Docstoc

موسوعة خطب المنبر 091

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 091 Powered By Docstoc
					                     ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
               ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                 ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                   ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                               ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
         ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
         ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
    ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                          ‫معين.‬


                                                    ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                            ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                ‫القيامة الكبرى‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫اإليمان‬
                                                                                    ‫اليوم اآلخر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد العزيز القرشي‬
                                                                                           ‫جدة‬
                                                                                ‫مسجد التوحيد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- قيام الساعة بغتة. 7- النفخة األولى. 3- النفخة الثانية. 4- الحشر. 1- أهوال يوم القيامة.‬
          ‫6- الشفاعة العظمى. 2- الحساب. 8- الحوض المورود. 9- العبور على الصراط.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                     ‫يعج‬
‫أيها اإلخوة، هذا الكون العجيب الغريب الذي نعيش فيه ُّ بالحياة واألحياء، في حركةٍ دائبةٍ ال‬
   ‫َ‬          ‫ت‬                                              ‫م‬                          ‫أ‬
‫تهدُ وال تتوقف، سيأتي عليه يو ٌ يفنى فيه من عليه ويهلك، يوم ينفخ في الصور فَ ُنْهي الحياة في‬
‫الله ُم‬           ‫ونف َ ف الص صع م ْ ف الس و وم ْ ف َ ْ ِال م‬
‫األرض والسماء، َ ُ ِخ ِي ُّورِ فَ َ ِقَ َن ِي َّمَا َاتِ َ َن ِي األرضِ إ َّ َنْ شَاءَ َّ ُ ث َّ‬
                                                                               ‫نف ف أ ْر ِ ُ ْ قي م ي ُر‬
                                                                ‫ُ ِخَ ِيهِ ُخ َى فَإذَا هم ِ َا ٌ َنْظ ُونَ [الزمر:86].‬
                                                                          ‫ة ة م‬
    ‫نفخ ٌ هائل ٌ مد ّرة، يسمعها المرء فال يستطيع أن يوصي بشيء، وال يقدر على العودة إلى أهله‬
      ‫ي ب ي نه و‬                 ‫به ب ه‬                  ‫الرج‬            ‫و ق َن الس عة َ‬               ‫رس ل الل‬
    ‫وخالنه، قَالَ َ ُو ُ َّهِ : (( َلَتَ ُوم َّ َّا َ ُ وقَدْ نَشَرَ َّ ُالنِ ثَوْ َ ُمَا َيْنَ ُمَا، فَال َتَ َا َعَا ِ ِ َال‬
  ‫يَطْ ِ َان ِ، َلَتَ ُوم َّ َّا َ ُ َقدْ انْ َرفَ َّج ُ ِلَ َنِ ِقْ َ ِه فَال َطْ َ ُ ُ، َلَتَ ُوم َّ َّا َ ُ وَهوَ ُِي ُ‬
  ‫وي ه و ق َن الس عة و َ ص َ الر ُل ب ب ل حت ِ ي عمه و ق َن الس عة ُ يل ط‬
     ‫ي ق ف ه و ق َن الس عة َ َ ْ َ حد ُ أ ه إ ف ِ‬                                                      ‫ح ضه‬
‫َوْ َ ُ ـ أي:يطينه ويصلحه ـ فَال َسْ ِي ِي ِ، َلَتَ ُوم َّ َّا َ ُ وقد رفَعَ أَ َ ُكمْ ُكْلَتَ ُ ِلَى ِيه فَال‬
                                                                                                                   ‫ي عم‬
                                                                                                ‫َطْ َ ُهَا)) رواه البخاري.‬
                  ‫ت ُ إال ب ة‬                  ‫ق ْ ف السم و ت و َ ْ‬
                  ‫كل هذا إشارة أن الساعة تأتي بغتة، ثَ ُلَت ِي َّ َا َا ِ َاألرضِ الَ تَأْ ِيكمْ ِ ّ َغْتَ ً‬
                                                                                                          ‫[األعراف:285].‬
       ‫ع ش مخ أ‬                    ‫ص ح الص م ْذ و ِّ ب م ِد ي ظر‬                  ‫ِن َ‬         ‫َ رس ل الل‬
     ‫قَال َ ُو ُ َّهِ : ((إ َّ طرْفَ َا ِب ُّور ُن ُ ُكلَ ِهِ ُسْتَع ٌّ َنْ ُ ُ نَحْوَ الْ َرْ ِ َ َافَةَ َنْ‬
                                        ‫ن د ِّي ن‬            ‫ي َد إ ه َ َفه َن ع ه‬                                ‫ي ََ‬
     ‫ُؤْمر قَبْلَ أَنْ َرْت َّ ِلَيْ ِ طر ُ ُ، كَأ َّ َيْنَيْ ِ كَوْكَبَا ِ ُر َّا ِ)) رواه الحاكم وقال: "صحيح اإلسناد"‬
                                                            ‫ووافقه الذهبي وهو في السلسلة الصحيحة (8205).‬
  ‫َ ن وح َ ه ه و غ س عه ي ِر ي م أ‬                                       ‫ص حب َ‬                  ‫َم َ َ‬       ‫ْ‬            ‫َ‬
‫وقَالَ : ((كَيفَ أَنْع ُ وقدْ الْتَقَمَ َا ِ ُ الْقرْنِ الْقرْ َ َ َنَى جبْ َتَ ُ َأَصْ َى َمْ َ ُ َنْتَظ ُ أَنْ ُؤْ َرَ َنْ‬
   ‫ق ل ح ب الله ون ْ و ل‬                             ‫م لم ن ْ ق ل ي رس الله‬                                  ‫ي ف َ ي فخ‬
  ‫َنْ ُخ فَ َنْ ُ َ؟!)) قَالَ الْ ُسِْ ُو َ: فَكَيفَ نَ ُو ُ َا َ ُولَ َّ ِ؟ قَالَ: (( ُوُوا: َسْ ُنَا َّ ُ َ ِعمَ الْ َكِي ُ،‬
                                                                              ‫َك عل الل ِ َب‬
                             ‫تَو َّلْنَا ََى َّه ر ِّنَا)) رواه الترمذي وهو في السلسلة الصحيحة (9205).‬
    ‫ع‬                                                                               ‫ي‬
  ‫هكذا َنفخ إسرافيل في الصور النفخة األولى، فيكون الصعق، ثم ينفخ الثانية، فيكون البعث، َنْ‬
       ‫ب هر ْ َ بع ن ي م ق ل‬                          ‫ل‬       ‫َ بع ن‬               ‫ب الن‬              ‫ُر ْر ع النب ِّ‬
      ‫أَبي ه َي َةَ َنْ َّ ِي قَالَ: (( َيْنَ َّفْخَتَيْنِ أرْ َ ُو َ))، قَاُوا: يَا أَ َا ُ َيرَةَ، أرْ َ ُو َ َوْ ًا؟ َا َ:‬
         ‫م‬        ‫ُل‬        ‫ب ت وي‬                    ‫َ بع ن ْر‬                ‫بت‬               ‫بع س ة‬                    ‫بت‬
       ‫أَ َيْ ُ، قَالَ: أَرْ َ ُونَ َنَ ً؟ قَالَ: أَ َيْ ُ، قَالَ: أرْ َ ُو َ شَه ًا؟ قَالَ: أَ َيْ ُ، (( َ َبْلَى ك ُّ شَيْءٍ ِنْ‬
                                                                ‫به ف ُ َكب ق‬                              ‫إ‬        ‫إل‬
                                          ‫ا ِنْسَانِ ِال عَجْبَ ذَنَ ِ ِ، ِيهِ ير َّ ُ الْخَلْ ُ)) رواه البخاري ومسلم.‬
  ‫و َّل م‬                   ‫ل ََ ل‬                 ‫ي معه َد إال‬             ‫ي خ ف الص ر‬             ‫َ رس ل الل‬
‫قَال َ ُو ُ َّهِ : (( ُنْفَ ُ ِي ُّو ِ، فَال َسْ َ ُ ُ أَح ٌ َّ أَصْغَى ِيتًا ورفَعَ ِيتًا))، قَالَ: (( َأَو ُ َنْ‬
                      ‫ي ق وي عق الن س ُم ُ ِل الله‬                             ‫ي معه ُل يل ط ح ْ إبله‬
      ‫َسْ َ ُ ُ رَج ٌ َُو ُ َوضَ ِ ِِ ِ))، قَالَ: ((فَ َصْعَ ُ َ َصْ َ ُ َّا ُ، ث َّ يرْس ُ َّ ُ ـ أَوْ قَالَ: ـ‬
      ‫ُم ي خ ف ه‬            ‫د الن‬        ‫بت م ه‬              ‫ِّل ن ن َّاك‬                  ‫ي ْ ِل الله َر نه َّل‬
      ‫ُنز ُ َّ ُ مَط ًا كَأَ َّ ُ الط ُّ أَوْ الظ ُّ ـ ُعْمَا ُ الش ُّ ـ، فَتَنْ ُ ُ ِنْ ُ أَجْسَا ُ َّاسِ، ث َّ ُنْفَ ُ ِي ِ‬
                                                                                       ‫أ ْر ِذ ُ قي م ي ُر ن‬
                                                                          ‫ُخ َى فَإ َا همْ ِ َا ٌ َنْظ ُو َ)) رواه مسلم.‬
    ‫ع ئ ة ُ ت رس الل الر ل َالنس ء‬                                   ‫ت َر ح ة ُر ُ ال‬
    ‫أيها الناس، ((ُحْش ُونَ ُفَا ً ع َاةً غرْ ً))، قَالَتْ َا ِشَ ُ: فَقلْ ُ: يَا َ ُولَ َّهِ، ِّجَا ُ و ِّ َا ُ‬
          ‫ش ر ن ح ُر‬                ‫ي ِم ُ ذ ِن ُ‬              ‫ْر َد م‬                       ‫ي ُر ب ض ُ إل ب ْض‬
       ‫َنْظ ُ َعْ ُهمْ َِى َع ٍ؟! فَقَالَ: ((األَم ُ أَش ُّ ِنْ أَنْ ُه َّهمْ َاكِ، إَّكمْ مَحْ ُو ُو َ ُفَاةً ع َاةً‬
       ‫ي‬                         ‫ق نع ده و ْد ع إن ُن عل‬                             ‫َد َّ‬                 ‫ُ ال ث َّ َر‬
    ‫غرْ ً))، ُم ق َأَ: كَمَا ب َأْنَا أَولَ خَلْ ٍ ُ ِي ُ ُ َع ًا َلَيْنَا ِ َّا ك َّا فَا ِِينَ [األنبياء:405]، ((ثم ُكسى‬
                                                                        ‫قي م إ ْر ه م‬                   ‫و َّل م ي س‬
                                                                     ‫العباد، َأَو ُ َنْ ُكْ َى يَوْمَ الْ ِ َا َةِ ِب َا ِي ُ)).‬
        ‫ي‬        ‫ت‬                                           ‫د‬          ‫م‬     ‫م‬            ‫م‬
‫يو ُ القيامة يو ٌ عظي ٌ أمره شدي ٌ هوله، ال يالقي العباد مثله، تزلزل األرض و ُدك، وتس ّر الجبال‬
            ‫ي‬                 ‫و‬                            ‫ت ج‬           ‫ج‬         ‫ت‬
  ‫و ُنسف، وتف ّر البحار وُس ّر، وتتشقق السماء وتمور، وتك ّر الشمس وتذهب، و ُخسف القمر،‬
                 ‫ت‬
       ‫وتنكدر النجوم، ويذهب ضوؤها، وينفرط عقدها، تذهل المرضع عن وليدها، و ُسقط الحامل‬
                    ‫م‬
  ‫حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب اهلل شديد، يو ٌ تشخص فيه األبصار،‬
        ‫ي م ِ ِبن‬           ‫َد م ْ ِم ي َد م َ‬
      ‫وترتفع القلوب إلى الحناجر، ويشيب فيه الولدان، يَو ُّ الْ ُجر ُ لَوْ َفْت ِي ِنْ عذَابِ َوْ ِئذٍ ب َ ِيه‬
                             ‫وص حبته و خ ه و ص ت الت ت و وم ْ ف َ ْض جم ُم ي ج‬
         ‫َ َا ِ َ ِ ِ َأَ ِي ِ َفَ ِيلَ ِهِ َّ ِي ُؤْ ِيهِ َ َن ِي األر ِ َ ِيعًا ث َّ ُنْ ِيهِ [المعارج:55-45].‬
                                                                                                              ‫مث‬
                                                               ‫ِّل لنفسك أيها الْمغرور…يوم القيامة والسماء تَمور‬
                                                                              ‫أ‬
                                                  ‫إذا كورت شَمس النهار وُدنيت…حتى على رأس العباد تسير‬
                                                        ‫وإذا النجوم تساقطت وتناثرت…وتبدلت بعد الضياء كدور‬
                                                        ‫وإذا البحار تفجرت من خوفها…ورأيتها مثل الْجحيم تفور‬
                                                                                ‫ي‬
                                                          ‫وإذا الجنين بأمه متعلق… َخشى القصاص وقلبه مذعور‬
                                                     ‫هذا بال ذنب يخاف جنينه…كيف المصر على الذنوب دهور‬
     ‫َ‬        ‫م إل‬       ‫ي ع الله ْ قي م َول ن و ِر َ ف صع د و حد ي مع ُ الد ع‬
  ‫(( َجْمَ ُ َّ ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ األ َِّي َ َاآلخ ِين ِي َ ِي ٍ َا ِ ٍ، فَ ُسْ ِ ُهمْ َّا ِي ـ ِنْ ا ِسْمَاعِ أيْ:‬
‫ف عل ه‬              ‫وي ُذ ُ ب َر م ْ ه َنه يح ب ِ الن ظ‬                        ‫َن ُ بح ث ِذ د ُ د سمع ه‬
‫أ َّهمْ ِ َيْ ُ إ َا َعَاهمْ َاعٍ َ ِ ُو ُ ـ، َ َنْف ُهمْ الْ َص ُ ـ َعنَا ُ: أ َّ ُ ُ ِيط ِهمْ َّا ِر الَ يَخْ َى ََيْ ِ‬
‫منْهمْ شَيْء; لِاسْتِ َاءِ الْأرْض لَيْسَ ِي َا مَا َسْتَ ِر ِهِ أَحَد َنْ َّاظ ِي َ ـ، َتَدْ ُو َّمْ ُ يوم الْ ِ َا َ ِ‬
‫قي مة‬            ‫و ن الش س‬          ‫ع الن ِر ن‬            ‫فه ي ت ب‬                       ‫و َ‬                        ‫ِ ُ‬
      ‫م ُ م‬            ‫لِْ ف ع‬               ‫يك ن الن س ع َ ْ‬                  ‫ْد‬        ‫ق َت ك ن م ُ‬                    ‫م‬
    ‫ِنْ الْخَلْ ِ، ح َّى تَ ُو َ ِنْهمْ كَمِق َارِ مِيلٍ، فَ َ ُو ُ َّا ُ َلَى قدرِ أَعْمَاِهم ِي الْ َرَقِ، فَ ِنْهمْ َنْ‬
     ‫وم ُ‬             ‫ب وم ُ م يك ن إ ر ب ه وم ُ م يك ن إل ح و ه‬                                           ‫يك ن إل‬
   ‫َ ُو ُ َِى كَعْ َيْهِ، َ ِنْهمْ َنْ َ ُو ُ ِلَى ُكْ َتَيْ ِ، َ ِنْهمْ َنْ َ ُو ُ َِى َقْ َيْ ِ ـ وسطه ـ، َ ِنْهمْ‬
       ‫مل ن يق ل‬                      ‫ي لغ الن م َم و ب م يط ق و‬                                     ‫م ي جمه ع ق إ ج‬
       ‫َنْ ُلْ ِ ُ ُ الْ َرَ ُ ِلْ َامًا، فَ َبُْ ُ َّاسَ ِنْ الْغ ِّ َالْكَرْ ِ َا الَ ُ ِي ُونَ َمَا الَ يَحْتَ ُِو َ، فَ َ ُو ُ‬
 ‫ُر ن م ي ع ل ُ إل‬                        ‫َ ب ُ‬                           ‫ُ فه‬                 ‫َر‬         ‫ب ْض الن لب ْض‬
‫َع ُ َّاسِ ِ َع ٍ: أَالَ ت َوْنَ مَا أَنْتمْ ِي ِ؟! أَالَ تَرَوْنَ مَا قدْ َلَغَكمْ؟! أَالَ تَنْظ ُو َ َنْ َشْفَ ُ َكمْ َِى‬
      ‫إل‬        ‫إل إ ْر ه‬       ‫إل ن ح‬       ‫ت ن َم‬              ‫يق ل ب ْض الن لب ْض ت َ‬                     ‫َب ُ‬
     ‫ر ِّكمْ؟! فَ َ ُو ُ َع ُ َّاسِ ِ َع ٍ: ائْ ُوا آدمَ، فَيَأْ ُو َ آد َ، ثم َِى ُو ٍ، ثم َِى ِب َا ِيمَ، ثم َِى‬
‫لُ ت ت ت‬                               ‫مح َّد‬      ‫ي‬         ‫ع‬            ‫د ل‬          ‫إل ع س‬        ‫م س‬
‫ُو َى، ثم َِى ِي َى، فيق ّم ك ُ واحدً منهم ُذرَه، ثم َأتونَ ُ َم ًا ))، قَالَ : ((فَأَنْطَِق فَآ ِي َحْ َ‬
‫ه‬            ‫َ‬         ‫َ ش َ ع س ِد ِ َب ُم ي ح الله عَي وي همن م َح ِد ح الث ع ه‬
‫الْعرْ ِ، فَأقَ ُ َاج ًا لر ِّي، ث َّ َفْتَ ُ َّ ُ َل َّ َ ُلْ ِ ُ ِي ِنْ م َام ِهِ وَ ُسْنِ َّنَاءِ َلَيْ ِ شَيْئًا لمْ يَفْتَحْ ُ‬
   ‫َب‬        ‫ت َف َ ُ ر س َق ل‬                                ‫َ ٍ ل ُم ي ل م َمد ْ ْ ر ك َ ت‬
  ‫ألَحد قَبِْي، ث َّ ُقَا ُ: يَا ُح َّ ُ، ارفَع َأْسَ َ، سلْ ُعْطَهْ، اشْفَعْ ُش َّعْ، فَأرْفَع َأْ ِي فَأ ُو ُ: يَا ر ِّ،‬
                                                                                                                     ‫ُمت ُمت‬
                                                                                                       ‫أ َّ ِي أ َّ ِي)) رواه مسلم.‬
      ‫هم‬         ‫وز نُ أ‬             ‫و َ ن ي مئ َق م ق‬                                            ‫ت‬             ‫ت صب‬
      ‫ُنْ َ ُ الموازين، ف ُوزن بها إعمال العباد، َالْوزْ ُ َوْ َ ِذٍ الْح ُّ فَ َنْ ثَ ُلَتْ مَ َا ِي ُه فَُولَئِكَ ُ ُ‬
                 ‫لم‬         ‫ن ب ت‬            ‫سر فسه ب‬                   ‫م ح ن وم َف و ز ن ُ أ ئ َّذ‬
  ‫الْ ُفْلِ ُو َ َ َنْ خ َّتْ مَ َا ِي ُه فَُولَ ِكَ ال ِينَ خَ ِ ُوا أَنْ ُ َ ُمْ ِمَا كَاُوا ِآيا ِنَا يَظِْ ُونَ [األعراف:8،‬
                          ‫ذ‬                   ‫ذ‬                         ‫ت َر الد ن‬
     ‫9]، و ُنش ُ َّواوي ُ، وهي صحائف األعمال، فآخ ٌ كتابه بيمينه، وآخ ٌ كتابه بشماله من وراء‬
                                                                                                                                ‫ظهره.‬
 ‫ْرف ذ ب‬             ‫يق ل ْرف ب َ‬                                                               ‫ي ب هلل‬
 ‫و ُحاس ُ ا ُ الخالئق، ويَخلو بعبدهِ المؤمن فيقرره بذنوبه، فَ َ ُو ُ: أَتَع ِ ُ ذَنْ َ كذَا؟ أَتَع ِ ُ َنْ َ‬
     ‫س ته ع َ ف‬                 ‫َ يق ل َ َ َب َت ِ ق َّ ه ِذن به َرأ ف س َنه ه َ‬
    ‫كذَا؟ فَ َ ُو ُ: نَعمْ أيْ ر ِّ، حَّى إذَا َررَ ُ ب ُُو ِ ِ و ََى ِي نَفْ ِهِ أ َّ ُ َلَك قَالَ: َتَرْ ُ َا َلَيْك ِي‬
 ‫ه د ؤالء‬              ‫يق ل‬         ‫ك ب حس ته وَم ك ِر و من ق‬                              ‫ْم ي‬                   ‫فر‬            ‫الد و‬
 ‫ُّنْيَا، َأَنَا أَغْ ِ ُهَا لَكَ الْيَو َ، فَ ُعْطَى ِتَا َ َ َنَا ِ ِ، َأ َّا الْ َاف ُ َالْ ُ َافِ ُونَ فَ َ ُو ُ األَشْ َا ُ: هَ ُ َ ِ‬
                                                                  ‫ة الل عل الظ لم ن‬                    ‫َّذ َ ب ع َبه‬
                                                                 ‫ال ِينَ كذَ ُوا َلَى رِّ ِمْ، أَالَ لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِي َ.‬
      ‫َ ت َار َ ف‬             ‫َب ْ قي مة‬                    ‫ل ي رس الل َ َ‬                       ‫ع ب ُر ْر َ‬
     ‫َنْ أَ ِي ه َي َة قَالَ: قَاُوا: َا َ ُولَ َّهِ، هلْ نرَى ر َّنَا يَومَ الْ ِ َا َ ِ؟ قَالَ: ((هلْ ُض ُّون ِي‬
‫َ ت َار َ ف ر ي ق َ ل لة‬                                  ‫ل‬       ‫س ْ ف ح بة‬                ‫ر ي الش ِ ف الظه‬
‫ُؤْ َةِ َّمْس ِي َّ ِيرَةِ لَيْ َت ِي سَ َا َ ٍ؟)) قَاُوا: الَ، قَالَ: ((فَهلْ ُض ُّون ِي ُؤْ َةِ الْ َمرِ َيَْ َ‬
   ‫ت َار َ ف ر ي َب ُ إال كم‬                  ‫و َّذ س ب َ‬                    ‫ل ال‬         ‫َ ف ح بة‬             ‫َْ‬
  ‫الْبدرِ لَيْس ِي سَ َا َ ٍ؟)) قَاُوا: َ، قَالَ: ((فَ َال ِي نَفْ ِي ِيدِهِ، الَ ُض ُّون ِي ُؤْ َةِ ر ِّكمْ َّ َ َا‬
    ‫َ ي ق ع ْ َ ق ل َ ُ َ أ ْر ك وأ ِّ ك وُ َو ك وأس ِّ‬                                    ‫ت َار َ ف ر ي ح هم‬
  ‫ُض ُّون ِي ُؤْ َةِ أَ َدِ ِ َا، قَال فَ َلْ َى الْ َبد فَيَ ُو ُ: أيْ فلْ، أَلمْ ُك ِمْ َ َُسَودْ َ َأز ِّجْ َ َُ َخرْ‬
 ‫َنك م َ ِي َق ل ال‬                     ‫يق ل َ‬                  ‫ْ و إلب وَ َ َ س و َ ع ق ل ب‬
‫لَكَ الْخَيلَ َا ِ ِلَ َأذرْكَ ترْأَ ُ َترْبَ ُ؟! فَيَ ُو ُ: َلَى، قَالَ: فَ َ ُو ُ: أفَظَنَنْتَ أ َّ َ ُالق َّ؟! فَي ُو ُ: َ،‬
         ‫م س ن ُم ي ق الث ن َ يق ل ْ ُ َ أ ْر ك وأ ِّ ك وُ َو ك‬                                          ‫ق ل ِن س‬
         ‫فَيَ ُو ُ: فَإ ِّي أَنْ َاكَ كَ َا نَ ِيتَ ِي، ث َّ َلْ َى َّا ِي فَ َ ُو ُ: أَي فلْ، أَلمْ ُك ِمْ َ َُسَودْ َ َأز ِّجْ َ‬
  ‫َنك م َ ِي‬               ‫ْ و إل ِ و َ َ س و َ ع ق ل بل َ ْ َب ق ل َ‬                                               ‫وأ ِّ‬
‫َُسَخرْ لَكَ الْخَيلَ َا ِبلَ َأَذرْكَ ترْأَ ُ َترْبَ ُ؟! فَيَ ُو ُ: ََى أي ر ِّ، فَيَ ُو ُ: أفَظَنَنْتَ أ َّ َ ُالق َّ؟!‬
       ‫َب‬        ‫يق ل‬                ‫س ن ُم ي ق الث ل َ ق ل ه م ْ‬                             ‫ق ل ال ق ل ِن س‬
      ‫فَيَ ُو ُ: َ، فَيَ ُو ُ: فَإ ِّي أَنْ َاكَ كَمَا نَ ِيتَ ِي، ث َّ َلْ َى َّاِث فَيَ ُو ُ لَ ُ ِثلَ ذَلِكَ، فَ َ ُو ُ: يَا ر ِّ،‬
    ‫ع يق ل ه هن‬                         ‫و ِرس ك و َل ت وص ت و َد ت وي ن ب ْ‬                            ‫م ت ك وبك‬
   ‫آ َنْ ُ بِ َ َ ِ ِتَابِكَ َب ُ ُلِ َ، َصَّيْ ُ َ ُمْ ُ َتَص َّقْ ُ، َ ُثْ ِي ِخَيرٍ مَا اسْتَطَا َ، فَ َ ُو ُ: َا ُ َا‬
   ‫عث ِد ع ك وي َّر ف سه م ذ َّذ ي َد عَي في َم‬                                                    ‫ُم ي ل ه‬                  ‫ِذ‬
   ‫إ ًا، قَالَ: ث َّ ُقَا ُ لَ ُ: اآلنَ نَبْ َ ُ شَاه َنَا َلَيْ َ، َ َتَفَك ُ ِي نَفْ ِ ِ: َنْ َا ال ِي َشْه ُ َل َّ؟! َ ُخْت ُ‬
    ‫َلَى ِي ِ َ ُقَا ُ ِفَخذِ ِ َلَحْ ِ ِ َعِظَا ِ ِ: انْطِ ِي، فَتَنْ ِق فَ ِ ُ ُ َلَحْ ُ ُ َعِظَا ُ ُ ِ َ َِ ِ، وذَلِكَ ُِعذ َ‬
    ‫ط ُ خذه و مه و مه بعمله َ لي ْ ِر‬                                  ‫ق‬        ‫ع ف ه وي ل ل ِ ه و مه و مه‬
 ‫ُ َم عل‬                                    ‫َّ ي ط الله ع ه‬                  ‫من ق َ‬                ‫م سه َ‬
‫ِنْ نَفْ ِ ِ، وذَلِكَ الْ ُ َافِ ُ، وذَلِكَ الذِي َسْخَ ُ َّ ُ َلَيْ ِ)) أخرجه مسلم. وفي روايةٍ له: ((فَيخْت ُ ََى‬
 ‫يق ل ب ْد‬               ‫َم‬            ‫ُم ي َل ب ه وب‬
‫ِي ِ، فَ ُقَا ُ ألَرْكَا ِ ِ: انْطِ ِي، قَالَ: فَتَنْطِ ُ بِأَعْمَاِهِ، قَالَ: ث َّ ُخَّى َيْنَ ُ َ َيْنَ الْكَال ِ، قَالَ: فَ َ ُو ُ: ُع ًا‬
                                                                        ‫ل‬          ‫ق‬                   ‫ق‬        ‫نه‬           ‫فه ي ل‬
                                                                                             ‫ع ُن ك ت أ ِل‬                  ‫ُن وس‬
                                                                                          ‫لَك َّ َ ُحْقًا، فَ َنْك َّ ُنْ ُ ُنَاض ُ)).‬
                            ‫اللهم خفف عنا أهوال هذا اليوم، واجعلنا فيه من السعداء، وألحقنا بالصالحين.‬
                                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                   ‫م‬                       ‫ت‬           ‫س‬             ‫ة‬                  ‫م‬
      ‫إذا كان يو ُ القيامة كانت ثرو ُ اإلنسان ورأ ُ ماله حسنا ِه، فإذا كانت عليه مظال ُ للعباد فإنهم‬
                  ‫ي‬
    ‫يأخذون من حسناته بقدر ظلمهم، فإن لم يكن له حسنات أو فنيت حسناته فإنه ُؤخذ من سيئاتهم‬
   ‫ٍ ي َل ه‬                     ‫ه مة خ م ع ض‬                                 ‫م‬        ‫رس ل الل‬                      ‫ت‬
   ‫ف ُطرح فوقَ ظهره، قَالَ َ ُو ُ َّهِ : (( َنْ كَانَتْ لَ ُ مَظْلَ َ ٌ ألَ ِيهِ ِنْ ِرْ ِهِ أَوْ شَيْء فَلْ َتَحَّلْ ُ‬
    ‫ه ع َل لح أخ م ه َ ْر مته وإ َ‬                                   ‫يك د ن ر و ِ َم إ‬                             ‫م ه َْ‬
  ‫ِنْ ُ الْيَوم قَبْلَ أَنْ الَ َ ُونَ ِي َا ٌ َالَ درْه ٌ، ِنْ كَانَ لَ ُ َم ٌ صَاِ ٌ ُ ِذَ ِنْ ُ بِقد ِ مَظْلَ َ ِ ِ، َِنْ لمْ‬
                                                          ‫ك ه حس ت أ ِ م َي ت حب ِ ح ِ ع ه‬
                                          ‫تَ ُنْ لَ ُ َ َنَا ٌ ُخذَ ِنْ س ِّئَا ِ صَا ِ ِه فَ ُملَ َلَيْ ِ)) رواه البخاري.‬
       ‫ح ض مس ة ْ م ؤه‬                    ‫الن ِي‬
       ‫وفي عرصات يوم القيامة الحوض المورود للنبي ، قَالَ َّب ُّ : (( َوْ ِي َ ِيرَ ُ شَهرٍ، َا ُ ُ‬
        ‫وك ز نه‬          ‫م ع َل ور حه يب م م‬                              ‫و‬                  ‫يض م اللب‬
  ‫أَبْ َ ُ ِنْ َّ َنِ ـ وفي رواية: ـ َأَحْلَى ِنْ الْ َس ِ، َ ِي ُ ُ أَطْ َ ُ ِنْ الْ ِسْكِ، َ ِي َا ُ ُ ـ أي:‬
‫ُ د َّ رج ل‬                                        ‫أ َد‬                 ‫نج لسم ء م َر م ه‬
‫أكوابه ـ كَ ُ ُومِ ا َّ َا ِ، َنْ ش ِبَ ِنْ َا فَالَ يَظْمَُ أَب ًا)) رواه البخاري، وقَالَ : ((أَالَ لَيذَا َن ِ َا ٌ‬
       ‫هُم ي ل ِنه ْ َ َدل ب ْ ك َق ل س ق‬                                     ‫ُ د ب ر َّال أ د ه‬                         ‫ع ح ض‬
      ‫َنْ َوْ ِي كَمَا يذَا ُ الْ َعِي ُ الض ُّ، ُنَا ِي ِمْ: أَالَ َل َّ، فَ ُقَا ُ: إ َّ ُم قدْ ب َُّوا َعدَ َ، فَأ ُو ُ: ُحْ ًا‬
                                                                                                                              ‫س ق‬
                                                                                                                ‫ُحْ ًا)) رواه مسلم.‬
                                                        ‫ل‬                                ‫ف‬
          ‫ثم ت ّكر اآلن ـ يا عبد اهلل ـ فيما يح ّ من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع‬
                ‫ك‬         ‫ي‬
 ‫بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغ ّظها، وقد ُلفت أن تمشي على‬
   ‫الصراط مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك وثقل ظهرك باألوزار المانعة لك من‬
                                                                  ‫المشي على بساط األرض فضالً عن حِدة الصراط.‬
 ‫َ ِ قل‬              ‫ِّر يم وش ال ي ُر َول ُ‬                        ‫جب‬          ‫ة َالر ِم ق‬                 ‫و ُ سل‬
‫قَالَ : (( َترْ َ ُ األَمَانَ ُ و َّح ُ، فَتَ ُومَانِ َنَ َتَيْ الص َاطِ َ ِينًا َ ِمَا ً، فَ َم ُّ أ َُّكمْ كَالْبرْق))، َا َ:‬
        ‫ْ ي ُر و َ ُ ف‬            ‫َ َ إل َ‬                        ‫َر ب ق‬                  ‫وُم َي‬               ‫قت بب‬
       ‫ُلْ ُ: ِأَ ِي أَنْتَ َأ ِّي، أ ُّ شَيْءٍ كَم ِّ الْ َرْ ِ؟ قَالَ: ((أَلمْ ترَوْا َِى الْبرْقِ كَيفَ َم ُّ َيرْجِع ِي‬
      ‫ل ُ و ِي ُ ِم عل‬                   ‫َ ْ ع ن ُم َر الر ُم َر الط ر و َد الرج ل ْر ب ِ‬
     ‫طرفَةِ َيْ ٍ؟! ث َّ كَم ِّ ِّيحِ، ث َّ كَم ِّ َّيْ ِ َش ِّ ِّ َا ِ، تَج ِي ِهمْ أَعْمَاُهمْ، َنَبُّكمْ قَائ ٌ ََى‬
 ‫ي ط ع الس ْ إال‬           ‫م ل عب د َت ج الر ُ ُ‬                      ‫ِ‬      ‫ِّر ق ل َب سِّ َل َت‬
 ‫الص َاطِ يَ ُو ُ: ر ِّ َلمْ سِّمْ، ح َّى تَعْجزَ أَعْ َا ُ الْ ِ َا ِ، ح َّى يَ ِيءَ َّجل فَالَ َسْتَ ِي ُ َّيرَ َّ‬
        ‫د ش‬            ‫ِّر ط ل ب م َل ة م م ة ب ْذ م أمر ب‬                                     ‫َف‬
      ‫زَحْفًا))، قَالَ: ((و ِي حَافَتَيْ الص َا ِ كَالَِي ُ ُعَّقَ ٌ، َأْ ُورَ ٌ ِأَخ ِ َنْ ُ ِ َتْ ِهِ، فَمَخْ ُو ٌ ـ‬
                             ‫ع‬            ‫ج وم ْد ٌ ف الن ر‬                  ‫ح طع‬
          ‫مجرو ٌ مق ّ ُ األعضاء ـ نَا ٍ، َ َك ُوس ِي َّا ِ)) أي: مدفو ٌ ومطروح. رواه مسلم.‬
     ‫فع‬                    ‫ي‬                                   ‫ُق‬
    ‫فإذا عبروا على الصراط و ِفوا على قنطرةٍ بين الجنة والنار، ف ُقتص لبعضهم من بعض، َ َن‬
  ‫ُص م من ن م الن ِ ي بس ن‬                            ‫رس ل الل‬               ‫ُ ْ ِي رض الله ع ُ‬           ‫ب سع‬
  ‫أَ َي َ ِيدٍ الْخدر َّ َ ِيَ َّ ُ َنْه قَالَ: قَالَ َ ُو ُ َّهِ : ((يَخْل ُ الْ ُؤْ ِ ُو َ ِنْ َّار فَ ُحْ َ ُو َ‬
      ‫َت ِذ‬           ‫ب ُ ْ ف الد‬           ‫ِم‬       ‫َنة َالن ر ي َص لب ضه م ب ْض‬                         ‫َ ةب‬           ‫ع‬
     ‫َلَى قَنْطرَ ٍ َيْنَ الْج َّ ِ و َّا ِ، فَ ُق ُّ ِ َعْ ِ ِمْ ِنْ َع ٍ مَظَال ُ كَانَتْ َيْنَهم ِي ُّنْيَا، ح َّى إ َا‬
 ‫ه ِّ ُوا َن ُّوا أ ِنَ لَ ُم ِي ُ ُولِ الْج َّ ِ، فَ َال ِي نَفْ ُ ُ َم ٍ ِي ِهِ ألح ُ ُمْ أَه َى ِ َن ِِه ِي الْج َّةِ ِنْ ُ‬
 ‫َن م ه‬           ‫َنة و َّذ س مح َّد ب َد َده ْد بم ْزل ِ ف‬                                ‫ُذب و ُق ُذ ه ْ ف دخ‬
                                                                                                  ‫َ ف الد‬      ‫بم ْزل‬
                                                                             ‫ِ َن ِِهِ كَان ِي ُّنْيَا)) رواه البخاري.‬
      ‫قب ف ألم ر ُل و ج م خ ْ الد ي‬                                 ‫الل ُم س‬            ‫َب ق َ ك ْم عث عب‬
     ‫ر ِّنا ِنِا عذَابَ َ يَو َ تَبْ َ ُ ِ َادَكَ، َّه َّ أَحْ ِنْ عَا ِ َتَنَا ِي ا ُ ُو ِ كِّهَا، َأَ ِرْنَا ِنْ ِزيِ ُّنْ َا‬
                                                                                                          ‫ِ ة‬           ‫وع‬
                                                                                                       ‫َ َذَابِ اآلخرَ ِ...‬

‫(5/3564)‬




                                                                                      ‫االعتبار بما مضى من األعمار‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                        ‫أعمال القلوب, اغتنام األوقات‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                                                       ‫الدمام‬
                                                                                                               ‫7/5/6745‬
                                                                                                               ‫جامع الهدى‬
                                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- زوال الدنيا. 7- انقضاء عام كامل. 3- ضرورة المحاسبة. 4- فوائد المحاسبة. 1- محاسبة‬
                                                                                                ‫السلف الصالح ألنفسهم.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
  ‫ثم أما بعد: عباد اهلل، إن الشمس التي تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب من مغربها تحمل أعظم‬
  ‫مشاهد االعتبار، فطلوعها ثم غيابها إيذان بأن الدنيا ليست دار قرار، وإنما هي إلى زوال وفناء‬
                                                             ‫ر‬
‫وبوار. هالل الشهر يظهر صغي ًا، ثم ينمو حتى يكتمل، وليس بعد التمام إال النقصان، ثم الزوال،‬
                                                                  ‫وهكذا عمر اإلنسان، بل والحياة كلها.‬
                                            ‫ن‬                 ‫ُغر‬            ‫تم‬
                                            ‫لكل شيء إذا ما َّ نقصان…فال ي َّ بطيب العيش إنسا ُ‬
                                        ‫هذي األمو ُ كما شاهدتها دو ٌ…من س ّه زم ٌ ساءته أزما ٌ‬
                                        ‫ن‬            ‫ر ن‬          ‫ل‬                ‫ر‬
‫أحبتي في اهلل، رحل عام ومضى، وطوى بساطه وانقضى، فليت شعري، ماذا أودعنا فيه؟! وماذا‬
                                       ‫ر‬
‫حفظ من أعمالنا؟! إن المؤمن ال بد وأن يعتبر بما م ّ في أيام عمره من أعمال، وبما انطوى عليه‬
               ‫كل‬                                                        ‫ب‬             ‫مر‬
   ‫ُّ السنين وذها ُ اآلجال، على أي حال سيلقى ربه الكريم المتعال؟! قال : (( ُّ الناس يغدو،‬
                                                                ‫ق‬          ‫م ق‬          ‫ع‬
  ‫فبائ ٌ نفسه ف ُوب ُها أو معت ُها)) رواه مسلم، فمنا من باع نفسه هلل، وانتصر على شيطانه وهواه،‬
              ‫ل‬                                                          ‫ه‬
  ‫ونال رضا اهلل و ُداه، فاجتهد بأعماله ليفوز مع الفائزين وينجو مع الناجين، فصّى لربه وصام،‬
               ‫ن‬                                                                   ‫د‬
  ‫وتص ّق بماله وابتعد عن فعل الحرام، ووصل رحمه وواسى الفقراء واأليتام، وم ّا غلبه شيطانه‬
                                      ‫ك‬                        ‫م‬                       ‫ت‬
‫وا ّبع هواه، وغرته نفسه وع ّت مصائبه وبلواه، وما تذ ّر أن اهلل سيحاسبه على ما آتاه، فوقع في‬
                                                                      ‫وحل المعاصي، وولج لجج اآلثام.‬
  ‫لذلك أحبتي في اهلل، ينبغي للمسلم أن يقف مع نفسه ويحاسبها محاسبة جادة قبل أن تحاسب، قال‬
      ‫عمر بن الخطاب: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا). ومعنى‬
     ‫المحاسبة كما قال الماوردي: "أن يتصفح اإلنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان‬
                                                                                 ‫د‬
‫محمو ًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه وانتهى عن عمل مثله" اهـ.‬
                                                               ‫د‬
                                       ‫أحبتي في اهلل، وللمحاسبة فوائد متع ّدة ومنافع متكاثرة، منها:‬
‫االطالع على عيوب النفس ومثالبها ونقائصها، فمن اطلع على عيب نفسه أنزلها منزلها وبادر في‬
                                                                                                 ‫إصالحها.‬
   ‫ومن هذه الفوائد أن يتعرف العبد على عظيم فضل اهلل ومنته عندما يقارن عظيم فضل اهلل إلى‬
                                     ‫ن‬
‫عظيم التفريط والتقصير في جنب اهلل، فيكون ذلك معي ًا لنفسه على ردعها، فيزكيها ويطهرها من‬
      ‫كل عمل يهلكها، قال تعالى: َأ َّا َنْ خَافَ مَقَام ر ِّ ِ َنَ َى َّفْسَ َنْ الْهَ َى فَإ َّ الْجَّةَ ه َ‬
      ‫و ِن َن ِي‬                     ‫َ َبه و ه الن ع‬                       ‫وَم م‬
                               ‫د‬
‫الْمَأْوَى [النازعات:04، 54]، قال مالك بن دينار: "رحم اهلل عب ًا قال لنفسه كل ليلة: ألست صاحبة‬
                 ‫د‬
          ‫كذا؟! ألست صاحبة كذا؟! ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب اهلل وكان لها قائ ًا" اهـ.‬
                               ‫ي‬
      ‫ومن هذه الفوائد أن المحاسبة تربي عند اإلنسان الضمير الح ّ داخل النفس، وتنمي الشعور‬
       ‫ر‬
‫بالمسؤولية ووزن األعمال بميزان دقيق هو ميزان الشرع، قال ابن القيم رحمه اهلل: "أض ّ األمور‬
                                                                              ‫ل‬
       ‫على المكّف إهمال المحاسبة واالسترسال، وتسهيل األمور وتمشيتها؛ فإنه يؤول بذلك إلى‬
         ‫الهالك، وهذا حال أهل الغرور، يغمضون أعينهم عن العواقب، ويتكلون على العفو، ولم‬
                                                      ‫يستطيعوا فطم أنفسهم عن مواقعة الذنوب" اهـ.‬
   ‫أيها األحبة في اهلل، إذا كان أرباب األعمال في الدنيا يجعلون المحاسبة والتدقيق والمراجعة من‬
  ‫أهم أسباب نجاحهم وربحهم في الدنيا، فما بالنا ال نجعل المحاسبة أهم أسباب ربحنا في اآلخرة،‬
    ‫َي َّذ ن من اتق الله و ُ س م َدم ل د َاتق الل ِن‬
    ‫واهلل تبارك وتعالى يقول: يَا أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ َلْتَنظرْ نَفْ ٌ َّا ق َّ َتْ ِغَ ٍ و َّ ُوا َّهَ إ َّ‬
           ‫ق ن‬           ‫ُ فس ُ أ ك ُم‬                        ‫َّذ س الل َ‬            ‫ك ن‬         ‫ر بم مل ن‬                 ‫الل‬
‫َّهَ خَبِي ٌ ِ َا تَعْ َُو َ وال تَ ُو ُوا كَال ِينَ نَ ُوا َّه فَأَنسَاهمْ أَن ُ َهمْ ُوْلَئِ َ ه ُ الْفَاسِ ُو َ [الحشر:85،‬
                             ‫95]، فكلنا في حاجة إلى محاسبة أنفسنا في الدنيا حتى ننظر ما قدمناه لغد.‬
                                             ‫ر‬
       ‫ولقد كان السلف رحمهم اهلل يحاسبون أنفسهم كثي ًا، وضربوا لنا أروع األمثلة في محاسبتهم‬
 ‫ألنفسهم، ولو حاولنا استقصاء ذلك لطال بنا المقام، وذلك ألنهم كانوا يربطون قلوبهم باهلل، وكأن‬
   ‫أجسادهم في األرض وقلوبهم في السماء، فلجموا أنفسهم عن التقصير وعاتبوها وإن وقعت في‬
 ‫اليسير، فعن أنس رضي اهلل عنه يقول: سمعت عمر بن الخطاب يومًا في حائط يكلم نفسه قائال:‬
                      ‫َّ اهلل أو ليعذبن‬
‫َّك)، وكان األحنف بن قيس‬                           ‫ُني‬            ‫خ خ‬
                                     ‫(عمر! أمير المؤمنين! ب ٍ ب ٍ، واهلل يا ب َّ الخطاب لتتقين‬
  ‫قد كبر سنه، فالموه على الصوم ألنه يضعفه، فقال: "إني أعده لسفر طويل"، وكان يقول لنفسه:‬
     ‫ي‬
‫"لم صنعتَ كذا يوم كذا؟!" ثم يؤلمها بأنواع ألم. قال ميمون بن مهران: "ال يكون الرجل تق ًا حتى‬
‫يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه"، وقال‬
  ‫حاتم األصم: "تعاهد نفسك في ثالث: إذا عملت فاذكر نظر اهلل إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع اهلل‬
       ‫منك، وإذا سك ّ فاذكر علم اهلل فيك"، قال بالل بن سعد: "ال تكن وليًا هلل في العالنية وعدو‬
   ‫َّه في‬                                                                       ‫ت‬
                                                                                                                     ‫السر".‬
   ‫أحبتي في اهلل، ها نحن قد ودعنا عامًا من عمرنا، رحل بال عودة، وفني بال بقاء، فما أسرع ما‬
           ‫مضى وانقضى، وما أعظم ما جمع وحوى، فكم من حبيب فارقنا، وكم من سيئات فيه قد‬
      ‫م‬                        ‫ر‬                   ‫ال‬
‫اجترحنا، وكم من عزيز أضحى ذلي ً، وكم غني أضحى فقي ًا، وكم من سليم أضحى سقي ًا، وكم‬
               ‫من حوادث عظام وباليا جسام مرت بنا، ولكن أين المعتبرون؟! وأين المستبصرون؟!‬
                                                                   ‫ل‬
       ‫أيها األحبة، إن األيام والّيالي خزائن لعأعمال ومراحل لعأعمار، تبلي الجديد وتقرب البعيد.‬
                                                 ‫إنا لنفرح باآلجال نقطعها…وكل يوم مضى يدني من األجل‬
                                                                       ‫د‬
                                       ‫فاعمل لنفسك قبل الْموت مجته ًا…فإنما الربح والْخسران في العمل‬
                                                                                                           ‫وصدق القائل:‬
                                                                               ‫ف‬            ‫ر‬
                                              ‫نسي ُ إلى اآلجال ِي كل لحظة…وأعمالنا تطوى وهن مراحل‬
                                                     ‫ترحل من الدنيا بزاد من التقى…فعمرك أيام وهن قالئل‬
  ‫فانظر ـ أيها األخ الحبيب ـ في صحائف أيامك التي خلت: ماذا ادخرت فيها آلخرتك؟! واخل‬
‫بنفسك وخاطبها: ماذا تكلم هذا اللسان؟! وماذا رأت العين؟! وماذا سمعت هذه األذن؟! وأين مشت‬
         ‫هذه القدم؟! وبماذا بطشت هذه اليد؟! فلنحاسب أنفسنا على الفرائض، ولنحاسب أنفسنا على‬
                ‫ث‬
  ‫المنهيات، ولنحاسب أنفسنا على الغفالت، فنحن نمتطي عربة الليالي واأليام، تح ّ بنا السير إلى‬
                                                        ‫ال‬
  ‫اآلخرة. سمع أبو الدرداء رج ً يسأل عن جنازة مرت، فسأل: من هذا؟ فقال أبو الدرداء رضي‬
                          ‫د‬
 ‫اهلل عنه: (هذا أنت)، يعني: أن الجميع إلى هذا المصير صائر فاستع ّ لذلك. ولما سئل أبو حازم:‬
‫كيف القدوم على اهلل؟ قال: "أما المطيع فكقدوم الغائب على أهله، وأما العاصي فكقدوم العبد اآلبق‬
                                                                                     ‫على سيده".‬
      ‫اعلموا ـ رحمني اهلل وإياكم ـ أن الليل والنهار مطيتان، يباعدانك من الدنيا، ويقربانك من‬
        ‫د‬                  ‫ن‬                   ‫د‬
 ‫اآلخرة، فطوبى لعبد انتفع بعمره. وسبحان اهلل! تتج ّد األعوام فنقول: إ ّ أمامنا عامًا جدي ًا، نراه‬
    ‫طويالً، لكن سرعان ما ينقضي، فطوبى لعبد انتفع بعمره، فاستقبل عامه الجديد بمحاسبة نفسه‬
    ‫على ما مضى، وتاب إلى اهلل عز وجل، وعزم على أن ال يضيع ساعات عمره إال في خير،‬
   ‫متذكرا قول نبيه: ((خيركم من طال عمره وحسن عمله)) حديث صحيح، الهجا بدعاء النبي :‬
       ‫((اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر)) حديث صحيح.‬
‫فنسأل اهلل العظيم أن يبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، إنه بر رؤوف‬
                                                                                          ‫رحيم.‬
                                                                        ‫م‬
                                                ‫وصلى اهلل على مح ّد وآله وأصحابه أجمعين...‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                         ‫لم ترد.‬

‫(5/4564)‬




                                                    ‫عاشورا بين العمل المشروع والعمل الممنوع‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                        ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                       ‫محمد بن سليمان المهوس‬
                                                                                           ‫الدمام‬
                                                                                  ‫جامع الحمادي‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- فضل شهر اهلل المحرم والصيام فيه. 7- فضل صيام عاشوراء. 3- الحكمة من صيام‬
                                        ‫ب‬
     ‫عاشوراء. 4- حكم صيام عاشوراء. 1- مرات ُ صيام عاشوراء. 6- اختالف الطوائف في‬
                                                                                            ‫ته‬
                                           ‫نظر ِ ِم ليومِ عاشوراء. 2- أحاديث ال تصح في يوم عاشوراء.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
‫َي َّذ ن من اتق الل َق ت ته و تم ُن‬
‫أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، يَا أ ُّهَا ال ِي َ آ َُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال َ ُوت َّ‬
            ‫ج‬       ‫ة‬      ‫م‬      ‫ن ن ة‬                                      ‫ِال و ُ م لم‬
    ‫إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705]، فتقوى اهلل عو ٌ و ُصر ٌ، وعل ٌ وحكم ٌ, وخرو ٌ من الغم‬
                                                                                 ‫ة‬             ‫ر‬
                                                                      ‫والمحنة، وتكفي ٌ للذنوب ونجا ٌ في اآلخرة.‬
       ‫د‬                  ‫ر‬        ‫ك‬       ‫م‬      ‫ر‬
‫عباد اهلل، لقد جعل اهلل فاتحة العام الهجري شه ًا عظي ًا مبار ًا هو شه ُ اهللِ المحرم، أح ُ األشهر‬
                    ‫ْر ف ك الل ْ‬                ‫عَ‬        ‫ِن ِد الشه ع ْ الله‬                                ‫ُر‬
           ‫الح ُم التي قال اهلل فيها: إ َّ ع َّةَ ُّ ُورِ ِندَ َّ ِ اثْنَا َشرَ شَه ًا ِي ِتَابِ َّهِ يَومَ خَلَقَ‬
                          ‫لم ف ِن فس ُ‬                     ‫الد ن ِّ ُ‬           ‫بعة ُ ُم‬             ‫الس و ت و ْض م‬
     ‫َّمَ َا ِ َاألر َ ِنْهَا أَرْ َ َ ٌ حر ٌ ذَلِكَ ِّي ُ الْقَيم فَلَا تَظِْ ُوا ِيه َّ أَنْ ُ َكمْ اآلية [التوبة:63]،‬
 ‫ْدة َذ ِجة و مح َّم‬                    ‫ة مول ت ذ‬                 ‫بعة ُرم‬               ‫ع َر ْر م‬             ‫الس ة‬
‫وقال : (( َّنَ ُ اثْنَا َش َ شَه ًا، ِنْهَا أَرْ َ َ ٌ ح ُ ٌ، ثَالثَ ٌ ُتَ َاِيَا ٌ: ُو الْقَع َ ِ و ُو الْح َّ ِ َالْ ُ َر ُ،‬
      ‫ب ب رض الله ع ه‬                                        ‫َرجب مض َّ ب ج د و ن‬
     ‫و َ َ ُ ُ َرَ الذِي َيْنَ ُمَا َى َشَعْبَا َ)) رواه البخاري من حديثِ أَ ِي َكْرَةَ َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ.‬
   ‫وقد بين النبي فضلَ اإلكثار من صيام النافلة فيه، فقد روى أبو هريرة َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ َّ النبي‬
   ‫َّ‬    ‫رض الله ع ه أن‬
    ‫ة الل ْل‬     ‫ْر الل مح َّم وَ َل الص ة ب ْ َر ضة‬                         ‫َ ضل الص ب ْ رم‬
  ‫قال: ((أفْ َ ُ ِّيَامِ َعدَ َ َضَانَ شَه ُ َّهِ الْ ُ َر ُ، َأفْض ُ َّال ِ َعدَ الْف ِي َ ِ صَال ُ َّي ِ))‬
                                                                                                               ‫رواه مسلم.‬
                           ‫ٍ‬                ‫ع‬        ‫ص‬
    ‫ومن األزمنة ـ يا عباد اهلل ـ التي خ ّها الشر ُ الحكيم بمزيد فضل في شهر اهلل المحرم يوم‬
                              ‫خ‬               ‫ه‬        ‫ن‬     ‫ر‬
‫عاشورا، والذي يتعلق بهذا اليوم أمو ٌ يحس ُ التنبي ُ لها في هذه ال ُطبةِ إن شاء اهلل تعالى، فمنها:‬
 ‫م ر ت الن ِي‬              ‫َب رض الله ع هم‬                    ‫ع‬                                   ‫ال‬
 ‫أو ً: الفضل الوارد في صيام يوم عاشورا: َنْ ابْنِ ع َّاسٍ َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ َا قَالَ: َا َأَيْ ُ َّب َّ‬
                                ‫ْ إال َذ ْم ْ ش ر ء‬                           ‫ْ َض ه عل‬              ‫ي َر ص‬
   ‫َتَح َّى ِيَامَ يَومٍ ف َّلَ ُ ََى غَيرِهِ ِ ّ ه َا الْيَو َ: يَومَ عَا ُو َا َ، وعن أبي قتادةَ رضي اهلل عنه‬
                                          ‫ب‬                                  ‫أن رجالً سأل النبي‬
    ‫َّ عن صيام يومِ عاشورا فقال: ((أحتس ُ على اهللِ أن يكفرَ السنةَ التي قبله))‬
                ‫ة‬                      ‫م‬
‫رواه مسلم. وهذا من فضل اهلل علينا أن أعطانا بصيام يو ٍ واحد تكفيرَ ذنوبِ سن ٍ كاملة، واهلل ذو‬
                                                                                                          ‫الفضل العظيم.‬
   ‫َ ِ الن ِي َد َ َرأ‬                 ‫َب رضي َّه ع هم‬                     ‫ع‬
  ‫ثانيًا: الحكمة من صيام هذا اليوم: َنْ ابْنِ ع َّاسٍ َ ِ َ الل ُ َنْ ُ َا قَالَ: قدمَ َّب ُّ الْم ِينَة ف ََى‬
         ‫َ ْم لح َذ ْم َج الله بن‬                        ‫ل‬          ‫م َ‬               ‫ش رء‬               ‫يه د ص م‬
        ‫الْ َ ُو َ تَ ُو ُ يَوْمَ عَا ُو َا َ، فَقَالَ: (( َا هذَا؟)) قَاُوا: هذَا يَو ٌ صَاِ ٌ، ه َا يَو ٌ ن َّى َّ ُ َ ِي‬
      ‫ص مه و َر بص مه‬                  ‫َق بم س م ُ‬                            ‫مه م س‬            ‫م َ ُوه‬           ‫إ ْر‬
‫ِس َائِيلَ ِنْ عد ِّ ِمْ، فَصَا َ ُ ُو َى، قَالَ: ((فَأَنَا أَح ُّ ِ ُو َى ِنْكمْ))، فَ َا َ ُ َأَم َ ِ ِيَا ِ ِ. رواه‬
                                                                                                         ‫البخاري ومسلم.‬
                       ‫م‬              ‫ر‬         ‫ء‬                              ‫ح ْم‬
    ‫ثالثا: ُك ُ صيام يوم عاشورا: اتفق العلما ُ أو جمهو ُهم على أن صيا َه من المستحبات وليس‬
        ‫مه فلم ُ ِض‬                          ‫أن‬               ‫ة‬
        ‫من الواجبات؛ لما روت عائش ُ رضي اهلل عنها َّ النبي صامه وأمر بصيا ِ ِ، َّا افتر َ‬
                   ‫ه‬                                      ‫ُر‬
    ‫رمضان كان هو الفريضة، وت ِكَ عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء ترك ُ. رواه البخاري.‬
       ‫ث‬                             ‫م‬                                      ‫مه‬      ‫ب‬
       ‫رابعًا: مرات ُ صيا ِ ِ: ذكر ابن القيمِ رحمه اهلل في زادِ ال َعاد أن صيامَ عاشوراء على ثال ِ‬
                                                                                                                    ‫مراتب:‬
                                                                ‫ر‬        ‫ع‬                     ‫ة‬
                                      ‫المرتب ُ األولى: صوم ُ التاس ِ والعاش ِ والحادي عشر؛ وهذا أكملها.‬
‫ن َب س‬                ‫مه‬         ‫ِ‬           ‫ً‬
‫المرتب ُ الثاني ُ: صو ُ التاس ِ والعاش ِ، وذلك مخالفة ألهل الكتاب في صيا ِ ِ، فقد روى اب ُ ع َّا ٍ‬
                                                          ‫ر‬        ‫ع‬       ‫م‬     ‫ة‬        ‫ة‬
‫ش ر ء و َ بصي م ِ ل ي رس الله ِنه‬                                    ‫ح ن ص رس ل الل‬              ‫رض الله ع ه‬
‫َ ِيَ َّ ُ َنْ ُمَا قال: ِي َ َامَ َ ُو ُ َّهِ يَوْمَ عَا ُو َا َ َأَمرَ ِ ِ َا ِه قَاُوا: َا َ ُولَ َّ ِ، إ َّ ُ‬
  ‫ْم‬            ‫الله ص‬         ‫ع م م ِل إ‬                     ‫ِ‬         ‫رس ل الل‬            ‫ْم ت َظمه يه د َالن ر‬
  ‫يَو ٌ ُع ِّ ُ ُ الْ َ ُو ُ و َّصَا َى، فَقَالَ َ ُو ُ َّهِ : ((فَإذَا كَانَ الْ َا ُ الْ ُقْب ُ ِنْ شَاءَ َّ ُ ُمْنَا الْيَو َ‬
                                                ‫َ ت م م بل َت ت ُف َ رس ل الل‬                                          ‫الت‬
                                 ‫َّاسِع))، قَالَ: فَلمْ يَأْ ِ الْعَا ُ الْ ُقْ ِ ُ ح َّى ُو ِّي َ ُو ُ َّهِ . رواه مسلم.‬
                                                                                  ‫ه‬      ‫ر‬       ‫م‬     ‫ة‬        ‫ة‬
                                                                                 ‫المرتب ُ الثالث ُ: صو ُ العاش ِ وحدَ ُ.‬
              ‫د‬           ‫ي ظمه‬                              ‫ته‬
 ‫خامسًا: اختالف الطوائف في نظر ِ ِم ليومِ عاشوراء: فمنهم من ُعَ ّ َ ُ ويجعله عي ًا، يلبسون فيه‬
 ‫قت‬                 ‫ن علي‬                                        ‫ِذ‬
‫أجمل الثيابِ، ومنهم من يتخ ُ ذلك اليوم مأتمًا وحزنا؛ لكونِ الحسي ِ بنِ ٍّ رضي اهلل عنهما ُ ِل‬
‫فيه، فيجعلونه مأتما وعويال ونياحة ولطما للصدور وضربا بالسيوف على الرؤوس وإسالة للدماء‬
                  ‫ِ‬           ‫ة‬                 ‫ح‬
    ‫ووضعا للسالسل في األعناق، ومنهم من يفر ُ بذلك اليوم شمات ً بقتل الحسين رضي اهلل عنه،‬
                        ‫َّ عن سواءِ السبيل. وهدى اهلل أهلَ اإلسالمِ للحق‬
      ‫ِّ، فصاموا ذلك اليوم‬                                                 ‫ضل‬
                                                                      ‫وكل ذلك قد َّ وأضل‬
                 ‫ن‬             ‫هلل‬                            ‫ع‬           ‫حب‬            ‫ه‬
                ‫اقتداء بنبي ِم ، ولم يص َ ُوا ذلك بنو ٍ من المحدثاتِ التي ما أنزلَ ا ُ بها من سلطا ٍ.‬
             ‫د‬      ‫ت‬            ‫ة‬
      ‫فاحتسبوا ـ عباد اهلل ـ في صيام عاشوراء رجاء أن تشملكم رحم ُ اهلل ومغفر ُه، وج ّدوا هلل‬
                                                                                              ‫تعالى التوبة في كل حين.‬
                                                                ‫اللهم تب علينا واعف عنا وتجاوز عن خطيئاتنا.‬
        ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                  ‫ر‬        ‫ه‬                 ‫د‬
    ‫الحم ُ هللِ على إحْسان ِ، والشك ُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله اهلل وحدَه ال شريك له‬
                                                        ‫د د‬
      ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محم ًا عب ُه ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                                        ‫وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.‬
              ‫ح‬                        ‫ت‬              ‫أن‬
    ‫أما بعد: فاعلموا ـ يا عباد اهلل ـ َّ هناك أحاديثَ ُروى في يوم عاشوراء ال ص ّة فيها وال‬
              ‫ة ح‬         ‫ء‬             ‫ة‬                         ‫ذ أن‬
          ‫أصل لها، فمن ذلك ما ُكر َّ في يوم عاشوراء كانت توب ُ آدم، واستوا ُ سفين ُ نو ٍ على‬
     ‫الجودي، ور ّ يوسف على يعقوبَ عليهما السالم, وفدا ُ إسماعيل بالكبش، وكسو ُ شمسِ يو ِ‬
     ‫م‬         ‫ف‬                      ‫ء‬                                     ‫د‬
       ‫ث‬                ‫ر‬                    ‫ر‬                    ‫ِ‬
 ‫عاشوراء لمقتلِ الحسين رضي اهلل عنه، وظهو ُ لون الدم في األشجا ِ واألحجار، وحدي ُ: ((من‬
           ‫م‬                ‫ث‬                    ‫وس هلل ه‬              ‫ل َ‬            ‫وس‬
‫َّع على أهِهِ يوم عاشوراء َّع ا ُ علي ِ سائر السنة))، وحدي ُ: ((من اغتسل يو َ عاشوراء لم‬
‫يمرض ذلك العام)) إلى غير ذلك من األحاديث واألخبار المكذوبة التي يستحي المسلم من ذكرها.‬
  ‫نسأل اهلل أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم، وأن يحيينا على اإلسالم ويميتنا على اإليمان، وأن‬
                                                        ‫ي‬
        ‫يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله أن ُعينَنا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا‬
                                                                                                     ‫ويجعلنا من المتقين.‬
             ‫ز‬
     ‫أال وصلوا وسلموا ـ رحمكم اهلل ـ على النبي الكريم كما أمركم بذلك المولى العزي ُ الرحيم،‬
    ‫َل ع ه وسلم‬              ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبي َي َّذ من‬                                   ‫ال‬
 ‫فقال تعالى قو ً كريما: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِينَ آ َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ‬
                                                                                                                            ‫ل‬
                                                                                                          ‫تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                                                                   ‫صل‬
       ‫اللهم ِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد اهلل، وارض اللهم عن خلفائه‬
           ‫الراشدين وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم‬
                                                                                                ‫برحمتك يا أرحم الراحمين...‬

‫(5/1564)‬




                                                                                                           ‫االنسالخ من آيات اهلل‬
                                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                          ‫الفتن, القرآن والتفسير‬
                                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫إسماعيل الحاج أمين نواهضة‬
                                                                                                                                 ‫القدس‬
                                                                                                                     ‫87/55/6745‬
                                                                                                                   ‫المسجد األقصى‬
                                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- نبأ الذي انسلخ من آيات اهلل تعالى. 7- صور من االنسالخ من آيات اهلل. 3- قضية الحكم‬
                                                       ‫بما أنزل اهلل. 4- حال الشعب الفلسطيني وأرض فلسطين.‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
     ‫ون و ش‬                ‫َعه الش ن ن م‬                        ‫س م‬             ‫ه ت‬                ‫و ل ع ه ب َّذ‬
‫قال تعالى: َاتْ ُ َلَيْ ِمْ نَ َأَ ال ِي آتَيْنَا ُ آيَا ِنَا فَان َلَخَ ِنْهَا فَأَتْب َ ُ َّيْطَا ُ فَكَا َ ِنْ الْغَا ِي َ َلَوْ ِئْنَا‬
    ‫لرفَعْنَا ُ ِهَا َلَك َّ ُ أَخْلدَ إلى األر ِ و َّبَ َ هَ َا ُ فَ َثَُ ُ كَ َثلِ الْكَلْبِ ِنْ تَحْملْ َلَيْ ِ َلْ َثْ أَوْ َتْ ُكْ ُ‬
    ‫تر ه‬             ‫ِ ع ه يه‬                ‫إ‬             ‫َ ْض َات ع و ه م له م َ‬                       ‫َ َ ه ب و ِنه َ‬
     ‫َلْ َثْ ذَلِ َ َث ُ الْقَومِ ال ِي َ ك َّ ُوا بِآ َا ِنَا فَاقْصصْ الْقَصصَ لَعَّ ُمْ َتَفَك ُو َ َاءَ َثَ ً الْقَو ُ ال ِي َ‬
     ‫َله ي َّر ن س م ال ْم َّذ ن‬                         ‫َ‬        ‫ُ‬         ‫ك م َل ْ َّذ ن َذب ي ت‬                           ‫يه‬
                                                                            ‫لم‬        ‫َذب ب ي ت وأ فس ُ ن‬
                                                      ‫ك َّ ُوا ِآ َا ِنَا ََن ُ َهمْ كَاُوا يَظِْ ُونَ [األعراف:125-225].‬
   ‫أيها المؤمنون، يا أتباع محمد ، إنه مشهد عجيب ومثل لالنحراف عن الفطرة السوية والنكوص‬
  ‫عن آيات اهلل بعد العلم بها واالطالع عليها، ذلك الرجل الذي آتاه اهلل آياته فكفر بها وانسلخ منها‬
   ‫وتبرأ، ولصق باألرض واتبع الهوى، فلم يستمسك بالميثاق األول، وال باآليات الهادية، فاستولى‬
  ‫عليه الشيطان، وأمسى مطرودا من حمى اهلل ورحمته، ال يهدأ له بال، وال يطمئن له قلب، ذلك‬
                                                                                                               ‫مثلهم.‬
‫فلقد كانت آيات اهلل الهادية وبذور اإليمان متلبسة بفطرتهم، فانسلخوا منها انسالخا، ويهبطون عن‬
    ‫مكان اإلنسان إلى مكان الحيوان، مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين والوحل والتراب. وكان‬
 ‫لهؤالء من اإليمان جناح يطيرون به إلى الجنات العلى، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين،‬
                                       ‫لم ن‬         ‫م َّذ ن َذب ب ت و فسه ن‬                                       ‫سء م‬
                                       ‫َا َ َثَالً الْقَوْ ُ ال ِي َ ك َّ ُوا ِآيَا ِنَا َأَن ُ َ ُمْ كَا ُوا يَظِْ ُو َ‬
         ‫أيها المؤمنون، وهل يوجد مثل أسوأ من هذا المثل؟! وهل يوجد شيء أسوأ من الخروج‬
  ‫واالنسالخ من اإليمان؟! وهل يوجد مثل أسوأ من اللصوق باألرض واتباع الهوى؟! وهل يظلم‬
  ‫إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذ ويدعها عرضا للشيطان؛ يضلها ويهبط بها إلى عالم‬
                             ‫الحيوان الالصق باألرض الحائر القلق الالهث لهاث الكالب أبدا؟!‬
 ‫أيها المؤمنون، وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب إال‬
    ‫هذا القرآن الكريم، الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه تنزيل من حكيم حميد. هذا‬
   ‫القرآن الذي قال عنه حامل الوحي ومبلغ الرسالة وقائد الخلق إلى الحق والهادي إلى الصراط‬
‫المستقيم صراط اهلل الذي له ما في السموات واألرض: ((إن هذا القرآن مأدبة، فتعلموا من مأدبته‬
    ‫ما استطعم، وإن هذا القرآن حبل اهلل، وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لن تمسك به،‬
   ‫ونجاة لمن تبعه، ال يعوج فيقوم، وال يزيغ فيستعتب، وال تنقضي عجائبه، وال يخلق على كثرة‬
  ‫الرد، فاتلوه فإن اهلل يأجركم على تالوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني ال أقول: الم حرف،‬
                                                        ‫ولكن ألف عشر، والم عشر، وميم عشر)).‬
     ‫أيها المسلمون، وأعود إلى سياق اآليات التي تلوتها وأقول: فهل هذا هو نبأ يتلى، أم أنه مثل‬
   ‫يضرب في صورة النبأ ألنه يقع ويتكرر كثيرا في مجتمعنا، فهو من هذا الجانب خبر يروى؟!‬
‫وقد ذكرت كتب التفسير روايات كثيرة حول هذا النبأ، مضمون بعضها يدور حول قصة رجل من‬
                                                                   ‫د‬
 ‫نبي إسرائيل كان ي ّعي الصالح واإليمان، ويتظاهر بالتقوى والورع، وأنه على دين موسى عليه‬
   ‫السالم، فأرسله موسى إلى ملك مدين، وكان هذا الملك مشركا يدعوه إلى اإليمان، فما كان من‬
     ‫هذا الملك إال أن قرب هذا الداعية وأالن له القول، ورشاه باألموال وأغراه بالهدايا والتحف،‬
 ‫ووعده بالجاه والسلطان، فما كان من هذا الداعية وهذا الرجل المرائي إال أن النت نفسه وخارت‬
‫قواه وسقطت عزيمته وسال لعابه، فتابع الملك على دينه، وكفر بدين موسى عليه السالم مع علمه‬
 ‫بأن دين موسى على الحق ودين الملك على الباطل، فانكشف أمره وظهر على حقيقته. وهكذا ـ‬
     ‫أيها المسلمون ـ يكون مصير كل مدع أو متستر وراء الدين أو متاجر به، ال بد أن يكتشف‬
                                                                                       ‫ر‬
                                       ‫س ّه، فيظهر زيفه وبطالنه، وتنجلي حقيقته أمام الناس.‬
‫وقد جاء في بعض األحاديث أن هذا الرجل ممن آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، وأن له أشعارا ربانية‬
                                                                                       ‫ح‬
                                           ‫و ِكَما وفصاحة، ولكن اهلل لم يشرح صدره لإليمان.‬
  ‫أيها المؤمنون، جاء عن حذيفة بن اليمان بإسناد جيد أن رسول اهلل قال: ((إن مما أتخوف عليكم‬
  ‫رجال قرأ القرآن حتى إذا رأيت بهجته عليه وكان رداؤه اإلسالم اعتراه إلى ما شاء، انسلخ منه‬
‫ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك))، قال: قلت: يا بني اهلل، أيهما أولى‬
                                                       ‫بالشرك: المرمي أو الرامي؟! قال: ((بل الرامي)).‬
‫أيها المسلمون، ويتوجب علينا نحن المسلمين أن نستفيد من هذا النبأ، نبأ الذي آتاه اهلل آياته فانسلخ‬
‫منها، فهو يمثل حال الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وحال الذين يكذبون بآيات اهلل بعد أن تبين‬
   ‫لهم فيعرفوها، ثم ال يستقيموا عليها وال يعملوا بها، ما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر!‬
 ‫وما أكثر الذين يعطون علم دين اهلل ثم ال يهتدون به! إنما يتخذون هذا العلم وهذه المعرفة وسيلة‬
                   ‫ع‬         ‫ي‬       ‫ت‬       ‫ِن َّذ ي ِد َ ف‬
 ‫لتحريف الكلم عن مواضعه، قال تعالى: إ َّ ال ِينَ ُلْح ُون ِي آيَا ِنَا ال َخْفَوْنَ َلَيْنَا [فصلت:04].‬
‫أيها المسلمون، وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين اهلل ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها، ويستخدم‬
‫علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة، ولمن؟! للحاكم الظالم ولسلطان األرض الزائل،‬
 ‫يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان اهلل وحرماته. لقد رأينا من هؤالء من يعلم‬
                              ‫اد‬
‫ويقول: "إن التشريع حق من حقوق اهلل سبحانه، من ادعاه فقد َّعى األلوهية، ومن ادعى األلوهية‬
                                                             ‫ق‬             ‫ر‬
    ‫فقد كفر، ومن أق ّ له بهذا الح ّ وتابعه فقد كفر أيضا"، ومع ذلك ومع علمه بهذه الحقيقة التي‬
                                                               ‫ك‬
                        ‫يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يتن ّر لما كان يقوله باسم االجتهاد والتجديد.‬
 ‫أيها المسلمون، وإذا كان البعض يفهم أن االجتهاد هو تبديل حكم اهلل واألخذ بحكم البشر وتطبيق‬
  ‫شريعة الغرب بدال من شريعة اهلل تعالى فليعلنها صراحة وال يلبس على العامة، وال يخادع اهلل،‬
                                ‫دع ُ‬       ‫ي دع الله وه‬
                ‫فإن من يخادع اهلل تعالى فقد قال تعالى: ُخَا ِ ُونَ َّ َ َ ُوَ خَا ِ ُهمْ [النساء:745].‬
     ‫إن الدعوة إلى االجتهاد والتلويح بإمكانية تغيير الثوابت الشرعية عن طريقه هي دعوة ضالة‬
                                                                                   ‫ل‬
            ‫مضّة محكوم عليها بالفشل، ولن تجد لها صدى في صفوف الفقهاء الصادقين والعلماء‬
                                                                   ‫ع‬
                                               ‫المخلصين، فالحق أبلج واضح، يش ّ نوره، وتعلو منارته.‬
     ‫س م ه بعه‬                         ‫ه يت‬               ‫َّذ‬
     ‫أيها المؤمنون، فماذا يكون هذا إال أن يكون مصداقا لنبأ: ال ِي آتَيْنَا ُ آ َا ِنَا فَان َلَخَ ِنْ َا فَأَتْ َ َ ُ‬
                                                                      ‫ون‬            ‫الش ن ن م‬
 ‫َّيْطَا ُ فَكَا َ ِنْ الْغَا ِي َ؟! ولو شاء اهلل لرفعه إلى مرتبة العلماء العاملين، ولكنه سبحانه لم يشأ‬
‫ذلك؛ ألن هذا الرجل أخلد إلى األرض واتبع هواه ولم يتبع الحق. وقد أمر اهلل رسوله أن يتلو هذا‬
 ‫النبأ على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات اهلل؛ كي ال ينسلخوا منها وقد أوتوها، ثم ليبقى هذا‬
 ‫النبأ من بعده ومن بعد قومه قرآنا يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم اهلل شيئا أن ينتهوا إلى هذه‬
   ‫النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي ال ينقطع أبدا، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم‬
                                                                                      ‫الذي ال يظلمه عدو لعدو.‬
 ‫إن األحكام الشرعية في أساسيات هذا الدين ثابته ال تتغير وال تتبدل، وإن تأويلها أو تحريفها من‬
                      ‫قبل البعض لتتفق مع الهواء واألغراض والمصالح الذاتية لهو الضالل المبين.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
         ‫أيها المسلمون، إن الناظر إلى حال المسلمين هنا وهناك وإلى واقع منطقتنا وواقع شعبنا‬
    ‫الفلسطيني يشاهد عواصف تعصف، ورياحا عاتية تهب من كل جانب، وأحداثا تتوالى. وهذا‬
                                                             ‫وذاك يتطلب منا التذكير باآلتي:‬
‫إن الدوامات والعواصف التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة المتمثلة باالغتياالت وحمالت‬
    ‫االعتقال المستمرة وتدمير البيوت وقلع األشجار وإقامة المستوطنات ومصادرة األراضي هنا‬
‫وهناك واالستمرار في بناء جدار الفصل العنصري الذي يقتطع حوالي 17 في المائة من األرض‬
   ‫الفلسطينية وإقامة منطقة عازلة شمال غزة وتدمير البنية التحتية لالقتصاد الفلسطيني مما يعمل‬
‫على نشر الفقر والبطالة، وأخيرا يشجع على الهجرة من هذه البالد، ونخص بالذكر ما تتعرض له‬
    ‫مدينة القدس على جميع المستويات، من أبرزها تغيير المعالم التاريخية والدينية وهدم البيوت‬
 ‫واالعتداء على األماكن المقدسة فيها، وفي مقدمتها المسجد األقصى المبارك أولى القبلتين وثالث‬
                                                             ‫المساجد التي تشد إليها الرحال.‬
 ‫إن المسجد األقصى تخطط له أمور سوف ال تحمد عقباها إن حصلت أو نفذت، فالحفريات قائمة‬
‫في أسفله وفي محيطه، والجدير بالذكر أن المقابر اإلسالمية في القدس وغيرها لم تسلم هي أيضا‬
‫من اعتداءات متكررة على حرمتها، كما حصل سابقا في مقبرة "مأمن اهلل" أقدم مقبرة إسالمية في‬
      ‫مدينة القدس، وهي تضم قبورا لبعض الصحابة والتابعين والعلماء واألجالء، فقد صودرت‬
     ‫مساحات كبيرة منها، أقيمت عليها الفنادق، وفتحت منها الشوارع، ومدت من خاللها شبكات‬
 ‫المجاري. واليوم تنوي المؤسسة اإلسرائيلية إقامة ما يسمى بـ"متحف التسامح" على ما تبقى من‬
     ‫أرضها، وأين هذا التسامح الذي سيكون على حساب حقوق المسلمين ومشاعرهم ومقدساتهم‬
                                 ‫وتاريخهم؟! إنه اعتداء صارخ على كرامة األحياء واألموات.‬
        ‫أيها المسلمون، إن مدينة القدس ومعها األرض الفلسطينية تبدو وكأنها منسية عند العرب‬
 ‫والمسلمين، ال مكان لها في اإلعالم العربي واإلسالمي، وهي في طريقها إلى العزل الكامل عن‬
 ‫بقية المدن والقرى الفلسطينية، بحيث سوف ال يتمكن أحد من الوصول إليها والصالة في المسجد‬
 ‫األقصى، وعلى ضوء على ذلك نقول: إذا لم تكن القدس أوال والمسجد األقصى أوال فالخطر آت‬
                                         ‫ال محالة، وعندها سيحصل الندم واأللم في آن واحد.‬
         ‫وأخيرا، أين أنتم ـ أيها العرب والمسلمون ـ من كل ذلك؟! أفيقوا من سباتكم، وتحملوا‬
  ‫مسؤولياتكم كاملة تجاه ما يحصل في القدس واألرض الفلسطينية وفي بقية بعض البالد العربية‬
                                                ‫واإلسالمية من احتالل لعأرض وقتل لإلنسان.‬
          ‫أيها المرابطون، إن أقصى ما تريده إسرائيل على هذه األرض هو تجميع من تبقى من‬
‫الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في كنتونات صغيرة ليحكموا أنفسهم ذاتيا بعد أن تعذر‬
    ‫تهجيرهم، يريدوننا أن نبقى مسلوبي اإلرادة والحقوق، معزولين عن العالم، قابعين في أرض‬
  ‫معزولة ومقسمة محاطة بالجدارن واألسوار واألسيجة. وإزاء ذلك يجب توحيد الصفوف وجمع‬
                                                                            ‫م‬
 ‫الكلمة ول ّ الشمل ونبذ الخالفات وعدم السير وراء السراب الخادع وعدم التعويل على ما يطرح‬
                                                                                    ‫من برامج سياسية هزيلة.‬
 ‫أيها المسلمون، هناك أمر تجدر اإلشارة إليه باستهجان واستغراب واستنكار، وهو تصريح وزير‬
 ‫الشؤون الدينية التونسي الذي نشرته صحيفة القدس أمس نقال عن جريدة الصباح التونسية، الذي‬
‫اعتبر ارتداء المرأة المسلمة للحجاب أمرا نشازا ومظهرا غير مألوف، إلى جانب أنه زي طائفي،‬
‫واعتبر تراجع عدد النساء والفتيات المرتديات للحجاب انتشارا لثقافة التنوير، وهي كفيلة باجتثاث‬
‫الحجاب تدريجيا بحول اهلل على حد زعمه. وهذا القول إن دل على شيء فإنما يدل على عداء هذا‬
        ‫ير د لي فئ ن الل‬
      ‫الوزير وأمثاله لإلسالم وتعاليمه، وأبلغ رد على هؤالء قوله تعالى: ُ ِي ُونَ ِ ُطْ ِ ُوا ُورَ َّهِ‬
                                                            ‫ك فر‬           ‫َ و ه ِ َالله م ِم ن ره و َ‬
                                               ‫بِأفْ َا ِهمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ َلَوْ كرِهَ الْ َا ِ ُونَ [الصف:8].‬

‫(5/6564)‬




                                                                                                        ‫يوم عرفة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                     ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫عكرمة بن سعيد صبري‬
                                                                                                            ‫القدس‬
                                                                                                   ‫6/75/6745‬
                                                                                                ‫المسجد األقصى‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- أهمية التذكير. 7- فضل أيام عشر ذي الحجة. 3- فضل يوم عرفة. 4- مبادئ خطبة‬
                          ‫الوداع. 1- قضية مقبرة "مأمن اهلل". 6- قضية حفريات المسجد األقصى.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
  ‫ت ِن‬              ‫ع م من وم‬                     ‫و ِّ ِن الذ ْ‬
  ‫أما بعد: فيقول اهلل عز وجل في كتابه العزيز: َذَكرْ فَإ َّ ِّكرَى تَنفَ ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ َ َا خَلَقْ ُ الْج َّ‬
    ‫و إل ِال لي ُد ن ُر د م ُ م ْ ر و أر د ي عم ِن الل ه َّز ق ذ ُوة‬
    ‫َا ِنسَ إ َّ ِ َعْب ُو ِ مَا أ ِي ُ ِنْهمْ ِن ِزْقٍ َمَا ُ ِي ُ أَنْ ُطْ ِ ُونِ إ َّ َّهَ ُوَ الر َّا ُ ُو الْق َّ ِ‬
                                                                                                         ‫مت ن‬
                                                                                       ‫الْ َ ِي ُ [الذاريات:11-81].‬
‫أيها المسلمون، هذه اآليات الكريمة من سورة الذاريات وهي مكية، وفيها يطلب اهلل تبارك وتعالى‬
    ‫من رسوله الكريم أن يستمر في التذكير لمن تنفعه الذكرى ولمن لديه االستعداد لقبول اإلرشاد‬
                                    ‫ن‬
‫والوعظ والنصيحة والهداية، وأن اهلل عز وجل لم يخلق الج ّ واإلنس إال ليأمرهم ويكلفهم بعبادته،‬
                                                                    ‫ن‬
  ‫ال ألنه محتاج للج ّ واإلنس في تحصيل الرزق وإحضار الطعام، وإنما ليعرفوه ويشكروه، فاهلل‬
 ‫رب العالمين هو الرزاق ذو القوة المتين، ويقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة: َ َا ُم ُوا إ َّ‬
 ‫وم أ ِر ِال‬
   ‫وم‬                                        ‫لي بد إ و ِد إ ِال ه س ح ه َم ي رك‬
  ‫ِ َعْ ُ ُوا ِلَهًا َاح ًا ال ِلَهَ إ َّ ُوَ ُبْ َانَ ُ ع َّا ُشْ ِ ُونَ [التوبة:53]، ويقول في سورة البينة: َ َا‬
    ‫أ ِر ِال لي ُد الله م لص ه الد ح ء ويق م الص وي ت الز َ ل د ن َيمة‬
    ‫ُم ُوا إ َّ ِ َعْب ُوا َّ َ ُخِْ ِينَ لَ ُ ِّينَ ُنَفَا َ َ ُ ِي ُوا َّالةَ َ ُؤْ ُوا َّكَاةَ وذَِكَ ِي ُ الْق ِّ َ ِ‬
                                                                                                            ‫[البينة:1].‬
    ‫أيها المسلمون، ال نزال في األيام العشرة األوائل من شهر ذي الحجة، والعبادة فيها لها ثواب‬
‫عظيم وفضل كبير، والصوم فيها مستحب، وقد أقسم اهلل عز وجل بها لبيان فضلها ولتعظيم شأنها‬
                                                                     ‫و ْر و ي ع‬
‫بقوله: َالْفَج ِ َلَ َالٍ َشْرٍ [الفجر:5، 7]. وإن زيادة الفضل في هذه األيام تتمثل بوجود يوم عرفة‬
     ‫فيها، والذي يصادف يوم االثنين القادم، وبوجود يوم عيد األضحى المبارك فيها أيضا، الذي‬
                                                                     ‫سيصادف يوم الثالثاء القادم إن شاء اهلل.‬
    ‫أيها المسلمون، إن العبادة هذه األيام ليست منحصرة بالحجيج، فقد هيأ اهلل عز وجل للمسلمين‬
             ‫و‬                ‫ف‬                    ‫ب‬
     ‫جميعا أن يكسبوا الثواب، وعليه فإنه يستح ّ في هذه األيام التن ّل بالصالة والتط ّع بالصوم‬
                                                              ‫د‬
                                     ‫والمحافظة على صالت الرحم والتص ّق على الفقراء والمحتاجين.‬
 ‫وأذكركم ـ أيها المسلمون ـ بصوم يوم االثنين القادم إن شاء اهلل الذي هو يوم عرفة يوم الوقفة‬
         ‫العظيمة، ونحن في وقت أحوج ما نكون فيه للجوء إلى رب العالمين، وأن نستغيث برب‬
                                ‫السماوات واألرض ليفرج كربنا وليوحد صفنا ولينصرنا على أعدائنا.‬
      ‫أيها المسلمون، ال تزال جموع الحجيج تتوافد على مكة المكرمة من كل فج عميق، ويكتمل‬
    ‫اجتماعهم في اليوم الثامن من ذي الحجة أي: بعد غد األحد، هذا اليوم المعروف بيوم التروية‬
                                                                     ‫و‬
  ‫حيث كان العرب يتز ّدون فيه بالماء استعدادا للصعود إلى جبل عرفة في اليوم التالي أي: يوم‬
                                                                                                       ‫االثنين القادم.‬
               ‫ي‬           ‫م‬
 ‫نعم أيها األخوة، إن الماليين ستصعد على جبل عرفة في أكبر تج ّع سنوي دور ّ في العالم يوم‬
 ‫الحج األكبر، إنه يوم مبارك يوم عظيم الفضل يوم المغفرة، يكفر اهلل فيه الذنوب، ويضاعف فيه‬
     ‫الحسنات؛ لقول رسولنا األكرم محمد : ((ما من يوم أفضل عند اهلل من يوم عرفة، ينزل اهلل‬
   ‫تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل األرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي؛‬
  ‫جاؤوني شعثا غبرا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير‬
                                                                    ‫يوما أكثر عتقا من النار من يوم عرفة)).‬
‫فطوبى لمن وقف على عرفة، واستفاد من يومه بالطاعات، وابتعد عن الخصومات والمشاجرات.‬
  ‫ومعنى ((ضاحين)): حالة كون الحجيج واقفين على جبل عرفة من وقت الضحى وهم بارزون‬
                                                              ‫ل‬
 ‫للشمس دون غطاء أو ظ ّ، والمعلوم أن يوم الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج؛ لقول رسولنا‬
                                                   ‫األكرم في حديث مطول: ((الحج عرفة)).‬
                                      ‫ي‬           ‫م‬                   ‫د‬
   ‫أيها المسلمون، تع ّ وقفة عرفة أكبر تج ّع سنوي دور ّ في العالم؛ ألن الحجيج جميعهم يقفون‬
                                                          ‫ي‬
‫على جبل عرفة في وقت واحد وز ّ واحد، ملبين نداء واحدا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك ال شريك لك‬
‫لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، ال شريك لك"؛ لذا ألقى رسولنا األكرم خطابه الشهير المتواتر‬
‫على جبل عرفة، والذي عرف خطابه بخطبة الوداع، والذي قال فيها: ((لعلي ال ألقاكم بعد عامي‬
     ‫هذا))، وذلك على مسامع آالف الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم في هذا الموقف اإليماني‬
                                         ‫ي‬
      ‫الرائع، وشملت خطبته العديد من المبادئ اإلسالم ّة العامة، وذكرتها كتب الصحاح والسنة‬
    ‫والسيرة النبوية عن الصحابي الجليل جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما، وكان ذلك في السنة‬
                             ‫ج‬
  ‫العاشرة للهجرة، وإن خطابه عليه الصالة والسالم ليس مو ّها للصحابة فحسب، بل هو خطاب‬
                                                 ‫لعأمة اإلسالمية جمعاء في كل زمان ومكان.‬
   ‫أيها المسلمون، يحسن في هذا المقام أن أشير إلى أبرز المبادئ التي تناولها الرسول في خطبة‬
                                                                    ‫الوداع من خالل التعداد:‬
 ‫أوال: أن الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، وهم سواسية كأسنان المشط، ال فضل لعربي على‬
‫أعجمي وال أعجمي على عربي إال بالتقوى، وهذه القاعدة السامية قد أقرها ديننا اإلسالمي العظيم‬
  ‫قبل خمسة عشر قرنا، فهل يوجد نظام في العالم يطبق هذه القاعدة؟! فما نشاهد؟! نشاهد التميز‬
          ‫العنصري والشعور الفوقي والغطرسة والتجبر والتكبر من الدول الكبرى ضد الشعوب‬
                                                                                ‫المستضعفة.‬
    ‫د‬
   ‫ثانيا: حرمة الدماء واألموال واألعراض وتحريم الخصومات واالقتتال بين المسلمين، فقد ش ّد‬
      ‫ديننا اإلسالمي العظيم على حرمة سفك الدماء، وعلى حرمة غصب األموال، وعلى حرمة‬
                                                                ‫التعرض والغمز باألعراض.‬
          ‫ثالثا: تحريم األخذ بالثأر؛ ألن الدولة ملتزمة بإقامة عقوبة القصاص على القاتل العمد.‬
                                                          ‫رابعا: تحريم الربا بمختلف صوره.‬
                                    ‫خامسا: االعتصام بالقرآن والسنة النبوية الشريفة المطهرة.‬
                                ‫سادسا: وجوب العناية بالنساء واألمر بالمحافظة على حقوقهن.‬
                                       ‫وإن كل مبدأ من هذه المبادئ يحتاج إلى خطبة مستقلة.‬
 ‫أيها المسلمون، بهذه المبادئ السامية يصلح المجتمع وتحقن الدماء ويتعامل الناس فيما بينهم على‬
   ‫ضوء األحكام الشرعية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وتشيع روح المحبة‬
‫والتآلف والتضامن والتكافل، هكذا يجب أن يكون المسلمون فيما بينهم في كل زمان ومكان، وهذه‬
       ‫هي طريقة رسولنا األكرم في دعوته، وإنه ال يصلح آخر هذا األمر إال بما صلح به أوله.‬
‫سائلين المولى عز وجل التوفيق والسداد لحجاج بيت اهلل الحرام في أداء شعائر الحج، ونقول لهم:‬
                           ‫حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور وتجارة لن تبور إن شاء اهلل.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، أتناول نقطتين مهمتين أثيرتا مؤخرا، ولكن‬
                                                                                       ‫ه‬
                                        ‫تل ّى الناس عنها في أمور أخرى، وهاتان النقطتان هما:‬
‫أوال: مقبرة "مأمن اهلل" اإلسالمية بالقدس الغربية: تقع مقبرة "مأمن اهلل" والمعروفة بمقبرة "ماميال"‬
 ‫في وسط مدينة القدس، ومساحتها الكلية مائتا دونم حسب ما هو مثبت في الطابو التركي والطابو‬
    ‫البريطاني، وقد اقتطع منها مساحات واسعة بحجة أنها مقبرة دارسة قديمة، فمنذ عام 8495م‬
‫واالعتداءات عليها متواصلة وحتى اآلن، ونتساءل: هل حينما أقيم فندق بالزا على "مأمن اهلل" عام‬
‫8495م كانت قديمة ودارسة؟! ثم إن تحويل المقبرة اإلسالمية من مقبرة عامرة إلى مقبرة دارسة‬
‫بحاجة إلى فتوى شرعية من ذوي الشأن ومن أصحابها الشرعيين، ثم إن تحويل المقابر من مقابر‬
   ‫عامرة إلى مقابر دارسة ليس باألمر المعتمد من الناحية الدينية، وإنما هي مجرد اجتهادات مع‬
  ‫التأكيد على أنه ال يسقط عن أرض المقبرة صفة الوقفية، وليس من مصلحة أهل فلسطين األخذ‬
   ‫بهذه االجتهادات، وبالتالي ال بد من المحافظة على المقابر وإعادة الدفن فيها إذا كانت مهجورة‬
                     ‫التزاما باألحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من االعتداء على رفاة الموتى.‬
‫أيها المسلمون، إن المشروع اإلسرائيلي الجديد الذي هو تحت اإلنشاء اآلن على مقبرة "مأمن اهلل"‬
                                                      ‫د‬
   ‫بالقدس سيكون متحفا للتسامح كما ي ّعون، وإن العمال أثناء العمل في هذا المشروع قد وجدوا‬
               ‫عظاما مبعثرة، ونتساءل: من أين أتت هذه العظام؟! أليس من القبور التي نبشت؟!‬
  ‫إن مستشار رئيس الوزراء اإلسرائيلي يدعي بأن المشروع ال يؤثر على القبور! ونتساءل: كيف‬
                                     ‫ل‬
 ‫هذا المشروع ال يؤثر على القبور والمشروع قد احت ّ واغتصب عشرين دونما من هذه المقبرة؟!‬
      ‫فهل كانت هذه المساحة الواسعة خالية من القبور؟! ثم لماذا منعنا من الدخول إلى المشروع‬
        ‫لالطالع عما يجري في المقبرة؟! فلو كان األمر عاديا وسليما لما منعنا من الدخول إليه،‬
      ‫فالمشروع يقام على أرض مسروقة ومغتصبة من المقبرة اإلسالمية، وعليه ومن على منبر‬
                        ‫ف‬
‫المسجد األقصى المبارك نطالب بالتوقف عن العمل في هذه المقبرة وك ّ اليد عنها، ألنه ال يجوز‬
 ‫شرعا نبش المقابر والعبث برفاة وعظام الموتى، كما ال يجوز شرعا التصرف باألراضي الوقفية‬
       ‫اإلسالمية من قبل غير المسلمين، وعلى أهل بيت المقدس الوقوف إلى جانب الحق والعدل‬
                                                                  ‫والمطالبة بحقوقهم المشروعة.‬
 ‫أيها المسلمون، ثانيا: الحفريات أسفل المسجد األقصى وفي محيطه: لقد أثبتت األوراق والخرائط‬
   ‫بأن الحفريات اإلسرائيلية أسفل األقصى مستمرة ولم تتوقف، وأن عددا من البيوت الوقفية التي‬
  ‫تقع بين باب السلسلة وباب القطانين قد تأثرت بسبب هذه الحفريات، ونؤكد من الناحية الشرعية‬
‫بأن باطن األرض الوقفية أي: أسفل األرض الوقفية هو وقف أيضا، كما أن هواء وسماء األرض‬
    ‫الوقفية هي وقف أيضا، وأن حكم الوقف قائم إلى يوم القيامة، وأن أي اعتداء على الوقف هو‬
‫باطل مهما طال وقت االعتداء، وال يسري تقادم الزمان على االعتداءات الوقفية، مع اإلشارة إلى‬
 ‫أن هذه الحفريات لها آثار سلبية خطيرة على مباني المسجد األقصى ومرافقه، ودرهم وقاية خير‬
‫من قنطار عالج، فنحذر من االستمرار في هذه الحفريات، ويتوجب رفع اليد عن األمالك الوقفية‬
       ‫وعدم العبث أسفلها، فالحق أبلج واضح، والباطل فاضح، فاألقصى هو أولى القبلتين وثاني‬
                    ‫المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، وهو للمسلمين وحدهم حتى قيام الساعة.‬

