ‫ّ‬                               ‫ّ‬
‫األرزاق والعطاء، فكانوا يجعلون حدهم وحديدهم للكفرة والمشركين. كل واحد‬
‫منهم كان جليداً، نسيباً، وسيطاً، حريصا ً على انقطاع خيط رقبته في ذات هللا،‬
‫غير خاف التشريح بالمواسي والمدي، ليس له عمل إال المباشرة بالقوة‬
‫والمهجة1 واألوالد، بطويّة2 صحيحة، وبصيرة نافذة، وريح هابّة، وسلطان‬
                                                                 ‫ّ‬
                                                        ‫قاهر، وجد ظاهر.‬
          ‫ّ‬
‫وفي تلك األيام ضربت فتنة الشرك سرادقها على هذه البالد، فأصابهم الدهر في‬
‫بلدهم وحرمتهم بدولة، فعادتهم الهنود ورموهم عن قوس واحدة، فشقت عصاهم‬
‫وصاروا في مثل حدقة البعير من ضيق الحال ونكد العيش. فلما مضى من ليل‬
‫الفتنة هزيع3 أشرقت األرض بنور ربّها وقاست الدولة الشرقية في جونبور سنة‬
‫812ه، فعركت الهنود بكلكل ثقيل ورمتهم بحجرهم. بعث سلطانها إبراهيم‬
‫الشرقي (115-195ه) إليهم بعوثا ً. فوجّه القاضي جالل الدين األنصاري‬
‫الميمون النقيبة، أخا بني الشيخ سليمان األجودني (األجودهني) قاضى بلدة دهلي‬
‫في زمان ايلتتمش، نحو دهئي4 على وزن غني ودلمئو، بيوت مملكتين، فسار‬
‫باسم هللا وقصد لقصباتهم، وكان ذا حزم وعزم وغناء، فآذنهم على سواء. لكنهم‬
‫تحصّنوا منه في حصونهم واعتصموا بخنادقهم وقاتلوه في المحلة منهم بعد‬
‫المحلة، فلما بلغ هذا منهم، جرّد السيف فيهم وقتل من قتل منهم فذاّ وتؤاماً،‬
‫فعجزوا عن قتاله في مواطن كثيرة وانهزموا، وخلّوه وتلك التاحية، فخلّص هللا‬
‫المسلمين من أيديهم بجلده وشجاعته وصولته وبركته. فلم شعثهم5 ، وأمن‬
   ‫ّ‬              ‫ّ‬
‫سربهم6، ورفع قوتهم، وأقام أودهم وصعرهم7. ولما كان آبائي ممن ال يقرع‬
‫أنفه، نكحوا ابنتا ً من ذرية القاضي سليمان بن القاضي جالل الدين، فصار‬
                                                          ‫ّ‬
                                ‫هؤالء أخوال جدنا الشيخ محمد يسين الخطيب.‬

                                                                        ‫1 الدم، الروح‬
                                                                    ‫2 النية والضمير‬
                                                                   ‫3 الطائفة من الليل‬
 ‫4 أسّس هذه المملكة الملك دهئي سين من البر (البهر) فسمّيت القصبة السمه، وتعرف اآلن‬
                      ‫بجالل بور دهئي نسبة إلى الفاتح المسلم، وفي اللفظ هاء مختفية.‬
                                                                            ‫5 متفرق‬
                                                                             ‫6 طريق‬
                                 ‫7 األود: االعوجاج، والصعر: الميالن إلى أحد الشقين‬

                                        ‫321‬
‫جملة اهلند‬

                                                                  ‫ُ‬
 ‫وبعد ما سُقت من حديث المجاهدين وماذا وضع في أيديهم، أحبّ أن اقتصّ بأمر‬
 ‫الشيخ صالح وأبنائه خاصة حضرت المخدوم الوفاة بقصبة دلمئو سنة 191ه،‬
 ‫فمات ودفن بها، فأقاموا بعده وبعد القاضي جالل الدين بدلمئو في محلة‬
         ‫ّ‬
 ‫أنصاريان، في التعلق بعصمة الدولة المغولية والتمسك بعروتها حتى أظل زمان‬
 ‫أكبر بادشاه، فحظي الشيخ عبد هللا ورجال من قومه عنده ثم عند خلفائه، ورفعوا‬
 ‫منار مجدهم ذاهبا ً في الهواء. وكانوا من أكرم الناس أحسابا ً وأمحضهم أنساباً،‬
                                  ‫ّ‬
 ‫لهم أسنان وألسنة، فعرفهم اإلمبراطور، ووالهم الخطابة في مساجد قرى فتح‬
 ‫بور، فتركوا دلمئو كما مرّ، وتولّى بعدهم الشيخ ولي محمد إمامة مسجد اسوتر‬
 ‫(اسوتهر) فأقام هناك. كانوا معافين من التكاليف األميرية وأداء الضرائب، كما‬
 ‫هو مكتوب في الفرمانات الشاهية، وكانت لهم مقامات في الناس يتناولونهم فيها‬
 ‫بالعظات، واالقتصار عن الشهوات، وترك المعاصي والسيئات. كانوا يأخذون‬
 ‫من جاللة اإلمبراطور المغولية الهدايا السنوية مثل العمائم والنقود أيام عيد‬
 ‫الفطر وعيد األضحى كما أفادني عمي األكبر الشيخ أحمد هللا، شقيق أبي. وكان‬
‫أعلم بحديثهم. وكان اإلقبال على االنتظام في سلك الخطابة واإلمامة عظيما ً جداً‬
 ‫في بالد الهند، لما لرجال الدين من األهمية في عين األهالي والسالطين. فبقيت‬
 ‫قرية يسين بور وقرية اسوتر عاصمة للدين ومرجعا ً للمساجد زهاء ثالت مائة‬
 ‫سنة، من سنة 151ه عهد اإلمبراطور أكبر بادشاه إلى سنة 1273ه عهد‬
 ‫اإلمبراطور بهادر شاه الثاني خاتم السالطين المغولية. وانقطع عندئذ منصب‬
 ‫الخطابة من أحفاد مشيخت مآب الشيخ حبيب هللا وأخيه األصغر الشيخ مظفر‬
 ‫علي في يسين بور ومنصب اإلمامة من أوالد بندغي مشيخت مآب الشيخ ولي‬
 ‫محمد في اسوتر. وهذا هو النزر اليسير الذي أذكره ههنا من أحوالهم ومعارفهم.‬
 ‫منبتي ومسقط رأسي فتح بور، مدينة جليلة نبيلة من أعيان مدن اإليالة المتحدة1،‬
 ‫بين نهر الكنك والجمن2، وتسمى هذه األرض "ميان دوآب" في الفرمانات‬
                                                ‫ّ‬
 ‫3‬
   ‫المغولية، ومعناه بين الماءين. ولدت في دولة الملكة البريطانية فيكتوريا‬
 ‫الشهيرة سنة إحدى عشرة وثالثمائة بعد األلف من الهجرة النبوية، صُبيحة‬
 ‫التاسع من شعبان، يوم الجمعة=السادس عشر من فبراير سنة أربع وتسعين‬
                                         ‫ّ‬
 ‫وثمان مائة بعد األلف من الميالد. التف علي بيت جدي الشيخ مبارك علي في‬
                                    ‫ّ‬
                    ‫4‬
 ‫قارعة محلة خيلداران، ثم نشأت أحسن نشوء بكان بور بلدة كبيرة بجوار‬

                                     ‫1 ‪United Province of Agra and Oudh‬‬
                                                             ‫2 ‪R Jamuna‬‬
                                                        ‫3 ‪Queen Victoria‬‬
                                                            ‫4 ‪Cawnpore‬‬

                                    ‫421‬
‫جملة اهلند‬

‫فتحبور، قدمته مع أبي في صباي، لما رحل إليه سنة 1313ه=1153م طلبا ً‬
                                                                          ‫للعيش.‬
  ‫تأدبت في كانبور وتلقّيت وأنا غالم ماخرجت لحيتي، كل العلوم المعروفة من‬
                       ‫ّ‬                                                          ‫ّ‬
  ‫المعارف الدينية والفلسفة العقلية والجدل بين تفسير وحديث وأصولين ومعان‬
                 ‫ُ‬
  ‫وبيان وأخالق وطبيعة ومنطق إلخ، قرأتها على أساتذة بيوت علمها كجامع‬
  ‫العلوم ودار العلوم وإمداد العلوم ومدرسة علم الالهوت (اإللهيات). كانت البلدة‬
                                   ‫ّ‬
  ‫في ذلك العهد وجهة العلماء والفضالء، تشد إليها الرحال من كل فجّ، كانت‬
      ‫ّ‬
  ‫محظوظة من الفقهاء والمحدثين والنحويين والمنطقيين؛ كان فيها المحدث‬
  ‫المفسّر شمس العلماء موالنا الحافظ الحاج المولوي محمد إسحاق بن القاضي‬
  ‫لطف الهدى القدوائي البردواني والفقيه المحقّق موالنا الحاج المولوي محمد‬
                     ‫ّ‬
  ‫رشيد بن موالنا الحافظ الحاج المولوي عبد الغفار الصديقي اللكنوي والنحوي‬
  ‫الكبير المولوي إنعام هللا خان بن المولوي عبد البصير البانغرموي. وكان بها‬
  ‫المحدث المنطقي موالنا الحافظ الحاج المولوي مشتاق أحمد بن موالنا الحافظ‬      ‫ّ‬
  ‫الحاج المولوي أحمد حسن الصديقي البنجابي، خادما العلم بالمدرسة الصولتية‬
                                           ‫ّ‬
  ‫الكائنة بمكة المكرمة والشيخ المحدث المولوي محمد سليمان البنجابي والشيخ‬
                             ‫ّ‬
  ‫المحدث المولوي عبد الرزاق النجيب آبادي والمحدث الصوفي المولوي غالم‬        ‫ّ‬
  ‫حسين البنجابي والخطيب المتكلم شيخ اإللهيات المولوي عبد القادر آزاد‬
  ‫سبحاني، عاملهم هللا بفضله العميم. فأخذت منهم قسطا ً وافراً، وكانوا من أعلم‬
  ‫من شاهدت بالعلوم القديمة، وكان بعضهم واسع العلم، راجح المعرفة بالعلوم‬
                                                                  ‫الحديثة أيضا ً.‬
  ‫أجازني بكتب الصحاح السّتة والمؤطّا لإلمام مالك بن أنس المدني رحمه هللا‬
  ‫وبحديث المسلسل باألولية ومسلسالت الشاه ولي هللا الدهلوي وبعض األوراد،‬
  ‫الشيخ الشهير في الزمن، شيخ شيخ شيوخي وشيخ الهند، موالنا الحاج المولوي‬
  ‫محمود حسن بن المولوي ذوالفقار علي العثماني الديوبندي وبحديث المسلسل‬
                                                                ‫ّ‬
  ‫باألولية المحدث الجليل المولوي عبد العلي القاسمي، وهما من تالمذة نخبة‬
                                                         ‫ّ‬
  ‫األكارم موالنا محمد قاسم الصديقي النانوتوي، وأجازني بمسلسالت الشاه ولي‬
                                     ‫ّ‬
  ‫هللا والحديث المنامي للشاه عبد الغني المجددي الذي رواه موالنا محمد يعقوب‬
  ‫الصديقي النانوتوي وكتاب حزب البحر للشيخ نور الدين أبي الحسن علي‬
                   ‫ّ‬
  ‫الشاذلي رحمه هللا، شيخ شيوخنا حكيم األمة موالنا الحافظ الحاج المولوي محمد‬
                                       ‫ّ‬
  ‫أشرف علي بن عبد الحق األدهمي التانوي (=التهانوي) وأجازني بكتاب حزب‬
  ‫البحر وحديث الجن شيخي وسندي المولوي محمد إسحاق البردواني، وكان من‬
                                                      ‫أجل تالمذة حكيم األمة.‬    ‫ّ‬


                                       ‫521‬
‫جملة اهلند‬

  ‫وأجازني شيخي وسندي شيخ الدالئل المولوي محمد رشيد الصديقي بكتب‬
  ‫األوراد وهي دالئل الخيرات وشوارق األنوار في ذكر الصلوة على النبي‬
  ‫المختار للشيخ أبي عبد هللا محمد بن سليمان الجزولي رحمه هللا، والحزب‬
  ‫األعظم والورد األفخم للعالم الفاضل علي بن سلطان محمد الهروي رحمه هللا،‬
  ‫والحصن الحصين من كالم سيد المرسلين للشيخ شمس الدين محمد بن محمد‬
  ‫الجزري الشافعي رحمه هللا، عن شيخه شيخ الدالئل موالنا عبد الحق اإلله‬
  ‫آبادي ثم المكي عن شيخه شيخ الدالئل السيد علي الحريري المدني رحمه هللا،‬
  ‫وكذا أجازني بكتب الصحاح الستّة وبمسلسالت الشاه ولي هللا والحديث المنامي‬
  ‫للشاه عبد الغني عن شيخه حكيم األمة. وأجازني بحديثه المنامي الذي رواه عن‬
                                             ‫ّ‬
  ‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلّم في صلوة الجمعة في القرى. وأراني المدّ‬
     ‫ُ‬
                                                  ‫ُّ‬
  ‫وأجازني وأعطاني سنده، والمد مكيال ووعاء الماء كان النبى صلى هللا عليه‬
                                                                ‫وسلّم يتوضأ منه.‬
  ‫وأجازني شيخي وسندي المولوي مشتاق أحمد الصديقي وهو شيخي الذي به‬
  ‫تخرّجت بجميع مسموعاته عن والده رحمه هللا وعن شيخه، شيخ أبيه، الشاه‬
  ‫فضل الرحمن الغنج مراد آبادي، وكذا أجازني عن والده عن شيخ اإلسالم‬
‫موالنا أحمد زيني دحالن مفتي الشافعية بمكة المكرّمة زادها هللا شرفا ً وتعظيما ً‬
  ‫وإجالالً ومهابة عن أساتذته الكرام، علماء الحرمين الشريفين ومشيخة الجامع‬
                                                             ‫األزهر رحمهم هللا.‬
  ‫أنا أروي "األربعين" بواسطتين عن الشاه عبد العزيز الدهلوي بن الشاه ولي هللا‬
  ‫وهو أقرب أسنادي، أرويها عن المقري المؤدب المولوي محمد يوسف علي‬
  ‫الصديقي البدايوني ثم الكانبوري سبط الشاه سالمت هللا البدايوني عن السيد الشاه‬
  ‫آل رسول البدايوني عن الشيخ عبد العزيز الدهلوي. أروي الحديث المسلسل‬
  ‫باآلباء والخطباء عن عمي األكبر الشيخ أحمد هللا األنصاري عن آبائه الكرام،‬
                                                         ‫ّ‬
                                                      ‫ّ‬
  ‫أروي الحديث المنامي بمن هللا وكرمه عن سيدنا عبد هللا بن عمر رضي هللا‬
  ‫م‬ ‫عنهما. حدثني وهو جالس على ركبتيه بين يدي النبي صلى هللا عليه وسلّ‬ ‫ّ‬
               ‫ّ‬
  ‫وجماعة من الصحابة فيهم الحسن والحسين رضي هللا عنها، أن رسول هللا‬
  ‫صلّى هللا عليه وسلّم قال: "هما ريحانتاي من الدنيا"، وهو حديث صحيح في‬
  ‫مناقب الحسن والحسين رضي هللا عنهما، أورده اإلمام البخاري رحمه هللا في‬
  ‫الجامع الصحيح، وطالما حملتني عيناي، فرأيت النبي صلى هللا عليه وسلّم في‬
  ‫المنام مرّتين. وكذا رأيت في نومي عليا ً وأبا أيّوب األنصاري وابن عمر وأنس‬
                               ‫ّ‬
  ‫بن مالك والحسن والحسين رضوان هللا عليهم، وجدي جماع قبيلتي الشيخ محمد‬
                         ‫ّ‬
                                                        ‫ياسين األنصاري الخطيب.‬


                                      ‫621‬
‫جملة اهلند‬

  ‫كلفت بالشعر واألدب من نعومة أظفاري، فاختلفت لما حممت1، وجلست إلى‬
                       ‫ّ‬                                                          ‫ّ ُ‬
         ‫2‬
  ‫أهل البالغة والبراعة، علماء الشعر واألدب الذين طرقوا الكالم وماثوه ففتح‬
  ‫بهم وختم. جرّني إلى العلوم األدبية القديمة والحديثة ألالء أعمال الشيخ شبلي‬
  ‫النعماني الباهرة العلمية التي أتى بها، وكان اإلمام العالمة رحمه هللا قد تجمع‬
    ‫ّ‬
  ‫فيه أشتات العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان منصبّا ً إلى‬
  ‫تصنيف الكتب، فتح أبوابها، وبلغ فيها الغاية. فجمع من كل جنس وفن، وأحسن‬
  ‫في كل التصانيف. فكم مجموع له ظلّه على مناكب الجوزاء، ويرفرف طلّه على‬
                                                   ‫ِ‬
  ‫أن ألقاه وأقرء عليه، فأيّدني هللا بالكرامة،‬ ‫كبد السماء! وكنت مشتاقا ً إليه، متمنّيا ً‬
  ‫واتفق لي لقاؤه في بلدة كان بورسنة 1713ه=3313م بمدرسة علم الالهوت،‬
  ‫فمألت عيني منه واستفدت من مخاطباته وتقريره نوادر كثيرة من القرآن‬
                                                  ‫العظيم، ما مأل السمع وحيّر األلباب.‬
  ‫وقرأت على المعلّم عبد الحميد (حميد الدين) الفراهي األنصاري بأعظم كر،‬
  ‫وكان أوحد زمانه وفرد أوانه في علم التفسير، متضلعا ً بالعربية والفارسية،‬
  ‫متوسعا ً في ضروب المعارف وكان يحسن بكل لغة من العربية والفارسية‬
  ‫واألردو واإلنكليزية واأللمانيّة والعبرانية، وكان لي عنده فائدة، ومنه حظّ لما‬
  ‫يذكر دروس القرآن لي بدارالمصنفين حين يقدمها من حيدر آباد الدكن إلمضاء‬
  ‫زمان التعطيل الصيفي في وطنه، فكنت أغشاه وأجلس إليه وآخذ عنه وأعرض‬
                                                  ‫عليه شعري، وسمعت بإفادته الكثير.‬
‫وكانت بضاعة السيد الشريف المولوي سليمان الندوي جيدة في العلم، كان رأسا ً‬
  ‫في العربية ولغة العرب، عالما ً بالتاريخ اإلسالمي، قيّما ً به، وكان له أنسة‬
  ‫بأنواع العلوم، فكنت أفاوضه فيما يسنح لخاطره من مسائل التاريخ واألدب‬
  ‫وغيرهما، وكان ذلك من حظوتي لديه، وكان رحمه هللا من أكمل أهل زمانه‬
  ‫أدباً، وعلى جانب عظيم من الفضل والنباهة والوقار. فكان يغرّني3 بالعلم‬
                                     ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
   ‫ويؤدبني كما أدبه الشيخ شبلي النعماني، كما أدبه البطل العظيم السيد أحمد خان.‬     ‫ّ‬
                         ‫ّ‬
  ‫وكان األستاذ اإلمام المولوي عبد السالم الندوي من أجل تالمذة الشيخ شبلي‬
  ‫النعماني قدراً وأغزرهم فضالً وأفضلهم علماً، أمسك بأعنّة العلوم، فانقادت له‬
  ‫وتمكن منها وكان من علية الحكماء واألئمة! ومنزلته من العلم وغزارة‬
  ‫المعارف، وسلطته على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها الالئقة‬
                                                       ‫ّ‬
  ‫بها، ال تخفى وال يمكن أن يحدها قلمي. فلما شخصت إلى أعظم كر وذلك في‬

                                                          ‫1 من حمّم الغالم إذا بدت لحيته‬
    ‫2 هكذا كناية عن البحث المتواصل، كمن ماث الشيئ بالشيئ إذا خلطه به بحيث ال يتميّز‬
                                                                      ‫أحدهما من اآلخر.‬
                                                           ‫ّ‬
                                           ‫3 من غر الطائر فرخه أي زفه، أطعمه بمنقاره‬
                                                                                ‫ّ‬

                                         ‫721‬
‫جملة اهلند‬

‫نصف شهر فبرائر سنة 1313م(=9113ه) وجدت أكبر عقل ظهر في هذا‬
‫الزمان، ووجدته فوق ما وصف لي، فتصاغرت له، وشتان بين فيلسوف يحتقر‬
                             ‫ّ‬
‫الدنيا وزخارفها وأناس يرون الدنيا أقل من أن تسد مطامعهم! ولما كان الشيخ‬
‫أرفع رأسا ً منهم فتح أبواب العمل التصنيفي في الجمعية العلمية الكبرى (دار‬
‫المصنفين أو شبلي أقاداميا)، الكائنة بتلك المدينة الصغرى فجالسته،‬
                     ‫ّ‬
‫وتخصّصت به، فاستفدت من بركة جلوسي بين يديه ست سنوات ما أعجز‬
            ‫ٍ‬
‫غطارفة القلم وعلماء علماء أعالم فطاحل. ولكنه كان قليل الحظ من تالمذته.‬
‫أظمأ هللا أكباداً إلى علومه فرغبوا فيها، وأخذوا عنه قِمطر ًا1 من األدب‬
                  ‫َ‬
‫والتصنيف وتحقيقاته من عند نفسه، وتخرّجوا عليه، لكن ال ينسبون إليه وال‬
                                                          ‫يذكرون عنه شيئا ً.‬
‫باض الشيطان فينا وفرّخ! في سنة 3713م تركت دارالمصفين، و رجعت إلى‬
                                                           ‫ّ‬
‫وطني. وذلك ألن الجمعية لما خولت بعضهم حق قيادتها، مالوا إلى التعالي‬
                                           ‫ّ‬
‫وسادت عليهم فكرة األثرة، فنتجت األحقاد والمنافسات من هذه الفروق، وجهلوا‬
‫أو تجاهلوا ما نجم أو ينجم عن ذلك من الفساد االجتماعي. فلما ثار الحابل على‬
‫النابل، صار صبري تحت كالكلها مستجالً، ألني علمت أن البقع الحبرية ال‬
                       ‫ُ‬
        ‫تزول إذا كانت على قماش من حرير فإن كل محاولة تزيد الّثوب فساداً.‬
                                      ‫ّ‬
‫له من اللبن، وال‬    ‫أزمعت على المسير! ألني لست كالبو2 يحلب به، وال حظّ‬
                                        ‫ّ‬
‫كالرجل اللعين3 ، ينصب وسط الزرع لطود الوحوش، وال يجعل له الزرع‬
 ‫ّ‬
‫مأكلة، فقارقت أعظم كر ثم حصلت في بجنور وعلي كر وإله آباد، نزلتها مدة‬
‫إلعداد ما تمسّ إليه الحاجة في المعاش، من بلغة الطعام، وعلقة الرباش. وفي‬
‫تلك الحال ال يفارق يدي القلم، وعيني النظر، وقلبي الفكر، فتراني طوراً منشئ‬
‫الصحف والرسائل، وتارة منتصبا ً لإلقراء في المدارس والكليات، وأخرى‬
‫رئيس قسم األردو في هندستاني أكادمي، ثم سرت عن إله آباد إلى دهلي‬
                                                   ‫ّ‬
‫عاصمة بالد الهند، وقل مقامي بها، حتى ارتحلت عنها إلى الهور، قاعدة‬
‫الحاكم العام لباكستان الغربي، وذلك في يوم االثنين الخامس عشر من شوال‬
                                                                   ‫ّ‬
‫سنة 1113ه=31 يوليه سنة 1813م، فنزلت بهذه المدينة العظيمة وتديّرتها بعد‬
‫مقارعة األهوال ومقاومة الخطوب، فغذتني جامعة بنجاب بدرّها، أتعلّل به في‬


                                                                            ‫1 خزانة العلم‬
      ‫2 البوّ ، جلد الحوار أو العجل يحشى تبنا ً أو غيره فيجعل أمام الناقة أو البقرة التي مات‬
                                        ‫ّ‬
                                       ‫ولدها، لتتوهّم أنه ولدها فتخدع وتعطف عليه وفتدر.‬
                                                                        ‫ّ‬
       ‫3 خيال، خيالة، فزاعة، في الفارسية "چشمارو"، في األردو "ڈراونا"، في اإلنكليزية‬
                                                                          ‫"‪"Scarecrow‬‬

                                           ‫821‬
‫جملة اهلند‬

‫عملها العلمي الكبير، إدارة دائرة المعارف اإلسالميّة، لجنة التّرجمة باألردو بما‬
             ‫كتبه أعالم الفكر في أوروبا باإلنكليزية والفرنسية واأللمانية وغيرها.‬
‫استحسن طريقتي في األدب العربى وإنشائي، األديب المبرّز ، شائع الصيت‬
‫وسائر الذكر، األستاذ الدكتور د.س.مرجليوث1، اإلنكليزي رئيس قسم العربية‬
‫في جامعة أوكسفرد بإنكلترا، والشاعر المجيد المصري الدكتور أحمد زكي أبو‬
‫شادي، واألديب اللغوي الشيخ عبد القادر المغربي، والعالم المتفنّن الدكتور تقي‬
                                                                              ‫ّ‬
                                                         ‫الدين الهاللي المراكشي.‬
        ‫2‬
                               ‫ّ‬
‫وسرّني بارتضائه غزلياتي الفارسية األستاد األجل الدكتور روبين ليوي رئيس‬
‫قسم الفارسية في جامعة كيمبرج بإنكلترا، والعالم المفضال الدكتور آرين،‬
‫رئيس جامعة تبريز في إيران، وصاحب السعادة أحمد قديمي، سفير‬
‫إمبراطورية إيران في باكستان، وصاحب السعادة الدكتور رياض الحسن سفير‬
‫باكستان في جزيرة سيالن، ومن أدباء األردو األديب البارع موالنا نياز الفتح‬
                                                                ‫بوري وغيرهم.‬
‫وقد نشط همي ما تكرم علي به سادة العلماء ومشيخة األدب وفرسان الشعر من‬
                                                     ‫ّ‬              ‫ّ‬    ‫ّ‬
‫عبارات الثناء، واالستجادة، وال سيما الصدر األجل، إمام الهند وداهيتها،‬
‫وخطيب األمة ونابغتها، الدكتور موالنا أبو الكالم آزاد الدهلوي، وزير‬
‫المعارف في الجمهورية الهندية، وشيخ اإلسالم النواب صدريار جنك الدكتور‬
‫الحاج المولوي محمد حبيب الرحمان خان الشرواني، والشاعر الفيلسوف‬             ‫ّ‬
                                                                ‫3‬
‫الدكتور السير محمد إقبال الالهوري، والزعيم الجليل موالنا محمد علي‬
                                  ‫جوهر، واألديب الفاضل موالنا ظفر علي خان.‬
‫5‬
  ‫اشتغل بالتصانيف، فمنها ما هو من زغب4 فراخ كتبي، ومنها القشاعم اللقمانية‬
                                                  ‫وهي من األمهات، وها هي ذه:‬
‫3. ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل (بالعربية)، وهو نصوص أتى بها اإلمام‬
‫أبو مسلم محمد بن بحر االصفهاني في تفسيره، جمعتها من مفاتيح الغيب‬
‫وطبعت بكلكتا المحروسة بمطبعة البالغ سنة 3713م (=1913ه). اشتهر‬
‫الكتاب، وارتفع ذكره وحمل مشرقا ً ومغرباً، وقرأه كل من كان في ذلك‬
‫الوقت من العلماء من فرسان اللسان العربي كاألستاذ مرجليوث اإلنكليزي‬
‫الشهير، والسيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الغراء في مصر‬

                                                  ‫1 ‪Prof. Dr. D. S. Margoliouth‬‬
                                                             ‫2 ‪Prof. Ruiben Levy‬‬
                                                                             ‫3 ‪Sir‬‬
                                                                    ‫4 صغار الريش‬
                                            ‫5 جمع قشعم وهو الضخم المسنّ من النسور‬

                                      ‫921‬
‫جملة اهلند‬

‫القاهرة، وموسيو لوئى مسينا، منشئ مجلة المستشرق في باريز (فرنسا)‬
‫فكل فضله وقدمه، وقد جاء ذكره في معجم المطبوعات العربية والمعربة،‬            ‫ّ‬
       ‫وكتاب أبي العالء وما إليه، وفي بعض المجالت الفرنسية والمصرية.‬
‫7. سير الصحابة، المجلّد األول منها أكبر مصنفاتي وأنفسها، انتفع به الناس،‬
                                                    ‫ّ‬
                                                              ‫طبع سنة 9713م.‬
                              ‫د الثاني، طبع سنة 5113م.‬     ‫1. سير الصحابة، المجلّ‬
‫9. سير األنصار، المجلد األول منها طبع سنة 9713م، واتسع في أيدي الناس‬
                                                      ‫ّ‬
‫حتى نقله عبد الرحمن رياض وعمر رضا دوغرل إلى اللغة التركية‬
     ‫بالقسطنطينية سنة 1113م ونشرته الجمعية آثار علميه كتب خانه سى.‬
            ‫8. سير األنصار، المجلّد الثاني، طبع سنة 8713م ونقل إلى التركية.‬
                     ‫1. سير الصحابيات، طبعت سنة 7713م ونقلت إلى التركية.‬
‫2. موج صبا، هو المجلد األول من الرسائل التي أرسلتها إلى األحباب‬
                                                                          ‫ّ‬
                                                                       ‫والخالن.‬
                                       ‫5. موج آللي، هو المجلّد الثاني من الرسائل.‬
‫1. غزليات نشتر (بالفارسية)، وهي أغان غرامية، فيها النكت الغرامية‬
                                     ‫ٍ‬
‫بأحد‬  ‫الجميلة التي استعملتها في تعريف الحب والهيام، مع أني لست كلفا ً‬
‫تخلط دالله بالجمال، أعصر عيني عليه، ألّفتها على منوال ديوان حافظ.‬
                                             ‫ّ‬
‫وموالنا حافظ الشيرازي مرشدي في طريق التأليف، وفصاحته العجيبة،‬
‫وصياغة كالمه الحسنة، تال في ديوانه تلو البديع، فأنشأ الغزليات محتوى‬
‫على جد القول، ورقيق اللفظ، وغرر البيان، وملح األدب، ومحاسن‬             ‫ّ‬
‫الكتابات، وجزل الكالم، ودرر الحكم، ونوادر اللطائف، مع ما رصّعه فيها‬
                                           ‫ّ‬
‫من األمثال العربية والفارسية، و وشحها به من اآليات القرآنية واألحاديت‬
‫النبوية. و في أول غزلياتي ديباجة وترجمة المؤلف وقصيدة في مدح‬
‫األستاذ اإلمام الشيخ عبد السالم الندوي، وفي آخرها فهارس أبجدية ثالث،‬
‫طبعت بالهور سنة 1813م وقرظ لها أعالم العلماء واألدباء كأستاذ روبين‬
                                                ‫ليوي وموالنا نياز الفتح بوري.‬
‫منه فصار‬       ‫13. جمالياتي شاعري، هو ديوان شعري األردو، اخترت طرفا ً‬
‫مطبوع أفاضل األدب، وله شرح وترجمة باللغة اإلنكليزية ألّفتها ولم‬
                                   ‫تطبع، طبع االنتخاب بإله آباد سنة 5113م.‬
‫كتبت في علم جغرافيا اإلسالمي كتابا ً خرج منه ثالث مقاالت؛ األولى في بجر‬
         ‫ورنك، والثانية في األقاليم المنجمدة الشمالية، والثالثة في أوروبا، ولم تتم.‬
‫وكتبت في تاريخ الفلسفة اإلسالمية أجزاء، ابتدأت فيها بسيرة فيلسوف العرب‬
                            ‫يعقوب بن إسحاق الكندي، فتمت السيرة ولم يتم الكتاب.‬

                                       ‫031‬
‫جملة اهلند‬

‫ولي مقاالت ورسائل نشرت في دائر المعارف اإلسالمية، وفي مجالت الهند‬
‫وجرائدها، ال يجمعها كتاب حافظ، وتدخل في مجلدات إن جمعت، وكتبت‬
                                                  ‫بعضها من دون أن أضع اسمي فيه.‬
‫لست بجبّار1، أنا ربعة في الطول، قمحي في اللون، ال بالقصير وال بالطويل،‬
                                             ‫ّ‬
‫ّ‬
‫لست بأحمر قاتم أو أبيض يقق، تعلو وجهي الحمرة، لست بكبير الجثة وقوي‬
                             ‫ّ‬
‫العضالت، وال ضامر البطن وال شديد السمع أو حاد النظر أوعظيم الشم أو‬
‫جليل في المنظر. قامتي وجسمي وقوتي ليست بخارقة العدة، لست من سار غرّه‬
‫قمر، وال بدميم الخلق تستزري شكلي وال تراني. أنا حسن الوجه، بوجهي‬
‫نكتات من جدرى، أضررت بها صغيراً، ما زادتني حسنا ً وجماالً، أرقّق رأسي‬
‫على طريقة األفرنج، فليس شعري على نواحي الرأس بالسواء، لي شعرة حسنة‬
‫ليست بوفرة وال جمة وال لمة. أنا مليح العارضة، ال األفوه، وال األشدق، أنا‬
‫أقني، لست بأعين وال مقرون الحاجبين. لي حتى اليوم وجنة حمراء، وأجدني‬
‫مسروراً ضاحكاً، وأجد في قوتي فضالً بيناً، ألبس النظارة2 حول عيني، ومع‬
        ‫ّ‬
‫هذا آخذ خيطا ً من الكبّة3 أو المكب4 وأتركه في سم5 الخياط6 بغير نظارة، سواء‬
                                 ‫ّ‬
‫في‬  ‫كان ذلك في ضياء الخط األسود7، أو في بياض الخيط األبيض8. أسير ليالً‬
                                                          ‫ّ‬
‫ضوء القمر وكذا لما يهل الهالل. لحيتي المشمطة أقل من القبضة. ليست‬
                                                ‫9‬
‫بالعظيمة وال بالخفيفة، ال بالمسنونة وال بالعريضة. السواد في شعر رأسي‬
             ‫ولحيتي كثير. لم يغير شيبي. أمشي مستقيماً، فال أتمايل يمينا ً وشماالً.‬
‫وهذه سماتي: ليس في من متناقضات األخالق، وال أنا بجامع األضداد، فيستطيع‬
                                                              ‫ّ‬
‫المختبر المنقّب أن يحكم علي بالكرم أو بالبخل، بالشجاعة أو بالجبن، بالجهل أو‬
                                                        ‫ّ‬
‫بالحلم، بطيب القلب أو بالقسوة، وال مشاحة في أن قبولي للتأثر وطبيعتي‬
                       ‫ّ‬
‫الجسمية في هذه الدرجة، لست من أصحاب السرائر، ولكن بعض أسراري ال‬
                                           ‫ّ‬
‫أبوح بها ألحد، طالقة المحيّا والبشر تدل على هدوء قلبي وسكونه. ال يؤثر‬
‫حتى يطفئ‬     ‫جيشان الصدر باألحقاد وغليانه بالمزعجات على وجهي تأثيراً سيئا ً‬

