موسوعة خطب المنبر 087

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 087 Powered By Docstoc
					                            ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
                    ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                                  ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                      ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                                  ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
            ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
            ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
     ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                                                   ‫معين.‬


                                                                      ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                                                 ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                              ‫عداوة الشيطان لإلنسان‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                   ‫الجن والشياطين, الدعاء والذكر‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫يزيد بن الخضر ابن قاسي‬
                                                                                                                 ‫بوزريعة‬
                                                                                                            ‫علي مغربي‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- قدم عداوة الشيطان لإلنسان. 7- لكل إنسان قرين من الشياطين. 3- خطوات الشيطان في‬
‫اإلغواء. 4- قصة إغواء الشيطان لعابد بني إسرائيل. 1- من وسائل الشيطان في إضالل البشر.‬
                       ‫6- ضعف كيد الشيطان. 2- وسائل تحصين النفس والبيت من كيد الشياطين.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
   ‫ُد ن‬          ‫ِنه ك َ ُو مب ن و‬                   ‫َ أ ال ُد الش‬              ‫َ إ ُ بن‬                 ‫َ‬
  ‫يقول اهلل تعالى: ألمْ أَعْهدْ ِلَيْكمْ ي َ ِى ءادمَ َن َّ تَعْب ُواْ َّيطَانَ إ َّ ُ لَ ُمْ عد ٌّ ُّ ِي ٌ َأَنِ اعْب ُو ِى‬
 ‫غ َّن ُم حي ة‬                ‫َيه الن س ِن و ْ الل َق‬                                      ‫َذ ص ط م م‬
 ‫ه َا ِرا ٌ ُّسْتَقِي ٌ [يس:06، 56]، وقال تعالى: يا أُّ َا َّا ُ إ َّ َعدَ َّهِ ح ٌّ فَالَ تَ ُر َّك ُ الْ َ َا ُ‬
     ‫ُ َ ُو َات ِذ ه َدو ِنم َ ع ح به ليك ن م‬                                  ‫الد و يغ َّن ُ ِالل َر ر ِن الش‬
   ‫ُّنْيَا َالَ َ ُرَّكمْ ب َّهِ الْغ ُو ُ إ َّ َّيْطَانَ لَكمْ عد ٌّ ف َّخ ُو ُ ع ُ ّاً إَّ َا يدْ ُو ِزْ َ ُ ِ َ ُو ُواْ ِنْ‬
                                                                                                           ‫ح الس‬
                                                                                         ‫أَصْ َابِ َّعِيرِ [فاطر:1، 6].‬
                     ‫ذ‬                                        ‫ي هلل‬
   ‫ففي هذه اآليات الكريمة ب ّن ا ُ سبحانه وتعالى عداوةَ إبليس لإلنسان، وح ّر عباده منه، فأخبر‬
     ‫ج ّ وعال أن الشيطان ُظ ِر و ُبا ِز لنا بالعداوة، فأمرنا بمعاداته أش ّ العداوة، ومخالفته أش ّ‬
     ‫د‬                      ‫د‬                                   ‫م ه م ر‬                       ‫ل‬
                                                                                            ‫ر‬
                                                                                     ‫المخالفة، وتكذيبه فيما يغ ّرنا به.‬
  ‫هذه العداوة القديمة ـ عباد اهلل ـ التي نشأت منذ أن خلق اهلل آدم عليه السالم ونفخ فيه الروح،‬
  ‫ُ ف م ر ح فقع‬               ‫لق ب َر م ط ٍ ِذ َو ته و‬                  ‫َب ل م ئ ِن‬                     ‫ِْ‬
‫قال تعالى: إذ قَالَ ر ُّكَ ِلْ َال ِكَةِ إ ِّي خَاِ ٌ َش ًا ِنْ ِين فَإ َا س َّيْ ُ ُ َنَفَخْت ِيهِ ِنْ ُو ِي َ َ ُوا‬
      ‫ي إلس م‬            ‫بر و ن م ك ِر َ‬                       ‫ئ ة ُل ُ مع ِال إ ل‬                          ‫َ‬        ‫ه ِد‬
     ‫لَ ُ سَاج ِينَ فَسَجدَ الْمَال ِكَ ُ كُّهمْ أَجْ َ ُونَ إ َّ ِبِْيسَ اسْتَكْ َ َ َكَا َ ِنَ الْ َاف ِين قَالَ َا ِبِْي ُ َا‬
     ‫ن م نر‬               ‫رمه‬                      ‫َ ك م عل َ‬                 ‫ب‬          ‫ت بي َي‬           ‫ُ لم‬               ‫مع‬
     ‫َنَ َكَ أَنْ تَسْجدَ ِ َا خَلَقْ ُ ِ َد َّ أَسْتَكْ َرْتَ أمْ ُنتَ ِنْ الْ َاِين قَالَ أَنَا خَيْ ٌ ِنْ ُ خَلَقْتَ ِي ِنْ َا ٍ‬
    ‫ر ِّ ظ ن‬             ‫الد ِ‬        ‫ت إل‬               ‫ه م ط ٍ َ ر م ه ِن َ ر م وِن ع‬
   ‫وَخَلَقْتَ ُ ِنْ ِين قَال فَاخْ ُجْ ِنْ َا فَإ َّك َجِي ٌ َإ َّ َلَيْكَ لَعْنَ ِي َِى يَوْمِ ِّين قَالَ َب فَأَن ِرْ ِي‬
 ‫و َن ُ مع ِال‬                     ‫ب ِز‬           ‫مل ِ‬           ‫َ ِنك م م ر إل ْ َ‬                               ‫إل ْ ي عث‬
 ‫َِى يَومِ ُبْ َ ُونَ قَال فَإَّ َ ِنْ الْ ُنظَ ِينَ َِى يَومِ الْوقْتِ الْ َعُْوم قَالَ فَ ِع َّتِكَ ألغْ ِيَّهمْ أَجْ َ ِينَ إ َّ‬
       ‫َن جه َّم م ك و ِم بع م ه مع ن‬                               ‫َق و َق َق ل‬                    ‫عب ك م ُ م ص َ‬
       ‫ِ َادَ َ ِنْهمْ الْ ُخْلَ ِين قَالَ فَالْح ُّ َالْح َّ أ ُو ُ ألَمْأل َّ َ َن َ ِنْ َ َم َّنْ تَ ِ َكَ ِنْ ُمْ أَجْ َ ِي َ‬
                                                                                                              ‫[ص:52-15].‬
                                   ‫ك‬                                 ‫و د‬
‫فالشيطان هو العد ّ الل ُود لإلنسان، فال بد للمسلم أن يتذ ّر هذه العداوة، وأن يجعلها نصب عينه،‬
                       ‫ب‬                     ‫م ز‬                  ‫ر‬             ‫د‬
 ‫أن ال ينسى أب ًا أن هناك قَ ِينًا من الشيطان ُال ِما له ال يفارقه، يتر ّص به من يوم والدته إلى‬
           ‫ع‬
    ‫يوم فراقه للحياة، يحاول هذا العدو هذا القَرِين إضالله وإبعاده عن سبيل اهلل، وقد تو ّد وأقسم‬
‫م ق ُم ت َنه م ب ن‬                             ‫ُ َن ُ ص‬           ‫و ن‬             ‫َ ب‬                                ‫ز‬
‫بع ّة اهلل على إضالل بني آدم: قَال فَ ِمَا أَغْ َيْتَ ِى ألقْعد َّ لَهمْ ِراطَكَ الْ ُسْتَ ِيمَ ث َّ آل ِي َّ ُم ّن َيْ ِ‬
                              ‫ِر‬       ‫ن ِ وع م ئله و ِد َ ُ‬                                ‫ف ِ وع‬          ‫ْد ه وم‬
             ‫أَي ِي ِمْ َ ِنْ خَلْ ِهمْ َ َنْ أَيْمَا ِهمْ َ َن شَ َا ِِ ِمْ َالَ تَج ُ أَكْثرَهمْ شَاك ِينَ [األعراف:65].‬
                                                     ‫ن‬
     ‫والذي ينبغي على كل مسلم أن يعلمه أ ّ كل إنسان له قرينه من الشيطان، فقد أخبرنا الرسول‬
     ‫ال ِ ت‬
     ‫بذلك، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: خرج النبي من عندي لي ً، فغرْ ُ‬
  ‫عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ((ما لك يا عائشة؟)) قلت: وما لي ال يغار مثلي على مثلك؟!‬
                                     ‫و‬
‫فقال: ((أقد جاءك شيطانك؟!)) قلت: يا رسول اهلل، أَ َمعي شيطان؟! قال: ((نعم))، قلت: ومع كل‬
                          ‫ن‬
      ‫إنسان؟! قال: ((نعم))، قلت: ومعك يا رسول اهلل؟! قال: ((نعم، ولك ّ ربي أعانني عليه حتى‬
     ‫نه‬          ‫ُك‬                                                                   ‫َم‬
  ‫أسل َ))، وفي صحيح مسلم وأحمد قال رسول اهلل : ((ما منكم من أحد إال وقد و ِّل به قري ُ ُ من‬
        ‫ب‬                         ‫عدو‬                                          ‫نه‬
    ‫الجن وقري ُ ُ من المالئكة))، فأخبرنا النبي أن لكل إنسان ًّا وقرينًا من الشيطان يتر ّص به‬
           ‫ل‬                                                                           ‫د‬
‫جاه ًا ومحاوالً إلضالله عن صراط اهلل المستقيم. وهلل الحكمة البالغة في ذلك، فقد سّطه اهلل على‬
       ‫عباده ابتال ً وامتحانًا، قال تعالى: َاسْتَف ِزْ َنِ اسْتَطَعْتَ ِنْهمْ ِصَوْتِ َ َأَجِْبْ َلَيْ ِم بِخَيِْ َ‬
       ‫لك‬         ‫كو ل ع ه‬                 ‫م ُ ب‬                  ‫و ْز م‬                              ‫ء‬
                    ‫د و ِ ه و يعد ُم الش ن ِال ُر ر‬                      ‫لو‬           ‫َ جك و ر هْ ف‬
     ‫ورَ ِلِ َ َشَا ِكْ ُم ِي األمْوا ِ َاألوال ِ َعدْ ُمْ َمَا َ ِ ُه ُ َّيْطَا ُ إ َّ غ ُو ًا [اإلسراء:46].‬
 ‫والشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر اإلنسان وقلبه بطريقة ال ندركها وال نعرفها، ويساعده على‬
                                                                 ‫خل‬
‫ذلك طبيعته التي ُِق عليها، وقد ثبت في صحيح البخاري أن الرسول قال: ((إن الشيطان يجري‬
             ‫ن‬
‫من بني آدم مجرى الدم))، فهذه هي الوسوسة إذ سماه اهلل تعالى بالوسواس الخ ّاس الذي يوسوس‬
                       ‫ث‬                      ‫َن‬        ‫و و‬
‫في صدور الناس، قال ابن كثير: "ال َسْ َاسِ الخ َّاسِ أي: أن الشيطان جا ِم على قلب ابن آدم، فإذا‬
                                                          ‫سها وغفل وسوس، فإذا ذَكَر اهلل خَنَس".‬
                                ‫ّ‬                ‫غل‬
 ‫فهكذا ـ عباد اهلل ـ الشيطان، يست ِ ّ ضعف اإلنسان، فإن لإلنسان نقاط ضعف كثيرة، وهي في‬
                                            ‫ال‬
   ‫الحقيقة أمراض تقع في قلبه، فتصبح مدخ ً من مداخل الشيطان، ومن هذه األمراض: الغضب‬
                                             ‫ج‬                         ‫ع‬        ‫ك‬
     ‫والشهوة وال ِبْر وال ُجْب والغرور والحسد والعَ َلة والجهل والغفلة والكذب والظلم والطغيان‬
                            ‫ل‬                                            ‫ب‬
‫والحزن والفرح وح ّ المال واالفتتان بالدنيا والنساء وغيرها، وك ّ هذه منافذ يدخل منها الشيطان‬
                                                                                         ‫للوسوسة.‬
 ‫وإن للشيطان ـ عباد اهلل ـ هدفان: هدف بعيد وهدف قريب، أما الهدف البعيد فهو إدخال العباد‬
                                                                    ‫َّد‬
 ‫إلى النار معه، وقد توع َ بذلك، وأما الهدف القريب فهو إيقاع العباد في الشرك والكفر، وإيقاعهم‬
                                                                           ‫في الذنوب والمعاصي.‬
        ‫وإن للشيطان ـ عباد اهلل ـ مكائد ومصايد يصطاد بها اإلنسان، كما أن له أساليب عديدة‬
                       ‫ي‬
       ‫إلضالله، فالشيطان ال يأتي إلى اإلنسان ويقول له: اترك هذه األمور الخ ّرة، وال يأتي إلى‬
  ‫اإلنسان ويقول له: اترك الصالة أو اكفر باهلل، فلو فعل ذلك فلن يطيعه أحد، ولكن يأتيه بأساليب‬
   ‫د‬             ‫ال‬               ‫ل‬                                     ‫ر‬
 ‫ذكية ومختلفة، ويتد ّج معه بخطوات متعاقبة ومتتالية، ولو تطّب ذلك وقتًا طوي ً وزمانًا بعي ًا.‬
                                                 ‫ي هر ن َ‬
 ‫ومن أساليبه الخبيثة أنه يأتي و ُظ ِ ُ ال ُصح لإلنسان، فالشيطان يدعو المرءَ إلى المعصية، يزعم‬
  ‫و سم ُ ِن‬                             ‫صح‬
 ‫أنه ينصح له، ويريد له الخير، وقد أقسم ألبينا آدم أنه نا ِ ٌ له، كما أخبر تعالى: َقَا َ َهمَا إ ِّي‬
                                                                      ‫كم م الن صح‬
  ‫لَ ُ َا لَ ِنَ َّا ِ ِينَ [األعراف:57]، وفي هذا الباب أحببنا أن نذكر قصة طريفة وقعت في بني‬
                                                            ‫ُنب‬
     ‫إسرائيل، وذكرها وهب بن م ِّه أحد التابعين، وذلك على سبيل االعتبار والحذر من أساليب‬
                                                                    ‫الشيطان في إضالله لإلنسان:‬
               ‫ُ‬                                                                ‫د‬
 ‫إن عاب ًا كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثالثة إخوة لهم أخت،‬
                                                                          ‫ب ْر‬
 ‫وكانت ِك ًا ليس لهم أخت غيرها، فخرج البعث في غزوة من الغزوات على ثالثتهم، فلم يدروا‬
                                             ‫ي ل‬                               ‫ي ل‬
    ‫عند من ُخَّفون أختهم، فأجمع رأيهم على أن ُخَّفوها ويتركوها أمانة عند هذا العابد من بني‬
                                        ‫ي ل‬
‫إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه وسألوه أن ُخَّفوها عنده غاية رجوعهم من الغزو، فأبى ذلك‬
                                                                              ‫و‬
    ‫عليهم، وتع ّذ باهلل منهم ومن أختهم، فلم يزالوا به حتى أطاعهم، فقال: أنزلوها في بيت تحت‬
                                                                            ‫د‬            ‫ص‬
 ‫َوْمعتي، بعي ًا عنها، فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد‬
      ‫زمانًا ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى‬
     ‫ط‬
 ‫الصومعة، ثم يأمرها فتخرج من بيتها، فتأخذ ما وضع لها من الطعام، فبعد زمان ومدة تل ّف له‬
          ‫و‬       ‫ر‬                                 ‫ظ‬                 ‫غ‬
     ‫الشيطان، فلم يزل ير ّبه في الخير، ويع ّم عليه خروج الجارية من بيتها نها ًا، ويخ ّفه أن‬
                                                                                ‫ر‬
‫يتع ّض لها أحد أو يؤذيها عند خروجها، فقال له: فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها‬
                                                                      ‫ر‬
 ‫لكان أعظم أج ًا وأسلم لها من الخروج، فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب‬
                      ‫ض‬               ‫غ‬
   ‫بيتها، فلبث على هذه الحالة زمانًا، ثم جاءه إبليس فر ّبه في األجر وح ّه عليه، وقال له: لو‬
   ‫تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم ألجرك، فلم يزل به حتى فعل ذلك، فلبث‬
       ‫د‬        ‫ل‬                       ‫ض‬               ‫غ‬
    ‫على ذلك زمانًا، ثم جاءه إبليس فر ّبه في األجر وح ّه عليه، فقال: لو كنت تكّمها وتح ّثها‬
   ‫ن‬        ‫د‬
 ‫فتأنس بحديثك، فهي مسكينة وحيدة، وقد استوحشت وحشة شديدة، فلم يزل به حتى ح ّثها زما ًا،‬
                        ‫د‬
    ‫ثم أتاه إبليس فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتح ّثها وتقعد هي على باب‬
          ‫د‬                                                                      ‫د‬
‫بيتها وتح ّثك لكان أأنس لها، فلبث زمانًا على ذلك، ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت وح ّثتها بداخل‬
                ‫د‬
     ‫البيت لكان أسلم لكما والسترة لها أفضل، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يح ّثها ويأكالن‬
                                                 ‫س‬           ‫ي‬                    ‫ع‬
   ‫الطعام م ًا، فلم يزل إبليس يز ّنها له ويح ّنها في عينيه حتى لمسها ووقع بعد ذلك ما ال يحمد‬
                                                                                        ‫ع‬
    ‫ُقْباه، فحملت الجارية منه، ووضعت له غالمًا، فجاءه إبليس بعد ذلك فقال له: أرأيت إن جاء‬
 ‫إخوة الجارية وقد ولدت منك كيف تصنع؟ ال آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك، فقال له إبليس:‬
‫الحل هو أن تعمد إلى ابنها فتقتله وتدفنه، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما‬
 ‫صنعت بها، ففعل العابد ذلك، ثم بعد ذلك جاءه إبليس فقال له: أتظن أن الجارية ستكتم إخوتها ما‬
‫صنعت بها أو أنها ستصبر على أنك قتلت ابنها؟! فالحل الوحيد لك هو أن تقتلها وتدفنها مع ابنها،‬
                 ‫فلم يزل به حتى قتلها وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة.‬
                             ‫ز‬
   ‫وبعد فترة أقبل إخوتها من الغزو، فجاؤوا وسألوه عن أختهم، فع ّاهم في أختهم، وأخبرهم أنها‬
                                                              ‫ح‬
 ‫ماتت بعد مرض شديد، وتر ّم عليها وبكى عليها، وقال: كانت خير امرأة، وهذا قبرها، فانظروا‬
                  ‫م‬
 ‫إليه. فأتى إخوتها القبر، فبكوا أختهم، وترحموا عليها، فأقاموا على قبرها أيا ًا، ثم انصرفوا إلى‬
                                                                     ‫جن‬
      ‫أهاليهم، فلما َ ّ عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم الشيطان في النوم على صورة رجل‬
 ‫مسافر، فسألهم عن أختهم فأخبروه بقول العابد، فأكذبهم الشيطان، وأخبرهم أن العابد لم يصدقهم‬
                           ‫ف‬     ‫ع‬            ‫م‬                    ‫بَ‬
   ‫في أمر أختهم، وأنه قد أَحْ َل أختكم وولدت له غال ًا فقتلهما م ًا خو ًا منكم، وألقاهما في حفرة‬
                        ‫ج‬
‫خلف باب البيت، فاستيقظ اإلخوة الثالث على منام واحد متواطئ، فتع ّبوا من ذلك، فقال كبيرهم:‬
‫هذا حلم ليس بشيء، فقال أصغرهم: واهلل ال أمضي حتى آتي إلى ذلك المكان فأنظر فيه، فانطلقوا‬
                                                                                  ‫ع‬
 ‫جمي ًا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، فبحثوا الموضع كما وصف لهم في المنام، فوجدوا‬
    ‫أختهم وابنها مقتولين في الحفرة. فأمسكوا بالعابد وسألوه، فصدق قول إبليس فيما صنع بهما،‬
                                                                                ‫ي‬      ‫د‬
    ‫فق ّموه ل ُصلَب، فلما أوثقوه على خشبة أتاه الشيطان فقال له: لقد علمت أني أنا صاحبك الذي‬
  ‫و‬                                                                   ‫ب‬
‫فتنتك بالمرأة حتى أَحْ َلتها وقتلتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت باهلل الذي خلقك وص ّرك‬
                          ‫ل‬                                                             ‫ل‬
       ‫خّصتك مما أنت فيه من محنة، فكفر العابد، فلما كفر باهلل تعالى، خّى الشيطان بينه وبين‬
                                                               ‫أصحابه فصلبوه وقتلوه ومات على الكفر.‬
        ‫فهذه القصة ـ عباد اهلل ـ ذكرها ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس، وهي قصة يرويها‬
     ‫ِن َر ء م ك‬              ‫ُ ْ َم َ‬                  ‫لإل‬       ‫ِْ‬        ‫م الش‬
     ‫المفسرون عند قوله تعالى: كَ َثَلِ َّيْطَانِ إذ قَالَ ِ ِنسَانِ اكْفر فَل َّا كَفَر قَالَ إ ِّي ب ِي ٌ ِنْ َ‬
                                                                                                ‫[الحشر:65].‬
          ‫ي َل‬     ‫ل‬                        ‫ر‬
    ‫فهكذا الشيطان ـ عباد اهلل ـ فمن أساليبه أنه يتد ّج خطوة بعد خطوة، ال يكَ ّ وال َم ّ، ولقد‬
   ‫رأينا من القصة السابقة مثاالً وعبرة في ذلك، فالشيطان إذا أراد من مسلم ترك الصالة ال يأتيه‬
     ‫ويوسوس له ويقول له: اتركها مباشرة، وإنما يسلك معه أسلوب التدرج خطوة بخطوة، يأمره‬
‫بتأخيرها عن وقتها، ما زال الوقت، فيلهيه وينسيه، ثم ينشغل بأمور أخرى، فيصبح يتهاون فيها،‬
   ‫ثم تتراكم عليه الصلوات ولم يصلها، ويأتي الليل فيحاول اإلتيان بها وهو عاجز عنها، فتصبح‬
                   ‫ل‬
    ‫صالته غرامة بليل كما يسميها بعض الناس، وهكذا فبعد أيام أو أشهر يم ّ اإلنسان ويضعف،‬
                                                                                           ‫ويترك الصالة وهكذا.‬
   ‫ومن أساليبه كذلك تزيين الباطل، وهذا هو السبيل الذي كان الشيطان وال يزال يسلكه إلضالل‬
                                     ‫العباد، فهو ُظ ِر الباطل في سورة الحق، و ُظ ِر الحق‬
   ‫َّ في صورة الباطل، وال يزال باإلنسان‬    ‫ي ه‬                  ‫َ‬       ‫ي ه‬
   ‫َب بم و ن زي َن ُ ف َ ْ‬                                                      ‫ي‬                ‫ي س‬
 ‫حتى ُح ّن له الحرام، ويزّن له فعله، قال تعالى: قَالَ ر ِّ ِ َا أَغْ َيْتَ ِي أل َ ِّن َّ لَهمْ ِي األرضِ‬
      ‫و َي َ ُم‬                                       ‫و و َن ُ مع ِال عب د م ُ م ص‬
      ‫َألغْ ِيَّهمْ أَجْ َ ِينَ إ َّ ِ َا َكَ ِنْهمْ الْ ُخْلَ ِينَ [الحجر:33، 04]، وقال اهلل تعالى: َزَّنَ له ُ‬
                                                                                       ‫ن ا ي مل‬           ‫الش ن‬
                                                                        ‫َّيْطَا ُ مَا كَا ُوّ َعْ َُونَ [النمل:47].‬
                                                 ‫ي‬      ‫م‬        ‫ي‬
  ‫الشيطان ـ عباد اهلل ـ يز ّن الحرا َ، ويز ّن المعاصي، أعطاه اهلل القدرة على تزيين المعصية،‬
                                     ‫َ‬                                          ‫ي‬
       ‫إنه ز ّن لقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدْين وقريش الشرك والكفر وعبادة‬
          ‫ر‬                       ‫ي‬                       ‫ي‬                     ‫ي‬
  ‫األصنام، وز ّن لهم المعاصي، إنه ز ّن لقوم لوط الفاحشة، وز ّن للقرون الخالية المتم ّدة أنواع‬
 ‫الذنوب والمعاصي، قال تعالى: لَقدْ أرْ َلْنَآ َِى ُ َمٍ ّن قَبْلِك فز َّنَ لَ ُ ُ َّيْ ِّ ُ أَعْمَالَهم فَ ُ َ َلُّه ُ‬
 ‫ُ ْ هو وِي ُم‬              ‫َ َ َي هم الش طَن‬                 ‫َ َ س إ ل أم م‬
                                                                                        ‫ْم و ه َ ب م‬
                                                                            ‫الْيَو َ َلَ ُمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [النحل:36].‬
        ‫ومن أساليبه كذلك إلضالل اإلنسان الوعد والتمنية، فالشيطان يعد الناس بالمواعيد الكاذبة،‬
                                                           ‫ع‬                            ‫يل‬
       ‫و ُعّقهم باألماني المعسولة، تشجي ًا لهم ليوقعهم في المعاصي والضالل، فالشيطان مثالً يعد‬
             ‫ز‬                                                              ‫م ب‬        ‫م م‬
‫ال ُقا ِر وال ُرا ِي والسارق وآخذ الرشوة بالربح السريع والكثير، ويعد الظالم بالع ّة والنصر، قال‬
                                                  ‫ي ِد ُ وي َن ه و ي ِد ُ الش ن ِال ُر ر‬
                                   ‫تعالى: َع ُهمْ َ ُمِّي ِمْ َمَا َع ُهمْ َّيْطَا ُ إ َّ غ ُو ًا [النساء:075].‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
  ‫عباد اهلل، برغم ما لهذا العدو اللدود من المكائد الخطيرة واألساليب الكثيرة إلضالل اإلنسان إال‬
      ‫ِن ك د‬            ‫لي الش‬          ‫تل‬             ‫ل‬                  ‫ب‬                       ‫د‬
      ‫أن كي َه ضعيف، فقد شهد بذلك ر ّ العالمين، فقال ج ّ وعال: فَقَا ُِوا أَوِْ َاءَ َّيْطَانِ إ َّ َيْ َ‬
                                                                        ‫الش ن ن ضع‬
   ‫َّيْطَا ِ كَا َ َ ِيفًا [النساء:62]، فكيد الشيطان ضعيف لمن آمن باهلل وأطاعه، واتبع صراطه‬
                                            ‫ل‬
   ‫المستقيم، والزم التوبة واالستغفار بعد كل زّة وخطيئة، ففي الحديث الصحيح من رواية أحمد‬
                                                       ‫ز‬
       ‫والحاكم: ((إن الشيطان قال: وع ّتك وجاللك، ال أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في‬
                                                      ‫ز‬           ‫ل‬
      ‫أجسادهم، فقال الرب ج ّ جالله: وع ّتي وجاللي، ال أزال أغفر لهم ما استغفروني))، وقال‬
                    ‫َكر ْ ِذ ه م صر‬                         ‫ِ َس ُ ِف م‬                      ‫ِن ذ‬
  ‫تعالى: إ َّ ال ِينَ اتقوْاْ إذَا م َّهمْ طَائ ٌ ّنَ الشيطان تَذ َّ ُوا فَإ َا ُم ُّبْ ِ ُونَ [األعراف:507].‬
    ‫ك‬
   ‫وقد أرشدنا اهلل إلى ما يعصمنا من مكائد الشيطان ووساوسه، ومن أهم ذلك توحيد اهلل والتو ّل‬
     ‫ه س ن ع َّذ ن من‬                         ‫ِنه‬
  ‫عليه واالنقطاع إليه وإخالص كل العبادات له، قال تعالى: إ َّ ُ لَيْسَ لَ ُ ُلْطَا ٌ َلَى ال ِي َ ءا َ ُواْ‬
  ‫ك‬               ‫ر ِن عب‬                        ‫ب‬                                ‫وع ربه ي َكل‬
  ‫َ َلَى َ ّ ِمْ َتَو َُّونَ [النحل:33]، قال سبحانه مخاط ًا هذا المخلوق الش ّير: إ َّ ِ َادِى لَيْسَ لَ َ‬
 ‫َلَيْهمْ ُلْطَا ٌِ َّ َنِ َّ َ َ َ ِنَ الْغَا ِينَ [الحجر:74]، وقال تعالى عن إبليس الرجيم: قال َ ِع َّ ِ َ‬
 ‫فب ِزتك‬                                                    ‫و‬          ‫ع ِ س ن إال م اتبعك م‬
                                                  ‫و َن ُ مع ِال عب ك م ُ م ص‬
      ‫ألغْ ِيَّهمْ أَجْ َ ِينَ إ َّ ِ َادَ َ ِنْهمْ الْ ُخْلَ ِينَ [ص:75، 35]، وعباد اهلل المخلصين هم الذين‬
                                                       ‫أخلصوا دينهم وعبادتهم هلل وحده ال شريك اهلل.‬
‫ر وِم ز َنك م الش ا َ ٌ ت ِ ب هلل‬                                    ‫و‬
‫ومما يحصنك من مكائد الشيطان التع ّذ باهلل من ش ّه، َإ َّا يَن َغ َّ َ ِنَ َّيْطَِن نزْغ فَاْس َعذْ ِا ِ‬
                                                                                ‫ِنه ه السم ع ع م‬
                                                                     ‫إ َّ ُ ُوَ َّ ِي ُ ال َلِي ُ [فصلت:63].‬
   ‫ل‬              ‫ص‬                                                    ‫د‬           ‫ي‬
 ‫ومما ُدفَع به كي ُ الشيطان ووساوسه تالوة القرآن وسماعه، فالقرآن له خا ّية في طرده، وكّما‬
                                                                ‫ص‬
‫أكثر العبد من التالوة ح ّن نفسه من الشيطان الرجيم، فقد قال النبي : ((من قرأ آية الكرسي كل‬
     ‫ليلة لم يزل عليه من اهلل حافظ، وال يقربه شيطان حتى يصبح))، وقال: ((من قرأهما ـ أي:‬
    ‫خواتم سورة البقرة ـ في ليلة كَفَتَاه))، وفي رواية: ((لم يدخل الشيطان بيته ثالثة أيام)). ومن‬
      ‫سن‬         ‫سن‬
    ‫ذلكم قراءة سورة البقرة في المنزل، فإنها تطرد عدو اهلل، يقول : ((لكل شيء َ َام، وإن َ َام‬
           ‫القرآن سورة البقرة، وإن الشيطان يف ّ من البيت الذي ُسمَع فيه سورة البقرة))، فحص‬
     ‫ِّن بيتك‬                         ‫ي‬               ‫ر‬
                                                                    ‫بتالوة سورة البقرة، فذاك خير لك.‬
                                                                                         ‫ي‬
 ‫ومما َدفع كيدَ الشيطان مداومة ذكر اهلل بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل واالستغفار والدعاء،‬
     ‫ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: ((إذا قال المؤمن: ال إله إال اهلل وحده ال‬
     ‫ِ ْز‬
 ‫شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة في أول يومه كان ذلك حر ًا له‬
                                            ‫كت‬        ‫ر‬
                      ‫من الشيطان في يومه، وكانت كعتق عشر ِقاب، و ُ ِب اهلل له مائة حسنة)).‬
                    ‫در‬              ‫ُ ه ه َد‬                                       ‫ر‬
    ‫ومما يدفع ش ّ الشيطان قراءة آية الكرسي وقلْ ُوَ اللَ ُ أَح ٌ والمعوذتين ُب َ كل صالة، و((إذا‬
   ‫دخل المسلم المسجد فقال: بسم اهلل والصالة والسالم على رسول اهلل، أعوذ باهلل العظيم وبوجهه‬
                                      ‫ح‬
                 ‫الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، قال الشيطان: ُفِظ مني سائر اليوم)).‬
            ‫ل‬                                      ‫َ و‬
   ‫أيها المسلمون، ومما يدفع مكائد عد ّ اهلل عنك في طعامك وشرابك ذكرك لربك ج ّ وعال عند‬
‫دخول المنزل وعند األكل والشرب، فيروي جابر بن عبد اهلل أن النبي قال: ((إذا دخل الرجل بيته‬
 ‫فذكر اهلل عند دخوله وعند عشائه قال الشيطان لجنده: ال مبيت لكم الليلة وال عشاء، فإن لم يذكر‬
     ‫اهلل عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر اهلل عند عشائه قال: أدركتم المبيت‬
               ‫ص‬                                                          ‫و‬
  ‫والعشاء))، فعد ّ اهلل ال يبعده عنك إال ذكرك لربك، فهو الذي يبعده عنك، ويح ّنك من مكائده.‬
 ‫ِّن بيته وولده من مكائد عدو اهلل، وإن مما ُح َّ ُ‬
 ‫ت َصن‬                                                     ‫أيها المسلمون، إن المؤمن يحص‬
                                                ‫ِّن نفسه ويحص‬
     ‫به البيوت إلبعاد الشياطين هو عدم اتخاذ الصور والتماثيل، فقد أخبرنا الصادق المصدوق أن‬
       ‫المالئكة ال تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صور، فأبعد ـ أخي المسلم ـ عن منزلك هذه الصور‬
                                                                ‫ت م‬
    ‫والتماثيل التي ال ُس ِن وال تغني من جوع، وهي ذريعة للشرك، فوجود التماثيل والصور في‬
                                ‫ك‬
             ‫بيتك يمنع من دخول المالئكة، وإذا لم تدخل المالئكة فمن المؤ ّد أن تدخل الشياطين.‬
                                                                          ‫ت َصن‬
  ‫وإن مما ُح َّ ُ به البيوت إلبعاد الشياطين هو عدم اتخاذ الكالب؛ فإن وجود الكلب في المنزل‬
               ‫ت‬
   ‫لغير صيد ولغير حراسة يمنع المالئكة من دخول البيت، فإن المالئكة ال تدخل بي ًا فيه كلب أو‬
     ‫خ‬                                                                 ‫ل‬
‫صورة، ووعد جبري ُ النبي أن يأتيه ساعة، فانتظره النبي حين حانت تلك الساعة، فلما تأ ّر وفي‬
                      ‫ِ‬
    ‫يده عصا ألقاها وقال: ((ما يخلف اهلل وال رسله وعده))، ثم نظر فإذا جرْو كلب تحت سريره،‬
                           ‫أخ‬
       ‫فقال: ((ما هذا يا عائشة؟!)) فقالت: ما علمت دخوله، فأمر به فُ ِرج، فجاء جبريل فقال:‬
   ‫((انتظرتك في هذه الساعة، وجلست لك))، قال: ((إنا ال ندخل بيتًا فيه كلب، منعني ذلك الكلب‬
 ‫الذي في منزلك)). فينبغي على المسلم إذا اتخذ كلبًا أن يتخذه للحراسة وللضرورة، وأن ال يسكنه‬
                                                                   ‫ن‬         ‫ص‬
 ‫بيته، يخ ّص له مكا ًا خارج البيت أو في الحديقة حتى ال يمنع من دخول المالئكة، وقد تساهل‬
         ‫تت‬
    ‫الناس في أمر الكالب في هذا الزمان، حتى أصبحنا نرى تلك الكالب الصغيرة التي ُ ّخذ من‬
  ‫طرف النساء للفخر والزينة، وهي من عادات النصارى، وفي الحديث: ((من اقتنى كلبًا إال كلب‬
                                                                ‫ق‬
                                                         ‫صيد نقص من أجره كل يوم ِيراط)).‬
   ‫أيها المسلمون، هذه بعض التوجيهات المحمدية واإلرشادات النبوية ينبغي على المسلم أن يأخذ‬
                                                                                 ‫ر‬
 ‫بها؛ ليتح ّز بها من الشيطان، فقد أخبرنا : ((إن المسلم إذا خرج من منزله فقال: بسم اهلل توكلت‬
                         ‫ح‬        ‫كف‬      ‫ُد‬
‫على اهلل وال حول وال قوة إال باهلل قال له الملك: ه ِيت و ُ ِيت، وتن ّى عنه الشيطان وقال: ما لي‬
    ‫ن‬                                                            ‫ُق‬    ‫ُد كف‬
‫برجل قد ه ِي و ُ ِي وو ِي))، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل قال: ((ال يأكل ّ أحد‬
                                                                   ‫ن‬
     ‫منكم بشماله، وال يشرب ّ بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها)). فهذه نصائح لمخالفة‬
      ‫الشيطان في طريقة أكله، وينبغي تربية األوالد على هذا األدب في الطعام مخالفة للشيطان.‬
   ‫وكما أرشد إلى ذكر اهلل حتى عندما يقرب الرجل زوجته فقال: ((لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي‬
                   ‫ي َد‬                             ‫ن‬               ‫ن‬
    ‫أهله قال: بسم اهلل اللهم جّبني الشيطان وج ّب الشيطان ما رزقتني فإنه إن ُق َّر بينهما ولد لم‬
                                                                             ‫د‬             ‫ر‬
                                                                         ‫يض ّه الشيطان أب ًا)).‬
‫وشرع لنا ذكر اهلل عند إرادة الخالء، فكان إذا دخل الخالء قال: ((بسم اهلل، اللهم إني أعوذ بك من‬
                       ‫ر‬                                     ‫حش‬                      ‫خب‬
 ‫ال ُ ُث والخبائث))؛ ألن ال ُ ُوش مأوى الشياطين، فيستعيذ باهلل من ش ّها، وإذا خرج كان يقول:‬
                                                                                  ‫((غفرانك)).‬
                               ‫فيا أخي المسلم، اصحب الذكر في كل أحوالك تسلم من شيطانك.‬
             ‫ف‬                                    ‫ا‬
      ‫وفي حديث عند مسلم عن أبي سعيد مرفوعً: ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على ِيه؛ فإن‬
                                                                              ‫الشيطان يدخل)).‬
 ‫والشيطان قد يعترض لإلنسان في المنام فيخيفه باألحالم فيحزن بذلك، فعن قتادة قال: قال رسول‬
    ‫اهلل : ((الرؤيا الصالحة من اهلل، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله‬
                                                   ‫ر‬                          ‫و‬
     ‫ثالثًا، وليتع ّذ من الشيطان، فإنها ال تض ّه، وإن الشيطان ال يتراءى بي))، وقال : ((المؤمن‬
                                 ‫ل‬
  ‫القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف، وفي ك ٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن‬
             ‫د‬
   ‫باهلل وال تعجز، وإن أصابك شيء فال تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: ق ّر اهلل وما‬
    ‫د‬                                ‫و‬
   ‫شاء فعل. فإن "لو" تفتح عمل الشيطان))، فالمسلم دائمًا يف ّض أمره هلل، وإن فاته أمر قال: ق ّر‬
                                                                                           ‫اهلل وما شاء فعل.‬
  ‫ِن ذ ا ِذ َس ُ‬                                        ‫ه‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واستعيذوا باهلل من الشيطان، ومن َمْزه ونَفْثه ونَفْخه، إ َّ ال ِينَ َّتقوْاْ إ َا م َّهمْ‬
                                                         ‫َّر ِذ ه م ِر‬                          ‫ِف م‬
                                       ‫طَائ ٌ ّنَ الشيطان تَذَك ُواْ فَإ َا ُم ُّبْص ُونَ [األعراف:507].‬

‫(5/5544)‬




                                                                                              ‫إعصار كاترينا‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                 ‫آثار الذنوب والمعاصي, جرائم وحوادث‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                               ‫سامي بن عبد العزيز الماجد‬
                                                                                                       ‫الرياض‬
                                                                                                ‫57/2/6745‬
                                                                                                  ‫جامع الرائد‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- سرعة تغير حال المدينة المصابة باإلعصار. 7- انهماك الناس في تتبع آثار اإلعصار. 3-‬
     ‫الغفلة عن الحقيقة. 4- ما يصيب العباد فبسبب ذنوبهم. 1- الجواب على تساؤالت حول هذه‬
                                                         ‫الحقيقة الشرعية. 6- دروس وعبر من الحدث.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                           ‫ز‬                          ‫ة‬           ‫ة‬
         ‫أيها المسلمون، تلك مدين ٌ كانت عامر ً، مبتهجة بمعالم الحضارة و ُخرفها، فاستحالت في‬
                                                                             ‫ر‬
 ‫سويعات أث ًا بعد عين، كانت األنهار تجري من تحتها، فغمرتها فأجراها اهلل من فوقها، وغرقتْ‬
             ‫و‬                                 ‫ر‬                             ‫ج‬
      ‫في ل ّة الطوفان، وفيها مفقودون ومش ّدون، وآخرون مكلومون محزونون، ومن َراء ذلك‬
                                                      ‫ي‬
                                         ‫خسائر مادية ومالية فادحة أصيب بها من لم ُصبْه اإلعصار.‬
                ‫ر‬                        ‫ة‬
      ‫تلك بعض اآلثار لدمار اإلعصار، لم يلبث إال عشي ً أو ضحاها، لكنه ترك آثا ًا شاخصة ال‬
                                                                                    ‫تمحوها عشرات السنين.‬
    ‫ر‬        ‫ة‬      ‫ة‬                   ‫ر‬                                                   ‫ل‬
  ‫ح ّ اإلعصار سريعًا ثم ارتحل، فاقتفاه الناس يكتبون آثا َه، فإذا آثاره ممتد ٌ خارج ٌ عن مسا ِه،‬
                              ‫ن‬            ‫ُ‬
           ‫قد أصابت من لم يصبه اإلعصار، فلئن كان اإلعصار قد أصاب مد ًا يسيرة في والية من‬
        ‫يكب‬         ‫ر‬              ‫ب‬
     ‫عشرات الواليات فإن آثاره قد أصابت الوالياتِ بأكملها، وك ّد دولتها خسائ َ جسيمة ال ِّدها‬
                                                                                                                          ‫ل ش‬
                                                                                                                        ‫فع ُ ب َر.‬
               ‫ي‬         ‫ر ويقد‬
  ‫وانهمك الناس يتتبعون آثارَ اإلعصار يحصون الخسائر واألضرا َ ِّرونها، ف ُعييهم إحصاؤها‬
                                              ‫ر‬           ‫ويقد‬                             ‫ي‬
                   ‫و ُجهدهم تقديرها، فيخرصونها خرصًا ِّرونها تقدي ًا يقارب الحقيقة وال يصيبها.‬
‫وخاض فيه اإلعالم وأهله، يقرؤون الحدث من زواياه العلمية واالقتصادية والبيئ ّة، فقالوا عنه ك ّ‬
‫ل‬                ‫ي‬
             ‫س‬             ‫د‬                                ‫م‬                     ‫ص‬
           ‫شيء، وف ّلوه تفصيالً، وخاض قو ُنا كالذي خاضه أولئك، وقرؤوا الح َث القراءة نف َها‬
                                      ‫س‬                                         ‫ي‬
         ‫بتفسيراتها العلم ّة الظاهرة، وتركوا التفسيرَ األهم الذي يف ّر الحدث وأسبابه الحقيقية، وهو‬
                                                                            ‫د‬
                                                        ‫التفسير الذي ينفرد به المؤمن المص ّق بكتاب اهلل وآياته.‬
             ‫د‬         ‫و‬
            ‫لقد قال قومنا ما قد قيل، وتركوا الحقيقةَ التي يجب أن تقال، ولم يتركوها سه ًا، بل عم ًا‬
         ‫د و‬                                                ‫ك‬                             ‫ر‬
   ‫ت َكوها، حتى إذا قالها غيرهم وذ ّر بها ووعظ استهجنوها منه، وسلقوه بألسنة حدا ٍ، وق ّلوه ما‬
                                                                         ‫م‬      ‫ز‬
                                                         ‫لم تقل، وألزموا كالمه ما ال يل َم، وح ّلوه ما ال يحتمل.‬
                                    ‫ل‬                ‫ُذكر‬                       ‫و‬
   ‫لقد تركوا أ ّل شيء ينبغي أن يقال وي َّ َ به إذا وقعت مث ُ تلك الكارثة، وهي الحقيقة التي هي‬
                                                                                 ‫ذ‬
     ‫األولى بال ّكر في هذا المقام، فال علينا أن ال نذكر غيرَها من أمر الكارثة، وهي أن ما أصاب‬
   ‫د‬                               ‫ال‬
 ‫أولئك فإنما هو عقوبة على ذنوب اقتَرفوها، فما أصيبوا إ ّ بشؤم معاصيهم، وال يظلم ربك أح ًا.‬
                   ‫ب‬              ‫ل‬              ‫ي‬             ‫ال‬     ‫ر‬               ‫أك‬
       ‫حقيقة َّدها القرآن كثي ًا، فج ّها بلسان عرب ّ مبين يفهمه ك ّ أحد، غير مشت ِه وال ملتبس،‬
          ‫ر‬         ‫وم ص ب ُ م مص ب بم سب د ُ وي ف ع‬
          ‫فجالها اهلل في قوله جل جالله: َ َا أَ َا َكمْ ِنْ ُ ِي َةٍ فَ ِ َا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِي ٍ‬
    ‫ن َ َ ي َ م ْرف ه سق ف ه َق ع ه ْل‬                                                     ‫وِذ َ َ‬
    ‫[الشورى:03]، وفي قوله: َإ َا أردْنَا أَنْ ُهْلِك قرْ َةً أَمرْنَا ُت َ ِي َا فَفَ َ ُوا ِي َا فَح َّ َلَيْ َا الْقَو ُ‬
    ‫ف َمرْنَاهَا تدْمِي ًا [اإلسراء:65]، وفي قوله: َلَوْ أ َّ أَهْلَ الْق َى آ َ ُوا و َّقَوْا لَفَتَحْنَا َلَيْهمْ َ َ َا ٍ‬
    ‫ع ِ برك ت‬                          ‫ُر من َات‬                   ‫و َن‬                                ‫َ ر‬              ‫َد َّ‬
 ‫ي تي ُ س بي ت‬                       ‫ن ي سب َ م ْل ق‬                             ‫ُ ب‬                ‫م السم ء و َ ْض و ك َذب‬
‫ِنْ َّ َا ِ َاألر ِ َلَ ِنْ ك َّ ُوا فَأَخَذْنَاهمْ ِمَا كَا ُوا َكْ ِ ُونَ أفَأَ ِنَ أَه ُ الْ ُرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا َ َا ًا‬
  ‫ي من م ْر‬         ‫ي تي ُ س ضح و ُ َ عب َ من م ْ الله‬                                     ‫ُ ئم و م ْل ق‬
  ‫وَهمْ نَا ِ ُونَ أَ َأَ ِنَ أَه ُ الْ ُرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا ُ ًى َهمْ يلْ َ ُونَ أفَأَ ُِوا َكرَ َّ ِ فَال َأْ َ ُ َك َ‬
   ‫ء ص ُ ِذن ب ِ‬                             ‫له‬          ‫َْ م َ‬          ‫ِر و ي ْ لَّذ يرث‬                        ‫الل ِال ْم‬
 ‫َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ أَ َلَمْ َهدِ ِل ِينَ َ ِ ُونَ األرضَ ِنْ بعْدِ أَهِْ َا أَنْ لَوْ نَشَا ُ أَ َبْنَاهمْ ب ُ ُو ِهمْ‬
 ‫َّيئ ت‬        ‫َ م َّذ م ر‬                                            ‫و بع ع قل به ْ ه ْ ي مع‬
 ‫َنَطْ َ ُ َلَى ُُو ِ ِم فَ ُم ال َسْ َ ُونَ [األعراف:63-005]، وفي قوله: أفَأَ ِنَ ال ِينَ َكَ ُوا الس ِّ َا ِ‬
   ‫فكال‬                           ‫ي تي ُ َ ب م ح ث ي عر‬                              ‫س الله ب ِ َ‬
   ‫أَنْ يَخْ ِفَ َّ ُ ِهمْ األرْضَ أَوْ َأْ ِ َهمْ الْعذَا ُ ِنْ َيْ ُ ال َشْ ُ ُونَ [النحل:14]، وفي قوله: َ ُ ً‬
       ‫ه الص حة‬              ‫ه الص حة وم ُ م‬                  ‫َ ِ ب ِ م ُ م َ س ع ح صب وم ُ م‬
       ‫أَخذْنَا بذَنْ ِه فَ ِنْهمْ َنْ أرْ َلْنَا َلَيْهِ َا ِ ًا َ ِنْهمْ َنْ أَخَذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْهمْ َنْ أَخَذَتْ ُ َّيْ َ ُ‬
   ‫الله ل لم ُ و ك ن فس ُ لم ن‬                                     ‫وم ه م س ب َ ْض وم ه م ْ َ و‬
   ‫َ ِنْ ُمْ َنْ خَ َفْنَا ِهِ األر َ َ ِنْ ُمْ َنْ أَغرقْنَا َمَا كَانَ َّ ُ ِيَظِْ َهمْ َلَ ِنْ كَاُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُو َ‬
               ‫ِد‬        ‫ُ َم م وجع لم لك ِ‬                                  ‫ُر‬         ‫وت‬
  ‫[العنكبوت:04]، وفي قوله: َ ِلْكَ الْق َى أَهْلَكْنَاهمْ ل َّا ظَلَ ُوا َ َ َلْنَا ِ َهِْ ِهمْ مَوْع ًا [الكهف:31]،‬
    ‫َ يك َبك م لك‬                  ‫ل‬                  ‫و ُن م لك ُ ِال و له لم‬
    ‫وفي قوله: َمَا ك َّا ُهِْ ِي الْقرَى إ َّ َأَهُْ َا ظَاِ ُونَ [القصص:31]، ذَِكَ أَنْ لمْ َ ُنْ ر ُّ َ ُهِْ َ‬
      ‫الْقرَى بِ ُل ٍ َأَهُْ َا َا ُِونَ [األنعام:535]، ظَهرَ الْفَ َا ُ ِي الْب ِّ َالْبَح ِ ِمَا كَ َ َتْ أَيْدِي َّا ِ‬
      ‫الن س‬           ‫َ س د ف َر و ْر ب سب‬                                                ‫ظ ْم و له غ فل‬             ‫ُ‬
                                                                           ‫َّ عمل َل ُ ي جع‬                ‫ل ُذ ُ ب ْ‬
                                                            ‫ِي ِيقَهمْ َعضَ الذِي َ ُِوا لَعَّهمْ َرْ ِ ُونَ [الروم:54].‬
                                                                  ‫س‬
 ‫فهذه اآليات وأمثالها تف ّر هذه الكوارث، وتجلي عن سببها األكبر الذي هو فوق أسبابها الطبيعية‬
                                                                    ‫ل‬
                                            ‫الظاهرة، وهي أن الكوارث تسّط على الناس بسبب ذنوبهم.‬
  ‫وليس يخفى عند تقرير هذه الحقيقة ما يتوارد على بعض العقول من تساؤالت تحول بينها وبين‬
     ‫ص‬
‫قبول هذه الحقيقة، فال مندوحةَ عن التعرض لها بأجوبة مقنعة تزيل عن هذه الحقيقة ما أل ِق بها‬
                                                                      ‫ل‬
      ‫من لوازم باطلة؛ حتى تسّم العقول بها، وتطمئن النفوس إليها، ولذا فإن التذكير بهذه الحقيقة‬
                                                                           ‫ل‬              ‫ن ع‬
                                                              ‫يقتضينا أن ُتب َها بجملة من الّفتات الالزمة:‬
                                                                                       ‫ال‬
     ‫فأو ً: إذا وقعت الكارثة بقوم فليس من الزم ذلك أن يكونوا هم أفجر الناس، كما أنها ال تمنح‬
 ‫ر ة‬                                             ‫ي‬                       ‫ح‬            ‫ة‬
 ‫تزكي ً وال شهادةَ ُسنِ سيرةٍ وسلوك لمن لم ُصبْ بها، فقد تصيب العقوبة الفاسقَ والفاج َ وثم َ‬
                 ‫كل ح‬                                  ‫ي ك‬                   ‫ق‬
 ‫من هو أفس ُ منه وأفجر، وقد َهلِ ُ الظالم وينجو األظلم، وإن كان ٌّ مست ّق للعقوبة مستوجب‬
             ‫د‬           ‫ّر‬                                ‫ض‬
        ‫للسخط، فإن منهم من تعجل له بع ُ العقوبة في الدنيا، ومنهم من تؤخ ُ عقوبته فت ّخر له‬
                                                   ‫ب‬            ‫ي‬                ‫ّف‬
‫وتضع ُ في اآلخرة، وقد ُعاقَب المذن ُ بعقوبةٍ ال يشعر بها الناس من أمراض نفسية أو مشكالت‬
                                                                                             ‫زم‬
                                                                                ‫اجتماعية أو أ َ َاتٍ اقتصادية.‬
 ‫ة‬                    ‫ل‬                                    ‫ل‬
 ‫ينبغي أن نعلم أن العقوبات ال تنا ُ األولى بها فاألولى، فقد تخطئ األَوَْى وتصيب األدنى لحكم ٍ‬
 ‫َر َنم‬           ‫س َن َّذ‬          ‫و‬                                                   ‫ن‬
‫يعلمها سبحانه، فإ ّ اهلل يملي لبعض الظالمين استدراجًا ليزدادوا إثمًا، َال يَحْ َب َّ ال ِينَ كَف ُوا أَّ َا‬
   ‫و َّذ ن‬                  ‫ن ل ه ْر فس ِ ِن ن ل ُ ل َ ْد د إ و ُ َ ب مه ن‬
   ‫ُمِْي لَ ُمْ خَي ٌ ألَنْ ُ ِهمْ إَّمَا ُمِْي لَهمْ ِيز َا ُوا ِثْمًا َلَهمْ عذَا ٌ ُ ِي ٌ [آل عمران:525]، َال ِي َ‬
                      ‫َذب ب ي ت س َ جه م ح ث ي م ن وأ ل ه ِن ْد مت ن‬
  ‫ك َّ ُوا ِآ َا ِنَا َنَسْتدْرِ ُ ُمْ ِنْ َيْ ُ ال َعْلَ ُو َ َُمِْي لَ ُمْ إ َّ كَي ِي َ ِي ٌ [األعراف:555، 755].‬
‫ثانيًا: يتساءل بعضهم وهو يسمع بهذه الحقيقة: فما بال األطفال ومن في تلك الديار من المسلمين؟!‬
‫ما ذنبهم؟! وما جريرتهم حتى يهلكوا مع من هلك؟! والجواب: إنه ليس لألطفال ذنب إذ هلكوا في‬
                             ‫ق‬                                             ‫ك‬
   ‫الكارثة بال ش ّ، وقد يكون من هلك معهم من المسلمين غيرَ مستح ّ للعقوبة، لكنهم أصيبوا بها‬
                               ‫د‬
‫تَبعًا، ووجودهم ال يمنع حلول العقوبة إذا ظهر في قومهم الفسا ُ والفجور، فإذا هلكوا فليس بهالك‬
                                      ‫ع‬                     ‫ج‬
 ‫عقوبة عليهم، وإنما هو حلول أ َل اقتضى أن يكونوا في ِداد أولئك القتلى في الكارثة، فعنه أنه‬
      ‫قال: ((إذا أنزل اهلل بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)) أخرجه‬
      ‫البخاري، وعنه أنه قال: ((العجب أن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء‬
                                                      ‫ن‬
‫خسف بهم)), فقلنا: يا رسول اهلل، إ ّ الطريق قد تجمع الناس, قال: ((نعم، فيهم المستبصر ـ وهو‬
 ‫المستبين القاصد لغزو البيت العامد له ـ والمجبور ـ أي: المكره ـ وابن السبيل ـ وهو سالك‬
                                           ‫د‬       ‫ل‬
     ‫الطريق معهم وليس منهم ـ، يهلكون مهِكا واح ًا، ويصدرون مصادرَ شتى, يبعثهم اهلل على‬
                                                                                          ‫نياتهم)) أخرجه مسلم.‬
                   ‫ب‬
    ‫لقد استشكلت عائشة وقوع العذاب على من ال إرادة له في القتال الذي هو س َب العقوبة، فوقع‬
                                                                   ‫م‬
                        ‫الجواب بأن العذاب يقع عا ّا لحضور آجالهم، ويبعثون بعد ذلك على نياتهم.‬
 ‫وانظر هنا كيف هو شؤم المعاصي على الخلق جميعًا صالحهم وطالحهم محسنِهم ومسيئهم إنسهم‬
  ‫وبهائمهم، لقد خسف بالجميع لشؤم األشرار، ثم عند الحساب يعامل كل أحد بحسب قصده. وفي‬
                      ‫ب‬                                           ‫ل‬
                  ‫الحديث الصحيح المشهور: أنهِك وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا كثر الخ َث)).‬
                      ‫ٌ‬     ‫ن‬
‫إن هذه الحقيقةَ التي أكدها القرآن في آيات كثيرة ليس لها إال مع ًى واحد ال يحتمل غيره، وهو أن‬
‫العقوبة إذا حلت بأرض فإنما حلت بأرض فيها من الفساد ما يستوجب العقوبة، وليس من لوازمها‬
                                            ‫ُل م رأ‬
                                  ‫أن من حلت بهم هم أفجر الناس، وال أن من لم تح َّ به ُب ٌّ من اإلثم.‬
        ‫ك‬                       ‫ر‬                  ‫ة‬      ‫ر ل‬
‫وعلى هذا فإذا قلنا: إن اإلعصا َ ح ّ عقوب ً بمن هلك به أو تض ّر فهذا ال يعني أننا نز ّي أنفسنا‬
                                                              ‫ن‬                    ‫ئ‬
     ‫ونبرُها من المعاصي إذ لم ُصب بتلك المصيبة، فنحن مؤمنون بأن اهلل ال يرسل باآليات إال‬
                           ‫ف‬       ‫ة‬                                                  ‫ف‬
                    ‫تخوي ًا، وأن الكارثة كما هي عقوبة بمن أصيب بها فهي موعظ ٌ وتخوي ٌ لغيره.‬
                                                         ‫ي‬
  ‫نرى هذه المشاهد تقع هنا وهناك، ُجريها اهلل من حولنا، ويصرفها برحمته عنا، فما يحملنا ذلك‬
            ‫ة‬                                               ‫نج‬
‫إال على حمده سبحانه وشكرِه أن َّانا منها، وجعل غيرنا عبرةً لنا، ولم يجعلنا عبر ً لغيرنا. وإن‬
                                                             ‫ي‬         ‫ن‬
‫من أعظم الغرور أن نظ ّ ذلك لمز ّة فينا تجعلنا بمأمن من مكر اهلل وعذابه، فإنه ال يأمن مكر اهلل‬
               ‫ن ء الله و ِب ؤه‬
 ‫إال القوم الخاسرون، وال نقول كما قالت اليهود والنصارى: نَحْ ُ أَبْنَا ُ َّ ِ َأَح َّا ُ ُ [المائدة:55]،‬
                                                        ‫س‬             ‫ة‬
 ‫فليس بيننا وبينه صل ٌ وال رابطة ن َب، وال نرى نجاتنا منها إال مزيد إنعام من اهلل وفضل، وهي‬
   ‫صورة من صور االبتالء، النجاة فيها بالشكر واالعتراف بالتقصير؛ حتى ال تنقلب من صورة‬
         ‫رحمة بالنجاة إلى استدراجٍ وإمالء، كشأن من قال اهلل عنهم: َلَقدْ أرْ َلْنَا َِى ُممٍ ِنْ قَبْلِ َ‬
         ‫ك‬          ‫و َ َ س إل أ َ م‬
     ‫َرع و ك س ْ قل ب ُ‬                 ‫ِ ج ُ بس‬                   ‫س ء و َّر َل ُ ي َرع َ‬                           ‫َ ُ‬
   ‫فَأَخذْنَاهمْ بِالْبَأْ َا ِ َالض َّاءِ لَعَّهمْ َتَض َّ ُون فَلَوْال إذْ َاءَهمْ َأْ ُنَا تَض َّ ُوا َلَ ِنْ قَ َت ُُو ُهمْ‬
  ‫َت ِذ‬            ‫ع ِ و ب ُل‬                        ‫ذ ِّر ب ِ‬       ‫ن ي مل َ َم س‬                     ‫َ َي ه الش ن‬
 ‫وز َّنَ لَ ُمْ َّيْطَا ُ مَا كَا ُوا َعْ َُون فَل َّا نَ ُوا مَا ُك ُوا ِه فَتَحْنَا َلَيْهمْ أَبْ َا َ ك ِّ شَيْءٍ ح َّى إ َا‬
       ‫فرِ ُوا ِمَا ُو ُوا أَخَذْنَاهمْ َغْتَة فَإ َا همْ ُبِْ ُون فَ ُطِعَ َا ِ ُ الْقَومِ ال ِي َ ظَلَ ُوا َالْ َم ُ لَّه ر ِّ‬
       ‫ُ ب ً ِذ ُ م لس َ ق د بر ْ َّذ ن م و ح ْد ِل ِ َب‬                                                       ‫َ ح ب أ ت‬
                                                                                                                ‫م‬
                                                                                            ‫الْعَالَ ِينَ [األنعام:74-14].‬
           ‫إن صرفَ هذه الكوارث عنا يستوجب مزيدَ شكر للمنعم سبحانه، ويستوجب معه اعترافًا‬
             ‫ر‬
    ‫بتقصيرنا في جناب اهلل الذي هذا فضله وهذه نعمته، ونحن في قبضته وتحت تص ّفه، نعصيه‬
                                                                                           ‫ر‬
    ‫ونف ّط في طاعته؛ فلنقل كما علمنا نبينا : نبوء بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا فإنه ال‬
                                                                                                   ‫يغفر الذنوب إال أنت.‬
                                                                            ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم...‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
           ‫ق‬                       ‫ِر‬                          ‫ر س‬
        ‫ثالثًا: لم يبغتْ اإلعصا ُ النا َ فجأة، وال أتاهم على حين غ ّة، بل جاءهم وهم له متر ِبون‬
                 ‫ذ‬                  ‫ر‬                                            ‫ب‬
  ‫مترّصون، جاءهم بعد أن رصَدوا مسارَه، وقاسوا خطو َته، وأنذروا به وح ّروا، فجاءهم على‬
       ‫ال‬          ‫رد‬                                          ‫و‬
      ‫المسار الذي رسموه له وبالق ّة التي حدَسوها، ومع كل ذلك لم يستطيعوا له ًّا وال تحوي ً،‬
          ‫فمهما بلغ اإلنسان من العلم وأحاط بأسراره فستظل قدرته في حدودها البشرية المحدودة.‬
                                        ‫و‬
           ‫لقد أفادتهم علومهم في هذه الكارثة بعض الفائدة المرج ّة، فأمكنتهم من الفرار من مسار‬
          ‫د‬
    ‫اإلعصار، ونجوا من الموت بمشيئة اهلل ثم بما أفادتهم به علومهم، لكن علومهم على تق ّمها لم‬
                                             ‫ر‬                            ‫س‬
  ‫تمنعهم من أن تم ّهم العقوبة ببالغ األذى والض َر، فإن كانوا نجوا بجسومهم فإنهم لم ينجوا من‬
                                  ‫ت‬
         ‫بطشة العقوبة، واقرأ في تقديرات ما خسرته الواليات الم ّحدة بسبب اإلعصار لتدرك أن‬
              ‫ع‬                                                         ‫ب م‬
  ‫اإلعصار مصا ُ أ ّة بتمامها ال مصاب والية أو مدينة، وأن العقوبة طالتها جمي ًا وإن لم يحل‬
                                                                         ‫اإلعصار إال ببعضها.‬
                                         ‫يجر‬     ‫س‬
‫رابعًا: إن كون هذه اآليات تقع بأسباب مف ّرة ال ِّدها من مشاهد العبرة والتذكرة، وال ينفي أن‬
  ‫تكون عقوبة على ذنوب مستحِقة للعقاب، فما كان يخفى على النبي وال عن أصحابه أن كسوف‬
‫الشمس يقع ألن القمر حال دونها، وال أن خسوف القمر يقع ألن األرض حالت بينه وبين الشمس،‬
                 ‫بل كان ذلك معروفًا قبل زمنهم، ومع ذلك كانوا يرون فيها آيةً للعبرة والخوف.‬
                                     ‫ن‬                            ‫ة‬             ‫كل‬
    ‫وهكذا ُّ كارثة؛ معرف ُ أسبابها ال يحجب ما فيها من ُذر التخويف، كما ال ينبغي أن ننشغل‬
                     ‫بدراسة أسباب حدوث الكوارث عن االلتفات إلى ما فيها من العبر واآليات.‬
‫ق ليت ظ‬       ‫ت‬                             ‫هلل‬     ‫ي‬             ‫د‬
‫فليعتبر أولو األبصار واال ّكار من كل ما ُجريه ا ُ سبحانه في هذه الحياة من آيا ٍ يسو ُها َّع َ‬
 ‫بها العباد وينيبوا، ويلجؤوا إلى ربهم ويتوبوا. هذه الكوارث التي نراها هي آيات عظيمة يرسلها‬
                                        ‫وتذك‬                  ‫ص‬
                          ‫اهلل تخويفًا، فلنجعل منها صلةً ت ِلنا بربنا إذا نسينا ِّرنا إذا غفلنا.‬

‫(5/3544)‬




                                                                     ‫كلمات للمعلمين والمعلمات‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                        ‫اآلداب والحقوق العامة, التربية والتزكية, العلم الشرعي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد الرحمن السديس إمام الحرم‬
                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫75/5/6745‬
                                                                                 ‫المسجد الحرام‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
                                            ‫ي‬           ‫رح‬       ‫ق‬
  ‫5- فضل العلم وأهله. 7- ُطب ال ّ َى في العمل ّة التعليمية. 3- فضل رجال التربية والتعليم.‬
       ‫4- عِظم رسالة المعلم. 1- وصايا للمعلم. 6- أمانة التربية والتعليم. 2- أهمية ربط العلم‬
             ‫باألدب. 5- ضرورة ربط العلم والتربية بالمعتقد الصحيح. 3- صفات المعلم الناجح.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
    ‫َاتق الله َي َلم ُ‬                     ‫َاتق ي ُ جع َ ف إل الل‬                                              ‫م‬
  ‫أ ّا بعد، فاتقوا اهلل عبادَ اهلل، و َّ ُوا َوْمًا ترْ َ ُون ِيهِ َِى َّهِ [البقرة:557]، و َّ ُوا َّ َ وُعِّ ُكمْ‬
                                                                                 ‫عل م‬         ‫الله َالله ب ُل‬
                                                                   ‫َّ ُ و َّ ُ ِك ِّ شَيْءٍ َِي ٌ [البقرة:757].‬
 ‫أ ّها المسلمون، ال يش ّ أح ٌ وال يتمارَى أن مقامَ العلم وأهله مقام ال يجَارى، وميدانَهم َيدان َب ٍ‬
 ‫سق‬       ‫م‬                      ‫ٌ‬                      ‫َّ‬             ‫ك د‬                      ‫ي‬
                  ‫ئم‬          ‫ال‬                         ‫ِّد‬            ‫ني‬              ‫ي‬
   ‫ال ُبَارى، وهل ب ِ َت األمجاد وشي َت الحضارات عبر التأريخِ إ ّ على دعا ِ ِه وركائزه؟! وهل‬
 ‫ئ‬        ‫عم ب‬                 ‫ظ‬           ‫ل‬                ‫عم‬           ‫ُّم‬                ‫مة‬
‫أ ّ ٌ سادت بغيرِ التعل ِ؟! إذ ال ِل ُ أشرف مطلوب وأج ّ مرغوب وأع َم موهوب. ال ِل ُ من َع الفوا ِد‬
 ‫ومع ِل ال َرائِد ومج َع ال ّوارد. ال ِلم ش َف الدهر ومج ُ العصر ووِسام الفخر وتا ُ الشرف ِّ‬
 ‫لكل‬      ‫ج‬                        ‫د‬            ‫ع ر‬             ‫م ش‬              ‫ق ف‬
                            ‫م‬       ‫ة الس ة‬                       ‫ر‬          ‫ز‬
                       ‫قطر، وهو فَخار ال ّمان وإكسي ُ األمن واألمان وضمان ُ َّعاد ِ واالط ِئنان.‬
                                            ‫حب ح‬               ‫ن‬                                     ‫ع‬
                                          ‫ال ِلم كَنز وذخر ال نفادَ له…نِعمَ القري ُ إذا ما صا ِ ٌ صَ ِبا‬
 ‫ُّ قول المولى ج ّ وع ّ: يرفَعِ َّ ُ ال ِي َ آ َُوا ِنْكمْ َال ِينَ ُو ُوا الْ ِلمَ د َ َا ٍ‬
 ‫ل ز َ ْ الله َّذ ن من م ُ و َّذ أ ت ع ْ َرج ت‬                                            ‫وأبلَغ من ذلك وأعز‬
                                                                                                ‫[المجادلة:55].‬
              ‫ي‬           ‫ظ‬      ‫ي‬         ‫ت‬           ‫م د‬
     ‫معاشرَ المسلمين، وإذا كان العالم اليو َ يتنا َى عبر هيئا ِه العالم ّة ومن ّماته الدول ّة لإلصالح‬
             ‫ُّف واإلرهاب فإ ّه واج ٌ في العلم ال ّا ِع المبني‬
 ‫ِّ على اإليمان‬      ‫نف‬               ‫ِد‬     ‫ن‬                            ‫ل‬               ‫ي‬
                                                            ‫والتنم َة ومكافحة الجه ِ والفقر والتخل‬
                         ‫ت‬       ‫ر‬                  ‫ل متسل‬              ‫د‬         ‫لت‬       ‫ر‬
              ‫ال ّاسخ ضاّ َه المنشو َة، وفي إيجاد جي ٍ ِّحٍ بالعلوم والمعا ِف جوهر َه المفقودة.‬
   ‫ي‬      ‫ٍ‬                ‫ت ط‬                      ‫ئ‬                                        ‫ولعل‬
   ‫َّ حديثَ المناسبة يحلو ونحن نَعيش مع أبنا ِنا الطالبِ وفتيا ِنا ال ّالبات إشراقةَ عام دراس ّ‬
  ‫جديد وإطاللَةَ موسمٍ ِّق في ال ِلم والمعرف ِ والتحصيل، ترت ِم على َّاه ب َمَا ُ األمل الخال‬
‫َّبة‬          ‫محي س ت‬            ‫س‬               ‫ة‬           ‫ع‬        ‫ِ متأل‬
 ‫ل‬       ‫َ‬              ‫ب‬        ‫ل‬
 ‫وإشراقا ُ الفألِ الج ّابة في هم ٍ َّابة و ُلَل من الجال ِ والجما ِ والمها َة؛ لتحقيق مستقبلٍ أفض َ‬
                                          ‫ل‬             ‫ح‬      ‫م وث‬          ‫ذ‬            ‫ت‬
                                                    ‫م‬                       ‫ُّ‬     ‫ج‬
                          ‫بإذن اهلل، لدفع ع َلَة تقدمِ المجتَمع ونهضةِ األ ّة، وما ذلك على اهلل بعزيز.‬
   ‫س‬               ‫ي ة‬                        ‫ي‬           ‫رح‬       ‫ق‬            ‫ج‬                 ‫إ‬
 ‫ِخوةَ اإليمان، حَ َر الزاوية و ُطب ال ّ َى في العمل ّة التعليمية والتربو ّة فئ ٌ عزيزة على نفو ِنا‬
   ‫ر‬            ‫م‬                   ‫د‬            ‫ت س‬             ‫ت س مي‬                   ‫ب ف‬
  ‫غالِية في قلو ِنا، ِئة لها مكان ُها ال ّا ِ َة ومنزل ُها ال ّامِقة في ال ّين والمجتَمَع واأل ّة، فِئة جدي َة‬
              ‫ر‬              ‫ة‬                            ‫ت‬       ‫باالحترام وال ّكريم والتقدير وحفية‬
‫َّ ٌ بااله ِمام واإلجالل والتوقير، حقيق ٌ بالعناية وال ّعاية والتبجيل؛‬               ‫ت‬
                               ‫ه ذ‬            ‫ج‬              ‫الغرة ت‬            ‫م‬
     ‫ألنها في األ ّة بمنزلة َّ ِ وال ّحجيل، كيف وقد َاء التنوي ُ ب ِكرها في محكم التنزيل؟! وال‬
             ‫مش‬            ‫لب‬                  ‫َّى وال ّور المجل‬
      ‫َّى، كيف وهي للعقو ِ ُناة وللفهو ِ ُداة وفي‬      ‫د‬            ‫قح‬                     ‫َ‬
                                                              ‫غرو فلها في مجالها ال ِد ُ المعل‬
                            ‫د‬                 ‫ر ر‬          ‫د‬        ‫ة ت‬                 ‫ة‬
  ‫الخَير سعا ٌ، للعلم قادَ ٌ ولل ّربية شا َة وللمع ِفة َادَة وللتحصيل سا َة. وأجزم ـ يا رعاكم اهلل ـ‬
   ‫ر‬                 ‫ب‬                                                     ‫ن‬                    ‫ن‬
‫أ ّكم أدركتم بعد هذا الّعتِ الفريد المعنى المرادَ وبيتَ القصيد، إنها فِئة ال َذل والعطاء والمك ُمات‬
                                                                 ‫ب‬        ‫ِّمين والمعلمات والمرب‬
                                                             ‫ِّين والمرّيات.‬                  ‫من المعل‬
     ‫ن‬             ‫م‬               ‫ة‬                     ‫س‬       ‫ن‬          ‫ل‬
‫إخوةَ اإلسالم، المعّمون هم ال ّجوم ال ّاطعة والكواكب الالمع ُ في سماء العلو ِ والمعارف ال ّافعة،‬
            ‫ع‬              ‫َ‬             ‫ر‬             ‫ض‬               ‫ل‬
 ‫هم المصابيح المتألِئة والشموع الو ّاءة التي تحت ِق لتضيء الطريق لألجيال الصا ِدة والناشئة‬
    ‫الواعدةِ، هم ح َلة مشكاة النب ّة والمؤتَ َنون على ميراثِ الرسالة في التعليم والتربية، كادَ المعل‬
‫ِّم أن‬                                                    ‫م‬          ‫و‬              ‫م‬
                              ‫ال‬      ‫س‬      ‫ش‬                   ‫أجل‬                 ‫ال‬
                            ‫يكون رسو ً. أرأيتَ أعظمَ أو َّ منَ الذي يبني وين ِئ أنف ًا وعقو ً؟!‬
        ‫رف ر‬                                 ‫م م‬                         ‫فيا أّها اإلخوة المعل‬
    ‫ِّمون، يا من شرفتم بأعظ ِ مه ّة وأشرف وظيفةٍ، هنيئًا لكم ش َ ُ ال ّسالة‬             ‫ي‬
         ‫و ُبل المه ّة، فمهما عانَيتم وقا َيتم ومهما جارَ البعض عليكم َّش رسالتَكم المتأل وقل‬
‫ِّقة َّل هيبتَكم‬              ‫وهم‬                          ‫س‬                     ‫م‬        ‫ن‬
        ‫َّتَكم المشر‬
   ‫َّفة ال‬                ‫د ر ر‬
                  ‫َّ والمعنو ّ، ومهما أغفل أح ٌ دو َكم ال ّائد ومهم‬
                                                       ‫ي‬                  ‫حق‬     ‫م‬      ‫المتأص‬
                                                                 ‫ِّلة وغ َطَكم َّكم األدبي‬
    ‫ل‬      ‫ل‬                         ‫ب‬       ‫ي‬                  ‫ي‬                         ‫ي‬
‫س ّما في عصرِ الثورةِ التقانّة والقنوات الفضائ ّة والش َكات المعلوماتية، مع ذلك كّه فستظّون ـ‬
    ‫مة‬                 ‫ه‬               ‫ل‬             ‫ق‬            ‫ع‬                 ‫ر‬           ‫ز‬
    ‫ُمالئي المد ّسين ـ المنهلَ ال َذب الذي تست ِي منه األجيا ُ والنورَ المتو ّج الذي تسير األ ّ ُ‬
                                                                                ‫ز‬
                                                       ‫بهداه إلى مواطنِ الع ّ والنصر والفَخار والرفعة.‬
   ‫ء‬                ‫ص حق‬                 ‫ِي‬         ‫ز‬     ‫ل‬              ‫ط‬       ‫ل‬
   ‫ومهما نطَق الّسان وس ّر البيان فسيظ ّ عاج ًا أن يوف َّكم قدرَكم وين ِفكم َّكم، ويكفيكم ثنا ُ‬
 ‫ل‬                   ‫إن‬                   ‫ن‬         ‫ي‬                 ‫ح نبي‬         ‫ل‬     ‫رب‬
 ‫ِّكم ج ّ وعال ومد ُ ِّكم ، أخرج الترمذ ّ وغيره أ ّ رسول اهلل قال: (( َّ اهلل ومالئكته وأه َ‬
                                ‫معل‬      ‫ل‬        ‫ج‬
     ‫السموات وأهل األرض حتى النملةَ في ُحرها ليصّون على ِّم الناس الخير))(5)[5]. اهلل‬
        ‫ش ر‬            ‫د‬        ‫أكبر، يا له من فضل عظيم وشر ٍ جسيم، ال ينتَ ِر بع َه المعل‬
      ‫ِّم من أح ٍ جزاء وال ُكو ًا.‬     ‫ظ د‬                   ‫ف‬
  ‫ط ع‬                             ‫ظ ت‬                             ‫أع ّائي المعلمين، أخَواتي المعل‬
  ‫ِّمات، ومع عِظَم التشريف يع ُم الّكليف، فاهللَ اهللَ في االض ِال ِ‬                         ‫ِز‬
    ‫ل‬                   ‫أعز‬     ‫م‬         ‫م‬             ‫و‬                             ‫ر‬      ‫ح‬
    ‫ب َمل ال ّسالة وأداءِ األمانة على خيرِ َجه، لقد ائتَ َنتكم األ ّة على ِّ ما تملِك، على عقو ِ‬
         ‫ر م متقلب‬         ‫ة ت‬         ‫ب‬                                                   ‫ل‬
     ‫فَذات أكبادِها وأبكار ثمراتِ فؤادها، أليس يقضي الطال ُ سحاب ِ وق ِه وشط َ يو ِه ِّ ًا في‬
  ‫ل جن‬               ‫م س‬                      ‫ض‬                                      ‫ق‬
 ‫أعطاف ِالع التعليم وحصون التربية؟! وهي المحا ِن المأمونة واألرحا ُ ال ّليمة التي تِد أ ِ ّة‬
    ‫َر‬            ‫ت‬        ‫ه‬              ‫معل‬        ‫أهم‬                            ‫متسلح‬
 ‫ِّ َةً باألمن واإليمان، والتي من ِّ أركانها ِّمون ناضِجون م َرة وأسا ِذَة طامحون ب َرة،‬
  ‫س‬      ‫ي هم‬                     ‫َّ‬     ‫ن‬
‫ولكن وا َر قَلباه وا َظمَ خَط َاه إذا َّب البع ُ الظنو َ، فانسل في هذهِ العمل ّة الم ِ ّة مند ّون‬
                                                 ‫ض‬       ‫خي‬       ‫ب‬        ‫ع‬           ‫ح َّ‬
                                    ‫ي‬      ‫ت‬             ‫ت‬      ‫ي‬        ‫ي‬       ‫ي‬       ‫تموج‬
                           ‫في ُّ َات عقد ّة وفكر ّة وسلوك ّة وان ِماءات ووالءا ٍ طائف ّة وحزبية.‬
                 ‫ص‬                                       ‫ع‬      ‫ع‬                       ‫ي‬
      ‫فيا أّها المعلم المبارَك، اج َل طَو َ بنانك وخَفقَ جنانك أصلَ األصول اإلخال َ هلل في هذه‬
                             ‫ٌّ‬                                   ‫ز‬                  ‫م‬
‫المه ّة العظيمة، وال يع ُب عن بالِك ـ يا رعاك اهلل ـ وأنت جندي في ميدان التعليم والتربية أن‬
                      ‫ق‬                ‫ل‬                             ‫دل‬               ‫َق‬
 ‫التعليم ُربة وعبادَة يز ََف بها إلى اهلل، فإن فقَد المعّم هذا األصل انت َل من أفضل الطاعات إلى‬
         ‫أقر‬   ‫ل‬      ‫خ‬                       ‫أحط‬        ‫د‬                          ‫و‬
 ‫أس َأ المخالفات، ومن أعالي ال ّرجات إلى ِّ الدركات. فاستمسِك ـ أ ِي المعّم ـ َّ اهلل بك‬
                               ‫َ‬     ‫د‬             ‫ن‬          ‫ق تحقق‬
     ‫األعينَ بهذا األصل األصيل، فبِ َدر ُّ ِه لديك تج ِي الثمارَ بي َيك، غفرَ اهلل لنا ولَك ولوالدينا‬
                                                                                                        ‫د‬
                                                                                                     ‫ووال َيك.‬
             ‫ع‬         ‫و‬        ‫يض بم‬              ‫ة‬                                          ‫م‬
‫أ ّةَ اإلسالم، الجيل أمانة، والتعليم والتربي ُ أمانة، وأ ّ َر ٍ ِن التها ُن والتقا ُس في أداء هذه‬
           ‫خ ن الل‬           ‫َي َّذ ن من‬                    ‫ز ل‬             ‫ة‬                      ‫ن‬
         ‫األمانة فإ ّه لون من ألوان الخيان ِ، واهلل ع ّ وج ّ يقول: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ال تَ ُو ُوا َّهَ‬
  ‫َر‬                                                        ‫تُ و ُ م‬                          ‫َالرس و خ ن‬
  ‫و َّ ُولَ َتَ ُو ُوا أَمَانَا ِكمْ َأَنْتمْ تَعْلَ ُونَ [األنفال:27]. ويا هلل، ما أعظمَ هذه األمانة، وما أخط َ‬
   ‫ق‬            ‫د‬          ‫ِر‬        ‫د‬            ‫خ‬                         ‫ي‬           ‫َ‬
  ‫التفريط فيها، ال سّما في هذه األعصارِ المتأ ّرة حيث التح ّيات الخط َة والمستج ّات المتالحِ َة‬
    ‫ص‬            ‫ة س‬                 ‫ق‬               ‫ب‬           ‫ز‬        ‫ر‬           ‫والمتغي‬
‫ِّرات المتسا ِعة واأل َمات المتتا ِعة. فلعمرو الح ّ، كم نحن بحاج ٍ ما ّة إلى العوا ِم من‬
     ‫ر‬                 ‫م يتحل‬                                         ‫حم‬    ‫هذه القوا ِم، ولعل‬
 ‫َّ من ِّلوا أمانةَ التربية والتعليم أولى ثم أَولى َن َّى برَونَق هذه ال ّسالة‬     ‫ص‬
         ‫و‬       ‫ن‬                ‫ل‬         ‫أهم يتحل‬         ‫ب‬       ‫حيثية م‬
‫العظيمة من َّ ٍ مه ّة، أحس ُ أنها من ِّ ما َّى به المعّمون، ذلكم هو جا ِب القد َة والتزام‬
                    ‫ي‬                      ‫ت‬                           ‫م‬            ‫ي‬
   ‫أخالق ّات هذه المه ّةِ الجسيمة، وذلك بحسن السم ِ والهديِ الصالح وجمال ّات الباطن والظاهر‬
      ‫معل‬    ‫و ُراعاة كريمِ السجايا والشمائل و ُبل األخالق والفضائل، إذ أق َ ُ ما يرى المتلق‬
‫ِّي من ِّمه وهو‬            ‫بح‬                            ‫ن‬                               ‫م‬
‫ب‬                      ‫د فهال س‬                ‫ل‬                     ‫ل‬             ‫ك‬      ‫م‬
‫ير ُق سلو َه أن يخالف فعُه قولَه، فإن وقع المعّم في هذا ال ّرك َّ لنف ِه كان ذا التعليم، طبي ٌ‬
   ‫ق ل م‬             ‫ُر م ع ْ الل‬                            ‫ل‬           ‫غ‬                 ‫س‬
  ‫يداوي النا َ وهو سقيم، وأبلَ ُ من ذلك قو ُ الحق تبارك وتعالى: كَب َ َقْتًا ِندَ َّهِ أَنْ تَ ُوُوا َا‬
        ‫ض‬          ‫ر‬         ‫ال‬        ‫ي‬        ‫ت‬                ‫ر‬                     ‫عل‬
        ‫ال تَفْ َُونَ [الصف:3]. وهل أب َزت تلك التناقضا ُ التربو ّة إال جي ً يعيش مع ّةَ التناق ِ‬
            ‫ل‬       ‫ي‬                         ‫ي‬          ‫ر ي‬             ‫تخلف‬      ‫ي‬
  ‫واالزدواج ّة وما ِّ ُه من آثا ٍ نفس ّة واجتماع ّة خطيرة. فأعيذك باهلل ـ أّها المعّم الفاضل ـ‬
   ‫ٍ‬       ‫َ‬          ‫ة‬                           ‫ة‬             ‫ء‬        ‫هم‬
‫أن تكون مس ِ ًا في شي ٍ من ذلك بصور ٍ أو بأخرى، فما ذاك إال طعن ٌ نجالء بخنجرٍ مسموم في‬
           ‫خا ِرة الفكر ال ّحيح والمنهج السليم، ولذلك َّ مسؤول ّة اختيارِ األكفا ِ من المتصد‬
 ‫ِّين للرسالة‬        ‫ء‬                 ‫ي‬       ‫فإن‬                         ‫ص‬            ‫ص‬
     ‫التربو ّة والتعليم ّة مسؤول ّة عظمى، فال يص َّر في هذا المجالِ ُّ دع ٍّ معوز وال َّ ُ ُّ‬
     ‫يعين كل‬          ‫كل ِي‬                    ‫َد‬               ‫ي‬        ‫ي‬           ‫ي‬
                 ‫م‬               ‫كل‬            ‫مة‬               ‫ت‬                       ‫متصح‬
       ‫ِّرِ الفكر مفلِس، حتى ال ُالكَ هذه المه ّ ُ العظيمة في ِّ نادٍ ومجلس. و ِن هنا تأتي‬
                       ‫ضرور ُ حسنِ اإلعدا ِ ودورات التدريب واإلمدا ِ، ِّيًا في مدا ِج السمو‬
   ‫ِّ بهذه الرسالة الكبرى‬     ‫ر‬           ‫د ترق‬                        ‫د‬             ‫ة‬
                                                                             ‫س‬
                                                                   ‫ورِجاالتها وجميعِ المنت ِبين إليها.‬
 ‫ر‬                        ‫صو ِ‬                  ‫ط ع‬                                 ‫د‬
‫ومما يج ُر التذكير به في هذا الصدَد رب ُ ال ِلم باألدب، فهما ِن َان ال يفترقان، وعلى هذا د َج‬
                                 ‫ِّم الموف‬
  ‫َّق، عن ابن سيرين رحمه اهلل تعالى‬              ‫ح‬                                 ‫ف‬
                                        ‫السل ُ الصالح رحمهم اهلل، وهو من أعظمِ ِلية المعل‬
                        ‫حو‬                                ‫يتعل‬   ‫ي‬         ‫يتعل‬
     ‫قال: "كانوا َّمون الهد َ كما َّمون العلم"(7)[7]، وعن رجاء بن َي َة رحمه اهلل أنه قال‬
                                              ‫ع‬       ‫ت‬             ‫تحد‬       ‫ل حد‬
   ‫لرج ٍ: " ِّثنا وال ِّثنا عن متماو ٍ وال ط ّان" رواهما الخطيب في الجامع(3)[3]، وقال ابن‬
                               ‫ر‬          ‫ج ن‬
     ‫المبارَك رحمه اهلل: "نحن إلى قليلٍ منَ األدب أحو ُ م ّا إلى كثي ٍ من العلم"(4)[4]، وقال ابن‬
                                      ‫عم‬         ‫تعل‬    ‫ر‬          ‫دب‬          ‫تعل‬
‫وهب: "ما َّمنا من أ َ ِ مالك أكث ُ مما َّمنا من ِل ِه"(1)[1]، وقال اآلجري في أخالق العالم:‬
    ‫" ِّب جلساءَه بأح َن ما يكون من األدب"(6)[6]، فال ِلم َرب للف َى المتعَالي كالسيلِ َر ٌ‬
    ‫ح ب‬                     ‫ت‬       ‫ع ح‬                                 ‫س‬              ‫ويؤد‬
             ‫فإن‬    ‫ت ل‬                 ‫َّا وتصو‬
  ‫ُّنٍ عن الهيشَا ِ والّغَط، َّ الغلَط تحت‬                     ‫ضع م‬
                                              ‫للمكان العالي، في توا ُ ٍ ج ّ وطالقةٍ في المحي‬
                                                                                                   ‫ل‬
                                                                                                ‫الّغط.‬
                                      ‫ِف ح ال‬        ‫د‬            ‫ة‬    ‫ب‬           ‫وإذا المعل‬
                                      ‫ِّم ساء لحظَ َصير ٍ…جاءت على ي ِه المعار ُ ُو ً‬
‫س‬         ‫حد‬                                 ‫ي‬       ‫ر‬               ‫لمتعل‬       ‫ذ م‬
‫مع الح َر ِن إقحام ا ِّمين فيما ال يد ِكونه و َفهمونه، يقول علي رضي اهلل عنه: ( ِّثوا النا َ‬
  ‫ن‬                        ‫َ ن‬                                  ‫يكذ‬                ‫ر‬
 ‫بما يع ِفون، أتريدونَ أن َّبَ اهلل ورسوله؟!)(2)[2]، وفي أثرِ ب ِ مسعودٍ رضي اهلل عنه: (إّك‬
                                        ‫ف‬                                       ‫س‬        ‫تحد‬
                             ‫لم ِّثِ النا َ بحديث لم تبلغه عقولهم إال كان لبعضِهم ِتنة)(5)[5].‬
                                        ‫ة‬                      ‫د‬         ‫ل‬            ‫ل‬
      ‫عزيزي المعّم، أختي المعّمة، ال ب ّ من ربط العلم والتربي ِ بالمعتَقَد الصحيح والمنهجِ السليم‬
               ‫ي‬        ‫ه‬                  ‫رب‬                   ‫ع‬
   ‫والدين الحنيفِ الذي شرفنا جمي ًا باالنتساب إليه، َ ّوا األجيال على من َج الوسط ّة واالعتدال،‬
       ‫ر‬               ‫حذ‬                    ‫م والر ق‬        ‫قي‬      ‫عل‬            ‫غلو‬
       ‫فال َّ وال جَفاء، ِّموهم ِ َم التسا ُح ِّف ِ واليسر ورفع الحرج، ِّروهم من األفكا ِ‬
    ‫ل‬                 ‫و‬        ‫ن‬             ‫ق‬                    ‫ي‬       ‫ل‬                ‫ر‬
‫المنح ِفة والمسالك الضاّة والت ّاراتِ المخالِفة للح ّ، سواء في جا ِبِ الغل ّ في الدين أو التحّل من‬
                         ‫ف‬                                                 ‫س‬                 ‫قي‬
      ‫ال ِ َم والثوابت واالن ِياق وراءَ عَولمة الفكر وتغريبِ الثقافة، فكال طَر َي قصدِ األمور ذميم.‬
  ‫ع‬       ‫د‬                         ‫ومن‬            ‫ع‬      ‫كل ن م‬                        ‫ز ن‬
 ‫وأج ِم أ ّه عند تحقيقِ ذلك ِّه أ ّ األ ّة ستس َد بحمدِ اهلل ِّه بجيلٍ ال كاألجيال، فري ٍ من نو ِه‬
                                                                                      ‫ج‬      ‫ة‬
                                                                            ‫عقيد ً ومنه ًا وسلوكًا.‬
‫ء‬      ‫ج‬                        ‫ل‬                     ‫ذ ة‬             ‫ت‬              ‫م‬
‫وبعد: يا أ ّة التربية وال ّعليم، تلك ش َر ٌ من صِفات وآدابِ المعّم الناجح؛ إليجاد جيل نا ِح ونش ٍ‬
            ‫في وسد‬            ‫ل‬            ‫ر‬       ‫م‬                       ‫ي‬       ‫ر‬
  ‫صالح، تق ّ به أع ُن األسرة والمجتمع واأل ّة. فبو ِكت جهود المعّمين األك ِ َاء، ِّدت أقوالهم‬
                    ‫ي‬               ‫أهم‬     ‫ر‬                   ‫بب‬              ‫ر‬
 ‫وأفعالهم، وال ح َمهم اهلل ثوا َ َذلهم وعطائهم، فثَغ ُهم من ِّ الثغور المعنو ّة، فكم نفع اهلل بهم‬
     ‫ني‬       ‫ي‬       ‫ه‬                                               ‫تعل‬        ‫د ع‬
    ‫البال َ وال ِباد، وكم َّمتِ األجيال منهم كيف يكون البذل والعطاء، في من َجٍ متم ّز وفكر ِّر‬
                                  ‫ر‬                    ‫د‬                  ‫ي‬     ‫ل‬
 ‫وإبداع متأّق، س َكون بإذن اهلل رصي ًا لهم في دنياهم وذخ ًا لهم في أخراهم، وكان اهلل في عون‬
                                                     ‫م‬            ‫ح‬
                                  ‫العاملين لخدمةِ دينهم وصال ِ مجتمعهم وأ ّتهم، إنه جواد كريم.‬
                  ‫ل‬
   ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه‬
                                                                                  ‫ن‬
                                                               ‫وتوبوا إليه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
   ‫ن‬                 ‫د‬             ‫ك‬                           ‫الل‬        ‫ن‬
   ‫الحمد هلل بارِئ ال ّسم وخالق َّوح والقلم، أحمده تعالى وأش ُره على ما أس َى وأنعم، وأشهد أ ّ‬
    ‫ل‬          ‫ل‬                                                                ‫د‬       ‫نبي‬
  ‫َّنا محم ًا عبد اهلل ورسوله الهادي إلى السبيل األقوم، صلى اهلل عليه وعلى آِه وصحبه وسّم.‬
       ‫و‬              ‫م‬        ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، فإن تقوى اهلل هي الزاد والع ّة ومتنز‬
       ‫َّل المحا ِد ومعراج السم ّ‬     ‫د‬
                              ‫ع‬                                 ‫ع‬        ‫ن‬         ‫و‬      ‫ع‬
                 ‫ومب َث الق ّة والمعي ُ على ال ِلم والعمل والسالمة من الفتَن وال ِصمة من المحن.‬
                          ‫س‬             ‫ج‬       ‫أيها اإلخوة األح ّة في اهلل، ومن ِّ صفاتِ المعل‬
 ‫ِّم النا ِح أن يكونَ ح َن األلفاظ، دقيقَ األلحاظ،‬          ‫أهم‬              ‫ب‬
          ‫ِّد‬                         ‫ي‬                                 ‫ي‬          ‫متشب ب ت‬
‫ِّعًا ِفكر ِه، إيجاب ًّا في طرحه، مراعيًا الفروقَ الفرد ّة بين طالبه وتالميذه، متجد ًا في أسلوب‬
                                                 ‫عر ِه، ال يقف في ال ِلمِ عند ِّ الشهادة المؤق‬
 ‫َّتة، بل العلم عنده كما قال اإلمام أحمد رحمه اهلل:‬            ‫حد‬        ‫ع‬                ‫ض‬
                                                                 ‫"من المحبرة إلى المقبرة"(3)[5].‬
                                                 ‫عم‬                   ‫ف‬             ‫أهم‬
     ‫ومن ِّ سماته الوقو ُ عند حدود علمه و َد ُ الجرأة على الفتوى والقولِ على اهلل بغير علم‬
                                                             ‫ع‬                 ‫م‬
‫وسؤال َن هو أعلَم منه و َدم االستنكاف من قول: "ال أدري"، يقول ابن عباس رضي اهلل عنهما:‬
        ‫ن‬                                 ‫ت‬      ‫ب‬
      ‫(إذا نسي العالم كلمة "ال أدري" فقد أصي َت مقا ِله)(05)[7]، ويقول عطاء: "ال أدري ِصف‬
                                                                                    ‫العلم"(55)[3].‬
           ‫تحد‬      ‫فن‬             ‫وليحذر المعّم الفاضل من أن يكونَ متنم ًا في العلم متطف‬
   ‫ِّالً على غَير ِّه، فمن َّث في غير‬             ‫ِّر‬                        ‫ل‬
                    ‫عم ة‬                                 ‫ش‬                 ‫ي‬                   ‫فن‬
   ‫ِّه أتى بالعجائب. ول َحذر أن يكونَ أبا ِبرٍ في العلم فقد قيل: "ال ِل ُ ثالث ُ أشبار، من دخل في‬
             ‫ل‬                       ‫م‬                    ‫ش‬                 ‫تكب‬        ‫الش‬
     ‫ِّبر األول َّر، ومن دخل في ال ّبر الثاني تواضَع، و َن دخل في الشبر الثالث عِم أنه ال‬
             ‫ن‬                      ‫د‬          ‫ن‬         ‫يعلم"(75)[4]. كما يحذَر من التصد‬
  ‫ُّر قبل حي ِه، فمن تص ّر قبلَ حينه هوى في حي ِه، وال يفرح‬
     ‫ع‬            ‫ِر‬          ‫الب‬     ‫ح س‬                          ‫بع س‬                     ‫بزال‬
‫َّتِ العلماء، وال يتت ّ ُ َقَطات النبالء، وال يق ِم نف َه وط ّ َه فيما يوغ ُ الصدور ويب َث على‬
  ‫ِّحًا ب ِربال األ َب خشي َ‬
  ‫ة‬      ‫د‬                      ‫رج‬            ‫فأن‬     ‫ع‬                           ‫ة‬
                   ‫الفرق ِ واالختِالف والشرور، فإن ف َل ذلك َّى له أن يخ ِ َ جيالً متوش س‬
                                                                               ‫الخراب والعطب؟!‬
    ‫ث‬                                  ‫ي‬          ‫ي بأقل‬        ‫ت‬
  ‫أختي المعلمة، وليست مسؤولي ُك التربو ّة َّ من مسؤول ّة المعلم، بل قد تكون أعظمَ لما تم ّله‬
                                                      ‫ع‬
‫المرأة من مكانةٍ عظمى في هذا الدين والمجتم ِ واألمة، فاهلل اهللَ في االلتزام بالتربية والتعليم على‬
               ‫ِل‬      ‫كل‬                      ‫ف ح‬                                      ‫يمي‬
  ‫ما ِّز المرأةَ المسلمة في حِجابها وعفا ِها و ِشمتها، وما يجافيها عن ِّ ما يخ ّ بكرامتها وال‬
                                         ‫ر‬        ‫ينا ِ ُ طبيعتَها وأنوثتَها من جوانب االختالطِ المحر‬
                               ‫َّم والتب ّج المذموم.‬                                          ‫سب‬
                                                      ‫ن ر‬                                           ‫ب‬
                                                 ‫ر ّوا البنات على الفضيلة إنها…بالخافقين له ّ خي ُ وثاق‬
                   ‫ي ممي‬             ‫ع‬         ‫ر‬                                        ‫وإن‬
‫َّ من فضل اهلل علينا في هذهِ البالد المبا َكة ما نن َم به من خصوص ّة َّزة في مناهج التعليم‬
 ‫ِر‬                           ‫وأهدا ِه وغايا ِه، تواؤم ٍّ بين ُدخَالت التعليم ومخرَجَاته، فالمقر‬
 ‫َّرات والمناهج بحمد اهلل مفاخ ُ‬                               ‫م‬     ‫ٍ فذ‬       ‫ت‬        ‫ف‬
             ‫ة ر‬            ‫د‬                    ‫ال‬                   ‫ل‬       ‫ي‬       ‫وإن‬
    ‫ومباهج، َّ مسؤول ّةَ المعّم في ذلك أن يربطَ ط ّبه بالوالء هلل ثم ل ِينه ووال ِ أم ِه وعلمائه‬
‫ي‬         ‫م‬             ‫قل‬           ‫ي‬                                          ‫يعز َ‬
‫وبالده، وأن ِّز فيهم انتماءَهم لعقيدتهم وبالدِهم اإلسالم ّة التي هي ِبَة المسلمين و َهبط الوح ِ‬
                                                                             ‫ر‬       ‫م‬
‫وأرض الحر َين وال ّسالة الخالدة، أدام اهلل عليها وعلى سائر بالدِ المسلمين أمنَه وأمانه، إنه جواد‬
                                                                                                               ‫كريم.‬
           ‫ُ‬     ‫سب‬         ‫َاتق ي ت جع ف إل الل ُم ت َف ُل س‬
      ‫أال فاتقوا اهلل عباد اهلل، و َّ ُوا َوْمًا ُرْ َ ُونَ ِيهِ َِى َّهِ ث َّ ُو َّى ك ُّ نَفْ ٍ مَا كَ َ َتْ وَهمْ ال‬
                                                                                                            ‫ي م‬
                                                                                           ‫ُظْلَ ُونَ [البقرة:557].‬
            ‫ب ي‬         ‫ب‬                          ‫معل‬                      ‫ل‬     ‫ل‬
     ‫ثم صّوا وسّموا ـ رحمكم اهلل ـ على ِّم البشرية كما أمركم بذلك رّكم ر ّ البرّة، فقال‬
       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله وم ئ ه ي َل ن عل الن ِي ي ُّه َّذ ن من‬
     ‫تعالى قوالً كريمًا: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّو َ ََى َّب ِّ َا أَي َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا‬
                                                                                                             ‫ل‬
                                                                                           ‫تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                ‫م‬      ‫نبي‬                                ‫ي و‬                   ‫ل ل‬
  ‫اللهم ص ّ وسّم وبارك على س ّد األ ّلين واآلخرين ورحمة اهلل للعالمين ِّنا مح ّد بن عبد اهلل،‬
                                                       ‫الغر‬                   ‫ي‬
‫على آله الط ّبين الطاهرين وصحابته ِّ الميامين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين...‬


                                                                                                   ‫__________‬
 ‫(5) سنن الترمذي: كتاب العلم (1567) من طريق القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة رضي‬
     ‫اهلل عنه، وقال: "حديث حسن غريب صحيح"، وهو أيضا عند الطبراني في الكبير (5/437)،‬
   ‫وذكره الهيثمي في المجمع (5/475) وقال: "فيه القاسم أبو عبد الرحمن وثقه البخاري وضعفه‬
                                                                ‫أحمد"، والحديث في صحيح الترغيب (55).‬
                                                      ‫(7) الجامع ألخالق الراوي وآداب السامع (5/32).‬
                                                    ‫(3) الجامع ألخالق الراوي وآداب السامع (5/335).‬
                                                          ‫(4) انظر: مدارج السالكين البن القيم (7/623).‬
                                       ‫(1) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (5/301).‬
                                                                                  ‫(6) أخالق العلماء (ص71).‬
                                                                       ‫(2) أخرجه البخاري في العلم (275).‬
‫(5) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (5/55)، من طريق عبيد اهلل بن عبد اهلل بن عتبة بن مسعود‬
                                                                              ‫عنه به، وهذا سند منقطع.‬
                                                     ‫(3) انظر: تلبيس إبليس البن الجوزي (5/333).‬
‫(05) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (7/045)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من‬
                                                                        ‫قول سفيان بن عيينة (2/427).‬
                                     ‫(55) أخرجه الدارمي في مقدمة سننه من كالم الشعبي (055).‬
                                                         ‫(75) انظر: تذكرة السامع والمتكلم (ص16).‬

