Docstoc

موسوعة خطب المنبر 084

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 084 Powered By Docstoc
					               ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
         ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                          ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
              ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                          ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
    ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
    ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                   ‫معين.‬


                                             ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                     ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                         ‫معركة شقحب‬
                                                ‫-----------------------‬
                                                  ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                        ‫القتال والجهاد, معارك وأحداث‬
                                                ‫-----------------------‬
                                                                 ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                  ‫الخبر‬
                                                                             ‫27/3/1715‬
                                                                                  ‫النور‬
                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                             ‫-------------------------‬
                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5- زمن معركة شقحب وأحداثها. 7- أسباب ضعف الوجود النصراني في بالد الشام. 3-‬
                   ‫مواقف مشرفة البن تيمية. 1- الدروس والعبر المستفادة من المعركة.‬
                                             ‫-------------------------‬
                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                  ‫غص‬
 ‫أما بعد: ال تزال حادثة سقوط بغداد سنة ست وخمسين وستمائة ُ ّة في صدر كل مسلم،‬
 ‫م‬                                                      ‫إن ذ‬                  ‫ج‬
‫وش ًى في حلق كل مؤمن، َّ ِكرها ليحدث رعشة في القلب، وإن جراحاتها ما تزال تنزف د ًا‬
                                                                             ‫في أعماق قلوبنا.‬
 ‫وال يستطيع دارس أحداث هذه العصور أن ينسى اآلالم والمآسي التي تجرعها المسلمون في تلك‬
                                                     ‫د‬
                        ‫الحقبة، فيكاد يذوب قلب المسلم أسفًا وكم ًا، وال حول وال قوة إال باهلل.‬
 ‫ولكن الشخصية المسلمة كانت ما تزال متماسكة، وأركان المجتمع كانت على األغلب قائمة على‬
 ‫معان أصيلة من اإلسالم، ولذلك فسرعان ما كان الثأر واسترداد الكرامة في معركة عين جالوت‬
  ‫التي كانت سنة 616هـ، ولم يمض وقت طويل حتى دان الغزاة بدين أهل البالد المغلوبين دين‬
                                      ‫اإلسالم، وإن لم يتخلوا عن همجيتهم وعدوانهم وشرهم.‬
                                              ‫ر‬
 ‫ثم كانت معركة انتصر فيها المسلمون انتصا ًا عظيمًا، وربما كانت أقل شهرة من المعارك التي‬
                                                                   ‫ح‬
                                                                 ‫سبقتها، وهي معركة شَق َب.‬
      ‫في اليوم الثاني من رمضان سنة اثنتين وسبعمائة للهجرة وقعت هذه المعركة بين المسلمين‬
                        ‫ر‬
                      ‫والمغول، وكان عدد الجيش المغولي الذي اشترك في هذه الموقعة كبي ًا.‬
                                                                         ‫ح‬
 ‫إن معركة شَق َب سلسلة في حلقة من الهجمات المغولية على ديار اإلسالم، لقد كان السبب الذي‬
                                                ‫د‬                                    ‫ر‬
   ‫ح ّك المغول في معاركهم واحتالالتهم واح ًا، سواء كان فيما سبق سقوط بغداد أو كان بعدها.‬
     ‫فمن المعلوم أن بالد المسلمين قد تعرضت إلى أخطار من جهة أوربا النصرانية التي جيشت‬
  ‫الجيوش، وسيرت الحمالت الصليبية تلو الحمالت، وجاءت هذه القوى الباغية المعتدية إلى ديار‬
                                                         ‫د‬
  ‫المسلمين، فعاثت في األرض فسا ًا، وأهلكت الحرث والنسل، وانتهى بها األمر إلى أن تقيم في‬
                                                              ‫ال‬
 ‫قلب العالم اإلسالمي دو ً، منها إمارات الرها وأنطاكية وبيت المقدس وطرابلس، واستمر وجود‬
       ‫الصليبيين في بالد المسلمين قرابة قرنين، وقد أدرك المسلمون خطورة بقاء هذه اإلمارات‬
     ‫الصليبية في بالدهم، واستيقظ وعيهم، فقامت حركة الجهاد، يذكيها علماء األمة ومصلحوها،‬
                              ‫م‬
  ‫وتجاوب الناس معها، فكان توحيد الجبهة اإلسالمية غرضًا مه ًا، وكان لعماد الدين فضل كبير‬
 ‫في تحقيق ذلك، ثم جاء صالح الدين األيوبي، فاستطاع أن يقطف ثمرة جهاد الرجل العظيم نور‬
    ‫الدين، وانتصر في معركة حطين، واستطاع أن يطهر معظم بالد الشام من رجس الصليبيين.‬
        ‫واسترد المسلمون بيت المقدس وكل ما كان بأيدي النصارى من قالع وحصون، ولم يبق‬
      ‫للصليبيين إال جيوب يسيرة في أنطاكية وطرابلس والساحل بين صور ويافا. في هذا الوقت‬
                                 ‫ظهرت حركة المغول في أقصى الشرق بزعامة جنكيز خان.‬
   ‫إن الوجود النصراني في بالد الشام تضعضع بتوفيق اهلل ثم بسبب اليقظة التي بدأت تظهر، ثم‬
    ‫بسبب وجود بعض العمالقة من أمثال نور الدين وصالح الدين، ثم بسبب قيام عدد من رجال‬
   ‫الفكر والعلم والتوجيه بواجبهم، وانهار هذا الوجود النصراني بعد معركة حطين وغيرها، عند‬
                                                ‫د‬
‫ذلك فكر النصارى بأسلوب أكثر قوة وأشد عو ًا وأشنع وحشية وبربرية، فلم يجدوا إال التتار. وقد‬
     ‫اتجهت النصرانية نحو المغول راغبة في استمالتهم، وعقد أواصر الصداقة معهم لكسبهم إلى‬
                                                                                ‫ال‬
                                    ‫النصرانية أو ً، ولالستعانة بهم ضد أعدائهم المسلمين ثانيًا.‬
  ‫وهوالكو كانت له زوجة نصرانية، وبسببها عامل النصارى من رعاياه معاملة حسنة، ولما فتح‬
    ‫بغداد أعفى أهلها النصارى من القتل. ولما فتح المغول في عهده دمشق ودخلوها تساهلوا مع‬
                   ‫ن‬
        ‫النصارى من أهلها، حتى أصبحوا نتيجة لهذا التساهل يشربون الخمر عل ًا في رمضان،‬
    ‫ويرشونها على المسلمين، كما صاروا يمرون في الطرقات وهم يحملون الصلبان، ويجبرون‬
                                                             ‫المسلمين على احترامها وإجاللها.‬
 ‫لقد كان النصارى في أوربا يأملون في أن يعتنق المغول النصرانية، وأن يتم التحالف بينهم، وأن‬
   ‫يوجهوا ضربة قاصمة لإلسالم، غير أن هذه اآلمال لم تلبث أن تبددت بفضل من اهلل ثم بسبب‬
 ‫جهود دولة المماليك في مصر والشام، وإنزال الهزيمة الساحقة بالمغول في معركة عين جالوت‬
                ‫في رمضان سنة 616هـ، فتحطمت األسطورة القائلة: إن المغول قوة ال تقهر.‬
‫إن السبب في سير هذه الحملة التي وقعت فيها معركة شقحب كان رغبة قازان في تحطيم سلطان‬
‫المسلمين في مصر، واسترداد األرض المقدسة، وتسليمها إلى النصارى، وقازان كان يريد السير‬
   ‫بنفسه على رأس تلك الحملة، ولكن تهديد حدوده الشرقية أدى إلى أن ينيب عنه قطلوشاه الذي‬
‫تعاون مع النصارى، وال سيما األرمن الذين كانوا يشكلون قوة كبيرة في جيشه، وقد استولوا على‬
‫عدد من مدن المسلمين، وقتلوا فيها ومثلوا ونهبوا، وفعلوا األفاعيل البالغة في الفظاعة والشناعة.‬
                                            ‫د‬
‫كان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شدي ًا، يمأل صدور الناس ويوهن من قواهم، فكلما سمع‬
                                           ‫ه‬                                     ‫ْ‬
    ‫الناس قَصدَهم إلى بلد فروا من مواجهتهم، وقد س ّل هذا الرعب لهؤالء الغزاة المعتدين سبيل‬
                                                                                ‫النصر والغلبة.‬
‫وكان الخليفة المستكفي باهلل والسلطان الناصر مقيمين في مصر، ويبدو أن أخبار عزم التتار على‬
   ‫تجديد حمالتهم لدخول بالد الشام وإزالة دولة المماليك بلغ المسؤولين في مصر، فعمل العلماء‬
  ‫وأولو الفكر والرأي على إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤالء الغزاة، وقام شيخ اإلسالم‬
                                             ‫ابن تيمية رحمه اهلل بمهمة جسيمة في هذا المجال.‬
      ‫ففي شهر رجب من سنة 702هـ قويت األخبار بعزم التتار على دخول بالد الشام، فانزع‬
                                                          ‫د‬
  ‫الناس لذلك، واشتد خوفهم ج ًا كما يقول الحافظ ابن كثير، وقنت الخطيب في الصلوات، وشرع‬
        ‫الناس في الهرب إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخر مجيء العساكر‬
                                                                  ‫المصرية فاشتد لذلك الخوف.‬
            ‫م‬                  ‫ل‬     ‫د‬
‫ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البالد فسا ًا، وقِق الناس قلقًا عظي ًا لتأخر قدوم‬
                                                ‫د‬
‫السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفًا شدي ًا، وبدأت األراجيف تنتشر، وشرع المثبطون يوهنون من‬
    ‫عزائم المقاتلين، ويقولون: ال طاقة للمسلمين بلقاء التتار؛ لقلة المسلمين وكثرة التتار، وزينوا‬
 ‫للناس التراجع والتأخر، ولكن تأثير العلماء ـ والسيما شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل ـ كان‬
 ‫يتصدى لهؤالء المرجفين المثبطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا األمراء بالتصدي للتتار مهما كان‬
   ‫الحال، واجتمع األمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم ورعاياهم، ونودي‬
 ‫بالبلد دمشق أن ال يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم، وجلس القضاة بالجامع يشجعون‬
 ‫الناس على القتال، وتوقدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند، وكان‬
   ‫لشيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل أعظم التأثير في ذلك الموقف، فلقد عمل على تهدئة النفوس،‬
    ‫حتى كان االستقرار الداخلي عند الناس، والشعور باألمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب‬
‫عواطف األمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخالص، ثم توجه بعد ذلك ابن تيمية إلى‬
  ‫العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم فأعلمهم بما تحالف عليه األمراء من لقاء العدو، فأجابوا‬
                                                ‫ل‬
    ‫إلى ذلك. وكان شيخ اإلسالم ابن تيمية يَحِف لألمراء والناس: إنكم في هذه المرة منصورون،‬
‫فيقول له األمراء: قل: إن شاء اهلل، فيقول: إن شاء اهلل تحقيقًا ال تعليقًا، وكان يتأول في ذلك أشياء‬
 ‫من كتاب اهلل، منها قول اهلل تعالى: ذَلِ َ َ َنْ عَاقَ َ ِ ِث ِ مَا ُو ِ َ ِهِ ث َّ ُ ِيَ َلَيْهِ لَ َنصر َّ ُ َّ ُ‬
 ‫ب بم ْل ع قب ب ُم بغ ع ي ُ َنه الله‬                                  ‫ك وم‬
                                                                                         ‫ِن الل ُو ف ر‬
                                                                             ‫إ َّ َّهَ لَعَف ٌّ غَ ُو ٌ [الح : 06].‬
      ‫وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفت في عضد المحاربين للتتار، من نحو قولهم: كيف نقاتل‬
 ‫هؤالء التتار وهم يظهرون اإلسالم وليسوا بغاة على اإلمام؟! فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت‬
                           ‫ال‬
     ‫ثم خالفوه، فرد شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل هذه الشبهة قائ ً: هؤالء من جنس الخوارج‬
                                                                    ‫ي‬
        ‫الذين خرجوا على عل ّ ومعاوية رضي اهلل عنهما، ورأوا أنهم أحق باألمر منهما، وهؤالء‬
‫يزعمون أنهم أحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة.‬
                              ‫ال‬
‫وتفطن العلماء والناس لذلك، ومضى يؤكد لهم هذا الموقف قائ ً: إذا رأيتموني في ذلك الجانب ـ‬
‫يريد جانب العدو ـ وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم.‬
 ‫وامتألت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق، وخرج الشيخ ابن تيمية‬
  ‫رحمه اهلل من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بمشقة كبيرة وصحبته جماعة كبيرة،‬
 ‫ليشهد القتال بنفسه وبمن معه، فظن بعض الرعاع أنه خرج للفرار، فقالوا: أنت منعتنا من الجفل‬
   ‫وها أنت ذا هارب من البلد! فلم يرد عليهم إعراضًا عنهم وتواضعًا هلل، ومضى في طريقه إلى‬
                                                                                                ‫ميدان المعركة.‬
 ‫وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسوة، ووصل التتار فانزع الناس لذلك، وخافوا أن‬
   ‫يكون العساكر قد هربوا، وانقطعت اآلمال، وألح الناس في الدعاء واالبتهال في الصلوات وفي‬
 ‫كل حال. وذلك في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان، فلما كان آخر هذا اليوم وصل أحد‬
‫أمراء دمشق، فبشر الناس بأن السلطان قد وصل وقت اجتماع العساكر المصرية والشامية، وتابع‬
  ‫التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمع العساكر،‬
                           ‫غ‬                                                                ‫ي‬
      ‫ولم َشغلوا أنفسهم باحتالل دمشق، وقالوا: إن غَلبنا فإن البلد لنا، وإن ُلبنا فال حاجة لنا به.‬
    ‫وحيل بين الناس وبين خبر الجيش، وانقطعت الطرق إلى الكسوة، وظهرت الوحشة على البلد‬
                   ‫ال‬
‫والحواضر، وليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينًا وشما ً وإلى ناحية الكسوة،‬
 ‫فتارة يقولون : رأينا غبرة فيخافون أن تكون من التتر، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة‬
                                                                                       ‫ُد‬
  ‫ع ّتهم وعددهم أين ذهبوا؟! فال يدرون ما فعل اهلل بهم، فانقطعت اآلمال وألح الناس في الدعاء‬
    ‫واالبتهال وفي الصلوات وفي كل حال، وكان الناس في خوف ورعب ال يعبر عنه، لكن كان‬
       ‫غ َر‬
‫الفرج من ذلك قريبًا، ولكن أكثرهم ال يعلمون، (( عجب ربك من قنوط عباده وقرب ِي ِه، ينظر‬
                                    ‫إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب )).‬
                                     ‫ع‬
 ‫وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي، ف ُلقت القناديل وصليت التراويح، واستبشر‬
                              ‫م‬
     ‫الناس بشهر رمضان وبركته، وأصبح الناس يوم الجمعة في ه ّ شديد وخوف أكيد؛ ألنهم ال‬
                                                                       ‫يعلمون ما خبر الناس .‬
    ‫د‬
   ‫أصبح الناس يوم السبت على ما كانوا عليه من الخوف وضيق األمر، فرأوا من المآذن سوا ًا‬
‫وغبرة من ناحية العسكر والعدو، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى اهلل عز‬
    ‫وجل بالدعاء في المساجد والبلد، وض البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم‬
‫غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من‬
 ‫نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في شقحب، وفيها طلب الدعاء‬
    ‫من الناس واألمر بحفظ القلعة والتحرز على األسوار، فدعا الناس في المآذن والبلد، وانقضى‬
                                                           ‫ال‬            ‫م‬
 ‫النهار، وكان يو ًا مزعجًا هائ ً. ووقفت العساكر قريبًا من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي،‬
   ‫وطلبوا من شيخ اإلسالم ابن تيمية أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار‬
   ‫إليه، فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعًا، فسأله‬
    ‫السلطان أن يقف في معركة القتال، فقال له الشيخ ابن تيمية: السنة أن يقف الرجل تحت راية‬
                                      ‫ر‬
   ‫قومه، ونحن من جيش الشام ال نقف إال معهم. وح ّض السلطان على القتال، وبشره بالنصر،‬
‫وجعل يحلف باهلل الذي ال إله إال هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له األمراء: قل:‬
                                                           ‫ق‬
                                              ‫إن شاء اهلل، فيقول: إن شاء اهلل تحقي ًا ال تعليقًا.‬
                                             ‫ض‬
  ‫وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أي ًا، وكان يدور على األجناد واألمراء، فيأكل من‬
                                                                    ‫ي‬
              ‫شيء معه في يده، ل ُعلمهم أن إفطارهم ليتقووا به على القتال أفضل من صيامهم.‬
   ‫ونظم المسلمون جيشهم أحسن تنظيم في سهل شقحب، وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه‬
                                                     ‫الخليفة المستكفي باهلل والقضاة واألمراء.‬
               ‫ر‬                                                      ‫ت‬
    ‫وقبل بدء القتال ا ُخذت االحتياطات الالزمة، فمر السلطان ومعه الخليفة والق ّاء بين صفوف‬
   ‫جيشه، بقصد تشجيعهم على القتال وبث روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي‬
                                                               ‫تحض على الجهاد واالستشهاد.‬
              ‫قي‬
‫ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده ف ُ ّد حتى ال يهرب،‬
    ‫وبايع اهلل تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة في سبيل اهلل،‬
                                                                   ‫َ َق‬
        ‫وصدق اهلل فصد َه اهلل. وجرت خطوب عظيمة، وقتل جماعة من سادات األمراء يومئذ،‬
        ‫ي‬
   ‫واحتدمت المعركة وحمي الوطيس، واستحر القتل، واستطاع المغول في بادئ األمر أن ُنزلوا‬
                                                      ‫ق‬      ‫ق‬
‫بالمسلمين خسارة عظيمة، ف ُتل من ُتل من األمراء، ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل اهلل عز‬
                        ‫ي‬
   ‫وجل، وثبت المسلمون أمام المغول، وقَتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغ ّر وجه المعركة، وأصبحت‬
       ‫الغلبة للمسلمين، وبقوا هناك طوال الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك‬
      ‫د ر‬
‫المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تتبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عد ًا كبي ًا، كما‬
                                    ‫ق‬
                       ‫أنهم مروا بأرض موحلة، وهلك الكثيرون منهم فيها، و ُبض على بعضهم.‬
  ‫قال ابن كثير رحمه اهلل: "فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال واآلكام، فأحاط بهم‬
    ‫المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحد إلى وقت الفجر، فقَتلوا منهم ما ال‬
                   ‫يعلم عدده إال اهلل عز وجل، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقهم".‬
  ‫ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين يقتلون منهم ويأسرون، ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة‬
      ‫زيادته، فلم يقدروا على العبور، والذي عبر فيه هلك، فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع‬
                               ‫أكثرهم على شاطئ الفرات، وأخذ أهل العراق منهم جماعة كثيرة.‬
   ‫وفي يوم االثنين الرابع من رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق، فبشروا الناس بالنصر،‬
 ‫وفيه دخل شيخ اإلسالم ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له،‬
   ‫وهنؤوه بما يسر اهلل على يديه من الخير. وفي يوم الثالثاء الخامس من رمضان دخل السلطان‬
                                                          ‫زي‬
  ‫إلى دمشق، وبين يديه الخليفة، و ُّنت البلد، وبقيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادوا بعدها إلى‬
                                                                                ‫الديار المصرية.‬
            ‫ر‬
 ‫وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قالوون والمسلمين بهذه المعركة فرحًا كبي ًا، ودخل مصر‬
                                     ‫ي‬
‫دخول الظافر المنتصر، يتقدم موكبه األسرى المغول، َحملون في أعناقهم رؤوس زمالئهم القتلى،‬
                                                                                            ‫ت‬
                                                                       ‫واس ُقبل استقبال الفاتحين.‬
 ‫وقد كان لشيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل مواقف بطولية عظيمة في هذه المعركة، قال ابن عبد‬
    ‫الهادي: "قال حاجب أمير وكان ذا دين متين: قال لي الشيخ يوم اللقاء وقد تراءى الجمعان: يا‬
‫فالن، أوقفني موقف الموت، قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من‬
‫تحت الغبار المنعقد عليهم، ثم قلت له: يا سيدي، هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه‬
                                        ‫َ ْف‬
    ‫الغبرة المنعقدة، فدونك ما تريد، قال: فرفع طر َه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه‬
                                 ‫خي ي‬             ‫م‬                                      ‫ال‬
 ‫طوي ً، ثم انبعث وأقدم على القتال. يقول: وأ ّا أنا ف ُ ّل إل ّ أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب‬
                ‫منه في تلك الساعة. ثم حال القتال بيننا وااللتحام، وما عدت رأيته حتى فتح اهلل".‬
               ‫ة‬
  ‫ودخل جيش اإلسالم المنصور إلى دمشق والشيخ في أصحابه شاكيًا سالحه، عالي ً كلمته، قائمة‬
                                                                              ‫ة‬
 ‫حجته، ظاهر ً واليته، مقبولة شفاعته، مجابة دعوته، مكرمًا معظمًا، ذا سلطان وكلمة نافذة، وهو‬
                                                                         ‫د‬
     ‫مع ذلك يقول للم ّاحين: أنا رجل ملة ال رجل دولة. وهكذا انتهت هذه المعركة بهزيمة التتار‬
                                                                             ‫وانتصار المسلمين.‬
      ‫وجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذه الحملة الثالثة من حمالت التتار كانت هي آخر الحمالت‬
             ‫الكبرى التي قام بها هؤالء المتوحشون، ينقضون على بالد اإلسالم اآلمنة المطمئنة.‬
    ‫ثم إن المغول دخلوا في دين اهلل العظيم، وكانت هذه معجزة لإلسالم، وأصبح هؤالء القوم بعد‬
                                                                                           ‫د‬
                                                             ‫إسالمهم مد ًا لقوة اإلسالم وتياره المستمر.‬
                                                                    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                              ‫أما بعد: ولنا مع هذه المعركة عدة وقفات:‬
                                                                                         ‫ال‬
     ‫أو ً: دور العلماء في قيادة األمة في أزماتها، فقد كان دور شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل‬
                                                                                   ‫ح‬
      ‫واض ًا في هذه المعركة، والدور العظيم الذي قام به لوحده مع انهزام الجميع من حوله في‬
                                                                           ‫م‬
  ‫البداية، ودوره في ل ّ شمل المسلمين وتقوية قلوبهم بالثبات، وثقته الكبيرة والقوية باهلل في مسألة‬
                                                                                                       ‫النصر.‬
      ‫إن حركات اإلصالح في حياة األمة ال بد أن يتوالها ويأخذ بيدها العلماء، ولو تأملنا مراحل‬
    ‫التغيير وحركات اإلصالح في العالم اإلسالمي لرأينا أن العلماء الربانيين المخلصين كانوا في‬
     ‫مقدمتها، خصوصًا في الدول اإلسالمية التي وقعت في فترة من فتراتها تحت ظل االستعمار‬
     ‫الغربي، وتجد أن الذي قاوم االستعمار وأن الذي أيقظ وألهب روح الجهاد وتحرير البالد هم‬
                                                                                            ‫العلماء العاملون.‬
       ‫ال‬
 ‫نعم، قد يكون هناك من له دور بارز في جانب معين ويؤثر في الناس، كقائد عسكري مث ً ينتقل‬
      ‫باألمة من انتصار إلى آخر، أو خطيب مفوه يؤثر في مستمعيه ويفيدهم، كل هذا وارد، لكن‬
   ‫االنقالب في حياة األمة والتغيير الشامل الكامل من حال المرض إلى الصحة ومن الضعف إلى‬
‫القوة ومن الذلة والتدهور إلى العزة والتقدم، هذه الحالة وهذا التغيير ال يمكن أن يكون في مقدمته‬
          ‫خطيب أو داعية أو قائد جيش، بل ال بد أن يكون الرأس فيه عالمًا من علماء الشريعة.‬
                                                                    ‫ي‬
       ‫إن علماء أية أمة وأ ّ مجتمع ال بد أن يكونوا هم في مقدمة الناس، يوجهونهم ويرشدونهم،‬
                                       ‫ي‬              ‫ي‬
‫ويبثون الوعي فيهم، وال يمكن أل ّ مجتمع وال أل ّ واقع أن يتخلص من سيطرة أعدائه عليه وأن‬
                                         ‫يحصل إصالح عام بين الناس إذا تخلى العلماء عن دورهم.‬
    ‫ثانيًا: معركة شقحب كانت في رمضان، ورمضان كما نعلم أنه شهر الفتوحات واالنتصارات،‬
 ‫والسبب في ذلك هو قرب الناس من اهلل في هذا الشهر وبعدهم عن المعاصي. فال يمكن لألمة أن‬
                                  ‫ب‬
‫تنتصر وهي غارقة في أوحال المعصية. المعاصي سب ُ كل عناء، وطريق كل تعاسة وشقاء، ما‬
‫حلت في ديار إال أهلكتها، وال فشت في مجتمعات إال دمرتها وأزالتها، وما أهلك اهلل تعالى أمة إال‬
       ‫بذنب، وما نجا من نجا وفاز من فاز إال بتوبة وطاعة، قال اهلل تعالى: ظَهرَ الْفَ َاد ِي الْب ِّ‬
       ‫َ س ُ ف َر‬
                            ‫َّ عمل عَّ ُ َ جع‬               ‫الن ليذ ُ ب ْ‬                  ‫و ْر بم سب‬
            ‫َالْبَح ِ ِ َا كَ َ َتْ أَيْدِي َّاسِ ِ ُ ِيقَهمْ َعضَ الذِي َ ُِوا لَ َلهمْ يرْ ِ ُونَ [الروم: 51].‬
                              ‫د‬                          ‫م‬
    ‫وكتاب اهلل تعالى خير شاهد، فقد ع ّ قوم نوح الغرق، وأهلكت عا ًا الريح العقيم، وأخذت ثمود‬
     ‫ب ب م ُ م َ س ع ح صب وم ُ م‬                                                ‫ك‬                          ‫ق‬
   ‫الصيحة، و ُلبت قرى قوم لوط عليهم، فَ ُالً أَخَذْنَا ِذَنْ ِهِ فَ ِنْهمْ َنْ أرْ َلْنَا َلَيْهِ َا ِ ًا َ ِنْهمْ َنْ‬
      ‫الله ل لمه و ك ن‬                         ‫وم ُ م ْ َ ْ و‬              ‫ب َ‬                 ‫َ ه الص حة وم ه م‬
    ‫أَخذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْ ُمْ َنْ خَسَفْنَا ِهِ األرْضَ َ ِنْهمْ َنْ أَغرقنَا َمَا كَانَ َّ ُ ِيَظِْ َ ُمْ َلَ ِنْ كَا ُوا‬
                                                                                                               ‫فس ُ لم‬
                                                                                            ‫أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُونَ [العنكبوت: 01].‬
             ‫لقد فشا الربا في مجتمعات المسلمين، وكثر الزنا، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت‬
      ‫المخدرات، وكثر أكل الحرام وتنوعت فيه الحيل، شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات‬
‫ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، ودخل الغناء أغلب البيوت، وتربى الصغار والكبار‬
     ‫على ما تبثه وسائل اإلعالم، وتساهل الناس في شأن القنوات الفضائية، وفشت رذائل األخالق‬
 ‫ومستقبح العادات في البنين والبنات، وتسكعت النساء في الشوارع واألسواق، وكثرت المغازالت‬
    ‫والمعاكسات، وتساهل البعض حتى في شأن الصلوات، إلى غير ذلك من المنكرات والمخالفات‬
      ‫التي ال عد لها وال حصر، فإلى متى الغفلة عن سنن اهلل؟! ونعوذ باهلل من األمن من مكر اهلل.‬
   ‫إن المجتمعات حين تغفل عن سنن اهلل فتغرق في شهواتها وتضل طريقها وتتنكب شريعة ربها،‬
          ‫إنها ال تلوم بعد ذلك إال نفسها، إنها سنة اهلل حين تفشو المنكرات وتقوم الحياة على الذنوب‬
                                                                                                                                ‫واآلثام.‬
      ‫إن االنحالل الخلقي وفشو الدعارة وسلوك مسالك اللهو والترف طريق إلى عواقب السوء، إذ‬
   ‫تترهل النفوس، وترتع في الفسق والمجون، وتستهتر بالقيم، وتهين الكرامات، فتنتشر الفواحش،‬
             ‫ت‬
          ‫وترخص القيم العالية فتتحلل األمة، وتسترخي وتفقد قوتها وعناصر بقائها، فتهلك و ُطوى‬
                                                                                                                              ‫صفحتها.‬
                                                                ‫د‬
    ‫نعم، إن االستمرار في محا ّة أمر اهلل وشرعه واالستمرار على الذنوب والخطايا وعدم اإلقالع‬
       ‫يهدم األركان، ويقوض األساس، ويزيل النعم، وينقص المال، وترتفع األسعار، وتحل الهزائم‬
                                        ‫الحربية، وقبلها الهزائم المعنوية، ولقد أصابنا من ذلك الشيء الكثير.‬
 ‫و َ س ف َ ية‬
 ‫إن الحق أبل ، والدين واضح، وسنن اهلل لن تتغير ولن تتبدل، قال اهلل تعالى: َمَا أرْ َلْنَا ِي قرْ َ ٍ‬
         ‫َّي حس َت‬                       ‫س ء و َّر َل ُ ي َّرع ُم َد م‬                                                 ‫م ِي إ َ‬
 ‫ِنْ نَب ٍّ ِال أَخذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْ َا ِ َالض َّاءِ لَعَّهمْ َض َّ ُونَ ث َّ ب َّلْنَا َكَانَ السِّئَةِ الْ َ َنَةَ ح َّى عَفَوا‬
       ‫ُ ب ة ه ْ ي ُر ن و َن ْ ُر من‬                                            ‫َّر ء و َّر ُ‬          ‫َ ل َ َس ب ء‬
     ‫وقَاُوا قدْ م َّ آ َا َنَا الض َّا ُ َالس َّاء فَأَخَذْنَاهمْ َغْتَ ً وَ ُم ال َشْع ُو َ َلَوْ أ َّ أَهلَ الْق َى آ َ ُوا‬
‫ن ي سب َ أم ْل‬                      ‫َ ُ ب‬             ‫ع ه بر ت م الس ء و َ ْض و ك َذب‬                                        ‫َات‬
‫و َّقَوْا لَفَتَحْنَا َلَيْ ِمْ َ َكَا ٍ ِنْ َّمَا ِ َاألر ِ َلَ ِنْ ك َّ ُوا فَأَخذْنَاهمْ ِمَا كَاُوا َكْ ِ ُونَ أفََ ِنَ أَه ُ‬
      ‫ي تي ُ س ضح و ُ ي عب ن‬                            ‫م ْل ق‬                     ‫ُ ئم‬              ‫تي ُ س بي‬                         ‫ُ‬
      ‫الْقرَى أَنْ يَأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا َ َاتًا وَهمْ نَا ِ ُونَ أَوَ أَ ِنَ أَه ُ الْ ُرَى أَنْ َأْ ِ َهمْ بَأْ ُنَا ُ ًى َهمْ َلْ َ ُو َ‬
                                                  ‫ِر‬        ‫من م ْ الل ِال ْم‬                     ‫َ من م ْ الل ِ‬
                              ‫أفَأَ ِ ُوا َكرَ َّه فَال يَأْ َ ُ َكرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ [األعراف:12-22].‬
   ‫ثالثًا: خطورة النصارى وحقدهم على المسلمين، والمحاولة بعد المحاولة في االستيالء على بالد‬
                                                                                     ‫المسلمين واستعمارها ونهب خيراتها.‬
 ‫إن من سنن اهلل الثابتة في هذا الكون ديمومة صراعنا نحن المسلمين مع النصارى، وأنه سيستمر‬
 ‫إلى نهاية العالم، وقد ورد ما يشير إلى بقاء هذا الصراع في الكتاب الذي بعثه الرسول إلى هرقل‬
  ‫بطريق غير مباشر؛ حيث قال: ((فإن توليت فإن عليك إثم األريسيين))، واألصرح منه قول اهلل‬
 ‫َ م ث ُ س َظ ِم ذ ِّر ب ِ ْر ب ُ َد وة‬                                                   ‫وم َّذ َ ل ِن ص‬
 ‫تعالى: َ ِنْ ال ِين قَاُوا إ َّا نَ َارَى أَخذْنَا ِي َاقَهمْ فَنَ ُوا ح ًّا م َّا ُك ُوا ِه فَأَغ َيْنَا َيْنَهمْ الْع َا َ َ‬
                                          ‫ن ي ع‬              ‫قي م و ْ ي َبئ ُ الله ب‬                      ‫و ب ض إل‬
                        ‫َالْ َغْ َاءَ َِى يَوْمِ الْ ِ َا َةِ َسَوفَ ُن ُِّهمْ َّ ُ ِمَا كَا ُوا َصْنَ ُونَ [المائدة: 15].‬
                                                                                         ‫ذ‬
 ‫إ ًا صراع اإلسالم والنصرانية سيستمر إلى قيام الساعة، وهو فتنة ابتلى اهلل بها المسلمين، وهذا‬
                                                                                                           ‫َ َر‬
                                                                          ‫قد ُهم وما عليهم إال الصبر والمواجهة.‬
  ‫وانطالقًا من إيماننا بالغيب وثقة بما أخبر به الرسول فنحن على موعد مع النصارى في ملحمة‬
       ‫عظيمة، وسيتحقق ما أخبر به الرسول ، وسترفرف رايات المجاهدين فوق دول النصارى،‬
 ‫وسيطأ المسلمون بأقدامهم عاصمة الفاتيكان الحالية روما، وستلتحم هذه األمة مع أعدائها ويكون‬
                                   ‫ي‬
        ‫الغلبة لها، وستقع المعركة الفاصلة مع النصارى، وس ُكسر الصليب فوق رؤوس أصحابه،‬
   ‫ب‬
 ‫وستكون معركة شديدة قوية، وسيكون قتالها عدد كبير من الطرفين، قل: عسى أن يكون قري ًا.‬
  ‫رابعًا: ما أشبه الليلة بالبارحة، إن من يتأمل على ضوء أحداث الماضي أحوال المسلمين وكيف‬
 ‫تتعرض بالدهم إلى االحتالل والتقسيم، ليجد عبرة عظمى وموعظة بليغة في معركة شقحب، إ َّ‬
 ‫ِن‬
                                               ‫هو ه‬            ‫ق الس‬           ‫ه ب‬                 ‫َذ ْ لم‬             ‫ف‬
                                    ‫ِي ذَلِكَ ل ِكرَى ِ َنْ كَانَ لَ ُ قَلْ ٌ أَوْ أَلْ َى َّمْعَ وَ ُ َ شَ ِيد [ق: 23].‬
                        ‫اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين، اللهم عليك باليهود والنصارى...‬

‫(5/5671)‬




                                                                                                                     ‫الرشوة‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                     ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫عبد الرحمن بن علي العسكر‬
                                                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                                                         ‫عبد اهلل بن عمر‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- األمر بمخالفة األمم السابقة. 7- الرشوة من صفات اليهود. 3- فتنة المال. 1- مفاسد‬
     ‫الرشوة. 1- ذم الرشوة. 6- بين الهدية والرشوة. 2- خطر انتشار الرشوة. 6- التحذير من‬
                                                                                        ‫تسمية الرشوة بغير اسمها.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
     ‫بب‬           ‫َاتق الل أ ل‬
     ‫أما بعد: فيا أيها الناس، الخير كله والصالح والفالح في تقوى اهلل، ف َّ ُوا َّهَ يَا ُوِي األَلْ َا ِ‬
                                                                                                        ‫َل ُ ت ح‬
                                                                                      ‫لَعَّكمْ ُفْلِ ُونَ [المائدة:005].‬
 ‫عباد اهلل، أعاد القرآن وكرر من األمر بمخالفة األمم السابقة، وأمرنا أن ال نسلك ما سلكوا فنهلك‬
   ‫كما هلكوا، وقال : ((ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشي أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على‬
  ‫من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم))، ولقد أخبر الرسول عن هذه األمة أنها ستفعل مثل ما فعل‬
‫من قبلهم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)). أال‬
                                                                              ‫حذ‬
                                 ‫وإن من أعظم من ِّرنا أن نقع فيما وقعوا فيه هم اليهود والنصارى.‬
‫عباد اهلل، إن فيما قصه اهلل علينا في كتابه من أخبار الماضين في معرض الذم لهم واإلنكار عليهم‬
                                       ‫ما يحمل أرباب العقول على اجتناب طريقهم والبعد عن مسالكهم.‬
‫َم ع ل َذب‬
‫وإن مما أخبرنا اهلل سبحانه من صفات اليهود أنهم كانوا أكالين للسحت فيما بينهم: س َّا ُونَ ِلْك ِ ِ‬
      ‫و َر‬                               ‫ْر ع ُ‬              ‫ك ب ُ‬               ‫ء‬       ‫َك ل ِلس ِ إ‬
     ‫أ َّاُونَ ل ُّحْت فَِنْ جَا ُوكَ فَاحْ ُمْ َيْنَهمْ أَوْ أَع ِضْ َنْهمْ [المائدة:71]، ويقول سبحانه: َت َى‬
           ‫ي ُ‬               ‫ب س م ن ي مل‬                   ‫ر م ُ يس رع َ ف إل ْم و ُ و ن و ل ِ الس‬
         ‫كَثِي ًا ِنْهمْ ُ َا ِ ُون ِي ا ِث ِ َالْعدْ َا ِ َأَكِْهمْ ُّحْتَ لَ ِئْ َ َا كَا ُوا َعْ َُونَ لَوْال َنْهَاهمْ‬
                          ‫ن ي ع‬               ‫بس‬           ‫َّب ني ن و ب ر ع ْ ل ِ إل ْم و ل ِ الس‬
     ‫الر َّا ِ ُّو َ َاألَحْ َا ُ َن قَوِْهمْ ا ِث َ َأَكِْهمْ ُّحْتَ لَ ِئْ َ مَا كَا ُوا َصْنَ ُونَ [المائدة:76، 36].‬
      ‫يقول ابن مسعود: (السحت هو الرشا)، وقال عمر بن الخطاب: (رشوة الحاكم من السحت)،‬
    ‫وروى ابن جرير عن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل قال: ((كل لحم نبت من سحت‬
       ‫فالنار أولى به))، قيل: يا رسول اهلل، وما السحت؟ قال: ((الرشوة في الحكم)). وقال الحسن‬
                       ‫م‬
    ‫رحمه اهلل: "كان الحاكم من بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في ك ّه فأراها إياه وتكلم‬
 ‫بحاجته، فيسمع منه وال ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب، س َّا ُونَ ِلْك ِبِ أ َّاُو َ‬
 ‫َم ع ل َذ َك ل ن‬
                                                                                                                 ‫ِلس‬
                                                                                              ‫ل ُّحْتِ [المائدة:71]".‬
                         ‫ر‬
  ‫عباد اهلل، إن المال فتنه أي فتنة، وإن اإلنسان متى فتح لنفسه باب ش ٍ من طريقه فلن يغلق. أال‬
     ‫و ُ ب ك ب ط وُ ل‬                            ‫و كل‬
   ‫وإن من طرق أكل المال الحرام ما جاء في قوله تعالى: َال تَأْ ُُوا أَمْ َالَكمْ َيْنَ ُمْ بِالْ َا ِلِ َتدُْوا‬
                                    ‫إل ْم و ُ م‬                   ‫ُك ل كل ر ق م و الن‬                              ‫به إل‬
  ‫ِ َا َِى الْح َّامِ ِتَأْ ُُوا فَ ِي ًا ِنْ أَمْ َالِ َّاسِ بِا ِث ِ َأَنْتمْ تَعْلَ ُونَ [البقرة:665]، فنهى اهلل المسلم‬
 ‫أن يأكل مال غيره بالباطل، وصورها في صورة الرشوة التي يصانع بها صاحب الحاجة الحاكم‬
    ‫ب ر َالر ب ن‬              ‫ي َي َّذ ن َن ِن ر م‬
    ‫لينال حق غيره، ولقد فسر قول اهلل سبحانه: َا أ ُّهَا ال ِي َ آم ُوا إ َّ كَثِي ًا ِنْ األَحْ َا ِ و ُّهْ َا ِ‬
                                                                               ‫و الن س ب ط‬                   ‫كل‬
                                                ‫لَيَأْ ُُونَ أَمْ َالَ َّا ِ بِالْ َا ِلِ [التوبة:13] بأنه أكل الرشوة.‬
  ‫الرشوة ـ عباد اهلل ـ مرض فتاك يفسد األخالق، ويسري في األمة حتى يوردها موارد التلف،‬
                                                    ‫م‬
 ‫ما خالطت الرشوة عمالً إال أفسدته، وال نظا ًا إال قلبته، وال قلبًا إال أظلمته، ما فشت الرشوة في‬
‫أمةٍ إال وحل فيها الغش محل النصح، والخيانة محل األمانة، والخوف جاء بدل األمن، والظلم بدل‬
                                                                                        ‫العدل.‬
                                ‫ر‬               ‫معط‬
 ‫الرشوة ـ أيها الناس ـ مهدرة الحقوق، ِّلة للمصالح، مج َأَة للظلمة والمفسدين، ما فشت في‬
  ‫مجتمع إال وآذنت بهالكه، تساعد على اإلثم والعدوان، تقدم السفيه الخامل، وتبعد المجد العامل،‬
                                               ‫ي‬                   ‫ال‬
     ‫تجعل الحق باط ً والباطل حقًا، كم ضّعت الرشوة من حقوق، وكم أهدرت من كرامة، وكم‬
                                                              ‫رفعت من لئيم وأهانت من كريم.‬
‫الرشوة ـ أيها الناس ـ نقص في الديانة، وضياع لألمانة، وعالمة على الخيانة، انتشرت الرشوة‬
‫بين اليهود فكانت أمتهم تعيش بالمحاباة والرشا في األحكام، ففسدت بينها أمور المعامالت، وكذلك‬
‫استبدلت الطمع بالعفة. كان اليهود ورؤساؤهم أكالين للسحت من رشوة وغيرها من الدناءات، كما‬
 ‫هو دأب األمم في عهود فسادها وأزمان انحطاطها، وما كان عليه أسالفهم في الماضي فهم عليه‬
      ‫اليوم، ما تسقط شركة من شركات يهود إال وفضائح الرشوة تالحقها، بل ما يزول حاكم من‬
                              ‫حكامهم إال وأول تهمة توجه إليه هي أخذه للرشوة ومحاباته لغيره.‬
   ‫عباد اهلل، الرشوة ملعون صاحبها على لسان رسول اهلل ، روى الترمذي وأحمد وابن حبان عن‬
   ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((لعن اهلل الراشي والمرتشي))، وفي رواية عند‬
      ‫أحمد: ((والرائش)) وهو الذي يمشي بينهما. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس‬
                         ‫رضي اهلل عنهما قال: (الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت).‬
           ‫ت‬       ‫ِ‬                                                 ‫ذ‬
  ‫ولما بعث رسول اهلل معا ًا إلى اليمن أرسل في أثره، فلما جاءه قال: ((أتدري لمَ بعث ُ إليك؟ ال‬
       ‫تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض‬
                                                                        ‫لعملك)) رواه الترمذي.‬
‫عباد اهلل، الهدية مندوب إليها، بل لقد قال رسول اهلل : ((تهادوا تحابوا))، لكن متى ما كانت الهدية‬
‫سبيالً إلى حرام فإنها حرام، يقول ابن التين: هدايا العمال رشوة ليست بهدية، إذ لوال العمل لم يهد‬
    ‫له، وهدية القاضي سحت، وإذا قلبها وضعها في بيت المال، فقيل له: إن رسول اهلل كان يقبل‬
                                                ‫الهدية! فقال: إنها كانت هدية، وهي اآلن رشوة.‬
                                                                     ‫م‬         ‫ي‬
                                             ‫إذا أتت الهد ّة دار قو ٍ…تطايرت األمانة من كواها‬
                    ‫ال‬
‫روى البخاري في صحيحه عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي رج ً من بني أسد يقال له:‬
                                            ‫أ‬
    ‫ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا ُهدي إلي، فقام النبي على المنبر فحمد اهلل‬
  ‫وأثنى عليه ثم قال: ((ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا أهدي إلي؟! فهال جلس في‬
   ‫بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم ال؟! والذي نفسي بيده، ال يأتي بشيء إال جاء به يوم القيامة،‬
                                                             ‫ر‬
  ‫يحمله على رقبته، إن كان بعي ًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تعير))، ثم رفع يديه حتى‬
 ‫عفرتي إبطيه ـ يعني بياضهما ـ وقال: ((أال هل بلغت؟)) ثالثًا. وعن بريدة رضي اهلل عنه أن‬
 ‫النبي قال: ((من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا ـ أي: منحناه مرتبًا ـ فما أخذ بعد ذلك فهو‬
                                                                 ‫غلول)) رواه أحمد وأبو داود.‬
  ‫أيها الناس، إن وجود الرشوة وانتشارها في قوم مؤذن بخطر عظيم، فقد روى اإلمام أحمد وأبو‬
                                     ‫ع‬
     ‫عبيد وابن أبي الدنيا وصححه الحافظ ابن حجر عن ُليم قال: كنت مع عابس الغافري على‬
            ‫م‬                          ‫ج‬                               ‫م‬
      ‫سطح، فرأى قو ًا يتحملون من الطاعون ـ أي: يتو ّعون ـ فقال: ما لهؤالء يتح ّلون من‬
        ‫ن‬        ‫ِ‬
 ‫الطاعون؟ يا طاعون خذني إليك، يا طاعون خذني إليك، فقال له أحد الصحابة: لمَ تتم َّى الموت‬
                                                     ‫نن‬
     ‫وقد سمعت رسول اهلل يقول: ((ال يتم ّي ّ أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله))؟! فقال: إني‬
                                       ‫ال ت‬
   ‫سمعت رسول اهلل يقول: ((بادروا باألعمال خصا ً س ًا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة‬
                                                 ‫و‬
 ‫الرحم، وبيع الحكم، واستخفافًا بالدم، ونش ًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليس بأفقههم‬
                                                            ‫ن‬
‫وال أعلمهم، ما يقدمونه إال ليغّيهم)). والمقصود بيع الحكم كما فسره العلماء: هو تولية المناصب‬
                                                                            ‫عن طريق الرشوة.‬
                                  ‫د‬
    ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعتبروا بمن مضى قبلكم من األمم المحا ّة هلل والمعتدية على حدود اهلل،‬
             ‫كيف حلت بهم نقمة اهلل، وكيف توعد اهلل من سلك سبيلهم واجترأ على معاصي اهلل.‬
 ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه‬
                                                                          ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الذي جعل لنا في الحالل غنيةً عن الحرام، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
  ‫ع‬
 ‫وعد من اتقاه أن يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث ال يحتسب، فله الحمد يهدي إلى الرشد وي ِد‬
                                           ‫د‬
  ‫بالرزق ويفيض النعم ويدفع النقم، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله المأمور بأكل الطيبات والعمل‬
                              ‫بالصالحات، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.‬
         ‫ل‬
     ‫أما بعد: فيا أيها الناس، قاعدة عظيمة ينبغي لكل مؤمن أن يجعلها نصب عينيه في ك ّ عمل‬
‫يعمله، يقول الرسول : ((إن الحالل بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمهن كثير‬
‫من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)).‬
              ‫سم‬                                                       ‫تفن‬
      ‫عباد اهلل، إن ُّن الناس في تسمية الرشوة بغير اسمها ال يخرجها عن حكمها، َّوها بغير‬
                                        ‫ر‬                                    ‫ق‬
 ‫اسمها، ول ّبوها بألقاب تخدع السذج من الناس وتس ّ الغششة، حتى انتشرت الرشوة بينهم انتشار‬
            ‫النار في يابس الحطب، حتى أفسدت كثي ًا من الذمم، الطالب يعطي أستاذَه، الموظ‬
  ‫َّف يهدي إلى‬                                    ‫ر‬
                           ‫و‬
   ‫مديره، صاحب الحاجة يقيم مأدبة لمن هو محتاج إليه، في ص َر أفسدت العمال على أصحاب‬
 ‫العمل، يجعلون الخدمة لمن يدفع أكثر، ومن ال يدفع فال حول لهم وال قوة، ال يجد اإلنسان أمامه‬
                                                                  ‫ك‬
   ‫إال نفوسًا منهومة وقلوبًا من ّسة، ولو كانوا صادقين في إباحة ما أخذوا ما بالهم ال يعلنونه أمام‬
                                                                                         ‫المأل؟!‬
             ‫ر‬
     ‫أيها الناس، إن من قصور النظر أن يظن أن الرشوة ال تعدو أن تكون ماالً يتب ّع به شخص‬
                         ‫ّ‬
‫آلخر، إن كل منفعة كائنة ما كانت بذلت لجلب منفعة أخرى بغير حق فهي داخلة في الرشوة، ألم‬
   ‫تروا إلى اليهود يقول الرسول عنهم: ((قاتل اهلل اليهود لما حرمت عليهم شحوم الميتة جملوها‬
    ‫ض ر‬
    ‫وأذابوها، ثم باعوها وأكلوا ثمنها))؟! ويقول فضالة بن عبيد رضي اهلل عنه: "كل قر ٍ ج ّ‬
   ‫منفعة فهو وجه من وجوه الربا"، ويقول على بن أبي طالب رضي اهلل عنه: (يأتي على الناس‬
                                                                                          ‫َّ‬
                                                                      ‫زمان يستحل فيه السحت بالهدية).‬
                                                    ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وراقبوه في سركم وعالنيتكم.‬
   ‫ِن الل وم ئ ه ي َل ن‬
   ‫وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد قال سبحانه: إ َّ َّهَ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّو َ‬
                                            ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
                        ‫ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61]...‬