‫(5/2564)‬




                                                                                          ‫مؤتمر الحج‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                                    ‫فقه‬
                                                                                         ‫الحج والعمرة‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                             ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                          ‫مكة المكرمة‬
                                                                                         ‫6/75/6745‬
                                                                                        ‫المسجد الحرام‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- اجتماع الحجيج. 7- مظهر المساواة في الحج. 3- مقصد التوحيد واالتباع في شعيرة الحج.‬
                                 ‫4- استشعار الوحدة واالئتالف في نسك الحج. 1- مناسك الحج.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
        ‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل سبحانه وخشيته في الغيب والشهادة‬
   ‫ِن َّذ َ ل َب الله ُم ق م‬
 ‫واالستقامة على دينه في الغضب والرضا والمنشط والمكره، إ َّ ال ِين قَاُوا رُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَ َا ُوا‬
                                                                    ‫ْف ع ِ و ُ زن‬
                                                   ‫فَال خَو ٌ َلَيْهمْ َال همْ يَحْ َ ُونَ [األحقاف:35].‬
       ‫ف‬                               ‫م‬             ‫ت‬                            ‫حج‬              ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلمون، ُ ّاجَ بيتِ اهلل الحرام، ها أن ُم أوالءِ تجت ِعون في هذا المكانِ المبارك، وا ِدين‬
     ‫م ش ر‬                      ‫ل‬            ‫ِد‬     ‫رب‬            ‫ر ملب‬                          ‫إ‬
    ‫ِلى بلدِ اهلل الحرام، مح ِمين ِّين، قاصِدين ًّا واح ًا، والبِسين ِباسًا واحدا، وحا ِلين ِعا ًا‬
                                      ‫د‬      ‫ن‬      ‫ب‬     ‫ك‬          ‫ب‬         ‫لم‬       ‫د ب‬
       ‫واح ًا: ل ّيك الّه ّ لبيك، ل ّيك ال شري َ لك لّيك، إ ّ الحم َ والنعمة لك والملك، ال شريك لك.‬
                    ‫ر مؤ س‬               ‫د‬      ‫ر‬                     ‫ت ع‬           ‫ي حج‬           ‫ن‬
          ‫إ ّكم ـ أّها ال َّاج ـ باج ِما ِكم هذا تَعقِدون مؤتم ًا فري ًا، مؤتم ًا ِل ُه ال ّمع والطاعة‬
     ‫إ سب ال‬                     ‫ِج ب ت م‬            ‫وِل عل الن‬          ‫ل‬                               ‫والر‬
     ‫َّغبة واالستجابة لنداءِ الباري ج ّ شأنه: َلَّهِ ََى َّاسِ ح ُّ الْ َيْ ِ َنْ اسْتَطَاعَ ِلَيْهِ َ ِي ً‬
 ‫ل‬         ‫َر‬      ‫رب‬                    ‫ت‬                       ‫من‬              ‫َ ِن الل ِي ع‬                ‫وم‬
 ‫َ َنْ كَفَر فَإ َّ َّهَ غَن ٌّ َنْ الْعَالَ ِي َ [آل عمران:29]. فها أن ُم قد امتَثَلتم أمرَ ِّكم، وت َكتم الما َ‬
                ‫د‬                              ‫ز‬                  ‫ي‬                  ‫ل‬
         ‫واألهل والوَد، وقطَعتم الفياف َ والقِفار والمفاو َ والبحار، في صورةٍ فريدة ومشه ٍ مدهِش،‬
           ‫ت‬                                ‫ر‬                ‫يستوي فيه صغي ُكم وكبيركم، وغني‬
      ‫ُّكم وفقيركم، وذك ُكم وأنثاكم، فاشكروا اهلل على ال ّيسير،‬              ‫ر‬
 ‫ي‬       ‫د ل‬                            ‫أ‬             ‫ن‬        ‫ة‬
‫واحمدوه على بلوغِ المقصد وتهيئَ ِ هذا ال ّسك المبارك، وَروا اهللَ من أنفسكم توحي ًا خاِصا خال ًا‬
   ‫ي‬                              ‫ي‬                  ‫ي فإن‬                  ‫ي‬
  ‫من الشوائب الشرك ّة والنزعات البدع ّة؛ َّ البيتَ الحرام لم ُبنَ إال للتوحيد وإخالص العبود ّة‬
       ‫ل‬                       ‫ن‬        ‫دج‬                     ‫ت‬                   ‫ي‬
      ‫هلل سبحانه، ولم ُبنَ للشرك وال لالب ِداع وال للخرافة وال ّ َل، بل إ ّ اهلل سبحانه قد أمر خليَه‬
   ‫وِ‬       ‫ل‬          ‫د‬         ‫ي‬                                    ‫يؤس‬
 ‫إبراهيم عليه السالم أن ِّس البيتَ العتيق على التوحيد والعبود ّة هلل وح َه، فقال ج ّ شأنه: َإذْ‬
    ‫و ِّ ب ت ِلط ئف ن و ئم ن و رك السج د‬                                   ‫ب‬       ‫ْ ت‬          ‫ب‬          ‫م‬       ‫َو إل ْر‬
    ‫ب َّأْنَا ِب َاهِيمَ َكَانَ الْ َيْتِ أَن ال ُشْرِكْ ِي شَيْئًا َطَهرْ َيْ ِي ل َّا ِ ِي َ َالْقَا ِ ِي َ َال ُّ َّعِ ُّ ُو ِ‬
                                                                                                                 ‫[الحج:67].‬
      ‫س‬       ‫أن َر ت‬        ‫ب‬               ‫ة‬                     ‫للس‬       ‫م‬
‫ولذا كان الفه ُ الصحيح َّلَف الصالح من الصحاب ِ والتابعين وتا ِعيهم َّ ع َصا ِ المنا ِك إنما‬
         ‫ة ل‬            ‫د‬                                  ‫ن‬                      ‫ه َحال ت ر‬
        ‫ِي م ٌّ للّض ّع إلى اهلل وإخالصِ ال ّسك له وفقَ هديِ النبي ، فلم يكن ل َيهم لوث ُ التعّق‬
‫م‬       ‫ل‬                   ‫ر د‬                                               ‫ر‬
‫بالحجارة أو التب ّك بها أو قصدِ المزارات أو المشاهد أو القبو ِ وال ّعاء عندها؛ ألنهم يعَمون عل َ‬
  ‫ِ ه ِال هو وإ َ س ك‬                      ‫وإ ي س الله بض ٍّ‬                        ‫ر‬             ‫ن‬
  ‫اليقين أ ّ النافع الضا ّ هو اهلل سبحانه، َِنْ َمْ َسْكَ َّ ُ ِ ُر فَال كَاشفَ لَ ُ إ َّ ُ َ َِنْ يمْ َسْ َ‬
                                                                                     ‫ٍ َد ر‬       ‫ٍ ه عل ُل‬
                                                                       ‫بِخَيْر فَ ُوَ ََى ك ِّ شَيْء ق ِي ٌ [األنعام:25].‬
        ‫ك‬            ‫وِذا كان ال ّلف رحمهم اهلل ال َّكون بأحجارِ الكعبة وال ِغيرها؛ َّ النبي‬
   ‫َّ لم يفعل ذل َ، ولم‬    ‫ألن‬      ‫ب‬                       ‫يتبر‬               ‫س‬          ‫ل‬
                                 ‫وقب‬                                                       ‫ع‬
          ‫يف َله أصحابه رضوان اهلل عليهم، وإنما استَلَم الحجرَ األسود َّله ومسحَ بيده على الركن‬
              ‫ض‬          ‫ن‬        ‫ش‬               ‫أك‬                     ‫ل بقي‬
  ‫اليماني، ولم يستِم َّةَ أركان الكعبة، وقد َّد الخليفة الرا ِد عمر ب ُ الخطاب ر ِي اهلل تعالى‬
                      ‫ر‬        ‫ج‬                                     ‫ف‬             ‫ب‬
  ‫عنه ذلكَ ِقوله وهو واق ٌ أمامَ الحجر األسود: (إني أعلم أنك ح َر ال تض ّ وال تنفع، فلوال أني‬
                                                                                       ‫قب‬      ‫يقب‬           ‫ت‬
                                                                            ‫رأي ُ رسولَ اهلل ِّلك ما َّلتك)(5)[5].‬
                    ‫ي ّ‬                      ‫ب‬
        ‫حجاجَ بيت اهلل الحرام، إن هذا االجتماعَ المبارك إ ّان هذا النسك العظيم ل ُعد فرصةً سانحة‬
‫ك‬                           ‫الستشعار هذا التوافقِ الفريد واستلهامِ ال ِكَم العظيمة التي ش ِعَ الحج‬
‫ُّ ألجلها، ومن ذَلكم االشترا ُ‬     ‫ر‬                   ‫ح‬
    ‫ل‬     ‫ر س‬           ‫للنس‬        ‫غ‬            ‫ن‬           ‫والمساواة بين كا ّة الحجاج في متطل‬
 ‫َّبات هذا ال ّسك، فليس لل ِنَى وال َّ َب وال لل ّيا َة فض ٌ أو‬              ‫ف‬
      ‫صي لكل‬           ‫ة م‬                 ‫ة‬                   ‫د‬
‫استثناء، فالوقوف بعرفَة واح ٌ، والمبيت بالمزدلف ِ واحد، والجمر ُ تر َى بسبع ح َ َات ِّ واحد،‬
                                                  ‫والطواف وا ِد، والسع ُ واحد، فليسَ للغني‬
       ‫ِّ أو الشريف أو الوزير أن ينقص جمرةً أو يسقِط‬                ‫ي‬         ‫ح‬
                                 ‫ي‬         ‫ي‬                  ‫ي‬
 ‫وقوفا أو مبيتًا، الناس سواس َة، ال فرق بين عرب ّ وال عجم ّ وال أبيض وال أسودَ في هذا النسك‬
                                                                                                                     ‫ت‬
                                                                                                                 ‫إال بال ّقوى.‬
                                     ‫م‬                                         ‫ج‬
‫فما أحرى ح ّاج بيت اهلل الحرام وما أحرى المسلمين بعا ّةٍ أن يأخذوا هذه العبرة من هذا المشهد‬
                  ‫ر‬      ‫ت ت‬        ‫الت‬        ‫د‬           ‫م‬                     ‫َّ‬
       ‫العظيم، فإن مثلَ ذلكم االستشعار ِن أعظمِ ال ّواعي إلى َّآلف والّكاُف وال ّحمة والشفقة‬
                   ‫ِّي‬     ‫ي‬                            ‫ي‬       ‫ر‬                   ‫ض‬
    ‫والتوا ُع والتعاون، ال شعا َات وطن ّة، وال هتافات عصبية، وال را ّات عب َّة، إنما هي راية‬
                                                         ‫واحدة، هي راية: "ال إله إال اهلل، محمد رسول اهلل".‬
             ‫البر‬       ‫ت‬             ‫ة‬             ‫ل‬                ‫س‬                 ‫إن‬
 ‫َّ األمة بحاجةٍ ما ّة إلى استجالب ك ّ معاني الوحد ِ والتعاون والّناصر على ِّ والتقوى، ال‬
                                     ‫غ‬                 ‫د‬
  ‫على اإلثم والعدوان، فال يعتدِي أح ٌ على أحد، وال يب ِي أحد على أحدٍ، بل يعيش المسلمون في‬
     ‫ة‬                                       ‫ل‬                        ‫ي‬            ‫ي‬
     ‫سالمٍ حقيق ّ وتعاون قلب ّ، ال يمكن أن يكونَ له ظ ّ في الواقع إال من خاللِ االلتزام بشريع ِ‬
                                                                               ‫م‬          ‫ز‬
                                                                         ‫اإلسالم الخالدة التي أع ّ اهلل األ ّة بها.‬
                                                               ‫ي‬          ‫م‬
 ‫فما أحوجَ األ ّة اإلسالم ّة ـ وهي تكتوي بلهيبِ الصراعات الدموية والخالفات المنهجية ـ إلى‬
‫ق‬                      ‫س‬      ‫ل‬       ‫ي‬                        ‫َّص‬
‫االقتباس من أسرارِ الحج؛ لتتخل َ نفوس أبنائها من األنان ّة والغ ّ والح َد، وترتَقي بهم إلى أف ِ‬
‫ل‬                                  ‫ن ع‬          ‫د‬       ‫و‬                 ‫اإلسالم الواسع المبني‬
‫ِّ على منهاجِ النب ّة، وال ّافع لكل ِزا ٍ أو شقاق أو اختالف،كيف ال واهلل ج ّ‬
  ‫إ تن ز ُ‬                                     ‫ٍ ح مه إل الل‬             ‫ُْ ف ه م‬              ‫و‬
‫وعال يقول: َمَا اخْتَلَفْتم ِي ِ ِنْ شَيْء فَ ُكْ ُ ُ َِى َّهِ [الشورى:05]، ويقول سبحانه: فَِنْ َ َا َعْتمْ‬
    ‫في شَيْء فر ُّو ُ َِى َّ ِ و َّ ُولِ ِنْ ُنتمْ ُؤْ ِ ُو َ ب َّ ِ َالْيَومِ اآلخرِ ذَِكَ خَي ٌ َأَحْ َ ُ تَأْ ِي ً‬
    ‫ْر و سن و ال‬                ‫ِ ل‬          ‫ٍ َ ُد ه إل الله َالرس إ ك ُ ت من ن ِالله و ْ‬                          ‫ِ‬
             ‫ف سة‬                      ‫ت ذ‬             ‫ت‬           ‫ت خ‬                ‫ذ‬
   ‫[النساء:91]؟! إ ًا ال مجالَ لل ّفا ُر وال لالخ ِالف وال للّخَا ُل، وليس اختال ُ األل ِنَ ِ واأللوانِ‬
      ‫ك‬           ‫ِن رمك ع ْ الل‬                                    ‫ألن‬             ‫وال ّباع وال ُلدان محال للش‬
    ‫ًّ ِّقاق والفرقةِ؛ َّ الميزانَ عند اهلل واحد: إ َّ أَكْ َ َ ُمْ ِندَ َّهِ أَتْقَا ُمْ‬        ‫ب‬        ‫ط‬
                                                                                                     ‫[الحجرات:35].‬
  ‫ِنه ُ َ ُو مب ٌ إ ْ زل ُ‬                   ‫َي َّذ ن من خل ف الس ْ َافة و َتبع خطو الش‬
‫يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ادْ ُُوا ِي ِّلمِ ك َّ ً َال تَّ ِ ُوا ُ ُ َاتِ َّيْطَانِ إ َّ ُ لَكمْ عد ٌّ ُ ِين فَِن ََلْتمْ‬
                                             ‫م َن الل َ ز ح م‬                    ‫م ب ْد ج ء ُ َي ُ‬
                          ‫ِنْ َع ِ مَا َا َتْكمْ الْب ِّنَات فَاعْلَ ُوا أ َّ َّهَ عزِي ٌ َكِي ٌ [البقرة:807، 907].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                                                                                  ‫فر‬
                                                                                ‫هذا، وأستغفر اهلل إنه كان غ ّا ًا.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                                         ‫نبي‬             ‫س‬        ‫ص‬
                                                   ‫الحمد هلل وحدَه، وال ّالة وال ّالم على من ال َّ بعده.‬
                                                                                                              ‫ت‬       ‫ب‬
                                                                                          ‫و َعد: فا ّقوا اهلل عبادَ اهلل.‬
   ‫ج‬      ‫ِم‬        ‫ج‬                           ‫ج‬       ‫ن ي ر‬                ‫جج‬
‫واعلموا ـ ح ّا َ بيت اهلل ـ أ ّه ُش َع للحا ّ في اليوم الثامن من ذي الح ّة أن يحر َ بالح ّ إن‬
                   ‫م ي ب ج‬                        ‫ي‬                  ‫د‬                 ‫متمت‬
   ‫كان ِّعًا، وإن كان مفر ًا أو قارنا فهو ال َزال في إحرا ِه. و ُستح ّ للحا ّ في اليوم الثامن‬
             ‫ء‬                ‫ر‬                  ‫َّه إلى منى قبلَ الزوال، فيصل‬
      ‫ِّي بها الظهر والعص َ والمغرب والعشا َ والفجر‬                         ‫أيضا أن يتوج‬
                                                                                      ‫ع‬            ‫ر‬
                                                               ‫قص ًا من دون جم ٍ، ما عدا الفجر والمغرب.‬
                   ‫يكب‬    ‫يلب‬     ‫ف‬         ‫توج‬              ‫س‬          ‫ر‬     ‫ل‬
‫فإذا صّى فج َ يوم التا ِع وطلعتِ الشمس َّه إلى عر َة وهو ِّي أو ِّر، فإذا زالتِ الشمس‬
‫َّى بها الظه َ والعصر جمعًا وقصرا بأذا ٍ وإقا َتين، ثم ي ِف بها، و َرفة ُّها موق ٌ إال بط َ‬
‫ن‬        ‫ِف‬      ‫ع كل‬            ‫ق‬          ‫ن م‬                              ‫ر‬           ‫صل‬
  ‫ة‬      ‫ألن‬                    ‫ع َنَة، فيك ِر فيها من التهلي ِ والتسبيح والدعاء واالستغفار، ويتأك‬
  ‫َّد اإلكثار من التهليل َّه كلم ُ‬                                 ‫ل‬                 ‫ث‬         ‫ُر‬
            ‫ي‬                  ‫ر‬               ‫ء‬            ‫ر‬                  ‫لص‬
 ‫التوحيد الخاِ َة، فقد قال : ((خي ُ الدعاء دعا ُ يوم عرفة، وخي ُ ما قلت أنا والنب ّون من قبلي:‬
                                          ‫د‬                                           ‫ال‬
           ‫ال إلهَ إ ّ اهلل وحدَه ال شريكَ له، له الملك وله الحم ُ، وهوَ على كل شيء قدير))(7)[5].‬
     ‫ذ‬          ‫ح‬              ‫َ‬                          ‫ع‬    ‫ج‬              ‫ش‬
‫فإذا غربتِ ال ّمس أفاضَ الحا ّ من َرفة إلى المزدلفة بسكينةٍ ووقَار، فال يزا ِم، وال يؤ ِي، ثم‬
   ‫ظ‬                                  ‫م‬        ‫م‬             ‫ر‬                   ‫ب‬        ‫يصل‬
 ‫ِّي المغر َ والعشاء جمعًا وقص ًا بأذان وإقا َتَين، ث ّ يبقى بها حتى طلوعِ الفجر، إال ال ّعن‬
                                                                     ‫د‬            ‫ر‬                 ‫ض‬
                                                        ‫وال ّعفة، فلهم أن ينص ِفوا منها بع َ منتصف الليل.‬
           ‫ع‬             ‫كل‬                                              ‫ر‬      ‫ج‬       ‫ل‬
     ‫فإذا صّى الحا ّ الفج َ بالمزدلفة وقَف عند المشعر الحرام، والمزدلفَة ُّها موقف، فيد ُو اهلل‬
         ‫ك‬                                                                ‫ف‬        ‫ال‬
‫طوي ً حتى يس ِر، ثم يسير إلى مِنى، فيرمي جمرةَ العقبة، وهي أقرب الجمرات إلى م ّة، يرميها‬
                        ‫ن متمت‬           ‫ح‬             ‫ل‬       ‫يكب‬          ‫ي‬
   ‫بسبعِ حص َات صغيرات، ِّر مع ك ّ حصاة، ثم ين َر هديه إن كا َ ِّعا أو قارنا، ثم يحلِق‬
  ‫حق ر‬                                     ‫سب‬          ‫َر‬       ‫كل‬                     ‫ل‬
 ‫ويح ّ من إحرامه، فيباح له ُّ شيءٍ ح ُم عليه ب َ َب اإلحرام إال النساء، ويبقَى في ِّ القا ِن‬
      ‫ق‬      ‫والمف ِد طوا ُ اإلفا َة وسع ُ الح ّ إن لم يكن َ َى مع طواف القدوم، وأ ّا المتمت‬
‫ِّع فيب َى عليه‬      ‫م‬                     ‫سع‬            ‫ي ج‬          ‫ض‬       ‫ف‬      ‫ر‬
                                                                                                  ‫ف‬
                                                                    ‫طوا ٌ وسعي غير طوافِ العمرة وسعيها.‬
                                                ‫ب‬          ‫ر‬       ‫ل‬         ‫ِل‬              ‫م‬
                           ‫ث ّ بعد الطواف يح ّ للحاج ك ّ شيء ح ُم عليه بس َب اإلحرام حتى النساء.‬
        ‫قد‬          ‫ئ‬                ‫ألن‬                      ‫أخ‬     ‫وال يض ّ الحاج قد‬
   ‫َّ ما َّم أو َّر من أفعال يومِ النحر؛ َّ رسول اهلل ما س ِل عن شيءٍ ِّم وال‬ ‫ر‬
                                                                   ‫ع‬           ‫ال‬                 ‫أخ‬
                                       ‫ِّر في ذلك اليومِ إ ّ قال: ((اف َل وال حرج)) متفق عليه(3)[7].‬
                                        ‫ثم يبيت الحا ّ بمنى أّام التشريق وجو ًا لفعلِ النبي ل‬
         ‫ِّ وِقوله: ((خذوا عني مناسككم)) متفق‬          ‫ب‬               ‫ي‬       ‫ج‬
                  ‫ش‬                                                      ‫م‬
       ‫عليه(4)[3]، فير ِي الجمراتِ في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالثَ ع َر إن لم يكن‬
                                       ‫ص‬                  ‫ت‬                  ‫متعجال ل‬
    ‫ِّ ً، ك ّ جمرةٍ بسبع حصيَا ٍ، يبدأ بالجمرة ال ّغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، وال يكون‬
                                                                    ‫ل‬       ‫ي ال د ز‬                     ‫ي‬
                                                            ‫الرم ُ في هذه األ ّام إ ّ بع َ ال ّوال لفعِه وأمره.‬
                            ‫ر‬                        ‫ز م‬                ‫و َن أراد أن يتعج ي‬
      ‫َّل فل َرمِ بعدَ ال ّوالِ ِن يوم الثاني عشر، ثم يخ ُج من مِنى إلى مكة، وال‬        ‫م‬
   ‫ُّه لو ر َى بعد مغربِ اليو ِ‬
   ‫م‬                 ‫م‬                           ‫ر‬           ‫شس‬             ‫ر‬        ‫يضر‬
                             ‫ُّه لو غَ َبت عليه ال ّم ُ وهو لم يخ ُج من منى، كما ال يضر‬
                       ‫ِ‬                            ‫ِ‬        ‫ح‬        ‫الثاني ع َر وتعج ل‬
      ‫َّل عَى الصحي ِ من أقوال أهل العلم، وهو األولى باإلذن فيه من اإلذنِ في‬  ‫ش‬
          ‫ع‬        ‫د نص ج‬         ‫ل ََ‬                     ‫ص‬                       ‫ِ‬
  ‫الرمي قبل الزوال؛ لورود الن ّ في الرمي بعد الزوا ِ وعدمِ ورو ِ ٍّ ي ِب الرجو ُ إليه في‬
                                     ‫النهيِ عن الرميِ بعد غروب الشمس من اليومِ الثاني عشر للمتعج‬
                                   ‫ِّل.‬
  ‫َد ذ ْر‬            ‫ُر الل ذ ر ُ ء ُ‬                      ‫ِ ضُ م س ك‬                      ‫و‬                        ‫ّ‬
 ‫ثم يطوف بعدَ ذلك طوافَ ال َداع، فَإذَا قَ َيْتمْ َنَا ِكَ ُمْ فَاذْك ُوا َّهَ كَ ِكْ ِكمْ آبَا َكمْ أَوْ أَش َّ ِك ًا‬
  ‫ق وم ُ م ق ل َب تن ف‬                           ‫ِ ة ِ‬       ‫م الن م يق ل َب ت ف الد وم ُ ف‬
 ‫فَ ِنْ َّاسِ َنْ َ ُو ُ ر َّنَا آ ِنَا ِي ُّنْيَا َ َا لَه ِي اآلخرَ ِ منْ خَال ٍ َ ِنْهمْ َنْ يَ ُو ُ ر َّنَا آ ِ َا ِي‬
‫ه ص ب ِم سب َالله سر ع حس ب‬                                    ‫الن أ‬        ‫ِ ة حس ة َق َ‬              ‫الد حس ة َف‬
‫ُّنْيَا َ َنَ ً و ِي اآلخرَ ِ َ َنَ ً و ِنَا عذَابَ َّارِ ُوْلَئِكَ لَ ُمْ نَ ِي ٌ م َّا كَ َ ُوا و َّ ُ َ ِي ُ الْ ِ َا ِ‬
                                                                                                ‫[البقرة:007-707].‬
‫هذا وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد اهلل صاحب الحوض‬
    ‫ي‬                        ‫والشفاعة، فقد أمركم اهلل بأمر بدأ فيه بنفسه، وث ّى بمالئك ِه المسب‬
   ‫ِّحة بقدسه، فقال جل وعال: َا‬     ‫ت‬         ‫ن‬
                                                 ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫َي َّذ ن من‬
‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61]، وقال صلوات اهلل وسالمه عليه: ((من‬
                                                 ‫ر‬                   ‫ل‬       ‫ي‬     ‫ل‬
                                             ‫صّى عل ّ صالة صّى اهلل عليه بها عش ًا)).‬
      ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬
                                                                                ‫مجيد...‬


                                                                         ‫__________‬
‫(5) صحيح البخاري: كتاب الحج، باب: ما ذكر فيه الحجر األسود (2915)، صحيح مسلم: كتاب‬
                             ‫الحج، باب: استحباب تقبيل الحجر األسود في الطواف (0275).‬
  ‫(7) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: في دعاء يوم عرفة (1813) من حديث عبد اهلل‬
 ‫بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما، وقال: "حديث غريب"، وله شواهد من حديث علي وأبي‬
 ‫هريرة رضي اهلل عنهما. قال األلباني في السلسلة الصحيحة (3015): "وجملة القول: إن الحديث‬
                                                   ‫ثابت بمجموع هذه الشواهد، واهلل أعلم".‬
  ‫(3) صحيح البخاري: كتاب العلم (38)، صحيح مسلم: كتاب الحج (6035) من حديث عبد اهلل‬
                                                             ‫بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬
   ‫(4) أخرجه مسلم في الحج (2975) من حديث جابر رضي اهلل عنه بلفظ: ((لتأخذوا مناسككم،‬
                                              ‫فإني ال أدري لعلي ال أحج بعد حجتي هذه)).‬

‫(5/8564)‬




                                                                        ‫اإلسالم هو الحل‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                   ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                     ‫المسلمون في العالم, محاسن الشريعة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                         ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                  ‫القدس‬
                                                                          ‫35/75/6745‬
                                                                         ‫المسجد األقصى‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- شدة شوق ثوبان للرسول . 7- حال إخواننا األسرى في فلسطين. 3- تخاذل الحكومات‬
‫اإلسالمية عن نصرة األقصى. 4- من أسباب النصر. 1- موقف عظيم يعبر عن سماحة اإلسالم‬
                                                                   ‫وعدله وأهله. 6- المستقبل لإلسالم وأهله.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
          ‫ُ‬      ‫م‬
 ‫أما بعد: اتقوا اهلل يا عباد اهلل، وتذكروا قول رسول اهلل : ((تأتي على أمتي أيا ٌ القابض فيها على‬
                                     ‫ي‬
    ‫دينه كالقابض على جمر، وتأتي على أمتي أيام يقف الح ّ على قبر الميت ويقول له: يا ليتني‬
      ‫مكانك، وتأتي على أمتي أيام يحبون خمسا وينسون خمسا، يحبون المخلوق وينسون الخالق،‬
  ‫يحبون المال وينسون الحساب، يحبون القصور وينسون القبور، ويحبون الدنيا وينسون اآلخرة،‬
                                                                              ‫ويحبون الذنوب وينسون التوبة)).‬
        ‫ف‬
 ‫صدقت يا سيدي يا رسول اهلل، وكأنك تعيش بين ظهرانينا. صدقت يا من كنت تستش ّ الحجب،‬
    ‫فنحن في هذه األيام كالقابض على جمر النار، ونحن في هذه األيام يقف أحدنا على قبر الميت‬
                                                                                       ‫فيحسد الميت على الموت.‬
  ‫عباد اهلل، الصحابي الجليل ثوبان خادم الرسول دخل عليه الرسول ذات يوم فوجده يبكي وتسيل‬
    ‫ن‬                                    ‫مم‬
 ‫الدموع بغزارة، فسأله: ((ما يبكيك يا ثوبان؟)) أتدرون َّ يبكي يا عباد اهلل؟! إنه ال يبكي أل ّ به‬
                      ‫ذ‬
        ‫وجعًا، وال يبكي ألن ماله قليل، ال يبكي على منصب من مناصبها الفانية، إ ًا فما يبكيك يا‬
‫ثوبان؟! اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ اإلجابة، وفي اإلجابة عجب، يقول: يا رسول اهلل، أبكي ألنك‬
                                                  ‫ت‬                 ‫ت‬
   ‫إذا غبتَ عني اشتق ُ إليك، فإذا تذكر ُ اآلخرة وأنك ستكون في أعلى درجات الجنة ولن أراك‬
                                   ‫ي‬
  ‫فيها ازداد بكائي شوقًا إليك يا حبيب اهلل. إنه الشوق وأ ّ شوق؟! شوق الحبيب إلى الحبيب، إنه‬
                                   ‫الحبيب إنه القدوة الحسنة واألسوة الطيبة، ليس لنا أسوة حسنة سواه.‬
   ‫اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ كيف اشتاقت النفوس لرؤياه، وكيف ابتهجت األرواح بنور محياه،‬
    ‫ن‬
‫كان حبيب الفقراء، وكان جليس المساكين، ما استراح إال عندما يجلس مع الفقراء، وما اطمئ ّ إال‬
                                                                                           ‫عندما يخالط المساكين.‬
                                                 ‫ك‬
        ‫عباد اهلل، هذا الصحابي الجليل ثوبان تذ ّر أن هناك آخرة، وأن المصطفى سينال الفردوس‬
         ‫ع‬                 ‫د ن‬
       ‫األعلى وسيصيب أعلى درجات الجنان، وأن الفرق سيكون بعي ًا وأ ّ البون سيكون شاس ًا،‬
‫فازداد بكاؤه شوقًا لرسول اهلل، فبماذا أجاب الرسول ثوبان؟! نزل األمين جبريل عليه السالم بقوله‬
  ‫ع الله َ ِ م الن ِي ن و ِّد ق ن َالش َد ء‬                       ‫َّذ‬       ‫وم ي الله َالرس َ أ ك‬
  ‫تعالى: َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َّ ُول فَُوْلَئِ َ مَعَ ال ِينَ أَنْ َمَ َّ ُ علَيْهمْ ِنْ َّبِّي َ َالص ِّي ِي َ و ُّه َا ِ‬
                              ‫ِالل عل م‬         ‫ْل م الله و‬                    ‫َالص ح ن وحس أ ئ َ َف‬
            ‫و َّالِ ِي َ َ َ ُنَ ُوْلَ ِك ر ِيقًا ذَلِكَ الْفَض ُ ِنْ َّ ِ َكَفَى ب َّهِ َِي ًا [النساء:96، 02].‬
                  ‫ر‬
 ‫عباد اهلل، نحن هنا في فلسطين أرض الرباط، وفي بيت المقدس جوهرة ود ّة األرض المباركة،‬
  ‫إذا عدنا إلى اهلل وسرنا على منهج رسول اهلل واستقامت نفوسنا فسوف ننعم بحياة طيبة، وسوف‬
    ‫تزول الغمة، وسوف يزول االحتالل، وتعود البسمة على وجوه األطفال والشيوخ والنساء، لن‬
     ‫يبقى في سجون االحتالل أحد من الشرفاء، أسرانا يعيشون حياة صعبة وأمتنا الهية، أسرانا‬
   ‫يعيشون مرارة العيش وأمتنا نائمة، اللهم فرج كربهم، وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وأطلق‬
                                                                            ‫ل‬
                   ‫سراحهم، وتو ّ أمرهم، وردهم إلينا سالمين غانمين مطمئنين يا رب العالمين.‬
                                                    ‫ل‬
   ‫لماذا تعاملون أسرانا بهذه المعاملة؟! تعّموا من اإلسالم كيفية المعاملة، وصدق الشاعر بقوله:‬
                                        ‫ملكنا فكان العفو منا سجية…فلما ملكتم سال بالدم أبطح‬
                                      ‫ن‬
                                ‫وحللتم قتل األسارى وطالما…غدونا على األسرى نَم ّ ونصفح‬
                                        ‫وحسبكم هذا التفاوت بيننا…وكل وعاء بالذي فيه يرشح‬
              ‫ر‬
    ‫عباد اهلل، نحن ـ وبحمد اهلل تعالى ـ أمة إسالمية، ولن نرضى بالظلم، فديننا يح ّم علينا أن‬
                                         ‫ل‬
     ‫نظلم، وبنفس الوقت فال نقبل بالمذلة والمهانة مهما كّف الثمن، أعداء اإلسالم في هذه األيام‬
                                                                                   ‫ل‬
    ‫يستحّون دماء المسلمين، ويستبيحون أعراضهم، لماذا أصبحنا لقمة سائغة على موائد اللئام؟!‬
                                             ‫ب‬                              ‫ر‬
  ‫المسلمون يحا َبون في كل مكان، وحكام األمة ق ِلوا بالذل والهوان؛ تركوا أطفال األمة يحملون‬
    ‫س‬                                                             ‫ت‬      ‫أكف‬
 ‫أرواحهم على ِّهم يق َلون بين الحين والحين وهم يلهثون وراء سالم الشجعان أو سالم ال ّراب‬
                                                      ‫ق‬
‫أو سراب السالم، السالم الذي يو ّع عليه رؤساؤهم وهم يقولون: نحن قادمون من القدس العاصمة‬
                                                                   ‫التاريخية للشعب اليهودي.‬
     ‫عباد اهلل، أين أمتنا اليوم من السير على المنهج السليم الذي يؤدي إلى النصر؟! أين أمتنا من‬
    ‫مواقف العلماء األجالء الذين عملوا لنهضة األمة وعزتها؟! لماذا أصبحنا اليوم نتصارع على‬
   ‫السلطة والحكم ونسينا كل شيء؟! نسينا االحتالل والقتل والتشريد والتعذيب، لماذا تفرقت أمتنا‬
     ‫وخاصة هنا في أرضنا المباركة؟! ألم نتعلم طوال هذا الزمن الطويل من االحتالل أن الفرقة‬
                                                                          ‫د‬
 ‫واالقتتال لن يؤ ّوا إال إلى الضعف واالنحالل والهزيمة؟! فكفانا مضيعة للوقت، استيقظوا يا أمة‬
                          ‫محمد ، استيقظوا يا أمة اإلسالم، أهل الكفر يخططون ونحن غافلون.‬
                                    ‫ي َوق‬        ‫م َد‬                       ‫ف‬
                                   ‫يا من يرى ما ِي الضمير ويسمع…أنت الْ ُع ّ لكل ما ُت َّع‬
                                       ‫يا من يرجى للشدائد كلها…يا من إليه المشتكى والمفزع‬
                                                                   ‫ف‬
                                 ‫يا من خزائن رزقه ِي قول كن…امنن فإن الخير عندك أجْمع‬
                                                                                    ‫ل‬
                                     ‫ما ِي سوى فقري إليك وسيلة…فباالفتقار إليك فقري أدفع‬
                                             ‫ي‬                                   ‫ل‬
                                  ‫ما ِي سوى قرعي لبابك حيلة…فلئن رددت فأ ّ باب أقرع؟!‬
                               ‫من ذا الذي أدعو وأهتف باسْمه…إن كان فضلك عن فقيرك يمنع‬
                                                            ‫ي‬                 ‫ل‬
                                  ‫حاشا ِجودك أن تقنط عاص ًا…الفضل أجزل والمواهب أوسع‬
  ‫عباد اهلل، نحن في عصر كثرت فيه الفتن التي تذر الحليم حيران، وليس لنا إال مخرج واحد هو‬
     ‫ت‬
   ‫الرجوع إلى اإلسالم، إلى القرآن دستور هذه األمة ومنهاجها الرباني. علينا أن نعود إليه ون ّبع‬
                                            ‫هداه، أن نعمل بما فيه وأن نحكم بما أنزل اهلل فيه.‬
  ‫عباد اهلل، نزل القرآن ليحكم األحياء، ال ليقرأ على األموات، القرآن نزل ليطبق في المحاكم، ال‬
                  ‫ص‬              ‫ل‬
  ‫ليتلى في المآتم، لنتدبر آياته ونحسن فقهه وتطبيقه ونجعله خُقا لنا، كما و ِف النبي بأن خلقه‬
                                       ‫ته ولي َ َك أ ل‬             ‫ك ب ز ه إ ك مب ك ل َد َّر‬
                 ‫القرآن، ِتَا ٌ أَن َلْنَا ُ ِلَيْ َ ُ َارَ ٌ ِي َّب ُوا آيَا ِ ِ َِ َتذ َّرَ ُوُْوا األَلْبَابِ [ص:97].‬
‫عباد اهلل، إن رجال أجنبيا درس اإلسالم فأعجب به وأعجب بتعاليمه، فقال كلمة يجب أن نحفظها‬
  ‫ونرويها؛ ألنها تقطع القلوب، ماذا قال؟ قال: "ما أعظمه من دين لو كان له رجال". دين عظيم‬
                        ‫ولكنه بحاجة إلى رجال عظماء، دين قوي ولكنه بحاجة إلى رجال أقوياء.‬
‫فيا أيها المسلمون، ال عزة لنا إال باإلسالم، وال نصر لنا إال باإلسالم، وال رفعة لنا إال بقيام دولة‬
   ‫اإلسالم. فاعملوا ـ يا عباد اهلل ـ جاهدين إلقامتها، واهلل لن تقوم لكم قائمة إال بها، لن يعيش‬
                                                            ‫المسلمون حياة طيبة إال في ظل دولة اإلسالم.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: عباد اهلل، انظروا إلى هذا الموقف الذي يعبر عن سماحة اإلسالم وعدله وأهله، لما وقف‬
                                                                            ‫ر‬
‫علي ك ّم اهلل وجهه أمام خصم يهودي، وكان القاضي عمر ، وما أعظم وأجمل المحكمة إذا كان‬
   ‫قاضيها عمر الذي لقبه رسولنا بالفاروق؛ ألنه يفرق بين الحق والباطل، محكمة قاضيها عمر‬
‫ليست كمحاكم الظلم والفساد واالستبداد، ليست كمحاكم أمريكا وبريطانيا وإسبانيا والتي ال تعرف‬
   ‫للعدالة معنى وال لإلنسانية مغزى، محكمة عمر ليست كمحاكم اإلرهاب في هذه األيام؛ تبرئ‬
                                                   ‫ل‬
             ‫القاتل وتوقع الجرم على المقتول، وتتسّط على رقاب العباد وتنتهك حرمات البالد.‬
   ‫عباد اهلل، ويفتح عمر مجلس القضاء وينادي على علي، فقال: تعال يا أبا الحسن، ونادى على‬
                                          ‫ي‬
   ‫اليهودي باسمه، وبعد أن أصدر عمر حكمه وجد عل ّا حزينا، فسأله الفاروق: ما يحزنك يا أبا‬
                                  ‫و‬
‫الحسن؟! فقال له: يا أمير المؤمنين، حزنت منك ألنك لم تس ّ بيني وبين اليهودي؛ ناديتني بكنيتي‬
‫وفي الكنية تكريم لصاحبها، وناديت اليهودي باسمه، فكرمتني ولم تكرم اليهودي، وكان عليك أن‬
                                                                                                             ‫و‬
                                                                                         ‫تس ّي بيننا في المناداة.‬
     ‫عباد اهلل، هل سمعتم مثل هذا الكالم يا عباد اهلل؟! فال تعجبوا، تلك هي عدالة اإلسالم. فباهلل‬
      ‫عليكم، هل يوجد في محاكم أعدائكم مثل هذا؟! أين القضاة والحكام ليتعلموا شيئا من أحكام‬
                                                        ‫اإلسالم وعدالته في المعاملة بين أفراد المجتمع؟!‬
‫عباد اهلل، أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر كان يحاسب األمراء والوزراء والوالة، وأما اليوم‬
‫فال رقيب وال حسيب. ولنتذكر جميعا أننا سنقف بين يدي اهلل في يوم عصيب رهيب، في يوم يفر‬
‫المرء من أخيه وأمه وأبيه، في ذلك اليوم سوف يحاسب اهلل الذين سرقوا ونهبوا وسلبوا، وسوف‬
                    ‫م‬
  ‫يحاسب الذين هتكوا األعراض وأفسدوا العباد وباعوا البالد، أولئك الذين د ّروا القيم واألخالق‬
                                                                                      ‫ل‬
      ‫وأحّوا قومهم دار البوار، وقتلوا المؤمنين والمؤمنات وخانوا اهلل ورسوله، وفارقوا جماعة‬
                                                                                                           ‫المسلمين.‬
                                                           ‫عباد اهلل، نحن في عصر كما قال الشاعر عنه:‬
                                           ‫جهرا قفا نبكي على عصرنا…قربه من وقت الواقعة‬
                                                                        ‫م‬
                                                   ‫كم بدعة فيه وكم ِحنة…شنيعة شائعة ذائعة‬
                                       ‫عقول بعض الناس فيه لقد…ضلت وأضحت منهم والعة‬
                                                                 ‫ل‬
                                                ‫والنار لما رأتهم كذا…أفعاُهم من ثديها راضعة‬
                                                          ‫ت ف‬
                                             ‫حنت لهم قالت أنا أمكم…أنا ال ِي ِي آخر القارعة‬
‫عباد اهلل، ال يزال الخير في هذه األمة، وأمتنا قادرة إن شاء اهلل على تجاوز المحن والشدائد مهما‬
                       ‫د‬      ‫ف‬
    ‫اشتد الظالم، فال بد من طلوع الفجر، وسوف تتوحد األمة وتقف ص ًا واح ًا أمام أعدائها، فقد‬
                                   ‫ب‬
 ‫بشرنا رسولنا األكرم بفتح روما، وسوف يكون ذلك قري ًا إن شاء اهلل، وجيوش دول الكفر سوف‬
                                                ‫ي‬                                       ‫ز‬
‫ته َم كما هزموا من قبل، وقد سئل رسولنا : أ ّ المدينتَين تفتح أوال: قسطنطينية أم رومية؟ فقال:‬
                                                                      ‫ال‬
                                                 ‫((مدينة هرقل تفتح أو ً))، يعني القسطنطينية.‬
     ‫وأنتم تعلمون ـ يا عباد اهلل ـ أن الذي فتحها ذلك الشاب المؤمن التركي العثماني ابن الثالثة‬
       ‫والعشرين، الذي لقب في التاريخ باسم محمد الفاتح، الذي قرأ حديث رسول اهلل : ((لتفتح ّ‬
       ‫ن‬
  ‫ه‬
 ‫القسطنطينية، ولنعم األمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)). فما زال هذا القائد العظيم المل َم‬
       ‫يدبر ويخطط حتى أذن اهلل أن يكون له هذا الشرف العظيم، الذي يسعى إليه الكثيرون ولم‬
    ‫يدركوه. هذا القائد المجاهد الذي حقق أمنية المسلمين منذ صدر اإلسالم رغم ضخامة الموانع‬
                                                                    ‫وقوة الحواجز وقلة العتاد.‬
‫عباد اهلل، فتحت القسطنطينية وبقي أن تفتح رومية، وال بد أن يدخل اإلسالم إلى أوروبا من جديد،‬
    ‫ال بد أن ينتصر اإلسالم إذا قمنا بحقه، إذا كنا نحن صورة طيبة لإلسالم، واستطعنا أن نقدمه‬
                                  ‫م‬
  ‫لغيرنا حتى يرى في اإلسالم ما يهديه من الضالل وما يؤ ّنه من الخوف وما يسعده من الشقاء.‬

‫(5/9564)‬




                                                                                 ‫مقاصد الحج‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫فقه‬
                                                                                ‫الحج والعمرة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                              ‫35/75/6745‬
                                                                                                  ‫المسجد الحرام‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- أجواء الحج. 7- الثبات بعد الحج. 3- حاجة األمة إلى الوحدة. 4- مقاصد خطبة الوداع.‬
                                   ‫1- مشقة الحج. 6- كلمة عن حادث التزاحم في اليوم الثاني عشر.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
          ‫أما بعد: فيا حجاج بيت اهلل الحرام، ويا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل سبحانه‬
      ‫و عل م‬
    ‫ومراقبته في السر والعلن والخلوة والجلوة، فافعلوا الخيرات، واجتنبوا السيئات، َمَا تَفْ َُوا ِنْ‬
                                                              ‫ْر ي ه الله و َ َود ِن ْ الز الت‬
                                           ‫خَي ٍ َعْلَمْ ُ َّ ُ َتز َّ ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْوَى [البقرة:295].‬
   ‫َّاجَ بيت اهلل الحرام، إ ّ هذا اليومَ هو آخر أ ّام التشريق في الح ّ، والذي تر َى فيه الجمرا ُ‬
   ‫ت‬             ‫م‬           ‫ج‬                  ‫ي‬                     ‫ن‬                       ‫حج‬
                                                   ‫ن متم‬                 ‫ف‬           ‫للمتأخ‬
       ‫ِّرين، ثم ين ِرون بعد ذلك من م ًى ِّمين ما بقيَ لهم من النسك، بعد أن عاشوا أجواء‬
     ‫س‬        ‫س‬                         ‫رب‬                       ‫ي‬                          ‫ي‬
     ‫روحان ّة واستنشَقوا نسماتٍ إيمان ّةً جعلتهم إلى اهلل أق َ َ ومن معصيته أبعد، لقد أح ّوا أنفا َ‬
              ‫ل‬                 ‫ت‬                                 ‫د‬                    ‫األخو‬
       ‫َّة، ووجدوا ريحَ الوح َة والعدل والمساواة، ولقد وقف مئا ُ األلوف بمئاتِ الّغات على‬
                       ‫رب‬              ‫كل‬         ‫نبي‬    ‫ت‬     ‫د‬      ‫رب‬             ‫د‬
‫صعي ٍ واحد، يدعون ًّا واح ًا، ويّبعون ًّا واحدا، ٌّ منهم قد ناجى َّه ومواله بلغاتٍ مختلفة،‬
     ‫ف لة‬                                 ‫ء‬                     ‫ل‬             ‫ل ة‬
     ‫ال تشغَُه لغ ٌ عن لغة، وال ِسان عن لسان، وال دعا ٌ عن دعاء، يجيب دعوةَ هذا، ويغ ِر زّ َ‬
                     ‫ي‬               ‫ن‬
        ‫ذاك، ويرَى دمعةَ هذا، ويسمَع أنينَ ذاك، فال إلهَ إال اهلل، إ ّه بهذهِ الجموع ُذكون في النفس‬
    ‫غ ال‬                  ‫د‬                     ‫و‬                       ‫ة‬              ‫ر‬
   ‫استشعا َ مشاهد القيام ِ، حينما يجمَع اهلل األ ّلين واآلخرين على صعي ٍ واحد، حفاةً عراة ُر ً،‬
 ‫و َ الن س ر وم‬                 ‫ح ْل ح‬       ‫ْم َر ه َل ُل ُ ضع َم ضع و ضع ُل‬
‫يَو َ ت َوْنَ َا تَذْه ُ ك ُّ مرْ ِ َةٍ ع َّا أَرْ َ َتْ َتَ َ ُ ك ُّ ذَاتِ َم ٍ َمْلَهَا َترَى َّاسَ ُكَا َى َ َا‬
                                                                       ‫الل َد د‬         ‫ُ بسك ر و ِن َ‬
                                                             ‫همْ ِ ُ َا َى َلَك َّ عذَابَ َّهِ ش ِي ٌ [الحج:7].‬
      ‫َ‬                                 ‫بط‬         ‫ر‬       ‫لب‬        ‫ِ‬                    ‫إن‬
 ‫أال َّ من خاف مشاهدَ المحشر فلن يغِ َه األش ُ وال ال َ َر، وسينطلِق بالطاعة والتوبةِ لينقذ نفسه‬
                       ‫ُ ت ق و َ َر َو حة ل ب َ ع ه ت ع ع‬                              ‫ق و َ ْر م‬
   ‫من س َر، َمَا أد َاكَ َا سَقَر ال ُبْ ِي َال تذ ُ ل َّا َ ٌ ِلْ َشرِ َلَيْ َا ِسْ َةَ َشَرَ [المدثر:27-03].‬
         ‫ت‬                                                ‫ل‬               ‫ر‬                 ‫ج‬
      ‫ح ّاجَ بيت اهلل الح َام، ها هي أعما ُ الحج أوشكَت على االنصرامِ، فما أنتم فاعلون؟! أ َكون‬
                              ‫ج‬                                          ‫ل‬               ‫ب‬
 ‫التو َة النصوح والعم ُ الصالح واالستقامة على طاعةِ اهلل بعد الح ّ هي النبراسَ لكم فيما بقي لكم‬
     ‫سن‬                    ‫ه‬                           ‫ب‬                  ‫ه‬
 ‫من أعمار، أم هو التسا ُل والتخاذل والتدا ُر والتفريط في جنب اهلل؟! أ ُو إتباع السيئة الح َ َة أم‬
   ‫ِن‬                    ‫ء‬                                     ‫ن‬
   ‫إتباع الحسنات السيئات؟! أال إ ّ من عالمات قبول العمل أن يواصلَ المر ُ الطاعةَ بالطاعة، إ َّ‬
                                                            ‫ل ذ ْ ِلذ كر‬               ‫َّي‬        ‫يه‬         ‫حس‬
                                              ‫الْ َ َنَاتِ ُذْ ِبْنَ الس ِّئَاتِ ذَِكَ ِكرَى ل َّا ِ ِينَ [هود:455].‬
                           ‫ج‬                                              ‫ن‬               ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، إ ّ علينا جميعا أن ننقلَ ما شاهدناه في مناسك الح ّ من مشاعر الوحدة والتالحم‬
‫ن‬        ‫ة‬        ‫ة‬         ‫والتآخي والعدل والمساواة إلى واق ِنا اليوم ّ وميداننا العملي، فما الحج‬
‫ُّ إال نقط ُ انطالق ٍ لترجما ِ‬                        ‫ي‬         ‫ع‬
          ‫م‬                                         ‫ن‬                                  ‫حم‬
      ‫ِكَ ِه بين المسلمين في شَتى األقطار. إ ّه ينبغي لكل حاج أن يرجعَ إلى قومه وهو يح ِل في‬
             ‫ض‬        ‫تتحق‬           ‫د‬          ‫ن‬
  ‫نفسه معنى الوحدةِ وحاجة األمة إليها، وأ ّ هذه الوح َة ال يمكن أن َّق في أر ِ الواقع على‬
                           ‫ن‬                   ‫د‬      ‫د‬                  ‫ق‬       ‫د‬
                  ‫اختالفٍ في مصا ِر التل ّي، ما لم يكن المص َر واح ًا وهو كتاب اهلل وس ّة رسوله .‬
                       ‫ن‬                        ‫ُم م‬     ‫ن‬
     ‫أال ترونَ ـ يا رعاكم اهلل ـ أ ّه يحر ُ ِن الرضاعة ما يحرم من ال ّسب؟! وأي رضاع أنشز‬
                                        ‫ن‬
 ‫للمحبة واإللفة من رضاعِ المعاني اإلسالمية السامية؟! إّنا بهذه العبارات ال نلتَمِس من المسلمين‬
                                 ‫ِّد‬             ‫د‬
‫أن يكونَ مالك األمر فيهم جميعًا شخصًا واح ًا وسلطانا متفر ًا، فإن هذا من العسر بمكان، ولكنهم‬
                              ‫ن‬                                                             ‫ر‬
                            ‫غي ُ عاجزين عن أن يكونَ الوحي هو سلطانهم جميعًا، وهو الكتاب والس ّة.‬
                   ‫د‬                 ‫ي المي‬              ‫فإن‬       ‫د‬
‫إذا كان األمر كذلك ـ عبا َ اهلل ـ َّ البكاءَ ال يح ِي ِّت، واألسفَ ال ير ّ الفائت، والحزنَ ال‬
           ‫ُل‬                                              ‫ح‬            ‫ن‬
  ‫يدفع المصيبةَ، بل إ ّ العمل مفتا ُ النجاح، والصدقَ واإلخالصَ مع متابعةِ الرسول سَّم الفالح.‬
   ‫ع‬                              ‫ة‬         ‫ر‬                     ‫ِ‬       ‫م‬           ‫ن‬
  ‫إ ّه ال مناصَ ِن الوحدة في الدين والمصدر إن ُمنَا صحو ً من سبات، وعلينا أن ندركَ جمي ًا‬
 ‫ك هلل ب ثه‬                                ‫ال‬                                 ‫م‬          ‫أن الظل‬
‫َّ لن يستقي َ والعود أعوَج، ولن يرضى بالعوجِ إ ّ من جعل اهلل نفسه ممن َرهَ ا ُ انْ ِعا َ ُم‬
                                                                                         ‫ع‬       ‫ُد م‬           ‫َثب ه َ‬
                                                                                     ‫ف َّطَ ُم وقِيل: اقع ُوا َع القا ِدين.‬
    ‫ي‬                                             ‫يذك‬     ‫ن‬                         ‫ج‬
    ‫ثم اعلموا ـ ح ّاجَ بيتِ اهلل الحرام ـ أ ّ الحج ِّرنا بخطبةِ الوداع الشهيرةِ التي ألقَاها النب ّ‬
          ‫على مسامِعِ الحجيج، وأش َدَهم عليها، والتي َّد فيها صلوا ُ اهلل وسالمه عليه على حف ِ‬
          ‫ظ‬                         ‫ت‬            ‫أك‬                  ‫ه‬
                ‫ت‬                             ‫س‬
    ‫الضروراتِ الخمس وهي الدين والعقل والنف ُ والمال والعرض، فقد قال صلوا ُ اهلل وسالمه‬
      ‫عليه في الخطبة عن حفظ الدين: ((وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به:‬
                     ‫كل‬                                         ‫ت‬
 ‫كتاب اهلل))، وقال صلوا ُ اهلل وسالمه عليه عن حفظ العقل: ((أال إن َّ شيء من أمر الجاهلية‬
                                                       ‫ت‬                    ‫َّ‬
     ‫تحت قدمي موضوع))، وقال صلوا ُ اهلل وسالمه عليه عن حفظ النفس والمال: ((إن دماءكم‬
                       ‫ن و‬
 ‫وأموالكم حرم عليكم))، وقال أيضًا: ((ودماء الجاهلية موضوعة، وإ ّ أ ّل دمٍ أضع من دمائنا دم‬
                   ‫ه‬                                    ‫ط‬
 ‫ابن ربيعة بن الحارث بن عبد الم ّلب، كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته ُذيل، وربا الجاهلية‬
  ‫ت‬               ‫ل‬         ‫ن‬      ‫موضوع، وأول ربا أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطل‬
  ‫ِّب، فإ ّه موضوع كّه))، وقال صلوا ُ‬
      ‫ن‬                                  ‫فات‬
      ‫اهلل وسالمه عليه عن حفظ العرض في تلكم الخطبة: (( َّقوا اهلل في النساء، فإنكم أخذتموه ّ‬
                  ‫د‬        ‫ر‬                      ‫ن‬                ‫ن‬
      ‫بأمانة اهلل، واستحللتم فروجه ّ بكلمة اهلل، وإ ّ لكم عليهن أن يوطئن ف ُشَكم أح ًا تكرهونه)).‬
                                                          ‫أ‬                                 ‫ت‬
‫أال فا ّقوا اهلل حجاج بيتِ اهلل الحرام، وَروا اهلل من أنفسكم توبةً نصوحا واستقامةً وثباتًا على دينه،‬
  ‫و كر الل َ ف َي م ْد د ت‬                                  ‫ل‬            ‫ة‬                    ‫ج‬
  ‫وار ِعوا إلى أوطانكم قدو ً صالحة لعأه ِ واألوالد والمجتمعات، َاذْ ُ ُوا َّه ِي أ َّامٍ َع ُو َا ٍ‬
  ‫فَ َنْ تَع َّل ِي يَوْ َيْن فَال ِثْمَ َلَيْهِ َ َنْ تَأَخر فَال ِثمَ َلَيْهِ ِ َنْ َّقَى و َّ ُوا َّ َ َاعْلَ ُوا أ َّ ُمْ َِيْ ِ‬
  ‫َّ َ إ ْ ع لم ات َاتق الله و م َنك إل ه‬                                         ‫م ِ إ ع وم‬                        ‫م َج َ ف‬
                                                                                                                    ‫ت ر‬
                                                                                                   ‫ُحْشَ ُونَ [البقرة:307].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
        ‫فر‬                                  ‫ل‬
      ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كن غ ّا ًا.‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                              ‫نبي‬
                                                        ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال َّ بعده.‬
                ‫مشق‬        ‫س‬                  ‫ن‬                            ‫جج‬
   ‫وبعد: فاتقوا اهللَ ح ّا َ بيت اهلل الحرام، واعلموا أ ّه قد اجتَمَع في ن ُكِكم هذا َّتان: أوالهما:‬
   ‫ِّ ، واألخرى مش ّة أنساكِ الح ّ المبني‬
  ‫َّة‬     ‫ج‬             ‫ق‬                       ‫صح‬               ‫ة‬               ‫قة س‬
                                       ‫مش ّ ُ ال ّفر، والسفر قطع ٌ من العذاب كما َّ عن النبي‬
        ‫ل‬        ‫ظ‬     ‫ع‬               ‫ب‬                              ‫على اجتنابِ الترف‬
 ‫ُّه ومحظوراتِ اإلحرام، وهذا جان ٌ من النصب والت َب يع ُم من خالِه األجر‬
              ‫ُم‬        ‫ظن‬                    ‫ي‬                              ‫ي‬
     ‫كما قال ذلك النب ّ لعائشةَ رضي اهلل تعالى عنها. ُضاف إلى ذلكم أنه م ِ ّة للتزاح ِ والتدافع‬
      ‫ط‬                            ‫ك‬         ‫ر‬              ‫ة‬       ‫والعَ َلة واإلرباك الذي سيخل‬
 ‫ِّف بداه ً شيئًا من الض َر بين تل ُم الجموع الغفيرةِ التي تتقا َر إلى‬                   ‫ج‬
                                                ‫َد ئ‬         ‫ٌ‬
      ‫رمي الجمار، وهي أحواض صغيرة ال تع ّ شي ًا في مقابلِ هذه الجموعِ المتزاحمة واألوقات‬
                                                                                                            ‫ي‬
                                                                                                        ‫الض ّقَة.‬
‫ق‬                                ‫ج‬        ‫ب‬                                  ‫ت‬                ‫وإن‬
‫َّ ما وقع من وفيا ٍ نتيجةَ التدافع باألمس إنما هو بس َبِ العَ َلَة والمزاحمة والتفريطِ في الرف ِ‬
‫والسكينة التي أ ِرَ بها الحاج شرعًا، وأخذ ال ّ َة فيما فيه س َة، وإال فإ ّ َن ق َوا نح َهم باألم ِ‬
‫س‬         ‫ب‬      ‫نم ض‬               ‫ع‬             ‫سع‬                 ‫ُّ‬          ‫م‬
                          ‫لم‬                   ‫ك‬           ‫ب‬            ‫ة ر‬
 ‫نحسبهم على خاتم ِ خي ٍ، واهلل حسي ُهم، وال نز ّيهم على اهلل، فالّه ّ ارحمهم، وارفع درجاتهم في‬
             ‫ف‬               ‫ر‬                 ‫تن‬                         ‫ب‬      ‫ب‬        ‫ي‬
  ‫المهدّين، واج ُر مصا َنا ومصابَ ذويهم، وال تف ِ ّا بعدَهم، وال تح ِمنا أجرهم، واغ ِر لنا ولهم.‬
       ‫م ِال ِ الل ك ب‬                             ‫ِ‬          ‫و‬         ‫ر‬                         ‫ل‬       ‫ن‬
      ‫أال إ ّه األج ُ المحتوم؛ إذ ال يغني حذَ ٌ من قدر، َمَا كَانَ لنَفْسٍ أَنْ تَ ُوتَ إ َّ بِإذْنِ َّهِ ِتَا ًا‬
                                                                                                     ‫م َج‬
                                                                                  ‫ُؤ َّالً [آل عمران:145].‬
     ‫ل د‬          ‫ب‬        ‫ن بة و ِ‬               ‫ب‬    ‫ر ن‬              ‫فإن‬
    ‫وحنَانَينا عبادَ اهلل، َّ بعضَ الش ّ أهو ُ من َعض، فما ِس َ ُ ال َفيات في مقا ِل من سِم وأ ّى‬
         ‫ج‬                                          ‫الن‬         ‫ظ‬
‫نسكَه وقضى تفثه؟! ولو ن َرنا بعينِ ِّسبة من خالل مليونَين ونصفِ المليون من الح ّاج لوجدنا‬
                ‫ي َد ة‬                  ‫رم‬                 ‫كل ئ‬                          ‫أن‬
        ‫َّ نسبةَ موتى الجمرات من ِّ ما ِة ألف أربعةَ عش َ َيتًا، وهذا ال ُع ّ نسب ً ضخمة في‬
      ‫ض‬               ‫ت م‬        ‫ي‬                         ‫ل يسم‬              ‫ي‬
     ‫األعرافِ العالم ّة من خال ِ ما ُ َ ّى بحسابِ االحتماالت، ال سّما في ِلك ُ األماكن المكت ّة‬
         ‫ج‬                              ‫م‬                                  ‫ّ‬
     ‫باألنفس، ولعل مثلَ هذه األحداث تستدعي شحذَ اله َم في نفوسِ من يقصدون نسكَ الح ّ بأن‬
     ‫ر ق‬                                    ‫رص‬      ‫ن‬             ‫ر‬        ‫م‬                ‫ل‬
‫يتعّموا آدابه وأحكا َه، ويتع ّفوا على أماك ِه وع َ َاته وكيفية التعامل معها، وهذا أم ٌ مل ًى على‬
          ‫ت‬                                                                   ‫س‬
          ‫عاتقِ المؤ ّسات والبعثات ذات االختصاص في بلدِ الحاج، إضافةً إلى ما تقوم به جها ُ‬
  ‫ي‬      ‫ل‬          ‫ع‬         ‫ج‬                    ‫ج ب‬
 ‫االختصاصِ األخرى في توعيةِ الح ّاج إ ّان الحج نفسه، كما ي ِب أن يرا َى في ذلك كّه أهم ّة‬
                ‫ف‬                       ‫ي‬                     ‫ي‬
      ‫اجتماعِ النواحي الشرعية والتنظيم ّة والتطبيقية والهندس ّة، فالتنظيم وحده ال يك ِي، والفتوى‬
    ‫نس‬        ‫ص‬                                                      ‫م ل‬
‫وحدها ال تكفي، والتما ُ ك ّ التمام في اجتماع تلك النواحي في بوتقةِ االلتزام بالن ّ في ال ّ ُك مع‬
                                  ‫ض‬
   ‫مراعاةِ جوانب التيسير ورفع الحرَج، مع التفريق الوا ِح بين ما هو واجب وما ليس بواجب.‬
   ‫هذا وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد اهلل، فقد أمركم اهلل‬
    ‫ي‬                                   ‫ي‬             ‫ب‬
   ‫بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بمالئكته المسّحة بقدسه، وأ ّه بكم أيها المؤمنون، فقال جل وعال: َا‬
                                                           ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫َي َّذ ن من‬
                                            ‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                                                                           ‫صل‬
       ‫اللهم ِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬
                                                                                                        ‫مجيد...‬

‫(5/0764)‬
                                                                                                          ‫استدامة الطاعات‬
                                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                                        ‫الحج والعمرة, فضائل األعمال‬
                                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                                ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                             ‫07/75/6745‬
                                                                                                              ‫المسجد الحرام‬
                                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- مدرسة الحج. 7- التحذير من األهواء المضلة. 3- أهمية االقتداء بالسلف الصالح. 4-‬
                            ‫د‬
         ‫الوصية بذكر اهلل تعالى في نهاية الحج. 1- عوامل الثبات. 6- التأ ّب مع اهلل تعالى. 2-‬
            ‫أوصاف المؤمنين. 8- استنكار ما وقع من السخرية بالنبي في بعض الصحف الغربية.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
   ‫ي‬                                              ‫ق‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى ح ّ التقوى، واستمسكوا من اإلسالم بالعروة الوثقى، َا‬
              ‫ر بم مل‬                ‫َي َّذ ن من اتق الله و ُ س م َدم ل د َاتق الل ِن الل‬
           ‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ َلْتَنْظرْ نَفْ ٌ َا ق َّ َتْ ِغَ ٍ و َّ ُوا َّهَ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِ َا تَعْ َُونَ‬
            ‫ِّ ال‬                                        ‫الط‬         ‫رن‬
  ‫[الحشر:85]، ال تغ ّ ّكم اآلمال ِّوال، وال تنسوا قربَ اآلجال، فكم من مؤملٍ أم ً ال يدركه،‬
  ‫وكم من مصبح في يومٍ ال يدرك غروب شمسه، و ُمسٍ في ليل ال يدرك الصباح، يَا أ ُّ َا ال ِي َ‬
  ‫َيه َّذ ن‬                           ‫ٍ‬         ‫م‬                              ‫ٍ‬
  ‫ِر ن و ق م‬                   ‫ه‬         ‫َ أ‬         ‫د ُ ع ذ الله وم ي َ‬                     ‫ت هك و لك و‬                   ‫من‬
‫آ َ ُوا ال ُلْ ِ ُمْ أَمْ َاُ ُمْ َال أَوْال ُكمْ َنْ ِكْرِ َّ ِ َ َنْ َفْعلْ ذَلِك فَُوْلَئِكَ ُمْ الْخَاس ُو َ َأَنْفِ ُوا ِنْ‬
  ‫َّ ن إل َ ٍ ر ٍ َّدق وأك‬                          ‫َب‬      ‫ُ يق‬              ‫تي َدك‬                  ‫م َز ك م ْ‬
‫َا ر َقْنَا ُمْ ِنْ قَبلِ أَنْ يَأْ ِ َ أَح َ ُمْ الْمَوْت فَ َ ُولَ ر ِّ لَوْال أَخرْتَ ِي َِى أَجل قَ ِيب فَأَص َّ َ ََ ُنْ‬
                           ‫ِذ ج جل َالله ر بم مل‬                                  ‫م الص لح ن و ي َخ الله‬
      ‫ِنْ َّاِ ِي َ َلَنْ ُؤ ِّرَ َّ ُ نَفْسًا إ َا َاءَ أَ َُهَا و َّ ُ خَبِي ٌ ِ َا تَعْ َُونَ [المنافقون:9-55].‬
 ‫موفق‬        ‫ج‬      ‫ل‬
‫ُّ مدر َ ٌ للحياة، ِنه يستم ّ المسِم منه َ حياته، َّ ًا‬
                          ‫ِد‬       ‫م‬         ‫سة‬                               ‫حج‬
                                                     ‫أيها المسلمون، ُ ّاجَ بيت اهلل الحرام، الحج‬
                                   ‫ك‬       ‫لل ُدى، ثابتًا على الصراطِ المستقيم، قد تعّم الحاج‬
        ‫ُّ من نس ِه كيف يسير على شرعِ اهلل في‬     ‫ل‬                                      ‫ه‬
                         ‫ر دة‬             ‫ك‬        ‫ن‬                   ‫ت‬           ‫م‬
  ‫انضباطٍ تا ّ في األوقا ِ والمواقيت واألزما ِ واألما ِن، شعائ ُ مح ّد ٌ مرتبِطة بمشاعرَ محدودة‬
                   ‫ر‬       ‫س‬            ‫َد‬                                      ‫ة‬
  ‫على هيئ ٍ مشروعة، فيعود المسلم في سَفح دنياه وغ ُه خير من أم ِه، سائ ًا على هديِ خالقه،‬
              ‫ات‬                            ‫َ رب و ُ َب َت ي تي يق ن‬
    ‫ممتثال قول ِّه: َاعْبدْ ر َّكَ ح َّى َأْ ِ َكَ الْ َ ِي ُ [الحجر:99]؛ فيعظم حرصه على ِّباع السنة،‬
       ‫هلل‬         ‫ل‬             ‫م‬              ‫ت‬                          ‫ي‬            ‫م‬
       ‫والتزا ُه نورَ الوح َين، وقد قال النبي : ((ترك ُ فيكم ما إن ت ّسكتم به لن تضّوا: كتاب ا ِ‬
                                                                                                                            ‫ن‬
                                                                                                                       ‫وسّتي)).‬
              ‫َ ز‬                             ‫وكما َّ الشهواتِ تهدم الديانةَ َّ األهواء لتتخط‬
 ‫َّف العقول، ومن أراد النجاة فليل َم صراطَ اهلل،‬            ‫فإن‬                       ‫أن‬
                            ‫وَن َذ ِر ط م ق م َاتبع ه و َتبع الس ُ َر ِ ُ ع سب ل‬
           ‫َأ َّ ه َا ص َا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َال تَّ ِ ُوا ُّبلَ فَتَف َّقَ بكمْ َنْ َ ِيِهِ [األنعام:315].‬
      ‫ن ُّل‬     ‫ه‬      ‫ويند ِج تحتَ هذا األصلِ االقتدا ُ بسلفِ األ ّة الصالحين الذين ص ِبوا النبي‬
      ‫َّ ، وش ِدوا ت َز َ‬       ‫ح‬                   ‫م‬           ‫ء‬                          ‫ر‬
         ‫د‬                                            ‫ق‬                   ‫ات ع تزي‬
         ‫الوحي، ِّبا ٌ بال ُّد في الدين، وال تن ّصٍ في الشريعة، وقد روى اإلمام أحمد وأبو داو َ‬
      ‫س‬       ‫َّ قال: ((عليكم بسّتي وسّة الخلفاء الراشدين المهدي‬
   ‫ِّين، تم ّكوا‬                       ‫ن‬     ‫ن‬                      ‫ن‬             ‫ي‬
                                                              ‫والترمذ ّ بسند صحيح أ ّ النبي‬
                              ‫ن كل‬                        ‫ي‬      ‫ج‬                ‫ض‬
‫بها، وع ّوا عليها بالنوا ِذ، وإ ّاكم ومحدثاتِ األمور؛ فإ ّ َّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة)).‬
‫ومنه تعلمون ـ يا رعاكم اهلل ـ حاج َنا في الثبات على دين اهلل إلى لزومِ الكتاب والسنة واجتنا ِ‬
‫ب‬                                                         ‫ت‬
                                                                                                            ‫البدع والمحدثات.‬
                ‫ل ز ل إ ض ُ م س ُ ْ ُر الل‬                                             ‫ي‬
              ‫وفي خَتم الحج بالوص ّة بذكر اهلل في قوِه ع ّ وج ّ: فَِذَا قَ َيْتمْ َنَا ِكَكم فَاذْك ُوا َّهَ‬
    ‫[البقرة:007] فيه إشارة إلى استدامة الطاعة والثبات عليها؛ إذِ الذكر من وسائلِ الثبات كما في‬
         ‫ر َل ُ ت ح ن‬                   ‫بت و ُر الل‬                  ‫ي َي َّذ ن من ِذ ق ت ْ ف‬
         ‫قولِ اهلل عز وجل: َا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا إ َا لَ ِي ُم ِئَةً فَاثْ ُ ُوا َاذْك ُوا َّهَ كَثِي ًا لَعَّكمْ ُفْلِ ُو َ‬
        ‫رف‬            ‫ر‬      ‫الله‬     ‫ن‬      ‫ت‬         ‫م‬
        ‫[األنفال:14]، ومن كان ذكر اهلل في قلبه دائ ًا فلن يف ُر لسا ُه عن َّ َج بذك ِه، ولن تقت ِ َ‬
                                                                              ‫ة‬         ‫س‬          ‫ر‬
                                                                     ‫جوارحه منك ًا، ولن يك َل عن طاع ٍ وعبادَة.‬
 ‫و َن ُ فعل م‬                   ‫ق‬                                                ‫إن‬             ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، َّ استدامةَ الطاعات من عواملِ الثبات، وقد قال الح ّ سبحانه: َلَوْ أ َّهمْ َ َُوا َا‬
        ‫ُ م َ ُن ْر عظ و َد ه ِر ط‬                                     ‫ن ْر ه و َد ب وِذ‬                               ‫ي عظ ب‬
       ‫ُو َ ُونَ ِهِ لَكَا َ خَي ًا لَ ُمْ َأَش َّ تَثْ ِيتًا َإ ًا آلتَيْنَاهمْ ِنْ لد َّا أَج ًا َ ِيمًا َلَه َيْنَا ُمْ ص َا ًا‬
      ‫ه‬            ‫ت‬         ‫ي‬        ‫ة‬           ‫ت‬         ‫ة‬                            ‫م قم‬
 ‫ُسْتَ ِي ًا [النساء:66-86]. فهذه أربع ُ أمور تن ُج عن الطاع ِ: الخير ّة والثبا ُ واألجر وال ِداية.‬
      ‫م ن َّل‬                ‫ِن َّذ َ ل َب الله ُم‬                                             ‫ء‬                ‫م‬
      ‫أ ّا الثواب والجزا ُ فاسمع قولَ اهلل تبارك وتعالى: إ َّ ال ِين قَاُوا رُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَقَا ُوا تَتَ َز ُ‬
 ‫ن لي ؤ ُ ف ح ة‬                        ‫َن الت ك ُ ت َد‬                  ‫زن و ِر‬               ‫ئ ة َال خ ف و‬                    ‫ع ِ‬
 ‫َلَيْهمْ الْمَال ِكَ ُ أ َّ تَ َا ُوا َال تَحْ َ ُوا َأَبْش ُوا بِالْج َّةِ َّ ِي ُنْتمْ ُوع ُونَ نَحْ ُ أَوِْ َا ُكمْ ِي الْ َيَا ِ‬
               ‫َدع ن ُزال م ف ٍ رح‬                 ‫ه أ فس ُ و ُ ف ه‬                        ‫خ ة و ُْ ف‬         ‫الد َف‬
            ‫ُّنْيَا و ِي اآل ِرَ ِ َلَكم ِيهَا مَا تَشْتَ ِي َن ُ ُكمْ َلَكمْ ِي َا مَا ت َّ ُو َ ن ُ ً ِنْ غَ ُور َ ِيمٍ‬
                                                                                                           ‫[فصلت:03-73].‬
                 ‫َّب إليه ُلفى، والمقر‬
      ‫َّبون هم أولى‬         ‫ز‬              ‫ب‬          ‫م‬                   ‫إن م حج‬
                                    ‫عبادَ اهلل، َّ َن َّ واعتمر فقد ازدادَ ِن اهلل قر ًا، وتقر‬
    ‫ء‬                           ‫د‬            ‫ء‬          ‫د‬             ‫ّ‬           ‫النا ِ بالتأد‬
 ‫ُّب مع اهلل جل في عاله، يح ُوهم الرجا ُ في االزديا ِ من الطاعة، ويمنَعهم الحيا ُ من‬     ‫س‬
                               ‫وأتم‬       ‫ف‬       ‫و د‬         ‫ر‬                      ‫ء‬      ‫التلط‬
                     ‫ُّخ بشي ٍ من المعاصي بعد أن أك َم اهلل ِفا َتهم وغ َر ذنوبهم َّ مناسكَهم.‬
                          ‫ُ‬      ‫ظ و َز د الله َّذ َ َ‬                              ‫ي‬            ‫وإن‬
   ‫َّ اإليمانَ ل َزيد بالطاعةِ وينمو ويع ُم، َي ِي ُ َّ ُ ال ِين اهْتدَوْا هدًى [مريم:62]، وفي سورة‬
  ‫وعل‬          ‫ِن م من َّذ ن ِذ ذ ِ الله ج ْ قل ب ُ وِذ تلي ع ِ ت ُ ز د ُ إ‬
 ‫األنفال: إَّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِي َ إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ َإ َا ُِ َتْ َلَيْهمْ آيا ُه َا َتْهمْ ِيمَانًَا َ ََى‬
‫ر ِّهمْ َتَو َُّونَ [األنفال:7]. فانظر إلى اقترانِ ِّكر بالعم ِ والتر ّي في درجاتِ اإليمان. و َن م َّ‬
‫م َن‬                          ‫ق‬       ‫ل‬         ‫الذ‬                                  ‫َب ِ ي َكل‬
    ‫تط‬               ‫ن وإن ز‬                  ‫ن‬      ‫ت‬      ‫ق‬          ‫د‬
    ‫هلل عليه بطاعة وقربةٍ فليز َد من اهلل ُربى ح ّى يكو َ منتهاه الج ّة. َّ الفو َ والفالح مر َبِ ٌ‬
                                                                                                          ‫ط‬      ‫بتحق‬
                                                                                        ‫ُّق شرو ِه والمداومة عليها.‬
       ‫م من َّذ ه ْ ف ص ته شع ن و َّذ ن ُ ع الل‬                                    ‫َ َ‬
   ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم، قدْ أفْلَحَ الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِينَ ُم ِي َال ِ ِمْ خَا ِ ُو َ َال ِي َ همْ َنْ َّغْوِ‬
     ‫ملك‬            ‫م رض ن و َّذ ه ِلز ة عل ن و َّذ ُ فر ج ِ ح ظ ِال عل َ و ج ِ‬
   ‫ُعْ ِ ُو َ َال ِينَ ُمْ ل َّكَا ِ فَا ُِو َ َال ِينَ همْ لِ ُ ُو ِهمْ َافِ ُونَ إ َّ ََى أزْ َا ِهمْ أوْ مَا ََ َتْ‬
    ‫ت ِ وع د ِ‬                ‫َ أ ك ُ ع د ن و َّذ ُ‬                           ‫َر‬             ‫م نه ْ ِن ُ ر مل م َ م‬
  ‫أَيْ َا ُ ُم فَإَّهمْ غَيْ ُ َُو ِين فَ َنْ ابْتَغَى و َاءَ ذَلِك فَُوْلَئِ َ همْ الْ َا ُو َ َال ِينَ همْ ألَمَانَا ِهمْ َ َهْ ِهمْ‬
      ‫هْ ف ه‬      ‫ِ ْد‬       ‫ر ع ن و َّذ ُ ع ص و ت ِ ي ظ أ ك ُ و رث َّذ ن َرث‬
     ‫َا ُو َ َال ِينَ همْ َلَى َلَ َا ِهمْ ُحَافِ ُونَ ُوْلَئِ َ همْ الْ َا ِ ُونَ ال ِي َ ي ِ ُونَ الْفر َوْسَ ُم ِي َا‬
                                                                                                                    ‫ِد‬
                                                                                                 ‫خَال ُونَ [المؤمنون:5-55]‬
 ‫م‬                  ‫ع‬      ‫ة‬                                ‫ة‬
 ‫هذه أوصاف المؤمنين؛ محافظ ٌ على الصلواتِ في أوقاتها، وعناي ٌ بخشو ِها وخضوعها، وإتما ُ‬
 ‫ة‬        ‫ضي‬                 ‫حظ‬
‫أركا ِها وواجبا ِها، واالط ِئنان فيها، فال ّالة ِماد ال ّين، وال َّ في اإلسالمِ لمن َّع الصال َ.‬
                                       ‫د‬       ‫ص ع‬                  ‫م‬          ‫ت‬          ‫ن‬
                               ‫أن م‬      ‫و َّذ ه ِلز ِ عل ن‬                      ‫ة‬          ‫ُ‬       ‫م‬
 ‫أ ّا الزكاة فهي قرين ُ الصالة، َال ِينَ ُمْ ل َّكَاة فَا ُِو َ. كما َّ ِن عالماتِ اإليمان االبتعادَ عن‬
      ‫ال‬                  ‫ض‬       ‫ال‬     ‫ي‬
  ‫الّغو وهو ُّ مَا ال نفع فيه، فال يسمَع إ ّ المبا َ، وال َقول إ ّ ما ير ِي اهلل، وال ينظر إ ّ لما‬
                                                ‫ح‬       ‫ال‬                 ‫َ‬          ‫كل‬       ‫ل‬
 ‫َّه، وال يف َل إ ّ ما أبا َه. أ ّا العِ ّة والعفا ُ ِّتر واالحتشام ف ُنوان صالحِ المؤمن، َال ِي َ‬
 ‫و َّذ ن‬                    ‫ع‬               ‫ف والس‬       ‫ح م ف‬                  ‫ع ال‬            ‫أحل‬
                                                                                                        ‫ظ ن‬          ‫ُ ُر جه‬
                                                                                                       ‫همْ لِف ُو ِ ِمْ حَافِ ُو َ.‬
             ‫من‬                ‫ِ علي ر‬              ‫روى الترمذ ّ والنسائ ّ والحاكم أ ّ النبي‬
‫َّ قال: ((أنزلَ َّ عش ُ آيات، من أقا َه ّ دخل الجنة))،‬    ‫ن‬           ‫ي‬         ‫ي‬
                                                                          ‫ر‬               ‫م من‬              ‫َ َ‬
                                                                    ‫ثم قرأ: قدْ أفْلَحَ الْ ُؤْ ِ ُونَ حتى ختم عش َ آيات.‬
‫م ْر ف‬           ‫ي ُر‬       ‫و م من ن و م م ت َ ض ُ ل ء ب‬                                      ‫ي ي‬         ‫ض‬
‫هذه بع ُ الوصا َا أّها المسلمون، َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِنَا ُ بعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعْضٍ َأْم ُونَ بِالْ َع ُو ِ‬
   ‫ع م َر ويق م ن الص وي ت الز ويط ع الله َرس ه أ ك سي حم ُ الله‬                                                       ‫وي‬
   ‫َ َنْهَوْنَ َنْ الْ ُنك ِ َ ُ ِي ُو َ َّالةَ َ ُؤْ ُونَ َّكَاةَ َ ُ ِي ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ ُوْلَئِ َ َ َرْ َ ُهمْ َّ ُ‬
                                                                                                      ‫ِن الل َ ز حك م‬
                                                                                         ‫إ َّ َّهَ عزِي ٌ َ ِي ٌ [التوبة:52].‬
                                                     ‫اللهم و ّقنا للصالحات، ِّتنا على الحق‬
‫ِّ والهدى حتى نلقاك. أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل تعالى‬          ‫وثب‬             ‫ف‬
                                                                                                                         ‫لي ولكم.‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                              ‫سي‬                            ‫ل‬
       ‫الحمد هلل ذي الطول اإلنعام والفض ِ واإلحسان، أنعم علينا ببعثة ِّد األنام، وجعلنا من أهل‬
                            ‫د‬     ‫ن‬
        ‫اإلسالم، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورسوله وخليله‬
  ‫ح‬                ‫وأد‬          ‫بل‬                 ‫ص‬
  ‫ومصطفاه، هدانا اهلل به من الضاللة، وب ّرنا به من العمى، َّغ الرسالة، َّى األمانةَ، ونص َ‬
                                        ‫ل‬                         ‫حق‬                 ‫م‬
      ‫األ ّة، وجاهد في اهلل َّ جهاده حتى أتاه اليقين، صّى اهلل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
           ‫ك‬           ‫ل‬      ‫ء‬               ‫ّد‬               ‫أ ّها المسلمون، َّ ِن المتقر َّ‬
   ‫ِّر أن رسولَ اهلل محم ًا خاتم األنبيا ِ وأفض ُ الرسل وأز َى البشر،‬     ‫إن م‬             ‫ي‬
‫ٍ م ه ِن‬                 ‫ر‬              ‫ص‬        ‫وأن بت ن‬                      ‫ت‬     ‫وأن‬
‫َّ حرم َه أعظم الحرمات، َّ محّ َه دي ٌ وانتقا َه كفر، ومن تع ّض له بسوء فد ُه َدر، إ َّ‬
 ‫م‬                     ‫َّذ ي ْذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف الد و ِ ة و َد ُ َ مه‬
‫ال ِينَ ُؤ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ُّنْيَا َاآلخرَ ِ َأَع َّ لَهمْ عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21]. و ِن‬
                                      ‫ب ي‬         ‫وتنقص بأي‬     ‫س ري‬          ‫ء‬
                              ‫أعظم األذَى االستهزا ُ به وال ّخ ِ ّة منه ُّ ُه ِّ أسلو ٍ وأ ّ طريقَة.‬
   ‫ر‬           ‫ب‬     ‫ض‬              ‫رس‬                                                ‫أن م‬
 ‫ومع َّ ِن أركان اإليمان لدينا نحن المسلمين اإليمان بال ّ ُل جميعا المقت ِي مح ّتَهم وتوقي َهم‬
                        ‫م‬                                                       ‫ال‬
    ‫واحترامهم إ ّ أن حِقدَ الكافرين وضالل الضالين يأبى إال أن ينفثَ سمو َه ما بين فينةٍ وأخرى‬
     ‫بد ب ء م‬                    ‫ري ت ي‬                                      ‫تد‬                         ‫ر‬
   ‫عب َ وسائلَ إعالمية في بالدٍ َّعي العدالةَ واحترام األديان وح ّ ّةَ ال ّد ّن، قَدْ َ َتْ الْ َغْضَا ُ ِنْ‬
             ‫ع‬                ‫يوق رب‬                      ‫ُد ره َر‬            ‫َ و ه ِ وم ت ف‬
       ‫أفْ َا ِهمْ َ َا ُخْ ِي ص ُو ُ ُمْ أَكْب ُ [آل عمران:855]. لم ِّروا َّ العالمين حين ج َلوا له‬
      ‫ئ الته‬            ‫ص‬                                       ‫حق‬         ‫د‬          ‫ل‬
‫الصاحبةَ والوَد، ولم يق ُروا اهلل َّ قدرِه حين نسبوا له الخطأَ والندم، وأل َقوا بأنبيا ِه ُّ َم، وها‬
       ‫د‬         ‫م‬                 ‫ر‬      ‫ن‬        ‫ة تؤج‬                           ‫و‬
‫هم يتطا َلون على جنابِ المصطفى بطريق ٍ ِّج الفتَ َ، وتز َع الكراهيةَ، وتن ّي األحقا َ، وتذكي‬
           ‫خ‬             ‫ب‬                                               ‫ر‬
  ‫العداءَ بين الشعوب، وتب ّر لردودِ أفعالٍ تجني منها األمم القَلَق والعذا َ. ولئن لم يأ ُذ عقالؤهم‬
      ‫ب‬        ‫فإن‬                     ‫ويكف‬                 ‫ر‬
      ‫على أيدي سفهائِهم ولئن لم يحت ِموا مشاعر المسلمين ُّوا ألسنَتَهم وأقالمهم َّ العواق َ‬
            ‫لج‬                  ‫ُ‬       ‫ت‬
        ‫وخيمة، والعالَم اليوم ليس بحاجة لمزيدِ احتقان وتو ّر، وجناب رسول اهلل فوق ك ّ َناب،‬
               ‫ل‬      ‫د‬                                       ‫ت‬             ‫ل‬
       ‫وكرامته فوق ك ّ كرامة، وحرم ُه فوق حرمةِ الناس، وما من مسلم إال ويف ِيه بك ّ ما لديه‬
                                                                                            ‫ح‬
                                                                           ‫وبرو ِه التي بين جنبيه.‬
                     ‫جب‬                   ‫ل‬
  ‫وعلى وسائل اإلعالم وأربابِ الفكر واألقالم من المسِمين أن يقوموا بوا ِ ِهم تجاه هذه القضية.‬
                                                                           ‫صل‬
        ‫اللهم ِّ على محمد وعلى آل محمدكما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬
                                                                                            ‫مجيد...‬

‫(5/5764)‬




                                                                                      ‫حادثة القصيم‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                         ‫جرائم وحوادث, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                            ‫إبراهيم بن عبيد القعود‬
                                                                                               ‫حائل‬
                                                                                    ‫87/55/6745‬
                                                                                     ‫جامع الحوطي‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أهمية مطلب األمن. 7- نعمة األمن في بالد الحرمين. 3- استنكار جريمة قتل رجال األمن.‬
                ‫4- حرمة دم المسلم. 1- وعيد القاتل بغير حق. 6- فضل أيام عشر ذي الحجة.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: أيها اإلخوة المؤمنون، اتقوا اهلل عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، جعلني اهلل وإياكم‬
               ‫َي َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ُ م لم‬
        ‫من عباده المتقين ، يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل‬
 ‫ي َي َّذ ن من اتق الله و ُ س م َدم ل َد َاتق الل ِن الل خ ر بم‬
‫عمران:705]، َا أُّهَا ال ِي َ آ َُوا َّ ُوا َّ َ َلْتَنْظرْ نَفْ ٌ َا ق َّ َتْ ِغ ٍ و َّ ُوا َّهَ إ َّ َّهَ َبِي ٌ ِ َا‬
                                                                                                              ‫مل‬
                                                                                               ‫تَعْ َُونَ [الحشر:85].‬
                       ‫ذ‬
‫أما بعد: أيها اإلخوة المؤمنون، فمن المطالب المهمة التي تهنأ وتحلو وتل ّ بها الحياة مطلب األمن؛‬
‫إذ ال حياة هانئة بدون أمن، كيف يهنأ اإلنسان في حياته وهو غير آمن؟! إذا كان الخوف يحيط به‬
            ‫د‬                                         ‫ف‬         ‫ذ‬
 ‫من كل جانب فإنه ال ل ّة لما تو ّر له من طعام وشراب ولباس ومأوى ومركب، فق ُ األمنِ سوف‬
                                                                                                       ‫ك‬      ‫غ‬
                                                                                          ‫ين ّص وين ّد عليه حياته.‬
                                                  ‫ق ل‬                   ‫م‬
  ‫فاألمن مطلب مه ّ، وإذا ضاع أو ف ِد ح ّ مكانه الخوف، عندها لن يهنأ بطعام وال بشراب، ولن‬
 ‫ب‬
‫يذوق طعما لغذاء وال لذة لمنام، ولن يطمئن بمكان؛ ولذلك لما دعا الخليل إبراهيم عليه السالم ر ّه‬
                    ‫م‬                     ‫ه م الث َر‬           ‫َب َ َذ بَد م و ز‬
      ‫ماذا قال؟ ر ِّ اجْعلْ ه َا َل ًا آ ِنًا َارْ ُقْ أَهْلَ ُ ِنْ َّم َاتِ [البقرة:675]. تأ ّلوا هذه الدعوة‬
                                    ‫ه م الث َر ت‬            ‫َ ِّ ع َ بَد من و ْز‬
 ‫الكريمة: رب اجْ َلْ هذَا َل ًا آ ِ ًا َار ُقْ أَهْلَ ُ ِنْ َّم َا ِ، دعا بتوفير األمن قبل توفير الرزق،‬
                                                                                   ‫م‬
                               ‫وذلك أله ّيته، فلن تهنأ بطعامك وشرابك ومنامك وأنت في حالة خوف.‬
         ‫ك‬
  ‫األمن ـ أيها األحبة ـ نعمة من أعظم النعم، والدليل على ذلك أن اهلل جل جالله لما ذ ّر قريشا‬
                                 ‫ْ‬     ‫عم ُ م ج ع و م ه م‬                   ‫َّ‬                 ‫ك‬
                     ‫بنعمة ذ ّرهم بنعمة األمن: الذِي أَطْ َ َهمْ ِنْ ُو ٍ َآ َنَ ُمْ ِنْ خَوفٍ [قريش:4].‬
   ‫فنعمة األمن ال يعدلها نعمة من نعم الدنيا، يقول النبي : ((من أصبح منكم آمنا في سربه معافى‬
                                            ‫في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)).‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، وقد أنعم اهلل عز وجل علينا في بالدنا بهذه النعمة العظيمة، وال شك أن لها‬
                                                                                  ‫ب‬
 ‫أسبا ًا، ومن هذه األسباب وجود رجال األمن األوفياء العيون الساهرة التي تسعى وتعمل من أجل‬
   ‫حفظ أمننا. ننام ـ أيها اإلخوة ـ ونحن آمنون على أعراضنا، آمنون على أموالنا، آمنون على‬
                                        ‫د‬
    ‫دمائنا، وهم يسهرون الليل، ال يمنعهم برد، وال ير ّهم جوع. إن من واجب هؤالء علينا أن ال‬
       ‫نفتر عن الدعاء لهم، وأن نكون عونا لهم على تأدية واجبهم. وقد ساءنا ـ واهلل ـ ما حدث‬
 ‫لبعضهم يوم الثالثاء الماضي في منطقة القصيم، حيث قتل خمسة رجال منهم، خرجوا من بيوتهم‬
   ‫ومن بين أطفالهم لتأدية واجبهم، وعادوا جثَثا هامدة، وما نقموا منهم إال أنهم يعملون على حفظ‬
                                                                                           ‫أمن هذه البالد الطاهرة.‬
‫أيها اإلخوة، إن تلك اليد اآلثمة التي نالت من رجال أمننا ليد خبيثة ظالمة، يد مجرمة آثمة، يدفعها‬
                                              ‫ر‬                              ‫ر‬
‫فكر منح ِف، وما قامت به وأقدمت عليه لش ّ نعوذ باهلل من سوء عواقبه. سئل سماحة المفتي عن‬
                    ‫ق‬
  ‫الذين يقتلون رجال األمن فقال: "رجال األمن مجاهدون، ومن قتلهم بغير ح ّ دخل دائرة الكفر".‬
  ‫إنها جريمة نكراء، إذا كان قتل المسلم ذنبا عظيما فكيف بقتل خمسة من رجال األمن المجاهدين‬
‫الذين تركوا أطفالهم ونساءهم ليحفظوا أمن بالدهم؟! ومتى؟! في الشهر الحرام الذي ال يجوز قتل‬
 ‫المشرك فيه ما لم يبتدئ هو أوال بالقتل، فكيف بمسلم يعمل على حفظ أمن بالده وإخوانه؟! يقول‬
 ‫وم ت م من م ع ِّد َز ؤه جه َّم ِد ف ه و ض الله ع ه و ع ه وأ َد له‬
 ‫تبارك وتعالى: َ َنْ يَقْ ُلْ ُؤْ ِ ًا ُتَ َم ًا فَج َا ُ ُ َ َن ُ خَال ًا ِي َا َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ ََع َّ َ ُ‬
               ‫و‬                           ‫وم ت م م م ع ِّد‬                               ‫َ عظ م‬
   ‫عذَابًا َ ِي ًا [النساء:39]. َ َنْ يَقْ ُلْ ُؤْ ِنًا ُتَ َم ًا أي: يتعمد قتله من غير مس ّغ شرعي، إنما‬
        ‫م‬         ‫ج‬
‫قتله لحاجه في نفسه، كان قتله له هدفا سواء طعنه أو دهسه، سواء رماه أو ف ّره، المه ّ أنه صار‬
    ‫سببا في إنهاء حياته، فما هو ـ يا ترى ـ جزاؤه؟! ما هي عقوبته؟! قال تعالى: فَج َا ُ ُ َ َن ُ‬
    ‫َز ؤه جه َّم‬
                                ‫و ض الله ع ه و ع ه و َد ه َ عظ م‬                                              ‫ِد ف‬
                              ‫خَال ًا ِيهَا، جهنم فقط؟ ال، َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَابًا َ ِي ًا.‬
 ‫فقتل المسلم من غير مسوغ شرعي ذنب عظيم وجرم كبير، ال يحل وال يجوز أبدا، يقول النبي :‬
                                                                                  ‫ل‬
     ‫((ال يح ّ دم امرئ مسلم يشهد أن ال إله إال اهلل وأن محمدا رسول اهلل إال بإحدى ثالث: رجل‬
   ‫زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا هلل ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من‬
   ‫األرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها)). فما هو ـ ترى ـ ذنب رجال أمننا حتى يقتل خمسة منهم؟!‬
                              ‫ق‬                                 ‫ع‬
     ‫أيها اإلخوة المؤمنون، لقد تو ّد اهلل عز وجل من قتل نفسا بغير ح ّ بالعقاب العظيم في الدنيا‬
 ‫والعذاب الشديد في اآلخرة، وليس بعد الشرك ذنب أعظم من قتل النفس المعصومة، يقول تبارك‬
 ‫ع و ظم س ْ ن له نر‬                                ‫ب ُ ْ رح وم ي َ‬                ‫و تل فسك ِن الل‬
‫وتعالى: َال تَقْ ُُوا أَن ُ َ ُمْ إ َّ َّهَ كَانَ ِكم َ ِيمًا َ َنْ َفْعلْ ذَلِكَ ُدْ َانًا وَ ُلْ ًا فَ َوفَ ُصِْي ِ َا ًا‬
                                                                                    ‫ل عل الل ي ر‬               ‫و‬
                                                                  ‫َكَانَ ذَِكَ ََى َّهِ َسِي ًا [النساء:97، 03].‬
                                           ‫و تل فسك‬
       ‫قال الطبري: "يعني بقوله جل ثناؤه: َال تَقْ ُُوا أَن ُ َ ُمْ وال يقتل بعضكم بعضا وأنتم أهل ملة‬
                                                                                 ‫واحدة ودعوة واحدة ودين واحد".‬
       ‫ْ سٍف‬               ‫ب ْر‬                  ‫َنه م ْ‬        ‫ع بن إ ْر‬                         ‫م ْ‬
      ‫وقال عز وجل: ِنْ أَجلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا َلَى َ ِي ِس َائِيلَ أَّ ُ َن قَتَلَ نَفْسًا ِغَي ِ نَفْسٍ أَو فَ َاد ِي‬
                                     ‫الن جم‬               ‫َن‬                    ‫َ ْ ِ َنم َ الن س جم ع وم‬
                   ‫األرض فَكَأ َّ َا قَتلَ َّا َ َ ِي ًا َ َنْ أَحْيَاهَا فَكَأ َّمَا أَحْيَا َّاسَ َ ِيعًا [المائدة:73].‬
         ‫وعن أنس بن مالك رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((أكبر الكبائر اإلشراك باهلل وقتل النفس‬
‫وعقوق الوالدين وقول الزور))، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((لن يزال‬
‫المؤمن في فسحة من دنيه ما لم يصب دما حراما))، وعن أبي سعيد رضي اهلل عنه عن النبي أنه‬
                                                    ‫وك‬
    ‫قال: ((يخرج عنق من النار يتكلم يقول: ِّلت اليوم بثالثة: بكل جبار، وبمن جعل مع اهلل إلها‬
                         ‫آخر، وبمن قتل نفسا بغير نفس، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات جهنم)).‬
     ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إن قتل األنفس البريئة وسفك الدماء المعصومة عند اهلل عز وجل ألمر‬
 ‫عظيم، ففي الحديث عن البراء بن عازب رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((لزوال الدنيا أهون‬
   ‫على اهلل من قتل مؤمن بغير حق))، وقال في أكبر اجتماع للناس في عصره: ((أال إن اهلل حرم‬
‫عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، أال هل بلغت؟)) قالوا:‬
  ‫نعم، قال: ((اللهم اشهد ـ ثالثا ـ، ويلكم انظروا، ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب‬
‫بعض))، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي اهلل عنهما عن رسول اهلل قال: ((لو أن أهل‬
   ‫السماء وأهل األرض اشتركوا في دم مؤمن ألكبهم اهلل في النار))، وعن معاوية رضي اهلل عنه‬
     ‫قال: قال رسول اهلل : ((كل ذنب عسى اهلل أن يغفره إال الرجل يقتل المؤمن متعمدا أو الرجل‬
                                                                                                        ‫يموت كافرا)).‬
                                                   ‫ل‬
 ‫عباد اهلل، فهل بعد هذه النصوص متعّق ألحد؟! هل بعد هذه النصوص مجال لعذر لهؤالء الحقدة‬
 ‫ر و ك م قل ب‬                           ‫م‬            ‫ِن‬
 ‫الخونة القتلة؟! ال واهلل، ولكن كما قال تبارك وتعالى: فَإَّهَا ال تَعْ َى األَبْصَا ُ َلَ ِنْ تَعْ َى الْ ُُو ُ‬
                                                                                           ‫ُّد‬    ‫الت ف‬
                                                                             ‫َّ ِي ِي الص ُورِ [الحج:64].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                          ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
   ‫تعضيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                            ‫وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.‬
       ‫أيها اإلخوة المؤمنون، تعلمون ـ رحمني اهلل وإياكم ـ بأننا في هذه األيام نستقبل شهر ذي‬
                                                                         ‫ك‬
                                         ‫الحجة، وهذا يجعلنا نذ ّر بأمور، منها على سبيل االختصار:‬
                                                                                ‫ج‬        ‫و‬
‫أ ّال: الح ّ إلى بيت اهلل الحرام: فالحج ركن من أركان اإلسالم، ال يكمل إسالم اإلنسان المستطيع‬
  ‫إل ه‬                ‫ِج ب ت م‬            ‫وِل َل الن‬
  ‫إال إذا قام به مع بقية األركان، يقول تبارك وتعالى: َلَّهِ عَى َّاسِ ح ُّ الْ َيْ ِ َنْ اسْتَطَاعَ َِيْ ِ‬
                                                    ‫م‬            ‫َ ِن الل ِي ع‬                ‫سب وم‬
     ‫َ ِيالً َ َنْ كَفَر فَإ َّ َّهَ غَن ٌّ َنْ الْعَالَ ِينَ [آل عمران:29]. فعلى المستطيع الذي يملك زادا‬
                      ‫من‬              ‫وم َ َ ِن الل ِي ع‬
                     ‫وراحلة أن يبادر في تأدية فريضة حجه، َ َنْ كَفر فَإ َّ َّهَ غَن ٌّ َنْ الْعَالَ ِي َ.‬
‫ثانيا: أيها اإلخوة، األيام العشر األول من شهر ذي الحجة، فإنها أيام لها فضل عظيم، أقسم اهلل بها‬
                                                             ‫و ر ويل ع ْ‬
      ‫لفضلها فقال: َالْفَجْ ِ َلَ َا ٍ َشرٍ [الفجر:5، 7]، وذكر النبي أن العمل فيها ليس كالعمل في‬
  ‫غيرها، فقال : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اهلل من هذه األيام العشر))، قالوا: وال‬
‫الجهاد في سبيل اهلل؟! قال : ((وال الجهاد في سبيل اهلل، إال رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من‬
 ‫ذلك بشيء))، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((ما من أيام أعظم عند اهلل‬
        ‫سبحانه وال أحب إليه العمل فيهن من هذه األيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير‬
                                                                                                  ‫والتحميد)).‬
‫فاهلل اهلل أخي المسلم، أكثر من األعمال الصالحة في هذه األيام، ومن هذه األعمال الصيام، فما من‬
   ‫عبد يصوم يوما في سبيل اهلل إال باعد اهلل بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا، فصم ـ يا‬
                                                                       ‫س‬
‫عبد اهلل ـ ما يتي ّر لك من هذه األيام، وإن غلبتك نفسك على ترك الصيام خالل هذه األيام التسع‬
    ‫فال تغلبك على يوم عرفة اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فإن صيامه يكفر سنتين: سنة قبله‬
‫وأخرى مثلها بعده، بذلك أخبر النبي فقال: ((صيام يوم عرفة أحتسب على اهلل أن يكفر السنة التي‬
                                                                                   ‫قبله والسنة التي بعده)).‬
‫ثالثا: أيها اإلخوة، أذكر من أراد أن يضحي في هذا العام، وأنتم إن شاء اهلل كذلك، أذكره بأن عليه‬
     ‫أن يحرم إحرام األضحية، فال يأخذ من شعره وال من بشرته وال من أظفاره شيئا منذ دخول‬
  ‫الشهر حتى يذبح أضحيته، هذا هو هدي النبي ، ففي الحديث يقول: ((إذا رأيتم هالل ذي الحجة‬
‫وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره))، وفي رواية: ((فال يأخذ من شعره وال من‬
                                                                           ‫أظفاره حتى يضحي)).‬
   ‫أسأل اهلل لي ولكم الفقه في الدين والتمسك بالكتاب المبين واالقتداء بسيد المرسلين والسير على‬
                                                                           ‫نهج أسالفنا الصالحين.‬
                                                     ‫ل ّ‬
   ‫اللهم انصر اإلسالم وأعز المسلمين، الّهم احم حوزة الدين، اللهم واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا‬
                                                                          ‫وسائر بالد المسلمين...‬