                                                             ‫1 العظيم القوي الطويل‬
                                                            ‫2 عوينات ‪Spectacles‬‬
                                                               ‫3 ‪Ball of Thread‬‬
                                                                           ‫4 ‪Reel‬‬
                                                                            ‫5 ‪Eye‬‬
                                                                       ‫6 ‪Needle‬‬
                                                                            ‫7 الليل‬
                                                                           ‫8 النهار‬
                                                                         ‫9 الطويلة‬

                                      ‫131‬
‫جملة اهلند‬

‫جذوة الحياة والجمال فيه، ألني أنقى منها ومن األضغان ونوايا السوء، وأقابل‬
‫الحياة وأمورها بصبر وثبات وضمير مرتاح، كما كان شيخي المولوي عبد‬
‫السالم الندوي بمندوحة عن صفة التنافس، وشمية التحاسد، يظهر علي من‬
           ‫ّ‬
‫عالمات التأثّر شيئ كثير، فتراني في الوجد كالشمش الطالعة إال أنه يعلوها‬
                                ‫ّ‬                        ‫ّ ّ‬
‫كسوف الحزن، يظهر علي أي حزن لبعاد، وكذا أي فرح للقاء، فشأني في‬
‫ت بي اآلالم القاسية. أنا أبعد الناس عن‬           ‫اإلفراط في عاطفة الحبّ كشأني إذا حلّ‬
                                            ‫ّ‬
‫الكبر والتيه والعجب والخيالء، فال أصعّر خدي للناس، وال ألوي عذاري عنهم،‬
‫وال أنأى بجانبي، وال أتشدق وال أتمطّى1 وال أتزاور في مشيتي مرة جائيا ً ومرة‬
                                                                  ‫ّ‬
‫3‬
                                               ‫ّ‬            ‫2‬
       ‫القهقرى، و ال أنفض مذرواي ، وال أهز رأسي مرة ومنكبي أخرى، وال أرفل‬
‫في بردي، بل أطأطئ للناس كتفي، وأخفض لهم جناحي، أعيرهم طرفي، وأثني‬
                      ‫إليهم رأسي، وال افتخر بالزعامة، ألني لست أحمق من النعامة.‬
‫لست صاحب الغزل، زير نساء يجلسن إلي فأحادثهن، حبّب إلي الخالء‬
              ‫ّ‬                         ‫ّ‬
‫والوحدة، امتنع من الهدايا، ال أمضي إلى الدعوة أدعى إليها، وإلى الوليمة أسأل‬
‫فيها، لكن أخرج مع بعض األحباب إلى فندق4 أو إلى الصحراء فآكل معهم‬
                                    ‫ويرون من حسن عشرتي وانبساطي أمراً عظيما ً.‬
‫ال اتنخم في المجلس وال أبصق، أمسح ريقي، فآخذ ذوآبة المنديل وأمسح جانبي‬
     ‫ْ‬                                                                                 ‫ّ‬
                                                        ‫في، ال يدخل علي أحد وأنا فُضُل.‬
                                                                            ‫ّ‬                ‫ّ‬
‫ّ‬                             ‫ّ‬
‫م بكلمة مضّة يمجّها كل سمع وينفر عنها كل‬  ‫5‬               ‫أملك لساني ملكا ً شديداً، فال أكلّ‬
                            ‫ّ‬                                 ‫ُ ّ‬
‫طبع، ال أهيج من قد سأل مخ ساقه من بغضي، وال أتوعده حين يرعد ويبرق،‬
‫أحب الجد في جميع أحوالي. وأتوقف عن األخالق التي ال تليق بأهل العلم،‬                ‫ّ‬
‫أخاف أن يجري علي ما أكرهه، اتجرّع الغيظ، ال أغر رجالً من نفسه، ال أعر‬
  ‫ُ ّ‬                             ‫ّ‬                                     ‫ّ‬
                ‫ٍ‬   ‫ُ‬
‫، امتنع عن المدح طعمة الوقاح، أنا أحمد مشير، وأنصح‬
   ‫ُ‬                                                                ‫شريفا ً وال استشير لئيما ً‬
‫من‬       ‫ناصح، وأحبُّ رفيق، وأشبه سريرة بعالنية، أعيش كريما ً ال أمكن أحداً‬
                  ‫ّ‬                                                       ‫ٍ‬              ‫ٍ‬
                                                                              ‫نفسي فيلعب بي.‬
‫أقطع ردحا ً6 من الزمن بالضحك واللعب تسلية لنفسي، وأتغنى وأنشد مع أني‬
‫أكلت من عمري بضعا ً وستين سنة، استخدم الوسائل الطبيعية؛ الماء والنور‬

                                                                                    ‫ّ‬
                                                         ‫1 تمطى: مد يديه في المشي وتبختر‬
                                                                              ‫ّ‬
                                                                           ‫2 ناحيتا الرأس‬
                                                                  ‫3 رفل: جر ذيله وتبختر‬
                                                                                ‫ّ‬
                                                                                  ‫4 ‪Hotel‬‬
                                                                         ‫5 المؤلمة، المرّة‬
                                                                           ‫6 المدة الطويلة‬

                                            ‫231‬
‫جملة اهلند‬

 ‫والهواء والشمس، ليحفظوا جمال وجهي وصحة جسمي مدة طويلة، وتتجلى في‬
   ‫ّ‬
                     ‫ّ‬
 ‫روح الفتوة والحياة، فال تراني استرسل في تلوين وجهي بالدمام أو باألصباغ‬
 ‫المختلفة الضارّة أو المثَاث1. أوسع رأسي دهنا ً وأدهن لحيتي دهنا ً يسيراً، ال‬
                               ‫ّ‬                             ‫َ‬
 ‫أطلي بالطيب ذراعي وعارضي وال أبرق وجهي بالدهن، أضع الكحل في عيني‬
 ‫ّ‬
                                                                   ‫حين اكتحل بالنوم.‬
 ‫أمشي في األفنية الفسيحة بالمشي السريع دون أن استريح، أفضّل الحركة على‬
 ‫السكون والراحة، أخرج في أيام حارة حين تغلبني الشمس على الطالل وفي أيام‬
                           ‫المطر بغير مظلة، اتّبع أفياء الحيطان، منديلي على رأسي،‬
 ‫أغدو وأروح في بلد من البالء محاط بالجنائن والمنتزهات، المونقات‬
 ‫المزهرات، على الممشى العمومي2 ، أجلس في المنتزهات العامة واألماكن‬
 ‫المعدة لراحة المسافرين وتفرّج المحزونين، فأكون بعيداً من اللغو، منزها ً عن‬
            ‫ّ‬
 ‫اللهو، أشق األسواق والشوارع، وأجتنب الطرقات، مضطرب الفسّاق ومزدحم‬         ‫ّ‬
 ‫الغوغاء، أقوم على الشالالت، أحبّ التسلق على الهضاب الشاهقة، والسهول‬
     ‫العالية ذات المعارج والمنحدرات، ال آخذ بيد أحد ألتمكن من السير، كأني شابّ‬
 ‫في مقتبل العمر في ذهابى وإيابي، ال أشق ما بين رجلين ألتجاوز إلى أمامي،‬
        ‫أؤخر بيدي إلى الوراء أغصانا ً تعوقني عن السير، فأفتح بذلك طريقي للمرور.‬
                                                  ‫ّ‬
 ‫ً س في هواء الجمال فأجذبه إلى رئتي بحركة‬        ‫وفي هذا المشي صباحا ً ومساء أتنفّ‬
 ‫الشهيق، وأدفعه بحركة الزفير، بعد تغيّره في التجاويف الرئوية، فهذا الهواء‬
‫الممتص والمدفوع هو الذي يكمل نمو دماغي ويجد صحة ذهني، فيخلف أفكاراً‬
                                             ‫ّ‬
 ‫وآراء أدبية وشعرية، مركبة كقرية النّمل، أخذت موادها من تحت سطح‬
                         ‫ّ‬                                                     ‫ً‬
 ‫ت حبّة فحبّة، إصابتي بديدان القرع والبواسير الدموي أيام إقامتي‬        ‫األرض، وصفّ‬
 ‫بدار المصنفين دعتني أن أبني عالجها علي، وأداويها بتلك األعمال الرياضية‬
                                       ‫ّ‬
 ‫.‬    ‫التي ذكرتها، والتي هي على غاية من البساطة، مقبولة بين الناس، تسرّني جداً‬
                            ‫فما زال هذا ديدني3 مذ 5313م حتى اليوم، وهو 1813م.‬
 ‫أذهب أحيانا ً إلى حديقة4 الحيوانات الحيّة، فتراني مع األسد ملك الحوانات في‬
 ‫جاللة طلعته وششن براثنه ولبدته الطويلة الكثيفة له زئير شديد، مستطيل،‬
                                               ‫ّ‬
 ‫أجش، يتخلله ارتجاف جهير، ترن منه الغابات، واللبؤة قاعدة وجاه العرّيسة‬
 ‫ترضع أجريتها، والقردة جالسة خلف بعلها تفلى رأسه، والقرد في يده مرآة‬
 ‫وموسى ويشير بيده إلى أنفه كأنه يريد قطعه، وابن عرس يحمل في فيه فأرة،‬

                                         ‫1 ‪ ،Cosmetic‬دهان لتحسين الوجه أو الشعر.‬
                                                                     ‫2 ‪Mall Road‬‬
                                                                     ‫3 الدأب والعادة‬
                                                            ‫4 ‪Zoological Garden‬‬

                                       ‫331‬
‫جملة اهلند‬

‫أسد األرض الحرباء يتقلب تارة ويتلون في الشمس ألوانا مختلفة، وتارة يخرج‬
                                         ‫ّ‬
‫لسانه ويدخله بسرعة عجيبة، والمغزل1 ترود2 الضحى أفنان3 ضال4 وتتقي‬
‫ويخرج من بين األراكة جيدها، والدودة الالمعة، سراج الليل، حباحب ينبعث‬
‫منه الشعاع والنار الخفية في ذنبه، والببغاء األبيض (الكا كاتوآ) في القفص، ذي‬
‫تاج ينشره ويقبضه، يحاكي ضحكي، ويسمع كالمي، فيعيده ثم يحرّك رأسه‬
‫وينظر إلي، ويفتح عينيه، ثم يغمضهما، وحكيم الطيور وفيلسوفها اليوم صاحب‬‫ّ‬
                        ‫ّ‬
‫الفم الواسع والصوت المكرب، ينظر بعينه كعين الهر إلى حليلته وهي تحضن‬
‫بيضها، وطائر ملكة السماء يونون5، الطاؤوس المكنّى عند العرب بأبي الحسن‬
‫وأبي الوشي، مع ذيله الطويل كثير األلوان ينشره وراءه على صورة جميلة،‬
‫وحمار الزرد6 مع أشرطته المستعرضة واألفقية والطولية، والشول مع نخاريبه‬
‫وخالياه، والتدرج مع ذنبه الطويل، والفيل مع خرطومه ونابيه العظيمين،‬
‫واأليّل مع قرونه المتشعبة العظمية الصماء، والحمامة مع طوقها وسجعها‬
                              ‫ُ‬
‫وتغريدها، والحيّة مع شرانقها، والحجل والدرّاج وفرس الشيطان وأم أربع‬
                                     ‫َ َ‬
‫وأربعين وبنات آوى والدلدل والمدرعة، وأوالد الزناء وكرام األعراق، وشجر‬
‫البنيان7 الباسق مع ضفائره ولحاه، والفقاع مع كيازها، والمستحيّة مع أوراقها‬
‫المنطبقة، وأكمام النبات وبراعيمه، و دوار الشمس يميل ظهره حيثما مالت،‬
                                   ‫ّ‬
‫ت‬ ‫وبخور مريم ولسان الثور والخيزران وغيرها مما أظلت الخضراء وأقلّ‬
                                           ‫الغبراء، فتبارك هللا الخالق لما يشاء.‬
‫لست بتلقامة، آكل من طيبات ما أكسب، فال أصل ابنة العنقود! أشرب اللبن‬
‫الخالص، واشتهي الجبن الذي استحضر من لبن ما آخذ زبده، أحبّ من الفواكه‬
‫العنب والتفاحة واألنبج8 والبطيخ، أتناول من عصير9 الرمان والعنب، وماء‬
                  ‫ّ‬
‫قصب السكر، أصيب من الحبوب والبقول، آكل على خوان ومائدة، آكل الطعام‬
‫وعليه رجل دجاج أو صدره أو كبد البقر أو الغنم ودماغهما وكليتاهما‬


                                                                   ‫1 ظبية لها غزال‬
                                                           ‫2 تذهب في طلب األفنان‬
                                                                        ‫3 األغصان‬
                             ‫4 السدر البري أو شجر آخر، واألراكة واحدة شجر األراك‬
                                                                      ‫ّ‬
                                          ‫5 ‪ Junn‬زوجة جوبيتر في أساطير الرومان‬
                                                                         ‫6 ‪Zebra‬‬
                                                                  ‫7 ‪Banian Tree‬‬
                                                                        ‫8 ‪Mango‬‬
                                                                          ‫9 ‪Juice‬‬

                                      ‫431‬
‫جملة اهلند‬

‫والصالئق1 وبيضة دجاج، وفي لحمه بضعة قرون من القرنفل، فتكسبه رائحة‬
‫وطعما ً حرّيفاً، ال أتناول حذية من اللحم فأشقها بأسناني، آكل مما يلي، ال تطيش‬
                               ‫ّ‬                      ‫ّ‬
‫يدي في الصحفة، وال أمد عيني إلى بعض ما قدم إلى الرجال األخر، ال آكل‬
‫اللحم بالسكين، وال بشوكة األكل ، أحيانا آكل أكالً عربياً، انتشل وأحسو، لكن‬
                                                ‫2‬

‫أشرب المرق بالملعقة، آكل األرز المفلفل، اتخلّل حتى من شظايا السواك، فلم‬
                                                        ‫أترك الطعام بين أسناني.‬
‫ألبس أنواع القميص والسراويل والجبّات والعمائم والقالنس ذوات الظهارة‬
‫والبطانة وعلى هيئات متعددة، ال أشد العقال على رأسي، ألبس أحذية ذات‬
‫أشكال مختلفة تصنع من جلد الغنم المدبوغ أو الحرير الملون، مزركشة بالذهب‬
                      ‫ّ‬
                    ‫3‬
                   ‫والفضة، تعمل في دهلي والهور، وال ألبس النعال الصرّارة .‬
‫ما وقعت في سهم أهل البادية قط، أتكلم بطبعي الحضري وقريحتي التي‬
                                            ‫ّ‬
‫اعتادها، اتكلم ولساني على كبر سن يستمر على الكالم، لست بمفوه وليس‬
         ‫ّ‬
‫لمقولي عثار، وال يكاد يكون في منطقي لحن أو خطأ فاحش، يجري على لساني‬
                                         ‫سائر حروف المعجم، وليس لي هجّيرى4.‬
               ‫أكتب بخط مكتنز ودقيق وبخطوط كبار حسب سعة الخط وضيقه.‬
                        ‫ُ‬
‫أكتب في ثالث ألسنة: العربية والفارسية واألردو، ورزقت فيها السعادة التامة،‬
‫احتذي حذو أستاذي الشيخ عبد السالم الندوي في إنشائي األردو، ولست بمدرك‬
             ‫شأوه، وكان رحمه هللا يحتذي شاكلة أستاذه العالمة شبلي النعماني.‬
‫أما مذهبي وما أدين به واعتقده، فأنا حنيفي، حنفي، ماتريديّ، أذهب في جلّ‬
                          ‫مذاهبي إلى ما عليه فقهاء األحناف، رحمهم هللا تعالى.‬
                            ‫فهذا أبوك من شبّ إلى دبّ‬
‫هذا، وإني لههنا أعلم أن لي تراجم ضافية5 في عدة كتب ورسائل، فرع‬
‫مؤلفوها بحابح جسدي، وجسّوا خالل أطواري، كأنهم يقولون على لساني. فال‬
‫بأس عليّ اآلن أن أسند قلمي إلى جنب المقلمة، وأختم مقالتي هذه شاكراً لهم‬
‫ولك، ومصدقا ً ومكرما ً وملطفاً، فإنه أغنى وكفى. كتبت هذه وقد زدت على‬
                                                                     ‫َّ‬
                                                              ‫الستين ست سنين.‬
                                                                          ‫الهور‬


                                                                    ‫1 الخبز الرقاق‬
                                                                           ‫2 ‪Fork‬‬
                              ‫3 وهي التي لها صرير أي صوت إذا مشى اإلنسان فيها.‬
                      ‫4 هجّيري الرجل: كلمة يلزمها في كالمه فال يزال يكررها حشواً.‬
                                 ‫ّ‬
                                                                    ‫5 ضاف: فائض‬

                                     ‫531‬
‫جملة اهلند‬


  ‫القاضي أطهر المباركفوري، حياته ومآثره‬
‫- د. أورنك زيب األعظمي‬

‫المدخل: القرن العشرون الميالدي لم تكن نهايته سعيدة بالنسبة لمسلمي الهند‬
‫خاصة ولمسلمي العالم عامة فقد فقدنا فيها من العلماء والباحثين اإلسالميين من‬
‫لو بحثنا عن أمثالهم لم نظفر بها في العالم اإلسالمي كله فالشيخ أمين أحسن‬
‫اإلصالحي (2113م) والشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي (1113م)‬
‫والشيخ أبو المعالي القاضي أطهر المباركفوري (1113م) وأمثالهم كثير ممن‬
‫سيعجز الدهر عن تقديم أمثالهم في المستقبل القريب كما يبدو. كان كل هؤالء‬
       ‫ّ‬
‫العلماء ممن برع في مجاله وميدانه العلمي والدعوي فالشيخ أمين أحسن‬
‫اإلصالحي كان مفسّراً كبيراً ومحدثا ً كما كان الشيخ أبو الحسن علي الندوي‬
‫أديبا ً عربيا ً وداعية كبيراً. وأما الشيخ أبو المعالي القاضي أطهر المباركفوري‬
‫فهو كان محققا ً ومؤرخا ً إسالميا ً مأل الفراغ العلمي والتاريخي الذي بقي غير‬
                                                                ‫ّ‬
‫مليئ منذ مدة مديدة فهو الذي أحيا العلماء والمحدثين والفقهاء والشعراء الذين‬
‫قد نسي التاريخ أسمائهم كما ربط سلسلة العالقات الهندية-العربية حتى عصر‬
                 ‫ّ‬
‫صدر اإلسالم وعصر الخلفاء الراشدين، السلسلة التي كنا نسمع عنها فقط‬
‫ولكن ال نملك دليالً أو دالئل عليها فهو المحسن إلى هذا الجانب من تاريخ‬
‫عالقة الهند مع العرب وله منن وعطاءات علينا ولنا سنذكرها بشيئ من‬
                                                  ‫التفصيل في األسطر التالية:‬
‫أصله ومولده وسلسلة نسبه: هو القاضي عبد الحفيظ بن الشيخ الحاج محمد‬
‫حسن بن الشيخ الحاج لعل محمد بن الشيخ محمد رجب بن الشيخ محمد رضا‬
                               ‫ّ‬
‫بن الشيخ إمام بخش بن الشيخ علي. هاجر جده الشيخ الحاج لعل محمد وطنه‬
‫كرا مانكفور (‪ )Kara Manakpur‬مع الشيخ الراجه السيد مبارك بن الراجه‬
‫السيد أحمد الجشتي المانكفوري في عصر السلطان نصير الدين همايون‬
                                                                     ‫ّ‬
‫وتوطن هذه البلدة الحديثة العهد التي قام بتأسيسها الشيخ الراجه السيد مبارك‬
‫المانكفوري. منذ ذاك الحين ولّيت هذه العشيرة مسئولية القضاء، الميزة الدينية‬
‫التي يشعر بها في كل فرد من أفرادها. ولد الشيخ القاضي عبد الحفيظ‬
                                    ‫631‬
‫جملة اهلند‬

‫المعروف بـ"أطهر" المباركفوري في الساعة الخامسة صباحا ً اليوم الرابع‬
‫لشهر رجب سنة 1446ه المصادف للسابع من شهر مايو سنة 1656م بالدار‬
‫الواقعة فيما بين الحيّين حيّ بوره صوفي (‪ )Pura Sufi‬وحيّ حيدراباد‬
‫(‪ )Hyderabad‬بمباركفور (‪ .)Mubarakpur‬ولد القاضي أطهر ونشأ‬
                                                 ‫وترعرع بهذه الدار 1.‬
‫رزق جده أربعة ذكور بما فيهم أبوه الذي كان أصغر أوالد أبيه وهو أكبر‬   ‫ّ‬
‫أوالده وعلى هذا فقد تمتع القاضي أطهر بكل نعمة ورحمة من قبل أفراد‬
‫العشيرة. واشتغل أوّ ل ما اشتغل بكل أنواع اللعب من مقارنة الحمامة2 وصيد‬
‫األسماك والطيور والتنزه والعديد من أشغال الطفولة3. فطاف بل طوّ ف في‬
‫اآلفاق لتلك األهداف التافهة. وبجانب هذا فقد كان القاضي أطهر مولعا ً بجمع‬
‫الخرائط القديمة والسكك والفلوس وعلبة الكبريت وغرس األشجار في فناء‬
‫الدار4. وعلى هذا وتلك فرغب عن الدراسة والحصول على العلوم والمعارف‬
‫فذات يوم ضربه أبوه ضربا ً مبرّ حا ً وجرّ ه إلى الكتاب، العقاب الذي جعله‬
                      ‫ّ‬
                     ‫صالحا ً تماما ً ومائالً إلى الدراسة ونيل العلوم والفنون5.‬
‫الخلفية العائلية: ولو أنّ عائلته كانت مسئولة عن شئون القضاء ولكن معظم‬
                            ‫ْ‬
‫أوالدها كانوا غير مائلين إلى القراءة والكتابة وزد على ذلك أوالد حارته الذين‬
‫لم يكونوا يريدون القراءة وال الكتابة فهو ترعرع فيما بين هؤالء األوالد‬
‫الراغبين عن القراءة والمائلين إلى التمتع بأنواع من اللعب، يقول القاضي‬
                  ‫أطهر مشيراً إلى ذلك الجانب غير المساعد للقراءة والكتابة:‬
‫"اشتغلت مع أوالد الحارة وأفراد عشيرتي الصغار بكل أنواع اللعب من الصيد‬
‫والتنزه واألشغال األطفالية ولكني كنت أمنعهم عن الحركات السيئة وعلى هذا‬
                                                                   ‫ّ‬
‫فقد لقبوني بـ"مولوي" وحتى لم يمتنع كبار الحارة عن مناداتي بهذا اللقب. كنت‬
‫هائما ً في صنع آالت اللعب كما عشقت صيد الطيور واألسماك، ولذلك كنت‬

                                  ‫1 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، 6/6-12، ص 2‬
                                                     ‫2 المصدر نفسه، ص 12‬
                                                       ‫3 المصدر نفسه، ص 6‬
                                                   ‫4 المصدر نفسه، ص 9-12‬
                                                     ‫5 المصدر نفسه، ص 12‬

                                     ‫731‬
‫جملة اهلند‬

‫أهيم في الحدائق والوديان والحقول واألنهار مع أطفال عشيرتي. لم أترك هذه‬
‫األشغال حتى نيل العلوم البدائية للفارسية والعربية فضيّعت معظم فرصي في‬
‫اللعب واللهو. كان الجوّ السائد على عشيرتي غير مساعد للعلم فما كان اثنان‬
                        ‫من إخوتي األربعة عالمين فقد كانا متديّنين فحسب"1.‬
                                                                ‫ويمضي قائالً:‬
                   ‫ّ‬
‫"وفي جانب آخر كانت أمّي عالمة متديّنة وهي كانت تتفكر في تربيتي كثيرة‬
                ‫ّ‬
‫وذلك ألني كنت أصلح أوالدها وأضيلهم بصارة كما كانت جدتي ألمّي تطلبني‬
                                              ‫ّ‬
‫إلى دارها في الصباح وتردني إلى داري في المساء. كانت ذاكرتي قوية للغاية‬
‫فقد كنت أسمع أمّي وأنا صغير، تتلو القرآن الكريم كما كانت تدرّ س أوالد‬
‫الحارة وتعلّمهم العلوم الدينية. كنت أقلّب كتب والدتي وأنشرها فكانت حظيرة‬
             ‫أمّي مدرستي األولى فاألم الحقيقية أصبحت مدرستي األم كذلك"2.‬
                     ‫ّ‬                          ‫ّ‬
‫وهكذا فقد أمألت أمّه وجدته لألم ما بقي فارغا ً في عائلته فيقول في موضع‬
                                       ‫ّ‬       ‫ّ‬
                                            ‫آخر معترفا ً بهذه المنة لحسبه:‬
                             ‫ّ‬
             ‫"والواقع أنّ كل ما ملكته من العلوم واآلداب مما منه عليّ خؤولتي"3.‬
                                                               ‫ّ‬
‫دراسته؛ من بدايتها حتى نهايتها: كما ذكرنا أنّ القاضي أطهر قد شدا من‬
‫العلم حينما كان يرضع لبن أمّه وجدته لألم فكان يسمع ما كانتا تعلّمان أوالد‬
                                 ‫ّ‬      ‫ّ‬
                                               ‫ّ‬
‫الحيّ ، وبعد هذا ألحق إلى كتاب القرية حيث درس "قاعدة بغدادي" و"القرآن‬
‫الكريم" كما نال العلم البدائي للغة األردوية، وبجانب هذا تعلّم على والده في‬
‫البيت. وبعدما شدا من العلم ألحق إلى مدرسة إحياء العلوم، مباركفور. كان‬
‫القاضي يقرأ آنذاك الجزء الثالث للقرآن الكريم فتعلّم هناك من اللغة األردوية‬
‫إلى اللغة الفارسية والعربية والعلوم اإلسالمية والعربية واستفاد من أساتذتها‬
‫اسفادة تامة. ومن أبرزهم الحافظ علي حسن والمنشي عبد الوحيد والمفتي‬



                                                          ‫1 المصدر نفسه، ص 6‬
                                                          ‫2 المصدر نفسه، ص 6‬
                                                        ‫3 المصدر نفسه، ص 222‬

                                       ‫831‬
‫جملة اهلند‬

‫محمد يسين المباركفوري والشيخ شكر هللا المباركفوري والشيخ بشير أحمد‬
                            ‫المباركفوري والشيخ محمد عمر المظاهري1.‬
‫وبجانب دراسته في مدرسة إحياء العلوم فقد استفاض القاضي أطهر من علماء‬
‫آخرين لمباركفور وضواحيها ومنهم الشيخ محمد أحمد اللهراوي (م 56/شوال‬
‫3146ه) الذي كان يقول "من ساوى يوماه فهو في الخسران" والشيخ محمد‬
‫شريف المصطفى ابادي (م 2/ذو الحجة 2146ه) صاحب "اإلفاضة القدسية‬
                                               ‫ّ‬
‫في المباحث الحكمية" وجده لألم الشيخ أحمد حسين الرسول فوري (م‬
                                        ‫ّ‬
‫12/رجب 5546ه) أديب وشاعر له ديوان والشيخ محمد يحيى (م 66/صفر‬
‫1346ه) جامع العلوم وشاعر العربية والمال رحمت علي إسماعيل‬
‫المباركفوري (م 1156م) عالمة الفرقة البوهرية والشيخ السيد سليمان الندوي‬
                                       ‫صاحب "العالقات الهندية-العربية"2.‬
‫وبعدما أتم دراسته من هذه المدرسة ارتحل إلى مراداباد حيث كانت الجامعة‬
                                                                ‫ّ‬
‫القاسمية فأقام هنا لمدة سنة إلكمال "دورة األحاديث" فاستفاد هنا من السيد فخر‬
             ‫الدين أحمد والسيد محمد ميان والشيخ محمد إسماعيل السنبهلي3.‬
   ‫وهنا انتهى زمن دراسته للعلوم واآلداب والفنون اإلسالمية وغير اإلسالمية.‬
‫في ميدان التأليف والتحقيق: كان القاضي أطهر المباركفوري راغبا ً في‬
‫التأليف والترجمة منذ طفولته فقد أصدرت منظمة طلبة مدرسة إحياء العلوم،‬
      ‫4‬
        ‫مباركفور مجلة خطية باسم "اإلحياء" ولّي القاضي أطهر إدارة تحريرها.‬
‫وكذا كان القاضي أطهر يختار نكتا ً مهمة من الكتب األمهات ويكتب المقاالت‬
‫ولهذا الهدف قام القاضي أطهر بقراءة كافة كتب مكتبة منظمة الطلبة فهو‬
                                                                 ‫يقول:‬
‫"قد قرأت كافة كتب مكتبة منظمة الطلبة واستفدت منها وعندما ظفرت بكتاب‬
‫جديد شرعت في قراءته راغبا ً عن كافة األشغال، وكنت أجمع مختارها وأكتب‬

                                                   ‫1 المصدر نفسه، ص 9 و22‬
                                                   ‫2 المصدر نفسه، ص 22-62‬
                                                      ‫3 المصدر نفسه، ص 12‬
                                                      ‫4 المصدر نفسه، ص 12‬

                                   ‫931‬
‫جملة اهلند‬

‫المقاالت في ضوءها والحال أني لم أقدر على فهم تلك الكتب فهما ً تاما ً وكان‬
                                           ‫العديد منها فوق مستواي العلمي"1.‬
                          ‫وأما عن بداية كتابة المقاالت وصدورها فهو يقول:‬
‫"صدرت أول كتاباتي في مجلة "بيام تعليم" الشهرية الصادرة عن الجامعة‬
‫الملية اإلسالمية فشجّ عني أستاذي الشيخ شكر هللا ثم كتبت مقالة باسم "واردها‬
‫كى خطرناك تعلميى اسكيم" نشرت في صحيفة "الجمعية" الصادرة عن مكتب‬
‫الجمعية، دلهي القديمة ثم صدرت لي مقالة في صفحة واحدة باسم "مساوات"‬
‫في مجلة "مؤمن" الصادرة عن بدايون وهي في 4546ه. ثم صدرت لي مقالة‬
‫أخرى في نفس المجلة بعنوان "رها دين باقى نه إسالم باقى" في صفحتين وفي‬
‫نفس المدة صدرت لي مقالة بعنوان "بالكسان إسالم" في صحيفة "العدل"‬
           ‫األسبوعية الصادرة عن غوجرانواله (‪ ،)Gujranwala‬بنجاب"2.‬
‫عد الشيخ عبيد محمد عثمان المعروفي مقالته عن "مساوات" أول مقالة له‬      ‫ّ‬
                                                       ‫3‬
‫نشرت في أي مجلة ولكن هذا وهم من األستاذ المعروفي فإن الشيخ القاضي‬
‫نفسه ذكر في سيرته الذاتية أن أول كتاباته صدرت في مجلة "بيام" الشهرية‬
                       ‫الصادرة عن الجامعة الملية اإلسالمية، دلهي الجديدة.‬
‫وأما أول مؤلفاته فهو ما جمعه من المعلومات آخذاً عن كتابات أمّه حول سير‬
‫الخلفاء الراشدين واألئمة األربعة، اعتبره القاضي أطهر أول مؤلف له4 وحينما‬
‫التحق بالصف الثاني أو الثالث األردوي وضع له مذكرة جمع فيها أبيات‬
‫المدائح النبوية وجمعها بين الدفتين5. وهكذا فإنه ألّف خمسة كتب في زمن‬
                                                  ‫الطفولة وهي كما يلي:‬
‫6. في شهر شوال 5546ه قام القاضي أطهر بشرح قصيدة كعب بن زهير‬
‫المدحية بعنوان "خير الزاد في شرح بانت سعاد" في عشرين صفحة،‬


                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص 11‬
                                                      ‫2 المصدر نفسه، ص 16‬
                                                     ‫3 المصدر نفسه، ص 122‬
                                                      ‫4 المصدر نفسه، ص 91‬
                                                      ‫5 المصدر نفسه، ص 91‬

                                   ‫041‬
‫جملة اهلند‬

‫وكتب عليه مقدمة في ثالث صفحات ذكر فيها سيرة كعب بن زهير‬
                         ‫والسبب وراء قرض تلك القصيدة وتقطيع أبياتها.‬
‫من‬  ‫جمع سير السلف من العلماء وأئمة العلم والفن في 35 صفحة آخذاً‬              ‫2.‬
‫"وفيات األعيان" و"تذكرة الحفاظ" و"فهرست ابن نديم" وعنونه بـ"مرآة‬
           ‫العلم". ذيّل الكتاب باألبيات عن العلم والعلماء في ست صفحات.‬
‫شرع يكتب المقاالت في مجلة "قائد" حول األئمة األربعة آخذاً من "وفيات‬          ‫4.‬
‫األعيان" و"تذكرة الحفاظ" و"تهذيب التهذيب" و"فهرست ابن نديم". لم‬
‫يوفق القاضي إتمامه وانتهت هذه السلسلة على اإلمام مالك، جمعها مرة‬        ‫ّ‬
‫أخرى بين الدفتين في حوالي 526 صفحة وأراد مركز تنظيم أهل سنت،‬
‫الهور أن يطبعه ولكنه ذهب به قسمة البالد في 1156م كما حاول القاضي‬
‫أن يجمعه مرة أخرى ويطبعه عن شركة سلطان، سوق بهندي، مومبائ‬
‫ولكنه بما عاد صاحبها إلى باكستان فقد ضاع هذا التراث العلمي مرة‬
                                                                     ‫أخرى.‬
‫من "االستيعاب" و"اإلصابة" و"أسد الغابة"‬      ‫جمع سير الصحابيات آخذاً‬         ‫1.‬
‫بعنوان "الصالحات" وفوّ ضه إلى صاحب ملك دين محمد التاجر وأوالده،‬
‫السوق الكشميرية، الهور ولكنه لم يطبع كما ضاع المخطوط من عند‬
                                                                   ‫المؤلف.‬
‫عددها 522 بيت في أصحاب الصفة، كأنها كانت ملحمة‬                ‫كتب أبياتا ً‬   ‫5.‬
‫أصحاب الصفة وقام الشيخ السيد فخر الدين أحمد بإصالحها كما قام الشيخ‬
‫إعزاز علي أيضا ً بإصالحها ثم فوّ ضت إلى شركة شباب، مومبائ للطبع‬
                                                   ‫1‬
                                                     ‫ولكنه ضاع من عنده.‬
‫منذ ذاك الحين حتى وفاته بقي القاضي أطهر المباركفوري يكتب مقاالت وكتبا ً‬
  ‫وهذه المدة التأليفية من عمره تربو أربعين سنة. وأما مؤلفاته ورسائله‬
                  ‫المطبوعة وغير المطبوعة فنعرّ فها في الموضع المناسب لها.‬
‫شعره األردوي والفارسي: كان القاضي أطهر المباركفوري مطبوعا ً على‬
‫قرض الشعر فهو شرع يقول الشعر حينما كان قد بلغ من عمره أربعة عشر‬
                   ‫عاما ً فهو يقول مشيراً إلى هذا الجانب من حياته األدبية:‬