‫(5/0744)‬




                                                                                              ‫جنود الخفاء‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                     ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                             ‫اآلداب والحقوق العامة, الزكاة والصدقة, قضايا المجتمع‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد المحسن بن محمد القاسم‬
                                                                                           ‫المدينة المنورة‬
                                                                                            ‫75/5/6745‬
                                                                                           ‫المسجد النبوي‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- مفاضلة اهلل تعالى بين عباده في الرزق. 7- ما جاء في فضل الفقير المؤمن. 3- فضل‬
‫اإلحسان للفقراء وقضاء حوائجهم. 4- صور من زهد السلف. 1- حال النبي . 6- فضل اإلنفاق‬
           ‫في سبيل اهلل. 2- خطورة المال. 5- الوصية بالصبر والتقوى. 3- الصيام في شعبان.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                ‫ة‬                                                ‫حق‬                       ‫فات‬      ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: َّقوا اهلل ـ عباد اهلل ـ َّ التقوى؛ فعند اهلل لألتقياءِ المزيد، ولهم النجا ُ يومَ الوعيد.‬
    ‫أ ّها المسلمون، فا َل اهلل بينَ ِباده ِّزق والعطاءِ ابتالءً لهم وامتِحانًا، قال ج ّ وعال: َ ُ َ‬
    ‫وهو‬         ‫ل‬                                          ‫ع بالر‬              ‫ض‬                ‫ي‬
                 ‫لي لو ُ ْ ف م ُ‬               ‫بْ د‬          ‫َ ْض و َ ب ض ُ ْ‬        ‫ئ‬        ‫َّ جع ك‬
‫الذِي َ َلَ ُمْ خَال ِفَ األر ِ َرفَعَ َعْ َكم فَوْقَ َعضٍ َرَجَاتٍ ِ َبُْ َكم ِي َا آتَاكمْ [األنعام:165].‬
     ‫أغنى من شا َ منهم بفضله، وأف َر آخرين ب ِكمته، قال عز وج ّ: َ َ َلْنَا َعْ َ ُمْ ِ َعض ِتْ َ ً‬
     ‫ل وجع ب ضك لب ْ ٍ ف نة‬                               ‫ح‬          ‫ق‬                 ‫ء‬
                                                                                                    ‫ِر‬
                                                                                   ‫أَتَصْب ُونَ [الفرقان:07].‬
  ‫م‬                    ‫ض‬       ‫ق‬                        ‫ل‬               ‫ر‬        ‫م ة‬
‫وفي المجت َع فئ ٌ هم أكث ُ أهلِ الجنة، أعَى اهلل منزلتَهم وإن احت َرهم بع ُ الخلق، أدناهم اهلل ِنه‬
      ‫ء‬              ‫ت َ‬          ‫ن‬        ‫اط ت‬                                   ‫ن‬
     ‫وإن جفَاهم ال ّاس، يقول عليه الصالة والسالم: (( َّلع ُ في الج ّة فرأي ُ أكثر أهلها الفقرا َ،‬
                                                                                           ‫ط ت‬
                                             ‫وا ّلع ُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه.‬
                                                 ‫ر ع ر‬              ‫ء‬               ‫ر ن‬
  ‫هم أق َب ال ّاس إلى األنبيا ِ وأكث ُ أتبا ِ ال ّسل، قال جل شأنه حكايةً عن قوم نوحٍ عليه السالم:‬
      ‫ع‬          ‫ت‬                                             ‫َ ل‬          ‫ل ن من ك َاتب‬
      ‫قَاُوا أَ ُؤْ ِ ُ لَ َ و َّ َعَكَ األرْذَُونَ [الشعراء:555]، وقال هرقل ألبي سفيان: سأل ُك عن أتبا ِ‬
                        ‫ي‬                    ‫ع‬                    ‫ات‬         ‫ن‬            ‫م‬
                       ‫مح ّد، فذكرتَ أ ّ ضعفاءهم َّبعوه، قال: وهم أتبا ُ الرسل. رواه البخار ّ.‬
 ‫ج ءه‬         ‫عب و َل‬                                                   ‫ل‬              ‫نبي‬
 ‫أمر اهلل َّه أن يكون إقباُه عليهم، وأنزلَ اهلل العتاب في اإلعراضِ عنهم: َ َسَ َتَوَّى أَنْ َا َ ُ‬
                                               ‫َذ َّ ُ عه الذ‬               ‫َله ي َّك‬        ‫م وم ُ ر‬
                               ‫األَعْ َى َ َا يدْ ِيكَ لَعَّ ُ َز َّى أَوْ ي َّكر فَتَنْفَ َ ُ ِّكْرَى [عبس:5-4].‬
     ‫ت رم ن ي م و‬                ‫َال ب‬                  ‫موبخ‬                                   ‫ن‬
   ‫من لم يد ُ منهم أو يَأمر باإلحسانِ إليهم كان َّ ًا في كتابِ اهلل: ك َّ َل ال ُكْ ِ ُو َ الْ َتِي َ َال‬
                                                                          ‫م ك‬                  ‫َاض ع‬
                                                       ‫تَح ُّونَ َلَى طَعَامِ الْ ِسْ ِينِ [الفجر:25، 55].‬
                                ‫م‬          ‫لكل م ة‬                  ‫م‬             ‫ف‬            ‫ر‬
        ‫ص َف اهلل عنهم ِتنةَ هذه األ ّة، قال : (( ِّ أ ّة فتن ٌ، وفتنة أ ّتي المال)) رواه الترمذي.‬
      ‫ل‬                                    ‫ب‬         ‫ق‬         ‫حق‬                     ‫ض‬
     ‫يغ َب اهلل على من بخَسهم ًّا من حقو ِهم، أصحا ُ الجنة الذين ذكرَهم اهلل في سورة القَم‬
      ‫منعوا الفقي َ تكث ًا ألموالهم، فأح َق اهلل زرو َهم، فَطَافَ علَيْهَا طَائ ٌ ِن رِّكَ وَهمْ نَا ِ ُو َ‬
      ‫ُ ئم ن‬             ‫ِف م ْ َب‬            ‫َ‬            ‫ع‬           ‫ر‬                ‫ر ُّر‬
                                                                                           ‫بح َالص‬
                                                                      ‫فَأَصْ َ َتْ ك َّرِيمِ [القلم:35، 07].‬
                                                ‫التعل ز‬           ‫لخلو‬        ‫حرية‬
‫دعَواتهم َّ ٌ باإلجابة ِّ قلوبهم من ُّق ب ُخرف الحياةِ، قال ابن القيم رحمه اهلل: "واهلل عند‬
                                                                                               ‫ب‬       ‫س‬
                                                                                           ‫المنك ِرة قلو ُهم".‬
                ‫ي‬                 ‫يع‬            ‫م‬             ‫شر‬               ‫ه‬              ‫ر‬
  ‫خي ُ األطعمة ما ش ِدوها، قال : (( ُّ الطعامِ طعا ُ الوليمة؛ ُد َى لها األغنياء و ُترَك الفقراء))‬
                                    ‫ك ت‬
  ‫متفق عليه، وكان ابن عمر رضي اهلل عنهما ال يأ ُل حّى يؤتى بمسكين يأكل معه. متفق عليه.‬
       ‫ل‬   ‫م‬          ‫ع‬        ‫س‬                                              ‫جب‬       ‫م‬
     ‫إطعا ُهم مو ِ ٌ للجنان، يقول عليه الصالة والسالم: ((أفشوا ال ّالم وأط ِموا الطعا َ وصّوا‬
                                                                              ‫ن‬        ‫خ‬       ‫ن‬
                                                      ‫والناس ِيام تد ُلوا الج ّةَ بسالم)) رواه الترمذي.‬
                                                ‫ع‬                       ‫د‬
  ‫الساعي عليهم كالمجاه ِ والعابد، قال : ((السا ِي على األرملة والمسكينِ كالمجاهد في سبيلِ اهلل‬
      ‫يتلم‬                         ‫ي‬                       ‫ل‬         ‫ن ر‬
     ‫أو كالذي يصوم الّها َ ويقوم الّيل)) متفق عليه، وكان نبّنا محمد أقربَ الناس إليهم، َّس‬
    ‫ء‬                                            ‫ن‬               ‫ت‬       ‫ض‬
    ‫أحوالهم، ويق ِي حاجا ِهم، يقول سهل ب ُ حنيف رضي اهلل عنه: كان رسول اهلل يأتي ضعفا َ‬
                                                              ‫د‬
  ‫المسلمين ويزورهم ويعو ُ مرضاهم ويشهَد جنائزهم. رواه أبو يعلى، وكان جعفر بن أبي طالب‬
                               ‫ث‬              ‫ك‬       ‫ِب‬
             ‫رضي اهلل عنه يكنَى بأبي المساكين؛ يح ُّهم ويس ُن بجانبهم ويك ِر من الصدقة عليهم.‬
                     ‫ذ‬        ‫بالن‬                ‫د‬           ‫ء‬            ‫ء‬       ‫ت‬
‫في مجالس ِهم نما ُ المال وصفا ُ النفس وزه ٌ في الدنيا وتذكير ِّعم وشَح ٌ للهمم إلى اآلخرة، في‬
           ‫أ‬                                                          ‫ر‬           ‫تتفت‬      ‫ق‬
      ‫ال ُرب منهم َّح أبواب ال ّزق، يقول عليه الصالة والسالم: ((قال اهلل عز وجل: أَنْفِقْ ُنْفِق‬
      ‫ص‬                                           ‫ت‬
   ‫عليك)) رواه البخاري، وبهم تدفَع اآلفا ُ والشرور، قال عليه الصالة والسالم: ((هل تن َرون‬
      ‫ر‬           ‫بب ن‬                                                                  ‫ز‬
‫وتر َقون إال بضعفائكم؟!)) رواه البخاري، قال المناوي رحمه اهلل: "بس َ ِ كو ِهم بين أظه ِكم، أو‬
                                                                          ‫ب‬             ‫ر يت ذ‬         ‫ب‬
                                                              ‫ِسبب ِعا َ ِكم ِمامَهم، أو ب َركة دعائهم".‬
   ‫يقر‬                                          ‫ل‬                          ‫ل‬
  ‫وكان الخلفاء يطُبون النصرَ بإكرامهم والبذ ِ لهم، يقول الخليفة نور الدين رحمه اهلل وهو ِّب‬
             ‫ط‬                                  ‫عن‬         ‫ٌ‬
       ‫الفقراءَ إليه ويحنو إليهم: "هم قوم يقاتلون ِّي وأنا نائم على فراشي بسهام ال تخ ِئ" أي:‬
                                                                                          ‫بالدعاء.‬
       ‫فأك ِم نفسَك بإكرامهم وقضاءِ حوائجهم، وال تحتقر فقي ًا َّة ذا ِ يده؛ ففي الفقراء عظما ُ‬
       ‫ء‬                       ‫ر لقل ت‬                                                   ‫ر‬
   ‫ن‬        ‫رة‬                     ‫ب‬                   ‫ي‬                     ‫ن‬     ‫ف‬      ‫ب‬
   ‫وجها ِذة وح ّاظ و ُبَالء. اإلمام البخار ّ رحمه اهلل جمع كتا َه الصحيحَ الذي هو غ ّ ٌ في جبي ِ‬
          ‫ُ‬                                          ‫م‬                   ‫د‬              ‫ز‬
‫ال ّمان لم يكن عن َه ما يشترِي به طعا ًا، بل كان يأكل من نباتِ األرض، واإلمام أحمد رحمه اهلل‬
           ‫ب‬                          ‫ص‬               ‫حق‬             ‫ي‬
     ‫ـ الذي قال عنه الذهب ّ: "هو اإلمام ًّا وشيخ اإلسالم ِدقًا" ـ يرهن نعلَيه عند خ ّاز على‬
                                                                                   ‫طعامٍ أخذه منه.‬
                                      ‫مس‬             ‫ِ‬     ‫ن‬       ‫ز‬             ‫ر‬
 ‫وأش َف قرنٍ في ال ّمان قر ُ صحابة رسول اهلل ، َّ الجوع بطونَهم، يقول المغيرة رضي اهلل‬
     ‫و‬             ‫وي‬                                     ‫ُص د‬                       ‫ن‬
    ‫عنه: ك ّا في بالءٍ شديد نم ّ الجل َ والنوى من الجوع. رواه البخاري. ورا ِ َة اإلسالم حا ِي‬
   ‫م‬          ‫خّ‬           ‫ت‬
‫العلم أبو هريرة رضي اهلل عنه كان أحدَ أعالم الفقراء يقول: لقد رأي ُني وإني أل ِر فيما بين ِنبر‬
          ‫ن‬      ‫ق‬         ‫ل‬          ‫ئ‬             ‫ِي علي‬           ‫ِ‬
      ‫رسولِ اهلل إلى حجرة عائشة مغش ًّا َّ، فيجيء الجا ِي فيضَع رجَه على عن ِي ويظ ّ أني‬
                                                             ‫ال‬                      ‫ن‬
                                        ‫مجنو ٌ، وما بي جنون، ما بي إ ّ الجوع. رواه البخاري.‬
   ‫م‬                          ‫ج‬                  ‫ع و‬                                ‫م‬      ‫ونبي‬
  ‫ُّنا مح ّد كان يبيت اللياليَ المتتاب َة طا ِيًا هو وأهله ال ي ِدون عشاء. متفق عليه. وخرج ِن‬
                                    ‫َر ج‬        ‫ن‬          ‫ر‬            ‫د‬       ‫م ر‬
‫داره ِرا ًا من ش ّةِ الجوع، و َبط على بط ِه حج ًا وح َرين تخفيفًا أللمه، يقول أبو طلحة رضي‬
  ‫ر‬               ‫يخل د‬                                                      ‫ُ‬
 ‫اهلل عنه: سمعت رسولَ اهلل ضعيفًا من الجوعِ عليه الصالة والسالم، ولم ِّف ِرهمًا وال دينا ًا‬
                             ‫ر‬                       ‫م‬                   ‫ر‬         ‫ة‬
  ‫وال شا ً وال بعي ًا. وخرج أبو بكر وع َر رضي اهلل عنهما من دا ِهما من ألَم الجوع، يقول أبو‬
                                                                 ‫ر‬
   ‫هريرة رضي اهلل عنه: خ َج رسول اهلل ذاتَ ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ((ما أخرجكما‬
      ‫ج‬            ‫س‬                                                     ‫ة‬              ‫ت‬
    ‫من بيو ِكما هذه الساع َ؟!)) قاال: الجوع يا رسولَ اهلل، قال: ((وأنا والذي نف ِي بيده ألخر َني‬
                                                                                     ‫ج‬
                                                                  ‫الذي أخرَ َكما)) رواه البخاري.‬
                   ‫ُب‬       ‫ي‬                    ‫فال تتعالَ على فقي ٍ؛ ف ِيهم مجا ُ الدعوة المقر‬
       ‫َّب من اهلل، قال النب ّ : ((ر َّ أشعثَ مدفوع‬           ‫ب‬        ‫ر ف‬
                                                                  ‫ر‬               ‫س‬
                                                    ‫باألبواب لو أق َم على اهلل ألب ّه)) رواه مسلم.‬
       ‫ل‬                    ‫والفقراء يحملون زادَ األغنياء لآل ِرة، ولوال المساكي ُ ما انتفَع الغني‬
   ‫ُّ بغناه، وللفَقير فض ٌ على‬              ‫ن‬                  ‫خ‬
            ‫س‬       ‫ق غ‬          ‫ت‬                                  ‫ب‬                       ‫ّ‬
      ‫الغني في قَبول صدقته، فإن ق ِلها اهلل منكَ رفعَك اهلل بها درجا ٍ، وطري ُ ال ِنى وال ّعةِ في‬
      ‫ق‬                        ‫ر‬      ‫س‬         ‫ب غني‬       ‫تقل‬              ‫قع‬
 ‫األغلَب طري ُ َطب، والزمان ذو ُّبٍ، تص ِح ًّا وقد تم ِي فقي ًا، فاحفَظ مالَك باإلنفا ِ، وال‬
  ‫حب‬                                   ‫ي‬            ‫ر ال م‬                           ‫َّ ر‬
  ‫ترد فقي ًا بال عطاء، فما اشتكى فقي ٌ إ ّ ِن تقصيرِ غن ّ، يقول ابن العربي رحمه اهلل: "يست َ ّ‬
        ‫ع‬       ‫ع‬               ‫في الجملةِ أن ال يرجعَ الفقي ُ خائبًا؛ لئ ّ َّن له حق فيتوج‬
   ‫َّه على المسؤولِ ِتاب أو ِقاب".‬    ‫ٌّ‬     ‫ال يتعي‬         ‫ر‬
‫َّه واد ُ‬
‫ن‬                              ‫َ‬
       ‫فشاطرِ الفقراءَ أفراحهم وآال َهم بالبشاش ِ واالب ِسام، واج َل الفقير أحدَ أفراد أسرتِك، وأحب‬
                                       ‫ع‬         ‫ت‬       ‫ة‬           ‫م‬                         ‫ِ‬
                            ‫ع س‬              ‫ر‬      ‫منه مع حسنِ المالطفة والّين، وتأس و‬
    ‫َّ بذ ِي الك َم والتواض ِ وال ّخاء، يقول عثمان رضي اهلل‬   ‫ل‬
                                      ‫ر‬       ‫و‬     ‫ع‬          ‫إ‬           ‫د‬       ‫ُب إلي‬
                     ‫عنه: (ح ِّب َّ من ال ّنيا ثالثة: ِشباع جائِ ٍ وكس َة العا ِي وتالوة القرآن).‬
     ‫ي أي‬         ‫ئ‬      ‫د‬           ‫ث‬                                     ‫الذل‬         ‫ف‬
     ‫واخ ِض له جناحَ ِّ بالعطاء، فاإلنفاق عليه من أسبابِ ال ّبات على ال ّين، س ِل النب ّ : ُّ‬
                          ‫م‬         ‫م‬                           ‫ع‬
 ‫اإلسالم خير؟ قال: ((تط ِم الطعامَ وتقرأ السالم على َن عرفت و َن لم تعرف)) رواه البخاري.‬
                ‫ت‬                                                       ‫ت‬               ‫ر‬
 ‫واليسي ُ منَ البذلِ يس ُر منَ النار، يقول عليه الصالة والسالم: ((يا عائشة، است ِري من النار ولو‬
                                                          ‫مسد‬          ‫د‬                ‫بشق‬
     ‫ِّ تمرة؛ فإنها تس ّ من الجائع َّها من الشبعان)) رواه أحمد. والصدقة تدفع البالءَ، وتقي‬
                      ‫ل‬                               ‫مصارعَ السوء، وتطفئ الخطيئة، وتهو‬
‫ِّن شدائدَ الدنيا واآلخرة، ويستظ ّ صاحبها فيها في المحشر‬
                             ‫حتى يق َى بين الخالئق، وتحفَظ المال وتن ّيه، وتجلب الرزقَ، وتحب‬
‫ِّب العبدَ إلى اهلل، وتدعوه إلى‬                    ‫م‬                                ‫ض‬
                                                                                             ‫ر‬
                                                                            ‫سائر أعمال الب ّ فال تستعصي عليه.‬
    ‫سني ِّره‬           ‫ح‬         ‫َاتق و َد‬               ‫َم م‬                                   ‫تتيس‬
    ‫والمنفِق َّر له أمور الحياة، قال عز وجل: فَأ َّا َنْ أَعْطَى و َّ َى َص َّقَ بِالْ ُسْنَى فَ َ ُ َس ُ ُ‬
‫كل‬                            ‫ح ن سني ِّره ل ع ْ‬                 ‫ل ي ْر وَم م ِ و ن و َذ‬
‫ِلْ ُس َى َأ َّا َنْ بَخلَ َاسْتَغْ َى َك َّبَ بِالْ ُسْ َى فَ َُ َس ُ ُ ِلْ ُسرَى [الليل:1-05]، وفي صبيحة ِّ‬
                              ‫ُ‬
  ‫يوم يدعو ملك للمنفِق مالَه، يقول النبي : ((ما من يومٍ يصبح العباد فيه إال ملكان ينزالن، فيقول‬
                             ‫ت‬              ‫لم ط س‬                          ‫لم ط ق ف‬
                     ‫أحدهما: الّه ّ أع ِ منف ًا خل ًا، ويقول اآلخر: الّه ّ أع ِ مم ِكًا تلفًا)) م ّفق عليه.‬
                  ‫ُّ الج ِع ال لنف ِه انتفَع، وال ب َذله للفقراء ارتفَع. والمال يعرِض له الشر‬
  ‫ُّ بعارضِ البخل أو‬                                      ‫ب‬                ‫س‬         ‫والغني ش‬
                   ‫ج‬                          ‫وم ي َ ْ إن ي َل ع س‬
      ‫اإلسرافِ في إنفاقه، َ َنْ َبْخل فَِ َّمَا َبْخ ُ َنْ نَفْ ِهِ [محمد:53]. والمال كالح َر في اليد؛ ال‬
  ‫و ق م م ََن ُ م‬                       ‫ل‬         ‫ل‬                          ‫ينتفَع به إ ّ إن فارقَ الكف،‬
‫َّ والممسِك يندم إذا دنَا أجُه، قال ج ّ وعال: َأَنْفِ ُوا ِنْ َا رزقْ َاكمْ ِنْ‬             ‫ال‬
   ‫َخ ن إل َ ٍ َر ٍ َّد و ك م الص لح ن‬                                ‫َب‬      ‫ي ت حد ُ م ت ق‬                            ‫ْ‬
   ‫قَبلِ أَنْ َأْ ِيَ أَ َ َكمْ الْ َوْ ُ فَيَ ُولَ ر ِّ لَوْال أ َّرْتَ ِي َِى أَجل ق ِيب فَأَص َّقَ َأَ ُنْ ِنْ َّاِ ِي َ‬
                                                                                                       ‫[المنافقون:05].‬
         ‫ر‬       ‫ل‬                           ‫ب‬     ‫م‬       ‫ل عدو‬        ‫ل حب ي م‬
     ‫والما ُ صا ِ ٌ ال ُؤ َن أن ينقِب ًّا فيحر َ صاح َه الثواب، وإنما يحمَد الما ُ إذا ق ُب من‬
        ‫ن‬                           ‫ِ‬                                          ‫ر‬
        ‫الخير والفقي ِ، قال عليه الصالة والسالم: ((نعم صاحب المسلمِ هو لمن أعطَى منه المسكي َ‬
                                                                                 ‫واليتيم وابنَ السبيل)) متفق عليه.‬
                                         ‫ٌ َ‬                                      ‫ء ل‬
     ‫والمر ُ يبتَى على قدر دينه، فإن كان في دينه صالبة زيد فيه، وال ينجو العبد من االبتالء إال‬
           ‫ر‬           ‫س‬           ‫تتيس‬        ‫ة ت‬                               ‫ل‬        ‫ص‬
    ‫بال ّبر والتعّقِ باهلل. وعلى الفقير مالزم ُ ال ّقوى؛ فبها َّر على المع ِر أبواب ال ّزق، قال‬
 ‫ة‬                        ‫و َ ْ ُ ه م ح ث ي سب‬                      ‫َ ه‬            ‫وم َتق الل‬
 ‫عز وجل: َ َنْ ي َّ ِ َّهَ يَجْعلْ لَ ُ مَخْرَجًا َيرزقْ ُ ِنْ َيْ ُ ال َحْتَ ِ ُ [الطالق:7، 3]. وبمداوم ِ‬
         ‫َف ر ُ ِ السم ع ُ‬                    ‫ِر َب ُ ِنه‬                 ‫قت‬
       ‫االستغفار يغدق المال، قال سبحانه: فَ ُلْ ُ اسْتَغْف ُوا ر َّكمْ إ َّ ُ كَانَ غ َّا ًا يرْسلِ َّ َاءَ َلَيْكمْ‬
        ‫ج‬                    ‫و ل وبن ن وي َ ُ َن ت و ع ُ ه ر‬                                         ‫ِ ْر ر وي ْد ُ‬
   ‫مد َا ًا َ ُم ِدْكمْ بِأَمْ َا ٍ َ َ ِي َ َ َجْعلْ لَكمْ ج َّا ٍ َيَجْ َلْ لَكمْ أَنْ َا ًا [نوح:05-75]. والت ِئ إلى‬
                               ‫ه‬                                          ‫س‬       ‫د‬
    ‫اهلل بال ّعاء، و َله فتحَ أبواب رحمته وخيره، فهو الكريم الو ّاب يعطي من يشاء بغيرِ حساب،‬
   ‫ر‬             ‫ب‬                              ‫ر‬                            ‫وأح ِن الظن‬
   ‫َّ بربك، وانتظر فتحَ أبواب ال ّزق لك، وال تعجل في تفريج الكر ِ، والزم الصب َ‬    ‫س‬
      ‫ء ن‬             ‫خ‬                                  ‫ر‬        ‫ر‬        ‫ب مد ِر‬
 ‫فقد يكون الر ّ َّخ ًا لك خي ًا في أخ َاك، قال عليه الصالة والسالم: ((يد ُل الفقرا ُ الج ّة قبل‬
                                                                        ‫األغنياء بخمسمائة عام)) رواه الترمذي.‬
                     ‫ب‬                         ‫ر‬                               ‫ك‬
 ‫وال تر َن إلى األسباب وحدَها في طلب ال ّزق، بل اجعل معها سؤالَ ر ّك، فالمكتوب من الرزق‬
                       ‫د‬              ‫ي ل‬                       ‫ي‬
                    ‫قد يصل إلى الضعيفِ العاجز و َضيق على الجلد القو ّ، وك ّ شيء عنده بمق َار.‬
       ‫ل ف َر َّذ أ صر ف س الل ِ ي ط ع ن َ ب ف‬
      ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، ِل ُق َاءِ ال ِينَ ُحْ ِ ُوا ِي َبِيلِ َّه ال َسْتَ ِي ُو َ ضرْ ًا ِي‬
   ‫ي ل الن إ ح و ت ق م‬                            ‫هل ني ء م الت ُّف ْ ِفه بس م ُ‬                           ‫سب ُ‬        ‫َْ‬
 ‫األرضِ يَحْ َ ُهمْ الْجَا ِ ُ أَغْ ِ َا َ ِنْ َّعَف ِ تَعر ُ ُمْ ِ ِي َاهمْ ال َسْأَُونَ َّاسَ ِلْ َافًا َمَا ُنفِ ُوا ِنْ‬
                                                                                 ‫ْ ٍ ِن الل ب عل م‬
                                                                   ‫خَير فَإ َّ َّهَ ِهِ َِي ٌ [البقرة:327].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني اهلل وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول‬
‫قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
      ‫ش‬                                               ‫ه‬                ‫ش‬       ‫ن‬        ‫ع‬
‫الحمد هلل َلى إحسا ِه، وال ّكر له على توفيق ِ وامتنانه، وأشهد أن الَ إلهَ إال اهلل وحدَه ال َريك له‬
           ‫ب‬                                             ‫ّد‬      ‫ي‬       ‫ه‬
         ‫تعظيمًا لشأنه، وأش َد أن نبّنا محم ًا عبده ورَسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحا ِه.‬
                           ‫ط‬      ‫أ ّا بعد: أ ّها المسِمون، اإلخال ُ واقتِفاء أثرِ النبي التعب‬
    ‫ِّ في ُّد شَر َان في قَبول العمل، وكان‬                  ‫ص‬            ‫ل‬       ‫ي‬         ‫م‬
   ‫ت ل‬                ‫ُ‬                                                        ‫ي ث‬
   ‫النب ّ يك ِر الصيامَ في شهر شعبان، تقول عائشة رضي اهلل عنها: ما رأيت رسول اهلل اس َكم َ‬
                                  ‫ن‬                    ‫ر‬                   ‫م‬
                   ‫صيامَ شهرٍ إال ر َضان، وما رأيته أكث َ صيامًا منه في شعبا َ. رواه البخاري.‬
                                                       ‫ص‬         ‫ش‬       ‫ولم يَكن النب ّ يخص ن‬
                             ‫ُّ الّصفَ من َعبان بال ّيام، وال ليلتَها باإلحياء.‬ ‫ي‬
               ‫ك‬                     ‫د‬        ‫ر‬                ‫مم ي‬                   ‫م‬
    ‫و َن كان عليه صيا ٌ ِن أ ّام رمضانَ المنص ِم فليبا ِر إلى صيامه قبل إدرا ِ شهر رمضان.‬
      ‫ثم اعلموا أن اهلل أمركم بالصالة والسالم على نب ّه فقال في محكَم التنزي ِ: إ َّ ا َّ َ َمَال ِكَ َ ُ‬
      ‫ل ِن لله و ئ ته‬                                    ‫ي‬
                                   ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ي َل عل الن ِي ي َي الذ ن من‬
                 ‫ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا َّ ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                                                        ‫م‬      ‫ي‬        ‫لم ل ل‬
                                                                    ‫الّه ّ ص ّ وسّم على نبّنا مح ّد...‬

‫(5/5744)‬




                                                                      ‫ن‬
                                        ‫هيئة األمر بالمعروف والّهي عن المنكر واألقالم المسمومة‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                              ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                 ‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قضايا المجتمع‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد العزيز بن عمر القنصل‬
                                                                                                        ‫أبها‬
                                                                                                ‫غير محدد‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أهمية األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7- نصوص الكتاب والسنة في األمر بالمعروف‬
          ‫والنهي عن المنكر. 3- أثر القيام بشعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفرد‬
             ‫والمجتمع. 4- حرمة الدماء المعصومة في اإلسالم. 1- مقترحات للقضاء على ظاهرة‬
                                                               ‫االنحرافات العقدية والفكرية والتطرف عند الشباب.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
      ‫وَ‬                      ‫ص‬       ‫ز ل‬                                         ‫م‬         ‫م م‬
    ‫ث ّ أ ّا بعد: أ ّة اإلسالم، فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل ع ّ وج ّ كما و ّاكم اهلل بهذا فقال: َلَقدْ‬
                                                             ‫اتق‬         ‫َص َّذ أ ت ك م ْ ل ُ وِي ُ‬
                                      ‫و َّيْنَا ال ِيْنَ ُوْ ُوْا الْ ِتَابَ ِن قَبِْكمْ َإ َّاكمْ أَنِ َّ ُوْا اهللَ [النساء:535].‬
                              ‫م‬             ‫م‬             ‫ز ل‬                  ‫ن‬
  ‫عباد اهلل، إ ّ من نعم اهلل ع ّ وج ّ على هذه األ ّة أن جعلها أ ّة واحدة تأمر بالمعروف، وتنهى‬
            ‫عن المنكر، وتؤمن باهلل، تأمر بالمعروف بالمعروف، وتنهى عن المنكر بال منكر، تأمر‬
        ‫ص‬       ‫عس‬                         ‫ف‬         ‫ة‬           ‫ة‬
   ‫بالمعروف وتنهى عن المنكر عباد ً هلل وديان ً هلل وخو ًا من لعنة اهلل لو تَقَا َ َت أو ق ّرت في‬
 ‫لع ّذ ن‬                           ‫ت‬                              ‫ن‬
 ‫واجبها تجاه األمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر، كما لعن اهلل ال ّاركين له فقال تعالى: ُ ِن ال ِيْ َ‬
 ‫كَفَ ُوْا ِنْ َ ِيْ ِس َا ِيْلَ ََى ِسَانِ َاو َ َ ِيْ َى بْنِ مرْ َمَ ذَلِكَ ِمَا َ ُوْا َكَا ُوْا َعْتَ ُوْن َا ُوْا َ‬
 ‫ب عص و ن ي د ك ن ال‬                                 ‫َ ي‬         ‫د ُد وع س‬          ‫ر م بن إ ْر ئ عل ل‬
                                                                 ‫ن عل‬                 ‫ع م ٍ عل ه ب س‬                           ‫ي‬
                                            ‫َتَنَاهَوْنَ َنْ ُنْكَر فَ َُوْ ُ لَ ِئْ َ مَا كَا ُوْا يَفْ َُوْن [المائدة:52، 32].‬
  ‫يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ألن في ذلك س ّ البقاء وأمانًا من العذاب، فَلَوْالَ كَا َ ِ َ‬
  ‫ن من‬                                          ‫ر‬          ‫ّ‬
   ‫إ ّ ل ال ِم ج م ه َاتب َّذ ن‬                                 ‫سِف َ‬                ‫ع‬         ‫ُر م ل ُ أ ل ب ِية ي‬
   ‫اْلق ُوْنِ ِنْ قَبِْكمْ ُوُْوْا َق َّ ٍ َنْهَوْنَ َنِ اْلفَ َاد ِيْ اْألرْضِ ِالَ قَِيْ ً م َّنْ أنَ َيْنَا ِنْ ُمْ و َّ َعَ ال ِيْ َ‬
                  ‫َ َب لي ل ُ َ ظ ْم و ل م لح‬                             ‫أ ْ ِف ف و ن م رم ن و‬                         ‫م‬
              ‫ظَلَ ُوْا مَا ُتر ُوْا ِيْهِ َكَا ُوْا ُجْ ِ ِيْ َ َمَا كَان رُّكَ ِ ُهِْكَ اْلقرىْ بِ ُل ٍ َأَهُْهَا ُصِْ ُوْنَ‬
                     ‫ي‬                 ‫أي‬                   ‫م ل‬
‫[هود:655، 255]. فاأل ّة اّتي يقع فيها الفساد ًّا كان نوعه وفي أ ّ صورة من صوره ثم يوجد‬
          ‫م م ل‬               ‫ت‬                                   ‫مة‬                   ‫م‬
   ‫في تلك األ ّة من ينهض لدفعه أ ّ ٌ ناجية، ال يأخذها اهلل بالعذاب وال ّدمير، أ ّا األ ّة اّتي يظلم‬
        ‫ض‬        ‫م‬                ‫الر ب ة‬         ‫ي َج ُ‬                              ‫ظ‬
‫فيها ال ّالمون ويفسد فيها المفسدون و َتَب َّح فيها ُّويْ ِض ُ على المصلحين ث ّ ال ينه ُ من يدفع‬
  ‫ق‬                ‫ن ن‬                        ‫ر ث‬                                              ‫ظ‬
  ‫ال ّلم والفساد أو يكون فيها من ال يستنكر إنكا ًا يؤ ّر في الواقع الفاسد فإ ّ س ّة اهلل تعالى تح ّ‬
    ‫ع‬                                                                    ‫حل‬
  ‫عليها، ولعنة اهلل تَ ُ ّ عليها، إنْ بهالك االستئصال، أو بهالك االنحالل واالختالل، أو بهما م ًا.‬
  ‫ب‬                    ‫ي‬                                                      ‫ل‬         ‫ن‬
‫إ ّ البالد اّتي ال يزال المصلحون ينهون فيها عن الفساد لهي بالد محم ّة مأمونة من بطش الج ّار‬
              ‫أ‬            ‫ح ل‬         ‫ن‬                   ‫ب‬             ‫د‬         ‫ن‬          ‫ل‬
          ‫ج ّ جالله، إ ّهم ال يؤ ّون واجبهم لر ّهم ولدينهم فحسب؛ إ ّما هم يَ ُوُون بهذا دون ُممهم‬
                                                                                           ‫ن‬              ‫ب‬
                                                                                 ‫وغضب ر ّهم واستحقاق الّكال عليهم.‬
   ‫س‬    ‫د‬                                                                     ‫ذ‬
‫فال بد إ ًا من وجود جماعةٍ تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ال ب ّ من ُلطة‬
         ‫ل‬                           ‫ن‬                                           ‫ض‬
    ‫في األر ِ تدفع وتدعم هذه الجماعة اآلمرة بالمعروف ال ّاهية عن المنكر، وهذا ما يد ّ عليه‬
‫الن ُّ القرآن ّ الكريم: َلْتَ ُنْ ِنْكمْ أ َّ ٌ يدْ ُوْنَ َِى اْلخَي ِ َ َأْم ُوْ َ بِاْل َع ُوفِ َ َنْهَوْنَ َنِ اْل ُنْك ِ‬
‫ع م َر‬                 ‫ْر وي ُر ن م ْر ْ وي‬                     ‫و ك م ُ ُمة َ ع إل‬                           ‫ي‬        ‫ّص‬
‫ي‬              ‫ض ر‬                         ‫ة‬                               ‫وأ هم م لح‬
‫َُلَئِكَ ُ ُ اْل ُفِْ ُوْنَ [آل عمران:405]، فهناك دعو ٌ إلى الخير، وهناك أي ًا أم ٌ بالمعروف ونه ٌ‬
                                                 ‫م ال‬              ‫ن‬
   ‫عن المنكر، واألمر والّهي ال يقو ُ به إ ّ ذو سلطانٍ، سلطة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر‬
                                                                       ‫و َ س م رس ْ إالَ لي ع ِ‬                        ‫ت‬
                                                ‫ف ُطاع، َمَا أرْ َلْنَا ِنْ َ ُولٍ ِ ّ ِ ُطَا َ بِإذْنِ اهللِ [النساء:46].‬
                         ‫م ش‬                         ‫د‬       ‫ظ‬     ‫ر‬        ‫ز ل‬           ‫ن‬
      ‫ودي ُ اهلل ع ّ وج ّ ليس مج ّد وع ٍ وإرشا ٍ وبيانٍ، فهذا شطر، أ ّا ال ّطر اآلخر فهو القيام‬
  ‫م‬                    ‫ي‬                                                 ‫ن‬
 ‫بسلطة األمر وال ّهي على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشر ّة، وصيانة أخالق األ ّة‬
                         ‫ض‬
      ‫المنبثقة من دينها من أن يعبث بها ذو هوى أو شهوة أو مصلحة، وأي ًا ضمانة هذه األخالق‬
                                             ‫و‬           ‫ل ئ‬
          ‫والمبادئ من أن يقول فيها ك ّ امر ٍ برأيه وتص ّره، زاعمًا أن هذا هو الخير والمعروف‬
         ‫م‬         ‫حل د‬                        ‫ن‬                    ‫ط‬       ‫ط‬         ‫ص‬
‫وال ّواب، فلو ُوي بسا ُ األمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر الضْمَ َّت ال ّيانة، وع ّت الفترة،‬
                                           ‫د‬          ‫ْ‬                           ‫ض‬
  ‫وفشت ال ّاللة، وشاعت الجهالة، واسْتَشرَى الفسا ُ، وخربت البالد، وهلك العباد، عندها يستولي‬
                     ‫ت‬      ‫نس‬               ‫ق‬
            ‫على القلوب مداهنة الخلق، وتنمحي منها مراقبة الح ّ، ويسترسل ال ّا ُ في ا ّباع الهوى‬
     ‫ن‬                                                    ‫ذ‬                           ‫ش‬
   ‫وال ّهوات استرسال البهائم، ويتع ّر من تأخذه في اهلل لومة الئم. سوق األمر بالمعروف والّهي‬
       ‫عن المنكر يجب أن تبقى قائمة، وصقورها يجب أن تبقى على رؤوس الفواسق حائمة، فهي‬
                                     ‫المالذ بعد اهلل تعالى من انتشار الجريمة واالرتكاس في عالم البهيمية.‬
                  ‫ن‬                       ‫د‬
‫ألجل هذا وغيره امتأل القرآن الكريم بنصوص ال ّعوة لألمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر، وكثر‬
     ‫س‬                       ‫ن‬
   ‫حديث المصطفى في األمر باألمر بالمعروف والنهي عن ترك ال ّهي عن المنكر، ونادى ال ّلف‬
            ‫ر و مر ن‬                 ‫و ك م ُ ُمة َ ع إل‬                                         ‫م‬
            ‫بذلك، وأجمعت األ ّة على ذلك، فقال تعالى: َلْتَ ُنْ ِنْكمْ أ َّ ٌ يدْ ُوْنَ َِى اْلخَيْ ِ َيَأْ ُ ُوْ َ‬
         ‫ٌ‬    ‫ل‬                              ‫ع م َر وأ ئ ُم م ح‬                              ‫وي‬      ‫م ْر‬
      ‫بِال َع ُوْفِ َ َنْهَوْنَ َنِ اْل ُنْك ِ َُول ِكَ ه ُ اْل ُفْلِ ُوْنَ [آل عمران:405]، وهذا دلي ٌ واضح في‬
                                                        ‫ن‬
‫اختصاص اآلمرين بالمعروف وال ّاهين عن المنكر بالفالح، وحينما وصف اهلل جل وعال المؤمنين‬
                        ‫ص‬          ‫د‬        ‫ن‬                ‫ي‬           ‫ل‬
         ‫وصفهم بهذا الوصف، واّذي يلفت أهمّته من المكانة أ ّ اهلل ق ّمه على ال ّالة فقال تعالى:‬
        ‫ع م َر ويق م ن‬                       ‫ي ُر ن م ْر ْ وي‬                 ‫و م من ن و م م ت ب ض ُ ل ء ب‬
        ‫َاْل ُؤْ ِ ُوْ َ َال ُؤْ ِنَا ُ َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعْضٍ َأْم ُوْ َ بِاْل َع ُوفِ َ َنْهَوْنَ َنِ اْل ُنْك ِ َ ُ ِيْ ُوْ َ‬
                                                                                                                          ‫ْص‬
                                                                                                        ‫اْل َّالَةِ [التوبة:52].‬
            ‫ت‬                        ‫ن‬                        ‫ث‬             ‫ن‬
        ‫ولم يكتف القرآ ُ الكريم بالح ّ على األمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر حتى جاء ال ّحذير‬
                          ‫ق‬          ‫ور ل‬                                      ‫حق‬        ‫ت‬
‫وال ّرويع في ِّ التاركين له، ولكن بقارعة من القَ َا ِع اّتي تَسْحَ ُ من وقعت عليه، فقال تعالى:‬
‫و ن ي َد ن‬                ‫م َ ل ب ع‬                 ‫د ُد وع س‬          ‫َر م بن إ ئ ْ عل ل‬                      ‫لع َّذ‬
‫ُ ِنَ اْل ِيْنَ كَف ُوْا ِنْ َ ِيْ ِسْرا ِيلَ ََى ِسَانِ َاو َ َ ِيْ َى بْنِ َرْيمَ ذَِكَ ِمَا َصَوْا َكَا ُوْا َعْت ُوْ َ‬
              ‫ي ل‬                             ‫ن عل‬                 ‫عل ه ب س‬                 ‫ع م‬              ‫ي‬        ‫ن‬
     ‫كَا ُوْا الَ َتَنَاهَوْنَ َنْ ُنْكَرٍ فَ َُوْ ُ لَ ِئْ َ مَا كَا ُوْا يَفْ َُوْنَ [المائدة:52، 32]. وب ّن ج ّ جالله أن‬
          ‫م‬                      ‫ن‬                      ‫ق‬                            ‫ن‬
‫ال ّجاة عند نزول العذاب هي من ح ّ اآلمرين بالمعروف وال ّاهين عن المنكر فقط، أ ّا من عداهم‬
     ‫ُكر ب ج َّذ ن‬                              ‫َم س‬                             ‫س‬                  ‫ء‬
     ‫فهو هالك، سوا ٌ فاعل الذنب أو ال ّاكت عنه، فقال تعالى: فَل َّا نَ ُوْا مَا ذ ِّ ُوْا ِهِ أَنْ َيْنَا اْل ِيْ َ‬
                                  ‫ع ْلس ء و َ َّذ ن م ب َ ب بئ بم ن سق‬                                                      ‫ي‬
               ‫َنْهَوْنَ َنِ ا ُّوْ ِ َأَخذْنَا اْل ِيْ َ ظَلَ ُوْا ِعذَا ٍ َ ِيْسٍ ِ َا كَا ُوْا يَفْ ُ ُوْنَ [األعراف:165].‬
       ‫ن‬       ‫ي‬                     ‫د ي ت‬           ‫ش‬
     ‫هذه المساحة الواسعة في القرآن الكريم لهذه ال ّعيرة ال ّين ّة ُعطينا مدلوالً على أهمّتها، وأّها‬
                    ‫ل‬                 ‫ل‬         ‫ع ي‬                  ‫ت‬      ‫د‬             ‫ة‬
   ‫ركيز ٌ من ركائز ال ّين، الّفريط فيها ضيا ٌ للد ّن وانحال ٌ للمؤمنين واختال ٌ في نظام اآلمنين.‬
            ‫ه ُن‬           ‫ف‬         ‫ن‬                                       ‫ت‬                 ‫ذ‬
         ‫ويح ّرنا المعصوم من الّهاون في هذا فيقول: ((كال واهللِ، لتأمر ّ بالمعرو ِ، ولَتَنْ َو َّ عن‬
 ‫ض‬                      ‫ن‬            ‫المنك ِ، ولَتَأْخذ َّ على يدِ ال ّفيه، َلَتَأْطر َّه على الحق ْر‬
‫ِّ أَط ًا، أو ليضرب ّ اهلل قلوبكم بقلوب بع ٍ،‬     ‫و ِ ُن‬           ‫س‬            ‫ُ ُن‬          ‫ر‬
                   ‫ن‬      ‫ي ن‬                         ‫د‬                                          ‫م‬
        ‫ث ّ ليلعنكم كما لعن بني إسرائيل))، وفي المسن ِ وغيره قوله : ((يا أّها ال ّاس، إ ّ اهلل يقول:‬
                                             ‫ي‬                            ‫و ُن‬                   ‫ُرن‬
                                 ‫لتأم َّ بالمعروف َلَتَنْهَو َّ عن المنكر قبل أن تدعوا فال ُستجاب لكم)).‬
                        ‫ي‬          ‫ف‬                  ‫ن‬                                  ‫د‬
  ‫فال ّعوة إلى الخير واألمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر تكلي ٌ ليس باله ّن وال اليسير إذا نظرنا‬
                                    ‫ن‬             ‫ن‬
‫إلى طبيعته واصطدامه بشهوات ال ّفس ونزوات ال ّاس ومصالح بعضهم ومنافعهم وغرور بعضهم‬
             ‫ل‬                ‫ص‬           ‫ل‬            ‫ل‬                ‫ن‬
      ‫وكبريائهم، ففي ال ّاس الغاشم والمتسّط، والهابط اّذي يكره ال ّعود، والمسترخي اّذي يكره‬
                     ‫ل‬                         ‫د ظ ل‬                     ‫ل ل‬
   ‫االشتداد، والمنح ّ اّذي يكره الج ّ، وال ّالم اّذي يكره العدل، والمنحرف اّذي يكره االستقامة،‬
    ‫د‬        ‫ية ال‬         ‫ت ح‬       ‫ج مة‬                                                ‫ل‬
    ‫وفيهم اّذين ينكرون المعروف ويعرفون المنكر، وال تن ُو األ ّ ُ وال ُفل ُ البشر ّ ُ إ ّ أن يسو َ‬
       ‫ي‬            ‫أك‬             ‫ُر‬            ‫ر‬                                   ‫ر‬
     ‫الخي ُ ويكون المعروف معروفًا والمنكر منك ًا، فإذا ما ع ِف المعروف وُن ِر المنكر تم ّزت‬
                                  ‫نس‬                               ‫ُر‬               ‫ن‬
     ‫الس ّة من البدعة، وع ِف الحالل من الحرام، وأدرك ال ّا ُ الواجب من المسنون والمباح من‬
               ‫ص‬                                    ‫ل‬                ‫ن ة‬
   ‫المكروه، ونشأت ال ّاشئ ُ على المعروف وأَِفَتْه، وابتعدت عن المنكر وأنكرته، و َلَحت البالد،‬
                         ‫ء‬                   ‫ر ر‬                 ‫ر ر‬          ‫م‬
‫وأمن العباد، وع ّ الخي ُ وال ّزق، وزاد الب ّ وال ّفق، ولم يجد األعدا ُ في المجتمع من يستهويه أو‬
                                                               ‫ال‬           ‫ّر‬      ‫ه‬
                                                      ‫يستميله، ولم يجد الج ّال مبر ًا لجنوحهم إ ّ بتأويله.‬
                      ‫ط‬                                  ‫ن‬
            ‫إذا كانت سوق األمر بالمعروف وال ّهي عن المنكر دائرة وعرباتهم في ال ّرقات سائرة‬
                  ‫ن‬                                   ‫مص‬              ‫ت‬          ‫ض‬
     ‫وأعرا ُهم من الك ّاب المشبوهين ُ َانة اختفت الجريمة أو كادت، وأمن ال ّاس على أنفسهم‬
                                          ‫ز‬                ‫و‬       ‫ر ق ن‬             ‫م‬
        ‫ونامت، أ ّا إذا ج ّ ال ِيا ُ والمش ّهون أقالمهم بال ّور والبهتان على أهل الخير والمعروف‬
 ‫ن‬       ‫ط‬        ‫ي‬
 ‫وس ّدوا صفحات ال ّحف بمدا ٍ قاتمٍ نابعٍ من قلو ٍ ُج ِّ َة قد َّدت بال ّان وتق ّأت القَ ِران فإ ّ‬
                          ‫ر‬       ‫ب م َخي ٍ تلب‬                       ‫د‬        ‫ص‬             ‫و‬
       ‫َر‬     ‫م ث ل‬                                  ‫يدق‬
    ‫ذلك نذير شؤم وعالمة لؤم، وناقوس خطرٍ ُّه أصحاب المشارب البعيدة ال ُلْتَا َة اّذين ش ِقوا‬
     ‫ُحس‬                                    ‫يجر األم‬     ‫ر‬
  ‫بالفضيلة، واستماتوا على نشر ال ّذيلة، ُّون َّة بأقالمهم وأكاذيبهم إلى المهالك، وي ِّنون‬
                         ‫حة‬                      ‫الذ ب‬         ‫ب‬               ‫ي‬
 ‫لها بسوئهم س ّئ المسالك، قلو ُهم قلوب ِّئا ِ، وألسنتهم بالخير أش ّ ً، وأقالمهم على أهل الخير‬
                          ‫ص‬                                          ‫ي م‬            ‫ل‬        ‫ِد‬
       ‫ح َاد، استغّوا الحر ّة ال ُتاحة في البهتان والوقاحة، يتعاوَوْن في ال ّحفِ على الفضيلة كما‬
          ‫ن‬                            ‫ن‬              ‫ش‬           ‫ت الش‬      ‫الذ ب‬
     ‫تتعاوى ِّئا ُ في ش ّى ِّعاب على ال ّاة العائرة، كأّهم من دينٍ ونحن من دين، وكأ ّهم في‬
                             ‫س‬                                           ‫ف‬            ‫فن‬
‫سَ ِي ٍ ونحن في سَ ِينٍ، فماذا يريد هؤالء وقد جعلوا من أقالمهم ِهامًا مسمومةً على هيئات األمر‬
                                          ‫د ي ل‬           ‫ت‬                     ‫ن‬
           ‫بالمعروف وال ّهي عن المنكر وعلى ال ّعليم ال ّعو ّ اّذي هو من سياسة هذا البلد المسلم‬
  ‫د‬                ‫د م‬      ‫ن‬            ‫ال د‬               ‫ز ل‬              ‫ت‬
‫المبارك؟! أال ي ّقون اهلل ع ّ وج ّ ويقولون قو ً سدي ًا، ويعلمون أّهم غ ًا ُحاسبون على ما ق ّمت‬
    ‫د‬              ‫ل‬                                  ‫َب‬                  ‫ف‬           ‫ب‬
   ‫أيديهم وكَتَ َتْه وما تل ّظت به ألسنتهم وكذَ َته؟! فليكتبوا ما شاؤوا؛ فاليوم عم ٌ وال حساب، وغ ًا‬
                                                                ‫م‬     ‫ن‬                         ‫ب‬
                                                            ‫حسا ٌ وال عمل، فاعمل ما شئت فإّك به ُدان.‬
  ‫وم الن م ي جب َ ل ُ ف ح لد وي ِد ع م ف‬                                               ‫ر‬        ‫ش‬
‫أعوذ باهلل من ال ّيطان ال ّجيم، َ ِنَ َّاسِ َنْ ُعْ ِ ُك قَوُْه ِيْ الْ َيَاةِ ا ُّنْيَا َ ُشْه ُ اهللَ َلى َا ِيْ‬
 ‫و ْن ْ و هلل ال ي ِب‬       ‫َ‬      ‫به ه َد خص م وِذ َل سع ف َ ْ لي ِ ف ه وي ل‬
 ‫قَلْ ِ ِ وَ ُوَ أَل ُّ الْ ِ َا ِ َإ َا تَوَّى َ َى ِيْ األرضِ ِ ُفْسدَ ِيْ َا َ ُهِْكَ الْحرْثَ َال َّسلَ َا ُ َ ُح ُّ‬
                                                                                                            ‫س‬
                                                                                      ‫الْفَ َادَ [البقرة:407، 107].‬
                        ‫ل‬                        ‫ي‬
           ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات واّذكر الحكيم...‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                     ‫ال‬                                            ‫ش‬
‫الحمد هلل على إحسانه، وال ّكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إ ّ اهلل وحده ال شريك له‬
         ‫ب‬                       ‫د‬                 ‫ّد‬       ‫ي‬
 ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن س ّدنا محم ًا عبده ورسوله ال ّاعي إلى رضوانه، صلوات رّي وسالمه‬
                                     ‫د‬             ‫ر‬              ‫ل‬
                                  ‫عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسّم تسليمًا كثي ًا إلى يوم ال ّين.‬
          ‫ت‬     ‫تد‬            ‫م‬                    ‫ز ل‬           ‫من‬                ‫م‬         ‫م م‬
      ‫ث ّ أ ّا بعد: أ ّة اإلسالم، لقد َ ّ اهلل ع ّ وج ّ على هذه البالد بنع ٍ كثيرة ال ُع ّ وال ُحصى،‬
                            ‫ي‬
‫أكبرها وأعظمها نعمة اإلسالم واألمن واألمان، نسأل اهلل تعالى أن ُديمها علينا وعلى بالدنا، وأن‬
       ‫ض د‬                                 ‫َد‬                                ‫حرم‬
 ‫يمنحها من ُ ِ َها من المسلمين. مساجدنا بالخير ص ّاحة، وإعالمنا وتعليمنا ال يرف ُ ال ّين وال‬
                ‫ت‬     ‫ُر‬    ‫ل‬           ‫د‬                      ‫ة‬               ‫يزدري المتدي‬
 ‫ِّنين، فنحن حكوم ً وشعبًا ننتمي لهذا ال ّين العظيم اّذي ع ِف بالّسامح ونبذ العنف‬
                                     ‫ُ‬     ‫ل ن‬                  ‫ن‬
       ‫واحترام الغير وتجريم قتل ال ّفس بغير حقٍ، فك ٌ م ّا يعلم في هذا البلد المبارك وعن طريق‬
                                                                        ‫د يح‬           ‫ت‬
‫ال ّعليم ال ّين ّ ُرمة االعتداء على اآلخرين، سواء في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم ونحو ذلك،‬
 ‫وم ي ُ م من م ع ِّد َز ؤه جه َّم ِد ف ه و ض هلل ع ه و ع ه وأ َد له‬
 ‫وقد قال تعالى: َ َنْ َقْتلْ ُؤْ ِ ًا ُتَ َم ًا فَج َا ُ ُ َ َن ُ خَال ًا ِيْ َا َغَ ِبَ ا ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ ََع َّ َ ُ‬
      ‫عذَابًا َ ِيْ ًا [النساء:33]، وال ّسول يقول: ((ال يح ّ دم امر ٍ مسلم إ ّ بإحدى ثالث: ال ّف ُ‬
      ‫نس‬                  ‫ال‬       ‫ئ‬        ‫ل‬                  ‫ر‬                   ‫َ عظ م‬
                                 ‫ح‬                               ‫ت‬         ‫ثب ز‬             ‫ن‬
‫بال ّفس، وال ّي ُ ال ّاني، وال ّارك لدينه المفارق للجماعة)). و ُرمة المسلم أعظم عند اهلل تعالى من‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                                                             ‫حرمة الكعبة المش ّفة.‬
                                                  ‫ط‬       ‫ل‬
‫معرفة هذه المسائل ونحوها هي اّتي تضب ُ األمن في المجتمع المؤمن، ونحن في هذا البلد المسلم‬
     ‫ني‬                                                          ‫ن‬                     ‫ف‬
  ‫نعر ُ هذا وندركه، ونعرف أ ّ ترويع المؤمن عند اهلل عظيم، فكيف بقتله؟! ألم يخبرنا ال ّب ّ أن‬
                      ‫ح‬                    ‫ت‬
        ‫من أشار إلى أخيه المسلم بحديدة لعنته المالئكة ح ّى يضعها ولو كان ماز ًا؟! هذه األمور‬
          ‫ت ي‬                                             ‫ب‬     ‫د ي ل‬
         ‫عرفناها من خالل تعليمنا ال ّين ّ اّذي ترّينا عليه منذ نعومة أظفارنا في مراحلنا ال ّعليم ّة‬
   ‫االبتدائ ّة، وإذا ح ِم غيرنا هذا ونحوه لعدم إدخالهم الّعليم ال ّين ّ في المدارس فذاك خطٌ شني ٌ‬
   ‫أ ع‬                       ‫د ي‬          ‫ت‬                                 ‫ُر‬         ‫ي‬
                       ‫ت‬                         ‫ن‬                                       ‫م‬
          ‫يتح ّلون نتيجته ويبوؤون بإثمه. ولهذا نرى ال ّاس من حولنا يدفعون ثمن الّعليم واإلعالم‬
                     ‫ح‬             ‫ز‬         ‫ت‬              ‫ت‬              ‫ءت‬       ‫ي‬
‫العلمان ّ؛ دما ً ُسفك، وأعراضًا ُهتك، وأمواالً ُنهب، وعج ًا أمنيًا واض ًا في مالحقة الجاني أو‬
              ‫ش‬            ‫ت‬                                    ‫ن‬
   ‫حماية المجني عليه. غير أ ّ االنفتاح على ثقافة اآلخر وسهولة ال ّواصل بين ال ّعوب وازدحام‬
    ‫د‬             ‫ل‬                                           ‫ي‬          ‫ي‬
 ‫الفضاء باإلرسال ّات اإلعالمّة ووجود المغرضين لهذا البلد من أبنائه ـ بك ّ أسف ـ في ال ّاخل‬
                      ‫ي‬                ‫د ي‬          ‫ت‬       ‫د‬
   ‫بافتعال نقاط ساخنة يثيرونها حول ال ّين وال ّعليم ال ّين ّ والهيئات الخير ّة ورجال الحسبة ونحو‬
      ‫كم‬                                     ‫ي‬     ‫م ي د‬            ‫ش‬
     ‫ذلك، تجعل بعضًا من ال ّباب المتح ّس ُص ّق ما ُقال في الخارج عن هذا البلد وأهله ح ّا ًا‬
                                                                                                          ‫ومحكومين.‬
   ‫ف‬            ‫ك‬        ‫د ي‬         ‫ر‬                                     ‫ت‬      ‫ك‬
   ‫وال ش ّ أن الّطاولَ من بعض الكتاب المشبوهين على ال ّموز ال ّين ّة قد يش ّل جماعات عن ٍ‬
                           ‫ل‬         ‫ت‬                                 ‫ب‬
 ‫وتكفير يصع ُ احتواؤها وإقناعها، وما هؤالء ال ّسعة عشر اّذين ظهرت صورهم وأسماؤهم في‬
       ‫ح‬            ‫ل‬                                                  ‫ي ال‬           ‫ص‬
   ‫ال ّحف المحل ّة إ ّ دليالً على ما أقول. يجب علينا ونحن نطارد الجاني اّذي يحمل سال ًا أن‬
‫ه‬                   ‫ي‬                           ‫م‬       ‫م‬           ‫ل‬                   ‫ن‬
‫ُطارد الجاني اآلخر اّذي يحمل قل ًا مسمو ًا، فذاك صنيعة هذا، وهذا ضح ّة ذاك، وكالهما سفي ٌ‬
       ‫م‬                                     ‫ق ْر‬             ‫ي ط‬
      ‫يجب أن يؤخذ على يديه و ُؤْ َر على الح ّ أَط ًا. يجب علينا ونحن نطارد أولئك أن نتل ّس‬
                    ‫و‬      ‫ل‬        ‫ن م‬
 ‫الخللَ، وننظر من أين خرجوا، ولم خرجوا، فإذا عرفنا ال ّبع ال ُلْتَاث اّذي تل ّثوا به ردمناه؛ لئال‬
     ‫ي‬                         ‫د‬                        ‫ن‬                       ‫و‬
   ‫يل ّث غيرهم. يجب أن نضع ال ّقاط على الحروف، وأن نتح ّث بوضوح، وأن نستمع بشفاف ّة،‬
    ‫ع ل‬         ‫ل‬                            ‫ر‬                      ‫ل‬
  ‫وأن نتعاون جميعًا، فكّنا في سفينة واحدة، ال ّبان مسؤول، والخادم مسؤول، فكّكم را ٍ، وكّكم‬
                                                                                     ‫ي‬      ‫ل‬
                                                                                  ‫مسؤو ٌ عن رعّته.‬
                                                                    ‫ظ‬                  ‫ت‬
           ‫وح ّى نقضي على هذه ال ّاهرة الخطيرة والغريبة على هذا البلد المبارك علينا ما يلي:‬
    ‫د‬                   ‫ال‬              ‫ي د‬                            ‫د ي‬                     ‫وال‬
 ‫أ ّ ً: تكثيف البرامج ال ّين ّة إعالميًا وتعليميًا، فما ُصا ُ أمثال هؤالء إ ّ من خالل جهلهم بال ّين.‬
  ‫د‬             ‫ج‬                   ‫ي‬        ‫ي‬        ‫ل‬                  ‫ب‬           ‫س‬
‫ثانيًا: عدم ال ّماح للكَتَ َة المرتزقة أن يستغّوا الحر ّة الصحف ّة المسموح بها؛ ليو ّهوا نقدهم لل ّين‬
‫ل‬                   ‫ز‬              ‫ي ر‬                  ‫ي‬                    ‫ج‬       ‫ي‬
‫وللمتد ّنين بح ّة بعض األخطاء الفرد ّة، أو بدعوى حرّة ال ّأي. فديننا أع ّ من أرواحنا، وما ك ّ‬
                   ‫ر‬                              ‫ي ك‬       ‫ل‬         ‫ج‬       ‫ج‬
                ‫واحد يقارع الح ّة بالح ّة، وما ك ّ واحد ُح ّم العقل ويستشير أهل العلم وال ّأي.‬
      ‫ف‬                               ‫و‬                     ‫ف‬
   ‫ثالثًا: يجب أن ال ندع فرصةً لأل ّاكين في الخارج المتس ّلين على أبواب لندن وواشنطن لين ُذوا‬
 ‫داخل عقول شبابنا، نقضي على البطالة والفقر، ونستثمر أموالنا داخل بالدنا، ونحمي علماءنا من‬
                                                                                           ‫ع‬
                                                                            ‫همز ال َلمانيين وغمزهم.‬
     ‫ق س‬                   ‫ض‬               ‫ك‬
   ‫رابعًا: كما نحمي علماءنا من الهمز والغمز نحمي ح ّامنا من ذلك أي ًا، فلهم علينا ح ّ ال ّمع‬
                                                                                   ‫ط‬
   ‫وال ّاعة في المعروف، ال نعتقد عصمتهم، وال نعتقد كفرهم، ليسوا مالئكة وال شياطين، بل هم‬
                                ‫ت‬        ‫ط‬                ‫ي‬        ‫ي‬
                          ‫مثلنا يجورون ويعدلون، و ُخطئون و ُصيبون، وخير الخ ّائين ال ّوابون.‬
              ‫ض‬
   ‫خامسًا: أن من أحدث في هذا البلد فهو ملعون، ومن آوى محدثًا فهو ملعون أي ًا، وذلك بنص‬
                                                                                           ‫المعصوم .‬
                  ‫ت‬
          ‫سادسًا: أن نتعاون جميعًا على اإلصالح، فليس الخطأ عيبًا، ولكن العيب في ال ّمادي فيه‬
                                                                                     ‫واإلصرار عليه.‬
                          ‫ص‬                     ‫ش‬                            ‫ح‬
        ‫سابعًا: فت ُ باب الحوار مع مثل هؤالء ال ّباب من قبل علماء متخ ّصين يثق فيهم هؤالء‬
                                                                                         ‫ش‬
                                     ‫ال ّباب؛ لمعرفة ما يدور في أذهانهم، وما ينقمون من غيرهم.‬
   ‫م عم د‬               ‫ش‬                 ‫ي‬          ‫ي‬                  ‫م‬
‫ثامنًا: طرح القضايا المه ّة ومناقشتها بشفاف ّةٍ ومصداق ّة، وإظهار رأي ال ّرع فيها ُد ّ ًا بال ّليل‬
                         ‫ي‬       ‫ل‬                 ‫ه‬            ‫ط‬          ‫ي‬        ‫ش ي‬
  ‫ال ّرع ّ والعقل ّ؛ لقطع ال ّريق على الج ّال أو أنصاف المتعّمين أن ُفتوا في مثل هذه القضايا‬
                     ‫د‬                                                      ‫ي ل‬      ‫يض‬
       ‫ف َ ِلوا و ُضّوا، شريطة أن يكون الحوار في منأى عن األمن؛ لنأمن من ا ّعاء القناعة أو‬
                                                                                                ‫ت‬
                                                                              ‫ال ّدليس في المعلومات.‬
          ‫ل‬                     ‫ص‬                                      ‫ت و‬
       ‫تاسعًا: يجب أن ُز ّد الهيئات بمجموعة من طلبة العلم المتخ ّصين الحكماء العقالء اّذين‬
                                    ‫يعرفون ما يقولون وما يذرون، ومتى يكون ذلك القول والفعل.‬
   ‫س‬         ‫ل‬                                         ‫ط‬                           ‫ر‬
   ‫عاش ًا: إبالغ الخطباء بتجديد ال ّرح، واالبتعاد في خطب الجمعة عن المواضيع اّتي ال تم ّ‬
                    ‫ب‬      ‫ق كم‬                         ‫ش‬              ‫ن‬        ‫ن‬
   ‫حياة ال ّاس، فال ّاس عمومًا وال ّباب على وجه الخصوص يتل ّون ًّا رهي ًا من المعلومات من‬
                                                                                               ‫ت‬
                                                     ‫ش ّى القنوات، منها المكذوب ومنها المبالغ فيه.‬
         ‫ح‬        ‫و‬          ‫ت‬               ‫م‬       ‫ن‬
         ‫حادي عشر: نشر الوعي بين فئات ال ّاس عمو ًا عبر وسائل االّصال المتن ّعة، وفض ُ‬
   ‫ت ول تب ن‬               ‫و َ ك ن ِّل‬                                 ‫ن‬                           ‫ط‬
   ‫مخ ّطات األعداء الحقيقيين والمقّعين، انطالقًا من قوله تعالى: َكذَلِ َ ُفَص ُ اآليَا ِ َِتَسْ َ ِيْ َ‬
                        ‫ح سب‬                   ‫سب‬                                ‫سب ل م رم‬
    ‫َ ِيْ ُ الْ ُجْ ِ ِيْنَ [األنعام:11]، ففي استبانة ُ ُل المجرمين إيضا ٌ ل ُ ُل المهتدين، مع الحرص‬
                          ‫ت‬                           ‫ق‬
       ‫قدر المستطاع على اإلصالح الح ّ وعدم إعطاء اآلخر فرصةً لل ّخريب بدعوى اإلصالح.‬
    ‫د‬     ‫ت خ‬                    ‫أ‬       ‫ت‬                  ‫ب مة د‬
  ‫هذه في نظري أسبا ٌ مه ّ ٌ ال أ ّعي كمالها، وإن كن ُ أعتقد ّنها تالمس الواقع و ُش ّص ال ّاء‬
                                  ‫تل‬              ‫الجد‬         ‫ت‬             ‫د‬
   ‫وتضع ال ّواءَ، آمل أن ُؤخَذ بمحمل ِّ، كما آمل أن ُكّف الجامعات بوضع الحلول المناسبة‬
                       ‫م‬          ‫ش‬        ‫ر‬         ‫ت‬                             ‫ظ‬
  ‫لهذه ال ّاهرة الخطيرة، أعني ظاهرة الك ّاب المتم ّدين وال ّباب المتح ّسين الجاهلين، كي نأمن‬
‫ب ل‬                         ‫ب‬            ‫ة‬                              ‫ز‬
‫من أولئك أن يستف ّهم هؤالء، فالكل في سفينة واحد ٍ يجب أن نتش ّث بها؛ لنوصلها بإذن رّها ج ّ‬
            ‫ل‬      ‫وكل‬                                   ‫ر‬                  ‫ر‬
  ‫وعال لب ّ األمان، وجميع ال ّكاب عليهم مسؤوليات على قدر أماكنهم، ٌّ مسؤو ٌ عن موقعة.‬
                                                  ‫س‬        ‫ص‬                          ‫ص‬
                                       ‫أكثروا من ال ّالة على من أمركم اهلل بال ّالة وال ّالم عليه...‬

‫(5/7744)‬




                                                                ‫األبطال بين حقيقة التاريخ وتزوير اإلعالم‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                                                ‫اإلعالم, تراجم‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫عمر بن سعيد المبطي‬
                                                                                                          ‫نجران‬
                                                                                                      ‫غير محدد‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أثر اإلعالم السلبي في صياغة المفاهيم. 7- مفهوم البطولة بين الحقيقة والتضليل. 3- وقفات‬
   ‫مع حياة البطل حمزة بن عبد المطلب &. 4- أبطال القنوات اإلعالمية. 1- وصايا وتوجيهات‬
                                                                                                      ‫م‬
                                                                                              ‫لمن يه ّه األمر.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                       ‫ذ‬
‫أما بعد: عباد اهلل، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل العظيم ومخافته، وأح ّركم ونفسي من عصيان أمره‬
      ‫َرة َر َر‬               ‫َر ْر َ وم ي م م‬                          ‫م ي َ م‬
     ‫ومخالفته، حيث يقول سبحانه: فَ َنْ َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ خَي ًا يرَه َ َنْ َعْ َلْ ِثْقَالَ ذ َّ ٍ ش ًّا ي َه‬
                                                                                               ‫[الزلزلة:2، 5].‬
                      ‫م‬                                          ‫الز‬    ‫خ َم‬
    ‫أيها الناس، في ِض ّ هذا َّخَم اإلعالمي الكبير والذي يجتاح العالم عا ّة وعالمنا اإلسالمي‬
                                               ‫َز ْزع‬                    ‫د‬
    ‫خاصة تتب ّل بعض الحقائق، وتَت َع َ ُ بعض األصول، ويضطرب األمر على المسلم، فيخفى‬
               ‫ر‬                                    ‫ج‬                   ‫ر‬      ‫ق ر‬
   ‫عليه الح ّ م ّات وم ّات، بل إن األمر ال َلَل ـ عباد اهلل ـ أن يصل ذلك التأثي ُ لإلعالم إلى‬
                          ‫حق‬              ‫ال‬
         ‫موازين المؤمن، لتنقلب لديه األمور، فيرى الحق باط ً، ويرى الباطل ًّا، والعياذ باهلل.‬
                              ‫أ‬
‫ولذا نقف ـ أيها األحبة ـ وقفة في هذا اليوم المبارك مع ُنموذج من ذلك، نبرهن به على صحة‬
                                    ‫ب‬
    ‫ما نقول، وليقوم الجميع بعد ذلك بالحذر والتحذير من مغَّة هذا الطرح اإلعالمي على أخالقنا‬
                           ‫وسلوكياتنا، َلْهَ على عقائدنا وتص ّراتنا وموازيننا، وليّضح الحق‬
‫ُّ لكل صادق، وليظهر النور لكل‬     ‫ت‬                    ‫و‬                     ‫ب‬
                ‫ي‬                                                      ‫ي‬
       ‫ذي عينين، وليتب ّن األمر لبعض أصحاب النفوس الطيبة منا، الذين ال يزالون ُنيطون ذلك‬
                                                   ‫ف‬              ‫ل‬
                              ‫اإلعالم أنواط الشرف، ويقّدونه أوسمة ال ِخَار على رؤوس بيوتهم.‬
               ‫ح‬                         ‫ي‬
‫وهذا المثال ـ عباد اهلل ـ والذي يبرهن على ما ُقال في هذا اليوم هو مصطل ٌ عظيم طالما كان‬
                         ‫ص‬                                             ‫ز‬           ‫ع‬
        ‫دافعًا لل َلْياء، ورم ًا للقدوة في الخير والفداء، وطالما أذكى ـ وخا ّة في نفوس األجيال‬
                ‫ر‬
‫الصاعدة ـ روح الخيرية وبذل الغالي والنفيس إلرضاء ربهم، ولصالح دينهم و ِفعة أمتهم، فلهذا‬
          ‫ف‬
    ‫المصطلح دور عظيم في اإلصالح والترشيد ورفع أفراد المجتمع، بل األمة إلى مصا ّ األمم‬
                                                                                          ‫ع‬
                                                       ‫الف ّالة المنتجة، أال وهو مصطلح البطولة.‬
        ‫الص‬        ‫َ ب َن‬
      ‫وأما مع انعكاس األمور بهذا الطرح في هذه األعوام فقد استحال الغرْ ُ شًّا، وعادت َّبا‬
             ‫ح‬             ‫س‬      ‫ل‬                      ‫ز‬                          ‫دب ر‬
   ‫َ ُو ًا، فأصبح مصطلح البطولة رم ًا للهو، والنجومية سبي ٌ لسفا ِف األمور وطر ٌ لمعاليها،‬
                           ‫لب‬                                             ‫َم‬
      ‫ليصبح بعد ذلك ه ُّ األجيالِ المسلمة تلك القدوات الضالة، والتي ُ ّسَ عليها بأنها هي صور‬
                                                                              ‫النجومية والبطولة.‬
‫ونعرض اآلن إلى صورتين متقابلتين من نماذج األبطال؛ ليرى المسلم أي القدوات هي التي تؤثر‬
                                                               ‫التأثير اإليجابي، وأيها عكس ذلك.‬
                       ‫ته‬
        ‫فالصورة األولى: هي وقفة مع سيرة بطل عظيم من أبطال هذه األمة، اشُ ِر بأنه أسد اهلل‬
                                                                      ‫م‬
     ‫ورسوله ، إنه ع ّ الحبيب ، إنه حمزة بن عبد المطلب رضي اهلل تعالى عنه وأرضاه. وإنني‬
                                                                ‫ر‬                      ‫ف‬
                                                ‫واق ٌ مع سيرته وقفات، وذاك ٌ من سيرته عجبًا.‬
‫أيها األحبة، بعدما أخذت دعوة الحبيب صلوات اهلل وسالمه عليه تصل إلى مسامع الناس في مكة،‬
                                                                        ‫د‬
   ‫وباتت البيوتات تتح ّث بشأن هذا الرجل الصادق األمين الذي لم يعهدوا عليه ولو كَذْبةً واحدة،‬
   ‫كان من الناس من آمن باهلل ورسوله ًّا؛ خوفًا من بطش طغا ِ مكةَ و ُتا ِها، ومنهم من أح ّ‬
   ‫ب‬                ‫ع ت‬          ‫ة‬                    ‫سر‬
‫هذه الدعوة ودخلت قلبه، لكنه لم يؤمن بعد، من هؤالء ذلك الحمزة أسد اهلل ورسوله. وبالرغم من‬
   ‫ق‬                    ‫ق‬                 ‫الس‬                                      ‫عم‬
 ‫كونه ًّا لرسول اهلل إال أنه كان قريبًا منه في ِّن، فهو يعرفه صدي ًا في الصغر معرفةً ح ّة،‬
               ‫ء‬                                                  ‫د‬
  ‫ولم يعهد عليه الكذب أب ًا، وكان أيضًا يتوارد لسمع حمزة البطل ما يقول كبرا ُ قريشٍ عن ابن‬
                                      ‫ر‬                                ‫م‬      ‫ك‬
             ‫أخيه، وكان يف ّر دائ ًا فيما يقال، فقد كان شجاعًا جسو ًا بطالً ذا عقل راجح حكيم.‬
             ‫ء‬
   ‫حتى جاء اليوم الموعود، وخرج حمزة كعادته ليمارس هواية الصيد، ويقضي جز ًا من نهاره‬
                                                        ‫ف‬              ‫جه‬
     ‫ليعود إلى مكة متو ّ ًا للكعبةِ يطو ُ بها كعادته قبل أن يعود إلى بيته، وفي يومه ذلك وعند‬
                 ‫ن‬                              ‫الذ ْر‬                         ‫ق مة‬
  ‫عودته تل ّته أَ َ ٌ لعبد اهلل بن جدْعان يبدو ُّع ُ من عينيها، لتخبره بما لقي اب ُ أخيه الحبيب من‬
                                      ‫ب‬
     ‫أبي الحكم بن هشام أبي جهل فرعون هذه األمة من أنه س ّ الحبيبَ نبينَا وشتمه وبلغ منه ما‬
  ‫ت‬                                                          ‫ص‬
‫يكره. ومضت تشرح له وتف ّل ما صنع أبو جهل لعنه اهلل برسول اهلل وحمزة يسمع منها صام ًا،‬
      ‫وهم‬                        ‫ب‬        ‫ُ‬
  ‫ونار الغضب تضطرم في فؤاده، ثم صمت حمزة برْهة، وثّت قوسه بيمينه فوق كتِفه، َّ إلى‬
                                      ‫ك‬          ‫ر هام‬
        ‫الكعبة يبحث عن أبي جهل؛ ليصنع أم ًا ًّا طالما ف ّر فيه حمزة رضي اهلل تعالى عنه.‬
       ‫ُ ة‬          ‫م‬                    ‫د‬                           ‫سط‬
       ‫نعم، وجد أبا جهل متو ّ ًا قومه في ساحة الكعبة، فتق ّم نحوه بخطوات ثابتة ِلؤها الجرْأ ُ‬
                                                       ‫َل‬
‫والشجاعة؛ ألنه البطل، واست ّ قوسه من على كتفه، وهوى مباشرةً على أبي جهلٍ فضربه ضربة‬
        ‫ُد‬                                      ‫د‬
    ‫قوية أنزفه الدم من رأسه، وزأر به: (أتشتم محم ًا وأنا على دينه أقول ما يقول؟! أال فر َّ ذلك‬
                                                                             ‫ي‬
 ‫عل ّ إن استطعت)، وإنما صعق القوم ليس بتلك الضربة على رأس سيدهم، بل صعقهم قول هذا‬
                                 ‫ب‬
  ‫الفتى أنه على دين محمد، وهو أقوى فتيانِ مكةَ، ومن خيرةِ شبا ِها، ليعلن اعتناقه للدين الجديد،‬
                                                                ‫د‬
  ‫ذلك الخطر الذي يه ّد أصنام قريش. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل‬
     ‫سب‬                                                                               ‫د‬
    ‫سي َهم، فقال أبو جهل بخبثه ودهائه: دعوا أبا عمارة، فإني ـ واهلل ـ قد سببت ابن أخيه ًّا‬
                                                                                           ‫قبيحًا.‬
                    ‫ة‬      ‫ة‬
 ‫أيها المسلمون، هذا هو أسد اهلل يعلن انتماءه لدين اإلسالم، لتبدأ مرحل ٌ جديد ٌ من حياته يذود فيها‬
          ‫بو‬                                          ‫س‬                                ‫حم‬
      ‫عن ِ َى الدين، وينشر الدعوة بما هو مي ّر له وبما يستطيع؛ ألن مفهوم اإلسالم تَ َلْ َر في‬
    ‫أذهانهم على نقاء، فأيقنوا أن االنتماء لإلسالم معناه حمل همومه والدفاع عن حياضه ومعايشة‬
‫آماله وآالمه، ال أن إسالمه فقط تأدية الشعائر الظاهرة بالجوارح فحسب، ثم ال والء وال براء وال‬
                                         ‫ي جاد‬                     ‫ح‬
‫تفكير في هذا الدين وال ِمْالنًا لهمومه أو سع ًا ًّا لرفعة أهله والنهوض بهم مهما كانوا من أي‬
                                     ‫فس‬                                               ‫ر‬
‫قط ٍ أو لون. فقد أعز اهلل اإلسالم بحمزة وأصبح متن ّ ًا للضعفاء، وشعر المسلمون بأن هناك قوة‬
                                                   ‫ستحميهم بعد اهلل تعالى، فاندفعوا نحو اإلسالم.‬
                                       ‫ق‬
 ‫وبدأت ثمار تلك البطولة لحمزة تظهر، فأصبح يش ّ طريق الدعوة. وانظر معي ماذا يثمر معنى‬
                                                                            ‫ق‬
   ‫البطولة الح ّة في نفوس البشر: فأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء العدو كان أميرها حمزة،‬
                                                                             ‫ة‬
 ‫وأول راي ٍ عقدها رسول اهلل ألحد من المسلمين كانت لحمزة، ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر‬
                                                ‫م ف‬        ‫ن‬                 ‫ر‬
‫كان الدور كبي ًا لحمزة. يذكر اب ُ هشا ٍ طر ًا من أحداث ذلك البطلِ في بدرٍ فيقول: ثم خرج بعده‬
                                     ‫د‬                   ‫ة ن‬                       ‫ة ُ‬
‫عتب ُ بن ربيعة، بين أخيه شيب ُ ب ُ ربيعة وأبيه الولي ُ بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى‬
                ‫م‬                                                ‫ة‬
‫المبارزة، فخرج إليه فتي ٌ من األنصار ثالثة، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأ ّهما عَفْراء ورجل‬
   ‫آخر يقال: هو عبد اهلل بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من األنصار، قالوا: ما لنا بكم‬
 ‫ع ة‬
 ‫من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول اهلل : قم يا ُبيد َ‬
            ‫ر‬
   ‫بنَ الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فع ّف كل واحد‬
                    ‫ي‬                ‫ة‬                                     ‫ة‬
 ‫بنفسه، قال عبيد ُ: عبيدة ـ يعني أنا عبيدة ـ، وقال حمز ُ: حمزة، وقال عل ُ: علي، فقالوا: نعم،‬
           ‫َ‬        ‫ة‬                  ‫ن‬                 ‫أسن‬       ‫ة‬
    ‫أكفاء كرام. فبارز عبيد ُ ـ وكان َّ القوم ـ عتبةَ ب َ ربيعة، وبارز حمز ُ شيبةَ بن ربيعة،‬
                          ‫ٌ‬                                ‫ُ‬                  ‫د‬       ‫ي‬
‫وبارز عل ٌ الولي َ بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبةَ أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليدَ أن قتله،‬
                 ‫ة ي‬         ‫ر‬
   ‫واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، وكالهما أثبت صاحبه، وك ّ حمز ُ وعل ٌ بأسيافهما على‬
 ‫عتبة فقضيا عليه، واحتمال صاحبهما فحازاه إلى أصحابه جريحًا. ثم انطلق ذلك البطل يَفْري في‬
       ‫ف‬      ‫ص د‬
   ‫صفوف القوم في بدر، يدافع عن اهلل ورسوله، حتى ال يكاد يصادف من الكفار ِندي ًا إال َلَقَ‬
                                                                                                ‫هامته.‬
   ‫أيها المسلمون، إن الشهادة منحة عظيمة من اهلل، وشرف رفيع ال يناله إال الصادقون األبطال،‬
                                                                      ‫وهذا أوان موعدها مع بطلنا.‬
                                          ‫ْد ُ ت ل‬          ‫د ي ِر‬        ‫س كلهم‬             ‫لوال المشقة‬
                                          ‫َّ ُ سادَ النا ُ ُّ ُ ُ…الجو ُ ُفْق ُ واإلق َام قَ ّا ُ‬
                                                          ‫ط‬                     ‫ل‬
 ‫لم تهدأ با ٌ لزعماءِ قريش وهم يخ ّطون للنيل من رسول اهلل ، وثانيًا ذلك األسد الذي أوقع فيهم‬
‫الكثير من الخسائر في بدر. نعم، ذلك األسد الذي تهابه الكالب الضالة. فبدأ كفار قريش يرسمون‬
                                                                                  ‫ر‬
  ‫دو ًا ألحد عبيدها وهو وحشي، ووعدوه بالحرية مقابلَ قتل حمزة، ومهما كانت نتيجة المعركة‬
          ‫ر‬            ‫د‬
   ‫القادمة معركة أحد فعليك أن تقتل فقط حمزة. وبدأت من طرفها هن ُ بن عتبة تح ّض وحشي،‬
                                   ‫م‬
                        ‫وتعده بالذهب إن هو فعل، فقد علمت أنه قتل أباها وأخاها وع ّها وابنَها.‬
                              ‫ة َ‬
     ‫وحان وقت معركة أحد، تلك المعركة التي خالف فيها الرما ُ أمر رسول اهلل ، وتركوا الجبل‬
          ‫ز‬                          ‫يخ‬
    ‫ونزلوا للغنائم يجمعونها، ففوجئوا بالفرسان من خلفهم، ل ُثْ ِنوا فيهم الجراح. وبدأ يهت ّ ميزان‬
   ‫المعركة، فبعد أن كان لصالح المسلمين مال لصالح قريشٍ وزعمائها. وهذا وحشي قاتل حمزة‬
   ‫ندعه يصف لنا بنفسه حالة حمزة رضي اهلل تعالى عنه في تلك المعركة العظيمة فيقول : كنت‬
   ‫ت ر‬         ‫س‬                   ‫ئ‬               ‫ل‬                                     ‫ال‬
   ‫رج ً حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة، فَقَّما أخطئ بها شي ًا، فلما التقى النا ُ خرج ُ أنظ ُ‬
            ‫هد‬             ‫ْر يهد‬                                        ‫ب ّر‬
   ‫حمزةَ وأتَ َص ُه حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل األَو َق ُّ الناس بسيفه ًّا، ما يقف‬
  ‫قح‬                                                                  ‫ي‬
‫أمامه شيء. ثم يتابع وحش ٌ حديثه فيقول: فواهلل، إني ألتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة ألتَ َ ّمه‬
           ‫م ي‬               ‫ة‬                ‫ُز‬                        ‫د‬
  ‫أو ليدنو مني، إذ تق ّمني إليه سباع بن عبد الع ّى، فلما رآه حمز ُ صاح به: هل ّ إل ّ، ثم ضربه‬
                                                                       ‫ضربةً فما أخطأ رأسه، نعم.‬
                              ‫تلك المكارم ال قَعْبان من لَ َ ٍ…وهكذا السيف ال سيفَ ابنِ ذي َز ِ‬
                              ‫ي ن‬                  ‫ُ‬           ‫بن‬
                                 ‫د و ِ‬             ‫ي ِف‬
                                 ‫وهكذا يفعل األبطال إن غضبوا…وهكذا َعْص ُ التوحي ُ بال َثَن‬
                                            ‫ر‬                        ‫ز‬
   ‫ثم تقدم وحشي وه ّ حربته، ثم أطلقها لتستق ّ في أحشاء البطل وتنفذ من خلفه، فصرخ حمزة،‬
               ‫د‬                       ‫ن ي‬                               ‫م‬
    ‫ورأى وحشيًا، وه ّ به، فانخلع قلب وحشي، ولك ّ المن ّة عاجلت البطل فسقط شهي ًا رحمه اهلل‬
                                                                                    ‫برحمته الواسعة.‬
                          ‫ل‬     ‫ََ‬                                    ‫َد‬
  ‫وهذا شاهد آخر للح َث، وهو جابر بن عبد اهلل حيث يقول: فَقد رسو ُ اهلل حمزة حين فاء الناس‬
  ‫من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرات وهو يقول: أنا أسد اهلل وأسد رسوله، اللهم أبرأ‬
 ‫إليك مما جاء به هؤالء ـ يعني أبا سفيان وأصحابه ـ وأعتذر إليك مما صنع هؤالء بانهزامهم،‬
                    ‫مث‬
  ‫فحنا رسول اهلل نحوه، فلما رأى جنبه بكى بأبي هو وأمي، ولما رأى ما ُ ّل به شهق ، ثم قال:‬
                                                                              ‫ُف‬
  ‫((أال ك ِّن؟!))، فقام رجل من األنصار فرمى بثوب عليه، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه، فقال :‬
                         ‫ل‬
 ‫((يا جابر، هذا الثوب ألبيك، وهذا لعمي حمزة))، ثم جيء بحمزة فصّى عليه، ثم يجاء بالشهداء‬
                          ‫ل‬
 ‫فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي، ثم ترفع ويترك حمزة، حتى صّى على الشهداء كلهم. أخرجه‬
                                       ‫الحاكم في المستدرك وقال: "صحيح اإلسناد ولم يخرجاه".‬
                 ‫د‬      ‫ن‬
 ‫فوقع الخبر على الحبيب ـ كما ترى ـ كالصاعقة، وحزن لذلك حز ًا شدي ًا على صديقه وعمه‬
                                                                             ‫َ‬
‫ورفيق درْبه وأخيه من الرضاعة وأسد اهلل ورسوله رضي اهلل تعالى عنه وأرضاه، فأقسم ـ وهو‬
                                        ‫يث‬            ‫فل‬
 ‫في ذلك الحزن العميق ـ أن ينتقم من ُُول قريش ف ُم ّل بسبعين منهم إن أقدره اهلل عليهم، فنزل‬
                                                     ‫ء‬        ‫ْ‬       ‫كم‬
                                     ‫قول اهلل تعالى: لَيْسَ لَ َ ِنْ األَمرِ شَيْ ٌ [آل عمران:575].‬
                                                ‫س‬            ‫ن‬
   ‫ويعود نبينا الحبيب إلى المدينة حزي ًا أسيفًا كَ ِيفًا، فيرى نساءَ األنصار يبكون قتالهم في أحد،‬
‫ن‬                       ‫ن‬                                                    ‫ع‬
‫فتتقاطر الدمو ُ على وجْنَتيه الشريفتين بأبي هو وأمي ، ويقول: ((ولك ّ حمزة ال بواكي له، ولك ّ‬
                                                            ‫ء‬
     ‫حمزة ال بواكي له))، فطَفِقْن نسا ُ األنصار يقلن: نحن نبكيه ونندبه يا رسول اهلل، نحن نبكيه‬
                                            ‫ونندبه يا رسول اهلل، فنهاهن عن ذلك وأبى النياحة .‬
                                                                   ‫نعم، هكذا تنتهي حياة األبطال.‬
                                                   ‫ت ظ ِد‬             ‫م‬            ‫ة ر‬         ‫م‬
                                                  ‫فإ ّا حيا ٌ تس ّ الصديقَ…وإ ّا مما ٌ يغي ُ الع َا‬
                                         ‫ح‬                             ‫َ‬     ‫ن‬      ‫م‬
                 ‫ويع ّ الحز ُ صحابة رسول اهلل كذلك، فتنطلق قرائ ُ شعرائهم، إذ يقول حسان :‬
                                       ‫دع عنك دا ًا قد َفَا رسْ ُها…وابكِ على َمزة ذي النائ ِ‬
                                       ‫ِل‬            ‫ح‬             ‫م‬        ‫ر ع‬
                                               ‫ِّ من قات ِ‬
                                               ‫ل‬                  ‫شل‬               ‫د‬
                                                        ‫مالَ شهي ًا بين أسيافكم… ُّت يدا وحشي‬
                                                  ‫وقال عبد اهلل بن رواحة رضي اهلل تعالى عنه:‬
                                         ‫بكتْ عين ّ وح َّ لها بكاها…وما ُغ ِي البكا ُ وال العَ ِي ُ‬
                                         ‫ول‬            ‫ء‬        ‫ي ن‬                ‫ي ُق‬
                                            ‫تل‬
                                            ‫على أسدِ اإلله غداةَ قالوا…أحمزة ذاكم الرجل القَ ِي ُ‬
                                       ‫ل‬            ‫أص‬            ‫ع‬                    ‫أ‬
                                       ‫ُصيب المسلمون به جمي ًا…هناك وقد ُ ِيب به الرسو ُ‬
                                                                             ‫صل ل‬
                                                      ‫اللهم ِّ وسّم على رسولك ونبيك محمد.‬
   ‫روى الحاكم والطبراني في الكبير واألوسط والضياء في المختارة من حديث علي وابن عباس‬
    ‫وجابر رضي اهلل عنهم مرفوعًا: ((سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه،‬
                                                             ‫فقتله)) ومال األلباني إلى تصحيحه.‬
             ‫ت‬        ‫ت‬             ‫م ب‬
       ‫نعم أيها المسلمون، إن فقدان األبطال وقت حاجتهم ُصا ٌ عظيم، وإنما ُعرف قيم ُهم بعد‬
                                                                             ‫ت‬
  ‫فقدانهم، و ُعرف قيمة الدعاة والمصلحين والصالحين والمجاهدين بعد فقدانهم، وال حول وال قوة‬
                                                                            ‫إال باهلل العلي العظيم.‬
                        ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده، محمد بن عبد اهلل، وعلى آله وصحبه.‬
                                                        ‫ع‬
  ‫أما بعد: عباد اهلل، وقفنا م ًا على صورة صادقة من صور البطولة، وقد أحس كل مؤمن اليوم‬
              ‫حس‬                   ‫م‬
       ‫بذلك األثر في قلبه عندما سمع أحداثَ ذلك البطل، ونَ َى عنده ـ بال ريب ـ ُّ الفداء‬
                    ‫ر‬                               ‫و م‬               ‫ر‬
‫والتضحية من أجل ِفعة دينه وعل ّ أ ّته. فكيف لو توالى على النفس ذك ُ مثل هذه النماذج عبر‬
   ‫وسائل اإلعالم وقنوات التربية ومجالس اآلباء واألبناء واألمهات والبنات؟! لكان المجتمع غير‬
                        ‫م‬
  ‫المجتمع، ولكان حال القوم غير ما نرى. ومن هنا علمنا من أين أتت أ ّتنا. نعم، إنه بقطع ذلك‬
        ‫ُد‬          ‫ب‬
     ‫الحبل الوثيق بين سلف هذه األمة وخلفها، بين مصادر التمكين وذخائر الغَلَ َة وبين الق ُرات‬
                                                                              ‫ت ْد‬
                                                   ‫والطاقات، لُه َر بعد ذلك فيما سيأتي بيانه.‬
  ‫وإن الصور البطولية لسلف أمتنا واسعة حيوية شاملة، تشمل خيري الدنيا واآلخرة، وليست في‬
                                    ‫ز ر ب‬                                 ‫ي‬
   ‫مجال واحد فقط كما ُنعت به أتباع ذلك السلف فيقال ُو ًا و ُهْتانًا: آحادي االتجاه، وقد رأينا‬
                       ‫ك‬                    ‫الد‬
  ‫دعوة الحوار والتعددية واضحة جلية في أزمة َّمْج الماضية، وهل تش ّل رأي الحَفْنة أم رأي‬
                          ‫أ ج‬                ‫ذ‬
    ‫الغَلَبة، واهلل المستعان على ما يصفون. بل ما ُكر اليوم هو ُنموذ ٌ لها في مجال واحد فقط.‬
                                                                              ‫أيها المسلمون،‬
                                               ‫ٌ‬                       ‫ن‬
                                       ‫وما فتئ الزما ُ يدور حتى…مضى بالمجد قوم آخرونَا‬
                                         ‫أئمته س‬                  ‫الر‬     ‫ي‬
                                     ‫وأصبح ال ُرى في َّكْب قومي…وقد عاشوا َّ ُ ِنينا‬
                                                           ‫ر‬      ‫ل‬     ‫كل ُر‬
                                          ‫وآلمني وآلمَ َّ ح ِّ…سؤا ُ الده ِ: أين المسلمونا؟!‬
   ‫وها هي الصورة المقابلة للبطولة، وها هو المسخ العجيب الذي أفرزته لنا وسائل اإلعالم من‬
                                                   ‫ط‬
      ‫تصوير األبطال والنجوم، إنهم كل ساق ٍ وساقطة، ديدنهم الحب والخنا، وشعارهم الرذيلة،‬
                                                                                 ‫ر‬
     ‫ودِثا ُهم حرب الفضيلة. فيقولون: بطل الفلم فالنة، وبطل األغنية فالن، وضاعت األمة بين‬
 ‫أبطال الفلم ونجوم األغنية، ورحمة اهلل على حمزة. ولو طلبت من أحد أشبالنا أو حتى من أحدنا‬
  ‫عد‬                                               ‫ي ث‬                              ‫د‬
  ‫أن يع ّ لك عشرة من األبطال فقد َتَلَعْ َم، ولكن أبطال الزور اإلعالمي ال يعجز الكثير عن ِّ‬
                                                                               ‫مع‬
                                                                             ‫أسمائهم الال ِ َة.‬
      ‫فالخطر ـ عباد اهلل ـ أن تكون هذه األمة تنافس األمم، وتدخل في معتركها بأمثال هؤالء‬
    ‫تب‬             ‫ت س‬
   ‫األبطال. والخطر كل الخطر على أجيالنا أن ندعها على تلك الوسائل التي ُح ّن القبيح و ُق ّح‬
                                   ‫ع‬
 ‫الحسن، حتى تمسخ معنى البطولة والقدوة في أذهانهم. و ُد إلى بعض أشبالنا اليوم واسألهم عن‬
                                                                                         ‫ذلك.‬
                                                                      ‫ة‬             ‫م‬
‫ول ّا قامت مشكور ً تلك الوسائل بعرض أحداث أبطالنا من الصحابة والتابعين لم تنس مبدأها، أن‬
       ‫ت ه‬                            ‫مطع‬
 ‫البطولة هي العشق الغرام، فصورت أحداث الصحابة َّمة بألوان العشق والهيام؛ ل ُج ِز بذلك‬
                                                 ‫ق‬
 ‫على البقية الباقية، على معاني البطولة الح ّة في األذهان، وتنقلب معاني القدوة في النفوس. وها‬
                        ‫هي المسلسالت الرمضانية للصحابة والتابعين خير شاهد على ما يقال.‬
        ‫ض‬
    ‫إن الوصية ـ عباد اهلل ـ بعد كل ذلك أن نتقي اهلل في أبصارنا وعقولنا وأوقاتنا، وأي ًا في‬
                                                                                        ‫َ‬
       ‫فَلذَات أكبادنا، فال نجعلهم عرضة لهذه الوسائل اإلعالمية التي تمسخ عقولهم، وتثنيهم عن‬
                                                     ‫ر‬                      ‫م‬
          ‫المعالي، وتد ّر عواطفهم؛ لتشعلها نا ًا ال يستطيع تفريغها في مثل مجتمعنا، وحتى في‬
                              ‫ق‬                             ‫و‬              ‫م حل‬
     ‫المجتمعات ال ُنْ َّة ما أظن أن ق ّة اإلثارة العاطفية والتي يتل ّاها المراهق ـ خاصة وهو في‬
               ‫م‬                                                      ‫ت‬     ‫ع‬
‫الغالب َزب ـ ُشبعها وال مجتمعات االنحالل، فكيف بمجتمعنا المحافظ عمو ًا؟! وأظن أن ذلك‬
                                                                                   ‫مراد القوم.‬
  ‫م‬                                   ‫ظ‬                     ‫ب‬
‫إنها رسالة إلى اآلباء والمرّين وساسة اإلعالم ومن ّري البرامج وواضعي المناهج وكل من ح ّله‬
                   ‫ز‬                ‫ل‬
 ‫اهلل مسؤولية هذه األمة، أن يتقوا اهلل في األمة، وال يضّلوها عن مصادر ع ّتها، ويقطعوا عليها‬
                            ‫الر‬
 ‫حبل كرامتها بين أمم األرض، فها هي تسير على أيديهم في آخر َّكْب. وليتق اهلل الذين جعلوا‬
         ‫ال‬       ‫ر‬
  ‫مثل هذه الدعوات لألمة بالرجوع إلى سالف عزتها فأسموها بغير اسمها زو ًا وتضلي ً؛ بدعوة‬
      ‫مو‬                                                   ‫ر‬     ‫ل‬
 ‫للرجوع للقديم والتخّف عن َكْب الحضارة، وال أدري أي حضارة يريدون؟! أحضارة ال َ َاخِير‬
                                    ‫ب‬
   ‫أم حضارة الصواريخ؟! ولعمرو اهلل، لقد تركوا الثانية وتش ّثوا باألولى، ولعمرو اهلل، ما جاءت‬
                                      ‫م س‬
                                    ‫شريعة السماء بمثل هذا، وإنه لطعن في الرسول وال ُر ِل.‬
   ‫واسمع من شواهد ذلك إلى ما يقول مدير البرامج بإحدى القنوات الفضائية في مقابلة صحفية:‬
      ‫ل‬                ‫و‬
  ‫"نطمح أن تكون برامج رمضان لهذا العام مليئة بالجاذبية واإلثارة والتن ّع، نريد أن نستغ ّ هذا‬
                  ‫مد‬                            ‫ل‬
‫الشهر ـ واسمع االستغالل ـ نريد أن نستغ ّ هذا الشهر الذي يرتفع فيه ُع ّل المشاهدين بمقدار‬
      ‫كبير لتقديم رسالتنا اإلعالمية برؤية عصرية تناسب مرحلة العولمة اإلعالمية والثقافية التي‬
                                                                                      ‫نشهدها".‬
                                             ‫ف‬
 ‫عباد اهلل، هذا خبر القوم، فهل من غَيْرة تَأن ُ من هذا؟! وهل من عقول تعي القول؟! إنني أنادي‬
                             ‫م‬        ‫ي ر‬
   ‫من على هذا المنبر إلى مقاطعة ذلك التضليل الذي ُما َس على أ ّتنا عبر تلك القنوات الضالة‬
   ‫التي شحنت كل وسائلها من جرائد ومجالت وقنوات وغيرها بالدعاية لها، فلنتق اهلل، ولنصحو‬
                                                                                    ‫من رقدتنا.‬
                                ‫ك‬
                     ‫وهذه ـ عباد اهلل ـ بعض وصايا، لعل اهلل أن يجعل فيها تدار ًا وإصالحًا:‬
    ‫أو ً: نبذ ومقاطعة كل مصدر ُص ّر لنا أ ّ البطولة والمعالي هي سَفَا ِف األمور، من الح ّ‬
    ‫ب‬                 ‫س‬                           ‫ن‬        ‫ي و‬                       ‫ال‬
                                            ‫والخَنَا والسرقة واالغتصاب وسائر ألوان العصيان.‬
                                                                  ‫ي‬
   ‫ثانيًا: إيجاد البدائل النق ّة األهداف التي تعيد لألمة التصور الصادق لمعنى القدوات، وترفع من‬
                                         ‫ع‬                                  ‫ق‬
                         ‫معاني البطولة الح ّة، من البذل والتضحية واإلنتاج الف ّال النافع لألمة.‬
 ‫ثالثًا: التركيز في المناهج التعليمية للناشئة على إيضاح الصورتين من القدوات: القدوات الصادقة‬
     ‫العالية، وكذا القدوات المضللة الهابطة. وذلك بالطرق المحببة المناسبة لهم، كالقصة والمثال‬
                                                                                      ‫ونحوها.‬
 ‫رابعًا: إحياء ذكر القدوات المعاصرة، من العلماء والمصلحين وكل شخص نافع لألمة، وليس في‬
     ‫مجال واحد فقط، بل في سائر المجاالت التي ترفع األمة إلى مقام يرضى عنه ربها، وتحقق‬
                                                   ‫االستخالف الحق الرباني على هذه األرض.‬
     ‫خامسًا: قيام اآلباء واألمهات وسائر المربين وأئمة المساجد والخطباء بعرض صور األبطال‬
                                     ‫الصادقة للناشئة عبر الوسائل الممكنة والتركيز على ذلك.‬
    ‫ال‬
 ‫سادسًا: قيام وسائل اإلعالم بكافة ألوانها بعرض القدوات الصحيحة النافعة عبر وسائلها، بد ً من‬
  ‫تلك القدوات الهابطة، وذلك وفق الطرائق الشرعية السليمة، وعلى جميع المستويات، عبر قصة‬
                                                                  ‫أو مقال أو تمثيل ونحوها.‬
‫سابعًا: على كل من وهبه اهلل قدرة التأليف أن يسخر طاقته في التأليف في هذا المجال، من إبراز‬
  ‫القدوات الصالحة للمسلمين. وعلى اآلباء والمربين زيارة المكتبات وانتقاء ما يناسب الناشئة من‬
 ‫تلك الكتب التي تتحدث عن القدوات الصالحة، وحثهم وتشجيعهم على قراءتها، ككتاب صور من‬
                       ‫ر‬
                     ‫حياة الصحابة، وكذلك صور من حياة الصحابيات، جزى اهلل مؤلفها خي ًا.‬
                                        ‫اللهم أبرم لهذه األمة أمر رشد يعز في أهل طاعتك...‬