‫(5/7764)‬




                                                                        ‫دروس من الهجرة النبوية‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                     ‫السيرة النبوية‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                      ‫رياض بن محمد المسيميري‬
                                                                                          ‫الرياض‬
                                                                                     ‫جامع التركي‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- اآلثار المترتبة على هجرته . 7- األمر بالهجرة. 3- دروس وعبر مستفادة من حادثة‬
                                                 ‫الهجرة. 4- المهاجر من هجر ما نهى اهلل عنه.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
   ‫ُّ األمورِ محدثاُها, َّ‬
   ‫ت وكل‬                            ‫ي‬          ‫ر‬           ‫ث ب‬                      ‫د‬
                        ‫أما بع ُ: فإن أصدقَ الحدي ِ كتا ُ اهلل, وخي ُ الهدي هد ُ محمدٍ ، وشر‬
                                                           ‫وكل‬       ‫وكل ة‬
                                          ‫محدثةٍ بدعة، َّ بدع ٍ ضاللة، َّ ضاللةٍ في النار.‬
 ‫ة‬            ‫ئ‬                ‫ت‬                                                              ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلمون، فمعِ حلولِ العامِ الهجري الجديد تمضي بنا الذكريا ُ إلى الوراءِ شي ًا ما, مخترق ً‬
                            ‫ي‬            ‫د‬
  ‫حواجزَ الزمان, لتقفَ بنا على مشارفِ مكة, وهي تشه ُ هجرةَ النب ِ وأصحابهِ إلى المدينة. تلك‬
                  ‫ج م‬                     ‫ث‬
  ‫الهجرة التي غيرتْ مسارَ التاريخ, وفاجأت العالم بأحدا ِها الضخمة ونتائ ِها ال ُدهشة, فقدْ كانتْ‬
  ‫ط‬                ‫د‬                                                                    ‫س‬      ‫ب‬
  ‫سب ًا رئي ًا لقيامِ دولةِ اإلسالمِ في المدينة, تلك الدولة التي لم تقفْ عند حدو ٍ سياسيةٍ أو خطو ِ‬
                         ‫ة‬                  ‫ْ‬      ‫ولكن‬        ‫م ل‬                   ‫س‬
    ‫تما ٍ مكهربة صنعها ال ُحت ُ األجنبي، َّها أخذت في االنتشارِ يمن ً ويسرة, حتى نتجَ عنها‬
      ‫ِ ر‬                             ‫م‬                                     ‫ة‬                  ‫ة‬
      ‫دول ُ اإلسالمِ العالمي ِ, والتي غمرتْ الدنيا بفيضِ نورِها ال ُشع, وبددتْ الظالمَ المتراكم عب َ‬
              ‫ر‬                 ‫ل‬          ‫ت‬                ‫ر‬
    ‫السنين, وقدمتْ للبشريةِ أنموذجًا ناد ًا للكيفيةِ التي ُبنى من خالِها الدول، فتتصاغ ُ أمامَ ذلك‬
      ‫ا ُنموذجِ الفريد ُّ النماذجِ ا ُخرى, وما أحوجَ ا ُمة اليو َ وهي ُعاني ما تعانيه من تمز ٍ‬
      ‫ق‬                      ‫ت‬     ‫م‬        ‫أل‬                ‫أل‬           ‫كل‬              ‫أل‬
 ‫ذ‬                 ‫ف‬           ‫ة‬
 ‫وضع ٍ وتناح ٍ, ما أحو َها إلى قراء ِ تاري ِها من جديد، ومراجع ِ سيرِ أسال ِها األولين, لتأخ َ‬
                                                   ‫خ‬      ‫ة‬            ‫ج‬         ‫ر‬       ‫ف‬
  ‫ح ل ر‬                                      ‫ج‬                            ‫عل‬         ‫س‬
  ‫الدرو َ والعبر, َّها تستعيد ُمجدها الغابر وتا َها المفقود, فهيهات هيهات أن يصل َ حا ُ آخ ِ‬
                                                                ‫ل ل‬         ‫ح‬        ‫ال‬
                                   ‫هذه األمةِ إ ّ بما صل َ به حا ُ أوِها, فاعتبروا يا أولي األبصار.‬
   ‫أيها المسلمون، لم تكنْ الهجر ُ الشريف ُ إلى المدينة, لم تكنْ يومًا من األيام ترفًا ثقافيًا أو سياح ً‬
   ‫ة‬                                                            ‫ة‬        ‫ة‬
                     ‫ر‬                ‫ر‬        ‫ر‬                ‫كال‬      ‫م‬       ‫ف‬
      ‫ومتعة أو استكشا ًا لعال ٍ جديد, َّ, لقد كانتْ خيا ًا ال مف ّ منه, وحالً أخي ًا بعد أنْ ضاقتْ‬
‫بالمسلمينَ أر ُ مكةَ بما رحبت, وتغيرَ عليهم النا ُ, وأصبحتْ بضع ركعاتٍ في المسجدِ الحرا ِ‬
‫م‬                         ‫ُ‬            ‫س‬                                  ‫ض‬
            ‫ل‬                       ‫ب‬       ‫ة‬                 ‫ة ق‬                    ‫ً ت‬
‫جريمة ال ُغتفر, وغدتْ قراء ُ ال ُرآن رجعيةً وهمجي ً وإرها ًا وتطرفًا, نزلَ جبرائي ُ عليه السالم‬
                  ‫ِّ‬      ‫َيه ُدِّ ُ ُ ْ ْ ِ َ َب‬                                   ‫ل‬                   ‫ر‬
  ‫بأم ٍ من السماء ال يحتم ُ التأخيرَ أو التردد: يَا أُّ َا الْم َّثر قم فَأَنذرْ ورَّكَ فَكَبرْ [المدثر:5-3].‬
                                                 ‫ب‬         ‫ن ق‬          ‫ل‬           ‫ة د‬
  ‫فالقضي ُ ج ٌ ليستْ بهز ٍ, والدي ُ ح ٌ ليس بلع ٍ, فال مكانَ للخانعين, وال مكانَ للمتكاسلين, وال‬
 ‫مكانَ للمعوقين الم ِّلين, ونزلَ جبرائي ُ كذلك بقولهِ َّ جالله: فَاص َعْ ِ َا ُؤْ َ ُ َأَعْرضْ َ ِ‬
 ‫ْد بم ت مر و ِ عن‬                         ‫جل‬             ‫ل‬                  ‫ُخذ‬
                               ‫َ‬                         ‫ت‬                           ‫م ْرك‬
    ‫الْ ُش ِ ِينَ [الحجر:49], فاصدعْ بما ُؤمر وال تخفْ في اهللِ لومة الئم, ال تخف أبا جهلٍ مهما‬
      ‫ال‬       ‫ال‬                   ‫إال‬
 ‫تجبر, وال تخف أبا لهبٍ مهما تهور, فما هم في الحقيقةِ َّ أقزام ال يملكون حو ً وال طو ً, وال‬
                                                                         ‫ر‬         ‫ة‬
                                                                       ‫يملكون موتًا وال حيا ً وال نشو ًا.‬
     ‫َّى عليه الصال ُ والسال ُ النداء, وشمرَ عن ساقِ ِّ بكل ُوة, وأسفرَ عن شجاعةٍ وبطول ٍ‬
     ‫ة‬                           ‫الجد ِّ ق‬          ‫َّ‬          ‫م‬        ‫ة‬             ‫فلب‬
     ‫س ق‬         ‫أي‬                     ‫ش‬                 ‫ي‬
‫نادرتين, فما تركَ جبالً إال صعدَه, وال واد ًا إال هبطَه, وال ِعبًا إال سلكَه: ((يا َّها النا ُ، ُولوا:‬
   ‫ال إله إال ا ُ ُفلحوا)), كلم ُ التوحيدِ العظيم ِ, َّ يرف ُ بها صوتَه ثالثةَ عشرَ عامًا غيرَ هيا ٍ‬
   ‫ب‬                                      ‫ة ظل ع‬                      ‫ة‬             ‫هلل ت‬
‫وال وج ٍ, يصر ُ بها في ِّ مجمعٍ من مجامعهم, ِّ ُنتدى من منتدياتِهم, فقامتْ عليه الجاهلي ُ‬
‫ة‬                                        ‫وكل م‬                  ‫كل‬        ‫خ‬      ‫ل‬
                               ‫ر‬       ‫فكل‬        ‫ة‬      ‫ولم تقعد, وحارب ُ الجاهلي بكل‬
    ‫ُّون ِّ وحشي ٍ وضراوة, ُّ من شع َ بخطورةِ كلمةِ التوحيدِ على‬     ‫ه‬
    ‫ء‬                  ‫ر‬                    ‫مصالحه وقفَ أما َها وقفةَ األسد, واستماتَ في الصد‬
    ‫ِّ عنها والتنديدِ بخط ِها، فقد شعرَ رؤسا ُ‬                              ‫م‬
  ‫م‬            ‫م‬           ‫س‬                                    ‫ضس‬                  ‫أن‬
  ‫العشائرِ َّ هذه الكلمة ستقو ُ ُلطتَهم من القواعد, فهبوا للدفاعِ عن ُلطانهمِ ال ُهدد ومكانته ُ‬
        ‫ت‬                                 ‫ب‬      ‫د‬                        ‫المستهدفة, كما أحس‬
      ‫َّ االنتهازيون بخطرٍ يتهد ُ مكاس َهم الخبيثة وأرصدتهم الحرام وثروا ِهم‬
         ‫ة‬      ‫بكل‬                                              ‫ب‬                    ‫م‬
  ‫ال ُغتصبة, فاستشاطوا غض ًا وامتلؤوا حنقًا, وتدافعوا يذودونَ عن مكاسبِهم ِّ وحشي ٍ وقسوة,‬
‫رق س‬             ‫وأن‬           ‫ه‬                                            ‫ة‬       ‫كما أحس‬
‫َّ الكهن ُ والمشعوذون بخطورةِ كلمةِ التوحيد على كهانت ِم وشعوذتهم, َّها ستف ُ ُ النا َ‬
    ‫ع د‬                ‫من حولهم, َّروا عن أنيابِهم, وأعلنوها حر ًا ال ُبقي وال تذر, كما أحس‬
    ‫َّ بالخطرِ ذاته ُبا ُ‬                  ‫ب ت‬                                 ‫فكش‬
      ‫ر‬       ‫ن‬     ‫ُن‬
      ‫القوميةِ المتع ّبونَ لقوميا ِهم وعشائ ِهم, المق ّسون لتقالي ِهم وعاداتِهم, فج َّ جنو ُهم وظه َ‬
                                       ‫د‬           ‫د‬         ‫ر‬         ‫ت‬            ‫ص‬
       ‫مرض قلو ِهم وسفاه ُ عقولهمِ بأبش ِ صور ٍ وأقب ِها, فخرجوا للدفاعِ عن عصبيا ِه ُ ال ُنتن ِ‬
       ‫تم م ة‬                                    ‫ة ح‬          ‫ع‬              ‫ة‬         ‫ُ ب‬
                                        ‫ت‬        ‫ر س ُب د‬                                ‫م‬
 ‫وتقاليده ُ البالية, كما شعرَ بالخط ِ نف ِه ع َّا ُ الشهوا ِ واألهواء, فقاموا من بين أحضانِ بغاياهم‬
      ‫ة‬              ‫ن س‬                                                     ‫د‬           ‫م‬
  ‫و ِن على موائ ِ خمورهم معلنينَ االحتجاجَ بشدة, ومدافعينَ عن مجو ِهم و ُكرهم. وبالجمل ِ فقد‬
          ‫ت‬          ‫ب‬               ‫ل‬             ‫ف‬                     ‫ن‬             ‫أحس ع د‬
 ‫َّ ُبا ُ تلكَ األوثا ِ واألصنامِ على اختال ِ صورِها وأشكاِها وتعددِ ألقا ِها ومسميا ِها, أحسوا‬
             ‫ِ ع‬          ‫ب‬      ‫ع‬                                                 ‫ة‬
     ‫بخطور ِ كلمةِ التوحيد على مصالحهم وأطماعهم, فاتحدوا جمي ًا لحر ِها وحرب راف ِ لوائها،‬
       ‫ِل‬      ‫ء ُر د م سم ب َذ ف‬                   ‫ش و بر ع لهت ُ ِن َذ‬                              ‫مأ م ُ‬                 ‫و‬
     ‫َانْطَلَقَ الْ َلَُ ِنْهمْ أَنِ امْ ُوا َاصْ ِ ُوا َلَى آِ َ ِكمْ إ َّ ه َا لَشَيْ ٌ ي َا ُ َا َ ِعْنَا ِه َا ِي الْمَّةِ‬
                                                                                         ‫ق‬          ‫ِ إ َذ ِل‬
                                                                               ‫الْآخرَةِ ِنْ ه َا إَّا اخْتِال ٌ [ص:6، 2].‬
                       ‫ِ‬
  ‫فعقدَ المجرمونَ العزمَ على مقاومةِ ذلكَ الناصح األمين ووضع العراقيل في طريقه, فأوذي عليه‬
‫ل‬               ‫ر ك ة ر‬                         ‫ة‬          ‫ته‬       ‫ُذ ط‬          ‫ط‬     ‫م‬
‫السال ُ واض ُهد, وع ِّب و ُرد, واُ ِم بالوسوس ِ والجنون والسح ِ وال ِهان ِ, و ُمي بالكذبِ وقو ِ‬
‫ل‬                                  ‫ل‬       ‫د‬     ‫وأن‬         ‫ر‬       ‫ن بأنه‬
‫الزور, ووصفوا القرآ َ َّ ُ أساطي ُ األولين, َّ محم ًا تتنز ُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السي ُ‬
      ‫ال ُبى واستعصتِ النفو ُ الخبيثة على الدعوة وظهرت صالب ُ القلوبِ وسف ُ الرجالِ أذنَ ا ُ‬
      ‫هلل‬              ‫ه‬             ‫ة‬                               ‫س‬                  ‫ز‬
    ‫ئ‬                               ‫ر‬                 ‫ة‬
‫بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحاب ُ رسولِ اهللِ فرا ًا بدينهم، وخوفًا من فرعونَ ومل ِه أن‬
‫ل‬       ‫ل‬         ‫ن‬                                          ‫و‬
‫يفتنهم, خرجوا تاركينَ األرضَ التي ُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشؤوا فيه, منخلعي َ من الما ِ واأله ِ‬
                         ‫ر ح‬          ‫ة‬        ‫ت د‬              ‫ل‬       ‫ة ل‬
  ‫والولد, فما قيم ُ الما ِ واأله ِ والولد حين ُهد ُ العقيد ُ وتصاد ُ ال ُرية؟! وما كاد يمضي طويل‬
                 ‫إن ِ ر‬             ‫هلل‬     ‫ل‬                        ‫ج‬     ‫ل هلل‬      ‫إال‬
      ‫وقتٍ َّ ورسو ُ ا ِ يخر ُ في أثرِ أصحابه وهو يقو ُ: ((وا ِ يا مكةَ، َّك لخي ُ أرضِ اهلل,‬
                                                       ‫ت ك‬       ‫أن أ‬                             ‫ب‬
                                            ‫وأح ُ أرضِ اهللِ إلى اهلل، ولوال ِّي ُخرج ُ من ِ ما خرجت)).‬
                      ‫ج‬                ‫ت‬              ‫س ت‬         ‫ة‬          ‫إن‬             ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلمون، َّ في الهجر ِ درو ًا ال ُنسى ومآثرَ ال ُطوى, أال ما أحو َنا إلى تذاكرِ تلك‬
              ‫ة س‬               ‫ُّ عن أنيابه وأطل‬
‫َّتِ الرويبض ُ برأ ِها القبيح. أال‬                    ‫كش‬
                                               ‫الدروس واستلهام هاتيكَ العبر في وقتٍ َّر العدو‬
       ‫َّ من أعظم دروسِ الهجر ِ الشريف ِ ما يج ُ أن ُدركَه جمي ًا َّ الغايةَ ال ُبرى من الوجو ِ‬
       ‫د‬             ‫ك‬            ‫ع أن‬           ‫ب ن‬          ‫ة‬        ‫ة‬             ‫ِ‬       ‫إن‬
 ‫أل ر‬                               ‫ة‬                 ‫د‬                ‫ة‬                ‫ي‬
 ‫اإلنسان ِ بأسرهِ هو عمار ُ األرضِ بالتوحي ِ واإليمان, وإقام ُ حكم اهللِ وشرعهِ في عظائمِ ا ُمو ِ‬
                                            ‫هلل ل ِن َ ض و سع ٌ ِي َ بد‬                                ‫د‬
                         ‫فما ُونها, أليس ا ُ يقو ُ: إ َّ أرْ ِي َا ِ َة فَإَّاي فَاعْ ُ ُونِ [العنكبوت:61]؟!‬
                       ‫ر‬                 ‫ُد‬          ‫ض‬         ‫ِ‬          ‫ق‬      ‫َّر‬         ‫ذ‬
     ‫إ ًا فمتى تعذ َ تحقي ُ هذه الغاية فوقَ أر ٍ ما فال ب َّ من البحثِ عن غي ِها مهما كان الثمن,‬
         ‫ِ‬                ‫ع‬               ‫ة‬      ‫ة‬
      ‫ومهما كانتِ التضحيات، أمالً في إيجادِ أرضي ٍ صالح ٍ لالنطالقةِ ال ُظمى ونشرِ اإلسالم في‬
‫ر‬                 ‫ه‬                               ‫ئ‬        ‫ئ‬
‫ربوعِ األرض وعرضِ العقيدةِ بصفا ِها ونقا ِها على الناسِ دون ضغطٍ أو إكرا ٍ. وهكذا كان األم ُ‬
     ‫ة د ر ر‬                              ‫ر‬                      ‫ن‬          ‫َ ل‬     ‫َ‬
     ‫في مكة, فيوم رفض أهُها اإليما َ والتوحيد وآثروا الكف َ والتقليد أصبحتْ مك ُ بل َ كف ٍ ودا َ‬
                   ‫ة‬        ‫م ت‬                      ‫ت‬                    ‫ُ‬        ‫ب ح ِّ‬
 ‫حر ٍ, و ُرمَ البقاء فيها, وأصبحتْ مجاورُها مع القدرةِ على ُغادر ِها واحد ً من كبائرِ الذنوب،‬
     ‫عف َ ف َ ض ل أَ‬                   ‫َف هم م ئ ة لم فسه ْ ل ف ك ت ْ ل ُن م‬                                              ‫ِن َّذ‬
   ‫إ َّ ال ِينَ تَو َّا ُ ُ الْ َال ِكَ ُ ظَاِ ِي أَنْ ُ ِ ِم قَاُوا ِيمَ ُنْ ُم قَاُوا ك َّا ُسْتَضْ َ ِين ِي الْأرْ ِ قَاُوا َلمْ‬
                          ‫ك َ ض الله و سع ته ِر ف ه أ ك م و ُ ج َنم وس ء م ر‬
            ‫تَ ُنْ أرْ ُ َّ ِ َا ِ َةً فَ ُ َاج ُوا ِي َا فَُولَئِ َ َأْ َاهمْ َه َّ ُ َ َا َتْ َصِي ًا [النساء:29].‬
  ‫َّا الدر ُ الثاني من ُروس الهجرةِ وهو ذو عالق ٍ وثيق ٍ بسابق ِ، ويوضح ُ ويجّيهِ َّ ُ ال قيم َ‬
  ‫ة‬        ‫ل أنه‬        ‫ه‬        ‫ه‬       ‫ة ة‬                             ‫د‬           ‫س‬       ‫وأم‬
  ‫ترب‬            ‫ه‬        ‫ي‬                       ‫ر‬      ‫ض‬      ‫د‬
‫لعأرضِ وال للوطنِ حين تفس ُ األر ُ ويكف ُ الوطن. لقد هاجرَ النب ُ وأصحاب ُ الوطنَ الذي َّوا‬
         ‫بأن‬                           ‫ن‬
     ‫فيه واألرضَ التي نشؤوا فوقها, وباعوها بأرخصِ األثما ِ, واشتروا أنفسَهم وأموالَهم َّ لهم‬
    ‫ب‬        ‫ر‬             ‫ي‬
    ‫َّة، وفي هذا ِّ ِ صفع ٌ ِّ الذين ُم ّدون األر َ والرمال, و ُعظمونَ الصخو َ والترا َ‬
                                        ‫ض‬         ‫يج‬         ‫ة لكل‬    ‫كله‬            ‫الجن‬
                       ‫ل‬                 ‫ن خد‬                          ‫ن‬       ‫ة‬
               ‫على حسابِ العقيد ِ, حتى إّهم ليفضلونها على ج ّةِ ال ُل ِ لو دخلوها، فيقو ُ شاعرهم:‬
                                                                ‫ه‬             ‫ه‬       ‫ش ت خ‬
                                                 ‫وطني لو ُغل ُ بال ُلدِ عن ُ…نازعتني إلي ِ في الخلدِ نفسي‬
                                                                                                              ‫ويقول آخر:‬
                                                                           ‫ت‬       ‫ن‬       ‫و ه‬
                                                           ‫وطني لو ص ّرو ُ لي وث ًا…لهمم ُ ألثم ذلك الوثنا‬
                                                                                                           ‫ويقول وثني‬
                                                                                                     ‫ٌّ ثالث:‬
                                                                     ‫ت‬         ‫ن‬    ‫س‬          ‫ت‬      ‫ن‬
                                                         ‫ويا وط ِي لقي ُكَ بعد يأ ٍ…كأ ّي قد لقي ُ بكَ الشبابا‬
                                                                          ‫ت‬         ‫ت ه‬                    ‫ر‬
                                                       ‫أدي ُ إليكَ قبلَ البي ِ وج ِي…إذا فه ُ الشهادةَ والْمتابا‬
                          ‫ي‬                             ‫مل‬            ‫ي ب‬         ‫ل‬
                    ‫وحتى األطفا ُ الصغار ُر ّونَهم على ِث ِ هذا اإللحاد, اسمع إليهم وهم ُرددون:‬
                                                                ‫وهب ُكِ ُوحي وغالي دمي…وأَسمى أماني‬
                                                       ‫ِّ أن تسلمي‬                        ‫ت ر‬
                                                              ‫وُشقي حياتي لكي تنع ِي…وقلبي ُلّيكِ قبلَ الف ِ‬
                                                              ‫م‬             ‫يب‬         ‫م‬                  ‫أ‬
                                                                                                      ‫ت‬
                                                                                         ‫بالدي سلم ِ وروحي الفداء‬
                                                                                         ‫بقي‬        ‫بقي ذ‬
                                                                                   ‫فماذا َّ هلل إ ًا؟! ماذا َّ هلل؟!‬
    ‫ء‬         ‫ه‬             ‫ُ ت ل‬                                 ‫ي ب‬      ‫ب‬        ‫أي‬           ‫إن‬
 ‫َّ الوالءَ ـ َّها المر ُون ـ َج ُ أن يكونَ هللِ وحده, فاألرواح ال ُبذ ُ إال في سبيل ِ, والدما ُ ال‬
‫ِّ ه‬             ‫ِ فإن ي ن‬        ‫حب‬                         ‫ن‬        ‫د‬         ‫ه‬            ‫ت ق‬
‫ُرا ُ إال من أجل ِ, والجها ُ ال يكو ُ إال إلعالءِ دينهِ، أما ُ ّ الوطن َّما َكو ُ بمقدارِ حب أهل ِ‬
                      ‫ة‬        ‫ّ‬   ‫ن‬        ‫ح‬                                    ‫ِ‬
  ‫لإلسالم وتمسك أهلهِ باإلسالم، وبغيرِ اإلسالم تصب ُ األوطا ُ مجردَ أترب ٍ وحجارة, ال وزنَ لها‬
    ‫َرض ُ‬       ‫ُم ِر ف س الل اث ُ إل َ‬                                    ‫ُ ِ‬           ‫ي َي َّذ من‬
  ‫وال قيمة، َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا مَا لَكمْ إذَا قِيلَ لَك ُ انْف ُوا ِي َبِيلِ َّهِ َّاقَلْتمْ َِى الْأرْضِ أ َ ِيتمْ‬
                                       ‫ِ ة ِل ل‬           ‫م ع ح الد ي ف‬                         ‫ِ‬       ‫ح الد م‬
                        ‫بِالْ َيَاةِ ُّنْيَا ِنَ الْآخرَةِ فَمَا َتَا ُ الْ َيَاةِ ُّنْ َا ِي اآلخرَ ِ إَّا قَِيل [التوبة:83].‬
           ‫ل‬       ‫ة‬             ‫ِ ي م‬              ‫نه أن‬                       ‫س ث‬             ‫وأم‬
  ‫َّا الدر ُ الثال ُ من دروسِ الهجرة فبيا ُ ُ َّ هذا الدين ال َقو ُ إال بالتضحي ِ والبذ ِ والعطاء,‬
   ‫َّ ُ دي ٌ ال ي ِّ ُ كبيرَ أملٍ على ال ُسالى والخانعين, وال يمن ُ شرفَ حملهِ و ُصرتهِ للمتراجعي َ‬
   ‫ن‬                ‫ن‬              ‫ح‬                        ‫ك‬                   ‫إنه ن ُعلق‬
           ‫ل‬            ‫د‬         ‫إن‬       ‫نة‬             ‫ع‬                    ‫إن‬
    ‫والمتثاقلين, َّ الدينَ ليس قضية بي ٍ وشراء أو م ّ ً وأذى, َّما هو جه ٌ وعناء, وبذ ٌ وعطاء,‬
                  ‫ِ‬        ‫َ‬    ‫أن‬          ‫قل‬         ‫ح‬             ‫ع‬             ‫ة‬
     ‫وتضحي ٌ وفداء, ودمو ٌ ودماء, وجرا ٌ وأشالء. ِّبِ النظرَ َّى شئت في تاريخ أسالفِك: أما‬
    ‫ن‬        ‫س‬       ‫ف‬         ‫ُط‬
  ‫ُلعت رؤو ٌ من أج ِ هذا الدين؟! أما ُقرتْ بطو ٌ؟! أما ق ِّعتْ أطرا ٌ؟! أما ُحلت عيو ٌ؟!‬
                                          ‫ن‬         ‫ب‬                 ‫ل‬       ‫س‬     ‫خ ْ‬
                          ‫د‬                                   ‫ْق ك‬
       ‫قلْ: بلى, بلى, بلى. ثم اجمع ُوا َ يا رعاك اهلل، واحملْ القرآنَ في ي ٍ والسنةَ في األخرى.‬
                                                             ‫د‬         ‫د‬                         ‫َ‬      ‫وهد‬
                                                             ‫ِّم فراشك رمزَ الْخمول…وقمْ للجها ِ وال تقع ِ‬
                                                    ‫وقم للنضالِ وخوضَ القتال… ِّر عن السا ِ والساع ِ‬
                                                    ‫د‬        ‫ق‬          ‫وشم‬
   ‫أي‬                      ‫ض ر‬                             ‫ل‬               ‫ل‬
 ‫لقد مضتْ قواف ُ الشهداء وقواف ُ المجاهدين إلى ربها، بع ُها إث َ بعض، فماذا صنعت أنتَ ُّها‬
                       ‫ُ‬          ‫ر الهم‬           ‫مذ‬          ‫أ‬           ‫قد‬               ‫خ‬
  ‫األ ُ الحبيب؟! ماذا َّمت لدينِك وُمتِك ال ُع ّبة؟! ما مقدا ُ ِّ الذي تحمله في قلبِك تِجاه قضايا‬
‫ه‬               ‫د‬                ‫ه‬     ‫د‬            ‫ه‬                             ‫ح‬
‫اإلصال ِ والتغيير؟! كم شخصا أسديتَ ل ُ نصيحة أو ق ّمت ل ُ موعظة؟! ما جهو ُكَ في بيتك تجا َ‬
                    ‫الذل‬                                          ‫أ ك‬          ‫أك‬
     ‫ُم َ وأبيك وُخت َ وأخيك؟! هل غمرتهم بإحسانِك وخفضت لهم جناحَ ِّ من الرحمة؟! هل‬
                      ‫رك‬                   ‫س‬        ‫د‬      ‫ر‬
    ‫صنعتَ شيئًا ما تَقي به أهلَ بيتك نا ًا وقو ُها النا ُ والحجارة؟! ما دو ُ َ تجاهَ جيرانك؟! هل‬
                               ‫ع‬               ‫عه‬                                   ‫د‬
    ‫وعظتَ واح ًا منهم؟! هل دفعتَ إليه كتابًا ينف ُ ُ أو شريطًا يسم ُه؟! أال كفى ـ يرحمكَ اهلل ـ‬
                                                                                                           ‫ال‬       ‫ف‬
                                                                                                          ‫تسوي ًا وتثاق ً.‬
               ‫ء‬               ‫ت‬               ‫د‬               ‫م د‬           ‫هلل‬          ‫و‬
     ‫وتب ّأ ـ رعاكَ ا ُ ـ لنفسك َقع ًا في قوافلِ ال ُعاةِ المخلصين، ُحشر مع األنبيا ِ والصديقين‬
                                                                                                  ‫والشهداءِ الصالحين.‬
        ‫إنه‬                ‫ر‬                          ‫وإي‬                                ‫هلل‬
     ‫باركَ ا ُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني َّاكم بالذكر الحكيم، وأستغف ُ اهللَ لي ولكم َّ ُ هو‬
                                                                                                                 ‫ر‬
                                                                                                         ‫الغفو ُ الرحيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
‫م ط‬           ‫ر‬      ‫م م‬                      ‫ر‬            ‫ة‬       ‫س‬                  ‫أم د ي‬
‫َّا بع ُ: أ ّها الموحدون، فدرو ُ الهجر ِ كثيرة, وعب ُها متنوعة, والمقا ُ مقا ُ تذكي ٍ ال مقا ُ بس ٍ‬
     ‫ة‬       ‫س‬                  ‫كل‬                  ‫ة‬              ‫أن‬      ‫ر ر‬           ‫لكن‬
     ‫وتفضيل, َّنا نشي ُ أخي ًا إلى َّ الهجرةَ ماضي ٌ إلى يومِ القيامة َّما حِيلَ بين النا ِ وعباد ِ‬
                                                                                                                    ‫ربهم.‬
                                  ‫هج‬     ‫ر‬                        ‫ل‬          ‫م‬                ‫ُم‬
              ‫ث َّ تذكروا ـ يرحمك ُ اهلل ـ قوَه عليه السالم: ((المهاج ُ من َ َر ما نهى اهلل عنه)).‬
‫هلل‬         ‫ُ‬                  ‫ح‬                    ‫د‬           ‫ُ‬      ‫ن‬     ‫م‬
‫فما أحرانا اليو َ ونح ُ نستقبل عامًا جدي ًا، ما أحرانا إلى فت ِ صفحةٍ بيضاء, نصطلح فيها مع ا ِ‬
     ‫َاتق َّ أ َد ُ‬                                      ‫ال‬                  ‫ر‬
   ‫سبحانه الذي أمهلَنا كثي ًا, وصبرَ علينا طوي ً, ومنحنَا الفرصةَ تلوَ الفرصة، و َّ ُوا الذِي َم َّكمْ‬
                        ‫ْ‬        ‫ف َ ُ َ‬             ‫َدك ع م وبن ن َن ت وعي ِن‬                                 ‫بم م‬
‫ِ َا تَعْلَ ُونَ أَم َّ ُمْ بِأَنْ َا ٍ َ َ ِي َ وَجَّا ٍ َ ُ ُونٍ إ ِّي أَخَا ُ علَيْكمْ عذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ [الشعراء:735-‬
                                                                                                                   ‫135].‬
          ‫ة‬       ‫ن ن‬                  ‫ُن ن ن هلل‬              ‫هلل‬        ‫ة‬                    ‫م‬
  ‫إننا ُطالَبون جميعًا بهجر ِ ما نهى ا ُ عنه إن ك َّا ُؤم ُ با ِ واليومِ اآلخر وُوق ُ بالجن ِ والنار,‬
  ‫ل‬         ‫ةك‬                                          ‫ة ل‬           ‫ت ب‬        ‫هلل‬
  ‫وهجرة ما نهى ا ُ عنه ُطال ُ بها األم ُ كُها من أعلى القمةِ إلى أسفلِ القاع؛ فاألم ُ ُلها تستق ُ‬
   ‫ة ل‬              ‫ة ع‬              ‫خ‬             ‫ه‬
   ‫سفينةً واحدة, فليسَ ألحدٍ أن يخرقَ في نصيب ِ خرقًا, فمتى ُرقت السفين ُ أو ُقرت الناق ُ فوي ٌ‬
                                   ‫ب‬                            ‫إن‬           ‫ٍ‬     ‫ب‬
           ‫للعر ِ من شر قد اقترب. َّ في ذلك لذكرى لمن كان له قل ٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.‬
 ‫الله َّ َّا نسأُك إيمانًا ُباش ُ ُلوبنا ويقي ًا صادقًا وتوبة قبلَ المو ِ وراح ً بعد المو ِ، ونسأُك لذ َ‬
 ‫لَ ة‬         ‫ت‬          ‫ة‬      ‫ت‬           ‫ً‬             ‫ن‬           ‫ي رق‬              ‫ل‬     ‫ُم إن‬
      ‫ه َّ زين‬      ‫ةم‬             ‫م‬        ‫ي‬        ‫ئ‬                ‫م‬
     ‫النظرِ إلى وجهكَ الكري ِ والشوق إلى لقا ِكَ في غ ِر ضراءَ ُضرة وال فتن ً ُضلة. الل ُم َّا‬
          ‫م‬               ‫ف‬              ‫م‬      ‫ي‬              ‫ه ةم‬             ‫ن‬
‫بزينةِ اإليما ِ، واجعلنا ُدا ً ُهتدين, ال ضال َن وال ُضلين, بالمعرو ِ آمرين، وعن ال ُنكرِ ناهين‬
                                                                                                                 ‫رب‬
                                                                                                       ‫يا َّ العالمين.‬
     ‫ه‬               ‫ُر م‬                                             ‫أ‬           ‫وسل‬
     ‫أال وصلوا ِّموا على من ُمرتم بالصالة عليه، إمام المتقين وقائد الغ ِّ ال ُحجلين، وعلى آل ِ‬
                                ‫ر‬                             ‫ُم‬
            ‫وصحابته أجمعين، وارض الله َّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بك ٍ وعمر وعثمان وعلي...‬

‫(5/3764)‬




                                                                                              ‫من وحي سورة العصر‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                       ‫القرآن والتفسير, المسلمون في العالم‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                               ‫إسماعيل الحاج أمين نواهضة‬
                                                                                                           ‫القدس‬
                                                                                                ‫07/75/6745‬
                                                                                               ‫المسجد األقصى‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
                                                                  ‫س‬
‫5- تفسير مي ّر آليات سورة العصر. 7- مالمح من وحي سورة العصر. 3- حال العرب بعدما‬
                                                       ‫ع‬
   ‫أشرق نور الرسالة. 4- أسباب تز ّم المسلمين األوائل للعالم كله. 1- حال أصحاب النبي مع‬
 ‫اإلمارة. 6- ال بد من وقفة محاسبة جادة لالستفادة من واقعنا. 2- فضائل المسجد األقصى. 8-‬
                                                                                     ‫ف‬
                                                                        ‫وجوب توحيد الص ّ ونبذ الخالف.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
 ‫ب َق‬           ‫ف خ ْ ِال َّذ من وعمل الص ح ت و و‬                               ‫و ع ْ ِن إل‬
 ‫قال اهلل تعالى: َالْ َصرِ إ َّ ا ِنسَانَ لَ ِي ُسرٍ إ َّ ال ِينَ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّالِ َا ِ َتَ َاصَوْا ِالْح ِّ‬
                                                                                         ‫ِالص ْ‬      ‫وو‬
                                                                         ‫َتَ َاصَوْا ب َّبرِ [سورة العصر].‬
     ‫أيها المسلمون، إن سورة العصر جاءت في غاية اإليجاز والبيان؛ لتوضيح سعادة اإلنسان أو‬
                                                     ‫شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره.‬
 ‫وقد أقسم اهلل تعالى فيها بالعصر وهو الزمان الذي ينتهي فيه عمر اإلنسان، وما فيه من أصناف‬
    ‫العجائب والعبر الدالة على قدرة اهلل وحكمته. أقسم على أن اإلنسان في خسارة ونقصان؛ ألنه‬
‫يفضل العاجلة على اآلجلة، وتغلب عليه األهواء والشهوات، وقيل: هو قسم بصالة العصر؛ ألنها‬
                                                                                              ‫أفضل الصلوات.‬
                               ‫ِال َّذ ن من وعمل الص ح‬
‫فكل جنس اإلنسان في خسران، إ َّ ال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّالِ َاتِ أي: جمعوا بين اإليمان وصالح‬
  ‫األعمال، بين اإلعداد المادي والمعنوي، وترجموا األقوال إلى أفعال وأعمال، واستبدلوا الباقيات‬
‫الصالحات عوضا عن الشهوات العاجلة، وفضلوا نعيم الجنة الدائم على نعيم الدنيا الزائل، فهؤالء‬
                                                          ‫هم الفائزون حقا؛ ألنهم باعوا الخسيس بالنفيس.‬
                                                                     ‫َق‬              ‫وو‬
 ‫َتَ َاصَوْا بِالْح ِّ أي: أوصى بعضهم بعضا بالحق وهو الخير كله، من اإليمان والتصديق وعبادة‬
                                                                                                        ‫الرحمن.‬
                                                                     ‫ِالص ْ‬      ‫وو‬
  ‫َتَ َاصَوْا ب َّبرِ أي: وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وتواصوا على فعل الطاعات‬
                                                                                             ‫وترك المحرمات.‬
‫نعم أيها المؤمنون، لقد حكم اهلل تعالى بالخسران على جميع الناس إال من أتى بهذه األمور األربعة‬
 ‫وهي اإليمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ فإن نجاة اإلنسان ال تكون إال‬
   ‫إذا كمل اإلنسان نفسه باإليمان والعمل الصالح، وكمل غيره بالنصح واإلرشاد، فيكون قد جمع‬
                                                                              ‫بين حق اهلل وحق العباد.‬
     ‫إن سورة العصر تصف الدستور اإلسالمي كله في كلمات قصار، وتعطي وصفا دقيقا لعأمة‬
     ‫اإلسالمية في آية واحدة، هي قوله تعالى: إ َّ ال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّاِحَاتِ َتَ َاصَوْا بِالْح ِّ‬
     ‫َق‬              ‫وو‬         ‫ِال َّذ ن من وعمل الص ل‬
                                                                         ‫ِالص ْر‬       ‫وو‬
‫َتَ َاصَوْا ب َّب ِ، وهذا مظهر من مظاهر اإلعجاز القرآني، ولهذا قال اإلمام الشافعي رحمه اهلل:‬
                                                     ‫"لو لم ينزل اهلل سِوى هذه السورة لكفت الناس".‬
 ‫أيها المسلمون، إن الحقيقة الكبرى التي تقررها هذه السورة بمجموعها أنه على امتداد الزمان في‬
  ‫جميع العصور ليس هنالك إال منهج واحد رابح، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، هو‬
                       ‫هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع خسران.‬
      ‫أيها المسلمون، وننظر اليوم ومن خالل هذا الدستور الذي يرسمه لنا القرآن الكريم، فيهولنا‬
                                                             ‫خ‬
     ‫ويرعبنا ويخيفنا أن نرى ال ُسر والخسران والدمار والهالك يحيط بالبشرية في كل مكان بال‬
‫استثناء، يهولنا إعراض البشرية عن هذا الخير وهذا النور، واألمر الذي هو أشد هوال وخوفا هو‬
‫إعراض الكثير من المسلمين عن هذا الدين وهم أصحاب دعوة اإلسالم، كما أن البقاع التي انبعث‬
                                                                 ‫ّ‬
‫منها هذا الخير وهذا النور أولَ مرة تترك راية اإلسالم وراية اإليمان وراية العدل، لتتعلق برايات‬
        ‫عنصرية كالقومية، ولتتمسك بمبادئ وشرائع غريبة عن اإلسالم كاالشتراكية والرأسمالية‬
       ‫والديمقراطية والتي معناها حكم الشعب للشعب، والصحيح أن الحاكمية هلل وحده، علما بأن‬
  ‫البشرية جمعاء ـ وبخاصة المسلمين ـ لم ينالوا خيرا وال السعادة في التاريخ كله وقت اتباعهم‬
                                      ‫لها، بل نالت ونالوا الظلم والطغيان والشتات والويل والدمار.‬
  ‫ومن الحقائق التي ال يستطيع عاقل أو منصف إنكارها أنه لم يكن لهذه الشعوب ولهذه األمم ذكر‬
‫في األرض وال في السماء، حتى جاء اإلسالم فرفع لها هذه الراية التي تنتسب إلى اهلل تعالى، وال‬
  ‫تنتسب إلى الغرب أو الشرق. حقا إنها راية اإلسالم، راية "ال إله إال اهلل محمد رسول اهلل"، إنها‬
‫الراية التي انتصر العرب تحتها وقادوا البشرية جمعاء قيادة صالحة رشيدة واعية، فأصبحوا سادة‬
  ‫بعد أن كانوا مسودين، وحكاما بعد أن كانوا محكومين، وأعزاء بعد أن كانوا أذالء، وأقوياء بعد‬
                                                                                  ‫أن كانوا مستضعفين.‬
 ‫نعم أيها المسلمون، لقد ظهر المسلمون وتزعموا العالم، وعزلوا األمم المزيفة من زعامة البشرية‬
‫التي استغلتها وأساءت عملها، وساروا باإلنسانية سير سريعا متزنا عادال. وقد يسأل سائل ويقول:‬
    ‫ما سبب ذلك؟ ويأتي الجواب ليقول: إن السبب يرجع إلى وجود صفات ومميزات فيهم تؤهلهم‬
   ‫لقيادة األمم، منها على سبيل المثال ال الحصر أن المسلمين أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية‬
                                                              ‫ر‬           ‫ن‬
   ‫ربانية، فال يقّنون وال يش ّعون من عند أنفسهم؛ ألن في ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، وال‬
 ‫يتخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء كما يقال؛ ألن اهلل جل جالله جعل‬
  ‫لهم نورا يمشون به في الناس، وجعل لهم شريعة ودستورا يحكمون بهما الناس، قال اهلل تعالى:‬
    ‫رج‬                  ‫ي ه جع ه ن ر ي ش ب ِ ف الن س م م ل ُ ف الظلم‬                                     ‫وم ن م ت‬
    ‫أَ َ َنْ كَا َ َيْ ًا فَأَحْ َيْنَا ُ وَ َ َلْنَا لَ ُ ُو ًا َمْ ِي ِه ِي َّا ِ كَ َنْ َثَُه ِي ُُّ َاتِ لَيْسَ بِخَا ِ ٍ‬
                                                                     ‫ن ي مل‬            ‫ُي ل ك فر ن‬                ‫م َ‬
                                                   ‫ِنْهَا كذَلِكَ ز ِّنَ ِلْ َا ِ ِي َ مَا كَاُوا َعْ َُونَ [األنعام:775].‬
‫إن المسلمين األوائل لم يتولوا القيادة والحكم بغير تربية خلقية وتزكية نفس وتأهيل راشد، بخالف‬
     ‫األمم واألفراد ورجال الحكومات والدول في الماضي والحاضر، بل مكثوا زمنا طويال تحت‬
                                                ‫ل‬
     ‫تربية سيد البشر محمد بن عبد اهلل الذي تخّق بأخالق القرآن، والذي مدحه رب العزة بقوله:‬
                                                                       ‫وِن ع خل عظ‬
 ‫َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ َ ِيمٍ [القلم:4]. فقد كان الحبيب محمد يؤدب أصحابه ويزكيهم، ويأخذهم بالزهد‬
   ‫في الحياة الدنيا، وبالورع والتقوى والعفة واألمانة والعدل، واإليثار وخشية اهلل تعالى في السر‬
 ‫والعلن، وكان يأخذهم بعدم االستشراف والتطلع لإلمارة والمناصب والحرص عليها، وكان يقول‬
                                 ‫د‬              ‫د‬
 ‫لهم: ((إنا ـ واهلل ـ ال نولي هذا العمل أح ًا سأله، أو أح ًا حرص عليه)) متفق عليه، وال يزال‬
   ‫ت الد ر ِ ة عُه لَّذ َ ير د عُو ف َ ْ‬
 ‫يقرع سمعهم قول اهلل تبارك وتعالى: ِلْكَ َّا ُ اآلخرَ ُ نَجْ َل َا ِل ِين ال ُ ِي ُونَ ُل ًّا ِي األرضِ‬
                                                                     ‫و س د و ع قبة ل ُتق‬
              ‫َال فَ َا ًا َالْ َا ِ َ ُ ِلْم َّ ِينَ [القصص:38]، فكانوا ال يتهافتون على الوظائف والكراسي‬
‫والمناصب، فضال عن أن يرشحوا أنفسهم لإلمارة، كما أنهم لم يزكوا أنفسهم وينشروا الدعاية لها‬
   ‫وينفقوا األموال سعيا وراءها، ولم يقطعوا الوعود للناس على أنفسهم، ولم يبنوا لهم قصورا في‬
                                                   ‫ط‬
  ‫الهواء، ولم يملوا الشوارع باليافطات ويغ ّوا الجدران بالملصقات المزركشة وبالدعايات المبالَغ‬
            ‫ت َك فس ُ ه َم بم ات‬
         ‫فيها، بل كانوا يضعون نصب أعينهم قول اهلل تعالى: فَال ُز ُّوا أَن ُ َكمْ ُوَ أَعْل ُ ِ َنْ َّقَى‬
   ‫ق ل‬           ‫عل ن بر م ع الل‬                       ‫ي َيه َّذ ن من ِم ق ل ن م‬
 ‫[النجم:73]، وقوله تعالى: َا أ ُّ َا ال ِي َ آَ َ ُوا ل َ تَ ُوُو َ َا ال تَفْ َُو َ كَ ُ َ َقْتًا ِنْدَ َّهِ أَنْ تَ ُوُوا‬
                                                                             ‫عل‬
     ‫مَا ال تَفْ َُونَ [الصف:7، 3]. وقول الرسول : ((آية المنافق ثالث: إذا حدث كذب، وإذا وعد‬
                                                                        ‫اخلف، وإذا أؤتمن خان)) رواه البخاري.‬
‫أيها المؤمنون، واألهم من كل ذلك أن المسلمين األوائل لم يتنازلوا عن شيء من عقيدتهم أو دينهم‬
 ‫أو مبادئهم أو أرضهم من أجل الحصول على اإلمارة. ال أيها المسلمون، ال أيها المؤمنون، ال يا‬
‫أتباع محمد، ال وألف، ال لم يكونوا كذلك، بل كانوا إذا تولوا شيئًا من أمور الناس لم يعدوه مغنما،‬
        ‫بل عدوه أمانة في أعناقهم وامتحانا لهم من اهلل، وكانوا على علم بأنهم موقوفون عند ربهم‬
                                           ‫َقف ُ ِن ُ م ئ ل‬
  ‫ومسؤولون عن الصغير والكبير، و ِ ُوهمْ إَّهمْ َسْ ُوُونَ [الصافات:47]، وتذكروا دائمًا قول اهلل‬
    ‫ت ُ‬        ‫لي لوك ْ ف‬           ‫بْ د‬            ‫َ ْض َ َ ب ضك‬           ‫ئ‬        ‫ه َّ جع ُ‬
  ‫تعالى: [وَ ُوَ الذِي َ َلَكمْ خَال ِفَ األر ِ ورفَعَ َعْ َ ُمْ فَوْقَ َعضٍ َرَجَاتٍ ِ َبُْ َ ُم ِي مَا آ َاكمْ‬
                                                                                                          ‫[األنعام:165].‬
        ‫أيها المؤمنون، هذه بعض مالمح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور‬
         ‫اإلسالمي الذي وضعت سورة العصر قواعده ومبادئه ومواده، ومن هنا كان الرجالن من‬
    ‫أصحاب الرسول إن التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على اآلخر هذه السورة ثم يسلم أحدهما‬
                                                                                                             ‫على اآلخر.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
      ‫أيها المرابطون، ال بد من الوقوف طويال أمام ما يجري من أحداث تعصف بهذه األمة من‬
   ‫مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وبخاصة ما يجري على هذه األرض المباركة،‬
   ‫فالجراح عميقة، واألحداث تعلو على التصديق، والمآسي تغطي على التفكير السليم بضخامتها‬
   ‫وشراستها. وهذه األحداث بحاجة إلى تأمل الستخالص العبر والعظات حتى ال تتكرر المآسي.‬
‫وال بد للمسلمين بصورة عامة وللفلسطينيين بصورة خاصة من فهم ألحداث التاريخ واالعتبار بما‬
  ‫مضى، فاألرض تتعرض للنهب والسلب والتقسيم، واإلنسان يتعرض للقتل ولعأسر، والمقدسات‬
  ‫يداهمها الخطر، وفي مقدمتها المسجد األقصى المبارك الذي بنته األنبياء، وانتسب إليه كثير من‬
    ‫العلماء، وسكنه وشد إليه الرحال كثير من األولياء، وسقطت على أرضه قوافل الشهداء، وهو‬
 ‫عش العلماء وعقر دار اإلسالم في نهاية الزمان، وأهله مرابطون إلى يوم القيامة، وعلى أرضه‬
   ‫المباركة المقدسة تعيش الطائفة الظاهرة المنصورة، الركعة فيه بخمسمائة ركعة، والتفريط فيه‬
     ‫تفريط في اإلسالم، وكل مساس فيه مساس بمشاعر المسلمين كافة؛ ألنه شريان قلوبهم وسر‬
     ‫وجودهم على هذه األرض المباركة. ومن واجب الجيل المعاصر أن يحذو حذو السابقين في‬
      ‫الحفاظ على مدينة القدس مع ما فيها من مقدسات، وعندما تصبح القدس متعمقة الجذور في‬
 ‫النفوس والقلوب ستشرق شمسها وستتبدد ظلمة ليلها، وستفتح ذراعيها وقلبها الستقبال من يكسر‬
   ‫قيدها واألغالل التي تكبلها والجدران التي تحيط بها، وما ذلك على اهلل بعزيز. وهلل در القائل:‬
                                                   ‫يا قدس مهما الليل طال…فلن يدوم االحتالل‬
                                                     ‫الكفر ولى ولن يعود…ولست في هذا مغال‬
                                                      ‫الفجر آت ال مَحالة…والظالم إلى الزوال‬
                                                   ‫الحت تباشير الصباح…وجاء دورك يا بالل‬
 ‫أيها المسلمون، وعلى ضوء ما يجري على الساحة العربية واإلسالمية والفلسطينية فإن المطلوب‬
   ‫من الشعوب العربية واإلسالمية التضامن ورص الصفوف، ليتحقق األمل في توحد الكلمة ونبذ‬
  ‫الخالفات. إذا ما تحققت الوحدة فإنها كفيلة بأن تصنع من هذه الشعوب كتلة قوية فاعلة ومؤثرة‬
 ‫على الساحة الدولية، بما تمتلكه من عقيدة ومن موارد وطاقات، وال يمكن لهذا اإلنجاز إن يتحقق‬
   ‫باألماني واألحالم أو برفع الشعارات البراقة والمزايدات الرخيصة والتنازالت المهينة والتخلي‬
   ‫عن الثوابت اإلسالمية، إنما يتحقق باتباع المنهج الرباني والدستور الخالد الذي أنزله اهلل تعالى‬
                                                  ‫لهداية البشرية وسعادتها، بإقامة دولة اإلسالم.‬

‫(5/4764)‬
                                                                       ‫االنتصار لرسول اهلل‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                              ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                    ‫اإلعالم, اإليمان بالرسل‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                     ‫سعود بن عابد الحربي‬
                                                                             ‫المدينة المنورة‬
                                                                             ‫07/75/6745‬
                                                                             ‫جامع األنصار‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- استمرار حمالت التشويه. 7- إنكار المسلمين في الدانمارك لما وقع من االستهزاء بالنبي .‬
                                                             ‫ي‬
  ‫3- تمادي الصحيفة في غ ّها وجريمتها. 4- وقفات مع هذا الحدث. 1- نداء لعموم المسلمين.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                   ‫ل‬
  ‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل، فإن تقوى اهلل خَف من كل شيء، وليس‬
                                                                         ‫ف‬
                                                                        ‫من تقوى اهلل خل ٌ.‬
‫عباد اهلل، ال يخفى عليكم ما قامت به الصحف الدنماركية من الحملة اإلعالمية الشرسة المحمومة‬
    ‫على أزكى البشرية وخير البرية من تشويهٍ لسيرته ووصفه بأقبح األوصاف في رسوم شنيعة‬
     ‫غي‬     ‫ر‬                                                       ‫تب‬
   ‫وصور قبيحة، ًّا لهم ساء ما يعملون. وعلى مدى ثالثة أشهر وهذه الصحف تص ّ على ِّها‬
 ‫وتتمادى في طغيانها، غير آبهة بمقامه الشريف أو مشاعر المسلمين في شرق األرض وغربها.‬
       ‫ي‬
    ‫وقد عمد إخواننا من الجالية المسلمة في الدنمارك، ومعهم غيرهم من المواطنين الدنماركّين،‬
    ‫وكذلك غيرهم من المقيمين في الدنمارك إلى إنكار هذه السخرية التي نالت أشرف إنسان في‬
                                                             ‫وج‬                ‫ك‬
      ‫التاريخ، ف ُتبت المقاالت و ُ ّهت الرسائل إلى الحكومة الدنماركية وإلى الصحيفة المعنية،‬
                                 ‫ال‬              ‫َف‬
 ‫مطالبين باالعتذار عن هذا العمل والك ِّ عن مثله مستقب ً، وقد تظاهر في شهر أكتوبر الماضي‬
                 ‫د‬
‫أكثر من 0001 مسلم وغيرهم من المتعاطفين معهم في عاصمة الدنمارك ض ّ الصحيفة وطالبوها‬
               ‫ر‬      ‫ر‬
     ‫باالعتذار. غير أن السلطات هناك ومسؤولي الصحيفة رفضوا ذلك بمب ّرات ح ّية اإلعالم‬
                                         ‫والتعبير، وأنه ال شيء يستثنى من شموليته وحريته.‬
          ‫وال زال مسؤولو الصحيفة والحزب الحاكم الذي تنتمي إليه يرفضون االعتذار، وينوون‬
      ‫مة‬         ‫إ‬        ‫و َ س‬                                           ‫ج‬
      ‫االستمرار في منهجهم المته ّم على الرسول الكريم الذي قال اهلل له: َمَا أرْ َلْنَاكَ ِال رَحْ َ ً‬
                                                                                      ‫ل م‬
   ‫ِّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205]، متجاهلين بذلك المواثيق واألعراف الدولية، غير مبالين باالعتراضات‬
                                                                                                ‫المقد‬
                                                                                       ‫َّمة إليهم.‬
                                                      ‫حم‬
   ‫فكان من الواجب علينا وعلى غيرنا ممن َّلهم اهلل أمانة البيان والبالغ البيان في ذلك وإنكاره‬
                                                               ‫ق‬                ‫ر‬
                                        ‫غضبة هلل وانتصا ًا لرسوله ، إحقا ًا للحق وإزهاقًا للباطل.‬
                    ‫و‬                ‫ل‬
     ‫فلنا مع هذا الحدث هذه الوقفات نعتذر فيها إلى اهلل من قّة حيلتنا وضعف ق ّتنا وهواننا على‬
                             ‫م جة‬                    ‫ِد ده م‬
    ‫الناس، نجملها في وقفات معدودة، م َا ُ ُا د ُ القلوب، ورقعتها ُهْ َ ُ األنفس، نقولها دفاعًا عن‬
                                  ‫د‬                                              ‫أحب‬
    ‫ِّ حبيب ومن هو أعز علينا من كل قريب، ونذيعها ذو ًا عن أزكى البرية وأطهر البشرية‬
                                                           ‫صاحب الوجه األنور والجبين األزهر :‬
                                                                       ‫د‬
 ‫الوقفة األولى: نق ّمها لكم أنتم أيها المؤمنون، وللمسلمين في مشارق األرض ومغاربها، فرسولكم‬
‫محمد شامة في جبين التاريخ، فما أشرقت الشمس وال غربت على أطهر منه نفسًا، وال أزكى من‬
    ‫سيرة، وال أسخى منه يدا، وال أبر منه صلة، وال أصدق منه حديثًا، وال أشرف منه نسبًا، وال‬
                                      ‫ّد‬           ‫ل‬
     ‫أعلى منه مقامًا. جمع اهلل له بين المحامد كّها فكان محم ًا، ورفع اهلل ذكره وأعلى قدره فكان‬
                           ‫د‬                                                               ‫د‬
    ‫سي ًا. هو سيد ولد آدم وال فخر، سيبعثه اهلل يوم القيامة مقامًا محمو ًا، تتقاصر دونه األطماع،‬
                         ‫ل‬
     ‫وتتطامن دونه األماني، إنه الشفاعة العظمى يوم الموقف، يوم أن يتخّى عنها أولو العزم من‬
                                                            ‫الرسل ويقول هو : ((أنا لها، أنا لها)).‬
                                                     ‫ل‬                      ‫ل‬
  ‫جمع المحامد كّها، وحاز من المكارم أجّها، محمود عند اهلل؛ ألنه رسوله المعصوم ونبيه الخاتم‬
‫وعبده الصالح وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه وخليله من أهل األرض، ومحمود عند الناس؛‬
  ‫ألنه قريب من القلوب حبيب إلى النفوس، رحمة مهداة ونعمة مسداة، مبارك أينما كان، محفوف‬
                                                      ‫ل‬                         ‫ج‬
                                              ‫بالعناية أيمنا و ِد، محاط بالتقدير أينما ح ّ وارتحل.‬
‫كان العرب يعيشون جاهلية جهالء وضاللة عمياء، كانوا أسارى شبهات وأرباب شهوات، يعبدون‬
                                                       ‫ل‬
       ‫األصنام، ويستقسمون باألزالم، ظّوا على هذه الحال إلى أن بزغ نور اإلسالم وسطع فجر‬
                                                                                        ‫ل‬
                                                                           ‫اإليمان وتأّق نجم النبوة.‬
                                        ‫ر د‬
      ‫ولِد الهادي العظيم، فكان مولده فتحًا ومبعثه فج ًا، ب ّد به اهلل جميع الظلمات، وهدى به من‬
  ‫ب ف‬           ‫صم‬                                                                   ‫ل‬
‫الضاللة، وعّم به من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا ًّا وقلو ًا غل ًا،‬
                     ‫ل‬                                    ‫ل‬           ‫ز‬       ‫ل‬            ‫ث‬
       ‫وك ّر به بعد القّة، وأع ّ به بعد الذّة، وأغنى به بعد العيلة. فصلى اهلل وسّم عليه ما ذكره‬
                                   ‫س‬
      ‫الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، فلن تضيره هذه ال ّخرية مهما عظمت أو تكاثرت، كما‬
                                                                                    ‫رب‬
                                                                ‫أخبرنا بذلك ُّنا في القرآن العظيم.‬
‫ونحن نعتقد أن اهلل سبحانه سيحمي سمعة رسوله محمد عليه الصالة والسالم، ويخلد ذكره الحسن،‬
   ‫ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة‬
       ‫م َمم‬                    ‫َْ ش‬        ‫ي ْ ِف عن‬         ‫َ‬
     ‫قال: قال رسول اهلل : ((أال ترون كيف َصر ُ اهلل ِّي شَتم قري ٍ ولعنَهم؟! يشتمون ُذ َّ ًا،‬
     ‫ُ َم‬                                ‫ت‬        ‫م‬          ‫َز‬       ‫مح َّد‬          ‫م َم‬
   ‫ويلعنون ُذ َّمًا، وأنا ُ َم ٌ)). فن َّه اهلل اس َه ونَعْ َه عن األذى، وصرف ذلك إلى من هو مذ َّم،‬
                                                                              ‫وإن كان المؤذِي إنما قصد عينه.‬
                                       ‫م َم‬
‫قال الحافظ ابن حجر رحمه اهلل: "قوله: ((يشتمون ُذ َّمًا)) كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم‬
                   ‫م َم‬
      ‫في النبي ال يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده، فيقولون: ُذ َّم، وإذا ذكروه‬
                 ‫ي‬                                       ‫بمذم م َم‬           ‫َ‬
‫بسوء قالوا: فَعلَ اهلل َّم. و ُذ َّم ليس هو اسمه عليه الصالة والسالم، وال ُعرف به، فكان الذي‬
                                                                        ‫يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره".‬
    ‫وهكذا تلك الرسوم التي دعت الجريدة الرسامين لرسمها ونشرتها على صفحاتها، إنها قطعًا ال‬
                                                                  ‫د‬
  ‫تمثل رسول اهلل محم ًا ، ال في رسمها، وال في رمزها، ال في رسمها أي: مالمح الوجه، فوجه‬
                         ‫ء‬
    ‫محمد هو الضياء والطهر والقداسة والبهاء، وجهه أعظم استنارةً وضيا ً من القمر المسفر ليلة‬
                         ‫ة‬                   ‫ر‬       ‫ر‬     ‫ة‬
    ‫البدر، وجه محمد يفيض سماح ً وبش ًا وسرو ًا، وجه محمد له طلع ٌ آسرة، تأخذ بلب كل من‬
   ‫د‬              ‫ر‬          ‫س‬                                  ‫ر‬        ‫ب‬       ‫ال‬
  ‫رآه إجال ً وإعجا ًا وتقدي ًا. وال في رمزها، فمحمد ما كان عاب ًا وال مكش ًا، وما ضرب أح ًا‬
            ‫خِّ‬
‫في حياته، ال امرأة وال غيرها، تقول عائشة زوج رسول اهلل ورضي اهلل عنها: ما ُيرَ رسول اهلل‬
                                        ‫م‬
    ‫بين أمرين إال أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إث ًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول‬
                                                                                     ‫ت‬
                                   ‫اهلل لنفسه إال أن ُنتهك حرمة اهلل فينتقم هلل بها. رواه البخاري ومسلم.‬
‫وإنه لمن الحسرة والبؤس على الصحيفة الدنماركية وعلى حكومة الدنمارك أن يكون مجرد علمهم‬
     ‫ي‬
    ‫عن محمد رسول اهلل هو ما استهزؤوا به، مما أوحت به إليهم األنفس الشريرة، وصدق اهلل: َا‬
                                          ‫ت ه م رس ِال ن به ي زئ‬                                ‫ح ْ عل عب د‬
                               ‫َسرَةً ََى الْ ِ َا ِ مَا يَأْ ِي ِم ِّن َّ ُولٍ إ َّ كَاُوا ِ ِ َسْتَهْ ُِون [يس:03].‬
                                     ‫س‬
     ‫الوقفة الثانية: السخرية باألنبياء لن تزيد العالَم إال شقاءً وبؤ ًا، فال يخفى أن العالم اليوم يشهد‬
                                     ‫ي‬
  ‫اضطرابات عديدة، أريقت فيها الدماء وأزهقت األرواح بغ ًا وعدوانًا، بما يجعلنا أحوج ما نكون‬
    ‫لنشر أسباب السلم والعدل، وخاصةً احترام الشرائع السماوية واحترام األنبياء والمرسلين، فهذا‬
                                                                        ‫ق‬
         ‫المسلك يتح ّق به حفظ ضرورات البشر في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وغير ذلك من‬
                                                                               ‫حقوقهم ومقومات عيشهم الكريم.‬
    ‫ع‬
   ‫وإن مثل هذه األطروحات العدائية واالستفزازية لن تزيد العالم إال شقاءً وبؤسًا، ذلك أننا جمي ًا‬
                                                 ‫يس‬
        ‫بحاجة لمصادر الرحمة والهدى، والتي َّرها رب العالمين على يدي رسوله محمد ، فكان‬
               ‫د‬                                ‫و‬
‫المستهزئون به عليه الصالة والسالم المش ّهون لحقيقة حياته ورسالته ممن يص ّ الناس عن الخير‬
             ‫د‬                    ‫ع‬
       ‫ويمنع من استقرار العالم وطمأنينته، وهذا الصنف من الناس تو ّده اهلل في كتابه ون ّد بسوء‬
 ‫أ لئ َ ف‬       ‫ع‬       ‫له وي غ‬            ‫ِ ة وي ُد ع س‬             ‫ح الد عل‬                 ‫َّذ ي ِب‬
‫فعالهم: ال ِينَ َسْتَح ُّونَ الْ َيَاةَ ُّنْيَا ََى اآلخرَ ِ َ َص ُّونَ َن َبِيلِ الّ ِ َ َبْ ُونَهَا ِوَجًا ُوَْ ِك ِي‬
                                                                                                         ‫بع‬
                                                                                         ‫ضَالَلٍ َ ِيدٍ [إبراهيم:3].‬
                                                                                    ‫وإن‬
   ‫َّه لمن المؤسف لحال البشرية اليوم مع ما وصلت إليه من التقدم في مجاالت عديدة من علوم‬
           ‫تد‬
         ‫الدنيا بما تتضمنه من االكتشافات المبهرة، ثم يأتي في هذا الخضم من العواصم التي َّعي‬
   ‫ي‬                                        ‫د‬                          ‫ت‬
  ‫التحضر أصوا ٌ مبحوحة وكتابات ساقطة تتر ّى معها تلك المجتمعات بسبب إسقاطات أخالق ّة‬
                                                                                                         ‫نحو المقدسات.‬
                                             ‫د‬
    ‫الوقفة الثالثة: إن ادعاء هذه الصحيفة وما تتش ّق به من حرية التعبير في نشرها لتلك الرسوم‬
  ‫ك‬        ‫ظ‬                                       ‫مسل‬    ‫ٌ‬
 ‫الساخرة من محمد رسول اهلل ادعاء غير َّم وال مقنع؛ ألن جميع دساتير العالم ومن ّماته تؤ ّد‬
 ‫على احترام الرسل وعلى احترام الشرائع السماوية واحترام اآلخرين وعدم الطعن فيهم بال بينة.‬
                ‫ص‬         ‫ي‬
 ‫وقد جاء في ميثاق شرف المجلس العالمي للفيدرالية الدولية للصحفّين ما ين ّ على ذلك؛ ولذلك‬
  ‫ض‬                 ‫ق‬
 ‫حين نطالب الصحيفة والحكومة الدنماركية باالعتذار وبمنع تلك اإلساءات الح ًا فإننا نعتمد أي ًا‬
       ‫على ميثاق صحفي شريف، جاء فيه: "سيقوم الصحافي ببذل أقصى طاقته لتصحيح وتعديل‬
                                                  ‫معلومات نشرت ووجد بأنها غير دقيقة على نحو مسيء".‬
                                           ‫ء‬
    ‫وال شك أن ما نشرته الصحيفة الدنماركية مسي ٌ ألكثر من مائتي ألف من مواطني الدنمارك،‬
‫ومسيء ألكثر من مليار وثالثمائة مليون شخص، ومعهم غيرهم من المنصفين من أصحاب الملل‬
                                                                       ‫ظ‬      ‫ل‬
   ‫األخرى، كّهم يع ّمون رسول اهلل محمدا عليه الصالة والسالم، وسيبقى ذلك العمل مسيئًا لكل‬
‫المسلمين ما بقيت هذه الحياة على وجه األرض، وستبقى الدنمارك ـ إذا لم تعالج هذه اإلساءة ـ‬
    ‫مصدر قرف واشمئزاز من عقليات تقطن فيها وتعادي الرسل والشرائع السماوية وتسخر بها.‬
                                                                          ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رفع قدر أولي األقدار، وحط عنهم بفضله الذنوب واألوزار، أحمده سبحانه وأشكره على‬
   ‫د‬
  ‫فضله المدرار، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له الواحد القهار، وأشهد أن سيدنا محم ًا‬
‫عبده رسوله المصطفى المختار، صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين األطهار‬
                                 ‫من المهاجرين واألنصار والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار.‬
   ‫أما بعد: عباد اهلل، الوقفة الرابعة: لنعلم ـ يا عباد اهلل ـ أن االستهزاء باألنبياء مسلك األشرار‬
     ‫وسبيل الفجار، فتلك اإلساءة التي نشرتها هذه الصحيفة لم تخرج عن طريقة أصحاب المناهج‬
   ‫الشريرة الذين حاربوا األنبياء والمصلحين، وهذا ما أخبرنا اهلل به عنهم في القرآن الكريم فقال‬
                       ‫م‬          ‫َي ت َالزبر و ك‬                 ‫ك ؤ‬             ‫إ َذب َ َ ُذب ر ُل م‬
              ‫تعالى: فَِن ك َّ ُوك فَقدْ ك ِّ َ ُس ٌ ِّن قَبْلِ َ جَآ ُوا بِالْبِّنَا ِ و ُّ ُ ِ َالْ ِتَابِ الْ ُنِيرِ [آل‬
 ‫َ ُ َر ق‬                 ‫و فس ُ‬                 ‫ُلم ج ءك ْ رس ل ب‬
‫عمران:485]، وقال سبحانه عن اليهود: أَفَكَّ َا َا َ ُم َ ُو ٌ ِمَا ال تَهْ َى أَن ُ ُكمْ اسْتَكْبرْتمْ فَف ِي ًا‬
   ‫ق ل َ ِنه ال‬             ‫َم ِنه زن َّ‬                         ‫ك َّبْتمْ وفَ ِي ًا تَقْ ُُونَ [البقرة:28]، وقال اهلل َّ وجل‬
   ‫َّ: قَدْ نَعْل ُ إ َّ ُ لَيَحْ ُ ُكَ الذِي يَ ُوُون فَإ َّ ُمْ َ‬  ‫عز‬                           ‫َذ ُ َ ر ق تل‬
        ‫ُذب‬         ‫صبر عل‬                   ‫ل ي َد ن و َ ُذب ر ُل م‬                    ‫ي َذب ك و ِن الظ لم ن ب ي‬
     ‫ُك ِّ ُونَ َ َلَك َّ َّاِ ِي َ ِآ َاتِ الّهِ َجْح ُو َ َلَقدْ ك ِّ َتْ ُس ٌ ِّن قَبْلِكَ فَ َ َ ُواْ ََى مَا ك ِّ ُواْ‬
                       ‫له و ج ك م نب ُ سل‬                          ‫ر و م َد ل ل‬                  ‫ُ‬       ‫وأ ذ َت‬
  ‫َُو ُواْ ح َّى أَتَاهمْ نَصْ ُنَا َالَ ُب ِّلَ ِكَِمَاتِ الّ ِ َلَقدْ َاء َ ِن َّ َإِ الْمرْ َِينَ [األنعام:33، 43].‬
                                        ‫ع‬
     ‫الوقفة الخامسة: ليحذر المؤذون لعأنبياء؛ فإن اهلل قد تو ّدهم باالنتقام، فقد كانت هذه الصحيفة‬
                             ‫م‬                                                      ‫ر‬
      ‫ومح ّروها في عافية من دنياهم وانهماك في شهواتهم قبل أن يتع ّدوا االستهزاء بالرسول ،‬
    ‫ط‬
‫ولكنهم بما نشروه وكتبته أيديهم قد أدخلوا أنفسهم ومن تواطأ معهم في الوعيد اإللهي المس ّر في‬
 ‫ت‬                               ‫إن‬                ‫َر‬          ‫ِن ن ه‬
 ‫القرآن الكريم: إ َّ شَا ِئَكَ ُوَ األَبْت ُ [الكوثر:3] أي: َّ مبغضك ـ يا محمد ـ ومبغض ما جئ َ‬
          ‫ل‬           ‫ل ل‬            ‫هو َر‬
‫به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين ُ َ األَبْت ُ: األق ّ األذ ّ المنقطع ك ّ ذِكرٍ له.‬
                                                                ‫ت‬          ‫م‬
   ‫فهذه اآلية تع ّ جميع من اّصف بهذه الصفة من معاداة النبي أو سعى إللصاق التهم الباطلة به،‬
                                                     ‫ممن كان في زمانه، ومن جاء بعده إلى يوم القيامة.‬
      ‫َب‬                        ‫م‬           ‫إن‬
    ‫وفي هذا يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: " َّ اهلل منتق ٌ لرسوله ممن طعن عليه وس َّه،‬
 ‫د‬            ‫َد‬                 ‫د‬                                               ‫م هر ِد نه ل ذ‬
 ‫و ُظْ ِ ٌ ل ِي ِ ِ وِكَ ِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الح ّ، ونظير هذا ما ح َّثَنَاه أعدا ٌ‬
                     ‫ح ْ‬      ‫د‬              ‫عم ر‬                        ‫عد‬
   ‫من المسلمين ال ُ ُول أهل الفقه والخبرة َّا ج ّبوه مراتٍ متع ّدةٍ في َصرِ الحصون والمدائن‬
  ‫َ صر‬
  ‫التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني األصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحْ ُ ُ‬
                                       ‫ع‬                                                ‫ح‬
      ‫ال ِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتن ٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا‬
    ‫م‬                        ‫َس‬             ‫ض َج‬                                 ‫له لس ِّ‬    ‫ر‬
‫تع ّض أهُ ُ ِ َب رسولِ اهلل والوقيعةِ في عر ِه تَع َّلنا فتحه وتي َّر، ولم يكد يتأخر إال يو ًا أو‬
  ‫يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا َ َ َ َاش ُ‬
  ‫لنتب َر‬
         ‫بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتالء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه" انتهى.‬
      ‫ل‬
 ‫واأليام بيننا وبين أولئك المبطلين المستهزئين، لننظر من تكون له العاقبة، ومن الذي يض ّ سعيه‬
    ‫ويكذب كالمه وتظهر للعالمين أباطيله وافتراءاته، فقد قالها أمثالهم، فلمن كانت العاقبة؟! وأين‬
‫ل ُ َذ ب‬              ‫و َّذ ن ي ذ َ رس‬
‫آثارهم؟! وأين مثواهم؟! قال اهلل جل شأنه في القرآن الكريم: َال ِي َ ُؤْ ُون َ ُولَ الّهِ لَهمْ ع َا ٌ‬
     ‫ِن َّذ ي ْذ الله َرس ه ع هم الل ُ ف الد و ِرة‬                                                           ‫م‬
     ‫أَلِي ٌ [التوبة:56]، وقال اهلل سبحانه: إ َّ ال ِينَ ُؤ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَ ُ ُ َّه ِي ُّنْيَا َاآلخ َ ِ‬
                                                                                         ‫و َد ُ َ مه‬
                                                                       ‫َأَع َّ لَهمْ عذَابًا ُّ ِينًا [األحزاب:21].‬
          ‫ذ‬                   ‫ي‬                 ‫س‬
    ‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "ومن ُنة اهلل أن من لم ُمكن المؤمنين أن يع ّبوه من‬
                                                ‫ق‬                 ‫فإن‬
  ‫الذين يؤذون اهلل ورسوله َّ اهلل سبحانه ينت ِم منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قدمنا بعض ذلك في‬
‫ْد ب ت ْ َر و ْر ع م رك ِن ف ن ك‬
‫قصة الكتاب المفترى، وكما قال اهلل سبحانه: فَاص َعْ ِمَا ُؤم ُ َأَع ِضْ َنِ الْ ُشْ ِ ِينَ إ َّا كَ َيْ َا َ‬
                ‫د‬      ‫د‬                                                        ‫م ْزئ‬
    ‫الْ ُسْتَه ِ ِينَ [الحجر:49، 19]. والقصص في إهالك اهلل المستهزئين واح ًا واح ًا معروفة، قد‬
             ‫ر‬            ‫ِن ن ه‬                                                        ‫ل السي‬
 ‫ذكرها أه ُ ِّ َر والتفسير، وهذا واهلل أعلم تحقيق قوله تعالى: إ َّ شَا ِئَكَ ُوَ األَبْتَ ُ [الكوثر:3]؛‬
                                                       ‫فإن‬                ‫ه‬           ‫ُل‬
‫فك ُّ من شَنَأَ ُ أو أبغضه وعاداه َّ اهلل تعالى يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره. وفي الصحيح عن‬
                                            ‫ولي‬
     ‫النبي : قال: ((يقول اهلل تعالى: من عادى لي ًّا فقد بارزني بالمحاربة))، فكيف بمن عادى‬
                                                                      ‫ُرب‬                ‫ر‬
                                                                     ‫األنبياء؟! ومن حَا َبَ اهلل تعالى ح ِ َ.‬
                             ‫أ‬
      ‫وإذا استقصيت قصص األنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما ُهلكوا حين آذوا األنبياء‬
     ‫ضب‬              ‫الذ‬
  ‫وقابلوهم بقبيح القول أو العمل. وهكذا بنو إسرائيل، إنما ضربت عليهم ِّلة وباؤوا بغ ِ ٍ من‬
 ‫اهلل ولم يكن لهم نصير لقتلهم األنبياء بغير حق مضمومًا إلى كفرهم، كما ذكر اهلل ذلك في كتابه.‬
                                                   ‫يت‬                              ‫د‬
                ‫ولعلك ال تجد أح ًا آذى نبيًا من األنبياء ثم لم َُبْ إال وال بد أن يصيبه اهلل بقارعة.‬
                                                  ‫ج‬
    ‫عباد اهلل، وختام هذه الوقفات نداء مو ّه للمسلمين في شرق األرض وغربها شمالها وجنوبها:‬
                ‫ث‬       ‫ر‬                ‫ل‬                                               ‫ال‬
   ‫أو ً: اعلموا أن سمعة اإلسالم وسمعة النبي مسؤولية ك ّ واحدٍ منكم ذكو ًا وإنا ًا، فينبغي على‬
‫كل أحد أن يكون سفير خير ومنبر هدى في بيان حقيقة دين اإلسالم وحقيقة دعوة نبينا محمد عليه‬
                                                                               ‫الصالة والسالم.‬
‫ثانيًا: أتوجه للتجار ورجال األعمال بأن يكون لهم موقفهم الحازم غيرةً على نبيهم محمد ، فينبغي‬
 ‫أن يوقفوا كل التعامالت التجارية مع الدنمارك، حتى يتم االعتذار وبشكل علني ورسمي عن ذلك‬
     ‫العمل الذي أقدمت عليه هذه الصحيفة المستهترة، وليتذكروا أن المال زائل، لكن المآثر باقية‬
    ‫مشكورة في الدنيا واآلخرة، وأعظمها حب رسول اهلل واالنتصار له، ولهم أسوة في الصحابي‬
                                                          ‫ي‬
‫الجليل عبد اهلل بن عبد اهلل بن أب ّ بن سلول في موقفه الحازم من أبيه المنافق بل رأس المنافقين،‬
         ‫ي‬                              ‫ُبي‬                      ‫أن‬
    ‫فقد ثبت في الصحيحين َّ المنافق عبد اهلل بن أ ِّ بن سلول ذكر رسول اهلل بكالم سّئ حيث‬
                                                   ‫ن‬
  ‫قال: واهلل، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج ّ األعز منها األذل.. الحديث، وفيه في رواية الترمذي‬
                        ‫ر‬                                                                     ‫أن‬
  ‫َّ ابنه الصحابي عبد اهلل بن عبد اهلل قال ألبيه: واهلل، ال تنفلت حتى تق ّ أنك الذليل ورسول اهلل‬
                                            ‫ذ‬
  ‫العزيز، ولم يأذن ألبيه بدخول المدينة حتى اعت َر ورجع عن قوله وقال: إنه الذليل ورسول اهلل‬
                                                                                    ‫هو العزيز.‬
 ‫فهل يستجيب رجال األعمال المسلمون لهذا الواجب في الغيرة على نبيهم عليه الصالة والسالم؟!‬
                                      ‫م‬                                         ‫يكف‬
    ‫وهل ُّون عن التعامل التجاري مع الدنمارك حتى يت ّ تقديم االعتذار الرسمي واشتراط عدم‬
                                                                            ‫تكرار هذه الجريمة.‬
   ‫ثالثًا: دعوة للمسلمين في كل مكان إلى إرسال استنكارهم والمطالبة باالعتذار إلى الجريدة على‬
                     ‫ل‬                       ‫ل‬
           ‫عناوينها المنشورة على الشبكة العالمية، فهذا من أق ّ الواجبات علينا، وال يكّفنا شيئًا.‬
      ‫رابعًا: يجدر التواصل من قبل الشعوب اإلسالمية مع وزارة الخارجية الدنماركية إلشعارها‬
        ‫و‬
       ‫باالمتعاض واالستنكار لمساس الصحيفة المذكورة بمقدساتنا، وبيان أن ذلك لن يخدم تط ّر‬
                  ‫العالقات القائمة على االحترام فيما بين الشعوب اإلسالمية والشعب الدنماركي.‬
    ‫خامسًا: لما كان المسوولون بالدنمارك غير مبالين بدعوات السالم والبيانات التي وجهت إليهم‬
 ‫وبالنظر لإلصرار على الحرية المزعومة في االستهزاء واإلساءة برسول اهلل محمد عليه الصالة‬
           ‫ج‬
    ‫والسالم أو بأي من إخوانه النبيين عليهم الصالة والسالم فأنه من غير الالئق أن يتو ّه الناس‬
                                                                             ‫ي‬
‫القتناء أ ّ سلعة منشؤها الدنمارك وهم يجدون بديالً آخر، حتى يكفوا عن هذه السخرية ويعتذروا‬
                                                              ‫منها علنًا ويتعهدوا بعدم تكرارها.‬
         ‫دل‬                                ‫م‬                 ‫ق‬
 ‫اللهم ال تعاقبنا بتقصيرنا في ح ّ خليلك ورسولك مح ّد، ووفقنا لإليمان به والعمل بما َّنا عليه،‬
     ‫وإلى الذود عنه وعن شريعته، حتى نرد حوضه المورود ويسقينا بيده الشريفة شربة ال نظمأ‬
                                ‫د‬                                                   ‫د‬
                              ‫بعدها أب ًا وتنفعنا بشفاعته يوم العرض عليك فال تسخط علينا أب ًا.‬
                                                           ‫أما بعد: فإن خير الحديث كالم اهلل...‬
‫(5/1764)‬




                                                                                                               ‫دفاعًا عن محمد‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                    ‫اإلعالم, اإليمان بالرسل‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                      ‫عادل بن أحمد باناعمة‬
                                                                                                                                ‫جدة‬
                                                                                                                ‫07/75/6745‬
                                                                                                                     ‫محمد الفاتح‬
                                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- الغفلة عن متابعة جريمة االستهزاء بالنبي . 7- أحداث هذه الجريمة النكراء. 3- رفض‬
    ‫الحكومة الدانماركية االعتذار مما وقع. 4- فضل النبي . 1- قانون معاداة السامية. 6- النفوذ‬
                       ‫الصهيوني. 2- انتقام اهلل تعالى لرسوله . 8- واجب المسلمين تجاه هذا الحدث.‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
    ‫وبعد: فإن اهلل أمر بالتقوى في السر والجهر والخفاء والعلن؛ ألنه سبحانه يسمع النجوى، ويعلم‬
                        ‫َيه َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ُ م لم‬
                 ‫السر وأخفى: يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل‬
 ‫م ه جه و َث م هم‬                            ‫ُ م س وح‬                     ‫ي َي الن س اتق َبك َّ‬
‫عمران:705]، َا أُّهَا َّا ُ َّ ُوا ر َّ ُمْ الذِي خَلَقَكمْ ِنْ نَفْ ٍ َا ِدَةٍ وَخَلَقَ ِنْ َا زَوْ َ َا َب َّ ِنْ ُ َا‬
   ‫ي‬              ‫ع ُ ْ رق ب‬             ‫إن الل‬         ‫س ءل به و َ‬             ‫ر ون ء َاتق الل َّ‬
  ‫رِجَاالً كَثِي ًا َ ِسَا ً و َّ ُوا َّهَ الذِي تَ َا َُونَ ِ ِ َاألرْحَامَ ِ َّ َّهَ كَانَ َلَيْكم َ ِي ًا [النساء:5]، َا‬
     ‫ُ وي ف ُ ذن بك وم يط الل‬                                 ‫سد د ي ل ك‬                    ‫َي َّذ ن من اتق الله وق ل‬
   ‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ َ ُوُوا قَوْالً َ ِي ًا ُصِْحْ لَ ُمْ أَعْمَالَكمْ َ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ َ َنْ ُ ِعْ َّهَ‬
                                                                                   ‫َرس ُ ْ ف َ ْز ظ م‬
                                                                ‫و َ ُولَه فَقَد َاز فَو ًا عَ ِي ًا [األحزاب:02، 52].‬
‫اللهم إنا نعوذ بك من أن نقول كلمة ال ترضاها، ونبرأ إليك من كل زلة غفل عنها القلب أو طاش‬
        ‫بها الرأي، ونضرع إليك أن تجعل حياتنا كلها وأوقاتنا كلها وأعمارنا كلها خدمة لك ولدينك‬
                                                                                                                         ‫ولكتابك.‬
            ‫ل‬                                                 ‫ر ر‬          ‫ء‬
  ‫وبعد: "أن تجي َ متأخ ًا خي ٌ من أن ال تجيء"، كان هذا ما انقدح في ذهني وأنا أقّب النظر في‬
             ‫هذا الموضوع الخطير. كنت أمر بحالةٍ غريب ٍ من الذهولِ الفكر ّ والجمودِ الروحي‬
 ‫ِّ، ألهتْني عن‬              ‫ي‬                  ‫ة‬             ‫ُّ‬
‫ّم‬             ‫ر‬            ‫أن‬         ‫ة‬        ‫ب نه‬                       ‫ته‬        ‫ِ‬
‫متابعةِ الحدث في وق ِ ِ والتعليقِ عليه في إ ّا ِ ِ. غيبوب ٌ هي، إال َّ صاحبها يتح ّك ويمشي ويتكل ُ‬
‫ويناق ُ، وانفصا ٌ عن الحياةِ تبقى معه الحيا ُ، مو ٌ كالَ موتٍ، أو حيا ٌ كال حيا ٍ. ال فر َ، فاألم ُ‬
‫ر‬        ‫ق‬        ‫ة‬         ‫ة‬                   ‫ة ت‬                               ‫ل‬         ‫ش‬
                                                                                   ‫ر‬
                                                                                  ‫كما قالَ الشاع ُ:‬
                                                        ‫ن‬
                                 ‫نهضَ الموتى هوى من لم يمت…كال ّعاس الموت ال شيء خرافهْ‬
       ‫ه‬          ‫ه‬         ‫ي‬                ‫ل ق يلف‬          ‫م‬
     ‫ولعلي لم أكنْ وحدي، فقد كان ث ّةَ ذهو ٌ عمي ٌ ُّ العالم اإلسالم ّ من أقصا ُ إلى أقصا ُ ،‬
   ‫ل ُ ة‬             ‫ل م‬                     ‫ٍ‬     ‫ة‬                                    ‫ل‬
   ‫ذهو ٌ بدتْ معه كل ردود الفعلِ أشبه بفرقع ٍ خافتة في جوف قبوٍ هائ ٍ مظل ٍ، ذهو ٌ يشبه حال َ‬
         ‫ه‬           ‫ر ب ن‬                     ‫ة س‬                     ‫ُ‬        ‫ن ب‬         ‫س‬
   ‫بائ ٍ مسكي ٍ تخ ّطه الضياع في متاهةٍ عقيم ٍ، فآن َ من جانب الجدا ِ با ًا ظ ّ فيه نجاتَ ُ، فلما‬
                                                ‫ك‬             ‫ة‬      ‫د ء ة‬                ‫ه‬
                 ‫جاء ُ وجده أش ّ شي ٍ ظلم ً ووحش ً، فانكفأ يلو ُ بين شدقيهِ عبارة: "إلى متى؟!".‬
‫ثالث ُ أشه ٍ وعشرونَ يو ًا م ّت منذ أن تج ّأت صحيف ُ "جيالندز بوستن" الدانمرك ّة على اإلساء ِ‬
‫ة‬             ‫ي‬                          ‫ة‬        ‫ر‬            ‫م ر‬               ‫ة ر‬
           ‫ة‬      ‫ة‬           ‫ة‬
  ‫لنبّنا أشر ِ مخلو ٍ وأطه ِ إنسا ِ وأرفع من خطا على هذه البسيط ِ. فهذه مائ ٌ وعشر ُ أيامٍ أو‬
                                                            ‫ن‬      ‫ر‬      ‫ق‬      ‫ف‬       ‫ي‬
       ‫ل‬                  ‫ء‬                                     ‫ألفا ِ وستمائ ٍ وأربعون ساعةً تصر‬
   ‫َّمتْ على هذه الفعلةِ الشنيعةِ، ثم أجي ُ أنا اليومَ بعد ك ّ هذا‬                ‫ة‬        ‫ن‬
                                                  ‫وتب‬            ‫تب أي‬           ‫ل‬
 ‫الوقت ألتكّم عنها!! ًّا، ُّ غفلةٍ هذه؟! ًّا مرةً أخرى، فأنا لم أكن الغافلَ وحدي، كانت عيناي‬
                   ‫ر‬                             ‫ط‬              ‫ه‬       ‫ت ر‬
      ‫طوال هذا الوق ِ تعب ُ الوجو َ، وأذناي تلتق ُ الكلماتِ، وبصري يلتهم السطو َ، فلم أرَ سوى‬
                                                     ‫ق‬      ‫ت‬
              ‫نَأَماتٍ هنا وهناك تنادي بصو ٍ مخنو ٍ يوشك أن يضيعَ وسط هدير الحياةِ الداوي.‬
     ‫ن‬                      ‫في عامِ اثنين وتسعمائ ٍ وألفٍ للميالدِ تج ّأ السياس ّ والمؤر ُ الفرنسي‬
 ‫ُّ هانوتو على القولِ بأ ّه ال‬      ‫ّخ‬       ‫ي‬         ‫ر‬                   ‫ة‬
        ‫ض‬        ‫ج‬         ‫د د‬                      ‫ِّ إال نس ُ قبرِ النبي‬
  ‫ِّ محمد . يومها ما َتِ ال ّنيا وارت ّتِ األر ُ، وكان‬         ‫ف‬                  ‫ص‬
                                                                        ‫دواءَ للتع ّب اإلسالمي‬
                                                                  ‫ر‬
                                                                ‫األمر على ما وصف أحمد مح ّم:‬
                                 ‫ف‬        ‫غضب الْحما ُ لدينِ أحمدَ غضب ً… ُ ِرَ اإلله بها وعز‬
                                 ‫َّ الْمصح ُ‬              ‫ة نص‬                   ‫ة‬
                                     ‫ف‬     ‫س‬         ‫ع‬             ‫ُ ج كل ع‬
                                     ‫هاج الْحماة فها َ ُّ مشي ٍ…عجلِ الوقائ ِ بالفوار ِ يعص ُ‬
                                       ‫ة‬               ‫م أل‬
                                ‫ضجت شعوب الْمسلمين وراعهم…ظل ُ ا ُلى لوال السياس ُ أنصفوا‬
                           ‫د‬       ‫َّ هذا الوقح ألن يرجع عن رأيه في خطا ٍِ رسمي ه‬
                          ‫ٍّ ألقا ُ من بع ُ.‬ ‫ب‬                                 ‫واضطر‬
 ‫ع‬                          ‫ب‬     ‫ِ‬              ‫وها نح ُ اليومَ نرى التطاولَ على ذاتِ النبي‬
 ‫ِّ ، ال على قبرِه فحس ُ، فما الذي حدث؟! لم تتراج ِ‬                                 ‫ن‬
                ‫ة م‬              ‫ت‬                         ‫ة‬         ‫ل‬
    ‫الدانمارك، بل أقدمت مجّة نرويجي ٌ على إعادة نشر الصورِ ذا ِها بعد مائ ِ يو ٍ وفي يوم عيد‬
         ‫دة‬                          ‫ن ي‬
  ‫األضحى مشفوعًا بتعليقٍ لرئيس التحرير يقول فيه: "إ ّ حر ّة التعبير في منطقتنا مه ّد ٌ من دين‬
                ‫ْ‬                   ‫ة‬       ‫ن‬                               ‫ل‬         ‫ب‬
    ‫ليس غري ًا عليه الّجوء إلى العنف". ألم أقلْ لكم: إّها حال ُ ذهولٍ غريبةٍ لم أكن فيها وحدي؟!‬
                                        ‫ع‬                ‫ل‬         ‫ك‬
       ‫دعوني بعد موجةِ االرتبا ِ هذه ألَمِم أطرافَ الموضو ِ وأروي لكم الحكايةَ من أولها: "في‬
      ‫الثالثين من شهر سبتمبر أيلول الماضي الموافق للسادس والعشرين من شعبان من هذا العام‬
            ‫ر‬        ‫ي‬                                                      ‫ي‬
        ‫الهجر ّ نشرت صحيفة "يوالندز بوسطن" ـ وهي من أوسع الصحف اليوم ّة انتشا ًا في‬
          ‫أقل‬                                              ‫ر‬      ‫م‬
       ‫الدنمارك ـ اثني عشرَ رس ًا ساخ ًا كاريكاتوريًا للنبي محمد عليه الصالة والسالم، ُّ ما‬
             ‫ق‬                                                ‫ط‬      ‫ة‬               ‫ف‬
      ‫توص ُ بها أنها بذيئ ٌ ومنح ّة إلى أبعد الحدود، ومع الرسوم نشرت الصحيفة تعلي ًا لرئيس‬
               ‫نبي‬                                                            ‫ب‬
 ‫تحريرها ع ّر فيه عن دهشته واستنكاره إزاء القداسة التي يحيط بها المسلمون َّهم، األمر الذي‬
 ‫اعتبره ضربًا من الهراء الكامن وراء جنون العظمة، ودعا الرجل في تعليقه إلى ممارسة الجرأة‬
‫في كسر ذلك "التابو"، عن طريق فضح ما أسماه: "التاريخ المظلم" ِّ اإلسالم ـ أظلمَ اهلل عيني َ‬
‫ك‬                           ‫لنبي‬
                            ‫ب‬                                            ‫م‬          ‫ي‬
   ‫يا دع ّ ـ، وتقدي ِهِ إلى الرأي العام في صورته الحقيقية التي ع ّرت عنها الرسوم المنشورة".‬
   ‫ُّ وعلى رأسه عمام ٌ ملفوف ٌ حول قنبل ٍ‬
   ‫ة‬          ‫ة‬       ‫ة‬                          ‫ر‬               ‫ت‬          ‫م‬
                                       ‫أحد هذه الرسو ُ ـ وقد رأيُها بنفسي ـ يظه ُ فيه النبي‬
    ‫ف‬                          ‫ر‬           ‫ي‬      ‫ي ال‬              ‫ر صو‬
 ‫مشتعلة الفتيل، واآلخ ُ ُ ّر فيها النب ّ رج ً بربر ًا يحمل خنج ًا ضخمًا ووراءه امرأتان تل ّعتا‬
     ‫ة‬      ‫ة‬             ‫د‬
  ‫بالسواد في إشارةٍ بذيئةٍ لسادّةٍ مقيت ٍ، ويظه ُ في الرسمِ الثالث راعيًا بلي ًا وراءَه غنم ٌ واحد ٌ ال‬
                                       ‫ِ‬                ‫ر‬       ‫ة‬        ‫ي‬                      ‫ِ‬
                                                                                  ‫يحسن تدبير أمرها.‬
                                                                               ‫د‬
      ‫وحين ق ّم المسلمون في الدانمارك ـ مواطنين ومقيمين ودبلوماسيين ـ احتجاجًا إلى رئيس‬
   ‫خ‬                                       ‫ن‬
  ‫الوزراء رفض مقابلتهم بدَوره، وأبلغهم من مكتبه بأ ّ األمر يتعلق بحرية التعبير التي ال تتد ّل‬
                                                          ‫ل‬
                                ‫فيها الحكومة، وقيل لهم: إن بوسعهم الّجوء إلى القضاء إذا أرادوا.‬
          ‫كتب األمين العام لمنظمة المؤتمر اإلسالمي خطابات عديدة لحكومة الدانمارك ولالتحاد‬
      ‫ن‬                                                            ‫ب‬
     ‫األوروبي، وكان الجوا ُ وال سيما من الجانب الدانماركي أن قضية حرية التعبير تمثل رك ًا‬
                                                                                       ‫أساسي‬
           ‫ًّا في الديمقراطية الدنماركية، األمر الذي اعتبر رفضًا التخاذ موقف إزاء الحملة.‬
           ‫ي‬                                                                 ‫م‬
  ‫أسفر اجتماع الق ّةِ األخيرِ في مكةَ عن توصيةٍ تشير إلى القلق إزاء الحمالت اإلعالم ّة المسيئة‬
                                                        ‫ر‬
         ‫إلى اإلسالم ونبي المسلمين، وق ّرت منظمة المؤتمر اإلسالمي إعالن مقاطعتها لمشروع‬
                                                                      ‫ث‬
           ‫دنماركي، يتم ّل في إقامة معرض كبير تحت عنوان: "انطباعات عن الشرق األوسط".‬
                            ‫ي‬
      ‫تحركت وفود شعبية من الدانمارك وطافت بلدان العالم اإلسالم ّ، أصدر األزهر وغيره من‬
                                                 ‫المؤسسات اإلسالمية الكبرى بيانات تدين ما حدث.‬
                                                           ‫ض‬       ‫ة‬
 ‫وفي النهايةِ كان غاي ُ ما تف ّل به رئيس الحكومة الدانماركية أن أشار في كالم مقتضب إلى أن‬
                                                                        ‫ي‬
                                    ‫حكومته تدين أ ّ تصرف يسيء إلى مشاعر جماعة من الناس.‬
     ‫وهكذا بكل استخفاف ظ ّ سياد ُ ُ أن الموضوع قد ُو َ، وأ ّ الجرح الغائر الذي فتقَته مجل ُ‬
     ‫ة‬                              ‫َ س ِّي ن‬                ‫ته‬       ‫ن‬
                                           ‫ش‬
‫"جيالندز بوستن" ونكأته مجلة "ماغازينت" قد ُفي، ونسي أو تناسى أن هذه الرسومات ما هي إال‬
                                            ‫ء‬
‫جزء من "الحملة الدانماركية" ضد اإلسالم، بد ًا من التصريح الذي نقل على لسان ملكة الدانمرك‬
      ‫ل‬                              ‫د‬       ‫ث‬
   ‫"ماجريت الثانية"، والذي قالت فيه: "إن اإلسالم يم ّل تهدي ًا على المستويَين العالمي والمحّي".‬
                                      ‫ث‬
  ‫وخلطت فيه الملكة بين المتطرفين وبين اإلسالم، وحّت حكومتها إلى عدم إظهار التسامح تجاه‬
             ‫س ت‬        ‫د‬
  ‫األقلية المسلمة، وانتهاءً بمواقع اإلنترنت التي يطلقها دانمركيون أفرا ًا ومؤ ّسا ٍ خاصةً تحذر‬
                    ‫ي‬                        ‫ر‬
   ‫من السائقين المسلمين ألنهم إرهابيون وقتلة، ومرو ًا بقول النائب الدانمارك ّ: "إن اإلسالم منذ‬
                                       ‫م‬
   ‫بداياته كان عبارة عن شبكة إرهابية"، وبالحملة العا ّة في الصحف ومحطة التلفاز العامة التي‬
                                                             ‫أعلنت الحرب ضد اإلسالم والمسلمين.‬
       ‫ت‬                    ‫ل‬        ‫ن‬         ‫ق‬
      ‫بأبي أنت وأمي يا رسول اهلل، يا أشرف الخالئ ِ، ما أهو َ من ينا ُ منك، وما أشرفكَ أن َ.‬
                                                             ‫ء‬                  ‫ر‬      ‫ء‬
                                                             ‫أتهجوه ولست له بكف ٍ؟!…فش ّكما لخيركما الفدا ُ‬
                                         ‫م من م فس ِ‬                    ‫ن الن ِي ل‬
     ‫يا من هو أولى بنا م ّا، َّب ُّ أَوَْى بِالْ ُؤْ ِ ِينَ ِنْ أَن ُ ِهمْ [األحزاب:6]. يا من جعلك اهلل خاتم‬
     ‫الله بكل َ ء‬                ‫َ الن ِي‬       ‫ن مح َّد ب ح م ر ل ُ ك رس الله‬
     ‫النبيين، مَا كَا َ ُ َم ٌ أَ َا أَ َدٍ ِّن ِّجَاِكمْ ولَ ِن َّ ُولَ َّ ِ وخَاتمَ َّب ِّينَ وكَانَ َّ ُ ِ ُ ِّ شيْ ٍ‬
 ‫ُ ْ ف رس الل أ ة َسنة لم‬                                                                               ‫عل‬
‫َِيمًا [األحزاب:04]. يا من جعلك اهلل أسوة للعالمين، لَقَدْ كَانَ لَكم ِي َ ُولِ َّهِ ُسْوَ ٌ ح َ َ ٌ ِّ َن‬
       ‫ة ر‬                                        ‫ر‬         ‫ِر َ الل‬           ‫ْ‬       ‫ن َ ج الله‬
       ‫كَا َ يرْ ُو َّ َ والْيَومَ اآلخ َ وذَكرَ َّهَ كَثِي ًا [األحزاب:57]. يا من بعثك ربك رحم ً للبش ِ‬
       ‫أجمعين، ال ِي َ يَّ ِ ُونَ َّ ُولَ َّب َّ ا ُم َّ ال ِي يَج ُونَ ُ َكْ ُوبًا ِندَهم ِي َّو َا ِ واإلن ِي ِ‬
       ‫جل‬         ‫ِد ه م ت ع ُ ْ ف الت ْر ة‬                ‫َّذ ن َتبع الرس الن ِي أل ِّي َذ‬
       ‫ي َرم ع هم ب ئ ي ع ع ه‬                           ‫ي ه ع م ر ي ِل ُم َّيب‬                              ‫مره م ْر‬
     ‫يَأْ ُ ُ ُم بِالْ َع ُوفِ و َنْهَا ُمْ َنِ ال ُنكَ ِ و ُح ُّ لَه ُ الطِّ َاتِ و ُح ِّ ُ َلَيْ ِ ُ الخَ َا ِثَ و َضَ ُ َنْ ُمْ‬
   ‫َر ه واتبع الن ر َ أ ِل‬              ‫ع ِ ْ َالذ ن من به ع َّر ه‬                       ‫ت‬                   ‫ْ ُ‬
   ‫إصرَهمْ واألَغْاللَ الَ ِي كَانَتْ َلَيْهم ف َّ ِي َ آ َ ُوا ِ ِ و َز ُو ُ ونَص ُو ُ َّ َ ُوا ُّو َ الذِي ُنز َ‬
‫َ َ ُ ُوْلَئِ َ ه ُ ال ُفْلِ ُونَ [األعراف:215]. يا من تو ّد ا ُ من آذاك بالعذاب المبين: وال ِينَ ُؤْ ُو َ‬
‫َّذ ي ذ ن‬                                 ‫ع هلل‬                             ‫معه أ ك ُم م ح‬
      ‫ن‬          ‫ب ُ‬                             ‫أم‬                     ‫رس الل ُ َ ب ل م‬
      ‫َ ُولَ َّهِ لَهمْ عذَا ٌ أَِي ٌ [التوبة:56]. يا من ُ ِرْنا بتقديم حبه على كل محبو ٍ: قلْ إن كَا َ‬
         ‫ن س ه‬                ‫و ل َ َ تم ه ج رة‬                      ‫و ن ُ َ و ج ُ عش رت ُ‬                 ‫ؤك‬             ‫ؤُ‬
        ‫آبَا ُكمْ وأَبْنَا ُ ُمْ وإخْ َاُكمْ وأزْ َا ُكمْ و َ ِي َُكمْ وأَمْ َا ٌ اقْترفُْ ُو َا وتِ َا َ ٌ تَخْشَوْ َ كَ َادَ َا‬
    ‫م كن ض ه َب ك م الل رس له جه ٍ ف سب ل ِ َ َبص َت ي ت الله بأ ْره‬
    ‫و َسَا ِ ُ تَرْ َوْنَ َا أَح َّ إلَيْ ُم ِّنَ َّهِ و َ ُوِ ِ و ِ َاد ِي َ ِيِه فَترَّ ُوا ح َّى َأْ ِيَ َّ ُ َِم ِ ِ‬
                         ‫ن‬                  ‫ث‬                    ‫قن‬             ‫ْ‬        ‫والل ُ ي ْ‬
  ‫َّه ال َهدِي القَومَ الفَاسِ ِي َ [التوبة:47]، ((ثال ٌ من كن فيه وجد به ّ حالوة اإليمان: أن يكون‬
                 ‫اهلل ورسوله أحب إليه مما سواهما...)) روه الشيخان، ألم تقل لنا يا أحب س‬
‫َّ النا ِ: ((ال يؤمن أحدكم‬
             ‫ي‬            ‫ب‬
     ‫حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))؟! ألم تقل: ((أح ّوا اهلل لما َغذوكم من‬
                                                                                ‫ب‬
                                    ‫نعمه، وأحبوني لح ّ اهلل إياي)) رواه الترمذي وقال: "حسن غريب"؟!‬
                                                                                                          ‫هلل‬
                                                                                           ‫صلى عليكَ ا ُ يا علمَ الْهدى‬
                                                                                                                 ‫ر‬
                                                                                                ‫يا نو ًا أشرقَ ذاتَ مساء‬
                                                                                         ‫يا نبعًا باغت عطشَ الصحرا ِ‬
                                                                                         ‫ء‬
                                                                                                     ‫ق‬
                                                                            ‫فأيقظها خف ُ حياةٍ أنطقَ صمتَ األحشاء‬
                                                                                ‫ر‬                        ‫ال ح‬
                                                                               ‫يا أم ً ك ّل عين الفجرِ فرأرأ مبهو ًا‬
                                                                         ‫ُّ‬         ‫ل يجر ب‬             ‫ر‬
                                                               ‫يبص ُ كيف اللي ُ ُّ ثيا َ الخزيِ يفر بال إبطاء‬
                                                               ‫ن‬                          ‫َ‬        ‫د‬
                                              ‫يا أحم ُ، يا خفقة روحٍ في زمنٍ نسيَ اإلنسا ُ به معنى اإلنسانْ‬
                                                                                          ‫ر لط‬
                                                                   ‫يا نفحةَ عط ٍ تحم ُ ُهرَ الوحيِ إلى كل مكانْ‬
            ‫ل‬            ‫س‬                ‫عم‬       ‫ج أن ظ‬                ‫م‬
 ‫يا رايةَ عدلٍ حينَ أقالَ الظل ُ العدلَ بح ّةَ َّ ال ّلم إذا َّ تساوى فيه النا ُ فقامَ العد ُ بال ميزانْ‬
                                              ‫ء‬                ‫ن‬
                                              ‫صلى عليك اهلل ما صحب الدجى…حادٍ وحّت في الفال وجنا ُ‬
                                                     ‫بك بشر اهلل السماء فزينت…وتضوعت مسكًا بك الغبرا ُ‬
                                                     ‫ء‬
                                                ‫ء‬                            ‫د‬      ‫عج‬
                                                ‫المصلحون أصاب ٌ َمعت ي ًا…هي أنت بل أنت اليد البيضا ُ‬
                                            ‫ب‬               ‫د‬
                                  ‫اللهم صل وسلم على نبيك ورسولك محم ٍ، وعلى آله وصح ِهِ أجمعين.‬
     ‫م‬                                                             ‫نحبه س‬
 ‫هذا هو نبينا ُّ ُ كأنف ِنا، بل فوق أنفسنا، فقد جاء في الصحيح من حديث عبد اهلل بن هشا ٍ قال‬
   ‫عمر: يا رسول اهلل، ألنت أحب إلي من كل شيء إال نفسي، فقال: ((ال والذي نفسي بيده، حتى‬
                             ‫ب ي‬
    ‫أكون أحب إليك من نفسك))، فقال عمر: فأنت اآلن واهلل أح ّ إل ّ من نفسي، فقال: ((اآلن يا‬
                                                                                        ‫عمر)).‬
                      ‫م‬                                                               ‫ي‬
‫هذا هو نبّنا الذي تطاول عليه األرذلونَ جهالً أو حماقةً أو صلفًا. أنا أعل ُ أن الغيظ اآلن يغلي في‬
                                               ‫ر‬     ‫م ن‬
   ‫قلوبكم كما يغلي في قلبي، وأعل ُ أ ّ شعو ًا حارقًا يجري في أوردتكم كما يجري في أوردتي،‬
    ‫وأعل ُ كذلك مقدار الوجعِ الذي ينطوي عليه كل قل ِ صاد ٍ منكم، أعل ُ ذلك ألنني أعل ُ مكان َ‬
    ‫ة‬      ‫م‬               ‫م‬           ‫ق‬     ‫ب‬                                         ‫م‬
      ‫ِّ في قلوبكم، لكنني سأطل ُ منكم مكرهًا أن تضعوا هذه المشاعر كلها في ثالجةٍ لبع ِ‬
      ‫ض‬                                                     ‫ب‬                       ‫النبي‬
        ‫ال‬
‫الوقتِ، لبعضِ الوقتِ فقط، واعذروني على هذا الطلبِ المجنونِ، فقد بدأت الحديثَ ذاه ً، وسأبقى‬
        ‫ر‬                                                      ‫َ‬       ‫د‬      ‫ال‬
      ‫فيما يبدو ذاه ً. أري ُ أن نفيق قليالً من هولِ الصدمةِ ـ وما أهولها ـ لندرسَ بعض آثا ِها‬
                                                                                      ‫س‬
                                                                          ‫ونقتب َ بعضَ عبرها.‬
                            ‫ق‬                                                ‫ل‬         ‫ُ‬
   ‫هل سمعتمْ من قب ُ عن قانون "معاداة السامية"؟! إنه القانون الذي و ّعه بوش قبل انتخابه الثاني‬
            ‫ية‬              ‫ط‬        ‫ع‬                 ‫ي‬                  ‫ط‬
  ‫عام 4007م بضغ ٍ من اللوبي اليهود ّ، ويقضي بوجوب من ِ كل نشا ٍ معادٍ للسام ّ ِ، والسامية‬
             ‫ة‬           ‫ح ل‬                      ‫ب‬                               ‫د‬
    ‫هنا اليهو ُ أو الصهيونية أو إسرائيل. بموج ِ هذا القانون تصب ُ الدو ُ كلها ملزم ً برصدِ أي‬
      ‫ن‬                               ‫ب‬           ‫م‬                                   ‫م‬
   ‫نشاطٍ تش ّ منه رائحة المعاداة للسامية، ومن ث ّ تقديم صاح ِهِ للعدالةِ لينال جزاءه، وسيكو ُ من‬
           ‫معايير الواليات المتحدة في تعاملها مع دول العالم مدى التزامها بهذا القانون الغريب.‬
                        ‫ي‬
              ‫وبالمختصر المفيد تتحول أمريكا بموجب هذا القانون إلى شرطي عالم ّ إلسرائيل.‬
                                                                     ‫ص‬
 ‫وأقرأ عليكم هذا الن ّ من تقرير معاداة السامية المنشور في الموقع الرسمي للخارجية األمريكية‬
                                   ‫ب‬
  ‫بقليل من التصرف في عبارة الترجمة: "الالسامية هي ُغض اليهود كأفراد أو كمجموعة، بشكل‬
     ‫يمكن عزوه إلى بغض الديانة اليهودية أو اإلثنية اليهودية... فتصوير إسرائيل على أنها شبه‬
                                                   ‫ي‬                          ‫ط‬
 ‫شيطان والح ّ من قدر الزعماء اإلسرائيل ّين وتشويه سمعتهم أحيانًا من خالل مقارنتهم بالزعماء‬
      ‫النازيين ومن خالل استخدام الرموز النازية لتصويرهم بشكل كاريكاتوري يشير إلى وجود‬
                                 ‫ل‬                                                ‫ص‬
            ‫تع ّب ضد السامية ال إلى انتقاد صحيح مشروع لسياسة تتعّق بقضية مثيرة للجدل".‬
                                                       ‫ة‬                 ‫ب‬
      ‫هل فغرتم أفواهكم عج ًا؟! افغروها زياد ً وأنتم تقرؤون الفقرة التالية من التقرير عن معاداة‬
                                    ‫ر‬                       ‫ن‬
‫السامية في المملكة بلدِ الحرمي ِ: "كانت هناك حوادث متك ّرة قام فيها الخطباء في الجوامع الذين‬
  ‫تدفع الحكومة مرتباتهم باستخدام عبارات شديدة المعاداة لليهود في خطبهم، وفي حين أن وتيرة‬
      ‫تكرر هذه التعابير تقلصت منذ هجمات أيار مايو 3007م في الرياض، إال أنه استمر وقوع‬
       ‫ك‬
      ‫حوادث ابتهل فيها خطباء الجوامع من أجل موت اليهود، بما في ذلك الجامع الكبير في م ّة‬
                                                   ‫المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة".‬
                                                                               ‫ن م ن‬
‫حس ًا أعل ُ يقي ًا أن هذا القانون سارٍ تمامًا في الدانمارك والنرويجِ وفي أوروبا كلها دون أن يكون‬
          ‫في تطبيقه تأثير على حرية التعبير التي ال تتدخل فيها الحكومة كما قال رئيس الوزراء‬
                                    ‫ي‬                    ‫ج‬
                                ‫الدانماركي جوابًا على احتجاجات المحت ّين على اإلساءةِ لنب ّنا .‬
                ‫ة‬                                     ‫د‬                              ‫د‬
   ‫مزي ًا من الدهشةِ أيها السادة، أعو ُ بكم إلى الوراء، إلى أكثر من ستين سن ً مضت حين حاول‬
      ‫ن‬                                 ‫د‬       ‫ي‬                  ‫ة‬           ‫ٌّ‬    ‫خ‬
‫مؤر ٌ وصحفي بكل حيادي ٍ مهنية وأدبٍ خطاب ّ أن يق ّما للعالم الدليل الواضح على بطال ِ خرافة‬
        ‫لي‬                                                           ‫د‬        ‫ي‬
    ‫المحرقة الناز ّة لليهو ِ. ما الذي حصل لهما؟! أما األول فقد اختفى كتابه واختفى هو كّ ّا من‬
                    ‫ر‬            ‫ُر ر ض‬            ‫ر‬             ‫حي‬
      ‫الحياة العامةِ ودفنه النسيان ًّا، وأما اآلخ ُ فقد ج َّ ج ًا و ُرب ضربًا مب ّحًا وهو يتناول‬
                                                       ‫إفطاره في أحدِ المطاعم الشهيرة في لندن.‬
                  ‫يت‬              ‫ن‬                                         ‫ك ب ل‬
 ‫وأوش َ حز ٌ كام ٌ أن يخرج من الحياة السياسية األلمانية أل ّه قبل في عضو ّ ِهِ رجالً قال: "إن‬
                                                                            ‫ت‬
‫األساليب التي يّبعها الجيش اإلسرائيلي في األراضي الفلسطينية المحتلة تشبه األساليب النازية ".‬
   ‫به‬                ‫أما رئيس الحزبِ المسكينِ فقد خسر كل فرصةٍ له في تولي منص ٍ وزاري‬
  ‫ٍّ حتى لو فاز حز ُ ُ.‬    ‫ب‬
                                       ‫ُ‬                       ‫ك‬             ‫ب‬
‫ويكت ُ جارودي المف ّر الفرنسي المسلم المشهور في صدرِ كتابه عن أساطير إسرائيل (ص35):‬
    ‫"بعدما يربو على نصف قرن صدرت خالله مؤلفاتي عن كبريات دور النشر الفرنسية أجدني‬
                                                                                ‫ر‬
 ‫مضط ّا اليوم ألن أصدر هذا الكتاب على نفقتي ألنني أقدمت على انتهاك حرمة أحد المقدسات،‬
                                                              ‫أال وهو انتقاد السياسة اإلسرائيلية".‬
                                                     ‫أشد‬
   ‫وبعد هذا كله لن تتعجب إذا علمتَ أن َّ األوروبيين عداوةً لطغيانِ إسرائيلَ وفي أكثر الدول‬
        ‫ِ‬                               ‫ب‬     ‫ن‬                     ‫الغربية ديمقراطية ُضطر‬
       ‫ُّ ألن يالمس بشفتيه أذ َ صاح ِهِ إذا أراد أن يبوح ببعض أفكارِه.‬ ‫ي‬
             ‫ي‬      ‫ٍ‬                            ‫د‬                   ‫د‬             ‫ذ‬
 ‫هكذا إ ًا أفلح اليهو ُ في جعل رموزهم ومق ّساتهم وحتى أساطيرهم تحت حماية عالم ّةٍ رهيبةٍ ال‬
                                            ‫د‬                               ‫س‬
                                          ‫يجرؤ أحد على م ّها إال بعد تفكير طويل، طويلٍ ج ًا.‬
                                             ‫ة‬
  ‫سامحوني إذا أثقلت عليكم باألسماء األعجمي ِ والحكايات وخرجت بكم عن نفس الخطبة المعتاد،‬
                     ‫ل‬                ‫د‬                                 ‫ُ أجن‬
  ‫ولكنني فعالً أكاد ُّ من هذه الهيبةِ التي فرضها اليهو ُ لهم ولكل ما يتعّق بهم، على حين أننا‬
                       ‫د‬                ‫د‬          ‫ن‬                                 ‫ن‬
   ‫اليوم نئ ّ من الطعنِ في أشرفِ البشرِ أجمعي َ، وال يكا ُ يستمع إلينا أح ٌ؛ لذلك قلت لكم: لنضع‬
                                               ‫م‬                 ‫ٍ‬
                                              ‫مشاعرنا بعض الوقت في ثالجة في محاولةٍ للفه ِ.‬
                 ‫د ل‬                              ‫أن‬         ‫ر‬                   ‫د‬         ‫إن‬
    ‫َّ ما يزدا ُ عندي رسوخًا على م ّ األيامِ َّ القوةَ هي التي صنعتْ لليهو ِ ك ّ هذا. وحتى ال‬
             ‫ي‬                             ‫يج يز‬                            ‫ن‬      ‫رح‬
  ‫يطير بها ف ِ ٌ عجال ُ يبغي الوقعيةَ أو مته ّ ٌ متم ّ ٌ غيظًا يبغي اإلذن بالفتكِ أب ّن أن مقصودي‬
                                 ‫ة‬
                                ‫بالقوةِ هنا القوة الشاملة: الحضورَ العالمي الفاعل، صناعةَ الحيا ِ.‬
            ‫د‬                   ‫قط‬                       ‫د‬                           ‫م‬
  ‫دائمًا نته ُ أمريكا بأنها تقف مع اليهو ِ، لكننا لم نسأل أنفسنا ُّ: كيف استطاع اليهو ُ أن يجعلوا‬
           ‫ر‬                                                        ‫و‬
    ‫أمريكا تقف معهم؟ كيف ح ّلوا هذا الوحش الجبارَ ليكون أداة طيعةً في أيديهم؟ هنا س ّ اللعبة‬
                                                                      ‫ح‬           ‫أ‬
                                                                     ‫اليهوديةِ التي ُديرتْ بنجا ٍ.‬
                                 ‫م‬         ‫ة‬         ‫ة‬                         ‫د‬
  ‫استطاعَ اليهو ُ أن يمسكوا بزمامِ التجار ِ والصناع ِ واإلعال ِ والسياسةِ فصنعوا ما صنعوا، ولو‬
                  ‫ء‬                                                                     ‫ُ‬
 ‫ذهبت أحدثكم هنا عن نفوذ اليهودِ في هذه المجاالت وما يمتلكونه ألمسى المسا ُ وما انتهينا. لقد‬
       ‫م‬                                              ‫ة ط‬                      ‫د‬
   ‫خرج اليهو ُ بعد الحرب العالمي ِ مح ّمين منبوذين مكسورين، ولكنهم واجهوا واقعهم، تح ّلوا،‬
                                                                        ‫ر‬        ‫ت‬
                                                   ‫صبروا، تشّتوا، تم ّسوا، فصنعوا ما صنعوا.‬
            ‫ك‬        ‫د مٍ‬                      ‫ة‬                                   ‫ج‬
‫أ ِل بصرك اآلن في الواقع الحضاري لعأم ِ ماذا ترى؟ كيف نري ُ أل ّة ال تمس ُ بأي مفصل من‬
     ‫يحل‬        ‫د‬
     ‫مفاصل الحضارةِ أن تفرض احترامها على اآلخرين؟! صدقوني، حتى الجها ُ وحده لن َّ‬
      ‫ء‬                          ‫المشكلةَ، أن يتناثر شهداؤنا في ك ّ أرضٍ بعد إثخانٍ في العدو‬
 ‫ِّ ال يعني أننا ربحنا كل شي ٍ، وإن‬                       ‫ل‬
                                                                                         ‫ء‬             ‫ن‬
                                                                                        ‫ك ّا ربحنا أشيا ً.‬
   ‫ُ م‬                 ‫ت‬                           ‫ة م‬                   ‫و‬       ‫ض‬
   ‫إننا نخو ُ مع عد ّنا معركة الحيا ِ تما ًا كما نخوض معه معركةَ المو ِ، وحينما يتناسق نغ ُ‬
    ‫ر‬     ‫م‬                            ‫ع‬       ‫ة‬
   ‫صناعِ الموتِ الكريم مع نغم صناعِ الحياةِ الكريم ِ نستطي ُ أن نقولَ: ال، فيلتفت العال ُ مضط ًا‬
                                                                              ‫باحثًا عن سبيلٍ إلرضائنا.‬
         ‫امتد‬           ‫جب علي‬       ‫ت‬                   ‫ل‬       ‫ب‬               ‫ُ‬
      ‫هذا أول درسٍ عميقٍ يج ُ أن نتعّمه مما جرى، وبنهاي ِهِ يتو ّ ُ َّ أن أقفَ فقد َّ بي‬
                                                                                                  ‫ث‬
                                                                                                 ‫الحدي ُ.‬
 ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                  ‫الرحيم.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
       ‫أيها األحب ُ، رغ َ كل ما أسلف ُ إال أنني أبشركم ببشارةٍ ربان ّ ٍ كريمة: إ َّ شَا ِئَكَ ُوَ األَبْت ُ‬
       ‫َر‬          ‫ِن ن ه‬                  ‫ية‬                               ‫ت‬            ‫م‬     ‫ة‬
‫[الكوثر:3]. قال ابن كثير: "أي: إن مبغضك ـ يا محمد ـ ومبغض ما جئت به من الهدى والحق‬
                                           ‫والبرهان الساطع والنور المبين هو األقل األذل المنقطع".‬
          ‫إن‬                                                               ‫ة‬              ‫ة‬
     ‫إنها شهاد ُ حمايةٍ رباني ٍ، وانتقام من اهلل لكل من آذى نبيه ، قال ابن تيمية رحمه اهلل: " َّ اهلل‬
                                        ‫َب م ِر ِد نه ل ذ‬                                    ‫م‬
   ‫منتق ٌ لرسوله ممن طعن عليه وس َّه، و ُظْه ٌ ل ِي ِ ِ وِكَ ِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا‬
 ‫ت‬        ‫عم ر‬                        ‫ُد‬                ‫د‬            ‫َد‬                 ‫د‬
 ‫عليه الح ّ. ونظير هذا ما ح َّثَنَاه أعدا ٌ من المسلمين الع ُول أهل الفقه والخبرة َّا ج ّبوه مرا ٍ‬
                                                                          ‫ٍ ح ْ‬
       ‫متعددة في َصرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني‬
‫ع‬                                                ‫ُر ح‬
‫األصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نَحْص ُ ال ِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتن ٌ‬
        ‫ض َج‬                                 ‫له ل َب‬      ‫ر‬
‫علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تع ّض أهُ ُ ِس ِّ رسولِ اهلل والوقيعةِ في عر ِه تَع َّلنا فتحه‬
                                                                        ‫خ‬               ‫َس‬
   ‫وتي َّر، ولم يكد يتأ ّر إال يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة‬
  ‫ظ‬                                                          ‫َر‬
 ‫عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لَنَتَبَاش ُ بتعجيل الفتحِ إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتالء القلوب غي ًا‬
                                     ‫ة‬
  ‫عليهم بما قالوا فيه. وقد شاهدنا أثر هذه الحمايةِ الرباني ِ في السيرة النبوية، ففي الصحيحين عن‬
   ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((أال ترون كيف َصر ُ اهلل ِّي شَتمَ قري ٍ‬
   ‫ش‬       ‫ي ْ ِف عن ْ‬            ‫َ‬
                ‫ت‬        ‫م‬          ‫َز‬       ‫مح َّد‬          ‫م َم‬              ‫م َم‬
‫ولعنَهم؟! يشتمون ُذ َّمًا، ويلعنون ُذ َّمًا، وأنا ُ َم ٌ)). فن َّه اهلل اس َه ونَعْ َه عن األذى، وصرف‬
                                                                             ‫م َم‬
                                           ‫ذلك إلى من هو ُذ َّم، وإن كان المؤذِي إنما قصد عينه".‬
          ‫ة‬                   ‫ال‬             ‫تمت ي‬
      ‫ومن شاهد الرسوم المقصودةَ أدرك أنها ال ُّ لنب ّنا بشيء ال شك ً وال سمتًا وال هيئ ً وال‬
                                                             ‫لمذم‬                        ‫ز‬
                                   ‫رم ًا، فكان ذلك كشتم المشركين َّمٍ، أذًى أصابَ غير المراد.‬
                          ‫ء‬        ‫أيها األحب ُ، لس ُ متو ّهًا هنا إلى التفصيل في بيانِ عظمةِ النبي‬
  ‫ِّ وانتفا ِ تلك التهم الحقيرةِ عنه؛‬                                      ‫ة ت ج‬
     ‫د‬             ‫يته‬         ‫ته‬                         ‫ي‬
    ‫ألنني أخاطب مسلمين يعرفون قدر نبّهم ، ويدركون جوانبَ عظم ِ ِ وإنسانّ ِ ِ، ويفهمون جي ًا‬
               ‫ل‬               ‫ر‬
   ‫مقدار ما أحدثه عليه الصالة والسالم في حياة البشرية من تغيي ٍ، ولكنني أتساء ُ: إلى أي مدى‬
                                                                        ‫ي‬
                                                         ‫أفلحنا في نقل هذه الصورةِ العظيمة لنب ّنا إلى العالم؟!‬
    ‫ق‬      ‫ي‬                        ‫د‬                     ‫ر‬         ‫ت ن‬
‫إنني رغم كل ما أسلف ُ أوم ُ أن البش َ ال يكونون شيئًا واح ًا، وأن هذا المزيج البشر ّ المع ّد في‬
  ‫ي رج َي م‬                                   ‫ل‬          ‫ن‬
‫الدانمارك وغيرها من دول العالم ال يمك ُ أن يكون كّه مطبقًا على تعمد اإلساءة، ُخْ ِ ُ الْح َّ ِنْ‬
                       ‫الْم ِّتِ َ ُخْ ِ ُ الْم ِّتَ ِنْ الْح ِّ [يونس:53]. ال ش ّ أن هناك عقو ً مضل‬
    ‫َّلة تحتاج فقط إلى من‬  ‫ال‬            ‫ك‬                 ‫َي‬        ‫َي وي رج َي م‬
                                                                                                                       ‫ّر‬
                                                                                                                    ‫يبص ُها.‬
        ‫و ً‬                   ‫ي‬               ‫ء‬
    ‫ومشكلتنا أننا لم نكن في كثير من األحيانِ سفرا َ خير لديننا ونبّنا، حملنا صورةً مش ّهة عبر‬
                                  ‫ر‬                          ‫ي‬
‫مسلكَين متباينَين: مسلك الشهوانّين الذين ال يرى منهم اآلخ ُ إال العربدةَ والفجور والكذب والغش‬
   ‫ل‬                                         ‫ر‬
   ‫والخداع، ومسلك المغالين الذين ال يرى منهم اآلخ ُ إال التفجير والتدمير والترويع أو على أق ّ‬
            ‫ة‬              ‫ن‬          ‫ب‬
    ‫تقدير العبوس المطلق والفظاظة. وبين هذين خسرنا قلو ًا كان يمك ُ أن تكون مسلم ً، أو على‬
                                                                                                    ‫م‬
                                                                                                   ‫األقل نصيرةً لإلسال ِ.‬
     ‫ُب َذ ن َ ع ن م د الل ِ في ُب‬
   ‫فهل نجدد هنا النظر بشيء من التأمل لقوله تعالى: وال تَس ُّوا ال ِي َ يدْ ُو َ ِن ُونِ َّه َ َس ُّوا‬
     ‫َّهَ عدْ ًا ِغَيْرِ ِلمٍ كذَلِكَ َي َّا ِك ِّ أ َّةٍ َ َلَهمْ ث َّ إلَى ر ِّ ِم مرْ ِ ُهم فَ ُنُِّ ُم ِ َا كَا ُوا َعْ َُو َ‬
     ‫َبه َّ جع ُ ْ ي َبئه بم ن ي مل ن‬                          ‫الل َ و ب ع ْ َ ز َّن ل ُل ُم عم ُ ُم‬
                                                                                                           ‫[األنعام:805]؟!‬
           ‫ث‬                     ‫م‬                        ‫ة‬             ‫ٌ‬
   ‫أرجو أن ال يسردَ لي أحد قائمةً طويل ً بجرائم اآلخر، فنحن نعل ُها جميعًا، لكننا نبح ُ هنا عما‬
                                                             ‫ب‬
‫يجب أن نفعله نحن، ال عما يج ُ أن يفعله غيرنا. وما دمنا في سياق الواجب الذاتي فلنختم حديثنا‬
                                                                              ‫بتركيز معانيه، ما واجبك أيها المسلم؟‬
                                                        ‫ن ت‬              ‫ي‬             ‫م‬
                                                       ‫أوال: التحرق والتأل ُ لما أصاب نب ّك من عدوا ٍ مقي ٍ.‬
                                                                                ‫ن‬                      ‫ء‬
                                                                               ‫ثانيا: الدعا ُ على الظالمين المعتدي َ.‬
     ‫ثالثا: اإلسهام في تحريك القضي ِ بكتابة في صحيفة أو موق ٍ، أو بنشر رسالة جوا ٍ، أو بإلقا ِ‬
     ‫ء‬           ‫ل‬                    ‫ع‬                 ‫ٍ‬      ‫ة‬                ‫ُ‬
 ‫ن‬                                                                         ‫ع‬        ‫ٍ‬
‫كلمة في جام ٍ أو مجلسٍ خاص أو عام، أو على األقل بتحديث أوالدكَ بما فعله أولئك المجرمو َ.‬
                    ‫ب ي‬
   ‫رابعًا: اغتنام الفرصةِ لتربيةِ األبناء والتالميذ بل والمجتمع على ح ّ النب ّ ، وتذكر كيفية حب‬
                                                           ‫الصحابة له وافتدائهم إياه بأرواحهم رضي اهلل عنه.‬
                            ‫ت‬        ‫ُه‬                            ‫ة‬        ‫ة‬
      ‫خامسًا: المقاطع ُ، ببساط ٍ شديدةٍ اترك كل شيء يسعك ترك ُ مما أن ِج في ذينك البلدينِ حتى‬
      ‫ي‬                              ‫ٌّ‬    ‫ي م د‬                    ‫يعتذرا، ولك سند شرعي‬
  ‫ٌّ من فعل النب ّ ، ث ّ سن ٌ سياسي من فعل منظمة المؤتمر اإلسالم ّ. لن‬   ‫ٌ‬
                     ‫ف‬      ‫ل ج‬                                    ‫ت‬             ‫ئ‬     ‫م‬
‫أس ّي شي ًا من المنتجا ِ خشية الخطأ، ولكن بلد المنشأ لك ّ منت ٍ معرو ٌ. احتسب ما وسعك واهلل‬
                                                                                                                      ‫يأجرك.‬
                                                                            ‫ُ‬
     ‫سادسًا: االجتهاد في مراسلةِ الخارجية الدانماركية والنرويجية والجهات المسؤولة في االتحاد‬
     ‫ة‬       ‫ق‬                          ‫د‬
     ‫األوروبي، وكذا الصحافة الدانماركية والنرويجية، وستج ُ عبر الشبكة العنكبوتية طر ًا عديد ً‬
                                                                                                                         ‫لذلك.‬
                ‫ع م‬                                   ‫لُ‬       ‫أقل‬
   ‫وسامحوني على اإلطالة، لكن ُّ ما نفعُه دفاعًا عن نبينا أن نتكلم ونسم َ، وأ َلي أن ال يكون‬
                                                                                                        ‫ف‬
                                                                                                       ‫هذا نهاية المطا ِ.‬
‫(5/6764)‬




