Docstoc

موسوعة خطب المنبر 086

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 086 Powered By Docstoc
					                        ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
                 ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                        ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                     ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                                 ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
           ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
           ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
     ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                                    ‫معين.‬


                                                           ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                                     ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                    ‫تعظيم اهلل جل شأنه‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫اإليمان, التوحيد‬
                                                                                 ‫الربوبية, اهلل عز وجل‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                             ‫حمود بن عبد اهلل إبراهيم‬
                                                                                                   ‫الدمام‬
                                                                                            ‫65/6/6725‬
                                                                                    ‫جامع بالط الشهداء‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5– أهمية تعظيم اهلل تعالى. 7– فوائد تعظيم اهلل تعالى. 3– حال المالئكة في تعظيم اهلل عز وجل.‬
           ‫2– الرسول وتعظيمه لربه سبحانه. 1– كيف عظم السلف ربهم؟ 6- كيف نعظم ربنا؟‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
  ‫ي َي َّذ من اتق الل َق‬
  ‫أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل، قال تعالى: َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ‬
                                                                           ‫ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
                                                        ‫ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْ ُمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
 ‫أيها اإلخوة، إن اهلل قد شرع لنا عبادات متنوعة من أجل أن نعبده ونشكره، وإن من أهم العبادات‬
      ‫القلبية التي شرعها اهلل لنا تعظيمه جل وعال، فتعظيم اهلل عبادة يجب تحقيقها والتركيز عليها‬
‫خصوصا في هذا الزمن الذي ظهرت فيه بعض األمور المنافية لتعظيم اهلل والمنافية لتعظيم شعائر‬
                                                                                                          ‫دينه عز وجل.‬
 ‫واإليمان باهلل تعالى مبني على التعظيم واإلجالل له سبحانه وتعالى، حيث جاء في تعريف العبادة‬
                       ‫أنها تعظيم اهلل وامتثال أوامره، فتعظيم اهلل من العبادات التي خلقنا اهلل لتحقيقها.‬
                                          ‫واهلل جل وعال عظيم قد جاوزت عظمته عز وجل‬
‫َّ حدود العقول، ومن معاني عظمته تعالى أنه ال‬
  ‫د الس و ت ي َّ ن م ه وت َق‬                                         ‫يعظ‬     ‫يعظ‬
  ‫يستحق أحد من الخلق أن َّم كما َّم اهلل، قال اهلل تعالى: تَكَا ُ َّمَ َا ُ َتَفَطرْ َ ِنْ ُ َ َنش ُّ‬
                                                                  ‫َ ْض و ِر ج ل َد‬
          ‫األر ُ َتَخ ُّ الْ ِبَا ُ ه ًّا [مريم:00] أي: تكاد السموات يتشققن من عظمة اهلل عز وجل.‬
 ‫أيها المسلمون، لقد ذم اهلل تعالى من لم يعظمه حق عظمته وال عرفه حق معرفته وال وصفه حق‬
                                                 ‫َ ج ِله َق ر‬               ‫ُ‬
          ‫صفته، قال تعالى: مَا لَكمْ ال ترْ ُونَ لَّ ِ و َا ًا [نوح:35] أي: ما لكم ال تعظمون اهلل حق‬
                                                                                                                  ‫عظمته؟!‬
                   ‫إن روح العبادة هو اإلجالل والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن اآلخر فسدت العبادة.‬
                                               ‫أيها اإلخوة، إن تعظيم اهلل يعود على العبد بفوائد كثيرة منها:‬
                                                                          ‫َ‬
‫5- أن المسلم الذي امتأل قلبه بعظمة اهلل لديه ثقة مطلقة باهلل، فتجده هاديَ البالِ ساكنَ النفس مهما‬
                                                                                                       ‫ضاقت به السبل.‬
                                                           ‫ر‬                                        ‫ن‬
                                                         ‫7- أ ّ استشعارَ عظمة اهلل تمأل القلب رضًا وصب ًا.‬
                                           ‫ي‬                                             ‫ن‬
      ‫3- أ ّ معرفتنا بعظمةِ اهلل تورث القلبَ الشعورَ بمع ّته سبحانه، وتمنحنا الطمأنينة في المحن‬
                                                                                                                  ‫ب‬
                                                                                                    ‫وال َصيرة في الفتن.‬
                 ‫و‬       ‫ز‬                            ‫ي ع‬                              ‫ن‬
 ‫2- أ ّ استشعارَ عظمةِ اهلل ومع ّته تب َث في النفس معنى الثبات والع ّة, وتق ّي العزائم حتى في‬
                                                                                                      ‫ض‬          ‫د‬
                                                                                                   ‫أش ّ حاالت ال ّعف.‬
 ‫أيها اإلخوة، لقد قص علينا ربنا جل وعال في كتابه عن تعظيم المالئكة له جل وعال فقال تعالى:‬
    ‫َق‬        ‫َب ُ ْ ل‬             ‫ع الش عة ع ه ِال لم َذ ه َت ِ ُز ع قل ب ِ ل م‬                                             ‫و‬
    ‫َال تَنفَ ُ َّفَا َ ُ ِنْدَ ُ إ َّ ِ َنْ أ ِنَ لَ ُ ح َّى إذَا ف ِّعَ َنْ ُُو ِهمْ قَاُوا َاذَا قَالَ رُّكم قَاُوا الْح َّ‬
                                                                        ‫ه عِي ب ر‬
 ‫وَ ُوَ الْ َل ُّ الْكَ ِي ُ [سبأ:37] أي: لعظمته وجالله وكبريائه ال يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في‬
                                                                             ‫شيء إال من بعد إذنه له في الشفاعة.‬
 ‫وإن من عظيم قدرة اهلل عز وجل أنه إذا تكلم سبحانه بالوحي فسمع أهل السموات كالمه أرعدوا‬
      ‫من الهيبة, حتى يلحقهم مثل الغشي, فإذا زال الفزع عن قلوبهم سأل بعضهم بعضا: ماذا قال‬
        ‫ربكم؟ قالت المالئكة: قال الحق, وهو العلي بذاته وقهره وعلو قدره الكبير على كل شيء.‬
     ‫وقد أورد البخاري في صحيحه عند تفسير هذه اآلية الكريمة أن نبي اهلل قال: ((إذا قضى اهلل‬
   ‫تعالى األمر في السماء ضربت المالئكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا‬
                    ‫فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير)).‬
 ‫وأما حال رسولنا في تعظيمه لربه فحاله ال يوصف، فمن ذلك أنه لما قال له رجل: فإنا نستشفع‬
                           ‫ب‬
      ‫باهلل عليك، فقال النبي: ((سبحان اهلل سبحان اهلل!)) فما زال يس ّح حتى عرف ذلك في وجوه‬
  ‫أصحابه، ثم قال: ((ويحك، أتدري ما اهلل؟! إن شأن اهلل أعظم من ذلك، إنه ال يستشفع باهلل على‬
                                                                                                 ‫أحد من خلقه)).‬
                  ‫ز ل‬                                              ‫و‬
    ‫ومن أروع األمثلة التي د ّنها التاريخ عن سلفنا الصالح وتعظيمهم هلل ع ّ وج ّ ما وقع لإلمام‬
                          ‫الر من عل ع‬
‫مالك رحمه اهلل تعالى لما سأله أحدهم عن قوله تعالى: َّحْ َ ُ ََى ال َرْشِ اسْتَوَى [طه:1] فقال:‬
‫كيف استوى؟ فما كان موقف اإلمام مالك إزاء هذا السؤال إال أن غضب غضبا شديدا لم يغضب‬
  ‫مثله قط، وعاله العرق، وأطرق القوم إلى أن ذهب عن اإلمام مالك ما يجد، فقال: "الكيف غير‬
  ‫معلوم، واالستواء غير مجهول، واإليمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني ألخاف أن تكون‬
                                                                                        ‫أ‬       ‫أ‬      ‫ال‬
                                                                                    ‫ضا ً"، ثم ُمر به فُخرج.‬
 ‫ال‬            ‫ب‬                                                              ‫م‬
 ‫فتأ ّل ـ رحمك اهلل ـ ما أصاب اإلمام مالك رحمه اهلل من شدة الغضب وتصّب العرق إجال ً‬
                                       ‫ب‬                                  ‫ر‬
                                ‫وتعظيمًا هلل تعالى وإنكا ًا لهذا السؤال عن كيفية استواء الر ّ تعالى.‬
    ‫ومن األمثلة في هذا الباب ما جرى لإلمام أحمد رحمه اهلل تعالى لما مر مع ابنه عبد اهلل على‬
  ‫رجل يحدث الناس بغير علم ويذكر حديث النزول فيقول: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل‬
                                                                               ‫ز ل‬
 ‫اهلل ع ّ وج ّ إلى سماء الدنيا بال زوال وال انتقال وال تغير حال، وهذا كذب على اهلل، يقول عبد‬
         ‫اهلل: فارتعد أبي، واصفر لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: "قف بنا على هذا‬
                        ‫ب ز ل‬              ‫ي‬
   ‫الكذاب"، فلما حاذاه قال: "يا هذا، رسول اهلل أغ َر على ر ّه ع ّ وج ّ منك، قل كما قال رسول‬
                                                                                                               ‫اهلل".‬
 ‫أيها المسلمون، يجب علينا أن نعظم اهلل حق التعظيم ألننا جميعا عبيده، فهو يستحق التعظيم جل‬
                                                ‫وعال، وإن مما يعيننا على تعظيم اهلل أمورا كثيرة منها:‬
     ‫5- التفكر في آياته المشاهدة التي نراها صباحا ومساء، فمنها خلق السماوات واألرض؛ فإن‬
    ‫الناظر في السماء ليدهش من بديع صنعها وعظيم خلقها واتساعها وحسنها وكمالها وارتفاعها‬
  ‫َ السم ء ب ه ر س ه ف َو ه‬                           ‫ُ َد‬
 ‫وقوتها، كل ذلك دليل على تمام عظمته تعالى، أَأَنْتمْ أَش ُّ خَلْقًا أمْ َّ َا ُ َنَا َا َفَعَ َمْكَ َا َس َّا َا‬
‫[النازعات:27، 27]، و َّ َاءَ َنَيْنَاهَا بِأَيْي ٍ َإ َّا لَ ُو ِ ُونَ [الذاريات:22]، أفَلمْ َنْظ ُوا َِى َّ َا ِ‬
‫َ َ ي ُر إل السم ء‬                            ‫د وِن م سع‬                           ‫َالسم ب‬
                                                             ‫م ْ ُر‬          ‫وز َّن و‬               ‫ُ ْ ب‬
                                                   ‫فَوْقَهمْ كَيفَ َنَيْنَاهَا َ َيَّاهَا َمَا لَهَا ِن ف ُوجٍ [ق:6].‬
    ‫ومن نظر إلى األرض كيف مهدها اهلل وسخرها لنا وجعل فيها جباال رواسي شامخات مختلفة‬
‫األلوان، وكيف جعل اهلل تعالى األرض قرارا للخلق ال تضطرب بهم وال تزلزل بهم إال بإذن اهلل،‬
                            ‫َف َ ض ي ت ل م قن‬
          ‫من تأمل ذلك استشعر عظمة اهلل جل وعال، و ِي األرْ ِ آ َا ٌ ِلْ ُو ِ ِينَ [الذاريات:07].‬
        ‫ومن آيات عظمته عز وجل ما بث اهلل تعالى في السموات واألرض من دابة، ففي السماء‬
     ‫مالئكته، ال يحصيهم إال اهلل تعالى، ما من موضع أربع أصابع إال وفيه ملك قائم هلل تعالى أو‬
     ‫راكع أو ساجد، يطوف منهم كل يوم بالبيت المعمور في السماء السابعة سبعون ألف ملك، ال‬
                                                                                          ‫يعودون إليه إلى يوم القيامة.‬
  ‫وفي األرض من أجناس الدواب وأنواعها ما ال يحصى أجناسه، فضال عن أنواعه وأفراده، هذه‬
     ‫الدواب مختلفة األجناس واألشكال واألحوال فمنها النافع الذي به يعرف الناس عظم نعمة اهلل‬
     ‫عليهم، ومنها الضار الذي يعرف اإلنسان به قدر نفسه وضعفه أمام خلق اهلل، فكيف حاله مع‬
                                                                                                         ‫خالقه عز وجل؟!‬
 ‫ومن آيات عظمته تعالى الليل والنهار، قلْ أ َأَيْتمْ ِنْ َعلَ َّ ُ َلَيْكمْ َّيلَ سرْم ًا َِى يَومِ الْ ِ َا َ ِ‬
 ‫ُ َر ُ إ ج َ الله ع ُ الل ْ َ َد إل ْ قي مة‬
  ‫مع َ ُ َر ُ إ جع الله ع ُ النه س َد إل ْم‬                                       ‫م إ ه ْر الل ت ُ بضي َ‬
  ‫َنْ ِلَ ٌ غَي ُ َّهِ يَأْ ِيكمْ ِ ِ َاءٍ أفَال تَسْ َ ُون قلْ أ َأَيْتمْ ِنْ َ َلَ َّ ُ َلَيْكمْ َّ َارَ َرْم ًا َِى يَو ِ‬
‫ق مة م إ ه ْر الل ي ت ُ ب ْل كن َ ف َ ت ِر وم ْ ر مته جع ُ الل ْ َالنه ر‬
‫الْ ِيَا َ ِ َنْ ِلَ ٌ غَي ُ َّهِ َأْ ِيكمْ ِلَي ٍ تَسْ ُ ُون ِيهِ أفَال ُبْص ُونَ َ ِن َحْ َ ِ ِ َ َلَ لَكمْ َّيلَ و َّ َا َ‬
                                                       ‫ُر‬        ‫له و َلك‬           ‫ل كن ف ه ول غ م‬
                                     ‫ِتَسْ ُ ُوا ِي ِ َِتَبْتَ ُوا ِنْ فَضِْ ِ َلَعَّ ُمْ تَشْك ُونَ [القصص:52-32].‬
  ‫ومن آيات عظمة اهلل تعالى الشمس والقمر، حيث يجريان في فلكهما منذ خلقهما اهلل تعالى حتى‬
        ‫يأذن بخراب العالم، يجريان بسير منتظم، ال تغيير فيه وال انحراف وال فساد وال اختالف،‬
    ‫و َّمْ ُ تَجرِي ِ ُسْتَق ٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِي ُ الْ َزِيزِ الْ َِي ِ َالْقَمر َدرْنَا ُ َ َازلَ ح َّى عَا َ كَالْعرْ ُو ِ‬
    ‫د ُ ج ن‬              ‫عل م و َ َ ق َّ ه من ِ َت‬                      ‫ر ع‬                          ‫َالش س ْ لم َر‬
           ‫ي بح‬            ‫َر و الل ْل س ق النه وك ٌّ ف‬                 ‫ُْ‬             ‫َ ِ الش س ي بغ‬
‫الْقدِيم ال َّمْ ُ َنْ َ ِي لَهَا أَنْ تدرِكَ الْقَم َ َال َّي ُ َابِ ُ َّ َارِ َ ُل ِي فَلَكٍ َسْ َ ُونَ [يس:23-‬
                                                                                                                         ‫02].‬
      ‫ومن آياته تعالى الدالة على عظمته هذه الكواكب والنجوم العظيمة التي ال يحصيها كثرة وال‬
         ‫يعلمها عظمة إال اهلل تعالى، تسير بأمر اهلل تعالى وتدبيره، زينة للسماء ورجوما للشياطين‬
   ‫وعالمات يهتدى بها، فالكون كله من آيات عظمة اهلل، هو الذي خلقه، وهو المدبر له وحده، ال‬
                                                                                              ‫يدبر الكون أحد غير اهلل.‬
                                                                      ‫ي‬
                                                           ‫فيا عجبا كيف يعصى اإلله…أم كيف َجحده الجاحد‬
                                                                                                        ‫ف‬
                                                                        ‫و ِي كل شيء له آية…تدل على أنه واحد‬
  ‫أيها اإلخوة، إذا علمنا عن عظم بعض مخلوقات اهلل استصغرنا أنفسنا، وعلمنا حقارتها وضعفها‬
   ‫أمام عظم قدرة خالقها جل وعال، وإن ما غاب عنا من مشاهد قدرة اهلل عز وجل أعظم وأعظم‬
  ‫بكثير مما نشاهده، فمن أعظم المخلوقات كلها العرش، قال رسول اهلل في الحديث الصحيح الذي‬
      ‫رواه أبو داود: ((أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة‬
  ‫سبعمائة عام تخفق الطير)) أي: يحتاج الطائر المسرع إلى سبعمائة عام كي يقطع هذه المسافة،‬
‫وقال الرسول عليه الصالة والسالم: ((ما السموات السبع في الكرسي إال كحلقة ملقاة في فالة من‬
                            ‫األرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفالة على تلك الحلقة)).‬
                                                ‫ي‬
                                               ‫يا من يرى مد البعوض جناحها…في ظلمة الليل البهيم األل َل‬
                                                ‫النح‬                           ‫ف‬
                                               ‫ويرى نياط عروقها ِي نَحرها…والمخ في تلك العظام َّل‬
                                                    ‫و‬        ‫ز‬
                                                   ‫اغفر لعبد تاب من فرطاته…ما كان منه في ال ّمان األ ّل‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
  ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                      ‫الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                             ‫د‬
‫الحمد هلل حم ًا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
  ‫له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات ربي وسالمه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم‬
                                                                       ‫بإحسان إلى يوم الدين.‬
                                               ‫أما بعد: فإن من األمور المعينة على تعظيم اهلل:‬
   ‫ر‬
‫7- تحقيق العبودية الكاملة هلل تعالى؛ فالعبد كلما تقرب إلى ربه بأنواع العبادات وأصناف الق ُبات‬
                                   ‫د‬                                                    ‫ظ‬
             ‫ع ُم في قلبه أمر اهلل؛ فتراه مسارعًا لفعل الطاعات مبتع ًا عن المعاصي والسيئات.‬
  ‫3– ومن األمور كذلك التدبر الدقيق للقرآن الكريم، والنظر في اآليات التي تتحدث عن خلق اهلل‬
   ‫وبديع صنعه، واآليات التي تتحدث عن عقوبته وشديد بطشه، وآيات الوعد والوعيد، فإن تدبر‬
  ‫القرآن يؤثر في القلب وال شك، ويجعله يستشعر عظمة الخالق والخوف منه، فمن قرأ كتاب اهلل‬
    ‫وتأمل فيه يجد فيه صفات الرب سبحانه، ملك له الملك كله، واألمور كلها بيده، مستوي على‬
      ‫عرشه، ال تخفى عليه خافية، عالم بما في نفوس عبيده، مطلع على أسرارهم وعالنيتهم، ال‬
                                               ‫تتحرك ذرة إال بإذنه، وال تسقط ورقة إال بعلمه.‬
‫2– مما يعيينا على تعظيم اهلل النظر في حال السابقين؛ فلقد عاش على هذه األرض أقوام وشعوب‬
   ‫أعطاهم اهلل بسطة في الجسم وقوة في البدن لم يعطها أمة من األمم، ولكنها كفرت باهلل وكذبت‬
                                       ‫ر‬
                                     ‫بالرسل، فأذاقها اهلل لباس الجوع والخوف ودمرهم تدمي ًا.‬
 ‫1- ومن ذلك الدعاء، وهو أنفع األدوية وأقوى األسباب متى ما حضر القلب وصدقت النية؛ فإن‬
                                                                       ‫اهلل ال يخيب من رجاه.‬
     ‫6– ومما يعين كذلك التعرف على اهلل من خالل صفاته جل وعال، فإنه موصوف بكل صفة‬
     ‫كمال، فله العلم المحيط والقدرة النافذة والكبرياء والعظمة، فعلى قدر معرفة العبد لربه يكون‬
                  ‫ال‬
                 ‫تعظيم اهلل عز وجل في قلب العبد، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإجال ً.‬
  ‫2– وكذلك مما يوجب التعظيم التعرف على نعم اهلل وآالئه وشكرها، فإنك ـ أخي المسلم ـ إذا‬
   ‫تفكرت في نعم اهلل عليك أن هداك لإلسالم وأعطاك سمعا وبصرا وعقال وماال وصحة وعافية‬
    ‫وغنى ومسكنا وأوالدا وأمنا وأمانا وأن سلمك من الشرور والمحن فإنك إذا رجعت إلى نفسك‬
                   ‫وتأملت وتفكرت في تلك النعم فإنك ستعظم اهلل حق التعظيم وتجله جل وعال.‬
       ‫يت‬
  ‫أيها المسلمون، اهلل وحده يستحق منا التعظيم واإلجالل، وإن من تعظيمه جل وعال أن َّقى حق‬
                                   ‫تقاته، فيطاع فال يعصى، ويذكر فال ينسى، ويشكر فال يكفر.‬
                                              ‫ض‬
                                            ‫فليتك تَحلو والْحياة مريرة…وليتك ترضى واألنام غ َاب‬
                                            ‫ر‬                                    ‫ن‬
                                          ‫وليت الذي بي ِي وبينك عامر…وبيني وبين العالَمين خ َاب‬
                                     ‫إذا صح منك الود يا غاية المنى…فكل الذي فوق التراب تراب‬
‫ِن الله وم ئكته‬
‫أال وصلوا ـ عباد اهلل ـ على رسول الهدى، فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه فقال: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
                                   ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫ي َل ع النبى َي َّذ ن من‬
                 ‫ُصُّونَ َلَى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                                                     ‫صل ل‬
                  ‫اللهم ِّ وسّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
 ‫اللهم إنا نسألك تعظيمك والخوف منك، وأن تمن علينا بتوبة صادقة تعيننا على طاعتك واجتناب‬
                                                                                                  ‫معصيتك...‬

‫(5/5232)‬




                                                                                             ‫مدرسة الصحابة‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                                        ‫اإليمان‬
                                                                                               ‫خصال اإليمان‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                             ‫علي بن عبد الرحمن العويشز‬
                                                                                                          ‫الدمام‬
                                                                                                   ‫7/2/1725‬
                                                                         ‫أبو بكر الصديق (شركة أرامكو)‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- محبة الصحابة لرسول اهلل . 7- أسباب محبة النبي . 3- صدق الصحابة رضي اهلل عنهم.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
  ‫ة‬                          ‫ال‬
  ‫وبعد: أحدثكم في هذه الخطبة عن مدرسة لم يشهد التاريخ لها مثي ً، إنها ـ عباد اهلل ـ مدرس ٌ‬
                                                                            ‫ي‬
‫كان معلمها س ّد ولد آدم محمد بن عبد اهلل ، وتالميذها صحابته الكرام رضوان اهلل عليهم، مدرسة‬
                                               ‫في اإليمان، مدرسة في الفضائل، مدرسة في األعمال.‬
                                  ‫ب‬                                             ‫ن‬
      ‫عبد اهلل، إ ّ هذه المدرسة العظيمة تعلمنا أول ما تعلمنا مح ّة هذا النبي الكريم صلوات ربي‬
    ‫وسالمه عليه، كيف ال وأنت تقرأ ما يقوله عروة بن مسعود الثقفي حال كفره عندما رجع إلى‬
 ‫ك‬           ‫ت‬
‫قومه وقد انبهر بما رأى من تعظيم النبي وإجالله؟! يقول: (أي قوم، واهللِ لقدْ وفَدْ ُ على الملو ِ،‬
      ‫ي م‬       ‫ب‬      ‫إ ْ ت ك ط يع مه‬                    ‫ي‬                         ‫ََ ت‬
‫وَوفدْ ُ على قيصرَ وكسرى والنجاش ِ، واهلل ِن رأي ُ مل ًا ق ُ ُ َظ ُ ُ أصحا ُه ما ُعظ ُ أصحاب‬
                   ‫ه‬          ‫ْ َد‬                  ‫إ َع ْ‬            ‫إ خَ‬                 ‫د‬     ‫د‬
     ‫محم ٍ محم ًا، واهللِ ِنْ تَنَ ّم نخامةً ِال وقَ َت في كفِ رجلٍ منْهم ف َلك بها وج َه وجلدَه، وإذا‬
          ‫ه‬             ‫م‬                                                                ‫ر‬
   ‫أم َهمْ ابتدروا أمره، وإذا توضأَ كادوا يقتتلونَ على وضوئه، وإذا تكل َ خفضوا أصوات َم عنده،‬
                                                         ‫وما يحدون إليه النظرَ تعظيمًا له) رواه البخاري.‬
                     ‫أجل‬    ‫هلل‬           ‫إلي‬     ‫ٌ‬
    ‫ويقول عمرو بن العاص: (وما كان أحد أحبَ َّ منْ رسولِ ا ِ وال َّ في عيني منه، وما‬
       ‫ك أل‬                  ‫ت‬           ‫ه‬             ‫سئ ت‬         ‫ه‬                                 ‫تأ ق‬
  ‫كن ُ ُطي ُ أَنْ أَمألَ عيني منه إِجالالً ل ُ، ولو ُ ِلْ ُ أَنْ أَصِفَ ُ ما أَطَقْ ُ؛ ألني لم أَ ُنْ أَم ُ عيني‬
                                                                                                ‫منه) رواه مسلم.‬
   ‫حتى صغار الصحابة رضي اهلل عنهم كانت محبتهم لرسول اهلل عظيمة، يقول عبد الرحمن بن‬
                                                           ‫ف‬
       ‫عوف: بينا أنا واقف في الص ّ يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغالمين من‬
       ‫م‬               ‫د‬                                   ‫ت‬
   ‫األنصار، حديثة أسنانهما، فتمني ُ أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أح ُهما فقال: يا ع ّ، هل‬
                 ‫أ ت ن يس ُ‬                               ‫ت‬                            ‫ف‬
    ‫تعر ُ أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاج ُك إليه يا ابن أخي؟! قال: ُخبر ُ أ ّه َ ُب رسولَ اهلل ،‬
            ‫ت‬         ‫ن‬                                         ‫ت‬
      ‫والذي نفسي بيده لئنْ رأي ُه ال يفارق سوادي سواده حتى يموت األعجل م ّا، فتعجب ُ لذلك،‬
                                          ‫ت‬     ‫ْ‬
‫فغمزني اآلخر فقال لي مثلها، فلم أَنشَبْ أن نظر ُ إلى أبي جهل يجول في الناس قلت: أال إن هذا‬
        ‫صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتاله، ثم انصرفا إلى رسول اهلل‬
‫فأخبراه، فقال: ((أيكما قتله؟)) قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: ((هل مسحتما سيفيكما؟)) قاال:‬
                                             ‫ال، فنظر في السيفين فقال: ((كالكما قتله)) رواه البخاري.‬
  ‫وعندما توفي النبي ماذا كان حالهم؟ يقول الواصف لهم: كانوا كقطيعٍ في ليلة شاتية مطيرة. مع‬
              ‫أنهم من بينهم دهاة العرب رضي اهلل عنهم أجمعين، وما ذاك إال لحبهم لرسول اهلل .‬
 ‫وإذا أردت أن تحب نبيك ـ أخي المسلم ـ فاقرأ سيرته وتعلمها وعلمها أبناءك وبناتك، فإنك ـ‬
   ‫عبد اهلل ـ إذا قرأت في سيرته أحببته وال بد، كيف ال واهلل جل جالله يقول: لَقَدْ َا َكم ر ُو ٌ‬
   ‫ج ء ُ ْ َس ل‬
                            ‫م فسك َ ز ع م عن ُّ حر ص ع ك م من ن ء ٌ ح م‬
              ‫ِنْ أَن ُ ِ ُمْ عزِي ٌ َلَيْهِ َا َ ِتمْ َ ِي ٌ َلَيْ ُمْ بِالْ ُؤْ ِ ِي َ رَ ُوف رَ ِي ٌ [التوبة:275].‬
                                              ‫ي‬
‫ومن األسباب الموصلة لحبه أن تعلم أن النب ّ كان يتمنى أن يراك، نعم أن يراك أنت، أنت يا من‬
    ‫تؤمن به ولم تره، عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((وددت أنا قد رأينا إخواننا))، قالوا:‬
                                                                                         ‫و‬
    ‫أ َلسنا إخوانك يا رسول اهلل؟! قال: ((أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد))، وفي بعض‬
                                                         ‫الروايات: ((يؤمنون بي ولم يروني)) روا مسلم.‬
  ‫وأن تعلم أن النبي كان يخاف عليك ويحزن ألجلك، عن عبد اهلل بن مسعود قال: قال لي النبي :‬
                                                                               ‫ي‬
  ‫((اقرأ عل ّ))، قلت: يا رسول اهلل، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: ((نعم))، فقرأت سورة النساء‬
            ‫هد‬          ‫عل ؤ‬               ‫ْ ِذ ج م ُل ُم ب ه د وج‬
           ‫حتى أتيت إلى هذه اآلية: فَكَيفَ إ َا ِئْنَا ِنْ ك ِّ أ َّةٍ ِشَ ِي ٍ َ ِئْنَا بِكَ ََى هَ ُالءِ شَ ِي ًا‬
                                                         ‫ت‬
                   ‫[النساء:52] قال: ((حسبك اآلن))، فالتف ّ إليه فإذا عيناه تذرفان. رواه البخاري.‬
                                       ‫بارك اهلل لي ولكم بالقرآن، ونفعنا بما فيه من البيان...‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                 ‫الحمد هلل، والصالة والسالم على رسول اهلل.‬
  ‫وبعد: ومن األمور التي نتعلمها من الصحابة الكرام الصدق مع اهلل، ال كذب، وال إخالف موعد‬
          ‫أ‬                                            ‫ال‬
 ‫مع اهلل، عن شداد بن الهاد أن رج ً من األعراب جاء النبي فآمن به واتبعه، فقال: ُهاجر معك،‬
     ‫فأوصى به النبي بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول اهلل شيئا، فقسم وقسم له،‬
   ‫فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قال: قسم‬
 ‫قسمه لك، فأخذه فجاء به النبي فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: ((قسم قسمته لك))، قال: ما على هذا‬
    ‫اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة،‬
 ‫فقال: ((إن تصدق اهلل يصدقك))، ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به النبي يحمل وقد أصابه سهم‬
     ‫حيث أشار، فقال النبي : ((هو هو؟)) قالوا: نعم، قال: ((صدق اهلل فصدقه))، فكفنه النبي في‬
‫جبته، ثم قدمه وصلى عليه، فكان مما ظهر من صالة النبي : ((اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في‬
                                                           ‫سبيلك قتل شهيدا أنا عليه شهيد)).‬
                                                                                    ‫ذ‬
 ‫إ ًا عباد اهلل، القضية قضية صدق مع اهلل، كم من األيام قضاها هذا الصحابي حتى يحصل له ما‬
                                                  ‫حصل؟! وما قصة سعد بن معاذ عنا ببعيد.‬
                                        ‫اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.‬
     ‫اللهم صل على محمد ما ذكره الذاكرون األبرار، وصل على محمد ما تعاقب الليل والنهار،‬
                                               ‫وصل على محمد وعلى المهاجرين واألنصار.‬
‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين وسائر أعداء الدين، اللهم انصر المجاهدين‬
                                                                  ‫في سبيلك في كل مكان...‬

‫(5/7232)‬




                                                        ‫مواالة المشركين ومشاركة العلمانيين‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫اإليمان‬
                                                                               ‫الوالء والبراء‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫مهران ماهر عثمان نوري‬
                                                                                                                  ‫الخرطوم‬
                                                                                                              ‫7/6/6725‬
                                                                                                           ‫خالد بن الوليد‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
            ‫النبي‬
      ‫5- معنى الوالء والبراء. 7- أهمية هذه العقيدة. 3- البراء من المشركين هدي ِّين. 2-‬
     ‫تحريم مواالة الكفار والمشركين. 1- الناس في ميزان الوالء والبراء. 6- تحريم التعاون مع‬
                                                                                                     ‫األحزاب العلمانية.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
  ‫م من ن وم ي َ‬                ‫لي م د‬            ‫ِر‬           ‫ال َتخ م من‬
‫أما بعد: فيقول اهلل تبارك وتعالى: َّ ي َّ ِذِ الْ ُؤْ ِ ُونَ الْكَاف ِينَ أَوِْ َاء ِن ُوْنِ الْ ُؤْ ِ ِي َ َ َن َفْعلْ‬
          ‫ء ِال أ َتق م ه ت ة وي َذر ُم له سه وإل ل مص ر‬                                             ‫َ س م لِ ف‬
      ‫ذَلِك فَلَيْ َ ِنَ الّه ِي شَيْ ٍ إ َّ َن ت َّ ُواْ ِنْ ُمْ ُقَا ً َ ُح ِّ ُك ُ الّ ُ نَفْ َ ُ ََِى الّهِ الْ َ ِي ُ [آل‬
                                                                                                             ‫عمران:27].‬
‫هذه اآلية تنهى المؤمنين عن مواالة الكافرين، والمؤمن مطالب في نصوص كثيرة بمواالة المؤمن‬
                                                                                  ‫ي‬
                                                        ‫ومعاداة الكافر، وهذا ما ُعرف بعقيدة الوالء والبراء.‬
                                                                         ‫و‬         ‫و‬
    ‫فالوالء وال ِالية وال َالية: النصرة، والمواالة ضد المعاداة. والبراء: التنزه والتخلص والعداوة‬
   ‫والبعد. وعالقة الوالء والمحبة والبراء والبغضاء عالقة مالزمة، فالوالء الزم المحبة، والبراء‬
                                                                                                            ‫الزم البغض.‬
                                                                       ‫ٍ‬
                                   ‫هذه العقيدة من األهمية بمكان في ديننا الحنيف، ومما يدلل على ذلك:‬
       ‫ن ي من ب والن ِي و أ ِ إ م‬                               ‫و‬                                      ‫أن‬
      ‫5- َّ اإليمان ال يتحقق إال بها، قال تعالى: َلَوْ كَا ُوا ُؤْ ِ ُونَ ِاهلل َّب ِّ َمَا ُنزلَ ِلَيْهِ َا‬
                                                       ‫ات َذ ه لي و ِن ر م ُ سق‬
‫َّخ ُو ُمْ أَوِْ َاء َلَك َّ كَثِي ًا ِّنْهمْ فَا ِ ُونَ [المائدة:52]، قال شيخ اإلسالم: "وهذه جملة شرطية إذا‬
                                                                             ‫و‬         ‫و‬
    ‫ُجد الشرط ُجد المشروط... وال يجتمع اإليمان واتخاذهم أولياء، فمن اتخذهم أولياء ما فعل‬
                                                                                              ‫اإليمان الواجب"(5)[5].‬
                                                                        ‫ع‬
  ‫7- تحقيقها أوثق ُرى اإليمان، سأل النبي أبا ذر: ((أتدري أي عرى اإليمان أوثق؟)) قال: اهلل‬
    ‫ورسوله أعلم، قال: ((المواالة في اهلل، والمعاداة في اهلل، والحب في اهلل، والبغض في اهلل عز‬
‫ِله وم ِله‬                 ‫م َب ِله و َ ِله و‬
‫وجل)) رواه الطبراني وصححه األلباني، وقال : (( َنْ أَح َّ لَّ ِ َأَبْغضَ لَّ ِ َأَعْطَى لَّ ِ َ َنَعَ لَّ ِ‬
                            ‫ذ‬                                            ‫َ إل ن‬                 ‫َ‬
       ‫فَقدْ اسْتَكْملَ ا ِيمَا َ)) رواه أبو داود والترمذي وصححه األلباني. إ ًا فدين اإلسالم دين حب‬
                                                                 ‫وبغض، دين والء وعداء، دين رحمة وسيف.‬
  ‫ث م ك َّ ف ه‬                ‫ن م ع النب ِّ‬                  ‫ع‬
  ‫3- يجد اإلنسان إذا حققها حالوة اإليمان، َنْ أَنَسِ بْ ِ َالِكٍ َنْ َّ ِي قَالَ: ((ثَال ٌ َنْ ُن ِي ِ‬
     ‫ي ِبه إ‬          ‫يك الله َرس له َب إ ه ِم و ه و ي ِب َ‬                                         ‫إل ن‬               ‫َد‬
   ‫وَج َ حَالوَةَ ا ِيمَا ِ: أَنْ َ ُونَ َّ ُ و َ ُوُ ُ أَح َّ ِلَيْ ِ م َّا سِ َا ُمَا، َأَنْ ُح َّ الْمرْءَ ال ُح ُّ ُ ِال‬
                               ‫ي ه ي ْ َ َ ف الن ر‬              ‫يع َ ف ك ْر‬              ‫ِله و ي ْر‬
   ‫لَّ ِ، َأَنْ َك َهَ أَنْ َ ُود ِي الْ ُف ِ كَمَا َكْرَ ُ أَنْ ُقذف ِي َّا ِ)) أخرجاه في الصحيحين. فالحب‬
                    ‫للش‬           ‫والبغض من المعاني التي تجري على كل أحد، َّ الموف‬
‫َّق من أخضعها َّرع؛ فال يحب إال هلل،‬    ‫لكن‬
                                                                              ‫حظ‬           ‫ُلق‬
                                                                        ‫وال يبغض إال هلل، وما ي َّاها إال ذو ٍّ عظيم.‬
 ‫2- وبايع النبي جرير بن عبد اهلل فقال له: ((ُ َا ِ ُكَ َلَى أَنْ تَعْبدَ َّ َ َ ُ ِيمَ َّالةَ َ ُؤْ ِيَ َّكَا َ‬
 ‫ُ الله وتق الص وت ت الز ة‬                              ‫أب يع ع‬
                                                                            ‫م رك ن‬                ‫وت ص م لم وت‬
                                                      ‫َ ُنَا ِحَ الْ ُسِْ ِينَ َ ُفَارِقَ الْ ُشْ ِ ِي َ)) رواه أحمد والنسائي.‬
       ‫معاشر المؤمنين، لقد أعلمنا القرآن الكريم أن التبرؤ من الكافرين دأب األنبياء عليهم الصالة‬
                                                                        ‫والتسليم، ونحن مأمورون بالسير على طريقهم.‬
    ‫َ َرَ ت م‬
   ‫فهذا أبو األنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه الصالة والسالم يقول اهلل تعالى عنه: قَالَ أف َأيْ ُم َّا‬
   ‫وِ‬                           ‫ُ و ب ؤ ُم َ ْدم َ ِنه َ ُو ل ِال َب ْ م‬                                 ‫ك ُ ُد‬
 ‫ُنتمْ تَعْب ُونَ أَنتمْ َآ َا ُك ُ األق َ ُون فَإ َّ ُمْ عد ٌّ ِّي إ َّ ر َّ العَالَ ِينَ [الشعراء:12-22]، وقال: َإذْ‬
   ‫لم ً ب قية‬           ‫َرن ِنه سي د وجع‬                      ‫إ ْر ه م ب ه َ م ِنن َر ِّم ُد ِال َّ‬
   ‫قَالَ ِب َا ِي ُ ألَ ِي ِ وقَوْ ِهِ إَّ ِي ب َاء م َّا تَعْب ُونَ إ َّ الذِي فَط َ ِي فَإ َّ ُ َ َهْ ِينِ َ َ َلَهَا كَِ َة َا ِ َ ً‬
                                                                  ‫ف قب َل ُ ي جع‬
   ‫ِي عَ ِ ِهِ لَعَّهمْ َرْ ِ ُونَ [الزخرف:67-27]. ومع شدة بره بأبيه الذي يلمسه كل من قرأ سورة‬
    ‫وم‬
   ‫مريم أظهر التبرؤ منه لما وضح له أنه من أعداء رب العالمين ومات على ملة المشركين، َ َا‬
‫ب ِال ع م ِدة و َ ه ِي ُ َم َي ه َنه ع ُو لل َر م ه إن إ ْر م‬                                                          ‫ت ف ر إ ْر‬
‫كَانَ اسْ ِغْ َا ُ ِب َاهِيمَ ألَ ِيهِ إ َّ َن َّوْع َ ٍ َعدَ َا إ َّاه فَل َّا تَب َّنَ لَ ُ أ َّ ُ َد ٌّ ِّهِ تَب َّأَ ِنْ ُ ِ َّ ِب َاهِي َ‬
                                                                                                    ‫ألو ه ح م‬
                                                      ‫َّا ٌ َلِي ٌ [التوبة:255]، وتبين له ذلك لما مات على الكفر.‬
 ‫ِن أ هد له و َد َن َر ء ِّم ت رك ن م‬
‫وهذا هود عليه السالم قال اهلل تعالى عنه: قَالَ إ ِّي ُشْ ِ ُ الّ ِ َاشْه ُواْ أ ِّي ب ِي ٌ م َّا ُشْ ِ ُو َ ِن‬
        ‫ُو ِهِ فَ ِي ُو ِي َ ِيعًا ث َّ الَ ُنظ ُونِ إ ِّي تَو َّلْ ُ ََى الّه ر ِّي َر ِّ ُم َّا ِن د َّةٍ إ َّ ُوَ آخ ٌ‬
        ‫د ن ك د ن جم ُم ت ِر ِن َك ت عل ل ِ َب و َبك م م َاب ِال ه ِذ‬
                                                         ‫ِر ط م ق‬         ‫ب صيت ِن َب عل‬
‫ِنَا ِ َ ِهَا إ َّ ر ِّي ََى ص َا ٍ ُّسْتَ ِيمٍ [هود:21-61]. وقد جمع بين إظهار هذه العقيدة وبين القوة‬
           ‫ِن َك ت عل ل ِ َب َ َبك‬                                  ‫ُّ‬       ‫ذ‬
‫والحزم في ذلك، وقد ُكر لنا سر قوته هذه في قوله: إ ِّي تَو َّلْ ُ ََى الّه ر ِّي ورِّ ُم [هود:61]،‬
                     ‫وم ي َك عل الل ِ ه ح به‬
         ‫فصدق التوكل على اهلل سبب حفظه ورعايته، َ َن َتَو َّلْ ََى َّه فَ ُوَ َسْ ُ ُ [الطالق:3].‬
    ‫ل ُ ب ُد ُم تد‬              ‫َّذ ن َ‬           ‫أ‬
  ‫وقد سلك نبينا طريقهم واهتدى بهديهم كما أمره اهلل في قوله: ُوْلَئِكَ ال ِي َ هدَى الّه فَ ِه َاه ُ اقْ َ ِهْ‬
 ‫وأ ح إَي َذ ُ ن‬
 ‫[األنعام:00]. فقد أظهر هذا البراء من المشركين ولم يداهنهم، قال تعالى: َُو ِيَ ِل َّ ه َا الْقرْآ ُ‬
 ‫َد َن م له له أ ْر ق ال ه ُ ُ ِن هو إ ه و ِد وإنن‬                                           ‫أل ِرك ب وم ب ِنك‬
‫ُنذ َ ُم ِهِ َ َن َلَغَ أَئ َّ ُمْ لَتَشْه ُونَ أ َّ َعَ الّ ِ آِ َةً ُخ َى ُل َّ أَشْ َد قلْ إَّمَا ُ َ ِلَ ٌ َاح ٌ َِ َّ ِي‬
                                                                               ‫َر ء ِّم ت رك‬
      ‫ب ِي ٌ م َّا ُشْ ِ ُونَ [األنعام:05]. وأعلن للمشركين براءته الصريحة التي ال لَبْسَ يكتنفها من‬
 ‫ُد ن و ُ ع ِد ن‬                    ‫ُد‬         ‫ِر َ‬         ‫َيه‬          ‫ُ‬
 ‫دينهم وطريقهم بأفصح عبارة وأدل لفظ: قلْ يَا أ ُّ َا الْكَاف ُون ال أَعْب ُ مَا تَعْب ُو َ َال أَنتمْ َاب ُو َ‬
                          ‫ُد ُ د ن ُ ول د‬                 ‫بد م عب ُّ و ُ بد ن‬                               ‫بد و‬
      ‫مَا أَعْ ُ ُ َال أَنَا عَا ِ ٌ َّا َ َدتمْ َال أَنتمْ عَا ِ ُو َ مَا أَعْب ُ لَكمْ ِيُكمْ َِيَ ِينِ [سورة الكافرون].‬
       ‫ومما يدل على اعتنائه بترسيخ هذه العقيدة في نفوس أصحابه أنهم ضربوا في تطبيقها أروع‬
  ‫األمثلة في غزوة بدر، وغزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، فهذا دليل على أن إرساء عقيدة‬
          ‫ي من ِالل‬               ‫ُِ‬
        ‫المواالة والمعاداة في نفوسهم كان من أولويات دعوته، قال تعالى: ال تَجد قَوْمًا ُؤْ ِ ُونَ ب َّهِ‬
     ‫ع رت ُ‬           ‫و ُ‬               ‫ُ‬                ‫ُ‬        ‫ن‬         ‫ِر ي َاد ن م َاد الله َرس ه و‬                ‫و ْ‬
   ‫َالْيَومِ اآلخ ِ ُو ُّو َ َنْ ح َّ َّ َ و َ ُولَ ُ َلَوْ كَا ُوا آبَاءهمْ أَوْ أَبْنَاءهمْ أَوْ إِخْ َانَهمْ أَوْ َشِي َ َهمْ‬
  ‫ه ر ِد ن‬                 ‫ت‬       ‫أ ك َ ف قل بهم إل م ن و َّ ه ِر ح م ه وُ خله َن ت ر م‬
  ‫ُوْلَئِ َ كَتَب ِي ُُو ِ ِ ُ ا ِي َا َ َأَيدَ ُم ب ُو ٍ ِّنْ ُ َيدْ ُِ ُمْ ج َّا ٍ تَجْ ِي ِن تَحْ ِهَا األَنْ َا ُ خَال ِي َ‬
                  ‫الل ُم م ح‬               ‫ف ه رض الله ع ُ ورض ع ه أ ك ح ب الل أ ِن ِ‬
‫ِي َا َ ِيَ َّ ُ َنْهمْ َ َ ُوا َنْ ُ ُوْلَئِ َ ِزْ ُ َّهِ َال إ َّ حزْبَ َّهِ ه ُ الْ ُفْلِ ُونَ [المجادلة:77].‬
         ‫ُ‬                                                                              ‫ُ‬
  ‫آبَاءهمْ نزلت في أبي عبيدة عامر بن الجراح قتل أباه يوم بدر وكان على اإلشراك،أَبْنَاءهمْ نزلت‬
                                ‫إ و ُ‬              ‫ُقد‬                        ‫في الصد هم‬
‫ِّيق َّ بقتل ابنه يوم بدر ولم ي َّر له ذلك، ِخْ َانَهمْ نزلت في مصعب بن عمير قتل أخاه‬
                                                              ‫ع ر ُ‬                      ‫ع‬
‫ُبيد بن عمير فيها، َشِي َتَهمْ نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد‬
                                                              ‫بن عتبة، وفي عمر بن الخطاب قتل خاله يوم بدر.‬
                   ‫ي‬
      ‫ولما قبل النبي الفداء من المشركين يوم بدر كان رأي عمر بن الخطاب أن ُمكن كل أحد من‬
        ‫د‬
  ‫قريبه فيضرب عنقه؛ ليعلم الكفار أنه ال محبة عند المؤمنين لهم، نزل القرآن الكريم مؤي ًا لرأي‬
    ‫َت ي خ َ ف َ ْ تر د ع َ الد و له ُر د‬                          ‫ل ِي يك ه ْ‬
    ‫عمر : مَا كَانَ ِنَب ٍّ أَن َ ُونَ لَ ُ أَسرَى ح َّى ُثْ ِن ِي األرضِ ُ ِي ُونَ َرضَ ُّنْيَا َالّ ُ ي ِي ُ‬
                   ‫ُ َ ب ظم‬                     ‫َسك ْ ف‬         ‫ِ و له َ ز حك م ل ك ب م ل س‬
      ‫اآلخرَةَ َالّ ُ عزِي ٌ َ ِي ٌ َّوْالَ ِتَا ٌ ِّنَ الّهِ َبَقَ لَم َّ ُم ِيمَا أَخَذْتمْ عذَا ٌ عَ ِي ٌ [األنفال:26،‬
                                                                ‫ِم َن ب ْد وِم ِد‬
                                                   ‫26]، والكتاب الذي سبق: فَإ َّا م ًّا َع ُ َإ َّا ف َاءً [محمد:2].‬
 ‫عباد اهلل، إن نصوص عقيدة الوالء والبراء طافحة في القرآن الكريم، وهذا مما يدل على أهميتها‬
         ‫ألم‬
 ‫في ديننا الحنيف، وهذه جملة من النصوص تنهى عن مواالة الكافرين، وتتوعد من َّ بشيء من‬
       ‫َتخذ َ ُو و َ ُوك لي ت ق إل ه‬                               ‫َي َّذ من‬
      ‫ذلك من المسلمين: قال تعالى: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال ت َّ ِ ُوا عد ِّي َعد َّ ُمْ أَوِْ َاء ُلْ ُونَ َِيْ ِم‬
       ‫َق ي ْ ج الرس َِي ُ أ ت من بالل ِ َبك إ ك ُ‬                             ‫م َدة َ َر بم ج ك م‬
     ‫بِالْ َو َّ ِ وقَدْ كَف ُوا ِ َا َاء ُم ِّنَ الْح ِّ ُخرِ ُونَ َّ ُولَ وإ َّاكمْ َن ُؤْ ِ ُوا ِ َّه رِّ ُمْ ِن ُنتمْ‬
      ‫ت و أ لت‬                     ‫َم ب‬           ‫َدة و‬            ‫َ ت جه د ف سب ل و ت م ض ت ت ِر إ ه‬
    ‫خرَجْ ُمْ ِ َا ًا ِي َ ِيِي َابْ ِغَاء َرْ َا ِي ُس ُّونَ ِلَيْ ِم بِالْمَو َّ ِ َأَنَا أَعْل ُ ِمَا أَخْفَيْ ُمْ َمَا َعَْن ُمْ‬
 ‫وم ي ع ه م ك ْ َ َل سو السب إ ي ف ك يك ن ُ ْد وي سط إ ُ ْدي ُ وأ سنته‬
‫َ َن َفْ َلْ ُ ِن ُم فَقدْ ض َّ َ َاء َّ ِيلِ ِن َثْقَ ُو ُمْ َ ُو ُوا لَكمْ أَع َاء َ َبْ ُ ُوا ِلَيْكمْ أَي ِ َهمْ ََلْ ِ َ َ ُم‬
                                                                                             ‫فر‬              ‫َد‬        ‫ِالس‬
                                                                         ‫ب ُّوءِ وَو ُّوا لَوْ تَكْ ُ ُونَ [الممتحنة:5، 7].‬
 ‫ر‬                       ‫ِال َتق م ُ ت‬                                                          ‫م‬
‫إن فئا ًا من الناس يريدون أن يجعلوا قول اهلل تعالى: إ َّ أَنْ ت َّ ُوا ِنْهمْ ُقَاةً [آل عمران:27] ست ًا‬
  ‫يواري خبث فعالهم وسوء صنيعهم، فتراهم يسارعون في الكافرين بكل سبيل، فإذا ما اتجه إليهم‬
                                 ‫ِال َتق م ه ت ة‬                                        ‫ح‬     ‫ت م‬
     ‫صو ُ لو ٍ ونص ٍ قالوا: ألم يقل اهلل: إ َّ أَنْ ت َّ ُوا ِنْ ُمْ ُقَا ً؟! فيضربون القرآن بعضه ببعض،‬
    ‫وإلى هؤالء: لماذا لم يعذر اهلل سبحانه حاطب بن أبي بلتعة لما ظاهر المشركين وأعانهم؟! أما‬
                                                                        ‫متأوال‬
   ‫كان حاطب ِّ ً؟! ألم يرد حماية أهله وماله؟! أوليس الذي عاتبه وطرح عذره هو الذي قال:‬
                                                                                                      ‫ِال َتق م ه ت ة‬
                                                                                                    ‫إ َّ أَنْ ت َّ ُوا ِنْ ُمْ ُقَا ً؟!‬
                                                  ‫أ‬
         ‫أيها المؤمنون، لئال يغتر أحد بمقالتهم هذه ُفسح المجال لشيخ المفسرين وإمامهم أبي جعفر‬
   ‫ِال َتق‬                       ‫ر‬
 ‫الطبري ليجلي لنا تفسيرها ويوضح معانيها، يقول اإلمام الطبري مفس ًا قوله تعالى: إ َّ أَنْ ت َّ ُوا‬
                                                                                      ‫م ُ ت ة‬
       ‫ِنْهمْ ُقَا ً: "إال أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الوالية بألسنتكم،‬
            ‫وتضمروا لهم العداوة، وال تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، وال تعينوهم على مسلم‬
 ‫بفعل"(7)[7]. أين هذا من السعي لتأصيل مبدأ األخوة بين المؤمن والكافر؟! أين هذا من السخرية‬
    ‫ي ه ُم الله ع‬
  ‫بمن يدعو إلقامة عقيدة الوالء والبراء؟! أين هذا من التالعب بقول اهلل تعالى: ال َنْ َاك ُ َّ ُ َنِ‬
        ‫َر ُ وت سط إ ِ ِن الل ي ِب‬                            ‫َّذ َ ي تل ُ ْ ف الد ن وَ ي ج ك م د ر ُ‬
        ‫ال ِينَ لمْ ُقَا ُِوكم ِي ِّي ِ َلمْ ُخْرِ ُو ُم ِّن ِيَا ِكمْ أَن تَب ُّوهمْ َ ُقْ ِ ُوا ِلَيْهمْ إ َّ َّهَ ُح ُّ‬
                                                                                                                    ‫م سط‬
                                                                                                  ‫الْ ُقْ ِ ِينَ [الممتحنة:2]؟!‬
                ‫ر‬                                      ‫ر‬
‫ولو كان كل خوف من المشركين عذ ًا لمواالتهم وإظهار التقية ألبطلنا كثي ًا من النصوص؛ ألن‬
   ‫َ َز ل ن ي تل ك َتى َ ُد ُ ع‬
  ‫عداءهم وكيدهم وحربهم لإلسالم وأهله مستمر ال ينقطع، والَ ي َاُو َ ُقَا ُِونَ ُمْ ح َّ َ ير ُّوكمْ َن‬
                                                                                                       ‫ع‬            ‫د نُ إ‬
                                                                                      ‫ِي ِكمْ ِنِ اسْتَطَا ُواْ [البقرة:257].‬
      ‫َ َر‬                                          ‫ي‬
     ‫إن مواالة أعداء اهلل بأعذار واهية ول ّ أعناق النصوص سمة من أبرز سمات المنافقين، فت َى‬
                                ‫أ تص ب د ِرة‬                 ‫َّذ َ ف قل به م َض ي رع َ ف ه ق ل ن‬
                  ‫ال ِين ِي ُُو ِ ِم َّر ٌ ُسَا ِ ُون ِي ِمْ يَ ُوُو َ نَخْشَى َن ُ ِي َنَا َآئ َ ٌ [المائدة:71].‬
‫ومن النصوص التي تزجر عن مواالة الكافرين والمشركين: َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُواْ الَ تَّخ ُواْ الْ َا ِ ِي َ‬
‫َت ِذ ك فر ن‬                   ‫ي َي َّذ من‬
                                  ‫عل لل ع ك س ن مب‬                          ‫م من تر د أ‬                      ‫لي م د‬
       ‫أَوِْ َاء ِن ُونِ الْ ُؤْ ِ ِينَ أَ ُ ِي ُونَ َن تَجْ َُواْ ِّهِ َلَيْ ُمْ ُلْطَا ًا ُّ ِينًا [النساء:225]، والسلطان‬
                                                                        ‫الحجة، فإذا فعلتم ذلك استوجبتم غضب اهلل.‬
    ‫وم‬        ‫َب ك ْ عل إل‬                         ‫ُ و و ُ لي‬                        ‫َتخذ‬            ‫َي َّذ من‬
   ‫ومنها: يَا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُواْ الَ ت َّ ِ ُواْ آبَاءكمْ َإِخْ َانَكمْ أَوِْ َاء إَنِ اسْتَح ُّواْ الْ ُفرَ ََى ا ِيمَانِ َ َن‬
          ‫ي َله م ُ ْ أ ئ ُم الظ لم َ ُ إ ن ب ؤك و ؤ ُ وإ و ن ُ وَ و جك وع رت ُ‬
        ‫َتَوَّ ُم ِّنكم فَُوْلَ ِكَ ه ُ َّاِ ُون قلْ ِن كَا َ آ َا ُ ُمْ َأَبْنَآ ُكمْ َِخْ َاُكمْ َأزْ َا ُ ُمْ َ َشِي َُكمْ‬
 ‫َأَمْ َا ٌ اقْت َفْ ُ ُو َا َتِ َا َ ٌ تَخْشَوْ َ كَسَادَهَا َ َسَا ِ ُ تَرْ َوْنَهَا أَح َّ ِلَيْ ُم ِّنَ الّ ِ و َ ُوِ ِ َ ِ َا ٍ‬
 ‫َب إ ك م له َرس له وجه د‬                             ‫وم كن ض‬                      ‫ن‬          ‫و و ل َر تم ه و ج رة‬
                               ‫ق‬            ‫ْ‬       ‫ف سب ل َ َبص َت ي ت له ْ ه و له ي ْد‬
  ‫ِي َ ِيِهِ فَترَّ ُواْ ح َّى َأْ ِيَ الّ ُ بِأَمرِ ِ َالّ ُ الَ َه ِي الْقَومَ الْفَاسِ ِينَ [التوبة:37، 27]. فإذا كان‬
                           ‫هذا فيمن والى أباه أو أخاه ومقتضى ذلك مركوز في النفوس فكيف بغيرهم؟!‬
      ‫لي‬         ‫ِر‬           ‫ل َّذ َتخذ‬                     ‫ب ِّ من فق َن ُ َ‬
    ‫ومن التحذيرات القرآنية كذلك: َشرِ الْ ُ َا ِ ِينَ بِأ َّ لَهمْ عذَابًا أَِيمًا ال ِينَ ي َّ ِ ُونَ الْكَاف ِينَ أَوِْ َاء‬
                                            ‫م من ي غ ع ُم ِز َ ِن ِز لل جم‬                                            ‫م د‬
                     ‫ِن ُونِ الْ ُؤْ ِ ِينَ أَ َبْتَ ُونَ ِندَه ُ الْع َّة فَإ َّ الع َّةَ ِّهِ َ ِيعًا [النساء:235، 035].‬
   ‫ال‬
   ‫وفي القرآن عدد من اآليات التي تدل على أن مواالة المشركين من عالمات المنافقين ومنها: َّ‬
     ‫إال أ‬          ‫َ س م لِ ف‬                  ‫م من وم ي َ‬                  ‫لي م د‬            ‫ك فر‬          ‫َتخ م من‬
    ‫ي َّ ِذِ الْ ُؤْ ِ ُونَ الْ َا ِ ِينَ أَوِْ َاء ِن ُوْنِ الْ ُؤْ ِ ِينَ َ َن َفْعلْ ذَلِك فَلَيْ َ ِنَ الّه ِي شَيْءٍ ِ َّ َن‬
                                          ‫َتق م ُ ت وي َذر ُم له سه وإل ل م ر‬
          ‫تَّ ُواْ ِنْهمْ ُقَاةً َ ُح ِّ ُك ُ الّ ُ نَفْ َ ُ ََِى الّهِ الْ َصِي ُ [آل عمران:27]، فأي وعيد فوق هذا‬
                                                                                                                        ‫الوعيد؟!‬
                                                            ‫ل‬                                   ‫ولعل‬
                            ‫َّي أتحدث عن الفرق بين المواالة والتوّي في الجمعة القادمة إن شاء اهلل.‬
                               ‫أيها المؤمنون، إن الناس في باب الوالء والبراء منقسمون إلى ثالثة أقسام:‬
                                                                                  ‫ُم‬
    ‫األول: الك َّل من المؤمنين، كاألنبياء والصديقين والشهداء واألولياء الصالحين، فهؤالء يواليهم‬
                                                                   ‫بحب‬
                                                                ‫المؤمن والء مطلقًا، ويتقرب إلى اهلل تعالى ِّهم.‬
      ‫ي ِن‬                   ‫ي‬
  ‫الثاني: أهل الكفر واإلشراك، ومنهم أهل النفاق والكتاب وهؤالء ُبغضون بإطالق، وال ُك ُّ لهم‬
                                    ‫ب‬
   ‫المسلم إال العداوة والبغضاء، فالمؤمن ذليل للمؤمن مح ّ له، عزيز على الكافر مبغض له، قال‬
   ‫ت له ْم ي ِبه وي ِب ه َ ِل عل‬                            ‫َيه َّذ من م َ َد م ُ ع د ن ِ ْ‬
  ‫تعالى: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َ ُواْ َن يرْت َّ ِنكمْ َن ِي ِه فَسَوفَ يَأْ ِي الّ ُ بِقَو ٍ ُح ُّ ُمْ َ ُح ُّونَ ُ أذَّةٍ ََى‬
  ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ أَع َّةٍ ََى الْ َا ِ ِينَ ُ َاه ُون ِي َبِيلِ الّ ِ َالَ يَ َا ُونَ لَوْ َةَ آلئمٍ ذَلِكَ فَضْ ُ الّهِ ُؤْ ِي ِ‬
  ‫ل ل ي ته‬                       ‫م ِ‬             ‫له و خ ف‬                ‫ِز عل ك فر يج ِد َ ف س‬                       ‫م من‬
    ‫م َم ٌ رس ل الله و َّذ معه ِد عل ُف ر‬                                           ‫م ي و له و ع عل م‬
    ‫َن َشَاء َالّ ُ َاسِ ٌ َِي ٌ [المائدة:21]، وقال: ُّح َّد َّ ُو ُ َّ ِ َال ِينَ َ َ ُ أَش َّاء ََى الْك َّا ِ‬
                                                                                                                ‫رح م ب ه‬
                                                                                                  ‫ُ َ َاء َيْنَ ُمْ [الفتح:07].‬
   ‫الثالث: أهل المعاصي من المؤمنين، وهؤالء نحبهم إليمانهم، ونبغضهم بقدر معصيتهم، فالزاني‬
    ‫ي‬                  ‫ي‬
‫مبغوض، والمشرك مبغوض، وفرق بين البغضَين، وشارب الخمر ُبغض، وبذيء اللسان ُبغض،‬
                                                                                                        ‫وفرق بين البغضين.‬
     ‫ولذا ثبت أن النبي تبرأ من بعض المؤمنين من أهل المعاصي، فقد تبرأ من الصالقة التي ترفع‬
   ‫صوتها بالبكاء عند المصيبة، والحالقة التي تحلق رأسها عندها، والشاقة التي تشق ثيابها عندها،‬
‫وَ ن م له َرس ل إل الن س ْم‬
‫ولكن ليست هذه البراءة كبراءته الواردة في قول اهلل تعالى: َأذَا ٌ ِّنَ الّ ِ و َ ُوِهِ َِى َّا ِ يَو َ‬
                                                           ‫َ َن ل َر ء م م ْرك ن ورس له‬                             ‫َج‬
                                               ‫الْح ِّ األَكْبرِ أ َّ الّهَ ب ِي ٌ ِّنَ الْ ُش ِ ِي َ َ َ ُوُ ُ [التوبة:3].‬
 ‫ولما أمر اهلل بقتال الفئة الباغية ـ وهذا من معاني ومظاهر البراء من المعصية وأهلها ـ بقوله:‬
       ‫تل الت‬             ‫ْد ه عل أل ْ‬             ‫ح ب هم إ ب‬                       ‫ل‬           ‫م م من‬                        ‫وإ‬
      ‫َِن طَائِفَتَانِ ِنَ الْ ُؤْ ِ ِينَ اقْتَتَُوا فَأَصْلِ ُوا َيْنَ ُ َا فَِن َغَتْ إِح َا ُمَا ََى ا ُخرَى فَقَا ُِوا َّ ِي‬
  ‫َ ْل وَ ط ِن الل ي ِب م ط ن‬                            ‫لح ب ه‬              ‫ْ‬      ‫الل ِ إ‬         ‫غ َت ف إل‬
  ‫تَبْ ِي ح َّى تَ ِيءَ َِى أَمْرِ َّه فَِن فَاءت فَأَصِْ ُوا َيْنَ ُمَا بِالْعد ِ َأقْسِ ُوا إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُقْسِ ِي َ‬
                                                                               ‫وة‬          ‫ِن م من‬
                          ‫إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ إِخْ َ ٌ [الحجرات:0، 05]، فأمر بقتالهم وأثبت أخوتهم وإيمانهم.‬
                                         ‫أن‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "وليعلم َّ المؤمن تجب مواالته وإن ظلمك واعتدى عليك،‬
  ‫والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن اهلل سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون‬
‫الدين كله هلل، فيكون الحب ألوليائه والبغض ألعدائه، واإلكرام ألوليائه واإلهانة ألعدائه، والثواب‬
 ‫ألوليائه والعقاب ألعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة‬
  ‫وبدعة استحق من المواالة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب‬
 ‫ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات اإلكرام واإلهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛‬
‫كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو األصل الذي اتفق‬
                                             ‫عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة"(3)[3].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون،‬
                                      ‫وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.‬


                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه‬
                                                                                                                     ‫أجمعين.‬
  ‫أما بعد: فإن من أقبح اآلثام أن يضع المؤمن يده على يد األحزاب العلمانية والحركات اليسارية،‬
      ‫وال‬
      ‫وقد دلت كثير من آي القرآن الكريم على تحريم ذلك وتجريم أهله، فمن ذلك قوله تعالى: َ َ‬
                                                                ‫ع ون عل إل ْم و ع و‬
  ‫تَ َا َ ُواْ ََى ا ِث ِ َالْ ُدْ َانِ [المائدة:7]. وكل من وقف على دعوات هؤالء ومبادئهم ال يشك في‬
                                                                     ‫أن التعاون معهم تعاون على اإلثم والعدوان.‬
     ‫َ َ ن َّ عل ُ‬
   ‫ومن أدلة التحريم جميع األدلة التي تنادي بعقيدة البراء من الكفر وأهله، ومنها: وقدْ َزلَ ََيْكمْ‬
‫ُد مع ُ َت يخ ض ْ ف َد ث‬                          ‫ل ي َر ب وي ْزأ به‬                   ‫ِذ سم ُ ي‬                   ‫ف ك‬
‫ِي الْ ِتَابِ أَنْ إ َا َ ِعْتمْ آ َاتِ الّهِ ُكَف ُ ِهَا َ ُسْتَه َُ ِ َا فَالَ تَقْع ُواْ َ َهمْ ح َّى َ ُو ُوا ِي ح ِي ٍ‬
                               ‫ع من فق ن و ك فر َ ف َه َّم جم‬                        ‫ْ ِن ُ ِذ م له ِن ل‬
 ‫غَيرِهِ إَّكمْ إ ًا ِّثُْ ُمْ إ َّ الّهَ جَامِ ُ الْ ُ َا ِ ِي َ َالْ َا ِ ِين ِي ج َن َ َ ِيعًا [النساء:025]، فاآلية تحرم‬
                                                                     ‫ي‬
  ‫الجلوس في المكان الذي ُكفر فيه بآيات اهلل ويستهزأ بها، وإذا لم تكن مجالس األحزاب العلمانية‬
 ‫وِذ‬                            ‫م‬                      ‫ح‬                                  ‫م و‬
‫ُتنا َلة بهذه اآلية فأي المجالس هي التي ُذرنا منها؟! واآلية ال ُشار إليها في هذه اآلية هي: َإ َا‬
                       ‫ْ‬      ‫ْ ِ ع ه َت يخ ض ْ ف َد‬                    ‫َّذ ن يخ ض َ ف ي ت‬               ‫ر‬
     ‫َأَيْتَ ال ِي َ َ ُو ُون ِي آ َا ِنَا فَأَعرضْ َنْ ُمْ ح َّى َ ُو ُوا ِي ح ِيثٍ غَيرِهِ [األنعام:26].‬
           ‫ق‬
 ‫وقد توعد رسول اهلل كل من ظاهر مبطالً بقوله: ((من أعان ظالمًا ليدحض بباطله ح ًا فقد برئت‬
‫منه ذمة اهلل وذمة رسوله)) رواه الحاكم والطبراني وصححه األلباني. وممن لعنهم النبي من آوى‬
                                                    ‫محدثًا كما في صحيح مسلم، فكيف بمن عاونه؟!‬
                                                                               ‫ي‬
     ‫هذا، وال ُغتر بطرحهم لبعض البرامج التثقيفية أو اإلنسانية الخيرية أو غير ذلك مما يصدق‬
‫عليه: باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب؛ ألنهم يريدون بها التدليس والتلبيس على الناس.‬
                                                                 ‫د ي‬      ‫ر‬
                                               ‫نسأل اهلل أن يبرم لنا أم ًا رش ًا ُعز فيه الطائعون...‬
                                                                                        ‫__________‬
                                                                          ‫(5) كتاب اإليمان (ص25).‬
                                                                           ‫(7) جامع البيان (3/277).‬
                                                                     ‫(3) مجموع الفتاوى (27/007).‬

‫(5/3232)‬




                                                                               ‫وسائل الثبات على الدين‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                    ‫الفتن‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                         ‫محمد بن عبد العزيز الشمالي‬
                                                                                                 ‫الرياض‬
                                                                                              ‫غير محدد‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- انتشار الفتن في آخر الزمان. 7- خوف السلف الصالح على قلوبهم. 3- عوامل الثبات:‬
         ‫اإلقبال على القرآن، االلتزام بشرع اهلل، تدبر قصص األنبياء، التربية المتينة، اإلخالص‬
   ‫والمتابعة، الجليس الصالح، البصيرة وفهم الواقع، التفاؤل بنصر اإلسالم، لزوم االستغفار. 2-‬
                                                         ‫أهمية االلتجاء إلى هلل تعالى. 1- كلكم راع.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
    ‫َيه الن س اتق َب ُم َّذ‬
   ‫أما بعد: عباد اهلل، اتقوا اهلل حق التقوى كما أمركم اهلل بذلك فقال: يَا أ ُّ َا َّا ُ َّ ُواْ ر َّك ُ ال ِي‬
‫ر ونس َاتق ل َّ تس ل ن‬                                 ‫م ه جه و َث م هم ر‬                         ‫ك م نسو ِ ة‬
‫خَلَقَ ُم ِّن َّفْ ٍ َاحدَ ٍ وَخَلَقَ ِنْ َا زَوْ َ َا َب َّ ِنْ ُ َا ِجَاالً كَثِي ًا َ ِ َاء و َّ ُواْ الّهَ الذِي َ َاءُو َ‬
    ‫َي َّذ ن من اتق ل َق‬                                                       ‫ع ُ ْ َق‬            ‫به و َ ح ِن ل‬
    ‫ِ ِ َاألرْ َامَ إ َّ الّهَ كَانَ َلَيْكم ر ِيبًا [النساء:5]، وقال تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُواْ َّ ُواْ الّهَ ح َّ‬
      ‫ي َي َّذ من اتق الل‬                                                ‫ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
    ‫ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705]، وقال تعالى: َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ‬
                                           ‫مل‬         ‫رب‬          ‫و ت ُ س م َدم ل َد َاتق الل إن الل‬
                            ‫َلْ َنظرْ نَفْ ٌ َّا ق َّ َتْ ِغ ٍ و َّ ُوا َّهَ ِ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا تَعْ َُونَ [الحشر:25].‬
 ‫أما بعد: فقد أخبر المصطفى بأنه ستكون في آخر الزمان فتن كما روى أنس بن مالك رضي اهلل‬
  ‫عنه عن رسول اهلل أنه قال: ((بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا‬
‫ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل)) رواه الحاكم‬
  ‫(2/122), وفي زمن تكثر فيه الشهوات والشبهات التي تصرف المرء عن دينه يقول الرسول :‬
 ‫((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)) رواه الترمذي (2/671)،‬
      ‫وكان عليه الصالة والسالم يقول: ((إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف‬
    ‫يشاء))، ويقول عليه الصالة والسالم في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم: ((لقلب ابن آدم أشد‬
                                                                                          ‫ب‬
        ‫تقل ًا من القدر إذا استجمعت غليانًا))، وقال أيضا: ((إنما مثل القلب مثل ريشة بفالة ـ أي:‬
                                                    ‫ر‬
                                           ‫بالصحراء ـ تعقلت في أصل شجرة يقلبها الريح ظه ًا لبطن)).‬
                                                                                                          ‫ويقول الشاعر:‬
                                                          ‫وما سمي اإلنسان إال لنسيه…وال القلب إال أنه يتقلب‬
‫وكان عليه الصالة والسالم يكثر من هذا الدعاء: ((اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك)).‬
                ‫أشد‬
‫ونهج منهجه الصحابة الكرام واألئمة األعالم من سلف هذه األمة، فقد كانوا َّ الناس خوفًا على‬
    ‫قلوبهم مع حرصهم وكثرة طاعتهم هلل سبحانه وتعالى؛ لهذا كله وألننا نعيش هذه األيام في فتن‬
                                               ‫د‬                       ‫شب‬
 ‫تالطمت و ُ َه انتشرت وأنواع من الر ّة خرجت حتى أصبح المرء يخشى على نفسه عدم الثبات‬
                           ‫د‬                                ‫ر‬
    ‫والخوف من أن ينكص على عقبيه كف ًا والعياذ باهلل أو عصيانا أو بع ًا أو جفاءً عن طاعة اهلل‬
     ‫فازدادت الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات على دين اهلل، ألننا جمعنا بين تقصير في طاعة اهلل‬
  ‫وأمن من عقابه وبين مجتمعات انتشر فيها الباطل على أرقى المستويات، أما سلفنا الصالح فإنهم‬
      ‫كانوا يجمعون بين طاعة اهلل ومجتمع صالح يعينهم على ذكر اهلل، ومع ذلك فقد كانوا يخافون‬
‫على أنفسهم من الزيغ وعدم الثبات، فهل تبصر المسلمون اليوم بعوامل الثبات على دين اهلل وأنهم‬
                                                             ‫أشد حاجة إلى معرفتها والعمل بها والدعوة إليها؟!‬
‫إخوة اإلسالم، إن من رحمة اهلل عز وجل بنا أن بين لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي سيرة نبيه‬
                                             ‫وسائل كثيرة للثبات لعلنا نتناول بعضًا منها، فمن هذه العوامل:‬
                                    ‫َ لن َب ب ف ك و َت ه ت‬                                                     ‫ال‬
        ‫أو ً: اإلقبال على كتاب اهلل، كذَلِكَ ِ ُث ِّتَ ِهِ ُؤَادَ َ َر َّلْنَا ُ تَرْ ِيالً [الفرقان:73]، ألنه يزرع‬
               ‫د‬                         ‫و‬               ‫و‬
   ‫اإليمان ويزكي النفوس، وألنه يز ّد المسلم بالتص ّرات الصحيحة لواقعهم، فير ّ على الشبهات‬
‫ويفضح المخططات. واإلقبال على القرآن يكون بتالوته وحفظه ومعرفة تفسيره والعمل به، فداوم‬
                                                         ‫على تالوته، وال تقطع صلتك به، وال تعرض عنه.‬
 ‫ثانيًا: االلتزام بشرع اهلل واإلكثار من األعمال الصالحة والسنن الرواتب والنوافل المطلقة، َال ِي َ‬
 ‫و َّذ ن‬
 ‫ْ الث ب ِ ف ح الد ي‬                       ‫ي َبت له َّذ ن من‬                       ‫ُ‬         ‫َ ز ُ ُد و ُ‬
‫اهْتدَوْا َادَهمْ ه ًى َآتَاهمْ تَقْواهمْ [محمد:25]، ُثِّ ُ الّ ُ ال ِي َ آ َ ُواْ بِالْقَولِ َّا ِت ِي الْ َيَاةِ ُّنْ َا‬
                                                                                                         ‫ِ‬     ‫َف‬
                                                                                        ‫و ِي اآلخرَة [إبراهيم:27].‬
‫وهذا واهلل واضح ومرئي رأي العين، وإال فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين والعصاة المنافقين‬
‫سق ن‬            ‫ْ‬         ‫َم ز غ َز الل ُ قل ب ُ َالل ُ ي ْ‬
‫إذا أطلقت الفتنه رأسها وادلهم الخطب؟! فَل َّا َا ُوا أ َاغَ َّه ُُو َهمْ و َّه ال َهدِي الْقَومَ الْفَا ِ ِي َ‬
                                                                                                           ‫[الصف:1].‬
  ‫ثالثًا: ومن عوامل الثبات على دين اهلل واالستمرار عليه تدبر قصص األنبياء ودراستها والتأسي‬
  ‫ة وذ ْر‬          ‫َق و‬          ‫الر ُل ن َبت ب ف ك ج َ ف َ‬                           ‫وك ن ُص ع ك م‬
 ‫بها، َ ُالً َّق ُّ َلَيْ َ ِنْ أَنبَاء ُّس ِ مَا ُثِّ ُ ِهِ ُؤَادَ َ وَ َاءك ِي هذِهِ الْح ُّ َمَوْعِظَ ٌ َ ِك َى‬
                                                                                      ‫ل م من‬
      ‫ِلْ ُؤْ ِ ِينَ [هود:75]، فكم نالهم عليهم الصالة والسالم من األذى والعذاب والفتن من أقوامهم.‬
       ‫رابعا: ومن ذلك أيضا التربية الصحيحة للنفس، تربية إيمانية علمية واعية قائمة على الدليل‬
                                      ‫ع‬
 ‫الصحيح، منافية للتقليد، ولكي ندرك أهمية هذا األمر لن ُد على سيرة رسول اهلل ، ولنسأل أنفسنا:‬
‫ما مصدر ثبات صحابته رضوان اهلل عليهم؟ كيف ثبت بالل وخبيب ومصعب وآل ياسر وغيرهم‬
  ‫من المستضعفين وحتى كبار الصحابة في حصار الشعب ذلك العقاب الجماعي أو تحت التعذيب‬
  ‫الفردي؟ هل يمكن أن يكون ثباتهم بغير تربية عميقة من مشكاة النبوة صقلت شخصياتهم؟! فهذا‬
‫خباب بن األرت كانت موالته تحمي أسياخ الحديد حتى تحمر ثم تطرحه عليها عاري الظهر، فال‬
          ‫يطفئها إال شحم ظهره حين يسيل عليها، ما الذي جعله يصبر على هذا كله؟! وبالل تحت‬
        ‫الصخرة في الرمضاء، وسمية في األغالل والسالسل، فهل يتبصر المسلمون مثل هذه الثلة‬
                                                                                      ‫المشرفة واألنوار المضيئة؟!‬
    ‫خامسًا: من عوامل الثبات أيضا الحرص على أن يسلك المسلم في هذه الحياة الطريق المستقيم‬
                                                                             ‫ع‬           ‫ص‬
           ‫خال ًا هلل ومتب ًا هدي رسول اهلل بهمة عالية تربي فيها نفسك كما تربي النبته الصغيرة.‬
                                                          ‫ب‬       ‫ب‬
                                   ‫والنفس كالطفل إن تتركه ش ّ على…ح ّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم‬
      ‫ب‬                                                                              ‫ر‬
     ‫سائ ًا إلى اهلل بقصد وتأني، فقليل دائم خير من كثير منقطع، ومع ذلك تقف مع نفسك محاس ًا‬
                                                                             ‫ولتقصيرها معاتبًا وإلقبالها مشجعًا.‬
   ‫سادسًا: االلتفاف حول من يعينك على الثبات واإلقبال على طاعة اهلل من جليس صالح وجماعة‬
                                                                         ‫ب‬
    ‫معينة ومنهج مث ّت على الطريق، فإن من الناس أناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر، فابحثوا عن‬
   ‫العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين الذين هم كالنجوم في الليلة الظلماء، بهم يهتدي الضالون،‬
‫فإخوانكم الصالحون هم العون لكم في الطريق والركن الشديد الذي تأوون إليه، فيثبتونكم بما معهم‬
       ‫من آيات اهلل والحكمة، فألَفوهم وعيشوا في كنفهم، وإياكم والوحدة فتتخطفكم شياطين اإلنس‬
                                                                                                                        ‫والجن.‬
‫سابعًا: البصيرة وفهم الواقع وعرض كل صغير وكبير على شرع اهلل، وأن تعرف الباطل وأن ال‬
             ‫مه د‬           ‫َد م ٌ ل ل ُم و ه ج َنم وب‬                           ‫ر ْف‬          ‫يغ َّنك َلب َّذ‬
         ‫تغتر به، الَ َ ُر َّ َ تَقُّ ُ ال ِينَ كَفَ ُوا ِي الْبِال ِ َتَاع قَِي ٌ ث َّ مَأْ َا ُمْ َه َّ ُ َ ِئْسَ الْ ِ َا ُ [آل‬
                                                                                                     ‫عمران:605، 205].‬
   ‫فواهلل، إن الباطل وأهله ضعفاء جبناء، أصول مخططاتهم أوهى من بيت العنكبوت، ويتبين ذلك‬
                                     ‫ع‬
  ‫كله لمن رزقه اهلل بصيرة واعية وحكمة نافذة وعلمًا ناف ًا، ومع ذلك كله يجب أن نثق بنصر اهلل‬
 ‫ُ ُ رس و َّذ ن من ف ح الد ي‬                             ‫ِن‬                 ‫ُ‬      ‫ويز د الله َّذ َ َ‬
‫للمؤمنين، َ َ ِي ُ َّ ُ ال ِين اهْتدَوْا هدًى [مريم:62]، إ َّا لَنَنصر ُ ُلَنَا َال ِي َ آ َ ُوا ِي الْ َيَاةِ ُّنْ َا‬
                                                                                                    ‫هد‬         ‫ق م‬           ‫و‬
                                                                                         ‫َيَوْمَ يَ ُو ُ األشْ َا ُ [غافر:51].‬
       ‫وكذلك العلم بأن المستقبل لإلسالم والعزة هلل ولرسوله وللمؤمنين، وهذا هو العامل الثامن من‬
                                                                                            ‫عوامل الثبات على دين اهلل.‬
   ‫وم َت الل ي ع له م رج‬
  ‫تاسعًا: تقوى اهلل ولزوم االستغفار؛ فإنهما خير معين على الثبات، َ َن ي َّقِ َّهَ َجْ َل َّ ُ َخْ َ ًا‬
                                                                                     ‫سب‬             ‫وَ ْ ُ ه م ح ث‬
                                                                      ‫َيرزقْ ُ ِنْ َيْ ُ الَ يَحْتَ ِ ُ [الطالق:7، 3].‬
                                                                                          ‫ر‬
    ‫وأخي ًا إخوة اإلسالم، إن كل تلك الوسائل فقيرة ومحتاجة إلى االلتجاء إلى اهلل، فعليكم باإلكثار‬
‫من الدعاء في كل حين ووقت بأن يثبتكم اهلل على دينه أن ال يفتنكم، فقد كان عليه الصالة والسالم‬
                                             ‫يكثر من قول: ((اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك)).‬
  ‫م ن َّل ع ِم م ئ ة َال خ ف‬                                  ‫ِن َّذ َ ل َب الله ُم‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، إ َّ ال ِين قَاُوا رُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَقَا ُوا تَتَ َز ُ َلَيْه ُ الْ َلَا ِكَ ُ أ َّ تَ َا ُوا‬
       ‫ِ ة ولك‬        ‫ن لي ؤ ُ ْ ف حي الد َف‬                           ‫َن الت ك ُ ت عد‬                  ‫زن و شر‬                ‫و‬
     ‫َال تَحْ َ ُوا َأَبْ ِ ُوا بِالْج َّةِ َّ ِي ُنتمْ ُو َ ُونَ نَحْ ُ أَوِْ َا ُكم ِي الْ َ َاةِ ُّنْيَا و ِي اآلخرَ ِ ََ ُمْ‬
                                    ‫َدع ُزال م ف ٍ رح‬                     ‫ه فسك و ك ف ه‬                       ‫ِه م‬
                   ‫في َا َا تَشْتَ ِي أَن ُ ُ ُمْ َلَ ُمْ ِي َا مَا ت َّ ُونَ ن ُ ً ِّنْ غَ ُور َّ ِيمٍ [فصلت:03-73].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون،‬
                                                       ‫وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأصلي وأسلم على خير خلقه أجمعين،‬
                                                                              ‫نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
     ‫أما بعد: أخي المسلم، وصيتي إليك أن تحفظ نفسك، وأن تحفظ من والك اهلل عليهم من أزواج‬
    ‫وذرية، وأن تنجو بهم من هذا البحر المتالطم من فتن الشهوات ومن فتن الشبهات مما نراه في‬
 ‫واقعنا من تساهل كثير من أولياء األمور بإحضار ما فيه فتن إلى بيوتهم من دشوش وغيرها مما‬
 ‫يأجج فتن الشهوات ومما يزعزع ركائز اإليمان من فتن الشبهات، وإنه لنذير شؤم وعالمة خطر‬
                                                         ‫ج‬
  ‫على مجتمعنا المسلم الذي و ّه الشرق والغرب الكافر على طمس هويته، فاحذروا ـ أحبتي في‬
   ‫اهلل ـ ذلك، وتذكروا قول النبي : ((ما من راع يسترعيه اهلل رعيه يموت يوم يموت وهو غاش‬
                                                                                     ‫لرعيته إال حرم اهلل عليه الجنة)).‬
       ‫ربنا ال تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، اللهم احفظنا‬
  ‫باإلسالم واحفظ ذرارينا واحفظ مجتمعاتنا من كل كائد ومن كل مفسد، اللهم حبب إلينا اإليمان،‬
                    ‫وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.‬
 ‫هذا وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على خير الخلق أجمعين كما أمركم اهلل بذلك فقال: إ َّ الَّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
 ‫ِن له وم ئكته‬
                                   ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ي َل عل الن ِي ي َي الذ ن من‬
                 ‫ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا َّ ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
 ‫اللهم صل وسلم وبارك على خير خلقك أجمعين محمد بن عبد اهلل، وعلى آله وأصحابه أجمعين،‬
                                            ‫وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.‬
                                           ‫اللهم أعز اإلسالم والمسمين، وأذل الشرك والمشركين...‬