‫(5/7671)‬




                                                                           ‫التحذير من المخدرات ومرو‬
                                                                       ‫ِّجيها‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                          ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                        ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                           ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- نعمة العقل. 7- حياة المؤمن. 3- الساعون في األرض فسادا. 1- أضرار المخدرات. 1-‬
                                                              ‫د‬
 ‫مروجو المخدرات أش ّ من قطاع الطريق. 6- مزاعم المتعاطين للمخدرات. 2- وجوب التعاون‬
                                                                    ‫للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                  ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
  ‫ت ِن و إل ِال‬                  ‫وم‬
  ‫عباد اهلل، خلق اهلل الخلقَ لعبادته، خلقهم لعبادته وحده ال شريك له: َ َا خَلَقْ ُ الْج َّ َا ِنسَ إ َّ‬
                                                             ‫سخ‬                   ‫لي بد‬
     ‫ِ َعْ ُ ُونِ [الذاريات:61]. َّر لهم ما في السموات واألرض جميعًا منه ليستعينوا بذلك على‬
                 ‫س و‬              ‫إل َ ف‬                                                        ‫كر‬
   ‫طاعته. َّم بني اإلنسان فخلقه في أحسن تقويم: لَقَدْ خَلَقْنَا ا ِنسَان ِى أَحْ َنِ تَقْ ِيمٍ [التين:1]،‬
        ‫َك ك‬           ‫َد َ ف َى ص ة م‬              ‫َو‬               ‫َّذ‬       ‫َ‬      ‫َرك ِرب‬         ‫َي إل ن‬
        ‫ياأُّهَا ا ِنسَا ُ مَا غ َّ َ ب َّكَ الْكرِيمِ ال ِى خَلَقَكَ فَس َّاكَ فَع َلَك ِى أ ّ ُورَ ٍ َّا شَاء ر َّبَ َ‬
                   ‫تمي‬                                ‫ي‬              ‫كر‬
‫[االنفطار:6-6]. َّمه بالعقل ليم ّز به النافع من الضار، وليكون صفة ِّزه عن سائر الحيوان.‬
                                           ‫ض‬                 ‫ر‬                     ‫ص‬
     ‫اخت ّ من بني اإلنسان من ك ّمه باإلسالم، وتف ّل عليه باإليمان، فشرح صدرَه لقبول الحق‬
  ‫َ م ر الله َ ْ ه إل ل ه عل ن م رب ِ و ْل ل سي ِ قل به م ذ ْ الل‬
‫والعمل به، أفَ َن شَ َحَ َّ ُ صدرَ ُ لِ ِسَْامِ فَ ُوَ ََى ُورٍ ّن َّ ّه فَ َي ٌ ّلْقَا ِ َة ُُو ُ ُمْ ّن ِكرِ َّهِ‬
                                                                                                        ‫[الزمر:77].‬
    ‫ت‬                                   ‫ةي‬                       ‫ة‬            ‫ة‬
  ‫أيها المسلم، حيا ُ المؤمن حيا ُ خير، حياة سعادة، حيا ٌ َسعد بها في نفسه، وحياة تسعد بها أم ُه،‬
                     ‫كم س‬                   ‫حياة ذلك اإلنسان التق ّ المؤمن الذي عرف الحق‬
       ‫َّ فعمل به، فلما َّل نف َه سعى في إصالح‬                   ‫ي‬
         ‫ف خ ِال َّذ َ من وعمل الص ل ت و و‬                                 ‫ِن إل‬
  ‫واستصالح الخير للمسلمين، إ َّ ا ِنسَانَ لَ ِى ُسْرٍ إ َّ ال ِين ءا َ ُواْ َ َ ُِواْ َّاِحَا ِ َتَ َاصَوْاْ‬
 ‫ب‬                      ‫ب‬                                          ‫ِالص ْ‬       ‫حق و و‬
 ‫بِالْ َ ّ َتَ َاصَوْاْ ب َّبرِ [العصر:7، 3]. ترى ذلك الرجلَ المؤمن يح ّ الخير إلخوانه كما يح ّ‬
                                              ‫ب‬              ‫لنفسه، ((ال يؤمن أحدكم حتى يحب‬
    ‫َّ ألخيه ما يح ُّ لنفسه))(5)[5]، يكره لهم ما يكره لنفسه، ال‬
        ‫ٍ‬                ‫مترف‬
     ‫يرضى بإلحاق األذى والضرر بهم، ال في دينهم وال في دنياهم، ِّع عن الرذائل، ساع في‬
                                                                  ‫ر‬            ‫كل‬
                   ‫الفضائل، ُّ حركاته وتص ّفاته تعود على نفسه وعلى مجتمعه بالخير والسعادة.‬
      ‫ي‬                                              ‫ي‬             ‫ة‬      ‫ي‬
     ‫أيها المسلم، هكذا تتم ّز حيا ُ المؤمن التق ّ، حياة المؤمن الصالح، حياة المؤمن الموقن، تتم ّز‬
     ‫ر‬                                                                   ‫د‬
   ‫حياته بأنه أسع َ نفسه، وسعى بتوفيقِ اهلل في إسعاد مجتمعه، فالناس يأمنون أن يحصل ضر ُه،‬
               ‫كل‬
      ‫ويأمنون أن ينالَهم على يديه سوء؛ ألنه مؤمن آمن باهلل ورسوله واتقى اهلل في ِّ تصرفاته.‬
                ‫ي‬         ‫ة‬           ‫ع‬          ‫ة‬
‫هذا المؤمن تراه إن اشتغلَ في التجارة فتجار ٌ طيبة وبي ٌ طيب، تجار ٌ مباحة ط ّبة تعين المسلمين‬
   ‫وأم‬                  ‫د‬                                   ‫ل‬       ‫د‬
‫على الخير، فهو ال يه ِف من ك ّ أموره المطامعَ الدنيوية، وإنما يه ِف [إلى] إصالح نفسه َّته،‬
                                                                          ‫هكذا المؤمن الذي يرجو اهلل ويخافه.‬
  ‫ولكن‬         ‫ت ب‬                         ‫ر‬           ‫ء‬
‫ولكن لألسف الشديد يقابل هذا النقا َ وهذا الطه َ والصالح يقابله فئة قد ُحس ُ على األمة َّهم‬
                             ‫ب‬                                           ‫ال‬
‫أعداؤها داخ ً وخارجًا، هؤالء المحسوبون على األمة وهم حر ٌ على األمة في الداخل والخارج،‬
                      ‫ب‬                 ‫ب‬                        ‫ب‬               ‫ب‬
‫حر ٌ على دينها، حر ٌ على قيمها وفضائلها، حر ٌ على أخالقها، حر ٌ على مبادئها وفضائلها،‬
                                                                     ‫م‬
                                              ‫يسعون جهدَهم في تدمير أنفسهم وأ ّتهم علموا أو لم يعلموا.‬
‫ُ ي سب َن ُ ي سن ن‬                      ‫الد‬          ‫َّذ ن َل س ي ُ ْ ف‬
‫أيتها األمة، إن هذا النوع من البشر ال ِي َ ض َّ َعْ ُهم ِى الْحياةِ ُّنْيَا وَهمْ َحْ َ ُونَ أَّهمْ ُحْ ِ ُو َ‬
              ‫مرو‬                                     ‫ر‬      ‫د‬                      ‫ص‬
            ‫ُنْعًا [الكهف:105] وجو ُهم ضر ٌ على األمة في حاضرها ومستقبلها، أولئك ِّجو‬
  ‫ط‬                                                                             ‫د‬
 ‫المخ ّرات، الساعون في نشرها في المجتمعات اإلسالمية، أولئك الذين فسدت أخالقهم، وانح ّت‬
                                              ‫ذذ‬              ‫د‬                        ‫م‬
 ‫قي ُهم، وسعوا في الرذيلة جه َهم، أولئك ش ّا ٌ في المجتمع، أعضاء في المجتمع ال خير فيهم، قد‬
                                                                                                   ‫شل‬
                                              ‫ُّت من الخير حركاتهم، فحركاتهم في الباطل والعياذ باهلل.‬
    ‫ر‬                        ‫د‬                  ‫ص‬
    ‫أيها المسلم، إن المجتمعات اإلسالمية باألخ ّ تشكو من أثر المخ ّرات السيئة التي هي تدمي ٌ‬
                            ‫ء‬                             ‫ي‬
   ‫لكيان األمة، وإفساد ألخالقها، وسع ٌ في إلحاق الضرر بها، إنها دا ٌ عضال، إنه البالء والعياذ‬
                                                                   ‫ء‬
‫باهلل، إن وراءها أعدا ُ اإلسالم، إن وراء ترويجها أعداء اإلسالم في كل آن وحين؛ ألنهم يعلمون‬
                                                ‫دم‬             ‫ل‬
         ‫أن هذه المخدرات ما حّت بمجتمع إال َّرت كيانه، وقضت على قيمه وفضائله، وأفسدت‬
                                                                                     ‫كل‬
                                                          ‫الفطرة، وجلبت َّ المصائب على اإلسالم وأهله.‬
                    ‫مرو‬                                                                ‫ذ‬
 ‫إ ًا فال يرضى مسلم لنفسه تلك الخصالَ الذميمة، يربأ بدينه من أن يكون ِّجًا لها، أو متعاطيا‬
                                                     ‫ي‬                 ‫ث‬       ‫ي‬
      ‫لها، أو ساع ًا في ب ّها في المجتمع بأ ّ وسيلة تكون، يسعى في إبعاد مجتمعه عنها، فال يكن‬
                                                                    ‫ي‬                ‫م‬
 ‫مساه ًا في ترويجها بأ ّ وسيلة كانت. ال شك أن وراءَ ترويجها األموال الطائلة، ولكن المسلم ال‬
                    ‫ب‬             ‫ب‬                                               ‫يهتم‬
  ‫ُّ بهذا، يعلم أن المكاسب من وراء هذا البالء مكاس ُ خبيثة، مكاس ُ محرمة، مكاسب ضارة‬
                                                                            ‫ٌّ‬
                                                             ‫خبيثة، وأعظم من ذلك أنه عدو لإلسالم وأهله.‬
                                                      ‫ء‬
  ‫أيها المسلمون، داء المخدرات دا ٌ عضال، إن أعداءَ اإلسالم من ورائه، ويستعينون بمن ضعف‬
                    ‫ن‬
   ‫إيمانه من البشر، ومن ال يخاف اهلل وال يتقيه وال يراقبه في أمواله، ويظ ّ أن ما يحصل له من‬
                                                                   ‫وتب‬
                          ‫مطامع مادية فيها غنى له، ًّا لهذا المال الذي مصدره هذا الداء العضال.‬
      ‫أيها المسلم، فليتق المسلم َّه من أن يلحق الضرر واألذى بمجتمعه، وليعلم أن تعاطيها أم ٌ‬
      ‫ر‬                                                        ‫رب‬
                                                    ‫ء‬                               ‫ر‬
  ‫مح ّم شرعًا، فهي أعظم من المسكر دا ً، وأكثر منه بالء، وكذلك ترويجها وبيعها والسعي فيها‬
        ‫حر‬                                                                      ‫ت‬
   ‫والتس ّر على أهلها وحمايتهم، كل ذلك من أمور تخالف شرع اهلل، فإن اهلل جل وعال َّم على‬
             ‫ر‬       ‫ر‬                                          ‫ر‬     ‫تحق‬
   ‫األمة ما َّق ضر ُه، وعظم ضرره وفساده، وال شك أن المخدرات ض ُرها وش ّها وفسادها‬
       ‫ل‬                                                             ‫ب‬      ‫ل‬
  ‫استبان لك ّ ذي ل ّ، استبان لكل ذي لب ما فيها من الضرر والفساد، إنها تقضي على ك ّ خير،‬
                                      ‫ض‬                 ‫د‬
    ‫إنك إن نظرتَ إليها من حيث تهدي ُ الصحة وجدتَها م ِرةً بالصحة، قاضية على قوة اإلنسان،‬
                        ‫قاضيةً على عقله وفكره وتصرفاته. إن نظرتَ إليها اقتصاديًا فهي تمتص‬
     ‫ُّ األموال، وينفَق في‬
   ‫ء‬                                            ‫ت‬                  ‫ل‬
   ‫سبيل الحصول عليها األموا ُ [الطائلة] لمن اب ُلي بها. إن نظرتَ إلى إفسادها للمجتمع فهي دا ٌ‬
                                                                       ‫ع كل‬         ‫يدم‬
‫وبالء ِّر المجتم َ َّه، ويسلبه قوتَه ومعنويته، ويجعله لقمةً سائغة لألعداء. إن نظرتَ إليها من‬
                                                                                ‫ي‬
       ‫حيث سع ُها في تفكيك األسر وإهدار كرامتها وأن المتعاطي لها بالء على نفسه وبالء على‬
      ‫أسرته، بالء على زوجته وأوالده وبناته. إن نظرتَ إليها وهي تقطع الغيرةَ من قلب اإلنسان‬
           ‫ق‬       ‫ت‬                ‫ت‬                            ‫ض‬
‫المتعاطي لها، فربما جعل عر َه وسيلةً للحصول عليها. إنها ُفقد اإلنسان قيم َه، وتف ِده معنويته،‬
            ‫ر‬     ‫و ُفقده َّ خير، فهي بالء ومصيبة. إ ًا فالمسلم يتحاشاها لنفسه، ثم إذا تصو‬
   ‫َّر ضر َها علم أن‬                                  ‫ذ‬                         ‫ت كل‬
                                   ‫ب‬          ‫د‬                                   ‫َ‬
  ‫السعي في ترويجها ونشرها بين المجتمع فسا ٌ عظيم وحر ٌ هلل ورسوله. إذا كان اهلل جل وعال‬
 ‫َف‬       ‫ِن َز َّذ ي رب الله َرس ه وي‬                                                    ‫ط‬
‫قد حكم على ق ّاع الطرق بأنهم محاربون هلل: إَّمَا ج َاء ال ِينَ ُحَا ِ ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َسْعَوْن ِى‬
       ‫ي من ْض‬                       ‫ت َط د ه وَ جله م خ‬                          ‫ي َلب‬          ‫ْ ِ س د أ ي َتل‬
       ‫األرض فَ َا ًا َن ُق َُّواْ أَوْ ُصَّ ُواْ أَوْ ُق َّعَ أَيْ ِي ِمْ َأرْ ُُ ُم ّنْ ِلَافٍ أَوْ ُنفَوْاْ ِ َ األر ِ‬
            ‫د‬            ‫ة‬                  ‫ط‬              ‫د‬        ‫[المائدة:33]، فكيف بمرو‬
   ‫ِّجي المخ ّرات؟! هؤالء ق ّاع الطرق إنما غاي ُ أمرهم تهدي ُ األمن أو‬
                                              ‫م‬                                     ‫ب‬
     ‫نه ُ األموال، لكن من يفسدون األخالقَ ويد ّرون كيان األمة ويقضون على عقولها وأفكارها‬
                                  ‫هؤالء أولى أن يكونوا حربًا هلل ورسوله، هؤالء المفسدون الضالون.‬
              ‫م‬                                                        ‫ب‬
 ‫فالمسلم عندما يجتن ُها خوفًا من أضرارها وخوفًا من مفاسدها، فهو ال يرضاها أل ّته، ال يرضاها‬
                   ‫لمجتمعه المسلم، دي ُه يمنعه من ذلك، ويحول بينه وبين أن يكون مؤ ِيًا ضار‬
  ‫ًّا باألمة، هو يسعى‬     ‫ذ‬                                           ‫ن‬
                    ‫ي‬              ‫مرو‬     ‫ِّر‬              ‫و‬
‫في الخير جهده، أما أن يكون مر ّجًا لها أو متست ًا على ِّجيها أو متغاض ًا عنهم أو معينًا لهم‬
                                       ‫ء‬                  ‫ب‬                ‫م‬        ‫ه‬
     ‫أو مس ّالً لمه ّتهم، فإن ذلك حر ٌ هلل ورسوله، وعدا ٌ هلل ورسوله، وسعي في نشر الفساد في‬
                  ‫ة‬                                     ‫األرض. فليتق المسلم ربه، وليتصو‬
 ‫َّر المسلمون أن هذا البالءَ مصيبة عظيم ٌ على األمة، مصيبة‬
                                                                                      ‫على المجتمعات المسلمة.‬
     ‫و‬           ‫م‬                                         ‫م‬        ‫ت‬
   ‫إن متعاطيها يزعم أنها ُذهب همو َه المتراكمة وأحزانه المتتابعة، وإن ذلك ل ِن سوء التص ّر،‬
                                   ‫ر‬                          ‫ب‬
     ‫فالهموم واألحزان ال يزيلها سل ُ العقل، وإنما يزيلها الصب ُ والثبات على الحق. إن متعاطيها‬
      ‫يبقى أحيانًا يومًا أو بعض يوم أو أيامًا وهو ال يشعر بمن حوله، وال يدري في أي حال كان،‬
                                                                               ‫ص‬
 ‫وإنما شخ ٌ ترى صورتَه ولكن قد فقد معنويتَه وحياته الحقيقية، فيا خسارة على اإلسالم وأهله.‬
                                 ‫ب‬           ‫ت‬              ‫رب‬      ‫كل‬
    ‫فيا أمة اإلسالم، ليتق ُّ مسلم َّه في نفسه، وليّق المسلم ر ّه في أمته، وفي مجتمعه المسلم،‬
                ‫ث‬                    ‫ب‬
‫وليعلم أن المكاسبَ الناتجة من وراء هذا البالء مكاس ُ خبيثة، وإن عظمت وك ُرت فال خير فيها؛‬
                 ‫ألنها ناتجة عن أمر مح ّم، ُل َّ َسْتَ ِى الْخَ ِي ُ و َّّ ُ َلَوْ أَعْ َبَ َ كَث َ ُ الْخَ ِي ِ‬
                 ‫ج ك ْرة ب ث‬                       ‫ب ث َالطيب و‬          ‫ر ق ال ي و‬
                                                                                                    ‫[المائدة:005].‬
                        ‫يرو‬    ‫د‬                     ‫م‬
      ‫إن ما نسمعه من غسيل األموال معظ ُ ذلك بأسباب هذه المخ ّرات، ِّجونها ويتعاونون مع‬
             ‫ل‬                    ‫بعض من ال إيمان عنده، َّخذ تلك األموالَ باسمه لكي يصد‬
‫ِّرها إلى مكان آخر، وكّها نتيجة لهذا‬                           ‫فيت‬
                ‫ر‬                     ‫ن‬
        ‫الداء الخبيث. فليعلم اإلنسان أن ما ناله من مكاسبها فإ ّه مكسب حرام عليه، ضر ٌ وإيذاء،‬
                                       ‫وإن‬                            ‫م‬
   ‫ومكسب خبيث حرام، ُمْحق للبركة في العمر والعمل. َّ تعاون المسلمين فيما بينهم وتكاتفَهم‬
                                       ‫يؤد‬                            ‫ر‬
‫فيما بينهم وشعو َهم بهذا الضرر العظيم هو الذي ِّي بتوفيق من اهلل إلى قطع خط الرجعة أمام‬
                                            ‫أولئك األراذل الساعين في الفساد في األرض وتدمير األمة.‬
  ‫فلنتق اهلل في أنفسنا وفي مجتمعنا المسلم، فإن المجتمعَ أمانة في عنق كل مسلم، أن ال يسعى في‬
                                                                     ‫ي‬
       ‫إلحاق الضرر بهم بأ ّ وسيلة من وسائل الشر، وال سيما المخدرات، فإنها من أعظم المفاسد‬
                                                                                                           ‫وأكبرها.‬
                        ‫ومفت‬
    ‫فلنحذر ـ أيها المسلمون ـ من ذلك، وقد نهى النبي عن كل مسكر ِّر، وهذا الداء الخبيث‬
                         ‫ب‬                                           ‫س‬       ‫تصو‬
   ‫َّر النا ُ ضرره، علموا خطرَه وتصورا مفاسده، وكشف الط ّ الحديث عن أضراره، لكن‬
                                                                      ‫ر‬
     ‫أحيانًا تعمى البصائ ُ في سبيل الحصول على المال والعياذ باهلل، أو تعمى بصائر من يستعمله‬
                                                                                                     ‫ر‬
                                                                     ‫فرا ًا من كذا أو كذا فيقع في المحذور.‬
                                                            ‫ن‬                  ‫رب‬
          ‫فليتق المسلمون َّهم، وليكونوا أعوا ًا على البر والتقوى، ال أعوانًا على اإلثم والعدوان.‬
   ‫ر َالت و و ع ون عل إل ْم و ُ و ن َاتق‬                              ‫و ع ون عل‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َتَ َا َ ُواْ ََى الْب ِ و َّقْ َى َالَ تَ َا َ ُواْ ََى ا ِث ِ َالْعدْ َا ِ و َّ ُواْ‬
                                                                                           ‫الل ِن الل َد د ع‬
                                                                         ‫َّهَ إ َّ َّهَ ش ِي ُ آلْ ِقَابِ [المائدة:7].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني إياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
  ‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه،‬
                                                                                          ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                ‫ب‬                     ‫د ر ب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يح ّ ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫م ر‬                                                            ‫د‬
 ‫شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                                ‫إلى يوم الدين.‬
                                                    ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
                              ‫ب ُ ْ رح‬        ‫و تل فسك ِن الل‬
             ‫عباد اهلل، يقول اهلل جل جالله: َالَ تَقْ ُُواْ أَن ُ َ ُمْ إ َّ َّهَ كَانَ ِكم َ ِيمًا [النساء:27].‬
                     ‫لكل‬              ‫ل‬        ‫إن متعاطيَ المخدرات قات ٌ لنفسه، قاتل لمعنوي‬
‫َّته، قات ٌ لكرامته، قاتل ِّ نزعات الخير في نفسه،‬                 ‫ل‬
                                  ‫ق‬        ‫ر‬                                      ‫لكل‬
‫قاتل ِّ خير، إنه في الحقيقة يتعاطى ما فيه ضر ُه المتح ّق وبالؤه الذي هو على يقين منه، لكن‬
             ‫َ م زي ه س عمل ِ َ ه حسن ِن الل ي ِل م ي‬                                   ‫ل‬
         ‫سبحان من يض ّ من يشاء، أفَ َن ُ ّنَ لَ ُ ُوء َ َِه فرَءا ُ َ َ ًا فَإ َّ َّهَ ُض ُّ َن َشَاء‬
                                                                                                    ‫[فاطر:6].‬
       ‫د‬                                                                 ‫ة‬
    ‫فعلى المسلمين اليقظ ُ في أنفسهم، وتحذير أبنائهم وبناتهم، والتعاون على الخير، وأن ال ي َعوا‬
                                     ‫ف‬                             ‫ت‬          ‫ر‬      ‫و‬
         ‫لهذا المر ّج قرا ًا، ال يتس ّروا عليه، وال يرحموه، وال يش ِقوا عليه، فضالً أن يعينوه أو‬
                                                             ‫ر‬
‫يساعدوه، إنه يأتي بما يض ّ ويؤذي ويفسد، فالمسلمون جميعًا يكونون [على] يقظة من هذا الخطر‬
       ‫ي‬                        ‫العظيم، وحربًا على أولئك المفسدين، وسع ًا في كشف مخط‬
  ‫َّطاتهم وهتك أستارهم، فال ُرحمون‬          ‫ي‬
                  ‫ل‬                                ‫د‬            ‫شر‬                ‫ي‬
    ‫وال ُتغاضى عنهم، فهم ٌّ وبالء وفسا ٌ عظيم، وال يمكن التسامح والتساه ُ معهم والتغاضي‬
                                           ‫يرو‬
  ‫عنهم أو رحمتهم أو الشفقة عليهم، لماذا؟ ألنهم ِّجون ما فيه الضرر، وما فيه البالء، وما فيه‬
  ‫اإلفساد لألفراد والمجتمعات، فاإلسالم يدعو المجتمع المسلم إلى أن يكونوا أهلَ يقظة وحذر من‬
                                                        ‫سه مهم‬
  ‫الشر وأهله، فمن أعانهم أو َّل َّتهم فإنما يتعاون معهم على اإلثم والعدوان، والمسلم بريء‬
                                                                                    ‫من هذه األخالق السيئة.‬
                                         ‫ة‬                         ‫ع‬
                   ‫أسأل اهلل أن يحفظنا ومجتم َنا ومجتمعات المسلمين عام ً من هذا البالء العظيم.‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور‬
   ‫محدثاتها، وكل بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد اهلل على الجماعة، ومن شذ شذ‬
                                                                                                      ‫في النار.‬
‫ِن الله وم ئكته‬
‫وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على محمد بن عبد اهلل كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
                                    ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
                  ‫ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
        ‫اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...‬
                                                                                              ‫__________‬
 ‫(5) أخرجه البخاري في اإليمان (35)، ومسلم في اإليمان (11) من حديث أنس بن مالك رضي‬
                                                                                                       ‫اهلل عنه.‬
‫(5/3671)‬




                                                                                   ‫عناية اإلسالم بالحياة الزوجية‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                                             ‫النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                               ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                               ‫الرياض‬
                                                                                                        ‫17/1/3715‬
                                                                                   ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فضل تدبر القرآن الكريم والعمل به. 7- عناية القرآن الكريم بالحياة الزوجية. 3- أهمية‬
‫العالقة بين الزوجين وخطورتها. 1- وصية النبي بالنساء. 1- حق المرأة على زوجها. 6- حق‬
 ‫الرجل على امرأته. 2- ضرورة أداء الحقوق والواجبات والتمسك بآداب القرآن. 6- من أسباب‬
                                                                                                 ‫الخالفات الزوجية.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                        ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
                 ‫ب‬                          ‫د ب‬                         ‫ب‬
‫عباد اهلل، أنزل اهلل كتا َه العزيز، وأمر العبا َ بتد ّره والعمل بمقتضاه، ففي تد ّره والعمل بمقتضاه‬
       ‫ي ته ولي َّ أ ل‬               ‫ك ب ز ه إ ك م ك ل َد َّر‬                                                    ‫ة‬
      ‫السعاد ُ في الدنيا واآلخرة، قال تعالى: ِتَا ٌ أَن َلْنَا ُ ِلَيْ َ ُبَارَ ٌ ّي َّب ُواْ ءا َا ِ ِ َِ َتَذَكرَ ُوُْو‬
     ‫األلْبَابِ [ص:27]، وقال جل جالله: وَ َاذَا ِتَا ٌ أَن َلْنَا ُ ُبَارَك ف َّ ِ ُو ُ و َّ ُواْ لَعَّكمْ ترْ َ ُو َ‬
     ‫ه ك ب ز ه م ٌ َاتبع ه َاتق َل ُ ُ حم ن‬
                                                                                                      ‫[األنعام:115].‬
                ‫ع‬                   ‫ة‬               ‫ب‬                ‫ة‬                ‫ب‬
    ‫ففي تد ّر القرآن السعاد ُ والهدى، وفي تد ّر القرآن الرحم ُ والخير، فاألمة تس َد عندما يكون‬
            ‫كتاب اهلل نظامَ حياتها، ِّمه وتتحاكم إليه، وتعمل بأوامره وتبتعد عن نواهيه، وتتأد‬
   ‫َّب بآدابه،‬                                                    ‫تحك‬
  ‫ي ِل و ي ق‬                ‫م اتب ُد‬
 ‫وتقف عند حدوده، فعند ذلك تنال السعادة في الدنيا واآلخرة، فَ َنِ َّ َعَ ه َاىَ فَالَ َض ُّ َالَ َشْ َى‬
                  ‫ات‬                       ‫ة‬
     ‫[طه:375]. أجل، إن اتباعَ القرآن العزيز عصم ٌ من الخطأ والضالل، فمن َّبع هذا القرآن‬
                                                                                                  ‫وحك‬
                                                             ‫َّمه وتحاكم إليه نجا من الضالل والشقاء.‬
      ‫َ ي َد َّر ن‬                                            ‫فيخل‬                ‫ر‬
      ‫وهو نو ٌ تهتدي به البشرية ِّصها من ظلمات الجهل والضالل، قال تعالى: أفَالَ َت َب ُو َ‬
‫ُ م الل ن ر وك ب مب ن ي ْد ب الله‬                       ‫َ‬                   ‫َ ع قل َ له‬                    ‫ُ‬
‫الْقرْءانَ أمْ َلَى ُُوبٍ أقْفَاُ َا [محمد:17]، وقال: قدْ جَاءكمْ ّنَ َّهِ ُو ٌ َ ِتَا ٌ ُّ ِي ٌ َه ِى ِهِ َّ ُ‬
 ‫م ت م‬           ‫م ات ر و ه س ُ السل م وي ْرج ُ م الظلم إ الن إ ن وي ْد ِ إل ص‬
 ‫َنِ َّبَعَ ِضْ َانَ ُ ُبلَ ََّا ِ َ ُخ ِ ُهمْ ّنِ ُُّ َاتِ ِلَى ُّورِ بِِذْ ِهِ َ َه ِيهمْ َِى ِراطٍ ُّسْ َقِي ٍ‬
                                                                                             ‫[المائدة:15، 65].‬
               ‫د ض‬                                                                 ‫ت‬
   ‫إنما ُصاب البشرية في معتقداتها وفي أخالقها وسلوكها، وإنما يصاب الفر ُ أي ًا في نفسه في‬
  ‫عالقته مع ربه وصلته مع أهله وصلته مع الناس أجمعين، إنما يصاب بالبالء عندما يتخلى عن‬
                                                    ‫ب‬
    ‫العمل بالقرآن، فتطبيق آداب القرآن سب ٌ للسعادة والهناء في الدنيا واآلخرة، واإلعراض عنه‬
                                                                                                        ‫ب‬
                                                                              ‫سب ٌ للشقاء في الدنيا واآلخرة.‬
         ‫و َز‬                       ‫م َر ف ك ب م‬
    ‫أيها المسلم، كتاب اهلل يهدي إلى كل خير، َّا ف َّطْنَا ِى ال ِتَا ِ ِن شَىْء [األنعام:63]، َن َّلْنَا‬
                                        ‫ل م لم‬          ‫ُد َر م وب‬                 ‫ك ت ي ل ُل‬                      ‫ع‬
                         ‫َلَيْكَ الْ ِتَابَ ِبْ َانًا ّك ّ شَىْء وَه ًى و َحْ َةً َ ُشْرَى ِلْ ُسِْ ِينَ [النحل:26].‬
                                    ‫ن حق كل‬                           ‫ال‬
 ‫أيها المسلم، خذ مث ً العالقةَ بين الزوجين وضما َ ِّ ٍّ منهما، قد جاء القرآن بما يكفل ذلك،‬
      ‫ق‬                                                        ‫يحق‬           ‫كل‬    ‫ي‬
      ‫وبما ُنهي َّ نزاع، وبما ِّق للزوجين السعادة الزوجية في هذه الدنيا، وبما يضمن اتفا َ‬
            ‫ي‬                             ‫م‬               ‫ت‬
‫الكلمة، ونشْء الذرية في بيت ُرفرف عليه أعال ُ السعادة والهناء، ولكن عندما ُعرض الفرد عن‬
                                                                                     ‫يطب‬
                                                   ‫كتاب اهلل وال ِّق آدابَ القرآن عند ذلك يقع البالء.‬
                                 ‫ب‬              ‫ٌ مهم فإن‬
   ‫أيها المسلم، العالقة بين الزوجين أمر ٌّ، َّ استقامتها سب ٌ الستقامة الحال وعمارةِ المنزل‬
‫وانتظامِ شأن الولد وحياة األوالد بين األبوين المتعاونين في سبيل إصالح األوالد وتربيتهم التربية‬
                            ‫ة‬                                            ‫يعط‬
‫الصالحة. وعندما ِّل الناس آدابَ القرآن وال يطبقونه تشقى الحيا ُ الزوجية، فتبقى المرأة أرملة‬
                                    ‫ع‬                ‫ي‬                            ‫ج يم‬
  ‫والزو ُ أّ ًا بال زوجة، والولد يتشتت، و ُصاب األوالد بال ُقد النفسية بين بعدهم عن أبيهم تارة‬
                                                      ‫وكل‬
                  ‫وبين بعدهم عن أمهم تارة أخرى. ُّ ذلك من عدم تطبيق أدب القرآن في هذا.‬
                   ‫فإن‬
 ‫اهلل جل جالله في كتابه العزيز وضع للزوجين نظامًا إنْ هما سارا عليه َّ ذلك سبب لسعادتهما‬
                         ‫و ُن م ْل َّذ ع ْ ِن م ْر‬
 ‫واجتماعهما وتآلف قلوبهما، قال تعالى: َلَه َّ ِث ُ ال ِى َلَيه َّ بِالْ َع ُوفِ [البقرة:677]، فالجزء‬
                                                     ‫ق‬                       ‫بي‬
    ‫من هذه اآلية َّن اهلل فيه أن للمرأة ح ًا كما عليها حق، وللرجل حق على امرأته كما له عليها‬
                                          ‫ج‬
  ‫حق، فله عليها حق، ولها عليه حق، فإذا قام الزو ُ بالواجب عليه وقامت المرأة المسلمة بالحق‬
         ‫الواجب عليها وتعاون الجميع على ذلك فعند ذلك تكون الحياة الزوجية حياةً طيبة سعيدة.‬
                                ‫أيها المسلم، سنة محمد أرشدت الزوجين أيضًا إلى هذا المنه القويم.‬
                                                                                    ‫ال‬
  ‫فأو ً: نجد في سنة رسول اهلل ترغيبَ األزواج في القيام بحق النساء، ووصيتَهم بذلك، فرسولنا‬
                       ‫ج‬                    ‫خ‬              ‫ر‬
‫يقول: ((استوصوا بالنساء خي ًا، فإن المرأة ُلقت من ضلع، وإن أعو َ ما في الضلع أعاله، فإن‬
  ‫ت‬                                                ‫ر‬                                   ‫َ‬
‫ذهبت تقيمه كسرتَه، فاستوصوا بالنساء خي ًا))(5)[5]، ويقول: ((المرأة كالضلع إن أقمتها كسر َها‬
                ‫ف‬
 ‫وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج))(7)[7]، فأخبرنا عن المرأة وضع ِها وعجزها وأنها‬
     ‫ال‬      ‫ر‬         ‫م أشد‬                                    ‫وأن‬                ‫خ‬
 ‫ُلقت من ضلع أعوج, َّ الرجلَ يجب أن يكون أقوى منها تح ّالً، َّ منها صب ًا وتحم ً، ال‬
    ‫يعا ِب على كل قليل وكثير، وال يأ َل الكمالَ المطلق، وإنما يقبل منها ما جاء، ويتحم ض‬
 ‫َّل بع َ ما‬                                         ‫م‬                    ‫ّ‬       ‫ت‬
‫فات، فبذا تستقيم الحياة، وفي لفظ: ((ولن تستقيم لك على طريقة))(3)[3]، فهي ال تستقيم لك على‬
                                          ‫ر‬     ‫ال‬                                    ‫ل‬
                         ‫ك ّ ما تريد، لكن الزوج هو أقوى وأشد تحم ً وصب ًا وعالجًا للمشكل.‬
 ‫ويبين أن المرأة المؤمنة قد يكون منها شيء من األخالق التي ال يرضاها الزوج، وهي أخالق ال‬
‫تتنافى مع الشرف والفضل والفضيلة، ولكن طباع بعض الناس، فيقول : ((ال يفرك مؤمن مؤمنة،‬
 ‫إن كره منها خلقًا رضي منها آخر))(1)[1]، فالمرأة المؤمنة قد تكره منها شيئًا من الطباع، ولكن‬
     ‫في مقابل ذلك ترضى بأخالق حسنة وسيرة طيبة، فليكن ما لديها من خلق كريم وعمل طيب‬
                                                     ‫مقابلَ ما قد ترى منها من بعض المخالفات.‬
         ‫ال‬                                                 ‫ل‬                  ‫ض‬
‫ويبين أي ًا كيف يتعامل الرج ُ مع امرأته، يسأله معاوية بن حيدة رضي اهلل عنه قائ ً: يا رسول‬
                          ‫و‬                   ‫م‬                                  ‫حق‬
       ‫اهلل، ما ُّ امرأتنا على زوجها؟ قال: ((أن تطع َها إذا طعمتَ، وتكس َها إذا اكتسيتَ، وال‬
                                                                   ‫تقب‬     ‫ه‬
  ‫تضربِ الوج َ، وال ِّح، وال تهجرْ إال في البيت))(1)[1] هكذا يوصي هذا الصحابي، أنك تنفق‬
        ‫د‬                ‫َ‬
 ‫عليها، ((تطعمها إذا طعمت، تكسوها إن اكتسيت))، أيضًا إذا أردتَ التأديب فكن واقعيًا مؤ ّبًا، ال‬
                               ‫تقب‬                                 ‫ل‬
‫تضربِ الوجه فهو أجم ُ أعضائها، والضرب فيه إهانة، ((وال ِّح)) ال تخاطبها باأللفاظ الشنيعة‬
              ‫ب‬                 ‫وأم‬                            ‫قب‬      ‫ل‬
  ‫البذيئة الساقطة، تقو ُ لها: َّحك اهلل، فكيف بمن يلعن أباها َّها؟! وكيف بمن يس ّها ويعيبها؟!‬
                          ‫م‬                     ‫إن‬
 ‫وكيف بمن يقول فيها ما هي براء منه؟! َّ غضبَك أحيانًا قد يح ِلك على شيء، لكن ليكن عندك‬
                                          ‫َّ‬                    ‫ت‬                    ‫ك‬
 ‫تماس ٌ أثناءَ الغضب، وثبا ٌ أثناء الغضب من أن يزل لسانك بكلمات تندم عليها وال ينفعك الندم.‬
                                         ‫ِّن في حديث آخر َّ الزوجة على زوجها وحق‬
  ‫َّ الزوج عليها فيقول: ((إن لكم على نسائكم‬                   ‫حق‬              ‫ويبي‬
                  ‫أن ال يوطِئن فرشَكم أح ًا تكرهونه، وال َّ في بيوتكم لمن تكرهونه، ولهن‬
      ‫َّ عليكم رزقهن‬                          ‫يأذن‬             ‫د‬
                                                                  ‫وكسوتهن بالمعروف))(6)[6].‬
       ‫أيها المسلم، هكذا أرشد اإلسالم الزو َ كيف يتعامل مع المرأة، وكيف يصبر، وكيف يتحم‬
     ‫َّل،‬                                         ‫ج‬
                                                                               ‫أي‬
                                                                         ‫وكيف يعال َّ نزاع.‬
      ‫ثم في مقابل ذلك يرشد المرأةَ إلى طاعة زوجها، والسمع والطاعة له في المعروف، والتأد‬
     ‫ُّب‬
                              ‫لم‬                  ‫ق‬          ‫مبي‬
    ‫معه، وتنفيذ أوامره، فيقول ِّنا عظيم ح ّ الزوج على امرأته َّا سجد له معاذ بن جبل نهاه،‬
                         ‫ر د‬                                                  ‫ت‬
     ‫فقال: رأي ُ النصارى يسجدون لبطارقتهم، فقال : ((لو كنت آم ًا أح ًا بالسجود ألحد ألمرت‬
                            ‫ض‬
‫المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها))(2)[2]، ويقول مبينًا أي ًا ما للزوج على امرأته: ((إذا‬
                                                                           ‫ج‬
      ‫أغضبتِ المرأة زو َها في الدنيا قالت زوجته من الحور العين: ال تؤذيه قاتلك اهلل، فإنما هو‬
                                           ‫عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا))(6)[6]، ويحذ‬
      ‫ِّر المرأةَ المسلمة من عصيان الزوج فيما‬
                                          ‫ت‬      ‫ل‬
 ‫يطلب منها من متعة فيقول : ((إذا دعا الرج ُ امرأ َه لفراشه فلم تجبه فبات غضبان عليها لعنتها‬
                                                                  ‫المالئكة حتى تصبح))(2)[2].‬
                   ‫كل‬                           ‫ج‬                          ‫ب‬
‫أيها المسلم، إن بتد ّر القرآن والسنة يعلم الزو ُ ما له وما عليه، وإن قيامَ ٍّ منهما بما يجب عليه‬
                                                                            ‫ق‬
  ‫هو الذي يح ّق السعادة، وهو الذي يرسي دعائمَ االستقرار في المنزل، وهو الذي يجعل األبوين‬
                          ‫ت‬            ‫د‬                      ‫و‬              ‫م‬
    ‫يقومان بالواجب ال ُلقى عليهما نح َ أوالدهما، فينشأ الول ُ وتنشأ البن ُ نشأةً صالحة بين أبوين‬
                ‫أم‬                      ‫ج‬
  ‫مسلمين، محترمًا بعضهم بعضًا، فتنشأ البنت تحترم زو َها، وينشأ االبن يحترم َّه وأباه، وإنما‬
‫ل‬                                       ‫األم‬                             ‫ع‬              ‫ي‬
‫ُصاب النشء بال ُقد النفسية عندما يشاهد األطفال َّ واألب وما بينهما من شِجار ونزاع وتباد ٍ‬
   ‫َق‬          ‫ء‬                 ‫ر‬     ‫تحق‬                                                 ‫ت‬
  ‫لل ّهم وتراشقٍ بالكلمات البذيئة التي ال خير فيها، وال ِّق خي ًا، وإنما تنشر سو ًا وبالء، و ُل‬
        ‫َدو مب ن‬              ‫إل‬         ‫سن ِن الش ن زغ ب ه ِن الش ن‬                                ‫لعب د ق ل الت ه‬
       ‫ّ ِ َا ِى يَ ُوُواْ َّ ِى ِىَ أَحْ َ ُ إ َّ َّيْطَا َ يَن َ ُ َيْنَ ُمْ إ َّ َّيْطَا َ كَانَ لِ ِنْسَانِ ع ُ ّا ُّ ِي ًا‬
                                                                                                           ‫[اإلسراء:31].‬
                   ‫م ل‬                     ‫م كل‬
‫فالتعامل باألخالق الكريمة بين الزوجين واحترا ُ ٍّ منهما لصاحبه وقيا ُ ك ّ منهما بالواجب عليه‬
     ‫هو األمر المطلوب من المسلمين، هذا الذي دعا إليه القرآن، وأرشدت إليه سنة المصطفى .‬
                          ‫تحق‬     ‫ب‬
  ‫أيها المسلم، إن آدابَ القرآن هي اآلداب الحميدة، وهي اآلدا ُ التي ِّق السعادة، فنسأل اهلل أن‬
                 ‫يرزقنا وإياكم االستقامةَ على الهدى، والعملَ بهذا القرآن، إنه على كل شيء قدير.‬
  ‫و ُن م ْل َّ ع ِن م ْر ف ول رج ع ِن َ جة َالله َ ز حك م‬
  ‫يقول اهلل جل وعال: َلَه َّ ِث ُ الذِى َلَيْه َّ بِالْ َع ُو ِ َِل ّ َالِ َلَيْه َّ درَ َ ٌ و َّ ُ عزِي ٌ َ ُي ٌ‬
                                                                                                            ‫[البقرة:677].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                                     ‫الرحيم.‬


                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                               ‫ّ‬                     ‫د ر ب‬
  ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫ا ر‬                                                           ‫د‬
 ‫شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمُ كثي ًا‬
                                                                                                           ‫إلى يوم الدين.‬
                                                          ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
      ‫ي‬                               ‫عباد اهلل، من األسبابِ التي تثير النزا َ بين الزوجين، وتعم‬
     ‫ِّق هذا النزاع، وتجعله نزاعًا قو ًا‬                ‫ع‬
                                                                                        ‫عميقًا، من أسباب ذلك أمور:‬
     ‫خل‬                                                                  ‫تدخ‬
  ‫فمن أهمها ُّل أولياء الزوجين في اختالف وجهة النظر بين الزوج وزوجته، فربما تد ّ ٌ من‬
            ‫ء‬                                           ‫ة‬
     ‫أولياء المرأة، وتجسيد لألخطاء، ومحاول ُ إيقاد نار الفتنة بين الزوج وزوجته، فأوليا ُ المرأة‬
                       ‫يقفون معها في ك ّ ما َّعيه، ح ًا كان أو باط ً، صدقًا كان أم كذبًا، المهم‬
  ‫ُّ أنهم يقفون مع ابنتهم‬                         ‫ال‬            ‫ق‬       ‫ل تد‬
                                           ‫محق‬
   ‫من غير مراعاة للزوج وحقوقه، وهل البنت َّة فيما تقول أم غير محقة؟ وهل يمكن أن هذا‬
           ‫لحق‬                               ‫م‬                             ‫َ‬
    ‫االختالف يعال بالطرق المناسبة أم ال؟ المه ّ أنهم يقفون مع البنت دون مراعاة ِّ الزوج،‬
                        ‫ن‬                ‫ق‬                              ‫ء‬             ‫ورب‬
   ‫َّما وقف أوليا ُ الزوج مع ابنهم دون مراعاة لح ّ الزوجة، وهل اب ُهم صادق فيما يدعيه أم‬
    ‫ب‬                          ‫ب‬                    ‫خ‬
   ‫ابنهم غير صالح لهذه المرأة؟ فهذا التد ّل من األولياء مما يسّب انتشارَ االختالف، مما يسّب‬
                                                                   ‫و‬
    ‫عمقَ االختالف وتط ّره، ولكن لو كان أولياء الزوجين ولو كان األهلون من الزوجين ساعين‬
                  ‫ر‬                                                                 ‫ع‬
 ‫جمي ًا في التوفيق واجتماع كلمتهما والحرص على تضييق شقة النزاع لكان خي ًا، ولذا قال اهلل:‬
   ‫يوفق الله ب نهم‬                ‫ب نهم عث ح م ل ح م ل إ ُر د إ‬                                                            ‫وإ خ ُ‬
  ‫َِنْ ِفْتمْ شِقَاقَ َيْ ِ ِ َا فَابْ َ ُواْ َكَمًا ّنْ أَهِْهِ وَ َكَمًا ّنْ أَهِْهَا ِن ي ِي َا ِصْلَاحًا ُ َ ّ ِ َّ ُ َيْ َ ُ َا‬
     ‫ي لح‬          ‫ج ع ه‬                  ‫م ب له نش ز إ ْر ض‬                   ‫وإ ر ة خ‬
    ‫[النساء:13]، وقال: َِنِ امْ َأَ ٌ َافَتْ ِن َعِْ َا ُ ُو ًا أَوْ ِع َا ًا فَالَ ُنَاْحَ َلَيْ ِمَا أَن ُصِْ َا‬
                                   ‫ل‬              ‫ذ‬                 ‫ب ه ص ح َالص ح ْر‬
   ‫َيْنَ ُمَا ُلْ ًا و ُّلْ ُ خَي ٌ [النساء:675]. إ ًا فاألهلون أه ُ الزوج والزوجة ال بد أن يسعيا في‬
                                                                                             ‫و‬
                                                                               ‫اإلصالح والتوفيق ما ُجِد لذلك سبيل.‬
         ‫مرت‬                                 ‫لط‬
‫ومن أسباب النزاع أيضًا واالختالف تسّ ُ بعض األزواج على مال امرأته، وعلى َّب امرأته،‬
                                                   ‫م‬       ‫ل‬           ‫ذ‬           ‫ك‬
     ‫والتح ّم فيه، وأخ ُ معظمه أو كّه، وظل ُها بذلك، من غير مراعاة للشعور، وهذا أيضًا خطأ،‬
                              ‫لط‬                                ‫م م‬            ‫ق‬
‫فمالها هي أح ّ به، وأنت ُلز ٌ بالنفقة والقيام بالواجب، والتسّ ُ على األموال ليس من المباح، بل‬
    ‫مه س‬                ‫إ ط ك ع‬                   ‫س‬                 ‫حق‬
   ‫هو من الظلم، فال بد من إعطائها َّها، إال بطيبة نف ٍ منها، فَِن ِبْنَ لَ ُمْ َن شَىْء ّنْ ُ نَفْ ًا‬
                                                                                                            ‫كل ه هن ئ مر‬
                                                                                            ‫فَ ُُو ُ َ ِي ًا َّ ِيئًا [النساء:1].‬
                           ‫ض‬
  ‫ومن أسباب هذا االختالف ما يحصل أحيانًا من بعض األزواج، فبع ُ الرجال هدانا اهلل وإياهم‬
                        ‫ن‬                   ‫ض‬                                      ‫للخير، وبص‬
  ‫َّرنا وإياهم فيما يعود علينا بالنفع، بع ُ األزواج لديه هجرا ٌ المرته، مثالً في أيام‬
                                                       ‫ورب‬                      ‫ل‬
        ‫إجازته يستغّها في البعد عن امرأته، َّما ابتعدَ الشهر والشهرين دون أن تعلمَ المرأة عن‬
  ‫زوجها وحاله، وربما ال يريد استصحابَ زوجته معه وال سفرَها معه، ويريد كما يقول أن يأخذ‬
     ‫صر‬                                                                   ‫ل‬
  ‫حريتَه في ك ّ ما يأتي ويذر، وأن وجودَ المرأة معه تأخذ على يده وتمنعه من بعض الت ُّفات‬
      ‫ر‬                           ‫ط‬                                   ‫ش‬
    ‫الخاطئة، فهو يريد ُلال يمشي معها دون أن يكون له ارتبا ٌ بامرأته، تصحبه فيستثقل سف َها‬
                                                                ‫ة‬
  ‫معه، ويحاول البعدَ عنها مد ً من الزمن، وربما كان هذا السفر مقتطعًا من نفقة البيت واألوالد،‬
                                                                                             ‫م‬
                                               ‫ولكن ع َى البصيرة يحول بين الناس وبين التصرفات الطيبة.‬
                                                                                     ‫ض‬
‫وبع ُ األزواج ـ هدانا اهلل وإياهم ـ وإن لم يسافر لكن معظم الليل ال تراه في منزله، وال سيما‬
      ‫عد‬          ‫م‬                     ‫د‬
‫مساءَ األربعاء ومساءَ الخميس والجمعة، ال يكون متواج ًا في المنزل، وال يهت ّ بالمنزل، َّة ليال‬
  ‫من األسبوع في لهوه ولعبه وسهره مع زمالئه وأصدقائه، أما المرأة والبيت فمهجور مهما كان‬
                                                     ‫فيه من الظروف. وهذا ـ يا أخي ـ من األخطاء السيئة.‬
      ‫ص‬                                                                          ‫ض‬
‫وبع ٌ من النساء أيضًا قد يخطئن، فهناك الشكوك الكثيرة من بعض النساء، وهناك التق ّي الذي‬
                 ‫مت ن‬                                               ‫س‬                   ‫مبر‬
         ‫ال ِّر له، وهناك الوساو ُ التي ال داعيَ لها، كما أن الرجلَ يجب أن يكون َّز ًا، فإياه‬
                ‫والشكوك وظنون السوء التي بناها على غير هدى، وإنما هي وساوس وتدخ‬
‫ُّالت من بعض جلساء‬
                                                      ‫السوء، ليفسدوا بين الزوجين ويفصم عرى المودة بينهما.‬
  ‫رب‬                   ‫ل‬     ‫وليت‬           ‫رب‬                           ‫ُ رب‬
‫فليتق الرجل َّه في امرأته، ولتتقي المرأة َّها في زوجها، َّق أه ُ الرجل وأهل المرأة َّهم‬
                                                          ‫ٌّ‬
   ‫في الزوجين، وليحرص كل على جمع الكلمة وردء الصدع ووحدة الصف، فهذا هو المطلوب،‬
                                                                             ‫نسأل اهلل أن يعيننا جميعًا على كل خير.‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور‬
  ‫محدثاتها، وكل بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يدَ اهلل على الجماعة، ومن شذ شذ‬
                                                                                                   ‫في النار.‬
 ‫ِن الله وم ئكته‬
 ‫وصلوا ـ رحمكم اهلل ـ على نبيكم محمد ، حيث أمركم ربكم بذلك قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
                                 ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
               ‫ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
       ‫اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...‬
                                                                                           ‫__________‬
  ‫(5) أخرجه البخاري في أحاديث األنبياء (5333)، ومسلم في الرضاع (6615) من حديث أبي‬
                                                                           ‫هريرة رضي اهلل عنه بنحوه.‬
              ‫(7) هذا اللفظ أخرجه البخاري في النكاح (1651)، ومسلم في الرضاع (6615).‬
                                                              ‫(3) هذا أحد ألفاظ مسلم للحديث السابق.‬
 ‫(1) أخرجه مسلم في الرضاع، باب: الوصية بالنساء (2615) من حديث أبي هريرة رضي اهلل‬
                                                                                                        ‫عنه.‬
  ‫(1) أخرجه أحمد (1/211)، وأبو داود في النكاح، باب: حق المرأة على زوجها، والنسائي في‬
   ‫الكبرى (5252)، وابن ماجه في النكاح (0165) من حديث معاوية القشيري رضي اهلل عنه،‬
    ‫وصححه ابن حبان (1251)، والحاكم (7/265-665)، والدارقطني كما في التلخيص الحبير‬
                                                     ‫(1/2)، وصححه األلباني في اإلرواء (3307).‬
‫(6) جزء من خطبة النبي يوم عرفة، أخرجه مسلم في الح (6575) من حديث جابر رضي اهلل‬
                                                     ‫يأذن‬
  ‫عنهما، وليس فيه قوله: ((وال َّ في بيوتكم لمن تكرهونه))، وهو عند الترمذي في الرضاع‬
  ‫(3655)، وابن ماجه في النكاح (5165) من حديث عمرو بن األحوص رضي اهلل عنه، وقال‬
         ‫الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه األلباني في صحيح ابن ماجه (5015).‬
  ‫(2) أخرجه أحمد (1/277)، والطبراني في الكبير (07/125) من طريق أبي ظبيان عن معاذ‬
        ‫رضي اهلل عنه، وهذا سند منقطع أبو ظبيان لم يسمع من معاذ، وللقصة شاهد عند أحمد‬
     ‫(1/563)، وابن ماجه في النكاح (3165) من حديث عبد اهلل بن أبي أوفى رضي اهلل عنه،‬
 ‫وصححه ابن حبان (5251)، وحسنه األلباني في اإلرواء (2/61)، وللفظ المرفوع شواهد كثيرة‬
  ‫منها حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه عند الترمذي في الرضاع، باب: ما جاء في حق الزوج‬
‫على المرأة (2155)، والبيهقي (2/527)، قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه"، وصححه‬
                         ‫ابن حبان (7651). وقد استوفى األلباني تخريجه في اإلرواء (6225).‬
‫(6) أخرجه أحمد (7/661)، والترمذي في الرضاع (1255)، وابن ماجه في النكاح (1507) من‬
‫حديث معاذ بن جبل رضي اهلل عنه بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، ال نعرفه إال‬
                                 ‫من هذا الوجه"، وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة (325).‬
‫(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ذكر المالئكة (2373)، ومسلم في النكاح، باب: تحريم‬
                    ‫امتناعها من فراش زوجها (6325) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/1671)‬