                                                                                       ‫من وحي الهجرة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫اإليمان, سيرة وتاريخ‬
                                                                        ‫اإليمان بالرسل, السيرة النبوية‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                ‫أسامة بن عبد اهلل خياط‬
                                                                                            ‫مكة المكرمة‬
                                                                                         ‫27/75/6745‬
                                                                                          ‫المسجد الحرام‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
                                                                          ‫م‬
 ‫5- ضرورة تأ ّل األحداث التاريخية الكبرى واالعتبار بها. 7- الهجرة النبوية من أعظم أحداث‬
      ‫التاريخ. 3- من فوائد الهجرة النبوية. 4- ضرورة أخذ الدروس والعبر من الهجرة النبوية‬
                   ‫المباركة. 1- استنكار ما وقع من االستهزاء بالنبي في بعض الصحف الغربية.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
    ‫ل‬                ‫ذن‬               ‫ّ‬   ‫د أن‬               ‫ك‬              ‫ت‬                          ‫م‬
    ‫أ ّا بعد: فيَا عبادَ اهلل، ا ّقوا اهلل، واذ ُروا على ال ّوامِ َّ تصرمَ األعوام مؤ ِ ٌ بانقضاءِ اآلجا ِ‬
                       ‫ث‬        ‫ر ن‬             ‫ن‬      ‫ي‬                  ‫ك‬          ‫ر‬
        ‫واقترابِ ال ّحيل، فلَي ُن لكم في مرورِ األّام حس ُ االعتبا ِ، فإ ّه الباع ُ على انتهاج نهج‬
                                                            ‫و‬
                 ‫المراجعة والمحاسبة إلقامة العِ َج وتدارك الفارط وميول الغاية من رضوان اهلل.‬
           ‫ر‬      ‫عب‬           ‫ر‬      ‫م‬                                ‫د‬       ‫إن‬             ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، َّ الحوا ِثَ والوقائع الكبرى في حياةِ األ َم مصد ٌ حافل بال ِ َر زاخ ٌ بالمعاني‬
 ‫ق‬                                 ‫ن‬       ‫ت متأم‬                                    ‫ي‬
 ‫غن ّ بالعظات؛ ولذا كان الوقوف عندَها وقفا ٍ ِّلة ديد َ أولي األلباب وسبيل األيقاظ وطري َ‬
              ‫ن‬                   ‫ص‬
   ‫الصفوة من عباد اهلل، الذين يبتغون بذلك الوسيلةَ إلى استخال ِ تلك العِبر والمعا ِي والعِظات؛‬
     ‫ن م الز م ة‬                                                              ‫ً تبي‬
  ‫أمال في ُّن أوضحِ المسالك للوصول إلى الغاية وبلوغ المنزل في مأم ٍ ِنَ َّلل و َنجا ٍ من‬
 ‫ب‬        ‫فإن م‬           ‫ر‬     ‫ر‬             ‫العِثار. وإذا كانت هذه الوقائع تسمو بسمو‬
 ‫ِّ موضوعها وتش ُف بش َف صانعيها َّ م ّا ال ري َ‬
                       ‫لتعل‬                                                     ‫ن‬
  ‫فيه أ ّ الهجرة النبوية المباركة هي في الطليعة من هذه الحوادث؛ ُّقها بأسمى رسالة وأشرف‬
                                                                                                  ‫رسول.‬
               ‫ح‬               ‫ب‬         ‫م د‬
 ‫وال غروَ أن كان في أخبار الهجرة وذكرياتها ِن ال ّروس والع َر ما ال يكاد ي ِيط به الحصر أو‬
       ‫ِّد‬    ‫ب‬             ‫ع‬     ‫س‬                     ‫ّبي‬                      ‫ع ب‬
 ‫يستو ِبه َيان، ففي خروجِ هذا الن ِّ الكريم صلوات اهلل و َالمه َليه ومعه صاح ُه الص ّيق أبو‬
                 ‫الطي‬         ‫م‬        ‫ح‬      ‫ر‬        ‫جر م ه حم‬                             ‫ر‬
 ‫بك ٍ رضي اهلل عنه مها ِ َيْن ِن َذا ال ِ َى المبا َك وال َرمِ اآل ِن والبلدةِ ِّبة التي قال عنها‬
 ‫د‬                           ‫ت ي‬                        ‫ج‬                           ‫ب‬
 ‫صاح ُ الهجرة في الحديث الذي أخر َه أحمد في مسندِه وال ّرمذ ّ وابن ماجه في سننهما بإسنا ٍ‬
                        ‫و‬            ‫ت‬           ‫ز ي ن‬                 ‫عي‬
               ‫صحيح عن عبد اهلل بن َد ّ بن حمراء ال ّهر ّ أ ّه قال: رأي ُ رسولَ اهلل َاقفًا على‬
 ‫أن أ ر ت‬           ‫هلل‬               ‫الحزْورَة(5)[5] يقول: (( َاهلل، َّك لخي ُ أرضِ ا ِ وأحب‬
 ‫ُّ أرضِ اهلل إلى ا ِ، ولوال ِّي ُخ ِج ُ‬   ‫هلل‬      ‫ر‬      ‫و إن‬                        ‫َ َ‬
             ‫د‬                ‫ج ت ي‬                  ‫ض‬                       ‫ت‬        ‫مك‬
‫ِن ِ ما خرج ُ))(7)[7]، وقال عنها أي ًا فيما أخر َه ال ّرمذ ّ في جامعه بإسنا ٍ صحيحٍ عن عبد‬
      ‫اهلل بن ع ّاس رضي اهلل عنهما أ ّه قال: قالَ رَسول اهلل لم ّةَ: ((ما أط َبَك ِن بل ٍ وأحب إلي‬
     ‫َّك َّ،‬   ‫ي م د‬                   ‫ك‬                          ‫ن‬                    ‫ب‬
         ‫س‬       ‫م م‬       ‫ج‬                 ‫ك‬     ‫مك س ت‬                 ‫أن م‬
        ‫ولوالَ َّ قو ِي أخرجوني ِن ِ ما َكن ُ غير ِ))(3)[3]، في خرو ِه هذا ِن َسقط رأ ِه‬
            ‫م أشد ع‬                        ‫م‬              ‫ب‬        ‫الص‬
     ‫الشريف وفيه مراتِع ِّبا ومرا ِع الشباب، وفي ُفارقة الوطنِ التي هي ِن ِّ ال ُسر الذي‬
   ‫ن‬           ‫ة‬                    ‫ق‬             ‫رض رب‬         ‫ٌ‬          ‫ل‬         ‫ل م‬
 ‫يتكّفه ال َرء، في ك ّ ذلكَ إيثار منه ل ِ َا ِّه وطاعةِ خال ِه ومواله، وفيه رعاي ٌ لمصلحة دي ِه،‬
‫س‬              ‫الد ة‬         ‫م‬                    ‫ه‬           ‫ات ِ‬              ‫ت‬        ‫ر‬
‫وفيه نش ٌ لعَقيد ِه بالعمل على ِّساع دائرةِ ال ِداية وإزالة العقبات ِن طريقِ َّعو ِ؛ ليكونَ للنا ِ‬
    ‫ي م وم‬                ‫َق م رب ُ م‬              ‫َق‬                                     ‫ية‬                ‫حق‬
   ‫ُّ االختيَار وحر ّ ُ القرار، امتثاالً لقولِ اهلل تعالى: و ُلِ الْح ُّ ِن َّّكمْ فَ َن شَاء فَلْ ُؤْ ِن َ َن‬
   ‫شَاء فَلْ َكْفرْ اآلية [الكهف:97]، وفي هذا رسال ٌ واضحة من صاحب الهجرة إلى الناس كا ّةً َّ‬
   ‫ف أن‬                                     ‫ة‬                                  ‫ي ُ‬
      ‫ألن‬             ‫ن‬              ‫وأن‬    ‫الد‬    ‫م‬             ‫وأن‬
‫العقيدةَ أغلى منَ األرض، َّ التوحيدَ أس َى من ِّيار، َّ اإليمانَ أثم ُ منَ األوطان؛ َّه قوام‬
                       ‫ب‬                                        ‫ب ت‬             ‫د‬
 ‫الحياة وعما ُها، به تطي ُ و َزكو وتعلو وتسمو، وفي رحابه يعبد المرء ر ّه تلك العبادةَ التي هي‬
  ‫أر د م ُ‬           ‫ت ِن و إل ِال لي ُد‬                       ‫و‬
‫المقصود من خلق الثقلين كما قال عز من قائل: َمَا خَلَقْ ُ الْج َّ َا ِنسَ إ َّ ِ َعْب ُونِ مَا ُ ِي ُ ِنْهمْ‬
                              ‫م ْ ِ و ُر د ي عم ِن الل ه َّز ق ذ ُو مت ن‬
            ‫ِن رزْقٍ َمَا أ ِي ُ أَنْ ُطْ ِ ُونِ إ َّ َّهَ ُوَ الر َّا ُ ُو الْق َّةِ الْ َ ِي ُ [الذاريات:61-81].‬
                                          ‫ب‬                     ‫ر‬       ‫ب د‬             ‫ظ‬
       ‫وحينَ ع ُم الخَط ُ وأَح َق الخط ُ ببلوغِ المشركين بَا َ الغارِ الذِي كانَ فيه النبي وصاحبه‬
    ‫رضي اهلل عنه قال أبو بكر رضي اهلل عنه: واهلل يا َسولَ اهلل، لو َّ أح َهم نظرَ إلى موض ِ‬
    ‫ع‬                ‫أن د‬                 ‫ر‬
 ‫ت‬                            ‫نعلَيه لرآنا، فقال رسول اهلل قَول َه تلك التي تأخ ُ بمجام ِ القلوبِ وتصو‬
‫ِّر اإليمانَ في أَرفعِ مَقاما ِه‬           ‫ع‬       ‫ذ‬               ‫ت‬
                       ‫َ‬                  ‫هلل ث‬            ‫م ظنك‬      ‫ب‬       ‫ي‬      ‫م د ت‬
  ‫وأس َى َرجَا ِه: (( َا أبَا َكر، َا ُّ َ باثنَين ا ُ ثالُهما؟!))(4)[4]، وأنزلَ سبحانَه مصداقَ ذلك‬
  ‫ِ هم‬                ‫َ ه الله ِ ْ جه َّذ ن ر ن‬                            ‫ِال ُر ُ َ‬                      ‫الت‬    ‫م‬
 ‫في َعرضِ َّذكيرِ باآلالء: إ َّ تَنص ُوه فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ إذْ أَخرَ َ ُ ال ِي َ كَفَ ُواْ ثَا ِيَ اثْنَيْنِ إذْ ُ َا‬
     ‫ز الله سك ه ع ه و َّ ه بجن َّ َر ه‬                                 ‫ْز ِن الل مع‬                ‫ف غ ِ ق ل ل حب‬
    ‫ِى الْ َارِ إذْ يَ ُو ُ ِصَا ِ ِهِ الَ تَح َنْ إ َّ َّهَ َ َنَا فَأَن َلَ َّ ُ َ ِينَتَ ُ َلَيْ ِ َأَيدَ ُ ِ ُ ُودٍ لمْ ت َوْ َا‬
                              ‫جع لم َّذ ن ر الس و لمة الل ه ع ي َالله َ ز حك م‬
                 ‫وَ َ َلَ كَِ َةَ ال ِي َ كَفَ ُواْ ُّفْلَى َكَِ َ ُ َّهِ ِىَ الْ ُلْ َا و َّ ُ عزِي ٌ َ ِي ٌ [التوبة:04].‬
   ‫و ن ح‬                                ‫ي وة ف‬             ‫ية‬            ‫د‬       ‫ة‬                ‫وأي ي‬
 ‫ُّ مع ّةٍ ـ أيها اإلخو ُ ـ تَع ِل هذه المع ّ َ؟! وأ ّ ق ّ ٍ تكا ِئ أَو تماثِل هذهِ الق ّة؟! إ ّها ال ِصن‬
 ‫ية ص‬              ‫ن‬       ‫كل ش‬                ‫كل ِدة د‬            ‫د‬        ‫ئ‬       ‫ح ن م كل‬
‫ال َصي ُ ِن ِّ الغوا ِل، والع ّة في ِّ ش ّ ٍ، وال ّرع الواقي من ِّ ال ّرور، إ ّها المع ّ ُ الخا ّة‬
                              ‫س‬         ‫ت‬             ‫ع‬           ‫ت ق حظ ن‬                     ‫ت‬
 ‫بِال ّأييد وال ّوفي ِ وال ِف ِ والّصر؛ ولذا ج َلها اهلل للم ّقين المح ِنين من عباده كما قال عز اسمه:‬
                                                                      ‫َّذ ات و َّذ ُ م سن‬                         ‫ِن الل‬
                                                      ‫إ َّ َّهَ مَعَ ال ِينَ َّقَوْا َال ِينَ همْ ُحْ ِ ُونَ [النحل:875].‬
    ‫ر ذ‬              ‫ك‬      ‫ر ع ز‬             ‫ب‬          ‫ٍّ‬
   ‫وبالجملةِ فإن الهجرة النبوية الشريفةَ كانَت بحق فَتحًا م ِينًا ونَص ًا َزي ًا وتم ِينًا وظهو ًا له َا‬
 ‫ت‬                     ‫ة‬        ‫ل‬                ‫وإن‬               ‫ة ُال ص ر‬              ‫دن‬
 ‫ال ّي ِ، وهزيم ً وذ ًّ و َغا ًا على الكافرين. َّ هذه األمةَ المسِمة خليق ٌ بأَن تأخذَ من ذكريا ِ‬
  ‫طَ د‬             ‫الهجرةِ المددَ الذي ال ين َد وال َعينَ الذي ال َن َب َّا َ الذي ال يفنَى، فتختط‬
  ‫َّ لنفسها خ ّة رش ٍ‬                   ‫ي ض والز د‬              ‫ف م‬
          ‫م‬                                      ‫ج‬                           ‫م‬
    ‫ومناهج سير ومعال َ هداية وسبيل سعادة؛ إذ هيَ َديرة بأن تبعثَ في األمة المسلِمة اليو َ ما قد‬
                       ‫الت‬                      ‫بعثَته فيها باألم ِ ِن روحِ الع َّة وبواعثِ السمو‬
                  ‫ِّ وعواملِ النصر وأسبابِ َّمكين.‬             ‫ِز‬           ‫سم‬
           ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َإذْ َمْك ُ بِكَ ال ِي َ كَفَ ُوا ِ ُثْ ِ ُوكَ أَوْ يَقْ ُُوكَ أَوْ ُخْ ِ ُو َ‬
           ‫ي رج ك‬             ‫تل‬              ‫َّذ ن ر لي بت‬                   ‫وِ ي ُر‬
   ‫وي ُر ن وي ُر الله َالله ْر م كر‬                                    ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِ‬
‫َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاكرِين [األنفال:03]، َ َمْك ُو َ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َا ِ ِين،‬
                                                                      ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِر‬
                                                                   ‫َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِين.‬
                                  ‫ف‬           ‫ه‬              ‫ه ي ب ِسن نبي‬              ‫وإي‬      ‫ن‬
    ‫نفع ِي اهلل َّاكم ب َد ِ كتا ِه وب َّة ِّه ، أقول قولي َذا، وأَستغ ِر اهلل العظيمَ الجليل لي ولَكم‬
                                            ‫ر ر‬              ‫إن‬     ‫ف‬       ‫كل ب‬          ‫ل‬
                                        ‫ولسائرِ المسِمين من ِّ ذن ٍ فاستغ ِروه، َّه هو الغفو ُ ال ّحيم.‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
     ‫ل م‬            ‫س م سي‬                 ‫م‬           ‫ِر ن‬             ‫ن‬           ‫م‬                ‫ن‬
    ‫إ ّ الحمدَ هلل، نح َده ونَستَعيُه ونَستغف ُه، و َعوذ باهللِ ِن شرورِ أنف ِنا و ِن ِّئاتِ أعماِنا، َن‬
                   ‫و د َ‬                                         ‫ه‬      ‫ل‬    ‫م‬       ‫ِل‬               ‫د‬
        ‫يه ِه اهلل فالَ مض َّ له، و َن يضِل فال َاديَ له، وأَشهَد أن الَ إلهَ إال اهلل َح َه ال شريكَ لَه،‬
                    ‫م‬                       ‫ر ل لم ل ل‬                    ‫ن ّد‬
 ‫وأشهَد أ ّ محم ًا عبده و َسوُه، الّه ّ ص ّ وسّم على عبدِك ورسولِك مح ّد، وعلى آله وأصحابه‬
                                                                                                  ‫وأتباعه بإحسان.‬
      ‫ة‬                              ‫ص‬                                 ‫ّ‬                         ‫م‬
      ‫أ ّا بعد: فيَا عبادَ اهلل، إن في العناية بالهجرة وذكرياتها خا ّة وبالسنة والسيرة الشريفة عام ً‬
                                    ‫م‬
   ‫بدوام بيان وتَكرار مدارسةٍ وتوجيه األنظار إلى ما تض ّنته من شريف المعاني وعظيم المواقف‬
              ‫سمو‬                                                          ‫ح‬
  ‫وبديع ال ِكَم وما حفلت به من أكمل هدي وأنفع علم وأوضح طريق يستبين به ُّ هذه الرسالة‬
       ‫ك‬            ‫ن‬                  ‫م‬                          ‫ل‬                 ‫ف‬
    ‫وشر ُ هذا الرسول وجمي ُ مناقبه وجليل شمائله وعظي ُ فضائله وعموم الم ّة على الناس ّافة‬
                        ‫م‬                                             ‫ل‬               ‫ن‬
‫ببعثته، إ ّ في العناية بك ّ ذلك قيامًا ببعض حقوق هذا النبي الكريم على أ ّته التي استنقذها اهلل به‬
    ‫ض‬                               ‫ُ‬
   ‫من الضاللة وأخرجها به من الظلمات إلى النور وهداها به سبلَ السالم، وفي العناية بذلك أي ًا‬
    ‫ة‬                 ‫بيا ٌ مخر ٌ عن إثم الكتمان وتبلي ٌ لرسالة اهلل وذو ٌ عن حياض دينه وذب‬
    ‫ٌّ عن حوزته ومنافح ٌ‬               ‫د‬                 ‫غ‬                      ‫ج‬     ‫ن‬
                      ‫ق‬      ‫ف‬                     ‫ض‬               ‫ع شب‬
    ‫عن شريعته ودف ٌ ل ُ َه المغرضين ودح ٌ لدعاوى الحاقدين وقذ ٌ بالح ّ على باطل الشانئين‬
  ‫س‬                                                                                 ‫ذ‬
 ‫المك ّبين المستهزئين وإسفار عن وجه جمال هذا الدين وكماله ومعالم الرحمة الشاملة التي أر ِل‬
                         ‫و َ س ك إ َّ م ل م‬                                 ‫ز‬            ‫بها هذا النبي ر‬
   ‫ُّ األك َم كما قال ع ّ من قائل: َمَا أرْ َلْنَا َ ِال رَحْ َةً ِلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205] أي:‬
                           ‫ن‬                                                ‫فة‬
‫للناس كا ّ ً، لكن عميَ عن هذا أولئك الذين يسعون اليوم في ال ّيل من شخصه الشريف والقدح في‬
                                                                                  ‫ب‬
   ‫دينه والمس ّة لشريعته والعيب لكتابه الذي نتلو فيه قولَ أصدق القائلين في مقام الوعيد لمن آذى‬
      ‫خ ِن َّذ ي ذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف الد و خ ة و َد ل ُ‬
    ‫رسوله وصفوتَه من َلقه: إ َّ ال ِينَ ُؤْ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ُّنْيَا َاآل ِرَ ِ َأَع َّ َهمْ‬
             ‫و َّذ ن ي ذ َ رس الله ُ َ ب ل م‬                                                  ‫َ مه‬
‫عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21]، وقال عز اسمه: َال ِي َ ُؤْ ُون َ ُولَ َّ ِ لَهمْ عذَا ٌ أَِي ٌ [التوبة:56].‬
     ‫ي‬                                          ‫وف‬                                      ‫ن‬
   ‫وإ ّ مما يشرح الصدورَ ويبعث على السرور ما َّق اهلل إليه حكومةَ هذه البالد المباركة الطّبة‬
 ‫ر‬            ‫ر لنبي‬                 ‫ر د‬          ‫ي‬             ‫ي‬
‫من الوقوف هذا الموقف اإلسالم ّ الحازم القو ّ إظها ًا لش ّة االستياء وانتصا ًا ِّ اهلل وتحذي ًا‬
                                                         ‫من مغ ّةِ التمادي في هذا النهج العدائي‬
        ‫ِّ الخطير، فجزاها اهلل أفضلَ الجزاء، وزادها توفيقًا‬                             ‫ب‬
     ‫ة‬                                    ‫ل‬                   ‫ل‬
‫وبصيرة، وأعانها على ك ّ عمل يرضي اهلل ورسوَه ويفرح به المؤمنون ويكون فيه األسو ُ ألهل‬
                                                                            ‫ل‬
                                                   ‫اإلسالم قاطبةً في ك ّ الديار وفي جميع األمصار.‬
                        ‫ي‬                            ‫ل‬                         ‫ع‬         ‫فات‬
‫أال َّقوا اهلل ِبادَ اهلل، واعملوا على ك ّ ما تكون به العناية بحقوق نبّكم عليكم، وفي الطليعة من‬
          ‫كل‬                    ‫ُّق بأخالقه والتحل‬
      ‫ِّي بشمائله والذود عن ِّ ذلك‬                           ‫ء‬                ‫ك‬
                                                ‫ذلك االستمسا ُ بسنته واالهتدا ُ بهديه والتخل‬
                                                                                   ‫ي‬          ‫ة‬
                                                                          ‫بحكم ٍ وعلم ورو ّة وإخالص.‬
   ‫ت‬                                                               ‫ن‬
‫واذكروا جميعًا على الدوام أ ّ اهلل تعالى قد أمركم بالصالة والسالم على خاتم النبيين وإمام المّقين‬
    ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َيه‬
   ‫ورحمة اهلل للعالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّ َا‬
                                                               ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫َّذ ن من‬
                                             ‫ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                       ‫لم‬             ‫م‬             ‫د‬         ‫ل صل وسل‬
                  ‫الّهم ِّ ِّم على عب ِك ورسولِك مح ّد، وارضَ الّه ّ عن خلفائه األربعة...‬
                                                                                           ‫__________‬
‫(5) قال في معجم البلدان (7/117): "الحزورة بالفتح ثم السكون وفتح الواو وراء وهاء، وهو في‬
 ‫اللغة الرابية الصغيرة، وجمعها حزاور. وقال الدارقطني: كذا صوابه، والمحدثون يفتحون الزاي‬
                                                                              ‫د‬
  ‫ويش ّدون الواو وهو تصحيف. وكانت الحزورة سوق مكة، وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه".‬
     ‫(7) أخرجه أحمد (4/103)، والترمذي في المناقب (1793)، والنسائي في الكبرى (7174،‬
  ‫3174، )، وابن ماجه في المناسك (8053)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح"،‬
‫وصححه ابن خزيمة كما في الفتح، وابن حبان (8023)، والحاكم (0274)، وابن حزم في المحلى‬
‫(2/987)، وابن عبد البر في التمهيد (7/887)، والحافظ في الفتح (3/26)، وهو في صحيح سنن‬
                                                                                        ‫الترمذي (7803).‬
‫(3) أخرجه الترمذي في المناقب (6793)، والطبراني في الكبير (05/267، 027)، والبيهقي في‬
  ‫الشعب (3504)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه ابن‬
                       ‫حبان (9023)، والحاكم (2825)، وهو في صحيح سنن الترمذي (3803).‬
  ‫(4) أخرجه البخاري في المناقب (3163)، ومسلم في فضائل الصحابة (5837) من حديث أبي‬
                                                                                      ‫بكر رضي اهلل عنه.‬

‫(5/2764)‬




                                                                                         ‫ذبا عن رسول اهلل‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                    ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                      ‫اإلعالم, اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫حسن بن عبد الحميد بخاري‬
                                                                                                         ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                      ‫07/75/6745‬
                                                                                                         ‫جامع باصمد‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
                     ‫ِد‬
    ‫5- منزلة محبة النبي من اإليمان. 7- ما يتعرض له اإلسالم اليوم من الع َاء السافر والهجوم‬
 ‫ع‬                                          ‫ب‬
‫الشرس والسخرية واالستهزاء. 3- حكم من س ّ الرسول . 4- نماذج من التضحية والفداء دفا ًا‬
                                            ‫عن رسول اهلل . 1- واجب األمة اإلسالمية نحو المصطفى .‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                     ‫د‬
‫أما بعد: فتقوى اهلل للمؤمن خير زاد، وبحسبها تتفاوت غ ًا منازل العباد، وبها يتفاضل الخلق عند‬
             ‫بب‬           ‫أ ل‬         ‫و َ َود ِن ْ الز د الت و َاتق‬                                          ‫ب‬
             ‫ر ّ العباد، واقرؤوا قول ربكم: َتز َّ ُوا فَإ َّ خَيرَ َّا ِ َّقْ َى و َّ ُونِ يَا ُوِْي األَلْ َا ِ‬
                               ‫ُ ِن الل ع م ر‬                        ‫ِن ْرمك ع ْ الل‬
                 ‫[البقرة:295]، وقوله: إ َّ أَك َ َ ُمْ ِندَ َّهِ أَتْقَاكمْ إ َّ َّهَ َلِي ٌ خَبِي ٌ [الحجرات:35].‬
        ‫إخوة اإلسالم، بهذا الدين أكرمنا اهلل جل شأنه، فكانت لنا سعادة الدنيا واآلخرة، وببعثة سيد‬
 ‫المرسلين كان العهد الجديد للبشرية التي خرجت من ظلمات التيه ومن سراديب الشرك وغوايات‬
    ‫الضاللة إلى رحاب اإليمان الفسيح ونور الحق األبلج الذي حمل مشعله رسول اهلل ، ولقي في‬
     ‫ل‬                  ‫ج‬                                          ‫ع‬
    ‫سبيل ذلك من األذى وال َنت ما لقي، حتى دخل الناس في دين اهلل أفوا ًا، فحمل الرسالة وبّغ‬
              ‫ص‬
‫األمانة وجاهد في اهلل حق جهاده حتى أتاه اليقين، فهدى اهلل به من الضاللة، وب ّر به من العمى،‬
                 ‫د‬                      ‫ق‬
‫وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ولم يزل شفي ًا على أمته عطوفًا مري ًا كل الخير ألمته،‬
 ‫َ ج ء ُ ْ رس ل م فس ُ ع ز ع ه ع ِت حر ص ع ُ م من َ رء ف‬
 ‫كما نعته ربه: لَقدْ َا َكم َ ُو ٌ ِنْ أَن ُ ِكمْ َزِي ٌ َلَيْ ِ مَا َن ُّمْ َ ِي ٌ َلَيْكمْ بِالْ ُؤْ ِ ِين َ ُو ٌ‬
                                                                                   ‫م‬
 ‫رَحِي ٌ [التوبة:875]، حتى إذا كان يوم القيامة سعى دونهم ودعا وشفع، فأكثر من يدخل الجنة من‬
                                                                                             ‫ه‬
                                                      ‫الخالئق أمت ُ، بل يدخلون الجنة وال يدخلها قبلهم أحد.‬
 ‫فتاهلل، ما أسعد هذه األمة بنبيها، وما أحظاها بشرفه وبركته ، بل ما أعظم حقه على أمته بعد أن‬
                                                                             ‫ح‬
   ‫بذل وض ّى ألجلها كل ذلك، حتى حاز لها سعادة الدنيا واآلخرة؛ ومن أجل ذلك فلقد صار من‬
                                           ‫ُّ‬
  ‫مقتضى الشهادتين التي ينطق بها كل مسلم حب رسول اهلل وطاعته ونصرته وتعزيره وتوقيره،‬
‫ِن َ س ك ِد ومب ِّر و ر لت من ِالله َرس له وت َزر ه وت َقر ه‬
‫كما قال ربكم سبحانه: إ َّا أرْ َلْنَا َ شَاه ًا َ ُ َش ًا َنَذِي ًا ِ ُؤْ ِ ُوا ب َّ ِ و َ ُوِ ِ َُع ِّ ُو ُ َ ُو ِّ ُو ُ‬
                    ‫ب‬     ‫ب‬                                              ‫وت َبح ه ب ة و ص‬
     ‫َ ُس ِّ ُو ُ ُكْرَ ً َأَ ِيالً [الفتح:8، 9]، ولن يستقر إيمان عبد حتى تترّع مح ّة رسول اهلل على‬
          ‫عرش قلبه، كما قال هو : ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس‬
                                                                                                          ‫أجمعين)).‬
 ‫معشر المسلمين، إن الصراع بين الحق والباطل محتدم إلى قيام الساعة، وإنما الواجب على عباد‬
    ‫اهلل المؤمنين الذين أكرمهم اهلل بهذا الدين فنطقوا بالشهادتين وأحبوا اهلل ورسوله أن يذودوا عن‬
         ‫كل‬                 ‫م‬
     ‫حياض دينهم، وأن يحموا حمى شريعتهم؛ دفاعًا عن دينهم، وقيا ًا بالواجب عليهم، ٌّ حسب‬
                              ‫استطاعته، الرئيس منهم والمرؤوس، األمير والمأمور، الراعي والرعية.‬
     ‫ي‬       ‫ي‬                         ‫د‬      ‫س‬     ‫م‬       ‫ر‬
    ‫هذا، وإننا لفي زمن يشهد عداءً ساف ًا وهجو ًا شر ًا حاق ًا على اإلسالم وأهله، حرب ًا ونفس ًا‬
                                                                                      ‫ي‬
        ‫واقتصاد ًا ودينيًا، اجتمع فيه علينا الشرق والغرب، لم يجمعهم إال كراهية هذا الدين وأهله،‬
    ‫والغرب النصراني الحاقد بكل دوله يتزعم راية هذه الحرب السوداء، وها قد أعادوها حمالت‬
                                     ‫د‬                ‫د‬          ‫ر‬
      ‫صليبية على بالد اإلسالم قه ًا واستعبا ًا وظلمًا واضطها ًا، يسوقهم حقدهم، ويدفعهم كيدهم،‬
‫وصدق اهلل: ال يَأُْونَكمْ خَبَا ً و ُّوا مَا َ ِتم قَدْ َ َتْ الْ َغْ َا ُ ِنْ أفْ َا ِهمْ َمَا ُخْ ِي ص ُو ُهمْ َكْب ُ‬
‫ُد ر ُ أ َر‬       ‫عن ُّ ْ بد ب ض ء م َ و ه ِ و ت ف‬                               ‫ال َد‬          ‫ل ُ‬
             ‫س‬
     ‫[آل عمران:855]، ويومًا بعد يوم في ظل صمت األمة العاجزة، يتطاول العداء ليم ّ عقائدنا‬
                      ‫ط‬
        ‫وأصولَ ديانتنا ليصل إلى مقام األلوهية الجليل ومقام النبوة الشريف، لتخ ّ أقالم النصارى‬
                                               ‫ي‬
  ‫الحاقدين سخرية واستهزاءً وشتمًا وانتقاصًا لس ّد البشر وإمام األنبياء والمرسلين ، في صحافتهم‬
                                     ‫ل‬                              ‫كل‬            ‫ز‬
  ‫التي تو ّع بالماليين َّ يوم. أما إن بالد األمة قد احتّوها، وخيراتها قد اغتصبوها، وأعراضها‬
                            ‫ي‬                           ‫ر‬
      ‫انتهكوها، ودماءها قد سفكوها، فلم تح ّك األمة في ذلك ساكنًا، ولم َلْوِ المسلمين على شيء،‬
   ‫وسكتوا على دمائهم وأعراض نسائهم وخيرات بالدهم ودمار منازلهم، لكن أن يصل البغي إلى‬
                                                                      ‫ل‬                 ‫ع‬
   ‫ِرض رسول اهلل فتظ ّ األمة صامتة!! فماذا بقي لنا من ديننا ومن حياتنا أجمع بعد كتاب ربنا‬
                                                                 ‫وسنة نبينا ؟! ولئن سكتنا اآلن فمتى نتكلم؟!‬
                                                              ‫خ‬                ‫م حق‬
     ‫أال ِن ٍّ هلل ولرسوله يؤ َذ من هؤالء النصارى الحاقدين وعلى رأسهم دولة الدانمرك التي‬
                                                                                        ‫ن‬
                    ‫تب ّت في صحافتها ذلك السيل القذر في شتم المصطفى منذ ثالثة أشهر أو أكثر؟!‬
               ‫فحد‬      ‫م ب‬                                               ‫م‬
   ‫أال فلتعلمي ـ أ ّة اإلسالم ـ أن علماء الملة قد أجمعوا على أن َن س ّ النبي ُّه القتل، قال‬
                              ‫ب‬           ‫ب‬
  ‫إسحاق بن راهوية: "أجمع المسلمون على أن من س ّ اهلل أو س ّ رسوله أو دفع شيئًا مما أنزل‬
                                           ‫مقر‬
‫اهلل عز وجل أو قتل نبيًا أنه كافر بذلك، وإن كان ًّا بكل ما أنزل اهلل"، وقال الخطابي: "ال أعلم‬
                                                                                   ‫د‬
     ‫أح ًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله"، وقال محمد بن سحنون من علماء المالكية: "أجمع‬
‫العلماء على أن شاتم النبي والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب اهلل له، وحكمه عند األمة‬
    ‫م‬            ‫ب‬
   ‫القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر"، وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية: "إن السا َّ إن كان مسل ًا‬
   ‫ض‬       ‫ي‬       ‫ذ ِّي‬
  ‫فإنه يكفر ويقتل بغير خالف، وهو مذهب األئمة األربعة وغيرهم، وإن كان ِم ًّا فإنه ُقتل أي ًا‬
                                                             ‫في مذهب مالك ومذهب أحمد وفقهاء الحديث".‬
     ‫ِن َّذ ي ذ الله َرس ه لعن ُ‬
   ‫وجاء في كتاب اهلل عز وجل وعيد عظيم، قال اهلل سبحانه: إ َّ ال ِينَ ُؤْ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َ َهمْ‬
 ‫و َّذ ن ي ْذ َ رس ل‬                                   ‫الل ُ ف الد و ِ ة و َد ُ َ مه‬
 ‫َّه ِي ُّنْيَا َاآلخرَ ِ َأَع َّ لَهمْ عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21]، وقال سبحانه: َال ِي َ ُؤ ُون َ ُو َ‬
    ‫َ ي م َنه م يح د الله َرس ُ َن ه ن جه َّم‬                                                     ‫الل ُ َ ب م‬
    ‫َّهِ لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [التوبة:56]، وقال: أَلمْ َعْلَ ُوا أ َّ ُ َنْ ُ َا ِدْ َّ َ و َ ُولَه فَأ َّ لَ ُ َارَ َ َن َ‬
                                                                                 ‫ِ ي عظ م‬                       ‫ِد ف‬
                                                                    ‫خَال ًا ِيهَا ذَلِكَ الْخزْ ُ الْ َ ِي ُ [التوبة:36].‬
   ‫فأين صدق المحبة لرسول اهلل معشر المسلمين يومَ اكتفينا بمطاعمنا ومشاربنا ومالبسنا وسائر‬
                                          ‫ي‬                       ‫ي‬
‫شؤون حياتنا، ولم يتغ ّر قلب أحد وال وجهه لما ُصيب رسولنا وهو أعظم البشر حقًا علينا؟! ولو‬
                       ‫ر‬                         ‫م‬
  ‫أن أحدنا نيل من عرضه وسمعته أو شرف أ ّه وأبيه لما أطاق لذلك صب ًا، ولهانت عليه الحياة‬
                      ‫ق‬                              ‫م‬
 ‫بعد ذلك، أنسمع ونرى ذلك التطاول ال ُعلن على مرأى العالم أجمع في ح ّ نبي األمة ثم ال يؤثر‬
                                                                              ‫ذ‬
                                                      ‫فينا ذلك؟! فلنراجع إيماننا إ ًا، فواهلل إنه لغير صحيح.‬
                       ‫ق‬                                                    ‫م ع‬
   ‫وإني ُسم ُكم ـ أصلحكم اهلل ـ طرفًا من مواقف أقوام ذوي إيمان ح ّ، كيف أصابهم لما نيل‬
                                                                                   ‫من عرض رسول اهلل ومكانته:‬
                               ‫قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الص ّ يوم بدر إذ التفت‬
‫ُّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان‬               ‫ف‬
            ‫ر‬
 ‫صغيران، فكأني لم آمن بمكانهما ـ أي: خشيت عليهما ـ، إذ قال لي أحدهما س ًا من صاحبه:‬
           ‫ب‬        ‫أ ت‬                                                              ‫م‬
 ‫يا ع ّ، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، فما تصنع به؟! قال الفتى: ُخبر ُ أنه يس ّ رسول اهلل‬
    ‫، قال: والذي نفسي بيده، لئن رأيته ال يفارق سوادي سواده حتى يموت األع َل منا، فتع ّب ُ‬
    ‫جت‬             ‫ج‬
   ‫لذلك. قال: وغمزني اآلخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس‬
   ‫فقلت: أال تريان؟! هذا صاحبكما الذي تسأالن عنه، قال: فانطلقا إليه فابتدراه بسيفيهما فضرباه‬
 ‫حتى قتاله، وهما: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء، ثم انصرفا إلى رسول اهلل فقال:‬
‫((أيكما قتله؟)) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته يا رسول اهلل، فقال: ((هل مسحتما سيفيكما؟)) قاال:‬
                                                                 ‫ال، فنظر إلى السيفين وقال: ((كالكما قتله)).‬
  ‫وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي وتقع فيه، فينهاها‬
      ‫ِ‬
‫فال تنتهي، ويزجرها فال تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي وتشتمه، فأخذ المغْول ـ‬
                         ‫ذ‬                           ‫ت‬
 ‫كالسيف القصير ـ فوضعه في بطنها واّكأ عليه فقلَتها، فلما أصبح ُكر ذلك للنبي، فجمع الناس‬
                    ‫ط‬                            ‫علي ق‬
  ‫فقال: ((أنشد رجالً فعل ما فعل، له َّ ح ٌ إال قام))، فقام األعمى يتخ ّى الناس وهو يتزلزل‬
    ‫حتى قعد بين يدي النبي فقال: يا رسول اهلل، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فال‬
  ‫تنتهي، وأزجرها فال تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة‬
                ‫ت‬                ‫وات‬                    ‫ت م‬                     ‫ت‬
‫جعلت تش ِمك وتقع فيك، فأخذ ُ ال ِغْول فوضعته في بطنها َّكأت عليه حتى قتلُها، فقال النبي :‬
                                                                                        ‫َ َر‬      ‫ه أن‬
                                                                                     ‫((أال اش َدوا َّ دمها هد ٌ)).‬
                                                           ‫م‬
  ‫وقد أمر النبي بقتل جماعة م ّن كان يؤذيه بالقول ويهجوه بالشعر أو ينتقص منه، مثل كعب بن‬
‫األشرف اليهودي الذي قال فيه النبي : ((من لكعب بن األشرف؟ فإنه قد آذى اهلل ورسوله))، فقال‬
 ‫محمد بن مسلمة: أنا يا رسول اهلل، أتحب أن أقتله؟ قال: ((نعم))، فقتله محمد بن مسلمة في قصة‬
                                                                                                        ‫بطولية رائعة.‬
                           ‫ي‬
     ‫وكقصة المرأة الخَطْمية عصماء بنت مروان التي كانت تؤذي النب ّ وتهجوه، وتعيب اإلسالم‬
        ‫َ‬         ‫ن علي ر‬                                                      ‫وتحر‬
   ‫ِّض على النبي ، فقال عمير بن عدي من قومها: اللهم إ ّ لك َّ نذ ًا لئن رددت رسول‬
                                                                   ‫اهلل إلى المدينة ألقتلن‬
 ‫َّها، ورسول اهلل آنذاك ببدر، فلما رجع انطلق عمير بن عدي في جوف الليل‬
            ‫س ب‬           ‫ص‬                      ‫ن‬
   ‫فدخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها ِيام، منهم من ترضعه في َدرها، فح ّها َيده، فوجد‬
                                                                ‫ح‬           ‫ي‬
    ‫الصب ّ ترضعه، فن ّاه عنها ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه في ظهرها، ثم خرج حتى‬
                                                                       ‫ي‬         ‫ح‬       ‫ل‬
  ‫صّى الصب َ مع النب ّ ، فلما نظر إليه قال: ((أقتلتَ بنت مروان؟)) قال: نعم بأبي أنت وأمي يا‬
                ‫َّ‬                                                  ‫ش ع‬
  ‫رسول اهلل، وخ ِي ُمير أن يكون افتأت على رسول اهلل بقتلها، فقال: هل علي في ذلك شيء يا‬
      ‫رسول اهلل؟ قال: ((ال ينتَطح فيها عنزان))، فالتفت النبي إلى من حوله فقال: ((إذا أحببتم أن‬
                         ‫تنظروا إلى رجل نصر اهلل ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي)).‬
   ‫ن‬       ‫ن‬                                   ‫ر‬                                      ‫ر‬
  ‫و ُفع إلى المهاجر بن أبي أمية ـ وكان أمي ًا ألبي بكر على اليمامة ـ امرأتان مغّيتان، غّت‬
    ‫إحداهما بشتم النبي فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت األخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع‬
                                   ‫ن‬                                                         ‫ي‬
   ‫ثن ّتها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي فعلتَ بالمرأة التي تغ ّت بشتم النبي، فلوال ما قد سبقتني‬
          ‫د‬                                                          ‫د‬
‫ألمرتك بقَتلها، ألن ح ّ األنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلمٍ فهو مرت ّ، أو معاهد‬
                                                                                               ‫ب‬
                                                                                         ‫فهو محار ٌ غادر.‬
               ‫م‬                             ‫ق‬                       ‫ي‬
     ‫ولم يقل الفقهاء أنه ُستتاب، والسبب أن ذلك ح ّ للنبي، وقد كان له أن يعفو ع ّن شمته حال‬
                            ‫ي‬                               ‫ل‬
                ‫حياته، أما بعد مماته فليس لعأمة كّها أن تعفوَ عن ذلك، ولذلك فإنه ُقتل وإن تاب.‬
                                                             ‫نبي‬
      ‫فاتقوا اهلل ربكم، وانصروا َّكم، وذودوا عن حياض دينكم، واستغفروا اهلل ربكم، إنه غفور‬
                                                                                                        ‫رحيم.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                    ‫ي‬
‫أما بعد: فإن اهلل هدانا بنب ّنا، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته خيري الدنيا‬
       ‫واآلخرة، وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول واأللسنة عن معرفتها ونعتها.‬
  ‫وإنه لمن حق نبينا علينا ومقتضى الشهادة التي نشهد بها كل يوم ـ بل هو أدنى ما له من الحق‬
     ‫علينا ـ ما أوجب اهلل من تعزيره ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن،‬
                                                              ‫ذ‬
 ‫وحفظه وحمايته من كل مؤ ٍ، وإن كان اهلل قد أغنى رسوله عن نصر الخَلق، ولكن ليبلوَ بعضكم‬
                                                           ‫ببعض، وليعلم اهلل من ينصره ورسله بالغيب.‬
 ‫ِن َ س ك ِد ومب ِّر و َذ ر لت من ِالله ورس له وتع ِّر ه‬
 ‫وفي ذلك يقول ربنا عز وجل: إ َّا أرْ َلْنَا َ شَاه ًا َ ُ َش ًا َن ِي ًا ِ ُؤْ ُِوا ب َّ ِ َ َ ُوِ ِ َُ َز ُو ُ‬
                                                                                ‫وت َقر ه‬
  ‫َ ُو ِّ ُو ُ [الفتح:8، 9]، فتعزيره ونصره حال حياته كان بالجهاد معه وبذل الروح دونه كما فعل‬
                                                        ‫ذب‬
  ‫الصحابة، وأما بعد مماته فبال ّ ّ عنه ونصر سنته وحمل الراية من بعده، واألخذ بالحق من كل‬
   ‫من استطال على مقامه األغر ومنصبه الشريف، وتفديته باألنفس واآلباء واألمهات، كل امرئ‬
  ‫ض‬              ‫ر‬
‫مسلم بحسب ما يستطيع؛ بالكتابة إلى سفارة تلك الدولة النصرانية الحاقدة إنكا ًا وكراهية وبغ ًا،‬
                                     ‫رد‬
‫وبملء إعالمنا في التلفاز واإلذاعة والصحافة والمجالت ًّا شنيعًا على تلك الكتابات اآلثمة، وأن‬
                                  ‫ج‬                                                 ‫ن‬
 ‫ُسمع العالم أجمع أن صدورنا قد ضاقت وبالدنا قد ارت ّت. وأضعف اإليمان ما يملكه كل واحد‬
   ‫منا بأن يحوز رياله دونهم ويقاطِع منتجاتهم من أجبان وألبان ومشتقاتها؛ لتبور تجارتهم عندنا،‬
                                                                ‫م‬
                                           ‫وليعلموا أن عقيدتَنا وديننا أه ّ عندنا من شأن بطوننا.‬
                                          ‫ي‬
  ‫فاهلل اهلل أن يراكم اهلل متخاذلين عن نصرة دينكم ونبّكم، لئال يقع في أفهام البعض أن المسؤولية‬
                         ‫ل‬
  ‫ملقاة على عواتق أولي األمر والمسؤولين فحسب، بل هو دين يقوم ك ّ فرد بحسب ما يؤتيه اهلل‬
      ‫ص‬
    ‫من ذلك، وإن الدولة ـ وفقها اهلل ـ خاطبت رسميًا تلك البالد النصرانية بالرفض لما ح َل،‬
  ‫ي‬                     ‫محب‬
 ‫ورفعت رابطة العالم اإلسالمي خطابًا كذلك، ويبقى دوري ودورك يا ًّا لرسول اهلل، يا راج ًا‬
                                                                           ‫ن‬        ‫ت‬
                                                                        ‫لشفاعته، يا م َّبعًا لس ّته.‬
                                                               ‫ي‬
                                                           ‫ثم صلوا وسلموا على خير البر ّة...‬

‫(5/8764)‬




                                                                      ‫إال تنصروه فقد نصره اهلل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                                ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                    ‫حسن بن عبد الحميد بخاري‬
                                                                                     ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫27/75/6745‬
                                                                                     ‫جامع باصمد‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- نعمة الهداية لإلسالم. 7- فضائل الرسول وشمائله. 3- مظاهر االعتداء على الرسول في‬
                                ‫الماضي والحاضر. 4- وجوب الدفاع والنصرة والذب‬
‫ِّ عن عرضه . 1- واجبات خمس تلزم كل‬
                                          ‫مسلم دفاعا ونصرة لرسول اهلل . 6- كفاية اهلل لنبيه .‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
      ‫ّ ل‬                                                                       ‫م‬
‫أما بعد: فنِع ُ اهلل عز وجل علينا ـ أمة اإلسالم ـ كثيرة، وآالؤه علينا متتابعة، بيد أن أجّها على‬
                                             ‫ص‬
  ‫اإلطالق نعمة الهداية لهذا الدين واالغتباط بما خ ّ اهلل به أمة اإلسالم على سائر األمم، فدينها‬
   ‫خاتم األديان الذي لن يقبل اهلل من عبد سواه، وكتابها خير الكتب جعله اهلل مهيمنًا على ما سبقه‬
 ‫من الكتب، محفوظًا بحفظ اهلل من العبث والزيادة والنقصان، ونبيها خاتم األنبياء وسيد المرسلين‬
                                                                                ‫وخليل رب العالمين.‬
                                                                ‫ومما زادني شرفًا وتيهًا…وكدت‬
                                              ‫ُّ بأخمصي أطأ الثريا‬
                                           ‫نبي‬          ‫ي‬
                                          ‫دخولي تحت قولك يا عبادي…وأن ص ّرت أحمد لي ًّا‬
                                                          ‫د‬
    ‫إخوة اإلسالم، اصطفى اهلل محم ًا من بين الخالئق لحمل رسالته، وبعثه عز وجل إلى الثقلين‬
    ‫بالهدى ودين الحق، فوضع به األغالل واآلصار، ورفع به الغشاوة عن األبصار، واستنقذ به‬
                                    ‫ن غ‬        ‫ن ي‬
   ‫الخالئق من عذاب النار. فكم فتح اهلل به أعي ًا عم ًا وآذا ًا ُلفًا، وكم شرح اهلل ببعثته الصدور،‬
                                                          ‫وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور.‬
                                                           ‫وبل‬
    ‫فحمل على عاتقه عبء الرسالة، َّغ األمانة، وجاهد في اهلل حق الجهاد حتى أتاه اليقين، فما‬
                  ‫د‬                                                                ‫د و‬
‫ا ّخر ُسعا في دعوة البشرية وهدايتها إلى صراط اهلل المستقيم، ولم يأل جه ًا في نصح أمته عليه‬
    ‫الصالة والسالم وداللتها على خير ما يعلمه لهم، ولم يلتحق بالرفيق األعلى حتى تركهم على‬
                                         ‫ل‬
      ‫محجة بيضاء ليلها كنهارها، واستنقطهم: ((أال هل بّغت؟)) ثم استشهد عليهم ربهم: ((اللهم‬
                                                                         ‫ق‬
   ‫فاشهد)). فح ٌ له أن يشرح اهلل له صدره، ويضع عنه وزره، ويرفع له ذكره. قال مجاهد: "ال‬
                                ‫د‬                                                ‫ذ‬        ‫أ‬
        ‫ُذكر إال ُكرتَ معي": أشهد أن ال إله إال اهلل وأشهد أن محم ًا رسول اهلل، وقال حسان :‬
                                          ‫م‬         ‫د‬                 ‫ُجل‬
                                         ‫وشق له من اسْمه لي َّه…فذو العرش محمو ٌ وهذا مح ّد‬
         ‫يس‬
   ‫معشر المسلمين، لقد أعلى اهلل مقام نبيه ومصطفاه ، ورفع قدره، وحمى جنابه أن ُم ّ بسوء،‬
                                   ‫د‬                                ‫ن‬           ‫ط‬
               ‫فليس يح ّ منه أو يد ّسه أو ينتقص من قدره قدر شعرة أح ٌ من خلق اهلل أجمعين.‬
                                     ‫كناطح صخرةً يومًا ليوهنها…فلم َضرْها وأوهى قرنه الوع ُ‬
                                     ‫ِل‬                    ‫ي ِ‬
                          ‫ر‬       ‫خ ف‬
  ‫أو كنافخٍ بملء رئتَيه ليطفئ نورَ الشمس لم يتجاوز نف ُه أن َه ومنخ َيه، أو كباصقٍ على السماء‬
                                                                                         ‫د‬
                                                                        ‫إنما يعو ُ بصاقه بين عينيه.‬
       ‫ف‬                      ‫َالله ي صم م الن‬
‫كيف وقد تولى اهلل أمره عليه الصالة السالم: و َّ ُ َعْ ِ ُكَ ِنْ َّاسِ [المائدة:26]، وتك ّل له ذو‬
                                         ‫م زئ‬                         ‫ِن‬        ‫ر‬
  ‫العرش بكفايته ممن تع ّض له: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ [الحجر:19]؟! فما ضره يومًا من الدهر‬
  ‫انتقاص الحاسدين وشتم الحاقدين وشنآن المبغضين، إنما يرجع أولئك بالخزي والنكال، هذا حكم‬
                                     ‫َر‬          ‫ِن ن ه‬                             ‫ض‬
  ‫اهلل في كل مبغ ٍ مؤذٍ لرسول اهلل : إ َّ شَا ِئَكَ ُوَ األَبْت ُ [الكوثر:3] أي: هو المقطوع المنبوذ.‬
                                                ‫ء‬                    ‫ء‬            ‫ر‬
     ‫وعلى م ّ التاريخ بد ًا بكفار قريش وانتها ً بعباد الصليب الحاقدين المعاصرين تبرز شرذمة‬
       ‫مشؤومة، ضاقت صدورها برسول الهدى والنور ، فلم تسعها الرحمة التي حملها بين كفيه‬
                       ‫م‬                          ‫ب‬
    ‫للبشرية، ولم تأنس بنور الهداية الذي ُعث به للبرية، فلست تدري م ّ ضاقت به تلك الصدور‬
                                           ‫و‬                    ‫خ‬
 ‫المظلمة؟! أمن كريم ُلقه وجميل خصاله وسم ّ شمائله وطيب سيرته التي طبقت اآلفاق، أم من‬
         ‫رأفته وشفقته ورحمته ولين قلبه عليه الصالة والسالم، أم من عدله وإنصافه مع الموافق‬
                                                                                          ‫د‬
                                                                                   ‫والمخالف على ح ٍ سواء؟!‬
                                                                                    ‫ن‬
 ‫أما إ ّ عداء النصارى لديننا وملتنا اليوم قد تجاوز كل الحدود، لما وصل بهم األمر إلى التطاول‬
                      ‫خ‬            ‫ء‬                   ‫ق‬
  ‫الوقح على شخص المصطفى ، تن ّصًا وعيبًا واستهزا ً في رسوم سا ِرة حقيرة نشَرتها صحف‬
       ‫ر‬                               ‫ط‬            ‫ي‬              ‫ُز‬
       ‫دانمركية ونرويجية، و ّعت بالماليين، ُقصد بها الح ّ واالنتقاص من رسول اهلل ، تقشع ّ‬
   ‫لمنظرها األبدان، وتظلم منها األعين واهلل، يكفيك ـ عبد اهلل ـ أن إحدى تلك الرسوم عرضت‬
                                                                       ‫مخن‬
     ‫صورة رجل َّث ذي لحية طويلة، وله ثديان بارزان كأثداء النساء، وقد نزل طرف لباسه‬
    ‫أن‬                                               ‫ك‬
    ‫وارتخى فظهر منه طرف الثديين، و ُتب بجوار الرسم بلغتهم تقول: هل بإمكانك أن تثبت َّ‬
                                                 ‫وقب‬                    ‫ال‬        ‫نبي‬
‫َّك كان رج ً؟ لعنهم اهلل وأخزاهم َّح وجوههم. إلى آخر تلك الرسوم التي ما من صورة فيها‬
                                                                                       ‫إال هي ألعن من أختها.‬
            ‫ر‬                                       ‫ذ‬                             ‫م‬
   ‫وتبقى اليوم أ ّة اإلسالم أمام هذا السيل الق ِر من الهجوم الوقح على نبينا وحبيبنا وق ّة أعيننا،‬
 ‫ر‬           ‫ر‬                                   ‫تبقى مرتهن ً بواجب الدفاع والنصرة والذب‬
‫ِّ عن عرضه عليه الصالة والسالم؛ تعزي ًا له وتوقي ًا‬                         ‫ة‬
    ‫ِن‬                                                                    ‫ن‬
   ‫لجنابه الشريف، فإ ّ ذلك جزء من أدنى الحقوق الواجبة له على أمته، فإن اهلل تعالى يقول: إ َّا‬
                       ‫ِد ومب ِّر و َذ ر لت من ِالله َرس له وتع ِّر ه وت َقر ه‬                                ‫َ س‬
   ‫أرْ َلْنَاكَ شَاه ًا َ ُ َش ًا َن ِي ًا ِ ُؤْ ِ ُوا ب َّ ِ و َ ُوِ ِ َُ َز ُو ُ َ ُو ِّ ُو ُ [الفتح:8، 9]، وأوجب‬
                                                                                ‫م‬
  ‫النصحَ على أ ّته له فقال فيما أخرجه مسلم: ((الدين النصيحة)) ثالثًا، قالوا: لمن يا رسول اهلل؟‬
                                                ‫قال: ((هلل ولكتابه ولرسوله وألئمة المسلمين وعامتهم)).‬
                     ‫ب‬                          ‫م‬
    ‫قال أهل العلم: "والنصح لرسول اهلل إنما يت ّ بصدق اإليمان به وكمال مح ّته وطاعته وتوقيره‬
‫وتبجيله وإحياء سنته ومعاداة من عاداه وعاداها ومواالة من واله وواالها والتخلق بأخالقه ومحبة‬
  ‫من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة وبذل المجهود في نصرته‬
                             ‫ي‬
‫حيًا وميتًا والمسارعة في ذلك باألنفس واألموال والتشبه به في ز ّه وهيئته ولباسه وكل أحواله ".‬
                                                          ‫ل‬
‫فهذا بالغ ـ يا أمة المختار ـ إلى ك ّ من أكرمه اهلل بهذا الدين وباتباع هذا النبي الكريم، إلى كل‬
                                    ‫ي‬
                  ‫قلب يخفق حبًا للحبيب ، إلى كل مسلم غيور على عرض نب ّه يقول مقالة حسان:‬
                                                   ‫ء‬          ‫د‬
                                                   ‫فإن أبي ووالدتي وعرضي…لعرض محم ٍ منكم وقا ُ‬
                                                               ‫ت‬
‫إلى كل من امتعأ صدره بالّعظيم واإلجالل والتوقير لرسول اهلل ، إلى كل من رجا لنفسه السالمة‬
                                   ‫ي‬
‫وتمنى أن يحظى يوم القيامة بالشفاعة وأراد أن يلقى نب ّه وحبيبه هناك على الحوض، منافحًا عن‬
                                                         ‫ر‬
‫عرضه الشريف، مدافعًا عن مقامه األغ ّ، ناصحًا له بكل ما أوتي، فاديًا له بالنفس والمال وبالدنيا‬
                                                                                                              ‫م‬
                                                                                                          ‫بر ّتها.‬
                                    ‫ب‬                             ‫ي‬
     ‫هذا بالغ لتعزير نب ّنا وتوقيره والنصيحة له، والذ ّ عنه والذود عن حمى عرضه في واجب‬
            ‫ح‬                               ‫م‬      ‫ي‬     ‫م‬              ‫ل‬            ‫ل‬
    ‫أضحى متعّقًا برقبة ك ّ مسلم منا، فإ ّا أن ُبرئ ذ ّته ويقوم بواجبه ويلقى اهلل ناص ًا لرسوله‬
   ‫ذال‬                          ‫ق‬                         ‫ي‬            ‫ل‬
   ‫مدافعًا عنه، وإما أن يتخّى عن دوره و ُلقي التبعة على غيره، فيل َى اهلل خائنًا لرسوله متخا ِ ً‬
     ‫نبي‬                                                                      ‫تق‬
  ‫عنه، وهنا ُل َى األسئلة بإلحاح: فما الواجب الذي يقوم به أحدنا وتبرأ به ذمته وينصر به َّه ؟‬
  ‫وها أنا أوجز الجواب لك ـ عبد اهلل ـ في خمسة أمور واجبةٍ على كل مسلم ومسلمة، فأرعني‬
                                                                              ‫سمعك يا رعاك اهلل:‬
                    ‫صب‬
      ‫أما األولى: فهو إعالن النكير وإظهار السخط على مختلف المستويات؛ تع ّ ًا هلل ولرسوله،‬
          ‫ل‬                           ‫ز ل‬
 ‫وحميةً لديننا وعقيدتنا، وحفاظًا على كرامتنا وع ّنا، ك ّ امرئ بحسبه، لتسمع الدنيا كّها بسخطنا‬
                                                                             ‫ي‬
 ‫لما نال نبّنا، وعبر وسائل اإلعالم المختلفة من تلفزة وإذاعة وقنوات ومواقع إلكترونية وصحف‬
                      ‫ل‬
     ‫ومجالت، فاكتب وأنكر بنفثة مصدور، وال تقل: غيري كتب وراسل وتكّم، فغيرك ال يكفيك‬
                                                                     ‫م‬
 ‫المؤونة، وال يتح ّل عنك الواجب الذي أنيط برقبتك أنت، فإن لم تكن ـ أخي ـ من أرباب القلم‬
                                     ‫ث‬
‫أو أصحاب المنابر أو فحول الشعر فحسبك أن تب ّ مشاعر الغيظ والسخط في كل من حولك، من‬
   ‫أهلك ووالديك وزوجتك وأوالدك وزمالئك في العمل وجيرانك في الحي وأقربائك في األسرة،‬
    ‫ء‬                                                           ‫ت‬                   ‫ث‬
    ‫ليب ّ الجميع للجميع، ولتّحد المشاعر وتتآزر العواطف في البيوت والشوارع واألسواق، فدا ً‬
                                             ‫أ‬
   ‫ونصرة لرسول اهلل ، فهذا أول الواجبات وُولى الخطوات، وهو لون من التواصي بالحق الذي‬
                                                                                               ‫أ‬
                                                                         ‫ُمرنا به معشر المسلمين.‬
    ‫ي‬
   ‫وأما الواجب الثاني: فهو الجهاد بالمال وفرض الحصار االقتصادي على تلك الدولة النصران ّة‬
                                                                   ‫ل‬
   ‫الحاقدة بمقاطعة ك ّ منتجات دولة الدنمارك ومن سار سيرها كالنرويج، وكل من يحذو حذوها،‬
                        ‫ت‬                                 ‫ق‬
‫وغالب بضائعهم أجبان وألبان ومشت ّاتها قد كتب عليها اسم دولتهم. فليّق اهلل امرؤ مسلم أن يدفع‬
                                       ‫ج‬         ‫ت‬                 ‫ج‬               ‫ال د‬
      ‫ريا ً واح ًا يشتري به منت ًا من بضائعهم، وليّق اهلل ت ّارنا ورجال األعمال فينا أن يبيعوا‬
      ‫ب‬                     ‫ع‬
‫ويشتروا معهم أو يعقدوا صفقات أو شركات وإياهم، أفيرمون ِرض نبينا ويسخرون بأح ّ البشر‬
       ‫ي‬                             ‫ن و‬             ‫ب‬
‫إلى قلوبنا وأعظم الناس حقًا علينا ثم نر ِح تجارتهم و ُر ّج بضاعتهم؟! ال والذي أكرم نب ّه وأعلى‬
                                                                    ‫ل‬
                         ‫قدره، إن ديننا ونبينا أج ّ وأعظم عندنا من تجارة أموالنا وشهوة بطوننا.‬
   ‫ق‬      ‫ط‬                ‫ل‬                             ‫ش‬                            ‫ن‬
 ‫أما إ ّ القوم قد اعتراهم القلق وتغ ّاهم الخوف من خسائر فادحة ستح ّ بهم فيما لو قو ِعوا ح ًا،‬
      ‫ت‬    ‫ل‬                                               ‫ن‬
‫فها هم يتوقعون البارحة أ ّ خسائرهم ستتجاوز عشرات المليارات في مقاطعة لو ظّت س ّة أشهر‬
                               ‫ص‬                                     ‫عب‬
   ‫فقط؛ ألنهم ُ ّاد دنيا فحسب وأصحاب مادة ال غير، خصو ًا وأن نصف صادراتهم اإلجمالية‬
                                                          ‫د‬
     ‫التي يقوم جل اقتصادهم عليها تر ُ إلى بالدكم يا أهل الحرمين، فهل أدركتم كم ستنتقمون من‬
     ‫عدوكم وتثأرون من شاتم نبيكم فيما لو أحسنتم فرض الحصار ومقاطعة بضائعهم؟! ولكم في‬
                                                                ‫م‬
  ‫األسواق ألف بديل وبديل ع ّا ينتجونه ويصدرونه إلينا. وليكن لنا أسوة حسنة في ثمامة بن أثال‬
                               ‫قب‬
        ‫سيد بني حنيفة إذ أسلم، وكان أهل مكة يشترون الحنطة من ِ َله في نجد، فاستشعر دوره‬
      ‫ب‬                                                   ‫ي‬       ‫ر‬
     ‫ومسؤوليته تجاهَ دينه مع قوم يحا ِبون نب ّه، فأقسم لهم باهلل: (واهلل يا أهل مكة، ال تأتيكم ح ّة‬
                                                               ‫حنطة حتى يأذن فيها رسول اهلل ).‬
                                                                ‫ي‬
‫فهذا واجبنا الثاني يا محب ّ رسول اهلل، ممتثلين أمره فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح:‬
                                                 ‫((جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)).‬
  ‫أما الواجب الثالث يا رعاكم اهلل: فهو اإلقبال الصادق على سيرته العطرة عليه الصالة والسالم،‬
                             ‫ف‬
     ‫واالرتشاف من معينها الصافي ورحيقها المختوم وشهدها المص ّى؛ للتعرف التام على عظمة‬
    ‫ال ث‬
   ‫شخصيته وكريم شمائله وتفاصيل أخباره وأحداث سيرته، لنصلح خلالً عشنا عليه طوي ً، تمّل‬
                   ‫ف‬
 ‫في فجوة بيننا وبين سيرته ، فأفرزت جفوة قست منها بعض القلوب، وج ّت منها بعض العيون،‬
                                                                              ‫جلي‬
     ‫ترون ذلكم ًّا في جهل كثير منا ومن أهل بيتنا وأبنائنا وبناتنا بجوانب من حياته ، كأسماء‬
               ‫ش‬
  ‫زوجاته وعدد أوالده وأشهر غزواته، فضالً عن الدقائق والتفصيالت، في وقت ُغل فيه البنون‬
‫والبنات بل اآلباء واألمهات بثقافات سخيفة من كرة ورياضة وأفالم غناء، يحيط بأسماء أصحابها‬
 ‫وأخبارهم كثير من شبابنا، مع جهل بشع بسيرة أشرف الخلق وسيد البشر عليه الصالة والسالم.‬
            ‫ُعل‬               ‫ُعل‬
 ‫قال علي بن الحسين رضي اهلل عنه وعن أبيه وعن جده: (كنا ن َّم المغازي كما ن َّم السورة من‬
                       ‫القرآن). ومن هنا كان جيل السلف وثيق الصلة بسيرة المصطفى وحياته.‬
  ‫ليكن هذا منعطف خير، نعود به ـ وفقكم اهلل ـ لالنكباب على السيرة النبوية العطرة، وبثها في‬
                             ‫ل‬
‫المساجد والبيوت والمدارس، وتنشئة األجيال على الشغف والتعّق بأخباره وأحداث سيرته ، الذي‬
                  ‫ي‬
  ‫ال سبيل إلى السعادة والفالح في الدنيا واآلخرة إال على يديه وما جاء به، وال ُنال رضا اهلل إال‬
 ‫من طريقه. الضرورة إلى معرفة سيرته وهديه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى‬
   ‫نورها، والروح إلى حياتها، وما ظنكم بمن إذا غاب عنكم هديه وما جاء به طرفة عين فسدت‬
                                                 ‫و‬
     ‫القلوب وصارت كالحوت إذا فارق الماء و ُضع في المقالة؟! فلئن كانت سعادتنا في الدارين‬
                                   ‫ب‬
   ‫متعلقة بهديه وسنته فيجب على كل من نصح نفسه وأح ّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه‬
 ‫وسيرته وشأنه ما يدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر‬
                              ‫ومحروم، والفضل بيد اهلل يؤتيه من يشاء، واهلل ذو الفضل العظيم.‬
   ‫وأما رابع الواجبات المتحتمة علينا أمة اإلسالم نصرةً لديننا ونبينا بعد دراسة سيرته والتعرف‬
     ‫على هديه في العبادات والمعامالت والخصومات وأخالقه وصفاته: فهو التطبيق العملي لتلك‬
                                                  ‫السنن التي باتَ مهجو ًا كثي ٌ منها، أو منسي‬
                           ‫ًّا عند كثير من المسلمين.‬            ‫ر ر‬
       ‫وللصراحة نقول: كم كنا من أشد الناس خذالنًا لنبينا قبل الهجوم عليه، وذلك بهجرنا لسننه‬
       ‫ال‬
  ‫وتفريطنا فيها وإهمالنا وتكاسلنا في كثير من جوانبها، وهو المبعوث لنا أسوة وقدوة ودلي ً، فكم‬
‫آثرنا تطبيق بعض العادات والتقاليد مع علمنا بمخالفتها للسنة، وكم قدمنا هدي أنفسنا ورغباتها في‬
                                 ‫ح‬
‫أمور تعارض هديه الكريم ، ترى ذلك ـ رعاك اهلل ـ في َلق اللحى وإسبال الثياب والتبرج في‬
  ‫األسواق والخلوة بغير المحارم، فضالً عن هجران النوافل والمستحبات، كالسنن الراتبة وصالة‬
 ‫الوتر وصيام التطوع، وال تسل عن جهل عريض باألوراد واألذكار النبوية في المنام واالستيقاظ‬
            ‫والصبح والمساء والدخول والخروج والطعام والشراب واللبس والخلع وما إلى ذلك.‬
                                                                                     ‫ر‬
     ‫فإذا ما ُمنا نصرة نبينا ورفع راية الدفاع عنه فلنحيِ سننه ولننشرها بين العاملين تطبيقا لها‬
   ‫تحك‬                                                              ‫ث‬
   ‫ودعوة إليها، وبح ًا عنها في كل صغير وكبير، قال سفيان ابن عيينة: "إن استطعت أن ال َّ‬
                                               ‫ن‬                   ‫نغ‬
   ‫رأسك إال بأثر فافعل". فلُ ِظ أعداءنا بتطبيق س ّة نبينا الذي سخروا منه، ولننشر في الدنيا سنة‬
                            ‫ال‬    ‫ال‬                             ‫ب‬
 ‫النبي الذي هزؤوا به، ولنث ِت لهم أنه الحبيب في قلوبنا قو ً وعم ً؛ برفع راية سنته والعمل بها‬
‫في مظاهرنا وهيئاتنا ولباسنا وطعامنا وشرابنا وأخالقنا وجدنا ومزحنا، وفي حرصنا على التمسك‬
         ‫بشريعته فروضها ونوافلها، فإن ذلكم ـ واهلل ـ من أصدق دالئل النصرة له عليه الصالة‬
                                             ‫والسالم، ومن أعظم شواهد النصح له، ولنرب‬
     ‫ِّ أوالدنا ومن تحت أيدينا على حب السنة وحب‬
                                                                                                              ‫صاحبها.‬
    ‫وأما خامس هذه الواجبات: فالدعاء بأن ينصر اهلل اإلسالم وأهله، ويخذل الكفر وأهله، قال اهلل‬
   ‫ِر ن‬       ‫ج ُ ِن َّذ ي بر ع عب دت سي خل جهَّ‬                                           ‫َبك ع ن‬                ‫َ‬
   ‫تعالى: وقَالَ ر ُّ ُمْ ادْ ُو ِي أَسْتَ ِبْ لَكمْ إ َّ ال ِينَ َسْتَكْ ِ ُونَ َنْ ِ َا َ ِي َ َدْ ُُونَ َ َنمَ داخ ِي َ‬
                          ‫الد ِذ د‬           ‫عن إن َر ب أج ب د‬                 ‫ع‬           ‫وِذ‬
  ‫[غافر:06]، َإ َا سَأَلَكَ ِبَادِي َ ّي فَِ ّي ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْوَةَ َّاعِ إ َا َعَانِ [البقرة:685]، وقال‬
                                          ‫رسول اهلل : ((ليس شيء أكرم على اهلل عز وجل من الدعاء)).‬
                                                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                     ‫ل‬                                       ‫ل‬
 ‫الحمد هلل الذي تواضع ك ّ شيء لعظمته، واستسلم كل شيء لقدرته، وذ ّ كل شيء لعزته، وأشهد‬
                                               ‫ي‬
   ‫أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، هدانا بنب ّه، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وأشهد أن‬
                                                                               ‫د‬
   ‫محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل وسلم وبارك عليه عدد ما صلى عليه المصلون، وعدد ما غفل‬
‫عن الصالة الغافلون، وعدد ما عاداه وآذاه وشانأه المبغضون، وصلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه‬
                                                                                                    ‫ر‬
                                                                                                  ‫وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
‫َل الله‬                                                  ‫ي‬
‫أما بعد: أمة اإلسالم، فإن اهلل كفى نب ّه عدوان المعتدين وشنآن المبغضين، فقال سبحانه: أَيْسَ َّ ُ‬
                                                       ‫ع ه وي ِّف ك َّذ م د ن‬                        ‫ب‬
‫ِكَافٍ َبْدَ ُ َ ُخَو ُونَ َ بِال ِينَ ِنْ ُو ِهِ [الزمر:63]، ومن رام التطاول عليه فإنما جنى على نفسه،‬
            ‫و َّذ ن ي ْذ َ رس الل ُ َ ب م‬                             ‫ال‬
            ‫فلن يعود تطاوله إال عليه خزيًا ونكا ً وعذابًا، َال ِي َ ُؤ ُون َ ُولَ َّهِ لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ‬
                                                                                                          ‫[التوبة:56].‬
                               ‫ل‬                   ‫ن‬            ‫ل‬     ‫ل‬
   ‫وأعلن اهلل لعأمة كّها توّيه جل جالله ُصرة نبيه فيما لو تخّت األمة جمعاء عن نصرته، فقال‬
                  ‫نبي‬                                  ‫َ ه الله‬       ‫ِال ُر ُ َ‬
  ‫سبحانه: إ َّ تَنص ُوه فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ [التوبة:04]، فاهلل عز وجل قد أغنى َّه عن نصرة الخلق،‬
                           ‫ج‬                                 ‫ي‬
‫وهو سبحانه كافيه وهاديه ومؤ ّده وناصره، ومع ذلك فاالبتالء متو ّه لعأمة بأسرها للقيام بواجب‬
                                                         ‫وت َزر ه وتو ِّر ه‬               ‫م‬
            ‫النصرة ال ُناط بها، َ ُع ِّ ُو ُ َ ُ َق ُو ُ [الفتح:9]، وواجب النصيحة لرسول اهلل: ((الدين‬
 ‫النصيحة... هلل ولكتابه ولرسوله...))، وإلقامة شاهد الحب الصادق لرسول اهلل القائل: ((ال يؤمن‬
     ‫أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))، فإنما هي واجبات خمسة تلزم‬
                                           ‫د‬
  ‫ساحة كل مسلم يشهد أن ال إله إال اهلل وأن محم ًا رسول اهلل: إعالن النكير والسخط، والحصار‬
                                                                ‫ل‬
     ‫االقتصادي، واإلقبال على تعّم سيرة رسول اهلل والتنقيب عنها، والتطبيق العملي لهديه وسنته‬
                                                                                         ‫وبثها بين األنام، والدعاء.‬
 ‫ل‬           ‫م‬            ‫صن‬
 ‫ويبقى ما وراء ذلك من واجبات ومسؤوليات للحكام والمسؤولين و ُ ّاع القرار و َن دونهم، ك ّ‬
             ‫ع‬                                                           ‫و‬
‫بحسبه وبما خ ّله اهلل أن ينصر نبيه ويدفع عن عرضه؛ حتى يعلم أولئك األوغاد ُباد الصليب أن‬
                                 ‫ُمس‬               ‫ين‬       ‫ض‬        ‫ر‬
   ‫لرسول اهلل أنصا ًا ال ير َون أن ُدّس جنابه أو أن ي َّ بسوء، وأن دون ذلك قطعَ الرقاب‬
                                                  ‫ر‬
   ‫وإراقة الدماء فداءً لرسول اهلل ، وشعا ُ كل واحد في األمة: "نحري دون نحرك يا رسول اهلل،‬
                                                                        ‫ع‬        ‫ع‬
                                                      ‫و ِرضي دون ِرضك يا رسول اهلل".‬
                         ‫ص‬                           ‫ح‬
‫يا أمة محمد، هذا رسولكم الذي ض ّى بكل ما يملك من أجل أن يو ِل إليكم هذا الدين، من أجل‬
            ‫ش ب‬                 ‫ح‬                                           ‫ق‬
 ‫أن ين ِذكم من عذاب جهنم، كم أوذي من أجلنا وعودي و ُورب وأهين، ف ُتم و ُصق على وجهه‬
                                   ‫ر‬    ‫ك‬         ‫ش‬               ‫ر‬     ‫ط‬
  ‫الشريف، و ُرد و ُمي بالحجارة، و ُج رأسه و ُسرت َباعيته، ودميت شفتاه وسال الدم على‬
                                                                           ‫وجهه الشريف .‬
   ‫أفنعجز ـ اليوم ـ أن ننتصر له، وأن ندرأ عن عرضه وندافع عن جنابه بكل ما نملك؟! أفال‬
                                                    ‫لنبي‬                   ‫ق‬
   ‫حملنا الشو ُ على التضحية والفداء ٍّ اشتاق للقائنا؟! قال مرة ألصحابه: ((وددت أني لقيت‬
 ‫إخواني))، قال: فقال أصحاب النبي : أوليس نحن إخوانك؟! قال: ((أنتم أصحابي، ولكن إخواني‬
 ‫الذين آمنوا بي ولم يروني)). أفال نتذكر يوم أن نجتمع به عند حوضه راغبين في الشرب منه؟!‬
                                   ‫فما عسانا أن نقول إذا ما خذلناه بالصمت والعجز المهين؟!‬
                                         ‫ء‬
    ‫اللهم فإنا نشهدك أن أعراضنا وأموالنا ودماءنا فدا ٌ لعرض نبيك ، اللهم فخذ منها ما أحببت،‬
              ‫ي‬                                                           ‫ي‬
 ‫وادرأ بها عن نبّك ما شئت يا ذا الجالل واإلكرام. اللهم انصر دينك وكتابك ونب ّك. اللهم انصر‬
                          ‫كل من نصر الدين، واخذل كل من خذله وكاد له يا رب العالمين...‬

‫(5/9764)‬




                                                                         ‫الدفاع عن الرسول‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                    ‫اإليمان, سيرة وتاريخ, موضوعات عامة‬
                                                    ‫اإليمان بالرسل, الشمائل, جرائم وحوادث‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫محمد حبيب اهلل محمد الشنقيطي‬
                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                             ‫07/75/6745‬
                                                                                 ‫غير محدد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- رحمة اهلل تعالى بهذه األمة. 7- دعوة المصطفى وجهاده وصبره. 3- فضائله وشمائله. 4-‬
   ‫جريمة السخرية بالنبي . 1- انتقام اهلل تعالى لنبيه . 6- موقفنا تجاه هذه الهجمة الشرسة. 2-‬
                                                                                            ‫ب‬
                                ‫ح ّ الصحابة لرسول اهلل ودفاعهم عنه. 8- دعوة للوحدة وجمع الكلمة.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                 ‫ص‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل، لقد رحمنا اهلل تعالى رحمة واسعة حين خ ّنا فجعلنا أتباع خير الخلق ، الذي‬
  ‫أخرجنا اهلل به من الظلمات إلى النور، ومن الضالل إلى الهداية، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن‬
           ‫م‬                                   ‫ز‬                                        ‫ل‬
‫الذ ّ والظلم والجهل والشتات والمهانة إلى الع ّ والعدل والعلم واالجتماع والكرامة، َنْ نحن لوال‬
 ‫َ َن‬
 ‫دين محمد وملته؟! وما قيمتنا لوال رسالته وشريعته؟! وما مصيرنا لوال دعوته وعقيدته؟! لَقدْ م َّ‬
      ‫َّ ُ ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ إذْ َ َثَ ِيهم َ ُوالً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْوا َلَيهمْ آيَا ِ ِ َ ُز ِّي ِمْ َ ُعِّ ُ ُمْ الْ ِتَا َ‬
      ‫الله عل م من ِ بع ف ِ ْ رس م فس ِ ي ل ع ْ ِ ته وي َك ه وي َلمه ك ب‬
                                                              ‫و ح م وإ ن م ْل ف ض ل مب‬
                                           ‫َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَاُوا ِنْ قَب ُ لَ ِي َال ٍ ُ ِينٍ [آل عمران:465].‬
‫بلغ الرسالة أحسن بالغ، وأدى األمانة، ونصح األمة، وجاهد في اهلل حق جهاده. آذاه قومه فصبر‬
                                                                                     ‫ل‬
‫ليبّغ هذه الرسالة، ذهب إلى الطائف على قدميه يعرض اإلسالم على قبائلها، فأغرَوا به صبيانهم،‬
                                         ‫س‬
 ‫وأدمَوا قدميه وهو صابر في سبيل الدعوة، يعرض نف َه على القبائل فتطرده فال يثنيه ذلك شيئا،‬
              ‫م‬                                                       ‫ر‬         ‫ذ‬
     ‫أصحابه يع ّبون في ح ّ الهجير وهم يستغيثون باهلل تعالى في سبيل هذا الدين، يؤ َر بالهجرة‬
                                                                        ‫ك‬
‫فيخرج من بلده م ّة ويقف على شفير خارج مكة ويقول: ((واهلل إنك ألحب البقاع إلى اهلل، وواهلل‬
                          ‫ّ‬                           ‫ن‬          ‫ي‬
      ‫إنك ألحب البقاع إل ّ، ولوال أ ّ قومك أخرجوني ما خرجت)). يشج رأسه يوم أحد، وتكسر‬
          ‫س‬                            ‫ز‬
‫رباعيته، ويتكالب األعداء على قتله يوم الخندق، فيح ّبون األحزاب طلبا لرأسه، ويد ّ له اليهود‬
                                                           ‫ر‬                          ‫م‬
       ‫الس ّ، ويحاولون قتله أكثر من م ّة، لكن ذلك ال يثني من عزيمته لنشر هذا الدين، حتى بلغ‬
                                                                                  ‫اإلسالم مشارقَ األرض ومغاربها.‬
                       ‫ك‬          ‫ت‬                               ‫د‬                 ‫ص‬
‫ال تح َى فضائله، وال تع ّ مزاياه . ما من صفة كمال إال ا ّصف بها، ز ّى اهلل تعالى عقله فقال:‬
 ‫ك‬                          ‫و ي قع‬                      ‫ك‬                      ‫َل ص حب ُ وم‬
‫مَا ض َّ َا ِ ُكمْ َ َا غَوَى [النجم:7]، وز ّى لسانه فقال: َمَا َنْطِ ُ َنْ الْهَوَى [النجم:3]، وز ّى‬
     ‫َلمه د د قو ذ ِرة‬                          ‫ك معل‬                ‫إ ه ِال ي ي ح‬
     ‫شرعه فقال: ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:4]، وز ّى ِّمه فقال: عَّ َ ُ شَ ِي ُ الْ ُ َى ُو م َّ ٍ‬
             ‫ك‬                   ‫ف دم ر‬                                 ‫ك‬                   ‫و‬
 ‫فَاسْتَ َى [النجم:1، 6]، وز ّى قلبه فقال: مَا كَذَبَ الْ ُؤَا ُ َا َأَى [النجم:55]، وز ّى بصره فقال:‬
‫َا َاغَ الْ َص ُ َ َا طَ َى [النجم:25]، وز ّى أصحابه فقال: َال ِي َ َ َ ُ أَش َّا ُ ََى الْك َّار ُ َ َا ُ‬
‫و َّذ ن معه ِد ء عل ُف ِ رحم ء‬                                ‫ك‬                 ‫م ز ب َر وم غ‬
                                                     ‫وِن ع خل عظ‬                    ‫ك كل‬                    ‫ب ه‬
                                       ‫َيْنَ ُمْ [الفتح:97]، وز ّاه َّه فقال: َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ َ ِيمٍ [القلم:4].‬
                    ‫ي َي الن ِي‬                                          ‫م َم ٌ رس ل الل‬
     ‫نعته بالرسالة: ُح َّد َ ُو ُ َّهِ [الفتح:97]، وناداه بالنبوة فقال: َا أ ُّهَا َّب ُّ [الممتحنة:75]،‬
  ‫وَنه َم‬                                                   ‫ْ بع‬          ‫س ح َّ‬
 ‫وشرفه بالعبودية فقال: ُبْ َانَ الذِي أَسرَى ِ َبْدِهِ [اإلسراء:5]، وشهد له بالقيام بها فقال: َأ َّ ُ ل َّا‬
                                                                                                  ‫ق ع ْد الل َ ع ه‬
                                                                                       ‫َامَ َب ُ َّهِ يدْ ُو ُ [الجن:95].‬
             ‫ر‬                      ‫م‬
   ‫شرح اهلل له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وأت ّ أمره، وأكمل دينه، وب ّ يمينه. ما‬
                      ‫ي‬            ‫م‬               ‫ر‬             ‫ال‬                           ‫د‬
‫و ّعه ربه وما قاله، بل وجده ضا ً فهداه، وفقي ًا فأغناه، ويتي ًا فآواه. وخ ّره بين الخلد في الدنيا‬
                                                    ‫ولقاه، فاختار لقاء مواله، وقال: ((بل الرفيق األعلى)).‬
                                                 ‫ي م‬
                                         ‫تاهلل ما حملت أنثى وال وضعت…مثل الرسول نب ّ األ ّة الهادي‬
                                                                                   ‫م‬
    ‫واليو َ يأتي أقوام ما عرفوا اهلل طرفةَ ساعة، يعيشون في ظلمات الشهوات، أهدافهم وأفكارهم‬
                                                                         ‫ط‬
      ‫واعتقاداتهم منح ّة، يحاولون النيلَ من هذه المنارة الشامخة. تأتي صحيفة دنماركية وأخرى‬
   ‫نرويجية لتستهزئ بأعظم البشر على مرأى ومسمع من جميع المسلمين، أين الغيرة؟! أين حب‬
                                     ‫الرسول ؟! أين الدفاع عنه؟! أليس هذا هو مقام سيدنا رسول اهلل ؟!‬
                                  ‫َالله ي صمك م الن‬
‫هؤالء سينتقم اهلل منهم ألنه قال في كتابه: و َّ ُ َعْ ِ ُ َ ِنْ َّاسِ [المائدة:26]. آذاه عتبة بن أبي‬
    ‫ف‬                                                      ‫ل‬                      ‫خ‬
‫لهب وس ِر منه فقال : ((اللهم سّط عليه كلبا من كالبك))، فكان ال ينام إال وسط رفاقه خو ًا من‬
                      ‫د‬
  ‫دعوة الرسول ، لكن ذلك لم يمنعه، وفي بعض أسفاره استيقظ على أس ٍ مفترس قد نشب مخالبه‬
        ‫في صدغيه، فجعل يصرخ ويقول: يا قوم، قتلتني دعوة محمد، لكن ذلك لم يغن عنه شيئا.‬
                      ‫ل ز‬            ‫ز‬                                      ‫ت‬            ‫ز‬
   ‫م ّق كسرى رسال َه، فدعا عليه ، فقتله اهلل في وقته، وم ّق ملكه ك ّ مم ّق، فلم يبق لعأكاسرة‬
                                          ‫َر‬          ‫ِن ن ك ه‬                       ‫ق‬
        ‫ملك بعده، تحقي ًا لقوله تعالى: إ َّ شَا ِئَ َ ُوَ األَبْت ُ [الكوثر:3] أي: مبغضك، فكل من شنأه‬
‫وأبغضه وعاداه فإن اهلل يقطع دابره ويمحق عينَه وأثره، وفي الصحيح عن النبي أنه قال: ((يقول‬
                                                                    ‫ي‬
                 ‫اهلل تعالى: من عادى لي ول ّا فقد آذنته بالحرب))، فكيف بمن عادى سيد األنبياء ؟!‬
                                                        ‫م زئ‬                         ‫ِن‬
 ‫ويقول سبحانه: إَّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ [الحجر:19]، قال ابن سعدي رحمه اهلل في تفسيرها: "وقد‬
           ‫ّ‬
‫فعل تعالى، فما تظاهر أحد باالستهزاء برسول اهلل وبما جاء به إال أهلكه اهلل وقتله شر قتلة" اهـ.‬
       ‫أخرج الطبراني في األوسط والبيهقي وأبو نعيم كالهما في الدالئل وابن مردويه بسند حسن‬
                              ‫م ْزئ‬                       ‫ِن‬
 ‫والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَه ِ ِينَ قال: المستهزئون الوليد بن‬
    ‫المغيرة واألسود بن عبد يغوث واألسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن‬
                      ‫ل‬
    ‫وائل، فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول اهلل ، فقال: أرني إياهم، فأراه ك ّ واحد منهم، وجبريل‬
                                ‫ته‬                                           ‫ل‬
‫يشير إلى ك ّ واحد منهم في موضع من جسده ويقول: كَفَي ُكَ ُ، والنبي يقول: ((ما صنعت شيئا!))‬
                                          ‫ً‬
‫فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبال فأصاب أكحله فقطعها، وأما األسود بن المطلب‬
    ‫ي‬                  ‫ط‬                             ‫ي‬
   ‫فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بن ّ، أال تدفعون عني؟! قد هلكت و ُعنت بالشوك في عين ّ،‬
                                                            ‫ئ‬
‫فجعلوا يقولون: ما نرى شي ًا، فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه، وأما األسود بن عبد يغوث فخرج‬
 ‫في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء األصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه‬
    ‫فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة‬
                                                                                                                  ‫فقتلته.‬
             ‫ب‬             ‫ب‬
  ‫لكن يا عباد اهلل، ما موقِفنا نحن؟ يجب أن نسأل أنفسنا: هل نحن نح ّ رسول اهلل ح ّا صادقا، أم‬
   ‫َب إ ه م و ِ ه وَ ه َالن س‬                      ‫ي من حد ُ َت ك‬
   ‫أن األمر مجرد ادعاء؟! يقول : ((ال ُؤْ ِ ُ أَ َ ُكمْ ح َّى أَ ُونَ أَح َّ ِلَيْ ِ ِنْ َالدِ ِ وَ َلدِ ِ و َّا ِ‬
    ‫إ‬        ‫َب إَي م ُل‬                     ‫ي رس الل‬                                        ‫مع ن‬
  ‫أَجْ َ ِي َ))، قال عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه: َا َ ُولَ َّهِ ألَنْتَ أَح ُّ ِل َّ ِنْ ك ِّ شَيْءٍ ِال‬
  ‫ه ع َر‬               ‫َب إ ك م سك‬                    ‫س ب َ ه َت ك‬                  ‫و َّ‬       ‫الن ِي‬           ‫م س‬
 ‫ِنْ نَفْ ِي، فَقَالَ َّب ُّ : ((ال َالذِي نَفْ ِي ِيدِ ِ، ح َّى أَ ُونَ أَح َّ ِلَيْ َ ِنْ نَفْ ِ َ))، فَقَالَ لَ ُ ُم ُ:‬
                           ‫ع َر‬               ‫الن ِي‬           ‫َب إَي م س‬                          ‫َالل‬          ‫ِن‬
                        ‫فَإ َّك اآلنَ ـ و َّهِ ـ ألَنْتَ أَح ُّ ِل َّ ِنْ نَفْ ِي، فَقَالَ َّب ُّ : ((اآلنَ يَا ُم ُ)).‬
  ‫وهذا أبو بكر رضي اهلل عنه يبكي فرحًا حينما علم أنه رفيق لرسول اهلل في هجرته، وهو يمشي‬
           ‫ف‬                                                ‫ر‬
 ‫أمامه في الهجرة يوم يذكر ال ّصد، ويمشي خلفه يوم يذكر الطلَب، حتى إذا جاء أمر َداه بنفسه.‬
    ‫ش‬
   ‫وهذه نسيبة بنت كعب المازنية أم عمارة، امرأة تحمل السيف تذود عن رسول اهلل حينما تك ّف‬
           ‫ب‬
 ‫عنه الرجال، فيقول لها: ((سليني يا أم عمارة))، فتقول: أسألك مرافقتك في الجنة، ح ّ في الدنيا‬
                                                                                                                ‫ب‬
                                                                                                     ‫وح ّ في اآلخرة.‬
          ‫أ‬                                          ‫ي‬          ‫ر‬     ‫أ‬
       ‫وبعد أن انتهت غزوة ُحد م ّ جيش النب ّ وهو عائد للمدينة بامرأة من بني دينار وقد ُصيب‬
               ‫م‬       ‫ر‬                                            ‫ن‬
      ‫زوجها وأخوها وأبوها، فلما ُعوا لها قالت: فما فعل رسول اهلل ؟ قالوا: خي ًا يا أ ّ فالن، هو‬
       ‫م‬                                                                   ‫ب‬
   ‫بحمد اهلل كما تح ّين، قالت: أرونيه حتى أنظرَ إليه، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت: كل ُصيبة‬
                                                                                                      ‫ل‬
                                                                                     ‫بعدك جَل ـ تريد صغيرة ـ.‬
      ‫ّ‬
   ‫ولما أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي رضي اهلل عنه عندما كان مشركا يفاوض النبي في‬
  ‫صلح الحديبية، فرأى نماذج من حب الصحابة له ، رجع إلى قريش فقال لهم: "أي قوم، واهلل لقد‬
           ‫ل ط ظ‬                                                                  ‫ت‬
         ‫وفد ُ على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، واهلل ما رأيت مِكا ق ّ يع ّمه‬
                ‫ف‬                      ‫خ‬                ‫م‬                ‫ظ‬
 ‫أصحابه ما يع ّم أصحاب محمد مح ّدا، واهلل إن تن ّم نخامة إال وقعت في ك ّ رجل منهم، فدلك‬
       ‫ل‬                                   ‫ض‬
      ‫بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا تو ّأ كادوا يقتَتلون على وضوئه، وإذا تكّم‬
                                                                           ‫د‬
                                                  ‫خفضوا أصواتهم عنده، وما يح ّون النظر إليه تعظيما له".‬
             ‫ر د‬                                                              ‫ب‬
     ‫هذا هو ح ّ الصحابة لرسول اهلل ، فهل نحن نحب رسول اهلل أو أن األمر مج ّد ا ّعاء؟! هل‬
                                                                                                  ‫ق‬
                                            ‫نو ّره؟! هل ننشر سنته؟! هل نتأدب بآدابه؟! هل نقتدي بهديه؟!‬
‫إ َّا أرْ َلْنَاكَ شَاه ًا َ ُ َش ًا َنذِي ًا ِ ُؤْ ِ ُوا ب َّ ِ و َ ُوِ ِ َُ َز ُو ُ َ ُ َق ُو ُ َ ُسِّ ُو ُ ُك َ ً ََ ِي ً‬
‫ِد ومب ِّر و َ ر لت من ِالله َرس له وتع ِّر ه وتو ِّر ه وت َبح ه ب ْرة وأص ال‬                                    ‫ِن َ س‬
                                                                                                          ‫[الفتح:8، 9].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
       ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫ب‬
                               ‫الحمد هلل ر ّ العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين.‬
‫وبعد: عباد اهلل تعالى، ح ّ الرسول عقيدة ي ّفق عليها ك ّ المسلمين بشتى طوائفهم وأفكارهم، فك ّ‬
‫ل‬                                    ‫ل‬           ‫ت‬                ‫ب‬
            ‫م‬                                ‫م‬                           ‫ب‬          ‫ت‬
      ‫القلوب مج َمعة على ح ّه ، لهذا يجب علينا أن نستث ِر هذه األزمة العالمية التي تتنا َى بسبب‬
                                                        ‫م‬                     ‫ر‬
‫التع ّض لشخصه في توحيد األ ّة وجمع كلمتها حول الرسول ؛ لتكون غضبة المسلمين لدينهم في‬
 ‫االتجاه الصحيح، يجب أن نشيع توقير الرسول وتعريف الجيل به وبشمائله ، يجب على األمهات‬
                   ‫د‬                                                 ‫ن ب‬
  ‫أن يرضعن أوالده ّ مح ّة رسول اهلل ، وعلى اآلباء أن يجعلوا من السيرة ما ّة لجلسات العائلة،‬
            ‫ت‬                                   ‫ص‬                    ‫ل‬
 ‫وعلى المعّمين أن يخصصوا بعض ح َصهم لسيرته العطرة . وهل نجد فرصة لنّفق عليها في‬
                                             ‫ت‬
        ‫زمان كثر فيه االختالف أعظم من فرصة أن ت ّفق القلوب والجهود للدفاع عن الرسول ؟!‬
         ‫ت‬
 ‫إنها فرصة تاريخية نشعر فيها بالسعادة إذا رأينا جهودَ الدول والشعوب والمؤسسات ت ّفق جيمعا‬
  ‫ن ب‬
‫على شيء واحد، كيف وهذا الشيء هو الدفاع عن الرسول والذب عنه؟! يجب علينا أن نعل َ حّنا‬
                              ‫ب‬
‫لرسول اهلل وغضبنا له، وأن نرفض التعامل مع هؤالء الذين يس ّونه ، ونقاطع كل منتج يأتينا من‬
                                                                                        ‫عندهم.‬
      ‫اللهم يا حي يا قيوم، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، يا جبار السموات واألرض، يا سريع‬
                           ‫ل‬                              ‫ي‬
     ‫االنتقام، اللهم أرنا فيمن أساء لنب ّك عجائب قدرتك وصنعِك، اللهم ش ّ أيديهم وألسنتهم، وأعم‬
‫بصيرتهم وأبصارهم، اللهم اجعلهم عبرة للعالمين، اللهم يا من له العزة والجالل، ويا من له القدرة‬
‫والكمال، ويا من هو الكبير المتعال، اللهم ال تبقِ لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم أنت بهم‬
                                                                           ‫عليم وعليهم قدير...‬