‫(5/2232)‬




                                                                                              ‫فضل التوبة‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                     ‫التوبة‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                          ‫علي بن عبد الرحمن الحذيفي‬
                                                                                           ‫المدينة المنورة‬
                                                                                             ‫27/2/6725‬
                                                                                           ‫المسجد النبوي‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- عز العبد وصغاره. 7- التوبة من أعظم أنواع العبادة. 3- وجوب التوبة. 2- معنى التوبة.‬
‫1- شروط التوبة. 6- دعوة اهلل تعالى عباده إلى التوبة. 2- من حكم محبة اهلل تعالى للتوبة. 2-‬
        ‫وقت التوبة. 0- التوبة من صفات األنبياء والصالحين. 05- التحذير من الغرور واألمل‬
                                                                                        ‫واألماني الكاذبة.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                      ‫ح س‬        ‫ز‬           ‫فإن‬    ‫ل‬        ‫ي‬          ‫فات‬      ‫م‬
                          ‫أ ّا بعد: َّقوا اهلل أّهَا المسِمون، َّ تقواه فَو ٌ وفال ٌ و َعادة ونجَاح.‬
                  ‫وأن‬      ‫ب ّب ل‬              ‫ّل‬               ‫أن عز ع ِ‬
      ‫واعلَموا ـ عبادَ اهلل ـ َّ َّ ال َبد في كَمالِ الذ ِّ والمح ّة للر ِّ ج ّ وعال، َّ هَوان العبد‬
 ‫َّ ِ ما َكر ُه اهلل وُغ ِ‬
 ‫بض‬                        ‫ي‬          ‫ل‬                      ‫ر والت ّ‬            ‫ص ر‬
             ‫و َغا َه في االستكبا ِ َّمردِ على اهلل والخروجِ عَى أمرِه ونه ِه، بمحبة ي ه‬
‫ل م ن ُر د ِز َ ِل ِزة جم إ ه ي عد ِم َّيب‬                                                                          ‫ب‬
‫ما يح ّه اهلل تعالى، قال اهلل عز وج ّ: َنْ كَا َ ي ِي ُ الْع َّة فَلَّهِ الْع َّ ُ َ ِيعًا ِلَيْ ِ َصْ َ ُ الْكَل ُ الطِّ ُ‬
           ‫ُ َ ب َد د وم ْر أ ك ه يب ر‬                          ‫َّي‬       ‫و ع َل الص لح َ عه و َّذ ي كر‬
‫َالْ َم ُ َّاِ ُ يرْفَ ُ ُ َال ِينَ َمْ ُ ُونَ الس ِّئَاتِ لَهمْ عذَا ٌ ش ِي ٌ َ َك ُ ُوْلَئِ َ ُوَ َ ُو ُ [فاطر:05]،‬
       ‫ج ُ ِن َّذ ن ي ِر ع ع دت س َ خل جه َّم‬                                       ‫و َ َب ُ ع ن‬
       ‫وقال تعالى: َقَال رُّكمْ ادْ ُو ِي أَسْتَ ِبْ لَكمْ إ َّ ال ِي َ َسْتَكْب ُونَ َنْ ِبَا َ ِي َيدْ ُُونَ َ َن َ‬
                                                                                                                      ‫د ِر‬
                                                                                                        ‫َاخ ِينَ [غافر:06].‬
                           ‫وال ِبا َة بج ِيعِ ُ َبها وأنوا ِها هي التي يتح َّق بها الذ ُّ والخضوع والمحب‬
               ‫َّة هلل تعالى.‬             ‫ّل‬          ‫َق‬               ‫ع‬          ‫ع د م شع‬
          ‫ل ع ِ‬           ‫م ه‬               ‫إن‬     ‫ل‬                ‫ة‬            ‫ع‬               ‫م أ‬
          ‫و ِن َعظمِ أنواعِ ال ِبادةِ التوب ُ إلى اهلل عز وج ّ، بل َّ التوبةَ العظ َى ِي أفض ُ ال ِبادة‬
    ‫وي ْم‬                                                        ‫ر ن‬             ‫ة‬              ‫ب‬
    ‫وأوج ُها، وهي التوب ُ من الكف ِ وال ّفَاق، قال اهلل تَعالى عن هودٍ عليه الصالة والسالم: َ َا قَو ِ‬
             ‫َل‬        ‫ِر َبك ُم ت ب إ ه ُ ِ الس ع ك ِ ْر ر و َز ُ ْ ُو إ ُوتك و‬
          ‫اسْتَغْف ُوا ر َّ ُمْ ث َّ ُو ُوا ِلَيْ ِ يرْسلْ َّمَاءَ َلَيْ ُمْ مد َا ًا َي ِدْكم ق َّةً ِلَى ق َّ ِ ُمْ َال تَتَوَّوْا‬
       ‫ت ة إ يت ب ك ْر ه وإ ي َل‬                                                  ‫د‬                          ‫م رم‬
    ‫ُجْ ِ ِينَ [هود:71]، وقالَ تعالى َاعيًا المنافقين إلى ال ّوب ِ: فَِنْ َ ُو ُوا يَ ُ خَي ًا لَ ُمْ َِنْ َتَوَّوْا‬
                            ‫ل م ف الد ي و ِ ة و ه ْ ف َ ْ م وِي و‬                               ‫ي َذ ه الله َ‬
     ‫ُع ِّبْ ُمْ َّ ُ عذَابًا أَِي ًا ِي ُّنْ َا َاآلخرَ ِ َمَا لَ ُم ِي األرضِ ِنْ َل ٍّ َال نَصِيرٍ [التوبة:22].‬
   ‫َّفين جمي ًا من ِّ ذَن ٍ َغير أو كبير، قال اهلل تعالى: َ ُو ُوا َِى َّ ِ‬
   ‫وت ب إل الله‬                                  ‫كل ب ص‬         ‫ع‬               ‫ت ة جة ل‬
                                                                         ‫وال ّوب ُ وا ِب ٌ عَى المكل‬
   ‫ل ي َي َّذ من ت ب إل الل‬                                              ‫َل ُ ت ح‬            ‫جم ع َي م من‬
 ‫َ ِي ًا أُّهَا الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُونَ [النور:53]، وقالَ عز وج ّ: َا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا ُو ُوا َِى َّهِ‬
                                                                                                              ‫ب ص ح‬
                                                                                                ‫تَوْ َةً نَ ُو ًا [التحريم:2].‬
            ‫يل‬               ‫ة‬            ‫الص‬
‫و َعنى ال ّوبةِ ال ّجو ُ إلى اهللِ ب َركِ ال ّنب الكبير أو َّغير، والتوب ُ إلى اهلل مما َعَم منَ الذنوب‬
                                                         ‫ذ‬       ‫ت‬             ‫ر ع‬          ‫ت‬       ‫م‬
  ‫مم يتخل‬         ‫ة‬           ‫ع‬              ‫ر نع‬            ‫ت‬                 ‫ت ة‬         ‫يل‬
 ‫ومما ال َعَم، وال ّوب ُ إلى اهلل منَ ال ّقصير في شك ِ ِ َم اهلل على ال َبد، والتوب ُ إلى اهلل َّا َّل‬
       ‫ل‬                                  ‫حياةَ المسِم من الغَفلَةِ عن ذكرِ اهلل تعالى، عن األغر‬
  ‫ِّ المزني رضي اهلل عنه قال: قال رسو ُ اهلل‬                                         ‫ل‬
                       ‫ر‬                         ‫ن‬           ‫ت‬                       ‫ي ن‬
   ‫: ((يا أّها ال ّاس، توبوا إلى اهلل واس َغفِروه، فإ ّي أتوب في اليومِ مائةَ م ّة)) رواه مسلم(5)[5].‬
              ‫لع‬         ‫د‬      ‫د ورب‬                      ‫ُ‬         ‫للت الن‬
           ‫قال أهل العلم: " َّوبةِ َّصوحِ ثالثة شروط إن كانت بين العب ِ ِّه، أح ُها أن يقِ َ عن‬
 ‫ية‬                   ‫َد‬                       ‫ِ‬                 ‫فل‬        ‫د‬          ‫ة ث‬
 ‫المعصي ِ، وال ّاني أن ين َمَ على ِعِها، والثالث أن يعزمَ أن ال يعودَ إليها أب ًا، وإن كانت المعص َ ُ‬
 ‫ر‬      ‫حق‬    ‫ي‬                  ‫غ ة‬          ‫ل‬                    ‫ٍّ بد يرد‬         ‫تتعل َق‬
‫َّق بح ِّ آدمي فال َّ أن َّ المالَ ونحوَه ويستحّه من ال ِيب ِ، وإذا عفَا اآلدم ّ عن ِّه فأج ُه‬
                                                                                                           ‫ل‬
                                                                                                         ‫على اهلل عز وج ّ".‬
     ‫وِن َف ر لم‬                             ‫ب ط‬              ‫ع‬           ‫وا ُ قد َّب في التوب ِ، وحث‬
   ‫َّ عليها، وو َد بقَبولها ِشرو ِها، قال اهلل تعالى: َإ ِّي لَغ َّا ٌ ِ َنْ‬   ‫ة‬           ‫هلل رغ‬
   ‫تَا َ َآ َ َ َ َملَ صَالِ ًا ُم اهْتدَى [طه:72]، وأخ َر النب ّ َّ ج ِيعَ ساعاتِ الّيل وال ّها ِ وق ٌ‬
   ‫ن ر ت‬            ‫ل‬             ‫ي بأن م‬        ‫ب‬                 ‫ح ث َّ َ‬           ‫ب و من وع ِ‬
          ‫ّبي‬                    ‫ي‬         ‫س‬                ‫و‬         ‫من ل‬
     ‫لتَوبةِ التائبين وز َ ٌ ِرجوع األ ّابين، عن أبي مو َى األشعر ّ رضي اهلل عنه عن الن ِّ قال:‬
              ‫ء‬     ‫ب‬         ‫ن‬          ‫يس‬            ‫م ء‬                       ‫يس‬               ‫إن‬
    ‫(( َّ اهللَ تعالى َب ُط يدَه بالليل ليتوبَ ُسي ُ النهار و َب ُط يدَه بالّهار ليتو َ مسي ُ الليل حتى‬
                                                                                            ‫ر‬     ‫م‬   ‫ش‬
                                                                      ‫تطلعَ ال ّمس ِن مغ ِبها)) رواه مسلم(7)[7].‬
        ‫ن‬       ‫ن ل‬          ‫خق‬           ‫ع د‬                        ‫ج َّ‬      ‫ر ن‬
    ‫مَا أعظمَ كَرمَ ال ّحم ِ، وما أ َل فَضلَه وجودَه على ال ِبا ِ، هؤالءِ َل ُه يعصو َ بالّيل وال ّهار،‬
            ‫ِ‬        ‫نع‬            ‫د‬         ‫ف‬          ‫ز‬                    ‫ج‬                ‫م‬
‫ويحل ُ عليهم، وال يعا ِلهم بالعقوبة، بل ير ُقهم ويعَا ِيهم، ويغ ِق عليهم ال ّ َم المتظاهرَة، ويدعوهم‬
                       ‫ر‬                 ‫ث‬        ‫ف‬        ‫ِد‬                       ‫ّد‬      ‫ت ب‬
    ‫إلى ال ّو َة والن َم على ما فرَط منهم، ويع ُهم المغ ِرةَ وال ّواب على ذلك، ويف َح بتوبةِ العبدِ إذا‬
       ‫يب‬                      ‫َق‬             ‫جد‬          ‫ب‬      ‫د لرب‬                       ‫أشد‬
   ‫تاب َّ الفرح، فإن استجاب العب ُ ِّه وتا َ وأناب و َ َ وعدَ اهلل ح ًّا، ففازَ بالحياةِ الطّ َة في‬
    ‫قب‬             ‫ت‬          ‫ال ّنيا وحسنِ الثوابِ في اآلخرة، وإن َّع التوبة زمنَ اإلمهال وغر‬
   ‫َّته الشهوا ُ واآلمال عا َ َه‬               ‫َ‬       ‫ضي‬                                 ‫د‬
          ‫م‬         ‫ر‬              ‫َ‬                    ‫ل ُ َب َد‬             ‫سب د و‬
          ‫اهلل بما ك َ َت ي َاه، َال يَظِْم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:02]، وال خير فيمن هلَك مع َحمةِ أرح ِ‬
                                                                                                     ‫الراحمين.‬
   ‫أ ّها المسلِم، هل لَك أن تعل َ بعضَ ال ِكَم لمح ّةِ اهلل ِتوب ِ َبده وفرَ ِه بها َّ الف َح؟! ن َم، ِ َ‬
   ‫ع من‬         ‫أشد ر‬         ‫ح‬         ‫ل ةع‬            ‫ب‬        ‫ح‬         ‫َم‬                         ‫ي‬
        ‫ل‬              ‫ال ِكَم العظيمةِ لمح ّة اهلل لتوبةِ التا ِبين َّ أسماءَ اهلل الحس َى تتضم ص ت‬
‫َّن ِفا ِه العال، وتَد ّ على هذه‬ ‫ن‬                  ‫ئ أن‬                      ‫ب‬                 ‫ح‬
   ‫ال ّفات العظ َى، وهذه األسماء تقت ِي ظهورَ آثارِها في ال َون، فاس ُ اهلل َّحم ُ ال ّحيم َد ّ‬
   ‫م الر ن ر ي ل‬                     ‫ك‬                      ‫ُ ض‬                  ‫م‬         ‫ص‬
     ‫م‬                  ‫َد‬        ‫ض‬        ‫ل‬         ‫ي‬        ‫ل ر‬                    ‫ات‬
‫على ِّصافِ اهلل عز وج ّ بال ّحمة كما َليق بجَالِه، ويقت ِي أن يوج َ مخلوق مرحوم، واس ُ اهلل‬
‫ن‬                                           ‫د‬              ‫ر‬                     ‫ات‬     ‫قيل‬
‫الخال ُ َد ّ على ِّصاف اهلل تعالى بالقد َةِ على اإليجا ِ والخَلق، ويقتضي إيجادَ اهللِ للمخلوقاتِ م َ‬
           ‫ض‬              ‫ر‬               ‫د‬                   ‫ات‬     ‫ق ل‬               ‫م‬       ‫َد‬
      ‫الع َم، واس ُ اهلل الرزا ُ يد ّ على ِّصاف اهلل تعالى بإم َادِ الخَلق بال ّزق، وكذلك يقت ِي أنه‬
             ‫وب ل‬                      ‫م‬           ‫ق‬          ‫م‬
         ‫القائم بالرزق، ويقتضي وجودَ َرزوق مخلو ٍ، وكذلك اس ُ اهلل عز وجل الت ّا ُ يد ّ على‬
                  ‫ب‬            ‫د نب‬           ‫ض‬         ‫تكر‬                                  ‫ات‬
      ‫ِّصاف اهلل تعالى بقَبول التوبةِ مهما َّرت، ويقت ِي إيجا َ مذ ِ ٍ يتوب من ذن ِه فيتوب اهلل‬
   ‫ة‬         ‫عليه، وبق ّ ُ أسماءِ اهلل الحسنى علَى هذا ال ّح ِ، كّها َد ّ على ذَاتِ اهلل ال َظيم، ويدل‬
   ‫ُّ على صِف ِ‬       ‫ع‬                   ‫ن و ل يل‬                                       ‫ية‬
        ‫ر‬                               ‫ض كل م م‬                        ‫َم‬             ‫ع‬
    ‫اهلل ال ُظمى التي يتض َّنها ذلك االسم، ويقت ِي ُّ اس ٍ ِن أسماءِ اهلل الحسنى ظهورَ آثا ِه في‬
 ‫لم ي‬           ‫َ ْ ب ْد م ت ِن‬               ‫ُ إ ث ِ ر م الل ْ ي‬
‫هذا الكَون، قال اهلل تعالى: فَانظرْ ِلَى آ َار َحْ َةِ َّهِ كَيفَ ُحْيِ األرضَ َع َ َوْ ِهَا إ َّ ذَلِكَ َ ُحْ ِي‬
                                                                        ‫َ ر‬           ‫ت ه ع ُل‬
                                                            ‫الْمَوْ َى وَ ُوَ َلَى ك ِّ شَيْءٍ قدِي ٌ [الروم:01].‬
      ‫ق‬        ‫ر‬        ‫ر‬
  ‫َالمقصو ُ َّ قَبولَ تَوبةِ المذ ِب ُقت َى اسمِ اهللِ الت ّاب، وثَوا ُ ال ّائب أث ٌ من آثا ِ هذا ال َبول،‬
                                ‫ب ت‬             ‫و‬                 ‫ن م ض‬                       ‫د أن‬       ‫و‬
           ‫وه َّذ ي ْ َل الت ب ع عب ه وي ف ع‬                                              ‫ل ح‬
         ‫واهلل عز وج ّ أر َم الراحمين، قالَ اهلل تعالى: َ ُوَ ال ِي َقب ُ َّوْ َةَ َنْ ِ َادِ ِ َ َعْ ُو َنْ‬
                                                                                  ‫َّي وي َم م عل‬
                                                                  ‫الس ِّئَاتِ َ َعْل ُ َا تَفْ َُونَ [الشورى:17].‬
                                   ‫س‬                    ‫ئ أن‬          ‫ب‬            ‫ب‬        ‫م ح‬
  ‫و ِنَ ال ِكَم لمح ّةِ اهلل لتو َة التا ِبين َّ اهلل تعالى هو المح ِن لذاته وذو المعروف الذي ال ينقطع‬
                          ‫ضي‬                 ‫د‬                            ‫ت‬                    ‫َد‬
       ‫أب ًا، فمن أطاع اهلل بالّوبة أحسن إليه وأثَابه في ال ّنيا واآلخرة، ومن َّع التوبةَ أحسن إليه‬
                             ‫م وم َب ب َّ ل عب‬                                                   ‫ت‬
              ‫وم ّعه في الدنيا وعاقبه في اآلخرة بسوء ع َله، َ َا رُّكَ ِظَالمٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت: 62].‬
          ‫ت‬        ‫ة‬        ‫ت‬                   ‫و‬                               ‫ب‬        ‫م ح‬
     ‫و ِن ال ِكَم لمح ّةِ اهلل تعالى لتَوبةِ عبدِه عف ُه عز وجل وشمول رحم ِه للعصا ِ مع قدر ِه على‬
                 ‫ب‬         ‫َّ‬                  ‫ب‬
 ‫العقاب، وفي الحديث: ((إن اهلل كتَب كتا ًا عنده فوق العرش: إن رحمتي س َقت غضبي))(3)[3]،‬
                                                  ‫م‬             ‫نط ال‬               ‫ح‬         ‫ذ‬
                                              ‫إلى غير َلك من ال ِكَم التي لم َّلع إ ّ على القليلِ ِنها.‬
   ‫ح‬        ‫ت ة ب‬            ‫َذ ب‬
‫ُّ ال ّو َة من َعض الذنو ِ، ويبقَى الذن ُ الذي لم َُب منه مؤاخ ًا ِه، وال ّوب ُ با ُها مفتو ٌ ال‬
                                            ‫يت‬         ‫ب‬              ‫ب‬         ‫ب‬     ‫وتصح ت ب‬
       ‫ع ش‬                         ‫ر‬       ‫م‬                           ‫ع‬            ‫ي‬
  ‫يغلَق وال ُحَال بين ال َبدِ وبينها حتى تطلعَ الشمس ِن المغ ِب، فعندَ ذلك إذا طل َتِ ال ّمس من‬
              ‫ِر ح‬         ‫ل‬                                                  ‫بب‬
        ‫مغربها يغلَق َا ُ التوبة وال ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنَت من قب ُ، عن ز ّ بن ُبيش عن‬
      ‫قب م ر‬                                                                     ‫س‬      ‫ن‬
    ‫صفوا َ بن ع ّال رضي اهلل عنه قال: سمعت رسولَ اهلل يقول: ((إن اهلل فتح بابًا ِ َل ال َغ ِب،‬
    ‫ي‬                 ‫سم‬                                              ‫ت‬               ‫ع ض س‬
    ‫َر ُه َبعون عَامًا لل ّوبة ـ جعله للتوبة ـ، ال يغلَق حتى تطلعَ الشم ُ ِنه)) رواه الترمذ ّ‬
                                                                                                 ‫وصح‬
                                                                     ‫َّحه والنسائي وابن ماجه(2)[2].‬
       ‫مد ن‬             ‫بد‬            ‫الت ئب‬                       ‫ح‬      ‫ث‬              ‫ت‬                ‫و‬
       ‫وقد َعَد اهلل على ال ّوبةِ أعظمَ ال ّواب و ُسن المآب، فقال تعالى: َّا ِ ُونَ الْعَا ِ ُونَ الْحَا ِ ُو َ‬
      ‫ُد لل‬            ‫م ْر ف َالن ه ع م َر و ظ‬                              ‫ِر‬        ‫الس ح الر كع الس ِد‬
    ‫َّائِ ُونَ َّا ِ ُونَ َّاج ُونَ اآلم ُونَ بِالْ َع ُو ِ و َّا ُونَ َنْ الْ ُنك ِ َالْحَافِ ُونَ لِح ُودِ ا َّهِ‬
    ‫عس‬      ‫ي َي َّذ من ت ب إل الل ب ص‬                                                           ‫وب ِّ م من‬
   ‫َ َشرْ الْ ُؤْ ِ ِينَ [التوبة:755]، وقال تعالى: َا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا ُو ُوا َِى َّهِ تَوْ َةً نَ ُوحًا َ َى‬
        ‫ي ْز الله ن ِي‬            ‫هر ْ‬             ‫ته‬         ‫ي ِّ ع ك َي تك و ُ خ ُ َن ت ْر م‬                                ‫َب ُ‬
        ‫ر ُّكمْ أَنْ ُكَفرَ َنْ ُمْ سِّئَا ِ ُمْ َيدْ ِلَكمْ ج َّا ٍ تَج ِي ِنْ تَحْ ِ َا األَنْ َا ُ يَومَ ال ُخ ِي َّ ُ ال َّب َّ‬
 ‫ِن عل‬             ‫ن ر و ِ‬               ‫و َّذ ن من معه ن ر ُ ي ع ب ْد ِ وب ن ِ ق ل َ َب ِ‬
‫َال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُ ُو ُهمْ َسْ َى َيْنَ أَي ِيهمْ َ ِأَيْمَا ِهمْ يَ ُوُون ر َّنَا أَتْممْ لَنَا ُو َنَا َاغْفرْ لَنَا إ َّكَ ََى‬
 ‫َر و ي تل الن الت‬                   ‫الل إ‬          ‫و َّذ َ َ ع‬                               ‫ٍ َد ر‬       ‫ُل‬
‫ك ِّ شَيْء ق ِي ٌ [التحريم:2]، وقال تعالى: َال ِين ال يدْ ُونَ مَعَ َّهِ ِلَهًا آخ َ َال َقْ ُُونَ َّفْسَ َّ ِي‬
 ‫َرمَ َّ ُ إ َّ بِالْح ِّ َال َزْ ُو َ َ َنْ َفْعلْ ذَِكَ َلْقَ أَثَامًا ُضَاعفْ لَ ُ الْعذَا ُ يَومَ الْ ِيَا َ ِ َ َخْلدْ ِي ِ‬
 ‫ي َ ه َ ب ْ ق مة وي ُ ف ه‬                                            ‫ح َّ الله ِال َق و ي ن ن وم ي َ ل ي‬
      ‫ح أ ك يب ِّل الله َي ت ِ حس و الله ف ر‬                                        ‫م ن ِال م ب و من وع ِ عم‬
     ‫ُهَا ًا إ َّ َنْ تَا َ َآ َ َ َ َملَ َ َالً صَالِ ًا فَُوْلَئِ َ ُ َد ُ َّ ُ س ِّئَا ِهمْ َ َنَاتٍ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا‬
       ‫رَ ِيمًا [الفرقان:26-02]، قال بعض المفس ّين: "يج َل مكانَ السّئةِ التوبة، فيع ِي ِم علَى ِّ‬
       ‫كل‬       ‫طه‬                  ‫ي‬           ‫ع‬        ‫ر‬                                    ‫ح‬
                                                                 ‫ة‬        ‫َد‬        ‫ة ّد ع‬                  ‫ي م‬
                                                               ‫س ّئة ع ِلوها حسن ً بالن َم وال َزم على ع َم العود ِ".‬
          ‫م‬                  ‫ع‬              ‫هلل ُّ‬          ‫ل‬
  ‫وعن أنس رضي اهلل قال: قال رسو ُ اهلل : (( ُ أشد فرحًا بتوبةِ َبده حين يتوب إليه ِن أحدِكم‬
          ‫كان على را ِلته بأرض فَالة، فانفَلتت منه وعليها طَعامه وشرا ُه، فأ ِس منها، فأتى شَجر ً‬
          ‫ة‬                  ‫ب ي‬                                             ‫ِ‬       ‫ح‬
                     ‫ة د‬                                      ‫ح‬        ‫ي‬          ‫ظل‬
  ‫فاضطَجع في ِّها وقَد أ ِس من را ِلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائم ٌ عن َه، فأخذ بخِطامها ثم‬
                                        ‫م د‬            ‫رب‬       ‫د‬                       ‫د‬
            ‫قال من ش ّةِ الفرح: اللهم أنت عب ِي وأنا ُّك، أخطَأ ِن ش ّةِ الفَرح)) رواه مسلم(1)[1].‬
        ‫وأَسع ُ الساعا ِ واأل ّام على اب ِ آدم اليَو ُ الذي يتو ُ اهلل فيه َليه؛ أل ّه بدونِ توب ٍ كالمي‬
  ‫ِّت الذي‬    ‫ة‬            ‫ن‬        ‫ع‬          ‫ب‬          ‫م‬           ‫ن‬          ‫ت ي‬             ‫د‬
                                                                ‫حي‬
      ‫ال حياة فيه، وبالتوبة يكون ًّا، عن كعب بن مالك رضي اهلل عنه قال لما أنزل اهلل توبتَه في‬
         ‫ة‬              ‫ن‬                 ‫س‬         ‫ق‬                ‫ت َّم‬                          ‫تخل‬
         ‫ُّفه عن غزوة تبوك: وانطلق ُ أتم ُ رسولَ اهلل يتل ّاني النا ُ فوجًا فَوجًا، يهّئونَني بالتوب ِ‬
   ‫ذ ُر‬              ‫س ر ه ر‬                       ‫ر‬     ‫فسل ت‬            ‫ة‬
   ‫ويقولون لي: لتَهنِك توب ُ اهلل عليك، َّم ُ على َسول اهلل وأ َاري ُ وج ِه تَب ُق، وكانَ إ َا س َّ‬
                     ‫ود م‬                ‫م مر‬           ‫ش‬              ‫ف ُ م‬           ‫رو ه‬
     ‫استَنا َ َج ُه كأنه ِلقَة ق َر، فقال: ((أب ِر بخيرِ يو ٍ َّ عليك منذ َل َتك أ ّك)) رواه البخاري‬
                                                                                                                  ‫ومسلم(6)[6].‬
      ‫ع‬      ‫َّبون وال ّالحو َ، وتمس‬
‫َّكوا ب ُروتها،‬    ‫ص ن‬            ‫وال ّوب ُ عبادة عالِية المقَام، قام بها األَنبيا ُ والمر َلون والمقر‬
                                            ‫س‬       ‫ء‬                                  ‫ٌ‬     ‫ت ة‬
   ‫الله عل الن ِي و مه ِر ن و ص َّذ اتبع ُ ف‬                              ‫َ‬                      ‫ت‬           ‫وات‬
  ‫َّصفوا بحقيق ِها، قال اهلل تعالى: لَقدْ تَابَ َّ ُ ََى َّب ِّ َالْ ُ َاج ِي َ َاألَن َارِ ال ِينَ َّ َ ُوه ِي‬
              ‫سَا َةِ الْ ُسرَ ِ ِنْ َعْدِ َا كَادَ ي ِيغ ُُوب ف ِي ٍ ِنْهمْ ث َّ تَابَ َلَيْهمْ إ َّ ُ ِهم َ ُو ٌ َ ِي ٌ‬
              ‫ع ِ ِنه ب ِ ْ رء ف رح م‬                 ‫َز ُ قل ُ َر ق م ُ ُم‬                ‫ع عْ ةم ب م‬
          ‫َب و ع‬                           ‫ه‬
     ‫[التوبة:255]، وقال تعالى عن الخليلِ إبراهيم وإسماعيل علي ِما الصالة والسالم: ر َّنَا َاجْ َلْنَا‬
              ‫َّو ب الر م‬                ‫م لم ك وم ذ ِّيت ُمة م لم ك وَر م س وت ع ِن‬
              ‫ُسِْ َيْنِ لَ َ َ ِنْ ُرَّ ِنَا أ َّ ً ُسِْ َةً لَ َ َأ ِنَا َنَا ِكَنَا َُبْ َلَيْنَا إَّكَ أَنْتَ الت َّا ُ َّحِي ُ‬
   ‫[البقرة:275]، وقال عن موسى عليه الصال ُ والسالم: فَل َّا أفَاق قَالَ ُبْحَانَكَ ُبْ ُ ِلَيْ َ َأَ َا أَو ُ‬
   ‫ت ت إ ك و ن َّل‬                     ‫س‬       ‫َم َ َ‬                 ‫ة‬
                                                                                                                  ‫م من‬
                                                                                                ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ [األعراف:325].‬
 ‫ت ة‬                        ‫ل‬           ‫ت‬                       ‫ج‬                   ‫َر‬    ‫ِم‬
 ‫والمسل ُ مضط ّ إلى التوبة ومحتَا ٌ إليها في حَالِ استقام ِه أو في حا ِ تقصيره، يحتاج إلى ال ّوب ِ‬
                                               ‫ر‬               ‫َ‬      ‫ب‬                          ‫ُر‬
                                           ‫بعد الق ُبات وبعدَ فعل الطاعات، أو َعد مقارفَةِ بعضِ المح ّمات.‬
           ‫ُّك بالكتا ِ والسنة وال ُعدِ عن الب َع والخرافا ِ‬
           ‫ت‬           ‫ِد‬          ‫ب‬            ‫ب‬                ‫ت ة‬                 ‫أذك‬            ‫أم‬
                                                          ‫يا َّةَ اإلسالمِ، ِّركم جميعًا بال ّوب ِ بالتمس‬
       ‫كد‬       ‫ر‬                           ‫م‬                   ‫ر ذ‬            ‫الد‬      ‫د‬
     ‫والمح َثات في ِّين وكبائ ِ ال ّنوب؛ ليحفظَكم ربكم ِن شرورِ أعداءِ اإلسالم ومك ِهم و َي ِهم‬
               ‫ت‬       ‫ال غ‬       ‫ل‬
 ‫ولي ِ َكم عقوباتِ ال ّنوب، َّ أعداءَ اإلسالم لن َنالوا ِن المسِمين إ ّ ب ِياب ال ّوبةِ النصوح عن‬
                                         ‫م‬      ‫ي‬                   ‫فإن‬    ‫ذ‬              ‫قي‬
     ‫ن‬                   ‫ع‬        ‫م‬
‫َّة إ ّ باختال ِ مشا ِبها وأفها ِها، فاج َلوا مشربَكم من معي ِ كتاب‬
                                             ‫ف ر‬                        ‫مة‬       ‫تتفر‬    ‫مة‬
                                                            ‫األ ّ ِ، ولم َّق األ ّ ُ اإلسالمي ال‬
                   ‫ة‬                 ‫ب‬                   ‫ر‬              ‫ع أ‬           ‫ل‬    ‫نِ‬
     ‫اهلل وس ّة رسوِه ، واج َلوا َفهامَكم وتفسي َكم للقرآن والسنة ت َعًا لفَهم الصحاب ِ والتابعين ومن‬
                                                       ‫أ‬                                ‫ن ي ل‬           ‫ب‬
                                                 ‫تَ ِعهم بإحسا ٍ؛ ُصِح لكم أعمالكم ويصلح لكم دنياكم وُخراكم.‬
    ‫حسن إل َ م َم وي ت ُل‬                      ‫فر َبك ُم ت ب إ ه ي َت ُ م‬                                 ‫و‬
    ‫قال اهلل تعالى: َأَنْ اسْتَغْ ِ ُوا ر َّ ُمْ ث َّ ُو ُوا ِلَيْ ِ ُمِّعْكمْ َتَاعًا َ َ ًا َِى أَجلٍ ُس ًّى َ ُؤْ ِ ك َّ‬
                                                      ‫ف ع ُ َ ب ْم‬                   ‫ه وإ َل ِن‬                    ‫ٍ‬      ‫ذ‬
                                     ‫ِي فَضْل فَضْلَ ُ َِنْ تَوَّوْا فَإ ِّي أَخَا ُ َلَيْكمْ عذَا َ يَو ٍ كَبِيرٍ [هود:3].‬
                       ‫ذ‬                          ‫ي‬
      ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات وال ّكر الحكيم، ونفعنا‬
                                      ‫ف‬                                               ‫ي‬
‫بهديِ س ّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغ ِر اهلل العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين‬
                                                                                                             ‫كل‬
                                                                        ‫من ِّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬                ‫ين وم ت ف الصد ر‬                   ‫ي َم ئ‬
 ‫الحمد هلل العزيزِ الغفورِ، الحليم الشكور، َعْل ُ خَا ِنَةَ األَعْ ُ ِ َ َا ُخْ ِي ُّ ُو ُ [غافر:05]، أحم ُ‬
                                                                  ‫ف‬
      ‫ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغ ِره، وأشهَد أن ال إلهَ إال اهلل وحده ال شَريك له إليه المصير،‬
   ‫وأشهد أن َّنا وس ّدنا محم ًا عبده ورسوله ساب ُ الخَلق إلى ِّ عملٍ صَالح مَبرور، الّه ّ ِّ‬
   ‫ل م صل‬                       ‫كل‬            ‫ق‬                  ‫د‬        ‫ي‬      ‫نبي‬
                                                             ‫ب‬               ‫م‬     ‫ل‬               ‫وسل‬
                                                    ‫ِّم على عبدك ورسوِك مح ّد وعلى آله وصح ِه أجمعين.‬
                            ‫ط‬          ‫ج‬       ‫نت‬      ‫ت‬                                  ‫فات‬      ‫م‬
        ‫أ ّا بعد: َّقوا اهلل عبادَ اهلل؛ تفوزوا بمرضا ِه وج ّ ِه، وتن ُوا من سخَ ِه وعقوبته، يقول اهلل‬
                            ‫يك م م ح‬                     ‫عس‬                ‫َم م ب و من وع ِ‬
         ‫تعالى: فَأ َّا َنْ تَا َ َآ َ َ َ َملَ صَالِحًا فَ َ َى أَنْ َ ُونَ ِنْ الْ ُفْلِ ِينَ [القصص:26]، وفي‬
                                                        ‫غ‬             ‫ب د‬               ‫ب‬        ‫الحديث عن النبي‬
                                              ‫ِّ : ((يق َل اهلل تو َةَ أح ِكم ما لم يغر ِر))(2)[5].‬
                                      ‫ّر ِّر‬             ‫بة م ل‬                         ‫ي‬     ‫ر‬
‫فسا ِع ـ أّها المسلم ـ إلى التو َ ِ ِن ك ّ ذنب، الس ُّ بالس ّ والعالنية بالعالنية، وداوم عليهَا بعد‬
   ‫و ن ب إ َب ُ و لم ه م ْ ق أ‬                                           ‫الق ُبَات أو اإللمام بشيءٍ من المحر‬
 ‫َّمات، قال اهلل تعالى: َأَ ِي ُوا ِلَى رِّكمْ َأَسِْ ُوا لَ ُ ِن َبْلِ َنْ‬                            ‫ر‬
‫تيك َذ ب ب تة‬                      ‫سن أ ْز إ ك م َبك م ْل‬                                 ‫تيك َ ب ُم ت صر ن َاتبع‬
‫يَأْ ِ َ ُمْ الْعذَا ُ ث َّ ال ُنْ َ ُو َ و َّ ِ ُوا أَحْ َ َ مَا ُن ِلَ ِلَيْ ُمْ ِنْ ر ِّ ُمْ ِنْ قَب ِ أَنْ يَأْ ِ َ ُمْ الع َا ُ َغْ َ ً‬
  ‫س ح ْر عل م َر ُ ف ج الله وإ ك ت م الس ِر ن‬                                    ‫ق‬            ‫ُر‬           ‫و ُ‬
  ‫َأَنْتمْ ال تَشْع ُونَ أَنْ تَ ُولَ نَفْ ٌ يَا َس َتَا ََى َا ف َّطْت ِي َنْبِ َّ ِ َِنْ ُنْ ُ لَ ِنْ َّاخ ِي َ‬
     ‫َن ل َر ك ن م‬                        ‫َ‬       ‫ق حن َ‬                 ‫َن الل َد ن ك ت م ُتق‬                           ‫ق‬
   ‫أَوْ تَ ُولَ لَوْ أ َّ َّهَ ه َا ِي لَ ُنْ ُ ِنْ الْمَّ ِينَ أَوْ تَ ُولَ ِي َ ترَى الْعذَابَ لَوْ أ َّ ِي ك َّةً فَأَ ُو َ ِنْ‬
                                                                                                                      ‫م سن‬
                                                                                                    ‫الْ ُحْ ِ ِينَ [الزمر:21-21].‬
                    ‫ج‬         ‫ط َ ف‬           ‫الن‬           ‫د‬           ‫ن‬        ‫وإ ّاك وأماني‬
    ‫َّ الشيطا ِ وغرورَ ال ّنيا وشهواتِ َّفس وال ّمَع في ُسحةِ األ َل، فتقول: سَأتوب‬       ‫ي‬
                    ‫ت ة‬                             ‫ض‬       ‫ال ة‬        ‫م‬
  ‫قَبلَ الموت، وهل يأتي ال َوت إ ّ بغت ً؟! وبع ُ الناس حِيل بينَهم وبين ال ّوب ِ ـ والعياذ باهلل ـ‬
   ‫ق‬            ‫و‬                                                          ‫ت‬                  ‫َد‬
‫لع َم االستعدادِ للمو ِ وغَلَبة الهوى وطولِ األمل، فأتاهم ما يوعَدون وهم علَى أس َأ حال، فانت َلوا‬
 ‫إلى ِّ مآل. و ِنَ ال ّاس َن و ِّق للّوبة الّصو ِ بعد أن أس َفوا على أنف ِهم أو ق َّروا في ِّ‬
 ‫حق‬       ‫َص‬        ‫س‬            ‫ر‬           ‫ن ح‬        ‫م ن م ُف ت‬                     ‫شر‬
          ‫ب‬       ‫قظ‬       ‫ذرس ت‬               ‫ص ت‬
          ‫اهلل أو حقوقِ العباد، فصاروا من الصالحين وال ّالحا ِ بالتوبة، ِك ُ ِير ِهم تو ِ ُ القلو َ‬
                                           ‫ن‬      ‫الغافلة، ويقت ِي بها السائرون على ِّراط المستقيم واآلم‬
                                ‫ُّونَ الّهجَ القويم.‬                ‫الص‬                  ‫د‬
      ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
     ‫عبادَ اهلل، إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا‬
               ‫ر‬                                 ‫ل علي‬
           ‫[األحزاب:61]، وقد قال : ((من صّى َّ صالة واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًا)).‬
                                                                ‫خ‬         ‫ّ و‬               ‫فصل وسل‬
                                            ‫ُّوا ِّموا على سيدِ األ ّلين واآل ِرين وإمامِ المرسلين.‬
            ‫ن‬                                 ‫ل‬       ‫م‬             ‫م‬        ‫م صل‬
‫الله ّ ِّ على مح ّد وعلى آل مح ّد كما صّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إ ّك حميد مجيد،‬
                                                         ‫م‬             ‫م‬
  ‫وبارك على مح ّد وعلى آل مح ّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد،‬
                                                                                                              ‫وسل‬
                                                                                            ‫ِّم تسليمًا كثيرا...‬


                                                                                                  ‫__________‬
        ‫ر‬
  ‫(5) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب االستغفار (7027) بنحوه، وم ّة رواه‬
                                                                                            ‫ر‬
                                                                 ‫عن األغ ّ عن ابن عمر رضي اهلل عنهما.‬
                            ‫(7) صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب (0127).‬
‫(3) رواه البخاري في كتاب التوحيد (2552، 1552)، ومسلم في التوبة (5127) عن أبي هريرة‬
                                                                                                   ‫رضي اهلل عنه.‬
       ‫(2) سنن الترمذي: كتاب (1313)، سنن ابن ماجه: كتاب (0202)، وأخرجه أيضا أحمد‬
    ‫(2/027)، والحميدي (522)، والطيالسي (2655)، والطبراني في الكبير (2/61، 06، 66،‬
    ‫06)، وأبو نعيم في الحلية (2/203)، والبيهقي في الشعب (1/002)، وقال الترمذي: "حديث‬
  ‫حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة (305)، وابن حبان (5735)، وحسنه األلباني في صحيح‬
                                                                                               ‫الترغيب (2353).‬
‫(1) صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب: من الحض على التوبة... (2227). وهو عند البخاري في‬
                                                                                            ‫ر‬
                                                                                   ‫الدعوات مختص ًا (0036).‬
 ‫(6) صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب: حديث كعب بن مالك (2522)، صحيح مسلم: كتاب‬
                                                        ‫التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك (0627).‬
      ‫(2) أخرجه أحمد (7/315)، والترمذي في كتاب الدعوات (2313)، وابن ماجه في الزهد‬
  ‫(3172)، وأبو يعلى (0061) عن ابن عمر رضي اهلل عنهما، قال الترمذي: "هذا حديث حسن‬
    ‫غريب"، وصححه ابن حبان (276)، والحاكم (0162)، وحسنه األلباني في صحيح الترغيب‬
                                                                                                           ‫(3253).‬

‫(5/1232)‬
                                                                   ‫المفاصلة بين الرجال والنساء‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                    ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                   ‫الفتن, المرأة, قضايا المجتمع‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                          ‫عبد اهلل بن سعد قهبي‬
                                                                                            ‫جدة‬
                                                                                 ‫جامع أم القرى‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- تقرير اإلسالم لخصلة الحياء. 7- ثناء اهلل تعالى على البنتين العفيفتين. 3- دروس وعبر من‬
‫قصة موسى عليه السالم مع الفتاتين المدينيتين. 2- أحاديث نبوية تقرر منع االختالط. 1- مناداة‬
      ‫بعض الغربيين بمنع االختالط. 6- مفاسد االختالط. 2- شبهات دعاة التحرر. 2- أسباب‬
 ‫االختالط. 0- واجب اآلباء واألمهات. 05- منع االختالط ال يحبس المرأة عن المنافسة والتميز‬
                                                                                       ‫واإلبداع.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                   ‫ر‬
   ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كالم اهلل تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وش ّ األمور محدثاتها‬
               ‫ر‬         ‫ل‬                                                  ‫ة‬
‫وكل محدث ٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضاللة، وكل ضاللة في النار، وما ق ّ وكفى خي ٌ مما كثر وألهى،‬
                                                                         ‫ت‬              ‫ن‬
                                                      ‫وإ ّ ما توعدون آل ٍ، وما أنتم بمعجزين.‬
                                                                            ‫ن‬
     ‫أما بعد: فإ ّ شريعة اإلسالم جاءت بتقرير األحكام وتعيين الحدود الفاصلة في عالقة الرجل‬
                                        ‫ف‬      ‫ر‬             ‫ر‬
‫بالمرأة؛ لينشأ المجتمع المسلم طاه ًا نظيفًا طاه ًا عفي ًا، ال أثر فيه لفاحشة، وال دعوة فيه لخنى،‬
                                                      ‫ر‬
‫وال أمر فيه بمنكر. جاء اإلسالم يق ّر أن الحياء مطلوب من الرجال والنساء، لكنه في حق النساء‬
         ‫ر‬
 ‫ألزم، ومن حياء النساء أن ال يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن ال يتب ّجنَ تبرج‬
     ‫ن‬           ‫ن م ن‬                            ‫ن ال‬        ‫َ‬
‫الجاهلية األولى، وأن ال يبدين زينته ّ إ ّ ما ظهر منها، وأن يضرب َ بخ ُره ّ على جيوبه ّ، وال‬
                                                                          ‫ن ال‬        ‫َ‬
                                 ‫يبدين زينته ّ إ ّ لألصناف التي ذكرها اهلل عز وجل في كتابه.‬
  ‫ن‬
  ‫ومن حياء النساء كذلك أن ال يخالطنَ الرجال وال يزاحمنهم، بل الواجب على النساء أن يأخذ َ‬
                                    ‫ن‬           ‫ن‬          ‫ن‬                       ‫ف‬
  ‫حا ّات الطريق، وأن يكون له ّ مجتمعاته ّ الخاصة به ّ، وال يخالط النساء الرجال في حفالت‬
‫عامة وال خاصة وال مؤتمرات وال ندوات وال تعليم وال عمل وال غير ذلك من نواحي الحياة، إال‬
                                                                        ‫ما دعت الضرورة إليه.‬
           ‫ل‬                   ‫ب‬            ‫ل‬              ‫ل‬
 ‫في القرآن الكريم يثني ربنا ج ّ جالله على رج ٍ صالح أنه ر ّى ابنتين فاضلتين؛ عّمهما مكارم‬
    ‫ز‬                                                          ‫ي‬
    ‫األخالق ومحاسن العادات، وب ّن لهما الحدود الفاصلة في عالقة الرجل بالمرأة، يقول اهلل ع ّ‬
     ‫وج ّ في خبر كليمه موسى عليه السالم: َل َّا و َدَ َا َ مدْ َ َ َجدَ َلَيْهِ أ َّ ً ِنْ َّاسِ َسْ ُو َ‬
     ‫وَم َر م ء َ ين و َ ع ُمة م الن ي ق ن‬                                                           ‫ل‬
    ‫ق َت ي ْد الرع ء و ب ش خ‬                                   ‫بكم‬                  ‫َد م د ن ِ ْر ن َذ د ِ‬
    ‫وَوَج َ ِنْ ُو ِهمْ ام َأتَيْ ِ ت ُو َان قَالَ مَا خَطْ ُ ُ َا قَالَتَا الَ نَسْ ِي ح َّى ُص ِرَ ِّ َا ُ َأَ ُونَا َيْ ٌ‬
                                                                                                              ‫ر‬
                                                                                                  ‫كَبِي ٌ [القصص:37].‬
       ‫موسى عليه السالم وجد جماعة من الناس طائفة من الرجال يسقون بهائمهم أنعامهم، ووجد‬
  ‫امرأتين بعيدتين نائيتين، ال تزاحمان الرجال وال تخالطاهم، سألهما: ما خطبكما؟ قالتا: ال نسقى‬
‫حتى يصدر الرعاء، ال نزاحم هؤالء الرعاة، وال نخالطهم في سقي الماء، بل نصبر وننتظر حتى‬
‫إذا سقوا أنعامهم وقضوا حوائجهم وانصرفوا من عند ذلك الماء جئنا نحن فسقينا. ثم تأمل قولهن:‬
     ‫ق‬                                                                      ‫خ ر‬                ‫وب‬
    ‫َأَ ُونَا شَيْ ٌ كَبِي ٌ، لو لم يكن في ذكر قولهن هذا مغزى الكتفين برد الجواب بقولهن: الَ نَسْ ِي‬
   ‫ع‬                                                               ‫َت ي ْد الرع ء‬
 ‫ح َّى ُص ِرَ ِّ َا ُ وكفى ذلك جوابا لموسى، لكن أضفن جوابا آخر مع الجواب الكامل ليش ِرن‬
   ‫موسى أن السبب في خروجهن أن أباهن شيخ كبير، ولو لم يكن كذلك لقام هو بهذا العمل، لكن‬
      ‫ضعفه اضطرنا الرتياد أمكنة الماء مع الرجال لنستسقي مما ال غنى لنا عنه، ضرورة ملحة‬
  ‫سق هم ُم َل إل الظ ِّ َ َب ِن‬
 ‫استلزمت مجيئهن لهذا األمر. قال تعالى عن موسى: فَ َ َى لَ ُ َا ث َّ تَوَّى َِى ِّل فَقَال ر ِّ إ ِّي‬
                                                                               ‫ل ز إَي م ْ ق ر‬
                                                                   ‫ِمَا أَن َلْتَ ِل َّ ِنْ خَيرٍ فَ ِي ٌ [القصص:27].‬
     ‫تبذ‬                              ‫يء‬            ‫ز ل ج ء ه ْد هم ش عل‬
‫يقول اهلل ع ّ وج ّ: فَ َا َتْ ُ إِح َا ُ َا تَمْ ِي ََى اسْتِحْ َا ٍ، تمشي مشية فيها حياء، ال فيها ُّل، ال‬
    ‫ِن أب‬            ‫ت ي ٍ‬        ‫ش عل‬                                                          ‫تبر‬
   ‫فيها ُّج، ال فيها إغواء، ال فيها تهييج، وإنما مشية الحياء، تَمْ ِي ََى اسْ ِحْ َاء قَالَتْ إ َّ َ ِي‬
                                                                                 ‫َع ل ز‬
    ‫يدْ ُوكَ ِيَجْ ِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:17]، في أقصر لفظ وأوضحه وجهت الدعوة إلى‬
‫موسى، ما أكثرت من الكالم، وال أطالت في الحديث، وإنما لفظ مختصر، لكنه واضح في غير ما‬
                        ‫م س‬             ‫ِن ب َ ع ل ْز‬                        ‫ي‬
 ‫اضطراب وال تلجلج يغري أو يه ّج، قَالَتْ إ َّ أَ ِي يدْ ُوكَ ِيَج ِيَكَ أَجْرَ َا َقَيْتَ لَنَا، هكذا دعوة‬
  ‫ِن أب‬                                ‫ن‬                                         ‫ل‬
 ‫ترفع الّبس والغموض، أسندت الدعوة إلى أبيها ليطمئ ّ قلبه صلوات ربي وسالمه عليه، إ َّ َ ِي‬
                                                                                                               ‫َع ل ز‬
                                                                                ‫يدْ ُوكَ ِيَجْ ِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا.‬
                                                                    ‫ّ‬   ‫ز‬
   ‫هكذا ثناء ربنا ع ّ وجل في القرآن على هاتين الفتاتين وعلى أبيهما الصالح القانت الذي أحسن‬
                                    ‫تربيتهما وتوجيههما وتعليمهما حتى كانتا على مثل هذا الخلق القويم.‬
‫وهكذا ـ أيها المسلمون عباد اهلل ـ شريعة محمد ، جاءت بمثل هذا الخلق الكريم، تأمر النساء أن‬
                           ‫تسد‬
       ‫ال يخالطنَ الرجال، وتأمر بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء، ُّ كل ذريعة مفضيةٍ إلى‬
          ‫االختالط. في المسجد رسول يجعل للرجال بابًا وللنساء بابًا، يقول: ((لو تركتم هذا الباب‬
    ‫للنساء))، يقول نافع رحمه اهلل: فواهلل، ما دخل منه عبد اهلل بن عمر وال خرج حتى قبضه اهلل‬
                                                                                                                         ‫إليه.‬
             ‫ن‬                                                  ‫ب‬
       ‫للنساء في المسجد با ٌ خاص، وكذلك في الصالة للرجال صفوفهم وللنساء صفوفه ّ، يقول‬
                                                               ‫ر‬
   ‫رسول اهلل : ((خي ُ صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها‬
      ‫أولها))، مباعدة بين الرجال والنساء في أقدس مكان، في أطهر بقعة، عند أعظم شعيرة هي‬
‫شعيرة الصالة، بل أكثر من ذلك لو ناب اإلمام شيء في صالته، لو أنه سها، لو أنه أخطأ شريعة‬
    ‫اإلسالم تجعل للرجال التسبيح وللنساء التصفيق، إذا ناب اإلمام شيء في صالته سبح الرجال‬
            ‫ن‬                  ‫ن‬               ‫ن‬               ‫ن‬                      ‫ينب‬
 ‫ِّهونه، أما النساء فإنه ّ يصفقن بأصابعه ّ على ظهور أكفه ّ، ال يرفعن أصواته ّ في المسجد.‬
   ‫حق‬           ‫ن‬                           ‫ن‬                          ‫ه‬
  ‫ويقول رسول موج ًا الخطاب للنساء: ((ليس لك ّ أن تحققن الطريق))، ليس لك ّ أن تأخذن ُ ّة‬
 ‫الطريق ووسطه، عليكن بحافات الطريق، يمشي النساء على جنبات الطريق، ال يزاحمن الرجال‬
 ‫في الشوارع والطرقات، وال في األسواق والتجمعات، بل للمرأة خصائصها وللرجل خصائصه،‬
                       ‫شر‬
     ‫كل ما يؤدي إلى االختالط شريعة اإلسالم تمنعه؛ ألن االختالط ٌّ محض يؤدي إلى شيوع‬
  ‫البغاء وقلة الحياء واسترجال النساء وخنوثة الرجال وضياع األعراض وشيوع المنكرات وفشو‬
  ‫ِّ‬
                                                          ‫الزنا وغير ذلك من الموبقات العظيمة.‬
    ‫نهت شريعة اإلسالم عن دخول الرجال على النساء: ((إياكم والدخول على النساء))، قالوا: يا‬
  ‫رسول اهلل، أرأيت الحمو؟ ـ الذي هو قريب الزوج كأخيه وابن عمه ونحو ذلك ـ، قال رسول‬
                                                    ‫د ر‬
  ‫اهلل : ((الحمو الموت))، هذا أش ّ خط ًا من غيره؛ ألن النفوس ال تنفر من دخوله، وال تستريب‬
                                                                  ‫من ولوجه، ((الحمو الموت)).‬
  ‫ة‬
 ‫شريعة اإلسالم تحرم نظر أحد الجنسين إلى اآلخر نظرة عمد: ((يا علي، ال تتبع النظرة النظر َ،‬
                                                                ‫فإنما لك األولى وعليك الثانية)).‬
                                                              ‫م س‬
‫شريعة اإلسالم تمنع ُمَا ّة الرجال للنساء والعكس حتى لو كان مصافحة، تمنع اختالطهم، بل لو‬
 ‫خرجت المرأة إلى المسجد، لو خرجت تريد بيت اهلل، تريد الصالة فال بد من شروط معتبرة، ال‬
                                                                           ‫ر‬
  ‫بد من أمو ٍ مرعية فرضتها الشريعة اإلسالمية، ال تخرج المرأة متبرجة بل متحجبة، ال تخرج‬
                                        ‫حم‬                         ‫ف‬                   ‫ة‬
‫متطيب ً متزينة بل تخرج تَ ِلَة، ال تخرج المرأة مزا ِ َةً للرجال في الطريق وال في المسجد، ال بد‬
   ‫ت‬                                                ‫ت‬      ‫ت‬                              ‫ت م‬
  ‫أن ُؤ َنَ الفتنة منها وعليها، ال تَف ِن وال ُفتَن. ثم بعد ذلك إذا جاءت إلى المسجد ال ترفع صو ًا‬
                   ‫س‬              ‫س‬
   ‫حتى لو كان مجلس علم، كان رسول اهلل يجعل للرجال مجل ًا وللنساء مجل ًا، الرجال قريبون‬
 ‫منه، والنساء نائيات عن الرجال بعيدات عنهم، كل هذا ألن شريعة اإلسالم منزلة من رب حكيم‬
                                                                                   ‫م‬
                                                         ‫خبير يعل ُ ما يصلح الناس وما يفسدهم.‬
                                                                ‫أ‬
   ‫اآلن في بالد الغرب في ُوربا وأمريكا المصلحون وعلماء األخالق ورجال التربية الكل ينادي‬
   ‫بمنع االختالط، الكل يذكر أن االختالط ما أتى بخير، ال في علم وال عمل، ال في تحصيل وال‬
‫تدريب، بل متى ما وجدت المرأة بجوار الرجل فهي به مشغولة وهو بها مشغول، قال رسول اهلل‬
                                                                ‫ر‬
                                        ‫: ((ما تركت بعدي فتنة أض ّ على الرجال من النساء)).‬
                                 ‫ر‬             ‫ر‬
     ‫المرأة إذا وجدت بجوار الرجل فهي ضر ٌ عليه وهو ضر ٌ عليها، كالهما يضر اآلخر، ما‬
         ‫ن‬              ‫ال‬
‫أمرت شريعة اإلسالم بالفصل، ما أمرت شريعة اإلسالم بمنع االختالط إ ّ ألنها تعلم أ ّ االختالط‬
‫ينتج عنه عواقب وخيمة تعود على األفراد والمجتمعات وعلى األسر والجماعات، الكل يعاني، ال‬
                     ‫ر‬                                                      ‫ن‬
           ‫أحد يأم ُ على عرضه، ال أحد يأمن على دينه؛ ألن الخطر بجواره ظاه ٌ غير كامن.‬
  ‫اآلن في أوربا وأمريكا يدعون إلى منع االختالط، إلى منع اختالط الرجال بالنساء؛ ألنهم عانوا‬
                   ‫ف و‬
   ‫من ثماره المرة؛ كثرة اللقطاء، كثرة حوادث االغتصاب، كثرة الجريمة، ُش ّ الفاحشة، انتشار‬
‫األمراض، قال رسول اهلل : ((ما ظهرت الفاحشة في قومٍ حتى يعلنوا بها إ ّ ابتالهم اهلل ع ّ وج ّ‬
‫ز ل‬                   ‫ال‬
                                 ‫ع‬       ‫م‬
   ‫باألسقام واألوجاع التي لم تكن في أسالفهم))، أسقا ٌ وأوجا ٌ يضج منها البشر، وال يجدون لها‬
                  ‫ج‬                                         ‫ء‬
 ‫عالجًا، ال يعرفون لها دوا ً حتى الساعة، حتى اللحظة ال يجدون لها عال ًا، والجزاء من جنس‬
                                                                                          ‫العمل.‬
                             ‫ر‬
     ‫أيها المسلمون عباد اهلل، إذا أردنا لهذا المجتمع أن يكون نظيفًا طاه ًا عفيفًا معافى سالمًا من‬
                                   ‫ة‬       ‫ن‬
  ‫اآلفات حتى لو كانت هناك فاحشة مرةً أو مرتين تكو ُ مستتر ً مختفيةً بعيدةً عن األنظار يفعلها‬
      ‫أهلها في حياء، إذا أردنا للمجتمع أن يكونَ كذلك فالدرجة األولى والخطوة األولى هي منع‬
‫االختالط في سائر المرافق والخدمات، يكون للرجال مجتمعهم وللنساء مجتمعهن، وال يتوقف هذا‬
        ‫على الحاكم وحده، بل الصراحة والنصيحة تقتضي أن نقول في هذا المقام: إننا ـ معشر‬
         ‫ن‬
 ‫المسلمين ـ كثير منا في بيته ال يمنع االختالط، قد يكون في بيته حفلة عرس، أو يكو ُ في بيته‬
  ‫مأتم، أو اجتماع األقرباء المحارم بغير المحارم أو غير ذلك من العوارض والمناسبات، فيختل ُ‬
  ‫ط‬
                              ‫ن‬       ‫ل‬                ‫م ّر‬           ‫نغي‬
  ‫الرجال بالنساء، وال ِّر بل ال تت َع ُ وجوهنا، مما يد ّ على أ ّ الناس قد انتكس فهمهم للدين.‬
   ‫أيها المسلمون عباد اهلل، كما يقول بعض من ال خالق لهم بأن االختالط ال بأس منه وال حر َ‬
   ‫ج‬
‫فيه!! أيكون مجتمعنا أطهر من مجتمع رسول اهلل؟! هل قلوبنا أسلم من قلوب الصحابة؟! الصحابة‬
     ‫أطهر الناس قلوبًا، رسول اهلل منعهم من االختالط، عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه في أيام‬
                            ‫ُعي‬
        ‫خالفته كان يمنع النساء من أن يسرن في وسط الطريق، بل ي ِّن محتسبين في الطرقات‬
                                                  ‫ينصحون النساء بأن يأخذن الحواف والجنبات.‬
‫بعض الناس اآلن يقولون: إن المجتمع ناضج وفاهم وواعٍ، سبحان اهلل! أيدركون المسؤولية أعظم‬
                                              ‫من إدراك الصحابة؟! معاذ اهلل أن يقول هذا عاقل.‬
  ‫أيها المسلمون عباد اهلل، إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لن يسكتوا، سيجلبون‬
                                   ‫خ‬                             ‫ر‬
‫بخيلهم ورجلهم، ستصد ُ كتابات، وتدون مقاالت، وتلقى ُطَب، ويتكلم كل ناعِق: لم تمنعون؟ لم‬
     ‫تفصلون؟ سياسة الفصل ما عادت نافعة! بل ال بد من التحام الرجال بالنساء! فالمرأة نصف‬
   ‫ر‬
  ‫المجتمع.. إلى غير ذلك من كالم بارد تعودنا سماعه من أولئك الذين ال يريدون للمجتمع طه ًا‬
                                                     ‫وال نظافة وال عفافًا وال استقامة. نقول: ال.‬
     ‫أيها المسلمون عباد اهلل، القول ما قاله اهلل وما قاله رسول اهلل ، ليس هناك مجال للتنظير وال‬
 ‫للشقشقة وال لدغدغة العواطف بمثل هذه الشعارات، المرأة نافعة، لكن ليس بالضرورة أن يكون‬
  ‫نفعها قرينًا باتصالها بالرجل والتصاقها به من أجل أن نأمن على أعراضنا وعلى أبنائنا وبناتنا،‬
                    ‫ومن أجل أن يسلم ذكورنا وإناثنا من كل تحريضٍ على باطل أو أمر بمنكر.‬
                                          ‫ال‬     ‫د‬
 ‫نسأل اهلل عز وجل أن يردنا إلى دينه ر ًا جمي ً، وأن يصرف عنا الفواحش والفتن ما ظهر منها‬
                                                                              ‫وما بطن، والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وال عدوان إال على الظالمين، وأشهد أن ال إله إال اهلل إله‬
                                             ‫د د‬                      ‫ن‬
  ‫األولين واآلخرين، وأشهد أ ّ سيدنا ونبينا محم ًا عب ُ اهلل ورسوله النبي األمين، بعثه اهلل بالهدى‬
                            ‫صل‬
‫واليقين، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، اللهم ِّ وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه‬
                                                   ‫ٍّ‬      ‫كل‬                ‫ء‬
  ‫األنبيا ِ والمرسلين، وآل ٍّ وصحب كل أجمعين، وأحسن اهلل ختامي وختامكم وختام المسلمين،‬
                                                                        ‫وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.‬
                               ‫ع‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، فاتقوا اهلل حق تقاته، وتوبوا إلى اهلل جمي ًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.‬
‫واعلموا أن من األسباب المفضية إلى االختالط والتي منعتها شريعة اإلسالم تشبه الرجال بالنساء‬
                                                                ‫ت‬
 ‫وتشبه النساء بالرجال، مما ُرى آثاره وتسمع أخباره، وقد قال رسول اهلل : ((لعن اهلل المتشبهين‬
                       ‫ة ر‬
‫من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال))، وأخبر أن ثالث ً ح ّم اهلل عليهم الجنة، ومن‬
                                                                           ‫ل‬
     ‫هؤالء الثالثة رَجَة النساء المرأة المسترجلة المتشبهه بالرجال في المشية والهيئة، في السمت‬
                   ‫ج‬
 ‫والصوت، وفي الكالم والسالم، التي تخالطهم، ال تتحاشاهم، وال ترى حر ًا في الحديث الطويل‬
                                                      ‫معهم، مثل هذا الصنف ملعون على لسان رسول اهلل .‬
                               ‫ن‬               ‫ننش‬
  ‫واجب علينا ـ معشر اآلباء ـ أن ِّئ بناتنا على أ ّ لهن مواهب وخصائص، لهن شخصيات‬
            ‫الذ ر أل ث‬             ‫و‬                        ‫ز ل‬           ‫ن‬
       ‫وقدرات، للبنات وظيفة كلفه ّ اهلل ع ّ وج ّ بها، واهلل تعالى يقول: َلَيْسَ َّكَ ُ كَا ُنْ َى [آل‬
  ‫ال‬
 ‫عمران:63]، هكذا قانون القرآن، القانون العادل، القانون األبدي، ال يمكن أن تكون المرأة رج ً،‬
                    ‫د‬
                   ‫وال يمكن أن يصبح الرجل امرأة، ما يمكن أن يختلط الحابل بالنابل إلى هذا الح ّ.‬
                    ‫ز‬                    ‫ننش‬
 ‫واجب علينا ـ معشر اآلباء معشر األمهات ـ أن ِّئ بناتنا على أن تعت ّ الواحدة وتحمد ربها‬
             ‫على أن جعلها أنثى، قال اهلل ع ّ وجل: َال تَتَمَّوْا مَا فَضلَ َّ ُ ِ ِ َعْ َكمْ ََى َع ٍ‬
             ‫َّ الله به ب ض ُ عل ب ْض‬                ‫َن‬        ‫و‬      ‫ز‬
                                         ‫ال‬
 ‫[النساء:73]،ما ينبغي للمرأة أن تتمنى لو كانت رج ً، وال ينبغي للرجل أن يتمنى لو كان امرأة،‬
   ‫ص ب ِم س ن و ل الل م ْ ل ِن الل ن ب ُل‬                                         ‫ِلرج ص ب ِم سب وِلن‬
   ‫ل ِّ َالِ نَ ِي ٌ م َّا اكْتَ َ ُوا َل ِّسَاءِ نَ ِي ٌ م َّا اكْتَ َبْ َ َاسْأَُوا َّهَ ِن فَضِْهِ إ َّ َّهَ كَا َ ِك ِّ‬
                                                 ‫ش‬                                        ‫عل‬
                     ‫شَيْءٍ َِيمًا [النساء:73]. هذه التربية هي التي ن ّأ عليها محمد الرجال والنساء.‬
                                                         ‫د‬
  ‫أيها اإلخوة المسلمون، ال يقع ُ بالمرأة عن بلوغ أمل وال عن تحصيل علم وال تفاضل في عمل،‬
   ‫ي ن‬
‫فقد كان نساء من المؤمنات يشهدن صالة الصبح مع رسول اهلل متلفعات بمروطهن، ما ُعرف َ من‬
                                ‫وكن‬
   ‫الغلس، كانت المرأة تشهد صالة الصبح مع رسول اهلل ، َّ يشهدن الجمعة والجماعة والغزو‬
                                                    ‫َ‬                ‫ّ ق‬
  ‫والجهاد، وكن يتل ّين العلم، ويسابقن في مضامير العمل، ما قعد بهن منع االختالط عن تحصيل‬
               ‫ثواب أو التفوق في الحصول على أجر، لكن أعداء اهلل ع ّ وج ّ يريدون أن يصو‬
 ‫ِّروا لنا أن منع‬            ‫ز ل‬
        ‫االختالط معناه أن تحرم المرأة من العلم والعمل، يقولون لنا: أتريدون أن نعود إلى عصر‬
‫الحريم؟! أتريدون لنا أنْ نرجع إلى القرون الوسطى؟! إلى العصور المظلمة؟! ونحو ذلك من كالم‬
                                                          ‫م ل‬        ‫و‬            ‫يهو‬
      ‫ِّلون به، ويخ ّفون كل ُصِْح، كل من يدعو إلى إصالح، وكل من يدعو إلى منع الفساد،‬
 ‫يهولون عليه بمثل تلك الشعارات الباطلة، لكن يبقى الحق حقًا، ويبقى الباطل باطالً، وإن دان به‬
                                   ‫ر م ْ ف َ ْض ي ِل ع سب الل‬                      ‫وإ ت‬
                  ‫أكثر الناس، َِنْ ُطِعْ أَكْثَ َ َن ِي األر ِ ُضُّوكَ َنْ َ ِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
      ‫فنسأل اهلل ع ّ وج ّ أن يصرف عنا شر األشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار إ ّ‬
      ‫ال‬                                                             ‫ز ل‬
                                                                                 ‫طارقًا يطرق بخير يا رحمن...‬

‫(5/6232)‬




                                                                         ‫األقصى في ذكرى اإلسراء والمعراج‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                ‫المسلمون في العالم‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                                  ‫محمد أحمد حسين‬
                                                                                                                 ‫القدس‬
                                                                                                        ‫57/2/6725‬
                                                                                                    ‫المسجد األقصى‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
                                                             ‫إل‬
  ‫5- عبر ودروس من ا ٍسراء والمعراج. 7- عظم منزلة المسجد األقصى. 3- ازدياد عمليات‬
   ‫تهويد القدس بعد االنسحاب من غزة. 2- استمرار جرائم اليهود في حق المقدسات اإلسالمية.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
     ‫ْ بع ْ ال م م ِد َر إل م ِ َ ص َّ ب ر‬                                                 ‫َّ‬        ‫س‬
‫قال اهلل تعالى: ُبْحَانَ الذِي أَسرَى ِ َبدِهِ لَيْ ً ِنْ الْ َسْج ِ الْح َامِ َِى الْ َسْجدِ األقْ َى الذِي َا َكْنَا‬
                                                             ‫ه ل ُريه م ي ت ِن هو السم ع ب ر‬
                                                ‫حَوْلَ ُ ِن ِ َ ُ ِنْ آ َا ِنَا إ َّه ُ َ َّ ِي ُ الْ َصِي ُ [اإلسراء:5].‬
       ‫ل‬
   ‫أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، بعد أيام قالئل تح ّ على‬
   ‫العالم اإلسالمي ذكرى عظيمة، ومناسبة جليلة، إنها ذكرى اإلسراء والمعراج بنبينا محمد عليه‬
        ‫الصالة والسالم من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى الذي بارك اهلل فيه، وبارك حوله.‬
                                                                  ‫ر‬
 ‫وقبل بضعة أيام م ّت على المسلمين ذكرى أليمة، وجريمة مشؤومة، إنها جريمة إحراق المسجد‬
                       ‫ُط‬         ‫ب‬      ‫ُب‬                           ‫بشع‬
   ‫األقصى، تلك الجريمة ال َ ِ َة، والذكرى المشؤومة التي د ِّر لها ِلَيل، وخ ِّطَ لها بإحكام؛ للنيل‬
       ‫ع‬
‫من المسجد األقصى نهاية معجزة اإلسراء، وبداية المعراج بالنبي الكريم إلى السماوات ال ُال، إلى‬
 ‫م ز ب َر وم غ َ ْ ر م ي ت َب ك ْر‬                                     ‫ِّ ْ م ي‬           ‫ِ ي‬          ‫م‬       ‫ِْ‬
‫سدرَة ال ُنْتَهى: إذْ َغْشَى السدرَةَ َا َغْشَى َا َاغَ الْ َص ُ َ َا طَ َى لَقد َأَى ِنْ آ َا ِ ر ِّهِ الْ ُب َى‬
                                                                                            ‫[النجم:65ـ 25].‬
                                ‫ع َر‬
        ‫ولقد اشتملت معجزة اإلسراء والمعراج على معانٍ عظيمة و ِب ٍ جليلة، من أبرزها وأهمها‬
                    ‫ر‬                 ‫مج‬            ‫َد‬
    ‫ارتباطهما بعقيدة المسلمين، إذ إن هذا الح َث العظيم ُعْ ِز للبشر؛ ألنه طا ِق لنواقيس الزمان‬
                                 ‫د‬                     ‫ي‬
  ‫والمكان، وهو جزء من المعجزات التي أ ّد اهلل بها نبينا محم ًا عليه الصالة والسالم، فالتصديق‬
     ‫واإليمان بالمعجزة هو اإليمان والتصديق بالرسول واإلقرار برسالته، والتكذيب بالمعجزة كفر‬
                                  ‫وعناد وخروج عن الصواب، وهو ما حصل للمشركين وكفار مكة.‬
  ‫كما نال من معجزة اإلسراء والمعراج مرتبة الصدق، وهو ما كان من أبي بكر الذي قال حينما‬
 ‫سمع ما أخبر به الرسول عليه الصالة والسالم من أمر اإلسراء والمعراج: (إن كان قال ذلك فقد‬
                                                    ‫د‬                           ‫د‬
                                    ‫صدق، إني ألص ّقه على أبعد من ذلك، إني أص ّقه بخبر السماء).‬
   ‫أيها المسلمون، لقد ربطت هذه المعجزة بين ديار اإلسالم ومساجد اهلل في األرض، وعلى وجه‬
    ‫الخصوص بين المسجد الحرام في مكة والمسجد األقصى في القدس. ولما كان المسجد الحرام‬
                                                                               ‫و‬
‫أول بيت ُضِع للناس في األرض فإن المسجد األقصى هو البيت الثاني والقبلة األولى. وإذا كانوا‬
                                                  ‫ر‬                              ‫ج‬
‫يتو ّهون في صالتهم إلى الكعبة المش ّفة في اليوم خمس مرات ألداء الفريضة فإن هذه الفريضة‬
   ‫العظيمة التي هي عمود الدين والفارق بين المؤمن والكافر قد فرضها اهلل تعالى من فوق سماء‬
                                                                    ‫و‬
        ‫بيت المقدس التي هي ب ّابة األرض إلى السماء، وفي هذا ما يكفي لتذكير المسلمين بأهمية‬
 ‫المسجد األقصى ومكانته في عقيدة المسلمين وموقعه من ديارهم، فكما يجب الحفاظ على المسجد‬
 ‫د‬
‫األقصى الذي يعيش هذه األيام ذكرى حريقه المشؤوم، تلك الجريمة التي استهدفت المسجد وجو ًا‬
 ‫وحضارة، وكشف نيرانها عن نيران الحقد األسود على عقيدة المسلمين ومكان عبادتهم في أقدس‬
                                   ‫رو‬
       ‫مقدساتهم في هذه الديار المباركة واألرض الطاهرة التي ُ ّيت بدماء الشهداء واألبرار من‬
                                                           ‫ر‬
 ‫الصحابة الكرام وتابعيهم من المح ّرين العِظام، الذين لم يرتضوا الظلم لديار اإلسراء والمعراج،‬
            ‫ي َو‬
        ‫ولم يذوقوا طعم الراحة؛ حتى عادت إلى حَوْزة اإلسالم والمسلمين عزيزةً كريمةً ُد ِّي في‬
     ‫سمائها، ويعلو مآذن مسجدها نداء التوحيد الخالد: "اهلل أكبر، اهلل أكبر". هذا النداء الذي يسعى‬
                                                          ‫له‬         ‫ق‬
     ‫أعداء اإلسالم إلى خَنْ ِهِ وقَتِْ ِ من خالل مؤامرات العدوان على المسجد األقصى وهدمه ـ ال‬
    ‫سمح اهلل ـ إلقامة الهيكل المزعوم، وطَمْس معالم الحضارة والتاريخ الذي يرمز إليها المسجد‬
                                         ‫ك‬                         ‫ُ ق به‬
      ‫األقصى الذي تَتَالمَع ِبا ُ ُ شامخة في سماء القدس، مؤ ّدة إسالمية هذه الديار، ومانحة إياها‬
             ‫ظل‬                                  ‫م و‬
        ‫وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل َعا ِل االحتالل على تغييره وتهويده، في ِّ غفلة‬
                                 ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِر‬
                ‫العرب، وانشغال المسلمين: َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِينَ [األنفال:03].‬
    ‫أيها المسلمون، يا إخوة اإليمان في كل مكان، لقد جاءت معجزة اإلسراء والمعراج بالنبي بين‬
           ‫م‬           ‫ت‬                                                               ‫َد‬
       ‫ح َثَين كبيرين في مسيرة الدعوة اإلسالمية والرسالة النبوية، وما تر ّب عليها من َصاعب‬
 ‫واجهها النبي عليه الصالة والسالم من قبل المشركين والمعاندين، وقد أغلقت األرض أبوابها في‬
                                         ‫ح‬
   ‫وجه الدعوة اإلسالمية، فكان اإلسراء والمعراج فَتْ ًا ألبواب السماء للترحيب بالرسول في هذه‬
                                                       ‫َّ‬      ‫ن‬                     ‫ُ سي‬
‫الرحلة القدْ ِ ّة، وتكريمًا له، وبيا ًا لعلو قدْرِهِ ومنزلته في األرض والسماء، وإمامته لجميع األنبياء‬
            ‫وأن‬                      ‫بأن و‬
      ‫الذين التقاهم في رحاب المسجد األقصى، إيذانًا َّ نب ّته خاتمه لكل الرساالت، َّ ميراث‬
      ‫م و َ ل جع ُ ُمة و ط ل ك ن ش َد عل الن ويك ن‬
      ‫الرسل قد انتقل إليه وإلى أ ّته: َكذَِكَ َ َلْنَاكمْ أ َّ ً َسَ ًا ِتَ ُو ُوا ُه َاءَ ََى َّاسِ َ َ ُو َ‬
                                                                                    ‫الرس ل ع ُ ه د‬
                                                                     ‫َّ ُو ُ َلَيْكمْ شَ ِي ًا [البقرة:325].‬
     ‫وجاءت المعجزة النبوية الشريفة بعد حادثة اإلسراء والمعراج لتكون المدينة المنورة عاصمة‬
 ‫الدولة اإلسالمية األولى، ومنها انطلقت كتائب اإليمان ودعوة اإلسالم إلى أرجاء المعمورة، ومن‬
                                  ‫ر‬
    ‫ضمنها هذه الديار المباركة ديار اإلسراء والمعراج التي تش ّفت باإلسراء بالنبي عليه الصالة‬
                                                         ‫َم‬
      ‫والسالم إليها ومعراجه منها، ومن ث َّ جاءها الصحابة الكرام فاتحين ومنفذين للقرار الرباني‬
   ‫بإسالميتها وبناء مسجدها األقصى الذي تشد إليه الرحال، وتأتي أمام هيبته مواكب الرجال، فقد‬
   ‫جاء في الحديث الشريف ((التشد الرحال إال إلى ثالثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام،‬
                                                                                      ‫والمسجد األقصى)).‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
     ‫أيها المسلمون، وتهتف بنا ذكرى اإلسراء والمعراج التي تمثل الرابطة اإلسالمية الكبرى بين‬
      ‫العالم اإلسالمي وهذه الديار المقدسة إلى مزيد من اليقظة بما يحيط بهذه الديار ومقدساتها ـ‬
                          ‫ُف‬
  ‫وعلى رأسها المسجد األقصى ـ من المخاطر والمؤامرات، فلم يك ّ المتطرفون اليهود وقطعان‬
    ‫المستوطنين عن التحريض ضد المسجد األقصى ودعوتهم الصريحة إلى هدمه؛ إلقامة هيكلهم‬
 ‫المزعوم على أنقاضه. وقد ازدادت في اآلونة األخيرة مظاهر التحريض على المسجد في الوقت‬
                                                 ‫ز‬                            ‫أ ل‬
      ‫الذي ُخِيت فيه المستوطنات من قطاع غ ّة والضفة الغربية، في محاولة مكشوفة الستهداف‬
    ‫المسجد بما يحقق أطماع المتطرفين والمستوطنين، وجني الثمن إلخالء تلك المستوطنات التي‬
                                                                    ‫أقيمت ظلمًا في األرض الفلسطينية.‬
     ‫أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، إن الحريق المشؤوم الذي اشتعل في المسجد‬
                         ‫د‬
 ‫األقصى قبل ستة وثالثين عامًا ما زال يشتعل بأشكال وصور متع ّدة تستهدف المقدسات ورموز‬
               ‫س‬
    ‫عقيدة المسلمين، وما جريمة إلقاء رأس خنزير في ساحة مسجد حسن بيك، والم ّ باسم النبي‬
                                                          ‫ع ري‬
    ‫الكريم في كتابته في اللغة ال ِبْ ِ ّة على رأس الخنزير إال حلقة من حلقات هذا الحريق، كما أن‬
                          ‫ل‬         ‫ر‬
 ‫منع األذان أن يرفع بالمسجد اإلبراهيمي، وما يتع ّض له المصّون من مضايقات ومنع وصولهم‬
                              ‫ر‬                               ‫َس‬
   ‫إلى المسجد األقصى؛ يعتبر م ًّا بعقيدة المسلمين وشعائرهم، وح ّية الوصول إلى أماكن العبادة‬
‫التي كفلتها كل الشعائر اإللهية واألنظمة الوضعية. إننا من على هذا المنبر الشريف ندين كل هذه‬
‫الجرائم ونشجبها ونستنكرها، ونهيب باألمة اإلسالمية ـ أمة اإلسراء والمعراج ـ أن تنهض من‬
                                                                              ‫ج‬        ‫سب ت‬
            ‫ُ َا ِها، وتو ّه غايتها للدفاع عن عقيدة المسلمين ومقدساتهم في هذه الديار المقدسة.‬
                              ‫ج‬
  ‫أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، في غمرة الض ّة الكبرى التي تثيرها الحكومة‬
             ‫و‬
 ‫اإلسرائيلية حول االنسحاب من مستوطنات القطاع وشمال الضفة الغربية، وفي نَشْ َه الفرح التي‬
‫ينتظرها، ويعيشها أبناء فلسطين برحيل المستوطنين وهدم المستوطنات؛ تقوم الحكومة اإلسرائيلية‬
   ‫ي م‬                                             ‫ر‬
  ‫بمصادرة ما يزيد على سبعين كيلو مت ًا مربعًا من األرض الفلسطينية حول مستوطنة ما ُس ّى‬
                                 ‫ث‬
    ‫الخان األحمر الواقعة إلى الشرق من مدينة القدس، كما تك ّف االستيطان في منطقة األغوار.‬
‫إن شعبنا الصابر المرابط الذي يطالب بزوال االحتالل واالستيطان لن يقبل بحال أن تكون القدس‬
    ‫واألرض المباركة ثمنًا لخطوة إخالء المستوطنات من قطاع غزة، فقد جاء هذا اإلخالء ثمرة‬
                                                                        ‫د‬
  ‫للتضحيات التي ق ّمها أبناء هذا الشعب من قوافل الشهداء وآالف السجناء الذين لم تكتمل فرحة‬
                                   ‫َر ث‬
‫شعبنا إال بخروجهم، ونيل حريتهم وحرية أرضنا من ب َا ِن االحتالل، وإذ كان المستوطنون يرون‬
 ‫َالله ِب عل‬
‫االستيطانية فكرة صهيونية فإن شعبنا يرى الرباط في هذه الديار عقيدة إسالمية، و َّ ُ غَال ٌ ََى‬
                                                             ‫ي م‬           ‫ْ ه و ِن َ الن‬
                                               ‫أَمرِ ِ َلَك َّ أَكْثرَ َّاسِ ال َعْلَ ُونَ [يوسف:57].‬

‫(5/2232)‬




                                                                                   ‫إعصار كاترينا‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                             ‫التوحيد, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                               ‫آثار الذنوب والمعاصي, الربوبية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبيد بن عساف الطوياوي‬
                                                                                               ‫حائل‬
                                                                                     ‫27/2/6725‬
                                                                                      ‫جامع الخلف‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- زيادة اإليمان عند رؤية الكوارث. 7- تالشي قدرات البشر وعلومهم أمام قدرة اهلل وعلمه.‬
                                              ‫3- من ثمرات االبتالء. 2- خطأ نسبة الكوارث إلى الطبيعة.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                      ‫ز‬
 ‫أما بعد: فأوصيكم ـ إخوتي في اهلل ـ بما أوصي به نفسي تقوى اهلل ع ّ وجل، وصية اهلل لخلقه‬
   ‫اتق‬         ‫و َ َص َّذ أ ت ك ب م ل ُ وِي ُ‬
 ‫األولين واآلخرين، يقول تبارك وتعالى: َلَقدْ و َّيْنَا ال ِينَ ُو ُوا الْ ِتَا َ ِنْ قَبِْكمْ َإ َّاكمْ أَنِ َّ ُوا‬
                                                                                                           ‫الل‬
                                                       ‫َّهَ [النساء:535]، جعلني اهلل وإياكم من عباده المتقين.‬
  ‫اللهم اجعلنا جميعًا من عبادك المتقين، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم عاملنا بعفوك،‬
‫وأحسن إلينا بلطفك، وال تحرمنا من فضلك. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ومن المصائب والمحن،‬
            ‫اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين التائبين المنيبين المؤمنين الصادقين، برحمتك يا أرحم‬
                                                                                                                  ‫الراحمين.‬
                                             ‫ْ علي َق ب‬        ‫ت‬              ‫م‬
                                             ‫إذا ما خلوتَ الدهرَ يو ًا فال تقل…خلو ُ ولكن قل َّ ر ِي ُ‬
                                                     ‫ب‬                  ‫ن‬       ‫ة‬                ‫وال تَحسبن‬
                                                     ‫َّ اهللَ يغفل ساع ً…وال أ ّ ما تخفي عليه يغي ُ‬
                                                    ‫ب هن ب‬                                     ‫ع ْر‬
                                                    ‫غفلنا ل َم ُو اهلل حتى تداركت…علينا ذنو ٌ بعد ُ ّ ذنو ُ‬
                                                      ‫فيا ليت أ ّ اهلل يغفر ما مضى…ويأذن في تَوْ َاتنا فنتو ُ‬
                                                      ‫ب‬          ‫ب‬                                ‫ن‬
                                                                                ‫ُن‬                 ‫ت‬
                                               ‫اللهم ُب علينا، اللهم م َّ علينا بتوبة نصوح يا رب العالمين.‬
 ‫ن‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، وتنقل لنا وسائل اإلعالم ما يجعل اإلنسان العاقل يزداد إيمانًا، ويزداد يقي ًا‬
         ‫الس و ت‬             ‫َم‬
         ‫بقدرة خالقه ومواله، وما يجعله يقول: "ال إله إال اهلل" خالصة من قلبه. أ َّنْ خَلَقَ َّمَا َا ِ‬
 ‫َره أإله‬         ‫ت بت‬          ‫ُ‬               ‫بج‬               ‫ب ب َد‬                   ‫و َ ْض و ْز ُ م الس م‬
 ‫َاألر َ َأَن َلَ لَكمْ ِنَ َّمَاءِ َاءً فَأَنْ َتْنَا ِهِ ح َائِقَ ذَاتَ َهْ َةٍ مَا كَانَ لَكمْ أَنْ ُنْ ُِوا شَج َ َا ََِ ٌ‬
‫ه ر ج َ ه رو سي وج َل‬                                ‫الل َ ُ ْ م ي ْدل َم جع َ ْ َ َر ر وجع‬
‫مَعَ َّهِ بلْ هم قَوْ ٌ َع ُِونَ أ َّنْ َ َلَ األرض ق َا ًا َ َ َلَ خِاللَهَا أَنْ َا ًا وَ َعلَ لَ َا َ َا ِ َ َ َع َ‬
       ‫َيْنَ الْبَح َيْ ِ حَاج ًا أَِلَ ٌ َعَ َّهِ بلْ أَكْثَ ُهمْ ال َعْلَ ُونَ أ َّنْ ُ ِي ُ الْ ُضْط َّ إ َا َعَا ُ َ َكْش ُ‬
       ‫ي م َم يج ب م َر ِذ د ه وي ِف‬                                  ‫رُ‬          ‫ْر ن ِز إ ه م الل َ‬                         ‫ب‬
    ‫ُّوءَ َ َجْ َُ ُمْ ُلَفَاءَ الْأَرضِ أَِلَ ٌ مَعَ َّه قَِي ً مَا تَذَك ُونَ أ َّنْ َهْ ِي ُم ِي ُُ َا ِ الْب ِّ َالْ َح ِ‬
    ‫َّر َم ي د ك ْ ف ظلم ت َر و ب ْر‬                             ‫إ ه الل ِ ل ال‬            ‫ْ‬             ‫الس وي علك خ‬
  ‫ل الله َم ي رك َم ي أ خ ُم‬                                  ‫مت إ ه م الل‬                ‫وم ُ ِل الري ح ب ْر ب َ َ‬
  ‫َ َنْ يرْس ُ ِّ َا َ ُش ًا َيْنَ يديْ رَحْ َ ِهِ أَِلَ ٌ َعَ َّهِ تَعَاَى َّ ُ ع َّا ُشْ ِ ُونَ أ َّنْ َبْدُ الْ َلْقَ ث َّ‬
             ‫ُ إ ك ُ ص دق ن‬                 ‫ت ُ‬         ‫إ ه الل ِ ُ‬            ‫يع ده وم َ ْزق ُ م السم ء و َ‬
             ‫ُ ِي ُ ُ َ َنْ ير ُ ُكمْ ِنَ َّ َا ِ َاألرْضِ أَِلَ ٌ مَعَ َّه قلْ هَا ُوا برْهَانَكمْ ِنْ ُنْتمْ َا ِ ِي َ‬
                                                                                                         ‫[النمل:06-26].‬
                                  ‫م المد‬
    ‫ال إله إال اهلل، في شهر ذي القعدة من العام الماضي د ّر ُّ البحري قرى بأكملها، دقائق ثار‬
                                                ‫البحر من أعماقه، فتالطمت أمواجه، فأهلك الحرث والنسل.‬
                                                                      ‫س‬                 ‫وت‬               ‫ن أذل‬
                                                             ‫ثوا ِي َّتْ رقابًا عَ َا ِيا…كم ارتقب النا ُ إذاللَها‬
                                                                          ‫م‬                             ‫ب ذه‬
                                                                 ‫ِها ُ ِل األب عن ولده…ولَم تذكر األ ّ أطفالَها‬
                                                              ‫س‬          ‫ك‬        ‫ن‬       ‫و‬
                                                      ‫وكم فئة في العَ َالي تم ّت…لو ال ُوخ قد كان ُكنى لَها‬
       ‫وفي العام الذي قبله، وفي شهر ذي القعدة أيضًا حدث زلزال بام، آالف القتلى تحت أنقاض‬
                 ‫م‬
   ‫منازلهم. وفي هذه األيام ها هي وسائل اإلعالم تنقل ما يحدث من أعاصير مد ّرة، تسببت بقتل‬
    ‫م ْ ية ِر مع ه ت مس كن ُ َ ت ك‬                                              ‫وَ‬      ‫ز‬
  ‫مئات البشر، وصدق اهلل ع ّ وجل: َكمْ أَهْلَكْنَا ِن قَرْ َ ٍ بَط َتْ َ ِيشَتَ َا فَ ِلْكَ َ َا ُِهمْ لمْ ُسْ َنْ‬
 ‫َت ي ع َ ف ُمه رس ال ي ل‬               ‫ُ‬          ‫َب م‬            ‫م ب ْ ه إ َّ ل ال و ُن ن و رث وم‬
‫ِنْ َعدِ ِمْ ِال قَِي ً َك َّا نَحْ ُ الْ َا ِ ِينَ َ َا كَانَ ر ُّكَ ُهْلِكَ الْقرَى ح َّى َبْ َث ِي أ ِّ َا َ ُو ً َتُْو‬
                     ‫م‬                       ‫لم‬        ‫ع ِ ت و ُن م لك ُ ِال و ل‬
   ‫َلَيْهمْ آيَا ِنَا َمَا ك َّا ُهِْ ِي الْقرَى إ َّ َأَهُْهَا ظَاِ ُونَ [القصص:21، 01]. تأ ّلوا هذه اآلية أيها‬
                                ‫ش‬                      ‫م ْ َ ية طر مع‬                        ‫وَ‬
    ‫اإلخوة: َكمْ أَهْلَكْنَا ِن قرْ َ ٍ بَ ِ َتْ َ ِيشَتَهَا، أي: طغت وأَ ِرت وكفرت بأنعم اهلل، كثير هي‬
‫القرى التي أهلكها اهلل ع ّ وجل، َنِ الذي أغرق قوم نوح؟! و َنِ الذي أهلك عا ًا بريح َرْ َ ٍ‬
‫ص صر‬          ‫د‬                ‫م‬                         ‫م‬      ‫ز‬
                                                  ‫م‬                               ‫م‬       ‫ت‬
‫عا ِية؟! و َنِ الذي أهلك ثمود بالصاعقة؟! و َنِ الذي قَلَبَ على قوم لوط ديارهم وأتبعها بالحجارة‬
  ‫م ب دِ‬           ‫ت ك مس كنه َ ت‬                   ‫ز‬                                  ‫م‬
‫من السماء؟! و َنِ الذي أغرق فرعون وجنده؟! يقول ع ّ وجل: فَ ِلْ َ َ َا ِ ُ ُمْ لمْ ُسْكَنْ ِنْ َعْ ِهمْ‬
                                       ‫ر‬                       ‫إ َّ ل و ُن ن و رث‬
    ‫ِال قَِيالً َك َّا نَحْ ُ الْ َا ِ ِينَ [القصص:21]، أي: دث َت ديارهم، صارت خرابًا ليس فيها أحد.‬
   ‫َ َا كَا َ ر ُّكَ ُهْلِكَ الْق َى ح َّى َبْ َث ِي أ ِّ َا َ ُوالً َتُْو َلَيْ ِمْ آ َا ِنَا [القصص:01]، اهلل ع ّ‬
   ‫ز‬                       ‫ُر َت ي ع َ ف ُمه رس ي ل ع ه ي ت‬                                     ‫وم ن َب م‬
                                           ‫د د‬                            ‫ز‬
   ‫وجل عادل، اهلل ع ّ وجل ال يمكن أن يظلم أح ًا أب ًا، ال يهلك قرية حتى يقيم الحجة على أهلها‬
  ‫بأن يبعث في ُ ّها رسو ً، يعني في مكة أم القرى، يقول ابن كثير في تفسيره: " ِي أ ِّ َا َ ُو ً‬
  ‫ف ُمه رس ال‬                                                         ‫ال‬      ‫أم‬
                                            ‫م‬                                ‫يل ع ِ يت‬
     ‫َتُْو َلَيْهمْ آ َا ِنَا، فيه داللة على أن النبي األ ّي وهو محمد المبعوث من أم القرى رسول إلى‬
                             ‫لت ْ ِ ُم ُ وم ح‬
         ‫جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: ُِنذرَ أ َّ الْقرَى َ َنْ َوْلَهَا [الشورى:2]".‬
                       ‫و‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، مهما وصل الناس من علم، ومهما بلغوا من تط ّر، ومهما بلغوا من قدرة،‬
                                                                          ‫ل‬     ‫ب‬
   ‫أمام الج ّار ج ّ جالله ال شيء، أين علمهم؟! أين قدرتهم؟! أين سيطرتهم؟! أين أسلحتهم؟! أين‬
                                      ‫ب‬       ‫ه‬                             ‫ن‬
   ‫أجهزتهم؟! نعم؛ ولك ّه اهلل مالك الملك العزيز الق ّار الج ّار، ال تقف قوة أمام قوته، وال توازي‬
                  ‫ْذ َب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬                                             ‫وَ‬
       ‫عظمة عظمته، َكذَلِكَ أَخ ُ ر ِّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:305].‬
                                                                ‫ز‬
‫أيها اإلخوة، إن اهلل ع ّ وجل من سعة رحمته وجزيل فضله وتمام كرمه أنه يبتلي عباده؛ لتستيقظ‬
               ‫ك‬
‫نفوس غافلة، ولتلين قلوب قاسية، ولتدمع عيون جامدة. إن اهلل سبحانه وتعالى يذ ّر عباده ليتعظوا‬
   ‫ُ من‬                                ‫و‬        ‫ل‬
   ‫ويعتبروا، ليستيقظوا من غفلتهم، وليراجعوا أنفسهم، يقول ج ّ جالله: َلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكمْ ِ َ‬
                                                          ‫َله َ جع‬                       ‫ُ وص َّ‬
     ‫الْقرَى َ َرفْنَا اآلياتِ لَعَّ ُمْ يرْ ِ ُونَ [األحقاف:27]، أي: لعلهم يستيقظون من غفلتهم، لعلهم‬
                                                                                                    ‫يراجعون أنفسهم.‬
    ‫ح ُّ َر م د ر ِ‬              ‫ر تص ب ُ بم ص ع ق رعة‬                       ‫و يز ل َّذ‬
  ‫ويقول تبارك وتعالى: َال َ َا ُ ال ِينَ كَفَ ُوا ُ ِي ُهمْ ِ َا َنَ ُوا َا ِ َ ٌ أَوْ تَ ُل ق ِيبًا ِنْ َا ِهمْ‬
    ‫تص به ب صنع‬                                           ‫َت تي و ْد الل ِن الله ي ِف م ع‬
  ‫ح َّى يَأْ ِ َ َع ُ َّهِ إ َّ َّ َ ال ُخْل ُ الْ ِي َادَ [الرعد:53]، يقول ابن عباس: ( ُ ِي ُ ُمْ ِمَا َ َ ُوا‬
        ‫ب‬                    ‫ب‬                                                            ‫ق رعة‬
‫َا ِ َ ٌ عذاب من السماء ينزل عليهم)، وفي رواية عنه أيضًا قال: (نَكْ َة)، أي: تصيبهم نَكْ َة. فاهلل‬
                                             ‫و‬                                   ‫ك‬
                                  ‫سبحانه وتعالى يذ ّر عباده ليتعظوا بغيرهم، والسعيد من ُعِظَ بغيره.‬
                                         ‫وعظ‬                                     ‫ز‬
    ‫أسأل اهلل ع ّ وجل أن يجعلني وإياكم من الذين إذا ُ ِ ُوا اتعظوا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا‬
                                                                  ‫ابتلوا صبروا، برحمته فهو أرحم الراحمين.‬
              ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله اهلل وحده ال شريك له‬
                                                           ‫د‬
    ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                       ‫ر‬
                                                                     ‫وأصحابه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
                                    ‫ل‬
‫أيها المسلمون، يخطئ كثير من الناس لضعف إيمانهم وقّة يقينهم في تفسير ما يحدث حولهم، وإن‬
                                                                                      ‫ل‬
  ‫د ّ هذا على شيء فإنما يدل على خلل في عقائدهم ولَوْثَة في أفكارهم وكفر بربهم، ففي الحديث‬
‫المتفق عليه عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول اهلل صالة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت‬
 ‫من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: اهلل ورسوله‬
                      ‫مط‬
  ‫أعلم، قال : ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: ُ ِرنا بفضل اهلل ورحمته‬
                                              ‫مط‬
         ‫فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: ُ ِرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن‬
                                                                                       ‫بالكوكب)).‬
    ‫أيها اإلخوة، ينسب بعض الجهلة مثل هذه األعاصير وتلك الزالزل وما يحدث من نَكَبات إلى‬
    ‫الظواهر الطبيعية، وهذا الفعل من أخطر األفعال، وهذا القول من أشنع األقوال، يقول فضيلة‬
                                ‫م َل‬
  ‫الشيخ صالح الفوزان في إحدى خطبه: "قد يقول بعض ال ُتَحذِْقين من الجغرافيين: هذه الزالزل‬
 ‫ظواهر طبيعية، لها أسباب معروفة، ال عالقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، كما يجري ذلك على‬
 ‫ألسنة بعض الصحفيين واإلعالميين، حتى صار الناس ال يخافون عند حدوثها، وال يعتبرون بها،‬
     ‫َّر ء و َّر ء‬           ‫َ َس ء‬
     ‫كما يقول أشباههم من قبل عندما تصيبهم الكوارث والنكبات: قدْ م َّ آبَا َنَا الض َّا ُ َالس َّا ُ‬
       ‫ي ب‬
 ‫[األعراف:10]، فيعتبرون ذلك حالة طبيعية، وليست عقوبات لهم، فيستمرون على غّهم و َغْيهم،‬
        ‫ن‬        ‫ال‬                       ‫م َ لق‬
    ‫وال يتوبون من ذنوبهم. والذي نقوله لهؤالء ال ُتَحذِْ ِين: إن الكتاب والسنة يد ّن على أ ّ هذه‬
   ‫الزالزل كغيرها من الكوارث إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم، وكونها تقع ألسباب معروفة ال‬
                         ‫م َب‬                                           ‫م َد‬
              ‫يخرجها عن كونها ُق َّرة من اهلل سبحانه على العباد لذنوبهم، فهو ُس ِّب األسباب".‬
                                                        ‫ز‬
    ‫أيها اإلخوة المؤمنون، فلنتق اهلل ع ّ وجل، ولنعتبر بمن حولنا، ولنتعظ بما يجري باألقوام من‬
                                                                      ‫و‬
                                ‫غيرنا، فالسعيد من ُعِظَ بغيره، والشقي من صار موعظة لغيره.‬
                                     ‫ع‬                          ‫ل‬                ‫ز‬
  ‫أسأله ع ّ وجل أن يهدي ضا ّ المسلمين، وأن يرزقنا جمي ًا الفقه في الدين، وأن يجعلني وإياكم‬
      ‫من عباده الصالحين. اللهم إنا نسألك الثبات في األمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر‬
                                                                         ‫نعمتك، وحسن عبادتك...‬

‫(5/2232)‬




                                                                                 ‫الطريق إلى العزة‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                  ‫آثار الذنوب والمعاصي, الكبائر والمعاصي, المسلمون في العالم‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                         ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                                          ‫القدس‬
                                                                                                 ‫27/2/6725‬
                                                                                              ‫المسجد األقصى‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- أهمية إصالح ذات البين. 7- نظرات في واقع العالم اإلسالمي األليم. 3- أسباب مهانة‬
‫المسلمين وسبل خروجهم منها. 2- خطورة أكل أموال الناس بالباطل. 1- آثار المعاصي والغفلة‬
   ‫على المسلمين. 6- معوقات العملية التعليمية في ظل االحتالل. 2- المخطط األمريكي للهيمنة‬
                         ‫على دول العالم اإلسالمي. 2- ما وراء االنسحاب اإلسرائيلي من غزة.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
   ‫َاتق‬
 ‫أيها المسلمون، لقد أمر اهلل تعالى األمة اإلسالمية بما فيه خيرها وصالحها، فقال سبحانه: ف َّ ُوا‬
                                     ‫ب ن ُ و ط ع الله َرس ه إ ك ت م من‬                              ‫الله و ح‬
                     ‫َّ َ َأَصْلِ ُوا ذَاتَ َيْ ِكمْ َأَ ِي ُوا َّ َ و َ ُولَ ُ ِنْ ُن ُمْ ُؤْ ِ ِينَ [األنفال:5].‬
‫إذا أردتم ـ أيها المؤمنون ـ أن ينزل اهلل عليكم النصر والسكينة فأصلحوا ذات بينكم، إذا [كانت]‬
                                                                           ‫ج‬
                                             ‫فئتان في حالة شِ َار وخالف وخصام فأصلحوا بينهما.‬
                                                             ‫ر‬
  ‫فيا من يقف موقف المتف ّج على نزيف الدم، أصلحوا ذات بينكم، إصالح ذات البين أفضل عند‬
 ‫اهلل من الصالة والصيام والصدقة والحج، أفضل من صالة النوافل وصيام النوافل وزكاة النوافل‬
‫وحج النافلة، أما قطيعة ذات البين فقد قال رسول اهلل : ((هي الحالِقَة، ال أقول: تحلق الشعر، إنما‬
                                                                                         ‫أقول تحلق الدين)).‬
          ‫ر‬
‫عباد اهلل، ومن ينظر إلى أمتنا اإلسالمية يجدها اليوم تعيش أسوأ أيامها، أسوأ أيام تم ّ باألمة هي‬
                                        ‫ر‬         ‫ف ال‬
 ‫هذه األيام، نزيف دموي رهيب ال يك ّ لي ً وال نها ًا. هناك في العراق القتلى مئات اآلالف من‬
         ‫ر‬                                ‫ر‬
 ‫األطفال والنساء والشيوخ والرجال يقتلون ليالً ونها ًا، والعالم بأسره يقف موقف المتف ّج، فماذا‬
                                                                                         ‫فعلت أمة اإلسالم؟!‬
‫اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلى قول رسول اهلل : ((واهلل، ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن‬
                                                 ‫ض‬
                 ‫تفتح عليكم الدنيا بعدي، فينكر بعضكم بع ًا، وينكركم أهل السماء عند ذلك)).‬
                                         ‫ر‬
     ‫أتدرون ـ يا عباد اهلل ـ لماذا تقف األمة موقف المتف ّج؟! ألنها ال تملك إرادة نفسها، فالذي‬
   ‫يحركها عدو اإلسالم، فمرة نولي وجوهنا شطر أمريكا، ومرة شطر أوروبا. القتلى في العراق‬
                                                       ‫لحساب من؟! لمصلحة من؟! لمصلحة أعداء اإلسالم.‬
‫عباد اهلل، لألسف الشديد، وأقولها بحرارة: إن المسلمين في هذه األيام ماتت عزائمهم، ومات فيهم‬
                   ‫ل‬
  ‫كل شيء إال شهواتهم: شهوة البطن وشهوة الفرج، إال من رحم اهلل، وهم قّة، وقليل من عبادي‬
                                                                                                                 ‫الشكور.‬
‫أتدرون ـ يا عباد اهلل ـ متى تتوقف هذه المأساة؟ يوم يجتمع أمر المسلمين على قول: "ال إله إال‬
                     ‫د‬                                                   ‫د‬
 ‫اهلل وأن سيدنا محم ًا رسول اهلل"، يوم نكون أمة واحدة، ويكون سبيلنا واح ًا، يوم نعود إلى منهج‬
            ‫أ‬                                                                  ‫ب‬
        ‫الحق ونط ّق سنة المصطفى عليه الصالة والسالم في عبادتنا ومعامالتنا، يوم تكون ُسرنا‬
‫مجتمعة على المحبة والوفاء واإلخالص لدين اإلسالم، يوم نبتعد عن الخالفات والخصومات وظلم‬
      ‫اآلخرين ونزن بالقسطاس المستقيم. بعض التجار والذين يبيعون الناس يزنون بموازين غير‬
                                                                                           ‫مستقيمة ويظلمون العباد.‬
                                                   ‫ر‬
 ‫عباد اهلل، سفيان الثوري كان يصاحب تاج ًا ما فاتته الصالة وال الصيام وال الحج، يقول سفيان:‬
 ‫رأيته بعد موته في حال مكروب ومهموم ومحزون، فقلت له: كيف لقيت اهلل يا صديقي؟ قال له:‬
                                                               ‫ي‬
  ‫يا سفيان، لقيت اهلل وهو عل ّ غضبان، فقلت له: ولم؟! فقال له: ألنني كنت أبيع الناس، فقال لي‬
 ‫َم‬                                                                                   ‫ِ َ‬
‫ربي: لمَ لمْ تكن تمسح الميزان قبل أن تزن األشياء لعبادي؟ فما بالكم بمن يأكلون التراث أكالً ل ًّا‬
 ‫ل عل الن س‬           ‫و ْل ل م َفف َّذ ِذ‬                                           ‫ُب َم‬              ‫ب‬
 ‫ويح ّون المال ح ًّا ج ًّا؟! ألم يسمع هؤالء قوله تعالى: َي ٌ ِلْ ُط ِّ ِينَ ال ِينَ إ َا اكْتَاُوا ََى َّا ِ‬
     ‫َزن ُ ي سر أ ُن أ ئ َن ُ م ع ث ل ع ي ْ يق م‬                                                    ‫ي ْف ن وِذ ل ُ‬
     ‫َسْتَو ُو َ َإ َا كَاُوهمْ أَوْ و َ ُوهمْ ُخْ ِ ُونَ َال يَظ ُّ ُولَ ِكَ أ َّهمْ َبْ ُو ُونَ ِيَوْمٍ َظِيمٍ َومَ َ ُو ُ‬
                                                                                              ‫م‬          ‫الن س ِ َب‬
                                                                           ‫َّا ُ لر ِّ الْعَالَ ِينَ [المطففين:5-6].‬
  ‫عباد اهلل، مالك بن دينار كان له صاحب، ومات هذا الصاحب فرآه مالك بن دينار في المنام بعد‬
 ‫موته، فقال له: كيف حالك بعد لقاء اهلل؟ قال له: يا مالك، إني محبوس على باب الجنة لم أدخلها،‬
           ‫حب‬
 ‫فقال له ابن دينار: وكيف وأنت الذي كنت تصلي وتصوم وتزكي وتحج؟! لماذا ُ ِست على باب‬
          ‫ِ‬         ‫د‬
     ‫الجنة؟! فقال له الميت: ألنني استعرت من الجيران شيئًا ومت قبل أن أر ّه، ولم أوص أهلي‬
              ‫د‬                    ‫د‬                  ‫د‬                                        ‫د‬
‫بر ّه. ال إله إال اهلل! استعار شيئًا ولم ير ّه، ومات قبل أن ير ّه، ولم يوصِ أهله بر ّه، فلما استيقظ‬
                    ‫د‬                    ‫ي‬
‫مالك من منامه ذهب إلى أهل الميت وأخبرهم كما ب ّنه الميت، فقاموا ور ّوا الشيء إلى أصحابه،‬
         ‫ر‬                  ‫ر‬
 ‫ورآه بعد ذلك في المنام في روض من رياض الجنة، فقال له: ف ّج اهلل كربك كما ف ّجت كربي.‬
                                                        ‫د‬                       ‫د‬
    ‫عباد اهلل، ر ّ األمانات إلى أهلها ور ّ المظالم ألصحابها من األمور التي أمرنا اهلل بها، بعض‬
  ‫الناس يأكلون حقوق اآلخرين وبخاصة في الميراث، وبعض اآلباء قد يعطي بعض األوالد دون‬
 ‫اآلخرين ظلمًا وعدوانًا؛ وبحجة أن هذا الولد صغير، أو بحجة أن هذا الولد يطيعه بخالف غيره،‬
      ‫األصل هنا ـ يا عباد اهلل ـ أن نتقي اهلل، وأن نعدل بين األوالد والبنات في العطاء وتقسيم‬
                                             ‫ِلذ َ م ْل َظ أل ي‬
 ‫األموال، كما قسم اهلل تعالى: ل َّكرِ ِث ُ ح ِّ ا ُنثَ َيْنِ [النساء:55]. إن منا من يأكل حقوق أخواته‬
 ‫وحقوق أقربائه، وال يخشى اهلل تعالى، فكيف سنهزم عدونا إذا لم نهزم الشيطان في نفوسنا؟! إذا‬
                 ‫أردنا النصر فلننتصر على أنفسنا أوالً، وسوف ينصرنا اهلل بعد ذلك على عدونا.‬
      ‫عباد اهلل، لقد كثرت في اآلونة األخيرة السرقات في مجتمعنا، اللصوص الذين يسطون على‬
   ‫و‬                ‫ل ت‬
  ‫البيوت وسرقة مصاغ النساء واألموال، فئة ضالة من أبناء شعبنا تستغ ّ الفَلَ َان األمني، وتتس ّر‬
   ‫بيوت الناس وتسرقها، وفئة أخرى تجمع األموال باسم أسر الشهداء، وتنهب األموال، فليتق اهلل‬
   ‫هؤالء المجرمون، والواجب علينا [أن] نوقف هؤالء عند حدودهم، والضرب بيد من حديد على‬
                                                                                 ‫َ ْر‬    ‫د‬
                                                                              ‫من يش ّ من أز ِهم.‬
 ‫اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ الصحابي الجليل أبا الدرداء وهو يقول بعد [أن] فتح المسلمون جزر‬
  ‫البحر المتوسط، وفتحوا جزيرة رودوس، كان المسلمون في حال نشوة وفرح، إال أن أبا الدرداء‬
‫بعد النصر كان يبكي، فقالوا له: أتبكي ـ يا أبا الدرداء ـ واليوم يوم فرح؟! فقال: نعم، قالوا: فما‬
 ‫منع‬
‫يبكيك؟ قال: اسمعوا، أليس هؤالء القوم الذين قهرناهم ونصرنا اهلل عليهم ألم يكونوا في قوة و َ َ َة‬
  ‫وطمأنينة؟! قالوا: هو كذلك، قال لهم أبو الدرداء: فلما عصوا اهلل هانوا على اهلل فأمكننا اهلل منهم‬
     ‫ومن رقابهم، وأخشى أن يأتي اليوم الذي نعصي فيه اهلل فنهون على اهلل فيمكن اهلل الكفار من‬
                                    ‫ر‬
 ‫رقابنا. نعم يا أبا الدرداء، دار الفلك دورته، وتح ّكت األرض حول نفسها مرات، وحول الشمس‬
                                                         ‫ك‬                ‫ُن‬
                                           ‫مرات، وعصينا اهلل، فه َّا على اهلل، فتم ّن أعداؤنا منا.‬
     ‫ر‬                          ‫ر‬
  ‫عباد اهلل، إياكم والمعاصي؛ فإنها مفاتح غضب اهلل ونقمته، وال تغ ّنكم الحياة الدنيا، وال يغ ّنكم‬
                                ‫ر‬
      ‫باهلل الغرور، الدنيا ال تساوي عند اهلل جناح بعوض، فكيف نغت ّ بها ونطمئن إليها؟! أم كيف‬
                                                ‫يطيب فيها عيش من ال يدري متى الموت يأتيه؟!‬
   ‫فيا واقفون واأليام والليالي بكم سائرة، إن فيما تشاهدون من العبر لموعظة زاجرة، فما للقلوب‬
   ‫عن قبول المواعظ ناخرة؟! وما للنفوس معرضة عن التذكرة كأنها بها ساخرة؟! وما للهمم عن‬
                                                                ‫ر‬
     ‫العمل الصالح فاترة؟! أغ ّتكم األماني واآلمال الحاضرة؟! أما علمتم أن كل جزء من الزمان‬
                                                          ‫ق‬
‫يذهب بمثله من األعمار؟! أما تح ّقتم أن العمر رأس مال اإلنسان وأن ربحه العمل؟! أما تبين لكم‬
                                         ‫وع‬
            ‫أن ما فات ال عوض عنه وال بدل؟! فيا عجبًا لمن ُ ِظ بالمواعظ الصادقة فلم يقبل؟!‬
    ‫فاستيقظوا ـ رحمكم اهلل ـ من هذه الغفلة، وكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه،‬
                                           ‫د‬
  ‫وبادروا بالعمل؛ فإن اليوم عمل وال حساب، وغ ًا حساب وال عمل، واجتنبوا المعاصي؛ فالفائز‬
                        ‫من كان لها مجانبًا، والزموا التوبة إلى اهلل؛ فالسعيد من لم يزل إليه تائبًا.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
           ‫ع‬                                                                     ‫د‬
     ‫عباد اهلل، غ ًا سيبدأ ـ إن شاء اهلل تعالى ـ العام الدراسي الجديد، والمطلوب منا جمي ًا وبال‬
                                          ‫د‬
       ‫استثناء ـ طالب ومدرسين وآباء ومسؤولين ـ أن نج ّ ونجتهد؛ فاألمم ال ترقى إال بالعلم،‬
                                                                                    ‫ث‬
                                                                   ‫وأسالفنا ح ّوا على طلب العلم.‬
                                                                     ‫حق‬
‫ولكن من المؤسف ًّا أن شعبنا يكتوي بنار االحتالل واستمرار بناء الجدار العنصري الذي يعيق‬
   ‫العملية التربوية. ومع بداية العام الدراسي الجديد يجد المعلمون والطالب أنفسهم مقيدين، وذلك‬
                        ‫ق‬                                                  ‫ق‬
 ‫لصعوبة التن ّل والوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم، وتقييد حرية التن ّل، وإلزامهم بالحصول على‬
                 ‫ي ر‬
‫تصاريح، وفي نفس الوقت هيهات أن تصدر التصاريح، وإذا صدرت ال ُعت َف بها من االحتالل‬
                                                     ‫م‬
‫عند الحواجز العسكرية. ومن هنا نح ّل سلطات االحتالل مسؤولية عدم تسهيل المسيرة التعليمية.‬
    ‫وجميل أن يتوافق بداية العام الدراسي مع ذكرى اإلسراء والمعراج، ففي مثل هذا اليوم كانت‬
        ‫جيوش المسلمين في هذه األرض المباركة، تم لنا الفتح عندما كانت القيادة صالحة واألمة‬
    ‫مستيقظة، فتم الفتح األكبر، ورفع األذان في هذه الرحاب الطاهرة، وقرئ القرآن في المساجد‬
               ‫ن‬             ‫ر‬
   ‫والمحاريب، وعلت كلمة التوحيد من جديد، ومنح اهلل تعالى أمتنا نص ًا وفتحًا مبي ًا. فتعالوا ـ‬
                                      ‫ل‬
 ‫أيها المؤمنون ـ نرى وإياكم واقع األمة اليوم بعدما تخّى قادتها عن منهج اإلسالم، وابتغوا سبل‬
                                                                           ‫الغواية والشيطان.‬
 ‫أيها المسلمون، المتتبع ألخبار عالمنا اإلسالمي اليوم يرى أن دول الكفر ـ وعلى رأسها أمريكا‬
                                                               ‫ر‬
  ‫ـ قد نجحت نجاحًا كبي ًا في تمزيق عالمنا اإلسالمي، عن طريق تفتيت وتجزئة أكثر من دولة‬
                                  ‫إسالمية، بغية إضعاف كيانها وتشتيت جمعها ونهب ثرواتها.‬
‫السودان سلة العالم العربي الغني بالثروات المعدنية، تم فصل الجنوب ذي الغالبية المسيحية عنه،‬
‫وإعطاؤه الحكم الذاتي؛ ذريعة إلحالل السالم. وهناك في أندونسيا تم فصل إقليم إيتشه ذي الغالبية‬
 ‫المسيحية أيضًا، وإعطاؤه الحكم الذاتي، تحت ذريعة حق تقرير المصير وحرية الشعوب. أما في‬
            ‫ف ر‬
‫جزر مورو في جنوب الفلبين ذات األغلبية اإلسالمية فإن األمر يختلف اختال ًا كبي ًا بنظر الدول‬
                         ‫د‬
    ‫االستعمارية، فهذا إرهاب وال بد من محاربته. أما في العراق فح ّث وال حرج، أمريكا تضع‬
                                          ‫ز‬                                        ‫م و‬
 ‫ُسَ ّدة الدستور العراقي بما يخدم مصالحها ويع ّز تفتيت وحدة العراق. الدستور الجديد يتضمن‬
                                                                            ‫ً ِ ْر ي‬
   ‫حلوال فد َال ّة هي في حقيقة األمر تجزئة العراق لدويالت، ال الحفاظ على وحدته، األمر الذي‬
                                  ‫ِ ْر ي‬
      ‫يتباكى عليه زعماء العالم العربي واإلسالمي. إن الفد َالّة تخفي وراءها بذور حرب أهلية‬
    ‫مستقبلية بين الطوائف األساسية في العراق، ويدفع الثمن المسلمون في العراق، فلم يعد هناك‬
                    ‫عراق واحد، ولم يعد هناك شعب واحد، الكل يريد أن يأكل العراق ويبتلعه.‬
   ‫حم‬
‫أيها المسلمون، أمريكا تخطط للهيمنة على السعودية وتجزئتها، فعلى الرغم من العالقات ال َ ِيمة‬
     ‫بين الدولتين إال أن الحقد األمريكي على اإلسالم جعلها تنظر إلى السعودية كمركز لإلشعاع‬
  ‫والنور، وإليها وفيها يحج المسلمون، فال بد من إيجاد أجواء مشابهة لما يحدث في العراق، فهل‬
                                                 ‫تحقق أمريكا أطماعها ومخططاتها العدوانية؟!‬
‫فإلى متى هذا الخنوع واالستسالم لمخططات أمريكا؟! إلى متى السكوت على ما يجري من مذابح‬
                                        ‫في شتى أنحاء العالم وتحت ذريعة مسميات اإلرهاب؟!‬
‫أيها المسلمون، الضجة اإلعالمية التي رافقت إعالن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة ضجة فاقت‬
‫بحجمها االنسحاب ذاته. وإذا كان من حق الفلسطينيين أن يتباكوا ويفرحوا لهذا الجالء واالنسحاب‬
  ‫فإنه ال يجوز أن نفرط بالتفاؤل مما يجري على الساحة الفلسطينية، سيما في أعقاب تصريحات‬
       ‫رئيس الحكومة اإلسرائيلية وتأكيده على الالءات: ال لعودة الالجئين أو النازحين, ال إلزالة‬
 ‫مستوطنات الضفة الغربية ذات األغلبية السكانية، ال ألية سيادة فلسطينية على القدس، وال مجال‬
                                                                                 ‫للتفاوض عليها.‬
                               ‫ح‬
‫هذه الالءات التي تحرج الجانب الفلسطيني يجب أن تكون سال ًا بيد المفاوض الفلسطيني؛ ليبرهن‬
‫للعالم العربي واإلسالمي أن السالم بعيد المنال، وأنه ال يجوز بأي حال من األحوال تسريع عملية‬
                   ‫س‬
  ‫التطبيع، فإسرائيل ال تزال تصادر األرض الفلسطينية، وال تزال تبني وتو ّع المستوطنات، وال‬
                                                     ‫تزال تمارس التصفية الجسدية للفلسطينيين.‬
‫أيها المسلمون، الطريق واضح، بينه أمير المؤمنين عمر في كلمات يسيرة، وعمر إذا تكلم فحسبك‬
‫بعمر، كان ابن عباس رضي اهلل عنهما يقول: (أكثروا من ذكر عمر؛ فإنكم إذا ذكرتم عمر ذكرتم‬
                                              ‫العدل، وإذا ذكرتم العدل فقد ذكرتم اهلل عز وجل).‬
                                ‫ال‬
    ‫عباد اهلل، األمة غافلة، وعمر يصف لنا الدواء ويقول: (لقد كنا أذ ّء فأعزنا اهلل باإلسالم، فإذا‬
                                                          ‫طلبنا العزة في غير اإلسالم أذلنا اهلل).‬