‫(5/3744)‬




                                                                                ‫حقوق البنات‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                            ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                ‫األبناء, المرأة, قضايا األسرة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                            ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                               ‫75/5/6745‬
                                                               ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- قسمة الذرية بين العباد. 7- ظلم المرأة في الجاهلية. 3- تكريم اإلسالم للمرأة. 4- فضل‬
‫رعاية البنات. 1- هدي النبي مع البنات. 6- الوصية بحسن تربية البنات. 2- حقوق البنت على‬
                                                  ‫األب. 5- التحذير من دعوة تحرير المرأة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                  ‫حق‬               ‫ات‬    ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                          ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، َّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
  ‫ي َيه الن س اتق‬           ‫ال ن‬             ‫ج ب‬       ‫ي‬     ‫ض‬          ‫ح ة ّب جل‬
‫عبادَ اهلل، ِكم ُ الر ِّ َ ّ وعال اقت َت أن َكونَ ِنس َني آدمَ رجا ً و ِساء، َا أ ُّ َا َّا ُ َّ ُوا‬
                 ‫ال ر ونس‬                  ‫م ه جه و َث ِ ه‬                           ‫ُ م سو ِ‬                  ‫َب ُ َّذ‬
  ‫ر َّكمْ ال ِي خَلَقَكمْ ِنْ نَفْ ٍ َاحدَةٍ وَخَلَقَ ِنْ َا زَوْ َ َا َب َّ منْ ُمَا رِجَا ً كَثِي ًا َ ِ َاءً [النساء:5].‬
      ‫ُ م‬            ‫َّ‬      ‫ضع د‬          ‫و‬          ‫مم ت ب‬                   ‫ة ّب ل‬
    ‫هذه حكم ُ الر ِّ ج ّ وعال، خلَق آد َ ِن ُرا ٍ، خَلَق ح ّاء من ِل ِ آ َم، هو الذِي خَلَقَكمْ ِنْ‬
     ‫نَفْ ٍ َا ِدَةٍ وَخَلَقَ ِنْ َا زَوْ َهَا. َّن جنسَ البشَر ِن والنساء والرجا ِ؛ ليب َى النو ُ اإلنسان ّ‬
     ‫ي‬         ‫ع‬       ‫ل ق‬                      ‫م‬              ‫م ه ج كو‬                          ‫س وح‬
                                                                                ‫د‬         ‫ء‬              ‫د‬
                                                                             ‫وتَعمر ال ّنيا وينفذ قضا ُ اهلل وق َره.‬
                       ‫ّي‬                  ‫م‬                ‫َ و‬          ‫جل ل ن س‬
‫وأخبرنا َّ جالُه أ ّه ق ّم العباد نح َ هذا أقسامًا، ف ِن عباده من جعل ذر َّته إناثًا، ومن عباده من‬
     ‫م‬        ‫ع‬             ‫م‬            ‫ر‬                 ‫ح‬              ‫ر م‬            ‫ي‬
 ‫جعل ذر ّتَه ذكو ًا، و ِن عباده من من َه الجنسَين الذكو َ واإلناث، و ِن عباده من ج َله عَقي ًا ال‬
   ‫يولَد له، وك ّ ذلك ب ِكم ِه وعدله ورحم ِه وكمالِ ِلمه، قال تعالى: لَّهِ ُلْ ُ َّمَ َا ِ َاألر ِ‬
   ‫ِل م ك الس و ت و َ ْض‬                        ‫ع‬         ‫ت‬             ‫ح ت‬         ‫ل‬
     ‫ي َوج ُ ذ ْر وإ ث وي َل م‬                       ‫لق م ي ء يهب لم ي ء إ ث ويهب لم ي ء الذك‬
   ‫يَخُْ ُ َا َشَا ُ َ َ ُ ِ َنْ َشَا ُ ِنَا ًا َ َ َ ُ ِ َنْ َشَا ُ ُّ ُورَ أَوْ ُز ِّ ُهمْ ُك َانًا َِنَا ًا َ َجْع ُ َنْ‬
         ‫د‬             ‫كل‬              ‫م‬                          ‫ي ء عق ِنه عل م َ ر‬
    ‫َشَا ُ َ ِيمًا إ َّ ُ َِي ٌ قدِي ٌ [الشورى:34، 01]، فهو علي ٌ بهذه األصناف ِّها، وهو القا ِر على‬
                                                      ‫ي َل َم ي َل ُ ي ل‬                   ‫وتقد‬
                                    ‫إيجادِها، تعالى َّس ال ُسْأ ُ ع َّا َفْع ُ وَهمْ ُسْأَُونَ [األنبياء:37].‬
        ‫ف‬                           ‫ية ر‬                        ‫ي‬                  ‫ل‬       ‫ي‬
‫أ ّها المسِم، لقد كانت الجاهلّة قبل اإلسالم جاهل ّ ُ الع َب قبلَ اإلسالم ـ وذاك معرو ٌ عندهم ـ‬
     ‫ر‬        ‫ك‬                                                    ‫ج‬
   ‫فقد كانوا قبل اإلسالم في َهالةٍ جهالء وضاللةٍ عمياء، ال يعرفون معروفًا وال ين ِرون منك ًا،‬
   ‫ل ص‬         ‫ت الذ‬              ‫ال‬            ‫م‬    ‫ص‬                        ‫كانوا في جاهلي‬
‫َّتِهم يكرَهون البنات، وي ِفون َن ليس عنده إ ّ بنات بأنه أب َر ِّكر، وِذا و َفوا‬
 ‫ِن ن ك هو‬                            ‫ت فرد‬        ‫ن‬            ‫ء ت‬           ‫ل‬                            ‫نبي‬
 ‫َّنا بذلك لما رأَوا مَوتَ أطفاِه وبقا َ بنا ِه فقالوا: إ ّه األب َر، َّ اهلل عليهم بقوله: إ َّ شَا ِئَ َ ُ َ‬
                                                                                           ‫ر‬                 ‫َر‬
                                                                                   ‫األَبْت ُ [الكوثر:3]، فذك ُه باقٍ .‬
     ‫ه‬       ‫وتأث‬                 ‫بش‬             ‫ية‬       ‫ت‬                  ‫كانوا في جاهلي‬
‫َّتِهم يكرهون البنا ِ كراه ّ ً شديدة، وإذا ِّروا بالبنات ضَجروا َّروا وظ َر ذلك‬
 ‫باس ِداد وجو ِ ِم ُّر ألوانهم كراهيةً للبنات واس ِثقاالً له ّ: َإذَا ُشرَ أَ َ ُهمْ بِا ُنثَى ظ َّ َجْ ُ ُ‬
 ‫َل و هه‬          ‫ن وِ ب ِّ حد ُ أل‬                      ‫ت‬                             ‫هه وتغي‬        ‫و‬
  ‫ْ م س ء ب ِّر به ي سكه عل ه َ َ ُسه ف ُّر أ‬                                      ‫م يور م‬               ‫م َد ه‬
‫ُسْو ًّا وَ ُوَ كَظِي ٌ َتَ َا َى ِنْ الْقَومِ ِنْ ُو ِ مَا ُش َ ِ ِ أَ ُمْ ِ ُ ُ ََى ُونٍ أمْ يد ُّ ُ ِي الت َابِ َال‬
                    ‫َك أيدس‬         ‫ءم‬                 ‫ف‬                        ‫س ء ي كم‬
       ‫َا َ مَا َحْ ُ ُونَ [النحل:51، 31]، يخت ِي عن الناسِ حيا ً ِنهم، ويف ِّر: ُّه في التراب؟!‬
  ‫ء ي كم ن‬               ‫ْم م س ء ُش ب ي سكه عل ه ن َ َ ُس ُ ف ُّر أ‬                                       ‫يور م‬
 ‫َتَ َا َى ِنْ الْقَو ِ ِنْ ُو ِ مَا ب ِّرَ ِهِ أَ ُمْ ِ ُ ُ ََى ُو ٍ أمْ يد ُّه ِي الت َابِ َال سَا َ مَا َحْ ُ ُو َ.‬
    ‫ال َد‬                                        ‫فإن أم َك البنتَ أمسكها وهو محتق ٌ لها، متسخ‬
   ‫ِّط من وجودها، آيِس من نَفعها؛ ال يريد إ ّ ول ًا‬        ‫ِر‬                        ‫س‬
           ‫وِذ‬              ‫ل‬                                ‫َ َ ُسه ف ُّر ب‬
          ‫ينفَعه ذهابًا ومجيئًا، أمْ يد ُّ ُ ِي الت َا ِ، فكان من أخالقهم وأدَ البنات، وِذا قال اهلل: َإ َا‬
             ‫ت‬                      ‫ف‬       ‫ُذ‬                        ‫قت‬         ‫َي‬         ‫ء ة سئ‬
    ‫الْمَوْ ُودَ ُ ُ ِلَتْ بِأ ِّ ذَنْبٍ ُ ِلَتْ [التكوير:5، 3]. يأخ ُها ويح ِر لها الحفرة ويهيل ال ّراب عليها‬
                                                               ‫تتعل‬     ‫ي‬        ‫ب‬       ‫ً‬
    ‫قسوة في قل ِه وكراه ّة لها، َّق به ولكن قسوة القلبِ وسوء التربية جعلَه يقسو عليها ويدفنها‬
                                                                    ‫ي‬           ‫ك‬                 ‫ر‬        ‫ئ‬
                                                                ‫وي ِدها ويك َهها ويستثقلها. ه َذا في جاهل ّتهم.‬
          ‫ِ‬                      ‫ع‬                      ‫ر‬
          ‫فجاء اإلسالم بالخَير، وجاء اإلسالم بال ّحمة، وجاء اإلسالم بال َدل، وجاء اإلسالم بمكارم‬
   ‫األخالق وفضائلِ األعمال، وجاء اإلسالم بما َمأل القل َ رحم ً وحنانًا وشفَقة. جاء اإلسالم ِّ‬
   ‫بكل‬                            ‫ة‬     ‫ب‬         ‫ي‬
  ‫ن‬
 ‫خير، وانتشَلَهم من ذلك الظلم والطغيان إلى ساحلِ األمان واالستقرار، فجاءَ اإلسالم بكتابه وس ّة‬
                                             ‫ل‬                             ‫تم‬                  ‫ل‬
                                           ‫رسوِه ليوضح ما للبنا ِ ِن فضل ومكانةٍ في المجتمع المسِم.‬
   ‫ن وأن‬             ‫ن‬         ‫ن‬                ‫ت‬                        ‫رغ‬     ‫كل‬         ‫و‬
   ‫فأ ّالً وقبل ِّ شيء َّب النبي في كفالةِ البنا ِ واإلحسانِ إليه ّ وتربيته ّ والقيام بحقه ّ َّ‬
                  ‫ِ رب‬                                                     ‫ِ‬          ‫َهن‬
     ‫وجود َّ خَير للعبد في دينه ودنياه، سعادة له في دنياه، وسعادة له يوم لقاء ِّه. تذكر عائشة‬
        ‫و‬                                                     ‫ة‬              ‫أن‬
‫رضي اهلل عنهما َّها أتتها امرأ ٌ تسألها معها ابنتان لها، تقول عائشة: فلم تجِد عندي س َى تمرتين‬
                     ‫ء ع‬                                               ‫م‬
   ‫فقط، تقول عائشة أ ّ المؤمنين: لم يكن عندي في بيتِ رسول اهلل شي ٌ أط ِهما به سِوى تمرتين‬
               ‫ي‬       ‫ت‬                ‫ع‬        ‫ة‬            ‫كل‬                 ‫األم‬
 ‫فقط، فأعطَت َّ التمرتين، فأعطت َّ واحدةٍ تمر ً ولم تط َم منها شيئًا، أ َى النب ّ بيتَه فأخبرته‬
                                             ‫ل‬          ‫ري‬
      ‫عائشة بما رأت قال : ((من أعالَ جا ِ َتين حتى يبُغا كانتا له حِجابًا من النار))، وفي بعض‬
   ‫م‬                                             ‫لكل ت‬      ‫د‬
‫األلفاظِ أنها أعطَتها ثالثَ تمرات، ف َفعت ِّ بن ٍ تمرة، فأكَلَت البنتان التمرتين، وأرادتِ األ ّ أن‬
                        ‫ج‬      ‫ع‬
    ‫تأكلَ الثالثة فاستطعمتها البنتان فأعطتهما ولم تأكل شيئًا، فصني ُها أع َب عائشةَ، فأخبرت بها‬
                          ‫ن‬                 ‫ن‬                  ‫بهن‬     ‫ج‬         ‫إن‬          ‫ي‬
     ‫النب ّ فقال: (( َّ اهلل أو َب لها َّ الجنة وأعتقها به ّ منَ النار))، فكوُها آثَرت البنتَين على‬
              ‫ن‬           ‫ز‬         ‫ن‬         ‫س ع‬                 ‫ع‬                     ‫م‬        ‫س‬
‫نف ِها وأطع َتهما وبقِيت جائعةً ج َلَها اهلل َببًا لل ِتق من ال ّار والفو ِ بدخول الج ّة، وفي الحديث:‬
                                      ‫ي‬                 ‫ح‬                        ‫ر‬
                 ‫((ال ّاحمون يرحمهم الرحمن، ار َموا من في األرضِ َرحمكم من في السماء)).‬
                                ‫ص‬               ‫ِ‬                          ‫ج‬                 ‫ي‬
‫أ ّها المسلم، ال تض َر من وجود البنات، وال تستثقلِ البنات، واق ِد بذلك وجهَ اهلل والدارَ اآلخرة،‬
             ‫د‬     ‫ذ‬      ‫ن‬
       ‫ِّ ِن فأح ِن التربية، و ُد عليهن بالخير، أِنِ الجان َ لهن، أن ِق عليه ّ، واب ُل جه َك فيما‬
                                  ‫ف‬         ‫ب‬         ‫ل‬                 ‫ع‬             ‫ربه ّ س‬
          ‫س‬                ‫ن‬            ‫س‬                                ‫ت مد‬        ‫ن‬
‫يسعِده ّ؛ فحسنا ٌ َّخرة لك يومَ القيامة، قال بعض ال ّلف: "البنون ِعمة، والبَنات ح َنات، واهلل‬
       ‫ل ِل م ك الس و ت‬                ‫ض سل‬                ‫س‬          ‫ي ز‬        ‫ن‬        ‫س‬
       ‫يحا ِب على الّعمة و ُجا ِي على الح َنات"، قال بع ُ ال َّف في قوِه: لَّهِ ُلْ ُ َّمَ َا ِ‬
                         ‫د ن ليبي‬                       ‫لق ي ء يهب لم ي ء إ‬                       ‫و َْ‬
‫َاألرضِ يَخُْ ُ مَا َشَا ُ َ َ ُ ِ َنْ َشَا ُ ِنَاثًا [الشورى:34] ب َأ به ّ ِّنَ للعرب ما كانوا عليه من‬
                                     ‫ي ل أهميت‬     ‫ن‬     ‫ب‬       ‫ت‬         ‫و‬
                           ‫فسادِ األخالق في َأد البنا ِ، فجاء ِذكره ّ حتى ُعَم َّ ُهن في ذلك.‬
       ‫ت‬                                        ‫ط‬         ‫ر‬                              ‫ل‬
   ‫واهلل ج ّ وعال أعطى أبانا إبراهيمَ ذكو ًا ولم يع ِه إناثًا، وأعطى لوطًا عليه السالم البنا ِ ولم‬
   ‫يعطه ول ًا، وأعطى محم ًا ذكو ًا وإناثًا، لكن ماتَ إبراهيم آخ ُ أبنا ِه في حيا ِه، وماتَت بع ُ‬
   ‫ض‬             ‫ت‬         ‫ِر ئ‬                                   ‫ر‬      ‫ّد‬            ‫د‬
                                               ‫د‬                                         ‫ت د‬
                                            ‫بنا ِه بع َ موته صلوات اهلل وسالمه عليه إلى يَوم ال ّين.‬
      ‫ن‬       ‫س‬      ‫ّي‬     ‫خل‬
      ‫أ ّها المسلم، فالبنا ُ يرحمه ّ ذو القلبِ الرحيم ويش ِق عليه ّ ذو ال ُُق الطِّب ويح ِن إليه ّ‬
                                     ‫ن‬       ‫ف‬                      ‫ن‬       ‫ت‬                  ‫ي‬
  ‫ن‬                                    ‫ن‬         ‫ي‬                          ‫ة‬          ‫ح‬
 ‫صا ِب المروءَ ِ واإلحسان، ال ينظر إلى ما َرجوه منه ّ، وإنما يرجو من اهلل الفضلَ واإلحسا َ،‬
        ‫يرغ‬                       ‫ن ر‬                                   ‫ف‬
 ‫في الحديث: ((من ك َل ثالثَ بنات أو ثالثَ أخوات ك َّ سِت ًا له من النار))، والنبي ِّب فيقول‬
      ‫أيضًا: ((من أعالَ جاريتَين حتى يبلغا جاء يومَ القيامة أنا وهو كهاتين)) وجمع بين أصابعه.‬
          ‫ن‬       ‫ة وأن‬                  ‫أن‬         ‫أ ّها المسلم، إذا علمتَ هذا األم َ واستقر‬
  ‫َّ في فكرك َّ تربيةَ البنات نعم ٌ َّ وجوده ّ نعمة لك‬     ‫ر‬                              ‫ي‬
        ‫إن‬              ‫ُ‬                                                              ‫هلل‬
   ‫من ا ِ ورحمة من اهلل لك ليظهرَ كمال رضاك بقضاءِ اهلل وقدره، قال قتادة رحمه اهلل: " َّ اهلل‬
 ‫َّ‬       ‫غ‬               ‫ُب‬                 ‫ي‬                               ‫ء‬           ‫بي‬
 ‫َّن للعرب سو َ أخالقهم وسوءَ أفعالهم في كراه ّتهم البنات، فلَر َّ جاريةٍ خير من ِلمان، ورب‬
         ‫ي يغذ‬           ‫ب‬                                       ‫ل‬          ‫ب‬
  ‫غالم صار سب ًا لهالك أهِه ومصائبهم"، وقال رحمه اهلل: "كان العر ُ في الجاهل ّة ِّي الرجل‬
         ‫ي‬                                    ‫م‬                                            ‫ب‬
   ‫كل َه ويقتل ابنتَه"؛ ألنهم يكرهون البنات في مجت َعهم، فجاء اإلسالم بعكس قلوبهم القاس َة، جاء‬
                                                                         ‫بالرحمة والشفقة واإلحسان.‬
                  ‫ت‬          ‫م‬         ‫ق ن‬
 ‫هذا مح ّد كان ر ِي ًا مع البنا ِ، محس ًا إليه ّ، رفي ًا به ّ، كان يح ِل بنتَ بن ِه أمامة في صالته،‬
                                                    ‫ن‬       ‫ن‬      ‫ت‬           ‫قق‬          ‫م‬
     ‫د‬                           ‫بهن‬             ‫ر‬
    ‫إذا قام رفعها، وإذا سجد وضعها، وكان يك ِم بناته ويرفق َّ صلوات اهلل وسالمه عليه أب ًا‬
                 ‫ح‬          ‫أسر‬      ‫ب‬                ‫َ‬         ‫أسر‬
  ‫دائمًا إلى يومِ الدين. َّ إلى فاطمة في آخر حياته ف َكت، ثم َّ إليها فض ِكت، تقول عائشة:‬
   ‫ّ‬    ‫ت‬                ‫أسر‬                                  ‫يت‬                     ‫حب‬
‫أ ِ ّ أن أسأَلَها فاستح َي ُ حتى مات رسول اهلل فقلت: يا فاطمة، َّ لك الرسول فبكي ِ وأسر لك‬
        ‫ت‬         ‫د‬                      ‫ب‬        ‫ت‬         ‫ع أسر‬            ‫م‬          ‫ت‬
  ‫فضحك ِ، قالت: أ ّا اآلن فنَ َم، َّ لي فبكي ُ بأن أخ َرني بقربِ رحيله من ال ّنيا فبكي ُ عليه،‬
                                          ‫حت‬       ‫ن‬                      ‫وأسر بأن ي ة‬
                 ‫َّني ِّي س ّد ُ نساء العالمين في الج ّة فض ِك ُ، فرضي اهلل عنها وأرضاها.‬
             ‫ء‬                    ‫ت‬       ‫ن‬        ‫تن‬               ‫إن‬             ‫ي‬            ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، أّتها المسلمة، َّ إكرامَ البنا ِ ِعمة، وإ ّه حسنا ٌ يسوقها اهلل لمن شا َ من عباده.‬
    ‫م‬         ‫ال‬       ‫م‬                 ‫م‬                                               ‫م‬        ‫ي‬
    ‫أ ّتها األ ّ الكريمة، اعتني بالبناتِ العنايةَ الصحيحة واهت ّي بشأنها فهي األ ّ مستقبَ ً، هي األ ّ‬
            ‫ب‬        ‫تربي‬         ‫ي‬             ‫ش‬           ‫ة‬       ‫ربي‬               ‫بي‬
    ‫ومر ّ َة الجيل، فإذا ِّ َت تربي ً صالحة وأن ِئَت نشأة خير ّة ظهر أثَر َّتها على َيتها على‬
      ‫َ‬           ‫ي‬        ‫أبنا ِها وبناتها، ِّيها للمستق َل اإلعدادَ الصحيح، ِّيها ألن تتحم‬
‫َّل مسؤول ّتها وأن تكون راعية‬          ‫أعد‬                  ‫ب‬           ‫فأعد‬          ‫ئ‬
         ‫ب‬                ‫د ق‬               ‫ع كل‬                          ‫س ر‬
‫في بيت زوجها، تح ِن ال ّعاية والقيادة، وال تج َليها َّةً عليك فغ ًا تف ِد هذه األمور، ر ّيها تربية‬
                             ‫ب‬            ‫ح‬               ‫ف‬                        ‫ة نش‬
    ‫صالح ً، ِّئيها على الخير، على الع ّة والصيانة وال ِشمة، على ال ُعد عن الرذيلة، على القيام‬
 ‫ع‬           ‫بشأن المنزل، على التد ِير النافع، حتى إذا انتقَلَت إلى زوجها فهي الفتا ُ المر ّاة المعد‬
‫َّة، التي يس َد‬      ‫ب‬      ‫ة‬                                                ‫ب‬
                                                                       ‫فترب‬        ‫ق‬
                            ‫بها زوجها بتوفي ٍ من اهلل، ِّي البنين والبناتِ التربية الصالحةَ النافعة.‬
 ‫ت‬                                    ‫ة و حق‬                             ‫إن‬                ‫ي‬
‫أ ّها األب الكريم، َّ حقوقَ البنات عليك كثير ٌ، فأ ّل ٍّ عليك أن تشكرَ اهلل إذ وهب لك البنا ِ،‬
                                                               ‫م‬                   ‫ّ‬
   ‫وتعلم أن قضاءَ اهلل لك وقس َه لك خير من رأيِك لنفسك، فاهلل أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.‬
    ‫ض‬               ‫تزوج ن تقد ن‬               ‫و‬                    ‫إن م‬                ‫ي‬
   ‫أ ّها األب الكريم، َّ ِن حقوق بناتك عليك أ ّالً أن ِّ َه ّ إذا َّم له ّ الكفء الذي تر َى‬
     ‫ٌ‬               ‫ال‬      ‫ت فزو‬                                       ‫ي‬
  ‫دينَه وأمانته، يقول نب ّك : ((إذا أتاكم من ترضَونَ دينَه وأمان َه ِّجوه، إ ّ تفعلوا تكن فتنة في‬
 ‫األرض وفساد كبير))، أ َل فتنة وفساد كبير، وكم من رجا ٍ منعوا بناتهن الزواجَ، لماذا؟! البن ُ‬
 ‫ت‬                                    ‫ل‬                              ‫ج‬
          ‫ح‬            ‫يهم‬          ‫ل‬       ‫َّ ذلك المرت‬
‫َّب ويستوِي عليه وما ُّه البنت أصب َت عانسة أم‬                      ‫مرت‬        ‫موظ‬
                                                      ‫َّفَة ولها َّب يريد أن يمتص‬
‫غير عانسة، ك ّ ذلك ال ِّر في نفس ّة هذا األبِ اللئيم. ومنهم من يقول: أريد أن أقت َّ منها قد َ‬
‫ر‬         ‫َص‬                                               ‫ي‬         ‫يؤث‬       ‫ل‬
        ‫م‬         ‫ق‬                               ‫م‬            ‫ذ‬     ‫ما أنفق ُ عليها قبلَ أن تتوظ‬
     ‫َّف، إ ًا فهو لم يع َل عمالً خالصًا هلل ولم يكن صاد ًا في تعا ُله.‬                 ‫ت‬
   ‫َد ت ِن ن لة‬           ‫و ت النس‬                  ‫حق‬                           ‫ق‬                    ‫ي‬
   ‫أ ّها األب الكريم، صدا ُ الفتاةِ إذا دفِع إليها هو ٌّ لها وملك لها، َآ ُوا ِّ َاءَ ص ُقَا ِه َّ ِحَْ ً‬
  ‫ت‬              ‫ق ق‬           ‫ذ‬                   ‫كل ه هن مر‬                   ‫ءمه‬            ‫إ ط ُ ع‬
  ‫فَِنْ ِبْنَ لَكمْ َنْ شَيْ ٍ ِنْ ُ نَفْسًا فَ ُُو ُ َ ِيئًا َ ِيئًا [النساء:4]. إ ًا فصدا ُها ح ّ لها، وإن أخذ َ‬
                                        ‫ت‬                  ‫ر‬        ‫خ‬                       ‫فات‬
                                     ‫شيئًا َّق اهلل في األخذ، ال تأ ُذ ما يض ّها ويضعف من مكانَ ِها.‬
   ‫ئ‬       ‫ط‬        ‫ل‬                   ‫عم‬                                    ‫توف‬
 ‫في عهدِ النبي ِّيَ رجل وترك ابنتَيه وزوجتَه فاستولى ُّ البنتَين على الما ِ ولم يع ِهما شي ًا،‬
    ‫ك‬                 ‫م‬                    ‫خل‬                ‫توف‬                 ‫م‬      ‫ء‬
‫جا َت األ ّ تقول لرسول اهلل: ِّي سعد بن الربيع َّف بنتَين استولى الع ّ على المال ال يم ِن أن‬
      ‫ت‬       ‫ن‬                 ‫ي ي‬                                                           ‫تزو‬
    ‫َّجا وليس لهما مال، فأنزل اهلل آيةَ المواريث، فأمرَه النب ّ أن ُعطيَ الزوجة الثم َ والبن َين‬
                                                                            ‫ع‬           ‫ق‬
                                                                      ‫الثلثَين ويأخذ ما ب ِي، هكذا شر ُ اهلل.‬
                                   ‫ت‬       ‫ظن‬           ‫م‬               ‫ت‬                    ‫ي‬
 ‫أ ّها األب الكريم، واخ َر لها الصالح م ّا يغلب على ِّك أهلي ُه لها ومناسبَته لها؛ ألن هذه أمانة‬
‫ت‬        ‫ه‬             ‫م‬          ‫في عنقِك، فال تتساهل بالمسؤول ّة، والبع ُ قد يتقص حق ب‬
‫َّى ًّا لل ِنت التي أ ّها معه ويتسا َل في بن ٍ‬ ‫ض‬         ‫ي‬
     ‫ر‬       ‫ر‬       ‫ِ‬                   ‫ر‬       ‫حق‬                       ‫ز‬              ‫م‬
    ‫أ ّها ليست مع ال ّوج، فال تنظر لهذا ولكن ِّق األم َ بما يعود على الفتاة في خي ِها حاض ًا‬
                                                       ‫ومستقبالً على قدرِ استطاعتك، واهلل يقضي ما يشاء.‬
 ‫م‬        ‫ر‬           ‫يزو‬         ‫ئ‬       ‫َر‬                                             ‫ي‬
 ‫أ ّها األب الكريم، كم من أبٍ جعل زواجَ ابنته مصد ًا لثرا ِه، فهو ال ِّجها حتى يش َط له قس ٌ‬
   ‫َّله الزوج وال مصلحةَ له من ذلك، يقول: الفتاة مه ُها أر َعون وأنا أريد ِص َ‬
   ‫ن ف‬               ‫ب‬      ‫ر‬                                                         ‫ص‬
                                                                            ‫خا ّ به، فيتحم‬
             ‫ن‬                                                            ‫َ‬
 ‫المهر أو أريد أربعين مثلَ تلك األربعين، لماذا؟! يقول: ال يمكن أن تذهبَ الفتاة م ّي بال شيء ال‬
  ‫ن‬         ‫ق‬                ‫كل‬                       ‫ج‬                ‫ق‬                  ‫بد‬
 ‫َّ أن أقتطِع من صدا ِها أو يعطيني زو ُها مثلَ ما أعطاها، هذا ُّه خطأ يفعله أحم ُ جاهل أل ّه‬
                                                                             ‫ر‬
                                                                    ‫يريد االستغاللَ وال يريد الخي َ والصالح.‬
                    ‫ق ل‬                                                 ‫طل‬                    ‫ي‬
  ‫أ ّها األب الكريم، إذا ِّقَت الفتاة ثم أرادتِ العودةَ إلى زوجها والطال ُ أق ّ من الثالث فال تحل‬
     ‫َ و َ ُن‬           ‫ضل ُن ي‬                  ‫ج ه َّ‬          ‫وِ َل ُ الن َ ب‬
     ‫بينها وبين ذلك واهلل يقول: َإذَا طَّقْتمْ ِّسَاء فَ َلَغْنَ أَ َلَ ُن فَال تَعْ ُُوه َّ أَنْ َنكِحْنَ أزْ َاجه َّ‬
                                                                                                       ‫[البقرة:737].‬
      ‫ي ر‬              ‫ل م تقد‬      ‫ب‬            ‫ج‬        ‫ذ‬             ‫إن‬                ‫ي‬
     ‫أ ّها األب الكريم، َّ المرأة تستأ َن في زو ٍ خطبها، وتخ َر بحا ِ َن َّم لخطبتها، و ُش َح‬
           ‫األم ُ لها ويو َح األمر أمامها؛ حتى تكونَ ال ّورة واضحةً لها؛ ولذا كانوا في جاهلي‬
        ‫َّتهم‬                                 ‫ص‬                             ‫ض‬         ‫ر‬
                      ‫ي ق‬                   ‫ن‬                                                 ‫يزو‬
    ‫ِّجون الفتياتِ على األهواء ال على مرادِ الفتاة، فإ ّ الحياة الزوج ّةَ تش َى بها البنت والزوج‬
                     ‫ب‬         ‫م‬           ‫ي‬      ‫ك‬                ‫م‬     ‫ذ ن‬              ‫م‬
    ‫دون األ ّ واألب، إ ًا فس ّة مح ّد تقول: ((ال تن َح األ ّم حتى تستأ َر وال ال ِكر حتى تستأذَن))،‬
                                                         ‫قالوا: وما إذنها يا رسول اهلل؟ قال: ((أن تسكتَ)).‬
        ‫ط‬                                                            ‫إن ض‬                     ‫ي‬
    ‫أ ّها األب الكريم، َّ البع َ من الناسِ ربما منَعوا البناتِ الميراثَ، ويقولون: البنت تقت ِع من‬
     ‫ي ص ُ الل ُ ف‬                                                                 ‫ه‬
    ‫مالنا ما تذ َب به إلى أوالدِ اآلخرين، فال يورثونها فجاء اإلسالم بهذه اآليات: ُو ِيكمْ َّه ِي‬
      ‫ص ب ِم سب وِلنس ء ص ب ِم‬                               ‫ِلر‬                   ‫د ُ ِلذ َر م ْل َظ أل ي‬
     ‫أَوْال ِكمْ ل َّك ِ ِث ُ ح ِّ ا ُنثَ َيْنِ [النساء:55]، ل ِّجَالِ نَ ِي ٌ م َّا اكْتَ َ ُوا َل ِّ َا ِ نَ ِي ٌ م َّا‬
                                                                                                                ‫س‬
                                                                                               ‫اكْتَ َبْنَ [النساء:73].‬
  ‫د‬           ‫ج ق‬               ‫توف‬                  ‫ل‬                                        ‫ي‬
  ‫أ ّها األب الكريم، في الجاهلية الباطلة الضاّةِ كانت المرأة إذا ِّي عنها زو ُها يل ِي عليها أح ُ‬
                  ‫ر ت‬                                            ‫ّ ح‬          ‫ج‬       ‫ب ب‬
        ‫أقار ِه ثو َها فيح ِزها عن كل أ َد، فجاء اإلسالم ليمنعَ ذلك، وليجعل األم َ باخ ِيَارها. في‬
   ‫خط‬                                                                ‫يتخ‬                 ‫ي‬
  ‫جاهلّتهم أيضًا كانوا َّ ِذون البنات وزواجَ البنات لمصلحة زواج اآلباءِ أو األولياء، فإذا ُ ِب‬
                                                         ‫يزو‬       ‫يزو‬
    ‫من أحدِهم ابنته ال ِّجها حتى ِّجوه هو، وقد يكون غيرَ مناسبٍ لتلك الفتاة األخرى؛ ولذا‬
                        ‫جاء اإلسالم فنهى عن نكاح ِّغار، فيقول عبد اهلل بن عمر: إن النبي‬
     ‫َّ نهى عن نكاح الشغار‬                                  ‫الش‬
              ‫ط‬       ‫يزو‬    ‫ب‬              ‫يزو‬      ‫ر‬                          ‫ش‬
 ‫وقال: ((ال ِغارَ في اإلسالم)). والشغا ُ أن ال ِّج الفتاةَ األ ُ حتى ِّج الخا ِب منه بنته أو‬
                                                 ‫ألن‬                ‫ع‬
    ‫أخته، فإذا لم يفعل لم يف َل، وهذا من الخطأ َّ األمرَ ال يرجَع فيه لمصالح األب واألم، وإنما‬
    ‫غ‬                     ‫ر‬                            ‫طب‬                                  ‫ظ‬
   ‫ين َر فيه لمصالح الفتاة، فكم فتاة خا ِ ُها خير وقد تكون أنتَ لست خي ًا لتلك الفتاة وال تر َب‬
                                                    ‫ص‬                ‫ج‬
               ‫فيك، فال تخضِع زوا َها لمصلحتك الخا ّة، وإنما انظر لمصلحتها فوق كل اعتبار.‬
     ‫ية‬               ‫ي‬            ‫َ‬                            ‫ي‬               ‫إن‬                ‫ي‬
‫أ ّها األب الكريم، َّ العنايةَ بترب ّة البنات والقيامَ على ذلك خير قيام مسؤول ّة األب ومسؤول ّ ُ األم‬
              ‫س‬                  ‫جمي ًا، فيا أّتها األم ِّبي البنت في الخير، ِّيها على التست‬
    ‫ُّر، وامنعيها من ال ّفور و[ترك]‬           ‫وحث‬                  ‫رغ‬         ‫ي‬        ‫ع‬
   ‫و َر ت َرج‬                          ‫ي‬       ‫ق‬       ‫ي ح‬           ‫ل‬      ‫ن‬
   ‫الحجاب، وقولي لها: إ ّ هذا خُق جاهل ّ وال ِجاب خل ٌ إسالم ّ، واهلل يقول: َال تَب َّجْنَ َب ُّ َ‬
      ‫غ‬               ‫حث‬                   ‫ورب‬                             ‫هِي أل ل‬
 ‫الْجَا ِل َّةِ ا ُوَى [األحزاب:33]. مريها بالستر، ِّيها على الحجاب، و ُ ّيها على ذلك ور ّبيها،‬
                                       ‫ف‬       ‫ت‬            ‫ز‬                      ‫ة‬
‫وكوني قدو ً صالحة لها في طاعة ال ّوج وفي التس ّر والع ّة والبعد عن رذائل األمور، فتنشَأ الفتاة‬
    ‫م‬         ‫ِر‬                    ‫يب م‬
    ‫ترى أ ًا صالحًا ًّا ط ّ َة وبي ًا سعي ًا، فتنشأ ال ّشأةَ الطّ َة، أ ّا إذا كان األب مستهت ًا أو األ ّ‬
                                                     ‫ن‬            ‫د‬      ‫ت‬      ‫وأم يب‬            ‫ب‬
      ‫ي‬                                                           ‫ه‬
    ‫مستهترة وربما كانا متسا ِلين في األخالق ال يبالون فربما نشأ النشء على هذا الخلق الس ّئ،‬
                                                                         ‫م‬       ‫ت‬
                                                         ‫فيكون األب خائنًا ألمان ِه واأل ّ خائنة ألمانتها.‬
             ‫ق‬                                   ‫ز‬        ‫ق‬                           ‫م‬        ‫ي‬
     ‫أ ّتها األ ّ الكريمة، احرصي على التوفي ِ بين ال ّوج والفتاة، وال تكوني سببًا للتفري ِ بينهما،‬
                    ‫و‬         ‫ق‬                ‫د‬                ‫ض ر‬            ‫ت‬
      ‫وكلما شعر ِ من الفتاة َج ًا من زوجها أو ع َم رغبة فال تواف ِيها في أ ّل األمر، حاولي‬
               ‫ي‬                     ‫ر‬
‫التسديدَ قدرَ االستطاعة، وحاولي حملَ البنت على الصب ِ والتحمل، وعالجي قضا َا االختِالف بين‬
                                 ‫ر‬                 ‫ت‬                    ‫ن‬            ‫ج‬
      ‫بنتِك وزو ِها بما أمكَ َ من العِالج، وال تف َحي لها بابَ التم ّد على الزوج، وال تغلقي عنها‬
‫النصيحةَ والتوجيه، وكوني عونًا لها على الخي ِ مع األب، َّ السعيَ في اإلصالح والتوفيق خي ٌ‬
‫ر‬                               ‫فإن‬         ‫ر‬
                                                                                   ‫من الفرقة واالختالف.‬
                              ‫يوف‬                                                             ‫فلنت‬
           ‫َّق اهلل في بناتنا وأبنائنا، ولنَقم بالواجب علينا، أسأل اهلل أن ِّق الجميع لما يرضيه.‬
                   ‫ل‬
‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه إنه‬
                                                                                        ‫هو الغفور الرحيم.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                 ‫إال‬                      ‫حب ب ي ض‬                           ‫د ر يب م‬                  ‫د‬
   ‫الحم ُ هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا ُباركًا فيهِ كَمَا ي ِ ّ رّنا و َر َى، وأَشهَد أن الَ إلهَ َّ اهلل وحدَه ال‬
  ‫م ر‬            ‫ل‬                               ‫صل‬               ‫ن ّد‬
‫شريكَ له، وأشهَد أ ّ محم ًا عبده ورسوله، َّى اهلل عليه وعلى آله وصَحبه، وسّم تسلي ًا كثي ًا.‬
                                                           ‫حق‬               ‫ت‬     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                   ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
          ‫ت مطل‬         ‫ت‬                 ‫ض‬          ‫م‬          ‫ن‬              ‫م ب‬
 ‫عبادَ اهلل، ِن َعضِ القضايا أ ّ بعضَ األ ّهات أو بع َ اآلباء عندما تأ ِيهم فتا ُهم َّقة أو نحو‬
             ‫ت ت‬                 ‫ي‬                        ‫ورب‬                   ‫ق‬
‫ذلك يستث ِلونها ويسأَمون منها َّما خاطَبوها بالخطاب الس ّئ وقالوا: أن ِ وأن ِ وفعلتِ وفرضت‬
       ‫ب‬                        ‫ي‬             ‫ي‬          ‫لج‬
     ‫الزوج وإلى آخره.. فجاء اإلسالم ليعاِ َ هذه القض ّة، فقال النب ّ ألحَد أصحابه: ((أال أخ ِرك‬
                                           ‫ت‬
   ‫بأفضل الصدقة؟)) قال: نعم يا رسول اهلل، قال: ((نفق ُك على البنتِ المردودةِ عليك ال عائلَ لها‬
               ‫ئل‬                             ‫ر‬             ‫رد‬                  ‫ن‬
 ‫غيرك))، يعني أ ّ نفقتَك عليها إذا َّت إليك من أم ٍ بينها وبين زوجها وأنت العا ِ ُ لها بعدَ اهلل‬
                       ‫فإن‬           ‫ي‬                ‫ر‬             ‫ي‬                   ‫ل‬
‫فتلك أفض ُ الصدقة خالفًا لمن َنفر منها ويق ّعها بالكالم الس ّئ والتوبيخ، َّ القلوبَ بيد اهلل، اهلل‬
                                                                           ‫ر‬
                                                      ‫الذي يجمعها واهلل الذي يف ّقها، واهلل حكيم عليم.‬
     ‫ة‬                      ‫كت‬                  ‫ف‬            ‫ر‬                              ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلم، نسمَع دائمًا أو نق َأ في بعض صح ِنا وفي قراءةِ بعض َّابنا هجومًا على المرأ ِ‬
      ‫س‬                                       ‫قي‬
   ‫المسلمة، هجومًا على أخالقها، وهجومًا على ِ َمها، هجومًا على فضائلها، هجومًا على تم ّكها‬
    ‫ق‬                                      ‫ز‬                                         ‫فة‬
 ‫بدينها. ِئ ٌ من أبنائنا ـ هداهم اهلل سواءَ السبيل ور َقهم البصيرةَ في دينهم ـ أخَذوا على عا ِتهم‬
   ‫ِّه ً بغي ِها من نسا ِ‬
   ‫ء‬                       ‫ِّ‬              ‫متحلل‬
              ‫الدعوةَ للفتاةِ المسلِمة أن تكونَ امرأةً سافرة َِّة من أخالقها مقلدَة ومتشب ة ر‬
             ‫رت‬      ‫ه‬       ‫ض‬            ‫ة‬                    ‫ِز‬       ‫ن‬                  ‫َ‬
      ‫الكفرَة الماردين ويرو َ هذا ع ًّا وشرفًا، بل المصيب ُ أن يقول بع ُهم: نظ ِر صو َ َنا أمام‬
  ‫ر‬              ‫وأن‬                          ‫ط‬
‫الغرب بأن ندعوَ الفتياتِ إلى السفور واالختال ِ بالرجال وعدم التفريق بينه َّ المرأة مع ال ّجل‬
           ‫ر‬                    ‫م‬                                                 ‫ي‬
       ‫األجنب ّ يكونان سواء يمارسون العملَ الواحد، هذه صورة األ ّة التي يريدون أن يخ ِجوها‬
        ‫ه‬               ‫م‬        ‫ة‬                          ‫ن‬
       ‫صورةً حسنة، يأبى اهلل أن تكو َ صورة حسنة، فالصورة الحسن ُ للمجتَ َع المسلم أن يظ َر‬
    ‫كل‬                                      ‫مرب‬           ‫ِّ ًا بدينه، متمس قي‬
‫ِّكًا ب ِ َمه وفضائله، ِّيًا األبناء والبنات على الخير، واضعًا َّ شيء‬     ‫المجتمع متمسك‬
                 ‫ن‬            ‫تقل‬              ‫ل‬
  ‫في موضعه. وعندما ندعو أن تكون الفتاة المسِمة فتاةً غربية ِّد غيرَها من ِساء الكافرات في‬
    ‫ف‬                                        ‫ل‬                ‫ذ‬                          ‫بس‬
   ‫مل َ ِها وفي عاداتها وأخالقها إ ًا نحن نسعى في نقِها من فطرتها السليمة إلى أن نجعلَها توا ِق‬
                                                                                       ‫ط‬         ‫الفطرَ المنحل‬
                                                                                     ‫َّةَ المنح ّة.‬       ‫َ‬
     ‫م‬           ‫خ‬                         ‫س‬                                              ‫إن م‬
   ‫َّ َن يكتب ويدعو إلى جنسِ هذه األفكار لو راجَع نف َه قليالً لو عاد إلى تاري ِ إسالمه وأ ّته‬
    ‫ك‬                                               ‫ي‬
‫ذاك التاريخ المجيد، إلى ذلك المجتمع اإلسالم ّ الذي طال ما حكَم العالمَ قرونًا عديدة، إنما ح َمَهم‬
     ‫ة‬                            ‫تمك م‬         ‫القي‬         ‫د‬                    ‫قي‬
     ‫بال ِ َم والفضائل، بهذا ال ّين وأخالقه ِّمة التي َّنت ِن نفوس أتباعه حتى صاروا صور ً‬
                                                              ‫ً كل‬                          ‫ي يمث‬
                                                    ‫ح ّة، ِّلون اإلسالمَ قوالً وعمال في ِّ المجاالت.‬
    ‫ممث‬                ‫ر‬                                                       ‫ي‬         ‫فليت‬
 ‫َّق اهلل أ ّ كاتب يكتب ويدعو إلى أن تخالطَ المرأة الرجالَ وأن تساف َ وحدها وأن تكونَ ِّلةً‬
              ‫ن‬                     ‫ف‬                  ‫ل‬        ‫كل‬                    ‫مت‬
      ‫أل ّ ِنا أو تكون أو تكون، ُّ ذلك مخاِف لشرعِ اهلل مخال ٌ لكتاب اهلل مخالف لس ّة محمد .‬
    ‫ل‬                 ‫َّ‬      ‫ي‬                         ‫ت رب‬                   ‫رب‬          ‫فليتق‬
   ‫ِّ المسلمون َّهم في دينهم، لي ّقوا َّهم في أبنائهم وبناتهم، ل َعلموا أن شرعَ اهلل هو الخُق‬
                                               ‫ر‬                    ‫ي ن‬                       ‫القي‬
          ‫ِّم وهو الخلق المثال ّ، وأ ّ من يريد ببناتنا أم ًا خالفَ شرع اهلل فإنما هو داعٍ للباطل‬
          ‫يثب‬              ‫والضالل، داعٍ للفجور وال ِسق والعصيان، نسأل اهلل أن يهد َ ضال‬
‫َّ المسلمين، وأن ِّت مطيعَهم،‬  ‫ِي‬                             ‫ف‬
               ‫ن ب‬             ‫وأن يحفظ على بنا ِنا عوراته ّ، وأن يجعلَه ّ فتيا ٍ مسلمات متمس‬
        ‫ِّكات بدينه ّ ثا ِتات على‬          ‫ن ت‬                  ‫ن‬          ‫ت‬
               ‫ن ي‬                 ‫ر‬     ‫ال‬                      ‫س‬              ‫يعم‬     ‫ن‬
   ‫أخالقه ّ، وأن َّ الجميع بالتم ّك بهذا الدين علمًا وعم ً ظاه ًا وباطنًا، إ ّه ول ّ ذلك والقادر‬
                                                                                                           ‫عليه.‬
   ‫َّ األمو ِ‬
   ‫ر‬               ‫م‬      ‫ه‬                    ‫ب‬              ‫ّ س‬
           ‫واعلَموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أح َنَ الحديث كتا ُ اهلل، وخيرَ الهديِ َدي مح ّدٍ ، وشر‬
   ‫مح َثاتها، وك ّ ِدعةٍ ضَاللة، وعليكم بجماعةِ المسِمين، فإ ّ يدَ اهلل عَى الجمَاع ِ، و َن َّ َّ‬
   ‫ة م شذ شذ‬              ‫ل‬           ‫ن‬        ‫ل‬                                ‫لب‬           ‫د‬
                                                                                                        ‫نر‬
                                                                                                       ‫في ال ّا ِ.‬
     ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ عَى ِّكم م َ ّد كما أ َ َكم بذِك ر ّكم، قال تعَالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
     ‫ِن الله وم ئكته‬                         ‫ل ب‬        ‫مر‬         ‫ل نبي حم‬                        ‫ل‬
                                    ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫ي َل عل النبى ي َّذ ن من‬
                  ‫ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأَ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
         ‫ئ‬         ‫الل م‬                              ‫م‬           ‫ر ل‬        ‫َّهم صل وسل‬
        ‫الل َّ ِّ ِّم وبا ِك عَى سيدنا مح ّد سيد األولين واآلخرين، وارضَ َّه ّ عن خلفا ِه‬
                                                                                                           ‫ر‬
                                                                                                   ‫ال ّاشدين...‬

‫(5/4744)‬




                                                                                                ‫التعليم الشرعي‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                 ‫التربية والتزكية, العلم الشرعي‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫مبارك بن سليمان آل سليمان‬
                                                                                                              ‫الرياض‬
                                                                                                       ‫75/5/6745‬
                                                                                              ‫اإلمام أحمد بن حنبل‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- المقارنة بين التعليم في بالد اإلسالم وبالد الكفر. 7- من عالمة صحوة األمة اإلسالمية‬
   ‫العناية بالتعليم الشرعي. 3- فضل العلم الشرعي. 4- آداب طالب العلم. 1- وصايا للمعلمين.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
        ‫َيه الن س اتق َب ُ‬
      ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، إن اهلل عز وجل قد أمركم بالتقوى فقال: يَا أ ُّ َا َّا ُ َّ ُوا ر َّكمْ‬
‫[النساء:5]، فاستجيبوا ألمره جل وعال واتقوه في جميع أحوالكم تنالوا مطلوبكم في الدنيا واآلخرة،‬
 ‫وم َت الل ي ِّ ع ه َي ت وي ظ له ْر‬                                        ‫وم َت الل ي َ ه م ْ ه ي ْر‬
‫َ َنْ يَّقِ َّهَ َجْعلْ لَ ُ ِنْ أَمرِ ِ ُس ًا [الطالق:4]، َ َنْ يَّقِ َّهَ ُكَفرْ َنْ ُ سِّئَا ِهِ َ ُعْ ِمْ َ ُ أَج ًا‬
                                                                                                         ‫[الطالق:1].‬
    ‫معاشر المسلمين، تدرك األمم جميعها أهمية العلم، ولذلك ال تجد دولة من الدول إال وهي تتيح‬
 ‫التعليم ألبنائها، وتجعل له وزارة خاصة، وتخصص له ميزانية مستقلة، وإن كانت غاية كل دولة‬
    ‫من التعليم تختلف من دولة إلى أخرى بحسب معتقدها وتصورها للحياة، فإن كانت دولة تؤمن‬
                                                                ‫ح‬
   ‫باهلل واليوم اآلخر إيمانًا صحي ًا فإنها تجعل للعلم الذي يصل المتعلمين باهلل رب العالمين وينفع‬
  ‫ب‬                                                                ‫ز‬
 ‫صاحبه في الدار اآلخر فو ًا برضوان اهلل تعالى وجنته، تجعل لهذا العلم وهو العلم بالدين نصي ًا‬
                                                                                         ‫ر‬
    ‫واف ًا في مناهجها التعليمية، ولهذا قام التعليم في هذه البالد على الرفع من شأن العلم الشرعي‬
 ‫الديني، وتخصيص كل فرع من فروعه بمادة مستقلة انطالقًا من سياستها التعليمية المحكمة التي‬
                                 ‫ال‬       ‫ح‬
 ‫تنص على أن غاية التعليم فهم اإلسالم فهمًا صحي ًا متكام ً، وغرس العقيدة اإلسالمية ونشرها،‬
   ‫وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم اإلسالمية وبالمثل العليا، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة،‬
                             ‫ي‬
     ‫وتنمية االتجاهات السلوكية البناءة، وتطوير المجتمع اقتصاديًا واجتماع ًا وثقافيًا، وتهيئة الفرد‬
                                                                                            ‫و ع‬
                                                                           ‫ليكون عض ًا ناف ًا في بناء مجتمعه.‬
‫أما إذا كانت الدولة دولة كافرة أو دولة علمانية تجعل الدين شأنًا شخصًا وترتكز سياستها التعليمية‬
         ‫على عمارة الدنيا فحسب وتنظيمِ عالقة الناس بعضهم ببعض دون اهتمام بعالقتهم بخالقهم‬
                                                 ‫د‬                  ‫ر‬
  ‫ورازقهم ومدبر شؤونهم كف ًا بنعمة اهلل وجحو ًا لحقه عليهم، فإنها ال تقيم للدين والعلم الشرعي‬
             ‫وزنًا، أو تقصره على األخالق واآلداب والسلوك، دون أحكام االعتقاد وأحكام العبادات‬
   ‫والمعامالت وغيرها، ولذلك فإن من الجهل الدعوة إلى تقليص العلوم الشرعية أو قصرها على‬
   ‫جانب من الدين وإهمال الجوانب األخرى التي هي أكثر أهمية بشهادة أهل العلم باهلل وشريعته.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن من عالمة صحوة األمة اإلسالمية ومن الداللة على وعيها وإدراكها لمصدر‬
  ‫عزتها العناية بالعلم الشرعي من قبل المسؤولين فيها؛ وذلك بدعمه والتشجيع على تعلمه وإكرام‬
  ‫أهله وإعطائه الوزن المناسب في خططها الدراسية، وهو ما عليه الحال في هذه الدولة المباركة‬
‫إن شاء اهلل، ونسأل اهلل عز وجل أن يثبتنا عليه، وأن يبصر القائمين على التعليم بأهميته والتمسك‬
      ‫به، وأن يرد كيد الكائدين من المغرضين أو الجاهلين في نحورهم. ومن عالمة صحوة األمة‬
        ‫م‬                                                                                ‫ض‬
       ‫أي ًا العناية بالعلم الشرعي من قبل أفرادها، وذلك بالتوجه إليه والحرص عليه حفظًا وفه ًا‬
                                                                                                             ‫وتطبيقًا.‬
     ‫أيها اإلخوة، يدرس الطالب في مدارسهم نوعين من العلوم: علومًا شرعية وما يرتبط بها من‬
                                                                           ‫علوم اللغة العربية، وعلومًا دنيوية.‬
    ‫أما العلم الشرعي فهو العلم الذي جاءت األدلة الشرعية المتكاثرة في بيان فضله وفضل تعلمه‬
   ‫َّذ ن‬          ‫ق َ ي‬
   ‫وعلو منزلته ورفعة شأن حملته في الدنيا واآلخرة، يقول الحق جل وعال: ُلْ هلْ َسْتَوِي ال ِي َ‬
  ‫َ ْ الله َّذ ن من‬                                               ‫ي م ن و َّذ َ ي م ِن ي َ َكر أ ل‬
‫َعْلَ ُو َ َال ِين ال َعْلَ ُونَ إَّمَا َتذ َّ ُ ُوُْوا األَلْبَابِ [الزمر:3]، ويقول تعالى: يرفَعْ َّ ُ ال ِي َ آ َ ُوا‬
                                     ‫مل ن ر‬                ‫م ُ و َّذ أ ت ع ْ َ ج ت َالله ب‬
 ‫ِنْكمْ َال ِينَ ُوُوا الْ ِلمَ درَ َا ٍ و َّ ُ ِمَا تَعْ َُو َ خَبِي ٌ [المجادلة:55]، ويقول المصطفى : ((من‬
  ‫ض‬                                                              ‫م‬              ‫ق‬
 ‫سلك طري ًا يطلب فيه عل ًا سلك اهلل به طريقًا من طرق الجنة، وإن المالئكة تضع أجنحتها ر ًا‬
‫لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في األرض والحيتان في الماء، وفضل‬
‫العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة األنبياء، إن األنبياء‬
                                                                            ‫ر‬
          ‫لم يورثوا دينا ًا وال درهمًا وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) صححه ابن حبان.‬
   ‫وإن الواجب على عموم المتعلمين الذي يدرسون العلوم الشرعية من بين المواد التي يدرسونها‬
                                                                                                         ‫أمور منها:‬
                                                                                      ‫ال‬
  ‫أو ً: اإلخالص هلل تعالى في تعلم هذه العلوم، وذلك إلدراك فضيلة تعلم العلم الشرعي وما أعده‬
‫اهلل تعالى من األجر لمن تعلمه، فإن من تعلم هذا العلم بال نية كان حظه التعب وال نصيب له من‬
   ‫األجر، بل إنه متعرض للعقوبة إن كان إنما يتعلمه للدنيا، يقول : ((من تعلم علمًا مما يبتغى به‬
                                                       ‫ض‬
 ‫وجه اهلل ال يتعلمه إال ليصيب به عر ًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها.‬
                                                                                      ‫صححه الحاكم وابن حبان.‬
    ‫وليعلم أن اإلخالص في تعلم هذه العلوم ال يفوت غرضًا من أغراض الدنيا، ولكن الموفق من‬
                                                                                                            ‫وفقه اهلل.‬
      ‫ثانيًا: الحرص على تعلم هذه العلوم، فإن فيها بيانًا لما يجب على المسلم من حقوق اهلل تعالى‬
 ‫وحقوق عباده، وإنه من الشرف للمسلم ـ ومما هو محل للغبطة ـ أن يكون المسلم على بصيرة‬
‫من دينه؛ وذلك لحاجته إليه في جميع أحواله، ولذلك يقول : ((ال حسد إال في اثنتين: رجل آتاه اهلل‬
                                                                                     ‫ً‬
     ‫ماال فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه اهلل الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه.‬
                             ‫ثالثًا: تطبيق ما تعلمه الطالب من هذه العلوم، فإن ثمرة العلم العمل.‬
     ‫وإنه يلحظ في هذا الجانب قصور كثير من الطالب، فإنك ترى بعض الطالب ال يحسن أداء‬
    ‫الصالة رغم تكرر تعليمها له، فال يأتي بأركانها وواجباتها على الوجه المطلوب، وقد ال يأتي‬
      ‫ر‬
  ‫باألذكار واألدعية المشروعة فيها، وربما صلى بعض الطالب بال وضوء، وإنك ترى كثي ًا من‬
                                                                         ‫ر‬
  ‫الطالب يأتون منك ًا من األمور في أقوالهم وأفعالهم وهيئاتهم، ومنهم الذين يؤذون المؤمنين في‬
‫أنفسهم ومحارمهم، إلى غير ذلك من التصرفات التي يتعلمون في مدارسهم ما يحملهم على تركها‬
                                                                  ‫لو كانوا يعملون بما يعلمون.‬
‫وفي هذا الخصوص تتعين الوصية إلى المعلمين وأولياء األمور بتربية الطالب على العمل بالعلم،‬
 ‫وترغيبهم في ذلك، ومتابعتهم وتشجيعهم على ذلك بالكلمة الطيبة والجائزة والهدية، وتذكيرهم بما‬
                                    ‫تعلموه، وأن الحجة قائمة عليهم بعد أن من اهلل عليهم بالعلم.‬
  ‫وإن مما ينبغي التنبيه عليه في هذا الشأن أن التقصير الذي يلحظ على الطالب وضعف تطبيقهم‬
   ‫لما تعلموه ليس مسؤولية المناهج وحدها، بل الكفل األعظم والنصيب األوفى في ذلك يعود إلى‬
                                              ‫ر‬
    ‫أسباب كثيرة، من أخطرها وأشدها وأسرعها تأثي ًا وسائل اإلعالم المختلفة، وال سيما القنوات‬
                                                                   ‫ال‬
  ‫الفضائية الهابطة، فض ً عن تأثير األصدقاء واألقارب ودعاة السوء، ولذلك فإن من الظلم البين‬
      ‫واالصطياد في الماء العكر الدعوة إلى تغيير المناهج الشرعية بدعوى أنها ال تحدث التأثير‬
                                                                                     ‫المطلوب.‬
    ‫أيها اإلخوة، أما النوع الثاني من العلوم وهي العلوم الدنيوية فإن تعلمها أمر مطلوب شرعًا إذا‬
  ‫كانت األمة بحاجة لها وكان تعملها ينتج ثمرة ملموسة، بل إن تعلمها في هذه الحالة من فروض‬
   ‫ي‬
 ‫الكفايات التي يؤجر المسلم إذا تعلمها بنية أداء هذا الفرض؛ ألنه أمر واجب شرعًا وجوبًا كفائ ًا،‬
 ‫بمعنى أنه إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط اإلثم عن الباقين، ولذلك ال يجب على كل الناس‬
 ‫أن يتعلموا هذه العلوم، بل يكفي أن يتوجه إليها من تقوم به الكفاية، ال أن تشغل بها األمة جميعها‬
                                                                              ‫رجالها ونساؤها.‬
‫ة‬
‫وعلى كل فينبغي أن تستحضر النية الصالحة في تعلم هذه العلوم، بأن ينوي المسلم بتعلمها نصر َ‬
  ‫الدين وتقديمَ النفع للناس والتعرفَ على آيات اهلل في الكون والنفس وإغناءَ األمة عن الحاجة إلى‬
                                                                                       ‫أعدائها.‬
                                                        ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة...‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: فإن مما ال يخفى ما للمعلم من شأن في قضية التربية والتعليم، وما هو ملقى عليه من‬
 ‫مسؤولية عظيمة، إذا هو استشعرها وأداها على الوجه المطلوب كان له التأثير البالغ الحسن على‬
‫طالبه علمًا وسلوكًا، ولذلك فإن مما يوصى به المعلم ـ وهو أهل ألن تؤخذ عنه الوصية ـ أمور‬
                                                                                                                         ‫منها:‬
      ‫األول: أن يحرص المعلم على التمكن في مادته العلمية بحسب تخصصه، فإن فاقد الشيء ال‬
     ‫يعطيه، ولذلك فإن على المعلم أن يكون قريبًا من العلم ودروسه وأهله وكتبه، وأن يهتم بشأن‬
‫التحضير لدروسه فإن ذلك مما ال يستنكف عنه العلماء، ويحتاج إليه العلماء الكبار فكيف بمن هو‬
                                                                                                                     ‫دونهم؟!‬
‫الثاني: الشفقة على طالبه والرحمة بهم، وتذكر أن ما يكون فيهم من قصور وما يحصل منهم من‬
    ‫تقصير إنما هو بسبب ضعفهم وجهلهم وضعف إدراكهم، فال يعاجلهم بالعقوبة، وإذا احتاج إلى‬
                                                          ‫ي ص‬
 ‫تأديبهم فليكن ذلك بالقدر الذي ُح ّل المقصود، ويعلم معه أن المعلم لم يرد به إال التأديب وليس‬
                                                                                                ‫االنتقام والغضب لنفسه.‬
      ‫وليعلم أن ما يصدر من الطالب من تصرفات غير مناسبة على نوعين: نوع يستحق الطالب‬
 ‫بسببه العقوبة، كاعتداء الطالب على زميله أو معلمه، وفي هذه الحالة ينبغي أن تحال القضية إلى‬
        ‫من بيده العقوبة ليقدر العقوبة المناسبة، بحيث تكون بقدر الذنب ويحصل بها الزجر، ونوع‬
  ‫يستحق الطالب عليه التأديب كتقصيره في أداء واجباته، وفي هذه الحالة ينبغي أن يتخذ في ذلك‬
   ‫األدب المناسب الذي يمنع الطالب من المعاودة، ويعرف معه الطالب أنه مستحق لذلك التأديب،‬
                                     ‫وللتأديب وسائله الكثيرة، وليس الضرب وسيلته الوحيدة أو المفضلة.‬
     ‫الثالث: الحرص على تربية الطالب التربية الصالحة، وتنشئتهم على مكارم األخالق ومحاسن‬
                         ‫م‬
   ‫اآلداب وتطبيق أحكام الشرع، وأن يكون ذلك همًا للمعلم يضيفه إلى ه ّ التعليم، فقد وصف اهلل‬
  ‫عز وجل نبيه باألمرين معًا: التربية والتعليم، بل قدم التربية على التعليم؛ وذلك ـ واهلل أعلم ـ‬
 ‫أن التربية هي المقصودة والتعليم وسيلة من وسائلها، يقول الباري تبارك وتعالى: ُوَ الذِي َ َ َ‬
 ‫ه َّ بعث‬
 ‫ف أل ِّي رس ال م ُ ي ل ع ِ ته وي َك ِ وي َلمه ك ب و ح م وإ ن م ْ ق ل ف‬
‫ِي ا ُم ِّينَ َ ُو ً ِنْهمْ َتُْو َلَيْهمْ آيَا ِ ِ َ ُز ِّيهمْ َ ُعِّ ُ ُمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَا ُوا ِن َبْ ُ لَ ِي‬
                                                                                                              ‫مب‬
                                                                                               ‫ضَاللٍ ُ ِينٍ [الجمعة:7].‬
   ‫ولذلك فإن مما ينبغي أن يحرص عليه المعلم أن يكون قدوة صالحة لطالبه، في أقواله وأفعاله،‬
 ‫وفي ملبسه ومظهره، وإذا ابتلي بأمر كالدخان وغيره فينبغي أن يتخلص منه جهده، وأن ال يفعله‬
  ‫أمامهم أو على علم منهم، كما ينبغي له أن يحرص على نصيحتهم وتذكيرهم بين فترة وأخرى،‬
‫وأن يهديهم الكتب النافعة واألشرطة المفيدة، فإن المعلم مرب وواعظ كما هو معلم ومدرس، واهلل‬
                                                                                        ‫ال‬
                                                                                       ‫ال يضيع أجر من أحسن عم ً.‬
  ‫َل ع ه و َلم ت ل م‬               ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬
 ‫أيها المسلمون، إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا َسِْي ًا‬
                                                                                                           ‫[األحزاب:61].‬
‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته كما صليت على‬
 ‫آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم‬
                                                                                                       ‫إنك حميد مجيد...‬

‫(5/1744)‬




                                                                                                       ‫األهبة لشهر التوبة‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                                     ‫آثار الذنوب والمعاصي, الصوم‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                              ‫35/5/6745‬
                                                                                                            ‫المسجد الحرام‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- فضائل شهر رمضان. 7- االستعداد لمواسم الخيرات. 3- آثار الذنوب والمعاصي. 4-‬
                                                                        ‫ه‬
                                                  ‫التحذير من اإلغراقِ في الترفي ِ. 1- إثبات دخول الشهر.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
   ‫ر‬      ‫عد‬               ‫ع‬       ‫ر‬      ‫ِر‬
 ‫أما بعد: فاتقوا اهلل تعالى ـ أيها الناس ـ وراقبوه س ًّا وجه ًا، واج َلوا تقواكم لكم َّة وذخ ًا،‬
       ‫مل ن‬          ‫رب‬          ‫َي َّذ ن من اتق الله و ُ س م َدم ل َد َاتق الل ِن الل‬
       ‫يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ َلْتَنْظرْ نَفْ ٌ َا ق َّ َتْ ِغ ٍ و َّ ُوا َّهَ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا تَعْ َُو َ‬
                                                                                                              ‫[الحشر:55].‬
  ‫ر‬             ‫م‬                 ‫مس‬                               ‫ز ن‬                       ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلمون، يدور ال ّما ُ دورتَه، وتذهب الليالي واأليا ُ ِراعًا، وها هو عا ُنا يطوِي أشه َه‬
                     ‫م‬          ‫ي‬     ‫ت‬
  ‫ِباعًا، وإذا باأل ّة تر ُب َيفًا عزي ًا قد ب َت أعال ُه واق َربت أّامه والتَ َعت في األفقِ القريب‬
                                             ‫م‬       ‫د‬       ‫ز‬         ‫م ق ض‬                      ‫ت‬
    ‫م‬      ‫َّ أ ِ َ ف ُ ن ُد ِلن و َي‬                       ‫ُ رم‬                      ‫ُ‬    ‫ر ن‬
  ‫أنوا ُه، إ ّه شهر رمضانَ المبارك، شَهْر َ َضَانَ الذِي ُنزل ِيهِ الْقرْآ ُ ه ًى ل َّاسِ َبِّنَاتٍ ِنْ‬
             ‫ر ت‬            ‫ن‬         ‫ع‬       ‫ف‬          ‫ر‬                            ‫ُد و ُ ْ‬
  ‫الْه َى َالْفرقَانِ [البقرة:155]، شَهر ال ّحمة والمغ ِرة وال ِتق من ال ّيران، شه ُ ال ّوبات وإجابة‬
                   ‫ت‬                                       ‫ر تصف‬       ‫ث‬                ‫د‬
      ‫ال ّعوات وإقالة الع َرات. شه ٌ َّد فيه الشياطين وتغلَق أبواب الجحيم وتف َح أبواب الجنة‬
             ‫كل‬     ‫ر ر‬             ‫ر‬                                         ‫د كل‬      ‫د‬
   ‫وينا ِي منا ٍ َّ ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغيَ الش ّ أقصر. شه ٌ يف َح به ُّ مسلم مهما‬
   ‫ن‬                                 ‫ف‬       ‫كان حاله، فالمح ِن يزداد إحسانًا وإيمانًا، والمقص‬
 ‫ِّر يستغ ِر ويبتغي فيه من اهلل رحمةً ورضوا ًا،‬                              ‫س‬
         ‫ف ر‬              ‫ح‬            ‫ر َل‬                  ‫ل‬                 ‫ر‬         ‫ر‬
  ‫فهو شه ُ خيرٍ وب َكة وإحسانٍ على ك ّ المسلمين. شه ٌ تَبت ّ فيه األروا ُ بعدَ جفا ِها و ُكودِها،‬
  ‫ب‬                          ‫م ء الس‬    ‫م‬          ‫إ‬
 ‫وتأنَس فيه النفوس بعد طولِ إعراضها وِبَاقها. ر َضان ِل ُ َّمع والبصر، فهو حديث المنا ِر‬
 ‫ن‬                         ‫تقد‬        ‫ب ِ‬                   ‫م‬                ‫ة‬       ‫ئ‬
‫وزينة المنا ِر وحيا ُ المساجد، من صا َه إيمانًا واحتسا ًا غفرَ له ما َّم من ذنبه، ومن قامه إيما ًا‬
                        ‫م‬              ‫ر‬          ‫ق‬                       ‫تقد‬       ‫ف‬
         ‫واحتسابًا غ ِر له ما َّم من ذنبه، فيه ليلة ال َدر، هي خي ٌ من ألف شَهر، َن قامها إيمانًا‬
                           ‫ي‬          ‫ب‬                            ‫د‬           ‫ف‬        ‫ت‬
‫واح ِسابًا غ ِر له ما تق ّم من ذنبه كما ثبتَ بذلك الخ َر عن النب ّ في الصحيحين وغيرهما(5)[5].‬
   ‫َيه َّذ ن من‬                                                     ‫رض‬                        ‫ُر‬
 ‫أعظَم الق ُبات فيه الصوم الذي افت َ َه اهلل تعالى تحقيقًا للتقوى فقال سبحانه: يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا‬
            ‫ر‬                         ‫كتب عل َّذ م ْ لك َلك َتق‬                             ‫كت ع ُ الصي م‬
      ‫ُ ِبَ َلَيْكمْ ِّ َا ُ كَمَا ُ ِ َ ََى ال ِينَ ِن قَبِْ ُمْ لَعَّ ُمْ ت َّ ُونَ [البقرة:355]، فهو شه ُ تربية‬
‫ف‬                ‫ر‬             ‫ب‬          ‫والذ‬            ‫ر ن ر ق‬              ‫كي‬         ‫ن‬
‫ال ّفوس وتز ِ َتها. َمضا ُ شه ُ ال ِيام والتراويح ِّكر والتسا ِيح، شَهر الب ّ واإلحسان والعط ِ‬
                     ‫س‬        ‫س الن‬                          ‫ر ع‬
    ‫على الفقراء والمحتاجين، شه ٌ ج َله اهلل مصباحَ العام ووا ِطة ِّظام وأو َطَ أركان اإلسالم،‬
                            ‫م م‬           ‫د م‬          ‫ب‬         ‫ئ‬       ‫ت‬      ‫ب‬               ‫ز‬
     ‫أن َل اهلل فيه كتا َه، وف َح للتا ِبين أبوا َه، فال ّعاء َسموع والع َل َرفوع والخير فيه مَجموع،‬
 ‫م‬                                       ‫وينف‬                             ‫ع‬            ‫ت‬
 ‫ُستَر فيه ال ُيوب وتغفَر الذنوب وتلين القلوب ِّس اهلل عن الحزينِ المكروب، في صحيح مسل ٍ‬
                           ‫نب‬          ‫ن‬             ‫مكف‬   ‫رم‬      ‫ن‬              ‫َّ النبي‬
 ‫َّ قال: ((ورمضا ُ إلى َ َضان ِّرات لما بينه ّ إذا اجت ِ َت الكبائر))(7)[7]، وعن أبي‬    ‫أن‬
    ‫ن‬                           ‫ز ل ل م‬                           ‫هريرة رضي اهلل عنه َّ النبي‬
‫َّ قال: ((قال اهلل ع ّ وج ّ: ك ّ ع َل ابن آدم له إال الصوم؛ فإ ّه لي‬    ‫أن‬
                                                                                                ‫ز‬
                                                                ‫وأنا أج ِي به)) رواه البخاري ومسلم(3)[3].‬
          ‫ة‬                     ‫ٌ‬                   ‫ن‬         ‫ف‬         ‫ِ‬     ‫إن‬             ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلمون، َّ مَواسمَ الخير ُرَص سَوا ِح، بينما الموسم مقبل إذ هو رائح، والغنيم ُ فيها‬
          ‫و ِنها إنما هي صَب ُ ساعة، فيكون المسلم بعد قَبول عمله من الفا ِزين ولخال ِه من المقر‬
  ‫َّبين. فيا‬        ‫ق‬          ‫ئ‬                                           ‫ر‬                ‫م‬
    ‫ّهم‬                                     ‫هلل، كم ُستَو َع في هذه المواسم من أجور، وكم تخف‬
    ‫ُّ فيها من األوزارِ الظهور، فاجعلنا الل َّ‬                               ‫ت د‬
                ‫ِ‬          ‫ب‬      ‫ل‬               ‫ووف‬
   ‫لفضلك وشهرِك مدركين ولرضوانك حائزينَ، ِّقنا لصالح العم ِ، واق َلنا فيمن قبلَ، واختم لنا‬
                                                                                         ‫بخيرٍ عند حضور األجل.‬
          ‫وجد والس‬            ‫عد‬           ‫تهي‬        ‫م‬                 ‫ز‬
    ‫عبادَ اهلل، وإذا ن َلَت بالمسلم مواس ُ الخيرات َّأ لها واست ِّ ونشطَ لكسبها َّ، َّعيد من‬
   ‫حظ‬           ‫ك‬             ‫ر‬      ‫م‬                   ‫ص‬                               ‫وف‬
  ‫ِّق الغتنامها وسلَك الطريقَ المو ِل للقَبول، والمحرو ُ من ح ِمَ خيرَها، و َم من صائمٍ ُّه‬
      ‫ح‬                    ‫سه‬        ‫الت‬          ‫م حظ‬                            ‫م‬
 ‫من صيا ِه الجوع والعطَش، وكم من قائ ٍ ُّه من قيامه َّعب وال ّ َر، نعوذ باهلل من ال ِرمان؛‬
‫ة‬                       ‫ي‬                         ‫رب‬       ‫ة ل‬                ‫ئ‬       ‫ل شم‬
‫ِذا َّر الخا ِفون، وفاز سرا ُ الّيل، و َ ِح المدلِجون، وعند الترمذ ّ بسند صحيح عن أبي هرير َ‬
                       ‫إن‬       ‫ز‬                                          ‫رضي اهلل عنه أن النبي‬
 ‫َّ قال: ((من خاف أدلَج، ومن أدلَجَ بلغ المن ِل، أال َّ سلعةَ اهلل غالية، أال‬
                                                                                                               ‫إن‬
                                                                                      ‫َّ سلعة اهلل الجنة))(4)[4].‬
 ‫أ َ الله‬         ‫و َّذ ن يصل‬                ‫ف‬                                           ‫ص‬
 ‫ولقد و َف اهلل تعالى أهلَ السعادة باإلحسان مع الخو ِ فقال سبحانه: َال ِي َ َ ُِونَ مَا َمرَ َّ ُ‬
                                              ‫حس‬         ‫َ َبه و خ ف س‬                  ‫ي َ و‬          ‫ب‬
   ‫ِهِ أَنْ ُوصلَ َيَخْشَوْن رَّ ُمْ َيَ َا ُونَ ُوءَ الْ ِ َابِ [الرعد:57]، كما وصفَ األشقياءَ باإلساءة‬
‫ل‬                   ‫محب‬                                            ‫ر‬            ‫إن‬
‫مَع األمن. َّ الخوفَ وال ّجاءَ هما الحادِيان إلى طاعةِ اهلل ورضوانه مع َّته سبحانَه، وفي قو ِ‬
       ‫َبه ي من ن و َّذ ُ‬                ‫ي َب ِ م ق ن و َّذ ُ ب ي‬                       ‫ز ل ِن َّذ ه م‬
     ‫اهلل ع ّ وج ّ: إ َّ ال ِينَ ُمْ ِنْ خَشْ َةِ رِّهمْ ُشْفِ ُو َ َال ِينَ همْ ِآ َاتِ ر ِّ ِمْ ُؤْ ِ ُو َ َال ِينَ همْ‬
   ‫َقل ب ُ ج ة َن ُ إ َب ِ ْ ر جع أ ئ يس رع ن‬                                    ‫ي رك ن و َّذ ي ت م‬                  ‫ِ َب ِ‬
   ‫برِّهمْ ال ُشْ ِ ُو َ َال ِينَ ُؤْ ُونَ َا آتَوا و ُُو ُهمْ وَ ِلَ ٌ أَّهمْ ِلَى ر ِّهم َا ِ ُونَ ُوْلَ ِكَ ُ َا ِ ُو َ‬
   ‫ِي الْخَي َاتِ وَهمْ لَهَا َا ِ ُونَ [المؤمنون:21-56]، قالت عائشة رضي اهلل عنها: سأَل ُ النبي‬
‫َّ عن‬    ‫ت‬                                                     ‫س بق‬           ‫ُ‬      ‫ْر‬        ‫ف‬
    ‫ر‬                         ‫ه‬               ‫َقل به ج ة‬                  ‫و َّذ ي ت م‬
‫هذه اآلية: َال ِينَ ُؤْ ُونَ َا آتَوا و ُُو ُ ُمْ وَ ِلَ ٌ قالت عائشة: أ ُم الذين يشربون الخمر ويس ِقون؟‬
   ‫يب‬                       ‫ِّيق، ولكّهم الذين يصومون ويصّون ويتصد‬
  ‫َّقون وهم يخافون أن ال ُق َل‬      ‫ل‬                   ‫ن‬       ‫قال: ((ال يا بنتَ الصد‬
                     ‫منهم، أولئك يسارعون في الخيرات)) رواه الترمذي وغيره بسند صحيح(1)[1].‬
        ‫ع‬                 ‫م‬           ‫ص‬                       ‫تطه‬                             ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، من أرادَ الصالةَ َّر لها، وكذا من أراد ال ّيام والقيا َ وقَبول الدعاء ف َليه أن‬
   ‫د‬             ‫ر ي‬                                    ‫َِ ب‬                            ‫يتطه‬
  ‫َّر من أدرانِ الذنوب وأن يغسل قل َه من أوحالِ المعاصي، والتي لها آثا ٌ سّئة على العبا َة‬
                       ‫ق‬                ‫م‬          ‫ت ب‬                    ‫ت‬       ‫ت ة‬         ‫خاص‬
    ‫َّة، فال ّوب ُ واالس ِغفار من أولى ما ُستَق َل به مواس ُ الخير، فكيف نل َى اهلل تعالى وندعوه‬
                       ‫د‬       ‫ر‬       ‫ع‬       ‫ر‬            ‫ق‬               ‫ِر إ‬               ‫ن‬
 ‫و َرجو خيرَه وب َّه وِحسانَه ونحن مث َلون باألوزا ِ، فالم َاصي تح ِم العب َ من إجابةِ الدعاءِ كما‬
      ‫َب‬          ‫س‬              ‫يمد‬             ‫سف‬          ‫في صحيح مسلم َّ النبي ك ر َ‬
  ‫َّ ذ َر ال ّجل يطيل ال ّ َر أَشعثَ أغبر ُّ يدَيه إلى ال ّماء: يا ر ِّ، يا‬ ‫أن‬
                 ‫ج‬       ‫فأن‬             ‫ُذ‬        ‫مب ح‬           ‫م ر ح‬             ‫م‬        ‫رب‬
               ‫ِّ، ومَطع ُه حرام، و َش َبه َرام، و َل َسه َرام، وغ ِّي بالحرام: (( َّى يستَ َاب‬
     ‫ع و ش‬                   ‫يوف ط‬                         ‫ِر‬      ‫أن‬
    ‫لذلك؟!))(6)[6]. كما َّ المص َّ على المعصية مخذول ال َّق لل ّاعات، فهو يش ُر بال َح َة‬
                  ‫د‬       ‫ي رك‬                     ‫ف‬           ‫واالن ِباض من ُح َةِ األخيار والص‬
         ‫ُّلَحاء، وين ِر من مجالسهم، وال ُشا ِ ُهم عبا َتَهم، وال‬             ‫ص ب‬        ‫ق‬
            ‫َحم س‬                               ‫ت‬          ‫ق‬                            ‫َف‬
‫يصط ُّ معهم في قيامِهم هلل، ويستث ِل العبادا ِ، وال ينشَط للطاعات، وال تت َّل نف ُه الصبرَ على‬
       ‫ع‬            ‫ب‬                                     ‫أن‬         ‫ال ّيام وطو ِ التضرع ق‬
      ‫ُّ ِ وال ِيام، كما َّ المعاصيَ توجب القطيعةَ بين العبد ور ّه، فإذا وقَ َت‬ ‫ل‬      ‫ص‬
                               ‫ر ي‬                     ‫ت‬         ‫ب‬           ‫ع‬
      ‫القطيعة انقطَ َت عنه أسبا ُ الخير واّصلت به أسباب الش ّ، فأ ّ عيشٍ لمن قطِعَ عنه الخير‬
         ‫ض ح نم‬               ‫ذ‬           ‫م‬                         ‫غن‬                   ‫فق‬
        ‫والتو ِي ُ من مواله الذي ال ِ َى له عنه طَرفَةَ عين؟! و ِن آثارِ ال ّنوب أي ًا ال ِرما ُ ِن‬
  ‫ح ِ َب ِ وي من ن‬               ‫ه ي َبح‬            ‫وم‬      ‫ع‬        ‫َّذ ي مل‬                       ‫ة‬
  ‫استغفارِ المالئك ِ كما قالَ تعالى: ال ِينَ َحْ ُِونَ الْ َرْشَ َ َنْ حَوْلَ ُ ُس ِّ ُونَ بِ َمْد رِّهمْ َ ُؤْ ِ ُو َ‬
   ‫ِ لَّذ ن ب َاتبع سب ك‬                         ‫ٍ ر م و ِم‬           ‫ُل‬       ‫ب وي فر لَّذ من َب وس‬
   ‫ِهِ َ َسْتَغْ ِ ُونَ ِل ِينَ آ َُوا ر َّنَا َ ِعْتَ ك َّ شَيْء َحْ َةً َعلْ ًا فَاغْفرْ ِل ِي َ تَا ُوا و َّ َ ُوا َ ِيلَ َ‬
                                            ‫َ الت و َ ه‬             ‫ج ِ َب و خ ُ َن‬                         ‫َق ِ َ‬
                        ‫و ِهمْ عذَابَ الْ َحِيم رَّنَا َأَدْ ِلْهمْ ج َّاتِ عدْنٍ َّ ِي َعدْتَ ُم اآلية [غافر:2، 5].‬
     ‫ط‬       ‫ب‬       ‫ق وأن‬                             ‫ب ع‬          ‫أن‬
    ‫وقد أجمَع العارفون على َّ الذنو َ تض ِف سيرَ القلبِ إلى اهلل وتعو ُه، َّ القلو َ ال تع َى‬
    ‫ز ل‬                     ‫ة م‬          ‫ن‬      ‫حت‬       ‫ص‬                     ‫م حت ص‬
   ‫ُناها َّى ت ِل إلى مَوالها، وال ت ِل إليه َّى تكو َ صحيح ً سلي َة؛ لذا قال اهلل ع ّ وج ّ:‬
                                                      ‫ي ع ل و بن ِال م ت الل ب س‬                                   ‫ْ‬
                               ‫يَومَ ال َنْفَ ُ مَا ٌ َال َ ُونَ إ َّ َنْ أَ َى َّهَ بِقَلْ ٍ َلِيمٍ [الشعراء:55، 35].‬
  ‫ِم‬       ‫ورد‬                        ‫ت بة‬                  ‫ب‬                   ‫أي‬               ‫فات‬
  ‫َّقوا اهلل تعالى َّها المسلمون، واستق ِلوا شَهرَكم بال ّو َ ِ واالستغفار وهجرِ الذنوب ِّ المظال ِ‬
  ‫ش‬              ‫ف‬        ‫د‬
‫َّةِ الصا ِقة للظَ َر بخير هذا ال ّهر‬
                                   ‫وإخالصِ ال ِبادَة هلل وحدَه ِّباع ال ّ ّة وال َزيمةِ المقرونةِ بالهم‬
                                                        ‫ع‬      ‫سن‬        ‫وات‬               ‫ع‬
 ‫ُّط، قلْ ِفَضلِ َّ ِ َ ِ َحْ َ ِهِ َب َِ َ‬ ‫التذم‬ ‫َر‬           ‫ر‬
 ‫الكريم وإظهارِ الف َح واالستبشار به والحذ ِ من ُّر والتسخ ُ ب ْ الله وبر مت ف ِذلك‬
                                                                                  ‫ْ ح هو ر ِم ي مع‬
                                                                    ‫فَلْيَفرَ ُوا ُ َ خَيْ ٌ م َّا َجْ َ ُونَ [يونس:51].‬
                            ‫رب‬                            ‫د‬        ‫كما ينبغي االس ِعدا ُ بالتفق‬
 ‫ُّه في ال ّين ومعرفةِ اإلنسان كيف يعبد َّه كما أمرَه على بصيرة، فإنه‬     ‫ت د‬
          ‫ِ‬        ‫ل‬               ‫ُؤتَى لمسل ٍ يما ِس عبا َا ِه من صالة وصيا ٍ وزكاة وحج‬
‫ٍّ وغيرها على جه ٍ أو تقليد عوام، حتى‬        ‫م‬               ‫دت‬        ‫م ر‬              ‫ي‬
  ‫ر‬                ‫ت‬        ‫يرق‬                           ‫ت‬            ‫ث‬         ‫س‬
  ‫إذا طافَت ال ّنين وتكا َرت المخالفا ُ جاء بعدَ الفواتِ يسأل: كيف ِّع ما فا َ؟ ولو كانَ األم ُ‬
                      ‫و‬                  ‫كل‬       ‫ل ب‬               ‫يتوق‬     ‫ر ق ر‬
       ‫لدنيا ل َأيتَه ُط ُبًا ال َّف عن السؤا ِ وال َحثِ في ِّ صغيرةٍ وكبيرة، أ َلَيس الدين أولى‬
  ‫ر‬             ‫التعل‬               ‫ُر‬        ‫ص‬                                    ‫ث‬
  ‫بالبح ِ والسؤال واالستعداد واالهتمام؟! خصو ًا وقد كث َت بحمد اهلل وسائل ُّم بما ال نظي َ‬
 ‫َل ْل‬            ‫ز ل‬                             ‫ِح‬     ‫ن‬        ‫ص‬
 ‫له في السابق، ولكن أين الحري ُ على دي ِه وص َّة عبادته؟! وقد قال اهلل ع ّ وج ّ: فَاسْأُوا أَه َ‬
                                                                                            ‫م‬             ‫الذ ْ إ ك ُ‬
                                                                             ‫ِّكرِ ِنْ ُنْتمْ ال تَعْلَ ُونَ [النحل:34].‬
            ‫ت‬                       ‫وبعد: أّها المسلمون، هذه إشار ٌ لبعض فضائلِ ر َضَان وحث‬
      ‫ٌّ على االستعدادِ له واج ِناب ما‬      ‫م‬               ‫ة‬                      ‫ي‬
                     ‫وتقب ن رب‬                             ‫ووف‬          ‫ل م بل‬             ‫ر‬
           ‫يح ِم فضلَه، فالّه ّ ِّغنا رمضان، ِّقنا فيه لصالحِ األعمال، َّل م ّا يا َّ العالمين.‬
 ‫َّ أ ِ ف ُ ن ُ ِلن س و َي ت م ُد‬                                   ‫ُ رم‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، شَهْر َ َضَانَ الذِي ُنزلَ ِيهِ الْقرْآ ُ هدًى ل َّا ِ َب ِّنَا ٍ ِنْ الْه َى‬
‫ِد م ك ش ْ َ يص ه وم ن َر ض عل َ ِدة م َي أ َ ير د الله‬                                                       ‫و ُْ ِ م‬
‫َالْفرقَان فَ َنْ شَه َ ِنْ ُمْ ال َّهر فَلْ َ ُمْ ُ َ َنْ كَا َ م ِي ًا أَوْ ََى سَفرٍ فَع َّ ٌ ِنْ أ َّامٍ ُخرَ ُ ِي ُ َّ ُ‬
          ‫ُر ن‬         ‫ِد ولت ِّر الل عل م َد ُ و َل ُ‬                     ‫ب ُ ي ْر و ير د ب ُ ع ْر ولت مل‬
          ‫ِكمْ الْ ُس َ َال ُ ِي ُ ِكمْ الْ ُس َ َُِكْ ُِوا الْع َّةَ َِ ُكَب ُوا َّهَ ََى َا ه َاكمْ َلَعَّكمْ تَشْك ُو َ‬
                                                                                                           ‫[البقرة:155].‬
                           ‫ت ح‬                ‫ه‬                  ‫سن‬         ‫ك‬
        ‫بارَكَ اهلل لي ولكم في ال ِتاب وال ّ ّة، ونفَعنا بما في ِما من اآليا ِ وال ِكمة، أقول قولي هذا،‬
                                                                                                                ‫ف‬
                                                                                         ‫وأستغ ِر اهللَ تعالى لي ولَكم.‬


                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
   ‫فكل ة‬                    ‫م‬            ‫ب‬        ‫و‬        ‫ر‬                                    ‫د‬
‫الحم ُ هلل الواحدِ المعبود، والحمد هلل ال ّحيمِ ال َدود، أس َغَ علينا نع َه ظاهرةً وباطنة، ُّ نعم ٍ من‬
               ‫أن ّد‬                                                                     ‫ل‬
         ‫فضِه وإلى فضله تعود، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد َّ محم ًا عبده‬
   ‫م‬       ‫وسل‬                                         ‫ورسوله، أكرم من صّى وصام وتهج‬
  ‫َّد هلل وقام، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، َّم تسلي ًا‬         ‫ل‬
                                                                                                                       ‫ر‬
                                                                                                                     ‫كثي ًا.‬
           ‫ت‬              ‫ر‬             ‫ر الجد ت‬              ‫ر‬                      ‫ي‬
           ‫وبعد: أّها المسلمون، فإذا كان َمَضان هو شه ُ ِّ وال ّشمِير والمسا َعة إلى الخيرا ِ‬
    ‫ه‬            ‫ه‬        ‫ج‬              ‫ه‬                                  ‫ي‬         ‫ن‬     ‫والتعر‬
   ‫ُّض لل ّفَحات فل َحذَر المسلم من اإلغراقِ في الترفي ِ واالستعداد ب َلب المل ِيات التي تل ِي‬
           ‫م و‬            ‫ه‬          ‫سي وأن ر‬           ‫ط‬         ‫النفسَ عن العبادةِ وتبعِدها وتصد‬
          ‫ُّها عن ال ّاعة، ِ َما َّ كثي ًا من المل ِيات اليو َ تح ِي‬
    ‫ضل‬                ‫َ‬                ‫َ‬              ‫َ‬          ‫خ‬                   ‫ي‬
‫المعاص َ والمنكرات، فمن ال ُذالن أن تعمرَ األسواق وتهجرَ المساجد أو تهدرَ الليالي الفا َِة في‬
 ‫ر ت‬             ‫ل َنز‬                                        ‫ل‬                   ‫ي‬
 ‫تقليب الفضائ ّات، والتي تجلب بخَيِها ورَجلها في هذا الشهر الكريم، في ليا ٍ ت َّل فيها ال ّحما ُ‬
                                                    ‫ي ف‬      ‫ن‬                               ‫الن‬
                                               ‫وتفيض َّفَحات، فيا خسارةَ من أدرك رمضا َ ولم ُغ َر له.‬
               ‫عبادَ اهلل، وكِم ٌ أخيرة ال َّ منها، وهي َّه مع الوضو ِ ال ّديدِ في التوجيهِ النبوي‬
   ‫ِّ حيالَ إثبات‬                     ‫ح ش‬              ‫أن‬           ‫بد‬          ‫ل ة‬
                                               ‫يت‬
       ‫دخولِ الشهر حيث يقول النبي : ((صوموا لرؤ َ ِه وأفطروا لرؤيته))(2)[5] وكثرةِ األحاديث‬
                                        ‫ش‬                              ‫س‬                  ‫ق‬
     ‫المتوافِ َة على الطريقةِ ال ّهلةِ الواضحة إلثباتِ دخولِ ال ّهر وبالرغم من إسنادِ هذا األمرِ إلى‬
                ‫ة‬                                            ‫ع ي تتخ كل ت ت‬                      ‫ت‬
           ‫جها ٍ موثوقَةٍ ُل َا َّ ِذ َّ اس ِعدادا ِها وتتابِع إثباتَ دخولِ األشهر السابقة ودعو ِ جميع‬
         ‫ش‬         ‫م‬                       ‫ِّ‬            ‫ن‬                     ‫المسلمينَ لتحر‬
‫ِّي رؤيةِ الهالل إال أ ّه مع بدايةِ كل رمضان يحلو لبعضِ العا ّة التشوي ُ والتشكيك‬
  ‫ل‬                ‫ت‬             ‫د‬
‫بال عل ٍ وال بصير ٍ والخوض في ص ّةِ دخول الشه ِ، َّ ِئ أح ُهم على أريكَ ِه، يلوك ما ال يعَم،‬
                                       ‫ر يتك‬               ‫ح‬      ‫ُ‬      ‫ة‬          ‫م‬
                                ‫ل‬    ‫ن أ‬                ‫د‬       ‫ه س‬             ‫ِّب ويخط‬
   ‫ِّئ وهو يج َل أب َطَ مبا ِئ اإلثبات، كأ ّه رَى وعِم، وهذا واهلل من الخذالن، وهو‬    ‫يصو‬
                       ‫فات‬      ‫ص ص‬            ‫من كيدِ الشيطان ِّكَ الناس في عباداتهم ويكد‬
    ‫ِّر عليهم َفاءَ ِيامهم. َّقوا اهلل عباد اهلل،‬                       ‫ليشك‬
                                                   ‫ن‬                                     ‫ذ‬
               ‫وليح َر المسلم أن يقولَ ما ال يعلم، أو يكو َ وسيلةً لكيد الشيطان من حيث ال يعلم.‬
     ‫ِن الله‬                                                                   ‫ل‬     ‫ل‬
     ‫هذا وصّوا وسّموا على من أمركم اهلل بالصالة عليه في محكَم التنزيل فقال سبحانه: إ َّ َّ َ‬
                      ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫وم ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬
       ‫َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                       ‫و‬                   ‫م‬                           ‫ل م صل وسل‬
      ‫الّه ّ ِّ ِّم وبارك على عبدك ورسولك مح ّد صاحبِ الوجه األن َر والجبين األزهر،‬
                                                                                            ‫ض لم‬
                                                                      ‫وار ّ الّه ّ عن األربعة الخلفاء...‬


                                                                                              ‫__________‬
 ‫(5) صحيح البخاري: كتاب اإليمان، باب: قيام ليلة القدر من اإليمان (13)، صحيح مسلم كتاب:‬
                                      ‫صالة المسافرين (062) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                  ‫(7) صحيح مسلم: كتاب الطهارة (337) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
 ‫(3) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب: ما يذكر في المسك (2731) واللفظ له، صحيح مسلم:‬
                                                                                     ‫كتاب الصيام (5155).‬
‫(4) سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة، باب: ما جاء في صفة أواني الحوض (0147)، وأخرجه‬
   ‫أيضا عبد بن حميد (0645)، والبيهقي في الشعب (5/751) من طريق يزيد بن سنان التميمي‬
  ‫عن بكير بن فيروز عن أبي هريرة رضي اهلل عنه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، ال‬
                       ‫تق‬
    ‫نعرفه إال من حديث أبي النضر"، وصححه الحاكم (4/343)، لكن ُع ِّب، فإن يزيد بن سنان‬
    ‫ضعيف، وبكير بن فيروز مقبول، قال ابن طاهر كما في فيض القدير (6/375): "الحديث ال‬
                                                                             ‫د‬
‫يصح مسن ًا، وإنما هو من كالم أبي ذر". ولكن للحديث شاهد يتقوى به، ولذا صححه األلباني في‬
                                                                               ‫السلسلة الصحيحة (1337).‬
    ‫(1) سنن الترمذي: كتاب التفسير، باب: ومن سورة المؤمنون (1253)، وأخرجه أيضا أحمد‬
‫(6/107)، وابن ماجه في الزهد، باب: التوقي على العمل (5354)، وصححه األلباني في صحيح‬
                                                                                     ‫سنن الترمذي (2317).‬
                   ‫(6) صحيح مسلم: كتاب الزكاة (1505) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
 ‫(2) أخرجه البخاري في الصوم، باب: قول النبي : ((إذا رأيتم الهالل...)) (3035)، ومسلم في‬
                                                ‫الصيام (5505) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/6744)‬
                                                                                                   ‫ركن الزكاة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                             ‫فقه‬
                                                                                              ‫الزكاة والصدقة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫صالح بن محمد البدير‬
                                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                 ‫35/5/6745‬
                                                                                               ‫المسجد النبوي‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
‫5- وجوب الزكاة. 7- الحكمة من مشروعية الزكاة. 3- مسائل متفرقة في أحكام الزكاة. 4- إثم‬
                         ‫مانع الزكاة. 1- وصايا ألهل اليسر والمال. 6- النيابة في إخراج الزكاة.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
   ‫َي َّذ ن‬              ‫س‬         ‫ت‬
   ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسِمون، اتقوا اهلل َّ تقواه أفضل مكتَ َب وطاع َه أعلى ن َب، يَا أ ُّهَا ال ِي َ‬
                                           ‫س‬                 ‫فإن‬               ‫ل‬       ‫ي‬             ‫م‬
                                             ‫من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
                          ‫آ َُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْ ُمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
           ‫م حم‬              ‫د تتجل‬                             ‫ن ل‬                           ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلمون، اإلسالم دي ُ المّةِ المستقيمة والشريعةِ العا ِلة، َّى في أحكا ِه ِكَ ُه وفي‬
   ‫ز‬      ‫ر‬        ‫ر‬                       ‫ل‬               ‫ف ر‬                 ‫سن‬       ‫ت‬
‫تشريعا ِه محا ِ ُه وفي تكالي ِه آثا ُه ومقاصده وفضائُه وفي أركانه عظَمَته و ِفعته، و ُكن ال ّكاة‬
                                   ‫ي‬             ‫ة‬          ‫ن ع‬                           ‫ل‬
   ‫هو ثاِث أركان اإلسالم ومبا ِيهِ ال ِظام، فريض ٌ واجِبة في آ ٍ وأَخبار وإجماعِ علَماء المسلمين‬
    ‫ب‬             ‫كل‬           ‫ج‬                     ‫ج م‬           ‫حق‬           ‫مر‬
   ‫على ِّ األعصَار، ٌّ معلوم و ُزء َقسوم وسَهم محتوم، أو َب اهلل على ِّ من ملَك نصا ًا‬
                ‫زك‬                 ‫و‬              ‫ع ت‬                  ‫ي‬                    ‫ج‬
    ‫إخرا َه إلى من ال مالَ له َقيه وال كِفاية ِنده ُسعِفه وتحميه، ِقايةً لمالِ الم َ ّي من اآلفات،‬
              ‫ب‬        ‫م‬           ‫ة‬         ‫ب‬                             ‫والت‬           ‫س‬
‫و َببًا للزيادة َّضعيف وحصولِ البركات. في إيجا ِها مواسا ٌ للفقراء و َعونة لل ُؤَساء والضعفاء‬
                           ‫ّح‬                       ‫ن‬               ‫ت‬                   ‫ص‬
     ‫و ِلة بين ذوِي الحاجا ِ واألغنياء وعو ٌ على مجانبة البخل والش ِّ واإلباء عن العطاء. كم‬
                       ‫س كر م ن‬                 ‫فر‬                           ‫سد م ل‬
    ‫َّت ِن خَّة، وكَم جبرت من فاقَة، وكم َّجت عن مع ِر ُ ِب و ِسكي ٍ مدقِع وفقير مملِق،‬
    ‫د‬                 ‫ر‬         ‫ش‬                ‫ع‬       ‫َد وكل‬            ‫َد ب‬          ‫ل‬
‫فضائُها ال تع ّ و َركاتها ال تح ّ. ُّ ما يب َث على العطف وال ّفَقة وال ّحمة واإلحسان فأج ِر به‬
              ‫ف‬              ‫ص‬            ‫ذم ب ن‬                       ‫د وكل صد‬
      ‫حم ًا، ُّ ما َّ عن ذلك فأخلِق به ًّا. ُرها ٌ وعنوان على ِدق اإليمان، و ُرقان بين‬
                              ‫ع‬          ‫المنافقِ ال َموع ال َنوع وبين المؤمن الخاضِعِ للحق ج‬
                             ‫ِّ الوا ِبِ المشرو ِ.‬                      ‫م‬       ‫ج‬
     ‫ي ِب إخرا ُها عَى ال َور بوض ِها في مواضِعها وصر ِها في مصا ِفها وإيصالها إلى مستحق‬
 ‫ِّيها،‬                    ‫ر‬          ‫ف‬                   ‫ع‬       ‫ج ل ف‬              ‫ج‬
        ‫ت‬               ‫ط‬                      ‫م‬              ‫ف‬                   ‫نية‬
       ‫وهم ثما ِ َ ُ أصناف، ال يجوز صر ُها إلى غيرِهم ِن بناء المساجد والقنا ِر وتكفينِ المو َى‬
       ‫َّ َ ت ل ف َر ء‬          ‫ِن‬           ‫َّ‬                      ‫ج‬      ‫ر‬               ‫و‬
       ‫و َقف المصاحف وغي ِها من ِهات البر والخير لقوله جل في عاله: إَّمَا الصدقَا ُ ِلْ ُق َا ِ‬
    ‫و غ رم ن َف سب الله وا الس ل‬                        ‫ِّ‬   ‫و مس ك ن و ع مل ن ع و م َل ِ قل ب ُ َف‬
    ‫َالْ َ َا ِي ِ َالْ َا ِِي َ َلَيْهَا َالْ ُؤَّفَة ُُو ُهمْ و ِي الرقَابِ َالْ َا ِ ِي َ و ِي َ ِيلِ َّ ِ َِبْنِ َّبِي ِ‬
                                                                               ‫َر ضة م الله َالله ع م ح م‬
                                                                  ‫ف ِي َ ً ِنْ َّ ِ و َّ ُ َلِي ٌ َكِي ٌ [التوبة:06].‬
‫ز ن‬            ‫ش ر‬           ‫م‬                    ‫ر‬            ‫خ‬               ‫ب ف‬               ‫م‬
‫َن جحَد وجو َها ك َر، ومن منعها أ ِذَت منه قَه ًا، وقيل: يأخذ اإلما ُ معها ال َّط َا، فعن به ِ ب ِ‬
        ‫فإن‬     ‫م‬                 ‫ِر‬                                    ‫جد‬
       ‫حكيم عن أبيه عن ِّه أن رسول اهلل قال: ((من أعطاها مؤتج ًا فله أجرها، ومن َنَعها َّا‬
                    ‫مٍ‬        ‫ل‬        ‫رب ز ل‬           ‫ز‬      ‫ة‬           ‫ر‬
   ‫آخذوها وشط َ ماله، عزم ً من ع َمات ِّنا ع ّ وج ّ، ال يح ّ آلل مح ّد منها شيء)) أخرجه‬
‫ال‬     ‫م‬               ‫سك‬                     ‫م‬                       ‫ي‬         ‫د‬
‫أحمد وأبو داو َ والنسائ ّ وصححه الحاكم(5)[5]. و َن حبسها تهاونًا وأم َ َها تكاسالً وكت َها بخ ً‬
  ‫ص‬              ‫إ‬                                         ‫أخ‬      ‫ص‬          ‫وغي شح‬
  ‫َّبها ًّا أو أنقَ َها أو َّرها عن وقت وجوبها مع إمكانِ أدائها وداعي ِخراجها فهو عا ٍ‬
         ‫مت‬        ‫ج‬      ‫ج‬       ‫ال‬       ‫ع‬                ‫ل م بع‬            ‫م‬
   ‫وآثم ومعتدٍ وظال ٌ، ال يسَم ِن ت ِ َتها وال يخرج من ُهدتها إ ّ بإخرا ِ ما و َب في ذ ّ ِه منها‬
                      ‫ج‬       ‫يؤد ت زم‬                       ‫م ض‬         ‫حق‬           ‫وتعل‬
     ‫َّق بماله من ِّها. و َن م َت عليه سنون لم ِّ زكا َها ل ِ َه إخرا ُ الزكاة عن جميعها‬
                                                                                                          ‫ت ة‬
                                                                                  ‫وال ّوب ُ واالستغفار عن تأخيرِها.‬
  ‫ت ي‬         ‫خ‬                 ‫س‬                              ‫حق‬         ‫ع‬                ‫م‬
 ‫يا َن جمع المال وأو َاه ومنَع َّ اهلل فيه وأوكاه وكنزه وأخفاه َتَنال عِقاب ما ب ِلت، وس ُعا ِن‬
 ‫أ م ْم‬            ‫و َّذ ي نز الذهب و ِض و ي ق ه ف س الل ِ َش ُ ب َ‬                                        ‫م‬      ‫م‬
 ‫شؤ َ ما ع ِلتَ، َال ِينَ َكْ ِ ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َال ُنفِ ُونَ َا ِي َبِيلِ َّه فَب ِّرْهمْ ِعذَابٍ َلِي ٍ يَو َ‬
  ‫ُ أل فسك ْ َذ ق م‬               ‫ي م ع ه ف ن ج َن َ ت و ب جب هه وجن به ظه ر ُ َذ م‬
 ‫ُحْ َى َلَيْ َا ِي َارِ َه َّم فَُكْ َى ِهَا ِ َا ُ ُمْ َ ُ ُو ُ ُمْ وَ ُ ُو ُهمْ ه َا َا كَنَزْتمْ َن ُ ِ ُم ف ُو ُوا َا‬
                 ‫ل‬                                                             ‫ك ُ ِز‬
   ‫ُنتمْ تَكْن ُونَ [التوبة:43، 13]، وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسو ُ الهدَى : ((من‬
     ‫م‬                   ‫ي و‬               ‫ر‬                            ‫ُث‬         ‫ً يؤد‬
‫آتَاه اهلل ماال فلم ِّ زكاتَه مِّل له يومَ القيامة شجاعًا أق َع له زبيبتان، ُط ّقه يومَ القيامة، ث ّ يأخذ‬
   ‫س َن َّذ ن ي ل بم‬                  ‫و‬                      ‫ل‬                       ‫ش‬              ‫م‬
  ‫بلهز َتَيه ـ يعني ب ِدقَيه ـ ثم يقول: أنا ماُك أنا كنزك))، ثم تال: َال يَحْ َب َّ ال ِي َ َبْخَُونَ ِ َا‬
             ‫خل ب ْ ق مة‬                           ‫ل ه ْر ُ َ ه َر ُ سي َّق‬                               ‫ُ الله م‬
  ‫آتَاهمْ َّ ُ ِنْ فَضِْهِ ُوَ خَي ًا لَهمْ بلْ ُوَ ش ٌّ لَهمْ َ ُطَو ُونَ مَا بَ ُِوا ِهِ يَومَ الْ ِيَا َ ِ [آل عمران:‬
‫ب‬           ‫م‬             ‫ل‬
‫055] أخرجه البخاري(7)[7]، وعنه رضي اهلل عنه قال: قال رسو ُ اهلل : ((ما ِن صاحبِ ذه ٍ‬
            ‫م‬             ‫ئ‬         ‫صفح‬                            ‫حق‬       ‫يؤد‬    ‫ض‬
  ‫وال ف ّة ال ِّي منها َّها إال إذا كان يوم القيامة ِّ َت له صفا ِح من نار فأح ِي عليها في‬
                                      ‫كل ُد أ‬              ‫ن‬         ‫ج‬      ‫جهن ي و‬
     ‫نار َّم، ف ُك َى بها َنبه وجبي ُه وظهره، َّما ر َّت ُعيدت له، في يومٍ كان مقداره خمسين‬
                          ‫ن‬         ‫ن م‬              ‫م‬                          ‫يض‬
     ‫ألفَ سنة، حتى ُق َى بين العباد فيرى سبيله إ ّا إلى الج ّة وإ ّا إلى ال ّار، وال صاحبِ إبلٍ ال‬
       ‫ٍق َ‬          ‫بط‬                      ‫ال‬
     ‫ِّي منها َّها ـ و ِن ِّها حل ُها يو َ ِردِها ـ إ ّ إذا كان يوم القيامة ُ ِح لها بقاع َرقرٍ‬
                                                        ‫مو‬       ‫ب‬      ‫م حق‬        ‫حق‬       ‫يؤد‬
        ‫أ‬      ‫ل مر‬               ‫ض‬       ‫ف‬        ‫ؤ‬      ‫ص ال د‬
   ‫أَوفرَ ما كانَت، ال يفقِد منها ف ِي ً واح ًا، تط ُه بأخفا ِها وتع ّه بأفواهها، كّما َّ عليه ُوالها‬
     ‫ل م‬                        ‫ض‬                                    ‫م‬                    ‫ُد‬
    ‫ر َّ عليه أخراها، في يو ٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنَة، حتى يق َى بين العباد فيرى سبيَه إ ّا‬
 ‫بط‬                            ‫حق‬       ‫د‬                 ‫ق‬                         ‫ن م‬
‫إلى الج ّة وإ ّا إلى النار، وال صاحب بَ َر وال غنَم ال يؤ ّي منها َّها إال إذا كان يوم القيامة ُ ِح‬
 ‫ؤ‬              ‫ح‬           ‫ع‬     ‫ج ء‬                                     ‫ق‬        ‫ق‬
‫لها بقاع قَر َر ال يف ِد منها شيئًا، ليس فيها عَقصاء وال َلحا ُ وال َضباء، تنطَ ُه بقرونها وتط ُه‬
                                      ‫م‬             ‫أ‬      ‫ُد‬        ‫أ‬      ‫ل مر‬
       ‫بأظالفها، كّما َّ عليه ُوالها ر َّ عليه ُخراها، في يو ٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة، حتى‬
‫ة‬                                               ‫ن م‬              ‫م‬            ‫ي‬               ‫ض‬
‫يق َى بين العباد ف َرى سبيلَه إ ّا إلى الج ّة وإ ّا إلى النار)) أخرجه مسلم(3)[3]. يا لها من عقوب ٍ‬
                                                                                 ‫م‬      ‫ب‬             ‫ج‬      ‫مغل‬
                                                                              ‫َّظة تر ُف منها القلو ُ المؤ ِنة.‬
       ‫ن ز‬                               ‫د‬                 ‫َ ري‬                 ‫س‬        ‫الز‬
    ‫يا مانِع َّكاة، أن ِيتَ أن األموال عا ِ َة عند أربابها وو ِيعة عند أصحابها؟! أنَسيتَ أ ّ ال ّكاة‬
       ‫د غ م‬                     ‫م‬                 ‫ر‬                                  ‫ع‬
      ‫يعود نف ُها عليك ويرجِع ثوابها إليك؟! فحذا ِ حذار أن تكونَ م ّن يراها نقصًا ويع ّها ُر ًا‬
                                                 ‫ب‬        ‫ي‬                     ‫ف ال‬            ‫ر‬
                                               ‫وخسا ًا، فال ين ِق إ ّ كرهًا، وال يرجو لما ُعطي ثوا ًا.‬
‫د‬            ‫ث‬                 ‫ط‬                  ‫زك‬          ‫ص‬             ‫زك‬         ‫ع‬
‫يا َبد اهلل، ِّ مالَك بإخال ٍ واحتساب، ِّ مالَك بانشراحٍ و ِيب نفسٍ رجاءَ ال ّواب، فعن عب ِ‬
                   ‫ع‬       ‫ن‬          ‫ة‬                                                 ‫ن‬
 ‫اهلل ب ِ معاوية رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ثالث ٌ من فعلَه ّ فقد ط ِم طعمَ اإليمان: من‬
              ‫كل‬        ‫س ِد‬               ‫طي‬                                    ‫د ن‬
‫عبد اهلل وح َه وأ ّه ال إله إال اهلل، وأعطى زكاةَ ماله ِّبةً بها نف ُه راف َةً عليه َّ عام، وال يعطي‬
       ‫أ‬           ‫فإن‬           ‫س‬                      ‫ش‬                      ‫َّر‬
    ‫الهرِمة وال الد ِنة وال المريضة وال ال ّرط اللئيمة، ولكن من و َط أموالِكم، َّ اهلل لم يسَلكم‬
                                                                              ‫بشر‬   ‫م‬
                                                     ‫خيرَه ولم يأ ُركم ِّه)) أخرجه أبو داود(4)[4].‬
                                                                           ‫والر‬
       ‫يا أهلَ المال ِّياش والكسب والمعاش، ارحموا السائلَ المحروم، وأَعطوا الفقيرَ المعدوم،‬
                                  ‫ك يت‬                  ‫ج‬                                  ‫وتصد‬
                 ‫َّقوا على المسكين المهموم الذي ال ي ِد ما يقوم به و ِفا َ ِه وكفاية من يمون.‬
             ‫ن‬             ‫ل‬      ‫ء‬                ‫ش‬                          ‫س‬       ‫ب‬
 ‫يا أهلَ ال َذل وال ّخاء واإلنفاق والعَطاء، أب ِروا بحسنِ الجزا ِ والخََف والبركة والّماء، فقد قال‬
                                                       ‫ة‬      ‫ص‬
                            ‫الصادق المصدوق : ((ما نقَ َت صدق ٌ من مال)) أخرجه مسلم(1)[1].‬
         ‫ة‬         ‫ب‬      ‫ر‬      ‫ر‬                                                        ‫م وف‬
         ‫يا َن َّقك اهلل ألدائها وأعانَك على إخراجها، جعلها اهلل لك طَهو ًا ونو ًا وقر َة وهناءَ ً‬
  ‫وم ُ م ْ ز ة‬                ‫ع‬                                                       ‫ج‬      ‫ر‬
  ‫وسرو ًا، وآ َرك اهلل فيما أعطَيتَ، وبارك لك فيما أنفَقتَ، قال جل في ُاله: َ َا آتَيْتمْ ِن َكَا ٍ‬
                                                                 ‫ه م ف‬                   ‫الل ِ أ‬        ‫ُر د ن‬
                                                  ‫ت ِي ُو َ وَجْهَ َّه فَُوْلَئِكَ ُمْ الْ ُضْعِ ُونَ [الروم:33].‬
                                               ‫ي‬
   ‫بارَكَ اهلل لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما‬
                    ‫ف‬                  ‫ل‬                                                ‫م‬
        ‫تس َعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من ك ّ ذنب وخطيئة فاستغ ِروه، فقد فاز‬
                                                                                                     ‫ف‬
                                                                                                 ‫المستغ ِرون.‬