                                                                            ‫ج‬
                                                                           ‫الرسول زو ًا‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                           ‫األسرة والمجتمع, سيرة وتاريخ‬
                                                            ‫الشمائل, المرأة, قضايا األسرة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                   ‫عادل بن أحمد باناعمة‬
                                                                                     ‫جدة‬
                                                                          ‫55/55/7715‬
                                                                             ‫محمد الفاتح‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- الفهم الخاطئ للحياة الزوجية. 7- حرص الرسول على إظهار حبه لزوجاته. 3- لين‬
     ‫الرسول عليه السالم وتلطفه مع زوجاته. 1- صبر الرسول عليه الصالة والسالم على أذى‬
                                                                                ‫زوجاته.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل‬
                                     ‫محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
     ‫في كل يوم نقرأ في الصحف عن ارتفاع نسبة الطالق في مجتمعاتنا المسلمة، وفي كل حين‬
                   ‫ر‬
 ‫تتناهى إلى أسماعنا قصة من قصص الشقاق األسري والنزاع الزوجي، كثي ًا ما تنتهي بالطالق‬
                                            ‫ب‬
                     ‫أو تفضي إلى أسرة شقية بائسة تكون مرتعًا خص ًا لناشئة السوء والفساد.‬
 ‫وكل من له أدنى اتصال بالعاملين في حقل التوجيه االجتماعي أو العالج النفسي يسمع ما يشيب‬
    ‫له الرأس وتدمع له العينان من ضروب الشحناء والبغضاء وفنون الكيد والمكر بين األزواج.‬
                                 ‫ن‬
   ‫صور كثيرة تتراءى أمام العين، وأصوات مصطخبة تر ّ هنا وهناك، وشعور عميق بالحسرة‬
      ‫واأللم على الواقع األسري في أمة هي أمة التكاتف والتعاطف والمرحمة. ترى أين الخلل؟!‬
                                 ‫وكيف صار من صار إلى هذه النفرة المشتتة والجفوة المفتتة؟!‬
    ‫ثمةَ أسباب كثيرة وتحليالت متعددة ودوافع شتى، ولكنها تجتمع كلها في كلمة واحدة هي الفهم‬
                                                    ‫الخاطئ، نعم الفهم الخاطئ للحياة الزوجية.‬
  ‫حين ال تفهم المرأة دورها في عش الزوجية وال يفهم الرجل دوره أو حين يفهم كل منهما دوره‬
 ‫بشكل خاطئ تبدأ النزاعات والشقاقات وإلقاء التهم، وتنشأ قائمة طويلة من التبريرات والتفسيرات‬
      ‫لكل موقف أو كلمة. ولنقصر حديثنا هنا على الرجال، وللنساء من بعد نصيب إن شاء اهلل.‬
     ‫كثير من الرجال يتصور أن عالقته بزوجه عالقة اآلمر بالمأمور والمتبوع بالتابع والمخدوم‬
     ‫بالخادم، ومن ثم فعليه األمر وعليها الطاعة، وعليه أن يستلقي في الدار وعليها أن تقوم بكل‬
                     ‫ر‬         ‫ع‬      ‫ال‬
                   ‫شيء، عليه أن يوفر القوت وعليها أن تدفع ثمن ذلك ذ ً وخضو ًا وانكسا ًا.‬
   ‫ولما كانت جهامة الوجه وصرامة اللفظ والمبالغة في الشدة، لما كانت هذه األوصاف في حس‬
‫البعض هي سمات الزوج الناجح المسيطر على بيته والممسك بزمام األمور، لما كان األمر كذلك‬
 ‫صارت االبتسامة والمباسطة والمداعبة مدرجة في قائمة المحرمات، وصار من أكبر الكبائر عند‬
                     ‫البعض أن يقول الزوج لزوجه كلمة رقيقة يعبر بها عن محبته وتقديره لها.‬
         ‫ولما كان االعتقاد عند البعض بأن المرأة ال تصلح لشيء إال لالستمتاع والخدمة صارت‬
              ‫ط‬
‫مشاورتها في شؤون البيت وأخذ رأيها فيما يأتي الزوج أو يذر خطيئة كبرى تح ّ من قيمة الزوج‬
         ‫خ‬
     ‫وتهز من كبريائه، وصار نزول الرجل عن رأيه من أجل زوجه في عرف هؤالء شر ًا في‬
                                                                   ‫الرجولة، ال يمكن أن يلتئم.‬
    ‫وهكذا تفعل هذه المفاهيم الخاطئة فعلها في فتور العالقة بين الزوجين، ثم في نشوء النزاعات‬
                                                                                  ‫والشقاقات.‬
                                                                               ‫ِ‬
 ‫وهلموا نَحْتَكمْ ـ أيها األحبة الكرام ـ إلى سيد البشر محمد بن عبد اهلل ، لنرى كيف كان يتعامل‬
                                                                                 ‫مع أزواجه.‬
   ‫سنقف اليوم مع الرسول الزوج ، كما وقفنا من قبل مع الرسول المعلم، كيف كان عليه الصالة‬
                                            ‫والسالم في بيته؟ وكيف كان يمارس دور الزوجية؟‬
      ‫إن أول ما يلفت النظر في حياة الرسول الزوجية أنه كان حريصا على إظهار حبه لزوجاته‬
       ‫رضي اهلل عنهم، كان يصرح بهذا الحب ويجهر به، وكان يعلمه أصحابه رضي اهلل عنهم‬
                          ‫ر‬
      ‫وأرضاهم. كان يقول عليه الصالة والسالم عن خديجة: ((إني قد ُزقت حبها)) رواه مسلم‬
                                          ‫حب‬         ‫ي‬
‫(3117)، وكان يقف المواقف التي ُعلم منها ُّه ألزواجه ، ودونك هذا الخبر الطريف: عن أنس‬
                                  ‫َر‬             ‫ي‬                  ‫ر‬
  ‫رضي اهلل عنه أن جا ًا لرسول اهلل فارس ًا كان طيب الم َق، فصنع لرسول اهلل ثم جاء يدعوه،‬
   ‫فقال : ((وهذه؟)) يعني عائشة، فقال الفارسي: ال، فقال رسول اهلل : ((وهذه؟)) فقال: ال، فقال‬
   ‫رسول اهلل : ((ال))، ثم عاد الفارسي يدعوه، فقال رسول اهلل : ((وهذه؟)) فقال: نعم في الثالثة،‬
     ‫فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله. رواه مسلم. فانظر كيف فعل رسول اهلل ، وكيف أبى في هذا‬
                                                                   ‫السياق أن يدعى وحده.‬
                                 ‫ر‬
   ‫وكانت زوجات النبي يتسابقن في إظهار حبه لهن، وهو يق ّهن على ذلك وال ينكر عليهن، فقد‬
         ‫ع فدق‬
   ‫قالت عائشة رضي اهلل عنها: أتاني رسول اهلل في غير يومي يطلب مني ضج ًا، َّ فسمعت‬
                                    ‫د‬
‫الدق، ثم خرجت، ففتحت له، فقال: ((ما كنت تسمعين ال ّق؟!)) قلت: بلى، ولكنني أحببت أن يعلم‬
                                                           ‫النساء أنك أتيتني في غير يومي.‬
    ‫وبلغ من إظهار الرسول لحبه ألزواجه ـ وال سيما عائشة رضي اهلل عنها ـ أن تعالم الناس‬
 ‫ي‬
‫بذلك، عن عروة قال: كان المسلمون قد علموا حب رسول اهلل عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هد ّة‬
‫يريد أن يهديها إلى رسول اهلل أخرها حتى إذا كان رسول اهلل في بيت عائشة بعث صاحب الهدية‬
                 ‫ال‬
‫إلى رسول اهلل في بيت عائشة. رواه الشيخان. وعن عمرو بن غالب أن رج ً نال من عائشة عند‬
                                                                  ‫ز‬
                         ‫عمار بن ياسر فقال: اع ُب مقبوحًا منبوحا، أتؤذي حبيبة رسول اهلل؟!‬
  ‫أرأيتم؟! فما ألحدنا اليوم يخجل من أن يظهر حبه ألهله ويستحيي من أن يعبر لزوجه عما يكنه‬
                                                                     ‫لها من مودة ومحبة؟!‬
 ‫لقد كان عليه الصالة والسالم يدعو الزوج إلى أن يتلطف مع زوجه بالشكل الذي يشعرها بمحبته‬
                ‫د‬
‫ومودته، حتى إنه دعا الزوج إلى أن يضع اللقمة بيده في فم زوجه تحببًا وتود ًا، عن سعد بن أبي‬
                  ‫الل‬
   ‫وقاص قال: قال رسول اهلل : ((وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى ُّقمة التي ترفعها‬
                                                           ‫إلى في امرأتك)) رواه الشيخان.‬
     ‫ر‬
 ‫وإليك هذه الصورة الزوجية الرائعة: عن عائشة قالت: كان رسول اهلل يعطيني العظم فأتع ّقه ـ‬
‫أي: آكل ما بقي فيه من اللحم وأمصه ـ، ثم يأخذه فيديره حتى يضع فاه على موضع فمي. رواه‬
                                                                              ‫ي‬
      ‫مسلم. أ ّ محبة وأي مودة وأي أجواء رائعة كان يضفيها عليه الصالة والسالم على الحياة‬
                                                                                ‫األسرية؟!‬
   ‫وكان عليه الصالة والسالم يبالغ في التلطف مع أزواجه إذا مرضت إحداهن أو اشتكت، تقول‬
         ‫ر‬
‫عائشة رضي اهلل عنها وهي تروي خبر اإلفك: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شه ًا، والناس‬
‫يفيضون في قول أصحاب اإلفك، وال أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني ال أعرف من‬
                                                                        ‫ل‬
‫رسول اهلل الّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. رواه البخاري. فتأمل قولها: اللطف الذي كنت‬
                                                                     ‫أرى منه حين أشتكي.‬
                                                             ‫ي‬
    ‫وكان عليه الصالة والسالم ه ّنًا لينًا مع أزواجه، يحرص على تحقيق ما يرغبنه ويشتهينه إن‬
      ‫استطاع، ولم يكن في ذلك محذور، وإليك هذين المثالين، لترى من خاللهما كيف كان عليه‬
                        ‫الصالة والسالم يلين مع أزواجه ويوافقهن فيما يردن ما لم يكن حرجًا:‬
‫حين حجت عائشة وحاضت لم تتمكن من أداء عمرتها، فلما جاء وقت الح أمرها النبي أن تفعل‬
 ‫ما يفعل الحاج غير أن ال تطوف بالبيت، فلما طهرت وطافت وسعت بين الصفا والمروة حزنت‬
   ‫على أن لم تكن اعتمرت كما اعتمر الناس، فقالت: يا رسول اهلل، أيرجع الناس بنسكين وأرجع‬
   ‫بنسك واحد؟! وفي رواية: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر واحد؟! فبعث بها النبي مع عبد‬
    ‫الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الح . رواه مسلم. قال جابر بن عبد اهلل: وكان رسول اهلل‬
                      ‫د‬
‫رجال سهال، إذا هويت الشيء تابعها عليه. رواه مسلم. فأين هذا ممن يع ّ مجرد موافقة المرأة في‬
                                                                       ‫ر‬             ‫ُب‬
                                                                    ‫رأي س َّة وعيبًا وعا ًا؟!‬
 ‫وكان عليه الصالة والسالم إلى ذلك ال يأنف من أن يقوم ببعض عمل البيت ويساعد أهله، سئلت‬
 ‫عائشة رضي اهلل عنها: ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله ـ أي: في‬
  ‫خدمتهم ـ، فإذا حضرت الصالة خرج إلى الصالة. رواه البخاري. وفي رواية عند أحمد: كان‬
                                                                                    ‫ر‬
     ‫بش ًا من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. وفي رواية أخرى: كان يخيط ثوبه،‬
          ‫ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وهي في صحيح الجامع (3561).‬
 ‫وكان عليه الصالة والسالم يستشير أزواجه ويأخذ برأيهن فيما يعرض عليه من أمور، ومن ذلك‬
 ‫ما فعله حين جاءه جبريل أول مرة، فرجع فزعًا إلى زوجه خديجة رضي اهلل عنها، وهو يقول:‬
                                                                          ‫زم‬     ‫زم‬
    ‫(( ِّلوني ِّلوني))، ثم أخبر خديجة بالخبر وقال: ((لقد خشيت على نفسي)) رواه الشيخان.‬
                                                                                ‫ت‬
   ‫فكلم ُه هذه كلمة المستنصح لخديجة الطالب رأيها في هذا األمر العظيم الذي عرض له، وحين‬
                                                             ‫ََ‬
                   ‫أشارت عليه بالذهاب إلى ورقَة قبل مشورتها واتبع نصحها رضي اهلل عنها.‬
                         ‫ح‬
  ‫وكان عليه الصالة والسالم يصحب زوجاته في السفر، كما ص ّ في الحديث عن عائشة رضي‬
                                         ‫ر‬
  ‫اهلل عنها أنها قالت: كان رسول اهلل إذا أراد سف ًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج‬
                                                      ‫بها رسول اهلل . رواه البخاري ومسلم.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أما بعد: وكان عليه الصالة والسالم يدرك طبيعة المرأة وأن على الزوج احتمال بعض شغبها‬
          ‫ّ‬
   ‫وأذاها؛ ألنه هو القيم عليها، ولذلك كان عليه الصالة والسالم يصبر على زوجاته، وكن أحيانا‬
   ‫يرفعن أصواتهن فوق صوته ويراجعنه فيما يقرره من قرارات، وربما غاضبته الواحدة منهن‬
                                 ‫د‬
    ‫فهجرته إلى الليل، فال يهتاج عليه الصالة والسالم، وال يحت ّ، بل يقابل األمر بسكينة ولطف.‬
                                                                           ‫ع‬
    ‫ولنستمع م ًا إلى هاتين القصتين الطريفتين اللتين روى إحداهما عمر رضي اهلل عنه ورويت‬
                                                                               ‫األخرى عنه:‬
‫القصة األولى: عن سعد بن أبي وقاص قال: استأذن عمر على رسول اهلل وعنده نسوة من قريش‬
    ‫ـ يعني من أزواجه ـ يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر قمن‬
   ‫فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اهلل ، فدخل عمر ورسول اهلل يضحك، فقال عمر: أضحك اهلل‬
   ‫ََ‬
‫سنك يا رسول اهلل، فقال النبي : ((عجبت من هؤالء الالتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرْن‬
                ‫و‬                                     ‫ي‬
      ‫الحجاب))، فقال عمر: فأنت أحق أن َهَبن يا رسول اهلل، ثم قال عمر: أي عد ّات أنفسهن،‬
                                               ‫أفظ‬
                    ‫أتهبنني وال تهبن رسول اهلل؟! فقلن: نعم أنت ُّ وأغلظ. رواه البخاري ومسلم.‬
       ‫ر‬
 ‫القصة الثانية: عن عمر رضي اهلل عنه قال: واهلل، إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أم ًا، حتى‬
                            ‫م‬
  ‫أنزل اهلل فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، فبينا أنا في أمر أتأ ّره إذ قالت امرأتي: لو صنعت‬
           ‫ب‬                           ‫تكلف‬
‫كذا وكذا! قال: فقلت لها: ما لك ولما ها هنا؟! وما ُّ ُك في أمر أريده؟! فقالت: عج ًا لك يا ابن‬
                                                                ‫ت‬
‫الخطاب! ما تريد أن ُراجَع في أمر، وإن ابنتك لتراجع رسول اهلل حتى يظل يومه غضبان، وفي‬
 ‫رواية عند البخاري: واهلل، إن أزواج النبي ليراجعْنَه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فقام‬
   ‫عمر فأخذ رداءه من مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول اهلل‬
‫حتى يظل يومه غضبان؟! فقالت: واهلل إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة اهلل وغضب‬
 ‫رسوله ... قال عمر: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت أم سلمة:‬
‫عجبًا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول اهلل وأزواجه! وفي‬
                                                          ‫م‬
 ‫رواية: واهلل، إنا لنكلمه فإن تح ّل ذلك فهو أولى به، وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك. رواه‬
                                                                                                     ‫البخاري ومسلم.‬
                                            ‫ن‬
 ‫وأعجب من كل ما سبق أن النبي كان أحيا ًا هو الذي يسترضي زوجه إذا غضبت، ويعتذر لها.‬
                                                                   ‫وسأحكي لهم هذه القصة الزوجية الطريفة:‬
 ‫روى أبو داود (2221) بإسناد قوي عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي فسمع‬
                                                                        ‫ي‬
 ‫صوت عائشة عال ًا، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: أال أراكِ ترفعين صوتك على رسول اهلل !‬
                                                                     ‫ِز‬
      ‫فجعل النبي يحج ُه ـ أي: منع أبا بكر من أن يزجر ابنته أو يضربها ـ ، وخرج أبو بكر‬
 ‫مغضبًا، فجعل النبي يترضى عائشة ويقول: ((كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟!)) أي: أال ترين‬
‫أني منعت أباك من زجرك وعقوبتك؟! وكأنه يريد أن يقول لها: أال يكفيك هذا شاهدا على محبتي‬
        ‫لك؟! فإالم تظلين ساخطة؟! ثم إن أبا بكر استأذن مرة أخرى فوجدهما قد اصطلحا، فقال:‬
                                                                                   ‫س‬
                ‫أدخالني في ِلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي : ((قد فعلنا، قد فعلنا)).‬
        ‫ن‬
    ‫فتأمل وانظر وتفكر، ثم قس هذا بحال من يرى في اعتذاره لزوجه وإن كان مخطئًا هوا ًا في‬
                                                                                        ‫النفس ونقصا في الرجولة.‬
 ‫ل كن إ ه وج َل‬                      ‫ك م فسك َ‬                             ‫ت‬         ‫وم‬
 ‫أيها األحبة، لقد قال اهلل سبحانه: َ ِنْ ءايَا ِهِ أَنْ خَلَقَ لَ ُم ّنْ أَن ُ ِ ُمْ أزْواجًا ّتَسْ ُ ُواْ ِلَيْ َا َ َع َ‬
                                                       ‫ي ل ْم ي َكر‬                     ‫ب ك م َدة َر م إ َّ ف‬
                                        ‫َيْنَ ُم َّو َّ ً و َحْ َةً ِن ِى ذَلِكَ ال َاتٍ ّقَو ٍ َتَف َّ ُونَ [الروم:57].‬
                                                                                                   ‫نعم أيها الزوجان:‬
                                                                ‫أنتما ِي رحلة العمر معا…تبنيان العش‬
                                                  ‫َّ كالروض األنيق‬                          ‫ف‬
                                                                                                     ‫ن‬
                                                        ‫قد َما بينكما عهد الوفا…صادقا فالعهد في اهلل وثيق‬
                                                                              ‫د‬
                                                 ‫تَحمالن العبء روحًا وي ًا…والتقى نعم التقى زاد الطريق‬
                                               ‫نفحة تثمر في النفس الرضا…تَجعل األيام كالغصن الوريق‬
                                                              ‫ب‬
                                                       ‫فإذا الدنيا سراج هادئ…والمنى تسبح في َحر طليق‬
                        ‫ي َو‬
     ‫عن أنس قال: خرجنا إلى المدينة قادمين من خيبر، فرأيت النبي ُح ِّي لها ـ أي: لصفية ـ‬
   ‫وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.‬
                                                                                     ‫رواه البخاري.‬

‫(5/1671)‬




                                                                                             ‫فرعون‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                              ‫اإليمان, سيرة وتاريخ‬
                                                                           ‫اإليمان بالرسل, القصص‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                             ‫عادل بن أحمد باناعمة‬
                                                                                                 ‫جدة‬
                                                                                       ‫17/2/7715‬
                                                                                        ‫محمد الفاتح‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
‫5- طغيان فرعون وجبروته وتطاوله حتى على رب البشر. 7- نشأة موسى عليه السالم في بيت‬
  ‫فرعون. 3- تسليط اهلل عز وجل أضعف جنده على فرعون ومن تبعه. 1- نهاية فرعون ومن‬
                                                                                               ‫تبعه.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
               ‫ل‬       ‫ْ َب ُم‬
              ‫أما بعد: فقد حكى اهلل تعالى في كتابه الكريم قول فرعون الطاغية: أَنَا رُّك ُ األَعَْى‬
                                                     ‫ْ‬         ‫عل ت ُ م‬
                                      ‫[النازعات:17]، مَا َِمْ ُ لَكمْ ّنْ اله غَيرِى [القصص:63].‬
  ‫بهذا الصلف المقيت والكبرياء الممجوجة كان يدير أمور الناس الذين ابتلوا بالخضوع له، وشاء‬
        ‫ل‬
 ‫اهلل أن يجعل جزاءه من جنس عمله، وأن يجعل هؤالء الذين احتقرهم سببا في زواله، وعّمه اهلل‬
                ‫أن الكبرياء رداؤه سبحانه والعظمة إزاره، وأن من جاذبه شيئًا منهما أذله وحقره.‬
‫لقد بطر فرعون، غره ملكه وجاهه، غرته الجموع التي تأتي إليه صاغرة وتحتشد بين يديه ذليلة،‬
‫ل مك‬
‫غره المال الذي ينثال بين يديه والقوة التي تملؤه، فصاح في غباء وغفلة: قَالَ ياقَوْمِ أَلَيْسَ ِى ُلْ ُ‬
                                                     ‫ت َ ت ِر‬               ‫هر ر م‬                     ‫م ر وه‬
                                     ‫ِصْ َ َ َاذِهِ األَنْ َا ُ تَجْ ِى ِن تَحْ ِى أفَالَ ُبْص ُونَ [الزخرف:51].‬
     ‫ْ وج َ له‬              ‫إ َّ ِ ن َ ف‬
    ‫ظن الملك ملكه، والدولة دولته، فطفق يفعل ما يشاء، ِن فرْعَوْ َ عَال ِى األرضِ َ َعلَ أَهَْ َا‬
‫ِن‬                 ‫م م سد‬                ‫ُ وي ى نس ه ِنه‬                          ‫ة م ُ ُ بح‬               ‫ِف‬       ‫شي ي‬
‫ِ َعًا َسْتَضْع ُ طَائِفَ ً ّنْهمْ يذَ ّ ُ أَبْنَاءهمْ َ َسْتَحْ ِ ِ َاء ُمْ إ َّ ُ كَانَ ِنَ الْ ُفْ ِ ِينَ [القصص:1]، إ َّ‬
                                        ‫ئظ ن وِن جم ع ح ذر‬                           ‫ِ ذم ٌ ل ل ن وِن ُ‬           ‫ؤ‬
                    ‫هَ ُالء لَشرْ ِ َة قَِيُو َ َإَّهمْ لَنَا لَغَا ِ ُو َ َإ َّا لَ َ ِي ٌ َا ِ ُونَ [الشعراء:11-61].‬
 ‫ْ ِ ل ه ن عل ط ِ ع‬
‫ولم يكتفِ بالطغيان على البشر حتى تطاول على رب البشر، فَأَوقدْ ِى يا َامَا ُ ََى ال ّين فَاجْ َل‬
                                 ‫ذب‬           ‫ُنه م‬       ‫م س وإن‬         ‫لعل َط ع إل‬             ‫َ‬  ‫ل‬
‫ّى صرْحًا َّ َّى أ َّلِ ُ َِى اله ُو َى َِ ّى ألظ ُّ ُ ِنَ الْكَا ِ ِينَ [القصص:63]، بل قال بكل وقاحة:‬
                                                                                     ‫َر ن ت م س و َ ُ َبه‬
                                                                                   ‫ذ ُو ِى أَقْ ُلْ ُو َى َلْيدْع رَّ ُ!!‬
          ‫وظن فرعون بعد كل هذا الجبروت والطغيان أنه يتحكم في األقدار، فقد كان بنو إسرائيل‬
‫يتدارسون فيما بينهم مما حفظوه عن إبراهيم عليه السالم أنه سيخرج من ذريته غالم يكون هالك‬
            ‫ق‬
    ‫فرعون مصر على يديه، وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها ال ِبْط فيما‬
                        ‫ر‬
   ‫بينهم، ووصلت إلى فرعون، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذ ًا من وجود هذا الغالم،‬
 ‫ر‬                                                                  ‫ال‬
‫فجعل فرعون رجا ً وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فال تلد امرأة ذك ًا‬
                                                                             ‫إال ذبحه أولئك الذابحون من ساعته.‬
                                                                               ‫ذ‬
    ‫هكذا إ ًا بلغ فرعون غاية الجبروت والطغيان، كفر باهلل وتطاول عليه، وظن ملك األرض بين‬
                                ‫يديه، وأراد أن يتحكم في أحداث المستقبل ويرسم صورته كما يريد هو.‬
 ‫ونظر الرعاع الضعفة إلى هذا الملك وهذا الجبروت، نظروا إلى هذه األموال المكدسة والجيوش‬
                                          ‫ر‬
 ‫المجيشة والعدة والعتاد، فآمنوا أن فرعون إله عص ِهم وكبير أمرهم، فانساقوا له طائعين، وذلوا‬
‫بين يديه، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وتبرعوا من بعد ذلك بمساعدته فيما‬
 ‫َ ر م س َق مه‬                  ‫ِِ‬       ‫أل م‬           ‫َ‬
 ‫طلب وفيما لم يطلب، وقدموا له النصيحة اآلثمة: وقَالَ الْمَ ُ ِن قَوْم فرْعَونَ أَتذَ ُ ُو َى و َوْ َ ُ‬
                                                                         ‫و َ َ ك له‬               ‫لي سد ْ ف‬
                                                      ‫ِ ُفْ ِ ُوا ِى األرْضِ َيذرَ َ وَءاِ َتَكَ [األعراف:275].‬
‫فأي شيء كان بعد ذلك كله؟! وهل استطاع فرعون المتجبر أن يحمي نفسه؟! وهل وجد الالئذون‬
  ‫و‬                                                                                 ‫ذ‬
 ‫به مال ًا حين جاء أمر اهلل؟! ال واهلل، لقد أراد اهلل أن يذل فرعون بأعجب إذالل وأغربه، وح ّل‬
‫المعركة إلى بيته هو، ونشأ موسى عليه السالم الذي أبطل باطل فرعون في بيت فرعون، وكانت‬
                                                                    ‫ال‬
                                                                   ‫آية من آيات اهلل وقف عندها التاريخ طوي ً.‬
      ‫لقد ولدت أم موسى وليدها، وخافت عليه بطش فرعون، فكان أمانه في أخوف مكان، وكانت‬
                                         ‫ذ‬
‫سالمته من الذبح في بيت ذابحه، وشاء اهلل أن يغ ّي فرعون بيديه من يكون على يديه زواله، وال‬
                                ‫تل ه‬               ‫َ ُرة ع ل و‬              ‫ْر ُ ِ‬           ‫َ‬
                     ‫راد لما أراد اهلل، وقَالَتِ ام َأَت فرْعَوْن ق َّ ُ َيْنٍ ّى َلَكَ الَ تَقْ ُُو ُ [القصص:2].‬
   ‫د‬                                                                  ‫ئ د‬
  ‫يقدر الطاغوت شي ًا ويق ّر اهلل غيره، واهلل يريد غير ما يريد فرعون، وإرادة اهلل وقدرته تتح ّى‬
                                          ‫ت‬
      ‫بطريقة مكشوفة فرعون وهامان وجنودهما، إنهم ليّبعون الذكور من بني إسرائيل خوفًا على‬
    ‫ملكهم، وها هي إرادة اهلل تلقي في أيديهم بطفل، وأي طفل؟! إنه الطفل الذي على يديه هالكهم‬
                ‫ز‬                              ‫د‬
‫أجمعين، ها هي ذي تلقيه في أيديهم مجر ًا من كل قوة، ومن كل حيلة، عاج ًا عن نفسه، ها هي‬
‫ذي تقتحم به على فرعون حصنه. يا فرعون، موسى لن يكون مرباه إال في دارك وعلى فراشك،‬
          ‫ط‬          ‫ه‬                                                           ‫يغذ‬
 ‫ولن َّى إال بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتع ّده، وال ت ّلع على سر‬
 ‫معناه، وأنت تقدم له مبررات نقمته بظلمك بني قومه، لتعلم أن رب السموات هو الفعال لما يريد.‬
‫لقد اقتحمت إرادة اهلل على فرعون قلب امرأته بعدما اقتحمت به عليه حصنه، لقد حمته بالمحبة ال‬
      ‫بالسالح وال بالجاه وال بالمال، حمته بالحب الحاني في قلب امرأة، وتحدت به قسوة فرعون‬
                         ‫َت ِ ه وَد‬             ‫عس أ ي ع‬
        ‫وغلظته وحرصه وحذره، وقالت المرأة: َ َى َن َنْفَ َنَا أَوْ ن َّخذَ ُ َل ًا [القصص:2]، فقال‬
                                                ‫موك‬                 ‫م‬               ‫م‬
   ‫فرعون: أ ّا لكِ فنعم، وأ ّا لي فال. والبالء َّل بالمنطق، وكان ما كان فهداها اهلل به، وأهلكه‬
                                                                                                          ‫على يديه.‬
      ‫وقام موسى عليه السالم بواجب الدعوة والبالغ، واهتدى اآلالف من قوم فرعون، بل اهتدت‬
   ‫زوجه أقرب الناس إليه، وأصر هو وطغمته ومن ماأله على كبريائه وجبروته، وتحدى موسى،‬
‫ِ ه ن‬                    ‫س‬         ‫ْ‬     ‫أ ي هَف‬            ‫أ ي َد د ك‬
‫وبدأت الحرب بداية إعالمية: َن ُب ّلَ ِينَ ُمْ أَوْ َن ُظْ ِر ِى األرضِ الْفَ َادَ [غافر:67]، إنْ َاذا ِ‬
                     ‫ر ت ُم م ل‬                 ‫ضك ب ْره وي ه‬                    ‫ُ م‬         ‫ُر د أ ي‬           ‫ح‬
       ‫لَسَا ِرانِ ي ِي َانِ َن ُخْرِجَاكمْ ّنْ أَرْ ِ ُمْ ِسِح ِ ِمَا َ َذْ َبَا بِطَ ِيقَ ِك ُ الْ ُثَْى [طه:36]، ويا‬
                              ‫ر‬             ‫م‬            ‫و‬
 ‫سبحان اهلل! في عشية وضحاها تح ّل فرعون عال ًا بالدين، يق ّر ما هو الصالح وما هو الفساد،‬
                                                           ‫ويفرق بين دعاة الهدى ودعاة السحر والتضليل.‬
                                         ‫َر ن َ ُ م س و َ ُ َبه‬
     ‫ثم بدأت حرب التهديد ذ ُو ِى أقْتلْ ُو َى َلْيدْع ر َّ ُ [غافر:67]، ثم بدأ الفعل وجمع الجموع‬
  ‫ِ ذمة ل ل ن وِن ُ‬             ‫ِن ؤ‬
‫وتجييش الجيوش والضرب بيد من حديد وعبارات الغيظ والمقت، إ َّ هَ ُالء لَشرْ ِ َ ٌ قَِيُو َ َإَّهمْ‬
                                                                               ‫ئظ‬
 ‫لَنَا لَغَا ِ ُونَ [الشعراء:11، 11]، وفزع أقوام وظنوا النجاة في جند فرعون وجيشه، فقالوا بأعلى‬
                                                    ‫ن لب‬                ‫ِن‬          ‫ب ِز ِ ِ‬
      ‫أصواتهم: ِع َّة فرْعَونَ إ َّا لَنَحْ ُ الْغَاِ ُونَ [الشعراء:11]. فإلى أي مدى مضت المواجهة بين‬
                                                       ‫موسى عليه السالم وبين فرعون المتجبر الطاغي؟!‬
                                        ‫ف‬      ‫د‬
    ‫لقد سلط اهلل عليه أضعف جنده، سلط عليه جن ًا ضعي ًا يستكثر عليها هذا الجيش الجرار، سلط‬
                                                                                  ‫د‬
                 ‫عليه جرا ًا وقمالً وضفادع ودمًا، لتنقلب كل موازين فرعون فال يدري ماذا يفعل.‬
    ‫عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى عليه السالم فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل،‬
                       ‫ع‬
      ‫فأرسل اهلل عليه المطر فصب عليهم شيئًا خافوا منه، فقالوا لموسى: اد ُ لنا ربك يكشف عنا‬
 ‫المطر فنؤمن بك، فدعا ربه فلم يؤمنوا، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته من قبل من الزرع‬
    ‫والثمر والكأل، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل اهلل عليهم الجراد فسلطه على الكأل، فلما رأوا‬
                                             ‫ع‬
    ‫أثره عرفوا أنه ال يبقى، فقالوا: يا موسى، اد ُ لنا ربك ليكشف عنا الجراد، فنؤمن لك ونرسل‬
     ‫معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل،‬
                                                                            ‫َب‬
    ‫فدرسوا الح َّ وأحرزوه في البيوت، وقالوا: قد أحرزنا، فأرسل اهلل عليهم القمل وهو السوس،‬
        ‫ع‬                      ‫ِ‬                        ‫الر‬
‫فكان الرجل يخرج عشرة أجرِبة إلى َّحى فال يرد منها ثالثة أقفزَة، فقالوا لموسى: اد ُ لنا ربك‬
  ‫يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا‬
 ‫معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت‬
    ‫وقومك من هذا؟ فقال فرعون: وما عسى أن يكون كيد هذا، فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس‬
    ‫إلى ذقنه الضفادع، ويهم أن يتكلم فتثب الضفدعة في فيه! فرجوا موسى فدعا ربه فكشف عنهم‬
         ‫ط‬
   ‫الضفادع ولكنهم لم يؤمنوا، فسلك عليهم الدم، فكل ما في أوعيتهم من ماء صار دمًا عبي ًا. قال‬
                                             ‫ابن إسحاق: فتابع اهلل عليهم اآليات وأخذهم بالسنين فلم يؤمنوا.‬
    ‫وهكذا استمر فرعون على بغيه، وغالب أمر اهلل سبحانه حين قرر فرعون في النهاية أن يحسم‬
        ‫أمر موسى بضربة قاضية مهلكة، جمع لها كل جموعه وحشد لها كل حشوده، وكانت ساعة‬
                            ‫َ ه جن ه ب ه ْ ف َم‬
         ‫الصفر، فتنزل نصر اهلل وعونه، فَأَخذْنَا ُ وَ ُ ُودَ ُ فَنَ َذْنَا ُم ِى الْي ّ [القصص:01]، وأغرقت‬
                          ‫م ب ع ِم الس و َ ْض وم ن م ر‬
          ‫األمواج فرعون وجنده، فَ َا َكَتْ َلَيْه ُ َّمَاء َاألر ُ َ َا كَا ُواْ ُنظَ ِينَ [الدخان:27].‬
         ‫قال سيد: "انظر إلى هوانه وهوانهم على اهلل، وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه،‬
               ‫ي‬                ‫س‬
 ‫فيطأطئ له المأل المفتونون به، وهو أضل وأزهد من أن يح ّ به الوجود، وهو ُسلب النعمة فال‬
‫يمنعها من الزوال، وال يرثي له أحد على سوء المآل، لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب‬
              ‫الن‬
‫السماء فتبكي على فقدهم، وال لهم في األرض بقاع عبدوا اهلل فيها، ذهبوا ذهاب ِّمال، وهم كانوا‬
                                  ‫جبارين في األرض، يطؤون الناس بالنعال، ذهبوا غير مأسوف عليهم".‬
                                                                                     ‫ق‬
  ‫قال ال ُشَيري: تكبر فرعون بغير حق فأقمأه اهلل بحق، وتجبر بغير استحقاق، فأذله اهلل باستحقاق،‬
   ‫ه وجن ُ فن َ ن ُ‬                   ‫ي جع َ‬               ‫ق و َن َن ُ إ‬                    ‫ْ ب‬       ‫و َر هو وجن د ُ ف‬
 ‫َاسْتَكْب َ ُ َ َ ُ ُو ُه ِى األرضِ ِغَيْرِ الْحَ ّ َظ ُّواْ أ َّهمْ ِلَيْنَا الَ ُرْ َ ُون فَأَخَذْنَا ُ َ ُ ُودَه َ َبذْ َاهمْ‬
                                                                   ‫قبة الظ لم‬               ‫ف َّ ظ ْ‬
                                                ‫ِى الْيم فَان ُرْ كَيفَ كَانَ عَا ِ َ ُ َّاِ ِينَ [القصص:23، 01].‬
     ‫ولم يبقَ من فرعون إال جسده شاه ًا على قدرة اهلل، فَالْ َومَ ُنَ ّيكَ ِ َ َنِكَ ِتَ ُو َ ِ َنْ خَلْفَ َ ءا َ ً‬
     ‫ك ية‬              ‫ي ْ ن ج ببد ل ك ن لم‬                                       ‫د‬
                                                                                                                ‫[يونس:72].‬
                ‫ْ ُم مه ْ قي م ِ ْ َ هم الن‬                                     ‫ع‬
   ‫ورجع أتباع فرعون في الدنيا تب ًا له في المآل: يَقد ُ قَوْ َ ُ يَومَ الْ ِ َا َة فَأَوردَ ُ ُ َّارَ [هود:62].‬
     ‫لما كانوا تبعًا لفرعون في هذا األمر يمشون خلفه، ويتبعون خطواته الضالة بال تدبر وال تفكر‬
          ‫ودون أن يكون لهم رأي، لما كانوا كذلك فإن السياق يقرر أن فرعون سيقدمهم يوم القيامة‬
                                                                                                          ‫ويكونون له تبعًا.‬
   ‫ومغ ربه الت‬                     ‫ف ن مش‬           ‫ن ي‬           ‫َّذ‬                 ‫و ْر‬
  ‫وجعل اهلل العاقبة للمؤمنين: َأَو َثْنَا الْقَوْمَ ال ِينَ كَا ُواْ ُسْتَضْعَ ُو َ َ َارِقَ األرْضِ َ َ َا ِ َ َا َّ ِى‬
        ‫ْض و ع ُ ِمة‬                  ‫ت ف ْف‬            ‫ونر د أ ن ُن عل َّذ‬                            ‫بر ف‬
        ‫َا َكْنَا ِيهَا [األعراف:235]، َ ُ ِي ُ َن َّم َّ ََى ال ِينَ اسُْضْعِ ُوا ِى األر ِ َنَجْ َلَهمْ أَئ َّ ً‬
‫جن ده م ُ م ن ي ْذ ن‬                              ‫ْض ون ِ َ ِ ن ه‬              ‫و ع هم و رث ن ونمك ه ْ ف‬
‫َنَجْ َلَ ُ ُ الْ َا ِ ِي َ َُ َ ّنَ لَ ُم ِى األر ِ َ ُرى فرْعَوْ َ وَ َامَانَ وَ ُ ُو َ ُمَا ِنْهمْ َّا كَا ُواْ َح َرو َ‬
                                                                                                          ‫[القصص:1، 6].‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                       ‫لم ترد.‬