‫(5/0364)‬




                                                                                ‫فداك أبي وأمي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                       ‫اإليمان, سيرة وتاريخ, موضوعات عامة‬
                                                       ‫اإليمان بالرسل, الشمائل, جرائم وحوادث‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                       ‫سلمان بن يحيى المالكي‬
                                                                       ‫مدينة تدريب األمن العام‬
                                                                                ‫07/75/6745‬
                                                                        ‫جامع أبي بكر الصديق‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضائل النبي وشمائله. 7- العداء السافر على المصطفى . 3- نماذج من شهادات األعداء.‬
                    ‫ق‬
  ‫4- حكم من سب رسول اهلل . 1- نماذج من دفاع اهلل سبحانه لنبيه . 6- ِدم الهجوم اإلعالمي‬
  ‫على اإلسالم ورسوله. 2- أسباب هذه الهجمة الشرسة ضد نبينا محمد وبيان مدى تأثيرها. 8-‬
                                      ‫دور المسلم تجاه هذه الشائعات والتجاوزات على نبي اهلل .‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫اللهم إنا نشكو إليك ضعفَ الحال وقلةَ الحيلة، وكثرةَ الذنوب وضعف الوسيلة، ال رجاء لنا إال في‬
  ‫رحمتك، وال طمع إال في عفوك، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق.‬
                                                   ‫ل‬
 ‫وأصلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، بّغ الرسالةَ وأدى األمانة ونصح لعأمة، وجاهدَ في اهلل‬
                             ‫ر‬
                  ‫حقَ جهاده حتى أتاه اليقين، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه خِيا ِ هذه األمة.‬
‫أما بعد: عباد اهلل، محمد أفضل األنبياء وأشرف المرسلين، إمام العالمين وقائد الغر المجلين، أمين‬
 ‫اهلل على وحيه ومصطفاه من خلقه، اختاره اهلل وبعثه رحمة للعالمين، حمل هداية رب السماء إلى‬
    ‫ي‬                                                ‫ت ش ع‬                    ‫ر‬
  ‫أهل األرض، نو ُ النبوة ومشكا ُها و ُعا ُها، قرن اهلل اسمه باسمه في األذان وجعل شأنه عال ًا،‬
 ‫وتفضل عليه بالوحي والرسالة، واصطفاه من بين خلقه ليكون خاتمَ النبيين، وكان فضل اهلل عليه‬
   ‫عظيمًا، جعل له لواء الحمد والمقام المحمود، صاحب الوجه الوضاء والطهر والقداسة والبهاء،‬
                 ‫ر‬             ‫ر‬                                     ‫ة ض ء‬
    ‫أعظم استنار ً و ِيا ً من القمر ليلة البدر، يفيض سماحة وبش ًا ونورا وسرو ًا، طلعته آسرة‬
‫تأخذ باأللباب، كل من رآه عرف صدقه في وجهه، من القوم من ارتعدت فرائسه وهو ينظر إليه،‬
                   ‫ء‬               ‫ر‬                        ‫ال‬          ‫ب‬
     ‫ومنهم من بكى إعجا ًا به وإجال ً، ما كان عابسًا وال مكش ًا، كان أشد حيا ً من العذراء في‬
                                                                          ‫ُر‬
    ‫خدرها، إذا س َّ استنار وجه كأنه قطعة قمر، أهدب األشفار، أكحل العينين، كأنه سبيكة فضة،‬
        ‫ي‬                                      ‫ر‬
‫مليح الوجه، يقول أنس : (ما مسست حري ًا وال ديباجا ألين من كف الرسول ). كان ُعرف بريح‬
                                                   ‫م‬                   ‫ن‬
        ‫الطيب إذا أقبل، أحس ُ الناس خلقًا، وأكر ُهم وأتقاهم، يمشي مع المساكين، تأخذه الجارية‬
                            ‫ل‬
 ‫الصغيرة بيدها فينطلق معها لقضاء حاجتها، يزور األنصار ويسّم على صبيانهم، يأتي ضعفاءهم‬
                              ‫ق‬
    ‫ويعود مرضاهم، يشهد الجنائز ويجلس ويأكل على األرض، يع ِل الشاة فيحلبها، يخصف نعله‬
                                 ‫ء‬             ‫ي‬
   ‫ويخيط ثوبه ويخدم أهله، كان يبيت الليالي طاو ًا ال يجد عشا ً، ال يجد ما يمعأ بطنه من الدقل‬
    ‫وهو التمر الرديء، يعصب الحجر على بطنه من الجوع، يقبل الهدية وال يأخذ الصدقة، كان‬
   ‫م‬                  ‫و‬                                                 ‫يت‬
  ‫أشجع الناس، ُ ّقى به في الحرب والقتال، كان أرحم الناس، يمتلئ عف ًا وصفحا وسخاء وكر ًا‬
   ‫م‬                ‫م‬                 ‫م‬                                                ‫د‬
  ‫وجو ًا، تمر به الهرة فيسقي لها اإلناء لتشرب منه، عظي ًا في أخالقه، عظي ًا في آدابه، عظي ًا‬
                                                                                 ‫في شمائله .‬
                                            ‫ذ‬                             ‫ل‬
                                      ‫ألَم تر أن اهلل خّد ذكره…إذا قال في الخمس المؤ ّن أشهد‬
                                                    ‫م‬            ‫ل‬                ‫ق‬
                                      ‫وش ّ له من اسْمه ليجّه…فذو العرش َحمود وهذا محمد‬
      ‫س‬                            ‫د‬                                 ‫د‬      ‫ال‬
    ‫أوفر الناس عق ً، وأس ّهم رأيًا، وأصحهم فكرة، وأسخاهم ي ًا، وأنداهم راحة، وأجودهم نف ًا،‬
‫يعطي عطاء من ال يخشى الفقر، يجود ويقول: ((أنفق يا بالل، وال تخشَ من ذي العرش إقالال)).‬
          ‫ر‬             ‫ذ‬                                                    ‫ر‬
         ‫أرحب الناس صد ًا، وأوسعهم حلمًا، ال يزيده جهل الجاهلين عليه إال أخ ًا بالعفو وأم ًا‬
    ‫بالمعروف، يمسك بغرة النصر، وينادي أسراه في كرم وإباء: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)). أعظم‬
                                               ‫ي‬                        ‫ي‬
 ‫الناس تواضعًا، ُخالط الفقير والمسكين، و ُجالس الشيخ واألرملة، ال يتميز عن أصحابه بمظهر،‬
       ‫م م‬                                          ‫ُي‬                      ‫ة‬
 ‫ألين الناس عريك ً، وأسهلهم طبعًا، ما خ ِّر بين أمرين إال اختار أيسرهما ما لم يكن ُحر ًا، وهو‬
                    ‫ته‬
‫مع هذا أحزمهم عند الواجب، وأشدهم مع الحق، ال يغضب لنفسه، وإذا انُ ِكت حرمات اهلل لم يقم‬
                                  ‫ي‬
      ‫لغضبه شيء وال يستطيع أن يقف أحد في طريقه، كأنما ُفقأ في وجهه حب الرمان من شدة‬
   ‫الغضب؛ تعظيمًا لحرمات اهلل وغضبًا لها. أشجع الناس قلبًا، وأقواهم إرادة، يتلقى الناس بثبات‬
        ‫ن‬                                                          ‫ال‬
      ‫وصبر، يخوض الغمار قائ ً: ((أنا النبي ال كذب، أنا أبن عبد المطلب)). أعف الناس لسا ًا،‬
                         ‫ر‬                              ‫م‬
 ‫وأوضحهم بيانًا، يسوق األلفاظ ُفصلة كالدر، مشرقة كالنور، طاه ٌ كالفضيلة، في أسمى مراتب‬
         ‫ف‬
     ‫العفة وصدق اللهجة، صاحب عفة وطهر ونزاهة، أعدلهم في الحكومة، وأعظمهم إنصا ًا في‬
                                                                       ‫قد‬
    ‫الخصومة، يَ ِي ُ من نفسه، ويقضي لخصمه، يقيم الحدود على أقرب الناس، ويقسم بالذي نفسه‬
    ‫بيده: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). يقيم الحدود، ويقسم بالعدل بين الناس،‬
 ‫أسمى الخليقة روحًا، وأعالها نفسًا، وأزكاها وأعرفها باهلل، وأشدها صالبة وقيامًا بحقه، وأقومها‬
   ‫بفروض العبادة ولوازم الطاعة، مع تناسق غريب في أداء الواجبات، واستيعاب عجيب لقضاء‬
         ‫ق‬            ‫ق‬           ‫ق‬                ‫ب‬          ‫حق‬    ‫ل‬      ‫ي‬
   ‫الحقوق، ُؤتي ك ّ ذي ٍّ حقه، فلر ّه حق، ولصاحبه ح ّ، ولزوجه ح ّ، ولدعوته ح ّ، أزهد‬
       ‫د‬                     ‫ُقد‬                            ‫ل‬                  ‫د‬
 ‫الناس في الما ّة، وأبعدهم عن التعّق بعرض هذه الدنيا، يطعم ما ي َّم إليه، فال يرد موجو ًا، وال‬
                                                                                  ‫ل‬
 ‫يتكّف مفقودا، ينام على الحصير واألدم المحشو بالليف، أرفق الناس بالضعفاء، وأعظمهم رحمة‬
                                   ‫بالمساكين والبؤَساء، شملت رحمته وعطفه اإلنسان والحيوان.‬
                                                          ‫خل‬     ‫ن‬                ‫ر‬        ‫خ‬
                                             ‫ُلِقت مب ّأً من كل عيب…كأ ّك قد ُِقتَ كما تَشاء‬
                                                                       ‫ي‬
     ‫ولو لم يكن للنب ّ من الفضل إال أنه الواسطة في حمل هداية السماء إلى األرض وإيصال هذا‬
     ‫ي‬                                              ‫ل‬         ‫ً‬
  ‫القرآن الكريم إلى العالم لكان فضال ال يستق ّ العالم بشكره، وال تقوم اإلنسانية بكفائه، وال ُوفي‬
    ‫الناس حامله بعض جزائه. إنها العظمة الماثلة في كل قلب، المستقرة في كل نفس، يستشعرها‬
                   ‫ز‬
‫القريب والبعيد، ويعترف بها العدو والصديق، وتهتف بها أعواد المنابر، وتهت ّ لها ذوائب المنائر.‬
                     ‫ي‬                    ‫ت‬                 ‫خ ي‬
                ‫إنه النبي محمد حيث الكمال ال ُلق ّ بالذروة التي ال ُنال، والسمو الذي ال ُسامى.‬
               ‫ي‬        ‫ة‬        ‫ر‬                ‫م‬            ‫ة ر‬
      ‫أيها المسلمون، ثالث ُ أشه ٍ وعشرونَ يو ًا مرت منذ أن تج ّأت صحيف ُ دانمرك ّة من أوسع‬
  ‫ع‬                   ‫ق‬      ‫ف‬         ‫ي‬                               ‫ر‬
  ‫الصحف اليومية انتشا ًا في الدانمارك على اإلساءةِ لنبّنا ، أشر ِ مخلو ٍ وأطهرِ إنسان وأرف ِ‬
             ‫ي‬            ‫ر‬      ‫َ م‬                             ‫ة‬
 ‫من خطا على هذه البسيط ِ، نشرت هذه الجريدة اثني عشر رس ًا ساخ ًا كاريكاتور ًا للنبي محمد‬
    ‫ق‬                                        ‫ة‬              ‫ف‬        ‫أقل‬
   ‫عليه الصالة والسالم، ُّ ما توص ُ به أنها بذيئ ٌ ومنحطة إلى أبعد الحدود، على هيئة مسابَ َة‬
               ‫م‬      ‫ي‬                                      ‫س‬                        ‫ع‬
    ‫ُرضت على أكثر من خمسين ر ّاما، أظهر منهم اثنا عشر قبيحا وقِحا نبّنا مح ّدا أنه مجرم‬
‫حرب، إضافة إلى بعض الرسومات التي تمس عالقة المسلم بربه في أقدس فريضة وهي الصالة،‬
        ‫ة‬                           ‫مائ ٌ وعشر ُ أيامٍ أو قل: ألفا ِ وستمائ ٍ وأربعون ساع ً تصر‬
  ‫َّمتْ على هذه الفعلةِ الشنيع ِ، وذلك‬  ‫ة‬             ‫ة‬        ‫ن‬                   ‫ة‬      ‫ة‬
   ‫ة‬
   ‫في يوم الثالثاء الموافق 67 من شهر شعبان لعام 6745 للهجرة النبوية. ثم تقدم مجلة نرويجي ٌ‬
                                                   ‫ة م‬              ‫ت‬
   ‫على إعادة نشر الصورِ ذا ِها بعد مائ ِ يو ٍ، وبالتحديد في اليوم العاشر من ذي الحجة يوم الحج‬
                                         ‫ن‬
    ‫األكبر، يوم عيد األضحى المبارك، لتنكأ الجراح وتش ّ الغارة من جديد, إمعانا للعداء وإغاظة‬
   ‫دة‬                              ‫ن‬                                           ‫ع‬
‫للمسلمين، مشفو ًا بتعليقٍ لرئيس تحرير تلك المجلة قائال: "إ ّ حرية التعبير في منطقتنا مه ّد ٌ من‬
                                                                      ‫ل‬
                                                       ‫دين ليس غريبًا عليه الّجوء إلى العنف".‬
                              ‫ش‬                             ‫به َ ه ْ ْم غ‬                ‫و‬
     ‫أَتَ َاصَوْا ِ ِ بلْ ُم قَو ٌ طَا ُونَ [الذاريات:31]. كفرة فجرة ِرذمة مردة يشنون غارات على‬
                      ‫ق‬             ‫ت‬
‫شخصية محمد بن عبد اهلل عليه الصالة والسالم، رسوما ٌ وصور آثمة و ِحة وقاحةَ الكفر بأهله.‬
‫فيا هلل، ماذا بقي في الحياة من لذة عندما ينال من مقام محمد ثم ال ننتصر له؟! ماذا نقول تجاه هذا‬
  ‫ع‬
‫العداء السافر والتهكم المكشوف؟! أنغمض أعيننا؟! أنصم أذاننا؟! أنطبق أفواهنا وفي الجسد ِرق‬
                                                 ‫ر‬
   ‫ينبض، وفي القلب حب يدفق؟! والذي ك ّم محمدا وأعلى مكانته ، لبطن األرض أحب إلينا من‬
         ‫ف‬          ‫ل‬          ‫ف‬
 ‫ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن نبينا ، أال ج ّت أقالم وشّت سواعد و ُقعت عيون‬
 ‫وغصت حناجر امتنعت عن تسطير األحرف والنطق بالكلمات للذود عن حياض وجناب النبي .‬
                                                        ‫م‬
                                             ‫فإن أبي ووالده وعرضي…لعرض مح ّد منكم فداء‬
                                                                      ‫د ت‬
 ‫ولم تنته القصة بع ُ ل ُبارَك هذه الرسومات من ملكة تلك الدولة النصرانية الصليبية الكافرة، وهي‬
    ‫ـ وربي ـ كبقية دول أوربا وأمريكا الشمالية التي تدين بعقيدة التثليث الباطلة الفاشلة الفاسدة‬
                        ‫لكل‬
   ‫الكاسدة، وال غرو وال عجب، فمن الطبيعي أن تظل كغيرها عدوة ِّ ما يمت لإلسالم بصلة،‬
    ‫هذه الدولة ظلت منذ عدة أشهر تسخر عبر صحفها ووسائل إعالمها من رسولنا الكريم ونبينا‬
                              ‫ي‬
‫العظيم ، ال لشيء إال ألن بعض أبناء شعبها بدؤوا يفكرون جد ًا بالتخلي عن نصرانيتهم واعتناق‬
  ‫اإلسالم، كغيرهم من شعوب العالم الذين أبهرتهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من‬
                                                                    ‫تداعيات ال تخفى على أحد.‬
       ‫ن‬                                                                               ‫ن‬
 ‫إ ّ ما تقوم به الدنمارك وتؤيدها النرويج وتسكت عنه بقية دول العالم النصراني يؤكد أ ّ الحرب‬
‫القائمة بين اإلسالم والنصرانية في أفغانستان والشيشان والعراق حرب دينية عقدية، وإن تبرقعت‬
                       ‫بغطاء مكافحة اإلرهاب, أو تلفعت بمرط محاربة الدكتاتوريات في العالم.‬
  ‫عباد اهلل، لقد أنصف بعض الكفار نبينا عليه الصالة والسالم لما قرؤوا سيرته ورأوا عظيم دينه‬
                 ‫و‬       ‫د‬
  ‫أخالقه، يقول مايكل هارت في كتابه الخالدون المائة: "لقد اخترت محم ًا في أ ّل هذه القائمة ـ‬
                   ‫ح‬
       ‫بعد أن ذكر مائة رجل ـ ألنه هو اإلنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجا ًا مطلقًا على‬
                        ‫ي‬        ‫ي‬       ‫د‬
‫المستوى الديني والدنيوي، دعا إلى اإلسالم وأصبح قائ ًا سياس ًا وعسكر ًا ودينيًا، ولما كان محمد‬
   ‫قوة جبارة ال يستهان بها يمكن أن أقول: إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ". ويقول األديب‬
                                                      ‫د ر‬                 ‫ت ل و‬
     ‫العالمي ُوُسْتْ ِي: "يكفي محم ًا فخ ًا أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات‬
‫الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وإن شريعة محمد ستسود العالم النسجامها مع‬
                                                                    ‫ش‬
  ‫العقل والحكمة". ويقول ِبْرِك النمساوي: "إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنه‬
 ‫رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن األوروبيين أسعد ما نكون‬
        ‫إذا توصلنا إلى قمته". ويقول اإلنجليزي توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل في كتابه‬
     ‫ي‬           ‫ي‬
  ‫األبطال: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن ُصغي إلى ما ُقال‬
  ‫من أن دينَ اإلسالم كذب، وأن محمدا خداع مزور، وقد رأيناه طول حياته راسخَ المبدأ، صادق‬
                                                  ‫ال ر‬       ‫ي‬             ‫ر‬
  ‫العزم، كريمًا ب ًا رؤوفًا، تق ًا فاض ً ح ًا، رجالً شديد الجد مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب‬
 ‫ال‬                                                                  ‫ب‬
 ‫لين العريكة، جم ال ِشْر والطالقة، حميد العشرة حلو اإليناس، بل ربما مازح وداعب، كان عاد ً‬
                                                                       ‫صادق النية ذكي اللب".‬
‫وهكذا ـ عباد اهلل ـ تتوالى الشهادات من األعداء ومن مخالفيه عليه الصالة والسالم؛ ألنه ما من‬
                                                                                  ‫د‬
  ‫أحد ا ّعى النبوة من الكذابين إال وظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين ما‬
  ‫فضحه، وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إال وظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع‬
  ‫الخيرات ما ميزه عن غيره، وصدقت خديجة رضي اهلل عنها لما قالت: (أبشر، فواهلل ال يخزيك‬
                                                                           ‫د‬
  ‫اهلل أب ًا؛ إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين‬
‫على نوائب الحق)، ولما سمعه ورقة بن نوفل عرفه وقال: (هذا الناموس الذي نزل على موسى)،‬
   ‫وعرفه بحيرا الراهب بصفته وهو صغير، وعرفته الجن لما سمعوا كالمه، وعرفه ملك الروم‬
  ‫هرقل لما سأل أبا سفيان أسئلة فأجابه عنها، ثم قال له هرقل: "سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم‬
 ‫ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن‬
                            ‫ٍ‬      ‫ت‬        ‫ت‬
‫ال، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقل ُ: رجل يأّسى بقول قيل قبله، وسألتك: هل كان من‬
                          ‫ت‬
      ‫آبائه من ملك؟ فذكرت أن ال، فقلت: لو كان من آبائه من ملك لقل ُ: رجل يطلب ملك أبيه،‬
                                                                      ‫ت‬
‫وسألتك: هل كنتم ت ّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن ال، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر‬
                              ‫ت‬
     ‫الكذبَ على الناس ويكذب على اهلل، وسألتك: أشراف الناس اّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن‬
 ‫ضعفاءَهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك‬
                                                         ‫د‬               ‫م‬
      ‫اإليمان حتى يت ّ، وسألتك: أيرت ّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن ال، وكذلك‬
   ‫اإليمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن ال، وكذلك الرسل ال تغدر،‬
     ‫وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبد اهلل وال تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة‬
                           ‫ق‬
 ‫األوثان، ويأمركم بالصالة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول ح ًا فسيملِك موضع قدمي هاتين،‬
           ‫ش‬                                          ‫ن‬
  ‫وقد كنت أعلَم أنه خارج، ولكني لم أظ ّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتج ّمت لقائه،‬
                                                              ‫ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه".‬
              ‫سب‬
     ‫أيها المسلمون، نبينا محمد عندنا في مقام عظيم، وفي نفوسنا له منزلة كبيرة، ُّه من أعظم‬
                    ‫د‬                                                    ‫د‬
 ‫المحرمات وكفر ور ّة عن اإلسالم بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك القائل جا ًا أم هازالً، وعقوبة‬
                                                 ‫ن‬                                       ‫ب‬
‫من س ّ النبي عليه الصالة والسالم في الدنيا أ ّ اهلل يذيقه العذاب المهين، إن كان مسلمًا ال تمنعه‬
        ‫ر‬      ‫ن ي‬
       ‫التوبة من قتله وإقامة الحد عليه على القول الراجح، وإن كان من الكفار فإ ّ النب ّ قد ج ّد‬
                                 ‫ب‬
  ‫الكتائب لقتلهم، كما فعل ببعض اليهود الذين وقعوا فيه وس ّوه وشتموه في شعرهم، فأرسل إليهم‬
                                                                    ‫ر‬
    ‫من اغتالهم على ف ُشهم وفي عقر دارهم. ولما فتح مكة أهدر دم عبد اهلل بن أخطل المشرك،‬
‫فقبض عليه وهو متعلق بأستار الكعبة، فجعل يتوسل يقول: يا محمد، من للصبية؟ فقال: ((النار))،‬
                                               ‫وقتله عند الكعبة، تلك حرمة محمد بن عبد اهلل .‬
                   ‫م ْزئ‬                       ‫ِن‬                          ‫َالله ي صم م الن‬
    ‫وصدق اهلل: و َّ ُ َعْ ِ ُكَ ِنْ َّاسِ [المائدة:26]، وقال: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَه ِ ِينَ [الحجر:19]،‬
                              ‫ع ْده‬       ‫الله ب‬                              ‫سي ف ُ الله‬
 ‫وقال: فَ َ َكْ ِيكَهمْ َّ ُ [البقرة:235]، وقال: أَلَيْسَ َّ ُ ِكَافٍ َب َ ُ [الزمر:63]. قال الشيخ السعدي‬
‫رحمه اهلل: "وقد فعل سبحانه وتعالى، فما تظاهر أحد يعني باالستهزاء برسول اهلل وبما جاء به إال‬
                                                                                ‫أهلكه اهلل وقتله شر قتله".‬
‫ولقد جاءت الروايات مبينة لهذا، فأخرج الطبراني في األوسط والبيهقي وأبو النعيم في الدالئل عن‬
                                                      ‫م زئ‬                         ‫ِن‬
 ‫ابن عباس في قوله: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ قال: (المستهزئون الوليد بن المغيرة واألسود بن عبد‬
   ‫يغوث واألسود بن المطلب والحارث بن عبطة السهمي والعاصم بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم‬
     ‫إليه رسول اهلل فقال: أريني إياهم، فأراه كل واحد منهم وجبريل يشير إلى كل واحد منهم في‬
           ‫ال‬                                              ‫ت‬
     ‫موضع من جسده، ويقول: كَفَي ُكَه؛ فأما الوليد فمر برجل بن خزاعة وهو يريش نب ً فأصاب‬
                     ‫ب‬
‫أكحله فقطعها، وأما األسود بن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يا َني أال تدفعون عني؟ قد‬
                               ‫ئ‬
‫هلكت وطعنت بالشوك في عيني، فجعلوا يقولون: ما نرى شي ًا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه،‬
  ‫وأما األسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء األصفر‬
             ‫ر‬
 ‫في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف ف ُبط على شبرقة‬
    ‫فدخل من أخمص قدميه شوكة فقتلته، وكان بعض أعدائه مع أبيه في سفر، فنزلوا منزالً وهم‬
   ‫على الشرك، فقال أبوه للقوم: إني أخاف من أصحاب محمد على ولدي، إني أخاف من السباع،‬
    ‫اجعلوا حوله األمتعة وناموا حوله، فجاء أسد وهم نيام، فشمهم حتى وصل إلى ابنه فافترسه).‬
   ‫وروى أنس : (أن رجالً نصرانيًا أسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي عليه الصالة‬
‫ن‬                          ‫م‬                        ‫د‬
‫والسالم يعني الوحي، فعاد نصرانيًا فارت ّ، وكان يقول: ما يدري مح ّد إال ما كتبت له، فادعى أ ّ‬
   ‫هذا القرآن منه، فأماته اهلل فدفنوه ـ أي: دفنه النصارى ـ، فأصبح وقد لفظته األرض، فقالوا:‬
                                                                          ‫م‬
 ‫هذا فعل مح ّد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبحوا‬
     ‫وقد لفظته األرض لليوم الثاني، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب‬
                                                            ‫م‬
  ‫منهم فألقوه، فحفروا له وأع َقوا له في األرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته األرض، فعلموا‬
                                                              ‫أنه ليس من الناس) رواه البخاري ومسلم.‬
      ‫و‬
    ‫وذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه اهلل عن والده محمد شاكر وكيل األزهر سابقًا أن خطيبًا مف ّها‬
  ‫فصيحا كان يمدح أحد األمراء في مصر عندما أكرم طه حسين الذي كان يطعن في القرآن وفي‬
                              ‫و‬
   ‫العربية، فلما جاء طه حسين إلى ذلك األمير قام هذا الخطيب المف ّه يمدح ذلك األمير قائال له:‬
                                                               ‫جاءه األعمى فما…عبس بوجه وما تولى‬
 ‫وهو يقصد من شعره هذا إساءَة النبي عليه الصالة والسالم؛ ألن اهلل قال عن قصته عليه الصالة‬
                                    ‫م‬        ‫ج ه‬          ‫ع س و َل‬
‫والسالم مع ابن أم مكتوم: َبَ َ َتَوَّى أَنْ َاءَ ُ األَعْ َى [عبس:5، 7]، فلما صلى الخطيب بالناس‬
      ‫ن‬
      ‫قام الشيخ محمد شاكر والد الشيخ أحمد شاكر رحمهما اهلل وقال للناس: "أعيدوا صالتكم فإ ّ‬
                                                                      ‫ل‬
‫إمامكم قد كفر؛ ألنه تكّم بكلمة الكفر"، قال الشيخ أحمد شاكر: "ولم يدع اهلل لهذا المجرم جرمه في‬
   ‫الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في األخرى، فأقسم باهلل أنه رآه بعينه بعد بعض سنين، بعد أن كان‬
                ‫ق‬                                           ‫ال‬            ‫ز‬       ‫خ‬
  ‫عاليًا منتف ًا مستع ًا مهينًا ذلي ً خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتل ّى نعال المصلين‬
                                                                                ‫ل‬
                                                                       ‫ليحفظها في ذّة وصغار".‬
    ‫وهذا أحدهم ذهب لنيل شهادة الدكتوراه خارج بلده، فلما أتم دراسته وكانت تتعلق بسيرة النبي‬
                                     ‫ج‬
 ‫عليه الصالة والسالم طلب منه أستاذه النصراني أن يس ّل في رسالته ما فيه انتقاص للنبي عليه‬
      ‫الصالة والسالم وتعريض له، فتردد الرجل بين القبول والرفض، فاختار دنياه على آخرته،‬
                                                                   ‫ع‬
   ‫وأجابه إلى ما أراد طم ًا في تلك الشهادة، فما أن عاد إلى بلده حتى فوجئ بهالك جميع أوالده‬
                                                                        ‫و‬
                                            ‫وأهله في حادث مر ّع، ولَعذاب اآلخرة أشد وأنكى.‬
                                                                                ‫ل‬
      ‫اللهم ش ّ أيد وأخرس ألسنة تطاولت على نبيك . اللهم أرنا في أعدائك وأعداء رسولك الذلة‬
                             ‫ر‬
   ‫والصغار والعار والشنار يا رب العالمين. اللهم أرنا فيمن سبه مصي ًا أسود. اللهم انتقم لنبيك،‬
                                         ‫اللهم انتقم لنبيك، اللهم انتقم لنبيك، إنك عزيز ذو انتقام.‬
                         ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫د‬      ‫ت‬
    ‫الحمد هلل ليس له صاحبة ولم يّخذ ول ًا، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، والصالة والسالم على‬
   ‫محمد بن عبد اهلل، البشير النذير والسراج المنير، حامل لواء الحمد، والشافع المشفع يوم الدين،‬
  ‫أول الناس قيامًا من القبور، وأول الناس سيرا إلى ساحة البعث والعرض والنشور، وأول الناس‬
                                                   ‫ر‬                            ‫د‬
   ‫ورو ًا على الحوض، وأول الناس عبو ًا للصراط، وأول الناس دخوالً الجنة، اللهم صل وسلم‬
  ‫وزد وبارك عليه، نشهد أنه رسول اهلل حقًا، والداعي إلى سبيله صدقًا، تركنا على البيضاء ليلها‬
‫كنهارها ال يزيغ عنها إال هالك، علمنا فأحسن تعليمنا، وأدبنا فأحسن تأديبنا عليه الصالة والسالم،‬
  ‫اللهم ارضَ عن أصحابه وعن آله وذريته الطيبين الطاهرين، وعن خلفائه الميامين، ومن تبعهم‬
                                                                          ‫بإحسان إلى يوم الدين.‬
‫عباد اهلل، إن الهجوم اإلعالمي على اإلسالم ذو جذور قديمة قدم اإلسالم، وهو أحد األساليب التي‬
      ‫اتخذها الكفار للصد عن سبيل اهلل تعالى، بدأ من كفار قريش وحتى عصرنا الحاضر، وهذا‬
         ‫الهجوم له ألوان كثيرة ولكنها في أغلبها كانت محصورة في نطاق الشبهات والمغالطات‬
       ‫ي‬
 ‫والطعون، لكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر انتقل الهجوم إلى لون جديد قذر لم ُعهد من‬
     ‫قبل، وهو التعرض لشخص الرسول والنيل من عرضه وذاته الكريمة، وقد اتسم هذا الهجوم‬
‫بالبذاءة والسخرية واالستهزاء، مما يدل داللة واضحة أن هذا التهجم له منظمات وله استراتيجيات‬
‫خاصة، تتركز على استخدام وسائل اإلعالم، بل ويقوم به أناس متخصصون مدعومون من بعض‬
                                                            ‫ل‬
‫قساوسة النصارى ال كّهم، وليست هذه اإلساءات هي األول من نوعها، ومن المؤسف أن يمضي‬
    ‫عام 4007م بتأريخهم وقد أعلنوها حملة ظالمة جائرة قائلين: "مليون ضد محمد"; أي: مليون‬
       ‫قسيس ضد محمد ، وها هو عام 1007م يمضي كالعام الذي قبله، وال عجب فهذا القسيس‬
                                            ‫د‬
   ‫األمريكي جري فالويل يقول: "أنا أعتقد أن محم ًا كان إرهابيًا، وفي اعتقادي أن المسيح وضع‬
                                           ‫د‬
  ‫مثاال للحب كما فعل موسى، وأنا أعتقد أن محم ًا وضع مثاالً عكسيًا؛ ألنه لص وقاطع طريق"،‬
             ‫ث‬
‫ويقول بات روبت سون: "كان محمد مجرد متطرف ذو عيون متوحشة تتحرك عب ًا من الجنون"،‬
                            ‫وأحدهم يقول: "محمد شاذ جنسيا، يميل لعأطفال، ويتملكه الشيطان".‬
‫نعم، لقد أغاظهم محمد عليه الصالة والسالم، لقد أغاظهم انتشار دينه، لقد أغاظتهم شريعة الجهاد‬
   ‫التي جاء بها عليه الصالة والسالم، أغاظتهم قوة اإلسالم وسرعة انتشاره، أغاظهم أن اإلسالم‬
‫أول دين في العالم ينتشر سريعا، أغاظهم هذا التوقير واالحترام الذي يحظى به نبينا عليه الصالة‬
‫والسالم، مع تقصير كثير من المسلمين تجاهه. إن هذه القضية التي تثير غيرة كل مسلم تدفعه إلى‬
       ‫التساؤل عن أسباب هذه الهجمة الشرسة ضد نبينا محمد واألغراض الكامنة وراءها ومدى‬
                                                                                    ‫تأثيرها.‬
      ‫إن من أهم العوامل الداعية لظهور مثل هذه الهجمات الشرسة على النبي هو سرعة انتشار‬
    ‫اإلسالم، والتي أثارت غيرة هؤالء األعداء، مما جعلهم يخافون من انتشاره السريع، ليس في‬
      ‫الغرب فقط، بل والخوف أيضا من عودة المسلمين في العالم اإلسالمي إلى تمسكهم بدينهم.‬
         ‫ثانيا: استغالل ضعف المسلمين في كثير من الجوانب االقتصادية واإلعالمية والسياسية.‬
‫ثالثا: حسد القيادات وخصوصا الدينية، وقد وجد أن كثيرا من هذه القيادات تغيظهم شخصية النبي‬
                                ‫، لما يرون توقير المسلمين لهذا النبي الكريم وحبهم الشديد له.‬
     ‫رابعا: أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي أحد األسباب الرئيسة التي جعلتهم يزيدون من‬
 ‫تهجمهم ضد اإلسالم ونبي اإلسالم ، وإال فالهجوم على اإلسالم موجود من قديم، لكنها تظهر في‬
 ‫وقت دون وقت، وتصدر من شخص آلخر، وكان المسلمون يقومون بمواجهتها مباشرة، أما اآلن‬
                        ‫فقد أصبح الهجوم على النبي بشكل عام وعلى مرأى ومسمع من العالم.‬
     ‫خامسا: قضية التغريب، حيث يسعى الغرب إلى جعل العالم كله تحت هيمنته، سواء كان في‬
‫الثقافة أو الفكر أو االقتصاد، كما أنهم يريدون تغيير أفكار المسلمين لكي يوافقوا على خططهم في‬
   ‫مجال العولمة، إذ أصبح اإلسالم هو العدو األساسي لهم وخاصة بعد سقوط االتحاد السوفييتي.‬
    ‫سادسا: خطر اإلسالم وقوته وقدرته ووقوفه ضد الشيوعية، ومن خالل تجربتهم مع المسلمين‬
  ‫رأوا أن المسلمين كما وقفوا ضد التيار الشيوعي أنهم سيقفون في يوم من األيام ضد حضارتهم‬
                                                                                    ‫الغربية.‬
   ‫عباد اهلل، كيف نستطيع أن نواجه هذه الحملة؟ وما دور المسلم تجاه هذه الشائعات والتجاوزات‬
         ‫على نبي اهلل ؟ وما الخطوات العملية التي ينبغي أن تقوم بها الدول اإلسالمية وشعوبها؟‬
‫إن هناك كثيرا من الوسائل يستطيع المسلم بل والدول والشعوب عموما تطبيقها وفعلها على أرض‬
     ‫ت‬
  ‫الواقع، وخاصة إذا ما رتبت األوليات، كيف ال وقضية نصرة النبي من أهم األوليات التي ُناط‬
‫بها الدول اإلسالمية، وليست مشروعا شخصيا تحاك من ورائها مكاسب وأموال، وإنما هي قضية‬
‫أمة وقضية عقيدة، ينبغي أن تتواطأ جميع المؤسسات اإلسالمية في العالم على نصرة النبي والذب‬
‫عن دينه وعرضه الشريف، وتعريف العالم بأن هذا الرسول رسول اإلنسانية، وهو رسول العدالة‬
   ‫والصيانة والديانة، كما ينبغي نصرة النبي في نفوسنا بتطبيقنا شرعه واتباعنا سنته وهديه، فإن‬
 ‫هذا من أعظم النصر له، والمقاطعة المقاطعة التامة لهذه الدولتين الباغيتين وكل من ينهج نهجها‬
  ‫سياسيًا واقتصاديًا؛ جزاء اعتدائهم على حبيبنا ، وقد عرض ذلك مجلس الشورى برئاسة سماحة‬
     ‫الشيخ صالح بن عبد اهلل بن حميد حفظه اهلل، وكان من نتائج تلك المقاطعة السياسية من بالد‬
      ‫الحرمين ـ وفق اهلل والتها لكل خير وحرسهم من كل شر ـ أن تم استدعاء سفير المملكة‬
  ‫بالدانمارك، ونتج عن ذلك مقاطعة مجموعة من كبار التجار للمنتجات الدولتين، حتى إن بعض‬
 ‫البضائع ردت من ميناء جدة، ومنهم من أعلن المقاطعة عالنية مما نتج عن هذه المقاطعة خسائر‬
     ‫ال تحصى تجاوزت المليار دوالر، وقد نشرت الصحيفة المشؤومة في موقعها على اإلنترنت‬
       ‫تقريرا عن المقاطعة الشعبية في المملكة، واهتمت شركة آرال الدنمريكة وحدها بموضوع‬
      ‫المقاطعة في السعودية، وقالت: "إن السياسيين والقادة الدينيين شجعوا الناس على المقاطعة،‬
   ‫وشاركت محطات التلفزة في هذه الحملة بتعريف الناس بمنتجات شركة آرال، ومن المتوقع أن‬
       ‫تخسر الشركة في األيام القادمة الباليين". وبينت أن المقاطعة حملة شعبية واسعة يقوم بها‬
 ‫السعوديون تعبيرا عن غضبهم عن الرسومات التي نشرت عن الرسول محمد ، كما أشارت إلى‬
       ‫أن السفير الدنمركي في السعودية خاطب الزعماء الدنمركيين قائال: "إن الوضع في تطور‬
                                         ‫خطير". وهذا ـ وربي ـ أقل القليل تجاه نبينا محمد .‬
‫كما أنه ينبغي عرض سيرته وذلك من خالل الوسائل المتاحة بالمقالة والمطوية والكتاب والبرامج‬
      ‫المرئية والمسموعة، ومن خالل المدارس والمساجد والبيوت والمحافل، حتى يقف الصغير‬
  ‫والكبير على تفاصيل سيرته وسنته ، كيف ال وهو منا ونحن منه؟! وقد فزنا به وشرفنا بالنسبة‬
‫إليه. كما ينبغي تبادل العناوين والتعريف بكيفية الكتابة واالستنكار أقل ما نقوم به وتعريف الكفار‬
                                                 ‫الذين يعيشون بيننا بنبينا عليه الصالة والسالم.‬
  ‫اللهم أعز دينه وأعل شأنه وأعل ذكره. اللهم اجعلنا من أتباعه حقًا، ومن أهل سنته صدقًا. اللهم‬
     ‫ارزقنا شفاعته يوم الدين. اللهم اجعلنا من القائمين بحق نبينا يا عظيم. اللهم إنا نسألك وأنت‬
‫العظيم القوي الجبار أن تهلك هؤالء الذين وقعوا في نبينا، أرنا فيهم آية، اللهم إنا نسألك أن تسلط‬
                            ‫د‬      ‫ذ‬                                                 ‫د‬
‫عليهم جن ًا من عندك، اللهم أرنا فيهم هالكًا وبيال وخذهم أخ ًا شدي ًا، واجعلهم عبرة للمعتبرين يا‬
                                                                                 ‫رب العالمين.‬
           ‫سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسالم على المرسلين، والحمد هلل رب العالمين.‬

‫(5/5364)‬
                                                                                         ‫اإلسالم وسخرية اللئام‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                                             ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                ‫عبد اهلل بن عبيد اهلل بن عطاء‬
                                                                                                  ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                  ‫07/75/6745‬
                                                                                          ‫جامع ربيعة بن مالك‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- فضائل النبي . 7- نماذج من مسلسل االستهزاء والسخرية بدين اإلسالم وبرسوله عليه‬
     ‫الصالة والسالم. 3- وقفات مع هذه الهجمات الشرسة. 4- الواجب على المسلمين تجاه هذا‬
                                                                                                           ‫الحدث.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب اهلل جل وعال، وخير‬
         ‫الهدي هدي سيدنا محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة.‬
 ‫أيها المسلمون، يتفق أهل اإلسالم جميعا أن نبينا محمدا خير األنبياء والمرسلين، وأنه نبي آخر‬
  ‫الزمان، ختم اهلل به النبوة، وجعل رسالته سببا لدخول الجنة لمن بلغته فصدقها وآمن بها. ومن‬
  ‫شك أن يهوديا أو نصرانيا أو غيرهما يسعه أن يدين بغير اإلسالم بعدما علم به فليجدد إيمانه،‬
‫َ َّذ أ ت كت ِال‬                        ‫ِن الد ع ْ الل إل م وم‬
‫يقول اهلل تعالى وهو أصدق القائلين: إ َّ ِّينَ ِندَ َّهِ ا ِسْال ُ َ َا اخْتَلفَ ال ِينَ ُوُوا الْ ِ َابَ إ َّ‬
                  ‫الل ِ ِن الل َر ع حس‬                      ‫م ب ْد ج ُم ع ْم ب ي ب ُ وم ي ُ‬
‫ِنْ َع ِ مَا َاءَه ُ الْ ِل ُ َغْ ًا َيْنَهمْ َ َنْ َكْفرْ بِآيَاتِ َّه فَإ َّ َّهَ س ِي ُ الْ ِ َابِ [آل عمران:95]،‬
              ‫ِر‬          ‫ِ ةم‬        ‫يَ مه هَ ف‬                   ‫دن‬         ‫إل‬               ‫وم ي‬
       ‫ويقول تعالى: َ َنْ َبْتَغِ غَيْرَ ا ِسْالمِ ِي ًا فَلَنْ ُقْبلَ ِنْ ُ وَ ُو ِي اآلخرَ ِ ِنَ الْخَاس ِينَ [آل‬
  ‫عمران:18]، وعن أبي هريرة عن رسول اهلل أنه قال: ((والذي نفسي محمد بيده، ال يسمع بي‬
‫أحد من هذه األمة يهودي وال نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إال كان من أصحاب‬
                                                                                             ‫النار)) رواه مسلم.‬
                                                                 ‫م‬
  ‫وقد شهد ظهور اإلسال ِ حربا شعواء من أهل الكفر والضالل، وناصبه العداء كثير منهم، ألنه‬
                        ‫َر‬                                                                 ‫ي‬
    ‫غ ّر المعالم، ونسف األعراف الجاهلية المبنية على الظلم والعدوان، فأق َّ بالمساواة بين السيد‬
               ‫َر‬                                                           ‫ح‬
     ‫والمملوك، و َفِظَ الحقوق ألصحابها بغض النظر عن الجنس واللون والديانة، وح ّمَ التفاخر‬
        ‫د‬         ‫ت َد ر‬                    ‫َر‬                ‫َّ‬             ‫ز‬
    ‫باألحساب والتناب َ باأللقاب، وعَظمَ حق المرأة وك َّمها بعد أن كانت ُع ُّ عا ًا يجب وأ ُه في‬
      ‫المهد، إلى غير ذلك من المبادئ العظيمة التي تعأأل نورها مبددا ظالم الجهل والظلم، وفاح‬
           ‫ي َّ‬                                      ‫َك‬
  ‫عبيرها لينثر في األجواء مسكا طيبا. فم َّن اهلل لهذا الدين في األرض بعد غربته، و َسرَ الباري‬
 ‫لنبيه محمد حتى بلغ هذه الدعوة لعأمة كافة، وسمع الناس في كل مكان سماحة هذا الدين، وحسن‬
                                          ‫خلق سيد المرسلين ، فدخل الناس في دين اهلل أفواجا.‬
     ‫لكن سنة الصراع بين الخير والشر مستمرة، لحكمة يعلمها اهلل سبحانه وتعالى، فمع كل هذه‬
   ‫المكانة العالية والمقام الرفيع لحبيبنا ونبينا محمد ينبري بين فترة وأخرى من ينال من شخصه‬
 ‫الكريم الشريف تارة، ومن دينه العظيم تارة أخرى، وما اليوم إال امتداد لعأمس، عن أبي هريرة‬
 ‫قال: قال رسول اهلل : ((بدأ اإلسالم غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء)) رواه مسلم.‬
                                                                                   ‫ي‬
‫فأ ّ غربة أكثر من أن يكون عددنا أكثر من مليار مسلم ومع ذلك فنحن أقل شأنا في نظر األعداء‬
                                                                        ‫من كل الملل والنحل؟!‬
    ‫من غربة الدين ما نرى من تسلط أعداء اإلسالم على بلدان المسلمين، والتحكم في مصيرهم،‬
                                ‫ز‬
   ‫ونهب خيرات بلدانهم، بل ومهاجمة مدنهم وقراهم، وقتل الع ّل من النساء واألطفال والرجال،‬
                                                            ‫َم‬
                                       ‫تحت ستار من دعاوى كاذبة وته ٍ باطلة وقضايا مفتعلة.‬
      ‫إن مسلسل االستهزاء والسخرية بدين اإلسالم وبرسوله عليه الصالة والسالم مستمر ما دام‬
  ‫المسلمون ال يردون إال عبر بوق الشجب واالستنكار، وما داموا منشغلين عن الدفاع عن دينهم‬
                                                                                        ‫ي‬
                                                                       ‫ونبّهم بسفاسف األمور.‬
      ‫م‬            ‫ي‬
  ‫لقد رأينا وسمعنا كيف عمدت يهودية في إسرائيل لالستهزاء بخير خلق اهلل نبّنا محمد ، و ُرْتد‬
                                                                      ‫َم ه‬            ‫أل‬
  ‫َّف كتابا ض َّنَ ُ سخرية برسول اهلل محمد ، وأمريكي طالب بنسف الكعبة المشرفة ردا على ما‬
       ‫يسمى بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وراعي البقر الغربي يهين كتاب اهلل بوضعه في‬
 ‫المراحيض ليهين السجناء المسلمين لديه، ويزعم أنه ينشر الديمقراطية والعدل واألمن في العالم.‬
                               ‫وتستمر الجهود الخبيثة في هذا الطريق العفن، وكان من آخرها:‬
‫5- ما صدر عن القساوسة "جيري فالويل" و"بات روبرتسون" و"فرانكلين جراهام" و"جيري فاينز"‬
                   ‫من إساءات مرفوضة وكالم ساقط نحو دين اإلسالم ونحو رسول اهلل محمد .‬
   ‫7- ما صدر عن منظمة "رابطة الرهبان لنشر اإلنجيل" التنصيرية المدعومة بأموال هائلة من‬
‫الفاتيكان، حيث تعد من أهم مؤسسات الفاتيكان ومقرها روما، وتضم نحو مليون فرد يعملون ليل‬
      ‫نهار وفي كل مكان من أجل وقف انتشار اإلسالم في العالم بكل قوة بزعمهم، وعلى تشويه‬
                                                              ‫ت‬
      ‫صورة النبي محمد ونَعْ ِه بأبشع الصفات، من خالل مشروع أطلقوا عليه اسم: (مليون ضد‬
                                                                                       ‫محمد).‬
    ‫3- ما صدر عن الصحيفة الدنمركية "جيالندز بوستن" (‪ )Jyllands-Posten‬من السوء حين‬
                                                       ‫ر‬      ‫ي‬
      ‫نشرت 75 رسمًا كاريكاتير ًا ساخ ًا، يوم الثالثاء 67 شعبان 6745هـ الموافق 03 سبتمبر‬
     ‫1007م، تصور الرسول في أشكال مختلفة، وفي أحد الرسوم يظهر مرتديًا عمامة تشبه قنبلة‬
                                                                                      ‫ملفوفة حول رأسه.‬
  ‫4- وها هي المجلة النصرانية النرويجية "ماغازينت" (‪ ،)Magazinet‬تنضم لهذا االتجاه اآلثم،‬
‫وتعيد نشر تلك الصور الكاذبة الخاطئة تحت شعار حرية التعبير في يوم عيد األضحى 6745هـ‬
 ‫الموافق 05 يناير 6007م. وفي هذا يقول رئيس تحرير تلك المجلة "فيبيورن سيلبك" ( ‪Vebjrn‬‬
  ‫‪ ،)Selbekk‬يقول: "لقد ضقت ذرعًا شأني شأن الصحيفة الدنمركية من تآكل حرية التعبير الذي‬
 ‫يحدث خفية"، ويقول: "لقد فعل العديدون بالفعل الكثير لكي ال يتم وأد هذه القضية، وبهذه الرسوم‬
                                                                        ‫نود أن نقدم مساهمتنا الصغيرة".‬
       ‫هكذا يتتابع األشرار في االستهزاء بأطهر البشر وأزكى الخلق محمد عليه الصالة والسالم.‬
‫لقد عمد إخواننا المسلمون في الدنمرك ومعهم غيرهم من المواطنين الدنمركيين وكذلك غيرهم من‬
            ‫ك‬
‫المقيمين في الدنمرك إلى إنكار هذه السخرية التي نالت أشرف إنسان في التاريخ، ف ُتبت المقاالت‬
                                                                                      ‫و‬
‫و ُجهت الرسائل إلى الحكومة الدنمركية وإلى الصحيفة المعنية، مطالبين باالعتذار عن هذا العمل‬
                                                             ‫ال‬              ‫َف‬
  ‫والك ِّ عن مثله مستقب ً، وقد تظاهر في شهر أكتوبر الماضي أكثر من (0001) مسلم وغيرهم‬
                   ‫من المتعاطفين معهم في العاصمة كوبنهاجن ضد الصحيفة وطالبوها باالعتذار.‬
   ‫لقد أثار هذا التصرف األرعن استهجان المسلمين في كل مكان، بل استنكره من غير المسلمين‬
  ‫عدد ليس باليسير من عقالء العالم، وقد طالب عدد من سفرائهم ممن عملوا في الدول اإلسالمية‬
      ‫على االحتجاج، وطالبوا باعتذار الصحيفة للمسلمين، غير أن السلطات الدنمركية ومسؤولي‬
        ‫الصحيفة رفضوا ذلك بمبررات حرية اإلعالم والتعبير، وأنه ال شيء يستثنى من شموليته‬
   ‫ج‬
  ‫وحريته. وال زال مسؤولو الصحيفة يرفضون االعتذار، وينوون االستمرار في منهجهم المته ّم‬
                              ‫م ل م‬                  ‫إ‬        ‫و َ س‬
  ‫على الرسول الكريم الذي قال اهلل له: َمَا أرْ َلْنَاكَ ِال رَحْ َةً ِّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205]، متجاهلين‬
                         ‫بذلك المواثيق واألعراف الدولية، غير مبالين باالعتراضات المقدمة إليهم.‬
                                    ‫وإذا تأملنا في خلفيات هذه التهجمات فلنا أن نقف الوقفات التالية:‬
             ‫د‬                                                                  ‫ال‬
‫أو ً: محمد أزكى البشرية، هذه السخريات ما هي إال محض افتراء وكذب، فمحم ٌ رسول اهلل هو‬
   ‫أطهر البشرية جمعاء وأزكاها، ولن تضيره هذه السخرية مهما عظمت أو تكاثرت، كما أخبرنا‬
                                                                                                ‫رب‬
                                                                            ‫بذلك ُّنا في القرآن العظيم.‬
  ‫ونحن نعتقد أن اهلل سبحانه سيحمي سمعة رسوله محمد ، ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل‬
      ‫َ‬
  ‫طريق، حتى في اللفظ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((أال ترون كيف‬
          ‫ز‬         ‫مح َّد‬          ‫م َم‬              ‫م َم‬                   ‫َْ ش‬        ‫ي ِف عن‬
    ‫َصْر ُ اهلل ِّي شَتم قري ٍ ولعنَهم؟! يشتمون ُذ َّمًا، ويلعنون ُذ َّمًا، وأنا ُ َم ٌ)). فنَ َّه اهلل‬
                                         ‫م َم‬                                ‫ت‬        ‫م‬
        ‫اس َه ونَعْ َه عن األذى، وصرف ذلك إلى من هو ُذ َّم، وإن كان المؤذِي إنما قصد عينه.‬
                            ‫م َم‬
‫قال اإلمام العالم الحافظ ابن حجر رحمه اهلل: "قوله: ((يشتمون ُذ َّمًا)): كان الكفار من قريش من‬
     ‫ُ َم‬
   ‫شدة كراهتهم في النبي ال يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مذ َّم،‬
                         ‫ي‬                    ‫م َم‬                  ‫ع‬
    ‫وإذا ذكروه بسوء قالوا: فَ َلَ اهلل بمذمم، و ُذ َّم ليس هو اسمه ، وال ُعرف به، فكان الذي يقع‬
                                                                                       ‫ف‬
                                                                           ‫منهم في ذلك مصرو ًا إلى غيره".‬
   ‫وهكذا تلك الرسوم التي دعت الجريدة الرسامين لرسمها ونشرتها على صفحاتها، إنها قطعًا ال‬
                                                                  ‫د‬
   ‫تمثل رسول اهلل محم ًا ، ال في رسمها وال في رمزها، ال في رسمها أي: مالمح الوجه؛ فوجه‬
                        ‫ء‬
   ‫محمد هو الضياء والطهر والقداسة والبهاء، وجهه أعظم استنارةً وضيا ً من القمر المسفر ليلة‬
          ‫ب‬              ‫ة‬                   ‫ر‬       ‫ر‬     ‫ة‬
‫البدر، وجه محمد يفيض سماح ً وبش ًا وسرو ًا، وجه محمد له طلع ٌ آسرة تأخذ بل ّ كل من رآه‬
       ‫د‬              ‫ر‬                                            ‫ر‬                ‫ال‬
   ‫إجال ً وإعجابًا وتقدي ًا، وال في رمزها فمحمد ما كان عابسًا وال مكش ًا، وما ضرب أح ًا في‬
            ‫خ ِّر‬
  ‫حياته، ال امرأة وال غيرها، تقول عائشة زوج رسول اهلل ورضي اهلل عنها: (ما ُي َ رسول اهلل‬
                                       ‫م‬
   ‫بين أمرين إال أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إث ًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول‬
                                                                                 ‫ت‬
                               ‫اهلل لنفسه، إال أن ُنتهك حرمة اهلل فينتقم هلل بها) رواه البخاري ومسلم.‬
                               ‫ر‬
‫وإنه لمن الحسرة والبؤس على هؤالء السفهاء أن يكون مج ّد علمهم عن محمد رسول اهلل هو ما‬
 ‫ته م‬              ‫عل ع د‬               ‫ي ح‬
‫استهزؤوا به، مما أوحت به إليهم األنفس الشريرة، وصدق اهلل: َا َسْرَةً ََى الْ ِبَا ِ مَا يَأْ ِي ِم ِّن‬
                                                                              ‫رس ِال ن به ي زئ‬
                                                                   ‫َّ ُولٍ إ َّ كَاُوا ِ ِ َسْتَهْ ِ ُون [يس:03].‬
            ‫بالن‬                                                 ‫ء‬
   ‫وقد شهد لمحمد عقال ُ البشر ومثقفوهم، حتى من أهل الملل األخرى، شهدوا له ُّبل والطهر‬
                                                                                                  ‫الجم‬
                                                                                                ‫والفضائل َّة.‬
                                              ‫ء‬
‫ثانيًا: السخرية باألنبياء لن تزيد العالم إال شقا ً؛ ال يخفى أن العالم اليوم يشهد اضطرابات عديدة،‬
  ‫أريقت فيها الدماء وأزهقت األرواح بغيًا وعدوانًا، مما يجعلنا أحوج ما نكون لنشر أسباب السلم‬
    ‫والعدل، وخاصةً احترام الشرائع السماوية واحترام األنبياء والمرسلين، فهذا المسلك يتحقق به‬
‫حفظ ضرورات البشر في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم وغير ذلك من حقوقهم ومقومات عيشهم‬
                      ‫ء‬
     ‫الكريم. ومثل هذه األطروحات العدائية واالستفزازية لن تزيد العالم إال شقا ً وبؤسًا، ذلك أننا‬
                                         ‫يس‬                                    ‫ع‬
‫جمي ًا بحاجة لمصادر الرحمة والهدى، والتي َّرها رب العالمين على يدي رسوله محمد ، فكان‬
  ‫المستهزئون به المشوهون لحقيقة حياته ورسالته ممن يصد الناس عن الخير ويمنع من استقرار‬
 ‫َّذ ي ِب ن‬
 ‫العالم وطمأنينته، وهذا الصنف من الناس توعده اهلل في كتابه وندد بسوء فعالهم: ال ِينَ َسْتَحُّو َ‬
           ‫بع د‬            ‫أ َف‬            ‫ع‬       ‫له وي غ‬            ‫ِ ة وي ُد ع س‬             ‫ح الد عل‬
           ‫الْ َيَاةَ ُّنْيَا ََى اآلخرَ ِ َ َص ُّونَ َن َبِيلِ الّ ِ َ َبْ ُونَهَا ِوَجًا ُوْلَئِك ِي ضَالَلٍ َ ِي ٍ‬
                                                                                                      ‫[إبراهيم:3].‬
                                                                                   ‫وإن‬
  ‫َّه لمن المؤسف لحال البشرية اليوم مع ما وصلت إليه من التقدم في مجاالت عديدة من علوم‬
         ‫تد‬
       ‫الدنيا بما تتضمنه من االكتشافات المبهرة، ثم يأتي في هذا الخضم من العواصم التي َّعي‬
                                                                     ‫ت‬
  ‫التحضر أصوا ٌ مبحوحة وكتابات ساقطة تتردى معها تلك المجتمعات بسبب إسقاطات أخالقية‬
                                                                                                  ‫نحو المقدسات.‬
  ‫ثالثًا: دعوى حرية التعبير ال تجيز اإلساءة ألحد، إن ادعاء حرية التعبير في نشرها تلك الرسوم‬
                                                 ‫مسل‬    ‫ٌ‬
 ‫الساخرة من محمد رسول اهلل ادعاء غير َّم وال مقنع؛ ألن جميع دساتير العالم ومنظماته تؤكد‬
    ‫على احترام الرسل، وعلى احترام الشرائع السماوية، واحترام اآلخرين وعدم الطعن فيهم بال‬
                                                                                                            ‫بينة.‬
 ‫رابعًا: هذا االستهزاء ال يخدم مصالح أحد أبدا، إن العقالء في البالد الغربية النصرانية ينبغي أن‬
 ‫يدركوا كم في تلك الكلمات واالستفزاز من األخطار الكبيرة على رعاياهم ومصالحهم في أقطار‬
       ‫الغي‬
       ‫األرض، بل وفي بلدانهم، وأنها قد تؤدي لمزيد التوتر، بما يتعين معه الكف عن هذا ِّ‬
                                                            ‫ة‬
    ‫والبهتان. فقد تأخذ الحمي ُ بعض المتحمسين للثأر ممن وقع في رسول رب العالمين ، ومئات‬
     ‫الماليين يفرحون أن يموتوا دفاعًا عن نبيهم وعن مكانته الشريفة أن تمتهن، ولكن من ضمن‬
                    ‫ب‬                                           ‫يصف‬    ‫ْد‬
  ‫هؤالء من ال يَق ِر أن ِّي حسابه مع من استهزئ وقال اإلفك والبهتان ل ُعده عنه؛ فيعمد إلى‬
     ‫من يراهم يدينون بالنصرانية حوله فينتقم منهم ومن ممتلكاتهم لقربه منهم، مع أن هذا العمل‬
                  ‫د‬
    ‫األخير ال يجوز، وقد حرمه ومنع منه رسول اهلل محمد فقال: ((من قتل معاه ًا لم يرح رائحة‬
    ‫ه‬
 ‫الجنة)) رواه البخاري، والمراد بالمعاهد من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو ُدنة‬
                                      ‫ة‬
 ‫من سلطان أو أمانٍ من مسلم، ويدخل في ذلك ما له صل ٌ باألعراف الدبلوماسية التي التزمت بها‬
                             ‫د‬
      ‫الدول وتعارفت عليها. وأعمال التحريض واالستفزاز تلك ستؤ ّي إلى سفك الدماء وإزهاق‬
                                                                      ‫األرواح ومزيد االضطراب والتوتر.‬
       ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، ي ِي ُونَ ِ ُطْ ِ ُوا ُورَ َّ ِ بِأفْ َا ِهمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ َلَوْ كرِ َ‬
       ‫ُر د لي فئ ن الله َ و ه ِ َالله م ِم ن ره و َ ه‬
                                                                                                     ‫ك ِر‬
                                                                                        ‫الْ َاف ُونَ [الصف:8].‬
                                                                   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد ، اللهم أحينا‬
‫على سنته، واجعلنا اللهم في حملة الدفاع عنه وعن عقيدته، وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته،‬
                                                            ‫واسقنا بيده الشريفة شربة ال نظمأ بعدها أبدا.‬
     ‫أما بعد: فالواجب عليك ـ يا من أحببت المصطفى ـ أن تتحرك، الواجب عليك أن تتبع كل‬
‫طريقة ممكنة إلنكار هذا المنكر ما استطعت لذلك سبيال، هؤالء األقزام األوغاد اللئام لم يتعرضوا‬
 ‫لزعيم تاريخي، ولم ينالوا من شخص عادي، لقد تجرؤوا على خير البشر، تعرضوا لنبي السالم‬
      ‫واإلسالم، تعرضوا لسيد ولد آدم ، فال تترك وسيلة ممكنة إال فعلتها، وإذا أردت المزيد من‬
     ‫العناوين لترسل لهم ذلك ففي صحيفة المدينة اليوم عناوين يمكن االستعانة بها في هذا الباب.‬
                                                                               ‫جعلنا اهلل من المدافعين عنه .‬
  ‫أنا ال أدعو للقتل والتفجير فهذا خلق الخوارج، ولكنني أهيب بجميع من مكنه اهلل من حمل أمانة‬
   ‫القلم أو فتح عليه لالنخراط في شبكة المعلومات وغيرها أن يدين مثل هذه األعمال؛ حتى يعلم‬
      ‫أولئك أن في عروقنا دماء اإلسالم، وفي قلوبنا يتربع حب محمد عليه الصالة والسالم، ولن‬
                                                          ‫نستطيع العيش بدون دماء وال قلب.‬
   ‫إن هذا الوضع الذي يمر به اإلسالم والمسلمون هذه األيام قد أخبر عنه حين قال: ((يوشك أن‬
  ‫تداعى عليكم األمم من كل أفق كما تداعى اآلكلة على قصعتها))، قال: قلنا: يا رسول اهلل، أمن‬
 ‫قلة بنا يومئذ؟! قال: ((أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب‬
 ‫عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن))، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: ((حب الحياة وكراهية الموت))‬
                                                 ‫رواه اإلمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة .‬
                                                      ‫وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على محمد ...‬

‫(5/7364)‬




                                                                             ‫محمد في قلوبنا‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                     ‫اإليمان, سيرة وتاريخ, موضوعات عامة‬
                                                     ‫اإليمان بالرسل, الشمائل, جرائم وحوادث‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عامر بن عيسى اللهو‬
                                                                                      ‫الدمام‬
                                                                              ‫27/75/6745‬
                                                              ‫جامع األميرة سارة بنت مساعد‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فضائل المصطفى . 7- حكم من سب الرسول . 3- نماذج من فداء الصحابة للنبي . 4-‬
                                         ‫واجب المسلم تجاه ما أصاب النبي من أذى وسخرية.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                 ‫ن‬
  ‫إن أعظم م ّة من اهلل تعالى على عباده المؤمنين هدايتهم للدين الحنيف والشريعة اإلسالمية التي‬
  ‫جعلها اهلل خاتمة الشرائع واألديان، وكل ذلك انتظم عقده ببعثة محمد الرسول األمين وخير خلق‬
 ‫ب‬                           ‫ص‬
‫اهلل أجمعين، فهدى اهلل به من الضاللة، وأرشد به من الغواية، وب ّر به من العمى، وفتح به قلو ًا‬
  ‫غلفا وآذانا صما، فحق ألهل التوحيد أن يفخروا بهذه النعمة العظيمة، لَقدْ م َّ َّ ُ ََى الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
  ‫َ َن الله عل م من ن‬                                                            ‫ّ‬
   ‫ِ بع ف ه ْ رس ال م فس ِ ي ل ع ِ ته وي َك ه َي َلم ُ ك ب و ح م وإ ن م‬
 ‫إذْ َ َثَ ِي ِم َ ُو ً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْوا َلَيْهمْ آيَا ِ ِ َ ُز ِّي ِمْ وُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَا ُوا ِنْ‬
                                                                                                ‫مب‬          ‫ْل ف‬
                                                                             ‫قَب ُ لَ ِي ضَاللٍ ُ ِينٍ [آل عمران:465].‬
                       ‫هذا الرسول العظيم الذي رفع اهلل ذكره فال يذكر اهلل إال ويذكر معه رسول اهلل .‬
                                           ‫وضم اإلله اسم النبي إلى اسمه…إذا قال في الخمس المؤذن أشهد‬
                                                               ‫م‬              ‫ي‬
                                                 ‫وشق له من اسْمه كي ُجله…فذو العرش َحمود وهذا محمد‬
     ‫ِن َّذ ن ي ْذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف الد ي‬
    ‫محمد الذي لعن اهلل مؤذيه في الدنيا واآلخرة: إ َّ ال ِي َ ُؤ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ُّنْ َا‬
  ‫َاآلخرَ ِ َأَع َّ لَ ُمْ عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21]، وقال تعالى: َال ِينَ ُؤ ُون َ ُولَ َّهِ لَهمْ ع َا ٌ‬
  ‫و َّذ ي ْذ َ رس الل ُ َذ ب‬                                             ‫و ِ ة و َد ه َ مه‬
                                                                     ‫م‬                 ‫م‬
        ‫أَلِي ٌ [التوبة:56]. مح ّد الذي عصمه اهلل من الناس وكفاه المستهزئين وبتر شانئه ومبغضه.‬
                            ‫د‬
      ‫محمد الذي اختصه اهلل من بين إخوانه المرسلين بخصائص تفوق الع ّ، فله الوسيلة والفضيلة‬
 ‫والمقام المحمود ولواء الحمد، وله الشفاعة العظمى وله الكوثر، وهو أول من تنشق عنه األرض‬
                 ‫ي‬        ‫ف‬
 ‫يوم القيامة، وأول من يفتح له باب الجنة، وهو أول شافع وأول مش ّع، وهو سّد ولد آدم أجمعين‬
  ‫م َل حب ُ وم‬                                                      ‫ع‬
 ‫الذي زكاه ربه تزكية ما ُرفت ألحد غيره قاطبة، فقد زكى اهلل عقله فقال: َا ض َّ صَا ُِكمْ َ َا‬
  ‫إ هو‬                                  ‫وم ي ق ع ه‬
  ‫غَوَى [النجم:7]، وزكى لسانه فقال: َ َا َنْطِ ُ َنْ الْ َوَى [النجم:3]، وزكى شرعه فقال: ِنْ ُ َ‬
                             ‫ف دم ر‬                                                 ‫ِال ي ي ح‬
    ‫إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:4]، وزكى قلبه فقال: مَا كَذَبَ الْ ُؤَا ُ َا َأَى [النجم:55]، وزكى بصره‬
  ‫و َّذ ن معه ِد ء عل ُف ر‬                                               ‫غ‬       ‫م ز ب َر و‬
  ‫فقال: َا َاغَ الْ َص ُ َمَا طَ َى [النجم:25]، وزكى أصحابه فقال: َال ِي َ َ َ ُ أَش َّا ُ ََى الْك َّا ِ‬
      ‫رحم ء ب ه َر ه ْ ُك س َّد ي غ َ ال م الله ور و س ُ ْ ف وج هه م َثر‬
      ‫ُ َ َا ُ َيْنَ ُمْ ت َا ُم ر َّعًا ُج ًا َبْتَ ُون فَضْ ً ِنْ َّ ِ َ ِضْ َانًا ِيمَاهم ِي ُ ُو ِ ِمْ ِنْ أ َ ِ‬
   ‫ُ‬                                ‫وِن ع خل ظ‬                                               ‫السج‬
 ‫ُّ ُودِ [الفتح:97]، وزكى أخالقه فقال: َإَّكَ لَ َلى ُُقٍ عَ ِيمٍ [القلم:4]، وزكى دعوته فقال: قلْ‬
                                      ‫وم اتبعن‬               ‫َ سب ل َ ع إل الل عل ب ر‬
   ‫هذِهِ َ ِيِي أدْ ُو َِى َّهِ ََى َصِي َةٍ أَنَا َ َنْ َّ َ َ ِي [يوسف:805]. فنحن أمام رجل عظيم ما‬
                                                                                         ‫عرف التاريخ مثله في العظمة.‬
                                            ‫تاهلل ما حملت أنثى وال وضعت…مثل الرسول نبي األمة الهادي‬
   ‫لذلك كان اإليمان به ركنا ركينا من أركان الدين، وكانت محبته عبادة وطاعة هلل رب العالمين،‬
  ‫ؤ ُ و ؤ ُ وإ و ن ُ وَ و ج ُ‬                            ‫ُ إ‬                                             ‫د‬
‫مق ّمةً على محبة النفس واألهل والمال والعشيرة، قلْ ِنْ كَانَ آبَا ُكمْ َأَبْنَا ُكمْ َِخْ َاُكمْ َأزْ َا ُكمْ‬
       ‫وم كن ض ه َب إ ك ِ الله‬                                       ‫ن‬          ‫وعش رتك و و ل َ َ تم و ج رة‬
       ‫َ َ ِي َ ُ ُمْ َأَمْ َا ٌ اقْترفُْ ُوهَا َتِ َا َ ٌ تَخْشَوْ َ كَسَادَهَا َ َسَا ِ ُ تَرْ َوْنَ َا أَح َّ ِلَيْ ُمْ منْ َّ ِ‬
                ‫سق‬           ‫ْ‬       ‫َرس ل جه ٍ ف سب ل ِ َ َبص َت ي ت الله ب ْره َالل ُ ي ْد‬
‫و َ ُوِهِ وَ ِ َاد ِي َ ِيِه فَتر َّ ُوا ح َّى َأْ ِيَ َّ ُ ِأَم ِ ِ و َّه ال َه ِي الْقَومَ الْفَا ِ ِينَ [التوبة:47]،‬
      ‫ويقول النبي : ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) متفق‬
                                                                                                                           ‫عليه.‬
                                                                   ‫د‬
 ‫لذلك فقد آذانا وك ّر صفو حياتنا وعصر قلوبنا ما قامت به بعض الصحف الدنمركية والنرويجية‬
‫المجرمة بإقرار ومباركة من حكومة بالدهم بنشر رسومات ساخرة تستهزئ برسول اهلل ، وتصفه‬
                                                   ‫ل‬
‫بأوصاف باطلة مفتراة. أسأل اهلل أن يش ّ يد من أقدم على ذلك، فقد لعبت الخمر في عقولهم، ومعأ‬
                                         ‫ي‬
                       ‫لحم الخنزير بطونهم، فعبدوا الشيطان وأطاعوه فز ّن لهم سوء أعمالهم.‬
 ‫قال شيخ اإلسالم رحمه اهلل: "إن اإلنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه الضرب، بل‬
                    ‫ي‬
‫ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن ُظهر للناس كمالَ عرضه‬
                                                                                     ‫ّ‬
                ‫وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا واآلخرة"؛ لذلك فاألمر عظيم والخطب فادح.‬
                                                    ‫ف‬               ‫ت‬
                                        ‫هجوتَ محمدا فأجب ُ عنه…وعند اهلل ِي ذاك الجزاء‬
                                                                     ‫ر ي‬           ‫م‬
                                             ‫هجوت ُحمدا ب ّا تق ّا…رسول اهلل شيمته الوفاء‬
                                                              ‫ر‬
                                            ‫أتَهجوه ولست له بكفء…وش ّكما لخيركما الفداء‬
                                                          ‫ع‬                 ‫ن ب‬
                                         ‫فإ ّ أ ِي ووالده وعرضي…ل ِرض محمد منكم وقاء‬
                                     ‫ب‬
     ‫وقد نقل غير واحد من العلماء اإلجماع على قتل من س ّ النبي ، وأنه يكفر إن كان مسلما،‬
                             ‫ّ‬                              ‫د‬
        ‫وينتقض عهده إن كان معاه ًا، بل ذكر بعض أهل العلم أن الحد ال يسقط عنه ولو تاب.‬
                                           ‫سب‬
‫قال شيخ اإلسالم رحمه اهلل في بيان معنى ال ّ ّ: "السب الذي ذكرنا حكمه هو الكالم الذي يقصد‬
    ‫منه االنتقاص واالستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختالف اعتقاداتهم‬
                                                                   ‫كاللعن والتقبيح ونحوه".‬
‫روى البخاري ومسلم عن أنس أن رسول اهلل ركب حمارا، فانطلق ومعه المسلمون يمشون، فأتى‬
                                                           ‫م‬
 ‫عبد اهلل بن أبي بن سلول، فل ّا رآه ابن سلول قال: إليك عني فقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل‬
‫من األنصار: لحمار رسول اهلل أطيب ريحا منك. اهلل أكبر، هذه صورة مما كان عليه قدر محمد‬
                                                        ‫في نفوس أصحابه رضي اهلل عنهم.‬
   ‫وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لواقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن‬
 ‫يميني وعن شمالي فإذا أنا بغالمين من األنصار حديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم،‬
             ‫ب‬            ‫أ‬
     ‫هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: ُخبرت أنه يس ّ النبي ،‬
‫والذي نفسي بيده، لئن رأيته ال يفارق سوادي سواده حتى يموت األعجل منا، قال: فتعجبت لذلك،‬
   ‫قال: وغمزني اآلخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت‬
   ‫لهما: أال تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسأالني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتاله.‬
                                           ‫ق‬
           ‫إذا فالسب والتنقيص ليس وليد اليوم، بل هو قديم ِدم اإلسالم؛ ألن الكفر ملة واحدة.‬
                                      ‫ف‬         ‫د‬           ‫د‬
                               ‫هو الكفر لكن باألسامي تج ّدا…وأصبح ض ّ الدين ص ّا موحدا‬
      ‫ن‬                                 ‫د‬                                ‫د‬
     ‫نسأل اهلل أن ير ّ كيد الكائدين في نحورهم، وأن ير ّهم على أعقابهم، وأن ينصر دينه وس ّة‬
                                                                   ‫رسوله وعباده المؤمنين.‬
                                                    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم....‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                              ‫ض‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إن المنصفين من عقالء العالم ـ بغ ّ النظر عن كونهم مسلمين أو غير‬
   ‫مسلمين ـ ليدركون بقراءة سيرة المصطفى ما كان عليه من كمال في الشخصية وتعامل راق‬
  ‫ِال م ل ع لم ن‬                    ‫و َ س‬
  ‫وأخالق عالية، وأنه ما بعث إال لسعادة البشرية كما قال تعالى: َمَا أرْ َلْنَاكَ إ َّ رَحْ َةً ِلْ َاَ ِي َ‬
                                                                                         ‫[األنبياء:205].‬
‫عباد اهلل، أمام هذه األعمال والممارسات المشينة يأتي السؤال المهم والملح: ما دورنا؟ وهذا سؤال‬
                                                                     ‫ن‬
                                    ‫قد تطول إجابته، لكن لعل ّا نجمله على شكل نقاط سريعة فنقول:‬
       ‫د‬
‫5- على المسلمين جميعا أن ينكروا هذا التصرف األهوج األرعن، وأن يعلموا أنه محا ّة لرسول‬
‫اهلل ، وكل على حسب استطاعته في اإلنكار، ولعل من أنسب اإلنكار إرسال الرسائل إلى الحكومة‬
       ‫الدنمركية والنرويجية وإلى سفارتها وإلى تلك الصحيفة مطالبين باالعتذار والكف عن هذه‬
                                                                ‫األعمال التي ال تزيد النار إال اشتعاال.‬
  ‫7- على المسلمين جميعا أن يعودوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ، وأن يتمسكوا بهما، فقد أثبتت‬
 ‫هذه الفتنة الحب العظيم من المسلمين لنبيهم ، وأخرجت المعدن الصافي لقلوب كثيرين حتى ممن‬
     ‫تهاون ببعض األوامر وارتكب بعض النواهي. فنقول: أما آن لكم أن تعودوا إلى ربكم، وأن‬
  ‫تقدروا حجم الهجمة الشرسة على دينكم ووطنكم وأمتكم، وتكونوا مشعل هداية ومنبر إصالح؟!‬
                                         ‫د‬
 ‫3- على الحكومات اإلسالمية أن تتخذ موقفا موح ًا ضد هذا الهجوم، فال تتعامل مع دولة تظهر‬
‫االستهزاء برسول اهلل على صفحات جرائدها، إال أن ترتدع وتعاقب المسيء ومن وراءه. وإننا إذ‬
    ‫نذكر ذلك لنحمد اهلل تعالى أن كانت هذه الدولة هي أول من بادرت إلى هذا األمر نصرة لنبي‬
                                         ‫الهدى . نسأل اهلل تعالى أن يحفظها باإلسالم عزيزة منيعة.‬
‫4- فيما يتعلق بمقاطعة المنتجات نقول: ال شك أن األصل في التعامل التجاري مع الكفار الجواز‬
     ‫ي‬
   ‫والحل، وكذلك شراء البضائع المباحة منهم، لكن من المعلوم أن شراء البضائع من دولة معّنة‬
     ‫ينعش اقتصادها ويجعلها في مصاف الدول المتقدمة، ومن هنا فإن ترك التعامل معها يجعلها‬
‫تضرب ألف حساب وحساب ألخطائها وتعدياتها، خصوصا إذا كان األمر يتعلق بجناب المصطفى‬
                                                                                                        ‫.‬
 ‫1- ومن هذه الفتنة على المسلمين أن يتفاءلوا بنصرة سنة محمد ودينه؛ فقد ذكر شيخ اإلسالم أن‬
  ‫المسلمين لما حاصروا الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، والتي فيها بنو األصفر قالوا:‬
                           ‫تعر‬
      ‫"كنا نحاصر المدينة الشهر والشهرين وهي ممتنعة علينا، وإذ َّض أهلها لسب رسول اهلل‬
                                                                     ‫ج‬
   ‫والوقيعة في عرضه تع ّلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إال يوما أو يومين. قالوا: حتى إن كنا‬
        ‫لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتالء القلوب غيظا عليهم بما قالوه فيه".‬
                                              ‫وصلى اهلل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...‬

‫(5/3364)‬
                                                                                      ‫وقفات مع عام فات‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                 ‫اإليمان بالرسل, الفتن, جرائم وحوادث‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                              ‫صالح بن عبد اهلل بن حميد‬
                                                                                              ‫مكة المكرمة‬
                                                                                               ‫4/5/2745‬
                                                                                            ‫المسجد الحرام‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- ضرورة المحاسبة والمراجعة. 7- كثرة المتغيرات الكونية. 3- أنواع من اآليات والحوادث‬
       ‫والكوارث. 4- دروس وعبر من هذه اآليات والحوادث. 1- حال الناس مع هذه الحوادث‬
                           ‫والكوارث. 6- نصرة المصطفى . 2- فضل صيام عاشوراء والمحرم.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، فحياة‬
               ‫ل س‬                     ‫اإلنسان مراحل، والناس في هذه الدنيا ما بين مستعد‬
‫ٍّ للرحيل وراحل، وك ّ نف ٍ يدني من األجل،‬
                                                  ‫فالكي‬                          ‫ق‬
   ‫ود ّات قلب المرء تباعد عن األمل، ِّس الحازم من حاسب نفسه يومًا بيوم، وساعةً بساعة،‬
     ‫ب د‬                 ‫سن‬                            ‫ي‬           ‫ال حي‬
 ‫فما ترون الناس إ ّ ًّا أدركته منّته، فواراه التراب، وصغير بل َّ الشباب، وشا ّ امت ّت به‬
 ‫الحياة حتى شاب، ومن وراء الجميع نقاش وحساب، فهنيئا لمن أحسن واستقام، والويل لمن أساء‬
     ‫َ ع ه وم َبك‬                     ‫لح ل سه وم‬                ‫م عِ‬         ‫م‬
     ‫وارتكب اآلثام، ويتوب اهلل على َن تاب، َنْ َملَ صَاِ ًا فَِنَفْ ِ ِ َ َنْ أَسَاء فَ َلَيْ َا َ َا ر ُّ َ‬
                                                                                            ‫ب َّ ل عب‬
                                                                              ‫ِظَالمٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
     ‫م‬     ‫ت‬                   ‫ة‬                      ‫ب‬
‫أ ّهَا المسِمون، يح ُ ُ التذكي ُ وتج ُر المحاس َة حينَما تكون المناسب ُ، وها أنتم في مفتَ َح عا ٍ، وقد‬
                                                                ‫د‬     ‫ر‬        ‫سن‬         ‫ل‬        ‫ي‬
                    ‫و ّعتم عامًا قبلَه، وعا ُكم المنص ِم جرَت فيه أحدا ٌ وتجّت فيه آيات، ولكن‬
‫َّ الغفلةَ والركون إلى‬              ‫ل‬    ‫ث‬                ‫ر‬         ‫م‬                     ‫د‬
                                                                             ‫تغل‬      ‫ل‬
                                                          ‫األسباب والتعّقَ بها ِّظ من قساوةِ القلوب.‬
                        ‫َّث اإلحصائّون عن تكاثرِ المتغي‬
     ‫ِّرات الكونية على هذه‬       ‫ُ‬         ‫ي‬                  ‫رص‬                       ‫ي‬
                                                     ‫أ ّها المسلمون، يذكر ال ّا ِدون ويتحد‬
                             ‫إن‬                                             ‫ب‬
  ‫األرض وتتا ُع الحوادث والكوارث في هذا العصرِ، حتى قالوا: َّ الزالزل في السنواتِ األربع‬
                                  ‫ر‬        ‫ص ل‬              ‫ع ت‬              ‫ر‬
   ‫الماضية أكث ُ منها أرب َ مرا ٍ مما لم يح ُل مثُه سوى م ّة واحدة طوالَ عشرين سنة أو أكثر‬
               ‫غي‬                                ‫ن ل تقد‬
       ‫في أوائل القرنِ الماضي، ويقولون: إ ّه كّما َّمت السنون زاد عدَد الزالزل وال ِ َر وأنواع‬
                                                                                                          ‫ث‬
                                                                                                      ‫الكوارث والم ُالت.‬
     ‫َّ المتأملَ والناظر بعي ٍ راصدة وقلب َ ِظ يحاول أن يسترجعَ بعضَ هذه اآليات والحوا ِ ِ‬
     ‫دث‬                                           ‫يق‬             ‫ن‬               ‫ِّ‬     ‫ولعل‬
        ‫ء‬       ‫مدم‬                                                        ‫ّذ‬
        ‫والكوارث والن ُر ليجدَها ما بين موجٍ عاتي وماءٍ طاغي وخسفٍ مهلِك وزلزال ِّر ووبا ٍ‬
                                               ‫م‬                ‫د القم‬
           ‫مميت، يرسل اهلل الجرا َ و َّل والضفادع والد َ والطيور بأمراضها واألعاصيرَ برياحها‬
            ‫ر‬              ‫ش‬      ‫بئ‬
    ‫والف َضانَات بما ِها، في آياتٍ مف ّالت، أمرا ٌ مستأ َِة وأو ِ َة منت ِرة تحملها طيو ٌ وتنقلها‬
                                           ‫صل‬      ‫ض‬          ‫ص‬                ‫ئ‬           ‫ي‬
           ‫م‬                                 ‫د صد‬                  ‫ٌ رد‬    ‫ل‬
   ‫حيوانات، ال يمِك أحد َّها، وال يستطيع أح ٌ َّها وال السيطرةَ عليها مهما أوتيَ ِن علم في‬
                      ‫الحد‬                                        ‫ر‬                 ‫ت‬
     ‫مكتشفا ِه ومختبراته ومخت َعاته وراصداته، ال يملك السيطرةَ عليها وال َّ من انتشارِها وال‬
     ‫و وم ي َم جن َب ِال ه وم‬                              ‫ر‬                      ‫د‬             ‫رد‬
    ‫دفعها أو َّها، إنها جنو ٌ من جنودِ اهلل في الب ّ والبحر والج ّ، َ َا َعْل ُ ُ ُودَ ر ِّكَ إ َّ ُوَ َ َا‬
                                                                                                  ‫ه ِال ذ ْ ل ب َ‬
                                                                                   ‫ِيَ إ َّ ِكرَى ِلْ َشرِ [المدثر:53].‬
                   ‫ض‬      ‫ن‬     ‫كل س‬                                     ‫هي ألن‬            ‫ٌ‬
    ‫جنود غير متنا ِ َة؛ َّ قدرةَ اهلل غير متناهية، فالكون ُّه بإن ِه وج ّه وأر ِه وسمائه وهوائه‬
    ‫ر‬       ‫وما ِه وب ّه وبحره وكواكبه ونجو ِه ِّ مخلوقاته ما عِمنا منه وما لم نعلَم ُّها مسخ‬
  ‫َّرة بأم ِه،‬    ‫كل‬                     ‫ل‬              ‫م وكل‬                     ‫ئ َر‬
          ‫ة‬      ‫تر‬                                             ‫م‬
   ‫سبحانه يمسك ما يشاء ع ّن يشاء، ويرسل ما يشاء إلى من يشاء، وكيف ال ُد َك عظم ُ الجبار‬
           ‫ب‬       ‫م‬        ‫تدل‬          ‫و‬        ‫ت‬                        ‫ض‬         ‫ل‬
‫ج ّ جالله و َعف جبابرة األرض مهما أو ُوا من ق ّة؟! كيف ال ُّ على عظ َةِ الج ّار ومنها ما‬
                              ‫ق‬                                 ‫ن‬         ‫ر‬      ‫يهِك أممًا ويدم‬
   ‫ِّر ديا ًا في ثوا ٍ وأجزاء من الثواني، ومنها ما ينت ِل عبرَ الماء، ومنها ما يطير‬          ‫ل‬
                       ‫و‬     ‫ت‬               ‫ُذ‬      ‫ي‬                ‫ي‬
 ‫في الهواء، ومنها ما ُرى، ومنها ما ال ُرى؟! ن ُر وآيات وعقوبا ٌ وتخ ِيفات، ال تدفعها القوى،‬
   ‫رص‬                                     ‫تتمك‬                                ‫ط‬
‫وال تطيقها ال ّاقات، وال تقدر عليها القدرات، وال َّن منها اإلمكانات، وال تفيد فيها ال ّا ِدات‬
   ‫َ أمن‬        ‫س‬             ‫س‬               ‫م ِد‬        ‫دت‬                ‫ص‬            ‫ب‬
   ‫وال التن ّؤَات، وال ت ِل إليها المضا ّا ُ وال ال ُص ّات، من حيث يحت ِبون وال يحتَ ِبون، أفََ ِ َ‬
  ‫ي ُذه‬            ‫تي ُ َ ب م ح ُ ي عر‬                              ‫ي ِ الله به َ ْ‬                  ‫َّي‬     ‫َّذ م ر‬
‫ال ِينَ َكَ ُوا السِّئَاتِ أَنْ َخْسفَ َّ ُ ِ ِمْ األرضَ أَوْ يَأْ ِ َهمْ الْعذَا ُ ِنْ َيْث ال َشْ ُ ُونَ أَوْ َأْخ َ ُمْ‬
                     ‫ُّ ٍ ِن َب ُ ء ٌ ر م‬                     ‫ي ُ ُ ع‬             ‫ُ بم جز‬               ‫ف َلب ِ‬
      ‫ِي تَقُّ ِهمْ فَمَا همْ ِ ُعْ ِ ِينَ أَوْ َأْخذَهمْ َلَى تَخَوف فَإ َّ ر َّكمْ لَرَ ُوف َحِي ٌ [النحل:14-24]،‬
                      ‫ِد ُ وك‬              ‫ِ ب ُ ج نب َر ُ س ع ُ ح ص ث َّ‬                                      ‫َ مُ‬
    ‫أفَأَ ِنتمْ أَنْ يَخْسفَ ِكمْ َا ِ َ الْب ِّ أَوْ يرْ ِلَ َلَيْكمْ َا ِبًا ُم ال تَج ُوا لَكمْ َ ِيالً [اإلسراء:86]،‬
       ‫أَأَ ِنتمْ َن ِي َّمَاءِ أَنْ َخْسفَ ِكمْ األرض فَإذَا ِيَ تَ ُو ُ أمْ أَ ِنتمْ َن ِي َّ َاءِ أَنْ يرْس َ‬
       ‫ُ ِل‬           ‫ي ِ ب ُ َ ْ َ ِ ه م ر َ م ُ م ْ ف السم‬                                 ‫م ُ م ْ ف الس‬
                           ‫ن‬       ‫ر و َ َذ َّذ م ْ ل ِ ْ‬                            ‫ْ‬      ‫ع ُ ص س م‬
    ‫َلَيْكمْ حَا ِبًا فَ َتَعْلَ ُونَ كَيفَ نَذِي ِ َلَقدْ ك َّبَ ال ِينَ ِن قَبِْهمْ فَكَيفَ كَا َ نَكِيرِ [الملك:65-85].‬
          ‫س ن‬            ‫و‬        ‫ق‬             ‫ة‬                   ‫ي‬         ‫ت‬
         ‫عبادَ اهلل، إنها آيا ُ اهلل وأ ّامه، تظهر فيها عظم ُ ذي الجالل و ُدرته وق ّته وعظيم ُلطا ِه‬
          ‫ع‬                      ‫ق‬                          ‫إن‬                      ‫م‬        ‫ِز‬
  ‫وع ّته وتما ُ ملكه وأمرِه وتدبيره. َّ هذه الحوادثَ والقوارع تو ِظ قلوبًا غافلة؛ لتراج َ توحيدها‬
            ‫و‬      ‫غر‬           ‫ن د ي‬                       ‫قوت‬                      ‫ص‬
        ‫وإخال َها، فال تشرِك معه في َّ ِه وقدرته وسلطا ِه أح ًا، و ُفيق بعض من َّتهم ق ّتهم،‬
       ‫ر قو‬                            ‫صة‬        ‫وة‬         ‫د‬                         ‫أن‬    ‫فيتذك‬
    ‫َّرون َّ اهلل الذي خلَقَهم هو أش ّ منهم ق ّ ً، وبخا ّ ٍ أولئك المستكبرون ممن غ َّتهم َّتهم‬
  ‫َم ٌ ت بر‬                      ‫ب‬                               ‫ع‬                    ‫م ر‬
‫وطال عليهم األ َد، ف ِحوا بما عندهم من ال ِلم، ولقد قال اهلل في أقوامٍ سا ِقين: فَأ َّا عَاد فَاسْ َكْ َ ُوا‬
      ‫ِي األرضِ ِغَيرِ الْح ِّ وقَاُوا َنْ أَش ُّ م َّا ق َّةً أَ َلمْ َرَوْا أ َّ َّهَ الذِي خَلَقَهمْ ُوَ أَش ُّ ِنْهمْ ق َّ ً‬
      ‫ُ ه َد م ُ ُوة‬                        ‫َق َ ل م َد ِن ُو وَ ي َن الل َّ‬                                      ‫ف َْ ب ْ‬
‫َ َ يس ر ف َ ْ ِ ي ظر ك ْف ن‬                        ‫خ‬                           ‫حد‬          ‫ت‬          ‫و ن‬
‫َكَا ُوا بِآيَا ِنَا يَجْ َ ُونَ [فصلت:15]، وقَالَ في آ َرين: أفَلمْ َ ِي ُوا ِي األرض فَ َن ُ ُوا َي َ كَا َ‬
          ‫ع ُ م ن‬                       ‫َر م ه و َد ُوة و ث ر ف َ ْ ِ‬                      ‫ع قبة َّذ م له ن‬
        ‫َا ِ َ ُ ال ِينَ ِنْ قَبِْ ِمْ كَا ُوا أَكْث َ ِنْ ُمْ َأَش َّ ق َّ ً َآ َا ًا ِي األرض فَمَا أَغْنَى َنْهمْ َا كَا ُوا‬
   ‫ي سب َ َم ء ُ ْ رسل ُ َي ِ َ ح ب ع ُ م ع ْم ح به م ن به ي ت زئ‬
 ‫َكْ ِ ُون فَل َّا جَا َتْهم ُ ُُهمْ بِالْب ِّنَات فرِ ُوا ِمَا ِنْدَهمْ ِنْ الْ ِل ِ وَ َاقَ ِ ِمْ َا كَاُوا ِ ِ َسْ َهْ ِ ُون‬
         ‫س ل َن ِالله ْ ه و َ بم ُن به م ْ ِك َ َ يك ي ع ُ إ نه َم ر‬                                                          ‫َم ر‬
    ‫فَل َّا َأَوْا بَأْ َنَا قَاُوا آم َّا ب َّ ِ وَحدَ ُ َكَفرْنَا ِ َا ك َّا ِ ِ ُشر ِين فَلمْ َ ُ َنْفَ ُهمْ ِيمَاُ ُمْ ل َّا َأَوْا‬
                                                                                                                        ‫س‬
                                                                                                       ‫بَأْ َنَا [غافر:78-18].‬
 ‫ف‬                      ‫س‬        ‫ت ّذ‬                      ‫أ ّها المسِمون، ومن مواق ِ ال ِ َر واالد‬
 ‫ِّكار في هذهِ اآليا ِ والن ُر ما ير ِل اهلل فيها من التخوي ِ‬     ‫ف عب‬                  ‫ل‬       ‫ي‬
                                       ‫ِال و‬                  ‫و ُ ِل‬                          ‫ت‬
‫وال ّحذير كما قال سبحانه: َمَا نرْس ُ بِاآليَاتِ إ َّ تَخْ ِيفًا [اإلسراء:91]، وقوله في كسوفِ الشمس‬
    ‫د‬                     ‫ك‬                       ‫يخو‬
    ‫وخسوفِ القمر: ((إنهما آيتَانِ من آيات اهلل، ِّف اهلل بهما عباده)). ف َم من إنسانٍ يرَى آحا َ‬
      ‫ت‬            ‫م‬                        ‫ن‬                ‫ير‬        ‫يت‬        ‫ل ي ط‬         ‫سم‬
      ‫النا ِ ِن حوِه ُتَخَ ّفون و ُق َلون و َق َأ آياتِ اهلل لك ّه ال يعتبر، فإذا ما رأى ِن هذه اآليا ِ‬
    ‫م‬      ‫ض‬                                                ‫تذك واد‬   ‫و‬          ‫ك‬
   ‫ال ِبار المخ ِّفات َّر َّكر، فهي ذِكرى لمن كان له قلب، يستوي في ذلك من ح َرها و َن‬
                                ‫ر‬               ‫س‬                          ‫و‬
      ‫شاهدَها ومن َقع فيها ومن نَجا منها ومن َمِع بها؛ أعاصي ُ وزالزل وفيضانات وانهيارات‬
    ‫يت‬                 ‫ق‬               ‫ذ‬               ‫تذك‬
  ‫وأوبِئة وأمراض من آيات اهلل وجنودِه، ِّر الغافلين وتن ِر الظالمين وتو ِظ المستكبرين و َع َبر‬
                                                                                      ‫بها المؤمنون ويرجِع بها المذنبون.‬
  ‫ع‬                                ‫رب‬           ‫م‬      ‫نبي‬
‫انظروا ـ رحمكم اهلل ـ إلى هدي ِّكم مح ّد وخوفه من ِّه مع أن اهلل سبحانه وتعالى قد ج َله‬
                ‫ب‬                                   ‫الله لي َذب ُ و َ ف ِ‬                 ‫و‬              ‫م‬
         ‫أ َنَةً ألصحابه، َمَا كَانَ َّ ُ ِ ُع ِّ َهمْ َأَنْت ِيهمْ [األنفال:33]، ومع هذا كان إذا ه ّت الريح‬
            ‫ُ‬        ‫س ب‬                                            ‫ه‬            ‫ة ر‬
    ‫الشديد ُ ع ِف ذلك في وج ِه ، وحين ينعقد الغَمام في السماء ويكون ال ّحا ُ ركامًا يرَى عليه‬
                                                              ‫ب يب‬
‫الصالة والسالم يق ِل و ُد ِر ويدخل البيتَ ويخرج، فتقول عائشة رضي اهلل عنها: ما بك يا رسول‬
                ‫ِض‬                          ‫إن م‬                       ‫يؤمن‬
   ‫اهلل؟! فيقول: ((ما ِّ ُني أن يكونَ عذابًا، َّ قو ًا رأوا ذلك فقالوا: هذا عار ٌ ممطرنا، فقال‬
        ‫ِّ‬        ‫ز‬        ‫حت‬                ‫َ ب م‬              ‫ج ُ به ر ٌ ف‬                   ‫ب ه‬
‫اهلل: َلْ ُوَ مَا اسْتَعْ َلْتمْ ِ ِ ِيح ِيهَا عذَا ٌ أَلِي ٌ [األحقاف:47])) َّى إذا ن َل المطر سريَ عنه .‬
      ‫ي ر‬         ‫س‬                      ‫ه‬         ‫ت‬       ‫ت‬            ‫ت‬
  ‫ومن المواقفِ في هذه اآليا ِ واالبتالءا ِ ما يف ِن اهلل ب ِ عبادَه القادرين المو ِرين، ف َنظ َ كيف‬
    ‫د‬                                   ‫ر‬                                    ‫ف‬
‫يعملون: هل ين ِقون من مال اهلل الذي آتاهم؟ وهل يسا ِعون في إخوانهم أم تراهم يقبِضون أي ِيَهم‬
                  ‫حد‬                                                              ‫رب‬
      ‫ينسَون َّهم وينسَون إخوانهم ويعيشون في غَفلَتِهم؟ وفي هذه االبتالءاتِ َ ّث وال حرج من‬
                                                 ‫ء‬           ‫أنواع اإلغاثات التي يب ُلها الموف‬
             ‫َّقون من غذا ٍ وكساء وعالج وتعليم ومأوى وأنواعٍ من‬       ‫ذ‬
                                      ‫م‬       ‫ح‬
    ‫المساعدات والمواسَاة، ال تقَع تحت حصرٍ من ُسن معا َلَة وشفقة وإحسانٍ في القول والعمل،‬
      ‫ص‬                         ‫ُ‬               ‫ِل‬           ‫حم رب‬
   ‫ومن رحم أهلَ األرض ر ِ َه ُّ السماء، فلَّه الحكمة البالغة في خلقه وأمره وتدبيره و ُنعه‬
                                                                                                         ‫وفي آياته وابتالءاته.‬
      ‫ع‬                ‫دي‬                 ‫ُر‬      ‫ث‬                                          ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، وهذه اآليات والحوادث والكوار ُ ولو ع ِفت أسبابها الما ّ ّة وتفسيراتها ال ِلمية‬
        ‫فال ينبغي أن ُظ َّ أن هذا صار ٌ عن كونها آياتٍ وتخويفات وال ّظر في ما وراء األسبا ِ‬
        ‫ب‬                   ‫ن ِ‬                             ‫ف‬            ‫ي َن‬
                        ‫م د يقد‬                            ‫ح م ح‬
‫والتعليالت من أقدارِ اهلل و ُك ِه و ِكمَته، فهي آيات اهلل و َقَا ِره، ِّرها متى شاء، ويرسلها كيف‬
            ‫ر‬                                             ‫ز‬            ‫م‬      ‫س‬
  ‫شاء، ويم ِكها ع ّن يشاء، يعج ُ الخلق عن دفعها ورفعها مهما كانت علومهم ومعا ِفهم وقواهم‬
     ‫َل‬      ‫ف‬                                                                      ‫ه‬
     ‫واحتياطات ُم واستعداداتهم، يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "فإذا كان الكسو ُ له أج ٌ‬
      ‫يعذ‬          ‫ب‬                    ‫ب‬                ‫جل‬       ‫ن‬            ‫ف‬         ‫م‬
‫مس ّى لم ينا ِ ذلك أن يكو َ عند أ َِه يجعله اهلل سب ًا لما يقتضيه من عذا ٍ وغيره لمن ِّب اهلل‬
      ‫ة‬                 ‫ذ‬                   ‫أن‬                        ‫م‬
      ‫في ذلك الوقت، أو لغيره م ّن ينزل اهلل به ذلك، كما َّ تعذيبَ اهلل لمن ع ّبه بالريح الشديد ِ‬
   ‫ق‬           ‫ل‬
 ‫الباردة كقوم عادٍ كانت في الوقت المناسب، وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أه ُ التفسير و َصص‬
                                    ‫هلل‬           ‫ت‬
      ‫األنبياء. ـ قال رحمه اهلل: ـ وكذلك األوقا ُ التي ينزل ا ُ بها الرحمةَ كالعشرِ اآلخرة من‬
    ‫خ‬          ‫د‬           ‫ت محد‬                                           ‫ألو‬
  ‫رمضان وا ُ َل من ذي الحجة وكجوفِ الليل وغير ذلك هي أوقا ٌ َّدة، ال تتق ّم وال تتأ ّر،‬
 ‫ي‬         ‫م‬          ‫ّ‬                                                   ‫ة‬
‫وينزل فيها من الرحم ِ ما ال ينزل في غيرها" انتهى كالمه. وقال مثلَ ذلك وقررَه اإلما ُ ابن الق ّم‬
                                                                                            ‫في مفتاح دارِ السعادة.‬
   ‫ع ي‬                  ‫ة‬           ‫ّي‬                  ‫ن‬                 ‫ي ش‬      ‫وإن‬
   ‫عبادَ اهلل، َّ مما ُخ َى أن يكونَ الركو ُ إلى التفسير الماد ّ واالستكان ُ إلى التحرير ال ِلم ّ‬
          ‫ِ ج ُ س‬
       ‫والبعد عن العِظَة والذكرى من تزيينِ الشيطان، كما في قوله سبحانه: فَلَوْال إذْ َاءَهمْ بَأْ ُنَا‬
                                       ‫ن ي مل‬             ‫َرع و ك س ْ قل ب ُ َ َي ه الش ن‬
                      ‫تَض َّ ُوا َلَ ِنْ قَ َت ُُو ُهمْ وز َّنَ لَ ُمْ َّيْطَا ُ مَا كَا ُوا َعْ َُونَ [األنعام:34].‬
              ‫د‬                    ‫ز‬                 ‫عيا ًا باهلل عبادَ اهلل، تهت ّ البِحار وتتصد‬
 ‫َّع الجبال وال تهت ّ القلوب؟! وترتجف ال ّيار وال ترتجف‬            ‫ز‬                        ‫ذ‬
              ‫ن‬                      ‫ز‬                 ‫ص‬                ‫ص‬
‫األفئدة؟! وتع ِف الرياح وال تع ِف النفوس؟! وتتزل َل األرض وال يتزلزل اب ُ آدم المخذول؟!‬
                                                                   ‫ر‬       ‫كل‬               ‫ل‬
                            ‫يبتََون ويفتَنون في ِّ عام م ّة أو مرتين، ثم ال يتوبون وال هم يذكرون.‬
       ‫ظ‬              ‫ل‬              ‫ٍ‬    ‫ب‬
   ‫أال فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، وال تكونوا كأصحا ِ نفوس قست قلوبها وغُظت أكبادها وع ُم عن‬
                          ‫ُ‬           ‫م‬                     ‫دك‬
         ‫آياتِ اهلل حجابها، فال تعتبر وال ت ّ ِر، ال تكونوا من أقوا ٍ جاءتهم آيات ربهم فكانوا منها‬
                                                              ‫م‬          ‫ة‬                  ‫ح‬
                                   ‫يض َكون، وتأتيهم اآلي ُ وهي أكبر ِن أختها فكانوا عنها معرضين.‬
 ‫ت‬          ‫ة‬                  ‫ر‬                                              ‫تأم‬   ‫إن‬
 ‫َّ من َّل أحوالَ بعض الناس ومواقفَهم ومسالكهم رأى أمو ًا مخيفة؛ فيهم جرأ ٌ على حرما ِ‬
             ‫ط‬               ‫ٌ‬
          ‫اهلل شديدة، وانتهاك لحرمات اهلل عظيمة، وتَضييع ألوامره، وتجاوز لحدوده، وتفري ٌ في‬
              ‫م‬                    ‫َ‬                                ‫ت‬
   ‫المسؤوليات في العبادا ِ والمعامالت وإضاعةِ الحقوق، فالحذرَ الحذر رحمكم اهلل ِن مكر اهلل،‬
                                                                     ‫ِر‬        ‫ي من م الل ِال ْم‬
                                                    ‫فَال َأْ َ ُ َكْرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ [األعراف:99].‬
   ‫ي ت و ُّذر‬         ‫ُ ظر م ف السمو ت و َ ْض و ت ن‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، قلْ انْ ُ ُوا َاذَا ِي َّ َ َا ِ َاألر ِ َمَا ُغْ ِي اآل َا ُ َالن ُ ُ‬
     ‫ِر ِن مع ُ م‬                ‫م لِْ ُ ْ‬                 ‫َ ي ِر ِال م ْ َي َّذ‬                       ‫ع ْ ْ ٍ ي من‬
   ‫َن قَوم ال ُؤْ ِ ُونَ فَهلْ َنْتَظ ُونَ إ َّ ِثلَ أ َّامِ ال ِينَ خَلَوْا ِنْ قَبِْهم قل فَانْتَظ ُوا إ ِّي َ َكمْ ِنْ‬
                                                                                                    ‫م ِر‬
                                                                                ‫الْ ُنْتَظ ِينَ [يونس:505، 705].‬
  ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر‬
                                                        ‫ن‬                         ‫ل‬
                                     ‫المسلمون من ك ّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إ ّه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                     ‫س‬
   ‫الحمد هلل أهل الحمد والثناء، أحمده سبحانه وأشكره في ال ّراء والضراء، وأشهد أن إله إال اهلل‬
       ‫وحده ال شريك له إله األرض والسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد اهلل ورسوله سيد‬
                   ‫َر‬
        ‫المرسلين وخاتم األنبياء، صلى اهلل سلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه البر َة األتقياء،‬
                                                                                         ‫ب‬
                                                               ‫والتابعين ومن ت ِعهم بإحسان إلى يوم القضاء.‬
   ‫ة‬        ‫ك‬                            ‫ت‬                                              ‫ي‬
   ‫أما بعد: أ ّها المسلمون، ونحن في استقبالِ العامِ وفي مفتَ َح عامِ الهجرة النبوية نستَذ ِر الهجر َ‬
                                   ‫س‬           ‫م‬
  ‫بصاحبها عليه الصالة والسالم وبأحداثها، و ِن أبرز درو ِها ما خاطب اهلل سبحانه وتعالى هذه‬
         ‫َ‬     ‫ّل أن‬        ‫س‬                  ‫َ ه الله‬            ‫ِال ُر ُ‬                      ‫م‬
  ‫األ ّةَ في هذه اآلية: إ َّ تَنص ُوه فَقَدْ نَصرَ ُ َّ ُ [التوبة:04]. ويح َب المتأم ُ َّ األمة اجتهدت‬
                                                                         ‫ي‬          ‫م‬      ‫نبي‬
                                                                      ‫في نصرةِ ِّها مح ّد هذه األ ّام.‬
            ‫ي م‬           ‫الهب‬       ‫ِ‬      ‫ت‬
    ‫ِن ِّ كل مسلمٍ أن ِّر عن فرح ِه العا ِرة وسعاد ِه الغامرَة بهذه َّة اإلسالم ّة ِنَ األمة‬
                                                      ‫م‬       ‫ت‬         ‫يعب‬     ‫ِ‬      ‫م حق‬
               ‫ح‬       ‫م‬                      ‫ي‬       ‫ي‬                         ‫ع‬         ‫م‬
   ‫المح ّدية، دفا ًا رائعا عن خيرِ البرية س ّدنا ونبّنا وإمامنا وحبيبنا مح ّد ، رو ٌ جديدة عظيمة‬
    ‫د‬                                                            ‫تذك‬              ‫ر‬
  ‫تس ِي في جسد األمة ِّر بحديث المصطفى عليه الصالة والسالم: ((مثَل المؤمنين في توا ّهم‬
                              ‫ت‬
     ‫وتراحمهم وتعاطفِهم كمثل الجسَد الواحد إذا اشتكى منه عضو َداعى له سائر الجسد بالحمى‬
‫د‬                       ‫ق‬                 ‫م‬               ‫حب م‬                ‫ب‬
‫والسهر)). في ه ّة الغيرة على ِّ مح ّد تكاتفَتِ األ ّة وتداعت إلى الح ّ، وكان لهذه البالد بال ِ‬
     ‫ق ث‬                ‫ر ر‬                ‫ي‬
  ‫َّل كتا ِه ومه َط وح ِه كان لها دو ُ ال ّيادة مما يستح ّ الّناء‬
                                                 ‫ب‬      ‫ب‬                     ‫ث‬              ‫م‬
                                                               ‫مح ّد مولدِه ومبع ِه ومهاجره ومتنز‬
                                                         ‫وال‬       ‫ق‬               ‫بع‬
                                                ‫واإلشادة، ثم ت ِ َهم إخوانهم وأش ّاؤهم د َ ً وشعوبًا.‬
                                    ‫ص‬                                      ‫ي‬          ‫ُب ر‬
  ‫ر َّ ضا ّةٍ نافعة أّها المسلمون، فالمسلمون بإذن اهلل لم ي ِلوا مرحلةَ الغثاء، لقد صار بوسعِهم‬
 ‫ل‬                                 ‫كل‬          ‫ر‬                    ‫ق‬                 ‫و‬
 ‫في زمنِ الع َلمة أن يأخذوا مو ِفًا مشتركًا يعبر قا ّات الدنيا َّها، لم يعد بوسعِ العالم أن يتجاه َ‬
                                              ‫ر‬                  ‫هب‬      ‫ِر ل‬          ‫م‬
                                    ‫هذه األ َةَ ومشاع َها ِيَخشى َّتها ونهضتها ولتَف ِضَ هيبتها.‬
       ‫ف‬                         ‫م‬                                 ‫ُل‬                   ‫إن‬
      ‫َّ االعتذارات حين تحص ُ من المخطئين والمسيئين ليس التزا ًا بمعايير األخالق واعترا ًا‬
         ‫بالحقوق، بل إ ّه حسا ٌ للمصالح وتقدي ٌ للعواقب وهي َة لمن أساؤوا في حقه، إ َّا كَفَيْنَا َ‬
         ‫ك‬            ‫ِن‬                       ‫ب‬             ‫ر‬               ‫ب‬      ‫ن‬
                                                                                             ‫م ْزئ‬
                                                                              ‫الْ ُسْتَه ِ ِينَ [الحجر:19].‬
            ‫دث‬                       ‫م‬                             ‫م‬                      ‫ت‬     ‫ولعل‬
      ‫َّ فرح َنا وبشائر آمالنا في أ ّتنا تدعونا ألن نقفَ وقفةَ تأ ّل أمام هذه الواقعة حا ِ َة إفكِ‬
                                                        ‫سب ه َر ُ َ ه ْر ك‬
                                          ‫العصر، ال تَحْ َ ُو ُ ش ًّا لَكمْ بلْ ُوَ خَي ٌ لَ ُمْ [النور:55].‬
        ‫فحب‬            ‫ر‬                   ‫ة‬                       ‫م‬                    ‫م‬
    ‫ِن هذه الوقفات والتأ ّالت هذه المنزلة العظيم ُ للحبيب المصطفى ال ّسول المجتبى، ُّه ال‬
            ‫ع‬           ‫م‬                                                    ‫ي‬       ‫ز‬
   ‫يبلى، ومن ِلته لن ُنالَ منها، فهو في المقام العالي والمكان الشامخ السا ِق لدى أتبا ِه إلى يوم‬
 ‫نل‬                ‫ولعل‬                      ‫ر‬          ‫ن‬          ‫ٌّ‬    ‫م‬
‫الدين بأبي هو وأ ّي ، حب عظيم وكأ ّه بين أظه ِنا عليه الصالة والسالم، َّنا إن شاء اهلل َبُغ‬
                                               ‫ي‬     ‫َر وتمن‬                    ‫ن ل‬
                                          ‫منزلةَ إخوا ِه اّذين أَخبر عنهم ولم ي َهم َّى رؤ َتَهم.‬
        ‫ر‬         ‫ق‬        ‫ِر‬
‫و ِن هذه ُّالت والموا ِف اجتما ُ األ ّة ِّ مذاهبها ِّحاد مشاع ِها وموا ِفها وشعو ِها بأنهم‬
                                     ‫وات‬        ‫ع م بكل‬            ‫ق‬           ‫التأم‬   ‫م‬
                                            ‫وأن‬     ‫ِّ وأتباع هذا الدي ِ َّ العدو‬
                               ‫َّ واحد َّ الهدفَ واحد.‬    ‫ن وأن‬                          ‫ع‬
                                                                               ‫أتبا ُ هذا النبي‬
                                                 ‫دو‬                 ‫عي‬                 ‫وة‬         ‫م‬
                                             ‫و ِن ذلك ق ّ ُ هذه األمة وفا ِل ّتها في شعوبها و ُ َلها.‬
                                                  ‫م‬                 ‫ن‬           ‫ح‬            ‫م‬
                                              ‫و ِن ذلك افتضا ُ األعداء الّاطقين منهم والصا ِتين.‬
                    ‫المت‬   ‫وم‬              ‫ُر المته‬         ‫ر م‬             ‫ح‬            ‫م‬
      ‫و ِن ذلك افتضا ُ المعايِي ِ، ف َن هو يا ت َى َّ َم باإلقصاء؟! َ َن هو َّهم بكرهِ اآلخر‬
                                                                    ‫ع‬          ‫م‬             ‫ب‬
                                                         ‫و ُغض اآلخر؟! و َن هو المد ُو للتسامح؟!‬
                          ‫ري‬             ‫م ري‬                 ‫ط‬                           ‫م‬
    ‫و ِن باب افتضاحِ المعايير واض ِرابها ما قيل ِن ح ّ ّة الكلمة وح ّ ّة الرأي وحرية التعبير،‬
                                                                ‫أن‬
  ‫ومن المعلوم لدى العقالءِ َّ االستهزاءَ بالناس وقذفَهم والسخريةَ بهم ليس من الحرية في شيء،‬
                ‫ض‬     ‫ِّر‬                    ‫م‬            ‫ب‬       ‫ت ن ال‬         ‫ر‬
    ‫بل ال يما ِسها م ّز ٌ فض ً عن يق َلها عاقل. و ِنَ المعلوم أنه حين كس َت بع ُ التماثيل في‬
                                     ‫رج‬               ‫ف‬        ‫ع‬           ‫مت‬
    ‫بعضِ البلدان قامت قائ َُهم ولم تَق ُد وأرجَ ُوا بخَيلِهم و َ ِلهم واستكتَبوا أهلَ الشرق والغرب،‬
                                     ‫د‬      ‫ن‬       ‫ت‬              ‫ب‬               ‫م‬
   ‫وليس المقا ُ هنا مقام تصوي ِ ذلك أو تخطئَ ِه، ولك ّه شاه ٌ الضطرابِ المعايير وغَلَبة األهواء‬
            ‫ر‬                                            ‫ر ص‬
     ‫وتوظيفِ األحداث، ناهيكم بأمو ٍ توا َوا على منع الحديثِ عنها أو الكتابةِ فيها ضا ِبين بما‬
                                                                                       ‫ري‬
                                                    ‫أسموه: ح ّ ّة الرأي وحريةَ التعبير عرضَ الحائط.‬
                     ‫ي‬                                        ‫م‬
    ‫ومن هذه المواقفِ والدروس والتأ ّالت عِظَم أثرِ اإلعالم في إيجابياته وسلبّاته، وما ينبغي أن‬
         ‫م‬                                                                              ‫ف‬
       ‫يلتَ ِت إليه القادرون من المسلمين من البذلِ في هذا المرفق وترشيده وتوجيهه لخدمة األ ّة،‬
  ‫م‬                                                   ‫ت‬        ‫م‬               ‫ر‬
 ‫فالعصر عص ُ إعالم، والكال ُ للقنوا ِ والفضائيات وشبكات المعلومات، فعلى القادرين من األ ّة‬
    ‫أ َب‬             ‫ْ س ه ومس كن َ‬                    ‫ج رة‬                     ‫يع‬                  ‫ج‬
    ‫وت ّارها وهم خير من ُد َى وخير من يسمع: تِ َا َ ٌ تَخْشَونَ كَ َادَ َا َ َ َا ِ ُ ترْضَوْنَهَا َح َّ‬
                     ‫ل‬                                         ‫إ ُ م الله َرس ل ج ٍ ف سب ل‬
      ‫ِلَيْكمْ ِنْ َّ ِ و َ ُوِهِ وَ ِهَاد ِي َ ِيِهِ [التوبة:47]، حاشا بإذن اهلل، فأنتم أه ُ البذل والغَيرة‬
                                                                                                         ‫ن‬
                                                                                                     ‫وال ّجدة.‬
      ‫م‬               ‫ع‬              ‫د روي‬          ‫ع‬             ‫والس‬       ‫ط‬       ‫م‬
  ‫و ِنها ضب ُ العواطف َّير في الموضو ِ برشا ٍ و َ ِ ّة، ويجب الرجو ُ إلى رجالِ األ ّة من‬
 ‫َ أزم‬        ‫ت‬       ‫بة‬                                              ‫ي ق‬
‫أهل العلم والرأ ِ وال َرار؛ حتى تؤتيَ األعمال ثمارَها، وال تكون اله ّ ُ إثارا ٍ وعواطف ال َّة‬
                                            ‫ٌ‬         ‫وال ضوابطَ، ُديرها هوات ُ ج ّالة وتحر‬
                         ‫ِّكها عبارات في شبكاتِ معلومات.‬      ‫ِف و‬            ‫ت‬
                          ‫ة ع‬          ‫ه‬                     ‫م ن يتقر‬        ‫نبي‬      ‫َّ‬
     ‫ومنها أن نصرةَ ِّنا مح ّد دي ٌ َّب به المسلمون إلى رب ِم ونعم ٌ ين ِم بها اهلل عليهم، أما‬
 ‫جا ِب المصطفى فمحفوظ، وجانبه َنصور، ولو تقاعس المسلمون وتخاذلوا فلقَد قال سبحانه: إ َّ‬
 ‫ِال‬                                                     ‫م‬                         ‫ن‬
               ‫م رُ‬              ‫َل ي ِ‬                ‫وإ‬                           ‫َ ه الله‬       ‫ُر ُ َ‬
  ‫تَنص ُوه فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ [التوبة:04]، وقال سبحانه: َِنْ تَتَوَّوْا َسْتَبْدلْ قَوْ ًا غَيْ َكمْ [محمد:83]،‬
 ‫َد َ َب وم‬                                             ‫َالله ي صمك م الن‬                ‫ق‬
‫وقال في ح ّه سبحانه: و َّ ُ َعْ ِ ُ َ ِنْ َّاسِ [المائدة:26]، وقال له سبحانه: مَا و َّعَك رُّكَ َ َا‬
  ‫سي ف ُ الله‬                                ‫ض‬          ‫و ْ ي ط َب‬                                  ‫ل‬
  ‫قََى [الضحى:3]، وقال له: َلَسَوفَ ُعْ ِيكَ ر ُّكَ فَتَرْ َى [الضحى:1]، وقال له: فَ َ َكْ ِيكَهمْ َّ ُ‬
                                           ‫ذْ‬             ‫ََ‬                        ‫ه السم ع عل م‬
                            ‫وَ ُوَ َّ ِي ُ الْ َِي ُ [البقرة:235]، وقال له: ورفَعْنَا لَكَ ِكرَكَ [الشرح:4].‬
                          ‫ب‬       ‫وتعل‬                                ‫عب‬          ‫ف‬      ‫ه‬
       ‫هذ ِ مواق ُ ودروس و ِ َر وبشائر، فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، َّقوا بر ّكم، وحاسبوا أنفسكم،‬
     ‫واعملوا واجتهدوا وأخِصوا وأبشروا ِّلوا، واستدركوا وأنتم في مستقبلِ عا ِكم وفي مستهل‬
   ‫ِّه،‬          ‫م‬      ‫َ‬                            ‫وأم‬           ‫ل‬
                     ‫ت‬                           ‫ب‬                       ‫ض‬
  ‫استدركوا أعمالَكم فرائ َ ونوافل، فأنتم في مقتَ َل هذا العامِ الجديد، فاستع ِبوا واستدركوا، وهذا‬
                                                         ‫ر‬      ‫س‬                     ‫هو شهر اهلل المحر‬
                                                       ‫َّم، فأروا اهلل من أنف ِكم خي ًا.‬
  ‫م م‬                             ‫م‬      ‫نبي‬        ‫د‬                                    ‫وإن‬
  ‫َّ من خير ما تستَفتِحون به عامكم ما ن َبكم إليه ُّكم مح ّد من صيام يوم العاشر وصيا ِ يو ٍ‬
          ‫ل ت أن‬
‫قبله أو يوم بعده، يقول ابن عباس رضي اهلل عنهما كما في صحيح مسلم: ما عِم ُ َّ رسول اهلل‬
                                                                    ‫ل‬
‫صام يومًا يطلب فضَه على األيام إال هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء الحديث. وفي الصحيح أيضا‬
                                                      ‫أن ي‬
         ‫عن أبي قتادةَ رضي اهلل عنه َّ النب ّ قال: ((صوم يوم عاشوراء يكفر السنة الماضية)).‬
                            ‫م ص‬                      ‫ر‬                                  ‫د‬
  ‫فبا ِروا إلى الخيرات، وسارعوا إلى المك ُمات، ومن كان صائ ًا فلي ُم يوما قبله أو يومًا بعده،‬
             ‫ر‬                                              ‫ر كل‬
 ‫ومن صام شهر اهلل المح ّم َّه فهو خير إلى خير، فأفضل الصيام بعد رمضانَ شه ُ اهلل المحرم‬
                                                                                       ‫كما جاء بذلك الخبر.‬
      ‫أال فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، وأروا اهلل من أنفسكم خيرا، وصلوا على الحبيب المصطفى والنبي‬
 ‫ِن‬                                                       ‫ب‬
 ‫المجتبى سيدنا ونبينا محمد خليل ر ّه، فقد أمركم بذلك ربكم جل وعال، فقال عز قائال عليما: إ َّ‬
                     ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫الله و ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
   ‫َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
  ‫اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد النبي األمي، وعلى آله الطيبين الطاهرين...‬