‫(5/0232)‬




                                                                              ‫نعم اهلل على عباده‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                   ‫أعمال القلوب‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                        ‫الرياض‬
                                                                                   ‫57/2/6725‬
                                                                  ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- عظم نعم اهلل على عباده. 7- وجوب شكر اهلل على نعمه بالقلب واللسان والجوارح. 3-‬
                               ‫نع‬
    ‫الحث على التفكر في نعم اهلل تعالى وشكره عليها. 2- أعظم ال ِ َم نعمة اإلسالم. 1- نعم اهلل‬
    ‫وتوفيقه لعبده في أداء فرائض اإلسالم ونوافل الطاعات. 6- من أعظم النعم بعد اإلسالم نعمة‬
                                                                                                     ‫األمن في األوطان.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                   ‫ق‬
                                                           ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى ح ّ التقوى.‬
          ‫ق‬                ‫ف ة‬       ‫ة ن َم ع م ن َم د ة ن َم‬                    ‫نع‬
    ‫عباد اهلل، إن هلل علينا ِ َمًا عظيم ً، ِع ٌ ُظْ َى، ِع ٌ متع ّد ُ، ِع ٌ متوا ِر ٌ، وال توافيها ح ّها إال‬
                                        ‫وإ ُد ن م الل ِ ت ص‬
‫بكمال شكرها، وصدق اهلل: َِنْ تَع ُّوا ِعْ َةَ َّه ال ُحْ ُوهَا [إبراهيم:23]. وكل هذه النعم من اهلل‬
                                                                      ‫ن وم ب ُ م ن م ٍ م الل‬                     ‫َ‬
                                                        ‫بذْل وإحسا ٌ، َ َا ِكمْ ِنْ ِعْ َة فَ ِنْ َّهِ [النحل:31].‬
  ‫واهلل الذي قد َّ َ بهذه النعم، وم َّ بها علينا طلب م ّا أن نشكره عليها، فقد أعطانا الكثير فض ً‬
  ‫ال‬                                      ‫ن‬                 ‫َن‬                ‫تأذن‬
                                                                        ‫ن‬
‫وإحسانًا، وطلب م ّا اليسير؛ أن نشكره على عموم نعمه، نشكره بقلوبنا، ونشكره بألسنتنا، ونشكره‬
  ‫َّر‬        ‫بجوارحنا، ف ُكْ ُنا له بالقلوب أن يكون في قلوبنا يقين جازم بأ ّ اهلل المتفض م ع‬
  ‫ِّل ال ُن ِم الذي سخ َ‬     ‫ن‬                                             ‫شر‬
     ‫لنا ما في السموات واألرض جميعًا منه، فنوقن جميعًا أن هذه النعم فضل اهلل وإحسانه وجوده‬
            ‫م ج‬                                                 ‫نن‬
  ‫وكرمه. ونشكر بألسنتنا فُثْ ِي على اهلل بما هو أهله، ونشكره قائمين قاعدين ُضْطَ ِعين راكبين‬
  ‫ماشين، وليكن شكر اهلل على ألسنتنا ظاه ًا، في الحديث: ((إن اهلل يرضى عن العبد يأكل ا َكَْ َ‬
  ‫أل لة‬                                              ‫ر‬
                            ‫ق ب ن َم‬                               ‫َّ ب‬
   ‫فيحمده عليها، ويشرب الشرْ َة فيحمده عليها))(5)[5]. فما ُو ِلت ِع ُ اهلل بأفضل من الثناء على‬
                                             ‫ب‬
    ‫اهلل وتعظيمه وتمجيده، وفي الحديث: ((ال أحد أح ّ إليه الثناء من اهلل، من أجل ذلك أثنى على‬
        ‫نفسه))(7)[7]. فله الحمد في األولى واآلخرة، ال نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.‬
           ‫نصي‬                                            ‫د‬
‫ونشكر هذه النعم بجوارحنا فنؤ ّي الفرائض والواجبات، ونبتعد عن المحرمات، وُ َ ّر هذه النعم‬
                    ‫َر ط‬             ‫َر‬
  ‫عونًا لنا على ما يرضي ربنا، وال نجعل هذه النعم سببًا ألش ِنَا وبَط ِنَا و ُغياننا وإعراضنا عن‬
  ‫ل بَن‬                          ‫ق‬                                                ‫تفض‬
  ‫اهلل، فالذي َّل بهذه النعم قادر أن يسلبها ممن هي بيده إن لم ي ُم لها بالحق الواجب؛ ذَِكَ ِأ َّ‬
  ‫د م‬            ‫َي‬                        ‫ْ َت ي َير م بأ فسه‬                   ‫الل َ ك م ِّر ن م عمه ع‬
  ‫َّهَ لمْ يَ ُ ُغَي ًا ِعْ َةً أَنْ َ َ َا َلَى قَومٍ ح َّى ُغ ِّ ُوا َا َِن ُ ِ ِمْ [األنفال:31]، فإذا غ َّرَ العبا ُ نع َ‬
                          ‫ط‬                 ‫ش‬
   ‫اهلل بأن استعملوها في المعاصي، وصارت سببًا لألَ َر والطغيان والبَ َر، يوشك أن يعاقبهم اهلل‬
                                            ‫و‬                              ‫ذ‬
               ‫بزوال هذه النعمة. فعيا ًا باهلل من زوال نعمته، ومن تح ّل عافيته، ومن فَجَآت نِقْمته.‬
       ‫م حق‬               ‫ِن‬                                                 ‫م نَ‬
  ‫أخي المسلم، تأ ّل ِعمَ اهلل عليك على الحقيقة، لترى النعم العظمى والم َّةَ الكبرى، تأ ّل ًّا هذه‬
                                ‫ك‬                     ‫ك‬                                 ‫ك‬
     ‫النعمة وف ّر دائمًا في هذه النعمة، فإن التف ّر فيها يدعو إلى التذ ّر، يدعو إلى القيام بالواجب،‬
                                                                                 ‫ب‬
‫يدعو إلى مح ّة اهلل، ويدعو إلى خوف اهلل، ويدعو إلى تعظيم اهلل، ويدعو إلى القيام بما أوجب اهلل.‬
                 ‫َّ‬          ‫ت ث‬                                       ‫ِن‬       ‫نع‬
 ‫أخي المسلم، أعظم ال ِ َم والم َّةِ نعمة اإلسالم، فال نعمة تساويها أو ُما ِلها، وقد ذَكرَ اهلل المسلمين‬
        ‫هذه النعمة العظمى ليقابلوها بشكر اهلل، فهدايتك ـ أخي المسلم ـ لإلسالم، وكون اهلل شرح‬
  ‫فهو‬         ‫َ م ر الله َ ه إل‬
  ‫صدرك، أن عرفت الحق فقبلته فعملت به فتلك نعمة كبرى، أفَ َنْ شَ َحَ َّ ُ صدْرَ ُ لِ ِسْالمِ َ ُ َ‬
    ‫م من ِ‬              ‫َ َن الله ع‬                          ‫ِّر‬                           ‫عل ن ر م ْ َب‬
  ‫ََى ُو ٍ ِن ر ِّهِ [الزمر:77]. قال تعالى مذك ًا عباده هذه النعمة: لَقدْ م َّ َّ ُ َلَى الْ ُؤْ ِ ِينَ إذْ‬
‫بع ف ه ْ رس ال م فس ِ ي ل ع ِ ي ت و ُ َك ِ وي َلم ُ ك ب و ح م وإ ن م ْ ق ْل‬
‫َ َثَ ِي ِم َ ُو ً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْو َلَيْهمْ آ َا ِهِ َيز ِّيهمْ َ ُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَا ُوا ِن َب ُ‬
                     ‫بي‬                                                    ‫ف ض مب‬
  ‫لَ ِي َاللٍ ُ ِينٍ [آل عمران:265]. أجل، كانوا قبل اإلسالم في ضالل َ ّن الضاللة؛ في عبادة‬
 ‫منحرفة وأخالق فاسدة ومعامالت ظلم وعدوان، يعبدون األشجار واألحجار، يعبدون الخالئق من‬
  ‫دون اهلل، كانوا في ضالل مبين، كانوا في انحراف في سلوكهم وفي قيمهم وأخالقهم، كانت نار‬
            ‫د‬                                               ‫م‬                     ‫م عل‬
    ‫العداوة ُشْتَ َِة بينهم، والصراع قائ ًا بينهم، والعصبية الجاهلية والظلم والعدوان سائ ًا عليهم،‬
                                                                          ‫ُل‬
 ‫كانوا في ذ ٍّ وهوان إلى أن أشرقت نور اإلسالم على جزيرة العرب بمبعث محمد ، فأنشأهم اهلل‬
     ‫ل عز ِ‬                    ‫ع‬                                                 ‫َّ‬
‫نشأة أخرى؛ بدلَ الضالل هدى، والفقر والفاقة غنى، والفرقة اجتما ًا والتئامًا، والذّة ًّا ورفْعة،‬
                                               ‫َك‬                                           ‫د‬
  ‫فتب ّلت الحالة السيئة بحالة طيبة مباركة، ولذا ذ َّرَ اهلل المسلمين في آخر عهد النبي بهذه النعمة‬
 ‫َر م و ُر ه‬            ‫ِذ َ ت م َ َ ٍ ُر الل ع ْ م َ‬                                                     ‫ض‬
 ‫أي ًا في يوم موسم الحج فقال: فَإ َا أفَضْ ُمْ ِنْ عرفَات فَاذْك ُوا َّهَ ِندَ الْ َشْعرِ الْح َا ِ َاذْك ُو ُ‬
                                                       ‫َّال‬     ‫م َد ُ وإ ك ُ م ْ له م‬
 ‫كَ َا ه َاكمْ َِنْ ُنتمْ ِن قَبِْ ِ لَ ِنْ الض ِّينَ [البقرة:205]، وإن كنتم من قبل اإلسالم لمن الضالين،‬
      ‫إن كنتم قبل مبعث محمد لمن الضالين، واليوم هداكم اهلل لنسككم، واليوم أقمتم شعائر دينكم،‬
                                                                   ‫ر‬       ‫ي‬
                                                             ‫واليوم تميزتم عن ماضيكم الس ّئ بحاض ٍ مشرق.‬
                                               ‫َل‬
   ‫أخي المسلم، نعمة اإلسالم أكبر النعم، كم ض َّ عنها أقوام، وزال عنها أقوام، وأصبحوا كبهيمة‬
         ‫ُ ْ قل ب‬      ‫ِن و إل‬        ‫ر م‬          ‫و َ َر لج َن‬
      ‫األنعام، بل البهيمة أهدى منهم سبيال! َلَقدْ ذ َأْنَا ِ َه َّمَ كَثِي ًا ِنْ الْج ِّ َا ِنسِ لَهم ُُو ٌ ال‬
     ‫َل‬       ‫ع ب ُ‬                 ‫ه به و ُ ين ي ِر ن ب و ُ ن ي مع به أ ئ‬
     ‫يَفْقَ ُونَ ِ َا َلَهمْ أَعْ ُ ٌ ال ُبْص ُو َ ِهَا َلَهمْ آذَا ٌ ال َسْ َ ُونَ ِ َا ُوْلَ ِكَ كَاألَنْ َامِ َلْ همْ أَض ُّ‬
      ‫ن‬                                                                          ‫ه غ فل‬                ‫أ‬
     ‫ُوْلَئِكَ ُمْ الْ َا ُِونَ [األعراف:025]. فاحمد اهلل إن كنت مسلمًا، آمنت باهلل ربًا وباإلسالم دي ًا‬
                                                                      ‫ال‬     ‫نبي‬
       ‫وبمحمد ًّا رسو ً، قبلت هذا الدين ورضيت به، وأطعت اهلل ورسوله، فقل: الحمد هلل رب‬
                                                                                   ‫العالمين على هذه النعمة الكبرى.‬
     ‫و كر ن م الل ع ُ ِ ك ُ ْد ً َّ ب ن‬                                                            ‫َك‬
     ‫أخي المسلم، ذ َّرَ اهلل الصحابة أيضًا بقوله: َاذْ ُ ُوا ِعْ َةَ َّهِ َلَيْكمْ إذْ ُنْتمْ أَع َاء فَأَلفَ َيْ َ‬
                         ‫ُ م‬             ‫ح ْ ة م الن ِ‬          ‫ب ُ بن مت إ و وك ُ عل‬                             ‫قل ب ُ‬
    ‫ُُو ِكمْ فَأَصْ َحْتمْ ِ ِعْ َ ِهِ ِخْ َانًا َ ُنْتمْ ََى شَفَا ُفرَ ٍ ِنْ َّار فَأَنْقَذَكمْ ِنْهَا [آل عمران:305].‬
                   ‫ُذ‬
    ‫أخي المسلم، نعمة اإلسالم ـ بتوفيق اهلل ـ مآل صاحبها إلى الجنة وإن ع َّبَ على ما خالف،‬
                                   ‫ن ه م د‬                   ‫ُ‬           ‫َّذ ن من وَ ي بس إ ُ ظ ْ أ‬
       ‫ال ِي َ آ َ ُوا َلمْ َلْ ِ ُوا ِيمَانَهمْ بِ ُلمٍ ُوْلَئِكَ لَهمْ األَمْ ُ وَ ُمْ ُهْتَ ُونَ [األنعام:72]. وأهل الجنة‬
                              ‫َد الله‬                    ‫َد ل َذ و ُن ل ِ‬                     ‫ح د ِل َّ‬
                ‫يقولون: الْ َمْ ُ لَّهِ الذِي ه َانَا ِه َا َمَا ك َّا ِنَهْتَديَ لَوْال أَنْ ه َانَا َّ ُ [األعراف:32].‬
   ‫د‬                                ‫فيس‬                               ‫َن‬
‫أخي المسلم، يا من م َّ اهلل عليه بقبول فرائض اإلسالم، َّر اهلل له أداء الصلوات الخمس فأ ّاها‬
           ‫ك‬                                          ‫ر‬              ‫نه‬          ‫سه قار‬            ‫ي‬
‫طّبةً بها نف ُ ُ، َّةً بها عيُ ُ، فرِحًا مسرو ًا بأدائها، فاحمد اهلل على هذه النعمة، وتذ ّر قول اهلل:‬
                   ‫شع َّذ ي ُن َنه م ق َب ِ وَن ُ إ ِ ر جع‬                                       ‫رة ِال عل‬            ‫وِنه‬
    ‫َإ َّ َا لَكَبِي َ ٌ إ َّ ََى الْخَا ِ ِينَ ال ِينَ َظ ُّونَ أ َّ ُمْ ُال ُو ر ِّهمْ َأَّهمْ ِلَيْه َا ِ ُونَ [البقرة:12،‬
 ‫62]، فالخاشعون الموقنون بلقاء اهلل يؤدون الصلوات الخمس بفرح وسرور، إذا دخل الواحد في‬
 ‫الصالة دخلها وقلبه مطمئن، وروحه في غاية الراحة واالطمئنان، يعلم عِظَمَ الموقف، ويشكر اهلل‬
  ‫أن أعانه، َّصه من وساوس الشيطان وتثبيطه، فأ ّاها طاعة هلل، ولذا يقول نبينا : ((حِّبَ َّ‬
  ‫ُب إلي‬                                    ‫د‬                                ‫وخل‬
                                                    ‫جع ُرة‬
   ‫من دنياكم النساء والطيب، و ُ ِلَت ق َّ ُ عيني في الصالة))(3)[3]. كم من متثاقل عنها! كم من‬
            ‫ر‬                 ‫ي ُر‬
  ‫إنسان يسأم الصالة وال يريدها! يسمع نداء اهلل فال يجيب، و َم ُّ بالمسجد فال يتح ّك له ضمير؛‬
                                           ‫من‬
  ‫ألن في قلبه غفلة وإعراضًا عن اهلل، وأنت قد َّ اهلل عليك فأحببت هذه الصالة، ورغبت فيها،‬
                                                                                             ‫فاشكر اهلل على هذه النعمة.‬
     ‫ال‬      ‫ُ‬                          ‫ي‬
     ‫أخي المسلم، المال نعمة من اهلل، والقيام في المال بما ُحب اهلل هو الخير كله، فمن رزِق ما ً‬
                                                                                        ‫ف‬
‫وو ّقه اهلل لصرفه في وجوه الخير، وأعانه على تسخيره فيما يرضي اهلل، فليعلم أنها نعمة من اهلل،‬
 ‫د ُ ع ذ ْر‬             ‫تهُ ولُ و‬                   ‫َي َّذ من‬                              ‫إنم و ل ُ و دك ْ ف ة‬
 ‫َّ َا أَمْ َاُكمْ َأَوْال ُ ُم ِتْنَ ٌ [األنفال:27]، يَا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال ُلْ ِكمْ أَمْ َاُكمْ َال أَوْال ُكمْ َنْ ِك ِ‬
   ‫ت حد ُ م ت‬                          ‫ََ ك م ْ‬                  ‫ِر ن و ق م‬                   ‫ُ‬         ‫الله وم ي َ ل َ أ‬
   ‫َّ ِ َ َنْ َفْعلْ ذَِك فَُوْلَئِكَ همْ الْخَاس ُو َ َأَنْفِ ُوا ِنْ مَا رزقْنَا ُمْ ِنْ قَبلِ أَنْ يَأْ ِيَ أَ َ َكمْ الْ َوْ ُ‬
                               ‫َ ٍ َر ٍ َّد و ك م الص ح‬                     ‫َّ ن إ‬              ‫ق َ َب‬
  ‫فَيَ ُول ر ِّ لَوْال أَخرْتَ ِي ِلَى أَجل ق ِيب فَأَص َّقَ َأَ ُنْ ِنْ َّالِ ِينَ [المنافقون:0، 05]. الشاكر‬
 ‫لنعمة المال عندما يحل وقت الزكاة يحصي ماله ويخرج زكاته، ويستصغر تلك الزكاة في عظيم‬
             ‫د‬                ‫ر‬
   ‫ذلك المال الذي وهبه اهلل له، فيؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، شاك ًا هلل أن جعله ي ًا تعطي ولم‬
      ‫ُ م و ل ِ َ َ ت ِّر ُ وت َك ِ به و َل ع ِ ِن ص ك س ن له‬                                            ‫د‬
    ‫يجعله ي ًا تأخذ، خذْ ِنْ أَمْ َاِهمْ صدقَةً ُطَه ُهمْ َ ُز ِّيهمْ ِ َا َص ِّ َلَيْهمْ إ َّ َالتَ َ َكَ ٌ َ ُمْ‬
                                                                                                               ‫[التوبة:305].‬
                        ‫ج‬                                                           ‫يب‬
    ‫ُقْ ِل رمضان فيستبشر به المسلم، ويفرح به، ويصومه طاعة هلل، ويتض ّر منه المنافق، ويقلق‬
                                  ‫ف‬
        ‫منه، ويحب أن تنقضي أيامه؛ فهو في سجن في رمضان؛ خو ًا من المسلمين إن أظهر أكله‬
      ‫ل‬                                                                       ‫ت‬
    ‫وشربه وتمّعه في نهار رمضان، فهو يسأم الشهر ويكرهه، أما المسلم فيشكر اهلل على أن بّغه‬
                                                            ‫رمضان، ويشكر اهلل أن فرض عليه صيام رمضان.‬
                                                                  ‫ف‬
    ‫يؤدي الحج ويشكر اهلل أن و ّقه ألدائه. إذن فأركان اإلسالم يفرح بها، وأركان اإلسالم يؤديها،‬
                                                  ‫ويشكر اهلل على ما فرض من الفرائض وشرع من األحكام.‬
                                                              ‫ُف‬
  ‫المسلم ينظر في نفسه، فإن و ِّقَ لنوافل الصالة ونوافل الصدقة ونوافل الصوم ونافلة الحج، حمد‬
       ‫س‬                            ‫ر‬                              ‫ف‬
‫اهلل على هذه النعمة أن و ّقه لفعل الخير، وجعل الخير يسي ًا عليه، وإنه ليسير على من ي ّره اهلل‬
                                                                                                                          ‫عليه.‬
                                                    ‫ج‬
‫كم تمضي أوقات أقوام في بَطَاالت و َهَاالت، وسَفَه وروايات؟! وكم تمضي أوقات أقوام في ذكر‬
                                                                           ‫وطاعة هلل، وتقرب إلى اهلل بما يرضيه؟!‬
            ‫بو‬                 ‫ن‬       ‫ّد‬              ‫حم‬                     ‫م َن‬
      ‫أيها المسلم، يا َن م َّ اهلل عليه فكان لرَ ِ ِه واصالً ومتفق ًا ومحس ًا، فاحمد اهلل أن َّأك هذه‬
                     ‫م ال‬                                                     ‫ع‬
‫المرتبة ال ُليا، أن جعلك واصالً لرحمك، تصلهم وتحسن إليهم، وتتح ّل ز ّتهم وأخطاءهم وتقابلها‬
‫باإلحسان، فتتخذ لك في الجنة درجات يعلو بها شأنك عند رب األرض والسماوات. وكم من قاطع‬
                                                                         ‫رحم‬        ‫حم‬
    ‫لرَ ِ ِه يرى َ ِ َهَ في فقر وفاقة وفي مسكنه وهوان، فال تطيب نفسه أن يكسوهم أو يعينهم أو‬
                                    ‫ق‬
        ‫يفرج همومهم؟! وأنت قد مَأل اهلل قلبك إيمانًا، وجعل فيك ر ّة وعطفًا وإحسانًا، تصل الرحم‬
                                                  ‫ال ر د‬
 ‫وتحسن إليهم، وتكون فيهم مسؤو ً كبي ًا، يم ّونك بسؤال اهلل، ويسألون اهلل لك التوفيق واإلعانة،‬
                                                                                              ‫فاحمد اهلل على هذه النعمة.‬
                                                                                  ‫ر‬
     ‫أخي المسلم، ب ّ الوالدين واإلحسان إليهما أوجبه اهلل علينا، فالمسلم يشكر اهلل على هذه النعمة،‬
        ‫ر‬                           ‫ب َّ َد‬                        ‫ر‬
  ‫ويحمد اهلل أن أوجب عليه ب ّ أبويه؛ ألنه يعلم أن ال ِر ر ُّ بعض شيء من الجميل، فهو يب ّ بأبيه‬
      ‫وأمه، وعندما يكبر األبوان عند ذلك الولد البار المحسن، فيرى نفسه في نعيم في الدنيا، يرى‬
                                                                         ‫ذ‬
‫نفسه في نعيم ول ّة؛ أنه يخدم أباه ويحسن إليه، ويتفقد طعامه وشرابه وفراشه وملبسه، وأنه يحسن‬
   ‫سن‬                                            ‫راد‬        ‫م‬
‫إليه، ويتمنى ساعة أن يكون خاد ًا ألبيه، ًّا له شيئًا من معروفه. ينظر إلى األم وقد كبر ُّها،‬
                                                                     ‫َل‬           ‫ق‬
    ‫ور ّ عظمها، وق َّ سمعها وبصرها، فهي بأمس حاجة إلى من يرعاها، فيقول: الحمد هلل الذي‬
            ‫ق‬                                                                      ‫ر‬      ‫ل‬
   ‫بّغني ب ّهما، الحمد هلل الذي جعلني أحسن إليهما، الحمد هلل الذي قذف في قلبي الر ّة والرحمة‬
  ‫بهما. ينظر إلى إخوانه وأخواته الصغار والسيما األيتام، فيحسن إليهم ويرحمهم، ويحمد اهلل أن‬
                                                  ‫ة‬                ‫نش‬                         ‫ُف‬
                        ‫و ِّق لهذا العمل الصالح، فإ ّ ُكْر النعمةِ نعم ٌ من اهلل عليك أيها المسلم.‬
                    ‫م م‬              ‫ر‬           ‫م م‬                     ‫ت‬
  ‫أخي المسلم، ُعامل الناس، فكم من ُعا ِل للناس يض ّهم؟! وكم من ُعا ِل لهم يفضحهم؟! وكم‬
       ‫ق‬                                       ‫ت‬                       ‫ش‬         ‫م م‬
   ‫من ُعا ِل لهم يغ ّهم، ويسيء إليهم؟! وأنت ُعامل الناس بصدق، وتعاملهم بالوفاء، صاد ًا في‬
      ‫س‬                                                           ‫د‬
 ‫حديثك، وافيًا بعهدك، مؤ ّيًا ألمانتك، السماحة تعلو عليك، والخلق الكريم يظهر منك، تي ّر على‬
                        ‫ي‬                                ‫س‬            ‫ق‬
  ‫المعسرين فال تش ّ عليهم، وتي ّر للموسرين فال تتعبهم، فتعاملك طّب، وأخالقك حميدة، ورزق‬
                                             ‫ر‬         ‫د‬                              ‫ْر‬
                            ‫اهلل تَت َا عليك، ونعمه تترادف عليك، فق ّم هلل شك ًا على هذه النعمة.‬
                                                             ‫ت‬
     ‫أخي المسلم، كم من أناس ابُلوا بالدعاوى الكيدية والخصومات بال حق، ال يهنأ عيشهم حتى‬
‫يدعوا على هذا وعلى هذا، وال يرتاحون في نهارهم وليلهم حتى يأتوا بهذا للمحكمة، ويشكوا هذا،‬
 ‫ويخاصموا هذا، دعوى مبنية على كيد وظلم وعدوان، لكن يريدون بها إذالل إنسان أو أخذ شيء‬
                                                                             ‫من ماله بغير حق؟!‬
                                   ‫ج‬         ‫ب‬                                   ‫ي‬
 ‫كم من أناس ال ُبالون باأليمان؛ يحلف باهلل ولو كاذ ًا، ال خَ َل وال حياء؟! وأنت قد مأل اهلل قلبك‬
         ‫ر‬                                                    ‫د‬                 ‫ت‬
    ‫يقينًا، ُنصف من نفسك، وتؤ ّي الحقوق التي عليك، وتحفظ أيمانك، فال تكون فيها فاج ًا وال‬
                                                                                                 ‫ذ‬
                                                                                            ‫ك ّابًا.‬
                           ‫د‬
‫كم من أناس خدعتهم الدنيا؛ فشهدوا على الناس ظلمًا وعدوانًا، وأ ّوا شهادة زور هم فيها ظالمون‬
   ‫وآثمون؟! وأنت تؤدي الشهادة بصدق ويقين، فاحمد اهلل واشكره على نعمته عليك بالصدق في‬
                                                                                 ‫أقوالك وأعمالك.‬
 ‫أخي المسلم، كم تشاهد من رجال مع نسائهم في قلق وتعب ومشاكل ال تنقضي؟! وأنت مع أهلك‬
     ‫في راحة وطمأنينة وتفاهم وتعاون، تؤدي الواجب، وتؤدي امرأتك الواجب، فأنت في سعادة‬
                                                    ‫م‬
  ‫وهناء، فاشكر اهلل على هذه النعمة، وتأ ّل حال من امتألت بيوتهم شقاقً ونزاعًا، وكلمات بذيئة‬
                       ‫ب‬                    ‫ن‬                                               ‫س‬
 ‫و ِبابًا... ساءت تربية اآلباء وإهمالهم، وأنت قد م ّ اهلل عليك بأوالد ر ّيتهم على الخير والهدى،‬
                  ‫ق‬        ‫ل‬
      ‫فهم لك مطيعون سامعون، والتعاون بينك وبينهم قائم، عرفت حقهم فعّمتهم وث ّفتهم، فعرفوا‬
        ‫حقوقك فأكرموك وأحسنوا إليك، فتلك نعمة فاشكر اهلل عليها، واحمد اهلل على هذه النعمة.‬
                                           ‫تق‬
    ‫أخي المسلم، كم من أناس إذا جلسوا المجالس اس ُثْ ِلوا في المجلس؟! كلماتهم بذيئة، أهل غيبة‬
‫ونميمة، أهل كذب وبهتان، يملؤون المجلس بقيل وقال، ويكذبون ويفترون، وقد عافاك اهلل من هذه‬
                          ‫د‬                     ‫ع‬
  ‫األخالق الرذيلة، فلست مغتابًا لمسلم، وال سا ٍ بنميمة، وال رامٍ أح ًا ببهتان، تذكر عيوب نفسك‬
                                        ‫فتصلحها، وتسعى في إصالح اآلخرين من غير احتقار.‬
‫كم من أناس يسخرون بالناس، ويستهزئون بهم؟! يسخر من فقير ألجل فقره، ويسخر بمن ضعف‬
 ‫ر‬                                               ‫ط‬
‫عقله لضعف عقله، ويتمادى في طغيانه وبَ َره، وأنت تحمد اهلل على هذه النعمة؛ إن رأيت منك ًا‬
                   ‫ال‬                         ‫ض‬
                  ‫قلت: الحمد هلل الذي عافاني مما ابتاله به، وف ّلني على كثير ممن خلق تفضي ً.‬
         ‫كم من أناس ابتلوا بأنواع األمراض واألسقام في ليلهم ونهارهم؟! فكم يراجعون األطباء،‬
‫ويعودون إلى المستشفيات، وأنت في صحة في بدنك وعافية، فاعرف قدر هذه النعمة، واشكر اهلل‬
‫عليها، واسأل اهلل أن يجعل ما أعطاك من عافية في بدنك قوة لك على القيام بما أوجب اهلل عليك.‬
                    ‫فاشكروا اهلل ـ عباد اهلل ـ على عموم نعمه، واسألوه المزيد من فضله وكرمه.‬
        ‫عه‬           ‫َل‬              ‫ي‬
 ‫كم من أناس ابتلوا بخيانة األمانة؛ إن ائتمنوا على أوقاف ض ّعوها، وأكلوا غَّتَها، وإن ُ ِد إليهم‬
‫بوصايا أكلوها، وأنت في نعمة قد منحك اهلل األمانة على األموال التي اؤتمنت عليها، تحترم دماء‬
  ‫المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فاشكر اهلل على نعمة األمانة وأداء الواجب، اشكر اهلل على هذه‬
                                                                     ‫النعمة، واسأله المزيد من فضله وكرمه.‬
    ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه‬
                                                                           ‫وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                                     ‫د ر ب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
   ‫م ر‬            ‫ل‬                                              ‫د‬
  ‫شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                                     ‫إلى يوم الدين.‬
                                                       ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
                             ‫َك‬                      ‫َل ع‬
    ‫عباد اهلل، األمن في األوطان نعمة من أَج ّ الن َم بعد نعمة اإلسالم، ذ َّرَ اهلل بها عباده ليعرفوا‬
  ‫وَ َ َن جع حر م وي َّف الن س م‬                                          ‫ّر ك‬
‫قدرها وفضلها، قال تعالى مذك ًا س ّان الحرم: أَ َلمْ يرَوْا أ َّا َ َلْنَا َ َمًا آ ِنًا َ ُتَخَط ُ َّا ُ ِنْ‬
        ‫ٍ ِ ْ م َ ُن‬          ‫َر ت ُل‬             ‫وَ ن َك ه حر م ي ب إ‬                                           ‫لِ‬
       ‫حَوِْهمْ [العنكبوت:26]، أَ َلمْ ُم ِّنْ لَ ُمْ َ َمًا آ ِنًا ُجْ َى ِلَيْهِ ثَم َا ُ ك ِّ شَيْء رزقًا ِنْ لد َّا‬
                ‫ْ‬     ‫عمه م ج ع و م ه م‬                     ‫ي بد َب َذ ب َّ‬
 ‫[القصص:21]، فَلْ َعْ ُ ُوا ر َّ ه َا الْ َيْتِ الذِي أَطْ َ َ ُمْ ِنْ ُو ٍ َآ َنَ ُمْ ِنْ خَوفٍ [قريش:3، 2].‬
                                              ‫م‬
    ‫إخوتي، أطعمنا اهلل وسقانا، وأسدى علينا نعمه، فأ ّنَنَا في أوطاننا، وجعلنا نتنقل من مكان إلى‬
                                                                                  ‫نَ‬
   ‫مكان في ِعمٍ وسالمة وعافية، فلنشكر على هذه النعمة. أغدق اهلل علينا النعم، فلنشكر اهلل على‬
                                                                                   ‫آالئه وفضله ونعمه العظيمة.‬
   ‫أنعم اهلل علينا فجعل لنا قيادة حكيمة، فيها رعاية لمصالح األمة ورفق بهم وإحسان إليهم، وبذل‬
                   ‫أ‬
‫الجهود في سبيل راحتهم وتوفير أسباب عيشهم، وتلك نعمة من اهلل. فكم من ُمم تشقى بقياداتها؟!‬
                          ‫َن‬
   ‫بقيادة تظلمها وتسلب أموالها وال تبالي بها، ونحن في هذا البلد المبارك م َّ اهلل علينا بقيادة فيها‬
                           ‫ر‬
‫رحمة ورفق وعطف على هذه الرعية، فجزاهم اهلل عما قدموا خي ًا، وفي الحديث: ((خير أئمتكم‬
‫الذين تصلون عليهم ويصلون عليكم، وتحبونهم ويحبونكم))(2)[5]. أي: تدعون لهم ويدعون لكم،‬
 ‫وتبادل الحب فيما بينكم، بذلوا الذي عليهم ومستطاعهم وما بقدرتهم، فليقابل ذلك األمة بشكر اهلل‬
     ‫والثناء عليه، وأن يسألوا اهلل لهم التوفيق والسداد والعون على كل خير، ويبارك في أوقاتهم‬
 ‫وأعمالهم، فإن االعتراف بالجميل والشكر على الجميل من النعم العظيمة، وفي الحديث: ((من لم‬
     ‫يشكر الناس لم يشكر اهلل))(1)[7]. فنحن نشكر لوالتنا ما بذلوه من خير، وما سعوا فيه لهذا‬
    ‫المجتمع من خير. ونسأل اهلل لهم المزيد والتوفيق، وأن يعينهم اهلل على كل خير، وأن يجعلهم‬
                                           ‫ب‬
‫رحمة على رعيتهم، وأن يحببهم لرعيتهم، ويح ّب رعيتهم إليهم، ويجمع القلوب على خير ونعمة،‬
                                                                     ‫إنه على كل شيء قدير.‬
                                                                      ‫واعلموا رحمكم اهلل...‬


                                                                            ‫__________‬
                  ‫(5) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (2327) من حديث أنس رضي اهلل عنه.‬
    ‫(7) أخرجه البخاري في التفسير (2362)، ومسلم في التوبة (0627) من حديث ابن مسعود‬
                                                                      ‫رضي اهلل عنه، بنحوه.‬
‫(3) أخرجه أحمد (20775)، والنسائي في عشرة النساء (0303)، وأبو يعلى (7223)، والضياء‬
                                   ‫و‬
  ‫في المختارة (2325)، من حديث أنس رضي اهلل عنه، وج ّد إسناده العراقي، وقواه الذهبي في‬
                             ‫الميزان (7/225)، وحسنه الحافظ في التلخيص الحبير (3/655).‬
      ‫(2) أخرجه مسلم في كتاب اإلمارة (1125) عن عوف بن مالك األشجعي رضي اهلل عنه.‬
                                                                                     ‫بنحوه.‬
‫(1) أخرجه أحمد (7/107)، والبخاري في األدب المفرد (257)، وأبو داود في األدب (5522)،‬
   ‫والترمذي في البر (2105) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث‬
‫حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (2023)، وهو في صحيح سنن الترمذي (7015). وفي الباب‬
                                                       ‫عن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه.‬

‫(5/0232)‬




                                                                     ‫أسباب االبتداع في الدين‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب, قضايا في االعتقاد‬
                                                                      ‫البدع والمحدثات, الفتن‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                               ‫علي بن عبد الرحمن الحذيفي‬
                                                                                                 ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                    ‫1/2/6725‬
                                                                                                 ‫المسجد النبوي‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- نعمة اإلسالم. 7- خطورة البدع. 3- أسباب البدع: الجهل، اتباع الهوى، سوء القصد،‬
   ‫اإلعراض عن الحق، اإلعجاب بالرأي، البعد عن العلماء، الفتاوى والكتب المضلة، إيثار الدنيا.‬
 ‫2- تصدي الصحابة للبدع. 1- محاربة العلماء واألمراء للبدع. 6- أهمية نعمة األمن. 2- نداء‬
                                                              ‫للخارجين على الجماعة. 2- فتنة الشهوات.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
     ‫ر ه‬         ‫ر‬                  ‫ي ل‬                    ‫ط‬                  ‫ي‬            ‫فات‬      ‫م‬
    ‫أ ّا بعد: َّقوا اهلل ـ أّها المسلمونَ ـ وأ ِيعوه، فتَقوَى اهللِ ُصِح اهلل بهَا األمو َ، ويش َح ب َا‬
      ‫ت الد ر ِ ة عله‬                                             ‫د‬                           ‫س‬          ‫ص‬
     ‫ال ّدورَ، ويح ِن اهلل بها العَواقبَ في ال ّنيا واآلخرَة، كما قالَ تعالى: ِلْكَ َّا ُ اآلخرَ ُ نَجْ َُ َا‬
                                         ‫ُر د علو ف َ ْض و َ س د و قبة ل ُت‬                                 ‫لَّذ‬
                         ‫ِل ِينَ الَ ي ِي ُونَ ُُ ًا ِي األر ِ َال فَ َا ًا َالْعَا ِ َ ُ ِلْمَّقِين [القصص:32].‬
          ‫ل‬        ‫ِبادَ اهلل، َّ أَعظمَ ِ َم ا ِ تعالى عَى العبادِ دي ُ اإلسالم الذي ِّق بينَ الحق‬
  ‫ِّ والباط ِ والحالل‬         ‫يفر‬             ‫ن‬             ‫ل‬        ‫نع هلل‬          ‫إن‬           ‫ع‬
     ‫ي ه وجع‬                ‫م نمت‬                                 ‫ّد‬     ‫ب‬                  ‫ر‬      ‫ر‬
‫والحرام والخي ِ والش ّ وسبيلِ الهدَى وس ُل الر َى، قال اهلل تعالى: أَوَ َن كَا َ َيْ ًا فَأَحْ َيْنَا ُ َ َ َلْنَا‬
                                     ‫س خر م‬                 ‫ه ن ر ي ش ب ِ ف الن س م م ل ُ ف الظلم‬
                 ‫لَ ُ ُو ًا َمْ ِي ِه ِي َّا ِ كَ َن َّثَُه ِي ُُّ َاتِ لَيْ َ بِ َا ِجٍ ِّنْهَا [األنعام:775].‬
         ‫ب‬      ‫ب ن‬          ‫ر‬
 ‫َّ أعظمَ ما يه ِم ال ّينَ اإلسالم ّ ظهو ُ الب َع المضَّة التي ي َى صاح ُها أ ّه مصي ٌ وهو على‬
                                       ‫ِل‬      ‫ر ِد‬        ‫ي‬            ‫د د‬                 ‫وإن‬
                                                                                                          ‫ل‬
                                                                                                         ‫ضال ٍ.‬
‫َّة بس َبِ الجه ِ كما قال تعالى: َلَ ِ َّ أَكْثَرَهمْ يَجْ َُونَ [األنعام:555]، وكما قا َ‬
‫ل‬                           ‫ُ هل‬                ‫و كن‬                    ‫ل‬                 ‫ِد‬
                                                                                 ‫وتكون الب َع المضل ب‬
  ‫ع ّ وج ّ: َِن ُطِعْ أَكْثَرَ َن ِي األرضِ ُضُّوكَ َن َبِيلِ َّهِ ِن يَّ ِ ُونَ إ َّ الظ َّ َِنْ همْ إ َّ‬
  ‫م ف َ ْ ي ِل ع س الل إ َتبع ِال َّن وإ ُ ِال‬                                             ‫ز ل وإ ت‬
                                                                                                      ‫رص‬
                                                                                    ‫يَخْ ُ ُونَ [األنعام:655].‬
  ‫َل ِم ات ع و ه ب ْ ُد من‬                        ‫وم‬                         ‫ِل ات ع‬         ‫د‬            ‫م‬
  ‫و ِن أسباب الب َع المضَّة ِّبا ُ الهوى، قال اهلل تعالى: َ َنْ أَض ُّ م َّنِ َّبَ َ هَ َا ُ ِغَيرِ ه ًى ِّ َ‬
                                                                      ‫الظ لم‬             ‫يْ‬       ‫الل ِن الل‬
                                                       ‫َّهِ إ َّ َّهَ الَ َهدِي القَوْمَ َّاِ ِينَ [القصص:01].‬
   ‫ت َّذ ي َبر ن‬                   ‫ِف ع‬                    ‫د ر ة‬             ‫ء‬      ‫ضل‬      ‫د‬            ‫م‬
   ‫و ِن أسباب الب َع الم ِّةِ سو ُ القص ِ واإل َاد ِ، قال تعالى: سَأَصْر ُ َنْ آيَا ِيَ ال ِينَ َتَك َّ ُو َ‬
 ‫َتخذ ه سب ال وإ‬             ‫ُل ي ال ي من ب وإ َ سب الر ْ‬                           ‫َق وإ َ‬        ‫ف َْ ب ْ‬
‫ِي األرضِ ِغَيرِ الح ِّ َِن يرَوْا ك َّ آ َةٍ َّ ُؤْ ُِوا ِهَا َِن يرَوْا َ ِيلَ ُّشدِ الَ ي َّ ِ ُو ُ َ ِي ً َِن‬
                                                                             ‫َي َتخذ ه سب‬              ‫َ سب‬
                                                          ‫يرَوْا َ ِيلَ الغ ِّ ي َّ ِ ُو ُ َ ِيالً [األعراف:625].‬
‫م ات ُد ال‬                                    ‫و ِن أسبابِ الب َع المضَّة اإلع َا ُ عن ُّم الحق عم‬
‫ِّ وال َ َل به كما قَال تعالى: فَ َنِ َّبَعَ ه َايَ فَ َ‬ ‫تعل‬ ‫رض‬         ‫ِل‬      ‫د‬             ‫م‬
            ‫وم ْ َ ع ذ ر ِن ه مع ض ك و ُره ْ قي م م‬                                                    ‫ي ِل و ي‬
           ‫َض ُّ َالَ َشْقَى َ َنْ أَعرضَ َن ِكْ ِي فَإ َّ لَ ُ َ ِيشَةً َن ًا َنَحْش ُ ُ يَومَ ال ِ َا َةِ أَعْ َى‬
            ‫َم ِم ذ ِّر ي رب ِ ْر ع ِن م‬                               ‫ل وم‬
          ‫[طه:375، 275]، وقال عز وج ّ: َ َنْ أَظْل ُ م َّن ُك َ بِآ َاتِ َ ِّه فَأَع َضَ َنْها إَّا ِنْ‬
                                                                                             ‫م ْرم م قم‬
                                                                             ‫الْ ُج ِ ِينَ ُنتَ ِ ُونَ [السجدة:77].‬
         ‫هلل‬               ‫ح‬                 ‫ي‬      ‫س‬            ‫ب‬       ‫ِل‬                  ‫م‬
  ‫و ِن أسباب البدع المضَّة إعجا ُ المرءِ بنف ِه ورأ ِه، فال يقبل النص َ والتوجيه، قال ا ُ تعالى:‬
      ‫أفَ َن ز ِّنَ لَ ُ ُو ُ َ َِه ف َآ ُ َ َ ًا فَإ َّ َّهَ ُض ُّ َن َشَا ُ َ َهْ ِي َن َشَاء فَالَ تذْ َبْ نَفْ ُ َ‬
      ‫سك‬         ‫َه‬          ‫َ م ُي ه س ء عمل ِ َر ه حسن ِن الل ي ِل م ي ء وي د م ي ُ‬
  ‫َي َّذ ن من‬                            ‫َلَيْهمْ َس َاتٍ [فاطر:2]، وعن أبي ثعلبةَ الخشني أنه سأل النبي‬
‫َّ عن هذه اآلية: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا‬                                               ‫ع ِ ح َر‬
    ‫م‬                                                 ‫دُ‬            ‫ي ُر ُ م َل ِ‬            ‫ع ُ أ فس ُ‬
 ‫َلَيْكمْ َن ُ َكمْ ال َض ُّكمْ َنْ ض َّ إذَا اهْتَ َيْتمْ [المائدة:105] فقال عليه الصالة والسالم: ((ائت ِروا‬
‫كل‬                   ‫و مت ع د‬                 ‫ُح‬                              ‫ه‬
‫بالمعروف، وتنا َوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم ش ًّا مطاعًا وه ًى َّب ًا و ُنيا مؤثَرة وإعجابَ ِّ‬
       ‫ر ن ل‬                      ‫ئ‬      ‫فإن م‬                   ‫س د‬                    ‫ي‬
 ‫ذي رأ ٍ برأيه فعليك بنف ِك و َع عنك أمرَ العَوام، َّ ِن ورا ِكم أيامًا الصب ُ فيه ّ مث ُ القبض‬
                                           ‫م‬                     ‫ن ل‬
  ‫على الجمر، للعامل فيه ّ مث ُ أجرِ خمسين رجالً يع َلون مثلَ عملكم))، قيل: يا رسولَ اهلل، أجر‬
                                                          ‫ر‬                        ‫ن‬
               ‫خمسين م ّا أو منهم؟ قال: ((بل أج ُ خمسين منكم)) رواه أبو داود والترمذي(5)[5].‬
            ‫ل‬        ‫د‬               ‫ل‬     ‫ع و َد‬              ‫و ِن أسبابِ الب َع المضل ب د‬
  ‫َّة ال ُع ُ عن أهلِ ال ِلم َع َم سؤاِهم عن أمورِ ال ّين وسؤا ُ ذوي الجهل‬ ‫د‬            ‫م‬
       ‫وت ك‬                               ‫م‬              ‫ل ْ الذ ْ إ ك ت‬
       ‫بالدين، قال اهلل تعالى: فَاسْأَُوا أَهلَ ِّكرِ ِن ُن ُمْ الَ تَعْلَ ُونَ [النحل:32]، وقال تعالى: َ ِلْ َ‬
        ‫ن‬                                           ‫ل ْرب ِلن س وم ي قل ِال لم‬
        ‫األَمْثَا ُ نَض ِ ُهَا ل َّا ِ َ َا َعْ ُِهَا إ َّ الْعَاِ ُونَ [العنكبوت:32]، وعن عبدِ اهلل بن عمرو ب ِ‬
                ‫ز‬          ‫ع ت‬                         ‫إن‬
   ‫العاص رضي اهلل عنهما قال: قال رسول : (( َّ اهللَ ال يقبِض ال ِلمَ ان ِزاعًا ينت ِعه منكم، ولكن‬
    ‫ر‬                ‫جه ال ئ‬            ‫ُ‬
    ‫َقبِض ال ِل َ بقبضِ العلما ِ، حتى إذا لم يبق عالم َّخَذ الناس رؤساءَ َّا ً، فس ِلوا فأفتَوا بغي ِ‬
                                                 ‫ات‬      ‫َ‬               ‫ء‬              ‫عم‬          ‫ي‬
                                                                                     ‫عل ٍ، ُّوا وأضل‬
                                                       ‫ُّوا)) رواه البخاري ومسلم(7)[7].‬     ‫م فضل‬
                          ‫وكثي ًا ما وقع رجا ٌ في البدع بسببِ فتاوى وكتبٍ ِّن البدعةَ وتزي‬
        ‫ِّن االنحرافَ عن نهج‬            ‫تزي‬                           ‫ل‬             ‫ر‬
                                          ‫السلف، وبسببِ الزهد في أخذِ العلم عن الراسخين من العلماء.‬
        ‫أعد‬                          ‫م ب‬                            ‫ر‬       ‫و ِن أسبابِ الب َع المضل‬
  ‫َّة إيثا ُ الدنيا على اآلخرة وتقدي ُ مح ّتها على النعيم المقيم الذي َّه اهلل‬     ‫د‬             ‫م‬
                                   ‫ِ‬       ‫ج و َ َر‬              ‫َال َ ت ِب‬
‫للمتقين، قال اهلل تعالى: ك َّ بلْ ُح ُّونَ الْعَا ِلَةَ َتذ ُونَ اآلخرَةَ [القيامة:07، 57]، وقال عز وجل:‬
      ‫َ ت ِر ن‬                                    ‫ق‬              ‫ع ج وي َر ن َر ُ‬                  ‫ِن ؤ ء ي ِب‬
      ‫إ َّ هَ ُال ِ ُح ُّونَ الْ َا ِلَةَ َ َذ ُو َ و َاءَهمْ يَوْمًا ثَ ِيالً [اإلنسان:27]، وقال تعالى: بلْ ُؤْث ُو َ‬
  ‫الل من قل ال‬             ‫ل َ ب‬                                       ‫ح الد و خ ة ْر و ق‬
  ‫الْ َيَاةَ ُّنْيَا َاآل ِرَ ُ خَي ٌ َأَبْ َى [األعلى:65، 25]، وقال عز وج ّ: اشْترَوْا ِآيَاتِ َّهِ ثَ َ ًا َِي ً‬
           ‫حب‬                                         ‫ن ي مل‬                     ‫َد ع سب ل ِن ُ‬
    ‫فَص ُّوا َنْ َ ِيِهِ إَّهمْ سَاءَ مَا كَا ُوا َعْ َُونَ [التوبة:0]، وفي الحديث عن النبي : (( ُّ الدنيا‬
                      ‫الب‬              ‫أن‬                                        ‫ة‬      ‫س كل‬
     ‫رأ ُ ِّ خطيئ ٍ))(3)[3]. ولو استقرأنا التاريخَ لرأينَا َّ أهلَ البدع ط ّ ُ دنيا، آثروها على‬
                                                                                                               ‫ق‬
                                                                                                              ‫الح ّ.‬
               ‫ُن‬       ‫ة إال‬           ‫َق‬         ‫الش‬       ‫م‬             ‫ُ‬            ‫ع‬
    ‫وإذا اجتم َت هذه األسباب فقَد استحكَ َت أسباب َّقاوة وتح َّقت الهلَكَ ُ، َّ أن يم َّ اهلل تعالى‬
                                                                                                        ‫ة قة‬
                                                                                                       ‫بتوب ٍ من ِذ ٍ.‬
    ‫ن‬                                               ‫ص‬          ‫خ‬         ‫ل ِد‬           ‫د‬
   ‫وقَد ح َثت أوائ ُ الب َع في أوا ِر عصرِ ال ّحابة رضي اهلل تعالى عنهم تَصديقًا لقوله : ((فإ ّه‬
       ‫ب وقوة‬          ‫ر‬                       ‫صد‬               ‫ر‬                             ‫م ي‬
       ‫َن َعِش منكم فسَيرى اختالفًا كثي ًا))(2)[2]، فت َ ّوا لها، ودفَعوا في نحو ِها بال َيان َّ ِ‬
                    ‫ل ة‬                    ‫م‬      ‫ذ‬          ‫ل‬            ‫ول م ب ة‬             ‫س‬
                   ‫ال ّلطان، حتى َّت ُد ِر ً وانكشَفَت ظُماتها، وح ّروا أ ّةَ اإلسالم من ك ّ بدع ٍ.‬
       ‫ب‬          ‫ي‬       ‫ة‬        ‫ر‬       ‫ة‬                     ‫ض‬
     ‫ففي أواخرِ عَصرِ الصحابة ر ِي اهلل عنهم ظهرت بدع ُ الخوا ِجِ وبدع ُ القدر ّة، ثم تتا َعت‬
    ‫ف ر‬           ‫ء‬
    ‫َّة ِن والةِ األمر والعلما ِ من يط ِئ نا َ‬
                                         ‫الب َ ُ المضّة. وفي ِّ عصرٍ ِّئ اهلل لأل ّةِ اإلسالمي م‬
                                                      ‫م‬           ‫يهي‬     ‫كل‬       ‫ل‬     ‫دع‬
           ‫ء و ب‬                     ‫ن و س‬                 ‫ف‬                   ‫ة‬         ‫دع‬             ‫ن‬
       ‫الفتَ ِ ويقمَع الب َ َ، فالوال ُ يقمعون البدعَ ويط ِئون الفت َ بق ّةِ ال ّلطان، والعلما ُ بق ّة ال َيان،‬
       ‫ّبي ذ‬                                 ‫ّ‬          ‫م‬        ‫فينشرونَ ال ّنَ َ، ِّغون األحكا َ، ويحذ‬
  ‫ِّرون األ ّةَ أن تَتأثرَ بدعاةِ الفتنة، اقتداءً بالن ِّ ال ِي كان‬    ‫م‬           ‫س ن ويبل‬
          ‫يدل مت‬             ‫حق‬      ‫ل نبي ال‬                        ‫ل‬             ‫دع‬          ‫َذ‬
‫يح ِّر من الب َ ِ والفتَن بمث ِ قوله : ((إنه لم يكن قبِي ٌّ إ ّ كانَ ًّا عليهِ أن َّ أ ّ َه على خَير‬
  ‫ب ر‬              ‫أو‬      ‫فت‬      ‫جع‬          ‫وإن م‬        ‫شر ي م‬          ‫ِ‬
‫ما يعلَمه لهم، وينذرَهم َّ ما َعل ُه لهم، َّ أ ّتَكم هذه ُ ِل عا ِيُها في َّلها، وسيصي ُ آخ َها‬
        ‫ذ‬                 ‫ف ة‬               ‫ء ن فيرق ب ض ب ض‬                     ‫ر ك‬            ‫ب‬
       ‫َالء وأمو ٌ تن ِرونها، وتجي ُ الفتَ ُ ِّق َع ُها َع ًا، وتجيء ال ِتنَ ُ فيقول المؤمن: ه ِه‬
       ‫نر‬          ‫ن ه ذ م َحب ُ ز‬                               ‫ف ة‬              ‫ش‬              ‫مل‬
       ‫ُهِكَتي، ثم تَنك ِف، وتجيء ال ِتن ُ فيقول المؤم ُ: هذ ِ ه ِه، ف َن أ َّ أن يزَح َح عن ال ّا ِ‬
       ‫حب ي ت‬          ‫ل‬    ‫ن‬
‫و ُدخلَ الج ّة فلْتأ ِه من ّ ُه وهو يؤ ِن باهلل واليومِ اآل ِر، وليأتِ إلى ال ّاس اّذي ي ِ ّ أن ُؤ َى إليه،‬
                                              ‫خ‬                    ‫م‬         ‫ت يت‬             ‫ن‬         ‫ي‬
     ‫ر‬      ‫ر زع‬                                        ‫َ ب‬                   ‫ص‬          ‫م‬             ‫م‬
  ‫و َن بَايعَ إما ًا فأعطَاه َفقَةَ يدِه وثمرَة قل ِه فليطِعه إن استطَاعَ، فإن جاءَ آخ ُ ينا ِ ُه فاض ِبوا‬
                                                                                 ‫خ‬        ‫ع‬
                     ‫ُنقَ اآل َر)) رواه مسلم من حديث عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما(1)[1].‬
              ‫ن‬             ‫يت‬                  ‫ث‬        ‫ف‬       ‫إن و‬
   ‫وعن معاذٍ رضي اهلل عنه قال: ( َّ َراءَكم ِتنًا يك ُر فيها المال، و ُف َح فيها القرآ ُ حتى يأخذَه‬
‫المؤ ِ ُ والمنافِق وال ّج ُ والمرأة وال َبد والح ّ وال ّ ِير وال َبير، فيو ِك قَائ ٌ أن يقولَ: ما لل ّا ِ‬
‫نس‬                   ‫ل‬       ‫ش‬         ‫ك‬       ‫ر صغ‬             ‫ع‬             ‫ر ل‬                ‫من‬
‫دع‬              ‫د‬             ‫ي‬
‫ال َّبعوني وقد ق َأ ُ القرآ َ؟! وما هم َّبع َّ حتى أبتَ ِ َ لهم غيرَه، فإّاكم وما ابتَ َع، فإنما ابت َ َ‬
                                             ‫دع‬           ‫بمت ِي‬           ‫ن‬       ‫رت‬              ‫يت‬
                                                                                                     ‫ة‬
                                                                               ‫ضالل ٌ) رواه أبو داود(6)[6].‬
        ‫س َ‬            ‫م م‬                 ‫ر‬                        ‫ع ي‬        ‫س‬
   ‫وعن أبي مو َى األش َر ّ رضي اهلل عنه قَال: قال َسول اهلل : (( َن ح َل علينا ال ّالح فليس‬
                ‫ل‬     ‫َ‬                                                 ‫ي‬                ‫من‬
         ‫َّا)) رواه البخار ّ ومسلم(2)[2]، وعن ابن مسعودٍ رضي اهلل عنه قال: قال رسو ُ اهلل :‬
                                                                ‫ر‬        ‫ق‬       ‫ف‬        ‫س ب‬
                                    ‫(( ِبا ُ المسلم ُسوق، و ِتاله كف ٌ)) رواه البخاري ومسلم(2)[2].‬
     ‫َل ت ب‬            ‫ل‬         ‫ر‬
  ‫َّل الصبرَ على الّ َم، بل يحا ِبها بأفعاِه، ويمُّها ل َتا ِعها‬
                                            ‫نع‬                          ‫ن‬         ‫إن‬             ‫ي‬
                                                              ‫أ ّها المسلمون، َّ بعضَ ال ّاس ال يتحم‬
 ‫وَ َ َن جع حر م وي َطف الن س‬                                                          ‫ولجهِه، فيضر نف َه ويضر‬
 ‫ُّ غيرَه، قال اهلل تَعالى: أَ َلمْ يرَوْا أ َّا َ َلْنَا َ َمًا آ ِنًا َ ُتَخ َّ ُ َّا ُ‬    ‫ّ س‬         ‫ل‬
                                                      ‫ل ِ َ ب ِ ي من ن وبن م الل ي ُر‬                              ‫م‬
                                    ‫ِنْ حَوِْهمْ أفَبِالْ َاطلِ ُؤْ ِ ُو َ َ ِ ِعْ َةِ َّهِ َكْف ُونَ [العنكبوت:26].‬
                  ‫ي‬     ‫حق‬            ‫ح د‬             ‫تتحق‬     ‫منة‬                  ‫ن ةم‬
  ‫واألم ُ نعم ٌ ِنَ اهلل تعالى و ِ ّ ٌ كبرى، َّق به مصال ُ ال ّين والدنيا، ُّه أن ُشكَرَ اهلل عليه،‬
   ‫و ُعبدَ الرب في ِّه، و ُحاط األمن ويحفَظ من ِّ أحد، قال اهلل تعالى: فَلْ َعْب ُوا ر َّ ه َا ال َيْ ِ‬
   ‫ي ُد َب َذ ب ت‬                                        ‫كل‬                    ‫ّ ظل ي‬             ‫ي َ‬
    ‫وِ َذ َ َبك ئ ش َ ُ‬                                           ‫ْ‬     ‫عمه م ج ع و م ه م‬                    ‫َّ‬
  ‫الذِي أَطْ َ َ ُم ِّن ُو ٍ َآ َنَ ُم ِّنْ خَوفٍ [قريش:3، 2]، وقالَ تَعالى: َإذْ تَأ َّن رُّ ُمْ لَ ِن َكرْتمْ‬
       ‫ّ‬          ‫ص‬               ‫ع ب‬                   ‫َز َن ُ و ئ َ ت ِن َ ب َد د‬
   ‫أل ِيدَّكمْ َلَ ِن كَفرْ ُمْ إ َّ عذَا ِي لَش ِي ٌ [إبراهيم:2]، و َن ع َيدِ اهلل بن مح ِنٍ األنصاري رضي‬
   ‫ت م‬          ‫د ع‬         ‫س ب م ف‬         ‫من‬          ‫ب‬     ‫م‬
  ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : (( َن أص َح منكم آ ِ ًا في ِر ِه ُعا ًى في جس ِه ِنده قو ُ يو ِه‬
   ‫فكأنما ِي َت له الدنيا)) رواه الترمذي(0)[0]، َعن طلحة بن عبيد اهلل رضي اهلل عنه َّ النبي‬
   ‫َّ‬    ‫أن‬                                  ‫و‬                                  ‫حز‬
         ‫رب ورب‬            ‫ة‬                                 ‫ل َّ ِل‬
 ‫كانَ إذا رأَى الهِاللَ قال: ((الّهم أهَّه علينَا باألمن واإليمان والسالم ِ واإلسالمِ، ِّي ُّك اهلل))‬
                                                                                     ‫رواه الترمذي(05)[05].‬
 ‫ل‬                   ‫أال َّق اهللَ هؤالء الذينَ خَرَجوا على جماعةِ المسل ِينَ ووال ِ أمرِهم، وليتفك‬
 ‫َّروا في هذهِ األعما ِ‬             ‫ة‬         ‫م‬                                              ‫فليت‬
       ‫َر‬       ‫ُ‬       ‫م‬          ‫وشو‬
‫التدمير ّة التخ ِيب ّة اإلرهاب ّة التي أفسدَت ف َا ًا َريضًا َّهت اإلسال َ، والدين منها ب َاء، فهي‬
                                           ‫سد ع‬         ‫َ‬         ‫ي‬          ‫ر ي‬         ‫ي‬
                 ‫و تل فس ُ ِن الل ن بك ْ رح‬                                            ‫ن‬       ‫بث‬             ‫إم ل‬
             ‫َّا قَت ٌ لنفسِ العا ِ ِ باألم ِ واهلل تعالى يقول: َالَ تَقْ ُُوا أَنْ ُ َكمْ إ َّ َّهَ كَا َ ِ ُم َ ِيمًا‬
        ‫س‬                    ‫ترد‬
‫[النساء:07، 03]، وعن أبي هريرةَ قال: قال رسول اهلل : ((من َّى من جَبلٍ فقتل نَف َه فهو في‬
 ‫َّاه بيدِه في نا ِ‬
 ‫ر‬                     ‫س م‬              ‫د م تحس ُم‬                 ‫د َّد‬              ‫ن يترد‬
                 ‫نار جه ّم َّى فيها خال ًا مخل ًا فيها أب ًا، و َن َّى س ًّا فقتل نف َه فس ّه يتحس‬
              ‫ن‬            ‫جه ّم خال ًا مخل ًا فيها أب ًا، و َن ق َل نف َه بحديدَة فحديدُه في يدِه يتوج‬
      ‫َّأ بها في بط ِه في نار‬            ‫ت‬               ‫د م ت س‬                     ‫د ّد‬          ‫ن‬
       ‫ل‬       ‫م‬            ‫م ل‬                                       ‫د‬          ‫د َّد‬         ‫ن‬
   ‫جه ّم خال ًا مخل ًا فيها أب ًا)) رواه البخاري ومسلم(55)[55]، وإ ّا قت ٌ لمواطنٍ أو ُقيمٍ مسِم أو‬
   ‫وم ي ُ م من م ع ِّد َز ؤه جه َّم ِد ف ه و ضب الله عل ه‬                                                ‫ن‬
   ‫رجلِ أم ٍ واهلل تعالى يقول: َ َن َقْتلْ ُؤْ ِ ًا ُّتَ َم ًا فَج َا ُ ُ َ َن ُ خَال ًا ِي َا َغَ ِ َ َّ ُ ََيْ ِ‬
  ‫ل‬                 ‫م‬             ‫ل‬                                      ‫و ع ه و َد ه َ عظ‬
  ‫َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَابًا َ ِيمًا [النساء:30]، وعن بريدةَ قال: (قت ُ المؤمنِ أعظ ُ عند اهلل من زوا ِ‬
                                                                                     ‫د‬
‫ال ّنيا) رواه النسائي(75)[75]، وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي اهلل عنهما قاال: قال رسول اهلل‬
                                    ‫ن ألكب‬   ‫م‬         ‫ر‬                 ‫س ء‬           ‫أن‬
             ‫: ((لو َّ أهلَ ال ّما ِ وأهلَ األرض اشت َكوا في د ِ مؤم ٍ َّهم اهلل في النار)) رواه‬
     ‫الترمذي(35)[35]، وفعُهم إ ّا قت ٌ كذلِك لغي ِ مسِم مستأ َن قد ح ِظَ اإلسالمَ د َه وماَه وحر‬
    ‫َّم‬   ‫ل‬     ‫م‬              ‫ف‬       ‫م‬       ‫ر ل‬             ‫ل م ل‬
                 ‫ف‬            ‫عام‬              ‫ف ل ص‬               ‫م‬                      ‫م‬
  ‫ظل َه واالعتداءَ عليه، وإ ّا إتال ٌ لما ٍ خَا ّ أو إتالف لمال ٍّ، وإما تخوي ٌ وترويع لآلمنين‬
          ‫ة‬      ‫ر‬                  ‫ت ض‬             ‫وكل‬                   ‫ة ذ ر‬
      ‫وإشاع ٌ لل ّع ِ والخوف في المجتمع، ُّ ذلك ظلما ٌ بع ُها فوقَ بعض وكبائ ُ كثير ٌ، لو‬
           ‫ي ِّر‬                                            ‫ن‬            ‫ة‬               ‫َّرها المتدب‬
        ‫ِّر لكَفَته واحد ٌ منها في ال ّفورِ عنها والبعدِ عن هذا االنحرافِ الفكر ّ الش ِّير.‬        ‫تدب‬
                               ‫ص ح‬         ‫الط‬           ‫س‬          ‫س‬       ‫َل‬           ‫ن‬
      ‫و َدعوهم أن يسِّموا لل ّلطانِ أنف َهم، فذلك هو َّريق ال ّحي ُ، ليس من طريقٍ غَيره، وأن‬
    ‫ِنم‬                           ‫ع‬                         ‫س د فإن‬            ‫م‬                  ‫ب‬
   ‫يتو ُوا إلى اهلل تعالى ِن هذا اإلف َا ِ، َّ من تَاب تاب اهلل عليه و َفا عنه، قالَ اهلل تعالى: إَّ َا‬
  ‫ت َط أ د ِ‬             ‫ي َلب‬         ‫س د أ ي َتل‬          ‫َف َْ‬          ‫َز ء َّذ ن ي رب الله ورس ه وي‬
‫ج َا ُ ال ِي َ ُحَا ِ ُونَ َّ َ َ َ ُولَ ُ َ َسْعَوْن ِي األرضِ فَ َا ًا َن ُق َُّوا أَوْ ُصَّ ُوا أَوْ ُق َّعَ َيْ ِيهمْ‬
‫ِر َ ب ع م ِال‬               ‫ُ ِ ْي ف الد و ُ ْ ف‬                   ‫ي م َْ‬                    ‫وَ جله م خ‬
‫َأرْ ُُ ُم ِّنْ ِالفٍ أَوْ ُنفَوْا ِنَ األرضِ ذَلِكَ لَهمْ خز ٌ ِي ُّنْيَا َلَهم ِي اآلخ َةِ عذَا ٌ َظِي ٌ إ َّ‬
                                   ‫م َن الل ف ٌ رح م‬                    ‫ْدر ع ِ ْ‬               ‫ب م ْ‬             ‫َّذ‬
     ‫ال ِينَ تَا ُوا ِن قَبلِ أَن تَق ِ ُوا َلَيْهم فَاعْلَ ُوا أ َّ َّهَ غَ ُور َّ ِي ٌ [المائدة:33، 23]. أعاذنا اهلل‬
                                                                                             ‫ال‬    ‫ل م‬
                                                                                    ‫والمسِمين ِن مض ّت الفتَن.‬
    ‫ح‬                                    ‫وإ ّه ال ينق ِي الع َب كيف اس َد َجَ شياطي ُ اإلنس والجن‬
   ‫ِّ هؤالءِ الذين يرَونَ اإلفسَادَ إصال ًا‬          ‫ن‬         ‫تر‬          ‫ج ُ‬     ‫ض‬         ‫ن‬
     ‫وم‬                                  ‫نر‬                          ‫حق ح د‬         ‫ّر ر ب‬
    ‫والش َّ خي ًا وال َاطلَ ًّا، َتى َفعوهم إلى أعمالِ أهل ال ّا ِ والعياذ باهلل، قال اهلل تَعالى: َ َن‬
                                                                               ‫ه م الل‬               ‫ُ ِ الل ُ ف ُ ل‬
                                                       ‫يردِ َّه ِتْنَتَه فََن تَمْلِكَ لَ ُ ِنَ َّهِ شَيْئًا [المائدة:52].‬
                                                                       ‫ص‬                       ‫ثب‬
   ‫َّتني اهلل وإياكم على ال ّراط المستقيم، وبارَك اهلل ولي ولَكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه‬
                                                     ‫ي‬
‫من اآليات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي س ّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل‬
                                                ‫ن‬                  ‫ل‬
                             ‫لي ولكم ولسائرِ المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
      ‫ك‬      ‫رب‬                           ‫دد‬          ‫ِ الذ ب َ ب الت‬               ‫ه‬
   ‫الحمد هلل العزيزِ الو ّابِ، غَافرِ َّنْ ِ وقَا ِلِ َّوْبِ شَ ِي ِ الْعِقَابِ [غافر:3]، أحمد ِّي وأش ُره،‬
                    ‫توك‬                   ‫د‬                                 ‫ف‬       ‫ه‬
‫وأتوب إلي ِ وأستغ ِره، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وح َه ال شريكَ له، عليه َّلت وإليه مَآب، وأشهد‬
                ‫الل م ل ل‬          ‫س ك‬              ‫فض‬               ‫ّد‬       ‫ي‬      ‫أن ي‬
‫َّ نبّنا وس ّدنا محم ًا عبده ورسوله، َّله اهلل بأح َنِ ِتابٍ، َّه ّ ص ّ وسّم وبارك على عبدك‬
                                                                                           ‫م‬
                                                                     ‫ورسولك مح ّد، وعلى اآلل واألصحاب.‬
        ‫الز الت و‬           ‫و َ َّد ِن‬               ‫و‬          ‫فإن‬                       ‫ت‬          ‫م‬
       ‫أ ّا بعد: فا ّقوا اهلل تعالى وأطيعوه، َّ طاعته أق َم وأقوى، َتزَو ُوا فَإ َّ خَيْرَ َّادِ َّقْ َى‬
                                                                                     ‫[البقرة:205]، وتمس‬
                                                       ‫َّكوا من اإلسالم بالعروة الوثقى.‬
     ‫ت‬       ‫ن‬         ‫ِ‬     ‫ر‬
     ‫ُّ المسلمَ في دي ِه، كما يض ّ المسلمَ في دي ِه شهوا ُ‬
                                        ‫ن‬         ‫ِ‬           ‫ل‬      ‫ِل‬        ‫إن ب‬
                                                        ‫عبادَ اهلل، َّ ال ِدعَ المضَّة هي اّتي تضر‬
                                           ‫ف‬                 ‫الغَ ّ، فت َراكم على قل ِه المحر ت‬
‫َّما ُ والشهوات حتى تط ِئَ نورَ اإليمانِ كما قال اهلل تبارك وتعالى:‬   ‫ب‬            ‫ي ت‬
                       ‫َي‬           ‫ع الص َاتبع الش و ت ْ ي‬                         ‫َ م ب ْ ِ ْف‬
           ‫فَخَلفَ ِنْ َعدِهمْ خَل ٌ أَضَا ُوا َّالةَ و َّ َ ُوا َّهَ َا ِ فَسَوفَ َلْقَوْنَ غ ًّا [مريم:01].‬
     ‫ع ك‬                ‫م‬            ‫ي‬                         ‫ب س‬               ‫والل ّا ُ المحرم‬
    ‫َّ َة هي للقَل ِ كال ّمومِ لألبدان، فاحذَر ـ أ ّها المسلم ـ َداخلَ الشيطان َلي َ،‬   ‫ّذ ت‬
                             ‫ع الش‬          ‫ص‬         ‫ب شو‬               ‫ب شب‬           ‫ه‬
     ‫و ِي أبوا ُ ال ّ ُهات وأبوا ُ ال ّه َات، واعت ِم بالصبرِ َن َّهوات، واعتصم باليقينِ عن‬
        ‫الشبهات، قال اهلل تعالى: َ َ َلْنَا ِنْ ُمْ أَئ َّةً َه ُو َ ِأَم ِنَا ل َّا َ َ ُوا َكَاُوا ِآ َا ِنَا ُو ِ ُو َ‬
        ‫وجع م ه ِم ي ْد ن ب ْر َم صبر و ن ب ي ت ي قن ن‬
                                                     ‫ِ ِن ع قب ل ُتق‬
                                        ‫[السجدة:27]، وقال تعالى: فَاصْبرْ إ َّ ال َا ِ َةَ ِلْم َّ ِينَ [هود:02].‬
   ‫ب‬       ‫ك‬           ‫ة‬                      ‫فإن‬             ‫ل‬               ‫ل‬       ‫ي‬
‫والزم ـ أ ّها المسِم ـ جماعةَ المسِمين وإمامَهم، َّ يدَ اهلل على الجمَاع ِ، وإنما يأ ُل الذئ ُ من‬
        ‫وع‬                             ‫ع ض‬                   ‫ن ب‬
     ‫الغنمِ القاصيةَ، والشيطا ُ ذئ ُ اإلنسان، عن ال ِربا ِ بن سارية رضي اهلل عنه قال: َ َظنا‬
    ‫ظ‬                                  ‫ن‬              ‫ر‬                      ‫ة‬    ‫م‬
   ‫رسول اهلل َوعظ ً وجلَت منها القلوب وذ َفت منها العيو ُ، فقلنا: يا رسول اهلل، كأنها موعِ َة‬
          ‫د ن‬              ‫تأم‬                                                 ‫ص‬      ‫مود‬
 ‫ِّع فأو ِنا، قال: ((أوصيكم بتقوَى اهلل، والسمع والطاعة وإن َّر عليكم عب ٌ، فإّه من يعِش‬
  ‫ج‬                ‫ض‬      ‫ي‬            ‫ر‬              ‫ن‬      ‫ن‬       ‫ف ر ع‬
‫منكم فسيرى اختال ًا كثي ًا، ف َليكم بسّتي وس ّةِ الخلفاء ال ّاشِدين المهدّين، ع ّوا عليها بالنوا ِذ،‬
                                   ‫ي‬                       ‫فإن كل ة‬                        ‫ي‬
                 ‫وإ ّاكم ومحدثاتِ األمور، َّ َّ بدع ٍ ضَاللَة)) رواه الترمذ ّ وأبو داود(25)[5].‬
        ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
       ‫عبادَ اهلل، إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا‬
                 ‫ر‬           ‫ع‬       ‫ح ة صل‬            ‫م صل علي‬
             ‫[األحزاب:61]، وقد قال : (( َن َّى َّ صالةً وا ِدَ ً َّى اهلل َليه بها عش ًا)).‬
                                                                           ‫سي و‬             ‫ل‬     ‫ل‬
                                              ‫فصّوا وسّموا على ِّد األ ّلين واآلخرين وإمامِ المرسلين.‬
            ‫ن‬                   ‫م‬              ‫ل‬        ‫م‬              ‫م‬        ‫اللهم صل‬
‫َّ ِّ على مح ّد وعلَى آل مح ّد كمَا صّيت على إبراهي َ وعلى آل إبراهيم إ ّك حميد مجيد،‬
               ‫ن‬                   ‫ر َ‬                      ‫ل م‬            ‫م‬         ‫ر‬
   ‫وبا ِك على مح ّد وعلى آ ِ مح ّد كما باركتَ على إب َاهيم وعلى آل إبراهيم إ ّك حميد مجيد،‬
                                                                            ‫ر لم‬                    ‫وسل‬
                                                ‫ِّم تسليمًا كثي ًا، الّه ّ وارضَ عن الصحابةِ أجمعين...‬


                                                                                                    ‫__________‬
    ‫(5) سنن أبي داود: كتاب المالحم (5232)، سنن الترمذي: كتاب التفسير (2103)، وأخرجه‬
         ‫أيضا ابن ماجه في الفتن (2502)، والطبراني في الكبير (7/077)، وأبو نعيم في الحلية‬
      ‫(7/03)، والبيهقي في الشعب (6/32، 2/275)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"،‬
                ‫وصححه ابن حبان (123)، والحاكم (7502)، وهو في السلسلة الضعيفة (1705).‬
              ‫(7) صحيح البخاري: كتاب االعتصام (2032)، صحيح مسلم: كتاب العلم (3267).‬
   ‫(3) أخرجه البيهقي في الشعب (2/233) عن الحسن البصري مرسال. وروي من كالم عيسى‬
  ‫عليه السالم، أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/223)، والبيهقي في الزهد (227) عن الثوري قال:‬
   ‫قال عيسى عليه السالم وذكره. وروي من كالم مالك بن دينار، أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في‬
                                                                         ‫مكائد الشيطان.‬
                                                                    ‫(2) سيأتي تخريجه.‬
                                                 ‫(1) صحيح مسلم: كتاب اإلمارة (2225).‬
            ‫(6) سنن أبي داود: كتاب السنة (5526)، وهو في صحيح سنن أبي داود (1123).‬
 ‫(2) صحيح البخاري: كتاب الفتن (5202)، صحيح مسلم: كتاب اإليمان (005). وفي الباب عن‬
‫عبد اهلل بن عمر وأبي هريرة وابن الزبير وسلمة بن األكوع وعبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهم.‬
                 ‫(2) صحيح البخاري: كتاب اإليمان (22)، صحيح مسلم: كتاب اإليمان (26).‬
    ‫(0) سنن الترمذي: كتاب الزهد، باب: التوكل على اهلل (6237)، وأخرجه أيضا البخاري في‬
‫األدب المفرد (003)، وابن ماجه في الزهد، باب: القناعة (5252)، والحميدي في مسنده (032)،‬
 ‫وقال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وله شواهد من حديث أبي الدرداء وابن عمر وعلي رضي‬
                                   ‫اهلل عنهم، وحسنه األلباني في السلسلة الصحيحة (2537).‬
   ‫(05) 05] سنن الترمذي: كتاب الدعوات، باب: ما يقول عند رؤية الهالل (5123)، وأخرجه‬
    ‫أيضا أحمد (5/765)، والدارمي في الصوم (2265)، والحاكم (2622)، وقال الترمذي: "هذا‬
               ‫حديث حسن غريب"، وصححه األلباني لشواهده في السلسلة الصحيحة (6525).‬
        ‫(55) 55] صحيح البخاري: كتاب الطب (2221)، صحيح مسلم: كتاب اإليمان (005).‬
 ‫(75) 75] سنن النسائي: كتاب تحريم الدم (0003) عن بريدة رضي اهلل عنه مرفوعا، وأخرجه‬
  ‫البيهقي في الشعب (2/123)، وصححه ابن الملقن في خالصة البدر المنير (7/567)، وهو في‬
  ‫صحيح الترغيب (0227)، وانظر: غاية المرام (032). وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي‬
           ‫سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وعبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهم.‬
‫(35) 35] سنن الترمذي: كتاب الديات (2035)، وقال: "حديث غريب"، وقال ابن كثير في إرشاد‬
  ‫الفقيه (7/217): "في إسناده يزيد الرقاشي عن أبي الحكم وهو عبد الرحمن بن أبي نعم عنهما،‬
                                                                    ‫د‬
     ‫ويزيد ضعيف ج ّا، ولكن هذه األخبار يشد بعضها بعضا"، ولذا صححه األلباني في صحيح‬
                                                              ‫الترغيب (2327، 7227).‬
  ‫(25) سنن الترمذي: كتاب العلم (6267)، سنن أبي داود: كتاب السنة (2062)، وأخرجه أيضا‬
  ‫أحمد (2/675-275)، وابن ماجه في المقدمة (62)، والدارمي في مقدمة سننه (10) وغيرهم،‬
    ‫وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (5/025)، والحاكم (5/10-60)،‬
    ‫ووافقه الذهبي، ونقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم (7/005) عن أبي نعيم أنه قال: "هو‬
           ‫حديث جيد من صحيح حديث الشاميين"، وصححه األلباني في صحيح الترغيب (23).‬

‫(5/5232)‬
                                                                                       ‫الحياء‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫مكارم األخالق‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫مهران ماهر عثمان نوري‬
                                                                                    ‫الخرطوم‬
                                                                               ‫25/1/6725‬
                                                                               ‫خالد بن الوليد‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
        ‫يظن‬                             ‫ي‬
 ‫5- معنى الحياء. 7- فضائل الحياء. 3- أحق من ُستحى منه هو اهلل تعالى. 2- ما ُّه الناس‬
      ‫من الحياء وليس منه. 1- الموصوفون بالحياء. 6- أحق الناس بالحياء. 2- مظاهر غياب‬
                                                                                      ‫الحياء.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
              ‫ُزك‬
   ‫أما بعد: فقد دعا اإلسالم إلى أخالق فاضلة وآداب سامية، تسمو باإلنسان وت ِّي روحه. ومن‬
                                                              ‫جملة هذه األخالق خلق الحياء.‬
         ‫والحياء خلق حميد يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق(5)[5].‬
                          ‫ر كل‬
 ‫وللحياء فضائل عديدة، دلت سنة نبينا عليها، فمن ذلك أنه خي ٌ ُّه، فعن عمران بن حصين قال:‬
 ‫قال النبي : ((الحياء ال يأتي إال بخير)) أخرجاه في الصحيحين، وقال: ((الحياء كله خير)) رواه‬
                                                                                       ‫مسلم.‬
                             ‫ِت‬           ‫إن‬
  ‫وهو من األخالق التي يحبها اهلل، قال الرسول : (( َّ اهلل حيي سِّير يحب الستر والحياء)) رواه‬
                                                                          ‫أبو داود والنسائي.‬
 ‫والحياء من اإليمان، وكلما ازداد منه صاحبه ازداد إيمانه، فعن أبي هريرة عن النبي : ((اإليمان‬
‫بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: ال إله إال اهلل، وأدناها إماطة األذى عن الطريق، والحياء شعبة‬
           ‫مر‬
   ‫من اإليمان)) أخرجاه في الصحيحين، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي َّ على رجل‬
 ‫من األنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول اهلل : ((دعه فإن الحياء من اإليمان)) أخرجاه‬
                                                                                            ‫في الصحيحين.‬
                             ‫إن‬                                 ‫سي‬
 ‫وهو خلق دين اإلسالم؛ لقول ِّد األنام عليه الصالة والسالم: (( َّ لكل دين خلقًا، وخلق اإلسالم‬
                                                                          ‫الحياء)) رواه مالك وابن ماجه.‬
 ‫والحياء يحمل على االستقامة على الطاعة وعلى ترك المعصية ونبذ طريقها، وهل أدل على ذلك‬
  ‫من قول نبينا : ((إن مما أدرك الناس من كالم النبوة األولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت)) رواه‬
                                                                                                  ‫البخاري؟!‬
                                                                             ‫وإن‬
‫َّ من أعظم فضائله أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات واألرض، فعن أبي هريرة‬
   ‫قال: قال رسول اهلل : ((الحياء من اإليمان، واإليمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في‬
                                   ‫ف ش‬
                 ‫النار)) رواه الترمذي. والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في ُح ٍ، والجفاء ضد البر.‬
             ‫ي ح‬                                               ‫ي ح‬      ‫أحق‬
 ‫أيها المؤمنون، إن َّ من ُست َى منه اهلل تعالى، قال النبي : ((فاهلل أحق أن ُست َى منه)) رواه‬
                                                                              ‫ي‬
      ‫الترمذي. وقد ب ّن النبي حقيقة الحياء من اهلل، فعن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول اهلل :‬
  ‫((استحيوا من اهلل حق الحياء))، قلنا: يا نبي اهلل، إنا لنستحي والحمد هلل، قال: ((ليس ذلك، ولكن‬
‫االستحياء من اهلل حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت‬
   ‫والبلى، ومن أراد اآلخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اهلل حق الحياء)) رواه‬
        ‫الترمذي. وهذا الحديث دليل على ما سبق ذكره من أن الحياء يصد عن قبيح الفعال وذميم‬
                                                                                                   ‫الصفات.‬
       ‫تع‬
     ‫اعلموا ـ عبادَ اهلل ـ أنه ليس من الحياء أن يسكت اإلنسان على الباطل، ليس منه أن ُ َطل‬
      ‫شعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا جبن وخور وضعف، وليس من الحياء في‬
           ‫ي‬                            ‫ر‬
‫شيء، قال النووي رحمه اهلل: "وأما كون الحياء خي ًا كله وال يأتي إال بخير فقد ُشكل على بعض‬
                        ‫يجل‬
  ‫الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من ُّه، فيترك أمره بالمعروف‬
‫ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على اإلخالل ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في‬
 ‫العادة. وجواب هذا ما أجاب به جماعة من األئمة؛ منهم الشيخ أبو عمرو بن الصالح رحمه اهلل:‬
 ‫أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة، وإنما تسميته حياء من‬
                                                             ‫ز‬
                                    ‫إطالق بعض أهل العرف، أطلقوه مجا ًا لمشابهته الحياء"(7)[7].‬
  ‫ِن الل‬
‫ولذا مما تنزه اهلل عنه االستحياء من الحق مع أنه موصوف بالحياء كما سيأتي، قال تعالى: إ َّ َّهَ‬
                                                    ‫ي ْر م ال م بع ض ً م ْ‬                  ‫ي ي‬
 ‫الَ َسْتَحْ ِي أَن َض ِبَ َثَ ً َّا َ ُو َة فَ َا فَوقَهَا [البقرة:67]. وسببها أن المنافقين لما ضرب اهلل‬
                                 ‫َي م الس‬                                 ‫ْ َد ر‬             ‫م َ َّ‬
    ‫مثلهم: كَ َثلِ الذِي اسْتَوق َ نَا ًا [البقرة:25] وقوله: أَوْ كَص ِّبٍ ِنَ َّمَاءِ [البقرة:05] قالوا: اهلل‬
                                      ‫أعلى وأجل من أن يضرب هذه األمثال! فأنزل اهلل اآلية(3)[3].‬
               ‫َق‬        ‫ِن ل ُ ن ي ْ الن ِي ي ي م ُ َالل ُ ي ي م‬
 ‫وقال سبحانه: إ َّ ذَِكمْ كَا َ ُؤذِي َّب َّ فَ َسْتَحْ ِي ِنكمْ و َّه ال َسْتَحْ ِي ِنَ الْح ِّ [األحزاب:31]،‬
                                          ‫وقال النبي : ((إن اهلل ال يستحيي من الحق)) رواه الترمذي.‬
 ‫د‬
 ‫وليس من الحياء أن يمتنع اإلنسان من السؤال عن أمور دينه، فالحياء يبعث على الخير وال يص ّ‬
‫عنه؛ ولذا مدحت عائشة رضي اهلل عنها نساء األنصار بقولها: رحم اهلل نساء األنصار؛ لم يمنعهن‬
   ‫ي ُم ِن ُر د‬
   ‫الحياء أن يتفقهن في الدين. رواه مسلم. وجاء إليها أبو موسى األشعري فقال: َا أ َّاه، إ ِّي أ ِي ُ‬
   ‫ن َم ك س ع ه ُم الت‬                                     ‫ي‬                         ‫يك‬             ‫ء وِن‬          ‫ع‬
  ‫أَنْ أَسْأَلَكِ َنْ شَيْ ٍ َإ ِّي أَسْتَحْ ِي ِ؟ فَقَالَتْ: ال تَسْتَحْ ِي أَنْ تَسْأَلَ ِي ع َّا ُنْتَ َائِالً َنْ ُ أ َّكَ َّ ِي‬
  ‫ِذ‬        ‫رس ل الل‬         ‫رس ت‬
 ‫َل َتْكَ، فَإَّمَا أَنَا أ ُّ َ، ُلْ ُ: فَمَا ُو ِ ُ الْ ُس َ؟ قَالَتْ: ََى الْخَبِي ِ َقَطْ َ، قَالَ َ ُو ُ َّهِ : ((إ َا‬
                                                 ‫عل‬           ‫ي جب غ ْل‬              ‫ُمك ق ت‬                ‫ِن‬         ‫وَد‬
          ‫س‬                       ‫َ ج غ ْل‬                   ‫ج س ب ن شعب َ ع و َس خ ن خ‬
       ‫َلَ َ َيْ َ ُ َ ِهَا األرْبَ ِ َم َّ الْ ِتَا ُ الْ ِتَانَ فَقدْ وَ َبَ الْ ُس ُ)) رواه مسلم، وجاءت أم ُليم‬
         ‫َ‬     ‫َق َ عل‬             ‫ة ي رس الل ِن الله ي ي م‬
   ‫رضي اهلل عنها لرسول اهلل قائل ً: َا َ ُولَ َّهِ، إ َّ َّ َ ال َسْتَحْ ِي ِنْ الْح ِّ، فَهلْ ََى الْمرْأَةِ‬
                                                     ‫مء‬           ‫ِ ر‬        ‫الن ِي‬          ‫م‬          ‫م غ ْ ِذ‬
                                    ‫ِنْ ُسلٍ إ َا احْتَلَ َتْ؟ قَالَ َّب ُّ : ((إذَا َأَتِ الْ َا َ)) أخرجه الشيخان.‬
                             ‫ي‬
‫فإذا لم يقدر اإلنسان على السؤال لعذر يقتضي الحياء فعليه أن ُرسل من يسأل له أو يهاتف الشيخ‬
   ‫أو يراسله، فقد قال علي بن أبي طالب : ُنْت َ ُ ً م َّا ً، َ ُنْ ُ أَسْتَحْ ِي أَنْ أَسْألَ َّب َّ ل َكَا ِ‬
   ‫َ الن ِي ِم ن‬                 ‫ي‬          ‫ك ُ رجال َذ ء وك ت‬
                                ‫ي ِل َره وي َضأ‬                       ‫ُ‬         ‫َِ‬               ‫ته م ت ْد‬
               ‫ابْنَ ِ ِ، فَأَ َرْ ُ الْمِق َادَ بْنَ األَسْود فَسَأَلَه فَقَالَ: (( َغْس ُ ذَك َ ُ َ َتَو َُّ)) أخرجه الشيخان.‬
   ‫فاحذر ـ رعاك اهلل ـ من أن يصدك الشيطان عن سبيل العلم وسؤال أهله بإيهامك أن هذا من‬
    ‫الحياء، واجعل قول إمامنا مجاهد رحمه اهلل منك على بال: "اثنان ال يتعلمان: حيي ومستكبر".‬
                                                                            ‫إن‬
‫عباد اهلل، َّ الحياء صفة من صفات اهلل رب العالمين والمالئكة والمرسلين وصالح المؤمنين، فقد‬
                                                                         ‫رب‬
 ‫وصف النبي َّه بذلك فقال: ((إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه‬
                                                                                   ‫ر‬
                                      ‫إليه أن يردهما صف ًا خائبتين)) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.‬
                                                              ‫س‬
        ‫وكل صفة وصف اهلل بها نف َه وقامت األدلة على وصف العباد بها فال تظنن أن ذلك يعني‬
         ‫ء وه السم ع‬            ‫س مل‬                        ‫و ر‬
         ‫مشابهة اهلل لخلقه، تعالى اهلل عن ذلك عل ًا كبي ًا، قال تعالى: لَيْ َ كَ ِثِْهِ شَيْ ٌ َ ُوَ َّ ِي ُ‬
                                                                                          ‫بص ر‬
                           ‫ال َ ِي ُ [الشورى:55]، فالفرق بين صفاتنا وصفاته كالفرق بين ذواتنا وذاته.‬
‫وقول النبي في عثمان فيما رواه مسلم: ((أال أستحي من رجل تستحي منه المالئكة؟!)) دليل على‬
                                                                                                        ‫اتصاف المالئكة به.‬
    ‫وهو خلق األنبياء، فقد جاء عن خاتمهم : ((أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك‬
                 ‫أشد ء‬
   ‫والنكاح)) رواه الترمذي، وقال أبو سعيد ينعت نبينا : كان رسول اهلل َّ حيا ً من العذراء في‬
                                                                                                 ‫خدرها. أخرجه الشيخان.‬
    ‫و ْدق ُ‬                                   ‫ُذك‬
  ‫وهو خلق المؤمنين الصادقين، فهذا عثمان بن عفان ي ِّر النبي األمةَ بمناقبه فيقول: (( َأَص َ ُهمْ‬
    ‫ِن م‬                                                                       ‫حي ع ن‬
  ‫َ َاءً ُثْمَا ُ)) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. ويسأل النبي أصحابه وفيهم ابن عمر: ((إ َّ ِنْ‬
         ‫َر‬     ‫و الن ُ ف‬          ‫هي‬       ‫َر ً ي قط َرقه وِن م ل م ِم َدث ن‬                                   ‫الش َ‬
         ‫َّجرِ شَج َة ال َسْ ُ ُ و َ ُ َا، َإَّهَا َثَ ُ الْ ُسْل ِ، فَح ِّ ُو ِي مَا ِ َ؟)) فَ َقَعَ َّاس ِي شَج ِ‬
   ‫ه ي رس ل‬               ‫َد‬      ‫ي ت ث َّ ل‬                ‫و َ ف س َن الن ة‬                                    ‫ود‬
   ‫الْبَ َا ِي، قَالَ ابن عمر: وَ َقَع ِي نَفْ ِي أَّهَا َّخْلَ ُ، فَاسْتَحْ َيْ ُ، ُم قَاُوا: ح ِّثْنَا مَا ِيَ َا َ ُو َ‬
                                                                                           ‫ه الن ة‬                 ‫الله‬
                                                                          ‫َّ ِ، قَالَ: (( ِيَ َّخْلَ ُ)) أخرجه الشيخان.‬
                                                           ‫ت‬
     ‫والحياء من األخالق التي كانت ُعرف في الجاهلية فإن أبا سفيان لما كان على اإلشراك سأله‬
  ‫هرقل أسئلة عن النبي ، فلما انتهى الكالم بينهما قال أبو سفيان: واهلل، لوال الحياء من أن يأثروا‬
    ‫علي كذبًا لكذبت. أخرجه الشيخان. وفي غزوة حنين تبع أبو موسى األشعري أحد الكفار فولى‬
                                          ‫ي‬
‫هاربًا، فقال له أبو موسى : أال تستحي؟! ألست عرب ًا؟! أال تثبت؟! فوقف وتقاال فقتله أبو موسى.‬
                                                                                                              ‫رواه مسلم.‬
                                                     ‫خل‬
 ‫وأولى الناس بخلق الحياء النساء، وقد َّد القرآن الكريم ذكر امرأة من أهل هذا الخلق، قال اهلل‬
    ‫فَم‬               ‫ِن ب َ ع ل ْزي ْر س‬                                             ‫ج ه ْد هم ش عل‬
   ‫عنها: فَ َاءتْ ُ إِح َا ُ َا تَمْ ِي ََى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إ َّ أَ ِي يدْ ُوكَ ِيَج ِ َكَ أَج َ مَا َقَيْتَ لَنَا َل َّا‬
                            ‫الظ لم ن‬              ‫َ ج م‬               ‫َ َ َ‬              ‫ج ه َ َص ع‬
 ‫َاء ُ وق َّ َلَيْهِ الْقَصص قَال ال تَخفْ نَ َوْتَ ِنَ الْقَوْمِ َّاِ ِي َ [القصص:17]. فهذه اآلية تدل‬
 ‫على حياء تلك المرأة من وجهين: األول: جاءت إليه تمشي على استحياء بال تبذل وال تبجح وال‬
      ‫إغواء، الثاني: كلماتها التي خاطبت بها موسى عليه السالم، إذ أبانت مرادها بعبارة قصيرة‬
      ‫واضحة في مدلولها، من غير أن تسترسل في الحديث والحوار معه، وهذا من إيحاء الفطر‬
                                                                               ‫النظيفة السليمة والنفوس المستقيمة.‬
                                                                               ‫ي‬
      ‫وال َدري من وقف على أحداث هذه القصة التي جرت لنبي اهلل وكليمه موسى عليه السالم‬
       ‫د‬
 ‫أيعجب من حياء المرأة أم من حيائه ؛ فقد جاء عن عمر بن الخطاب : جاءتْ واضعةً ي َها على‬
    ‫وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك؛ فإنا ال‬
                                                                              ‫ننظر في أدبار النساء. رواه الحاكم.‬
    ‫وإن تعجب من هذه المرأة فعجب أمر فاطمة رضي اهلل عنها التي حملها الحياء على أن تقول‬
                    ‫ي‬                 ‫ي‬
‫ألسماء بنت أبي بكر: يا أسماء، إني قد استقبحت ما ُصنع بالنساء؛ أنه ُطرح على المرأة الثوب‬
                                   ‫ئ‬
  ‫فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول اهلل ، أال أريكِ شي ًا رأيته بأرض الحبشة؟! فدعت بجرائد‬
    ‫ي‬
 ‫رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة رضي اهلل عنها: ما أحسن هذا وأجمله، ُعرف‬
                   ‫د‬                  ‫ي‬
 ‫به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعل ّ وال تدخلي علي أح ًا. فلما توفيت جاءت‬
 ‫عائشة تدخل فقالت أسماء: ال تدخلي، فشكت ألبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين‬
     ‫ابنة رسول اهلل وقد جعلت لها مثل هودج العروس! فجاء أبو بكر فوقف على الباب وقال: يا‬
‫أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي يدخلن على ابنته، وجعلت لها مثل هودج العروس؟!‬
                                                   ‫د‬
   ‫فقالت: أمرتني أن ال أدخل عليها أح ًا، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع‬
‫ذلك لها، فقال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، وغسلها علي وأسماء رضي اهلل عنهما.‬
                                                                                                           ‫رواه البيهقي.‬
                                                     ‫ي‬
                         ‫هلل درها! ما أكمل حياءها! وليس هذا مما ُستغرب منها، فهي من قد عرفنا.‬
                                 ‫ت‬
       ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيا ٍ وذكر حكيم، أقول قولي هذا،‬
                                                  ‫وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم وللمؤمنين، إنه غفور رحيم.‬


                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه‬
                                                                                                                       ‫أجمعين.‬
                        ‫ة‬
   ‫أما بعد: فيا أيها المؤمنون، إن لغياب الحياء عن ساحاتنا لمظاهرَ وخيم ً، وإن من أقبحها سيادة‬
‫الفحش والعري والتفسخ، وقد علمت أثر الحياء في التستر واالحتشام، قال اهلل تعالى في ذكر قصة‬
  ‫ع هم م‬                ‫ي‬              ‫لش َ َد ه س ء ته‬                          ‫َ َاله ب ُر ٍ َم‬
 ‫آدم عليه السالم: فد َّ ُمَا ِغ ُور فَل َّا ذَاقَا ا َّجرَةَ ب َتْ لَ ُمَا َوْ َاُ ُمَا وَطَفِقَا َخْصِفَانِ َلَيْ ِ َا ِن‬
    ‫ك َ ُو مب ن‬                  ‫َن و د ه َبه َ هك ع ت ك الش َر وَق لك ِن الش‬                                                     ‫َ‬
    ‫ورَقِ الْج َّةِ َنَا َا ُمَا ر ُّ ُمَا أَلمْ أَنْ َ ُمَا َن ِلْ ُمَا َّج َةِ َأ ُل َّ ُمَا إ َّ َّيْطَآنَ لَ ُمَا عد ٌّ ُّ ِي ٌ‬
                                                                                                             ‫[األعراف:77].‬
  ‫ء‬                      ‫ي‬      ‫ر‬                                                 ‫و‬
  ‫ومما ُصف به موسى عليه السالم أنه ((كان رجالً حييًا ستي ًا، ال ُرى من جلده شيء استحيا ً‬
                  ‫ي سو‬            ‫ض‬
    ‫منه)) رواه البخاري، والنبي لما دخل عليه عثمان وكان بع ُ فخذيه باد ًا َّى ثيابه. أخرجه‬
                                                                                                                           ‫مسلم.‬
                              ‫َر‬         ‫ب‬           ‫َز‬
                       ‫إن الحياء خلق رفيع، ال يكون إال عند من ع َّ عنصره ونَ ُل خلقه وك ُم أصله.‬
                                                       ‫قل‬                          ‫قل‬         ‫قل ء‬
                                                  ‫إذا َّ ما ُ الوجْهِ َّ حياؤه…وال خير في وجه إذا َّ ماؤه‬
                                                                                 ‫فإن‬             ‫ء‬
                                                      ‫حيا َك فاحفظه عليك َّما…يدل على وجه الكريم حياؤه‬
                                                                               ‫نسأل اهلل أن يهدينا ألحسن األخالق...‬
                                                                                                             ‫__________‬
                                                                      ‫(5) شرح النووي على صحيح مسلم (7/6).‬
                                                                                        ‫(7) شرح صحيح مسلم (7/1).‬
                                                                                         ‫(3) تفسير الطبري (5/225).‬