‫(5/6671)‬
                                                                                                ‫من أجل فلسطين‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                    ‫القتال والجهاد, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫عادل بن أحمد باناعمة‬
                                                                                                               ‫جدة‬
                                                                                                    ‫35/7/3715‬
                                                                                                     ‫محمد الفاتح‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- فضائل أرض فلسطين. 7- جهاد السلف الصالح لتحرير فلسطين والدفاع عنها. 3- ما الذي‬
                                                  ‫نستطيع أن نقدمه لألرض المقدسة في الوقت الحاضر؟‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: من أجلها ذرفت عيون، ولتربها حنت قلوب، من أجلها شد الرجال عزائم األبطال، أحيوا‬
                                                                ‫في نفوسهم الحماسة، عرفوا معنى النضال.‬
                ‫إنها فلسطين أرض القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا .‬
   ‫ْر بع د ال من‬                  ‫َّ‬        ‫س‬
   ‫إنها فلسطين األرض المباركة بنص كتاب اهلل، قال سبحانه: ُبْحَانَ الذِى أَس َى ِ َبْ ِهِ لَيْ ً ّ َ‬
  ‫و َج ه ول ط‬                                 ‫ه‬             ‫ر‬        ‫ص َّ‬          ‫م ِ َر إل م ِ‬
 ‫الْ َسْجدِ الْح َامِ َِى الْ َسْجدِ األقْ َى الذِى بَا َكْنَا حَوْلَ ُ [اإلسراء:5]، وقال تعالى: َن َّيْنَا ُ َُو ًا‬
                                                                  ‫ْ الت ب ر ف ه‬                ‫إل‬
  ‫َِى األرضِ َّ ِى َا َكْنَا ِي َا [األنبياء:52]. قال ابن كثير: "هي بالد الشام"، وقال عز من قائل:‬
                                           ‫ِ‬     ‫ُر الت ب ر ف ه ُر‬                     ‫جع ب ه وب‬
   ‫وَ َ َلْنَا َيْنَ ُمْ َ َيْنَ الْق َى َّ ِى َا َكْنَا ِي َا ق ًى ظَاهرَةً [سبأ:65]، قال ابن عباس: (القرى التي‬
                                                                                ‫باركنا فيها هي بيت المقدس).‬
 ‫الله‬         ‫م َدس الت‬           ‫ْ‬      ‫خل‬             ‫ي‬
 ‫إنها فلسطين األرض المقدسة بنص القرآن الكريم: َا قَوْمِ ادْ ُُوا األرضَ ال ُق َّ َةَ َّ ِى كَتَبَ َّ ُ‬
                                                                                     ‫ُ‬
‫لَكمْ [المائدة:57]، قال الزجاج: "المقدسة الطاهرة، سماها مقدسة ألنها طهرت من الشرك، وجعلت‬
                                                                                    ‫مسكنا لألنبياء والمؤمنين".‬
   ‫إنها فلسطين أرض األنبياء والمرسلين، فعلى أرضها عاش إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف‬
‫ولوط وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السالم، وغيرهم الكثير ممن لم تذكر‬
                                                                ‫أسماؤهم من أنبياء بني إسرائيل.‬
   ‫إنها فلسطين التي تبسط عليها المالئكة أجنحتها، فعن زيد بن ثابت رضي اهلل عنه قال: سمعت‬
   ‫رسول اهلل يقول: ((يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، يا طوبى للشام))، قالوا: يا رسول اهلل، وبم‬
                      ‫ذلك؟! قال: ((تلك مالئكة اهلل باسطو أجنحتها على الشام)) صححه األلباني.‬
    ‫إنها فلسطين أرض المحشر والمنشر، فقد روى اإلمام أحمد بسنده وابن ماجه عن ميمونة بنت‬
      ‫سعد موالة النبي قالت: يا نبي اهلل، أفتنا في بيت المقدس، قال: ((أرض المحشر والمنشر)).‬
 ‫إنها فلسطين موئل الطائفة المنصورة الثابتة على الحق، فعن أبي أمامة عن النبي قال: ((ال تزال‬
     ‫طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين ال يضرهم من خالفهم إال ما أصابهم من‬
‫ألواء حتى يأتيهم أمر اهلل وهم كذلك))، قيل: يا رسول اهلل، وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس وأكناف‬
                                                                      ‫بيت المقدس)) رواه أحمد.‬
                 ‫ل‬
‫إنها فلسطين مصرع الدجال ومقتله، حيث يلقاه عيسى عليه السالم عند باب ُد، فيذوب كما يذوب‬
             ‫الملح في الماء، فيقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، فيضربه فيقتله. رواه مسلم.‬
      ‫إنها فلسطين موطن الكثير من صحابة رسول اهلل ، منهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس‬
    ‫غ‬                                   ‫الد‬                     ‫ث‬
 ‫وأسامة بن زيد بن حارثة ووا ِلة بن األَسْقع وفيروز َّيلمي ودِحْية الكلبي وعبد الرحمن بن َنْم‬
                        ‫ج‬                ‫ز‬
 ‫األشعري وأوس بن الصامت ومسعود بن أوس و ِنْباع بن روح ال ُذامي، وغيرهم من الصحابة‬
                                                                         ‫الكرام رضي اهلل عنهم.‬
              ‫ر‬
 ‫إنها فلسطين موطن اآلالف من أعالم األمة وعلمائها الذين أضاؤوا في سمائها بدو ًا ولمعوا فيها‬
                                  ‫ز‬
     ‫نجومًا، ومن هؤالء مالك بن دينار واألوزاعي ورَوح بن ِنْباع وسفيان الثوري وابن شهاب‬
                                                                                         ‫الز‬
                                                         ‫ُّهري والشافعي وابن قدامة المقدسي.‬
   ‫نعم، هذه هي فلسطين بعبقها وتاريخها، بخيراتها وبركاتها وفضائلها، بشموخها وكبريائها، هذه‬
                                                     ‫هي فلسطين بجمالها الساحر وحسنها الفتان.‬
                                                                       ‫ف‬
                                ‫أقول والقلب يشدو ِي خَمائلها…هذا الجمال إلى الفردوس ينتسب‬
                                     ‫يا للجبال إذا ما زينت وعلى…سفوحها غرد الزيتون والعنب‬
                                                                           ‫للر‬
                           ‫يا ُّبى والمروج الخضر مصبحة…والورد من كل لون منظر عجب‬
                            ‫هنا السموات باألرض التقيْن وقد…عم السرور جميع الكون والطرب‬
                                 ‫ب‬
                                 ‫هذي فلسطين يا من ليس يعرفها…كأن أحجارها القدسية الشه ُ‬
  ‫نعم، هذه فلسطين يا عباد اهلل، ما أحببناها لترابها وال لجبالها، ولكن لبركاتها وخيراتها، ولما لها‬
                                                          ‫ولمسجدها األقصى من مكانة في ديننا.‬
  ‫هذه فلسطين التي من أجلها نَهَد األبطال وانطلق الرجال. من أجل فلسطين ـ أيها اإلخوة ـ شد‬
      ‫األبطال عزائمهم وأسرجوا خيولهم وطاروا يسابقون الريح. من أجل فلسطين أراق الشهداء‬
              ‫دماءهم وبذلوا أرواحهم رخيصة. من أجل فلسطين تتابعت التضحيات وعظم البذل.‬
    ‫ل‬
‫وكم سجل التاريخ من مواقف عظيمة ألبطال عظماء هبوا دفاعًا عن فلسطين، وما بخلوا بغا ٍ وال‬
                                                                                            ‫نفيس.‬
                           ‫ي‬
    ‫لقد سار إليها عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه وأرضاه على بعير، َعْتقب عليه هو وغالم له،‬
                                         ‫م‬
  ‫حتى إذا اعترضته مخاضة نزل عن بعيره فنزع ُوقَيه وخاض في الماء، ثم لما وصل إلى بيت‬
                             ‫المقدس صلى في محراب داود عليه السالم، وترنم بسورة اإلسراء.‬
  ‫من أجل فلسطين امتنع الملك البطل نور الدين زنكي عن التبسم، وقال: أستحي من اهلل أن أتبسم‬
        ‫ر‬                          ‫ذ‬
  ‫وبيت المقدس في األسر. ومن أجلها وقف هذا الملك الف ّ على تل حارم، وسجد هلل وم ّغ وجهه‬
                                     ‫د‬
‫في التراب، ودعا ربه: اللهم انصر دينك وال تنصر محمو ًا، ثم لقي الصليبيين الذين استولوا على‬
                              ‫ف‬
‫بيت المقدس، لقيهم بثالثين ألفًا وهم أزيد من مائة وخمسين أل ًا، فكسرهم وقتل منهم عشرة آالف،‬
                                                                     ‫وأسر عشرة آالف أو أكثر.‬
                              ‫ّ‬
     ‫ومن أجل فلسطين شمخ صالح الدين برأسه، وشحذ سيفه، وأعد عدته، ليخرج الصليبيين من‬
                   ‫ل‬
  ‫أرض األقصى، كان في بيت المقدس نحو من ستين ألف مقاتل صليبي، كّهم يرى الموت أهون‬
 ‫عليه من تسليمها. لقد جهز صالح الدين جيشه الذي ال يزيد عن اثني عشر ألف مقاتل، وجابه به‬
  ‫جيوش الفرنجة التي تجاوز عددها ثالثة وستين ألف مقاتل، والتقى الفريقان على أرض حطين،‬
‫وحاصر المسلمون الصليبيين، وأحرقوا الحشائش الجافة من حولهم ومن تحتهم، فاجتمع عليهم حر‬
   ‫الشمس وحر العطش وحر النار وحر السالح، ثم أمر صالح الدين بالحملة الصادقة، فمنح اهلل‬
  ‫المسلمين أكتاف الفرن ، فقتلوا منهم ثالثين ألفًا، وأسروا ثالثين ألفًا، وبيع األسير الصليبي يومئذ‬
                                                           ‫ي‬       ‫ر‬
‫بدرهم، بل باع مسلم أسي ًا صليب ًا بنعلين، فقيل له: ما أردت بذلك؟! قال: أردت أن يكتب التاريخ‬
                                                                  ‫هوانهم، وأن أحدهم بيع بنعلين.‬
‫ومن أجل فلسطين جرد العمالق مظفر قطز سالحه، ووقف على عين جالوت، ليصد عن فلسطين‬
                 ‫م‬
‫ومصر طوفان التتار الهادر، لقد بعث له هوالكو وهو في األشهر األولى من ُلكه رسالة يقول له‬
                      ‫ي‬            ‫ق‬                                         ‫ات‬
‫فيها: َّعظوا بغيركم، فنحن ال نرحم من بكى، وال نر ّ لمن شكا، أ ّ أرض تؤويكم؟! وأي طريق‬
 ‫تنجيكم؟! وأي بالد تحميكم؟! فما لكم من سيوفنا من خالص ومن مهابتنا مناص، الحصون عندنا‬
                                        ‫ي‬
    ‫ال تمنع، والعساكر لقتالنا ال تنفع، ودعاؤكم علينا ال ُسمع، قرأ قطز هذه الرسالة العاصفة، ثم‬
                                            ‫ألقى ببصره ناحية القدس، وكأني به ناجاها فقال لها:‬
                                                                       ‫ن‬
                                                           ‫يا دامية العينين والكفين إ ّ الليل زائلْ‬
                                                                   ‫ز‬                    ‫ُر‬
                                                        ‫ال غ َف التوقيف باقية وال ُرد السالسلْ‬
                                                        ‫وحبوب سنبلة تموت ستمأل الوادي سنابل‬
                        ‫زو‬
  ‫ثم أمر بالقبض على الرسل وإعدامهم، وعلقت رؤوسهم على باب ُ َيْلة. وفي رمضان من عام‬
  ‫616هـ اصطدم الجبالن في عين جالوت شمالي شرق فلسطين، وصاح قطز صيحته الشهيرة:‬
                ‫ج‬
  ‫وا إسالماه، فانتفض الجند المسلم، ومنح اهلل للمسلمين أكتاف الكافرين، وتر ّل قطز عن فرسه،‬
                                                                   ‫ر‬                    ‫ومر‬
                                                             ‫َّغ وجهه في التراب شك ًا هلل.‬
          ‫ي‬                         ‫ك‬        ‫م‬
‫ومن أجل فلسطين ضحى عبد الحميد بعرشه و ُلكه، وص ّ سمع هرتزل بكلماته المدو ّة: ال أقدر‬
                                                               ‫د‬
      ‫أن أبيع ولو قدمًا واح ًا من فلسطين؛ ألنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه‬
                                                            ‫ط‬
   ‫اإلمبراطورية بدمائهم وسوف نغ ّيها بدمائنا قبل أن نسمح ألحد باغتصابها. لقد حاربت كتيبتنا‬
                              ‫د‬
‫في سوريا وفي فلسطين، وقتل رجالنا الواحد بعد اآلخر؛ ألن أح ًا منهم لم يرض بالتسليم، ليحتفظ‬
   ‫اليهود بباليينهم، فإذا قسمت اإلمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، إنها لن‬
 ‫تقسم إال على جثثنا، لماذا نترك القدس؟! إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان، ال بد أن تظل‬
                                                                                    ‫القدس لنا.‬
     ‫ومن أجل فلسطين وقف الشيخ يوسف الجرار شيخ الجبل رحمه اهلل أمام حمالت الفرنسيين،‬
                 ‫و‬
‫وتمكن وحده مع جنده القلة من تدويخ نابليون القائد الشهير األسطوري الذي د ّخ العالم، واستطاع‬
                  ‫يبخ‬                                    ‫د‬
   ‫هذا الشيخ بمن معه أن يص ّ جيوشه عن عكا، ومن ثم عن فلسطين، وأن ِّر أحالمه بتأسيس‬
‫إمبراطورية تمتد من مصر والشارم وصحارى الجزيرة إلى العراق وإيران والهند، وقد بلغ الغيظ‬
                             ‫ك‬
   ‫بنابليون من هزيمته أمام الشيخ الجرار أن وقف بجوار سور ع ّا، وقذف بخوذته إلى األعلى،‬
      ‫ك د‬                 ‫متأوه‬
‫وقال: إن لم أدخل أنا فلتدخل خوذتي، وأخذ يقول ألحد ضباطه ِّ ًا: لو فتحت ع ّا لب ّلت وجه‬
‫العالم، ثم أمر بقذف عكا بجميع ما يملك من مدافع مدى أربعة أيام، وقطع الماء عنها ودمر الكثير‬
                                                                                 ‫من عمارتها.‬
        ‫ومن أجل فلسطين قام الشيخ المجاهد عز الدين القسام ليكون شوكة في حلوق أبناء القردة‬
 ‫والخنازير، قام بإمكاناته المتواضعة وعدده اليسيرة، ليجابه مدافع اليهود ورشاشاتهم وقنابلهم، لقد‬
                                            ‫ح ّ‬
   ‫باع بيته الوحيد في حيفا، وباع أصحابه ُلي زوجاتهم وبعض أثاث بيوتهم، ليوفروا الرصاص‬
    ‫والبنادق، وتمكن القسام من أن يقض مضاجع اليهود سبع سنوات كامالت، إلى أن بذل روحه‬
                      ‫رضية في أحراش قرية "يعبد" بعد معركة استمرت أربع ساعات ونصف.‬
                                                       ‫نعم يا فلسطين، من أجلك نهض هؤالء.‬
                                                        ‫د ب‬                  ‫ي‬
                                         ‫فدى لعينيك ربّون ما وهنوا…تج ّدين ِهم أيامك األوال‬
                                                  ‫ف‬
                                     ‫خضر الطيور هم العليا منازلهم…كل يغرد ِي قنديله جذال‬
 ‫ومن أجل فلسطين ينتفض اليوم أبناء الحجارة، يحملون حصى أرضهم وترابها ليرموا بها وجوه‬
  ‫الدخالء الغاصبين، لقد نطقت حجارتهم حين أخرست المدافع، ووقعوا بدمائهم شهادة ميالد جيل‬
                        ‫جديد، ال يؤمن بالخوف وال يعترف بالعجز وال يرضى بالهوان. وأقول:‬
                                          ‫يا جيل المصاحف، يا خمير األرض، يا طلق الوالدة.‬
                                 ‫ها أنت كالينبوع تدفق في صحارينا، وتمنحنا الوثيقة والشهادة.‬
                                                                              ‫د‬
                                                           ‫أنت الذي سيب ّل األوزان واألحزان.‬
                                                                      ‫يزرع في العيون نخيلَها.‬
                                                                         ‫الر‬
                                                                   ‫فلكم تباطأ في الرحيل عن القرى عام َّمادَة.‬
                                                                                       ‫أنت الذي يقتات جمر المرحلَة.‬
                                                                 ‫ها إن أحبار اليهود تجمعوا، ها إنهم حشدوا لنا.‬
                                                                                    ‫فاقرأ على تلك الرؤوس الزلزلة.‬
                                                                              ‫اقرأ علينا ما تيسر باسم ربك يا بالل.‬
                                                                  ‫ن‬         ‫د‬
                                         ‫اقرأ علينا (المؤمنون) وش ّ قوسك، إ ّ قوسك ال تطيش بها النبال.‬
                                                                 ‫كم ذا سألت فلم يجيبوا، كم ذا سألت فلم يجيبوا.‬
                                                                                  ‫أنت وحدك من يجيب عن السؤال.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
      ‫وبعد: فمن أجل فلسطين تسيل اليوم هذه الدماء وتتناثر هذه األشالء. من أجل فلسطين يحمل‬
 ‫الشاب المؤمن روحه على يديه، ويتجلبب بالموت، ويتحول إلى غضب أحمر، إلى لهب حارق،‬
    ‫إلى قنبلة بشرية تعصف بأركان اليهود. من أجل فلسطين يصبر أولئك الصامدون تحت لهيب‬
  ‫ِن الل‬
‫النيران وقصف المدافع وأزيز الطائرات. من أجل فلسطين باع إخواننا هناك أرواحهم هلل، إ َّ َّهَ‬
   ‫ُ َن ُم ل َن ي تل َ ف سب الل ِ تل وي ل ن و ْد‬                                          ‫َر م م من أ فس ُ و‬
  ‫اشْت َى ِنَ الْ ُؤْ ِ ِينَ َن ُ َهمْ َأَمْوالَهمْ بِأ َّ لَه ُ اّج َّةَ ُقَا ُِون ِى َ ِيلِ َّه فَيَقْ ُُونَ َ ُقْتَُو َ َع ًا‬
                                      ‫وم ْ بع ْد م الل‬                   ‫ق ف الت ْر ة و إل ج ل و ُ‬                ‫ع‬
                      ‫َلَيْهِ حَ ّا ِي َّو َا ِ َا ِن ِي ِ َالْقرْءانِ َ َنْ أَوفَى ِ َه ِهِ ِنَ َّهِ [التوبة:555].‬
   ‫ئ‬
 ‫ومن أجل فلسطين ال بد أن نعمل نحن كذلك شيئًا، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نفعل شي ًا،‬
     ‫د‬
    ‫مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقدم لفلسطين شيئا، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نح ّث‬
  ‫أنفسنا بالجهاد ونسأل الشهادة ونعد العدة، ((من سأل اهلل الشهادة بصدق بلغه اهلل منازل الشهداء‬
   ‫وإن مات على فراشه)) رواه النسائي وابن ماجه وأبو داود، ((من مات ولم يغز ولم يحدث به‬
                                                                   ‫نفسه مات على شعبة من النفاق)) رواه مسلم.‬
 ‫مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن ندعو، أن نستخدم هذا السالح الهائل الذي طالما قلب الموازين‬
                          ‫وغير مجرى التاريخ، ((هل تنصرون إال بضعفائكم))، بدعوتهم وإخالصهم.‬
‫مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نحمل هم القضية، أن نتحدث بها في كل مجلس وبكل لسان، أن‬
       ‫ُعر‬
  ‫نجعلها شغلنا الشاغل في صباحنا ومسائنا، أن نعيش في كل خطوة من خطواتنا، أن ن ِّف بها‬
                                                                      ‫لنجلو الغشاوة ونحرك القلوب وندفع للعمل.‬
    ‫مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقاطع بضاعة اليهود وأعوان اليهود، نستطيع أن نترفع عن‬
‫بعض شهواتنا ورغباتنا لئال تتحول أموالنا إلى رصاصات في صدور إخواننا، نستطيع أن ندوس‬
   ‫بأقدامنا على بعض ما نحب ونألف لئال نخذل المجاهدين على أرض الرباط، نستطيع أن نحرم‬
                           ‫ي‬
‫أنفسنا رغباتها، فنهز بذلك اقتصاد أولئك الذين بأموالهم وأسلحتهم ُقتل إخواننا، نستطيع أن نكون‬
                                             ‫سببًا في إغالق محالت واضطراب أخرى، وكم رأينا وسمعنا.‬
 ‫مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقتطع من أموالنا وقوتنا للتبرع إلخواننا. مهما كنا ضعفاء فإننا‬
                                                                 ‫د‬
    ‫نستطيع أن نربي جيالً جدي ًا على اإليمان واليقين والجهاد وبغض القتلة المارقين، ليكون هذا‬
 ‫الجيل بإذن اهلل طالئع جيل النصر المنشود، وتعقد على يديه ألوية الظفر ألمة اإلسالم. مهما كنا‬
                                               ‫ضعفاء فإننا نستطيع أن نفعل الكثير من أجل فلسطين.‬
  ‫المهم أيها األخ الكريم، أن ال تنطوي صفحة هذه األحداث وقد عشتها واصطليت بلهبها دون أن‬
     ‫يكون لك فيها أثر، المهم أن ال يقضى األمر وينفض السامر ولم يكتب في كتابك أنك عملت‬
  ‫لفلسطين شيئًا، المهم أن ال تكون عالة على أمتك، المهم أن ال تخذل إخوانك هناك، أن ال تنسى‬
       ‫ِنم‬                  ‫و م من ن و م م ت ب ضه لي ب ْ‬
      ‫النصوص القرآنية الصريحة: َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِنَا ِ َعْ ُ ُمْ أَوِْ َاء َعضٍ [التوبة:52]، إَّ َا‬
                         ‫و صم بح ْ الل جم ع و ف َّق‬                                   ‫م من إ ة‬
      ‫الْ ُؤْ ِ ُونَ ِخْوَ ٌ [الحجرات:05]، َاعْتَ ِ ُواْ ِ َبلِ َّهِ َ ِي ًا َالَ تَ َر ُواْ [آل عمران:305].‬

‫(5/2671)‬




                                                                                ‫يوم الجمعة: أحكام وحكم‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫عادل بن أحمد باناعمة‬
                                                                                                       ‫جدة‬
                                                                                             ‫15/5/3715‬
                                                                                              ‫محمد الفاتح‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فضل يوم الجمعة. 7- خصائص يوم الجمعة. 3- بعض المسائل المتعلقة بصالة الجمعة.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل‬
                                              ‫محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
                                                        ‫ت‬      ‫ة‬
 ‫فهذا يوم مباركة أوقاته، طيب ٌ ساعا ُه، يوم اصطفاه اهلل من بين سائر أيام األسبوع، وجعل له من‬
                                                   ‫الخصائص والمزايا ما شرف بها على غيره.‬
   ‫وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: ((نحن اآلخرون األولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا‬
  ‫الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا اهلل له))،‬
                        ‫ع‬
   ‫وروى مالك في الموطأ وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة مرفو ًا: ((خير يوم طلعت فيه‬
                                        ‫ت‬          ‫أ‬
‫الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه ُهبط، وفيه ِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما‬
                                                                   ‫مص‬
     ‫من دابة إال وهي ُ ِيخَة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إال‬
                                                                                    ‫ن‬
   ‫الج ّ واإلنس، وفيه ساعة ال يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اهلل حاجة إال أعطاه إياها))،‬
                                                                ‫ل‬
  ‫قال كعب: ذلك في ك ّ سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول‬
                                                                                          ‫اهلل .‬
        ‫وبلغ من فضل هذا اليوم وشرفه أن العلماء قد اختلفوا في المفاضلة بينه وبين يوم عرفة.‬
                ‫وما وردت به النصوص من فضائل هذا اليوم أكثر من أن تحصى في مقام كهذا.‬
                           ‫ٌ‬    ‫د‬
 ‫فمن ذلك أن فيه ساعة اإلجابة، وهي الساعة التي ال يسأل اهللَ عب ٌ مسلم فيها شيئًا إال أعطاه، كما‬
                                                ‫صح بذلك الحديث عند البخاري ومسلم (716).‬
 ‫وفي تحديد هذه الساعة أقوال عديدة، تزيد على أحد عشر قوالً، أرجاها كما قال ابن القيم قوالن:‬
‫األول: من جلوس اإلمام إلى انقضاء الصالة، والثاني: بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول‬
                                                                          ‫ال‬
     ‫عبد اهلل بن س َم وأبي هريرة واإلمام أحمد وخلق، ويشهد له حديث جابر: ((يوم الجمعة ثنتا‬
   ‫عشرة ساعة، ال يوجد مسلم يسأل اهلل شيئًا إال أعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) رواه‬
  ‫أبو داود (6105) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه النووي واأللباني وحسنه ابن حجر.‬
   ‫ومن ذلك الندب لقراءة سورة الكهف فيه، وقد جاء في الحديث بسند يصح إن شاء اهلل أن النبي‬
‫قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء‬
                                        ‫له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين)) رواه الحاكم.‬
  ‫ومن ذلك استحباب كثرة الصالة على النبي فيه، وفي الحديث الحسن عند البيهقي: ((أكثروا من‬
  ‫الصالة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة))، والرسول سيد األنام، ويوم الجمعة سيد األيام، فللصالة‬
                                                          ‫عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره.‬
                  ‫ه ت عل إل‬                          ‫ل‬
      ‫ومن ذلك استحباب قراءة سورتي الم تَنزِي ُ [سورة السجدة]، و َلْ أَ َى ََى ا ِنسَانِ [سورة‬
                                  ‫اإلنسان] في فجره، كما رواه اإلمام مسلم في صحيحه (226).‬
                                       ‫ن‬
 ‫قال ابن القيم رحمه اهلل في الزاد (5/123): "ويظ ّ كثير ممن ال علم عنده، أن المراد تخصيص‬
 ‫هذه الصالة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة‬
 ‫سورة أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من األئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر‬
    ‫الجمعة دفعًا لتوهم الجاهلين. وسمعت شيخ اإلسالم ابن تيمية يقول: إنما كان النبي يقرأ هاتين‬
  ‫السورتين في فجر الجمعة، ألنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق‬
  ‫آدم، وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم‬
                                 ‫ع‬
   ‫تذكير لألمة بما كان فيه وما يكون، والسجدة جاءت تب ًا ليست مقصودة، حتى يقصد المصلي‬
                                                                          ‫قراءتها حيث اتفقت".‬
  ‫ومن خصائص الجمعة كذلك األمر باالغتسال فيه، قال ابن القيم في الزاد (5/623): "وهو أمر‬
                                                                        ‫د‬
‫مؤكد ج ًا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر وقراءة البسملة في الصالة ووجوب الوضوء من مس‬
                                          ‫الذكر ووجوب الصالة على النبي في التشهد األخير".‬
‫ومن خصائص الجمعة أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر األيام، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر‬
       ‫أيام األسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور، قال ابن القيم في الزاد‬
  ‫(5/201): "وشاهدت شيخ اإلسالم ابن تيمية قدس اهلل روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد‬
                                          ‫ر‬
     ‫في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه س ًا، وسمعته يقول: إذا كان اهلل قد أمرنا‬
       ‫بالصدقة بين يدي مناجاة رسوله فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة".‬
  ‫ومن خصائصه أيضًا عدم جواز السفر فيه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما‬
 ‫قبل دخوله فللعلماء فيه أقوال، والمختار عند مالك أن ال يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى‬
‫يصلي الجمعة، ورخص عمر رضي اهلل عنه في السفر ما لم تزل الشمس ويحضر وقت الصالة،‬
 ‫واألصح أن له أن يسافر ما لم يدخل وقت الصالة، فإذا حان وقت الصالة وهو من أهل وجوبها‬
 ‫لم يجز له أن يسافر حتى يؤديها. وهذا إذا لم يخف فوت رفقته، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه‬
                           ‫بعدهم جاز له السفر مطلقًا؛ ألن هذا عذر تسقط به الجمعة والجماعة.‬
    ‫وال ريب أن من أهم خصائص هذا اليوم، وأجلى سماته أداء صالة الجمعة، هذه الصالة التي‬
            ‫أ َر‬
  ‫عظم النبي من شأنها حتى قال: ((لقد هممت أن آمر رجالً يصلي بالناس ثم ُح ِّق على رجال‬
                                                      ‫يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)) رواه مسلم.‬
                                            ‫م‬
 ‫وكان أسعد بن زرارة رضي اهلل عنه أول من ج ّع بالمدينة قبل مقدم رسول اهلل في هزم النبيت‬
             ‫ال‬
            ‫من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، وكانوا يومذاك أربعين رج ً.‬
       ‫ق‬
 ‫قال ابن القيم في الزاد (5/323): "كان هذا مبدأ الجمعة، ثم قدم رسول اهلل المدينة فأقام ب ُباء في‬
  ‫بني عمرو بن عوف يوم االثنين ويوم الثالثاء ويوم األربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم‬
   ‫خرج يوم الجمعة، فأدركته الصالة في بني سالم بن عوف، فصالها في المسجد الذي في بطن‬
                          ‫الوادي، وكانت أول جمعة صالها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده".‬
 ‫ولما كان البعض من الناس يغفل عن مسائل مهمة تتعلق بهذه الصالة العظيمة وجب التنبيه إلى‬
   ‫ذلك واإلشارة إليه، وال سيما مع تكرر الشكوى من عدد من فضالء الحي من ممارسات تكون‬
  ‫وقت الصالة غيرها أولى منها وأجدر. وأنا أشير في هذا المقام إلى جملة من المسائل، وأوفيها‬
                                                           ‫حقها من النظر والتمحيص بإذن اهلل.‬
      ‫5- يستحب للمسلم أن يلبس يوم الجمعة أحسن الثياب التي يقدر عليها، ففي سنن أبي داود‬
‫(6205) بسند حسن عن عبد اهلل بن سالَم أنه سمع رسول اهلل يقول على المنبر يوم الجمعة: ((ما‬
                        ‫على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)).‬
‫ويسن أن يتنظف للجمعة بقص شاربه وتقليم أظافره وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره، وأن‬
                                                 ‫يتطيب بما يقدر عليه ويأخذ من طيب أهله.‬
                                                                             ‫غ‬
    ‫ووقت ال ُسل بعد طلوع الفجر، فمن اغتسل بعد ذلك أجزأه، وإن اغتسل قبله لم يجزئه، لقول‬
 ‫النبي : ((من اغتسل يوم الجمعة))، واليوم من طلوع الفجر، وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل‬
                                                                           ‫وكفاه الوضوء.‬
      ‫م‬
  ‫7- كما يستحب فيه تَجْمير المسجد، فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد اهلل المج ِر أن‬
                                                            ‫ي‬
                  ‫عمر بن الخطاب أمر أن ُجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار.‬
‫3- ومن مهمات مسائل الجمعة استحباب التبكير إليها، ففي الصحيحين أنه قال: ((من اغتسل يوم‬
                                                   ‫ب‬
   ‫الجمعة غسلَ الجنابة ثم راح فكأنما قرب َدَنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة،‬
                                          ‫ْر‬
   ‫ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أق َن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب‬
    ‫دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج اإلمام حضرت المالئكة‬
                                                                         ‫يستمعون الذكر)).‬
‫وقد ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وغيرهم إلى أن التبكير إليها يكون من أول النهار،‬
             ‫قال الشافعي رحمه اهلل: "ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنًا"..‬
                                            ‫ن‬         ‫ض الذ‬
  ‫وعن سمرة أن النبي قال: ((احْ ُروا ِّكر، وادْ ُوا من اإلمام، فإن الرجل ال يزال يتباعد حتى‬
                                          ‫يؤخر في الجنة وإن دخلها)) رواه أبو داود وأحمد.‬
   ‫ودلت السنة على أن اليمين أفضل من اليسار عند التقارب أو التساوي، وأما مع البعد فقد دلت‬
 ‫السنة على أن اليسار األقرب أفضل، ودليل ذلك أن الناس كانوا إذا وجد جماعة ثالثة فإن اإلمام‬
     ‫يكون بين الرجلين، ولو كان اليمين أفضل على اإلطالق لصار مقام الرجلين مع الرجل عن‬
                            ‫ف‬
 ‫اليمين، وطرف الصف األول من اليمين أو اليسار خير من الص ّ الثاني وإن كان خلف اإلمام.‬
‫1- ويجب اإلنصات للخطبة في أصح القولين، فإن تركَه كان الغيًا، ومن لغا فال جمعة له، وعند‬
‫البخاري ومسلم: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت واإلمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت))، وفي رواية‬
                                        ‫أحمد: ((والذي يقول لصاحبه: أنصت فال جمعة له)).‬
  ‫وإذا سمع اإلنسان متكلمًا لم ينهه بالكالم، ولكن يشير إليه، نص عليه أحمد، فيضع أصبعه على‬
                                                                                      ‫فيه.‬
  ‫1- ويستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب، قال األَثْرم: قلت ألبي عبد اهلل: يكون اإلمام‬
                                                                       ‫د‬
  ‫عن يميني متباع ًا، فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة، فقال: نعم تنحرف إليه،‬
                                  ‫شر‬
  ‫وممن كان يستقبل اإلمام ابن عمر وأنس، وهو قول ُ َيح وعطاء ومالك والثوري واألوزاعي‬
‫والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر هذا كاإلجماع، وعند ابن ماجه كان النبي إذا‬
                                                            ‫قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم.‬
   ‫6- وما تجدر اإلشارة إليه في هذا المقام قضية تخطي الرقاب، فإن البعض غفر اهلل لنا وله ال‬
 ‫يولي هذا األمر حقه، ويتساهل فيه، وقد جاء في صحيح البخاري عن سلمان قال: قال رسول اهلل‬
                    ‫د‬    ‫ويدهن‬
  ‫: ((ال يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر َّ ِ َ من ُهْنه أو يمس من طيب‬
‫بيته ثم يخرج فال يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم اإلمام إال غفر له ما بينه‬
 ‫وبين الجمعة األخرى))، وفي مسند أحمد: ((ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وركع ما قضي له ثم انتظر‬
                                                      ‫حتى ينصرف اإلمام غفر له ما بين الجمعتين)).‬
   ‫وفي مسند أحمد وسنن أبي داود (3555) بسند حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن‬
  ‫جده مرفوعا: ((يحضر الجمعة ثالثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها‬
    ‫يدعو فهو رجل دعا اهلل فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم‬
‫يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة له إلى يوم الجمعة التي تليها وزيادة ثالثة أيام، وذلك أن‬
                                                      ‫حس ه ع ْر ل‬                              ‫م‬
‫اهلل يقول: َن جَاء بِالْ َ َنَةِ فَلَ ُ َش ُ أَمْثَاِهَا [األنعام:065])) وحسنه األلباني. فتأمل كيف قيد تمام‬
                                          ‫د‬
                  ‫األجر بأن ال يفرق المصلي بين اثنين، وال يتخطى أح ًا، وال يتجاوز رقبة مسلم.‬
   ‫قال العالمة البهوتي: "ويكره أن يتخطى رقاب الناس لما روى أحمد أن النبي وهو على المنبر‬
                                                                             ‫ال‬
 ‫رأى رج ً يتخطى رقاب الناس فقال: ((اجلس فقد آذيت))، ولما فيه من سوء األدب واألذى، إال‬
         ‫أن يكون إمامًا فال يكره أن يتخطى رقاب الناس للحاجة لتعيين مكانه، وألحق به المؤذن".‬
                                  ‫بك‬
  ‫ولكن ها هنا أمر آخر ينبغي التنبه له، وهو أن على من َّر إلى المسجد أن يتقدم إلى الصفوف‬
                                                           ‫ف‬
    ‫األولى، وأن ال يدع أمامه ُرجات تضطر من جاء بعده إلى تخطي رقبته. وقد نقل عن اإلمام‬
                                                       ‫ف‬
       ‫أحمد رحمه اهلل أن المصلي إذا رأى ُرجة ال يصل إليها إال بالتخطي فال يكره؛ ألن هؤالء‬
                                                               ‫المتأخرين أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم.‬
     ‫ن‬
    ‫والبن قدامة رحمه اهلل في المغني (3/537) كالم نفيس خالصته أن المصلين إذا تركوا مكا ًا‬
                                                                    ‫يصف‬           ‫ع‬
 ‫واس ًا مثل الذين ُّون في آخر المسجد ويتركون بين أيديهم صفوفًا خالية فهؤالء ال حرمة لهم‬
‫كما قال الحسن؛ ألنهم خالفوا أمر النبي ورغبوا عن الفضيلة وخير الصفوف، وجلسوا في شرها،‬
                                               ‫ف‬
      ‫وألن تخطيهم مما ال بد منه، وأما إن كانت ال ُرج المتقدمة لم تنشأ من تفريط من سبق وإنما‬
                   ‫ط‬
    ‫جلسوا في مكانهم المتالء ما بين أيديهم ثم شغرت أماكن فاألَولى أن ال يتخ ّى إليها ومتى لم‬
                                         ‫يمكن الصالة إال بالدخول وتخطيهم جاز ألنه موضع حاجة.‬
      ‫خ‬             ‫ل‬
    ‫والخالصة أن على من سبق إلى المسجد أن ال يدع فرجة أمامه، وأن المصّي إذا جاء بأ َرة‬
  ‫فوجد فرجات كبيرة تركها من سبقه فله أن يتخطى إليها، وإن كان األولى ـ كما قال الشيخ ابن‬
          ‫عثيمين رحمه اهلل ـ أن ال يتخطى حتى ولو إلى فرجة، ألن العلة وهي األذية موجودة.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
 ‫2- وليس للجمعة على األصح سنة راتبة قبلية، وعليه فليس من األولى أن يقوم الجالس بعد أذان‬
     ‫الخطبة لصالة ركعتين، قال ابن القيم في الزاد (5/331): "وكان إذا فرغ بالل من األذان أخذ‬
                    ‫د‬
  ‫النبي في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن األذان إال واح ًا، وهذا يدل على أن‬
 ‫الجمعة كالعيد ال سنة قبلها، وهذا أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنة، وهذا مذهب مالك وأحمد‬
                                                   ‫في المشهور عنه وأحد الوجهين ألصحاب الشافعي".‬
‫وإنما يصلي اإلنسان حال وصوله المسجد ركعتين تحية للمسجد، وإن شاء أن يصلي صالة كثيرة‬
 ‫من باب التطوع المطلق فال حرج عليه، وكذلك كان يفعل ابن عمر رضي اهلل عنه، وقد نقل عنه‬
     ‫أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة، وكان ابن عباس رضي اهلل عنهما يصلي ثمان‬
                                                ‫ل‬
                                   ‫ركعات، وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبَه أربع ركعات.‬
 ‫فإذا خرج اإلمام للخطبة وهو في نافلة خففها، ولو كان نوى أربعًا صلى ركعتين ليستمع الخطبة،‬
    ‫ويحرم ابتداء نافلة بعد خروج اإلمام للخطبة غير تحية مسجد، روي ذلك عن ابن عباس وابن‬
                                                                                                       ‫عمر.‬
 ‫وفي الصحيحين من حديث جابر قال: جاء رجل والنبي يخطب الناس فقال: ((أصليت يا فالن؟))‬
 ‫قال: ال، قال: ((قم فاركع))، ولمسلم قال: ثم قال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة واإلمام يخطب فليركع‬
                                                                                 ‫ركعتين وليتجوز فيهما)).‬
                             ‫جم ة‬           ‫م ن ِي إنه ك ُصل‬
  ‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية: "أ ّا الّب ُّ فِ ّ ُ لم ي ُن ي ِّي قبل ال ُ ُع ِ بعد األذانِ شيئًا، وال نقل‬
   ‫م ر ُؤذن ب ل ُم طب‬                                            ‫ي ذن‬          ‫ه د إن نبي‬
   ‫هذا عن ُ أح ٌ، فِ ّ ال ّ ِ ّ كان ال ُؤ ّ ُ على عهدِهِ إال إذا قعد على ال ِنب ِ، وي ِّ ُ ِال ٌ ث ّ يخ ُ ُ‬
     ‫ن ه‬                ‫ي كن ُصل‬                   ‫ثم ي م ب ٌ ُصل ن ِي ن‬                         ‫ن ِي خ‬
‫ال ّب ُّ ال ُطبتينِ، ُ ّ ُقِي ُ ِالل في ِّي ال ّب ُّ بِال ّاسِ، فما كان ُم ِ ُ أن ي ِّي بعد األذا ِ، ال ُو وال‬
              ‫ُر‬        ‫ه د نه ل ف ت ِ‬                         ‫ه‬      ‫د م م لم ّ ُصل‬
       ‫أح ٌ ِن ال ُسِ ِين الذِين ي ُّون مع ُ ، وال نقل عن ُ أح ٌ أ ّ ُ صّى ِي بي ِه قبل الخ ُوجِ يوم‬
      ‫د‬           ‫ت غ ُف ص‬             ‫ظُ ف‬          ‫جم ة‬            ‫مد‬          ‫ق ب ل‬          ‫جم ة‬
     ‫ال ُ ُع ِ، وال و ّت ِقوِهِ صالة ُق ّرة قبل ال ُ ُع ِ، بل ألفا ُه ِيها ال ّر ِيب ِي ال ّالةِ إذا ق ِم‬
    ‫ل‬                         ‫ك‬         ‫له‬      ‫قت‬            ‫جم م‬             ‫ج‬      ‫ر ُل‬
‫ال ّج ُ المس ِد يوم ال ُ ُعةِ ِن غيرِ تو ِي ٍ، كقوِ ِ: ((من ب ّر وابتكر ومشى ولم يركب وصّى ما‬
    ‫ُ ِب ل ُ)). وهذا ُو المأ ُو ُ عن ال ّحاب ِ، كا ُوا إذا أتوا المس ِد يوم ال ُ ُعةِ ي ُّون ِن ِي ِ‬
    ‫جم ُصل م ح ن‬                  ‫ج‬                 ‫ص ة ن‬              ‫ث ر‬        ‫ه‬         ‫كت ه‬
    ‫ة مه‬                      ‫ُصل‬      ‫ت مه‬                ‫ُصل‬      ‫س مه‬               ‫خل‬
‫يد ُُون ما تي ّر، ف ِن ُم من ي ِّي عشر ركعا ٍ، و ِن ُم من ي ِّي اثنتي عشرة ركع ً، و ِن ُم من‬
    ‫نه‬          ‫ر ئمة متفق‬                        ‫ل‬    ‫ُصل ل م ل‬            ‫ت مه‬           ‫ِ‬     ‫ُصل‬
    ‫ي ِّي ثمان ركعا ٍ، و ِن ُم من ي ِّي أق ّ ِن ذِك، وِهذا كان جماهِي ُ األ ِ ّ ِ ُ ّ ِ ِين على أ ّ ُ‬
        ‫ن ِي ف له ه‬                  ‫م د ة د ن ل ن بت‬                        ‫جم سنة م ق ة ب‬
    ‫ليس قبل ال ُ ُعةِ ُ ّ ٌ ُؤ ّت ٌ ِوقت ُق ّر ٌ بِعد ِ، أل ّ ذِك إّما يث ُ ُ بِقولِ الّب ِّ أو ِعِ ِ، و ُو لم‬
      ‫به ه‬                 ‫ب ش ف ِي‬             ‫ب ل‬             ‫ف له‬        ‫ب ل‬                 ‫سّف‬
     ‫ي ُن ِي ذلِك شيئًا ال ِقوِهِ وال ِعِ ِ، وهذا مذه ُ ماِكٍ ومذه ُ ال ّا ِع ِّ وأكثرِ أصحا ِ ِ، و ُو‬
                                                                                             ‫ه ُف‬
                                                                                ‫المش ُور ِي مذهبِ أحمد.‬
 ‫قال ابن عثيمين رحمه اهلل في الشرح الممتع (1/105): "فإن قلت: هل تختارون لي إذا جئت يوم‬
    ‫الجمعة أن أشغل وقتي بالصالة أو بقراءة القرآن؟ الجواب: نرى أن ركعتين ال بد منهما وهما‬
 ‫تحية المسجد، وما عدا ذلك ينظر اإلنسان ما هو أرجح له، فإذا كنت في مسجد يزدحم فيه الناس‬
     ‫ويكثر المترددون بين يديك فالظاهر أن قراءة القرآن أخشع لقلب اإلنسان وأفيد، وإذا كنت في‬
    ‫ر‬
   ‫مكان سالم من التشويش فال شك أن الصالة أفضل من القراءة؛ ألن الصالة تجمع قراءة وذك ًا‬
                                                        ‫د‬               ‫د‬
                                                     ‫ودعاء وقيامًا وقعو ًا وركوعًا وسجو ًا".‬
  ‫وأما بعد الجمعة فقد جاء في الحديث عند مسلم (566): ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها‬
‫أربعًا))، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته،‬
                                                          ‫ثم قال: كان رسول اهلل يصنع ذلك.‬
                                                                                   ‫ع‬
‫وجم ُ ما بين الحديثين ما قاله ابن تيمية رحمه اهلل: "إن صلى في المسجد صلى أربعًا، وإن صلى‬
 ‫في البيت صلى ركعتين". ويؤيد هذا ما رواه أبو داود (0355) بإسناد قوي عن ابن عمر رضي‬
         ‫اهلل عنهما أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعًا، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين.‬
                             ‫ل‬
‫6- ومن مسائل صالة الجمعة أنها ال تجمع مع العصر في مح ّ يبيح الجمع بين الظهر والعصر.‬
                 ‫ر‬
    ‫2- وال يكره لمن فاتته الجمعة صالة الظهر جماعة، فإن خاف فتنة أو ضر ًا أخفاها وصلى‬
                                                                            ‫حيث يأمن ذلك.‬
       ‫05- ويكره أن يسند ظهره إلى القبلة، نص عليه، واقتصر األصحاب على االستحباب في‬
                                                                                   ‫استقبالها.‬
                                          ‫د‬                                 ‫سن‬
  ‫55- ومن نعس ُ ّ انتقاله من مكانه إن لم يتخطَ أح ًا في انتقاله، لقوله : ((إذا نعس أحدكم في‬
                       ‫مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.‬
    ‫75- وأما االحتباء يوم الجمعة فاألولى تركه ألجل ما ورد من النهي عنه في حديث سهل بن‬
 ‫معاذ عند أبي داود وإن كان ضعيفًا، وألنه يكون متهيئًا للنوم والوقوع وانتقاض الوضوء، فيكون‬
‫تركه أولى واهلل أعلم، ويحمل النهي في الحديث على الكراهة، ويحمل أحوال الصحابة الذين فعلوا‬
                                                              ‫ذلك على أنهم لم يبلغهم الخبر.‬
    ‫وقد ذهب بعض الحنابلة إلى أنه ال بأس باالحتباء يوم الجمعة واإلمام يخطب، وذلك لما رواه‬
  ‫مالك عن ابن عمر وجماعة من أصحاب الرسول من أنهم كانوا يفعلون ذلك. وقد قال أبو داود:‬
                                             ‫نسي‬                      ‫د‬
      ‫لم يبلغني أن أح ًا كرهه إال عبادة بن ُ َ ّ، وروى يعلى بن شداد بن أوس قال: شهدت مع‬
   ‫معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول اهلل ، فرأيتهم‬
                                ‫محتبين واإلمام يخطب. واألولى كما أسلفت االمتناع عن ذلك.‬
 ‫35- ومن المسائل المهمة مسألة قضاء ما فات من الجمعة، فالمأموم إذا أدرك من صالة الجمعة‬
    ‫ركعة أتمها جمعة، أما إذا جاء وقد رفع اإلمام رأسه من ركوع الركعة الثانية فإنه يدخل معه‬
                                                                      ‫ر‬
      ‫ولكنه يتمها ظه ًا أي: أربع ركعات، وذلك لقوله : ((من أدرك من الصالة ركعة فقد أدرك‬
‫الصالة)) رواه الشيخان، وعند النسائي في السنن الكبرى: ((من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها‬
 ‫فقد تمت صالته))، ومفهوم ذلك أنه إذا أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركًا لها. قال ابن عثيمين في‬
     ‫الشرح الممتع (1/76): "القول الثاني: أنه إذا دخل معه بنية الجمعة فتبين أنه ال يدرك ركعة‬
                                                                              ‫ر‬
                                     ‫فلينوها ظه ًا بعد سالم اإلمام، وهذا هو القول الصحيح".‬
‫(5/6671)‬




                                                                             ‫بادروا باألعمال‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                           ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                         ‫أشراط الساعة, اغتنام األوقات, الفتن‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫وليد بن إدريس المنيسي‬
                                                                                    ‫مينيسوتا‬
                                                                                ‫دار الفاروق‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- التعجيل باألعمال الصالحة قبل حلول الفتن. 7- استدراك ما فات من الزمان بالتوبة‬
‫النصوح. 3- اغتنام الزمان الحاضر بالعمل الصالح. 1- الفتن الصغار والكبار. 1- سبل الوقاية‬
                                                               ‫من الفتن. 6- أشراط الساعة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: فعن أبي هريرة قال: قال : ((بادروا باألعمال فتنا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل‬
‫مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل)) رواه‬
      ‫مسلم، وعنه قال: قال : ((بادروا باألعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة‬
  ‫األرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة)) روه مسلم، وعن عابس الغفاري قال: قال :‬
                                             ‫ُّ‬
     ‫((بادروا باألعمال ستا: إمارة السفهاء، وكثرة الشرَط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة‬
                      ‫أقل‬          ‫ي َني‬                                        ‫و‬
   ‫الرحم، ونش ًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ل ُغِّ َهم وإن كان َّهم فقها)) رواه أحمد‬
 ‫والطبراني وصححه األلباني في صحيح الجامع (7567)، وعن أبي هريرة قال: قال : ((بادروا‬
      ‫هر م ن‬
‫باألعمال سبعا: هل تنتظرون إال فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو َ َمًا ُفْ ِيا، أو‬
                     ‫ر‬          ‫ة‬                                  ‫َ‬           ‫م ِز‬
‫موتا ُجْه ًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساع ُ أدهى وأم ّ)) رواه الترمذي وقال:‬
                                                                              ‫"حديث حسن".‬
   ‫في هذه األحاديث األربعة الشريفة يأمرنا بالمبادرة باألعمال، أي: اإلسراع باألعمال الصالحة‬
       ‫والتعجيل بها قبل أن تأتي هذه الفتن وهذه الصوارف التي تعيق اإلنسان عن العمل الصالح.‬
  ‫فأنت ـ أيها اإلنسان ـ بين زمن مضى ال تستطيع رده، وبين زمن مستقبل ال تدري هل تدركه‬
     ‫أم ال، وإذا أدركته هل ستستطيع فيه العمل الصالح أم ستعجز عنه، وبين زمن حاضر إما أن‬
   ‫تستفيد منه وتكثر فيه من العمل الصالح، وإما أن يذهب منك وأنت ال تشعر، فتندم حين ال ينفع‬
                                                                                                               ‫الندم.‬
    ‫أيها المسلمون، استدركوا ما فات من زمانكم بالتوبة النصوح مما فرطتم فيه، واغتنموا زمانكم‬
‫الحاضر باإلكثار من العمل الصالح، كالصالة والصدقة والصيام وتالوة القرآن والتسبيح والتحميد‬
‫والتكبير والتهليل والذكر والدعاء وحسن الخلق وطلب العلم والدعوة إلى اهلل وغير ذلك من أبواب‬
                                                           ‫ودل‬
  ‫الخير، وهي كثيرة بحمد اهلل، ُّوا إخوانكم عليها، فإن الدال على الخير كفاعله، واعزموا على‬
  ‫االستمرار في الطاعة واالزدياد منها في مستقبلكم، فإن اإلنسان يدرك بنيته ثواب العمل الصالح‬
                                                                 ‫الذي عزم عليه، ولكن منعه عذر من فعله.‬
  ‫ق إل م ِرة م‬
‫وقد أمرنا اهلل سبحانه بالمسابقة إلى الخيرات والمسارعة إليها، فقال سبحانه: سَابِ ُوا َِى َغْف َ ٍ ِنْ‬
‫ْل الل ي ت ه‬                 ‫الس ء و َ ْ أ ِد لَّذ ن من ِالله ورسل‬                    ‫َب ُ و َنة ع ضه َ‬
‫ر ِّكمْ َج َّ ٍ َرْ ُ َا كَعرْضِ َّمَا ِ َاألرضِ ُع َّتْ ِل ِي َ آ َُوا ب َّ ِ َ ُ ُِهِ ذَلِكَ فَض ُ َّهِ ُؤْ ِي ِ‬
‫وس رع إل م ِر م ْ َبك و َنة‬                                                        ‫ْ‬       ‫م ي ء َالله ذ‬
‫َنْ َشَا ُ و َّ ُ ُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ [الحديد:57]، وقال سبحانه: َ َا ِ ُوا َِى َغْف َةٍ ِن ر ِّ ُمْ َج َّ ٍ‬
    ‫عرْ ُ َا َّمَ َا ُ َاألر ُ ُع َّتْ ِلْمَّ ِينَ ال ِي َ ُنْ ِ ُونَ ِي الس َّا ِ َالض َّا ِ َالْكَا ِ ِينَ الْ َيْ َ‬
    ‫َّر ء و َّر ء و ظم غ ظ‬                         ‫َ ضه الس و ت و َ ْض أ ِد ل ُتق َّذ ن ي فق ف‬
                                                            ‫و ع ف ع الن س َالله ي ِب م سن‬
                                    ‫َالْ َا ِينَ َنْ َّا ِ و َّ ُ ُح ُّ الْ ُحْ ِ ِينَ [آل عمران:335، 135].‬
      ‫والمسارعة والمسابقة والمبادرة معناها التعجيل بتحصيل شيء يفوت بالتأخر في طلبه ويندم‬
   ‫اإلنسان على فواته، فما بالك إذا كان هذا الشيء الفائت هو الجنة والمغفرة؟! وال بديل لمن فاته‬
                                        ‫ذلك إال النار والعذاب األليم، فما أعظم الحسرة وأفدح الخسارة.‬
        ‫أيها المسلمون، إن من فوائد التعجيل باألعمال الصالحة في زمن الرخاء والراحة والصحة‬
           ‫وسل‬
      ‫والفراغ والغنى أن من فعل ذلك عرفه اهلل سبحانه في أوقات الفتن والشدائد، فثبته َّمه في‬
       ‫دينه، وكتب له أجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، كما قال : ((تعرف إلى اهلل في الرخاء‬
                                     ‫يعرفك في الشدة)) رواه الترمذي عن ابن عباس رضي اهلل عنهما.‬
     ‫وقد بلغ من إسراعه بالخير أنه صلى العصر يوما فسلم فتخطى الرقاب، ودخل البيت بسرعة‬
                                ‫فأخرج ذهبا فقسمه على الناس، وقال: ((إنه صدقة فكرهت أن أبيته)).‬
   ‫أيها المسلمون، في الحديث األول يحذر النبي أمته من الفتن التي هي مثل قطع الليل المظلم في‬
     ‫التباس أمرها على أكثر الناس وانتشارها وكثرتها وتتابعها، والفتن هي تلك األمور التي تفتن‬
    ‫المؤمن عن دينه، أي: تصرفه عنه وتكون سببا في نقصان إيمانه أو زواله بالكلية والعياذ باهلل‬
   ‫بسبب الرغبة في شيء من أمور الدنيا؛ كمال أو جاه أو رياسة أو نساء، أو رهبة من شيء من‬
                                                                         ‫يخو‬
‫أمور الدنيا َّف به؛ كزوال نعم أو حلول مصائب فيؤثر الدنيا على الدين، وهذه الفتن التي حذر‬
‫منها النبي سيبلغ من قوتها أن الرجل يصبح مؤمنا ثم يتعرض لهذه الفتنة فال يصبر فيكفر ويمسي‬
                       ‫كافرا، أو يمسي مؤمنا ثم يتعرض لهذه الفتنة فيكفر فيصبح كافرا والعياذ باهلل.‬
    ‫والفتن منها صغار وكبار، فالصغار كفتنة األهل والمال والولد والجار، أي: ما يقع بسبب هذه‬
 ‫األمور من صغائر الذنوب ونقصان اإليمان، وتكفيرها بالصالة والصيام والصدقة، والفتن الكبار‬
          ‫هي التي بدأت بقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وستستمر وتكثر في آخر الزمان.‬
     ‫روى البخاري عن حذيفة بن اليمان أن عمر بن الخطاب قال: أيكم يحفظ قول رسول اهلل في‬
‫الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هات إنك لجريء، قال: قال رسول اهلل : ((فتنة الرجل‬
     ‫في أهله وماله وجاره تكفرها الصالة والصدقة واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر))، قال:‬
   ‫ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين، ال بأس عليك منها، إن بينك‬
                                   ‫ي‬                ‫ي‬
 ‫وبينها بابا مغلقا، قال: يفتح الباب أو ُكسر؟ قال: ال بل ُكسر، قال: ذلك حري أن ال يغلق. فسأل‬
                                                          ‫مسروق حذيفة: من الباب؟ قال حذيفة: هو عمر.‬
‫وروى مسلم عن عبد اهلل بن عمرو قال: نادى منادي النبي : الصالة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول‬
  ‫اهلل فقال: ((إنه لم يكن نبي قبلي إال كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعمله لهم، وينذرهم‬
     ‫شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بالء شديد وأمور‬
        ‫تنكرونها، وتجيء فتن فيرفق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم‬
     ‫تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل‬
    ‫الجنة فلتأته منيته وهو مؤمن باهلل واليوم اآلخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)).‬
   ‫والمخرج من هذه الفتن كما أرشد هو المبادرة إلى األعمال الصالحة في أوقات الرخاء والتعوذ‬
      ‫باهلل من الفتن، فعن زيد بن ثابت قال: قال : ((نعوذ باهلل من الفتن ما ظهر منها وما بطن))،‬
 ‫ولزوم جماعة المسلمين أي: الذين يتمسكون بما كان عليه النبي وأصحابه، ولزوم إمام المسلمين‬
                                                                                                 ‫إن كان لهم إمام.‬
      ‫في الحديث الثاني: يأمر بالمبادرة باألعمال الصالحة قبل أن تأتي ستة أمور، منها أربعة من‬
                                                                                ‫عالمات الساعة الكبرى، وهي:‬
         ‫5- طلوع الشمس من مغربها؛ وذلك أن الشمس تخر ساجدة تحت عرش اهلل تعالى، وهو‬
  ‫مستقرها كل ليلة، وتستأذن ربها أن تطلع فيؤذن لها، حتى إذا كان قرب يوم القيامة استأذنت فلم‬
‫يؤذن لها، وقيل لها: عودي من حيث أتيت، فتطلع من مغربها، وحينئذ ال ينفع نفسا إيمانها لم تكن‬
                                                                    ‫آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.‬
         ‫ت السم ء ِد ن مب ي ش الن س َذ َ ب م‬                                       ‫ف ق‬
         ‫7- الدخان، قال تعالى: َارْتَ ِبْ يَوْمَ تَأْ ِي َّ َا ُ ب ُخَا ٍ ُ ِينٍ َغْ َى َّا َ ه َا عذَا ٌ أَلِي ٌ‬
  ‫[الدخان:05، 55]، وهو من عالمات الساعة الكبرى، وهو دخان يمأل ما بين السماء واألرض،‬
     ‫فيصيب المؤمن منه كالزكمة، وأما الكافر فينتفخ من هذا الدخان حتى يخرج مما معه فيثقبها.‬
   ‫ت َلم ُ َن الن س ن‬             ‫ه َاب م َ‬                  ‫ْل ع ِ ْر‬                   ‫وِ َ‬
 ‫3- الدابة، قال تعالى: َإذَا وقَعَ الْقَو ُ َلَيْهمْ أَخ َجْنَا لَ ُمْ د َّةً ِنْ األرْضِ ُكِّ ُهمْ أ َّ َّا َ كَا ُوا‬
                                     ‫ب‬                                  ‫ي قن‬         ‫يت‬
    ‫بِآ َا ِنَا ال ُو ِ ُونَ [النمل:76]. وهي حيوان عظيم يد ّ على األرض ويكلم الناس، ومعها عصا‬
‫موسى تجلو بها وجه المؤمن حتى يشرق، ومعها خاتم سليمان تخطم به أنف الكافر ـ أي: تكويه‬
   ‫أو تجرحه ـ عالمة على كفره. جاء ذلك في حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وصححه‬
                                                                                     ‫أحمد.‬
 ‫1- الدجال، وهو رجل كافر من بني آدم، شاب أحمر قصير، جعد الرأس، ممسوح العين اليمنى‬
  ‫كأنها عنبة طافية، وعينه اليسرى عليها لحمة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل مسلم‬
 ‫كاتب أو غير كاتب، وهو عقيم ال يولد له، يخرج في آخر الزمان فيدعي الربوبية، ويفتن الناس،‬
                     ‫وتقع له خوارق. ومن عالمات الساعة أن يترك الناس ذكره على المنابر.‬
‫1، 6- خويصة نفسك وأمر العامة؛ أي: يكثر الشر والخيانة، فيصبح عامة الناس كذلك، وال يثق‬
                                          ‫المسلم إال بأفراد معدودين لرفع األمانة من الناس.‬
                    ‫ش‬
   ‫وفي الحديث الثالث ذكر النبي من أشراط الساعة إمارة السفهاء وكثرة ال ُرْطة وانتشار رشوة‬
   ‫الحكام وكثرة القتل واستخفاف الناس بحرمة الدماء وقطيعة الرحم ووجود من يقرأ القرآن وال‬
                                   ‫يعمل به وال يتدبره، بل يتخذه كاألغاني ليطرب به الناس.‬
                                               ‫اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد.‬