‫(5/4364)‬




                                                                                              ‫االستهزاء بالنبي‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                                            ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫وسيم بن عبد الرحمن معلم‬
                                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                ‫27/75/6745‬
                                                                                           ‫جامع سوق القوافل‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
                          ‫5- فضل المصطفى . 7- نماذج من حب السلف للنبي . 3- بشائر خير.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                       ‫د‬
‫كنت أظن أني اليوم سأقف كما يقف كل خطيب في يوم الجمعة ليح ّث عن أحكام شرعية أو سنن‬
                                                    ‫أن‬               ‫ق‬
‫مهجورة أو موعظة تر ّق القلوب، ولكن َّى لي أن أتكلم وأقول: لقد قال لنا نبينا ... ونحن نسمع‬
  ‫ت‬
‫شتيمته ونرى رسومات تنشر وهي تسخر منه بأبي وأمي عليه الصالة والسالم؟! فكيف ـ يا ُرى‬
‫ـ يطيب لنا حال ويهدأ لنا بال؟! فمعذرة يا رسول اهلل، ما عرفوك حق معرفتك، وما قدروك ح ّ‬
‫ق‬
                                                                      ‫قدرك، وما أنزلوك منزلتك ومكانتك.‬
                                ‫فح ّك ليس درسًا نتعّمه، وال قوالً نر ّده، وليس شيئًا نتصن‬
 ‫َّعه، بل يكفي لمن عرفك أن يؤمن بك‬                 ‫د‬                 ‫ل‬               ‫ب‬
‫و يحبك ويفديك بنفسه وماله؛ ال تحصى فضائله، وال تعد مزاياه، فهو خير خلق اهلل إنسانا، ما من‬
                                    ‫ر‬
   ‫صفة كمال في الناس إال اتصف بها، وال قبيحة إال وتب ّأ منها، أحبه من سمع عنه، فكيف بمن‬
                                                                                             ‫عايشه وصاحبه؟!‬
  ‫قال ابن إسحاق: إن رسول اهلل عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر‬
    ‫بسواد بن غزية مستنصال من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: ((استو يا سواد))، فقال: يا‬
                                                   ‫ق‬
      ‫رسول اهلل، أوجعتني وقد بعثك اهلل بالح ّ والعدل، قال: فأقدني، فكشف رسول اهلل عن بطنه،‬
   ‫وقال: ((استقد))، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ((ما حملك على هذا يا سواد))، قال: يا رسول‬
                                 ‫س‬
    ‫اهلل، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يم ّ جلدي جلدك، فدعا له رسول اهلل‬
                                                                                                           ‫بخير.‬
  ‫ِّ ب ُردة فقالت: يا رسولَ اهلل، أكسو َ‬
  ‫ك‬                                          ‫ة‬      ‫ت‬          ‫د‬
                               ‫وفي البخاري عن سهل بن سع ٍ قال: جاء ِ امرأ ٌ إلى النبي ب ٍ‬
                                         ‫ل‬                  ‫بس‬            ‫ج‬      ‫هذ ِ، فأخذَها النبي‬
     ‫ُّ محتا ًا إليها فل ِ َها، فرآها عليه رج ٌ من الصحابةِ فقال: يا رسولَ اهلل، ما‬             ‫ه‬
    ‫َ ت‬          ‫س‬               ‫ه‬       ‫أح َ َ هذ ِ، فاك ُنيها، فقال: ((نعم))، فلما قامَ النبي مه‬
    ‫ُّ ال َ ُ أصحاب ُ فقالوا: ما أح َنتَ حين رأي َ‬                              ‫س‬      ‫سن ه‬
  ‫ت رت‬                 ‫ي ع‬            ‫ي ل‬                           ‫ه‬                       ‫م‬        ‫النبي‬
‫َّ أخذَها ُحتاجًا إليها ثم سأَلتَ ُ إياها، وقد عرفتَ أنه ال ُسأ ُ شيئًا ف َمنَ ُه، فقال: رجو ُ ب َك َها‬
                                                                                 ‫حين لَ ِ َها النبي لعل ُكفن‬
                                                                           ‫ُّ ِّي أ َّ ُ فيها.‬    ‫بس‬
    ‫ُّ ، فلما ُضِعَ له المنب ُ سمعنا لل ِذعِ مث َ‬
    ‫ل‬       ‫ج‬          ‫ر‬              ‫و‬                 ‫ِع مإ‬
                                               ‫وعن جابر بن عبدِ اهللِ قال: كان جذْ ٌ يقو ُ ِليه النبي‬
                                                        ‫ه ه‬             ‫ُّ و‬                 ‫ع ر‬
                                                       ‫أصواتِ ال ِشا ِ، حتى نَزلَ النبي ف َضَعَ يدَ ُ علي ِ.‬
      ‫وعن عائشة أن رسول اهلل كان في نفر من المهاجرين واألنصار، فجاء بعير فسجد له، فقال‬
   ‫َب ُ‬    ‫ب‬
‫أصحابه: يا رسول اهلل، تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: ((اعْ ُدوا رَّكمْ،‬
                ‫ج ِ ج‬                         ‫َ م ت‬            ‫ي ج‬         ‫ت ِر َد‬                 ‫ُ‬      ‫و ْرم‬
‫َأَك ِ ُوا أخاكمْ، ولو كن ُ آم ًا أَح ًا أَنْ َسْ ُدَ ألحدٍ أل َرْ ُ المرأةَ أَنْ تَسْ ُدَ لزَوْ ِها)) رواه اإلمام‬
                                                                                                           ‫أحمد.‬
    ‫س‬                  ‫قب‬
‫وكان ثابت البناني رضي اهلل عنه إذا قابل أنس بن مالك رضي اهلل عنه َّل يده وقال: يد م َّت يد‬
                                                                                                    ‫رسول اهلل .‬
       ‫ويقول جابر بن سمرة رضي اهلل عنه وأرضاه: خرجت في ليلة قمراء مع النبي وعليه حلة‬
                    ‫حمراء، فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر رسول اهلل ، فلهو عندي أبهى من القمر.‬
                        ‫ثم‬
      ‫ووقف الصديق رضي اهلل عنه وأرضاه بعد عام من وفاة النبي يحدث، َّ غلبته العبرة فقطع‬
                                              ‫حديثه ثالث مرات؛ ال يستطيع أن يقول: قال رسول اهلل .‬
         ‫لنا الحق أن نحبه وأن نفخر باتباعه بأبي أنت وأمي يا رسول اهلل، أحبك الصغار والكبار،‬
                                                              ‫واألحياء والجمادات، فماذا عسانا أن نقول؟!‬
   ‫أقول ما سمعتم، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                         ‫الرحيم.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله‬
                                                                                            ‫وصحابته أجمعين.‬
                                                           ‫م‬      ‫ل‬
   ‫في الجمعة الماضية تكّمنا ع ّن أساء إلى الرسول ، ودعونا اهلل أن يشفي صدور قوم مؤمنين،‬
                                                                 ‫م‬           ‫َ‬
                                                             ‫وال أستبعد أن يكون منكم مجاب دعوة قد أ ّنها.‬
                                                      ‫ء‬
‫فهذه بشائر الخير تطرق أسماعنا ابتدا ً من خادم الحرمين الشريفين وفقه اهلل الذي استدعى السفير‬
                           ‫ر‬
      ‫السعودي في الدنمارك إلى البالد، اللهم اجزه عن أمة اإلسالم خي ًا، ومتعه بموفور الصحة‬
                    ‫هب‬           ‫والعافية في طاعتك، واجعله ذخ ًا لإلسالم والمسلمين. ولعل‬
   ‫َّ الكثير قد َّ من تجار المسلمين‬                       ‫ر‬
‫وآحادهم وأفرادهم لمقاطعة من اعتدوا على رسولنا الكريم عليه أفضل الصالة وأتم التسليم، فبدأت‬
                                  ‫ُب‬                                         ‫ي‬
                           ‫تتفاقم خسائرهم و ُراجعوا حساباتهم حرصًا على دراهمهم، فهم ع َّاد مال.‬
‫أيها المسلمون، انصروا نبيكم، وأظهروا مناقبه وآثاره وسننه فيكم، اتبعوه تفلحوا، اقتدوا به تجدوه‬
                                                                                              ‫ينتظركم على حوضه.‬
‫ثم اعلموا أن اهلل أمركم بأمر ابتدأه بنفسه، وثنى بمالئكته العالية في قدسه، وأيه بكم أيها المؤمنون‬
               ‫ل‬       ‫َل ع و َلم‬             ‫ِن و ئ ه ي َل عل ن ِي َيه َّذ من‬
           ‫فقال: إ َّ اهللَ َمَالَ ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى ال ّب ِّ يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َ ُوا صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا‬
                                                                                                        ‫[ألحزاب:61].‬
          ‫اللهم أنت رب العالمين، أنت الواحد األحد الفرد الصمد، أهلكت األباطرة، وخضعت لك‬
‫القياصرة، أسميت نفسك بالقهار، وأسميت نفسك بالجبار، زمام األمور بيدك، يا من هو على نصر‬
                                        ‫ّ‬
    ‫المؤمنين قدير، يا من ال يعلم جنده إال هو، اللهم إن زرع الباطل قد نمى وحان حصاده، اللهم‬
                                                                  ‫د‬
     ‫قيض له من الحق ي ًا حاصده تقتلع جذوره وتنتهك شروره، اللهم من سخر برسولك فاجعلهم‬
   ‫أسفل سافلين، واجعل تجارتهم في بوار، اللهم أرسل عليهم القحط والجوع، اللهم خذهم بالسنين‬
   ‫ونقص األموال واألنفس، اللهم اجعل تجارتهم في بوار، أذقهم أليم عذابك وشديد عقاب، واشف‬
                                                                                              ‫صدور قوم مؤمنين...‬

‫(5/1364)‬




                                                                                                         ‫الهجرة النبوية‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                                           ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                                          ‫السيرة النبوية‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫عكرمة بن سعيد صبري‬
                                                                                                                    ‫القدس‬
                                                                                                        ‫27/75/6745‬
                                                                                                              ‫المسجد األقصى‬
                                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- بداية التأريخ الهجري. 7- العناية بالتأريخ الهجري. 3- أهداف الهجرة النبوية. 4- وصف‬
‫الصحابة الكرام في القرآن العظيم. 1- أهداف الهجمة الشرسة على رسول اإلسالم . 6- التحذير‬
                                                                                        ‫من حمالت هدفها تهويد القدس.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
   ‫َر‬       ‫َ ه الله ِ ْ جه َّذ‬               ‫ِال ُر ُ َ‬
 ‫أما بعد: فيقول اهلل عز وجل في سورة التوبة: إ َّ تَنص ُوه فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ إذْ أَخرَ َ ُ ال ِينَ كَف ُوا‬
  ‫ز الله سك ه ع ه وأ َّده‬                      ‫ْز ِن َّ مع‬               ‫ِ هم ف غ ِ يق ل ل حب ِ‬                                ‫ن‬
  ‫ثَا ِيَ اثْنَيْنِ إذْ ُ َا ِي الْ َارِ إذْ َ ُو ُ ِصَا ِ ِه ال تَح َنْ إ َّ اللهَ َ َنَا فَأَن َلَ َّ ُ َ ِينَتَ ُ َلَيْ ِ ََي َ ُ‬
             ‫ر الس ل و لمة الل ه ع َالله َ ز حك م‬                                 ‫جع لم َّذ‬                    ‫جن َ َ‬
             ‫بِ ُ ُودٍ لمْ ترَوْهَا وَ َ َلَ كَِ َةَ ال ِينَ كَفَ ُوا ُّفَْى َكَِ َ ُ َّهِ ِيَ الْ ُلْيَا و َّ ُ عزِي ٌ َ ِي ٌ‬
                                                                                                                   ‫[التوبة:04].‬
‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، يستظل المسلمون في أرجاء المعمورة في هذه األيام بظالل‬
   ‫ذكرى الهجرة النبوة الشريفة، تلك الهجرة التي لم تغير حياة العرب فحسب، بل غيرت مجرى‬
      ‫التاريخ البشري. إنها الهجرة التي انفردت عن سائر الهجرات، فلم تكن هجرته عليه الصالة‬
 ‫والسالم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كأي هجرة حدثت من قبل أو ستحدث من بعد، إنها‬
 ‫هجرة فريدة من نوعها، وهذا ما حدا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يتخذ من حادثة الهجرة‬
‫النبوية منطلقا للتاريخ العربي الهجري، وحصل إجماع من الصحابة الكرام على ذلك. وعليه فإننا‬
      ‫نطالب المسلمين حكومات وشعوبا باالهتمام بالتاريخ الهجري وعدم إهماله باعتبار أن حادثة‬
 ‫الهجرة النبوية هي أهم وأبرز حدث في تاريخ الدعوة اإلسالمية. فحري بالمسلمين في كل زمان‬
‫ومكان أن يحيوا هذه الذكرى، وأن يتدارسوا تفاصيل حادثة الهجرة، وأن يستلهموا العبر والعظات‬
                                        ‫منها؛ فإن في هجرة المختار موعظة لنا وفي هجرة المختار تنبيها.‬
‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، لقد قال بعض المؤرخين المسلمين أن الهجرة من مكة كانت‬
    ‫إيذانا بفتح مكة، لماذا؟ ألن الهجرة النبوية لم تكن هروبا من معركة أو فرارا من مواجهة، بل‬
       ‫كانت تجسيدا للجهاد وترسيخا لقواعد اإليمان. ما كانت الهجرة طلبا للراحة واالستجمام وال‬
   ‫حرصا على الحياة، بل كانت استجابة ألمر رباني الستئناف الحياة اإلسالمية. لم تكن بحثا عن‬
  ‫الخيام واألكل والشرب وتوزيع المؤن الغذائية، بل كانت ارتفاعا وتنزها عن العروض الدنيوية.‬
‫ما كانت الهجرة النبوية طمعا في االستيالء على أرض أو قهرا لشعب وال استغالال لثرواته، وإنما‬
   ‫هدفها السامي إعالء كلمة اهلل سبحانه وتعالى وتطبيق حكم اهلل في األرض، وتحقيق العدالة بين‬
                                                        ‫الناس وإيصال الحقوق للمظلومين وكف أيدي الظالمين.‬
‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، لم تمض ثماني سنوات من العمل الدؤوب والتخطيط الدقيق‬
    ‫والجهاد المستمر حتى تحقق ذلك الفتح فتح مكة، والذي عرف بالفتح األعظم الرتباطه بأقدس‬
 ‫األماكن والستعادته بأقل الخسائر، وتمكن الصحابة رضوان اهلل عليهم من المهاجرين واألنصار‬
                         ‫رق‬
‫من تنفيذ االلتزام الذي قطعوه على أنفسهم، وذلك بإدخال مكة إلى ِب َة اإلسالم وحظيرته ودولته،‬
    ‫بعد أن تحققت األخوة اإليمانية الصادقة بين المهاجرين واألنصار، فكانت المؤاخاة بينهم أكبر‬
                                                                   ‫وأعظم إنجاز ونصر لإلسالم والمسلمين.‬
      ‫فأين نحن من هذه المؤاخاة يا مسلمون؟! أين المسلم الذي يقسم أمواله بينه وبين أخيه المسلم‬
‫المحتاج أو المهاجر؟! كيف كان وضع المهاجرين والنازحين من الشعب الفلسطيني؟! نعم لقد أخذ‬
      ‫شعبنا الفلسطيني درسا قاسيا من المحن التي مر بها بسبب الهجرة في عام 8495م، وبسبب‬
  ‫النزوح عام 2695م، فرابط في أرضه المباركة المقدسة، وألقى خلفه خيام الذل والهوان ليعيش‬
                                              ‫عيش الكرامة وليكسب ثواب المرابطة في أرض فلسطين.‬
   ‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، لقد أثنى القرآن الكريم ومدح المهاجرين واألنصار على‬
  ‫و َّذ ن من و َر ج َد ف َب الل‬
‫مواقفهم اإليمانية بقوله عز وجل في سورة األنفال: َال ِي َ آ َ ُوا َهَاج ُوا وَ َاه ُوا ِي س ِيلِ َّهِ‬
                        ‫َق ه م ِ ة َر ق َر م‬                    ‫و َر أ ك ُ م من‬                             ‫و َّذ‬
  ‫َال ِينَ آوَوا َنَص ُوا ُوْلَئِ َ همْ الْ ُؤْ ِ ُونَ ح ًّا لَ ُمْ َغْفرَ ٌ و ِزْ ٌ ك ِي ٌ [األنفال:42]، كما وصف‬
         ‫ل ف َر م جر َّذ‬
      ‫القرآن الكريم المهاجرين بالصادقين بقوله تعالى في سورة الحشر: ِلْ ُق َاءِ الْ ُهَا ِ ِينَ ال ِينَ‬
   ‫ال م الله ور و وي صر الله َرس ه أ ئ ه‬                                   ‫أ ْ ج م د ِ و و له ي غ‬
 ‫ُخرِ ُوا ِنْ ِيارِهمْ َأَمْ َاِ ِمْ َبْتَ ُونَ فَضْ ً ِنْ َّ ِ َ ِضْ َانًا َ َنْ ُ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ ُوْلَ ِكَ ُمْ‬
                                                                               ‫الص ِق‬
     ‫َّاد ُونَ [الحشر:8]، ووصف القرآن الكريم األنصار بالمفلحين بقوله عز وجل في السورة‬
         ‫و َّذ ن َوء الد ر و إل ن م ْ ل ِ ي ِب م ه َ إ ِ و جد َ ف‬
        ‫نفسها بقوله: َال ِي َ تَب َّ ُوا َّا َ َا ِيمَا َ ِن قَبِْهمْ ُحُّونَ َنْ َاجرَ ِلَيْهمْ َال يَ ِ ُون ِي‬
      ‫ص ُورِهمْ َا َ ً م َّا ُوُوا َ ُؤْث ُونَ ََى أَنْ ُ ِهمْ َلَوْ كَانَ ب ِمْ خَ َا َ ٌ َ َنْ ُوقَ ش َّ نَفْ ِ ِ‬
      ‫ُح سه‬            ‫ِه ص صة وم ي‬                      ‫ُد ِ ح جة ِم أ ت وي ِر عل فس ِ و‬
                                                                                            ‫أ ك ُ م ح‬
                                                                              ‫فَُوْلَئِ َ همْ الْ ُفْلِ ُونَ [الحشر:9].‬
   ‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، إن الهجرة قد توقفت بفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة،‬
     ‫لقوله عليه الصالة والسالم: ((ال هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)).‬
 ‫هذا وقد توصل الفقهاء إلى حكم شرعي يتعلق بالهجرة، ومفاده بأنه ال يجوز مفارقة األوطان إال‬
‫إذا كانت الهجرة من أجل الجهاد في سبيل اهلل أو بنية خالصة هلل عز وجل كطلب العلم أو السعي‬
                                                      ‫للرزق أو الفرار بالدين وبقصد العودة إلى األوطان.‬
‫أيها المسلمون، في هذا المقام فإننا من على منبر المسجد األقصى المبارك نقدم تحية إكبار وتقدير‬
    ‫وثناء إلى إخواننا في مناطق 84 الذين ثبتوا على أرض فلسطين ولم يهاجروا إثر النكبة التي‬
  ‫وقعت عام 8495م، وإلى إخواننا في مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة الذين ثبتوا على‬
                                       ‫أرض فلسطين أيضا لم ينزحوا إثر نكسة حزيران عام 2695م.‬
‫أيها المسلمون، يا أحباب رسول اهلل ، يتوجب على المسلمين خالل إحيائهم لذكرى الهجرة النبوية‬
 ‫الشريفة إبراز الدروس والعظات من هذه الذكرى المجيدة، والتي من أبرزها المرابطة في الديار‬
                                   ‫اإلسالمية التي تتعرض لعأخطار والدعوة إلى عدم الهجرة منها.‬
       ‫نعم أيها المسلمون، إن التنقل والسفر بين قطر وآخر من أقطار العالم اإلسالمي أمر مباح‬
      ‫ومشروع؛ ألن اإلسالم ال يعترف أصال بالحدود القائمة بين األقطار اإلسالمية، فهي حدود‬
 ‫مصطنعة وغير مشروعة، ولكن هذا ال يعني أن يتهرب المسلمون من المسؤولية، وأن يهاجروا‬
  ‫من القطر الذي يتعرض إلى األخطار واالعتداء، فالنصوص الشرعية واألحكام الفقهية أوجبت‬
‫الثبات في البالد وعدم الهجرة منها وعدم هجرانها، جاء في الحديث الشريف: ((عينان ال تمسهما‬
                                ‫النار: عين بكت من خشية اهلل، وعين باتت تحرس في سبيل اهلل)).‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
                                                               ‫أتناول في الخطبة أمرين مهمين خطيرين:‬
                                                                                ‫ال‬
   ‫أو ً: محاوالت اإلساءة إلى خير البرية محمد : سبق أن تعرضنا لهذا الموضوع حينما نشرت‬
‫إحدى الصحف في الدنمارك رسومات ساخرة مهينة بحق نبينا األكرم ، وتشكلت في أوروبا لجنة‬
      ‫باسم: (اللجنة األوروبية لنصرة خير البرية ) لمتابعة هذا الموضوع، وال تزال هذه الهجمة‬
‫الشرسة الحاقدة، ولما كانت ردود الفعل من قبل األنظمة الحاكمة في العالم اإلسالمي والعربي ـ‬
‫مع األسف واأللم ـ فاترة وضعيفة تجرأت صحف أخرى في النرويج لنشر نفس الرسومات قبل‬
     ‫أيام، والتي سبق أن نشرت في الدنمارك، وهذا يؤكد أن الحملة المسعورة الظالمة هي حملة‬
  ‫صليبية جديدة حاقدة ومبرمجة، وإنها أخذت تستشري في أوروبا وأمريكا متسترين تحت شعار‬
    ‫َ بد ب ض ء م‬
  ‫"حرية الرأي والتعبير" كما يدعون ويزعمون، واهلل سبحانه وتعالى يقول: قدْ َ َتْ الْ َغْ َا ُ ِنْ‬
                                                                 ‫ُد ره َر‬            ‫َ و ه ِ وم ت ف‬
                                                 ‫أفْ َا ِهمْ َ َا ُخْ ِي ص ُو ُ ُمْ أَكْب ُ [آل عمران:855].‬
   ‫وهل التعرض لعأديان ولعأنبياء والمرسلين يدخل ضمن هذا الشعار المزيف؟! هل يجوز ألي‬
         ‫شخص أن يتعرض للسيد المسيح ولسيدنا موسى عليهما السالم تحت شعار حرية الرأي‬
                                             ‫ُ د نك ول د‬
 ‫والتعبير؟! واهلل تعالى يقول: لَكمْ ِي ُ ُمْ َِيَ ِينِ [الكافرون:6]، وهل يتجرأ أحد أن يتعرض إلى‬
 ‫الذين يعبدون البقر والحيوانات األخرى؟! إنها حملة ضد اإلسالم والمسلمين، لماذا؟ ألن اإلسالم‬
        ‫ي فئ ن الل‬                ‫ُر د‬
      ‫أخذ ينتشر ويشع نوره في أوروبا وأمريكا، واهلل سبحانه يقول: ي ِي ُونَ أَنْ ُطْ ِ ُوا ُورَ َّهِ‬
                                               ‫َ و ه ِ وي ب الله ِال ي ِم ن ره و َر ك ِر‬
                               ‫بِأفْ َا ِهمْ َ َأْ َى َّ ُ إ َّ أَنْ ُت َّ ُو َ ُ َلَوْ ك ِهَ الْ َاف ُونَ [التوبة:73].‬
‫سيدي يا رسول اهلل، إن لم يدافع عنك المسلمون فإن اهلل رب العالمين قد تولى الدفاع عنك بقوله:‬
   ‫وِن ع خلق‬                                                             ‫م زئ‬                         ‫ِن‬
   ‫إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ [الحجر:19]، ومدحك رب العزة بقوله في سورة القلم: َإَّكَ لَ َلى ُُ ٍ‬
      ‫عَظِيمٍ [القلم:4]، وسيبقى نور اإلسالم مشعا في أوروبا وأمريكا وفي الكون كله لينير قلوب‬
                                                       ‫المؤمنين وليطمس على قلوب الكافرين الحاقدين.‬
    ‫أيها المسلمون، أيها المرابطون في أرض اإلسراء والمعراج، ثانيا: المسجد األقصى المبارك‬
                                     ‫ر‬
 ‫(للمرة تلو المرة)، نشرت الصحف العبرية بحثًا صاد ًا عن مركز القدس للدراسات اإلسرائيلية‬
  ‫يقترح فيه نقل صالحية إدارة األماكن المقدسة في الحوض التاريخي للقدس إلى األسرة الدولية،‬
   ‫ويقصدون بالحوض التاريخي للقدس منطقة المسجد األقصى المبارك وبلدة سلوان، وهذا البحث‬
     ‫هو قديم جديد، وقد سبق أن طرح عام 0007م في مفاوضات كامب ديفيد الفاشلة، واآلن يعاد‬
 ‫طرحه من جديد في المؤتمر الذي عقد في هرتسليا هذا األسبوع. وفي البحث تبرير غير منطقي‬
 ‫بأن تتولى جهة ثالثة اإلشراف على األماكن المقدسة، بحجة انعدام الثقة بين الفلسطينيين واليهود!‬
     ‫أما الطرح اإلسرائيلي لتدويل األماكن المقدسة فهو مقبول لديهم؛ ألنهم ال يملكون أصال أماكن‬
       ‫مقدسة، وبالتالي فإن الطرف الخاسر هم المسلمون، وعليه فإن الهدف البعيد من هذا الطرح‬
‫الخطير الخبيث هو كف يد المسلمين عن المسجد األقصى المبارك، أو على األقل انتزاع اعتراف‬
     ‫من المسلمين بأن لهم شركاء في المسجد األقصى المبارك لتهويد المدينة. ونؤكد أن موضوع‬
    ‫األقصى غير قابل للنقاش، وهو إسالمي، وسيبقى المسلمون حماة للقرار الرباني بإسالمية هذه‬
    ‫َالله‬
    ‫الديار، وسيبقى األقصى أرضا وبناء وسماء وباطنا هو األقصى، ال تغيير لواقعه الديني، و َّ ُ‬
‫وسي َم َّذ ن م َي م ٍ ي قلب ن‬                                     ‫ي م‬           ‫لب عل ْ ه و ِن َ الن‬
‫غَاِ ٌ ََى أَمرِ ِ َلَك َّ أَكْثرَ َّاسِ ال َعْلَ ُونَ [يوسف:57]، َ َ َعْل ُ ال ِي َ ظَلَ ُوا أ َّ ُنقَلَب َن َِ ُو َ‬
                                                                                                 ‫[الشعراء:277].‬

‫(5/6364)‬




                                                                                                      ‫نصرة النبي‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                    ‫اإليمان, سيرة وتاريخ, موضوعات عامة‬
                                                                   ‫اإليمان بالرسل, الشمائل, جرائم وحوادث‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫ناصر بن عمر العمر‬
                                                                                                   ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                   ‫07/75/6745‬
                                                                                            ‫جامع جابر األحمدي‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- حديث الساعة. 7- جرائم األعداء. 3- فضل المصطفى وشمائله. 4- حب الصحابة للنبي .‬
     ‫1- جريمة السخرية بالنبي . 6- سوء مصير المستهزئين بالنبي . 2- إيجابيات الحدث. 8-‬
                                                                                             ‫واجب نصرة النبي.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
      ‫ح ْر عل عب د ي ت ِ م ْ رس ِال ن ب ي ِئ‬
    ‫أما بعد: فيقول اهلل عز وجل: يَا َس َةً ََى الْ ِ َا ِ مَا َأْ ِيهمْ ِن َ ُولٍ إ َّ كَا ُوا ِهِ َسْتَهْز ُون‬
            ‫و فس ُ ْ َر َذب َ ر ق تل‬                                ‫ُ ْ رس ل بم‬         ‫ُلم‬
         ‫[يس:03]، وقال تعالى: كَّ َا جَاءَهم َ ُو ٌ ِ َا ال تَهْ َى أَن ُ ُهم ف ِيقًا ك َّ ُوا وفَ ِي ًا يَقُُْونَ‬
    ‫ِن َّذ ي ذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف لد و خ ة و َد ل ُ‬
  ‫[المائدة:02]، ويقول تعالى: إ َّ ال ِينَ ُؤْ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ا ُّنْيَا َاآل ِرَ ِ َأَع َّ َهمْ‬
                    ‫م زئ‬                         ‫ِن‬                                              ‫َ مه‬
     ‫عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21]، ويقول الحق تبارك وتعالى: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ [الحجر:19]،‬
                                                    ‫ِن ن ك هو َر‬
   ‫ويقول تعالى: إ َّ شَا ِئَ َ ُ َ األَبْت ُ [الكوثر:3] أي: مبغضك هو المحروم والمقطوع من خيري‬
                                                                                                   ‫الدنيا واآلخرة.‬
  ‫أيها المسلمون، ال يخفى عليكم حديث الساعة، مما جاء في بعض صحف دولتي الكفر الدنمارك‬
               ‫ص‬
     ‫والنرويج من اعتداء وتطاول على مقام النبوة العظيم، والحديث عما فعلوه مف ّل في وسائل‬
                                                                                                ‫اإلعالم المختلفة.‬
     ‫ب‬                ‫أج‬                ‫ه‬       ‫أ م‬                         ‫أ‬
   ‫لقد ذبحوا الشيوخ فُسكِتنا، وقتلوا األطفال فُص ِتنا، و َتكوا األعراض فُل ِمنا، أما وأنهم سّوا‬
                                                       ‫نبينا وحبيبنا ومن جعلت أرواحنا فداه فال وألف ال.‬
                     ‫ر‬
‫هكذا يفعل عباد الصليب، لم يتركوا نبيًا إال نالوا منه، فامتعأت أناجيلهم المح ّفة بالنيل من األنبياء‬
                             ‫م‬              ‫ح‬                          ‫و‬
  ‫وسبهم حتى ص ّروهم بأبشع الصور التي يست َى من ذكرها، أ ّا أن يصل األمر لالعتداء على‬
‫نبينا الكريم وخير خلق اهلل أجمعين فال واهلل، لن نسكت ولن نقف مكتوفي األيدي، نحن المسلمون‬
                                                            ‫ح‬
  ‫الوحيدون الذين نؤمن بنو ٍ وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ال نفرق بين أحد منهم ونحن له‬
                                                                                                          ‫مسلمون.‬
                                           ‫ي‬                            ‫ي‬
     ‫أيها المسلمون، نب ّكم محمد سيد ولد آدم، نبي تق ّ ورسول نقي، أحبه اهلل واصطفاه، واختاره‬
                    ‫ر‬                                                   ‫ل‬
‫واجتباه, جمع اهلل له بين الخّة والتكليم، وجعله أكثر األنبياء أتباعًا وأعالهم قد ًا ومقامًا، سماه اهلل‬
                       ‫و‬                                  ‫م‬
      ‫أحمد، فذو العرش محمود وهو مح ّد، كان أجوَد الناس بالخير، كان أج َد بالخير من الريح‬
                                ‫ء‬
 ‫المرسلة, ما عرض عليه أمران إال أخذ بأيسرهما، أشد حيا ً من العذراء في خدرها، ومن حيائه‬
                               ‫م‬                                             ‫و‬
‫أنه ال يص ّب النظر في عين أحد إال أرخى عينه، ما عاب طعا ًا قط, إن اشتهاه أكله وإال تركه،‬
    ‫لغ‬                      ‫ب‬                     ‫د د‬
   ‫إذا تكلم ال يسرع وال يسترسل، ولو ع ّ العا ّ حديثه ألحصاه، ال يح ّ النميمة، ويكره أن يبِ َه‬
                                                                                   ‫د‬
   ‫أح ٌ عن أحدٍ شيئًا، يقول أنس رضي اهلل عنه: خدمت الرسول عشر سنين، واهلل ما قال لي: لم‬
  ‫فعلت كذا؟ ولم لم تفعل كذا؟ وهال فعلت كذا. يحلم على الجاهل، ويصبر على األذى، يبتسم في‬
                                                             ‫د‬                 ‫د‬
    ‫وجه مح ّثه، وإذا صافح أح ًا ال ينزع يده حتى يكون اآلخر هو الذي ينزع، يقبل على محدثه‬
                                                                  ‫ب‬
    ‫حتى يظن محدثه أنه أح ّ الناس إليه، يسلم على األطفال ويالعبهم، يجيب دعوة الحر والعبد،‬
‫ويعود المرضى حتى أهل الكتاب. ما اقترب أحد من أذنه يريد أن يكلمه حتى يسبقه فيحني رأسه‬
                  ‫ض‬                     ‫ل‬
‫له، يبدأ من لقيه بالسالم، خير الناس ألهله، يعّمهم ويصبر عليهم، ويغ ّ الطرف عن أخطائهم،‬
      ‫د‬                                                       ‫ص‬
 ‫ويعينهم في أمور البيت، يخ ِف نعله, ويخيط ثوبه، يأتيه الصغير فيأخذ بيده يريد أن يح ّثه في‬
   ‫أمر فيذهب معه حيث شاء، يجالس الفقراء، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ويكره أن يقوم له‬
   ‫حش‬           ‫ش‬                                                         ‫ج‬
  ‫أصحابه، وقاره ع َب، ال يضحك إال تبسمًا، وال يتكلم إال عند الحاجة، ليس فاح ًا وال متف ّ ًا‬
   ‫وال صخابًا باألسواق، ال يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ال يقابل أحدا بشيء يكرهه‬
                     ‫وإنما يقول: ((ما بال أقوام...))، ال يغضب لنفسه ولكن لحرمات اهلل يغضب.‬
                  ‫م‬                    ‫ر‬       ‫ر‬       ‫ر‬                 ‫ر‬       ‫ح‬
       ‫دخل مكة فات ًا منصو ًا، فلم يدخل متكب ًا متجب ًا مفتخ ًا شامتًا، وإنما كان ِعأه التواضع‬
                               ‫ر‬
   ‫والشكر والحمد. وقف أمامه رجل عند الطواف فأخذت الرجل ِعدة عند وقفته أمامه فقال له:‬
                                                                                        ‫و‬
  ‫((ه ّن عليك؛ إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة)). زهد في الدنيا وقد أتته راغمة، فكان‬
  ‫يضطجع على الحصير، ويرضى باليسير، ويمر الشهر تلو الشهر وال يوقد في بيته النار، وإنما‬
        ‫طعامه األسودان. كان رحيما بأمته, أعطاه اهلل دعوة مستجابة فادخرها ألمته يوم القيامة.‬
                                                               ‫خلق‬
‫وكما كان أحسن الناس ُُ ًا كان أحسنهم خَلقًا، حتى يقول جابر رضي اهلل عنه: رأيت رسول اهلل‬
                                                              ‫ل‬             ‫أ‬
‫في ليلة ُضحيان وعليه حّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلَهو كان أحسن في عيني من‬
                                                                                                    ‫القمر.‬
   ‫شهد بفضله األعداء، والحق ما شهدت به األعداء، يقول صاحب كتاب (الخالدون المائة): "لقد‬
           ‫ق‬                                                                    ‫د‬
      ‫اخترت محم ًا في أول القائمة ألنه اإلنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطل ًا على‬
                                                             ‫ل‬
      ‫المستوى الديني والدنيوي". وأّف إنجليزي كتابًا اسمه (محمد)، أحرقته السلطات البريطانية‬
      ‫الحاقدة، قال فيه: "إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، وإن رجال الدين في‬
     ‫عدو‬
    ‫القرون الوسطى ونتيجة للجهل والتعصب قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، فاعتبروه ًّا‬
                  ‫ص‬
 ‫للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتو ّلت إلى أنه لم يكن‬
  ‫م‬                        ‫لوف‬                                                         ‫و‬
 ‫عد ًا للمسيحية، بل هو منقذ البشرية, ولو تولى أمر العالم اليوم ِّق في حل مشكالتنا بما يؤ ّن‬
                                                                                ‫السالم والسعادة للبشر".‬
             ‫ه‬
   ‫أيها المسلمون، لقد رفع اهلل ذكر نبيكم عاليًا، فال يذكر اهلل إال والنبي معه، وال يتش ّد مؤذن إال‬
                                        ‫ل‬
     ‫ويشهد برسالته، وال يصلي مصلي إال ويشهد له ويصّي عليه، أرسله اهلل للناس عامة، فكان‬
       ‫ع ر ِن ُ ف س ْرت ِ‬                                                                    ‫ر‬
     ‫للعالمين نذي ًا، وكان خاتمًا لعأنبياء والرسل، أقسم اهلل بحياته فقال: لَ َمْ ُكَ إَّهمْ لَ ِي َك َ ِهمْ‬
                                                                                                 ‫ي مه‬
                                                                                  ‫َعْ َ ُونَ [الحجر:72].‬
       ‫ي‬        ‫م س‬            ‫إ ْر م‬               ‫ن ح‬
      ‫خاطب اهلل أنبياءه ورسله بأسمائهم فقال: يَا ُو ُ وقال: يَا ِب َاهِي ُ وقال: يَا ُو َى وقال: َا‬
      ‫َي الرس ل‬           ‫ي َي الن ِي‬                                          ‫ي‬                ‫عس‬
     ‫ِي َى، ولم يخاطب نب ّنا إال بوصف النبوة أو الرسالة، فقال: َا أُّهَا َّب ُّ ويَا أُّهَا َّ ُو ُ.‬
    ‫أ‬                  ‫ي‬
 ‫أعطاه اهلل جوامع الكلم، ونصره بالرعب. تفرد عن األنبياء بالقرآن باق ًا إلى يوم الدين، وُعطي‬
         ‫م‬                                                       ‫ر‬
‫اإلسراء والمعراج، وتش ّف بالوصول إلى سدرة المنتهى، فرأى من آيات ربه الكبرى. أ ّ األنبياء‬
    ‫في بيت المقدس، وأعطاه اهلل الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، وهي الشفاعة العظمى. كان‬
                  ‫ر‬       ‫د‬
      ‫بركةً على أمته، فكانت أمته خير األمم، وجعلت لها األرض مسج ًا وطهو ًا، ووضع عنها‬
 ‫اآلصار واألغالل التي كانت على األمم السابقة. هداها اهلل ليوم الجمعة، وجعلهم أكثر أهل الجنة.‬
                                                       ‫ق‬                           ‫نبي‬
          ‫أيده اهلل َّه بالمعجزات الباهرات، فانش ّ له القمر، ونبع الماء بين أصابعه، وكثر الطعام‬
          ‫و‬             ‫د‬              ‫ر‬                               ‫رق‬
 ‫والشراب بين يديه، َّ له واشتاق الحيوان والجماد، فخ ّ له الجمل ساج ًا، وأخبر بنب ّته الذئب،‬
                        ‫ل‬                   ‫ب‬                                         ‫ن‬
           ‫وح ّ الجذع وصاح لفراقه، وانقادَ الشجر له, وس ّح الطعام بحضرته، وسّم الحجر عليه.‬
   ‫أيها المسلمون، لقد ضرب أصحاب النبي أروع المثل في صدق محبتهم لنبيهم، حتى قال خباب‬
                                                                      ‫ص‬
    ‫وهو على خشبة ال ّلب: (واهلل، ما أحب أن أكون في أهلي ورسول اهلل في مكانه الذي هو فيه‬
                                                                    ‫د‬
    ‫يشاك بشوكة). والص ّيق رضي اهلل عنه يسبقه إلى الغار يوم الهجرة، فيسد كل ثقب وفتحة في‬
                                                        ‫ي‬
    ‫الغار، ويبقى ثقب يغلِقه بقدمه، ف ُلدغ رضي اهلل عنه والنبي نائم على حجره, حتى تسقط دموع‬
                       ‫م‬      ‫م‬
   ‫أبي بكر من األلم على وجه النبي . وهذا صاحب من أصحابه يغت ّ ويهت ّ لما فكر بأنه لن يرى‬
    ‫النبي في اآلخرة ألنه أرفع مكانة منه في الجنة، فأنزل اهلل: َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َّ ُولَ فَُوْلَئِ َ َ َ‬
    ‫أ ك مع‬             ‫وم ي الله َالرس‬
                 ‫َف‬          ‫حس أ‬          ‫َ الله ع ه م الن ِي ن و ِّد ق ن َالش َد ء َالص لح‬                        ‫َّذ‬
‫ال ِينَ أَنْعمَ َّ ُ َلَيْ ِمْ ِنْ َّبِّي َ َالص ِّي ِي َ و ُّه َا ِ و َّاِ ِينَ وَ َ ُنَ ُوْلَئِكَ ر ِيقًا [النساء:96].‬
                                                                        ‫والمواقف في ذلك أكثر من أن تحصر.‬
‫ر‬                                                                            ‫ي‬
‫أيها المسلمون، أذ ّة النبي من أفظع الفظائع، فما تظاهر أحد باالستهزاء به إال أهلكه اهلل وقتله ش ّ‬
 ‫قتله, ذلك أن اهلل يدافع عن الذين آمنوا، فكيف بنبيكم؟! وذلكم أن اهلل قد تكفل بالحرب لمن آذى له‬
          ‫م ْزئ َ‬                       ‫ِن‬                                                             ‫ولي‬
         ‫ًّا، فكيف به صلوات اهلل وسالمه عليه؟! وذلك أن اهلل تعالى قال: إَّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَه ِ ِين.‬
    ‫وانظروا لمصير المستهزئين به والمؤذين له وما أنزل اهلل بهم من العذاب، فأهلك اهلل أبا لهب،‬
                                                            ‫م‬                  ‫ج‬
         ‫وجعل في ِيد امرأته حبال من َسد، وهذا الوليد بن المغيرة وأبو جهل وعقبة والنضر بن‬
                   ‫ز‬
  ‫الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل وغيرهم ممن انتقم اهلل منهم. م ّق كسرى ملِك الفرس‬
             ‫د‬                               ‫ت‬                ‫ز‬                     ‫ي‬
         ‫كتاب النب ّ حين بعث به إليه، فم ّق اهلل ملكه، فق ِل على يد أقرب الناس إليه. وارت ّ رجل‬
‫نصراني كان يكتب للنبي ، فكان يقول بعد ردته: ال يدرِي محمد إال ما كتبت له، فأماته اهلل، فكان‬
                                                       ‫ج‬                         ‫ل‬
      ‫كّما دفنوه لفظته األرض خار َها، ففضحه اهلل. وكان المسلمون يحاصرون بعض الحصون،‬
                  ‫ي‬        ‫ب‬        ‫خ‬
 ‫فتمتنع عليهم حتى ييأسوا، فما يلبث من بداخل الحصن أن يس َروا ويس ّوا النب ّ ، فيفتح اهلل على‬
        ‫المسلمين من فورهم. وفي المقابل كان من ملوك الفرنج من يحتفظون في صندوق مصف‬
  ‫َّح بذهب‬
     ‫بخطابٍ لرسول اهلل ، يقول أحدهم: ما زلنا نتوارثه إلى اآلن، لقد أوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا‬
       ‫الكتاب عندنا ال يزال الملك فينا. ولما قال ابن سلول قولته المشهورة: لئن رجعنا إلى المدينة‬
                                                     ‫ن‬          ‫خ‬
      ‫ليخرجن األعز منها األذل، فس ّر اهلل اب َ هذا المنافق عبد اهلل رضي اهلل عنه، فوقف له على‬
                                    ‫ر‬                                          ‫ر‬
          ‫أبواب المدينة شاه ًا له سيفه قائال: (واهلل، ال تدخلها حتى تق ّ أنك أنت الذليل ورسول اهلل‬
                                                                                                             ‫العزيز).‬
                ‫ي‬                       ‫ب‬                                                ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلمون، إن الواجب اليوم على المسلمين أن يه ّوا للدفاع عن رسولهم ونبّهم ، ولئن كان‬
 ‫اهلل قد تكفل بالدفاع عن نبيه فإن واجب النصرة ينبع من مكانةِ هذا النبي في قلوب المسلمين، فما‬
       ‫م‬                                                             ‫ن‬
     ‫من خيرٍ أصابنا إال وله م ّة علينا به؛ أخرجنا من الظلمات إلى النور، وكان بنا رؤوفًا رحي ًا،‬
‫ولئن كنا ندافع عن نبينا اليوم فلِعلمنا بأن الطعن في صاحب الشريعة هو طعن في الشريعة ذاتها.‬
  ‫لقد قال النصارى واليهود في اهلل قوال عظيما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق األرض وتخر‬
                                                                                ‫د‬
   ‫الجبال له ه ًا، ولكن ما فعله نصارى الدنمارك والنرويج أيقظ القلوبَ الغافلة والعقول الشاردة،‬
       ‫س‬
   ‫وأعاد فتحَ األعين النائمة. فلئن أراد هؤالء السخرية واالستفزاز فقد أتاهم اهلل بأمر لم يحت ِبوه؛‬
               ‫لقد أتاهم اهلل بأتباع محمد الذين يبذلون حياتهم رخيصة في الدفاع عنه واالنتقام له.‬
        ‫تق‬       ‫ة‬
 ‫أيها المسلمون، لو تطاول أحد على شخوصنا أو قبائلنا أو رموزنا لقامت قيام ُ من انُ ِص, وهذا‬
     ‫غ ْر ُ‬          ‫ِرض نبيكم يسته َأ به ويسخَر منه ويشو ِال ت ِر ي َذ ْ ُ َ ب ل وي ْ ِ‬
   ‫َّه، إ َّ َنف ُوا ُع ِّبكمْ عذَا ًا أَِيمًا َ َسْتَبدلْ قَوْمًا َي َكمْ‬ ‫ز‬           ‫ع‬
                                                                                 ‫ُر ه ئ‬             ‫و‬
                                                                   ‫َال تَض ُّو ُ شَيْ ًا [التوبة:93].‬
      ‫د‬
   ‫لقد انطلقت حملة في الغرب قبل ذلك بعنوان: (مليون ضد محمد)، ولكننا نرجو أن يكون ر ّنا:‬
       ‫(مليار مع محمد). وواهلل، إن تخليتم اليوم عن واجب النصرة فسوف يأتي اهلل بغيركم ثم ال‬
                                                                                              ‫ر‬
                                                                                     ‫تض ّوه شيئًا.‬
                                                                              ‫ل‬
   ‫لقد وصل الذ ّ بالمسلمين أن يستجدوا من هؤالء االعتذار، نريد منهم أن يعتذروا. ال واهلل، لن‬
                                                                  ‫ئ‬
  ‫يجديَ اعتذارهم شي ًا، بل األمر أكبر من ذلك وأخطر. إن سب النبي وانتقاصه جريمة عظيمة،‬
                                                           ‫ب‬
‫ولقد أفتى علماء اإلسالم أن من س ّ النبي فقد كفر، وال تقبل له توبة في الدنيا، بل يقتل حتى وإن‬
        ‫تاب، وأمره في اآلخرة إلى اهلل. ونحن ال ندعو اليوم لقتال وسفكِ دماء، فهذا فع ُ المتهو‬
     ‫ِّرين‬     ‫ل‬
    ‫ي‬                            ‫رد‬
 ‫والطائشين والجاهلين، ولكن هناك من األعمال التي هي أبلغ ٍّ للمسلمين على هذا الفعل، نب ّنها‬
                                                   ‫في -------------------------‬
                                                                       ‫الخطبة الثانية إن شاء اهلل.‬
                            ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
                                                                             ‫ي‬
   ‫أما بعد: فيا أ ّها المسلمون، قوموا بواجب النصرة لنبيكم، فإن تنصروه اليوم ينصركم اهلل، ماذا‬
                                                 ‫ع‬
                  ‫تقولون يوم القيامة إذا سئلتم: رأيتم وسمعتم ِرض نبيكم قد انتهك فماذا فعلتم؟!‬
                           ‫ي‬                                       ‫ت‬
       ‫يا من ترجون شفاع َه يوم العرض األكبر، يا من ترجون أن يسق َكم نبيكم من حوضه، هل‬
  ‫تكونون على مستوى الحدث؟! إن شر البلية أن ينقدح في ذهن الناس أن النصرة سوف يقوم بها‬
                                                                         ‫م‬
   ‫غيرنا ويكفينا ه ّها، وإني أقول: لن تبرأ الذمة حتى يشترك الصغير والكبير والجاهل والمتعلم‬
                                     ‫ز‬                       ‫ن‬               ‫ي ل‬
‫والفقير والغن ّ, ك ّ بحسبه. كثير م ّا له من المواهب التي ر َقه اهلل إياها, فال بارك اهلل في موهبة‬
        ‫ن‬       ‫ن س‬                  ‫ن‬      ‫ل‬      ‫ن‬             ‫ن‬                   ‫ّ‬
  ‫ال تستغل في نصرة النبي ، م ّا الخطيب، وم ّا المعّم، وم ّا األديب، وم ّا الر ّام، وم ّا صاحب‬
                             ‫ق‬                                  ‫ي‬
 ‫اللغة األجنبية، ومنا الصحف ّ والكاتب، ومنا التاجر، ومنا من يت ِن استعمال الحاسب اآللي، ومنا‬
                             ‫فكل‬                                         ‫ي‬
‫الشاب القو ّ، ومنا المسؤول، ومنا الرجل البسيط العادي، ٌّ ينصر بحسبه. هناك أعمال يشترك‬
    ‫فيها الجميع، كالدعاء على من قام بهذا العمل وشارك فيه أو أيده أو رضي به أو سمع به ولم‬
                                                                                          ‫ك‬
                                                                                       ‫ين ِره.‬
                                                                  ‫د‬     ‫ث‬
    ‫ومن األعمال المؤ ّرة ج ًا المقاطعة االقتصادية للمنتوجات والشركات التي من هذين البلدين،‬
                                                                   ‫م‬
       ‫وسالح المقاطعة من أه ّ األسلحة السريعة التي يعاقَب بها هؤالء، ومعرفة هذه المنتوجات‬
         ‫بي‬                ‫خ‬
   ‫وشركاتها أمر ميسور، وعقاب هؤالء ردع لغيرهم، وليعلموا أن ُمس سكان العالم ِ َدهم من‬
                                                                ‫غي‬       ‫د‬
                                                             ‫اإلجراءات ما ير َعهم عن ِّهم.‬
  ‫لقد رفض هؤالء االعتذار، ورفض رئيس وزرائهم استقبال السفراء لمناقشة هذا األمر, واعتبر‬
 ‫ر‬
‫المسؤولون في تلك الدولة أن ما نشر هو من باب حرية التعبير المزعومة, ولئن كانوا هم أحرا ًا‬
                           ‫في التعبير على زعمهم فنحن أحرار فيما نشتري ونبذل أموالنا فيه.‬
                                ‫ي‬
 ‫أيها المسلمون، لقد أحسن ولي أمرنا ـ حفظه اهلل ورعاه وأ ّده ـ حينما قام بسحب سفيرنا هناك‬
        ‫د‬        ‫ر‬
       ‫بعد أن رفض المسؤولون هناك التجاوب مع نداءات العقل والحكمة، فكان تص ّفا محمو ًا‬
                                                           ‫تحد‬                  ‫ر‬
 ‫مشكو ًا. ونحن اليوم أمام ٍّ عظيم في نصرته ، فإن رسائل االستنكار التي تبعث إلى السفارة‬
                                ‫س‬
     ‫في الرياض وإلى المسؤلين في الدنمارك وإلى الصحيفة نف ِها لهي من أعظم ما يرهبهم في‬
           ‫ب‬
  ‫قلوبهم, ويعلمون مدى الغضب الذي في قلوب المسلمين, ويعلمون إلى أي مدى يح ّ المسلمون‬
‫نبيهم. وبعض الناس قد يقول: أنا ال أعرف أن أكتب أو أعبر، ولكن أال ترى لمثل هذا إذا حدثت‬
                                  ‫ض هي‬
‫له مشكلة ذهب واستكتب له كاتبا ليكتب له معرو ًا لين ِ َ به مشكلته؟! أليس هذا الحدث هو أهم‬
                                                                             ‫مشكلة لنا اليوم؟!‬
                         ‫ت‬
 ‫على الناس أن يكتبوا اليوم ألصحاب القنوات التي طالما راسلوها وا ّصلوا عليها من أجل الغناء‬
                  ‫ك‬
       ‫والفن وغير ذلك مما ال يليق، عليهم اليوم أن يكتبوا ألصحاب هذه القنوات ليذ ّرونهم باهلل‬
 ‫م‬        ‫ي‬                          ‫ص‬
‫ويطالبوهم بالمشاركة الفعالة مع هذا الحدث، وأن يخ ّصوا من برامجهم ما يليق بس ّد الخلق ِن‬
                    ‫ي‬            ‫ر‬                                                   ‫حق‬
 ‫ٍّ عليهم، وأن تعمل البرامج بالطرق االحترافية التي تع ّف الناس بنب ّهم وقدوتهم. إن صوتي‬
                ‫ح‬                      ‫ر د‬                              ‫م‬
         ‫إذا انض ّ لصوتك وصوت اآلخر أصبح مؤث ًا ج ًا، وأصبحت هذه رغبة مل ّة ومطلب‬
                                                                                   ‫جماهيري.‬
                  ‫ي‬                                              ‫ي‬       ‫د‬        ‫ل‬
       ‫على المعّم أن يع ّ المطو ّات والنشرات لطالبه بعد اإلجازة في التعريف بنب ّ األمة وعقد‬
‫المحاضرات والندوات في المدارس، على الدعاة والعلماء أن ينطلقوا اليوم لتعريف الناس بالسيرة‬
                                           ‫ي‬            ‫ر‬
    ‫التفصيلية وكتابة الكتب التي تق ّب الناس لنب ّهم بصورة عملية ومشوقة. وإن صح الخبر فإن‬
                                   ‫م‬              ‫ن‬                     ‫م‬            ‫م‬
                ‫هناك عز ًا إلنشاء مج ّع للملك عبد اهلل للس ّة النبوية كمج ّع الملك فهد للقرآن.‬
  ‫ي‬                                             ‫ح‬
 ‫هذه الجهود التي ينبغي أن تتواصل وتتو ّد مع بعضها البعض ينبغي أن تكون مشروعًا إسالم ًا‬
   ‫كبيرا، نشارك فيه جميعًا، كبيرنا وصغيرنا، رجالنا ونساؤنا، فقراؤنا وأغنياؤنا، حتى ينظر اهلل‬
                                                    ‫د‬
                 ‫إلينا وينظر لصنيعنا، فيرضى عنا ويب ّل أحوالنا، وليس شيء على اهلل بعزيز.‬
             ‫ن‬
 ‫ونحن إذ نشكر اليوم مقام خادم الحرمين وولي عهده على موقِفهما المشرف فإ ّ الشكر موصول‬
     ‫للتجار الذين تجاوبوا، وللكتاب الذين كتبوا، وللناس الذين تفاعلوا مع الحدث بصور مختلفة،‬
                                                                                                 ‫والقادم أكثر وأجمل.‬
                                                                     ‫ن‬
  ‫أيها المسلمون، إ ّا لنرجو أن يكون في هذه المحنة منحة عظيمة للمسلمين في الرجوع إلى سنة‬
 ‫سيد المرسلين وإحيائها على جميع المستويات. إن لنبينا حقوقًا علينا كثيرة، منها طاعته فيما أمر‬
                ‫ب‬     ‫ب‬                     ‫ب‬
    ‫واالبتعاد عما نهى عنه وزجر. ومن حقوقه علينا محّته حتى تفوق هذه المح ّة مح ّتَنا ألنفسنا‬
                                           ‫ر‬
‫وأهوائنا ورغباتنا. ومن حقوقه علينا اتباع هديه ظاه ًا وباطنًا, أن نرجع إلى سنته فنبدأ بتطبيقها،‬
     ‫فمحبة النبي ونصرته تكون بتطبيق سنته في جميع أحوالنا، فما كان منها واجبًا أوجبناه على‬
                                            ‫أنفسنا، وما كان منها مستحبا سعينا لإلتيان به قدر استطاعتنا.‬
       ‫علينا ـ معاشر المسلمين ـ أن نعكس بتصرفاتنا وأخالقنا ما كان عليه نبينا، فنكون سفراء‬
                                                                                             ‫لسيرته وسفراء لهديه .‬
  ‫عباد اهلل، يقول اهلل تعالى: و َّا ِ ُونَ األ َُّونَ ِنْ الْ ُ َاج ِي َ َاألَن َا ِ َال ِينَ َّ َ ُوهمْ ِإِحْ َا ٍ‬
  ‫َول م مه ِر ن و ص ر و َّذ اتبع ُ ب س ن‬                                      ‫َالس بق‬
   ‫ْز‬         ‫ه ر ِد ف َد ل‬                                     ‫رض الله ع ُ ورض ع ه و َد ُ َن ت ْر‬
   ‫َ ِيَ َّ ُ َنْهمْ َ َ ُوا َنْ ُ َأَع َّ لَهمْ ج َّا ٍ تَج ِي تَحْتَهَا األَنْ َا ُ خَال ِينَ ِيهَا أَب ًا ذَِكَ الْفَو ُ‬
                                                                                       ‫م‬
        ‫الْعَظِي ُ [التوبة:005]. فنحن إذا لم يخترنا اهلل أن نكون من السابقين األولين من المهاجرين‬
           ‫ت ي‬
         ‫واألنصار فإننا ليس أمامنا إال الطريق الثالث وهو طريق الذين اتبعوه بإحسان, فن ّبع نبّنا‬
‫والمهاجرين واألنصار بإحسان، نفعل ما فعله ألنه فعله، ونترك الفعل ألنه هو تركه أو نهى عنه.‬
                ‫ب‬                                                    ‫ي‬         ‫ن‬
  ‫علينا بنشر س ّته القول ّة والعملية في صفوف المسلمين، أن يتربى األبناء على ح ّه واالرتباط به‬
                                  ‫ط‬                                                  ‫ال‬
  ‫قو ً وعمالً، أن يصل صوتنا للعالم أجمع ببيان سيرته الع ِرة وأيامه النضرة، أن يعرف العالم‬
                                                                                          ‫الجاهل به من هو محمد .‬
‫ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير وقدوة الناس أجمعين، الرحمة المهداة والنعمة‬
            ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
        ‫المسداة، إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا‬
                                                                                                      ‫[األحزاب: 61].‬
                   ‫ذ‬
       ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم عليك بمن ك ّب رسلك وقاتل‬
   ‫د‬                                                                          ‫خ‬
‫أولياءك وس ِر بأنبيائك. اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي ال ير ّ عن‬
 ‫رب‬              ‫س‬           ‫م‬           ‫شل‬          ‫ي‬
 ‫القوم المجرمين. اللهم عليك بمن سخر بنبّنا، اللهم َّ أركانه وأ ِته ميتة ال ّوء وافضَحه يا َّ‬
                                                                                                             ‫العالمين...‬