‫(5/7232)‬




                                                                         ‫رؤية المؤمنين لرب العالمين في يوم الدين‬
                                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                                   ‫الجنة والنار‬
                                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫مهران ماهر عثمان نوري‬
                                                                                                                      ‫الخرطوم‬
                                                                                                                 ‫27/1/6725‬
                                                                                                                ‫خالد بن الوليد‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- وجوب أخذ العقيدة من الكتاب والسنة وفهمها بفهم السلف الصالح. 7- اإليمان برؤية‬
‫المؤمنين لربهم في اآلخرة داخل في اإليمان باهلل وكتبه ورسله. 3- أدلة وقوع الرؤية في اآلخرة‬
   ‫من الكتاب والسنة. 2- الرد على من أنكرها. 1- أسباب حصولها. 6- المحرومون الذين ال‬
                                                                                     ‫ينظر اهلل إليهم يوم القيامة.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
           ‫ت‬               ‫أن‬
    ‫أما بعد: فإن من أعظم المهمات وآكد الواجبات أن يعلم المسلم َّ عقيدته يجب أن ُستمد من‬
                          ‫كتاب اهلل ومن سنة رسول اهلل ، وأن ال يخضع أمرها إلى آراء الرجال.‬
     ‫ومن عقيدة المسلمين التي يجب اإليمان بها أن المؤمنين يرون اهلل رب العالمين يوم القيامة،‬
                                ‫شم‬
     ‫والرؤية من أشرف مسائل أصول الدين، وهي الغاية التي َّر لها المشمرون، وتنافس فيها‬
                                                                   ‫ح‬
‫المتنافسون، و ُرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون، وهي من المسائل التي‬
                                                                                           ‫ث حد‬
                                                                      ‫بلغت أحاديُها َّ التواتر، قال الناظم:‬
                                                 ‫مما تواتر حديث من كذب…ومن بنى هلل بيتًا واحتسب‬
                                                    ‫ورؤية شفاعة والْحوض…ومسح خفين وهذي بعض‬
‫واإليمان بها داخل في معنى اإليمان باهلل وكتبه ورسله كما قرره علماؤنا رحمهم اهلل(5)[5]؛ فإن‬
       ‫نص‬
 ‫اهلل أخبر بها، واإليمان بخبر اهلل إيمان باهلل، وجاءت األدلة عليها في كتابه سبحانه، و َّ النبي‬
                                ‫على وقوعها، فيكون اإليمان بها من اإليمان بالرسل والكتب كذلك.‬
                                                   ‫فدل‬              ‫ن ل‬
  ‫وقد تنوعت مظا ّ أدّة هذه العقيدة، َّ عليها القرآن الكريم في مواضع عديدة، فمن ذلك قوله‬
           ‫قر‬                                   ‫وج ه ي م ِذ ن ِرة إ َبه ِر‬
 ‫تعالى: ُ ُو ٌ َوْ َئ ٍ َّاض َ ٌ ِلَى ر ِّ َا نَاظ َة [القيامة:77-37]. وهي تدل على ما ُ ّر من ثالثة‬
                                                                                                               ‫وجوه:‬
                   ‫دل‬           ‫ع‬                                              ‫ُد‬
      ‫األول: ع ّي النظر بـ(إلى) الدالة على الغاية، والنظر إذا ُدي بـ(إلى) َّ على المعاينة‬
    ‫ُد‬                       ‫ظر إل َ ِ َر وي ع‬
   ‫باألبصار، كهذه اآلية وكقوله تعالى: ان ُ ُواْ ِِى ثَمرِهِ إذَا أَثْم َ َ َنْ ِهِ [األنعام:00]، وإذا ع ّي‬
‫وَ ي ُر ْ ف م ك الس و ت‬
‫بـ(في) كان بمعنى التفكر واالعتبار، كما في قول اهلل تعالى: أَ َلمْ َنظ ُوا ِي َلَ ُوتِ َّمَا َا ِ‬
‫ق ل‬                                                           ‫ع‬                      ‫و َْ‬
‫َاألرضِ [األعراف:125]، وإن ُدي بنفسه كان بمعنى التوقف واالنتظار، قال تعالى: يَوْمَ يَ ُو ُ‬
                                         ‫م ن رُ‬                   ‫ُر‬      ‫من فق ن و من ت لَّذ ن من‬
                          ‫الْ ُ َا ِ ُو َ َالْ ُ َافِقَا ُ ِل ِي َ آ َ ُوا انظ ُونَا نَقْتَبِسْ ِن ُّو ِكمْ [الحديد:35].‬
           ‫ة‬                               ‫ي و‬               ‫ل‬
   ‫الثاني: أن النظر في اآلية محّه الوجه، وال ُتص ّر في مثل هذا إال أن يكون معاين ً بالبصر.‬
   ‫الثالث: خال الدليل من قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره، فوجب حمله على حقيقته وموضوعه.‬
      ‫وإن من اللطائف في هذه اآلية الكريمة أن اهلل هيأهم للنظر إليه، فقد نضر وجوههم قبل أن‬
    ‫ْ ة و ُر ر‬        ‫وَق ُ‬                             ‫ض ة‬
   ‫يشرفها بالنظر إلى وجهه الكريم، نَا ِرَ ٌ أي: حسنة، كما قال سبحانه: َل َّاهمْ نَضرَ ً َس ُو ًا‬
                                                                                                              ‫[اإلنسان:55].‬
       ‫ِن ْر ف ع عل‬
      ‫ومن األدلة القرآنية التي تبين ذلك وتدل عليه قوله سبحانه وتعالى: إ َّ األَب َارَ لَ ِي نَ ِيمٍ ََى‬
                                            ‫ْ النع‬         ‫ْ ِف ف وج ه ِ‬        ‫َر ي ُر‬
   ‫األ َائِكِ َنظ ُونَ تَعر ُ ِي ُ ُو ِهمْ نَضرَةَ َّ ِيمِ [المطففين:77-27]، قال الطبري: "ينظرون‬
                    ‫ت‬        ‫ل‬
‫إلى ما أعطاهم اهلل من النعيم"(7)[7]. وهذه اآلية عامة تشمل ك ّ شيء يتمّعون بالنظر إليه، ومن‬
                                                                ‫ذلك النظر إلى وجه اهلل الكريم، فهو أكمل النعيم.‬
              ‫َز ة‬            ‫سن ح‬                 ‫لَّذ‬
   ‫ومن اآليات الدالة على صحة هذا االعتقاد قول اهلل: ِّل ِينَ أَحْ َ ُواْ الْ ُسْنَى و ِيَادَ ٌ [يونس:67]،‬
 ‫فقد جاء تفسيرها عن نبينا أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه اهلل الكريم كما سيأتي، وال‬
                                                                          ‫فإن‬     ‫ي‬
                                       ‫عبرة بعد ذلك بقول أ ّ أحد، َّ أعلم الناس بربه وبما أنزله نبينا .‬
                                         ‫ه م ي ؤ ف ه وَد مز د‬
       ‫ومن اآليات قول اهلل: لَ ُم َّا َشَا ُونَ ِي َا َل َيْنَا َ ِي ٌ [ق:13]، فقد أورد الطبري رحمه اهلل‬
                                       ‫تفسير أنس بن مالك لها أن المزيد رؤية اهلل تعالى في الجنة(3)[3].‬
         ‫ل‬                        ‫َال ِن ُ ع َّب ِ ي م ِ ل ج ب‬
     ‫ومن أدلة ذلك أيها المؤمنون: ك َّ إَّهمْ َن رِّهمْ َوْ َئذٍ َّمَحْ ُو ُونَ [المطففين:15]. استد ّ بها‬
       ‫على ذلك اإلمام الشافعي رحمه اهلل، قال: "لما حجب الكافرين حال السخط رآه المؤمنون في‬
                                                   ‫الرضا". أورد ذلك عنه اإلمام ابن كثير في التفسير(2)[2].‬
        ‫ع‬                      ‫حد‬
      ‫وقد جاءت سنة نبينا مؤكدة هذه العقيدة في أحاديث كثيرة بلغت َّ التواتر، منها ما جاء َنْ‬
 ‫ِن ُ ست ن‬                          ‫ي ن َ‬                    ‫َ‬       ‫إل‬          ‫ُن ع ْ الن ِي‬            ‫َ ر ع الل ِ‬
 ‫جرِي ِ بْنِ َبْدِ َّه قَالَ: ك َّا ِندَ َّب ِّ فَنَظَرَ َِى الْقَمرِ لَيْلَةً ـ َعْ ِي الْبدْرَ ـ فَقَالَ: ((إ َّكمْ َ َرَوْ َ‬
                                            ‫َ ن َذ م َ ت َام َ ف ر يته‬                            ‫َب ُ‬
      ‫ر َّكمْ كَمَا ترَوْ َ ه َا الْقَ َر ال ُض ُّون ِي ُؤْ َ ِ ِ)) أخرجاه في الصحيحين، وفي رواية: ((ال‬
   ‫ي‬                                                                            ‫ت م‬
‫ُضا ُون)) بتخفيف الميم، فاألولى بمعنى: ال تزدحمون على ذلك كما يحصل عند رؤية الخف ّ من‬
 ‫األشياء، ينضم اإلنسان إلى صاحبه لينظر إليه، والثانية بمعنى: ال يلحقكم ضيم وظلم بأن يحجب‬
                                               ‫بعضكم عن رؤيته، وفي رواية: ((إنكم سترون ربكم عيانًا)).‬
             ‫وأما قوله : ((كما ترون القمر)) فهذا التشبيه منصرف إلى الرؤية وليس لتشبيه المرئي‬
           ‫بالمرئي(1)[1]، فاهلل تعالى ال يشبهه أحد من خلقه، لَيْسَ كَمثِْهِ شَيْ ٌ وَ ُوَ َّ ِي ُ ال َ ِي ُ‬
           ‫ء ه السم ع بص ر‬                   ‫ِل‬
                                                      ‫[الشورى:55]. وهذه الرؤية خاصة بالمسلم دون الكافر.‬
    ‫قي مة و ية‬                        ‫ق ت ي رس الل ُل ير َبه م ل ب‬                                 ‫ع ب َز ع ل ِّ‬
    ‫و َنْ أَ ِي ر ِينٍ الْ ُقَيِْي قَالَ: ُلْ ُ: َا َ ُولَ َّهِ، أَكُّنَا َ َى ر َّ ُ ُخِْيًا ِهِ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ، َمَا آ َ ُ‬
       ‫َالله َم‬                    ‫مر ق ت ب‬                 ‫ُل ُ ي‬                ‫َز‬         ‫ي‬            ‫قه‬        ‫َف‬
‫ذَلِك ِي خَلْ ِ ِ؟ قَالَ: (( َا أَبَا ر ِينٍ، أَلَيْسَ كُّكمْ َرَى الْقَ َ َ؟)) ُلْ ُ: َلَى، قَالَ: ((ف َّ ُ أَعْظ ُ)) رواه‬
                                                                                            ‫أحمد وأبو داود وابن ماجه.‬
    ‫تر د ش ئ‬                 ‫و‬           ‫ق ل الله‬            ‫ِ د َ ْل َن َن َ‬
   ‫ومن األدلة قول النبي : ((إذَا َخلَ أَه ُ الْج َّةِ الْج َّة قَالَ: يَ ُو ُ َّ ُ تَبَارَكَ َتَعَالَى: ُ ِي ُونَ َيْ ًا‬
    ‫ب فم‬            ‫َن وت َج م الن ر ي ِف‬                          ‫ق ل ن َ ت َي وج هن َ ُ خ‬                              ‫َز د ُ‬
   ‫أ ِي ُكمْ؟ فَيَ ُوُو َ: أَلمْ ُب ِّضْ ُ ُو َ َا؟! أَلمْ تدْ ِلْنَا الْج َّةَ َُن ِّنَا ِنْ َّا ِ؟! فَ َكْش ُ الْحِجَا َ، َ َا‬
   ‫سن ح ن‬                  ‫ي لَّذ‬            ‫َ‬      ‫َب إ ِ م الن َ إ َب ِ َز َل ُم‬                                      ‫أ ط‬
  ‫ُعْ ُوا شَيْئًا أَح َّ ِلَيْهمْ ِنْ َّظرِ ِلَى رِّهمْ ع َّ وَج َّ))، ث َّ تَال هذِهِ اآل َةَ: ِل ِينَ أَحْ َ ُوا الْ ُسْ َى‬
                                                                                                            ‫َزي دة‬
                                                                                       ‫و ِ َا َ ٌ [يونس:67] رواه مسلم.‬
         ‫َ‬             ‫َب ي ْ ق مة‬                  ‫أ س ي رس الل ه َ‬                               ‫ع ب هر ْ‬
       ‫ومنها َنْ أَ ِي ُ َيرَةَ قَالَ: قَالَ ُنَا ٌ: َا َ ُولَ َّهِ، َلْ نرَى ر َّنَا َومَ الْ ِيَا َ ِ؟ فَقَالَ: ((هلْ‬
‫ُض ُّون ِي َّمْسِ لَيْسَ ُونَ َا َحَا ٌ؟)) قَاُوا: ال يَا َ ُولَ َّ ِ، قَالَ: (( َلْ ُض ُّون ِي الْ َم ِ‬
‫ه ت َار َ ف ق َر‬                   ‫رس الله‬               ‫ل‬       ‫د ه س ب‬                   ‫ت َار َ ف الش‬
       ‫ِن ُ َر ه ْ ق م َ لك‬                                   ‫ي رس الله‬            ‫ل‬       ‫َْ س د ه ح ب‬
     ‫لَيْلَةَ الْبدرِ لَيْ َ ُونَ ُ سَ َا ٌ؟)) قَاُوا: ال َا َ ُولَ َّ ِ، قَالَ: ((فَإَّكمْ ت َوْنَ ُ يَومَ الْ ِيَا َةِ كذَِ َ))‬
                                                                                                 ‫أخرجاه في الصحيحين.‬
                      ‫معاشر المؤمنين، استدل المخالفون من أهل االعتزال ومن سلك طريقهم بدليلين:‬
        ‫ل‬       ‫وَم ج م س لم ت و َلمه َب ُ َ َب َرن أ ُ إ َ‬
       ‫األول: قول اهلل تعالى: َل َّا َاء ُو َى ِ ِيقَا ِنَا َكَّ َ ُ رُّه قَال ر ِّ أ ِ ِي َنظرْ ِلَيْك قَالَ َن‬
 ‫َر م ُ س ْ َر ن َم َل َبه ل ج َل جع ه َك و َر‬                                          ‫ُ إل جب ِ إ‬              ‫َر ن و ك‬
 ‫ت َا ِي َلَ ِنِ انظرْ َِى الْ َ َل فَِنِ اسْتَق َّ َكَانَه فَ َوفَ ت َا ِي فَل َّا تَجَّى ر ُّ ُ ِلْ َب ِ َ َلَ ُ د ًّا َخ َّ‬
                                    ‫س ح ت ت إ ك و َّل م من‬                                   ‫س صعق َم َ َ‬
     ‫مو َى َ ِ ًا فَل َّا أفَاق قَالَ ُبْ َانَكَ ُبْ ُ ِلَيْ َ َأَنَاْ أَو ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ [األعراف:325]، قالوا: اآلية‬
      ‫فيها نفي رؤية اهلل تعالى. والجواب أن (لن) ال تفيد النفي على التأبيد، كما قال في الخالصة:‬
                                                                  ‫س‬               ‫د‬
                                                        ‫ومن رأى النفي بلن مؤب ًا…فقوله اردد و ِواه فاعضدا‬
          ‫ول ي َن ه َد بم َد َ د ِ و له ع م ِالظ ل َ‬
          ‫ودليل ذلك من القرآن قول الرحمن: ََن َتَم َّوْ ُ أَب ًا ِ َا ق َّمتْ أَيْ ِيهمْ َالّ ُ َلِي ٌ ب َّاِمين‬
                     ‫ِنك م كث‬             ‫َب َ‬         ‫ي لك لي ْ ع‬                ‫و‬
     ‫[البقرة:10] مع قوله عنهم: َنَادَوْا َا مَاِ ُ ِ َقضِ َلَيْنَا ر ُّك قَالَ إَّ ُم َّا ِ ُونَ [الزخرف:22].‬
                                  ‫ك‬               ‫ألن‬
   ‫فاآلية فيها أن رؤية اهلل في الدنيا منفية َّا في ضعف ال يم ّننا من ذلك، بل ال يمكن للمرء في‬
                                                                        ‫م‬
    ‫الدنيا أن ينظر إلى َلك في صورته التي خلقه اهلل عليها، فمن باب أولى أنه ال يطيق رؤية اهلل‬
    ‫ر ُم ي َر ن و‬                 ‫أ ِ ع ه م ك و ز م لقض‬                                        ‫َ ل‬
‫تعالى فيها، قال تعالى: وقَاُواْ لَوْال ُنزلَ َلَيْ ِ َلَ ٌ َلَوْ أَن َلْنَا َلَكًا َّ ُ ِيَ األمْ ُ ث َّ الَ ُنظ ُو َ َلَوْ‬
                 ‫ْر‬       ‫لقض‬                       ‫جع ه م ك لجع ه جال و ب ع ه م ي بس‬
   ‫َ َلْنَا ُ َلَ ًا َّ َ َلْنَا ُ رَ ُ ً َلَلَ َسْنَا َلَيْ ِم َّا َلْ ِ ُونَ [األنعام:2، 0]. َّ ُ ِيَ األم ُ أي: "ماتوا من‬
   ‫هول رؤية الملك في صورته؛ فإن أهل التأويل مجمعون على أن ذلك ال يمكن؛ ألنهم لم يكونوا‬
                                                    ‫و جع ه م‬
                  ‫يطيقون رؤية الملك في صورته، َلَوْ َ َلْنَا ُ َلَكًا لكان في صورة بشر؛ لعدم إطاقة‬
          ‫رؤيته"(6)[6]، وقال الكلبي رحمه اهلل: "ال طاقة لهم على رؤية الملك في صورته"(2)[2].‬
                ‫ونحن ـ أهلَ السنة ـ نقول: إن هذه اآلية من األدلة على وقوع الرؤية لوجوه منها:‬
  ‫األول: أن موسى عليه السالم سأل ذلك، وال يمكن أن يسأل محاالً على اهلل تعالى، قال القرطبي‬
                                                    ‫ال‬                          ‫ت‬
     ‫رحمه اهلل مثب ًا رؤية اهلل في اآلخرة مستد ً بهذه اآلية: "إذ لو لم تكن جائزة ـ أي: الرؤية ـ‬
            ‫لكان سؤال موسى عليه السالم مستحيالً، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على اهلل وما ال‬
                                                                                                              ‫يجوز"(2)[2].‬
  ‫الثاني: أن اهلل تعالى لم ينكر عليه ذلك، فلو كان غير ممكنٍ ألنكر عليه كما أنكر على نوح عليه‬
   ‫ك ب ع ْم ِن‬                   ‫ن‬                ‫ِنه ع َل ْر ل ٍ‬                    ‫ِنه س م‬
  ‫السالم في قوله تعالى: إ َّ ُ لَيْ َ ِنْ أَهْلِكَ إ َّ ُ َم ٌ غَي ُ صَاِح فَالَ تَسْأَلْ ِ مَا لَيْسَ لَ َ ِهِ ِل ٌ إ ِّي‬
                                                                                        ‫هل‬          ‫ظ أ ك نم‬
                                                                           ‫أَعِ ُكَ َن تَ ُو َ ِنَ الْجَا ِِينَ [هود:62].‬
                               ‫الثالث: إذا جاز على اهلل أن يتجلى للجبل أفال يتجلى ألوليائه في اآلخرة؟!‬
‫ال ُ ْركه ص ر هو ُ ْرك‬
‫وأما اآلية الثانية التي استدلوا بها على نفي الرؤية فهي قوله تعالى: َّ تد ِ ُ ُ األَبْ َا ُ وَ ُ َ يد ِ ُ‬
                                                                                     ‫ص ر ه اللط ف ب ر‬
                                                                      ‫األَبْ َا َ وَ ُوَ َّ ِي ُ الْخَ ِي ُ [األنعام:305].‬
 ‫ج عن‬            ‫َم ر‬                               ‫فر‬
 ‫والجواب أن اإلدراك شيء زائد على الرؤية، ولذا َّق اهلل بينهما في قوله: فَل َّا تَ َاءى الْ َمْ َا ِ‬
                                  ‫َال ِن مع َب سي ْد‬                 ‫ح ب م س ِن ُ رك َ‬
       ‫قَالَ أَصْ َا ُ ُو َى إ َّا لَمدْ َ ُون قَالَ ك َّ إ َّ َ ِيَ ر ِّي َ َه ِينِ [الشعراء:56، 76]، فوقعت‬
  ‫الرؤية وانتفى اإلدراك فيها. وأنت في الدنيا قد ترى مخلوقًا وال تحيط به إدراكًا كالسماء، ونحن‬
                ‫و يح ط ن ب ع‬
 ‫نعلم ربنا ونؤمن به ومع ذلك ال نحيط به علمًا كما قال تعالى: َالَ ُ ِي ُو َ ِهِ ِلْمًا [طه:055].‬
                                                             ‫ي‬
     ‫أيها المؤمنون، من أحب أن ُكرمه اهلل بهذه النعمة فعليه أن يحرص على أداء صالتي الفجر‬
     ‫تض م َ ف‬         ‫َذ َ‬              ‫َ‬         ‫َبك‬          ‫ِنك س َ‬
    ‫والعصر في جماعة، فقد قال النبي : ((إ َّ ُمْ َترَوْنَ ر َّ ُمْ كَمَا ترَوْنَ ه َا الْقَمرَ ال ُ َا ُّون ِي‬
   ‫ث َّ َرأ‬     ‫ٍ ْ طل ع َّ س َ ْ غر به عل‬                             ‫ت ب ع‬                 ‫ُ‬            ‫ر يته إ‬
   ‫ُؤْ َ ِ ِ، فَِنْ اسْتَطَعْتمْ أَنْ ال ُغْلَ ُوا َلَى صَالة قَبلَ ُُو ِ الشمْ ِ وقَبلَ ُ ُو ِ َا فَافْ َُوا))، ُم ق ََ‬
              ‫و‬          ‫ت‬                        ‫و َب بح ْ َب ْ طل ع الش س َ ْ غر‬
     ‫َس ِّحْ ِ َمدِ ر ِّكَ قَبلَ ُُو ِ َّمْ ِ وقَبلَ الْ ُ ُوبِ [ق:03]، والمعنى: ال ُغلبوا فتف ّتوا هاتين‬
                                                                                           ‫الصالتين في جماعة(0)[0].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون،‬
                                      ‫وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه‬
                                                                                                                      ‫أجمعين.‬
                                ‫ُنع‬
  ‫أما بعد: فقد مضى الحديث عن أناس من المكرمين الذين ي َّمون برؤية رب العالمين. وقد جاء‬
    ‫في القرآن والسنة ذكر غيرهم من المحرومين الذين ال ينظر اهلل إليهم ولهم عذاب أليم، وفائدة‬
          ‫ِن َّذ‬                                                            ‫ي‬
       ‫ذكرهم والعلم بهم أن ُجتنب سبيلهم، فمنهم أهل الكفر والشرك الذين قال اهلل فيهم: إ َّ ال ِينَ‬
     ‫ِ ة و ي َلم ُم له و ي ُر‬                  ‫ُ ف‬                   ‫ي ر بع ْ له و ن ِ من ل أ ئ‬
     ‫َشْتَ ُونَ ِ َهدِ الّ ِ َأَيْمَا ِهمْ ثَ َ ًا قَِيالً ُوْلَ ِكَ الَ خَالَقَ لَهمْ ِي اآلخرَ ِ َالَ ُكِّ ُه ُ الّ ُ َالَ َنظ ُ‬
                                               ‫إ ِ ْ ق مة و ي َك ه و ُ َ ب م‬
 ‫ِلَيْهمْ يَومَ الْ ِيَا َ ِ َالَ ُز ِّي ِمْ َلَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [آل عمران:22]، وهم أهل الكتاب، كتموا الحق فلم‬
                                                                                               ‫يشهدوا بصدق نبوة نبينا .‬
  ‫ة ي َلمه الله ْ قي مة و ي ُر إ ه و ي َك ِ‬
‫ومنهم الثالثة الذين قال عنهم النبي : ((ثَالثَ ٌ ال ُكِّ ُ ُمْ َّ ُ يَومَ الْ ِ َا َ ِ َال َنْظ ُ ِلَيْ ِمْ َال ُز ِّيهمْ‬
‫م ِل‬                 ‫ب َر ب و سر م ُ ي رس الله‬                                      ‫ِر‬           ‫َُ َ ب م‬
‫ولَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ)) ثَالثَ م َار، قَالَ أَ ُو ذ ٍّ: خَا ُوا َخَ ِ ُوا، َنْ همْ َا َ ُولَ َّ ِ؟ قَالَ: ((الْ ُسْب ُ‬
                                                                        ‫ذب‬           ‫و َن ن و م َفق س ع ه حِ‬
                                                           ‫َالْم َّا ُ َالْ ُن ِّ ُ ِلْ َتَ ُ بِالْ َلفِ الْكَا ِ ِ)) رواه مسلم.‬
‫وقد أوضحت بعض الروايات أن المراد بالمسبل هنا من فعله على سبيل الخيالء والكبر، وهذا من‬
‫ُل ُر ِز ه م خي ء خس به ه ي ج َل‬                                          ‫ب‬
‫أسباب الخسف في الدنيا، قال النبي : (( َيْنَمَا رَج ٌ يَج ُّ إ َارَ ُ ِنْ الْ ُ َال ِ ُ ِفَ ِ ِ، فَ ُوَ َتَ َلْج ُ‬
                         ‫ي‬                                    ‫ف َ ْ إل ْ ق مة‬
   ‫ِي األرضِ َِى يَومِ الْ ِيَا َ ِ)) أخرجاه في الصحيحين. والمنان الذي ُعطي ويؤذي، والمنة تهدم‬
                                         ‫َن و‬         ‫َ َ تك‬       ‫ت طل‬          ‫َيه َّذ ن من‬
       ‫الصنيعة، يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُواْ الَ ُبْ ُِواْ صدقَا ِ ُم بِالْم ِّ َاألذَى [البقرة:267]. والمنفق سلعته‬
 ‫بالحلف الكاذب الذي يحلف أنه اشترى بكذا أو أنه لو باع بكذا لخسر وهو يعلم أنه كاذب، وكثرة‬
                                                               ‫ر‬
                                                             ‫الحلف في البيع يمحق بركته وإن كان الحلف با ًا.‬
       ‫قي مة و ي َك ِ و‬                    ‫ٌ ي َلم ُ الله‬
     ‫ومن أولئك المحرومين من قال فيهم النبي : ((ثَالثَة ال ُكِّ ُهمْ َّ ُ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ َال ُز ِّيهمْ َال‬
                                   ‫ٌ ز وم ك َذ ب وع ئل م ِر‬                        ‫ي ُر إ ِ و ُ َ ب ل م‬
                      ‫َنْظ ُ ِلَيْهمْ َلَهمْ عذَا ٌ أَِي ٌ: شَيْخ َانٍ َ َلِ ٌ ك َّا ٌ َ َا ِ ٌ ُسْتَكْب ٌ)) رواه مسلم.‬
‫فالزنا قبيح كله، ولكنه درجات في ذلك، فالزنا بالمتزوجة ليس كغيرها، والزنا بامرأة الجار أقبح،‬
                                                     ‫ر‬
  ‫وبامرأة المجاهد في سبيل اهلل أع ّ، وهو من الشيخ أقبح من وقوعه من غيره من الشباب؛ ألن‬
      ‫صو‬            ‫الشباب مظنة القوة وشدة الشهوة؛ ولذا قال النبي : (( َّ َّك ل َعج ُ للشاب‬
   ‫ِّ ليست له َبْ َة))‬    ‫إن رب ي ب‬
  ‫رواه أحمد، والصبوة: الميل إلى الهوى. وأما الملك فال يحتاج إلى الكذب، فكذبه دليل على شدة‬
                    ‫ء‬        ‫ر‬          ‫ر‬
                   ‫ضعف اإليمان عنده. والفقر من شأنه أن يحدث انكسا ًا وليس كب ًا وخيال ً.‬
                                                                             ‫ً‬
                                                              ‫ومنهم من منع ماء ال يدَ له فيه.‬
                                                                                          ‫ل‬
       ‫فالّهم جنبنا سبيلهم، وعاملنا بما أنت أهله، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم...‬
                                                                              ‫__________‬
                                 ‫(5) انظر العقيدة الواسطية لشيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل.‬
                                                                 ‫(7) جامع البيان (03/205).‬
                                                           ‫(3) جامع البيان (67/225-125).‬
                                                          ‫(2) تفسير القرآن العظيم (7/765).‬
                                                     ‫(1) انظر: شرح مسلم للنووي (1/235).‬
                                                                 ‫(6) المحرر الوجيز (7/02).‬
                                                                          ‫(2) التسهيل (7/3).‬
                                                           ‫(2) الجامع ألحكام القرآن (2/11).‬
                                                              ‫(0) انظر: فتح الباري (7/33).‬

‫(5/3232)‬




                                                                                   ‫أعلى النعيم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                  ‫الجنة والنار‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الفي بن حمود الصاعدي‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                   ‫جامع الفتح‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- الغاية العظمى. 7- رؤية المؤمنين لربهم تعالى في الجنة. 3- من أسباب نيل هذا الثواب‬
    ‫العظيم. 2- أحاديث تحرك شوق المسلم. 1- وجوب اإليمان برؤية اهلل تعالى في الجنة. 6-‬
                               ‫عذاب الحجب. 2- سؤال اهلل تعالى لذة النظر إلى وجهه الكريم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
     ‫عباد اهلل، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل سبحانه، فإن بتقوى اهلل نجا أولياء اهلل من سخطه، وبها‬
 ‫رافقوا أنبياءه، وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن ومن‬
                                                                            ‫كرب يوم القيامة.‬
 ‫أيها المؤمنون الصادقون، غاية ما يتمناه المسلم هو رضا اهلل سبحانه ودخول جنته، وهناك غاية‬
‫أعظم منها وهي رؤية اهلل سبحانه في جنات النعيم، ولذلك لما كتب ابن القيم كتابه "حادي األرواح‬
‫إلى بالد األفراح" ووصل إلى باب: "رؤية المؤمنين لربهم" قال: "هذا الباب أشرف أبواب الكتاب،‬
                                                               ‫ر‬              ‫ر‬
       ‫وأجلها قد ًا، وأعالها خط ًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع‬
‫والفرقة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون،‬
   ‫ولمثلها فليعمل العاملون. إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعم، وحرمانه والحجاب عنه‬
        ‫ألهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم. اتفق على اإليمان برؤية اهلل في الجنة األنبياء‬
     ‫والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة اإلسالم على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع‬
                                                                              ‫المارقون" اهـ.‬
                     ‫ة‬
 ‫أيها المسلمون، إن المؤمنين في الجنة يرون ربهم سبحانه من فوقهم رؤي ً حقيقية بأبصارهم كما‬
                                                                             ‫ي‬
    ‫ُرى الشمس والقمر ليس دونهم سحاب وال ضباب، ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي‬
                                                                       ‫ن‬
 ‫هريرة رضي اهلل عنه أ ّ أناسًا قالوا: يا رسول اهلل، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول اهلل :‬
                                                                              ‫ر‬
    ‫((هل تضا ّون في رؤية القمر ليلة البدر؟)) قالوا: ال يا رسول اهلل، قال: ((هل تضارون في‬
          ‫رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟)) قالوا: ال، قال: ((فإنكم ترونه كذلك)) الحديث، وفي‬
                          ‫س‬                                             ‫ض‬
 ‫الصحيحين أي ًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه أن نا ًا في زمن رسول اهلل قالوا:‬
    ‫يا رسول اهلل، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اهلل : ((وهل تضارون في رؤية الشمس‬
             ‫و‬                                                         ‫و‬
   ‫بالظهيرة صح ًا ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صح ًا ليس فيها‬
‫ال‬
‫سحاب؟)) قالوا: ال يا رسول اهلل، قال: ((ما تضارون في رؤيته تبارك اهلل وتعالى يوم القيامة إ ّ‬
                                                            ‫كما تضارون في رؤية أحدهما)).‬
                                       ‫ل‬
‫عباد اهلل، إن من أسباب دخول الجنة ورؤية الرب ج ّ وعال االجتهادَ في األعمال الصالحة، ومن‬
       ‫أعظم هذه األعمال االجتهاد والمحافظة على صالة الفجر والعصر، وذلك بأدائها في وقتها‬
     ‫س‬
 ‫بحضور قلب، فقد روى البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد اهلل البجلي قال: كنا جلو ًا مع‬
                        ‫ن‬
      ‫النبي ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: ((إنكم سترون ربكم عيا ًا كما ترون هذا، ال‬
        ‫ر‬       ‫ق‬
  ‫تضامون في رؤيته)) أي: ال ينضم بعضكم إلى بعض؛ ألن الشيء إذا كان دقي ًا وصغي ًا ينضم‬
‫الراؤون ويري بعضهم بعضا، يقول الرسول الكريم: ((إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا، ال‬
       ‫تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن ال تغلبوا على صالة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب‬
                   ‫ُر‬           ‫و َب ح ِ َب َ ْ طل الش س َ‬
‫فافعلوا))، ثم قرأ قوله تعالى: َس ِّحْ بِ َمْد ر ِّك قَبلَ ُُوعِ َّمْ ِ وقَبْلَ الْغ ُوبِ [ق:03]. قال ابن‬
                                                                                                    ‫ت‬
                                                                         ‫القيم أبيا ًا جميلة في معنى هذا الحديث:‬
                                                                                    ‫ف‬
                                         ‫ولقد أتانا ِي الصحيحين اللذيـ…ـن هما أصح الكتب بعد قران‬
                                                     ‫أن العباد يرونه سبحانه…رؤيا العيان كما يرى القمران‬
                                   ‫فإن استطعتم كل وقت فاحفظوا الـ…ـبردين ما عشتم مدى األزمان‬
   ‫قال العلماء: "ووجه مناسبة ذكر هاتين الصالتين مع ذكر رؤية اهلل أن الصالة أفضل الطاعات،‬
       ‫وقد ثبت لهاتين الصالتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع المالئكة فيهما ورفع‬
    ‫األعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا،‬
                                                                                   ‫وهو النظر إلى اهلل تعالى" اهـ.‬
      ‫ر‬                                                          ‫ذ‬
     ‫أيها المسلمون، ال شيء أل ّ للقلوب وال أبهج للنفوس من رواية مثل هذه األحاديث التي تح ّك‬
     ‫شوق المسلم إلى شهود ذلك الجناب األقدس التي تتضاءل وتصغر دونه أنواع المتع واللذات،‬
‫اسمع ـ يا أخي الكريم ـ إلى هذا الحديث العظيم الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث صهيب‬
     ‫الرومي رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول اهلل عز وجل:‬
                         ‫ج‬
       ‫تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتن ّنا من النار؟! قال:‬
           ‫لَّذ‬
        ‫فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم))، ثم تال هذه اآلية: ِل ِينَ‬
                                                                    ‫وزي دة‬          ‫سن ح‬
    ‫أَحْ َ ُوا الْ ُسْنَى َ ِ َا َ ٌ [يونس:67]، فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه اهلل كما‬
                                                                                                   ‫فسرها رسول اهلل .‬
‫عباد اهلل، روى أبو موسى األشعري عن رسول اهلل أنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما،‬
   ‫وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى إال‬
                                                                      ‫رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)).‬
‫أمة اإلسالم، يجب علينا أن نؤمن بأن اهلل يراه المؤمنون في الجنة، يجب علينا أن نؤمن بهذا، وأن‬
 ‫نؤمن بأن اهلل ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير، نؤمن بهذه األحاديث من غير أن نسأل عن‬
 ‫الكيفية؛ ألن الكيفية من الغيب الذي امتدح اهلل المؤمنين باإليمان به في أول مدح في القرآن، قال‬
      ‫ويق م الص و ِم‬                       ‫ك ب ر َ ف ه ل ُتق َّذ ي من ن‬
     ‫سبحانه: الم ذَلِكَ الْ ِتَا ُ الَ َيْب ِيهِ ُدًى ِّلْم َّ ِينَ ال ِينَ ُؤْ ِ ُو َ بِالْغَيْبِ َ ُ ِي ُونَ َّالةَ َم َّا‬
                                                                                                    ‫َ َ ُ ي فق‬
                                                                            ‫رزقْنَاهمْ ُن ِ ُونَ اآليات [البقرة:5-3].‬
                                       ‫م‬
  ‫وليعلم ـ يا عباد اهلل ـ أن اهلل يعطي أهل الجنة قوةً ليتح ّلوا بها رؤيته سبحانه؛ ألنهم في الدنيا‬
                         ‫ي‬                                                ‫م‬
       ‫ال يطيقون أن يتح ّلوا رؤيته سبحانه، فإذا كانت الجبال الرواسي القو ّة ال تطيق ذلك فكيف‬
‫َم َل َبه ل ج َل جع ه َك َر س صعق َم َ َ ق ل‬
‫باإلنسان الضعيف؟! قال سبحانه: فَل َّا تَجَّى ر ُّ ُ ِلْ َب ِ َ َلَ ُ د ًّا وَخ َّ مو َى َ ِ ًا فَل َّا أفَاق َا َ‬
                                                      ‫س ح ت ت إ ك و َّل م من‬
  ‫ُبْ َانَكَ ُبْ ُ ِلَيْ َ َأَنَاْ أَو ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ [األعراف:325]، وجاء في الحديث الصحيح بأن اهلل جل‬
             ‫جالله حجابه النور، لو كشفه ألحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.‬
 ‫فسبحانك يا ربنا ما عظمناك حق تعظيمك، وسبحانك اللهم ربنا ما قدرناك حق قدرك، وسبحانك‬
‫ربنا ما خشيناك حق خشيتك، وسبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك، ولكننا نسأله سبحانه وتعالى‬
     ‫أن يعاملنا بعفوه، وأن يغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا، فإنه يحب العفو والمغفرة، وهو عفو غفور‬
                                                                                            ‫فاستغفروه.‬
                                                             ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة...‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                           ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                          ‫د‬
 ‫وبعد: أيها المسلمون، ومن أش ّ أنواع العذاب على أهل النار احتجاب الرب تبارك وتعالى عنهم‬
   ‫َال ِنه ع َّبه‬
 ‫وحرمانهم من النظر إلى وجهه الكريم، ولذا قال سبحانه في سورة المطففين: ك َّ إَّ ُمْ َن ر ِّ ِمْ‬
                                                                                     ‫ي م ِ لم ج ب‬
                                                                   ‫َوْ َئذٍ َّ َحْ ُو ُونَ [المطففين:15].‬
                                          ‫ل‬                                       ‫ل‬
 ‫إذا تجّى الرب لعباده المؤمنين في الجنة نسوا ك ّ ما هم فيه من ألوان النعيم من أجل ما ظفرت‬
                       ‫ج‬
    ‫به أعينهم من اللذة الكبرى بالنظر إلى وجه اهلل عز وجل، فإذا ما احت َب عنهم عادوا إلى ما‬
 ‫كانوا فيه من ألوان السرور والنعيم، فلهم نعيمان في الجنة: نعيم عند رؤيته سبحانه، وهو أجلها‬
    ‫وأشرفها، ونعيم عند احتجابه بما هم فيه من ظالل وفواكه وحور وولدان إلى آخره، فيا حبذا‬
                                                                                        ‫هذان النعيمان.‬
   ‫أخي المسلم، لقد كان رسولنا يسأل ربه لذة النظر إلى وجهه الكريم، فقد روى اإلمام أحمد من‬
           ‫م‬                                       ‫ً‬    ‫ر‬
    ‫حديث أبي مجلز قال: صلى بنا عما ُ صالة فأوجز فيها، فأنكروا ذلك، فقال: ألم أت ّ الركوع‬
‫والسجود؟! قالوا: بلى، قال: أما إني قد دعوت فيها بدعاء كان رسول اهلل يدعو به: ((اللهم بعلمك‬
      ‫ر‬                                ‫ر‬
 ‫الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خي ًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خي ًا لي،‬
‫وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر،‬
 ‫ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرةٍ وال فتنة مضلة، اللهم‬
          ‫زينا بزينة اإليمان، واجعلنا هداةً مهتدين)) وأخرجه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما.‬
 ‫فالشوق إلى لقاء اهلل عز وجل هو لذة الروح في هذه الدنيا للمؤمن، وفي يوم القيامة يلتذ بالنظر‬
   ‫إلى وجه اهلل الكريم الذي هو حظ العين من دون الجوارح كلها، وليس في هذه الدنيا لدى أهل‬
  ‫المعرفة باهلل لذة تعدل لذة الشوق إلى لقاء اهلل، كما أنه ليس في اآلخرة لذة تعدل لذة النظر إلى‬
                                                                                        ‫وجهه سبحانه.‬
                                                                        ‫قال ابن القيم قدس اهلل روحه:‬
                                                                ‫ف‬
                                 ‫واهلل لوال رؤية الرحمن ِي الـ…ـجنات ما طابت لذي العرفان‬
                                                   ‫ف‬
                                      ‫أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه…وخطابه ِي جنة الحيوان‬
                                             ‫ن‬
                                    ‫وأشد شيء في العذاب حجابه…سبحانه عن ساك ِي النيران‬
                                      ‫وإذا رآه المؤمنون نسوا الذي…هم فيه مما نالت العينان‬
                                        ‫فإذا توارى عنهم عادوا إلَى…لذاتهم من سائر األلوان‬
                                         ‫فلهم نعيم عند رؤيته سوى…هذا النعيم فحبذا األمران‬
                                                                                   ‫و‬
                                     ‫أ َما سمعت سؤال أعرف خلقه…بِجالله المبعوث بالقرآن‬
                                   ‫شوقًا إليه ولذة النظر الذي…بجالل وجه الرب ذي السلطان‬
                                     ‫الشوق لذة روحه في هذه الـ…ـدنيا ويوم قيامة األبدان‬
                                        ‫تلتذ بالنظر الذي فازت به…دون الجوارح هذه العينان‬
                                                                 ‫ذ‬
                                          ‫واهلل ما في هذه الدنيا أل ّ من…اشتياق العبد للرحمن‬
‫عباد اهلل، صلوا وسلموا على أفضل خلق اهلل محمد بن عبد اهلل عليه أفضل الصالة وأتم التسليم...‬

‫(5/2232)‬




                                                            ‫ظاهرة السهر بين الشرع والطب‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                           ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                             ‫قضايا المجتمع‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الفي بن حمود الصاعدي‬
                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫جامع الفتح‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- ظاهرة السهر في اإلجازة الصيفية. 7- كراهة النبي للسهر. 3- مفاسد السهر الشرعية. 2-‬
                                                                     ‫أضرار السهر الصحية.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫عباد اهلل، من الظواهر التي تبرز مع بداية اإلجازة وأصبحت عادة ال تحلو اإلجازة إال بها ظاهرة‬
                          ‫م‬
        ‫السهر إلى أوقات متأخرة من الليل أو إلى الفجر، فترى هؤالء بالليل قيا ًا وبالنهار نيامًا،‬
                                                               ‫ر‬
    ‫ويفتخرون بذلك ويعدونه تطو ًا وتقدمًا، بل إن الذي ينام بعد صالة العشاء يشبهونه بالدجاج،‬
‫نسأل اهلل السالمة والعافية، أصبحت سنة نبينا تشبه بمثل هذا التشبيه السيئ الذي يخشى على قائله‬
                                                              ‫إذا لم يتدارك نفسه ويعود إلى رشده.‬
                                                 ‫ر‬        ‫ر‬
                                    ‫أيها المسلمون، إن للسهر بالليل آثا ًا وأضرا ًا نذكر بعضها:‬
                                                                                ‫ال‬
  ‫أو ً: السهر يخالف أمر النبي الذي نهى عن الحديث بعد صالة العشاء كما ثبت في الصحيحين‬
    ‫من حديث أبي برزة األسلمي رضي اهلل عنه أن رسول اهلل كان يكره النوم قبل صالة العشاء‬
 ‫والحديث بعدها، وعن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: جدب إلينا النبي السهر بعد العشاء‬
    ‫أي: عابه وذمه. أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه األلباني، وعن جابر بن عبد اهلل قال: قال‬
  ‫رسول اهلل : ((إياك والسهر بعد هدأة الليل، فإنكم ال تدرون ما يأتي اهلل من خلقه)) أورده الشيخ‬
                                                                     ‫األلباني في السلسلة الصحيحة.‬
‫ثانيًا: من آثار السهر وأضراره إضاعة صالة الفجر أو تفويتها، وقد جاء الوعيد الشديد للذي ينام‬
  ‫عن الصالة المكتوبة، ففي صحيح البخاري عن النبي في حديث الرؤيا الطويل قال: ((أما الذي‬
‫يثلغ رأسه ـ أي: يكسر ويشج ـ بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصالة المكتوبة)).‬
 ‫وقد أنكر عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه على الذي أحيا الليل بالصالة ثم غلبته عيناه ونام عن‬
    ‫الصالة المكتوبة، أي: عن صالة الفجر، وقال عمر له: (ألن أشهد صالة الصبح في الجماعة‬
                                                                                  ‫ي‬
‫أحب إل ّ من أن أقوم ليلة) أخرجه مالك في الموطأ. هذا يقال فيمن قام الليل فكيف بمن أسهر ليله‬
‫على األغاني والمعازف؟! كيف بمن أسهر ليله على األفالم والمسلسالت؟! نسأل اهلل السالمة، وال‬
                                                                              ‫حول وال قوة إال باهلل.‬
     ‫من آثار السهر وأضراره أنه يخالف السنة الكونية اإللهية، فاهلل قد جعل الليل للنوم والراحة،‬
     ‫وه َّ ج َ كم الل ْ ل س َالن ْ ُب ت‬
    ‫وجعل النهار لالنتشار وطلب الرزق، قال تعالى: َ ُوَ الذِي َعلَ لَ ُ ُ َّيلَ ِبَا ًا و َّومَ س َا ًا‬
                                                                               ‫جع النه نش ر‬
                                                                ‫وَ َ َلَ َّ َارَ ُ ُو ًا [الفرقان:22].‬
                  ‫ر‬
 ‫عباد اهلل، ومن آثار السهر الصحية، ونريد أن نطيل في هذه النقطة ألن كثي ًا من الناس يهتمون‬
‫بكالم األطباء أكثر من غيرهم، وما سنذكره من أضرار السهر على صحة اإلنسان إنما هو تفسير‬
            ‫وتوضيح لقول النبي : ((إن هذا السهر جهد وثقل)) رواه الدارمي وصححه األلباني.‬
       ‫وإليكم ما قاله األطباء في أضرار السهر: أضرار السهر على بدن اإلنسان متنوعة فمنها:‬
     ‫ر‬                                 ‫تغي‬
 ‫5– سوء التغذية، يقول الدكتور محمد الفراج: "فمع ُّر مواعيد النوم يصحو اإلنسان متأخ ًا أو‬
                                                                                 ‫ر‬
‫مبك ًا، وتتغير مواعيد وجباته الغذائية، خاصة لدى صغار السن والشباب، وهذا بدوره يؤدي إلى‬
                     ‫البنية الهزيلة وضعف المقاومة، ويعرض الجسم لمختلف األمراض بسهولة".‬
 ‫7- أضرار نفسية، يقول الدكتور طارق الحبيب: "إذا استمر ـ أي: على السهر ـ وأصبح عادة‬
            ‫ك‬                                              ‫م‬
    ‫لديه فقد يصبح ذلك التأثير دائ ًا، وتصطبغ به شخصية الفرد وسلوكياته، فيبدو متع ّر المزاج‬
                          ‫ل‬                 ‫م‬
  ‫سريع االستثارة بعض الشيء غير قادر على تح ّل المهام التي تتطّب الجهد والتركيز"، ويقول‬
                                                              ‫ر‬
    ‫الدكتور محمد الصغير: "كثي ًا ما يراجع العيادة النفسية أشخاص لديهم مشكالت نفسية وبدنية‬
 ‫ناتجة عن اضطرابات في النوم، وأهم ذلك الكآبة والحزن، تعكر المزاج وسرعة االنفعال، القلق‬
 ‫والتوتر، ضعف التركيز، سرعة النسيان، الكسل، الفتور وسرعة اإلجهاد"، ويقول الدكتور محمد‬
  ‫عاطف: "أما ما يخص الناحية النفسية فإن اإلنسان يصاب بالهذيان والتشتت الذهني، وقد سجلت‬
                              ‫ال‬
                            ‫بعض الحاالت التي أصيب أصحابها بالجنون من كثرة السهر لي ً".‬
        ‫3– أضراره على ذاكرة اإلنسان والجهاز العصبي، يقول الدكتور فهد الخضيري: "أكدت‬
   ‫الدراسات والبحوث أن السهر من أقوى العوامل المؤثرة على الجهاز المناعي والمثبطة لنشاط‬
    ‫ذاكرة الجسم المناعية وحركة خاليا الجهاز المناعي، وقد ثبت أيضًا أن السهر يعوق طرفيات‬
      ‫الجهاز العصبي وخاليا اإلحساس من أداء عملها بشكل فعال، وللسهر تأثير سلبي حاد على‬
      ‫الجهاز العصبي والمخ، ويتسبب السهر في فقدان التركيز وضعف الذاكرة وبطء االستجابة‬
          ‫ر‬
     ‫العصبية، وينصح من يريد اإلبداع واإلنتاج وزيادة القدرة العقلية والجسدية بالنوم مبك ًا بعد‬
                                                             ‫ر‬
                              ‫العشاء بساعة واالستيقاظ مبك ًا لكي تنتظم حياته وتستقر صحته".‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                        ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                         ‫فنكمل أضرار السهر الصحية ومنها:‬
     ‫2– أضراره في نمو اإلنسان وتكامل بنيته، يقول الدكتور محمد عاطف: "لقد أثبتت األبحاث‬
   ‫العلمية وأوضحت أن الكثير من الهرمونات التي يفرزها الجسم أثناء ساعات النوم ومنها على‬
  ‫سبيل المثال ال الحصر هرمون النمو، وهو مسؤول عن إكساب الجسم المزيد من القوة العضلية‬
 ‫والقوة الذهنية، ومع طول السهر يحرم اإلنسان من إفراز الهرمونات بالصورة الطبيعية، ولوحظ‬
                                      ‫ال‬
‫كذلك زيادة إفراز هرمون الميالتونين أثناء النوم لي ً، وهو المسؤول عن إعطاء الجسم المزيد من‬
   ‫الحيوية والنشاط وإكسابه المزيد من المناعة ضد اإلصابة باألمراض المختلفة بما فيها األورام‬
    ‫الخبيثة، ولذلك نالحظ أن الذين يدمنون سهر الليالي يعانون من الكسل والهزال وضعف البنية‬
    ‫الجسدية". وفي تقرير آخر ذكر أن سهر األطفال يؤدي إلى التأخير في نموهم أو حتى توقفه،‬
 ‫وذلك لعدم إفراز هرمون النمو بكمية كافية، وهذه الهرمونات تنشط البروتينات التي تساعد على‬
‫بناء خاليا الجسم التي يموت منها عشرات اآلالف يوميًا وتقوي العظام وتعطي الطاقة للعضالت.‬
   ‫كما أن هرمون النوم الذي تقوم بإفرازه الغدة النخامية ينظم نشاط الهرمونات التي تساعد على‬
    ‫التئام كسور العظام وتقلل نسبة الكوليسترول في الدم، إضافة إلى أن المعادن التي يحتاج إليها‬
                     ‫الجسم ال تثبت إال ليالً، وثبت علميًا أن النوم مهم ألعضاء الجسم األخرى.‬
 ‫أما الذين يسهرون في الليل وينامون في النهار فإنهم يفتقدون لتلك العملية الحيوية المهمة للجسم؛‬
   ‫ألن نوم النهار ال يعوض وال يعتبر بديالً عن نوم الليل، وذلك بسبب اختالف الجاذبية وطبيعة‬
  ‫جع الل ْ لب وجع النه ر‬
  ‫السكون وعوامل فيزيائية كثيرة، وصدق اهلل العظيم حينما قال: وَ َ َلْنَا َّيلَ ِ َاسًا َ َ َلْنَا َّ َا َ‬
                                                                                              ‫م‬
       ‫َعَاشًا [النبأ:05، 55]، وال يمكن تغيير هذه الطبيعة الفيزيائية وال تغيير طباع اإلنسان لكي‬
   ‫يتعايش معها، فالليل هو السكن، وهو وقت الراحة، ويقول الدكتور محمد عاطف: "وال شك أن‬
‫النوم ليالً له فوائد، ومن تلك الفوائد إبطاء عمل الجهاز العصبي، وهذا يؤدي بدوره إلى مزيد من‬
                                                      ‫ص‬
    ‫الراحة لجميع أجهزة الجسم، وخصو ًا القلب والجهاز التنفسي، وهذه فائدة المحرومون منها‬
          ‫المدمنون على سهر الليالي، فيصابون بأمراض القلب المختلفة والتوترات والقلق الدائم".‬
‫عباد اهلل، صلوا وسلموا على أفضل خلق اهلل محمد بن عبد اهلل عليه أفضل الصالة وأتم التسليم...‬

‫(5/1232)‬




                                                                                         ‫زاد الشاكرين‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                            ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                         ‫أعمال القلوب‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                            ‫سعد بن فجحان الدوسري‬
                                                                                              ‫الصباحية‬
                                                                              ‫جامع ضاحية الصباحية‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كثرة نعم اهلل تعالى وتنوعها. 7- أعظم النعم. 3- وجوب الشكر هلل تعالى. 2- بيان حقيقة‬
         ‫الشكر. 1- شكر األنبياء والصالحين. 6- مكافأة المعروف. 2- التحذير من كفران النعم‬
                                                        ‫بالعصيان. 2- بواعث على شكر اهلل تعالى.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                ‫ه‬                ‫ن ع‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، إ ّ ن َم اهلل على عباد ِ كثيرة، وآالءَه للناس كبيرة، نراها ونشاهدها في‬
                     ‫س‬
 ‫حياتنا ومن حولنا، بل وفي أبداننا، فهذا السمع والبصر، وهذا النطق والح ّ، وهذا الفهم والعقل،‬
 ‫وهذا المشي والقبض والبسط، وهذه نعمة األمن واألمان، ونعمة االستقرار في األوطان، فكم من‬
        ‫وخو‬                ‫د‬
‫الناس من فقدها، فال يدري كيف يصبح، و ال كيف يمسي، قد ه ّد بالسلب والقتل، ِّف بالطرد‬
   ‫والهدم، وهذه نعمة السالمة من الزالزل والفيضانات والمحن، التي تشرد الناس، وتقضي على‬
 ‫األموال والممتلكات، وهذه نعمة الرزق والمال ونعمة الصحة والعافية، وغيرها من نعم اهلل على‬
                                                    ‫وإ ُد ن م الل ِ ت ص‬
       ‫العباد والبالد، َِنْ تَع ُّوا ِعْ َةَ َّه ال ُحْ ُوهَا [النحل:25]، فالحمد هلل على نعمه العظمية،‬
                                                                                   ‫والشكر له على آالئه الجسيمة.‬
                                                                ‫ن‬
‫لكن اعلموا ـ يا عباد اهلل ـ أ ّ أعظم هذه النعم نعمة اإلسالم واإليمان والهداية والقرآن، قال اهلل‬
                        ‫د‬       ‫ْ م ت ُ د ك و م ت ع ُ ن مت ورض ت ُم إل‬
 ‫تعالى: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَ ُمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْكمْ ِعْ َ ِي َ َ ِي ُ لَك ُ ا ِسْالمَ ِينًا [المائدة:3]، فاحمد‬
  ‫اهلل ـ يا عبد اهلل ـ أن أنشأك في بالد المسلمين، وجعل أباك وأمك مؤمنين، فكم من الناس من‬
  ‫َ ل‬                                                                                   ‫ر‬
‫ح ِم هذه النعمة، وعرض لالمتحان واالختبار والبحث عن الهداية لإلسالم، قال اهلل تعالى: وقَاُوا‬
                                         ‫َد الله‬                    ‫َد ل َذ و ُن ل َ ِ‬                  ‫ح ْد ِل َّ‬
                           ‫الْ َم ُ لَّهِ الذِي ه َانَا ِه َا َمَا ك َّا ِنَهْتديَ لَوْال أَنْ ه َانَا َّ ُ [األعراف:32].‬
                             ‫د‬
   ‫وهذه النعم ـ يا عباد اهلل ـ تحتاج إلى شكر هلل تعالى عليها، وحم ًا له على إسدائها وإنعامها،‬
                ‫ب‬      ‫د‬                       ‫ء‬                              ‫ه‬
  ‫وذلك بأن تظ ِر أثر نعمة اهلل على لسانك ثنا ً واعترافًا، وبقلبك شهو ًا ومح ّة، وعلى جوارحك‬
                                                                                                     ‫د‬
                                                              ‫انقيا ًا وطاعة، فهذا هو عالمة الشكر هلل تعالى.‬
                                     ‫عالمة شكر المرء إعالن حمدِه…فمن كتم المعروفَ منهم فما شكر‬
      ‫فاشكر اهلل ـ يا عبد اهلل ـ على عموم نعمه وجميع فضله، فإن بالشكر دوامَ النعم وزيادتها،‬
    ‫ُ ِن‬             ‫َ ُ ز َن ُ و ئ‬                ‫ئ‬
    ‫وبالكفر والجحود ذهابها واضمحاللها، كما قال اهلل تعالى: لَ ِنْ شَكرْتمْ ألَ ِيدَّكمْ َلَ ِنْ كَفَرْتمْ إ َّ‬
                                                                           ‫َ ب َد د‬
  ‫عذَا ِي لَش ِي ٌ [إبراهيم:2]، قال علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه: (إن النعمة موصولة بالشكر،‬
   ‫والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان، فلن ينقطع المزيد من اهلل حتى ينقطع الشكر من العبد)،‬
                   ‫فقل‬
  ‫وقال الفضيل بن عياض رحمه اهلل: "عليكم بمالزمة الشكر على النعم، َّ نعمة زالت عن قوم‬
                                                                                                         ‫فعادت إليهم".‬
                                                               ‫ر‬                         ‫د‬
                                         ‫ومن يس ِ معروفًا إليك فكن له…شكو ًا يكن معروفه غيرَ ضائع‬
                                                                       ‫ق‬            ‫ن‬
                                      ‫وال تبخل ّ بالشكر وال َرض فاجزه…تكن خير مصنوع إليه وصانع‬
                                                                     ‫م‬
‫أيها المسلمون، إن ِن شكر اهلل عن نعمه وحمده على فضله التوجهَ إليه والخضوع بين يديه بأداء‬
 ‫أوامره واالبتعاد عن نواهيه، وهو العبادة له سبحانه، فهذا هو الشكر الحقيقي كما قال اهلل تعالى:‬
                                        ‫كل م َيب ت م َ َ ُ و ُر ِل إ ك ُ ِي ه ُد‬
      ‫ُُوا ِنْ ط ِّ َا ِ َا رزقْنَاكمْ َاشْك ُوا لَّهِ ِنْ ُنْتمْ إ َّا ُ تَعْب ُونَ [البقرة:725]، وقال اهلل تعالى:‬
                                                                         ‫د ُ ش ْر‬         ‫مل‬
     ‫اعْ َُوا آلَ َاودَ ُك ًا [سبأ:35]، فالشكر بالعمل والطاعة واالجتهاد والمثابرة، فهذا هو الشكر‬
                                             ‫د‬         ‫س‬
                                  ‫الذي يريده اهلل ويحبه، وهو الذي أمر به المر َلين وعبا َه الصالحين.‬
 ‫انظر إلى حال أنبيائه ورسله وأوليائه وأحبابه، يقابلون النعم بالشكر والثناء، ويجتهدون في عبادة‬
 ‫ُمة‬                ‫ِن إ ْر‬
 ‫رب األرض والسماء، قال اهلل تعالى عن إبراهيم خليل الرحمن عليه السالم: إ َّ ِب َاهِيمَ كَانَ أ َّ ً‬
                                            ‫ِر عم‬                ‫نت ِل حن ف وَ ك م م ْرك‬
 ‫قَا ِ ًا لَّهِ َ ِي ًا َلمْ يَ ُ ِنَ الْ ُش ِ ِينَ شَاك ًا ألَنْ ُ ِهِ [النحل:075-575]، وقد رزقه اهلل الولد على‬
                                     ‫وإ‬       ‫ح ْد ِل َّذ وه ل عل كب إ م‬                                   ‫ب‬
                 ‫ك َر سنه فقال: الْ َم ُ لَّهِ ال ِي َ َبَ ِي ََى الْ ِ َرِ ِسْ َاعِيلَ َِسْحَقَ [إبراهيم:03].‬
                                          ‫ك‬
   ‫وهذا داود وابنه سليمان عليهما السالم أعطاهم اهلل مل ًا لم يعطه أحدا من الناس، أخبر اهلل عنهم‬
      ‫ر م عب ه م ِن ن‬                     ‫د ُد وس م ع َق ح ْد ِل الذ َض عل‬                                              ‫وَ‬
      ‫فقال: َلَقدْ آتَيْنَا َاو َ َ ُلَيْ َانَ ِلْمًا و َاال الْ َم ُ لَّهِ َّ ِي ف َّلَنَا ََى كَثِي ٍ ِنْ ِ َادِ ِ الْ ُؤْم ِي َ‬
                                                                                                                  ‫[النمل:15].‬
‫ك ِله وم ي ُ ْ ِنم ي ُر‬                          ‫ح ْم‬            ‫ل‬            ‫وَ‬
‫وهذا لقمان الحكيم أخبر اهلل عنه فقال: َلَقدْ آتَيْنَا ُقْمَانَ الْ ِك َةَ أَنِ اشْ ُرْ لَّ ِ َ َنْ َشْكر فَإَّ َا َشْك ُ‬
                                                                              ‫َ ِن الل ِي حم د‬                  ‫ل س وم‬
                                                                  ‫ِنَفْ ِهِ َ َنْ كَفَر فَإ َّ َّهَ غَن ٌّ َ ِي ٌ [لقمان:75].‬
       ‫أما نبينا محمد فقد ضرب أروعَ األمثلة في شكر اهلل تعالى، فعن عائشة رضي اهلل عنها أنها‬
                                                    ‫ر‬
 ‫قالت: كان النبي يصلي من الليل حتى تتو ّم قدماه، فأقول: تفعل ذلك وقد غفر اهلل لك ما تقدم من‬
                                           ‫ر‬      ‫د‬
  ‫ذنبك وما تأخر؟! فيقول: ((أفال أكون عب ًا شكو ًا)) متفق عليه، وكان من دعائه بعد كل صالة:‬
                                                            ‫((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)).‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                              ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
     ‫د‬       ‫ف‬                                     ‫ت‬
 ‫أخي المسلم، إن مما تعارف عليه الناس وا ّفق عليه العقالء أن من أسدى إليك معرو ًا أو ق ّم لك‬
    ‫خدمة فحق له عليك أن تشكره عليها وتحمده ألجلها، بأن تثني عليه بلسانك، وتجتهد في خدمته‬
                                                          ‫د‬                 ‫ح‬
                                              ‫بجوارحك، وتتمنى لو سن َت لك فرصة لكي تر ّ عليه جميله.‬
                                                   ‫ن‬                                               ‫س‬
                                             ‫أح ِن إلى الناس تستبعد قلوبهم…فطالما استبعد اإلنسا َ إحسان‬
                                                    ‫ص‬              ‫د‬
  ‫وليس من األدب أو ر ّ الجميل أن تق ّر في حقه وأنت تستطيع أو تسيء إليه بال ذنب، فإن هذا‬
                                                                      ‫ط‬                   ‫ل‬
          ‫من خُق اللئام وأفعال ال ّغام، لذلك ثبت في الحديث أن النبي قال: ((من أتى إليكم معروفًا‬
    ‫فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له)) رواه البخاري في األدب المفرد والطبراني، فكيف ـ يا عبد‬
                                 ‫د‬
       ‫اهلل ـ إذا كان صاحب المعروف هو اهلل، وليس معروفًا واح ًا بل آالف النعم في كل صباح‬
                                                                                                 ‫ومساء وفي عمرك كله.‬
                                                  ‫ب‬
         ‫وليس من شكرِ اهلل تعالى على نعمه التنك ُ عن أمره واالبتعاد عن طاعته وارتكاب كل ما‬
‫يغضبه ويجلب سخطه، بل هو مدعاة إلى زوال النعمة وذهابها أو انعدامها واضمحاللها، وقد ذكر‬
‫وضر الله م َ ي ك ن منة‬
‫اهلل سبحانه لنا في القرآن قصة قرية لم تقابل النعم بالشكر فقال: َ َ َبَ َّ ُ َثَالً قرْ َةً َا َتْ آ ِ َ ً‬
    ‫ج ع و ْف بم‬               ‫الله لب‬          ‫ُ الل ِ َ‬           ‫م م ِنة ت ه ِ قه ر َد م ُل م ٍ ر‬
   ‫ُطْ َئ َّ ً يَأْ ِي َا رزْ ُ َا َغ ًا ِنْ ك ِّ َكَان فَكَفَ َتْ بِأَنْعمِ َّه فَأذَاقَهَا َّ ُ ِ َاسَ الْ ُو ِ َالْخَو ِ ِ َا‬
                                                                                  ‫ن ي ع‬
    ‫كَاُوا َصْنَ ُونَ [النحل:755]، كما حكى اهلل لنا قصة مملكة سبأ وما أعطاها اهلل من أنواع النعم‬
    ‫لس ٍ ف م ن ِ ية َن ع يم ن وشم كل م‬                                      ‫َ‬
  ‫والخيرات، فلم تشكر، فقال تعالى: لَقدْ كَانَ ِ َبَأ ِي َسْكَ ِهمْ آ َ ٌ ج َّتَانِ َنْ َ ِي ٍ َ ِ َالٍ ُُوا ِنْ‬
          ‫ِ ِ َب ُ و كر ه ب ْ ة َيبة و َب ف ٌ رض َ س ع ِ س ْ َر و َد ُ‬
        ‫رزْق رِّكمْ َاشْ ُ ُوا لَ ُ َلدَ ٌ طِّ َ ٌ َر ٌّ غَ ُور فَأَعْ َ ُوا فَأرْ َلْنَا َلَيْهمْ َيلَ الْع ِمِ َب َّلْنَاهمْ‬
    ‫َ نج ز‬         ‫جز ُ بم َر‬                       ‫م سْ ٍ ل‬          ‫ط و ْل و‬          ‫و أُ‬               ‫َن ِ َن‬
   ‫بِجَّتَيْهمْ جَّتَيْنِ ذَ َاتَيْ ُكلٍ خَمْ ٍ َأَث ٍ َشَيْءٍ ِنْ ِدر قَِيلٍ ذَلِكَ َ َيْنَاهمْ ِ َا كَف ُوا وَهلْ ُ َا ِي‬
                                                                                                                ‫ِال ف‬
                                                                                               ‫إ َّ الْكَ ُورَ [سبأ:65، 25].‬
‫وقد حكى لنا الرسول قصة فيها مثال لشكر النعمة، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أنه سمع النبي‬
     ‫ل‬
  ‫يقول: ((إن ثالثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد اهلل أن يبتليهم، فبعث إليهم مَكا،‬
                              ‫ج‬       ‫ن‬                       ‫ي‬
‫فأتى األبرص فقال: أ ّ شيء أحب إليك؟ قال: لو ٌ حسن و ِلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني‬
‫الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟‬
‫قال: اإلبل ـ أو قال: البقر شك إسحاق إال أن األبرص أو األقرع قال أحدهما: اإلبل وقال اآلخر:‬
   ‫البقر ـ، قال: فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك اهلل لك فيها. قال: فأتى األقرع فقال: أي شيء‬
       ‫أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه،‬
 ‫وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حامال، فقال: بارك اهلل‬
   ‫لك فيها. قال: فأتى األعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد اهلل إلي بصري فأبصر به‬
‫الناس، قال: فمسحه فرد اهلل إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا.‬
    ‫فأنتج هذان وولد هذا، قال: فكان لهذا واد من اإلبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم،‬
      ‫قال: ثم إنه أتى األبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في‬
‫سفري، فال بالغَ لي اليوم إال باهلل ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللونَ الحسن والجلد الحسن والمال‬
                                                                             ‫ر ل‬
  ‫بعي ًا أتبّغ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك! ألم تكن أبرص يقذرك‬
                                                  ‫ت‬
      ‫الناس، فقيرا فأعطاك اهلل؟! فقال: إنما ورث ُ هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا‬
          ‫د‬                                                                          ‫ي‬
 ‫فص ّرك اهلل إلى ما كنت. قال: وأتى األقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، ور ّ عليه مثل‬
                                                ‫فصي‬                             ‫د‬
   ‫ما ر ّ على هذا، فقال: إن كنتَ كاذبا َّرك اهلل إلى ما كنت. قال: وأتى األعمى في صورته‬
 ‫وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فال بالغ لي اليوم إال باهلل‬
  ‫ي‬         ‫د‬         ‫ت‬                           ‫ل‬                  ‫د‬
  ‫ثم بك، أسألك بالذي ر ّ عليك بصرك شاة أتبّغ بها في سفري، فقال: قد كن ُ أعمى فر ّ اهلل إل ّ‬
    ‫بصري، فخذ ما شئتَ ودع ما شئت، فواهلل ال أجهدك اليوم شيئا أخذته هلل، فقال: أمسِك مالك،‬
                                                                            ‫لت‬
                                 ‫فإنما ابتِي ُم، فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك)) متفق عليه.‬
                                           ‫ك‬
    ‫أيها األحبة الكرام، ليس من شكر نعمة اهلل تعالى تر ُ الصالة التي أمر اهلل بها أو اإلفطار في‬
         ‫ج‬                          ‫ق‬
 ‫نهار رمضان لغير عذر شرعي أو منع الزكاة التي هي ح ّ اهلل في المال أو ترك الح ّ الذي هو‬
 ‫ركن من أركان اإلسالم، كما أنه ليس من شكر النعمة محاربة اهلل ورسوله بالربا أو السعي وراء‬
   ‫المسكر و الزنا أو االستهزاء بالدين وشريعة رب العاملين، أعاذنا اهلل وإياكم وجميع المسلمين.‬
                                             ‫عباد اهلل، ومما يعين على شكر اهلل على نعمه ما يلي:‬
    ‫5- القناعة بما قسم اهلل لك من رزق، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن الرسول‬
   ‫قال: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، وال تنظروا إلى من هو فوقكم، فأنه أجدر أن ال تزدروا‬
                                                                      ‫نعمة اهلل عليكم)) متفق عليه.‬
                    ‫َقف ه ِن ُ م ئ ل‬
   ‫7- العلم بأن اهلل سائله عن شكره لنعمه، قال اهلل تعالى: و ِ ُو ُمْ إَّهمْ َسْ ُوُونَ [الصافات:27]،‬
   ‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((يقول اهلل عز وجل يوم‬
‫القيامة: يا ابن آدم: حملتك على الخيل واإلبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر‬
                                                    ‫ُم ت ُن ي مئ ع الن‬
                                ‫ذلك؟! قال اهلل سبحانه: ث َّ لَُسْأَل َّ َوْ َ ِذٍ َنْ َّعِيمِ [التكاثر:2])).‬
   ‫ئ شك ُ‬
 ‫3- العلم بأن النعمة تدوم بالشكر، وتزول وتضمحل بالجحود والكفر، قال اهلل تعالى: لَ ِنْ َ َرْتمْ‬
                                                             ‫َز َن ُ و ئ َ ت ِن َ ب َد د‬
                                                ‫أل ِيدَّكمْ َلَ ِنْ كَفرْ ُمْ إ َّ عذَا ِي لَش ِي ٌ [إبراهيم:2].‬
   ‫2- شكر الناس على معروفهم، ففي سنن أبي داود وأحمد عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
                                            ‫قال رسول اهلل : ((ال يشكر اهلل من ال يشكر الناس)).‬
 ‫اللهم ارزقنا شكر نعمتك، وألهمنا حمدك والثناء عليك، ووفقنا للخير بتوفيقك، واعصمنا من الشر‬
                                                                            ‫بعصمتك يا رب العاملين...‬

‫(5/6232)‬




                                                                                 ‫الحزن في ميزان الشرع‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                             ‫قضايا المجتمع‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                                ‫مكة المكرمة‬
                                                                                               ‫27/2/6725‬
                                                                                             ‫المسجد الحرام‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
‫5- النفس البشرية مفطورة على المشاعر واالنفعاالت. 7- الشعور الحزن واألسف. 3- ضرورة‬
    ‫التوازن واالعتدال في المشاعر واالنفعاالت. 2- حقيقة الحزن. 1- ضرر كثرة الحزن. 6-‬
  ‫ل‬                  ‫ي‬
  ‫الحزن في القرآن الكريم. 2- سبب النهي عن الحزن. 2- الفهم اإلسالم ّ الصحيح في التعام ِ‬
                                               ‫مع األحزان. 0- العالج الشرعي للشعور بالحزن.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                 ‫ي‬                                   ‫ت‬      ‫إن جل‬         ‫ي ن‬                  ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، َّ اهلل َّت قدر ُه وتعالى أمره قد خلَق النفسَ البشر ّة في أحسن تقويم،‬
                        ‫م‬               ‫وحملها في الب ّ والبحر، ورزقها من الطّبات، وفض‬
   ‫َّلها على كثير م ّن خلق تفضيال. وقد كان‬      ‫ي‬                      ‫ر‬
              ‫تعب‬                                                     ‫ت‬               ‫م‬
  ‫م ّا خلقه اهلل في ِلكم النفس المشاعر واالنفعاالت والعواطف واألحاسيس التي ِّر عنها النفس‬
  ‫س‬               ‫ر‬                             ‫م ح‬          ‫من خالل الضحِك والبكاء والهم‬
  ‫ِّ والغ ّ وال ِلم والغضب والحزن والسرور بقد ِ ما يعتري النف َ‬
  ‫وَنه هو‬            ‫كو‬           ‫وَن إ َب م ه وَنه ه‬                                       ‫ل أي‬      ‫ع‬
  ‫من دوا ٍ تستجِب ًّا من تلكم المشاعر، َأ َّ ِلَى رِّكَ الْ ُنْتَ َى َأ َّ ُ ُوَ أَضْحَ َ َأَبْكَى َأ َّ ُ ُ َ‬
                                                                                                       ‫و‬
                                                                                 ‫أَمَاتَ َأَحْيَا [النجم:72-22].‬
                                               ‫س‬          ‫دع‬                            ‫وإن‬
 ‫َّ من بين تلكم المشاعرِ المو َ َة في النف ِ شعورَ الحزن واألسف لدى اإلنسانِ، والذي يعتريه‬
                       ‫ب ن ر‬                                                      ‫ن‬
‫بين الحي ِ واآلخر بسببِ الدواخل والعوارِض المصاحبة له. َيدَ أ ّ كثي ًا من الناس ليس لديهم من‬
     ‫م‬                                    ‫م‬              ‫ع‬                    ‫الوع ِ والتصو‬
     ‫ُّر لهذا الشعور ما يج َلهم يحسنون فه َه ويجيدون التعاملَ معه في حدود الفه ِ‬     ‫ي‬
         ‫ن‬                    ‫د‬                   ‫م ة‬            ‫و‬
‫الصحيح المشروع؛ إذ تترا َح مفاهي ُ جمل ٍ منَ الناس فيه صعو ًا وهبوطًا في حينِ إ ّ الوسط هو‬
                    ‫ر و‬                               ‫ل‬                            ‫العد ُ المقر‬
    ‫َّر، ولذا كان من حكمةِ اهلل ج ّ وعال أن جعلَ تلكم المشاع َ تتنا َب في التفاعلِ مع‬    ‫ل‬
‫د‬                                       ‫ة ال‬                        ‫ر‬
‫اإلنسانِ على وجه العا ِض ال على وجه الديموم ِ، وإ ّ لهلك اإلنسان بدوامِ الحال مع شعور واح ٍ‬
       ‫أن‬       ‫ل‬                             ‫ر ر‬                                    ‫ح‬
‫ف َسب، فالحزن على سبيلِ المثال شعو ٌ يعت ِض المرء أمام المصائب والنواز ِ، غيرَ َّ سالمته‬
                               ‫ب‬         ‫ال‬                                      ‫ر‬
‫واستقرا َ حاله يقتضيان عدمَ دوام هذا الشعور، وإ ّ كان صاح ُه حرضًا أو كان من الهالكين، كما‬
            ‫ة‬           ‫ٍ خش‬                   ‫أ ّه في الوقت نف ِه لو عاش دائمَ الفرح ال يتطر‬
   ‫َّق إليه الحزن بوجه ل ُ ِي عليه قسو ُ القلب أو‬                          ‫س‬              ‫ن‬
 ‫َ َتانه، قال إبراهيم التيمي رحمه اهلل: "ينبغي لمن لم يح َن أن يخاف أن يكون من أهلِ النار َّ‬
 ‫ألن‬                               ‫ز‬                                                     ‫مو‬
                       ‫ح ْد ِل َّ َ ه َن حز ِن َب ف ر ك ر‬
 ‫أهل الجنة قالوا: الْ َم ُ لَّهِ الذِي أذْ َبَ ع َّا الْ َ َنَ إ َّ ر َّنَا لَغَ ُو ٌ شَ ُو ٌ [فاطر:23]، وينبغي لمن‬
   ‫ل م فق َ َن الله‬                ‫ِن ُن ْ ُ ف‬                      ‫ن‬
   ‫لم يشفق أن يخاف أن ال يكون من أهل الج ّة ألنهم قالوا: إ َّا ك َّا قَبل ِي أَهِْنَا ُشْ ِ ِين فَم َّ َّ ُ‬
               ‫ن‬                                                     ‫السم‬      ‫َ‬       ‫َ‬          ‫ع‬
   ‫َلَيْنَا وَوقَانَا عذَابَ َّ ُومِ [الطور:67، 27]"(5)[5]، وقال الفضيل رحمه اهلل: "إ ّ القلب إن لم‬
                                                                                          ‫ن‬
                                                       ‫يكن فيه حز ٌ كالبيت إذا لم يكن فيه ساكن"(7)[7].‬
   ‫زن‬                                               ‫ح‬                     ‫ة‬         ‫والمحصل‬
   ‫َِّة الباعث ُ على استقرار النفس و ُسن تعايشها مع المشاعر ـ عبادَ اهلل ـ هو التوا ُ ُ‬
  ‫د‬                                               ‫ع‬
 ‫واالعتدال، فال ينبغي للمرءِ أن يطلقَ لنفسه ال ِنان في المغاالةِ في الحزن والمداومة عليه اعتما ًا‬
                               ‫ِ‬          ‫بت حت ن‬
    ‫على أحاديثَ منسوبةٍ إلى النبي ال تث ُ ُ ص ّ ُها بأ ّه كان متواصلَ األحزان(3)[3]، أو كما في‬
                                                                      ‫ب َ‬          ‫ن‬
                                                    ‫الخبر اآلخر: ((إ ّ اهلل يح ّ كل قلب حزين))(2)[2].‬
      ‫الحزن ـ أيها الناس ـ نقي ُ الف َح والسرور، وهو ما يحصل لوقو ِ َكروه أو فواتِ أم ٍ‬
      ‫ر‬                 ‫عم‬                             ‫ض ر‬
  ‫م‬            ‫ر‬              ‫اشتد‬        ‫م‬                            ‫م يتعل‬
 ‫محبوب، وأ ّا ما َّق بالمستقبل فإنه يقال له: ه ّ، وإذا ما َّ الحزن حتى يص ِفَ المرءَ ع ّا‬
       ‫ه‬                            ‫َز‬                                            ‫د‬
 ‫هو بص َدِه ويقطعه عن مواصلةِ الطريق فإنه يقال له: ج َع، وهو أبلغ من الحزن، وقد ن ِيَ عنه‬
                                                                                                           ‫شرعًا.‬
                       ‫ب‬                ‫أن‬                  ‫َ‬           ‫ِّ ِ‬       ‫إن‬
‫ثم َّ من المتقرر في هذا الصددِ ـ عبادَ اهلل ـ َّ كثرةَ الحزن سب ٌ لضعف البدن كما ذكر ذلك‬
                                         ‫جماع ٌ من أهل العمل وال ِكمة، غيرَ أ ّه ع َض جبلي‬
    ‫ٌّ فِطري ينتاب بني البشَر عندما يغالبون‬    ‫ن ر‬               ‫ح‬                  ‫ة‬
    ‫ل‬          ‫ألن‬                                                   ‫حن‬
   ‫صروفَ الحياة وم َ َها، وهو ميدان ال بد للمرء من نزوله على هذه البسيطة؛ َّ المرء مبتًى‬
          ‫ق ل َن ُ‬                  ‫حس الن س ي ْرك‬
     ‫في هذه الحياة الدنيا ال محالةَ، كما قال تعالى: أَ َ ِبَ َّا ُ أَنْ ُت َ ُوا أَنْ يَ ُوُوا آمَّا وَهمْ ال‬
     ‫ي‬                        ‫ِ س‬            ‫ن‬            ‫ن‬                              ‫ي ن‬
‫ُفْتَ ُونَ [العنكبوت:7]. والحزن مرته ٌ بالبالء لك ّه في الوقت نف ِه ليس من المطالبِ الشرع ّة وال‬
                         ‫ي‬              ‫ن‬                     ‫َر‬                ‫من المستحب‬
      ‫َّات في كثير من صو ِه، وما االستحباب وال ّدب إال في كيف ّة التعامل معه ال في‬
    ‫ر‬        ‫ع‬                             ‫د‬                                         ‫ل‬
   ‫تحصيِه وإيجادِه، قال عكرمة رحمه اهلل: "ليس أح ٌ إال وهو يفرح ويحزن، ولكن اج َلوا الف َح‬
                                                                                                  ‫ن ر‬            ‫شر‬
                                                                                         ‫ُك ًا والحز َ صَب ًا"(1)[1].‬
  ‫زن‬         ‫و هن و‬                                 ‫منهي‬
‫فالحزن ـ عباد اهلل ـ لم يرِد في القرآن إال ًّا عنه، كما في قوله تعالى: َال تَ ُِوا َال تَحْ َ ُوا‬
 ‫ْز ِن الله‬                                ‫و ْز ع ِ‬                                                 ‫و ُ‬
 ‫َأَنْتمْ األَعْلَوْنَ [آل عمران:035]، وقوله: َال تَح َنْ َلَيْهمْ [الحجر:22]، وقوله: ال تَح َنْ إ َّ َّ َ‬
                                                         ‫و ْز َ ل ُ‬                                ‫مع‬
                       ‫َ َنَا [التوبة:02]، وقوله َال يَح ُنْك قَوُْهمْ [يونس:16] واآليات في ذلك كثيرة.‬
‫د‬        ‫يحز‬                    ‫ب‬                                                   ‫بب‬
‫وس َ ُ النهيِ عن الحزن أنه ال مصلحةَ فيه للقلب، بل هو أح ّ شيءٍ إلى الشيطان أن ِّنَ العب َ‬
‫ل ْز َّذ ن‬              ‫م الش‬       ‫ِنم الن‬                            ‫ق‬                       ‫ع‬
‫ليقطَ َه عن مواصلَةِ طريق الح ّ، كما قال سبحانه وتعالى: إ َّ َا َّجْوَى ِنْ َّيْطَانِ ِيَح ُنَ ال ِي َ‬
           ‫ة‬                      ‫ر‬                          ‫ِال ِ الل‬                 ‫من و س ب َار ِ‬
       ‫آ َ ُوا َلَيْ َ ِض ِّهمْ شَيْئًا إ َّ بِإذْنِ َّهِ [المجادلة:05]، وقول ال ّسول : ((إذا كنتم ثالث ً فال‬
                                ‫ز‬                ‫ن‬                                  ‫ج‬
    ‫يتنا َى اثنان دون اآلخر حتى تختلطوا بال ّاس من أجل أن يح ِنَه)) رواه مسلم(6)[6]، وكقول‬
                                                             ‫ي‬
      ‫النبي في أنواع الرؤيا المنامّة: ((ورؤيا تحزين من الشيطان)) رواه البخاري ومسلم(2)[2].‬
            ‫ع‬            ‫ٌ‬              ‫ل‬                  ‫أ ّها المسلمون، َّ الفهمَ اإلسالمي‬
    ‫َّ الصحيح في التعام ِ مع األحزان فهم فريد من نو ِه، وإنما‬              ‫إن‬             ‫ي‬
          ‫ي َد ضي‬                                     ‫ن‬          ‫ن‬            ‫مة‬        ‫اختص‬
 ‫َّت به أ ّ ُ اإلسالم دو َ غيرها أل ّ مفهوم غيرِ المسلمين في التعامل معها ُع ّ ِّقَ النطاق‬
               ‫ل ل‬                              ‫ل‬                                         ‫ف‬
   ‫تا ِهَ الغاية ضعيفَ العِالج؛ إذ ينحصر التعام ُ مع األحزان عندهم في العوي ِ والّطم واالنتحار‬
    ‫إال م‬         ‫ز‬                   ‫ِّئَة وتعاطي المس ِرا ِ والمخد‬
   ‫ِّرات والغناء والمعا ِف ليس َّ، وأ ّا‬     ‫ك ت‬                                    ‫والمصح‬
                                                                  ‫َّات والعقاقير المهد‬
   ‫ص‬     ‫و د‬       ‫ِ م‬                                                      ‫ي‬         ‫م‬
‫الفه ُ اإلسالم ّ فقد تجاوز مثلَ ذلكم التعامل بمراحل ليست هي من بابة فَه ِهم في ِر ٍ وال َدر،‬
                                                                       ‫ر‬               ‫ي‬       ‫م‬
                                                                     ‫فصار الفه ُ الشرع ّ للحزن خمسة أض ُب:‬
      ‫ل‬                                                                        ‫ن‬          ‫و‬
  ‫أ ّلها: الحز ُ المكروه كراهةَ تنزيه، وهو الذي يكون على فواتِ أمرٍ من أمور الدنيا، ومث ُ هذا‬
       ‫و ف‬       ‫ص ب م مص ب ٍ ف َ‬                                  ‫يتغل‬
      ‫الضرب ينبغي للمرء أن َّب عليه لقوله تعالى: مَا أَ َا َ ِنْ ُ ِي َة ِي األرْضِ َال ِي‬
         ‫ُ و‬             ‫عل‬                 ‫ْر ِن ل عل الل ي ر ل‬                         ‫فس ُ إ َّ ف ك ب م ْ ل‬
       ‫أَنْ ُ ِكمْ ِال ِي ِتَا ٍ ِن قَبْ ِ أَنْ نَب َأَهَا إ َّ ذَِكَ ََى َّهِ َسِي ٌ ِكَيْال تَأْسَوْا ََى مَا فَاتَكمْ َال‬
                                                           ‫ُ َالل ُ ي ِب ُل م ٍ خ‬                      ‫ْرح ب‬
                                       ‫تَف َ ُوا ِمَا آتَاكمْ و َّه ال ُح ُّ ك َّ ُخْتَال فَ ُورٍ [الحديد:77، 37].‬
     ‫وال ّرب الثاني: الحزن الواج ُ، وهو الذي ُّ شر ًا من شروط التوبةِ النصوح، والمتمث‬
 ‫ِّل في‬                               ‫يعد ط‬             ‫ب‬                       ‫ض‬
                                      ‫ب‬                  ‫ن ح ن‬
       ‫الندم على فعل المعصية، وال ّدم ُز ٌ في القلب يكون بس َبِ ما اقترفته اليدان من المعاصي‬
                                                                                                                   ‫والذنوب.‬
               ‫ع‬                   ‫ب‬                   ‫ب‬
  ‫والضرب الثالث: الحزن المستح ّ، وهو الذي يكون بس َب فوات الطاعة وضيا ِها على المرء،‬
   ‫و عل َّذ ِذ‬                       ‫ي‬         ‫م‬
  ‫كما في قوله تعالى عن موقفِ الفقراء الذين لم يح ِلهم النب ّ في غزوة تبوك: َال ََى ال ِينَ إ َا‬
    ‫مل ُ ع ه َل و ين ُ ف ض م الد حز َال جد م‬                                             ‫ل م ُ ْ ق َ جد‬
   ‫مَا أَتَوْكَ ِتَحْ ِلَهم ُلْت ال أَ ِ ُ مَا أَحْ ُِكمْ َلَيْ ِ تَوَّوا َأَعْ ُُهمْ تَ ِي ُ ِنْ َّمْعِ َ َنًا أ َّ يَ ِ ُوا َا‬
   ‫و ِف ب الله‬                      ‫يك ن‬           ‫ُ ني ء رض‬                  ‫ي ق ِن الس ل عل َّذ ي ْذن‬
   ‫ُنفِ ُونَ إ َّمَا َّبِي ُ ََى ال ِينَ َسْتَأ ِ ُونَكَ وَهمْ أَغْ ِ َا ُ َ ُوا بِأَنْ َ ُوُوا مَعَ الْخَ َال ِ وَطَ َعَ َّ ُ‬
     ‫َلَى ُُو ِهمْ فَهمْ ال َعْلَ ُونَ [التوبة:70، 30]. فهم هنا م ِحوا على ما َّ عليه الحزن من ق ّ ِ‬
     ‫وة‬                  ‫دل‬           ‫د‬                               ‫ي م‬          ‫ع قل ب ِ ُ‬
          ‫ز‬                                                                 ‫ل‬
   ‫إيمانهم، حيث تخّفوا عن رسول اهلل لعجزِهم عن النفقةِ، بخالف المنافقين الذين لم يح َنوا على‬
                                                                                              ‫س‬                   ‫ل‬
                                                                                        ‫تخّفهم، بل غَبطوا نفو َهم به.‬
           ‫أحل‬          ‫ز‬     ‫ب‬
          ‫والضرب الرابع عباد اهلل: هو الحزن المباح، وهو الذي يكون بس َب نا ِلة ومصيبةٍ َّت‬
                                         ‫ل‬      ‫م‬                            ‫د‬
 ‫بالمحزون كفق ِ ولدٍ أو صديق أو زوجةٍ أو أ ّ أو واِد، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السالم في‬
       ‫فَقدِ ابنه يوسف عليه السالم: وقَالَ َا أَسَ َى ََى ُو ُفَ َابْي َّتْ َيْنَا ُ ِنَ الْحزْنِ فَ ُوَ كَظِي ٌ‬
       ‫م‬         ‫ه‬        ‫ُ‬      ‫َ ي ف عل ي س و َض ع ه م‬
             ‫ن‬
‫[يوسف:22]، وكما فعل النبي حينما مات ولده إبراهيم فقال: ((إن العينَ لتدمع، وإ ّ القلب ليحزن،‬
                                                         ‫وال نقول إال ما ير ِي الرب ن‬
       ‫َّ، وإ ّا على فراقك ـ يا إبراهيم ـ لمحزونون)) رواه البخاري‬ ‫ض‬
                                                                                                             ‫ومسلم(2)[2].‬
 ‫ل‬                          ‫والضرب الخامس من ضروب الحزن: هو الحز ُ المذموم المحر‬
 ‫َّم، وهو الذي يكون على تخاذ ِ‬            ‫ن‬
   ‫زك‬            ‫َي الرس ل‬                                     ‫ش‬     ‫ق‬
   ‫المتخاذلين والمعرضين عن الح ّ وعن ِرعة اهلل تعالى لقوله تعالى: يَا أُّهَا َّ ُو ُ ال يَحْ ُنْ َ‬
   ‫ع س ع ث ه إ َ ي من ب َذ‬                                   ‫َل‬                             ‫َّذ يس رع َ ف ك ْ‬
  ‫ال ِينَ ُ َا ِ ُون ِي الْ ُفرِ [المائدة:52]، وقوله: فَلَعَّكَ بَاخِ ٌ نَفْ َكَ َلَى آ َارِ ِمْ ِنْ لمْ ُؤْ ِ ُوا ِه َا‬
                    ‫و ْز ع ِ و ُ ف ض ق ِم ي ُر‬                                                      ‫َد‬
     ‫الْح ِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، وقوله: َال تَح َنْ َلَيْهمْ َال تَك ِي َيْ ٍ م َّا َمْك ُونَ [النمل:02]،‬
                                                                          ‫س ع ِ ح َر‬               ‫َه‬
                                                            ‫وقوله: فَال تذْ َبْ نَفْ ُكَ َلَيْهمْ َس َاتٍ [فاطر:00].‬
     ‫ر د‬               ‫ب‬                           ‫ن‬
  ‫ويستثنى من ذلكم ـ عباد اهلل ـ إذا كان الحز ُ لما أصابَ أمثالَ هؤالء سب ُه االعتبا ُ واال ّكار‬
           ‫ص‬               ‫ض‬                                                    ‫م‬
      ‫واستحضار عظ َة اهلل سبحانه وقدرَته على االنتقام من المعاندِين ال ّالين، كما في ق ّة أبي‬
‫الدرداء رضي اهلل عنه حينما بكى وحزن وقد رأى دولةَ األكاسرة تهوي تحتَ أقدام المسلمين، وقد‬
                                                    ‫ز‬
    ‫قال له رجل: يا أبا الدرداء، تبكي في يومٍ أع ّ اهلل اإلسالمَ وأهله؟! فقال أبو الدرداء رضي اهلل‬
‫ة‬
‫تعالى عنه: (ويحك يا هذا، ما أهونَ الخلق على اهلل إذا أضاعوا أمرَه، بينما هي أمة قاهرة ظاهر ٌ‬
                                                                                                             ‫ر‬
                                                                      ‫ت َكوا أمرَ اهلل فصاروا إلى ما ترى)(0)[0].‬
 ‫َال إ َّ أَوِْ َاءَ َّ ِ ال خَوْ ٌ َلَيْهمْ َال همْ يَحْ َ ُونَ ال ِينَ آ َُوا َكَاُوا ي َّ ُونَ لَهمْ الْ ُشْ َى ِي الْ َ َا ِ‬
 ‫ُ ب ر ف حي ة‬                      ‫ف ع ِ و ُ زن َّذ من و ن َتق‬                                          ‫أ ِن لي الله‬
                                       ‫م‬          ‫ْز‬         ‫ه‬          ‫ل لم الل‬                  ‫خ ِ‬       ‫الد َف‬
                        ‫ُّنْيَا و ِي اآل ِرَة ال تَبْدِيلَ ِكَِ َاتِ َّهِ ذَلِكَ ُوَ الْفَو ُ الْعَظِي ُ [يونس:76، 26].‬
                     ‫ت ذ‬               ‫ه‬           ‫ي‬      ‫ع‬
‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآنِ العَظيم، ونف َني وإ ّاكم بما في ِا من اآليا ِ وال ّكرِ الحكيم، قد قلت ما‬
                 ‫ن ن فر‬                 ‫ف‬                          ‫ً‬               ‫م‬
               ‫قلت، إن صوابًا ف ِنَ اهلل، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغ ِر اهلل إ ّه كا َ غ ّا ًا.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                              ‫نبي‬
                                                       ‫الحمد هلل وحدَه، والصالة والسالم على من ال َّ بعدَه.‬
                                                                                   ‫وبعد: فاتقوا اهلل معاشر المسلمين.‬
                     ‫ر دل‬                   ‫ئ‬     ‫د‬                            ‫ع‬      ‫أن‬
    ‫واعلموا َّ من س َةِ اإلسالم وسماحته أنه لم ي َع شي ًا لألمة فيه خي ٌ إال َّها عليه، ومن ذلكم‬
  ‫ط ُق التعا ُل مع شعورِ الحزن الذي يعتري اإلنسا َ، فلقد كان الموقف اإلسالم ّ غايةً في إتقا ِ‬
  ‫ن‬               ‫ي‬                          ‫ن‬                                   ‫م‬        ‫ر‬
                       ‫ب‬              ‫ع‬                ‫التعامل مع األحزان، وذلك من خالل التعو‬
 ‫ُّذِ منها قبل وقو ِها، ثم بالمثو َةِ على الصبر عليها بعد‬
                                                                           ‫ع‬
                                                                        ‫وقوعها، ثم في طريقة رفعها بعد وقو ِها.‬
         ‫م‬                                 ‫ة ذ‬                                   ‫َ‬
‫فقد كان من صورِ التعامل معها قبل الوقوع كثر ُ تعو ّ النبي منها كما في قوله : ((الله ّ إني أعوذ‬
                                                                                             ‫م‬
                                                  ‫بك من اله ّ والحزن)) الحديث رواه البخاري ومسلم(05)[5].‬
  ‫وأ ّا في مقام ما للصا ِر على األحزان التي تصيبه فقد قال النبي : ((ما يصيب المر َ من نص ٍ‬
  ‫ب‬       ‫ء‬                                                        ‫ب‬                  ‫م‬
                                ‫ف‬            ‫ك ي‬                           ‫م‬         ‫و‬
‫وال َصب وال ه ّ وال حزن وال أذى حتى الشو َة ُشاكها إال ك ّر اهلل بها خطاياه)) رواه البخاري‬
                                                                                                                   ‫ومسلم(55)[7].‬
                                    ‫ء‬               ‫ء‬                     ‫ع‬                      ‫م‬
                          ‫وأ ّا في التعامل معها لرف ِها بعد وقوعها فقد جا َت الشريعة بدوا َين ناجعين:‬
            ‫د‬                             ‫ة‬            ‫يسم‬       ‫أحدهما: دواء حسي ّي‬
‫ٌّ ماد ّ وهو ما َّى بالتلبينَ ِ، وهي طعام يصنَع من حسَاء من َقيق أو نخالة‬
   ‫م‬                                                                 ‫ك‬             ‫عس‬
  ‫فيه َ َل أو لَبن أو ِالهما، لما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي اهلل عنها أنها كانت تأ ُر‬
       ‫ن‬                                                                            ‫ت‬
       ‫بال ّلبين للمريض أو للمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول اهلل يقول: ((إ ّ‬
                ‫د‬       ‫ِم‬                                                    ‫م‬          ‫ت‬
   ‫ال ّلبينَة تج ّ فؤادَ المريض وتذهب ببعض الحزن))(75)[3]، وقوله: ((تج ّ الفؤا َ)) أي: تريحه.‬
 ‫م‬             ‫ط‬                                   ‫دل‬        ‫ي‬      ‫ء‬
 ‫وأما اآلخر: فهو دوا ٌ معنو ّ روحاني َّ عليه المصطفى بقول: ((ما قال عبد ق ّ إذا أصابه ه ّ‬
         ‫ٍ في م ع ٌ في‬          ‫د‬             ‫مت‬                             ‫لم‬
         ‫وحزن: الّه ّ إني عبدك وابن عبدِك وابن أ َ ِك، ناصيتي بي ِك، ماض َّ حك ُك، َدل َّ‬
   ‫ق‬        ‫د‬       ‫عل‬                ‫ت‬                                   ‫ل‬
 ‫قضاؤك، أسألك بك ّ اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزل َه في كتابِك، أو َّمته أح ًا من خل ِك،‬
    ‫ء‬           ‫ر‬
    ‫أو استأثرتَ به في علمِ الغيب عندك، أن تجعلَ القرآنَ العظيم ربيعَ قلبي ونو َ صدري وجال َ‬
                                                 ‫هم‬                        ‫م‬
‫حزني وذهاب ه ّي، إال أذهب اهلل عز وجل َّه وأبدله مكانَ حزنه فرحًا))، قالوا: يا رسول اهلل،‬
                         ‫م ن يتعل‬                                            ‫نتعل‬
               ‫ينبغي لنا أن َّم هؤالء الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمن س ِعه ّ أن َّمهن)) رواه‬
                                                                                                                     ‫أحمد(35)[2].‬
 ‫يضاف إلى ذلكم ـ عباد اهلل ـ العالج المعنو ّ وهو محادَثة المحزون نف َه واستحضاره عظم َ‬
 ‫ة‬                ‫ِ س‬                      ‫ي‬
       ‫دَ‬          ‫ب‬                      ‫ن‬                            ‫ن‬
  ‫اهلل وقضاءَه وقدره وأ ّ ما أصابه لم يكن ليخطئَه وأ ّ ما أخطأه لم يكن ليصي َه، حتى ته َأ نفسه‬
           ‫ي‬                       ‫ي‬       ‫ح ب‬               ‫يسم‬
          ‫ويزولَ عنه ما يجد، وهذا ما َّى في اصطال ِ الط ّ النفس ّ المعاصر بالعالج الذهن ّ.‬
   ‫إ َّ ال ِين قَاُوا ر ُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَقَا ُوا تَتَ َز ُ َلَيْهمْ الْمَال ِكَ ُ أ َّ تَ َا ُوا َال تَح َ ُوا َأَبْ ِ ُوا ِالْج َّ ِ‬
   ‫ئ ة َال خ ف و ْزن و شر ب َنة‬                                        ‫م ن َّل ع ِ‬                   ‫ِن َّذ َ ل َب الله ُم‬
      ‫ه فس ُ ول ُ‬               ‫ِ ة و ُْ ف ه م‬          ‫الت ك ُ ت َد ن ن لي ؤ ُ ْ ف ح الد َف‬
    ‫َّ ِي ُنْتمْ ُوع ُو َ نَحْ ُ أَوِْ َا ُكم ِي الْ َيَاةِ ُّنْيَا و ِي اآلخرَ ِ َلَكم ِي َا َا تَشْتَ ِي أَن ُ ُكمْ ََكمْ‬
                                                                            ‫ف ه م َدع ُزال م ف ٍ ح‬
                                                           ‫ِي َا َا ت َّ ُونَ ن ُ ً ِنْ غَ ُور رَ ِيمٍ [فصلت:03-73].‬
                          ‫م‬     ‫ي‬              ‫ي‬                                ‫ل‬
 ‫هذا وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على خيرِ البر ّة وأزكى البشر ّة مح ّد بن عبد اهلل صاحبِ الحوض‬
                    ‫ي‬             ‫والشفاعة، فقد أمركم اهلل بأمر ب َأ فيه بنفسه، وثنى بمالئكته المسب‬
          ‫ِّحة بقدسه، وأ ّه بكم أيها‬                              ‫د‬
                        ‫لم‬         ‫َل ع ه َ َلم‬           ‫ي َيه َّذ ن من‬                 ‫ل‬
    ‫المؤمنون، فقال ج ّ وعال: َا أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ وسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61]، وقال‬
                         ‫صلوات اهلل وسالمه عليه: ((من صلى علي صالة صلى اهلل عليه بها عشرا)).‬
            ‫ن‬                                 ‫ل‬       ‫م‬             ‫م‬        ‫ل م صل‬
‫الّه ّ ِّ على مح ّد وعلى آل مح ّد كما صّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إ ّك حميد مجيد،‬
    ‫ن‬                                             ‫ر‬         ‫م‬             ‫م‬
   ‫وبارك على مح ّد وعلى آل مح ّد كما با َكت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إ ّك‬
                                                                                                                     ‫حميد مجيد...‬
                                                                           ‫__________‬
 ‫(5) رواه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (ص03)، وأبو نعيم في الحلية (2/157)، والبيهقي في‬
                                                                         ‫الشعب (5/251).‬
‫(7) رواه أبو نعيم في الحلية (7/063) من كالم مالك بن دينار، وانظر: صفة الصفوة (3/327)،‬
                                                             ‫وسير أعالم النبالء (1/363).‬
 ‫(3) رواه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (ص27)، واآلجري في الشريعة، والطبراني في الكبير‬
‫(77/115)، والبيهقي في الشعب (7/215) عن هند بن أبي هالة رضي اهلل عنه، قال ابن القيم في‬
‫مدارج السالكين (5/201): "حديث ال يثبت، وفي إسناده من ال يعرف"، وقال الهيثمي في المجمع‬
                                                                ‫(2/222): "فيه من لم يسم".‬
    ‫(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (ص27)، والطبراني في مسند الشاميين (0225،‬
   ‫7507)، وأبو نعيم في الحلية (6/00)، والبيهقي في الشعب (5/151)، والخرائطي في اعتالل‬
  ‫القلوب، وابن عدي في الكامل (7/03)، والقضاعي في مسند الشهاب (1205) عن أبي الدرداء‬
   ‫رضي اهلل عنه، وصححه الحاكم (2222)، وأعله الذهبي بأبي بكر بن أبي مريم واالنقطاع في‬
   ‫إسناده، قال ابن القيم في مدارج السالكين (5/201): "ال يعرف إسناده، وال من رواه، وال تعلم‬
 ‫صحته"، وضعفه األلباني في السلسلة الضعيفة (322). وفي الباب عن معاذ رضي اهلل عنه وهو‬
                                                        ‫في السلسلة الضعيفة أيضا (2553).‬
                                                      ‫(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/153).‬
  ‫(6) صحيح مسلم: كتاب السالم (2257) من حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا‬
                                                      ‫البخاري في كتاب االستئذان (0076).‬
‫(2) صحيح البخاري: كتاب التعبير (2566)، صحيح مسلم: كتاب الرؤيا (3677) من حديث أبي‬
                                                                    ‫هريرة رضي اهلل عنه.‬
 ‫(2) صحيح البخاري: كتاب الجنائز (3035)، صحيح مسلم: كتاب الفضائل (1537) من حديث‬
                                                                      ‫أنس رضي اهلل عنه.‬
    ‫(0) أخرجه الطبري في تاريخه (7/706)، وأبو نعيم في الحلية (5/257)، وابن الجوزي في‬
                                                                        ‫المنتظم (2/263).‬
   ‫(05) صحيح البخاري: كتاب الدعوات (3636، 0636)، صحيح مسلم: كتاب الذكر (6027)‬
                                                          ‫عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه.‬
    ‫(55) صحيح البخاري: كتاب المرضى (7261)، صحيح مسلم: كتاب البر (3217) عن أبي‬
                                                        ‫سعيد وأبي هريرة رضي اهلل عنهما.‬
           ‫(75) صحيح البخاري: كتاب الطب (0261)، صحيح مسلم: كتاب السالم (6577).‬
  ‫(35) مسند أحمد (5/203، 712) من حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا البزار‬
‫(2005)، وأبو يعلى (2071)، والطبراني في الكبير (05/065)، والحاكم (2225)، وصححه ابن‬
                                                ‫حبان (720)، وهو في السلسلة الصحيحة (005).‬