                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                       ‫ق‬               ‫ش‬                     ‫د‬
‫الحم ُ هلل على إحسانه، وال ّكر له على توفي ِه وامتنانه، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحدَه ال شريكَ له‬
             ‫ل‬    ‫ن‬                              ‫د‬       ‫ِّد‬     ‫ن ي‬
  ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد أ ّ نبّنا وسي َنا محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوا ِه، صّى اهلل عليه‬
                                                        ‫ر‬              ‫ل‬
                                                      ‫وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسّم تسليمًا كثي ًا.‬
     ‫َيه َّذ ن من اتق الل‬                                                                   ‫ي‬             ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسلمون، اتقوا اهلل وراقبوه وأطيعوه وال تعصوه، يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ‬
                                                                                       ‫وك ن م الص دق‬
                                                                      ‫َ ُو ُوا َعَ َّا ِ ِينَ [التوبة:355].‬
           ‫م‬               ‫ي ه‬           ‫س‬                    ‫ل‬      ‫ل‬     ‫ي حب‬                ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، ُست َ ّ للمسِم أن يِيَ تفرقةَ زكاته بنف ِه، وله أن َع َد بتوزيعها إلى َن يثِق به‬
             ‫ج‬         ‫االت ر‬                   ‫ر‬           ‫ك‬                           ‫م ألم‬
     ‫ِن ا ُ َناء األقوياء، وال يجوز للو ِيلِ استثما ُ أموالِ الزكاة وال ِّجا ُ بها، وي ِب على من‬
        ‫ة‬     ‫م‬      ‫ر‬
        ‫ِّيه، وال يجوز له تأخي ُه بال َصلَح ٍ‬
                                           ‫وكلَ إليه توزي ُ مال زكو ّ أن يع َلَ بإخراجه لمستحق‬
                                                            ‫ج‬       ‫ي‬     ‫ع ٍ‬               ‫ِ‬
                                                                                                       ‫معتبرة.‬
                    ‫حّ‬                            ‫َد‬        ‫ة ة ع معي‬              ‫تول ق‬
  ‫ومن َّى ِسمةِ زكا ٍ نياب ً َن َّن فال يع ّ من العاملين عليها، وال يست ِق فيها، وال يجوز له‬
     ‫ل‬                               ‫م‬          ‫قرك‬          ‫َ ر يط‬                ‫ال‬      ‫م‬
   ‫األخذ ِنها، إ ّ أن يكون فقي ًا ف ُع َى منها َد َ ِفايته. وأ ّا العاملون عليها الذين هم من أهِها‬
             ‫ل‬            ‫ويول‬                              ‫ُس‬        ‫حف‬         ‫س‬        ‫ج‬
          ‫فهم ُباتها و ُعاتها و ُ ّاظها وق َّامها الذين يبعثهم اإلمام ألخذها ِّيهم على تحصيِها.‬
 ‫أ ّها المسلمون، ال ّكا ُ أنواع وأقسا ٌ ومسا ِل وأحكام، فاسأَلوا أهلَ العلم َّا أش َل، ورا ِعوا أه َ‬
 ‫ل‬       ‫ج‬       ‫عم ك‬                                  ‫ئ‬      ‫م‬             ‫ز ة‬                  ‫ي‬
             ‫ِ‬      ‫ه‬                 ‫ص‬                                                ‫ذ عم‬
 ‫ال ّكر َّا أقفَل، واستعينوا بالعلم على أداءِ الواجب وبال ّبر على شكرِ الوا ِب القائلِ في الكتاب‬
                                             ‫َ ت َز َن ُ و ئ َ ت ِن َ ب َد د‬                                  ‫ئ‬
                                ‫المجيد: لَ ِنْ شَكرْ ُمْ أل ِيد َّكمْ َلَ ِنْ كَفرْ ُمْ إ َّ عذَا ِي لَش ِي ٌ [إبراهيم:2].‬
        ‫ي‬        ‫وأي‬         ‫ب‬                                            ‫َ‬                     ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلمون إن اهلل أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بمالئكته المسّحة بقدسه، َّه بكم أ ّها‬
  ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬                                                 ‫س‬      ‫جن‬
‫المؤمنون من ِّه وإن ِه، فقال قوالً كريمًا: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا‬
                                                                                  ‫لم‬         ‫َل ع و َلم‬
                                                                   ‫صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
‫ل م صل‬               ‫ل‬                 ‫ل م صل‬                                ‫َّهم ل وسل‬
‫الل َّ ص ّ ِّم على النبي المصطفى المختار، الّه ّ ِّ عليه ما تعاقب الّيل والنهار، الّه ّ ِّ‬
                                                 ‫ص‬
                                      ‫عليه وعلى المهاجرين واألنصار وجميعِ اآلل وال ّحب األخيار.‬
                                                                                              ‫م‬        ‫ل م ِز‬
                                                                                 ‫الّه ّ أع ّ اإلسال َ والمسلمين...‬
                                                                                                     ‫__________‬
 ‫(5) مسند أحمد (1/7)، سنن أبي داود: كتاب الزكاة، باب: في زكاة السائمة (1215) واللفظ له،‬
         ‫سنن النسائي: كتاب الزكاة، باب: سقوط الزكاة عن اإلبل إذا كانت رسال ألهلها (3447)،‬
       ‫مستدرك الحاكم (5/411)، وصححه أيضا ابن خزيمة (4/55)، وحسنه األلباني في اإلرواء‬
                                                                                                               ‫(532).‬
                                   ‫(7) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة (3045).‬
                                                                       ‫(3) صحيح مسلم كتاب الزكاة (253).‬
     ‫(4) سنن أبي داود: كتاب الزكاة، باب: في زكاة السائمة (7515)، وأخرجه أيضا البيهقي في‬
    ‫السنن الكبرى (4/13)، والشعب (3/255)، وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة (6405).‬
              ‫(1) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (5517) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/2744)‬




                                                                                    ‫عداوة الشيطان لإلنسان ـ 5‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                             ‫التربية والتزكية, الجن والشياطين, الفتن, الكبائر والمعاصي‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                                                  ‫الدمام‬
                                                                                       ‫جامع بالط الشهداء‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أهمية الحديث عن عداوة الشيطان. 7- الحكمة من خلق الشيطان. 3- أسباب عداوة الشيطان‬
                  ‫لإلنسان. 4- أساليب الشيطان في إغواء اإلنسان. 1- وسوسة الشيطان وطرقها.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                            ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل حق التقوى.‬
     ‫أيها اإلخوة، موضوعنا في هذه الخطبة هو من األهمية بمكان، ومع عظم أهميته إال أنك تجد‬
                                                                                     ‫ر‬
‫قصو ًا بعدم االهتمام به عند كثير من المسلمين، بالرغم من أن القرآن الكريم والسنة المطهرة قد‬
                    ‫عنيا به أشد العناية، إنه موضوع عداوتنا األبدية لعدونا اللدود الشيطان الرجيم.‬
   ‫إن تحذير اهلل تعالى لعباده من الشيطان جاء في القرآن أكثر وأعظم من تحذيره من النفس، فإن‬
‫شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، ولذلك أمر اهلل باالستعاذة من شر الشيطان في عدة مواضع‬
                  ‫َق ْ َب ع ذ ب م ه َز الشي ط ن و ع ذ ب َ َب ي ضر‬
 ‫من كتابه: و ُل ر ِّ أَ ُو ُ ِكَ ِنْ َم َاتِ َّ َا ِي ِ َأَ ُو ُ ِك ر ِّ أَنْ َحْ ُ ُونِ [المؤمنون:23،‬
                                                                                                      ‫53].‬
     ‫أيها اإلخوة، إن كل واحد منا معه قرين من الشياطين يأمره بالشر، ويوسوس له، ويصده عن‬
                       ‫ال‬
‫الطاعة، فعن عائشة رضي اهلل عنها أن رسول اهلل خرج من عندها لي ً، قالت: فغرت عليه، فجاء‬
‫فرأى ما أصنع، فقال: ((ما لك يا عائشة؟ أغرت؟)) فقلت: وما لي ال يغار مثلي على مثلك؟! فقال‬
                                  ‫و‬
 ‫رسول اهلل : ((أقد جاء شيطانك؟)) قالت: يا رسول اهلل، أ َمعي شيطان؟ قال: ((نعم))، قلت: ومع‬
   ‫كل إنسان؟ قال: ((نعم))، قلت: ومعك يا رسول اهلل؟! قال: ((نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى‬
                                                                                                    ‫أسلم)).‬
                                                                    ‫ل‬
‫أيها المسلمون، إن اهلل ج ّ وعال له الحكمة البالغة في خلقه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، ولذلك‬
 ‫وه ح م‬
 ‫دائمًا ما تختم كثير من اآليات في القرآن الكريم بصفتي العلم والحكمة، كقوله تعالى: َ ُوَ الْ َكِي ُ‬
                                                                                                 ‫ع م‬
                                                                                    ‫الْ َلِي ُ [الزخرف:45].‬
      ‫وربما قد يسأل أحد نفسه: ما الحكمة من خلق الشيطان؟! والجواب: إن اهلل تعالى خلق إبليس‬
                      ‫ي‬
      ‫لحكمة أرادها سبحانه من خلقه، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فال ُشترَط في اإليمان‬
                           ‫ال‬
‫بالغيب معرفة الحكمة، وإال أصبح نصيب اإليمان في القلب ضئي ً، حيث إن اإلنسان يجهل أشياء‬
      ‫كثيرة ال يحيط بعلمها إال اهلل الذي خلقها وأوجدها، فعلم اإلنسان ال يساوي ذرة في هذا العالم‬
                                   ‫وم أ ت ُ م ع ْ إ َّ ل ال‬
 ‫الفسيح بالنسبة إلى علم اهلل، َ َا ُو ِيتمْ ِنْ الْ ِلمِ ِال قَِي ً [اإلسراء:15]. ولذلك أول وأعظم صفة‬
‫ك ب ر ف ُد ل ُتق َّذ ن‬
‫يتصف بها المتقون هي اإليمان بالغيب، قال تعالى: الم ذَلِكَ الْ ِتَا ُ ال َيْبَ ِيهِ ه ًى ِلْم َّ ِينَ ال ِي َ‬
                                                       ‫ب ويق م الص و ِم َز ُ ي فق‬                                 ‫ي من‬
                                      ‫ُؤْ ِ ُونَ بِالْغَيْ ِ َ ُ ِي ُونَ َّالة َم َّا ر َقْنَاهمْ ُن ِ ُونَ [البقرة:5-3].‬
         ‫ولقد اجتهد بعض العلماء في استنباط بعض الحكم من خلق الشيطان، وذكروا أشياء كثيرة،‬
                                                                           ‫وسأقتصر على بعضها، فمن هذه الحكم:‬
                                                           ‫د‬
          ‫5– إظهار قدرة اهلل على خلق المتضا ّات مثل خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة‬
                ‫ل‬
     ‫والموت، وكذلك خلق الشيطان الذي هو أصل الشر وخلق جبريل، فجعل اهلل ج ّ وعال الطيب‬
                                                ‫ز‬                                          ‫ز‬
                        ‫منحا ًا إلى روح جبريل عليه السالم، والخبيث منحا ًا إلى روح إبليس الخبيثة.‬
      ‫7– من الحكم في خلق الشيطان إظهار مراتب العبودية لعباد اهلل المؤمنين، فالعبودية والمحبة‬
                                 ‫والصبر والطاعة هلل تعالى تظهر عند مجاهدة المؤمنين للشيطان وحزبه.‬
       ‫3– ومنها ظهور حلم اهلل وعفوه ومغفرته وستره على عباده، بعد إغوائهم من قبل الشيطان،‬
                                                                            ‫وتوبتهم إلى ربهم، وهذه حكمة ظاهرة.‬
‫4– وكذلك من الحكم حصول العبرة والخوف والعظة لجميع العباد بما حصل لعدو اهلل إبليس، من‬
                ‫ل‬
          ‫اإلهانة والذل وسوء العاقبة، بسبب عصيانه أمر اهلل تعالى واستكباره على ربه ج ّ وعال.‬
    ‫أيها اإلخوة، إن من أسباب عداوة الشيطان لإلنسان استكبار الشيطان وعدم سجوده، فعندما أمر‬
   ‫اهلل المالئكة بالسجود آلدم استكبر إبليس وامتنع عن السجود وكان من جملة المالئكة؛ ألنه رأى‬
     ‫ي‬                                                               ‫ص‬           ‫ل‬
   ‫أن اهلل ج ّ وعال قد خ ّ آدم عليه السالم بأنواع الكرامة وعلو المنزلة عنده تعالى، حيث م ّزه‬
                                                                                  ‫ر‬
    ‫وك ّمه على سائر خلقه، وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، بخالف غيره من المخلوقات، وخلقة‬
                                           ‫ل‬
  ‫على أحسن هيئة وقوام، وأسجد له مالئكته، وعّمه أسماء كل شيء من مخلوقاته، وأسكنه جنته،‬
       ‫ل‬
  ‫حينئذ بلغ الكبر من عدو اهلل إبليس كل مبلغ، وثار الحقد والحسد الدفين في نفسه، واهلل ج ّ وعال‬
 ‫يخبرنا بهذه الحقيقة في قوله: َإذ ُلْنَا ِلْمَال ِكَةِ اسْج ُوا آلدم فَسَج ُوا إ َّ ِبِْيسَ أَ َى َاسْتَكْبرَ َكَا َ‬
 ‫ب و َ و ن‬                   ‫َ َ َد ِال إ ل‬             ‫ُد‬         ‫وِ ْ ق ل ئ‬
   ‫م ص ص ل م ح إ م ن ن و َان‬                      ‫إل‬                  ‫و‬                             ‫م ك ِر‬
   ‫ِنَ الْ َاف ِينَ [البقرة:43]، وقال تعالى: َلَقَدْ خَلَقْنَا ا ِنْسَانَ ِنْ َلْ َا ٍ ِنْ َمٍَ َسْ ُو ٍ َالْج َّ‬
‫خَلَقْنَا ُ ِنْ قَب ُ ِنْ َارِ َّ ُو ِ َإذ قَالَ ر ُّكَ ِلْمَال ِكَةِ إ ِّي خَالِ ٌ َش ًا ِنْ َلْصَالٍ ِنْ َ َإٍ َسْ ُو ٍ‬
‫م حم م ن ن‬                ‫ق ب َر م ص‬           ‫َب ل ئ ِن‬                       ‫ه م ْل م ن السم م وِ ْ‬
  ‫ئ ة ُل ُ مع ِال إ ل أب أ‬                               ‫ُ ف ه م ر ح ع ه ِد َ ج‬                              ‫ِذ َو ته و‬
‫فَإ َا س َّيْ ُ ُ َنَفَخْت ِي ِ ِنْ ُو ِي فَقَ ُوا لَ ُ سَاج ِين فَسَ َدَ الْمَال ِكَ ُ كُّهمْ أَجْ َ ُونَ إ َّ ِبِْيسَ َ َى َنْ‬
   ‫ج لب َر ته م‬                    ‫َ ك‬            ‫َال ك ن م الس ِد َ‬              ‫إلسم‬                ‫الس جد َ‬          ‫يك‬
 ‫َ ُونَ مَعَ َّا ِ ِين قَالَ يَا ِبِْي ُ َا لَكَ أ َّ تَ ُو َ َعَ َّاج ِين قَالَ لمْ أَ ُنْ ألَسْ ُدَ ِ َش ٍ خَلَقْ َ ُ ِنْ‬
                                                                                        ‫صص م ح إ م ن‬
                                                                      ‫َلْ َالٍ ِنْ َمٍَ َسْ ُونٍ [الحجر:57-33].‬
                                         ‫ُر‬
  ‫إن إبليس كان من جملة المالئكة، يعبد اهلل، ثم ط ِد بسبب استكباره وجحوده وحسده، وقد عامله‬
     ‫ر‬      ‫ِر‬                                        ‫ب‬
    ‫اهلل بنقيض قصده، فعندما كان قصده التك ّر كان عاقبة هذا التكبر أن أخرجه اهلل صاغ ًا حقي ًا‬
   ‫م م يك ن ك‬                         ‫َ‬                                                         ‫ال ت‬
   ‫ذلي ً مّصفًا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، قال تعالى: قَال فَاهْبِطْ ِنْهَا فَ َا َ ُو ُ لَ َ‬
                                                           ‫ر ِنك م الص ِر‬               ‫َّ ف ه‬
          ‫أَنْ تَتَكَبرَ ِي َا فَاخْ ُجْ إ َّ َ ِنَ َّاغ ِينَ [األعراف:55]. وبعد أن كان مرافقًا للمالئكة في‬
                                                                                  ‫مك‬
    ‫ال َلَ ُوت األعلى، صار رأس الشر وقائد الفساد في األرض، فإبليس يستحق هذا من اهلل تعالى؛‬
                                                           ‫ف‬                        ‫ق‬
   ‫ألن تن ّصه آلدم وازدراءه به وتر ّعه عليه يعتبر مخالفة لألمر اإللهي ومعاندة للحق، ولم يكتف‬
         ‫إبليس بذلك، بل أخذ يتكّم بكالم ال يجدي، قَالَ أَنَا خَيْ ٌ ِنْ ُ خَلَقْتَ ِي ِنْ نَا ٍ وَخَلَقْتَ ُ ِنْ ِي ٍ‬
         ‫ه م طن‬                ‫ن م ر‬                 ‫ر مه‬                                     ‫ل‬
                                                                                                       ‫[األعراف:75].‬
‫لقد كان طرد إبليس من الجنة وهبوطه إلى األرض ومفارقة الحياة المالئكية في جوار رب البرية‬
                           ‫ح‬
  ‫سببًا من أسباب عداوته لإلنسان وحقده عليه وحربه لبني آدم، فما إن َكَمَ اهلل تعالى على إبليس‬
        ‫م ق‬                               ‫يظ ه‬
    ‫بالطرد واإلبعاد من الجنة حتى طلب من اهلل أن ُنْ ِرَ ُ إلى يوم البعث والنشور، فل ّا تح ّق له‬
                                ‫ع‬       ‫ج‬
‫وعد اهلل تعالى بإنظاره إلى يوم القيامة أخذ يرعد ويته ّم ويتو ّد هذا اإلنسان بالغواية واإلضالل؛‬
     ‫ألنه يرى أن هذا اإلنسان هو السبب الرئيس في طرده من الجنة وهبوطه إلى األرض، فأخذ‬
                                                                ‫ّد‬     ‫د‬        ‫ث‬
        ‫عزمًا مو ّقًا وعه ًا مؤك ًا أن يجتهد كل االجتهاد في صرف بني آدم عن دخول تلك الجنة.‬
                        ‫ر‬
   ‫أيها المسلمون، إن عداوة الشيطان لإلنسان عداوة قديمة ومتوارثة في ذ ّيته وأتباعه، فقد أعلن‬
                                                    ‫ز ل‬
 ‫إبليس هذه العداوة منذ خلق اهلل ع ّ وج ّ آدم عليه السالم، فعن أنس بن مالك أن رسول اهلل قال:‬
                  ‫ي ف‬                                                              ‫َو‬
  ‫((لما ص َّرَ اهلل آدم في الجنة تركه ما شاء اهلل أن يتركه، فجعل إبليس ُطِي ُ به، ينظر ما هو،‬
                                                              ‫يم‬                 ‫خ‬           ‫َ‬
                                              ‫فلما رآه أَجْوفَ عرف أنه ُلِقَ خلقًا ال َتَ َالك)) رواه مسلم.‬
                                                           ‫ل‬     ‫ب‬
    ‫ولذلك حين غضب الج ّار ج ّ وعال على إبليس بسبب استكباره وكفره وجحوده لنعم ربه قال‬
    ‫ُم ت َن ُ م ب ن‬                    ‫م‬          ‫و ن َ ُ َن ُ ِر‬                      ‫َ ب‬                     ‫ّد‬
    ‫إبليس متوع ًا آلدم وذريته: قَال فَ ِمَا أَغْ َيْتَ ِي ألقْعد َّ لَهمْ ص َاطَكَ الْ ُسْتَقِيمَ ث َّ آل ِيَّهمْ ِنْ َيْ ِ‬
                          ‫ِر‬       ‫ن ِ وع م ئله و ِد َ ُ‬                                ‫ف ِ وع‬          ‫ْد ه وم‬
     ‫أَي ِي ِمْ َ ِنْ خَلْ ِهمْ َ َنْ أَيْمَا ِهمْ َ َنْ شَ َا ِِ ِمْ َال تَج ُ أَكْثرَهمْ شَاك ِينَ [األعراف:65، 25].‬
     ‫إن عداوة الشيطان لنا ـ أيها اإلخوة ـ تبدأ من والدتنا، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول‬
           ‫س‬        ‫خ‬     ‫هل‬
  ‫يقول: ((ما من بني آدم مولود إال يمسه الشيطان حين يولد، فيست ِ ّ صار ًا من مَ ّ الشيطان،‬
               ‫الرج‬        ‫وِن أع ذ ك َذ ِّي ه م الش‬
        ‫غير مريم وابنها))، ثم يقول أبو هريرة: َإ ِّي ُ ِي ُهَا بِ َ و ُر َّتَ َا ِنْ َّيْطَانِ َّ ِيمِ [آل‬
        ‫عمران:63] رواه البخاري. وهذا الطعن من الشيطان للمولود هو بداية التسليط، ثم يستمر‬
                                                            ‫ويستمر مسلسل التسليط حتى نهاية عمر اإلنسان.‬
                                                                                ‫ر‬
                                                        ‫أسأل اهلل أن يعيذنا من ش ّ الشيطان، إنه سميع عليم.‬
      ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من اآليات والحكمة. أقول ما سمعتم،‬
                     ‫وأستغفر اهلل لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات، فاستغفروه إنه غفور رحيم.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
              ‫ي‬        ‫د‬                               ‫من‬
  ‫الحمد هلل الذي أعظم على عباده ال ِ ّة بما دفع عنهم كيد الشيطان، ور ّ أمله وخّب ظنه، وأشهد‬
    ‫ه‬                                  ‫د‬
   ‫أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن نبينا محم ًا عبد اهلل ورسوله، قائد الخلق ومم ّد‬
                                             ‫ر‬              ‫ل‬
                                           ‫السنة، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه، وسّم تسليمًا كثي ًا.‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، إن شدة عداوة الشيطان لنا تكمن في أنها من عدو خفي، فهو يأتي‬
      ‫ِنه َر ُ هو َ ب له م ح ث َ ن ُ‬
    ‫لإلنسان ويؤثر فيه من حيث ال يراه، كما قال تعالى: إ َّ ُ ي َاكمْ ُ َ وقَ ِيُ ُ ِنْ َيْ ُ ال ترَوْ َهمْ‬
‫[األعراف:27]، فهذا العدو يحتاج إلى مواجهة اإلنسان له واتقاء خطره بمثل مستوى أساليبه التي‬
                                ‫ت‬
‫يدخل بها على اإلنسان، فيجب أن نقاومه كما نقاوم الجراثيم الفّاكة التي ال نراها، وال نستطيع أن‬
                                                                               ‫نقاومه إال باالستعانة واالستعاذة باهلل.‬
     ‫أيها اإلخوة، إن الشيطان له خطوات وأساليب يستخدمها إلغواء بني آدم، فمن ذلك أنه يأمره‬
  ‫َتبع خطو الش ن وم َتب خطو ت‬                               ‫َي َّذ من‬
  ‫بالفحشاء والمنكر، قال تعالى: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال ت َّ ِ ُوا ُ ُ َاتِ َّيْطَا ِ َ َنْ يَّ ِعْ ُ ُ َا ِ‬
  ‫ج‬               ‫ب ل‬                                     ‫ءو م َ‬                   ‫الش ِ ِنه ُر‬
 ‫َّيْطَان فَإ َّ ُ يَأْم ُ بِالْفَحْشَا ِ َالْ ُنْكرِ [النور:57]. إن مخالفة إبليس لر ّه ج ّ وعال كانت خرو ًا‬
 ‫عن أمر اهلل، ولذلك سعى في إيقاع اإلنسان بنفس تلك المعصية، من خالل سعيه لخروج اإلنسان‬
                                                                               ‫عن طاعة اهلل بفعل الفحشاء والمنكر.‬
‫إن الشيطان حين يدعو اإلنسان للفحشاء والمنكر ال يدعوه بصوت مسموع، ولكنه بما آتاه اهلل من‬
                                                     ‫جر‬
    ‫قدرة على النفوذ إلى بدن اإلنسان و َ َيانه منه مجرى الدم، فإنه يستخدم عدة وسائل في ذلك،‬
   ‫فمنها الوسوسة، فهو يصل إلى صدر اإلنسان، ويوسوس له بطريقة ال ندركها، حتى يقوده إلى‬
                                                                       ‫َّد‬
  ‫مهاوي الر َى والخسران، فالوسوسة هي أساس وبداية كل الشرور والذنوب والمعاصي، ولذلك‬
    ‫جاءت االستعاذة من شر وسوسة الشيطان في سورة الناس بثالث صفات من صفات اهلل، هي‬
                                                                                                      ‫الرب والملك واإلله.‬
        ‫وقد استخدم إبليس وسيلة الوسوسة ألول مرة مع أبينا آدم عليه السالم وزوجه حواء، حتى‬
   ‫و ِ ع هم م‬              ‫هم الش ن لي ْد ه‬                      ‫و‬
 ‫أغراهما باألكل من الشجرة، يقول تعالى: فَ َسْوَسَ لَ ُ َا َّيْطَا ُ ِ ُب ِيَ لَ ُمَا مَا ُوريَ َنْ ُ َا ِنْ‬
         ‫لد ن‬           ‫ك م‬                     ‫ك م‬             ‫ه ك َبك ع ه الش َر ِال‬                               ‫ته َ‬
         ‫سَوْآ ِ ِمَا وقَالَ مَا نَ َا ُمَا ر ُّ ُمَا َنْ َذِهِ َّج َةِ إ َّ أَنْ تَ ُونَا َلَكَيْنِ أَوْ تَ ُونَا ِنَ الْخَاِ ِي َ‬
                     ‫ك‬                                     ‫َ سمه ِن ك م الن صح‬
‫وقَا َ َ ُمَا إ ِّي لَ ُمَا لَ ِنَ َّا ِ ِينَ [األعراف:07، 57]، فهو قد أظهر وأ ّد لهما أنه ناصح، وكان‬
                                        ‫حي‬                                          ‫يط‬
 ‫ُبْ ِنَ العداوة والكره لهما. فالوسوسة حيلة من ِ َل إبليس في دخوله على اإلنسان، وهو مستمر‬
    ‫في حيلته ومواظب عليها ال يفتر عنها، إذ يوسوس لإلنسان باألمور القبيحة واألفكار الرديئة،‬
                 ‫ّ‬                     ‫ك‬
‫ولكن المؤمن الحق حين يصيبه الشيطان بالوسوسة يتذ ّر ويبصر فال يقع في فَخ غوايته، بل ينتبه‬
       ‫ِن َّذ ن ات ِذ َسه ئف م الش ن‬
       ‫من الغفلة فيكون أشد اتقاءً من قبل، قال تعالى: إ َّ ال ِي َ َّقَوْا إ َا م َّ ُمْ طَا ِ ٌ ِنَ َّيْطَا ِ‬
                                                                                         ‫َ َكر ِذ ُ م صر‬
                                                                       ‫تذ َّ ُوا فَإ َا همْ ُبْ ِ ُونَ [األعراف:507].‬
 ‫إن وسوسة الشيطان هي دليل ضعفه وعجزه أمام عباد اهلل المؤمنين، إذ ال يستطيع تجاوزها إلى‬
   ‫تحقيق مقصده الخبيث، فالوسوسة نهاية كيد الشيطان ومكره بالمؤمن، فهي واهلل مكيدة ضعيفة،‬
                                                       ‫ِن ْ الش ن ن ضع‬
        ‫قال تعالى: إ َّ كَيدَ َّيْطَا ِ كَا َ َ ِيفًا [النساء:62]. …إن الشيطان يستخدم الوسوسة في‬
          ‫ن‬
   ‫صراعه مع اإلنسان، خاصة كلما توجه العبد إلى ربه وأقبل عليه، فإن الوسواس الخَّاس ينشط‬
                                                        ‫في وسوسته؛ كي يصرفه عن إقباله على ربه سبحانه.‬
                                                                        ‫والوسوسة الشيطانية أنواع وأصناف منها:‬
                                            ‫ذ‬        ‫ع‬
        ‫5- التلبيس بالحق، فيقول لإلنسان: تن ّم بالمل ّات فإن العمر طويل، والصبر عن الشهوات‬
                                                    ‫د‬                           ‫ك‬
                ‫صعب، فإذا تذ ّر العبد وعد اهلل ووعيده وج ّد إيمانه ويقينه خَنَسَ الشيطان وهرب.‬
                             ‫7- وتكون الوسوسة بتحريك الشهوة وهيجانها وتزيينها في عين اإلنسان.‬
                                                                              ‫ض‬
‫3- وأي ًا هناك الوسوسة التي تكون بمجرد الخواطر وتذكر ما قد نسيه اإلنسان، وتعتبر الصالة‬
                                                            ‫ل‬
    ‫من أعظم المجاالت التي يستغّها الشيطان في وسوسته لإلنسان، قال رسول اهلل : ((إذا نودي‬
   ‫ُوب‬                           ‫قض‬                              ‫ُر‬
 ‫للصالة أدبر الشيطان وله ض َاط حتى ال يسمع التأذين، فإذا ُ ِيَ النداء أقبل، حتى إذا ث ِّ َ ـ‬
                                               ‫قض الت و ب‬
‫أي: اإلقامة ـ أدبر، حتى إذا ُ ِيَ َّثْ ِي ُ أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا،‬
                                   ‫ل‬
                  ‫اذكر كذا، لما لم يذكره، حتى يظل الرجل ال يدري كم صّى)) رواه البخاري.‬
                                                      ‫وللحديث بقية بإذن اهلل في خطب قادمة.‬
                                      ‫ب‬                        ‫هم‬
    ‫أسأل اهلل أن يعيذنا من َ َزات الشياطين، ونعوذ به رّنا أن يحضرونا. اللهم فاطر السماوات‬
     ‫واألرض، عالم الغيب والشهادة، ال إله إال أنت، رب كل شيء ومليكه، نعوذ بك من شرور‬
                          ‫ر‬         ‫ء‬
                ‫أنفسنا، ومن شر الشيطان وشركه، وأن نقترف ألنفسنا سو ًا، أو نج ّه لمسلم...‬

‫(5/5744)‬




                                                      ‫وسائل الشيطان في إغواء اإلنسان ـ 7‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                     ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                   ‫التربية والتزكية, الجن والشياطين, الفتن, الكبائر والمعاصي‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                      ‫الدمام‬
                                                                         ‫جامع بالط الشهداء‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- من أساليب الشيطان في اإلغواء النزغ بين المسلمين. 7- طرق استهواء الشيطان لإلنسان.‬
 ‫3- خطوات الشيطان. 4- نسيان ذكر اهلل. 1- إغواء الشيطان لإلنسان بأسلوب الوعد والوعيد.‬
                                                        ‫6- موقف إبليس وأتباعه يوم القيامة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، تحدثنا في الخطبة الماضية عن عداوة الشيطان لإلنسان من بداية‬
                    ‫ب‬
 ‫والدته إلى نهاية عمره، وذكرنا غفلة المسلمين عن هذه العداوة، مما تس ّب في وقوعهم في كثير‬
‫من المزالق والمصائب والذنوب، ثم ذكرنا أن من أسباب عداوة إبليس لإلنسان أن إبليس يرى أن‬
                                ‫م‬
      ‫اإلنسان هو السبب الرئيس في إخراجه من الجنة وفقده لمكانته ك َلَك في المأل األعلى، ولذلك‬
                                                                           ‫د‬
 ‫يسعى الشيطان جاه ًا في االنتقام من هذا اإلنسان؛ كي يكون رفيقًا معه في جهنم والعياذ باهلل، ثم‬
                                                                 ‫ذكرنا بعض أساليب الشيطان في إغواء اإلنسان.‬
    ‫وسنواصل في هذه الخطبة ـ بإذن اهلل ـ ذكر أساليب أخرى للشيطان في إغواء بني آدم حتى‬
    ‫َّد‬
   ‫نحذر ونستعد ونقاوم كيد الشيطان بنا، وحتى ال يستدرجنا الشيطان فيهوي بنا في مهالك الر َى‬
                                                                                       ‫والخسران. فأقول وباهلل التوفيق:‬
                        ‫يس‬                     ‫َّ‬       ‫َّ‬
    ‫من أساليب الشيطان في إغواء اإلنسان النزْغ، والنزْغ هو الكالم الذي ُف ِد العالقة بين الناس،‬
                                                                                      ‫َّ‬
       ‫فالنزْغ وسيلة شيطانية يستخدمها الشيطان في خطته الماكرة إلضالل اإلنسان وغوايته، ولقد‬
 ‫يق ل الت‬           ‫َ ُ لع‬                       ‫ذ‬               ‫َ‬             ‫ز ل‬
‫أخبرنا اهلل ع ّ وج ّ في كتابه عن نزْغ الشيطان وح ّرنا منه، فقال تعالى: وقلْ ِ ِبَادِي َ ُوُوا َّ ِي‬
                                 ‫َ ُو مب‬          ‫إل‬                ‫زغ ب ُ ِن الش‬                   ‫سن ِن الش‬          ‫ه‬
               ‫ِيَ أَحْ َ ُ إ َّ َّيْطَانَ يَن َ ُ َيْنَهمْ إ َّ َّيْطَانَ كَانَ لِ ِنسَانِ عد ًّا ُ ِينًا [اإلسراء:31].‬
            ‫فالشيطان يسعى إلى َّح ِيش وإثارة العداوة والبغضاء بين الناس، وشحن النفوس بالغ ّ‬
            ‫ِل‬                                                      ‫الت ر‬
                                    ‫ب‬
        ‫والغضب، ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه: است ّ رجالن قرب النبي ، فاشتد غضب‬
        ‫أحدهما، فقال النبي : ((إني ألعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب: أعوذ باهلل من الشيطان‬
   ‫وِم ز َن م الش ن َ ٌ تع‬
 ‫الرجيم))، فقال الرجل: أمجنون تراني؟! فتال رسول اهلل : َإ َّا يَن َغ َّكَ ِنْ َّيْطَا ِ نزْغ فَاسْ َ ِذْ‬
                                                                                          ‫ِالل ِنه سم ع ع م‬
                                                                ‫ب َّهِ إ َّ ُ َ ِي ٌ َلِي ٌ [األعراف:007]. رواه مسلم.‬
                               ‫ِل‬     ‫ب‬      ‫ط‬
    ‫وهذا يفسر لنا ـ أيها اإلخوة ـ ما نرى من قَ ِيعة و ُغض وغ ّ بين المسلمين بسبب ما ذكرنا‬
                                                   ‫د‬                                      ‫َ‬
   ‫من نزْغ الشيطان بينهم، فالشيطان يجتهد جاه ًا لقطع الروابط بين المسلمين، فربما فلَتَت الكلمة‬
                                                                           ‫ْز‬
   ‫بين اثنين، فين َغ الشيطان إلى اآلخر فيجعله يحملها على غير محملها، فيأتي الرد السيئ ليشعل‬
                                                   ‫د‬
    ‫نار الشحناء والبغضاء بينهما، فإذا المو ّة والمحبة انقلبت جفوة وعداوة. عن جابر قال: سمعت‬
  ‫ر‬                                                ‫ي‬
‫رسول اهلل يقول: ((إن الشيطان قد أَ ِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التح ِيش‬
                                                                                                        ‫بينهم)) رواه مسلم.‬
‫فكم أوقع الشيطان من عداوة بين المسلمين، وخاصة حين تكون العالقة بين الناس فيما يرضي اهلل‬
 ‫تعالى كعالقة األرحام واألقارب مع بعضهم البعض، أو كعالقة اإلخوة في اهلل، وقصة يوسف مع‬
   ‫َر ه ُجد َق ي‬                      ‫َ‬     ‫ز ل َ َ بو عل‬
  ‫إخوته خير دليل على ذلك، قال اهلل ع ّ وج ّ: ورفَعَ أَ َ َيْهِ ََى الْعرْشِ وَخ ُّوا لَ ُ س َّ ًا و َالَ َا‬
  ‫جن م الس ن وج ب ُ‬                  ‫بت َذ و ُ ر ي م ْ ْ ُ َ جع َب َق َ َ س ب ِ‬
‫أَ َ ِ ه َا تَأْ ِيل ُؤْ َاي ِن قَبل قدْ َ َلَهَا ر ِّي ح ًّا وقدْ أَحْ َنَ ِي إذْ أَخْرَ َ ِي ِنْ ِّجْ ِ َ َاءَ ِكمْ‬
‫ف ل ي ء ِنه هو ع م ح م‬                                ‫وت إ َّ َب‬            ‫َز الش ن ب ن وب‬                     ‫م َوم ب‬
‫ِنْ الْبدْ ِ ِنْ َعْدِ أَنْ ن َغَ َّيْطَا ُ َيْ ِي َ َيْنَ إِخْ َ ِي ِن ر ِّي لَطِي ٌ ِمَا َشَا ُ إ َّ ُ ُ َ الْ َلِي ُ الْ َكِي ُ‬
                                                                                                              ‫[يوسف:005].‬
                      ‫ف‬
  ‫والشيطان ينزغ اإلنسان من عدة جهات، فأحيانًا ينزغه من جهة لسانه ليتل ّظ بألفاظ فاحشة بذيئة‬
‫أو كفرية أو شركية والعياذ باهلل، وربما انتقل نزغ اللسان إلى اليد، فيقع الشر والخصومة والعداء،‬
    ‫ولهذا الغرض نهى النبي أن يشير المسلم إلى أخيه بالسالح، فربما نزغ الشيطان إليه فقتل أخاه‬
 ‫بسالحه فيقع في النار، فعن أبي هريرة عن النبي قال: ((ال يشير أحدكم على أخيه بالسالح؛ فإنه‬
                       ‫ال يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار)) رواه البخاري.‬
         ‫ي ي‬
        ‫أيها السلمون، من أساليب الشيطان في المكر ببني آدم االستهواء، واالستهواء هو أن ُز ّن‬
    ‫الشيطان لإلنسان هواه، فيفسد هواه وعقله وقلبه. ولقد أخبرنا اهلل تعالى بهذه المكيدة الشيطانية‬
 ‫ب ب ِ َد ن‬                     ‫ي ع و ي ُر و ُ َد عل‬                      ‫ُ َ ع م د الل‬                          ‫ي‬
‫الخف ّة، فقال تعالى: قلْ أَندْ ُو ِنْ ُونِ َّهِ مَا ال َنفَ ُنَا َال َض ُّنَا َنر ُّ ََى أَعْقَا ِنَا َعْدَ إذْ ه َا َا‬
  ‫ت ُ ِن ُد‬                ‫ب َ ع ه إل ُ‬                  ‫و ه الش ط ُ ف َ ْ ح ْر ه‬                          ‫الله َّ‬
 ‫َّ ُ كَالذِي اسْتَهْ َتْ ُ َّيَا ِين ِي األرضِ َي َانَ لَ ُ أَصْحَا ٌ يدْ ُونَ ُ َِى الْهدَى ائْ ِنَا قلْ إ َّ ه َى‬
                                                                    ‫م‬          ‫الل ه ُد وأ ِ لن ِ ِ َب‬
                                                   ‫َّهِ ُوَ الْه َى َُمرْنَا ِ ُسْلمَ لر ِّ الْعَالَ ِينَ [األنعام:52].‬
  ‫َم‬             ‫ي‬            ‫حسن‬                               ‫ي‬
 ‫ولقد استهوى الشيطان وز ّن الباطل لكثير من الناس، فكم َ ّ َ من قبيح وز ّن من فاحش وج َّل‬
                                                                    ‫َلح‬
‫من رذيلة ومَّ َ من ذميم وأعمى عيونًا لترى الفواحش والمنكرات والمحرمات في قالب مزخرف‬
                                   ‫َف‬           ‫م‬
‫وصورة حسنة، وهي تخفي في حقيقتها الس ّ والداء الد ِين، فهو يظهر الباطل في صورة الحق مع‬
  ‫تزيينه بالشهوات؛ كي تندفع إليه النفوس المريضة، لتقع فريسة للشيطان الذي يتربص بها الشر‬
                                                                                ‫ويقودها إلى هالكها وخسرانها.‬
 ‫ف‬       ‫م جن‬                                                                ‫ي ي‬
‫والشيطان حين ُز ّن الباطل لإلنسان فإنه بالمقابل يظهر الحق في صورة قبيحة و ُسْتَهْ َ َة؛ لين ّر‬
       ‫النفوس عن الحق، فال تتبعه وتدعو إليه، فالشيطان هو الذي أوحى إلى أوليائه تسمية المرأة‬
                                                 ‫عي م َل‬
 ‫المحتشمة بحجابها الشرعي رَجْ ِ ّة و ُتَخِّفة، وهو الذي تالعب بكثير من القنوات الفضائية حتى‬
   ‫جعلهم يدعون إلى الباطل وينفرون من الخير، وهو الذي جعل البعض يكره الدين وأهله، وهو‬
                                                              ‫ر‬
  ‫الذي جعل المعروف منك ًا والمنكر معروفًا عند بعض الناس، وهو الذي جعل الناس يسمون أم‬
                                               ‫ي‬
        ‫الكبائر الخمر بالمشروبات الروحية، وهو الذي ز ّن أفالم الرذيلة الواقعية كإستار أكاديمي‬
                                        ‫ش‬                               ‫و‬
 ‫وغيرها، فسَ ّل للبعض أنها فن وجرأة وبراءة و ُهرة، وهو الذي زين للبعض أكل أموال الناس‬
                                      ‫ي م‬                          ‫ف‬
  ‫بالباطل باسم الذكاء وال ِطْنة، وهو الذي جعل البعض ُس ّي الربا الحرام فوائد بنكية، وهو الذي‬
 ‫و‬                                                                              ‫ي‬
‫ز ّن للبعض معاكسة بنات المسلمين وهتك أعراضهن وفضح أهلهن باسم التسلية، وهو الذي ه ّن‬
                                                ‫و‬                              ‫ظ‬
  ‫من عِ َم ذنب رؤية صور النساء عبر الج ّال أو الشاشة أو الحاسب اآللي حتى صار الكثير ال‬
                                                                                                                  ‫د‬
                                                                                                        ‫يع ّونه ذنبًا.‬
        ‫ذ‬
‫أيها اإلخوة، من أساليب الشيطان في إضالل اإلنسان أسلوب التدرج بالخطوات، ولذلك ح ّرنا اهلل‬
      ‫َتبع‬         ‫ي َي َّذ من‬
    ‫تعالى من اتخاذ خطوات الشيطان واالسترسال معها، فقال تعالى: َا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا ال تَّ ِ ُوا‬
          ‫ِنه ُ َ ُو مب‬                 ‫و َتبع خطو الش‬                                           ‫خطو الش‬
        ‫ُ ُ َاتِ َّيْطَانِ [النور:57]، وقال تعالى: َال تَّ ِ ُوا ُ ُ َاتِ َّيْطَانِ إ َّ ُ لَكمْ عد ٌّ ُ ِين‬
                                                                                                     ‫[األنعام:745].‬
                    ‫ر‬
  ‫فالشيطان حين يدعو اإلنسان للمعصية فإنه ال يدعوه إليها مباشرة، بل يق ّبه منها خطوة خطوة،‬
             ‫ي‬                     ‫و‬                           ‫خ‬                         ‫ئ‬
 ‫وشي ًا فشيئًا، حتى يقع في الف ّ الذي نصبه له، فهو يدعوه أ ّالً إلى المعصية، ويز ّنها في نفسه،‬
 ‫ب‬                                                   ‫ب‬
‫ويدخل على النفس من الباب الذي تح ّه وتميل إليه، فهو يجري من اإلنسان مجرى الدم، ثم يح ّب‬
      ‫النظر إلى المعصية فتحسن في عينه، ثم يدعوه إلى االقتراب منها ثم ارتكابها، وهو في ذلك‬
                 ‫د‬
 ‫يوسوس له بأن هذه المعصية من اليسير فعلها، وليس هناك ما يدعو إلى التر ّد، حتى يزيل هيبة‬
                    ‫ف‬                                               ‫م‬
  ‫المعصية من قلبه، ثم يؤ ّنه من عاقبة فعلها، بأنه لن يطلع عليه أحد، وأنه ِعْل ينتهي في وقته،‬
                         ‫ذ‬                                                 ‫م ل‬
  ‫وليس له ُطاِب، ويوحي بأن هذه فرصة نادرة فعليه اغتنامها والتل ّذ بها، وربما لن تحصل له‬
   ‫مرة أخرى، وهكذا يقود الشيطان هذا اإلنسان المسكين إلى المعاصي عن طريق تلك الخطوات‬
                     ‫مح‬                 ‫م‬
 ‫الشيطانية المتتابعة، حتى يمأل قلبه وفكره ومشاعره وه ّه في الرغبة ال ُل ّة في فعلها، ونقله من‬
     ‫معصية إلى أخرى أكبر منها، وال يدعه الشيطان إال وهو غارق في أوحال وأقذار المعاصي‬
                                                   ‫د‬
     ‫واآلثام، فيبتهج عند ذلك الشيطان ويفرح أش ّ الفرح؛ ألنه كسب إنسانًا يكون رفيقًا له في نار‬
                                                        ‫جهنم، إن لم يتداركه اهلل برحمته فيتوب من ذنوبه.‬
                                                                        ‫ص‬
  ‫أسأل أن يب ّرنا بخطوات الشيطان حتى نحذر منها، وأن يرزقنا العصمة من الشيطان الرجيم،‬
                                                                                                       ‫إنه جواد كريم.‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم بهدي كتابه وسنة رسوله. أقول ما سمعتم، وأستغفر اهلل وأتوب إليه من كل‬
                                                        ‫و‬
                                           ‫ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه ت ّاب غفور رحيم.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
      ‫الحمد هلل الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون،‬
                    ‫ر‬
‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له يعلم ما كان وما يكون وما تس ّون وما تعلنون، وأشهد‬
                                                                              ‫د‬
‫أن محم ًا عبده ورسوله الصادق المأمون، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه الذين يهدون بالحق‬
                                                                           ‫ر‬              ‫ل‬
                                                          ‫وبه يعدلون، وسّم تسليمًا كثي ًا إلى يوم يبعثون.‬
   ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، من وسائل الشيطان مع المسلم أن ينسيه ذكر اهلل، فهو يلهي المسلم‬
     ‫َ ع ِم الش ُ س ُ‬                             ‫ل‬
   ‫عن طاعة ربه، وأول ما ينسيه ذكر اهلل، قال الحق ج ّ وعال: اسْتَحْوذَ َلَيْه ُ َّيْطَان فَأَن َاهمْ‬
                                                                                     ‫ذ ْ الل‬
  ‫ِكرَ َّهِ [المجادلة:35]. ويعتبر نسيان العبد لربه من أكبر الذنوب وأخطرها في الدنيا واآلخرة،‬
     ‫و ك ن َالذ ن س الل‬                                          ‫ذ‬
   ‫ولذلك نهى اهلل عباده عن الغفلة وح ّرهم من عاقبتها، فقال تعالى: َال تَ ُوُوا ك َّ ِي َ نَ ُوا َّهَ‬
                                                                         ‫ق‬          ‫ه فسه أ ئ ُم‬
                                                          ‫فَأَنْسَا ُمْ أَنْ ُ َ ُمْ ُوْلَ ِكَ ه ُ الْفَاسِ ُونَ [الحشر:35].‬
                    ‫يس‬
‫أيها اإلخوة، من األمور التي نغفل عنها وال تخطر ببالنا أن الشيطان ُن ِي اإلنسان حتى مصالحه‬
‫ومنافعه الدنيوية، فقد أخبرنا اهلل عن ذلك في قصة صاحب موسى عليه السالم حين أنساه الشيطان‬
  ‫َر ِ أو ن‬                                                        ‫ر‬
 ‫الحوت، فطال الطريق عليهما، واستم ّا في المشي بالسفينة حتى اليوم التالي، قَالَ أ َأَيْتَ إذْ َ َيْ َا‬
                             ‫ِال الش ن َ ُ ه‬                             ‫إل الص ْ ِ ِن س ت ح و‬
  ‫َِى َّخرَة فَإ ِّي نَ ِي ُ الْ ُوتَ َمَا أَنْسَانِيه إ َّ َّيْطَا ُ أَنْ أذْكرَ ُ [الكهف:36]. ففي اآلية دليل‬
‫واضح على أن النسيان من الشيطان، فالشيطان يشغل اإلنسان بوساوسه حتى يشغل فكره فيعتريه‬
  ‫النسيان، وقد حكى اهلل لنا أيضًا قصة يوسف عليه السالم، فقد لبث في السجن بضع سنين بسبب‬
  ‫إنساء الشيطان للرجل الذي خرج من السجن، وأوصاه يوسف عليه السالم أن يذكره عند ملكه،‬
     ‫ه الش ن ذ ْ َب ب َ ف‬                       ‫م هم ك ن ع َ َب َ‬                   ‫َ لَّذ َن َنه‬
    ‫قال تعالى: وقَالَ ِل ِي ظ َّ أَّ ُ نَاجٍ ِنْ ُ َا اذْ ُرْ ِي ِنْد رِّك فَأَنسَا ُ َّيْطَا ُ ِكرَ ر ِّهِ فَلَ ِث ِي‬
                                                                       ‫سن‬      ‫الس ب‬
 ‫ِّجْنِ ِضْعَ ِ ِينَ [يوسف:74]، فقد أنساه الشيطان مدة طويلة من ثالث إلى تسع سنوات من أن‬
                                                                            ‫يتذكر يوسف عليه السالم في السجن.‬
  ‫أيها اإلخوة، من أساليب الشيطان وخططه في التالعب باإلنسان وعده ووعيده، فهو يعد اإلنسان‬
‫في الدنيا بوعود كاذبة، فقد وعد المشركين في معركة بدر بأنهم سينتصرون على المسلمين، وأنهم‬
                ‫ُر ق‬                                             ‫د‬
  ‫أقوى منهم وأكثر عد ًا، وأنه ناصر لهم، حيث أتاهم في صورة رجل هو س َا َة بن مالك، ومن‬
                                                  ‫ك‬
        ‫المعلوم أن الشياطين لهم قدرة على التش ّل بباقي المخلوقات، وهذا معروف، وعندما بدأت‬
                  ‫يي‬                              ‫ر‬
   ‫المعركة وحين رأى الشيطان مالئكة اهلل ف ّ وخذل المشركين، واهلل تعالى ُب ّن لنا ما جرى في‬
 ‫ْم م الن س وِن‬             ‫ل ك‬            ‫ه َ َ‬               ‫وِ ْ َي ُ الش ن‬
‫كتابه العزيز فيقول تعالى: َإذ ز َّنَ لَهمْ َّيْطَا ُ أَعْمَالَ ُمْ وقَال ال غَاِبَ لَ ُمْ الْيَو َ ِنَ َّا ِ َإ ِّي‬
     ‫ِن‬                      ‫ج ر ك ْ َم َر ء ف ن َ عل قب ه َ ِن َ ء م ُ ِن َ‬
    ‫َا ٌ لَ ُم فَل َّا ت َا َتِ الْ ِئَتَا ِ نَكصَ ََى عَ ِ َيْ ِ وقَالَ إ ِّي برِي ٌ ِنْكمْ إ ِّي أرَى مَا ال تَرَوْنَ إ ِّي‬
                                                                                        ‫ف الله َالله َد د ع‬
                                                                     ‫أَخَا ُ َّ َ و َّ ُ ش ِي ُ الْ ِقَابِ [األنفال:54].‬
                                       ‫ي ي‬               ‫ي ِد‬
‫إن من وعد الشيطان لإلنسان أن ُور َه الموارد التي ُخّل إليه أن فيها مصلحته، ثم يفاجأ أن فيها‬
                            ‫ال‬
  ‫هالكه، ويتخلى الشيطان عنه، ويشمت به، ويضحك منه، فيأمره مث ً بالسرقة والزنا والقتل، ثم‬
     ‫ف‬           ‫لإل‬       ‫ِْ‬        ‫م الش‬
   ‫يدل أصحاب الحق عليه، ويفضحه عندهم، كما قال تعالى: كَ َثَلِ َّيْطَانِ إذ قَالَ ِ ِنسَانِ اكْ ُرْ‬
                                               ‫م‬          ‫ف الل َ َب‬        ‫ِن ب ء م ِن‬                   ‫َم َ َ‬
                                ‫فَل َّا كَفر قَالَ إ ِّي َرِي ٌ ِنْكَ إ ِّي أَخَا ُ َّه ر َّ الْعَالَ ِينَ [الحشر:65].‬
                                                                                     ‫ي‬
  ‫ولقد ب ّن لنا ربنا تعالى في كتابه هذا األسلوب الماكر من الشيطان إليقاع الناس في الخطايا بما‬
‫ي ِده وي َن ِ وم يعد ُم الش ن‬
‫يعدهم من مواعيد كاذبة عاقبتها الخسران والندامة، قال تعالى: َع ُ ُمْ َ ُم ِّيهمْ َ َا َ ِ ُه ُ َّيْطَا ُ‬
     ‫َم‬         ‫م َمة‬                      ‫َم‬                                                ‫ِال ُر ر‬
    ‫إ َّ غ ُو ًا [النساء:075]، وقال رسول اهلل : ((إن للشيطان ل َّةً بابن آدم ولل َلَك ل َّ ً، فأما ل َّة‬
                                               ‫َم‬
    ‫الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما ل َّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد‬
  ‫ذلك فليعلم أنه من اهلل فيحمد اهلل، ومن وجد األخرى فليتعوذ باهلل من الشيطان الرجيم))، ثم قرأ:‬
                                                                   ‫الش ن يعد ُم ْ وي ُر ُ‬
‫َّيْطَا ُ َ ِ ُك ُ الْفَقرَ َ َأْم ُكمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة 567]. رواه الترمذي وغيره وابن حبان وصححه.‬
       ‫أيها اإلخوة، أوصيكم ونفسي بالحذر من الشيطان الذي يحتال على اإلنسان بوعده ووعيده،‬
          ‫ف‬
  ‫فيوسوس لإلنسان أنه ال معاد وال جنة وال نار وال حياة بعد هذه الحياة، وبذلك يستخ ّ اإلنسان‬
                                          ‫ف‬                      ‫ر ت‬
    ‫بأن يقول له: ال مض ّة الب ّة في فعل المعاصي، وين ّره عن الطاعة بأن هذه العبادات ال فائدة‬
‫فيها، وأنها متعبة، فيستجيب لوعده ووعيده النفوس الضعيفة التي تنساق مع أباطيله، وأما من آمن‬
  ‫بموعود اهلل فإن نفوسهم أسمى وأرفع من أن تستجيب للشيطان وأكاذيبه؛ لعلمهم الصادق أن هذا‬
‫العدو ال يصدقهم النصيحة، وال يوفيهم العهد والوعد، كما فعلها من قبل مع أبيهم آدم عليه الصالة‬
                                                                                             ‫والسالم، وهذا في الدنيا.‬
                                                   ‫ب‬
    ‫وأما في اآلخرة فإن إبليس سيقف خطي ًا في يوم القيامة يكشف زيف وعوده وبطالنها، ويعلن‬
 ‫وغم‬            ‫ن‬
‫براءته من أتباعه، وبراءته من كل من استجاب لغوايته ووعوده؛ ليزيدهم حز ًا إلى حزنهم، َّا‬
                                                                                ‫م‬
   ‫إلى غ ّهم، وحسرة إلى حسرتهم، وفي ذلك اليوم الحق سيعلن الشيطان الحقيقة التي طالما كان‬
   ‫ال‬                                              ‫ص‬
  ‫يخفيها في الدنيا، ويدعو إلى خالفها، وهي ِدْق اهلل ورسوله ، فماذا يقول؟ قد أخبرنا اهلل ع ّم‬
  ‫َ الش ن َم قض َ ْر ِن‬                                                    ‫ال‬
  ‫الغيوب بما سيحدث مستقب ً للشيطان وأتباعه في يوم القيامة: وقَالَ َّيْطَا ُ ل َّا ُ ِيَ األم ُ إ َّ‬
    ‫جت‬            ‫ِال دع تك ْ‬                ‫ل ع ُ م س‬                ‫ت ُ وم‬             ‫الله و َد ُ و ْ َق وع ت ُ ْ‬
  ‫َّ َ َع َكمْ َعدَ الْح ِّ وَ َ َدُْكم فَأَخْلَفُْكمْ َ َا كَانَ ِي َلَيْكمْ ِنْ ُلْطَانٍ إ َّ أَنْ َ َوُْ ُم فَاسْتَ َبْ ُمْ‬
   ‫ت ب ْر ُم ن‬                  ‫ِي ِن‬        ‫بم ْرخ ُ وم ت بم‬                          ‫ل م ن ول م فس ُ‬                    ‫ل‬
  ‫ِي فَال تَُو ُو ِي َُو ُوا أَنْ ُ َكمْ مَا أَنَا ِ ُص ِ ِكمْ َ َا أَنْ ُمْ ِ ُصْرِخ َّ إ ِّي كَفَرْ ُ ِمَا أَش َكْت ُو ِي‬
                                                                           ‫م ْ ل ِن الظ لم ُ َ ب م‬
                                                             ‫ِن قَبْ ُ إ َّ َّاِ ِينَ لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [إبراهيم:77].‬
 ‫أيها المسلمون، وبما أنه قد ظهر لنا كيد الشيطان وخطورته ومكره بنا وإفساده لمستقبلنا الدنيوي‬
‫واألخروي فما الحل والعالج؟ وما أساليب الوقاية من شر الشيطان؟ هذا هو عنوان الخطبة القادمة‬
                                                                 ‫بمشيئة اهلل تعالى، وأسأل اهلل اإلعانة على ذلك.‬
                    ‫اللهم اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، اللهم اعصمنا من الشيطان الرجيم...‬

‫(5/3744)‬




                                                                                        ‫وسائل مقاومة الشيطان ـ 3‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                     ‫الجن والشياطين, الدعاء والذكر‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                                                      ‫الدمام‬
                                                                                                     ‫جامع بالط الشهداء‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أهمية ذكر اهلل في مواجهة الشيطان. 7- أثر االستعاذة والبسملة في التحصين من الشيطان.‬
‫3- من مواضع االستعاذة والبسملة. 4- االعتصام بالكتاب والسنة سبيل للوقاية من الشيطان. 1-‬
‫دور اإلخالص في الوقاية من الشيطان. 6- خطورة التشبه بالشيطان ومواالته. 2- صور التشبه‬
                                        ‫بالشيطان ومواالته. 5- أهمية التوبة في الوقاية من كيد الشيطان.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                        ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا أنكم على أعمالكم محاسبون.‬
 ‫أيها اإلخوة، تحدثنا في الخطبة الماضية عن وسائل الشيطان في إغواء اإلنسان، وحديثنا في هذه‬
                                                                         ‫الخطبة هو عن وسائل مقاومة الشيطان.‬
  ‫فمن وسائل مقاومة الشيطان ذكر اهلل، وذكر اهلل هو أعظم األسلحة المفيدة في مواجهة الشيطان‬
                                                  ‫ي ح‬            ‫ي‬            ‫َر‬      ‫ي‬
   ‫وكيده، حيث َتَصَاغ ُ عدو اهلل و َخْنَس و َنْدَ ِر ذليالً أمام قذائف الذكر، فما من مولود إال على‬
    ‫قلبه الوسواس، فإن ذَكَر اهلل خَنَس حتى يكون مثل الذباب، ولو لم يكن للعبد من الذكر إال هذه‬
            ‫الفائدة ـ وهي العصمة من الشيطان ـ لكفى بها أن ال يفتر لسانه من ذكر اهلل تعالى.‬
                                               ‫ُ‬
‫وأما إذا غفل العبد عن ذكر اهلل التَقَمَ الشيطان قلبه وافترسه، وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ‬
             ‫ن ه ُ َر ن‬                   ‫ه‬      ‫وم ي ش ع ذ الر من ن َي‬
‫الشر كله، قال تعالى: َ َنْ َعْ ُ َنْ ِكْرِ َّحْ َ ِ ُق ِّضْ لَ ُ شَيْطَا ًا فَ ُوَ لَه ق ِي ٌ [الزخرف:63]،‬
                                 ‫ن‬              ‫ن‬                   ‫ي‬                  ‫نم‬
                               ‫أي: أ ّ َن غفل عن ذكر اهلل ُرسل اهلل عليه شيطا ًا يكون له قري ًا.‬
                                 ‫ص‬
‫أيها اإلخوة، إن نصوص الكتاب والسنة جاءت بأذكار يتح ّن بها اإلنسان من كيد الشيطان، فمن‬
 ‫هذه التحصينات االستعاذة، واالستعاذة هي االلتجاء واالعتصام واالستجارة باهلل من شر الشيطان‬
                                               ‫ف‬
     ‫الرجيم، فالشيطان الرجيم ال يقدر على دفعه وك ّه عن اإلنسان إال اهلل تعالى الذي خلقه، وهو‬
                                                                                    ‫ط‬
  ‫الم ّلع عليه، ويراه في جميع أحواله. وألهمية االستعاذة في حياة المسلم في حربه مع الشيطان‬
 ‫وفي الوقاية منه وردت االستعاذة في عدة مناسبات، فمن ذلك االستعاذة باهلل من وسوسة الشيطان‬
   ‫في الصالة، وعند رؤية الحلم المزعج، وعند دخول الخالء، وعند ثورة الغضب، وعند دخول‬
  ‫المسجد، وكذلك يستعاذ باهلل تعالى من الشيطان عند تشكيكه لإلنسان بربه، فعن أبي هريرة قال:‬
 ‫قال رسول اهلل : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق‬
                                                                ‫ي ه‬
                                          ‫ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ باهلل ولْ َنْتَ ِ)) رواه البخاري ومسلم.‬
‫ومن صور االستعاذة االستعاذة باهلل من شر الشيطان في الصباح وفي المساء، فعن أبي هريرة أن‬
‫أبا بكر قال: يا رسول اهلل، مرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: ((قل: اللهم فاطر‬
  ‫السموات واألرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن ال إله إال أنت، أعوذ‬
  ‫بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه))، قال: ((قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت‬
                                                                             ‫مضجعك)) رواه البخاري.‬
                         ‫ي‬
‫إن المسلم الذي يداوم على االستعاذة في أحواله كلها بال شك أنه س ُحفظ من الشيطان سائر يومه.‬
  ‫أيها المسلمون، ومن طرق الوقاية من الشيطان البسملة، والبسملة من أقوى األسلحة للوقاية من‬
 ‫شرور الشيطان، ولها صور ومناسبات كثيرة، منها ذكر البسملة في صباح كل يوم ومسائه، فعن‬
‫أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول اهلل : ((ما من عبد يقول صباح كل‬
‫يوم ومساء كل ليلة: بسم اهلل الذي ال يضر مع اسمه شيء في األرض وال في السماء وهو السميع‬
              ‫العليم، ثالث مرات، لم يضره شيء)) أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".‬
‫وكذلك البسملة عند الخروج من البيت وقاية من الشيطان، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول اهلل‬
   ‫: ((من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ: بسم اهلل، توكلت على اهلل، ال حول وال قوة إال باهلل،‬
                                                         ‫يقال له: ُ ِيتَ وو ِيتَ وتنح‬
     ‫َّى عنه الشيطان)) أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".‬      ‫ُق‬      ‫كف‬
  ‫وأيضًا البسملة عند األكل تمنع مشاركة الشيطان فيه، فعن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي‬
              ‫م‬                                                                    ‫م‬
 ‫طعا ًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اهلل فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعا ًا فجاءت جارية‬
 ‫كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول اهلل بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ‬
             ‫ي‬                  ‫ك‬
‫بيده، فقال رسول اهلل : ((إن الشيطان يستحل الطعام ـ أي: يتم ّن من أكله ـ أن ال ُذكَر اسم اهلل‬
                                                       ‫ل‬
 ‫عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستح ّ بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا األعرابي ليستحل به، فأخذت‬
                                            ‫بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها)) رواه مسلم.‬
  ‫ومن صور البسملة الدعاء عند جماع الرجل أهله، فعن ابن عباس أن النبي قال: ((لو أن أحدكم‬
  ‫إذا أتى أهله قال: بسم اهلل، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم‬
                                                                              ‫يضره)) أخرجه البخاري ومسلم.‬
 ‫ومن مناسبات البسملة ذكر اسم اهلل عند غلق األبواب، فعن جابر بن عبد اهلل قال: قال رسول اهلل‬
                                                    ‫ف‬
      ‫: ((إذا كان جنح الليل ـ أو أمسيتم ـ فك ّوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب‬
        ‫ق‬      ‫ب‬                                                               ‫ل‬
  ‫ساعة من الليل فحّوهم، فأغلقوا األبواب، واذكروا اسم اهلل، فإن الشيطان ال يفتح با ًا مغل ًا...))‬
                                                                                       ‫الحديث. أخرجه البخاري.‬
                                                                      ‫ي و‬
     ‫أيها اإلخوة، ومما ُقا َم به الشيطان قراءة آية الكرسي عند النوم، فإن من قرأها عند نومه لن‬
                                                   ‫يزال معه من اهلل حافظ، وال يقربه شيطان حتى يصبح.‬
  ‫وأيضًا قراءة اآليتين من آخر سورة البقرة تحفظ اإلنسان وتبعد الشيطان، قال رسول اهلل : ((إن‬
       ‫اهلل كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات واألرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين فختم بهما سورة‬
                                                                          ‫ي‬
‫البقرة، وال ُقرَءان في دار ثالث ليال فيقربها شيطان)) حديث صحيح رواه النسائي وغيره، وقال‬
‫: ((من قال: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة‬
                                                                                  ‫ِ ز‬
                                                ‫مرة، كانت له حرْ ًا من الشيطان)) كما جاء في البخاري.‬
                                    ‫ي و‬
‫وكذلك سورة اإلخالص والفلق والناس من أعظم ما ُقا ِم به اإلنسان شر الشيطان ووساوسه، فقد‬
                                                   ‫خب‬
  ‫أوصى رسول اهلل الصحابي عبد اهلل بن ُ َيب وقال له: ((اقرأ: قل هو اهلل أحد والمعوذتين حين‬
      ‫تمسي وحين تصبح ثالث مرات، تكفيك من كل شيء)) أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن‬
                                                                                                            ‫صحيح".‬
                                   ‫ل‬
        ‫أيها المسلمون، ومن الوسائل العظيمة في الوقاية من العدو الّدود االعتصام بالكتاب والسنة‬
  ‫والتمسك بدين اهلل عز وجل، فهو أعظم سالح في مقاومة الشيطان وشره، فمن اعتصم باهلل كان‬
                                                    ‫من أولياء اهلل المتقين، وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.‬
                                                              ‫د‬
 ‫ومن أقوى األسلحة للتص ّي لكيد الشيطان اإلخالص، فاإلخالص هو الحاجز المنيع بين الشيطان‬
       ‫واإلنسان، وهو أحد األسلحة الربانية والعالجات الوقائية للمسلم في حربه الشرسة مع عدوه‬
         ‫َ ب بم‬
        ‫الشيطان الرجيم، وهذه الحقيقة الثابتة أقر بها الشيطان نفسه واعترف بها في قوله: ر ِّ ِ َا‬
                   ‫ْض و و َن ُ مع ِال عب ك م هم م ص‬                                     ‫َي َن ُ ْ ف‬        ‫و ن‬
‫أَغْ َيْتَ ِي ألز ِّن َّ لَهم ِي األَر ِ َألغْ ِيَّهمْ أَجْ َ ِينَ إ َّ ِ َادَ َ ِنْ ُ ُ الْ ُخْلَ ِينَ [الحجر:33، 04].‬
                                                                                      ‫ي‬
‫فب ّن أن سلطان الشيطان وإغواءه إنما هو لغير المخلصين؛ ألن الشيطان يعلم أن كيده ال يفيد عند‬
      ‫خُو‬                         ‫أن‬
 ‫أهل اإلخالص؛ ألنهم ال يقبلون منه، فعلينا أن نعلم جميعًا َّ نصيب الشيطان منا بقدر ُل ِّنا من‬
                                        ‫ل‬           ‫ج‬
                ‫اإلخالص، فالقلب إن لم يكن خالصًا هلل متو ّهًا إليه تمّكه الشيطان واستحوذ عليه.‬
 ‫ومن الوقاية من كيد الشيطان لزوم الجماعة، فااللتزام بالجماعة أحد الحصون المنيعة ضد مكائد‬
   ‫الشطان، ولذلك حثنا الرسول على لزوم الجماعة فقال: ((عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن‬
                                   ‫ب ب ح‬
‫الشيطان مع الواحد وهو مع االثنين أبعد، من أراد َحْ ُو َة الجنة فليزم الجماعة)) الحديث صححه‬
                                                                                                 ‫األلباني.‬
                                     ‫فر‬
                                   ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه كان غ ّا ًا.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل وكفى، وسالم على عباده الذين اصطفى، وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد وعلى آله‬
                                                                           ‫ر‬              ‫ل‬
                                                           ‫وصحبه، وسّم تسليمًا كثي ًا إلى يوم الدين.‬
        ‫ب‬
   ‫أما بعد: فيا أيها اإلخوة، ومن وسائل الوقاية من الشيطان عدم مواالة الشيطان وعدم التش ّه به،‬
     ‫ولي‬                                 ‫ه‬          ‫بالس َ‬
    ‫ومواالته تحدث بأمور، منها االستعانة َّحرَة والكَ َنَة والمشعوذين، فمن لجأ إليهم صار ًّا‬
                   ‫وم َت ِ الش ن وِي م د الل ِ َ س خ ْر مب‬
 ‫للشيطان، قال تعالى: َ َنْ يَّخذِ َّيْطَا َ َلًّا ِنْ ُونِ َّه فَقدْ خَ ِرَ ُس َانًا ُ ِينًا [النساء:355].‬
 ‫ومن صور مواالة الشيطان والتشبه به األكل والشرب واألخذ والعطاء بالشمال، فعن أبي هريرة‬
      ‫أن رسول اهلل قال: ((ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه؛ فإن‬
            ‫ح‬
  ‫الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله)) حديث ص ّحه المنذري‬
                                                                                ‫في الترغيب والترهيب.‬
                     ‫ج‬                                             ‫جل‬                ‫ب‬
     ‫ومن صور التش ّه بالشيطان العَ ََة، قال رسول اهلل : ((األَنَاة من اهلل، والعَ َلَة من الشيطان))‬
                         ‫ي و ر‬                                              ‫س‬
        ‫والحديث ح ّنه الترمذي في البر والصلة. حيث إن الشيطان ُر ّج ش ّه على اإلنسان عند‬
                                                                         ‫االستعجال من حيث ال يدري.‬
‫ومن صور التشبه بالشيطان الجلوس بين الظل والشمس، ولذلك نهى النبي أحد الصحابة أن يجلس‬
             ‫بين الظل والشمس وقال: ((مجلس الشيطان)) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه.‬
     ‫ِن مب ِّر ن ن إ و الشي ط ن‬
     ‫ومن صور المواالة والتشبه بالشيطان التبذير، قال تعالى: إ َّ الْ ُ َذ ِي َ كَا ُوا ِخْ َانَ َّ َا ِي ِ‬
                                                                                          ‫[اإلسراء:27].‬
                                                  ‫ك‬         ‫ك‬
     ‫ومن صور مواالة الشيطان ال ِبْر، فال ِبْر هو سبب شقاء إبليس وخروجه من الجنة، وسيدخل‬
                                                                  ‫ل‬
 ‫بسببه النار، ولذلك من تحّى بهذه الصفة فليعلم أنها من التشبه بالشيطان ومواالته، والشيطان من‬
                                                           ‫ك‬
                                                       ‫أعظم ما يدخل على اإلنسان عن طريق ال ِبْر.‬
                                           ‫ي‬                     ‫د‬
‫أيها اإلخوة، بعد معرفة ما تق ّم من العالجات الوقائ ّة لمحاربة الشيطان فإنه ينبغي أن نعلم ونتيقن‬
‫أن تلك العالجات ال فائدة فيها، وال تعطي ثمارها إال بالتوبة الصادقة إلى اهلل جل وعال من جميع‬
                                                   ‫ق‬
    ‫الذنوب في الظاهر والباطن، فإنه لو تح ّق شيء من تلك العالجات بال توبة فإن نتائجها تكون‬
  ‫سريعة الزوال ومفعولها ضعيف التأثير، إذ اإلنسان الذي يحارب الشيطان بتلك األسلحة الربانية‬
   ‫م ْرع‬        ‫ب‬                                                            ‫م ِر‬
  ‫وهو ُص ّ على الذنوب واآلثام فقد حارب عدوه الشيطان من باب، وترك أبوا ًا أخرى ُش َ َة‬
  ‫أمام عدوه لينفذ إليه منها، ولذلك نرى الشخص الذي يذهب إلى الراقي فيقرأ عليه من أذى الجن‬
      ‫ِل‬
  ‫والشياطين، فإذا ما تعالج نجده بعد فترة يعود إليه مرضه، ويرجع للراقي، وعندما يسْتَفْص ُ هذا‬
                                                      ‫م ِر‬
   ‫الراقي عن حاله يجده ما زال ُص ًّا على ذنب من الذنوب. قيل للحسن : أال يستحي أحدنا من‬
                                 ‫د‬
   ‫ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟! فقال: "و ّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فال‬
                                                                                              ‫ل‬
                                                                             ‫تمّوا من االستغفار".‬
    ‫ع‬
  ‫فعلينا غيظ الشيطان وإرغامه بالتوبة، ولنقبل على ربنا الغفور الرحيم الذي يغفر الذنوب جمي ًا،‬
                                                                                         ‫ي‬
                                               ‫ولنخ ّب بتوبتنا إلى ربنا كيد وأهداف الشيطان بنا.‬
    ‫أيها المسلمون، إن التوبة الصادقة حصن منيع لإلنسان ضد مكائد الشيطان في صراعه الدائم،‬
      ‫وإنها عالج وقائي ومباشر لكل األمراض والمصائب التي يصيب بها الشيطان اإلنسان، فإن‬
  ‫وم ي ِ ِالل‬
‫التائب قد لجأ إلى ربه تعالى ومواله واحتمى بحماه، وكفى باهلل حافظًا وعاصمًا، َ َنْ َعْتَصمْ ب َّهِ‬
                                                                  ‫ِر ط م م‬           ‫َ ُد إل‬
                                                  ‫فَقدْ ه ِيَ َِى ص َا ٍ ُسْتَقِي ٍ [آل عمران:505].‬
 ‫ال‬
‫أسأل اهلل الكريم رب العرش العظيم أن يعصمنا من الشيطان الرجيم، وأن ال يجعل له إلينا سبي ً،‬
                                                                                      ‫ف‬
                                        ‫وأن يو ّقنا للتوبة النصوح، ويجعل خير أعمالنا خواتيمها.‬
                             ‫اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا وما لم نعلم...‬

‫(5/0344)‬




                                                                                    ‫الظلم والتظالم‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                        ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                              ‫الكبائر والمعاصي, مساوئ األخالق‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                         ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                             ‫الدمام‬
                                                                               ‫جامع بالط الشهداء‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
‫5- التحذير من الظلم في الكتاب والسنة وأقوال السلف. 7- من صور الظلم وأنواعه. 3- عاقبة‬
                                     ‫الظلم في الدنيا واآلخرة. 4- الحث على التخلص من المظالم.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
                   ‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، التي بها السعادة في دنيانا وأخرانا.‬
                                                      ‫خل‬
       ‫أيها اإلخوة، حديثنا اليوم عن ُُق ذميم وذنب جسيم وأذى عظيم، يأكل الحسنات، ويجلب‬
 ‫َد‬                                                     ‫ب‬                ‫ي ر‬
‫الويالت، و ُو ِث العداوات، ويس ّب القطيعة والعقوق، ويحيل حياة الناس إلى جحيم وشقاء وك َر‬
                                                   ‫ذ‬
‫وبالء، إنه الظلم ـ يا عباد اهلل ـ، فقد ح ّر اهلل من الظلم، فقال في الحديث القدسي: ((يا عبادي،‬
                                              ‫ر‬           ‫ت‬                     ‫حر ت‬
      ‫إني َّم ُ الظلم على نفسي وجعل ُه بينكم مح ّمًا فال تظالموا)) رواه مسلم، وعن جابر أن‬
                ‫رسول اهلل قال: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) الحديث رواه مسلم.‬
‫قال ميمون بن مهران: "إن الرجل يقرأ القرآن وهو يلعن نفسه"، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟! قال:‬
‫ت‬                                                             ‫ة الل عل الظ لم‬
‫"يقرأ: أَالَ لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:55] وهو ظالم"، وقال سفيان الثوري رحمه اهلل: "إن لقي َ‬
    ‫اهلل تعالى بسبعين ذنبًا فيما بينك وبين اهلل تعالى أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك‬
                                            ‫ذك‬                   ‫د‬
  ‫وبين العباد"، أي: بظلمك أح ًا من عباد اهلل، و ُ ِر عن أبي بكر الوراق أنه قال: "أكثر ما ينزع‬
   ‫ال ت‬             ‫ت د ط‬
 ‫اإليمان من القلب ظلم العباد"، وكان يزيد بن حكيم يقول: "ما هب ُ أح ًا ق ّ هيبتي رج ً ظلم ُه،‬
   ‫وأنا أعلم أنه ال ناصر له إال اهلل، يقول: حسبي اهلل، اهلل بيني وبينك". فالظلم حرام، وحتى ظلم‬
                                                              ‫الكافر ال يجوز، فما بالك بظلم المسلم؟!‬
                                                ‫الظل م‬    ‫ء‬               ‫ظْ ل م‬
                                                ‫أمَا واهللِ إن ال ُلمَ ُؤْ ٌ…وما زال المسي ُ هو َُّو ُ‬
                                             ‫إلى َّيانِ يومَ ِّي ِ نمضي…وعند اهللِ تجتم ُ الْ ُ ُو ُ‬
                                             ‫ع خص م‬                            ‫الد ن‬          ‫الد‬
                                                  ‫م مل م‬                   ‫د‬               ‫ل م‬       ‫م‬
                                                  ‫ستعل ُ يا ظَُو ُ إذا التقينا…غ ًا عند اإللهِ َنِ ال َُو ُ‬
   ‫ب‬                              ‫جد‬
  ‫أيها المسلمون، إن صور الظلم التي يقع فيها الناس كثيرة ًّا، فأعظمها وأكبرها وأشدها عذا ًا‬
     ‫م‬       ‫ظْم‬         ‫ب َي ت ْر ِالل إن الش‬
     ‫ونَكاالً الشرك باهلل، قال تعالى على لسان لقمان: يَا ُن َّ ال ُش ِكْ ب َّهِ َّ ِّرْكَ لَ ُل ٌ عَظِي ٌ‬
                                                                                             ‫[لقمان:35].‬
  ‫وم ي َد ُد الل ِ َ‬                                              ‫م‬
‫ومن الظلم الذنوب والمعاصي عمو ًا، فإنها ظلم العبد لنفسه، قال تعالى: َ َن َتَع َّ ح ُودَ َّه فَقدْ‬
                                                                                             ‫َ سه‬
                                                                                 ‫ظَلمَ نَفْ َ ُ [الطالق:5].‬
                                            ‫د‬
‫ومن أنواع الظلم ظلم العباد بعضهم لبعض، وأش ّ الظلم عندما يقع من األقارب، كما قال الشاعر:‬
                              ‫و حس م َند‬                              ‫أشد مض ضة‬       ‫ُ‬          ‫ظ‬
                              ‫و ُلْم ذوي القرْبى ُّ َ َا َ ً…على النفس من َقْعِ ال ُ َامِ ال ُه َّ ِ‬
                                                     ‫د‬
   ‫فمن ذلكم ظلم الرجل لزوجته والتع ّي عليها بالضرب واإلهانة والتجريح وعيبها وعيب أهلها‬
   ‫وعدم القيام بما يجب لها من حقوق شرعية، سواء في النفقة أو التعامل الحسن والكلمة الطيبة‬
                                              ‫ل‬
     ‫وتقدير ضعفها وعاطفتها وحاجتها، واهلل ج ّ وعال ورسوله يأمران الزوج باإلحسان لزوجته‬
                                                  ‫وعدم ظلمها في أدلة كثيرة ليس هذا مجال ذكرها.‬
                                                               ‫ل‬
   ‫ومن أنواع الظلم المي ُ مع بعض الزوجات دون بعض، وقد أخبر فقال: ((من كانت له امرأتان‬
                                                        ‫ِقه‬
              ‫فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وش ُّ ُ مائل)) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده صحيح.‬
               ‫ُر د‬
   ‫ومن أنواع الظلم تفضيل بعض األوالد على بعض عدوانًا وطغيانًا، فنبينا لما أ ِي َ منه أن يشهد‬
 ‫على تفضيل رجل ألحد أوالده قال: ((اتقوا اهلل، واعدلوا بين أوالدكم))، وقال في الحديث اآلخر:‬
                  ‫ْر‬                                           ‫ِ‬                    ‫ت ِ‬
      ‫((ال ُشْهدْني على جَوْر، أَشْهدْ على هذا غيري)) رواهما البخاري. فجعله جَو ًا، وامتنع من‬
    ‫الشهادة عليه؛ ألنه من الظلم. ومن أعظم ظلم الرجل ألوالده أن يتركهم بال أمر وال نهي، وال‬
                                                                                                   ‫ي ج‬         ‫ي َد‬
                                                                                               ‫ُؤ ّبهم وال ُو ّههم.‬
‫ومن صور الظلم ـ عباد اهلل ـ منْع البنات من الزواج بهدف جمع األموال والثروات من أموالهم‬
                                      ‫إن كن موظفات، وهذا حرام وظلم وعدم مروءة، نسأل اهلل العافية.‬
                                                  ‫ي‬
‫ومن أنواع الظلم المعامالت الربوية، فقد ب ّن تعالى أنها ظلم؛ ألنه أخذ مال بغير حق، قال تعالى:‬
                                                     ‫لم ن و ت م‬                    ‫لك‬        ‫وإ ت ُ ْ ك ْ ر س‬
                                    ‫َِن ُبتم فَلَ ُم ُءو ُ أَمْواِ ُمْ الَ تَظِْ ُو َ َالَ ُظْلَ ُونَ [البقرة:327].‬
    ‫ي م ظم‬                        ‫ِن َّذ ي كل‬
   ‫ومن أنواع الظلم أكل أموال اليتامى بغير حق، قال تعالى: إ َّ ال ِينَ َأْ ُُونَ أَمْوالَ الْ َتَا َى ُلْ ًا‬
                                                            ‫س ر‬            ‫ِن ي كل َ ف بط ن ِ ن ر وسي‬
                                              ‫إ َّمَا َأْ ُُون ِى ُ ُو ِهمْ َا ًا َ َ َصْلَوْنَ َعِي ًا [النساء:05].‬
   ‫َال تل‬                                                    ‫ي‬                               ‫ذ‬
‫وح ّر تعالى المسلم من قتل نفسه، وب ّن أن االنتحار من ظلم اإلنسان لنفسه، قال تعالى: و َ تَقْ ُُواْ‬
  ‫عل‬             ‫ُ ن وظ م س ْ ن ل ن ر و‬                             ‫ب ُ ح وم ع‬                        ‫فس ُ ِن الل‬
 ‫أَن ُ َكمْ إ َّ َّهَ كَانَ ِكمْ رَ ِيمًا َ َن يَفْ َلْ ذالِكَ عدْوا ًا َ ُلْ ًا فَ َوفَ ُصِْيهِ َا ًا َكَانَ ذالِكَ ََى‬
                                                                                                      ‫الل ي ر‬
                                                                                    ‫َّهِ َسِي ًا [النساء:37، 03].‬
    ‫مب‬                                                                     ‫مم ل‬
  ‫وأخبر أن ُ َاطََة الغني للحق الواجب عليه ظلم منه لصاحبه، كتأخير أداء الحق من ثمن ال َ ِيع‬
                                                             ‫ْل‬
                              ‫أو القرض أو غير ذلك، يقول ((مَط ُ الغني ظلم)) الحديث أخرجه مسلم.‬
          ‫ش‬
    ‫ومن صور الظلم الشائعة أكل أموال الناس بالباطل، وذلك عن طريق السرقة أو الغ ّ أو عن‬
          ‫و‬
     ‫طريق الرشوة أو عن طريق التدليس، كمن يأخذ أرض غيره أو بعضها بمستندات مز ّرة أو‬
             ‫رض‬                 ‫َّ ه‬             ‫ْ ش ْر‬
   ‫أيمان كاذبة، ففي الحديث: ((من ظلم قَيدَ ِب ٍ من األرض طَوقَ ُ اهلل من سبع أَ َ ِين)) أخرجه‬
                                                                                                                 ‫مسلم.‬
                         ‫ي ُف‬                    ‫ق‬                                    ‫ظ‬
             ‫ومن ال ُلم ظلم الرجل لجيرانه بأن ال يقوم بح ّ الجوار لهم, وأن ال َك ّ األذى عنهم.‬
                                                                ‫عم‬
‫ومن أنواع الظلم ظلم ال ُ ّال والخادمات في البيوت، وعدم إعطائهم حقوقهم في وقتها، واستغاللهم‬
                                                                                                           ‫بغير حق.‬
        ‫ومن أنواع الظلم ظلم الناس في أعراضهم بالغيبة والنميمة واالستهزاء، وفي الحديث: ((إن‬
                          ‫دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) الحديث أخرجه البخاري ومسلم.‬
                       ‫ع‬                                         ‫م عه‬
    ‫أيها المسلمون، إن الظلم َرْتَ ُ ُ وَخِيم وشؤمه جسيم وعاقبته أليمة، وقد تو ّد اهلل أهله بالعذاب‬
‫َالله ي ِب‬                                     ‫ل‬         ‫و َ ِلظ لم َ‬
‫والنكال الشديد، فقال تعالى: َأَعْتدْنَا ل َّاِ ِينَ عذَابًا أَِيمًا [الفرقان:23]، وقال تعالى: و َّ ُ الَ ُح ُّ‬
    ‫س َن الل غ ال َم ي َل الظ لم ِنم ي ِّر ُ ل م‬                              ‫و‬                         ‫الظ لم‬
    ‫َّاِ ِينَ [آل عمران:21]، وقال: َالَ تَحْ َب َّ َّهَ َافِ ً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُونَ إَّ َا ُؤَخ ُهمْ ِيَوْ ٍ‬
               ‫ي َد إ ِ َ ف ُ وَ ئدت ُ و ء‬                          ‫ص ر م طع م نع رء سه‬                         ‫َ ُف‬
  ‫تَشْخص ِيهِ األَبْ َا ُ ُهْ ِ ِينَ ُقْ ِ ِي ُ ُو ِ ِمْ الَ َرْت ُّ ِلَيْهمْ طرْ ُهمْ َأفْ ِ َُهمْ هَ َا ٌ [إبراهيم:74،‬
   ‫ر‬                                ‫ر‬
  ‫34]، وإنه ـ واهلل ـ لوعيد تنخلع له القلوب الحية، وتقشع ّ له الجلود المؤمنة، وكفى به زاج ًا‬
                                                                                   ‫عن الظلم أو اإلعانة عليه.‬
  ‫لم‬                         ‫ظ‬                          ‫ة الل عل الظ لم‬
‫ويقول سبحانه: أَالَ لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:55]، ولكل ظالم ح ّ من هذه اللعنة بقدر مَظَْ َته‬
                               ‫ْ‬        ‫و ْل لَّذ ن م م َ‬                              ‫ث‬             ‫قل‬
  ‫فليسْتَ ِ ّ أو ليسْتَكْ ِر، ويقول تعالى: فَ َي ٌ ِّل ِي َ ظَلَ ُوا ِنْ عذَابِ يَومٍ أَلِيمٍ [الزخرف:16]، ويقول‬
                         ‫ي لب‬           ‫وسي َم َّذ ن م َي م‬                        ‫م‬                       ‫م ّد‬
       ‫ُهد ًا بسوء العاقبة وشؤم ال ُنْقَلَب: َ َ َعْل ُ ال ِي َ ظَلَ ُوا أ َّ ُنقَلَبٍ َنقَِ ُونَ [الشعراء:277].‬
                                                                                   ‫وبي‬
  ‫َّن سبحانه وتعالى أن الظالم محروم من الفالح في الدنيا واآلخرة، ومصروف عن الهداية في‬
    ‫يد‬          ‫ِن الل‬                       ‫ِنه ي لح الظ لم‬
   ‫أمور دينه ودنياه ما لم يتب، فقال: إ َّ ُ الَ ُفِْ ُ َّاِ ُونَ [القصص:23]، وقال: إ َّ َّهَ الَ َهْ ِي‬
                               ‫الظ لم‬         ‫ب ْد ل‬                                   ‫ْ الظ لم‬
‫القَومَ َّاِ ِينَ [القصص:01]، ويقول سبحانه: فَ ُع ًا ِّلْقَوْمِ َّاِ ِينَ [المؤمنون:54]، ويقول تعالى:‬
                                            ‫الن ت ك ت ب ت َذب‬                    ‫و ق ل لَّذ ن م ذ ق ع‬
                               ‫َنَ ُو ُ ِل ِي َ ظَلَ ُوا ُو ُوا َذَابَ َّارِ الَ ِي ُن ُم ِهَا ُك ِّ ُونَ [سبأ:74].‬
     ‫ب‬
   ‫كل تلك اآليات وغيرها جدير بمن سمعها أن يقف ويتأمل، ويحذر أن يحل عليه غضب الج ّار‬
                                                                                                      ‫ل‬
                                                                ‫ج ّ وعال فينتقم منه بسبب ظلمه لعباد اهلل.‬
                    ‫مج‬
    ‫ولشناعة الظلم، وكثرة أضراره، وعظم األذية به؛ جعل اهلل تعالى عقوبته ُعَ ّلة في الدنيا قبل‬
                                                                           ‫حذ‬
‫اآلخرة، ولذلك َّر النبي من دعوة المظلوم فقال: ((واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين اهلل‬
                                                                             ‫حجاب)) رواه البخاري ومسلم.‬
                                            ‫ال تَظِْم َّ إذا ما ُنتَ ُقْتَد ًا…فالظل ُ ترجع ُقْبَا ُ إلى الند ِ‬
                                            ‫َّ َم‬      ‫ع ه‬           ‫م‬        ‫ك م ِر‬               ‫ل َن‬
                                               ‫تنا ُ عيناك والمظلو ُ ُنْتَ ِ ٌ…يدعو عليك وعي ُ اهللِ َم تَنَ ِ‬
                                               ‫ن ل م‬                           ‫م م به‬                    ‫م‬
           ‫مس‬                           ‫ر‬                              ‫د‬
‫ويقول النبي : ((ثالثة ال ير ّ اهلل دعاءهم: الذاكر اهلل كثي ًا، والمظلوم، واإلمام ال ُقْ ِط)) والحديث‬
                                                                                     ‫س‬
        ‫ح ّنه األلباني في صحيح الجامع، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((دعوة المظلوم‬
                                   ‫س‬                               ‫ر‬
   ‫مستجابة وإن كان فاج ًا، ففجوره على نفسه)) والحديث ح ّنه األلباني في صحيح الجامع. فإذا‬
                                             ‫كان هذا شأن دعوة الفاجر فما بالك بدعوة التقي الصالح؟!‬
                                                    ‫ء‬           ‫ب ص‬            ‫ء َ ْدر ه‬           ‫ْزأ‬
                                                    ‫أَتَه َُ بالدعا ِ وتز َ ِي ِ…وما تدري ِما َنَعَ الدعا ُ‬
                                                     ‫ِ َا ُ الليلِ ال تخطي ولكن…لها أَ َ ٌ ولألَمدِ انقضا ُ‬
                                                     ‫ء‬         ‫َ‬      ‫مد‬                             ‫سه م‬
                                                             ‫َر‬
                ‫فاحذر ـ يا أخي ـ أن تكون غ َضًا لدعوات المظلومين ومَحالً لسهامهم الصائبة.‬
                                         ‫ي جب‬                        ‫ب‬      ‫س م‬
                                         ‫واحذر من المظلوم َهْ ًا صائ ًا…واعلم بأن دعاءه ال ُحْ َ ُ‬
‫وفي الحديث: ((إن اهلل ل ُمِْي للظالم حتى إذا أخذه لم يفِْتْ ُ))، ثم قرأ رسول اهلل : َكذَلِكَ أَخ ُ ر ِّ َ‬
‫ْذ َبك‬             ‫وَ‬                       ‫له‬                               ‫يل‬
                                                 ‫ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه م د د‬
                   ‫إ َا أَخذَ الق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ شَ ِي ٌ [هود:705] رواه البخاري ومسلم.‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود قال: كنت أضرب غالمًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي:‬
‫((اعلم أبا مسعود))، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول اهلل ، فإذا هو‬
     ‫يقول: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود))، قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: ((اعلم ـ أبا‬
       ‫د‬          ‫ك‬                                                              ‫ن‬
     ‫مسعود ـ أ ّ اهلل أقدر عليك منك على هذا الغالم))، قال: فقلت: ال أضرب مملو ًا بعده أب ًا.‬
        ‫ز‬                                        ‫َر م‬                          ‫ب‬          ‫حب‬
‫ولما ُ ِس خالد بن َرْمَك وولده في نَكْبة الب َا ِكَة المعروفة قال ولده: يا أبتي، بعد الع ّ صرنا في‬
            ‫القيد والحبس! فقال: يا بني، دعوة المظلوم سرت بليل، غفلنا عنها، ولم يغفل اهلل عنها.‬
                                                       ‫م‬         ‫ِم سي ل‬                          ‫د‬            ‫م‬
                                                       ‫وما ِن يدٍ إال ي ُ اهلل فوقَها…وال ظال ٌ إال َ ُبَْى بأظْلَ ِ‬
                                                                               ‫م‬
                                            ‫أسأل اهلل أن يجعلنا من ال ُقْسِطين، وأن ال يجعلنا من الظالمين.‬
                       ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه تواب رحيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                                                                     ‫د ر ب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫م ر‬                                                            ‫د‬
 ‫شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                                          ‫إلى يوم الدين.‬
      ‫ل‬               ‫ل‬
     ‫أما بعد: فيا أيها المسلم، إن تكن وقَعتَ في مظلمة ألحد من الخلق فتخّص منها اليوم، خّص‬
              ‫ر‬               ‫ب‬              ‫ج‬                      ‫رد‬
      ‫نفسك من مظالم العباد، ُ ّ الحقوق إلى أهلها، ان ُ بنفسك من الت ِعات ما دمت قاد ًا في هذه‬
              ‫ن‬               ‫م‬         ‫ب‬
‫الدنيا، قبل أن ينزل بك الموت، وترى مالئكة الج ّار، وترى َلك الموت، وتتم ّى ساعة تعيش في‬
      ‫م ت و مئ ة ط‬                        ‫َر‬     ‫و َ ِ الظ لم َ ف‬                                  ‫د‬
   ‫الدنيا لتر ّ المظالم، وال ينفعك ذلك. َلَوْ ترَى إذِ َّاِ ُون ِى غَم َاتِ الْ َوْ ِ َالْ َلَ ِكَ ُ بَاسِ ُواْ‬
   ‫ه ن بم ك ُ ق ل عل الل ْ حق وك ت ع‬                                    ‫َ‬       ‫ْد ه ْرج فسكم ْم ت ْ‬
 ‫أَي ِي ِمْ أَخ ِ ُواْ أَن ُ َ ُ ُ الْيَو َ ُجزَوْنَ عذَابَ الْ ُو ِ ِ َا ُنتمْ تَ ُوُونَ ََى َّهِ غَيرَ الْ َ ّ َ ُن ُمْ َنْ‬
                                                                                                      ‫بر‬             ‫يت‬
                                                                                     ‫ءا َا ِهِ تَسْتَكْ ِ ُونَ [األنعام:33].‬
                                 ‫ن‬         ‫م‬          ‫ُعذ‬
 ‫فيا أخي المسلم، أنت المحاسب، أنت الم َّب، أنت ال ُعاقَب، إ ّ ما أكلتَ من مظالم العباد ينساها‬
                     ‫مم‬                          ‫ه الله و س ه‬
         ‫الناس، ولكنها محفوظة عند اهلل، أَحْصَا ُ َّ ُ َنَ ُو ُ [المجادلة:6]، فإياك وال ُ َاطَلة، وإياك‬
                                                     ‫حي‬                              ‫والت‬
     ‫َّسْوِيف، وإياك واللجوء إلى ال ِ َل والخداع، وإياك أن تخدعك نفسك بأنك ذو مكر وخداع‬
                  ‫م‬
‫ودهاء، تأخذ حقوق الناس، وتستطيع بكل ما أوتيت من جدل وقوة وضعف َن أمامك، أنقذ نفسك‬
   ‫ْ ِن الل َر ع حس ب‬                     ‫ظْ‬       ‫بم سب‬              ‫ْ ت ْز ُل‬
   ‫قبل الوقوف بين يدي اهلل، الْيَومَ ُج َى ك ُّ نَفْسٍ ِ َا كَ َ َتْ الَ ُلمَ الْيَومَ إ َّ َّهَ س ِي ُ الْ ِ َا ِ‬
                                                                                                             ‫[غافر:25].‬
                     ‫ف ق‬
 ‫وليعلم كل من يقع في شيء من الظلم أن صاحب الحق وإن لم يستو ِ ح ّه اليوم فسوف يستوفيه‬
                                ‫د‬
    ‫في موقف أشد صعوبة وأقسى، يوم يقوم الناس لرب العالمين، غ ًا يوم القيامة، يستوفيه حينئذ‬
                                                                                ‫ر‬
   ‫خي ًا من ذلك، يستوفيه حسنات أحوج ما يكون صاحبها إليها، بل أعظم من ذلك يتحمل سيئات‬
        ‫ع ض‬            ‫م‬                 ‫م‬
‫من ظلمه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : (( َن كانت له مَظْلَ َة ألحد من ِرْ ِه أو شيء‬
   ‫لم‬                ‫أخ‬                                                                ‫ل‬
‫فليتحّله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال درهم، إن كان له عمل صالح ُ ِذ منه بقدر مَظَْ َته،‬
                                               ‫حم‬                    ‫أخ‬
                        ‫وإن لم تكن له حسنات ُ ِذ من سيئات صاحبه ف ُ ِل عليه)) أخرجه البخاري.‬
                                                            ‫ر‬
 ‫اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وش ّ عاقبته، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا‬
                                                                                            ‫دنيانا التي فيها معاشنا...‬