‫(5/2364)‬




                                                          ‫الدفاع عن النبي وحماية جنابه من عدوان المعتدين‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                                                       ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫ناصر بن محمد الغامدي‬
                                                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                              ‫27/75/6745‬
                                                                                                             ‫جامع الخضراء‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- فضل نبينا محمد ومنزلته. 7- مسلسل االستهزاء والسخرية بالنبي . 3- دفاع اهلل تعالى عن‬
       ‫نبيه . 4- عداء اليهود والنصارى لهذه األمة. 1- جريمة الصحيفة الدنماركية. 6- افتضاح‬
                                          ‫أدعياء الحرية واحترام األديان. 2- واجب المسلمين تجاه الحدث.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫ألن م‬            ‫َد ُ ْ إل َ جع ُ م ُم‬                        ‫ل َيه الن س و كر ه عل‬                        ‫َم ب ْد َاتق‬
‫أ َّا َع ُ: ف َّ ُوا اهللَ تَعَاَى أُّ َا َّا ُ، َاشْ ُ ُو ُ ََى أَنْ ه َاكم ل ِسْالمِ، وَ َ َلَكمْ ِنْ أ َّةِ خَيرِ ا َ َا ِ‬
         ‫ع الص ة َالس َم َيه َّذ ن من ط ع الله َرس ه و َل ع ه و ُ مع ن‬
         ‫َلَيهِ َّالَ ُ و َّال ُ، يَا أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا أَ ِي ُوا َّ َ و َ ُولَ ُ َال تَوَّوْا َنْ ُ َأَنْتمْ تَسْ َ ُو َ‬
                                                                                                                ‫[األنفال:07].‬
  ‫أ ُّهَا ال ُسِْ ُو َ، إ َّ ِنَ ا ُ ُورِ ال ُ َررَةِ َّا ِتَةِ ال ِي الَ َ َال ِيهَا للش ِّ و َّيبِ أ َّ نَبَّنَا ُح َّدَ ب َ‬
  ‫َّك َالر َن ِي م َم ن‬                        ‫مج َ ف‬       ‫مق َّ الث ب ت‬                 ‫َي م لم ن ِن م ألم‬
          ‫م ُ سل ن ص حب خل‬                       ‫مع ن وَ ضل بي‬                            ‫ة‬       ‫إم م ُتق و‬                   ‫عْ‬
        ‫َبدِ اهللِ ِ َا ُ الم َّ ِينَ َصَفْوَ ُ الخَلْقِ أَجْ َ ِي َ َأفْ َ ُ األَنْ ِ َاءِ وَخَاتَ ُ المرْ َِي َ، َا ِ ُ ال ُُقِ‬
‫العَظِي ِ و ِّ َاءِ ال َعْ ُو ِ َالمَقَامِ المَحْ ُو ِ َالحَوضِ المَو ُودِ، أَو ُ َنْ تَنْش ُّ َنْ ُ األَر ُ يَوْمَ ال َعْ ِ‬
‫بث‬              ‫َق ع ه ْض‬                ‫َّل م‬       ‫ْر‬        ‫م دو ْ‬                      ‫م َاللو م ق د و‬
         ‫ع د وَن ع ه و ره‬                            ‫ْ‬             ‫ِف‬        ‫َالنش ر و َّل م َ ُل َن وي ع‬
         ‫و ُّ ُو ِ، َأَو ُ َنْ يدْخ ُ الج َّةَ، َ َشْفَ ُ للخَلْق ِي ذَلِكَ اليَومِ المَوْ ُو ِ، َأ َّ طَا َتَ ُ َتَقْدِي َ ُ‬
   ‫ي ِم إ ن ع ْ ِال به وَن م َب ه و ِّ ع ه‬                               ‫ت‬       ‫َ و جب‬              ‫و ِر مه َي و ِي م‬
   ‫َاحْت َا َ ُ ح ًّا َمِّتًا ِنْ أَعْظمِ ال َا ِ َاتِ ال ِي الَ َت ُّ ِيمَا ُ ال َبدِ إ َّ ِ َا، َأ َّ َح َّتَ ُ َالدفَاعَ َنْ ُ‬
         ‫َُص َتَ ُ وف َاءَ ُ ب َّفْ ِ َال َا ِ َاألَهلِ ِي ٌ َ ِي ُ ِهِ ال ُسْل ُ ِ تَعَالَى، َأ َّ ك َا ِ َتَ ُ َ ُغْ َ ُ‬
         ‫وَن َر هي ه وب ضه‬                      ‫ون ْر ه َ ِد ه ِالن س و م ل و ْ د ن يد ن ب م ِم هلل‬
   ‫وت ْ ِر َم‬        ‫ل ت جب عق ب َالل‬                           ‫و صه و ت ْز به وبد نه ك ر َ ِدة ع د‬
   ‫َانْتِقَا َ ُ َاالسْ ِه َاءَ ِ ِ َ ِ ِي ِ ِ ُفْ ٌ ور َّ ٌ َنْ ِينِ اهللِ تَعَاَى، ُوْ ِ ُ ال ُ ُو َةَ و َّعْنَةَ، َُهد ُ د َ‬
  ‫عله و ه وع ضه ِن َّذ ي ْذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف الد و ِ ة و َد ُ َذ ب‬
 ‫فَا ِِ َا َمَالَ ُ َ ِرْ َ ُ، إ َّ ال ِينَ ُؤ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ُّنْيَا َاآلخرَ ِ َأَع َّ لَهمْ ع َا ًا‬
  ‫َب إ ه م و ِده‬               ‫ي من َد ُ َت ك‬                           ‫َف الصح ح َن ُ‬                          ‫مه‬
  ‫ُ ِينًا [األحزاب:21]، و ِي َّ ِي َينِ أ َّه قَالَ: ((الَ ُؤْ ِ ُ أَح ُكمْ ح َّى أَ ُونَ أَح َّ ِلَي ِ ِنْ َال ِ ِ‬
                                                                                                    ‫مع ن‬           ‫وَ ه َالن‬
                                                                                                 ‫وَ َلدِ ِ و َّاسِ أَجْ َ ِي َ)).‬
       ‫نَعمْ ِ َادَ اهللِ، لَقَدْ م َّ ا ُ تَعَاَى ََى هذِهِ األ َّةِ ِ ِعْثَ ِهِ ، وَ َ َلَ ُ َي َ َلدِ آدمَ أَجْ َ ِي َ، َأفْض َ‬
       ‫جع ه س ِّد وَ َ مع ن وَ َل‬                         ‫َن هلل ل عل َ ُم بب ت‬                                          ‫َ عب‬
   ‫ه وج ه ب ن ُلة َالت م َالن ُوة َالرس ة وجعله‬                                      ‫هو‬          ‫ق و‬             ‫ل عل‬
   ‫الخَِيقَةِ ََى اإلِطْالَ ِ، َاخْتَارَ ُ َاصْطَفَا ُ، َ َمَعَ لَ ُ َي َ الخَّ ِ و َّكْلِي ِ و ُّب َّ ِ و ِّ َالَ ِ، َ َ ََ ُ‬
   ‫الد ن و‬             ‫مع إل‬             ‫م‬             ‫ُ ْ َ ْر وم م رس‬              ‫ع و‬            ‫ب ءو َ ُ‬                  ‫َ‬
  ‫خَاتمَ األَنْ ِيَا ِ َأَكْثرَهمْ أَتْبَا ًا َأَعْالَهم قد ًا َ َقَا ًا، َ ُوالً للعَالَ ِينَ أَجْ َ ِينَ َِى يَوْمِ ِّي ِ. رَ َى‬
   ‫ُسْلم ِي َ ِي ِهِ أَ َّ ُ قَالَ: (( َالذِي نَفْ ُ ُ َم ٍ ِ َدِهِ، الَ َسْ َ ُ ِي أَ َ ٌ ِنْ هذِهِ األ َّةِ َ ُود ٌّ َ َ‬
   ‫ي مع ب حد م َ ُم يه ِي وال‬                                 ‫س مح َّد بي‬          ‫و َّ‬          ‫م ِ ٌ ف صح ح نه‬
                                  ‫ح الن ر‬           ‫ْر ِي ُم يم ت وَ ي م َّ ُ س ت ب ِال ن م‬
                               ‫نَص َان ٌّ ث َّ َ ُو ُ َلمْ ُؤْ ِنْ بِالذِي أرْ ِلْ ُ ِهِ إ َّ كَا َ ِنْ أَصْ َابِ َّا ِ)).‬
         ‫َبته ف النف س و َل ه قل ب و ه ب َ له و ِ ْقه و ل َر ب و بع د‬                                      ‫َر‬          ‫َ‬
        ‫لَقدِ اسْتَق َّتْ مَحَّ ُ ُ ِي ُّ ُو ِ، َأَجَّتْ ُ ال ُُو ُ، َشَ ِدَ ِعدِْ ِ َصد ِ ِ َفَضِْهِ الق ِي ُ َال َ ِي ُ،‬
 ‫َالع ُّو َالص ِي ُ، َالَ ي َا ُ أَتْبَا ُه ِي از ِ َا ٍ َ ِك ُ ُ خَال ًا َِى يَومِ ِّي ِ، تَهْ ِ ُ ِهِ أَعْ َا ُ ال َ َاب ِ‬
 ‫و َد و َّد ق و َز ل ع ُ ف ْدي د وذ ْره ِد إل ْ الد ن تف ب و د من ِر‬
                                                                                                          ‫ُل ْم س َر ت‬
                                                                                                         ‫ك َّ يَو ٍ خَمْ َ م َّا ٍ:‬
                                                     ‫م َذن هد‬                       ‫َف‬        ‫َ ذ ْره ِ‬              ‫َ َ َن‬
                                                     ‫أَلمْ ترَ أ َّ اهللَ أَخْلدَ ِك َ ُ…إذَا قَال ِي الخَمْسِ ال ُؤ ِّ ُ: أَشْ َ ُ‬
                                                        ‫م د َ م َمد‬                  ‫م لي ِله ذ َ‬                 ‫و َق ه م‬
                                                        ‫َش َّ لَ ُ ِنِ اسْ ِهِ ِ ُجَّ ُ…فَ ُو العرْشِ مَحْ ُو ٌ وَهذَا ُح َّ ُ‬
          ‫لية وم ْز ته َّف عة و َق حم دة و ض ئل عظ م ت َك ه‬                                                  ‫عب هلل و ع م ت‬
         ‫ِ َادَ ا ِ، َمَ َ َكَانَ ِهِ العَاِ َ ِ َ َن ِلَ ِ ِ الر ِي َ ِ َأَخْال ِهِ ال َ ِي َ ِ َفَ َا ِِهِ ال َ ِي َةِ ال ِي ز َّا َا‬
    ‫ُ ن َ م و ب ه ُ ْ الن و ه ب ع ء ب ر وم َقف ه َت م يه َالنص ر‬
   ‫القرْآ ُ الكرِي ُ َأَثْ َتَ َا لَه قَبلَ َّاسِ َشَ ِدَ ِهَا ُقَالَ ُ ال َشَ ِ َ ُث َّ ُو ُمْ ح َّى ِنَ ال َ ُودِ و َّ َا َى‬
      ‫ِال َنه َ ي َ م الس ْرية و َذ و ِد ء‬                            ‫ْ ب وب ْ‬                 ‫و ْ ك ر و مَ أل ْ‬
      ‫َأَهلِ ال ُفْ ِ َال ِللِ ا ُخرَى قَبلَ ال ِعْثَةِ َ َعدَهَا، إ َّ أ َّ ُ لمْ َسْلمْ ِنَ ُّخ ِ َ ِ َاأل َى َاالعْت َا ِ‬
‫و َّت ِ و َّنَق ِ و َّ َك ِ منْ ُ ِعْثَ ِ ِ ََِى هذِهِ األ َّامِ، شَأْ ُ ُ شَأْن إِخْ َا ِهِ ِنَ األَنْ ِيَا ِ َالمرْ َِينَ ال ِي َ‬
‫ب ء و ُ سل ذ ن‬                       ‫ون م‬                ‫نه‬           ‫َالش ْم َالت ُّص َالته ُّم ذ ب ته وإل َ َي‬
    ‫ح ْر عل عب د م‬                     ‫ل وص هلل ظ م ح َ‬                         ‫ْر‬      ‫ُذب وأ ذ َت ج ُ‬
   ‫ك ِّ ُوا َُو ُوا ح َّى َاءَهمْ نَص ُ اهللِ تَعَاَى، َ َدَقَ ا ُ العَ ِي ُ ِين قَالَ: يَا َس َةً ََى الْ ِ َا ِ َا‬
                                                                           ‫ت ه م ْ رس ِال ن ب ي زئ‬
                                                                ‫يَأْ ِي ِمْ ِن َ ُولٍ إ َّ كَا ُوا ِهِ َسْتَهْ ِ ُون [يس:03].‬
      ‫و َز ل مس َل ِر و ذ ب و ف الت َ ج الن ِي و ت ْز ء ب م ِر م ذ َد ه‬
      ‫َالَ ي َا ُ ُ َلْس ُ الف َى َاألَكَا ِي ِ َتَلْ ِيقِ ُّهمِ بِ َنَابِ َّب ِّ َاالسْ ِه َا ُ ِهِ ُسْتَم ًّا، ِنْ ُ ب َأَ ُ‬
           ‫ُف ر و م ْرك ِب ب ة وإل َ َي م وصف ه ب جن ن َالس ْر و كه ة و لش ْر‬
          ‫الك َّا ُ َال ُش ِ ُونَ إ َّانَ ال ِعْثَ ِ ََِى هذِهِ األ َّا ِ؛ َ َ ُو ُ ِال ُ ُو ِ و ِّح ِ َال ِ َانَ ِ َا ِّع ِ،‬
        ‫َلَم ُوه ِي عرْ ِ ِ، َغَ َ ُوه ِي أَهِْ ِ َنَفْ ِ ِ، َ َ ُوا ََى الج ُورِ َلَى ظَه ِ ِ َ ُوَ سَاج ٌ‬
        ‫ِد‬       ‫ْره وه‬         ‫َز ع‬        ‫له و سه وضع سل‬                 ‫و َز ُ ف ِ ضه و مز ُ ف‬
‫م و َر ر ِي ه و ْر ب الس ه ء ي ُب نه‬                               ‫هه‬         ‫و َج‬      ‫ي َل وَ م قبه الشر‬
‫ُصِّي، َأدْ َوا عَ ِ َ ُ َّ ِيفَ، َش ُّوا وَجْ َ ُ الكَرِي َ، َكَس ُوا َبَاعَّتَ ُ، َأَغ َوا ِهِ ُّفَ َا َ َس ُّو َ ُ‬
      ‫َم ب َ ي ل م ْ له َالت ل به َر ت و َر ت‬                                  ‫وي ذ ه وي ل ن م ع ضه وحق ق‬
     ‫َ ُؤْ ُونَ ُ َ َنَاُو َ ِنْ ِرْ ِ ِ َ ُ ُو ِهِ، وَه ُّوا ِمَا لمْ َنَاُوا ِن قَتِْ ِ و َّنْكِي ِ ِ ِ م َّا ٍ َم َّا ٍ.‬
    ‫َلَك َّ اهللَ ع َّ وَ َل قدْ كَتَ َ ََى نَفْ ِهِ ِ َا َةَ نَب ِّهِ الكرِي ِ َالدفَاعَ َنْ ُ َحِفْظَ ُ َُصْ َتَ ُ وَ ُذْ َ َ‬
    ‫َز ج َّ َ ب عل س حم ي ِي َ م و ِّ ع ه و ه ون ر ه خ الن‬                                                              ‫و ِن‬
‫ت ك رت‬            ‫ٌِ ف‬             ‫ه خ ْر ُ ف الد و ِ ة هذ ك ب هلل‬                                  ‫هو‬       ‫م َر‬
‫َنْ تَع َّضَ لَ ُ َإِهْالَكَ ُ وَ ُس َانَه ِي ُّنْيَا َاآلَخرَ ِ، وَ َ َا ِتَا ُ ا ِ تَعَالَى شَاهد ِي آيَا ٍ َثِي َا ٍ‬
‫َل ر لته َالله‬                   ‫أ ز إ ك م َبك وإ َ َ‬                          ‫الد ن َي الرس ل َل‬                    ‫ت ل إل‬
‫ُتَْى َِى يَوْمِ ِّي ِ: يَا أُّهَا َّ ُو ُ بِّغْ مَا ُن ِلَ ِلَي َ ِنْ ر ِّ َ َِنْ لمْ تَفْعلْ فَمَا بَّغْتَ ِسَاَ َ ُ و َّ ُ‬
                  ‫م زئ‬                        ‫ِن‬                    ‫ك ِر‬                   ‫ي صمك م الن ِن الل َ ي ْ‬
               ‫َعْ ِ ُ َ ِنْ َّاسِ إ َّ َّه ال َهدِي الْقَوْمَ الْ َاف ِينَ [المائدة:26]، إ َّا كَفَينَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ‬
                          ‫َر‬          ‫َل ِ َبك و َ ِن ن ك ه‬                    ‫َ‬                      ‫ِن‬
           ‫[الحجر:19]، إ َّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثرَ فَص ِّ لرِّ َ َانْحرْ إ َّ شَا ِئَ َ ُوَ األَبْت ُ [سورة الكوثر].‬
   ‫ال ي ُره م ْزئ ن و ي فيه ِي ه‬                              ‫ل ِرس له ل ل‬                      ‫َ ه وع د ب ة ص ِ ة م‬
 ‫وَهذِ ِ ُ ُو ٌ ثَا ِتَ ٌ َادقَ ٌ ِنَ اهللِ تَعَاَى ل َ ُوِ ِ وَخَِيِهِ أَن َّ َض َّ ُ ال ُسْتَه ِ ُو َ، َأَنْ َكْ ِ َ ُ إ َّا ُمْ‬
                     ‫و ْد ة‬           ‫ع ْد َق ال ون‬                    ‫قم‬           ‫ب م ء م و عق ب و م‬
                   ‫ِ َا شَا َ ِنْ أَنْ َاعِ ال ُ ُو َةِ، َ َنْ أَصْدَ ُ ِنَ اهللِ تَعَالَى َه ًا و ِي ً َُصْرَةً َمَق ِرَ ً؟!‬
     ‫ُد‬       ‫َ َد بمع د رس‬                      ‫ِد ي ْذب ِنه‬                  ‫َذ ه الت ْر خ بعب ه و ْد ثه وه‬
    ‫وَه َا ُوَ َّأ ِي ُ ِ ِ َرِ ِ َأَح َا ِ ِ، َ ُوَ شَاه ٌ الَ َك ِ ُ، فَإ َّ ُ مَا تَظَاهرَ أَح ٌ ِ ُ َا َاةِ َ ُولِ اله َى‬
    ‫ه َقطعه‬                ‫وَ َله و َ ه و ه َر م وب‬                             ‫ه هلل‬          ‫و ت ْز ب وبم ج ء ب ِال‬
   ‫َاالسْ ِه َاءِ ِهِ َ ِ َا َا َ ِهِ إ َّ أَهْلَكَ ُ ا ُ تَعَالَى َأذَّ ُ َخذَلَ ُ َأَمَاتَ ُ ش َّ ِيتَةٍ َ َتَرَ نَسْلَ ُ و َ َ َ ُ.‬
 ‫ذ ن بعث‬           ‫ب هب و ب ج ْل و ول د ن م ة و ع ص ن و ِ وص د د ك ر و ِّ‬
 ‫أَينَ أَ ُو لَ َ ٍ َأَ ُو َه ٍ َال َِي ُ ب ُ ال ُغِيرَ ِ َال َا ِي ب ُ َائلٍ َ َنَا ِي ُ ال ُفْ ِ َالشرْكِ ال ِي َ ُ ِ َ‬
 ‫ِيهمْ َ ُو ُ اهلل فَاسْتَهزَ ُوا ِ ِ َنَا َ ُو ُ الع َا َ؟! َأَينَ ال َ ُو ُ و َّ َا َى َال ُنَافِ ُونَ ال ِينَ َا َ ُو ُ‬
 ‫ذ ح رب ه‬             ‫يه د َالنص ر و م ق‬                     ‫ْ ؤ به و صب ه ِد ء و‬                        ‫ف ِ رس ل ِ‬
  ‫سرة و ي ِرة‬                         ‫ب ِ ود نه َ‬            ‫و َذب ه و عن ف ع ضه و له و ْزؤ به وب‬
  ‫َك َّ ُو ُ َطَ َ ُوا ِي ِرْ ِ ِ َأَهِْ ِ َاسْتَه َ ُوا ِ ِ َ ِأَصْحَا ِه َ ِي ِ ِ؟! بلْ أَينَ األَكَا ِ َ ُ َالقَ َاص َ ُ‬
    ‫َقتل‬        ‫و ْد ؤه عل مر عص ر َ ق ه ْل وعقب وذ ْر َال و هلل َ ه ك جم‬
  ‫َأَع َا ُ ُ ََى َ ِّ ال ُ ُو ِ؟! هلْ بَ ِي لَ ُمْ نَس ٌ َ َ ِ ٌ َ ِك ٌ؟! ك َّ َا ِ، لَقدْ َلَ ُوا َ ِيعًا، و ُ ُِوا‬
        ‫مر هم َ ْض و ح هم الل ة و ؤ ب ْ التبع ِ ف الد ي‬                                      ‫هلل ُ‬             ‫ش َّ ق ة و‬
       ‫َر ِتْلَ ٍ، َقَطَعَ ا ُ نَسْلَهمْ، وَطَ َ َتْ ُ ُ األر ُ، َلَ ِقَتْ ُ ُ َّعْنَ ُ، َبَا ُوا ِثِقلِ َّ ِ َات ِي ُّنْ َا‬
     ‫خ و قبه م بع م ك َر وس رته م ب َر م لم ن إل ْم‬                                                   ‫و ِ و ق ذ ْره ع‬
     ‫َاآلَخرَةِ، َبَ ِي ِك ُ ُ َلَمًا شَامِ ًا، َعَ ِ ُ ُ ُتَتَا ِ ًا َذْ ُو ًا، َ ِي َ ُ ُ َنْ َعًا ث ًّا لل ُسِْ ِي َ َِى يَو ِ‬
                                                                                                                             ‫الد ن‬
                                                                                                                            ‫ِّي ِ.‬
      ‫ل َع ل‬         ‫َب ٍ رض هلل ع هم ف‬                  ‫ْر الط َر ِي و ب ِي و ره بس حس ع‬
    ‫أَخ َجَ َّب َان ُّ َال َيهَق ُّ َغَي ُ ُمَا ِ َنَدٍ َ َنٍ َنِ ابْنِ ع َّاس َ ِيَ ا ُ َنْ ُ َا ِي قَوِْهِ ت َاَى:‬
   ‫َد ن‬         ‫َد ن ع يغ و‬                 ‫م ْزئ ن ول د ن مغ ِ و‬                                  ‫م زئ‬                        ‫ِن‬
   ‫إ َّا كَفَينَاكَ الْ ُسْتَهْ ِ ِينَ قَالَ: (ال ُسْتَه ِ ُو َ: ال َِي ُ ب ُ ال ُ ِيرَة َاألَسْو ُ ب ُ َبْدِ َ ُوثَ َاألَسْو ُ ب ُ‬
    ‫ب ْد له‬               ‫ه إ‬           ‫هج ُ‬               ‫الس ِي و ع ص ن و ِل‬                    ‫ُطلب و رث ن‬
    ‫الم َِّ ِ َالحَا ِ ُ ب ُ غَيطَلَةَ َّهْم ُّ َال َا ٍي ب ُ َائ ٍ، فَأَتَا ُ ِبْرِيل فَشَكَا ُمْ ِلَيهِ ـ َع َمَا نَاَ ُ‬
  ‫رن ِي ه َر ه ِي ُ وج ْر ل ي ر إل ُل و ِد م ُ ف م ضع‬                                                ‫ظم‬         ‫م ُ َ‬
  ‫ِنْهمْ أذًى عَ ِي ٌ ـ، فَقَالَ: أَ ِ ِي إ َّا ُمْ، فَأ َا ُ إَّاهمْ، َ ِب ِي ُ ُشِي ُ َِى ك ِّ َاح ٍ ِنْهمْ ِي َوْ ِ ٍ‬
       ‫م ه ِال َي م َت َر ول د‬                                  ‫ت ه َالن ِي ق ل م ص‬                     ‫م ج َ ه وق ل‬
       ‫ِنْ َسدِ ِ، َيَ ُو ُ: كَفَي ُكَ ُ، و َّب ُّ يَ ُو ُ: (( َا َنَعْتَ شَيئًا))، فَ َا ِي إ َّ أَّا ٌ ح َّى م َّ ال َِي ُ‬
      ‫َد ن ع ْ ُطل َ َل‬                    ‫ج ُ ع وَم‬                       ‫ِ ُل م ُز ع ه ير ش ال ص‬
      ‫برَج ٍ ِنْ خ َا َةَ وَ ُوَ َ ِي ُ نَبْ ً، فَأَ َابَ أَبْ َلَه فَقَطَ َهَا، َأ َّا األَسْو ُ ب ُ َبدِ الم َِّبِ فَنز َ‬
   ‫َ ه ت وطع ت ِالش ِ ف ع َي جعل‬                       ‫َن‬      ‫َْ ع‬          ‫س ُ ة ج َ ق ل ي ب َي‬
 ‫تَحْتَ َمرَ ٍ، فَ َعلَ يَ ُو ُ: َا ُن َّ، أَالَ تدفَ ُونَ ع ِّي؟! قدْ َلَكْ ُ َ ُ ِنْ ُ ب َّوْك ِي َين َّ، فَ َ َُوا‬
     ‫َد ن ع ْد يغ ث َ َ َ ف‬              ‫ئ َ َ َ َذ ك َت عمي ع ه وَم‬                                       ‫ق ل ن‬
    ‫يَ ُوُو َ: مَا نَرَى شَي ًا، فَلمْ يزلْ ك َل َ ح َّى َ ِ َتْ َينَا ُ، َأ َّا األَسْو ُ ب ُ َب ِ َ ُو ٍ، فَخرج ِي‬
      ‫ُ ف ب ن َت رج َ ؤه م ْ ف ه‬                        ‫ر س ِ ُر ح م م وَم ح ر ُ َ ه م ء‬
     ‫َأْ ِه ق ُو ٌ فَ َاتَ ِنْهَا، َأ َّا ال َا ِث فَأَخذَ ُ ال َا ُ األَصْفَر ِي َطْ ِهِ ح َّى خَ َ َ خرْ ُ ُ ِن ِي ِ،‬
  ‫َ َدم ش كة‬                ‫َ م‬        ‫ص َرك إل الط ِف َر َ عل ش ْ ِ ة‬                  ‫م ه وَم‬
 ‫فَمَاتَ ِنْ ُ، َأ َّا العَا ِي ف َ ِبَ َِى َّائ ِ، ف َبضَ ََى ِبرقَ ٍ، فَدَخلَ ِنْ أَخْمصِ ق ِ ِهِ َوْ َ ٌ،‬
                                                                                                                            ‫ه‬
                                                                                                                          ‫فَقَتَلَتْ ُ).‬
   ‫ي َز هلل م كه‬                 ‫وي ر م ه وم رس له َ ع ع‬                            ‫ه ك ْر يمزق ك ب رس‬
  ‫وَهَا ُو ِس َى ُ َ ِّ ُ ِتَا َ َ ُولِ اهللِ َ َسْخَ ُ ِنْ ُ َ ِنْ َ ُوِ ِ، فَيدْ ُو َلَيهِ أَنْ ُم ِّقَ ا ُ ُلْ َ ُ،‬
                                                                       ‫ي َزق وي َل عل َد وَ َ ْر الن إ ه‬
                                                                      ‫فَ ُم َّ ُ، َ ُقْت ُ ََى ي ِ َلدِهِ أق َبِ َّاسِ ِلَي ِ.‬
   ‫َم َ َرأ‬          ‫ُل ْر ِي‬                      ‫رض هلل ع ُ‬               ‫وع ْ بخ ر ِّ ف صح حه م حد‬
   ‫َ ِندَ ال ُ َا ِي ِي َ ِي ِ ِ ِنْ َ ِيثِ أَنَسٍ َ ِيَ ا ُ َنْه قَالَ: كَانَ رَج ٌ نَص َان ًّا، فَأَسْل َ وق ََ‬
 ‫َ ْر مح َّد ِال كت ت له‬                ‫ق ل‬               ‫ن ي تب ِلن ِي ع د ْر ِي‬                          ‫َ و ع ْر‬
‫الْبَقرَةَ َآلَ ِم َانَ، فَكَا َ َكُْ ُ ل َّب ِّ ، فَ َا َ نَص َان ًّا، فَكَانَ يَ ُو ُ: مَا يد ِي ُ َم ٌ إ َّ مَا َ َبْ ُ َ ُ،‬
       ‫ه َ ْض ل ه ف ْل مح َّد و ح ب َم َرب م ُ‬                                       ‫بح َ َ‬         ‫ه هلل َد ن ه‬
    ‫فَأَمَاتَ ُ ا ُ، ف َفَ ُو ُ، فَأَصْ َ َ وقدْ لَفَظَتْ ُ األر ُ، فَقَاُوا: َذَا ِع ُ ُ َم ٍ َأَصْ َا ِهِ ل َّا ه َ َ ِنْهمْ؛‬
  ‫نَ َ ُوا َنْ صَا ِ ِنَا فَأَلْقَوْ ُ، فَحَف ُوا لَه فَأَعْمَ ُوا، فَأَصْ َحَ وقدْ لَفَظَتْ ُ األر ُ، فَقَاُوا: َذَا ِعل ُ َم ٍ‬
  ‫ه َ ْض ل ه ف ْ ُ مح َّد‬                        ‫ب ََ‬             ‫ق‬          ‫ه َر ُ‬                         ‫حب‬        ‫بش ع‬
                ‫ه ح َر ه و مق ُ ف َ ْ‬                                ‫حب َم َر م ُ ْ‬                 ‫و ح به بش ع‬
          ‫َأَصْ َا ِ ِ؛ نَ َ ُوا َنْ صَا ِ ِنَا ل َّا ه َبَ ِنْهم فَأَلْقَوْ ُ، فَ َف ُوا لَ ُ َأَعْ َ ُوا لَه ِي األرضِ مَا‬
                                  ‫ه‬             ‫ه َ ْض علم َنه س م الن س‬                              ‫بح َ َ‬           ‫ع‬
                                 ‫اسْتَطَا ُوا، فَأَصْ َ َ وقدْ لَفَظَتْ ُ األر ُ، فَ َِ ُوا أ َّ ُ لَي َ ِنَ َّا ِ، فَأَلْقَوْ ُ.‬
 ‫خ إل َ ن ِي حمه هلل َذ م ع ن ذ َ َ عل الن ِي َنه َ ْ ِال م‬
‫قَالَ شَي ُ ا ِسْالمِ ابْ ُ تَيم َّةَ رَ ِ َ ُ ا ُ: "فَه َا ال َلْ ُو ُ ال ِي قدِ افْترَى ََى َّب ِّ أ َّ ُ الَ يدرِي إ َّ َا‬
         ‫َذ ْر رج عن‬                ‫ُف ِر ر‬               ‫ْر ب‬        ‫جه م‬                 ‫ه صمه هلل َ حه‬
         ‫كَتَبَ لَ ُ، قَ َ َ ُ ا ُ وفَضَ َ ُ، بِأَنْ أَخْرَ َ ُ ِنَ القَب ِ َعْدَ أَنْ د ِنَ م َا ًا، وَه َا أَم ٌ خَا ِ ٌ َ ِ‬
                                          ‫ه وَنه ن ذ‬                      ‫عق ب ل‬            ‫َ ُل ُل َ عل َن َذ‬                  ‫ع‬
                                     ‫ال َادَةِ، يد ُّ ك َّ أَحدٍ ََى أ َّ ه َا كَانَ ُ ُو َةً ِمَا قَالَ ُ، َأ َّ ُ كَا َ كَا ِبًا".‬
       ‫َي م لم ن ِن يه د َالنص ر و م ْرك َ م ب ت و ة ضة عه د ٌ ِي ء‬
       ‫أ ُّهَا ال ُسِْ ُو َ، إ َّ ال َ ُو َ و َّ َا َى َال ُش ِ ِين قَوْ ٌ ُهْ ٌ خَ َنَ ٌ، نَقَ َ ٌ لل ُ ُو ِ، قَتَلَة لعأَنْب َا ِ‬
    ‫و َّالِ ِي َ، أَع َا ٌ هللِ تَعَالَى َل ُ ُِ ِ و ِي ِ ِ َال ُؤْ ِ ِي َ، َ َا ِي ذَلِكَ ش ٌّ َالَ َي ٌ؛ فَقَدْ س ُّوا ا َ‬
    ‫َب هلل‬             ‫َك و ر ب‬               ‫وِرسله َد نه و م من ن وم ف‬                              ‫َالص ح ن ْد ء‬
       ‫ب حة م ي َرع ع ه ع ء ب جم وي َزه‬                                        ‫و سب إ م الص‬                 ‫ل َب ب‬
     ‫تَعَاَى س ًّا قَ ِيحًا، َنَ َ ُوا ِلَيهِ ِنَ ِّفَاتِ القَ ِي َ ِ َا َتَو َّ ُ َنْ ُ ُقَالَ ُ ال َشَرِ َ ِيعًا َ ُن َّ ُون‬
 ‫ع ه َ ل بي ه ورس ه ح رب ه و َذب ُ َ َ ُ َر ُ ِالن ِص و ب ئح و َب إل ه‬
‫َنْ ُ، وقَتَُوا أَنْ ِ َاءَ ُ َ ُ ُلَ ُ، وَ َا َ ُو ُمْ َك َّ ُوهمْ وآذَوْهمْ، و َمَوْهمْ ب َّقَائ ِ َالقَ َا ِ ِ، َنَس ُوا َِي ِم‬
    ‫ِ َن َد الن س‬             ‫د ِ‬        ‫مح َّ ت‬                 ‫ُج ب كتب الت ْر ة و إل‬            ‫م ب نو و ش‬
    ‫ِنَ ال ُهْتَا ِ َالفَ َاحِ ِ مَا تَع ُّ ِهِ ُُ ُ َّو َا ِ َا ِنْجِيلِ ال ُ َرفَةِ ال ِي بِأَي ِيهمْ؛ لَتَجد َّ أَش َّ َّا ِ‬
 ‫يه د و النص ر َت‬                 ‫و َ ض ع‬                        ‫ْرك‬        ‫َد لَّذ ن من يه د و َّذ‬
‫ع َاوَةً ِل ِي َ آ َ ُوا الْ َ ُو َ َال ِينَ أَش َ ُوا [المائدة:78]، َلَنْ ترْ َى َنْكَ الْ َ ُو ُ َال َّ َا َى ح َّى‬
       ‫و ء ُ ب ْ َّ ج ء م ع ْم ك م‬                                ‫َت ع ِل ُ ْ ُ ِن ُ الل ه ُد و ئ اتب‬
     ‫تَّبِ َ مَّتَهم قلْ إ َّ هدَى َّهِ ُوَ الْه َى َلَ ِنْ َّ َعْتَ أَهْ َا َهمْ َعدَ الذِي َا َكَ ِنْ الْ ِل ِ مَا لَ َ ِنْ‬
                   ‫و‬       ‫َر ك ن‬                  ‫ُر ن‬              ‫َد‬                           ‫الل م وِي و‬
   ‫َّهِ ِنْ َل ٍّ َال نَصِيرٍ [البقرة:075]، و ُّوا لَوْ تَكْف ُو َ كَمَا كَف ُوا فَتَ ُو ُونَ سَ َاءً [النساء:98].‬
            ‫وقد قَطَ ُوا ََى أَنْ ُ ِ ِ ُ ال َهْ َ َال ِيثَاقَ ِن ُ ُ ِثَ َّب ُّ َدَخلَ الم ِينَةَ ََى ع َاوَةِ ا ِسْال ِ‬
            ‫م ْذ بع الن ِي و َ َد عل َد إل َم‬                                ‫َ َ ْ ع عل فسهم ع د و م‬
  ‫ي ه مس سل م ِد ء و د‬                               ‫و ء م بع‬                  ‫و م لم ن َالرس م ش ف حم‬
  ‫َال ُسِْ ِي َ و َّ ُولِ َا عَا ُوا، ِي َ َالَتٍ شَعْ َا َ ُتَتَا ِ َةٍ، الَ َنْتَ ِي ُ َلْ َُهَا ِنَ الع َا ِ َالحِقْ ِ‬
      ‫و ت ْز ء َالس رية ِالرس ل و إل م و م لم ن ب ن ة و أل ر ع ر وس ئ إ الم ِ‬
    ‫َاالسْ ِه َا ِ و ُّخْ ِ َ ِ ب َّ ُو ِ َا ِسْالَ ِ َال ُسِْ ِي َ َي َ الفَينَ ِ َا ُخْ َى، َبْ َ َ َا ِلِ ِعْ َ ِهمْ‬
          ‫َد وي د ب حق ق و ِر َ ِ‬                                ‫َدع‬               ‫َم وبص‬              ‫ع َ‬               ‫م‬
          ‫ال ُخْتَلِفَةِ، َلَى مرْأَى العَال ِ َ َ َرِهِ، الذِي ي َّ ِي الع َالَةَ، َ ُنَا ِي ِال َ ُو ِ َاحْت َامِ األدْيَان‬
  ‫عن ُّ‬      ‫ال َد‬          ‫ل ُ‬            ‫م د نُ‬                ‫َت ِذ‬       ‫َالشع ب و ُ ِي ت َيه َّذ ن من‬
‫و ُّ ُو ِ َالحر َّا ِ، يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا ال تَّخ ُوا بِطَانَةً ِنْ ُو ِكمْ ال يَأُْونَكمْ خَبَا ً و ُّوا مَا َ ِتمْ‬
            ‫ُد ر ُ َر َ بَّن ُ ي إ ك ُ قل‬                                   ‫َ بد ب ض ء م َ و هه و ت ف‬
     ‫قدْ َ َتْ الْ َغْ َا ُ ِنْ أفْ َا ِ ِمْ َمَا ُخْ ِي ص ُو ُهمْ أَكْب ُ قدْ َي َّا لَكمْ اآل َاتِ ِنْ ُنْتمْ تَعْ ُِونَ [آل‬
          ‫عمران:855]، َال ِي كَا َ ِنْ آَخرِهَا هذِهِ ال َمْلَ ُ َّص َان َّ ُ َّافرَ ُ ال ِي تَ ُو ُ َا ِّ َافَ ُ‬
          ‫َ ح ة الن ْر ِية الس ِ ة ت ق ده الصح ة‬                                 ‫نم ِ‬           ‫و ت‬
‫ر م ذ َ بع شه ر ت ِّر‬                     ‫َ ن ع َ ر م بح يول‬                            ‫الد ن َ ِية و َّ و ِية م‬
‫َّا ِمرْك َّ ُ َالنرْ ِيج َّ ُ؛ ِنْ خِاللِ اثْ َي َشرَ َسْ ًا قَ ِي ًا، َتَ َاَى نَشْ ُهَا ِنْ ُ أرْ َ َةِ ُ ُو ٍ، ُصَو ُ‬
  ‫ِيهِ َّب َّ الكَ ِيم ِي أَشْكَا ٍ ُخْتَلِفَ ٍ؛ َظْهر ِي أَحدِهَا ُرْتَ ِيًا ِمَا َ ً ُشْ ِه ُنْ ُلَةً َلْ ُوفَ ً حَول َأْ ِ ِ‬
  ‫ل م ة ي َ ُ ف َ م د ع مة ت ب ُ ق ب م ف ة ْ َ ر سه‬                                                      ‫ف الن ِي ر َ ف‬
 ‫ف َ َد م النس م َجب ت َف أل ْ ع ث ب ُ َقعة هو ُ َرس ح به َف‬                                                       ‫وم‬
‫َ ِنْ خَلْ ِهِ عد ٌ ِنَ ِّ َاءِ ال ُتَح ِّ َا ِ، و ِي ا ُخرَى َلَيهِ ِيَا ٌ مر َّ َ ٌ وَ ُ َ يد ِّ ُ أَصْ َا َ ُ، و ِي‬
           ‫ه ح به ِالسي ف إل‬                    ‫النس ء َف الر بعة‬                ‫ه ْر ب ي َكنه ع‬                   ‫الث ل‬
    ‫َّاِثَةِ حَوْلَ ُ أَع َا ٌ ُس ُِّ ُم َنْ طَلَبِ ِّ َا ِ، و ِي َّا ِ َ ِ وَحَوْلَ ُ أَصْ َا ُ ُ ب ُّ ُو ِ، َِى غَيرِ‬
          ‫ل إل إ ص الر ِية و ت َل به‬                         ‫م صو الس هة و و ح ت ي م ن م‬
          ‫ذَلِكَ ِنْ ُ َرِ َّفَا َ ِ َال َقَا َةِ ال ِي َرْ ُو َ ِنْ خِالَِهَا َِى ِلْ َاقِ َّجْع َّ ِ َالَّخُّفِ ِ ِ‬
    ‫حق ق ال‬           ‫وب ح به وَنه م ْ ِم ح ب يحب النس ء وَن النس ء ف د إل َم م ض‬
    ‫َ ِأَصْ َا ِ ِ، َأ َّ ُ ُجر ُ َرْ ٍ ُ ِ ُ ِّ َا َ، َأ َّ ِّ َا َ ِي ِينِ ا ِسْال ِ َهْ ُومَاتِ ال ُ ُو ِ َ‬
                                                                                                ‫ي ِ ِال ْ الر ل‬
                                                                                               ‫َسرْنَ إ َّ خَلفَ ِّجَا ِ.‬
   ‫َّف ع َد نه ح ف َر هم ِي ٍ ب ح ت َجج‬                                 ‫م ف‬             ‫ل عل ج‬            ‫ي ول ن م‬
   ‫َتَطَا َُو َ ِنْ خِالَِهَا ََى َنَابِ ال ُصْطَ َى الر ِي ِ و ِي ِ ِ ال َنِي ِ، بِط ِيقَةٍ َ َج َّة قَ ِي َةٍ، ُؤ ِّ ُ‬
   ‫د و ُ ك َد ب الشع ب ف و ي َج ُ ف ع َم‬                                          ‫ف و َ ْرع َر هي وت َم‬
   ‫ال ِتَنَ، َتز َ ُ الك َا ِ َةَ، َُن ِّي األَحْقَا َ، َتذْ ِي الع َاوَةَ َينَ ُّ ُو ِ، ِي َقْتٍ َتَأ َّح ِيهِ ال َال ُ‬
                                                  ‫ضح‬         ‫جر ب ع ِي‬                  ‫ْ ةت ك‬                 ‫ع ُوه ب‬
                                             ‫َلَى ف َّ َةِ ُرْكَانِ ثَورَ ٍ ُوْشِ ُ أَنْ تَنْفَ ِ َ َينَ َش َّةٍ أَوْ ُ َاهَا.‬
      ‫وم لبت ِ‬            ‫َ ب ْ له ه م الصل ِي عل م‬                                 ‫وم ت ك م لم ن جم ع ف‬
    ‫َ َعَ اسْ ِنْ َارِ ال ُسِْ ِي َ َ ِي ًا ِي العَالمِ ِأَسرِهِ ِ َذِهِ ال َجْ َةِ َِّيب َّةِ ََى ال ُصْطَفَى َ ُطَاَ َ ِهمْ‬
    ‫ْ ِ و َ ْفض ن‬         ‫ِال َن ُب الصل ب و ط غ ت ي ِر عل‬                              ‫بمع ب ل و ِ‬
    ‫ِ ُ َاقَ َةِ أَهِْهَا َاالعْتذَارِ لَهَا، إ َّ أ َّ ع َّادَ َِّي ِ َال َّا ُو ِ ُص ُّونَ ََى حِقدِهمْ، َير ُ ُو َ‬
         ‫ُ هلل َن ي ْ ك ن‬                ‫ُج ح ِي إل َم َالت ر ع الر ْي‬                       ‫ِ ع ْ ف تِ‬               ‫َت‬
        ‫ح َّى االعْتذَارَ َن ِعْلَ ِهمْ، بِح َّةِ ُر َّةِ ا ِعْال ِ و َّعْبِي ِ َنِ َّأ ِ؛ قَاتَلَهمْ ا ُ أ َّى ُؤفَ ُو َ،‬
                                                       ‫َز م َ ِر‬               ‫ه و َ ُ‬                  ‫ُ وَد‬             ‫و َت‬
                                                      ‫َشَّتَ شَمْلَهمْ، َأ َالَ دَوْلَتَ ُمْ، َأَخذَهمْ أَخْذَ ع ِيزٍ ُقْتد ٍ.‬
  ‫َر م م م ِم و ِن ُ غ ء كغث ء‬                             ‫عِ‬        ‫عل م لم ن و‬                 ‫إل‬        ‫ه إ‬            ‫و‬
  ‫َا أَسَفَا ُ ـ ِخْوَةَ ا ِسْالَمِ ـ ََى ال ُسِْ ِي َ َأَوْضَا ِهمْ؛ أَكْث ُ ِنْ ِلْيَارِ ُسْل ٍ َلَكَّهمْ ُثَا ٌ َ ُ َا ِ‬
    ‫َد ِم مه بة م ُ َد س َر مته‬                         ‫ب ع ِم أل َم ك ِ ة و ُزع م ُد‬                                  ‫الس‬
  ‫َّيلِ، تَكَالَ َتْ َلَيه ُ ا ُم ُ ال َافرَ ُ، َانْت ِ َتْ ِنْ ص ُورِ ع ُّوه ُ ال َ َا َ ُ ِنْهمْ، ف ِي َتْ ك َا َ ُ ُم،‬
    ‫َض ِّ َتْ ُ ُو ُهمْ، َ ُِ َتْ ُق َّسَاُهمْ، َُ ِيقَتْ ِمَا ُهمْ، َاحْتًتْ َرا ِيهمْ، ِي َ َ ٍ ُفِظَتْ ِي ِ‬
    ‫فه‬         ‫د ؤ ُ و َّ أ ض ِ ف زمن ح‬‫ُل‬                     ‫و ُيع حق ق ُ وسلب م َد ت ُ وأر‬
                                                                     ‫د ء م َد ن و و له‬                    ‫حق ق ب ئ و ص‬
                                                                  ‫ُ ُو ُ ال َهَا ِم َ ِينَتْ ِمَا ُ ال ُعْت ِي َ َأَمْ َاُ ُمْ.‬
    ‫نِ‬           ‫و ي ْ َ ف ع ْ د ِ و ُ ح عل َ ضه َف من زله ويش َّد ع‬                                            ‫ْ‬
 ‫قَبلَ أَعْ َامٍ ُغزَوْن ِي ُقرِ َارِهمْ، َيذْبَ ُونَ ََى أرْ ِ ِمْ و ِي َ َا ِِ ِمْ، َ ُ َر ُونَ َنْ أَوْطَا ِهمْ،‬
        ‫َ هم ف ط ن َ شه ر ُد ُ ُ ن ُ م ْ َر ِزت ِ ود ت ر‬                                      ‫ف َ ن ن و ِر‬
        ‫ِي أفْغَا ِسْتَا َ َالع َاقَ، وقَبْلَ ُ َا ِلَسْ ِي َ، وقَبْلَ ُ ُو ٍ ي َاس قرْآُهمْ َصد ُ ع َّ ِهمْ َ ُسْ ُو ُ‬
    ‫ِيه وي َب وي ر م ه‬                   ‫َر عت وم هج حي ت ِ و ْ ي َب إ م ُ وي َد عل ِ ْ‬
   ‫ش ِي َ ِهْم َ َنْ َ ُ َ َا ِهمْ، َاليَومَ ُس ُّ ِسْالَ ُهمْ، َ ُعْت َى ََى عرضِ نَب ِّ ِمْ َ ُس ُّ َ ُسْخَ ُ ِنْ ُ،‬
‫م سب إل إل َم ُ يو ل ن‬                         ‫و هلل َم عل م ذ س ك ن الد ِ ة ب ْ ك و ن َر ب ْ‬
‫َا ُ أَعْل ُ ََى َا َا َتَ ُو ُ َّائرَ ُ َعدَ ذَلِ َ، َنَحْ ُ ن َى َعضَ ال ُنْتَ ِ ِينَ َِى ا ِسْال ِ وَهمْ ُ َاُو َ‬
 ‫ة و َن أل ْر‬               ‫م د و لب رض ُ و طب ن ُد ُ وب ضه ص مت ي ق بب‬
 ‫ال ُعْتَ ِينَ، َيَطُْ ُونَ ِ َاهمْ، َيَخْ ُ ُو َ و َّهمْ، َ َعْ ُ ُمْ َا ِ ٌ الَ َنْطِ ُ ِ ِنْتِ شَفَ ٍ، َكَأ َّ ا َم َ‬
        ‫ت ء ع أ ْد‬               ‫ًف‬       ‫ي ِّر‬        ‫بة هلل وِرس له ود نه ب‬            ‫ي ن ه ي م َّر و هه‬
     ‫الَ َعْ ِي ِ، الَ َتَ َع ُ َجْ ُ ُ غَضْ َ ً ِ َل َ ُوِ ِ َ ِي ِ ِ، َلْ الَ ُفَك ُ أَصْال ِي االسْ ِغْنَا ِ َنْ َع َاءِ‬
                   ‫و م لم ن‬                ‫ف ُ عل‬                 ‫ُر ِّد ب ِ ِ ف‬          ‫د نه َرس ل وم عت ِ و‬
                  ‫ِي ِ ِ و َ ُوِهِ َ ُقَاطَ َ ِهمْ، َلَكَ أَنْ ت َد َ ِملْء ِيكَ أَسَ ًا وَحزْنًا ََى أَحْ َالِ ال ُسِْ ِي َ:‬
                                                             ‫ي َم الذ ُ ف ع و نه إ َد الر ع َ ُو َم‬
                                                             ‫الَ ُال ُ ِّئْب ِي ُدْ َا ِ ِ…ِنْ غ َا َّا ِي عد َّ الغَن ِ‬
                ‫َّد ت‬        ‫ي ب م ُ و َدم‬                    ‫ْ‬        ‫ِ‬          ‫ن م لم ن م طئ ن س رع‬                        ‫و‬
                ‫َلَوْ كَا َ ال ُسِْ ُو َ ُخْ ِ ِي َ لَ َا َ ُوا بِاالعْتذَارِ قَبلَ أَنْ ُطْلَ َ ِنْهمْ، َلَق َّ ُوا الص َقَا ِ‬
        ‫َر ْد‬                 ‫ل ُله و‬                  ‫ض ه ع رؤ س ِ‬              ‫َالتن ز ت َ َرب َر ب ن وَ ُك‬
     ‫و َّ َا ُالَ ِ، وق َّ ُوا الق َا ِي َ، َلد َّتْ أَرْ ُ ُمْ َلَى ُ ُو ِهمْ مَعَ ذَِكَ كِّ ِ، وَ َاهللِ مَا ج َّأَ أَع َاءَ‬
    ‫د ن ِ َ ي ُ و ِّ ع حق قه ول َ‬                            ‫ألم عل م لم ِال ص ت ُ و ذل ُ ع ن‬
  ‫ا ُ َّةِ ََى ال ُسِْ ِينَ إ َّ َمُْهمْ َتَخَا ُُهمْ َنْ ُصْرَةِ ِي ِهمْ وقَضَا َاهمْ َالدفَاعِ َنْ ُ ُو ِ ِمْ، ََكمْ‬
                                                                                            ‫ن‬          ‫يل و‬            ‫َ ِل بص ته‬
                                                                                           ‫تذ ُّ ِ َمْ ِ َا اَألَجْ َا ُ َاألَوْطَا ُ.‬
      ‫ك ول ِ م لم م ُل ب ط ئة‬                                    ‫جل ل‬                       ‫مع ن و فر‬                      ‫َق ل‬
     ‫أ ُو ُ مَا تَسْ َ ُو َ، َأَسْتَغْ ِ ُ اهللَ العَظِيمَ ال َِيلَ ِي ولَ ُمْ َِسَائرِ ال ُسِْ ِينَ ِنْ ك ِّ ذَنْ ٍ وَخَ ِي َ ٍ،‬
                                                                        ‫ف ر الر م‬           ‫ِر ه وت ب إ إنه ه‬
                                                                       ‫فَاسْتَغْف ُو ُ َ ُو ُوا ِلَيهِ، َّ ُ ُوَ الغَ ُو ُ َّحِي ُ.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
     ‫ف‬         ‫ن وم‬         ‫َالت بع ه ب‬                        ‫َالص ة والس َم عل عب د ذ‬                 ‫ح ْد و‬
   ‫ال َم ُ هللِ َكَفَى، و َّالَ ُ َّال ُ ََى ِ َا ِهِ ال ِينَ اصْطَفَى، و َّا ِ ِينَ لَ ُمْ ِإِحْسَا ٍ َ َنِ اقْتَ َى.‬
                       ‫َم ب ْد ي َي َّذ من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ُ م لم‬
    ‫أ َّا َع ُ: َا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
   ‫ِ َدة‬       ‫و‬        ‫م ض ع ِ و َّال ن‬                    ‫ر كم هلل َن َ م ك مش‬                             ‫ُم م‬
   ‫ث َّ اعْلَ ُوا ـ َعَا ُ ُ ا ُ ـ أ َّ هذِهِ ال َسَالِ َ ال َ ِينَةَ لل َغْ ُوبِ َلَيهمْ َالض ِّي َ ـ إِخْ َانِ القر َ ِ‬
      ‫ُ وب ْد ُ‬         ‫ت َضح َم ُل و ُ و ه ه و‬                                    ‫و ن ز ر وع َ الصل ب َالط غ‬
    ‫َالخَ َا ِي ِ َ َبدِ َِّي ِ و َّا ُوتِ ـ لَ ُو ِّ ُ للعَال ِ كِّهِ عَ َارَهمْ َسَفَا َتَ ُمْ َضَالَلَهمْ َ ُع َهمْ‬
  ‫َد ل‬       ‫مس ع س ن َ َم وم س ع ه الس م و ذ ه ْ ف َدع ن ِنه َدع‬                                                  ‫ع َ‬
‫َنْ هدْي ال َ ِيحِ ِي َى ب ِ مرْي َ َ ُوْ َى َلَي ِمَا َّالَ ُ َكَ ِب ُم ِيمَا ي َّ ُو َ؛ فَإ َّ ُمْ ي َّ ُونَ الع َاَةَ‬
         ‫ب د سم ِي صح ح وَنه ي من ن‬                             ‫حق ق و ح ِّي ت وَنه‬                   ‫َالد م ْر ِي و‬
         ‫و ِّي ُق َاط َّةَ َحِفْظَ ال ُ ُو ِ َال ُر َّا ِ، َأ َّ ُمْ أَصْحَا ُ ِينٍ َ َاو ٍّ َ ِي ٍ، َأ َّ ُمْ ُؤْ ِ ُو َ‬
       ‫ة د نه و ِد‬               ‫إل َم و بي ء جم ع‬                        ‫بم س وع س و ب و هلل ِن الد ع ْ‬
      ‫ِ ُوْ َى َ ِي َى، َكَذَ ُوا َا ِ؛ فَإ َّ ِّينَ ِندَ اهللِ ا ِسْال ُ، َاألَنْ ِ َا ُ َ ِي ًا إِخْوَ ٌ، ِي ُ ُمْ َاح ٌ،‬
    ‫ح هلل وعب دته ْ ه و َ بع ف ُل ُم ٍ رس أ‬                                      ‫و ق دته و ِدة َد وته جم إل‬
  ‫َعَ ِي َ ُ ُمْ َاح َ ٌ، و َعْ َُ ُم َ ِيعًا َِى تَوْ ِيدِ ا ِ َ ِ َا َ ِ ِ وَحدَ ُ، َلَقدْ َ َثْنَا ِي ك ِّ أ َّة َ ُوالً َنْ‬
‫ل الن بع س ن‬                              ‫َف الصح ح َن ُ‬                       ‫ا ُد الله و نب الط غ‬
‫ُعْب ُوا َّ َ َاجْتَ ِ ُوا َّا ُوتَ [النحل:63]، و ِي َّ ِي َينِ أ َّه قَالَ: ((أَنَا أَوَْى َّاسِ ِ ِي َى ابْ ِ‬
    ‫َ َ َ ف الد و ِ ة و ب ء وة ل َالت ُم ت ُ َت ود ن ُ و ِد وع ْد َد بس َد‬
    ‫مرْيم ِي ُّنْيَا َاآلَخرَ ِ، َاألَنْ ِيَا ُ إِخْ َ ٌ ِع َّ ٍ؛ أ َّهَاُهمْ ش َّى، َ ِيُهمْ َاح ٌ))، َ ِن َ أَحْم َ ِ َن ٍ‬
                       ‫َي وسعه ِال َتبعن‬                             ‫َن م س‬              ‫و َّذ س بي‬                   ‫حس َن ُ‬
                   ‫َ َنٍ أ َّه قَالَ: (( َال ِي نَفْ ِي ِ َدِهِ، لَوْ أ َّ ُو َى كَانَ ح ًّا مَا َ ِ َ ُ إ َّ أَنْ ي َّ ِ َ ِي)).‬
‫لئ بعث‬            ‫م‬         ‫هلل ع ل ع‬           ‫مه ف كت م َز ع ه بمح َّ و‬                                ‫وم م ِي ِال ب َّ‬
‫َ َا ِنْ نَب ٍّ إ َّ َشرَ قَوْ َ ُ ِي ال ُ ُبِ ال ُن َّلَةِ َلَي ِم ِ ُ َمدٍ ، َأَخَذَ ا ُ تَ َاَى َلَيهِ ال ِيثَاقَ َ ِنْ ُ ِ َ‬
      ‫لَ ُؤْ ِن َّ ِ ِ َلَ َنْصر َّ ُ: َإذْ أَخذَ َّ ُ ِيثَاقَ َّبِّينَ لَمَا آتَيُ ُمْ ِنْ ِتَا ٍ َ ِكْ َةٍ ث َّ َا َ ُمْ َ ُو ٌ‬
      ‫تك م ك ب وح م ُم ج ءك رس ل‬                                   ‫الن ِي‬      ‫ي م ُن به و ي ُ ُنه وِ َ الله م‬
      ‫َ ْ َ ُ و َ ُ ع ل ُ إ ْر ل َ ْ َ ق ل‬                              ‫م َدق ل مع ُ ت م ُن به و ُ ُن ُ‬
      ‫ُص ِّ ٌ ِمَا َ َكمْ لَ ُؤْ ِن َّ ِ ِ َلَتَنْصر َّه قَالَ أَأقررْتمْ َأَخذْتمْ َلَى ذَِكمْ ِص ِي قَاُوا أقررْنَا َا َ‬
     ‫هلل تع ل‬       ‫ُدع ن ي من‬               ‫ؤ‬              ‫و‬                   ‫َد و مع ُ م الش ِد‬
    ‫فَاشْه ُوا َأَنَا َ َكمْ ِنْ َّاه ِينَ [آل عمران:58]. َلَوْ كَانَ هَ ُالَءِ الم َّ ُو َ ُؤْ ِ ُونَ بِا ِ َ َاَى‬
      ‫ظ مة‬               ‫إل ن َ و ِ عق إل‬                        ‫و َتبع َ رس ه ذ َ س ه و ْل َ ن م َ‬
      ‫َيَّ ِ ُون َ ُلَ ُ ال ِينَ أرْ ِلَ ُمْ َألَج ِ هذَا كَا َ ِنْ أرْكَانِ ا ِيمَا ِ وقَ َاعدِ َ ِيدَةِ ا ِسْالَمِ العَ ِي َ ِ‬
        ‫إل ن بجم الر ُ ع ِم الس َم و َبت ُ و ِر م ُ و َ َم الت ْر ب ح م ه ِن َّذ‬
     ‫ا ِيمَا ُ ِ َ ِيعِ ُّسلِ َلَيه ُ َّال ُ َمَحَُّهمْ َاحْت َا ُهمْ َعد ُ َّف ِيقِ َينَ أَ َدٍ ِنْ ُمْ، إ َّ ال ِينَ‬
      ‫يف ِّق ب الله َرسله و ق ل ن ن من بب ْض و ُر بب ض‬                               ‫ي ُر ن ِالله ورسل و ُر د‬
      ‫َكْف ُو َ ب َّ ِ َ ُ ُِهِ َي ِي ُونَ أَنْ ُ َر ُوا َينَ َّ ِ و ُ ُِ ِ َيَ ُوُو َ ُؤْ ِ ُ ِ َع ٍ َنَكْف ُ ِ َعْ ٍ‬
    ‫ل ك ِر َ ب مه ن َالذ ن‬                            ‫َق و‬       ‫َتخذ ب ل سب أ ك ُ ك فر‬                                         ‫و ُر د‬
    ‫َي ِي ُونَ أَنْ ي َّ ِ ُوا َينَ ذَِكَ َ ِيالً ُوْلَئِ َ همْ الْ َا ِ ُونَ ح ًّا َأَعْتَدْنَا ِلْ َاف ِينَ عذَا ًا ُ ِي ًا و َّ ِي َ‬
   ‫ْ ي ت ِ أج ه و الله ف ر رح م‬                                   ‫َد م ُ أ‬          ‫من ِالله ورسله وَ يف ِّق ب‬
  ‫آ َُوا ب َّ ِ َ ُ ُِ ِ َلمْ ُ َر ُوا َينَ أَح ٍ ِنْهمْ ُوْلَئِكَ سَوفَ ُؤْ ِيهمْ ُ ُورَ ُمْ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا َ ِي ًا‬
                                                                                                       ‫[النساء:015-715].‬
   ‫س ه ئ ِ و ْ َر س هلل ف م ْزئ بد نه و ب ئه َرسله‬                                                 ‫ُ ع ؤه عل‬                   ‫َ‬
  ‫أَال فَلْيَأْخذْ ُقَالَ ُ ُمْ ََى أَيدِي ُفَ َا ِهمْ، َلْيَحذ ُوا ُنَنَ ا ِ ِي ال ُسْتَه ِ ِينَ ِ ِي ِ ِ َأَنْ ِيَا ِ ِ و ُ ُِ ِ،‬
 ‫َلْ َتَذَك ُوا مَ َاقفَ أَسْال ِ ِ ُ ال ُقَالَء ال ِينَ كَا ُوا َحْفَ ُونَ ل َ ُولِ اهللِ ح َّ ُ َ َعر ُون قدْ َ ُ؛ ِنْ َمْ َا ِ‬
 ‫َقه وي ْ ِف َ َ ره م أ ث ل‬                      ‫ن ي ظ ِرس‬                   ‫ذ‬          ‫َفهم ع‬              ‫و ي َّر و ِ‬
 ‫َق‬       ‫إ ِ و رم ك به إ ِ و َ َف‬                             ‫ْرم ر ُ َ رس‬         ‫الن ِي ِ َ ْ و ع ذ‬
 ‫َّجَاش ِّ وَهرقلَ َأَتْبَا ِهِ ال ِينَ أَك َ ُوا ُسل َ ُولِ اهللِ ِلَيهمْ، َأَكْ َ ُوا ُتَ َ ُ ِلَيهمْ، َعر ُوا الح َّ‬
  ‫الذِي َا َ ِ ِ ِنْ ِنْدِ ا ِ، َأ َّ ُ َالذِي َا َ ِهِ ِي َى َ ُوْ َى لَيَخْ ُ ُ ِنْ ِشْكَا ٍ َاح َ ٍ، فَثَّتَ ا ُ‬
  ‫رج م م ة و ِدة َب هلل‬                         ‫ج ء ب ع س وم س‬              ‫ج ء به م ع هلل وَنه و‬
                                                         ‫هلل‬            ‫ه إل‬            ‫ي الال‬          ‫م ُ و م َّ ف‬
                                                        ‫ُلْكَهمْ، َاسْتَ َر ِي األَجْ َالِ َّحِقَةِ لَ ُمْ َِى مَا شَاءَ ا ُ.‬
 ‫م م ْ َب ِ و ِي ِ َد ن ِ وِن ُبه و ِّ ع ه م أ َم‬                                      ‫م لم‬         ‫َ‬       ‫عب هلل ِنه‬
 ‫ِ َادَ ا ِ، إ َّ ُ لَيسَ لدَى ال ُسِْ ِينَ أَعْظَ ُ ِن رِّهمْ َنَبِّهمْ و ِي ِهمْ، َإ َّ ح َّ ُ َالدفَاعَ َنْ ُ لَ ِنْ َعْظ ِ‬
    ‫ٍ ف إ مه وإ م ن أ‬                 ‫ي ِر ب م لم وي ق إ ه وِن و ج ع ُل م ِم‬
  ‫مَا ُفَاخ ُ ِهِ ال ُسِْ ُونَ َ َتَسَابَ ُونَ ِلَي ِ، َإ َّ ال َا ِبَ َلَى ك ِّ ُسْل ٍ صَادِق ِي ِسْالَ ِ ِ َِي َا ِهِ َنْ‬
  ‫ْد َ رس هلل ب ُل َد م ْل وَد وم َ َت ب س ت ب ن ج ب ه و ُد ف ع ه‬
  ‫يَف ِي َ ُولَ ا ِ ِك ِّ مَا ل َيهِ ِنْ أَه ٍ وَ َل ٍ َ َالٍ، بلْ حَّى ِنَفْ ِهِ ال ِي َي َ َنْ َي ِ، َأَنْ ي َا ِعَ َنْ ُ‬
          ‫م د عل ِ ْ َ ك ب ِية وي ِ ه‬                                      ‫ب ُل وس م ك ة و َ ُد عل ؤ‬
         ‫ِك ِّ َ ِيلَةٍ ُمْ ِنَ ٍ، َأَنْ ير َّ ََى هَ ُالَءِ ال ُعْتَ ِينَ ََى عرضِ أزْ َى ال َشَر َّ ِ، َ َنْتَصرَ لَ ُ،‬
    ‫بَد م َدي ن ِن َذ‬                          ‫ِيم ه‬           ‫و ِر م ت ِ و ع م ت ِ‬                       ‫وي ط يه د َالن‬
   ‫َ ُقَا ِعَ ال َ ُو َ و َّصَارَى َسَائ َ ُنْتَجَا ِهمْ َتَ َا ُالَ ِهمْ، الَ سَّ َا َذَينِ ال َل َينِ ال ُعْت ِ َي ِ، فَإ َّ ه َا‬
        ‫ت م ف عل ُمته وِذ ج م لم أ‬                                     ‫م َ َل و جب عل م لم ن و حق‬
      ‫ِنْ أق ِّ ال َا ِ َاتِ ََى ال ُسِْ ِي َ َال ُ ُوقِ ال ِي لل ُصْطَ َى ََى أ َّ ِ ِ، َإ َا عَ َزَ ال ُسِْ ُونَ َنْ‬
  ‫َق ويع ِّر ه وي ُر ه ويذ د ع ع ض ِ ف ن‬                           ‫َق و ُد فع ع ِي ِ َ ُ وته‬                       ‫ي ق‬
  ‫َنْطِ ُوا بِالح ِّ َي َا ِ ُوا َنْ نَب ِّهمْ وقدْ َ ِ ِمْ بِالح ِّ َ ُ َز ُو ُ َ َنْص ُو ُ َ َ ُو ُوا َنْ ِرْ ِه َبَطْ ُ‬
   ‫ه وُف عل ح ة وَذته ِذ أه إ م َ ُ وت م َمد ن ع ْ هلل‬                                               ‫ر ُ م‬           ‫َْ‬
   ‫األرضِ خَي ٌ لَهمْ ِنْ ظَهْرِ َا، َأ ٍّ ََى ال َيَا ِ َل َّ ِ َا إ َا ُ ِينَ ِمَا ُنَا وقدْ َُنَا ُح َّ ُ ب ُ َبدِ ا ِ‬
                                                                                       ‫َف َ ْ م ِم مت ج ن‬
                                                                                      ‫و ِي األرضِ ُسْل ٌ صَا ِ ٌ َبَا ٌ.‬
                                                              ‫ِن ب و ِ ه و ِ ض ل ِ ْض مح َّد م ه ِد ء‬
                                                              ‫فَإ َّ أَ ِي وَ َالدَ ُ َعرْ ِي…ِعر ِ ُ َم ٍ ِنْ ُمْ ف َا ُ‬
            ‫ُر ُ‬        ‫جد ه م ت ب ع ْ ُ ْ ف الت ْر ة و إل ج‬                ‫َّذ َتبع الرس الن ِي أل ِّي َّ‬
          ‫ال ِينَ يَّ ِ ُونَ َّ ُولَ َّب َّ ا ُم َّ الذِي يَ ِ ُونَ ُ َكْ ُو ًا ِندَهم ِي َّو َا ِ َا ِن ِيلِ يَأْم ُهمْ‬
       ‫ب ئ ويضع ع ه إ ْر ُ‬                  ‫وي ه ع م َر وي ِل ه َّيب وي َرم ع ِ‬                                     ‫م ْر‬
     ‫بِالْ َع ُوفِ َ َنْهَا ُمْ َنْ الْ ُنك ِ َ ُح ُّ لَ ُمْ الطِّ َاتِ َ ُح ِّ ُ َلَيهمْ الْخَ َا ِثَ َ َ َ ُ َنْ ُمْ ِص َهمْ‬
‫ع ِ َّذ ن من به وع َّر ه و َر ه َاتبع الن َّ أ ِ معه أ لئك‬                                             ‫الت‬            ‫و‬
‫َاألَغْاللَ َّ ِي كَانَتْ َلَيهمْ فَال ِي َ آ َ ُوا ِ ِ َ َز ُو ُ َنَص ُو ُ و َّ َ ُوا ُّورَ الذِي ُنزلَ َ َ ُ ُوَْ ِ َ‬
                                                                                                           ‫ُ م لح‬
                                                                                         ‫همْ الْ ُفِْ ُونَ [األعراف:215].‬
 ‫الل ُم َل وسِّ عل ع ْدك َرس ك مح َّد ع ْ هلل وع له وص ب مع ن َالت بع له‬
‫َّه َّ ص ِّ َ َلمْ ََى َب ِ َ و َ ُوْلِ َ ُ َم ِ بنِ َبدِ ا ِ، َ َلَى آَِ ِ َ َحْ ِهِ أَجْ َ ِي َ، و َّا ِ ِينَ َ ُم‬
                                                                                                    ‫إل ْ الد ن‬
                                                                                                 ‫بإِحْسَانٍ َِى يَومِ ِّي ِ...‬
   ‫بي ء َالر ُل و ِر م ه عن ف د نه و رب أ ب عه‬                                       ‫َ‬     ‫َد عل‬                ‫إ ِ ق‬
  ‫ِلَيهمْ حَ ِيقَةً مَا اعْت َوا ََى خَاتمِ األَنْ ِ َا ِ و ُّس ِ َسَخ ُوا ِنْ ُ وَطَ َ ُوا ِي ِي ِ ِ َحَا َ ُوا َتْ َا َ ُ.‬

‫(5/8364)‬




                                                                                ‫رد هجمة الكفار ونصر النبي المختار‬
                                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                                                        ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫عبد الفتاح بن سعد عياش‬
                                                                                                                ‫المدية‬
                                                                                                        ‫4/5/2745‬
                                                                                      ‫مسجد اإلمام مالك بن أنس‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- نعمة بعثة النبي . 7- الشانئون لدعوة محمد . 3- جريمة االستهزاء بالنبي . 4- وجوب‬
                                                                                 ‫ب‬
                    ‫الذ ّ عن عرض المصطفى . 1- إيجابيات الحدث. 6- واجب الحكام والعلماء.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
   ‫وكل‬                 ‫أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتا ُ اهلل، وخيرَ الهدي هدي محمد ، وشر‬
   ‫َّ األمور محدثاتها، َّ‬                               ‫ب‬
                                                                   ‫وكل‬            ‫وكل‬
                                                   ‫محدثة بدعة، َّ بدعة ضاللة، َّ ضاللة في النار.‬
    ‫ثم أما بعد: عبادَ اهلل، فقد امتن اهلل سبحانه وتعالى على الثقلين ببعثة نبينا محمد رحمةً منه عز‬
                                   ‫إ ر مة ل ْ م‬                 ‫وم َ س‬
‫وجل لخلقه، مصداقًا لقوله تعالى: َ َا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َ ً ِلعَالَ ِينَ [األنبياء:205]، فأخرج اهلل بهذا‬
                                             ‫س‬                                      ‫ي‬
 ‫النب ّ األمي عليه أفضل الصالة والتسليم النا َ من الظلمات إلى النور، ومن الضالل إلى الهدى،‬
     ‫ومن العذاب إلى الرحمة، بعدما اجتالتهم الشياطين عن صراط اهلل المستقيم، فأشرقت األرض‬
 ‫هو‬                                                                    ‫م‬
 ‫بنور الرسالة المح ّدية، ورغمت أنوف المبطلين، وانخنس الكفر وأهله، مصداقًا لقوله تعالى: ُ َ‬
                   ‫َق لي ِ ه عل الد ُله و َر م رك‬                                ‫َّ َ َ َ رس ه ُد َد‬
   ‫الذِي أرْسل َ ُولَ ُ بِالْه َى و ِينِ الْح ِّ ِ ُظْهرَ ُ ََى ِّينِ كِّ ِ َلَوْ ك ِهَ الْ ُشْ ِ ُونَ [التوبة:33].‬
                                                       ‫م‬                  ‫د‬
     ‫وقد كان في مق ّمة ركبِ الشيطان م ّن شَرِقَ بالبعثة المحمدية ـ على رسولها أفضل الصالة‬
        ‫د‬      ‫د‬      ‫ظ‬                                                     ‫ُ‬
       ‫والسالم ـ بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقد امتعأت قلوبهم غي ًا وحق ًا وحس ًا‬
     ‫َ ُد ُ م ب ْ إ م ن ُ كف ر‬                         ‫َد ر م ْ ك‬
    ‫لإلسالم وأهله مصداقًا لقوله تعالى: و َّ كَثِي ٌ ِنْ أَهلِ الْ ِتَابِ لَوْ ير ُّونَكمْ ِنْ َعدِ ِي َا ِكمْ ُ َّا ًا‬
‫و َ ك جع ل ُل ن ِي‬                                      ‫َي ُم َق‬                       ‫ح َد م ع ْ فس ِ م ب‬
‫َس ًا ِنْ ِندِ أَنْ ُ ِهمْ ِنْ َعْدِ مَا تَب َّنَ لَه ُ الْح ُّ [البقرة:905]، وقال تعالى: َكذَلِ َ َ َلْنَا ِك ِّ َب ٍّ‬
      ‫ض َك‬              ‫و‬                            ‫ب َبك ه دي و ر‬                ‫َ ُو م م ْرم و‬
      ‫عد ًّا ِنَ الْ ُج ِ ِينَ َكَفَى ِر ِّ َ َا ِ ًا َنَصِي ًا [الفرقان:53]، وقال تعالى: َلَنْ تَرْ َى عنْ َ‬
                                                           ‫يه د و النص ر َت َت ِل ُ‬
     ‫الْ َ ُو ُ َال َّ َا َى ح َّى تَّبِعَ مَّتَهمْ [البقرة:075]. وهؤالء الظالمون المعادون لدين اإلسالم‬
 ‫وللبشير النذير هم في حقيقة األمر يقومون بأكبر جريمة في تاريخ البشرية؛ إذ إنهم يحولون بين‬
                                                                    ‫ن‬
      ‫الناس وبين أكبر نعمة امت ّ اهلل بها على اإلنسانية، أال وهي نعمة اإلسالم، كما أنهم في ذات‬
                                                                            ‫يعر‬
       ‫الوقت ِّضون من سار في ركابهم واتبع ضاللهم لسخطِ الجبار عز وجل ومقته في الدنيا‬
                                                                                                            ‫واآلخرة.‬
 ‫م‬
 ‫وإن المتأمل في الوقائع والحوادث في ماضي الزمان وحاضره ليظهر له بجالء عداوة وكيد فئا ٍ‬
      ‫من أهل الكتاب من اليهود والنصارى لعأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصالة والسالم.‬
   ‫وتزداد عداوة بعض المغضوب عليهم والضالين للمسلمين ويزداد جنونهم وجنوحهم عن قواعد‬
                   ‫ج‬
  ‫العدل والعقل والحق كلما ازداد انتشار اإلسالم ودخل الناس في دين اهلل أفوا ًا، فعند ذلك يزداد‬
                ‫ي‬                   ‫قب‬
‫حقدهم وحسدهم، وتطيش أحالمهم وأفهامهم، فتتوالى من ِ َلهم الحمالت الجنون ّة الظالمة على كل‬
                                                                     ‫ما هو َّس ومعظ‬
    ‫َّم في دين اإلسالم، وكان من آخر ما حدث في هذا المجال الحملة الظالمة‬    ‫مقد‬
                                                 ‫ض‬            ‫حَ َ‬           ‫ل‬
        ‫اآلثمة التي توّى كِبرَها و َمل لواءَها بع ُ وسائل اإلعالم المقروءة في دولتي الدنمارك‬
                                                             ‫ي‬
        ‫والنرويج، عندما أظهرت سّد البشرية ـ فديناه باآلباء واألمهات ـ في بعض الرسومات‬
              ‫ي‬
    ‫الكاريكاتيرية الساخرة المسيئة، متجاوزةً حدود المنطق والعقل، ومنفلِتة من كل الق َم والمبادئ‬
             ‫س‬                              ‫ي‬                        ‫ر‬
  ‫واألعراف، في استهتا ٍ واضح بدين اإلسالم الذي َدين به ما يزيد على المليار نَ َمة من البشر‬
                                                                                        ‫على ظهر المعمورة.‬
               ‫ي‬
 ‫باهلل، ماذا يبقى في الحياة من لذة يوم ينال من مقام محمد ثم ال ينتصر له وال ُذاد عن حياضه؟!‬
     ‫ماذا نقول تجاه هذا العداء السافر والتهكم المكشوف؟! هل نغمض أعيننا ونصم آذاننا ونطبق‬
           ‫ب‬                              ‫د‬                        ‫ع‬
  ‫أفواهنا وفي القلب ِرق ينبض؟! والذي كرم محم ًا وأعلى مكانته، لبطن األرض أح ّ إلينا من‬
              ‫شل‬          ‫ف‬
‫ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن رسول الحق. أال ج ّت أقالم و ُّت سواعد امتنعت‬
                                                           ‫ض‬
                                         ‫عن تسطير أحرفٍ تذود بها عن حو ِه وتدافع عن حرمته.‬
                                                   ‫فإن أبي ووالده وعرضي…لعرض محمد منكم فداء‬
‫عرض نبينا وسيدنا وقدوتنا وإمامنا وحبيبنا فيها ينتقص وينتهك؟! صحف دنماركية تعبث بمقامه؟!‬
                                                                           ‫ل‬
‫ومقامه مقام الخّة؛ فهو أحب الخلق إلى اهلل تعالى. فيا ويلهم من اهلل تعالى حيث قال: ((من عادى‬
      ‫لي وليا فقد آذنته بالحرب))، وأكبر األولياء وسيدهم محمد بن عبد اهلل . فاهلل تعالى قد آذنهم‬
              ‫م ك ت مل ن‬                 ‫ِر و ع ُ ِن ت ْ‬                        ‫ِر ْ‬            ‫ه‬
             ‫بالحرب، اصْلَوْ َا فَاصْب ُوا أَو ال تَصْب ُوا سَ َاء َلَيْكمْ إَّمَا ُجزَوْنَ َا ُن ُمْ تَعْ َُو َ.‬
  ‫ن‬                    ‫وو‬                    ‫ل‬          ‫د‬            ‫ل ل‬          ‫نو‬
  ‫المسلمون َّم! لو ما ٌ تِف أو بيت ته ّم أو وطن سِب لسمعتَ صياحا و َلْ َلَة وإقسامًا: لنثأر ّ‬
                    ‫س‬                                                                    ‫ل‬
 ‫قاتََه اهلل ما أكفره! فأين هم أهل الصولة والزمجرة؟! أين هم لم نسمع لهم ح ّا، ولم نر قلما يدفع‬
  ‫ظالما ما أفجره؟! إال قليال احتسبوا وغضبوا، فكتبوا واستنكروا، وعن األمة عذابا كاد يحيق بها‬
                                                      ‫ل‬
   ‫دفعوا، فالذب عنه فريضة، وال يح ّ لعأمة ترك الفريضة، ومن موجبات العقوبة االجتماع على‬
                                                                                               ‫ترك الفريضة.‬
    ‫إن من حقوق النبي على أمته نصرته، وهي واجبة على جميع المسلمين؛ ذكورا وإناثا، علماء‬
                                                            ‫ل‬
 ‫ووالة أمر وعوام، قوال وفعال، ك ّ بحسب قدرته واستطاعته، أدناها بالقلب، ثم باللسان، ثم باليد،‬
                                                           ‫فليغي‬
   ‫لقوله : ((من رأى منكم منكرا ِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك‬
                                                                      ‫ي‬
                           ‫أضعف اإليمان)). وأ ّ منكر أعظم من العدوان على مقام رسول اهلل ؟!‬
‫فهو فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن اآلخرين، مع وجوب إنكار القلب في‬
                                                ‫ي‬                   ‫ب‬      ‫ي‬
   ‫كل حال، سواء تع ّن الذ ّ والنصرة أو لم يتع ّن على آحاد المؤمنين؛ ألن اإلنكار القلبي عالمة‬
‫َّذ ن َن به وع َّر ه و صر ه َاتبع الن ر‬
‫اإليمان. والدليل على وجوب نصرته قوله تعالى: فَال ِي َ آم ُواْ ِ ِ َ َز ُو ُ َنَ َ ُو ُ و َّ َ ُواْ ُّو َ‬
                                                            ‫هم م ح‬                  ‫َّ ِ أ ِ معه أ‬
    ‫الذيَ ُنزلَ َ َ ُ ُوْلَئِكَ ُ ُ الْ ُفْلِ ُونَ، فعلق الفالح بالنصرة، فمن لم ينصره فليس من المفلحين.‬
                                        ‫صر ُ ْ ف الد ِ ع ُم الن ْر‬                ‫إ‬
     ‫وقال تعالى: فَِنِ اسْتَن َ ُوكم ِي ِّين فَ َلَيْك ُ َّص ُ، فنصرة المؤمنين واجبة، ونصرة النبي‬
                  ‫َيه َّذ ن من إ صر الل ي ص ُ وي َب َ ْد م ُ‬
   ‫أوجب. وقل سبحانه: يَا أ ُّ َا ال ِي َ آ َُوا ِن تَن ُ ُوا َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثِّتْ أق َا َكمْ، ونصرة النبي‬
                  ‫ق‬
    ‫من نصرة اهلل تعالى. وقوله : ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما))، فهذا في ح ّ المؤمنين، وفي‬
                                                                                                            ‫ي‬
                                                                                                      ‫النب ّ أعظم.‬
  ‫ووقت النصرة وجود الظلم والعدوان على مقام النبي في ذاته أو أخالقه أو دينه، فمتى وجد هذا‬
   ‫النوع من الظلم والعدوان وجب على المؤمنين الذب عنه ، وال يحل لهم أن يسكتوا أو يخضعوا‬
                                                           ‫ل‬
   ‫ويرضوا، فإن فعلوا ذلك د ّ على خلل في إيمانهم وضعف في والئهم هلل ورسوله ، فال يرضى‬
‫بالطعن في النبي إال منافق أو كافر، أما المؤمن فيغضب ويتمعر وجهه ألدنى من ذلك، ألذى يلقاه‬
        ‫عوام المسلمين؛ لما بينه وبينهم من أخوة اإليمان، فأي عدوان على رأس المؤمنين وقائدهم‬
     ‫ومقدمهم فهو عليه أشد وأنكى، بل حاله كحال خبيب بن عدي لما أخرجه أهل مكة من الحرم‬
   ‫ليقتلوه فقال له أبو سفيان: أنشدك اهلل يا خبيب، أتحب أن محمدا اآلن عندنا مكانك يضرب عنقه‬
   ‫وأنك فيأهلك؟! فقال خبيب: (واهلل، ما أحب أن محمدا اآلن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة‬
  ‫م‬          ‫ب‬         ‫ب‬
 ‫وإني جالس في أهلي)، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يح ّ أحدا كح ّ أصحاب مح ّد‬
                                                                                                            ‫محمدا.‬
                             ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                 ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                  ‫صح‬          ‫نش‬          ‫كل‬
‫أما بعد: عباد اهلل، لئن ساء َّ مسلم ما ُ ِر في بعض ُ ُف الدانمارك فإن من عقيدة أهل السنة‬
     ‫سب ه َر ُ َ ه ْر ك ل ُل ِ م ه م‬                                              ‫ل َر م‬
    ‫والجماعة أن اهلل لم يَخُْق ش ًّا َحْضًا، ال تَحْ َ ُو ُ ش ًّا لَكمْ بلْ ُوَ خَي ٌ لَ ُمْ ِك ِّ امْرئٍ ِنْ ُمْ َا‬
                                                 ‫َل ك ه م ُ ه َ ب ع م‬                        ‫سب م إل ْم و َّ‬
                                                ‫اكْتَ َ َ ِنَ ا ِث ِ َالذِي تَوَّى ِبْرَ ُ ِنْهمْ لَ ُ عذَا ٌ َظِي ٌ.‬
    ‫َ‬                                                          ‫ر‬               ‫م‬
  ‫فقد تض ّن ذلك السوء خي ًا، منه أنه ظهر وانكشف وجه الحقيقة عن وجه الحضارة الغربية، قدْ‬
‫ن‬                    ‫بص‬               ‫َد ب ض ء م َ و ه ِ و ت ف صد ر ُ َر‬
‫ب َتِ الْ َغْ َا ُ ِنْ أفْ َا ِهمْ َمَا ُخْ ِي ُ ُو ُهمْ أَكْب ُ، وظهر لكل ذي َ َر عداوة النصارى، وأ ّ‬
  ‫من يطلب رضاهم م ِّب في الماء جذوةَ نار، وقول اهلل أصدق وأبلغ: َلَنْ ترْ َى َنْكَ الْ َ ُو ُ‬
  ‫يه د‬           ‫و َ ض ع‬                                                   ‫ُتطل‬
                            ‫ُت‬       ‫الصح‬           ‫ل‬          ‫َت َت ع ِل ُ‬               ‫و الن‬
‫َال َّصَارَى ح َّى تَّبِ َ مَّتَهمْ. كما تجّى نفاق بعض ُّ ُف والك َّاب الذين التَزموا الصمت تجاه‬
                                         ‫أ‬
    ‫هذا الْخَطْب الْجلل، فماذا عساهم يقولون؟! ماذا عسى ُغَيْلِمة الصحافة وسفهاء قومي يقولون؟!‬
             ‫ن‬                 ‫س ْر‬            ‫ش‬        ‫غ‬        ‫َ‬     ‫ُلمع‬
‫أليسوا الذين كانوا ي ِّ ُون الغرْب وال ُراب تحت ِعار (اآلخر) َت ًا للكافر؟! إال أ ّ الحقيقة التي‬
   ‫ي د‬                                 ‫ي‬            ‫ص‬                                ‫ل‬
 ‫تجّتْ كشَفَتْ عن وجوه من الحقائق و َمت من كانوا ُنادون باحترام (اآلخر) ومن كانوا َو ّون‬
      ‫ح ي ك‬               ‫ي‬                   ‫ح ي‬          ‫ي‬                          ‫صم د‬
‫لو َ َتَ ُعاة اإلسالم، أليسوا هم من ُنادي بـ( ُر ّة الفِكر)، فإذا هم ُنادون بـ( ُر ّة ال ُفْر)؟!‬
                    ‫ي‬          ‫ن‬       ‫ست‬            ‫ج‬             ‫ع‬         ‫صب‬             ‫ل‬
‫إذا تكّم (صادق) نَ َ ُوا له ال ِداء، وإن تَب ّح (كافر) َكَ ُوا وكأ ّ األمر ال َعنيهم، وهو ال يعنيهم‬
                                                                                      ‫بي‬                     ‫ب‬
                                                                                  ‫ألن حّهم للنبي دعوى من غير ِّنَة.‬
          ‫ه ْ‬
    ‫ها هو (اآلخر) بزعمكم يتطاول على دين اهلل وعلى رسول اهلل ، فبماذا أجبتم؟! تَ َافت دعاوى‬
                           ‫(قبول اآلخر) الذي لم ولن َقبلكم حتى يجتمع الماء والنار والض‬
 ‫َّب والحوت، شأنكم في ذلك شأن‬                               ‫ي‬
                    ‫د‬                         ‫ل‬                             ‫مَ‬
‫ذلك (الْ ُتَفرْنِس) الذي أمضى عمره في التذّل للغرب ولو كان على حساب ِين ومبدأ، فإذا الغرب‬
                                              ‫ق‬                                  ‫ي‬       ‫ي‬
   ‫َرفضه و َلفظه، بل وينبذه نَبْذ الحذاء المر ّع، وها هو يقول عن نفسه: "وأصبح (محمد أركون)‬
‫ب ت‬                                                        ‫َ ت‬                   ‫ف‬       ‫ي‬
‫أصول ًا متطر ًا، أنا الذي انْخرَطْ ُ منذ ثالثين سنة في أكبر مشروع لنقد العقل اإلسالمي أصْ َحْ ُ‬
         ‫م‬             ‫م ل ي‬
        ‫خارجَ دائرة العلمانية والحداثة"، ويقول أيضا: "والمثقف الموصوف بالْ ُسِْم ُشار إليه دائ ًا‬
                                     ‫ث‬
   ‫بضمير الغائب، فهو األجنبي المزعج الذي ال يمكن تم ّله أو هضمه في المجتمعات األوروبية؛‬
                                                                                            ‫ل‬        ‫ي ص‬
                                                                           ‫ألنه َسْتَعْ ِي على ك ّ تحديث أو حداثة".‬
          ‫ت ِب ُ و‬           ‫ه ت أ‬                  ‫وقد أخبر اهلل عن ذلك الرفض وعن تلك العداوة المتأص‬
        ‫ِّلة بقوله: َا أَنْ ُمْ ُوالءِ ُح ُّونَهمْ َال‬
   ‫م م غ ُِ‬                   ‫َض ع كم‬                     ‫ي ِب ُ وت من ن ك ب ُله وِذ ق ك ْ ل َن وِ‬
 ‫ُحُّونَكمْ َ ُؤْ ِ ُو َ بِالْ ِتَا ِ كِّ ِ َإ َا لَ ُو ُم قَاُوا آَم َّا َإذَا خَلَوْا ع ُّوا َلَيْ ُ ُ األَنَا ِلَ ِنَ الْ َيْظ قلْ‬
                                                                            ‫ُّد ر‬         ‫م ت ب ظ ُ ِن الل عل م ِ‬
                                                                           ‫ُو ُوا ِغَيْ ِكمْ إ َّ َّهَ َِي ٌ بذَاتِ الص ُو ِ.‬
 ‫الله ل َ َ م من عل م‬                                                          ‫ي‬     ‫َد‬
‫وفي هذا الْح َث تم ّز الطيب من الخبيث والصادق من الكاذب، مَا كَانَ َّ ُ ِيذرَ الْ ُؤْ ِ ِينَ ََى َا‬
                                                                               ‫َّيب‬      ‫ب م‬               ‫ُ ع ه َت ي‬
                                                                              ‫أَنْتمْ َلَيْ ِ ح َّى َمِيزَ الْخَ ِيثَ ِنَ الطِّ ِ.‬
                                                                     ‫ب‬    ‫َين‬         ‫خ‬
                                                         ‫إذا اشتبكت دموع في ُدود…تَب َّ َ من َكى ممن تباكى‬
                 ‫ت‬       ‫م ف‬                  ‫الدعي ُدع‬                             ‫تبي م ب‬
        ‫َّن الْ ُح ّ الصادق لرسول اهلل من َّ ِ ّ الْم َّ ِي، وفي الغرب ( ُنصِ ُون) قد ُثيرهم تلك‬
      ‫َم‬
  ‫الحمالت الشعواء على طلب الحقائق، فيهدي اهلل بِتلك الصحيفة رجاالً ونساء كانوا في (ع َاء).‬
             ‫ش‬                                                 ‫ي‬                      ‫سن‬
‫ومن ُ ّة اهلل: ((إن اهلل ليؤ ّد هذا الدين بالرجل الفاجر)) كما في الصحيحين، وفي ِعْر أبي تمام:‬
                                                                                 ‫ط‬     ‫ض‬
                                                         ‫وإذا أراد اهلل نَشْر فَ َيلة… ُويت أتَاحَ لها لسان حسود‬
                                            ‫ع‬      ‫ي ْر ط ع‬             ‫ج ور‬
                                          ‫لوال اشتعال النار فيما َا َ َتْ…ما كان ُع َف ِيب ُرف ال ُود‬
                          ‫ُبي‬                            ‫ض‬               ‫ش‬          ‫الص‬
 ‫إن ِّدام المبا ِر والمساس الوا ِح أبلغ وأيقَظ للقلوب، وهذا ي ِّن مدى خطورة الغزو الفكري،‬
     ‫ال‬                                           ‫م ِّر‬
     ‫وأنه أخطر من الغزو العسكر وإن كان ُدم ًا؛ ذلك أن اليهود والنصارى يقولون في اهلل قو ً‬
                    ‫َد‬                         ‫ط‬           ‫ي ب‬      ‫وج‬
‫عظيمًا، ومع ذلك ُ ِد من ُح ّهم أو يتعا َف معهم، إال أن هذا الذي ص َر من نصارى الدانمارك‬
                                ‫م‬     ‫ال‬                       ‫م ت‬
     ‫أيقظ في األمة قلوبًا غافلة أو ُس َغفَلة، فالنصارى قالت قو ً عظي ًا في اهلل من قَبْل ومن بعد،‬
       ‫د‬       ‫د الس و ت ي َّ ن م ه و َق َ ْض و ِر جب ل َد‬
  ‫قالوا في اهلل قوالً عظيمًا، تَكَا ُ َّمَا َا ُ َتَفَطرْ َ ِنْ ُ َتَنْش ُّ األر ُ َتَخ ُّ الْ ِ َا ُ ه ًّا أَنْ َعَوْا‬
                      ‫ق‬                          ‫َت ِ وَد‬            ‫ِلر من وَد و ي بغ ِلر م‬
 ‫ل َّحْ َ ِ َل ًا َمَا َنْ َ ِي ل َّحْ َنِ أَنْ ي َّخذَ َل ًا. وما قالته النصارى في ح ّ اهلل أعظم وأكبر، وقد‬
    ‫ت و َّ ف و ل ُ و فس ُ و م ُن من َّذ أ ت‬                                    ‫ِّ‬             ‫ق‬
  ‫أخبر اهلل وخبره الح ّ وقال وقوله الصدْق: لَ ُبْلَ ُن ِي أَمْ َاِكمْ َأَنْ ُ ِكمْ َلَتَسْ َع َّ ِ َ ال ِينَ ُو ُوا‬
     ‫بر و َتق ِن ك م َ ْم ألم ر‬                             ‫ر وإ‬         ‫ْرك َذ‬           ‫م ْ لك وم َّذ‬                ‫ك‬
    ‫الْ ِتَابَ ِن قَبِْ ُمْ َ ِنَ ال ِينَ أَش َ ُوا أ ًى كَثِي ًا َِنْ تَصْ ِ ُوا َت َّ ُوا فَإ َّ ذَلِ َ ِنْ عز ِ ا ُ ُو ِ.‬
 ‫د‬      ‫ي‬       ‫ي‬                       ‫ُغي‬
 ‫وإن تلك الحمالت الشعواء على اإلسالم وأهله لم ت ِّر قناعات الشعوب. إن ما ُقال أو ُثار ض ّ‬
            ‫ر‬         ‫ه ي‬             ‫ر ي‬            ‫ن‬                      ‫د نبي‬
    ‫اإلسالم أو ض ّ ِّه يسوء كل مسلم، إال أ ّ هذا الش ّ ال َخلو من خير، ُم ُريدون أم ًا، واهلل‬
                ‫ل‬             ‫ي م ن ب‬               ‫الن‬         ‫ْ ه و ِن‬           ‫ر َالله لب ع‬              ‫ي‬
     ‫ُريد أم ًا، و َّ ُ غَاِ ٌ َلَى أَمرِ ِ َلَك َّ أَكْثَرَ َّاسِ ال َعْلَ ُو َ. د ّروا ومكروا وقّبوا األمور،‬
                        ‫ُن‬                                         ‫د‬
   ‫فأبْطَل اهلل سعيهم، وور ّ كيدهم في نحورهم، وحاق بهم مكرهم. وهذه س َّة اهلل في نصر أوليائه‬
                                                                                                              ‫خ‬
                                                                                                  ‫و ُذالن أعدائه.‬
                   ‫ل‬                                        ‫َر‬                          ‫س‬
  ‫لقد َعى المنافقون بكل حيلة، فَص ّفوا األمور، وأرادوها ظهرا لبطن وبَطْنًا ِظَهْر، وطلبوا بكل‬
     ‫حيلة إفساد أمر رسول اهلل ، فَنَ َرَ اهلل نب ّه، وأظْ َر دينه، قال تعالى: لَقدِ ابْتَغَ ُا الْ ِتْنَةَ ِن َبْ ُ‬
     ‫و ف م ْ قل‬                        ‫َ‬                     ‫ه‬        ‫ي‬           ‫ص‬
      ‫د َّر‬       ‫ألم‬          ‫ه ن َ َلب‬            ‫َق و َ ر الله ُ‬                       ‫ألم ر َت‬             ‫َ َلب‬
   ‫وقَّ ُوا لَكَ ا ُ ُو َ ح َّى جَاءَ الْح ُّ َظَهرَ أَمْ ُ َّ ِ وَهمْ كَارِ ُو َ، وقَّ ُوا لَكَ ا ُ ُورَ أي: َب ُوها‬
                      ‫م َر ل‬
  ‫من كل وجه، فأبْطَل اهلل سعيهم، كما قال ابن كثير: "يقول تعالى ُح ِّضًا ِنبيه عليه السالم على‬
                             ‫مل‬                 ‫ألم‬          ‫و ف م ْ ْل َ َلب‬                         ‫َ‬
   ‫المنافقين: لَقدِ ابْتَغَ ُا الْ ِتْنَةَ ِن قَب ُ وقَّ ُوا لَكَ ا ُ ُورَ، أي: لقد أعْ َُوا فكرهم وأجالوا آراءهم في‬
         ‫رم‬                 ‫ْد‬                                   ‫د‬     ‫خ‬
‫كيدك وكيد أصحابك و ُذالن ِينك وإخماده مدة طويلة؛ وذلك أول مَق َم النبي المدينة َ َتْه العرب‬
 ‫عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره اهلل يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد‬
                   ‫ل َز‬                             ‫َج َ ل‬             ‫ْر‬                ‫ي‬
      ‫اهلل بن أب ّ وأصحابه: هذا أم ٌ قد تَو َّه، فدَخَُوا في اإلسالم ظاهرا، ثم كّما أع ّ اهلل اإلسالم‬
      ‫ه ن‬          ‫َق و َ ر الله ُ‬                   ‫َت ج‬
‫وأهله غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: ح َّى َاءَ الْح ُّ َظَهرَ أَمْ ُ َّ ِ وَهمْ كَارِ ُو َ" اهـ.‬
                                                              ‫الد‬         ‫ن‬
 ‫وقد أقسم النبي على ُصْرَة هذا ِّين، فقال عليه الصالة والسالم: ((ليبلغن هذا األمر ما بلغ الليل‬
   ‫ِز‬         ‫ِ ُل‬          ‫ب ِز‬                            ‫وب‬        ‫ََ‬
  ‫والنهار، وال يترك اهلل بيت مدرٍ وال َ َر إال أدخله اهلل هذا الدين، ِع ّ عزيز، أو بذ ّ ذليل، ع ًّا‬
        ‫يعز اهلل به اإلسالم، وذال يذل اهلل به الكفر)) رواه أحمد وهو صحيح. واهلل ليكونن هذا وإن‬
                                                              ‫َر‬                ‫ُتمن‬                  ‫رغم‬
                                                   ‫َ ِ َتْ أنوف، واهلل لي َّ ّ اهلل نوره ولو ك ِه الكافرون.‬
                                ‫ي َت‬
      ‫وفي األخير نقول: يا حكامَ المسلمين، إن الواجب الشرعي ُح ِّم عليكم الغضبَ لرسولكم وأن‬
                         ‫ك‬
    ‫تجتمعوا وتتخذوا القرار المناسب تجاه هذه الممارسات الظالمة، وليتذ ّر كل واحد منكم أن هذا‬
  ‫م‬                 ‫يع‬
‫العدوان اآلثم على رسولنا الكريم لو كان موجهًا لواحد منكم ألقام الدنيا ولم ُق ِدها غضبًا وانتقا ًا،‬
                                                                   ‫َمي‬
   ‫فليكن غضبكم وح َّتكم لرسولكم أكبر من غضبكم ألنفسكم ودنياكم، وتذكروا قول المصطفى :‬
                                                           ‫((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب‬
 ‫َّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))، وفي رواية: ((من أهله‬
                            ‫وماله والناس أجمعين)) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس رضي اهلل عنه.‬
                 ‫ظ‬
      ‫ويا علماءَ اإلسالم ودعاةَ الملة، إن الواجب الشرعي يحتم علينا جميعًا أن نو ّف هذا الحدث‬
     ‫ك‬
‫توظيفًا إيجابيًا بتكثيف الجهود في دعوة الناس لدين اإلسالم والتركيز على ثوابت الدين ومح َماته،‬
  ‫وفي مقدمة ذلك بيان عقيدة الوالء للمؤمنين والعداء للكافرين، وتجلية سيرة سيد الخلق إذ إن هذا‬
                                                                     ‫هو الرد الناجع والمؤلم ألعداء اإلسالم.‬
             ‫ي‬
   ‫ونختم بدعاء عمر رضي اهلل عنه في القنوت: اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين ُكذبون رسلك‬
        ‫د‬
    ‫ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي ال تر ّه عن‬
‫القوم المجرمين. وحسبنا اهلل ونعم الوكيل، وال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم. وسبحانك اللهم‬
                                                 ‫وبحمدك أشهد أن ال إله إال أنت، أستغفرك وأتوب إليك.‬
‫(5/9364)‬




                                                                                                              ‫محبة النبي‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                                   ‫اإليمان‬
                                                                                                        ‫اإليمان بالرسل‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫ناصر بن محمد الجعشاني‬
                                                                                                              ‫غير محدد‬
                                                                                                             ‫4/5/2745‬
                                                                                                              ‫غير محدد‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- لزوم محبة النبي . 7- دعوة القرآن إلى محبة النبي . 3- محبة النبي في السنة المطهرة.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: فإن محبة النبي من محبة اهلل تعالى، وهي الزم من لوازمها، كما أنها الزم من لوازم‬
    ‫اإليمان، وشرط من شروط صحته، ولقد عرف أصحاب محمد حق محمد فأحبوه كما يستحق.‬
‫أيها المسلمون، إن من يقرأ القرآن الكريم ويطالع السنة المطهرة ليقف على األمور التي تدعو إلى‬
   ‫محبة النبي وتجبر من عرف رسوله بها على محبته وتوقيره وتعظيمه وإجالله، فلنقف في هذه‬
                                                                                        ‫العجالة على شيء من ذلك.‬
      ‫أيها المؤمنون، لقد دعا القرآن الكريم إلى محبة النبي بأنواع الدعوات، فنبه إلى قدره، ولفت‬
    ‫األنظار إلى مكانته بين األنبياء والمرسلين، وغير ذلك مما يجعل قارئ القرآن مجبرا محموال‬
                    ‫على محبة النبي . والداعي إلى محبته كثير ووفير وال بأس أن ننبه إلى بعضها.‬
                                                              ‫أوال: اقتران لزوم محبته بلزوم محبة اهلل تعالى:‬
  ‫فالقرآن الكريم أوجب محبته كما أوجب محبة اهلل تعالى، فقرن لزوم محبة نبيه بمحبته عز وجل‬
      ‫ؤ ُ و ؤ ُ و و ن ُ وَ و ج ُ وع رت ُ و و ل َ َ تم وت َ رة‬                                                    ‫ُ إ‬
      ‫فقال: قلْ ِنْ كَانَ آبَا ُكمْ َأَبْنَا ُكمْ َإِخْ َاُكمْ َأزْ َا ُكمْ َ َشِي َُكمْ َأَمْ َا ٌ اقْترفُْ ُوهَا َ ِجا َ ٌ‬
    ‫َب إ ُ م الله َرس له وجه ٍ ف سب ل ِ َبص َت‬                                   ‫س ه ومس كن ض‬
   ‫تَخْشَوْنَ كَ َادَ َا َ َ َا ِ ُ تَرْ َوْنَهَا أَح َّ ِلَيْكمْ ِنْ َّ ِ و َ ُوِ ِ َ ِ َاد ِي َ ِيِه فَتَرَّ ُوا ح َّى‬
                                                                 ‫ق‬            ‫ْ‬           ‫ت الله ب ْ ه َالل ُ ي‬
                                                 ‫يَأْ ِيَ َّ ُ ِأَمرِ ِ و َّه ال َهْدِي الْقَومَ الْفَاسِ ِينَ [التوبة:47].‬
      ‫ض‬
     ‫يقول القاضي عياض رحمه اهلل في كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: "فكفى بهذا ح ّا‬
  ‫وتنبيها وداللة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ؛ إذ قرع‬
  ‫َ َبص َت‬
 ‫تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من اهلل ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: فَتر َّ ُوا ح َّى‬
                                                                                         ‫ت الله ب ْره‬
                                                    ‫يَأْ ِيَ َّ ُ ِأَم ِ ِ، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده اهلل".‬
                                                                      ‫ثانيا: اقتران اسمه مع اسم اهلل عز وجل:‬
     ‫لقد نبه القرآن الكريم إلى مدى قربه من ربه تعالى، فهو عبده ورسوله، وهو خيرته في خلقه‬
‫وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، أعظم الخلق عنده جاها، وأسمعهم لديه شفاعة، وأحبهم‬
  ‫إليه، وأكرمهم عليه.فقد قرن اسمه مع اسمه تعالى في فوز الطاعة فقال: َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َ ُوَ ُ‬
  ‫وم ي الله َرس له‬
 ‫وم ي ْص‬                                                              ‫َ ْ ف َ ْز ظ‬
 ‫فَقد َاز فَو ًا عَ ِيمًا [األحزاب:52]، وقرن اسمه مع اسمه في ضالل العصيان فقال: َ َنْ َع ِ‬
                                                            ‫مب‬          ‫الله َرس ُ َ َل‬
     ‫َّ َ و َ ُولَه فَقدْ ض َّ ضَالالً ُ ِينًا [األحزاب:63]، وقرن اسمه مع اسمه في منع الموادة لمن‬
        ‫ِ ي َاد ن م َاد الله َرس ه‬                        ‫ج ُ م ي من ن ِالله و‬                               ‫د‬
        ‫يحا ّه عز وجل فقال: ال تَ ِد قَوْ ًا ُؤْ ِ ُو َ ب َّ ِ َالْيَوْمِ اآلخرِ ُو ُّو َ َنْ ح َّ َّ َ و َ ُولَ ُ‬
                                                                                                       ‫[المجادلة:77].‬
                                                                      ‫ت‬
                              ‫ثالثا: أن اهلل تعالى جعل ا ّباعه وطاعته من لوازم طاعته ومحبته تعالى:‬
                ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُ الله‬
 ‫فقد وضع طاعته في طاعته فقال: قلْ ِنْ ُنْتمْ ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْكمْ َّ ُ [آل عمران:53]،‬
 ‫ونفى اإليمان عمن تش ّك في حكمه وتحرج فقال: فَال َر ِّكَ ال ُؤْ ِ ُونَ ح َّى ُح ِّ ُوك ِيمَا شَج َ‬
 ‫َر‬        ‫َت ي َكم َ ف‬         ‫ي من‬         ‫و َب‬                            ‫ك‬
                                       ‫لم‬         ‫ِم ض وي َلم‬                  ‫ب ه ُم جد ف فسه َ‬
                         ‫َيْنَ ُمْ ث َّ ال يَ ِ ُوا ِي أَن ُ ِ ِمْ حرَجًا م َّا قَ َيْتَ َ ُسِّ ُوا تَسِْي ًا [النساء:16].‬
                                                                                   ‫ر‬
                              ‫رابعا: أنه تف ّد في تزكية اهلل له من بين سائر من زكاهم اهلل جل وعال:‬
                           ‫إ ه ِال ي ي ح‬                       ‫وم ي ق ع‬
  ‫فزكى اهلل لسانه فقال: َ َا َنْطِ ُ َنْ الْهَوَى ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:3، 4]، وزكى صدره‬
                    ‫م َل حبك و‬                                           ‫َ ر ك َْ‬
‫فقال: أَلمْ نَشْ َحْ لَ َ صدرَكَ [الشرح:5]، وزكى عقله فقال: َا ض َّ صَا ِ ُ ُمْ َمَا غَوَى [النجم:7]،‬
     ‫ع ْر ِن ُ ف‬                                         ‫غ‬       ‫م ز ب َر و‬
    ‫وزكى بصره فقال: َا َاغَ الْ َص ُ َمَا طَ َى [النجم:25]، وزكى عمره فقال: لَ َم ُكَ إ َّهمْ لَ ِي‬
                    ‫ء ٌر م‬           ‫م من‬                                         ‫س ْرت ِ ي مه‬
 ‫َك َ ِهمْ َعْ َ ُونَ [الحجر:72]، وزكى صفته فقال: بِالْ ُؤْ ِ ِينَ رَ ُوف َحِي ٌ [التوبة:875]، وزكى‬
                                   ‫ك‬          ‫َض م‬                      ‫و ك َظ ل‬
   ‫قلبه فقال: َلَوْ ُنْتَ ف ًّا غَِيظَ الْقَلْبِ النْف ُّوا ِنْ حَوْلِ َ [آل عمران:915]، وزكى ذكره فقال:‬
                             ‫َلمه َد د ق‬                                        ‫ذ ْر‬             ‫ََ‬
    ‫ورفَعْنَا لَكَ ِك َكَ [الشرح:4]، وزكى جليسه فقال: عَّ َ ُ ش ِي ُ الْ ُوَى [النجم:1]، وزكى صالته‬
      ‫ِر ط م ق م‬         ‫ْ إل‬          ‫وِن‬                                    ‫ِن ص ك س ن ُ‬
      ‫فقال: إ َّ َالتَ َ َكَ ٌ لَهمْ [التوبة:305]، وزكى فعاله فقال: َإ َّكَ لَتَهدِي َِى ص َا ٍ ُسْتَ ِي ٍ‬
                                                ‫وِن ع خل ظ م‬
                                     ‫[الشورى:71]، وزكى خلقه فقال: َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ عَ ِي ٍ [القلم:4].‬
                                                        ‫خامسا: بشارة األنبياء بمبعثه عليه الصالة والسالم:‬
                ‫و ع ْ ف ِ رس م ُ ي ل ع ِ ي تك وي َلم ُ ك ب و ح م‬
‫فها هم يقولون: َابْ َث ِيهمْ َ ُوالً ِنْهمْ َتُْو َلَيْهمْ آ َا ِ َ َ ُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ [البقرة:975]،‬
    ‫ِن‬         ‫ع س ن م َ بن إ ر‬                          ‫وِ‬
   ‫بل بشرت األنبياء بمقدمه ومجيئه كما قال تعالى: َإذْ قَالَ ِي َى ابْ ُ َرْيمَ يَا َ ِي ِسْ َائِيلَ إ ِّي‬
       ‫مه َد‬              ‫رس ل الل إ ُ مص ِّ ل ب َ َي م الت ْر ومب ِّر ِرس ي ت م ب ْ‬
       ‫َ ُو ُ َّهِ ِلَيْكمْ ُ َدقًا ِمَا َيْنَ يد َّ ِنَ َّو َاةِ َ ُ َش ًا ب َ ُولٍ َأْ ِي ِنْ َعدِي اسْ ُ ُ أَحْم ُ‬
                                                                                                           ‫[الصف:6].‬
‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه، ورزقني وإياكم محبته ومحبة نبيه عليه الصالة والسالم. أقول قولي‬
                                              ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، فلئن كانت هذه هي دعوة القرآن إلى محبته عليه السالم فلقد دعت السنة‬
  ‫إلى محبته كذلك، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن النبي قال: ((فو الذي نفسي بيده،‬
                        ‫ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).‬
‫قال القاضي عياض كما في شرح مسلم للنووي: "المحبة ثالثة أقسام: محبة إجالل وإعظام كمحبة‬
   ‫الوالد، ومحبة رحمة وشفقة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع‬
    ‫ق‬
    ‫النبي أصناف المحبة في محبته"، وقال ابن بطال رحمه اهلل: "من استكمل اإليمان علم أن ح ّ‬
      ‫النبي آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ ألنه به استنقذنا اهلل من النار وهدانا من‬
                                                                                      ‫ضالل".‬
‫وفي صحيح البخاري عن عبد اهلل بن هشام قال: كنا مع رسول اهلل وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب‬
                                              ‫ي‬
     ‫فقال عمر: ألنت ـ يا رسول اهلل ـ أحب إل ّ من كل شيء إال من نفسي، فقال النبي : ((ال‬
   ‫والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه اآلن واهلل، ألنت أحب‬
                                                 ‫إلي من نفسي، فقال النبي : ((اآلن يا عمر)).‬
    ‫قال سهل بن عبد اهلل التستري: "من لم ير والية رسول اهلل في جميع األحوال ويرى نفسه في‬
   ‫ملكه ال يذوق حالوة سنته؛ ألن النبي قال: ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه))".‬
 ‫وفي الصحيحين عن أنس رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((ثالث من كن فيه وجد حالوة اإليمان:‬
 ‫أن يكون اهلل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء ال يحبه إال هلل، وأن يكره أن يعود‬
                                          ‫في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)). قال أحدهم:‬
                        ‫يا رب إن ذنوبي في الورى كثرت…وليس لي عمل في الحشر ينجيني‬
                                                             ‫ب‬
                                     ‫وقد أتيتك بالتوحيد يصحبه…ح ّ النبي وهذا القدر يكفيني‬
                               ‫ب‬                                ‫ل‬
  ‫أيها المسلمون، وفوق هذا كّه فقد ثبت أن له أعلى مراتب المح ّة من اهلل تعالى وهي الخلة كما‬
 ‫ل لم‬
‫صح عنه أنه قال: ((قد اتخذ اهلل عز وجل صاحبكم خليال))، وقال: ((أال إني أبرأ إلى ك ّ خ ّ ِن‬
                                                                                       ‫ل‬
                  ‫خّه، ولو كنت متخذا خليال التخذت أبا بكر خليال، ولكن صاحبكم خليل اهلل)).‬
                                           ‫وللكالم بقية نكمله في الخطبة القادمة إن شاء اهلل...‬

‫(5/0464)‬
                                                                                             ‫نصرة الحبيب‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫اإليمان, سيرة وتاريخ‬
                                                                                 ‫اإليمان بالرسل, الشمائل‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سعود بن سعد الهاجري‬
                                                                                                      ‫الدوحة‬
                                                                                            ‫27/75/6745‬
                                                                                                 ‫غير محدد‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وقفات مع نهاية العام المنصرم. 7- عظمة اإلسالم. 3- فضل النبي . 4- حب السلف للنبي‬
                                                                        ‫ّ‬
      ‫. 1- تعرض النبي لعأذية. 6- الحمالت الدانماركية اإلجرامية. 2- موقف المسلم تجاه هذه‬
                                                                                                  ‫الحمالت.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫م‬                                            ‫ل‬         ‫ي‬
‫أما بعد: إخوة اإلسالم، ها هو عام هجر ّ جديد يط ّ علينا في هذا األيام، أسأل اهلل أن يجعله عا ًا‬
                                                                                    ‫ك‬
    ‫مبار ًا ألمة اإلسالم والمسلمين. ومع قدوم هذه السنة الجديدة وانقضاء العام الماضي يجب أن‬
                                                                                 ‫ن‬
 ‫يكون لكل م ّا وقفات مع نهاية العام المنصرم؛ لعل اهلل أن يحيي بها القلوب وأن ينير بها العقول.‬
                     ‫د‬
    ‫أولها: وقفة محاسبة للنفس، يعرف الواحد منا ماذا قدم وماذا أخر، هل أع ّ ليوم الرحيل؟ وهل‬
                                                                                          ‫ر‬        ‫د‬
                                                                                   ‫استع ّ ليوم ح ّه شديد؟‬
  ‫أما الوقفة الثانية والتي ال تقل أهمية عن الوقفة السابقة فهي وقفة مع هجرة المصطفى الحبيب ،‬
                               ‫ل‬                                                ‫ك‬
‫فنتذ ّر أن الرسول هاجر من مكة المكرمة إلى طيبة الطيبة ِما القى من عداوة وبغضاء من كفار‬
      ‫يقيني‬                                            ‫ل‬
  ‫قريش وغيرهم من أعداء هذه المّة السمحة، ومن هذا نعلم ـ إخوتي األفاضل ـ علمًا ًّا أن‬
  ‫الهجمة على اإلسالم لم تبدأ من زماننا الحاضر، وال منذ سنة أو سنتين، وال من قرن أو قرنين،‬
  ‫ة‬
  ‫بل كانت هذه الهجمة الشرسة الحقيرة منذ زمن رسولنا الكريم ، ولم تتوقف هذه الهجمات ساع ً‬
 ‫واحدة، بل وال يزال أبناء القردة والخنازير يخططون ويكيدون لهذا الدين بشتى الطرق والوسائل‬
        ‫و‬
      ‫حتى يتحقق لهم ما يتمنون، وقد بين اهلل تعالى هذه الحقيقة في كتابه العزيز فقال تعالى: َال‬
                                            ‫ع‬            ‫َز ل ي تل ك َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
                            ‫ي َاُونَ ُقَا ُِونَ ُمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا [البقرة:257].‬
  ‫ونحن المسلمون من مبادئنا األصيلة ومن تعاليمنا الجليلة أن نفتخر بهذا الدين، وأن نتشرف بأن‬
    ‫جعلنا اهلل مسلمين ولو حصل ما حصل من أعداء الدين نحو هذا الدين العظيم، فمن لم يتشرف‬
                                      ‫ك‬
   ‫بهذا الدين ومن لم يفتخر بكونه من المسلمين ففي قلبه ش ّ وقلة يقين، يقول اهلل تعالى في محكم‬
                                           ‫وِنه ذ ْر ك و ك و ْ ت ل‬
    ‫التنزيل: َإ َّ ُ لَ ِك ٌ لَ َ َلِقَوْمِ َ َسَوفَ ُسْأَُونَ [الزخرف:44] أي: شرف لك، وشرف لقومك،‬
                                                                             ‫وشرف ألتباعك إلى يوم القيامة.‬
                                            ‫بشرى لنا معشر اإلسالم أن لنا…من العناية ركنًا غير منهدم‬
                                                 ‫لَما دعا اهلل داعينا لطاعته…بأكرم الرسل كنا أكرم األمم‬
        ‫ولذلك كان لزامًا علينا أن نفخر، وأن نشعر بالشرف والجاللة، يوم أن جعلنا اهلل مسلمين ال‬
                                                                                            ‫ضالين وال مضلين.‬
       ‫ك‬
   ‫عباد اهلل، واهلل إن ديننا عظيم وجليل، وال يعرف قدر هذا الدين حق قدره إال من كان مشر ًا ثم‬
  ‫دخل تحت راية "ال إله إال اهلل محمد رسول اهلل". وإن من أهم مميزات هذا الدين وخصائصه أن‬
‫رسوله ومبلغه هو المصطفى المختار محمد بن عبد اهلل بن عبد المطلب القرشي الهاشمي بأبي هو‬
                                             ‫وأمي ، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين.‬
                                                             ‫د‬
                                                     ‫إن البرية يوم مبعث أحمد…نظر اإلله لَها فب ّل حالَها‬
                                                                                     ‫ن‬         ‫ر‬
                                             ‫بل ك ّم اإلنسا َ حين اختار من…خيْر البرية نجمها وهاللَها‬
                                                          ‫س‬
                                                ‫لبس المرقع وهو قائد أمة…جبت الكنوز فك ّرت أغاللها‬
                                                    ‫لَما رآها اهلل تَمشي نحوه…ال تبتغي إال سواه سعى لَها‬
                                                                  ‫ف‬
     ‫هذا النبي العظيم كان عطو ًا بأصحابه، حليمًا بأعدائه، كان أجمل الخالئق وأصفى البشائر، ال‬
      ‫م‬       ‫ع‬      ‫د‬      ‫ع‬
    ‫تحصى فضائله، وال تعد مزاياه، فهو خير خلق اهلل إنسانا، كان متواض ًا زاه ًا شجا ًا مقدا ًا،‬
   ‫تجمعت فيه جميع األخالق والصفات الحميدة والنبيلة، بل وأقسم اهلل تعالى بالنجم إذا هوى على‬
  ‫تزكية المصطفى ، فزكى عقله: مَا ض َّ َا ِ ُكمْ َ َا غَوَى [النجم:7]، وزكى لسانه: َ َا َنْطِ ُ‬
  ‫وم ي ق‬                                     ‫َل ص حب ُ وم‬
‫َلمه شد د‬         ‫معل‬                 ‫إ ه ِال ي ي ح‬                                             ‫ع‬
‫َنْ الْهَوَى [النجم:3]، وزكى شرعه: ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:4]، وزكى ِّمه: عَّ َ ُ َ ِي ُ‬
                          ‫ف دم ر‬                                                         ‫قو ذ ِر ٍ‬
      ‫الْ ُ َى ُو م َّة فَاسْتَوَى [النجم:1، 6]، وزكى قلبه: مَا كَذَبَ الْ ُؤَا ُ َا َأَى [النجم:55]، وزكى‬
                        ‫وِن ع خل ع‬                                    ‫م ز ب َر وم غ‬
   ‫بصره: َا َاغَ الْ َص ُ َ َا طَ َى [النجم:25]، وزكاه كله: َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ َظِيمٍ [القلم:4]. نعته‬
                              ‫َي الن ِي‬                                        ‫مح َّ ٌ رس ل الل‬
         ‫بالرسالة: ُ َمد َ ُو ُ َّهِ [الفتح:97]، وناداه بالنبوة: يَا أ ُّهَا َّب ُّ [الممتحنة:75]، وشرفه‬
‫بالعبودية: ُبْحَانَ الذِي أَسْرَى ِ َبْدِهِ [اإلسراء:5]، وشهد له بالقيام بها: َأ َّ ُ ل َّا قَا َ َب ُ َّهِ يدْ ُو ُ‬
‫وَنه َم م ع ْد الل َ ع ه‬                                                       ‫بع‬             ‫َّ‬        ‫س‬
                                                                                                     ‫[الجن:95] .‬
 ‫به قامت دعوة اإلسالم، وعلى يديه قامت راية اإليمان، وبفضله بعد فضل اهلل وصلت دعوته إلى‬
‫جميع أقطار العالم من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، ولو جلسنا ـ يا إخواني الكرام‬
       ‫ر‬                            ‫ق‬      ‫ف‬                                       ‫د‬
   ‫ـ نحكي ونتح ّث عن رسولنا الكريم أيامًا وأياما لما و ّينا ح ّه، ولما ذكرنا شيئًا ولو يسي ًا في‬
                                                                                  ‫سيرته وفضله وعظيم قدره.‬
                                                 ‫ذكريات مع الرسول وشوق…ستثير الشجون منه األجال‬
                                             ‫ال‬    ‫ال‬                         ‫ف‬
                                             ‫كلما مر ذكره ِي فؤادي…قال قلب المحب: أه ً وسه ً‬
          ‫حبه عبادة، حبه طاعة مفروضة، حبه إيمان وتصديق يتقرب العبد به إلى الواحد األحد.‬
       ‫فالصحابة رضوان اهلل عليهم والسلف الصالح أحبوه عليه الصالة والسالم، وقالوا: عبد اهلل‬
                   ‫ل‬        ‫ن‬
     ‫ورسوله، يبلغ عن اهلل، وهو أفضل الخلق وأصفى البشر، أحبوه أل ّ حبه كح ٌ للعينين وبلسم‬
 ‫لعأرواح وتشنيف لآلذان وتضويع للمجالس وطيب لعأنوف، يقول : ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون‬
                                  ‫أحبه إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) رواه البخاري ومسلم.‬
  ‫والقصص الدالة على محبة الصحابة والسلف رضوان اهلل عليهم كثيرة وعجيبة، وال نستطيع أن‬
   ‫نذكر منها إال الشيء اليسير؛ ألن المقام ال يسمح، ولو سمح المقام لذكرها لجلسنا أيامًا وأسابيع‬
                                                                            ‫ر‬      ‫ء‬
                                                     ‫حتى نذكر جز ًا يسي ًا من هذه القصص الرائعة.‬
  ‫يقرأ اإلمام مالك كتابه الموطأ في أحاديث الرسول ، فتلدغه العقرب ثالث عشرة مرة، فال يقطع‬
                                         ‫ي‬
‫الحديث، فيقول له الناس: يا إمام، رأينا وجهك تغ ّر مرات كثيرة وأنت في المجلس! فقال: لدغتني‬
  ‫عقرب وأنا أقرأ الحديث، قالوا: فلم لم تقطع الحديث؟! قال: استحييت أن أقطع حديث رسول اهلل‬
                                                                                           ‫من أجل نفسي.‬
   ‫وهذا سعيد بن المسيب رحمه اهلل يسأل عن حديث وهو في سكرات الموت، فيقول: أجلسوني،‬
                  ‫قالوا: أنت مريض، قال: أجلسوني، كيف أسأل عن كالم الحبيب وأنا مضطجع؟!‬
                                                                             ‫ب‬
 ‫هذا هو ح ّ الرسول ، حبه عليه الصالة والسالم طاعته، حبه عليه الصالة والسالم اتباعه، حبه‬
                                                    ‫عليه الصالة والسالم تعظيم سنته وتحكيم شريعته.‬
    ‫وبعد هذه القصص القصيرة الرائعة ال نعتقد أن الرسول كانت حياته مليئة بالورود، بل كانت‬
                   ‫ر د‬
‫حياته ـ بأبي هو وأمي ـ مليئة بالمخاطر والصعاب، ولكنه كان صاب ًا جل ًا، ال توقفه الصعاب،‬
   ‫وال تمنعه المواقف العظام؛ ألن في زمنه كان هناك صنف من الناس جفوا عن الرسول وآذوه‬
                                            ‫ً‬
 ‫وشتموه وسبوه بأقبح األسماء والصفات، فتارة يقولون: إنه ساحر، ومرة شاعر، ثم مرة مجنون،‬
                                                                   ‫ر‬
      ‫وعلى هذه الطريقة يستم ّون، ولكن اهلل تبارك وتعالى انتقم لنبيه ، فأطفأ أبصارهم، وأعمي‬
 ‫و‬
‫أفئدتهم؛ ألن هؤالء القوم جعلوا رسول البرية وإمام البشرية لواءَ الشر في العالم والمسؤول األ ّل‬
                        ‫بر لمة رج م َ و ه ِ إ ق ل ِال َذب‬                                             ‫ل‬
 ‫عن تخّف المسلمين، كَ ُ َتْ كَِ َ ً تَخْ ُ ُ ِنْ أفْ َا ِهمْ ِنْ يَ ُوُونَ إ َّ ك ِ ًا [الكهف:1]. يأتي أحدهم‬
                                  ‫ي‬
    ‫وهو رجل معتوه، فيصف الرسول بأنه رجعي، وأنه بدو ّ متخلف، أساء إلى العرب، فهو ال‬
     ‫ن‬
     ‫يعرف علم االجتماع، وال علم النفس، وال علم التربية، ولكن هذا المعتوه األحمق لم يعلم بأ ّ‬
     ‫رسولنا الكريم هو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الحجر والشجر إلى‬
                                       ‫عبادة الواحد األحد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا واآلخرة.‬
                                        ‫أتطلبون من المختار معجزة…يكفيه شعب من األموات أحياء‬
                                                      ‫د‬
   ‫وهذا شاعر الجنس والغرام والضياع عاب ُ المرأة والكأس واألغنية، ال رفع اهلل شامته، وال قبل‬
                                                  ‫خ‬                               ‫ك‬
‫حجته، ته ّم بالشريعة، واستهزأ بالدين، وس ِر من الرسالة الخالدة، بينما أتى هذا المجرم إلى أحد‬
                                                                             ‫األصنام والطواغيت فقال له:‬
                                                   ‫ي‬
                                        ‫معأنا لك األقداح يا من بحبه…سكرنا كما الصوف ّ باهلل يسكر‬
                                          ‫م‬
                                       ‫فأنت أبو الثورات أنت وقودها…وأنت لنا المهدي أنت ال ُحرر‬
                            ‫م‬
 ‫وبعد كل هذا نعلم أن هذه الهجمات الشرسة والحقيرة ـ أو ما يس ّى بنهيق الحمار ـ لم تبدأ في‬
      ‫وقتنا الراهن، بل كانت منذ بداية الرسالة السماوية، ولكن لعأسف يأتي أيضًا في هذا الزمان‬
       ‫الحاضر أقوام ما عرفوا اهلل طرف ساعة، وما أعدوا لقيام الساعة، يعيدون التاريخ بصورة‬
                                                           ‫و‬               ‫ت‬
   ‫أخرى، في ّهمون النبي ويص ّرونه على أنه إرهابي ومعه قنابل وأسلحة في كركتير في صحيفة‬
                                                                         ‫ل‬
 ‫دنماركية أجّكم اهلل. فمعذرة يا رسول اهلل، ما عرفوك حق معرفتك، وما قدروك حق قدرك، وما‬
   ‫عرفوا منزلتك ومكانتك. لقد كان الرحيم الشفيق في كل معركة ينهى عن قتل النساء واألطفال،‬
          ‫وعن تخريب البيوت وقلع األشجار، وحتى الطيور في أعشاشها ينهى النبي عن تخويفها‬
                                                                  ‫م‬
‫وتفزيعها، فلم ينتقم الرسول يو ًا لنفسه وال لذاته وإنما هلل وهلل فقط، فما أعظمك يا رسول اهلل! أبعد‬
          ‫هذا يتجرأ حقير من الحقراء وأحمق من الحمقى ونكرة من النكرات أن يتهم نبي اإلسالم‬
                                                          ‫ة الل عل الظ لم‬            ‫أ‬
                                             ‫باإلرهاب وغيره؟! َال لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:85].‬
   ‫ولم تصدر الهجمات الجديدة من اليهود والنصارى المجرمين إال من بعد ما رأى أعداء اإلسالم‬
 ‫م‬
‫ضعفَ األمة اإلسالمية وضعف عقيدتها وضعف اقتدائها برسولها وقائد رايتها، وهم ينفذون تما ًا‬
    ‫ع‬            ‫و َز ل ن ي تل ك َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
  ‫ما ذكره اهلل تعالى في محكم التنزيل: َال ي َاُو َ ُقَا ُِونَ ُمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا‬
                                                                                              ‫[البقرة:257].‬
   ‫أسأل اهلل العلي القدير أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول ما سمعتم، وأستغفر‬
    ‫اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه فيا فوز المستغفرين، ويا‬
                                                                                               ‫نجاة التائبين.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                              ‫الحمد هلل رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وال عدوان إال على الظالمين.‬
‫إخوة اإلسالم، إخواني الكرام، وبعد ما سمعناه من هجمات شرسة وصيحات حقيرة في هذا الزمن‬
                        ‫د‬
     ‫الحاضر تجاه صاحب الرسالة السماوية ينبغي لنا كمسلمين أن نتخذ عد ًا من المواقف المهمة‬
 ‫والخطوات الفعالة نحو نصرة صاحب الرسالة، ال أن نقف مكتوفي األيدي نشاهد ما يحدث حولنا‬
                                                                        ‫وال نهمس وال نتحدث ببنت شفة.‬
   ‫ة‬                                                               ‫ً‬
   ‫فمن أراد أن يكون فعاال في هذه القضية المهمة يجب عليه أوالً أن يقرأ سيرة المصطفى قراء ً‬
                                                                         ‫ي‬                ‫د‬
  ‫ج ّية لتطبيقها عمل ًا في الحياة اليومية، ال أن يقرأ أحد من المسلمين أو يطلع على سيرة الحبيب‬
                                                            ‫ي‬
    ‫مجرد اطالع فارغ دون أ ّ هدف واضح. ومن الكتب التي تعين المسلم في هذا المجال كتاب‬
                ‫"البداية والنهاية" البن كثير وكتاب "الرحيق المختوم" لصفي الرحمن المباركفوري.‬
                                   ‫ء‬
‫ثم يجب على المسلم أن يلتزم بالسنة الظاهرة والباطنة ابتدا ً بإعفاء اللحية وتقصير الثوب والتزام‬
  ‫السنن الرواتب وصيام األيام الفضيلة حتى نكون متبعين لرسولنا حق االتباع. باإلضافة إلى أنه‬
                       ‫م‬                                          ‫ل‬
    ‫يجب على كل مسلم أن يعّم أبناءه ما استفاده من سيرة الحبيب حتى يت ّ توعية جيل المستقبل‬
                        ‫وتوسيع آفاقه إلدراك الخطر الذي يحيق باألمة اإلسالمية من كل جانب.‬
                                                                       ‫ر‬          ‫ر‬
     ‫وأخي ًا وليس آخ ًا ينبغي لكل مسلم في هذا الوقت الراهن أن يقاطع كل من أظهروا العداوة‬
                            ‫ص‬
   ‫لرسولنا الكريم وقائدنا العظيم مقاطعة تامة وبصورة شاملة، وأخ ّ منهم المنتجات الدنماركية‬
  ‫والنرويجية؛ حتى يفيق الغافلون على إدراك أهمية الرسول في قلوبنا وفي أرواحنا، ناهيك على‬
     ‫أنه يمكن لكل مسلم أن يساهم في نشر وتوزيع وطباعة الكتب التي تبين فضل الرسول وأثر‬
                        ‫ل‬
‫دعوته على البشرية بأسرها، وال أظن أن هذه الخطوة صعبة في ظ ّ وجود العديد من المؤسسات‬
                                                       ‫الخيرية والدعوية في هذا البلد المبارك.‬
                    ‫إخوة اإلسالم، هذا وأكثروا من الصالة والسالم على نبي الهدى والرحمة...‬