‫(5/2232)‬




                                                                          ‫منزلة األعمال من اإليمان‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                 ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫أعمال القلوب, حقيقة اإليمان‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                   ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                             ‫الرياض‬
                                                                                       ‫27/2/6725‬
                                                                      ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- حقيقة اإليمان. 7- ارتكاز األعمال الصالحة على العقيدة الصحيحة. 3- ضالل من ينادي‬
 ‫بفصل األعمال عن اإليمان. 2- اإليمان الحق ينتج األعمال الصالحة. 1- ابتداء األنبياء دعوتهم‬
     ‫بتصحيح العقيدة. 6- أهمية اإلخالص وآثاره. 2- منزلة األخالق الكريمة. 2- حبوط العمل‬
                                                                              ‫الخالي من اإلخالص.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                       ‫حق‬                     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                               ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اتقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
      ‫ن‬        ‫أن‬            ‫ب‬                  ‫ص ة‬           ‫م‬         ‫ء ف‬
      ‫عبادَ اهلل، أجمع علما ُ سل ِ هذه األ ّة من ال ّحاب ِ والتابعين ومن تَ ِعهم بإحسانٍ َّ اإليما َ‬
‫ف ية ء‬             ‫ي‬                          ‫وأن‬    ‫ل‬      ‫ر ن‬           ‫م‬                      ‫ُكو‬
‫م َّن من عقيدةِ القَلب وع َلِ الجوا ِح وُطقِ الّسان، َّ األَعمالَ الصالحةَ القول ّةَ وال ِعل ّ َ جز ٌ‬
                            ‫م‬        ‫ي ن ل‬                     ‫ن‬       ‫ك‬         ‫ن‬                ‫م‬
‫ِن أجزاءِ اإليما ِ، فال يم ِن إيما ٌ بال عمل، وأ ّ إيما ٍ خا ٍ من الع َل فهو إيمان ال حقيقةَ له؛ إذ‬
                                                                                 ‫حق‬
         ‫لو كان إيمانًا ًّا ألنتجَ األعمالَ الصالحة ودعَا إلى االلتزام باألعمال واألخالقِ الكريمة.‬
                 ‫ك‬                              ‫ج حق ن‬               ‫وسن‬            ‫م‬        ‫إن‬
   ‫َّ من يتأ ّل كتابَ اهلل َّة محمَد لي ِد ًّا أ ّ األعمالَ الصالحة إنما هي مرت ِزة على العقيدة‬
 ‫ال ّليمة، َّ العقيدة الح ّةَ هي التي تدعو إلى التزامِ األعمال والقيا ِ بالواجبا ِ والفرائض والتخل‬
‫ُّق‬              ‫ت‬          ‫م‬                                           ‫ق‬             ‫وأن‬     ‫س‬
                                                                                   ‫ة‬         ‫سي‬        ‫ض‬
                                                                                  ‫باألخالق الفا ِلة وال ّ َر النبيل ِ.‬
                                 ‫ل‬                ‫ِ ع َل‬                   ‫وكل ل‬             ‫ي‬
       ‫أ ّها المسلم، ُّ عم ٍ مبتورٍ عن العقيدة ف َم ٌ ال أثرَ له وعم ٌ ال استقرارَ له، بل هو عمل‬
 ‫ن‬                           ‫خ‬                      ‫ب‬                             ‫ل‬           ‫ر‬
‫مبتو ٌ، بل هو عم ٌ ال حقيقةَ له، وال ينفَع صاح َه ال في الدنيَا وال آ ِرة، وإن نفَعه في الدنيا زم ًا‬
                                               ‫ب‬                           ‫ق‬              ‫ت ن َل‬
                                       ‫ووق ًا لك ّه عم ٌ مبتور، ال يب َى له أثر، وفي اآلخرة العذا ُ األليم.‬
                 ‫ب‬                                                             ‫إن‬
   ‫أخي المسلم، َّ هناك من ينادِي إلى تكوينِ فئةٍ مسلمةٍ أو جماعةٍ مسلمة أو حز ٍِ مسلم، ينادون‬
     ‫ن‬               ‫م‬                        ‫وسم‬                        ‫ة‬            ‫ن‬
 ‫بتكوي ِه، هذه الفئ ُ أو الجماعة أو األحزاب ـ ِّ ما شئت ـ ما حقيقة إسال ِها؟! ينادون بأ ّه ال‬
      ‫ن‬                        ‫َ ي َّل‬                  ‫بأن‬
      ‫ارتباطَ بين اإليمان واألعمال، ينادون َّ العقيدة الصحيحة ال ُعو ُ عليها، ينادونَ بأن تكو َ‬
     ‫مفر ة‬                 ‫ة‬                                                      ‫ي‬
     ‫العالقة عالقةً إسالم ّة، لكن ال صلَةَ لها بالعقيدة، وال ارتباطَ لها بالعقيد ِ، فيرونَ العقيدة ِّق ً‬
                         ‫ي‬                                     ‫د‬                                 ‫ش‬
     ‫لل ّمل، ويرون العقيدةَ عائقةً دون تق ّمِهم وأعمالهم، ويرون العقيدةَ السلَف ّة الصالحة عقبةً أمام‬
                                                                               ‫ل‬
                                ‫آرائهم وأفكارهم، ك ّ ذلك من تزيين الشيطانِ وتحسينه، ويأبى اهلل ذلك.‬
    ‫ي‬          ‫د‬        ‫ت‬       ‫ئ‬                        ‫ح‬                          ‫إ ّ اإليمان الحق‬
  ‫َّ هو الذي ينتج أعماالً صال َة، فاإليمان باهلل وأسما ِه وصفا ِه، إفرا ُه بالعبود ّة،‬           ‫ن‬
    ‫ْ ل ك م الل َز حك ِن‬                                                                               ‫ص‬
   ‫إخال ُ الدين له هو الذي يدعو إلى األعمالِ الصالحة، تَنزِي ُ الْ ِتَابِ ِنْ َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِيمِ إ َّا‬
       ‫وم‬               ‫ه الد أ ِل الد ن ِص‬                     ‫ِّ ُ الل م ل‬                ‫ك ب‬              ‫ز إ‬
      ‫أَن َلْنَا ِلَيْكَ الْ ِتَا َ بِالْحَق فَاعْبدْ َّهَ ُخِْصًا لَ ُ ِّينَ َال لَّهِ ِّي ُ الْخَال ُ [الزمر:5-3]، َ َا‬
      ‫أ ِر ِال لي ُد الل م لص ه الد ح ء ويق م الص وي ت الز َ لك د ن َيمة‬
      ‫ُم ُوا إ َّ ِ َعْب ُوا َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ِّينَ ُنَفَا َ َ ُ ِي ُوا َّالةَ َ ُؤْ ُوا َّكَاةَ وذَِ َ ِي ُ الْق ِّ َ ِ‬
                                                                                                              ‫[البينة:1].‬
                 ‫ن‬       ‫د‬                          ‫ال‬                        ‫ت‬      ‫َّد ت‬          ‫ر‬
       ‫ولذا ن َى محم ًا يفتَ ِح دعو َه بالدعوة إلى "ال إلهَ إ ّ اهلل"، يبدأ دعوتَه كما ب َأ إخوا ُه األنبياء‬
               ‫د‬           ‫َ‬                 ‫د‬                                   ‫د‬              ‫س‬
    ‫والمر َلون قبله، بال ّعوة إلى توحيدِ اهلل، إلى إخالصِ ال ّين هلل، إلى أن يفردَ اهلل وح َه بالعبادة،‬
            ‫ة‬                               ‫قي ك‬               ‫بة‬                          ‫تعل‬
   ‫إلى ُّق القلبِ باهلل رجاءً ومح ّ ً وخوفًا. ب ِ َ بم ّةَ عشرَ سنين لم تفرَض عليه صال ٌ وال زكاة‬
                     ‫ث‬                     ‫لن‬          ‫د‬          ‫ي‬                      ‫ي‬
      ‫وال أ ّ فريضة، وإنما التوحيد ُبدِئ ويعي ُ فيه، ويعِ ُه ويدعو إلَيه، ويجتَ ّ جذورَ الشرك من‬
        ‫ت‬                              ‫َّ ال ّر ِ واإليما ُ محل‬
 ‫َّ الكفرِ جاءت الفرائض والواجبا ُ؛ ألنها‬  ‫ن‬                         ‫حل‬
                                                     ‫القلوب، حتى إذا َّ التوحيد محل ش ك‬
                                                                                   ‫دل‬                 ‫مة‬
                                                        ‫مك ّل ٌ لهذا الدين وال ّاّة على صدقِ اإليمان وحقيقته.‬
                                     ‫ص‬                                               ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، انظر إلى أهلِ اإلخالص كيف يكون إخال ُهم، وما هي آثار إخالصِهم في أعمالهم.‬
      ‫و َ ل لس‬                          ‫ر‬         ‫ق‬                               ‫ص ن‬          ‫ر‬
   ‫آثا ُ إخال ِهم أ ّ هذه األعمالَ التي يعملونها يب َى لهم ذك ٌ في الدنيا واآلخرة، َاجْعلْ ِي ِ َانَ‬
   ‫ل‬                 ‫ب‬                            ‫ل م‬                         ‫ِر‬      ‫ِ ٍف‬
‫صدْق ِي اآلخ ِينَ [الشعراء:22]. أعما ٌ ع ِلوها أخلَصوها هلل يجدون ثوا َها عند اهلل، المخِصون‬
     ‫ال ينح ِفون عن أعماِهم، المخلصون مستقيمون على طاعتهم، المخِصون موا ُِون لألعما ِ‬
     ‫ل‬          ‫صل‬        ‫ل‬                                      ‫ل‬           ‫ر‬
        ‫الل ِ ُر د م ُ َز ء و شك ر ِن‬                      ‫ِن ن عم ُ ل‬                     ‫ل‬
       ‫الصالحة، قال اهلل ج ّ وعال عنهم: إ َّمَا ُطْ ِ ُكمْ ِوَجْهِ َّه ال ن ِي ُ ِنْكمْ ج َا ً َال ُ ُو ًا إ َّا‬
     ‫ْ و ُر ر َز ُ‬              ‫ْم وَق ُ‬           ‫ر َ ه الله َر ل‬                        ‫ف م َب ي عب س‬
   ‫نَخَا ُ ِنْ رِّنَا َوْمًا َ ُو ًا قَمْطَرِي ًا فَوقَا ُمْ َّ ُ ش َّ ذَِكَ الْيَو ِ َل َّاهمْ نَضرَةً َس ُو ًا وَج َاهمْ‬
                                                                                      ‫بم ص َر َنة ح ر‬
                                                                     ‫ِ َا َب ُوا ج َّ ً وَ َرِي ًا [اإلنسان:0-75].‬
  ‫تذك‬               ‫م‬        ‫ل هم ي تذك‬                     ‫دم‬             ‫ص‬          ‫ل‬      ‫خ‬
 ‫أ ِي المسِم، اإلخال ُ يمنَع العب َ ِن معاصي اهلل، كّما َّ بس ّئة َّر المقا َ بين يديِ اهلل، َّر‬
      ‫ل‬     ‫وكل‬            ‫ل سر‬      ‫ن‬           ‫م‬                 ‫وأن‬      ‫واط ع‬
     ‫علمَ اهلل به ِّال َه عليه َّ اهللَ يسمَع كال َه ويرى مكا َه ويعَم َّه وعالنيتَه، ُّ أعماِه‬
 ‫ن و ل م ه م ْ ُ ن و مل ن م ع َ ِال ُن‬                                  ‫م و ك ُف‬                        ‫م ب‬
‫يعل ُها ر ّه قبل أن يع َلَها، َمَا تَ ُون ِي شَأْ ٍ َمَا تَتُْوا ِنْ ُ ِن قرْآ ٍ َال تَعْ َُو َ ِنْ َملٍ إ َّ ك َّا‬
     ‫َر ٍ ف َ ْض و ف السم ء و‬                ‫ع ُ شه د ِ تف ض ف ه و ي زب ع َبك م م‬
   ‫َلَيْكمْ ُ ُو ًا إذْ ُ ِي ُونَ ِي ِ َمَا َعْ ُ ُ َنْ ر ِّ َ ِنْ ِثْقَالِ ذ َّة ِي األر ِ َال ِي َّ َا ِ َال‬
                                                                     ‫َر م لك و َ ِال ف ك ب مب‬
                                                       ‫أَصْغ َ ِنْ ذَِ َ َال أَكْبرَ إ َّ ِي ِتَا ٍ ُ ِينٍ [يونس:56].‬
         ‫ت وحق‬                  ‫ن‬           ‫ق‬
    ‫أجل أ ّها المسلم، كّما تذ ّر العب ُ ِلمَ اهلل، كّما قام ب َلبه اإليما ُ بأسماء اهلل وصفا ِه َّق ذلك‬
                                                      ‫ل‬           ‫دع‬        ‫ك‬      ‫ل‬            ‫ي‬
   ‫ة‬        ‫ل أن‬     ‫د‬
   ‫َّأ من ك ّ معبو ٍ سِوى اهلل، كّما َّحد توحي ُه وعِم َّ العباد َ‬
                              ‫ل ات‬               ‫د‬      ‫ل‬                                  ‫ن ل‬
                                                                ‫اإليما َ، كّما أفرد اهللَ بالعبادة وتبر‬
         ‫د ر‬                ‫ن‬        ‫ع‬                                                     ‫كل‬
        ‫َّها لخالقِ األرض والسماء، عند ذلك يقوَى اإلخالص ويتضا َف اليقي ُ ويزداد العب ُ خي ًا‬
                                                                                                                         ‫وهدى.‬
             ‫رض‬           ‫ري‬            ‫مر‬                          ‫س‬         ‫نبي‬
     ‫انظر إلى ِّ اهلل يو ُف عليه السالم والمحن التي َّت به والمغ ِ َات التي ع َ َت له كيف‬
           ‫ص‬            ‫ح بب‬          ‫ب‬             ‫ُ‬           ‫م ت‬           ‫و‬         ‫تخط‬
 ‫َّاها وتجا َزها رغ َ كثر ِها، ما السبب في ذلك؟ الس َب واض ٌ، س َ ٌ واحد، إخال ُه هلل حماه‬
       ‫م‬                 ‫ِنه م عب د م ص‬                               ‫َ ل ل ْر ع ه الس ء و‬               ‫كل‬
      ‫من ِّ سوء، كذَِكَ ِنَص ِفَ َنْ ُ ُّو َ َالْفَحْشَاءَ إ َّ ُ ِنْ ِ َا ِنَا الْ ُخْلَ ِينَ [يوسف:27]. ل ّا‬
                       ‫أخلصَ هللِ توحي َه أخلص ِ عقيدتَه صار هذا اإلخال ُ سببًا ِّقاء المحر‬
   ‫َّمات والقيام بالواجب.‬       ‫الت‬      ‫ص‬                        ‫هلل‬     ‫د‬             ‫َ‬
                                                  ‫ه‬            ‫ُ ل‬                            ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلم، كم ينفَع اإلخالص أهَه، وكم ينجي ِم من المضائِق والهموم، انظر إلى الثالثةِ الذين‬
     ‫ت‬            ‫ي‬        ‫ر‬              ‫د‬                          ‫ة‬                ‫ب‬
    ‫انط َقَت عليهم الصخر ُ في الغار، فأصبَحوا ال يق ِرون على أن يخ ُجوا، ال ُسمَع لهم صو ٌ،‬
‫البار‬                                                                 ‫ففك‬       ‫و‬
‫وال حولَ وال ق ّةَ لهم، َّروا فالتَجؤوا إلى اهلل، وسألوا اهلل بما قام بقلوبهم من إخالصهم هلل، ُّ‬
        ‫ء‬           ‫ف‬       ‫ر ن‬                         ‫ت‬                      ‫لم‬
       ‫بوالديه قال: الّه ّ إن كنت تعلَم أني فعل ُ ذلك ابتغاء وجهِك فاف ُج ع ّا، فان َرج عنهم شي ٌ،‬
  ‫ن‬              ‫ء‬           ‫ت ت‬            ‫ب‬                                         ‫المترف‬
‫ِّع عن المعاصي بعد القدرةِ عليها قال: يا ر ّ، إن كن ُ فعل ُ ذلك ابتغا َ وجهك فافرج ع ّا،‬
     ‫فر‬        ‫ر ن‬                          ‫ت ت‬                         ‫فانف َج عنهم شيء، المؤد‬
   ‫ِّي لألمانة قال: إن كن ُ فعل ُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فاف ُج ع ّا، فان َ َجت‬               ‫ر‬
                                                                                                      ‫ة ر‬
                                                                                      ‫الصخر ُ وخ َجوا يمشون(5)[5].‬
                     ‫ط‬       ‫ٍ م‬            ‫ل‬       ‫م‬                                       ‫ر‬
           ‫تلك آثا ُ اإلخالص، تلك آثار العقيدةِ الصحيحة، أ ّا العم ُ بال عقيدة فع َل حابِ ٌ في الدنيا‬
     ‫واآلخرة، وإن نال به أصحاُه عرضَ الدنيا، لكنه عند اهلل حابِ ٌ، قال جل وعال: َنْ كَانَ ي ِي ُ‬
     ‫ُر د‬           ‫م‬               ‫ط‬                                  ‫ب‬
‫الْ َيَاةَ ُّنْيَا َ ِينَتَهَا ُو ِّ ِلَيْهمْ أَعْمَالَهم ِي َا وَ ُم ِيهَا ال ُبْخَ ُونَ ُوْلَئِكَ َّ ِينَ لَيْسَ لَهم ِي اآلخ َ ِ‬
‫ِرة‬       ‫ُْ ف‬             ‫الذ‬          ‫ي س أ‬               ‫ُْ ف ه هْ ف‬                 ‫ن َف إ ِ‬             ‫ح الد وز‬
                                                    ‫ن ي مل‬             ‫ِال الن ر وح م ص ع ف وب ِل‬
                                   ‫إ َّ َّا ُ َ َبِطَ َا َنَ ُوا ِيهَا َ َاط ٌ مَا كَا ُوا َعْ َُونَ [هود:15، 65].‬
                 ‫ل‬              ‫ن‬                       ‫ء‬                      ‫إن‬             ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلمون، َّ األخالقَ الكريمةَ جز ٌ من إيمانِ المسلم، فدي ُه يدعوه إلى ك ّ خير، ويربأ به‬
                               ‫د‬        ‫ث‬             ‫ة‬            ‫عن كل رذيلةٍ، أال تسمَع النبي‬
   ‫َّ يقول: ((آي ُ المنافق ثال ٌ: إذا ح ّث كذَب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا‬                      ‫ِّ‬
      ‫د‬               ‫ائ ُ ِن خان، وإن َّى وصام وز َم أنه مسلم))(7)[7]؛ إذِ اإلسالم الحقيقي‬
  ‫ُّ واإليمان الصا ِق هو‬                                     ‫ع‬          ‫صل‬           ‫تم‬
      ‫والن‬       ‫ن‬        ‫ة‬
    ‫َّى بال ّدق وال ّلَة واألمان ِ والبيا ِ والوضوح ُّصح‬
                                       ‫ص‬       ‫ص‬                      ‫ر‬              ‫َل‬
                                                      ‫الذي يحِّي العبدَ بمكا ِم األخالق، فيتحل‬
   ‫وبذلِ المعروف واألخالقِ العال َة التي دعا إليها دي ُ اإلسالم، وص َق اهلل في وصف ِّه: َإ َّ َ‬
   ‫نبي وِنك‬                  ‫د‬             ‫ن‬                    ‫ي‬
           ‫م‬                    ‫خل‬       ‫ل‬      ‫خل‬                                      ‫ع خل‬
 ‫لَ َلى ُُقٍ عَظِيمٍ [القلم:2]، تقول عائشة: هذا ُُق رسو ِ اهلل، ُُقه القرآن(3)[3]، يع َل بأوامره،‬
     ‫َّق بأخالقه، وأخال ُ اإلسالم َّة على العقيدَة الصحيح ِ‬
     ‫ة‬                      ‫مبني‬       ‫ق‬                                ‫ويجت ِب نواه َه، ويتأد‬
                                                         ‫َّب بآدابه، ويتخل‬      ‫ي‬       ‫ن‬
                                                                                                                               ‫حق‬
                                                                                                                             ‫ًّا.‬
    ‫عمل م عم ٍ جع ه هب ء م ث ر‬                           ‫َ َد إ‬                 ‫َ‬          ‫مبي‬     ‫ل‬
   ‫قال اهلل ج ّ وعال ِّنًا حالَ عدمِ اإلخالص: وق ِمْنَا ِلَى مَا َ ُِوا ِنْ َ َل فَ َ َلْنَا ُ َ َا ً َنْ ُو ًا‬
  ‫ي َن عملك و ك َن م‬                     ‫ر‬        ‫ئ‬             ‫و َ أ ح إ ك وإل َّذ ن م ْ‬
‫[الفرقان:37]، وقال: َلَقدْ ُو ِيَ ِلَيْ َ ََِى ال ِي َ ِن قَبْلِكَ لَ ِنْ أَشْ َكْتَ لَ َحْبَط َّ َ َُ َ َلَتَ ُون َّ ِنْ‬
                                                                                               ‫ِر‬
                                                                                ‫الْخَاس ِينَ [الزمر:16].‬
                              ‫ل‬             ‫َم‬    ‫قم‬          ‫ي‬
  ‫لقد كان عندَ العرَب في جاهل ّتهم أخال ٌ ِن كر ٍ وشجاعةٍ وبذ ِ معروفٍ إلى غير ذلك، لكن لما‬
             ‫كانَت تلك األخالق ال ارتباطَ لها بالعقيدةِ لم تنفَع أصحا َها. سأل عد ّ بن حاتم النبي‬
‫َّ عن أبيه حاتم‬            ‫ي‬           ‫ب‬                                        ‫ِ‬
        ‫ئ‬               ‫إن‬                          ‫م‬       ‫م َم ب‬          ‫ن‬
       ‫طيء وما له من مكا ٍ وعظي ِ كر ٍ و َذلٍ لل َعروفِ إلى غير ذلك قال: (( َّ أباك أرادَ شي ًا‬
 ‫ل‬               ‫ً‬                           ‫ل‬                    ‫ل‬
 ‫فنالَه))(2)[2]، يعني ما كان عمُه خالصًا، وما كان عمُه هلل، وإنما أرادَ أبوك ثناء في الدنيا فنا َ‬
                                                                                         ‫َ‬
                                                          ‫هذا الثناء فقط، وليس له في اآلخرة اعتبار.‬
     ‫نت‬         ‫ر و‬          ‫ر‬          ‫ع‬                   ‫سألت عائش ُ رضي اهلل عنها النبي‬
‫َّ عن عبد اهلل بن جد َان الذي ع ِف بالك َم و َصفوا جف َ َه بما‬                  ‫ة‬
     ‫َر‬             ‫و َفوها به َّ الراك َ ربما أ َل منها وهو را ِب ِعظَم شأنها والنبي ح‬
   ‫ُّ زا َم عليها في صغ ِه:‬            ‫ك ل‬               ‫ك‬        ‫ب‬       ‫وأن‬       ‫ص‬
           ‫أ َنفع ابن جدعان ذلك؟ قال: ((ال، إ ّه لم يقل َومًا من ال ّه ِ: ِّ اغ ِر لي خطيئَتي يو َ‬
           ‫م‬                ‫د ر رب ف‬                ‫ي‬         ‫ن‬                                ‫ي‬
                                                                                                    ‫د‬
                                                                                         ‫ال ّين))(1)[1].‬
           ‫ر‬                                  ‫ل‬              ‫ل‬                                   ‫ذ‬
     ‫إ ًا فاألعمال التي ال عقيدةَ لها أعما ٌ حابِطة وأعما ٌ مبتورَة وأعمال ال تبقَى وال تستم ّ، إنما‬
      ‫ر‬          ‫خ‬                        ‫ّد‬          ‫ع‬                               ‫ر‬       ‫ق‬
   ‫يب َى الخي ُ المربوط بالعقيدة، ولهذا لما ب َث اهلل محم ًا ودخَل في اإلسالم من د َل فيه وقا َنوا‬
                                 ‫َّ ِهم وبين اإلسالم ع َفوا عظي َ ِعمة اهلل عليهم وتصو‬
       ‫َّروا ذلك الباطلَ الذي عاشوه‬                 ‫من‬         ‫ر‬                  ‫بين جاهليت‬
                   ‫ت‬                                                      ‫وضالَه وأخطا َه، ثم تصو‬
       ‫َّروا نعمةَ اهلل عليهم باإلسالمِ واإليمان، فازدادوا ثبا ًا في إيمانهم‬       ‫ء‬        ‫ل‬
     ‫تق‬                        ‫م‬                       ‫واستقامةً على إسالمِهم، وع َفوا الحق‬
    ‫َّ من الباطل، ولذا قال ع َر رضي اهلل عنه: (إنما ُن َض‬      ‫ر‬
       ‫ر‬                             ‫ر‬
      ‫عرَى اإلسالم عروةً عروةً إذا نشَأ في اإلسالم من ال يع ِف الجاهلية)(6)[6]، فمن لم يع ِف‬
                                                          ‫م‬                               ‫ي‬
                                         ‫الجاهل ّةَ وضاللها وأخطاءَها لم يكن فه ُه لإلسالم صحيحًا.‬
     ‫ت‬       ‫ع‬               ‫ورب‬   ‫ل‬                   ‫ل‬        ‫ر‬                        ‫م‬
  ‫مح ّد لما أراد اهلل به الخي َ وأن يجعَه خاتمَ أنبيائه ورسِه ـ ُّك أعلَم حيث يج َل رسال َه ـ‬
             ‫ح‬               ‫ب‬         ‫ت‬         ‫ق‬                      ‫كل لق‬        ‫بل‬
  ‫ج ََه على ِّ خُ ٍ كريم، فعاش في األخال ِ منذ نشأ ِه إلى أن ُعث، كان من نكا ٍ ولم يكن من‬
 ‫ن‬           ‫ة‬                ‫ِف‬               ‫ِ‬               ‫ِ‬         ‫ن‬
‫سِفاح، كان على جا ِبٍ من مكارمِ األخالق وفضائلِ األعمال. تعر ُه قريش منذ نعوم ِ أظفاره بأ ّه‬
                            ‫ي‬                 ‫ر‬           ‫ة ل‬            ‫ص‬
      ‫الصادق األمين، فال ّدق واألمان ُ خُقان له ، ع ِف بهما في الجاهل ّة، حتى إذا جاء اإلسالم‬
‫وحا َل أن ِّبَ من ِّب قالوا بألسنَ ِهم خالفَ ما يعت ِدون؛ ولذا قال اهلل: فَإ َّ ُم ال ُك ِّ ُونَ َ ََك َّ‬
‫ِنه ْ ي َذب ك ول ِن‬                                 ‫ق‬                ‫ت‬               ‫يكذ‬     ‫يكذ‬    ‫و‬
        ‫لم أ‬            ‫و ر‬         ‫ُ‬                                 ‫الل حد‬                 ‫الظ لم ن‬
 ‫َّاِ ِي َ بِآيَاتِ َّهِ يَجْ َ ُونَ [األنعام:33]. عندما جاءه الوحي في أ ّل م ّةٍ ارتاع ِ َا رَى، فأتى‬
                  ‫ال‬           ‫ر‬                             ‫ي أم‬                 ‫ت‬
  ‫خديجةَ زوج َه المباركة الط ّبة َّ المؤمنين فقال وأخبرها بما ج َى، فقالت: ك ّ واهلل، ال يخزيك‬
              ‫اهلل أب ًا؛ إ ّك لت ِل الرحم وتقرِئ الضيفَ وتك ِب المعدو َ وتعي ُ على نوائب الحق‬
       ‫ِّ(2)[2].‬             ‫ن‬      ‫م‬         ‫س‬                          ‫د ن ص‬
                                      ‫ع ليتم‬                         ‫َد‬
                    ‫فصلوات اهلل وسالمه عليه أب ًا دائمًا إلى يوم الدين. ب ِث ِّمَ مكارمَ األخالق.‬
    ‫أ ّها المسلم، فاعلم َّ َّ أعمالِك وأقوالك إن ت ُن مرتَ ِزة على عقيدةٍ إيمان ّة صالحة فاألخال ُ‬
    ‫ق‬                ‫ي‬                    ‫ك‬       ‫ك‬                      ‫أن كل‬                 ‫ي‬
        ‫ي‬                      ‫ة‬                ‫ي‬               ‫قر‬
   ‫واألعمال تنفَع وتدوم وتست ِ ّ، وإن كانت مبن ّةً على غير عقيد ٍ وعلى غير منهجٍ إسالم ّ يجعل‬
                                                         ‫َ‬           ‫فإن‬            ‫ء‬
                       ‫األعمال جز ًا من اإليمان َّ هذه األخالق ال استقرارَ لها وال ثباتَ ألهلها.‬
    ‫ة‬                 ‫د‬       ‫ة‬                  ‫ي‬              ‫ة‬          ‫ق‬
    ‫فأخالق المؤمنين أخال ُهم الكريم ُ وأعمالهم الط ّبة وصفاتهم الحميد ُ امتدا ٌ لعقيدتهم الصحيح ِ‬
 ‫ن‬                ‫د‬            ‫ن‬                      ‫ن‬        ‫رب‬       ‫ن‬
‫التي قامَت بقلوبهم من إيما ٍ باهلل ًّا، إيما ٍ بأسمائه وصفاته، إيما ٍ بإخالصِ ال ّين له، إيمان بأ ّه‬
            ‫ي‬                    ‫ر‬        ‫رك‬
    ‫الناف ُ الضا ّ، وأنه ي ِب أن يقص َ بالعَم ِ وال يش َ َ معه غي ُه، وفي الحديث القدس ّ: ((يقول‬
                                                     ‫ل‬        ‫َد‬        ‫ج‬         ‫ر‬      ‫ع‬
                 ‫ت‬                               ‫م‬         ‫ش‬
‫اهلل: أنا أغنى الشركاءِ عن ال ّرك، من ع ِل عمالً أشرك معيَ فيه غيري ترك ُه وشركَه))(2)[2]،‬
    ‫ه‬        ‫ل‬          ‫ل ال‬                     ‫ب‬
  ‫وفي لفظ: ((وأنا منه بريء))(0)[0]. فاهلل ال يق َل من أعمالنا وأقواِنا إ ّ ما كان خاِصًا لوج ِه،‬
                                           ‫ممتدة م‬                                  ‫ه‬        ‫غ‬
                       ‫نبت ِي به وج َه والدارَ اآلخرة، األعمال واألقوال َّ ٌ ِنَ العقيدةِ السليمة.‬
        ‫هج ط‬                            ‫ر‬           ‫م جي‬              ‫م‬                ‫ن‬       ‫م‬
       ‫أ ّا إيما ٌ بال عقيدة إسال ٌ بال توحيد َنه ٌ ُقام على غي ِ هذا التوحيد الخالص فمن َ ٌ با ِل‬
   ‫َّ رب‬          ‫ِ‬         ‫وال‬                     ‫ر بد‬
  ‫وأعمال حابِطَة، ال قيمةَ لها وال اعتبا َ. ال َّ من تصحيحِ العقيدة أ ّ ً؛ بأن يعتقدَ المسلم أن َّه‬
       ‫َ‬            ‫ت‬              ‫وأن‬               ‫ل‬        ‫َ‬       ‫ق‬
    ‫وحده هو المستح ّ ألن تصرفَ له ك ّ أنواع العبادة، َّ حركاته وسكنا ِه يجب أن تكون في‬
                  ‫ِق‬                                    ‫ل‬                         ‫يقر‬
       ‫سبيل ما ِّبه إلى اهلل زلفى وفي سبي ِ ما يعلي شأنَه وفي سبيل ما يجعله صاد ًا في أقواله‬
                                                                                              ‫وأعماله.‬
               ‫ء‬          ‫ع‬                     ‫ل‬
     ‫أال ترَى الصحابة رضي اهلل عنهم ومن سلَك مسَكهم من التابعين وتاب ِيهم وعلما ِ هذه األمة‬
     ‫ع‬       ‫ق‬               ‫ر‬            ‫ن‬      ‫ب‬                 ‫ف‬                      ‫ف‬
‫الذين ح ِظ اهلل بهم الشريعةَ ح ِظ اهلل بهم الكتا َ والس ّة ما هي آثا ُهم؟ ما هي أخال ُهم؟ يد َى لهم‬
                  ‫د‬                           ‫في الّي ِ والنهار، ُّ من ق َأ لهم دعَا لهم وترح‬
  ‫َّم عليهم. وانظر إلى أهل الب َع وأهلِ المقاالت‬                 ‫ر‬      ‫وكل‬         ‫لل‬
 ‫الباطلة كيف انتَ َت آثا ُهم، وكيف ق ِرت أخال ُهم، وإن ذ ِروا ذ ِروا بما اشتَ َلوا َليه من العي ِ‬
 ‫ب‬            ‫م ع‬                ‫ك‬      ‫ك‬          ‫ق‬        ‫ب‬           ‫ر‬      ‫ه‬
                  ‫ب‬                                 ‫ل‬        ‫ل‬             ‫ل‬
   ‫لإلسالم وأهله. فأه ُ التوحيد الخاِص هم أه ُ األعمال الصالحة، وإذا خالَ القل ُ من توحيدِ اهلل‬
 ‫ل‬                                    ‫ل‬        ‫ت‬        ‫ي‬             ‫ت‬              ‫ن‬
 ‫واإليما ِ بأسمائه وصفا ِه وكمالِ ربوبّته وقدر ِه على ك ّ شيء، إذا خالَ القلب من هذا فاألعما ُ‬
                                                                                      ‫ال تنفَع وال تفيد.‬
                                                          ‫لكل َ‬            ‫يوف‬
                            ‫أسأل اهلل أن ِّقَني وإياكم ِّ عملٍ يرضيه، إنه على كل شيء قدير.‬
                                              ‫ي‬
‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                              ‫ل‬
  ‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه،‬
                                                                                ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                              ‫الحم ُ هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا مباركًا فيه كما يحب ب‬
   ‫ُّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحده ال‬                  ‫د ر يب‬                 ‫د‬
  ‫م ر‬            ‫وسل‬                                            ‫د‬     ‫أن‬
 ‫شريك له، وأشهد َّ محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، َّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                        ‫إلى يوم الدين.‬
                                                        ‫حق‬               ‫ات‬          ‫ي‬
                                                ‫أما بعد: فيا أ ّها الناس، َّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
 ‫م‬            ‫ر‬           ‫ُسع‬     ‫ّل‬            ‫و ن‬
 ‫عبادَ اهلل، يومَ القيامة إذا جمع اهلل الخالئقَ األ ّلي َ واآلخرين أو ُ من ت َّر بهم النا ُ ثالثة: عال ٌ‬
        ‫ُ‬     ‫م‬          ‫رب تعل ت‬                             ‫د‬             ‫ف‬
    ‫وقارِئ للقرآن، يوقِ ُه اهلل بين ي َيه، فيسأله: ماذا؟ فيقول: يا ِّ، َّم ُ فيك العل َ وقرأت فيك‬
     ‫ٌ‬                           ‫ح‬      ‫م‬
  ‫القرآن، فيقال له: كذبتَ، ليقَال: قارِئ أو عالم، فيؤ َر فيس َب على وجهه إلى النار. ومقاتل في‬
                                        ‫ت‬       ‫رب‬                    ‫د‬
      ‫سبيل اهلل يوقِفه اهلل بين ي َيه فيسأله، يقول: يا ِّ، قاتل ُ في سبيلك، يقول اهلل: كذبتَ ليقال:‬
  ‫ّ ء‬            ‫ر‬                     ‫جريء فقد قيل، فيؤ َر فيس َب على وج ِه في النار. ومتصدق‬
  ‫ِّ ٌ أنفَق األموالَ لم ي ِد بها إال ريا ً‬              ‫ه‬         ‫ح‬      ‫م‬
‫وسمعة، ليقال: هذا الكريم، وهذا المن ِق، وهذا المح ِن، وهذا المع ِي، واهلل يعلم أ ّه ما أراد وج َ‬
‫ه‬             ‫ن‬                ‫ط‬             ‫س‬             ‫ف‬
         ‫ال ت‬                      ‫حب‬           ‫ت‬         ‫رب‬
    ‫اهلل، وإنما أراد ثناءَ الناس عليه، فيقول: ِّ، ما ترك ُ سبيالً ت ِ ّ أن ينفَقَ فيه إ ّ أنفَق ُ فيه،‬
                                ‫ه‬         ‫ح‬      ‫م‬              ‫فيقال له: كذبتَ، ِ ُقال: متصدق‬
              ‫ِّ ٌ فقد قيل، فيؤ َر فيس َب على وج ِه في النار(05)[5].‬      ‫لي‬
                 ‫ل ب‬           ‫م‬                                                     ‫ل كل‬          ‫ذ‬
     ‫إ ًا فاألعما ُ ُّها إذا لم تكن على عقيدةِ اإلخالص هلل وقصدِ اهلل بالع َل فأعما ٌ حا ِطَة ال تنفَع‬
      ‫ُ سب َن ُ‬                   ‫َل س ي ُ ْ ف حي الد‬              ‫الذ‬                ‫َر‬            ‫ب ُ َ ن َبئ ُ‬
    ‫صاح َها، قلْ هلْ ُن ُِّكمْ بِاألَخْس ِينَ أَعْمَاالً َّ ِينَ ض َّ َعْ ُهم ِي الْ َ َاةِ ُّنْيَا وَهمْ يَحْ َ ُونَ أَّهمْ‬
       ‫ه م‬             ‫ر‬                  ‫مة‬        ‫ة‬                             ‫ي سن ن ص ع‬
     ‫ُحْ ِ ُو َ ُنْ ًا [الكهف:305، 205]. فالعقيدَ ُ السلي َ ُ يجب أن تكونَ مصد ًا لكل من َج وأ ّة،‬
      ‫ب‬     ‫ل‬             ‫هج‬                ‫م‬         ‫ي م يدع‬               ‫ي‬            ‫ي‬
  ‫وأ ّ منهجٍ أو أ ّ سلوكٍ أو أ ّ تج ّع ِّي اإلسال َ مع انفصالِ من َ ِهم عن األعما ِ ومع ُعدهم‬
                 ‫ل‬        ‫ألن‬           ‫ل‬                       ‫ج ط‬              ‫الحق ِ‬
‫عن األعمالِ َّة فتلك مناه ُ با ِلة، ال بقاءَ لها، بل أهُها في تبارٍ َّهم لم يخِصوا هلل أعمالَهم،‬
                            ‫ن‬      ‫ل‬            ‫ن‬            ‫م‬              ‫ب‬               ‫ة‬
    ‫فالعقيد ُ التي تقوم بقل ِ مؤمن من تعظي ِه هلل وإيما ِه باهلل ورسوِه ودي ِه هو الباقي له، قال اهلل‬
       ‫ِم‬        ‫َ ب ُ ُم جد ف فس ِ ح‬                                ‫و َب َ ي من ن َت ي َكم ف‬
      ‫تعالى: فَال َر ِّك ال ُؤْ ِ ُو َ ح َّى ُح ِّ ُوكَ ِيمَا شَجرَ َيْنَهمْ ث َّ ال يَ ِ ُوا ِي أَن ُ ِهمْ َرَجًا م َّا‬
 ‫لم من و م م ِ ض الله َرس له أ ْر‬                                ‫و‬                        ‫ل‬       ‫ض وي َلم‬
‫قَ َيْتَ َ ُسِّ ُوا تَسِْيمًا [النساء:16]، وقال: َمَا كَانَ ِ ُؤْ ِ ٍ َال ُؤْ ِنَةٍ إذَا قَ َى َّ ُ و َ ُوُ ُ َم ًا‬
 ‫ذ‬                     ‫ال مب‬      ‫الله َرس ه َ َل‬                ‫ِ وم ي‬              ‫ُ خي ة م‬               ‫يك‬
‫أَنْ َ ُونَ لَهمْ الْ ِ َرَ ُ ِنْ أَمْرِهمْ َ َنْ َعْصِ َّ َ و َ ُولَ ُ فَقدْ ض َّ ضَال ً ُ ِينًا [األحزاب:63]. إ ًا‬
                                          ‫ط كل م‬                     ‫ر‬              ‫رض‬     ‫بد‬
      ‫فال َّ من ِ ًا بدين اهلل و ِضًا بتوحيدِ اهلل ورب ِ ِّ َنهجٍ أو فِكر برباط العقيدةِ الصحيحة،‬
                ‫ي ع‬                                       ‫ة كل‬                    ‫ص‬            ‫ة‬
       ‫عباد ُ اهلل، إخال ُ اهلل بأنواع العباد ِ ِّها، أن ال نجعلَ مع اهلل شريكًا في أ ّ نو ٍ من أنواع‬
                                                                             ‫رب‬
                                                                          ‫العبادة؛ لتكونَ أعمالنا مقبولةً عند ِّنا.‬
                         ‫ة‬                                     ‫ل‬                  ‫يثب‬
  ‫نسأل اهلل أن ِّتَنا وإياكم على قوِه الثابت في الحياةِ الدنيا وفي اآلخر ِ، إنه على كل شيءٍ قدير.‬
                  ‫ي م‬                              ‫ث‬             ‫ّ‬
    ‫واعلَموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسنَ الحدي ِ كتاب اهلل، وخيرَ الهدي هد ُ مح ّد ، وشر األمور‬
    ‫ذ شذ‬                             ‫ن‬                                         ‫ل‬
    ‫محدثاتها، وك ّ بدعة ضاللة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإ ّ يدَ اهلل على الجماعة، ومن ش ّ َّ‬
                                                                                                                ‫في النار.‬
   ‫ِن الله‬                 ‫ب‬                   ‫م‬                                         ‫ل‬
   ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على عبد اهلل ورسوله مح ّد كما أمركم بذلك ر ّكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ‬
                         ‫لم‬          ‫َل ع ه وسلم‬              ‫وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
          ‫َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                 ‫ش‬       ‫ئ‬         ‫م‬              ‫م‬                             ‫اللهم صل وسل‬
           ‫َّ ِّ ِّم وبارك على عبدِك ورسولِك مح ّد، وارضَ الله ّ عن خلفا ِه الرا ِدين...‬


                                                                                                       ‫__________‬
 ‫(5) قصة الثالثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى اهلل تعالى بأعمالهم الصالحة الخالصة‬
  ‫أخرجها البخاري في األدب (2201)، ومسلم في الذكر (3227) عن ابن عمر رضي اهلل عنهما‬
                                                                                                                  ‫بنحوها.‬
‫(7) أخرجه البخاري في اإليمان (33)، ومسلم في اإليمان (01) من حديث أبي هريرة رضي اهلل‬
                                                                                                                      ‫عنه.‬
 ‫(3) أخرجه مسلم في كتاب صالة المسافرين (622) من حديث سعد بن هشام بن عامر في قصة‬
   ‫طويلة، وفيها: فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول اهلل ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟!‬
                                                ‫قلت: بلى، قالت: فإن خلق النبي كان القرآن.‬
      ‫(2) رواه الطيالسي (2305)، وأحمد (2/217، 223)، والطبراني في الكبير (25/205)،‬
     ‫والبيهقي في الكبرى (2/027) عن عدي رضي اهلل عنه، وصححه ابن حبان (733)، وقال‬
              ‫الهيثمي في المجمع (5/055): "رجاله ثقات"، وانظر: السلسلة الصحيحة (7703).‬
             ‫(1) أخرجه مسلم في اإليمان (257) عن عائشة رضي اهلل عنها وكانت هي السائلة.‬
           ‫(6) انظر: مفتاح دار السعادة (5/107)، ومدارج السالكين (5/323)، والجواب الكافي‬
                                                                               ‫(ص715).‬
    ‫(2) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي (2)، ومسلم في كتاب اإليمان (065) عن عائشة‬
                                                                          ‫رضي اهلل عنها.‬
                    ‫(2) أخرجه مسلم في الزهد (1207) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                          ‫(0) هذه الرواية عند أحمد (7/132)، وابن ماجه في الزهد (7072).‬
            ‫(05) أخرج حديثهم مسلم في اإلمارة (1005) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه نحوه.‬

‫(5/2232)‬




                                                                       ‫رقه القلوب وأسبابها‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫أعمال القلوب‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                     ‫محمد بن حمد الخميس‬
                                                                                    ‫الدمام‬
                                                                               ‫7/2/1725‬
                                                                              ‫جامع الهدى‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أهمية القلب ومنزلته. 7- فضل سالمة القلب. 3- كيد الشيطان. 2- زيادة اإليمان ونقصانه.‬
                                              ‫1- عالمات رقة القلب. 6- أسباب رقة القلب.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                               ‫أيها األحبة في اهلل، إن القلب موضع نظر الرب‬
      ‫ِّ سبحانه، فإن اهلل تعالى ال ينظر إلى الصور‬
 ‫والهيئات، وال إلى األجساد والثروات، ولكنه ينظر إلى القلوب والطاعات، قال رسول اهلل : ((إن‬
    ‫اهلل تعالى ال ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) رواه مسلم.‬
                                ‫ي‬
‫فالقلب موضع نظر الرب سبحانه وتعالى، وما ذاك إال ألنه س ّد األعضاء كما قال ابن القيم رحمه‬
   ‫اهلل: "إن القلب لألعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره، فتكتسب منه‬
                                         ‫االستقامة أو الزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله" اهـ.‬
                                                              ‫ي‬                                ‫ذ‬
                                               ‫إ َا القلوب استرسلت في غيها…كانت بلّتها على األجسام‬
    ‫قال النبي : ((أال وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد‬
                                                                       ‫كله، أال وهي القلب)) رواه البخاري.‬
   ‫وسالمة القلب عالمة من عالمات النجاة يوم القيامة، يوم ال ينفع مال وال بنون إال من أتى اهلل‬
                                            ‫و‬
  ‫بقلب سليم؛ لذلك كان االهتمام بتصحيح القلب أ ّل ما يعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه‬
                                                                                ‫م‬
  ‫وعالجه أه ّ ما تنسك به الناسكون؛ حتى يالقوا ربهم به سليما يوم ال ينفع مال وال بنون إال من‬
                                                                                             ‫أتى اهلل بقلب سليم.‬
                                                                    ‫و‬
‫عباد اهلل، علم إبليس عد ّ اهلل مكانة القلب، فأجلب عليه بخيله ورجله، وأقبل عليه بالوساوس تارة،‬
  ‫وبالشهوات والشبهات تارة أخرى، فزين للنفس من األحوال واألعمال ما يصدها عن طريق اهلل‬
    ‫د‬
 ‫المتعال، ونصب من الحبائل والمصائد ما يجعل به العبد عن اهلل شارد، فتغيرت القلوب وتب ّلت،‬
  ‫وانصرفت عن اهلل وتحولت حتى انقسم الناس إلى: صاحب قلب سليم مقبل على اهلل ومرضاته،‬
       ‫د‬         ‫ب‬
  ‫وصاحب قلب مريض يصارع نفسه وشيطانه، وصاحب قلب ميت ال يعرف ر ّه وال يؤ ّي حقه‬
                                                                                           ‫وال يستجيب لداعيه.‬
                                   ‫إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة…كاألرض إن سبخت لم ينفع المطر‬
       ‫أحبتي في اهلل، إن اإليمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ولزيادة اإليمان‬
                 ‫ق‬                              ‫ث‬                 ‫ل‬
    ‫ونقصه أثر في القلوب، فكّما زاد اإليمان أ ّر في القلب وزاد في انكساره ور ّته، وكلما نقص‬
                                   ‫ب‬
                  ‫اإليمان وانشغلت النفس بالفتن زاد مرض القلب وعلته وزاد ُعده واشتدت قسوته.‬
          ‫ّر‬                                                 ‫ّ ب‬                   ‫ب‬
      ‫نعم أحّتي في اهلل، ما رق قل ٌ هلل عز وجل إال كان صاحبه سابقًا إلى الخيرات، مشم ًا في‬
   ‫ص‬        ‫بص‬       ‫ك‬           ‫ذك‬
 ‫الطاعات والمرضاة، وما رق قلب هلل إال وجدتَ صاحبه إذا ِّر باهلل تذ ّر وإذا ِّر به تب ّر،‬
                                                                                             ‫ّ‬
                                                 ‫وما رق قلب هلل إال كان أبعد ما يكون عن معاصي اهلل.‬
                  ‫ب‬                                                               ‫ق‬
 ‫وإن لر ّة القلب عالمات، فمن عالمات رقة القلب أن ال يفتر صاحبه عن ذكر ر ّه، فإن ذِكرَ اهلل‬
            ‫م ِن قل ب‬              ‫َّذ من و مئ ُّ قل ب ُ بذ ْ ل أ ِذ الل‬
‫تطمئن به القلوب، ال ِينَ آ َ ُوا َتَطْ َ ِن ُُو ُهمْ ِ ِكرِ الَّهِ َال ب ِكْرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ [الرعد:27].‬
      ‫ب‬                 ‫ز‬               ‫ي‬                                ‫د‬
 ‫وفي القلب فاقه ال يس ّها إال ذكر اهلل، فيكون صاحبه غن ًا بال مال، عزي ًا بال عشيرة، مهي ًا بال‬
                          ‫ذ‬
             ‫سلطان، قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، أشكو قسوة قلبي! قال: أ ِبه بذكر اهلل.‬
                                                                      ‫ق‬
‫ومن عالمات ر ّة القلب أن يكون صاحبه إذا دخل في الصالة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، ووجد‬
                                                                    ‫ر‬
    ‫فيها راحته ونعيمه وق ّة عينه وسرور قلبه، وسبحان اهلل! نحن الواحد منا إذا دخل في الصالة‬
                                                                                                            ‫ك‬
                                                                   ‫تذ ّر أمور دنياه، وما هذا إال لقسوة في القلب.‬
‫ومن عالمات رقه القلب أن صاحبه إذا فاته ورده أو طاعة من الطاعات وجد لذلك ألمًا أعظم من‬
                                                                                     ‫تألم الحريص بفوات ماله ودنياه.‬
                                       ‫ذ‬                           ‫ب‬
       ‫ومنها أن صاحبه يخلو بر ّه فيتضرع إليه ويدعوه، ويتل ّذ بين يديه سبحانه، قال ابن مسعود‬
      ‫رضي اهلل عنه: (اطلب قلبك في مواطن ثالثة: عند سماع القرآن، وعند مجالس الذكر، وفي‬
                                                                      ‫ب‬          ‫س‬
                                                   ‫أوقات الخلوة، فإن لم تجده ف َل اهلل قل ًا، فإنه ال قلب لك).‬
‫ولعلنا نسأل أو نتساءل: من أين تأتي رقة القلوب وانكسارها وإنابتها إلى ربها؟ ومن الذي يتفضل‬
   ‫عليها بإخباتها؟ إنه اهلل سبحانه وتعالى، فالقلوب بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف يشاء،كما‬
 ‫قال : ((قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع اهلل عز وجل، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن‬
‫يزيغه أزاغه)) رواه الطبراني والحاكم وصححه. اللهم يا مثبت القلوب واألبصار ثبت قلوبنا على‬
                                            ‫طاعتك، اللهم ما مقلب القلوب واألبصار ثبت قلوبنا على دينك.‬
                                ‫و‬
‫فإذا أرسل اهلل سبحانه على القلب رحمة فإنها تتغلغل فيه، وتح ّل ذلك القلب من القسوة إلى الرقة،‬
        ‫ئ‬
   ‫ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن البعد عن اهلل إلى القرب منه سبحانه، فبعدما كان العبد جري ًا على‬
     ‫التفريط في جنب اهلل متساهالً بأوامر اهلل فإذا به يتغير حاله، وتحسن عاقبته ومآله، يعرف هلل‬
                                                    ‫حقوقه، وينفر من عصيانه، ويخشى عقابه، ويرجو ثوابه.‬
‫أحبتي في اهلل، إن رقه القلب هي النعمة التي ما وجدت نعمة على األرض أجل وأعظم منها، وما‬
  ‫و ْل ل سي ِ قل به م‬                                     ‫د‬
‫من قلب يحرم هذه النعمة إال كان صاحبه موعو ًا بعذاب اهلل، قال تعالى: فَ َي ٌ ِلْقَا ِ َة ُُو ُ ُمْ ِنْ‬
            ‫ق‬                                                                    ‫ذ ْ الل‬
 ‫ِكرِ َّهِ [الزمر:77]؛ لذلك ما من مؤمن صادق في إيمانه إال وهو يتفكر: كيف أر ّق قلبي لذكر‬
                                                                                                             ‫اهلل ومحبة اهلل؟‬
              ‫ّ‬                            ‫ال‬                       ‫ن‬
‫اعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أ ّ لرقه القلب أسبابًا وسب ً، أولها اإليمان باهلل، فما رق قلب بسبب أعظم‬
                                  ‫ّ‬
‫من اإليمان باهلل، وال عرف عبد ربه بأسمائه وصفاته إال رق قلبه وصفت سريرته، فال تأتيه اآلية‬
     ‫من اهلل والحديث عن رسول اهلل إال قال بلسان حاله ومقاله: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك‬
                                                                                                                     ‫المصير.‬
 ‫َ عل‬        ‫ُ‬       ‫َ ي َد َّر‬
‫ومن أسباب رقه القلب النظر والتدبر في كتاب اهلل وآياته، قال تعالى: أفَال َت َب ُونَ الْقرْآنَ أمْ ََى‬
                                                                                      ‫قل َ ل‬
    ‫ُُوبٍ أقْفَاُهَا [محمد:27]. فالمؤمن المتدبر آليات اهلل هو أرق الناس قلبا وأنقاهم نفسًا، وما قرأ‬
                                                            ‫ر‬       ‫ر‬
   ‫العبد هذه اآليات متفك ًا متدب ًا إال والعَين تدمع والقلب يخشع والنفس تخضع، وإذا بأرض هذا‬
     ‫الله ن َّ‬                                                     ‫ض‬
   ‫القلب تنقلب خصبة غ ّة طرية، تنبت في النفس السكينة والخضوع هلل رب العالمين، َّ ُ َزلَ‬
    ‫َب ُ ُم ل ن جل د ُ َقل ب ُ‬                   ‫ِر م ه جل د َّذ ي‬                ‫َد ث ك م به م ني‬                         ‫س‬
  ‫أَحْ َنَ الْح ِي ِ ِتَابًا ُتَشَا ِ ًا َثَا ِ َ تَقْشَع ُّ ِنْ ُ ُُو ُ ال ِينَ َخْشَوْنَ ر َّهمْ ث َّ تَِي ُ ُُو ُهمْ و ُُوُهمْ‬
                      ‫هم ه‬             ‫ُ الل ي ْد ب م ي ء وم ي ل الل ُ‬                          ‫إ ذ ْ الل‬
       ‫ِلَى ِكرِ َّهِ ذَلِكَ هدَى َّهِ َه ِي ِهِ َنْ َشَا ُ َ َنْ ُضِْلْ َّه فَمَا لَ ُ ِنْ َادٍ [الزمر:37].‬
 ‫إن هذا القرآن موعظة رب العالمين وكالم إله األولين واآلخرين، فما قرأه عبد يرجو الهداية إال‬
                              ‫و‬
  ‫وتيسرت له أسبابها واتضحت له طرائقها. هذا القرآن الذي ح ّل قلوب الصحابة من الظلمة إلى‬
   ‫اإلشراق ومن الغلظة إلى الرقة، فها هو عمر بن الخطاب يسمع آيات من سورة طه فتمأل قلبه‬
 ‫القاسي رقة وخشية، وها هو الطفيل بن عمرو الدوسي يسمع آيات من الذكر الحكيم فيسارع إلى‬
                                                   ‫ي‬              ‫ب‬
 ‫هذا الدين مؤمنًا مستجي ًا ألوامره داع ًا قومه إليه، وهذا أسيد بن الحضير جاء ليمنع مصعب من‬
‫الدعوة في المدينة فيشير عليه مصعب بسماع بعض اآليات، فما هي إال آيات تتلى وإذا بها تسري‬
  ‫إلى القلب سريان النور في الظلماء، حتى يسلم أسيد ويتحول من محارب لإلسالم إلى داع إليه؛‬
                                             ‫لذلك ما أدمن عبد تالوة القرآن إال رق قلبه من خشية اهلل.‬
                                                    ‫ك‬
    ‫ومن األسباب المعينة على رقة القلب تذ ّر اآلخرة وأهوالها والجنة ونعيمها والنار وجحيمها،‬
   ‫أعاذنا اهلل وإياكم من النار، أن يتذكر العبد أنه إلى اهلل صائر، وأنه ما بعد الموت من مستعتب،‬
  ‫وما بعد الدنيا من دار إال الجنة أو النار. فإذا تذكر اإلنسان أن الحياة زائلة وأن المتاع فان فإنه‬
                              ‫حينئذ يحتقر الدنيا، ويقبل على ربها، عندئذ يرق قلبه وتخشع جوارحه.‬
      ‫إن انشغال النفس بالدنيا ومتاعها لمن أكبر أسباب قسوة القلب، فهي التي تجعل العبد ينشغل‬
‫بالمظهر عن الجوهر وبالمبنى دون تحقيق المعنى، ويصبح اللهو سمة له؛ لذا كان التفكر في اليوم‬
‫اآلخر كالحادي الذي يسوق النفوس إلى ربها، ويرقق القلوب بعد قسوتها واغترابها، ويردعها عن‬
            ‫و‬
  ‫غيها، وذلك ألن يوم القيامة هو يوم الحسرة، وما أدراك ما يوم الحسرة؟! إنه يوم خ ّف اهلل به،‬
         ‫ة ُ‬           ‫ْر ُ ْ ف‬         ‫و ِ ه ْ ح ْ ة ِ ْ قض‬                                            ‫د‬
    ‫وته ّد وأنذر به وتوعد، قال تعالى: َأَنذرْ ُمْ يَومَ الْ َسرَ ِ إذ ُ ِيَ األَم ُ وَهم ِي غَفْلَ ٍ وَهمْ ال‬
                                                                                   ‫ي من‬
‫ُؤْ ِ ُونَ [مريم:03]. وأي حسرة أعظم من فوات رضوان اهلل وجنته واستحقاق النار أعاذنا اهلل من‬
                                                                                                          ‫النار؟!‬
    ‫يوم القيامة ال يتذكر العبد نعيمًا تنعم به في الدنيا وال شقاء أصابه في الدنيا، قال رسول اهلل :‬
‫((يؤتى بأنعم أهل األرض، فيغمس في النار غمسة، فيقال: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: ال واهلل يا‬
                ‫س‬
 ‫رب، ويؤتى بأشقى أهل األرض، فيغمس في الجنة غمسة، فيقال: هل رأيت بؤ ًا قط؟ فيقول: ال‬
                                                                                   ‫واهلل يا رب)) رواه مسلم.‬
 ‫ي عل و ْد ش ب‬
‫ذلك اليوم العظيم المهيب الذي تشخص فيه األبصار، ويشيب فيه الولدان، يَوْمًا َجْ َ ُ الْ ِل َانَ ِي ًا‬
       ‫د‬
   ‫[المزمل:25]. الولد الذي ال ذنب له ورفع عنه القلم يشيب من هوله، فما بالنا بمن اسو ّت من‬
  ‫الذنوب صحائفه. ذلك اليوم العبوس القمطرير الذي تذهل فيه المرضعات عن الرضيع، ويتمايل‬
       ‫َي الن س اتق َب ُ إ َّ ز ْزل‬
     ‫الناس سكرى وما بهم سكر، ولكنه الخوف من عذاب اهلل، يَا أ ُّهَا َّا ُ َّ ُوا رَّكمْ ِن َل ََةَ‬
      ‫ح ح له‬             ‫َ َل ُل م ضع َم َ ضع و ع ُل‬                               ‫ء ع م ْم َر‬               ‫الس ع‬
     ‫َّا َةِ شَيْ ٌ َظِي ٌ يَو َ ت َوْنَهَا تذْه ُ ك ُّ ُرْ ِ َةٍ ع َّا أرْ َ َتْ َتَضَ ُ ك ُّ ذَاتِ َمْلٍ َمَْ َا‬
                                      ‫الل َد د‬         ‫وم ه بسك ر و ِن َ‬                ‫و َ الن س سك‬
                         ‫َترَى َّا َ ُ َارَى َ َا ُمْ ِ ُ َا َى َلَك َّ عذَابَ َّهِ ش ِي ٌ [الحج:5، 7].‬
  ‫وذلك يوم يكون الناس كالجراد المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش. يوم تتطاير الصحف،‬
  ‫ت َن م ح بي ه َ ف ع شة‬                          ‫ء ك بي ِن‬                   ‫َم م أ ت ك به بيم ن ِ ق ل ُ‬
  ‫فَأ َّا َنْ ُو ِيَ ِتَا َ ُ ِ َ ِي ِه فَيَ ُو ُ هَاؤمْ اقْرَ ُوا ِتَا ِ َهْ إ ِّي ظَنَن ُ أ ِّي ُالقٍ ِسَا ِ َهْ فَ ُو ِي ِي َ ٍ‬
 ‫َا ِ َة ِي ج َّةٍ عَاِ َة ُ ُو ُهَا َا ِ َ ٌ ُُوا َاش َ ُوا َ ِيئًا ِمَا أَسْلَفْتم ِي األَّامِ الْخَاِ َ ِ َأ َّا منْ ُو ِ َ‬
 ‫لية وَم َ أ تي‬                   ‫ُ ْ ف َي‬               ‫ر ضي ٍ ف َن لي ٍ قط ف د نية كل و ْرب هن ب‬
 ‫ضي م ن َن‬                                            ‫ن َ أ ك بي وَ َ ْر ح بي‬                                  ‫ك به بش ل ِ يق ل‬
‫ِتَا َ ُ ِ ِمَاِه فَ َ ُو ُ يَا لَيْتَ ِي لمْ ُوتَ ِتَا ِ َهْ َلمْ أد ِ مَا ِسَا ِ َهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَا ِ َةَ َا أَغْ َى ع ِّي‬
                                                                         ‫لي ه َن س ني‬
       ‫مَاِ َهْ َلَكَ ع ِّي ُلْطَا ِ َهْ [الحاقة:05-07]. يوم يقال آلدم: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: يا‬
      ‫رب، وما بعث النار؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة.‬
                                                                                                                     ‫رواه البخاري.‬
‫يوم القيامة يوم تدنو الشمس من الرؤوس حتى تكون قدر ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم من‬
    ‫العرق. يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.‬
‫َ ي ع ل و بن ِال م ت الل ق ب‬
‫هذا اليوم ال ينجو فيه إال أصحاب القلوب السليمة، يَوْم ال َنْفَ ُ مَا ٌ َال َ ُونَ إ َّ َنْ أَ َى َّهَ بِ َلْ ٍ‬
                                                                                                                             ‫س‬
                                                                                                      ‫َلِيمٍ [الشعراء:22، 02].‬
      ‫نسأل اهلل العظيم رب العرش الكريم أن يظلنا بظله يوم ال ظل إال ظله، وأن يؤمننا يوم الفزع‬
 ‫األكبر، وأن يدخلنا الجنة بغير حساب وال سابق عذاب، وأن يرقق قلوبنا ويصلح أحوالنا، إنه هو‬
                                                                                                                      ‫البر الرحيم...‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                               ‫لم ترد.‬

‫(5/0232)‬




                                                                                                                       ‫هذه هي الدنيا‬
                                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                   ‫التوبة, الزهد والورع, الفتن‬
                                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                         ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                                                  ‫الخبر‬
                                                                                                                     ‫25/55/3725‬
                                                                                                                                  ‫النور‬
                                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- فتنة الدنيا. 7- حقيقة الدنيا. 3- ذم الدنيا. 2- الخوف من سوء الخاتمة. 1- صور من‬
                           ‫خوف السلف من خاتمة السوء. 6- الوصية بالتوبة واإلنابة قبل حلول األجل.‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: لقد أقبلت من بعيد متزينة متعطرة، وقد بلغت في الجمال منتهاه، وفي الحسن غايته، ومع‬
‫هذا فهي تتبرج وتتلون، تتعرض للغادي والرائح، تتفنن في اإلغواء والتزيين؛ عيناها تقذف بشرر‬
                 ‫ه َ‬
‫كالسحر بل هو أعظم، وتقاسيم وجهها تنبئ عن عبارات الفتنة وشعارها: " َيت لك". فكم من هائم‬
                                                                  ‫َر‬
   ‫في حبها ومغرور بع َضها وغارق في لجج الهيام والصبابة لها. إنها تملك دخول كل بيت دون‬
‫إذن أو قرع باب، إنها تسكن العقول وتعانق سويداء القلوب، تسعى ويجري الناس خلفها، تشاركهم‬
        ‫المأكل والمشرب، تخاطبهم إن تحدثوا، وتشغل تفكيرهم إن صمتوا، هي حديث القوم وسمير‬
                                                                                  ‫مجالسهم، تنام معهم، وتستيقظ بيقظتهم.‬
                        ‫ي‬
‫عشقها العاشقون، وهام بها المحبون، كم لها من عاشق متأوه ومت ّم متحسر ومحب متألم، ظهرت‬
                                ‫أ‬       ‫خ‬                ‫د‬
 ‫في زينتها، وعرضت في فتنتها، وتب ّت في محاسنها، ف ُدع بها ُناس، وافتتن بها فئام، ظنوا أنها‬
                                     ‫ية‬               ‫و‬     ‫ش‬
  ‫صادقة في الحب مخلصة في ال ّوق ت ّاقة للغرام وف ّ ٌ لألحباب ناصحة لألصحاب، فتنافسوا في‬
          ‫كسب ودها، واقتتلوا للظفر بقربها، فأردتهم صرعى، وتركتهم هلكى، وذلك جزاء الحمقى.‬
                                                                         ‫خط‬
‫والعجب أن ُ ّاب ودها وطالب مجدها لم يعتبروا بإخوانهم من العشاق القدامى، ولم يتعظوا بمن‬
                                                                             ‫ن‬
      ‫خدعتهم من ال ّدامى، فارتموا في أحضانها، وتسابقوا في ميدانها، وهي ال زالت تتفنن لهم في‬
                                                                   ‫ب‬
         ‫إبداء زينتها، وتتحّب لهم ببعض مباهجها، حتى إذا أحكمت الزمام، غدرت وفجرت وفتكت‬
                                       ‫ل‬
‫وقتلت. كم لها من محروم يتألم ومهضوم يتظّم، كم ذبحت من فارس على مخدة الترس وعروس‬
                                         ‫على منصة العرس، فمن هي هذه الفاتنة؟! ومن تكون تلك الخائنة؟!‬
                            ‫ه‬
     ‫إنها الدنيا، الدنيا التي لها من اسمها نصيب، الدنيا التي عشقناها بل ِمنا في حبها وتنافسنا في‬
                                                   ‫قربها، وأمهرناها أنفسنا ومشاعرنا وقلوبنا إال من رحم ربك.‬
                                                                                    ‫م‬
 ‫لو تأ ّلنا أحوالنا بل وأحوال من سبقنا لوجدنا أن الدنيا وحبها والحياة وطيبها هي سبب رئيس في‬
      ‫كل نازلة وعنصر مهم في كل قارعة، فما طغى فرعون وأمثاله إال حينما أخلدوا إلى األرض‬
                           ‫ف‬                                                      ‫خ‬
    ‫ومباهجها و ُدعوا بالحياة وزينتها، وما بغى قارون وأمثاله إال حينما ُتنوا بنعيم الحياة وغرهم‬
  ‫م ْم م س بغ ع ِ و ه م كن ِ ِن‬                                                ‫إ َّ ق ر‬
  ‫المال والجاه، قال اهلل تعالى: ِن َا ُونَ كَانَ ِنْ قَو ِ ُو َى فَ َ َى َلَيْهمْ َآتَيْنَا ُ ِنْ الْ ُ ُوز مَا إ َّ‬
‫ر ِن الل َ ي ِب ح ن و ف م ت ك‬                                    ‫ُ مه‬               ‫حه ن ء ع ب أ ل ُو ِ ْ‬
‫مَفَاتِ َ ُ لَتَ ُو ُ بِالْ ُصْ َةِ ُوِي الْق َّةِ إذ قَالَ لَه قَوْ ُ ُ ال تَفْ َحْ إ َّ َّه ال ُح ُّ الْفَرِ ِي َ َابْتَغِ ِي َا آ َا َ‬
           ‫سَف‬                  ‫ص ب م الد و س م ْس الله إ ك و‬                                        ‫ِ و‬           ‫الله الد‬
          ‫َّ ُ َّارَ اآلخرَةَ َال تَنسَ نَ ِي َكَ ِنْ ُّنْيَا َأَحْ ِنْ كَ َا أَح َنَ َّ ُ ِلَيْ َ َال تَبْغِ الْفَ َاد ِي‬
                                                                ‫َ ْ ِن الل َ ي ِب م ِد‬
     ‫األرضِ إ َّ َّه ال ُح ُّ الْ ُفْس ِينَ [القصص:62، 22]. إنها الدنيا بشهواتها وشبهاتها وملذاتها.‬
                                                           ‫ع‬               ‫ر‬
‫وهكذا على م ّ العصور تجد أن ِشق الحياة والتعلق بأذيال الدنيا سبب في الشقاء وطريق للعناء،‬
               ‫أ‬                 ‫س‬
   ‫كم ذهب ألجلها من نفوس، وكم تطاير من رؤوس، وكم ُحق من جماجم، وكم ُريق من دماء،‬
                                                                   ‫ع‬               ‫ُر‬
 ‫وكم ش ّد من أناس، وكم ُذب من أقوام، وما ارتقى المسلمون إال حينما تجافوا عن الدنيا وأقبلوا‬
                                                    ‫نك‬            ‫خف‬
‫على اآلخرة، وما ُ ِضت رؤوسهم وُ ّست أعالمهم وذهبت عزتهم إال حينما رضوا بالحياة الدنيا‬
        ‫من اآلخرة، فأقبلوا عليها، وتنافسوا فيها، وتركوا الجهاد، وأكلوا الربا، وأخذوا بأذناب البقر.‬
‫أيها المؤمنون، تعالوا بنا نقف وقفة تأمل وعظة وتفقه وعبرة مع هذا العدو اللدود والغاشم الغادر،‬
                                                                                    ‫ني‬
‫فقد فَ ِ َت أعمار كثير منا وانصرمت أيام فئام منا ونحن ال نزال في غمرة الدنيا وسكرة الحياة، فيا‬
                                      ‫تذ‬                       ‫ر‬
        ‫عجبًا لمن جاءه العام تلو العام وم ّت به السنة بعد السنة، ُ ّكره بالحياة اآلخرة، وتدعوه إلى‬
                                                                       ‫ب‬
                                                            ‫النعمة الدائمة، وهو في غفلته وشروده و ُعده وجحوده.‬
  ‫فيا من قَضيت العمرَ وراء شهواتها، ألم يأن لك أن تنظر في أمرك؟! ويا من انصرمت أيامه في‬
                  ‫فت‬
            ‫الدنيا وملذاتها، ألم تبك على عمرك؟! يا من أقبلت على الدنيا بحاللها وحرامها و ُ ِنتَ في‬
                                                                    ‫غرامها، ألم تفكر في النهاية وتتأمل في النتيجة؟!‬
                                                                        ‫ص‬
     ‫إنها الدنيا؛ إذا و َلَتْ فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، ليس لوصلها دوام، وما من‬
      ‫م َن ح ة‬                                                                              ‫د‬
      ‫فراقها ب ّ، وصفها خالقها وموجدها بأنها لعب ولهو وزينة، فقال جل وعال: اعْلَ ُوا أَّمَا الْ َيَا ُ‬
‫ُّنْيَا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ َ ِينَ ٌ َتَفَاخ ٌ َيْنَكمْ َتَكَاثر ِي األَمْ َا ِ َاألَوْلَادِ كَ َثَلِ غَيْثٍ أَعْ َبَ الْك َّارَ َ َا ُ ُ ث َّ‬
‫ُف نب ته ُم‬                ‫ج‬                 ‫م‬               ‫ول و‬           ‫الد عب و و وز ة و ُر ب ُ و ُ ٌ ف‬
 ‫ِ َ ب َد د وم ِرة م الله ور و ن وم حي ة‬                                ‫َف‬        ‫يه ُ َر ه م َر ُم يك ن ح‬
 ‫َ ِيج فَت َا ُ ُصْف ًّا ث َّ َ ُو ُ ُطَامًا و ِي اآلخرَةِ عذَا ٌ ش ِي ٌ َ َغْف َ ٌ ِنْ َّ ِ َ ِضْ َا ٌ َ َا الْ َ َا ُ‬
                                                                      ‫الد ِال م ع غر‬
      ‫ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْ ُ ُورِ [الحديد:07]. إنها لعب وضياع، لهو وتفاخر، غرور خادع وأمل كاذب‬
 ‫ب نب ت‬                 ‫و ر ه م َ ح الد م ز ه م السم ِ‬
 ‫وظل زائل، قال اهلل تعالى: َاضْ ِبْ لَ ُمْ َثلَ الْ َيَاةِ ُّنْيَا كَ َاءٍ أَن َلْنَا ُ ِنْ َّ َاء فَاخْتَلَطَ ِهِ َ َا ُ‬
    ‫األرض فَأَصْ َحَ َ ِيمًا تذ ُو ُ ِّيَا ُ َكَانَ َّ ُ ََى ك ِّ شَيْ ٍ ُقْتد ًا الْ َا ُ َالْ َ ُونَ ِينَ ُ الْ َيَا ِ‬
    ‫ب هش َ ْر ه الر ح و الله عل ُل ء م َ ِر م ل و بن ز ة ح ة‬                                                       ‫َْ ِ‬
                                                 ‫الد و قي ت الص ح ت ْر ع َ َب و و ْر م‬
                              ‫ُّنْيَا َالْبَا ِ َا ُ َّالِ َا ُ خَي ٌ ِنْد ر ِّكَ ثَ َابًا َخَي ٌ أَ َالً [الكهف:12، 62].‬
                                            ‫ك‬          ‫ر‬
     ‫مر النبي بالسوق والناس على جانبيه، فم ّ بجدي أسَ ّ ميت فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال: ((أيكم‬
                                                     ‫ب‬                                   ‫ب‬
    ‫يح ّ أن هذا له بدرهم؟))، فقالوا: ما نح ّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! ثم قال: ((أتحبون أنه‬
                                         ‫سك‬              ‫ب‬
 ‫لكم؟))، قالوا: واهلل، لو كان حيًا كان عي ًا فيه ألنه أ ّ َ، فكيف وهو ميت؟! فقال : ((فواهلل، للدنيا‬
 ‫أهون على اهلل من هذا عليكم)) رواه مسلم، ويقول : ((لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح بعوضة‬
                                                                              ‫ر‬
 ‫ما سقى كاف ًا منها شربة ماء)) رواه الترمذي. يقول علي بن أبي طالب : (مثل الدنيا مثل الحية؛‬
                                                                              ‫ين س‬
    ‫ل ّ ٌ م ّها، قاتل سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما‬
 ‫أيقنت من فراقها، وكن أحذر ما تكون لها وأنت آنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها‬
                             ‫إلى سرور أبعده عنها مكروه، وإن سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش).‬
                    ‫ت‬
       ‫هذه هي الدنيا؛ ال تصفو لشارب، وال تبقى لصاحب، وال تخلو من فتنة، وال ُخْلي من محنة،‬
     ‫نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى، قال اهلل تعالى: َمَا ُو ِيتمْ ِنْ َيْ ٍ‬
     ‫و أ تُ م ش ء‬
‫م وع ه و ْد حس ه ق ه‬                               ‫قل‬           ‫م ع ح الد َز ته و ع ْ الل ْر و ق َ‬
‫فَ َتَا ُ الْ َيَاةِ ُّنْيَا و ِينَُ َا َمَا ِندَ َّهِ خَي ٌ َأَبْ َى أفَالَ تَعْ ُِونَ أَفَ َنْ َ َدْنَا ُ َع ًا َ َنًا فَ ُوَ ال ِي ِ‬
                                ‫ح الد ي ُم هو ْ قي م م م َر‬                                        ‫م َت ه م‬
      ‫كَ َنْ م َّعْنَا ُ َتَاعَ الْ َيَاةِ ُّنْ َا ث َّ ُ َ يَومَ الْ ِ َا َةِ ِنْ الْ ُحْض ِينَ [القصص:06، 56]. من نظر‬
    ‫إليها بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتالء وحياتها عناء وعيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها‬
                                        ‫على وجل؛ إما بنعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية.‬
                             ‫شقي‬                                   ‫ل‬
   ‫إنها الدنيا؛ حالُها حساب، وحرامها عقاب، المكدود فيها ٌّ إن ظفر، ومحروم إن خاب، إن‬
              ‫ت‬                       ‫عذ‬                              ‫ل‬
  ‫أخذ مالها من حّه حوسب عليه، وإن أخذه من حرام ِّب به، من استغنى فيها ف ِن، ومن افتقر‬
                                                                       ‫أحب ل‬          ‫ز‬
                                                   ‫فيها ح ِن، ومن َّها أذّته، ومن تبعها أعمته.‬
                                               ‫غي‬
                                              ‫هي الدار دار األذى والقذى…ودار الفناء ودار ال ِ َر‬
                                                                       ‫ُت‬
                                                  ‫فلو نلتها بحذافيرها…لَم َّ ولَم تقض منها الوطَر‬
                            ‫ح‬
  ‫إنها ظل الغمام وحلم النيام، من عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق و ُرم التوفيق، قال : ((الدنيا‬
 ‫ملعونة ملعون ما فيها إال ذكر اهلل تعالى وما وااله وعالمًا ومتعلمًا)) رواه الترمذي. قيل ألحدهم:‬
  ‫ترك فالن بعد وفاته مائة ألف درهم، فقال: ولكنها ال تتركه. فالسعيد من اعتبر بأمسه واستظهر‬
  ‫ت‬                                                      ‫َ‬
  ‫لنفسه، والشقي من جمع لغيره وبَخلَ على نفسه. ليس لك ـ يا ابن آدم ـ من مالك إال ما أكل َ‬
   ‫فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. فالعاقل ال ينخدع بها، بل يعتبر بمن مضى من‬
                           ‫األمم السابقة والقرون الماضية؛ كيف عفَت آثارهم واضمحلت أنباؤهم.‬
                                                               ‫ج‬     ‫م‬
                                       ‫نبكي على الدنيا وهل من َعشر… َمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا‬
                                      ‫ب‬
                                   ‫أين األكاسرة الجبابرة األولَى…جمعوا الكنوز فما بقينَ وال َقوا‬
                                    ‫من ك ّ من ضاق الفضاء بجيشه…حتى ثوى فحواه لح ٌ ِّ ُ‬
                                    ‫د ضيق‬                                       ‫ل‬
 ‫يقول : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اهلل تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا،‬
                                                                         ‫واتقوا النساء)) رواه مسلم.‬
             ‫ع ع‬                                                       ‫ل‬
  ‫إنها الدنيا؛ إذا حّت أوحلَت، وإذا كست أركست، وإذا جلَت أوجلت، وإذا أين َت ن َت، وإذا دنت‬
        ‫ل‬
       ‫أودنت. قال ابن رجب رحمه اهلل يصف الدنيا: "ما يعيب الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقّب‬
                                                                          ‫ل‬
 ‫أحوالها، وهو أد ّ دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها‬
‫بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت فتفارق األجسام النفوس، وعمارتها بالخراب، واجتماعها‬
                                                       ‫بفرقة األحباب، وكل ما فوق التراب تراب".‬
                                         ‫هي الدنيا تقول بملء فيها…حذار حذار من بطشي وفتكي‬
                                                                ‫ل‬
                                             ‫فال يغرركم مني ابتسام…فقوِي مضحِك والفعل مبكي‬
        ‫احذر أن تفتن بها وأن تنقاد لزهرتها، وكن من الذين فطنوا لحالها والتزموا بأوامر خالقها‬
                                                                                             ‫وباريها.‬
                                                                                       ‫د ف‬          ‫ن‬
                                                       ‫إ ّ هلل عبا ًا ُطَنًا…طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا‬
                                                      ‫ي ن‬                        ‫م‬
                                                     ‫نظروا فيها فل ّا علموا…أنها ليست لح ّ وط ًا‬
                                                     ‫سف‬                             ‫ج‬
                                                   ‫جعلوها ل ّة واتخذوا…صالح األعمال فيها ُ ُنا‬
     ‫و َر‬          ‫َم م‬                                  ‫م‬                  ‫م‬
     ‫معاشرَ المسلمين، الدنيا َهلَكة، والفرح بها َتلَفَة، واالنخداع بها مصيبة، فَأ َّا َنْ طَغَى َآث َ‬
                                                                               ‫ح الد ي ِن ج م ه‬
                                                ‫الْ َيَاةَ ُّنْ َا فَإ َّ الْ َحِي َ ِيَ الْمَأْوَى [النازعات:23-03].‬
                                                                                          ‫ف‬
‫لقد ُتح على الناس من زهرة الدنيا وزينتها في أيامنا المتأخرة ما لم ترَ البشرية زينة وال فتنة وال‬
                ‫زي‬                                    ‫ت‬              ‫ن‬
     ‫بهرجًا قبلها، فت ٌ محدقة، وشهوا ٌ مغرقة، وقنوات هابطة، وشاشات مدمرة، ُّنت الشهوات،‬
                                                                                   ‫ُر‬
‫وق ّبت الملذات، وأصبح الملتزم بدينه والمحافظ على نفسه وأهله كالقابض على الجمر، فيا بشرى‬
   ‫و ع ن ِالص ْر‬                                                ‫ه‬
   ‫لمن صان نفسه، وحفظ دينه، وط ّر بيته، وصدَق في تربيته، قال اهلل تعالى: َاسْتَ ِيُوا ب َّب ِ‬
                                                                     ‫شع‬          ‫ة ِال عل‬               ‫َالص ة وِن‬
                                                     ‫و َّال ِ َإَّهَا لَكَبِيرَ ٌ إ َّ ََى الْخَا ِ ِينَ [البقرة:12].‬
                    ‫ء‬      ‫ء‬      ‫ء‬      ‫ة‬
      ‫تلك هي الدنيا؛ تضحك وتبكي، وتجمع وتشتت، شد ٌ ورخا ٌ، سرا ٌ وضرا ٌ، دار غرور لمن‬
                                                                     ‫ة‬              ‫اغتر‬
   ‫َّ بها، وهي عبر ٌ لمن اعتبر بها. إنها دار صدقٍ لمن صدقها، وميدان عملٍ لمن عمل فيها،‬
                      ‫ح بم ُ َالل ُ ي ِب ُل م ٍ خ‬                                ‫عل م ُ و‬                          ‫ل‬
‫ِكَيْال تَأْسَوْا ََى َا فَاتَكمْ َال تَفْرَ ُوا ِ َا آتَاكمْ و َّه ال ُح ُّ ك َّ ُخْتَال فَ ُورٍ [الحديد:37]. تتنوع‬
    ‫فيها االبتالءات وألوان الفتن، و ُبتلى أهلها بالمتضادات والمتباينات، َنَبُْوكمْ بِالش ِّ َالْخَيرِ ِتْ َ ً‬
    ‫َّر و ْ ف نة‬                 ‫و ل ُ‬                                      ‫ي‬
                                                                                                    ‫وإ ت جع‬
                                                                                  ‫َِلَيْنَا ُرْ َ ُونَ [األنبياء:13].‬
  ‫ك‬                                                       ‫ك‬                  ‫ي‬
  ‫أيها المسلمون، ال ُقصد بذم الدنيا تر ُها بالكلية والتجافي عنها تمامًا، وإنما القصد من ذلك تر ُ‬
    ‫بهرجها الزائف وبريقها الخادع، وعدم االغترار بها. ومن أراد اآلخرة ترك زينة الحياة الدنيا،‬
                                                    ‫د‬
                                           ‫فالمؤمن يتخذها طريقًا للجنة ومزرعة لآلخرة وتزو ًا للتقوى.‬
                      ‫َد‬
    ‫ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال له: (الدنيا دار صدق لمن ص َقها، ودار نجاح لمن‬
     ‫ج‬      ‫ئ‬              ‫ت‬
    ‫فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ومهبِط وحي اهلل ومصلى مالئك ِه ومسجد أنبيا ِه ومت َر‬
          ‫الله الد‬        ‫و ِ فم‬
       ‫أوليائه، ربحوا منها الرحمة، واحتسبوا فيها الجنة). قال اهلل تعالى: َابْتَغ ِي َا آتَاكَ َّ ُ َّارَ‬
                                       ‫ص ك م الد و س م س الله إ‬                                       ‫ِ و‬
   ‫اآلخرَةَ َالَ تَنسَ نَ ِيبَ َ ِنْ ُّنْيَا َأَحْ ِنْ كَ َا أَحْ َنَ َّ ُ ِلَيْكَ [القصص:22]، قال : ((واهلل، ما‬
      ‫الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم،‬
     ‫فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) رواه البخاري. سئل النبي : من أكيس الناس؟‬
                                                   ‫د‬                      ‫ر‬
      ‫فقال: ((أكثرهم ذك ًا للموت وأشدهم استعدا ًا له، أولئك األكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة‬
                                                                                                         ‫اآلخرة)).‬
           ‫عل‬               ‫س‬
 ‫يقول علي بن أبي طالب : (يا أيها الناس، اتقوا اهلل الذي إن قلتم َمِع وإن أضمرتم َِم، وبادروا‬
                                                          ‫الموت الذي إن هربتم أدرككم وإن أقمتم أخذكم).‬
  ‫فخذ ـ يا عبد اهلل ـ من نفسك لنفسك، وقس يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك وزد في حسناتك،‬
     ‫فإنك راحل ال محالة، وسائر في الطريق الذي سار فيه اآلباء واألجداد واألصحاب واألحباب.‬
 ‫ل‬                                   ‫ن‬        ‫ب حر ق‬              ‫ن‬
 ‫ما للمقابر ال تجيب إذا دعاه ّ الكئي ُ؟! ُف ٌ مس ّفة عليه ّ الجنادل والكثيب، فيهن ولدان وأطفا ٌ‬
             ‫ال‬
         ‫وشبان وشيب. كم من حبيب لم تكن نفسي بفرقته تطيب، غادرته في بعضهن مجند ً وهو‬
                                                                                      ‫ت‬
                                                          ‫الحبيب، وسلو ُ عنه وإنما عهدي برؤيته قريب.‬
  ‫أيها المسلمون، إن نصيب اإلنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن اغتنامه فيما ينفعه في دار القرار‬
   ‫فقد ربحت تجارته، وإن أساء اغتنامه بارتكاب المعاصي والسيئات حتى لقي اهلل عز وجل على‬
                   ‫ي‬
‫تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن ُحاسب، وخاف من ذنوبه‬
                                                                                            ‫قبل أن تكون سببًا في هالكه‬
                                         ‫د‬
     ‫والخوف من سوء الخاتمة هو الذي أخاف قلوب الص ّيقين وأرهب أفئدة الصالحين، ولماذا ال‬
‫يخافون من ذلك والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟! كم سمعنا عمن آمن‬
              ‫ر‬
    ‫ثم كفر، وكم رأينا من استقام ثم انحرف، ولذلك كان صلوات اهلل وسالمه عليه كثي ًا ما يردد:‬
                                      ‫د‬
‫((يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)). لقد ارت ّ في زمن النبي بعض من آمن فخرج من النور‬
  ‫إلى الظلمات، ولذا فقد كان يشتد خوف السلف الصالح من سوء الخاتمة، وإذا تأملنا أقوالهم عند‬
                                                                           ‫االحتضار أخذنا من ذلك العبرة والعظة:‬
                ‫ِل‬     ‫بد س‬
    ‫لما حضرت أبا هريرة الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: يبكيني ُع ُ ال ّفر وقَّة الزاد وضعف‬
                                       ‫اليقين والعَقَبة الكؤود التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار.‬
  ‫ويروى أن عمرو بن العاص لما دنا من الموت دعا بحراسه ورجاله، فلما دخلوا عليه قال: هل‬
                                                                       ‫ئ‬
       ‫تغنون عني من اهلل شي ًا؟! قالوا: ال، قال: فاذهبوا وتفرقوا عني، ثم دعا بماء فتوضأ وأسبغ‬
       ‫الوضوء، ثم قال: احملوني إلى المسجد، ففعلوا، فقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت، وائتمنتني‬
                                            ‫ي صر‬                ‫َ ِر‬
       ‫فخنت، اللهم ال عذر فأعتذ ُ، وال قو ّ فأنتَ ِ ُ، بل مذنب مستغفر، وال مصر وال مستكبر.‬
     ‫ة‬              ‫من‬
     ‫فإذا كان هذا هو حال الصالحين واألبرار فنحن أجدر بالخوف منهم، وإنما أ ِ ّا لجهلنا وقسو ِ‬
                                                                                                                         ‫قلوبنا.‬
                                                ‫ب‬
 ‫فنسأل اهلل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قلو ًا خاشعة وأعينًا دامعة، كما نسأله سبحانه أن يرحم‬
                                                     ‫ضعفنا، وأن يجبر كسرنا، وأن يتجاوز عنا وعن والدينا.‬
                                                                             ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة...‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
 ‫ِم‬     ‫ب بت َ ْ‬                         ‫ِن م ل حي الد ي م ز ه ِ الس‬
‫أما بعد: قال اهلل تعالى: إَّمَا َثَ ُ الْ َ َاةِ ُّنْ َا كَ َاء أَن َلْنَا ُ منَ َّمَاء فَاخْتَلَطَ ِهِ نَ َا ُ األرضِ م َّا‬
 ‫َن ل َن ُ ْ در ع ه أ ه‬                               ‫َ ُ ز ْر و َّي‬              ‫كل الن س و ع م َت ِ َ‬
‫يَأْ ُ ُ َّا ُ َاألَنْ َا ُ ح َّى إذَا أَخذَتِ األرْض ُخ ُفَهَا َاز َّنَتْ وَظ َّ أَهُْهَا أَّهم قَا ِ ُونَ َلَيْ َا َتَا َا‬
        ‫أَم ُنَا لَيْ ً أَوْ نَ َا ًا فَ َ َلْنَاهَا َ ِي ًا كََن لمْ تَغْ َ بِاألَمْ ِ َذالِكَ ُفَص ُ اآل َاتِ ِقَومٍ َتَفَك ُو َ‬
        ‫ن ّل ي ل ْ ي َّر ن‬                       ‫سك‬           ‫حص د أ َّ ن‬                     ‫ه ر جع‬               ‫ْر ال‬
                                                                                                                 ‫[يونس:27].‬
‫فالدنيا وجميع ما فيها من الخضرة والبهجة والنضرة تتقلب أحوالها وتتبدل ثم تصير حطاما يابسا،‬
     ‫وأجسام بني آدم وسائر الحيوانات كنبات األرض، تتقلب من حال إلى حال، ثم تجف وتصير‬
                                                                                                                          ‫ترابا.‬
  ‫قال بعض العلماء: "كل ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت منها تريد‬
                                                                                             ‫به اآلخرة فليس من الدنيا".‬
     ‫وهذا هو الفرق ـ يا عباد اهلل ـ بين حالنا وحال الرعيل األول والسلف الصالح رضوان اهلل‬
        ‫تعالى عليهم؛ فإن الدنيا كانت بأيديهم ولم تكن في قلوبهم، بل كانت قلوبهم لهذا الدين ولهذا‬
  ‫اإلسالم، وأما نحن فأصبحت الدنيا في قلوبنا، وأصبح الدين في أيدينا. وال حول وال قوة إال باهلل‬
                                                                                                       ‫العلي العظيم.‬
   ‫دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟! فقال: إن لنا‬
   ‫بيتًا نتوجه إليه، فقال: إنه ال بد من متاع ما دمت ها هنا، فقال: إن صاحب المنزل ال يدعنا ها‬
                                                                                                                   ‫هنا.‬
 ‫وكان علي بن أبي طالب يقول: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن اآلخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل‬
 ‫د‬
‫منهما بنون، فكونوا من أبناء اآلخرة، وال تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل وال حساب، وغ ًا‬
                                                                                                 ‫حساب وال عمل).‬
  ‫أيها المسلمون، إذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة وال وطن فينبغي عليه أن يكون فيها على أحد‬
                                                 ‫غ بة‬
   ‫حالين: إما أن يكون كأنه غريب في بلد ُر َ ٍ، فال يتعلق بها قلبه، بل همه التزود للرجوع إلى‬
‫وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو في سير دائم في الليل والنهار إلى بلد اإلقامة.‬
                                                  ‫َّ على جنات عدن فإنها…منازلك األولى وفيها المخي‬
                                                 ‫َّم‬                                           ‫فحي‬
                                                                                     ‫و‬
                                                      ‫ولكننا سبْي العد ّ فهل ترى…نعود إلى أوطاننا ونسلم‬
                                           ‫وقد زعموا أن الغريب إذا نأى…وشطت به أوطانه فهو مغرم‬
                                                                       ‫ت‬
                                          ‫وأي اغتراب فوق غربتنا ال ِي…أصبحت لها األعداء فينا تحكم‬
   ‫قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى اآلخرة؟!‬
                                             ‫م‬
                                   ‫وقال الحسن: إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يو ٌ مضى بعضك.‬
                                                   ‫ن‬       ‫ت‬                  ‫ف‬         ‫ل‬
                                             ‫نسير إَى اآلجال ِي كل لحظة…وأيامنا ُطوى وه ّ مراحل‬
                                                                ‫ط‬                 ‫ق‬
                                                 ‫ولَم أر مثل الْموت ح ًا كأنه…إذا ما تخ ّته األماني باطل‬
                                                                  ‫ص‬
                                      ‫وما أقبح التفريط في زمن ال ّبا…فكيف به والشيب للرأس شاعل‬
                                                         ‫ّ‬     ‫ي‬           ‫ت‬      ‫د‬                ‫ح‬
                                                   ‫تر ّل من الدنيا بزا ٍ من الّقى…فعمرك أ ّام وهن قالئل‬
    ‫يا معاشر المسلمين، إلى متى الركون إلى هذه الدنيا؟! إلى متى هذا التكالب عليها؟! وإلى متى‬
 ‫التسويف بالتوبة؟! فالواجب علينا أن نبادر باألعمال الصالحة قبل أن ال نقدر عليها أو يحال بينها‬
   ‫وبيننا بمرض أو موت أو غير ذلك من األشغال. ومتى حيل بين اإلنسان والعمل لم يبق له إال‬
 ‫الحسرة واألسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل فال تنفعه األمنية، قال اهلل‬
‫ف م ر ت َال ِنه كلمة‬                        ‫َل‬       ‫رب جع عل‬                   ‫ُ‬        ‫َ ُم‬           ‫َت ِذ‬
‫تعالى: ح َّى إ َا جَاء أَحدَه ُ الْمَوْت قَالَ َ ّ ارْ ِ ُونِ لَ َّى أَعْم ُ صَالِحًا ِي َا تَ َكْ ُ ك َّ إ َّ َا َِ َ ٌ‬
                                                          ‫ه َ ئل وم َر ئ ِ َ ْزخ إل ْم ي عث‬
                                   ‫ُو قَا ُِهَا َ ِن و َا ِهمْ بر َ ٌ َِى يَو ِ ُبْ َ ُونَ [المؤمنون:00، 005].‬
                                        ‫النفس تبكي على الدنيا وقد…علمت أن السالمة فيها ترك ما فيها‬
                                                               ‫ت‬
                                        ‫ال دار للمرء بعد الموت يسكنها…إال ال ِي كان قبل الْموت يبنيها‬
                                                             ‫ر‬
                                                  ‫فإن بناها بخير طاب مسكنه…وإن بناها بش ّ خاب بانيها‬
                                                                         ‫حت‬
                                               ‫أين الملوك التي كانت مسلطنة… َّى سقاها بكأس الْموت ساقيها‬
                                                                ‫د‬        ‫ل‬
                                                       ‫أموالنا لذوي الميراث نجمعها…ودورنا ِخراب ال ّهر نبنيها‬
                                                                             ‫ب‬
                                           ‫كم من مدائن في اآلفاق قد ُنيت…أمست خرابًا وأفنى الموت أهليها‬
                                                        ‫ال تركنن إلى الدنيا وما فيها…فالموت ال شك يفنينا ويفنيها‬
                                                                                           ‫د‬
                                                  ‫واعمل لدار غ ًا رضوان خازنها…الْجار أحمد والرحمن بانيها‬
                                                   ‫قصورها ذهب والمسك طينتها…والزعفران حشيش نابت فيها‬
‫فالتوبة التوبة عباد اهلل، فإن اهلل عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار‬
                                                                  ‫ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.‬
   ‫يا ابن آدم، أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مالقيه، وكن كما شئت فكما تدين‬
                                                                                                                                      ‫تدان.‬
        ‫ع‬
   ‫أيها المسلمون، اسمعوا إلى كتاب ربنا يحكي قصة أهل الدنيا المتمسكين بها الذين لم ير َوا حق‬
 ‫إ َّ ق ر ن ن م ْ م س بغ ع ِ و ه م كن ز‬
 ‫اهلل فيها، متمثلة في شخص قارون: ِن َا ُو َ كَا َ ِن قَومِ ُو َى فَ َ َى َلَيْهمْ َآتَيْنَا ُ ِنَ الْ ُُو ِ‬
    ‫يحب رح ن و غ‬                       ‫ر ِن الل‬             ‫ُ مه‬               ‫ِن حه ن ء ع بة أ ل ُو ِ ْ‬
    ‫مَا إ َّ مَفَاتِ َ ُ لَتَ ُو ُ بِالْ ُصْ َ ِ ُوِْى الْق َّةِ إذ قَالَ لَه قَوْ ُ ُ الَ تَفْ َحْ إ َّ َّهَ الَ ُ ِ ُّ الْفَ ِ ِي َ َابْتَ ِ‬
  ‫ِي َا آتَاكَ َّ ُ َّارَ اآلخرَةَ َالَ تَن َ نَ ِيبَ َ ِنَ ُّنْيَا َأَحْ ِن كَ َا أَحْ َنَ َّ ُ ِلَيْكَ َالَ تَبْغِ الْ َ َا َ‬
  ‫فس د‬                 ‫ِ و س ص ك م الد و س م س الله إ و‬                                                    ‫الله الد‬        ‫فم‬
 ‫كم‬           ‫وَ ي َ َن الل َ َ‬             ‫ِنم أ ت ته ع ع ْ ع‬                 ‫ي ِب م سد َ‬               ‫ْ ِن الل‬        ‫ف‬
‫ِي األرضِ إ َّ َّهَ الَ ُح ُّ الْ ُفْ ِ ِين قَالَ إَّ َا ُو ِي ُ ُ َلَى ِلمٍ ِندِي أَ َلمْ َعْلمْ أ َّ َّه قدْ أَهْلَ َ ِن‬
      ‫َر عل‬         ‫ل م ُر ن م ه َد م ه ُوة و ر ج و ي َل ع ذن بهم م رم‬
     ‫قَبِْهِ ِنَ الْق ُو ِ َنْ ُوَ أَش ُّ ِنْ ُ ق َّ ً َأَكْثَ ُ َمْعًا َالَ ُسْأ ُ َن ُ ُو ِ ِ ُ الْ ُجْ ِ ُونَ فَخ َجَ ََى‬
     ‫أ ت َ ر ن ِنه َذ ظ ع م‬                       ‫مْ‬                 ‫ح لد ي‬                 ‫َّذ ن ُر د‬           ‫مِ ف ز تِ‬
     ‫قَوْ ِه ِي ِينَ ِه قَالَ ال ِي َ ي ِي ُونَ الْ َيَاةَ ا ُّنْ َا يالَيْتَ لَنَا ِثلَ مَا ُو ِى قَا ُو ُ إ َّ ُ ل ُو حَ ّ َظِي ٍ‬
       ‫ل و يَق ِال الص ِر ن‬                    ‫َّذ أ ت ع ْ و ك و ب الل ْر لم من وع ِ‬                                       ‫َ‬
       ‫ٍوقَالَ ال ِينَ ُو ُواْ الْ ِلمَ َيْلَ ُمْ ثَ َا ُ َّهِ خَي ٌ ّ َنْ آ َ َ َ َملَ صَاِحًا َالَ ُل َّاهَا إ َّ َّاب ُو َ‬
      ‫فَخَ َفْنَا ِهِ َب َارِهِ األرْضَ فَمَا كَانَ لَ ُ ِن ِئَةٍ َن ُ ُونَ ُ ِن ُونِ َّ ِ َمَا كَا َ ِنَ الْ ُنتَ ِ ِي َ‬
      ‫ن م م صر ن‬                   ‫ه م ف ي صر ه م د الله و‬                                           ‫س ب و ِد‬
        ‫َن م ه ب س يق ل و َن الل ي سط ّ لم ي م ع ه و ْ ِر‬                                                      ‫و ب َّذ‬
 ‫َأَصْ َحَ ال ِينَ تَمَّوْاْ َكَانَ ُ ِاألمْ ِ َ ُوُونَ َيْكَأ َّ َّهَ َبْ ُ ُ الرزْقَ ِ َن َشَاء ِنْ ِبَادِ ِ َيَقد ُ لَوْال‬
                                                    ‫َ ب و َنه ي لح ك ِر‬                                  ‫أ َّن له ع‬
                                 ‫َن م َّ الَّ ُ َلَيْنَا لَخَسفَ ِنَا َيْكَأ َّ ُ الَ ُفِْ ُ الْ َاف ُونَ [القصص:62- 72].‬
                                                           ‫َ‬
        ‫اللهم إنا نعوذ بك من جهد البالء ودرَك الشقاء وسوء القضاء وشماتة األعداء، ونسألك اللهم‬
     ‫خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، اللهم‬
                                   ‫أحسن عاقبتنا في األمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب اآلخرة...‬