‫(5/5344)‬
                                                                                                                                ‫الوالدان‬
                                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                            ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                    ‫الكبائر والمعاصي, الوالدان, فضائل األعمال, مكارم األخالق‬
                                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                                       ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                                                                   ‫الدمام‬
                                                                                                               ‫جامع بالط الشهداء‬
                                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أهمية بر الوالدين ومنزلته. 7- وجوب طاعة الوالدين في غير معصية. 3- ما جاء في حق‬
       ‫األم على ولدها. 4- ما جاء في حق األب على ولده. 1- فوائد بر الوالدين. 6- التحذير من‬
                                                                     ‫عقوق الوالدين. 2- نماذج من بر السلف بآبائهم.‬
                                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
  ‫و َص َّذ أ ت‬
‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، فهي وصية اهلل لنا ولمن قبلنا: َلَقَدْ و َّيْنَا ال ِينَ ُو ُوا‬
                                                                                         ‫اتق‬         ‫م لك وِي ُ‬                ‫ك‬
                                                                   ‫الْ ِتَابَ ِن قَبِْ ُمْ َإ َّاكمْ أَنِ َّ ُوا اهللَ [النساء:535].‬
                               ‫ر‬
   ‫أيها اإلخوة، حديثنا اليوم عن عبادة من أفضل القرب التي تق ّبنا إلى ربنا عز وجل، وهي سبب‬
                                   ‫ر‬
‫لحصول الرزق والتوفيق إلى كل خير في الدنيا واآلخرة. ونظ ًا ألهميتها فقد قرنها اهلل مع عبادته‬
             ‫َ ض َب َال بد ِال ِي ه‬
             ‫في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: وقَ َى ر ُّكَ أ َّ تَعْ ُ ُواْ إ َّ إ َّا ُ‬
 ‫ق لهم ُف و ه ه َق لهم‬                                   ‫هم‬              ‫ك َ َدهم‬                ‫ِم ي ل َن ع‬              ‫و ِد إ‬
‫َبِالْوال َيْنِ ِحْسَانًا إ َّا َبُْغ َّ ِندَكَ الْ ِبرَ أَح ُ ُ َا أَوْ كِالَ ُ َا فَالَ تَ ُل َّ ُ َا أ ّ َالَ تَنْ َرْ ُمَا و ُل َّ ُ َا‬
                 ‫ُّل م الر مة َق رب ح ه م َب ن صغ ر‬                                    ‫ه ج‬         ‫رم و ِ‬
                ‫قَوْالً كَ ِي ًا َاخْفضْ لَ ُمَا َنَاحَ الذ ّ ِنَ َّحْ َ ِ و ُل َّ ّ ارْ َمْ ُمَا كَ َا رَّيَا ِى َ ِي ًا‬
                                                                             ‫[اإلسراء:37، 47]، إنها عبادة بر الوالدين.‬
           ‫ُ ل‬                                                                            ‫ر‬
          ‫ونظ ًا لعظم حق الوالدين فإن اهلل جل شأنه قرن شكره بشكرهما، فقال تعالى: أَنِ اشْكرْ ِى‬
                                                                                     ‫و ِد‬
  ‫َلِوال َيْكَ [لقمان:45]، حيث إن بر الوالدين من أحب األعمال إلى اهلل وأفضلها بعد الصالة، وهو‬
                                                                                       ‫ُقد‬
    ‫م َّم حتى على الجهاد في سبيل اهلل، سئل النبي : أي العمل أحب إلى اهلل؟ قال: ((الصالة على‬
‫وقتها))، قيل: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين))، قيل: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل اهلل)) متفق عليه،‬
    ‫وروى مسلم في صحيحه: أقبل رجل إلى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي األجر‬
 ‫من اهلل عز وجل، قال: ((فهل من والديك أحد حي؟)) قال: نعم، بل كالهما، قال: ((فتبتغي األجر‬
‫من اهلل عز وجل؟)) قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما))، وفي رواية البخاري‬
       ‫ف هم‬                  ‫َ‬             ‫َي و ِد ك‬                  ‫ْ ُ ف جه ِ‬                 ‫ّ ج ج إل الن ِي‬
      ‫أن رَ ُالً َاءَ َِى َّب ِّ فَاسْتَأذَنَه ِي الْ ِ َاد فَقَالَ: ((أَح ٌّ َال َا َ؟)) قَالَ: نَعمْ، قَالَ: ((فَ ِي ِ َا‬
                                                                                       ‫ِ‬
  ‫فَجَاهدْ))، وفي حديث إسناده جيد أن رجالً قال: يا رسول اهلل، إني أشتهي الجهاد وال أقدر عليه،‬
                       ‫ر‬
 ‫قال: ((هل بقي من والديك أحد؟)) قال: نعم، أمي، قال: ((قابل اهلل في ب ّها، فإذا فعلت ذلك فأنت‬
                                                                                             ‫حاج معتمر ومجاهد)).‬
                                     ‫ن‬
 ‫وقال رجل البن عباس : إني نذرت أن أغزو الروم، وإ ّ أبواي منعاني، فقال: (أطع أبويك؛ فإن‬
  ‫الروم ستجد من يغزوها غيرك)، حتى إن سفيان الثوري ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: "ال يغزو‬
                                                                                  ‫إال بإذنهما، وإن كانا مشركين".‬
          ‫أيها اإلخوة، مما يؤكد فقه الصحابة لمسألة بر الوالدين ما حدث في قصة كالب بن أمية‬
                                        ‫ر‬
‫المشهورة، فقد أرسل عمر بن الخطاب كالبًا أمي ًا على جيش للجهاد في إحدى الغزوات، وعندما‬
                                                     ‫د‬      ‫ث ّر‬
         ‫علم أبو كالب برحيل ابنه تأّر تأث ًا شدي ًا لفراق ابنه كالب، وقال هذه األبيات المحزنة:‬
                                                          ‫ب‬         ‫َ‬                  ‫َد ك ب‬
                                                         ‫لِمن شَيْخَانِ قد نَش َا ِال َا…كتابَ اهلل لو عَقلَ الكتا َا‬
                                                                    ‫ب‬              ‫أ د ي ِ ُ ف بء‬
                                                           ‫ُنا ِيهِ ف ُعْرض ِي إ َا ٍ…فال وأبي كال ٍ ما أصابا‬
                                                          ‫ك‬        ‫ت‬          ‫د‬          ‫جع ح ة‬
                                                      ‫إذا سَ َ َتْ َمام ُ بَطْن وا ٍ…إلى بيضا ِها أدعو ِالبا‬
                                                              ‫مك س غ ش‬                    ‫ُ ع ة‬
                                                          ‫تركتَ أباك مرْ ِشَ ً يداه…وأ ّ َ ما ت ِي ُ لها َرابا‬
                                                       ‫الش‬
                                                   ‫فإنك والتماس األجر بعدي…كباغي الماء يلتمس َّرابا‬
   ‫فسمع عمر بن الخطاب هذه األبيات من أبي كالب، فاستدعى كالبًا على الفور، وعندما حضر‬
                                     ‫ر‬
    ‫كالب وأبوه ال يعلم بحضوره، فسأله عمر: كيف كان ب ّك بأبيك؟ فقال: إني أحلب له كل يوم‬
                      ‫د‬
‫وأسقيه اللبن، فقال له عمر: احلب هذه الشاة، واستدعى عمر أبا كالب وق ّم له اللبن وهو ال يشعر‬
                                    ‫د‬
‫بوجود ابنه عند عمر، فقال األب: إني ألشم رائحة ي َي كالب، فبكى عمر وقال لكالب: جاهد في‬
                                                                ‫أبويك. قال ابن عبد البر: "هذا الخبر صحيح".‬
   ‫أيها اإلخوة، ومما يؤكد عظم حق الوالدين أنهما حتى لو كانا كافريْنِ فيجب ب ّهما، فَ َنْ أَسْ َا َ‬
   ‫مء‬          ‫ع‬        ‫ر‬
                                                             ‫م‬                ‫ب ب بْ‬
    ‫ِنْتِ أَ ِي َكرٍ رضي اهلل عنه َا قَالَتْ: يا رسول اهلل، إن أمي قدمت علي وهي راغبة مشركة،‬
                                                                          ‫َ صل ُمك‬                     ‫ص‬
                                                          ‫أفأ ِلها؟ قال: ((نَعمْ، ِِي أ َّ ِ)) رواه البخاري.‬
 ‫بل األمر ـ أيها اإلخوة ـ أعظم من كونهما كافرين، بل وحتى لو كانا يأمران ولدهما المسلم أن‬
  ‫َد ك‬        ‫وإ‬
  ‫يكفر باهلل فيجب أن يبرهما، ويحسن إليهما، لكن ال يطيعهما في الكفر، قال تعالى: َِنْ جَاه َا َ‬
     ‫ب ع ْ ٌ تط ه و ح هم ف الد م ْر َات سب م‬                                                  ‫تْ ب م‬             ‫ع‬
   ‫َلى أَنْ ُشرِكَ ِي َا لَيْسَ لَكَ ِهِ ِلم فَال ُ ِعْ ُمَا َصَا ِبْ ُ َا ِي ُّنْيَا َع ُوفًا و َّبِعْ َ ِيلَ َنْ‬
                                                          ‫إَي ُم إَي َ جع ُ ْ أ َبئ ُ ب ك ُ مل‬
                                           ‫أَنَابَ ِل َّ ث َّ ِل َّ مرْ ِ ُكم فَُنِّ ُكمْ ِمَا ُنتمْ تَعْ َُونَ [لقمان:15].‬
                                      ‫م‬          ‫جد‬
‫أيها األخ المسلم، إن حق أمك عليك عظيم ًّا، ولو تأ ّلت ما في هذه األدلة التي سأذكرها لنذرت‬
       ‫َص ن‬                                         ‫ف‬                    ‫ر‬      ‫ال‬
      ‫نفسك لخدمتها لي ً ونها ًا، ولن تستطيع أن تو ّيها شيئًا من حقها عليك، قال تعالى: وَو َّيْ َا‬
              ‫ْر‬       ‫س حم ه ُمه ك ووضع ه ُ ه ح له وف له ث‬                                                  ‫إل ن ِد‬
             ‫ا ِنسَا َ بِوال َيْهِ إِحْ َانًا َ َلَتْ ُ أ ُّ ُ ُرْهًا َ َ َ َتْ ُ كرْ ًا وَ َمُْ ُ َ ِصَاُ ُ ثَالَ ُونَ شَه ًا‬
  ‫[األحقاف:15]. وروى البخاري أنه جاء رجل إلى النبي فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟‬
       ‫قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال:‬
            ‫ر‬
  ‫((أبوك))، وقال ابن عباس رضي اهلل عنهما: (إني ال أعلم عمالً أقرب إلى اهلل من ب ّ الوالدة)،‬
   ‫وقال هشام بن حسان: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن:‬
                       ‫و‬                                                         ‫تعش‬
    ‫" َّ العشاء مع أمك تقر به عينها، فهو أحب إلي من حجة تحجها تط ّعًا"، وقال : ((دخلت‬
     ‫الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان، فقال: كذلك البر))، وكان أبر‬
                                                                  ‫الناس بأمه. والحديث في السلسلة الصحيحة.‬
                                                    ‫ض‬
‫أيها اإلخوة، وقد وردت نصوص أي ًا في فضل وعظم حق الوالد عند اهلل عز وجل، قال النبي :‬
 ‫((رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) والحديث رواه الترمذي وصححه‬
                                                                                                                ‫ابن حبان.‬
‫ومن عظيم مكانة الوالد أن اهلل يستجيب دعاءه على ولده، فقد قال : ((ثالث دعوات مستجابات ال‬
                            ‫شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) حديث حسن.‬
                      ‫ف‬
‫فاسع ـ أخي المسلم ـ في إرضاء والدك حتى تنال الخير العظيم، وتو ّق في أوالد يحسنون إليك‬
                                                               ‫ق‬
                                                  ‫كما أحسنت أنت إلى أبيك، واحذر أن تع ّه فيدعو عليك.‬
 ‫أيها المسلمون، إن لبر الوالدين فوائد كثيرة تعود على الولد، فلماذا نفرط في هذا الخير العظيم؟!‬
             ‫ي َد‬      ‫ر‬
  ‫فمن هذه الفوائد سعة الرزق وطول العمر، فعن رسول اهلل قال: ((من س ّه أن ُم َّ له في عمره‬
                                                                ‫ر‬                     ‫ي‬
           ‫و ُزادَ له في رزقه فليب ّ والديه وليصل رحمه)) والحديث حسن بهذا اللفظ، وأصله في‬
                                                                                                              ‫الصحيحين.‬
‫كما أنه بفضل بركة بر الوالدين تحصل ـ بإذن اهلل ـ حسن الخاتمة، فعن علي بن أبي طالب أن‬
                                 ‫ي‬                ‫ُوس‬              ‫ي َد‬
  ‫النبي قال: ((من سره أن ُم َّ له في عمره وي َّعَ له في رزقه و ُدفَعَ عنه ميتة السوء فليتق اهلل‬
                                                                           ‫وليصل رحمه)) والحديث إسناده جيد.‬
     ‫ر‬           ‫ِ‬       ‫َّ س‬                ‫ه‬       ‫ه‬                        ‫هلل البر و ِد‬
   ‫وقد جعلَ ا ُ َّ بِالْ َال َيْنِ بابًا للفوْزِ برضا ُ سبحان ُ، ففي الحديثِ أن ر ُولَ اهلل قَالَ: (( ِضا‬
                                                 ‫طه‬        ‫و ِد ن و ط ُ ف‬             ‫الر ِّ ف ر‬
                    ‫َّب ِي ِضا ال َال َيْ ِ، َسَخَ ُه ِي سَخَ ِ ِمَا)) والحديث في صحيح الجامع.‬
‫ومن الفوائد كذلك أن نكسب بر أوالدنا لنا في المستقبل، وأيضًا من الفوائد استجابة الدعاء من اهلل‬
                                             ‫لمن بر والديه، وكذلك في بر الوالدين تكفير للذنوب واآلثام.‬
  ‫أيها المسلمون، ال أظن بمن سمع تلك األحاديث واآليات الواردة في فضل بر الوالدين أن يتردد‬
                    ‫َق‬
 ‫في برهما، خاصة وقد جاءت نصوص أخرى تحذر وتنذر وتتوعد من ع َّ والديه، فمن ذلك أن‬
                                                                     ‫خ‬
 ‫النبي قال: ((كل الذنوب يؤ ّر اهلل تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إال عقوق الوالدين، فإن اهلل‬
                                                                                                    ‫ج‬
                                                         ‫يع ّله لصاحبه في الحياة قبل الممات)) رواه مسلم.‬
     ‫ب ِر‬                 ‫ع ر ع النب ِّ‬          ‫ذن ب ع ع ْ الل‬
     ‫إن عقوقَ الوالديْن يعتبر من كبائرِ ال ّ ُو ِ، فَ َنْ َبدِ َّهِ بنِ َمْ ٍو َنِ َّ ِي قَالَ: ((الْكَ َائ ُ‬
     ‫و َد رس ل الل‬                   ‫إل ْر ك ِالله وعق ق و ِد ن َ ْل الن س و يم ن م س‬
‫ا ِش َا ُ ب َّ ِ َ ُ ُو ُ الْ َال َيْ ِ وقَت ُ َّفْ ِ َالْ َ ِي ُ الْغَ ُو ُ)) رواه البخاري، َع َّ َ ُو ُ َّهِ من‬
                                                       ‫َاق و ِد ه‬                ‫جن‬          ‫َ خل‬
                             ‫الثَالثَةِ الذينَ ال يدْ ُُونَ الْ َ َّةَ: ((الْع ُّ لِ َال َيْ ِ)) والحديث في صحيح الجامع.‬
       ‫ر‬                                            ‫عق‬
     ‫واهلل تعالى ال ينظر يوم القيامة إلى من َ ّ والديه، وال يدخله الجنة، ففي الحديث الذي خ ّجه‬
     ‫ُّ‬                       ‫هلل‬                                         ‫ح‬                ‫الن‬
     ‫َّسائي والحاكم وص ّحه عن رسول اهلل أنه قال: ((ثالثة ال ينظر ا ُ إليهم يوم القيامة: العاق‬
                                                             ‫ن‬
     ‫لوالديه، ومدمن الخمر، والمنا ُ عطاءَه))، وقد دعا رسول اهلل على من أدرك والديه ولم يدخل‬
                                      ‫ر ِ فه‬          ‫ر ِ فه‬          ‫رغ فه‬
   ‫بهما الجنة، فقال : (( َ ِمَ أن ُ ُ، ثم َغمَ أن ُ ُ، ثم َغمَ أن ُ ُ))، قيل: من يا رسول اهلل؟ قال: ((من‬
                                                             ‫أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة)).‬
                                                         ‫ب‬
  ‫ومن خطورة أمر العقوق أن من تسّب في أن يشتم والديه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، فقد قال‬
 ‫الرسول : ((من الكبائر شتم الرجل والديه))، قالوا: يا رسول اهلل، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال:‬
                                                     ‫ب م‬           ‫ب‬
                                       ‫((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويس ّ أمه فيس ّ أ ّه)) رواه مسلم.‬
  ‫ولذلك حذر السلف من مصاحبة الشخص العاق لوالديه، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه اهلل: "ال‬
                                                                         ‫ق‬         ‫ر‬                      ‫عاق‬
                                                                ‫تصحب ًّا لوالديه؛ فإنه لن يب ّك وقد عَ ّ والديه".‬
                                           ‫أيها اإلخوة، هذا والد يخاطب ابنه العاق بأبيات تقطع القلب، فيقول:‬
                                                       ‫مل‬         ‫ت‬        ‫َد‬                      ‫فلما بلغتَ السن‬
                                                       ‫َّ والغايةَ التي…إليها م َى ما كن ُ فيك أؤ ّ ُ‬
                                                         ‫جعلتَ جزائي ِلْظَ ً وفَظَاظَ ً…كأنك أنت الْ ُنْ ِ ُ الْمتفضل‬
                                                         ‫ِّ ُ‬     ‫م عم‬                 ‫ة‬          ‫غ ة‬
                                                     ‫ر ل‬            ‫ر‬                  ‫ل َ حق أ وت‬
                                                     ‫فليتكَ إذا َم ترْعَ َّ ُبَ ّ ِي…فعلتَ كما الْجا ُ المجاو ُ يفع ُ‬
                                                     ‫فأوليتني َّ الْجوار ولم تكن…عل ّ ِما ِي دون مالك تبخ ُ‬
                                                     ‫ل‬               ‫يب ل‬                       ‫حق‬
                                                                  ‫أسأل اهلل أن ال يجعل من بيننا من هو عاق لوالديه.‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                                 ‫فر‬
                               ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه كان غ ّا ًا.‬
                                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
  ‫و َص َّذ أ ت‬
‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، فهي وصية اهلل لنا ولمن قبلنا: َلَقَدْ و َّيْنَا ال ِينَ ُو ُوا‬
                                                                                         ‫اتق‬         ‫م لك وِي ُ‬                ‫ك‬
                                                                   ‫الْ ِتَابَ ِن قَبِْ ُمْ َإ َّاكمْ أَنِ َّ ُوا اهللَ [النساء:535].‬
                               ‫ر‬
   ‫أيها اإلخوة، حديثنا اليوم عن عبادة من أفضل القرب التي تق ّبنا إلى ربنا عز وجل، وهي سبب‬
                                   ‫ر‬
‫لحصول الرزق والتوفيق إلى كل خير في الدنيا واآلخرة. ونظ ًا ألهميتها فقد قرنها اهلل مع عبادته‬
             ‫في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: وقَ َى ر ُّكَ أ َّ تَعْ ُ ُواْ إ َّ إ َّا ُ‬
             ‫َ ض َب َال بد ِال ِي ه‬
 ‫ق لهم ُف و ه ه َق لهم‬                                   ‫هم‬              ‫ك َ َدهم‬                ‫ِم ي ل َن ع‬              ‫و ِد إ‬
‫َبِالْوال َيْنِ ِحْسَانًا إ َّا َبُْغ َّ ِندَكَ الْ ِبرَ أَح ُ ُ َا أَوْ كِالَ ُ َا فَالَ تَ ُل َّ ُ َا أ ّ َالَ تَنْ َرْ ُمَا و ُل َّ ُ َا‬
                 ‫ُّل م الر مة َق رب ح ه م َب ن صغ ر‬                                    ‫ه ج‬         ‫رم و ِ‬
                ‫قَوْالً كَ ِي ًا َاخْفضْ لَ ُمَا َنَاحَ الذ ّ ِنَ َّحْ َ ِ و ُل َّ ّ ارْ َمْ ُمَا كَ َا رَّيَا ِى َ ِي ًا‬
                                                                             ‫[اإلسراء:37، 47]، إنها عبادة بر الوالدين.‬
           ‫ُ ل‬                                                                            ‫ر‬
          ‫ونظ ًا لعظم حق الوالدين فإن اهلل جل شأنه قرن شكره بشكرهما، فقال تعالى: أَنِ اشْكرْ ِى‬
                                                                                    ‫و ِد‬
 ‫َلِوال َيْكَ [لقمان:45]، حيث إن بر الوالدين من أحب األعمال إلى اهلل وأفضلها بعد الصالة، وهو‬
                                                                                      ‫ُقد‬
   ‫م َّم حتى على الجهاد في سبيل اهلل، سئل النبي : أي العمل أحب إلى اهلل؟ قال: ((الصالة على‬
‫وقتها))، قيل: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين))، قيل: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل اهلل)) متفق عليه،‬
   ‫وروى مسلم في صحيحه: أقبل رجل إلى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي األجر‬
 ‫من اهلل عز وجل، قال: ((فهل من والديك أحد حي؟)) قال: نعم، بل كالهما، قال: ((فتبتغي األجر‬
‫من اهلل عز وجل؟)) قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما))، وفي رواية البخاري‬
       ‫ف هم‬                  ‫َ‬             ‫َي و ِد ك‬                  ‫ْ ُ ف جه ِ‬                 ‫ّ ج ج إل الن ِي‬
      ‫أن رَ ُالً َاءَ َِى َّب ِّ فَاسْتَأذَنَه ِي الْ ِ َاد فَقَالَ: ((أَح ٌّ َال َا َ؟)) قَالَ: نَعمْ، قَالَ: ((فَ ِي ِ َا‬
                                                                                       ‫ِ‬
  ‫فَجَاهدْ))، وفي حديث إسناده جيد أن رجالً قال: يا رسول اهلل، إني أشتهي الجهاد وال أقدر عليه،‬
                       ‫ر‬
 ‫قال: ((هل بقي من والديك أحد؟)) قال: نعم، أمي، قال: ((قابل اهلل في ب ّها، فإذا فعلت ذلك فأنت‬
                                                                                             ‫حاج معتمر ومجاهد)).‬
                                     ‫ن‬
 ‫وقال رجل البن عباس : إني نذرت أن أغزو الروم، وإ ّ أبواي منعاني، فقال: (أطع أبويك؛ فإن‬
  ‫الروم ستجد من يغزوها غيرك)، حتى إن سفيان الثوري ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: "ال يغزو‬
                                                                                  ‫إال بإذنهما، وإن كانا مشركين".‬
          ‫أيها اإلخوة، مما يؤكد فقه الصحابة لمسألة بر الوالدين ما حدث في قصة كالب بن أمية‬
                                        ‫ر‬
‫المشهورة، فقد أرسل عمر بن الخطاب كالبًا أمي ًا على جيش للجهاد في إحدى الغزوات، وعندما‬
                                                     ‫د‬      ‫ث ّر‬
         ‫علم أبو كالب برحيل ابنه تأّر تأث ًا شدي ًا لفراق ابنه كالب، وقال هذه األبيات المحزنة:‬
                                                          ‫ب‬         ‫َ‬                  ‫َد ك ب‬
                                                         ‫لِمن شَيْخَانِ قد نَش َا ِال َا…كتابَ اهلل لو عَقلَ الكتا َا‬
                                                                    ‫ب‬              ‫أ د ي ِ ُ ف بء‬
                                                           ‫ُنا ِيهِ ف ُعْرض ِي إ َا ٍ…فال وأبي كال ٍ ما أصابا‬
                                                          ‫ك‬        ‫ت‬          ‫د‬          ‫جع ح ة‬
                                                      ‫إذا سَ َ َتْ َمام ُ بَطْن وا ٍ…إلى بيضا ِها أدعو ِالبا‬
                                                              ‫مك س غ ش‬                    ‫ُ ع ة‬
                                                          ‫تركتَ أباك مرْ ِشَ ً يداه…وأ ّ َ ما ت ِي ُ لها َرابا‬
                                                       ‫الش‬
                                                   ‫فإنك والتماس األجر بعدي…كباغي الماء يلتمس َّرابا‬
   ‫فسمع عمر بن الخطاب هذه األبيات من أبي كالب، فاستدعى كالبًا على الفور، وعندما حضر‬
                                     ‫ر‬
    ‫كالب وأبوه ال يعلم بحضوره، فسأله عمر: كيف كان ب ّك بأبيك؟ فقال: إني أحلب له كل يوم‬
                      ‫د‬
‫وأسقيه اللبن، فقال له عمر: احلب هذه الشاة، واستدعى عمر أبا كالب وق ّم له اللبن وهو ال يشعر‬
                                    ‫د‬
‫بوجود ابنه عند عمر، فقال األب: إني ألشم رائحة ي َي كالب، فبكى عمر وقال لكالب: جاهد في‬
                                                                ‫أبويك. قال ابن عبد البر: "هذا الخبر صحيح".‬
   ‫مء‬          ‫ع‬        ‫ر‬
   ‫أيها اإلخوة، ومما يؤكد عظم حق الوالدين أنهما حتى لو كانا كافريْنِ فيجب ب ّهما، فَ َنْ أَسْ َا َ‬
                                                              ‫م‬                ‫ب ب بْ‬
     ‫ِنْتِ أَ ِي َكرٍ رضي اهلل عنه َا قَالَتْ: يا رسول اهلل، إن أمي قدمت علي وهي راغبة مشركة،‬
                                                                          ‫َ صل ُمك‬                     ‫ص‬
                                                          ‫أفأ ِلها؟ قال: ((نَعمْ، ِِي أ َّ ِ)) رواه البخاري.‬
 ‫بل األمر ـ أيها اإلخوة ـ أعظم من كونهما كافرين، بل وحتى لو كانا يأمران ولدهما المسلم أن‬
  ‫َد ك‬        ‫وإ‬
  ‫يكفر باهلل فيجب أن يبرهما، ويحسن إليهما، لكن ال يطيعهما في الكفر، قال تعالى: َِنْ جَاه َا َ‬
     ‫ب ع ْ ٌ تط ه و ح هم ف الد م ْر َات سب م‬                                                  ‫تْ ب م‬             ‫ع‬
   ‫َلى أَنْ ُشرِكَ ِي َا لَيْسَ لَكَ ِهِ ِلم فَال ُ ِعْ ُمَا َصَا ِبْ ُ َا ِي ُّنْيَا َع ُوفًا و َّبِعْ َ ِيلَ َنْ‬
                                                          ‫إَي ُم إَي َ جع ُ ْ أ َبئ ُ ب ك ُ مل‬
                                           ‫أَنَابَ ِل َّ ث َّ ِل َّ مرْ ِ ُكم فَُنِّ ُكمْ ِمَا ُنتمْ تَعْ َُونَ [لقمان:15].‬
                                      ‫م‬          ‫جد‬
‫أيها األخ المسلم، إن حق أمك عليك عظيم ًّا، ولو تأ ّلت ما في هذه األدلة التي سأذكرها لنذرت‬
       ‫َص ن‬                                         ‫ف‬                    ‫ر‬      ‫ال‬
      ‫نفسك لخدمتها لي ً ونها ًا، ولن تستطيع أن تو ّيها شيئًا من حقها عليك، قال تعالى: وَو َّيْ َا‬
               ‫ْر‬       ‫س حم ه ُمه ك ووضع ه ُ ه ح له وف له ث‬                                                  ‫ِد‬            ‫إل‬
              ‫ا ِنسَانَ بِوال َيْهِ إِحْ َانًا َ َلَتْ ُ أ ُّ ُ ُرْهًا َ َ َ َتْ ُ كرْ ًا وَ َمُْ ُ َ ِصَاُ ُ ثَالَ ُونَ شَه ًا‬
  ‫[األحقاف:15]. وروى البخاري أنه جاء رجل إلى النبي فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟‬
        ‫قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال:‬
             ‫ر‬
   ‫((أبوك))، وقال ابن عباس رضي اهلل عنهما: (إني ال أعلم عمالً أقرب إلى اهلل من ب ّ الوالدة)،‬
   ‫وقال هشام بن حسان: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن:‬
                        ‫و‬                                                         ‫تعش‬
     ‫" َّ العشاء مع أمك تقر به عينها، فهو أحب إلي من حجة تحجها تط ّعًا"، وقال : ((دخلت‬
     ‫الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان، فقال: كذلك البر))، وكان أبر‬
                                                                   ‫الناس بأمه. والحديث في السلسلة الصحيحة.‬
                                                    ‫ض‬
‫أيها اإلخوة، وقد وردت نصوص أي ًا في فضل وعظم حق الوالد عند اهلل عز وجل، قال النبي :‬
 ‫((رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) والحديث رواه الترمذي وصححه‬
                                                                                                                 ‫ابن حبان.‬
‫ومن عظيم مكانة الوالد أن اهلل يستجيب دعاءه على ولده، فقد قال : ((ثالث دعوات مستجابات ال‬
                             ‫شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) حديث حسن.‬
                      ‫ف‬
‫فاسع ـ أخي المسلم ـ في إرضاء والدك حتى تنال الخير العظيم، وتو ّق في أوالد يحسنون إليك‬
                                                                ‫ق‬
                                                   ‫كما أحسنت أنت إلى أبيك، واحذر أن تع ّه فيدعو عليك.‬
 ‫أيها المسلمون، إن لبر الوالدين فوائد كثيرة تعود على الولد، فلماذا نفرط في هذا الخير العظيم؟!‬
             ‫ي َد‬      ‫ر‬
  ‫فمن هذه الفوائد سعة الرزق وطول العمر، فعن رسول اهلل قال: ((من س ّه أن ُم َّ له في عمره‬
                                                                 ‫ر‬                     ‫ي‬
            ‫و ُزادَ له في رزقه فليب ّ والديه وليصل رحمه)) والحديث حسن بهذا اللفظ، وأصله في‬
                                                                                                               ‫الصحيحين.‬
‫كما أنه بفضل بركة بر الوالدين تحصل ـ بإذن اهلل ـ حسن الخاتمة، فعن علي بن أبي طالب أن‬
                                 ‫ي‬                ‫ُوس‬              ‫ي َد‬
  ‫النبي قال: ((من سره أن ُم َّ له في عمره وي َّعَ له في رزقه و ُدفَعَ عنه ميتة السوء فليتق اهلل‬
                                                                            ‫وليصل رحمه)) والحديث إسناده جيد.‬
     ‫ر‬           ‫ِ‬       ‫َّ س‬                ‫ه‬       ‫ه‬                        ‫هلل البر و ِد‬
   ‫وقد جعلَ ا ُ َّ بِالْ َال َيْنِ بابًا للفوْزِ برضا ُ سبحان ُ، ففي الحديثِ أن ر ُولَ اهلل قَالَ: (( ِضا‬
                                                  ‫طه‬        ‫و ِد ن و ط ُ ف‬             ‫الر ِّ ف ر‬
                     ‫َّب ِي ِضا ال َال َيْ ِ، َسَخَ ُه ِي سَخَ ِ ِمَا)) والحديث في صحيح الجامع.‬
‫ومن الفوائد كذلك أن نكسب بر أوالدنا لنا في المستقبل، وأيضًا من الفوائد استجابة الدعاء من اهلل‬
                                              ‫لمن بر والديه، وكذلك في بر الوالدين تكفير للذنوب واآلثام.‬
  ‫أيها المسلمون، ال أظن بمن سمع تلك األحاديث واآليات الواردة في فضل بر الوالدين أن يتردد‬
                     ‫َق‬
  ‫في برهما، خاصة وقد جاءت نصوص أخرى تحذر وتنذر وتتوعد من ع َّ والديه، فمن ذلك أن‬
                                                                     ‫خ‬
 ‫النبي قال: ((كل الذنوب يؤ ّر اهلل تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إال عقوق الوالدين، فإن اهلل‬
                                                                                                 ‫ج‬
                                                      ‫يع ّله لصاحبه في الحياة قبل الممات)) رواه مسلم.‬
      ‫ب ِر‬                 ‫ع ر ع النب ِّ‬          ‫ذن ب ع ع ْ الل‬
      ‫إن عقوقَ الوالديْن يعتبر من كبائرِ ال ّ ُو ِ، فَ َنْ َبدِ َّهِ بنِ َمْ ٍو َنِ َّ ِي قَالَ: ((الْكَ َائ ُ‬
     ‫و َد رس ل الل‬                   ‫إل ْر ك ِالله وعق ق و ِد ن َ ْل الن س و يم ن م س‬
‫ا ِش َا ُ ب َّ ِ َ ُ ُو ُ الْ َال َيْ ِ وقَت ُ َّفْ ِ َالْ َ ِي ُ الْغَ ُو ُ)) رواه البخاري، َع َّ َ ُو ُ َّهِ من‬
                                                 ‫َاق و ِد ه‬                ‫َن‬         ‫َ خل‬
                       ‫الثَالثَةِ الذينَ ال يدْ ُُونَ الْج َّةَ: ((الْع ُّ لِ َال َيْ ِ)) والحديث في صحيح الجامع.‬
      ‫ر‬                                            ‫عق‬
    ‫واهلل تعالى ال ينظر يوم القيامة إلى من َ ّ والديه، وال يدخله الجنة، ففي الحديث الذي خ ّجه‬
    ‫َّسائي والحاكم وص ّحه عن رسول اهلل أنه قال: ((ثالثة ال ينظر ا ُ إليهم يوم القيامة: العاق‬
    ‫ُّ‬                       ‫هلل‬                                         ‫ح‬                ‫الن‬
                                                            ‫ن‬
    ‫لوالديه، ومدمن الخمر، والمنا ُ عطاءَه))، وقد دعا رسول اهلل على من أدرك والديه ولم يدخل‬
                                     ‫ر ِ فه‬          ‫ر ِ فه‬          ‫رغ فه‬
  ‫بهما الجنة، فقال : (( َ ِمَ أن ُ ُ، ثم َغمَ أن ُ ُ، ثم َغمَ أن ُ ُ))، قيل: من يا رسول اهلل؟ قال: ((من‬
                                                  ‫أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة)).‬
                                                        ‫ب‬
 ‫ومن خطورة أمر العقوق أن من تسّب في أن يشتم والديه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، فقد قال‬
 ‫الرسول : ((من الكبائر شتم الرجل والديه))، قالوا: يا رسول اهلل، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال:‬
                                             ‫ب م‬           ‫ب‬
                               ‫((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويس ّ أمه فيس ّ أ ّه)) رواه مسلم.‬
 ‫ولذلك حذر السلف من مصاحبة الشخص العاق لوالديه، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه اهلل: "ال‬
                                                             ‫ق‬         ‫ر‬                      ‫عاق‬
                                                    ‫تصحب ًّا لوالديه؛ فإنه لن يب ّك وقد عَ ّ والديه".‬
                                  ‫أيها اإلخوة، هذا والد يخاطب ابنه العاق بأبيات تقطع القلب، فيقول:‬
                                            ‫مل‬         ‫ت‬        ‫َد‬                      ‫فلما بلغتَ السن‬
                                            ‫َّ والغايةَ التي…إليها م َى ما كن ُ فيك أؤ ّ ُ‬
                                              ‫جعلتَ جزائي ِلْظَ ً وفَظَاظَ ً…كأنك أنت الْ ُنْ ِ ُ الْمتفضل‬
                                              ‫ِّ ُ‬     ‫م عم‬                 ‫ة‬          ‫غ ة‬
                                           ‫ر ل‬            ‫ر‬                  ‫ل َ حق أ وت‬
                                           ‫فليتكَ إذا َم ترْعَ َّ ُبَ ّ ِي…فعلتَ كما الْجا ُ المجاو ُ يفع ُ‬
                                           ‫ل‬               ‫يب ل‬                       ‫حق‬
                                           ‫فأوليتني َّ الْجوار ولم تكن…عل ّ ِما ِي دون مالك تبخ ُ‬
                                                     ‫أسأل اهلل أن ال يجعل من بيننا من هو عاق لوالديه.‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                           ‫فر‬
                         ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه كان غ ّا ًا.‬

‫(5/7344)‬




                                                                                                  ‫غض البصر‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                   ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                             ‫التربية والتزكية, الفتن, الكبائر والمعاصي, المرأة‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                                                     ‫الدمام‬
                                                                                                   ‫جامع بالط الشهداء‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- استهانة الناس بالنظر المحرم في هذا الزمان. 7- أهمية البصر ومنزلته من الحواس. 3-‬
         ‫خطورة النظر المحرم. 4- استغالل األعداء للمرأة في اإلفساد. 1- آثار النظر إلى الحرام‬
                              ‫وعواقبه. 6- األسباب المعينة على غض البصر. 2- فوائد غض البصر.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
  ‫َي َّذ من اتق الل َق ت ته‬
  ‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، قال عز وجل: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ‬
                                                                                  ‫و م ُن ِال و ُ م لم‬
                                                               ‫َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
‫أيها اإلخوة، لقد استهان كثير من المسلمين في هذه األيام في النظر المحرم إلى النساء، وهذا شيء‬
                                                            ‫ر‬
          ‫مشاهد، ويعلمه الجميع، فترى كثي ًا من الناس يستهينون في النظر إلى النساء األجانب في‬
                                         ‫ير‬                    ‫م‬
   ‫األسواق وفي أماكن تج ّعات الناس وعبر ما ُع َض في كثير من القنوات الفضائية ومن خالل‬
   ‫ق ل م من ي ُض‬
 ‫أجهزة الجواالت والحاسبات اآللية، واهلل جل في عاله يقول لعباده المؤمنين: ُلْ ِلْ ُؤْ ِ ِينَ َغ ُّوا‬
‫ِنْ أَبْ َارِ ِمْ َيَحْفَ ُوا ُ ُو َهمْ ذَلِكَ أَزْ َى لَهمْ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِ َا َصْنَ ُو َ وقلْ ِلْ ُؤْ ِنَا ِ َغْ ُضْ َ‬
‫ر بم ي ع ن َ ُ ل م م ت ي ض ن‬                            ‫ك ُ ِن الل‬                     ‫م ص ه و ظ فر ج ُ‬
            ‫ض‬                                               ‫َ ُر ج ُن‬           ‫م ص ِن و‬
 ‫ِنْ أَبْ َارِه َّ َيَحْفَظْن ف ُو َه َّ [النور:03، 53]، فأين نحن من أمر اهلل لنا بالغ ّ من البصر؟!‬
‫عباد اهلل، إن البصر هو الباب األكبر إلى القلب، وأقرب طرق الحواس إليه، وما أكثر السقوط من‬
                                            ‫ض‬
   ‫جهته، ولذلك بدأ اهلل تعالى في اآلية فأمر بالغ ّ من البصر قبل حفظ الفرج، لماذا؟ ألن البصر‬
                                                                                              ‫هو أقرب طريق للقلب.‬
                                     ‫ج‬                       ‫كما أن غض البصر ليس مختص‬
   ‫ًّا بالرجال، بل األمر مو ّه كذلك للنساء، حيث أمر اهلل سبحانه‬
         ‫م ص ِن‬                ‫َُ ل م م ي ض‬
         ‫وتعالى المؤمنات بغض أبصارهن وحفظ فروجهن: وقلْ ِلْ ُؤْ ِنَاتِ َغْ ُضْنَ ِنْ أَبْ َارِه َّ‬
                                                                                                ‫َ فر ج ُن‬         ‫وي‬
                                                                              ‫َ َحْفَظْن ُ ُو َه َّ اآلية [النور:53].‬
          ‫أيها اإلخوة في اهلل، إن إطالق البصر في المحرمات ذنب عظيم ينبغي عدم االستخفاف به‬
         ‫والتهاون فيه، حيث يقول الرسول اهلل : ((العينان زناها النظر، واألذنان زناهما االستماع))‬
                                   ‫تب‬
          ‫والحديث في الصحيحين، وقال رسول اهلل لعلي: ((يا علي، ال ُتْ ِعِ النظرةَ النظرة؛ فإن لك‬
 ‫األولى، وليست لك اآلخرة)) رواه اإلمام أحمد وأبو داود والترمذي، وفي الصحيح عن جرير بن‬
                                  ‫ب‬                                             ‫جل‬
      ‫عبد اهلل البَ َِي قال: سألت النبي عن نظرة الفَجْأَة ـ وهو ال َغْتَة من دون قصد ـ فأمرني أن‬
                                                                                                             ‫أصرف وجهي.‬
                            ‫إن معظم المصائب والذنوب والخطايا أولها نظرة، ألم تسمعوا قول الشاعر:‬
                                        ‫ُّ الحوا ِ ِ َبْدَ ُها ِن َّظ ِ…و ُعْظَم النارِ من ُسْتَصْغرِ َّر ِ‬
                                        ‫َ الش ر‬        ‫م‬                ‫دث م ؤ م الن َر م‬                ‫كل‬
                                            ‫كم نظرة فَتَكَت في قلب صاحبها…فَتْكَ ِّها ِ بال قَوْ ٍ وال َتَ ِ‬
                                            ‫ور‬        ‫س‬          ‫الس م‬                       ‫ْ‬       ‫ٍ‬
                                          ‫َر‬          ‫ف‬      ‫ي غد‬                  ‫لب‬                   ‫ء‬
                                          ‫والمر ُ ما دام ذا عين يقَّ ُها…في أَعْ ُنِ ال ِي ِ موقو ٌ على الخَط ِ‬
                                                   ‫َر‬                             ‫ضر م ج‬             ‫يسر م‬
                                                   ‫ُّ ُقْلَتَه ما َّ ُهْ َتَه…ال مرحبًا بسرور عاد بالضر ِ‬
                                                                     ‫تفن‬
       ‫أيها المسلمون، لقد َّن أعداؤنا وأعداء الفضيلة والطهر والعفاف في إغواء وإفساد وإغراء‬
                                                                      ‫ر‬      ‫ال‬
 ‫المسلمين لي ً ونها ًا من خالل إفساد المرأة واستخدامها آلة وألعوبة لتحقيق مخططاتهم، وهذا ـ‬
 ‫أيها اإلخوة ـ ِصْداق لحديث رسول اهلل عليه الصالة والسالم، ففي صحيح البخاري َنْ ُ َا َ َ‬
 ‫ع أس مة‬                                                                 ‫م‬
      ‫َر عل الرج ل م النس‬               ‫م رتبد ف‬                       ‫ِ ز ٍ رض الله ع ه ع النب ِّ‬
 ‫بْن َيْد َ ِيَ َّ ُ َنْ ُمَا َنْ َّ ِي قَالَ: (( َا تَ َكْ ُ َعْ ِي ِتْنَةً أَض َّ ََى ِّ َا ِ ِنَ ِّ َاء))،‬
        ‫ِن الد ح ة ِ ة وِن الله‬                           ‫ُ ْ ِي ع النب ِّ‬       ‫ع ب سع‬
        ‫وفي صحيح مسلم َنْ أَ ِي َ ِيدٍ الْخدر ِّ َنِ َّ ِي قَالَ: ((إ َّ ُّنْيَا ُلْوَ ٌ خَضرَ ٌ، َإ َّ َّ َ‬
    ‫َاتق النس ء ِن َّ ف ة بن إ ْر ل ن‬                                  ‫مل ن َاتق الد‬                  ‫م لف ُ ْ ف ه ي ُر‬
  ‫ُسْتَخِْ ُكم ِي َا فَ َنْظ ُ كَيْفَ تَعْ َُو َ، ف َّ ُوا ُّنْيَا، و َّ ُوا ِّ َا َ؛ فَإ َّ أَولَ ِتْنَ ِ َ ِي ِس َائِي َ كَا َتْ‬
                                                                                                                    ‫ف النس ء‬
                                                                                                                 ‫ِي ِّ َا ِ)).‬
                                   ‫جن‬
‫ولذلك عرف المفسدون أثر المرأة في إفساد المجتمع، ف َّدوا طاقاتهم، وكدحوا واجتهدوا من أجل‬
        ‫سي‬                                    ‫سي‬
  ‫حَفْنَة مال حرام قليل ال بارك اهلل في جهودهم، و َ ُسْألون عن هذا المال يوم القيامة، و َ ُسْألون‬
‫َالله ُر د يت ع ك و ُر د َّذ ن‬                                                                    ‫ب‬
‫عما تسّبوا به في إفساد مجتمعات المسلمين بهذا اإلغواء، و َّ ُ ي ِي ُ أَنْ َ ُوبَ َلَيْ ُمْ َي ِي ُ ال ِي َ‬
                                                                             ‫ظ‬         ‫مل م‬               ‫َتبع الش و‬
                                                            ‫يَّ ِ ُونَ َّهَ َاتِ أَنْ تَ ِيُوا َيْالً عَ ِيمًا [النساء:27].‬
                                                        ‫ع‬                ‫م‬
    ‫أيها المسلمون، إن َن أطلق لبصره ال َنَان فينظر للنساء الفاسدات في القنوات الفضائية أو في‬
   ‫المنتزهات أو في الشواطئ أو في األسواق أو عبر الجواالت أو أجهزة الحاسب اآللي سيصاب‬
        ‫بأمر عظيم يفسد عليه دينه، أال وهو فساد القلب، فالنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في‬
                               ‫ت م‬
     ‫الرمية، فإن لم تقتله جرحته، فهي بمنزلة الشرارة من النار ُر َى في الحشيش اليابس، فإن لم‬
  ‫تحرقه كله أحرقت بعضه. ولقد قيل: "الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم بعده"،‬
                                                                                                           ‫ورحم اهلل القائل:‬
                                                 ‫ظر‬                            ‫َْ َ د‬
                                                 ‫وكنتَ متى أرسلتَ طرفَك رائ ًا…لقلبك يومًا أتعبتك المنا ِ ُ‬
                                               ‫رأيتَ الذي ال كله أنت قَا ِ ٌ…عليه وال عن بعضه أنت صاب ُ‬
                                               ‫ر‬                          ‫در‬
 ‫أي: إذا أرسلت نظرك فإنك ترى ما ال تقدر على تحصيله، وال تصبر على عدم حصول بعضه،‬
                                                           ‫وهذا من عجائب النظر. فهو سهم ترميه فيعود إليك.‬
                                                                                                                  ‫وقال غيره:‬
                                              ‫يا راميًا بسهام اللحْظِ مجته ًا…أنت القَتِيل بما ترمي فال ُ ِ ِ‬
                                              ‫تصب‬                              ‫د‬
                                                      ‫ض‬
‫أيها المسلمون، أال يخاف من لم يغ ّ بصره أن يحدث له الجزاء في الدنيا قبل اآلخرة؟! والجزاء‬
                                                  ‫ر‬           ‫د ُد‬
 ‫من جنس العمل، وكما ت ِين ت َان، وكما م ّ معنا في الحديث أن العين تزني وزناها النظر، ولهذا‬
                                                                                  ‫يقول الشافعي رحمه اهلل:‬
                                            ‫ُّوا تع ّ نساؤكم في المَحْر ِ…وتَج ّبوا ما ال يلي ُ ِمسل ِ‬
                                            ‫قب م‬                  ‫ن‬      ‫َم‬                  ‫ف‬      ‫عف‬
                                            ‫إن الزنا َيْن فإن أقرضتَ ُ…كان الوفَا من أهل بيتك فاعل ِ‬
                                            ‫م‬                             ‫ه‬               ‫د‬
                                              ‫م‬          ‫ب‬                    ‫ر‬             ‫نُ ن‬         ‫م‬
                                              ‫َن يزْ ِ يزْ َ به ولو بجدا ِه…إن كنتَ يا هذا لَ ِيبًا فافه ِ‬
        ‫ي‬            ‫ي َم ئ‬                                                                ‫ع‬
      ‫وقد تو ّد اهلل من يخون ببصره إلى ما ال يرضيه جل وعال، فقال تعالى: َعْل ُ خَا ِنَةَ األَعْ ُنِ‬
                                                ‫مس َق‬
 ‫[غافر:35]، وخائنة األعين هو نظر ال ُ َار َة، وهو النظر الذي يخفيه المرء من جليسه حياءً أو‬
                                   ‫ي‬                ‫د‬
 ‫خوفًا أو احترامًا، واهلل جل وعال وتق ّس أولى وأولى أن ُسْتحيى منه جل شأنه، وقد قال سبحانه‬
      ‫ي ف ن م الن س و ي ف م الل‬                                                         ‫م‬
    ‫وتعالى ع ّن يخشى الناس وال يخشى اهلل في السر: َسْتَخْ ُو َ ِنَ َّا ِ َال َسْتَخْ ُونَ ِنَ َّهِ‬
                          ‫ْل و الله ب ي مل ن مح‬                     ‫َ ض م‬           ‫هو معه ِ ي َيت ن‬
        ‫وَ ُ َ َ َ ُمْ إذْ ُبِّ ُو َ مَا ال يرْ َى ِنَ الْقَو ِ َكَانَ َّ ُ ِمَا َعْ َُو َ ُ ِيطًا [النساء:505].‬
                       ‫ي ب‬                          ‫ر‬
 ‫أيها اإلخوة، إن من عقوبات النظر المح ّم إبطال الطاعات، وبسببه ُصا ُ المرء بالغفلة عن اهلل‬
                                                         ‫شغ‬
 ‫والدار اآلخرة، فإن القلب إذا ُ ِل بالمحرمات أورثه ذلك كسالً عن ذكر اهلل ومالزمة الطاعات،‬
                          ‫م‬                         ‫دي‬
     ‫بل إن عين الناظر للحرام ال قيمة وال ِ َة لها في الشريعة، فمن تع ّد النظر في بيوت الناس‬
                            ‫ط‬                                                       ‫م َسس‬
  ‫ُتَج ِّ ًا تهدر عينه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((لو ا ّلع أحد في بيتك ولم تأذن له‬
                                                                                            ‫ََ ه‬
                                         ‫فخذفْتَ ُ بحصاة ففَقَأَتْ عينه ما كان عليك جناح)) متفق عليه.‬
‫عباد اهلل، إن تقوى اهلل عز وجل والخوف من عقابه ودعاءه واالستعانة به وشكره على نعمه أكبر‬
              ‫يص‬                                                      ‫ل‬             ‫م‬
 ‫ُعِين على التخّص من النظر الحرام، فإن من تمام شكر نعمة البصر أن ال ُع َى اهلل عز وجل‬
         ‫و‬        ‫ئ‬         ‫نم‬           ‫ض‬                             ‫ك‬
  ‫بها، وعلينا أن نتذ ّر عظيم الجزاء عند اهلل لمن غ ّ بصره، وأ ّ َن ترك شي ًا هلل ع ّضه اهلل‬
                                                                                                          ‫ر‬
                                                                                                    ‫خي ًا منه.‬
                                   ‫ب عل‬           ‫ر‬                    ‫مطي‬             ‫ع‬
                                   ‫ليس الشجا ُ الذي يحمي َ ِ ّته…يومَ النزالِ ونا ُ الحر ِ تشت ِ ُ‬
                               ‫ل‬      ‫س‬                       ‫ر‬            ‫لكن ف ًى غض ف‬
                               ‫َّ طر ًا أو ثنى بص ًا…عن الحرام فذاك الفار ُ البط ُ‬ ‫ت‬
     ‫إن الخوف من سوء الخاتمة وترك صحبة األشرار يعين كذلك على ترك النظر الحرام، فإن‬
         ‫ي ل‬
 ‫الشخص يأخذ من صفات من يخالطه، و((المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من ُخَاِل))، كما‬
                                                          ‫أخبر بذلك الرسول صلى اهلل عليه وآله وسلم.‬
                                                ‫ك‬
     ‫إن المسلم الذي رزقه اهلل بزوجة عليه أن يتذ ّر أن اهلل أغناه بحالله عن حرامه، فليشكر هذه‬
‫النعمة، وإذا تعرض لنظرة مسمومة فعليه أن يبادر بعالج ما يقع في قلبه من أثر تلك النظرة، ففي‬
                       ‫تب‬                     ‫تب‬
  ‫الحديث أن رسول اهلل قال: ((إن المرأة ُق ِل في صورة شيطان، و ُد ِر في صورة شيطان، فإذا‬
                                                                      ‫ِ‬
                            ‫أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه)) رواه مسلم.‬
‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله ، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر‬
                                                                   ‫المسلمين فاستغفروه، إنه غفور رحيم.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على جزيل نعمه وعظيم امتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
                                                ‫د‬
  ‫ال شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اهلل عليه‬
                                                         ‫م ر‬            ‫ل‬
                                                       ‫وعلى آله وصحبه، وسّم تسلي ًا كثي ًا.‬
     ‫أما بعد: فيا أيها اإلخوة في اهلل، إن لغض البصر عن الحرام فوائد وثمرات نجنيها في الدنيا‬
 ‫واآلخرة ينبغي التأمل فيها حتى ال تضيع منا هذه الخيرات، في مقابل حصول الحسرات من عدم‬
                                                                             ‫غض األبصار.‬
   ‫فمن فوائد غض البصر تخليص القلب من ألم الحسرة، وبغض البصر يحصل للقلب قوة وثبات‬
    ‫وشجاعة ونور وإشراق يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، ومن غض بصره آتاه اهلل‬
                              ‫م ح‬               ‫ر‬
  ‫الحكمة، وال تكاد تخطئ فراسته، وتجده مسرو ًا وفرحًا و ُنشرِ ًا، ويحس باللذة أعظم من اللذة‬
                                                         ‫ف‬
                                     ‫والسرور الحاصل بالنظر، فلذة العِ ّة أعظم من لذة الذنب.‬
    ‫إن غض البصر سبب لمحبة اهلل واألنس به، وبه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، وغض‬
  ‫البصر يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن األسير هو أسير شهوته وهواه، ومتى أسرت الشهوة‬
                                                           ‫والهوى القلب سامته سوء العذاب.‬
‫إن غض البصر طريق للجنة، فعن عبادة بن الصامت أن النبي قال: ((اضمنوا لي ستًا من أنفسكم‬
     ‫أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم،‬
                                              ‫وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)) حديث حسن.‬
   ‫م ب ض‬
  ‫أيها اإلخوة، المسلم مطلوب منه أن يمتثل قول رسوله : ((اتق اهلل حيثما كنت))، و ُطالَ ٌ أي ًا‬
‫أن يراقب ربه في الخلوات، كما هي حاله أمام الناس، وال ينتهك حرمات اهلل إذا خال بها بمفرده.‬
          ‫ع‬                            ‫ٌّ‬                               ‫م ب‬
    ‫والمسلم ُطالَ ٌ بإقامة المعروف وإنكار المنكر، كل بحسب جهده وموقعه، وكلكم را ٍ وكلكم‬
                                                     ‫ل‬           ‫ُ‬              ‫ل‬
  ‫مسؤو ٌ عن رعيته، األب راع ومسؤو ٌ عن أهل بيته، فال يسمح بالمجالت الخليعة وال البرامج‬
   ‫المدمرة التي أصبحت تزرع الضالالت والفتن بدخول البيت، على المسلمين أن يحذروها، وأن‬
                                                                    ‫يقوا أنفسهم وأهليهم منها.‬
   ‫اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ومن الذين يقولون: سمعنا وأطعنا، اللهم‬
             ‫ارزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة...‬

‫(5/3344)‬




                                                                   ‫التحذير من أذية المسلمين‬
                                                       ‫-----------------------‬
                               ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                     ‫اآلداب والحقوق العامة, الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع, محاسن الشريعة‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫محمد أحمد حسين‬
                                                                                                   ‫القدس‬
                                                                                          ‫35/5/6745‬
                                                                                       ‫المسجد األقصى‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- خطورة انتشار اآلفات االجتماعية بين المسلمين. 7- وجوب حفظ الضرورات الخمس. 3-‬
        ‫حرمة دماء وأعراض األنفس المعصومة. 4- التحذير من أذية المسلمين ًّا أو معنوي‬
   ‫ًّا. 1-‬        ‫مادي‬
‫رمضان فرصة للمراجعة والتغيير. 6- توالي الهجمات االستيطانية على القدس. 2- عوامل عزة‬
                                                                                       ‫األمة اإلسالمية.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
     ‫ت‬       ‫ع‬
     ‫أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تجتاح مجتم َنا آفا ٌ‬
                                                        ‫ت‬
 ‫اجتماعية كثيرة، كالمخدرات واال ّجار بها وتعاطيها ومعاقرة الخمور، وما ينتج عنها من جرائم‬
                                                                        ‫س‬
‫القتل والزنا وال ّطْو على البيوت والممتلكات وسرقة األموال والمحتويات واستعمال السالح ألتفه‬
     ‫األسباب، مما يؤدي إلى جرائم القتل أو اإلصابات والجراحات التي ال سبب لها إال االنفالت‬
                           ‫ك‬             ‫ذ‬
 ‫األمني واألخالقي وغياب الوازع الديني الذي يه ّب النفوس ويز ّي األخالق، حتى غدا المجتمع‬
   ‫قبلي‬                           ‫م‬       ‫ي‬
‫ـ مع شديد األسف ـ كأنه مجتمع يعيش حياة الجاهلية بعصب ّتها ال ُنْتِنة وثاراتها الغائرة و َ َِّتها‬
                        ‫ر‬                                              ‫د‬            ‫م ِ‬
  ‫ال ُتَناحرَة، فقد تق ّمت الرذيلة، وتراجعت الفضيلة، وغدا المعروف منك ًا والمنكر معروفًا، وقد‬
         ‫سي‬                              ‫ي‬
  ‫أغلقت القلوب على نكتة سوداء، حتى أصبحت ال تم ّز بين الخير والشر، أو تراهما ِ ّان، وال‬
    ‫ِن الل َ ي َير ب ْ َت‬                                ‫م ْد‬
   ‫تغيير لهذا الواقع المؤلم إال بتغيير النفوس، ِص َاقًا لقوله تعالى: إ َّ َّه ال ُغ ِّ ُ مَا ِقَومٍ ح َّى‬
                                                                                    ‫ب فس ِ‬          ‫ي ِّر‬
                                                                      ‫ُغَي ُوا مَا ِأَن ُ ِهمْ [الرعد:55].‬
                                                      ‫د‬
 ‫أيها المسلمون، ال عذر لمسلم ـ فر ًا كان أم جماعة أم حكومة ـ أن يقتل مسلمًا بغير حق، كما‬
               ‫مص‬       ‫ُر‬                                    ‫ع‬              ‫ن‬       ‫ر‬
   ‫ق ّر الدي ُ الحنيف والشر ُ القويم؛ ألن دماء المسلمين معصومة وح ُماتها َ ُونة، والرسول‬
    ‫ي‬                                                                      ‫ل م‬
   ‫يقول: ((ال يح ّ د ُ امرئ مسلم يشهد أن ال إله إال اهلل وأني رسول اهلل إال بإحدى ثالث: الث ّب‬
                                         ‫الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)).‬
                                                                ‫َر‬
     ‫لقد ضمنت شريعتنا الغ ّاء حفظ الضرورات التي ال تقوم الحياة إال بها ـ وعلى رأسها حق‬
                    ‫كل‬          ‫ت‬                           ‫والن‬
   ‫الحياة ـ بحفظ النفس والعقل َّسْل والدين، وبهذا سبقت شريعُنا السمحة َّ المواثيق الدولية‬
                            ‫ب‬     ‫ت م‬                                              ‫تدع‬
           ‫التي َّ ِي محافظتها على حقوق اإلنسان، في الوقت الذي ُسَا ُ شعو ٌ كثيرة ظلمَ الدول‬
                                                               ‫ب َر‬        ‫ُ بح‬
          ‫االستعمارية، وتذْ َ ُ شعو ُها ق َابِين للمصالح الدولية، تحت شعارات الحرية والديمقراطية‬
                                                                                        ‫والعولمة واألفكار الوافدة.‬
 ‫ء‬       ‫ر‬                      ‫ُ‬        ‫ر‬
 ‫أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، وكما ح ّم اإلسالم دمَ المسلم إال بحق ح ّم إيذا َ‬
        ‫م من ن‬            ‫و َّذ ن ي ْذ‬                                                ‫ِ ض‬
        ‫المسلم في عرْ ِه أو ماله أو ترويعه بالسالح وغيره، فقال تعالى: َال ِي َ ُؤ ُونَ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                                       ‫وإ مب ن‬                ‫سب َ ِ مل ب‬                       ‫و م م ت ب ْر‬
  ‫َالْ ُؤْ ِنَا ِ ِغَي ِ مَا اكْتَ َ ُوا فَقد احْتَ َُوا ُهْتَانًا َِثْمًا ُ ِي ًا [األحزاب:51]، وقال رسول اهلل : ((ال‬
                                                                                     ‫يش‬
  ‫ُ ِير أحدكم إلى أخيه بالسالح؛ فإنه ال يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من حفر‬
  ‫النار))، فهل يرعوي أولئك الذين يتباهون بإشهار السالح في وجوه اآلمنين فيستعملونه لتخويف‬
                               ‫بب‬
‫األبرياء لنهب أموالهم أو لتحقيق مصالح آنية من شأنها نَشْر ال َلْ َلَة والفوضى بين أبناء المجتمع؟!‬
                                                                 ‫م مر‬
     ‫والرسول يقول: (( َن َ ّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نَبْل فليمسك أو ليقبض على‬
           ‫ر‬                                                  ‫د‬              ‫ف‬          ‫ن‬
         ‫ِصَالها بك ّه؛ أن يصيب أح ًا من المسلمين بشيء))، فكم هي اإلصابات التي وقعت ج ّاء‬
                         ‫د‬
 ‫استعمال السالح في األفراح أو االستعراض بين أبناء شعبنا الذي ق ّم الكثير من التضحيات وهو‬
                                                                                        ‫ل‬            ‫د‬
                                                                           ‫يتح ّى رصاص المحتّين واحتاللهم.‬
                                                                     ‫ر‬
     ‫أيها المسلمون، لقد ح ّم اهلل إيذاء المؤمنين بأي صورة من صور اإليذاء المادي أو المعنوي،‬
   ‫فاإليذاء المادي كالقتل والجروح واالعتداء على األموال بالسرقة أو اإلتالف، واإليذاء المعنوي‬
                                                           ‫و‬                                ‫ف‬
‫ب ُحْش الكالم وقَذْف األعراض أو ال ِشَاية لألعداء أو الغيبة والنميمة بهتك الحرمات وإشاعة الفتنة‬
‫َّن‬      ‫نب ث ر م‬                 ‫َي َّذ من‬
‫وإساءة الظن، فقد نهانا اهلل تعالى عن سوء الظن بقوله: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا اجْتَ ِ ُوا كَ ِي ًا ِنَ الظ ِّ‬
                                                                      ‫َّن إ ْم‬        ‫ِن ب‬
         ‫إ َّ َعْضَ الظ ِّ ِث ٌ [الحجرات:75]، ونهانا تعالى عن استخدام الجوارح والحواس في غير‬
    ‫ك ب ع ْم ِن الس ع و ب َر و ف د ُل أ ك ن‬                                         ‫و ْف‬
    ‫رضوان اهلل فقال تعالى: َال تَق ُ مَا لَيْسَ لَ َ ِهِ ِل ٌ إ َّ َّمْ َ َالْ َص َ َالْ ُؤَا َ ك ُّ ُوْلَئِ َ كَا َ‬
                                                                                                         ‫عه م ئ‬
                                                                                       ‫َنْ ُ َسْ ُوالً [اإلسراء:63].‬
                                                               ‫س‬      ‫خ‬
       ‫فعلى المسلم أن يس ّر حوا ّه وجوارحه في عمل الخير، حتى ال تشهد عليه يوم القيامة بما‬
                    ‫َد ع ِ س ته و د ِ وَ جل ُ بم ن ي مل‬
     ‫اقترف، لقوله تعالى: يَوْمَ تَشْه ُ َلَيْهمْ أَلْ ِنَ ُ ُمْ َأَيْ ِيهمْ َأرْ ُُهمْ ِ َا كَا ُوا َعْ َُونَ [النور:47].‬
                               ‫د‬               ‫د‬
        ‫إن انتشار األذى المادي والمعنوي في المجتمع يؤ ّي إلى قطع المو ّة وإثارة الفتنة وانتشار‬
                                ‫ز‬               ‫ر‬
    ‫الخصومة، ويهيج العداوة والبغضاء، ويف ّق الجماعة، ويم ّق الوحدة، ويهضم حق المؤمنين،‬
                        ‫ص‬
 ‫ويطعنهم في الصميم، وعالج ذلك أن ينهض كل فرد وجماعة وفَ ِيل ومسؤول بواجبه في جمع‬
  ‫م‬                                                          ‫د‬
 ‫الكلمة وتوحيد الصف والتص ّي لكل مظاهر الفساد والفتنة، فالرسول يقول: ((انصر أخاك ظال ًا‬
            ‫م‬
       ‫أو مظلومًا))، فقال رجل: يا رسول اهلل، أنصره إذا كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظال ًا كيف‬
    ‫د‬
  ‫أنصره؟ قال: ((تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره))، قال رسول اهلل : ((مثل المؤمنين في توا ّهم‬
     ‫وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر‬
                                                                                                           ‫والحمى)).‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                ‫ال‬
‫وبعد: أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، ه ّ جعلنا من شهر رمضان المبارك الذي‬
                                                                                         ‫ل‬
     ‫يح ّ على أمتنا بعد أيام قالئل موسمًا لمراجعة أحوالنا، ومائدة لفعل الخير، وفرحة للتوبة من‬
                                     ‫ل‬
  ‫الذنوب، ومحطة للتزود باإليمان والتقوى، حتى نتغّب على شهوات النفس، ونقهر دواعي الشر‬
       ‫ت جس م‬
  ‫والفساد والجريمة، ونوقف حالة الفوضى التي يعيشها شعبنا المرابط؛ ألن مسؤوليا ٍ ِ َا ًا تقع‬
 ‫على عاتق هذا الشعب، فيجب أن ينهض بها، وعلى رأسها رعاية المسجد األقصى المبارك الذي‬
                   ‫خ‬         ‫ط‬                                              ‫ت ق‬
   ‫ُحْدِ ُ به األخطار، ويطمع به األعداء ضمن محاوالت ومخ ّطات للتد ّل في شؤونه، وفرض‬
                                   ‫ر‬
                    ‫واقع جديد فيه ال يرضى به مسلم يحمل عقيدة اإليمان وتح ّكه عزة اإلسالم.‬
                              ‫ن‬                                                   ‫ر‬
     ‫كما تتع ّض المدينة المقدسة لهجمة استيطانية غير مسبوقة، إمعا ًا في تهويدها وطَمْس معالم‬
                ‫ُر‬             ‫تَ و‬
 ‫حضارتها اإلسالمية وقَلْع جذورها العربية، في الوقت الذي ُهرْ ِل فيه دول الع ُوبة والدول التي‬
                                                                                         ‫م‬
 ‫تس ّي نفسها دوالً إسالمية لتطبيع عالقاتها مع حكومة االحتالل اإلسرائيلية، فال حول وال قوة إال‬
                                                                 ‫باهلل، وإنا هلل وإنا إليه راجعون.‬
    ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، إن أمتكم اإلسالمية تملك من عوامل الوحدة‬
   ‫والقوة ما يجعلها في مقدمة األمم إن هي أخذت بهذه العوامل منهجًا لحياتها، فالعقيدة اإلسالمية‬
                                       ‫ح‬
‫تجمعها على التوحيد واإليمان، والشريعة اإلسالمية تو ّدها في بيان األحكام واالحتكام، ومواردها‬
                                      ‫س‬
  ‫من الثروات الهائلة وموقعها الجغرافي الذي يجعلها تتو ّط أمم العالم عوامل قوة تدفعها لمقدمة‬
    ‫ز ف‬                                           ‫ّ‬                                             ‫ر‬
  ‫ُتَب األمم، بدالً من السير في ذيل القافلة. فهال أخذت أمتنا بهذا المنهاج العظيم الذي أع ّ سل َنا‬
                                                ‫ر‬                                        ‫ح‬
                                     ‫الصال َ وأورثنا هذه الديار المباركة أرضًا وديا ًا إسالمية؟!‬
                                  ‫ز‬
   ‫ورحم اهلل الفاروق عمر فاتح هذه البالد حينما قال: (نحن قوم أع ّنا اهلل باإلسالم، فمهما ابتغينا‬
                                                                                ‫ل‬            ‫ز‬
                                                                       ‫الع ّة في غيره أذّنا اهلل).‬

‫(5/4344)‬




                                                            ‫النبي كأنك تراه (5): أهمية األخالق‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                       ‫التربية والتزكية, الشمائل, مكارم األخالق‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                          ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                                                ‫الدمام‬
                                                                                                        ‫6/6/1745‬
                                                                                                        ‫جامع الهدى‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- اصطفاء اهلل تعالى لمن يشاء من عباده. 7- ارتباط أركان اإلسالم بتزكية األخالق. 3-‬
 ‫وجوب التوافق بين باطن اإلنسان وظاهره. 4- شذرات من أخالق النبي قبل اإلسالم وبعده. 1-‬
                                             ‫ما جاء من األحاديث في منزلة حسن الخلق والحث عليه.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
  ‫ل ُم‬           ‫َ َبك لق ي ء وي ت ر‬                             ‫د‬          ‫ل‬
  ‫أيها األحبة في اهلل، قال اهلل ج ّ شأنه وتق ّست أسماؤه: ور ُّ َ يَخُْ ُ مَا َشَا ُ َ َخْ َا ُ مَا كَانَ َه ُ‬
          ‫ر‬                ‫ب ل‬                       ‫خ َ ة س ن الل و ل َم ي رك‬
  ‫الْ ِيرَ ُ ُبْحَا َ َّهِ َتَعَاَى ع َّا ُشْ ِ ُونَ [القصص:56]. فر ّنا ج ّ جالله هو المتص ّف بالخلق‬
            ‫م‬                       ‫م‬               ‫م‬
     ‫والتدبير والتقدير، فيخلق ما يشاء و َن يشاء، ويختار ِن خلقه ما يشاء، ويصطفي َن يشاء،‬
                                             ‫ّ‬             ‫م‬     ‫ر‬
   ‫فليس ألحد اختيار وال تص ّف في ُلْكه سبحانه جل في عاله، يقول اإلمام ابن القيم رحمه اهلل:‬
‫"فاهلل الذي يقسم الفضل بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع االختيار، ومن يصلح له ممن ال‬
                                       ‫يصلح، وهو الذي يرفع بعض الناس فوق بعض درجات" اهـ.‬
                 ‫ض‬                                      ‫مس‬
 ‫فاهلل قسم الناس فمنهم السيد وال َ ُود، ومنهم الحاكم والمحكوم، وجعل التفا ُل حتى بين الرسل،‬
        ‫قال تعالى: ِلْكَ ُّسل ف َّلْنَا َعْ َهمْ ََى َعضٍ ِنْهمْ َنْ كَلمَ َّ ُ ورفَعَ َعْ َهمْ َرَجَا ٍ‬
        ‫ت الر ُ ُ َض ب ض ُ عل ب ْ م ُ م َّ الله َ َ ب ض ُ د ت‬
                                                                                                     ‫[البقرة:317].‬
                           ‫ص‬
‫وكان من أمره سبحانه اختيار محمد وتفضيله على العالمين، فخ ّه بأفضل الكتب وأكملها، وجعل‬
   ‫َق مص ِّ لم‬                ‫ك‬           ‫و ز إ‬                                            ‫مه‬
  ‫شريعته الخاتمة وال ُ َيْمِنة على الشرائع كلها، قال تعالى: َأَن َلْنَا ِلَيْكَ الْ ِتَابَ بِالْح ِّ ُ َدقًا ِ َا‬
                                                                             ‫ب ن َد ه م ك ومه م ع‬
                                                         ‫َيْ َ ي َيْ ِ ِنَ الْ ِتَابِ َ ُ َيْ ِنًا َلَيْهِ [المائدة:54].‬
    ‫وجعل اهلل تعالى مدار شريعة محمد على تزكية النفوس وتطهيرها وإصالح األخالق وتنقيتها،‬
                                                           ‫بع‬
     ‫ولهذا صح عنه قوله: ((إنما ُ ِثت ألتمم مكارم األخالق)) أخرجه البخاري في األدب المفرد‬
                                                           ‫حص‬        ‫ن‬                 ‫ح‬
‫وص ّحه األلباني. فكأ ّ النبي َ َر بعثته على تقويم األخالق وإتمام مكارمها، ولذلك فإن المتأمل‬
                        ‫الط‬                               ‫ع‬
    ‫في أركان اإلسالم يجد أنها جمي ًا تدعو إلى تقويم األخالق وتهذيب ِّباع واستقامة السلوك،‬
   ‫ِن الص ت ه‬                                          ‫ه‬                         ‫تع‬
  ‫فالصالة ُب ِد المسلم عن الرذائل، وتط ّره من سوء القول والعمل، قال تعالى: إ َّ َّالةَ َنْ َى‬
                 ‫يذ‬                ‫ت‬                                         ‫ءو م‬                  ‫ع‬
       ‫َنِ الْفَحْشَا ِ َالْ ُنْكَرِ [العنكبوت:14]، والزكاة ليست ضريبة ُدفَع أو ماالً ُب َل مجردة عن‬
      ‫خ م و ل ِ َ َ ت ِّره‬
    ‫المعاني والحكم، إنما هي لتطهير النفس وتزكيتها، قال تعالى: ُذْ ِنْ أَمْ َاِهمْ صدقَةً ُطَه ُ ُمْ‬
                                           ‫ن‬                                ‫وت َك ِ به‬
‫َ ُز ِّيهمْ ِ َا [التوبة:305]، والصوم ليس حرما ًا من الطعام والشراب والنكاح، بل هو خطوة إلى‬
                                                     ‫و‬                                 ‫ف‬
 ‫ك ّ النفس عن شهواتها المحظورة ونَزَ َاتها المنكورة، قال : ((من لم يدع قول الزور والعمل به‬
  ‫فليس هلل حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) رواه البخاري، والحج ليس رحلة خالية من المعاني‬
  ‫األخالقية، إنما هو سبيل إلى إبعاد النفس عن سَفَا ِف األمور، قال تعالى: الْح ُّ أَشْ ُ ٌ َعُْو َا ٌ‬
  ‫َج هر م ل م ت‬                                   ‫س‬
                                   ‫َج‬       ‫َ و فس و ِد َ ف‬                   ‫م ْ َ َ ف ِن ح َّ‬
                     ‫فَ َن فرضَ ِيه َّ الْ َج فَال رفَثَ َال ُ ُوقَ َال ج َال ِي الْح ِّ [البقرة:235].‬
                 ‫ال‬           ‫م هم‬
   ‫فهذه أركان اإلسالم العظيمة وعباداته الجليلة، ليست طقوسًا ُبْ َ َة، وال أعما ً مجردة ال معنى‬
                                       ‫ق‬                       ‫ص‬
‫لها، بل هي في مجملها لها ِالت وثيقة تعمل في نَسَ ٍ واحد يكمل به بناء األخالق الشامخ، إنها‬
                           ‫بع‬
    ‫عبادات مختلفة في مظهرها، ولكنها جميعًا تلتقي عند الغاية التي ُ ِث محمد من أجلها: ((إنما‬
                                                                                               ‫بع‬
                                                                      ‫ُ ِثت ألتمم مكارم األخالق)).‬
                       ‫ين‬
  ‫معاشر المؤمنين، إن المظهر وإن كان مطلوبًا في اإلسالم ولكنه ال ُغ ِي عن الجوهر، إن تقويم‬
         ‫ء‬
 ‫السلوك الظاهر فقط والحرص على العبادات والشعائر مجردة من معانيها وحكمها بنا ٌ على غير‬
                                                       ‫ع ض‬
 ‫أساس، وكل بناء على غير أساس ُرْ َة لالنهيار كما قال : ((إن اهلل ال ينظر إلى أجسامكم وال‬
    ‫إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)) أخرجه مسلم، فما فائدة الصالة إذا كان المصلي بذيء‬
                              ‫ك‬
    ‫اللسان فاحش الكالم سيئ الخلق؟! وما فائدة الزكاة إذا كان المز ّي يأكل أموال الناس بالباطل‬
       ‫ويماطل في حقوقهم؟! وما فائدة الحج إذا كان الحاج يكذب في حديثه ويخلف وعده ويخون‬
                                                  ‫بع‬
                         ‫أمانته؟! وصدق الرسول حينما قال: ((إنما ُ ِثت ألتمم مكارم األخالق)).‬
 ‫ن‬                  ‫ن‬                                                        ‫د‬            ‫بع‬
‫لقد ُ ِث نبينا ليص ّق ما يدعو إليه بعمله، فكانت أخالقه عنوانًا لدعوته وبرها ًا على نبوته وتبيا ًا‬
                                               ‫د‬
‫لصدق رسالته، ولهذا أثنى اهلل عليه بثناء يتر ّد في سمع الوجود، ويتلوه المأل األعلى والمؤمنون،‬
                                          ‫وِن ع خل‬                             ‫ت س َ مدي‬
‫وال ُنْ ِيه سرْ َ ِ ّة الزمان، قال تعالى: َإَّكَ لَ َلى ُُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. وجاء في صحيح مسلم أن‬
                                   ‫خ‬                                 ‫أم‬
 ‫سعد بن هشام سأل َّ المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها عن ُلق النبي فقالت: أليس تقرأ القرآن؟!‬
 ‫ر‬
‫قال: بلى، قالت: فإن خلق نبي اهلل كان القرآن. قال ابن كثير رحمه اهلل: "صار امتثال القرآن أم ًا‬
                                                ‫جبل‬                  ‫ب‬       ‫خل‬       ‫ي سجي‬
       ‫ونه ًا َ ِ ّة له و ُُقًا تط ّعه، وترك طبعه ال ِ ِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه‬
                                                                                               ‫تركه".‬
 ‫كان عظيمَ الخلق بعد بعثته وقبل البعثة، فالمشركون لم يجدوا منه إال أفضل األخالق، حتى لقبوه‬
        ‫بالصادق األمين، ولما فاجأه الوحي قال لزوجه خديجة رضي اهلل عنها: ((لقد خشيت على‬
   ‫َل‬                                          ‫د‬
  ‫نفسي))، قالت: كال واهلل، ال يخزيك اهلل أب ًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الك ّ،‬
                                                                                   ‫ت‬
‫و ُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الدهر. رواه البخاري. ما ذكرته خديجة رضي اهلل عنها مآثر‬
                  ‫حسنة وأخالق كريمة ومعامالت سامية تدفع األذى عن صاحبها بإذن اهلل تعالى.‬
                                              ‫م‬
  ‫وأما بعد بعثته فزاد حلمه حلمًا وكرمه كر ًا وعظمته عظمة صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه‬
                                                                    ‫وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.‬
                                             ‫ال‬                     ‫ه ْزي‬
                                            ‫وصف أمير الشعراء في َم ِ ّته المشهورة النبي قائ ً:‬
                                     ‫ء‬               ‫د‬                       ‫ر‬     ‫ألم ح‬
                                     ‫يا أيها ا ُ ّي َسْبك ُتْبةً ـــ في العلم أنْ َانَت بك العلما ُ‬
                                  ‫ي عشق ك ء‬                          ‫ع‬                        ‫م‬
                                  ‫يا َن له األخالق ما تهوى ال ُال ـــ منها وما َتَ َ ّ ُ ال ُبرا ُ‬
                                       ‫لو لم يقم دي ٌ لقامت وحدَها ـــ دينًا ُضيء بنوره اآلنا ُ‬
                                       ‫ء‬                ‫ت‬                        ‫ن‬
                                                              ‫ب‬
 ‫على هذه األخالق الحميدة تر ّى الجيل األول من الصحابة، إذ لم يكتف النبي إلصالحهم بالتعاليم‬
                 ‫ث‬                ‫ذ‬             ‫د‬         ‫ر‬
     ‫المرسلة أو باألوامر والنواهي المج ّدة، بل أ ّبهم بخلقه وه ّبهم بسلوكه، فتم ّلت فيهم صورة‬
   ‫اإلسالم المشرقة، حتى أصبحوا مصاحفَ تمشي على األرض في أخالقهم، وانتشروا في الدنيا،‬
      ‫فرأى الناس فيهم نماذج فريدة من البشر، فدخلوا في دين اهلل أفواجًا، فتحوا البالد، وقبل ذلك‬
   ‫نس‬
  ‫كسبوا قلوب العباد بسيرتهم العطرة قبل أن يصلوا إليها بجيوشهم، ونحن ال خير فينا إذا لم َ ِر‬
                                                                                 ‫ب‬
                                                                           ‫على منوالهم ونتش ّه بهم.‬
                                         ‫ُّهَ بالكرام فَال ُ‬
                                         ‫ح‬                      ‫ن‬                               ‫ب‬
                                                          ‫فتَشَّهوا إن لم تكونوا مثْلَهم ـــ إ ّ التشب‬
   ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إن المتأمل في أحاديث الحبيب محمد يجد أنها رفعت من منزلة األخالق‬
     ‫ن‬                                                       ‫س‬
    ‫الفاضلة وأصحابها، وجعلتها ميدان َبْق ليتنافس فيه المتنافسون، قال : ((أكمل المؤمنين إيما ًا‬
                                                                           ‫ق‬
    ‫أحسنهم أخال ًا، وخياركم خياركم لنسائهم)) رواه الترمذي بسند صحيح، وقال : ((أنا زعيم ـ‬
                   ‫محق‬                                           ‫ر‬
    ‫ضامن ـ ببيت في َبَض الجنة ـ أدناها ـ لمن ترك الجدال ولو كان ًّا، وببيت في وسط‬
   ‫الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) رواه أبو داود‬
                  ‫بسند صحيح. فهنيئًا لكم ـ يا أصحاب األخالق الحسنة ـ ببيت في أعلى الجنة.‬
                          ‫ق‬                           ‫س‬                 ‫ب ي‬
     ‫وقال : ((إن أحّكم إل ّ وأقربكم مني مجل ًا يوم القيامة أحاسنكم أخال ًا)) رواه الترمذي بسند‬
                          ‫ن‬
        ‫صحيح، وقال : ((ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإ ّ اهلل ليبغض الفاحش‬
                                        ‫ن‬          ‫ي‬
‫البذيء)) رواه الترمذي بسند صحيح. وب ّن النبي أ ّ صاحب األخالق الحسنه يدرك العابد الزاهد،‬
         ‫فقال : ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) رواه الترمذي بسند صحيح.‬
 ‫ر‬          ‫ب‬                    ‫ز ل‬                             ‫من‬        ‫ب‬
 ‫إن حسن الخلق منحة ر ّانية و ِ ّة إلهية، ال يعطيها اهلل ع ّ وج ّ إال لمن يصطفيه ويح ّه، وهلل د ّ‬
                                                                                  ‫الشاعر حينما قال:‬
                                        ‫فالناس هذا ُّ ُ ما ٌ وذا ـــ ِلْم وذاك مكارم األخال ِ‬
                                        ‫ق‬                      ‫ع‬         ‫حظه ل‬
                                     ‫ق‬        ‫م ِّم‬                        ‫ة‬        ‫ُز‬
                                     ‫فإذا ر ِقت خليق ً محمودة ـــ فقد اصطفاك ُقَس ُ األرزا ِ‬
   ‫فالمال نعمة تحتاج إلى علم حتى ينفقه صاحبه فيما شرع، والعلم بحاجة إلى األخالق حتى ينفع‬
                                                                           ‫صاحبه األمة، وكما قيل:‬
                                         ‫فالْما ُ إنْ ت ّخرْ ُ ُ َ ّنًا ـــ بالعلم كان نهايةَ اإلمال ِ‬
                                         ‫ق‬                                 ‫د ِ ه محص‬          ‫ل‬
                                        ‫ق‬         ‫مطي‬       ‫ت له‬        ‫ل‬
                                        ‫والعلم إن لَم تكتنفه شَمائ ٌ ـــ ُعِْي ِ كان َ ِ ّة اإلخفا ِ‬
                                          ‫ق‬       ‫ي َو ربه‬                ‫ن م ع ده‬
                                          ‫ال تحسب ّ العل َ ينف ُ وح َ ُ ـــ ما لَم ُت َّجْ ُّ ُ بخَال ِ‬
‫ال‬
‫أيها األحبة في اهلل، إننا في هذه األيام وفي هذا الزمان أحوج ما نكون إلى األخالق الحسنة، عم ً‬
                          ‫ع ْر ي ر‬              ‫ِل ِ ل‬                               ‫جس‬
‫وسلوكًا يت َ ّد في قولنا وفعلنا، وفي حِّنا وترْحَاِنا، وفي ُس ِنا و ُسْ ِنا، وفي بيعنا وشرائنا، وفي‬
                    ‫س‬      ‫م‬
    ‫عهودنا ووعودنا، وفي غضبنا ورضانا، مع أهلنا وأصحابنا، وخير َن نتأ ّى بأخالقه ونقتفي‬
                                   ‫س‬                                               ‫ل‬
                                ‫آثاره ونقّد أفعاله هو الحبيب محمد ، وكما قال عنه شاعره ح ّان:‬
                                 ‫ي عد‬               ‫معِّم ص ق‬         ‫د‬     ‫إما ٌ لهم يهديهم الحق‬
                               ‫َّ جاه ًا ـــ ُ َل ُ ِدْ ٍ وإن يطيعوه َسْ َ ُوا‬              ‫م‬
   ‫لذلك سيكون حديثنا في األسابيع القادمة ـ بإذن اهلل تعالى ـ عن سلسلة مواضيع في األخالق‬
                                                     ‫ض‬            ‫ن‬
   ‫تحت عنوان: "النبي كأ ّك تراه"، نو ّح من خاللها نماذج عملية من أخالق النبي ؛ لنلتمس من‬
   ‫ق‬                                             ‫ب‬
   ‫سيرته العطرة النور الذي يضيء ظالمَ التخ ّط الذي تعيشه األمة اآلن، ولنستنشق منها الرحي َ‬
           ‫همه د ن‬                      ‫ز‬                               ‫ث‬
  ‫المختوم لحياتنا، بدالً من التأّر باألخالق الغربية بريحها الذي َكَم أنوفَنا بزَ َ ِ ِ و َخَ ِه، سائلين‬
                                             ‫اهلل تعالى التوفيق والسداد، وأن يرزقنا حسن األخالق.‬
                                      ‫ق‬        ‫م ِّم‬                         ‫ل ة‬        ‫ُِ‬
                                      ‫فإذا رزقَت خَِيق ً محمودةً ـــ فقد اصطفاك ُقَس ُ األرزا ِ‬
                ‫ر‬
 ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه، إنه هو الب ّ الغفور الرحيم.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                               ‫لم ترد.‬

‫(5/1344)‬




                                                        ‫النبي كأنك تراه (7): األدب وحسن المعاملة‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                           ‫التربية والتزكية, الشمائل, مكارم األخالق‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                               ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                                 ‫الدمام‬
                                                                                        ‫35/6/1745‬
                                                                                          ‫جامع الهدى‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- تعريف األدب. 7- سلوك النبي العملي مع زوجاته. 3- مواقف من حسن أخالق النبي مع‬
               ‫زوجاته. 4- سوء المعاملة من أكبر أسباب الطالق. 1- سلوك النبي مع األطفال.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
 ‫نتناول بمشيئة اهلل في خطبتنا هذه وفي األسابيع القادمة سلسلة ذهبية ألخالق خير البرية محمد ،‬
                            ‫س‬
  ‫وهي بعنوان: "النبي كأنك تراه"، وأول األخالق العظيمة التي نتن ّم رحيقها من أخالق النبي هو‬
                                                                                           ‫خلق األدب وحسن المعاملة.‬
                       ‫د‬                      ‫ُم‬
 ‫تعريف األدب، قال ابن منظور رحمه اهلل: "س ِّي األدب أدبًا ألنه يؤ ّب الناس ـ يجمع الناس ـ‬
  ‫على المحامد وينهاهم عن القبائح"، وقال ابن القيم رحمه اهلل: "األدب هو استعمال الخلق الجميل‬
                                                                         ‫واستخراج ما في الطبيعة من كمال" اهـ.‬
                                       ‫ب‬                         ‫ق‬
  ‫ولقد كان نبينا أكمل الناس خل ًا وأجملهم أخالقًا ، فقد طّق بأفعاله أقواله وأظهر المعنى الحقيقي‬
              ‫ن‬            ‫ن‬
‫لإلسالم كسلوك عملي يظهر أثره في معاملة الناس ومخالطتهم، فكان ِعم القدوة و ِعم األسوة، كما‬
  ‫قال اهلل سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَ ُم ِي َ ُولِ َّهِ ُسْوَ ٌ َ َنَ ٌ ِ َنْ كَانَ َرْ ُو َّ َ َالْيَوْمَ اآلخ َ َ َك َ‬
  ‫ِر وذ َر‬               ‫ي ج الله و‬            ‫ك ْ ف رس الل أ ة حس ة لم‬
 ‫وم ُ الرس ُ ُذ ه‬                      ‫ز‬                                             ‫ر‬         ‫الل‬
 ‫َّهَ كَثِي ًا [األحزاب:57]. ونحن مأمورون باتباعه ، قال ع ّ من قائل: َ َا آتَاكمْ َّ ُول فَخ ُو ُ‬
                                                                                                ‫وم ه ُ ع ُ ه‬
                                                                                   ‫َ َا نَ َاكمْ َنْه فَانْتَ ُوا [الحشر:2].‬
         ‫أحبتي في اهلل، أعيروني القلوب واألسماع لنرى ونعي معالم منيرة في أدب النبي وإحسانه‬
                                     ‫المعاملة لكل من عامله، ومن هذه المعالم سلوكه العملي مع زوجاته.‬
                                     ‫ط‬
   ‫عن عائشة قالت: ما ضرب رسول اهلل بيده خادمًا له ق ّ وال امرأة، وال ضرب رسول اهلل بيده‬
                                  ‫ط‬              ‫ُي‬                                   ‫ط‬
  ‫شيئًا ق ّ، إال أن يجاهد في سبيل اهلل، وال خ ِّر بين أمرين ق ّ إال كان أحبهما إليه أيسرهما حتى‬
                                                                     ‫م‬               ‫م‬
‫يكون إث ًا، فإذا كان إث ًا كان أبعد الناس من اإلثم، وال انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك‬
                                                                                                ‫ز‬
                                                                  ‫حرمات اهلل ع ّ وجل فينتقم هلل. رواه البخاري.‬
      ‫وم‬
    ‫أحبتي في اهلل، إن اهلل جعل الزوجة موضع السكن وموطن الرحمة للزوج، فقال سبحانه: َ ِنْ‬
                      ‫ُ م فسك َ و ل كن إ وج َ ب ك َدة َر م‬                                                                 ‫ت‬
 ‫آيَا ِهِ أَنْ خَلَقَ لَكمْ ِنْ أَن ُ ِ ُمْ أزْ َاجًا ِتَسْ ُ ُوا ِلَيْهَا َ َعلَ َيْنَ ُمْ مَو َّ ً و َحْ َةً [الروم:57]، وأمرنا‬
‫باإلحسان إليها وحسن معاشرتها حتى وإن بدا منها ما نكرهه، فلعل الخير فيها ونحن ال نعلم، قال‬
       ‫وي َ الل ُ ف َ ْر‬                ‫ه‬              ‫و ِر ُن م ر ِ إ َر تم هن عس‬
      ‫سبحانه: َعَاش ُوه َّ بِالْ َعْ ُوف فَِنْ ك ِهْ ُ ُو ُ َّ فَ َ َى أَنْ تَكْرَ ُوا شَيْئًا َ َجْعلَ َّه ِيهِ خي ًا‬
                                                                                                                      ‫ر‬
                                                                                                        ‫كَثِي ًا [النساء:35].‬
   ‫وقد ضرب النبي بأخالقه أروع األمثلة العملية في معاملة الزوجة، وجعل الخيرية فيمن أحسن‬
  ‫معاملة زوجته، فقال : ((خيركم خيركم ألهله، وأنا خيركم ألهلي)) رواه الترمذي بسند صحيح.‬
 ‫جاء نسوة إلى الرسول يشكون أزواجهن، فأعلن الرسول على المأل: ((لقد أطاف بآل محمد نساء‬
                              ‫كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود بسند صحيح.‬
                                                                            ‫م‬
‫كان الرسول ق ّة شامِخة في حياته كلها، إذ ما كانت تشغله األعباء الجسام التي ينهض بها لتكوين‬
   ‫دم ث‬                                ‫ج مثالي‬
  ‫األمة المسلمة وتوحيد الكتائب عن أن يكون زو ًا ًّا مع زوجاته في حسن المعاشرة و َ َا َة‬
       ‫الخلق، فمن ذلك ما ترويه عائشة رضي اهلل عنها أنها كانت مع رسول اهلل في سفر فسابقته‬
                                                                ‫بد‬
  ‫فسبقته، فلما حملت اللحم و َ ُنَت سابقته فسبقها، فقال: ((هذه بتلك)) رواه أبو داود بسند صحيح.‬
 ‫أخالق عالية، ومعاملة مثالية راقية، رسول اهلل يتسابق مع زوجته ليدخل عليها السرور والفرحة‬
         ‫بهذه المعاملة الراقية، ليسمو بالحياة الزوجية لتكون أقدس عالقة وأقوى رباط، ال تزيدها‬
                                         ‫ي ع‬
      ‫العواصف والمشاكل الزوجية إال قوة إلى قوتها، و ُش ِر األمةَ بأن العالقة الزوجية يجب أن‬
     ‫تتجاوز التعامل من خالل األوامر والنواهي فقط، ويجب أن ال تقتصر على المعاملة الحازمة‬
                       ‫يخ‬                                    ‫ط‬                  ‫د‬
    ‫الجا ّة الجامدة، بل تتخ ّاها إلى مزاح ظريف ولهو بريء وسباق ُد ِل السرور على القلوب‬
                                        ‫ل ل‬
     ‫والمرح على النفوس، وذلك ألن النفوس تم ّ وتك ّ وتتعب وتنصب، وتحتاج إلى ما يريحها،‬
                       ‫ْد‬
                   ‫وأكثر ما يريحها التعامل الراقي الذي ليس فيه انتقاص وال احتقار وال از ِراء.‬
                                             ‫ض ض‬         ‫س‬
  ‫روت عائشة أن النبي كان جال ًا فسمع َوْ َاء الناس والصبيان، فإذا الحبشة يرقصون، يعني‬
                       ‫م كب‬         ‫د‬                                              ‫ِر‬
    ‫بالح َاب، فقال: ((يا عائشة، تعالي فانظري))، فوضعت خ ّي على َنْ ِ َيه، فجعل يقول: ((يا‬
                         ‫ُر و‬
   ‫عائشة، ما شبعت؟!)) فأقول: ال؛ ألنظر منزلتي عنده، ولقد رأيته ي َا ِحَ بين قدميه ، يعني من‬
             ‫طول المدة. وفي رواية في الصحيحين: يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف.‬
                          ‫ح‬                                          ‫م‬
       ‫إن المسلم حينما يتأ ّل مثل هذه المواقف في حسن المعاملة فإنه يَ َار من عظمتها وسموها‬
                                                                     ‫س‬                 ‫ي‬
                                           ‫ورق ّها، ويتعجب من تب ّطه إلدخال السرور على أهله.‬
 ‫إنه اإلسالم، هذا الدين العظيم الذي أمر األزواج بحسن المعاملة مع الزوجات، فالمرأة تحتاج إلى‬
    ‫ل‬                                                                      ‫ط‬
‫من يتل ّف معها ويسعدها ويشيع فيها روح األنس والرضا والرحمة، ويشعرها أنها في ظ ّ زوج‬
                    ‫م‬
  ‫كريم يحميها ويرعاها، ويهتم بشؤونها، ويوفر لها حاجاتها المشروعة، ويتج ّل لها بالزينة التي‬
  ‫أباحها الشرع، ويعطيها من وقته واهتماماته، فال يشغل عنها وقته كله في أعماله أو هواياته أو‬
   ‫مسئولياته أو أصحابه، فإن اإلسالم راعى للمرأة هذه الحقوق، ولم يأذن للزوج بشغل وقته كله‬
                                        ‫س‬      ‫حق‬
                            ‫حتى ولو بالعبادة، كما قال : ((إن لزوجك عليك ًّا)) ح ّنه األلباني.‬
‫ولهذا كان النبي أفضل الناس في معاملته لزوجاته، فقد كان يراعي في عائشة ـ إذ كانت صغيرة‬
       ‫باللع‬                            ‫ي َرب‬              ‫ن‬            ‫ف‬          ‫ُب لع‬
  ‫ـ حَّها لّ ِب، فلم يس ّهها، ولم يع ّفها، بل كان ُس ِّ ُ إليها البنات لكي يلعبن معها ُّ َب، عن‬
      ‫عائشة رضي اهلل عنها قالت: إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول اهلل ، وقالت: كانت تأتيني‬
        ‫ي من‬                    ‫ي َربه ي‬                                      ‫ني من‬
‫صواحبي فك ّ َنْقَ ِعْ َ من رسول اهلل ، فكان رسول اهلل ُس ِّ ُ ُن إل ّ. رواه مسلم. َنْقَ ِعْ َ: يختفين‬
                                                                                     ‫ء ه ة‬
                                                                                    ‫منه حيا ً و َيْب ً.‬
      ‫ب‬          ‫عب‬                               ‫ن‬            ‫عهن‬
    ‫ومن حسن معاملته لزوجاته إسما ُ ُ ّ ما يحلو له ّ من كلمات الثناء والنداء ال َذْ َة التي تح ّها‬
                                   ‫ي ِّم‬               ‫ين‬
      ‫النساء من األزواج، فقد كان النبي ُث ِي على عائشة و ُرَخ ُ نداءها، فعن أنس بن مالك قال:‬
                               ‫الثر‬
‫سمعت رسول اهلل يقول: ((فضل عائشة على النساء كفضل َّ ِيد على سائر الطعام)) رواه مسلم،‬
   ‫وروى البخاري أن عائشة رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل يومًا: ((يا عائش، هذا جبريل‬
                                                                                      ‫ير‬
‫ُقْ ِئك السالم))، فقلت: وعليه السالم ورحمة اهلل وبركاته، ترى ما ال أرى ـ تريد رسولَ اهلل ـ.‬
                                                       ‫م َب‬                        ‫ين‬
                                              ‫انظروا كان ُث ِي عليها، ويناديها باسم ُح َّبٍ عندها.‬
                                                         ‫م‬
  ‫وكان من حسن معاملته إكرا ُ صديقات زوجته بعد مماتها، عن عائشة قالت: كانت عجوز تأتي‬
                                           ‫ف‬                              ‫ه‬      ‫ي ِش‬
  ‫النبي ف َه ُّ ـ ال َشَاشَة بالفتح: االرتياح والخِ ّة للمعروف ـ ويكرمها، فقلت: بأبي أنت وأمي،‬
 ‫ن‬                                                                ‫ئ‬
 ‫إنك لتصنع بهذه العجوز شي ًا ال تصنعه بأحد! قال: ((إنها كانت تأتينا عند خديجة، أما علمتِ أ ّ‬
                                 ‫عم‬                                               ‫َر د‬
           ‫ك َم الو ّ من اإليمان؟!)) أورده المتقي الهندي في كنز ال ُ ّال، وقال: "سنده صحيح".‬
                                                                        ‫ن َر د‬
‫نعم، إ ّ ك َم الو ّ من اإليمان، وحسن معاملة الزوجة من اإليمان، والصبر عليها من اإليمان، فقد‬
                                                                    ‫ج ن‬
‫كان نساء النبي يرا ِعْ َه الحديث وهو رسول اهلل ، وتهجره الواحدة يومًا كامالً إلى الليل، وجرى‬
                                                 ‫ح‬                  ‫م‬
    ‫بينه وبين عائشة كال ٌ حتى أدخل أبا بكر َكَمًا بينهما. كل هذا مع جاللته وعظمته ، فأحسن‬
                                                                                   ‫ن‬            ‫ن‬
                                                                                  ‫إليه ّ، وصبر عليه ّ.‬
                                      ‫ن‬                                 ‫ن‬              ‫ب‬
  ‫أح ّتي في اهلل، إ ّ إحسان معاملة النساء والصبر عليه ّ كما كان يفعل رسول اهلل لهو كفيل بأن‬
                                                    ‫ل‬
‫يمأل البيت بسحائب الرحمة، وأن يظّه بظالل المحبة، ويبعد عنه غشاوة العداوة وضجيج الخالف‬
         ‫د‬                           ‫م‬                         ‫م َيم‬
      ‫الذي يجعل شبح الطالق ُخِّ ًا فوق كثير من بيوتنا، فم ّا ال يخفى على أحد زيادة مع ّالت‬
   ‫ب‬
  ‫الطالق في مجتمعنا، ورد في الدليل اإلحصائي لوزارة العدل بالمملكة لعام 3745هـ أن نس َة‬
               ‫ن كل‬
    ‫الطالق بالمملكة مقارنة بعقود الزواج وصلت إلى 47 في المائة، بمعنى أ ّ َّ ثالث حاالت‬
                                                                              ‫زواج يقابلها حالة طالق.‬
                         ‫ه‬
  ‫ولعل من أكبر أسباب ذلك هو سوء معاملة الزوج لزوجته، وعدم تف ّمه لطبيعة المرأة وطريقة‬
   ‫ن‬
 ‫تفكيرها، فهو في عمل وانشغال وخروج وانتقال وسفر وارتحال، يأمر وينهى، ويرغب ويتم ّى،‬
                                                           ‫ف‬                      ‫ك‬
      ‫كل ذلك يف ّر في نفسه فقط، ولم يو ّر الجو المناسب والمناخ المالئم للحياة الزوجية اآلمنة،‬
    ‫خ‬
   ‫يغضب ألتفه األسباب، ويقيم الدنيا وال يقعدها حتى ولو في أمر الطعام أو الشراب، فإذا تأ ّر‬
                                                                     ‫توف‬
  ‫الطعام أو لم ُ َ ّق زوجته في إعداده ثار وغضب، وقد كان رسول اهلل ال يعيب طعامًا قط، إن‬
                                                                                        ‫ب‬
                               ‫أح ّه أكله، وإن كرهه تركه. رواه البخاري. وكان يلتمس األعذار .‬
        ‫ر‬                                       ‫ن ر‬
‫أال فلنتق اهلل في زوجاتنا، ولنستوص به ّ خي ًا، كما قال : ((أال واستوصوا بالنساء خي ًا، فإنهن‬
                                                                                          ‫ون‬
                                                  ‫عَ َا ٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك)).‬
                             ‫بر ْ‬
  ‫ومن معالم حسن معاملته إحسان معاملة األوالد، عن عبد اهلل بن ُ َيدَةَ أن أباه حدثه قال: رأيت‬
‫رسول اهلل يخطب، فأقبل حسن وحسين عليهما السالم وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان،‬
         ‫و لك و د ُ ف ة‬                       ‫ِن‬         ‫َد‬
         ‫فنزل النبي فأخذهما فوضعهما في حِجْره، فقال: ((ص َق اهلل: إَّمَا أَمْ َاُ ُمْ َأَوْال ُكمْ ِتْنَ ٌ‬
         ‫[التغابن:15]، رأيت هذين فلم أصبر))، ثم أخذ في خطبته. رواه أبو داود بسند صحيح.‬
‫إنه لَسلوك عظيم أن يحسن اإلنسان معاملة أبنائه حتى في المواقف العظيمة، النبي ينزل من فوق‬
                 ‫المنبر وأمام الجموع ليحمل أسباطه صلوات اهلل وسالمه عليه، ثم يكمل خطبته.‬
   ‫دع‬                                  ‫ُر د‬
 ‫ومن ذلك أيضًا ما رواه ابن ماجه أن يعلى بن م َّة ح ّثهم أنهم خرجوا مع النبي إلى طعام ُ ُوا‬
        ‫ر‬                      ‫بس‬                                   ‫ِّك‬
 ‫له، فإذا حسين يلعب في الس َّة، قال: فتقدم النبي أمام القوم، و َ َط يديه فجعل الغالم يف ّ ها هنا‬
    ‫ب‬
 ‫وها هنا، ويضاحكه النبي حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه واألخرى في فَأْس رأسه فق ّله،‬
            ‫ب‬           ‫سط‬                 ‫َّ اهلل من أحب‬
‫َّ حسينًا، حسين ِبْ ٌ من األَسْ َاط))، وفَأْس‬          ‫وقال: ((حسين مني وأنا من حسين، أحب‬
            ‫ب‬                           ‫ي‬                         ‫ح‬
      ‫الرأس أي: قَفَا الرأس. ص ّحه األلباني. سبحان اهلل! ُضاحِك ولده بين أصحابه، ويق ّله بين‬
                                                                        ‫ل‬
                                                ‫جموع الرجال؛ ليعّمهم كيف يعاملون أبناءهم.‬
‫ومن ذلك حمله ألوالده في الصالة، عن أبي قتادة يقول: بينما نحن في المسجد جلوس خرج علينا‬
                                                                  ‫أم م‬
     ‫رسول اهلل يحمل ُ َا َة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول اهلل ، وهي صبيه‬
   ‫يحملها على عاتقه، فصلى رسول اهلل وهي على عاتقه؛ يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى‬
                                               ‫قضى صالته، يفعل ذلك بها. أخرجه البخاري.‬
                                 ‫م ن‬                                               ‫م ن‬
 ‫َن م ّا يصبر على ولده في الصالة كما يفعل النبي ؟! َن م ّا يحسن المعاملة مع ولده كما يفعل‬
                                                                                    ‫النبي ؟!‬
                                      ‫الرح ء‬                       ‫أم ب‬           ‫َ‬
                                      ‫فإذا رحمت فأنت ٌّ أو أ ٌ…هذان في الدنيا هما ُّ َمَا ُ‬
                ‫ر‬
 ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه، إنه هو الب ّ الغفور الرحيم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/6344)‬