‫(5/5464)‬




                                                                ‫تأصيل محبة النبي وحكم سبه‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                              ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫صالح بن عبد العزيز التويجري‬
                                                                                        ‫بريدة‬
                                                                              ‫27/75/6745‬
                                                                                ‫جامع الرواف‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- بين الحرية واستشعار المسؤولية. 7- مبدأ احترام الرسل والرساالت. 3- تغيير مصطلح‬
                    ‫الكافر. 4- حقيقة محبة النبي . 1- رسالة للمخذلين. 6- حكم ساب النبي .‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
               ‫ض‬               ‫ع د‬                           ‫ة‬
        ‫عباد اهلل، إن الموازنةَ بين الحري ِ واستشعارِ المسؤوليةِ يض ُ ح ًا العتقاد البع ِ ممارسة‬
                                              ‫ن‬
    ‫حرياتهم على حساب اآلخرين وبغير حق. إ ّ السماح بوجود الحرية دون الشعور بالمسؤولية‬
                                                                  ‫ة‬
   ‫يعني أن تكون الحري ُ أقربَ إلى الفوضى، وإذا عمت عم الفساد الذي نهى اإلسالم عنه وحذر‬
‫أهله منه: َال ُفْس ُوا ِي األرضِ َعدَ ِصْال ِ َا [األعراف:61]، وقال تعالى: و َّه ال ُح ُّ الْ َ َا َ‬
‫َالل ُ ي ِب فس د‬                                     ‫و ت ِد ف َ ْ ب ْ إ حه‬
   ‫َ حس ُ َنم‬                                 ‫سب إل ن ي ْ ك ُ‬
  ‫[البقرة:107]، ويقول تعالى: أَيَحْ َ ُ ا ِنسَا ُ أَنْ ُترَ َ سدًى [القيامة:63]، ويقول: أفَ َ ِبْتمْ أَّ َا‬
      ‫ي‬                                                ‫حو‬                     ‫ُ عبث‬
  ‫خَلَقْنَاكمْ َ َ ًا [المؤمنون:155]. هل ِّلت الحياة في نظر القوم إلى عبثية وأنها حركة كون ّة ال‬
                    ‫م‬
     ‫علة لها وال هدف، زينة وتفاخر، متاع حيواني كما هو السلوك البهيمي؟! أ ّا اإلنسان السوي‬
                                           ‫ل‬
        ‫فيعرف الغايات واألهداف، ويرتقي به ذلك في سّم اإلنسانية، حتى يربط األحداث ويسمو‬
   ‫َ يك‬
   ‫بالتصور. إنها نقلة عظمى في تاريخ البشرية، تكشف عوار الفلسفات القديمة والحديثة: أَلمْ َ ُ‬
                 ‫َ َو ج َ م ه الز ج الذ ر و أل ث‬                         ‫ُم ن ع ً‬               ‫م م ِي ي‬          ‫ن‬
   ‫ُطْفَةً ِنْ َن ٍّ ُمْنَى ث َّ كَا َ َلَقَة فَخَلَق فَس َّى فَ َعلَ ِنْ ُ َّوْ َيْنِ َّكَ َ َا ُن َى [القيامة:23-‬
                                                         ‫93]. ماذا يريدون: حرية الفكر أم حرية الكفر؟!‬
                                        ‫م‬                                                 ‫ن‬
 ‫إ ّ معنى المسؤولية كقيمة هو شعور اإلنسان دائمًا قيا َه بواجبه تجاه دينه وأفراد مجتمعه، وتجاه‬
                                                  ‫د‬
   ‫وطنه وأمته. وهنا نقول لمن يتجاوز الح ّ إلى البغي على اهلل وعلى رسله وعلى رساالته باسم‬
       ‫الحرية: أين أنتم من الدعاوى البراقة التي تنادي بحقوق اإلنسان، وتنادي بخروق المرأة ال‬
                                    ‫بحقوقها، وبتجريرها ال بتحريرها؟! أي إنسان أعظم من محمد ؟!‬
     ‫فمنظمات العالم تؤكد على احترام الرسل، وعلى احترام الشرائع السماوية، واحترام اآلخرين‬
                                                ‫ِن‬             ‫ر‬          ‫بي‬
‫وعدم الطعن فيهم بال ِّنة، وقد ح ّم اتفاق (فْي َّا) المساس باألديان. وإذا استطاع اليهود على قلتهم‬
                         ‫ت‬                                         ‫ب‬
  ‫أن يدرجوا من س ّ السامية ضمن مجرمي الحرب الذين تجب مالحق ُهم؛ فهل يفعلها المسلمون‬
      ‫ك‬                            ‫فإن‬                                       ‫ق‬
 ‫بما لهم من ث َل عالمي وأثر بالغ في ميزان القوى؟! ولذا َّ الحرية المزعومة فيها انتها ٌ لدين‬
                                                        ‫ل‬                  ‫ة‬
     ‫اإلسالم وسخري ٌ برسول اهلل وإخال ٌ بحقوق اآلخرين. فإذا كانوا أحرارا بالقول فنحن أحرار‬
                                         ‫د‬
                                ‫بالرفض، وال يستطيع أحد أن يمارس الوصاية علينا أو يح ّد موقفنا.‬
                              ‫ح‬
   ‫إن الفئة الليبرالية التي استبدلت كلمة (الكافر) بـ(اآلخر) تسام ًا ـ وهو تخاذل وتغيير وتبديل‬
                        ‫ل‬
      ‫لكالم اهلل الذي سماهم الكفار ـ أرادت لنا هذه الفئة أن نتعايش مع الّقب الجديد؛ كي تذهب‬
‫العداوة إذا ذهب اللفظ، فجاء اآلخر (الكافر سابقًا) وأهان أعظم رجل في الدنيا، لم تجدِهم التسمية؛‬
        ‫د‬              ‫ض‬
       ‫بل زادت (اآلخر) شراسة وظلمًا. هذا هو (اآلخر) الذي يدافع عنه بع ُ بني قومي وير ّد‬
              ‫و‬
    ‫عقالنيتَه وحياده وإنسانيته، وهذا مسمار في نعش الحرية وحوار الحضارات تح ّل إلى هجوم‬
                                             ‫على المقدسات وإرهاب في قالب التعبير وحرية الصحافة.‬
                                                  ‫ُل‬                ‫ص‬
  ‫عباد اهلل، هل ق ّرنا في البالغ وضِّلت شعوب إلى هذا المستوى؟! نحن درسنا المخترعين في‬
                                                      ‫د‬                   ‫ة‬
  ‫الصفوف األولى لكثر ِ ما يشاد بهم وما ق ّموا للبشرية، فماذا عن منقذِ البشرية؟! إننا بحاجة إلى‬
             ‫ت‬                ‫ر‬                 ‫ج‬
  ‫تأصيل حب النبي في القلوب عبر برامجَ ومناه َ ومواقفَ تعطي أث ًا إيجابيًا، محب ُه التي تكون‬
     ‫باتباع شرعه واالئتمار بأمره واالنتهاء عن نهيه، محبته التي تكون بمعرفة سيرته ومعجزاته‬
  ‫وأخالقه، محبته التي تكون بتوقيره ونصرته والدفاع عنه في حياته وبعد مماته والذب عن سنته‬
                   ‫ن‬                                             ‫حب‬
  ‫والرد على أعدائه. إن َّ النبي أصل من أصول هذا الدين، ال يستقيم إيما ُ إنسان بدونه، وال‬
     ‫ُ إ كت‬                                      ‫ب‬                     ‫د‬                   ‫ع م‬
   ‫يس ُ مسل ٌ أن يتجاوزه أو يتر ّد فيه، فهو مرتبط بمح ّة اهلل سبحانه، قال اهلل تعالى: قلْ ِنْ ُنْ ُمْ‬
                                              ‫ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُ الله وي ِ ُ ذن ب ُ‬
    ‫ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْكمْ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ [آل عمران:53]. قال ابن كثير: "هذه اآلية‬
                                                           ‫اد‬    ‫ل‬
    ‫الكريمة حاكمة على ك ّ من َّعى محبة اهلل وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في‬
                                                               ‫دعواه في نفس األمر حتى يتبع الشرعَ المحمدي".‬
  ‫روى البخاري عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب‬
  ‫َّ‬
   ‫إليه من والده وولده والناس أجمعين))، وفي الصحيح عن عبد اهلل بن هشام: كنا مع النبي وهو‬
                                        ‫آخذ بيد عمر، فقال عمر: يا رسول اهلل، ألنت أحب‬
  ‫ُّ إلي من كل شيء إال من نفسي، فقال: ((ال‬
           ‫َّ إليك من نفسك))، قال عمر: فإنه اآلن ألنت أحب‬
    ‫ُّ إلي من‬                                          ‫والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب‬
                                                                                         ‫نفسي، فقال: ((اآلن يا عمر)).‬
                                       ‫حب‬
  ‫وهنا يأتي السؤال لك أيها المسلم، أنت الذي تعلن َّ النبي ونصرته ومتابعته وتوقيره، كم في‬
                                              ‫و‬
   ‫بيتك من مخالفة لما جاء به النبي ؟ رفع الص َر في البيوت، أكل الربا، قطيعة الرحم، والكذب‬
    ‫والغيبة والنميمة، والظلم والتعدي، والكبر والخيالء وغمط الناس، إسبال الثياب وحلق اللحى،‬
                                               ‫وسماع الغناء وآالت الموسيقى، وإلقاء األذى في الطرقات...‬
                                                    ‫ع‬               ‫ل‬          ‫حب‬
                                                    ‫تعصي اإلله وأنت تظهر َّه…هذا محا ٌ في القياس بدي ُ‬
                                                     ‫َّ ِمن يحب مطي ُ‬
                                                     ‫ع‬     ‫ُّ‬                                ‫حب‬
                                                                 ‫لو كان ُّك صادقًا ألطعْتَه…إن المحب ل‬
                                               ‫ل‬
  ‫خبيب بن عدي رضي اهلل عنه لما أخرجه أه ُ مكة من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان: أنشدك‬
                                 ‫ق‬       ‫ي‬                   ‫د‬
‫اهللَ يا خبيب، أتحب أن محم ًا اآلن عندنا مكانك ُضرب عن ُ، وأنك في أهلك؟ فقال خبيب: واهلل،‬
      ‫ما أحب أن محمدا اآلن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي، فقال أبو‬
         ‫علي ن‬         ‫د‬     ‫د‬
‫سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محم ٍ محم ًا. وسئل ُّ ب ُ أبي طالب‬
                                    ‫رضي اهلل عنه: كيف كان ُّكم لرسول اهلل قال: كان واهلل أحب‬
  ‫َّ إلينا من أموالنا وآبائنا وأمهاتنا‬                              ‫حب‬
‫إلي‬
‫ومن الماء البارد على الظمأ. وكان عمرو بن العاص رضي اهلل عنه يقول: ما كان أحد أحب َّ‬
                                                                   ‫َّ‬
‫من رسول اهلل وال أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أمعأ عيني منه إجالالً له، ولو سئلت أن‬
                                                                     ‫أصفَه ما أطقت؛ ألني لم أكن أمعأ عيني منه.‬
                          ‫م‬               ‫ع‬
‫وفي بار من بارات الهند وأناس من الكفار وبعضِ ُصاة المسلمين م ّن ابتلوا بالفسق والفساد في‬
           ‫ر‬                                           ‫و‬
      ‫الفكر واألخالق، وبينما كانوا يتنا َلون كؤوس الخمر ويتراقصون مع المائالت إذ تج ّأ أحد‬
                              ‫ِ‬      ‫م‬        ‫ر‬          ‫الس‬
‫الكافرين فشتَم النبي بحضرة ُّكارى، فتح ّكت نزعة ِن إيمان أحدِ المسلمين واستيقظ من سبات‬
                                                                     ‫د‬      ‫نبي‬       ‫س‬
   ‫ال ّكر؛ ألن َّه محم ًا قد شتم، فقذف بيده كأسَ الخمر في وجه الشاتم، ودافع عن النبي ، ولم‬
                               ‫ر‬
           ‫يكتف بذلك بل أعلنها توبة إلى اهلل وأوبة إلى دين رسول اهلل انتصا ًا لهذا النبي العظيم.‬
   ‫ن‬          ‫ؤ ُ و ؤك و و نك وَ و ج ُ وعش رت ُ و و ل َ َ تم وت رة‬                                                            ‫ُ إ‬
   ‫قلْ ِنْ كَانَ آبَا ُكمْ َأَبْنَا ُ ُمْ َإِخْ َا ُ ُمْ َأزْ َا ُكمْ َ َ ِي َ ُكمْ َأَمْ َا ٌ اقْترفُْ ُوهَا َ ِجَا َ ٌ تَخْشَوْ َ‬
  ‫وم كن ض ه َب إ ُ م الله َرس له ج ٍ ف سب ل ِ َبص َت ِ الله‬                                                           ‫س‬
  ‫كَ َادَهَا َ َسَا ِ ُ تَرْ َوْنَ َا أَح َّ ِلَيْكمْ ِنَ َّ ِ و َ ُوِ ِ وَ ِهَاد ِي َ ِيِه فَتَر َّ ُوا حَّى يَأْتيَ َّ ُ‬
                                                                                     ‫ق‬            ‫ْ‬         ‫ه َالل ُ ي ْ‬
                                                                     ‫بِأَمْرِ ِ و َّه ال َهدِي الْقَومَ الْفَاسِ ِينَ [التوبة:47].‬
                                                                                     ‫بارك اهلل لي ولكم بالقرآن العظيم...‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
      ‫عباد اهلل، قال اهلل تعالى: هَا أَنْتمْ هَ ُالءِ َا َلْتمْ َنْهم ِي الْ َيَاةِ ُّنْ َا فَ َنْ ُ َا ِ ُ َّهَ َنْهمْ يَوْ َ‬
      ‫ُ ؤ ج د ُ ع ُ ْ ف ح الد ي م يج دل الل ع ُ م‬
                                                                                       ‫ق م َ م يك ن ع ِ وك‬
                                                                     ‫الْ ِيَا َةِ أمْ َنْ َ ُو ُ َلَيْهمْ َ ِيالً [النساء:905].‬
                               ‫و‬         ‫د‬                                  ‫رسالة واضحة للمخذ‬
       ‫ِّلين الذين يسارعون في االعتذار وال ّفاع عن خ َنَة األديان، واهلل تعالى‬
                                                                                ‫و ك ل ئن ن ص م‬
                                                     ‫يقول: َال تَ ُنْ ِلْخَا ِ ِي َ خَ ِي ًا [النساء:105] أي: محاميًا.‬
                       ‫ج‬                               ‫هناك أناس يع ّون أنفسهم َّفين ومتنو‬
     ‫ِّرين؛ لكنهم مفتونون. حقيقةً أتع ّب! لقد خدعونا طوال‬       ‫مثق‬         ‫د‬
  ‫سب‬
  ‫سنين طويلة، لماذا ال يخدعونا اآلن؟! فانج بنفسك يا عبد اهلل، فقد أجمع العلماء على أن من َّ‬
                                                                        ‫النبي من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله.‬
     ‫وهذا اإلجماع حكاه غير واحد من أهل العلم كاإلمام إسحاق بن راهويه وابن المنذر والقاضي‬
 ‫َ عِي‬            ‫د‬                                          ‫دل‬         ‫ي‬
 ‫عياض والخطاب ّ وغيرهم. َّ على هذا الحكم الكتاب والسنة، روى أبو داو َ (7634) عنْ َل ٍّ‬
   ‫َ رس ل الل‬                ‫ه ُل َت م‬                     ‫ُم الن ِي و ُ ف‬                   ‫رض الله ع ه َن يه ِي‬
 ‫َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ أ َّ َ ُود َّةً كَانَتْ تَشْت ُ َّب َّ َتَقَع ِيهِ، فَخَنَقَ َا رَج ٌ ح َّى َاتَتْ، فَأَبْطلَ َ ُو ُ َّهِ‬
                                                                                             ‫دم‬
                        ‫َ َهَا. قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في الصارم المسلول (7/675): "حديث جيد".‬
 ‫د‬                                            ‫ةَ‬                                    ‫َب‬
‫س ُّ النبي من أعظم المحرمات، وهو كفر ورد ٌ عن اإلسالم بإجماع العلماء، سواء فعل ذلك جا ًا‬
        ‫ح‬                             ‫ر م‬
  ‫أم هازالً، وفاعله يقتل ولو تاب، مسلما كان أم كاف ًا. ث ّ إن كان مسلمًا وتاب توبة نصو ًا وندم‬
 ‫على ما فعل فإن هذه التوبةَ تنفعه يوم القيامة، فيغفر اهلل له. يقول ابن تيمية: "إنْ َّ اهلل أو َّ‬
 ‫سب‬         ‫سب‬
    ‫ال‬           ‫ال‬             ‫ر‬                   ‫الس‬           ‫ن‬       ‫ر‬
    ‫رسوله كَفر ظاه ًا وباط ًا، سواء كان َّاب يعتقد أن ذلك مح ّم أو كان مستح ً أو كان ذاه ً‬
                      ‫ل‬          ‫ب‬
 ‫عن اعتقاده، والقول بقتله ولو تاب من ذلك راجع إلى أن س ّ النبي يتعّق به حقان: حق هلل وحق‬
       ‫م َر‬
  ‫آلدمي، فأما حق اهلل فهو القدح في رسالته وكتابه ودينه، وأما حق اآلدمي فإنه أدخل ال َع َّة على‬
                              ‫ل‬                  ‫ر‬
  ‫النبي بهذا السب، وأناله بذلك غضاضة وعا ًا، والعقوبة إذا تعّق بها حق اهلل وحق اآلدمي سقط‬
   ‫ت َذ‬        ‫عنه حق اهلل تعالى بالتوبة، وبقي حق اآلدمي ال تسقطه التوبة حتى يعفو عنه مستحق‬
  ‫ُّه، وقد َع َّر‬
             ‫عف ُه بموته، فبقي قتل الساب ح ًا محضًا هلل ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحق‬
      ‫ُّه، فيجب‬                                            ‫ق‬                          ‫و‬
                                                                                      ‫إقامته" الصارم المسلول (7/834).‬
 ‫ِن َّذ ي ْذ الله َرس ه ع ُ الل ُ ف الد و ِ ة و َد َ ُ َذ ب‬
‫عباد اهلل، قال اهلل تعالى: إ َّ ال ِينَ ُؤ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّه ِي ُّنْيَا َاآلخرَ ِ َأَع َّ لهمْ ع َا ًا‬
                ‫وإ م مب ن‬              ‫م من ن و م م ب م سب َ ِ مل ب‬                                               ‫مه و َّذ ن ي ذ‬
               ‫ُ ِينًا َال ِي َ ُؤْ ُونَ الْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَاتِ ِغَيْرِ َا اكْتَ َ ُوا فَقد احْتَ َُوا ُهْتَانًا َِثْ ًا ُ ِي ًا‬
                                                       ‫ز ل‬            ‫ففر‬
       ‫[األحزاب:21، 81]، َّق اهلل ع ّ وج ّ في اآلية بين أذى اهلل ورسوله، وبين أذى المؤمنين‬
       ‫والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا، وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا‬
       ‫ج‬
    ‫واآلخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر اإلثم وفيه ال َلد،‬
                                                             ‫وليس فوق ذلك إال الكفر والقتل.‬
    ‫ومن هنا ـ عباد اهلل ـ نعلم أيضًا خطورةَ االستهزاء بالدين وأهله، سواء عبر ما يعرض في‬
                                                    ‫و‬
  ‫المسلسالت واألفالم الهابطة التي تص ّر أهل العلم والفضل أو اآلمرين بالمعروف والناهين عن‬
      ‫المنكر أو شعائر الدين في صور ال تليق، بل وربما تعدى األمر في ذلك إلى الهمز واللمز‬
‫واالستهزاء، وما يصاحبه من تشويه وانتقاص لمقام أهل الدين والفضل. فهل يعي من يتجرأ على‬
        ‫الدين وأهله خطورة ما أقدم عليه؟! وهل بعد هذا الجرم العظيم إال الوقوع في اهلل ورسله‬
            ‫ح‬
     ‫وأنبيائه؟! وأخيرا هل ينبري الغيارى على أمتنا بإعالن مبادرة ترشد الغَضبة وتو ّد الهدف‬
‫وتحتوي التجاوزات وترتقي بها عن الوقت ّة إلى األمد ّة؟! وبرغم تخّف هذا أو تأ ّره فسيعمل ك ّ‬
‫ل‬            ‫خ‬            ‫ل‬            ‫ي‬            ‫ي‬
      ‫على شاكلته؛ فاستبقوا الخيرات، واهلل ال يضيع أجر المصلحين، وال يصلح عمل المفسدين.‬
‫فهل ستكون لجنة على مستوى رفيع تتولى النوازلَ حتى ال تنسى؟! فسجناء المسلمين في معتقالت‬
                 ‫ة‬        ‫ت‬
  ‫الظلمة والمجاعات والجفاف وحمالت تجفيف المنابع... لتكون ملفا ُها حاضر ً وقضاياها ساخنة‬
                                  ‫ل‬                                            ‫م‬
    ‫وخلفها ُطالب. وإذا كان الشؤم ضخمًا في حياة البشرية كّها في الكلمات والبقاع واألشخاص‬
                                   ‫د‬
       ‫فمحمد يحب الفأل الحسن. فإلى المحبوسين في قفص الما ّة نحن متفائلون في زمن اليأس،‬
   ‫وقراءتنا لعأحداث على مستوى أمة المليار، فينا العلم والمال والحكم، فينا من لو أقسم على اهلل‬
                                                                                       ‫م‬
                                                ‫ألبره ِنَ األتقياء األخفياء أئمة الزهد والورع.‬
                                                                           ‫م‬
   ‫فما معذرِتنا يو َ نرد الحوض وعليه المصطفى ويذاد أقوام فيقول: ((أمَتي أمَتي ..)) فيقال: ال‬
                                                      ‫تدري ماذا أحدثوا بعدك؛ غيروا وبدلوا؟!‬
                                                          ‫وصلوا على نبي الهدى والرحمة...‬

‫(5/7464)‬




                                                                                          ‫م‬
                                                                                 ‫يا أ ّة المليار‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫اإليمان, موضوعات عامة‬
                                                              ‫اإليمان بالرسل, جرائم وحوادث‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد الرحمن السديس إمام الحرم‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                ‫55/5/2745‬
                                                                               ‫المسجد الحرام‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫5- فجر اإلسالم. 7- حامل النور. 3- وعيد من خدش في قدسية الرساالت. 4- فضل الصحابة‬
       ‫وحبهم للنبي . 1- الفاجعة التاريخية. 6- استنكار جريمة االستهزاء بالنبي . 2- أين حوار‬
                                                 ‫ب‬
                         ‫الحضارات؟! 8- الهبة اإلسالمية. 9- واجب الذ ّ عن النبي وحقيقة النصرة.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
             ‫ل‬                    ‫ت‬               ‫ق‬                  ‫ت‬
‫أما بعد: فيا أيها الناس ا ّقوا اهلل عز وجل ح ّ التقوى، فمن ا ّقاه أفلح في دنياه وسِم، واستبشر في‬
   ‫أخراه وغ ِم، ومن أعلى مراتب تقواه التي نبلغ بها ال ِ َم االنتصا ُ ِّد الع َب والع َم والذب‬
‫ُّ عن‬     ‫ج‬       ‫ر لسي ر‬              ‫قم‬                                          ‫ن‬
                           ‫نعم‬        ‫ع ن ِم‬            ‫ت م‬            ‫ت‬                     ‫م‬
                          ‫صفوة هذه األ ّة وخيار األمم، فبذلك ُنال غايا ُ ال ُنى ونَ ِم، و ِع َّا ذلك ِ ِ ّ.‬
‫أ ّها المسِمون، تبص ًا في أغوارِ التأريخ واس ِكناءً ِ ِقَب الح َارات ُلفي المتأم ُ أم ًا ل ّها ظال ٌ‬
‫م‬       ‫ّل م ف‬                ‫ي‬     ‫ض‬        ‫لح‬       ‫ت‬                        ‫ُّر‬       ‫ل‬       ‫ي‬
    ‫سمو ت ح الشهب‬          ‫م‬         ‫يت ر ي‬                      ‫د‬        ‫قم‬
   ‫من االستبدادِ مطب ٌ ُريع، بي َ أنه يحمل في ط ّا ِه نو ًا ُرتقَب وأ ّة في ِّها ُزا ِم ُّ ُ َ.‬
‫ر ب ة‬               ‫ت‬                ‫ل‬       ‫ب‬            ‫فها هي الرسال ُ المح ّدية العالمي‬
‫َّة ـ على صاح ِها أفض ُ الصالة وأزكى الّسليمات ـ تت َى ُكر ً‬         ‫م‬      ‫ة‬
        ‫ت‬            ‫ل‬       ‫ر‬               ‫ر م‬                                    ‫ِي ي‬
   ‫وعش ًّا، ُصيخ بلهفٍ لها الزمان، وها هو فج ُ األ ّة اإلسالمية يش ِق في ك ّ مكان، وتتف ّح لها‬
      ‫ِلَق ا َذهان، وير ّ ببرك ِها وعظمتها ُّ َنان، قد ح َلت هذه الرسال ُ الخي َ َّه والبر ِق‬
     ‫َّ د َّه‬   ‫ر كل‬      ‫ة‬              ‫م‬          ‫كل ج‬           ‫ت‬      ‫ِف‬         ‫غ أل‬
   ‫ي‬                       ‫ي ي‬                  ‫ر‬                 ‫ع‬         ‫ع‬      ‫مع‬             ‫جل‬
  ‫و ِّه والهدى أج َ َه وال َدلَ أكتَ َه؛ فبِاإلسالم أش َق التأريخ، وبهد ِ س ّد األنام عرفتِ اإلنسان ّة‬
 ‫َن الله عل‬               ‫ع‬    ‫ت ع ولم‬                      ‫مث قي‬
‫معنى وجودِها، وعلى هدي ُ ُلنا و ِ َمنا رتقَت الحضارا ُ صد َها َّت ش َثَها، لَقَدْ م َّ َّ ُ ََى‬
   ‫م من ِ بع َ ف ِ ْ رس م فس ِ ي ل ع ِ ته وي َك ِ وي َلم ُ ك ب و ح مة وإ‬
 ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ إذْ َ َث ِيهم َ ُوالً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْوا َلَيْهمْ آيَا ِ ِ َ ُز ِّيهمْ َ ُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َ َ َِنْ‬
                                                                                  ‫ن م ْ ْل ف ض ل مب‬
                                                               ‫كَاُوا ِن قَب ُ لَ ِي َال ٍ ُ ِينٍ [آل عمران:465].‬
                 ‫ات‬        ‫ر‬       ‫ب‬      ‫هد‬
        ‫ِّب المنه ِر يفتح المجاهلَ بال َا ٍ، ويع ُر القا ّات دونَ ِّئاد، ولقد‬
                                                     ‫ِ‬            ‫م‬             ‫ث‬          ‫ل‬
                                                                           ‫وال يزا ُ هذا الغي ُ الصي‬
      ‫م‬       ‫نم‬        ‫ة التام‬
     ‫اقتَ َت حكم ُه سبحا َه أن يكونَ ِّغ األمين عن ر ّ العالمين الرحم ُ َّة وال ّع َة العا ّة‬
                                            ‫ب‬              ‫المبل‬        ‫ن‬       ‫ت‬      ‫ض‬
                      ‫و‬                   ‫ّبي‬                                        ‫ّد‬
     ‫محم َ بنَ عبد اهلل صلوات ربي وسالمه عليه، الن َّ الرؤوفَ الرحيم ال َصول، زاكيَ الفروع‬
 ‫ي م‬                           ‫م‬         ‫وساميَ األصول، وكان اله ُّ الذي بخَع نف َه استرق ِس‬
‫َّ ح َّه ـ يا أ ّة اإلسالم ـ انتشالَ البشر ّة ِن‬   ‫س‬              ‫َم‬
 ‫إ َّ ر مة‬          ‫وم َ س‬                                 ‫م‬               ‫ي‬         ‫ي‬        ‫م م‬
 ‫َو َات البغ ِ والعنصر ّة واألوثان إلى َغاني العدل والرحمة واإلحسان، َ َا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َ ً‬
                                                                                                                     ‫ل م‬
                                                                                                  ‫ِلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205].‬
                      ‫م ً روي‬       ‫وال َزال عظم ُ ِسالته وخَصائص نب ّ ِه ميدا ًا فسيحًا للمتأم‬
 ‫ِّلين و َنهال ًّا للبَاحثين المنصفين،‬             ‫ن‬       ‫وت‬                  ‫ةر‬         ‫ت‬
      ‫ي‬                   ‫ق ب‬                ‫ك ص‬          ‫ل‬                   ‫ندية ض‬
  ‫كما هي َّ ٌ ن ِرة على الدوام، بل كّما تم ّن ال ّراع بين الح ّ وال َاطل ـ وها أنتم تعا ِشونه‬
                                                                                              ‫ض ر‬           ‫ع‬
                                                                                            ‫ـ ازدادت َبقًا واخ ِرا ًا.‬
           ‫ت‬      ‫ي مي ز ي ر ي مبشر‬                     ‫ه‬              ‫ب سي‬
  ‫معاشر المسلمين، أحبا َ ِّد المرسلين، و َذا النب ّ األ ّ ّ ال ّك ّ ال ّض ّ َّ ٌ بصفا ِه البلجاء‬
    ‫َّذ َتبع الرس الن ِي‬                                ‫س‬                        ‫قب‬       ‫َر‬
    ‫وشريعته الغ ّاء من ِ َل إخوانه األنبياء والمر َلين، يقول سبحانه: ال ِينَ ي َّ ِ ُونَ َّ ُولَ َّب َّ‬
     ‫وي ه ُ ع م كر‬                 ‫جد ه م ت ع ْ ُ ْ ف الت ْر ة و إل ل ي ُر ُ م ْر‬                              ‫أل ِّي َّ‬
     ‫ا ُم َّ الذِي يَ ِ ُونَ ُ َكْ ُوبًا ِندَهم ِي َّو َا ِ َا ِنجِي ِ َأْم ُهمْ بِالْ َع ُوفِ َ َنْ َاهمْ َنْ الْ ُن َ ِ‬
 ‫َ ُح ُّ لَهمْ الط ِّبَا ِ َ ُح ِّ ُ َلَيْهمْ الْخَبَا ِثَ َ َ َ ُ َنْهمْ ِصرَهمْ َاألَغْاللَ َّ ِي كَانَتْ َلَيْهم فَال ِي َ‬
 ‫ع ِ ْ َّذ ن‬                ‫الت‬            ‫ئ ويضع ع ُ إ ْ ُ و‬                      ‫وي ِل ُ َّي ت وي َرم ع ِ‬
                     ‫من به وع َّر ه و صر ه َاتبع الن َّ أ ِ معه أ ك ُ م ح‬
   ‫آ َُوا ِ ِ َ َز ُو ُ َنَ َ ُو ُ و َّ َ ُوا ُّورَ الذِي ُنزلَ َ َ ُ ُوْلَئِ َ همْ الْ ُفْلِ ُونَ [األعراف:215].‬
      ‫نهي‬            ‫ح‬                 ‫ز‬               ‫ي‬                  ‫ح‬             ‫ع‬
‫فَيا َجبًا! كيف يج َد ذلك الجاحِدون و َلغ فيه المستَه ِئون؟! وليس ذلك ف َسب، بل إ ّ َد َه عليه‬
       ‫ة‬        ‫خ‬       ‫ت‬         ‫م‬                          ‫ر‬
 ‫الصالة والسالم هو الجامِع لما تف ّق فيهم من الفَضائل والمحا ِد، وشريع ُه ناسِ َة وخاتم ٌ لجميع‬
 ‫الملل والشرائع، وقد تو ّد سبحانه ِن خدشِ قدس ّة رساالتِ اهلل في أشخاص حملَتها و ُ ِّغيها م َ‬
 ‫ن‬       ‫مبل‬                                   ‫ي‬           ‫م‬         ‫ع‬
                     ‫م‬                ‫دة‬        ‫ٌّ كل‬
    ‫األنبياء والمرسلين بالعذاب األليم، وهو محاد َّ المحا ّ ِ لجالل اهلل وعظ َته، كيف وهم عليهم‬
                                              ‫ل‬                              ‫ع‬
                                       ‫الصالة والسالم موض ُ حفاوته واصطفائه لبالغ وحيه ج ّ وعال؟!‬
                           ‫إخوةَ اإليمان، ومن تمام َّة الكريم الو ّاب أن َّر هذا النبي و‬
‫َّ األ ّاب بكرام الصحابة ذوي النخوة‬     ‫سو‬      ‫ه‬             ‫من‬
                     ‫كل د‬                     ‫ر ك ة‬                   ‫ب‬        ‫ل‬
      ‫والنجابة والفض ِ واإلصا َة، أصفياء أَخيا ٌ، ُما ٌ أَبرار، على عظمة ِّ فر ٍ منهم تقوم دولة‬
   ‫َ د‬                     ‫س‬           ‫ص‬        ‫ر ر ب الل ة‬            ‫م وحب ِنبي‬
   ‫وتنهض أ ّة، ُّهم ل ِّهم أم ٌ تج ِض ِه َّها ُ، وتتقَ ّف دونه األ َالت، سَأل أبو سفيان زي َ‬
 ‫ُّ أ ّ محم ًا اآلنَ عندنا في مكانك ُضر ُ‬
 ‫ت ب‬                                                               ‫ر‬              ‫الد ِن‬
                             ‫بنَ َّث َّة وهو في األس ِ قائال: أنشدكَ اهللَ يا زيد، أتحب ن ّد‬
           ‫ن‬               ‫ب ن ّد‬                    ‫ال‬           ‫ف‬                      ‫نق‬
  ‫ع ُ ُه وأنت في أهلك ومالك؟ َرجف زيد قائ ً: واهلل، ما أح ّ أ ّ محم ًا اآلنَ في مكا ِه الذي هو‬
 ‫فيه تصي ُه شوك ٌ تؤذيه وأنا جالس في أهلي ومالي، ف َاح أبو سفيانَ د ِشَا وقال: وا ِ، ما رأي ُ‬
 ‫ت‬         ‫هلل‬           ‫ه‬                ‫ص‬                  ‫ٌ‬               ‫ة‬      ‫ب‬
 ‫ب‬        ‫د َحب َد‬                      ‫ّد‬     ‫م‬          ‫ب‬         ‫ب‬       ‫د ب‬
 ‫من الناسِ أح ًا يح ّه أصحا ُه كما يح ّ أصحاب مح ّد محم ًا. اهلل أكبر، زي ٌ أ َّ، فف َّى الحبي َ‬
                                                                                                                      ‫وذب‬
                                                                                                                     ‫َّ.‬
                                                      ‫ر‬           ‫ف‬        ‫وأكف‬  ‫م‬      ‫ً‬               ‫ز‬
                                                      ‫ت ِن الْجبالَ رزانة أحال ُهم… ُّهم خَلَ ٌ من األمطا ِ‬
                                                             ‫ب‬          ‫س‬      ‫ه‬            ‫س لنبي‬
                                                           ‫والباذلين نفو َهم ِّهم…يومَ الْ ِياج و َطوةِ الْج ّار‬
  ‫وما ذاك إ ّ كِفاء نفسٍ غَ ِ َت َّحمة ِّلم والح ّ وال ِلم، وخلصت إلى أعلَى مراتب الصد ِ‬
  ‫ق‬                               ‫ب ح‬            ‫والس‬  ‫ني بالر‬         ‫ال َ‬
   ‫ر‬             ‫والطهر والعلم، فلَّه ما أعظ َ هذا ال ّين، وما أقوى إيحا َه، وهلل ما أكر َ هذا النبي‬
   ‫َّ الجليل وأبه َ‬        ‫م‬               ‫ء‬                  ‫د‬        ‫م‬         ‫ِل‬
                                                                                               ‫ي‬     ‫ل‬
                                                                                     ‫بهاءَه، وما أجَى هد َه وسناءَه.‬
                                                  ‫ر‬         ‫ح‬           ‫ر‬                   ‫ن‬
                                                  ‫لو أطلق الكو ُ الفسيح لِسانَه…لس َت إليك بمد ِه األشعا ُ‬
                                        ‫ر‬               ‫م‬      ‫ت‬        ‫د‬            ‫ر‬
                                        ‫لو قيل: من خي ُ العباد؟ لر ّدت…أصوا ُ من س ِعوا: هو المختا ُ‬
                                                                                                 ‫عليه الصالة والسالم.‬
                           ‫ي َك‬          ‫ل‬                            ‫ل‬
 ‫معاشرَ المسلمين في ك ّ األصقاع، إخوة العقيدة في ك ّ البقاع، ُذ َّر بذلك ـ أيها المحبون ـ في‬
             ‫د‬         ‫دع‬       ‫ولف ص ت‬        ‫ل‬          ‫َ‬      ‫ش‬
        ‫هذه اآلونة األخيرةِ التي غ ّى الكون فيها لَي ٌ ثقيل، َّه َم ٌ مكدو ٌ َليل، وتص ّع فجر‬
          ‫ٌ‬                    ‫ك‬              ‫عب‬             ‫ي س‬                     ‫ل‬
 ‫المسِمين عن فاجعةٍ تأريخ ّة َفعاء، حيث ن َ َت أصوات باإلف ِ والبهتان، وجرت أقالم في أودية‬
             ‫م‬                               ‫د‬                   ‫ت‬                           ‫ز‬
       ‫ال ّور والضالل والعصيان برسوما ٍ حاقدةٍ ماكرة، تنه ّ لها القَامة، وتتزلزل لها الها َة، لقد‬
  ‫ب ي‬                  ‫م‬         ‫ج‬            ‫خ‬                                 ‫ي‬
‫استطالوا و َا ويحهم، وتعَجرفوا ويا ويلهم، فس ِروا من أعظم َناب وأكر ِ من وطئَ الترا َ نب ّنا‬
   ‫ِ‬                                                    ‫رب‬            ‫ع َل ع‬            ‫م‬
‫مح ّد ، استهزأ َثك ٌ ُمروط برسول َ ّ العالمين ورحمةِ اهلل للخالئق أَجمعين، إمامِ األنبياء في‬
                     ‫ح‬                                       ‫ر‬
  ‫األرض وفي السماء، أب ّ األمم على اإلطالق، وأعظمهم بإطباق، صا ِب المعجزات الظاهرات‬
                                                                                            ‫واآلياتِ الباهرات.‬
                                                  ‫ر‬                 ‫ت‬                      ‫ة‬
                                                  ‫سقطت مكان ُ شاتمٍ وجزاؤه…إن لم ي ُب مما جنَاه النا ُ‬
        ‫و‬           ‫ي‬       ‫ي‬                               ‫رب‬          ‫ز‬         ‫ب ب‬
 ‫ر ّاه ر ّاه، أيَه َؤون برسول ِّ األرض والسماوات؟! أيَهزؤون بس ّد البر ّات؟! أيتطا َلون على‬
     ‫ة ِن َّذ ن ي ذ الله َرس ه ع ُ الله ف الد ي‬                                          ‫ة ي ق‬
    ‫الرحمة المهدا ِ؟! أ َنت ِصون النعمة المسدا َ؟! إ َّ ال ِي َ ُؤْ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ لَ َنَهمْ َّ ُ ِي ُّنْ َا‬
                                                                             ‫و ِ ة و َد ه َ مه‬
                                                           ‫َاآلخرَ ِ َأَع َّ لَ ُمْ عذَابًا ُ ِينًا [األحزاب:21].‬
  ‫إد‬        ‫ء‬            ‫د‬
‫لَقد جا َت تلك النفو ُ الباغ َة التي لَو ص ِّر ِّجس والخ َ ُ ِيانًا لما تَع ّاها، لقد جا َت شيئًا ًّا،‬
                                        ‫بث ك‬         ‫ُو الر‬             ‫ي‬       ‫س‬            ‫ء‬
                      ‫يخ ّ له الكون ًّا، َّت لهم ي ًا، و ُ ِئوا أب ًا، َستهزئون ويشتَفون، ويشه‬
       ‫ِّرون وال يكتفون،‬                    ‫د ي‬         ‫د خف‬             ‫هد تب‬            ‫ر‬
           ‫و َّذ ن ي ْذ َ رس الل ُ َ ب م‬                                               ‫ت‬           ‫ج‬
           ‫ويتب ّحون بما ائ ُفِك وال يختفون، قال سبحانه: َال ِي َ ُؤ ُون َ ُولَ َّهِ لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ‬
                                                                        ‫َر‬          ‫ِن ن ك ه‬
                                                            ‫[التوبة:56]، إ َّ شَا ِئَ َ ُوَ األَبْت ُ [الكوثر:3].‬
                                    ‫ُد‬     ‫ر‬                         ‫م‬             ‫م‬
                                   ‫بأبي وأ ّي أنتَ دونَك ُهجتي…في صدرِ من سلقوك أغ ِسها م َى‬
                                        ‫د‬           ‫ة‬                    ‫ل‬
                                       ‫ما أنقصوك فأنت أنت أج ّ خَلـ…ـقِ اهلل منزل ً وأكمل سؤد ًا‬
       ‫لجة‬                        ‫ح‬         ‫ة‬         ‫ر‬     ‫ح ة ن نؤم‬
   ‫هيهاتَ أن تطيبَ لنا َيا ٌ، وأ ّى ِّل نص ًا أو نجا ً ولم نتق ّم لنصرةِ الهادي الحبيب َّ ً وال‬
           ‫ح‬     ‫فَالة؟! يا لَلبهي َة وعظيم ال ِرية! أين األعراف الدول ّة؟! أين العالَم بهيئا ِه ومنظ‬
    ‫َّماته ِيال هذه‬    ‫ت‬                      ‫ي‬                       ‫ف‬           ‫س‬
                        ‫ي ح‬                        ‫ء‬
 ‫الجريمةِ النكراء والفعلةِ الشنعاء؟! أين عقال ُ العالم ومنصفو اإلنسان ّة ِيال هذا االستهزاء؟! أين‬
                                                                              ‫المواثيق العالم ّة التي تصد‬
                                                      ‫ُّ هذا البهتان واالفتراء؟!‬        ‫ي‬
                                                                          ‫د‬             ‫م م‬
                                       ‫فيا أ ّة ال ِليار، ماذا ق ّمتِ لنصرةِ المصطفى الحبيب المختار؟!‬
                                                    ‫ر‬             ‫ب‬           ‫ول ر‬            ‫ن لم‬
                                                    ‫إ ّا ليؤِ ُنا تطا ُ ُ فاج ٍ…معأت مشار َ نفسه األقذا ُ‬
                                                    ‫ر‬                    ‫د‬         ‫ل مة‬
                                                    ‫ويزيدنا ألمًا تَخاذ ُ أ ّ ٍ…يشكو ان ِحارَ غثائها الْمليا ُ‬
        ‫ر‬          ‫ح‬                          ‫ح‬                        ‫ق‬                  ‫ن دو‬
 ‫إ ّ ُ َل اإلسالمِ وما فو َها وما دونها أطرافَها و ُصونها والغبراءَ سهولَها و ُزونَها يج ّمون هذا‬
                                          ‫ن نوج‬
   ‫الفعلَ األثيم، ويستفظعونَ هذا الجرمَ اللئيم. وإ ّنا ِّه ألهبَ النداء من منبر المسجد الحرام من‬
                          ‫م‬                                      ‫ث م‬
   ‫منشَأ رسول اإلسالم ومبع ِه و َرباه، ونَستَصرخ باسمِ المسلمين جميعًا ُطالبين بإيقاعِ العقوبات‬
 ‫زه‬                   ‫ي ب‬                  ‫مي‬                                      ‫ن‬       ‫المغل‬
 ‫َّظةِ دو َ هوادةٍ على المستهزئين بالجناب المح ّد ّ والمقام المصطفو ّ، ُؤبؤِ العيون، المن ّ ِ‬
     ‫س‬          ‫ت َ‬                                          ‫وكل‬           ‫ل‬
  ‫عن ك ّ وصمة ودون، ِّ من واطأ الباغي وأعاد نشر تلك الرسوم؛ كي ُصان شرائع ال ّماء‬
         ‫ت‬                                                       ‫ّ‬              ‫ت‬        ‫عظ‬
      ‫وت َّم مقاما ُ األنبياء في كل زمان ومكان، مع المطالبة بتفعيل القراراتِ الدولية التي َدين‬
                               ‫ي‬                          ‫بد‬              ‫م‬
 ‫وتجازي تلك الجرائ َ والمخازي. ال َّ من تطبيق المواثيق العالم ّة والقرارات الدولية التي تحاكم‬
                              ‫كل‬             ‫مد‬                ‫ل‬              ‫َّ َن يتجر‬
 ‫َّأ على اهلل ورسِه وأنبيَائه و ُق ّساته، وتقاضي َّ من يتطاول على الشرائع والرسل‬    ‫كل م‬
                                                                                                        ‫د‬
                                                                                                    ‫والمق ّسات.‬
  ‫إ ّ هذا الهز َ واإلدقاع عبرَ الشبكات وال ّفحات ـ واي ُ اهلل ـ لو قو ِل به غي ُ ِّنا ألراق في ِ‬
  ‫ه‬            ‫ر نبي‬       ‫ب‬              ‫م‬           ‫ص‬                  ‫َ‬        ‫ء‬          ‫ن‬
                     ‫ل‬            ‫س‬     ‫ج‬             ‫منة‬                 ‫د‬        ‫ر‬       ‫ب‬
    ‫أحبا ُه أنها ًا من ال ّماء، ولكان لهم ُ ّ ٌ من برهان وح ّة من ُلطان، فما باُنا بأعظم األنبياء‬
            ‫ب‬                         ‫ّ‬                                   ‫ال‬     ‫ل‬      ‫ر‬
 ‫قد ًا وأفضِهم فض ً وأعلَمهم باهلل وأكرمهم على اهلل محمدٍ خيرِ األنام عليه من ر ّه أفضل صالة‬
             ‫ر‬        ‫والس‬              ‫ح‬                            ‫وأزكى سالم، النبي‬
           ‫ِّ األكرم والمصطفى األعظم، صا ِب المقام األطهر َّنى األغ ّ؟!‬
                                                     ‫ء‬        ‫ت‬                  ‫ف‬      ‫م ك َر‬
                                                     ‫هَجوتَ ُبار ًا ب ًّا حني ًا…أَمينَ اهلل شيم ُه الوفا ُ‬
                                                 ‫م م و ء‬            ‫ع‬      ‫ع‬                ‫فإن‬
                                                 ‫َّ أبي وَوالدَه و ِرضي…ل ِرض مح ّد ِنكم ِقا ُ‬
    ‫م ن غ‬                    ‫سب‬         ‫أن‬
  ‫يقول شيخ اإلسالم ابن تيميةَ رحمه اهلل: "وال ريبَ َّ من أظهر َّ الرسول وشتْ َه فإ ّه ي ِيظ‬
‫ية‬            ‫ب‬                                                        ‫ر م‬
‫المؤمنين ويؤلمهم أكث َ م ّا لو سفَك دماءَ بعضهم وأخَذَ أموالهم، فإن هذا يثير الغض َ هلل والحم ّ َ‬
                 ‫يعذ‬             ‫ك‬                    ‫م ن‬                           ‫ل‬
    ‫له ولرسوِه "، ويقول رحمه اهلل: " ِن س ّة اهلل أن من لم يتم ّن المؤمنون أن ِّبوه منَ الذين‬
                         ‫ل‬       ‫ي‬                       ‫ق‬                 ‫ن‬
 ‫يؤذون اهلل ورسوله فإ ّ اهلل سبحانه ينت ِم منه لرسوله ويكفِيه إ ّاه، وك ّ من شانَأه وأبغضه وعاداه‬
                                                                               ‫ح‬                       ‫ن‬
                                                               ‫فإ ّ اهلل يقطَع دابرَه ويم َق عينَه وأثرَه".‬
‫ِال‬                            ‫ر ب‬         ‫ز ل‬
‫أال فلتعلمِ األمة جمعاء والعالم بأسرِه أن اهلل ع ّ وج ّ ناص ٌ حبي َه ومصطفاه وخليلَه ومجتباه، إ َّ‬
                                       ‫م ْزئ‬                       ‫ِن‬               ‫َ ه الله‬       ‫ُر ُ َ‬
                        ‫تَنص ُوه فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ [التوبة:04]، إَّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَه ِ ِينَ [الحجر:19].‬
                                                ‫لة ص ر‬                  ‫ف‬           ‫م‬
                                                ‫ما نالَ منك ُنافق أو كا ِر…بل منه نالت ذّ ٌ َغا ُ‬
                                                  ‫م‬                  ‫د‬                           ‫ل‬
                                           ‫حّقتَ في األفقِ البعيد فال ي ٌ…وصلَت إليك وال ف ٌ مهذَار‬
                                                               ‫أعالك ُّك ه ّةً ومكان ً…فلَك السمو‬
                                                 ‫ُّ وللحسود بَوار‬         ‫ة‬         ‫رب م‬
                       ‫م‬      ‫ي َج غي‬                                     ‫وإن‬            ‫ي‬
       ‫أ ّها المؤمنون، َّ هذا الحدث الذي أرجف العالمَ ل ُع ِّب ال ُ ُر ويح ِلهم على االصطراخ‬
     ‫ُنب‬                       ‫ن‬                      ‫ي‬                        ‫خب‬
 ‫والنداء: ِّرونا ـ يا هؤالء ـ عن حر ّة التعبير وضوابطها؛ فإّا في زعمكم نسيناها، ولت ِّئونا‬
                    ‫ية‬                            ‫ن‬       ‫ن‬                      ‫ي‬
  ‫عن مواثيق قدس ّة الرسل والرساالت؛ فإ ّا في ظ ّكم أغفَلناها، أفال تكون حر ّ ُ التعبير إال حينما‬
                              ‫ن‬                                       ‫ي‬               ‫تسب د‬
        ‫ُ َ ّ مق ّسات المسلمين و ُنال من عظمائهم ويوقَع في أنبيائهم؟! لك ّها المعايير المزدَوَجة‬
                                                                                        ‫ر‬
                                                                                     ‫والمكاييل المضط ِبة.‬
                                      ‫ر‬               ‫د‬                 ‫ر‬
                                      ‫عجبًا لهذا الحِقد يج ِي مثلما…يجري صدي ٌ في القلوب وقا ُ‬
        ‫ّ ِي‬              ‫د‬                                      ‫م‬       ‫د‬             ‫سخ‬
        ‫وإذا ُ ِر من عظيم ال ّنيا بر ّتها بين من يزعمون االلتئامَ على المبا ِئ والحقوق والرق ِّ‬
                                             ‫الذم‬                        ‫ت‬
                                           ‫والشرف فهيهات أن ال ُخفَر بينهم العهود وتخيس ِّ َم.‬
‫ويحكم يا هؤالء، أح ُوا العدلَ والصدقَ وانشروه، وأميتوا ََّف َّيفَ واقبروه؛ تأمنوا البوائ َ‬
‫ق‬                           ‫الصل والز‬                                 ‫ي‬
                                                                                         ‫ي ش د ع‬
                                                                                      ‫التي ُخ َى ان ِال ُها.‬
   ‫وإ ّه ال يخفى على الّصفَ ِ والعقالء أ ّ هذه اآلفةَ ال ُُق ّة الد ِسةَ التي انتهكت باستهزائها بالنبي‬
   ‫ِّ‬                               ‫خل ي ن‬                     ‫ن‬            ‫ن ة‬                   ‫ن‬
           ‫د‬              ‫م‬               ‫ع‬        ‫ك‬                      ‫ر‬
‫حرمةَ مليا ٍ ونصف من المسلمين وته ّمت بمشا ِرهم لتهوي باأل َل في النهوض ب َعاوى احترام‬
    ‫اآلخر ودعاوى التسا ُح وحوارِ الحضارات ودعاوى نشرِ السالم والوئام وما إليها من شنا ِ َ‬
    ‫شن‬                                                               ‫م‬
                             ‫ر‬         ‫ترد‬     ‫ب‬        ‫ي ََ‬         ‫كل‬       ‫و‬          ‫ي‬
                      ‫أخزم ّة، نعم ته ِي بذلك ِّه إلى َهماء قرِق، ال َاطالً ُّ، وال زو ًا تَقي.‬
      ‫ف‬        ‫ي‬           ‫ي‬                ‫ر‬       ‫يغذ‬            ‫ب‬    ‫لكل‬
      ‫ولقد استبان ِّ ذي َصيرة من الذي ِّي التط ّفَ واإلرهَاب، و ُذكي العنصر ّة والعن َ‬
       ‫م‬                     ‫م‬                 ‫ص‬             ‫والكرا ِية بين الشعوب، ويؤج‬
     ‫ِّج اإلقصاءَ و ِراع الحضارات. وأ ّا الذين استناموا وأص ّوا‬                 ‫ه‬
            ‫ز‬                           ‫ب‬               ‫ح‬                        ‫ن‬
‫آذانهم عن ِداءات االستفظاع لهذا ال ِقد الدين واستد َروا صرخاتِ التجريم واستنجا ِ التحكيم فقد‬
        ‫الله ل َن ورسل‬                                   ‫َّ اإلسالم وسيد‬
       ‫َّ األنام شيئا، كَتَبَ َّ ُ ألَغِْب َّ أَنَا َ ُ ُِي‬           ‫خانوا أماناتهم ودياناتِهم، ولن يضر‬
                                                                                             ‫[المجادلة:57].‬
     ‫ب‬                                                          ‫ب‬        ‫وإن ت‬           ‫م‬
  ‫أ ّةَ اإلسالم، َّ ِلكم اله ّات الصارمة والغضبات العارِمة لنصرة خيرِ العباد في أقصى ال ِقاع‬
     ‫ي ز‬                                         ‫ي‬          ‫ط‬              ‫و‬
    ‫وشتى البالد بمتن ّع الوسائل وال ّرائق ال س ّما موقف بالد الحرمين الشريفين الرسم ّ الحا ِم‬
                    ‫ل م لشد‬                ‫ر‬         ‫ي‬                       ‫ي س‬
  ‫والشعب ّ الحا ِم وسائر البالد اإلسالم ّة وأحباب َسول اهلل في ك ّ َكان َّ ما أبهجتِ الغيور،‬
    ‫س كم‬             ‫و َرحت بال ِشر الصدور، وكذا ما خ ّته األسَالت، فقد ن ّرت من المحب مق‬
    ‫ِّ ال ُ َل، وآ َتِ ال َل َ‬     ‫و‬                   ‫ط‬                     ‫ب‬        ‫ش‬
                                                                                          ‫وحل عق‬
                                                                                        ‫َّتِ ال ُ َل.‬
                 ‫ي ّ‬
    ‫اهلل أكبر، بصوتٍ واحد ماليين المسلمينَ في األرض ترفع الشعار التأريخ ّ: "إال رسولَ اهلل"،‬
                       ‫ز‬      ‫مؤث ة ت‬                     ‫ة‬           ‫ل‬                 ‫ف‬
  ‫وتر ُض االعتذارَ، وتطاِب بالمحاكم ِ. يا لها من مَواقفَ ِّر ٍ، ُذكي ع ّةَ المسلمين ووَحدتهم،‬
  ‫سب ه َر ل ُ‬                                                    ‫ي‬               ‫دولي‬          ‫وتعز‬
‫ِّز مكانَتَهم ًّا وهيبتهم عالم ّا، ولقد قال اهلل عز وجل في إفك أسالفهم: ال تَحْ َ ُو ُ ش ًّا َكمْ‬
                                                                              ‫َ ه ْر ك ن‬
                                                                       ‫بلْ ُوَ خَي ٌ لَ ُمْ [ال ّور:55].‬
 ‫م‬       ‫ي‬            ‫ي‬                                  ‫ت‬        ‫ك‬         ‫زف‬
‫ولَعمرو الحق، لقد َ ّت لنا تل ُم الهبا ُ والغضبات موقفَ المقاطَعةِ السياس ّة واالقتصاد ّة الصا ِد‬
     ‫تال م‬                ‫ل‬        ‫ق‬           ‫منظومَ األكاليل، وهذا القرا ُ الحاسم وسواه سيتل‬
    ‫ُّ هؤالء إلى ُضبان الذّة والمحاكَمة ًّ، وأ ّا‬                ‫ر‬
                       ‫ز ل‬              ‫فليت‬          ‫ي‬         ‫ت‬                ‫ن‬          ‫ث‬
     ‫الذين ا ّاقَلوا عن ُصرة المجتبى وال ّنديد ولم ُبالوا بالَه َّقوا اهلل ع ّ وج ّ، وليفيئوا إلى هذا‬
                                                                                     ‫المسعى الحميد.‬
        ‫َن‬                               ‫ف‬               ‫ص‬              ‫ر‬            ‫ل‬
    ‫أال فلتش ّ األيدي وتخ َس األلسن وتتق ّف األقالم وليج ّ المداد ولينأ اإلعالم إن لم يج َّد في‬
                                                                               ‫سي‬
                               ‫الدفاع عن ِّد األنام رسول الهدى والرحمة عليه الصالة والسالم.‬
        ‫ه ج‬         ‫ر ي‬                             ‫أن‬
‫وليكن منكم بحسبَان ـ يا رعاكم اهلل ـ َّ التهاب العواطف دون أناةٍ و َو ّة هو ال ُو ُ القواصف‬
    ‫طخ‬       ‫ن‬                   ‫ن م‬            ‫ب‬             ‫و‬                      ‫ت ل‬
   ‫التي ُسِم الحججَ السائغة للعد ّ الكمين المترّص على أ ّنا أ ّة ـ بزعمهم ـ ال تَ ِي، تص َ ِب‬
                                                 ‫َ‬
‫وتضطرب دون ضابط أو رابط. فاهلل اهلل في ضبطِ العواطف وترشيد االنفعاالت وعدم االسترسال‬
 ‫ورا َ أحالمٍ ومنامات ورسائل هوا ِف محموالت وما إليها وتفعيل ُصرة المصطفى تفعيال منهجي‬
‫ًّا‬    ‫ً‬                 ‫ن‬                           ‫ت‬                           ‫ء‬
     ‫ج‬         ‫ر‬          ‫د‬                                   ‫ٍ‬         ‫ل‬       ‫ي‬           ‫ص‬
  ‫وتأ ِيال إيجاب ًّا، ينطَِق من عقيدة راسخة ونصرةٍ دائمة، ال تمليها ردو ُ أفعال طا ِئة، فلتل ِموا‬
   ‫ة‬        ‫ي‬       ‫ي‬          ‫ر‬          ‫ح‬      ‫ق‬
   ‫ـ يا أحباب رسول اهلل ـ العواطفَ بلِجام التع ّل وال ِكمة والتح ّك اإليجاب ّ العمل ّ في نصر ِ‬
                                                                                    ‫ّ‬       ‫ي‬
                                                                   ‫النب ّ الهاشمي بأبي [هو] وأمي .‬
                                                       ‫تتحد‬      ‫ع‬      ‫ح‬    ‫وللد‬     ‫ن‬
                                              ‫إ ّي أقول ُّموع ِكاية… َن مثلها َّث األمطار‬
                                                    ‫ص‬          ‫وأن‬        ‫نبي‬               ‫ن‬
                                                 ‫إ ّا لنعلم أن قدرَ ِّنا أسمى… َّ الشانئين ِغار‬
                                                       ‫ل ي ّ‬         ‫ف‬          ‫لك ّه ألَم المحب‬
                                                 ‫ِّ يزيده شر ًا…وفيه ِمن ُحب فَخار‬          ‫ن‬
          ‫ع مي‬                   ‫لنبي‬        ‫عع ض م‬                             ‫ن‬         ‫ن‬
 ‫فإ ّا هلل وإ ّا إليه راجعون. استرجا ٌ َلى ُلوعٍ ِن اإلساءة ِّنا تحترق، ودمو ٍ ها ِ َة تستبِق.‬
                                              ‫ي‬               ‫ب‬          ‫ع ن‬
 ‫نعم استرجا ُ س ّة وثقةٍ و َأس، ال قنوطٍ و َأس، فاأللسن الغضاب تفري فَريَ الصوارم العضاب،‬
                                                     ‫و‬
                           ‫فاهلل المستعان، وإليه المشتكى، وال حول وال ق ّةَ إال باهلل العلي العظيم.‬
      ‫ذب‬                                            ‫ي‬
 ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي س ّد المرسلين، وجعلنا من أنصاره الغالبين، ال ّا ّين عن‬
                                                                              ‫د‬         ‫ن‬
    ‫س ّته، المف ّين لها باألنفس واألموال والبنين، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول. أقول ما سمعتم،‬
     ‫ن‬                               ‫ل‬                ‫ف‬
‫وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولكا ّة المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إ ّه كان‬
                                                                                            ‫م‬
                                                                                          ‫غفورا رحي ًا.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                                     ‫وق د‬                     ‫ن ع د‬
  ‫الحمد هلل الذي أسبغ علينا ِعمًا ِدا ًا، وبعث فينا سراجًا َّا ًا، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
            ‫ّد‬       ‫ي‬      ‫أن نبي‬        ‫د‬            ‫ض‬         ‫م د‬           ‫توع ف‬
  ‫شريك له َّد األ ّاكين لظى ِها ًا، فقد ر ّوا لنا أكبا ًا، وأشهد َّ َّنا وس ّدنا محم ًا عبد اهلل‬
                            ‫ل‬              ‫د‬                      ‫ي ر‬
‫ورسوله أعظم البر ّة قد ًا وشرفًا، وأرأفهم فؤا ًا، صلى اهلل وسّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه‬
    ‫د‬           ‫ض‬                   ‫د‬                 ‫ب‬                 ‫ق‬       ‫ز‬
  ‫الذين ع ّروه وو ّروه وأمضوا في مح ّته أرواحًا وأجسا ًا، وكانوا في نصرته َراغمَ وآسا ًا،‬
                                                         ‫والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                        ‫ف‬                                                                    ‫م‬
      ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل عبادَ اهلل، وأطيعوه، وتوبوا إليه واستَغفروه، ونا ِحوا عن حياض الحبيب‬
                ‫المجتبى، وكونوا خي َ من شفى في ذلك وكفَى، ِّقوا النصرةَ والوفا في الذب‬
  ‫ِّ عن جناب النبي‬                        ‫وحق‬                     ‫ر‬
                                                                                             ‫المصطفى.‬
                        ‫لنبي ل‬                  ‫مة‬
 ‫أيها اإلخوة األحبة في اهلل، وما تخوضه األ ّ ُ من قمع اإلساءةِ ِّها فِما أوجبه اهلل عز وجل من‬
              ‫ق‬            ‫تعزيره ِّه وتوقيره وحمايته من ك ّ مؤ ٍ وشاني، و ِن المتقر أن‬
    ‫ِّر َّ المولى الح ّ سبحانه قد‬     ‫م‬          ‫ل ذ‬                          ‫وحب‬
                                         ‫ولي َ الله م ي صره ورس ه‬
                ‫أغناه عن نصرةِ الخلق، ولكن َِ َعْلمَ َّ ُ َنْ َنْ ُ ُ ُ َ ُ ُلَ ُ بِالْغَيْبِ [الحديد:17].‬
          ‫م‬                                                                     ‫ر‬
   ‫ولتد ِكوا ـ يا أحباب رسول اهلل رعاكم اهلل ـ أن نصرةَ رسول اهلل ليست في زعو ٍ ودعاوى‬
      ‫ك‬                  ‫ني َف‬             ‫ال‬           ‫تبث ت‬                            ‫ت‬
     ‫ُنشر، وال عواطفَ وانفعاالت ُّ ّ وُنثر فحسب، ك ّ، فلن يغ ِ َنا ص ّ الحروف إذا لم نن ِر‬
                                    ‫ات‬     ‫ي‬              ‫ن‬                  ‫ر‬         ‫ن‬
  ‫بس ّته المنك َ ونعرف المعروف. إ ّ نصرته الحقيق ّة في ِّباع هديه وسنته عليه الصالة والسالم‬
                                                                            ‫ج ع‬             ‫س‬
                                                                 ‫واقتفاء َنَنه ومح ّته و َدم مخالفته.‬
         ‫حق وهب‬        ‫ة‬                      ‫ل‬                             ‫ة ه ر‬
‫ودعو ٌ ملتَ ِبة ح ّاء أن يا قادةَ المسلمين في ك ّ مكان ائتلفوا على نصر ِ نبيكم ًّا، ُّوا لتجريم‬
          ‫ن نبي‬                         ‫ي ك‬                              ‫ل‬       ‫ن‬      ‫ف‬
       ‫هذه ال ِرى ال ّكرا بك ّ ثِقَلكم السياسي واالقتصاد ّ، ح ّموا شرعَ اهلل عز وجل وس ّةَ ِّه ،‬
                                       ‫ت‬        ‫ب‬                     ‫و‬            ‫ب‬         ‫م‬
                ‫وار ُقوا أحبا َه بمقلةِ ال ِداد واإلخاء، وعلى مح ّته وطاع ِه فليكن الوالء والبراء.‬
                              ‫والنظ‬               ‫ض‬                        ‫م‬
                             ‫لن تهتدي أ ّة في غير منهجه…مهما ارت َت من بديع الرأي ُّ ُم‬
                 ‫ورد‬               ‫د‬      ‫ّ‬      ‫ر‬                                    ‫ط‬
   ‫خا ِبوا بعزم عقالء العالم وشرفاءَه للتح ّك الجاد في ص ّ هذهِ التطاوالت ِّ هذه التجاوزات‬
                                                                                         ‫واالستفزازات.‬
  ‫ن ف ة‬                                            ‫ب‬                  ‫ال‬           ‫ء‬          ‫ي‬
  ‫أ ّها العلما ُ والدعاة، ط ّب العلمِ الكفاة، ذّوا عن جناب المصطفى الكريم، وانشروا س ّتَه خ ّاق ً‬
      ‫ئ وج‬
   ‫في العالمين، اعقدوا الدروس والمحاضرات والندوات لتعريفِ العالم بشمائله وفضا ِله، ِّهوا‬
                                                                    ‫ب‬                            ‫م‬
                                                                 ‫األ ّةَ إلى حقيقة االئتساء به ومحّته.‬
             ‫الن ز‬                               ‫ك‬        ‫ي‬                                  ‫ي‬
   ‫أ ّها المؤتمنون على وسائل اإلعالم، أ ّها المف ّرون وحملة األقالم، اغتنموا هذه ُّه َةَ السانحة‬
      ‫ل‬             ‫خب‬    ‫ر‬        ‫ل‬                                        ‫ِ‬
      ‫لنشر سيرته العطرَة بمختلف اللغات والترجمات؛ لتعبرَ العاَم والقا ّات، ِّروهم أنه رسو ُ‬
          ‫ف‬                 ‫م‬                     ‫ال‬                        ‫س‬
   ‫اإلسالم وال ّالم وأمين وحيِ الملك الع ّم، وأنه ـ بأبي هو وأ ّي ـ جاوز في الشر ِ والقدر‬
          ‫ل‬      ‫ي‬            ‫ت‬            ‫َش‬                   ‫ب‬         ‫ة‬
       ‫الجوزاء، وفي العظم ِ والسناء ُلَعًا في السماء، و ِّعوا في بركا ِ رسالته وهد ِه المؤّفات‬
                        ‫ه‬                                ‫ف‬       ‫ر‬          ‫ش‬
 ‫والنشرات والقنوات وال ّبكات، انب ُوا خفا ًا وثِقاال لبيان محاسن الدين، أش ِدوا الدنيا والتأريخَ أن‬
            ‫ُقر‬                          ‫سمو‬   ‫الس‬         ‫ق‬      ‫س‬
     ‫سيرة الحبيب دونها الشم ُ إشرا ًا، ودونها ِّماك ًّا وائتالقا. وعسى اهلل أن ي َّ األعين‬
     ‫ض‬       ‫ن‬                                 ‫تبث‬        ‫ي‬                               ‫ف‬
  ‫ويش ِيَ الصدور بقنواتٍ إسالمية فضائ ّة عالمية ُّ بلغةِ القوم، تقول للعالم: هذا ديُنا الو ّاء،‬
                                                       ‫م‬                                   ‫ي‬
                                   ‫وهذا نبّنا ذو الشمائل القعساء، ودون هذه هم ُ ذوي اليسار والثراء.‬
                    ‫د‬             ‫سي‬                           ‫ف‬
 ‫فيا رجال المال واألعمال، أن ِقوا مما آتاكم اهلل في نصرة ِّد المرسلين و َعم الخطَط التي تنسف‬
                                                                  ‫ي‬    ‫خي‬
                                      ‫مكائد المستهزئين بخيرةِ ال ِ َر وسّد البشر عليه الصالة والسالم.‬
              ‫ح‬              ‫س‬        ‫ي ن نت‬                   ‫ف‬                        ‫ي‬
   ‫أ ّتها األخوات المسلمات ال ُضليات، انصرن نبّك ّ وسّ َه بالتم ّك بالحجاب وال ِشمة والعفاف‬
           ‫نش‬                                 ‫ر‬                                    ‫ح‬
 ‫وال َذر من التبرج والسفور واالختالط المح ّم ومكائد التغريب ودعاوى اإلسفاف، ِّئن األجيال‬
            ‫م‬           ‫ب تتحق‬       ‫ت‬                        ‫و‬      ‫ت‬        ‫ب‬
     ‫أحالفَ مح ّته وطاع ِه، ور ّوهم من معينِ منهجه وسير ِه ، و ِذلك َّق نصرة األ ّة بكافة‬
                                                                       ‫م‬      ‫ب‬        ‫ئح لنبي‬
                                                                    ‫أطيافها وشرا ِ ِها ِّها وحبي ِها مح ّد .‬
           ‫ب‬                                                                        ‫د‬
    ‫س ّد اهلل الخطى، وبارك في الجهود، وأعان العاملين المخلصين لنصرة دينهم والذ ّ عن سنة‬
                                                                                                             ‫ي‬
                                                                                          ‫نب ّهم ، إنه جواد كريم.‬
   ‫ب‬               ‫ر‬      ‫ِد‬      ‫ُر وأجل‬         ‫ي‬                         ‫ل‬     ‫ل‬
  ‫أال وصّوا وسّموا ـ رحمكم اهلل ـ على س ّد الخلق ط ًّا ِّهم محت ًا وقد ًا الذي أرسله ر ّه‬
                                                                                                      ‫ر‬
                                                                                                    ‫للمدلجين بد ًا.‬
           ‫ب‬
 ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن من أزكى أعمالكم عند مليككم وأرجاها عند بارئكم ذّكم عن جناب‬
  ‫حبيبكم بكثرة صالتكم وسالمكم على نبيكم محمد ، كما أمركم بذلك ربكم جل وعال، فقال تعالى‬
     ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬
    ‫قوال كريما: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا‬
                                                                                                   ‫[األحزاب:61].‬
                                                          ‫ب ي‬        ‫ب‬              ‫ن‬
  ‫اللهم إ ّا نشهدك على ح ّك وح ّ نب ّك محمد ، ونشهدك أنه أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ووالدينا‬
                       ‫ي‬
‫وأموالنا وذرارينا، اللهم إنا نبرأ إليك مما فعل الشانئون بجناب نبيك وصف ّك ، اللهم إنهم قد آذونا‬
     ‫في نبينا وحبيبنا وقدوتنا وأسوتنا عليه لصالة والسالم، فاللهم إن كان في سابق علمك أنهم ال‬
            ‫ه‬                ‫ب‬               ‫ق‬         ‫ر‬
   ‫يهتدون وال يرعوون فاكفِ المسلمين شرو َهم، وانت ِم لهم منهم يا جّار يا عزيز. إلَ َنا، انقطع‬
‫األمل إال منك وخاب الرجاء إال فيك وضعف االعتماد إال عليك، فاللهم انصر دينك وكتابك وسنة‬
   ‫ب‬                      ‫ق‬      ‫حب‬
‫نبيك محمد وعبادَك المؤمنين، اللهم إنا أحببناك وأحببنا رسولك ًّا صاد ًا، اللهم فاغفر به ذنو َنا،‬
    ‫ذب‬                    ‫وثق‬                                   ‫ب‬
‫وأسعد به قلوبنا، وتق ّل هذه الكلمات، وجعلها لوجهك خالصات، ِّل بها ميزان الحسنات ًّا عن‬
                                                                                            ‫ي‬       ‫ي‬
                                                       ‫س ّد البر ّات، بأبي هو وأمي عليه الصالة والسالم.‬
                                                                                                    ‫ز‬
                                                                               ‫اللهم أع ّ اإلسالم والمسلمين...‬

‫(5/3464)‬
                                                                                   ‫ي‬       ‫ي‬
                                                                                  ‫المسلمون بين التم ّز والتمّع‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                        ‫األسرة والمجتمع, قضايا في االعتقاد‬
                                                                  ‫االتباع, البدع والمحدثات, قضايا المجتمع‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                                    ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                    ‫85/5/2745‬
                                                                                                  ‫المسجد الحرام‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- قوة المسلم. 7- أهمية اتباع النبي . 3- خطورة البدع والمحدثات. 4- ضرورة مراجعة‬
   ‫األوضاع. 1- تأثير اإلعالم الغربي على المسلمين. 6- حرمة مشاركة الكافرين في أعيادهم.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                         ‫ي‬      ‫ن‬
    ‫أما بعد: فإ ّ الوص ّة المبذولة لنا ولكم ـ عباد اهلل ـ هي تقوى اهلل سبحانه وخشيته في الغيب‬
             ‫ل‬                ‫ن كل‬                       ‫ي‬       ‫ي‬        ‫م‬
 ‫والشهادة، ولزو ُ هدي نب ّه ، وإ ّاكم ومحدثات األمور؛ فإ ّ َّ محدثة بدعة، وك ّ بدعة ضاللة.‬
     ‫َّ شأنه لتك ُ ُ بوضوح في مدى اعتزا ِه بدينه وتمسك‬
    ‫ُّ ِه‬         ‫ز‬              ‫ٍ‬     ‫من‬                                 ‫إن قو‬          ‫ي‬
                                                    ‫أ ّها الناس، َّ َّةَ المسلم ورفعتَه وعلو‬
    ‫وإن‬                                                            ‫ب‬             ‫ق‬        ‫دت‬
‫بعقي َ ِه وأخال ِه ومبادئه، و ُعدِه عن لوثةِ التقليد األعمى والتبعيةِ المقيتة وراء المجهول. َّ على‬
                                        ‫ل‬                            ‫ر‬
     ‫رأس االعتزاز وال ّفعةِ التي هي مطلَب منشود لك ّ مجتمع ـ بله المجتمعات المسلمة ـ هو‬
      ‫ل‬      ‫االتبا َ واالقتداء لهديِ المصطفى وال ُعدَ عن اإلحداث واالبتداع، ِّباعًا ِلؤه التأس‬
     ‫ِّي المخِص‬       ‫م‬      ‫ات‬                          ‫ب‬                             ‫ع‬
                                                       ‫ي ع كل‬                 ‫ب ّاعة‬
 ‫والمح ّة الد َّ ُ إليه، اتباعًا ُش ِر َّ مسلم ومسلمةٍ أن الخضوعَ في الدين والخلق األدب إنما هو‬
   ‫ي‬       ‫ء‬                                                                      ‫ِ‬
  ‫هلل الواحدِ األحد؛ إذ كيف يحلو دين ال خضوعَ فيه وال اتباع؟! ومن هذا المنطلق جا َت الوص ّة‬
   ‫وَن َذ ِر ط م ق م َاتبع ه و َتبع‬                                         ‫د‬           ‫ق ل‬
 ‫الكبرى من الخال ِ ج ّ شأنه لعبا ِه المؤمنين بقوله: َأ َّ ه َا ص َا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َال ت َّ ِ ُوا‬
     ‫ص‬           ‫فكل‬                  ‫الس ُ َ َر بك ع سب ل ل ُ َص ُ ب َلك َتق‬
  ‫ُّبل فَتَف َّقَ ِ ُمْ َنْ َ ِيِهِ ذَِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّ ُمْ ت َّ ُونَ [األنعام:315]، ُّ سبيلٍ غير ِراط‬
‫ل‬                     ‫ن‬           ‫ع‬       ‫د‬                 ‫إ فيحب‬        ‫ن‬
‫اهلل عليه شيطا ٌ يدعو ِليه، ِّب سالكيه إلى الب َع، ويب ِدهم عن الس ّة، وهي مرحلة من مراح ِ‬
               ‫المراغمةِ بين الشيطان وبني آدم، وغواي ُ الشيطان وحبائُه كالكالليبِ التي تتخط‬
 ‫َّف السالكين إلى‬                    ‫ل‬              ‫ة‬
            ‫ت‬                ‫ل و‬          ‫د‬       ‫ب‬                      ‫ع‬
         ‫مستنقعاتِ الدون وال َطَب؛ ليقع فيها المرتا ُ المتر ّد الذي خَِي ِفاضه عن أسس اال ّباع‬
                         ‫و‬                        ‫ي‬    ‫ن‬         ‫م‬                     ‫س‬
      ‫والتم ّك بالسنة النبوية، فإ ّا أن يكو َ ضح ّةَ النكوص واالستهتار أل ّل وهلةٍ، أو أن يصبح‬
   ‫و ه الش ط ُ ف َ ْ ح ْر ه ح ب َ ع ه إل ُد ت ق ِن هد الل‬                                                       ‫َّ‬
 ‫كَالذِي اسْتَهْ َتْ ُ َّيَا ِين ِي األرضِ َي َانَ لَ ُ أَصْ َا ٌ يدْ ُونَ ُ َِى الْه َى ائْ ِنَا ُلْ إ َّ ُ َى َّهِ‬
                                                                            ‫م‬          ‫ه ُد وأم لن ِ ِ َب‬
                                                           ‫ُوَ الْه َى َُ ِرْنَا ِ ُسْلمَ لر ِّ الْعَالَ ِينَ [األنعام:52].‬
                     ‫ع‬              ‫قب‬                   ‫م سس محب‬                        ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلمون، لقد كان ِن أ ُ ِ َّة اهلل جل وعال من ِ َل عباده أن يج َلوا من وسائل هذه‬
  ‫المح ّة االتباعَ الصادقَ لنب ّه ؛ ليحسنَ القصد ويص ُق ال ّعم، كما قال تعالى: قلْ ِنْ ُنْتمْ ُح ُّو َ‬
  ‫ُ إ ك ُ ت ِب ن‬                            ‫د ز‬                         ‫ي‬                       ‫ب‬
     ‫ٌ ُ ط ع الله َالرس َ إ َل‬                      ‫الل َ َاتبع ن ي ب ُ الله وي ِ ُ ذن ب ُ َالله ف ر‬
  ‫َّه ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْكمْ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ رَحِيم قلْ أَ ِي ُوا َّ َ و َّ ُول فَِنْ تَوَّوْا‬
                                                                                    ‫ِن الل َ ي ِب ك ِر‬
                                                              ‫فَإ َّ َّه ال ُح ُّ الْ َاف ِينَ [آل عمران:53، 73].‬
               ‫ر‬               ‫ت‬                       ‫ت‬           ‫ِد‬                          ‫ل‬
     ‫وِذا ـ عبادَ اهلل ـ كانت الب َع والمحدثا ُ التي تقَع في المجتمعا ِ كالطوفان المغ ِق، بيدَ أن‬
         ‫غ‬        ‫م‬              ‫رك‬              ‫ة‬           ‫د‬         ‫ت‬           ‫ن ص‬
  ‫الس ّةَ ال ّحيحة واال ِّباع الصا ِق هما سفين ُ نوح التي من َ ِبها فقد نجا و َن تركها َرق، وال‬
                                                                                   ‫عاصم من أمر اهلل إال من رحم.‬
         ‫ر‬             ‫م‬                   ‫َّ‬                                ‫ح‬
‫في الصحي َين من حديث عائشةَ رضي اهلل عنها أن رسول اهلل قال: (( َن أحدث في أم ِنا هذا ما‬
                            ‫د‬         ‫ر‬                                            ‫َ د‬         ‫س‬
                         ‫لي َ منه فهو ر ّ))، وفي روايةٍ لمسلم: ((كل عملٍ ليس عليه أم ُنا فهو ر ّ)).‬
                                                                                     ‫ه‬
     ‫ف َذا الحديث ـ عبادَ اهلل ـ أصل عظيم جامع من أصولِ اإلسالم، وهو كالميزان لعأعمال في‬
 ‫ي‬            ‫ء‬               ‫م‬            ‫ر‬             ‫ر‬                 ‫ٍ‬   ‫ِر فكل‬
 ‫ظاه ِها، ُّ عمل ال يكون عليه أم ُ اهلل وال أم ُ رسوله فليس ِنَ الدين في شي ٍ. قال النوو ّ‬
                   ‫ة‬                          ‫ل‬              ‫غ‬
     ‫رحمه اهلل: "هذا الحديث مما ينب ِي حفظه واستعماُه في إبطال المنكرات وإشاع ُ االستداللِ به‬
                                                                                                                   ‫كذلك".‬
                   ‫َّ‬     ‫ف‬         ‫َ‬       ‫م‬     ‫دئ ي ك‬                               ‫َ‬      ‫إن‬
 ‫َّ الناظر في أحوالِ المسلمين ومبا ِ ِهم ل َح ُم حك ًا ال ريب فيه وال ُتون بأن أهل اإلسالم ال بد‬
         ‫ل‬         ‫م‬                      ‫م‬                   ‫ن‬         ‫ح‬       ‫ع‬         ‫ج‬
       ‫أن يرا ِعوا أوضا َهم ليص ّحوها، وأ ّ عليهم أن يكونوا أ ّةً متبوعة ال تابعة، أ ّةً لها ثقُها‬
            ‫د‬          ‫و‬                ‫ص‬          ‫و‬               ‫م‬              ‫ي‬
‫الثقاف ّ واألخالقي، أ ّة لها مصدرها و ِردها الخا ّ الذي ال يساويه ِرد وال مص َر في الوجود،‬
     ‫ي‬                                  ‫مقو‬                                       ‫م ب‬
   ‫أ ّةً تس ِق جميعَ الثقافات والحضارات بما لديها من ِّمات االعتزاز والرفعة والغلبة، ال سّما‬
                                                                                  ‫ي‬          ‫ي‬
                                                                                 ‫على المستوَى العقد ّ واألخالق ّ.‬
                              ‫ي ي‬
       ‫ولقد جرَت عادة األمم والمجتمعات أن تأنفَ من الخضوع لمن ُبا ِنها في األخالق والعادات‬
           ‫ك‬                         ‫م‬                        ‫س‬            ‫يكل‬
     ‫والمشارب وإن لم ِّفها من يمار ُ هذا اإلخضاعَ بزيادةٍ ع ّا تدين به، بل إنها تستَن ِره حتى‬
‫د‬                      ‫ق م‬               ‫ب‬              ‫ع ع ل‬             ‫ل‬     ‫ع‬
‫تنأى عنه وتَبتَ ِد، وكّما ابتَ َدت َنه كّما اقتربت آدا ُ ذويها وأخال ُهم ِن بعض، فلم يعد للعوائ ِ‬
                                                     ‫ه ن‬             ‫ف‬             ‫ص‬     ‫و د‬        ‫ي‬
                                                  ‫األجنب ّة عنهم ِر ٌ وال َدر، وال تلتَ ِت إليها ِمم ال ّاس.‬
                 ‫ر‬       ‫ر‬                     ‫ذ‬        ‫ِّ‬                               ‫ن‬
‫غير أ ّ الهيجَانَ اإلعالمي العارم المتسللَ لِوا ًا بين المسلمين قد سا َق خواط َ كثيرين منهم وأخذ‬
        ‫َ‬        ‫ك‬           ‫ق‬                                                ‫حد‬
     ‫بألبابهم و َ ّق بأبصارهم؛ حتى صارَ له من الوقع والتأثير في طر ِه ما ال يم ِن أن يكون من‬
             ‫ي‬         ‫ة‬            ‫ك‬         ‫جد‬         ‫إن م‬      ‫و‬
   ‫خالل مطارِقِ البأس والق ّة، بل َّ ِن المؤسف ًّا أن تتم ّن هذه الثور ُ اإلعالم ّة والتصارع‬
                     ‫والل‬  ‫ر‬            ‫ب‬                   ‫ف‬                 ‫ي‬
     ‫الحضار ّ والثقافي المكشو ُ من إحداث تمازجٍ تسّب في أخذ ال ّعاع َّهازم من المسلمين‬
            ‫م ز‬                  ‫د‬
 ‫بأيديهم عاصبين أعينَهم إلى ما لم يكن من أصولِ دينهم وعوائ ِهم، وال هو من ُرتَك َاته، فمحَوا‬
          ‫ت‬                ‫ع‬                  ‫نل‬
‫بذلك الفوارقَ بين المسلمين وغير المسلمين، وأ ّ ِلمسلمين من التشري ِ واالعتقاد واال ّباع ما ليس‬
      ‫بضم‬                 ‫َ‬                           ‫ث‬       ‫ظ‬
     ‫لغيرهم، فاختلَط الحابل بالنابل، وع ُم التأ ّر بالثقافة اإلعالمية المستوردَة، وصارَ ال َع ُ ِن‬
       ‫ي‬                 ‫ك‬              ‫ز‬           ‫ق ل د غ‬                           ‫ل‬
 ‫المسِمين منهومين في تل ّي ك ّ جدي ٍ و َريب دون فر ٍ وال إدراك لل ُنه وما يحمل في ط ّاته من‬
                                                                                                                ‫خ‬
                                                                                              ‫مس ٍ وإضعافٍ لالنتماء.‬
   ‫جَ‬                         ‫مل‬               ‫ّ ل‬               ‫ة‬     ‫أي‬
‫فيا هلل العجب! ُّ صدم ٍ هذه التي تحل بك ّ غَيور على بني َّته، يرى في أضعافها الترا ُع في‬
 ‫ف ق‬                    ‫م‬                                       ‫ي‬
‫االعتزاز واالمتياز أمامَ الغارة األجنب ّة الكالحة، ويرَى المسارقة الحثيثة المث ِرةَ حِجابًا كثي ًا يف ِد‬
                                  ‫ب‬       ‫ل‬                     ‫ّز‬        ‫ي‬
‫بعضَ المسلمين هو ّتهم وتمي َهم الخلقي والعقدي، ك ّ ذلك إ ّان انحسارٍ في التوعيةِ أورثَ إرسال‬
            ‫ن‬                                    ‫م‬             ‫ل‬
‫الحبالِ على الغوارب؛ ليح ّ ببعضِ المجت َعات ما ذكره المصطفى بقوله: ((لتركَب ّ سننَ من كان‬
                                             ‫ت‬     ‫قبلكم حذوَ الق ّة بالق ّة، حتى لَو دخلوا جح َ ضب‬
          ‫ٍّ لدخلُموه))، قالوا: يا رسولَ اهلل، اليهود‬ ‫ر‬                    ‫ذ‬       ‫ذ‬
                      ‫ك‬             ‫د‬             ‫ي‬
‫والنصارى؟ قال: ((فمن؟!)) رواه البخار ّ ومسلم، وليص ُقَ فيهم ما ذ َره ابن مسعودٍ رضي اهلل‬
   ‫ذ‬       ‫ذ‬              ‫م‬       ‫ت ه تت‬                         ‫َم‬      ‫ب‬
 ‫تعالى عنه حينَ قال: (أنتم أَش َه األم ِ ببني إسرائيل سم ًا و َديًا، َّبعون ع َلَهم حذوَ الق ّة بالق ّة،‬
                                                                         ‫غير أني ال أدري أتعبدون العجل أم ال).‬
                ‫ل‬                         ‫ة‬                    ‫فإن‬               ‫كل‬      ‫م‬
     ‫و َع ذلك ِّه ـ عباد اهلل ـ َّ لدى الناس من الفطر ِ والنشأة المتينة والتأصي ِ ما يمكن من‬
     ‫ق‬                     ‫ك‬       ‫ُ‬                  ‫ئ‬                      ‫إ‬            ‫ة‬
   ‫خِالله يقظ ُ الوسنانين وِذكاء مبدأ تدافع العوا ِد والعقائد، والغلبة بال ش ّ للحقيقةِ التي ال تن َطع‬
                                   ‫ض‬           ‫ن‬                ‫ن‬      ‫هج‬                 ‫ر‬
  ‫بالم ّة، وإن خفَتَ تو ّ ُها حي ًا بعد آخر إال أ ّنا نرى ومي َ برقها يلوح في أفئدةِ الغيورين من‬
                      ‫ص‬                            ‫ل‬
‫بني اإلسالم وسطَ تلك الغيايات العارضة كّما الح في األفقِ الوجه النا ِح والنذير العريان؛ حتى‬
                     ‫ن‬              ‫و‬          ‫قوي‬                      ‫ن‬               ‫يت‬
   ‫َّضح لكل رامقٍ أ ّ صراع الثقافات وإن كان َّ الفتك أل ّل وهلةٍ إال أ ّه سريع العطَب أمام‬
    ‫ُم‬                             ‫ن‬               ‫ر‬                              ‫ي‬           ‫المعتز‬
    ‫ِّ بدينه وهو ّته؛ إذِ الهوية المسلمة قد يعت ِيها المرض أحيا ًا غير أنها ال تموت قَطعًا، ث َّ‬
  ‫ي ن ع ك م الل‬              ‫و َّذ َ ي م ِن ُ‬                         ‫ْ ِ َاتب و َت‬                 ‫عل ر عة م‬              ‫جع‬
‫َ َلْنَاكَ ََى شَ ِي َ ٍ ِنْ األَمر ف َّ ِعْهَا َال ت َّبِعْ أَهْ َاءَ ال ِين ال َعْلَ ُونَ إ َّهمْ لَنْ ُغْ ُوا َن َ ِنْ َّهِ‬
 ‫ُد َ مة ْم‬                  ‫وِن الظ لم ن ب ض ُ ل ء ب ض َالله وِي ُتق َذ بص ِر ِلن‬
 ‫شَيْئًا َإ َّ َّاِ ِي َ َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعْ ٍ و َّ ُ َل ُّ الْم َّ ِينَ ه َا َ َائ ُ ل َّاسِ وَه ًى ورَحْ َ ٌ لِقَو ٍ‬
                                                                                                                ‫ي قن‬
                                                                                            ‫ُو ِ ُونَ [الجاثية:85-07].‬
    ‫بارك لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم. قد قلت ما‬
               ‫فر‬                                             ‫ً‬
             ‫قلت، إت صوابًا فمن اهلل، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر اهلل إنه كان غ ّا ًا.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                           ‫ي‬
                                                     ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نب ّ بعده.‬
                                                                                  ‫وبعد: فاتقوا اهلل معاشر المسلمين.‬
  ‫ت‬             ‫ء‬                            ‫ز‬               ‫ة‬                  ‫أن‬
  ‫واعلموا َّ من األمور المحزن ِ والقضايا المف ِعة انسياقَ بعض المسلمين ورا َ طبائع وعادا ِ‬
        ‫ن‬      ‫حر‬                 ‫د‬
      ‫ومعتقدات غير المسلمين، من خاللِ االنخراط معهم في أعيا ِهم وعوائدهم التي َّمها ديُنا‬
                                                               ‫أت‬                       ‫ذ أشد‬
                                                          ‫الحنيف، وح ّرنا َّ التحذير من الوقوعِ في ُّونها.‬
                                       ‫بس‬                        ‫ل‬          ‫علة‬
         ‫ومما يزيد األمرَ ِّ ً والطينَ بّة أن نرَى فئامًا من ال ُ َطاء ينساقون وراء ذلكم، فيحاكون‬
                 ‫ت‬                     ‫ي‬                      ‫ع‬           ‫َّ‬           ‫ع‬
 ‫مواق ِيها زاعمين أن في ذلك نو ًا من المجاراة اإليجاب ّة والتالقح في العادا ِ والثقافات، فصال‬
                                                        ‫ر‬                     ‫ل‬
                                           ‫كثيرون وجالوا في ذِك، حتى أصبح المرء يع ِف منهم وينكر.‬
                                                   ‫ث‬                ‫ء‬
‫وعلى رأسِ ما ينكره المر ُ العاقل هو التأ ّر والتأثير في أعيادِ غيرِ المسلمين واستسهال مثل ذلك‬
                    ‫وأن‬                                ‫األمرِ بح ّة َّ االنفتاح العالمي‬
‫َّ لم يضع بين الناس فوارقَ وخصائص، َّ االشتراك في األعياد‬               ‫ج أن‬
                                    ‫ر ِد‬              ‫ن م‬                          ‫ي‬
                              ‫والمناسباتِ العقد ّة ال ينبغي أن تقفَ دو َه ال ِلَل، وهذا أم ٌ ج ّ خطير.‬
    ‫م‬              ‫ب‬            ‫ي م‬                                     ‫ر‬         ‫ظ‬        ‫إ ش‬
‫وِن ِئتم فان ُروا ـ يا َعاكم اهلل ـ ما وقَع من التأثير فيما ُس ّى: "عيد الح ّ" أو "عيد األ ّ" أو‬
   ‫ر‬             ‫ي‬       ‫من‬
   ‫ما شاكَل ذلك بين صفوف المسلمين دون أن يعلَموا حقائقها وما تتض ّ ُه في ط ّاتها من مخاط َ‬
                                                   ‫ق‬                    ‫ل‬
‫على عقيدة المسلم وخُقه، وما يقع فيه معا ِروها من مخالفةٍ لهديِ النبي وارتكابٍ لما نهى عنه من‬
                                                                                       ‫مخالفةِ غير المسلمين.‬
      ‫ب‬                     ‫س‬                   ‫حق‬        ‫ب‬            ‫ء ي م‬           ‫د‬
      ‫والمشاه ُ ألصدا ِ ما ُس ّى: "عيد الح ّ" ليوقن ًّا درجةَ الغفلة وال ّذاجة التي تنتَاب شبا َ‬
               ‫ل‬
    ‫المسلمين وفتياتهم في السباقِ المحموم وراء العوائدِ األجنبية عن دينهم، دون أن يكّفوا أنفسَهم‬
                                                                                 ‫معرفةَ أصولِ تلكم العوائد.‬
        ‫ب‬               ‫بأن‬                              ‫ي‬                         ‫ي‬
   ‫و َزداد األسف حين يغيب الوع ُ عن كثير من ضحايا ذلكم التغريب َّ أصلَ عيدِ الح ّ عادة‬
       ‫ل‬                  ‫ي‬                ‫ن‬                                         ‫ي‬
       ‫احتفال ّة يرجع تاريخها في بعضِ الروايات إلى القر ِ الثالث الميالد ّ؛ إحياءً لذكرى رج ٍ‬
                   ‫ال‬             ‫من‬                     ‫ِر‬                 ‫ر‬        ‫ي‬
‫رومان ّ كان يب ِم عقودَ الزواج س ًّا لجنود الحرب الذين ُ ِعوا من ذلك لئ ّ ينشغلوا بالزواج عن‬
      ‫د ذ‬                                           ‫ح‬
   ‫الحروب، حتى افتضحَ أمر ذلك الرجل، و ُكم عليه باإلعدام، فجعلوا يومَ إعدامه عي ًا و ِكرى‬
     ‫ي‬                               ‫ر د‬                                                  ‫د‬
‫يتها َون فيها الورودَ ورسائلَ الغرام، بل تجاوز األم ُ أبع َ من ذلك، حتى صارَ يومًا لإلباح ّة عند‬
             ‫ب يعب‬           ‫ش‬             ‫ض ي َد‬
 ‫بعض غيرِ المسلمين، وهو في الوقت الحا ِر ُع ّ يوم عيد للع ّاق والمح ّين، ِّرون من خالله‬
                                                                   ‫د‬                          ‫ل‬
                                             ‫بالّون األحمر في لباسِهم وورو ِهم ورسائلهم وغير ذلكم.‬
   ‫م‬                              ‫ي‬                     ‫ي‬             ‫ي‬      ‫ن‬             ‫ن‬
   ‫وديُنا الحنيف دي ٌ سماو ّ ورسالة عالم ّة، لها أثرها اإليجاب ّ في المجتمعات، فلم يكن اإلسال ُ‬
  ‫ب‬           ‫ن‬                            ‫ًّ لحصرِ المح ّة في يو ٍ واحد، أو محال ر‬
 ‫ًّ للب ّ باألم في ليلةٍ واحدة، بل إ ّه دين المح ّة‬        ‫م‬        ‫ب‬            ‫يومًا ما محال‬
                                             ‫ي‬         ‫صح‬             ‫ل ن‬         ‫د‬       ‫ر‬
‫والب ّ والمو ّة في ك ّ آ ٍ وحين، فلقد َ ّ عن النب ّ أنه قال: ((والذي نفسي بيدِه، ال تدخلوا الجنة‬
                                                                       ‫ب‬                        ‫م‬
                                                                  ‫حتى تؤ ِنوا، وال تؤمنوا حتى تحا ّوا)).‬
  ‫ثم َّ لإلسالم من الخصوصّة واالمتياز ما ال يجوز في مقابِه الوقوع في خصائص غي ِه، َّ‬
  ‫ر فإن‬                      ‫ل‬        ‫ُ‬                     ‫ي‬                  ‫إن‬
               ‫ن‬                          ‫ه‬                                              ‫النبي د‬
‫َّ ق ِم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ((ما َذان اليومَان؟))، قالوا: ك ّا نلعب فيهما في‬
                                          ‫ر‬         ‫د‬            ‫إن‬                       ‫ي‬
    ‫الجاهل ّة، فقال رسول اهلل : (( َّ اهلل قد أب َلَكما خي ًا منهما: يومَ األضحى ويوم الفطر)) رواه‬
                     ‫د‬            ‫ن‬                                  ‫ي‬         ‫د‬
 ‫أحمد وأبو داو َ والنسائ ّ، وفي الصحيحَين أن النبي قال: ((إ ّ لكل قوم عي ًا، وهذا عيدنا))، وقد‬
                          ‫د‬                                      ‫تشب‬           ‫ن‬            ‫صح‬
                         ‫َّ عن النبي أ ّه قال: ((من َّه بقومٍ فهو منهم)) رواه أحمد وأبو داو َ.‬
  ‫نه‬                                         ‫ل‬                 ‫أن‬                          ‫م‬
 ‫و ِن هنا نعلم ـ عبادَ اهلل ـ َّ المشاركين في مث ِ هذه األعياد من المسلمين قد وقَعوا فيما ُ ِي‬
   ‫د‬                                      ‫د‬                                              ‫ي‬
  ‫عنه، و َكونونَ بذلك قد ارتَكبوا مفسدتين: أوالهما: مفس َة موافقة غيرِ المسلمين، والثانية: مفس َة‬
      ‫و ءه‬            ‫ز ه ح عر ِي و ئ اتب‬                            ‫وَ‬            ‫ل‬                   ‫ة‬
    ‫ترك مصلح ِ مخالفتهم، واهلل ج ّ وعال يقول: َكذَلِكَ أَن َلْنَا ُ ُكْمًا َ َبًّا َلَ ِنْ َّ َعْتَ أَهْ َا َ ُمْ‬
                                                 ‫ب د ج ك م ع ْم ك م الل م وِي و و‬
                                  ‫َعْ َمَا َاءَ َ ِنْ الْ ِل ِ مَا لَ َ ِنْ َّهِ ِنْ َل ٍّ َال َاقٍ [الرعد:23].‬
                               ‫م‬                   ‫ي‬                               ‫ل‬
  ‫هذا، وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على خير البر ّة وأزكى البشرية مح ّد بن عبد اهلل، فقد أمركم اهلل‬
    ‫ي‬                           ‫ي‬        ‫ي‬              ‫بأمر بدأ فيه بنفسه، وث ّى بمالئك ِه المسب‬
   ‫ِّحةِ بقدسه، وأ ّه بكم أ ّها المؤمنون، فقال جل وعال: َا‬     ‫ت‬         ‫ن‬
                                                                    ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫َي َّذ ن من‬
                                                     ‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                                                    ‫لم‬            ‫م‬             ‫م‬        ‫لم ل‬
                               ‫الّه ّ ص ّ على مح ّد وعلى آل مح ّد، وارض الّه ّ عن خلفائه األربعة...‬

‫(5/4464)‬




                                                                                                   ‫روحي فداك يا رسول اهلل‬
                                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                       ‫اإليمان, قضايا في االعتقاد, موضوعات عامة‬
                                                                            ‫اإليمان بالرسل, الصحابة, جرائم وحوادث‬
                                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                                    ‫إبراهيم بن علي الحكمي‬
                                                                                                                           ‫الرياض‬
                                                                                                                 ‫27/75/6745‬
                                                                                                              ‫جامع ابن عثيمين‬
                                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- نعمة بعثة النبي . 7- حال العرب في الجاهلية. 3- حب الصحابة للنبي . 4- حب الحجر‬
                                  ‫والشجر للنبي . 1- جريمة الدنمارك النكراء. 6- واجبنا لنصرة النبي .‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
   ‫ر‬               ‫م‬                 ‫ل‬      ‫من‬                  ‫ذك‬       ‫جل‬
   ‫عباد اهلل، إن اهلل َّ جالله َّر عبادَه المؤمنين َّته وفضَه عليهم بمبعث مح ّد ، ليعرفوا قد َ‬
     ‫َن الله‬           ‫ال‬
     ‫هذه النعمة، فيشكروا اهلل عليها، ويحمدوه، ويلتزموا ما جاء به محمد علمًا وعم ً: لَقَدْ م َّ َّ ُ‬
 ‫عل م من ِ بع ف ه رس م فس ِ ي ل ع ِ ي ت و ُ َك ه وي َلمه ك ب و ح مة‬
 ‫ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ إذْ َ َثَ ِي ِمْ َ ُوالً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْوا َلَيْهمْ آ َا ِهِ َيز ِّي ِمْ َ ُعِّ ُ ُمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َ َ‬
                                                             ‫وإ ن م ْ ل ف ض مب‬
    ‫َِنْ كَا ُوا ِن قَبْ ُ لَ ِي َاللٍ ُ ِينٍ [آل عمران:465]، فالمؤمنون الذين آمنوا باهلل ورسوله هم‬
                                  ‫عل‬          ‫حق‬                 ‫ن‬
‫الذين يستشعرون هذه الم ّة ويعرفون قدرَها َّ المعرفة، َّمهم القرآن والسنة وإن كانوا من قبل‬
                                                                                                     ‫مبعثه لفي ضالل مبين.‬
                                                                          ‫َحية‬
                                             ‫يا خير من جاء الوجود ت َّ ً…من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا‬
                                                                        ‫م‬
                                                        ‫بك بشر اهلل السماء فزينت…وتضوعت ِسْكًا بك الغبراء‬
             ‫ر‬
 ‫كانوا قبل مبعث محمد في غاية من الضالل، ال يعرفون معروفًا، وال ينكرون منك ًا، في جاهلية‬
                         ‫م‬
      ‫جهالء، وضاللة عمياء، نظر اهلل إلى أهل األرض فمقتهم عربهم وعج َهم إال بقايا من أهل‬
                                                                                        ‫الكتاب.‬
                                                 ‫ر‬
    ‫يقول جعفر بن أبي طالب رضي اهلل عنه مخب ًا النجاشي لما سأله قال: كنا عبادَ أوثان، نأكل‬
                   ‫د‬
‫الميتة، ونشرب الخمر، ونقطع الرحم، ونأتي الفواحش، حتى بعث اهلل فينا محم ًا ، فأخرجنا اهلل به‬
                                                                        ‫من الظلمات إلى النور.‬
                                          ‫كل‬                    ‫الر‬    ‫ٌ‬    ‫ل‬
                                     ‫لما أط ّ محمد زكت ُّبى…واخضر في البستان ُّ هشيم‬
                                                              ‫ب‬                   ‫ي‬
  ‫أ ّها المؤمنون، إن لح ّ النبي رصيد في قلب كل مؤمن، فما من مؤمن إال وله من حبه نصيب،‬
                  ‫وفت‬                                                       ‫ٌّ‬
  ‫فمستقل ومستكثر، وعلى قدر أمارات المحبة تكون حقيقتها، فسل نفسك ِّش في قلبك وعملك،‬
                                                                      ‫حينها تعرف مقدار حبك.‬
                    ‫ب‬
 ‫معاشر الفضالء، لقد عرف أصحاب رسول اهلل قدره وفضله فأحبوه ح ًا فاق الوصف حتى صار‬
                                                                                         ‫أحب‬
 ‫َّ إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، أحبوه بأقوالهم وأفعالهم، في يقظتهم ومنامهم، في دنياهم‬
                                                         ‫وأخراهم؛ فوجدوا بذلك حالوة اإليمان.‬
                                                                   ‫ب‬
     ‫يصف هذا الح ّ عروة بن مسعود قبل إسالمه كما روى البخاري في صحيحه عن عروةَ بن‬
                                    ‫م‬
  ‫مسعود أنه قال لقريش وقد بعثته في شأن الصلح: أي قو ِ، واهلل لقد وفدت على الملوك، ووفدت‬
  ‫على قيصر وكسرى والنجاشي، واهلل ما رأيت ملكًا ق ّ يع ّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محم ٍ‬
  ‫ّد‬                           ‫ط ظ‬
                                             ‫ف‬               ‫ة‬                       ‫د‬
    ‫محم ًا، واهلل إن انتخم نخام ً إال وقعت في ك ّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم‬
   ‫ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما‬
                                                                        ‫م‬                   ‫د‬
                                                                   ‫يح ّون إليه النظر تعظي ًا له.‬
  ‫ولما أراد المهاجرة من مكة إلى المدينة أتى الصديق في الظهيرة، فلما قيل للصديق: هذا رسول‬
                        ‫ُذ‬                         ‫ر جل‬
    ‫اهلل، قال: بأبي وأمي، ما أتى به إال ألم ٍ ََل، فلما دخل عليه قال: ((أ ِن لي بالهجرة))، فقال‬
 ‫الصديق: الصحبةَ يا رسول اهلل؟ فقال: ((نعم))، قالوا: فبكى الصديق رضي اهلل عنه فرحًا، تقول‬
      ‫عائشة: وما كنت أظن الفرح يوجب البكاء بعد الذي رأيت من أبي رضي اهلل عنه وأرضاه.‬
                                                                                      ‫س‬
    ‫و ُئل علي بن أبي طالب : كيف كان حبكم لرسول اهلل ؟ قال: كان واهلل أحب إلينا من أموالنا‬
                                           ‫وأوالدنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ.‬
 ‫وعن بريدة بن الحصيب قال: كنا إذا قعدنا عند رسول اهلل لم نرفع رؤوسنا إليه إعظامًا له. رواه‬
                                                                                        ‫البيهقي.‬
  ‫وعن عمرو بن العاص قال: ما كان أحد أحب إلي من رسول اهلل ، وال أجل في عيني منه، وما‬
  ‫كنت أطيق أن أمعأ عيني منه إجالال له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ ألني لم أكن أمعأ عيني‬
                                                                               ‫منه. رواه مسلم.‬
               ‫دث‬        ‫د‬
   ‫وفي غزوة الرجيع لما غدر بنو لحيان بأصحاب النبي كان فيمن أسروه زي ُ بن ال ّ ِنَة، فابتاعه‬
         ‫ُد ي‬                                          ‫ط‬
     ‫صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فاجتمع ره ٌ من قريش فيهم أبو سفيان، فقال له حين ق ِّم ل ُقتل:‬
                                 ‫ع‬                         ‫د‬        ‫ب‬
‫أَنشدك باهلل يا زيد، أتح ّ أن محم ًا اآلن عندنا مكانك نَضرب ُنقَه وأنك في أهلك؟ قال: واهلل، ما‬
                                                             ‫ن‬              ‫د‬        ‫ب‬
    ‫أح ّ أن محم ًا اآلن في مكا ِه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، قال أبو‬
                                  ‫د‬
                                ‫سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محم ًا.‬
 ‫هل رأيتم أعظم من هذا الحب أو أصدق من هذا الوفاء؟! إنها ليست طاعةً في ركعتين يركعهما،‬
                  ‫ت ق‬             ‫ت‬           ‫ست‬
‫وال امتثاالً لنهي عن لذة يشتهيها، إنها أنف ٌ ُباع وأشالء ُمزق وأرواح ُزه ُ طاعةً هلل ورسوله.‬
    ‫أيها المؤمنون، ويبلغ حب أصحاب رسول اهلل له تفكيرهم في الدنيا أن ال يجالسوه في اآلخرة،‬
  ‫فعن الشعبي قال: جاء رجل من األنصار إلى رسول اهلل فقال: ألنت أحب إلي من نفسي وولدي‬
 ‫وأهلي ومالي، ولوال أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت، وبكى األنصاري، فقال له رسول اهلل :‬
                                            ‫ت‬                    ‫ت‬
‫((ما أبكاك؟)) قال: ذكر ُ أنك ستموت ونموت، ف ُرفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك،‬
     ‫وم ي الله َالرس َ أ َ مع‬
     ‫فلم يخبره النبي بشيء، فأنزل اهلل عز وجل على رسوله : َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َّ ُول فَُوْلَئِك َ َ‬
 ‫ف ْل‬                ‫َف‬          ‫حس أ‬          ‫َ الله ع ه م الن ِي ن و ِّد ق ن َالش َد ء َالص لح‬                        ‫َّذ‬
 ‫ال ِينَ أَنْعمَ َّ ُ َلَيْ ِمْ ِنْ َّبِّي َ َالص ِّي ِي َ و ُّه َا ِ و َّاِ ِينَ وَ َ ُنَ ُوْلَئِكَ ر ِيقًا ذَلِكَ الْ َض ُ‬
                                                                      ‫م الله و ف ِالل عل‬
‫ِنْ َّ ِ َكَ َى ب َّهِ َِيمًا [النساء:96، 02]، فقال له النبي : ((أبشر)) أخرجه البيهقي في الشعب،‬
                                                                              ‫وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا.‬
  ‫فما أعظمها من بشرى نالها هذا الصحابي الذي نزلت هذه اآليات في حقه، وما أعظمه من أجر‬
                                                                                       ‫يناله كل مطيع هلل ولرسوله .‬
     ‫وعن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول اهلل فقال: يا رسول اهلل، متى قيام الساعة؟ فقام‬
    ‫النبي إلى الصالة، فلما قضى صالته قال: ((أين السائل عن قيام الساعة؟)) فقال الرجل: أنا يا‬
  ‫رسول اهلل، قال: ((ما أعددت لها؟)) قال: يا رسول اهلل، ما أعددت لها كبير صالة وال صوم إال‬
‫أني أحب اهلل ورسوله، فقال رسول اهلل : ((المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت))، قال أنس:‬
                                     ‫فما رأيت فرح المسلمون بعد اإلسالم فرحهم بهذا. أخرجه الترمذي.‬
     ‫ولم يكتف سلفنا الصالح بهذه الدعاوى، ولم يتوقفوا عندها، ولم يركنوا إليها، بل برهنوا عليها‬
 ‫عمليا بطاعتهم لربهم وتقديم مرضاته على كل ما سواه، وباتباعهم لنبيهم وتقديم أموالهم في سبيل‬
                ‫ر‬            ‫ال‬
‫الدعوة ودفاعهم عن النبي وعن الدين في معاركهم مع الكفار رجا ً ونساءً صغا ًا وكبارا، وكانوا‬
                                                                    ‫ال يرضون أن يسوأه مخلوق كائنا من كان.‬
  ‫أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إني واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن‬
 ‫يميني وعن شمالي فإذا بغالمين من األنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما،‬
‫فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال:‬
     ‫أخبرت أنه يسب رسول اهلل ، والذي نفسي بيده لئن رأيته ال يفارق سوادي سواده حتى يموت‬
     ‫األعجل منا، فتعجبت لذلك، قال: وغمزني اآلخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي‬
‫جهل يجول في الناس، فقلت: أال تريان؟! هذا صاحبكما الذي تسأالني عنه، قال: فابتدراه بسيفهما،‬
       ‫فضرباه حتى قتاله، ثم انصرفا إلى رسول اهلل فأخبراه، فقال: ((أيكما قتله؟)) فقال كل واحد‬
   ‫منهما: أنا قتلته، فقال: ((هل مسحتما سيفيكما؟)) فقاال: ال، فنظر رسول اهلل إلى السيفين فقال:‬
                                                                                        ‫((كالكما قتله)).‬
   ‫فانظروا إلى هذين الشبلين المسلمين، وانظروا إلى مقدار حبهما لنبيهما، ثم انظروا إلى أشبالنا‬
    ‫وصغارنا هذه األيام، وانظروا من يحبون ومن قدوتهم، ستجدون القدوة هم المغنون أو العبو‬
                                                                            ‫الكرة النصارى والمالحدة.‬
                                                   ‫الس‬
‫وفي جانب النساء روى أهل ِّير عن محمد بن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول‬
   ‫اهلل بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول اهلل بأحد، فلما نعوا لها‬
 ‫قالت: فما فعل رسول اهلل ؟ قالوا: خيرا يا أم فالن، هو بحمد اهلل كما تحبين، قالت: أرونيه حتى‬
              ‫أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. تريد صغيرة.‬
   ‫هذا في أخبار حب البشر، فما أخبار الحجر والشجر؟ روى الطبراني في الكبير عن جابر أن‬
                                                             ‫ر‬
 ‫النبي قال: ((إن بمكة حج ًا يسلم علي، إني ألعرفه إذا رأيته))، وفي صحيح البخاري عن جابر‬
    ‫بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما يقول: كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي إذا‬
   ‫خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت‬
‫العشار حتى جاء النبي فوضع يده عليها فسكنت. وعند ابن خزيمة عن أنس بن مالك: فلما التزمه‬
‫رسول اهلل سكت ثم قال: ((والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة)) حزنا‬
   ‫على رسول اهلل ، فأمر به رسول اهلل فدفن يعني الجذع. وفي خبر جابر فقال النبي : ((إن هذا‬
                                                                               ‫بكى لما فقد من الذكر)).‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، فَال ِينَ آ َُوا ِ ِ َ َز ُو ُ َنَص ُو ُ و َّ َ ُوا ُّورَ ال ِي ُنز َ َ َ ُ‬
 ‫َّذ من به وع َّر ه و َر ه َاتبع الن َّذ أ ِل معه‬
                                                                                   ‫ه م لح‬                 ‫أ‬
                                                                 ‫ُوْلَئِكَ ُمْ الْ ُفِْ ُونَ [األعراف:215].‬
                                     ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل رب العالمين، وال عدوان إال على الظالمين، وأشهد إن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
             ‫ر‬                                     ‫د‬
   ‫إله األولين واآلخرين، وأشهد أن نبينا محم ًا عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغ ّ المحجلين،‬
                                                           ‫صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
  ‫وبعد: أيها المؤمنون، وإذا كانت نفوسنا قد تاقت شوقًا لمشاركة أصحاب رسول اهلل فيما هم فيه‬
                                      ‫كد‬
 ‫من الخير واألنس برسول اهلل ومسابقتهم لمحبته، فقد َّر النفوس أن أفئدة حاقدة وأنفسًا مبغضة‬
                      ‫خ‬             ‫ي‬
 ‫وأعينًا حانقة عميت عن هذه المعاني العظيمة في سيرة نب ّ الرحمة ; فس ّروا أقالمهم للنيل منه‬
     ‫مستغلين أوالً حقدهم عليه وعلى هذا الدين، وثانيًا التوجه العالمي للنيل من هذا الدين وكتابه‬
      ‫ورسوله ، في سياق ما يسمى بالحرب على اإلرهاب، حيث قامت صحيفة دانماركية تسمى‬
     ‫"جالندز بوست" يوم الجمعة 67 شعبان 6745هـ الموافق 03 سبتمبر 1007م بنشر رسوم‬
                                   ‫ر‬
 ‫كاريكاتورية لمن تزعم أنه رسول اهلل ذات مالمح ش ّيرة، ومنها صورة رجل يلبس عمامة على‬
 ‫ل‬
‫شكل قنبلة، وصورة مع نسائه في محاولة إللصاق تهمة اإلرهاب بهذا النبي ودينه، ثم قامت مجّة‬
 ‫نرويجية اسمها "ماجازينت" يوم الثالثاء 05/75/6745هـ الموافق 05/5/6007م بنشر الرسوم‬
                                        ‫التي نشرتها سابقًا الصحيفة الدانماركية بذريعة حرية التعبير.‬
   ‫أيها الفضالء، إن مقام النبي عند ربه عظيم، وإن من سنته أنه ينتقم لمن انتقص رسوله وخليله‬
  ‫وصفوته من خلقه، يقول تعالى: إ َّا كَفَيْنَاكَ الْ ُسْتَه ِ ِينَ [الحجر:19]، وقال تعالى: إ َّ شَا ِئَ َ