                                                    ‫1 المصدر نفسه، ص 26-66‬

                                    ‫141‬
‫جملة اهلند‬

‫"نشأ فيّ ذوق القريض حينما كنت أدرس اللغة األردوية وكنت قد بلغت من‬
‫العمر 16 سنة. لم اتلمذ ألحد في هذا المجال كما لم اتعلّم على أحد في مجال‬
                                             ‫1‬
                                               ‫الكتابة والتأليف والتحقيق".‬
‫هذا ولكن تلمذ القاضي أطهر في بعض األحيان للشاعر األردوي الكبير إحسان‬
‫دانش الذي كان شاعر الفقراء والمساكين فيقول الشيخ نور الحسن راشد‬
                                                         ‫الكاندهلوي:‬
‫"ممن برز في هذه المدة من أعالم األدب إحسان دانش، تعلّق به القاضي أطهر‬
‫إلى حد أصبحت هذه العالقة عالقة الود واإلخالص فتحوّ ل القاضي من‬
‫صداقته له إلى تلمذه له وجعل يقيم عوج كالمه بمشورته ويستفيد منه في مجال‬
                                                       ‫األدب والشعر"2.‬
 ‫ّ‬
‫فقرض القاضي أطهر القصائد والغزليات باللغة األردوية والفارسية إال أنه‬
                   ‫أكثر القريض باللغة األردوية وما قاله بالفارسية أقل بكثير.‬
                          ‫ّ‬
‫ينقسم كالمه األردوي إلى المنظومات بمختلف المناسبات ومدائح النبي‬
‫وصحابته والغزليات وما إليها وأما كالمه الفارسي فهو يحتوي على مدح النبي‬
‫األمي فحسب. ننقل فيما يلي بعض نماذج كالمه األردوي والفارسي فهو يقول:‬
             ‫نه كهتا تها، نه چهيڑو مرے اشـكوں كو برا هوگا‬
             ‫اگر قطرے سے بحر بيكـراں تك بات جا پهونچی‬
                                      ‫ترجمة: كنت أمنعك عن إثارة دموعي.‬
                                 ‫فإنها لو صبّت مدراراً فال أدري ماذا يحدث.‬
                                                               ‫ويقول كذلك:‬
               ‫كچه دنوں ميں اور بدلے گى يونهى رسم قفس‬
               ‫اب تو كچه آزادئ آه وفغـــــــــــاں هونے لگى‬


                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص 26‬
                                                     ‫2 المصدر نفسه، ص 262‬

                                    ‫241‬
‫جملة اهلند‬

                              ‫ترجمة: سيتغيّر تقليد القفص شيئا ً في أيام مقبلة.‬
                            ‫وذلك ألنّ شيئا ً من آه الحرية وبكاءها يسمع اآلن.‬
                                                                   ‫وله كذلك:‬
 ‫در شـــام صبحے، در صبح شامے‬               ‫بينم به هجـــــــــرش برهم نظامے‬
 ‫شمسے چه شمسے، شمسے مدامے‬                  ‫در صبح رويش، شمسے درخشاں‬
 ‫ماهے چــــــه ماهے، ماهے تمامے‬            ‫در شـــــــــــــام زلفش، ماه مبارك‬
‫ترجمة: أرى أنّ نظام الكون قد تخلّل ألجل هجرته فجاء الصبح في المساء،‬
                                                  ‫والمساء في الصبح.‬
‫وفي الصباح يصبح وجهه مثل الشمس المشرقة، الشمس التي بلغت نهايتها في‬
                                                           ‫الشروق.‬
   ‫وفي المساء يبدو القمر المبارك في شعره الطويل، والقمر أصبح بدراً منيراً.‬
 ‫ومع هذه الجودة في كالمه األردوي والفارسي ترك القاضي أطهر هذا المجال‬
‫ألجل انشغاله بمجال البحث والتحقيق. يقول وهو يعبّر عن هذا الحدث تعبيراً‬
                                                                ‫شعريا ً:‬
‫"شعري الذي تعلّمته أنا بنفسي قد أعانني في التقدم والرقي إعانة كبيرة كما‬
‫أفادني فائدة كبرى ولكني اآلن بعيد عنه بعد الثريا من الثرى، فال أدري هل هو‬
          ‫لم يوف بوعدي للمحبة أم ارتفع بي إلى غاية منشودة فعزل عني"1.‬
‫في ميدان العمل: بعدما أتم دراسته العليا أراد القاضي أطهر أنْ يكتسب فسار‬
                                                  ‫ّ‬
‫في البالد يبحث عن الوظائف ولكن لم يحصل على وظيفة في شركة ما فأرسله‬
‫أستاذه الشيخ شكر هللا إلى مختلف القرى لجمع التبرعات لمدرسة إحياء العلوم‬
‫وقال بعدما رجع إن تدرّ س هنا لسنة خالصا ً هلل فستجد فيها وظيفة فاستشار أباه‬
          ‫ّ‬
‫وجعل يددرّ س فيها منذ شوال 5546ه وبعدما أنهى سنة كاملة توظف بها في‬
‫26 روبية هندية شهريا ً ولكن لم يرض عنها وقال إنّ هذه الوظيفة تستحق 56‬


                                                        ‫1 المصدر نفسه، ص 86‬

                                   ‫341‬
‫جملة اهلند‬

‫روبية شهريا ً فاتفقوا على ما قدم. درّ س القاضي أطهر في تلك المدرسة حتى‬
                                       ‫ّ‬
                                                      ‫شوال 1146ه.‬
‫وبعدما عزل عن المدرسة كتب إلى السيد نور الحسن البخاري طالبا ً منه‬
‫الوظيفة في "مركز تنظيم أهل سنت" فقبل دعوته وطلبه من مباركفور فوصل‬
‫إلى أمرتسر في 52/ نوفمبر 1156م وأقام بها حتى 26/ يناير 5156م ومن‬
‫ثم انتقل إلى صحيفة "زمزم" الصادرة عن الهور في 46/ يناير 5156م وهنا‬
‫وجد فرصة تامة لشهرته فطار صيته في آفاق البالد وناسبه جوّ الهور العلمي‬
‫األدبي مناسة تامة فسرّ ته الهور وجوّ ها ولكن أباه كان يريد حج بيت هللا‬
           ‫ّ‬
‫الحرام فأقام بالوطن لخمسة أشهر منذ شوال 1146ه حتى صفر 1146ه‬
‫على 51 روبية هندية شهريا ً. ثم رجع إلى الهور وخدم بها الصحافة األردوية‬
‫خدمة تامة مخلصة وتلمذ فيها للشيخ فارقليط المرحوم. ولكن لما ثارت فتنة‬
        ‫قسمة البالد ترك الهور في 46/ يونيو 1156م وتبعه المرحوم فارقليط.‬
‫وبعد ذلك طلب الوظائف فلم يجدها ألن الناس ظنوا أنه سيغادر الوطن كلما‬
‫يجد الفرصة المناسبة، وبعد جهد جهيد قرّ ر له أن يخدم صحيفة "أنصار"‬
‫الصادرة من بهرائتش (والية أوترابراديش) فانسلك بها في محرم 1146ه‬
                ‫وأقام بها حتى رجب 1146ه بعدما توقف صدور الصحيفة.‬
 ‫ّ‬
‫وبعدما رجع القاضي أطهر من بهرائتش طلب الوظيفة فكتب إلى من ظنه‬
‫خيراً فلم يجد حتى عيِّن كأستاذ في الجامعة اإلسالمية، دهابيل فذهب إليها في‬
                                                     ‫َ‬
‫رجب 1146ه وهذه هي الجامعة التي شرع بها في تأليف كتابه الشهير‬
                                 ‫"رجال السند والهند". لم يقم بها إال لشهور.‬
                                                          ‫ّ‬
‫ومن ثم توظف بمكتب جمعية العلماء، مومبائ في 32/ ذو الحجة 3146ه‬
‫وكان يخدمها إذ أصدر بعض أعضاءها صحيفة يومية باسم "جمهوريت"‬
‫فتعلّق بها في 56/ يونيو 4556م على 446 روبية هندية شهريا ً وبما أنه كان‬
‫صحفيا ً محنكا ً فقد قلّلت عالقته بها قدر صحيفة "انقالب" ولكن بعض الخلل‬
                                                            ‫ّ‬
‫بينه وبين أصحابها قد أجبره على عزلته عنها وانسالكه بصحيفة "انقالب" في‬
 ‫42/ فبراير 4556م وبقي بها حتى 46/ إبريل 6556م حوالي أربعين سنة.‬


                                   ‫441‬
‫جملة اهلند‬

‫وفي 5/ رمضان 4146ه أصدرت صحيفة "البالغ" األسبوعية التي تبعها‬
‫إصدار مجلة "البالغ" الشهرية. اختير القاضي أطهر من بين أعضاء هيئة‬
‫تحريرها، ولما تركه مديرا تحريرها بقي القاضي وحده فخدمها لحوالي 12‬
‫سنة كمدير تحريرها. خدم بها القاضي أطهر خدمة جليلة للعلوم اإلسالمية‬
                               ‫والعربية. يقول الشيخ مسعود سعيد األعظمي:‬
‫كتب القاضي أطهر مقاالت علمية وفكرية قيمة، كان القاضي أطهر مختصا ً‬
  ‫بالتاريخ والثقافة الهندية-العربية فكان هو الموثوق به فيه. معظم مقاالته‬
                         ‫المنشورة فيها توحي إلى هذا الجانب الخاص به"1.‬
‫وفاته: كان القاضي أطهر المباركفوري يعاني من أذى داخل أنفه ربما يسبّب‬
           ‫ّ‬
‫جريان الدم فعالجه الشيخ القاضي وشفاه هللا تعالى ثم بعد زمن تجدد المرض‬
‫حتى أجريت العملية فيه ولكن لم يشف المرض هذه المرة وتبعه الحمّى‬
         ‫ّ‬
‫فصرعه الضعف ووافاه األجل ففقدنا هذا العالم الجليل والمحقق الكبير‬
‫والمؤرّ خ المعروف واألديب الشاعر الفحل الساعة العاشرة ليالً من 16/ يوليو‬
‫1556م ودفن الساعة الثالثة ظهراً من يوم االثنين 56/ يوليو 1556م. صلّى‬
        ‫جنازته المفتي أبو القاسم شيخ الحديث، الجامعة اإلسالمية، فاراناسي2.‬
‫تالمذة القاضي أطهر ومن استفاد منه: كان القاضي أطهر من رجال‬
                                     ‫التدريس والتأليف فهو يقول:‬
‫"كنت مفطوراً على التعلم والتعليم وكنت أريد أنْ أقضي العمر في هذا‬
                                                         ‫المجال"3.‬
                                            ‫يشهد بذلك الشيخ قمر الزمان قائالً:‬
‫"كان القاضي أطهر يجد لذة زائدة في تعلم الطالب لما كان هذا ذوقه ومزاجه.‬
‫إنه كان مدرّ سا ً ماهراً للعلوم المروّ جة في المنهاج الدراسي الشرقي كما كان‬
                                                      ‫كاتبا ً وباحثا ً كبيراً"4.‬

                                                       ‫1 المصدر نفسه، ص 811‬
                                                   ‫2 المصدر نفسه، ص 212-112‬
                                                        ‫3 المصدر نفسه، ص 22‬
                                                         ‫4 مئے طهور، ص 82‬

                                      ‫541‬
‫جملة اهلند‬

                                     ‫ّ‬
‫ولكنه مع هذا الذوق الفطري لم يوفق التدريس لمدة طويلة بصورة منظمة1 إال‬
‫أنه استفاد منه وتلمذ له عدد ملموس من العلماء والرجال نذكر أسماء بعضهم‬
                                                             ‫كما يلي:‬
‫أبو سعيد بزمي مدير تحرير "إحسان" والسيد آصف حسن والسيد خالد حسين‬
‫والشيخ عبيد محمد عثمان المعروفي والشيخ إعجاز أحمد األعظمي والشيخ‬
‫نور الحسن راشد الكاندهلوي والشيخ بدر الدين أجمل المشرف على أكادمية‬
‫شيخ الهند والسيد شهاب الدين، بهيوندي، والمال محمد يونس شكيب المبارك‬
‫فوري والحاج سيد محيي الدين ومحمد أحمد غريب والشيخ بدر الدين أجمل‬
‫القاسمي ويونس اغاسكر والشيخ شهاب الدين األعظمي والشيخ عبد الحنان‬
‫األعظمي والمقرئ أنوار الحق المبارك فوري والشيخ عبد المنان الباسو فاري‬
‫والشيخ عبد الرؤف منصف المبارك فوري والشيخ المفتي ظهور أحمد خان‬
‫والشيخ قمر الدين الرسول فوري والشيخ محمد عوف الفينتي فوري وخالد‬
‫األنصاري بن عبد الحميد األنصاري والشيخ محمد شعيب محشر صادقي‬
                                ‫النظام آبادي ومحمد عمر سيفي األعظمي2.‬
‫عربية القاضي أطهر: وبما أنّ القاضي أطهر كان يكتب، في معظم األحيان،‬
     ‫ّ‬
 ‫باللغة األردوية فيمكن أن يثور في ذهن أحد منا سؤال عن عربيته فنود أنْ‬
‫نقطع دابر الشك عن هذا الجانب من ثقافة القاضي أطهر. فهو يقول مبيّنا ً عن‬
                            ‫سفره للحج والحديث الذي جرى معه ومع العرب:‬




                                          ‫1 يقول عن مدة تدريسه الشيخ قمر الزمان:‬
                                                                          ‫ّ‬
‫"لم يوفق القاضي أطهر أن يدرّس لمدة طويلة بصورة منظمة فقد درّس بصورة منظمة في‬
‫مدرسة إحياء العلوم وجامعة دابهيل لمدة خمس سنوات وأحد عشر شهراً، ثم قام بالتدريس‬
‫في ثانوية المنظمة اإلسالمية منذ 1892م لعشر سنوات بصورة منظمة وغير منظمة كذلك‬
‫وكذا درّس الطالب بعض الكتب في مدرسة نور اإلسالم، بهرائتش وهكذا لما كان يزور‬
‫أكادمية شيخ الهند، ديوبند فكان ينزل بها لشهر أو نصف شهر فكان يدرّس طالب دار‬
                                          ‫العلوم بعض الكتب". مئے طهور، ص 82‬
        ‫2 أخذنا هذه األسماء من مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية وديوان شعره مئے طهور.‬

                                      ‫641‬
‫جملة اهلند‬

‫"--- سألني عدد من المشايخ والعلماء وهم حيارى: من أين تعلّمت العربية؟‬
‫فرددت عليهم بأني ال اتكلّم بالعربية جيداً وذلك ألننا ال نجد فرصا ً للحديث بهذه‬
                                   ‫اللغة ولكن مع ذلك قد انطلق لساني شيئا ً"1.‬
‫ويشهد بقدرته على الكتابة بالعربية الفصحى، الدكتور ظفر أحمد الصديقي‬
                                                              ‫قائالً:‬
‫"ولو أنّ الكتاب (رجال السند والهند) بالعربية ولكن معظم أجزائه مما لم يكتبه‬
‫القاضي أطهر بلغته كما صرّ ح به في المقدمة ولكنما كتبه هو بالعربية السلسة‬
                                   ‫وال نجد في موضع منها شوبا ً بالعجمة"2.‬
‫ويجمل بنا أن نذكر بعض النماذج لكتاباته العربية فهو يقول في كتابه "خير‬
   ‫الزاد في شرح بانت سعاد" وهو طالب في مدرسة إحياء العلوم، مباركفور:‬
‫"الحمد هلل الذي أسبغ علينا من النعم، وجعل في لسان العرب من اللطائف‬
‫والحكم، والصالة والسالم على حبيبه نبينا المكرم المبعوث إلى كافة األمم،‬
‫وعلى آله وأصحابه الذين هم مصابيح الظلم، صلّى هللا عليه وآله وصحبه‬
‫وسلّم. أما بعد فيقول العبد األحقر القاضي عبد الحفيظ محمد أطهر مباركفوري‬
‫إني أردت أن أشرح قصيدة بانت سعاد الذي طارت شهرته في أطراف العالم‬
                    ‫ّ‬
‫واألبعاد لكعب بن زهير بن أبي سلمى رضي هللا عنه ووفقني هللا في منتصف‬
‫شوال المكرم سنة خمس وخمسين وثالثمائة بعد األلف فشرحته كيفما قدرت‬
‫طاويا ً كشح القيل والقال لئال يوجب المالل واالختصار لئال يكون سببا ً للكالل‬
‫وسمّيته "خير الزاد في شرح بانت سعاد" وهذا أول جوالن يراعي في ميدان‬
‫القرطاس وأنا غمر جاهل من مثل هذا الشأن فإنه ما اغبرّ مذ نيطت عن التمائم‬
‫ونيطت بي العمائم إال برهة من الزمان وأنا معترف بعجز والتمس من السادة‬
‫الكرام، أنْ يصفحوا عن زالتي وأعرضوا من أنْ يأخذوني عرضة للمالمة‬
‫والمسئول من هللا تعالى أنْ يجعله خالصا ً لوجهه الكريم ومنه التوفيق والعصمة‬
                                               ‫ومنه االستعانة في كل أمر"3.‬


                                        ‫1 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 222‬
                                                    ‫2 المصدر نفسه، ص 192‬
                                                     ‫3 المصدر نفسه، ص 26‬

                                     ‫741‬
‫جملة اهلند‬

‫ويقول وهو يصوّ ر شخص وشخصية شاعر العربية الهندي أحمد حسين‬
                                      ‫الرسول فوري (5546ه):‬
  ‫"كان رحمه هللا أسمر اللون، طويل القامة، جميل الوجه، لطيف الثياب، حسن‬
‫الهيئة، يحبّ الروائح الطيبة، أقل الناس تكلفاً، طلقاً، ضاحكا ً مضحكاً، خادما ً‬
                                             ‫ّ‬
  ‫في الدار، مخدوما ً في الخارج، ال يخرج إال بزيّ العلماء، ويمشي مسرعاً،‬
  ‫ويسري وحده في الليل، ويقطع المسافات البعيدة على قدميه، إذا رآه الناس في‬
  ‫طريق وعليه العمامة والعباء وبيده العصا وعلى منكبيه المنديل وشعر لحيته‬
  ‫ورأسه الوافر تأخذهم هيبة العلم والوقار، وإذا رأوه في الدار مشتغالً في‬
                           ‫األشغال األهلية يستأنسون به ويجدونه خيرهم ألهله.‬
‫وكان رحمه هللا عالما ً جيداً، طبيبا ً حاذقاً، لغويا ً فصيحا ً بليغاً، شاعراً مجيداً،‬
‫أديبا ً فاضالً، محدثاً، مفتياً، صالحا ً مصلحاً، وكانت له بصيرة تامة في الفلكيات‬
                                                                     ‫ّ‬
‫والرياضي والهندسة والفنون المعقولة مع مهارة في النحو والصرف،‬
                             ‫والعروض والمعاني والبيان وأنواع الفنون والعلوم.‬
‫وكان في الهدي والسمت آية من آيات السلف، راغبا ً في الخير، زاهداً في‬
‫الدنيا، ذا أخالق مرضية عند الخاص والعام، محبّبا ً بين األقارب واألباعد،‬
‫سمحاً، جواداً، كريماً، طلق الوجه، جميل البشرة، كانت داره بيتا ً لليتامى وملجأ‬
                                          ‫لألرامل ومأوى للفقراء والمساكين"1.‬
                                                                 ‫ً‬
‫أخالقه وصفاته: حسن الخلق شيئ بعث به النبي صلّى هللا عليه وسلّم فهو‬
                                                              ‫قال:‬
                                                  ‫"بعثت ألتمّم مكارم األخالق"2.‬
‫وعلى اتباعه للنبي األمّي تخلّق واتصف القاضي أطهر المباركفوري بالعديد‬
‫من األخالق والصفات التي أثنى عليها معاصروه، حتى قال أحد معاصريه‬
                                       ‫محمد نعيم الصديقي، أبو ظبي:‬



                                                               ‫1 ديوان أحمد، ص 6‬
                                              ‫2 المؤطأ لإلمام مالك، رقم الحديث: 112‬

                                       ‫841‬
‫جملة اهلند‬

‫"كان يصعب لي في بعض األحيان الحكم على أنه هل تثقل كفة أخالق القاضي‬
                                                 ‫أطهر أم كفة مآثره"1.‬
                                  ‫ويقول الشيخ مطيع الرحمن عوف الندوي:‬
             ‫"كان القاضي أطهر يحمل على كتفيه شخصية عجيبة وغريبة"2.‬
‫فنود أنْ نذكر فيما يلي طرفا ً من أخالقه وصفاته ما يستحق بأن يتبعه اآلخرون:‬
                                                                      ‫ّ‬
‫6. سذاجته: كان القاضي أطهر المباركفوري ساذجا ً إلى حد بعيد حتى لم‬
‫يستطع زائره أن يعرفه بملبسه وطريق حياته فيروي الشاه معين الدين‬
‫الندوي أنه ذات مرة جاء أحد للقائه حسب العادة وكان القاضي أطهر‬
‫مستلقيا ً على ظهره فسأله عن القاضي أطهر فقام القاضي أطهر ولبس‬
‫ملبسه وقال: ها أنا الذي تريد زيارته". فقام ذلك الزائر تكريما ً له وقال: إني‬
                                                ‫جئت من حيدراباد للقائك"3.‬
                                 ‫ويقول الشيخ نور الحسن راشد الكاندهلوي:‬
‫"---كنت أسمع لما كان القاضي أطهر يلقي علينا وكان قلبي وعيناي‬
‫حيارى عن سذاجته فما تخيّلته من صورته وشخصيته قد اختلف تماما ً عما‬
‫ظننته فإني لم أر سذاجة وتكريما ً وهدوءاً ومحبة مثلما شهدته لدى القاضي‬
                                                            ‫َ‬
                     ‫4‬
                    ‫أطهر فلم يكن يبدو من ملبسه ومعيشته أنه رجل كبير" .‬
‫2. سعة الفكر: هذا من عيب أتباع المذاهب الفقهية والفكرية العام أنهم ال‬
          ‫ّ‬
‫يرعون مذاهب سواهم بل يحقرونها بينما تلك المذاهب أيضا ً اختارها‬
                                           ‫ّ‬
‫العلماء الكبار الصالحون فالتعصب المذهبي والفكري شيئ ال يتأتى لمن له‬
‫حجى أو قلب سليم. كان القاضي أطهر من تلك الرجال الذين ولو اتبعوا‬
‫مذهبا ً خاصا ً ولكنهم لم يتعصّبوا لمذهبهم بل كانوا يكرّ مون أتباع كافة‬
             ‫المذاهب الفقهية والفكرية فيقول الشيخ ضياء الدين اإلصالحي:‬




                                      ‫1 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 216‬
                                                  ‫2 المصدر نفسه، ص 116‬
                                                  ‫3 المصدر نفسه، ص 121‬
                                                  ‫4 المصدر نفسه، ص 261‬

                                   ‫941‬
‫جملة اهلند‬

 ‫"كان واسعا ً عقله ومشروحا ً صدره وطلقا ً جانبه فكان يتسع قلبه ألتباع كافة‬
 ‫المذاهب واألفكار فلم تشبه ذلة التعصب والتحزب المذهبي والفكري، وكان‬
          ‫يجلس مع أتباع كافة المذاهب واألفكار ويكرّ م أربابها وأصحابها"1.‬
‫4. حميد في الوطن والخارج: هذا من العام الشائع أنّ الرجال الذين نالوا قبوالً‬
 ‫واسعا ً في الخارج لم يكادوا نيل ذاك القبول في وطنهم فالحميد في الخارج‬
 ‫صعب له أن يكون حميداً في الوطن ولكن القاضي أطهر مختلف عن هؤالء‬
 ‫فهو الحميد في الوطن وفي الخارج على السواء. يشير إلى ميزة القاضي‬
                                          ‫تلك، الشيخ ضياء الدين اإلصالحي:‬
 ‫"هذا مما يعم أن الرجال والشخصيات ال يكرّ مهم أبناء وطنهم وال يتقبلونهم‬
                                                                   ‫ّ‬
 ‫ولو أنهم طار صيتهم في اآلفاق ونالوا قبوالً واسعا ً خارج بالدهم ولكن‬
 ‫القاضي أطهر كان ممن يستثنى من هؤالء فهو كان حبيبا ً في الوطن كما‬
             ‫كان حميداً في الخارج. وهذا يدل على عظمة خلقه وعلو كعبه"2.‬
                                             ‫ّ‬
 ‫1. غيرته: كان القاضي أطهر المباركفوري غيوراً إلى حد بعيد فهو لم يشر‬
 ‫علمه بشيئ بخس ولم يكتسب بالفنّ فهو فضّل الكوخ على القصر والفقر‬
                                 ‫على الغنى. يقول الشيخ مختار أحمد الندوي:‬
 ‫"لم يكتسب بعلمه فهو كان يستحق بأنّ يتبعه العالم لعلوه في العلم والعمل‬
 ‫ويرفعه من الثرى إلى الثريا بالنسبة للمال والثروة ولكن القاضي أطهر لم‬
 ‫يتملق ألغنياء مومبائ فلم يزر أحداً لحاجته أو لحاجيات أوالده فهو كان‬
                                           ‫غيوراً للغاية وقانعا ً إلى حد بعيد"3.‬
                                        ‫ويقول الشيخ ضياء الدين اإلصالحي:‬
 ‫"وعلى كونه ساذجا ً للغاية فهو كان مليئا ً بالغيرة والقناعة فهو كان يرعى‬
                   ‫جانب عزة العلم فهو ال باع علمه وال تملّق ذوي السلطة"4.‬
 ‫5. تكريم الصغار وتشجيعهم: كان القاضي أطهر المباركفوري يكرّم الصغار‬
 ‫ويشجّ عهم على تقديم أعمال تذكارية خالدة فيقول الشيخ ضياء الدين‬
                                                                     ‫اإلصالحي:‬


                                                       ‫1 المصدر نفسه، ص 861‬
                                                   ‫2 المصدر نفسه، ص 861-261‬
                                                       ‫3 المصدر نفسه، ص 221‬
                                                       ‫4 المصدر نفسه، ص 861‬

                                     ‫051‬
‫جملة اهلند‬

 ‫"كان يرحّ ب بالصغار وذوي قرباه بحرارة بالغة وكان يشجّ عهم ويرفع‬
                                                                   ‫شكواهم"1.‬
                                      ‫ويقول الشيخ مطيع الرحمن عوف الندوي:‬
 ‫"هذا من رفعة خلق القاضي أطهر أنه كان يريد أن يشجّ ع الصغار ويبلغهم‬
                                       ‫إلى الدرجات الرفيعة من العلم والعمل"2.‬
 ‫1. رعاية أوالده: كان القاضي أطهر المباركفوي يرعى ذوق وهوى أوالده‬
 ‫رعاية تامة فال يأكل شيئا ً لذيذاً مخافة أنّ أوالده ال يجدون سعة للتمتع به.‬
                ‫يقول ولده القاضي ظفر مسعود مشيراً إلى رعايته لذوق أوالده:‬
 ‫"كان أبي يرعى في كل وقت بأال يشعر أوالده بأنه ليس لهم شيئ لألكل‬
  ‫اليوم فكان أبوانا يجوعان ويطعمان أوالدهما قائلين: ال أريد أنْ يمسّ‬
                                ‫أوالدي الشعور بالدناءة أو أنْ تتأثر صحتهم"3.‬
                                              ‫ويقول أحد أصدقائه صديق أحمد:‬
 ‫"وثانيا ً وهو أني أذكر لك بأنك صديقي الحميم بأني ال آكل شيئا ً لذيذاً مخافة‬
                                                   ‫ّ‬
                          ‫4‬
                         ‫أنّ أوالدي ال يجدون مثل هذه المآكل في مباركفور" .‬
                                              ‫ويقول ولده القاضي ظفر مسعود:‬
                    ‫5‬
                   ‫"كلما احتجنا إلى شيئ أرسل أنفس أنواعه بأسرع ما أمكن" .‬
                                                ‫وكان القاضي أطهر نفسه يقول:‬
 ‫"يجب عليّ من قبل الشريعة أنْ أعلّمهم وأزوّ جهم وأعطيهم الوظائف،‬
                        ‫وسأفرغ عن كل منها في المستقبل إن شاء هللا تعالى"6.‬
    ‫ّ‬
 ‫1. ال تبديل لقوله: كان القاضي أطهر المباركفوري يقول ما يفعل وال يتبدل‬
 ‫القول لديه فهو كان يعمل ما يتلفظ من لسانه فقلبه كان يوافق لسانه كما كان‬
                             ‫لسانه يوافق قوله. يقول أحد أصدقائه صديق أحمد:‬
‫"---عندما كان هذا الفتى ينكر شيئا ً فال يعترف به ولو تقلب العالم ظهراً‬
                                                                     ‫لبطن"1.‬

                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص 161‬
                                                      ‫2 المصدر نفسه، ص 216‬
                                                      ‫3 المصدر نفسه، ص 281‬
                                                      ‫4 المصدر نفسه، ص 181‬
                                                      ‫5 المصدر نفسه، ص 981‬
                                                      ‫6 المصدر نفسه، ص 981‬

                                    ‫151‬
‫جملة اهلند‬

‫3. االعتراف باالنتقاد عليه: مما يفقد في الرجال والشخصيات من الصفات‬
‫الحميدة اعترافهم باالنتقاد عليهم فهم ال يعترفون بأي نقد عليهم فحسب بل‬
‫يغضبون على الناقد السيما في شبه القارة حيث يعم المثل "خطاء بزرگان‬
                     ‫ّ‬
‫گرفتن خطا ست" (غربال أخطاء المشايخ خطأ محض). ولكن من ميزات‬
‫القاضي أطهر أنه لم يقبل االنتقاد عليه فحسب بل غيّر في الموضع الذي‬
‫أشار المعاصرون إلى خطأه زلة قدميه فيه. يقول الشيخ ضياء الدين‬
                                      ‫اإلصالحي مشيراً إلى هذه الميزة منه:‬
‫"هذا من البديهي أن تزل قدما الذي اتسعت جهات عمله وتنوّ عت جوانب‬
‫فكرته وهذا ال ينال من عزته وعلوّ ه، ولكن كان من ميزة القاضي أنه كان‬
‫يقبل النقد عليه بكل ترحيب به وسرور منه فهو لم يغضب على من أشار‬
‫إلى عيبه وزلة قدميه, ولنا خير دليل في مجموعة مقاالته "مآثر‬
                                                                ‫ومعارف"2.‬
‫5. حيوان ظريف: كان القاضي أطهر المباركفوري بجانب علوّ كعبه في العلم‬
‫واألدب والفن، حيوانا ً ظريفا ً للغاية فهو كان يضحك المحزونين ويسلّي عن‬
‫المهتمين بكالمه الظريف المضحك. يقول الشيخ مطيع الرحمن عوف‬
                                                                   ‫الندوي:‬
‫على الظرافة فكان ال يتكلف في‬    ‫"كان القاضي أطهر المباركفوري مطبوعا ً‬
‫المجالس ولو أنه كان عالما ً ومحققا ً كبيراً. كان يحيي المجالس الميتتة‬
                                               ‫بكالمه الظريف المضحك"3.‬
                       ‫ويقول الشيخ أفضال الحق جوهر القاسمي األعظمي:‬
‫"كان القاضي أطهر ظريفا ً إلى حد بعيد ولذا فلو كان موضوعه غير جاذب‬
‫للغاية ولكنه يخلق فيه ظرافة يرغب بها القراء فذات مرة بدات اتكلّم معه‬
                              ‫ّ‬          ‫ّ‬
‫باللهجة المومبائية الخالصة فأجاب عليّ بتلك اللهجة ولو أنها كانت لهجة‬
                           ‫الجهالء والمغفلين ال لهجة العلماء والباحثين"4.‬
                                      ‫ويقول الشيخ نعيم الصديقي، أبو ظبي:‬



                                                   ‫1 المصدر نفسه، ص 281‬
                                                   ‫2 المصدر نفسه، ص 961‬
                                                   ‫3 المصدر نفسه، ص 216‬
                                               ‫4 المصدر نفسه، ص 221-121‬