‫(5/2671)‬




                                                        ‫سنن العيد وأحكام صالة عيد الفطر‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫فقه‬
                                                                  ‫الزكاة والصدقة, الصالة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                   ‫وليد بن إدريس المنيسي‬
                                                                                  ‫مينيسوتا‬
                                                                              ‫دار الفاروق‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- زكاة الفطر. 7- وقت التكبير وصفته. 3- إدخال السرور على األهل واألوالد. 1- شهود‬
  ‫النساء صالة العيد. 1- الذهاب مشيا. 6- أكل تمرات قبل الخروج للعيد. 2- التحذير من أعياد‬
                                                                                                         ‫المشركين.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: فقد أوشك الشهر الكريم على الرحيل، فنسأل اهلل تعالى أن يتقبل منا أحسن ما عملناه،‬
 ‫وأن يتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا، وأن يختم لنا هذا الشهر الكريم بالرحمة والمغفرة والعتق من‬
                                                                                                               ‫النار.‬
                                                                  ‫ي‬
   ‫أيها المسلمون، مما ُشرع لنا في نهاية الشهر الكريم شهر رمضان زكاة الفطر التي هي طهرة‬
        ‫للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، وقد فرضها رسول اهلل صاعا من طعام، على‬
                    ‫الصغير والكبير والذكر واألنثى من المسلمين. فبادروا إلى إخراج زكاة فطركم.‬
  ‫ِد ولت َبر‬            ‫ولت مل‬
‫ومما يشرع لنا كذلك في نهاية الشهر تكبير اهلل تعالى، قال اهلل عز وجل: َُِكْ ُِوا الْع َّةَ َُِك ِّ ُوا‬
                                                               ‫ُر‬        ‫الل عل م َد ُ و عل ُ‬
    ‫َّهَ ََى َا ه َاكمْ َلَ ََّكمْ تَشْك ُونَ [البقرة:165]، أي: لتذكروا اهلل عند انقضاء عبادتكم، فكما‬
                                 ‫ش‬
  ‫شرع ذكر اهلل بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصالة و ُرع عند انقضاء مناسك الح كما قال‬
                          ‫د ذ ْر‬              ‫ُر الل ذ ر ُ ء ُ‬                      ‫ِذ ض ُ م س ك‬
   ‫تعالى: فَإ َا قَ َيْتمْ َنَا ِكَ ُمْ فَاذْك ُوا َّهَ كَ ِكْ ِكمْ آبَا َكمْ أَوْ أَشَ َّ ِك ًا [البقرة:007] شرع كذلك‬
   ‫عند انقضاء الصوم ذكر اهلل تعالى بالتكبير، ويبدأ وقته من رؤية هالل شوال أو غروب شمس‬
                                                         ‫آخر ليلة من رمضان، وينتهي وقته بصالة العيد.‬
   ‫وصيغة التكبير كما جاء عن ابن مسعود : (اهلل أكبر اهلل أكبر ال إله إال اهلل، واهلل أكبر اهلل أكبر‬
                                                                                                       ‫وهلل الحمد).‬
‫ويشرع الجهر بالتكبير عقب الصلوات، وعند الخروج إلى مصلى العيد في الطريق، وفي المصلى‬
‫أثناء انتظار الصالة، وكلما تذكر المسلم يشرع له تكبير اهلل تعالى شكرا له على توفيقه لنا وإنعامه‬
                                                                                                               ‫علينا.‬
    ‫ُ ْ حبر‬
‫ويشرع للمسلم يوم العيد أن يلبس أجمل ثيابه؛ لما جاء عن علي أن النبي كان يلبس بردَ ِ َ َة في‬
‫كل عيد. رواه الشافعي والطبراني. وروى ابن خزيمة عن جابر أن النبي كان يلبس برده األحمر‬
                                                                    ‫حَ‬
                                     ‫في العيدين والجمعة. وبرد ال ِبرَة: نوع من البرود يصنع باليمن.‬
   ‫ويشرع للمسلم إدخال السرور على أهله وأوالده يوم العيد، وأن يهنئ المسلمون بعضهم بعضا‬
                                                                                      ‫بقول: تقبل اهلل منا ومنكم.‬
‫ويستحب االغتسال قبل الخروج لصالة العيد؛ لورود ذلك من فعل جماعة من الصحابة رضي اهلل‬
                                                                                                              ‫عنهم.‬
   ‫ء‬
   ‫وصالة العيد شعيرة ظاهرة من شعائر اإلسالم، يشرع أن يخرج إليها المسلمون، رجاال ونسا ً‬
                                                                        ‫ر‬
    ‫وصغارا وكبا ًا. عن أم عطية رضي اهلل عنها قالت: أمرنا رسول اهلل أن نخرجهن في الفطر‬
                                                              ‫ُي‬
    ‫واألضحى العواتق والحَّض وذوات الخدور ـ العواتق الالئي قاربن البلوغ، وذوات الخدور‬
                                                           ‫ُي‬
 ‫الشابات األبكار ـ فأما الحَّض فيعتزلن الصالة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول‬
‫اهلل، إحدانا ال يكون لها جلباب، قال: ((لتلبسها أختها من جلبابها)) رواه البخاري ومسلم وأصحاب‬
                                                 ‫ُي‬
                  ‫السنن، وزاد أبو داود في روايته: والح َّض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس.‬
 ‫وفيه مشروعية التكبير للنساء ولكن سرا، وأن تخرج النساء لصالة العيد في جالبيبهن وحجابهن‬
                                                                                     ‫السابغ.‬
    ‫وقد ذهب اإلمام أبو حنيفة إلى أن صالة العيد فرض عين، وذهب اإلمام أحمد إلى أنها فرض‬
                                          ‫كفاية، وذهب اإلمامان مالك والشافعي إلى أنها سنة.‬
   ‫ويستحب أن يذهب إلى صالة العيد ماشيا وأن يرجع ماشيا إذا استطاع ذلك؛ لما فيه من إظهار‬
       ‫شعار اإلسالم في الطرقات، ويستحب أن يرجع من غير الطريق الذي ذهب منه كما رواه‬
                                                                                   ‫البخاري.‬
   ‫وعن أنس قال: كان النبي ال يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا. رواه البخاري.‬
                            ‫وفيه استحباب أكل تمرات وترا قبل الخروج إلى صالة عيد الفطر.‬
     ‫وعلى المسلم الحرص على التبكير يوم العيد لحضور الصالة، والحرص على االستماع إلى‬
                                                                     ‫خطبة العيد بعد الصالة.‬
 ‫أيها المسلمون، إن األعياد من شعائر اإلسالم التي يتميز بها المسلمون عن أعياد المشركين، فال‬
  ‫يجوز للمسلم أن يحتفل بأعياد المشركين وال أن يهنئ المشركين بها بإجماع العلماء، قال تعالى:‬
                                                                   ‫و َّذ َ ي َد الز‬
‫َال ِين ال َشْه ُونَ ُّورَ [الفرقان:72]، قال أبو العالية وابن سيرين وطاووس وكثير من السلف:‬
                                                           ‫"أي: ال يشهدون أعياد المشركين".‬
  ‫ولما دخل النبي المدينة وجد أهلها يحتفلون بيومين من أعياد الجاهلية، فنهاهم النبي وقال: ((إن‬
                                ‫اهلل أبدلكم بهما يومين خيرا منهما: يوم الفطر ويوم األضحى)).‬
                                                                    ‫والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/0271)‬




                                                                          ‫ماذا بعد رمضان؟!‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                                                     ‫فقه‬
                                                                                                                                ‫الصوم‬
                                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                        ‫وليد بن إدريس المنيسي‬
                                                                                                                              ‫مينيسوتا‬
                                                                                                                         ‫دار الفاروق‬
                                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- التحذير من االنسالخ من آيات اهلل. 7- أحب العمل إلى اهلل القليل الدائم. 3- فضل صوم‬
                            ‫ستة أيام من شوال. 1- االستقامة إلى الممات. 1- الحذر من مكايد الشيطان.‬
                                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                          ‫حذ‬
 ‫أما بعد: فقد َّرنا اهلل تعالى في كتابه الكريم من أن نكون مثل بلعم بن باعوراء، وهو رجل من‬
     ‫بني إسرائيل، ذاق حالوة اإليمان وآتاه اهلل آياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضاللة بالهدى‬
                                          ‫والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات اهلل كما تنسلخ الحية من جلدها.‬
     ‫ون و ش‬                ‫َعه الش ن ن م‬                        ‫س م‬             ‫ه ت‬                ‫َّذ‬           ‫و لع ه‬
‫قال تعالى: َاتْ ُ َلَيْ ِمْ نَبَأَ ال ِي آتَيْنَا ُ آيَا ِنَا فَان َلَخَ ِنْهَا فَأَتْب َ ُ َّيْطَا ُ فَكَا َ ِنْ الْغَا ِي َ َلَوْ ِئْنَا‬
    ‫تر ه‬             ‫ِ ع ه يه‬                ‫إ‬             ‫َ َ ه ب و ِنه َ إل َ ْض َات ع و ه م له م َ‬
    ‫لرفَعْنَا ُ ِهَا َلَك َّ ُ أَخْلدَ َِى األر ِ و َّبَ َ هَ َا ُ فَ َثَُ ُ كَ َثلِ الْكَلْبِ ِنْ تَحْملْ َلَيْ ِ َلْ َثْ أَوْ َتْ ُكْ ُ‬
                       ‫َله ي َّر‬            ‫َ‬        ‫ُ‬         ‫ك م َل ْ َّذ ن َذب ي ت‬                           ‫يه‬
‫َلْ َثْ ذَلِ َ َث ُ الْقَومِ ال ِي َ ك َّ ُوا بِآ َا ِنَا فَاقْصصْ الْقَصصَ لَعَّ ُمْ َتَفَك ُونَ [األعراف:125، 625].‬
                                                                                  ‫وحذ‬
 ‫َّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل امرأة مجنونة كانت بمكة، اسمها ريطة بنت سعد، كانت تغزل‬
       ‫و ك ن‬                                                                      ‫ً‬
     ‫طول يومها غزال قويًا محكما ثم تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: َال تَ ُو ُوا‬
‫ك ُمة ه َ ب م ُمة‬                           ‫م ُ د ب ُ‬                     ‫َتخذ‬                 ‫َالت ض َ ه م ب ْد ُو‬
‫ك َّ ِي نَقَ َتْ غزْلَ َا ِنْ َع ِ ق َّةٍ أَنكَاثًا ت َّ ِ ُونَ أَيْ َانَكمْ َخَالً َيْنَكمْ أَنْ تَ ُونَ أ َّ ٌ ِيَ أرْ َى ِنْ أ َّ ٍ‬
                                               ‫ك ُ ْ ف ه لف‬               ‫ِن ي ل ُ الله به و ي َي َن ُ ْ قي م‬
                                ‫إ َّمَا َبُْوكمْ َّ ُ ِ ِ َلَ ُبِّن َّ لَكمْ يَومَ الْ ِ َا َةِ مَا ُنْتم ِي ِ تَخْتَِ ُونَ [النحل:72].‬
                                                          ‫ُ د ب ُ‬                       ‫َت ِذ‬
 ‫ومعنى: ت َّخ ُونَ أَيْمَانَكمْ َخَالً َيْنَكمْ أي: تعاهدون قوما على أن تكونوا معهم، وهذا العهد خديعة،‬
             ‫فإذا وجدتم أمة أربى منهم ـ أي: أكثر وأعز ـ غدرتم بعهد األولين وعاهدتم اآلخرين.‬
      ‫وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حالوة طاعة اهلل تعالى في رمضان، فحافظ فيه‬
 ‫على الواجبات وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات اهلل، ونقض‬
                                                                                                       ‫غزله من بعد قوة أنكاثا.‬
                                                                 ‫ر‬
     ‫أيها المسلمون، إن كثي ًا من المسلمين ـ هداهم اهلل ـ يكونون في رمضان من الذين هم على‬
   ‫صالتهم يحافظون، فإذا انقضى رمضان أضاعوا الصالة واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين‬
     ‫يجتنبون في رمضان شرب الدخان ومشاهدة المحرمات وسماع األغاني، فإذا انقضى رمضان‬
                                  ‫ي‬             ‫ي‬
      ‫عادوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وهؤالء ُخشى عليهم أن ُختم لهم بالسيئات أعاذنا اهلل‬
                                                                                             ‫وإياكم.‬
  ‫أيها المسلمون، إن كثيرا من المسلمين كانوا يعمرون المساجد في رمضان بطاعة اهلل وبحضور‬
     ‫مجالس الذكر، وكانوا يقضون أوقاتهم في تالوة كتاب اهلل وتدبره، فإذا انقضى شهر رمضان‬
                                          ‫هجروا المساجد وهجروا كتاب اهلل. فاتقوا اهلل عباد اهلل.‬
                                                                                 ‫س‬
‫لقد ُئلت أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها: كيف كان عمل رسول اهلل ؟ قالت: كان عمله ديمة،‬
‫وأيكم يستطيع ما كان رسول اهلل يستطيع. رواه مسلم. وروى مسلم أيضا أن النبي قال: ((إن أحب‬
                                                         ‫األعمال إلى اهلل ما دووم عليه وإن قل)).‬
              ‫ال‬
  ‫فعلى المسلم أن يلزم نفسه بقدر من العبادات يستطيع أن يداوم عليه ولو كان قلي ً، فإنه سيكون‬
                                                                                      ‫ر‬
                            ‫كثي ًا بالمداومة عليه، وسيكون محببا إلى رب العزة سبحانه وتعالى.‬
  ‫من األعمال الصالحة التي تشرع لنا بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال، عن أبي أيوب قال:‬
  ‫قال : ((من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر)) رواه مسلم. وذلك أن شهر‬
‫رمضان بعشرة أشهر؛ ألن الحسنة بعشر أمثالها، وستة أيام بستين يوما أي: بشهرين، وذلك يعادل‬
                                            ‫أجر صيام سنة كاملة، فال يفوتكم هذا الفضل العظيم.‬
  ‫وال يشترط في هذه األيام الستة التتابع، وال أن تكون مباشرة بعد يوم العيد، بل يجزئ صيام أي‬
                                                                                ‫ستة أيام من شوال.‬
‫ويمكن أن يجعلها في أيام االثنين والخميس أو في غيرها. واختلف العلماء فيمن كان عليه أو كان‬
‫عليها قضاء أيام من رمضان، هل ينال فضل صيام ست من شوال إذا صامها قبل قضاء ما عليه‬
 ‫من رمضان أم ال؟ وفضل اهلل واسع، ولن يحرم المسلم األجر ـ بإذن اهلل ـ إذا صامها ولو قبل‬
‫القضاء، فإن حاز فضل صيام ست من شوال فبها ونعمت، وإال فإنه سيحوز فضل الصيام عموما‬
                                                                                     ‫وفضله عظيم.‬
  ‫عن أبي أمامة قال: قال : ((من صام يوما في سبيل اهلل جعل اهلل بينه وبين النار خندقا كما بين‬
‫السماء واألرض)) رواه الترمذي وصححه األلباني في صحيح الجامع (3376)، وعن أبي هريرة‬
     ‫ف‬
  ‫قال: قال : ((من صام يوما في سبيل اهلل زحزح اهلل وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خري ًا))‬
                                                    ‫صححه األلباني في صحيح الجامع (1336).‬
 ‫فعلى المسلم أن يستقيم على طاعة اهلل ويداوم عليها حتى يأتيه الموت وهو على ذلك، قال تعالى:‬
                                                           ‫قن‬             ‫و ُ ْ َب َت ت‬
  ‫َاعْبد رَّكَ ح َّى يَأْ ِيَكَ الْيَ ِي ُ [الحجر:22] أي: الموت، وذكر تعالى عن عيسى عليه السالم أنه‬
                                                    ‫و ص ن ِالص ة َالز ة م د ت َي‬
                                        ‫قال: َأَوْ َا ِي ب َّال ِ و َّكَا ِ َا ُمْ ُ ح ًّا [مريم:53].‬
 ‫فليس هناك غاية النقطاع العمل الصالح إال الموت، فاحذروا ـ أيها المسلمون ـ من التهاون في‬
       ‫الطاعات بعد رمضان، واحذروا من المعاصي بعد رمضان كما كنتم تحذرون منها أثناءه،‬
         ‫ر‬
       ‫واعلموا أن الدنيا مزرعة لآلخرة، فمن زرع خيرا وجد خيرا، ومن زرع شرا وجد ش ًا.‬
                              ‫ك‬                   ‫َر‬     ‫ي‬
‫أيها المسلمون، إن الشياطين ُطلق س َاحها بعد رمضان وتف ّ قيودها، ولكن كيد الشيطان ضعيف‬
                      ‫كما أخبرنا ربنا سبحانه، ومن اعتصم باهلل عصمه اهلل من مكايد الشيطان.‬
                                                                      ‫والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                       ‫لم ترد.‬

‫(5/5271)‬




                                                                   ‫أفضل أيام الدنيا أيام العشر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫سعد بن سعيد الحجري‬
                                                                                          ‫أبها‬
                                                                               ‫جامع آل غليظ‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كثرة نعم اهلل. 7- عظم فضائل اهلل على عباده. 3- فضل أيام عشر ذي الحجة. 1- فضل‬
 ‫صالة الفجر. 1- فضل يوم عرفة وفضل الدعاء فيه. 6- ما ينبغي للمسلم فعله فيها. 2- فضل‬
                                                                               ‫الح المبرور.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من‬
‫فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السموات وما في األرض جميعا منه، إن في ذلك آليات‬
   ‫لقوم يتفكرون، أسبغ النعم، ودفع النقم، وأزال السقم، ولو عددنا نعم اهلل لم نحصها، إن اإلنسان‬
                                                                                  ‫لظلوم كفار.‬
 ‫له‬
 ‫واعلموا أن فضائل اهلل علينا عظيمة ألنها من عظيم، والعظيم من العظيم عظيم، يقول تعالى: َ ُ‬
                   ‫ع م‬           ‫ل د الس و ت و َ ْض ي سط ِّ لم ي ء و ْدر ِنه ب ُل‬
‫مَقَاِي ُ َّمَ َا ِ َاألر ِ َبْ ُ ُ الرزْقَ ِ َنْ َشَا ُ َيَق ِ ُ إ َّ ُ ِك ِّ شَيْءٍ َلِي ٌ [الشورى:75]، ويقول‬
‫ه َّذ ق ل َ ت ق عل م ع ْ َ رس الل َت ي َض وِل َز ئن‬
‫تعالى عن المنافقين: ُمْ ال ِينَ يَ ُوُون ال ُنْفِ ُوا ََى َنْ ِند َ ُولِ َّهِ ح َّى َنْف ُّوا َلَّهِ خ َا ِ ُ‬
                                                                  ‫ي ه‬           ‫الس و ت و َ ْض و ِن من ق‬
                                                ‫َّمَ َا ِ َاألر ِ َلَك َّ الْ ُ َافِ ِينَ ال َفْقَ ُونَ [المنافقون:2].‬
       ‫وفضائل اهلل عظيمة ألنها من غني، يده سخاء الليل والنهار، اأنفق على الخلق من أولهم إلى‬
 ‫آخرهم ولم ينقص ذلك مما عنده شيئا، ونفقته ليست لالنتفاع بطاعة المطيع وال التضرر بمعصية‬
   ‫ت ِن‬              ‫ع م من ن وم‬                   ‫و ِّ ْ ِن ِّ ْ‬
   ‫العاصي، فإنه الغني ذو الرحمة، يقول تعالى: َذَكر فَإ َّ الذكرَى تَنفَ ُ الْ ُؤْ ِ ِي َ َ َا خَلَقْ ُ الْج َّ‬
     ‫و إل ِال لي بد ن ُر د م ُ م ْ ر و أر د ي عم ِن الل ه َّز ق ذ ُوة‬
     ‫َا ِنسَ إ َّ ِ َعْ ُ ُو ِ مَا أ ِي ُ ِنْهمْ ِن ِزْقٍ َمَا ُ ِي ُ أَنْ ُطْ ِ ُونِ إ َّ َّهَ ُوَ الر َّا ُ ُو الْق َّ ِ‬
                                                                                ‫مت ن‬
   ‫الْ َ ِي ُ [الذاريات:11-61]، ويقول الرسول فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((يا عبادي، إنكم لن‬
      ‫تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم‬
  ‫وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم‬
    ‫وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا‬
    ‫عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد‬
                               ‫مسألته ما نقص ذلك مما عندي إال كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)).‬
‫وفضائل اهلل عظيمة ألنها من عليم، يعطي الطائع تكريما له، ويعطي العاصي استدراجا له، ويملي‬
    ‫َ َ َن الل ي َم ف الس و و ف َ ْ‬
  ‫للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يقول تعالى: أَلمْ ترَى أ َّ َّهَ َعْل ُ مَا ِي َّمَ َاتِ َمَا ِي األرضِ‬
‫س ِال ه س دس ُ و َ م لك و أ َ ِال‬                                  ‫ِال ه َ ر بع ُ و‬              ‫و‬        ‫يك ن م‬
‫مَا َ ُو ُ ِنْ نَجْ َى ثَالثَةٍ إ َّ ُو َا ِ ُهمْ َال خَمْ َةٍ إ َّ ُوَ َا ِ ُهمْ َال أدْنَى ِنْ ذَِ َ َال َكْثرَ إ َّ‬
                    ‫ع م‬           ‫ن ُم ي َبئ ُ بم عمل ْ قي م ِن الل ب ُل‬                                            ‫هو مع ُ‬
‫ُ َ َ َهمْ أَيْنَ مَا كَاُوا ث َّ ُن ُِّهمْ ِ َا َ ُِوا يَومَ الْ ِ َا َةِ إ َّ َّهَ ِك ِّ شَيْءٍ َلِي ٌ [المجادلة:2]، ويقول‬
    ‫فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن‬
                                         ‫وجد خيرا فليحمد اهلل، ومن وجد غير ذلك فال يلومن إال نفسه)).‬
 ‫وفضائل اهلل عظيمة ألنها من عفو يحب العفو، ويثيب عليه، ويرفع درجة أهله، خيره إلينا نازل،‬
‫وشرنا إليه صاعد، يتحبب إلينا بالنعم، ونتبغض إليه بالمعاصي، يعفو عن السيئات وهو قادر على‬
  ‫المؤاخذة عليها، ويفرح بتوبة العبد أشد من فرح العبد بها وهو غني عنه، ويتوب على من تاب،‬
     ‫وباب التوبة مفتوح ما لم يغرغر العبد وما لم تطلع الشمس من مغربها، ويبدل سيئات التائبين‬
 ‫حسنات، ويمهل العبد المذنب ست ساعات لعله أن يتوب، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،‬
     ‫ِال م ب و من وع ِ ع ال ص لح‬
    ‫ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يقول اهلل تعالى: إ َّ َنْ تَا َ َآ َ َ َ َملَ َمَ ً َاِ ًا‬
                                     ‫أ ك يبدل الله َي ت ِ حس و الله ف ر رح م‬
    ‫فَُوْلَئِ َ ُ َ ِّ ُ َّ ُ س ِّئَا ِهمْ َ َنَاتٍ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا َ ِي ًا [الفرقان:02]، ويقول : ((إن صاحب‬
        ‫الشمال ليرفع القلم عن العبد المسلم المخطئ ست ساعات، فإن تاب ألغاها، وإال كتبها سيئة‬
                                                                                                                ‫واحده)).‬
 ‫وفضائل اهلل عظيمة ألنها عميمة، عمت البر والبحر والجو، وعمت جميع األزمنة، ساعة المؤمن‬
  ‫كيوم، ويومه كأسبوع، وأسبوعه كشهر، وشهره كعام، وعامة عمره يجمع الفضائل ليكون يومه‬
 ‫خيرا من أمسه، وغده خيرا من يومه، وشبابه حفظا لهرمه، وصحته حفظا لمرضه، وغناه حفظا‬
     ‫قن‬           ‫و ب ْ َب َت ي تي‬
     ‫لفقره، وعمت جميع األمكنة لتدوم العبادة عمال بقول اهلل تعالى: َاعْ ُد ر َّكَ ح َّى َأْ ِ َكَ الْيَ ِي ُ‬
           ‫َّ َر ح ق م و َل ك ف‬
          ‫[الحجر:22]، ولتدوم مراقبة الرب عمال بقول اهلل تعالى: الذِي ي َاكَ ِينَ تَ ُو ُ َتَقُّبَ َ ِي‬
                                                                                      ‫الس ِد‬
      ‫َّاج ِينَ [الشعراء:657، 257]، وقوله : ((اتق اهلل حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،‬
    ‫وخالق الناس بخلق حسن))، وتتضاعف الحسنات أضعافا كثيرة، يقول الرسول : ((الصالة في‬
 ‫المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صالة فيما سواه))، ويقول: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها‬
                             ‫اهلل للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء واألرض)).‬
‫وفضائل اهلل علينا ال تعد بعدد وال تحصى بإحصاء؛ ألنها كثيرة وألنها دائمة وألنها مالزمة للعبد،‬
    ‫قال تعالى: َآتَاكمْ ِنْ ك ِّ َا سَأَلُْ ُو ُ َِنْ تَع ُّوا ِعْ َةَ َّه ال ُحْ ُوهَا إ َّ ا ِنسَانَ لَظَُو ٌ ك َّا ٌ‬
    ‫ل م َف ر‬               ‫و ُ م ُل م تم ه وإ ُد ن م الل ِ ت ص ِن إل‬
 ‫ل ِ ف ك ف ب ْره ول غ م ف له‬                                          ‫َّ ُ‬         ‫الله َّ‬
 ‫[إبراهيم:13]، ويقول تعالى: َّ ُ الذِي سَخرَ لَكمْ الْبَحْرَ ِتَجْريَ الْ ُلْ ُ ِيهِ ِأَم ِ ِ َِتَبْتَ ُوا ِنْ َضِْ ِ‬
    ‫َلَعَّكمْ تَشْك ُو َ َس َّرَ لَكمْ َا ِي َّمَ َاتِ َ َا ِي األَرضِ َ ِيعًا ِنْ ُ ِن ِي ذَلِكَ آليَاتٍ ِقَوْ ٍ‬
    ‫ل م‬                     ‫ْ جم م ه إ َّ ف‬             ‫ُر ن و َخ ُ م ف الس و وم ف‬                        ‫و َل ُ‬
                                                                                                         ‫ي َكر‬
                                                                                    ‫َتَف َّ ُونَ [الجاثية:75، 35].‬
 ‫ومن فضائل اهلل علينا أنه ضاعف أجورنا بأسباب، منها شرف الزمان، وجعل من الزمن الفاضل‬
‫ساعة في جوف الليل، وساعة في األسبوع يوم الجمعة، وليلة في العام وهي ليلة القدر، ويوما في‬
         ‫األسبوع وهو يوم الجمعة، وشهرا في العام وهو شهر رمضان، وجعل أفضل الزمن على‬
‫اإلطالق هو أيام عشر ذي الحجة، فهي أيام فاضلة للفضالء، وأيام عظيمة للعظماء، وأيام صالحة‬
‫للصالحين، وأيام غنيمة للسابقين، وأيام ربح للمتنافسين، وأيام جد للمجتهدين، وأيام عمل للعاملين،‬
  ‫وهي أيام تقبل النية الحسنة من المحسنين، وتقبل القول الطيب من الطيبين، وتقبل العمل الصالح‬
                                                         ‫من الصالحين، وتقبل الخلق الحسن من الصادقين.‬
‫ولهذه العشر فضائل كثيرة، منها أن اهلل تعالى أقسم بها في كتابه، والقسم للتعظيم، وال يقسم اهلل إال‬
          ‫بعظيم، أقسم بالعظيم من مخلوقاته، فأقسم بالسموات واألرض وبالشمس وبالقمر وبالنجوم‬
                            ‫َ بَ م‬
        ‫وبالرياح، وأقسم بالعظيم من األمكنة إذ أقسم بمكة فقال: وَهذَا الْ َلدِ األَ ِينِ [التين:3]، وأقسم‬
                                                            ‫َالط وك م ط‬
   ‫بالطور فقال: و ُّورِ َ ِتَابٍ َسْ ُورٍ [الطور:5، 7]، وأقسم بالعظيم من األزمنة إذ أقسم بالليل‬
            ‫و ر و ع ْر‬
  ‫والنهار والفجر والضحى والعصر والعشر ونحوها، يقول تعالى: َالْفَجْ ِ َلَيَالٍ َش ٍ [الفجر:5،‬
                                                 ‫7]. وتعظيم اهلل لها يستدعي منا تعظيمها ومعرفة قدرها.‬
     ‫ومن فضائلها أن اهلل قرنها بأفضل األوقات لفضلها، قرنها بالفجر الذي هو حفظ للعبد في ليله‬
  ‫وحفظ له في نهاره، يقول : ((من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله))، ويقول : ((من‬
      ‫صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة اهلل حتى يمسي)). والفجر عالمة اإليمان التي يدخل بها‬
‫المؤمن الجنة، ويحظى بالنظر إلى وجه اهلل الكريم، ويجتمع بالمالئكة، يقول : ((من صلى البردين‬
  ‫دخل الجنة)). وقرنها بالشفع والوتر وهما العددان اللذان تتكون منهما المخلوقات، وقرنها بالليل‬
       ‫الذي قدمه اهلل على النهار في الزمان وفي القرآن، وأودع فيه ساعة لإلجابة كل ليلة، وجعل‬
       ‫الصالة فيه صفة المؤمنين أهل الجنة، وأجاب دعاء من دعاه فيه، وهو أقرب األزمنة للرب‬
     ‫تعالى؛ إذ ينزل تعالى إلى السماء الدنيا نزوال يليق بجالله فيقول: هل من داع فأجيبه، هل من‬
                                                                                                      ‫سائل فأعطيه.‬
       ‫ومن فضائلها أن اهلل تعالى أكمل فيها الدين ليكون العمل كامال والعامل كامال والحياة كاملة،‬
   ‫فيحظى بالحياة الكاملة التي ال موت فيها وال هرم وال سقم وال فقر، وبكمال الدين تتنصر السنة‬
      ‫وتهزم البدعة ويقوى اإليمان ويموت النفاق، وبكمال الدين ينتصر اإلنسان على نفسه األمارة‬
   ‫بالسوء، لتكون نفسا مطمئنة تعبد اهلل كما أراد، وبكمال الدين ينتصر اإلنسان على شيطانه الذي‬
        ‫ضل ضالال مبينا، وقد أكمل اهلل لنا الدين حتى تركنا رسول اهلل على المحجة البيضاء ليلها‬
  ‫كنهارها، وقد حسدنا اليهود على هذا الكمال، قال حبر من أحبار اليهود لعمر: آية في كتابكم لو‬
   ‫ْم‬
   ‫علينا ـ معشر اليهود ـ أنزلت التخذنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا، وهي قوله تعالى: الْيَو َ‬
                                    ‫د‬       ‫م ت ُ د ُ و م ت ع ُ ن مت ورض ت ُ إل‬
 ‫أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْكمْ ِعْ َ ِي َ َ ِي ُ لَكمْ ا ِسْالمَ ِينًا [المائدة:3]، قال عمر: إني أعلم‬
                                                                 ‫أين نزلت، نزلت على رسول اهلل في عرفة.‬
‫ومن فضائلها أن اهلل أتم فيها النعمة نعمة اإلسالم الذي أخرجنا اهلل به من الضالل، وجعلنا به خير‬
      ‫األنام، وحفظ به الليالي واأليام، وغفر به الذنوب واآلثام، وفتح اهلل به قلوبا غلفا وأعينا عميا‬
 ‫وآذانا صما. ومن تمام النعمة أن اهلل أظهر دين اإلسالم على جميع األديان، ولقد كان في جزيرة‬
 ‫ه َّذ‬
‫العرب اليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية والنفاق فأبادها اهلل باإلسالم، قال تعالى: ُوَ ال ِي‬
                       ‫ِالل ه د‬            ‫َق لي ِ ه عل الد ن ُله و‬                ‫َ َ َ رس ه ُد َد‬
 ‫أرْسل َ ُولَ ُ بِالْه َى و ِينِ الْح ِّ ِ ُظْهرَ ُ ََى ِّي ِ كِّ ِ َكَفَى ب َّهِ شَ ِي ًا [الفتح:67]. ومن تمام‬
   ‫ي َيه َّذ ن‬
   ‫النعمة تحريم مكة على الكفار وتطهيرها منهم ومن أوثانهم ورجسهم، يقول تعالى: َا أ ُّ َا ال ِي َ‬
                             ‫م ِ َذ‬           ‫ْرب م ج َر ب‬                           ‫س‬         ‫من ِن م رك‬
  ‫آ َُوا إَّمَا الْ ُشْ ِ ُونَ نَجَ ٌ فَال يَق َ ُوا الْ َسْ ِدَ الْح َامَ َعْدَ عَا ِهمْ ه َا [التوبة:67]، ويقول : ((ال‬
                                                   ‫يح بعد هذا العام مشرك، وال يطوف بالبيت عريان)).‬
   ‫ومن فضائلها أن العبادات تجتمع فيها وال تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال واجتماع العبادات‬
   ‫فيها؛ ألن فيها التوحيد يظهر في األقوال واألفعال، وفيها الصلوات الخمس، وفيها الصدقة على‬
       ‫من يريد الح أو األضحية أو صدقة المحظور، وفيها الصيام لتسع ذي الحجة وصوم عرفة‬
   ‫وصوم المحظور، وفيها الح إلى البيت الحرام الذي هو من أفضل األعمال، وهو جهاد النساء‬
       ‫وجهاد كل ضعيف، وهو الحفظ لصاحبه والموجب لدخول الجنة، وفيها كثرة الذكر والدعاء‬
                                                                        ‫واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‬
‫ومن فضائلها أنها أفضل أيام الدنيا على اإلطالق؛ لفضل زمنها وفضل عملها وفضل العامل فيها،‬
‫فساعاتها فاضلة، وأيامها فاضلة، ولياليها فاضلة، يقول : ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر))، ويقول:‬
    ‫((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى اهلل تعالى من هذه األيام)), أي: أيام العشر, قالوا: يا‬
‫رسول اهلل، وال الجهاد في سبيل اهلل؟ قال: ((وال الجهاد في سبيل اهلل، إال رجل خرج بنفسه وماله‬
       ‫فلم يرجع من ذلك بشيء))، وروي عن األوزاعي أنه قال: "بلغني أن العمل في يوم من أيام‬
‫العشر كقدر غزوة في سبيل اهلل، يصام نهارها ويحرس ليلها، إال أن يختص امرؤ بشهادة"، وكان‬
                  ‫سعيد بن جبير إذا دخلت العشر يجتهد فيها اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
   ‫ومن فضائلها أن فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود، قال : ((اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم‬
   ‫المشهود يوم عرفة، وهو أفضل األيام))، ويقول : ((أفضل األيام يوم عرفة)). وهو يوم أفضل‬
   ‫الدعاء يقول : ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة)). وهو يوم إظهار التوحيد يقول : ((وأفضل ما‬
   ‫قلت أنا والنبيون من قبلي: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل‬
    ‫شيء قدير)). وهو اليوم الذي يذكر باجتماع الخالئق في عرصات القيامة، وهو اليوم الذي ما‬
       ‫رئي الشيطان أصغر وال أحقر منه في مثل ذلك اليوم، وهو اليوم الذي يباهي اهلل بأهله أهل‬
                               ‫السماء، وصيامه يكفر سنتين: سنه ماضيه وسنة مقبلة، وفضائله كثيرة.‬
 ‫ومن فضائلها أن فيها يوم النحر، وهو أعظم أيام الدنيا، يقول : ((أعظم األيام عند اهلل يوم النحر‬
‫ثم يوم القر)). وفيه معظم أعمال الح من الرمي والحلق والهدي والطواف والسعي، وفيه صالة‬
                                                                                               ‫العيد وذبح األضحية.‬
   ‫ْم الل ِ ف َي‬      ‫ه و َ كر‬               ‫لي َد م‬
‫ومن فضائلها أنها األيام المعلومات التي قال اهلل فيها: ِ َشْه ُوا َنَافِعَ لَ ُمْ َيذْ ُ ُوا اس َ َّه ِي أ َّامٍ‬
                                     ‫ع كل م و عم ب‬                                  ‫م ل م ع م َز ُ م به م‬
          ‫َعُْو َاتٍ َلَى َا ر َقَهمْ ِنْ َ ِي َةِ األَنْ َامِ فَ ُُوا ِنْهَا َأَطْ ِ ُوا الْ َائِسَ الْفَقِيرَ [الح :67].‬
 ‫ومن فضائلها تشبه المضحي فيها بالحاج، فال يأخذ من شعره وال من ظفره وال من بشرته شيئا.‬
           ‫ُ ِن ص ت ونسك‬
          ‫ومنها اجتماع الصالة والنسك فيها، وقد جمع اهلل بينهما في قوله: قلْ إ َّ َال ِي َ ُ ُ ِي‬
                                                             ‫َل ِ َبك و ح‬
                               ‫[األنعام:765]، وقوله: فَص ِّ لر ِّ َ َانْ َرْ [الكوثر:7]، وفضائلها كثيرة.‬
 ‫ويشرع للمسلم في هذه األيام أن يتقرب إلى اهلل بأنواع القربات ويكثر من الطاعات، ومنها الذكر‬
           ‫ْ الل ِ ف َي م ل م ت‬             ‫وي ُر‬
           ‫وهو التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، قال تعالى: َ َذْك ُوا اسمَ َّه ِي أ َّامٍ َعُْو َا ٍ‬
       ‫[الح :67]، وقال : ((ما من أيام أعظم عند اهلل وال أحب إليه من العمل فيهن من هذه األيام‬
      ‫العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد))، وكان أبو هريرة وابن عمر إذا دخلت‬
    ‫العشر يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما كل وحده. ويكثر من قراءة القرآن‬
‫ومن األمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى اهلل تعالى, ويكثر من نوافل الصلوات؛ ألن‬
‫الزمن فاضل، وألن الصالة خير موضوع، وألن العبد ال يسجد هلل سجدة إال رفعه اهلل بها درجة،‬
   ‫وألن كثرة النوافل من صفات أولياء اهلل، قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((وما يزال عبدي‬
     ‫يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه))، ويكثر من الصدقة لحاجة الناس إلى النفقة في الح ، والنفقة‬
      ‫على األهل وذي الحاجة لألضحية وفدية المحظورات وترك المأمورات، ويكثر من الصوم،‬
  ‫واألفضل أن يصوم أيام تسع ذي الحجة؛ ألن الصيام من العمل الصالح، وألن النبي كان يصوم‬
     ‫تسع ذي الحجة، أما قول عائشة: ما صام العشر قط، فإنه يجاب عنه أن عائشة أخبرت بحاله‬
   ‫عندها وهو عندها ليلة من تسع، باإلضافة إلى أنه كان يترك العمل وهو يحبه خشية أن يفرض‬
   ‫على األمة، ويتركه لوجود العذر من سفر أو مرض أو جهاد أو نحوه، أو أن المراد: ما صام‬
   ‫الذي ال يجوز صومه كيوم العيد، باإلضافة إلى أنه إذا تعارض حديث مثبت واآلخر ناف نقدم‬
                                                   ‫الثبت على النافي؛ ألن عنده زيادة علم.‬
‫ويحرص المسلم على أداء الح في أيام العشر وأيام التشريق؛ ألنه ركن من أركان اإلسالم، وبره‬
   ‫من أفضل األعمال، وفي الحديث: ((الح المبرور ليس له جزاء إال الجنة))، ويقول: ((من ح‬
                                        ‫فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذلك كيوم ولدته أمه)).‬
‫وينبغي للمسلم إذا أراد أن يضحي أن ال يأخذ من شعره وال من أظفاره شيئا؛ لحديث أم سلمة قال‬
   ‫: ((إذا رأيتم هالل ذي الحجة فمن أراد أن يضحي فال يأخذ من شعره وال من أظفاره شيئا)).‬
                                                                    ‫القي‬
‫وهذا المنع على ِّم رب األسرة، وأما أوالده فإن أمسكوا فحسن حتى يحظوا باألجر، وإن أخذوا‬
                                                             ‫فال حرج عليهم إن شاء اهلل.‬