‫(5/0032)‬




                                                                                                                     ‫وذكرهم بأيام اهلل‬
                                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                  ‫قضايا دعوية, معارك وأحداث‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                         ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                          ‫الخبر‬
                                                                                    ‫2/0/7725‬
                                                                                           ‫النور‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- رمضان شهر الفتوحات. 7- وقفات مع القائد قطز ومعركة عين جالوت. 3- أهمية النظر‬
                         ‫في السنن الكونية. 2- التذكير بأيام اهلل. 1- نماذج من السنن وأيام اهلل.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                ‫ز‬
   ‫أما بعد: كان شهر رمضان وما يزال رم ًا للعطاء والبذل في كل ميدان، وقد عرف المسلمون‬
     ‫وعلى مدار تاريخهم أن رمضان شهر الجهاد والفتوحات، امتن اهلل عز وجل على األمة فيها‬
                                 ‫بأحلى انتصاراتها في أصعب وأقسى أيامها، وهلل الفضل والمنة.‬
                                                 ‫م‬                ‫ر‬
  ‫أيها المسلمون، لقد م ّت بالمسلمين أيا ٌ سالفة في رمضان كانت من أصعب األيام عليهم، وذلك‬
                             ‫و‬          ‫ي‬                    ‫ج‬
    ‫عندما جاء التتار بخيلهم ورَ ِلِهم، جاؤوا بجيش ال ُعرف أين أ ّله وأين آخره، وكان ذلك في‬
        ‫م‬       ‫ر‬                                     ‫ر‬
     ‫رمضان عام 216هـ، حين دخل التتا ُ ديارَ المسلمين، دخلوا أرض الشام، فخ ّبوا ود ّروا‬
                        ‫ج‬                                                   ‫ر‬
 ‫وذبحوا وش ّدوا، وعزموا بعد ذلك النصر المؤقت الذي حققوه أن يتو ّهوا إلى الديار المصرية،‬
                                                                      ‫ف قط‬
    ‫فبلغ الملك المظ ّر ُ ُز رحمه اهلل ما كان من أمر التتار على الديار الشامية وعزمهم بالتوجه‬
                   ‫ي‬
    ‫للديار المصرية، فبادرهم قبل أن يبادروه، وبرز إليهم، وأقدم عليهم قبل أن ُقدموا عليه، حتى‬
  ‫انتهى إلى الشام، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان،‬
                                                                           ‫قط‬
 ‫فلما رأى ُ ُز عصائب التتار قال لألمراء والجيوش الذين معه: "ال تقاتلوهم حتى تزول الشمس،‬
                                                                        ‫ب‬
 ‫وتفيء الظالل، وته ّ الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صالتهم"، فالتقى الفريقان، واقتتلوا‬
                                                                              ‫م‬
 ‫قتاالً عظي ًا والمسلمون في بالد المسلمين يدعون إلخوانهم المجاهدين في ذلك اليوم الفاضل يوم‬
      ‫د‬      ‫قت‬                ‫ف قط‬
‫الجمعة، وأبلى المسلمون بالءً عجيبًا، في مقدمتهم ملكهم المظ ّر ُ ُز رحمه اهلل، ف ُ ِل جوا ُه الذي‬
                ‫م‬                                                     ‫َ ج‬
      ‫كان يقاتل عليه، فَترَ ّل وبقي واقفًا على األرض ثابتًا والمعركة في أوج احتدا ِها، وهو في‬
                                  ‫َ ج‬
        ‫موضع السلطان في القلب، فلما رآه بعض األمراء ترَ ّل عن فرسه وحلف على السلطان‬
                                                                       ‫قط‬            ‫ن‬
    ‫ليركبّها، فامتنع ُ ُز وقال لذلك األمير: "ما كنت ألحرم المسلمين نفعَك"، ولم يزل كذلك حتى‬
                                                               ‫م‬
‫جاؤوه بالخيل فركب، وال َه بعض األمراء من امتناعه الركوب منذ البداية وقال له: فلو أن بعض‬
  ‫األعداء رآك لقتلك وهلك اإلسالم بسببك، فقال رحمه اهلل: "أما أنا فكنت سأذهب إلى الجنة، وأما‬
                         ‫د ق‬                              ‫قت‬
      ‫اإلسالم فله رب ال يضيعه، وقد ُ ِل فالن وفالن وفالن ـ حتى ع ّ خل ًا من الملوك ـ فأقام‬
                                                                     ‫ي‬
                                                          ‫لإلسالم من يحفظه غيرهم، ولم يض ّع اإلسالم".‬
          ‫ل‬                         ‫ط‬               ‫قط‬
‫إنها كلمات خالدة قالها الملك المظفر ُ ُز رحمه اهلل يس ّرها للتاريخ، كانت من المسّمات عندهم.‬
‫نعم، لقد مات فالن وفالن ممن كان لهم شأن في اإلسالم فهل ضاع الدين؟! ال، ولن يضيع الدين؛‬
‫ألنه دين اهلل عز وجل، ليس دين فالن أو فالن، واإلسالم غير مرتبط بأشخاص إذا ماتوا أو ذهبوا‬
                                                                ‫ض‬
      ‫ضاع الدين معهم، وال أي ًا مرتبط بدولة إذا ذهبت ضاع اإلسالم معها، بل هو دينه سبحانه‬
      ‫َق لي ِ ه عل الد ن ُله و َره‬                      ‫ه َّ َ َ َ رس ه ُد ود‬
      ‫يظهره متى شاء، ُوَ الذِي أرْسل َ ُولَ ُ بِالْه َى َ ِينِ الْح ِّ ِ ُظْهرَ ُ ََى ِّي ِ كِّ ِ َلَوْ ك ِ َ‬
  ‫م ر ُ ُم يك ن أ لك‬                              ‫َل ي ْ ِ‬             ‫وإ‬                                 ‫م ْرك‬
‫الْ ُش ِ ُونَ [الصف:0]، وعلى أيدي من يشاء، َِنْ تَتَوَّوْا َسْتَبدلْ قَوْ ًا غَيْ َكمْ ث َّ لَا َ ُو ُوا َمْثَاَ ُمْ‬
                                                                                                     ‫[محمد:23].‬
                                                                            ‫ال‬
      ‫البعض يظن جه ً بأن الدين مرتبط بجهة معينة، أو أن التعاليم اإلسالمية ال بد أن تؤخذ من‬
                       ‫هن‬
   ‫مصدر واحد ال يتغير، وهذا غير صحيح، فليس في اإلسالم نظام الكَ َ ُوت، وإنما الشرع يؤخذ‬
                            ‫ض‬                                            ‫ل‬      ‫م ق‬
   ‫من كل َن فَ ِهَ وتكّم بعلم وكان كالمه صحيحًا موافقًا للدليل، بغ ّ النظر عن لونه أو بلده أو‬
                                                                                                           ‫جنسيته.‬
                        ‫ف قط‬               ‫صب‬
   ‫فماذا حصل بعد ذلك؟ وكيف انتهت المعركة؟ َ َر الملك المظ ّر ُ ُز ومن معه من المسلمين‬
                                    ‫ق‬                          ‫ه‬
      ‫فنصرهم اهلل جل وتعالى، و ُزم أعداؤهم هزيمة هائلة، و ُتل أمير المغول وجماعة من بيته،‬
   ‫ولحق الجيش اإلسالمي بالتتار يقتلونهم في كل موضع إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب‬
  ‫د‬
‫من بدمشق منهم فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم، وفرح المسلمون بنصر اهلل فرحًا شدي ًا،‬
                                                     ‫ب‬              ‫د‬                          ‫ي‬
 ‫وأ ّد اهلل اإلسالم وأهله تأيي ًا عظيمًا، وكَ َت اهلل النصارى واليهود والمنافقين، وظهر دين اهلل وهم‬
‫كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة للنصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها‬
  ‫ر‬                                              ‫د‬
‫وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها، فاحترقت ُور كثيرة للنصارى، ومأل اهلل بيوتهم وقبورهم نا ًا،‬
                                                         ‫قت‬         ‫ٍ‬
    ‫ثم جيء برجل رافضي عجوز و ُ ِل وسط العامة؛ ألنه كان خبيث الطوية مصانعًا للتتار على‬
      ‫ق د ِر ْ َّذ ن م و ح ْد ِل ِ َب‬
      ‫أموال الناس، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين، فَ ُطِعَ َاب ُ الْقَومِ ال ِي َ ظَلَ ُوا َالْ َم ُ لَّه ر ِّ‬
                                                                                                           ‫م‬
                                                                                          ‫الْعَالَ ِينَ [األنعام:12].‬
  ‫أيها المسلمون، إن تاريخ البشر حافل بأقدار من الخير والشر دارت بشأنها سنن، وجرت بسببها‬
                                                              ‫ي‬
   ‫ابتالءات، وحصلت بعدها تغ ّرات في أحوال األفراد والمجتمعات واألمم، فما أشد احتياجنا في‬
‫أزمنة الشدائد إلى النظر في الثوابت الشرعية والسنن اإللهية؛ لنقيس عليها األمور، ونعتبر بها في‬
                           ‫َم‬
     ‫التغيير، وننطلق منها في التأمالت والتوقعات والتحليالت، ومن ث ّ في التحركات والتصرفات‬
      ‫ي‬
  ‫وأداء الواجبات. فاأليام ال تزال تتوالى بجديد، بين خير وشر، ونفع وضر، ومحن ومنح، ُختبر‬
                                                                    ‫لي َ الله م خ فه‬
  ‫بها العالمون، ِ َعْلمَ َّ ُ َنْ يَ َا ُ ُ بِالْغَيْبِ [المائدة:20]، ومخافة اهلل بالغيب تعني االلتزام بطاعته‬
                                                                                         ‫ع‬
   ‫طم ًا في ثوابه وخوفًا من عقابه، وهذا ال يكون إال باإلذعان ألحكامه الشرعية الدينية واإليمان‬
 ‫بأحكامه القدرية الكونية، واهلل تعالى أراد من عباده أن يفقهوا سننه الكونية مثلما هداهم إلى سننه‬
 ‫ُر د الله لي َي ك وي ديك س ن َّذ م ْ ل ُ ويت ع ك َالله ع م‬
 ‫الشرعية، فقال سبحانه: ي ِي ُ َّ ُ ِ ُب ِّنَ لَ ُمْ َ َهْ ِ َ ُمْ ُنَ َ ال ِينَ ِن قَبِْكمْ َ َُوبَ َلَيْ ُمْ و َّ ُ َلِي ٌ‬
                                                                                                                ‫ح م‬
                                                                                                   ‫َكِي ٌ [النساء:67].‬
 ‫أيها المسلمون، إن سنن اهلل التي تجري عليها الوقائع والحوادث هي المسماة في القرآن بأيام اهلل،‬
    ‫ِّف بها فإن أيام اهلل تحتاج إلى من يلحظها ويذك‬
   ‫ِّر‬                                          ‫وكما أن السنن تحتاج إلى من يستخرجها ويعر‬
      ‫الناس بها، وهي تجري على البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال تعالى عن نبيه موسى عليه‬
 ‫إل الن ر و ِّ ُ بَي الل إ َّ ف‬              ‫ر ْ م م الظل‬                     ‫وَ َ س م س ب ت‬
‫السالم: َلَقدْ أرْ َلْنَا ُو َى ِآيَا ِنَا أَنْ أَخْ ِج قَوْ َكَ ِنْ ُُّمَاتِ َِى ُّو ِ َذَكرْهمْ ِأ َّامِ َّهِ ِن ِي‬
                                                                           ‫ي ل ُل َب ر ك‬
     ‫ذَلِكَ آل َاتٍ ِك ِّ ص َّا ٍ شَ ُورٍ [إبراهيم:1]، ومعنى أيام اهلل: وقائع اهلل في األمم السالفة، واأليام‬
                                                                                  ‫التي انتقم فيها من األمم الخالية.‬
  ‫إن أيام اهلل هي تفسير لسنن اهلل، فتلك السنن ليست معاني مجردة أو افتراضات محضة، بل هي‬
                                                                                 ‫ح‬
     ‫ُكم وتطبيق، ودرس وشرح، وعظة وعبرة، ولكن ها هنا أيضًا معنى أعظم يحتاج إلى تأمل‬
                                                        ‫تس‬
  ‫وتدبر، وهو أن أيام اهلل التي ُف ّر سنن اهلل ليست ماضية فقط، بل هي حاضرة أيضًا ومستقبلة،‬
  ‫فكما جرت بشأن السنن أيام ووقائع في الماضي الغائب عنا فهي تجري في الحاضر المحيط بنا‬
        ‫والمستقبل البعيد منا، وكل هذا يؤكد الفائدة العظمى واألهمية القصوى للنظر في تلك السنن‬
                                 ‫ي ل‬                               ‫واستحضار الحقائق المحتف‬
    ‫َّة بها؛ ألنها حكم اهلل الذي ال ُخاَف وال يستطيع أحد عصيانه، فلئن‬
                                      ‫د‬
 ‫كان بإمكان العصاة أن يخالفوا حكم اهلل الشرعي فإن أح ًا من الخلق ال يستطيع الخروج قيد أنملة‬
                               ‫عن حكمه القدري. وتجيء أيام اهلل بما فيها من محن أو منح لتثبت ذلك.‬
        ‫نبص‬                       ‫ما أحوجنا في أزمنة األحداث الجسام إلى أن ِّر أنفسنا ونذك‬
‫ِّر الناس بأيام اهلل، وأن ِّر أنفسنا‬           ‫نذك‬
                                                                                       ‫ونبص‬
‫ِّر الناس بسنن اهلل الكونية القدرية، مع إرشادهم إلى سننه الدينية الشرعية، فاألحداث الكبرى‬
     ‫يب‬                     ‫ض‬
‫قد تطيش فيها عقول وتذهل فيها أفئدة، وقد تزل فيها أقدام أقوام وت ِل أفهام آخرين، وال َثُْت إال‬
‫ِ وي ِل الله الظ لم ن‬            ‫ْ الث ب ِ ف حي الد َف‬                         ‫ي َبت الله َّذ ن من‬              ‫ثب‬
‫من َّته اهلل، ُثِّ ُ َّ ُ ال ِي َ آ َُوا بِالْقَولِ َّا ِت ِي الْ َ َاةِ ُّنْيَا و ِي اآلخرَةِ َ ُض ُّ َّ ُ َّاِ ِي َ‬
                                                                                              ‫وي َل الله م ي ء‬
                                                                                ‫َ َفْع ُ َّ ُ َا َشَا ُ [إبراهيم:27].‬
         ‫ق‬
  ‫إن الزمان كلما تقارب كان فعل الفتن في الناس عجيبًا؛ ألنها تتوارد وتتكاثر حتى ير ّق بعضها‬
   ‫تقل‬                    ‫تنق‬
  ‫بعضًا، وال يزال األمر في تصاعد وتزايد حتى تتغير األحوال من ُّل بين فتنة وفتنة إلى ُّب‬
             ‫ن‬             ‫ر‬                                         ‫ذ‬
      ‫بين كفر وإيمان، عيا ًا باهلل، حيث يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كاف ًا، ويمسي مؤم ًا ويصبح‬
                                                                     ‫َر‬               ‫ر‬
   ‫كاف ًا، يبيع دينه بع َض من الدنيا. فالناس مواقف في أزمنة الشدائد، ومواقفهم بحسب معادنهم،‬
                                               ‫ت‬                               ‫تجل‬
                                  ‫فالمعادن األصيلة ِّيها نار االختبار، أما الرخيصة فُنفى مع الخبث.‬
     ‫أيها المسلمون، هناك صراعات ستجري وأحداث ستتفاقم خالل مراحل يبدو أنها ستتتابع على‬
                        ‫شكل سلسلة من التغيرات الحادة في العالم واهلل أعلم، فما الذي يحكم كل ذلك؟‬
  ‫إن حركة التغيير على مستوى األمم والجماعات واألفراد ال تتوقف، فإما أن تكون إلى األحسن،‬
   ‫ِن الل َ ي ِّر ب ْم‬
   ‫وإما أن تكون إلى األسوأ، فأما التي إلى األحسن فتحكمها السنة القائلة: إ َّ َّه ال ُغَي ُ مَا ِقَو ٍ‬
                                                                       ‫ب فس ِ‬          ‫َت ي ِّر‬
‫ح َّى ُغَي ُوا مَا ِأَن ُ ِهمْ [الرعد:55]، فما من أهل قرية وال بيت وال بلد كانوا على ما كره اهلل من‬
                                      ‫حو‬                                  ‫تحو‬
  ‫المعصية ثم َّلوا عنها إلى ما أحب من الطاعة إال َّلهم اهلل عما يكرهون من العذاب إلى ما‬
 ‫ك َن الل َ ك م ِّر ن مة‬
 ‫يحبون من الرحمة، وأما التغيير إلى األسوأ فتحكمه السنة القائلة: ذَلِ َ بِأ َّ َّهَ لمْ يَ ُ ُغَي ًا ِعْ َ ً‬
                                            ‫ب فس ِ وَن الل سم ع ع م‬                    ‫ْ َت ي ِّر‬            ‫عمه ع‬
                              ‫أَنْ َ َ َا َلَى قَومٍ ح َّى ُغَي ُوا مَا ِأَن ُ ِهمْ َأ َّ َّهَ َ ِي ٌ َلِي ٌ [األنفال:31].‬
                 ‫َ َر‬
     ‫ومن سنن أيام اهلل سنة العزة والذلة، فالعزة هلل وإلى اهلل كلها، وقد كتب العزة قد ًا للمستقيمين‬
      ‫وِل ِزة وِرس له ول م ِن ن‬
      ‫على دينه شرعًا، فبقدر استقامتهم تكون عزتهم، فقال سبحانه: َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِ ِ َِلْ ُؤْم ِي َ‬
  ‫َلَك َّ الْ ُ َا ِ ِين ال َعْلَ ُونَ [المنافقون:2]، ولهذا فإن من أراد العزة فليستمدها منه وحده، َنْ كَا َ‬
  ‫م ن‬                                                                     ‫و ِن من فق َ ي م‬
                                                                      ‫ُر د ِز َ ِل ِزة جم‬
     ‫ي ِي ُ الْع َّة فَلَّهِ الْع َّ ُ َ ِيعًا [فاطر:05]، أما الذين يريدون أن يستمدوا العزة من عند غير اهلل‬
   ‫لي م‬            ‫ك ِر‬         ‫ب ِّ م ق ن َن ه َ ب ل َّذ ن َت ِذ‬
 ‫فأولئك لهم شأن آخر مع اهلل، َشرْ الْ ُنَافِ ِي َ بِأ َّ لَ ُمْ عذَا ًا أَِيمًا ال ِي َ ي َّخ ُونَ الْ َاف ِينَ أَوِْ َاءَ ِنْ‬
                                                ‫م من ي غ ع ْ ه ِز َ ِن ِز ِل جم‬                                              ‫د‬
                         ‫ُونِ الْ ُؤْ ِ ِينَ أَ َبْتَ ُونَ ِندَ ُمْ الْع َّة فَإ َّ الْع َّةَ لَّهِ َ ِيعًا [النساء:235، 035].‬
                                                                ‫ل‬
‫ومن سنن أيام اهلل سنته ج ّ وتعالى في موجبات النجاة. يتطلع بعض الناس إلى النجاة إذا جاء أمر‬
    ‫اهلل بالكوارث والمحن أو الحروب والفتن، يتطلعون للنجاة منها عند بشر مثلهم ضعاف، وكيف‬
                                                                                       ‫ف‬
   ‫غ َل هؤالء عن أن النجاة من المحن والفتن تكون بالتوكل على اهلل واإليمان والتقوى؟! كيف ال‬
          ‫َق ع ن م من َ‬                            ‫ُم ن َج رس و َّذ من َ‬
          ‫وفيها أعظم النجاة؟! قال تعالى: ث َّ ُن ِّي ُ ُلَنَا َال ِينَ آ َ ُوا كذَلِكَ ح ًّا َلَيْنَا ُنْجِ الْ ُؤْ ِ ِين‬
                                                                      ‫ج‬
‫[يونس:305]، وقد ن ّى اهلل أصنافًا وأصنافًا من المؤمنين من الرسل وأتباع الرسل من أنواع شتى‬
         ‫م‬                      ‫ج ُ َج ه و ه م‬                                                   ‫ج‬
         ‫من المحن والفتن، فن ّى نوحًا ومن آمن معه، فَاسْتَ َبْنَا لَه فَن َّيْنَا ُ َأَهْلَ ُ ِنْ الْكَرْبِ الْعَظِي ِ‬
 ‫ر َج ه د و َّذ من معه ِر م ِن‬                                     ‫وَم ج‬                  ‫د‬     ‫ج‬
‫[األنبياء:62]، ون ّى هو ًا ومن آمن معه، َل َّا َاءَ أَمْ ُنَا ن َّيْنَا ُو ًا َال ِينَ آ َُوا َ َ ُ ب َحْ َةٍ م َّا‬
    ‫و َّذ ن من معه ِر مة‬                           ‫ر َج‬                  ‫َم‬                   ‫ح‬      ‫ج‬
    ‫[هود:21]، ون ّى صال ًا ومن آمن معه، فَل َّا جَاءَ أَمْ ُنَا ن َّيْنَا صَالِحًا َال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُ ب َحْ َ ٍ‬
     ‫ه الله م‬          ‫ن و َ م ِال ْ ل تل ه ح ِّق ُ‬                                                ‫ج‬               ‫ِن‬
   ‫م َّا [هود:66]، ون ّى إبراهيم، فَمَا كَا َ جَ َاب قَوْ ِهِ إ َّ أَن قَاُوا اقْ ُُو ُ أَوْ َر ُوه فَأَنجَا ُ َّ ُ ِنْ‬
         ‫م ُ سل ِ َج ه و ه‬                                 ‫وِن ل‬                                             ‫الن‬
         ‫َّارِ [العنكبوت:27]، ونجى لوطًا ومن آمن معه، َإ َّ ُوطًا لَ ِنْ الْمرْ َِينَ إذْ ن َّيْنَا ُ َأَهْلَ ُ‬
‫ج ه و َج ه م َم و َ ن ج م من ن‬                                                     ‫ج‬                           ‫مع‬
‫أَجْ َ ِينَ [الصافات:335، 235]، ون ّى يونس، فَاسْتَ َبْنَا لَ ُ َن َّيْنَا ُ ِنْ الْغ ِّ َكذَلِكَ ُنْ ِي الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
            ‫ل‬                                  ‫ج‬                       ‫ج‬
 ‫[األنبياء:22]، ن ّى اهلل هؤالء الرسل، ون ّى أتباعهم من نوائب وشدائد ومصائب حّت بأقوامهم،‬
‫وقد كان الدعاء بالنجاة بعد تحقيق اإليمان هو أقربَ سبل النجاة، وال يشابهه في األثر إال القوة في‬
                                                                                               ‫القيام بالحق وقت الفتن.‬
      ‫م‬           ‫ي‬
    ‫وأما عن سنن أيام اهلل في موجبات الهالك فإن القانون في ذلك أن اهلل تعالى ال ُهلك أمة ظل ًا،‬
     ‫ُر ظ ْم و له‬                   ‫َ يك َب م‬                 ‫ل‬                                            ‫ي‬
    ‫وال ُهلك أمة بغير نذير وتحذير، قال اهلل تعالى: ذَِكَ أَنْ لمْ َ ُنْ ر ُّكَ ُهْلِكَ الْق َى بِ ُل ٍ َأَهُْ َا‬
                                               ‫ف‬                                   ‫غ فل‬
    ‫َا ُِونَ [األنعام:535]، فال بد من انحرا ٍ ما يستوجب الهالك، وقد نص القرآن على عدد من‬
  ‫ل‬
 ‫االنحرافات المستوجبة للهالك الذي قد يكون هالك استئصال أو هالك تعذيب واختبار، وقد يسّط‬
                                                            ‫ي‬
‫اهلل العذاب على الكافرين، وقد ُبتلى به بعض المسلمين؛ إذ إنهم ال يخرجون عن السنن اإللهية إذا‬
                                                                                                                  ‫ر‬
                                                                                           ‫ف ّطوا في الشرائع الدينية.‬
 ‫ُر ن‬                    ‫ََ‬
 ‫فمن موجبات الهالك التي تجري بها سنن اهلل الظلم والطغيان، قال اهلل تعالى: ولَقدْ أَهْلَكْنَا الْق ُو َ‬
        ‫ْم م ْرم ن‬                ‫ن لي من َ ك ْ‬                     ‫م ْ ل ُ َم م ج ء ه ْ رسل ُ َي ت و‬
        ‫ِن قَبِْكمْ ل َّا ظَلَ ُوا وَ َا َتْ ُم ُ ُُهمْ بِالْب ِّنَا ِ َمَا كَاُوا ِ ُؤْ ِ ُوا كذَلِ َ نَجزِي الْقَو َ الْ ُج ِ ِي َ‬
     ‫[يونس:35]، وقال تعالى: فَكَأ ِّنْ ِن قرْ َةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ فَ ِيَ خَا ِ َ ٌ ََى ع ُو ِهَا َ ِئ ٍ‬
     ‫وية عل ُر ش وب ْر‬                ‫هي لمة ه‬                              ‫َي م ْ َ ي‬
                                                                           ‫م َط ة و ْر مش‬
 ‫ُع َّلَ ٍ َقَص ٍ َ ِيدٍ [الحج:12]. وقد أخبر القرآن أن الظلم والطغيان كانا يقبعان خلف إهالك أمم‬
   ‫عظمى وقوى كبرى كانت ذات عمارة وحضارة كما قال سبحانه: َأ َّ ُ أَهْلَكَ َا ًا ا ُولَى َ َ ُو َ‬
   ‫وثم د‬        ‫ع د أل‬             ‫وَنه‬
     ‫َش فبَي‬               ‫َش‬                 ‫و م ف‬               ‫َ ن م ْل ِن ُ ن ُ َم و‬
     ‫فَمَا أَبْقَى وقَوْمَ ُوحٍ ِنْ قَب ُ إ َّهمْ كَا ُوا همْ أَظْل َ َأَطْغَى َالْ ُؤْتَ ِكَةَ أَهْوَى فَغ َّاهَا مَا غ َّى َ ِأ ِّ‬
                                                                ‫ِ َب م ر َذ ر م ُّ ُ أل ل‬
                                                ‫آالء رِّكَ تَتَ َا َى ه َا نَذِي ٌ ِنْ النذرِ ا ُوَى [النجم:01-61].‬
‫ِن أ ت ته عل ع ْم‬                                                ‫ش‬        ‫ط‬
‫ومن موجبات الهالك البَ َر واألَ َر وعدم الشكر، قال تعالى عن قارون: قَالَ إَّمَا ُو ِي ُ ُ ََى ِل ٍ‬
    ‫م ل م ُر م ه َد م ُ ُوة و َر ج ع و ي َل‬                                                   ‫وَ ي َ َن الل َ َ‬             ‫ع‬
    ‫ِندِي أَ َلمْ َعْلمْ أ َّ َّه قدْ أَهْلَكَ ِنْ قَبِْهِ ِنْ الق ُونِ َنْ ُوَ أَش ُّ ِنْه ق َّ ً َأَكْث ُ َمْ ًا َال ُسْأ ُ‬
 ‫ن م ْل م‬                    ‫ح الد‬            ‫الذ ير د‬             ‫م ف ز تِ‬               ‫ع ذن ب ِ م رم َ ر ع‬
‫َنْ ُ ُو ِهمْ الْ ُجْ ِ ُون فَخَ َجَ َلَى قَوْ ِهِ ِي ِينَ ِه قَالَ َّ ِينَ ُ ِي ُونَ الْ َيَاةَ ُّنيَا يَا لَيْتَ لَ َا ِث َ َا‬
                                                                                  ‫أ ت َ ق ر ن ِنه َذ َظ ع‬
                                                             ‫ُو ِي َا ُو ُ إ َّ ُ ل ُو ح ٍّ َظِيمٍ [القصص:22، 02].‬
     ‫ُ م ْ َ ه َد م ه‬                                  ‫وَ‬
   ‫ومن موجبات الهالك الجبروت والبطش، قال اهلل تعالى: َكمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهمْ ِن قرْنٍ ُمْ أَش ُّ ِنْ ُمْ‬
  ‫بَطْ ًا فَن َّ ُوا ِي الْ ِال ِ هلْ ِنْ َ ِيصٍ [ق:63]، وقال تعالى: فَأَهْلَكْنَا أَش َّ ِنْهمْ َطْشًا َ َ َى َث ُ‬
  ‫ومض م َل‬         ‫َد م ُ ب‬                                             ‫ش َقب ف ب د َ م مح‬
                                                                                                                     ‫َول‬
                                                                                                      ‫األ َِّينَ [الزخرف:2].‬
      ‫م ل‬
    ‫ومن موجبات الهالك التجاوز في السفاهة والتعالي بالترف والفسوق، قال تعالى عن قو ٍ: قَاُوا‬
     ‫َ َ ك م و ظ إ َذ إ خلق َول ن وم ن بم َذب َ كذب ه‬                                                       ‫و ء ع وع‬
     ‫سَ َا ٌ َلَيْنَا أَ َ َظْتَ أمْ لمْ تَ ُنْ ِنْ الْ َاعِ ِينَ ِنْ ه َا ِال ُُ ُ األ َِّي َ َ َا نَحْ ُ ِ ُع َّ ِين فَ َ َّ ُو ُ‬
                                                     ‫َره م من‬                     ‫ي و‬              ‫ُ إ َّ ف‬
                               ‫فَأَهْلَكْنَاهمْ ِن ِي ذَلِكَ آل َةً َمَا كَانَ أَكْث ُ ُمْ ُؤْ ِ ِينَ [الشعراء:635-025].‬
          ‫نم‬
        ‫ومن موجبات الهالك السكوت عن قول الحق وترك اإلصالح، قال اهلل تعالى: فَلَوْال كَا َ ِنْ‬
    ‫الْق ُونِ ِنْ قَبِْكمْ ُوُْوا َق َّ ٍ َنْهَوْنَ َنْ الْفَ َاد ِي األرْضِ ِال قَِي ً م َّنْ أَنْ َيْنَا ِنْ ُمْ و َّ َعَ ال ِي َ‬
    ‫إ ل ال ِم ج م ه َاتب َّذ ن‬                                 ‫سِف َ‬              ‫ع‬         ‫ُر م ل ُ أ ل ب ِية ي‬
                  ‫ظ ْم و ل م ح‬                 ‫َ َب لي ل ُ‬                 ‫أ ْ ِف ف و ن م رم ن و‬                    ‫م‬
               ‫ظَلَ ُوا مَا ُتر ُوا ِيهِ َكَا ُوا ُجْ ِ ِي َ َمَا كَان رُّكَ ِ ُهِْكَ الْقرَى بِ ُل ٍ َأَهُْهَا ُصْلِ ُونَ‬
                                                                                                          ‫[هود:655، 255].‬
           ‫َت ِذ يه د‬                ‫ي َيه َّذ ن من‬
           ‫ومن موجبات الهالك مواالة الظالمين، قال اهلل تعالى: َا أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا ال ت َّخ ُوا الْ َ ُو َ‬
 ‫ْ الظ لم ن‬              ‫وم ي َل ُ م ُ إ َّه م ُ ِن الل َ ي‬                     ‫لي ء ب ض ُ ل ء ب‬                       ‫َالن‬
 ‫و َّصَارَى أَوِْ َا َ َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعْضٍ َ َنْ َتَوَّهمْ ِنْكمْ فَِن ُ ِنْهمْ إ َّ َّه ال َهْدِي الْقَومَ َّاِ ِي َ‬
   ‫فَترَى ال ِين ِي ُُو ِهمْ َر ٌ ُ َا ِ ُونَ ِي ِم َ ُوُو َ نَخْ َى أَنْ ُ ِي َنَا َا ِرَة فَ َ َى َّ ُ أَنْ َأْ ِ َ‬
   ‫تص ب د ئ ٌ عس الله ي تي‬                           ‫َّذ َ ف قل ب ِ م َض يس رع ف ه يق ل ن ش‬                       ‫َ‬
                                      ‫م ع ْ ي ح عل م َر ف أ فس ِ دم‬
                 ‫بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ ِنْ ِندِهِ فَ ُصْبِ ُوا ََى َا أَس ُّوا ِي َن ُ ِهمْ نَا ِ ِينَ [المائدة:51، 71].‬
          ‫َر ب ض ُ ل ء ب ْ إ‬                    ‫و َّذ‬
        ‫ومن موجبات الهالك معاداة المؤمنين، قال اهلل تعالى: َال ِينَ كَف ُوا َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعضٍ ِال‬
                                                                         ‫عل ه ك ْ ف ٌ ف َ ْض َ د ر‬
                                                           ‫تَفْ َُو ُ تَ ُن ِتْنَة ِي األر ِ وفَسَا ٌ كَبِي ٌ [األنفال:32].‬
                                                                     ‫فنسأل اهلل تعالى أن يعجل بفرج أمة محمد ...‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: إن أيام اهلل تعالى قد تأتي بالهزيمة والخذالن كما أنها قد تأتي بالنصر والتمكين، فمن سنن‬
        ‫و ط ع الله َرس ه و‬
      ‫اهلل في موجبات الهزيمة والخذالن التفرق والتنازع، قال اهلل تعالى: َأَ ِي ُوا َّ َ و َ ُولَ ُ َال‬
                                                                ‫ل وَ ه ر ح ُ‬                 ‫ن زع‬
  ‫تَ َا َ ُوا فَتَفْشَُوا َتذْ َبَ ِي ُكمْ [األنفال:62]، ومن أسباب الهزيمة طاعة األعداء واتخاذ البطانة‬
   ‫ال َد م ع ِت‬              ‫ل ُ‬          ‫ة م د نك ْ‬              ‫َتخذ‬          ‫ي َي َّذ ن من‬
 ‫منهم، قال اهلل تعالى: َا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ال ت َّ ِ ُوا بِطَانَ ً ِنْ ُو ِ ُم ال يَأُْونَكمْ خَبَا ً و ُّوا َا َن ُّمْ‬
            ‫ُد ر ُ َر َ بَّن ُ ي إ ك ُ قل‬                                   ‫َ بد ب ض ء م َ و هه و ت ف‬
     ‫قدْ َ َتْ الْ َغْ َا ُ ِنْ أفْ َا ِ ِمْ َمَا ُخْ ِي ص ُو ُهمْ أَكْب ُ قدْ َي َّا لَكمْ اآل َاتِ ِنْ ُنْتمْ تَعْ ُِونَ [آل‬
     ‫َد عل َ ب ه م ب م َي ُ ُد الش ن‬                                             ‫ِن َّذ‬
     ‫عمران:255]، وقال تعالى: إ َّ ال ِينَ ارْت ُّوا ََى أدْ َارِ ِمْ ِنْ َعْدِ َا تَب َّنَ لَهمْ الْه َى َّيْطَا ُ‬
‫سَولَ لَ ُمْ َأَمَْى لَهمْ ذَلِ َ ِأ َّهم قَاُوا ِل ِينَ كَرِ ُوا مَا َزلَ الل ُ َ ُ ِي ُ ُم ِي َعْضِ األَم ِ و َّ ُ َعْل ُ‬
‫ْر َالله ي َم‬             ‫ن َّ َّه سنط عك ْ ف ب‬             ‫ه‬         ‫َّ ه و ل ُ ك بَن ُ ْ ل لَّذ‬
      ‫الل‬               ‫َن ُ اتبع‬                ‫إ ْر ُ ْ ْ ِذ َف ُ م ئ ة ي ْرب وج ه ُ وَ ب ُ‬
    ‫ِس َارَهم فَكَيفَ إ َا تَو َّتْهمْ الْ َال ِكَ ُ َض ِ ُونَ ُ ُو َهمْ َأدْ َارَهمْ ذَلِكَ بِأَّهمْ َّ َ ُوا مَا أَسْخَطَ َّهَ‬
                                                                             ‫ُ‬                     ‫و َره ر و ُ‬
                                                             ‫َك ِ ُوا ِضْ َانَه فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهمْ [محمد:17-27].‬
‫أيها المسلمون، وأما سنة اهلل في موجبات النصر والتمكين الذي يتطلع إليه كثير من المسلمين وهم‬
     ‫َي َّذ ن‬
     ‫في هذا الشهر الكريم فال يكون إال بتحقيق اإليمان ونصرة الدين، قال اهلل تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ‬
 ‫آ َُوا ِنْ تَن ُ ُوا َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثِّتْ أق َا َكمْ [محمد:2]، وقال تعالى: ِنْ َنْ ُرْكمْ َّه فَال غَاِ َ‬
 ‫لب‬          ‫إ ي ص ُ الل ُ‬                              ‫من إ صر الل ي ص ُ وي َب َ ْد م ُ‬
  ‫و ي ُ َن الله م‬                                  ‫ُ وإ ْذ ُ م ذ َّذ ي صر ُ م ب ْد‬
‫لَكمْ َِنْ يَخ ُلْكمْ فَ َنْ َا ال ِي َنْ ُ ُكمْ ِنْ َع ِهِ [آل عمران:065]، وقال تعالى: َلَ َنصر َّ َّ ُ َنْ‬
          ‫مِ‬         ‫و َ س م ْ ل َ رس إ‬                                           ‫ي ُره ِن الل ِي ع ز‬
        ‫َنص ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ َزِي ٌ [الحج:02]، وقال تعالى: َلَقَدْ أرْ َلْنَا ِن قَبِْك ُ ُالً ِلَى قَوْ ِهمْ‬
                         ‫ر م من‬                    ‫َق ع‬         ‫ْرم و‬          ‫م َّذ‬                  ‫ج ء ُ َي ِ‬
     ‫فَ َا ُوهمْ بِالْب ِّنَات فَانتَقَمْنَا ِنْ ال ِينَ أَج َ ُوا َكَانَ ح ًّا َلَيْنَا نَصْ ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ [الروم:22]، وقال‬
‫ْ ِ َد ر َّذ أ ْرج م دي ره بغ ر‬                            ‫ُذ لَّذ ن ي ل ن َن ُ ظلم وِن الل عل‬
‫تعالى: أ ِنَ ِل ِي َ ُقَاتَُو َ بِأَّهمْ ُِ ُوا َإ َّ َّهَ ََى نَصرِهمْ لَق ِي ٌ ال ِينَ ُخ ِ ُوا ِنْ ِ َا ِ ِمْ ِ َيْ ِ‬
   ‫ح ٍّ ِال أَنْ يَ ُوُوا ر ُّنَا َّ ُ َلَوْال دفْ ُ َّهِ َّا َ َعْ َهمْ ِ َعضٍ لَه ِّ َتْ صَ َامِ ُ َ ِيَ ٌ َ َلَ َا ٌ‬
   ‫و ع وب ع وص و ت‬                ‫ُدم‬        ‫َ ع الل الن س ب ض ُ بب ْ‬             ‫ق ل َب الله و‬                  ‫َق إ‬
               ‫ر و ي ُ َن الله م ي ُره ِن الل ِي َ ز‬                             ‫م الل‬        ‫وم ِد ُ ُ ف‬
‫َ َسَاج ُ يذْكَر ِيهَا اسْ ُ َّهِ كَثِي ًا َلَ َنصر َّ َّ ُ َنْ َنص ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ عزِي ٌ [الحج:03، 02]،‬
    ‫ونصرة الدين تتضمن االمتثال له والقيام به ووحدة الصف من أجله والصبر عليه والجهاد في‬
                                                                                                                       ‫سبيله.‬
                       ‫قي‬                                                             ‫ر‬
‫وأخي ًا: ال بد أن يعلم الناس أن هذا الدين منصور، وأن اهلل تعالى قد َّض له طائفة ال يخلو منها‬
   ‫زمان إلى آخر الزمان، ومن صفات هذه الطائفة أنها على الحق والسنة، وأنها ظاهرة على هذا‬
              ‫ْذ‬          ‫ي ل‬
  ‫الحق معلنة به، وأنها منصورة بالحق مقاتلة عليه، وأنها محفوفة بمن ُسِْمونها ويَخ ُلونها، وأنها‬
 ‫محاطة بالمخالفين، وأنها ال يضرها هذا الخذالن وتلك المخالفة، وأنها جامعة لشرائح مختلفة من‬
‫األمة، وأن اهلل يبعث منها المجددين للدين، وأنها ال تنحصر بمكان واحد، ولكن تتنقل عبر الزمان‬
‫في أكثر من مكان، وأنها باقية إلى يوم القيامة، قال رسول اهلل : ((ال تزال عصابة من أمتي قائمة‬
          ‫بأمر اهلل، ال يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر اهلل وهم ظاهرون على الناس)).‬
 ‫أيها المسلمون، إن كل السنن اإللهية المذكورة وغيرها كثير تحققت بشأنها أقدار ووقائع وتواريخ‬
  ‫وحوادث هي من أيام اهلل، وقد مضت بها سنة األولين، وستمضي عليها سنن اآلخرين، وقد ظل‬
       ‫اإلسالم عزي ًا شامخًا، وسيبقى كذلك إلى ما شاء اهلل، فلنتدارس هذه األيام والسنن، ولنذك‬
‫ِّر الناس‬                                                                      ‫ز‬
                              ‫بها، فالخوف ليس على اإلسالم، ولكن على من يتخلف عن ركب اإلسالم.‬
   ‫اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم األحزاب، اللهم انتقم للمسلمين المستضعفين في كل‬
        ‫مكان، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم واحفظ دماء المسلمين‬
               ‫ل‬      ‫ح ف‬
       ‫وأعراضهم في كل مكان، اللهم وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وو ّد ص ّهم، وبّغهم فيما‬
      ‫يرضيك آمالهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم‬
                                                                                  ‫الراحمين...‬

‫(5/5032)‬




                                                                             ‫وعلى اهلل فتوكلوا‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫أعمال القلوب‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                        ‫الخبر‬
                                                                                 ‫07/2/3725‬
                                                                                         ‫النور‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- حاجتنا للتوكل في هذا العصر. 7- التوكل في الكتاب والسنة. 3- مفهوم التوكل. 2- دور‬
   ‫التوكل في الصبر والثبات. 1- أعظم الناس توكالً أعرفهم باهلل. 6- التوكل سبب للنصر. 2-‬
                              ‫آثار التوكل وثمراته. 2- أقسام المتوكلين. 0- صور من التوكل.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: إن األوضاع التي يعيشها المسلمون عمومًا والدعاة خصوصًا بالذات في هذه الفترة‬
                                                                         ‫ت‬
   ‫الحرجة قد ُضعف ثقة البعض باهلل عز وجل في بعض الجوانب؛ لذا كان لزامًا التذكير ببعض‬
                                                                      ‫ب‬
‫مراتب الدين ومثّتات اليقين من خالل نصوص القرآن وأنوار السنة وسيرة سلف هذه األمة، لعلها‬
                     ‫ث‬       ‫ر‬                                ‫ف‬            ‫ي‬
      ‫تكون الترْ َاق الذي يتن ّس من خالله المؤمن وهو يصارع الش ّ المتم ّل في دول وأشخاص‬
                                                     ‫وهيئات ومؤسسات ولجان عالمية ومحلية.‬
   ‫لقد اتفق اليهود والنصارى على ضرب اإلسالم والمسلمين في كل مجال ومكان، فصار الجميع‬
       ‫ش‬     ‫كال ي‬      ‫ن‬              ‫بحاجة إلى التو ّل على اهلل ال على غيره، تو ّالً حقيقي ي‬
    ‫ًّا ُعيننا ويرفع ع ّا، تو ّ ً ُخالج ِغاف‬      ‫ك‬                           ‫ك‬
‫قلوبنا، فنوقن من خالله ضعف وهزال ما يملكه الغرب من قوة مادية؛ ألنهم اعتمدوا عليها، ونحن‬
                                                                         ‫اعتمادنا على جبار السماوات واألرض.‬
  ‫أيها المسلمون، لقد جاء األمر بالتوكل في كتاب اهلل في أوجه مختلفة وسياقات متعددة ومناسبات‬
  ‫َكل إ‬              ‫إ ك ت م ُ ِالل ِ ع‬
 ‫متكاثرة، بل لقد جعله شرطًا لإلسالم واإليمان، فقال سبحانه: ِن ُن ُمْ ءا َنْتمْ ب َّه فَ َلَيْهِ تَو َُّواْ ِن‬
                         ‫وعل الل ِ َكل إ ك ت م من‬                                           ‫ك ت م لم‬
‫ُنْ ُم ُّسِْ ِينَ [يونس:22]، وقال تعالى: َ ََى َّه فَتَو َُّواْ ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِينَ [المائدة:37]، وقال عن‬
  ‫ف َك‬                                         ‫َال و َّ عل الله َ َ َد سب‬                        ‫و‬
‫أنبيائه ورسله: َمَا لَنَا أ َّ نَتَ َكلَ ََى َّ ِ وقدْ ه َانَا ُ ُلَنَا [إبراهيم:75]، وقال لنبيه محمد : َتَو َّلْ‬
   ‫ُم الن س ِن الن َ َ‬           ‫َّذ َ‬                                 ‫ق مب‬             ‫عل الل ِن عل‬
 ‫ََى َّهِ إ َّكَ ََى الْحَ ّ الْ ُ ِينِ [النمل:02]، وقال عن أصحابه: ال ِين قَالَ لَه ُ َّا ُ إ َّ َّاس قدْ‬
                            ‫ه ْ َز ُ إ م و ل ح ب الله ون ْم و ل‬                                      ‫جمع ك ْ‬
    ‫َ َ ُواْ لَ ُم فَاخْشَوْ ُم ف َادَهمْ ِي َانًا َقَاُواْ َسْ ُنَا َّ ُ َ ِع َ الْ َكِي ُ [آل عمران:325]، وقال عن‬
 ‫ِنم‬                                         ‫مص ر‬             ‫وإ‬                 ‫َك وإ‬                ‫َّب ع‬
‫أوليائه: ر َّنَا َلَيْكَ تَو َّلْنَا َِلَيْكَ أَنَبْنَا َِلَيْكَ الْ َ ِي ُ [الممتحنة:2]، وقال في صفات المؤمنين: إ َّ َا‬
          ‫م من َّذ ِذ ذ ِ الله ج ْ قل ب ُ وِ تلي ع ِ ي ت ُ ز د ُ إ م ن وع رب ِ‬
        ‫الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِينَ إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ َإذَا ُِ َتْ َلَيْهمْ ءا َا ُه َا َتْهمْ ِي َا ًا َ َلَى َ ّهمْ‬
‫وم ي و َّ عل الل ِ ه ح به ِن الل لغ أ ْره‬                                                            ‫ي َكل‬
‫َتَو َُّونَ [األنفال:7]، وقال في جزاء المتوكلين: َ َن َتَ َكلْ ََى َّه فَ ُوَ َسْ ُ ُ إ َّ َّهَ بَاِ ُ َم ِ ِ‬
                                                               ‫َ ْر‬       ‫َ جع الله ل ُل‬
 ‫قدْ َ َلَ َّ ُ ِك ّ شَىْء قد ًا [الطالق:3]. إنها نصوص ـ معاشر األحبة ـ لو تفكرنا فيها ووقفنا‬
                                        ‫عندها لصغر في أعيننا وقلوبنا كل ما ليس من اإلسالم في شيء.‬
                        ‫َ ج‬
 ‫أيها المسلمون، إنني أذكر بهذا الموضوع الهام في هذه الظروف الحرِ َة والمرحلة الحاسمة التي‬
                     ‫َد ص‬                                                           ‫ر‬
    ‫تم ّ بها األمة اإلسالمية، حيث تداعت عليها أمم الكفر من كل ح َبٍ و َوْب، بل حصل الظلم‬
    ‫والبغي والعدوان الغاشم من قتل للمدنيين وترويع للنساء واألطفال واآلمنين دون رعاية لحقوق‬
                                                                                    ‫د‬
                                     ‫اإلنسان التي ي ّعون، وال للقوانين واألعراف الدولية التي يزعمون.‬
                             ‫ال‬
      ‫أيها المؤمنون، إن اهلل جل وتعالى لم يخاطب بالتوكل في كتابه إ ّ خواص خلقه وأقربهم إليه‬
‫وأكرمهم عليه، لم يخاطب بالتوكل العامة من الناس؛ ألن التوكل من أصعب المنازل على العامة،‬
    ‫ق‬
    ‫فهم لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم، ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة، فهم في رِ ّ‬
                                                               ‫األسباب يعيشون، فيصعب عليهم الخروج عنها.‬
‫التوكل على اهلل شعور ويقين بعظمة اهلل وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجود واألفالك واألكوان‬
                   ‫ومن فيها وما عليها والدول وكل ما تملك، فكل ذلك محكوم بحوله وقوته سبحانه.‬
                ‫و‬                                  ‫ل‬
       ‫التوكل قطع القلب عن العالئق ورفض التعّق بالخالئق وإعالن االفتقار إلى مح ّل األحوال‬
                                                                                    ‫د‬
   ‫ومق ّر األقدار، ال إله إال هو، إنه صدق اعتماد القلب على اهلل عز وجل في استجالب المصالح‬
                                                                                  ‫ر‬
                 ‫ودفع المضا ّ، فال مانع لما أعطى، وال معطي لما منع، وال ينفع ذا الجد منه الجد.‬
       ‫التوكل صدق وإيمان وسكينة واطمئنان، ثقة باهلل وفي اهلل، وأمل يصحب العمل، وعزيمة ال‬
                                                                                                    ‫هج‬
                                                                             ‫ينطفئ وَ َ ُها مهما ترادفت المتاعب.‬
  ‫ت‬
  ‫المتوكل على اهلل ذو يقظة فكرية عالية ونفس مؤمنة موقنة، قال بعض الصالحين: "متى رضي َ‬
                                                      ‫ال‬
 ‫باهلل وكيالً وجدتَ إلى كل خير سبي ً"، وقال بعض السلف: "بحسبك من التوسل إليه أن يعلم قلبك‬
                                                                                                                    ‫ح‬
                                                                                                     ‫ُسن توكلك عليه".‬
   ‫التوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعة في عالم الشهادة، تسليم هلل بعد أداء كل ما‬
                                                                      ‫يرتبط بالنفس من مطلوبات وواجبات.‬
                                    ‫ي‬                 ‫ض ب‬                 ‫ي‬
‫التوكل الذي َقوى اإلنسان به َرْ ٌ من الثقة باهلل، ُنعش اإلنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة،‬
                                                                        ‫ال‬
                                                                       ‫ويلتفت حوله فال يرى عونًا وال أم ً.‬
       ‫التوكل غذاء الجهاد الطويل الذي قاوم به النبيون وأتباعهم ودعاة دينهم مظالم الطغاة وبغي‬
  ‫َال و َّ عل الله َ َ هد سب و ِ َن عل‬                                 ‫وم‬                       ‫ي‬         ‫د‬
 ‫المستب ّين كما ب ّنه اهلل تبارك وتعالى: َ َا لَنَا أ َّ نَتَ َكلَ ََى َّ ِ وقدْ َ َانَا ُ ُلَنَا َلَنَصْبر َّ ََى‬
                                                                  ‫تم وعل الل ِ ي و َّ م َكل‬
                                                 ‫مَا آذَيُْ ُونَا َ ََى َّه فَلْ َتَ َكلْ الْ ُتَو ُِّونَ [إبراهيم:75].‬
                                             ‫م‬
                       ‫التوكل الحق قرين الجهد المضيء واإلرادة المص ّمة، وليس العجز والكسل.‬
                  ‫ب‬
  ‫أيها المسلمون، إن توكل المجاهدين في ساحاتهم والدعاة في ميادينهم والمر ّين في محاضنهم ال‬
   ‫ينافي األخذ باألسباب البينة، فالسعي في األسباب بالجوارح طاعة هلل، والتوكل على اهلل بالغيب‬
   ‫ن ْ ْر مل َّذ ص َر‬
‫إيمان باهلل، فالمتوكلون في كتاب اهلل هم العاملون كما قال سبحانه: ِعمَ أَج ُ الْعَا ِِينَ ال ِينَ َب ُواْ‬
                                                                           ‫وع ربه ي َكل‬
     ‫َ َلَى َ ّ ِمْ َتَو َُّونَ [العنكبوت:21، 01]، وإمام المتوكلين نبينا محمد رأينا في سيرته األخذ‬
                                       ‫ََ‬
       ‫باألسباب، فقد اختفى في الغار عن الكفار، وظاهر في بعض غزواته بين درعين، وتعاطى‬
 ‫الدواء، وقال: ((من يحرسنا الليلة؟))، وأمر بغلق الباب وإطفاء النار عند المبيت، وقال لصاحب‬
              ‫م الل‬        ‫ْر ل ب‬
‫الناقة: ((اعقلها وتوكل))، وقال سبحانه وتعالى لنبيه لوط: فَأَس ِ بِأَهِْكَ ِقِطْعٍ ِنْ َّيْلِ [هود:52]،‬
                                              ‫َيه َّذ ن من ُذ ِ ْرك‬
     ‫ونادى أهل اإليمان: يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا خ ُوا حذ َ ُمْ [النساء:52]، وجاء أمر اهلل بالتوكل بعد‬
 ‫التح ّز واستفراغ الوسع حين قال: َشَاورْ ُم ِي األَمرِ فَإ َا ع َمْت فَتَو َّلْ ََى َّهِ إ َّ َّهَ ُح ُّ‬
 ‫ْ ِذ َز َ َك عل الل ِن الل ي ِب‬                            ‫و ِ هْ ف‬                              ‫ر‬
                                                                                                     ‫م َكل‬
                                                                                  ‫الْ ُتَو ِِّينَ [آل عمران:015].‬
              ‫ال‬
   ‫المؤمن هو من يجمع بين فعل األسباب واالعتصام بالتوكل، فال يجعل عجزه توك ً، وال توكله‬
                                                 ‫س‬                                ‫س‬         ‫ز‬
                        ‫عج ًا، إن تع ّر عليه شيء فبتقدير اهلل، وإن تي ّر له كل شيء فبتيسير اهلل.‬
               ‫َ‬
  ‫المسلم المتوكل يخرج من بيته متوجهًا إلى عمله ومهنته، وإلى دعوته وجهاده، تزْدلف قدمه من‬
‫عتبة بابه وهو يقول: "باسم اهلل، توكلت على اهلل، ال حول وال قوة إال باهلل، اللهم إني أعوذ بك أن‬
                                ‫ي‬     ‫ه‬            ‫أ‬     ‫ل‬        ‫أض‬      ‫ِل ُ َل ض‬
‫أز َّ أو أز ّ أو أَ ِل أو ُ َل أو أَظِم أو ُظلَم أو أَج َل أو ُجهل علي". وقد كان من ذكر النبي :‬
  ‫((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك، ال إله‬
‫إال أنت الحي الذي ال يموت، والجن واإلنس يموتون)). ومن قال: "باسم اهلل، توكلت على اهلل، ال‬
                             ‫ح‬         ‫ه‬            ‫ذ ك‬
   ‫حول وال قوة إال باهلل" يقال له حينئ ٍ: ُفيت ووقيت و ُديت، وتن ّى عنه الشيطان. وفي التنزيل‬
                                   ‫ه س ن عل َّذ ن من وع رب ِ َ َكل‬                                  ‫ِنه‬
                    ‫العزيز: إ َّ ُ لَيْسَ لَ ُ ُلْطَا ٌ ََى ال ِي َ ءا َ ُواْ َ َلَى َّهمْ يتَو َُّونَ [النحل:00].‬
 ‫أخي المؤمن، ثمة موطن من مواطن العمل ال يكون على وجهه وال تتحقق غايته إال حينما يكون‬
    ‫التوكل هلل هو عموده، إنه موطن الصبر والثبات على المواقف وعدم التنازل عنها، وهو الذي‬
    ‫يحمل عبأه أنبياء اهلل عليهم السالم ومن اقتفى أثرهم من أهل العلم والدعوة واإليمان والصالح‬
‫واإلصالح، فهم حين يتعرضون لمخاوف مزعجة ال يثبتون على الروع والغبن إال ألملهم في اهلل‬
 ‫واستنادهم عليه، ال يثبتون إال بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات حاضرهم، ويعينهم على مواجهة‬
              ‫األخطار بعزم وثقة واطمئنان، وما نراه من صبر وثقة باهلل لدى بعض العلماء والدعاة‬
                                                            ‫ر‬
 ‫والمجاهدين والمصلحين أم ٌ قد يستغربه الضعفاء الواهنون ويستنكرونه، ولذلك حين قال موسى‬
       ‫أ‬             ‫ر ع‬             ‫ف‬          ‫َب ِن‬
     ‫وهارون عليهما السالم بعد أمر اهلل لهما بدعوة فرعون: ر َّنَا إ َّنَا نَخَا ُ أَنْ يَفْ ُطَ َلَيْنَا أَوْ َنْ‬
                       ‫ع وَر‬            ‫َ خ ِنن معك‬                          ‫ل‬                    ‫ي غ‬
  ‫َطْ َى [طه:12] أجابهما ج ّ وعال: قَال ال تَ َافَا إ َّ ِي َ َ ُمَا أَسْمَ ُ َأ َى [طه:62]، إنه الشعور‬
              ‫ره‬                    ‫ح‬
         ‫الكبير والعميق بمعية اهلل وعنايته، ذلكم هو المؤنس في المو ِشَات والمشجع في ال ّ َبَات.‬
‫وهذا هو أبو بكر الصديق يقول: نظرت أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت:‬
                  ‫ن‬
     ‫يا رسول اهلل، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه ألبصرنا، فقال : ((يا أبا بكر، ما ظ ّك باثنين اهلل‬
                 ‫ْز ِن الل مع‬               ‫ِ هم ف غ ِ يق ل لص ِب‬
 ‫ثالثهما؟!)). قال اهلل عنهما: إذْ ُ َا ِي الْ َارِ إذْ َ ُو ُ ِ َاح ِهِ ال تَح َنْ إ َّ َّهَ َ َنَا [التوبة:02]،‬
    ‫وحينما قال الذين كفروا لرسلهم: "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا"، هذه المقولة التي‬
                                                              ‫يو‬
  ‫تتردد عبر التاريخ، و ُ َاجه بها أهل الدعوة المخلصون في كل زمان ومكان، جاء الجواب على‬
    ‫َ َر عل الل َذ إ ُ ف ِلت ُ‬
  ‫لسان خطيب األنبياء شعيب عليه السالم بقوله تعالى: قدْ افْت َيْنَا ََى َّهِ ك ِبًا ِنْ عدْنَا ِي مَّ ِكمْ‬
    ‫عم‬           ‫َب ُل‬            ‫ع َ ف ه ِال ي الل ُ َب و‬                              ‫ب ِ َج الله م وم يك ن‬
   ‫َعْدَ إذْ ن َّانَا َّ ُ ِنْهَا َ َا َ ُو ُ لَنَا أَنْ نَ ُود ِي َا إ َّ أَنْ َشَاءَ َّه رُّنَا َسِعَ ر ُّنَا ك َّ شَيْءٍ ِلْ ًا‬
                             ‫ْر تح‬                  ‫َق و‬           ‫ب وب َ م‬                          ‫َل الل َك َب‬
     ‫عَى َّهِ تَو َّلْنَا ر َّنَا افْتَحْ َيْنَنَا َ َيْن قَوْ ِنَا بِالْح ِّ َأَنْتَ خَي ُ الْفَا ِ ِينَ [األعراف:02]. هذا هو‬
    ‫ُ ه الر من َن به وعل ه‬
    ‫المجد الشامخ الذي ال يحظى به إال نفر من المؤمنين المتوكلين، قلْ ُوَ َّحْ َ ُ آم َّا ِ ِ َ ََيْ ِ‬
                                                                         ‫مب‬          ‫َك س م م ه َ ف‬
                                                          ‫تَو َّلْنَا فَ َتَعْلَ ُونَ َنْ ُو ِي ضَاللٍ ُ ِينٍ [الملك:07].‬
   ‫أيها المسلمون، من كان باهلل وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، ومن لم يكن كذلك‬
    ‫فهو يظن من ضالله أن حظوظًا عمياء هي التي تقرر مصائر الحياة واألحياء. إن المقطوعين‬
      ‫عن اهلل هم عبيد الحظوظ الشاردة واألسباب المبتورة، إن التوكل على اهلل ال يعرفه العاطلون‬
    ‫الله‬                                                                                   ‫ط‬
    ‫الب ّالون، لن يتوقع أحد الخذالن والضياع وهو مرتبط بربه معتمد عليه، واهلل يقول: أَلَيْسَ َّ ُ‬
      ‫هم‬           ‫ه م ه وم ي الل ُ‬                    ‫ع ه وي ِّف ك َّذ م د نه وم ي ِ الل ُ‬                             ‫ب‬
    ‫ِكَافٍ َبْدَ ُ َ ُخَو ُونَ َ بِال ِينَ ِنْ ُو ِ ِ َ َنْ ُضْللْ َّه فَمَا لَ ُ ِنْ َادٍ َ َنْ َهْدِ َّه فَمَا لَ ُ ِنْ‬
                                                              ‫ق‬                ‫الله بع‬           ‫م ِل‬
      ‫ُض ٍّ أَلَيْسَ َّ ُ ِ َزِيزٍ ذِي انْتِ َامٍ [الزمر:63، 23]، هذا هو التوكل في حقيقته وأثره وجزائه‬
     ‫وصفات أهله. وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((هم‬
   ‫الذين ال يسترقون وال يتطيرون وال يكتوون وعلى ربهم يتوكلون))، وفي صحيح البخاري عن‬
‫ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: (حسبنا اهلل ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها‬
‫محمد حين قالوا له: إ َّ َّاس قدْ َ َ ُوا لَكم فَاخْشَوْ ُمْ ف َادَهمْ ِي َانًا وقَاُوا َسْ ُنَا َّ ُ َ ِعمَ الْ َكِي ُ‬
‫ه َز ُ إ م َ ل ح ب الله ون ْ و ل‬                                         ‫ِن الن َ َ جمع ُ ْ‬
                                                                                                       ‫[آل عمران:325]).‬
    ‫أيها المسلمون، إن التوكل على اهلل من أعظم أسباب النصر على األعداء، إذا تحقق التوكل في‬
                   ‫ي‬
     ‫القلب فال يحزنه بعد ذلك الفقر واإلقالل، وال تزلزله الفتنة واإلعصار، حين ُبنى التوكل على‬
   ‫معرفة اهلل وأسمائه وصفاته، حين يعلم العبد يقينًا أن اهلل هو المحيي والمميت الحي القيوم عالم‬
    ‫الغيوب العزيز الجبا، الواحد القهار له خزائن السموات واألرض بيده الخير وإليه يرجع األمر‬
‫ْ ه عل ُل ش ء‬                     ‫ِ ه إال ه َ وإ ي س‬                 ‫وإ ي س الله بض ٍّ‬
‫كله، حين يعلم: َِنْ َمْ َسْكَ َّ ُ ِ ُر فَال كَاشفَ لَ ُ ِ ّ ُو َِنْ َمْ َسْكَ بِخَيرٍ فَ ُوَ ََى ك ِّ َيْ ٍ‬
                                                                                        ‫َ ر‬
   ‫قدِي ٌ [األنعام:25]، إذا استقرت هذه المعاني امتأل القلب بإجالل اهلل ومحبته وتعظيمه، وانقطعت‬
                 ‫ذ‬
     ‫العالئق األرضية، ولم يبق اعتماد على أي مخلوق أو أية دولة أو جهة، عندئ ٍ ينشرح الصدر‬
                                                    ‫وتسكن النفس ويطمئن القلب والفؤاد إلى اهلل تعالى.‬
                       ‫ُد‬                                         ‫ي‬
 ‫وال يلزم من التوكل أن ال ُصاب العالم أو المجاهد أو الداعية بأذى، فق ُوات األمة في هذا الباب‬
  ‫أصابهم ما أصابهم، ولم يخدش ذلك في توكلهم، أال ترى إلى ذبح نبي اهلل يحيى بن زكريا وقتل‬
                   ‫ح‬              ‫ُر‬
   ‫الخلفاء الثالثة والحسين وابن الزبير وابن جبير؟! وقد ض ِب أبو حنيفة و ُبِس ومات بالسجن،‬
 ‫أ م‬                   ‫ضر‬                              ‫جذ‬              ‫ُر‬         ‫ُر‬
‫وج ّد مالك وض ِب بالسياط، و ُ ِبت يده حتى انخلعت من كتفه، و ُ ِب اإلمام أحمد حتى ُغ ِي‬
            ‫ن‬                                       ‫أم‬                    ‫قط‬
 ‫عليه، و ُ ِع من لحمه وهو حي، وُ ِر بصلب سفيان فاختفى، ومات البويطي مسجو ًا في قيوده،‬
                    ‫فع‬                                         ‫سج‬                      ‫نف‬
‫و ُ ِي البخاري من بلده، و ُ ِن شيخ اإلسالم ابن تيمية ومات في سجنه، و ُ ِل ما فعل بتلميذه ابن‬
                                                ‫أ ر‬             ‫سج‬
       ‫القيم وكان قبل ذلك قد ُ ِن مع شيخه، وُخ ِج الشيخ سليمان بن عبد اهلل بن محمد بن عبد‬
                     ‫ز‬                                         ‫أ‬
 ‫الوهاب إلى المقبرة، وُمر الجند أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فم ّقوا جسمه، وفاضت روحه‬
               ‫ن ب‬                 ‫أ‬               ‫طع‬                            ‫نك‬
        ‫إلى ربه، وُ ّل بأئمة الدعوة المباركة، و ُ ِن في نواياهم، وُسيء بهم الظن، و ُس ِت إليهم‬
                                                                       ‫النقائص، وهم صابرون محتسبون.‬
                                   ‫كذا المعالي إذا ما رمت تدركها…فاعبر إليها على جسر من التعب‬
                   ‫خل‬                                   ‫ر‬
    ‫أيها المسلمون، إن للتوكل على اهلل آثا ًا حميدة ولذة عجيبة ال يجدها إال ال ُّص من عباد اهلل،‬
                      ‫د‬
     ‫وجدها إبراهيم عليه السالم عندما ألقي في النار، فتوكل عليه فصارت بر ًا وسالمًا، ووجدها‬
                                                 ‫جب‬
  ‫يوسف عليه السالم عندما ألقي في ال ُ ّ كما وجدها في السجن، ووجدها يونس عليه السالم في‬
     ‫بطن الحوت في ظلمات ثالث، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور‬
             ‫ْز ِن مع‬
 ‫والدور، ووجدها رسول اهلل وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهم، الَ تَح َنْ إ َّ اهللَ َ َنَا، وسيجدها‬
       ‫د‬                         ‫ع‬                      ‫س‬
  ‫كل من أخلص هلل، وآوى إليه يأ ًا من كل من سواه، منقط ًا عن كل شبهة في قوة، قاص ًا باب‬
                                                                                     ‫اهلل دون األبواب كلها.‬
                                              ‫ر‬
       ‫لو استقرت هذه الحقيقة في قلب المسلم استقرا ًا صحيحًا لصمد كالطود أمام األحداث وأمام‬
    ‫األشخاص وأمام القوى والقيم واالعتبارات، ولو تضافر عليه اإلنس والجن بكل ما يملكون من‬
     ‫يق ه ك ْ يك ن‬                  ‫ئ‬         ‫ره ِذ َر‬             ‫ِن‬
     ‫طائرات ودبابات وصواريخ وعابرات القارات، إ َّمَا أَمْ ُ ُ إ َا أ َادَ شَيْ ًا أَنْ َ ُولَ لَ ُ ُن فَ َ ُو ُ‬
                                                                                                   ‫[يس:72].‬
      ‫أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن اهلل وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، واهلل‬
                                                         ‫ر‬
                                                       ‫ورسوله منه بريئان، وأستغفر اهلل إنه كان غفا ًا.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: إن اهلل مالذنا فبه نلوذ، وهو معاذنا فبه نعوذ، به نعتصم ونلتجئ ونستعين، وعليه وحده‬
                                                             ‫ُ ح ب الله ع ي و َّل م َكل‬
                                              ‫نتوكل، قلْ َسْ ِي َّ ُ َلَيْهِ َتَ َك ُ الْ ُتَو ُِّونَ [الزمر:23].‬
   ‫وأ ِّض أ ْر‬
  ‫أيها العلماء، أيها المجاهدون، أيها الدعاة، أيها المصلحون، فوضوا أموركم إليه، َُفَو ُ َم ِي‬
                                                                                  ‫إل الل ِن الل ب ر ع‬
                                                                  ‫َِى َّهِ إ َّ َّهَ َصِي ٌ بِالْ ِبَادِ [غافر:22].‬
  ‫أيها المسلمون، عند اشتداد الكروب وتفاقم الخطوب يتجلى إيمان المؤمنين، وفي خضم الحوادث‬
 ‫وثنايا الكوارث يبرز صدق المتقين وزيف المنافقين وهوى المنحرفين، عند حلول الفتن وحصول‬
      ‫م‬                  ‫م‬                                                   ‫ج‬
    ‫المحن يظهر تو ّه المتوكلين وتضييع المتواكلين؛ ألن األحداث والمدله ّات والشدائد والمل ّات‬
    ‫مه‬                                                    ‫س‬
‫معايير دقيقة ومقاييس منضبطة ل َبْر أغوار الرجال وإظهارهم على حقائقهم، والموفق ال ُل َم من‬
‫كان مع اهلل في كل أحواله، وعرف ربه في سرائه وضرائه، وسار في كل أموره متوكالً على اهلل‬
                                         ‫ِر م ق‬          ‫وم ي ص ِالل ِ َ ُد إل‬
                      ‫معتصمًا به، َ َنْ َعْتَ ِمْ ب َّه فَقدْ ه ِيَ َِى ص َاطٍ ُسْتَ ِيمٍ [آل عمران:505].‬
 ‫أيها المسلمون، المتوكلون على اهلل أنواع وأقسام: فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في اإليمان به‬
  ‫ونصرة دينه وإعالء كلمته وجهاد أعدائه وإقامة شرعه وهداية خلقه، وأقل من هؤالء مرتبة من‬
 ‫يتوكل عليه في استقامته في نفسه وإصالحها، وأقل من هؤالء مرتبة من يتوكل على اهلل في أمر‬
  ‫يناله منه، من رزق أو عافية أو زوجة أو ولد. وأفضل التوكل التوكل في الواجب، وهو واجب‬
   ‫الخلق وواجب النفس، وأوسع التوكل وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو‬
           ‫رفع مفسدة دينية، وهو توكل األنبياء في إقامة دين اهلل ودفع فساد المفسدين في األرض.‬
      ‫ِن أ هد الله و َد َن‬
     ‫لنقف وقفة تأمل من نبي اهلل هود عليه السالم، قال اهلل تعالى: قَالَ إ ِّي ُشْ ِ ُ َّ َ َاشْه ُوا أ ِّي‬
  ‫َر ء ِم ت رك ن م د ن ِ ك د ن جم ُم ت ِر ن ِن َك ت عل الل ِ َب و َب ُ م‬
 ‫ب ِي ٌ م َّا ُشْ ِ ُو َ ِنْ ُو ِه فَ ِي ُو ِي َ ِيعًا ث َّ الَ ُنْظ ُو ِي إ ِّي تَو َّلْ ُ ََى َّه ر ِّي َرِّكمْ َا‬
                                           ‫ِر م ق‬          ‫م َاب ِال ه خذ ب صيته إ َّ َب عل‬
                           ‫ِنْ د َّةٍ إ َّ ُوَ آ ِ ٌ ِنَا ِ َ ِ َا ِن ر ِّي ََى ص َاطٍ ُسْتَ ِيمٍ [هود:21-61].‬
   ‫إن أصحاب الدعوة إلى اهلل في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويالً أمام هذا‬
                                               ‫ّ‬
         ‫المشهد الباهر، رجل واحد، لم يؤمن معه إال قليل، يواجه أعتى أهل األرض، وأغنى أهل‬
   ‫ن ن بك ِّ ر ع ية بث ن و َت ِذ ن‬
   ‫األرض، وأكثر أهل األرض حضارة ومادية في زمانهم، أَتَبْ ُو َ ِ ُل ِي ٍ آ َ ً تَعْ َ ُو َ َتَّخ ُو َ‬
                                            ‫ُ َب ر‬              ‫ت‬           ‫َل ُ ُد ن وِ‬                  ‫م‬
‫َصَانِعَ لَعَّكمْ تَخْل ُو َ َإذَا بَطَشْ ُمْ بَطَشْتمْ ج َّا ِينَ [الشعراء:275-035]، هؤالء هم الذين واجههم‬
‫هود عليه السالم، في شجاعة المؤمن واستعالئه وثقته واطمئنانه، وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة‬
                                                                      ‫د‬
‫الكاملة وهم قومه، وتح ّاهم أن يكيدوه بال إمهال، وأن يفعلوا ما في وسعهم، فال يباليهم بحال. لقد‬
 ‫وقف هود عليه السالم هذه الوقفة ألنه يجد الفهم كل الفهم لمعنى التوكل في أبهى صوره، ويوقن‬
         ‫ال‬
    ‫أن أولئك الجبارين العتاة المتبطرين إنما هم من الدواب، وهو مستيقن أنه ما من دابة إ ّ وربه‬
‫آخذ بناصيتها. إن أصحاب الدعوة إلى اهلل ال بد أن يجدوا هذه الحقيقة في نفوسهم على هذا النحو،‬
   ‫حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعالء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم، ويوم تتم هذه‬
    ‫المفاصلة يتحقق وعد اهلل بالنصر ألوليائه والتدمير على أعدائه في صورة من الصور التي قد‬
                                                 ‫تخطر أو ال تخطر على البال، وما ذلك على اهلل بعزيز.‬
  ‫قال ابن القيم رحمه اهلل وهو يتحدث عن همم الصحابة رضي اهلل عنهم في التوكل: "فحال النبي‬
                                             ‫ي‬                       ‫ك‬
      ‫وحال أصحابه مح ّ األحوال وميزانها، بها ُعلم صحيحها من سقيمها، فإن هممهم كانت في‬
                 ‫ي‬                                              ‫م ب‬
 ‫التوكل أعلى من همم َن َعدهم، فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن ُعبد اهلل في جميع‬
             ‫م‬                                                             ‫يوح‬
    ‫البالد، وأن ِّده جميع العباد، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فَ َلؤوا بذلك‬
    ‫سم ت‬                ‫ب‬
    ‫التوكل القلوب هدى وإيمانًا، وفتحوا بالد الكفر وجعلوها دار إيمان، وه ّت رياح روح نَ َ َا ِ‬
                                                                            ‫ن‬
                                                                ‫التوكل على قلوب أتباعهم فمألتها يقي ًا وإيمانًا".‬
‫فنسأل اهلل تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكون توكلنا عليه في نصرة دينه وإعالء كلمته‬
                                                                      ‫وهداية خلقه، إنه ولي ذلك والقادر عليه...‬

‫(5/7032)‬




                                                                                               ‫وفاة الشيخ ابن باز (7)‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                             ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                                                      ‫تراجم‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                                       ‫الخبر‬
                                                                                                              ‫6/7/0725‬
                                                                                                                       ‫النور‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- الموت مصير كل حي. 7- جنائز علماء السنة. 3- جنازة اإلمام أحمد. 2- جنازة شيخ‬
                            ‫اإلسالم ابن تيمية. 1- جنازة العالمة ابن باز. 6- وقفات مع وفاة ابن باز.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
     ‫قي م م ز ْز ع‬                         ‫ت وِن ت َف أج رك‬                     ‫ة‬                ‫ُل‬
   ‫أما بعد: قال اهلل تعالى: ك ُّ نَفْسٍ ذَائِقَ ُ الْمَوْ ِ َإَّمَا ُو َّوْنَ ُ ُو َ ُمْ يَوْمَ الْ ِ َا َةِ فَ َنْ ُح ِحَ َنْ‬
                                  ‫و ح ة الد ِال م ع غر‬                              ‫َن َ َ ْ‬        ‫الن ر وُ ِ‬
    ‫َّا ِ َأدْخلَ الْج َّة فَقد فَازَ َمَا الْ َيَا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْ ُ ُورِ [آل عمران:125]، وعن سهل بن‬
   ‫ر‬
  ‫سعد الساعدي قال: قال رسول اهلل : ((لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح بعوضة ما سقى كاف ًا‬
                                                                                   ‫َ‬
‫منها شرْبة ماء))، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((أال إن الدنيا ملعونة ملعون ما‬
                                                     ‫ل‬
                                ‫فيها إال ذكر اهلل وما وااله وعالمًا أو متعّمًا)) رواهما الترمذي.‬
                                                                                   ‫قال الشاعر:‬
                                         ‫َب‬
                                 ‫كل ابن أنثى وإن طالت سالمته…يومًا على آلة حدْ َاء محمول‬
  ‫أيها المسلمون، لو كان البقاء تكريمًا ألحد من خلق اهلل لكان أجدر الخلق بهذا التكريم هو محمد‬
                      ‫ال‬
                     ‫رسول اهلل ، ولكن الموت سنة اهلل في هذه الحياة، ولن تجد لسنة اهلل تبدي ً.‬
                         ‫ب‬
    ‫إن مما شهد له التاريخ هو أن علماء أهل السنة تكون جنائزهم عج ًا من العجب، ويكون ذلك‬
                                                                ‫د‬       ‫م‬
   ‫اليوم يو ًا مشهو ًا، فكم حفظت لنا كتب التاريخ عن قصص نعجب لها حين نقرؤها عن بعض‬
       ‫جنائز علماء هذه األمة، ورحم اهلل اإلمام أحمد عندما قال: "قولوا ألهل البدع: بيننا وبينكم‬
                                                                                       ‫الجنائز".‬
                                              ‫ب‬
     ‫فعندما توفي هو رحمه اهلل كانت جنازته عج ًا. مرض اإلمام أحمد قبل موته أيامًا، وضعفت‬
      ‫صحته، وكان يتوكأ على ولده صالح للصالة، فلما تسامع الناس بمرضه ازدحموا على بابه‬
                                                ‫ل‬
 ‫وكثروا، وصاروا يدخلون عليه أفواجًا يسّمون عليه، فسمع السلطان بكثرة الناس على بابه وفي‬
                           ‫ش‬                               ‫ك‬               ‫د‬
‫الشوارع المؤ ّية إلى بيته فو ّل ببابه وعلى الشوارع الحرس وال ُرط، فاجتمع الناس في الشوارع‬
                                                    ‫ح‬
   ‫والمساجد حتى تعطل بعض الباعة، و ِيل بينهم وبين البيع والشراء، ووصل األمر إلى أن من‬
                                               ‫ل‬
 ‫أراد الدخول عليه لم يتمكن، فيضطر للتسّق على الدور المحيطة بداره حتى يصل إليه من كثرة‬
   ‫الخلق. جاءه حاجب األمير فقال له: إن األمير يقرئك السالم، وهو يشتهي أن يراك، فقال: هذا‬
           ‫ض‬
    ‫مما أكره، وأمير المؤمنين أعفاني مما أكره. فجاءه رجل من جيرانه يعوده وقد خ ّب لحيته‬
      ‫ط‬
‫فدخل عليه فقال اإلمام: إني ألرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به، وجاء رجل يتل ّف ولده‬
      ‫ل أ‬
‫صالح ليأذن له بالدخول عليه وقال: إني ممن حضر ضربه في المحنة وأريد أن أستحّه، فُذن له،‬
      ‫فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: يا أبا عبد اهلل، أنا كنت ممن حضر ضربك وقد أتيتك، فإن‬
                                            ‫ت ل‬
    ‫أحببت القصاص فأنا بين يديك، وإن رأيت أن ُحّني فعلتَ، فقال: على أن ال تعود لمثل ذلك،‬
                                                    ‫ل‬
                  ‫قال: نعم، قال: إني جعلتك في ح ّ، فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس.‬
 ‫وفي يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع األول من سنة إحدى وأربعين ومائتين توفي اإلمام أحمد،‬
 ‫فلما تسامع الناس الخبر اجتمعوا في شوارع بغداد. وحضر غسله نحو مائة من بيت الخالفة من‬
                                                                   ‫يب‬
     ‫بني هاشم، فجعلوا ُق ّلونه بين عينيه، ويدعون له، ويترحمون عليه. وصلى عليه داخل الدار‬
                  ‫ء‬
      ‫أوالده والهاشميون قبل أن يخرج إلى المصلى، وقد كان الناس رجاالً ونسا ً يتزاحمون في‬
     ‫الشوارع منتظرين خروج الجنازة ليصلوا عليها في المصلى، ثم يتبعوها إلى المقبرة، فخرج‬
             ‫صل‬
   ‫الناس بنعشه والخالئق من حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إال اهلل، ف ُّي عليه، ثم‬
     ‫د‬                                       ‫أعاد خالئ ٌ الصالة عليه عند القبر ممن لم يصل‬
‫ِّ عليه وعلى القبر بعد أن دفن خالئق ال ع ّ لهم،‬                               ‫ق‬
  ‫وقد بلغ من حضر جنازة اإلمام أحمد مليون وخمسمائة ألف، قال عبد الوهاب الوراق: "ما بلغنا‬
                                                                                     ‫ج‬
‫أن َمْعًا في الجاهلية وال في اإلسالم اجتمعوا على جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة‬
                          ‫ي‬
 ‫اإلمام أحمد". وازدحم الناس على قبره بعد دفنه لمدة طويلة لم ُعرف له في عصره نظير، يقول‬
 ‫أبو الحسن التميمي عن أبيه عن جده: إنه حضر جنازة اإلمام أحمد ابن حنبل، قال: فمكثت طول‬
                                                 ‫ص‬                  ‫ص‬
  ‫األسبوع رجاء أن أَ ِل إلى قبره فلم أَ ِل من ازدحام الناس عليه، فلما كان بعد أسبوع وصلت‬
                                                                                  ‫إلى القبر.‬
    ‫ب‬
‫أيها المسلمون، وقريب منه جنازة شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل أيضًا، كانت جنازته عج ًا من‬
      ‫العجب، توفي ليلة االثنين وقت السحر لعشرين من ذي القعدة سنة سبعمائة وثمان وعشرين‬
     ‫للهجرة بقلعة دمشق التي كان محبوسًا بها، فذَكر خبر وفاته مؤذن القلعة على المنارة، وتكلم‬
‫الحرس على األبراج، فما أصبح الناس إال وقد تسامعوا بهذا الخطب العظيم واألمر الجسيم، فبادر‬
                              ‫أ‬
   ‫الناس على الفور إلى االجتماع حول القلعة من كل مكان، وُذن للدخول عليه لبعض الخواص،‬
   ‫يقول ابن كثير: فكنت ممن حضر هناك مع شيخنا الحافظ المزي رحمه اهلل، وكشفت عن وجه‬
                                                                  ‫ب‬
  ‫الشيخ، ونظرت إليه، وق ّلته، وقد عاله الشيب أكثر مما فارقناه، ثم شرعوا في غسل الشيخ، فما‬
                                                            ‫ج‬                            ‫ُر‬
     ‫ف ِغ منه حتى امتألت القلعة، وض ّ الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى‬
‫الجامع األموي والخالئق بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما ال يحصي عدتهم إال اهلل‬
                            ‫تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أهل السنة.‬
                                                                ‫و‬      ‫ج‬
 ‫فتباكى الناس وض ّوا، و ُضِع الشيخ في موضع الجنائز قبل أذان الظهر، والجند قد احتاطوا بها‬
                          ‫ص‬             ‫ال‬         ‫صل‬
   ‫يحفظونها من الناس من شدة الزحام، و ُّي عليه أو ً بالقلعة، ثم ُلي عليه بالجامع األموي،‬
   ‫وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصًا ال يتمكن أحد من‬
   ‫السجود إال بكلفة، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الخلق من كل مكان، ونوى خلق الصيام؛‬
  ‫م ذ‬                 ‫ت د‬
 ‫ألنهم ال يتفرغون في هذا اليوم ألكل وال لشرب، وكثر الناس كثرة ال ُح ّ وال توصف، فل ّا أ ّن‬
 ‫الظهر أقيمت الصالة مباشرة على خالف العادة من زحمة الناس؛ ألنهم لم يتمكنوا من االنتظار،‬
  ‫صل‬         ‫حم‬
 ‫ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب واألزقة واألسواق بأهلها ومن فيها، ثم ُ ِل بعد أن ُّي‬
    ‫عليه على الرؤوس، وخرج النعش، واشتد الزحام، وعلت األصوات بالبكاء والنحيب والترحم‬
   ‫عليه والثناء والدعاء له، وذهبت النعال من أرجل الناس والعمائم من الرؤوس ال يلتفتون إليها،‬
 ‫وصار النعش يتقدم تارة ويتأخر تارة، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من‬
    ‫أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من اآلخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد‬
 ‫جميعها من كثرة الخالئق، وعظم األمر بسوق الخيل، وتضاعف الخلق، ووضعت الجنازة هناك،‬
                                                                     ‫حم‬             ‫صل‬
       ‫و ُّي عليها، ثم ُ ِل إلى المقبرة، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي‬
                                                                                ‫ل‬
    ‫ويصّي عليه من أهل القرى ممن تأخر في الوصول إلى الجامع، وأغلق الناس حوانيتهم، ولم‬
‫يتخلف عن الحضور إال من هو عاجز عن الحضور مع الترحم والدعاء له، وحضر نساء كثيرات‬
       ‫م‬                                                                                 ‫ُِ‬
‫حزرْنَ بخمسة عشر ألف امرأة، وأما الرجال فبلغوا مائتي ألف، وتردد الناس إلى قبره أيا ًا كثيرة‬
                                                                                  ‫ر‬
                                                                                ‫ليالً ونها ًا.‬
‫أيها األحبة، وقد يتساءل البعض ويقول: إن جنازة اإلمام أحمد كانت أعظم من جنازة شيخ اإلسالم‬
  ‫بأضعاف! فيجيب على هذا اإلشكال الحافظ ابن كثير رحمه اهلل في تاريخه فيقول: إن سبب ذلك‬
                                                                  ‫ف‬
 ‫هو كثرة أهل البلد الذي تو ّي فيه اإلمام أحمد عن أهل البلد الذي توفي فيه شيخ اإلسالم، فاإلمام‬
                                                                          ‫ف‬
    ‫أحمد تو ّي في بغداد وشيخ اإلسالم في دمشق، وأهل بغداد عشرة أضعاف أهل دمشق، ثم إن‬
                                       ‫ف‬                        ‫ب‬
  ‫اإلمام أحمد كانت الدولة تحّه، بينما شيخ اإلسالم تو ّي في السجن محبوسًا من قبل الدولة، ومع‬
                                                            ‫م‬     ‫ع‬
   ‫ذلك اجتمع لجنازته جم ٌ عظي ٌ لو جمعهم سلطان قاهر لما بلغوا هذه الكثرة، وهناك سبب ثالث‬
   ‫ذكره ابن كثير وهو أن هناك من علماء السلطة ممن كانوا يذكرون عنه أشياء لعامة الناس مما‬
                            ‫ي‬
  ‫ينفر منها طباع أهل األديان، فضالً عن أهل اإلسالم، ومع ذلك قّض اهلل لجنازته هذه الجموع،‬
                                                                         ‫د ي‬
                                                          ‫فكان يومًا مشهو ًا لم ُعهد مثله بدمشق.‬
     ‫أيها المسلمون، وجنازة والدنا سماحة اإلمام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه اهلل تعالى رحمة‬
                           ‫د‬
‫واسعة في الجمعة الماضية كانت جنازة عظيمة وكان يومًا مشهو ًا، فقد بلغ من صلى عليه رحمه‬
   ‫اهلل مليوني مسلم، فما إن سمع الناس بخبر وفاته حتى انطلقوا من كل صوب نحو مكة، وصار‬
                                                                          ‫د ال‬
‫حش ًا هائ ً من داخل البالد وخارجها، فحدثنا من حضر الصالة عليه أن الجموع كانت في الحرم‬
 ‫من الصباح الباكر، وقد صلى عليه أوالده وأحفاده في منزله بعد أن تم غسله قبل أن يصلى عليه‬
                       ‫أ‬
      ‫في الحرم، وصلت جنازته قرابة الساعة الحادية عشر صباحًا، فما أن ُدخل الحرم إال وهب‬
                                                                              ‫م‬
     ‫الناس قيا ًا ووقفوا على أقدامهم، ولم يستقروا إال بعد زمن، ووضعت الجنازة تحت المكبرية‬
  ‫قريبة من صحن الحرم، وما إن انتهى خطيب الحرم من الصالة إال وتدافع الناس نحو الجنازة،‬
                                                                               ‫ٌّ‬
     ‫كل يريد أن يشارك في حملها، ولم تصل إلى موضع الصالة في صحن الحرم إال بعد زمن،‬
      ‫قرابة عشرين دقيقة من زحمة الناس، وكان الضجيج وصراخ الناس، فكبر عليه إمام الحرم‬
‫التكبيرة األولى للصالة عليه وما تزال أصوات الناس مرتفعة، حتى إن البعض قال: إننا ما سمعنا‬
                            ‫ال‬
 ‫تكبيرة اإلمام من ضجيج الناس، فلما كبر التكبيرة الثانية هدأ الناس قلي ً، فلما كبر التكبيرة الثالثة‬
 ‫فإذا بك تسمع البكاء من كل أرجاء الحرم، وأصوات الناس وهم يبكون وقت الدعاء له يسمع من‬
   ‫كل مكان، من الدور العلوي ومن تحت األروقة ومن صحن الحرم، ثم تدافع الناس بشكل كبير‬
                                ‫ر‬
  ‫لحمله وقت إخراجه من الحرم في حوالي الساعة الواحدة ظه ًا، والذي رأى الجنازة رآها تدور‬
‫وهي على رؤوس الناس، وما خرجت من الحرم إال بصعوبة، ثم توجهت هذه الحشود الهائلة نحو‬
‫المقبرة ليشهدوا دفنه رحمه اهلل، واجتمع مئات اآلالف من الناس حول مقبرة العدل بمكة حيث دفن‬
          ‫فيها الشيخ رحمه اهلل رحمة واسعة، وبقي الناس حول قبره بعد دفنه لساعات يدعون له‬
  ‫ويترحمون عليه. ووصفوا لنا الطريق حال خروج الناس من مكة بعد انتهاء دفن الشيخ أنه أشد‬
   ‫من موسم الحج، والطريق من مكة إلى الطائف ال تكاد السيارات أن تسير فيه من شدة الزحام،‬
 ‫وذكر بعضهم الطوابير على محطات البنزين، وأن المطاعم القريبة من مخرج مكة جهة الطائف‬
                                                               ‫قد نفد فيها الطعام من كثرة الناس.‬
                                                             ‫ر‬                           ‫جب‬
‫َ َر اهلل مصيبتنا، وأخلفنا خي ًا منها، ورحم اهلل علماء أهل السنة، وأسكنهم فسيح جناته، وجمعنا‬
                                        ‫بهم في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.‬
                                                              ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه...‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
            ‫ي‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، ال شك أن موت الشيخ عبد العزيز ابن باز ليس باألمر اله ّن، وأن األمة‬
      ‫عادي‬
  ‫بأسرها فقدت شخصية من أعظم شخصياتها في هذا الوقت، وأن الشيخ لم يكن رجالً ًّا في‬
‫عقله وحفظه وجهده وبذله وعمله، يتعب الذين يعملون معه ويجهدون، والشيخ لديه صبر عجيب‬
                                                                                ‫م‬
                                               ‫وتح ّل ال يوصف وهو في التسعين من عمره.‬
                                         ‫أيها األحبة، هذه وقفات يسيرة مع هذا الحادث الجلل:‬
                                                                                    ‫ال‬
  ‫أو ً: يجب أن ال نفقد األمل باهلل عز وجل، فالذي أخرج لنا ابن باز سيخرج لنا مثله أو أفضل‬
     ‫ف‬                                   ‫ي‬                 ‫ف‬
‫منه، وما ذلك على اهلل بعزيز، تو ّي اإلمام أحمد فق ّض اهلل لهذه األمة شيخ اإلسالم، وتو ّي شيخ‬
                                                                                ‫ي‬
    ‫اإلسالم فقّض اهلل لألمة أمثال ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وفالن وفالن، فهذه األمة أمة‬
                                    ‫ي‬
  ‫ولود، والخير باق فيها إلى يوم القيامة، أمة الغيث ال ُدرى خير أوله أم آخره، ولن نكون نحن‬
                            ‫أغير على الدين والملة من اهلل عز وجل، فهذا دينه، وهذه شريعته.‬
  ‫الذي جعلني أقول هذا الكالم هو بعض العبارات التي سمعناها بعد وفاة الشيخ والتي توحي إلى‬
 ‫شيء من اليأس وبعض األبيات ممن رثا الشيخ فيها شيء من ذلك، وكأنه ال تقوم لإلسالم قائمة‬
‫بعده، وكأن كل الموجودين على الساحة ال ينفعون، هذه نظرة خاطئة، فنحن ال نعتقد العصمة في‬
                                              ‫ي‬
‫ابن باز، وأنه لم يظهر ولن يظهر مثله، وسيق ّض اهلل جل وتعالى لهذا الدين من يحمله، وال تزال‬
    ‫طائفة من أمتي على الحق منصورة ال يضرهم من خذلهم وال من خالفهم حتى يأتي أمر اهلل.‬
           ‫ب‬                         ‫ل‬
   ‫ثانيًا: إن في األمة لقدرات وطاقات، وأحيانًا وجود رج ٍ جبل مثل ابن باز يكون سب ًا في عدم‬
     ‫ظهور وبروز مثل هذه الطاقات، فالكل معتمد ـ بعد اهلل ـ على ابن باز، والجميع ال يتكلم‬
                                                    ‫ر‬
                                                  ‫والشيخ موجود، فلعل اهلل أراد باألمة خي ًا.‬
  ‫ولعلي أضرب مثاالً لتقريب الصورة: أحيانًا يكون هناك رب ألسرة أو أحد اإلخوة الكبار قائما‬
      ‫ال‬                              ‫ب‬
     ‫بجميع شؤون هذه األسرة صغيرهم وكبيرهم، من ح ّه وحرصه عليهم ال يترك ألحد مجا ً،‬
 ‫وهناك أربعة أو خمسة من األبناء وكلهم شباب ورجال ال دور لهم، حتى إن الناظر لهذه األسرة‬
 ‫من خارجها ليظن أن هؤالء األربعة أو الخمسة ال خير فيهم وال ينفعون حتى أنفسهم؛ ألنه يرى‬
                                                     ‫د‬                     ‫م ب‬
 ‫أن العمل ُنص ّ على قناة واحدة، فيق ّر اهلل جل وتعالى فيموت هذا األب أو هذا األخ، وإذا بك‬
 ‫تفاجأ بتفجر طاقات وقدرات وعقليات ما كنت تتوقع منها ذلك، السبب أنها أعطيت اآلن فرصة،‬
                                                         ‫ومن قبل كان هناك من يقوم باألمر.‬
 ‫ثالثًا: كان للشيخ رحمه اهلل طريقة خاصة في معالجة األمور، خصوصًا فيما يتعلق بإنكار بعض‬
                                             ‫ل‬          ‫ر‬          ‫ر‬
 ‫األشياء، فالشيخ ال يص ّح، وال يج ّح، وال يتكّم بعنف، فله أسلوبه وله طريقته التي من خاللها‬
                                                  ‫ب‬                         ‫ر‬
                     ‫رحمه اهلل أوقف كثي ًا من األشياء، وأغلق أبوا ًا من الشر ال يعلمها إال اهلل.‬
                                                    ‫ر‬
 ‫رابعًا: لقد أتعب الشيخ رحمه اهلل كثي ًا ممن جاء بعده من العلماء، فليست القضية قضية رد على‬
      ‫أسئلة الناس فقط، لقد كان للشيخ دعاة في مختلف بقاع العالم تابعون له خاصة، غير الدعاة‬
 ‫الرسميين التابعين للدعوة واإلرشاد، كان يدفع لهم المرتبات وينفق عليهم ويتابعهم، هذه قضية ال‬
      ‫بد للعلماء بعده أن تكون منهم على بال. هناك آالف األسر في الداخل والخارج كان الشيخ‬
‫يصرف لهم المرتبات، ويعطيهم من الزكوات والصدقات، ويتابع شؤونهم، ال بد للعلماء بعد الشيخ‬
                                                                 ‫أن تكون منهم على بال أيضًا.‬
        ‫الرسائل والمكاتبات التي كان يرسلها الشيخ يوميًا تقريبًا إلى بقاع شتى من العالم للمراكز‬
                     ‫م‬
     ‫اإلسالمية والجامعات ورؤساء الدول والحكومات والهيئات واألشخاص، إ ّا إجابة لسؤال أو‬
                                                              ‫ض‬
         ‫نصيحة أو توجيه، هذه أي ًا نتمنى أن ال تنقطع بعد موت الشيخ فتكون منهم على بال.‬
   ‫كان الشيخ يفتح قلبه قبل بيته يوميًا بعد المغرب وبعد العشاء وبعد صالة الجمعة لعامة الناس،‬
                       ‫د‬
      ‫لإلجابة على أسئلتهم وحل مشاكلهم وغيرها من األمور، فال بد أن يس ّ هذا النقص عدد من‬
        ‫العلماء بعد الشيخ، وال يصلح أن يعاملوا الناس فقط بأوقات الدوام الرسمي وبقية األوقات‬
   ‫ب‬
 ‫يرتاحون فيها أو يقضونها مع أوالدهم، ال بد للعامة من بعض العلماء يبذلون كل أوقاتهم تقري ًا،‬
                                                            ‫ر‬             ‫ط‬
        ‫ولعلهم أن يغ ّوا شيئًا يسي ًا من حاجات الناس، والشيخ رحمه اهلل كان من هذا الصنف.‬
    ‫وأيضًا مما يجب أن يكون على بال العلماء بعد الشيخ هو أن الشيخ رحمه اهلل كان يشفع لكل‬
                                                                 ‫جد‬
‫الناس في أمور مختلفة ًّا، ولم يقتصر في عالقته مع الناس على الفتوى فقط، فهذا لم يجد لولده‬
                            ‫ر‬                                                    ‫د‬
   ‫مقع ًا في الجامعة كان يذهب للشيخ، وهذا لم يجد لمريضه سري ًا في المستشفى يذهب للشيخ،‬
‫وهذا ال يجد نفقةً للزواج يذهب للشيخ، وهذا يجد مضايقة شرعية في عمله الوظيفي يذهب للشيخ،‬
                                                   ‫د‬
   ‫وعشرات الحاالت شبيهة بهذا مما ال ع ّ له وال حصر، ونحن عندما نذكر هذا الكالم ال نذكره‬
‫على سبيل المبالغة، بل نعلم عن حاالت واقعية من هذه األمور وغيرها شفع فيها الشيخ بشفاعات‬
   ‫حسنة نفعت بإذن اهلل عز وجل. فهذه ثغرة ال بد للعلماء أن يبذلوا فيها جاههم بعد الشيخ لعامة‬
                                                   ‫الناس، وال يقتصروا على أنفسهم أو أقاربهم.‬
          ‫نق‬
‫خامسًا: هداية بعض الناس بموت العلماء، وقد حصل هذا في موت اإلمام أحمد، فقد ُ ِل أنه أسلم‬
     ‫بعض النصارى أو غيرهم بموته وذلك لما شاهدوه في جنازته، ورأينا نحن في جنائز بعض‬
             ‫ّر‬
 ‫الصالحين ممن كان لهم أثر ظاهر فيمن حولهم حضور بعض المبتدعة لجنازته تأث ًا بموته، وقد‬
                       ‫ّر‬
   ‫حصل تغير في أحوال بعض الناس بسبب موت الشيخ عبد العزيز تأث ًا بما سمعوه وشاهدوه.‬
  ‫ولعل هذا يجعلنا نشير إلى أن بعض الناس قد ال تعرف قيمتهم ووزنهم إال بعد فقدهم، والعلماء‬
 ‫الربانيون من هذا البعض، فالناس قد ال يعرفون قيمة عالمهم وما كان له من دور إال بعد موته.‬
                                                                            ‫عر‬
   ‫سادسًا: ُ ِف الشيخ رحمه اهلل بلين الجانب وطيب المعشر ولطف التعامل، لكنه رحمه اهلل في‬
                                                             ‫د‬      ‫قوي‬
  ‫نفس الوقت كان ًّا شدي ًا في إنكار البدع، وكالمه في ذلك قوي معروف منشور، فالشيخ كان‬
                                                                          ‫ر‬            ‫ر‬
 ‫مظه ًا للسنة منك ًا للبدعة بجميع أشكالها وألوانها، ال يتساهل في ذلك وال يداهن وال يشارك وال‬
  ‫تأخذه لومة الئم، وقد عصمه اهلل جل وتعالى في آخر حياته عن أمور سقط فيها غيره، وهذا إن‬
                                                                                       ‫ل‬
                                                         ‫د ّ على شيء فإنما يدل على إمامته.‬
                                                         ‫ت‬     ‫جد‬
 ‫سابعًا: من المناسب ًّا أن ُلقى بعض المحاضرات اآلن وبعد وفاة الشيخ أو تؤلف بعض الكتب‬
                                                                          ‫ي ك‬
    ‫في مناقبه، و ُر ّز على جوانب االقتداء بهذا اإلمام، وكيف أنه جمع بين العلم والخلق والكرم‬
                                                       ‫ل‬
  ‫وغيرها من الصفات التي ق ّ ما تجتمع في شخص. وشخصية ابن باز من أهم الشخصيات التي‬
                                                                          ‫ت‬
           ‫يجب أن ُبرز اآلن وبكل وضوح لشباب الصحوة في هذا الوقت ليكون موضع القدوة.‬
                                                        ‫ر‬
 ‫ثامنًا: نشرت بعض الصحف أمو ًا ال تنبغي وال يرضاها الشيخ، كنشر صورة السيارة التي كان‬
‫يركبها، أو الكرسي الذي كان يجلس عليه، وبعض التعليقات غير المناسبة وال الالئقة بحق الشيخ.‬
                                     ‫ر‬       ‫و‬
         ‫رحم اهلل فقيد األمة، وأسكنه فسيح جناته، وع ّضنا خي ًا منه، إنه سميع قريب مجيب...‬

‫(5/3032)‬




                                                                        ‫جريمة تدنيس القرآن‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                             ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                              ‫القرآن والتفسير, الوالء والبراء, جرائم وحوادث‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫عبد اهلل بن محمد الطوالة‬
                                                                                        ‫جدة‬
                                                                               ‫75/2/6725‬
                                                               ‫مسجد عبد الوهاب عبد الواسع‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- عظم جريمة تدنيس المصحف الكريم. 7- جرائم أمريكا في العرق. 3- تبجح أمريكا‬
                          ‫واحتقارها للمسلمين. 2- وقفات مع حدث تدنيس المصحف الشريف.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
      ‫اللهم إنا نبرأ إليك مما صنع جنود األمريكان في كتابك الكريم في غوانتانامو، ونعتذر إليك‬
 ‫بضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، اللهم العن المعتدين األمريكان لعنا كبيرا بما اقترفوه في‬
                                                                      ‫ل‬
  ‫حق كتابك، اللهم سّط عليهم جندا من جندك، وأرنا فيهم يوما أسودَ كيوم فرعون وهامان، اللهم‬
                                ‫د‬
‫انصر إخواننا الذين يجاهدونهم بكل وسيلة مشروعة ويص ّون عدوانهم عن المسلمين في فلسطين‬
 ‫والعراق وأفغانستان، اللهم تق ّل شهداء القرآن الذين انتفضوا غيرة فماتوا في سبيلك، َالَ َحْ َب َّ‬
 ‫و ي س َن‬                                                         ‫ب‬
                                                                ‫ي ِز‬         ‫ر س ق ِن ُ‬                 ‫َّذ‬
                                               ‫ال ِينَ كَفَ ُواْ َبَ ُواْ إَّهمْ الَ ُعْج ُونَ [األنفال:01].‬
                   ‫ع‬
‫واهلل، إن اإلنسان ليتمنى أنه قد مات وكان نسيا منسيا ولم ير أمة المليار يف َل بأعز مقدساتها هذا‬
                                                               ‫ر‬
 ‫الفعل ويهان بأبشع إهانة ع َفها التاريخ وأمة المليار مكلومة، كل يغلي في داخله كغلي المرجل.‬
                        ‫ر‬
‫ورب الكعبة، ومن أنزل القرآن العظيم، إني أجد نفسي متصاغرا حسي ًا وأنا أتابع كغيري أخبار‬
 ‫جريمة تدنيس القرآن الكريم في مراحيض غوانتانامو، أولئك األنذال لم يكفهم في إهانة المسلمين‬
       ‫أن اختطفوا إخواننا من كل مكان، وكدسوهم في معتقلهم النازي، وعاملوهم أبشَع معاملة،‬
                                                                                 ‫ج‬
     ‫متب ّحين: إن هؤالء المساجين ال حقوق لهم من أي نوع كان، وإن كل القوانين األرضية ال‬
‫تنطبق على حاالتهم، وإنهم بالتالي يجب أن يخضعوا لمزاجية السجانين، يتفننون في تعذيبهم كيف‬
                                                                                                   ‫شاؤوا.‬
                      ‫د‬
‫ولما فشلوا في استجوابهم ولم يجدوا عندهم ما يريدون وعجزوا أن يق ّموهم للمحاكمة رغم مرور‬
           ‫و‬       ‫ر‬
  ‫أكثر من ثالث سنوات على احتجازهم وأسرِهم ساموهم سوء العذاب، ع ّوهم وص ّرهم عراة،‬
                                                                       ‫ي‬
   ‫وتحرشوا بهم جنس ًا، وأهانوهم في كرامتهم، ومارسوا معهم وفيهم أبشع وأشنع أساليب اإليذاء‬
                                                                                 ‫س‬
          ‫الح ّي والمعنوي، مخالفين بذلك جميع شرائع السماء وقوانين األرض ومواثيق البشر.‬
                              ‫ل‬                                        ‫و‬
        ‫مئات الص َر التي ظهرت في وسائل اإلعالم تحكي كيف تخّى هؤالء عن أبسط الحقوق‬
 ‫اإلنسانية، بل كيف فقد هؤالء إنسانيتهم بالكلية. ما مصلحتهم في تعرية اإلنسان من مالبسه؟! ما‬
   ‫المتعة التي يجدونها في جعل مجموعة من الرجال يوضعون بعضهم فوق بعض عراة؟! لماذا‬
       ‫يضعون سالسل الكالب في رقاب البشر ويسحبونهم بها؟! أسئلة ال يجد العاقل لها جوابا.‬
               ‫د‬                                                         ‫ل‬
  ‫جرى هذا كّه في سجون العراق وغيرها، وقطعا هناك أشياء أسوأ من هذا تح ّثت عنها وسائل‬
                                                 ‫د‬
  ‫اإلعالم الغربية والعربية. ولألسف فر ّة الفعل من أصحاب الشأن لم تكن على مستوى الفظاعة‬
                                ‫ت‬                         ‫ل‬
    ‫الهائلة التي استنكرها العالم كّه، فالحكومات المعنية لم تّخذ مواقف واضحة لصالح القضية.‬
 ‫ومر هذا الحدث اإلجرامي بسالم، فكان ال بد لألمريكان أن يفعلوا شيئا أكبر مما سبق ليروا إلى‬
    ‫متى سيبقى الصمت الرهيب هو سيد الموقف. هذه المرة وصلت الجرأة إلى تدنيس المصحف‬
                                         ‫ِ‬
  ‫الشريف وامتهانه بصورة كارثية وغير مسبوقة، لمَ ال وأصحاب الشأن ال يرفعون رؤوسهم إال‬
    ‫بصعوبة شديدة؟! هذا إذا رفعوها. انتزعوا المصحف وداسوه بأقدامهم ورموه في المرحاض،‬
                                                                                  ‫وكأن شيئًا لم يحدث.‬
‫صحيفة "نيوزويك" األمريكية الواسعة االنتشار أعلنت هذا الخبر، ويبدو لي أنهم لم يحرصوا على‬
                                ‫ئ‬
  ‫كتمانه ال في سجونهم وال في صحافتهم، فالمسلمون ليسوا شي ًا في نظرهم، فلماذا يحترمونهم؟!‬
   ‫ولماذا ال يقذفون كتابهم المقدس في المراحيض؟! وإذا كان المسلمون والعرب بالذات وبحسب‬
‫نشيد الفرقة الجوية القتالية األمريكية ما هم إال حشرات وجرذان وأفاع فهل يقيمون لهم أو لكتابهم‬
                                                                       ‫المقدس وزنًا بعد ذلك؟!‬
  ‫عباد اهلل، إن انتهاكَ المصحف جاء في سياق عمل منتظم يقوم به بعض األمريكان وبعلم قادتهم‬
                                                           ‫ع‬
  ‫ورضاهم؛ إلذالل المسلمين جمي ًا من جهة، وألن األمريكان بقيادتهم الحالية يعبرون عن مكانة‬
‫المسلمين في نفوسهم بصورة عملية؛ ألن ما فعلوه مع الذين انتهكوا حرمات المساجين في سجون‬
                                 ‫العراق يقود إلى النتيجة التي وصلت إليها، ال شيء حتى اآلن.‬
       ‫م‬
  ‫الكل كان يعلم أن التعذيب كان يتم بعلم الرؤساء، واآلن الجميع يعلم أن انتهاك القرآن يت ّ كذلك‬
        ‫بعلم الرؤساء، ومع كل يوم جديد تزداد القناعة رسوخا واإليمان يقينا بطبيعة هذه الحرب‬
‫ومقوماتها رغم ادعاءات متحذلقي الليبرالية وأقزام العلمانية الذين يتقدمون إلينا مع كل حادث من‬
   ‫تلك الحوادث التي تقوم فيها أمهم بإعالن الحرب على دين األمة وانتهاك مقدساتها، يأتون إلينا‬
    ‫م‬                      ‫م‬
 ‫باعتذارات وتسويغات تنقصها البراءة، ويغلفها النفاق الممجوج، يل ّعون الوجه الكالح، ويج ّلون‬
                                              ‫ل‬
   ‫العجوز الشمطاء. ما الذي بقي أن يداس؟! ك ّ شيء في حياتنا داسته أقدامهم، أفراد وجماعات‬
            ‫وحكومات، لم يبق شيء. وحين لم يبق شيء تجرؤوا على القرآن وداسوه و دنسوه!‬
         ‫ق‬
 ‫فيا عجبًا! أيتجرأ مخلوق على هذه الفعلة الشنيعة ثم يترك بال حساب وال عقوبة؟! ح ٌ على أمة‬
 ‫محمد بعدما حصل من هؤالء المعتدين أن تغضب هلل ولكتابه، فنحن المسلمين الذين اكتوينا بنار‬
‫هذه اإلهانة ندرك ضرورة استرداد الكرامة، وليحتفظوا بشرعيتهم الدولية ومواثيق أممهم المتحدة‬
                                                                         ‫ز‬
  ‫أمام هذا المشهد المق ّز؛ ألنهم ال يعلمون مكانةَ القرآن الكريم في قلوبنا، وإذا كان لدى العمالء‬
                                                           ‫ر‬
     ‫والجبناء وأذناب األعداء ما يب ّرون ألمريكا جرائمها البشعة من قتل وتدمير وإهانة لكرامة‬
                      ‫اإلنسان المسلم فماذا فعل لهم القرآن حتى يدنسوه وعلى رؤوس األشهاد؟!‬
      ‫نسأل اهلل العظيم أن ال تمر هذه الكارثة دون انتقام عاجل يرضي اهلل أوال، ثم يشفي صدور‬
 ‫المؤمنين ثانيًا، يستهدف هؤالء المجرمين المعتدين على كتاب اهلل مباشرة، ال مداراة وال مجاملة‬
                                        ‫وال مداهنة، ومن لم تظهر غيرته هنا فال خير فيه البتة.‬
                                                   ‫ز‬
 ‫نعم يا عباد اهلل، فأمام هذا المشهد المق ّز تموت الدبلوماسية، وترخص الحياة، وتبرز الغضبة هلل‬
   ‫ولكتابه. من للقرآن يا أهل القرآن؟! ها هم األعداء أمامكم قد كشروا عن أنيابهم وكشفوا حقيقة‬
 ‫حقدهم الصليبي. واهلل الذي ال إله إال هو، إنه ليوم خزي وعار في التأريخ أن تمر هذه الجريمة‬
    ‫دون قصاص عادل. إنا هلل وإنا إليه راجعون، ما إن جفت دموعنا من مشاهد انتهاك أعراض‬
          ‫ن‬
       ‫أخواتنا في سجون العراق ومهزلة المحاكمات الصورية السخيفة لبعض الجنود والمج ّدات‬
  ‫األمريكان حتى نزفت عيوننا دما حرقة على جرأة المجرمين الصليبيين على كتاب ربنا العظيم‬
                                                      ‫و‬
‫الذي هو ـ واهلل ـ أولى من أنفسنا ود َلنا وحكوماتنا وشعوبنا وأوالدنا ووالدينا والناس أجمعين،‬
                                                              ‫بل وكل من في السموات واألرض من خلق اهلل.‬
         ‫وايم اهلل، إن شرف االنتصار لكتاب اهلل لهو غاية المنى، فلن يتوقف هذا العدوان على ديننا‬
                                 ‫د‬                         ‫ه‬
       ‫وقرآننا وإخواننا وأخواتنا حتى نر ِب عدو اهلل وعدونا بما نع ّ لهم من قوة ومن رباط الخيل‬
              ‫د‬
  ‫والعتاد واالستعداد كما أمر اهلل، ومن ينتظر منا من هؤالء األعداء المعتدين أن ير ّوا له حقه أو‬
           ‫يعيدوا له كرامته فهو كمن يتطلب في الماء جذوة نار، فهل أنصفوا إخواننا في العراق أو‬
  ‫أفغانستان أو غيرهما حتى نتوقع منهم خطوة إيجابية أخرى؟! وأي مصداقية من وراء مواعيدهم‬
                 ‫ت‬
         ‫الكاذبة؟! أما آن لهذا الليل أن ينقشع؟! أما آن لهذا الظلم أن يرتفع؟! أما آن للمتش ّت منا أن‬
                                  ‫د‬
    ‫يجتمع؟! أما آن لنا أن نزأر في وجوه أعدائنا ونقول لمن تع ّى على كتاب ربنا: الويل والدمار‬
                                                                                     ‫لك؟! صدق ـ واهلل ـ زهير:‬
                                             ‫س‬           ‫ب‬        ‫ر‬
                                            ‫ومن لم يذد عن حوضه بسالحه…يض ّس بأنيا ٍ ويوطأ بمن َم‬
  ‫وصدق ـ واهلل ـ الفاروق ونصح: (نحن قوم أعزنا اهلل باإلسالم، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا‬
                                                                                                                     ‫اهلل).‬
                                                ‫ص‬
      ‫أخيرا، ال بد من النظر بموضوعية ور ّ الصفوف لمواجهة العدوان الصليبي بجميع صوره‬
                                        ‫ر‬
     ‫وأشكاله، حتى يعلم األعداء أن في المسلمين غيا َى مستعدين للتضحية بكل شيء عندما تصل‬
                                                                                       ‫د‬
                                                             ‫األمور إلى هذا الح ّ من االستخفاف بهم وبدينهم.‬
‫م عظ م ِنه ُ ن كر م‬                            ‫ُ ِم ب و النج م وِنه َم‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، فَال أقْس ُ ِمَ َاقِعِ ُّ ُو ِ َإ َّ ُ لَقَس ٌ لَوْ تَعْلَ ُونَ َ ِي ٌ إ َّ ُ لَقرْآ ٌ َ ِي ٌ‬
                                       ‫م‬          ‫ل م َب‬            ‫ف ك ب م ن ٍ ي َسه ِال م َّر ن‬
                   ‫ِي ِتَا ٍ َكْ ُون ال َم ُّ ُ إ َّ الْ ُطَه ُو َ تَنزِي ٌ ِنْ ر ِّ الْعَالَ ِينَ [الواقعة:12-02].‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
 ‫ومن مقال رائع لفضيلة الشيخ ناصر العمر أنقل لكم التالي، يقول حفظه اهلل: "ولي مع هذا الحدث‬
                                                                                                        ‫الوقفات التالية:‬
    ‫د‬                               ‫ن‬                                                ‫ال‬
‫أو ً: أجمع العلماء على أن من أهان القرآن الكريم أو دّسه فإن كان من المسلمين فهو مرت ّ يجب‬
            ‫م ض‬                  ‫ي‬     ‫ر‬                             ‫د د‬
‫أن يقام عليه ح ّ الر ّة، وإن كان من الكفار فهو محا ِب. و ُلحق بهذا الحكم َن ر ِي بهذا األمر‬
                                       ‫د‬                              ‫ل‬
‫أو صدر منه ما يد ّ على الفرح به أو تأييده أو ال ّفاع عن فاعليه. وهذا أمر عظيم ـ وال شك ـ‬
 ‫م‬        ‫ّ‬
‫عند التدبر والتأمل، فليحذر أولئك المدافعون عن أمريكا وتفسير الحدث بأنه حدث فردي ال تتح ّل‬
                                                                                                      ‫أمريكا مسؤليته.‬
           ‫ر‬                                ‫ث‬
      ‫ثانيًا: إلى متى ستظل أمريكا في أعين بعض الناس تم ّل الديمقراطية أو العدالة أو الح ّية مع‬
                                                                         ‫ه‬
‫جرائمها التي أ ّلتها ألن تكون أكبر دولة في البغي والعدوان والظلم والغطرسة، هل تركت أمريكا‬
                                                      ‫ال‬                         ‫ل‬
     ‫شيئًا يخ ّ بميزان العدالة والحرية إ ّ وفعلته؟! وهل قتل األبرياء حوادث عارضة في السنوات‬
 ‫المعاصرة؟! كال، فجرائم فيتنام واليابان والهنود الحمر وما يحدث في العصر الحاضر من جرائم‬
     ‫اليهود التي تعتبر أمريكا المسؤول األول عنها في فلسطين ثم ما جاء من أحداث في أفغانستان‬
           ‫وفي العراق كل ذلك يبين حقيقة أمريكا. فأقول: هل أبقت أمريكا مجاالً ألن يقول بعض‬
                     ‫ز‬
    ‫المهزومين: إن في أمريكا عدالة أو حرية أو ديمقراطية؟! فقد أصبحت رم ًا للتفنن في البغي‬
                                                                                ‫والظلم والطغيان واهلل المستعان.‬
   ‫ثالثًا: الذي حدث ابتالء من اهلل جل وعال وامتحان لألمة، ليقف كل مسلم ليتساءل: ماذا أفعل؟!‬
    ‫كيف أنكر؟! سواء على مستوى الحكومات أو مستوى الشعوب، على مستوى العلماء والعامة،‬
                                                             ‫على مستوى الرجال والنساء، الصغير والكبير.‬
                             ‫د‬
        ‫رابعًا: ماذا نحن فاعلون تجاه هذا الحدث؟! المسؤولية عظيمة ج ًا، واألمر جسيم وعظيم،‬
                    ‫ص‬
 ‫الحكومات مطالبة بموقف حازم تجاه هذا الحدث، المنظمات الدولية وأخ ّ المنظمات اإلسالمية‬
   ‫مطالبة بموقف يبرئ ذمتها أمام اهلل جل وعال ثم أمام الشعوب المسلمة، العلماء مطالبون ببيان‬
     ‫الحكم الشرعي في هذه الحادثة وتوجيه الكلمة للمسلمين قبل توجيهها ألمريكا، إن على األمة‬
                                                                   ‫ي‬
     ‫االستنكار القول ّ والعملي بكل صورة وبكل وسيلة مشروعة كخطب الجمعة من على المنابر‬
 ‫العلمية واإلعالمية وعبر كل وسيلة مشروعة، الصغار الكبار، المقاطعة االقتصادية، بل يستطيع‬
                                                ‫ي‬
  ‫الصغير أن يفعل شيئًا، يستطيع أن يقاطع أ ّ منتج أمريكي. إن علينا في هذه المرحلة أن نتوجه‬
     ‫بقوة لمقاطعة العدو، المقاطعة بشتى صورها وأشكالها. وهنا، وإن من أهداف المقاطعة إحياء‬
 ‫تج‬                                                    ‫د‬
‫عقيدة الوالء والبراء، وهو مبدأ عظيم ج ًا، البراءة من أمريكا وعمالئها، إنني عندما أقاطع من َ ًا‬
                                                                 ‫ي‬
 ‫من منتجات أمريكا أح ِي مفهوم الوالء والبراء في بيتي وفي نفسي وفي أهلي، وهذا ملحظ عظيم‬
                                   ‫يغيب عن بعض األذهان، حيث ينظرون إلى األثر االقتصادي فقط.‬
   ‫ِن ن َز الذ ر وِن ه ح ظ ن‬                                                                        ‫ر ن‬
   ‫وأخي ًا فإ ّ ما حدث هو من حفظ اهلل لهذا القرآن العظيم، إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ِّكْ َ َإ َّا لَ ُ لَ َافِ ُو َ‬
                                             ‫ص‬                           ‫ن‬
‫[الحجر:0]. إ ّ حفظ القرآن ليس فقط حفظَ ن ّه، وإنما يشمل ذلك حفظ منزلته ومكانته، فما حدث‬
                                                ‫ُر‬                     ‫ي‬         ‫د‬
 ‫من ر ّة فعل قو ّة من المسلمين وكيف س ِّب هذا الخبر من داخل معتقالت غوانتانامو على أيدي‬
   ‫األمريكيين أنفسهم إنه لدليل عظيم على حفظ اهلل لكتابه وحمايته لكتابه جل وعال وإبراز مكانته‬
                                                                                       ‫في قلوب المسلمين جميعًا.‬
 ‫وبالمقابل ومما يجعلني أتفاءل وألتمس بعض جوانب الخير في هذا الحدث هو أن أمريكا تتساقط‬
  ‫من قلوب الناس، وهذا مؤذن بإذن اهلل بسقوطها من أرض الواقع طال الزمان أو قصر، وعالمة‬
                         ‫م‬
‫ذلك شاهدة بارزة، ولكن كما قال : ((ولكنكم تستعجلون)). فأبشروا وأ ّلوا، فالعدو مخذول، والظلم‬
                              ‫ِد‬        ‫ه َم م جع لم لكه‬                                         ‫ُ‬        ‫وت‬
                 ‫مرتعه وخيم، َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَا ُمْ ل َّا ظَلَ ُوا وَ َ َلْنَا ِ َهِْ ِ ِمْ مَوْع ًا [الكهف:01].‬
         ‫أسأل اهلل أن يحمي هذه األمة وأن يحفظها، وأن يذل أعداءها، وأن يجعل الدائرة عليهم...‬