                                  ‫251‬
‫جملة اهلند‬

‫"كان ال يتكلف ويمتزج مع صغاره حتى كان يؤذيه الصغار في بعض‬
                                 ‫األحيان بسوء معاملتهم معه"1.‬
‫القاضي أطهر عبرة للباحثين: ونحبّ أن نري تحت هذا العنوان لمحة عن‬
‫المصائب والشدائد التي كابدها القاضي أطهر في حياته وحين اشتغاله بالبحث‬
‫والتحقيق وهذه عبرة للطالب ولمن يريد أن يخلف شيئا ً مهما ً في مجال ما.‬
             ‫يقول القاضي أطهر مشيراً إلى السبب وراء تأليف سيرته الذاتية:‬
‫"لم أحك ما كابدته زمن دراستي ألجل الثناء عليّ بل لكي يقرأه الطالب‬
                            ‫ويعتبروا به فيتقدموا في مجاالتهم المختارة"2.‬
                                                       ‫ّ‬
‫وكذا إنه عبرة لنا الباحثين الذين يقضون حياة مليئة بالرخاء ورغدة العيش وال‬
‫يقوم وزنا ً ما يقدمونه من البحوث أمام تحقيقات هذا المحقق المباركفوري.‬
                                                        ‫ّ‬
                                   ‫يقول وهو يحكي حياته في زمن الدراسة:‬
 ‫"ولعل جل وقتي في زمن الدراسة قد قضيته في العسر والبؤس، فقد رجّ حت‬
‫القناعة والسذاجة في المالبس كما في المطاعم وذلك ألن المعاش لم يكن رغداً‬
 ‫كما هو اآلن فكان الناس عامة يقضون حياة ساذجة وذات عسر ولذلك فلم‬
 ‫يكونوا يشعرون بالعسر والبؤس بل كان كلهم مسرورين به وراضين عنه،‬
 ‫وكان هللا يباركهم فيه. كنت أجمع األمتعة حسب ذوقي وفطرتي فلم أشعر‬
                                 ‫بالدناءة في ثانية ما من حياتي الدراسية"3.‬
                                                  ‫ويقول في بحثه عن الوظائف:‬
   ‫"شرعت في البحث عن الوظائف بعد الفراغ من الدراسات العليا فكتبت إلى‬
  ‫عبيد هللا السندهي طالبا ً منه االلتحاق بمعهده لتعليم وتفهيم القرآن فمنعني قائالً‬
   ‫بأنه لم يبتدئ حتى اآلن ثم كتبت إلى الشيخ منظور النعماني طالبا ً منه الوظيفة‬
   ‫في مكتب مجلة الفرقان فدعاني وأمرني بنسخ خطبته التي كان يلقيه في كل‬
‫يوم الخميس في ندوة العلماء ووعدني بأنه سيعطيني 42 روبية شهريا ً‬
   ‫فامتنعت ألجل قلة الراتب ورفعة تكاليف مدينة لكناؤ ثم بلغت إلى مكتب جمعية‬

                                                          ‫1 المصدر نفسه، ص 216‬
                                                            ‫2 المصدر نفسه، ص 8‬
                                                           ‫3 المصدر نفسه، ص 26‬

                                       ‫351‬
‫جملة اهلند‬

‫العلماء طالبا ً منه الوظيفة في قسمها لإلعالم فقال لي الشيخ بشير أحمد إنه لم‬
‫يبتدئ ذاك القسم حتى اآلن وفي أثناء ذاك لقيني مدير سجن بورما (ميانمار)‬
‫وقال إنه يحتاج إلى معلم للدراسات اإلسالمية فاتفقنا على راتب حكومي ولكنه‬
‫لم يرد منه شيئ بعدما وصل إلى بلده ولما يئست من كل جانب بعث بي الشيخ‬
‫شكر هللا إلى القرى لجمع التبرعات لمدرسة إحياء العلوم وقال إذا علّمت فيها‬
                               ‫ّ‬
‫لمدة سنة مجانا ً فالمرجو من اإلدارة أن توظفك فيها فاستشرت أبي وجعلت‬
                                                   ‫أدرّ س فيها حسبة هلل"1.‬
                      ‫يقول القاضي أطهر وهو يبيّن تقرير سفره إلى أمرتسر:‬
‫"--- عندما وصلت إلى أمرتسر بلغني أن الشيخ نور الحسن (الذي دعاني‬
                                   ‫ّ‬
‫إليها) قد غادر لالهور فقال لي بعض خدامه إن أضع متاعي في حجرة ما.‬
‫كنت غريبا ً لتلك الديار وخرجت للبحث عن مطعم لكي أتناول بعض الشيئ‬
‫ولكني لم أتجاوز بعض الدكاكين إذ توقفت مخافة أن أضل الطريق ووصلت‬
                   ‫ّ‬
‫إلى مطعم كدر غير صفو فكان حاله سيئا ً للغاية كأنه مطعم الفقراء والبائسين.‬
‫كان بابه كدراً إلى حد لو لمسته الحجت إلى غسل يديك وأما فرشه فلم يصلح‬
‫لرجل صالح أن يجلس فيه ولكن الغرابة الميئة بشدة الجوع قد أجبرتني على‬
‫أن أجلس في ذاك المكان الكدر. وقال لي صاحب ذاك المطعم إنه يأخذ آنتين‬
‫لخبزين بينما العدس ال يؤخذ ثمنه. فلما فرغت من هذا اشتريت سراجا ً من‬
               ‫الخزف ومألته زيتا ً فأشعلته وهكذا بت أول ليلتي في الغرابة"2.‬
                                          ‫ُّ‬
                                                 ‫ويقول وهو سقط على ثور:‬
‫"ذات مرة فاجأني الذهاب إلى مكتب مجلة "زمزم". كان الزقاق مظلما ً بما أن‬
‫الكهرباء لم تكن موجودة والمباني الفخمة زادته ظلمة على ظلمة، كنت أمشي‬
‫فيه إذ سقطت على ثور فتحيّر الثور وجعل يهرب وكان أنْ لم أقدر على رؤيته‬
‫كما هو ما استطاع رؤيتي وكنا يخاف بعضنا بعضا ً فتوقفت ثواني ثم واصلت‬
                                                               ‫سفري"3.‬

                                                  ‫1 المصدر نفسه، ص 22-12‬
                                                     ‫2 المصدر نفسه، ص 92‬
                                                     ‫3 المصدر نفسه، ص 21‬

                                   ‫451‬
‫جملة اهلند‬

                                                              ‫ويحكي كذلك:‬
‫"ذات مرة زارني أبو سعيد بزمي وكنت أنا وأحد أصدقائي نشرب الشأي، وبما‬
‫أني لم امتلك غير كوب فكان صديقي يشرب الشأي في اإلبريق فلما رآه الشيد‬
                  ‫بزمي قال متبسما ً: ربما أنتم تعيدون ذكرات زمن الدراسة"1.‬
                                  ‫ويقول في حياته زمن تدريسه في المدرسة:‬
‫"كنا أربعة (انا وزوجتي وولداي خالد كمال وأنور جمال) كان أنور جمال‬
‫يعاني من مرض الخنازير منذ طفولته فكنا نقصي حياتنا في هذا الراتب القليل‬
‫بجانب معالجة الولد وقد حدث في أثناء ذلك أن بتنا الليلة بحيث إن خلطنا‬
‫العجين بالماء والملح وشويناه فشبعنا البطون وربما أقمنا العدس والليمون‬
                                               ‫والفلفل والملح مقام اإلدام"2.‬
         ‫ويحكي عربيا ً زاره فلم يجلس في حجرته الكدرة المبعثرة فيها الكتاب:‬
‫"جاءني عربي لزيارتي فلما دخل حجرتي طلبت منه أن يجلس فيها فسألني أين‬
‫يجلس فقدمت كرسيا ً فلم يجلس فيه وقال لي إني أنزل في ذاك الفندق ذي‬
                                                             ‫ّ‬
‫الخمسة أنجم وطلب مني أن أزوره هناك فلم أذهب إليه ولعله لم يجلس في‬
     ‫حجرتي بأنها كانت كدرة وميئة بالكتب ولم يكن فيها أثاث غير حصير"3.‬
                                                         ‫ويقول أحد أصقائه:‬
‫"كان القاضي أطهر يطعم العدس لشهور، لو رآه أوالدك أو أوالده ظنه الماء‬
                                                    ‫المستعمل للعدس"4.‬
                             ‫ويقول القاضي أطهر مشيراً إلى عدم أخذه للدَ ين:‬
‫"الخرج قدر الدخل عين االقتصاد وهو نصف المعيشة، لم استقرض أحداً زمن‬
‫تلعيمي في المدرسة كما لم أرتكبه بعد ذلك من بقية حياتي والحال أني مررت‬
                                                  ‫بأسوأ األحوال فيها"1.‬

                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص 21‬
                                                      ‫2 المصدر نفسه، ص 12‬
                                                     ‫3 المصدر نفسه، ص 122‬
                                                     ‫4 المصدر نفسه، ص 281‬

                                    ‫551‬
‫جملة اهلند‬

‫مؤلفاته ورسائله: كما ذكرت أن القاضي أطهر المباركفوري كان راغبا ً في‬
‫التأليف والتحقيق منذ طفولته فقد قام المباركفوري بتأليف وتحقيق وتدوين كتب‬
                          ‫ورسائل عديدة طبع معظمها بينما البعض لم يطبع.‬
                                                ‫ّ‬
     ‫ولكن قبل أنْ نحصيها نود أن نشير إلى ميزاته في مجال البحث والتحقيق:‬
‫المجال الذي اختاره القاضي أطهر بلغ به إلى النهاية فلو أنه ليس المتقدم‬           ‫‪‬‬
                                                           ‫ّ‬
‫ولكن التحقيق الذي قدمه لم يضف إليه أحد من المتأخرين وذلك ألن معظم‬
‫المصادر التي اختارها ال يعرفها غيره وإذا عرفها أحد فهو ال يجد فيه‬
‫عزيمة على الخوض في تلك المغارة التي دخل فيها القاضي أطهر فهو‬
                                         ‫الخاتم في هذا المجال حتى يومنا هذا.‬
‫وأن القاضي أطهر ال يدرس شيئا ً أو يكتب عنه لهدف خاص بل هو يقرء‬                  ‫‪‬‬
‫ويقرء حتى يقدم إلى القراء ما يبلغ إليه من النتيجة في ضوء دراسته‬  ‫ّ‬
                                    ‫ّ‬
‫المتواصلة فهو ال يضل القراء وال يقدم نظرية خاصة بل كل ما يبدو له‬
                                                         ‫ّ‬
     ‫ّ‬
‫نيته فهو ليس كالمستشرقين أو كتاب‬      ‫أثناء الدراسة يقدمه إلى القراء مخلصا ً‬
                                                               ‫ّ‬
‫األفكار الخاصة الذين ال يدرسون أو يكتبون إال وفي أذهانهم هدف خاص‬
                                                 ‫أو فكرة خاصة يريدون إثباتها.‬
‫في األيام الحاضرة كتب المحققون أو قدموا أفكارهم طبقا ً ألجل قوميتهم‬
                                 ‫ّ‬             ‫ّ‬                                ‫‪‬‬
‫فكل ما قدموه كان مليئا ً بتلك الفكرة وقد سمعنا في األيام السالفة تيار "نحن‬
                                                                    ‫ّ‬
‫أبناء الفراعنة" وال نستثني منه أحداً من البالد وأهاليها ولكنما حقّقه القاضي‬
‫أطهر أو كتبه فعل لمجرّ د اإلسالم وصاحبه فلو كان حديثه عن الوطن أو‬
                    ‫غيره كل هذا يدور حول تلك النقطة المركزية وال غير.‬
‫معظم من قام بالتحقيق في مجال التاريخ شكا إلى القراء قلة المعلومات أو‬            ‫‪‬‬
‫توفرها ولو أنه أحال إليها واستفاد منها فهم في معظم األحيان يؤذون‬
‫المتقدمين في عدم توفير المعلومات عن الماضي في مؤلفاتهم ولكن القاضي‬      ‫ّ‬
   ‫ّ‬
‫أطهر ليس منهم بل هو يدافع عن المتقدمين ويثبت بمؤلفاته أنّ كل ما نقدمه‬
‫في صورة التحقيق معلوماته موجودة في مؤلفات القدماء فهو يقول في كتابه‬
                       ‫"خالفت راشده أور هندوستان" ما ملخصه فيما يلي:‬
‫في السير‬   ‫"--- قام القدماء بتأليف الكتب العديدة حول موضوع خاص مثالً‬
‫والمغازي والحضارة والثقافة واألدب واللغة وما إليها --- ولكن إخواننا قد‬
‫شكوا في مؤلفاتهم أن القدماء ال يذكرون إال الحروب والغزوات ولكن ال‬

                                                          ‫1 المصدر نفسه، ص 22‬

                                      ‫651‬
‫جملة اهلند‬

‫يذكرون الحضارة والثقافة بالتفصيل. هذا ألجل قصر باعهم في الدراسة‬
              ‫وإال فهناك كتب عديدة في كل مجال من المجاالت اإلنسانية"1.‬
‫‪ ‬إنما يقدمه القاضي أطهر ال ينحصر في الظن والتخمين بل كلما يقدمه يكتب‬
          ‫ّ‬                                                        ‫ّ‬
‫في ضوء الدالئل الثابتة كما يقوم بجمع الروايات واستيعابها واإلشارة إلى‬
‫منكرها أو ضعيفها إذا كانت وإلى االختالف أو التعارض الموجود فيها ولنا‬
‫دليل قوي على هذا في مقالته عن محمد بن القاسم وعالقته مع الحجاج‬
                                                ‫فليراجعه من يريد الدليل.‬
            ‫واآلن نذكر فيما يلي مؤلفاته ورسائله التي طبعت والتي لم تر النور:‬
‫6. ديار پورب ميں علم اور علماء: هذا الكتاب يتحدث عن تاريخ "پورب"‬
‫التي كانت مشتملة على واليات هللا اباد وأوده وعظيم اباد. وبما أنه لم‬
‫يكتب تاريخ مفصّل لهذه الديار فقد قام الشيخ أطهر المباركفوري بكتابة‬
‫تاريخها المفصّل آخذاً عن المصادر الخطية والمراجع القيّمة لهذه الديار.‬
‫قسم القاضي أطهر تاريخ هذه الديار إلى أربعة عهود ففي العهد األول ذكر‬
‫القاضي أطهر وصول نور اإلسالم في هذه الديار وذاك عن طريق السيد‬
‫ساالر مسعود غازي (استشهد في 331ه) وفي العهد الثاني الممتد على‬
‫مائة وخمس وسبعين سنة ذكر القاضي أطهر كيف تجلّت الديار بالنور‬
‫اإليماني والروحي. هذا العهد منذ 211ه حتى 245ه أي منذ تأسيس‬
‫جونفور حتى نهاية سلطنة لودهي. والعهد الثالث يمتد من قيام سلطنة‬
‫المغول في 245ه حتى 4466ه. وأما العهد الرابع فهو منذ قيام حكم‬
‫نوابي أوده في 4466ه حتى ختامه في 4126ه. ثم ذكر مفصالً عن‬
‫ثمانية رجال بمن فيهم ملك العلماء شهاب الدين الدولت ابادي والراجه السيد‬
‫حامد المانكفوري والشيخ الروحي مير علي عاشقان السرائ ميري والمال‬
‫محمود الجونفوري والحافظ أمان هللا البنارسي والشيخ غالم النقشبندي‬
‫الغوسوي والشاه أبو الغوث كرم ديوان البهيروي اللهراوي والشيخ حسن‬
‫علي الماهلي. هذا الكتاب يحتوي على 545 صفحة، والطبعة التي بيدي‬
                ‫هي ما صدرت من منشورات البالغ، نيو دلهي في 5442م.‬
‫2. عرب وهند عهد رسالت ميں: هذا الكتاب حلقة من سلسلة عالقة العرب‬
‫بالهند العريقة فقد أثبت فيه القاضي أطهر أنّ عالقة العرب العلمية والثقافية‬
‫ليست بحديثة العهد بل هي عريقة في التاريخ وهي ممتدة إلى عصر ما قبل‬
‫اإلسالم فالكتاب يتحدث عن العالقة الهندية-العربية في عصر النبي صلّى‬
‫هللا عليه وسلّم. هذا الكتاب في 442 صفحة وصدرت طبعته األولى من‬

                                      ‫1 خالفت راشده أور هندوستان، ص 22-92‬

                                   ‫751‬
‫جملة اهلند‬

‫ندوة المصنفين، دلهي في 5156م. وبما أن الكتاب مهم للغاية فقد تمت‬
                    ‫ّ‬
‫ترجمته إلى اللغات العالمية والمحلية فهو نقل إلى السندية كما ترجم إلى‬
‫العربية، والترجمة العربية قام بها الدكتور عبد العزيز عزت عبد الجليل‬
                      ‫وهي صدرت في 4156م من الهيئة المصرية، القاهرة.‬
‫باسم "تذكره‬   ‫4. تذكره علماء مباركفور: أراد القاضي أطهر أنْ يؤلّف كتابا ً‬
‫مشاهير أعظم كره ومباركفور" وبدأ بتأليفه في شهر جمادى األولى‬
‫1146ه وكتب قدراً كبيراً منه ولكن توقف العمل فلم يجد الفرصة إلتمامه‬
‫وألّف كتابا ً بعنوان "تذكره علماء مباركفور". صدر الكتاب من دائره مليه،‬
                                                    ‫مباركفور في 1156م.‬
‫هذا الكتاب في 252 صفحة ويفصّل عن 146 شخصية مباركفورية بما‬
‫فيهم المفسرون والمحدثون والفقهاء واألدباء والشعراء غيرهم من المشايخ‬
‫والرجال. يبتدئ ذكر الرجال والشخصيات من الصفحة 21 وينتهي على‬
‫الصفحة 252. وقبل ذلك ذكر تاريخ مباركفور السياسي والثقافي والعلمي‬
                                     ‫واألدبي. هذا كتاب رائع في الموضوع.‬
‫1. اسالمى هند كى عظمت رفته: هذا الكتاب مجموع مقاالته الثماني وهي‬
‫مؤلفات القدامي والمتأخرين عن الهند اإلسالمية وفاتحوا الهند من مثل‬
‫عثمان والحكم والمغيرة بن أبي العاصي الثقفي وفاتح الهند العظيم محمد بن‬
‫القاسم الثقفي وأمير الهند عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي واإلمام ربيع بن‬
‫صبيح البصري الهندي واإلمام أبو موسى إسرائيل بن موسى البصري‬
‫الهندي والعالقات الثقافية والتجارية القديمة بين العرب والهند والراجه‬
‫رهْ مي وغيره من راجات الهند. يبتدئ الكتاب من فهرس المصادر‬
‫والمراجع التي يبلغ عددها 51 مصدراً ومرجعا ً بما فيها كتابه رجال السند‬
                                                               ‫ّ‬
‫والهند. قدم له المفتي عتيق الرحمن العثماني مدير ندوة المصنفين. هذا‬
‫الكتاب في 412 صفحة وصدرت طبعته األولى من ندوة المصنفين، دلهي‬
                                                            ‫في 5156م.‬
‫5. خالفت راشده اور هندوستان: هذا الكتاب يتحدث عن عالقة الهند مع البالد‬
‫العربية في عصر الخلفاء الراشدين. قام القاضي أطهر بالتحدث عن كافة‬
‫جوانب العالقة التجارية والعلمية واألدبية فأوالً ذكر فهرس المصادر‬
‫والمراجع التي يبلغ عددها 11 مصدراً ومرجعا ً بما فيها كتبه رجال السند‬
‫والهند والعقد الثمين وعرب وهند عهد رسالت ميں، ثم تكلّم عن مبادئ في‬
‫مؤلفات القدامى والمتأخرين ومن ثم أوصل البحث بالموضوع فذكر‬
‫العالقات بين العرب والهند في عهد النبي األمي ثم جاء بالمدخل فذكر‬

                                  ‫851‬
‫جملة اهلند‬

 ‫العالقات بين العرب والهند في عهد الخلفاء الراشدين ثم ذكر الغزوات‬
 ‫والفتوح ونظم الدولة ووجود المسلمين العرب في الهند كما ذكر وجود‬
 ‫المسلمين الهنود في الدول العربية ووجود الصحابة والتابعين في الهند،‬
 ‫الذين يربو عددهم على 12 صحابيا ً وتابعيا ً. هذا الكتاب في 432 صفحة‬
 ‫وصدرت طبعته األولى من ندوة المصنفين، دلهي في 2156م كما صدرت‬
                                 ‫طبعته من تنظيم فكر ونظر، سنده، باكستان.‬
 ‫1. خالفت عباسيه اور هندوستان: هذا الكتاب يحوي العالقة الهندية-العربية‬
 ‫في العصر العباسي الذي كان أزهر العصور اإلسالمية. فبعد الكثرة الكاثرة‬
 ‫من المصادر والمراجع التي يبلغ عددها 116 مصدر ومرجع بما فيها كتبه‬
                        ‫ّ‬
 ‫رجال السند والهند والعقد الثمين ورجال الكشي، تحدث القاضي أطهر عن‬
 ‫العالقات بين العرب والهند في العهد العباسي فذكر إمارة بحر البصرة،‬
 ‫والحرب مع قطاع الطرق البحريين، ونظم اإلمارة، وعالقة العرب‬  ‫ّ‬
 ‫التجارية مع الهند، والعلوم والفنون الهندية وعلماء الهند، والعلوم والفنون‬
 ‫اإلسالمية وعلماء اإلسالم، والموالي والمماليك الهنديين، واستدراك ما فات‬
                              ‫ّ‬
 ‫كتاب "خالفت بنو أميه اور هندوستان". قدم له المفتي عتيق الرحمن‬
 ‫المعثماني في نهاية الكتاب. هذا الكتاب في 355 صفحة وصدرت طبعته‬
 ‫األولى من ندوة المصنفين، دلهي في 2356م كما صدرت طبعته الثانية من‬
                                             ‫تنظيم فكر ونظر، سنده، باكستان.‬
 ‫1. خالفت بنو أميه اور هندوستان: هذا الكتاب حلقة من تلك السلسلة التي‬
 ‫تحدث فيها القاضي أطهر عن عالقة الهند بالدول العربية في مختلف‬           ‫ّ‬
 ‫عصورها. هذا الكتاب يتحدث عن عالقتها مع البالد العربية في عصر بني‬
‫أمية. ذكر أوالً فهرس المصادر والمراجع التي يبلغ عددها 466 مصدراً‬
 ‫ومرجعا ً بما فيها كتبه رجال السند والهند والعقد الثمين وعرب وهند عهد‬
 ‫رسالت ميں وهندوستان ميں عربوں كى حكومتيں. ثم ذكر المدخل حيث‬
 ‫ذكر عالقة العرب مع الهند في عهد بني أمية ومن ثم ذكر نظم الدولة،‬
 ‫ونظم الحرب، وأمراء بني أمية، وراجات الهند، ومسلمي الهند الذين يبلغ‬
 ‫عددهم 436 فرداً، وذكريات العرب في هذه الديار، وعلوم اإلسالم وفنونه،‬
 ‫وواردي وصادري العصر األموي، وأعيان الهند من الرجال والنساء كما‬
                                           ‫ّ‬
 ‫استدرك ما فات مؤلفه السابق. قدم له المفتي عتيق الرحمن العثماني. هذا‬
 ‫الكتاب في 611 صفحة وصدرت طبعته األولى من ندوة المصنفين، دلهي‬
                   ‫في 5156م كما أصدره تنظيم فكر ونظر، سنده، باكستان.‬
                      ‫ّ‬
  ‫3. هندوستان ميں عربوں كى حكومتيں: هذا الكتاب رد مفعم لمن يدعي أنّ‬
 ‫العرب لم يقيموا حكوماتهم في السند والهند. مستفيداً من 45 مصدراً بما فيه‬

                                   ‫951‬
‫جملة اهلند‬

       ‫ّ‬
‫مؤلفاته رجال السند والهند وعرب وهند عهد رسالت ميں، تحدث عن‬
‫الدولة الماهانية في سندان، والدولة الهبارية في المنصورة، السند، والدولة‬
‫السامية في ملتان، والدولة المعدانية في مكران، والدولة المتغلبة في طوران‬
                         ‫ّ‬
‫كما قام باتعراض عام لتلك الدول وما واالها. قدم له المفتي عتيق الرحمن‬
                                                    ‫ّ‬
‫العثماني. هذا الكتاب في 414 صفحة وصدرت طبعته األولى من ندوة‬
‫المصنفين، دلهي في 1156م كما صدرت طبعته الثانية من مكتبة عارفين،‬
‫كراتشي، باكستان كما طبعه تنظيم فكر ونظر، سنده، باكستان. قام الدكتور‬
‫عبد العزيز عزت بترجمته إلى العربية باسم "الحكومات العربية في الهند‬
                     ‫والسند" وطبعه من مكتبة آل يد هللا البكرية، الرياض.‬
‫5. العقد الثمين في فتوح الهند ومن ورد فيها من الصحابة والتابعين:‬
‫موضوعه واضح من عنوانه. صدرت طبعته األولى في 544 صفحة من‬
‫مومبائ في 3156م كما أصدره دار األنصار، القاهرة في 642 صفحة.‬
‫وبدالً من تحليل الكتاب نرجّ ح نقل ما كتب محمد عبد هللا السمان في هذا‬
                                                    ‫الكتاب القيّم فهو يقول:‬
‫"كتاب العقد الثمين يؤرخ للهند اإلسالمية من أول الفتح اإلسالمي حتى‬
‫نهاية العصر األموي --- ومنهج المؤلف، كما أشار إليه في المقدمة، فهو‬
‫يذكر الغزوة والالية ثم يترجم لمن دخل الهند أيام تلك الغزوة أو الوالية من‬
‫الصحابة والتابعين والمخضرمين وأتباع التابعين ومعاصريهم وقد مهّد‬
                  ‫ّ‬
‫المؤلف للدراسة ببحث في فتوح الهند، والتي كانت تعد من فتوح العراق.‬
‫كان للعراق سوادان؛ سواد الكوفة وسواد البصرة. وكانت الهند والسند‬
‫تابعتين لسواد البصرة منذ عهد عمر بن الخطاب إلى عصر المأمون‬
‫الخليفة العباسي --- والمؤلف يعني بتراجم الرجال ما وسعته المراجع‬
‫ويضع كالً في مكانه الالئق به لذلك تتسع الترجمة أو تضيق. وهذه التراجم‬
                                      ‫ّ‬
‫لها قيمتها لدى كل باحث ومحقق الستخالصها من أمهات المراجع‬
‫المعتمدة، وخاتمة الكتاب كانت عن علم الحديث والمحدثين في الهند ---‬
‫والحق أن المؤلف بذل جهداً مشكوراً لم يكن قاصراً على التحقيق التاريخي‬
‫للغزوات والفتوحات بل تجاوز ذلك إلى تحقيق سند الرجال الذين أسهموا‬
                      ‫في الفتوحات والواليات، وهي مهمة شاقة مضنية"1.‬


         ‫1 جريدة "العالم اإلسالمي"، عدد: 62-21، جمادى األولى، سنة 2222ه، ص 62‬

                                    ‫061‬
‫جملة اهلند‬

‫46. تدوين سير ومغازى: هذا كتاب مهم للقاضي أطهر أثبت فيه المؤلف‬
                                ‫ّ‬
‫م واستدل‬ ‫أن السير والمغازي قد دوّ نت في عصر النبي صلّى هللا عليه وسلّ‬
‫على دعواه بدالئل ثابتة. قسم القاضي أطهر هذا الكتاب في خمسة أبواب؛‬
‫الباب األوّ ل يتحدث عن مفهوم الحديث اللغوي واالصطالحي وعلم الحديث‬
‫والرواية والدراية وما شابهها من الموضوعات، والباب الثاني عن‬
‫المصادر المكتوبة في السير والوثائق والمغازي، والباب الثالث يتكلم عن‬
‫تدوين السير والمغازي في النصف األول في بداية القرن األول الهجري‬
‫فذكر القاضي أطهر ثالثة عشر كتابا ً تم تدوينه في ذلك العهد، والباب الرابع‬
                                    ‫ّ‬
‫في علماء السير والمغازي في مختلف المدن فذكر علماء الكوفة وبغداد‬
‫ومصر واألندلس مع ذكر أسماء مؤلفاتهم في الموضوع، والباب الخامس‬
‫على التدوين الفقهي للسيرة والمغازي فذكر محاوالت أعالم الفقهاء في هذا‬
‫الشأن.هذا الكتاب في 424 صفحة وصدرت طبعته األولى من أكادمي شيخ‬
            ‫الهند، ديوبند في 4556م. يقول عنه الدكتور عبد العزيز عزت:‬
                        ‫ّ‬
‫"--- إن المؤلف- فيما كتب في هذا الكتاب- إنما أدى الواجب لعمل علمي‬
‫جليل يضاف إلى مجموعة مؤلفاته التي تخدم الثقافة الغسالمية وتنير‬
                                                   ‫الطريق أمام الباحثين"1.‬
‫66. خير القرون كى درسگاهيں: اسمه الكامل "خير القرون كى‬
‫درسگاهيں اور انكا نظام تعليم وتربيت". هذا كتاب تاريخي جميل حيث‬
‫عدد القاضي أطهر مدارس ومكاتب القرن األول وكيف كان الصحابة‬              ‫ّ‬
‫يدرسون ويدرّ سون. هذا في 254 صفحة وصدرت طبعته األولى من‬
‫أكادمي شيخ الهند، ديوبند في 5556م. بدأ القاضي أطهر هذا الكتاب‬
‫بتمهيد ذكر فيه المراكز األولى للعلوم اإلسالمية، وقيام المدارس ونشأتها‬
‫في عرض تاريخي لألدوار التي مرّ ت بها في مبدأ التاريخ اإلسالمي ثم‬
                      ‫ّ‬
‫تناول مجالس وحلقات الدروس في العهد النبوي وعد فيها مجالس وحلقات‬
‫الدروس في مكة والمدينة كما تناول طريقة تدريس النبي والصحابة‬
‫والتابعين كما تكلّم عن كتابة الحديث الشريف والقرآن الكريم كذلك. وهكذا‬
‫ذكر مجالس الفتوى وفقهاء الصحابة والتابعين. هذا كتاب جامع عن‬
‫األنشطة الدراسية في عهد النبي والصحابة والتابعين. يقول فيه الدكتور عبد‬
                                                             ‫العزيز عزت:‬
‫"--- وهو في الحقيقة كتاب ممتع لما اشتمل عليه من موضوعات نجدها‬
                  ‫مفرّ قة بين أمهات الكتب والمراجع في السيرة والتاريخ"1.‬

                   ‫1 مجلة "األزهر"، السنة الثالثة والستون، الجزء الخامس، ص 691‬

                                   ‫161‬
‫جملة اهلند‬

 ‫26. أئمه أربعه: هذه مجموع كتاباته التي ابتدئ نشرها في مجلة "قاعد"‬
 ‫الصادرة عن مراداباد، أنهى الشيخ أطهر هذا الكتاب ثم فوّ ضه إلى مركز‬
 ‫تنظيم أهل سنت ولكن قسمة البالد قد حالت بينه وبين الطبع كما أعطاه فيما‬
 ‫بعد لصاحب مطبعة سلطان، مومبائ ولكن لم يطبع وضاعت النسخة من‬
 ‫عنده ثم سدد القاضي هذا النقص بتأليف كتاب حول الموضوع، صدر من‬ ‫ّ‬
                                    ‫أكادمي شيخ الهند، ديوبند في 5356م.‬
 ‫46. مختصر سوانح أئمه أربعه: لعله نفس الكتاب المذكور أعاله. أحصاه‬
       ‫نور عالم األميني فيما أحصاه من مؤلفات القاضي أطهر المباركفوري2.‬
 ‫16. مسلمان کے هر طبقه ميں علم اور علماء: هذا كتاب فريد ومهم في‬
     ‫ّ‬
 ‫الموضوع، ذكر فيه القاضي أطهر أن العلم ليس بخاص بطبقة خاصة أو‬
 ‫جيل خاص بل هي ثروة يأخذها من له رغبة فيها ونشاط لها. صدر أوالً في‬
 ‫مجلة "البالغ" ثم أضاف إليه بعض المعلومات وأصدره من أكادمي شيخ‬
                             ‫الهند، ديوبند في 3556م. هذا في 322 صفحة.‬
‫رجال السند والهند إلى القرن السابع: هذا هو الكتاب الذي لعب دوراً‬          ‫56.‬
 ‫في نشر صيت القاضي أطهر في البالد العربية. صدرت طبعته‬               ‫مهما ً‬
 ‫األولى في 324 صفحة من المطبعة الحجازية، مومبائ في 3556م. ما‬
 ‫زال القاضي أطهر يزيد فيه حتى صدر الكتاب في مجلدين في 335‬
                               ‫صفحة من دار األنصار، القاهرة في 3156م.‬
 ‫16. الهند في عهد العباسيين: قام القاضي أطهر المباركفوري بتلخيص ما‬
 ‫كتبه في كتابه القيّم "خالفت عباسيه اور هندوستان" باسم "الهند في عهد‬
 ‫العباسيين". صدر الكتاب من دار األنصار، القاهرة في 5156م. هذا‬
                                                    ‫الكتاب في 31 صفحة.‬
 ‫16. جواهر األصول: عنوانه الكامل "جواهر األصول في علم حديث‬
 ‫الرسول". هذا مؤلف أبي الفيض محمد بن محمد بن علي الحنفي الفارسي.‬
 ‫قام القاضي أطهر بتحقيقه فأصدره شرف الدين الكتبي وأوالده، مومبائ في‬
 ‫4156م كما أصدره الدار السلفية، مومبائ وأصدره المكتبة العلمية، المدينة‬
                                                                 ‫المنورة.‬
 ‫تاريخ أسماء الثقات: هذا مؤلف ابن شاهين البغدادي. قام القاضي‬              ‫36.‬
 ‫أطهر المباركفوري بتحقيقه وأصدره شرف الدين الكتبي وأوالده، مومبائ‬
                                       ‫في 1356م. هذا في 542 صفحة.‬

                         ‫1 مجلة "األزهر"، عدد جمادى األولى سنة 2222ه، ص 826‬
             ‫2 جريدة "العالم اإلسالمي"، عدد: 62-21 جمادى األولى، سنة 2222ه، ص 12‬