                                                                  ‫النبي كأنك تراه (3): العفو‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                    ‫التربية والتزكية, الشمائل, مكارم األخالق‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                       ‫الدمام‬
                                                                               ‫55/2/1745‬
                                                                                ‫جامع الهدى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- تعريف العفو وكظم الغيظ. 7- عفو النبي عن أخطاء زوجاته. 3- عفو النبي عن أخطاء‬
                    ‫خادمه. 4- عفو النبي عمن أساء إليه. 1- تمني النبي الخير لمن أساء إليه.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                              ‫سوي َل‬
‫عباد اهلل، ما زلنا ًّا نَنْه ُ من سيرة النبي العطرة، نقطف من بستان أخالقه الزهرة تلو الزهرة،‬
                                        ‫و‬                         ‫ي‬          ‫َ‬              ‫س‬
          ‫ونتن ّم من شمائله العذْبة النق ّة ما نصلح به سلوكنا، ونق ّم به حياتنا، ونرفع به درجاتنا.‬
    ‫وحديثنا اليوم عن خلق عظيم من أخالقه العظيمة التي وصفها اهلل جميعها بالعظمة، حيث قال‬
                                              ‫د‬                      ‫وِن ع خل ع‬
‫سبحانه: َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ َظِيمٍ [القلم:4]. سنتح ّث اليوم عن خلق كَظْم الغيظ والعفو عند المقدرة.‬
                                          ‫ّر‬                ‫د‬          ‫ْ ة‬
    ‫والغيظ هو سَورَ ُ الغضب وش ّته، مما يحدث تغي ًا في نفس المغتاظ نتيجة حرارة ثوران دمه‬
                                   ‫ف‬
  ‫ورغبته في االنتصار، وكَظْم الغيظ هو حفظ النفس وك ّ الغضب الشديد عن إمضائه مع القدرة‬
                                          ‫َ‬                       ‫ص‬
                            ‫على إيقاعه، أما العفو فهو ال ّفح وعدم المعاقبة على الجرِيرَة والخطأ.‬
 ‫ولقد نال النبي من هذا الخلق أعاله وأرفعه، وأظهر من آيات الصفح والعفو جميلها وجليلها، فقد‬
                      ‫د عدو‬          ‫ب‬
‫عفا النبي عن أخطاء من أساء إليه، سواء كان المخطئ قري ًا أو بعي ًا، ًّا أو صديقًا، ما لم يكن‬
      ‫ت ه‬                                                                               ‫م هك‬
     ‫ُنت ِ ًا لحرمات اهلل، كما قال عنه أنس بن مالك: وما انتقم رسول اهلل لنفسه قط، إال أن ُنت َك‬
                                                                          ‫حرمة هلل فينتقم. رواه مسلم.‬
                                                                              ‫هُم‬
   ‫ف َل ّ بنا لنرى صفحات مضيئة من عفو النبي ، وأول هذه الصفحات عفوه عن أخطاء زوجاته.‬
                                         ‫ُب‬              ‫ل‬                   ‫ي‬
    ‫روى البخار ّ عن عائشة: كان المسِمون يعلَمون ح َّ رسول اهلل لعائشة، فإذا أراد أحدهم أن‬
                                                           ‫ي َّ‬
   ‫يهديَ إلى رسول اهلل هد ّة أخرَها، حتى إذا كان رسول اهلل في بيت عائشة بعث صاحب الهدية‬
                                    ‫أم‬       ‫ت‬
  ‫إلى رسول اهلل في بيت عائشة، فأرسلت زوجا ُ النبي َّ سلمة يطلبن منه أن يأمر الصحابة أن‬
‫يرسلوا هداياهم مع النبي حيث كان، ففعلت، فقال لها: ((ال تؤذيني في عائشة؛ فإن الوحي لم يأتني‬
    ‫وأنا في ثوب امرأة ـ يعني فراشها ـ إال عائشة))، فقالت: أتوب إلى اهلل ورسوله، ثم أرسلن‬
             ‫ن‬                                       ‫ب‬          ‫بي‬
‫فاطمة، فقال لها: ((يا ُن ّة، أال تح ّين ما أحب؟!)) قالت: بلى، فرجعت وأخبرته ّ بما يحب رسول‬
                                ‫ِد‬
       ‫اهلل، فأرسلن زينب بنت جحش رضي اهلل عنها ـ وكانت بها ح َّة رحمها اهلل ـ فأتت النبي‬
                                 ‫قح‬
‫فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي ُ َافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة‬
                             ‫َْ‬                                            ‫ب‬
    ‫وهي قاعدة فسّتها، تقول عائشة: وأنا أرقب رسول اهلل، وأرقب طرفَه: هل يأذن لي فيها؟ فلم‬
                         ‫ت‬                                                 ‫ت‬
  ‫تبرح زينب حتى عرف ُ أن رسول اهلل ال يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقَعْ ُ بها لم أَنْشَبْها ـ لم‬
                                                   ‫س‬          ‫َح ت‬              ‫حت‬                 ‫أ ه‬
 ‫ُمْ ِلها ـ حتى أَنْ َي ُ عليها ـ أفْ َمْ ُها ـ، فتب ّم رسول اهلل وقال: ((إنها ابنة أبيها, إنها ابنة أبي‬
                                                                                                ‫بكر)).‬
    ‫انظروا ـ يا رعاكم اهلل ـ كيف عرف رسول اهلل طبيعة المرأة وضعفها في المواقف وسرعة‬
         ‫ب‬
      ‫ثورتها، حتى إنها لم تدرك وصفها لرسول اهلل بترك العدل، بل وأسرعت إلى عائشة وسّتها‬
 ‫ورسول اهلل جالس، بل وأغلظت القول للنبي بأكثر من ذلك، وعلى الرغم من هذا كله لم يؤاخذها‬
                          ‫ق‬
                       ‫ولم يعاتبها، بل ترك المجال لعائشة أن تدفع عن نفسها، وعفا هو عن ح ّه .‬
                ‫ع‬                                                ‫َد‬
    ‫ومن ذلك أيضًا ما ح َث من عائشة عندما أهدت بعض زوجات النبي إليه قَصْ َة بها طعام ـ‬
                       ‫الص ف‬
  ‫وهو في بيت عائشة ـ فغارت عائشة رضي اهلل عنها، وكسرت َّحْ َة، فقال النبي: ((غارت‬
                                               ‫ص‬
        ‫أمكم، غارت أمكم))، ثم قال: ((صَحْفَة مكان َحْفَة، وإناء مكان إناء)) أخرجه البخاري.‬
 ‫ومن صفحات عفوه عفوه عن خادمه ، عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي عشر سنين، فما قال‬
                 ‫ك‬
 ‫لي قط لشيء فعلته: لم فعلته؟ وال لشيء تركته: لم تركته؟ رواه مسلم. ال ش ّ أن الخادم يخطئ،‬
                                                        ‫ل‬                           ‫د‬
    ‫وتتع ّد أخطاؤه، ولكن مع العفو تق ّ هذه األخطاء حتى تكاد تنعدم. فهذا رسول اهلل طيلة عشر‬
  ‫سنين لم يؤاخذ أنسًا على خطأ فعله، حتى إن أنسًا ـ كما ورد في روايات صحيحة ـ طلب منه‬
                                  ‫ن‬
  ‫رسول اهلل فعل شيء فأقسم أنس أن ال يفعله، ومع ذلك لم يع ّفه رسول اهلل، ولم يعاقبه، بل طلب‬
                                                                  ‫منه برفق في وقت آخر ففعله .‬
     ‫أيها األحبة في اهلل، إن الخدم فئة من إخواننا، جعلهم اهلل تحت أيدينا، وأمرنا باإلحسان إليهم،‬
 ‫نع ه‬                       ‫ل‬                     ‫ل‬
‫نطعمهم مما نطعم، ونسقيهم مما نشرب، وال نكّفهم فوق طاقتهم، فإن كّفناهم فوق طاقتهم فل ُ ِنْ ُم‬
                                                                ‫ول‬
‫عليه، قال : ((إخوانكم خَ َُكم، جعلهم اهلل تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل‬
  ‫وليلبسه مما يلبس، وال تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم)) أخرجه البخاري.‬
                   ‫د‬
      ‫فإن أخطأ الخدم فال نسارع إلى عقوبتهم، ولنعفو عنهم ونصفح، حتى ولو تع ّد منهم الخطأ.‬
    ‫عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى رسول اهلل فقال: كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه‬
  ‫الكالم فصمت، ثم أعاد عليه الكالم، قال : ((اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة)) رواه أبو داود‬
                                                                                            ‫ح‬
                                                                                ‫وص ّحه األلباني.‬
        ‫ُ‬
     ‫من صفحات عفوه عفوه عمن أساء إليه، عن أنس قال: كنت أمشي مع رسول اهلل وعليه برْد‬
        ‫ح ت‬                                ‫ج‬        ‫جَ ه‬                                  ‫ْر ن‬
 ‫نَج َا ِي غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي ف َبذَ ُ بردائه َبْذَة شديدة، فنظرت إلى صَفْ َة عا ِق النبي‬
                               ‫م‬                        ‫ج‬                             ‫ث‬
    ‫وقد أ ّرت به حاشية الرداء من شدة ال َبْذَة، ثم قال: يا محمد، ُر لي من مال اهلل الذي عندك،‬
    ‫فالتفت النبي إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. أخرجه البخاري. سبحان اهلل! رجل غليظ الطباع‬
        ‫سيئ المعاملة يؤلم النبي وال يحسن المعاملة، ومع ذلك يضحك النبي في وجهه، ويأمر له‬
                                                         ‫ض‬
                                               ‫بالعطاء، يكظم غيظه ويعفو، بل ويتف ّل بالعطاء.‬
      ‫َك‬          ‫ت‬                   ‫ف‬               ‫قب‬
   ‫عن جابر بن عبد اهلل قال: غزوت مع النبي ِ َل نجد، فلما قَ َل رسول اهلل قَفَلْ ُ معه، فأدر َتهم‬
                                 ‫ل‬                                ‫ع‬                ‫ئُ‬
‫القَا ِلة في واد كثير ال َضَاة، فنزل رسول اهلل تحت شجرة وعّق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول‬
                                         ‫ر‬
     ‫اهلل يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: ((إن هذا اختَ َط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده‬
                                                                                         ‫ص‬
  ‫َلْتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اهلل، فسقط السيف من يده)) فأخذ النبي السيف، وقال: ((من‬
                    ‫يمنعك مني؟)) فقال: كن خير آخذ، فعفا عنه النبي ولم يعاقبه. رواه البخاري.‬
  ‫تأمل ـ يا رعاك اهلل ـ إلى هذه األخالق السامية الفاضلة، يكظم غيظه عمن أراد قتله، ثم يعفو‬
   ‫عنه، فهو يعلم الجزاء العظيم لمن كظم غيظه، قال : ((من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه‬
                                                   ‫ي‬
  ‫دعاه اهلل على رؤوس الخالئق حتى يخ ّره من الحور العين ما شاء)) رواه الترمذي بسند حسن.‬
                             ‫ن‬
‫لم يتوقف عفو النبي على ترك عقوبة من أساء إليه، بل إنه يتم ّى له الخير، عن عائشة رضي اهلل‬
 ‫عنها أنها قالت: قلت لرسول اهلل : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: ((لقد لقيت من‬
       ‫ك‬
‫قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العَقَبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد ِالل فلم‬
             ‫َ الث ل‬
     ‫يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إال بقرْن َّعَاِب، فرفعت‬
       ‫ز ل‬                                                       ‫ل‬
‫رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن اهلل ع ّ وج ّ قد سمع‬
   ‫م‬                                             ‫م‬                      ‫د‬
‫قول قومك لك وما ر ّوا عليك، وقد بعث إليك َلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني َلَك‬
                       ‫م‬                                                   ‫ل ي‬
  ‫الجبال وسّم عل ّ، ثم قال: يا محمد، إن اهلل قد سمع قول قومك لك وأنا َلَك الجبال، وقد بعثني‬
                          ‫ب‬                      ‫أ‬
 ‫ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن ُطْبِقَ عليهم األَخْشَ َين؟)) فقال له رسول اهلل :‬
             ‫((بل أرجو أن يخرج اهلل من أصالبهم من يعبد اهلل وحده ال يشرك)) رواه البخاري.‬
                                      ‫ُ‬                 ‫ن‬
‫فعلى الرغم من شدة إيذائه إال أنه تم ّى لهم الخير، ولم يرِد بهم الضر، بل بلغ عفوه أنه كان يدعو‬
    ‫للقوم بعد ما أصابوه في غزوة أحد، عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي يحكي نبيًا من‬
                                         ‫َ‬
‫األنبياء صلوات اهلل وسالمه عليهم ضربه قومه فأدْمَوه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((رب‬
‫اغفر لقومي فإنهم ال يعلمون)) رواه البخاري. دعا بهذا نوح عليه السالم، ثم رسول اهلل في غزوه‬
                                                                                           ‫أحد.‬
 ‫وأعظم من ذلك عفوه عن أهل مكة الذين آذوه وآذوا أصحابه، بل وأخرجوه منها وهو كاره، كما‬
              ‫َك‬
    ‫قال : ((واهلل، لوال أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)) حديث صحيح. وبعد أن م َّنه اهلل من‬
                                                                             ‫رقابهم عفا عنهم .‬
                          ‫نسأل اهلل أن يرزقنا العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا واآلخرة.‬
                ‫ر‬
 ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه، إنه هو الب ّ الغفور الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                        ‫لم ترد.‬

‫(5/2344)‬




                                                             ‫النبي كأنك تراه (4): اللين والرفق‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                      ‫التربية والتزكية, الشمائل, مكارم األخالق‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                         ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                       ‫الدمام‬
                                                                                ‫17/2/1745‬
                                                                                 ‫جامع الهدى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- أهمية الرفق ومنزلته. 7- حث النبي على الرفق. 3- رفق النبي بنسائه. 4- رفق النبي‬
                       ‫بأبناء المسلمين. 1- رفق النبي بالجاهل. 6- رفق النبي بعامة المسلمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                              ‫ي‬
 ‫عباد اهلل، إن اإلنسان ال يتمّز في إنسانيته عن غيره إال بقلبه وروحه، ال بأكوام لحمه وعظامه،‬
                             ‫ل‬            ‫ث‬
      ‫فبالقلب والروح يعيش اإلنسان ويشعر وينفعل ويتأ ّر ويرحم ويتأّم، بل ويكون من األحياء.‬
                              ‫أقْبلْ على النفس فاستكمل فضائلَ َا…فأنت بالنفس ال بالجسم إنسا ُ‬
                              ‫ن‬                             ‫ه‬                            ‫ِ‬
                                                    ‫و‬              ‫ي‬
        ‫وإن من أبرز مظاهر تم ّز اإلنسان وسم ّ أحاسيسه اتصافه باللين والرفق، فاللين والرفق‬
     ‫صورتان من صور كمال الفطرة وجمال الخلق التي تحمل صاحبها على البر والتقوى، قال‬
                    ‫الغزالي رحمه اهلل: "الرفق في األمور ثمرة ال يثمرها إال حسن الخلق" اهـ.‬
   ‫ولقد كان النبي الكريم صلوات اهلل وسالمه عليه أرفق الناس وألين الناس، كما شهد بذلك فعله‬
                       ‫غ‬
‫وسلوكه وأخباره ، فقد كان يحب الرفق، ويحث الناس على الرفق، وير ّبهم فيه، عن أبي الدرداء‬
         ‫ُر حظ‬                  ‫أ ط حظ‬                  ‫أ طي حظ‬
     ‫عن النبي قال: ((من ُع ِ َ َّه من الرفق فقد ُع ِيَ َّه من الخير، ومن ح ِم َّه من‬
                                                                        ‫ُر حظ‬
                                ‫الرفق ح ِم َّه من الخير)) رواه الترمذي بسند حسن صحيح.‬
   ‫فالرفق خير كله، يهدي اهلل إليه من يشاء، ويصرف عنه من يشاء، عن عائشة رضي اهلل عنها‬
                   ‫ح‬                                  ‫ر‬
       ‫مرفوعا: ((إذا أراد اهلل بأهل بيت خي ًا أدخل عليهم الرفق)) رواه أحمد وص ّحه األلباني.‬
                        ‫ولي ر‬        ‫وكان النبي يح ّ الناس على الرفق، وير ّبهم فيه، وخص‬
   ‫َّ من َِ َ أم ًا من أمور أمته بالذكر‬          ‫غ‬                      ‫ث‬
 ‫حتى في دعائه، فقالت عائشة رضي اهلل عنها: سمعت رسول اهلل يقول في بيتي هذا: ((اللهم من‬
                                   ‫ولي‬              ‫ق‬            ‫َق‬                      ‫ولي‬
  ‫َِ َ من أمر أمتي شيئًا فش َّ عليهم فاشْ ُقْ عليه، ومن َِ َ من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق‬
                                                                             ‫به)) رواه مسلم.‬
                                                                           ‫ي‬
‫ولم يقف أمر النب ّ بالرفق عند حد اإلشارة إليه بالقول، ولكن أراد أن يهدي الناس إليه بفعله، وما‬
                                                    ‫ح‬
 ‫أدراك ما رفق النبي ! إنه الشمس في واضِ َة النهار، والبدر المنير في حَالِك الظالم، وال يحتاج‬
                                                                                   ‫ل‬
                                                                            ‫إلى ما يدّل عليه.‬
                                      ‫د ل‬       ‫ر‬                 ‫ء‬               ‫وليس يصح‬
                                      ‫ُّ في األذهان شي ٌ…إذا احتاج النها ُ إلى َلي ِ‬
    ‫كان النبي أرفق الناس وأرغبهم في الرفق، يرفق باإلنسان والحيوان والطير ، بل يرفق حتى‬
                       ‫خ ِّر‬
   ‫بأعدائه ، فمن مظاهر رفقه ما روته عائشة رضي اهلل عنها قالت: ما ُي َ بين أمرين إال اختار‬
                                 ‫ج‬
         ‫أيسرهما ما لم يكن إثمًا. رواه مسلم. فكان الرفق سلوكًا ومنه ًا يتعامل به في كل حياته.‬
‫َو س ق‬
‫ومن ذلك رفقه بنسائه، روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي أتى على أزواجه وس َّاق ي ُو ُ‬
                        ‫ِد‬                                 ‫ْد‬           ‫جش‬              ‫ني‬
    ‫به ّ ُقال له: أَنْ َ َة، وكان يَح ُو لإلبل ببعض الشعر حتى تسرع على ح َائه، فقال له النبي :‬
                                                                 ‫جش رو د س ْ‬
    ‫((ويحك يا أَنْ َ َة، ُ َي ًا َوقَك القوارير))، وفي رواية: ((ال تكسر القوارير))، يعني نساءه ،‬
      ‫ع تم‬                 ‫ل‬                       ‫ل‬      ‫ب‬
   ‫فأمره بالرفق في السير بهن، قال أبو قِال َة: "تكّم رسول اهلل بكلمة لو تكّم بها بعضكم ل ِبْ ُ ُوها‬
                        ‫ج‬                ‫ضف‬                           ‫ج‬
‫عليه"، وفي رواية: (( يا أَنْ َشَة، ال تكسر القوارير)) َعَ َة النساء، وأَنْ َشَة كان أحد عبيد النبي .‬
                                    ‫ه‬      ‫ن‬                              ‫م‬
      ‫قال العلماء: س ّى النساءَ قواريرَ لضعف عزائمه ّ تشبي ًا بقارورة الزجاج لضعفها وإسراع‬
                            ‫ن‬          ‫ي‬            ‫د‬
                           ‫االنكسار إليها؛ ألن النساء يضعفن عند ش ّة الحركة، و ُخَاف ضرره ّ.‬
   ‫ومن رفقه بنسائه أن يوقف الجيش حتى تبحث عائشة عن عِقْد لها فقدته، عن عائشة أنها قالت:‬
                                    ‫ب ْد‬
    ‫خرجنا مع رسول اهلل في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بال َي َاء ـ أو بذات الجيش ـ انقطع عِقْد‬
                                                            ‫ت س‬
     ‫لي، فأقام رسول اهلل على ال ِمَا ِه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى‬
       ‫الناس إلى أبي بكر فقالوا: أال ترى إلى ما صنعت عائشة؟! أقامت برسول اهلل وبالناس معه‬
     ‫وليسوا على ماء، ليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول اهلل واضع رأسه على فخذي قد نام،‬
  ‫فقال: حبستِ رسول اهلل والناس ليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال‬
                    ‫ر‬                      ‫ِرت‬
‫ما شاء اهلل أن يقول، وجعل يطعن بيده في خَاص َ ِي، فال يمنعني من التح ّك إال مكان رسول اهلل‬
     ‫أس‬           ‫م م‬
‫على فخذي، فقام رسول اهلل حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اهلل آية التي ّم فتي ّموا، فقال ُ َيد بن‬
                                                                       ‫الن ب‬             ‫حض‬
    ‫ال ُ َيْر وهو أحد ُّقَ َاء: ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي‬
                                                      ‫كنت عليه فوجدنا العِقْد تحته. رواه البخاري.‬
                                                   ‫ق‬
  ‫تأمل يا عبد اهلل، قائد جيش وإمام أمة يو ِف الجيشَ والماء يكفي شربهم فقط، وذلك رفقًا بزوجته‬
     ‫حتى تبحث عن عِقْدها الذي فقدته، فيكون ذلك الرفق وهذا الحبس للجيش سبب رحمة للجيش‬
                                                                      ‫م‬
                                                                    ‫ولألمة جميعًا بنزول آية التي ّم.‬
                                                 ‫هو‬
     ‫ومن مظاهر رفقه بأهله أنه كان إذا َ ِيت زوجته الشيء تابعها عليه، ففي صحيح مسلم عن‬
              ‫و‬
   ‫عائشة رضي اهلل عنها قالت: خرجنا مع النبي وال نرى إال أنه الحج، فلما قدمنا تط ّفنا بالبيت،‬
‫فأمر النبي من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن،‬
                 ‫ح ب‬
  ‫قالت عائشة رضي اهلل عنها: فحضت، فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة ال َصْ َة قالت: يا رسول‬
 ‫اهلل، يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة؟! قال: ((وما طفت ليالي قدمنا مكه؟)) قلت: ال،‬
                                                    ‫هل‬
   ‫قال: ((اذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأ ِّي بعمرة، ثم موعدك كذا وكذا)) رواه مسلم، وفي رواية‬
                             ‫هو‬
‫زاد في الحديث: قال الراوي: وكان رسول اهلل رجالً سهالً إذا َ ِيت الشيء تابعها عليه، فأرسلها‬
                                                                ‫هل‬
                                             ‫مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأ َّت بعمرة من التنعيم.‬
      ‫وكان من مظاهر رفقه رفقه بأبناء المسلمين، فعن أسامة بن زيد رضي اهلل عنهما قال: كان‬
    ‫رسول اهلل يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه اآلخر، ثم يضمهما، ثم يقول:‬
‫((اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما)) رواه البخاري، وعن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول اهلل‬
   ‫د‬            ‫خد‬              ‫و ْد‬
  ‫صالة األولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ِل َان، فجعل يمسح َّي أحدهم واح ًا‬
   ‫ج ن ط‬                               ‫د‬                      ‫د‬                        ‫د‬
‫واح ًا، قال: وأما أنا فمسح خ ّي، قال: فوجدت ليده بر ًا أو ريحًا كأنما أخرجها من ُو َة ع ّار.‬
                                                                                      ‫رواه مسلم.‬
 ‫وكان من مظاهر رفقه رفقه باألمهات حتى في الصالة، عن أنس أن النبي قال: ((إني ألدخل في‬
                                          ‫و‬
   ‫الصالة وأنا أريد إطالتها، وأسمع بكاء الصبي فأتج ّز؛ مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه))‬
                                                  ‫ل‬
                                      ‫رواه البخاري. ما أعظم هذه الرحمة! وما أج ّ هذه الشفقة!‬
                                                                                           ‫ر‬
                                                                              ‫وهلل د ّ القائل فيه :‬
                                       ‫ء‬                           ‫أم ب‬
                                       ‫وإذا رحمت فأنت ٌّ أو أ ٌ…هذان في الدنيا هما الرحما ُ‬
     ‫ومن مظاهر رفقه رفقه بالجاهل، عن أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اهلل إذ جاء‬
      ‫ُ ْرم‬                       ‫م م‬
   ‫أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اهلل : َهْ، َهْ، فقال النبي : ((ال تز ِ ُوه،‬
 ‫دعوه))، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اهلل دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد ال تصلح لشيء من‬
      ‫هذا البول والقذر، إنما هي لذكر اهلل والصالة وقراءة القرآن)) رواه الترمذي بسند صحيح.‬
                        ‫ن‬
   ‫انظروا ـ يا رعاكم اهلل ـ كيف رفق بهذا األعرابي الجاهل، ولم يع ّفه، بل ونهى أصحابه أن‬
                                                                                         ‫يقعوا به.‬
                                         ‫ء‬                             ‫ب ر ة‬        ‫م‬       ‫ي‬
                                         ‫يا أّها األ ّي حس ُك ُتب ً…في العلم أنْ دانت بك العلما ُ‬
                                                                        ‫وقد أحسن من قال عنه :‬
                                         ‫ي َد‬                 ‫م ْحق ِد م ل ِ‬               ‫م‬
                                       ‫إما ٌ يهديه ُ ال َّ جاه ًا… ُعّم صدْق وإن يطيعوه َسْع ُوا‬
                                   ‫د‬            ‫فالله‬     ‫ي‬       ‫ر‬          ‫ال‬       ‫ُو‬
                                   ‫عَف ٌّ عن الز ّت يقبل عذ َهم…وإن ُحسنوا َّ ُ بالخير أجو ُ‬
     ‫ومن مظاهر رفقه رفقه بالمسلمين عامة، عن أبي مسعود األنصاري قال: قام رجل فقال: يا‬
     ‫ب‬                                           ‫و‬
 ‫رسول اهلل، ال أكاد أدرك الصالة مما يط ّل بنا فالن، فما رأيت النبي في موعظة أشد غض ًا من‬
                       ‫ف‬                        ‫ر‬           ‫ن‬
     ‫يومئذ، فقال: ((أيها الناس، إ ّ منكم لمنف ّين، فمن صلى بالناس فليخ ّف؛ فإن فيهم المريض‬
 ‫والضعيف وذا الحاجة)) رواه البخاري. ومن ذلك لما أخبرته عائشة عن امرأة عندها ذكرت من‬
         ‫م‬                       ‫د‬
‫صالحها أنها أعبد أهل المدينة، وقيل: إنها تقوم الليل وال تنام أب ًا، فقال لها النبي : (( َهْ، عليكم‬
                                                        ‫ل‬            ‫ل‬
                                      ‫بما تطيقون، فو اهلل ال يم ّ اهلل حتى تمّوا)) رواه البخاري.‬
                                             ‫ر‬
                             ‫فنسأل اهلل أن يرفق بنا، ويرزقنا الرفق، إنه ب ّ رؤوف رفيق رحيم.‬
                                            ‫وصلى اهلل على محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                           ‫لم ترد.‬
‫(5/5344)‬




                                                                                ‫النبي كأنك تراه (1): اإليثار‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                 ‫التربية والتزكية, الشمائل, مكارم األخالق‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                                           ‫الدمام‬
                                                                                                    ‫3/5/1745‬
                                                                                                    ‫جامع الهدى‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- تعريف اإليثار. 7- صور من إيثار النبي . 3- اإليثار من عالمات اإليمان. 4- صور من‬
                                                           ‫اإليثار في مجتمع الصحابة رضوان اهلل عليهم.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
‫ثم أما بعد: أيها األحبة، حديثنا اليوم عن هدي جميل وسلوك حميد وخلق عظيم من أخالقه ، وهذا‬
                                                                                             ‫الخلق هو اإليثار.‬
     ‫واإليثار هو تقديم اإلنسان غيره على نفسه فيما هو في حاجة إليه من أمور الدنيا ابتغاء ثواب‬
            ‫يه‬                     ‫ب‬
    ‫اآلخرة، فهو أعلى درجات المعاملة مع الناس، يجلب حّهم، ويطرد غضبهم، و ُذ ِب حسدهم،‬
                      ‫عم‬
          ‫فضالً عما يجده صاحب اإليثار من الثواب الكبير واألجر العظيم والخير ال َ ِيم في الدنيا‬
  ‫ُح س ِ أ لئك ُ‬               ‫ن ب ِ ص صة وم ي‬                  ‫وي ِر عل فسه و‬
‫واآلخرة، قال تعالى: َ ُؤْث ُونَ ََى أَنْ ُ ِ ِمْ َلَوْ كَا َ ِهمْ خَ َا َ ٌ َ َنْ ُوقَ ش َّ نَفْ ِه فَُوَْ ِ َ همْ‬
                                                                                                       ‫م ح‬
                                                                                         ‫الْ ُفْلِ ُونَ [الحشر:3].‬
                                          ‫م‬
        ‫أحبتي في اهلل، لقد بلغ رسول اهلل في اإليثار ذروته وق ّته، إذ كان أجود الناس بالخير قليله‬
                                                                          ‫وكثيره، فقد كان كما قال الشاعر:‬
                                          ‫َم‬               ‫ع َر ع‬            ‫ه‬    ‫ل‬              ‫م َّم َّ‬
                                          ‫ُتَي ٌ بالندَى لو قال سائُه:… َبْ لي جمي َ ك َى َيْنَيْكَ لم ينَ ِ‬
                     ‫ل‬               ‫م ر‬                  ‫ر‬
 ‫تروي لنا سيرته العطرة صو ًا من إيثاره كشمس ُش ِقة في نهار الساِكين ونجم ساطع في ليل‬
     ‫المهتدين، ومن ذلك إيثاره أصحابه على نفسه وهو جائع، الرسول كان يؤثر أصحابه الفقراء‬
    ‫بشرب اللبن قبله، ولم يشرب إال ما فضل بعدهم، وكان جائعًا مثلهم ، روى البخاري عن أبي‬
  ‫هريرة قال: واهلل الذي ال إله إال هو، إن كنت ألعتمد بكبدي على األرض من الجوع، وإن كنت‬
       ‫ر‬
   ‫ألشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فم ّ أبو‬
                  ‫ر‬                ‫ّ‬
 ‫بكر فسألته عن آية من كتاب اهلل ما سألته إال ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم م ّ بي عمر فسألته عن‬
               ‫س‬                   ‫ر‬                ‫ّ‬
    ‫آية من كتاب اهلل ما سألته إال ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم م ّ بي أبو القاسم فتب ّم حين رآني،‬
‫وعرف ما في نفسي وما في وجهي، قال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك يا رسول اهلل، قال: ((الْحَقْ))‬
                    ‫َد‬      ‫ن‬                   ‫ُذ‬
   ‫أي: اتبعني، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأ ِن لي، فدخل فوجد لب ًا في ق َح، فقال: ((من أين‬
   ‫هذا اللبن؟)) قالوا: أهداه لك فالن أو فالنة، قال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك يا رسول اهلل، قال:‬
           ‫ُّف‬                                                         ‫ُّف‬
‫((الْحَقْ إلى أهل الص َّة فادعهم لي))، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الص َّة؟! كنت أنا‬
           ‫ُد‬                                         ‫َ ب و‬
  ‫أحق أن أصيب من هذا اللبن شرْ َة أتق ّى بها، ولم يكن من طاعة اهلل وطاعة رسوله ب ّ، فأتيتهم‬
‫فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك‬
      ‫يا رسول اهلل، قال: ((خذ فأعطهم))، قال: فأخذت القَدَح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى‬
‫وي‬                                ‫َ و‬                              ‫د ي َد‬               ‫َ و‬
‫يرْ َى، ثم ير ّ عل ّ الق َح، ثم أعطيه اآلخر فيشرب حتى يرْ َى، حتى انتهيت إلى النبي وقد رَ ِ َ‬
                                        ‫ّ س‬                            ‫َد‬
    ‫القوم كلهم، فأخذ الق َح فوضعه على يده، فنظر إلي فتب ّم، فقال: ((أبا هريرة))، قلت: لبيك يا‬
   ‫رسول اهلل، قال: ((بقيت أنا وأنت))، قلت: صدقت يا رسول اهلل، فقال: ((اقعد فاشرب)) فقعدت‬
‫فشربت، فقال: ((اشرب)) فشربت، فما زال يقول: ((اشرب)) حتى قلت: ال والذي بعثك بالحق ما‬
                                ‫م‬           ‫د حم‬                                          ‫م‬
‫أجد له َسْلكًا، قال: ((فأرني))، فأعطيته القَ َح، ف َ ِدَ اهلل وس ّى، وشرب الفَضْلَة. رواه البخاري.‬
                                           ‫ُ‬        ‫ب‬
   ‫وفي الحديث ـ زيادة على إيثاره أصحا َه ـ تربية غيره على اإليثار؛ ألن أبا هريرة هو الذي‬
       ‫ُّف‬                      ‫صب‬                                               ‫ر‬
‫تع ّض للرسول لشدة جوعه، يريد الحصول على ما يقيم ُلْ َه، فجعله ينادي أهل الص َّة، وطلب‬
  ‫م‬             ‫ث‬
 ‫منه أن يسقيهم كلهم قبله، وهذا ما كان يخافه أبو هريرة، وألنه خاف نفاد اللبن، فك ّره اهلل تكري ًا‬
                                                                                           ‫لرسوله .‬
    ‫من ذلك إيثاره بثياب يحتاج إليها، وإعطاؤها لرجل من المسلمين، روى البخاري عن سهل بن‬
                                    ‫شيت‬           ‫بُ م س ج‬
 ‫سعد قال: جاءت امرأة إلى النبي ِبرْدَة َنْ ُو َة فيها حا ِ َُها، فقالت: يا رسول اهلل، أكسوك هذه،‬
                                                                       ‫ج‬
     ‫فأخذها النبي محتا ًا إليها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول اهلل، ما أحسن هذه‬
                                           ‫ب‬       ‫م‬
 ‫فاكسنيها، فقال: ((نعم))، فلما قام النبي ال َه أصحا ُه، وقالوا: ما أحسنتَ حين رأيتَ النبي أخذها‬
                                      ‫ئ‬       ‫ي‬                        ‫ه‬                 ‫ج‬
 ‫محتا ًا إليها ثم سألتَ ُ إياها وقد عرفتَ أنه ال ُسأل شي ًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها‬
                                                                            ‫ل ف‬
                                                       ‫رسول اهلل لعّي أك ّن فيها. رواه البخاري.‬
                                        ‫ؤه عم‬              ‫ّد‬             ‫ه‬           ‫ط‬
                                        ‫ما قال: ال قَ ّ إال في تش ّده…لوال التشه ُ كانت ال ُ ُ نَ َ ُ‬
                                                                                    ‫ب‬
  ‫أح ّتي في اهلل، اإليثار هو عالمة اإليمان والمظهر الخارجي للحب الصادق تجاه اإلخوان، حيث‬
  ‫ل‬     ‫ط‬            ‫د‬
 ‫التفاني والتضحية من أجل اآلخرين لوجه اهلل، والمؤمن الصادق هو الذي يق ّم نفسه للخَ َر ليسَم‬
                   ‫يع‬                                                  ‫خ‬
 ‫اآلخرون، ويؤ ّرها عند المكاسب ليغنموا، والمؤمن الصادق هو الذي ُت ِب نفسه من أجل راحة‬
                 ‫ت‬                       ‫ن‬
  ‫اآلخرين، ويسهر ليله حتى ينام إخوانه، وهو ال يقيم وز ًا لحطام الدنيا حتى يقا ِل عليه أو ينفرد‬
                                                                                                       ‫به.‬
                                                                     ‫ب‬
   ‫فاألنصار لم يحّوا إخوانهم المهاجرين ويتطهروا من الحسد تجاههم فحسب، بل وآثروهم على‬
                                     ‫ظ‬                     ‫س م‬
‫أنفسهم، ووصلوا من اإليثار َنَا َه حينما تنازلوا عن ح ّهم من الغنيمة رغم حاجتهم الشديدة، قال‬
        ‫َ ه‬                              ‫ب ِ ص صة‬                 ‫وي ِر عل فس ِ و‬
       ‫اهلل تعالى: َ ُؤْث ُونَ ََى أَنْ ُ ِهمْ َلَوْ كَانَ ِهمْ خَ َا َ ٌ [الحشر:3]، فهم لم يجعلوا عَوزَ ُم‬
                                                                                ‫ر‬
                                                                 ‫وحاجتهم الشديدة تبري ًا لترك اإليثار.‬
 ‫وال يغيب عنا أن اإليثار هو قمة الفضيلة، وأن بلوغها بحاجة إلى عملية تربوية متواصلة، وذلك‬
‫ُح س ِ أ ك ُ م لح ن‬                           ‫وم ي‬           ‫شح‬
‫باالستعاذة باهلل سبحانه من الحرص والبخل و ُ ّ النفس، َ َنْ ُوقَ ش َّ نَفْ ِه فَُوْلَئِ َ همْ الْ ُفِْ ُو َ‬
                           ‫د‬
  ‫[الحشر:3]. فبالقدر الذي يسعى اإلنسان إلى المزيد من العلم والتق ّم ينبغي أن يسعى إلى تزكية‬
            ‫شح‬                       ‫شح‬
  ‫نفسه وكمال أخالقه، وإنما اعتبر القرآن الوقاية من ُ ّ النفس هي الفالح؛ ألن ُ ّ النفس رأس‬
  ‫كل خطيئة وانحراف في حياة اإلنسان، فهو أساس الكفر والشرك والظلم والحسد، قال : ((اتقوا‬
                                             ‫الشح‬
    ‫الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا ُّ ّ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على سَفْك‬
                  ‫ب‬                            ‫شح‬
 ‫دمائهم واستحالل محارمهم)) رواه مسلم. ُ ّ النفس يؤدي إلى األنانية وح ّ الذات، وهذا يؤدي‬
                                                                       ‫بشكل طبيعي إلى الحسد والظلم.‬
                      ‫شح‬       ‫ب‬
    ‫ومجتمع الصحابة ضرب للبشرية أروع األمثلة في اإليثار وال ُعد عن ُ ّ النفس، روى اإلمام‬
     ‫البخاري أنه لما قدم المهاجرون المدينة آخى رسول اهلل بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن‬
                                      ‫ً‬                                             ‫الرب‬
  ‫َّ ِيع، قال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر األنصار ماال فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر‬
                                             ‫د‬                  ‫ل‬        ‫م‬
 ‫أعجبهما إليك فس ّها لي أطّقها، فإذا انقضت ع ّتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك اهلل لك في‬
                                          ‫ن‬                    ‫ل‬
 ‫أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدّوه على سوق بني قَيْ ُقَاع، فما انقلب إال ومعه فضل من أقط وسمن،‬
                               ‫مي‬                      ‫صر‬                           ‫ُد‬
    ‫ثم تابع الغ ُو، ثم جاء يومًا وبه أثر ُفْ َة، فقال النبي : (( َهْ َم؟!)) قال: تزوجت، قال: ((كم‬
                                                                            ‫و‬                      ‫س‬
                                                    ‫ُقْتَ إليها؟)) قال: نَ َاة من ذهب. رواه البخاري.‬
                                                                              ‫د‬
 ‫إن سع ًا لم يكتف بعرض نصف ماله على أخيه عبد الرحمن بن عوف ، وكان المال كافيًا للنفقة‬
  ‫على نفسه وألداء مهر المرأة يتزوجها واإلنفاق عليها، لم يكتف سعد بذلك، بل أراد أن يتساوى‬
     ‫هو وأخوه في اإلسالم في كل ما يملك. وإذا كان سعد األنصاري قد وصل إلى تلك القمة من‬
                                                          ‫م ِر‬
‫اإليثار، فإن عبد الرحمن ال ُهَاج ِي قد وصل إلى قمة الزهد والقناعة واالستغناء باهلل عن الناس،‬
                                                 ‫فآثر أن يسعى بنفسه في كسب رزقه حتى أغناه اهلل.‬
                                                        ‫ي ث‬
      ‫إن المجتمع الذي يوجد فيه من ُؤ ِر غيره على نفسه كما يوجد فيه من يزهد فيما عند غيره‬
                            ‫ن‬                               ‫ي‬     ‫ض‬
  ‫ويقتنع بما يؤتيه اهلل ويف ّل أن ُنفِقَ على نفسه من كَسْب يده، إ ّ هذا المجتمع جدير بأن يعيش‬
                                                     ‫في أمن واستقرار، يظله الحب والتعاون والوئام.‬
   ‫ومن األمثلة الرائعة لإليثار في مجتمع أصحاب رسول اهلل قصة األنصاري وامرأته مع ضيف‬
                             ‫و‬
   ‫رسول اهلل ، حيث آثراه بقوت صبيانهما الصغار، وباتوا طَا ِين من أجل إشباع الضيف، روى‬
                                                      ‫ال‬
   ‫اإلمام البخاري عن أبي هريرة : أن رج ً أتى النبي فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إال الماء،‬
 ‫فقال رسول اهلل : ((من يضيف هذا؟)) فقال رجل من األنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال:‬
    ‫أكرمي ضيف رسول اهلل ، فقالت: ما عندنا إال قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي‬
                            ‫و‬                             ‫ي‬              ‫و‬
   ‫سراجك، ون ّمي صبيانك، فه ّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ون ّمت صبيانها، ثم قامت كأنها‬
                                  ‫و‬
  ‫تصلح سراجها فأطفأته، فجعال يريانه أنهما يأكالن فباتا طَا ِيين، فلما أصبح غدا إلى رسول اهلل‬
   ‫بِ‬           ‫وي ِر ن عل فس ِ و‬
 ‫فقال: ((ضحك اهلل الليلة، أو عجب من فعالكما))، فأنزل اهلل: َ ُؤْث ُو َ ََى أَنْ ُ ِهمْ َلَوْ كَانَ ِهمْ‬
                                             ‫ُح س ِ أ ك ُ م ح‬                            ‫ص صة وم ي‬
   ‫خَ َا َ ٌ َ َنْ ُوقَ ش َّ نَفْ ِه فَُوْلَئِ َ همْ الْ ُفْلِ ُونَ [الحشر:3]. رواه البخاري مسلم. إن النفس‬
                                                                                   ‫ي‬
   ‫الزك ّة هي التي تظهر شفافيتها عند مواطن االختبار واالعتبار، فهي تجود حتى بزادها، وتؤثر‬
                                                                                ‫ز‬
                                                                       ‫على نفسها حتى بأع ّ ما تملك.‬
                                                      ‫ر‬
 ‫وقدمت لنا أم المؤمنين عائشة صو ًا في إيثارها مشرفة كاألكاليل في رؤوس األعمال، ومن ذلك‬
‫ما رواه البخاري عن عمر قال البنه عبد اهلل: اذهب ألم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها فقل لها:‬
                                                              ‫س‬
     ‫إن عمر يقرئك السالم، ثم َلْها أن أدفن مع صاحبي في قبر النبي وقبر سيدنا الصديق وقبر‬
    ‫فارغ، السيدة عائشة تركته لنفسها؛ ألنه قبر والدها وزوجها، هذا القبر الفارغ رغب فيه سيدنا‬
 ‫عمر، فقال: استأذن لي أم المؤمنين عائشة، ثم سلها أن أدفن مع صاحبي، قالت: واهلل كنت أريده‬
                                                                    ‫لنفسي، فألوثرنه اليوم على نفسي.‬
                          ‫م‬      ‫ن‬
‫إن حب المرأة لزوجها المحسن إليها بعد موته يتضاعف، وتتم ّى دائ ًا أن تدفن بجواره، فكيف إذا‬
                      ‫ي‬                 ‫َن‬
 ‫كان هذا الزوج هو رسول اهلل ؟! إن اإلنسان إذا ض َّ بشيء مثل هذا ال ُالم عليه، ومع ذلك فإن‬
                                                                                      ‫أم‬
      ‫ُ ّنا عائشة رضي اهلل عنها آثرت أميرَ المؤمنين عمر، وأذنت له أن يدفن بجوار رسول اهلل‬
                                    ‫وبجوار أبيها، وقدمت بذلك أروع أمثلة اإليثار رضي اهلل عنها.‬
    ‫ولها رضي اهلل عنها موقف عظيم آخر في اإليثار يرويه اإلمام مالك في الموطأ أنه بلغه عن‬
                                                               ‫ن‬
    ‫عائشة زوج النبي أن مسكي ًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إال رغيف، فقالت لموالة لها:‬
‫أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسينا‬
                    ‫ق‬                                                       ‫ل‬
‫أهدى لنا أه ُ بيت شاة، فدعتني عائشة، فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من ُرْصِك. وبهذه النماذج‬
                                                ‫المنيرة والمواقف العطرة امتألت سيرة أتباع النبي .‬
 ‫فمن نوادر القصص في اإليثار ما أورده القرطبي قال: قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك‬
                              ‫رق‬
 ‫أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به َمَ ٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له:‬
 ‫أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو‬
‫هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن انطلق إليه‬
    ‫فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد‬
                                                                                                    ‫مات.‬
              ‫ل‬      ‫ر‬                       ‫َّ‬      ‫ل‬
 ‫ما أعظم اإليثار في هذه اللحظة! وما أج ّ هذه الشرْبة الهنيئة التي سيتج ّعها ك ُ واحد منهم في‬
                                 ‫الجنة بإذن اهلل بسبب إيثاره إلخوانه بالشراب قبله حتى وافته المنية!‬
                                                                   ‫ن‬
                             ‫اللهم ال تحرمنا أجرهم، وال تفت ّا بعدهم، وال تحرمنا أجر اإليثار مثلهم.‬
   ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم، وصلى اهلل على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                          ‫لم ترد.‬

‫(5/3344)‬




                                                                                              ‫روضة الصائمين‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                ‫القرآن والتفسير‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫عبد اهلل بن راضي المعيدي‬
                                                                                                             ‫حائل‬
                                                                                       ‫جامع عمر بن الخطاب‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
              ‫5- فضائل القرآن. 7- حالنا مع القرآن. 3- آداب قراءة القرآن. 4- هجر القرآن.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: نعم إنه روضة الصائمين وسلوة الطائفين ودليل السالكين ولذة قلوب المتقين، إنه كالم‬
                                                                     ‫ز‬
 ‫رب العالمين المن ّل على سيد المرسلين بلسان عربي مبين هدى للمتقين ونورا للمؤمنين، ((أهل‬
                                                                              ‫القرآن هم أهل اهلل وخاصته)).‬
        ‫والقرآن في رمضان له مذاق خاص؛ فهو روضة الصائمين وحداء القائمين ولهج القانتين‬
                    ‫ِز‬
  ‫العابدين. القرآن أعظم أنيس ونديم وخير جليس، هو حالوة وجمال وع ّ وكمال. القرآن محض‬
  ‫ته وليتذ َّر‬           ‫ك ب ز ه إ مب رك لي َّبر‬
  ‫سعادة اإلنسان ومديم الخير والبركة واإلحسان، ِتَا ٌ أَن َلْنَا ُ ِلَيْكَ ُ َا َ ٌ ِ َد َّ ُوا آيَا ِ ِ َِ َ َ َك َ‬
                                                                                                                    ‫أ ل‬
                                                                                              ‫ُوُْوا األَلْبَابِ [ص:37].‬
 ‫يا صائمون، هل ترومون روضة فيها أطايب النعم ونفائس المنن، وفيها ما لذ وطاب، أغنى عن‬
                          ‫األخلة واألحباب، إنها روضة القرآن، غاية السعادة ومنتهى اللذة والسرور.‬
          ‫ج‬            ‫و ُ‬
‫كرم عظيم جليل، تذرف منه العيون، وتصدع القلوب، وتقشعر الجلود، ق َالْقرْآنِ الْمَ ِيدِ [ق:5]،‬
                           ‫ي الل‬         ‫عل ج َ َر ه ش م َد م‬                            ‫ْز َذ ُ‬
‫لَوْ أَن َلْنَا ه َا الْقرْآنَ ََى َبلٍ ل َأَيْتَ ُ خَا ِعًا ُتَص ِّعًا ِنْ خَشْ َةِ َّهِ [فصلت:57]. وإذا كانت هذه‬
 ‫حال الصخور الصماء تخشع وتتصدع لو أنزل عليها القرآن فقل لي بربك يا محب: ما هي حال‬
      ‫قلوبنا مع كتاب ربنا؟! كم مرة قرأنا القرآن في رمضان؟! وكم سمعنا فيه من حكم ومواعظ‬
‫وعبر؟! ألم نقرأ صيحة عاد وصاعقة ثمود وخسف قوم لوط؟! ألم نقرأ الحاقة والزلزلة والقارعة‬
     ‫ُ نو‬           ‫َ ي د َّر‬
 ‫وإذا الشمس كورت؟! فيا سبحان اهلل! ما هذا الران الذي على القلوب؟! أفَال َتَ َب ُونَ الْقرْآ َ َلَوْ‬
                                                            ‫ر‬            ‫َد ف ِ ت‬              ‫ن م ع ْ ْ الل‬
                                              ‫كَا َ ِنْ ِندِ غَيرِ َّهِ لَوَج ُوا ِيه اخْ ِالفًا كَثِي ًا [النساء:75].‬
                                                                                ‫ُد‬
     ‫أفَق َّت قلوبنا بعد ذلك من حجر، أم خلقت من صخر صلد؟! أال فليت شعري، أين القلب الذي‬
                                                              ‫فلل‬
‫يخشع والعين التي تدمع؟! َّه كم صار بعضها للغفلة مرتعا ولألنس والقربة خرابا بلقعا، وحينئذ‬
 ‫ال الشباب منا ينتهي عن الصبوة وال الكبير فينا يلتحق بالصفوة، بل قد فرطنا في كتاب ربنا في‬
            ‫َ‬
        ‫الخلوة والجلوة، وصار بيننا وبينه كما بين الصفا والمروة، فال حول وال قوة إال باهلل. أفَال‬
     ‫َد عل َ ب ِ م ب م َي ُ ُد‬                                       ‫َ ع قل ب َ ل ِن َّذ‬                      ‫ُ‬       ‫ي د َّر‬
    ‫َتَ َب ُونَ الْقرْآنَ أمْ َلَى ُُو ٍ أقْفَاُهَا إ َّ ال ِينَ ارْت ُّوا ََى أدْ َارِهمْ ِنْ َعْدِ َا تَب َّنَ لَهمْ الْه َى‬
                                                                                 ‫الش ن َّ ه و ل ه‬
                                                                ‫َّيْطَا ُ سَولَ لَ ُمْ َأَمَْى لَ ُمْ [محمد:47، 17].‬
                                                                  ‫ِز‬
‫يا صائمون، القرآن ع ُّكم وشرفكم، فاقرؤوه حق قراءته تغنموا وتسعدوا وتفوزوا بالثواب الكبير‬
                                        ‫قل‬          ‫ز إ ُ ك ب ف ذ رُ َ‬
‫والنعيم المقيم، لَقَدْ أَن َلْنَا ِلَيْكمْ ِتَا ًا ِيهِ ِكْ ُكمْ أفَال تَعْ ُِونَ [األنبياء:05]. ولما تركت األمة العمل‬
                                                                                       ‫بالقرآن أصابها الذل والهوان.‬
       ‫أخي الحبيب، قراءة القرآن مطلوبة ومرغوبة في كل وقت وحين، ففيها عظيم األجر وكبير‬
          ‫الفضل وجزيل النوال، وفي رمضان يعظم تأكدها ويزداد نفعها وخيرها وبركتها، فخليق‬
                                                                ‫ُل‬
 ‫بالصائمين أن يجعلوا ج َّ وقتهم مع كتاب ربهم، وفي الحديث: ((من قرأ حرفا من كتاب اهلل فله‬
         ‫حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، ال أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، والم حرف، وميم‬
                                                                                                                  ‫حرف)).‬
                                                                         ‫عباد اهلل، هذه بعض آداب قراءة القرآن:‬
                                                                                ‫ال‬
     ‫أو ً: اإلخالص، فيجب على قارئ القرآن أن يخلص في قراءته ويبتغي بذلك وجه اهلل، وفي‬
‫الصحيح: ((إن أول من يقضى يوم القيامة ـ وذكر منهم ـ رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن،‬
                                                                              ‫فعر‬
 ‫فأتي به َّفه نعمة فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن،‬
‫قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب‬
                                                                                  ‫على وجهه حتى ألقي في النار)).‬
                                                      ‫ثانيًا: ينبغي لقارئ القرآن أن يتنظف ويتطهر ويستاك.‬
  ‫ثالثًا: أن يبدأ القارئ قراءته باالستعاذة باهلل من الشيطان الرجيم؛ وذلك ألنه طهارة للفم من اللغو‬
                                          ‫الر‬       ‫ِ ِالل م الش‬             ‫ُ َ‬          ‫ِ َر‬
      ‫والرفث، فَإذَا ق َأْتَ الْقرْآن فَاسْتَعذْ ب َّهِ ِنْ َّيْطَانِ َّجِيمِ [النحل:53]. أما إذا كان القارئ‬
                               ‫سيقرأ سورة من بدايتها فليقل بعد االستعاذة: بسم اهلل الرحمن الرحيم.‬
 ‫رابعًا: أن يحسن القارئ صوته بقراءة القرآن، فعن البراء بن عازب أن رسول اهلل قال: ((زينوا‬
        ‫القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)) رواه الحاكم وصححه األلباني.‬
        ‫ل‬
    ‫خامسًا: التخشع أثناء القراءة، فال ينبغي للقارئ أن يقرأ كتاب ربه وهو على حال ال تد ّ على‬
   ‫خشوعه أو تأثره، أو كأنه يقرأ صحيفة أو مجلة، بل على المسلم أن يقرأ القرآن ويستحضر أن‬
   ‫القرآن يخاطبه وأنه المقصود بالخطاب، ويقرأ بتالوة مجودة، ففي صحيح البخاري ومسلم عن‬
   ‫َذ ك َذ‬
   ‫عبد اهلل بن مسعود أن رجال قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال عبد اهلل: ه ًّا َه ِّ‬
‫الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن ال يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. وذكر‬
  ‫شعبة رحمه اهلل أن أبا جمرة قال البن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في‬
    ‫ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: ألن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي‬
‫تفعل، فإن كنت فاعال وال بد فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ويعيها قلبك. وقال النبي : ((ال يفقه من قرأ‬
       ‫القرآن أقل من ثالث)). وذكر ابن رجب رحمه اهلل أن هذا النهي في غير األوقات الفاضلة‬
                                                        ‫َم‬
  ‫كرمضان، وال يعني هذا أن يكون ه ُّ المؤمن في قراءة القرآن تكثير الختمات، بل ينبغي للمسلم‬
                 ‫د‬
    ‫الموفق أن ال يجفو فيمضي عليه الشهر ولم يختم كتاب اهلل، وأن ال يغلو فيتع ّى هدي النبي .‬
‫فاحرص ـ يا عبد اهلل ـ على تدبر القرآن، فإن الغاية من إنزال القرآن هو تدبره والعمل به، قال‬
                          ‫الحسن البصري رحمه اهلل: "نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تالوته عمال".‬
  ‫ثم إياك إياك والحذر الحذر من هجران القرآن واإلعراض عن قراءته وتدبره والعمل به، يقول‬
 ‫ابن القيم: "هجران القرآن أنواع، أحدها: هجر سماعه واإليمان به واإلصغاء إليه، والثاني: هجر‬
‫العمل به والوقوف عند حالله وحرامه وإن قرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في‬
  ‫أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه ال يفيد اليقين وأن أدلته لفظية ال تحصل العلم، والرابع: هجر‬
   ‫تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منا، والخامس: هجر االستشفاء والتداوي به في جميع‬
    ‫َق ل‬
    ‫أمراض القلوب وأدوائها، فال يطلب الشفاء والتداوي به، وكل هذا داخل في قوله تعالى: و َا َ‬
                                       ‫الرس ل َب ِن م ات َذ َذ ُ ن م ج ر‬
 ‫َّ ُو ُ يَا ر ِّ إ َّ قَوْ ِي َّخ ُوا ه َا الْقرْآ َ َهْ ُو ًا [الفرقان:03]، وإن كان بعض الهجر أهون‬
                                                                                               ‫من بعض".‬
                                                                          ‫وصلى اهلل على نبينا محمد...‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                    ‫لم ترد.‬
‫(5/0444)‬




                                                                             ‫أي رمضان رمضانك؟!‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, فقه‬
                                                 ‫التربية والتزكية, الصوم, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                              ‫محمد بن إبراهيم السبر‬
                                                                                              ‫الرياض‬
                                                                      ‫جامع األميرة موضي السديري‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- أماني األنفس قبل رمضان. 7- شذرات من فضائل رمضان. 3- من ثمرات الصيام. 4-‬
 ‫أصناف الناس في استقبال شهر رمضان. 1- ما ينبغي أن نكون عليه في رمضان. 6- رمضان‬
                                                                               ‫فرصة حقيقية للتغيير.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                              ‫َن‬                       ‫ت‬
‫لطالما حدثْنا أنفسنا باهْ ِبَال فرصة رمضان، ولكم مَّيْنَاها بصالحها فيه، ولطالما عاهدنا أنفسنا قبل‬
      ‫ن‬                           ‫س وة‬                 ‫ة‬             ‫ة‬      ‫ة قة‬
  ‫دخوله بأَوْب ٍ حَ ّ ٍ وتوب ٍ صادقةٍ ودمع ٍ حارةٍ ونف ٍ متش ّق ٍ، ولكن كلما أتى قضى الشيطا ُ على‬
                                                            ‫ة‬        ‫س‬        ‫س‬
    ‫األمنية، وخَا َتِ النف ُ األمار ُ بالسوء بعهدها وغدرت، فثابت لياليَ ورجعت أيامًا، ثم عادت‬
                                                                    ‫ن‬
                                                 ‫لسالف عهدها كأنْ لم تَغْ َ بنور رمضان وضيائه.‬
      ‫ن‬            ‫ُ‬                  ‫م‬      ‫ر‬
      ‫وها نحن ـ أيها األحبة في اهلل ـ يطالعنا شه ٌ وموس ٌ من الخير جديد، فأي رمضانٍ يكو ُ‬
                                              ‫ن َو‬                              ‫ن‬
 ‫رمضا ُك هذه المرة؟! هل هو رمضا ُ المس ِّفِين الكسالى، أم رمضان المسارعين المجدين؟! هل‬
                      ‫ر الن‬       ‫ة‬       ‫ر‬             ‫و‬
      ‫هو رمضان التوبة، أم رمضان الشِقْ َة؟! هل هو شه ُ النعم ِ، أم شه ُ ِّقْمة؟! هل هو شهر‬
               ‫ل‬        ‫د‬            ‫لج‬
             ‫الصيام والقيام، أم شهر الموائد واألفالم والهيَام؟! هذا ما يعْتَِ ُ بالفؤاد وي ُور بالخََد.‬
   ‫ه من‬               ‫ي‬          ‫هل‬        ‫طل‬                 ‫حل‬
   ‫ها هو هالل رمضان قد َّ، ووجه سعدِهِ قد َّ، رمضان َّ هالله، وخّمت ظالله، و َيْ َ َ‬
                         ‫والنو‬                                 ‫ل‬
        ‫جالله، وسَطَع جماله، لقد أظّنا موسم كريم الفضائل، عظيم الهبات َّ َائل، جليل الفوائد‬
‫ط ة‬               ‫ذ‬                                      ‫ت‬
‫والمكارم. أيام وليالي رمضان نفحا ُ الخير ونسائم الرحمة والرضوان، فما أل ّها من أيام مع ّر ٍ‬
                                                             ‫و‬
                       ‫بالذكر والطاعة، وما أجملها من ليالٍ من ّرةٍ بابتهاالت الراغبين وحنين التائبين.‬
      ‫َّ أ ْ ِ ف ُ ن ه ى‬                   ‫ْر رم‬                         ‫ة‬           ‫ة ب‬
      ‫رمضان المنح ُ الر ّانية والهب ُ اإللهية، قال تعالى: شَه ُ َ َضَانَ الذِي ُنزلَ ِيهِ الْقرْآ ُ ُد ً‬
  ‫ل َّاسِ َبِّنَا ٍ ِنَ الْه َى َالْفرقَان فَ َنْ شَه َ ِنْك ُ َّهرَ فَلْ َ ُمْ ُ َ َنْ كَا َ م ِيضًا أَوْ ََى سَف ٍ‬
  ‫عل َر‬              ‫ِد م ُم الش ْ يص ه وم ن َر‬                        ‫ِلن و َي ت م ُد و ُ ْ ِ م‬
     ‫ِد ولت ِّر الل عل م‬                ‫ِدة م َي أ َر ُر د الله ب ُم ي ْر و ير د ب ُم ع ر ولت مل‬
    ‫فَع َّ ٌ ِنْ أ َّامٍ ُخ َ ي ِي ُ َّ ُ ِك ُ الْ ُس َ َال ُ ِي ُ ِك ُ الْ ُسْ َ َُِكْ ُِوا الْع َّةَ َِ ُكَب ُوا َّهَ ََى َا‬
                                                                                               ‫ُر‬        ‫َد ُ و َل ُ‬
                                                                              ‫ه َاكمْ َلَعَّكمْ تَشْك ُونَ [البقرة:155].‬
                                                  ‫ض‬        ‫ٍ فض‬          ‫ر ة م‬                 ‫ر يف ق‬
                                               ‫شه ٌ َ ُو ُ على الشهو ِ بليل ٍ… ِن ألفِ شهر ُ ّلت تَفْ ِيال‬
                                                     ‫بْ ة ص‬                      ‫مه‬          ‫د ص َّ‬      ‫ط‬
                                                  ‫ُوبى لعب ٍ َح فيه صيا ُ ُ…ودعا الْمهيمنَ ُكرَ ً وأَ ِيال‬
                                                                        ‫هه ت‬               ‫ي م ِ ْده م َت‬                  ‫ب ل‬
                                                                     ‫و ِلَيِْهِ قد قامَ َخت ُ ور َ ُ… ُتَب ِّالً إللَ ِ ِ تَبْ ِيال‬
                              ‫َ‬        ‫تب‬                    ‫م‬               ‫ر‬
  ‫رمضان أش ُف الشهور، وأيا ُه أحلى األيام، يعا ِ ُ الصالحون رمضانَ على قلة الزيارة وطول‬
                                          ‫ال‬          ‫ن‬                      ‫ق فد‬
                                         ‫الغياب، فيأتي بعد شو ٍ ويَ ِ ُ بعد فراق، فيجيبه لسا ُ الحال قائ ً:‬
                                                                                    ‫حب‬                     ‫ال‬
                                                               ‫أه ً وسهالً بالصيامْ…يا َ ِيبا زارنَا في كل عامْ‬
                                                           ‫ح‬               ‫قد لقيناك بحب م عم ُل ُب‬
                                                       ‫ٍّ ُفْ َ ٍ…ك ُّ ح ٍّ في سوى المولى َرامْ‬
                                                             ‫ج‬      ‫ي‬                ‫م ث‬           ‫َّ‬      ‫َ‬
                                                        ‫فاقْبلِ اللهم ربي صو َنا… ُم زدنا من عَطَا َاك ال ِسَامْ‬
                                                                       ‫ج الظ‬           ‫ق‬        ‫ب‬              ‫ت ق‬
                                                                   ‫ال ُعَا ِبْنا فقد عاقَ َنا…قَلَ ٌ أسهرنا ُنْحَ َّالمْ‬
 ‫أخي الحبيب، إن رمضان فرص ٌ من فرصِ اآلخرةِ التي تحمل في ط َّاتها غفرانَ الذنوب وغس َ‬
 ‫ْل‬                      ‫َي‬                                ‫ة‬     ‫َ‬
                     ‫ل‬
      ‫الحَوْب، وكم تمر بنا الفرص ونحن ال نشعر. هذه فرصة وما أعظمها، تحم ُ سعادةَ اإلنسان‬
                                                                   ‫األبدية، فأين المبادرون؟! وأين المسارعون؟!‬
                  ‫َنث‬                       ‫ذ‬                     ‫م‬
             ‫إن الصيام هو المدرسة التي يتعل ُ منها المسلمون، ويته ّب فيها العابدون، ويتَحَّ ُ فيها‬
                                                                                                                       ‫م َس‬
                                                                                                                   ‫ال ُتَن ِّكون.‬
                                                      ‫ت‬                    ‫ِ‬    ‫ت‬                 ‫ر‬
                                                      ‫جاء شه ُ الصيامِ بالبركا ِ…فأكرمْ به من زائرٍ هو آ ِ‬
                              ‫ُ ب‬
     ‫نعم، إنه شهر البركات والرحمات، فرمضان شهر الطاعة والقرْ َى والبر واإلحسان والمغفرة‬
    ‫والرحمة والرضوان والعتق من النيران، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال: ((إذا‬
                                 ‫سس‬                     ‫ُل‬                 ‫فح‬
     ‫دخل رمضان ُت َت أبواب الجنة، وغِّقَت أبواب جهنم، و ُلْ ِلت الشياطين))، وعنه قال: قال‬
                 ‫ُل‬         ‫ن َر ة‬               ‫ن ُفد‬            ‫ل ة‬
‫رسول اهلل : ((إذا كان أو ُ ليل ٍ من رمضا َ ص ِّ َتِ الشياطي ُ وم َدَ ُ الجن، وغِّقَت أبواب النيران‬
          ‫ء‬             ‫ص‬                     ‫ب‬                    ‫د‬                          ‫ي‬
‫فلم ُفتَح منها باب، وينادي منا ٍ: يا باغي الخير أقْ ِل، ويا باغي الشر أقْ ِر، وهلل عتقا ُ من النار،‬
                                      ‫ي‬         ‫ي سه‬                   ‫ي ن‬                          ‫ك‬
                                     ‫وذلك ُلَ ليلة)) رواه الترمذ ُ واب ُ ماجه والنسائ ُ وح ّن ُ األلبان ُ.‬
    ‫ب ُكف‬             ‫ت‬                  ‫ب‬                               ‫س‬        ‫مي ل‬
   ‫الصيا ُ ُصِح النفو َ، ويدفع إلى اكتساب المحامد وال ُعد عن المفاسد. به ُغفر الذنو ُ، وت َّر‬
              ‫ب غِ‬                            ‫م‬                            ‫د‬
 ‫السيئات، وتزدا ُ الحسنات، يقول المصطفى : (( َن صام رمضان إيمانًا واحتسا ًا ُفرَ له ما تقدم‬
                                                                                                   ‫من ذنبه)) متفق عليه.‬
                                                                ‫ن ب‬
      ‫نعم يا عبد اهلل، رمضا ُ سب ٌ لتكفير الذنوب والسيئات إال الكبائر، قال : ((الصلوات الخمس‬
                         ‫تن‬         ‫ن‬            ‫م ِّر‬
  ‫والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ُكَف َات لما بينه ّ إذا اج ُ ِبت الكبائر)) رواه مسلم،‬
                                            ‫ف‬
      ‫وقال : ((فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تك ّرها الصالة والصوم والصدقة)) متفق عليه.‬
                  ‫ة‬        ‫ة‬                           ‫ة عث‬                   ‫ة‬
      ‫رمضان فيه إجاب ُ الدعوات وإقال ُ ال َ َرات، قال : ((لكل مسلمٍ دعو ٌ مستجاب ٌ يدعو بها في‬
‫رمضان))، ويقول : ((ثالثة ال ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، واإلمام العادل، ودعوة المظلوم))‬
                                                                                          ‫رواه أحمد.‬
                                            ‫ن ن‬          ‫ُ‬
     ‫هذه هي فرصة رمضان، فأي رمضا ٍ يكو ُ رمضانك؟! وتلك هي نعمة رمضان، فماذا أنت‬
                                                                         ‫فاعل؟! وماذا أنت صانع؟!‬
                                            ‫أتى رمضا ُ مزرع ُ العبا ِ…لتطهيرِ القلو ِ من الفسا ِ‬
                                            ‫د‬          ‫ب‬               ‫د‬       ‫ة‬      ‫ن‬
                                                      ‫ك فات ه م د‬             ‫ه ال ال‬            ‫فأد‬
                                                      ‫ِّ حقوقَ ُ قو ً وفع ً…وزاد َ َّخذ ُ لل َعَا ِ‬
                                            ‫د‬               ‫تأوه د‬                          ‫َر‬
                                            ‫فمن ز َع الحبوبَ وما سَقَاها… َّ َ نا ِما يومَ الحصَا ِ‬
         ‫ي‬                    ‫تب‬         ‫ح ي‬                                        ‫ر‬
‫إن شه ًا بهذه الصفات وتلك الفضائل والمكرمات ل َر ّ باالهْ ِ َال واالهتمام، فهل ه ّأت نفسك ـ‬
                                                            ‫ورو ت‬
    ‫أخي المسلم ـ الستقباله َّضْ َها على اغتنامه؟! عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اهلل : ((قد‬
     ‫ي ق‬             ‫ب‬          ‫ي ُ‬
 ‫جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض اهلل عليكم صيامه، ُفْتَح فيه أبوا ُ الجنة، و ُغْل ُ فيه‬
          ‫ُِ‬           ‫م ُ ِم‬                  ‫ة‬                       ‫ت َل‬
 ‫أبواب الجحيم، وُغ ُّ فيه الشياطين، فيه ليل ٌ خير من ألف شهر، َن حر َ خيرها فقد حرمْ)) رواه‬
                                                                              ‫ح‬    ‫ي‬         ‫د‬
                                                                  ‫أحم ُ والنسائ ُ وص ّحه األلباني.‬
 ‫لقد كان الرسو ُ يب ّر أصحابه بقدوم رمضان وإتيانه، ُل ذلك شَح ًا لل ِ َم وإذْكاءً للعزائم وتهيئ ً‬
 ‫ة‬                         ‫ْذ هم‬              ‫ك‬                              ‫ل ش‬
                               ‫تفو‬                                    ‫ت‬
     ‫للنفوس، حتى ُحسنَ التعامل مع فرصةِ رمضان، وحتى ال ِّتها، وهذا شأن السلف الصالح‬
                ‫ل‬                                      ‫َ‬     ‫معل ن‬
  ‫رحمهم اهلل تعالى، قال ُ َّى ب ُ الفْضلِ عن السلف: "إنهم كانوا يدعون اهلل ج ّ وعال ستة أشهر‬
                        ‫ن‬                      ‫ب‬             ‫ً‬                     ‫ل‬
 ‫أن يبّغهم رمضان، ويدعونه ستة أخرى أن يتق ّله منهم"، وقال يحيى ب ُ كثيرٍ رحمه اهلل كان من‬
                          ‫ب‬          ‫دعائهم: "اللهم ِّمني إلى رمضان، ِّم لي رمضان، وتسلم‬
                      ‫َّ َه مني فتق ّله".‬             ‫وسل‬              ‫سل‬
   ‫أيها األحبة في اهلل، قدوم رمضان تلو رمضان يدل على تعاقب األيام، فاأليام تمضي، والسنون‬
                                                              ‫ي غ‬                  ‫ُل‬
                                                            ‫تجري، وك ٌّ إلى داع الموت س ُص ِي:‬
                                        ‫ن ر‬           ‫ل‬           ‫نس ق‬      ‫م ْر وإن‬              ‫ر‬
                                        ‫تَم ّ بنا األيا ُ تَت َى َّما… ُ َا ُ إلى اآلجا ِ والعي ُ تنظ ُ‬
                                 ‫مش ب م َدر‬               ‫ل‬          ‫مض‬       ‫ب‬           ‫د‬
                                 ‫فال عائ ٌ ذاك الشبا ُ الذي َ َى…وال زائ ٌ هذا الْ َ ِي ُ ال ُك ّ ُ‬
   ‫عباد اهلل، ها هو شهر العزة والكرامة، شهر الجهاد والنصر، شهر الجدية والعزيمة، ها هو قد‬
                                                                  ‫ض‬
     ‫أتى، فهل آن لألمة أن تنف َ عنها غبارَ التبعية؟! هل آن لها أن ترفعَ عن نفسها أسباب الذلة‬
                                                                                            ‫والهوان؟!‬
       ‫لقد زارنا رمضان مرات عديدة، فما زارنا في مرة إال وج َنا أسوأ من العام الذي قبله؛ أم ٌ‬
       ‫م‬                               ‫َد‬
     ‫تم ة‬            ‫ن م ِْ ة‬         ‫بم ر‬            ‫ل طة‬                ‫بم ف‬            ‫م ث ة‬
    ‫ُتَنا ِرَ ٌ، وقلو ٌ ُتَنا ِرَة، ودو ٌ متقا ِع ٌ، وأحزا ٌ ُتصا ِعة، وفت ٌ ُحدقَ ٌ، وشهوا ٌ ُفرق ٌ،‬
                                                                                ‫م غب‬
                                                          ‫األمة في َسَا ِ ِها ومجاعاتها وأمراضها.‬
  ‫ت‬
  ‫رمضان أتى بخيراته وبركاته، فكيف حال الناس؟! بل كيف حال األمة اإلسالمية؟! رمضان آ ٍ‬
                      ‫ة‬         ‫ض‬                           ‫ل‬      ‫ر‬             ‫ة مد‬
 ‫واألم ُ تَ ِي ُ بها األرض ج ّاءَ تسّط األعداء على ديارها، األر ُ المبارك ُ تعاني الذلة والهوان.‬
‫د‬                                                                              ‫ت‬
‫رمضان آ ٍ واألمة ال زالت تغالب الصليب في أفغانستان والعراق، واليهود في فلسطين، واإللحا َ‬
             ‫ر‬        ‫ل‬      ‫ر‬           ‫َم‬          ‫والشيوعيةَ في الشيشان، وتقاسي األمر‬
  ‫َّين وهي توص ُ ظلمًا وزو ًا بالغّو والتط ّف واإلرهاب.‬
                                                      ‫ي‬
‫رمضان آتٍ ـ يا عبد اهلل ـ فأ ُ رمضان يكون رمضانك؟! وما استعدادك؟! وما مراسم استقبالك‬
                           ‫َرح‬
     ‫له؟! فالناس في استقباله أقسام، فهل أنت ـ يا أخي ـ من القسم الف ِ ِ بقدومه؛ ألنه يزداد به‬
   ‫ي َيه الن ُ َ ج ء ك ع ة م ْ َب ُ‬                                                       ‫ُ ب زف‬
 ‫قرْ َى و ُلْ َى إلى ربه جل وعال، وهذا شأن المؤمنين: َا أ ُّ َا َّاس قدْ َا َتْ ُمْ مَوْ ِظَ ٌ ِن رِّكمْ‬
  ‫ح ه خ ْر‬                ‫ْ الله و ِر مت ِ َ‬                   ‫هد َر مة ل م من َ ق‬                  ‫و ء لم ف الصد‬
  ‫َشِفَا ٌ ِ َا ِي ُّ ُورِ وَ ُ ًى و َحْ َ ٌ ِلْ ُؤْ ِ ِين ُلْ بِفَضلِ َّ ِ َب َحْ َ ِهِ فَبذَلِك فَلْيَفْرَ ُوا ُوَ َي ٌ‬
                                                                           ‫ِم مع‬
‫م َّا يَجْ َ ُونَ [يونس:21، 51]، ونبينا محمد على رأس هؤالء، يقول ابن عباس رضي اهلل عنهما:‬
                                                   ‫د‬
      ‫كان رسول اهلل أجودَ الناس، وكان أجو َ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في كل ليلة،‬
                                            ‫م س‬
                             ‫فيدارسه القرآن، فلرسول اهلل أجود بالخير من الريح ال ُرْ َلَة. متفق عليه.‬
‫وهناك صنف ثان ـ وأعيذك باهلل من حاله ـ ال يعرف ربه إال في رمضان، فال يصلي وال يقرأ‬
                                    ‫ل‬          ‫د ة‬       ‫ة‬      ‫ٌ‬
    ‫القرآن إال في رمضان، وهذه توبة زائف ٌ ومخا ِع ٌ وتَسْوِي ٌ من الشيطان، وبئس القوم الذين ال‬
                                                                                     ‫يعرفون اهلل إال في رمضان.‬
                                           ‫ويا حسرة على أقوام ُعَساء يستقبلونه بالضج‬
   ‫َّ َر والتضايق والحرج، على أنه شهر جوع نهاري‬                 ‫ت‬
                                                    ‫ع‬
 ‫وشبع ليلي. إن بعض العصاة يرونه مان ًا لهم من شهواتهم ومن مآربهم الباطلة، فهم كالذئاب في‬
                 ‫ي َأف‬     ‫ب‬                 ‫يخ‬        ‫خ‬                        ‫و‬
 ‫الليل تَعْ ِي، وكالجيف في النهار تَ ُور كما َ ُور الثور. ويا عج ًا هل ُت َّف من شهر الرضوان‬
    ‫والرحمة؟! ال واهلل، بل هو شهر الخير والنعمة والبركة. إن الواحد من هؤالء ـ هداهم اهلل ـ‬
                                                                                    ‫ي‬
      ‫ُحس بالحرمان من الشهوات، ولذلك تراهم إذا قدم رمضان غيرَ فرحين بقدومه؛ ألن هؤالء‬
                             ‫التع‬                                     ‫ح‬
     ‫يريدون أن يغترفوا من َمْأَة اللذة المحرمة، حتى لقد قال بعض ُّ َساء من أوالد الخلفاء كما‬
                                                                          ‫ذكره الحافظ ابن رجب في الوظائف:‬
                               ‫ر‬                 ‫صت ر‬          ‫شر‬                    ‫ر‬      ‫ن‬
                               ‫دعا ِيَ شه ُ الصوم ال كان من ِهْ ِ…وال ُم ُ شه ًا بعده آخرَ الده ِ‬
                                   ‫ر‬               ‫د ُ‬                   ‫م ة‬              ‫يد‬
                                   ‫فلو كان ُعْ ِيني األنا ُ بقو ٍ…على الشهر السْتَع َيت قومي على الشه ِ‬
     ‫ت‬      ‫ت‬              ‫ي ْرع‬         ‫َّر‬
‫والذي حصل لهذا الشاب أن ابتاله اهلل بمرض الص َع، فكان ُص َ ُ في اليوم مرا ٍ وكرا ٍ، وما‬
                    ‫زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان اآلخر، نسأل اهلل تعالى حسن الختام.‬
                            ‫د‬             ‫د‬
‫أيها المسلم، إن من نعم اهلل تعالى عليك أن م ّ في عمرك، وم ّ في أنفاسك، وجعلك تدرك خيرات‬
      ‫ومك‬        ‫أخ‬                    ‫بل‬
  ‫هذا الشهر العظيم، فاحمدوا اهلل ـ عباد اهلل ـ أن َّغكم، واشكروه على أن َّركم إليه َّنكم،‬
                                         ‫ك‬       ‫مؤم‬                             ‫ع‬
         ‫فكم من طام ٍ بلوغَ هذا الشهر فما بلغه، كم ِّل إدرا َه فما أدركه، فاجأه الموت فأهلكه.‬
                ‫ص‬                                                     ‫ه‬
   ‫أيها المسلمون، بلغنا ُ وكم حبيب لنا فقدناه، أدركناه وكم قريبٍ لنا أضجعناه، ُمناه وكم عزيز‬
                                                                                                           ‫علينا دفناه.‬
                                  ‫ن‬              ‫رب‬      ‫حت‬         ‫ُ‬     ‫ه‬
                                  ‫يا ذا الذي ما كفَا ُ الذنب في رجب… َّى عصى َّه في شهر شعبا ِ‬
                                           ‫ع ن‬                  ‫ي‬          ‫ه‬       ‫ر ص‬
                                           ‫لقد أظلك شه ُ ال ّوم بعد ُما…فال تص ّره أيضًا شهرَ ِصْيا ِ‬
                                                    ‫ن‬                      ‫د‬           ‫ُر وسب‬
                                                    ‫واتل الق َان ِّح فيه مجته ًا…فإنه شهر تسبيح وقرآ ِ‬
                              ‫ن‬                         ‫سَف‬
                              ‫كم كنت تعرف ممن صام في َل ٍ…من بين أهل وإخوان وجيرا ِ‬
                                                                  ‫د‬             ‫ت‬
                                 ‫أفناهم الْمو ُ واستبقاك بع َهم…حيًا فما أقرب القاصي من الداني‬
                        ‫ة‬       ‫ة‬
     ‫يا عبدَ اهلل، يا أمةَ اهلل، هل يأتي عليكما رمضان وأنتما في قو ٍ وعافي ٍ؟! فكم من إنسان صام‬
 ‫ض‬      ‫ر‬            ‫د‬
‫رمضان الفائت في عافيةٍ وصحة وقوة يأتي عليه رمضان القابل وهو قعي ُ الفراش أسي ُ المر ِ.‬
                         ‫هل يأتي عليك رمضان وأنت في أمن وأمان على نفسك وأهلك ومالك؟!‬
                         ‫د‬      ‫ِْ س‬                  ‫ن م ِر ذ‬                   ‫م‬
         ‫يا عبد اهلل، يا َن تعيش آم ًا ُستق ًّا تتل ّذ بخيرات اهلل، خل نف َك واح ًا من هؤالء الذين‬
       ‫د‬          ‫ِْ‬                                    ‫ح‬            ‫أ‬
   ‫يصومون وهم ُسارى أو يتس ّرون ويفطرون على الحدود وفي المالجئ، خل نفسك واح ًا من‬
          ‫د‬      ‫د‬                  ‫ِْ‬
     ‫أولئك الذين يحتاجون إلى الفِطْر دفاعًا عن الملة والدين، خل نفسك جائعًا مطرو ًا شري ًا كما‬
 ‫يحصل للمسلمين الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين في غير ما مكان، الذين يعانون آالم الحصار‬
                                                        ‫والتشرذم والشتات وتسلط الكفار والفجار.‬
      ‫رمضان شهر الشعور بإخوانك المسلمين، فأي رمضان رمضانك؟! هل شعرت بإخوانك في‬
     ‫أقاصي األرض ومغاربها؟! ال بد للمسلم الصائم أن يشعر بآالم المسلمين، وأن يستشعر حال‬
        ‫م ع‬
 ‫إخوانه في كل مكان، فإذا جاع تذكر أن آالف البطون جوعى تنتظر لقمةً، فهل من ُط ِم؟! وهو‬
                  ‫ق‬                     ‫ة‬                                 ‫ك‬
    ‫إذا عطش تذ ّر أن آالف األكباد عطشى تنتظر قطر ً من الماء، فهل من سا ٍ؟! وهو إذا لبس‬
                                        ‫س‬
     ‫تذكر أن آالف األجساد قد لحقها العري، فهل من كا ٍ؟! يشعر بنعمة اهلل جال وعال عليه أن‬
                                  ‫ر‬
          ‫أعطاه السحور واإلفطار وغيره محروم، أن ألبسه وغيره عا ٍ، فالحمد هلل على نعمائه.‬
                                                           ‫ي‬
‫رمضان شهر العبادة، فأ ُ رمضان رمضانك؟! هل اتخذت منه فرصة لتربية نفسك على العبادة؟!‬
  ‫فالصيام يربينا على العبادة، فلئن كان المسلم يعبد ربه جل وعال في سائر شهوره وأيامه إال أنه‬
                        ‫ت‬                  ‫ُرع‬                ‫ة‬
  ‫يأخذ في رمضان دورةً عبادي ً يزيد فيها من ج ُ َات الطاعة ونَكَها ِ اإليمان واإلخالص، حتى‬
                                          ‫م‬
      ‫يقوى على ما تبقى من الشهور، ويجعل هذه الفرصة ُنطَلَقًا إلى فعل الخيرات، تقول عائشة‬
        ‫رضي اهلل عنها: كان رسول اهلل يجتهد في رمضان ما ال يجتهد في غيره. أخرجه مسلم.‬
                                                           ‫دج‬
‫وليالي رمضان تاج ليالي العام، و ُ َاها ثمينة بظلمائها، فيها تصفو األوقات وتحلو المناجاة، قال :‬
                                         ‫ن‬                ‫ة‬                        ‫ل‬
       ‫((أفض ُ الصالة بعد الفريضة صال ُ الليل)). ورمضا ُ شهر القيام، يقول النبي : ((من قام‬
                                                              ‫غف‬
 ‫رمضان إيمانًا واحتسابًا ُ ِر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. وقيام رمضان أمر مشروع، فعلى‬
‫المسلم أن يحرص على أداء صالة التراويح، وأن يكملها مع اإلمام حتى ينصرف، قال : ((من قام‬
‫مع إمامه حتى ينصرف ُ ِب له قيام ليلة)) رواه أهل السنن وهو صحيح. فلله الحمد والمنة، يقو ُ‬
‫م‬                                                                 ‫كت‬
                                                                                    ‫ة‬
                                           ‫المصلي ساع ً من الليل مع اإلمام فكأنما قام الليل كله.‬
                                            ‫ال‬
‫وال ننس ـ أيها اإلخوة ـ االهتمام بالفرائض أو ً، والمواظبة عليها في المساجد جماعة، فاهلل عز‬
                 ‫وجل يحب التقرب إليه بالفرائض، فال ننس الفرض ونهتم بالنوافل والمستحبات.‬
       ‫ذ‬             ‫ر ذ‬
      ‫رمضان شهر النفحات والبركات، فلماذا ال نقوم رمضان؟! لماذا ال نج ّب ل ّة القرآن، ول ّة‬
                                          ‫ج‬                  ‫ر‬
‫المناجاة والدعاء؟! لماذا ال نج ّب وقت األسحار وهَ ِيع الليل؟! لماذا ال ننطرح بين يدي موالنا؟!‬
                                                     ‫ال‬
   ‫فربنا ينزل في ثلث الليل األخير نزو ً يليق بجالله وعظمته يعرض نفحاته ورحماته، فلماذا ال‬
                                                                                                     ‫ر‬
                                                                                      ‫نتع ّض لرحمات اهلل؟!‬
                                             ‫ُم في ُّ َى وات ُ الكتابَ وال تَنمْ…إال كنومة حائ ٍ َلْ َا ِ‬
                                             ‫ِر و ه ن‬                                   ‫ْل‬     ‫الدج‬     ‫ق‬
                                                    ‫ن‬            ‫ُر‬     ‫ة تس ق‬          ‫ي‬             ‫ب‬
                                                    ‫فلر ّما تأتي المن ّة بغت ً…ف ُ َا ُ من ف ُشٍ إلى أكفا ِ‬
                                            ‫ن‬                        ‫الدج‬                    ‫ب‬
                                            ‫يا ح ّذا عينانِ في غَسَقِ ُّ َى…من خشية الرحمن باكيتا ِ‬
                                                        ‫ن ْر ن‬                    ‫ة‬         ‫ل ُل‬
                                                        ‫فاهلل ينز ُ ك ّ آخر ليل ٍ…لسمائه الدنيا بال ُك َا ِ‬
                                              ‫ن‬          ‫ب ب‬                 ‫ب‬      ‫ٍ‬          ‫ل‬
                                             ‫فيقو ُ هل من سائل فأجي َه…فأنا القري ُ أجي ُ منْ نادا ِي‬
     ‫ولكن يا حسرةً على المحرومين، ويا حسرةً على المفتونين الذين يجعلون وقت السحر ووقت‬
‫ت‬
‫االستغفار وقت النزول اإللهي فرصةً للعب واللهو ومشاهدة القنوات وتقليب األبصار في الغانيا ِ‬
                                                                                               ‫ت‬
                                                                         ‫والمومسا ِ، يا حسرةً على العباد.‬
                 ‫َّن‬             ‫ر‬
      ‫رمضان شهر التقوى، فأي رمضان يكون رمضانك؟! هل د ّبنا نفوسنا ووطَّاها على هجر‬
 ‫المعاصي؟! فرمضان فرصة لترك الذنوب، فالمعنى السامي للصيام أنه يجمع بين التقوى الحسية‬
  ‫َي َّذ ن‬                                                               ‫ل‬
  ‫والتقوى المعنوية، فمن أخ ّ بواحدةٍ منهما فما استكمل الصيام، ولذا قال جل وعال: يَا أ ُّهَا ال ِي َ‬
                                ‫من كت ع ُم الصي م م كت عل َّذ م ْ ل ُ َل ُ َتق‬
      ‫آ َُوا ُ ِبَ َلَيْك ُ ِّ َا ُ كَ َا ُ ِبَ ََى ال ِينَ ِن قَبِْكمْ لَعَّكمْ ت َّ ُونَ [البقرة:355]. يؤكد هذا‬
                                                                     ‫ُو‬
 ‫المعنى ـ أيها الص َّام ـ قول النبي : ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس هلل حاجة في أن‬
   ‫يدع طعامه وشرابه)) رواه البخاري، قال بعض السلف: "أهون الصيام ترك الطعام والشراب".‬
    ‫فيا أهل اللهو والعبث، ويا أهل البرامج والفوازير والمسابقات، نبيكم يقول: ((ليس الصيام من‬
  ‫األكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث)) رواه ابن حبان، هذا هو الصيام، فإذا تحقق فيه‬
                                                                           ‫ُنة‬
‫ذلك كان ج َّ ً من المعاصي. الصيام الذي ال يمنعك من النظر إلى الحرام والسب والشتم والتالحي‬
    ‫والخصام والغيبة والنميمة والقِيل والقال والولوغ في األعراض فليس بصيام، إنما الصيام من‬
                        ‫ة‬         ‫ُن‬                        ‫ُنة‬             ‫ق‬
        ‫اللغو والرفث، إذا تح ّق هذا كان ج َّ ً من المعاصي، وبالتالي ج َّةً ووقاي ً من النار، قال :‬
  ‫ُن‬                                    ‫س‬                                   ‫ُنة ي ِن‬
‫((الصيام ج َّ ٌ َسْتَج ُّ بها العبد من النار)) رواه أحمد وح ّنه األلباني، وقال أيضًا: ((الصيام ج َّة،‬
                        ‫ٌ‬    ‫ساب‬                                             ‫م‬
 ‫فإذا كان يو ُ صوم أحدكم فال يرفثْ وال يفسقْ وال يجهلْ، فإن َّه أحد فليقل: إني صائم)) رواه‬
                                    ‫ُب‬
    ‫الشيخان، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ر َّ صائم ليس له من صيامه إال الجوع،‬
                          ‫ورب قائم ليس له من قيامه إال السهر)) رواه ابن ماجه وصححه األلباني.‬
                                  ‫َ‬                   ‫ل ر ن‬             ‫ي‬
 ‫وقال الصحاب ُ الجلي ُ جاب ُ ب ُ عبد اهلل : (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب‬
    ‫م ر‬         ‫م‬    ‫م‬              ‫ة‬       ‫ر‬
   ‫والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقا ٌ وسكين ٌ، وال يكنْ يو ُ صو ِك ويو ُ فط ِك‬
    ‫َ‬                    ‫م‬                                                           ‫ء‬
 ‫سوا ً)، ويقول اإلمام أحمد رحمه اهلل: "ينبغي للصائم أن يتعاهد صو َه من لسانه، وال يماري في‬
                  ‫ب د‬                    ‫ظ‬
               ‫كالمه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا: نحف ُ صومنا، وال نغتا ُ أح ًا".‬
                         ‫ٌّ ف م ق ص ت‬                  ‫ون ف‬
                         ‫إذا لَم يكن في السمع مني تَصَا ُ ٌ…و ِي بصري غَض و ِي َنْطِ ِي َمْ ُ‬
                       ‫ت‬             ‫ت‬        ‫ت‬           ‫ِّي إ ًا من صومي الجو ُ والظ‬
                       ‫َّمَا…فإن قل ُ إني صم ُ يومي فما صم ُ‬   ‫ع‬               ‫فحظ ذ‬
              ‫ت‬        ‫َ ة‬                ‫ٍ‬                    ‫م‬       ‫س‬
       ‫أيها األحبة، كان َلف األ ّة يستعدون لرمضان بهمم عالية وعزائم قوي ٍ وإرادا ٍ ماضية؛‬
                               ‫ق‬
      ‫ليغتنموا رمضان في طاعة اهلل، ليجعلوه منطلقًا للخيرات ومنطل ًا إلى التوبة وإصالح النفس‬
             ‫ي‬
‫والحال، ومع ذلك فإننا نجد عجبًا من بعض الناس، يستعدون لرمضان، ولكن بما ُفسد على الناس‬
 ‫صومهم، ويهدم أخالقهم، ويبعدهم عن تحسس واستشعار معاني الصيام والقيام، فيستعدون باللهو‬
   ‫والعبث، وبما يفسد حرمة هذا الشهر الكريم، يستعدون لنا بالمسرحيات وبالمسلسالت وباألفالم‬
            ‫مع‬
‫التي وإن لم تكن هابطة أو خالعة أو عارية ـ كما يقولون ـ فال تعدو عن كونها ُب ِدةً للناس عن‬
 ‫صومهم وقيامهم وعباداتهم. إنها مسلسالت جعلت هدفها االستهزاء بسنة سيد المرسلين والسخرية‬
    ‫بعباد اهلل الصالحين ومحاربة ثوابت الدين، فمرةً يغمزون اللحية والغيرة، وتارة يحتجون على‬
   ‫أل ل‬
  ‫المحرم للمرأة الخ... ناهيك عن تصويرهم للمستقيم على دينه المتمسك بسنة نبيه بصورة ا َبَْه‬
                                   ‫د‬
                         ‫والموسوس والمتناقض، أما ظهور الفاتنات من النساء فح ّث وال حرج.‬
                                                                                   ‫يسب‬
                           ‫ُّون دينَ اهلل في شهر صومهم…فعن دينهم صاموا وبالكفر أفطروا‬
  ‫وبعض المفتونين يدير "الريموت" على أجساد العرايا، ففي الليلة الواحدة يدور الواحد منهم على‬
                ‫العالم شرقًا وغربًا، يفسد صيامه بالنظر الحرام، وباللهو الحرام، وبالفعل الحرام.‬
  ‫إنني أقول لمن ابتلوا بهذه القنوات أو المجالت أو بتضييع أوقاتهم فيما ال يفيد وال ينفع: لماذا ال‬
                           ‫ح‬
   ‫نفكر أن نبدل السيئة بالحسنة؟! لماذا ال نغتسل بماء التوبة النصوح من َمْأَة الخطايا؟! لماذا ال‬
                                   ‫سي‬
         ‫نجعل هذا الشهر الكريم بداية ألن نهجر هذه القاذورات، ِ ّما ونفوسنا مهيأة للخيرات؟!‬
             ‫يع‬
    ‫لعلها ـ أيها األحبة في اهلل ـ أن تكون بداية النهاية ـ إن شاء اهلل ـ لكل شيء ُب ِد عن اهلل‬
                                                                                     ‫ي‬
     ‫و ُسخِطه، ولعلها أن تكون بداية االنطالقة الحقيقية في المسارعة إلى الخيرات وإرضاء رب‬
                                                                            ‫األرض والسماوات.‬
‫رمضان شهر التوبة، فأي رمضان يكون رمضانك؟! صعد رسول اهلل المنبر فقال: ((آمين، آمين،‬
   ‫آمين))، فقيل: يا رسول اهلل، إنك صعدت المنبر فقلت: آمين، آمين، آمين! فقال : ((إن جبريل‬
                                           ‫ي‬
   ‫عليه السالم أتاني فقال: من أدرك شهرَ رمضان فلم ُغفر له فدخل النار فأبعده اهلل، قل: آمين،‬
                                                   ‫ن‬           ‫ن‬
                 ‫قلت: آمين)) أخرجه اب ُ خزيمة واب ُ حبان وانظر صحيح الترغيب والترهيب.‬
              ‫حث َ‬            ‫د‬     ‫يد‬           ‫ت‬               ‫ت‬                 ‫ح‬      ‫ح‬
    ‫فالو َى الو َى قبل أن ال توبة ُنال، وال عثرةَ ُقال، وال ُف َى أح ٌ بمال، ف ُ ّوا حزْم جزمكم،‬
                                      ‫د‬                   ‫ر‬                          ‫د ل‬
      ‫وش ّوا ِبْدَ عزمكم، وأروا اهلل خي ًا من أنفسكم، فبالج ّ فاز من فاز، وبالعزم جاز من جاز،‬
                                                      ‫واعلموا أن من دام كسله خابَ أمله وتحق‬
                                               ‫َّق فشله.‬
 ‫هب‬                    ‫يا عبد اهلل، هذا أوان الجد إن كنت ًّا، هذا زمان التع ّد إن كنت مستعد‬
‫ًّا، هذا نسيم القبول َ ّ،‬            ‫ب‬                 ‫مجد‬
                       ‫ب‬                             ‫ب‬                 ‫صب‬
 ‫هذا سيل الخير َ ّ، هذا الشيطان كَ ّ، هذا باب الخير مفتوح لمن أح ّ، هذا زمان اإلياب، هذا‬
                                                                                ‫ل‬
     ‫مغتس ٌ بارد وشراب، رحمة من الكريم الوهاب، فأسرعوا بالمتاب، قبل إغالق الباب. فبادر‬
        ‫الفرصة، وحاذر الفَوْتَة، وال تكن ممن أبى، وخرج رمضان ولم ينل فيه الغفران والمنى.‬
‫ها هو موسم التوبة واإلنابة، فباب التوبة مفتوح، وعطاء ربك ممنوح، فمتى يتوب من أسرف في‬
                                                                     ‫ر‬
      ‫الخطايا وأكث َ من المعاصي إن لم يتب في شهر رمضان؟! ومتى يعود إن لم يعد في شهر‬
       ‫َ‬                               ‫ب‬
       ‫الرحمة والغفران؟! فبادر بالعودة إلى اهلل، واطرق با َه، وأكثر من استغفاره، واغتنم زمن‬
   ‫تضي‬
‫األرباح، فأيام المواسم معدودة، وأوقات الفضائل مشهودة، وفي رمضان كنوز غالية، فال ِّعها‬
    ‫باللهو واللعب وما ال فائدة فيه، فإنكم ال تدرون متى ترجعون إلى اهلل، وهل تدركون رمضان‬
                             ‫وفك‬
‫اآلخر أو ال تدركونه. وإن اللبيب العاقل من نظر في حاله، َّر في عيوبه، وأصلح نفسه قبل أن‬
                        ‫يفجأه الموت، فينقطع عمله، وينتقل إلى دار البرزخ، ثم إلى دار الحساب.‬
                               ‫ن‬                  ‫ن‬             ‫ال‬      ‫جعل اهلل صيامنا صيامًا حقيقي‬
  ‫ًّا مقبو ً، وجعله إيما ًا واحتسابًا، إيما ًا بما عنده، واحتسابًا لثوابه،‬
 ‫كما أسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم وسائر المسلمين ممن صام الشهر، واستكمل األجر، وفاز بليلة‬
‫القدر، كما أسأله أن يجعلنا ممن يصومونه ويقومونه إيمانًا واحتسابًا، اللهم اكتب صيامنا في عداد‬
                                                              ‫الصائمين، وقيامنا في عداد القائمين.‬
                                               ‫وباهلل التوفيق، وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد...‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                            ‫لم ترد.‬