‫(5/2032)‬
                                                                                                                ‫بعد موت البابا‬
                                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                     ‫اإلعالم, الوالء والبراء‬
                                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫عبد اهلل بن محمد الطوالة‬
                                                                                                                               ‫جدة‬
                                                                                          ‫مسجد عبد الوهاب عبد الواسع‬
                                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- شيوع بعض االنحرافات في قضية موت البابا. 7- حبوط عمل الكافر. 3- تحريم الترحم‬
        ‫على الكافرين. 2- خطورة التردد في تكفير الكافر. 1- التحذير من برنامج ستار أكاديمي.‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
         ‫ن‬              ‫ِ‬                        ‫ك ب‬
        ‫فقد اطلعت على بعض التعليقاتِ لبعضِ ال ُتا ِ حول هالك كبيرِ النصرانية في هذا الزما ِ،‬
                      ‫ت‬        ‫م‬                                         ‫ر‬
          ‫فرأيت انحرافًا خطي ًا في ثوابت الدين وأصل العقيدة، فهذا يترح ُ على مو ِه، وذلك يجعل‬
                                                             ‫ث‬
              ‫اإلنسانيةَ هي الجامع بيننا وبينه، وثال ٌ يلبس فكرته بالفتاوى واآلياتِ التي ال عالقة لها‬
  ‫ه ع أب‬                                             ‫ك‬      ‫ه‬          ‫ل‬      ‫ع‬
 ‫بالموضوع، وراب ٌ يستد ُ بالمتشاب ِ ويتر ُ المحكمَ ويلوي أعناقَ النصوصِ لتوافق هوا ُ، َنْ َ ِي‬
     ‫م َر ح وم َر ح م ه‬                      ‫ِ ر ِي َنه ن ي َدث َّ رس الل ُر ع ه جن ز ٍ‬
  ‫قَتَادَةَ بْن ِبْع ٍّ أ َّ ُ كَا َ ُح ِّ ُ أَن َ ُولَ َّهِ م َّ َلَيْ ِ بِ َ َا َة فَقَالَ: (( ُسْت ِي ٌ َ ُسْت َا ٌ ِنْ ُ))،‬
  ‫ع ْد م من ي َر ح م ص الد ي‬                                   ‫رس الل م م َر ح و م َر ح م ه‬                              ‫ل‬
‫قَاُوا: يَا َ ُولَ َّهِ، َا الْ ُسْت ِي ُ َالْ ُسْت َا ُ ِنْ ُ؟ فَقَالَ: ((الْ َب ُ الْ ُؤْ ِ ُ َسْت ِي ُ ِنْ نَ َبِ ُّنْ َا،‬
                                          ‫ِر ي ر ح م ه ع د و ب د َالشجر َالد َاب‬                             ‫و ع ْد‬
                    ‫َالْ َب ُ الْفَاج ُ َسْتَ ِي ُ ِنْ ُ الْ ِبَا ُ َالْ ِال ُ و َّ َ ُ و َّو ُّ)) رواه البخاري ومسلم.‬
   ‫ة‬       ‫ب‬                     ‫َد‬                     ‫ن‬                       ‫ف‬
   ‫وهذا االنحرا ُ الخطير في ثوابتِ الدي ِ والعقيدةِ يجب أن ير َّ عليه من نصوصِ الكتا ِ والسن ِ‬
                       ‫د‬          ‫ِ‬                                               ‫ع‬
    ‫واإلجما ِ، وال بد من بيانِ الموقفِ الشرعي من أعداءِ الملة من اليهو ِ والنصارى وغيرهم من‬
      ‫ِن َّذ‬
   ‫أصحاب األديانِ الوثنيةِ؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة، قال تعالى: إ َّ ال ِينَ‬
     ‫يخ َّف‬        ‫مع ن ِد ف‬                  ‫ع ه ة الله و ئ ة َالن‬                               ‫ر و ت ه ُف ر أ‬
     ‫كَفَ ُوا َمَا ُوا وَ ُمْ ك َّا ٌ ُولَئِكَ َلَيْ ِمْ لَعْنَ ُ َّ ِ َالْمَالَ ِكَ ِ و َّاسِ أَجْ َ ِي َ خَال ِينَ ِيهَا ال ُ َف ُ‬
 ‫ف د ة عل َن‬                         ‫ص‬                                 ‫و ُ ي َر‬            ‫ع ُ َ‬
 ‫َنْهمْ الْعذَاب َالَ همْ ُنْظ ُونَ [البقرة:565، 765]. قال الجصا ُ في تفسيره: " ِيهِ َالَلَ ٌ ََى أ َّ‬
    ‫ي ط ع ه ه و َر ءة‬                                   ‫م م ك ِر و َّ و الت ل ع ه‬                              ‫عل م لم‬
    ‫ََى الْ ُسِْ ِينَ لَعْنَ َنْ َاتَ َاف ًا، َأَن زَ َالَ َّكِْيفِ َنْ ُ بِالْمَوْتِ الَ ُسْقِ ُ َنْ ُ لَعْنَ ُ َالْب َا َ َ‬
                                          ‫مع َ َ ض ر ب ن ب ْ م ته‬                                     ‫م ه َن ه َالن‬
                                    ‫ِنْ ُ؛ أل َّ قَوْلَ ُ: و َّاسِ أَجْ َ ِين قدْ اقْتَ َى أَمْ َنَا ِلَعْ ِهِ َعدَ َوْ ِ ِ" اهـ.‬
‫وقال تعالى: إ َّ ال ِي َ كَفَ ُوا َ َا ُوا وَهمْ ك َّار فَلَنْ ُقْبلَ ِنْ أَحدِهمْ ملْ ُ األرْضِ ذَ َبًا َلَوِ افْت َى ِ ِ‬
‫ه و َد به‬                     ‫يَ م َ ِ ِ ء َ‬                       ‫ُ ُف ٌ‬         ‫ِن َّذ ن ر وم ت‬
     ‫يب‬              ‫َ م م عل ك‬                                ‫ِر‬       ‫ه َ ب مو ه م‬                               ‫أ‬
    ‫ُولَئِكَ لَ ُمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ َمَا لَ ُمْ ِنْ نَاص ِينَ [آل عمران:50]، أيْ: َنْ َاتَ ََى الْ ُفْر فَلَنْ ُقْ َل‬
       ‫ه ف م ير ُ ُ ب م س ِ النبي ع ع الل‬                           ‫َ‬      ‫ِ‬            ‫ََ‬         ‫َد و‬           ‫مه‬
  ‫ِنْ ُ خَيْر أَب ًا َلَوْ كَان قدْ أَنْفَقَ ملْء األرْض ذَ َبًا ِي َا َ َاه قرْ َة، كَ َا ُئلَ َّ ِ ّ َنْ َبْد َّه بْن‬
       ‫ِنه َ ُ‬                         ‫ع و ي ْ الض ويفك ع ن وي ع الطع َ ي ه ك‬
     ‫جدْ َان َكَانَ ُقرِي َّيْف َ َ ُ ّ الْ َا ِيَ َ ُطْ ِم َّ َام: هلْ َنْفَع ُ ذَلِ َ؟ فَقَالَ: ((الَ؛ إ َّ ُ لمْ يَقلْ‬
      ‫ع ب ُر ع ْ رس الل َن ُ ق ل‬                           ‫الد‬       ‫رب ا ِ ل ط ت‬                ‫ي م الد‬
     ‫َوْمًا ِنْ َّهْر: َ ّ ِغْفرْ ِي خَ ِيئَ ِي يَوْم ِّين))، و َنْ أَ ِي ه َيْرَةَ َن َ ُولِ َّهِ أ َّه َا َ:‬
  ‫ْر ِي ُم يم ت وَ ي م‬                 ‫ي ع ب َد م َ ُم يه ِي و‬                                  ‫س م َم ب َ‬           ‫و َّ‬
‫(( َالذِي نَفْ ُ ُح َّدٍ ِيدِهِ ، الَ َسْمَ ُ ِي أَح ٌ ِنْ هذِهِ األ َّةِ َ ُود ٌّ َالَ نَص َان ٌّ ث َّ َ ُو ُ َلمْ ُؤْ ِنْ‬
                                                                  ‫ه‬       ‫ح الن ر‬           ‫َّ ُ س ت ب إ ن م‬
                                                            ‫بِالذِي أرْ ِلْ ُ ِهِ ِالَ كَا َ ِنْ أَصْ َابِ َّا ِ)) روا ُ مسلم.‬
       ‫َ وم‬                ‫ِده‬         ‫ْز َالن‬          ‫وم ي ف به م‬                                ‫ن‬
     ‫قال اب ُ كثيرٍ عند تفسيرِ اآلية: َ َنْ َكْ ُر ِ ِ ِنَ األَح َاب ف َّار مَوْع ُ ُ [هود:25]: "أيْ: َ َنْ‬
     ‫ئ وئ‬             ‫وم‬          ‫ك و‬
    ‫كَف َ بِالْقرْآ ِ ِنْ سَا ِر أَهْل األرْض ُش ِكهمْ َ َا ِرهمْ َأَهْل الْ ِتَاب َغَيْرهمْ َ ِنْ سَا ِر طَ َا ِف‬
                                                   ‫و‬     ‫م ْر وك ف‬          ‫َ‬          ‫ئ‬       ‫َر ُ ن م‬
                                                                                  ‫و‬            ‫و و‬                       ‫بن د عل‬
                                                                     ‫َ ِي آ َم ََى اِخْتِالَف أَلْ َانهمْ َأَشْكَالهمْ َأَجْنَاسهمْ".‬
‫وغ ر‬                                                      ‫ه‬      ‫ض‬
‫ومن الطوامِ التي ساقها بع ِهم أن ُ جعل مواقف البابا المزعومة من قضايا المسلمين مس ّ ًا لذك ِ‬
                                              ‫ل‬                   ‫ه‬       ‫هلل‬                  ‫ه‬        ‫ه‬
                                             ‫مآثر ِ وأعمال ِ، فلننظر ماذا قال ا ُ ورسول ُ عن مثل هذه األعما ِ.‬
      ‫ل ُ َر ب بق عة ي سبه الظ ن م َت ِذ ج ه َ ِ ه ش ئ‬                                         ‫و َّذ ن ر‬
     ‫قَالَ تعالى: َال ِي َ كَفَ ُوا أَعْمَاُهمْ كَس َا ٍ ِ ِي َ ٍ َحْ َ ُ ُ َّمْآ ُ َاء ح َّى إ َا َاء ُ لمْ يَجدْ ُ َيْ ًا‬
     ‫وَوَجدَ َّهَ ِن َه فَو َّا ُ ِ َا َ ُ و َّ ُ س ِي ُ الْ ِ َابِ [النور:03]، قال القرطبي: "وَهذَا َثَل َ َ َ ُ‬
     ‫َ م ضربه‬                                         ‫َ الل ع د ُ َف ه حس به َالله َر ع حس‬
           ‫م‬        ‫َد و‬                ‫ِ دم عل الل‬                           ‫ل ُف ر ي َول عل و‬                    ‫الل‬
      ‫َّه تعالى ِلْك َّا ِ ُع ُِّونَ ََى ثَ َاب أَعْمَالهمْ، فَإذَا قَ ِ ُوا ََى َّه تعالى وَج ُوا ثَ َاب أَعْ َالهمْ‬
    ‫هو ي ل‬           ‫َّر إ َ ض م ف‬                  ‫َ ج صح‬                         ‫ك ْ َ َ جد‬                         ‫م‬
   ‫ُحْبَطَة بِالْ ُفرِ، أيْ: لمْ يَ ِ ُوا شَيْئًا كَمَا لمْ يَ ِد َا ِب الس َاب ِالَ أرْ ًا الَ َاء ِيهَا، فَ ُ َ َهِْك‬
                          ‫عمل م عم جع ه هب م ث ر‬                            ‫َ د إل‬                        ‫يم‬
      ‫أَوْ َ ُوت. قَالَ تعالى: وقَ ِمْنَا َِى مَا َ ُِوا ِنْ َ َل فَ َ َلْنَا ُ َ َاء َنْ ُو ًا [الفرقان:37]" اهـ.‬
   ‫ْدر ن‬            ‫َد ب الر ُ ف ْ ع ص‬                  ‫ل ُ َرم‬             ‫َر ِ َب ِ‬        ‫م ل َّذ‬                ‫َ‬
   ‫وقَالَ تعالى: َثَ ُ ال ِينَ كَف ُوا برِّهمْ أَعْمَاُهمْ ك َ َادٍ اشْت َّتْ ِهِ ِّيح ِي يَومٍ َا ِفٍ الَ يَق ِ ُو َ‬
                                ‫ن‬                      ‫ل ه الض ل بع د‬                       ‫ِم سب عل‬
    ‫م َّا كَ َ ُوا ََى شَيْءٍ ذَِكَ ُوَ َّالَ ُ الْ َ ِي ُ [إبراهيم:25]، قال اب ُ كثيرٍ عند تفسيرِ هذه اآلية:‬
          ‫م‬           ‫و َذب رس وب‬                  ‫ُف َّذ عبد معه‬                     ‫م‬              ‫َذ م َل َربه الل‬
     ‫"ه َا َث ٌ ض َ َ ُ َّه تعالى ألَعْ َالِ الْك َّار ال ِينَ َ َ ُوا َ َ ُ غَيْره، َك َّ ُوا ُ ُله، َ َنَوْا أَعْ َالهمْ‬
         ‫ل ه الض ل بع د‬                       ‫و م ن إ‬                  ‫ر وعدم‬                  ‫ح‬      ‫س‬           ‫عل‬
   ‫ََى غَيْر أَ َاس صَ ِيح؛ فَانْهَا َتْ َ َ ِ ُوهَا أَحْ َج َا كَا ُوا ِلَيْهَا، ذَِكَ ُوَ َّالَ ُ الْ َ ِي ُ" اهـ.‬
   ‫وال‬       ‫ُ م‬                     ‫عل َن ُف‬               ‫َ ا َ إل‬                    ‫رحمه الل‬       ‫ض ع‬
   ‫قَالَ الْقَا ِي ِيَاض َ ِ َ ُ َّه تعالى: "وقَدْ ِنْعَقدَ ا ِجْمَاع ََى أ َّ الْك َّار الَ تَنْفَعهمْ أَعْ َالهمْ، َ َ‬
              ‫بحس َر ئ‬          ‫َد َ م ب‬                  ‫ِن ب‬          ‫َ‬   ‫ف‬         ‫ي ب ع ب مو‬
    ‫ُثَا ُونَ َلَيْهَا ِنَعِي ٍ َالَ تَخْ ِيف عذَاب، لَك َّ َعْضهمْ أَش ّ عذَابًا ِنْ َعْض ِ َ َبِ ج َا ِمهمْ" اهـ.‬
       ‫فالخالص ُ أن أعمالَ البرِ التي قام بها البابا ـ كما يزع ُ البع ُ ـ أو أي كافرٍ لن تنفع ُ يو َ‬
       ‫ه م‬                          ‫م ض‬                                                    ‫ة‬
                                                    ‫ة‬     ‫ت‬                 ‫ر‬      ‫ن ء‬              ‫ة‬
                                          ‫القيام ِ، بل ستكو ُ هبا ً منثو ًا كما قررت اآليا ُ وسن ُ المصطفى .‬
                    ‫ل‬                      ‫ض‬            ‫ح‬
      ‫أما أعجب ما في الموضوع فهو أن يتر ّم عليه البع َ، بل ويفتي بذلك ويستد ُ بقولهِ تعالى:‬
           ‫ع‬                                                    ‫َر ْر َ ه‬                  ‫م ي َ م‬
        ‫فَ َنْ َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ خَي ًا يرَ ُ [الزلزلة:2]، ويترك النصوص المحكمة الدالةَ على المن ِ من‬
   ‫وم ن‬                                         ‫م ن َذ ي‬                    ‫م‬
   ‫االستغفارِ للكافرِ أو الترح ِ عليه، عل ًا أ ّ ه ِهِ اآل َة في حق المؤمنين فقط، قَالَ تعالى: َ َا كَا َ‬
       ‫اسْ ِغْ َا ُ ِب َاهِيمَ ألَ ِيهِ ِالَ َنْ مَوْع َ ٍ َع َهَا إ َّاه فَل َّا تَب َّنَ لَ ُ أ َّ ُ عد ٌّ لَّهِ تَب َّأَ ِنْ ُ إ َّ ِب َاهِي َ‬
       ‫ِدة و َد ِي ُ َم َي ه َنه َ ُو ِل َر م ه ِن إ ْر م‬                                                 ‫ب إ ع‬                 ‫ت ف ر إ ْر‬
   ‫ل‬     ‫ب‬           ‫ت‬        ‫عربي َل النب ّ ف‬                     ‫ض ب ب‬                                 ‫ألو ه ح م‬
  ‫َّا ٌ َلِي ٌ [التوبة:255]، قَالَ الْقَا ِي أَ ُو َكْر بْن الْ َ َ ِ ّ: "تَعَّقَ َّ ِي ِي االسْ ِغْفَار ألَ ِي طَاِب‬
  ‫ن و ْد‬        ‫إ ْر ه ب‬              ‫َن ا ت‬            ‫َره الل‬                    ‫َب‬      ‫ِر‬                   ‫له‬
 ‫بِقَوِْ ِ تعالى: سَأَسْتَغْف ُ لَك رِّي [مريم:22]، فَأَخْب َ ُ َّه تعالى أ َّ ِسْ ِغْفَار ِب َا ِيم ألَ ِيهِ كَا َ َع ًا‬
     ‫ُ َم‬         ‫ل َم‬          ‫ف‬            ‫ي َي ك م ه َم َي ه ك م ه َر م ه ْ‬
  ‫قَبْل أَنْ َتَب َّن الْ ُفْر ِنْ ُ، فَل َّا تَب َّنَ لَ ُ الْ ُفْر ِنْ ُ تَب َّأَ ِنْ ُ، فَكَيفَ تَسْتَغْ ِر أَنْتَ ِع ِّك ـ يَا مح َّد ـ‬
 ‫ن أ ل ُ ب‬             ‫ي ِر ل م ْرك ن و‬                    ‫ِلن ِي و َّذ من‬                 ‫ك ِر م‬               ‫ََ ه‬
‫وقدْ شَا َدْت مَوْته َاف ًا؟! َا كَانَ ل َّب ِّ َاَل ِينَ آ َ ُوا أَنْ َسْتَغْف ُوا ِلْ ُش ِ ِي َ َلَوْ كَاُوا ُوِي قرْ َى‬
                                                                         ‫ح‬                  ‫َي ُ َن ُ‬                  ‫م ب‬
                                                        ‫ِنْ َعْد مَا تَب َّنَ لَهمْ أَّهمْ أَصْحَاب الْجَ ِيمِ [التوبة:355].‬
        ‫َرب ُ َ‬    ‫بي‬           ‫َن ظ إل النبي ي ك ِي م‬                             ‫و ه م ل ع ع الل‬
    ‫وأما مَا رَ َا ُ ُسِْم َنْ َبْد َّه قَالَ: كَأ ِّي أَنْ ُر َِى َّ ِ ّ َحْ ِي نَبًّا ِنْ األَنْ ِ َاء ض َ َه قوْمه‬
 ‫ي م ن َف ب ِي َن النبي‬                           ‫م ِن ُ‬             ‫رب ا ِ‬         ‫وق‬        ‫هو ي س الد ع و‬
 ‫وَ ُ َ َمْ َح َّم َنْ َجْهه َيَ ُول: (( َ ّ ِغْفرْ لِقَوْ ِي فَإَّهمْ الَ َعْلَ ُو َ))، و ِي الْ ُخَار ّ أ َّ َّ ِ ّ‬
    ‫ي م ن‬            ‫م ِن ُ‬              ‫الل ُم ا ِ‬            ‫ج َ النبي ي ب ع ه َنه‬                       ‫َج ُ‬          ‫َر ِي‬
 ‫ذَك َ نَب ًّا قَبْله ش َّه قَوْمه فَ َعلَ َّ ِ ّ ُخْ ِر َنْ ُ بِأ َّ ُ قَالَ: (( َّه َّ ِغْفرْ لِقَوْ ِي فَإ َّهمْ الَ َعْلَ ُو َ))،‬
                            ‫د ال‬                     ‫َن ُ ه ا ِد ع‬                        ‫َذ صر ف ح ي َم ْ‬
                           ‫فَه َا َ ِيح ِي الْ ِكَا َة ع َّن قَبْله، الَ أ َّه قَالَ ُ ِبْت َاء َنْ نَفْسه، فال يع ّ دلي ً.‬
    ‫ت َب ف أ‬                              ‫ه‬          ‫م‬        ‫ز الن ِي ْ ُم ب و‬                          ‫ع ب هر ْ َ‬
  ‫و َنْ أَ ِي ُ َيرَة قَالَ: َارَ َّب ُّ قَبرَ أ ِّهِ، فَ َكَى َأَبْكَى َنْ حَوْلَ ُ، فَقَالَ: (( اسْتَأْذَنْ ُ ر ِّي ِي َنْ‬
        ‫ْ ه ذ ل َز ر قب َ ِنه ت َكر‬                                 ‫َز‬        ‫تُ ف‬            ‫ف ه َ يْ ل و‬
        ‫أَسْتَغْ ِرَ لَ َا فَلمْ ُؤذَنْ ِي، َاسْتَأْذَنْ ُه ِي أَنْ أ ُورَ قَبرَ َا فَأ ِنَ ِي، ف ُو ُوا الْ ُُور فَإ َّ َا ُذ ِّ ُ‬
                                               ‫ل ُف ر‬           ‫ت‬         ‫ع‬
                                             ‫الْمَوْتَ)) أخرجه مسلم. فهذا نهي صريح َنْ االسْ ِغْفَار ِلْك َّا ِ".‬
    ‫ت ف ل ك ِر ظ ر َ ب غ‬                           ‫ف ه ء عل َن‬               ‫ات‬           ‫ة‬
    ‫وجاء في الموسوعةِ الفقهي ِ ما نصه: " َّفَقَ الْ ُقَ َا ُ ََى أ َّ االسْ ِغْ َارَ ِلْ َاف ِ مَحْ ُو ٌ، بلْ َالَ َ‬
    ‫و ِ الت‬             ‫ض ك م ع ه َّ ف ْذ ِلنص‬                                     ‫لك ِ‬           ‫ت‬       ‫إن‬          ‫ب ضُْ‬
   ‫َعْ ُهم فَقَالَ: َّ االسْ ِغْفَارَ ِلْ َافرِ يَقْتَ ِي ُفْرَ َنْ فَ َلَ ُ؛ ألَن ِيهِ تَك ِيبًا ل ُّ ُوصِ الْ َاردَةِ َّ ِي‬
        ‫الن ر‬          ‫ي ِر ي ك به وَن م م عل ك ْ ه م‬                                          ‫َ ُل عل َن الل‬
  ‫تد ُّ ََى أ َّ َّهَ تعالى الَ َغْف ُ أَنْ ُشْرَ َ ِ ِ، َأ َّ َنْ َاتَ ََى ُفرِهِ فَ ُوَ ِنْ أَهْلِ َّا ِ" اهـ.‬
                                   ‫ي‬
  ‫ولن يكون البابا أفضل من عم النبي ، والذي قدم للنب ّ الكثير وعرض نفسه وعشيرته للمخاطر‬
 ‫من أجله، فحين سأله ابن عمه عبد اهلل بن العباس رضي اهلل عنهما عن عمه أبي طالب وأنه كان‬
‫قد نفعه بنفسه وماله قال: ((هو في ضحضاح من النار))، ومعنى هذا أن أعماله الجليلة التي نصر‬
      ‫ز‬                                     ‫ة‬
     ‫بها ابن أخيه لم تنفه؛ ألنه مات على الكفر. قال العالم ُ األلباني رحمه اهلل في أحكامِ الجنائ ِ:‬
       ‫ُر‬      ‫ر‬                        ‫م‬                                   ‫م‬
   ‫"ومن ذلك تعل ُ خطأَ بعضِ المسلمين اليوم من الترح ِ والترضي على بعضِ الكفا ِ، ويكث ُ ذلك‬
                                                                                ‫ت‬         ‫د‬
                                                                              ‫من بعضِ أصحابِ الجرائ ِ والمجال ِ".‬
‫د‬                                   ‫ة ة‬                     ‫ة‬
‫وبعد هذه النصوصِ نأتي على مسأل ٍ مهمةٍ لها عالق ٌ وثيق ٌ بما نحن بصددهِ، أال وهي من ال يري ُ‬
         ‫َ‬       ‫ع‬          ‫ر د‬                                ‫ر‬                ‫فر يشك‬
      ‫أن يك ّ َ أو ِّك في كفرِ الكاف ِ كالبابا وغيره، وهذا مزلق خطي ٌ ج ًا، قد يوق ُ اإلنسان في‬
                  ‫ر‬                 ‫ه هلل ل‬
‫الكفر شعر أم لم يشعر، فهذا القاضي عياض رحم ُ ا ُ ينق ُ اإلجماعَ على كف ِ من لم يكفر الكافر‬
  ‫ع‬        ‫ر‬             ‫ه ر‬                                ‫ن‬             ‫خ‬                  ‫ّ‬
  ‫أو شك في كفره، وقال شي ُ اإلسالمِ اب ُ تيميةَ في الفتاوى: "فهذا كل ُ كف ٌ باطنًا وظاه ًا بإجما ِ‬
  ‫د‬               ‫ُ‬        ‫ر‬         ‫ِ‬                       ‫ء‬      ‫ر‬                     ‫ل‬
  ‫ك ِ مسلمٍ، ومن شك في كف ِ هؤال ِ بعد معرفةِ دينِ اإلسالم فهو كاف ٌ، كمن يشك في كفرِ اليهو ِ‬
  ‫د‬                   ‫ب د‬              ‫د ن‬               ‫خ‬
  ‫والنصارى والمشركين" اهـ. وهذا شي ُ اإلسالم محم ُ ب ُ عبد الوها ِ يع ُه من نواقضِ التوحي ِ‬
     ‫العشرة، فيقول: "الناقض الثالث: من لم يكفرِ المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم".‬
                        ‫ِ‬
 ‫فليحذر المميعون للدينِ الساعون إلرضاءِ اآلخرين ولو كان ذلكِ بسخط رب العالمينِ أن يخسروا‬
     ‫َل س ي ُ ْ ف حي الد و ُ‬                  ‫َّذ‬                ‫َر‬            ‫ُ َ ن َبئ ُ‬
   ‫دينهم وهم ال يشعرون، قلْ هلْ ُن ُِّكمْ بِاألَخْس ِينَ أَعْمَاالً ال ِينَ ض َّ َعْ ُهم ِي الْ َ َاةِ ُّنْيَا َهمْ‬
                                                                                 ‫سب َن ُ ي سن ص ع‬
                                                              ‫يَحْ َ ُونَ أَّهمْ ُحْ ِ ُونَ ُنْ ًا [الكهف:305، 205].‬
                                                                               ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أما بعد: فمن مقال رائع لفضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان أنقل لكم ما يلي، قال فضيلته: "لقد‬
                      ‫ت‬
‫اطلعت على ما نشرته بعض الصحف المحلية في األيام الماضية فيما ي ّصل باستقبال أحد الشباب‬
‫السعوديين ومتابعة مشاركته في برنامج ستار أكاديمي، حيث يجتمع مجموعة من الشباب والفتيات‬
     ‫في منزل واحد يمارسون فيه التعامل البيتي مختلطين بعضهم مع بعض، يأكلون وينامون في‬
         ‫م‬
 ‫مكان واحد، ويمارسون الغناء والرقص وغيره، مما هو معلوم لدى كثير من الناس، وتت ّ متابعته‬
                                      ‫ب‬
    ‫والتصويت عليه، وقد صوت عدد من الناس لهذا الشا ّ حتى نال ما نال، وكان استقباله على‬
                                                                  ‫غرار ما نقلته بعض الصحف.‬
           ‫علي‬
 ‫وحيث إن تلك األعمال مشتملة على مآخذ شرعية عديدة فقد رأيت أن الواجب َّ وعلى غيري‬
                                                     ‫من أهل العلم التنبيه إلى تلك المآخذ فأقول:‬
                           ‫ر‬                                                           ‫ال‬
  ‫أو ً: قد صدر عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية واإلفتاء فتوى تح ّم برنامج ستار أكاديمي وما‬
      ‫ماثله، ورقمها 10277 في 2/7/1725هـ، أوضحوا فيها ما في ذلك البرنامج من المحاذير‬
 ‫الشرعية من دعوة لالختالط المحرم وإشاعة الفاحشة وإماتة الحياء، وما يجلبه ذلك من المصائب‬
‫على الناس، وذلك يقتضي تحريم المشاركة فيه أو تمويله أو متابعته أو التصويت لمن شارك فيه.‬
‫ثانيًا: إن األوطان والمجتمعات ال ترتفع وال تعتز بأن يكون أفرادها على غرار ما يتعاطاه الشباب‬
                                         ‫ق‬
      ‫في ذلك البرنامج وما ماثله، والقبح يكون أشد في ح ّ الفتيات، فاألوطان بحاجة إلى الشباب‬
  ‫إن‬
  ‫العامل المنتج في شتى ميادين الحياة، مع تحليهم باألخالق اإلسالمية والشيم العربية، قال : (( َّ‬
                                                                              ‫خ‬        ‫خ‬
                                                          ‫لكل دين ُلقًا، و ُلق اإلسالم الحياء)).‬
‫ثالثًا: ينبغي على وسائل اإلعالم الجادة والصحفيين الحريصين على شرف مهنتهم أن يترفعوا عن‬
                                                         ‫د‬
 ‫السفاسف، فإن االنحراف ليس له ح ّ، وإذا أرادوا مجاراة اآلخرين فليس لذلك منتهى؛ ولذا ينبغي‬
                          ‫ر‬
   ‫أن يقدموا للناس ما ينتفعون به في دينهم ودنياهم، وقد عجبت كثي ًا من بعض الصحفيين الذين‬
 ‫راحوا يمجدون هذه األعمال والمشاركين فيها، وما علموا أن أخالقيات مهنتهم تحتم عليهم تجنب‬
                         ‫هذه السقطات، بل وتلزمهم بتوعية الناس حيالها والتحذير من التأثر بها.‬
      ‫رابعًا: الحظ الناس أن الشاب المشارك في هذا البرنامج وكذلك مشجعوه كانوا يحملون علم‬
 ‫المملكة، بما فيه من كلمة التوحيد العظيمة، وهذه الكلمة ليست لتلك الميادين، فهي أنزه وأجل من‬
   ‫هذا العبث، والنظام يمنع مثل هذا العبث؛ ألنه استخدام للعلم في غير موضعه. وينبغي أن يعلم‬
                                                                   ‫ق‬
      ‫الناس أن هذا العمل الذي ُدم في البرنامج ال يمثل المملكة وال شعبها، وإنما هو اندفاع غير‬
   ‫مسؤول من بعض المراهقين، كما أن هذا الشاب وغيره ممن اندفعوا نحو البرنامج المذكور ال‬
                       ‫يمثلون أسرهم الكريمة، ولكنه خروج عن آداب أسرهم وشعبهم وأخالقهم.‬
      ‫خامسًا: ينبغي أن يعلم الشباب والفتيات الذين تأثروا بإيقاع البرنامج أنه تقليد لبرامج غربية،‬
                       ‫خ‬             ‫ت‬
   ‫ينطلق فيها أصحابها من عاداتهم وتقاليدهم التي ال تم ّ إلى دين وال ُلق، وإنما هي الشهوات‬
                                                                                      ‫واألهواء.‬
‫وفي هذا السياق نسجل كلمة جليلة للملك عبد العزيز رحمه اهلل، يقول فيها: "فهذه النزعة التي تقود‬
‫الشبيبة إلى الضالل هي نزعة شيطان، وصدمة للدين وللعرب ولجميع من تمسك بالسمت ومكارم‬
 ‫األخالق؛ ألنه يقول: ((إنما بعثت ألتمم مكارم األخالق))، فأي مسلم يعرف اإلسالم وينتسب إليه‬
                   ‫ق‬
  ‫ويقر ما أقره هؤالء الغواة من لزوم الرجوع عن الدين وإبداله بما رأوه مواف ًا للشهوات الدنيئة‬
                                                                    ‫ن‬
‫التي ال يقرها دي ٌ وال مذهب وال يقرها أصحاب مكارم األخالق في الجاهلية وال صلحاء أي ملة‬
     ‫تعرف الشرف والعقل فهو ضال عن طريق الصواب. فال واهلل، ليس هذا التمدن في شرعنا‬
‫وعرفنا وعاداتنا، وال يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو إسالم أو من مروءة‬
                                                                  ‫د‬
  ‫أن يرى زوجته أو أح ًا من عائلته أو من المنتسبين للخير في هذا الموقف المخزي، هذه طريق‬
                                                                ‫و‬
    ‫شائكة تدفع باألمة إلى ه ّة الدمار، وال يقبل السير عليها إال رجل خارج من دينه، خارج من‬
 ‫عقله، خارج من عربيته، فالعائلة هي الركن الركين في بناء األمم، وهي الحصن الحصين الذي‬
                                                                 ‫يجب على كل ذي شيم أن يدافع عنها.‬
                                       ‫ب‬
 ‫إني ألعجب أكبر العجب ممن يدعي النور والعلم وح ّ الرقي من هذه الشبيبة التي ترى بأعينها‬
    ‫وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطر الخلقي الحائق بغيرنا من األمم ثم ال ترعوي عن ذلك،‬
  ‫وتتبارى في طغيانها، وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا وعاداتنا اإلسالمية العريقة، وال‬
           ‫ترجع إلى تعاليم الدين الحنيف الذي جاء به نبينا محمد رحمة وهدى لنا ولسائر البشر.‬
  ‫فالواجب على كل مسلم وعربي فخور بدينه معتز بعربيته أن ال يخالف مبادئه الدينية وما أمره‬
           ‫اهلل تعالى بالقيام به لتدبير المعاد والمعاش والعمل على كل ما فيه الخير لبالده ووطنه.‬
   ‫الرقي الحقيقي هو بصدق العزيمة والعمل الصحيح والسير على األخالق الكريمة واالنصراف‬
  ‫عن الرذيلة وكل ما من شأنه أن يمس الدين والسمت العربي والمروءة، وليس بالتقليد األعمى،‬
 ‫وأن يتبع طرائق آبائه وأجداده الذين أتوا بأعاظم األمور باتباعهم أوامر الشريعة التي تحث على‬
                   ‫ب‬
    ‫عبادة اهلل وحده وإخالص النية في العمل، وأن يعرف حق المعرفة معنى ر ّه ومعنى اإلسالم‬
 ‫وعظمته ومعنى ما جاء به نبينا العظيم من التعاليم القيمة التي تسعد اإلنسان في الدارين، وتعلمه‬
                                                 ‫و‬
        ‫أن العزة هلل ولرسوله وللمؤمنين، وأن يق ّم عائلته ويصلح من شأنها، ويتذوق ثمرة عمله‬
 ‫الشريف، فإذا عمل هذا فقد قام بواجبه، وخدم وطنه وبالده" انتهى كالم الملك عبد العزيز رحمه‬
                                                                                    ‫اهلل. من الدرر السنية.‬
‫وألهمية هذه المسألة وما أوجبه اهلل من البيان على أهل العلم في قوله سبحانه: َإذْ أَخذَ َّ ُ ِيثَا َ‬
‫وِ َ الله م ق‬
                                              ‫ت َي ُنه ِلن س و تم ه‬                      ‫َّذ أ ت ك‬
  ‫ال ِينَ ُو ُوا الْ ِتَابَ لَُبِّن َّ ُ ل َّا ِ َال تَكُْ ُونَ ُ [آل عمران:225] فقد حررت ما تقدم براءة للذمة‬
                                                                                    ‫ح‬
 ‫ونص ًا لألمة، وأسأله سبحانه أن يهدينا جميعًا سواء السبيل، وأن يعيذنا من مضالت الفتن، وأن‬
  ‫يحفظ علينا أمننا وإيماننا، وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد. كتبه عبد المحسن العبيكان، عضو‬
                                       ‫مجلس الشورى، ونشرته جريدة الرياض في 2/3/6725هـ.‬

‫(5/1032)‬
                                                                                                         ‫نعمة النكاح‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                                   ‫فقه‬
                                                                                                               ‫النكاح‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫عامر بن عيسى اللهو‬
                                                                                                                ‫الدمام‬
                                                                                                      ‫27/1/6725‬
                                                                                ‫جامع األميرة سارة بنت مساعد‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- مقصد العبودية هلل تعالى. 7- النكاح من أعظم النعم. 3- فوائد النكاح. 2- التحذير من‬
                     ‫عضل النساء. 1- عظم فتنة النساء. 6- الترغيب في اختيار الزوجة الصالحة.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، ال يشك عاقل أن اهلل ما خلق الخلق إال لعبادته وتوحيده، فوظيفتنا األساسية‬
‫في هذه الحياة هي إخالص الدين هلل، ثم إنه سبحانه أنشأنا في هذه األرض واستخلفنا فيها لتحقيق‬
    ‫ُ م إله‬            ‫ي ْ بد الله‬                    ‫ح‬         ‫ُ‬         ‫وإل م‬
    ‫هذه الغاية العظمى، قال تعالى: ََِى ثَ ُودَ أَخَاهمْ صَالِ ًا قَالَ َا قَومِ اعْ ُ ُوا َّ َ مَا لَكمْ ِنْ َِ ٍ‬
                                                      ‫َر ُ ف‬         ‫ك م َ ضو‬                    ‫ْره ه‬
‫غَي ُ ُ ُوَ أَنشَأَ ُمْ ِنْ األرْ ِ َاسْتَعْم َكمْ ِيهَا اآلية [هود:56]. كما أنه سبحانه وتعالى قد أباح لنا‬
                                           ‫كل ما يتوافق مع هذا االستخالف من النعم الظاهرة والباطنة.‬
             ‫ق‬                         ‫ق‬                                   ‫ع‬
     ‫وإن من أعظم الن َم التي أباحها اهلل لعباده والتي تح ّق االستخالف في األرض وتح ّق انتشار‬
‫النوع اإلنساني في هذا الكون نعمة النكاح، هذه النعمة التي امتن اهلل بها على عباده، وجعلها دليال‬
     ‫ُ م فسك َ و ج‬                                ‫ت‬        ‫وم‬
    ‫على ربوبيته ووحدانيته ورحمته بعباده، قال تعالى: َ ِنْ آيَا ِهِ أَنْ خَلَقَ لَكمْ ِنْ أَن ُ ِ ُمْ أزْ َا ًا‬
                          ‫ْم ي َكر‬             ‫ي‬            ‫ل كن إ ه وج َ ب ُ م َدة َر م إ َّ ف‬
 ‫ِتَسْ ُ ُوا ِلَيْ َا َ َعلَ َيْنَكمْ َو َّ ً و َحْ َةً ِن ِي ذَلِكَ آل َاتٍ لِقَو ٍ َتَف َّ ُونَ [الروم:57]، وجعلها من‬
‫و َ َ س رسال م ْ لك وجع ُ َ و ج َذ ِّية‬
‫سنة األنبياء والمرسلين فقال تبارك وتعالى: َلَقدْ أرْ َلْنَا ُ ُ ً ِن قَبِْ َ َ َ َلْنَا لَهمْ أزْ َا ًا و ُر َّ ً‬
                                                                                                 ‫اآلية [الرعد:23].‬
    ‫فبالزواج تحصل المودة والرحمة والسكن، ويحصل االستمتاع، فال تجد بين أحد من الناس في‬
              ‫الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، فأين المتفكرون؟! وأين الشاكرون؟!‬
     ‫ض‬               ‫ض‬                                                                     ‫ل‬
‫وِما في الزواج من المقاصد العظيمة والفوائد الجلية والحكم البالغة فقد ح ّ النبي عليه أي ًا كما‬
       ‫في الصحيحين من حديث عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل ((يا معشر‬
                                                                   ‫الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج)).‬
  ‫فبالنكاح يلتئم الشعث، وتسكن النفس، ويستريح الضمير من تعب التفكير، ويحصل الولد، ويعمر‬
  ‫البيت، فهذا الحديث يدل على أن سبب الترغيب في الزواج خوف الفساد في ال َين والفرج، وأ ّ‬
  ‫ي‬              ‫ع‬
                                                              ‫ل‬                ‫د‬
      ‫زمان أش ّ أن يخاف فيه مث ُ ذلك من زماننا هذا الذي انتشرت فيه الفتن وعظمت فيه دواعي‬
    ‫المحرمات؟! فأصبح المسلم يفتن في دينه صباح مساء، بل ربما أحيانا يتعرض للفتنة حتى عند‬
                                                                     ‫أبواب المساجد، وال حول وال قوة إال باهلل.‬
   ‫د‬                                                                        ‫ن‬     ‫ن‬
   ‫وال يظ ّن ظا ّ أن الفوائد من النكاح إنما تحصل للشباب فقط، بل هي للشباب والفتيات على ح ّ‬
            ‫ل‬                        ‫د‬                   ‫ي خ‬
   ‫سواء، ولذلك ال ينبغي لألب أن ُؤ ّر زواج ابنته إن تق ّم لها من يرضى في دينه وخُقه، قال :‬
                                      ‫((إذا أتاكم من ترضون دينه فزوجوه)) رواه الترمذي وهو صحيح.‬
                                             ‫حب ٍ‬
  ‫فإنه بمنع الفتاة وعضلها يكسر في قلبها َّ أمر قد فطرها اهلل عليه كما فطر عليه قلب الشاب،‬
                                                                               ‫ب‬
       ‫إال أن الشا ّ يستطيع اإلفصاح عما في قبله، وربما يجادل أهله في سبيل مصلحته، أما الفتاة‬
     ‫المسكينة فيمنعها حياؤها من ذلك، ولذلك قال في إذن البنت في الزواج: ((وإذنها أن تسكت))،‬
   ‫خصوصا إذا ابتليت بأب ساذج ال يقيم لمثل هذه األمور وزنا، فتدفن البنت حسرتها ولوعتها في‬
                                                                                                               ‫صدرها.‬
                                ‫و‬            ‫د‬
 ‫إن دفع الخاطب الكفء في دينه وخلقه ور ّه من غير مس ّغ شرعي إنما هو معصية هلل ورسوله‬
 ‫وخيانة لألمانة وإضاعة لعمر المرأة التي تحت واليته، وسوف يحاسب على ذلك يوم ال ينفع مال‬
 ‫وال بنون إال من أتى اهلل بقلب سليم، أفال يكون عند هؤالء دين ورحمة؟! أفال يفكرون لو أن أحدا‬
                                               ‫منعهم من الزواج مع رغبتهم فيه فما يكون رد الفعل منهم؟!‬
                ‫د‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، اعلموا أن الزواج للشاب والفتاة من أفضل األمور التي يق ّمها األب البنه‬
                                                                        ‫ر‬
          ‫وابنته إن كان قاد ًا، خصوصا في هذا الزمان الذي ماجت فيه الفتن كما أسلفنا، ومعظمها‬
 ‫وأكثرها يتعلق بالشهوة والجنس والعري والدعارة والرقص والمجون واإلغراء والتنافس في فتنة‬
  ‫الناس من خالل المجالت والمسلسالت واألفالم والقنوات واإلنترنت وغيرها؛ حتى أصبح طريق‬
                                                                                    ‫ر‬
     ‫الش ّ والعياذ باهلل سهال ميسورا، والمعصوم من عصمه اهلل، وهذا مصداق حديث النبي : ((ما‬
                                    ‫تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) رواه البخاري.‬
‫قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: "إن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله‬
‫م َر م الذهب و ِضة و خ ْل‬                                   ‫ُب الش و ت م النس ء و بن ن و‬                ‫ُي ِلن‬
‫تعالى: ز ِّنَ ل َّاسِ ح ُّ َّهَ َا ِ ِنْ ِّ َا ِ َالْ َ ِي َ َالْقَنَاطِيرِ الْ ُقَنْط َةِ ِنْ َّ َ ِ َالْف َّ ِ َالْ َي ِ‬
                             ‫ب‬      ‫ن‬                                ‫م َومة و ع م و ح‬
  ‫الْ ُس َّ َ ِ َاألَنْ َا ِ َالْ َرْثِ اآلية [آل عمران:25]، فجعله ّ من ح ّ الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية‬
      ‫األنواع؛ إشارة إلى أنهن األصل في ذلك" انتهى كالمه. أفيليق بك ـ أيها األب ـ بعد هذا أن‬
                                                                                                    ‫خ‬
                                                               ‫تؤ ّر زواج أبنائك وأنت قادر على تزويجهم؟!‬
                        ‫ه‬                             ‫ن‬
  ‫ولعل بعض اآلباء يتعذر بأعذار يظ ّها مقنعة، وهي عند التحقيق أو َى من بيت العنكبوت. فمن‬
 ‫خ ال‬                    ‫ظ‬                                 ‫و‬
 ‫ذلك قول بعضهم: إني أريد أن يك ّن ابني نفسه بنفسه، فال بد أن يتو ّف، ثم بعد ذلك يد ّر ما ً‬
                                                                ‫و‬
       ‫يستطيع معه أن يتز ّج. فنقول: رويدك، هل هذا كالم أب حريص على ابنه وعلى إعفافه‬
‫وإحصانه؟! نعم لو كنتَ ال تقدر من الناحية المادية على تزويج ابنك لكان هذا الكالم صحيحا، أما‬
                                                            ‫حر‬
    ‫وأنك تستطيع أن تزوجه من ِّ مالك فال ينبغي أن يقال ذلك، فقد ذكر الفقهاء أنه يجب على‬
                       ‫ُد‬
       ‫األب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجًا إلى إعفافه. ثم لو ق ّر أن االبن سيعمل‬
            ‫و‬
  ‫بكالمك فإلى كم من السنين يحتاج لتكوين نفسه؟! ال شك أنك ـ أيها األب ـ ستف ّت على ابنك‬
                                               ‫ف‬
   ‫سنوات طويلة كان بإمكانه أن يكون قد أع ّ نفسه، بل ربما وأنجب ذرية يسعد بهم وتسعد بهم‬
                                                                                   ‫أنت أيضا.‬
  ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واستشعروا عظم المسؤولية الملقاة على عواتقكم، قال : ((كلكم راع، وكلكم‬
    ‫مسؤول عن رعيته))، فكونوا رعاة أمناء، واحرصوا على ما يحقق السعادة لكم ولرعيتكم في‬
                                                                               ‫الدنيا واآلخرة.‬
                                                       ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                               ‫ي ف‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، من تمام السعادة في هذه الدنيا أن ُو ّق المرء لزوجة صالحة؛ إن أمرها‬
                                         ‫أبر‬
   ‫أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها َّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله،‬
   ‫وهذا ال يمكن أن يكون إال في ذات الدين، قال : ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة))‬
                                                                                  ‫رواه مسلم.‬
                                                                      ‫ل‬       ‫ب ل‬
                                              ‫ليس الفتاة ِماِها وجماِها…كال وال بمفاخر اآلباء‬
                                             ‫لكنها بعفافها وبطهرها…وصالحها للزوج واألبناء‬
                                       ‫وقيامها بشؤون منزلها أن…ترعاك في السراء والضراء‬
                                               ‫ب‬
                                      ‫يا ليت شعري أين توجد هذه…الفتيات تحت الق ّة الزرقاء‬
  ‫وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((تنكح المرأة ألربع:‬
‫لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)). قال القرطبي رحمه اهلل: "معنى‬
                                              ‫ي غ‬
‫الحديث أن هذه الخصال األربع هي التي ُر ّب في نكاح المرأة ألجلها، فهو خبر عما في الوجود‬
  ‫من ذلك". وقال ابن حجر رحمه اهلل عند قوله : ((فاظفر بذات الدين)): "المعنى: أن الالئق بذي‬
    ‫الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، ال سيما فيما تطول صحبته، فأمره‬
                                                  ‫بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية".‬
   ‫فاإلنسان له الحق أن يسأل عن هذه األمور، فإن توفرت مع توفر الدين فهذا أمر حسن، ولذلك‬
‫شرع النظر إلى المخطوبة ليتأمل الرجل جمال المرأة وحسنها، وهي كذلك، بل لقد رد النبي رجال‬
 ‫تزوج امرأة من األنصار فقال: ((هل نظرت إليها؟)) قال: ال، قال: ((اذهب فانظر إليها؛ فإن في‬
                                                      ‫ي‬
  ‫أعين األنصار شيئًا)) رواه مسلم. وقد ب ّن النبي العلة في هذا النظر فقال: ((فإنه أحرى أن يؤدم‬
                                        ‫بينكما)) رواه النسائي وغيره، أي: يؤلف ويوفق بينكما.‬
   ‫أيها اإلخوة المؤمنون، وثمة أمر مهم ننبه عليه عند حديثنا عن الخطبة، وهو أنه وإن تمت هذه‬
                                     ‫ي‬
‫الخطبة ورضي كل من الطرفين باآلخر فيبقى الرجل أجنب ًا من المرأة وتبقى هي أجنبية منه ما لم‬
                                               ‫و‬
   ‫يعقد عقد النكاح، فال يجوز ـ كما يتص ّر بعض الناس حال الخطبة ـ أن يخلو بها أو يخرج‬
‫معها بمفردها أو أن تذهب إليه، فهذا كله منكر ال يجوز ما لم يعقد عقد النكاح فتحل له ويحل لها.‬
                                      ‫وصلى اهلل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...‬

‫(5/6032)‬




                                                                                  ‫نحن والحر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                            ‫موضوعات عامة‬
                                                                                 ‫مخلوقات اهلل‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫عامر بن عيسى اللهو‬
                                                                                       ‫الدمام‬
                                                                                 ‫0/6/6725‬
                                                               ‫جامع األميرة سارة بنت مساعد‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- الفرار من حر الصيف. 7- حر الصيف دليل على ربوبية اهلل تعالى. 3- شدة الحر من فيح‬
                                   ‫جهنم. 2- شدة الحر ابتالء. 1- سبيل الوقاية من حر جهنم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                 ‫ح‬
    ‫أيها اإلخوة المؤمنون، في مثل هذه األيام من كل عام يص ّ عزم كثير من الناس على امتطاء‬
                                                       ‫ب‬                     ‫ميم‬
      ‫دوابهم ِّمين وجوهَهم شرقا وغر ًا وشماال وجنوبا في قضاء اإلجازة الصيفية هاربين من‬
                       ‫و‬                ‫ظ‬              ‫ه‬          ‫ع‬
   ‫حرارةِ الشمس الالفحة وأش ّتها المتو ّجة إلى حيث ال ِالل الوارف والج ّ العليل، ولنا ـ عباد‬
                                                                                                    ‫ر‬
                                                                                       ‫اهلل ـ مع الح ّ بعض الوقفات:‬
          ‫ل‬                                                                   ‫ّ‬
  ‫الوقفة األولى: أن في هذا الحر دليالً من دالئل ربوبية اهلل سبحانه وتعالى، فهو الذي يقّب األيام‬
        ‫ق َر ُ إ‬
      ‫والشهور، ويطوي األعوام والدهور، وهو الواحد األحد الصمد سبحانه وبحمده، ُلْ أ َأَيْتمْ ِنْ‬
  ‫مع َ ُ َرأ ُ‬               ‫ج َ الله ع ك الل ْ س َد إل ْ قي مة م إ ه ْر الل ت ُ بضي َ‬
‫َعلَ َّ ُ َلَيْ ُمْ َّيلَ َرْم ًا َِى يَومِ الْ ِ َا َ ِ َنْ ِلَ ٌ غَي ُ َّهِ يَأْ ِيكمْ ِ ِ َاءٍ أفَال تَسْ َ ُون قلْ أ ََيْتمْ‬
         ‫كن َ ف ه َ‬              ‫َ َد إل ْ قي م م إ ه ْر الل ت ك ب‬                                      ‫إ ج َ الله ع ُ الن‬
     ‫ِنْ َعلَ َّ ُ َلَيْكمْ َّهَارَ سرْم ًا َِى يَومِ الْ ِ َا َةِ َنْ ِلَ ٌ غَي ُ َّهِ يَأْ ِي ُمْ ِلَيْلٍ تَسْ ُ ُون ِي ِ أفَال‬
                        ‫ر‬      ‫ت‬       ‫ت‬                                         ‫ت ِر‬
          ‫ُبْص ُونَ [القصص:52، 72]. فوجوده سبحانه وربوبي ُه وقدر ُه أظه ُ من كل شيء على‬
                                                                                                                    ‫اإلطالق.‬
                             ‫ر‬
‫قال ابن القيم رحمه اهلل تعالى: "ثم تأمل هذه الحكمة البالغة في الح ّ والبرد وقيام الحيوان والنبات‬
                                                                              ‫وفك‬
     ‫عليهما، ِّر في دخول أحدهما على اآلخر بالتدريج والمهلة حتى يبلغ نهايته، ولو دخل عليه‬
                                                                                ‫ر‬
  ‫مفاجأة ألض ّ ذلك باألبدان وأهلكها وبالنبات، ولوال العناية والحكمة والرحمة واإلحسان لما كان‬
                                                                                                                          ‫ذلك.‬
   ‫ر‬                                                            ‫ر‬         ‫ن‬
   ‫الوقفة الثانية: إ ّ شدة الح ّ ينبغي أن تبعث المؤمن على الخوف من اهلل سبحانه؛ ألن شدة الح ّ‬
 ‫من فيح جهنم كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، والسبب في ذلك ما‬
      ‫جاء في صحيح مسلم عنه رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت:‬
                                                    ‫ف‬
‫رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لي أتن ّس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فما‬
       ‫وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم)).‬
                                           ‫م‬
    ‫فيا من ال يطيقون حرارة الجو، يا من ال يتح ّل الوقوف في الشمس ساعة، كيف أنتم وحرارة‬
                                             ‫حر‬
    ‫جهنم؟! واهلل ثم واهلل، لسنا لها بمطيقين، فإن َّها شديد، وقعرها بعيد، جاء في الحديث: ((إن‬
                                    ‫ي‬
   ‫أنعم أهل األرض من أهل الدنيا يؤتى به يوم القيامة، ف ُغمس في النار غمسة، فيقال: هل رأيت‬
                                ‫مر‬
‫خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: ال واهلل يا رب، ما َّ بي نعيم قط)) رواه مسلم. ينسى كل‬
                                                                ‫ن‬
                                        ‫نعيم الدنيا بمجرد غمسة واحدة في جه ّم مع أنه أنعم أهل األرض!‬
                                                         ‫ير‬
                  ‫أليست جهنم ـ يا عباد اهلل ـ أولى أن ُف ّ منها؟! نصح العالمة األلبيري ابنه فقال:‬
                                                                 ‫تفر من الهجير وتتقيه…فهال من جهنم قد فررتا‬
                                                                  ‫ب‬
                                                          ‫ولستَ تطيق أهونها عذابا…ولو كنت الحديد ِها لذبتا‬
                                                          ‫وال تنكر فإن األمر جد…وليس كما حسبتَ وال ظننتا‬
                                                                          ‫ر‬
  ‫الوقفة الثالثة: إن الح ّ ابتالء من اهلل تعالى لعباده، فال يجوز أن يترك المسلم ما أمره اهلل به من‬
 ‫حر‬                                            ‫د‬
 ‫واجبات، ففي السنة التاسعة من الهجرة ق ّر اهلل تعالى أن تقع غزوة من غزوات الرسول في ٍّ‬
                                                ‫و‬
     ‫شديد وسفر بعيد، وهي غزوة تبوك، فالج ّ حار، والمسافة بعيدة، والعدو شرس، فبرز موقف‬
‫النفاق، وأخذ المنافقون يتلمسون األعذار في التخلف عن الغزوة، وكان من بين أعذارهم قولهم: ال‬
                                                                            ‫َر‬       ‫ت ِر ف‬
‫َنف ُوا ِي الْح ِّ [التوبة:52]، فإنهم يريدون أن يؤثروا الراحة والدعة في المدينة حيث طيب الثمار‬
                                 ‫ك‬
  ‫ووفرة الظالل، فيؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، فذ ّرهم اهلل تعالى بالحقيقة األكيدة‬
                                                 ‫ن ي ه‬                 ‫ق ر جه َّ َد َر‬
  ‫بقوله: ُلْ نَا ُ َ َنمَ أَش ُّ ح ًّا لَوْ كَا ُوا َفْقَ ُونَ [التوبة:52]، فإن كنتم مشفقين من حرارة األرض‬
                                                         ‫د‬
  ‫فأجدر بكم أن تشفقوا مما هو أش ّ منها حرارة، لكنهم ال يفقهون هذه الحقيقة، فيضحكون سخرية‬
                            ‫ء‬                                                ‫ن‬
‫واستهزاء، لك ّ ضحكهم قليل إذا ما قورن ببكائهم يوم القيامة جزا َ ما قدمت لهم أنفسهم من نفاق،‬
                                                                  ‫هذا النفاق والكفر الذي يتجدد في كل زمان ومكان.‬
     ‫وم ي و‬                                                 ‫ب‬
    ‫ومن أعاجيب التعابير القرآنية أنه ش ّه الكفر بالحر واإليمان بالظل، فقال سبحانه: َ َا َسْتَ ِي‬
  ‫ي ء و أل و ت‬                      ‫َر ر وم ي‬          ‫ِّل و‬      ‫م و ب ر و الظلم ت و الن ر و‬
  ‫األَعْ َى َالْ َصِي ُ َال ُُّ َا ُ َال ُّو ُ َال الظ ُّ َال الْح ُو ُ َ َا َسْتَوِي األَحْ َا ُ َال ا َمْ َا ُ‬
                                                        ‫ي‬
‫[فاطر:05-77]، فحال المؤمن ُشبه حال الظل؛ ألن اإليمان ظل ظليل، تستروحه النفس، ويرتاح‬
                                ‫ص‬
  ‫له القلب، وتطمئن فيه المشاعر، وتصدر فيه األعمال عن تب ّر وتريث وإتقان. أما حال الكافر‬
    ‫فتشبه الحر، تضطرب فيه النفوس، وتلفح القلبَ فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم االستقرار على‬
      ‫هدف وعدم االطمئنان إلى نشأة أو مصير، ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب عياذا باهلل،‬
    ‫فنسأل اهلل تعالى أن ينجينا من الشرك والشك والنفاق والشقاق وسيئ األخالق، إنه جواد كريم.‬
                                                                                    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                      ‫ن‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، لما كانت أكثر أجواء قريش أجواءً صيفية حارة امت ّ اهلل عليهم بأن أوجد‬
       ‫جع ُ م‬                           ‫َالله ج َ ك ِم‬                        ‫ر‬
     ‫لهم من الثياب ما يتقون به الح ّ، فقال سبحانه: و َّ ُ َعلَ لَ ُمْ م َّا خَلَقَ ظِالالً وَ َ َلَ لَكمْ ِنْ‬
       ‫ق ك س ُ َ ك ي ِم ن م ه ع ك َل ُ‬                                    ‫ق ُ َر و َر‬                 ‫جع ُ َر‬                          ‫جب‬
     ‫الْ ِ َالِ أَكْنَانًا وَ َ َلَ لَكمْ س َابِيلَ تَ ِيكمْ الْح َّ َس َابِيلَ تَ ِي ُمْ بَأْ َكمْ كذَلِ َ ُت ُّ ِعْ َتَ ُ َلَيْ ُمْ لَعَّكمْ‬
                                                                                              ‫ت لم‬
                       ‫ُسِْ ُونَ [النحل:52]، فنعم اهلل علينا كثيرة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.‬
                               ‫ر‬                         ‫ق‬           ‫حر‬
   ‫عباد اهلل، ولئن كان ُّ الدنيا يت ّى بالمالبس والثياب فإن ح ّ اآلخرة ـ وهو أشد وأفظع ـ ال‬
‫يتقى بشيء من ذلك، إنما يتقى باألعمال الصالحة، يوم تدنو الشمس من رؤوس الخالئق، ((فتكون‬
‫قدر ميل منهم، فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى‬
 ‫ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)) وأشار رسول اهلل إلى فيه.‬
                                                                                                                             ‫رواه مسلم.‬
 ‫ومنهم من ينعم باالستظالل بظل اهلل يوم ال ظل إال ظله، قال : ((سبعة يظلهم اهلل في ظله يوم ال‬
‫ظل إال ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اهلل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجالن تحابا في‬
‫اهلل اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اهلل، ورجل‬
   ‫تصدق بصدقة فأخفاها حتى ال تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اهلل خاليا ففاضت عيناه))‬
                            ‫متفق عليه. فنسأل اهلل تعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا ووالدينا والمسلمين منهم.‬
  ‫و َّذ من وعمل الص ت سن خل ُ َن ت ْر م ت ته‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َال ِينَ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّالِحَا ِ َ ُدْ ُِهمْ ج َّا ٍ تَج ِي ِنْ َحْ ِ َا‬
                                        ‫ه ر ِد ف ه َد ه ف ه َ و ج م َّرة و ُ خله ال ل‬
                       ‫األَنْ َا ُ خَال ِينَ ِي َا أَب ًا لَ ُمْ ِي َا أزْ َا ٌ ُطَه َ ٌ َندْ ُِ ُمْ ظِ ً ظَِيالً [النساء:21].‬
    ‫وصلى اهلل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما‬
                                                                                   ‫كثيرا...‬

‫(5/2032)‬




                                                                       ‫اإلجازة وصلة الرحم‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                           ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                    ‫األرحام‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عامر بن عيسى اللهو‬
                                                                                     ‫الدمام‬
                                                                              ‫65/6/6725‬
                                                             ‫جامع األميرة سارة بنت مساعد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
                                         ‫ث‬
   ‫5- تنوع اهتمامات الناس في اإلجازة. 7- ح ّ اإلسالم على صلة األرحام. 3- فضائل صلة‬
         ‫الرحم. 2- البواعث على صلة الرحم. 1- عظم ذنب القطيعة. 6- أعظم أنواع الصلة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                 ‫د‬                       ‫و‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، في اإلجازات والعطالت تتن ّع اهتمامات الناس، وتتع ّد مشاربهم، وتختلف‬
             ‫ر‬
  ‫وجهاتهم، فمنهم من ينشد الترويح البريء، ومنهم من يسعى إلى االستمتاع المح ّم، وأفضل من‬
      ‫هذا وذاك من يتقرب إلى اهلل بكل حركاته وتنقالته، قال معاذ بن جبل رضي اهلل عنه: (إني‬
 ‫أحتسب على اهلل نومتي كما أحتسب قومتي). فالموفق ـ عباد اهلل ـ من كانت له نية صالحة في‬
                                                  ‫كل عمل من أعماله ولو كان من المباحات.‬
         ‫ك‬
   ‫ولما كان في اإلجازات وفرة في الوقت ومسرح للتفكير في كيفية قضائها أحببنا أن نذ ّر بأمر‬
                                 ‫م‬
  ‫عظيم ونوع من العبادات كريم، به اكتساب رضا الرب ث ّ محبة الخلق، وهو عالمة على كمال‬
                            ‫اإليمان وحسن اإلسالم، ذلكم ـ يا رعاكم اهلل ـ هو صلة األرحام.‬
                 ‫ذ‬                  ‫ث‬
‫صلة الرحم من العبادات الجليلة واألخالق النبيلة التي ح ّ عليها اإلسالم وح ّر من قطيعتها، ولو‬
   ‫ل‬
   ‫لم يكن في الدين أمر بالصلة والبر لألرحام لكان في الطباع السليمة واألخالق الكريمة ما يد ّ‬
      ‫عليه، فكيف وهو من أول ما بعث به النبي ؟! فعن عمرو بن عبسة رضي اهلل عنه أنه سأل‬
         ‫يوح‬
‫رسول اهلل : بأي شيء أرسلك اهلل؟ قال: ((أرسلني بصلة األرحام وكسر األوثان، وأن َّد اهلل ال‬
                                                                            ‫يشرك به شيء)) رواه مسلم.‬
                              ‫د‬                                          ‫و‬
  ‫صلة األرحام تق ّي المودة، وتزيد المحبة، وتطرد الوحشة، وتش ّ عرى القرابة، وتزيل العداوة،‬
                                                                            ‫ل‬
   ‫فلفظها يد ّ على الرقة والعطف والرأفة، عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل :‬
                                                                        ‫ش‬
‫((إن الرحم ُجنَة من الرحمن، فقال اهلل: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته)) رواه البخاري،‬
 ‫وعن عبد الرحمن بن عوف رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول فيما رواه عن ربه عز‬
   ‫وجل: ((أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها اسما من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها‬
                                                                  ‫بتته)) رواه أهل السنن بإسناد صحيح.‬
  ‫قال اإلمام النووي رحمه اهلل: "صلة الرحم هي اإلحسان إلى األقارب على حسب حال الواصل،‬
      ‫فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسالم وغير ذلك. ومعنى صلة اهلل لمن‬
   ‫وصل رحمه فهي عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه عليهم بإحسانه ونعمه، أو صلتهم‬
       ‫د‬
 ‫بأهل ملكوته األعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته". وقال رحمه اهلل: "اختلفوا في ح ّ الرحم‬
                                                  ‫م ر‬
        ‫التي يجب وصلها، فقيل: كل رحم َح َم بحيث لو كان أحدهما أنثى واآلخر ذكرا حرمت‬
‫مناكحتهما، وقيل: هو عام في كل رحم من ذوي األرحام في الميراث، يستوي فيه المحرم وغيره،‬
                                                             ‫وهذا هو الصحيح" انتهى كالمه رحمه اهلل.‬
 ‫عباد اهلل، في صلة األرحام رغد العيش والهناء والسعادة في الدنيا والنعيم المقيم في اآلخرة، عن‬
                          ‫ي‬     ‫سر‬
‫أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((من َّه أن ُبسط له في رزقه وينسأ له في‬
 ‫أثره فليصل رحمه)) متفق عليه. وأينا ال يسره بسط الرزق وبركة العمر؟! وفي الصحيحين عن‬
      ‫أبي أيوب األنصاري رضي اهلل عنه أن رجالً قال: يا رسول اهلل، أخبرني بما يدخلني الجنة‬
      ‫ويباعدني عن النار، فقال النبي : ((لقد وفق)) أو ((لقد هدي))، ثم قال: ((كيف قلت؟)) قال:‬
         ‫فأعاد، فقال النبي : ((تعبد اهلل ال تشرك به شيئا، وتقيم الصالة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا‬
                   ‫رحمك))، فلما أدبر قال النبي : ((إن تمسك بما أمر به دخل الجنة)) متفق عليه.‬
‫إن أعظم ما يبعث على تعاهد األرحام وصلتهم هو خوف اهلل وخشيته، وهذا ال يكون إال عند أهل‬
   ‫َبه و ف س ء‬                       ‫ي َ وي‬           ‫َ الله ب‬            ‫و َّذ يصل‬
   ‫اإليمان، قال جل ذكره: َال ِينَ َ ُِونَ مَا أَمرَ َّ ُ ِهِ أَنْ ُوصلَ َ َخْشَوْنَ ر َّ ُمْ َيَخَا ُونَ ُو َ‬
                                                                             ‫ح‬
 ‫الْ ِسَابِ [الرعد:57]، وفي الناس من تموت عواطفه وتضعف خشيته، فيجوب األرض وال يفكر‬
                      ‫من‬
   ‫في زيارة أقاربه أو السالم عليهم، قال عمرو بن دينار رحمه اهلل: "تعلَ ُ ّ أنه ما من خطوة بعد‬
                         ‫ت‬          ‫ر‬
‫الفريضة أعظم أجرا من خطوة إلى ذي رحم"، وقال الم ّوذي: أدخل ُ على أبي عبد اهلل أحمد بن‬
  ‫حنبل رحمه اهلل فقال الرجل: لي قرابة بالمراغة ترى لي أن أرجع إلى الثغر أو ترى أن أذهب‬
                                                         ‫ل‬               ‫خ‬
                                                 ‫فأسلم عليهم؟ فقال له: است ِر اهلل واذهب فسّم عليهم.‬
                ‫ي‬
    ‫كما أن من الناس من يتغلب عليه شيطانه، فيقطع رحمه بسبب خالف أقصى ما ُقال عنه: إنه‬
      ‫ليس مستحيلَ الحل، ولكنها العزة باإلثم والمكابرة بالباطل. وفي استطالع للرأي حول وجود‬
                                                           ‫ي‬
          ‫خصومات بين األقارب على ع ّنة من الناس أجاب خمس وستون بالمائة منهم: نعم توجد‬
‫خصومة، وأجاب خمس وثالثون بالمائة بالنفي، فنحن أمام ظاهرة خطيرة، يقول النبي : ((ال يحل‬
‫لرجل أن يهجر أخاه فوق ثالث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسالم))‬
       ‫ي‬
‫متفق عليه، وقال رجل للنبي : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إل ّ، وأحلم‬
                           ‫ل‬                                            ‫ي‬
‫عنهم ويجهلون عل ّ، فقال : ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الم ّ، وال يزال معك من اهلل ظهير‬
                                                                          ‫عليهم ما دمت على ذلك)) رواه مسلم.‬
  ‫فما أجمل أن يتعالى المسلم على أحقاده، ويكون همه رضا مواله، فال جزاء لمن عصى اهلل فيك‬
                                                                                      ‫بأفضل من أن تطيع اهلل فيه.‬
                                                ‫د‬                         ‫ب‬
                                               ‫وإن الذي بيني وبين بني أ ِي…وبين بني عمي لَمختلف ج ّا‬
                                        ‫د‬        ‫ت‬                       ‫ت م‬
                                       ‫إذا أكلوا لحمي وفَر ُ لحو َهم…وإن هدموا مَجدي بني ُ لهم مج ًا‬
                                         ‫د‬                              ‫م‬
                                        ‫وال أحْمل الْحقدَ القديم عليه ُ…وليس زعيم القوم من يحمل الحق َا‬
                                                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                     ‫ب‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إن خطر قطع الرحم عظيم، وذن َها جسيم، وعقوبتها معجلة، واقرؤوا إن‬
  ‫ْ وت َطع َ ح مك أ ئ َّذ لعن ُ‬                              ‫ت ِد ف‬            ‫ه عس ُ إ َل ُ‬
‫شئتم قول ربكم: فَ َلْ َ َيْتمْ ِنْ تَوَّيْتمْ أَنْ ُفْس ُوا ِي األَرضِ َ ُق ِّ ُوا أرْ َا َ ُمْ ُوْلَ ِكَ ال ِينَ َ َ َهمْ‬
         ‫ي‬                                                    ‫الل ُ َمه و م ص ر ُ‬
 ‫َّه فَأَص َّ ُمْ َأَعْ َى أَبْ َا َهمْ [محمد:77، 37]، ويقول النبي : ((ما من ذنب أجدر أن ُعجل اهلل‬
  ‫لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في اآلخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)) رواه أبو داود‬
                                                                                   ‫والترمذي وهو حديث صحيح.‬
‫ثم اعلموا ـ يا عباد اهلل ـ أن األرحام درجات، فأعظمها عمودي النسب، وهما األم واألب ثم ما‬
                                                                               ‫ر‬
   ‫تف ّع عنهما، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رجل: يا رسول، من أحق الناس بحسن‬
                            ‫الصحبة؟ قال: ((أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك)) رواه مسلم.‬
                                                            ‫م و‬
    ‫عباد اهلل، وإن من أعظ ِ ص َر صلة األرحام الدعوة إلى الخير واألمر بالمعروف والنهي عن‬
                 ‫َ ْرب ن‬         ‫و ِ عش ر‬
                 ‫المنكر والتعاون على البر والتقوى، يقول اهلل تعالى لنبيه : َأَنذرْ َ ِي َتَكَ األق َ ِي َ‬
   ‫[الشعراء:257]، وإنما خصهم اهلل بالذكر لتأكيد حقهم. وعن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه‬
                                                        ‫م‬
    ‫قال: أتيت النبي وهو في قبة من أد ٍ حمراء في نحو من أربعين رجالً فقال: ((إنه مفتوح لكم،‬
  ‫وأنتم منصورون ومصيبون، فمن أدرك ذلك منكم فليتق اهلل وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر‬
               ‫د‬         ‫د‬
  ‫وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتر ّى فهو يم ّ بذنبه)) رواه‬
                                                                ‫الحاكم وقال: "صحيح اإلسناد" ووافقه الذهبي.‬
  ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وقوموا بما أمركم به وأخذ عليكم الميثاق من صلة األرحام، وتناسوا األحقاد‬
                                                                       ‫والضغائن، فلكم في نبيكم أسوة حسنة.‬
                                                                                ‫ي‬
                                                ‫وصلى اهلل على نب ّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...‬

‫(5/2032)‬




                                                                                  ‫طوفان تسونامي آية ودروس‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                     ‫آثار الذنوب والمعاصي, جرائم وحوادث‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫سعد بن محمد المهنا‬
                                                                                                             ‫القطيف‬
                                                                                                     ‫05/5/6725‬
                                                                                                      ‫جامع الخفرة‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- موجز أخبار الطوفان. 7- كل حركة في الكون بأمر اهلل وقدرته. 3- محدودية علم البشر‬
  ‫وقدراتهم. 2- عظمة اهلل وجبروته في الطوفان. 1- أخذ اهلل للغافلين بغتة. 6- التذكير بنعم اهلل‬
 ‫علينا. 2- هل يتعظ المفرطون بالحدَث؟ 2- مقارنة بين زلزال الدنيا واآلخرة. 0- اإلنكار على‬
                                                                                                   ‫تفجير الرياض.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
          ‫و َن ْ ُر من َات‬                                   ‫ء‬           ‫ي‬
     ‫أما بعد: اتقوا اهلل عباد اهلل، فبتقواه ُدفَع البال ُ وينزل الرضا، َلَوْ أ َّ أَهلَ الْق َى آ َ ُوا و َّقَوْا‬
                 ‫ن ي سب‬            ‫َ ُ ب‬             ‫م السم ء و َ ض و ك َذب‬                   ‫ع ِ َر‬
‫لَفَتَحْنَا َلَيْهمْ ب َكَاتٍ ِنْ َّ َا ِ َاألرْ ِ َلَ ِنْ ك َّ ُوا فَأَخذْنَاهمْ ِمَا كَاُوا َكْ ِ ُونَ [األعراف:60].‬
                                  ‫سم‬
‫أيها المسلمون، "اخرجوا اخرجوا" هذه آخر الكلمات التي ُ ِعت صباح يوم األحد، بعد أن أمر اهلل‬
   ‫ج‬         ‫ت َد َ س‬                                       ‫ر‬
 ‫األرض في قاع المحيط أن تتح ّك وتضطرب لثوانٍ معدودة، فتسير موجا ُ م ٍّ أرْ َلَت أموا َها‬
     ‫كالجبال، تسير بسرعة هائلة تجاوزت ثمانمائة كيلو في الساعة، وهي سرعة هائلة، واندفعت‬
      ‫بش‬
‫اندفاعًا عنيفًا ومهوالً، لتضرب السواحل اآلسيوية، وتقتلع كل ما يواجهها من منشآت و َ َر وسفن‬
     ‫وأحجار ومراكب وأشجار وبيوت وسيارات، ابتلعت قرى بأكملها، فلم يبق لها أثر، وصارت‬
                                             ‫َ‬     ‫ه‬         ‫م‬           ‫ع‬              ‫َر‬
    ‫خَب ًا بعد أن كانت َيْنًا، وغَ َرت الميا ُ المدن فأصبح بعضها مقطوعًا عن اليابسة، وال يمكن‬
                                                               ‫ي‬
‫الوصول إليها إال بالمروح ّات، وهذا الطوفان المائي واألمواج العاتية وصلت إلى شواطئ إفريقيا‬
  ‫البعيدة عن مصدر الزلزال بنحو ستة آالف كيلومتر، ف ُ ِل ما ال يق ّ عن أربعين صيا ًا صومالي‬
‫ًّا،‬      ‫د‬               ‫ل‬           ‫قت‬
  ‫ووصلت هذه األمواج إلى الشواطئ األمريكية التي تبعد اثني عشر ألف كيلو، لقد كانت مدة هذا‬
                                                                             ‫و‬
    ‫الطوفان والد ّامات المائية عشر دقائق فقط! لينتج عن هذه الدقائق أكثر من مائة وثالثين ألف‬
                                             ‫ر‬
                           ‫قتيل، وأضعافهم من المصابين، ويزيد عدد المش ّدين على مليون شخص.‬
                                                      ‫َد‬                  ‫م ي‬
     ‫ورغم ُض ّ خمسة أيام على الح َث فما زالت المئات من الجثث مبعثرة في الشوارع وفوق‬
 ‫األشجار وفي المزارع والحقول وتحت األنقاض، وبعض األماكن لم تصل إليها فرق اإلنقاذ حتى‬
                                         ‫الص‬                                 ‫ر‬
  ‫اآلن؛ نظ ًا لتدمير الطرق والجسور. وقد تعالت َّيحات للمطالبة بدعم أكبر عملية إغاثية في‬
             ‫ش‬
    ‫التاريخ، وتزداد المخاوف من ارتفاع عدد القتلى إلى أضعاف مضاعفة بسبب تف ّي األمراض‬
                           ‫ف‬                                                 ‫ر‬
      ‫المعدية؛ نظ ًا لندرة المياه الصالحة للشرب وانتشار الحشرات وتع ّن الجثث وكثرة الروائح‬
  ‫الكريهة والمياه الراكدة المختلطة بمياه الصرف الصحي والنفايات السامة، فأصبح ماليين الناس‬
                                                                                                        ‫د‬
                                                                         ‫مه ّدين بعد أن كانوا آمنين مطمئنين.‬
                                                        ‫َد‬
                            ‫عباد اهلل، إن للمسلم الموفق مع هذا الح َث العظيم مواقف ودروسا، منها:‬
              ‫ب‬                                                                   ‫ن‬
     ‫5- أ ّ كل حركة في هذا الكون إنما هي بأمر اهلل وقدرته، فهو الذي يخلق السب َ ويجعل له‬
         ‫ٍ َد ه ر‬                   ‫ُل‬                  ‫جل‬                   ‫ه ب َد‬           ‫ِن ُل ء‬
        ‫األثر، إ َّا ك َّ شَيْ ٍ خَلَقْنَا ُ ِق َر [القمر:02]، وقال َّ وعال: وَخَلَقَ ك َّ شَيْء فَق َّرَ ُ تَقْدِي ًا‬
                                                          ‫ي سب حدث‬
    ‫[الفرقان:7]. فال ُن َ ُ ال َ َ ُ إلى قشرة األرض وطبقاتها، وال إلى مواقع بعض الدول، دون‬
 ‫وه و‬         ‫الله ق ُل‬                       ‫َ ُم لق‬                    ‫َ خق م ْ‬
 ‫النظر إلى خالقها، أمْ ُلِ ُوا ِنْ غَيرِ شَيْءٍ أمْ ه ُ الْخَاِ ُون [الطور:13]، َّ ُ خَالِ ُ ك ِّ شَيْءٍ َ ُ َ‬
                                              ‫ََى ك ِّ شَيْءٍ َكِي ٌ [الزمر:76]. أصبح النبي‬
   ‫ُّ في الحديبية يومًا على أثر سماء ـ يعني نزول‬                     ‫و ل‬           ‫عل ُل‬
     ‫مطر ـ بعد صالة الصبح، فقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟)) فقالوا: اهلل ورسوله أعلم، قال:‬
                                     ‫مط‬
    ‫((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: ُ ِرنا بفضل اهلل ورحمته فذاك مؤمن بي‬
                                                         ‫مط ب‬
              ‫كافر بالكوكب، وأما من قال: ُ ِرنا ِنَوْء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب)).‬
     ‫َد‬                            ‫ة‬        ‫ُصو‬                                 ‫و‬
 ‫7- أين التط ّر العلمي واألقمار الصناعية التي ت ِّر اإلبر َ؟! أين التقنيات العالية عن ص ّ هذا‬
                                            ‫ز‬                               ‫رد‬       ‫َ‬
   ‫الحدَث أو ِّه؟! ها هو العالم بأسره يقف عاج ًا عن إزالة آثاره ومعالجة أضراره، فضالً عن‬
                                                           ‫و أ ت ُ م ع ْ إ َّ ل‬
                                         ‫الوقوف في وجهه، َمَا ُو ِيتمْ ِنَ الْ ِلمِ ِال قَِيالً [اإلسراء:12].‬
                                           ‫ي‬                       ‫ل‬
 ‫3- عظمة اهلل ج ّ وعال وقدرته، فهو الذي ُمسِك السموات واألرض أن تزوال، ولئن زالت هل‬
       ‫َز‬         ‫ِن الل ي ك الس و ت و َ ْ‬
    ‫يستطيع أحد إمساكها من االضطراب واالهتزاز؟! إ َّ َّهَ ُمْسِ ُ َّمَ َا ِ َاألرضَ أَنْ ت ُوال‬
                                       ‫ف ر‬         ‫حل‬       ‫و ئ ْ ز إ س ه م َ م ب ْ ِنه‬
                           ‫َلَ ِن َالَتَا ِنْ أَمْ َكَ ُمَا ِنْ أَحدٍ ِنْ َعدِهِ إ َّ ُ كَانَ َِيمًا غَ ُو ًا [فاطر:52].‬
             ‫ق‬
    ‫2- شهادة الضعف البشري والعجز اإلنساني وحدود قدرته وقوته؛ إذ عجز عن تو ّع مثل هذا‬
                   ‫ب‬                               ‫ق ب وخ إل ن ضع‬                              ‫َد‬
‫الح َث أو اإلخبار ب ُر ِهِ، َ ُلِقَ ا ِنسَا ُ َ ِيفًا [النساء:27]، أبعد هذا يتك ّر اإلنسان، ويطغى عن‬
                                                                                                 ‫ل‬
                                                                   ‫أوامر اهلل، ويستغ ّ نفوذَه ومنصبه لظلم خلق اهلل؟!‬
                                                                        ‫م لب ن‬
‫1- سبحان َن يَقِْ ُ األم َ خوفًا والطمأنينةَ فزعًا! ال حول لنا وال قوة إال باهلل، يقول أحد الناجين‬
   ‫وهو سائح برتغالي: "شاهدنا البحر يتراجع عدة أمتار، في الوقت الذي بدأت تتك ّن موجة عالي ٌ‬
   ‫ة‬      ‫ٌ‬     ‫و‬
                      ‫س‬                                                   ‫كل م‬
‫بيضاء، أخذ ُّ َن على الشاطئ يراقبها بفضول أكثر منه خوفًا، وهذا يف ّر بالتأكيد ما شعرنا به‬
 ‫من أمان زائف"، أفَأَ ِنتمْ أَنْ يَخْسفَ ِ ُمْ َا ِبَ الْب ِّ أَوْ ُرْسلَ َلَيْ ُمْ َا ِبًا ُم ال تَج ُوا لَكمْ َ ِي ً‬
 ‫ِد ُ وك ال‬              ‫ِ بك ج ن َر ي ِ ع ك ح ص ث َّ‬                                         ‫َ مُ‬
      ‫س ء و َّر ل َله‬                    ‫ه‬             ‫َ‬         ‫و َ س إل أم م‬                        ‫ل‬
    ‫[اإلسراء:26]، وقال ج ّ وعال: َلَقَدْ أرْ َلْنَا َِى ُ َمٍ ِنْ قَبْلِك فَأَخَذْنَا ُمْ بِالْبَأْ َا ِ َالض َّاءِ َعَّ ُمْ‬
 ‫ن ي مل ن‬              ‫َرع و ك ْ س ْ قل ب ُ َ َي ُم الش ن‬                          ‫ُ بس‬             ‫ِ‬          ‫ي َرع َ‬
 ‫َتَض َّ ُون فَلَوْال إذْ جَاءَهمْ َأْ ُنَا تَض َّ ُوا َلَ ِن قَ َت ُُو ُهمْ وز َّنَ لَه ُ َّيْطَا ُ مَا كَا ُوا َعْ َُو َ‬
  ‫ه ب ً ِذ ه‬                      ‫ع ِ و ب ُل ء َت ِ َ ح ب أ ت‬                                           ‫ذ ِّر ب ِ‬       ‫َم س‬
‫فَل َّا نَ ُوا مَا ُك ُوا ِه فَتَحْنَا َلَيْهمْ أَبْ َا َ ك ِّ شَيْ ٍ ح َّى إذَا فرِ ُوا ِمَا ُو ُوا أَخَذْنَا ُمْ َغْتَة فَإ َا ُمْ‬
                                           ‫م لس َ ق د ِر ْ الذ ن م و ح د ِل ِ َب ع م‬
                       ‫ُبِْ ُون فَ ُطِعَ َاب ُ الْقَومِ َّ ِي َ ظَلَ ُوا َالْ َمْ ُ لَّه ر ِّ الْ َالَ ِينَ [األنعام:72-12].‬
                                    ‫َد‬            ‫م‬
   ‫6- أخذ العباد وهم يلعبون، لقد أهلك اهلل أقوا ًا في هذا الح َث وقد اجتمعوا ابتهاجًا بأعياد رأس‬
    ‫السنة الميالدية، وعند لحظة الضحى ـ ومنهم من يلهو بالغوص وبعضهم بالسباحة ـ إذ أتاهم‬
     ‫ي تي ُم َ ب م‬                 ‫س الله ب ِم َ ْ‬                   ‫َّي‬     ‫ِر َ م َّذ م ر‬                         ‫َدر‬
   ‫ق َ ُ اهلل على غ ّة، أفَأَ ِنَ ال ِينَ َكَ ُوا السِّئَاتِ أَنْ يَخْ ِفَ َّ ُ ِه ُ األرضَ أَوْ َأْ ِ َه ُ الْعذَا ُ ِنْ‬
    ‫َ أمن‬                                    ‫ُ بم جز‬               ‫ي ُ ُ ف َلب ِ‬                 ‫ح ث ي ُر‬
    ‫َيْ ُ ال َشْع ُونَ أَوْ َأْخذَهمْ ِي تَقُّ ِهمْ فَمَا همْ ِ ُعْ ِ ِينَ [النحل:12، 62]، وقال سبحانه: أفََ ِ َ‬
 ‫ُ ي عب ن‬          ‫ي ت ي ُ س ضح‬                     ‫ُ ئم و م ل ُ‬                                  ‫ي تي ُ س ب‬                     ‫ْل ُ‬
 ‫أَه ُ الْقرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا َيَاتًا وَهمْ نَا ِ ُونَ أَ َأَ ِنَ أَهْ ُ الْقرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا ُ ًى وَهمْ َلْ َ ُو َ‬
                                                  ‫ِر‬        ‫من م ْ الل ِال ْم‬                     ‫َ من م ْ الل ِ‬
                              ‫أفَأَ ِ ُوا َكرَ َّه فَال يَأْ َ ُ َكرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ [األعراف:20-00].‬
 ‫2- إن هذا الماء الذي هو سبب في الحياة والبقاء ـ وَ َ َلْنَا ِنَ الْمَاءِ ك َّ شَيْءٍ ح ٍّ أَفَال ُؤْ ِ ُو َ‬
 ‫ي من ن‬            ‫َي‬          ‫ُل‬              ‫جع م‬
                                         ‫ب‬                              ‫به‬
   ‫[األنبياء:03] ـ قَلَ َ ُ اهلل تعالى بأمر منه فأصبح سب ًا في الهالك والدمار والضياع، فسبحان من‬
                      ‫وك ل‬          ‫الله ق ُل ء وه عل ُل‬                              ‫ي‬
          ‫يقلب األسباب ويغ ّر األحوال! َّ ُ خَالِ ُ ك ِّ شَيْ ٍ َ ُوَ ََى ك ِّ شَيْءٍ َ ِي ٌ [الزمر:76].‬
                                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                     ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على خاتم األنبياء والمرسلين.‬
                                                                                                                      ‫ومن الدروس:‬
‫2- لقد أهلك اهلل عشرات اآلالف بهذا المخلوق الضعيف والسائل الخفيف الذي يبحث الكثير عنه،‬
                                                                      ‫وتقوم الحروب من أجله، فسبحان الخالق وحده!‬
                                    ‫د‬         ‫ت ص‬       ‫ن‬                           ‫ك‬
‫0- تذ ّر ما أنعم اهلل به علينا من ِعم ال ُح َى وال تع ّ؛ صحة في األبدان، وسالمة في األنظار،‬
                                                   ‫د‬       ‫ت ّف‬
     ‫وأمن في األوطان، في وقت ُتَخَط ُ البال ُ المجاورة من حولنا، ونشاهد آثار هذه الزالزل في‬
                                                                                                            ‫عدة دول، بل قارات.‬
       ‫05- في ثوان معدودة فقد كثير من الناس أرواحهم، وذهبت أموالهم، وبارت سلعهم، وفقدوا‬
                                                                       ‫أ‬
      ‫أوالدهم وأسرهم، وُخرِجوا من بيوتهم وديارهم، فبعد القوة ضعف، وبعد الحياة أموات، وبعد‬
         ‫الغنى فقر، وبعد الضحك بكاء، وبعد اآلمال آالم، وبعد الطموحات أحزان، فقدت تلك الدول‬
       ‫وَنه ه م َ ي‬                       ‫كو‬           ‫وَنه ه‬
      ‫مكتسباتها ومنشآتها، وعادت سنوات إلى الوراء، َأ َّ ُ ُوَ أَضْحَ َ َأَبْكَى َأ َّ ُ ُوَ أَ َاتَ وأَحْ َا‬
                                                                                                     ‫[النجم:32، 22].‬
                                            ‫م ب‬
   ‫55- ضرورة الرجوع إلى اهلل، ماذا فعل ال ُرا ِي بعد سماعه ومشاهدته لقدرة اهلل وهو يحارب‬
 ‫اهلل؟! ماذا فعل شارب الخمر ومتعاطي المسكر؟! ماذا فعل المتكاسل عن صالة الفجر والعصر؟!‬
          ‫ف‬                                             ‫ماذا فعل الراشي وال ُرت ِي؟! ماذا فعل العاق‬
         ‫ُّ لوالديه بعد هذه اآلية التي يرسلها اهلل تخوي ًا‬                ‫م ش‬
    ‫ق َف فسه َت‬                      ‫سُر ِ ي ت ف‬                            ‫ِال و‬                  ‫و ُ ِل‬
   ‫لعباده؟! َمَا نرْس ُ بِاآليَاتِ إ َّ تَخْ ِيفًا [اإلسراء:01]، َن ِيهمْ آ َا ِنَا ِي اآلفَا ِ و ِي أَنْ ُ ِ ِمْ ح َّى‬
               ‫ر‬                  ‫هد‬             ‫ِ َب َنه ع ُل‬               ‫ي بي ُ َنه َق وَ ي‬
 ‫َتَ َ َّنَ لَهمْ أ َّ ُ الْح ُّ أَ َلمْ َكْفِ برِّكَ أ َّ ُ َلَى ك ِّ شَيْءٍ شَ ِي ٌ [فصلت:31]. فالحذ َ من التمادي في‬
      ‫َ ر‬            ‫َز د ُ ِال ط‬             ‫ون َوف ُ‬           ‫ب ن‬                     ‫و‬
     ‫المعاصي؛ فإن اهلل يخ ّف عباده، وما العذا ُ ع ّا ببعيد، َ ُخ ِّ ُهمْ فَمَا ي ِي ُهمْ إ َّ ُغْيَانًا كبِي ًا‬
    ‫[اإلسراء:06]، أَ َال يرَوْنَ أَّهمْ ُفْتَ ُون ِي ك ِّ عَامٍ م َّةً أَوْ م َّتَيْنِ ث َّ ال َ ُو ُو َ َال همْ ي َّك ُو َ‬
    ‫َر ُم يت ب ن و ُ َذ َّر ن‬                              ‫َر‬         ‫َن ُ ي ن َ ف ُل‬                ‫و َ‬
                                                  ‫ز‬           ‫ز‬
                          ‫[التوبة:675]. فكم نحن بحاجة مع ه ّة األرض له ّة قلوبنا وربطها بخالقها.‬
                                            ‫و ن‬                  ‫فل‬               ‫ت‬             ‫ُرن‬
                                            ‫فال تَغ َّك الدنيا وزينُها…وانظر إلى ِعِْها في األهل وال َطَ ِ‬
                                   ‫ن‬         ‫زد‬                                                ‫م‬
                                  ‫وانظر إلَى َنْ حَوَى الدنيا بأجْمعها…هل راحَ منها بغير ال ّا ِ والكَفَ ِ؟‬
                                         ‫ن‬            ‫ل‬                              ‫ع‬        ‫س كف‬
                                        ‫يا نف ُ ِّي عن ال ِصْيان واكتسبي…فعالً جميالً لع ّ اهللَ يرحم ِي‬
     ‫ض‬         ‫ت َج‬                                             ‫ّ‬
     ‫75- إن هذا الزلزال الذي خَلفَ هذا الدمار ليس كزلزال اآلخرة العظيم الذي ُر ُّ به األر ُ‬
 ‫َ ْض أ له‬          ‫م َث ِ ز ْز ت َ ْ ُ ز ْز و ْرج‬                                         ‫ل‬       ‫َج ت َف‬
‫ر ًّا، و ُنس ُ الجبا ُ نَسْفًا، فتكون هباءً ُنْب ًّا، إذَا ُل ِلَ ِ األرض ِل َالَهَا َأَخ َ َتِ األر ُ َثْقَاَ َا‬
                                                                                                   ‫إل ن م‬           ‫َ‬
                                                                             ‫وقَالَ ا ِنسَا ُ َا لَهَا [الزلزلة:5-3].‬
 ‫أيها المسلمون، في مساء يوم األربعاء الماضي حدث تفجير في مدينة الرياض حرسها اهلل تعالى؛‬
                                             ‫ب مصل‬
   ‫لتستهدف أرواحًا مسلمة، هلل ذاكرة، ولر ّها ُ َّية، وألمر دينها وبالدها حافظة، وذلك من أشد‬
  ‫أنواع الفساد في األرض واإلفساد بين الخلق، قال : ((لزوال الدنيا بأسرها عند اهلل أهون من أن‬
                                                                                                             ‫ُر َ م‬
                                                                                                     ‫ي َاق د ُ مسلم)).‬
          ‫ف‬                                                    ‫حد‬             ‫ل‬
     ‫وهكذا تتجّى في هذا ال َ َث خطوات الشيطان في الفتن، عندما ثارت بزعم إخراج الك ّار من‬
                    ‫جزيرة العرب، لتنتهي بقتل اإلخوان واألقارب من المسلمين، نعوذ باهلل من الفتن.‬