                                        ‫261‬
‫جملة اهلند‬

‫56. اسالمى نظام زندگى: سمّاه بـ"جيات جميلة" وهي هذه مجموعة‬
‫مقاالته التي كتبها حين قسمة البالد. كانت هذه المقاالت محتوية على منزلة‬
‫المؤمن والعلم اإلسالمي والجمعية اإلسالمية وأصول اإلسالم الخاصة‬
                                                    ‫ّ‬
‫والمبادئ المعدودة. قدم له السيد محمد ميان مدير جمعية علماء الهند. هذا‬
‫الكتاب في 152 صفحة في قطع صغيرة للغاية وصدرت طبعته األولى في‬
          ‫4556م على نفقة الحاج عبد هللا السمكري بن الحاج أحمد المكي.‬
‫علماء إسالم كى خونى داستانيں: هذا تفصيل ما عاناه العلماء‬                ‫42.‬
‫وحركاتهم من المصائب والشدائد والفتن منذ القرن األول الهجري إلى‬
‫عصرنا هذا بجانب ردودهم وأمثلة صبرهم ضد هذه الفتن. أعاد النظر فيه‬
                           ‫الشاعر إحسان دانش. صدر الكتاب في 1156م.‬
‫إفادات حسن بصرى: هذه الرسالة تشتمل على ما أدلى به اإلمام‬                ‫62.‬
‫البصري من اآلراء واألفكار القيّمة. إنها تحتوي على 15 صفحة. كتبها‬
‫القاصي أطهر زمن تدريسه بمدرسة إحياء العلوم، مباركفور. صدرت من‬
                                        ‫دائرة مليه، مباركفور في 1156م.‬
‫مسلمان: هذه الرسالة التي تسمّى بـ"مسمان" تتحدث عن حقيقة‬                 ‫22.‬
‫اإلسالم وهي حلقة من سلسلة اإلصالح التي أرادت جمعية المسلمين،‬
‫جنجيره إقامتها ومواصلتها. صدرت الرسالة في شهر ديسمبر 2556م.‬
                                          ‫وأثنى عليها العلماء والمصلحون.‬
‫الصالحات: هذه مجموعة الوقائع واألحداث الصغيرة التي مرّت بها‬             ‫42.‬
‫الصحابيات رضي هللا عنه. وقّع القاضي اتفاقية طبعه مع محمد عارف‬
‫صاحب ملك دين وأوالده، الهور ولكن لم يطبع الكتاب ألسباب تخفى علينا.‬
                                            ‫ّ‬
‫معارف القرآن: هذا ملخص "جواهر القرآن" الذي عنونه القاضي‬                 ‫12.‬
‫أطهر بـ"معارف القرآن". يحتوي التلخيص على 526 صفحة وصدر في‬
‫1556م. قال عنها األستاذ عبد الماجد الدريابادي: "كلما يخدم المرء كتاب‬
‫هللا العزيز بإخالص نيته يوجب األجر السيما هذا الكتاب الذي ينبئ عن‬
‫إخالص النية وسيسفر عن حسن الثواب. يشير القاضي في غير موضع من‬
 ‫هذا الكتاب إلى الظروف السائدة في البالد وهي مفيدة للغاية ولطيفة جداً"1.‬
                                               ‫ّ‬
‫على وحسين: هذا رد مفعم على كتاب "خالفت معاويه ويزيد" للشيخ‬              ‫52.‬
‫محمود أحمد العباسي األمروهوي الصادر من باكستان في حوالي 5556م.‬
‫صدر الرد أوالً في 54 قسطا ً في صحيفة "انقالب" منذ 1/ نوفمبر 5556م‬
                                                               ‫ّ‬



                                            ‫1 صحيفة صدق، 9/ نوفمبر 8192م‬

                                   ‫361‬
‫جملة اهلند‬

                               ‫ّ‬
‫حتى 16/ ديسمبر 5556م. ثم طبع الرد في صورة كتاب في مارس‬
                                                                ‫4156م.‬
‫قاعده بغدادى سے صحيح بخارى تك: هذه سيرته الذاتية التي قام‬               ‫12.‬
‫بتأليفها باللغة األردوية. إنها تتحدث عن أصله ووالدته ودراسته البدائية‬
‫حتى النهائية. صدرت أوالً من دائره مليه، مباركفور ثم صدرت مرة أخرى‬
                                          ‫عن مكتبة صوت القرآن، ديوبند.‬
‫مآثر ومعارف: هذه مجموعة خمس وعشرين مقالة للقاضي أطهر‬                    ‫12.‬
‫المباركفوري. هذا الكتاب في 256 صفحة وصدرت طبعته األولى من‬
                                        ‫دائره مليه، مباركفور في 1156م.‬
‫آثار وأخبار: هذه مجموعة مقاالت القاضي أطهر المباركفوري في‬               ‫32.‬
‫456 صفحة وصدرت طبعته األولى من ندوة المصنفين، دلهي في‬
                                                                ‫5356م.‬
‫حج کے بعد: موضوع الرسالة واضح من عنوانها وهي موجزة‬                      ‫52.‬
‫للغاية في 41 صفحة. صدرت طبعته األولى من منظمة خدام النبي،‬
                                                      ‫مومبائ في 1556م.‬
‫باسم‬  ‫خواتين إسالم كى علمى ودينى خدمات: هذا الكتاب صدر أوالً‬            ‫44.‬
‫"بنات اسالم كى علمى ودينى خدمات" ثم أضاف إليه القاضي أطهر بعض‬
         ‫المعلومات فأصدره بهذا االسم الجديد من أكادمي شيخ الهند، ديوبند.‬
‫طبقات الحجاج: موضوع الكتاب واضح من عنوانه وهو في 556‬                    ‫64.‬
‫صفحة وصدرت طبعته األولى من منظمة خدام النبي، مومبائ في‬
                                                                ‫3556م.‬
‫تبليغى وتعلميمى سرگرمياں: هذا الكتيب في 54 صفحة. أصدره‬                  ‫24.‬
‫مكتبة الحق، مومبائ في 5356م ثم أصدره أكادمي شيخ الهند، ديوبند في‬
                                                                ‫3356م.‬
‫44. تعليمى سرگرمياں عهد سلف ميں: لعل هذا هو الكتاب المذكور‬
‫أعاله. أشار إليه نور عالم األميني فيما أشار إليه من مؤلفات القاضي أطهر‬
                                                           ‫المباركفوري1.‬
‫إسالمى شادى: هذه أيضا ً رسالة موجزة في 54 صفحة. أصدرها‬                  ‫14.‬
‫مكتبة الحق، مومبائ في 5356م ثم أصدره أكادمي شيخ الهند، ديوبند في‬
                                                                ‫3356م.‬


             ‫1 جريدة "العالم اإلسالمي"، عدد 62-21 جمادى األولى، سنة 2222ه، ص 12‬

                                       ‫461‬
‫جملة اهلند‬

‫بنات إسالم كى علمى اور دينى خدمات: أشرت إليه حين الحديث عن‬                 ‫54.‬
               ‫كتاب القاضي أطهر "خواتين اسالم كى دينى وعلمى خدمات".‬
                                    ‫ّ‬
‫ديوان أحمد: هذا مجموع كالم جده لألم العالمة األديب الشيخ أحمد‬              ‫14.‬
‫حسين الرسولفوري (م 5546ه) قام بجمعه القاضي أطهر المباركفوري‬
‫بالعون من أبي األوفى محمد يحيى األعظمي. ولو أن المجموع ال يحوي‬
‫كافة إبداعات الشاعر بما أنه قد فقد شيئ منه كما لم يتم نسخ العديد منه‬
‫ولعل ذلك أيضا ً مما قد ضاع جزء منه ولكن على كل حال قد أوصل إلينا‬
                                       ‫ّ‬
‫القاضي أطهر ما أمكن له من كالم جده لألم فهو مشكور له. طبع الديوان‬
‫في إبريل 3556م ويحوي حوالي 31 قصيدة ومنظومة صغيرة وكبيرة.‬
‫وبما أن الشاعر من فحول شعراء العربية الهنود فنود أن ننقل طرفا ً من‬
                        ‫ّ‬
                ‫أبياته من مختلف قصائده فهو يقول مثالً يمدح المفتي سعد هللا:‬
      ‫وجد بالنـــار تحمـي الحالقينا‬                                 ‫ْ‬
                                              ‫أعد دور الكؤوس الشـاربينا‬
                                                                ‫َ‬
     ‫نشيد الغرد عند الحالمينــــــا‬               ‫أهنها مكرمات ملهيــــــــات‬
                                  ‫ّ‬
     ‫لجدد عهــــــــــــده بالشابقينا‬             ‫حميّا لو يذقها الشيخ يومــــا ً‬
     ‫مميالت قلوب الزاهــــــــدينا‬                ‫وأذهلت العــــذارى مائالت‬
     ‫وأحلى من كواعب ذات عينا‬                      ‫ومن ريق الخريد الذر شــفا‬
     ‫وما أحلى الحميّا قائلينـــــــــا‬             ‫يهي سكراً سواد جاد نظـراً‬
                                                              ‫ٌ‬
     ‫وشربي يوم عهـــــد النافسينا‬                 ‫فإنك والندى ترب ونفســـي‬
     ‫وطارف الذي ملكت يمينــــا‬                    ‫فبادرني فدى لك من تليــــد‬
     ‫إلى أزكى ثبيت المقبلينـــــــا‬                ‫فإني مشــرف ومناط نهمي‬
      ‫1‬
          ‫ذكياً، كامالً، حذراً، أميــنا‬            ‫حذوقاً، ماهراً، فطناً، فهيما ً‬
                                                             ‫ويقول عن لزوم الموت:‬
   ‫فسمّى أم دهر بالمثـــــــــــــــال‬
                              ‫َّ‬                                 ‫ّ‬
                                            ‫عرى طيف تبدى للخيـــــــــــــال‬
   ‫وليس وراءه شيئ مجـــــــــــال‬           ‫كإظالل على المـــــــــــرآة قامت‬
   ‫سراب القـــــــاع أو رجراج آل‬                ‫ولم ترب النفيــــــــر وكيف يربو‬

                                                                   ‫1 ديوان أحمد، ص 12‬

                                          ‫561‬
‫جملة اهلند‬

    ‫إلى دار يصــــــون عن الزوال‬                 ‫فكل راكب متن المنــــــــــــــــايا‬
    ‫ونخلعه غداً عند الفقــــــــــــال‬           ‫لبسن يوم ثوبا ً مستعــــــــــــــاراً‬
    ‫كما عبروا بأزمــــــــان خوال‬                ‫سيعبر كل حيّ ذاك جســـــــــراً‬
    ‫ولو أفدى بعم أو نجــــــــــــال‬
                        ‫ّ‬                        ‫وأحد لم يحــــــــــــــد منه محيداً‬
    ‫إليها كل ذي خـــــــــول ومال‬                ‫أسافل حفـــــــــرة جوف وبارى‬
    ‫وما زادت على حل العقـــــال‬
                ‫ّ‬                                ‫ظننتم مدة الدنيا كثيـــــــــــــــراً‬
    ‫ويخوي موســــــر ويكبّ عال‬                                  ‫ّ‬
                                                 ‫ويحنح شارق ويكد فـــــــــــرح‬
    ‫جليل القدر، مرتفع المثــــــال‬               ‫فسمّى العابرين أثيـــــــــر وقت‬
    ‫1‬
        ‫وتؤخذ باسمه العالي معــالي‬               ‫كريم العنصرين حرير مجــــــد‬
                                       ‫ّ‬
‫منتخب التفاسير: هذا ملخص التفاسير المتداولة في الهند، بدأ به‬           ‫14.‬
‫القاضي أطهر في 56/ يناير 5156م وأنهاه في الواحد من يونيو 1156م.‬
‫كان عدد صفحاته 455 صفحة. ابتدئ نسخه فوقعت قسمة البالد بينه وبين‬
‫إتمامه حتى لم يتم طبعه وضاعت النسخة األم2. يقول عنه الشيخ نور‬
                                              ‫الحسن راشد الكاندهلوي:‬
‫"ولعل أجل مآثر القاضي أطهر وخدماته ما قام به من تلخيص سبعة تفاسير‬
                                                             ‫ّ‬
                               ‫3‬
                              ‫أردوية مقبولة وسمّاه بـ"منتخب التفاسير" .‬
‫هذا ما كتبه اآلخرون إال أنّ كتاب "إسالمى نظام زندگى" يشير إلى أنه طبع‬
                                      ‫من شركة زمزم المحددة بالهور4.‬
                                                 ‫ّ‬
‫مئے طهور: هذا ديوانه األردوي والفارسي. صدرت طبعته األولى‬               ‫34.‬
         ‫من دائرة مليه، مباركفور، أوترابراديش (الهند) في إبريل 4442م‬
‫سيرت رسول خود حضور كى زبانى: أراد القاضي أن يكتب رسالة‬                 ‫54.‬
‫حول هذا الموضوع ولكنه لم يوفق إتمامه. بعض المعلومات المبعثرة في‬
                              ‫تراثه المتروك موجودة عن هذا الموضوع.‬

                                                                     ‫1 دبوان أحمد، ص 11‬
                                                  ‫2 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 81‬
                                                                  ‫3 المصدر نفسه، ص 162‬
                                                                                         ‫4‬
                                         ‫حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى، ظهر لوح الكتاب‬

                                           ‫661‬
‫جملة اهلند‬

‫اموى خلفاء وأمراء اور تدوين حديث: أراد القاضي أن يؤلف كتابا ً‬            ‫41.‬
  ‫حول هذا الموضوع ولكنه لم يوفق إتمامه. بعض المعلومات المبعثرة في‬
                                 ‫تراثه المتروك موجودة عن هذا الموضوع.‬
  ‫حول "الطبابة عند‬  ‫طب عربى: أراد القاضي أطهر أنْ يكتب كتابا ً‬  ‫ّ‬        ‫61.‬
  ‫العرب" وجمع معلومات ملموس قدرها، استخدمها في كتابة مقالته‬
  ‫باألردوية "عرب وهند كے طبى تعلقات" (العالقات الطبية بين العرب‬
  ‫والهند)، نشرت المقالة في مجموعة المقاالت التي تم نشرها باسم "نذر‬
                                                                  ‫حميد"1.‬
  ‫كتب اور كتب خانے: وكذا جمع معلومات قيّمة عن الكتب والمكتبات‬            ‫21.‬
                                        ‫ولكن لم يجد الفرصة للم هذا الشتت.‬
                                                   ‫ّ‬
  ‫41. خطبات الخلفاء الراشدين ومكاتيبهم وأقوالهم: هذا كتاب بالعربية‬
  ‫2‬
    ‫وجاء ذكره على ظهر لوح كتاب "حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى"‬
                          ‫ولكن لم أجد تفصيله فيما بين مؤلفات القاضي أطهر.‬
  ‫11. رجال الكشي: هذا كتاب بالعربية قام بتأليفه القاضي أطهر‬
  ‫المباركفوري وذكره في فهرس المصادر والمراجع لكتابه "خالفت عباسيه‬
                                   ‫اور هندوستاں"، رقم العدد المسلسل: 51.‬
  ‫51. مكتوبات أئمہ: هذا كتاب جاء ذكره على ظهر لوح كتاب "حيات‬
  ‫جميلة أي إسالمى نظام زندگى"3 ولكن لم أجد تفصيله فيما بين مؤلفات‬
                                                            ‫القاضي أطهر.‬
  ‫11. إسالم ميں قربانى كى حقيقت: هذا كتاب جاء ذكره على ظهر لوح‬
  ‫كتاب "حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى"4 ولكن لم أجد تفصيله فيما‬
                                                ‫بين مؤلفات القاضي أطهر.‬
  ‫11. علم حديث كى مختصر تاريخ: هذا كتاب جاء ذكره على ظهر لوح‬
  ‫كتاب "حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى"5 ولكن لم أجد تفصيله فيما‬
                                                ‫بين مؤلفات القاضي أطهر.‬
  ‫31. حيات إمام أحمد: هذا كتاب جاء ذكره على ظهر لوح كتاب "حيات‬
  ‫جميلة أي إسالمى نظام زندگى"1 ولكن لم أجد تفصيله فيما بين مؤلفات‬
                                                            ‫القاضي أطهر.‬

                                                        ‫1 نذر حميد، ص 962-212‬
                                                                                 ‫2‬
                                 ‫حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى، ظهر لوح الكتاب‬
                                                                    ‫3 المصدر نفسه‬
                                                                    ‫4 المصدر نفسه‬
                                                                    ‫5 المصدر نفسه‬

                                   ‫761‬
‫جملة اهلند‬

  ‫51. دروس النبي: كتاب له بالعربية، ذكره محمد مبين المظاهري2. لم نجد‬
                                                            ‫أي تفصيل عنه.‬
  ‫مقاالته: وال ننسى هنا ما كتبه القاضي أطهر المباركفوري من‬                 ‫45.‬
  ‫وال تحصى، لو جمعت في مجلدات لكانت خير‬         ‫المقاالت القيمة وهي ال تعدّ‬
  ‫زاد للباحثين والطالب على السواء. يقول عن أهميتها الشيخ محمد نعيم‬
                                                        ‫الصديقي، أبو ظبي:‬
  ‫"وبجانب المؤلفات المستقلة فقد قام القاضي أطهر بكتابة مقاالت ال تحصى‬
                                  ‫عن مختلف المواضيع العلمية والدينية"3.‬
  ‫ويقول الحافظ كمال عبد الحفيظ المبعوث في وزارة الشئون اإلسالمية‬
                                                   ‫واألوقاف والدعوة واإلرشاد:‬
‫"--- ولو تجمع هذه المقاالت والبحوث ليصل عدد مؤلفاته إلى خمسين مؤلفا ً‬
                           ‫أخرى أي بمعدل كتاب واحد لكل عام من حياته"4.‬
‫آراء العلماء والباحثين عنه: كما ذكرت أنّ القاضي أطهر المباركفوري من‬
‫الرجال السعداء الذين نالوا قبوالً عاما ً ال في الخارج بل في الوطن كذلك.‬
‫فالعلماء كلهم أثنوا على محاسن أخالقه وجليل خدماته، نذكر فيما يلي آراء‬
                                                            ‫طرف منهم:‬
                                      ‫يقول الشاعر األردوي الكبير إحسان دانش:‬
‫"--- ال يسوغ لي أنْ أحمّلك متاعي فإنك عالم كبير". قال هذا حينما طلب منه‬
                                         ‫القاضي أطهر أنْ يحمل متاعه5.‬
                                              ‫يقول المفتي عتيق الرحمن العثماني:‬
‫"--- وجودك فيما بين أعضاء الجماعة بركة ويزيدها قدراً، فيك قدرٌ كبير من‬
                                                        ‫صفات السلف"6.‬

                                                                   ‫1 المصدر نفسه‬
                      ‫2 مجلة "الحرم"، عدد جمادى األولى-رجب، عام 2222ه، ص 22‬
                                           ‫3 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 216‬
             ‫4 رسالته المخطوطة باسم "موت العالم موت العالم" المؤرخة في 61/1/2222ه‬
                        ‫5 مجلة "ترجمان اإلسالم" عدد أكتوبر-ديسمبر 2992م، ص 29‬
                                           ‫6 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 266‬

                                        ‫861‬
‫جملة اهلند‬

                       ‫ويقول الشاه معين الدين الندوي مخاطبا ً القاضي أطهر:‬
‫"--- إبقاء الذوق العلمي في جوّ موبائ و حياتها وسعيها االقتصادي، ليس إال‬
                                                             ‫نصيبك"1.‬
                    ‫ويقول بهيم سينغ ظفر الملتاني وهو من أصدقاء القاضي:‬
                                                ‫"قاضينا موسوعة متحرّ كة"2.‬
                                         ‫ويقول الدكتور حميد هللا الحيدرابادي:‬
‫"سمعت عن كتابك الرائع ولو أني لم أره ---سيكون هو قيّما ً كمؤلفاتك‬
                              ‫َ‬
                                                          ‫األخرى"3.‬
‫ويقول عبد هللا أحمد الميمني مراسالً إلى ولد القاضي أطهر بعدما سمع نبأ‬
                                                                ‫وفاته:‬
‫"--- لقد كان المرحوم والدكم من كبار العلماء في الهند ومن المؤلفين للكتب‬
‫وقد قضي عمره كله في خدمة الدين تقبل هللا منه هذه األعمال الحسنة وأسكنه‬
‫فسيح جناته وكلنا على هذا الدرب المهم أن يسعدنا هللا بجناته وأن يوفقنا على‬
‫السير على طريقهم طريق الخير واإليمان و خدمة الدين، أسئل هللا العظيم أن‬
                  ‫يلهمكم الصبر وأن يسكنه في فسيح جناته إنه سميع مجيب"4.‬
                                                ‫ويقول البروفيسور تقي أميني:‬
‫"وما تقدمه من خدمات علمية بارزة قاضيا ً حياة مليئة باألشغال تستحق بأن‬
    ‫ّ‬                                                               ‫ّ‬
‫تكرّ مك حكومة الكويت بجعلك مشيراً لقسمها للنشر --- وعندما لقيت مدير‬
‫المتحف العراقي بكتابك "رجال السند والهند" قال: لم أكن أعلم بأنّ الهند تمتلك‬
                                     ‫مثل هذه الشخصيات الكبرى حتى اآلن"5.‬
                                ‫ويقول مدير تحرير مجلة "البعث اإلسالمي":‬

                                                      ‫1 المصدر نفسه، ص 261‬
                                                       ‫2 المصدر نفسه، ص 18‬
                                                ‫3 المصدر نفسه، ص 666-266‬
                                        ‫4 رسالة مخطوطة مصونة لدى ذوي قرباه‬
                                       ‫5 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 266‬

                                   ‫961‬
‫جملة اهلند‬

  ‫"كان الفقيد من أسرة علمية دينية بمديرية أعظم جراه --- وكان التاريخ‬
  ‫اإلسالمي في الهند موضوعه األثير الذي تضلع فيه وألّف كتبا ً عديدة، من بينها‬
‫كتابة الشهير (رجال السند والهند) باللغة العربية الذي نال قبوالً واسعا ً وإعجابا ً‬
  ‫في األوساط العلمية في الهند وخارجها --- لقد وفق إلى وضع مكتبة تاريخية‬
  ‫علمية بأسرها تعتبر زيادة طيبة في المكتبة اإلسالمية العامرة يستحق عليها‬
                                ‫شكر العلماء والمثقفين واألجيال المسلمة القادمة"1.‬
                                                  ‫ويقول نور عالم خليل األميني:‬
‫"كان القاضي أطهر المباركفوري من الكتاب اإلسالميين المكثرين الذين أثروا‬
‫المكتبة اإلسالمية بمؤلفاتهم ذات القيمة والغناء، التابعة من الدراسات المضنية‬
‫حقاً، وكان رحمه هللا مؤرخا ً فذاً بل رائداً في موضوع العالقة القديمة بين‬
‫العرب وشبه القارة الهندية، حيث كانت حصيلة دراساته الواسعة العميقة الدقيقة‬
‫المتصلة المستغرقة للسنوات الطويلة، مؤلفات دسمة ال يمكن أن يستغي عنها‬
‫أي دارس وباحث للموضوع المشار إليه --- واعترف بوجاهته العلمية العجم‬
                           ‫والعرب، وتجاوز صيته الهند إلى العالم اإلسالمي"2.‬
‫ويقول الحافظ كمال عبد الحفيظ المبعوث في وزارة الشئون اإلسالمية‬
                                        ‫واألوقاف والدعوة واإلرشاد:‬
  ‫"وكان المغفور له من الشخصيات اإلسالمية الفذة في شبه القارة الهندية، بل‬
  ‫في البالد العربية والعجمية، وله مؤلفات قيمة، وأعمال دينية، وبحوث تاريخية‬
‫في اللغة األردية والعربية، يصل مجموعها إلى ما يقارب ثالثين مؤلفا ً‬
           ‫باإلضافة إلى المقاالت والبحوث والتعليقات في المجالت والجرائد"3.‬
                                                      ‫ويقول محمد أحمد الندوي:‬




                ‫1 مجلة "البعث اإلسالمي"، عدد جمادى األولى، سنة 2992م، ص 69-99‬
             ‫2 جريدة "العالم اإلسالمي"، عدد 62-21 جمادى األولى، سنة 2222ه، ص 12‬
             ‫3 رسالته المخطوطة باسم "موت العالم موت العالم" المؤرخة في 61/1/2222ه‬

                                        ‫071‬
 ‫جملة اهلند‬

 ‫"--- وقد فقدت األمة اإلسالمية عالما ً عاش طول حياته للعلم واستنشق في‬
 ‫أجوائه الفائحة العطرة، وقضى حياة الجد واالجتهاد وأثرى المكتبة اإلسالمية‬
                                                     ‫بكتب قيمة خالدة"1.‬
                                                      ‫ويقول محمد مبين المظاهري:‬
 ‫"لقد كان الفقيد من عباقرة عصره. هو قام بجهود مشكورة ومآثر علمية‬
 ‫وفكرية حول التاريخ والسير والتراجم والحديث والتفسير ومصطلحات الحديث‬
 ‫وقد طبعت له مؤلفات كثيرة في األردية والعربية التي نالت تقديراً من أهل‬
 ‫العلم واألدب وتمثل الفكر اإلسالمي الواعي المستنير --- وال شك أن وفاته‬
 ‫ليس خسارة لجامعة أو مدرسة وطبقة خاصة بل هي خسارة فادحة عظيمة‬
                                   ‫ومأساة كبيرة أليمة للعلم والدين واألدب"2.‬
 ‫أختم هذه العجالة بما قاله العالمة أبو محفوظ الكريم معصومي حينما زار بلده‬
                                                               ‫مباركفور:‬
 ‫ا" معي أبو البركات، خرّ يت حـــــري‬             ‫أعظم بيوم سرت من "أعظــــــم كر‬
‫حتى انتهيت أمام منزل "أطهــــــــــر"‬            ‫كانت "مباركفـــــــور" غاية مذهبي‬
  ‫ّ‬
‫إذ لم يكن أخبرته بتصـــــــــــــــــدري‬         ‫فوجدته عن داره متنــــــــــــــــــائيا ً‬
‫ما بين كتب خزائن والمحبــــــــــــــــر‬         ‫هو في "سهارنفـــــــور" أو جنباتها‬
‫في سلك منتظم بهيّ المنـــــــــــــــــظر‬        ‫غــــــــــــــرراً يؤلّف درّ ها وعقيقها‬
‫"ظفراً" وقد أتيا بوجــــــــــــــــه مسفر‬       ‫فلقيت "حسّانا ً" وبعــــــــــــد هنيهة‬
‫واستبشرا بي، دون أي تأخــــــــــــــــر‬         ‫فاستوقفـــــــــــــاني دون ما متكلف‬
‫طبعوا على كـــــــــــــرم وطيبة عنصر‬            ‫هلل درّ همـــــــــــــــــــــا ودرّ أبيهما‬
                              ‫ّ‬
‫دث، من توفي قبل عــــــــــــــــدة أشهر‬         ‫ْ‬
                                                 ‫ومضى بنا "ظفر" إلى دار المحــد‬
‫ء، وفاح طيب األصــل من فرع طــري‬                 ‫قابلت نجليه على وجــــــــــه العزا‬


                               ‫1 مجلة "الرائد"، عدد 82 يوليو، سنة 8992م، ص 12‬
                       ‫2 مجلة "الحرم"، عدد جمادى األولى-رجب، عام 2222ه، ص 22‬

                                           ‫171‬
 ‫جملة اهلند‬

‫وافى هنالك واستحث، بمحضــــــــــري‬                      ‫وإذا "أبو الحسن اإلمـام"، برهطـه‬
‫مغني "المحدث"، صوب مغنى "أطهر"‬                           ‫فمضوا إلى غاياتهم، ومضيــت من‬
‫حيث استرحنا من كالل يعتـــــــــــــري‬                   ‫فأتى بنا "ظفر" إلى دهليـــــــــــزه‬
‫ل أطايب ومطايب المتخــــــــــــــــــــيّر‬               ‫ْ‬
                                                         ‫وأتى عقيب "الظهـــــر" غدانا ً بكلـ‬
                                                                   ‫ّ‬
‫آليـــــــــــــــــــــــــــــــة قد ساقها بتمهّر‬      ‫هذا، وأردفني على دراجــــــــــــة‬
‫وتهمّني منها ثالثة أقبـــــــــــــــــــــــــر‬         ‫فخرجت نحو مقابر معهــــــــــودة‬
‫خدم الحديث وعاش غير مقصّــــــــــــر‬                    ‫ذا قبر موالنا "عبيــــــــد هللا"، من‬
‫نشر الحديث بفكره والمزمـــــــــــــــــر‬                ‫متـورّ عــــاً، متواضــعاً، متخشــعا ً‬
                                                               ‫ّ‬
‫من سنة الهادي بحظ أوفـــــــــــــــــــــر‬              ‫"مرعـــــــــاته" دلّت على إحرازه‬
‫ضمنت شـــــــــــــــفاء مزوّ راً وممتري‬                 ‫وهناك قبر الشيخ صاحب "تحفــة"‬
‫عربية وطــــــــــــــــراز شعر البحتري‬                  ‫بـ"رسولفـور" ضريح "أحد" حائز‬
       ‫ّ‬
‫وجمــــــــــــــــــال معروف ورد المنكر‬                 ‫زهداً وعلما ً زاخــــــــــراً وتورعا ً‬
‫حضـــــــــــــــــــرية، وبهاء جودة عبقر‬                ‫بطالقة بدويــــــــــــــــــة وطالوة‬
‫نا دار هذا المضرحي العبــــــــــــــقري‬                 ‫و"العصر" صلّينا بمسجدها، وزر‬
‫عملية أعيت لســــــــــــــــــــــــان معبّر‬            ‫حوت القبــــــــــــور معالما ً علمية‬
‫ع المؤمنين بدينه المتيســــــــــــــــــــــر‬            ‫بحبوحة الفـردوس يدخــلهم وجمـ‬
‫عما به امتازت ساللة "أطهـــــــــــــــر"‬                ‫سـردي لقصتي العجيـــــــبة منبئ‬
‫في منتهى دعة وعيش مزهـــــــــــــــــر‬                  ‫حيــاهمو ربّ الورى بياهمــــــــو‬
‫1‬
    ‫عوداً على بدء إلى "أعظم كـــــــــــر"‬                ‫لم انصرفنا شاكــــــــرين لجمعهم‬




                                                  ‫1 مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية، ص 266-96‬

                                                 ‫271‬
‫جملة اهلند‬

                          ‫المصادر والمراجع‬
‫6. أحمد حسين الرسولفوري: ديوان أحمد (جمع: القاضي أطهر المباركفوري‬
‫بالعون من أبي األوفى محمد يحيى األعظمي)، دائرة مليه، مباركفور،‬
                                     ‫أوترابراديش، الهند، إبريل 3556م‬
‫2. جردية "الرائد" النصف شهرية الصادرة عن دار العلوم ندوة العلماء،‬
                                                     ‫لكناؤ، أوترابرديش‬
‫4. جريدة "العالم اإلسالمي" الصادرة عن رابطة العالم اإلسالمي، مكة‬
                                      ‫المكرمة، المملكة السعودية العربية‬
‫1. جريدة "العالم اإلسالمي" النصف شهرية الصادرة عن رابطة العالم‬
                        ‫اإلسالمي، مكة المكرمة، الملكة العربية السعودية‬
‫5. حبيب الرحمن األعظمي: تذكرة علماء أعظم كره، الجامعة اإلسالمية،‬
                                ‫فاراناسي، أوترابراديش، الهند، 1156م‬
                                    ‫1. صحيفة صدق الصادرة عن باكستان‬
‫1. القاضي أطهر المباركفوري: اسالمى هند كى عظمت رفته، ، ندوة‬
                                            ‫المصنفين ، دلهي، 5156م.‬
‫3. القاضي أطهر المباركفوري: العقد الثمين في فتوح الهند ومن ورد فيها من‬
                     ‫الصحابة والتابعين، الطبعة األولى، مومبائ، 3156م‬
‫5. القاضي أطهر المباركفوري: تدوين سير ومغازي، أكادمية شيخ الهند،‬
                                                                ‫4556م‬
‫46. القاضي أطهر المباركفوري: تذكرة علماء أعظم كره، دائرة ملية،‬
                                ‫مباركفور، أوترابراديش، الهند، 1156م‬
‫القاضي أطهر المباركفوري: حيات جميلة أي إسالمى نظام زندگى، اسم‬          ‫66.‬
                                                ‫المطبع لم يذكر، 5146ه‬
‫26. القاضي أطهر المباركفوري: خالفت بنو أميه اور هندوستان، ندوة‬
                                            ‫المصنفين، دلهي، 5156م‬
‫46. القاضي أطهر المباركفوري: خالفت راشده اور هندوستان، ندوة‬
                                            ‫المصنفين، دلهي، 2156م‬
‫16. القاضي أطهر المباركفوري: خالفت عباسيه اور هندوستان، ندوة‬
                                            ‫المصنفين، دلهي، 2356م‬
‫56. القاضي أطهر المباركفوري: خير القرون كى درسگاهيں اور انكا‬
    ‫نظام تعليم وتربيت، أكادمي شيخ الهند، ديوبند، الطبعة األولى، 5556م‬
‫16. القاضي أطهر المباركفوري: ديار پورب مين علم اور علماء،‬
                               ‫منشورات البالغ، نيو دلهي في 5442م.‬
                                  ‫371‬
‫جملة اهلند‬

‫16. القاضي أطهر المباركفوري: مئے طهور، دائرة مليه، مباركفور،‬
                                      ‫أوترابراديش، الهند، إبريل 4442م‬
‫36. القاضي أطهر المباركفوري: هندوستان ميں عربوں كى حكومتيں،‬
                                          ‫ندوة المصنفين، دلهي، 1156م‬
   ‫56. مجلة "األزهر" الشهرية الصادرة عن إدارة األزهر، القاهرة، مصر‬
‫42. مجلة "البعث اإلسالمي" الشهرية الصادرة عن دار العلوم ندوة‬
                                               ‫العلماء، لكناؤ، أوترابرديش‬
‫62. مجلة "الحرم" الفصلية، الصادرة عن الجامعة اإلسالمية اإلمدادية،‬
                                             ‫مراداباد، أوترابراديش، الهند‬
‫22. مجلة "الداعي" الشهرية الصادرة عن دار العلوم، ديوبند، أوترابراديش‬
‫42. مجلة "ترجمان اإلسالم" الفصلية الصادرة عن الجامعة اإلسالمية،‬
                                           ‫فاراناسي، أوترابراديش، الهند‬
‫12. مجلة "ضياء اإلسالم" الشهرية الصادرة عن مدرسة شيخ اإلسالم،‬
                               ‫شيخو فور، أعظم كره، أوترابراديش، الهند‬