‫(5/5444)‬




                                                                              ‫الغفلة عن شكر النعم‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫اإليمان‬
                                                                                    ‫خصال اإليمان‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                        ‫صالح بن عبد اهلل بن حميد‬
                                                                                       ‫مكة المكرمة‬
                                                                                      ‫67/5/6745‬
                                                                                     ‫المسجد الحرام‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- ضرورة اغتنام فرصة رمضان. 7- عبادة الشكر. 3- فضل الشكر واألمر به. 4- حقيقة‬
                                  ‫ر‬
  ‫الشكر. 1- مقام الشكر في أذكار اليوم والليلة. 6- بماذا تع َف النعم؟ 2- كثرة نعم اهلل تعالى.‬
                                                   ‫5- أسباب التقصير في الشكر. 3- آثار الشكر.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
   ‫ِل ر‬                          ‫ز ل فات‬                                 ‫ي‬                  ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فأوصيكم ـ أّها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل ع ّ وج ّ، َّقوا اهلل رحمكم اهلل، فلَّه د ّ‬
        ‫ل‬          ‫قص‬        ‫م‬                          ‫د‬         ‫ص‬        ‫أقوامٍ َّقوا، وتذك‬
    ‫َّروا فأب َروا، وبا َروا باألعمالِ الصالحات وش ّروا وما َّروا، اللي ُ روح‬       ‫ات‬
     ‫ح‬          ‫د‬        ‫ي‬                          ‫د‬      ‫قلوبهم، وال ّوم غذا ُ أبدانهم، والص‬
 ‫ِّدق عا َة ألسنتِهم، والموت نصب أع ُنهم، با َروا في ال ِذار،‬            ‫ء‬       ‫ص‬
                ‫ف‬                  ‫ن‬              ‫ب‬       ‫ِد‬
   ‫وسابَقوا إلى الخيرات بأيدي الب َار، صا ِرون صادقون قا ِتون ومنفقون ومستغ ِرون باألسحار.‬
             ‫م‬         ‫يبل‬          ‫أ ّها المسلمون، بين أيديكم شه ٌ عظيم مبارَك، أسأل اهلل العلي‬
 ‫َّ القدير أن ِّغَنا صيا َه وقيامه وأن‬                           ‫ر‬                           ‫ي‬
                                                                             ‫ش‬
                                                            ‫يعينَنا على ذكرِه و ُكره وحسنِ عبادته.‬
  ‫ة‬                            ‫ل‬               ‫ظ‬            ‫س‬       ‫ر‬         ‫ل ل‬         ‫حق‬
  ‫ٌّ على ك ّ مسِم أن ينظ َ في نف ِه بعد أن أن َر اهلل له في أجِه وأدناه من بلوغِ هذه الفرص ِ‬
                     ‫س‬            ‫ر‬                      ‫ةع‬
  ‫العظيمة وهذا الموسمِ الكريم، فرص ٌ َظيمة ليعودَ فيها المس ِفون على أنف ِهم في توبةٍ واهتداء‬
  ‫تقد‬                     ‫ت ب‬                ‫م‬     ‫ح بم‬         ‫ِ‬                        ‫د‬       ‫ت‬
 ‫وال ِزامٍ ب ِين اهلل والحفاظِ على شعائرِه، و َس ُ َن صا َه إيمانًا واح ِسا ًا أن يغفرَ اهلل له ما َّم‬
                                                                       ‫صح‬
               ‫من ذنبه كما َّ بذلك الخبر عن الصادق المصدوق عليه الصالة والسالم(5)[5].‬
       ‫ض‬             ‫ث‬      ‫س‬               ‫ب‬                      ‫ث‬                   ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، الحدي ُ عن الشهر الكريم وآدا ِه وأحكامه ودرو ِه حدي ٌ طويل ال ينق ِي وذو‬
       ‫ر‬      ‫مفتح‬                      ‫شجونٍ ال ينتَهي، فهو رياض الصالحين وج ّات المتعب‬
‫ِّدين، أبواب الخيرِ فيه َّ َة، وط ُق الفضل‬       ‫ن‬
  ‫ِّل أن يقفَ عند واحد ٍ من إح َى مواق ِ‬
  ‫ِف‬      ‫د‬       ‫ة‬                   ‫فيه مش َ َة، وميادين التنافس فيه مبذوَة، وحس ُ المتأم‬
                                             ‫ب‬       ‫ل‬         ‫ِ‬                 ‫رع‬
   ‫غ‬           ‫ن الش‬                                         ‫التأ ّل؛ إنها إحدى وقفَاتِ المقد‬
 ‫ِّمات في استقبالِ الشهر وإقباله، تلكم هي ِعمة ُّكر على بلو ِه.‬                        ‫م‬
            ‫معاشرَ المسلمين، الشك ُ عبادة عظيم ٌ وخُق كريم، الشكر ِصف اإليمان، والص ن‬
 ‫َّبر ِصفه الثاني.‬            ‫ن‬              ‫ة ل‬              ‫ر‬                  ‫ِ‬
                               ‫ر‬                                 ‫ويا ترى أ ّها المتأم‬
‫ِّلون، هل شهر رمضانَ المبارك هو شه ُ الشكر كما هو شهر الصبر؟! الشكر‬       ‫ي‬
     ‫ر‬          ‫ش‬                 ‫مرد‬          ‫ع‬       ‫أن ر‬                             ‫شع‬
 ‫من ُ َب اإليمان الجامعة؛ وذلكم َّ كثي ًا من ش َبِ اإليمان ُّها إلى حقيقةِ ال ّكر أو آثا ِه أو‬
   ‫مظاهرِه، بل َّ الصب َ والشكر يتقاس َان الشع َ َّها، وفي التنزيل العزيز: إ َّ ِي ذَلِكَ آل َا ٍ‬
   ‫يت‬              ‫ِن ف‬                          ‫ب كل‬        ‫م‬              ‫ر‬      ‫إن‬        ‫ِ‬
                                                                                      ‫ك‬       ‫ل ُل َب‬
                                                                      ‫ِك ِّ ص َّارٍ شَ ُورٍ [إبراهيم:1].‬
     ‫ل‬                               ‫ُر‬        ‫ضد و ُر ل و‬                   ‫ش‬            ‫َ‬
   ‫لقد أمرَ اهلل بال ّكر ونهى عن ِّه: َاشْك ُوا ِي َال تَكْف ُونِ [البقرة:715]، وأثنى علَى أهِه،‬
‫َّ خلقه، وج َلَه غايةَ خل ِه وأمرِه، وو َد أهَه بأحسن جزا ِه، وجعله سببًا للمزي ِ‬
‫د‬                     ‫ئ‬            ‫ع ل‬                ‫ق‬             ‫ع‬                    ‫َ‬
                                                                               ‫ووصفَ به خواص‬
          ‫ن ل‬                        ‫ف‬                ‫ّ‬          ‫مت‬                        ‫ل‬
      ‫من فضِه وحَارسًا وحافظًا لنع َ ِه، وأخبر أن أهلَه هم المنت ِعون بآياته، بل أخبر أ ّ أهَه هم‬
             ‫تفض‬     ‫ر‬       ‫ِر‬          ‫م‬            ‫م‬          ‫القليلون ِن عبادِه، واشتق‬
     ‫َّ له اسمًا ِن أسمائه فس ّى نفسه شاك ًا وشكو ًا، بل َّل سبحانه‬             ‫م‬
      ‫ح ب‬              ‫م‬          ‫م‬            ‫م‬                  ‫م‬           ‫ع فسم‬
‫وأن َم َّى الشاكرين ِن خلقه بهذين االس َين، فأعطاهم ِن وصفه وس ّاهم باسمه، و َس ُك بهذا‬
                                                                                               ‫ب‬
                                                                    ‫مح ّةً للشاكرين وفَضالً ومنزلة.‬
     ‫ص‬        ‫أ ّها المسلمون، وحقيق ُ الشكر االعترا ُ باإلحسان والفض ِ وال ّ َم و ِك ُها والتحد‬
 ‫ُّث بها و َرفها‬       ‫ل نع ذ ر‬                         ‫ف‬               ‫ة‬                   ‫ي‬
  ‫ن‬                ‫ه‬            ‫ت‬
 ‫فيما يحب ُّها وير َى واهبها. ُك ُ العبد ِّه بظهو ِ أ َر نعم ِه عليه، فتظ َر في القلب إيما ًا‬
                                       ‫ر ث‬         ‫لرب‬      ‫شر‬            ‫ض‬       ‫ّ رب‬
       ‫ة‬                  ‫ه‬         ‫د‬      ‫د‬              ‫د‬               ‫ه‬       ‫إ ر‬
       ‫واعترافًا وِقرا ًا، وتظ َر في اللسان حم ًا وثناء وتمجي ًا وتح ّثًا، وتظ َر في الجوارح عباد ً‬
                                                                            ‫م ت‬                ‫م‬
                                                                          ‫وطاعة واستعماالً في َراضي اهلل و ُباحا ِه.‬
       ‫م‬                                  ‫د نع‬                ‫ت‬      ‫بشر‬                                ‫ع‬
     ‫ِباد اهلل، إذا ما امتَأل القل ُ ُك ًا واع ِرافًا ورَص ًا لل ّ َم ظهر ذلك نطقًا ولهجًا بذكر المحا ِد،‬
                 ‫رب‬                                                              ‫تتأم‬
     ‫وعليكم أن َّلوا كم جاءَ في السنة من أذكارِ الشكر والحمد والثناءِ على اهلل ِّ العالمين في‬
    ‫ح ر سر‬                   ‫ج‬      ‫ال‬                 ‫ال ش‬           ‫م‬        ‫د كل ي‬
  ‫أحوالِ العب ِ ِّها؛ َقظَةً و َناما، وأك ً و ُربًا ولبسًا، ودخو ً وخرو ًا وركوبًا، و َض ًا و َف ًا،‬
                                                                                   ‫ال‬      ‫ال‬       ‫كل‬
                                                                                  ‫بل في أحوال العبد ِّها أفعا ً وأقوا ً.‬
                      ‫ذ‬                ‫م‬        ‫ظ د‬                  ‫ل ّ‬                      ‫ر‬
      ‫استع ِضوا على سبيلِ المثا ِ: أولَ ما يستيقِ ُ العب ُ من منا ِه يبادر بهذا ال ّكر الجميل الرقيق‬
  ‫د‬                              ‫ال‬     ‫ض‬        ‫ع‬        ‫ش‬        ‫ن‬                        ‫ل‬
 ‫معِنًا االعترافَ بالفضل والّعمة وال ّكر للمن ِم المتف ّل قائ ً: الحمد هلل الذي عافاني في جس ِي‬
               ‫دم‬            ‫ن‬               ‫لم‬                        ‫ذ‬         ‫ورد علي‬
    ‫َّ َّ روحي وأ ِن لي بذكرِه، ويقول: الّه ّ ما أصبح بي من ِعمة أو بأح ٍ ِن خلقك فمنك‬
                        ‫ة‬                    ‫ٍ‬
        ‫وحدَك ال شريكَ لك فلَك الحمد ولك الشكر، في أذكار رقيقة إيمانية كثير ٍ من أذكار الصباح‬
                              ‫ت‬              ‫ر‬                              ‫ل‬
  ‫والمساء واألك ِ والشرب والدخول والخروج والسف ِ واإلقامة، يخ ِمها إذا أوى إلى فراشه بقوله:‬
           ‫رب‬          ‫و‬                                           ‫عم س‬                  ‫د‬
 ‫الحم ُ هلل الذي أط َ َنا و َقانا وكَفانا وآوانا، فكم من ال كافي له ومؤ ِي، سبحانك َّنا ال نحصي‬
                                                         ‫س‬
        ‫ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نف ِك، نسألك أن تعينَنا على ذكرِك وشكرِك وحسن عبادتك.‬
        ‫ر‬                     ‫ر‬         ‫ت‬            ‫ر‬           ‫نع د‬         ‫معاشرَ األحب ت ر‬
       ‫َّة، ُع َف ال ّ َم ب َوامها، وتع َف بزوالها، وُعرف بمقا َنَتها بنظيراتها، وتع َف‬   ‫ِ‬
‫ة‬       ‫أن‬       ‫كل‬                                                ‫ر‬               ‫ك‬
‫بمزيدِ التف ّر فيها، كما تع َف بتوافرِها وعظيمِ االنتفاع بها، ولكن مَع األسف ِّ األسف َّ الغفل َ‬
                                               ‫ق ل‬       ‫ش‬            ‫ِم سم‬                  ‫نع‬
                       ‫عن هذه ال ّ َم بل عن المنع ِ بها ِ َة أكثرِ الب َر، و َلي ٌ من عبادِ اهلل الشاكرون.‬
                                      ‫لج م‬                ‫د م كل‬         ‫ط‬           ‫إن نع‬
  ‫َّ ِ َم اهلل تحي ُ بالعبا ِ ِن ِّ جانب ومن ك ّ ِهة؛ ِن فوقهم ومن تحتِ أرجلِهم وعن أيمانهم‬
       ‫س‬                   ‫ر‬            ‫ح‬
    ‫و َن شما ِلهم، وكثرُها ومظا ِر آثا ِها ال تقَع تحت َصرٍ؛ في الب ّ والبحر واألرض وال ّماء‬
                                                        ‫ر‬      ‫ه‬        ‫ت‬         ‫ئ‬      ‫ع‬
                     ‫وال ّفس والناس، َلَقدْ َك َّا ُم ِي األر ِ َ َ َلْنَا لَكمْ ِي َا َعَايِش قَِي ً مَا تَشْك ُو َ‬
                     ‫ُر ن‬           ‫و َ م َّن ك ْ ف َ ْض وجع ُ ف ه م َ ل ال‬                                    ‫ن‬
          ‫ُر ن‬           ‫ُ جع ُ الس ع و ص ر و َ ِد َ ل ال‬                                 ‫ُ ه َّذ‬
          ‫[األعراف:05]، قلْ ُوَ ال ِي أَنشَأَكمْ وَ َ َلَ لَكمْ َّمْ َ َاألَبْ َا َ َاألفْئ َة قَِي ً مَا تَشْك ُو َ‬
       ‫ِف ه ْم‬                 ‫ع م بي ت‬              ‫َالله ج َ ك م بي تك س ن وج َ ُ م جل‬
       ‫[الملك:37]، و َّ ُ َعلَ لَ ُمْ ِنْ ُ ُو ِ ُمْ َكَ ًا َ َعلَ لَكمْ ِنْ ُُودِ األَنْ َا ِ ُ ُو ًا تَسْتَخ ُّونَ َا يَو َ‬
    ‫إل ح ن َالله ج َ ك ِم‬                  ‫وم‬                 ‫وف و بر و ع‬                          ‫نك و ْ ِ مت ُ وم‬
   ‫ظَعْ ِ ُمْ َيَومَ إقَا َ ِكمْ َ ِنْ أَصْ َا ِهَا َأَوْ َا ِهَا َأَشْ َارِهَا أَثَاثًا َ َتَاعًا َِى ِي ٍ و َّ ُ َعلَ لَ ُمْ م َّا‬
 ‫ن وج َ ُ َر ب ق ك َر و َر ب ق ك س ُ َذلك‬                                                     ‫وج َ ُ م جب‬
 ‫خَلَقَ ظِالالً َ َعلَ لَكمْ ِنْ الْ ِ َالِ أَكْنَا ًا َ َعلَ لَكمْ س َا ِيلَ تَ ِي ُمْ الْح َّ َس َا ِيلَ تَ ِي ُمْ بَأْ َكمْ ك َِ َ‬
   ‫ب غ مب ن ي ْ ِف ن ن م الل ُم ي ِر نه‬                             ‫ي ِم ن م ه ع ُ َلك ت لم َ إ َل ِن ع‬
  ‫ُت ُّ ِعْ َتَ ُ َلَيْكمْ لَعَّ ُمْ ُسِْ ُون فَِنْ تَوَّوْا فَإَّمَا َلَيْكَ الْ َال ُ الْ ُ ِي ُ َعر ُو َ ِعْ َةَ َّهِ ث َّ ُنك ُو َ َا‬
                                                                                                        ‫و ر ُ ك ِر‬
                                                                                      ‫َأَكْثَ ُهمْ الْ َاف ُونَ [النحل:05-35].‬
‫عبادَ اهلل، وأه ُ هذا الزمان أح َث اهلل لهم من ال ّ َم وزاد لهم في الفضل وكاثر عليهم من الخيرا ِ‬
‫ت‬                                          ‫نع‬                  ‫د‬               ‫ل‬
                        ‫ض‬       ‫نع‬              ‫ن َم‬         ‫جم‬                 ‫ب‬
         ‫ما لم يكن في السا ِقين من أسالفهم، ُ ِعت لهم الّع ُ السابقة وال ّ َم الحا ِرة، وما تأتي به‬
    ‫د‬            ‫كل ع‬                         ‫م‬      ‫ر‬
   ‫المكتَشفات والمختَرعات والعلوم والمعا ِف أعظ ُ وأكبر في شؤون دنياهم ِّها؛ ِلمًا واقتصا ًا‬
          ‫ل‬                 ‫ح‬                 ‫ال وات ال ِب ع‬                ‫ت‬                       ‫ر‬
  ‫وفِك ًا وإنتاجًا وكَسبًا واح ِرافًا ونَق ً ِّصا ً وط ًّا و ِالجًا، نَباتًا و َيوانًا، في المأك ِ والمشرب‬
       ‫ب‬           ‫تحس‬          ‫ت‬                 ‫م‬          ‫ح‬                        ‫ب‬
       ‫والمل َس والمسكَن والمركَب، فت ٌ في العلو ِ والمعارف واآلال ِ واألدوات، َّن بها أسبا ُ‬
                                  ‫ع‬                     ‫َر‬                   ‫ج‬          ‫كل‬
                               ‫المعاش، ومع ِّ هذا ال ت ِد أكثرَهم شاكرين، ف ِحين بما عِندهم من ال ِلم.‬
   ‫ة‬            ‫شر د‬                 ‫الت‬          ‫ظ يتفك‬                ‫د‬      ‫َعاشر األحب‬
   ‫َّة، يج ُر بالعبد أن ين ُر و َّر في أسباب َّقصير في ال ّك ِ وال ّخول في دائر ِ‬        ‫م‬
  ‫ر من‬                    ‫ن‬                                   ‫د‬                   ‫نع‬        ‫ك‬
  ‫ُفران الّ َم والغفلةِ عنها وع َم اإلحساس بها واستحضارِ وجودها وال ّظر في أثرِها، فكثي ٌ ِ َ‬
          ‫م‬     ‫ف‬         ‫ل إال‬     ‫ر‬                            ‫ال‬             ‫ر‬        ‫نع‬
‫ال ّ َم ال يع ِفها اإلنسان إ ّ حين يفقِدها كالمصباح ال تع ِف فَضَه َّ حين ينط ِئ؛ و ِن أجلِ هذا‬
 ‫ة‬           ‫م ع‬               ‫ة‬
 ‫َّ رصدَ الّ َم وبذلَ ال ُهد في تع َادها واإلحاطة بما يم ِن اإلحاط ُ به منها م ّا يب ِد عن الغفل ِ‬
                                         ‫ك‬                     ‫د‬         ‫ج‬           ‫نع‬         ‫فإن‬
  ‫ئ ورب‬                            ‫ع‬         ‫ر‬     ‫ش‬         ‫ص‬      ‫َر‬       ‫ي ب‬
‫والنكران، ف َعتَ ِر بما ع َف وأح َى؛ ليكتَ ِف كث َتَها وال َجزَ عن اإلحاطةِ بها وإحصا ِها، ُّنا‬
 ‫وإ ُد ن م الل ِ ت ص ه‬                      ‫ّ‬                       ‫نع‬     ‫ة‬            ‫عد‬
‫سبحانه َّد علينا جمل ً من ِ َمه في موضعين من كتابه ثم قال: َِنْ تَع ُّوا ِعْ َةَ َّه ال ُحْ ُو َا‬
             ‫ِ ب لعل‬         ‫ُّ‬               ‫ُ‬            ‫م ينب أن‬
  ‫[إبراهيم:43، النحل:55]، م ّا ِّه َّ علينا أن نبذلَ ما نستطيع لتذكرِ نعمة رّنا؛ َّنا نقوم بما‬
                                                              ‫ة ن ن‬                   ‫ب‬       ‫ش‬
                                                             ‫نقدر عليه من ال ّكر وال ُعد عن الغفل ِ وال ّكرا ِ.‬
     ‫ق‬       ‫ر‬                       ‫ُ‬      ‫تأم‬        ‫التأم‬                 ‫ر‬
‫وانظروا ـ َحمكم اهلل ـ في بعضِ ُّالت، فلو َّل العبد في نعمةِ اإليمان وآثا ِه النت َل إلى‬
            ‫األم ِ وال ّكينة والبركَ ِ وال ّاحة ِّضا وال ّالح، ولو َّل في نعمةِ ال ّحة وتشع‬
 ‫ُّبها وآثارها‬     ‫ص‬              ‫تأم‬        ‫ص‬       ‫ة ر والر‬                  ‫ن س‬
        ‫م‬                      ‫ل و‬                                          ‫ن ٍ‬
‫النتقل إلى ِعم ال حصرَ لها من سالمةِ الجوارح والعق ِ والق َى والحركة والمشي والع َل واألكل‬
                                           ‫كل‬           ‫م لتكد‬              ‫والشرب وال ّو ِ والتعل‬
                               ‫ُّم، ولو كان سقي ًا َّر عليه ذلك ُّه وأكثر منه.‬     ‫ن م‬
              ‫َر س‬               ‫ع‬          ‫رم ر‬             ‫ن ة ن‬                              ‫م‬
 ‫و ِن أسباب الغفلةِ عن الشكر ِسب ُ ال ّعمة إلى غي ِ ُو ِدها والمن ِمِ بها، فت َاه ين ِبها إلى نفسه:‬
     ‫ر ك ح‬                              ‫ِد‬                     ‫ِن أ ت ته عل ع ْ ع د‬
‫إ َّمَا ُو ِي ُ ُ ََى ِلمٍ ِن ِي [القصص:52] وبسبب ج ِّي واجتهادِي وكفاءَتي وصب ِي و ِفا ِي، أو‬
    ‫ضل‬                         ‫س مسبب ورب و بك م ن م ٍ م الل‬                         ‫ب‬             ‫س‬
 ‫ين ِبها إلى أسبا ِها وين َى ِّ َها َّها، َمَا ِ ُمْ ِنْ ِعْ َة فَ ِنْ َّهِ [النحل:31]. غَفَلوا ف َّوا،‬
   ‫أد‬           ‫ة‬          ‫م أد‬                 ‫ج‬                            ‫م‬       ‫ن أن‬
  ‫وظّوا َّ العلو َ والمهارات واآلالتِ هي المو ِدة والمحدِثة؛ م ّا َّى إلى قسو ٍ وغفلة، بل َّى‬
  ‫م كل‬                          ‫ل‬               ‫ف‬                    ‫ت‬       ‫ن ب‬
‫إلى ُشو ِ صراعا ٍ وحروب. غاب عن الغا ِلين أنهم وما يمِكون وما يعلَمون وما يع َلون ُّهم‬
       ‫ة‬                                      ‫ضر‬    ‫ل‬                                       ‫م‬
   ‫هلل و ِنَ اهلل وباهلل وحدَه ال شريكَ له، ال يمِكون ًّا وال نفعًا، وال يملكون موتًا وال حيا ً وال‬
  ‫سن‬               ‫و س‬                    ‫بح ؤ ُ ْر م ت ُ بم مع‬                                   ‫ر ق َر ُ إ‬
  ‫نشو ًا، ُلْ أ َأَيْتمْ ِنْ أَصْ َ َ مَا ُكمْ غَو ًا فَ َنْ يَأْ ِيكمْ ِ َاءٍ َ ِينٍ [الملك:03]، َأَحْ ِنْ كَمَا أَحْ َ َ‬
‫ن‬          ‫ذ‬            ‫ب يك ر‬                                ‫َف َْ‬                      ‫الله إ ك و‬
‫َّ ُ ِلَيْ َ َال تَبْغِ الْفَسَاد ِي األرضِ [القصص:22]. واألسبا ُ ال ُن َر أث ُها وال األخ ُ بها، ولك ّ‬
                                                         ‫ِ‬        ‫المنكورَ الغفل ُ عن ِّ األرباب ومسب‬
                                         ‫ِّب األسباب ال إلهَ إال هو.‬           ‫رب‬    ‫ة‬
                  ‫د‬       ‫ي ل‬                               ‫ر‬             ‫ع‬
‫يا عبدَ اهلل، ومما يض ِف الشكرَ ويو ِث القسوةَ والغفلة والجفاءَ أن ُبتَى العب ُ بالنظر إلى ما عند‬
  ‫َن م َض الله ب ب ض ُ عل َ ض‬                        ‫غَيره وين َى ما عندَه أو يحتَق ُ ما عنده ويتقال و‬
  ‫ُّه، َال تَتَمَّوْا َا ف َّلَ َّ ُ ِهِ َعْ َكمْ ََى بعْ ٍ‬           ‫ِر‬                   ‫س‬
       ‫ف ق‬                              ‫ف‬                 ‫ظ‬
‫[النساء:73]، وفي الحديث: ((ان ُروا إلى من هو أس َل منكم، وال تنظروا إلى من هو َو َكم؛ فهو‬
                                          ‫فحق‬                             ‫د‬           ‫د‬
 ‫أج َر أن ال تز َروا نعمةَ اهلل عليكم))(7)[7]. ٌّ على العبدِ أن يشتغلَ وينصرف إلى ما أعطاه‬
         ‫اهلل، بل إلى مَا ابتاله اهلل به منَ ال ّ َم والفَضل، ه َا ِنْ فَضلِ ر ِّي ِ َبُْ َ ِي أَأَشْك ُ أمْ أَكْف ُ‬
         ‫ُر َ ُر‬                ‫ْ َب لي لون‬              ‫َذ م‬             ‫نع‬
        ‫[النمل:04]، ث َّ لَُسْأَل َّ يَوْ َ ِذٍ َنْ َّ ِيمِ [التكاثر:5]، ِ َبُْ َكم ِي مَا آتَا ُم فَاسْتَبِ ُوا الْخَي َا ِ‬
        ‫ْر ت‬          ‫ق‬           ‫كْ‬           ‫لي لو ُ ْ ف‬                  ‫ُم ت ُن مئ ع النع‬
                                                                                                           ‫[المائدة:54].‬
                  ‫ل‬               ‫ل‬                    ‫س‬                                  ‫فات‬
    ‫أال َّقوا اهلل رحمكم اهلل، واختبروا أنف َكم، فأنتم في استقبا ِ شهرٍ كريم، فض ُ اهلل فيه عظيم‬
         ‫ر‬                     ‫ر َر‬           ‫ع‬                                ‫ة‬        ‫ت‬
       ‫ونفحا ُه معروض ٌ، فاستبشروا واعملوا واشكروا واف َلوا الخي َ وأ ُو اهلل من أنفسِكم خي ًا.‬
 ‫الس و و َ ْض و َ م السم ء م ً رج‬                               ‫الله َّ‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َّ ُ الذِي خَلَقَ َّمَ َاتِ َاألر َ َأَنزلَ ِنْ َّ َا ِ َاء فَأَخْ َ َ‬
   ‫ر و َخ ل ُ‬              ‫ب م الث َر ِ ِ ْ ُ و َّ ُ ف ل ْر َ ف ب ْ ب ْره و َّ ك‬
 ‫ِهِ ِنْ َّم َات رزقًا لَكمْ َسَخرَ لَكمْ الْ ُلْكَ ِتَج ِي ِي الْ َحرِ ِأَم ِ ِ َسَخرَ لَ ُمْ األَنهَا َ َس َّرَ َكمْ‬
       ‫تم ه وإ عد ن م الل‬                         ‫الش س و َر د ئب و َخ ُ الل ْ َالنه ر و ُ م ُل‬
  ‫َّمْ َ َالْقَم َ َا ِ َيْنِ َس َّرَ لَكمْ َّيلَ و َّ َا َ َآتَاكمْ ِنْ ك ِّ مَا سَأَلُْ ُو ُ َِنْ تَ ُ ُّوا ِعْ َةَ َّهِ ال‬
                                                                          ‫ل م َف ر‬               ‫ت ص ِن إل‬
                                                         ‫ُحْ ُوهَا إ َّ ا ِنسَانَ لَظَُو ٌ ك َّا ٌ [إبراهيم:73-43].‬
                                                      ‫ي‬                        ‫ي‬
   ‫نفعني اهلل وإ ّاكم بالقرآن العظيم وبهد ِ محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر‬
                                            ‫ر‬                     ‫ف‬                    ‫ل‬
                                        ‫المسلمين من ك ّ ذنبٍ وخطيئة، فاستغ ِروه إنه هو الغفور ال ّحيم.‬


                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
   ‫تس‬      ‫ض‬                                                     ‫ه‬
 ‫الحمد هلل ال مانِعَ لما و َب، وال واهب لما سلَب، أحمده سبحانه وأشكره، فطاعته أف َل مك َ َب،‬
     ‫ن ي‬             ‫ُر‬                  ‫و‬                       ‫د‬
  ‫وأشهَد أن ال إلهَ إال اهلل وح َه ال شريك له، هو المرج ّ لكشف الشدائد والك َب، وأشهد أ ّ س ّدنا‬
                  ‫ل‬    ‫د‬            ‫ل‬                    ‫ة‬                         ‫َد‬      ‫ونبي‬
       ‫َّنا محم ًا عبد اهلل ورسوله األسوَ ُ والقدوة في كمال الخُق وحسنِ األ َب، صّى اهلل وسلم‬
                                           ‫ت والر‬
    ‫وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المقاما ِ ُّتَب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                                                                  ‫المنقَلَب.‬
 ‫ر‬                   ‫ث َ‬                    ‫ن ر‬                             ‫ش‬            ‫فإن‬      ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: َّ من آثار ال ّكر امتالءَ القلب باإليما ِ وال ّضا باهلل سبحانه وال ّقة فيما عندَه والشعو َ‬
     ‫ن‬                          ‫ب‬                         ‫ل‬        ‫ب‬                ‫الطي‬
   ‫بالحياةِ ِّبة وسالمةَ القل ِ من الغ ّ والحسَد وضيقِ الصدر وال ُعدَ عن االشتغال بعيوبِ ال ّاس‬
                   ‫ة‬                   ‫ِز‬                                       ‫ع‬          ‫ّطل‬
       ‫والت ُّعِ إلى ما ِندهم وما في أيديهم، ناهيكم بالشعور بالع ّة والقناعة والكفاي ِ والسالمة من‬
                              ‫وحب‬                    ‫ر‬            ‫َم‬          ‫ل ح‬          ‫ط‬
     ‫ال ّمَع وذ ّ ال ِرص، ومن ث َّ تظهر اآلثا ُ في القبول عند الناس ِّهم ومعرفةِ الدنيا وقدرِها‬
   ‫ر ق حم‬                    ‫ر‬                                   ‫د‬              ‫يترق‬
  ‫ومنزلتها، بل َّى الحال بالعب ِ الشكور إلى بلوغِ اليقين باهلل وال ّضا بأقداره في ِز ِه و ُك ِه‬
‫ب‬       ‫ع‬        ‫ن‬
‫و ِكمته وتَفاوتِ الناس في أع َالهم و ُسوبِهم، بل َّى ِكم ُ اهلل البالغ ُ في أ ّه لم يج َل مكاس َ‬
                        ‫ة‬             ‫تتجل ح ة‬            ‫ك‬       ‫م‬                          ‫ح‬
                                       ‫ي‬       ‫م‬                                    ‫ض‬
                                    ‫الناس وأعمالَهم خا ِعةً لمقاييسِ البشَر في ذكائِهم وعلو ِهم وسع ِهم.‬
    ‫ر‬         ‫ل م عن‬                                                              ‫رب‬
   ‫سبحانَك َّنا وبحمدك، ال نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك، الّه ّ أ ِ ّا على ذك ِك‬
                                                                                                        ‫ح‬
                                                                                             ‫وشكرِك و ُسن عبادتِك.‬
                                                      ‫نع‬                                          ‫فات‬
                                            ‫أال َّقوا اهلل رحمكم اهلل، واذكروه واشكروه على ِ َمه يزِدكم.‬
   ‫رب‬        ‫مر‬                                               ‫نبي‬       ‫ل‬     ‫ل‬
 ‫هذا، وصّوا وسّموا على ِّكم محمد المصطفى ورسولكم الخليل المجتبى، فقد أ َ َكم بذلك ُّكم‬
‫َل عل ه‬        ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل الن ِي ي َي َّذ من‬                                          ‫ز‬             ‫ل‬
‫ج ّ وعال فقال ع ّ قائالً عليمًا: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا صُّوا ََيْ ِ‬
                                                                                                    ‫لم‬         ‫و َلم‬
                                                                                     ‫َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                     ‫ي‬                                                  ‫ل ل‬       ‫ل‬
‫الّهم ص ّ وسّم وبارك على عبدك ورسولك محمد األمين، وعلى آله الط ّبين الطاهرين، وأزواجه‬
                                                                          ‫لم‬                        ‫م‬
                                           ‫أ ّهات المؤمنين، وارضَ الّه ّ عن الخلفاء األربعة الراشدين...‬
                                                                                                        ‫__________‬
       ‫(5) أخرجه البخاري في اإليمان (53)، ومسلم في صالة المسافرين (062) عن أبي هريرة‬
                                                                                                         ‫رضي اهلل عنه.‬
    ‫(7) أخرجه البخاري في الرقاق (0346)، ومسلم في الزهد والرقائق (3637) من حديث أبي‬
                                                                                  ‫هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/7444)‬




                                                                                              ‫رحمة الكبار‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                           ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                ‫اآلداب والحقوق العامة, قضايا المجتمع‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                   ‫الرياض‬
                                                                                             ‫35/5/6745‬
                                                                          ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
                                                  ‫خ‬
 ‫5- اإلسالم دين الرحمة. 7- رحمة آ ِري هذه األمة بأوائلها. 3- مراحل اإلنسان. 4- نصائح‬
            ‫لكبار السن. 1- الحث على رحمة الكبار واحترامهم. 6- عناية الشريعة بكبار السن.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                      ‫حق الت‬                    ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                  ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اتقوا اهلل تعالى َّ َّقوى.‬
   ‫ِبادَ اهلل، دي ُ اإلسالم الذي أك َله اهلل َّ بهِ َلينا الّعمة و َ ِ َه لنا دينًا هو ِي ُ ال ّحمة، ه َ‬
   ‫و‬       ‫دن ر‬                    ‫رضي‬        ‫ن‬       ‫وأتم ع‬          ‫م‬                 ‫ن‬              ‫ع‬
‫َب ل‬                ‫حم نبي ر ة لر ة‬                  ‫ر لكل َق‬       ‫د ل‬           ‫ن‬
‫دِين اإلحسا ِ، هو ال ّين اّذي ع َف ٍّ ح َّه، وم َ ّد ُّ ال ّحم ِ، وا َّحم ُ من صفاتِ ر ِّنا ج ّ‬
                            ‫و مت وسع ُل‬                           ‫ف ر ذ الر م‬            ‫و َب‬
      ‫وعال، َر ُّكَ الْغَ ُو ُ ُو َّحْ َةِ [الكهف:51]، َرَحْ َ ِي َ ِ َتْ ك َّ شَيْءٍ [األعراف:615]،‬
  ‫وم َ ّد َحم ٌ ِلعالمِين أج َع، َمَا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َةً ِلْ َالَ ِينَ [األنبياء:205]. أ َل، َحمة ل ِّ‬
  ‫ِكل‬     ‫ج ر‬                        ‫إ َّ ر م ل ع م‬                ‫م و َ س‬                   ‫حم ر ة ل‬
       ‫م‬          ‫ض‬       ‫ة ل‬
      ‫ال َالمين، َّذينَ آ َنوا ب ِ و َّبعوه ر ِ َهم اهلل به في ال ّنيا واآلخرَ ِ، واّذين خَ َعوا ألحكا ِه‬
                                            ‫د‬                 ‫حم‬        ‫م ه َات‬             ‫فال‬      ‫ع‬
   ‫ض‬          ‫ص‬              ‫ق‬       ‫ق‬       ‫ُر‬         ‫رح‬               ‫ظل ع‬
 ‫وعَاشوا تحتَ ِّ َدالةِ اإلسالم ُ ِموا؛ فاحت ِمت حقو ُهم، وح ِنَت دماؤهم، و ِينَت أعرا ُهم‬
                                                                                                    ‫ل‬
                                                                                                 ‫وأمواُهم.‬
‫أ ّها المسِم، جاءَ اإلسال ُ بال ّحمة ب ِّ ما َعني هذهِ الكِم ُ، فقَبل ِّ شَيء ُّنا و ِ َت رحم ُه َّ‬
‫ت كل‬       ‫رب سع‬           ‫كل‬        ‫لة‬              ‫ِكل ت‬        ‫م ر‬                   ‫ل‬       ‫ي‬
                              ‫َّ م‬        ‫ش‬          ‫ع د‬              ‫ب‬
                     ‫شيء، في الكتاب الذي كت َه وهو موضو ٌ عن َه فوقَ عر ِه: ((إن رح َتي سبَقَت‬
                  ‫س إ‬         ‫ق‬                   ‫ب‬       ‫ة س‬                            ‫ض‬
 ‫غ َبي))(5)[5]. نَعم، رحم ُ اهللِ َبقت غض َه، كَم يعصيهِ الخل ُ وهو يح ِن ِليهم، وكَم يسيئون‬
         ‫ت‬           ‫ِ ب ب وبد سي‬                                    ‫ة‬            ‫ي ج‬            ‫ي‬
        ‫وَهو َرحمهم وال ُعا ِلهم بالعقوب ِ، وإن تَابوا وأنَابوا إليه قَ ِل تو َتَهم َّل ِّئاتهم حسنا ٍ.‬
  ‫ومح ّد أرح ُ الخل ِ بالخلق في َعو ِهم إلى اهلل واإلحسانِ إليهم وتعلي ِ جا ِلهم ِّفق ب ِم وتحم‬
 ‫ُّل‬    ‫م ه والر ه‬                                          ‫ِ د ت‬           ‫َم ق‬          ‫م‬
 ‫لك‬        ‫َض م‬                      ‫ُ و ك َظ ل‬                      ‫مة م الل ل‬             ‫ب‬                   ‫كل ذ‬
 ‫ِّ األ َى في ذاتِ اهلل، فَ ِمَا رَحْ َ ٍ ِنْ َّهِ ِنْتَ لَهمْ َلَوْ ُنْتَ ف ًّا غَِيظَ الْقَلْبِ النْف ُّوا ِنْ حَوِْ َ‬
                                                                                                       ‫[آل عمران:315].‬
      ‫ر ص ر‬                  ‫ة ح‬             ‫ف‬      ‫فيعلم‬                    ‫ة ح‬          ‫ل‬       ‫ي‬
      ‫أ ّها المسِم، رحم ٌ ير َم بها العالم الجاهلَ ِّ ُه وير ُق به، رحم ٌ ير َم بها الكَبي ُ ال ّغي َ‬
‫ف َع ِف عليه، رحم ٌ َر َم بها الغَن ّ الفقير ف ُح ِن إليه ويوا ِي ِ، َحم ٌ ير َم بها الحا ِم المحكو َ‬
‫م‬         ‫ك‬           ‫سه ر ة ح‬                    ‫َ ي س‬         ‫ي‬            ‫ةي ح‬              ‫يط‬
  ‫م د‬          ‫ة ح ب‬            ‫ل‬
‫فيس َى فيما ينفَ ُهم ويدفَع عنهم ما يض ّ ُم مستَعي ًا باهلل في ِّ أحواِه، رَحم ٌ تر َم ِها األ ّ ول َها‬
                                      ‫كل‬           ‫ن‬         ‫ره‬                      ‫ع‬            ‫ع‬
     ‫لك‬            ‫ر‬                 ‫ُ رحم ي‬                    ‫ة‬      ‫د‬                   ‫ح‬
    ‫وير َم بهَا األب األوال َ، رحم ٌ يرحم بها القريب َ ِ َه و َرحم بها الجار جا َه إلى غير ذِ َ.‬
                     ‫ل‬        ‫كل‬            ‫ن‬         ‫ر ة‬                             ‫ل وإن‬        ‫ي‬
                    ‫أ ّها المسِم، َّ دينَ اإلسالمِ قامَ على ال ّحم ِ واإلحسا ِ والعدلِ في ِّ األحوا ِ.‬
  ‫و َّذ ج ء م ب د ِ‬                    ‫م‬       ‫م‬           ‫ع‬
‫أ ِي المسِم، لقد أخبرَ اهلل ج ّ وعال َن تَاب ِي هذهِ األ ّة المح ّدية بقوله: َال ِينَ َا ُوا ِنْ َعْ ِهمْ‬
                                                                   ‫ع‬      ‫ل‬          ‫َ‬         ‫ل‬      ‫خ‬
       ‫لَّذ من َب‬                   ‫َ ْ ف قل ب‬        ‫و و ن َّذ س ق ب إل ن و‬                                ‫ِ‬       ‫ق ل َ َب‬
    ‫يَ ُوُون رَّنَا اغْفرْ لَنَا َإلِخْ َا ِنَا ال ِينَ َبَ ُونَا ِا ِيمَا ِ َال تَجْعل ِي ُُو ِنَا غِالً ِل ِينَ آ َ ُوا رَّنَا‬
                                                                                                  ‫ِن َ رء ف ح م‬
                                                                                      ‫إ َّك َ ُو ٌ رَ ِي ٌ [الحشر:05].‬
      ‫ل‬    ‫ر‬           ‫سب‬         ‫ر‬
     ‫ن َم، ير َم بها األوا ِ ُ األوائ َ، فيع ِفون ل َن سبقَهم فَضلَه، ويَع ِفون له َا ِقَتَه، ويع ِفون َه‬
                                                         ‫م‬      ‫ر‬      ‫ِل‬       ‫خر‬             ‫ح‬      ‫ع‬
                ‫سب‬          ‫ر‬        ‫ب م‬
          ‫مكان َه، ويع ِفون له ِ َادَه وج ّه ونَشاطَه، َر َمون أصحَا َ مح ّد ، يَع ِفون لهم َا ِقَتَهم‬
                                                     ‫ي ح‬             ‫ِد‬       ‫جه‬        ‫ر‬       ‫ت‬
           ‫و ِها َهم وتَضح َتَهم معَ س ّد األ ّلين واآلخرين، َرحمونهم ف َدعونَ لهم دائمًا، ويترح‬
 ‫َّمون عليهم،‬                     ‫ي‬          ‫ي‬              ‫ي و‬                ‫ي‬         ‫ج د‬
           ‫ة‬      ‫ل ر‬         ‫ن‬         ‫ش‬
           ‫ٍّ وسائرِ العشرَة المب ّرين بالج ّة وأه ِ بد ٍ وبيع ِ‬
                                                  ‫َ‬                ‫ن‬       ‫ر‬       ‫ِّد‬       ‫ر‬
                                                              ‫ويع ِفون للص ِّيق وعم َ وعثما َ وعلي‬
                ‫حق‬        ‫ر‬                             ‫م‬      ‫ه‬                        ‫م‬       ‫ر‬
             ‫ال ّضوان و َن أنفقوا قبلَ الفتح وجا َدوا و َن أنفَقوا بعدَه وجاهدوا، فيع ِفون لهم َّهم،‬
     ‫ط‬     ‫ك بش‬                        ‫أ‬         ‫ب‬          ‫م و‬         ‫ح‬            ‫َرض ع‬
 ‫ويت َّون َنهم، وال يب َثون عن َسا ِئِهم، وإن َلغَهم خطٌَ عن أحدٍ قالوا: ه َذا ال َ َر يخ ِئون،‬
                              ‫م‬                     ‫ر ر‬                   ‫وأن‬    ‫لكّهم يح ِنون الظن‬
 ‫َّ بهم َّ مرادَهم الخي ُ. يَع ِفون لعلَماءِ هذه األ ّة السابقين فَضلَهم ومكانتَهم،‬      ‫س‬      ‫ن‬
        ‫وكل ط ء‬                     ‫نة‬                   ‫ج‬                 ‫ي َرح‬
  ‫فيقرؤون لهم، و َت َّمون عليهم، وإن و َدوا خطأً قالوا: س ّ ُ اهلل في الخلقِ، ُّنا خ ّا ٌ، وخير‬
       ‫ر‬       ‫لكل حق‬   ‫ر‬            ‫و‬
    ‫الخ ّائين الت ّابون، ال ُخفون الح َنا ِ وينش ُون المسَا ِئ، ولكن يَع ِفون ٍّ َّه، ويع ِفون‬
                                                ‫ر‬      ‫س ت‬           ‫ي‬         ‫و‬         ‫ط‬
   ‫ه‬        ‫ك م‬                                ‫ل ي د‬          ‫ص ن صد‬               ‫ك‬           ‫ٍّ‬
‫لكل فَضلَه. ه َذا المن ِفو َ ال ّا ِقون اّذين ُري ُون الخيرَ ويقصدونه، قال مال ٌ إما ُ دار ال ِجرة‬
    ‫يط‬        ‫ّد ل‬                   ‫ر‬           ‫ال ح‬              ‫ن ّ راد م‬             ‫ن ي‬
‫ال ّبو ّة: "ما م ّا إال ٌّ و َردود عليه إ ّ صا ِب هذا القب ِ"(7)[7]، يعني محم ًا اّذي ال َن ِق عن‬
                                                                                            ‫ال ي ي‬
                                                                                        ‫الهوَى إن هو إ ّ وح ٌ ُوحى.‬
  ‫أ ّها المسِم، ِن أنواعِ ال ّحمة رَحم ُ الصغارِ بال ِبار وشَفَقة ِّغار على الكِبا ِ، فكما َّ الكبي َ‬
  ‫ر‬       ‫أن‬       ‫ر‬               ‫الص‬           ‫ك‬             ‫ة‬      ‫ر ِ‬             ‫ل م‬         ‫ي‬
                                                     ‫ر‬        ‫ر‬          ‫الص ي‬         ‫َ‬       ‫ي ح‬
                              ‫َر َم الصغير فكذلك ِّغار َرحمون كبا َهم ويَع ِفون قدرَهم ومكَانَتَهم.‬
  ‫ُ م ض ْف ثم‬                ‫الله َّ‬        ‫يت‬          ‫ب ع د ر‬                    ‫ل‬        ‫ل إن‬         ‫ي‬
  ‫أ ّها المسِم، َّ اهلل ج ّ وعال أخ َرنا َن مب َأ أم ِنَا ونها َ ِه فقال: َّ ُ الذِي خَلَقَكمْ ِنْ َع ٍ ُ َّ‬
        ‫ج َ م ب د ض ٍ ُو ُم ج َ م ب ِ ُو ض و ب لق م ي ء وه عل م َ ر‬
        ‫َعلَ ِنْ َعْ ِ َعْف ق َّةً ث َّ َعلَ ِنْ َعْد ق َّةٍ َعْفًا َشَيْ َةً يَخُْ ُ َا َشَا ُ َ ُوَ الْ َِي ُ الْقدِي ُ‬
    ‫ر‬            ‫ب‬           ‫خ‬            ‫ر‬       ‫ٍ أو‬            ‫قوت ب ض‬
   ‫[الروم:41]، َُّنا َين َعفَين: ضعف في َّل األم ِ وضعفٍ في آ ِر األمر، ف َينَما هو يخ ُج‬
 ‫من بطنِ ِّه ضعيفًا خفي ًا تم ِي به السنون واأل ّام ِلوَ األ ّامِ حتى يبُغ َّه ويستك ِل قواه ويتلذ‬
‫َّذ‬          ‫م‬        ‫ل أشد‬          ‫ي‬        ‫ي ت‬                   ‫ف ض‬                 ‫أم‬
          ‫ب َّة الشباب وفَترةِ الشباب في َاها أحسنَ الّحَظا ِ وأسع َ ال ّاعات، وما هو إ ّ أن تتحو‬
     ‫َّل هذه‬      ‫ال‬              ‫د س‬         ‫ل ت‬                ‫ر‬                           ‫ِلذ‬
     ‫ي ع‬                               ‫ف‬        ‫الق ّة إلى ضع ٍ ووهن وعج ٍ، فتتحو وة‬
    ‫َّل الق ّ ُ إلى ضع ٍ والقدرة إلى العجزِ، عند ذلكَ َض ُف‬ ‫ز‬        ‫ف‬         ‫و‬
            ‫ب ن‬        ‫ه م‬              ‫ِ‬                 ‫ر ت ل‬                     ‫قل ص‬           ‫الس‬
          ‫َّمع وي ِ ّ الب َر وتتبَاطأ الح َكا ُ ويق ّ الممشَى، وربما لزمَ الفراشَ ل َر ِه وك َر س ّه.‬
    ‫صغ‬          ‫كب‬                                                ‫إ ًا أ ِي، وقد َلَغتَ من السن‬
   ‫ِّ ما بلغتَ وأصبحتَ في المشيبِ بعد الشباب وفي ال ِ َر بعد ال ّ َر‬           ‫ب‬       ‫ذ خ‬
 ‫ل‬         ‫م تفك‬      ‫يز‬                         ‫ة‬         ‫القو‬                     ‫ض‬
‫وفي ال ّعف والوَهن والعجزِ بعد َّة والقدر ِ وسائرِ األحوال، فماذا َل َمك؟ َاذا ِّر فيه؟ اعَم‬
   ‫َّ ما َ َى لن َعو َ، ُ ِ َت صحائ ُ األعما ِ بما أو َعتها من خَي ٍ أو ض ّه، فما المه ّ؟ المه ّ‬
   ‫م‬       ‫م‬            ‫ِد‬     ‫ر‬            ‫د‬        ‫ل‬        ‫ف‬       ‫ي د طوي‬          ‫أن مض‬
                 ‫د بل‬            ‫َ‬         ‫ت‬        ‫ذ العد‬                       ‫ة‬                  ‫ت ة‬
               ‫ال ّوب ُ إلى اهلل واإلناب ُ إلى اهلل واالستغفار وأخ ُ َّة واالح ِياط، ((أعذرَ اهلل بعب ٍ َّغه‬
‫وَ نع ِّ ُ م ي َ َك ُ ف م ت َكر‬                             ‫ر بد‬                ‫ع‬                     ‫ست ن‬
‫ال ّ ّي َ))(3)[3]، يعني: ما ج َل اهلل له عذ ًا َع َما بلغ الستين، أَ َلمْ ُ َمرْكمْ َا َتذ َّر ِيهِ َنْ َذ َّ َ‬
                                                           ‫الش‬                ‫ج ء ُ الن ر‬
                    ‫وَ َا َكمْ َّذِي ُ [فاطر:23]، قيل: َّيب، وقيل: الستون سنة، وقيل: مبعث محمد .‬
     ‫أ ّها َّيخ ال َبير، أق ِل َلى ِّك، و َدا َك ما م َى ِن سني ِك وأ ّامك، وأك ِر ِنَ االستغفا ِ‬
     ‫ر‬            ‫ث م‬          ‫ي‬     ‫ن‬      ‫ض م‬        ‫ت ر‬       ‫ب ع رب‬           ‫ي الش ك‬
    ‫ِ سه ُم‬                     ‫وم ي م س ء‬             ‫ذ‬         ‫ض‬                          ‫هلل فإن‬        ‫ت‬
    ‫وال ّوبة إلى ا ِ، َّ اهللَ يمحو بالتوبةِ ما م َى منَ ال ّنوب، َ َنْ َعْ َلْ ُو ًا أَوْ يَظْلمْ نَفْ َ ُ ث َّ‬
                                                                                   ‫ي ف الل ِ الل ف ر ح‬
                                                                 ‫َسْتَغْ ِرْ َّهَ يَجدْ َّهَ غَ ُو ًا رَ ِيمًا [النساء:055].‬
                    ‫ل ء‬         ‫َض‬          ‫ف‬           ‫س‬         ‫ك‬       ‫ب‬            ‫ي شخ‬
    ‫أ ّها ال ّي ُ الكَبير، ج َر اهلل َسرَك وأح َنَ إليك، ف ِي اهلل عِو ٌ عن ك ّ شي ٍ، وفي رجاءِ اهلل‬
         ‫ب تعر‬        ‫ن ظن‬                 ‫سلو ٌ عن ِّ شي ٍ، فق ِّ ثِقتَكَ ِر ّك، وأح ِنِ الظن‬
   ‫َّ به، فهو عندَ حس ِ ِّ عبدِه ِه، َّف إليه‬     ‫س‬       ‫ب ب‬          ‫كل ء َو‬           ‫ة‬
                         ‫و‬                ‫س ح‬                                            ‫قي‬
 ‫فيما ب ِ َ من عمرك بذكرِه ودعائه وااللتجاءِ إليه، و َله ُسنَ الخاتمة وال َفاةَ على اإلسالم؛ لتلقاه‬
                                                                                ‫له‬      ‫ق ومنت‬               ‫ع‬
                                                                               ‫وهو َنك راضٍ بتوفي ِه َّ ِه وفضِ ِ.‬
          ‫ُ‬          ‫ب قو‬                   ‫م‬         ‫ض‬       ‫ب‬        ‫مض‬          ‫ي شخ‬
          ‫أ ّها ال ّي ُ الكبير، َ َى الشبا ُ بما م َى فيه، و َضت سنون الشبا ِ وال ُ ّة، وجاء دور‬
      ‫ت‬         ‫ك ي‬         ‫م‬                ‫ل‬                       ‫ال‬             ‫ز‬         ‫ض‬
     ‫ال ّعف والعج ِ، فما عليكَ إ ّ أن تلجأَ إلى ذي الجال ِ واإلكرامِ ليرح َ ضعفَ َ ول ُقيلَ عثر َك‬
 ‫ِ ل َم يج ب م َر ِذ د ه وي ِف الس و علك خ ف ء‬                                            ‫م‬
 ‫وليحسنَ إليك وليش َلَك بعموم فضِه، أ َّنْ ُ ِي ُ الْ ُضط َّ إ َا َعَا ُ َ َكْش ُ ُّوءَ َيَجْ َُ ُمْ ُلَ َا َ‬
                                                                                                                        ‫َْ‬
                                                                                                          ‫األرضِ [النمل:76].‬
                                       ‫إ ه‬               ‫ت مك ر‬                ‫ع‬      ‫دن‬           ‫ب‬         ‫ي‬
                                     ‫أ ّها الشبا ُ المسلم، ِي ُكم يد ُوكم إلى اح ِرا ِ ِبا ِكم واإلحسانِ ِلي ِم.‬
           ‫نة حم سي‬                          ‫دب‬         ‫ن‬         ‫ر‬        ‫ل ر ة‬            ‫ّاب‬      ‫ي‬
   ‫أ ّها الش ُّ المسِم، ال ّحم ُ بالكبي ِ واإلحسا ُ إليه أ َ ٌ من آدابِ اإلسالم وس ّ ُ م َ ّد ِّد األنام‬
                           ‫ء‬                   ‫خل‬              ‫سن‬         ‫م‬                              ‫ص‬
                          ‫َلَوات اهلل وسالمه عليه، إِكرا ُ الكبارِ َّة األنبياءِ و ُُق الصالحين األوفيا ِ.‬
         ‫يع‬              ‫ق ل‬           ‫ر‬
       ‫ِّ المسِم، اع ِف لهذا الشيخِ الكبي ِ مكانتَه، اع ِف له حقو َه اّتي طالَ ما ضِّ َت،‬
                                                     ‫ر‬                    ‫ر‬      ‫ل‬             ‫ي‬
                                                                                       ‫أ ّها الشاب‬
                                       ‫حق‬             ‫ج ح‬                        ‫سس‬            ‫ر‬
                            ‫واع ِف له أَحا ِي َه ومشاعرَه التي طال ما ُر َت، واعلَم له َّه ومكانتَه.‬
              ‫ع ص‬                   ‫تحد‬        ‫ك‬
     ‫أ ّها الشا ّ المسِم، كم نشا ِ ُ من شبا ٍ تجا َلوا ال ِبارَ، إن َّثَ الكبير قاطَ َه ال ّبيان، وإن‬
                                                       ‫ب ه‬            ‫هد‬           ‫ل‬     ‫ب‬        ‫ي‬
                            ‫ء‬        ‫ر‬        ‫د‬          ‫و‬              ‫ء‬              ‫م ة‬
                  ‫أبدى َشور ً قاطعه السفها ُ واألرذال، فه َ يموت كَم ًا مما ي َى من سو ِ المعاملة.‬
 ‫فإن‬                     ‫سي‬          ‫إ‬            ‫ك حق ك ر ت‬                  ‫ل‬     ‫ب‬        ‫ي‬
 ‫أ ّها الشا ّ المسِم، فلل ِبارِ ٌّ علي َ؛ َحم ُهم واإلحسان ِليهم، وال َّما الوالدين واألرحام؛ َّ‬
   ‫ال‬        ‫ُ ه ُف و ه ه َق ه‬                                     ‫هم‬               ‫ك َ َده‬                ‫ِم ي ل َن ع‬
   ‫اهلل يقول: إ َّا َبُْغ َّ ِنْدَكَ الْ ِبرَ أَح ُ ُمَا أَوْ كِال ُ َا فَال تَقلْ لَ ُمَا أ ٍّ َال تَنْ َرْ ُمَا و ُلْ لَ ُمَا قَوْ ً‬
                                                                                                                          ‫َر‬
                                                                                                        ‫ك ِيمًا [اإلسراء:37].‬
    ‫ر‬        ‫ب‬          ‫ت‬               ‫د‬          ‫ن‬              ‫ر م‬
    ‫أخي المسلم، كَم يعاني الكبي ُ م ّا يعاني من ال ّشء [من] ع َم االحترام وال ّقديرِ، أص َح الكبي ُ‬
                  ‫رد‬                   ‫َن‬                              ‫ب ت ال ت‬             ‫ب‬
  ‫غري ًا في َي ِه ثَقي ً ح ّى على أوالدِه وأحفادِه، من يؤ ِّسه بالكالم؟! من ي ُ ّ الصوت عليه؟! من‬
          ‫ر‬        ‫ب ضي‬             ‫م‬      ‫ة‬          ‫م ن إن‬                  ‫ح ت‬
‫يسأله عن َاج ِه؟! من يهت ّ بشأ ِه؟! َّها المصيب ُ العظ َى. كم من شبا ٍ َّعوا كبا َهم من آباء‬
           ‫ت‬                                     ‫ل‬         ‫م م‬          ‫م م‬              ‫م‬
     ‫أو أ ّهاتٍ أو أرحا ٍ، ِن أعما ٍ وع ّات وأخوا ٍ وخاالت، إن جلَس مع الكبيرِ لحظةً اس َثقَلها‬
  ‫م‬       ‫َض‬      ‫ّ‬                              ‫كل‬
  ‫واستطالَها، وإن جلَس مع األصدقاءِ الليلَ َّه فكأنها دقائق وثواني. األب يئن في مر ٍ، واأل ّ‬
         ‫ر‬      ‫حة وة‬           ‫َ‬      ‫ل‬
   ‫تئ ّ م ّن يخدمها، فإ ّا خا ِم ال ير َم، وإ ّا حيا ٌ على مَل، وأنت في ص ّ ٍ وق ّ ٍ، فاع ِف لهذا‬
                                              ‫ة‬      ‫م‬      ‫ح‬        ‫م د‬                 ‫ن م‬
                  ‫ب حق‬         ‫ر‬               ‫األم حق‬                      ‫ر‬      ‫حق‬
    ‫الشيخِ َّه، اع ِف لهذه المرأةِ الكبيرةِ ِّ َّها وفضلَها، اع ِف للقرا َة َّهم، والطف بهم،‬
 ‫وار َمهم، وأَح ِن إليهم، في الحدي ِ: (( َّ من إجاللِ اهلل إكرا َ ذي الشيبةِ من المسلمين و َام ِ‬
 ‫ح ل‬                            ‫م‬                     ‫ث إن‬                      ‫س‬          ‫ح‬
  ‫سن‬     ‫ر‬      ‫م ح‬                ‫ي‬          ‫ح‬               ‫ع‬         ‫ه‬
 ‫القرآن غيرِ الغَالي في ِ والجافي َنه))(4)[4]. ار َم الكبيرَ َرحمك اهلل، و َن ر ِم كبي ًا في ِّه‬
                                                    ‫ء‬                          ‫س‬     ‫م‬          ‫هي‬
                                     ‫َّأ اهلل له َن يح ِن إليه عندَ كبرِه، والجزا ُ من جنسِ العمل.‬
    ‫م‬      ‫َ‬     ‫ي ّبي‬              ‫أ َى الص ِّيق رضيَ اهلل عنه عامَ الفتح بأبيه أبي ُ َافةَ إلى النبي‬
  ‫ِّ لكَي يبا ِع الن َّ ويعلن إسال َه،‬            ‫قح‬                                       ‫ّد‬      ‫ت‬
        ‫م‬                                        ‫ت‬       ‫َ‬                    ‫فقالَ النب ّ للصد‬
  ‫ِّيق: ((أال تركتَ الشيخ في بي ِه فنأتيهِ نحن))(1)[1]، فصلوات اهلل وسال ُه عليه‬   ‫ي‬
   ‫ِن‬                                        ‫ت‬                                          ‫د م‬
‫أب ًا دائ ًا إلى يومِ الدين. ((أال تركتَ الشيخ في بي ِه حتى نأتي))، هكذا يعامل رسول اهلل المس ِّين،‬
        ‫تحد‬                     ‫ل‬              ‫ب‬        ‫يعل‬              ‫ي ف‬       ‫ح‬       ‫ه‬
       ‫و َكذا ير َمهم و ُش ِق عليهم، وهكذا ِّم أَصحا َه كيفَ التعام ُ معَ الكِبار. كان إذا َّث‬
‫ل‬     ‫ر‬       ‫حق‬              ‫دب ص‬             ‫د‬                 ‫ُقد‬             ‫كب كب‬
‫الصغير قال: (( ِّر ِّر))(6)[6]، في ِّم الكِبارَ ليتَح ّثوا تأ ِي ًا لل ّغار؛ ليعلَموا َّ الكبا ِ وفض َ‬
                                                                                                 ‫الكِبار.‬
           ‫ي‬      ‫ك‬                               ‫يض‬       ‫ر ك ويقد‬                         ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، وكان يحت ِم ال ِبار ِّمهم و َ َعهم في المكانِ المناسبِ لهم، ه َذا هد ُ اإلسالم،‬
                                  ‫ق‬              ‫ق‬       ‫ن‬           ‫ل‬         ‫ي‬         ‫ر ة‬
                                 ‫هَكذا ال ّحم ُ اإليمان ّة التي يمِيها اإليما ُ الصاد ُ واإلسالم الح ّ.‬
                  ‫ض‬       ‫ض‬                   ‫ص‬                     ‫ل ذ خ ل‬                 ‫ي‬
 ‫أ ّها المسِم، ه ِه ال ِصا ُ عند أهلِ اإلسالم خا ّة، الذين يرتَبط بع ُهم ببع ٍ برابطةِ اإليمان،‬
   ‫ح‬              ‫م‬          ‫ر‬                   ‫ك‬         ‫ح‬       ‫ص‬         ‫س‬
‫فالكبار يح ِنون، وال ّغار ير َمون، وال ِبار يرحمون، فـ((ال ّاحمون يرح ُهم الرحمن، ار َموا‬
                                                                ‫س‬                 ‫ض‬          ‫م‬
                                                    ‫َن في األر ِ يرحمكم من في ال ّماء))(2)[2].‬
                 ‫ة ت‬                    ‫ن‬       ‫ة‬                    ‫ل ر ةم‬               ‫ي‬
‫أ ّها المسِم، ال ّحم ُ ِن أهلِ اإليمانِ رحم ٌ إلخوا ِهم المؤمنين، ورحم ٌ ح ّى على غيرهم، رحمة‬
        ‫ُر‬               ‫ح َّ د‬          ‫ق‬       ‫س‬       ‫ت‬                                       ‫ئ‬
       ‫بالبها ِم، رحمة بها واإلحسان إليها، ((إذا قتَل ُم فأَح ِنوا ال ِتلة، ولي ِد أح ُكم شَفرتَه، ولي ِح‬
    ‫حم‬               ‫ة‬                              ‫ب‬                   ‫ل‬
   ‫ذبيحتَه))(5)[5]، وقائل ِرسول اهلل : إني أذ َح الشاةَ وأرحمها، قال: ((الشا ُ إن رحمتَها ر ِ َك‬
                                                                                           ‫اهلل))(3)[3].‬
      ‫ض‬                        ‫ع ز‬        ‫ِ ح ض‬           ‫سن‬           ‫م‬             ‫ب‬        ‫ي‬
      ‫أ ّها الشا ّ المسلم، إذا َررتَ بالم ِ ّ الكبير فار َم َعفَه و َج َه، وإن احتَاج إليك فَاق ِ‬
     ‫مك‬            ‫ب‬                    ‫ر فإن‬       ‫فحق‬          ‫ر‬        ‫ب‬
‫حاجتَه، وإن طَل َ منك أم ًا تَستطيعه ِّق األم َ، َّ اهلل سيجعل لك في ك َرك من يعا ِل َ بتلك‬
     ‫المعاملةِ الحس َة، ال يَغر َّك الشبا ُ والق ّ ُ والمال والجاه، فكأ ّك ال ترَى الناسَ شيئًا، يم ّ ب َ‬
     ‫ر ك‬                       ‫َ‬     ‫ن‬                    ‫ب وة‬              ‫َّن‬          ‫ن‬
              ‫د‬         ‫و‬             ‫ص‬                ‫ر‬      ‫ح‬           ‫مر‬
‫الكَبير وكأن ما َّ بك، ال تر َم كبي ًا، وال تحنو على َغير، هذه الق ّة التي خ َعَك بها الشباب‬
                  ‫ت‬          ‫ِز‬        ‫و‬                      ‫م ة‬           ‫ن‬                ‫وغر‬
      ‫َّك بها شبابك، فإ ّ األيا َ آتي ٌ، وستعود ضعيفًا بعد ق ّتِك وعاج ًا بعد قدر ِك ووهنًا بعد‬
                                                                                                    ‫تحر‬
                                                                                                ‫ُّكِك.‬
                                    ‫ر حق‬         ‫ر‬         ‫إ م‬             ‫فيا شبابَ اإلسال ِ، لنتخل‬
                                 ‫َّق بأخالقِ ِسال ِنا، ولنع ِف لكبا ِنا َّهم.‬     ‫م‬
                            ‫عم ورب‬             ‫ع‬       ‫ب ن‬              ‫ر‬                  ‫خ‬        ‫ي‬
      ‫أ ّها الشي ُ الكبير، أنتَ كبي ٌ في القَل ِ وال ّفس وال َين، طالما َ ِلتم َّيتم وبذَلتم واجتَهدتم،‬
                       ‫ت‬                     ‫ر‬                               ‫ر‬            ‫َ‬
          ‫وستكونون قدوةً لصغا ِكم في أعمالِكم وأَخالقكم، وتدا َكوا نَقصَ شبابكم بال ّوبةِ إلى اهلل‬
   ‫أ ل‬             ‫خ‬       ‫ر‬            ‫لم ع‬                         ‫مض‬      ‫ر ّد ل‬
 ‫واالستغفا ِ والن َم عَى ما َ َى، وقولوا دائمًا: الّه ّ اج َل خيرَ أعما ِنا أوا ِرها، وخيرَ َعماِنا‬
                                                                          ‫يم م‬                  ‫م‬
                                                               ‫خواتي َها، وخيرَ أّا ِنا يو َ نلقاك فيه.‬
  ‫م‬          ‫ر ب‬                 ‫ل‬          ‫لق يتخل‬                 ‫د ر‬              ‫ل إن‬         ‫ي‬
 ‫أ ّها المسِم، َّ هذا األ َبَ ال ّفيعَ في اإلسالمِ خُ ٌ َّق بهِ المسِمون، فتقوَى ال ّوا ِط بين األ ّة‬
 ‫م‬                    ‫ن وأجل‬       ‫م‬
‫المسِمة، رابط ُ اإليمان التي ِّق لهم َعانيَ ال ّحمة في أس َى معا ِيها ِّها، هذا دِين اإلسال ِ.‬
                                              ‫ر‬         ‫م‬      ‫تحق‬             ‫ة‬         ‫ل‬
   ‫َم‬      ‫ن ر‬                ‫أم‬    ‫ر‬
  ‫أ ّها الشا ّ المسِم، كم ِن ابنٍ يف ّ من أ ِيه، وكم من ابنٍ يف ّ من ِّه، وكم من اب ٍ يف ّ من ع ِّه‬
                                                        ‫ب‬      ‫ر‬          ‫م‬      ‫ل‬     ‫ب‬        ‫ي‬
       ‫ب‬            ‫ي‬           ‫ي‬
    ‫وخاله وع ّته وخال ِه، كَم يف ّ األبنا ُ من آبائِهم َّهاتهم، فلو َستطيعون أن ُلقوهم في ال ِحار‬
                                            ‫وأم‬           ‫ء‬        ‫ر‬          ‫ت‬        ‫م‬
     ‫ُز‬              ‫ر‬                 ‫ت‬           ‫ع‬       ‫أللقَوهم فيها، يب َثون عن دارِ المسن‬
   ‫ِّين ليج َلوهم فيها حّى ينسَوهم وال يع ِفوا حالهم، انت ِعت‬               ‫ح‬
     ‫ب‬                           ‫م حق‬        ‫ت ح د م‬              ‫سي‬          ‫ق‬              ‫ر ة‬
     ‫ال ّحم ُ من قلوبهم، ف ُلوبهم قا ِ َة ال َر َم أح ًا، أ ّا المؤ ِن ًّا فهو بخالفِ ذلك، في القَل ِ‬
           ‫وتذك‬                      ‫ر‬           ‫ع ف‬              ‫ن‬                    ‫ر‬
‫َحمة، في القَلب إحسا ٌ، في القَلبِ َط ٌ، في القلب ِفق بالكبار وإحسان إليهم ُّر حالهم، ال‬
          ‫قل تحم‬      ‫ء كب‬                            ‫ء‬
        ‫تَرفَعِ الصوت عليهم، وال تخاطبه بسو ٍ، اعرف له ضعفَه وعجزَه وسو َ ِ َره و ِّةَ ُّله‬
                                                                ‫س‬
                                         ‫وصَبرِه، فارحمه يرحمك اهلل، وأح ِن إليه يحسنِ اهلل إليك.‬
                                                    ‫ل‬       ‫ل‬                ‫ي‬       ‫يوف‬
                                                   ‫أسأل اهللَ أن ِّقَني وإّاكم لصالحِ القو ِ والعم ِ.‬
                   ‫م‬            ‫َل‬                                        ‫ف‬
 ‫أقول قولي هذَا، وأَستغ ِر اهلل العَظيمَ الكريم الجليلَ، وأسأله ج ّ وعال أن يش َلنا برحمته أجمعين،‬
                                                                                ‫در‬            ‫ن ي‬
                                                                          ‫إ ّه ول ّ ذلك والقا ِ ُ عليه.‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                         ‫ض‬       ‫ب ب‬                 ‫ك‬         ‫د ر ي‬                     ‫ح د رب‬
 ‫ال َم ُ هلل ِّ العالمين، حم ًا كثي ًا طّبًا مبار ًا فيه كَمَا يح ّ ر ّنا وير َى، وأشهَد أن ال إلهَ إال‬
  ‫ل‬       ‫ص‬                ‫ع‬       ‫ل‬                 ‫ن ّد‬                          ‫د‬
 ‫اهلل وح َه ال شريكَ له، وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورَسوله، صّى اهلل َليه وعلَى آله و َحبه، وسّم‬
                                                                                           ‫ر‬
                                                                          ‫تسليمًا كثي ًا إلى يومِ الدين.‬
                                                    ‫حق ت‬                 ‫ت‬           ‫ي‬          ‫م ب‬
                                                ‫أ ّا َعد: فيا أ ّها الناس، اّقوا اهلل تعالى َّ الّقوى.‬
                                          ‫سن‬     ‫ح قل رم م‬                          ‫سن‬
                                      ‫عبادَ اهلل، في َّة رَسولِ اهللِ ُقو ٌ ِلكبا ِ َعلو َة من َّته :‬
                                      ‫كب كب‬         ‫للص‬                    ‫يد ك‬              ‫وال‬
                           ‫فَأ ّ ً: كانَ َب َأ بال ِبار في الكالمِ فيقول ِّغار: (( ِّر ِّر))(05)[5].‬
‫ِّف؛ َّ‬      ‫ي أم ن‬                                     ‫ثا ِيًا: ن ِد في سّ ِه إيصاءً ألئ َّة المصل‬
‫ِّين أن يرفقوا بالكبار فيقول : ((أّكم َّ ال ّاسَ فليخف فإن‬     ‫َم‬             ‫نت‬       ‫ن ج‬
                                                 ‫ة‬           ‫رض‬                ‫ص ر‬
 ‫وراءَه ال ّغي َ والكبير والم ِي َ وذا الحاج ِ))(55)[7]، وقال له رَجل: يا رسولَ اهلل، إني أترك‬
                     ‫ض‬             ‫ض ني‬                 ‫ب‬          ‫ل ن‬             ‫ف‬
    ‫صالةَ ال َجر من أج ِ فال ٍ مما يطيل ِنا، قال: فغ ِب الّب ّ غضبًا لم يغ َب مثلَه وقال لذلك‬
   ‫َ ك‬                 ‫اإلمام: ((أف ّان أنت يا معاذ؟! َّ ِنكم ِّرين، أّكم َّ الناس فليخف فإن‬
‫ِّف، َّ وراءَه الصغير وال َبير‬         ‫ي أم‬        ‫إن م منف‬                   ‫ت‬
                                                                              ‫ة‬
                                                                    ‫والمريضَ وذا الحاج ِ))(75)[3].‬
          ‫مد ع ل‬           ‫ي‬             ‫ص‬         ‫و‬     ‫ع‬                       ‫م‬
‫وجاءَ اإلسال ُ ليجعلَ الكبيرَ الذي ض ُفت ق ّته عن ال ّيام أن يكتَف َ بإطعام ٍّ َن ك ّ يوم، فقال‬
‫ن‬     ‫ي‬             ‫ج‬                           ‫وعل َّذ يط ق ُ ِ ية ع م م ك‬
‫جل جالله: َ ََى ال ِينَ ُ ِي ُونَه فدْ َ ٌ طَ َا ُ ِسْ ِينٍ [البقرة:455]، وهم العا ِزون الذين ال َطيقو َ‬
                  ‫ن‬             ‫ر‬            ‫ل‬                           ‫ي ع‬        ‫ص‬
‫ال ّومَ أن ُط َمَ عن الكبير والمريضِ عن ك ّ يوم ما يقا ِب الكيلو وال ِصف أي: خمس وأربعين‬
 ‫إن‬                          ‫ة حج و‬                       ‫ش ر كل‬        ‫ب‬
 ‫كيلو من األرز أو الح ّ عن ال ّه ِ ِّه. وجاءَته امرأ ٌ في َّة ال َداع فقالت: يا رسولَ اهلل، َّ‬
                       ‫حج‬            ‫ر‬                     ‫خ ر ي‬                    ‫ة‬
     ‫أبي أدركَته فَريض ُ اهلل شَي ًا كَبي ًا ال َستطيع الثبوتَ على ال ّاحلة، أفأَ ُ ّ عنه؟ قال: ((نَعم،‬
                             ‫أحق‬               ‫ض‬         ‫د ك ِ ضي‬                     ‫ر ت ك‬
           ‫أ َأَي ِ لو َان على أبيكِ َين أ ُنت قا ِ َتَه؟! اق ُوا اهللَ، فاهلل ُّ بالقضاء))(35)[4].‬
                 ‫ع‬                    ‫ف‬           ‫أم‬          ‫ب‬               ‫م‬        ‫َّ ل‬
      ‫مر رَج ٌ بابن ع َر وهو يطوف بال َيت حامالً َّه علَى كتِ ِه يطوف بها، قال: يا َبدَ اهلل بن‬
   ‫س‬     ‫و ة ولكن‬                   ‫ط‬                      ‫ي‬        ‫ت بحق م‬         ‫ت‬
  ‫عمر، أ َراني قم ُ ِّ أ ّي؟ قال: َا هذا، الَ واهلل، وال َلقة من طلقاتِ ال ِالد ِ، َّك مح ِن‬
                                                                                       ‫واهلل يثيبك(45)[1].‬
                                           ‫ك‬                     ‫ص‬    ‫ر‬       ‫ك ر‬
     ‫كان ِبا ُهم يحت ِمون ِغارَهم، ويشفِقون على ِبارهم، سواء األقارب أو غير األقارب، بل‬
     ‫ت‬                     ‫ر‬       ‫ض‬          ‫س‬       ‫يؤد‬     ‫متأك ر‬
   ‫األقارب واألرحام ِّد أم ُهم أن ِّب النا ُ بعضهم بع ًا، فيع ِف الصغير للكبير مكان َه،‬
         ‫من‬       ‫حق‬                            ‫ف‬                     ‫د‬       ‫س‬          ‫فيقد‬
‫ِّمه في مجل ِه، ويب َأ به في الكالمِ، وير ُق به، ويرحمه، هكذا المؤمنون ًّا، وكم َّ اهلل على‬
                                ‫تمي‬                      ‫ر‬       ‫ت‬
      ‫بعضِ الفئاتِ منَ الناس فاح َرم كبي ُهم صغيرَهم، فتستطيع أن ِّز فارقَ العمر بينهم بتقديم‬
                                                                                    ‫د‬
                                                                                  ‫كبيرهم ولو يومًا واح ًا.‬
         ‫وحث‬     ‫بص‬        ‫ب ن‬                 ‫هكذا اإلسالم دعا إلى هذا الخُقِ الكريم ورغ‬
   ‫َّب فيه، فالمطلو ُ م ّا تأدي ُ ِغارنا ُّهم على‬           ‫ل‬
          ‫ج‬             ‫َ‬       ‫َ يتقد‬       ‫ن‬            ‫لطي‬            ‫ث‬       ‫ك‬
   ‫احترامِ ال ِبار وب ّ تلك الروح ا ِّبة فيهم، وأ ّ الصغير ال َّم الكبير ال في الخرو ِ وال في‬
  ‫ء‬                ‫ط‬            ‫ل‬         ‫ن‬          ‫س‬                                 ‫د‬
 ‫ال ّخولِ وال في الركوب وال في المجال ِ، حتى يكو َ بين المسِمين االرتبا ُ العظيم الذي جا َت‬
    ‫د‬           ‫ن ي‬                      ‫م‬                 ‫د‬         ‫ي‬             ‫ر‬          ‫ة‬
   ‫به شريع ُ اإلسالم. َزقني اهلل وإ ّاكم التأ ّبَ بآدابِ اإلسال ِ والثباتَ عليه، إ ّه ول ّ ذلك والقا ِر‬
                                                                                                        ‫عليه.‬
       ‫أ ّها األ ُ الكريم، أبنا ُك على اختالف مراحلِ أعمارهم ِّبهم، وقل لل ّغير: ال تجلِس قب َ‬
       ‫ل‬                 ‫ص‬            ‫أد‬           ‫ِ‬                ‫ؤ‬              ‫ب‬       ‫ي‬
                                    ‫خ‬           ‫ص‬                 ‫تتقد ل‬        ‫ص‬
     ‫الكبير، وقل لل ّغير: ال َّم عَى الكبير، وقل لل ّغير: ال تأ ُذ أشياء قبلَ الكبير، فإذا بدأنا‬
         ‫يتأخ‬              ‫د‬            ‫ز‬
   ‫بأنف ِنا في بيو ِنا و َين أبنا ِنا ثم أقار ِنا ثم المسِمين ول ِمنا هذا األ َبَ وكانَ الصغير َّر ولَو‬
                                                ‫ل‬          ‫ب‬           ‫ئ‬        ‫ت ب‬              ‫س‬
                   ‫م من‬                   ‫ي‬           ‫د‬                                 ‫ل‬
   ‫هو أعَى مرتَبة ومكانةً لكن إلظهارِ األ َبِ اإلسالم ّ كما يكون ذلك بين َن َّ اهلل عليهم بهذا‬
                                                                                       ‫ز‬               ‫ل‬
                                                                                   ‫الخُقِ الكريم فالت َموه.‬
   ‫ر‬       ‫ر‬         ‫ي محم‬      ‫ه‬                ‫ث ب‬                  ‫ن‬
   ‫واعلَموا ـ رحمكم اهلل ـ أ ّ أَحسنَ الحدي ِ كتا ُ اهلل، وخيرَ ال َديِ هد ُ َّد ، وشَ َّ األمو ِ‬
   ‫مح َثاتها، وك ّ ِد َةٍ ضَاللة، و َليكم ب َما َةِ المسِمين، فإ ّ يدَ اهللِ عَى الجمَاع ِ، و َن ش ّ َّ‬
   ‫ة م َذ شذ‬               ‫ل‬            ‫ن‬        ‫ل‬       ‫ج ع‬         ‫ع‬             ‫لبع‬             ‫د‬
                                                                                                     ‫نر‬
                                                                                                    ‫في ال ّا ِ.‬
 ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل الن ِي ي‬                             ‫ب‬           ‫م‬        ‫م‬                ‫ل‬
‫وصّوا على نبيكم مح ّد كما أ َركم بذلك ر ّكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا‬
                                                        ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫َيه َّذ ن من‬
                                         ‫أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                 ‫ر‬               ‫م‬              ‫م‬                             ‫م ل ل‬
         ‫الله ّ ص ّ وسّم وبارك على عبدِك ورسولِك مح ّد، وارضَ الله ّ عن خلَفائه ال ّاشدين...‬
                                                                        ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه البخاري في التوحيد (4042)، ومسلم في التوبة (5127) من حديث أبي هريرة‬
                                                                        ‫رضي اهلل عنه.‬
                                                   ‫(7) انظر: البداية والنهاية (45/045).‬
  ‫(3) أخرجه البخاري في الرقاق (3546) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه ولفظه: ((أعذر‬
                                                          ‫بل‬      ‫ل‬    ‫أخ‬
                                            ‫اهلل إلى امرئ َّر أجَه حتى َّغه ستين سنة)).‬
    ‫(4) أخرجه أبو داود في األدب (3454)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (5/365) عن أبي‬
   ‫موسى األشعري رضي اهلل عنه، وحسنه النووي في رياض الصالحين (325)، وابن حجر في‬
‫التلخيص الحبير (7/555)، واأللباني في صحيح الترغيب (53). وقد أخرجه البخاري في األدب‬
   ‫المفرد (213)، وابن أبي شيبة (6/574) عن أبي موسى موقوفا، قال ابن عبد البر في التمهيد‬
                                       ‫(25/034): "وقد روي مرفوعا من وجوه فيها لين".‬
 ‫(1) أخرجه أحمد (6/343)، والطبراني في الكبير (47/55) عن أسماء بنت أبي بكر رضي اهلل‬
     ‫عنها، وصححه ابن حبان (5072)، والحاكم (3634)، وقال الهيثمي في المجمع (6/317):‬
     ‫"رجاله ثقات". وجاء من أوجه أخرى: عن أبي بكر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعن‬
                                                                        ‫الزهري مرسال.‬
    ‫(6) رواه البخاري في الجزية (3253)، ومسلم في القسامة (3665) من حديث سهل بن أبي‬
                                                                   ‫حثمة رضي اهلل عنه.‬
    ‫(2) أخرجه أحمد (7/065)، وأبو داود في األدب (5434)، والترمذي في البر (4735) من‬
‫حديث عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم‬
                   ‫(4/315)، ووافقه الذهبي، وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة (173).‬
              ‫(5) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح (1135) عن شداد بن أوس رضي اهلل عنه.‬
     ‫(3) أخرجه أحمد (3/634، 1/43)، وابن أبي شيبة (1/457)، والبخاري في األدب المفرد‬
‫(323)، وابن أبي عاصم في اآلحاد والمثاني (0055)، والطبراني في الكبير (35/77، 37، 47)‬
  ‫واألوسط (6327، 0203)، وأبو نعيم في الحلية (6/343)، والبيهقي في الشعب (2/554) عن‬
     ‫قرة بن إياس رضي اهلل عنه، وصححه الحاكم (7612)، وقال الهيثمي في المجمع (4/54):‬
    ‫"رجاله ثقات"، وهو في السلسلة الصحيحة (67). وفي الباب عن معقل بن يسار وضرار بن‬
                                                               ‫األزور رضي اهلل عنهما.‬
                                                                     ‫(05) تقدم تخريجه.‬
‫(55) أخرجه البخاري في األذان (302)، ومسلم في الصالة (264، 564) عن أبي هريرة رضي‬
                                                                          ‫اهلل عنه نحوه.‬
     ‫(75) أخرجه البخاري في األذان (702، 402)، ومسلم في الصالة (664) عن أبي مسعود‬
                                         ‫رضي اهلل عنه نحوه، وليس فيه: ((أفتان أنت يا معاذ؟!)).‬
   ‫(35) أخرجه البخاري في الحج (7155) عن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن امرأة من جهينة‬
                                    ‫ج‬        ‫ّ‬
‫جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تح ّ حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي‬
                                                                  ‫م‬
               ‫عنها، أرأيت لو كان على أ ّك دين أكنت قاضيته؟! اقضوا اهلل فاهلل أحق بالوفاء)).‬
‫(45) أخرجه البخاري في األدب المفرد (5/55)، البيهقي في الشعب (6/307)، وهو في صحيح‬
                                                                                   ‫األدب المفرد (55).‬

‫(5/3444)‬




                                                                                     ‫رمضان واألقصى‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                        ‫فضائل األعمال‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                     ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                                  ‫القدس‬
                                                                                          ‫67/5/6745‬
                                                                                       ‫المسجد األقصى‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- قدوم رمضان. 7- التحذير من المعاصي. 3- أحوال السلف في رمضان. 4- حياة المؤمن‬
        ‫كلها رمضان. 1- مالحظات صادرة عن دائرة األوقاف. 6- مكر الحكومة اإلسرائيلية.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
  ‫نحن اليوم في السادس والعشرين من شهر شعبان، فالشهر قد انقضى عنكم أكثره، ودنا رحيله،‬
                        ‫مت‬                                    ‫قد‬
   ‫شاهد للمحسنين بما َّموا من عمل صالح، وبما أخلصوا فيه من َّجر رابح، وهو شاهد على‬
                                                                               ‫المفر‬
     ‫ِّطين بأوزارهم. أظلكم الموسم الذي هو أعظم منه غنيمة وسعادة، وأوفر منه في طلب‬
       ‫َّ أ ز َ ف ُ ن ُ ِلن و َي ت م ُد‬                                   ‫ْ ُ رم‬
      ‫الحسنى وادخار الزيادة، شَهر َ َضَانَ الذِي ُن ِل ِيهِ الْقرْآ ُ هدًى ل َّاسِ َب ِّنَا ٍ ِنْ الْه َى‬
               ‫ي َف‬                                                                       ‫و ُْ‬
  ‫َالْفرقَانِ [البقرة:155]، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، و ُص َّد فيه كل مارد‬
                      ‫ِد‬                                                ‫ُد‬            ‫د‬
    ‫شيطان، فأع ّوا لقدومه ع َّة، واسألوا اهلل تعالى التوفيق إلى أن تكملوا الع َّة، والحذر الحذر من‬
                                        ‫م‬
 ‫التفريط واإلهمال، والتكاسل عن صالح األعمال، فه ّة الصالحين فيه القيام والصيام، والكف عن‬
        ‫ذ‬                      ‫ال‬
       ‫فضول الكالم، والسالمة من جميع اآلثام، واالشتغال بذكر الملك الع ّم، وهمة الغافلين التل ّذ‬
 ‫بألوان الطعام، وتضييع أوقاته بالغفلة والمنام، وسيتبين لكم يوم الفصل األوضح أي الفريقين أسلم‬
                                                                                                                   ‫وأربح.‬
                                                  ‫ر‬                 ‫ص ش‬        ‫ول‬        ‫م‬
                                                  ‫إذا العشرون ِن شعبان َّتْ…فوا ِل ُرْبَ ليلك بالنها ِ‬
                                                  ‫وال تشربْ بأق َاح ِغَار…فإن الوقتَ ضاق على ِّغَا ِ‬
                                                  ‫الص ر‬                          ‫ْد ص‬
                            ‫وكر‬           ‫ي‬                  ‫ر حب‬
        ‫عباد اهلل، من أراد اهلل به خي ًا َّب إليه اإليمان، وزّنه في قلبه، َّه إليه الكفر والفسوق‬
   ‫فحب‬                                 ‫شر خل‬
  ‫والعصيان، فصار من الراشدين، ومن أراد به ًّا َّى بينه وبين نفسه، فاتبعه الشيطان، َّب‬
 ‫إليه الكفر والفسوق والعصيان، فكان من الغاوين. فالحذر الحذر ـ يا عباد اهلل ـ من المعاصي،‬
                    ‫َي ر‬                ‫دي‬       ‫ر‬
  ‫فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خ ّبت من ِ َار، وكم أخلت د َّا ًا من أهلها فما بقي‬
                                            ‫منهم أحد، كم أخذت من العصاة بالثأر، كم محت لهم من آثار.‬
       ‫عباد اهلل، أين أحوالنا اليوم من أحوال السلف الصالح؟! كان دهرهم كله رمضان، ليلهم قيام،‬
   ‫د‬             ‫ه‬
 ‫ونهارهم صيام. باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأ ّبون له ويستع ّون‬
                                                  ‫ي‬
 ‫باألطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نته ّأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم ال تصومون إال رمضان؟!‬
                                                                  ‫د‬
                                                        ‫لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ر ّوني عليهم.‬
     ‫عباد اهلل، الدنيا كلها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشهوات والمحرمات، فإذا جاءهم‬
                                                 ‫ل‬
  ‫الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهّوا عيد فطرهم. من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها‬
                                       ‫ع ق‬                       ‫حر‬     ‫ج‬
‫بعد مماته، ومن تع ّل ما َّم اهلل عليه قبل وفاته ُو ِب بحرمانه في اآلخرة وفواته، اقرؤوا قوله‬
  ‫ْم‬          ‫ُ به‬              ‫و ْ ي َض َّذ ن َر عل الن َ ه ُ َيب ت ُ ْ ف حي تكم الد ي و‬
  ‫تعالى: َيَومَ ُعْر ُ ال ِي َ كَف ُوا ََى َّارِ أذْ َبْتمْ طِّ َا ِكم ِي َ َا ِ ُ ُ ُّنْ َا َاسْتَمْتَعْتمْ ِ َا فَالْيَو َ‬
                 ‫َق وب ك ُ سق‬                     ‫ب ْ‬      ‫ِر َ ف َ‬               ‫ه ب كُ‬                  ‫َ‬       ‫تْ‬
‫ُجزَوْنَ عذَابَ الْ ُونِ ِمَا ُنْتمْ تَسْتَكْب ُون ِي األرْضِ ِغَيرِ الْح ِّ َ ِمَا ُنْتمْ تَفْ ُ ُونَ [األحقاف:07].‬
         ‫وقد ورد في الحديث الشريف قول رسول اهلل : ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في‬
  ‫اآلخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في اآلخرة))، وفي حديث آخر: ((لو يعلم العباد ما‬
                                                                                      ‫ن‬
                                                    ‫في رمضان لتمّت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها)).‬
                                    ‫ل‬
    ‫وكان السلف الصالح يدعون اهلل تعالى ستة أشهر أن يبّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن‬
                                                                                                                  ‫ب‬
                                                                                                    ‫يتق ّل منهم الصيام.‬
                                 ‫ن‬              ‫رب‬                ‫ُ‬     ‫ه‬
                                 ‫يا ذا الذي ما كفَا ُ الذنب في رجب…حتى عصى َّه في شهر رمضا ِ‬
                                            ‫لقد َّك شه ُ الصوم بعد ُما…فال تص ّره أيضًا شهر ِصْيا ِ‬
                                            ‫ع ن‬                 ‫ي‬          ‫ه‬           ‫ر‬     ‫أظل‬
                                                     ‫ن‬      ‫ح‬      ‫ر‬          ‫د‬            ‫وسب‬        ‫ْل‬
                                                     ‫وات ُ القرآنَ ِّحْ فيه مجته ًا…فإنه شه ُ تسبي ٍ وقرآ ِ‬
            ‫ن‬
      ‫يا معشر التائبين، صوموا عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، ال يطول ّ عليكم‬
                       ‫األمل باستبطاء األجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.‬
   ‫إلهنا وموالنا أنت الملك الكريم، وكل معبود سواك باطل، إليك رغب القاصدون، وابتغوا إليك‬
‫الوسائل، وها نحن ببابك واقفون، وبكرم جودك عارفون، نشكو إليك مرض القلوب، فأنت الشافي‬
                 ‫جف‬
 ‫والمعافي، نسألك دواء الغفلة، ونستعين بك على إصالح النفوس، فقد طال تَ َا ِيها، ونلتجئ إليك‬
                                                                                ‫شر‬
                                                              ‫في دفع ِّها يا رب العالمين.‬
 ‫عباد اهلل، انظروا إلى قيام السلف الصالح في قيام رمضان، قال السائب بن يزيد: لما جمع عمر‬
‫بن الخطاب رضي اهلل عنه الناس لقيام رمضان قدم أبي بن كعب وتميما الداري يصليان بالناس،‬
 ‫فكان القارئ يقرأ بالمائتين، وكنا نعتمد على العصي من طول القيام، وال ننصرف إال في بزوغ‬
 ‫الفجر. وروى عبد اهلل بن أبي بكر عن أبيه رضي اهلل عنهم قال: كنا ننصرف من قيام رمضان‬
  ‫فنستعجل الخدم بالطعام مخافة أن يطلع الفجر. وكان الشافعي رضي اهلل عنه يختم في رمضان‬
                                                                               ‫ستين ختمة.‬
                                                  ‫و‬
‫تعبوا واهلل قليال، واستراحوا كثيرا، وتب ّؤوا من رياض الجنة مقيال، والبائس المسكين من لم يجد‬
                                                     ‫ظ‬
                                       ‫للحاقهم سبيال، والمغبون من رضي بح ّ العاجل بديال.‬
                      ‫هناك مالحظات صادرة عن دائرة األوقاف بمناسبة حلول شهر رمضان:‬
                                         ‫5- منع التسول والباعة من دخول المسجد األقصى.‬
                                        ‫7- منع جمع التبرعات في ساحات المسجد منعا باتا.‬
                        ‫3- اتخاذ جانب الحيطة والحذر من أي جسم غريب أو شخص مشبوه.‬
                                   ‫4- الحذر من السراقين والنشالين وبخاصة وقت االزدحام.‬
                         ‫1- عدم استعمال السيارات ووقفها عند أبواب المسجد وفي الطرقات.‬
                                   ‫6- التعاون مع حرس المسجد األقصى ولجان حفظ النظام.‬
        ‫2- بالنسبة لصالة التراويح سوف تقام بعد أذان صالة العشاء بنصف ساعة إن شاء اهلل.‬
         ‫نسأل اهلل تعالى أن يجعل هذا الشهر الفضيل شهر عز ونصر وفتح لإلسالم والمسلمين.‬
‫أيها المسلم، إذا لم تقدر على القيام والصيام فاعلم أنك محروم بذنوبك، فالجاهل يظن أن المؤمنين‬
  ‫القائمين عبدوا اهلل بصحة األجسام وقوة األركان، ال واهلل، ولكن عبدوا اهلل بصحة القلوب وقوة‬
  ‫اإليمان، أكلهم أكل المرضى، ونومهم نوم الغرقى، وكالمهم كالم الخائفين بين يدي ملك جبار،‬
                                        ‫وعزمهم عزم الهارب من سيل مغرق أو نار محرقة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
‫أيها المسلمون، نجحت الحكومة اإلسرائيلية بتلميح سياستها والحصول على شهادة حسن سلوك ـ‬
    ‫إن جاز التعبير ـ من األنظمة العربية والمجتمع الدولي نتيجة انسحابها من قطاع غزة، كما‬
‫حصل رئيس الحكومة شارون على شهادة رجل سالم عن جميع الممارسات القمعية التي انتهجها،‬
             ‫وال تزال تنتهجها حكومته ضد شعبنا الفلسطيني المسلم على مدار عشرات السنين.‬
    ‫وقد استغلت الحكومة اإلسرائيلية المظلة الدولية األمريكية الداعمة لسياستها، وبعد أن ضمنت‬
  ‫تطبيع عالقاتها مع العديد من الدول العربية سرا وعالنية اتجهت صوب أكبر دولتين إسالميتين‬
  ‫باكستان وأندونيسيا، واللتين تضمان زهاء أربعمائة مليون مسلم، بهدف إقامة عالقات دبلوماسية‬
    ‫معهما، فاختراق حاجز المقاطعة إلسرائيل لم يتوقف عند الدول العربية فقط، إنما امتد ليشمل‬
                                                                             ‫العالم اإلسالمي.‬
  ‫أيها المسلمون، إن واقع األمر ومن خالل استمرار عمليات االغتياالت والقصف العشوائي للبنية‬
   ‫التحتية في قطاع غزة أن إسرائيل خرجت من داخل القطاع لكسب التأييد الدولي، وجعلت منه‬
                                                ‫سجنا كبيرا يحاط باآلليات والدبابات العسكرية.‬
    ‫وفي ظل التعتمة اإلعالمية على واقع األمر فإن إسرائيل ـ وعلى لسان رئيس وزرائها الذي‬
 ‫يخوض معركة رئاسة حزب الليكود الحاكم ـ حددت سياستها المقبلة مع الفلسطينيين على النحو‬
                                                                                       ‫اآلتي:‬
      ‫أوال: ال انسحاب من الضفة الغربية، بل سيتم تعزيز قبضتها عليه من خالل إحكام السيطرة‬
                                                     ‫العسكرية وتعزيز المستوطنات وتوسيعها.‬
                  ‫ثانيا: ال مجال للتفاوض على حق الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم.‬
‫ثالثا: ال مجال للحديث أو التفاوض على القدس، وتعتبرها العاصمة األبدية لدولة إسرائيل على حد‬
                                                                                     ‫زعمهم.‬
       ‫رابعا: التدخل السافر في الشأن الفلسطيني الداخلي، وتعطيل االنتخابات الفلسطينية المزمع‬
 ‫أجراؤها في مطلع العام القادم إذا شاركت فيها الفصائل الفلسطينية المناهضة لعملية التسوية، وما‬
  ‫االعتقاالت الجارية في الضفة الغربية للعديد من القادة السياسيين والدرسين والعاملين إال توطئة‬
    ‫للحيلولة دون إدراج قوائم المعارضة الفلسطينية في االنتخابات، ودون إجراء انتخابات نزيهة‬
              ‫وحرة تشارك فيها كل قطاعات وفعاليات الشعب الفلسطيني كأمر فلسطيني داخلي.‬
‫خامسا: استمرار بناء الفصل العنصري، وعدم توقف عملية البناء رغم المظاهرة التي تشارك فيها‬
  ‫الفلسطينيون، معربين عن رفضهم واستنكارهم الشديدين لهذا الجدار، وقد سمحت إسرائيل بهذه‬
    ‫المظاهرة لتظهر أمام العالم أنها دولة ديمقراطية، تعطي حرية الرأي لألقليات الموجودة، وأن‬
                                                     ‫احتجاج الفلسطيني سيذهب أدراج الرياح.‬
   ‫سادسا: تضييق الخناق على أهل القدس وإغالق مؤسسات مهنية وإعالمية واجتماعية وخيرية.‬
                        ‫سابعا: عدم إدراج قضية المعتقلين الفلسطينيين في أية مفاوضات قادمة.‬
   ‫ثامنا: استمرار الحفريات اإلسرائيلية وحفر األنفاق تحت أساسات الحرم القدسي الشريف، وفي‬
‫ذلك انتهاك للمقدسات اإلسالمية واستهانة بالمسلمين، عدا ذلك من المخاطر التي تؤدي إلى تصدع‬
                                            ‫وانهيار أساسات الحرم القدسي الشريف ال قدر اهلل.‬
                                  ‫أيها المسلمون، إزاء هذه المعطيات فهل سيكون هناك سالم؟!‬
    ‫إن على الذين يتباكون على السالم ويسارعون إلى تطبيع العالقات مع إسرائيل أن يدركوا أن‬
  ‫األرض الفلسطينية ال تزال محتلة، وأن إسرائيل ترفض االنصياع للقرارات الدولية الداعية إلى‬
  ‫االنسحاب من األراضي العربية المحتلة عام 2635. وعلى العالم اإلسالمي أن يدرك ويعلم علم‬
‫اليقين أن المسجد األقصى المبارك رمز عقيدة المسلمين في بين المقدس، ال يزال يرزح تحت نير‬
   ‫االحتالل، وإذا كان الفلسطينيون قد نذروا أنفسهم للدفاع عنه بالمهج واألرواح فهذا ال يعني أن‬
 ‫تتنصل األمة اإلسالمية من مسؤوليتها الدينية بالدفاع عن األقصى، والواجب على أمتنا أن تعمل‬
    ‫جاهدة إلقامة دولة اإلسالم، فهي وحدها الكفيلة لرفع الظلم عنها، وبغير ذلك فلن نفلح أبدا وال‬
                                                                                 ‫تقوم لنا قائمة.‬

‫(5/4444)‬




                                                                            ‫على مائدة اإلفطار‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫فقه‬
                                                                                         ‫الصوم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫عبد اهلل بن راضي المعيدي‬
                                                                                          ‫حائل‬
                                                                        ‫جامع عمر بن الخطاب‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- للصائم فرحتان. 7- توجيهات وأحكام خاصة بوقت اإلفطار وما يتعلق به. 3- مخالفات‬
                                                ‫ومحاذير يقع فيها كثير من الناس بعد اإلفطار.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فهنيئا لك أخي الصائم، نعم هنيئا لك وأنت على مائدة اإلفطار، هنيئا لك وأنت في ختام‬
                          ‫هذه العبادة الجليلة، هنيئا لك هذا االنقياد إلى من إليه المرجع والمآب.‬
‫أخي الصائم، ها قد انتهى وذهب التعب وثبت األجر إن شاء اهلل، فحق لك أن تفرح في هذا الوقت‬
   ‫عند إفطارك؛ فإن للصائم فرحتين كما أخبر النبي فيما رواه البخاري ومسلم: ((للصائم فرحتان‬
     ‫يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)). أما الفرحة األولى فها أنت تنعم بها،‬
                                          ‫وأسأل اهلل العلي العظيم أن يبلغنا جميعا الفرحة الثانية.‬
                                                                          ‫د‬
   ‫أخي الصائم، أق ّم لك هذه المائدة من التوجيهات واألحكام الخاصة بوقت اإلفطار وما يتعلق به‬
                                                        ‫من أحكام. أسأل اهلل أن ينفع بها الجميع.‬
 ‫أولى هذه المسائل: متى يفطر الصائم؟ يفطر الصائم إذا غابت الشمس وال عبرة بالحمرة الشديدة‬
‫الباقية بعد مغيب الشمس، قال النبي : ((إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت‬
                           ‫الشمس فقد أفطر الصائم)) أخرجه البخاري (3155) ومسلم (0055).‬
  ‫فالمعتبر ـ أخي الصائم ـ كما ذكر ابن القيم في الهدي مغيب الشمس ال األذان أو المدفع. قال‬
     ‫شيخنا محمد بن عثيمين رحمه اهلل في الشرح الممتع (6/334): "فالمعتبر غروب الشمس ال‬
   ‫األذان، ال سيما في الوقت الحاضر حيث يعتمد الناس على التقويم ثم يربطون التقويم بساعتهم،‬
      ‫د‬
  ‫وساعاتهم قد تتغير بتقديم أو تأخير، فلو غربت الشمس وأنت تشاهدها والناس لم يؤذنوا بع ُ فلك‬
                                                                                      ‫أن تفطر".‬
‫المسألة الثانية: على ماذا يفطر الصائم؟ السنة أن يفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإذا لم يجد‬
   ‫فماء؛ لحديث أنس قال: كان رسول اهلل يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإذا لم تكن رطبات‬
   ‫فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء. أخرجه أبو داود (6137) والترمذي (436).‬
   ‫فعلى الصائم أن يراعي هذا الترتيب الذي جاءت به السنة، فال يقدم الماء على التمر وال التمر‬
                                                                  ‫على الرطب إن وجدوا جميعا.‬
                                           ‫المسألة الثالثة: أذكار وأدعية تقال عند طعام اإلفطار:‬
                                                                                      ‫ال‬
‫أو ً: التسمية قبل األكل والحمد بعده. واعلم ـ أخي الصائم ـ أن التسمية واجبة عند األكل، وإذا‬
   ‫نسيتها وتذكرتها في أثناء األكل فقل: بسم اهلل أولَه وآخره، وإذا انتهيت فاحمد اهلل، يقول : ((إن‬
    ‫اهلل ليرضى عن العبد أن يأكل األكلة فيحمد اهلل عليها ويشرب الشربة فيحمد اهلل عليها)) رواه‬
       ‫د‬
‫مسلم (4327). وقد جاءت السنة بصيَغ متنوعة في الحمد بعد الطعام منها: ((الحمد هلل حم ًا كثيرا‬
                                                                            ‫ك‬
  ‫طيبًا مبار ًا فيه، غير مكفي وال مودع وال مستغنى عنه ربنا)) رواه البخاري (5141). ومنها:‬
‫((الحمد هلل الذي أطعمني ورزقني من غير حول مني وال قوة، من قاله غفر له ما تقدم من ذنبه))‬
  ‫رواه الترمذي (5143) وابن ماجه (1573). ومنها: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت األجر‬
    ‫أن شاء اهلل)) رواه أبو داود (2137) وهو حديث حسن. وأما حديث: ((اللهم لك صمت وعلى‬
                                                   ‫رزقك أفطرت)) فال يصح كما في زاد المعد.‬
      ‫ثانيًا: الدعاء، يقول النبي كما في حديث أبي هريرة: ((ثالث ال يرد دعوتهم: اإلمام العادل،‬
                                        ‫والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم)) أخرجه الترمذي.‬
 ‫ثالثًا: إجابة المؤذن، وهذا ليس خاصا برمضان، بل هو مشروع في هذا الوقت من رمضان وفي‬
                    ‫غيره، ولكن نبهت عليه ألن بعض الصائمين يغفل عن هذه السنة حين فطره.‬
    ‫وبالمناسبة فإني أذكر هنا السنن الواردة عند سماع األذان: أن يقول مثل ما يقول المؤذن، وأن‬
‫يقول بعد تشهد المؤذن الرابع: وأنا أشهد أن ال إله إال اهلل، رضيت باهلل ربًا وباإلسالم دينا وبمحمد‬
                                                                                 ‫ال‬
    ‫رسو ً، وأن يصلي على النبي صلى اهلل عليه وآله وسلم بعد فراغ األذان مباشرة بأي صيغة،‬
  ‫د‬
 ‫واألفضل الصالة اإلبراهيمية، وأن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصالة القائمة آت محم ًا‬
                                                         ‫د‬
                                            ‫الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمو ًا الذي وعدته.‬
‫رابعًا: السنة تعجيل الفطر، اعلم ـ أخي الصائم ـ أن السنة تعجيل الفطر، قال : ((ال يزال الناس‬
   ‫بخير ما عجلوا الفطر)) أخرجه البخاري (6155) ومسلم (5305). قال ابن عثيمين رحمه اهلل‬
   ‫عند ذكره لهذا الحديث: "وبهذا نعرف أن الذين يؤخرون الفطر إلى أن تشتبك النجوم كالرافضة‬
                           ‫ر‬
  ‫أنهم ليسوا بخير". وقال عليه الصالة السالم: ((ال يزال الدين ظاه ًا ما عجل الناس الفطر؛ ألن‬
       ‫اليهود والنصارى يؤخرون)) رواه أبو داود (3137). وعن مالك بن عامر قال: دخلت أنا‬
  ‫ومسروق على عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، رجالن من أصحاب محمد ، أحدهما يعجل اإلفطار‬
   ‫ج‬              ‫ج‬                                                                ‫ج‬
  ‫ويع ّل الصالة، واآلخر يؤخر اإلفطار ويؤخر الصالة؟ قالت: أيهما الذي يع ّل اإلفطار ويع ّل‬
  ‫الصالة؟ قال: قلنا: عبد اهلل بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسول اهلل . رواه مسلم (3305).‬
  ‫وهنا مسألة وهي: من أفطر غالبًا على ظنه أن الشمس غربت فبان أنها لم تغرب فال شيء عليه‬
                                                                               ‫وصومه صحيح.‬
‫أيها المسلمون، وماذا بعد اإلفطار؟! يقع كثير من الصائمين في أخطاء تنقص من أجورهم وتذهب‬
  ‫ي‬       ‫ر‬
 ‫حسناتهم؛ وذلك بما يفعلونه من معاصي بعد فطرهم كمشاهدة المسلسالت الذي صار أم ًا طبيع ًا‬
    ‫عند الكثير، بل حتى عند من يتوسم به الخير، وغير ذلك من السهر وقضاء األوقات في ما ال‬
                                                                                    ‫يرضي اهلل.‬
               ‫م‬
‫فيا ـ أيها الصائم ـ اتق اهلل، اتق من أنعم عليك بهذه النعم، وغض الطرف ع ّا حرم موالك مما‬
   ‫يعرض عبر وسائل اإلعالم من دش وتلفاز. أهذا جزاء من أنعم عليك وأتم عليك هذه النعمة؟!‬
 ‫تشكره بما يغضبه من سماع موسيقى أو مشاهدة مسلسل أو غيرها من البرامج التافهة؟! تذكر أن‬
 ‫هلل عتقاء من النار عند الفطر، فاتق اهلل أيها الصائم، وتذكر قول النبي : ((من لم يدع قول الزور‬
‫والعمل به فليس هلل حاجة أن يدع طعامه وشرابه)). يقول سماحة الشيخ ابن باز رحمه اهلل تعالى:‬
                                            ‫و‬
      ‫"إن وصيتي للجميع من الرجال والنساء والص ّام وغيرهم هي تقوى اهلل جل وعال في جميع‬
     ‫األحوال، والمحافظة على أداء الواجبات في أوقاتها على الوجه الذي شرعه اهلل، والحذر كل‬
    ‫الحذر من التشاغل عن ذلك بنوم أو غيره من المباحات أو غيرها، وإذا كان التشاغل عن ذلك‬
                                          ‫بشيء من المعاصي صار اإلثم أكبر والجريمة أعظم".‬
                                                                  ‫وصلى اهلل على نبينا محمد...‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/1444)‬