‫(5/0032)‬




                                                                                       ‫وفاة خادم الحرمين الشريفين‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                 ‫الموت والحشر, محاسن الشريعة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫عيسى بن درزي المبلع‬
                                                                                                                ‫حائل‬
                                                                                                     ‫03/6/6725‬
                                                                                     ‫جامع األمير سعود الفيصل‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- ال راد لقضاء اهلل. 7- كل نفس ذائقة الموت. 3- حقارة الدنيا. 2- وجوب االستعداد ليوم‬
  ‫الرحيل. 1- ترابط الرعية مع الراعي. 6- منهج اإلسالم في تداول الوالية العامة. 2- البيعة:‬
    ‫حكم وأحكام. 2- المملكة بين الماضي األليم والحاضر المشرق. 0- التحذير من أعداء األمن‬
                                                                                                       ‫واالستقرار.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                             ‫جب م‬
‫أما بعد: عباد اهلل، فأحسن اهلل عزاءكم، و َ َر ُصاب األمة بفقد ولي أمرها، وغفر اهلل له ولسائر‬
                                           ‫ف‬
    ‫موتى المسلمين، وأصلح اهلل خليفته من بعده، وو ّقه إلقامة شرعه ونصرة دينه وإعالء كلمته،‬
       ‫ورزقه البطانة الناصحة، وجعله رحمة على شعبه، وجمع به كلمة المسلمين، ورفع به راية‬
                                                                                     ‫الجهاد، وأغاظ به األعداء.‬
       ‫و‬                                        ‫س‬                 ‫حد‬
    ‫عباد اهلل، لنا مع هذا ال َ َث العظيم الذي تَ َامع به من في المعمورة وقفات، فالسعيد من ُعِظ‬
                                                                                                              ‫بغيره.‬
         ‫ِذ ض ْر ِن يق ل ه ك ْ يك ن‬                                ‫ل‬               ‫د‬                     ‫ال‬
         ‫أو ً: أن قضاء اهلل ال را ّ له، كما قال ج ّ وعال: إ َا قَ َى أَم ًا فَإَّمَا َ ُو ُ لَ ُ ُن فَ َ ُو ُ‬
                              ‫َ َد ه‬           ‫وِذ َر الله ْ س ء‬                    ‫ل‬
       ‫[مريم:13]، وقال ج ّ وعال: َإ َا أ َادَ َّ ُ بِقَومٍ ُو ًا فَال مر َّ لَ ُ [الرعد:55]، فها هو ملك‬
 ‫د‬         ‫ر‬     ‫ال‬                                ‫ص ف‬                         ‫ط و‬
‫الموت تخ ّى ق ّات الجيش والحرس الخا ّ لين ّذ أمرَ اهلل تعالى، فاألمر هلل أو ً وآخ ًا. وقد ق ّر‬
                                                                               ‫ل‬
      ‫اهلل ج ّ وعال مقادير الخلق قبل خلق السماوات واألرض بخمسين ألف عام. فعلى هذا ينبغي‬
                 ‫ب‬                                        ‫ل‬          ‫ل‬
        ‫للقلوب المؤمنة أن تتعّق بربها ج ّ وعال، وتعتصم بحبله، فهو مالك الملك ومد ّر األمور.‬
                   ‫ر‬          ‫ر‬          ‫غني‬                    ‫ل‬       ‫د‬
    ‫ثانيًا: أن الموت ال يدع أح ًا، ال مِكًا وال مملوكًا، وال ًّا وال فقي ًا، وال ذك ًا وال أنثى، وال‬
    ‫ت وِن ت َف أج ر ُ ي ْ قي مة‬                             ‫ة‬                ‫ُل‬         ‫ل‬             ‫ر‬          ‫ر‬
‫صغي ًا وال كبي ًا، كما قال ج ّ وعال: ك ُّ نَفْسٍ ذَائِقَ ُ الْمَوْ ِ َإَّمَا ُو َّوْنَ ُ ُو َكمْ َومَ الْ ِ َا َ ِ [آل‬
                         ‫ّ‬                          ‫ُل م ع ه‬
 ‫عمران:125]، وقال سبحانه: ك ُّ َنْ َلَيْ َا فَانٍ [الرحمن:67]. فاستعد لساعتك يا عبد اهلل، وكن‬
     ‫على حذر؛ فموت األصحاء أكثر من موت المرضى، فتهيأ لملك الموت بصالح العمل قبل أن‬
                                                                                               ‫ال‬
                                                                                 ‫يفاجئك غاف ً مع طول األمل.‬
                                              ‫خس‬                           ‫حد‬
  ‫ثالثًا: في هذا ال َ َث دليل على حقارة الدنيا و ِ ّتها، فحياة نهايتها الموت والقبر ما أحقرها من‬
       ‫م و َّد‬                            ‫ذ‬                                    ‫تو ِّ‬
  ‫حياة! فلو ُ ُعدَ اإلنسان بقطع يده بعد سنوات ما تل ّذ بمنام وال طعام، فكيف وهو ُتَ َع ٌ بقبض‬
                                       ‫ي‬                                           ‫َل‬
   ‫روحه وس ّ جسده من ملكه وداره إلى قبره وقراره؛ لذا ب ّن حقيقتها بقوله: ((إن الدنيا ال تعدل‬
   ‫عند اهلل جناح بعوضه)). فها هم الملوك كما ترون من القصور إلى القبور، ومن كرسي الحكم‬
                   ‫ل‬
      ‫إلى الكفن، ومن ظهر األرض وزخرفها إلى بطنها وديدانها؛ لذا فإن العقالء طّقوا الدنيا من‬
                      ‫م‬                                                    ‫د‬
            ‫قلوبهم ثالثًا، واستع ّوا لدار ال موت فيها وال بالء وال حزن وال فناء وال ه ّ وال عناء.‬
        ‫ق‬                                                                ‫َد‬
  ‫رابعًا: في هذا الح َث تذكير بالتهيؤ للعرض على اهلل والمحاسبة على الصغير والكبير وال ِنْطِير‬
               ‫َر َر َ‬               ‫َرة ْر َ وم ي َ م‬                        ‫م ي م م‬
‫والقِطْمِير. قال تعالى: فَ َنْ َعْ َلْ ِثْقَالَ ذ َّ ٍ خَي ًا يرَه َ َنْ َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ ش ًّا يرَه [الزلزلة:2،‬
   ‫2]، فمهما عملت ـ يا عبد اهلل ـ من خير وشر حتى وإن خفي على العباد فإنه ال يخفى على‬
                     ‫ت ْد ه ي ه الله‬               ‫ُد ر ُ‬   ‫ُ إ ت ف م ف‬                             ‫ب‬
 ‫ر ّ العباد، قال تعالى: قلْ ِنْ ُخْ ُوا َا ِي ص ُو ِكمْ أَوْ ُب ُو ُ َعْلَمْ ُ َّ ُ [آل عمران:07]، وقال‬
            ‫ي‬                                                ‫َّر ِر‬     ‫ْم ت ل‬
‫تعالى: يَو َ ُبَْى الس َائ ُ [الطارق:0]. فكن على حذر ـ يا عبد اهلل ـ من عمل ُعرَض عليك في‬
                 ‫ْم َض وج ه و َد وج ه‬
             ‫قبرك، أو عند قيامك بين يدي ربك فيسوء وجهك، يَو َ تَبْي ُّ ُ ُو ٌ َتَسْو ُّ ُ ُو ٌ [آل‬
                                   ‫ت ر‬                   ‫ر‬                  ‫د‬
                         ‫عمران:605]. فا ّخر من العمل ما يس ّك يوم تلقى ربك و ُوا َى في قبرك.‬
                                  ‫َُ‬                               ‫َد‬
 ‫خامسًا: في هذا الح َث اتضح مشهد عظيم يغبط عليه العالم أجمع، وهو ترابط هذا المجتمع فيما‬
‫بينه، وفيما بينه وبين والته، وما ذلك إال ثمرة من ثمرات اإليمان وطاعة الرحمن، قال تعالى: لَوْ‬
                              ‫َل ب َ قل به و ِن الل َّ ب ُ‬                             ‫جم‬      ‫م ف َ‬
  ‫أَنفَقْتَ َا ِي األرْضِ َ ِيعًا مَا أَّفْتَ َيْن ُُو ِ ِمْ َلَك َّ َّهَ أَلفَ َيْنَهمْ [األنفال:36]، وقال تعالى:‬
    ‫و صم بح ْ الل جم و َرق و ُر ن م الل ع ُ ِ ك ُ ْد ً َّ ب َ قل بك‬
  ‫َاعْتَ ِ ُوا ِ َبلِ َّهِ َ ِيعًا َال تَف َّ ُوا َاذْك ُوا ِعْ َةَ َّهِ َلَيْكمْ إذْ ُنْتمْ أَع َاء فَأَلفَ َيْن ُُو ِ ُمْ‬
                                                                      ‫ت بن مت و‬
    ‫فَأَصْبَحْ ُمْ ِ ِعْ َ ِهِ إِخْ َانًا [آل عمران:305]. فإذا تحقق ترابط المجتمع تحقق األمن، وإذا تحقق‬
                                     ‫األمن تحقق رغد العيش، وال جامع لألمة اجتماعًا حقيقي‬
  ‫ًّا غير اإليمان، فإذا ضاع اإليمان ضاع‬
                                         ‫ل و ه َ ر حك‬                  ‫زع‬          ‫و‬
 ‫األمان، قال تعالى: َال تَنَا َ ُوا فَتَفْشَُوا َتَذْ َب ِي ُ ُمْ [األنفال:62]. فليحرص العقالء على بقاء‬
   ‫هذا الترابط، بل العمل على تقويته والوقوف أمام كل من يسعى لتفتيت هذه الروابط وتمزيقها.‬
            ‫بب‬                                                       ‫ل‬    ‫َد‬
         ‫سادسًا: في هذا الح َث تجّى أثر اإلسالم في ضبط أمور الوالية وحسن انتقالها دون َلْ َلَة‬
                                             ‫ج‬                               ‫ز‬
                ‫واضطراب وتم ّق واختالف، فقد شرع اإلسالم منه ًا لكيفية تولية الوالة ونصبهم:‬
  ‫فالطريقة األولى: هي اختيار أهل الحل والعقد من العلماء والوجهاء لمن يرونه أهالً للوالية بعد‬
                                                         ‫ول‬
 ‫التشاور واتفاق الكلمة عليه، كما ِّيَ أبو بكر حينما اجتمع أكابر المهاجرين واألنصار في سقيفة‬
          ‫ال‬
   ‫بني ساعدة وبايعوه، ثم بايعه الناس بعد ذلك تبعًا لهم، وقد قال عمر : (من بايع رج ً من غير‬
                                  ‫ي‬      ‫ِر‬                        ‫ي ي‬
‫مشورة من المسلمين فال ُبا َع هو وال الذي بايعه تَغ َّةً أن ُقتال) رواه البخاري ومسلم، وقد أجمع‬
                                                                                                    ‫العلماء على ذلك.‬
                                  ‫س‬
‫أما الطريقة الثانية: فهي العهد واالستخالف، وذلك إذا أح ّ الخليفة بقرب أجله وأراد أن يستخلف‬
 ‫على القوم أحدهم ألنه يقوم بمشاورة أهل الحل والعقد، فإنه يعهد إليه من بعده، كما استخلف أبو‬
            ‫ف‬                           ‫ر‬                                       ‫ر‬
 ‫بكر عم َ بن الخطاب رضي اهلل عنهما، وكما عهد عم ُ باألمر إلى الستة الذين تو ّي رسول اهلل‬
                                                               ‫وهو راض عنهم، وقد أجمع العلماء على ذلك.‬
  ‫سابعًا: في هذا الحدث يلزم كل مسلم معرفة معنى البيعة وصفتها، يقول : ((من مات وليس في‬
          ‫كفائي‬
 ‫عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) رواه مسلم. والبيعة عند جمهور العلماء واجبة وجوبًا ًّا إذا قام‬
                                              ‫ل‬
   ‫به البعض سقط عن الباقين، ويعقدها أهل الح ّ والعقد من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر،‬
                ‫م‬                                                          ‫بع‬
      ‫وبقية الناس تَ َ ٌ لهم، تعقد مع الوالي مباشرة ومع نوابه عنه في كل بلد، وتتض ّن السمع له‬
                                  ‫ب‬
  ‫والطاعة وعدم منازعته ما أقام كتاب اهلل وسنة نبيه وطّق شرعه، فعن عبادة بن الصامت قال:‬
              ‫َ‬           ‫مْ‬          ‫م‬       ‫ي‬
‫بايعنا رسول اهلل على السمع والطاعة في العسر وال ُسر وال َنْشَط وال َكرَه وعلى أَثرَة علينا وعلى‬
                                              ‫ر وح‬                                      ‫ن‬
‫أن ال ُنازع األمر أهله، إال أن تروا كف ًا بَ َا ًا عندكم من اهلل فيه برهان. رواه البخاري ومسلم.‬
            ‫ُ ِر‬
     ‫وقد كتب عبد اهلل بن عمر لعبد الملك بن مروان بعد أن اجتمع الناس عليه: (إنما أق ّ بالسمع‬
   ‫والطاعة لعبد اهلل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين على سنة اهلل وسنة رسوله ما استطعت،‬
                                                                                      ‫ب ّ‬
                                                     ‫وإن َني قد أقروا بمثل ذلك) رواه البخاري.‬
‫ِن َّذ ُب يع نك‬
‫وللبيعة عدة صور منها: المصافحة والكالم كما في بيعة الرضوان، قال تعالى: إ َّ ال ِينَ ي َا ِ ُو َ َ‬
                                                               ‫ْد ِ‬           ‫ِنم ي يع الل َد الل ِ‬
                                                 ‫إ َّ َا ُبَا ِ ُونَ َّهَ ي ُ َّه فَوْقَ أَي ِيهمْ [الفتح:05].‬
     ‫أم م‬
‫ومنها الكالم فقط، وهذه تكون مع من ال يستطيع الحضور أو مع النساء، فقد روي أن ُ َيْ َة بنت‬
    ‫رفيعة دخلت في نسوة تبايع، فقلن: يا رسول اهلل، ابسط يدك نصافحك، فقال: ((إني ال أصافح‬
  ‫النساء، ولكن سآخذ عليكن))، فأخذ علينا. رواه مالك وابن ماجه. وقالت عائشة رضي اهلل عنها‬
                                     ‫ط‬         ‫َ‬            ‫س ُ‬
         ‫كما في البخاري: واهلل، ما م ّت يد رسول اهلل يد امرأة ق ّ، غير أنه يبايعهن في الكالم.‬
                                 ‫د‬                ‫ُّ النبي‬
‫َّ ، وكما بايع عب ُ اهلل بن عمر عبدَ الملك بن مروان.‬    ‫ومن صفاتها الكتابة، كما بايع النجاشي‬
                 ‫ر و‬
‫وال يحل نَكْث البيعة ونقضها إال إذا كفر الحاكم؛ لقوله : ((إال أن تروا كف ًا بَ َاحًا فيه عندكم من‬
                                                ‫ص‬
 ‫اهلل برهان))، وقال : ((من بايع إمامًا فأعطاه َفْقَةَ يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء‬
        ‫آخر ينازعه فاضربوا عنق اآلخر)) رواه مسلم، وقال : ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه‬
                                          ‫ر‬
‫فليصبر؛ فإنه ليس ينازعه أحد يفارق الجماعة شب ًا فيموت إال مات ميتة جاهلية)) رواه البخاري‬
                                                                                                    ‫ومسلم.‬
      ‫ومن حق الوالي إعانته ومناصحته، قال : ((الدين النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((هلل ولكتابه‬
                     ‫ي ِل‬
     ‫ولرسوله وألئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم، وقال : ((ثالث ال ُغ ُّ عليهن قلب مؤمن:‬
‫إخالص العمل هلل، والنصيحة لوالة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)).‬
            ‫ب‬                   ‫ح‬            ‫ر‬                               ‫ول‬
   ‫اللهم ِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم ش ّ شرارهم، وو ّد كلمتهم على ما تح ّ وترضى يا‬
                                                                                            ‫رب العالمين.‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، وأستغفر‬
                   ‫اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
     ‫أما بعد: عباد اهلل، فاعلموا أنكم في هذه البالد في نعمة ال يعرف فضلها وال يلمس أثرها إال‬
                                                        ‫ي‬
  ‫العقالء من كبار السن الذين عايشوا تغ ّر األحوال في هذه البالد من الناحية الدينية واالجتماعية‬
                            ‫ي‬                                                      ‫ي‬
  ‫والمعيش ّة. بالد غلب عليها الجهل والفقر، وانتشرت فيها البدع، فقّض اهلل لها من أحياها. فقبل‬
                                ‫ي ج‬
   ‫عشرات السنين ما كانت تلك البالد تحكم بشريعة، وإنما ُر َع في ذلك إلى العادات واألعراف‬
                                                                                     ‫ه‬
                                      ‫والكَ َنة والطواغيت، مع انتشار الشرك والبدع والخرافات.‬
   ‫ومن الناحية العلمية قد غلب عليها الجهل، فال يكاد يوجد في المدينة أو القرية إال قارئ واحد،‬
                                                                           ‫والكتب أندر من ذلك.‬
                                                               ‫َب‬
   ‫ومن الناحية االجتماعية قد د َّت الفوضى والخالف والقتال والتناحر بين القبائل العربية، القوي‬
                                                           ‫مم‬
  ‫يأخذ الضعيف، فال يجد اإلنسان َأ َنًا لنفسه وأهله، فضالً عن ماله، بل كانت القبائل تتفاخر في‬
  ‫تلك الجريمة من إراقة دماء المسلمين، في الوقت الذي قامت فيه الحرب العالمية األولى والثانية‬
                                                 ‫ج‬
         ‫بالطائرات والدبابات والصواريخ والرا ِمات، وهنا يتقاتلون بالسيوف في صحاري نجد.‬
    ‫ومن ناحية عمارة األرض والتطور واالزدهار ما كانت الجزيرة إال صحاري يجول فيه أهل‬
                          ‫ت‬
  ‫البوادي، أو قرى من بيوت الطين، وحالة زهيدة، في الوقت الذي ُقام فيه ناطحات السحاب في‬
     ‫حض‬                                                                       ‫ي‬
   ‫أوروبا. فقّض اهلل لهذه البالد من جمع كلمتها، وأقام شرع اهلل فيها، ونهض بها من ال َ ِيض‬
‫إلى العلياء، وذلك بفضل صدق واليتها وتكاتف أفراد المجتمع على ذلك، حتى بلغ بنا الحال خالل‬
    ‫سنوات إلى هذا الخير واالزدهار والتطور واألمن ورغد العيش، وما زلنا في مسيرة التطوير‬
   ‫واالرتقاء والقوة، ومع هذا نجد من أبناء هذه البالد من ال يعرف قدر هذه النعمة، ويريدون أن‬
                                                                                     ‫ر‬
   ‫يخ ّبوا بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم. نعم، نحن ال ندعي الكمال في كل شيء، ال من الجوانب‬
‫الدينية وال الدنيوية، فالتقصير واقع في كثير من المجاالت، لكن هذا ال يستغرب في مجتمع ناشئ،‬
 ‫فدورنا في ذلك هو إكمال النقص والتعاون والتعاضد على إتمام مسيرة البناء والتطوير في جميع‬
                                                               ‫ق‬      ‫بن‬
                                                      ‫المجاالت، ال هدم ما ُ ِي وتن ّص ما كمل.‬
                                       ‫ف‬          ‫ج‬        ‫ق‬                            ‫ر‬
 ‫فال نغت ّ ـ عباد اهلل ـ بكثرة الناعِ ِين وإرْ َاف المرجِ ِين وازدراء الحاقدين والشانئين، فلننطلق‬
                                                                       ‫ب‬
               ‫في تفكيرنا من كتاب ر ّنا وسنة نبينا ومعرفة حالنا وواقعنا وما يضرنا وما ينفعنا.‬
 ‫ولنعلم ـ عباد اهلل ـ أننا في هذه البالد محاطون ومهددون بأعداء كثيرين، كل يتربص بنا، وكل‬
     ‫د‬                                                                ‫ض‬
    ‫ينتظر متى ينق ّ علينا، فالكفار من جميع أجناسهم من يهود ونصارى وغيرهم يفورون حق ًا‬
                                          ‫ب‬                                           ‫د‬
‫وحس ًا وغيظًا على هذه البالد وأهلها ودينها، ويد ّرون التدابير، ويديرون المؤتمرات والمؤامرات‬
  ‫والمخططات لمحاولة إثارة الفتنة بين أهل هذه البالد واالستيالء عليها وإضعافها. والمبتدعة من‬
                                                         ‫ُر في‬         ‫ي قب‬              ‫و‬
  ‫رَ َافِض وصوف ّة و ُ ُورية وخ َا ِ ّة وغيرهم من المبتدعة أشد كرهًا للتوحيد ولما نحن عليه من‬
‫كراهية اليهود والنصارى لنا ولديننا. وأهل األفكار المنحرفة أذناب الشرق والغرب صناعة اليهود‬
     ‫ر‬           ‫ر‬                                  ‫َد‬
   ‫والنصارى من علمانيين وليبراليين وح َاثيين ممن يعيش بيننا أشد علينا خط ًا وأعظم ضر ًا،‬
   ‫وها هي رائحتهم المنتنة انبثقت عبر الصحف ووسائل اإلعالم، وبدأت بعض مخططاتهم تظهر‬
                     ‫عب‬                               ‫د‬
     ‫على الساحة، أحرق اهلل أوراقهم، ور ّ كيدهم في نحورهم. والشهوانيون ُ ّاد المادة والجنس‬
    ‫واللهو كذلك سوسة بدأت تنخر في مجتمعنا؛ لتهدم أخالقه، وتنشر الرذيلة والفساد الخلقي عبر‬
                   ‫سل‬                                              ‫غ‬
 ‫طرقهم المختلفة. وكذلك ال ُالة وحملة فكر التكفير والتفجير والتدمير الذين َّوا سيوفهم وألسنتهم‬
   ‫مف‬
‫على إخوانهم المسلمين، وأراقوا دماءهم، وأشاعوا الخوف والرعب بين أهليهم ومجتمعهم، ُن ّذين‬
                                                          ‫ن‬
       ‫لمخططات أعداء المسلمين، ظاّين أنهم بفعلهم مجاهدون وناصرون للحق، وهم في الحقيقة‬
                                                                                  ‫د‬
                                                                  ‫مفسدون وهادمون للحق وصا ّون عن سبيل اهلل.‬
 ‫فعلينا ـ عباد اهلل ـ أن ندرك مسؤوليتنا في الحياة وواجبنا نحو ديننا وأمتنا ومجتمعنا، فنحن أمة‬
       ‫قيادة وسيادة، وال يتحقق ذلك إال بالتفكير الصحيح وإحياء الهمة في القلوب واجتماع الكلمة‬
‫وتوحيد الصف وبذل الجهد لتحقيق مرضاة اهلل وإقامة شرعه ودينه وعدله على أرجاء المعمورة،‬
    ‫َف‬               ‫َنه ف َ ْض‬              ‫و َ الله َّذ ن من م ُ وعمل الص ت ي‬
    ‫قال تعالى: َعدَ َّ ُ ال ِي َ آ َ ُوا ِنْكمْ َ َ ُِوا َّالِحَا ِ لَ َسْتَخْلِفَّ ُم ِي األر ِ كَمَا اسْتَخْل َ‬
        ‫ي بد ن‬                 ‫فه‬           ‫ض ُ و ي َدَن ُ م ب‬                       ‫َّذ م ْ ل ِ و ي َك َن ُ د ُم َّ‬
    ‫ال ِينَ ِن قَبِْهمْ َلَ ُم ِّن َّ لَهمْ ِينَه ُ الذِي ارْتَ َى لَهمْ َلَ ُب ِّل َّهمْ ِنْ َعْدِ خَوْ ِ ِمْ أَمْنًا َعْ ُ ُونَ ِي ال‬
                                                 ‫سق ن‬            ‫َ أ ئ ُ‬               ‫وم َر ب ْ‬               ‫ي ْرك ن ب‬
                                     ‫ُش ِ ُو َ ِي شَيْئًا َ َنْ كَف َ َعدَ ذَلِك فَُوْلَ ِكَ همْ الْفَا ِ ُو َ [النور:11].‬

‫(5/0022)‬




                                                                                                                ‫استقبال رمضان‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                     ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                        ‫خالد بن محمد الشارخ‬
                                                                                                                           ‫الرياض‬
                                                                                                                            ‫اللحيدان‬
                                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- فضائل شهر رمضان. 7- شهر رمضان فرصة إلزالة العداوة والبغضاء والشحناء. 3-‬
   ‫محاذير ومخالفات يقع فيها كثير من الناس في رمضان. 2- اإلعالم وسعيه في تضليل الناس.‬
                                                                         ‫1- رسالة إلى تائب. 6- رسالة إلى مذنب.‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                            ‫أما بعد:‬
          ‫َّ أ ِ َ ف ُ ن ُد ِلن و َي ت م ُد و ُ ْ‬                                  ‫ُ رم‬
     ‫قال اهلل تعالى: شَهْر َ َضَانَ الذِي ُنزل ِيهِ الْقرْآ ُ ه ًى ل َّاسِ َبِّنَا ٍ ِنْ الْه َى َالْفرقَانِ‬
                                                                                            ‫[البقرة:125].‬
‫أيها المسلمون، ما أسرع تصرم األيام وتعاقب األزمان، فباألمس ودعنا رمضان، وها نحن اليوم‬
     ‫نستقبله، وهكذا أصبحت عملية الدنيا تدور بسرعة مذهلة، فأصبحت السنة كالشهر، والشهر‬
     ‫كاألسبوع، واألسبوع كاليوم، فأين المشمرون المسابقون؟! أين الصالحون المتقون؟! بل أين‬
‫المذنبون والعاصون؟! وأين المقصرون المفرطون؟! هذا زمان التوبة واالستغفار وأوان الرجوع‬
                                                                                               ‫واالنكسار.‬
          ‫ة‬
  ‫عباد اهلل، لقد أظلكم موسم هذا الشهر العظيم، وحل بساحتكم هذا الضيف الكريم، رحم ً من اهلل‬
‫بكم، ليقربكم سبحانه إليه بطاعته، فتنالوا عنده المنازل العالية، في الصحيحين عن أبي هريرة أن‬
‫رسول اهلل قال: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين))،‬
‫وفي رواية للترمذي وابن ماجه وغيرهما: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين‬
   ‫ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب،‬
  ‫وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وهلل عتقاء من النار وذلك كل ليلة))،‬
 ‫وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((كل عمل ابن آدم يضاعف‬
 ‫الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال اهلل عز وجل: إال الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به،‬
‫يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف‬
                                                                  ‫فيه أطيب عند اهلل من ريح المسك)).‬
  ‫كان سلفنا الصالح يدعون اهلل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وإذا بلغهم دعوا اهلل ستة أشهر أن‬
    ‫يتقبله منهم، وكانوا يقولون في دعائهم: "اللهم سلمنا لرمضان، وسلم رمضان لنا، وتسلمه منا‬
                                                                                                     ‫ال‬
                                                                                                   ‫متقب ً".‬
    ‫أيها اإلخوة، إن رمضان مزرعة اآلخرة فهل من زارع؟! ورمضان فرصة للتائبين فهل من‬
                                                                                                    ‫تائب؟!‬
‫أيها المسلمون، هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب، ووصلت البشارة للمنقطعين‬
                                       ‫عن اهلل بالوصل وللمذنبين بالعفو وللمستوجبين النار بالعتق.‬
   ‫لما سلسلت الشياطين في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى‬
                             ‫والشهوة، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فلم يبق للعاصي عذر.‬
       ‫يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى واإليمان اطلعي، يا صحائف أعمال‬
  ‫الصالحين ارتفعي، يا قلوب الصائمين ال تهجعي، يا ذنوب التائبين ال ترجعي، يا أرض الهوى‬
‫ابلعي ماءك، ويا سماء النفوس أقلعي، وغيض نار الشهوة، واستوت النفوس إلى باريها وخالقها،‬
                                                                                            ‫د‬
                                                                  ‫وقيل: بع ًا للقوم الظالمين المسرفين.‬
   ‫عباد اهلل، إن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح، فاغتنموه بالعبادة وكثرة الصالة وقراءة القرآن‬
    ‫ن‬
   ‫والذكر، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((من قام رمضان إيما ًا‬
   ‫واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)). وقيام رمضان يكون بأن تصلي مع اإلمام صالة التراويح‬
‫حتى يقضي صالته، روى أهل السنن من حديث أبي ذر أن رسول اهلل قال: ((إن الرجل إذا صلى‬
                                                ‫مع اإلمام حتى ينصرف حسبت له قيام ليلة)).‬
 ‫أيها اإلخوة، إن شهر رمضان فرصة إلزالة العداوة والبغضاء والشحناء، سواء كانت بينك وبين‬
 ‫أقاربك أو بينك وبين الناس، واستكثروا في شهر رمضان من أربع خصال، اثنتان ترضون بهما‬
         ‫ربكم، واثنتان ال غنى لكم عنها، فأما اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن ال إله إال اهلل‬
            ‫واالستغفار، وأما اللتان ال غنى لكم عنها فتسألون اهلل الجنة وتستعيذون به من النار.‬
                                                              ‫ر‬
   ‫أيها المسلمون، إن كثي ًا من الناس يتجهزون لرمضان، لكن مع األسف ال يتجهزون بالتقوى،‬
  ‫يتجهزون بالمطاعم والمشارب، ويتجهزون باألفالم والمسلسالت أو قل: بالقنوات الفضائية، فها‬
   ‫هي القنوات العربية والغربية تعلن دعاياتها باستقبال رمضان؛ فسهرة ليلة الخميس وسهرة ليلة‬
 ‫الجمعة وسهرة ليلة كذا وكذا، وأغان ومسلسالت وأفالم هابطة، بهذا يستقبل رمضان عند بعض‬
  ‫المسلمين، وينتهي رمضان وهم على هذه الحالة، فسهر بالليل إلى قرب الفجر، ثم النوم العميق‬
              ‫إلى قرب المغرب، فإذا قام قضى ما فاته من الصالة وكأنه يمن على اهلل بصيامه.‬
  ‫وهكذا أصبحنا رهينة ألعداء اهلل ولقمة سائغة لهم، فهم حينما علموا عن شهر رمضان ومكانته‬
‫عند المسلمين وأنه موسم للقربة ولرجوع الناس أجلبوا بخيلهم ورجلهم، وسلطوا سهامهم في شهر‬
‫رمضان، وأعدوا العدة لالنقضاض على روح العبادة في هذا الشهر بأنواع المعاصي التي يجرون‬
                                                                                 ‫إليها الناس.‬
 ‫فأنت ترى في اإلعالنات والدعايات: بمناسبة حلول شهر رمضان سيعرض الفلم الفالني، وهكذا‬
                                             ‫أصبح رمضان موسم للمحرمات وعرض األفالم.‬
      ‫وبمناسبة شهر رمضان خصومات على االشتراك في القنوات الفضائية، األوائل في الفسق‬
                                 ‫ن‬
‫والمجون ومبارزة اهلل بالمعاصي، التقسيط ثالثة شهور مجا ًا، تسهيالت في قيمة جهاز فك الشفرة‬
  ‫خمس قنوات بكذا وثالث قنوات بكذا، كل هذا بمناسبة حلول شهر رمضان، فإلى اهلل المشتكى.‬
                      ‫نعم، بهذا أشغل شهر الصيام في أيامنا، وال حول وال قوة إال باهلل العظيم.‬
                                                                             ‫غ‬
 ‫أش ِل الناس في شهر رمضان بفوازير رمضانية وليس لها شأن برمضان، حتى المرأة ما سلمت‬
  ‫من شر هذه القنوات؛ فهم يعرضون لها طبق اليوم وسفرة رمضانية، وليس هذا فحسب، بل بعد‬
         ‫أن يذوق الناس طعم الفرحة عند فطرهم فإذا بها تشاركهم الفرحة فتعرض لهم سخافات‬
                                                 ‫ي‬        ‫ك م ي م‬
      ‫وجهاالت، مواقف ُو ِيد ّة الكَ ِرا الخف ّة ونجوم الفكاهة، لكنهم يعرضون بمناسبة رمضان‬
     ‫ط‬                         ‫و‬
  ‫مسلسالت إسالمية ويعرضون التاريخ اإلسالمي، وإذا هم يش ّهون التاريخ اإلسالمي ويل ّخون‬
                              ‫ث د‬
      ‫تاريخ األبطال واألماجد بحجة أنها تاريخ اإلسالم، فهم يم ّلون َورَ عمر بن عبد العزيز أو‬
   ‫صالح الدين أو خالد بن الوليد، أو دور الخنساء أو صفية أو عائشة رضي اهلل عنهم أجمعين.‬
                                                                      ‫م‬       ‫س‬
 ‫وإذا هم يد ّون الس ّ في العسل، فتأتي امرأة ماجنة فاجرة بدأت شهرتها بفلم ماجن مليء بالغرام‬
                                                    ‫ث‬              ‫ذ‬        ‫س‬
 ‫والهيام والتف ّخ والتب ّل، فإذا هي تم ّل دور عائشة رضي اهلل عنها زوج النبي ، والتي نزلت في‬
                                             ‫سببها 35 آية من كتاب اهلل تتلى إلى أن يشاء اهلل.‬
                                ‫ق‬
‫وقل مثل ذلك في الرجال، فمتى كان سعد بن أبي وقاص يتو ّف عن القتال أثناء المعركة من أجل‬
                                                                     ‫ي‬
   ‫أنه رأى امرأة أعجم ّة، فجعل ينظر إليها ونسي المعركة والجهاد في سبيل اهلل، وأخذ يفكر في‬
                                                             ‫و‬                      ‫ب‬
                                   ‫الح ّ والغرام. نعم، هكذا ش ّهوا صورة التاريخ اإلسالمي.‬
                          ‫م‬
 ‫فيا أيها المسلمون، اغتنموا شهر رمضان بالتوبة النصوح واإلقالع ع ّا حرم اهلل، وعليكم بقراءة‬
                                                         ‫م‬              ‫ه‬       ‫ب‬
                                       ‫القرآن وتد ّره وتف ّمه، وال يكن ه ّ أحدكم آخر السورة.‬
                                        ‫ف‬       ‫ن‬                                  ‫م ن‬
                        ‫الله ّ أع ّا على استغالل أوقاتنا فيما يرضيك عّا، واغ ِر لنا وتب علينا.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: رسالة أهديها إلى تائب، أهديها إلى رجل جاء إلى المسجد وصلى الفروض مع المسلمين‬
   ‫بعد أن كان يصليها في بيته، رسالة إلى كل شاب كان مسرفًا على نفسه ثم أقبل في هذا الشهر‬
                              ‫ذ‬
   ‫الكريم على ربه ومواله: أرأيت ـ يا أخي ـ كيف أن للصالة ل ّة وأنسًا في المساجد؟! أرأيت‬
    ‫كيف أن دين اهلل يسر وال شدة فيه؟! إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين رجل إال غلبه. فنقول:‬
                                                        ‫ب‬                              ‫ي‬
                                 ‫فح ّهال بك في قطار التائبين، ومرح ًا بك في قوافل السائرين.‬
 ‫وأبشر ـ يا أخي، يا من تركت الحرام وابتعدت عن رفقاء السوء، ويا من استبدل غناء الشيطان‬
    ‫بكالم الرحمن، ويا من استبدل نظر المسلسالت واألفالم بالنظر في كالم الديان ـ أبشر بجنة‬
 ‫عرضها السموات واألرض، أبشر بجنة فيها ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب‬
                                                                                         ‫بشر.‬
    ‫اصبر ـ يا موفق ـ على طاعة ربك موالك، فإنما الدنيا يوم دون يوم، كان لإلمام أحمد نعل‬
                                                                                   ‫ط‬
   ‫مق ّع، وكان كلما انقطع أصلحه حتى مضت عليه اثنتا عشرة سنة، فقيل لإلمام أحمد: أال تغير‬
           ‫نعلك؟! فقال رحمه اهلل: نعل دون نعل وثوب دون ثوب ويوم دون يوم حتى نلقى اهلل.‬
   ‫د‬
  ‫وأقول لمن فرط في طاعة مواله وأضاع نفسه واتبع هواه ولم يزدد في رمضان من اهلل إال بع ًا‬
                                                           ‫د‬
‫وال من الرحمن إال مقتًا ور ًا، أقول له: يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره‬
  ‫بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه‬
                             ‫القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟!‬
                                     ‫ويل لمن شفعاؤه خصماؤه…والصور في يوم القيامة ينفخ‬
     ‫يا من أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، هذا أوان التوبة والرجوع، فتب إلى موالك. يا‬
        ‫أضاع نفسه وانهمك في المحرمات، هذا موسم تفتح فيه الجنان وتغلق فيه أبواب النيران.‬
  ‫عباد اهلل، هذا شهر رمضان الذين أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب اهلل‬
  ‫يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع‬
‫هذا فال قلب يخشع، وال عين تدمع، وال صيام يصان عن الحرام فينقطع، وال قيام استقام فيرضى‬
                                                                         ‫فيه صاحبه أن يشفع.‬
 ‫قلوب خلت عن التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي ال تبصر وال تسمع،‬
‫كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا‬
    ‫فيه كحال أهل الشقوة، ال الشاب هنا ينتهي عن الصبوة، وال الشيخ ينزجر عن القبيح فليتحق‬
                                                                                     ‫بالصفوة.‬
    ‫أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي اهلل أجابوا الدعوى، وإذا تليت عليهم آيات اهلل جلت قلوبهم‬
              ‫جلوة، وإذا صاموا صامت منهم األلسنة واألسماع والبصائر؟! أما لنا فيهم أسوة؟!‬
     ‫اللهم أيقظنا جميعًا من سبات الغفالت قبل الممات، اللهم لك الحمد كما هديتنا لإلسالم وبلغتنا‬
                                                                                     ‫رمضان.‬
     ‫اللهم كما هديتنا لإلسالم فثبتنا عليه إلى أن نلقاك وأنت راض عنا غير غضبان، وكما بلغتنا‬
   ‫رمضان فأعنا على صيامه وقيامه وإتمامه، ووفقنا للقيام بحقك فيه وفي غيره، واجعل أعمالنا‬
 ‫خالصة لوجهك صوابًا على سنة نبيك ، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجالل واإلكرام، أصلح أحوال‬
                                                        ‫المسلمين وانصرهم على من عاداهم...‬

‫(5/5022)‬




                                                                            ‫اإلسراء والمعراج‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                             ‫سيرة وتاريخ, فقه‬
                                                                        ‫السيرة النبوية, الصالة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫خالد بن محمد الشارخ‬
                                                                                      ‫الرياض‬
                                                                                      ‫اللحيدان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فضل أمة محمد على غيرها من األمم. 7- تعريف اإلسراء والمعراج. 3- خبر اإلسراء‬
 ‫والمعراج ملخصًا من الروايات الصحيحة. 2- عظم الصالة في اإلسالم. 1- بدع ومخالفات تقع‬
                                                                    ‫في ليلة اإلسراء والمعراج.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل ربكم واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم الكبرى واآلالء‬
     ‫الجسيمة العظمى، وأن جعلنا من أمة خير األنام محمد ، وجعلنا اآلخرين زمنًا األولين منزلة‬
                              ‫ل‬            ‫ل‬              ‫ة‬                     ‫م‬        ‫ف‬
   ‫وشر ًا، فأكر ُ األممِ على اهللِ أم ُ محمدٍ ، وأفض ُ نبي بل أفض ُ مخلوق على اإلطالق هو نبينا‬
                                                                                       ‫محمد .‬
  ‫ومن نعم اهلل علينا أن فضل نبينا على سائر األنبياء والمرسلين، وخصه بخصائص لم ينلها أحد‬
        ‫من البشر، ولن يصل إليها أحد ممن تقدم أو تأخر، فمن خصائصه العظيمة ذلكم اإلسراء‬
                                                                                     ‫والمعراج.‬
   ‫اإلسراء حيث أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى، المسجد األقصى الذي تدنسه‬
  ‫صهيون وتبني فيه معابدها وتمارس فيه طقوسها، نعم هو مسرى نبيكم محمد وثالث المسجدين،‬
    ‫ولكن إلى اهلل المشتكى من ضعف المسلمين وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس، فنحن في زمان‬
                                                                       ‫استأسدت فيه الخفافيش.‬
      ‫والمعراج حيث عرج به إلى السماء، فدخل سماء تلو سماء، حتى وصل إلى مكان سمع فيه‬
                                                                               ‫صريف األقالم.‬
 ‫فهاكم خبر اإلسراء والمعراج ملخصًا من الروايات الصحيحة المسندة، وهذه الروايات أغلبها في‬
                                           ‫الصحيحين وما أذكر من غيرها فهو صحيح اإلسناد.‬
       ‫فبينما النبي نائم في الحجر في الكعبة أتاه آت، فشق ما بين ثغرة نحره إلى أسفل بطنه، ثم‬
      ‫استخرج قلبه فمأله حكمة وإيمانًا؛ تهيئة لما سيقوم به، ثم أتي بدابة بيضاء دون البغل وفوق‬
  ‫الحمار، يقال لها: البراق، يضع خطوه عند منتهى طرفه، فركبه النبي وبصحبته جبريل األمين،‬
     ‫حتى وصل بيت المقدس، فنزل هناك وصلى باألنبياء إمامًا يصلون خلفه؛ ليتبين بذلك فضله‬
                                                                    ‫وشرفه وأنه اإلمام المتبوع.‬
 ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال:‬
‫محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح له، فوجد فيها آدم‬
     ‫ب‬                                             ‫فسل‬
    ‫عليه السالم، فقال جبريل: هذا أبوك آدم ِّم عليه، فسلم عليه، فرد عليه السالم وقال: مرح ًا‬
‫باالبن الصالح والنبي الصالح، وإذا على يمين آدم أرواح السعداء وعلى يساره أرواح األشقياء من‬
                             ‫ذريته، فإذا نظر إلى اليمن سر وضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.‬
 ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال:‬
     ‫محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح له فوجد فيها‬
    ‫يحيى وعيسى عليهما الصالة والسالم وهما ابنا الخالة، كل واحد منهما ابن خالة اآلخر، فقال‬
 ‫جبريل: هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلم عليهما، فردا السالم، وقاال: مرحبًا باألخ الصالح‬
                                                                                ‫والنبي الصالح.‬
 ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الثالثة، فاستفتح فقال له أهل السماء الثالثة مثل ما قالوا، فوجد فيها‬
 ‫يوسف عليه الصالة والسالم، فقال جبريل: هذا يوسف فسلم عليه، فسلم عليه، فرد السالم، وقال:‬
                                                           ‫مرحبًا باألخ الصالح والنبي الصالح.‬
 ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الرابعة فاستفتح، فقالوا مثل ما قال أولئك، فوجد فيها إدريس، فقال‬
                            ‫ب‬
       ‫جبريل: هذا إدريس فسلم عليه، فسلم عليه، فرد السالم، وقال: مرح ًا باألخ الصالح والنبي‬
                                                                                      ‫الصالح،.‬
  ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقالوا مثل ما قال أولئك، فوجد فيها هارون بن‬
     ‫عمران أخا موسى ، فقال جبريل: هذا هارون فسلم عليه، فسلم عليه، فرد عليه السالم وقال:‬
                                                          ‫مرحبًا باألخ الصالح والنبي الصالح،.‬
     ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا مثل ما قال أولئك، ففتح له فوجد فيها‬
    ‫موسى ، فقال جبريل: هذا موسى فسلم عليه، فسلم عليه، فرد عليه السالم وقال: مرحبًا باألخ‬
      ‫م‬
   ‫الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: أبكي ألن غال ًا ـ‬
 ‫ن‬                                                                           ‫د‬
‫يعني محم ًا ـ بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، فكان بكاء موسى حز ًا‬
                                                        ‫د‬
                                           ‫على ما فات أمته من الفضائل، ال حس ًا ألمة محمد .‬
      ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء السابعة فاستفتح، فقالوا مثل ما قال أولئك، ففتح له فوجد فيها‬
   ‫إبراهيم خليل الرحمن ، فقال جبريل: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلم عليه، فرد عليه السالم‬
                              ‫د‬
   ‫وقال: مرحبًا باالبن الصالح والنبي الصالح، وكان إبراهيم مسن ًا ظهره إلى البيت المعمور في‬
   ‫السماء السابعة الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من المالئكة يتعبدون ويصلون ثم يخرجون وال‬
    ‫يعودون، وفي اليوم التالي يأتي مثلهم فيخرجون منه فال يرجعون إليه وهكذا. قال الحافظ ابن‬
                               ‫د‬
        ‫كثير رحمه اهلل: "ورأى إبراهيم الخليل باني الكعبة األرضية مسن ًا ظهره إليه ألنه الكعبة‬
                                                                                     ‫السماوية".‬
   ‫ثم رفع النبي فجاوز منزلة إبراهيم الخليل وغيره من األنبياء، فسمع صريف األقالم أقالم القدر‬
    ‫بما هو كائن إلى قيام الساعة، ورأى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر اهلل من البهاء والحسن ما‬
  ‫غشيها حتى ال يستطيع أحد أن يصفها من حسنها، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة‬
  ‫جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد األفق، ورأى الجنة والنار، فأدخل الجنة فإذا فيها قباب اللؤلؤ‬
                                                                            ‫وإذا ترابها المسك.‬
 ‫ثم فرض اهلل عليه الصالة خمسين صالة كل يوم وليلة، فرضي بذلك وسلم، ثم نزل فلما مر على‬
    ‫موسى قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: ((خمسين صالة في كل يوم))، فقال: إن أمتك ال‬
  ‫تطيق ذلك وقد جربت الناس بتلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله‬
                                  ‫ر‬
 ‫التخفيف ألمتك، قال النبي : ((فرجعت فوضع عني عش ًا))، وما يزال يراجع ربه بطلب موسى‬
     ‫حتى استقرت الفريضة على خمس، فنادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت على عبادي، هي‬
                                                                                           ‫خمس ولهم أجر خمسين.‬
    ‫ثم نزل رسول اهلل حتى أتى مكة بغلس، وصلى بها الصبح، فلما أصبح أخبر قريشًا بما رأى،‬
    ‫فكان في ذلك امتحان لهم وزيادة في الطغيان والتكذيب، َ َا َ َلْنَا ُّؤْيَا َّ ِي أ َيْنَاكَ ِال ِتْ َ ً‬
    ‫إ َّ ف نة‬          ‫وم جع الر الت َر‬
                                                                                  ‫ِلن‬
  ‫ل َّاسِ [اإلسراء:06]، وقالوا: كيف تزعم ـ يا محمد ـ أنك أتيت بيت المقدس ورجعت في ليلة‬
                                     ‫ر‬                ‫ر‬
        ‫ونحن نضرب إليه أكباد اإلبل شه ًا في الذهاب وشه ًا في الرجوع؟! فهات صف لنا بيت‬
 ‫المقدس، فجعل النبي يصفه لهم حيث جاله اهلل له، فجعل ينظر إليه ويصفه لهم فبهتوا وقالوا: أما‬
   ‫الوصف فقد أصاب، وجاء الناس أبا بكر فقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: إن كان قاله‬
                                                                           ‫فقد صدق، فسمي الصديق من يومئذ.‬
 ‫و‬         ‫وم ي ق ع‬                ‫و ن ْ ِذ و م َل حب ُ و‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َال َّجمِ إ َا هَ َى َا ض َّ صَا ِ ُكمْ َمَا غَوَى َ َا َنْطِ ُ َنْ الْهَ َى‬
  ‫ل ُم د َل ف ن‬                        ‫و ه ألف‬                   ‫إ ه ِال ي ي ح َلمه َد د ق ذ ِر ٍ‬
  ‫ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى عَّ َ ُ ش ِي ُ الْ ُوَى ُو م َّة فَاسْتَ َى وَ ُوَ بِا ُ ُقِ األَعَْى ث َّ َنَا فَتَدَّى َكَا َ‬
                                                                                             ‫َن‬             ‫َ س‬
                                                                               ‫قَاب قَوْ َيْنِ أَوْ أدْ َى [النجم:5-0].‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: أخي، يا من تستمع إلي وقد جمعت نفسك بين يدي، أرأيت ـ يا أخي ـ كيف عظم اهلل‬
‫أمر الصالة، وكيف أعلى شأنها؟! ولو سبرت العبادات كلها لوجدتها مفروضة في األرض، وليس‬
    ‫ذلك فحسب بل وبواسطة جبريل، أما الصالة ففرضها اهلل على نبيه وعلى أمته فوق سماواته،‬
                                                                          ‫د‬
     ‫وكلم عبده محم ًا كفاحًا ليس بينه وبينه ترجمان، أفبعد هذا ـ يا أخي ـ تتكاسل عن الصالة‬
                                               ‫و‬
                         ‫وتتأخر في أدائها؟! أم كيف ترجو ثوابًا وتؤمل عف ًا وقد قصرت في أدائها؟!‬
 ‫إنها كلمات أهمسها في أذنك أخي المقصر في الصالة المضيع لشأنها، فهل نجد منك أذنًا صاغية‬
                                                                         ‫ي‬
 ‫أم قلبًا واع ًا؟! وال أريد منك ـ يا أخي ـ أن تحافظ على هذه الصلوات فحسب، بل حافظ عليها‬
    ‫وَق م الص ة‬
    ‫وصلها مع الناس، وال تصلي في بيتك وحدك، ألم تسمع إلى ربك وهو يقول: َأ ِي ُوا َّال َ‬
                                                                  ‫الر كع‬         ‫و ت الز و ع‬
                           ‫َآ ُوا َّكَاةَ َارْكَ ُوا مَعَ َّا ِ ِينَ [البقرة:32]؟! أي: صلوها مع المصلين.‬
        ‫ولعلي أذكرك ـ يا أخي ـ ببعض أحاديث نبيك في أمر الصالة مع الجماعة وبعض كالم‬
                                                                                ‫صحابته الكرام، فلعلك قد نسيتها:‬
    ‫فعن ابن عباس أن النبي قال: ((من سمع النداء فلم يجب فال صالة له إال من عذر)) رواه ابن‬
‫ماجه وابن حبان في صحيحه، وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((ما من ثالثة في‬
     ‫قرية وال بدو ال تقام فيهم الصالة إال قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل‬
‫الذئب من الغنم القاصية)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، وعن أبي هريرة قال: قال‬
   ‫رسول اهلل : ((لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في‬
‫بيوتهم فأحرقها عليهم )) رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: أتى النبي رجل أعمى فقال: يا رسول‬
  ‫اهلل، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اهلل أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص‬
             ‫له، فلما ولى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء؟)) فقال: نعم، قال: ((فأجب)) رواه مسلم.‬
                               ‫م‬      ‫د‬
‫وهذا ابن مسعود كان يقول: (من سره أن يلقى اهلل غ ًا مسل ًا فليحافظ على هؤالء الصلوات حيث‬
   ‫ينادى بهن، فإن اهلل تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في‬
  ‫بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من‬
      ‫رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إال كتب اهلل له بكل خطوة‬
  ‫يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إال منافق‬
   ‫معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى بها يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). يهادى بين‬
                                                                                  ‫ي‬
                                     ‫الرجلين: ُرفد من جانبيه ويؤخذ بعضده يمشي به إلى المسجد.‬
                 ‫ئ‬
‫وما يمنعك ـ يا أخي ـ من حضور الجماعة والصالة معهم؟! ال أظن أن شي ًا يمنعك، لكن لعلك‬
‫لم تجرب لذة الصالة مع الجماعة، وإال فإن صالة الجماعة ال تأخذ من وقتك أكثر من عشر دقائق‬
                                                                          ‫ِم‬
                                     ‫أو قل: ربع ساعة، فل َ تحرم نفسك هذه اللذة واألنس والراحة؟!‬
   ‫باألمس القريب صلى معنا شاب صالة الفجر، فلما انتهينا من صالتنا جاءني وقد ارتسمت في‬
     ‫وجهه عالمات التأثر، جاءني وقد عبرت قسمات وجهه قبل ذبذبات كلماته، كلمني والكلمات‬
  ‫تتزاحم في فمه، فما يدري بأيها يبدأ، فقال: إني ال أصلي مع الجماعة أحيانًا وأصلي وحدي في‬
         ‫بيتي، فقلت له: ال، هداك اهلل، ال تفعل، أرأيت كيف لصالة الجماعة من أنس وراحة ولذة‬
                                                                               ‫وحالوة؟! فقال: نعم واهلل.‬
                               ‫د‬
                             ‫فيا أخي المسلم، عاهد نفسك من اآلن أن ال تفوتك صالة الجماعة أب ًا.‬
                                              ‫ك‬
       ‫أيها المسلمون، وقبل أن أختم حديثي إليكم نذ ّركم أن واجبنا أن نستفيد من حادث اإلسراء‬
 ‫والمعراج العبرة والعظة، والتمسك بأوامر اهلل واجتناب مناهيه، وال يكون حظنا منه إحداث البدع‬
                 ‫وإقامة االحتفاالت التي ما أنزل اهلل بها من سلطان، والتي حذر منها نبينا محمد .‬
‫ولو سلمنا لهؤالء جدالً أنه ال بأس بإحيائها وإقامة االحتفاالت فيها فنسألهم ونقول: هل تستطيعون‬
             ‫ال‬
  ‫أن تخبرونا في أي شهر وقع اإلسراء والمعراج؟! فلن يستطيعوا تحديد الشهر فض ً عن الليلة،‬
             ‫م‬                                                                         ‫د‬
    ‫فإن أح ًا لم يجزم بأنها في الشهر الفالني، فضالً عن تحديد ليلتها، لكنهم اتخذوا يو ًا اختاروه‬
                                                                                                  ‫ألنفسهم.‬
‫وكأن النعمة بهذه اآلية العظيمة ـ أعني اإلسراء والمعراج ـ ال تحصل إال في تلك الليلة الواحدة‬
  ‫في السنة، وليس لها أثر مستمر باستمرار الصلوات الخمس في اليوم والليلة، مستمر كلما قرأت‬
 ‫هذه اآلية من القرآن، لكنها التقاليد الفاسدة والطقوس الفارغة التي شابهوا بها اليهود والنصارى.‬
                   ‫ك الرس ُ خذ ه وم ه ُ ع ُ ه‬                                ‫و‬
      ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َمَا آتَا ُمْ َّ ُول فَ ُ ُو ُ َ َا نَ َاكمْ َنْه فَانْتَ ُوا [الحشر:2].‬
‫(5/7022)‬




                                                                                             ‫البدعة والتحذير منها‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                                  ‫البدع والمحدثات‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫خالد بن محمد الشارخ‬
                                                                                                             ‫الرياض‬
                                                                                                             ‫اللحيدان‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
‫5- من أعظم النعم إكمال الدين. 7- اإلسالم عني كل العناية باإلنسان منذ أن كان نطفة وإلى أن‬
   ‫يلقى اهلل تعالى. 3- تعريف البدعة والتحذير منها. 2- أسباب انتشار البدع. 1- البدعة أعظم‬
                                                                                 ‫ب‬
         ‫ذن ًا وأشد جرمًا من المعصية. 6- بدع الجنائز وخطرها. 2- فضائل أبي بكر الصديق.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
       ‫م ت ك د ك و م ت ع ك ن مت‬
      ‫أما بعد: فيا معاشر المسلمين، يقول اهلل تعالى: الْيَوْمَ أَكْ َلْ ُ لَ ُمْ ِينَ ُمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْ ُمْ ِعْ َ ِي‬
                                                                                         ‫د‬       ‫َرض ت ُ إل‬
                                                                        ‫و َ ِي ُ لَكمْ ا ِسْالمَ ِينًا [المائدة:3].‬
   ‫ذلكم هو دين اإلسالم، الدين القيم الخالد، الصالح لكل زمان ومكان، والمشتمل على كل ما من‬
                                               ‫د‬
‫شأنه إسعاد البشرية في دنياها وآخرتها، هو ال ّين الخالص الذي جمعنا اهلل به بعد الفرقة، وأعزنا‬
   ‫ص‬                                     ‫س‬          ‫ز‬                      ‫ل‬     ‫ل‬
  ‫به بعد الذّة، وأّف بين قلوبنا بعد التم ّق، فمن تم ّك به وحافظ عليه وقام به خير قيام مخل ًا‬
     ‫عمله هلل تعالى مقتديًا برسوله بفعل المأثور وترك المحظور دون زيادة أو نقصان سعد وفاز‬
                                                                                       ‫برضا اهلل تبارك وتعالى.‬
 ‫وأما من طلب الهدى من غيره واتخذ سبيالً غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم‬
    ‫ِن‬
    ‫بإحسان فذلك هو الخسران المبين الذي ال يعدله خسران، وأصبح من حزب الشيطان، أَالَ إ َّ‬
                                                                                 ‫سر‬           ‫ُ‬        ‫الش‬    ‫ِ‬
                                                               ‫حزْبَ َّيْطَانِ همْ الْخَا ِ ُونَ [المجادلة:05].‬
     ‫ن‬                                                    ‫ن‬                     ‫ب‬
  ‫أيها اإلخوة األح ّة، إن اهلل أكرمنا وم ّ علينا بهذه الرسالة الخالدة والدين الشامل الكامل فإ ّ من‬
‫أمعن النظر فيما شرعه اهلل لنا مما تضمنه الكتاب العزيز ودلت عليه السنة المطهرة علم أن النبي‬
                                                                                    ‫ل‬
‫قد بّغ الرسالة، وأدى األمانة، ونصح األمة على أكمل وجه، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها،‬
                   ‫ال يزيغ عنها إال هالك قد مرض قلبه، وخاسر قد طاش في مهاوي الضالل لبه.‬
                               ‫م‬
      ‫إن هذه النعمة ـ أيها اإلخوة ـ لهي من أكبر النعم على هذه األ ّة حيث أكمل اهلل تعالى لها‬
                                   ‫ي‬
   ‫دينها، فال يحتاجون إلى دين غيره، وال يحتاجون إلى نب ّ غير نبيهم، وال يحتاجون إلى شرعة‬
           ‫مب ِّ ل لم ت ه السم ع عل م‬                          ‫و َم لمة َبك ِ ْق و َ‬
           ‫جديدة غير شريعتهم، َت َّتْ كَِ َ ُ ر ِّ َ صد ًا َعدْالً ال ُ َدلَ ِكَِ َا ِهِ وَ ُوَ َّ ِي ُ الْ َِي ُ‬
   ‫[األنعام:155] أي: صدقًا في األخبار وعدالً في األحكام، ذلكم دين اإلسالم الشامل الكامل الذي‬
   ‫شهد بصفائه وصالحيته لكل زمان ومكان األعداء قبل األصدقاء، والحق ما شهدت به األعداء.‬
    ‫فقد سجلوا إعجابهم بهذا الدين القويم الكامل الشامل الذي عني كل العناية باإلنسان منذ أن كان‬
   ‫نطفة وإلى أن يلقى اهلل تعالى، بل إن اإلسالم قد وضع آدابًا وقيمًا حتى في األمور العادية التي‬
  ‫اعتاد الناس القيام بها، فها هو اإلسالم يعلمنا آداب السفر وآداب الزيارة وآداب الطعام والشراب‬
 ‫وآداب النوم والدخول والخروج وآداب اللباس، بل حتى آداب قضاء الحاجة، فكيف يطلب الهدى‬
      ‫من غيره؟! فقد قالت اليهود لسلمان : لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! كيف تقضون‬
      ‫حاجتكم، فقال سلمان: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن‬
                      ‫نستنجي بأقل من ثالثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم. أخرجه مسلم.‬
         ‫ر‬
‫أيها المسلمون، ما دام ديننا بهذه المثابة العالية من التكامل والشمولية وأنه ما ترك طائ ًا يطير في‬
         ‫ر ر‬                                       ‫ش‬                       ‫ك‬
     ‫الهواء وال سم ًا يسبح في الماء وال وح ًا يجري في الصحراء إال أعطى منه خب ًا، أم ًا أو‬
                                 ‫نهيًا، فما بال الناس يطلبون رضا اهلل من غير طريقه الذي شرعه؟!‬
    ‫ن‬
   ‫ولذلك لما كان هذا اإلسالم بهذا التكامل السامي وهذا الشمول الوافي إذ لم يجعل ألي أحد كائ ًا‬
‫من كان أن يزيد أو يستدرك عليه أو يطلب رضا اهلل بغير ما شرعه له أو ما سنه له رسوله عليه‬
  ‫الصالة والسالم، لما كان اإلسالم كذلك حرم الزيادة على دينه، أو فعل شيء لم يفعله رسول اهلل‬
‫وال صحبه الكرام، وهي البدعة التي جاءت الشريعة بالتحذير منها وبالنهي عنها، فقد كان اإلسالم‬
   ‫وما زال يحذر أشد التحذير من البدع والمبتدعين، وينهى عن االختراع في الدين أو فعل عبادة‬
‫مصطنعة ليس لها مثال سابق في قرون اإلسالم الفاضلة، يقول النبي : ((من أحدث في أمرنا هذا‬
                                       ‫ما ليس منه فهو رد)) أي: رد على صاحبها وعلى العامل بها.‬
   ‫فالبدعة كما عرفها العلماء هي كل عمل أحدث في الدين يخالف الكتاب والسنة، أو لم يدل عليه‬
                       ‫الكتاب والسنة، واختراع عمل لم يدل عليه دليل بنية التعبد هلل رب العالمين.‬
  ‫فمن أحدث أي عمل لم يدل عليه الكتاب والسنة ولم يكن له مثال سابق من مشكاة النبوة فهو رد‬
‫على صاحبه، ولو كانت هذه الزيادة من عالم أو من حاكم أو من مجتمع أو من فرد أو من أمة أو‬
                                                                                                   ‫من جماعة.‬
‫ولذلك كان السلف رحمهم اهلل من الصحابة فمن بعدهم يحذرون من البدع والمبتدعين ومن صحبة‬
    ‫المبتدعين والجلوس معهم، ألن هؤالء المبتدعين فتنة على العامة، وقد يزين الشيطان أعمالهم‬
                                                                            ‫للناس فيقتدون بهم.‬
                                          ‫د‬
 ‫فهذا أبو بكر الصديق يقول: (إن اهلل اصطفى محم ًا على العالمين وعصمه من اآلفات، وإنما أنا‬
       ‫س‬
      ‫متبع ولست بمبتدع)، وقال عبد اهلل بن مسعود: (اتبعوا وال تبتدعوا فقد كفيتم)، ورأى أنا ًا‬
  ‫جالسين يجتمعون بعد األذان في حلقات ومعهم الحصى، فيذكرون اهلل مائة مرة وهكذا حتى تقام‬
   ‫الصالة، فقال لهم: (عدوا سيئاتكم، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤالء صحابة نبيكم‬
    ‫متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة‬
 ‫محمد أو مفتتحو باب ضاللة)، قالوا: واهلل ـ يا أبا عبد الرحمن ـ ما أردنا إال الخير، قال: (كم‬
                                                                     ‫من مريد للخير لم يصبه).‬
  ‫أيها اإلخوة، فإذا كان ابن مسعود قد أنكر هذه الهيئة التي يذكرون اهلل بها رغم أن الذكر الوارد‬
‫فيها مشروع، لكنه أنكر عليهم الشكل والصفة وتخصيص هذا الوقت بالذات للذكر، فكيف لو اطلع‬
 ‫ابن مسعود على هذه األذكار التي يذكر اهلل بها بعض المسلمين اليوم، وهي ال تمت إلى ذكر اهلل‬
        ‫بصلة، مما ابتدعه أصحاب الطرق الصوفية وغيرهم من األذكار التي زينها الشيطان لهم‬
  ‫كترديدهم بصوت واحد من قولهم: "هو هو"، أو "حي حي" وغير ذلك من ألوان الهذيان الذي ال‬
                                ‫ال‬
   ‫يخرج من عقالء، بل هم في مصاف المجانين بل أضل سبي ً. بل يحذر السلف رحمهم اهلل من‬
 ‫المبتدعة أشد التحذير، حتى إنهم لينهون من الجلوس إليهم أو النظر إلى أفعالهم أو االستماع إلى‬
                                                                    ‫ن‬
                                                             ‫كالمهم، حتى ولو كان قرآ ًا يتلى.‬
    ‫فهذا محمد بن سيرين يدخل عليه رجالن من أصحاب البدع واألهواء فيقوالن له: يا أبا بكر،‬
                        ‫ل‬
   ‫نحدثك بحديث، قال: ال، قاال: فنقرأ عليك آية من كتاب اهلل، قال: ال، َتقومان عني أو ألقومن،‬
      ‫قال: فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما كان عليك أن يقرءا عليك آية من كتاب اهلل‬
                                   ‫ر‬
                      ‫تعالى؟! فقال: إني خشيت أن يقرءا علي آية فيحرفانها فيق ّ ذلك في قلبي.‬
  ‫أيها اإلخوة في اهلل، وقد ذكر أهل العلم أسبابًا النتشار البدع وفشوها بين الناس، مع أن دين اهلل‬
                    ‫ة‬
 ‫كامل ال يحتاج إلى من يكمله أو يزيد فيه أو ينقص منه، ذكروا أسبابًا كثير ً، منها انتشار الجهل‬
‫وسكوت أهل العلم، فإن البدعة إذا ظهرت ورآها الناس وسمعوا بها وجب على أهل العلم إنكارها‬
   ‫والتحذير منها، وإال فقد يعجب بها بعض الجهلة أو أهل األهواء، فتشيع بين الناس حتى تصبح‬
   ‫سنة متبعة، فإن البدعة أول ما تظهر تظهر مستغربة مستنكرة مستهجنة، حتى تفشو بين الناس‬
 ‫ويشيع أمرها ويستحسنه أصحاب األهواء والضالل، ثم ال تلبث أن تنتشر انتشار النار في الهشيم‬
              ‫أو أشد، ومن هنا جاء التحذير من البدع والتنفير من أصحابها ودعاتها ومروجيها.‬
                     ‫د‬
      ‫أيها اإلخوة، إن الحديث عن البدعة وأسبابها وأشكالها وأنواعها يطول ج ًا، ولكن حسبي ما‬
‫سأذكر لكم من مثال لما ابتدع في هذا العصر عصر التطور والرقي، بدعة وأي بدعة؟! إنها بدعة‬
‫أقرب ما تكون إلى الشرك كما قال العلماء: إن البدعة بريد الكفر، فإن كانت البدع بريد الكفر فإن‬
                                                      ‫د‬
 ‫هذه البدعة لهي أسرع بري ًا وأقرب طريقًا. هذا ما ستسمعونه في ------------------‬
                                                                                   ‫-------‬
                                                                     ‫الخطبة الثانية إن شاء اهلل.‬
  ‫اللهم ثبتنا على دين اإلسالم، متبعين غير مبتدعين، هادين مهتدين، غير ضالين وال مضلين، يا‬
                                                                                  ‫رب العالمين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                         ‫م‬
  ‫إن البدعة ـ أيها اإلخوة ـ أعظم ذنبًا وأشد جر ًا من المعصية نفسها، فإن من شرب الخمر أو‬
‫زنى يوشك أن يتوب ويعلم في قرارة نفسه أنه مذنب عاصي يسأل اهلل أن يهديه ويرده إليه، بينما‬
  ‫صاحب البدعة ال يرى نفسه على منكر، بل يرى نفسه على صواب، بل ويتقرب بهذا العمل هلل‬
                                                                                  ‫رب العالمين.‬
‫وعلى سبيل المثال ال الحصر من البدع المنتشرة في أوساط بعض المسلمين بدع الجنائز، نعم بدع‬
    ‫الجنائز التي تفنن أهل الضالل واألهواء بإقامة الطقوس الدينية والخزعبالت الخرافية التي لم‬
       ‫تخرج من مشكاة النبوة، ولم تر نور الكتاب والسنة، بل هي مأخوذة من دياجير النصارى‬
                                                                           ‫وظلمات الخرافيين.‬
    ‫أيها اإلخوة، إن خطر البدع في الجنائز أشد منه في غيرها، ألن البدع في الجنائز سيؤدي مع‬
    ‫تقادم العهد وبعد الزمان إلى الشرك باهلل، وعبادتها من دون اهلل، وتقديم القرب والقرابين إليها‬
    ‫وألصحابها، وألن أول شرك وقع في األرض هو عبادة القبور، فإن أول فتنة قوم نوح كانت‬
 ‫بسبب موت صالحيهم وتعظيمهم وتعظيم قبورهم، حيث عكفوا على قبورهم وانقطعوا إليها، حتى‬
                                       ‫ر‬
‫أوحى الشيطان إلى جيل منهم أن يصوروا لهم صو ًا حتى يكون أنشط لهم على العبادة، فصوروا‬
 ‫لهم التماثيل والصور، فجمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، حتى إذا انقرض جيل وأتى‬
                                                                ‫جيل عبدت من دون اهلل تعالى.‬
‫أيها اإلخوة، لئن كانت البدع مذمومة فهي في القبور أشد ذمًا، ولئن كانت البدعة بريد الكفر فلهذه‬
                                                                             ‫د‬
    ‫البدعة أسرع بري ًا وأقرب طريقًا، أعاذنا اهلل وإياكم منها، ألن الفتنة والشرك بقبر رجل يعتقد‬
                                         ‫صالحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر.‬
    ‫ولعظم هذا األمر وقوة نفوذه بين الناس حسم اإلسالم مادة هذا الباب، فأمر بأوامر ال تخالف،‬
                                                     ‫د‬
 ‫ونهى عن نواهي ال تفعل، وكل هذا س ًا لباب الشرك، ولعلم اإلسالم أن البدع في القبور سيؤدي‬
                                                                 ‫إلى شر عظيم وبالء مستطير.‬
  ‫فقد نهى اإلسالم عن الصالة في المقبرة مطلقًا حتى ولو لم يقصد المصلي بركة البقعة بصالته،‬
            ‫وهذا النهي ليس بسبب نجاسة األرض، بل إن النهي سد لباب الشرك وتعظيم القبور.‬
  ‫وها هو رسول اهلل يلفظ أنفاسه األخيرة ويعالج سكرات الموت، ومع ذلك يحذر األمة من أعظم‬
    ‫بالء ستبتلى به أو قد تقع فيه. تصور ـ يا أخي ـ أن الرسول في السكرات وهو يلفظ أنفاسه‬
   ‫األخيرة ماذا عسى أن تكون الكلمات التي يختم فيها حياته ويحذر بها أمته، تقول عائشة رضي‬
   ‫اهلل عنها: لما نزل برسول اهلل طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها، فقال وهو‬
                  ‫ذ‬
  ‫كذلك: ((لعنة اهلل على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يح ّر ما صنعوا. متفق‬
                                                                                        ‫عليه.‬
       ‫أيها اإلخوة، ومن جمع بين سنة رسول اهلل في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه‬
                     ‫ض‬             ‫د‬
‫أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضا ًا لآلخر مناق ًا له، بحيث ال يجتمعان‬
                                                                                   ‫د‬
  ‫أب ًا، فها هو رسول اهلل نهى عن الصالة إلى القبور وهؤالء المبتدعة يصلون عندها، ونهى عن‬
   ‫اتخاذها مساجد وهؤالء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت اهلل تعالى، ونهى‬
  ‫عن إيقاد السرج عليها وهؤالء ال يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها فحسب، بل ويزينون‬
 ‫القبور بأجمل ما يجملون من بيوتهم أو أشد، وهذا كله من البدع المنكرة التي يجب علينا إنكارها‬
 ‫حتى ال ينشأ عليها الصغير ويهرم عليها الكبير، ولكننا نقول: هذه األفعال من البدع المنكرة التي‬
 ‫ترد في الكتاب والسنة، وكل ما يفعل في الجنائز وفي غيرها ولم يرد في الكتاب والسنة فهو رد‬
                                                                   ‫على صاحبه كائنًا من كان.‬
  ‫فلم يوقد رسول اهلل ألحد من أصحابه قناديل يمشي بها، ولم يفعله أحد من أصحابه لرسول اهلل ،‬
       ‫ولم تبن على قبورهم األضرحة المزخرفة والمجملة والمدبجة بالذهب واليواقيت، ولم ترفع‬
      ‫األصوات عند حمل جنائزهم، ولم ينقل أن رسول اهلل أخذ يكبر ويهلل عند حمل جنازة أحد‬
‫أصحابه، ولم ينقل أن رسول اهلل قال خلف جنازة أصحابه: "اهلل أكبر اهلل أكبر، أشهد أن اهلل يحيي‬
  ‫ويميت، وهو حي ال يموت، سبحانه من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء"، ولم‬
                                                                             ‫ي‬
 ‫ينقل أنه ص ّح وصاح أصحابه خلف جنازة ما: "استغفروا له يغفر اهلل لكم"، ولم ينقل أنهم رددوا‬
‫الفاتحة أو قرأها واحد منهم، ولم ينقل أنه قال أو قاله أحد من أصحابه: "الفاتحة على روح فالن".‬
                                                       ‫ن‬
‫فهل أنتم أهدى من محمد ، أم أكمل إيما ًا منه وأعلم برضا اهلل تعالى، أم أن موتاكم أكرم عند اهلل‬
  ‫من أصحاب رسول اهلل وأكرم عندكم من موت رسول اهلل؟! فها هو رسول اهلل قد مات ولم ينقل‬
                                                                   ‫ئ‬
  ‫أن الصحابة فعلوا شي ًا من ذلك، ولم ينقل أن الصحابة كسوا ضريح رسول اهلل بالنقوش الجميلة‬
‫والكسوة المذهبة وغير ذلك، وكل هذا ـ أيها اإلخوة ـ لو لم يكن منه إال تضييع أموال المسلمين‬
                                                ‫لكان كافيًا، كيف وهو بدعة من البدع المنكرة؟!‬
‫ورحم اهلل أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة، نعم أبو بكر، أبو بكر الذي يقول عنه رسول اهلل :‬
‫((ما دعوت أحدا إلى اإلسالم إال كانت له كبوة إال أبا بكر)). أبو بكر الذي يقول عنه رسول اهلل :‬
   ‫((كل أحد أنا أمن منه على إسالمه إال أبو بكر فلم أجزه على عمله))، أو كما قال عليه السالم.‬
 ‫أبو بكر الذي لو وزن إيمان أمة محمد لرجح إيمان أبي بكر، ومع ذلك تحضره الوفاة وهو أمير‬
       ‫المؤمنين، فتأتيه عائشة ابنته فتقول: يا أبي، بماذا نكفنك؟ فيقول: كفنوني بكفني هذا، فتقول‬
                                  ‫د‬
   ‫عائشة: لكن ـ يا أبي ـ قد بلي وتغير، أفال نشتري لك جدي ًا؟ فماذا يقول أبو بكر؟! هل قال:‬
                                                            ‫ش‬
‫ألبسوني حلة واكتبوا عليها نقو ًا من اآليات واألحاديث؟! هل قال: أقيموا لي مأتمًا وموائد تفرش‬
   ‫هنا وهناك؟! ماذا قال أبو بكر؟! قال : يا عائشة، إن الحي أولى بالجديد من الميت، إذا أنا م ّ‬
   ‫ت‬
‫فغسلوني وكفنوني وادفنوني بجوار رسول اهلل . فإن هؤالء من أكمل المؤمنين إيمانًا بعد األنبياء.‬
  ‫أيها اإلخوة، إن أعظم قبر على وجه األرض قبر رسول اهلل ، ومع ذلك لم ينقل أن الصحابة أو‬
        ‫أحدا من السلف الصالح قبلوا ضريحه أو تبركوا بتربته مع حبهم له عليه الصالة والسالم.‬
   ‫ومن البدع إقامة الرادفات والقراء للقرآن إظها ًا للحزن، وكأن القرآن يتَى عند الحزن ويتبر‬
  ‫َّك‬               ‫ل‬                       ‫ر‬
                                                                   ‫بقراءته دون العمل به أو التدبر لمعانيه.‬

‫(5/3022)‬




                                                                                                          ‫التوحيد‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                                          ‫التوحيد‬
                                                                       ‫األسماء والصفات, األلوهية, الربوبية‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫خالد بن محمد الشارخ‬
                                                                                                         ‫الرياض‬
                                                                                                         ‫اللحيدان‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أقسام التوحيد. 7- تعريف توحيد الربوبية وأدلته. 3- تعريف توحيد األلوهية وأهميته. 2-‬
                                 ‫تعريف توحيد األسماء والصفات واألمثلة عليه. 1- موعظة وتذكير.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
           ‫ي‬                             ‫ز‬
 ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، أوصيكم ونفسي بتقوَى اهلل ع ّ وجل، فتقوى اهلل تعالى هي وص ّته لألولين‬
   ‫َِله م ف السمو وم ف َ ض و َ َص ْ َّذ أ ت ك ب م ْ ل ُ وِي ُ‬
 ‫واآلخرين: ولَّ ِ َا ِي َّ َ َاتِ َ َا ِي األرْ ِ َلَقدْ و َّينَا ال ِينَ ُو ُوا الْ ِتَا َ ِن قَبِْكمْ َإ َّاكمْ‬
             ‫ُر ِن ِل م ف الس و ت وم ف َ ْض و الله ِي حم د‬                                      ‫اتق الله وإ‬
            ‫أَنْ َّ ُوا َّ َ َِنْ تَكْف ُوا فَإ َّ لَّهِ َا ِي َّمَ َا ِ َ َا ِي األر ِ َكَانَ َّ ُ غَن ًّا َ ِي ًا‬
                                                                                                  ‫[النساء:535].‬
                                                                             ‫س‬
‫أيها الناس، لقد ق ّم علماء اإلسالم التوحيد إلى ثالثة أقسام، وإن كانت هذه األقسام في حقيقتها إنما‬
           ‫تصب في قسم واحد. وأما األقسام فهي توحيد الربوبية وتوحيد األلوهية وتوحيد األسماء‬
                                                             ‫ل‬
        ‫والصفات. وهذه األقسام الثالثة كّها ترجع إلى توحيد األلوهية. فما توحيد الربوبية وتوحيد‬
                                  ‫األسماء والصفات إال لتكميل مقام العبودية واأللوهية هلل رب العالمين.‬
      ‫أما توحيد الربوبية فمعناه أن اهلل وحده هو الخالق لهذا العالم، وهو الرب والرازق لهم، وهذا‬
   ‫النوع من التوحيد ال ينكره المشركون، بل لم تذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل‬
     ‫القلوب مفطورة على اإلقرار به أعظم من كونها مفطورة على غيره، كما قالت الرسل عليهم‬
           ‫ٌّ ِ الس و ت و َ ْض‬            ‫رسل ُ َف الل‬
           ‫الصالة والسالم فيما حكى اهلل عنهم: قَالَتْ ُ ُُهمْ أ ِي َّهِ شَك فَاطرِ َّمَ َا ِ َاألر ِ‬
      ‫ولئ‬
    ‫[إبراهيم:05]، وقال تعالى حاكيًا عن أحوال المشركين وأنهم مقرون له بالخلق والتدبير: ََ ِنْ‬
     ‫ق ُن‬            ‫الس و ت و َ‬             ‫ه م‬              ‫وئ‬                 ‫ُ ق ُن الله‬                  ‫ه م‬
     ‫سَأَلْتَ ُمْ َنْ خَلَقَهمْ لَيَ ُول َّ َّ ُ [الزخرف:22]، َلَ ِنْ سَأَلْتَ ُمْ َنْ خَلَقَ َّمَ َا ِ َاألرْضَ لَيَ ُول َّ‬
                                                                                          ‫ُن ع ز ع م‬
                                                                             ‫خَلَقَه َّ الْ َزِي ُ الْ َلِي ُ [الزخرف:05].‬
                                                            ‫ُر‬       ‫هل‬        ‫ع‬
   ‫وأشهر من ُرفَ تجا ُُه وتظاه ُه بإنكار اهلل عز وجل فرعون اللعين، وقد كان مستيقنًا به في‬
 ‫َ ؤ ِال َب الس و ت و َ ض‬                            ‫َ عل‬
 ‫الباطن كما قال له موسى عليه السالم: قَالَ لَقدْ َِمْتَ مَا أَنزلَ هَ ُالء إ َّ ر ُّ َّمَ َا ِ َاألرْ ِ‬
        ‫ز ؤ ِال َب‬                    ‫َ عل ت‬                                                     ‫ب ِ‬
        ‫َصَائرَ [اإلسراء:705]، وفي قراءة الكسائي من السبعة: لَقدْ َِمْ ُ مَا أَن َلَ هَ ُالء إ َّ ر ُّ‬
                                   ‫ر‬                                       ‫الس و ت و َ ْ‬
        ‫َّمَ َا ِ َاألرضِ ليكون هذا من كالم فرعون، أي: أنه مق ّ بذلك وأن اهلل خالق السموات‬
                                             ‫فس ُ ظ م وعُو‬                              ‫و َد به و‬
                                ‫واألرض، ولكن َجَح ُوا ِ َا َاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْ ُ ُهمْ ُلْ ًا َ ُل ًّا [النمل:25].‬
‫أما توحيد األلوهية ـ أو قل: توحيد العبادة ـ فهو الذي أرسل اهلل له الرسل وأمرهم بالدعوة إليه،‬
                                   ‫ر‬                   ‫ف‬
 ‫وهو الذي ال يقبل اهلل من أحد صر ًا وال عدالً حتى يق ّ به ويعمل بمقتضاه، وإن أخل بشيء من‬
                                                          ‫أركانه فهو خالد مخلد في نار جهنم وبئس المصير.‬
        ‫وهو األمر الذي قاتل عليه النبي القبائل، وحمل في سبيله السالح، وراسل الملوك وخاطب‬
           ‫األمراء ودعا القبائل من أجل تحقيقه، وإال فالكفار كانوا يقرون بأنه ال خالق إال اهلل وأنه‬
                                         ‫المصرف لهذا العالم، ومع هذا كله لم يدخلوا في مسمى اإلسالم.‬
‫بل ال بد من إفراد اهلل بالعبادة وعبادته وحده ال شريك له، وهذا معنى ال إله إال اهلل، أي: ال معبود‬
   ‫بحق إال اهلل وحده ال شريك له، ولذلك لما قال النبي لكفار قريش ولصناديدهم: ((قولوا لي كلمة‬
  ‫تدين لكم بها العرب والعجم))، فقالوا: نقول وألف كلمة، فما هي يا محمد؟ فقال: ((قولوا: ال إله‬
   ‫ذ الذ َ َّذ ن‬              ‫و ُ‬                   ‫ه د‬
   ‫إال اهلل))، فقالوا: إال هذه، أجعلت اآللهة إل ُ واح ًا؟! فأنزل اهلل ص َالْقرْآنِ ِي ِّكْرِ بلْ ال ِي َ‬
    ‫ج ءه‬          ‫ح م ص وعجب‬              ‫و‬            ‫م لِ م ْ َ ٍ‬                       ‫ر ف ِز و ق َ‬
  ‫كَفَ ُوا ِي ع َّةٍ َشِقَا ٍ كمْ أَهْلَكْنَا ِنْ قَبِْهمْ ِن قرْن فَنَادَوْا َالتَ ِينَ َنَا ٍ َ َ ِ ُوا أَنْ َا َ ُمْ‬
      ‫ء عج ب‬           ‫له إ و ِد ِن َذ‬                   ‫ِر َذ ب جع‬             ‫ك ِر هذ‬               ‫م ْذر م ه َ‬
‫ُن ِ ٌ ِنْ ُمْ وقَالَ الْ َاف ُونَ َ َا سَاح ٌ ك َّا ٌ أَ َ َلَ اآلِ َةَ ِلَهًا َاح ًا إ َّ ه َا لَشَيْ ٌ ُ َا ٌ [ص:5-‬
                                                                                                                       ‫1].‬
  ‫فتوحيد األلوهية هو صرف جميع العبادات هلل وحده؛ من نذر وذبح وصالة وصيام وحج وعمرة‬
                                                                                       ‫وغير ذلك من أنواع العبادة.‬
    ‫أما توحيد األسماء والصفات فعقيدة أهل السنة والجماعة فيه أنهم يثبتون هلل سبحانه وتعالى ما‬
  ‫أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ، من غير تحريف أو تعطيل أو تأويل أو تمثيل، وينفون عن اهلل‬
 ‫من الصفات ما نفاه هو عن نفسه أو نفاه عنه رسوله . وأهل السنة والجماعة إذا أثبتوا الصفة هلل‬
                 ‫لم يمثلوها بصفات خلقه؛ ألن اهلل سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.‬
    ‫فيجب عليك ـ أيها المسلم ـ أن تؤمن بكل ما وصف اهلل به نفسه أو وصفه به رسوله ، وإن‬
 ‫ن‬
‫كنت ال تعرف جميع الصفات واألسماء الواردة في الكتاب والسنة، فالواجب عليك أن تؤمن إيما ًا‬
                                                                                     ‫ي‬
  ‫إجمال ًا في أسماء اهلل وصفاته، وأما معرفة ذلك تفصيالً فهذا ال يلزمك وال يجب عليك، فإن لهذا‬
    ‫أناسا متخصصين وهم أهل العلم، وإن استطعت أن تعرفها تفصيالً فهذا نور على نور، ولكن‬
           ‫ينبغي عليك أن تعتقد من قرارة قلبك أن اهلل موصوف بصفات الكمال ونعوت الجمال.‬
                           ‫ع‬                                    ‫د‬
‫فاسمع لما قاله البحر الذي ال تك ّره الدالء أعني شيخ اإلسالم، علَم ال ِلم والعلماء رحمه اهلل، قال:‬
       ‫ومن اإليمان باهلل اإليمان بما وصف به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله محمد ، من غير‬
 ‫تحريف وال تعطيل، ومن غير تكييف وال تمثيل، بل يؤمنون ـ أي: أهل السنة والجماعة ـ بأن‬
‫اهلل سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فال ينفون عنه ما وصف به نفسه، وال يحرفون‬
    ‫الكلم عن مواضعه، وال يلحدون في أسماء اهلل وآياته، وال يكيفون، وال يمثلون صفاته بصفات‬
            ‫خلقه؛ ألنه سبحانه ال سمي له وال كفؤ له وال ند له، وال يقاس بخلقه سبحانه وتعالى.‬
‫ثم في سنة رسول اهلل ، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه". وما وصف الرسول به‬
    ‫ربه عز وجل من األحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب اإليمان بها كذلك.‬
‫فمن ذلك مثل قوله : ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل اآلخر، فيقول: من‬
‫يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) متفق عليه، وقوله : ((هلل أشد‬
‫فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته)) متفق عليه، وقوله : ((ما منكم من أحد إال سيكلمه ربه ليس‬
                       ‫رب‬
‫بينه وبينه ترجمان)) رواه البخاري ومسلم، وقوله في رقية المريض: (( َّنا اهلل الذي في السماء،‬
     ‫تقدس اسمك، أمرك في السماء واألرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في األرض،‬
  ‫اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا‬
                                               ‫الوجع فيبرأ)) حديث حسن رواه أبو داود وغيره.‬
                              ‫قلت: في هذا الحديث إثبات العلو هلل: ((ربنا اهلل الذي في السماء)).‬
‫وقوله: ((أال تأمنوني وأنا أمين من في السماء)) حديث صحيح، وقوله: ((والعرش فوق ذلك، واهلل‬
  ‫فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه )) حديث حسن رواه أبو داود وغيره، وقوله للجارية: ((أين‬
    ‫اهلل؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول اهلل، قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة))‬
                                                                                     ‫رواه مسلم.‬
  ‫إلى أمثال هذه األحاديث التي يخبر فيها رسول اهلل عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل‬
‫السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر اهلل به في كتابه، من غير تحريف وال تعطيل،‬
                                                                    ‫ومن غير تكييف وال تمثيل.‬
                                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
        ‫ة‬                  ‫د‬
‫أيها الناس، إنكم لم تتركوا سدى، وإنكم إذا تركتم اليوم فلن تتركوا غ ًا، وإنكم واردو هو ٍ، فأعدوا‬
                                  ‫د‬                ‫د‬
                                ‫لها ما استطعتم من قوة. وإن بعد المعاش معا ًا، فأعدوا له زا ًا.‬
      ‫عب‬                                                                 ‫بي‬
‫أال ال عذر فقد ُ ّنت لكم المحجة، وأخذت عليه الحجة من السماء بالخبر، ومن األرض بال ِ َر. أال‬
   ‫خ‬                        ‫َد‬              ‫سل‬                           ‫ج‬
  ‫وإن الدنيا دار ِهاز وقنطرة جَواز، من عبرها َِم، ومن عمرها ن ِم. أال وقد نصبت لكم الف ّ،‬
                                                                            ‫حب‬
                                             ‫ونثرت لكم ال َ ّ، فمن يرتع يقَع، ومن يلقط يسقط.‬
                       ‫ر ن‬             ‫حت م‬
‫وكان علي بن الحسين يعظ الناس ويقول: "يا نفس، َّا َ إلى الحياة ُكوُك، وإلى الدنيا وعمارتها‬
         ‫فج‬          ‫أ َّ‬                                                     ‫ن‬
‫سكو ُك؟! أما اعتبرت بمن مضى من أسالفك، وبمن وارته األرض من ُالفِك، ومن ُ ِعْت به من‬
                                                                      ‫ب‬              ‫نِ‬
                                                      ‫إخوانك و ُقلَ إلى دار ال ِلى من أقرانك؟!".‬
                                          ‫و‬
                                 ‫فهم في بطون األرض بعد ظهورها…مَحاسنهم فيها بَ َالٍ دواثر‬
                               ‫خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم…وساقتهم نَحو الْمنايا المقادر‬
                                                                                     ‫وخل‬
                                 ‫َّوا عن الدنيا وما جمعوا لها…وضمتهم تحت التراب الحفائر‬
‫كم اختلست أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت ببالها وغيبت أكثر الرجال في ثراها.‬
                         ‫ح‬
 ‫انظر إلى األمم الخالية والملوك الفانية، كيف أنستهم األيام وأفناهم ال ِمام، فانمحت آثارهم وبقيت‬
                                                                                       ‫أخبارهم.‬
‫يا قوم، الحذر الحذر، والبدار البدار من الدنيا ومكايدها وما نصبت لكم من مصايدها، وتجلت لكم‬
                   ‫ي ر‬
  ‫من زينتها، واستشرفت لكم من بهجتها. وكيف يحرص عليها لبيب أو ُس ّ بها أريب وهو على‬
                                                                                 ‫ثقة من فنائها؟!‬
 ‫فإلى متى ـ يا أخي ـ ترقع بآخرتك دنياك وتركب في ذاك هواك؟! إني أراك ضعيف اليقين يا‬
                                ‫رافع الدنيا بالدين، أبهذا أمرك الرحمن أم على هذا دلك القرآن؟!‬
                                     ‫ر‬             ‫ر‬                    ‫ُر‬                ‫ت‬
                                     ‫ُخرب ما يبقى وتعم ُ فانيا…فال ذاك موفو ٌ وال ذاك عام ُ‬
                                                 ‫ر‬           ‫ل‬        ‫ف‬
                                  ‫فهل لك إن وافاك حت ُك بغتة…وَم تكتسب خي ًا لدى اهلل عاذر‬
                                      ‫ص ل‬          ‫ن‬                      ‫ت‬
                                ‫أترضى بأن ُقضى الحياة وتنقضي…ودي ُك منقو ٌ وماُك وافر‬
                          ‫َ َر‬
      ‫زينوا العلم بالعمل، واشكروا القدرة بالعفو، وخذوا الصفو ودعوا الكد َ، يغفر اهلل لي ولكم،‬
                                                              ‫وقوموا إلى صالتكم يرحمكم اهلل.‬

‫(5/2022)‬
                                                                                                                           ‫قيمة الدنيا‬
                                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                                          ‫الديون والقروض, الزهد والورع‬
                                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                                          ‫خالد بن محمد الشارخ‬
                                                                                                                              ‫الرياض‬
                                                                                                                              ‫اللحيدان‬
                                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- فتنة الناس بالدنيا. 7- حقيقة الدنيا. 3- ظاهرة تحمل الديون والقروض من أجل الكماليات.‬
                             ‫2- حرمة الربا ومفاسده وأضراره. 1- رسالة إلى المدين وصاحب الدين.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                          ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل.‬
   ‫أيها اإلخوة في اهلل، إنه مع انفتاح الدنيا وتنوع زخرفها وخاصة في هذه األيام أصبح الناس ـ‬
              ‫ّ‬
 ‫ولألسف ـ يتهوكون في ظلمات هذه الدنيا، ويلهثون وراء سرابها، ويبذلون كل غال ونفيس في‬
 ‫سبيل الحصول ولو على الحقير القليل من متاع هذه الدنيا، وهي دنيا مهما ازدان متاعها وكملت‬
                                                                   ‫ة‬
‫خيراتها فهي دنيا حقير ٌ صغيرة، والذي يدلك على حقارتها وهوانها على اهلل أنك ترى الكفار فيها‬
‫يتنعمون وبمتاعها يتلذذون، ولذلك يقول المصطفى : ((لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح بعوضة‬
                                                                                 ‫ر‬
                            ‫ما سقى كاف ًا منها شربة ماء)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".‬
    ‫ِن م َل ح الد م ْز ه م‬
  ‫ولعظم الفتنة بالدنيا حذرنا اهلل منها في كتابه العزيز فقال: إ َّمَا َث ُ الْ َيَاةِ ُّنْيَا كَ َاءٍ أَن َلْنَا ُ ِنْ‬
  ‫َ ْض ز ْ ُ ه و َّين‬                ‫م َت ِذ‬              ‫ِم ي ُل الن س و‬        ‫ب بت َ ْ‬                     ‫السم ِ‬
‫َّ َاء فَاخْتَلَطَ ِهِ نَ َا ُ األرضِ م َّا َأْك ُ َّا ُ َاألَنْعَا ُ ح َّى إ َا أَخَذَتْ األر ُ ُخرفَ َا َاز َّ َتْ‬
     ‫وَظَ َّ أَهُْهَا أَّهم قَا ِ ُونَ َلَيْهَا أَتَاهَا أَم ُنَا لَيْالً أَوْ نَ َا ًا فَ َعلْنَاهَا َ ِي ًا كَأَنْ لمْ تَغْ َ بِاألَمْ ِ‬
     ‫س‬          ‫َ ن‬                ‫حص د‬           ‫هر جَ‬                          ‫ْر‬                    ‫ن ل َن ُ ْ در ع‬
 ‫[يونس:27]، وقال تعالى: َاضْ ِبْ لَهمْ َثلَ الْ َيَاةِ ُّنْيَا كَ َاءٍ أَن َلْنَا ُ ِنْ َّ َاء فَاخْتَلَطَ ِ ِ َ َا ُ‬
 ‫به نب ت‬                ‫و ر ُ م َ ح الد م ز ه م السم ِ‬
                          ‫ب هش َ ْر ه الر ح و الله عل ُل ء م َ ِر‬                                ‫َْ ِ‬
 ‫األرض فَأَصْ َحَ َ ِيمًا تذ ُو ُ ِّيَا ُ َكَانَ َّ ُ ََى ك ِّ شَيْ ٍ ُقْتد ًا [الكهف:12]، وقال تعالى:‬
  ‫د م غث‬                   ‫ول و‬           ‫م َنم ح ة الد ي عب و و وز ة و خر ب ُ و ُ ٌ ف‬
  ‫اعْلَ ُوا أ َّ َا الْ َيَا ُ ُّنْ َا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ َ ِينَ ٌ َتَفَا ُ ٌ َيْنَكمْ َتَكَاثر ِي األَمْ َا ِ َاألَوْال ِ كَ َثَلِ َيْ ٍ‬
     ‫وم َذه‬                               ‫ُف ر ب ته ُم يه ُ َر ه م َر ُم يك ن ح م‬                                ‫ج‬
     ‫أَعْ َبَ الْك َّا َ نَ َا ُ ُ ث َّ َ ِيج فَت َا ُ ُصْف ًّا ث َّ َ ُو ُ ُطَا ًا [الحديد:07]، وقال تعالى: َ َا ه ِ ِ‬
                         ‫ن ي م‬                ‫ِ ه ح ون‬                        ‫ح ة الد ِال و و عب وِن الد‬
       ‫الْ َيَا ُ ُّنْيَا إ َّ لَهْ ٌ َلَ ِ ٌ َإ َّ َّارَ اآلخرَةَ لَ ِيَ الْ َيَ َا ُ لَوْ كَا ُوا َعْلَ ُونَ [العنكبوت:26].‬
 ‫ويقول النبي وهو يخاطب أصحابه: ((فواهلل، ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا‬
‫عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)) متفق عليه.‬
   ‫وما زال النبي يحذر أصحابه من خطر الفتنة بالدنيا، فقد كان يقول وهو على منبره والصحابة‬
    ‫جلوس حوله: ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)) متفق‬
                                                                                                                      ‫عليه.‬
   ‫بل كان الرسول يذكر أصحابه بحقارة الدنيا في كل وقت وفي كل فرصة تسنح، فعن جابر بن‬
                                                           ‫ر‬
     ‫عبد اهلل أن رسول اهلل م ّ بالسوق والناس كنفين ـ عن جانبين ـ فمر بجدي أسك ـ صغير‬
 ‫األذن ـ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: ((أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟)) فقالوا: ما نحب‬
                ‫ي‬
 ‫أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! ثم قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا: واهلل، لو كان ح ًا كان عيبًا أنه‬
        ‫أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: ((فواهلل، للدنيا أهون على اهلل من هذا عليكم)) رواه مسلم.‬
                                          ‫ئ‬
  ‫أيها اإلخوة في اهلل، وكما سمعتم فالدنيا ال تساوي شي ًا عند اهلل، وليست هي محط الثناء أو الذم،‬
   ‫وليس الغني فيها هو الغني يوم القيامة، أو الفقير الحقير فيها هو الفقير الحقير يوم القيامة، كال‬
  ‫وألف كال، بل يقول رسول اهلل : ((إن األكثرين هم األقلون يوم القيامة، إال من قال بالمال هكذا‬
    ‫وهكذا وهكذا، وقليل ما هم))، يعني تصدق به عن يمين وشمال ومن خلفه، بل جاء عنه عليه‬
‫الصالة والسالم أنه قال: ((يدخل الفقراء الجنة قبل األغنياء بخمسمائة عام )) رواه الترمذي وقال:‬
      ‫"حديث صحيح"، ويقول عليه الصالة والسالم: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها‬
                                                           ‫د‬
‫المساكين، وأصحاب الج ّ ـ أي: أصحاب الغنى ـ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم‬
                                                                                               ‫إلى النار)) متفق عليه.‬
 ‫أيها المسلمون، ولكن مع علمنا اليقيني بهذا األمر واستقراره في نفوسنا نجد الكثير من المسلمين‬
                                         ‫د‬
 ‫ـ وأقول: الكثير منهم ولألسف ـ من يحاول جاه ًا أن يعيش عيشة األغنياء المترفين حتى ولو‬
  ‫كلفه ذلك كل شيء، فتجده يدخل في متاهات من الديون ومن القروض والتقسيطات في سبيل أن‬
   ‫تكون له سيارة فارهة، وأن يكون له منزل فاخر ذو رخام جذاب ومدخل جميل وزخارف تأخذ‬
                                                        ‫ن‬
‫العقول واأللباب، كل هذا وتجده أحيا ًا ال يمتلك إال مرتبه الشهري، بل ربما ال يبقى له من مرتبه‬
               ‫شيء يعيش به هو وأبناؤه، فقسط لسيارته، وقسط لألثاث، وقسط لدين هنا أو هناك.‬
                                                     ‫م‬
    ‫وهكذا أثقلت كواهل الناس وأدخلت ذ َمهم بحقوق مالية كانوا في غنى عنها، وما ذلك ـ أيها‬
 ‫اإلخوة ـ إال بسبب انفتاح الدنيا وتتابع الناس وراءها، واستجابتهم لكل جديد يحدث وكل موضة‬
  ‫يطير بها الناس، وإال ففي السابق كان الناس يكفيهم أن يعيشوا ببيت يكنفهم عن الناس، ويكنفهم‬
 ‫عن حر الشمس وبرد الشتاء، أما اآلن فأصبحت الناس تتساقط في هذه الهوة السحيقة، وتقع فيها‬
     ‫دون وعي أو إرشاد، وبالمقابل فإن المستفيد من الشركات والمؤسسات وغيرها أصبحت هي‬
      ‫األخرى تدعو الناس لذلك، وأصبحت تمتص دماء هؤالء المساكين في سبيل أن يوفروا لهم‬
                                                                                     ‫ر‬
                                                                                   ‫مركبًا فارهًا ومنزال فاخ ًا.‬
‫وربما تجد شبابًا وفي زهرة شبابهم متورطين بديون وأقساط وقروض، ولكن نحن ـ أيها اإلخوة‬
     ‫ـ قد نكون مشاركين في تكليف هؤالء الشباب وإجبارهم في الدخول بأقساط وديون، ربما ال‬
‫يخرجون منها إال بعد دهر من الزمان، وربما نكون نحن المتسببين في ذلك من حيث نشعر أو ال‬
                                            ‫ر‬
  ‫نشعر، فها هي العوائل تغالي في المهور، فمه ٌ باهظ الثمن للزوجة، وعطية لألم، وعطية لألخ‬
     ‫وهكذا، وربما يجبر الشاب على توفير سكن خاص لزوجه الميمون، وأن يكون المنزل مؤثثا‬
‫بأجمل األثاث وأحسنه. وهكذا يتكلف الشاب ويدخل في متاهات من الديون واألقساط، وما ذنبه إال‬
                                                                                     ‫أنه أراد العفاف والزواج.‬
                                                    ‫ي‬
 ‫أيها اإلخوة، وها نحن نسمع سو ًا ونرى ما يعلن في الجرائد وغيرها عن عروض القرض الذي‬
‫تفتحه هذه البنوك الربوية، وها هم لما علموا أن الناس سقطوا في متاهات الديون واألقساط فتحوا‬
                                                                               ‫د‬      ‫ب‬
‫با ًا جدي ًا من الشر، فالقرض لك من البنك مع فائدة سنوية مقدرة يأخذها منك البنك، وإذا تأخرت‬
‫بالسداد فإن الفائدة تضاعف عليك. هذا أيها اإلخوة، هذا بعينه ربا الجاهلية الذي قال عليه الصالة‬
‫والسالم في خطبة الوداع: ((أال إن ربا الجاهلية تحت قدمي، أال إن ربا العباس تحت قدمي))، بل‬
                                                                       ‫هو أشد من ربا الجاهلية، سبحان اهلل.‬
‫أرأيتم ـ أيها اإلخوة ـ ومع تطور العالم وصعوده في أجواء الرقي كما يزعمون ها هم يعودون‬
‫مرة أخرى إلى الجاهلية األولى، إن ربا الجاهلية األولى قائم على أن الرجل يكون له على الرجل‬
                                                                    ‫ل‬
  ‫المال المؤجل، فإذا ح ّ األجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإال زاد هذا في األجل، وزاد‬
  ‫هذا في المال، فيتضاعف المال في ذمة المدين، فحرم اهلل ذلك بقوله: َِنْ كَانَ ُو ُس َة َنَظ َ ٌ‬
  ‫ذ ع ْر ٍ ف ِرة‬            ‫وإ‬
                                                                                 ‫إل م َر‬
 ‫َِى َيْس َةٍ [البقرة:027]، ولكن البنوك هذه األيام وبعرضها األخير قد زادت على ربا الجاهلية؛‬
      ‫فهم يأخذون فائدة على القرض حتى ولو سددت في األجل المحدد، لكن الفائدة تزاد عليك إذا‬
                                                                                   ‫أخرت المال أكثر من ذلك.‬
‫إنه الربا أيها اإلخوة، الربا الذي لعن النبي آكله وموكله وشاهديه وكاتبه، ويقول جل وعال: ال ِي َ‬
‫َّذ ن‬
                           ‫ق م َّ ي َبطه الش ن م َس‬                              ‫ق م ِال‬               ‫كل الر‬
 ‫يَأْ ُُونَ ِّبَا ال يَ ُو ُونَ إ َّ كَمَا يَ ُو ُ الذِي َتَخ َّ ُ ُ َّيْطَا ُ ِنْ الْم ِّ [البقرة:127]، وقال تعالى:‬
                                              ‫ي ق الله الر وي ب الص َ ت َالل ُ ي ِب ُل َف‬
    ‫َمْحَ ُ َّ ُ ِّبَا َ ُرْ ِي َّدقَا ِ و َّه ال ُح ُّ ك َّ ك َّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:627]، بل أخبر النبي أن‬
                                                                                ‫د‬      ‫م‬
   ‫دره ًا واح ًا من الربا أشد من ست وثالثين زنية، وقال عليه الصالة والسالم: ((إن الربا اثنان‬
                                                               ‫وسبعون بابًا، أدناها كأن يأتي الرجل أمة)).‬
            ‫عر‬
‫فالربا أنانية وجشع وقهر وهمجية وتخلف ومنبت ضغائن وحقد وكراهية، تهدم ال ُ َى االجتماعية‬
                                                       ‫والروابط اإلنسانية، وتضعف المروءة، بل وتقتلها.‬
     ‫يقول أحد العلماء: "والربا الملعون من أقدم عصوره وليد اليهود، وقد فشا في الجاهلية األولى‬
   ‫بسبب مجاورة اليهود، وما زال اليهود السبب في هذا العصر، وذلك بسبب سيطرة اليهود على‬
   ‫البنوك واالقتصاد العالمي، مع ما يبثونه من تحبيبه وتزيينه بشتى الدعايات، وبواسطة عمالئهم‬
 ‫من النصارى المستشرقين والعرب المتفرنجين، ولذلك يقول اهلل تعالى عن بعض صفات اليهود،‬
 ‫بظ ْ م َّذ ن‬
 ‫والتي منها أكل الربا والتي استحقوا عليها اللعنة الخالدة والمتواصلة، قال تعالى: فَ ِ ُلمٍ ِنْ ال ِي َ‬
  ‫ر و ْ ِ الر و نه ع ه‬                         ‫ه د َر ع ِ َيب أ ِل ُ وب َد ِ ع سب الل‬
  ‫َا ُوا ح َّمْنَا َلَيْهمْ طِّ َاتٍ ُحَّتْ لَهمْ َ ِص ِّهمْ َنْ َ ِيلِ َّهِ كَثِي ًا َأَخذِهمْ ِّبَا َقَدْ ُ ُوا َنْ ُ‬
                                      ‫ل‬         ‫و ل ِ و الن س ب ِل و َ ل ك ِر ن م ُ َ‬
               ‫َأَكِْهمْ أَمْ َالَ َّا ِ بِالْ َاط ِ َأَعْتدْنَا ِلْ َاف ِي َ ِنْهمْ عذَابًا أَِيمًا [النساء:065، 565].‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
 ‫أيها اإلخوة، إني من هنا من على هذا المنبر أناصح إخواني المديونين أن يستغيثوا باهلل في سداد‬
  ‫دينهم، وليعلموا أن اهلل سيعينهم، وأنهم إذا اتكلوا على الناس واعتمدوا عليهم فإن اهلل لن يعينهم،‬
   ‫قال رسول اهلل : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها باهلل فيوشك اهلل له‬
     ‫برزق عاجل أو آجل)) رواه أبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن"، وأن ال يثقلوا كواهلهم‬
              ‫د‬                                                                 ‫قب‬
        ‫بديون ال ِ َل لهم بها، وليعلموا أن ما ال يقدرون عليه اليوم سوف يقدرون عليه غ ًا، وال‬
                    ‫ك‬
   ‫يستبطئوا رزقَ اهلل عليهم، فإن كل إنسان مكتوب له رزقه وأجله، ولكن تو ّل على اهلل، ((ولو‬
        ‫أنكم تتوكلون على اهلل حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)).‬
  ‫وإ ن ذ ع ٍ ِ ة إل م سرة‬                                                  ‫د‬
  ‫وأما أنت ـ يا صاحب ال ّين ـ فأذكرك بقول اهلل تعالى: َِنْ كَا َ ُو ُسْرَة فَنَظرَ ٌ َِى َيْ َ َ ٍ‬
  ‫[البقرة:027]، فعليك بالصبر على دينك، وأن ال تكلف أخاك المسلم ما ال يطيق، فقد تبتلى أنت‬
                                                                   ‫ب ي‬               ‫ض د‬
                                  ‫أي ًا ب َين، فكما تح ّ أن َصبر عليك الناس فاصبر على اآلخرين.‬

‫(5/1022)‬




                                                                                                                ‫الجنة‬