                                  ‫471‬
‫جملة اهلند‬


                          ‫الببـــــر (‪)Tiger‬‬
‫- الشيخ بدر جمال اإلصالحي‬

                  ‫َ ٌ‬
‫تحقيق كلمة النمِر: النمرة: النكتة من أي لون كان جمعها نمر وأنمرٌ : الذي فيه‬
‫نمرة بيضاء وأخرى سوداء، واألنثى نمراء. والنمِر والنِمْ ر وال َنمْ ر، ضرب من‬
‫السباع أخبث من األسد سمّي بذلك لنمر فيه، وذلك ألنه من ألوان مختلفة،‬
                                        ‫َ ٍ‬
‫واألنثى َنمِرة، والجمع: أنمر وأنمار، ونمر ونمْر ونمور ونِمارٌ، وأكثر كالم‬
                                                                 ‫ٌ‬
                                                                ‫العرب: نمْ ر.‬
‫ّ‬
‫وال َنمِر: لونه أثمر، وفيه نمرة محمرّ ة أو نمرة بيضاء وسوداء. ومن لونه اشتق‬
  ‫السحاب النمِر، والنِمر من السحاب: الذي فيه آثار كآثار النمر، واحدتها َنمِرة.‬
                                                                  ‫وقول أبي ذويب:‬
                                        ‫ْ‬
                              ‫أرنيها نمِرة أركها مطِ رة.‬
        ‫ويقال للرجل السيئ الخلق: قد نمِر وتنمّر ونمّر وجهه أي غيّره وعبّسه.‬
‫وقال األصمعي: تنمّر له أي تنكر وتغيّر وأوعده ألن النمر ال تلقاه أبداً إال‬
                                            ‫ّ‬
                                                             ‫متنكراً غضبان.‬
                                                           ‫وقال عمرو بن معديكرب:‬
         ‫د، تنمــروا حلَقا ً وقدا‬
          ‫ّ‬                ‫ّ‬           ‫قوم، إذا لبسوا الحديـ‬
                                                 ‫ّ‬
‫ومعنى تنمّروا، تنكروا لعدوّ هم، وأصله من النمر، ألنه من أنكر السباع‬
                                                             ‫وأخبثها.‬
                                          ‫ّ‬
                                     ‫يقال: لبس فالن لفالن جلد النمر: إذا تنكر له.‬
                                                                         ‫ِ‬
                                    ‫وفي حديث الحديبية: قد لبسوا لك جلود النمور.‬
               ‫هو كناية عن شدة الحقد والغضب تشبيها ً بأخالق النمر وشراسته.‬
                                        ‫والنمِرة: الح َبرة الختالف ألوان خطوطها.‬
                                                               ‫ِ َ‬


                                         ‫571‬
‫جملة اهلند‬

                                       ‫والنمِرة: شملة فيها خطوط بيض وسود.‬
                                                            ‫ّ‬
                                                         ‫والنمِرة: بردة مخططة.‬
‫واألنمر من الخيل: الذي على شبه النمر، وهو أن يكون فيه بقعة بيضاء وبقعة‬
                                               ‫أخرى على أي لون كان.‬
                              ‫وال َنعم النمْر: التي فيها سواد وبياض، جمع أنمر.‬
                                ‫َ‬                                      ‫َ‬
                                                             ‫َ‬                 ‫َ‬
                                                     ‫وكمْ ر منمّر: فيه نقط س ْود.‬
                                              ‫قال ابن األعرابي: النمرة: ال َبلَق1.‬
‫النمِر والنمْر وال َنمْر جمعها أنمر وأنمار ونمْر ونِمار ونِمارة ونمور ونمورة‬
        ‫ّ‬
‫ونمر: ضرب من السباع من عائلة السنور، أصغر من األسد وهو منقط الجلد‬
    ‫2‬                ‫ً‬
   ‫نقطا ً سوداً وبيضا ً. وكنيته أبو األبرد وأبو األسود، وله كنى أخرى غير هاتين .‬
             ‫النمِر: حيوان مفترس أرقط من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم3.‬
‫والنمِر ضرب من السباع فيه شبه من األسد، إال أنه أصغر منه، وهو منقط‬
                          ‫الجلد نقطا ً سوداء وبيضاء وهو أخبث من األسد.‬
‫والنمر ذو قوة وسطوات صادقة ووثبات شديدة وهو أعدى عدوّ للحيوانات، وال‬
‫تروعه سطوة أحد، وهو معجب بنفسه، فإذا شبع نام ثالثة أيام. ومنزلته من‬
‫السباع في الرتبة الثانية من األسد، وهو ضعيف الحزم، شديد الحرص، يقضان‬
‫الحراك، وفي طبعه عداوة األسد، والحرب بينهما سجال، وهو نهوش،‬
                      ‫خطوف، بعيد الوثبة، فربما وثب أربعين ذراعا ً صعوداً.‬
‫قال القزويني: إن جميع أجزائه تفعل فعل السم القاتل، وخاصة مرارته، وهذا‬
                           ‫ّ‬
                                                         ‫هو الصواب.‬
       ‫وقضيبه يطبخ ويشرب من مرقته ينفع من تقطير البول، وأوجاع المثانة.‬



                                                         ‫1 لسان العرب: مادة ن م ر‬
                                                                   ‫2 المنجد: ن م ر‬
                                                           ‫3 المعجم الوسيط: ن م ر‬
                                      ‫671‬
‫جملة اهلند‬

‫وجلده إذا أدمن الجلوس عليه بال حائل صاحب البواسير نفعه. ومن حمل معه‬
‫شيئا ً من جلده يصير مهابا ً عند الناس. ومرارته حينما يكتحل بها تزيد في‬
‫ضوء البصر، وتمنع نزول الماء في العين، وهي سم قاتل، إن سقى منها أحد‬
                      ‫ّ‬
‫دانقا ً ال يتخلص منها إال أن يشاء هللا تعالى. هكذا حكاه أرسطاطاليس، في كتاب‬
                                                          ‫طبائع الحيوان1.‬
‫والنمر ال يوجد إال في آسيا، ويتميز بالسهولة بلونه األصفر الباهر وبنمره‬
‫الصفراء والسوداء، وعدم وجود اإليال، وهو كفؤ لألسد في البسالة والقوة وإن‬
‫كان أصغر منه شيئا ً وله أنواع عديدة، ويسكن في الغابات الكثيفة على عكس‬
                       ‫األسد فإن األسد يسكن في السهول الجبلية والهضبات2.‬
‫إن العرب لم يكونوا يعرفون قبل اإلسالم حيوانا ً "أنمر" سوى النمر المرقط،‬
‫وهو كان يوجد في جميع أنحاء الجزيرة العربية وبالد الشام وفي عهد الخالفة‬
‫العباسية. دوّ ن العلماء الفرس اسم الحيوانات باللغة الفارسية المحلية وكذلك فعل‬
                                                             ‫العلماء العرب.‬
                                ‫ّ‬
‫وكان يوجد في الفارسية "للنمر المخطط" كلمة "ببر" فاختار العرب للنمر‬
‫المخطط كلمة "ببْر" و" َب َبر" وجمعه "ببور" وهو نوع من السباع الهندية،‬
                                                       ‫َ‬
                            ‫3‬             ‫ّ‬
                           ‫أبيض البطن والجانبين، مخطط بخطوط سود .‬
‫الببر واحد من الببور، وهو الفرانق الذي يعادي األسد وغيره. الببر ضرب من‬
                                               ‫السباع، أعجمي معرب4.‬
‫ورد هذا االسم في أمهات الكتب العربية مثل "كتاب الحيوان" للجاحظ وكتاب‬
 ‫"حياة الحيوان" للدميري وبه أخذ أمين المعلوف في معجمه "معجم الحيوان".‬
                                                                    ‫توضيحات:‬
‫النمر: أحد أجناس فصيلة السنوريات، ينتمي تحت هذا الجنس الكثير من‬
                                                       ‫األنواع.‬

                                                  ‫1 حياة الحيوان الكبرى، 1/النمر‬
                                               ‫2 جامع أردو إنسائكلوبيديا، 8/النمر‬
                                                                  ‫3 المنجد: ن م ر‬
                                                            ‫4 لسان العرب/ ن م ر‬
                                    ‫771‬
‫جملة اهلند‬

‫النمر األرقط: الذي يعرف عادة خطأ على أنه الفهد، اسمه العربي الفصيح‬
                                                             ‫نمر.‬
                        ‫اليغور أو الجغور: الذي يسمّى أيضا ً النمر األمريكي.‬
‫جنس النمور: أحد أجناس فصيلة السنوريات الذي ينتمي إليه كل من األسد،‬
                                                ‫الببر، والنمر، اليغور.‬
‫الفهد: ال ينتمي لجنس النمور، لكنه يعرف باسم "النمر الصياد" يسمّيه عامة‬
                                            ‫العرب اليوم "الفهد الصيّاد".‬
‫الببر أكبر أعضاء فصيلة السنوريات واألفراد المنتمية لجنس النمر وفي شبه‬
‫القارة الهندية يوجد أكثر من الثمانين في المائة من الببور البرية في العالم،‬
‫وتحبّ الببور أن تقطن في الغابات الكثيفة والميادين العشبية وتتشوق إلى‬
‫الغسل والنزول في الماء مستمراً في أيام الصيف على العكس لليغاور فإنها‬
‫ليس بسباحة قوية بل تحبّ االستحمام فقط، ألنها تشاهد في األنهار‬
‫والمستنقعات حينا ً آلخر. تخرج الببور فرادى الصطياد حيوانات آكالت العشب‬
‫واإلنسان يعتبر خطراً أساسيا ً عليها يقنصها قنصا ً غير شرعي من أن يحصل‬
‫على فرائها وعظامها وأعضائها لالستعمال في الطب التقليدي ويدمّر مساكنها‬
‫للزراعة والعمارة. فقد تراجعت أعداد الببور بشكل كبير في البرية، فقبل قرن‬
‫كان يوجد في غابات الهند وغيرها حوالي مائة ألف ببر، واآلن فقد انخفض‬
‫عددها إلى حوالي خمسة آالف فقط. وصارت الببر في الئحة الحيوانات‬
                                                                     ‫ّ‬
                                                       ‫المهددة باالنقراض.‬
‫يستوطن الببر في الهند وبورما وإندونيسيا والصين وهو أكبر مفترس في‬
‫العالم، وإن الببر وزنه يكون ثالث مائة كلغ وتماثل أضخم سالالت الببر في‬
                                     ‫الحجم بعض السنوريات المنقرضة.‬
‫والببور تنتشر من سائبريا إلى األراضي العشبية المفتوحة ومستنقعات القرم‬
                                                          ‫االستوائية.‬
‫والببر يعيش منفرداً في العادة ويحتاج إلى أراض واسعة لتأمين حاجتها من‬
                           ‫ٍ‬
                                                       ‫ّ‬
        ‫الطرائد، وقد أدى ذلك إلى حصول نزاعات عديدة بينها وبين السكان.‬

                                   ‫871‬
‫جملة اهلند‬

                                ‫ّ‬
‫وللببر ستة سالالت باقية ولكنها مهددة باالنقراض وسبب انقراضها تدمير‬
                                                           ‫مسكنها.‬
                                         ‫ّ‬
‫وكان الموطن األصلي للببر يمتد من بالد ما بين النهرين والقوقاز عبر معظم‬
                  ‫آسيا الجنوبية والشرقية إال أنه تقلص اآلن بشكل كبير جداً.‬
‫وإن جميع السالالت الباقية اليوم تحظى بالحماية إال أن القنص الالشرعي‬
                                             ‫ّ‬
                          ‫وتدمير مساكنها ال يزال يهدد الجمهرات الباقية.‬
‫وإن الببور ظهرت في كثير من الميثولوجيات في قديم الزمان وال تزال تظهر‬
‫في الروايات األدبية وفي اإلعالم الكثير من الدول اآلسيوية، وكذلك تعتبر‬
                        ‫رمزاً وطنيا ً لبعض الدول والحيوان القومي لبعضها.‬
‫الببر أضخم السنوريات حجما ً وأثقلها وزناً، يزن أكبر الببور الذكر 424 كلغ‬
                                       ‫بينما تزن األنثى الكبرى 436 كلغ.‬
‫والببر السيبري يعد أكبر الببور حجماً، والببر السمطري يكون أصغرها حجماً،‬
                                                     ‫ّ‬
                       ‫وتكون إناث الببر أصغر حجما ً من الذكور دائما ً.‬
‫يتراوح لون فراء الببور من المحمر الصدئ إلى البني الصدئ كما ً وتمتلك‬
‫مساحات بيضاء على وجنتها باإلضافة لقسم سفلي أبيض بالكامل، وتختلف‬
‫ألوان خطوطها من البني الفاتح إلى الداكن أو األسود الصافي، كما أنها قد‬
‫تختفي أحيانا ً عند الببور البيضاء، التي ال تعتبر ساللة منفصلة بل مجرد ببور‬
                                                     ‫بنغالية بلون مختلف.‬
‫تختلف كثافة الخطوط وشكلها بين السالالت المختلفة، ولكن يظهر أن معظم‬
                                        ‫الببور تمتلك أكثر من مائة خط.‬
‫تختلف أنماط الخطوط بين كل فرد، وبالتالي يمكن تعريف األفراد حسب نمط‬
‫خطوطها، كما تستعمل البصمات لدى اإلنسان، ولكن يصعب تسجيل النمط‬
                                                 ‫الخطي للببر البري.‬
‫وظيفة خطوط الببر للتجميل وللتمويه أيضاً، حيث تعمل على تخبئة الببر عن‬
        ‫أعين الطرائد، وال تظهر الخدود على الفراء فقط بل على الجلد أيضا ً.‬


                                   ‫971‬
‫جملة اهلند‬

‫تظهر لدى بعض الببور طفرة معروفة جداً تؤدي إلى والدتها بلون أبيض،‬
                                 ‫وتعرف هذه الطفرة باسم الفراء األبيض.‬
‫والببر األبيض حيوان نادر في البرية لكنه يستولد بشكل واسع في حدائق‬
                                        ‫الحيوان بسبب شعبيته الكبيرة.‬
‫ويعتقدون خطأ أن الببر األبيض يكون أمهق، على الرغم من أن صياغ اللون‬
‫األبيض يظهر جليا ً في خطوط هذه الحيوانات البيضاء، وتكون عيونها زرقاء‬
                                               ‫وأنوفها وردية اللون1.‬
      ‫تختلف ألوان الببور فبعضها يكون عتابيا ً ذهبياً، وبعضها أردوازي اللون.‬
‫تخرج الببور لالصطياد أثناء الليل غالباً، كما تفعل بقية السنوريات، حيث تقوم‬
     ‫بفضل حجمها الضخم وقوتها الخارقة إلسقاط فريستها على سطح األرض.‬
                                          ‫ّ‬
‫ثم تعض مؤخرة العنق وتحطم العمود الفقري للطريدة أو تثقب قصبتها‬
‫الهوائية، أو تقطع الشرائين الحيوية والببور تصطاد في الماء أيضا ً. وفي بعض‬
‫الحاالت تهاجم على صيادي األسماك على قاربهم أو تنزع منهم الصيد. وفي‬
‫بعض الحاالت االضطرارية تصطاد الببور اإلنسان أيضاً، فالببور اآلكلة‬
‫األنسان تكون في الغالب جريحة أو مريضة أو طاغية في السن. إن الببور‬
‫تخاف من اإلنسان وتعتبره خطراً عليها. وفي "سندر بن" (غابة سندر) يرتفع‬
                                               ‫عدد الببور اآلكلة اإلنسان.‬
‫والببور تقدر على القفز العالي فهو تستطيع أن تقفز إلى ارتفاع خمس أمتار‬
‫وإلى بعد 46/ أمتار. والببور تقوم بقتل مواش تزن 45 كيلوغراما ً والقفز بها‬
                              ‫ٍ‬
                                               ‫من فوق سياج علوه متران.‬
‫الببور من الحيوانات التي تعيش منفردة وهي أيضا ً إقليمية تدافع عن حوزها‬
‫بشراسة وال تتحمل الذكور وجود ذكور أخرى في منطقتها بسبب طبيعتها‬
   ‫العنيفة، وفي أكثر األحيان تنتهي هذه النزاعات اإلقليمية بمقتل أحد الذكرين.‬



                                               ‫1 ‪ ،Animal Habitats‬ص 122‬

                                    ‫081‬
‫جملة اهلند‬

‫ترش الذكور بولها على األشجار ليعلم حدود منطقتها كما يترك إفرازات من‬
‫غدة شرجية باإلضافة إلى تعليم الطرقات بالبراز تظهر الذكور تعبيراً تميّز‬
‫شكل وجهها وقت شمها رائحة بول اإلناث لتحديد مدى جاهزيتها للتزاوج.‬
‫تتناسل الببور طيلة أيام السنة. وتتقبل األنثى التزاوج بضعة أيام وفي هذه‬
‫الفترة يحصل الجماع بالتواتر واالستمرار. وتكون مدة الحمل ثالثة أشهر‬
‫والنصف وتلد بعد ذلك ثالثة أو أربعة جراء، وتربيها األنثى وحدها، وعندما‬
‫تبلغ الجراء إلى عامها الثالث يتم النضوح الجنسي. وتسمح ذكور الببور لإلناث‬
               ‫والجراء باألكل أوالً عن الطريدة على العكس من ذكور األسود.‬
‫وتقتات الببور على األيائل والخنازير والجواميس وصغار الكركدن والفيلة وقد‬
‫تفترس النمور والدته. وتعتبر الببور المفترسات الرئيسية عبر موطنها بأكمله‬
                            ‫حيث ال ينافسها على الطرائد أي مفترس آخر.‬
‫وعثر على أقدم المستحثات لسنور يشابه الببر في الصين، وقد عاش هذا النمر‬
 ‫البائد منذ حوالي مليوني سنة في بداية العصر الحديث األقرب (البليستوسين).‬
        ‫جاءت الببور إلى الهند وشمالي آسيا في أواخر العصر الحديث األقرب.‬
‫كان موطن الببور: أرسيا، وسائبريا، وإيران، وأفغانستان، والهند، والصين،‬
                                    ‫والعراق، وتركيا، وجنوب شرق آسيا.‬
‫وتقول العلماء إن ببر جنوب الصين كان الساللة األولى التي تحدرت منها‬
‫البقية، ويصنفون السالالت الحية اليوم حسب الترتيب التنازلي بالنسبة ألعدادها‬
                                                               ‫في البرية1.‬
‫6. الساللة الببرية (الببر البنغالي الملكي): توجد في كثير من أجزاء الهند‬
                                    ‫وبنغالديش والنيبال وبوتان وبورما.‬
‫إنها أكثر السالالت شيوعا ً ولكنها تتعرض لضغوط شديدة بسبب تدمير‬
‫المسكن والصيد. وفي سنة 2156م أطلقت الهند مشروعا ً ضخما ً للحفاظ‬
  ‫على الببور، يسمّى "مشروع الببور" وقد نجح المشروع في رفع أعدادها.‬



                                                             ‫1 المصدر نفسه‬
                                   ‫181‬
‫جملة اهلند‬

‫2. ساللة كوربت (الببر اإلندونيسي أو ببر كوربيت): توجد هذه الساللة في‬
‫كامبوديا والصين، والوس وميانمار وتايالند وفيتنام. وهذه الساللة أصغرها‬
                                         ‫حجما ً وأقتم لونا ً من الببور البنغالية.‬
‫4. الساللة الماالوية (الببر الماالوي): تتواجد هذه الساللة بشكل حصري في‬
                        ‫الجزء الماليزي الجنوبي من شبه الجزيرة الماالوية.‬
‫1. الساللة السومطرية (الببر السومطري): تعيش على جزيرة سومطرة‬
                                                              ‫اإلندونيسية فقط.‬
‫5. الساللة اإللطايية (الببر السيبري أو الببر الشمالي أو الببر المنشوري أو ببر‬
             ‫شمال الصين): تتواجد في سيبريا فقط، حيث تعتبر محمية اآلن.‬
‫تعتبر هذه الساللة أكبر السالالت السنورية الحية جميعها. وتتميز هذه‬
         ‫الساللة بفرائها الكثيف وبلونها الذهبي الباهت وبعدد خطوطه القليل.‬
‫1. ساللة جنوب الصين (ببر جنوب الصين): إن هذه الساللة تعتبر الساللة‬
                                               ‫ّ‬
‫األولى من الببور والتي تحدرت منها باقي السالالت وإنها من أصغر‬
                                                            ‫ّ‬
                                           ‫السالالت، وقد هددت باالنقراض.‬
‫األسد والببر يتزاوجان فيما بينهما وينتجان ما يسمّى باألسد الببري أو الببر‬
      ‫األسدي، كما تتزاوج أنواع السنوريات الكبيرة األخرى فيما بينها وينتجن.‬
‫أدى القنص الالشرعي وتدمير المساكن إلى تراجع أعداد الببور بشكل كبير في‬             ‫ّ‬
    ‫البرية. ولكن اآلن تبذل الجهود في جميع العالم إلنقاذ الببور والحفاظ عليها.‬
‫يعتبر الببر ملك الوحوش بدالً من األسد في حضارات آسيا الشرقية، حيث‬
                                             ‫يرمز إلى الملكية والشجاعة والقوة.‬
‫إن الناس يفضلون الببر على جميع الحيوانات ويعرفون مدى أهميتها ويقومون‬
                                    ‫بما يقدرون عليه لتأمين بقائها واستمرارها1.‬




       ‫1 للمزيد راجع: ‪Riding the Tiger Conservation in Human Dominated‬‬
                                                        ‫‪Landscapes‬‬

                                       ‫281‬
‫جملة اهلند‬

                         ‫ثبت المصادر والمراجع‬

    ‫ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، سنة الطبع لم تذكر‬         ‫6.‬
      ‫عدد من المؤلفين: المنجد، دار المشرق، بيروت، لبنان، 4156م‬        ‫2.‬
         ‫المعجم الوسيط، المكتبة الحسينية، ديوبند، سنة الطبع لم تذكر‬   ‫4.‬
   ‫جامع أردو إنسائكلوبيديا، قومي كونسل برائ فروغ أردو زبان، آر‬        ‫1.‬
                        ‫كے بورم، دلهي الجديدة، سنة الطبع لم تذكر‬
   ‫أي. وتسفك وي. ب. منسنج: المعجم المفهرس أللفاظ الحديث‬               ‫5.‬
                                 ‫النبوي، مطبع بريل، لندن، 2156م‬
   ‫كمال الدين محمد بن موسى الدميري: حياة الحيوان الكبرى، مكتبة‬        ‫1.‬
                                             ‫دار الباز، مكة المكرمة‬
  ‫توني هاري: ‪ ،Animal Habitats‬اسم المطبع لم يذكر، 6442م‬               ‫1.‬
‫جون، سيدينستيكار: ‪Riding the Tiger Conservation in‬‬                    ‫3.‬
‫‪ ،Human Dominated Landscapes‬مطبعة جامعة‬
                                        ‫كيمبريج، سنة الطبع لم تذكر‬




                                   ‫381‬
‫جملة اهلند‬

                                                        ‫قراءة في كتاب:-‬

    ‫أحمد بن يحيى البالذري وروايات السيرة‬
                 ‫في كتابه "فتوح البلدان"‬
                    ‫(دراسة تحليلية نقدية1)‬
‫- كليم صفات اإلصالحي‬
‫"فتوح البلدان" كتاب موثوق به قيّم شهير في التاريخ اإلسالمي لمؤرخ القرن‬
‫الثالث الشهير العالمة البالذري. وهو تلميذ صاحب السيرة الشهير محمد بن‬
‫سعد كاتب الواقدي وأستاذ مصنف كتاب الفهرست ابن النديم. ومما يدل على‬
     ‫ّ‬
‫شغفه بالسيرة كتابه "كتاب أنساب األشراف". ولكن في هذه المقالة أردنا دراسة‬
‫تلحليلية نقدية لما يوجد في "فتوح البلدان" من المعلومات والوقائع التي تتعلق‬
                                  ‫ّ‬
‫بالسيرة. ولكن، قبل ذلك، يناسبنا أنْ نقدم حياة البالذري وأحوالها المختلفة‬
                                                        ‫بشيئ من اإليجاز.‬
                                                      ‫اسمه ووالدته ونشأته:‬
 ‫هو أبو جعفر أحمد بن يحيى بن جابر، البالذري نسبة، وأبو الحسن كنية2،‬
‫كتب صاحب معجم األدباء: أن أحمد بن يحيى بن جابر كان عالما ً وفاضالً‬
 ‫وشاعراً وماهراً حذراً باألنساب3 ، ووفقا ً لتحقيق خيرالدين الزركلي: كان‬
 ‫البالذري مؤرخا ً كبيراً وماهراً بالجغرافيا4، وال يوجد في هذه الكتب الموثوق‬
 ‫بها شيء يشير إلى سنة والدته ومولده. نعم، طبقا ً لتحقيق إيم.ج.دي.خويه، فقد‬
                                    ‫نشأ البالذري وترعرع في بغداد فهو يقول:‬

‫1 نشرت هذه الدراسة في مجلة "معارف" الشهرية الصادرة عن دار المصنفين أكادمية‬
                                                 ‫شبلي، 411/8 (يونيو، 1112م)‬
                       ‫2 كتاب الفهرست البن النديم، مطبعة رحمانية، مصر، ص ١٦٤‬
                             ‫3 معجم األدباء، مطبعة هندية بالموسكي، مصر، ٢/١٢٤‬
                        ‫4 اإلعالم للزركلي، مطبعة عربية، مصر، ١٢٢٤م، ٤/٨١-٦١‬

                                    ‫481‬
‫جملة اهلند‬

‫"ولو أن أحوال حياة المؤلف البالذري مبعثرة في أماكن مختلفة من كتب‬
‫التراجم، ولكني لم أجد إال نبذة من المقتبسات في البعض منها، وذلك ألن‬
                                        ‫معظمها يندر وجودها اآلن"1.‬
                                                                  ‫وهو يمضي قائالً:‬
‫"نشب الخالف بين أصحاب التراجم بالنسبة السمه، فيقول البعض: اسمه أحمد،‬
‫ويقول اآلخر شيئا ً آخر. ولكن يتفق الجميع على أنه ولد في أواخر القرن الثاني‬
                    ‫الهجري، ونشأ وتربّى في بغداد، وتلمذ ألفضل علمائها"2.‬
                                                         ‫ّ‬
‫وكتب بعض كتاب "أردو دائره معارف إسالميه" وهو ينسب القول إلى كتاب‬
‫الوزراء للجهشياري: أن البالذري يمكن أنْ ولد في غرة العشرة الثانية من‬
‫القرن التاسع للميالد... وبما أنه كان قد ترجم كتاب "عهد أردشير" من‬
      ‫الفارسية إلى العربية، فقد افترض بدون أي دليل أنه كان فارسيّ النسل3.‬
                                  ‫وكتب الدكتور الشيخ عنايت هللا في هذا الصدد:‬
‫"أحمد بن يحيى البالذري (م ٢٧٩ه) مؤرخ شهير في القرن الثالث، نشأ‬
‫وترعرع في بغداد، ودرس على العلماء الكبار مثل ابن سعد والمدائني‬
                                                      ‫وغيرهم"4.‬
                                                                      ‫وجه تسميته:‬
‫يبدو أن تصريحات أصحاب التذاكر متفقة اللفظ حول وجه تسمية البالذري،‬
‫فقد كتب ابن النديم والمرزباني وغيرهما: أنه أكل حبوب (بالذر) - اسم ثمرة-‬
‫فأصيب بالجنون والفتور الذهني. وننقل فيما يلي ما قام به دي.خويه من‬
                                                                ‫التحقيق:‬



     ‫1 فتوح البلدان (ترجمة أردوية)، دار الطبع للجامعة العثمانية، حيدرآباد، دكن، ٢٩٢٤م،‬
                                                                                  ‫٤/٢‬
                                                                      ‫2 المصدر نفسه‬
    ‫3 أردو دائره معارف إسالميه، طبعة أولى، دانش غاه بنجاب، الهور، ٢٦٢٤م، ١/٩٢١‬
   ‫4 مجلة "نقوش" الصادرة عن إداره فروغ أردو، الهور (العدد الخاص عن النبي صلّى هللا‬
                                       ‫عليه وسلّم)، ٤/١٩٤، ديسمبر ٢١٢٤م، ص ٨٤١‬

                                        ‫581‬
‫جملة اهلند‬

‫أكل البالذري بعض حبوب (بالذر) فأصيب بوطآت الجنون، وتوفي بسببه،‬
‫فحلّت بمعاصريه مأساة شديدة، فسمّوه على اسم تلك الثمرة التي مات بسبب‬
‫أكل حبوبها يعني البالذري، وكان الغرض منه أنه مات بسبب أكل البالذر1.‬
‫ويترشح من هذا البيان أن أحمد بن يحيى اشتهر باسم البالذري بعد وفاته، وأما‬
                          ‫في حياته فكان يسمّى بـ"أبي جعفر أحمد بن يحيى".‬
                                                                      ‫أساتذته:‬
‫كتب صاحب معجم األدباء، وهو ينسب القول إلى تاريخ ابن عساكر: أن‬
‫البالذري تلمذ لهشام بن عمار وأبي حفص عمر بن سعيد في دمشق، ومحمد‬
‫بن مصفى في حمص، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم وأحمد بن مرو‬
‫اإلنطاطي في إنطاكية، وعفان بن مسلم وعبد األعلى بن حماد وعلي بن‬
‫المديني وعبد هللا بن صالح العجلي ومصعب الزبيري وأبي عبيد القاسم بن‬
‫سالم وعثمان بن أبي شيبة وأبي الحسن علي بن محمد المدائني ومحمد بن سعد‬
‫كاتب الواقدي في العراق، درس عليهم وأخذ الحديث عنهم2. ومن هذا العدد‬
‫العديد من األساتذة يمكن تقدير الجهد الجهيد الذي بذله البالذري في طلب‬
                                                ‫العلوم والحصول عليها.‬
                                                                       ‫تالمذته:‬
  ‫بعدما استفاد البالذري من مشاهير علماء عصره لم يحصر تلك األمانة العلمية‬
‫في طياته، بل مارس واجباتها في نقلها إلى اآلخرين درسا ً وتدريسا ً، وتصنيفا ً‬
  ‫وتأليفا ً. فلذلك يظهر من ترجمته أن ابن النديم صاحب كتاب الفهرست وجعفر‬
  ‫بن قدامة صاحب كتاب الخراج، وهما من العلماء والفضالء الكبار، من بين‬
                              ‫ّ‬
  ‫تالمذته الذين يكثر عددهم. وكتب دي.خويه، محقق فتوح البلدان، وهو ينسب‬
  ‫القول إلى معجم األدباء لياقوت وتاريخ دمشق البن عساكر وكتاب الميدان‬
  ‫للذهبي أن محمد بن النديم وأحمد بن عمار وجعفر بن قدامة ويعقوب بن نعيم‬




                                          ‫1 فتوح البلدان (الترجمة األردوية)، ٤/٩‬
                                                         ‫2 معجم األدباء، ٢/١٢٤‬

                                   ‫681‬
‫جملة اهلند‬

‫وعبد هللا بن أبي سعد الوراق ومحمد بن خلف ووكيع القاضي وغيرهم تلمذوا‬
                                                    ‫للبالذري ذاته1.‬
                                                     ‫سفره لتحقيق الروايات:‬
‫ال يقدر من فهرست أساتذة البالذري في األسطر المذكورة أعاله أنه كان‬ ‫ّ‬
‫يرغب رغبة شديدة في الحصول على العلم والمعرفة فقط بل كان يتمتع بالملكة‬
‫التي يتحمل بها وعثاء السفر في مجال تحقيق الروايات واكتساب العلم، يقول‬
                                                         ‫إيم.ج.دي.خويه:‬
‫"يظهر من معظم رواياته أنه لم يبال أي جهد في البحث والتحقيق عنها سنداً‬
 ‫ومتناً، صحة وضعفاً، وإنه لم يكتف بالسماع عن علماء بغداد الكبار فقط، بل‬
            ‫تحمّل مشاق السفر لغرض تحقيقها، وسافر لذلك في البحار أيضا ً".‬
                                                              ‫ّ‬
                                        ‫ثم ينقل قول تلميذ البالذري ابن النديم:‬
‫"طوّ ف (البالذري) في جميع مدائن شمال الشام، ثم قصد منها إلى مدن ما بين‬
‫النهرين يعني الجزيرة، وساح تكريت، وكان الغرض منه أن يجمع ما عندهم‬
     ‫من الروايات ثم يقارن ما عنده من الروايات التي أخذها عن علماء بغداد2.‬
                                                     ‫عالقته مع بالط الخالفة:‬
‫وقد أسلفنا القول في تحقيق أحوال البالذري، بأنه كان جليسا ً وخليالً للخليفة‬
‫العباسي المتوكل كما نال حظوة عند الخليفة المستعين باهلل. وازداد قدره‬
‫ومنزلته أيضا ً في زمن الخليفة المعتز، فقرّ ره الخليفة معلما ً البنه أبي العباس‬
‫عبد هللا. وهكذا كانت له مكانة مرموقة في بالط الخلفاء العباسيين الثالثة‬
                                                                   ‫المشهورين3.‬
                                                                       ‫وفاته:‬
                                       ‫ّ‬
‫يوجد في جميع التذاكر أنه توفي بسبب أكل حبوب ثمرة بالذر في آخر عمره؛‬
‫عندما أكل فسد حاله وساء، فأدخل في المستشفى، ولكنه لم تحسن صحته،‬

                                        ‫1 فتوح البلدان (الترجمة األردوية)، ص ١‬
                                                              ‫2 المصدر نفسه‬
                      ‫3 المصدر السابق، ص ٢. وأردو دائره معارف إسالميه، ١/١٢١‬