‫(5/7271)‬




                                                                      ‫الباب الذي ال يغلق‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                           ‫آثار الذنوب والمعاصي, التوبة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                  ‫سعد بن سعيد الحجري‬
                                                                                    ‫أبها‬
                                                                          ‫جامع آل غليظ‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
‫5- الحظ على التوبة واإلنابة. 7- التحذير من الذنوب والمعاصي. 3- حفظ اهلل لبعض خلقه من‬
  ‫الذنوب والمعاصي. 1- زرع اهلل بغض الذنوب والخطايا في قلوب مخلوقاته الطائعة. 1- آثار‬
  ‫الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع. 6- فضائل التوبة. 2- أهمية التوبة للعبد. 6- شروط‬
                                                                         ‫التوبة النصوح.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫الخطبة األولى‬
        ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون،‬
  ‫ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد، يبسط‬
‫يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويأمر ملك الشمال أن يرفع‬
    ‫القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ لعله أن يتوب، فإن تاب وندم واستغفر ألقاها، وإال‬
                                                                                                  ‫كتبها سيئة واحدة.‬
  ‫وقد أمر اهلل عباده بالتوبة وهو غني عنهم، ال ينتفع بطاعة مطيع، وال يتضرر بمعصية عاصي.‬
     ‫وأمر بالتوبة ألن بني آدم خطاؤون مذنبون مسرفون على أنفسهم بالمعاصي، وخطؤهم بالليل‬
    ‫والنهار، وذنوبهم في السر والجهار، ومن الصغار والكبار، أفرحوا بها األشرار، وأحزنوا بها‬
 ‫األخيار، وزادوا بها األوزار، وأغضبوا بها العزيز الجبار، ونسوا أن اهلل تعالى ال يحب األخطاء‬
           ‫والذنوب وال يرضاها؛ ألنها إساءة في حقه وهو المحسن العظيم، وما جزاء اإلحسان إال‬
   ‫س‬
   ‫اإلحسان، ومن بغضه لها أنه حذر منها أشد التحذير وتوعد عليها أشد الوعيد، قال تعالى: لَيْ َ‬
                                            ‫ك ب م ي َ س ء ي ْز ب‬                      ‫ِي‬          ‫ِيك و‬
   ‫بِأَمَان ِّ ُمْ َال أَمَان ِّ أَهْلِ الْ ِتَا ِ َنْ َعْملْ ُو ًا ُج َ ِهِ [النساء:375]، ويقول : ((إذا أذنب العبد‬
                                                                                      ‫نكت في قلبه نكته سوداء)).‬
  ‫وقد حفظ اهلل أنبياءه من الذنوب، فها هو نبينا أخرج من قلبه علقة سوداء هي حظ الشيطان منه،‬
     ‫فكانوا بهذا الحفظ قدوات يقتدى بهم وأسوات يتأسى بهم ومعلمين يتعلم منهم، وطهر اهلل الجنة‬
     ‫وأهلها من الذنوب، فال يدخل أهل الجنة الجنة وعليهم من األوزار شيء، يقول : ((إذا خلص‬
                                   ‫ي َاص‬
 ‫المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فَ َتَق ُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى‬
                                                                         ‫ُذب ُذ‬          ‫ُق‬
 ‫إذا ن ُّوا وه ِّ ُوا أ ِنَ لهم بدخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده، ألحدهم بمسكنه في الجنة أدل منه‬
                                                                                                ‫بمسكنه في الدنيا)).‬
     ‫وزرع اهلل بغض الذنوب والخطايا في قلوب مخلوقاته الطائعة، فالمالئكة ال تحب الذنوب وال‬
    ‫تحب أهلها، بل وال يصبرون على مالزمة العبد أربعًا وعشرين ساعة لكثرة ذنوبه، وألنهم ال‬
                                 ‫يعصون اهلل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويخافون ربهم من فوقهم.‬
 ‫والسماء ال تحب الذنوب وال أهلها، بل تغلق أبوابها دون عمل العاصي، فيكون كتابه في سجين،‬
 ‫وال تفتح لهم أبواب السماء حتى يل الجمل في سم الخياط، وترمي العصاة بنجومها وصواعقها،‬
                         ‫ب‬
   ‫بل وال يسكنها أحد من العصاة؛ ألنها محرمة عليهم. ولما أذنب آدم ذن ًا أهبط منها، ولما أذنب‬
‫الشيطان أخرجه اهلل منها وجعله ملعونًا، وتكاد السماء أن تنشق من معصية العاصي، يقول تعالى:‬
   ‫د الس و ت ي َّ ن م ْق ِن و ئ ة يسبح بح ْ َب ِ وي فر لم ْ ف َ ْ أ‬
 ‫تَكَا ُ َّمَ َا ُ َتَفَطرْ َ ِنْ فَو ِه َّ َالْمَال ِكَ ُ ُ َ ِّ ُونَ ِ َمدِ ر ِّهمْ َ َسْتَغْ ِ ُونَ ِ َن ِي األرضِ َال‬
                                                                                   ‫ف ر الر م‬            ‫ِن الل ه‬
                                                                       ‫إ َّ َّهَ ُوَ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ [الشورى:1].‬
     ‫واألرض ال تحب الذنوب وال أهلها؛ ألنها طائعة هلل وال تحب إال الطائعين، ومستسلمة هلل وال‬
   ‫ع‬         ‫ات‬        ‫ه و َ‬               ‫إل السم ء وه د ٌ‬                 ‫ُم‬
  ‫تحب إال المسلمين، يقول تعالى: ث َّ اسْتَوَى َِى َّ َا ِ َ ِيَ ُخَان فَقَالَ لَ َا َلِألرْضِ ِئْ ِيَا طَوْ ًا‬
                                        ‫ئع‬                          ‫َ ه‬                 ‫ه و ْ ا تي‬
        ‫فَقَالَ لَ َا َلِألَرضِ ِئْ ِ َا طَوْعًا أَوْ كرْ ًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَا ِ ِين [فصلت:55]. وقد سلطها اهلل على‬
   ‫العصاة أمثال قارون الذي قال: إنما أوتيته على علم عندي، فخسف اهلل به األرض فهو يتجلجل‬
                           ‫ً‬
‫فيها إلى يوم القيامة، وخسف فيها بالمتكبر الذي كان يمشي مرجال رأسه تعجبه نفسه، وقد اهتزت‬
 ‫المدينة في عهد عمر فقال : (يا أيها الناس، توبوا إلى اهلل وإال فارقتكم ولم أجاوركم في المدينة).‬
       ‫والبهائم ال تحب الذنوب وال المذنبين؛ ألنها سبب غضب الرب وسبب ظهور الفساد في البر‬
     ‫و يؤ ِذ الله الن بم سب م‬
    ‫والبحر، وسبب هالك الحروث والزروع والبهائم والدواب، َلَوْ ُ َاخ ُ َّ ُ َّاسَ ِ َا كَ َ ُوا َا‬
                                      ‫ْر م َاب و ك ي ِّر ُ إل َل م َم‬                        ‫َ عل‬
     ‫ترَكَ ََى ظَه ِهَا ِنْ د َّةٍ َلَ ِنْ ُؤَخ ُهمْ َِى أَج ٍ ُس ًّى [فاطر:11]، يقول أبو هريرة : (إن‬
     ‫الحبارى لتموت في أوكارها من ظلم الظالم)، ويقول مجاهد: "إن البهائم لتلعن عصاة بني آدم‬
 ‫لمنعهم المطر بسببهم". وإذا لم تكن محبوبة لغير العاقل فلماذا ال تكون غير محبوبة للعاقل؟! وإذا‬
                                          ‫كانت مبغوضة لغير المكلفين فلماذا ال تكون مبغوضة للمكلفين؟!‬
        ‫ولنعلم ـ عباد اهلل ـ أن الذنوب أفسدت الفطر؛ فقست القلوب وأظلمت وانتكست ومرضت‬
  ‫وأعرضت وماتت، وأقفلت أبواب االستجابة، فأصبح اإلنسان يسمع فال يعي ما يسمع، وال يعمل‬
       ‫َت ِذ َرج م ع َ ل‬                        ‫وم ُ م ي مع إ‬
     ‫بما يسمع، يقول اهلل تعالى عن هؤالء: َ ِنْهمْ َنْ َسْتَ ِ ُ ِلَيْكَ ح َّى إ َا خ َ ُوا ِنْ ِنْدِك قَاُوا‬
                 ‫و ُ‬          ‫الله ع قل ب ِ َاتبع‬                   ‫َّذ‬          ‫ن أ‬                ‫لَّذ أ ت ع ْم م‬
‫ِل ِينَ ُو ُوا الْ ِل َ َاذَا قَالَ آ ِفًا ُوْلَئِكَ ال ِينَ طَبَعَ َّ ُ َلَى ُُو ِهمْ و َّ َ ُوا أَهْ َاءَهمْ [محمد:65]. ولو‬
   ‫سلمت النفوس من الذنوب لكانت نفوسًا مطمئنة تسمع الحق فتتبعه، وتسمع الباطل فتجتنبه، ولو‬
                                                   ‫د‬
                                                 ‫قيل لها: إن القيامة يوم غد ما وجدت للعمل الصالح مزي ًا.‬
       ‫والذنوب أفسدت البيوت فكانت معاول هدم؛ تهدم اإليمان وتهدم األخالق وتهدم الحياة وتهدم‬
           ‫األوالد والزوجات، وتخرج للمجتمع دعاة رذيلة يحاربون الفضيلة، ال هم لهم إال بطونهم‬
   ‫وفروجهم، ونسي األولياء قوله تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ُوا أَن ُ َكمْ َأَهِْيكمْ َا ًا و ُو ُهَا َّا ُ‬
   ‫َي َّذ ن من ق فس ُ و ل ُ ن ر َق د الن س‬
                   ‫َ ُ و عل م ي مر‬                       ‫ئ ة غ ظ ِد د ي ص الل‬                    ‫و ج ةع ه‬
   ‫َالْحِ َارَ ُ َلَيْ َا مَال ِكَ ٌ ِال ٌ ش َا ٌ ال َعْ ُونَ َّهَ مَا أَمرَهمْ َيَفْ َُونَ َا ُؤْ َ ُونَ [التحريم:6]،‬
   ‫ونسوا قول الرسول : ((كلكم راع وكل مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول‬
                                      ‫عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)).‬
           ‫والذنوب أفسدت المجتمع؛ فانتشرت المنكرات، وتسابق الناس على السيئات، وعزفوا عن‬
      ‫الحسنات واتبعوا الشهوات، وأجلب عليهم الشيطان بخيله ورجله، فزين لهم الباطل حتى رأوا‬
      ‫السيئ حسنا، وثبطهم عن العمل الصالح، وأفسد عليهم الطاعات، وأشغلهم بفضول المباحات،‬
      ‫وهون عليهم المعصية، وأوقعهم في الكبيرة، وقادهم إلى البدعة، وأخيرا أخرجهم إلى الشرك‬
    ‫والعياذ باهلل، وتشبهوا بالكفار الذين بثوا لهم سمومهم ونشروا شرورهم، فقلدوهم واتبعوا سننهم‬
                                                               ‫حذو القذة بالقذة، ودخلوا معهم في جحر الضب.‬
‫وحتى تقفل أبواب الذنوب ونصلح الخطأ ونطلب رضوان اهلل ولو سخط الناس ونعيش في أمن من‬
             ‫المعاصي في الدنيا وفي أمن من الذنوب في اآلخرة فإنه يجب أن نفتح باب التوبة على‬
 ‫مصراعيه، وأن ندخل مع باب التوبة وأن ال نخرج منه إال إلى اآلخرة؛ فإنه باب الصالح للنفس‬
           ‫واإلصالح للمجتمع، وهو باب االستقامة في الدنيا على الصراط المستقيم ومجانبة طريق‬
 ‫المغضوب عليهم والضالين، وهو طريق االستقامة على الصراط المنصوب على متن جهنم، أحد‬
    ‫من السيف وأدق من الشعرة، دحض مزلة، وهو باب األنبياء الذين دخله آدم عليه السالم فتاب‬
   ‫ه لك وِن له ع ْد‬                                        ‫ع‬
‫عليه اهلل وهداه، ودخله داود فاستغفر ربه وخر راك ًا وأناب، قال اهلل: فَغَفَرْنَا لَ ُ ذَِ َ َإ َّ َ ُ ِن َنَا‬
                ‫ر‬                                                        ‫ح نم‬            ‫َز‬
            ‫ل ُلْفَى وَ ُسْ َ َآبٍ [ص:17]، يقول : ((سجدة ص سجدها داود توبة، ونسجدها شك ًا)).‬
    ‫ِن الل َر‬
   ‫وباب التوبة هو باب المؤمنين الذين قالوا: ربنا اهلل ثم استقاموا، يقول اهلل تعالى: إ َّ َّهَ اشْت َى‬
  ‫م م من أ فس ُ و و ُ َن ه َن ي تل َ ف سب الل ِ تل ن وي ل و ْد عل َق‬
 ‫ِنْ الْ ُؤْ ِ ِينَ َن ُ َهمْ َأَمْ َالَهمْ بِأ َّ لَ ُمْ الْج َّةَ ُقَا ُِون ِي َ ِيلِ َّه فَيَقْ ُُو َ َ ُقْتَُونَ َع ًا ََيْهِ ح ًّا‬
 ‫ِي َّو َا ِ َا ِنجِي ِ َالْقرْآ ِ َ َنْ أَو َى ِ َهْدِ ِ ِنْ َّه فَاسْتَبْش ُوا ِ َيْ ِكمْ ال ِي بَا َعْتمْ ِ ِ و َِ َ ُ َ‬
 ‫ِر بب ع ُ َّذ ي ُ به َذلك هو‬                              ‫ف الت ْر ة و إل ل و ُ ن وم ْف بع ه م الل ِ‬
        ‫مر ف‬              ‫مر‬         ‫ِد الس ئح الر كع الس جد‬                       ‫ِد‬           ‫ْز ع م الت ئب‬
        ‫الْفَو ُ الْ َظِي ُ َّا ِ ُونَ الْعَاب ُونَ الْحَام ُونَ َّا ِ ُونَ َّا ِ ُونَ َّا ِ ُونَ اآل ِ ُونَ بِالْ َعْ ُو ِ‬
                                             ‫َالن ه ع م َر و ظ حد الله و َش م من‬
                       ‫و َّا ُونَ َنْ الْ ُنك ِ َالْحَافِ ُونَ لِ ُ ُودِ َّ ِ َب ِّرْ الْ ُؤْ ِ ِينَ [التوبة:555، 755].‬
 ‫وهو باب التطهير من الذنوب؛ ألن التوبة تجب ما قبلها، وألن التائب من الذنب كمن ال ذنب له،‬
   ‫ي َفر ع ُ َي ت ُ‬                ‫عس ربك‬          ‫ي َي َّذ ن من ت ب إل الل بة ص‬
 ‫يقول اهلل تعالى: َا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ُو ُوا َِى َّهِ تَوْ َ ً نَ ُوحًا َ َى َ ُّ ُمْ أَنْ ُك ِّ َ َنْكمْ سِّئَا ِكمْ‬
                                                    ‫[التحريم:6]، ويقول : ((التائب من الذنب كمن ال ذنب له)).‬
‫وهو باب قلب السيئات حسنات؛ فبالتوبة يكون السيئ حسنا والخبيث طيبًا والعقاب ثوابا، يقول اهلل‬
 ‫ي َ ه َ ب ْ قي م و ُ ْ ف مه ِال م ب و من‬                                                          ‫ي‬          ‫وم ي َ‬
 ‫تعالى: َ َنْ َفْعلْ ذَلِكَ َلْقَ أَثَامًا ُضَاعفْ لَ ُ الْعذَا ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ َيَخْلد ِيهِ ُ َانًا إ َّ َنْ تَا َ َآ َ َ‬
                      ‫ح أ ك يب ِّل الله َي ت ِ حس و الله ف ر ح‬                                         ‫وع ِ ع ال‬
 ‫َ َملَ َمَ ً صَالِ ًا فَُوْلَئِ َ ُ َد ُ َّ ُ س ِّئَا ِهمْ َ َنَاتٍ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا رَ ِيمًا [الفرقان:66-02].‬
         ‫وهو باب تطهير القلوب، يقول : ((إذا أذنب العبد ذنبا نكتت فيه نكتة سوداء، فإذا تاب وندم‬
                                                                                                        ‫واستغفر صقل قلبه)).‬
   ‫وهو باب رضوان اهلل على العبد إذا وفقه للتوبة؛ ألن اهلل يحب التوابين، وألنه يفرح بتوبة العبد‬
        ‫أشد من فرح العبد بتوبة نفسه، وألنه يتوب على من تاب، يقول : ((هلل أفرح بتوبة عبده من‬
                                                               ‫أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فالة)).‬
    ‫وهو باب الحياة الحسنة التي حسنت فيها األقوال واألفعال، يقول تعالى: َأَنْ اسْتَغْ ِ ُوا رَّكمْ ث َّ‬
    ‫فر َب ُ ُم‬                    ‫و‬
                             ‫ه‬        ‫ٍ‬      ‫حسن إل َ م َم وي ت ُل ذ‬                      ‫ت ب إ ي َت ُ م‬
                    ‫ُو ُوا ِلَيْهِ ُم ِّعْكمْ َتَاعًا َ َ ًا َِى أَجلٍ ُس ًّى َ ُؤْ ِ ك َّ ِي فَضْل فَضْلَ ُ [هود:3].‬
     ‫وهو الباب الذي يزول به الكرب والضيق، ويتحقق به الغنى والغيث والولد والزرع، يقول اهلل‬
     ‫و ل َبن ن‬              ‫َف ر ي ِ السم ء ع ُ ِ ْر ر وي ْد ُ‬                        ‫ِر َب ُ ِنه‬                ‫قت‬
     ‫تعالى: فَ ُلْ ُ اسْتَغْف ُوا رَّكمْ إ َّ ُ كَانَ غ َّا ًا ُرْسلْ َّ َا َ َلَيْكمْ مد َا ًا َ ُم ِدْكمْ بِأَمْ َا ٍ و َ ِي َ‬
                                      ‫َ ج ِله َق ر‬               ‫وي َ ُ َن وي َ ك ه ر م ُ‬
                        ‫َ َجْعلْ لَكمْ ج َّاتٍ َ َجْعلْ لَ ُمْ أَنْ َا ًا َا لَكمْ ال ترْ ُونَ لَّ ِ و َا ًا [نوح:05-35].‬
      ‫عس‬      ‫َي َّذ ن من ت ب إل الل بة ص‬
     ‫وهو باب يوصل إلى الجنة، يقول تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َُوا ُو ُوا َِى َّهِ تَوْ َ ً نَ ُوحًا َ َى‬
       ‫ر ُّكمْ أَنْ ُكَفرَ َنْ ُمْ سِّئَا ِ ُمْ َيدْ ِلَكمْ ج َّا ٍ تَج ِي ِنْ تَحْ ِ َا األَنْ َا ُ يَومَ ال ُخ ِي َّ ُ َّب َّ‬
       ‫ي ْز الله الن ِي‬       ‫هر ْ‬             ‫ته‬         ‫ي ِّ ع ك َي تك و ُ خ ُ َن ت ْر م‬                                ‫َب ُ‬
                                                            ‫و َّذ ن من معه ن ر ُ ي ع ب ْد ِ وب ن ِ‬
                                             ‫َال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُ ُو ُهمْ َسْ َى َيْنَ أَي ِيهمْ َ ِأَيْمَا ِهمْ [التحريم:6].‬
          ‫ُ‬         ‫وم َ يت ْ أ‬                             ‫ب‬
        ‫والناس قسمان: تائب وظالم، فمن لم يكن تائ ًا فهو ظالم، قال تعالى: َ َنْ لمْ َُب فَُوْلَئِكَ همْ‬
                                                                                                                    ‫الظ لم‬
                                                                                                   ‫َّاِ ُونَ [الحجرات:55].‬
         ‫وت ب إل الل جم َيه‬
        ‫وألهمية التوبة فإن اهلل تعالى أمر بها في كتابه أمرا واجبا، فقال: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِيعًا أُّ َا‬
                                                                     ‫َل ُ ت لح‬          ‫م من‬
‫الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّكمْ ُفِْ ُونَ [النور:53]، وهذا األمر للمهاجرين مع صبرهم وجهادهم وإيمانهم فهو في‬
      ‫حقهم أوجب، وأمر بها جميع الناس إذ يقول: ((يا أيها الناس، توبوا إلى اهلل واستغفروه، فإني‬
                                                             ‫أتوب إلى اهلل في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة)).‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
   ‫عباد اهلل، وحتى نحقق التوبة ونأتي بها على الوجه المطلوب ونتصف بصفاتها وتكون في حقنا‬
                                                                                            ‫ح‬
    ‫نصو ًا فإنه ال بد من توفر أمور فيها، منها اإلنابة إلى اهلل تعالى والرجوع إليه، فإنه الذي إليه‬
 ‫المرجع وإليه المصير، وهو الذي أحصى على العبد كل شيء في كتاب ال يضل ربي وال ينسى،‬
     ‫وال يغادر صغيرة وال كبيرة إال أحصاها، واإلنسان إذا خاف من مخلوق هرب منه، ولكنه إذا‬
                       ‫ِر إل الل ِن ُ م ه َ ر مب ن‬
        ‫خاف من اهلل هرب إليه، يقول تعالى: فَف ُّوا َِى َّهِ إ ِّي لَكمْ ِنْ ُ نذِي ٌ ُ ِي ٌ [الذاريات:01].‬
      ‫وقد فتح اهلل باب التوبة، وال يقفل إال إذا قامت قيامة اإلنسان الصغرى بموته، أو قامت قيامته‬
   ‫الكبرى بطلوع الشمس من مغربها، يقول : ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب اهلل‬
‫عليه))، وقال: ((إن اهلل عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)). وباب التوبة واسع إذ سعته مثل‬
     ‫ما بين المشرق والمغرب أو مسيرة سبعين سنة، يقول : ((للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين‬
                                                        ‫عامًا، وال يزال كذلك حتى تطلع الشمس من مغربها)).‬
       ‫ومنه شروط التوبة االستسالم هلل تعالى؛ وذلك باالئتمار بأمره واالنتهاء بنهيه وتصديق خبره‬
‫وتطبيق حكمه. ولقد استسلم ماعز لربه بعد أن زنى إذ سلم نفسه لرسول اهلل وقال: طهرني، فرجم‬
         ‫حتى مات. وسلمت الغامدية نفسها لرسول اهلل ليرجمها فردها حتى وضعت، ثم ردها حتى‬
 ‫أرضعت، ثم رجمها، فقال عمر: أترجمها ثم تصلي عليها؟! قال: ((لقد تابت توبة لو قسمت على‬
                                                                                    ‫سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)).‬
‫ومنها اتباع الكتاب والسنة، فهما أحسن ما أنزل اهلل، وهما حبال اهلل المتين وصراطه المستقيم، من‬
      ‫تمسك بهما سعد، ومن أعرض عنهما شقي، وهما مصدرا الشريعة، وهما المخرج من الفتن،‬
     ‫ط م ْ ر م الل ِن الل ي ِر‬                        ‫ْ َف عل فس ِ‬              ‫ع د َّذ‬            ‫ُ‬
     ‫يقول اهلل تعالى: قلْ يَا ِبَا ِي ال ِينَ أَسر ُوا ََى أَنْ ُ ِهمْ ال تَقْنَ ُوا ِن َحْ َةِ َّهِ إ َّ َّهَ َغْف ُ‬
     ‫تي ُ َ ب ُم‬                       ‫ف ر الر م و ن ب إ َب ُ و لم ه م ْ ْ‬                                ‫الذن ب جم ِنه ه‬
  ‫ُّ ُو َ َ ِيعًا إ َّ ُ ُوَ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ َأَ ِي ُوا ِلَى رِّكمْ َأَسِْ ُوا لَ ُ ِن قَبلِ أَنْ يَأْ ِ َكمْ الْعذَا ُ ث َّ ال‬
  ‫ُنْص ُو َ و َّ ِ ُوا أَحْ َ َ مَا ُنزلَ ِلَيْكمْ ِنْ ر ِّكمْ ِنْ قَبلِ أَنْ يَأْ ِ َكمْ العذَا ُ َغْتَ ً َأَنْتمْ ال تَشْع ُو َ‬
  ‫ُر ن‬            ‫تي ُ َ ب ب ة و ُ‬                           ‫سن أ ْ ِ إ ُ م َب ُ م ْ‬                           ‫ت َر ن َاتبع‬
                                                                                                          ‫[الزمر:31-11].‬
  ‫ومنها اإليمان، فال تتحقق التوبة إال باإليمان، وال تثمر إال باإليمان؛ ألن اإليمان إصالح للظاهر‬
                                     ‫وإصالح للباطن، وألنه قفل ألبواب المعاصي وفتح ألبواب الطاعات.‬
      ‫ومنها العمل الصالح؛ ألنه وظيفة الدنيا وحسنة اآلخرة، وخير زاد يتزود به العبد وخير لباس‬
 ‫يتزين به العبد، وهو أمر اهلل لرسله وأمر الرسل ألممهم، الذي يثقل في الميزان ويطرد الشيطان،‬
       ‫ي‬
 ‫ويدخل به العبد الجنان وينجو من النيران، وهو الذي يسد به أبواب الهوى والشهوة، و ُدحض به‬
                                                             ‫الشبهة، وألنه العالمة على صحة التوبة.‬
     ‫ومنها طلب الهداية بأسبابها؛ ألنه طريق اهلل المستقيم وطريق الذين أنعم اهلل عليهم من النبيين‬
 ‫ُم َد‬             ‫وِن َف ر لم ب و من وع ِ ص‬
‫والصديقين والشهداء والصالحين، يقول تعالى: َإ ِّي لَغ َّا ٌ ِ َنْ تَا َ َآ َ َ َ َملَ َالِحًا ث َّ اهْت َى‬
                                                                                              ‫[طه:76].‬
    ‫ومنها مداومة التوبة؛ ألن الذنوب في كل ساعة، وألن العدو محيط باإلنسان يأتيه من بين يديه‬
  ‫ومن خلفه، ومن على يمينه ومن على شماله، ولكثرة الغفلة التي ضاعت بها األعمال واألعمار،‬
 ‫وتمردت بها الجوارح وتسلط بها الشيطان، ولالغترار بالدنيا، ولذا يقول فيما يرويه عن ربه عز‬
     ‫وجل: ((يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا اغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر‬
    ‫لكم))، ويقول : ((إن اهلل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء‬
                                                                                                 ‫الليل)).‬
      ‫ومنها التعجل بالتوبة؛ ألن األجل مجهول، وألن األعمال بالخواتيم، وألن مداواة المرض في‬
 ‫الحال مطلوب؛ ألن تأخيره ينشر المرض حتى يستعصي، وقد قيل: التأني في كل شيء حسن إال‬
                                        ‫في ثالث: عند وقت الصالة، وعند دفن الميت، وعند التوبة.‬
 ‫ومنها إصالح الماضي بالندم على فعل الذنب، فإن الندم توبة، وعض أصابع الندم في الدنيا أولى‬
‫من عضها يوم القيامة، وحسابها في الدنيا أولى من حسابها في اآلخرة، وقد كان عتبة الغالم يبكي‬
                                  ‫كلما مر بمكان معصية وقع فيها ويتصبب عرقه في اليوم الشاتي.‬
                    ‫ومنها إصالح الحاضر باإلقالع عن الذنب وتركه بالكلية ومفارقة مكانه وأهله.‬
  ‫ومنها الصالح المستقبل بالعزم على أن ال يعود إلى الذنب مرة أخرى، ليدلل على صدقه وعلى‬
                                                                        ‫استقامته وعلى حيائه وحبه هلل.‬
                         ‫ومنها اإلخالص فال تكون التوبة لمنصب أو نسب أو دنيا، وإنما هلل تعالى.‬
  ‫ومنها رد المظالم إلى أهلها، وقد قيل: تعرف توبة الرجل بطهارة لسانه وطهارة قلبه وترك أهل‬
                                                                          ‫المعاصي واالستعداد للموت.‬

‫(5/3271)‬




                                                                                          ‫مواعظ الشتاء‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                         ‫فضائل األعمال, مخلوقات اهلل‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                             ‫سعد بن سعيد الحجري‬
                                                                                                 ‫أبها‬
                                                                                     ‫جامع آل غليظ‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
                               ‫ء‬
        ‫5- شدة حاجة الناس إلى المواعظ والتذكير. 7- أشد الناس بال ً. 3- الذكرى ال تنفع إال‬
  ‫المؤمنين. 1- أقسام المواعظ. 1- من المواعظ الكونية الشتاء. 6- مواعظ الشتاء. 2- الصوم‬
                                                                          ‫في الشتاء الغنيمة الباردة.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                  ‫ر‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل الذي جعل الليل لتسكنوا فيه والنهار مبص ًا، إن اهلل لذو‬
     ‫فضل على الناس، ولكن أكثر الناس ال يشكرون، ذلكم اهلل ربكم له الملك، ال إله إال هو فأنى‬
                                             ‫تؤفكون؟! كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات اهلل يجحدون.‬
      ‫ج ر‬                                          ‫ر‬              ‫د‬               ‫ال‬
    ‫أرسل إلينا رسو ً من أنفسنا شاه ًا علينا، ومبش ًا ونذيرا وداعيًا إلى اهلل بإذنه وسرا ًا مني ًا،‬
                                         ‫ز‬
     ‫فمن أطاعه هدي إلى صراط مستقيم وفاز فو ًا عظيما، ومن عصاه ضل إلى طريق الجحيم‬
                      ‫ِ‬        ‫ُ‬
‫وخسر خسرانا مبينا، وعظنا بمواعظ الكتاب والسنة، قال اهلل تعالى: قمْ فَأَنذرْ [المدثر:7] حتى أتاه‬
                        ‫اليقين، فبلغ الرسالة وأدى األمانة ونصح األمة وجاهد في اهلل حق الجهاد.‬
   ‫وهذا يدل على أن الحاجة إلى المواعظ أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب، وأشد من الحاجة‬
  ‫إلى الصحة، ومن الحاجة إلى المال وإلى الولد وإلى النسب والحسب وإلى المراتب والمناصب؛‬
      ‫ألن اهلل أرسل الرسل بالمواعظ، وأنزل الكتب بالمواعظ، وجعل الهداية بالمواعظ، والسعادة‬
‫بالمواعظ، وخص المكلفين بالمواعظ، وشرفهم بالمواعظ، وألن الحاجة إلى الطعام والشراب مقيدة‬
  ‫والحاجة إلى المواعظ غير مقيدة، وألن الحاجة إلى الطعام والشراب عامة للعقالء وغير العقالء‬
  ‫وللمكلفين وغير المكلفين، والحاجة إلى المواعظ خاصة بالعقالء والمكلفين، والحاجة إلى الطعام‬
‫والشراب لألبدان والحاجة إلى المواعظ للقلوب، وميزان العبد وميزان العمل بالقلب وليس بالبدن؛‬
      ‫ألن اهلل ال ينظر إلى األبدان وال إلى الصور واألموال، ولكن ينظر إلى القلوب، وألن العبد‬
     ‫السمين يأتي يوم القيامة ال يزن عند اهلل جناح بعوضه، وليست الحاجة للصحة أشد؛ ألن اهلل‬
    ‫يعطي الصحة من يحب ومن ال يحب، وقد تكون عند األعداء أكثر من األنبياء ومن األولياء،‬
    ‫يقول : ((أشد الناس بالء األنبياء، ثم األمثل فاألمثل))، ويقول: ((إذا أحب اهلل قومًا ابتالهم))،‬
                                                                       ‫ر‬
                                                           ‫ويقول: ((من يرد به خي ًا يصب منه)).‬
 ‫َر‬           ‫ُم م م‬                     ‫ُم م َ ٍ‬
 ‫دخل على رسول اهلل أعرابي فقال له: ((هل أَخَذَتْكَ أ ُّ ِلْدم قط؟)) قال: وما أ ُّ ِلْد ٍ؟ قال: ((ح ٌّ‬
                       ‫الص‬
        ‫يكون بين الجلد واللحم))، قال: ما وجدت هذا قط، قال: ((فهل أخذك ُّداع؟)) قال: وما‬
    ‫الصداع؟ قال: ((عرق يضرب على اإلنسان في رأسه))، قال: ما وجدت هذا قط، قال : ((من‬
                                               ‫أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا)).‬
       ‫ِنم و ل ُ‬
     ‫ولست كالحاجة إلى المال ألنه فتنة، حالله حساب، وحرامه عقاب، يقول تعالى: إ َّ َا أَمْ َاُكمْ‬
                                                          ‫و د ُ ف ة َالله ع ْ ه ْر ظ م‬
   ‫َأَوْال ُكمْ ِتْنَ ٌ و َّ ُ ِندَ ُ أَج ٌ عَ ِي ٌ [التغابن:15]. وألن النبي لم يخش علينا الفقر، وإنما خشي‬
 ‫علينا كثرة المال، يقول: ((ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا))، وألن الرزق يطلب‬
     ‫العبد كما يطلبه أجله، يقول : ((لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت ألدركه‬
                                                                                    ‫رزقه كما يدركه الموت)).‬
‫والموعظة وظيفة الرسل عليهم السالم، دعوا بها الناس وأرشدوهم وهدوهم إلى الصراط المستقيم،‬
                                                      ‫ن‬           ‫ن‬
 ‫ففتح اهلل بها قلوبًا غلفا وآذا ًا صما وأعي ًا عميا، وبها دخل الناس في دين اهلل أفواجا، وبها انتشر‬
 ‫َذ ِّ ِنم‬
‫اإلسالم إلى بيت كل مدر ووبر، وظهر بها اإلسالم على جميع األديان، يقول اهلل تعالى: ف َكرْ إَّ َا‬
           ‫ح مة‬            ‫َب‬        ‫ع إل س‬                                 ‫ع ِ بمس ِ‬                ‫م ِّر‬
           ‫أَنْتَ ُذَك ٌ لَسْتَ َلَيْهمْ ِ ُ َيْطرٍ [الغاشية:57، 77]، ويقول: ادْ ُ َِى َبِيلِ ر ِّكَ بِالْ ِكْ َ ِ‬
                                              ‫سن‬         ‫حس ج د ه لت ه‬                                     ‫و‬
   ‫َالْمَوْعِظَةِ الْ َ َنَةِ وَ َا ِلْ ُمْ بِاَّ ِي ِيَ أَحْ َ ُ [النحل:175]، ويقول العرباض بن سارية: وعظنا‬
   ‫رسول اهلل موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول اهلل، كأنها موعظة‬
 ‫مودع فأوصنا، قال: ((أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم‬
                                                                               ‫ف‬
            ‫فسيرى اختال ًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها‬
                  ‫بالنواجذ))، قال ابن مسعود: كان رسول اهلل يتخولنا بالموعظة بين الحين والحين.‬
    ‫والموعظة مفتاح لقلوب المؤمنين ونور لصدورهم وحماية لفطرتهم، ينتفعون بها وال ينتفع بها‬
   ‫غيرهم، وتثمر في حياتهم وال تثمر في حياة غيرهم، جمعهم اهلل بها بعد فرقة، وأعزهم بها بعد‬
        ‫ذلة، وقواهم بها بعد ضعف، ونصرهم بها بعد هزيمة، وجلت بها القلوب واستقامة ووعت‬
‫وعملت، وذرفت بها العيون وسلمت من عذاب اهلل، ((عينان ال تمسهما النار: عين بكت من خشية‬
‫اهلل، وعين باتت تحرس في سبيل اهلل))، واقشعرت بها الجلود فالنت وانقادت وخضعت، وكان بها‬
                               ‫ع‬
  ‫المؤمنون خير أمة أخرجت للناس؛ ألن نفعهم نفع متعد وليس نف ًا الزمًا، وألنهم يحبون لغيرهم‬
   ‫ما يحبونه ألنفسهم، وألنهم يعلمون أن من دعا إلى هدى فله مثل أجور من دعاهم من غير أن‬
     ‫ينقص من أجورهم شيئًا، والدال على الخير كفاعله، يقول اهلل تعالى: وذ ِّر فَإ َّ ِّكْرَى تَن َ ُ‬
     ‫فع‬           ‫َ َك ْ ِن الذ‬
       ‫ق‬           ‫ش وي َنب‬             ‫َ َك إ ع الذ ر س َذ َّر م‬                                        ‫م من‬
      ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ [الذاريات:11]، ويقول: فذ ِّرْ ِنْ نَفَ َتْ ِّكْ َى َي َّك ُ َنْ يَخْ َى َ َتَجَّ ُهَا األَشْ َى‬
   ‫[األعلى:2-55]. وفي غزوة بدر قال ألصحابه وهم يقاتلون عدوهم: ((قوموا إلى جنة عرضها‬
  ‫السماوات واألرض أعدت للمتقين))، قال عمير بن الحمام لما سمع هذه الموعظة: جنة عرضها‬
 ‫السماوات واألرض؟! قال: ((نعم))، قال: بخ بخ أي: عظيم عظيم، قال: ((ما الذي دعاك إلى أن‬
    ‫تقول: بخ بخ؟!)) قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: ((إنك من أهلها))، فقاتل حتى استشهد.‬
                                                             ‫د‬
       ‫ومواعظ اهلل الشرعية كثيرة ج ًا، منها في القرآن ما يزيد على 0776 آية، ومنها في السنة‬
 ‫عشرات اآلالف.، وهذه المواعظ أقام اهلل بها الحجة على الناس؛ ألنها آيات بينات دائمة ال يعقلها‬
      ‫إال العالمون العاملون، وحملهم بها اهلل األمانة التي عرضت على أكبر المخلوقات من سماء‬
       ‫م‬
      ‫وأرض وجبال، وما استطاعت حملها واعتذرت إلى ربها، وحملها اإلنسان، إنه كان ظلو ًا‬
     ‫ر‬                            ‫ر‬
    ‫جهوال، وكلفهم بالتكاليف الشرعية فمن يعمل مثقال ذرة خي ًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ش ًا‬
                                                                                          ‫يره.‬
  ‫ولم تقتصر المواعظ على الشرعية، بل هناك مواعظ كونية أوجدها اهلل في الكون، منها المرئية‬
     ‫يراها الناس بالعين فيزدادون إيمانا ويداومون االنقياد واالستسالم هلل تعالى، ومنها المسموعة‬
   ‫ليسمعها الناس فيعونها ويعملون بها ويدعون الناس بها ويدعون الناس إليها، ومنها المحسوسة‬
‫التي تدرك بالحس ليبقى عند اإلنسان إحساس بالعمل وإعراض عن الكسل. وكل هذه اآليات ليبقى‬
  ‫المسلم على صلة بربه، فيعبده وكأنه يراه، ويتقيه حيث كان، ويتبع السيئة الحسنة حتى تمحوها‬
     ‫ليكون المسلم على بصيرة من أمره، يصبح ويمسي وقد عزفت نفسه عن الدنيا، فيظمأ نهاره‬
 ‫بالصيام، ويسهر ليله بالقيام، ويحسن العمل في الدنيا ليحسن له الوقوف بين يدي اهلل يوم القيامة.‬
‫وإن من المواعظ الكونية التي نراها بأبصارنا ونسمعها بآذاننا ونحس بها بحواسنا وكان اإلحساس‬
 ‫بها في الليل وفي النهار وفي الشباب وفي الهرم وفي الصحة وفي السقم موعظة الشتاء. والشتاء‬
    ‫هو أحد الفصول األربعة التي تتكون منها أيام العام، وفصول العام األربعة تتكون من رحلتين‬
 ‫للشمس طوال العام: رحلة هبوط من وسط السماء إلى األفق يتكون فيها فصال الخريف والشتاء،‬
                                              ‫ورحلة صعود يتكون فيها فصال الربيع والصيف.‬
                  ‫الش ء َالص ْ‬
 ‫وقد ذكر اهلل الشتاء في كتابه مرة واحدة في قوله تعالى: رِحْلَةَ ِّتَا ِ و َّيفِ [قريش:7]، وكان‬
     ‫النبي يحث أصحابه على اغتنامه إذ يقول: ((الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة))، وكان عمر‬
 ‫يتعاهد رعيته إذا جاء الشتاء ويوصيهم باالستعداد له، يقول لهم: (إن الشتاء قد حضر وهو عدو،‬
‫فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، سريع دخوله، بعيد خروجه)، وكان علي يقول:‬
  ‫(اتقوا الشتاء في أوله، وتعرضوا له في آخره، يفعل باألجساد كما يفعل باألشجار؛ أوله محرق،‬
                                               ‫ب‬
    ‫وآخره مورق).، وكان ابن مسعود يقول: (مرح ًا بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل‬
    ‫للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام)، وكان عبيد بن عمير يقول إذا جاء الشتاء: "يا أهل القرآن،‬
                                ‫طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر نهاركم لصيامكم فصوموا".‬
      ‫ويتميز الشتاء بقصر النهار، إذ يأخذ الليل منه حوالي ساعتين، ويطول فيه الليل، ويكثر فيه‬
‫الضباب، وتكثف السحب، ويشتد الهواء، ويبرد الجو، وتكثر الصواعق، وتنزل األمطار بإذن اهلل،‬
     ‫وتحترق األرض من شدة البرد، وتساقط أوراق الشجر، وتنقص الثمار، وتنحبس الدواب في‬
         ‫جحورها، وتجمد المياه، وتكثر العلل واألمراض، وتقل الحركة، ويكثر النوم وغير ذلك.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                               ‫ينبغي للمسلم أن يتعظ بمواعظ الشتاء وهي كثيرة:‬
    ‫منها االستجابة هلل تعالى واالنقياد له واالستسالم له، وذلك بسالمة القلب وحسن القول وصالح‬
   ‫العمل وحسن الخلق، وباالئتمار بأمره واالنتهاء بنهيه، واالشتغال بطاعته والبعد عن معصيته،‬
‫ونستفيد ذلك من استجابة المخلوقات له كالشمس والليل والنهار واألشجار واألنهار والدواب، فإنها‬
    ‫َيه‬
   ‫استجابت وهي غير مكلفة، فلماذا ال يستجيب اإلنسان وهو مكلف عمالً بقول اهلل تعالى: يَا أُّ َا‬
   ‫َ ء َق به‬              ‫ج ب ِله وِلرس ِذ د ك لم ي ي ك و م َن الل ح ل ب‬                                               ‫َّذ ن من‬
   ‫ال ِي َ آ َُوا اسْتَ ِي ُوا لَّ ِ َل َّ ُولِ إ َا َعَا ُمْ ِ َا ُحْ ِي ُمْ َاعْلَ ُوا أ َّ َّهَ يَ ُو ُ َيْنَ الْمرْ ِ و َلْ ِ ِ‬
                                                                                                       ‫وَنه إ ت َر‬
                                                                                     ‫َأ َّ ُ ِلَيْهِ ُحْش ُونَ [األنفال:17]؟!‬
    ‫ومن المواعظ اليقين بأن دين اإلسالم دين اليسر، وأن اهلل لم يكلفنا ما ال نطيق، وأنه لم يجعل‬
  ‫ُر د الله بك ي ْر‬
  ‫علينا في الدين من حرج، وأنه أمرنا أن نتقيه حسب االستطاعة، قال تعالى: ي ِي ُ َّ ُ ِ ُمْ الْ ُس َ‬
‫و ج َل‬                           ‫َاتق الل م ْ ُ‬                                    ‫و ير د ب ُ ع ْ‬
‫َال ُ ِي ُ ِكمْ الْ ُسرَ [البقرة:165]، ويقول: ف َّ ُوا َّهَ َا استَطَعْتمْ [التغابن:65]، ويقول: َمَا َع َ‬
                                               ‫يخي‬                 ‫ع ُ ْ ف الد ن م حر‬
   ‫َلَيْكم ِي ِّي ِ ِنْ َ َجٍ [الح :62]، ولم َّر بين أمرين إال اختار أيسرهما، وقال: ((يسروا‬
    ‫وال تعسروا، وبشروا وال تنفروا)). ونستفيد هذا من جواز الجمع بين الصالتين عند العذر من‬
     ‫مطر ونحوه، وجواز المسح على الخفين للمقيم يوم وليله وللمسافر ثالثة أيام بلياليها، وجواز‬
                                                                                       ‫المسح على العمامة، ونحو ذلك.‬
 ‫ومن المواعظ الصبر على الطاعات وتحمل األذى في سبيل اهلل، فإن الصبر أوسع عطاء وأجزل‬
‫وفاء، وهو الضياء، وهو النصر على النفس وعلى الشيطان وعلى األعداء، وبالصبر على الطاعة‬
     ‫يمحو اهلل الخطايا ويرفع الدرجات، يقول : ((أال أدلكم على ما يمحو اهلل به الخطايا ويرفع به‬
        ‫الدرجات؟! إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصالة بعد‬
  ‫الصالة، فذلكم الرباط)). ونستفيد هذا من قوله: ((إسباغ الوضوء على المكاره)) أي: على البرد‬
                                                                                                ‫وتحمل ذلك في سبيل اهلل.‬
      ‫ومن المواعظ الخوف من اهلل تعالى؛ ألنه الذي يفعل ما يريد، ويقول لشيء: كن فيكون، وله‬
                                ‫ِم‬
   ‫األمر من قبل ومن بعد، وله مقاليد السموات واألرض، وأز َّة أمور الخلق بيده، والخوف نوع‬
 ‫من أنواع العبادة ال يجوز صرفه إال هلل وحده، قال تعالى: فَال تَ َا ُوهمْ وَ َا ُو ِي ِنْ ُنْتمْ ُؤْ ِ ِي َ‬
 ‫خ ف ُ خ ف ن إ ك ُ م من ن‬
    ‫ق َب َن ن‬                        ‫ولم‬
    ‫[آل عمران:125]. وقد تكفل اهلل للخائفين منه بجنتين فقال تعالى: َِ َنْ خَافَ مَ َامَ ر ِّهِ ج َّتَا ِ‬
‫[الرحمن:61]، وتكفل للخائف أن يؤمنه يوم القيامة أمنا ال ينقطع، يقول تعالى في الحديث القدسي:‬
 ‫((وعزتي وجاللي، ال أجمع لعبدي بين خوفين وال أمنين، من خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة،‬
   ‫ومن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة)). ونستفيد هذا من سماع الصواعق والرعد، ومن رؤية‬
         ‫د‬
        ‫البرق، ومن كثافة السحب ونزول المطر، ومن شدة الهواء، ونحو ذلك، فإن اهلل أهلك عا ًا‬
     ‫بالريح، وثمود بالصاعقة، ومدين بالصيحة، وقوم فرعون بالغرق، وهزم قريش بالريح، واهلل‬
                                                                                                           ‫غالب على أمره.‬
   ‫ومن المواعظ معرفة حقيقة الدنيا من أنها قصيرة، فما كأنها إال ظل شجرة أو سحابة صيف أو‬
  ‫دار لها بابان يدخل اإلنسان من أحدهما ويخرج من اآلخر، وما هي في اآلخرة إال كصفر وكمن‬
      ‫غمس أصبعه في البحر ثم أخرجها. وعلى المسلم إذا عرف حقيقتها أن يزهد فيها؛ ألنها متاع‬
  ‫زائل ومتاع الغرور، وألنها ال تزن عند اهلل جناح بعوضة، وألنها أهون على اهلل من الميتة على‬
                                  ‫م‬
 ‫أهلها، وألنها ملعونة ملعون ما فيها إال ذكر اهلل وما وااله وعال ًا ومتعلمًا، وليس لإلنسان فيها إال‬
    ‫غ َّن ُ ح ة الد و يغ َّن ُ‬
  ‫ما أكل فأفنى ولبس فأبلى وتصدق فأبقى، ولذا قال اهلل تعالى: فَال تَ ُرَّكمْ الْ َيَا ُ ُّنْيَا َال َ ُرَّكمْ‬
 ‫م َن ح ة الد عب و و َز ة و ُر ب ُ َتك ُ ٌ ف‬                                                                 ‫ِالل َر ر‬
‫ب َّهِ الْغ ُو ُ [لقمان:33]، وقال: اعْلَ ُوا أَّمَا الْ َيَا ُ ُّنْيَا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ و ِينَ ٌ َتَفَاخ ٌ َيْنَكمْ و َ َاثر ِي‬
                                                                                                             ‫ول و‬
                                                                                      ‫األَمْ َا ِ َاألَوْالدِ [الحديد:07].‬
   ‫ونستفيد من قصر النهار ومن احتراق األرض بالثل ومن يبوسة األشجار وانقطاع الثمار ونحو‬
                                                                            ‫تذك‬
  ‫ذلك من المواعظ ُّرَ اآلخرة واالستعداد لها، فإنها الدار الباقية، وهي دار اإلقامة ودار الحصاد‬
    ‫ودار الجزاء، وهي التي ال دار بعدها، وهي الدار التي يجب أن نغتنم الدنيا من أجلها والشباب‬
             ‫ر‬
   ‫من أجلها والصحة من أجلها والغنى من أجلها، وأن نجعلها همنا ليكون سعينا مشكو ًا وتجارتنا‬
        ‫ن‬             ‫س يه وهو م م ٌ أ‬                 ‫ِ وسع‬             ‫وم َر‬
        ‫رابحة لن تبور، يقول اهلل تعالى: َ َنْ أ َادَ اآلخرَةَ َ َ َى لَهَا َعْ َ َا َ ُ َ ُؤْ ِن فَُوْلَئِكَ كَا َ‬
                                                                           ‫س يُ م ك ر‬
‫َعْ ُهمْ َشْ ُو ًا [اإلسراء:25]، ويقول : ((ومن كانت اآلخرة همه جعل اهلل غناه في قلبه وجمع له‬
   ‫شمله وأتته الدنيا وهي راغمة)). ونستفيد هذا من طول الليل الذي يذكرنا القبر، ومن شدة البرد‬
   ‫َذ‬
  ‫الذي يذكرنا جهنم، فإن من عذابها ما هو بارد يهلك ويسمى الزمهرير والغساق، قال تعالى: ه َا‬
                                                              ‫َذ ق ه ح م و َس ق‬
‫فَلْي ُو ُو ُ َمِي ٌ َغ َّا ٌ [ص:21]، وقال : ((اشتكت النار قالت: يا رب، أكل بعضي بعضا ـ أي:‬
   ‫حطم بعضي بعضا ـ، فأذن اهلل لها بنفسين: نفس في الصيف وهو شدة الحر، ونفس في الشتاء‬
                                                  ‫وهو شدة البرد))، ومن العلل واألسقام التي تذكرنا الموت.‬
   ‫ومن المواعظ تذكر نعمة اهلل على العبد، فإن نعمه ال تعد وال تحصى، ال في البر وال في البحر‬
   ‫وال في الجو، وال في األنفس والولد والمال والليل والنهار وفي كل شيء، وقد وعد بالمزيد لمن‬
  ‫شكره، ووعد بالرضوان ووعد بالجنة. ونستفيد هذا من دفع البرد بالطعام والشراب وتدفئة البدن‬
                                                   ‫باأللبسة وباألدفئة الكهربائية والغازية والنارية ونحو ذلك.‬
       ‫ومن المواعظ السبق إلى الخيرات باغتنام النهار بالصيام والليل بالقيام والمال بالنفقة والوقت‬
      ‫بالذكر والقراءة والدعوة ونحو ذلك. ونستفيد ذلك من قصر النهار، فيصومه العبد لقلة ساعاته‬
     ‫وعدم حاجة الجسم إلى الطعام والشراب، والصيام في الشتاء الغنيمة الباردة، والصيام جنة من‬
  ‫النار ومن المعاصي ومن الشهوات، وهو باب في الجنة وسعادة في الدنيا واآلخرة. ونستفيده من‬
  ‫طول الليل فيقومه بعد النوم لطول الزمن، وقيام الليل دأب الصالحين ومرضاة الرب ومنهاة عن‬
    ‫اإلثم ومغفرة للذنب ومطردة لداء الجسد، وهو صفة األنبياء وصفة عباد الرحمن وصفة العلماء‬
                                                                           ‫وصفة أهل الجنة، وهو شرف المؤمن.‬
   ‫ونستفيد من فقر الناس وحاجتهم إلى المسكن وإلى األطعمة وإلى األلبسة وإلى األدوية، فيتصدق‬
 ‫المسلم ويدخل السرور عليهم، ورضي اهلل عن معاذ الذي بكى عند موته وقال: (أبكي على أربع:‬
‫أيام الصيف الحارة كنت أصومها، وليالي الشتاء البارة كنت أقومها، ومجالسة العلماء، ومصاحبة‬
                                                                                                              ‫الصالحين).‬