                                                                           ‫قلبك في رمضان‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                               ‫أعمال القلوب, أمراض القلوب‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                  ‫عبد اهلل بن راضي المعيدي‬
                                                                                       ‫حائل‬
                                                                      ‫جامع عمر بن الخطاب‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
            ‫ي‬
   ‫5- أهمية العناية بصالح القلب. 7- أنواع القلوب. 3- صفات صاحب القلب الح ّ. 4- آثار‬
  ‫حياة القلوب. 1- آثار مرض القلب. 6- أسباب مرض القلب. 2- مظاهر حياة القلب وصحته.‬
‫5- مظاهر موت القلب وضياعه وفساده. 3- أنواع أمراض القلوب. 05- عالمات مرض القلب‬
                                             ‫بالشبهة. 55- عالج القلوب. 75- إشكال ودفعه.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                        ‫ط‬
     ‫أما بعد: نعم إنه قلبك يا عبد اهلل، نعم إنه قلبك مح ّ نظر اإلله ومنبع العمل ومحركه وأصله‬
   ‫وأساسه المخاطب بأوامر اهلل جل وعال، قال : ((إن اهلل ال ينظر إلى أعمالكم وال إلى صوركم‬
            ‫ولكن ينظر إلى قلوبكم)). فما حال قلبي وقلبك في أعز وأشرف زمان في رمضان؟!‬
‫ولهذا ـ أيها الصائم وأيتها الصائمة ـ هذه وقفة محاسبة مع النفس، بل مع أعز شيء في النفس،‬
                           ‫ة‬
   ‫مع ما بصالحه صالح العبد كله، وما بفساده فساد الحال كله. وقف ٌ مع ما هو أولى بالمحاسبة‬
‫وأحرى بالوقفات الصادقة، يقول : ((أال وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا‬
        ‫ُص‬
  ‫فسدت فسد الجسد كله، أال وهي القلب)). قال الحافظ ابن حجر رحمه اهلل تعالى: "وخ ّ القلب‬
  ‫بذلك ألنه أمير البدن، وبصالح األمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر‬
                                   ‫ر‬
  ‫القلب والحث على صالحه واإلشارة إلى أن لطيب الكسب أث ًا فيه والمراد المتعلق به من الفهم‬
                                                                                    ‫ر‬
  ‫الذي ُكب فيه". ويقول عليه الصالة والسالم: ((ال يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)). ويقول‬
                                                                    ‫ِ‬
   ‫الحسن رحمه اهلل: "داو قلبك؛ فإن حاجة اهلل إلى العباد صالح قلوبهم، ولن تحب اهلل حتى تحب‬
                                                                                                          ‫طاعته".‬
                                                       ‫رب‬
 ‫أيها الصائم، من عرف قلبه عرف َّه، وكم من جاهل بقلبه ونفسه واهلل يحول بين المرء وقلبه،‬
                 ‫ذ‬                               ‫ب‬
‫يقول ابن مسعود : (هلك من لم يكن له قل ٌ يعرف المعروف وينكر المنكر). إ ًا ال بد في هذا من‬
    ‫ع‬                                                                          ‫ة ُض‬
  ‫محاسب ٍ تَف ُّ تغاليق الغفلة وتوقظ مشاعر اإلقبال على اهلل في القلب واللسان والجوارح جمي ًا.‬
                ‫م‬            ‫ر‬
        ‫من لم يظفر بذلك فحياته كلها ـ واهلل ـ هموم في هموم وأفكا ٌ وغموم وآال ٌ وحسرات.‬
                               ‫ً‬     ‫ً‬
 ‫أيها األخ الصائم، وأيتها األخت الصائمة، إن في القلب فاقة وحاجة ال يسدها إال اإلقبال على اهلل‬
                                                             ‫ّ‬
  ‫ومحبته واإلنابة إليه، وال يلم شعثها إال حفظ الجوارح واجتناب المحرمات واتقاء الشبهات. وإن‬
 ‫معرفة القلب من أعظم مطلوبات الدين ومن أظهر المعالم في طريق الصالحين؛ معرفة تستوجب‬
   ‫اليقظة لخلجات القلب وخفقاته وحركاته ولفتاته، والحذر من كل هاجس، واالحتياط من المزالق‬
  ‫والهواجس، والتعلق الدائم باهلل فهو مقلب القلوب واألبصار، جاء في الخبر عند مسلم رحمه اهلل‬
 ‫من حديث عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إن قلوب بني آدم‬
  ‫كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول‬
                                            ‫اهلل : ((اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)).‬
              ‫ي ع ل و بن ِال م ت الل ب سل‬                                    ‫ْ‬
           ‫وال ينفع عند اهلل إال القلب السليم: يَومَ الَ َنفَ ُ مَا ٌ َالَ َ ُونَ إ َّ َنْ أَ َى َّهَ بِقَلْ ٍ َِيمٍ‬
‫[الشعراء:55، 35]. يقول الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "والقلب السليم هو السالم من‬
     ‫اآلفات والمكروهات"، وقال ابن القيم رحمه اهلل: "وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب‬
  ‫السليم، واألمر الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر اهلل ونهيه، ومن كل شبهة‬
  ‫تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم من محبة غير اهلل‬
‫معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه واإلنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد‬
     ‫عن سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي ال تصلح إال هلل سبحانه وتعالى وحده".‬
                                ‫فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير اهلل فيه شرك بوجه ما.‬
                                                                           ‫والقلوب ـ أيها المحب ـ أربعة:‬
 ‫5- قلب تقي نقي فيه سراج منير، قلب محشو باإليمان ومليء بالنور اإليماني، وقد انقشعت عنه‬
     ‫حجب الهوى والشهوات وأقلعت عنه تلك الظلمات، مليء باإلشراق ولو اقترب منه الشيطان‬
                                                                               ‫لحرقه، وهذا هو قلب المؤمن.‬
       ‫َ ل ْ قل ب غ ْف ب لع ُم الله بك ْ ه ْ ل م‬
      ‫7- وقلب أغلف مظلم؛ وذلك قلب الكافر، وقَاُوا ُُو ُنَا ُل ٌ َل َّ َنَه ُ َّ ُ ِ ُفرِ ِم فَقَِيالً َّا‬
                                                                                       ‫ي من‬
     ‫ُؤْ ِ ُونَ [البقرة:55]. وهذا القلب قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس فيه، ولهذا قيل البن‬
 ‫عباس رضي اهلل عنهما: إن اليهود تزعم أنها ال توسوس في صالتها، فقال: وما يصنع الشيطان‬
                                                                                          ‫بالقلب الخرب؟!‬
   ‫3- قلب دخله نور اإليمان وألقى النور فيه، ولكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف من الهوى،‬
                                 ‫ل‬
  ‫وللشيطان عليه إقبال وأدبار، وبينه وبين الشيطان سجال، فهو ِما غلب عليه منهما، وقد قال اهلل‬
                                                          ‫ُ ل ك ي م ِ ْرب م ُ ل‬
                                  ‫في أقوام: همْ ِلْ ُفْرِ َوْ َئذٍ أَق َ ُ ِنْهمْ ِإليمَانِ [آل عمران:265].‬
             ‫م ُ‬
        ‫4- وقلب مرتكس منكوس فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فَ َا لَكمْ في‬
                                                               ‫ب سب‬               ‫فق َ ف ن َالله‬
                                               ‫المنا ِ ِين ِئَتَيْ ِ و َّ ُ أركسهم ِمَا كَ َ ُواْ [النساء:55].‬
    ‫وفي القلب قوتان: قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل، وقوة اإلرادة‬
 ‫والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه‬
      ‫وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه، ومن عرفه واتبعه فهو المنعم عليه السالك صراط ربه‬
                             ‫ب‬
    ‫المستقيم. يقول ابن القيم رحمه اهلل: "وهذا موضع ال يفهمه إال األل ّاء من الناس والعقالء، وال‬
                                        ‫يعمل بمقتضاه إال أهل الهمم العالية والنفوس األبية الزكية".‬
                        ‫ي‬
 ‫إذا كان األمر كذلك ـ أيها المحب ـ فاعلم أن صاحب القلب الح ّ يغدو ويروح ويمسي ويصبح‬
                                                                    ‫س‬
 ‫وفي أعماقه ح ٌ ومحاسبة لدقات قلبه وبصر عينه وسماع أذنه وحركة يده وسير قدمه، إحساس‬
    ‫بأن الليل يدبر والصبح يتنفس، قلب حي تتحقق به العبودية هلل على وجهها وكمالها؛ أحب اهلل‬
‫وأحب فيه، يترقى في درجات اإليمان واإلحسان، فيعبد اهلل على الحضور والمراقبة، يعبد اهلل كأنه‬
                                            ‫ة أ‬                       ‫ة‬
  ‫يراه، فيمتلئ قلبه محب ً ومعرفةً وعظمةً ومهاب ً وُنسًا وإجالال، وال يزال حبه يقوى وقربه يدنو‬
                                     ‫ال‬
   ‫حتى يمتلئ قلبه إيمانًا وخشية ورجاء وطاعة وخضوعًا وذ ً، قال : ((قال اهلل تعالى: وال يزال‬
‫ي‬
‫عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)). كلما اقترب العبد من ربه اقترب اهلل منه، ((من تقرب إل ّ‬
                           ‫د‬                                                     ‫ت‬       ‫ر‬
    ‫شب ًا تقرب ُ إليه ذراعًا)). فهو ال يزال رابحًا من ربه أفضل مما ق ّم، يعيش حياة ال تشبه ما‬
                                                ‫َك ُ‬
    ‫الناس فيه من أنواع الحياة، فاذكروني أذْ ُرْكمْ [البقرة:715]، ((من ذكرني في نفسه ذكرته في‬
                                             ‫نفسي، ومن ذكرني في مأل ذكرته في مأل خير منه)).‬
     ‫أصحاب القلوب الحية صائمون قائمون خاشعون قانتون، شاكرون على النعماء صابرون في‬
 ‫البأساء، ال تنبعث جوارحهم إال بموافقة ما في قلوبهم، تجردوا من األثرة والغش والهوى، اجتمع‬
 ‫لهم حسن المعرفة مع صدق األدب، وسخاء النفس مع رجاحة العقل، هم البريئة أيديهم، الطاهرة‬
     ‫صدورهم، متحابون بجالل اهلل، يغضبون لحرمات اهلل، أمناء إذا ائتمنوا، عادلون إذا حكموا،‬
     ‫منجزون ما وعدوا، موفون إذا عاهدوا، جادون إذا عزموا، يهشون لمصالح الخلق ويضيقون‬
‫بآالمهم، في سالمة من الغل وحسن ظن بالخلق وحمل الناس على أحسن المحامل، كسروا حظوظ‬
‫النفس وقطعوا األطماع في أهل الدنيا، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول اهلل‬
   ‫قال: ((يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير))، فهي سليمة نقية خالية من الذنب سالمة من‬
   ‫العيب، يحرصون على النصح واإلخالص والمتابعة واإلحسان، همتهم في تصحيح العمل أكبر‬
                                                       ‫سن ع‬              ‫لي لوك‬
    ‫منها في كثرة العمل، ِ َبُْ َ ُمْ أيكم أَحْ َ ُ َمَالً [الملك:7]. أوقفهم القرآن فوقفوا، واستبانت لهم‬
                              ‫َّقل ب ُ ج ة َنه إ رب ِ جع‬                                    ‫ي ت‬
       ‫السنة فالتزموا، ُؤْ ُونَ مَا أتَواْ و ُُو ُهمْ وَ ِلَ ٌ أ َّ ُمْ ِلَى َ ّهمْ را ِ ُونَ [المؤمنون:06]. رجال‬
    ‫مؤمنون ونساء مؤمنات بواطنهم كظواهرهم بل أجلى، وسرائرهم كعالنيتهم بل أحلى، وهمتهم‬
                                                         ‫تنك‬    ‫ع‬
  ‫عند الثريا بل أعلى، إن ُرفوا َّروا، تحبهم بقاع األرض وتفرح بهم مالئكة السماء، هذه حياة‬
                                                                                 ‫القلوب وهذه بعض آثارها.‬
 ‫أما القلوب المريضة فال تتأثر بمواعظ وال تستفزها النذر وال توقظها العبر. أين الحياة في قلوب‬
    ‫عرفت اهلل ولم تؤد حقه، قرأت كتاب اهلل ولم تعمل به، زعمت حب رسول اهلل وتركت سنته؟!‬
                           ‫ر‬
  ‫يريدون الجنة ولم يعملوا لها، ويخافون من النار ولم يتقوها. ُب امرئ من هؤالء أطلق بصره‬
                                                                        ‫ح‬
   ‫في حرام ف ُرم البصيرة، ورب مطلق لسانه في غيبة فحرم نور القلب، ورب طاعم من الحرام‬
                                                                           ‫ي‬
 ‫أظلم فؤاده. لماذا ُحرم محرومون قيام الليل؟! ولماذا ال يجدون لذة المناجاة؟! إنهم باردو األنفاس‬
‫غليظو القلوب ظاهرو الجفوة، القلب الميت الهوى إمامه والشهوة قائدة والغفلة مركبه، ال يستجيب‬
                                                ‫ت‬                         ‫ويت‬
 ‫لناصح، َّبع كل شيطان مريد، الدنيا ُسخطه وترضيه، والهوى يصمه ويعميه، ماتت قلوبهم ثم‬
   ‫قبرت في أجسادهم، فما أبدانهم إال قبور قلوبهم، قلوب خربة ال تؤلمها جراحات المعاصي، وال‬
       ‫ف‬                                                            ‫،‬
  ‫يوجعها جهل الحق ّ ال تزال تتشرب كل فتنة حتى تسود وتنتكس، ومن ثم ال تعرف معرو ًا وال‬
                                                                                                     ‫ر‬
                                                                                                   ‫تنكر منك ًا.‬
  ‫يا أيها الصائم، وأيتها الصائمة، إن غفلة القلوب عقوبة، والمعصية بعد المعصية عقوبة، والغافل‬
  ‫ال يحس بالعقوبات المتتالية، ولكن ما الحيلة؟! فال حول وال قوة إال باهلل. يقول بعض الصالحين:‬
     ‫"يا عجبًا من الناس يبكون على من مات جسده وال يبكون على من مات قلبه ". شتان بين من‬
 ‫طغى وآثر الحياة الدنيا وبين من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، تمرض القلوب وتموت‬
                          ‫َز َّ ُ قل ب ُ‬             ‫َم‬
  ‫إذا انحرفت عن الحق وقارفت الحرام، فَل َّا أزاغوا أ َاغَ الله ُُو َهمْ [الصف:1]، تمرض القلوب‬
                                 ‫س الل سيه‬
    ‫وتموت إذا افتتنت بآالت اللهو وخليع الصور، نَ ُواْ َّهَ فَنَ ِ َ ُم [التوبة:26]. كل الذنوب تميت‬
 ‫القلوب وتورث الذلة وضيق الصدر ومحاربة اهلل ورسوله. يقول الحسن رحمه اهلل: "ابن آدم، هل‬
 ‫لك بمحاربة اهلل من طاقة؟! فإن من عصى اهلل فقد حاربه، وكلما كان الذنب أقبح كان في محاربة‬
     ‫اهلل أشد، ولهذا سمى اهلل أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين هلل ورسوله لعظم ظلمهم وسعيهم‬
         ‫بالفساد في أرض اهلل"، قال: "وكذلك معاداة أوليائه فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه ويحبهم‬
                                                            ‫ويؤيدهم، فمن عاداهم فقد عادى اهلل وحاربه".‬
‫أخي المسلم، إن هناك عالمات تدل على مدى الحياة في القلب، وهذه العالمات مستقاة ومستخلصه‬
                                  ‫من النصوص القرآنية التي سيقت في معرض بيان قلوب المؤمنين.‬
  ‫فمن تلك المظاهر حسن االنتفاع بالعظة واالستبصار بالعبرة والظفر بالثمرة، فإن العمل الصالح‬
                                                                                        ‫هو ثمرة العلم النافع.‬
‫ومن تلك العالمات أو المظاهر و َ ُ القلب من اهلل وشدة الخوف منه، إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُو َ ال ِينَ إ َا ُك َ‬
‫ِن م من ن َّذ ِذ ذ ِر‬                                                  ‫جل‬
                   ‫وب ِّ م بت َّذ ِذ ذ ِ الله ج ْ قل ب ُ‬                                      ‫الله ج ْ قل ب ُ‬
  ‫َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ [األنفال:7]، َ َشرْ الْ ُخْ ِ ِينَ ال ِينَ إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ [الحج:43، 13]،‬
                                            ‫َقل ب ُ ج ة َن ُ إ َب ِ ْ ر جع‬                      ‫و َّذ ي ت ن م‬
                          ‫َال ِينَ ُؤْ ُو َ َا آتَوا و ُُو ُهمْ وَ ِلَ ٌ أَّهمْ ِلَى رِّهم َا ِ ُونَ [المؤمنون:06].‬
  ‫َد ث‬        ‫س‬        ‫الله ن َّ‬
  ‫ومنها القشعريرة في البدن عند سماع القرآن ولين الجلود والقلوب إليه، َّ ُ َزلَ أَحْ َنَ الْح ِي ِ‬
     ‫َبه ُم ل ن جل د ُ َقل به إ ذ ْ الل‬                             ‫ِر م ه جل د َّذ ي‬                  ‫ك م به م ن‬
   ‫ِتَابًا ُتَشَا ِ ًا َثَا ِيَ تَقْشَع ُّ ِنْ ُ ُُو ُ ال ِينَ َخْشَوْنَ ر َّ ُمْ ث َّ تَِي ُ ُُو ُهمْ و ُُو ُ ُمْ ِلَى ِكرِ َّهِ‬
                                                                                                                ‫[الزمر:37].‬
  ‫َق‬        ‫َ قل ب ُ لذ ْ الله وم َ َ م‬                     ‫لَّذ من‬               ‫َ‬
  ‫ومنها خشوع القلب لذكر اهلل، أَلمْ يَأْنِ ِل ِينَ آ َُوا أَنْ تَخْشَع ُُو ُهمْ ِ ِكرِ َّ ِ َ َا نزلَ ِنْ الْح ِّ‬
                                                                                                               ‫[الحديد:65].‬
 ‫ولي َ َّذ أ ت ع ْ َنه َق م َب َ ي من ب ِ فت بت‬
 ‫ومنها اإلذعان للحق والخضوع له، َِ َعْلمَ ال ِينَ ُوُوا الْ ِلمَ أ َّ ُ الْح ُّ ِنْ ر ِّك فَ ُؤْ ُِوا ِه َُخْ ِ َ‬
                                                                                                                 ‫ُ قل ب ُ‬
                                                                                                    ‫لَه ُُو ُهمْ [الحج:41].‬
                               ‫من‬              ‫ب ج‬                ‫م ش الر م‬
                    ‫ومنها كثرة اإلنابة إلى اهلل، َنْ خَ ِيَ َّحْ َنَ بِالْغَيْ ِ وَ َاءَ بِقَلْبٍ ُ ِيبٍ [ق:33].‬
      ‫وِذ ذ ِ الله ْده َز قل ب َّذ َ‬
   ‫ومنها األنس بذكر اهلل خالف الذين يشمئزون منه، َإ َا ُكرَ َّ ُ وَح َ ُ اشْمَأ َّتْ ُُو ُ ال ِين ال‬
                                                                                                         ‫ِ‬         ‫ي من‬
                                                                                         ‫ُؤْ ِ ُونَ بِاآلخرَةِ [الزمر:14].‬
                          ‫ِ الل ِ ِن م و قل‬                          ‫لك وم ي َظ‬
            ‫ومنها تعظيم شعائر اهلل، ذَِ َ َ َنْ ُع ِّمْ شَعَائرَ َّه فَإَّهَا ِنْ تَقْ َى الْ ُُوبِ [الحج:73].‬
                     ‫َرع‬         ‫ُ بس‬             ‫ِ‬
     ‫ومنها التضرع إلى اهلل والفزع إليه وقت الشدة، فَلَوْال إذْ جَاءَهمْ َأْ ُنَا تَض َّ ُوا [األنعام:34].‬
      ‫م ِن قل ب‬              ‫َّذ ن من و مئ ُّ قل به بذ ْ الل أ ِذ ْ الل‬
      ‫ومنها الطمأنينة بذكر اهلل، ال ِي َ آ َ ُوا َتَطْ َ ِن ُُو ُ ُمْ ِ ِكرِ َّهِ َال ب ِكرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ‬
                                                                                                                ‫[الرعد:57].‬
                                          ‫عِم م ف قل به ْ ْز السك ع ِ‬
                            ‫ومنها السكينة والوقار، فَ َل َ َا ِي ُُو ِ ِم فَأَن َلَ َّ ِينَةَ َلَيْهمْ [الفتح:55].‬
   ‫ومنها شدة التعلق باهلل ودوام ذكره واطمئنان القلب بذلك واالهتمام بصحة العمل بتصحيح النية‬
                                                                                                          ‫وتحقيق المتابعة.‬
 ‫عباد اهلل، وكما أن هناك عالمات لحياة القلب كذلك هناك عالمات تدل على موت القلب وفساده،‬
                                                                                                          ‫نسأل اهلل العافية.‬
        ‫فمن تلك العالمات قلة االنفعال في الرغائب وقلة اإلشفاق والرحمة، فقلوب أهل المعاصي‬
    ‫معرضة عن كتاب اهلل وسنة رسوله، فهي مظلمة بعيدة عن الحق ال يصل إليها شيء من نور‬
                                                                                                ‫اإليمان وحقائق الفرقان.‬
      ‫ومنها إيثار الدنيا على اآلخرة، كما في حديث جابر قال: قال : ((تكون فتنة يموت فيها قلب‬
            ‫ر‬            ‫ن‬               ‫ر‬            ‫ن‬
‫الرجل كما يموت فيها بدنه؛ يصبح مؤم ًا ويمسي كاف ًا، أو يمسي مؤم ًا ويصبح كاف ًا، يبيع دينه‬
                                                                                                      ‫بعرض من الدنيا)).‬
                  ‫ْر ُ فر‬         ‫به ع ذ ر َات و ه و‬                                     ‫و ت م‬
               ‫ومنها حب الشهوات، َال ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َنْ ِكْ ِنَا و َّبَعَ هَ َا ُ َكَانَ أَم ُه ُ ُطًا‬
                                          ‫َل ِم اتب و ه ب ر ُد م الل‬                         ‫وم‬
                            ‫[الكهف:57]، َ َنْ أَض ُّ م َّنْ َّ َعَ هَ َا ُ ِغَيْ ِ ه ًى ِنْ َّهِ [القصص:01].‬
                                                                                                         ‫ومنها شدة الغفلة.‬
                                                                ‫ومنها هوان القبائح عليه والرغبة في المعاصي.‬
                      ‫ر‬               ‫ف‬
      ‫ومنها عدم إنكار المنكر، فإن كان القلب ال يعرف معرو ًا وال ينكر منك ًا نكس فجعل أعاله‬
                                                                                                      ‫أسفله.‬
    ‫ي ِله ي ع‬           ‫وم ي ِ‬
  ‫ومنها انحباس الطبع وضيق الصدر والشعور بالقلق والضيق بالناس، َ َنْ ُردْ أَنْ ُضَّ ُ َجْ َلْ‬
        ‫صدرَ ُ ض ِّ ًا ح َجًا كَأَّمَا ي َّعد ِي َّ َا ِ كذَلِ َ َجْ َ ُ َّ ُ ِّجْسَ ََى ال ِين ال ُؤْ ِ ُو َ‬
        ‫عل َّذ َ ي من ن‬              ‫َ ْ ه َيق َر َن َص َّ ُ ف السم ء َ ك ي عل الله الر‬
                                                                                            ‫[األنعام:175].‬
                                                                          ‫ومنها عدم التأثر بآيات القرآن.‬
                              ‫ومنها عدم التأثر بالموعظة عامة وبالموت وال رؤية األموات خاصة.‬
  ‫ومنها التكاسل عن أعمال الخير، َال يَأْ ُونَ َّالةَ إ َّ وَهمْ ُسَالَى َال ُن ِ ُونَ إ َّ وَهمْ كَا ِ ُو َ‬
  ‫و ي فق ِال ُ ره ن‬                         ‫و ت الص ِال ُ ك‬
                                                                                               ‫[التوبة:41].‬
        ‫وهلل در العالمة الشيخ محمد بن عتيق حينما قال قصيدة له بهذا الشأن، هذه بعض أبياتها:‬
                                            ‫ق وسل‬                  ‫ب‬         ‫َ‬
                                          ‫فيا أيها الباغي استنارة قلبه…تد ّر كال الوحيين وان َد ِّما‬
                                ‫وعين امتراض القلب فقد الذي له…أريد من اإلخالص والجد فاعلما‬
                                                                            ‫ث م‬
                             ‫ومو ِر َحبوب سوى اهلل قلبه…مريض على جرف من الموت والعمى‬
                                                                       ‫ت‬
                                         ‫فجماع أمراض القلوب اّباعها…هواها فخالفها تصح وتسلما‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                              ‫أيها المسلمون، اعلموا أن أمراض القلوب على نوعين:‬
‫5- أمراض شبهة، وهذا أشد أنواع المرض؛ وما ذاك إال لكثرة الشبهات في عصرنا الحاضر، ما‬
           ‫بين تيارات فكرية ضالة صارت تشغل الناس من علمانية وقومية واشتراكية وشيوعية،‬
‫وممارسات إعالمية على مستوى العالم اإلسالمي اليوم تبث الشبة وتشكك بالثوابت، فالمسلم اليوم‬
‫كالقابض على الجمر من كثرة المعارضين وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك واإللحاد،‬
      ‫وفتن الشهوات، حيث يترتب على كثير من هذه الفتن اعتقاد غير الحق المفضي إلى مرض‬
                                                                       ‫ذ‬
                                                               ‫القلب، بل موته أحيانا كثيرة، عيا ًا باهلل.‬
‫عباد اهلل، ذكر العلماء جملة من العالمات تدل داللة واضحة على مرض القلب بالشبهات، وينبغي‬
‫لمن وجد في نفسه أي عالمة منها أن يسارع إلى معالجة قلبه، ومن أبرز تلك العالمات وأظهرها‬
       ‫اتباع المتشابه من القرآن وإظهار اإليمان باللسان دون مواطأه القلب والتمرد على حكم اهلل‬
             ‫ورسوله والمسارعة في مواالة الكافرين والرغبة في المعصية والتقاعس عن الجهاد.‬
  ‫7- أمرض الشهوات، الشهوات باب واسع يدخل تحته كل مشتهى، ومن المشتهيات مباح ومنها‬
       ‫ما هو محرم. ومفسدات القلوب هي الشهوات المحرمة، ومنها تتولد أمراض القلوب كالشح‬
                                    ‫َم‬
‫والبخل والحسد والغل والحقد والجهل والغي والغم واله َّ والحزن والغيظ والكبر والعجب والظلم،‬
‫وغيرها من األمراض التي ال تدخل تحت حصر أعاذنا اهلل منها. ولكن يجمعها اتباع الهوى بغير‬
      ‫َ َر م ات َ إ هه و ه و َله الله عل ع ْ‬
    ‫هدى من اهلل، وفي ذلك يقول اهلل جل جالله: أف َأَيْتَ َنْ َّخذَ ِلَ َ ُ هَ َا ُ َأَضَّ ُ َّ ُ ََى ِلمٍ‬
                 ‫م ي ْد ه م ب الل َ َ َكر‬                           ‫عل س عه َ به وج َ عل بص غ‬
              ‫وَخَتَمَ ََى َمْ ِ ِ وقَلْ ِ ِ َ َعلَ ََى َ َرِهِ ِشَاوَةً فَ َنْ َه ِي ِ ِنْ َعْدِ َّهِ أفَال تذ َّ ُونَ‬
                                                                                                          ‫[الجاثية:37].‬
 ‫أيها اإلخوة، إذا أردت ـ يا عبد اهلل ـ شفاء قلبك وعافيتك فعليك بصدق اللجوء إلى اهلل واإلكثار‬
                       ‫ض‬                                                  ‫ح‬
      ‫من النوافل وبس ّ الدموع والصالة بالليل والناس هجوع، ودواء قلبك أي ًا بمالزمة األذكار‬
  ‫وصحبة األخيار فإنهم خير معين بعد اهلل على شفاء القلب السقيم وسلوك الصراط المستقيم، قال‬
    ‫عه‬           ‫َد ة و ع ِي ُر د ن و هه و ْد ع‬                         ‫َبه‬       ‫َّذ َ ع‬            ‫ك‬          ‫و ِ‬
  ‫تعالى: َاصْبرْ نَفْسَ َ مَعَ ال ِينَ يدْ ُونَ ر َّ ُمْ بِالْغ َا ِ َالْ َش ِّ ي ِي ُو َ َجْ َ ُ َال تَع ُ َيْنَاكَ َنْ ُمْ‬
                                                                       ‫ح الد ي‬                ‫ُر د ز‬
   ‫ت ِي ُ ِينَةَ الْ َيَاةِ ُّنْ َا [الكهف:57]. يقول ابن القيم رحمه اهلل تعالى: "ومن أسباب حياة القلوب‬
‫اإلقبال على اهلل وتعظيمه، وتدبر الوحي بشقيه القرآن والسنة، والشوق إلى اهلل واإلنابة إليه والندم‬
       ‫على المعاصي والحذر من الوقوع فيها، ومخالفة هوى النفس، واالستعداد لآلخرة، وصحبة‬
    ‫الصالحين. ومن أسباب موت القلوب الغفلة عن اهلل، وإيثار محبوب سوى اهلل، وترك االغتذاء‬
‫بنافع وترك الدواء الشافي الوحي وذكر اهلل، وكثرة الضحك. وأما حقيقة مرض القلوب فهي فقدان‬
     ‫اإلخالص هلل والحب له، وجامع أمراض القلوب اتباع الهوى. نسأل اهلل أن يحيي قلوبنا بنور‬
         ‫معرفته وذكره وشكره، فحياة القلب وإشراقه مادة كل خير، وموته وظلمته مادة كل شر".‬
  ‫عبد اهلل، احرس قلبك ـ أخي المسلم ـ أن يتسلل إليه الشيطان بشبهة خبيثة أو شهوة محرمة أو‬
  ‫به ع ذ ر َات و ه‬                                     ‫و ت م‬
  ‫آفة مفسدة، احذر الغفلة والغافلين، قال اهلل تعالى: َال ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َنْ ِكْ ِنَا و َّبَعَ هَ َا ُ‬
                                                     ‫س‬                  ‫ْر ُ فر‬         ‫و‬
    ‫َكَانَ أَم ُه ُ ُطًا [الكهف:57]. و ُئل بعض العلماء عن عِشقِ الصور فقال: "قلوب غفلت عن‬
        ‫ذكر اهلل فابتالها اهلل بعبودية غيره". فالقلب الغافل مأوى الشيطان، يقول الحسن رحمه اهلل:‬
                                                                              ‫قو‬
      ‫"المؤمن َّام على نفسه يحاسب نفسه هلل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على أقوام حاسبوا‬
       ‫أنفسهم في الدنيا، وشق الحساب على أقوام يوم القيامة أخذوا هذا األمر على غير محاسبة".‬
 ‫فحاسبوا أنفسكم رحمكم اهلل، وفتشوا في قلوبكم، وعليكم باالهتمام بأعمال القلوب. كثير من الناس‬
    ‫يهتم باألعمال الظاهرة وهذا أمر حسن ومطلوب، ولكن هؤالء يغفلون عن أصل هذه األعمال‬
‫ومادتها وهي األعمال القلبية، فهذه األعمال هي األصل وهي األهم. ((إن اهلل ال ينظر إلى أعمالكم‬
‫وال إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم))، ((أال وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد‬
                                                          ‫كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، أال وهي القلب)).‬
   ‫ومن ثم فتأمل معي ـ رعاك اهلل ـ هذا الحديث العظيم، والذي من خالله نعرف أهمية أعمال‬
  ‫القلوب، أخرج اإلمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا عند رسول اهلل فقال:‬
  ‫((يطلع اآلن عليكم رجل من أهل الجنة))، فطلع رجل من األنصار تنطف لحيته من وضوئه قد‬
 ‫علق نعليه بيده الشمال، فلما كان من الغد قال النبي مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل‬
     ‫حالة، فلما قام النبي تبعه عبد اهلل بن عمرو ـ أي: تبع ذلك الرجل ـ فقال: إني الحيت أبي‬
   ‫فأقسمت أني ال أدخل عليه ثالثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، قال: نعم. قال أنس:‬
                   ‫ئ‬
‫فكان عبد اهلل يحدث أنه بات معه تلك الثالث الليالي فلم يره يقوم من الليل شي ًا، غير أنه إذا تعار‬
 ‫من الليل ذكر اهلل عز وجل وكبر حتى نام لصالة الفجر. قال عبد اهلل: فلما مضت الثالث الليالي‬
   ‫وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد اهلل، لم يكن بيني وبين أبي غضب وال هجر، ولكن سمعت‬
 ‫رسول اهلل يقول ثالث مرات: ((يطلع عليكم اآلن رجل من أهل الجنة))، فطلعت أنت، فأردت أن‬
‫آوي إليك فأنظر عملك فأقتدي بك، فلم أرك عملت ثمة عمال، فما الذي بلغك ما قال رسول اهلل ؟!‬
  ‫قال: ما هو إال ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إال ما رأيت غير أني ال أجد في نفسي‬
                                                              ‫د‬
   ‫ألحد من المسلمين غشًا وال حس ًا على خير أعطاه اهلل إياه. فقال عبد اهلل: هذه التي بلغت بك.‬
    ‫قال شيخ اإلسالم رحمه اهلل: "ال يخلو جسد من حسد، فالكريم يحصيه، واللئيم يبديه". فاهلل اهلل‬
                                                  ‫بأعمال القلوب، والحذر الحذر من معاصيها.‬
 ‫عباد اهلل، هناك إشكال عند بعض الناس وهو أن بعض الناس عنده فهم خاطئ، ومن ذلك أنك إذا‬
                  ‫م‬       ‫ال‬          ‫ً‬                                             ‫د‬
    ‫حدثت أح ًا ونصحته بااللتزام بالسنة الظاهرة كاللحية مثال أجابك قائ ً: المه ّ القلب والحديث‬
   ‫يقول: ((إن اهلل ال ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى أعمالكم))، والتقوى ها هنا، ويشير إلى‬
‫قلبه. فنقول لهؤالء: هذا فهم خاطئ؛ نعم المهم واألصل صالح القلب، وصالح المظهر مع خراب‬
  ‫الباطن ال ينفع، لكن نقول إن صالح القلب له عالمات، ومن أشد وأهم عالماته صالح الظاهر،‬
 ‫يقول النبي : ((أال أن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله)). إن صالح الظاهر دليل‬
                                                 ‫على صالح القلب، وفساده نتيجة فساد باطنه.‬
                                                                ‫وصلى اهلل على نبينا محمد...‬

‫(5/6444)‬




                                                                     ‫وباألسحار هم يستغفرون‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                              ‫الصالة, الصوم, فضائل األعمال‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                  ‫عبد اهلل بن راضي المعيدي‬
                                                                                        ‫حائل‬
                                                                      ‫جامع عمر بن الخطاب‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- نماذج وصور مشرقة لسلفنا الصالح في اغتنام الليل. 7- فضل وقت السحر. 3- مسائل‬
                                                                                   ‫وأحكام متعلقة بالسحور.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
            ‫سم‬
   ‫أما بعد: عباد اهلل، فإن سجود المحراب واستغفار األسحار ودموع المناجاة بالليل ِي َا يحتكرها‬
                                                ‫ي ت‬            ‫ه‬
   ‫الخواص من المؤمنين، ولئن تو ّم الدنيو ّ جن َه في الدنيا في الدينار والدرهم والنساء والقصر‬
                                                                     ‫المنيف فإن جنة المؤمن في محرابه.‬
                                                     ‫ُ ي فر ن‬                        ‫و‬
  ‫نعم يا محب، َبِاألَسْحَارِ همْ َسْتَغْ ِ ُو َ [الذاريات:55]، في آخر ساعات الليل وفي الثلث األخير‬
  ‫منه بالتحديد ألهل اإليمان وعباد الرحمن وأهل الصيام والقيام موعد مع ربهم وإلههم ومحبوهم،‬
       ‫ح‬          ‫ح ُ ي ِر ن و م ِر ن‬                                ‫و‬
‫الواحد الديان الرحيم الرحمن، شعارهم فيه: َبِاألَسْ َارِ همْ َسْتَغْف ُو َ، َالْ ُسْتَغْف ِي َ بِاألَسْ َارِ [آل‬
                                            ‫مد‬
‫عمران:25]، يقول الحسن رحمه اهلل عنهم: " ُّوا الصالة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون". وكان‬
                                                                               ‫ل‬
   ‫ابن عمر يصّي ثم يقول لمواله نافع: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء‬
‫واالستغفار حتى يصبح. ويقول الفضيل بن عياض: "بكاء النهار يمحو ذنوب العالنية، وبكاء الليل‬
 ‫يمحو ذنوب السر". وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفي ذلك؛ فإذا كان عند الصباح رفع‬
                                                                               ‫صوته كأنه قام تلك الساعة.‬
    ‫عباد اهلل، السحر وقت غافالت الغافلين، والوساد العريض للنائمين، يتعرض فيه أرباب العزائم‬
                  ‫ق‬
‫للنفحات الرحمانية واأللطاف اإللهية والمنح الربانية، حينئذ تكون العبادة أش ّ وأخلص، والنية أدق‬
                                                                                                    ‫وأمحص.‬
                                              ‫ص‬
  ‫المستغفرون باألسحار نجاتهم في مناجاتهم و ِلتهم في صالتهم، فهنيئًا لك ـ يا أخي الصائم ـ‬
        ‫ة‬                                   ‫د‬
        ‫هذا الوقت العظيم، هذا الوقت الذي هو شريف بح ّ ذاته، وفي رمضان يزداد شرفًا وأهمي ً‬
 ‫وفضالً، يقول العالمة السعدي رحمه اهلل: "ولالستغفار باألسحار فضيلة وخصيصة ليست لغيره".‬
                              ‫ال‬
        ‫فكيف يليق بنا أن تنام أعيننا في وقت ينزل فيه الملك المتعال نزو ً يليق بجالله كما قال :‬
         ‫((فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) أخرجه‬
                                                                         ‫البخاري (1455) ومسلم (512).‬
              ‫ن‬                                                 ‫ن‬
        ‫فيا ترى هل فكر كل واحد م ّا في استثمار هذا الوقت العظيم الذي هو من آكد مظا ّ إجابة‬
 ‫الدعاء؟! ترى ما هي أحوال الناس مع ثلث الليل اآلخر؟! بل كم من شاك لنفسه قد غاب عنه هذا‬
     ‫الوقت المبارك، كم من مكروب غلبته عينه عن حاجته ومقتضاه، كم من مكلوم لم يفقه دواءه‬
                                                                                 ‫وسر شفائه، كم وكم وكم.‬
                                                                          ‫ر‬
    ‫أال إن كثي ًا من النفوس في سبات عميق، إنها ال تكسل في أن تجوب األرض شمالها وجنوبها‬
    ‫شرقها وغربها، باحثة عن ملجأ للشكوى أو فرصة سانحة لعرض الهموم والغموم، غافلة غير‬
     ‫ب َ ه م ك ت ُل ء وه ي ر و‬                          ‫َم ف‬               ‫م‬
   ‫آبهة بااللتجاء إلى كاشف الغ ّ وفارج اله َّ ومن ّس الكرب، ِيدِ ِ َلَ ُو ُ ك ِّ شَيْ ٍ َ ُوَ ُجِي ُ َال‬
                           ‫َم يج ب م َر ِذ د ه وي ِف الس‬                                         ‫يج ر ع‬
            ‫ُ َا ُ َلَيْهِ [المؤمنون:55]، أ َّنْ ُ ِي ُ الْ ُضط َّ إ َا َعَا ُ َ َكْش ُ ُّوءَ [النمل:76].‬
                                                                  ‫ت ي‬
 ‫فاهلل اهلل أن يغلبك النوم ف ُضّع وقت اإلجابة والمغفرة والعطاء، قال : ((نعم العبد عبد اهلل لو كان‬
         ‫يقوم الليل)). فما أحوجنا للتعرض لنفحات العزيز الغفار، واالنطراح بين يديه في أوقات‬
     ‫األسحار، عله تعالى أن يغفر الذنب ويستر القبيح ويعفو عن الزلل ويوفقنا إلى صالح العمل.‬
‫المؤمنون تتجافى جنوبهم عن وطء المضاجع، كلهم بين خائف مستجير وطامع، تركوا لذة الكرى‬
‫للعيون الهواجع، ورعوا أنجم الدجى طالعًا بعد طالع، واستهلت عيونهم فائضات المدامع، ودعَوا:‬
                                                                           ‫يا مليكنا يا جميل الصنائع.‬
 ‫عباد اهلل، يجب علينا المحافظة على السحور وعدم التهاون به، ففي الصحيحين قال رسول اهلل :‬
 ‫((تسحروا فإن في السحور بركة)). وقد فسرت البركة بتفاسير عدة، من أحسنها ما ذكره الحافظ‬
     ‫ابن حجر: "البركة في السحور تحصل بجهات متعددة؛ وهي اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب‬
                              ‫والتقوي به على العبادة والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة اإلجابة".‬
                                                          ‫ي‬
       ‫أيها المسلمون، ومما ينبغي أن ُعلم أن السحور يحصل بأقل ما يتناول المرء من مأكول أو‬
                         ‫ي‬
   ‫مشروب، ولو بجرعة ماء كما في الحديث عند أحمد. كما ينبغي أن ُعلم أن السنة في السحور‬
‫تأخيره إلى ما قبل طلوع الفجر، قال النبي كما في المسند: ((ال تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطور‬
   ‫وأخروا السحور))، وعن أنس بن مالك قال: تسحر رسول اهلل وزيد بن ثابت ثم قاما فدخال في‬
‫صالة الصبح، فقلت ألنس: كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصالة؟ قال: قدر ما يقرأ اإلنسان‬
‫خمسين آية. أخرجه البخاري (511). والضابط هنا كما ذكر شيخنا ابن عثيمين رحمه اهلل تعالى:‬
                                    ‫"أن يكون بين السحور وأذان الفجر المقدار الذي يكفيه لألكل".‬
   ‫عباد اهلل، أال وإن من فضائل السحور أنه فارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، وفي الصحيح‬
 ‫قال : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)). ومن فضائله أنه مظنة مغفرة هلل‬
     ‫تعالى، لما رواه أحمد عن أبى سعيد الخدري أن النبي قال: ((فإن اهلل ومالئكته يصلون على‬
                                                                                         ‫المتسحرين)).‬
   ‫أيها اإلخوة، ومما يجب على الصائم اإلمساك عن الطعام والشراب إذا استبان طلوع الفجر وال‬
             ‫ص‬      ‫ن ظ‬
  ‫عبرة بتوقيت المؤذن؛ ألنه قد يتقدم أو يتأخر إال إذا كان المؤذن أمي ًا يق ًا حري ًا على إصابة‬
 ‫أول الوقت فحينئذ يوثق به ويعتمد، قال : ((المؤذنون أمناء المسلمين على فطورهم وسحورهم))‬
                                                       ‫صححه األلباني في صحيح الجامع (2466).‬
                                                                             ‫ي‬
  ‫ومما ُحرص عليه وجود التمر في السحور؛ يقول النبي : ((نعم سحور المؤمن التمر)) أخرجه‬
                                                                                    ‫أبو داود (1437).‬
                                           ‫ر‬
  ‫وهنا مسألة يجب معرفتها، وهي من أكل متسح ًا شاكًا في طلوع الفجر أو يغلب على ظنه عدم‬
                                                             ‫طلوعه فال شيء عليه وصومه صحيح.‬
                                                                        ‫وصلى اهلل على نبينا محمد...‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد.‬

‫(5/2444)‬




                                                                          ‫إعالمنا واألحداث‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                    ‫العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                   ‫اإلعالم, جرائم وحوادث‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد اهلل بن عبد العزيز التميمي‬
                                                                                   ‫الرياض‬
                                                                              ‫37/7/6745‬
                                                          ‫األمير حسن بن عبد اهلل آل سعود‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- أهمية اإلعالم في العصر الحديث وخطره. 7- صور من انحرافات وتضليل اإلعالم. 3-‬
                      ‫موقف اإلعالم المجحف من أحداث الفئة الضالة. 4- كلمة لرجال األمن.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                      ‫م‬
     ‫في عصر يموج باألحداث المتسارعة ال ُلتهبة والوقائع المتالحقة المشتعلة تبرز أهمية وجود‬
                                                                   ‫ف‬
‫إعالم صادق وشَ ّاف ينقل إليك الصورة واضحة من الموقع، ويجعلك تتابع الحدث لحظة بلحظة،‬
                         ‫ّ‬       ‫ص‬                                              ‫ل‬
‫ويحّله لك والتراكماتِ الناشئةَ عنه بصدق وحياد، خا ّةً في ظل عولمة مفروضة على الضعيف؛‬
   ‫ث‬                               ‫ث‬
  ‫ليخضع من خاللها للقوي، فأصبح العالم قرية صغيرة يتأّر شرقها بما يحدث في غربها، ويؤ ّر‬
                                                                        ‫شمالها في جنوبها.‬
                   ‫ث‬                                 ‫م‬                       ‫ر‬
 ‫ولكن نظ ًا ألن العولمة المفروضة ُصطبِغة بصبغة أمريكية كافرة فقد أ ّرت بشكل أو بآخر في‬
                   ‫س‬                 ‫ي‬
  ‫إعالم الدول عمومًا، واإلسالمية منها خصوصًا، فأصبح ُظهر األحداثَ ويف ّرها كما يهواه ذلك‬
              ‫ي‬                                                ‫ض‬
 ‫اإلعالم الكافر، هذا مع غَ ّ الطرف عن تلك األيدي الخبيثة الظاهرة منها والخف ّة التي انتسبت‬
                    ‫م َر‬
         ‫إلى اإلسالم اسمًا ورسمًا، وهي أبعد ما تكون عنه، بل من أشد أعدائه َخْب ًا ومضمونًا.‬
                                                     ‫س‬
      ‫لقد أصبح اإلعالم العالمي يف ّر كل ما يحدث من عنف على سطح األرض على أنه صنيعة‬
                                            ‫إرهاب، وإذا قيل: إرهاب فالمراد: اإلسالم، ليس إال.‬
      ‫َرن‬            ‫ه‬      ‫ي‬      ‫فحين يدافع شعب مسلم ضعيف عن أرضه ويقاتل غاص ًا محتال‬
     ‫ًّ معتد ًا ليط ّر ثراه من د َ ِه‬     ‫ب‬
                                                                                ‫دس‬
  ‫و َنَ ِه سواء في فلسطين والعراق فهذا هو اإلرهاب بعينه، ولكن حين تقصف الطائرات المباني‬
                ‫ق‬                                             ‫يت‬                 ‫ر‬      ‫م‬
  ‫وتد ّر الج ّافات المنازل و ُق ّل األبرياء من الشيوخ والنساء والصبيان فهذا ح ّ للدفاع مشروع؛‬
                             ‫ي‬                       ‫ي‬                  ‫م‬
                       ‫خاصةً إذا كان ال ُعتدَى عليه مسلمًا ُخشى من أي حركة أو سكنة ُحدثها.‬
  ‫ل‬                                                                           ‫ي‬
 ‫وحين ُعاقَب مجرم على جرمه في بلد اإلسالم كما جاء به شرع اهلل فإن هذا يوصف بأنه تخّف‬
                             ‫ج ز‬
‫ورجعية؛ وإن كان قد انتقص دين اهلل أو شعيرة من شعائره ف ُو ِيَ بما يستحق، فهذا اعتداء على‬
      ‫ن‬
      ‫الحرية الفكرية ومناقضة لحقوق اإلنسان التي كفلها له النظام العالمي، ولكن حين يحدث أ ّ‬
                                     ‫ت ف‬                                                 ‫مص‬
    ‫ُن ِفًا يصف اإلسالم بما هو الحق فإن هذا جريمة ال ُغْتَ َر وإيذاء لمشاعر العامة، فال بد من‬
                                                                                   ‫إيقافه وإسكاته.‬
                                   ‫ب‬            ‫ق‬
  ‫وحين يتحرك أحد في بلد اإلسالم بسوء فإن ُوى الكفر ته ّ لنجدته باسم الديمقراطية والحرية،‬
            ‫خ‬               ‫ي‬
  ‫أما إذا كان هذا بحق في بلد كافر فإن أشد العقوبات تنزل به، وال ُسمح ألحد بالتد ّل؛ ألن هذا‬
                       ‫شأن داخلي. وهكذا دَواليك، سلسلة ال تنتهي من الكذب والتزييف والخداع.‬
     ‫وحتى لو قلنا: إن هذا شأن اإلعالم الكافر ـ وليس بعد الكفر ذنب ـ فإن الكالم ينسحب إلى‬
         ‫ض‬                                  ‫ه‬        ‫ع‬
 ‫إعالم الدول المسلمة الذي خضع طو ًا أو كر ًا لما يسعى إليه الغرب، بل أصبح بع ُ األذناب‬
       ‫ممن يتسمون باإلسالم يبادرون باتهام الدين وشعائره وشرائعه في كل ما يحدث من تفجير‬
         ‫ج‬                                    ‫لف‬                            ‫ق‬
 ‫وتخريب وتدمير؛ ُربانًا ألسيادهم الكفرة، وتزّ ًا ألوليائهم من المنافقين، وصاروا يم ّدون رموز‬
  ‫الكفر واإللحاد وأصنام الفسق والمجون باسم التفاني في خدمة اإلنسانية وتحقيق األهداف النبيلة.‬
                                                           ‫ر‬                  ‫ق‬
 ‫وليكون الكالم تطبي ًا وواقعًا ال تنظي ًا وتأصيالً انظروا إلى الهالة اإلعالمية التي أحدثها اإلعالم‬
 ‫ووسائله في الحديث عن رأس النصرانية الحاقدة على اإلسالم، والمتابعة الدقيقة لوضعه الصحي‬
                                                         ‫الت ب‬                     ‫د‬
   ‫المتر ّي حتى أهلكه اهلل، ثم َّأ ِين بذكر محاسنه وخدماته الجليلة، بل وحتى في سعيه الدؤوب‬
                            ‫ك‬                       ‫خ‬
     ‫للتقارب مع اليهودية، واعتذاره عن عدم تد ّل كنيسته فيما شهدته ال ِذبة العالمية في المحرقة‬
                                        ‫ي د‬                                              ‫زي‬
   ‫النا ِ ّة التي افتراها اليهود، وال يزال العالم بأسره ُس ّد فاتورتها ويدفع تعويضاتها. مع أن ذلك‬
                         ‫د‬                  ‫ال‬
‫النصراني الهالك الذي أمضى عمره يحمل أثقاله وأثقا ً مع أثقاله لم يتو ّد للمسلمين يومًا، ولم يقل‬
                                            ‫د‬         ‫ال‬      ‫ر‬        ‫د‬
  ‫كلمة حق نحوهم، ولم يق ّم اعتذا ًا مماث ً كالذي ق ّمه لليهود فيما جناه أجداده بحق المسلمين في‬
‫األندلس ومحاكمِ التفتيش التي ما عرف العالم ـ حتى الحديث ـ مثيالً لها في نكالها وعذابها. وال‬
   ‫يزال اإلعالم ـ حتى بعد هالك رمز الصليب ـ يتابع أحداث دفنه التي تنتهي إلى جهنم وبئس‬
                                                                              ‫ّ‬
                                                         ‫المصير؛ وما يجد في شأن الكنيسة بعده.‬
‫وشاهد آخر قريب منه؛ حين كان اإلعالم يتابع األيام األخيرة بلحظاتها في حياة ممثل ماجن عاش‬
          ‫عل‬
‫عمره، بل قضى حتى آخر لحظات حياته في ظالم الفن والتمثيل. فهل شهدت حياة ََم من أعالم‬
  ‫المسلمين المعاصرين التغطية ذاتها من إعالم الدول المسلمة؟! على الرغم من أن أعالم اإلسالم‬
  ‫ليسوا بحاجة لذلك؛ فالميزان ميزان اهلل، ال ميزان الخلق. وأما ذلك النصراني ومن على شاكلته‬
                                                                                         ‫ي‬
                                                              ‫فهذا من تعجيل ط ّباتهم لهم في الحياة الدنيا.‬
    ‫أيها المسلمون، يقال هذا الكالم وبالد الحرمين تشهد أحداثًا مؤلمة ال يرضاها مسلم عاقل، وال‬
           ‫و‬                          ‫د‬                                                  ‫ك‬
‫يف ّر يومًا أن هذا يحدث على أرضها. وإذا كان اهلل قد ق ّر أن يحدث هذا فإن علينا أ ّالً أن نحمد‬
                                         ‫د‬                          ‫د‬
  ‫اهلل ونثني عليه على ما يق ّره لنا، وأن نعلم أن ما يق ّره اهلل ال بد أن يكون خيره أكثر من شره،‬
       ‫علم ذلك من علمه، وجهله من جهله. ثم إن علينا أن ننظر إلى كل ما يحدث بميزان القسط‬
                                                                     ‫ح‬
  ‫والعدل، فال َيْف وال تطفيف، وال إسراف وال إجحاف، وهذا ـ ولألسف ـ قد خلت منه كثير‬
                                                       ‫من وسائل اإلعالم إال من رحم اهلل، وقليل ما هم.‬
                                                                         ‫ل‬
     ‫لقد استغ ّ بعض ضعاف النفوس وطائفة من ناقصي العقل والدين مثل هذه األحداث فصاروا‬
                   ‫ر‬                ‫ت‬                                 ‫مسب‬            ‫ب‬
    ‫يسّبونها من غير ِّباتها، ويبنونها على غير أسسها، ويّهمون البريء ويب ّئون المتهم، دفع‬
                   ‫له‬     ‫قه‬                               ‫ُّ‬      ‫ق‬
   ‫بعضَهم في ذلك النفا ُ المتوغل في قلبه، وآخرون منهم دفعه حم ُ ُ وجهُ ُ، وساعدهم في شيء‬
                                   ‫م‬
‫من ذلك تولية بعض األمر لغير أهله. صار بعضهم يح ّل المناهج الدراسية ـ خصوصًا الشرعية‬
                                                             ‫ج‬
      ‫منها ـ المسؤولية عن ذلك، وو ّه آخرون االتهام إلى عقيدة الوالء والبراء وشعيرة الجهاد،‬
              ‫َ ب ن ظم‬                       ‫س‬                                               ‫ن‬
  ‫وشّعت طائفة على مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ونقول: ُبْحَانَكَ هذَا ُهْتَا ٌ عَ ِي ٌ [النور:65].‬
                                                       ‫ي‬             ‫ت‬
         ‫لقد أصبح هؤالء الك ّاب والصحفيون ُظهرون هذه التهم الكاذبة وأمثالها بالخط العريض،‬
                                                               ‫ال‬
     ‫ويجعلونها عنوانًا ومدخ ً لكتاباتهم، ويغدون ويروحون عليها، فما من جريمة تحدث وال من‬
                  ‫بر لمة رج م َ و ه ِ إ ق ل ِال َذ‬                                                     ‫ب ِل‬
    ‫خَطْ ٍ يح ّ إال وينسبونه إليها، كَ ُ َتْ كَِ َ ً تَخْ ُ ُ ِنْ أفْ َا ِهمْ ِنْ يَ ُوُونَ إ َّ ك ِبًا [الكهف:1].‬
                                                                           ‫م‬
     ‫إن هؤالء يتح ّلون إثمهم في كذبهم وإثم ما قد أفضت إليه كتابتهم من حمْل بعض اآلباء ممن‬
‫قصر عقله وعلمه على صرف أوالده عن مدارس تحفيظ القرآن وعن صحبة األخيار ومجالستهم؛‬
 ‫و ْل ُ ِم ب ْد ِ و ْل ل ُ ِم‬
‫بحجة أنهم سبب رئيس لحمْل مثل تلك األفكار المنحرفة، فَ َي ٌ لَهمْ م َّا كَتَ َتْ أَي ِيهمْ وَ َي ٌ َهمْ م َّا‬
                                                                                                         ‫ي سب‬
                                                                                         ‫َكْ ِ ُونَ [البقرة:32].‬
               ‫ب‬                                                              ‫ر‬
  ‫لقد ص ّحت فئة ممن ضلوا أن سيرهم إلى سراديب التكفير والتدمير كان بسبب ُعدهم عن العلم‬
                                                                    ‫ص‬
                             ‫الشرعي الصحيح، بل ون ّ بعضهم على أنه لم يكمل دراسته النظامية.‬
           ‫و‬
   ‫وأما عقيدة الوالء والبراء وشعيرة الجهاد فهما من أصول هذا الدين العظيمة التي ُجدت معه،‬
                                ‫ٌ‬                                                      ‫ب‬
‫و ُني عليها، فال ينفك عنها، وال هي تنفك عنه. فإذا أخطأ أحد في فهمهما أو تطبيقهما على الوجه‬
    ‫ل‬                                             ‫ه‬                       ‫م‬
 ‫الصحيح أفنح ّل الدين سبب ذلك، أو نت ّم عقولنا القاصرة الناقصة؟! وإذا كان بعض من ض ّ قد‬
  ‫شارك في الجهاد أيام أفغانستان، فهل يكون سبب ضالله أنه جاهد هناك؟! فماذا نقول عن مئات‬
                                                                                    ‫و‬
                                                               ‫ذهبوا وعادوا وما تل ّثوا بتفكير أو تكفير؟!‬
                       ‫د‬
 ‫ثم إن األفكار التي انتشرت في أفغانستان وغيرها قد أصبحت اآلن تق ّم في قوالب خادعة مزيفة‬
                                      ‫ت‬                                                   ‫ر‬
‫ب ّاقة إلى أبنائنا وفي بيوتنا، من خالل تلك الوسائل الفّاكة، أعني شبكات اإلنترنت، وما أدراك ما‬
                                                                                                                    ‫هيه؟!‬
                   ‫ر ط‬                                   ‫و‬
 ‫وأما مدارس تحفيظ القرآن فقد ُجدت مع بزوغ فجر اإلسالم، ولم تخ ّج ق ّ داعية إلى بدعة أو‬
                                            ‫ر‬                                   ‫ّر‬
‫منظ ًا لشبهة، بل وحتى في عصرنا نراها تخ ّج المئات بل اآلالف ممن يحمون األمة، ويدافعون‬
                                                                                  ‫ر‬
                                                                          ‫عنها، ويقودون سفينتها إلى ب ّ األمان.‬
            ‫ر‬                                                       ‫ر‬
‫أيها المسلمون، لئن ج ّ الهوى ونقص العلم وقلة الدين فئة من أبناء المسلمين لتش ّب سموم فكرية‬
  ‫تنفثها طائفة ممن أغواهم الشيطان وحادوا عن طريق الحق، نقلوها عنهم بالسماع والمشافهة أو‬
‫عن طريق اإلجازة والوجادة، فصاروا يحملون راياتهم على هذه األرض وبين أبنائها؛ فإن هذا ال‬
                                                                                                    ‫ن ف‬
                                                                                      ‫يعني أن ُط ّف في الموازين.‬
 ‫ل‬                                                                  ‫ل‬
‫نعم، إن أولئك الذين ضّوا فسلكوا سبيل التكفير والتدمير وتساهلوا في سفك الدم الحرام بغير حّه‬
  ‫واستهانوا بأمن الناس وأرواحهم قد حادوا عن الصراط المستقيم، وضلوا عن السبيل القويم، فما‬
    ‫جنينا مما جاؤوا به واستوردوه من أفكار إال الخراب والدمار وإهالك الحرث والنسل وإتالف‬
  ‫األنفس واألموال والديار. وكم سمعنا وشاهدنا من المواجهات الدامية الشرسة معهم، وآخرها ما‬
     ‫حدث خالل هذا األسبوع، فماذا نتج عن ذلك كله؟! واهلل ما نتج لنا إال إزهاق أرواح وإتالف‬
                                                                                                ‫أموال وترويع آمنين.‬
 ‫إن المصيبة تعظم مع أولئك الزائغين وأمثالهم أنهم ال يفعلون ذلك عن شهوة يعلمون حرمتها وال‬
   ‫ينقصهم إال التوبة عنها، إنما يتخذون ما يصنعونه من تكفير وتفجير ديانة هلل يتقربون بها إليه،‬
     ‫ل‬                                                 ‫ل‬
    ‫وهذا يعني أن المرء ال يمكن أن يتخّى عما يدين اهلل به إال بشيء أقوى منه، وفي هذا تتجّى‬
                                       ‫ق‬                             ‫ك‬
 ‫أعظم الصور التي تؤ ّد على أهمية العلم الشرعي وتل ّيه عن أهله المعروفين به والراسخين فيه.‬
                               ‫ئ‬
 ‫وإذا كنا نريد الحق والحق فقط فإن الواجب علينا ـ وقد ذقنا شي ًا من مرارة ما ترتكبه هذه الفئة‬
                                                          ‫غص‬        ‫ر‬
    ‫المنحرفة وتج ّعنا ال ُ َص من ذلك ـ أن نسعى إلى تصحيح أوضاعنا، وننظر في األسباب‬
                                                                ‫خل‬
    ‫الحقيقية لالنحراف الفكري وال ُُقي فنتفاداها، وقبل ذلك وبعده أن نلجأ إلى اهلل أن يصلح نياتنا‬
                                                                                               ‫ر‬
            ‫وذ ّياتنا، وأن يحفظ علينا أَمْننا والنعم التي أنعم بها علينا، وعلينا أن ننظر بعين البصر‬
      ‫َيه‬                                                                     ‫َز‬
     ‫والبصيرة، وأن ن ِن األحداث والوقائع بميزان العدل والحق؛ فإن اهلل جل وعال يقول: يَا أ ُّ َا‬
    ‫ال ِي َ آ َُوا ُو ُوا ق َّا ِينَ لَّهِ ُه َاءَ بِالْ ِسْ ِ َال يَجْ ِمَّ ُمْ شَنَآ ُ قَومٍ ََى أ َّ تَع ُِوا اع ُِوا ُ َ‬
    ‫ْدل هو‬        ‫ن ْ عل َال ْدل‬                  ‫ر َنك‬         ‫ق طو‬             ‫َّذ ن من ك ن َو م ِل ش َد‬
                                                             ‫مل‬         ‫رب‬          ‫َ ْرب ِلت و َاتق الل ِن الل‬
                                             ‫أق َ ُ ل َّقْ َى و َّ ُوا َّهَ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا تَعْ َُونَ [المائدة:5].‬
                                                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                         ‫ك‬
   ‫إن من الواجب علينا ونحن نعيش هذه األحداث المريرة المؤلمة أن نتذ ّر أبناءنا وإخواننا على‬
              ‫ر‬
  ‫خط النار الذين يتصدون لمواجهة تلك األفكار المنحرفة بمواجهة أربابها، ويع ّض أحدهم نفسه‬
  ‫و تهن‬                      ‫ع ن ِالل ِ و بر‬
‫للهالك لذلك. إننا نقول إلخواننا رجال األمن: اسْتَ ِيُوا ب َّه َاصْ ِ ُوا [األعراف:575]، َال َ ِ ُوا‬
       ‫لُ‬          ‫َالله معك و يتر ُ‬                              ‫إ ك ُ م من‬                        ‫زن و ت‬               ‫و‬
     ‫َال تَحْ َ ُوا َأَنْ ُمْ األَعْلَوْنَ ِنْ ُنْتمْ ُؤْ ِ ِينَ [آل عمران:335]، و َّ ُ َ َ ُمْ َلَنْ َ ِ َكمْ أَعْمَاَكمْ‬
   ‫و هن ف ت ء‬                                 ‫َ َ حمل‬             ‫َس‬          ‫إ ي س ُْ ٌ‬
   ‫[محمد:13]، ِنْ َمْ َسْكم قَرْح فَقَدْ م َّ الْقَوْم قرْ ٌ ِثُْه [آل عمران:045]، َال تَ ُِوا ِي ابْ ِغَا ِ‬
                                                ‫ِنه م ن م م‬                             ‫م‬          ‫ْ إ ك ن‬
    ‫الْقَومِ ِنْ تَ ُوُوا تَأْلَ ُونَ فَإَّ ُمْ يَأْلَ ُو َ كَ َا تَأْلَ ُونَ [النساء:405]، واعلموا أن المؤمن ال يصيبه‬
‫شر‬                                        ‫ف‬            ‫ي‬                     ‫وص‬       ‫ص‬
‫نَ َب وال َ َب وال تعب حتى الشوكة ُشاكها إال ك ّر اهلل بها من خطاياه، فأمره كله خير، ُكْ ٌ‬
                                                                                    ‫ر‬        ‫ْر‬       ‫ر‬
                                                                                 ‫في الس ّاء، وصب ٌ في الض ّاء.‬
                                                                ‫ن‬
‫احفظوا اهلل يحفظكم، وأ ّى لعبد حفظه اهلل أن يناله أحد بسوء؟! ((من صلى الصبح في جماعة فهو‬
    ‫ر‬                                                                                    ‫م‬
   ‫في ذ ّة اهلل))، والهجوا باألذكار صباح مساء؛ فهي حافظة بإذن اهلل، واثبتوا واذكروا اهلل كثي ًا‬
                                                                                                        ‫لعلكم تفلحون.‬
 ‫وإننا نوصيكم بتقوى اهلل واإلخالص له، فإنكم في جهاد ما أخلصتم ذلك هلل، اجعلوا قتالكم إلعالء‬
                                                                                 ‫د‬
‫كلمة اهلل ور ّ الشبهة والفتنة والبدعة عن دين اهلل؛ فإن ذلك في سبيل اهلل، وقدوتكم إمام المجاهدين‬
          ‫يقول: ((من قاتل لتكون كلمة اهلل هي العليا فهو في سبيل اهلل))، وال يخفاكم فضل الجهاد‬
                                          ‫ي‬
 ‫والمجاهدين في سبيل اهلل، وإياكم أن تقاتلوا حم ّة أو شجاعة أو ليحمدكم الناس أو ألي هدف من‬
                ‫ي‬        ‫ال‬                          ‫ع‬                       ‫ي‬
 ‫أهداف الدنيا الدن ّة؛ فإن في أول ثالثة تس ّر بهم النار يوم القيامة رج ً قاتل ل ُقال: جريء، فقيل‬
                                                               ‫ي‬
    ‫له في الدنيا، ثم يؤمر به ف ُسحب إلى النار. نسأل اهلل لكم النصر والتسديد، إنه على كل شيء‬
                                                                                                                   ‫قدير.‬
                                     ‫د‬
  ‫وإن من الجهاد في سبيل اهلل ـ عباد اهلل ـ أن يتص ّى أولو الشأن لدحض شبه هؤالء الضالين‬
     ‫ف‬               ‫ص‬
  ‫وإبطالها؛ فإن المواجهة ليست مع أشخاص، بل مع أفكار، وإذا قتلتَ شخ ًا فإنك لم تقتل ِكره‬
                                                            ‫بكل حال، بل ربما بقي ليحمله بعده مثله، وهكذا.‬
                  ‫د‬
 ‫ولهذا فإن الواجب على الصالحين المصلحين والناصحين المخلصين أن يتص ّوا لهتك أستار هذه‬
                            ‫الشبه وهدمها، عسى اهلل أن يطفئ نارها ويخمد جذوتها، إنه خير مسؤول.‬
   ‫اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في هذه البالد من رجال األمن والهيئات والباذلين المخلصين‬
                                                           ‫الذين يجاهدون في سبيلك إلعالء دينك وكلمتك...‬

‫(5/5444)‬




                                                                                                               ‫اإلرهاب‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                                 ‫اإلعالم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد اهلل بن عبد العزيز التميمي‬
                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                                 ‫7/4/1745‬
                                                            ‫األمير حسن بن عبد اهلل آل سعود‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- أثر اإلعالم في تشكيل حياة الناس وأفكارهم. 7- خطورة سالح المصطلحات. 3- المراد‬
           ‫باإلرهاب في الكتاب والسنة ولسان العرب. 4- حقيقة اإلرهاب بين الواقع واإلعالم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫في ظل الثورة اإلعالمية الضخمة واالنفجار المعلوماتي الهائل والتسارع الرهيب في العولمة وما‬
 ‫ترتب عليها من أحداث سيطر اإلعالم من حيث يشعر الناس أو ال يشعرون على ثقافات كثيرين‬
                                                           ‫ر‬
       ‫وأفكارهم، فصار هو المح ّك األول لها، يحبون من يحبه اإلعالم، ويبغضون من يبغض،‬
                                   ‫ج‬
‫ويوالون من يوالي، ويعادون من يعادي، يرضون عمن يم ّده اإلعالم أمامهم ويقدسونه ويجعلونه‬
    ‫س‬             ‫ط‬
 ‫أسطورة ومثاالً للحضارة اإلنسانية، ويسخطون على من يذمه فيكيلون له أح ّ المعاني وأخ ّها.‬
                                ‫ال‬
   ‫عباد اهلل، إن هذا التغير في السيطرة اإلعالمية ليس إال شك ً من أشكال الحرب المتنوعة التي‬
     ‫يقودها المحرك األول لإلعالم العالمي: الصهيونية العالمية على اإلسالم بالدرجة األولى، ثم‬
  ‫للسيطرة على العالم بالدرجة الثانية؛ إذ هم يعلمون أنه لن تقوم لهم قائمة ودولة اإلسالم شاهدة.‬
        ‫ر‬
 ‫وإن من أبرز أسلحة هذه الحرب اإلعالمية سالح المصطلحات الذي شاع وانتشر مؤخ ًا، فصار‬
                                                        ‫ك‬
‫اإلعالم يصوغ المصطلحات ويش ّلها كيفما شاء، ثم يطلقها على من شاء متى شاء. وهذا السالح‬
                                                ‫ُد‬     ‫طو‬
‫وإن كان معروفًا من القديم إال أنه ُ ّر وع ِّل، واستفيد له من التقنية الحديثة فصار إلى ما صار‬
                                                                                   ‫إليه اآلن.‬
                                                     ‫د‬
‫لقد كان استخدام المصطلحات موجو ًا في الصراعات الحضارية بين األمم، بل حورب به األنبياء‬
  ‫عليهم الصالة والسالم، فكان أعداؤهم يجلبون األلفاظ والمصطلحات التي هي أعالم على معان‬
‫سيئة، ويسقطونها على دعوة الرسل عليهم الصالة والسالم لتنفير الناس، يقول ابن القيم رحمه اهلل‬
                       ‫ء‬
   ‫في الصواعق: "فأشد ما حاول أعداء الرسول محمد من التنفير عنه سو ُ التعبير عما جاء به،‬
                                                                                      ‫ب‬
 ‫وضر ُ األمثال القبيحة له، والتعبير عن تلك المعاني التي ال أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في‬
                                                                       ‫ر‬
      ‫مسامع المغت ّين المخدوعين، فوصلت إلى قلوبهم، فنفرت منه، وهذا شأن كل مبطل" اهـ.‬
      ‫وعلى العكس، فقد كان األعداء يأخذون األلفاظ السليمة والصالحة فيجعلونها أعالمًا على ما‬
          ‫يدعون إليه مما ينفر الناس منه؛ فيسهل تضليل الناس والتلبيس عليهم، وتأمل في مسمى:‬
            ‫ت‬
   ‫العلمانية، الذي يعني فصل الدين عن الحياة وكيف اشتق من العلم لتقبله النفوس وُسيغه. وقس‬
                                                                                    ‫د‬
                                                                    ‫على هذا: اإلصالح، والتق ّمية، والعقالنية.‬
                                           ‫ي‬                    ‫حس‬              ‫ُد‬
 ‫ولكن مهما ب ّلت األلفاظ و ُ ّنت العبارات فلن يتغ ّر من الحقائق شيء. يقول ابن القيم رحمه اهلل‬
                                   ‫د‬
  ‫في إعالم الموقعين: "ولو أوجب تبديل األسماء والصور تب ّل األحكام والحقائق لفسدت الديانات‬
                                                                ‫ل‬                 ‫ُد‬
   ‫وب ّلت الشرائع واضمح ّ اإلسالم، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة وليس فيها‬
                                                                     ‫شيء من صفات اإللهية وحقيقتها؟!" اهـ.‬
                  ‫د‬                             ‫أ‬
 ‫عباد اهلل، ومصطلح "اإلرهاب" من أحدث ما ُنتج من هذا السالح؛ وهو من أش ّه فتكًا في العقول‬
                      ‫م‬                                  ‫ر‬                  ‫د‬
‫واألفكار، فما تر ّد على المسامع مؤخ ًا لفظ ما تردد هذا المصطلح، لقد تَ َنْطَقَ به الكثيرون حتى‬
                                                             ‫ل‬
                                        ‫ممن ال يحسن الحديث، واتخذه سيفًا يسّه على من كرهه وعاداه.‬
                       ‫بحد‬
  ‫ولست في هذا المقام أسعى إلى ما عجز عنه اآلخرون من تحديده ٍّ جامع مانع، لكني سأقف‬
 ‫مع أصل هذا المسمى في لسان العرب ثم في لسان الشارع، ولنقارن بعدها بين ما نصل إليه وما‬
                                                                                                        ‫هو عليه اآلن.‬
                                       ‫ب‬                     ‫و ن‬
   ‫ولكن ينبغي أن نعلم أ ّالً أ ّ هذا المسمى جاء تعري ًا لمصطلح غير عربي، وبناء على هذا فقد‬
     ‫كان علينا أن نعلم مراد أهل تلك الثقافة من إطالق هذا المسمى، حتى نضع له ما يساويه من‬
    ‫لغتنا، فال نزيد وال ننقص؛ ألن إطالق اسم "اإلرهاب" على ما أراده أولئك أدخل ما هو خارج‬
 ‫د‬
‫عنه، وأخرج ما هو داخل فيه، مما كان فيه خدمة ألغراض األعداء وأهدافهم. إضافة إلى أنه أ ّى‬
                                         ‫د د‬         ‫ي‬
 ‫إلى خالف في ضبطه في إطار مع ّن وح ّه بح ّ واضح، وهذا أمر طبيعي، إذ إن جذور الخالف‬
 ‫تعود في كثير من األحوال إلى اختالف المفاهيم أو الجهل بحقائق األمور، يقول شيخ اإلسالم ابن‬
                                                                 ‫ر‬
       ‫تيمية رحمه اهلل: "إن كثي ًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" اهـ.‬
    ‫إن أصل "اإلرهاب" في اللسان العربي هو الراء والهاء والباء، وهي تدور حول معنى الخوف‬
                                                                     ‫والفزع، فاإلرهاب هو التخويف واإلفزاع.‬
                  ‫ت د‬
        ‫وإذا تعرضنا لدراسة هذا المصطلح في نصوص الكتاب والسنة نجد أنه اس ُخ ِم في معاني‬
                                                    ‫ل‬
   ‫عظيمة، فالرهبة من اهلل عز وجل من أج ّ عبادات القلوب وأعمالها المطلوبة شرعًا، يقول اهلل‬
      ‫ُر ن مت الت ع ت ع ُ َ ْف بع ْ أ ف بع د ُ وِي ي‬                                              ‫بن إ ْر‬
      ‫سبحانه: يَا َ ِي ِس َائِيلَ اذْك ُوا ِعْ َ ِي َّ ِي أَنْ َمْ ُ َلَيْكمْ وأَو ُوا ِ َهدِي ُو ِ ِ َهْ ِكمْ َإ َّا َ‬
‫ِن ُ ن يس رع ن‬                                                      ‫ز‬                        ‫ف هب‬
‫َارْ َ ُونِ [البقرة:04]، وقال ع ّ شأنه في نعت أنبيائه عليهم الصالة والسالم: إَّهمْ كَاُوا ُ َا ِ ُو َ‬
                                            ‫شع‬              ‫ْر و َ ع ر ب َ هب و ن‬                            ‫ف‬
  ‫ِي الْخَي َاتِ َيدْ ُونَنَا َغَ ًا ورَ َ ًا َكَا ُوا لَنَا خَا ِ ِينَ [األنبياء:03]، وكان من جملة دعاء النبي‬
                      ‫هب‬          ‫كر‬           ‫كر‬                ‫ب‬
                  ‫كما عند ابن ماجه بسند صحيح: ((ر ّ اجعلني لك شَ ّا ًا، لك ذَ ّا ًا، لك ر ّا ًا)).‬
  ‫ال‬
 ‫وأيضًا فإن إعداد القوة إلرهاب أعداء اهلل وأعداء المؤمنين من األمور المأمور بها شرعًا وعق ً؛‬
    ‫ُ م‬                  ‫و ِد ُ‬                                                                ‫ق‬
  ‫لما يتح ّق بها من المصالح ويندفع بها من المفاسد، قال اهلل سبحانه: َأَع ُّوا لَهمْ مَا اسْتَطَعْتمْ ِنْ‬
      ‫م ُ الله ي لم ُ‬                  ‫ْل ُ هب ب َ ُو الله و َ ُو ُ و َر م د ن ِ‬                            ‫ُو وم ر‬
    ‫ق َّةٍ َ ِنْ ِبَاطِ الْخَي ِ ترْ ِ ُونَ ِهِ عد َّ َّ ِ َعد َّكمْ َآخ ِينَ ِنْ ُو ِهمْ ال تَعْلَ ُونَهمْ َّ ُ َعَْ ُهمْ‬
                                                                     ‫م‬
          ‫[األنفال:06]، وكل أ ّة تحاول أن تظهر شيئًا من مكنون قوتها وتبرزَه ليرهبها عدوها.‬
                 ‫ق‬          ‫ي‬        ‫م‬        ‫د‬
     ‫أما اإلرهاب بالمصطلح الحديث فهو كألفاظ المبت ِعة المج َلة التي ُراد بها ح ّ وباطل؛ ولذا‬
              ‫ل‬         ‫م‬                                   ‫د‬               ‫ر‬
‫فليس لنا أن نق ّه بإطالق أو نر ّه بإطالق؛ بل ال بد من االستفصال عن ُراد المتكّم به، فإن أراد‬
                       ‫ف‬
      ‫به العدوان على الناس في دينهم أو دمائهم أو عقولهم أو أموالهم بكا ّة صنوف العدوان من‬
        ‫التخويف واألذى والتهديد والقتل بغير حق واإلفساد في األرض وإلقاء الرعب بين الناس‬
               ‫ف‬                                   ‫د‬
      ‫وترويعهم فال شك أن هذا إرهاب مذموم، ير ّه ديننا الحنيف ويمنعه، بل تمنعه كا ّة األديان‬
         ‫َ ف َ ْ ِن الل َ ي ِب م سد ن‬                                  ‫َ‬
         ‫والعقول السليمة، يقول اهلل سبحانه: وال تَبْغِ الْفَسَاد ِي األرضِ إ َّ َّه ال ُح ُّ الْ ُفْ ِ ِي َ‬
                                                                                          ‫[القصص:22].‬
                                     ‫وص‬                              ‫ل‬
  ‫وأما إذا أراد المتكّم به دين اإلسالم بشكل عام أو َ َف به شعيرة من شعائره كالجهاد وعقيدة‬
             ‫س‬                                                           ‫ص‬
‫الوالء والبراء أو قَ َد به تطبيق شرع اهلل بإقامة الحدود وتحكيم كتاب اهلل أو التم ّك بشريعة اهلل‬
  ‫كما أمر اهلل كإطالق اللحى ولزوم المرأة حجابها الشرعي أو إزالة شيء من آثار الجاهلية التي‬
                   ‫ال‬                  ‫ال‬
 ‫يجب طمسها وإزالتها فهذا إطالق مردود جملة وتفصي ً، وال نقبله وال شك ً من أشكاله؛ بل هذا‬
                                          ‫ز‬
    ‫ديننا وهذه شرعتنا فيها فالحنا ونجاتنا وبها مجدنا وع ّنا ونصرنا؛ إن ابتغينا السيادة والريادة‬
                                                                                ‫س‬
                                                          ‫والقيادة للعالمين فبتم ّكنا بها ولزومنا إياها.‬
‫ويا ليت قومي يعلمون أن أساس إطالق مصطلح اإلرهاب هو إرادة المعنى األخير بإلصاقه بدين‬
                   ‫ح‬       ‫و غ‬
 ‫اإلسالم وأتباعه؛ ليقف العالم الكافر وأذنابه من جهلة المسلمين َغَوْ َائهم و َمْقَاهم في وجه دين‬
                       ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِر‬
      ‫اإلسالم ونشره بين العالمين، ولكن َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِينَ [األنفال:03].‬
                                                               ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
  ‫إننا حين نقول: إن إطالق الغرب لمصطلح "اإلرهاب" هو استهداف لديننا ال نقوله من فراغ، أو‬
          ‫ج‬                                                                ‫م‬            ‫جم‬
   ‫ته ّ ًا عليهم وظل ًا لهم، لكنها الحقيقة وما ينطق به لسان الواقع، وإال فما تفسير ته ّمهم على‬
                            ‫ر‬                         ‫ض‬              ‫ي‬
      ‫الدين إذا قام بالعمل ّة رجل مسلم بغ ّ النظر عن كون اإلسالم يق ّها أو أنه خالف اإلسالم‬
 ‫بارتكابها. إن الحديث أولَ ما ينطلق إلى وصفه بأنه مسلم إرهابي، أما إذا قام بالعملية يهودي أو‬
                        ‫ذ‬                                                   ‫ي‬
             ‫نصراني فال ُنسب إلى دينه شيء، بل ال يعدو التصرف حماقة منه وشذو ًا إنسانيًا.‬
    ‫ولماذا يوصف أصحاب األرض وأهل الحق في فلسطين والشيشان والعراق وأفغانستان بأنهم‬
     ‫ي ع‬                                                                      ‫ر‬
  ‫متم ّدون إرهابيون، حتى في حق الدفاع المشروع عن أرضهم الذي تكفله لهم ـ كما ُز َم ـ‬
                          ‫قب‬                                                         ‫ف‬
  ‫كا ّة األعراف والمواثيق الدولية، وال يوصف الطغيان الكافر من ِ َل الصهاينة في فلسطين وال‬
           ‫مح‬
      ‫من القوات الصليبية األمريكية وحلفائها في العراق وأفغانستان وال من الروسية ال ُل ِدة في‬
                                                                               ‫الشيشان بشيء من ذلك.‬
                  ‫ي‬      ‫ِ‬
    ‫بل حتى على سبيل التسليم لهم في وصف المدافعين بأنهم إرهابيون لمَ لم ُطلق الوصف نفسه‬
                                                                              ‫ر‬
  ‫على المتم ّدين في تيمور الشرقية النصرانية أو في هاييتي أو في ليبيريا؟! بل سعوا في تحقيق‬
                      ‫أل‬
                ‫هؤالء لمساعيهم، فمنحوا األولى استقاللها، وأطاحوا بالنظام الحاكم في ا ُخريين.‬
     ‫لماذا ُع ّ قتل من خان اهلل ورسوله والمؤمنين وباع آخرته بدنياه ضربًا من اإلرهاب وال يع ّ‬
     ‫د‬                                                                            ‫يد‬
       ‫استهداف الشيخ أحمد ياسين أو الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أو غيرهما من رموز الجهاد‬
                ‫ُنظ‬
    ‫اإلسالمي في األرض إال نوعًا من الدفاع المشروع ومطاردة المجرمين وم ِّري اإلرهاب؟!‬
         ‫ب‬
    ‫لماذا يوصف استهداف األنفاق اإلسبانية أو المسارح الروسية أو المباني األمريكية إرها ًا وال‬
 ‫يوصف ضرب المسيرة السلمية في رفح أو قصف حفل العرس العراقي أو استهداف المهاجرين‬
    ‫الراحلين في الشيشان وأفغانستان بأنه إرهاب؟! بل ال يعدو الحديث الدعوة إلى ضبط النفس!!‬
                                       ‫ت‬                         ‫م‬
                                ‫يا مسلمون، أفيقوا من سباتك ُ،…فالشمس ما أصبحت كاليوم ِبيانًا.‬
‫أيها المسلمون، أفيقوا. أيها المسلمون، أفيقوا. أيها المسلمون، أفيقوا. واهلل وباهلل وتاهلل، ثالثة أيمان‬
                                  ‫ت‬
      ‫ال أحنث فيها، إنها حرب على اإلسالم ال على اإلرهاب، والجْ ِثَاث المسلمين ال اإلرهابيين.‬

‫(5/3444)‬




                                                                                            ‫الزالزل‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                             ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                          ‫آثار الذنوب والمعاصي, أشراط الساعة, جرائم وحوادث‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                    ‫عبد اهلل بن عبد العزيز التميمي‬
                                                                                            ‫الرياض‬
                                                                                       ‫77/7/6745‬
                                                                  ‫األمير حسن بن عبد اهلل آل سعود‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- الحكمة من وقوع المصائب والكوارث. 7- من عالمات آخر الزمان كثرة الزالزل. 3-‬
    ‫األسباب الحقيقية وراء وقوع الزالزل. 4- دعوة للمحاسبة والمراجعة بعد البالء. 1- شبهات‬
                                                                      ‫حول الزالزل والجواب عنها.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
       ‫رغ‬           ‫د‬        ‫ل‬
‫لقد أجرى اهلل أمور عباده منذ أن خلقهم إلى أن يقبضهم على التقّب بين ش ّة ورخاء و َ َد وبالء‬
                                      ‫ر‬
            ‫وأَخْذ وعطاء، فسبحانه من إله علم عواقب األمور وص ّف الدهور، فمنع وأعطى، ومنح‬
                                                            ‫م ل‬
   ‫وامتحن، فجعل عباده ُتقّبين بين خير وشر ونفع وضر، ولم يجعل لهم في وقت الرخاء أحسن‬
                             ‫ُف‬
          ‫من الشكر، وال في أيام المحنة والبالء أنجع من الصبر، فطوبى لمن و ِّق في الحالين للقيام‬
                                                           ‫صب‬                 ‫ك‬
      ‫بالواجبين، فشَ َر عند السراء، و َ َر عند الضراء، وابتهل إلى اهلل عند كال الحالين بالتضرع‬
                                                                                                                                 ‫والدعاء.‬
     ‫ر ر‬            ‫ي‬                       ‫ر‬                  ‫شر‬
   ‫عباد اهلل، إن اهلل ال يخلق ًّا محضًا، فكم من ش ّ في نظر الناس يحمل في طّاته خي ًا كثي ًا،‬
      ‫واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون. فقد يبتلي اهلل عباده لتستيقظ النفوس الغافلة، ولتَلِين القلوب القاسية،‬
                                                ‫يل‬
    ‫ولتدمع العيون الجامدة. وإن من ذلك أن ُهِك من حولهم لتحصل لهم بذلك العظة والعبرة، قال‬
                               ‫َل ُ ي جع‬           ‫ي‬          ‫ُ م ُر و َر‬                  ‫م‬               ‫وَ‬
        ‫تعالى: َلَقدْ أَهْلَكْنَا َا حَوْلَكمْ ِنْ الْق َى َص َّفْنَا اآل َاتِ لَعَّهمْ َرْ ِ ُونَ [األحقاف:27]، لعلهم‬
                                                                                  ‫يستيقظون من غفلتهم ويراجعون أنفسهم.‬
          ‫َ ه‬                                                                        ‫س‬          ‫ن‬
        ‫وإ ّ اهلل ليم ّهم بشيء من التضييق لئال يتمادوا في الطغيان ويغرقوا في العصيان، فَأَخذْنَا ُمْ‬
                          ‫غي‬                                    ‫س ء و َّر َله ي َرع‬
    ‫بِالْبَأْ َا ِ َالض َّاءِ لَعَّ ُمْ َتَض َّ ُونَ [األنعام:74]، فإن لم يرجعوا عن ِ ّهم ويتوبوا إلى اهلل من‬
                                     ‫ل‬
       ‫إعراضهم عن أوامر اهلل زاد لهم اهلل في النعيم، وجعلهم يتقّبون في النعيم، حتى تزيد غفلتهم‬
                                                                                                 ‫ِر‬
                                                                                               ‫وإعراضهم، فيأخذهم على غ َّة.‬
 ‫روى اإلمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر عن النبي قال: ((إذا رأيت اهلل يعطي العبد من‬
    ‫الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج))، ثم تال قول اهلل تعالى: فَل َّا نَ ُوا َا ُك ُوا ِ ِ‬
    ‫َم س م ذ ِّر به‬
    ‫ُ ب ً ِ ُ م لس َ ق ع د بر‬                                 ‫ع ِ و ب ُل ء َت ِ َ ح ب أ ت‬
    ‫فَتَحْنَا َلَيْهمْ أَبْ َا َ ك ِّ شَيْ ٍ ح َّى إذَا فرِ ُوا ِمَا ُو ُوا أَخَذْنَاهمْ َغْتَة فَإذَا همْ ُبِْ ُون فَ ُطِ َ َا ِ ُ‬
                ‫ِر‬                                  ‫م‬          ‫م و ح ْد ِل ِ َب‬                ‫ْ َّذ‬
  ‫الْقَومِ ال ِينَ ظَلَ ُوا َالْ َم ُ لَّه ر ِّ الْعَالَ ِينَ [األنعام:44، 14]. يأخذهم على غ ّة حتى يكون ذلك‬
                 ‫تي ُم الس عة ب ة ه‬                      ‫الل‬     ‫تيه شية م َ‬                         ‫َ من‬
            ‫أشد ما يكون عليهم، أفَأَ ِ ُوا أَنْ تَأْ ِ َ ُمْ غَا ِ َ ٌ ِنْ عذَابِ َّهِ أَوْ تَأْ ِ َه ُ َّا َ ُ َغْتَ ً وَ ُمْ ال‬
 ‫ي تي ُ َذ ب‬                 ‫ِ الله ب ِ َ ْ‬                   ‫َّي‬     ‫َ م َّذ م َر‬                          ‫ي عر‬
 ‫َشْ ُ ُونَ [يوسف:205]، أفَأَ ِنَ ال ِينَ َك ُوا السِّئَاتِ أَنْ يَخْسفَ َّ ُ ِهمْ األرضَ أَوْ َأْ ِ َهمْ الْع َا ُ‬
    ‫َ م ْل ُر‬                                 ‫ُ ُ ْ ف َلب ِ ْ م ُ بم جز‬                          ‫م ح ُ ي عر‬
   ‫ِنْ َيْث ال َشْ ُ ُونَ أَوْ يَأْخذَهم ِي تَقُّ ِهم فَ َا همْ ِ ُعْ ِ ِينَ [النحل:14، 64]، أفَأَ ِنَ أَه ُ الْق َى‬
‫ُ ي عب ن َ من م ْر‬                 ‫ي تي ُ س ضح‬                      ‫ُ ئم و م ْل ق‬                                 ‫تيه ب س ب‬
‫أَنْ يَأْ ِ َ ُمْ َأْ ُنَا َيَاتًا وَهمْ نَا ِ ُونَ أَ َأَ ِنَ أَه ُ الْ ُرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا ُ ًى وَهمْ َلْ َ ُو َ أفَأَ ِ ُوا َك َ‬
                                                                     ‫ِر‬        ‫من م ْ الل ِال ْم‬                     ‫الل ِ‬
                                                 ‫َّه فَال يَأْ َ ُ َكرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ [األعراف:23-33].‬
                                               ‫م‬          ‫عباد اهلل، لقد كثرت الزالزل المرو‬
     ‫ِّعة التي د ّرت اإلنسان والعمران، وقد تتابع وقوع ذلك في‬
                                            ‫م‬
   ‫سنين متقاربة، حتى كان من آخرها ذلك المد ّر في جنوب آسيا الذي تبعه طوفان أهلك الحرث‬
‫والنسل، وألحق الخراب بالدور والمساكن والمرافق، وكانت آخر اإلحصائيات قرابة ثالثمائة ألف‬
                                          ‫ر‬
      ‫قتيل، ناهيك عن أرقام الجرحى والمصابين والمش ّدين، وقدر الخسائر واألضرار التي لحقت‬
  ‫بالمنشآت والمباني. وكل ذلك كان في لحظات قليلة، ثم جاء بعده خالل هذه األيام زلزال مقارب‬
                                                                   ‫له في الشدة والقوة، وليس بينهما سوى ثالثة أشهر.‬
                                                ‫ل‬
 ‫إنه جندي من جنود اهلل، وعذاب اهلل يسّطه على من يشاء، ال يستطيع المخلوق الضعيف أن يقف‬
                                                                                                     ‫أمامه مهما بلغت قوته.‬
 ‫وال شك أن هذه عقوبات على ما يرتكبه العباد من الكفر والفساد، وفيها لمن حولهم عبر وعظات‬
       ‫ر‬
      ‫ال يدركها إال أولو األلباب، وهي تظهر قدرة اهلل الباهرة، حيث يأذن لهذه األرض أن تتح ّك‬
                                           ‫لبضع ثوان، فينتج عن ذلك هذا الدمار وهذا الهالك وهذا الرعب.‬
                                                ‫زز‬
‫روى اإلمام أحمد عن صفية أنها قالت: ُل ِلت المدينة على عهد عمر بن الخطاب، فقال: (يا أيها‬
    ‫ت ز‬                       ‫د‬
   ‫الناس، ما هذا؟! ما أسرع ما أحدثتم! لئن عادت ال أساكنكم فيها أب ًا)، وقال كعب : "إنما ُزل َل‬
                     ‫ط‬            ‫ب ل‬           ‫ف‬                           ‫ع‬
  ‫األرض إذا ُمل فيها بالمعاصي، فترعد خو ًا من الر ّ ج ّ جالله أن ي ّلع عليها"، وقال بعض‬
                                                                   ‫السلف لما زلزلت األرض: "إن ربكم يسْتَعْتبكم".‬
      ‫ولقد جاءت النصوص بأن ذلك يكثر في آخر الزمان، وأنه من عذاب اهلل لهذه األمة، جاء في‬
       ‫الحديث الذي رواه اإلمامان أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ال تقوم‬
             ‫َ‬                                                                ‫ي‬
  ‫الساعة حتى ُقبَض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزالزل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرْج))، قيل:‬
                                                                                         ‫َ‬
       ‫الهرْج؟ ـ أي: ما هو؟ ـ قال: ((القتل القتل)). وقد ثبت عنه أن عذاب هذه األمة في الدنيا:‬
                                                                        ‫((الفتن والزالزل والقتل)) أخرجه أبو داود.‬
                                                                ‫ي س‬
    ‫عباد اهلل، وإن مما ُؤ َف له ويدعو إلى العجب ما درجت عليه وسائل اإلعالم من إظهار هذه‬
                    ‫ع‬                 ‫دٌ‬          ‫ن‬
        ‫الكوارث على أنها ظواهر طبيعية، وأ ّ سببها تص ّع في باطن األرض ض ُفت القشرة عن‬
                    ‫ج‬                    ‫م ز‬        ‫ز‬                    ‫َر‬      ‫ت‬       ‫م‬
         ‫تح ّله، فترّب من ج ّاء ذلك حدوث تلك اله ّات ال ُزل ِلة. والسؤال الذي يو ّه إلى هؤالء‬
        ‫م‬                                                      ‫د‬         ‫م‬
‫وأمثالهم: َن الذي ق ّر لهذا الصدع أن يحدث؟ ومن الذي أضعف قشرة األرض أن تتح ّله؟ أليس‬
                                                          ‫و‬
   ‫هو اهلل؟! إنما كان ذلك بسبب فش ّ المنكرات واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير والغفلة عن‬
     ‫مكر اهلل. لقد جاءهم الزلزال بعد هجوع الناس، جاءهم بياتًا وهم ال يشعرون، فاللهم إنا نسألك‬
                                                                                                                ‫عفوك ولطفك.‬
                                                   ‫د‬
 ‫ثم يأتي بعد حدوث الزلزال من يبقى يق ّر الخسائر في األموال والممتلكات ومدى تأثير ذلك على‬
‫ع ِ بر ت م السم ء‬                              ‫من َات‬          ‫و َن ْ ُ‬
‫عجلة االقتصاد، ويتناسى قول اهلل: َلَوْ أ َّ أَهلَ الْقرَى آ َ ُوا و َّقَوْا لَفَتَحْنَا َلَيْهمْ َ َكَا ٍ ِنْ َّ َا ِ‬
   ‫وإ م‬                                         ‫ن ي سب‬             ‫َ ُ ب‬             ‫و َ ْض و ك َذب‬
 ‫َاألر ِ َلَ ِنْ ك َّ ُوا فَأَخذْنَاهمْ ِمَا كَا ُوا َكْ ِ ُونَ [األعراف:63]، ويتعامى عن قول اهلل: َِنْ ِنْ‬
    ‫م ع ِل‬                   ‫ي‬                  ‫ِال ع د َز ئنه و ن َزله ِال َ َر م ل‬
    ‫شَيْءٍ إ َّ ِنْ َنَا خ َا ِ ُ ُ َمَا ُن ُِّ ُ إ َّ بِقد ٍ َعُْومٍ [الحجر:57]، و ُعرض عن قول اهلل: َنْ َم َ‬
‫صَالِ ًا ِنْ ذَكرٍ أَوْ ُنثَى َ ُوَ ُؤْ ِن فَلَ ُحْ ِي َّ ُ َ َا ً طِّ َ ً َلَنَجْ ِيَّهمْ أَجرَ ُمْ ِأَحْ َ ِ مَا كَا ُوا َعْ َُو َ‬
‫ن ي مل ن‬              ‫أ وه م م ٌ ن ي َنه حي ة َيبة و ز َن ُ ْ ه ب سن‬                                                ‫ح م َ‬
                                                                                                                   ‫[النحل:23].‬
                                                 ‫ت‬                 ‫ر‬
‫وأدهى من ذلك وأم ّ أن يظهر بعض الك ّاب الناقصين القاصرين في العقل والدين، ويعترضوا أن‬
                                     ‫ق‬           ‫م‬
‫يكون ذلك من آثار الذنوب، بل ويقول قائلهم ُلْبسًا الح ّ بالباطل: ما هو ذنب شعوب فقيرة للغاية‬
                                                                     ‫ل‬
  ‫في شرق آسيا لكي يح ّ بها هذا الدمار الشامل؟! إن اهلل أكثر رأفة ورحمة بعباده من أن يضعهم‬
                                                                                                            ‫تحت هذه القسوة!‬
          ‫كت‬       ‫س‬                     ‫ط‬                          ‫د‬
‫فيا سبحان اهلل! ما أش ّ حمقهم ونقص عقولهم! ألم ي ّلع هؤالء وأمثالهم من َقَط ال ُّاب على قول‬
                  ‫دد‬         ‫ُ ِن َ ب‬                ‫َ ُ ز َن ُ و ئ‬                ‫وِ َذ َ َب ُ ئ‬                 ‫ل‬
‫اهلل ج ّ وعال: َإذْ تَأ َّن رُّكمْ لَ ِنْ شَكرْتمْ ألَ ِيدَّكمْ َلَ ِنْ كَفَرْتمْ إ َّ عذَا ِي لَشَ ِي ٌ [إبراهيم:2]، وقول‬
     ‫ه الص حة وم ه م‬                   ‫ص وم ه م‬                   ‫ِ بِ م ُ م َ س ع‬                                 ‫ك‬
   ‫اهلل سبحانه: فَ ُالً أَخَذْنَا بذَنْ ِه فَ ِنْهمْ َنْ أرْ َلْنَا َلَيْهِ حَا ِبًا َ ِنْ ُمْ َنْ أَخَذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْ ُمْ َنْ‬
     ‫الله ل لم ُ و ك ن َ فس ُ‬                           ‫و‬                           ‫س ب َ ْ وم ه م ْ َ‬
   ‫خَ َفْنَا ِهِ األرضَ َ ِنْ ُمْ َنْ أَغرقْنَا، ثم يختم اهلل اآلية: َمَا كَانَ َّ ُ ِيَظِْ َهمْ َلَ ِنْ كَا ُوا أنْ ُ َهمْ‬
 ‫ب ُ م مص ب ٍ بم سب د ُ وي ف َ كث ر‬                                        ‫و‬                                  ‫لم‬
 ‫يَظِْ ُونَ [العنكبوت:04]؟! ألم يقل اهلل: َمَا أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِ َا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو عنْ َ ِي ٍ‬
     ‫ب سب ْ الن لُذ ُ ب ْض‬                               ‫َ س ُ ف َر و‬
     ‫[الشورى:03]؟! ألم يقل اهلل: ظَهرَ الْفَ َاد ِي الْب ِّ َالْبَحْرِ ِمَا كَ َ َتْ أَيدِي َّاسِ ِي ِيقَهمْ َع َ‬
  ‫الذِي َ ُِوا لَعَّ ُمْ يرْ ِ ُونَ [الروم:54]؟! إنها س ّة اهلل فيمن يغ ّر حاله من الشكر إلى الكفر، س َّ َ‬
  ‫ُنة‬                              ‫ي‬               ‫ن‬                        ‫َّ عمل َله َ جع‬
         ‫وم َبك ب َّ ل عب د‬                              ‫ِ ل ُن الل د‬                  ‫م ْ ْل و‬              ‫الل ِ ف َّذ‬
         ‫َّه ِي ال ِينَ خَلَوْا ِن قَب ُ َلَنْ تَجدَ ِس َّةِ َّهِ تَبْ ِيالً [األحزاب:76]، َ َا رُّ َ ِظَالمٍ ِلْ َ ِي ِ‬
                                                                                                                 ‫[فصلت:64].‬
          ‫م‬
     ‫ولماذا لم يعترض عمر على ما فعله اهلل بأهل المدينة وهم خير القرون وأفضل هذه األ ّة، بل‬
                                                      ‫زز‬              ‫ي‬                   ‫َد‬
  ‫ش ّد النكير عليهم، وب ّن أنها إنما ُل ِلت بسبب ما أحدثوه من التفريط والعصيان، وأقسم أنها إن‬
                                                                            ‫د‬
                                ‫عادت ال يساكنهم فيها أب ًا؟! أفنترك كل هذا لعبارة مثل هؤالء وعقولهم؟!‬
              ‫ر‬                   ‫ق‬
       ‫لقد كان بعض العقالء األمريكيين من غير المسلمين أكثر تع ّالً من هؤالء حين ص ّحوا بأن‬
 ‫الشذوذ الجنسي والزنا واإلجهاض من الذنوب الكبيرة التي ستجلب الدمار ألمريكا، وهو سبب ما‬
                              ‫ت‬
 ‫يحصل فيها من األعاصير والفيضانات والحرائق واألمراض الف ّاكة وغيرها. فهل هؤالء العقالء‬
                                                   ‫د‬
                                              ‫المنتسبون إلى ديار الحرية والديمقراطية المزعومة متش ّدون؟!‬
       ‫إن حال من ينكر أن هذه الحوادث بسبب الذنوب كحال من ذكرهم اهلل في كتابه العزيز، فإذا‬
     ‫َبعي‬                           ‫َّر ء و َّر ء‬           ‫َ َس ء‬                 ‫ّ‬
  ‫أصابهم الكرب والضر قالوا: قدْ م َّ آبَا َنَا الض َّا ُ َالس َّا ُ [األعراف:13]، فهذا أمر ط َ ِ ّ ال‬
      ‫إ َذ ِال خلق َول ن‬
      ‫عالقة له بذنوب العباد، فيواصلون ف