                                     ‫781‬
‫جملة اهلند‬

‫وتوفي بسبب ذلك المرض في عهد الخليفة المعتمد (٢٧٩هـ)1، وأتي بجنازته‬
                                          ‫إلى سرّ من رأى حيث تم دفنه2.‬
                                                 ‫ّ‬
                                                                         ‫مؤلفاته:‬
                                                                 ‫ّ‬
‫كتب بعض كتاب التراجم أن البالذري اشتغل في تدوين وتحقيق تاريخ البالد‬
                                               ‫4‬
‫اإلسالمية3 منذ نعومة أظفاره . وذكر تلميذه ابن النديم من كتبه الشهيرة كتاب‬
‫البلدان الصغير، وكتاب البلدان الكبير الذي لم يوفق تكميله، وكتاب األخبار‬
‫واألنساب، وكتاب عهد أردشير الذي ترجمه من الفارسية إلى العربية5. ونقل‬
‫دي.خويه قول الحاجي الخليفة بصدد كتاب البلدان الكبير أن البالذري جمع‬
                                                        ‫ّ‬
‫الكثرة الكاثرة من المواد للكتاب الكبير (كتاب البلدان الكبير) قبل وفاته، وكان‬
              ‫من الممكن أن يرتب بها كتابا ً عظيما ً يشتمل على أربعين مجلداً6.‬
                                                             ‫ّ‬
                                                                          ‫أسلوبه:‬
‫البالذري له اختصاص في مجال التاريخ والجغرافيا وعلم األنساب. وينعكس‬
‫عما جمعه من الروايات أنه كان يتعمّق في هذه العلوم كلها. لم يكتب البالذري‬
‫مقدمة أو تمهيداً لفتوح البلدان يقدر منه أصول سلكها في تدوينه وترتيبه، ولعله‬
‫لم يكن ذلك رائجا ً آنذاك، ولكن توجد هناك تلميحات إلى بعض أصوله النقدية‬
              ‫ٌ‬
‫بعد استيعاب مطالعة الكتاب، ويمكن بواسطتها أن يخمّن أحد مقدرته على‬
‫التفريق والتمييز في نظريته النقدية والرطب واليابس، مثالً كتب في الجملة‬
                   ‫ّ‬
‫األولى من كتابه: إنه أعطى أهمية خاصة لإليجاز، وقدم بيانات المحدثين‬
        ‫7‬
‫وعلماء السير باالختصار، وغيّر الترتيب بعد تصحيح السياق والسباق .: "قال‬
‫أحمد بن يحيى بن جابر أخبرني جماعة من أهل العلم بالحديث وفتوح البلدان‬
‫سقت حديثهم واختصرته ورددت من بعضه على بعض"، وعلى سبيل المثال‬
                  ‫1 كتاب الفهرست، ص ١٦٤، ومعجم األدباء، ٢/١٢٤، واإلعالم، ٤/٦١‬
   ‫2 أنساب األشراف (مقدمة المحقّق)، دار المعارف، مصر، تحقيق: الدكتور محمد حميدهللا‬
                                                                      ‫بيرس، ص ١‬
                                             ‫3 فتوح البلدان (الترجمة األردوية)، ص ٤‬
                                                                 ‫ّ‬
                                                        ‫4 يعني منذ بداية سن الشعور‬
                                                         ‫5 كتاب الفهرست، ص ١٦٤‬
                             ‫6 فتوح البلدان (الترجمة األردوية)، ص ٩، واإلعالم، ٤/٦١‬
                                  ‫7 فتوح البلدان (بالعربية)، بريل ليدن، ٦٦١٤م، ص ٢‬

                                       ‫881‬
‫جملة اهلند‬

   ‫في سيرة ابن سعد وغيرها من الكتب تفاصيل كثيرة عن وصول النبي صلى‬
   ‫هللا عليه وسلم إلى قبا؛ غادر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم مكة فبأي منطقة‬
   ‫ومكان مرّ ، ثم ذكر في كتابه معلومات جزئية عن جميع تلك األماكن والوقائع‬
   ‫تقريبا ً1. ولكن كتب البالذري أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم عندما هاجر‬
   ‫من مكة إلى المدينة أقام عند كلثوم بن الهدم في قبا، وكان صلى هللا عليه وسلم‬
   ‫آنذاك مشغوالً في الكالم مع سعد بن خيثمة، ففهم الناس أنه صلى هللا عليه‬
   ‫وسلم أقام عنده2. فعنونوا عنوانا ً مكتوبا ً بأحرف ضخمة، وذكروا في إطاره‬
   ‫روايات متعددة مع أسانيدها، ومثال ذلك روايات عن أموال بني نضير وخيبر‬
   ‫وفدك وذكر حفائر مكة وغيرها. والروايات التي هي مشهورة جداً أو التي لم‬
  ‫يجد البالذري سلسلة إسنادها فرواها هكذا: "قال أو قالوا"، ثم ذكر متونها، مثالً‬
   ‫عندما نزل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ببني نضير سنة ٤ من الهجرة،‬
   ‫ودبّروا المؤامرة ضده أن يقتلوه بقذف حجر الرحى عليه، أغمض البالذري‬
   ‫عن ذكر سلسلة سند هذه الرواية، وبدأ بلفظ "قال"، ولكن مثل هذه الروايات‬
   ‫قليلة جداً في كتابه. ونقل البالذري بعض الروايات، وهو ينسبها إلى أصحاب‬
   ‫السير المبرزين، مثالً قال الواقدي، قال المدائني وغيرهما. ومن الجدير بالذكر‬
   ‫أنه ذكر النسب الكامل لبعض الشخصيات المهمة الشهيرة المذكورة في‬
   ‫الروايات، لكي يزول الشك بسبب االسم، ويتبيّن أن ذلك الراوي ينتمي إلى‬
   ‫أسرة فالن وقبيلة فالن، مثالً أقام النبي صلى هللا عليه وسلم عند كلثوم بن هدم‬
   ‫في قبا، وأطال الكالم مع سعد بن خيثمة، ذكرهما البالذري مع أنسابهما. يظهر‬
   ‫من هذا مقدرته على علم األنساب. وهذا األسلوب قلما يوجد في كتب السيرة‬
‫األخرى. واهتم البالذري بالترتيب التاريخي عند ذكر بعض الوقائع اهتماما ً‬
   ‫خاصاً، مثالً تأسيس المسجد النبوي وتوسيعه وأموال فدك، وكيف كانت الحال‬
   ‫من بعد، يقول دي.خويه: عند مطالعة هذا الكتاب نتوقف على حقائق تاريخية‬
   ‫دقيقة نادراً ما توجد في كتب أخرى3. وينقل قول مؤرخ ألماني: إن البالذري‬
   ‫من أولئك المؤرخين الذين اشتهروا بالحذر في تدقيق وتحقيق الروايات الجديرة‬
   ‫بالذكر مما جمعها من المواد، يعني ال يقبل كل الروايات إذا ما بلغته بل يقبلها‬

             ‫1 طبقات ابن سعد، بريل ليدن، ٢٢٩٤هـ، ٤/١٨٤، (الجزء األول، القسم األول)‬
                                                     ‫2 فتوح البلدان (بالعربية)، ص ٢‬
                                             ‫3 فتوح البلدان، (الترجمة األردوية)، ص ١‬

                                        ‫981‬
‫جملة اهلند‬

‫إذا صحّ ت ويرفضها إذا ضعفت بعد التحقيق1. وبسبب هذا األسلوب المنفرد‬
‫والطراز التحقيقي الذي سلكه ازدادت أهمية االستناد واالستفادة من هذا الكتاب‬
                                                       ‫لدى محققي السيرة.‬
‫وحصل البالذري على المواد الضرورية من الروايات الشفوية، وجعل روايات‬
‫هشام بن عروة والواقدي ومحمد بن سعد وعلي بن محمد المدائني ومصعب‬
‫الزبيري وهشام الكلبي وغيرهم من أصحاب السير المتأخرين مصدره. وبسبب‬
‫هذه الجودة رجّ حه بعض المحققين في تحقيقاتهم في السيرة. وكتب محقق، وهو‬
                        ‫يتحدث عن مكانته االستنادية واألسلوب في الكتابة:‬
‫"بالغ بعض الناس في تعيين مكانة البالذري في مجال التاريخ من ناحية‬
‫المصدر والمرجع. فال يصح أن يقال أنه يقدم اإلحاالت والمتون األصلية أبداً،‬
                                                 ‫ّ‬
‫التي أطال المصنفون الجدد ذكرها وقدم لها حاشيتها فيما بعد. ويمكن أن يقاس‬
‫بكل صحة أن في أسلوب البالذري إيجازاً، بناء على ما في األجزاء‬
                        ‫ً‬
‫الضرورية لمصنفاته والمصنفات التي فيها التفاصيل الكثيرة من المطابقة‬
‫والموافقة، حتى إنه يرجح االختصار أحيانا ً على التأثر الفني، مع أنه يوجد‬
                              ‫عنده القصص الطويلة، ولكن عددها قليل جداً2.‬
‫بعد هذا الكالم الوجيز حول ترجمة البالذري وبيان أسلوبه، ينبغي االلتفات إلى‬
‫الموضوعات والوقائع المتعلقة بالسيرة الموجودة في "فتوح البلدان". وبين يديّ‬
‫نسخة لفتوح البلدان نشرها إيم.ج.دي.خويه من مطبعة بريل ليدن عام ١١٦٦م‬
‫مع مقدمته بعد التحرير والتهذيب والتنقيح. ونقل في المقدمة أحوال البالذري‬
‫باإليجاز، وأسلوب تحقيقه، والمعلومات عن توفير المواد، من كتاب الفهرست‬
‫البن النديم وتاريخ حلب ومعجم األدباء والمرزباني وغيرهم، التي يظهر منها‬
‫أن البالذري لم يكن مؤرخا ً كبيراً فحسب بل كان يتمتع بالذوق السليم والرغبة‬
‫الملهفة في النثر والشعر والنقد. وتزداد أهمية "فتوح البلدان" أيضا ً بأنه ترجم‬
‫في مختلف اللغات، فقد شارك ‪ P.K.Hitti‬و‪ F.C.Murgotten‬في تأليف‬
‫‪ The Origins of the Islamic State‬عام ٤٩٢٦م من نيويورك،‬


                                                   ‫1 المصدر السابق، ص ١-١‬
                                           ‫2 أردو دائره معارف إسالميه، ١/٨٢١‬

                                    ‫091‬
‫جملة اهلند‬

‫وترجم ‪ O.Rescher‬إلى اللغة األلمانية1 عام ١٩٢٦م من الئبزك، وترجم‬
‫العالمة السيد أبو الخير المودودي إلى اللغة األردوية في مجلدين، واهتم‬
‫بطباعتها ونشرها من دار الطباعة للجامعة العثمانية سركار عالي حيدرآباد‬
‫دكن عام ٩١٢٦م. وفي هذه المقالة استفاد المؤلف من هذه الترجمة أثناء‬
                                              ‫الترجمة في بعض األماكن.‬
‫والكتاب الذي بين يديّ يحتوي أصالً على ٤٦٤ صفحة؛ يحتوي فهرس القبائل‬
‫والرواة والفقهاء واألماكن على ٩١ صفحة، وفي األخير مقدمة قيّمة‬
               ‫إليم.ج.دي.خويه في اللغة األلمانية، وهي تشمل ٦٩٩ صفحة.‬
 ‫الموضوع األساسي للكتاب هو التاريخ والمغازي، واألجزاء االبتدائية يعني‬
 ‫حوالي مئة صفحة على بعض غزوات ووقائع العهد النبوي صلى هللا عليه‬
 ‫وسلم تحتوي على السيرة، جمع فيها البالذري الروايات المتداولة والمشهورة‬
 ‫التي تتجلّى عن طريقها النواحي المختلفة من سيرة النبي صلى هللا عليه وسلم‬
 ‫وترجمته، وبعض األحوال االجتماعية والسياسية والحضارية في الفترة‬
 ‫النبوية، وهذه كلها ماعدا الغزوات، وعلى سبيل المثال: أقام النبي صلى هللا‬
 ‫عليه وسلم في قبا يوم االثنين ويوم الثلثاء ويوم األربعاء ويوم الخميس أي‬
 ‫أربعة أيام (ص: ٥)، وصلّى أول صالة الجمعة في المدينة في مسجد بني سالم‬
 ‫(ص: ٥)، واستخدم في بناء المسجد النبوي األحجار، وجذوع األشجار‬
 ‫لألعمدة، وأغصان التمور للسقف (ص: ١)، وماذا كانت حادثة مسجد‬
 ‫الضرار؟ (ص: ١)، وصلّى النبي صلى هللا عليه وسلم أول صالة الجمعة في‬
 ‫مسجد بني سالم بن عوف الصحابي قبل تأسيس المسجد النبوي (ص: ٥)،‬
 ‫وذكر تفاصيل التغييرات والتغيرات المعمارية في المسجد النبوي منذ عهد‬
 ‫الخلفاء الراشدين إلى عهد الخليفة المهدي باإليجاز (ص: ٧)، وما كانت‬
 ‫عواطف النبي صلى هللا صلى هللا عليه وسلم وأحاسيسه تجاه حرم المدينة، وما‬
 ‫كانت رسائل النبي صلى هللا عليه وسلم الموجهة إلى بعض األمراء والسالطين‬
 ‫في المدينة ونواحيها واليمن وغيرها، وإرشاداته حين إرسال العمّال وتعيينهم‬
‫وتوظيفهم، وما أعطاه النبي صلى هللا بعض الصحابة من إقطاعات، مثالً‬
 ‫أعطى بالل بن حارث المزني رضي هللا عنه قطعة من إقطاعة من ناحية‬

                                                 ‫1 المصدر السابق، ص ١٢١‬

                                  ‫191‬
‫جملة اهلند‬

‫الفرع. ثم باعها أوالده بيد عمر بن عبد العزيز فوجد فيها واحداً أو اثنين من‬
‫المعادن، فقال له آل بالل: إننا بعناكم أرض الزراعة، ولم نبع المعادن، وقدم‬
‫في تأكيد دليله مرسوم رسوله صلى هللا عليه وسلم، وعندما رآه عمر بن عبد‬
‫العزيز قبّله ووضعه على العين احتراماً، ورد المعادن إياهم بعد‬
                       ‫ّ‬
‫المحاسبة.(ص: ١٦-٤٦)، وقلّما توجد مثل هذه الروايات في كتب السيرة.‬
‫ويوجد في كتاب البالذري البيان عن أموال بني نضير وبني قريظة ومسلك‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم في تقسيم إقطاعات خيبر وفدك، وماذا عمل‬
‫الصحابة رضي هللا عنهم بتلك األموال.(ص: ٧٦، ٦٩، ١٩، ٢٩ وغيرها).‬
‫وهو يحتوي على اتفاقيات هدنة النبي صلّى هللا عليه وسلم مع مختلف القبائل،‬
                 ‫ّ‬
‫وتوظيف بعض العمال وعزلهم، وارتداد بعض األفراد، ورد فعل النبي صلى‬
                                                       ‫ّ‬
‫هللا عليه وسلم تجاه مدعي النبوة مسيلمة الكذاب على ادعاء نبوته، ومنهج‬
‫تقسيم األموال المحصولة بدون الحرب، وفتح مكة، والجزية من المناطق‬
‫المفتوحة واألفراد اآلخرين، والصحابة المثقفين والمتعلمين وقت بعثة النبي‬
‫صلّى هللا عليه وسلم، وسلوكه مع أهل دومة الجندل، وجربة، ومقنا، وأيلة،‬
‫وبعض كاتبي الوحي ومرسوم الرسول صلى هللا عليه وسلم في بالطه، وخاتمه‬
‫والعبارة المحررة عليه واستعماله بعد عهده، وإرشاداته في الزراعة والبستنة،‬
‫مثالً قضى رسول هللا صلى هللا عليه وآله في سيل وادي مهزور للزرع إلى‬
      ‫الشراك وللنخل إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى أسفل من ذلك.(ص: ١٦).‬
‫وخالصة القول تزخر هذه الصفحات ال فقط بتفاصيل الغزوات والفتوحات‬
‫اإلسالمية االبتدائية، بل تحفل بالنواحي المختلفة من حياة النبي صلى هللا عليه‬
‫وسلم ونشاطاته الدعوية والسياسية والحضارية األخرى، ولها العالقة بالسيرة،‬
                                                   ‫بل هي من مواد السيرة.‬
                                                           ‫الهجرة النبوية:‬
‫إذ أن الهجرة النبوية نقطة بداية الثورة القوية لإلسالم وتمهيد للفتوحات‬
‫اإلسالمية لذلك ابتدئ هذا الكتاب أيضا ً بواقعة الهجرة، فإنه في كتب السير‬
‫األخرى توجد التفاصيل، لذلك رجّ ح المصنف تلخيص الروايات في كتابه ولكن‬
‫بالتوضيح. مثالً هناك رواية شهيرة عن قيام النبي صلّى هللا عليه وسلم في قبا‬
‫أنه صلّى هللا عليه وسلم أقام في بيت سعد بن خيثمة رضي هللا عنه، فيقول‬
                                   ‫291‬
‫جملة اهلند‬

‫البالذري: إن النبي صلّى هللا عليه وسلم أقام عند كلثوم بن هدم بن امرئ القيس‬
‫بن الحار ث بن زيد بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن‬
‫عوف بن مالك بن أوس، وإذ أن النبي صلّى هللا عليه وسلم كان مشغوالً بالكالم‬
‫مع سعد بن خيثمة ففهم بعض الناس أن النبي صلّى هللا عليه وسلم مقيم‬
‫عنده.(ص: ٩) ووضّح البالذري أيضا ً في أنساب األشراف بقوله: "كان يكثر‬
                                      ‫إتيانه للحديث فظنّ قوم أنه نازل عليه"1.‬
                                                       ‫ٌ‬
                                       ‫مدة قيامه صلّى هللا عليه وسلم في قبا:‬
‫اختلف أصحاب السير والمحدثين في مدة قيامه صلّى هللا عليه وسلم في قبا،‬
‫ووفقا ً للبالذري: أقام النبي صلى هللا عليه وسلم في قبا يوم االثنين ويوم الثلثاء‬
‫ويوم األربعاء ويوم الخميس ثم غادر إلى المدينة يوم الجمعة2، ونقل هو في‬
‫أنساب األشراف رواية عن قيامه، وفيها ١٩ و١٦ أيام أيضا ً. ولكن العالمة‬
‫شبلي رحمه هللا رجّح رواية البخاري عن القيام ألربعة عشر يوما ً3. وبما أن‬
‫البالذري لم يذكر سلسلة السند لهذه الرواية فينبغي ترجيح رواية البخاري على‬
‫روايته. ولم يحرّ ر البالذري تاريخ مغادرة النبي صلى هللا عليه وسلم، ال في‬
‫فتوح البلدان وال في أنساب األشراف، إال أن المؤرخ المعاصر اليعقوبي حرّ ره‬
                                                   ‫٦ ربيع األول ١٦ نبوية4.‬
                                                    ‫الجمعة األولى في المدينة:‬
‫وفقا ً للبالذري أدى النبي صلى هللا عليه وسلم صالة الجمعة في المدينة في‬
                                                          ‫ّ‬
‫مسجد بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن خزرج، وكانت هي أول‬
                                                     ‫ّ‬
‫صالة الجمعة التي أداها في ذلك المسجد.(ص: ٥)، وهناك رواية أن النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم أقام في بيت أبي أيوب األنصاري رضي هللا عنه في‬
‫المدينة لمدة سبعة أشهر، ونزلت عليه الصالة بأكملها في هذه األثناء (أيضا ً)،‬
‫وقدم األنصار جميع ما عندهم من القطع الزائدة هدية إلى حضرة الرسول‬       ‫ّ‬
‫صلّى هللا عليه وسلم، وطلبوا أن يقبل ما يستحنه من بيوتهم (ص: ١)، ولم يزل‬

                                                  ‫1 أنساب األشراف، ص ٩٦٢‬
                                ‫2 فتوح البلدان، ص ٨، وأنساب األشراف، ص ٩٦٢‬
      ‫3 سيرة النبي للعالمة شبلي النعماني، مطبعو معارف، طبعة جديدة، ٩١١٢م،1/١٢٤،‬
                                                       ‫4 تاريخ اليعقوبي، ٢/٤١‬

                                     ‫391‬
‫جملة اهلند‬

                                        ‫ّ‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم يؤدي الصالة في مسجد أبي أمامة أسعد بن زرارة‬
                     ‫رضي هللا عنه إلى أن تم بناء المسجد النبوي.(ص: ١)‬
                                               ‫ّ‬
                                      ‫حبه صلّى هللا عليه وسلم ألهل المدينة:‬
                                                                         ‫ّ‬
‫نقل البالذري حديث عائشة عن المدينة، الذي يظهر منه أنه صلّى هللا عليه‬
‫وسلم كان يحبّ خير البالد هذا ويذود عنه، ويفضّله على جميع المدن. قال‬
‫رسول هللا صلّى هللا عليه وسلم: لكل نبيّ حرم وحرمي المدينة، اللّهم إني‬
‫أحرمها بحرمك أن ال يؤوى فيها محدث وال يختلى خالها وال يعضد شوكها‬
‫وال تؤخذ لقطتها إال لمنشد وال يحمل أحد سالحا ً للقتال، ومن يفعل ذلك أو‬
                                  ‫ٌ‬
‫يؤمّنه فيلعنهم هللا والمالئكة والناس أجمعين، ولن تقبل منه توبته وال‬
‫هديته.(ص: ٦)، وهناك رواية أخرى عن شجيرات قبيلة بني حارث، وفيها:‬
‫من قطع شجرة منها فليغرس مكانها ويؤدي ديته.(٢)، وهناك رواية حسن‬
‫رضي هللا عنه أيضا ً فيها أن النبي صلى هللا عليه وسلم دعا للمدينة وأهلها‬
                                      ‫وسمّاها "طيبة" (ص: ٦٦) أول مرة.‬
              ‫الخالف بين البالذري وابن سعد بصدد تقسيم أموال بني نضير:‬
‫وفقا ً لآلية القرآنية "ما أفاء هللا على رسوله منهم" إلخ.. األموال التي يأخذها‬
‫المسلمون بدون المعركة الحربية أو القتال فتلك هلل سبحانه وللرسول صلى هللا‬
‫عليه وسلم، وال تقسم بين الناس. ووفقا ً للبالذري نزلت هذه اآلية في أموال بني‬
‫نضير، التي قسمها النبي صلى هللا عليه وسلم بين المهاجرين. وعندما بلغه‬
‫صلى هللا عليه وسلم فقر سهل بن حنيف وأبي دجانة رضي هللا عنهما‬
‫فأعطاهما منها، كما في الرواية: إنها لرسول هللا خالصة دون الناس فقسمهما‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في المهاجرين إال أن سهل بن حنيف وأبا دجانة‬
                                          ‫ذكرا فقراً فأعطاهما.(ص: ٦٦-٢٦)‬
‫ولكن وفقا ً البن سعد كانت أموال بني نضير خاصة لرسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم، وكان ينفقها ألداء حاجاته الضرورية، ولذلك لم يقسمها النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم في خمس حصص، ولم يخص فيها نصيبا ً ألحد، ولكن أعطى بعض‬
‫الناس للقضاء على فقرهم، ثم نقل أسماء الصحابة الذين أعطاهم: وكانت بنو‬
‫النضير صفيا ً لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم خالصة له حبسا ً لنوائبه وله‬

                                    ‫491‬
‫جملة اهلند‬

‫يخمسها وله يسهم منها ألحد وقد أعطى ناسا ً من أصحابه ووسع في الناس منها‬
                          ‫فكان ممن أعطى ممن سمّى لنا من المهاجرين1.‬
‫ويبدو من الروايتين أن البالذري يعترف بأن النبي صلى هللا عليه وسلم قسم‬
‫األموال بين المهاجرين واألنصار، ولكن وفقا ً البن سعد لم يقسم النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم أموال بني نضير، ولم يخص ألحد نصيبه، نعم، أعطى بعض‬
‫الصحابة منها. وعلّله البالذري برواية الراوي بأن هذا تقسيم آخر: هذا قسم‬
                             ‫آخر بين المسلمين على ما وصفه هللا.(ص: ٢٦)‬
                                                 ‫حرب خيبر وتقسيم أمواله:‬
‫كانت خيبر أكبر مركز لليهود في المدينة، وعندما نفى النبي صلى هللا عليه‬
‫وسلم بني نضير استوطنوا في خيبر، وبدؤوا من هنا يحثون العرب ضد‬
‫اإلسالم. كتب البالذري أحوال العرب بشيء من التفصيل، ووفقا ً له أن النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم ذهب إلى خيبر عام ٧ من الهجرة، وحاصرهم لمدة، حتى‬
‫طلبوا الهدنة أن يعفو عن دمائهم، وال يأسر أحداً منهم، بدالً من أن يتركوا ما‬
‫عندهم من األموال، وال يخفون عنهم شيئا ً مما لديهم. وطلبوا أن يرخصهم‬
‫للقيام في ذلك المكان بما كان لهم مهارة كبرى في الزراعة والبستنة. فقبله‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم على أن يقسموا الحبوب والفواكه للمسلمين. (ص:‬
‫١٩). وعند ابن سعد أيضا ً تفصيل خيبر، ولكن هناك بعض الروايات، عند‬
‫البالذري، التي ليست في طبقات ابن سعد، مثالً ليس في طبقات ابن سعد ما‬
‫مضى من األمور األساسية، وما أعطاه النبي صلى هللا عليه وسلم األزواج‬
‫المطهرات وكم أعطاهن ومن أعطاهن2، في حين عند البالذري أن النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم قرّ ر لألزواج المطهرات من أموال الغنيمة ١٦ وسقا ً من تمر،‬
                                         ‫١٩ وسقا ً من شعير سنويا ً (٤٩-٥٩)‬
                         ‫السيطرة على وادي القرى ووالي وادي تيما األول:‬
‫توجه النبي صلى هللا عليه وسلم نحو وادي القرى بعد معركة خيبر عام ٧ من‬
‫الهجرة، ودعا أهلها إلى اإلسالم، فلم يقبلوه، وتهيؤوا للقتال، ففاز النبي صلى‬

                              ‫1 طبقات ابن سعد، القسم األول، الجزء الثاني، ص ٤١‬
                             ‫2 المصدر السابق، ذكر غزوة خيبر، ص ٢١ وما بعدها‬

                                   ‫591‬
‫جملة اهلند‬

‫هللا عليه وسلم في هذه المعركة بالفتح، وقسم أموالهم بمقتضى األصول، وعامل‬
‫معهم معاملة أهل خيبر.(ص: ٤١) وكان أهل تيما على جوار من وادي القرى،‬
‫وعندما سمعوا أن النبي صلى هللا عليه وسلم فتحها فصالحوا على الجزية، وما‬
‫زالوا مقيمين في قراهم، وأراضيهم بأيديهم (أيضا ً)، وقرر النبي صلى هللا عليه‬
‫وسلم عمرو بن سعيد بن العاص والي وادي القرى، ويزيد بن أبي سفيان والي‬
‫تيما، الذي آمن يوم فتح تيما (ص: ٤١)، ونقل في هذا الباب رواية هشام‬
‫الكلبي أنه صلى هللا عليه وسلم أعطى رئيس بني عذرة حمزة بن نعمان بن‬
‫هوذة المزبلة كإقطاعة، ونقل أيضا رواية فيها أن حمزة هو أول من حضر بين‬
‫يدي النبي صلى هللا عليه وسلم وقدم الصدقة عن قبيلته (٥١). وهذه الرواية‬
                                               ‫قليالً ما توجد في كتب السيرة.‬
              ‫الخالف بين البالذري وابن سعد في الروايات عن فتح الطائف:‬
‫في روايات البالذري عن فتح الطائف إشارات إلى األمور ال توجد لدى ابن‬
 ‫سعد. فوفقا ً للبالذري انهزمت قبيلة هوازن يوم حنين. وقتل دريد الصمة. وفرّ‬
‫المنهزمون إلى أوطاس، فأرسل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أبا عامر‬
‫األشعري لمتابعتهم، فاستشهد األشعري. فأرسل عقبه أبا موسى بن قيس‬
‫األشعري مع جماعة من المسلمين إلى أوطاس، فالذ رئيس هوازن مالك بن‬
‫عوف إلى الطائف عندما رأى المسلمين يأتونه. وتهيأ أهل الطائف أن يتحصنوا‬
‫في القلعة مع المواد التموينية. وعندما وصل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫الطائف بدأ أهل ثقيف يطعنون على المسلمين بالرماح طعنا ً شديداً، وأمطروا‬
‫عليهم باألحجار، وقضبان الحديد الحارّ إمطاراً شديداً على دبابة جلد البقرة‬
  ‫التي كانت مع المسلمين فاحترقت وأصيبوا بالجروح من كانوا تحتها. واستمرّ‬
‫حصار الطائف لمدة ٥٦ يوما ً. وقعت هذه الحادثة في ٦ شوال من‬
                                                        ‫الهجرة.(ص: ٥٥)‬
‫في طبقات ابن سعد أن النبي صلى هللا عليه وسلم قصد من الطائف إلى حنين،‬
‫وأرسل خالد بن الوليد أمامه (ص: ٤٦٦)، وفي فتوح البلدان للبالذري تفصيل‬
‫هذه الواقعة فذكر أشياء من قبل، وذلك أن أهل هوازن فرّ وا يوم حنين، بعدما‬
‫انهزموا، إلى أوطاس، فأرسل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أبا موسى‬
         ‫ّ‬
‫األشعري لمتابعتهم (ص: ٤١)، وكتب ابن سعد أن أهل ثقيف أعدوا المواد‬
                                    ‫691‬
‫جملة اهلند‬

‫التموينية ما يكفي بهم لمدة سنة1، وكتب البالذري فقط أن أهل الطائف أعدوا‬
   ‫ّ‬
‫المواد التموينية ثم تهيؤوا للقتال (ص: ٥٥)، وألفاظ ابن سعد هكذا: طعن أهل‬
‫الطائف على المسلمين طعنا ً شديداً كأن الطعن وقع عليهم مثل أرجل الجراد2،‬
‫ووفقا ً للبالذري قذف أهل ثقيف على دبابة المسلمين قضبان الحديد الحارّ سوى‬
‫الطعن بالرماح واإلمطار باألحجار فاحترقت الدبابة وأصيب المسلمون تحتها‬
‫بالجروح (ص: ٥٥)، وهكذا في رواية ابن سعد ٦٦ يوما ً3 للحصار4، بينما‬
‫عند البالذري استمرّ ٥٦ يوما ً. ويقدر من الخالف الواقع بين ما نقله األستاذ‬
‫والتلميذ من الروايات أن للبالذري معياراً خاصا ً لالعتبار واالستناد في القبول‬
‫والرفض، وهناك بعض الروايات المهمّة الموثوق بها المتعلقة بفتح مكة وتبالة‬
‫وجرش وتبوك وأيلة وأذرح ومقنا والجربا ودومة الجندل وصلح نجران‬
‫وبعض الوفود، ولكن يصرف النظر عن ذكرها خوفا ً من اإلطالة. ونقل‬
‫البالذري بعض اتفاقيات هدنة النبي صلى هللا عليه وسلم ووثائقه ورسائله،‬
                                                         ‫وهنا نذكر بعضها:‬
                                  ‫رسالته صلّى هللا عليه وسلم باسم أهل مقنا:‬
    ‫توجد رسائله صلى هللا عليه وسلم إلى األمراء والسالطين في سيرة ابن إسحاق‬
‫وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد والطبري وغيرها، ونقل البالذري أيضا ً‬
   ‫رسالة النبي صلى هللا عليه وسلم إلى بني جنبة وأهل مقنا، وكتب أن رجالً‬
    ‫مصريا ً قال وقت إمالئها أنه كان قد رأى رسالة الرسول صلّى هللا عليه وسلم‬
 ‫بعينيه، وكانت هي مكتوبة على غشاء أحمر، ولم يكن هذا التحرير واضحا ً‬
                                               ‫جداً، وترجمة الرسالة كما يلي:‬
     ‫"باسم هللا الرحمن الرحيم، من محمد رسول هللا إلى بني حبيبة5 وأهل مقنا.‬
‫سالم عليكم، فإنه أنزل عليّ أنكم راجعون إلى قريتكم فإذا جاءكم كتابي هذا‬
‫فإنكم آمنون ولكم ذمة هللا وذمة رسوله وإن رسول هللا قد غفر لكم ذنوبكم وكل‬

                           ‫1 المصدر السابق، القسم األول، الجزء الثاني، ص ١٤٤‬
                                                                  ‫2 المصدر نفسه‬
                                                            ‫3 سيرة النبي، ٤/٦١٩‬
                                                      ‫4 طبقات ابن سعد، ص ١٤٤‬
                    ‫5 هذا وفقاً البن سعد: بني جنبة، الجزء األول، القسم الثاني، ص ١٢‬

                                      ‫791‬
‫جملة اهلند‬

‫دم اتبعتم به ال شريك لكم في قريتكم إال رسول هللا أو رسول رسول هللا وإنه ال‬
‫ظلم عليكم وال عدوان وإن رسول هللا صلّى هللا عليه وسلّم يجيركم مما يجير‬
                                                      ‫منه نفسه.(ص: ١١)‬
‫ورسالة الرسول صلى هللا عليه وسلم التي نقلها ابن سعد إلى أهل مقنا أيضا ً مثل‬
‫ما نقلها البالذري سوى بعض االختالف اللفظي إال أن البالذري حرّ ر في األخير:‬
 ‫كتب علي ابن أبو طالب في سنة ٢ هجري (ص: ١١)، وليس هذا عند ابن سعد1.‬
  ‫وكتب دي.خويه عن هذه الرسالة، وهو ينسب القول إلى محمد بن عساكر: أن‬
  ‫هذه الرسالة مزوّ رة، والدليل األول على ذلك هو الخطأ النحوي الصريح "علي‬
  ‫بن أبو طاب"، كان من المفروض أن يكون "علي بن أبي طالب"، فيما يعلم أن‬
  ‫عليا ً رضي هللا عنه كان إمام النحو، ومن المستحيل أن يصدر من قلمه مثل‬
‫هذه الزالت النحوية. والدليل الثاني على عدم صحة هذه الرسالة هو أن عليا ً‬
                 ‫رضي هللا عنه لم يشارك في غزوة تبوك (حاشية ص: ١١-٦١)‬
‫وههنا جدير بالذكر أن ابن عساكر لم يقرّ ر الرسالة التي نقلها أستاذ البالذري‬
‫ابن سعد مزوّ رة، ولكنه قرّ ر نفس الرسالة التي نقلها البالذري مزوّ رة. ونقل‬
‫البالذري، سوى هذه الرسالة، الرسائل األخرى إلى أكيدر (ص: ٦١)، وأهل‬
‫نجران (ص: ٥١)، وأهل اليمن (ص: ٢١)، وزرعة بن ذي يزن (ص: ١٧)،‬
‫وملوك حمير (٦٧)، واليمن بواسطة معاذ بن جبل (أيضا ً)، وعمان بواسطة‬
‫أبي زيد األنصاري وعمرو بن العاص (١٧). وذكر الرسالة التي بعثها النبي‬
   ‫صلى هللا عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب والرد عليها على الصفحة برقم ٧٦.‬
‫ونظراً ألهمية الرسائل التي نقلها البالذري، نقلها أصحاب السير للغة األردوية‬
                                   ‫أيضا ً مع جميع أصحاب السير القدامى.‬
                  ‫عدد الصحابة المثقفين في زمن النبي صلى هللا عليه وسلم:‬
‫وفقا ً لفتوح البلدان عدد الصحابة المثقفين سبعة عشر2، وروى البالذري بإسناد‬
‫وليد بن صالح وأستاذه ابن سعد أسماء هؤالء كما يلي: عمر، وعلي، وعثمان،‬


      ‫1 يمكن مراجعة الرسالة التامة في طبقات ابن سعد، المصدر السابق، على صفحة ١٢‬
                                                             ‫2 سيرة النبي، ٤/١٤‬