‫(5/1271)‬




                                                                                                    ‫أهمية العدل وفضله‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                   ‫محاسن الشريعة, مكارم األخالق‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                             ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                            ‫25/1/6715‬
                                                                                                           ‫المسجد الحرام‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- حسن العدل. 7- إقامة اإلسالم للعدل. 3- أمر اهلل تعالى بالعدل. 1- جريمة الظلم. 1-‬
‫عموم األمر بالعدل جميع األحوال. 6- نصرة اهلل للمظلوم. 2- فضل العدل والعادلين. 6- العدل‬
                                                                                                                 ‫في القول.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
   ‫ي َي َّذ من اتق الل َق ل‬                                                                 ‫ت‬          ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: فا ّقوا اهلل تعالى ـ أيها المؤمنون ـ لعلكم ترحمون، َا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا َّ ُوا َّهَ و ُوُوا‬
       ‫ُ وي ف ُ ذن بك وم ي الله َرس ُ َ ْ َ ْز ظ م‬                                                  ‫َد د ي ل ُ‬
      ‫قَوْالً س ِي ًا ُصِْحْ لَكمْ أَعْمَالَكمْ َ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ َ َن ُطِعِ َّ َ و َ ُولَه فَقد فَاز فَو ًا عَ ِي ًا‬
‫ة‬               ‫َّ‬                  ‫َّن‬                             ‫ب‬
‫[األحزاب:02، 52]. أنيبوا لر ّكم وأسلموا له قلوبَكم، وال تغرَّكم الحياة الدنيا. إن في القلوب فاق ً‬
         ‫ر‬           ‫ال‬          ‫يلم‬                    ‫ت‬                       ‫د ال‬
        ‫وحاجة ال يس ّها إ ّ اإلقبال على اهلل ومحب ُه واإلنابة إليه، وال ُّ شَعثَها إ ّ حفظ الجوا ِح‬
               ‫واجتنا ُ المح ّمات ِّقاء الشبهات، فر ِم اهلل امرأ راقب نف َه َّقى َّه واستعد‬
       ‫َّ لآلخرة.‬      ‫س وات رب‬           ‫ً‬          ‫ح‬                ‫وات‬   ‫ر‬      ‫ب‬
               ‫م‬                  ‫ن‬                   ‫ة‬
 ‫أيها المؤمنون، يهنَأ العيش وتصفو الحيا ُ حين يستوفي اإلنسا ُ كاملَ حقوقه، وتع ُر البالد وتقوم‬
            ‫ب‬                     ‫ط‬                                   ‫ل ل‬
    ‫الحضارات في ظ ّ العد ِ والمساواة واستيفاءِ الحقوق. لقد ف َر اهلل النفوسَ على محّة العدل،‬
   ‫سد‬                ‫ة‬                   ‫د‬              ‫ل‬         ‫م‬        ‫ن ط‬                ‫وات‬
 ‫َّفقت على حس ِه الف َر السلي َة والعقو ُ الحكيمة، وتم ّح به الملوك والقاد ُ والعظماء وال ّا َة،‬
    ‫َي ت َ ز معهم ك ب و ز ل ق م‬                                             ‫َ س رس‬                      ‫س‬         ‫الر‬
    ‫وجاءت به ِّساالت ال ّماوية: لَقدْ أَرْ َلْنَا ُ ُلَنَا بِالْب ِّنَا ِ وأَن َلْنَا َ َ ُ ُ ال ِتَا َ َالْمِي َانَ ِيَ ُو َ‬
                                                                                                           ‫الن س ق‬
                                                                                          ‫َّا ُ بِالْ ِسْطِ [الحديد:17].‬
  ‫ل‬        ‫ن‬                                                                     ‫ن‬
  ‫وقد جاءَ دي ُ اإلسالم العظيم إلخراج الناس من جَور األديان إلى عدلِ اإلسالم، حيث إ ّه بالعد ِ‬
      ‫ِن الل‬              ‫ضد‬          ‫ف‬               ‫ق‬       ‫وات‬
‫قامت السماوات واألرض، َّصف الح ّ سبحانه به، ون َى عن نفسه َّه وهو الظلم: إ َّ َّهَ الَ‬
            ‫ل و َم لمت َبك ِ ْق و َ‬                                                      ‫َر‬          ‫ِم م‬
       ‫يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّةٍ [النساء:01]. وقامَ دين اإلسالم على العد ِ، َت َّتْ كَِ َ ُ ر ِّ َ صد ًا َعدْالً‬
                          ‫ر‬      ‫قر‬                    ‫ع‬              ‫ص‬
‫[األنعام:155]، فهو ِدق في أخباره، َدل في أحكامه، ال ي ِ ّ الجو َ والظلم وال العدوان، بل هو‬
‫ِّ أينما كان، يأمر بالوفاء بالعقو ِ والعهود حتى مع الك ّار: َإ َّا تَ َاف َّ ِن قَومٍ ِ َا َ ً‬
‫ف وِم خ َن م ْ خي نة‬                                       ‫د‬                                ‫دائمًا مع الحق‬
‫ر َن ُ ش ُ م‬                 ‫ِد و‬                             ‫ي ِب ئن‬               ‫ِ إ ِ عل و ِن الل‬
‫فَانبذْ ِلَيْهمْ ََى سَ َاءٍ إ َّ َّهَ الَ ُح ُّ الخَا ِ ِينَ [األنفال:61]، وفي المائ َة: َالَ يَجْ ِمَّكمْ َنَآن قَوْ ٍ‬
                     ‫من ب ض‬                                   ‫ْدل ه ْرب ِلت‬              ‫عل َال ْدل‬
 ‫ََى أ َّ تَع ُِوا اع ُِوا ُوَ أَق َ ُ ل َّقْوَى [المائدة:6]، أي: ال يح ِلَ ّكم ُغ ُ قوم على تركِ العدل؛‬
                                                                       ‫ل‬           ‫ّ‬                  ‫ن‬
                                                                  ‫فإ ّ العدلَ واجب على كل أحد وفي ك ّ حال.‬
‫ِن الله‬         ‫ع‬         ‫م‬                 ‫وأ ِ ت ْ ِ ب ُم‬                                   ‫م‬
‫وقد أ َر اهلل به رسولَه في قوله: َُمرْ ُ ألَعدلَ َيْنَك ُ [الشورى:15]، وأ َر به جمي َ خلقه: إ َّ َّ َ‬
 ‫ظل‬          ‫ظل‬           ‫ل‬            ‫د س‬                                         ‫مر َ ْل و‬
 ‫يَأْ ُ ُ بِالْعد ِ َاإلِحْسَانِ [النحل:02]، وجعل في مق ّمةِ ال ّبعة الذين يظّهم اهلل في ِّه يومَ ال َّ‬
           ‫ن‬          ‫إال ظله ((إما ٌ عادل)) كما في الصحيحين(5)[5]، وفي صحيح مسلمٍ َّ النبي‬
           ‫َّ قال: ((إ ّ‬    ‫أن‬                                              ‫م‬
            ‫د‬                        ‫ك‬                        ‫م‬
      ‫المقسطين عند اهلل على منابرَ ِن نور عن يمين الرحمن، و ِلتا يديه يمين، الذين يع ِلون في‬
                                                                                             ‫و‬       ‫ل‬      ‫م‬
                                                                                 ‫حك ِهم وأهِهم وما َلوا))(7)[7].‬
   ‫أ ّا ض ّه وهو الظلم فهو ظلما ٌ يومَ القيامة، وقد ح ّمه اهلل على نفسه وجعله بين العبادِ محرم‬
 ‫َّ ًا،‬                                   ‫ر‬                     ‫ت‬                     ‫م ِد‬
   ‫ي ل ع ْد الظ لم ن‬                                          ‫ِنه ي لح الظ لم‬                 ‫ل‬
   ‫فال يفِح ظالم، إ َّ ُ الَ ُفِْ ُ َّاِ ُونَ [القصص:32]، وفي سورة البقرة: الَ َنَا ُ َه ِي َّاِ ِي َ‬
                                                ‫َالله ي ِب الظ لم‬
                              ‫[البقرة:175]، وفي آل عمران: و َّ ُ الَ ُح ُّ َّاِ ِينَ [آل عمران:21].‬
 ‫م‬       ‫ِن ِّ ك ظ ْم‬                       ‫ت‬                                                   ‫شك ن‬
 ‫وال َّ أ ّ أظلمَ الظلم هو الشرك باهلل كما في سورة لقمان: الَ ُشْرِكْ بِاهللِ إ َّ الشرْ َ لَ ُل ٌ عَظِي ٌ‬
                                                                                                             ‫[لقمان:35].‬
                             ‫م‬                                    ‫د‬        ‫ق‬       ‫لم‬      ‫مة‬
‫واأل ّ ُ المسِ َة تستح ّ التأيي َ من اهلل والتمكينَ في األرض إذا أقا َت العدلَ، وقد قال شيخ اإلسالم‬
                         ‫م‬                                                    ‫إن‬              ‫َ‬
     ‫ابن تيمية رحمه اهلل: " َّ اهلل يقيم الدولةَ العادلة وإن كانَت كافرة، وال يقي ُ الدولة الظالمةَ وإن‬
                                                                                                  ‫كانت مسلمة"(3)[3].‬
   ‫م‬                      ‫ة‬          ‫ق‬                    ‫ل‬         ‫ر‬                        ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، العدل مأمو ٌ به في ك ّ األحوال، والظلم عا ِبَته وخيم ٌ في الدنيا واآلخرة، و َن‬
             ‫م‬            ‫ن‬                      ‫ر‬                        ‫ُو ه‬        ‫د‬
   ‫ظلم قي َ شبر ط ِّق ُ يومَ القيامة من سبعِ أ َضين، ومن ظلم غيرَه فإ ّ القصاص منه ُؤلم، واهلل‬
                ‫ِم‬                                    ‫يل‬        ‫َ‬                  ‫ل‬
 ‫تعالى يمِي للظالم حتى إذا أخذَه لم ُفِته، ولن تضيعَ المظالم حتى بين البهائ ِ، وفي صحيح مسلم‬
                       ‫ء‬                  ‫ي‬                                    ‫لتؤدن‬        ‫َّ‬    ‫ن‬
              ‫أ ّ النبي قال: (( ُّ ّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامة حتى ُقادَ للشاة الجلحا ِ من الشاة‬
 ‫م ع ه‬          ‫ة‬                  ‫م‬               ‫ي ن‬                                ‫ق‬
 ‫ال َرناء))(1)[1]، وفي صحيح البخار ّ أ ّ النبي قال: (( َن كانت عنده مَظلم ٌ ألخيه ِن ِرض ِ‬
  ‫أو شي ٍ منه فليتحّله منه اليو َ من قبل أن ال يكونَ دينار وال دره ٌ، إن كان له عم ٌ صالح أخ َ‬
  ‫ِذ‬        ‫ل‬               ‫م‬                                  ‫م‬            ‫ل‬          ‫ء‬
                             ‫م‬             ‫ي‬       ‫خ‬       ‫ح‬                       ‫ِ‬
             ‫منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له َسنات أ ِذَ من سّئات صاحبه فح ِلَ عليه))(1)[1].‬
                ‫ة‬             ‫ومهما يكنِ المظلوم ضعيفًا َّ اهلل ناصره، وفي الحديثِ أ ّ النبي‬
 ‫َّ قال: ((ودعو ُ المظلوم يرفعها‬    ‫ن‬                           ‫فإن‬
               ‫َن‬                ‫اهلل فوق الغمام، ويف َح لها أبوابَ السماء، ويقول الرب ِز‬
‫ُّ: وع ّتي وجاللي ألنصر َّك ولو بعد حين))‬                          ‫ت‬
                                ‫َم ي َل الظ لم‬            ‫س َن الل غ‬           ‫و‬
 ‫رواه الترمذي(6)[6]، َالَ تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُونَ [إبراهيم:31]، وفي سورة هود:‬
                                        ‫ْ ُ َب ِذ َ قر هي لمة ِن ْ ه م َد د‬                                             ‫وَ‬
                             ‫َكذَلِكَ أَخذ رِّكَ إ َا أَخذَ ال ُ َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705].‬
   ‫س بالته‬              ‫لل‬                              ‫و‬              ‫رب‬        ‫ف‬
  ‫أفال يخا ُ الظالم َّ العالمين؟! أ َال يخشى دعوةَ المظلومين؟! وقل َّذين يرمون النا َ ُّ َم‬
         ‫م‬       ‫تذك‬     ‫م‬               ‫ضه إن‬                            ‫ن‬
         ‫ويرجمون بالظنو ِ ويؤذون المؤمنين في أعرا ِ ِم: َّ دعوةَ المظلوم ُجابة، َّروا يو َ‬
      ‫وإ م‬           ‫مل ب‬           ‫سب َ‬                      ‫م من ن و م م ت ب‬                   ‫و َّذ ي ذ‬
     ‫العرض على اهلل: َال ِينَ ُؤْ ُونَ ال ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَا ِ ِغَيْرِ مَا اكْتَ َ ُوا فَقدِ احْتَ َُوا ُهْتَانًا َِثْ ًا‬
                                                                                                                       ‫مب ن‬
                                                                                                        ‫ُّ ِي ًا [األحزاب:61].‬
               ‫جب‬        ‫د‬                       ‫ب‬                                     ‫َّ‬
 ‫عبادَ اهلل، إن مقامَ العدلِ في اإلسالمِ عظيم، وثوا ُه عند اهلل جزيل، فالعا ِل مست َا ُ الدعوة، واهلل‬
     ‫ِن الله‬                                              ‫ظل‬          ‫حب‬                ‫حب‬
     ‫ي ِ ّ المقسطين، وصا ِ ُ العدل في ِّ الرحمن يومَ القيامة، والحاكم مأمور بالعدل: إ َّ َّ َ‬
  ‫ع ْ ِن ل ن ِم يعظك‬                      ‫كم‬        ‫ل وِ ح ت ب الن أ‬                       ‫إل‬                ‫ت َد‬        ‫مر ُ‬
 ‫يَأْ ُ ُكمْ أَن ُؤ ُّوا األَمَانَاتِ َِى أَهِْهَا َإذَا َكَمْ ُم َيْنَ َّاسِ َن تَحْ ُ ُوا بِالْ َدلِ إ َّ الَّهَ ِع َّا َ ِ ُ ُم‬
     ‫ف‬            ‫ع‬                            ‫ق ة‬            ‫ُ‬                              ‫ب‬
 ‫ِهِ [النساء:61]، وسواء كان الحكم قضاءً أو ِسم ً أو حكمًا على أفرادٍ أو جما َات أو تَصني ًا أو‬
                                                                                             ‫ال كل‬           ‫ج‬
                                                                    ‫َرحًا وتعدي ً، ُّ ذلك يجب أن يكونَ بالعدل.‬
  ‫قص‬        ‫ه‬           ‫ِل‬            ‫م‬                               ‫د‬                   ‫ج‬
 ‫كما ي ِب على الوالد أن يع ِل بين أوالده في العطايا والمعا َلة، فال يفاض ُ بينهم بال ِبات، و ِ ّة‬
  ‫ة‬           ‫ُ‬             ‫د ي ي‬
  ‫النعمانِ بن بشير رضيَ اهلل عنه مشهورة في هذا، وقد ر ّ النب ّ عط ّتَه حين لم تحصلِ المساوا ُ‬
                                                                    ‫د‬             ‫ات‬                   ‫كل‬
                                            ‫بين ِّ األوالد، وقال: (( َّقوا اهلل واع ِلوا بين أوالدكم))(2)[2].‬
                    ‫ن‬               ‫ِي ن‬
        ‫كما يجب على الزوجِ أن يعدلَ بين أزواجه، وأن يساو َ بينه ّ في المبيت وال ّفقَة والحقوق‬
          ‫م‬                   ‫نُ‬              ‫م‬              ‫إ خ ُ َال ْدل و ح‬
  ‫الزوجية، قال تعالى: فَِن ْ ِفْتمْ أ َّ تَع ُِوا فَ َا ِدَةً أَوْ مَا َلَكَتْ أَيْمَاُكمْ [النساء:3]، و(( َن كان له‬
                                            ‫ق‬
 ‫امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يومَ القيامة وشِ ّه مائل)) كما ثبت في الصحيح عن النبي (6)[6].‬
                    ‫وِ ق ُ ْ ْدل‬                                              ‫ٌ كل‬        ‫ُ‬
                  ‫والعدل مطلوب في ِّ شيء حتى في القول والكالم، قال سبحانه: َإذَا ُلْتم فَاع ُِوا‬
    ‫ل‬              ‫رب س‬                           ‫ق‬                  ‫ل‬
  ‫[األنعام:715]. والعد ُ في الكالم من أشَ ّ األمور على النفس، ومن َّى نف َه عليه فاز وأفَح،‬
 ‫لك‬        ‫ن‬                 ‫مت‬                      ‫َّ القسطِ َّمه اهلل الحق‬
 ‫َّ، وصارَ رحيمًا بالخلق َّبعًا للرسول مجتَ ِبًا مساِ َ‬          ‫عل‬                   ‫ُز‬
                                                                           ‫وإذا ر ِق العدل وحب‬
                                                                                                                           ‫ز‬
                                                                                                               ‫ال ّيغ واألهواء.‬
        ‫َيه َّذ من ك ن َو م ن ق ط ش َد ِله و عل‬
       ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا ُو ُوا ق َّا ِي َ بِالْ ِسْ ِ ُه َاءَ لَّ ِ َلَوْ ََى‬
      ‫و أ ْدل‬             ‫َتبع‬           ‫ر َالله ل بهم‬                        ‫و ِد ن و َ ْرب إ يك ن‬                          ‫فس ُ‬
    ‫أَن ُ ِكمْ أَوِ ال َال َيْ ِ َاألق َ ِينَ ِن َ ُنْ غَ ِيًا أَوْ فَقِي ًا ف َّ ُ أَوَْى ِ ِ َا فَالَ تَّ ِ ُوا الهَ َى َن تَع ُِوا‬
                                                     ‫ر‬          ‫مل‬         ‫ب‬         ‫ت رض ِن الل‬                ‫وإ و‬
                                      ‫َِن تَلْ ُوا أَوْ ُعْ ِ ُوا فَإ َّ َّهَ كَانَ ِمَا تَعْ َُونَ خَبِي ًا [النساء:135].‬
                                            ‫ه‬          ‫ع‬
   ‫بارَكَ اهلل لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونف َنا بما في ِ منَ اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا،‬
                              ‫ل‬         ‫ل‬                ‫ئ‬
‫وأستغفر اهلل تعالى لي ولكم ولسا ِر المسلمين والمسِمات من ك ّ ذنب وخطيئة، فاستغفِروه وتوبوا‬
                                                                                                                 ‫ن‬
                                                                                              ‫إليه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
             ‫د‬                                            ‫ال‬                       ‫د رب‬
‫الحم ُ هلل ِّ العالمين، وال عدوانَ إ ّ على الظالمين، وأشهَد أن ال إله إال اهلل وح َه ال شريك له،‬
                                                                                             ‫د‬     ‫ن‬
                                                                               ‫وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورسوله.‬
 ‫د و د ِن‬                        ‫ز ل‬          ‫ة‬          ‫ق الن‬                       ‫فإن‬
‫أما بعد: َّ العدلَ يحتاج إلى صد ٍ مع َّفس ومراقب ٍ هلل ع ّ وج ّ ومجانبةٍ للهوى، يَا َا ُو ُ إَّا‬
             ‫و ي ِل ع سب الل‬                    ‫َق و َت‬                ‫َع ك ل ً ف َ ِ ك ب الن‬
           ‫ج َلْنَا َ خَِيفَة ِي األرْض فَاحْ ُم َيْنَ َّاسِ بِالْح ِّ َالَ ت َّبِعِ الهَ َى فَ ُضَّكَ َن َ ِيلِ َّهِ‬
                                                                                                         ‫[ص:67].‬
                  ‫وكما َّ العدلَ مطلوب بين األوالد والزوجات فكذلك هو مطلوب بين الخد ِ والعم‬
                ‫َّال‬    ‫َم‬                                                          ‫أن‬
                                                                                   ‫ل‬         ‫س‬
                                                  ‫والمرؤو ِين، والمسِم أخو المسلم؛ ال يظلمه وال يسلمه.‬
              ‫َ‬       ‫د‬     ‫ن‬                 ‫َ‬                         ‫ق‬                 ‫ي‬
       ‫فاتقوا اهلل أّها المسلمون، ورا ِبوا اهللَ فيما تأتون وما تذَرون، واعلموا أ ّكم غ ًا بين يديِ اهلل‬
                                                                                     ‫ي‬
                                                                                  ‫موقوفون وبأعمالِكم مجز ّون.‬
      ‫م‬                                                                        ‫ل وسل‬
   ‫أال وصّوا ِّموا على الهادِي البشير والسراج المنير رسول اهلل محمد بن عبد اهلل، فقد أ َركم‬
 ‫َل ع و َلم ت ل م‬                 ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي ي َي َّذ من‬
‫اهلل تعالى بقوله: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا َسِْي ًا‬
                                                                                                   ‫[األحزاب:61].‬
‫ِّ‬                   ‫و‬             ‫ح‬                                ‫م ل ل‬
‫الله ّ ص ّ وسّم وبارك على عبدك ورسولك محمد صا ِب الوجه األن َر والجبين األزهر، وصل‬
                ‫ل‬                                                                      ‫لم‬
     ‫الّه ّ على اآلل األطهار والصحابة األخيار، وعلى من تبعهم بإحسان ما تعاقَبَ الّيل والنهار.‬
                                                                   ‫اللهم َّ اإلسالم والمسلمين، وأذل‬
                                                ‫َّ الشرك والمشركين...‬                      ‫أعز‬
                                                                                                  ‫__________‬
       ‫(5) صحيح البخاري: كتاب الحدود (6066)، صحيح مسلم: كتاب الزكاة (5305) عن أبي‬
                                                                                          ‫هريرة رضي اهلل عنه.‬
                 ‫(7) صحيح مسلم: كتاب اإلمارة (2765) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬
                                                                               ‫(3) االستقامة (7/617-217).‬
                                ‫(1) صحيح مسلم: كتاب البر (7617) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                        ‫(1) صحيح البخاري: كتاب المظالم (2117) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
‫(6) سنن الترمذي: كتاب الدعوات (6213) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا‬
  ‫أحمد (7/111)، وابن ماجه في الصيام (7125) ، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه ابن‬
            ‫خزيمة (5025)، وابن حبان (2632)، وضعفه األلباني في السلسلة الضعيفة (6135).‬
‫(2) صحيح البخاري: كتاب الهبة (2617)، صحيح مسلم: كتاب الهبات (3765) عن النعمان بن‬
                                                                                         ‫بشير رضي اهلل عنهما.‬
‫(6) أخرجه أحمد (7/213، 521)، وأبو داود في النكاح (3357)، والترمذي في النكاح (5155)‬
    ‫وتكلم فيه، والنسائي في عشرة النساء (7123)، وابن ماجه في النكاح (2625)، والدارمي في‬
  ‫النكاح (6077)، والبيهقي في الشعب (6/351) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، وصححه‬
   ‫ابن الجارود (772)، وابن حبان (2071)، والحاكم (2127)، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في‬
                        ‫البلوغ (1605): "إسناده صحيح"، وهو في صحيح سنن الترمذي (752).‬

‫(5/1271)‬




                                                                                     ‫عظمة اإلسالم‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                             ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                   ‫محاسن الشريعة‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                   ‫حسين بن عبد العزيز آل الشيخ‬
                                                                                    ‫المدينة المنورة‬
                                                                                      ‫25/1/6715‬
                                                                                     ‫المسجد النبوي‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
                                                                       ‫ه‬
‫5- دعوة عامة لتف ّم حقيقة اإلسالم. 7- اإلسالم رحمة اهلل للبشرية. 3- تقرير مبدأ الحرية. 1-‬
        ‫حفظ كرامة اإلنسان. 1- مبدأ اإلحسان. 6- مكارم األخالق. 6- قاعدة العدل. 2- حفظ‬
    ‫الضرورات الخمس. 05- مبدأ التكافل االجتماعي. 55- الدعوة إلى الخير واإلصالح. 75-‬
  ‫ترتيب الحقوق والواجبات. 35- تكريم المرأة. 15- ازدواجية الغرب في تطبيق مبادئ الحرية‬
                                                                    ‫والديمقراطية وحقوق اإلنسان.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                       ‫م‬         ‫ت‬            ‫َز‬                    ‫تمس‬            ‫ي‬             ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسلمون، َّكوا بهذا الدين، والت ِموا بتوجيها ِه وتعالي ِه تفلِحوا دنيًا وأخرى.‬
       ‫حل‬        ‫ر‬                 ‫ب‬           ‫ي‬                       ‫م‬
‫معاشرَ المسلمين، ِن منطلَق ما أصاب البشر ّةَ من تالع ٍ بالمصطلَحات الب ّاقة وما َّ بها من‬
    ‫ة‬           ‫ش‬       ‫م كل‬                            ‫ة َّ‬                  ‫ة‬
    ‫تشويهٍ للمناه السديد ِ والحقائق السليم ِ فإن أهلَ اإلسالم ينادونَ العال َ َّه وينا ِدون البشري َ‬
      ‫لي ت‬             ‫د‬
     ‫ُّر في قواع ِه وأصوله وكّ ّا ِه‬
                                  ‫ُّر في مضامي ِه والتبح‬
                                          ‫ن‬                            ‫ة‬       ‫تفه‬      ‫ع‬
                                                      ‫جمي َها إلى ُّم حقيق ِ هذا الدين والتبص‬
     ‫ه‬                  ‫ت س‬                                              ‫ي‬          ‫والتعر‬
 ‫ُّف على جزئ ّاته وفروعه؛ لتنقيةِ األفكار من الشوائبِ التي ُح َب على اإلسالم وتس ِم في‬
     ‫ع‬                          ‫تشوي ِ صورته النق ّة الصافية، ُّ ذلك بموضوع ّ ٍ وإنصاف وتلق‬
‫ٍّ من أهل العلم العاملين ال َالمين‬          ‫ية‬             ‫كل‬           ‫ي‬            ‫ه‬
              ‫ه‬       ‫ذوِي الو َع والتقوى، دون ُّز وال َوى، وبال انحرافٍ في مسلَك علمي‬
      ‫ٍّ أو من َ تطبيقي.‬                            ‫ه‬      ‫تحي‬              ‫ر‬
 ‫م‬                    ‫ب‬                ‫مسل‬       ‫ِّر‬     ‫ذ‬                     ‫د‬
‫كيف ال ينا ُون بذلك وهم يعانون أ ًى متكر ًا، ينال َّماتِ دينهم وثوا ِت عقيدتهم، بل وينال ِن‬
                   ‫ع ج‬                                     ‫ونبي‬              ‫رب‬
    ‫كتاب ِّهم وشَخص رسولهم ِّهم عليه أفضل الصالة والتسليم؟! ن َم، ي ِب عليهم ذلك وهم‬
  ‫ت‬       ‫تعم‬    ‫ي‬                                                                     ‫ه‬      ‫ن‬
  ‫يرو َ تشوي ًا لحقائقِ اإلسالم وفَهمًا مغلوطًا لمفاهيمه في دهاليزِ الثقافة العالم ّة عن ُّد تارا ٍ‬
                                                                                        ‫ً‬      ‫ِر‬
                                                                                  ‫وعن غ ّةٍ تارة أخرى.‬
             ‫د‬                  ‫كل‬        ‫ة‬            ‫ب محت‬           ‫د‬                     ‫ح َّ‬
‫ُق ألهل اإلسالم أن ينا ُوا، بل وواج ٌ َّم عليهم دعو ُ العالم ِّه للمشاركة فيما ه َاهم اهلل إليه‬
                                                            ‫م‬                           ‫ر‬
                                                          ‫من هدايةِ ال ّحمة الشاملة والسعادةِ التا ّة.‬
          ‫ِن َ ُ‬                ‫د‬          ‫ز‬                              ‫كل‬                   ‫ي‬
     ‫أ ّتها البشرية، األمر ُّه من قبل ومن بعد هلل وحده، أن َل كتابه ه ًى ورحمة، إ َّ هذَا القرْآنَ‬
                     ‫ِ‬           ‫ي‬        ‫ّد‬     ‫ل‬                       ‫ي ْد ِلت ه َ َم‬
  ‫َه ِي لَّ ِي ِيَ أقْو ُ [اإلسراء:2]، وأرسل رسوَه محم ًا للبشر ّة أجمع؛ لينقذَها من الظلمات إلى‬
       ‫َم‬                           ‫ر‬      ‫ً م‬                                  ‫ي‬
      ‫النور من الجاهل ّة إلى العلم، ليكونَ للبشرية رحمة عا ّة وخي ًا مطلقًا وإصالحًا شامالً، و َا‬
                                                                            ‫إ َّ ر م ل م‬                   ‫َ س‬
                                                         ‫أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َةً ِّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205].‬
    ‫مال‬                    ‫م‬          ‫ي‬            ‫ّد ن‬            ‫س‬                    ‫ي‬
    ‫أيتها البشر ّة، دين اهلل الذي أر َل به محم ًا دي ُ اهلل للبشر ّة كافة، ض ّنه سبحانه نظامًا كا ِ ً‬
      ‫ع‬             ‫ي‬        ‫ِ‬             ‫ة‬              ‫س‬         ‫ك‬                ‫ة‬
‫متكامِالً للحيا ِ بنظامٍ جامع مح َم، وفق أ ُس ومبادئ حكيم ٍ متقَنَة وقواعدَ أساس ّة ثابتة؛ لتس َدَ بها‬
 ‫بشت‬                             ‫ٌ ت‬                        ‫و‬                     ‫ي‬
‫البشر ّة في هذه الحياة وتنج َ وتفوزَ في اآلخرة. دين غايُه الكبرى وهدفه األسمى اإلصالح َّى‬
                                                                                             ‫ف‬      ‫ر‬
                                                                                    ‫صو ِه وكا ّة أشكاله.‬
 ‫ي‬             ‫ة‬                                         ‫ٍ ب‬                          ‫ن‬
‫وإ ّنا ـ ونحن في مقامِ إيجاز ال َسط وفي مقام إجمالٍ ال تفصيل ـ لنرسل رسال ً صادقة للبشر ّة‬
  ‫ي‬      ‫ن‬      ‫جمعاء من منبرِ رسول اهلل ، للبشر ّة كا ّة، رسالةً تتض ّن وقفا ٍ مختصر ً، وتتضم‬
 ‫َّن بيا ًا شاف ًا‬     ‫ة‬       ‫ت‬       ‫م‬              ‫ي ف‬
         ‫م‬        ‫د‬                     ‫أن‬                         ‫م‬              ‫ورد حم‬
        ‫للجاهل ًّا مف ِ ًا للمكابر، في َنْ يزعم بهتانًا وعدوانًا َّ اإلسالم دين يدعو لع َم التسا ُح‬
                 ‫م‬                       ‫م ت ك‬                          ‫م‬        ‫ي‬       ‫ويتضم‬
               ‫َّن في ط ّات أحكا ِه الدعوةَ للعنف ويح ِل ان ِها ًا لحقوق اإلنسان المزعو َة.‬
                    ‫َّن إيضا َ بع ِ مبادئ منظوم ِ نظامِ اإلسالم الشامل المبني‬
        ‫ِّ على المبادئ‬                          ‫ة‬             ‫ح ض‬               ‫ة‬
                                                                           ‫إنها رسال ٌ تتضم‬
‫َم‬                  ‫ل‬                ‫ة‬         ‫ة‬             ‫ل‬               ‫ع‬          ‫ي‬
‫اإلصالح ّة التي تس َد بها البشرية كّها. إنها وقف ٌ على جمل ٍ من المبادئ المثَى في اإلسالم؛ ليعل َ‬
              ‫ّ‬       ‫ن‬                 ‫م‬         ‫ت‬                                       ‫كل‬
‫ُّ منصفٍ عظمةَ اإلسالم وأنه سبقَ بتشريعا ِه المحكَ َة ما حواه اإلعال ُ العالمي لحقوق اإلنسان‬
       ‫د‬                     ‫م‬            ‫ع‬        ‫ل‬     ‫بكل‬
       ‫بحقوقٍ في اإلسالم لبني اإلنسان ِّ شمو ٍ وسعة و ُمق، وأن يعل َ المنصفون أنه ال يوج ُ‬
                                ‫ر‬           ‫ي‬       ‫ل‬                  ‫ر‬
 ‫تشريع أفاضَ في تقري ِ هذه الحقوق وتفاصيِها وتب ِينها وإظها ِها في صورةٍ صادقة مثلَمًا حَوته‬
                                                                                             ‫أحكام اإلسالم.‬
      ‫ء‬       ‫أيتها البشرية، الدي ُ اإلسالم ّ قررَ مبادئ الح ّ ّة بمدلولها العام، ح ّ ّ ٌ ال َّد بمجر‬
      ‫َّد أهوا ِ‬    ‫رية تقي‬                        ‫ري‬              ‫ي َّ‬         ‫ن‬
                    ‫ع‬         ‫ت ي‬                           ‫تقي‬                          ‫ن‬
‫ال ّفوس وشطَطَها وميلها، وإنما َّد بنصوص إلهيةٍ وتوجيها ٍ نبو ّة ال ترا ِي إال تحقيقَ المصالح‬
 ‫الحقيق ّة لسعادة الدنيا واآلخرة، حري ٌ مبن ّة على قواعد الح ّ والعدل واإلنصاف، ح ّّة ال ُس َ َ ّ‬
 ‫ت تغل‬        ‫ري‬                    ‫ق‬                ‫ة ي‬                                 ‫ي‬
         ‫م‬                     ‫س‬      ‫ري‬
         ‫في االعتداء على اآلخرين وال باإلضرار بالعالمين، ح ّّة أسا ُها الخضوع للخالق وعد ُ‬
 ‫الخضوع لغيره، ِّق للبشريةِ بعقيدةِ التوحيد الحر ّةَ الكاملة من الخضوع والذ ِّ لغير اهلل الواح ِ‬
 ‫د‬                 ‫ّل‬                          ‫ي‬                                ‫تحق‬
 ‫غ‬                    ‫المعبود، حر ّ ٌ ترفع العبدَ عن كل رهبة بغير ٍّ عن أعناق البشر وتحط‬
‫ِّم الطواغيتَ التي تط َى‬                  ‫حق‬           ‫ّ‬                 ‫ية‬
                                                                                       ‫َّر وتم ُ بالذل والر‬
                                                                      ‫ِّ َّهبة أفئدةَ البشر.‬      ‫أل‬     ‫وتتجب‬
     ‫يقر‬                       ‫ر‬            ‫ي‬       ‫ق‬                   ‫ل‬           ‫م‬
    ‫واإلسال ُ ـ وهو يكف ُ مبادئَ الحرية الح ّة ـ ال َغفل عن تقري ِها لغيرِ المسلمين حينما ِّر‬
      ‫ن‬      ‫ن‬                    ‫ة‬                ‫ب‬                      ‫ق‬             ‫ج‬
     ‫عدمَ ال َبر على اعتنا ِ هذا الدين، وإنما واج ُ المسلمين الدعو ُ إلى هذا الدين وبيا ُ محاس ِه‬
 ‫ُل ُ جم ع‬       ‫َب من م ف َ ْ‬                      ‫و‬                ‫ي‬         ‫ت‬     ‫ح‬
‫للعالمين وإيضا ُ صور ِه الحقيق ّة للناس أجمعين، َلَوْ شَاءَ ر ُّكَ آل َ َ َن ِي األرضِ كُّهمْ َ ِي ًا‬
                                                                       ‫ت ْ ه الن س َت يك ن م م‬                  ‫َ‬
                                                        ‫أفَأَنْتَ ُكرِ ُ َّا َ ح َّى َ ُوُوا ُؤْ ِنِين [يونس:22].‬
   ‫لم‬              ‫ي‬           ‫ي‬                                   ‫أن‬    ‫ذك َ بعض المفس‬
 ‫ِّرين َّ عمر رضي اهلل عنه قال لعجوزٍ نصران ّة: أسلِمي أّتها العجوز تسَ ِي،‬        ‫ر‬
            ‫لم ه‬          ‫م‬              ‫ت‬             ‫ز‬                ‫ق‬       ‫ّد‬             ‫إن‬
     ‫َّ اهلل بعث محم ًا بالح ّ، قالت: أنا عجو ٌ كبيرة والمو ُ أقرب، قالَ ع َر: الّه ّ اش َد، وتال‬
                                                                                       ‫إ ْر َ ف الد‬
                                                                ‫قوله: الَ ِك َاه ِي ِّينِ [البقرة:617](5)[5].‬
                 ‫ق‬                   ‫ُر‬                ‫ي‬                             ‫ن‬             ‫ي‬
‫أ ّها الناس، دي ُ اإلسالم جاء ليَحفَظ لإلنسان ّة كرامتَها، وينظ ُ إلى اإلنسان انطال ًا من هذهِ المكانة‬
‫َّيب ت‬       ‫ش و َ َر بن َ وحم ُ ْ ف َر و ر َ َ َ ه م‬                                                ‫ُص‬
‫العاليةِ التي خ َّ بها الب َر، َلَقدْ ك َّمْنَا َ ِي آدمَ َ َ َلْنَاهم ِي الب ِّ َالْبَحْ ِ ورزقْنَا ُم ِّنَ الطِّ َا ِ‬
  ‫وف َّلْنَاهمْ ََى كَ ِيرٍ م َّنْ خَلَقْنَا تَفْ ِيالً [اإلسراء:02]؛ ولهذا فال ّاس في نظرةِ اإلسالم متساوو َ‬
  ‫ن‬                           ‫ن‬                             ‫ض‬                  ‫َ َض ُ عل ث ِّم‬
  ‫في الحقو ِ، ال فَضلَ ألحدٍ على أحد إ ّ بالتزام التوحي ِ والتم ّك بتقوى الخالق، إ َّ أَك َ َكمْ ِن َ‬
  ‫ِن ْرم ُ ع د‬                        ‫س‬       ‫د‬                ‫ال‬                          ‫ق‬
  ‫َّهِ أَتْقَاكمْ [الحجرات:35]، ولهذا َّد على أهلِ اإلسالم احترا َ مشاعرِ اآلخرين، فن َى عن س ّ‬
  ‫ب‬       ‫ه‬               ‫ِ‬    ‫م‬                         ‫أك‬                       ‫ُ‬          ‫الل‬
        ‫و ُب َّذ‬                       ‫مقد‬                    ‫يجر‬                        ‫ق‬
     ‫معت َدات غيرِ المسلمين حتى ال َّهم ذلك إلى النيلِ من َّسات المسلمين: َالَ تَسُّوا ال ِينَ‬
           ‫ل‬         ‫ي‬                             ‫َ ع ن م د الل ِ ي ُب الل َ و ب ْ ع ْ‬
  ‫يدْ ُو َ ِن ُونِ َّه فَ َس ُّوا َّهَ عدْ ًا ِغَيرِ ِلمٍ [األنعام:605]. قال القرطب ّ: "ال يح ّ لمسلم أن‬
      ‫ب‬            ‫ن‬              ‫يؤد‬        ‫يتعر‬                                    ‫يسب‬
‫َّ صلبانهم وال دينَهم وال كنائسَهم، وال َّض إلى ما ِّي إلى ذلك؛ أل ّه بمنزلة ال َعث على‬
      ‫ع إل‬       ‫المعص َة" انتهى(7)[7]، لك ّ المسلمَ يدعو إلى هداية اإلسالم بما شرعه الرب ال‬
     ‫ُّ الع ّم: ادْ ُ َِى‬                                        ‫ن‬                   ‫ي‬
                                    ‫حس ج د ه ِالت هي سن‬                              ‫ح مة و ع‬                   ‫سب ِ َب‬
                       ‫َ ِيل رِّكَ بِالْ ِكْ َ ِ َالْمَوْ ِظَةِ ال َ َنَةِ وَ َا ِلْ ُم ب َّ ِي ِ َ أَحْ َ ُ [النحل:175].‬
                             ‫ش‬                 ‫وها هو م ِّم البشر ّة محمد يض ِب مثاال تطبيقي‬
     ‫ًّا في احترامِ الب َر من حيث هم، فحينما قال:‬     ‫ً‬      ‫ر‬          ‫ي‬        ‫ُعل‬
                                                   ‫فمر‬       ‫تخل‬           ‫َ‬
    ‫((إذا رأيتم الجنازَة فقوموا حتى ِّفَكم))، َّت به جنازَة فقامَ عليه الصالة والسالم، فقيل له:‬
                                                                     ‫س‬                   ‫ي‬
                                                         ‫إنها جنازة يهود ّ! فقال: ((أليست نف ًا؟!))(3)[3].‬
                            ‫ن د‬                      ‫م‬       ‫وأسس‬           ‫ني‬
    ‫دين اإلسالم ب ِ َت تشريعاته ِّ َت أحكا ُه على مبدأ اإلحسا ِ وال ّعوة إليه حتى مَع اآلخرين‬
                               ‫وق ل ِلن س ح‬                                      ‫ر‬            ‫م‬
‫م ّن ليسوا محا ِبين معتدين ظالمين، يقول سبحانه : َ ُوُوا ل َّا ِ ُسْنًا [البقرة:36]، ونبينا يقول:‬
                                                                          ‫ل‬                         ‫إن‬
                                                             ‫(( َّ اهلل كتب اإلحسانَ على ك ّ شيء))(1)[1].‬
     ‫ي ه ُم الله ع َّذ َ ي تل ُ ْ ف د‬                                                ‫ي‬          ‫صو‬
  ‫ومن ال ّ َر التطبيق ّة لهذا األصل قوله جل وعال: الَ َنْ َاك ُ َّ ُ َنِ ال ِينَ لمْ ُقَا ُِوكم ِي ال ِينِ‬
  ‫ِر‬                      ‫وَ ي ج ك م دي رك أ َر ُ وت ط إ ِ ِن الل ي ِب م سط‬
  ‫َلمْ ُخْرِ ُو ُم ِّن ِ َا ِ ُمْ َن تَب ُّوَهمْ َ ُقْسِ ُوا ِلَيْهمْ إ َّ َّهَ ُح ُّ ال ُقْ ِ ِينَ [الممتحنة:6]. والب ّ‬
                                                                                                ‫ن‬
                                                                                 ‫هنا هو اإلحسا ُ بالقول والفعل.‬
           ‫يكر‬                 ‫ي‬              ‫ي‬         ‫م‬      ‫ص‬       ‫ع‬
       ‫كان عبد اهلل بن َمرو يو ِي غال َه أن يعط َ جارَه اليهود ّ من األضحية، وكان ِّر له‬
                              ‫ُ‬                                          ‫ده‬
     ‫الوصيةَ حتى ُ ِش الغالم، فسأله فقال ـ أي: عبد اهلل ـ: سمعت رسول اهلل يقول: ((ما زال‬
                                                       ‫ُور‬       ‫ت‬                        ‫ل‬
                               ‫جبري ُ يوصيني بالجار حتى ظنَن ُ أنه سي ِّثه)) رواه البخاري(1)[1].‬
                ‫إن‬                       ‫صي‬                                               ‫م‬
    ‫و ِن هنا شهِد المنصفون من غيرِ المسلمين بهذه الخا ّّة حينما يقول قائلهم: " َّ المسلمين في‬
            ‫م‬       ‫م‬          ‫َ‬                    ‫ح‬                ‫م‬                    ‫ُد‬
     ‫م ُن األندلس كانوا يعا ِلون النصارى بال ُسنى"، ويقول آخر: "ساعدَ اإلسال ُ وما أ َر به من‬
                                                                                       ‫كل‬          ‫ل‬
                                                      ‫العد ِ واإلحسان َّ المساعدة على انتشاره في العالم".‬
         ‫ق د‬                        ‫ي‬
‫َّع جزئ ّاته وأحكامه على تحقي ِ مب َأ األخالق‬
                                           ‫أ ّها الناس، دي ُ اإلسالم ترت ِز أصوُه وثوا ِ ُه وتتفر‬
                                                  ‫بت‬        ‫ل‬     ‫ك‬             ‫ن‬             ‫ي‬
    ‫بِاختال ِ مرات ِها بما ال يو َ ُ له نظير في ال ّ ُم والحضارات ِّها، يقول : ((إنما ب ِث ُ ألتم َ‬
    ‫ع ت ِّم‬                        ‫كل‬            ‫نظ‬                ‫جد‬              ‫ب‬      ‫ف‬
                                                                                                           ‫ِ‬
                                                                              ‫مكارمَ األخالق)) رواه مسلم(6)[6].‬
 ‫د‬                             ‫ن‬                                        ‫َ‬   ‫بشت‬       ‫ن‬
‫دي ُ الرحمة َّى صورِها ومختَلف أنواعها، يدعو إلى إيصالِ الّفع وتحقيقِ المصالح إلى العبا ِ،‬
           ‫بع ت‬              ‫ع لع‬         ‫إن‬                       ‫ع‬            ‫روى مسلم َّ النبي‬
           ‫َّ قيل له: اد ُ على المشركين، قال: (( ِّي لم أب َث َّانًا، وإنما ُ ِث ُ‬    ‫أن‬
     ‫َم‬                                      ‫ش‬                   ‫ن نبي‬
‫رحمة))(2)[2]. نعم، إ ّ َّ الرحمة والعطف وال ّفقة يقول عليه الصالة والسالم: ((ال يرح ُ اهلل‬
                                                                                             ‫ح نس‬
                                                                          ‫من ال ير َم ال ّا َ)) متفق عليه(6)[6].‬
    ‫ن‬                                               ‫م‬      ‫ق‬       ‫م‬      ‫ي‬        ‫ر‬
   ‫ولم ولن ت َى البشر ّة رحي ًا مشفِ ًا كمح ّد ، في سنن أبي داودَ من حديثِ ابن مسعود قال: ك ّا‬
      ‫ِّ في سفر، فانطلق لحا َ ِه فرأينا ح َّر ً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها فجاء ِ َّر ُ‬
      ‫ت الحم ة‬                                ‫ُم ة‬            ‫جت‬                     ‫مع النبي‬
                                    ‫د‬      ‫د‬           ‫ج‬              ‫ّ‬            ‫ُفر‬
   ‫فجعلَت ت ِّش، فجاء النبي فقال: ((من ف َع هذه بولَ ِها؟ ر ّوا إليها ولدها))، يقول ابن مسعود:‬
  ‫يعذ‬             ‫ن‬         ‫ر‬                    ‫حر‬         ‫َ‬               ‫ص‬           ‫ر‬
 ‫و َأى عليه ال ّالة والسالم قرية نملٍ قد َّقناها، فقال: ((من ح ّق هذه؟ إ ّه ال ينبغي أن ِّب‬
   ‫س‬                                            ‫ي‬                                 ‫رب‬
  ‫بالنار إال ُّ النار))(2)[2]. واألمثلة التطبيق ّة على رحمة هذا الدين ال يحصيهَا لِسان وال ي َع‬
                                                                                         ‫ع‬           ‫ل‬      ‫د‬
                                                                                ‫تعدا َها مث ُ هذا الموض ِ والمكان.‬
             ‫ض‬                ‫ر‬      ‫عل‬                       ‫ع‬            ‫ن يحق‬           ‫ن‬
     ‫دي ُ اإلسالم دي ٌ ِّق قاعدةَ ال َدل ومبادِئ المواساة، َد ٌ معيا ُه وميزانه ال يخ َع ألهواء‬
       ‫َ‬                       ‫س‬                  ‫كف‬         ‫ن‬                        ‫ش‬
  ‫الب َر ومداركِهم، ولكن لميزا ٍ ال تميل َّته وال يضطرب مقيا ُه، إنه وحي اهلل الذي أرسلَ به‬
  ‫تغي‬          ‫ل‬                                  ‫ق‬                   ‫ب‬
 ‫رسولَه وأنزل به كتا َه، نزل إلحقاقِ الح ّ وإبطال الباطل وإقامةِ العدل في ك ّ شأن ومهما َّر‬
                                    ‫ُ ب‬               ‫ن وإ‬          ‫ِن الل ُر َ ل و‬
                       ‫الزمان والمكان، إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلِحْسَا ِ َِيتَاءِ ذِي القرْ َى [النحل:02].‬
    ‫َيه‬                                           ‫ال‬              ‫ي‬      ‫ت‬                 ‫ل‬
   ‫أصوُه وفروعه وتوجيها ُه مبن ّة على األمر ال ّزم بالعدل حتى مع األعداء المحاربين: يَا أ ُّ َا‬
    ‫ال ِي َ آ َُوا ُو ُوا ق َّا ِينَ لَّهِ ُه َاءَ بِالْ ِسْ ِ َالَ يَجْ ِمَّ ُمْ شَنَآ ُ قَومٍ ََى أ َّ تَع ُِوا اع ُِوا ُ َ‬
    ‫ْدل هو‬        ‫ن ْ عل َال ْدل‬                  ‫ر َنك‬          ‫ق طو‬             ‫َّذ ن من ك ن َو م ِل ش َد‬
     ‫ت‬           ‫كل‬                ‫د‬                                                    ‫َ ْرب ِلت‬
 ‫أق َ ُ ل َّقْوَى [المائدة:6]، ورسولنا يقول: ((أال من ظلَم معاه ًا أو انتَقصه أو َّفه فوق طاق ِه أو‬
                                                           ‫ج‬                          ‫ئ‬
                    ‫أخذ منه شي ًا بغيرِ طيبِ نفس فأنا حجي ُه يومَ القيامة)) رواه أبو داود(05)[05].‬
  ‫ِّخين الشهيرين من غير المسلمين: " َّ الشريعة اإلسالم ّةَ َّست في العالم تقالي َ‬
  ‫د‬                   ‫ي أس‬                   ‫إن‬                                      ‫َد‬
                                                                               ‫يقول أح ُ المؤر‬
  ‫ي السم كن‬                                ‫ر‬                    ‫ف‬                    ‫م‬
 ‫عظيمة للتعا ُل العادل، وإنها لتن ُخ في الناس روحَ الك َم والسماحة كما أنها إنسان ّة ِّ َة مم ِ َة‬
       ‫جد‬                                                  ‫ل‬
   ‫التنفيذ"، ويقول آخر: "بل كان المسِمون على خالفِ غَيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا ُه ًا أن‬
                                                                         ‫يعا ِلوا كل رعاياهم من المسيحي‬
                                                     ‫ِّين بالعدل والقسطاس".‬                 ‫َّ‬    ‫م‬
                          ‫ن‬                                                 ‫ن‬
      ‫أيها الناس، دي ُ اإلسالم جاءَ ليحفَظَ الضروريات الخمس: الدين وال ّفوس والعقول واألموال‬
  ‫ت‬                     ‫ي‬         ‫ي‬                        ‫ح‬                    ‫ن‬
 ‫وال ّسل واألعراض، وما يل َق بهذه الضروريات من حاج ّات وتحسينّات، حتى شملَت توجيها ُه‬
  ‫َد ي‬                      ‫م‬            ‫ه‬                        ‫ِ‬                  ‫َ‬
‫حفظ نفوس وأموال وأعراض غيرِ المسلمين من المعا َدين والمستأ َنين: ((من قتل معاه ًا لم َرح‬
  ‫ل‬                                                                       ‫ّ‬
  ‫رائحةَ الجنة، وإن ريحها ليوجَد من مسيرة أربعين عامًا))(55)[55]، وفي المسند: ((أال ال تح ّ‬
       ‫غ ة‬              ‫ي‬          ‫ي‬           ‫نص ع‬                      ‫ال‬     ‫ه‬       ‫ل‬
       ‫أموا ُ المعا َدين إ ّ بحقها))(75)[75]، وقد َّ ُلماء الحنف ّة والمالك ّة على تحريم ِيب ِ‬
                                  ‫ذمي‬      ‫م‬                                        ‫ه‬
    ‫المعا ّد؛ لما ورد عنه كما في الجامع الصغير: (( َن آذَى ًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى‬
        ‫ِز‬           ‫ة‬                     ‫ع‬       ‫َ يوج‬      ‫إن‬
‫اهلل)) الحديث(35)[35]، بل َّ اإلسالم ِّه أتبا َه وهم في حالِ المعرك ِ بوصايا يوج ُها خليفة‬
   ‫تن‬          ‫ر‬             ‫إن‬                         ‫ل‬    ‫ِ‬        ‫ر ِز‬
   ‫رسولِ اهلل أبو بك ٍ موج ًا توجيهات رسوِنا حينما يقول ألسامةَ: ( ِّي موصيكَ بعش ٍ: ال تق ُل ّ‬
     ‫ِرن ة‬              ‫ِّبن ِر‬            ‫َر ِر‬                     ‫ر ر‬             ‫صبي‬    ‫ة‬
 ‫امرأ ً وال ًّا وال كبي ًا ه ِمًا، وال تقطَع شج ًا مثم ًا، وال تخر َّ عام ًا، وال تعق َ ّ شا ً وال‬
                   ‫ي‬          ‫ب‬           ‫تغل‬      ‫ِّقن‬       ‫تغر ن ال‬                     ‫ر‬
         ‫بعي ًا إال لمأكلَة، وال ِّق ّ نخ ً وال تحر َّه، وال ُّوا، وال تج ُنوا) الوص ّة(15)[15].‬
 ‫ر‬                 ‫ص‬                 ‫ر‬                       ‫ف‬         ‫ِ‬     ‫ن أص‬
 ‫دين اإلسالم دي ٌ َّل مبادئَ التكا ُلِ االجتماعي قبل أن يع ِفها العالم المعا ِر بما ليس له نظي ٌ‬
  ‫تض‬        ‫د‬         ‫حث‬      ‫ف‬                    ‫ج‬      ‫و‬
 ‫وال يوجَد له مثيل، دعا إلى التعا ُن، أو َبَ الزكاة، فرَض الك ّارات، َّ على الص َقات ل ُق َى‬
      ‫ٍ‬                               ‫ك‬          ‫ن‬                     ‫ت ك ر‬
   ‫الحاجا ُ وتنفَ ّ الك ُبات. وقد شمل بهذا ال ّظامِ المح َم حتى غير المسلمين، روى أبو عبيد في‬
   ‫دة‬              ‫أ ري‬                ‫ت‬         ‫األموال في مراسيلِ سعيدٍ أن رسولَ اهلل تصد‬
‫َّق على بي ٍ من اليهود ثم ُج ِ َت عليهم الص َق ُ من‬             ‫َّ‬
 ‫ر‬     ‫ر‬                                 ‫ز‬            ‫أن‬
 ‫بعد(15)[15]، وروى أبو يوسف َّ عمر أمر خا ِن بيت المال بصرفِ حاجةِ شيخٍ كبي ٍ ضري ِ‬
                 ‫أن د‬
‫البصر من غيرِ المسلمين من بيتِ المال(65)[65]، وفي كتاب الخراج َّ خال َ بن الوليد كتب في‬
                 ‫ة‬                         ‫خ ع‬        ‫ي‬      ‫ت‬
‫صلحه مع أهل الحيرة: (وجعل ُ لهم أّما شي ٍ ض ُف عن العمل أو أصابَته آف ٌ من اآلفات أو كان‬
                          ‫م‬          ‫ُرح ج ت‬             ‫ًّا فافتقَر وصار أه ُ دينه يتصد‬
 ‫َّقون عليه ط ِ َت ِزيُه، وعِيلَ ِن بيت مال المسلمين وعياله‬        ‫ل‬                  ‫غني‬
                                                                  ‫ما أقام بدارِ الهِجرة)(25)[25].‬
                                   ‫د‬                             ‫ت‬          ‫ن‬
  ‫دين اإلسالم دي ٌ تقوم دعو ُه على الدعوةِ إلى الخير واله َى واإلصالح في الدنيا واآلخرة، فهو‬
    ‫قة ل‬                                  ‫ِ‬          ‫ل‬       ‫م ي‬                         ‫يتخ‬
   ‫َّ ِذ من الرفق قاعدتَه و ِن ال ُسر تأصيَه، ففي قواعدِه الكبرى "الحرج مرفوع" "المش ّ ُ تجِب‬
                          ‫تنف‬       ‫بش‬     ‫تعس‬       ‫يس‬             ‫ي نبي‬
            ‫التيسير"، ووص ّة ِّ اإلسالم: (( ِّروا وال ِّروا، ِّروا وال ِّروا))(65)[65].‬
       ‫ء‬               ‫ك‬                    ‫يت‬         ‫ع‬                  ‫ي‬     ‫ل‬         ‫ن‬
      ‫دي ٌ قامت أصوُه وكلّاته وانبثَقَت فرو ُه وجزئ ّا ُه لتحقيقِ األصل الم ِين: الشريعة جا َت‬
                                                 ‫ل‬
                                              ‫لتحصيل المصالح وتكثيرِها ودرء المفاسد وتقليِها.‬
               ‫ض‬      ‫ر‬                                ‫ِر ّر‬            ‫ذ‬
           ‫دين ال يرضى باأل َى، وال يق ّ الض َر لغير المعتدِين الظالمين، ال ض َر وال ِرار.‬
      ‫ث‬                ‫ي‬         ‫مقر‬                         ‫ب‬        ‫حق‬      ‫ن ع ل‬
  ‫دي ٌ ج َل لك ّ شيءٍ َّه بترتي ٍ بديع ونظامٍ متقَن كما هو َّر في نظر ّة الحقوق المبثو َة في‬
    ‫ر ي‬                            ‫م‬
  ‫ثنايا فقه اإلسالم من حقوقِ األشخاص إلى حقوقِ الجماعة، ِن حقوق الوالي إلى حقوقِ ال ّع ّة،‬
                ‫التعب‬           ‫ل‬          ‫ق ز‬
   ‫من حقوقِ المسلمين إلى حقوقِ غيرهم. حقو ٌ يلت ِم بها المسِمون من منطلَق ُّد هلل الذي ال‬
               ‫ل و‬           ‫ق ز‬           ‫ع‬         ‫ة‬          ‫م‬          ‫يتأث‬         ‫خل‬
 ‫يدا ُِه هوى، وال َّر االلتزا ُ به بمصلح ٍ أو منفَ َة. حقو ٌ يلت ِم بها المسِم َفقَ المشروع من‬
     ‫َّى في الفقه اإلسالم: نظر ّ ُ من ِ التعس‬
 ‫ُّف في‬    ‫ية ع‬                                                      ‫ر‬            ‫ر‬
                                           ‫غير ض َرٍ وال إضرا ٍ، وفقَ األصل المعهود المسم‬
                                                                                   ‫ق‬
                                                                                  ‫استعمال الح ّ.‬
        ‫م‬     ‫قي م‬                                                 ‫ل‬
  ‫أيها الناس، دين اإلسالم أعَى شأنَ المرأة ورفع من قدرِها وأزال عنها ما لَ ِ َته ِن ظل ٍ وهوان‬
   ‫ي وق‬           ‫م‬        ‫مت‬                           ‫فسو‬        ‫ر‬       ‫د‬              ‫لف‬
   ‫َّ حياتَها ووجو َها دهو ًا طويلة، َّى بينها وبين الرجل في دعا َ َي التعا ُل البشر ّة َف َ‬
     ‫َّ‬                ‫ص كل‬      ‫ق‬                            ‫ال‬                    ‫ي‬
     ‫نظر ّة الحقوق والواجبات إ ّ في بعضِ المسائل التي توافِ ُ خصائ َ ٍّ واستعدادَه الفطري‬
                                        ‫ص‬                              ‫ي و‬         ‫ي‬
 ‫والجسد ّ والنفس ّ، َفقَ ما تدعو إليه المصالح الخا ّة والعامة للمجتمع، فهي في نظرةِ اإلسالم‬
    ‫ق‬       ‫ة‬         ‫ج‬
    ‫ٍّ دوره وواجبا ُه في دفع ع َلة الحيا ِ وتحقي ِ‬
                                  ‫ت‬                     ‫ة ر‬                ‫و‬             ‫ة‬
                                                ‫شريك ُ الرجل، تتعا َن معه لغاي ٍ مشتَ َكة، ولكل‬
                   ‫العبود ّة هلل واإلصالحِ الكامل في األرض، َسبَ التبا ُن في الخل ِ والتنو‬
      ‫ُّع في االختصاص‬     ‫ق‬          ‫ي‬          ‫ح‬                                 ‫ي‬
       ‫و ُن م ْل َّ ع ِن م ْر ف‬                                ‫ه‬       ‫ص‬           ‫و‬
       ‫وتنسيقِ األدوار، َفقَ الخصائ ِ والمؤ ّالت والقدرات، َلَه َّ ِث ُ الذِي َلَيْه َّ بِالْ َع ُو ِ‬
            ‫َّ‬                             ‫ق ر‬            ‫ن‬
      ‫[البقرة:667]، يقول : ((إنما ال ّساء شقائ ُ ال ّجال)) حديث صحيح(25)[25]، بل وأكدَ على‬
                        ‫ات‬                              ‫كل حل‬                    ‫ر‬       ‫ق‬
             ‫حقو ِها كثي ًا، وأوصى بها في ِّ مرا ِِها، ففي خطبة الوداع يقول : (( َّقوا اهلل في‬
                                                                                      ‫النساء))(07)[07].‬
   ‫ءم‬          ‫ة تتس‬                                 ‫لي‬              ‫ِّي‬              ‫ض‬
  ‫هذه بع ٌ من منظومةٍ كل َّة من مبادئ وكّ ّات هذا الدين، التي هي أصول ثابت ٌ َّ ِم بالمال َ َة‬
            ‫لي‬              ‫ي‬               ‫ي‬          ‫ي‬
     ‫لجميع البشرية، ال تخضع لمعاييرَ زمن ّة أو مكان ّة أو مصالح نفع ّة، بل هي أصو ٌ ُلزم بها‬
        ‫ل‬                ‫ي‬               ‫عق‬      ‫وتأم‬                  ‫ُّد‬                ‫المتمس‬
  ‫ِّكين به دينًا وتعب ًا هلل وحدَه، فانظري َّلي وت َّلي أيتها البشر ّة، ثم قِفي وتساءِي: أين‬
          ‫س‬                                      ‫ت ص ر‬                    ‫د‬           ‫ن‬
       ‫ميزا ُ هذه المبا ِئ من مصطلحا ٍ معا ِرة ب ّاقة: "حقوق اإلنسان" "حقوق المرأة" "ال ّالم‬
    ‫ٌ‬             ‫محق‬                         ‫م‬
 ‫العالمي" "مبادئ الحرية والديمقراطية"، م ّا ال يخفى على عاقلٍ مدرِك ِّق أنها مصطلحات في‬
              ‫َب‬               ‫د بتبد‬               ‫ي‬      ‫غي‬         ‫ر د‬            ‫ض‬
‫غالبها تخ َع لمعايي َ مز َوجةَ، تت َّر بتغ ّر المصالح، وتتب ّل ُّل المنافع، وتط َّق وفقَ األهواء‬
                                                  ‫ْف ض م‬             ‫وِن ِي ُ ع ُ‬
                                    ‫واآلراء، َإ َّا أَوْ إ َّاكمْ لَ َلَى هدًى أَو ِي َاللٍ ُّبِين [سبأ:17].‬
          ‫ف‬                                                      ‫ع‬      ‫ن‬
    ‫بارَكَ اهلل لي ولَكم في القرآ ِ، ونف َنا بما فيهِ منَ اآليات والبيان، أقول هذا القول، وأستغ ِر اهلل‬
                         ‫ن‬      ‫ف‬            ‫ل‬         ‫ل‬                ‫ئ‬
      ‫تعالى لي ولكم ولسا ِر المسلمين والمسِمات من ك ّ ذنب، فاستغ ِروه إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                       ‫ال‬                     ‫ت ن‬        ‫ق‬       ‫ش ل ل‬           ‫سن‬        ‫ل‬
‫الحمد هللِ عَى إِح َا ِه، وال ّكر َه عَى توفي ِه وام ِنا ِه، وأشهد أن ال إلهَ إ ّ اهلل وحدَه ال شريكَ له‬
  ‫لم ل ل‬                                    ‫ّد د‬          ‫ي‬       ‫ه ن ي‬            ‫ن‬
 ‫تعظيمًا لشأ ِه، وأش َد أ ّ س ّدنا ونبّنا محم ًا عب ُه ورسوله الداعي إلى رضوانه، الّه ّ ص ّ وسّم‬
                                                                     ‫وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه.‬
 ‫أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، فهي وصية اهلل لألولين واآلخرين.‬
                                                       ‫كل‬
   ‫عباد اهلل، في الوقتِ الذي ننادي العالم َّه لهداية اإلسالم ونورِه وضيائه لتَسعد وتصلحَ أحوالها‬
     ‫ن‬                    ‫ق‬              ‫ة‬          ‫ن‬                              ‫أن‬         ‫نذك‬
     ‫ِّر الناسَ َّ العالم اليومَ في أحوج ما يكو ُ إلى إعاد ِ ترتيب األورا ِ وااللتزام بالموازي ِ‬
               ‫ّ‬                ‫د‬        ‫ري‬             ‫ه‬             ‫ق‬         ‫ل‬
      ‫الصحيحة، وإال فِماذا حقو ُ اإلنسان تَذ َب أدراجَ ال ّ َاح وتعو ُ تلك المبادِئ مجردَ أساطير‬
‫ق‬           ‫ية‬                                                      ‫يتعل‬             ‫م‬
‫وأوها ٍ وخرافات حينما َّق األمر بالمسلمين وقضاياهم العادلة؟! ولماذا االزدواج ّ ُ في التطبي ِ‬
            ‫ع‬                         ‫ر‬                 ‫ي‬              ‫ري‬              ‫ي‬
 ‫الفعل ّ لدعاوَى الح ّ ّات والديمقراط ّة لمزعومة في كثي ٍ من قضايا المسلمين؟! أين ُقالء العالم‬
  ‫ظ‬                ‫عم يتحد‬             ‫ق د‬                  ‫عن محا َ َة من يحتل ض‬
‫ُّ أرا ِي المسلمين وح ّ سيا َتهم؟! وأين هم َّن َّى المسلمين ويغي ُهم‬   ‫سب‬
‫رب‬        ‫ي‬               ‫بتدنيسِ أع َم ما هو عندهم كتا ُ َّهم؟! وأين المحا َ َة لمن يتهج‬
‫َّم على خير البشرّة رسولِ ِّ‬        ‫سب‬                 ‫ب رب‬                  ‫ظ‬
    ‫ت‬                          ‫م يتعر‬          ‫ق‬             ‫كل‬
‫العالمين إلى أهل األرض ِّهم؟! أين حقو ُ اإلنسان ع ّا َّض له المسلمون في أماكنَ ش ّى من‬
                            ‫ك‬       ‫ي‬       ‫ف‬                    ‫ر‬
 ‫آفاقِ األرض من قتلٍ وتدمي ٍ وإبادة؟! أين فالسِ َة الحر ّات ومف ّرو حقوقِ اإلنسان كما يزعمون‬
                                                                  ‫ي‬
                                              ‫عن تلك الموضوعاتِ الجل ّة والحقائق الناصعة؟!‬
                                            ‫س‬        ‫ص‬                                   ‫م ن‬
                       ‫ث ّ إ ّ اهلل أمرنا بأمرٍ عظيم، أال وهو ال ّالة وال ّالم على النبي الكريم.‬
                                    ‫م لم‬            ‫ل‬        ‫ي‬              ‫م ل ل‬
        ‫الله ّ ص ّ وسّم وبارك على س ّدنا ورسوِنا مح ّد، الّه ّ ارضَ عن الخلفاء الراشدين...‬
                                                                               ‫__________‬
 ‫(5) رواه الدارقطني (5/73)، والبيهقي في الكبرى (5/73)، وانظر: تفسير القرطبي (3/067).‬
                                                           ‫(7) الجامع ألحكام القرآن (2/56).‬
 ‫(3) أخرجه البخاري في الجنائز (3535)، ومسلم في الجنائز (562) من حديث سهل بن حنيف‬
                                                              ‫وقيس بن سعد رضي اهلل عنهما.‬
               ‫(1) أخرجه مسلم في الصيد (1125) من حديث شداد بن أوس رضي اهلل عنه.‬
 ‫(1) إنما أخرج البخاري حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما في ذلك، أما حديث عبد اهلل بن عمرو‬
 ‫رضي اهلل عنهما فأخرجه أحمد (7/065)، والبخاري في األدب المفرد (105، 675)، وأبو داود‬
       ‫في األدب (7151)، والترمذي في البر (3125)، والطبراني في األوسط (3017)، وقال‬
‫الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وهو في صحيح الترغيب والترهيب (1217).‬
                         ‫ح‬
 ‫(6) أخرجه أحمد (7/653)، والبخاري في األدب المفرد، باب: ُسن الخلق (327)، وابن سعد‬
 ‫في الطبقات (5/725)، والبيهقي في الكبرى (05/ 525) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه،‬
   ‫وصححه الحاكم (7/656)، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (17/333): "حديث‬
 ‫صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره"، وخرجه األلباني في السلسلة الصحيحة‬
                                                                                         ‫(11).‬
                 ‫(2) صحيح مسلم: كتاب البر (2217) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
 ‫(6) صحيح البخاري: كتاب التوحيد (6232)، صحيح مسلم: كتاب الفضائل (2537) من حديث‬
                                                             ‫جرير بن عبد اله رضي اهلل عنه.‬
   ‫(2) أخرجه البخاري في األدب المفرد (763)، وأبو داود في الجهاد (1267) من طريق عبد‬
     ‫الرحمن بن عبد اهلل بن مسعود عن أبيه رضي اهلل عنه، وصححه الحاكم (1/237)، ووافقه‬
‫الذهبي، وصححه األلباني في صحيح الترغيب (6677). وأخرجه أحمد (5/101) من طريق عبد‬
                                                                    ‫ال‬
                                                                   ‫الرحمن بن عبد اهلل مرس ً.‬
    ‫(05) 05] سنن أبي داود: كتاب الخراج (7103) عن عدة من أبناء أصحاب رسول اهلل عن‬
     ‫آبائهم، وأخرجه أيضا البيهقي في الكبرى (2/107-107)، وحسنه األلباني في غاية المرام‬
                                                                                        ‫(521).‬
       ‫(55) 55] أخرجه البخاري في الجزية (6653) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬
   ‫(75) 75] مسند أحمد (1/26) عن خالد بن الوليد رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا أبو داود في‬
 ‫األطعمة (6063)، وابن أبي عاصم في اآلحاد والمثاني (302)، والطبراني في الكبير (1/055،‬
                                      ‫555)، وضعفه األلباني في السلسلة الضعيفة (7023).‬
 ‫(35) 35] قال ابن تيمية كما في المجموع (67/316): "هذا كذب على رسول اهلل ، لم يروه أحد‬
 ‫من أهل العلم"، وقال ابن القيم في المنار المنيف (ص62): "حديث باطل"، وقال األلباني في غاية‬
                                                     ‫المرام (261): "ال أصل له بهذا اللفظ".‬
 ‫(15) 15] الذي في كتب الحديث أن هذه وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام،‬
  ‫أخرج ذلك مالك في الموطأ في كتاب الجهاد (762)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (2/62)،‬
 ‫وعبد الرزاق في مصنفه (1/225-007) عن ابن جري والثوري ثالثتهم عن يحيى بن سعيد أن‬
‫أبا بكر بعث الجيوش إلى الشام وذكروا نحوه. قال الهيثمي في المجمع (2/ 351): "إسناده منقطع‬
‫ورجاله إلى يحيى ثقات". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن الزهري وأبي عمران الجوني‬
 ‫ـ فرقهما ـ عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي (2/26) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي بكر،‬
‫وأخرجه أيضًا (2/02) من طريق صالح بن كيسان عن أبي بكر ، وأخرجه سعيد بن منصور في‬
   ‫سننه (3637) من طريق عبد اهلل بن عبيدة عن أبي بكر، ونقل البيهقي في السنن (2/26) عن‬
                  ‫أحمد أنه قال: "هذا حديث منكر، ما أظن من هذا شيء، هذا كالم أهل الشام".‬
                                                              ‫(15) 15] كتاب األموال ().‬
  ‫(65) 65] كتاب الخراج (ص675). وأخرج أبو عبيد في األموال (255) قال: حدثنا محمد بن‬
    ‫كثير، عن أبي رجاء الخراساني، عن جسر قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه اهلل‬
      ‫تعالى إلى عدي بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة، ثم ذكر نصه وفيه: وذلك أنه بلغني أن أمير‬
    ‫المؤمنين عمر رضي اهلل عنه مر بشيخ من أهل الذمة، وذكر القصة وعمر بن عبد العزيز لم‬
                                                                ‫يدرك عمر رضي اهلل عنه.‬
                                                       ‫(25) 25] كتاب الخراج (ص603).‬
 ‫(65) 65] أخرجه البخاري في العلم (26)، ومسلم في الجهاد (1325) عن أنس بن مالك رضي‬
                                                                                  ‫اهلل عنه.‬
       ‫(25) 25] أخرجه أحمد (6/617)، وأبو داود في الطهارة (637)، والترمذي في الطهارة‬
‫(355)، وابن الجارود في المنتقى (52) من حديث عائشة رضي اهلل عنها، وهو في صحيح سنن‬
                                         ‫الترمذي (62)، وانظر: السلسلة الصحيحة (3667).‬
 ‫(07) 07] أخرجه مسلم في الح (6575) من حديث جابر رضي اهلل عنه في صفة ح النبي .‬