                                     ‫891‬
‫جملة اهلند‬

‫أبو عبيدة، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة، وحاطب بن‬
‫عمر، وأبو سلمة بن عبد األسد، وإبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، وعبد هللا بن‬
‫سعد، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان،‬
‫وجهم بن صلت، وعالء بن حضرمي رضي هللا عنهم أجمعين (ص: ٦٧٤-‬
‫٩٧٤)، وسواهم وفقا ً لرواية: شفا بنت عبد هللا العدوية أيضا ً كانت تعرف‬
‫الكتابة، وهي التي علّمت حفصة الكتابة (ص: ٩٧٤)، وقام أبي بن كعب بكتابة‬
‫الوحي أول مرة (ص: ١٧٤)، وكان زيد بن ثابت األنصاري أيضا ً يكتب‬
‫الوحي (٩٧٤)، وكان حنظلة من قبيلة بني تميم أيضا ً يعرف الكتابة، وتشرف‬
‫بكتابة الوحي مرة واحدة أيضا ً (ص: ١٧٤)، ونقل البالذري، وهو ينسب القول‬
‫إلى الواقدي، أسماء الصحابة اآلخرين اآلتية أيضا ً: سعدبن عبادة، ورافع بن‬
‫ملك، وأسيد بن حضيرة، ومعن بن عدي، وشبر بن سعد، ومنذر بن عمرو،‬
‫وسعد بن ربيع، وأوس بن خولي رضي هللا عنهم. ثم ذكر عبد هللا بن أبي‬
                                             ‫(المنافق) أيضا ً. (ص: ٤٧٤)‬
                                                                   ‫خاتم النبوة:‬
‫نقل البالذري عن خاتم النبي صلى هللا عليه وسلم رواية أنس رضي هللا عنه،‬
‫وفيها عندما أراد النبي صلى هللا عليه وسلم أن يرسل رسالة الدعوة والتبليغ إلى‬
‫ملك الروم فقال الصحابة إن أهل الروم ال يقرؤون إال الرسالة المختومة، فأمر‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم أن يجعل له خاتم من فضة، وينقش عليه "محمد رسول‬
‫هللا"1.(٦١) وال تزال تطوف صورة ذلك الخاتم أمام عيني (ص: ٦١٤)، وهناك‬
                       ‫ّ‬
‫رواية أخرى، وفيها أن الخاتم النبوي كان من فضة محضة، وكان فصّه أيضا ً من‬
‫فضة (أيضا ً)، وكان لونه كحجر حبشي (ص: ٩١٤)، وقال النبي صلى هللا عليه‬
               ‫ٌ‬
‫وسلم: إن األلفاظ التي أمألتها على الخاتم ال يجوز أن يملئها أحد غيري (ص:‬
                     ‫٩١٤)، ونقل ابن سعد أيضا ً هذه الرواية عن أنس بن مالك2.‬
                                                         ‫طريقة الكيل والوزن:‬
‫نقل البالذري رواية ابن سعد عن وزن النقود يعني العمالت، فقد كانت دنانير‬
‫هرقل تأتي أهل مكة، والدراهم البغلية من اإليرانيين أيضا ً. وكانوا يتجرون‬

                                       ‫1 نقش في الخاتم أوالً هللا ثم رسول ثم محمد‬
                                   ‫2 ابن سعد، الجزء األول، القسم الثاني، ص ٢٦٤‬

                                   ‫991‬
‫جملة اهلند‬

‫ببيع وشراء هذه العمالت بالوزن. وكان عند العرب وزن خاصّ للمثقال، وكان‬
‫ذلك حوالي ٩٩ قيراطاً، وكانت عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل وزناً،‬
‫والرطل تساوي ٩٦ أوقية، واألوقية تساوي ١٤ درهماً، وأبقى الرسول صلى‬
                                    ‫هللا عليهم وسلم تلك األوزان.(١١٤)‬
‫وخالصة البحث أن كتاب البالذري تاريخ جامع وموجز للفتوحات اإلسالمية‬
‫والمغازي من ناحية، ومصدر موثوق به لدى أصحاب السير من أخرى، لما‬
‫فيه من الروايات الموثوق بها، وبعض أهم الوقائع، من زمن النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم، التي ال توجد في الكتب العامة من كتب السيرة. نعم، لم يذكر‬
‫البالذري بعض الوقائع من حياة النبي صلى هللا عليه وسلم الطيبة مثالً: والدته‬
                 ‫صلى هللا عليه وسلم وأخالقه وعاداته ومراكبه ونعاله وغيرها.‬
‫ترجمة من األردوية: محمد أحمد بن عبد هللا السنابلي‬




                                   ‫002‬
‫جملة اهلند‬




‫- عبد الماجد خان‬
   ‫ّ‬
 ‫يا لها من عاطفة وهي لم تجاوز اثنتي عشرة سنة من عمرها ---- وكلما اتفكر‬
 ‫فيها يزداد القلب اضطرابا ً، ويضل الذهن في وادي الظن والخيال. فاتقلّب في‬
                                            ‫ّ‬
 ‫المضجع غير أني ال أجد الراحة لثانية ---- فقد كان ذهني يضج بخواطر‬
           ‫ّ‬                                                  ‫َ‬
 ‫مسلسلة تقلقني، وكانت األخيلة ترتفع أمواجا ً ثم تسكن مثل الحباب. وال أدري‬
‫لم ملت إلى عنوان مكتوب في الصحيفة؟ وال أدري لم يلتفت ذهني مراراً‬          ‫َ‬
 ‫إلى ذاك العنوان، حاولت أنْ أنام ولكن لم تكتحل عيناي بالسنة. ولكن‬  ‫وتكراراً‬
 ‫ال أدري لم تدبّ ارتعاشة في جسدي؟ فقد ثار بذهني عديد من األسئلة، أخلّت‬
                                                                ‫َ‬
 ‫بنومي؛ هل تناولت تلك البنت قرص التنويم فنامت لألبد أو --- وإنْ --- فكان‬
 ‫قلبي يضطرب للقاء معها، وتحدث في نفسي رغبة ليت البنت ولدت في ساحتي‬
                   ‫--- ليتها نشأت في حضني --- ليتها ابنتي --- ابنتي ال غير.‬
                               ‫ّ‬
‫فقد رزق هللا غلشن يادف بنتا ً جميلة للغاية، جذابة لألعين، ساحرة للقلوب، كان‬
‫وجهها مزيجا ً جذبه بالعصمة، سمّوها باسم جميل ---- كرشمة (آية) ----، كأنّ‬
‫وردة تفتحت في الحديقة، ولكن السعادة لم تساعدها. إنها نشأت وترعرعت في‬‫ّ‬
‫رخاء ورغدة العيش فقد جعلها هللا صالحة كما جعلها جميلة، كانت حبيبة‬
  ‫األبوين عزيزة الناس، إال أنها لم تدر أن السعادة ال تصحبها لمدة طويلة ----.‬
‫كان أبو كرشمة يحتل منصبا ً جليالً في شركة خاصة وكانت شخصيته ذات‬
                                                         ‫ّ‬
‫شوكة وصولة، رجالً صالحا ً غير فاجر إال أنه قد تعوّ د التدخين فكان يدخن‬
  ‫ّ‬
‫أربعين أو خمسين سيجارة كل يوم، وكانت كرشمة تنصح أباها بكل أدب‬
                                                     ‫ّ‬
‫وخلوص ---- أبت! لم تدخن السيجارة؟ --- هذه عادة سيئة. اتركها يا أبت! فال‬
‫يجمل بشفتيك االدخان ولو ذات مرة ---- كانت أمها أيضا ً تنصح إياه ولكن‬
                                                             ‫ّ‬
                                                       ‫ّ‬
‫المرء بشر مثلنا، ال يودع السيئات بسهولة ---- إنه يجري في تياراتها بدون‬
                                  ‫وعي، وال يشعر بالعواقب التي يراها عيانا ً.‬
‫يقال أن الحياة ملتقى الفرح والحزن، ولكن اإلنسان هو اإلنسان العاجل المولع‬
                ‫ّ‬
‫بالفرح والسرور ---- عابد العطاءات، فإن ظفر بالسرور ظنه نصيبه األبدي -‬

                                    ‫102‬
‫جملة اهلند‬

‫-- وإنْ سلِب الفرح بدأ يعيب القدر --- ما أكثر دناءته وما أشد عدم عنايته! ---‬
                                                                ‫َ‬
‫فهو يضلّه المال بحيث يستكبر كلما يفتقر إليه المساكين، وإن صاحبه غني ذو‬
             ‫مال فظنّ هذه الصحبة هدية الحياة، وعلوّ الذات، وحصاد المعاش.‬
‫فقد أنعم هللا على أبي كرشمة فأغناه عن الناس ولكنه كلما زاره الشرف والمال‬
‫عري عن الصالح والطهارة، فكلما ازداد ثراء عتا استكباراً ثم وصل به إلى‬
                             ‫ً‬
‫درجة تخلو فيها أمة الحياء من كل أنواع الحجاب، ويتكبّر فيها المرء بماله‬
‫وعزته، وال يخطو فيها المرء أي خطوة إال وهو يستسلم الفلوس، ويشعر المرء‬
‫بالسآمة إذا لم يعقد مجالس الخمر والقمار ، وال يصل فيها عامة الناس إليه‬
‫بدون إجازة سابقة أو تملّق، فاآلن أصبحت الخمر حبيبة مجالس غلشن يادف‬
                                                ‫دعها أن تكون أمة مجالسه.‬
‫كرشما البائسة! الواجدة المهتمّة ---- إنها لم ترض عن هذه المجالس، ودورات‬
‫الخمر والكباب، وحلقات القمار، وفوق تلك هؤالء الفجّ ار. وفي النهاية قالت‬
‫ألبيها ذات يوم: أبت! هؤالء أشرار الناس، فال يجمل بك مصاحبتهم --- فنصح‬
‫لها أبوها بكل رحمة وشفقة --- فلذة كبدي! هذا ليس بما يعاب فيه، هذه هي‬
‫عادة األغنياء. هذه هي التي نسمّيها الشرف. فإن أغناني الربّ فلنعش مثل‬
                   ‫ّ‬
‫الملوك والحكام. وأما الخمر فهي عالمة من عالئم الحكام واألغنياء، فإن‬
‫فقدناها فماذا يلقّبني األصحاب واألصدقاء ---- يعيرونني باللوم والدناءة ----‬
                      ‫ّ‬
‫ويقولون إنه لم يضيّفنا خير تضييف وأحسنه، وهل نقدر لذة المجالس بدون‬
   ‫ّ‬
‫الخمر ---- فالحياة عبارة عن الطرب والهياج ---- ولكن أبت! --- تدخلت‬
‫كرشمة في نصح أبيها --- إن الحظ ال يساعد لمدة طويلة فقد يكون مع أحد كما‬
‫هو اآلن معنا. ولما سمع أبو كرشمة هذا الكالم احمرّ وجهه غضبا ً --- وقال:‬
‫هذا مثل بشري سائر فقد ظفرت بهذا الثراء وهذه المنزلة من عمل يديّ فهي ال‬
                        ‫تجانبني مفاجئة وال بسهولة. فقد أسكتها زاجرة من أبيها.‬
‫فلو كانت كرشمة تعيش في رخاء ورغدة ولكنها كانت في مخافة ودهشة من‬
‫سوء الحظ الذي قد فاجئها يوما ً وتبعه الهم والغم؛ فذات مساء رجع أبوها من‬
                            ‫ّ‬    ‫ّ‬
‫خدمته وانطرح على السرير فوراً، كان يشتكي بطنه وجعا ً لطيفا ً فأعطاه‬
‫كرشمة قرصا ً إلزالته فشعر بالراحة بعد قليل ولكن الوجد عاد بعد أن أظلم‬
                                                          ‫ّ‬
‫الليل، وكان أشد من ذي قبل وكانت الشدة تبدو من مالمح وجه أبيها. هذه المرة‬
                                    ‫202‬
‫جملة اهلند‬

                                                                      ‫ّ‬
‫لم يؤثر قرص إزالة الوجع، وبما أن القلق قد أحاط بكرشمة وأمها فكانتا تتقلبان‬
‫في داخل البيت، وأما الوجع فلم يكن يقل بل يزداد كلما يظلم الليل ويطول. كان‬
                                      ‫ّ‬
              ‫ْ‬
‫الناس قد غلب عليهم النوم فكان الجوّ قد خيّم عليه الصمت وزد عليه ظلمة‬
‫الليل البهيم، إال بيت دينيش يادف الذي كان النور يسطع من خالل نافذته فنادت‬
‫كرشمة على الفور. كان دينيش يادف مستيقظا ً فأجاب على النداء وفتح الباب‬
‫تواً فوجد كرشمة قائمة على بابه ثم سألها بكل شفقة أيتها البنت! سلّمك هللا،‬
‫لماذا قرعت الباب في هذا الوقت، هل أفراد البيت بكل وعافية؟ فأخبره كرشمة‬
‫بما حدث فنادى دينيش يادف ولده بلونت الذي خرج بدراجته النارية ورجع‬
‫بالطبيب فوصف الطبيب بعض األقراص التي سبّبت راحة المريض على‬
‫الفور إال أنهم قطعوا الليل في رجاء ومخافة، ولكنه لما أصبحوا أصبح الوجع‬
‫وعاد مرة ثانية ---- فأشار األطباء المحليّون أن يدخل المريض في مستشفى‬
                                        ‫كبير فأدخل أبوها في مستشفى تشندرما.‬
‫هذا في جانب وفي جانب آخر أقيم مقامه رجل آخر في الشركة وذلك ألنه كان‬
‫يعمل في شركة غير حكومية ال تطلب إال غرضها ---- فحلّت مجالس الخمر‬
‫والكباب والقمار، وتحوّ ل عنه الندماء واألصحاب كما تتحوّ ل بغي من غني إلى‬
‫من هو أغنى منه واآلن لم تكن تصاحبه إال الوحدة ولم يكن نصيبه إال الحزن.‬
‫وقد كانوا يظنون، لمدة قصيرة، كل دبيب أن أحداً من أصحابه قد عاد المريض‬
                                                            ‫ّ‬
                    ‫ّ‬
         ‫أو زار البيت ---- ولكن ---- ثم ---- يئست األعين وتقطعت القلوب.‬
‫لم يزل يداويه األطباء لمدة أسبوعين ولكن الوجع لم يكد يقل فكانت الراحة قدر‬
 ‫َ‬                ‫ّ‬
‫أثر الدواء، ولما لم يجدوا بديالً أشاروا عليه الجراحة وحددوا لها موعداً يوم‬
                    ‫ّ‬
‫الثالثاء فبلغت كرشمة وأمها المستشفى لخدمة المريض، كانت أمها تبخع نفسها‬
‫بالحزن فهي كانت تبكي وتتضرع لإلله أن يشفي زوجها ---- ال أدري ماذا‬
                               ‫ّ‬
‫أصاب زوجي الصحيح --- وال أدري ماذا قدر له اإلله الصحة أم --- ال ----‬
‫كال ---- ال يجمل بي أن أتلفظ هكذا، ليشفينّ بعد أيام فال أحبّ أن ألبس الثوب‬
‫األبيض في ريعان شبابي --- اللهم هبْ لنا فرصة أخرى وارحمني ---- ال‬
                                                       ‫أحبّ أن أصبح أرملة.‬
‫جاء يوم الثالثاء وبدأت عملية الجراحة، أما كرشمة وأمها فهما كانتا قائمتين‬
‫خارج غرفة الجراحة خائضتين في أخيلة متنوعة منتظرتين شديد االنتظار‬

                                   ‫302‬
‫جملة اهلند‬

‫بانتهاء الجراحة، كانت وجوههما تبدي قلقهما واضطرابهما، إذ يخرج الطبيب‬
‫من غرفة الجراحة ---- فتقع أمها على قدميه "أيها الطبيب! هل زوجي‬
‫بالعافية؟ هل مسّه شيئ من المرض المهلك، ال ---- سيكون مشفيا ً أيها الطبيب‬
‫المحترم! ---- فتوزع كرشمة أمها ---- قد فسدت إحدى رئتيه فهو في حاجة‬
‫شديدة إلى الرئة --- فلما بلغ صوت الطبيب إلى آذان كرشمة وأمها أصابهما‬
‫البكم فلم تستطيعا أن تتكلما شيئا ً. لم تكد أم كرشمة تصبر على هذا الخبر إذ‬
‫خرّ ت مغشيا ً عليها ولم تصح إال بعد أن مضى نصف ساعة فأشار الطبيب أن‬
                                             ‫نزولها هنا سيضرّ بالمريض.‬
‫في زمن من األزمان كان بيتها مليئا ً بالفرح والسرور واآلن قد تحوّ ل إلى دار‬
‫المأتم والنياحة فقد دال الدهر، وجعلت أم كرشمة تعيش في هم وحزن فهي لم‬
               ‫ّ‬
                                         ‫ّ‬
‫تكن يسرّ ها شيئ من هذه الدنيا الخالبة ولزمت البيت بل زاوية منه كجسد ال‬
‫حركة فيه وال حياة وأصبحت بعد زمان هزيلة صفراء ال تجذب إليها األنظار‬
‫وال تسحر القلوب فهي كانت قلقة أشد القلق وأصبحت الدنيا لها ظلمة ال يرجى‬
‫بعدها لمحة من النور، وفي جانب آخر اهتمّت كرشمة وأصابها غم على غم‬
‫ّ‬        ‫ّ‬
‫فاألب كاد يهلكه المرض وأما األم فهي ما فتئت تهتم به. إنها لم تهتد إلى ماذا‬
                          ‫ّ‬
                                                  ‫تفصل وأي أمر مبرم تختار؟‬
‫وقد خان الدهر حينما وجدت كرشمة في بيتها وهي مغشي عليها، إنها كانت‬
‫بحالة خطرة فهي كانت تقاتل الموت لحياتها فأسرع بها دينيش يادف إلى‬
‫المستشفى وأدخلها فيه، كان الناس في حيص وبيص ولم يكونوا يحكمون ماذا‬
‫حدث معها وكانت آرائهم مختلفة إذ وجدت رسالة من عندها متشبثة بذيلها‬
‫فانجلى األمر وانكشف، وامتنع الناس عن الرجم بالغيب ففتح دينيش يادف‬
‫الرسالة بكل اضطراب مليئ بالفحص وكان الناس أجمعين يرونه بالتحديق‬
                                               ‫ّ‬
‫والحملقة وينتظرون بالرد فبدأ دينيش يادف يقرأ الرسالة وفتح أبوها العيون‬
‫وأذن لما كان دينيش يتلوه ---- أبت! إني ال أصبر على سوء حال أمي ----‬
‫إنها تحبّك شديداً، وقد أنهكها هم أصابها بمرضك، إنها كذلك جنّ جنونها ---‬
                                         ‫ّ‬
‫أبي! لم أكن أدري أنها تحبّك حبا ً جما ً بحيث ال تصبر على عدم صحتك وسوء‬
                                     ‫ّ ّ‬
                   ‫ّ‬
‫بالك ---- يا أبت! ال أريد أن ينحل عقد زواجها الذي شد معك، فإن يمكن أن‬
                                       ‫ّ‬
‫تنفخ رئتي هذه حياة في جسدك فتحييك مرة أخرى ونعلم أنها أمانة لك عندي -‬

                                   ‫402‬
‫جملة اهلند‬

                       ‫ّ‬
‫--- أبت! ال تحزن على موتي فإني مسرورة إذاما مت لك فسرّ أمي أسرّ بك‬
‫فإن موتي ال يهم كما تهم حياتك --- لعل اإلله خلقني كي أخدمك ولو قليالً، ويا‬
                                                   ‫ّ‬       ‫ّ‬
‫أبي! وشيئ آخر أريد بالغه؛ تلك الخمر وذاك الكباب ---- ال ---- كال،‬
                                                             ‫فستغضب عليّ .‬
‫ترجمة من األردوية: د. أورنك زيب األعظمي‬




                                   ‫502‬
‫جملة اهلند‬


                           ‫خطوة نهائية‬
‫- د. ذاكر حسين‬
‫تعال أخبرك برجل صالح للغاية المه الناس في حياته لوما ً شديداً ولم‬
‫يعرف عن صالحه حتى بعد موته إال من أحسن إليهم ولعل بعضهم قد‬
                                                        ‫نسي ذلك.‬
‫كان هذا الرجل الصالح غنيا ً للغاية ولكنه كان ممن ال يعتبر أمواله من‬
‫ممتلكاته بل يعتبرها أمانة ال تعطى الناس إال لكي ينفقوها على عباده وال‬
                                    ‫يأخذوا منها إال قدر ما احتاجوا إليه.‬
 ‫نعم، لم يكن يستفيد هذا الرجل من ماله فكان يسكن بيتا ً ضيّقا ً للغاية إال أنّ‬
‫ذاك البيت كان صافيا ً غير كدر وكان يستخدم مالبس عادية غير ثمينة‬
‫وأما األطعمة فهي كانت رديئة جداً ولم تكن تطبخ كل يوم. واألصدقاء‬
                       ‫ّ‬
‫اللذين كانوا يعرفون عن حالته الحقة قد حاولوا أن يجرّ وه إلى الخوض‬
‫في أنواع لذات الدنيا ولكنه لم يجب على دعوتهم قط حتى اشتهر فيهم‬    ‫ّ‬
‫ببخله فكان يدعوه أصحابه بـ"مياں مكهی تشوس" (أبخل البخالء) كما‬
‫كان بعضهم يحسد عليه فكان ينبزه باأللقاب ويشهّروه ولكنّ هذا الرجل‬
‫كان غريقا ً في رغبته وعازما ً على إرادته وكان يعين الفقراء سراً غير‬
‫علن فكانت تعطي يمناه من حيث لم تكد تعرفه يسراه وأما ذكره بلسانه‬
                                              ‫فلن يمكن ألحد أن يتصوّ ره ذهنه.‬
‫وال أدري كم من أرملة عاشت على رزقه، وكم من يتيم كفل بتعليمه فنال‬
‫أعلى وظيفة وكم من مدرسة كفل بدعمها وكم من مستشفى كفل بدواء‬
‫الفقراء فيه فشفوا ولم يعرفوه، ولكنه مع هذا وذاك كان قد اشتهر بـ"مياں‬
                                              ‫ّ‬
‫مكهی تشوس" و"دنيا كا كتا" (كلب الدنيا) و"نه اپنے كام آئے نه كسى‬
                                                      ‫ّ‬
‫اور كے" (ال متع نفسه وال أفاد غيره) فكان يضحك به أحد كما كان‬
                      ‫يغضب عليه اآلخر وكان كل منهم ينبزونه باأللقاب.‬

                                    ‫602‬
‫جملة اهلند‬

‫مهما كان المرء صالحا ً يتأذى من تكرار عذله بالناس وعلى هذا فكان قلبه‬
‫يتكسّر من توجيههم اللوم إليه وتضيق نفسه وتصبّ عيناه الدموع ولكنه‬
                                                      ‫يصبر بعد قليل.‬
                       ‫ّ‬
‫كان يصحب مذكرة جميلة لها أوراق ضخمة جذابة ولها جلد محكم من‬
‫قماش أزرق وكان مكتوبا ً على لوحها بماء الذهب "حساب األمانة". كان‬
‫ذاك المرء يضبط حساب كل قطمير له في هذه المذكرة أنفقه على غيره‬
‫كما ضبطت فيها أشياء جذابة للغاية، أضيفت إليها من بعد فمثالً أنه‬
‫أعطى منحة دراسية ليتيم ثم كتب في شرح حاله بعد 56 سنة: أنه طبيب‬
‫في حيدراباد ومتولي مأتمها، وأعطيت تاجر كتب ألفي روبية وهو كان‬
‫في أزمة مالية وهو الذي بعث إلي رسالة ذكر فيها أنه طبع مائة ألف‬
                                     ‫ّ‬
‫نسخة لكتاب في سيرة النبي وقسمها مجانا ً فيما بين الطالب، جزاه هللا‬
‫خيراً، ودعّمت عشرة آالف روبية لمدرسة في دلهي حينما لم يقم أحد‬
‫ٌ‬
‫لدعمها وقد قرأت تقريرها السنوي فوجدت أن لها فرعا ً تم تدشينها في كل‬
‫مدينة كبرى ولو لم يكن هذا لقضي على ثقافة المسلمين، وأشياء أخرى‬
                                                         ‫لطيفة للغاية.‬
          ‫َ‬
  ‫في معظم األحيان كان الرجل يأخذ المذكرة فيقرأها السيما وقت أذاه من‬
  ‫قبل صديق له أحمق ال يعرف قدره فيتبسم في نفسه وكان يريد أن يترك‬
  ‫المذكرة ليقرأ من كان يلومه ويشتمه، وهذه هي اإلرادة التي كانت تعزيه‬
  ‫--- كان الرجل يواصل دعمه المادي للمحتاجين وتسرّ ه العطاءات حتى‬
  ‫جاءه الشيب فجاء بأمراض عديدة متتالية فذات مرة في شهر ديسمبر‬
  ‫أصابه حمّى شديدة وتبعها الزكام حتى فاجئه االلتهاب الرئوي بشدة‬
‫فصرعته وجعل يغشى عليه مراراً وتكراراً حتى صحا من الغشي شيئا ً‬
                   ‫ّ‬
  ‫بعد الساعة الرابعة مساءًا ففطن الرجل أنّ الموت قد دق بابه وهذا شيئ ال‬
  ‫مناص منه لحيّ بعث في األرض. كانت المذكرة مطروحة أمامه على‬
  ‫الطاولة وقد فرغ من قراءتها قبل يومين فلما رآها جعلت عيناه تصبّان‬
  ‫الدموع فأراد أن يرفع المذكرة فلم يستطع برفعها فحاول مرة أخرى حتى‬

                                 ‫702‬
‫جملة اهلند‬

                           ‫ّ‬
‫رفعها من الطاولة فلما أخذ الكتاب بدأ يتفكر في أنه يريد ما ليس بشئ‬
‫موزون في الدنيا بالنسبة لما أنفقه في سبيل هللا فلو لم يفعل ذلك في طول‬
‫حياته فلم يدنس ذيله بهذا العيب في نهاية حياته حيث ال يسمع ما يتقوّ ل‬
‫الناس فيه فرفع الكتاب بأيديه الضعيفة وأوقعها في المدفأة التي أشعلها‬
‫خادمه ليصطلي بالنار. بدأت المذكرة تشعل وتشعل فجرى التبسم على‬
                  ‫ّ‬            ‫ّ‬
‫وجهه وكان الوقت لصالة المغرب فأذن المؤذن وودعت روحه جسده‬
                                                                 ‫لألبد.‬
‫ترجمة من األردوية: د. أورنك زيب االعظمي‬




                                 ‫802‬
‫جملة اهلند‬


                                                     ‫الشيخ محيي الدين وانميل‬
                                   ‫المسجد البابري‬
     ‫نحسّ بمؤلمـات الذكـــــريات‬               ‫وقوفا ً في فنــــــــاء البابــري‬
     ‫لذاك دموعـنا نهــــر الفـرات‬              ‫فبيـت هللا ذاب هــنا فتبــــكي‬
     ‫على أحــــــــوالها المتقـدمات‬            ‫أيوديــــــــــة الكئيبة في بكاء‬
    ‫بسيـطرة المغـول من العـــالة‬               ‫قديما ً نال أرض الهنـد فخــراً‬
     ‫تضـامن أهــل أديـان شـــتات‬               ‫لقــد بنوا المساجـد والهيــاكل‬
     ‫بفيضــــــاباد جاذبــة التقــــاة‬         ‫منـــارة بابـري أثـر عظــــيم‬
     ‫تقــــــاة باألذان وبالصـــــالة‬          ‫عبــاد هللا كانوا عامـــــــريها‬
     ‫يقـصّ حديـث أقــوام هـــــداة‬             ‫ومسجـد بابـري أضحى علينا‬
     ‫عليـه على اسـم راما كالقـساة‬              ‫طغى متطرفوا الهندوس يوما ً‬
     ‫لرامـا مولـداً في الماضــيات‬                                     ‫ّ‬
                                               ‫أ حق كـون بطـن البابـــــري‬
     ‫دليـــل قـد رووه عن الثقــات‬              ‫أ للمتــــــطرفين عليـــه أدنى‬
     ‫بالد الهنــد تبــقى نافعـــــات‬           ‫ميـاه السـم أجـروا في نواحي‬
                                                               ‫ّ‬
     ‫بذاك بنـــــــاء ديمقــراطيات‬               ‫ّ‬
                                               ‫قباب البابـــري هـدموا فهدوا‬
     ‫فصار بصنعهـم مثـل الفــالة‬                ‫فمسجـد بابـري قــد خرّ بـــوه‬
     ‫له الزعمــــاء كانوا من بنـاة‬             ‫فديمقــراطيات الهنــد صـرح‬
     ‫ذوات مشــقـة متـواصــالت‬                  ‫وفي تأسيـسها بذلوا جهــــوداً‬
     ‫متى يستيقظون من الســبات‬                  ‫فوا أسـفا ً ألهـل الهنــــد طـراً‬




                                         ‫902‬
‫جملة اهلند‬

                                                             ‫ن. ك. أحمد المولوي:‬
                                    ‫المسجد البابري‬

                                ‫ّ‬
       ‫فهدمه القســــــــاة ذوي عتي‬               ‫أال آها ً لمسجـد بابــــــــــــري‬
      ‫بقطر الهند موطننا الهـــــوي‬                ‫وهم متطرّ فوا الهنــدوس ممن‬
      ‫بدى في صورة البشر السوي‬                     ‫أ ذئب كلهم أقســـــــــى خبيث‬
                      ‫ّ‬
       ‫جرى ظلم أشد عــــــديم سيّ‬                 ‫وفي ديســـــمبر في يوم نحس‬
       ‫بإنســــــــــــــــــانية أو آدمي‬         ‫أبادوا مسجداً أ يليق هـــــــــذا‬
       ‫بفعلة كل ذي طغــــوى عتي‬                   ‫لقد هدموا تراث الهنـــــد أقبح‬
                                ‫ّ‬
       ‫مدنسة بعار سرمــــــــــــدي‬               ‫عدي للهنــــد هم إذ صيّروها‬
       ‫أ ليسوا قاتل الغانــدي الكمي‬               ‫وهم أقسى بني الدنيـــــا قلوبا ً‬
       ‫به من نير حكــــــــــم أجنبي‬              ‫أبي الهند الذي الهنــد استقلّت‬
       ‫فأخرجها إلى النـــــور البهي‬               ‫رآها والعبــــــــــودة أظلمتها‬
      ‫عتوّ ذي فؤاد جنـــــــــــــدلي‬
                       ‫َ‬                          ‫على هذا قضى بيد امرئ من‬
      ‫ألمة ســــــــــــيد الخلق النبي‬            ‫ً‬
                                                  ‫ومسجد بابري هدمـــوا عداء‬
      ‫تنوح على ابنها البكر الصبي‬                  ‫بذلك أصبح الحنفــــــا كثكلى‬
      ‫ليع َبدَ فيــــــــــه مسجد بابري‬             ‫ْ‬
                                                  ‫أ يبنى حيث كان كما وعــدنا‬




                                            ‫012‬
‫جملة اهلند‬



                 ‫المساهمون في هذا العدد‬
‫6. األخ الفاضل كليم صفات اإلصالحي، رفيق، دار المصنفين أكادمي شبلي،‬
‫أعظم كره، والية أوترابراديش، الهند، له مؤلف باألردوية يسمّى "تاريخ‬
                                                       ‫أفغانستان وشيشان".‬
‫2. األخ عبد الماجد خان، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية اإلسالمية،‬
                                                            ‫نيو دلهي، الهند‬
‫4. البروفيسور الدكتور سعد محمد حذيفة الغامدي، بروفيسور، قسم التاريخ،‬
        ‫كلية اآلداب، جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة السعودية العربية‬
‫1. البروفيسور فيضان هللا الفاروقي، أستاذ اللغة العربية وآدابها، مركز‬
     ‫الدراسات العربية واإلفريقية، جامعة جواهر الل نهرو، نيو دلهي، الهند‬
                        ‫5. الدكتور أورنك زيب األعظمي مدير تحرير المجلة.‬
‫1. الدكتور ذاكر حسين (م5156م) من أبناء والية أوترابرديش، الهند. أنهى‬
‫دراساته من جامعة علي كره اإلسالمية والجامعة الملية اإلسالمية كما نال‬
‫شهادة الدكتوراه من ألمانيا، خدم الجامعة الملية اإلسالمية وجامعة علي كره‬
‫اإلسالمية كنائب شيخ الجامعة كما انتخب نائب رئيس الهند في 2156م‬
‫ورئيسها في 1156م. كان الدكتور أديبا ً ماهراً ألدب األطفال كما كان له‬
                                                  ‫اليد الطولى في المعارف.‬
‫2. الدكتور محمد عمّار شهباز عالم اللطيفي، المكتبة الوطنية، منامة، مملكة‬
                                                                   ‫البحرين‬
‫3. رافعة إكرام، قسم اللغات العربية والفارسية واألردوية والدراسات العربية،‬
                       ‫باشا-بافانا، جامعة فيسفا-باراتي، بنغال الغربية، الهند‬
‫5. سعيد األنصاري، من علماء والية أوترابراديش، الهند المبرزين وأدبائها‬
‫وشعرائها المفلقين، له مؤلفات قيّمة في التاريخ اإلسالمي كما له دواوين‬
‫لشعره األردوي والفارسي. من أبرز مؤلفاته ما قام بتأليفها في سير‬
                                                     ‫الصحابة والصحابيات.‬
  ‫الشيخ أمين أحسن اإلصالحي، مضت ترجمته في العدد األول للمجلة‬                ‫46.‬
    ‫الشيخ بدر جمال اإلصالحي، مضت ترجمته في العدد األول للمجلة‬               ‫66.‬
‫الشيخ محيي الدين وانميل منح الجائزة األولى في 1556م، من شعراء‬               ‫26.‬
‫كيراال المشهورين، له منظومات بمختلف المناسبات. يبدو من دراسة شعره‬
                            ‫أنه سلس ورائع وأن الشاعر قادر على القريض.‬

                                     ‫112‬
‫جملة اهلند‬

‫62. عزيزي محمد أحمد بن عبد هللا السنابلي، باحث، مركز الدراسات العربية‬
                       ‫واإلفريقية، جامعة جواهر الل نهرو، نيو دلهي، الهند‬
    ‫ن. ك. أحمد المولوي، أبرز شعراء العربية من والية كيراال، الهند‬        ‫16.‬




                                   ‫212‬

						
Other docs by majallatulhind