‫(5/6271)‬
                                                             ‫كيف يواجه المسلم فتن العصر؟‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                    ‫الفتن, الكبائر والمعاصي‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                      ‫حسام الدين خليل فرج‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                          ‫جامع صالح الدين‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- الفتن التي تعصف باألمة اإلسالمية. 7- سنة اهلل في ابتالء عباده المؤمنين. 3- بعض الفتن‬
   ‫الموجودة في هذا العصر. 1- استعاذة النبي من الفتن. 1- خطورة الفتن. 6- سقوط الخالفة‬
                 ‫اإلسالمية. 2- االستعمار وأثره على دول اإلسالم. 6- سبيل النجاة من الفتن.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                      ‫تمر‬
‫في هذا العصر ُّ األمة بفترة عصيبة، تعصف بها رياح الفتن حتى كادت تفقدها هويتها، تفقدها‬
                                                           ‫إم‬       ‫ة‬
 ‫دينها؛ لتصبح تابع ً مسخًا َّعة ألعدائها من يهود ونصارى وهنادكة وثنيين. وبحسب المسلم أن‬
                         ‫ح‬                      ‫د‬                        ‫ر‬
     ‫يجيل نظره في ُقعة العالم الفسيح، ليرت ّ إليه بصره خاسئًا وهو َسِير، كيف ال وهو يرى‬
                                                         ‫ق‬      ‫سل‬                   ‫ع‬
  ‫جمو ًا من المسلمين تسير َِسة ال ِياد في دروب فتن ال ككل الفتن، بل فتن كقطع الليل البهيم،‬
                                                                     ‫ي‬      ‫س‬       ‫س‬
  ‫تَ ِير وتَ ِير، و ُضْنيها المسير، تلهث وتلهث، فإذا هي تلهث وراء سراب خادع يحسبه الظمآن‬
 ‫ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اهلل عنده فوفاه حسابه، واهلل سريع الحساب، تلهث وراء‬
                            ‫شقائها وتعاستها، تبيع في سوق الفتن دينها بعرض زائل من الدنيا.‬
                                                                    ‫ويصدق فيها قول القائل:‬
                                         ‫نرقع دنيانا بتمزيق ديننا…فال ديننا يبقى وال ما نرقع‬
   ‫ما يعصف بالمسلمين اليوم من رياح الفتن لم يعصف بهم مثلها. إن هذه الفتن اليوم تحيط بهذه‬
    ‫األمة من كل جانب، تحيط بها في دينها وفي قوتها واقتصادها ومعيشتها وفي نسائها وفتياتها‬
                                                                  ‫وأطفالها وشبابها وكبارها.‬
 ‫لقد تكاثرت هذه الفتن وتضافرت بحيث أصبحنا نراها بكرة وعشية، ونرى آثارها بأم أعيننا في‬
                       ‫م تفل‬
    ‫خاصة أنفسنا في بيوتنا وأوالدنا، في أهلنا وإخواننا ومن حولنا، ِنْ ُّتٍ عن الدين وانزالق‬
                                                                          ‫لألقدام بعد ثبوتها.‬
                           ‫َّر و ْ ف ً وإ ُ جع‬                         ‫و ل ك‬                      ‫َر‬
     ‫نعم، الفتن قد ٌ واقع وسنة ثابتة، َنَبُْو ُم بِالش ّ َالْخَيرِ ِتْنَة َِلَيْنَا ترْ َ ُونَ [األنبياء:13]، قال‬
    ‫َن ه ي ن ن و َ ْ َن َّذ ن م له ْ ي ل َن‬                                          ‫حس الن س أ ي ْرك أ يق ل‬
    ‫تعالى: أَ َ ِبَ َّا ُ َن ُت َ ُواْ َن َ ُوُواْ ءام َّا وَ ُمْ الَ ُفْتَ ُو َ َلَقد فَت َّا ال ِي َ ِن قَبِْ ِم فَلَ َعَْم َّ‬
                                                                ‫َ َق و ي َن ذب‬                      ‫الله َّذ‬
‫َّ ُ ال ِينَ صد ُواْ َلَ َعْلَم َّ الْكَا ِ ِينَ [العنكبوت:7، 3]. استفهام إنكار، ومعناه أن اهلل سبحانه وتعالى‬
                                                                          ‫ال بد أن يبتلي عباده المؤمنين ويمتحنهم.‬
    ‫هد م ُ وَ َت ِذ م د الل‬                       ‫ت رك وَم ي َ الله َّذ‬                    ‫َ حس ُ‬
  ‫وهذه اآلية كقوله: أمْ َ ِبْتمْ أَنْ ُتْ َ ُوا َل َّا َعْلمْ َّ ُ ال ِينَ جَا َ ُوا ِنْكمْ َلمْ يَّخ ُوا ِنْ ُونِ َّهِ‬
                                               ‫و رس له و م من ن ول جة َالله ر بم مل‬
      ‫َال َ ُوِ ِ َال الْ ُؤْ ِ ِي َ َِي َ ً و َّ ُ خَبِي ٌ ِ َا تَعْ َُونَ [التوبة:65]. وفائدة االختبار أن يتميز‬
         ‫ُ ع ه َت ي ز‬                      ‫الله ل َ َ م من ع‬                  ‫م‬
         ‫المؤمن من غيره، ولهذا قال تعالى: َّا كَانَ َّ ُ ِيذرَ الْ ُؤْ ِ ِينَ َلَى مَا أَنتمْ َلَيْ ِ حَّى َمِي َ‬
     ‫ب م رسل م ي ف من‬                         ‫ب و ِن الل‬            ‫الله لي لعك عل‬              ‫ب م الطيب وم‬
  ‫الْخَ ِيثَ ِنَ َّّ ِ َ َا كَانَ َّ ُ ِ ُطِْ َ ُمْ ََى الْغَيْ ِ َلَك َّ َّهَ يَجْتَ ِى ِن ُّ ُِهِ َن َشَاء َئَا ِ ُواْ‬
                                            ‫ِالله َرسله وإ ت من و َتق ْ ُ ْر ظ م‬
  ‫ب َّ ِ و ُ ُِ ِ َِن ُؤْ ِ ُواْ َت َّ ُوا فَلَكمْ أَج ٌ عَ ِي ٌ [آل عمران:225]. ما كان هلل أي: ليس من سنة‬
                                                                                                                           ‫اهلل.‬
‫لكن فتن هذا العصر متضافرة متكاثرة، يرقق بعضها بعضا مصداقًا لقول نبينا : ((إنه لم يكن نبي‬
                                ‫ر‬                         ‫ر‬
       ‫قبلي إال دل أمته على ما يعلمه خي ًا لهم، وحذرهم ما يعلمه ش ًا لهم، وإن أمتكم هذه جعلت‬
      ‫عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبهم بالء شديد وأمور تنكرونها، تجيء فتن يرقق بعضها‬
‫لبعض، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه،‬
  ‫ثم تنكشف، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو يؤمن باهلل‬
     ‫واليوم اآلخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)) رواه أحمد (7/565). ففي عصرنا‬
 ‫تجمعت ألوان الفتن، فالفتن قسمان ال ثالث لهما: فتنة شهوات وفتنة شبهات، وقد تجمعت كلها في‬
                                                                                                                    ‫عصرنا.‬
‫فالدنيا فتحت على الناس ما لم تفتح من قبل، قال كما في الصحيح: ((فواهلل، ال الفقر أخشى عليكم،‬
                                       ‫ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا)) رواه البخاري (6627).‬
‫واستطاع شياطين اليهود والنصارى أن يزينوها للناس، ويتفننوا في إشغال الناس بها، وأن يحدثوا‬
                   ‫ش‬
    ‫أنواعًا من الفجور لم تكن تخطر على البال سابقا، وأبسط مثال على ذلك الد ّ وما فيه ومواقع‬
                       ‫اإلنترنت اإلباحية، حتى أصبح ديدن الكثيرين المتعة والشهوة ولو كانت حرامًا.‬
  ‫ترى الرجل معنا في صالة العشاء، ثم ال تراه في صالة الفجر؛ ألنه ذهب فأسلم نفسه لفلم داعر‬
                                                                                                           ‫أو موقع إباحي.‬
                                                   ‫ك‬                            ‫ل‬
‫فتنة تسّط الكافرين على المسلمين وتم ّنهم من المال والجاه والسلطان ورميهم المسلمين عن قوس‬
                ‫يغ َّن َلب َّذ ن َر ْ ف ب‬
       ‫واحدة، وهي ال شك فتنة عظيمة؛ لذا قال سبحانه: الَ َ ُرَّكَ تَقُّ ُ ال ِي َ كَف ُوا ِى الْ ِلَادِ [آل‬
         ‫َت ب و م ُ و ْز ع ه و ف‬                                           ‫إل‬         ‫م َّن ع‬
       ‫عمران:625]، وقال: الَ تَ ُد َّ َيْنَيْكَ َِى مَا مَّعْنَا ِهِ أَزْ َاجًا ّنْهمْ َالَ تَح َنْ َلَيْ ِمْ َاخْ ِضْ‬
                                                                                                       ‫ل م من‬             ‫ج‬
                                                                                        ‫َنَاحَكَ ِلْ ُؤْ ِ ِينَ [الحجر:66].‬
      ‫فتنة الكاسيات العاريات، وقد أشار إليها النبي في قوله: ((صنفان من أمتي لم أرهما)) فذكر:‬
‫((نساء كاسيات عاريات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، ال يدخلن الجنة، وال يجدن ريحها، وإن‬
                                            ‫ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا سنة)) رواه مسلم (6757).‬
     ‫ولقد رأينا في عصرنا كيف تخرج المرأة كاسية ولكنها عارية، ما لم يأت مثله في عصر من‬
 ‫العصور، حتى في العصر الجاهلي، كانت المرأة في الجاهلية تكشف ـ لو كشفت ـ بحسبها أن‬
                                                      ‫ئ‬
  ‫تكشف قرطَها، نحرَها، ساعديها، شي ًا من قدميها، أما اليوم فهي تكشف ما يستحى من ذكره، لم‬
                                       ‫يبق إال أن تكشف السوءتين، فأين تبرج الجاهلية من تبرج اليوم؟!‬
                             ‫ُ ْق‬
‫فتنة التفرق، واهلل إن الحسرة واأللم ليعتريان المسلم يوم يرى الفر َة بين من ينتسبون لعقيدة واحدة‬
         ‫ومنه واحد، إلى عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهجهم. ويحزن أخرى يوم يرى الشيطان‬
                                                            ‫أز‬        ‫ز‬
 ‫وحظوظ النفس تؤ ّ المسلم ًّا للفرقة والتنازع والتباغض، وعدوهم واحد يحارب اإلسالم وأهله‬
                                                                                                                      ‫أي‬
                                                                                                              ‫ًّا كانوا.‬
    ‫َ َر‬                                    ‫ر‬
  ‫بث فينا أعداؤنا الفرقة، فتشربنا كل ما يف ّق األمة من قوميات وعصبيات وعنصريات ونع َات‬
   ‫ِنم‬                   ‫ك‬           ‫ِن ْرم ُ ع الل‬
  ‫جاهلية، والمقياس عند المؤمنين حقًا هو التقوى، إ َّ أَك َ َكمْ َندَ َّهِ أَتْقَا ُمْ [الحجرات:35]، إَّ َا‬
                                                                         ‫م من إ ة‬
     ‫الْ ُؤْ ِ ُونَ ِخْوَ ٌ [الحجرات:05]، ال فضل ألحد على أحد إال بالتقوى، جسد مؤمن واحد، بنيان‬
                                                                         ‫واحد، أمة واحدة، ال شرق وال غرب.‬
                                                                                 ‫ش‬
                                                   ‫وأصبحت ال ترى ال ّعور الذي عبر عنه الشاعر بقوله:‬
                                                                     ‫أر‬
                                     ‫إذا اشتكى مسلم في الهند َّقني…وإن بكى مسلم في الصين أبكاني‬
                                       ‫ن‬                       ‫ف‬
                                      ‫ومصر ريحانتي والشام نرجستي…و ِي الجزيرة تاريخي وعنوا ِي‬
                                               ‫خر‬                                          ‫ب‬
                                           ‫أرى ُخَارَى بالدي و هي نائية…وأستريح إلى ذكرى ُ َاسان‬
                                                 ‫ص‬                   ‫ف د‬
                                       ‫وأينما ذكر اسم اهلل ِي بل ٍ…عددت ذاك الحمى من ُلْب أوطاني‬
  ‫فتنة قلب الحقائق، يقال للمتمسك بدينه: إرهابي، أصولي، فضولي، رجعي، متأخر، يرى المسلم‬
    ‫د‬                                              ‫سخ‬
   ‫نفسه وهو صاحب الحق الذي ُ ّرت من أجله السماوات واألرض وهو صاحب المنه طري ًا‬
                                                               ‫ز‬        ‫ممك مكر‬              ‫د‬      ‫د‬
                                                             ‫شري ًا وحي ًا، ويرى غيره َّنًا َّمًا معز ًا.‬
    ‫ك ُ ْ ُم أ ْرج‬                                     ‫خ‬
  ‫واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعله اهلل ُلقًا لهذه األمة، كما قال: ُنتمْ خَيرَ أ َّةٍ ُخ ِ َتْ‬
  ‫و ك م ُ ُمة‬                              ‫ع م وت من ِالل‬                              ‫و‬    ‫م ْر‬          ‫ِلن س مر‬
  ‫ل َّا ِ تَأْ ُ ُونَ بِالْ َع ُوفِ َتَنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْكَرِ َ ُؤْ ِ ُونَ ب َّهِ [آل عمران:055]، َلْتَ ُن ّنْكمْ أ َّ ٌ‬
  ‫م‬                                 ‫ع م َ‬                ‫ْ وي ُر ن م ر ف وي‬                       ‫َ ع إل‬
‫يدْ ُونَ َِى الْخَيرِ َ َأْم ُو َ بِالْ َعْ ُو ِ َ َنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْكرِ [آل عمران:105]، فتجد من الناس َنْ‬
                               ‫ر‬
         ‫إذا ذكرت ذلك عابوك؛ ألنهم يرون المنكر معروفًا والمعروف منك ًا، لقد انقلبت الحقائق.‬
           ‫فتنة تولي الرويبضة دفة التوجيه اإلعالمي، كما قال : ((وينطق الرويبضة))، قالوا: وما‬
                                                     ‫الرويبضة؟ قال: ((الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)).‬
  ‫فتنة استذالل األمة، أمة يتالعب بها اليهود والنصارى ليال ونهارا كما يتالعب الصبيان بالكرة،‬
  ‫يرى المسلم األمة ضعفت بعد القوة، وذلت بعد العزة. أمة دستورها القرآن ونبيها أشرف النبيين‬
                                                        ‫د‬         ‫ر‬
  ‫تتسول على موائد األمم فك ًا واقتصا ًا وسياسة. أمة بعد القيادة رضيت بالقبوع في ذيل القافلة.‬
                                                             ‫أمة تتعثر في سيرها، بل إنها ال تعرف طريقها.‬
                                                                  ‫عط‬
       ‫فتنة تعطيل الشريعة، ُ ّلت أحكام الشريعة، وتحولنا إلى القوانين الوضعية، وعزلت أحكام‬
                                     ‫ن‬    ‫ك‬
    ‫الشريعة عن التحاكم إليها، وإنما يتحاكم الناس ويح ّمون ُظمًا غربية، جاؤوا بها من أعدائهم،‬
                                                                                      ‫ك‬
‫ح ّموها وتحاكموا إليها، فال حدود تقام، وال قصاص يقام، ولكنها األحكام الوضعية المشتملة على‬
                                                                      ‫الظلم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل.‬
      ‫فتنة الربا، المعامالت الربوية وكيف سرت في عالمنا اإلسالمي، حتى يتصور البعض أنه ال‬
   ‫يمكن أن يعيش إنسان بال ربا، وال يمكن ألي اقتصاد أن يقوم بال ربا، وال يمكن أي مجتمع أن‬
    ‫يعيش بال ربا، فأصبح الربا يرونه ضرورة من ضروريات الحياة، وإذا قلت لهؤالء: هذا الربا‬
   ‫إ َّ عل ْ ن ب َ ب م الل‬
 ‫حرمه اهلل، ولعن النبي آكله ومؤكله، وآذن اهلل أكلته بالحرب: فَِن لمْ تَفْ َُوا فَأْذَ ُواْ ِحرْ ٍ ّنَ َّهِ‬
                 ‫َّ َ ت‬     ‫ي ق الله ْر و ُ ب‬                                                     ‫َرس ل‬
                 ‫و َ ُوِهِ [البقرة:227]، وأن الربا ممحق للبركة: َمْحَ ُ َّ ُ ال ّبَوااْ َيرْ ِى الصدقَا ِ‬
‫[البقرة:627]، إذا حذرتهم من ذلك قالوا: أنت إنسان تعيش في قرون ماضية وقرون خالية وعقول‬
 ‫جامدة، ال تفهم الحياة، وال تعرف قدرها. لماذا؟ ألنك قلت: الربا حرام، وقلت لهم: إن المعامالت‬
                                                                                                 ‫يمكن أن تقوم بال ربا.‬
 ‫ولكثرة هذه الفتن صار المسلم يشعر بغربة اإلسالم، ففي صحيح مسلم عن النبي قال: ((بدأ الدين‬
  ‫غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)) وفي بعض األلفاظ: قيل: من الغرباء يا رسول‬
                                                 ‫ي‬                             ‫ي‬
                          ‫اهلل؟ قال: ((الذين ُصلحون ما أفسد الناس))، أو (( َصْلحون إذا فسد الناس)).‬
                      ‫ذ‬
‫وإذا كانت الفتن في السابق من أرادها أتاها ومن أنكرها وجد ملجأ ومعا ًا فإن الفتن اليوم صارت‬
  ‫ق‬
 ‫تحيط بالناس إحاطة السور بالبيت والقالدة بالعنق، ونخشى ذلك اليوم الذي يغرق فيه الناس غر ًا‬
‫في طوفان الفتن، حيث ال يبقى بيت وال سوق وال شارع وال ناد وال مدرسة إال وتحل فيها الفتنة،‬
                                                                                                       ‫شاء الناس أم أبوا.‬
   ‫وقد أخبر النبي بوقوع هذه الفتن وأنها فتن عظيمة، أخرج البخاري في كتاب المظالم والغصب‬
    ‫ه‬           ‫ْ َ الن ِي عل أ ُ م ط مد ة ث َّ‬                           ‫ع أ م ِ ز ْ رض الله ع هم‬
  ‫َنْ ُسَا َةَ بْن َيدٍ َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ َا قَالَ: أَشرفَ َّب ُّ ََى ُطمٍ ِنْ آ َامِ الْ َ ِينَ ِ ُم قَالَ: (( َلْ‬
                            ‫ف خ بي ت ُ و ع ْر‬                                   ‫و‬       ‫َ ن َر ِن َ‬
   ‫ترَوْ َ مَا أ َى؟ إ ِّي أرَى مَ َاقِعَ الْ ِتَنِ ِاللَ ُ ُو ِكمْ كَمَ َاقِ ِ الْقَط ِ))، وأخرج البخاري في كتاب‬
  ‫ئم و ئ ُ ف ه‬                  ‫ْر م‬        ‫ُِ ف‬       ‫سك ن فن‬               ‫َ رس ل الل‬            ‫ع ب هر ْ َ‬
 ‫الفتن َنْ أَ ِي ُ َيرَة قَالَ: قَال َ ُو ُ َّهِ : (( َتَ ُو ُ ِتَ ٌ الْقَاعد ِيهَا خَي ٌ ِنْ الْقَا ِ ِ، َالْقَا ِم ِي َا‬
      ‫ِْه م ج مه م‬                                 ‫ْر م الس ع م ش َّ‬               ‫ْر م م ش و م ش ف‬
  ‫خَي ٌ ِنْ الْ َا ِي، َالْ َا ِي ِيهَا خَي ٌ ِنْ َّا ِي، َنْ تَ َرفَ لَهَا تَسْتَشرفْ ُ، فَ َنْ وَ َدَ ِنْ َا َلْجأ‬
                                                                                                        ‫مع ذ ي ُ به‬
                                                                                                     ‫أَوْ َ َا ًا فَلْ َعذْ ِ ِ)).‬
  ‫ج َ ف ْل‬           ‫ب‬
  ‫وكان النبي يكثر من أن يستعيذ من الفتن، وبوب البخاري في كتاب الفتن: " َاب مَا َاء ِي قَو ِ‬
   ‫الن ِي يح ِّر م‬          ‫و‬                 ‫َاتق ْ ف ال تص َن َّذ ن م م ك َاص‬                                      ‫الل‬
 ‫َّهِ تَعَالَى: و َّ ُوا ِتْنَةً َّ ُ ِيب َّ ال ِي َ ظَلَ ُواْ ِن ُمْ خ َّةً [األنفال:17]، َمَا كَانَ َّب ُّ ُ َذ ُ ِنْ‬
  ‫ئ َ ز الن ِي بر ه َّ رس الل ن َ ع ف الص ة‬                                   ‫ُ ة ن الزب ر ع‬                  ‫ف‬
 ‫الْ ِتَن"، عن عرْوَ ُ بْ ُ ُّ َيْ ِ َنْ عَا ِشَة َوْجِ َّب ِّ أَخْ َ َتْ ُ أَن َ ُولَ َّهِ كَا َ يدْ ُو ِي َّال ِ:‬
      ‫(( َّه َّ إ ِّي أَ ُو ُ بِ َ ِنْ عذَابِ الْقَبْ ِ، َأَ ُو ُ ِكَ ِنْ ِتْنَةِ الْ َ ِيحِ الد َّا ِ، َأَ ُو ُ ِ َ ِن ِتْ َ ِ‬
      ‫َّج ل و ع ذ بك م ْ ف نة‬               ‫مس‬            ‫ر وع ذ ب م ف‬                       ‫الل ُم ِن ع ذ ك م َ‬
                                                                                                    ‫مم ت‬             ‫َف‬
                                                                                                 ‫الْمَحْيَا و ِتْنَةِ الْ َ َا ِ)).‬
       ‫ولهذا كانت معرفة كيف يتعامل المسلم مع تلك الفتن واجبا محتما علينا في هذا العصر الذي‬
                  ‫ل‬      ‫نعيش فيه معمعة األفكار واضطراب الموازين ومواالة الكفار، وتوط‬
‫َّدت سب ُ الغواية واستحكمت،‬
‫ودأبت كثير من وسائل اإلعالم على خلخلة المفاهيم الصحيحة في عقول الناس، وجعلت المعروف‬
                                                                                   ‫ر‬
 ‫منك ًا والمنكر معروفًا، وخاصة تلك الفضائيات التي أمسك بزمامها من ال خالق لهم وال أخالق.‬
      ‫ْل‬         ‫و ف ة َر م‬                                       ‫و ف ة َد م‬
      ‫ولخطورة شأن الفتن قال سبحانه: َالْ ِتْنَ ُ أَش ُّ ِنَ الْقَتْلِ [البقرة:525]، َالْ ِتْنَ ُ أَكْب ُ ِنَ الْقَت ِ‬
 ‫[البقرة:257]، ألن الوقوع فيها يعنى ذهاب الدين. وتأمل معي فيما سوف أقول: لقد جاء اإلسالم‬
  ‫بل كل الشرائع اإللهية لحفظ خمس كليات باتفاق العلماء: الدين، النفس، العقل، العرض، المال،‬
        ‫فإذا كان ال يمكن الحفاظ عليها كلها قدم الحفاظ على الدين على الحفاظ على غيره من تلك‬
  ‫الكليات؛ ولهذا شرع الجهاد للحفاظ على الدين وإن كان فيه إتالف النفوس واألموال، فإذا ذهبت‬
  ‫نفوسنا وأموالنا وبقي لنا الدين فال يهم، وهذا على عكس ما عليه كثير من الناس، فلسان حالهم:‬
                                                                    ‫إذا سلمت نفوسنا وأموالنا فال يهم ذهاب ديننا.‬
           ‫فخطورة هذه الفتن أنها قد تؤدي إلى خسارة الدين، الخسارة التي ال تنجبر، خسارة الدنيا‬
              ‫ر‬
            ‫واآلخرة؛ لذا وصفها النبي بأنها كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كاف ًا.‬
  ‫وخطورة الفتن أنها تعرض على القلوب، ال على األسماع واألبصار فقط، فعن حذيفة بن اليمان‬
     ‫أ‬           ‫د د‬
‫قال: قال رسول اهلل : ((تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عو ًا عو ًا، فأي قلب ُشربها‬
‫نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب‬
                                 ‫ر‬                                  ‫م َخ‬          ‫د‬
      ‫أسود مربا ًا كالكوز ُج ِّيًا، ال يعرف معروفًا وال ينكر منك ًا إال ما أشرب من هواه، وقلب‬
‫أبيض ال تضره فتنة ما دامت السماوات واألرض)) رواه مسلم. وأنت ال تستطيع أن تنجو عند اهلل‬
 ‫ي ع م ل وال‬           ‫ْ‬
 ‫ولو صمتَ النهار وقمت الليل وبسطت يدك بالصدقة إال إذا كان قلبك سليما، يَومَ الَ َنفَ ُ َا ٌ َ َ‬
                                                                                  ‫بن ِال م ت الل ب س‬
                                                           ‫َ ُونَ إ َّ َنْ أَ َى َّهَ بِقَلْ ٍ َلِيمٍ [الشعراء:66، 26].‬
           ‫ولذا كم تكون حسرة بعض الناس من الذين في الفتنة سقطوا عندما يطردون عن حوض‬
  ‫ء ع النب ِّ ق ل‬                          ‫ب م َ‬                  ‫ع‬
 ‫المصطفى ، أخرج البخاري في كتاب الفتن َنْ ابْنِ أَ ِي ُلَيْكَة قَالَ: قَالَتْ أَسْمَا ُ: َنْ َّ ِي َا َ:‬
     ‫َ ْر‬     ‫ق ل ُمت ي ل‬                     ‫م د ن‬         ‫ِر م َ ِد عَي ي َذ ب‬                   ‫عل ح ض‬
   ‫((أَنَا ََى َوْ ِي أَنْتَظ ُ َنْ ير ُ َل َّ، فَ ُؤْخ ُ ِنَاسٍ ِنْ ُو ِي، فَأَ ُو ُ: أ َّ ِي! فَ ُقَا ُ: ال تد ِي،‬
             ‫ن‬         ‫ب‬          ‫عل‬
       ‫َشَوْا ََى الْقَهْق َى))، قَالَ ابْ ُ أَ ِي ُلَيْكَةَ: َّه َّ إ َّا نَ ُو ُ بِكَ أَنْ نرْجِعَ ََى أَعْقَا ِنَا أَوْ ُفْتَن.‬
                                           ‫َ‬           ‫الل ُم ِن ع ذ‬                 ‫ن ب م‬                   ‫َر‬          ‫م عل‬
 ‫وال تزال هذه الفتن تعمل عملها في األمة حتى تتميز إلى معسكرين ال ثالث لهما، كما في حديث‬
  ‫عبد اهلل بن عمر عندما ذكر الفتن قال: ((ثم فتنة الدهيماء ـ الداهية التي تدهم الناس بشرها ـ،‬
    ‫ن‬                                                                           ‫د‬
   ‫ال تدع أح ًا من هذه األمة إال لطمته لطمة، فإذا قيل: انقطعت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤم ًا‬
                                                                           ‫ر‬
     ‫ويمسي كاف ًا؛ حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان ال نفاق فيه، وفسطاط نفاق ال‬
                             ‫إيمان فيه، إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد)) رواه أبو داود.‬
        ‫ر‬
    ‫ولذا كانت الخشية من الوقوع في الفتن صفة أساسية في المؤمنين، وقد ذكر سبحانه تض ّعَهم‬
      ‫َ ع ك‬             ‫ه َّ‬
      ‫وسؤالهم إياه التثبيتَ على الحق والسالمةَ من الزيغ في قوله عز اسمه: ُوَ الذِى أَنزلَ َلَيْ َ‬
    ‫ك م ه ي ت م م ت ُن ُم ك ب وأ ر م ب ٌ َم َّذ َ قل ب ِ ز غ َتبع ن م‬
   ‫الْ ِتَابَ ِنْ ُ آ َا ٌ ُّحْكَ َا ٌ ه َّ أ ُّ الْ ِتَا ِ َُخَ ُ ُتَشَا ِهَات فَأ َّا ال ِين فى ُُو ِهمْ َيْ ٌ فَي َّ ِ ُو َ َا‬
‫و له و ي َم و ه ِال الله و خ َ ف ع ْ ق ل ن َن به‬                                              ‫ف ةو ت‬                 ‫ب مه ت‬
‫تَشَا َهَ ِنْ ُ ابْ ِغَاء الْ ِتْنَ ِ َابْ ِغَاء تَأْ ِيِ ِ َمَا َعْل ُ تَأْ ِيلَ ُ إ َّ َّ ُ َالرسِ ُون ِي الْ ِلمِ يَ ُوُو َ ءام َّا ِ ِ‬
   ‫م َّد ك‬           ‫ه‬           ‫ُز ْ قل ب ب ْ ِ َد‬                ‫َب‬                 ‫ك ٌّ م ع رب وم َذ َّر ِال أ ل‬
   ‫ُل ّنْ ِندِ َّنَا َ َا ي َّك ُ إ َّ ُوُْواْ األلْبَابِ ر َّنَا الَ ت ِغ ُُو َنَا َعدَ إذْ ه َيْتَنَا وَ َبْ لَنَا ِن ل ُن َ‬
                                                                                             ‫َه ب‬               ‫م ِن‬
                                                                            ‫رَحْ َةً إَّكَ أَنتَ الْو َّا ُ [آل عمران:2، 6].‬
   ‫ب‬                                                      ‫تحد‬                   ‫أم‬
   ‫وهذه ُّ سلمة رضي اهلل عنها ِّث أن رسول اهلل كان يكثر في دعائه أن يقول: ((اللهم مقل َ‬
                                 ‫وإن‬
  ‫القلوب، ثبت قلبي على دينك))، قالت: قلت: يا رسول اهلل، َّ القلوب لتتقلب؟! قال: ((نعم، ما‬
      ‫خلق اهلل من بني آدم من بشر إال إن قلبه بين إصبعين من أصابع اهلل، فإن شاء اهلل عز وجل‬
           ‫أقامه، وإن شاء اهلل أزاغه)) أخرجه أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسناد صحيح.‬
 ‫وهذا أنس بن مالك رضي اهلل عنه يقول: كان رسول اهلل يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب، ثبت‬
       ‫قلبي على دينك))، قال: فقلت: يا رسول اهلل، آمنا بك وبما جئت به، هل تخاف علينا؟! قال:‬
                                          ‫ل‬
     ‫((نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اهلل، يقّبها كيف يشاء)) أخرجه الترمذي في جامعه‬
                                                                                       ‫وابن ماجه في سننه بإسناد صحيح.‬
        ‫وإذا كان صلوات اهلل وسالمه عليه قد خشي على هذه الثلة المؤمنة مع ما بلغت من رسوخ‬
‫اإليمان ومع أن قرنها خير القرون كما جاء في الحديث المتفق على صحته فكيف بمن جاء بعدهم‬
 ‫من أهل العصور؟! وال سيما من أهل هذا العصر الذي أطلت فيه الفتن وتتابعت على المسلمين.‬
    ‫وانظر كيف كان عمر رضي اهلل عنه يخشى هذه الفتن مع بعد ما بينه وبينها، فعن شقيق قال:‬
       ‫سمعت حذيفة يقول: بينا نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي في الفتنة؟ قال:‬
‫((فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصالة والصدقة واألمر بالمعروف والنهي عن‬
 ‫المنكر))، قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا‬
‫أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: ال، بل يكسر، قال‬
                                                                        ‫د‬             ‫ذ‬
‫عمر: إ ًا ال يغلق أب ًا، قلت: أجل، قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون‬
                                                                ‫ث‬
‫غد ليلة، وذلك أني حدثته حدي ًا ليس باألغاليط، فهبنا أن نسأله: من الباب؟ فأمرنا مسروقًا فسأله،‬
                                                                                                  ‫فقال: من الباب؟ قال: عمر.‬
 ‫فتأمل كيف كان عمر يحذر الفتن مع أنه أبعد الناس عنها، وتأمل كيف وصفها بأنها تموج كموج‬
  ‫البحر، أي: متتابعة ال نهاية لها كما أن موج البحر ال يتوقف، وكما أن عند موجان البحر يهلك‬
  ‫ناس كثير فكذلك هذه الفتن، ولذا فليس المخرج منها انتظار توقفها فإنها ال تتوقف، إنما المخرج‬
 ‫منها بالحذر واألخذ بأسباب النجاة، فقد كسر الباب لما قتل عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه على‬
     ‫يد المجوسي الحاقد على اإلسالم والمسلمين، ومنذ ذلك بدأت الفتن بالظهور، فقتل بعده عثمان‬
  ‫رضي اهلل على يد نفر من األوباش، ثم قتل علي رضي اهلل عنه على يد الخارجي عبد الرحمن‬
                                                                                                                            ‫بن ملجم.‬
  ‫وهكذا لم يسلم عهد الصحابة من الفتنة، وما زالت الفتنة في األمة تنتشر ويضرم نارها، بين مد‬
 ‫وجزر، وإن كانت بالعموم في ازدياد، حتى حل عصرنا هذا، فكان فيها أعظم الفتن والمصائب،‬
      ‫وهو سقوط الخالفة اإلسالمية، واقتسام الغرب العدو األول لإلسالم والمسلمين تركة الرجل‬
     ‫المريض وهو اللقب الذي أطلق على الدولة العثمانية في أواخر عهدها، فما من بلد من بالد‬
                                            ‫ال‬
 ‫اإلسالم إال ووقع تحت حكم االستعمار إال قلي ً، وحارب المسلمون المحتل الكافر، فأخرجوه بعد‬
                                              ‫أن ذاق الهوان، لكنه لم يخرج إال بعد أن حقق ثالثة أمور:‬
                    ‫األول: تعطيل العمل بالشريعة اإلسالمية وتثبيت التحاكم إلى القوانين الوضعية.‬
      ‫الثاني: تحرير المرأة المسلمة ونزع حجابها ونشر االختالط بين الرجال والنساء في التعليم‬
                                                                                                              ‫والعمل.‬
 ‫الثالث: لم يخرج إال بعد أن ترك له أذنابًا، يقضون بأمره ويسيرون وفق خططه في تدمير كيان‬
                                                                                                                ‫األمة.‬
      ‫ولم يعجز هؤالء أن يجدوا لكل ما ينادون به من فساد تعليالً وفائدة وحكمة، فاحتكموا إليها‬
   ‫وضخموها ونشروها وقالوا للناس: هذا ما ندعو إليه، ندعو إلى إعطاء المرأة حقها، ندعو إلى‬
    ‫آفاق واسعة، ندعو إلى اقتصاد قوي، ندعو إلى ثقافة عالية، ندعو إلى حضارة وتمدن وتقدم.‬
‫وكلها شعارات ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه العذاب والفتن واأللم والحسرة. ومنذ ذلك الحين‬
                                                                               ‫والمكر والفتن تزداد بشكل أكبر.‬
        ‫ومثل هذا ما خشيه علينا النبي حين قال: ((إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم‬
                                                                      ‫وفروجكم ومضالت الفتن)) رواه أحمد.‬
                                       ‫ض‬
  ‫ولذلك ال بد لكل عاقل أن يبحث عن سبيل النجاة ويع ّ عليه بالنواجذ. ما سبيل النجاة من فتن‬
                                                                                                               ‫اليوم؟!‬
  ‫سبيل النجاة في تحقيق اإليمان في القلوب، فهذا طريق المرسلين وسبيل اهلل المتين، قال تعالى:‬
     ‫ُم ن ج رسل‬                                 ‫و َ ع ن إل الن‬            ‫م ل َ ع ُ إل الن‬
  ‫وَياقَوْمِ َا ِى أدْ ُوكمْ َِى َّجَواةِ َتدْ ُونَ ِى َِى َّارِ [غافر:51]، وقال تعالى: ث َّ ُنَ ّى ُ َُنَا‬
        ‫و ج َّذ ن من‬                                          ‫و َّذ ن من َ ك ق ع ن م من‬
     ‫َال ِي َ ءا َ ُواْ كذَلِ َ حَ ّا َلَيْنَا ُن ِ الْ ُؤْ ِ ِينَ [يونس:305]، وقال تعالى: َأَن َيْنَا ال ِي َ ءا َ ُواْ‬
                       ‫َ َج َّذ ن من و ن يتق‬                                                     ‫و ن َتق‬
         ‫َكَا ُواْ يَّ ُونَ [األنبياء:31]، وقال تعالى: ون َّيْنَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َكَا ُواْ َّ ُونَ [فصلت:65].‬
     ‫ُس‬                    ‫خ‬                                            ‫ها هو الشاب القوي الحيي‬
   ‫ُّ العالم الذي يبلغ ثالثين سنة، إنه الربيع بن ُثَيْم، يجتمع عليه ف َّاق‬
‫إلفساده، فيأتون بغانية جميلة، ويدفعون لها مبلغًا من المال قدره ألف دينار، فتقول: عالم؟! قالوا:‬
  ‫على قبلة واحدة من الربيع بن خثيم، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني؛ ألنه نقص عندها منسوب‬
‫اإليمان، فما كان منها إال أن تعرضت له في ساعة خلوة، وأبرزت مفاتنها له، فما كان منه إال أن‬
                                                          ‫م‬
  ‫ابتعد عنها يركض ويقول: يا أَ َة اهلل، كيف بك لو نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟! أم‬
                             ‫َ‬
‫كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟! أم كيف بك يوم تقفين بين يديْ الرب العظيم؟! أم كيف بك إن‬
       ‫لق‬                                        ‫وول‬                        ‫ت‬
 ‫شقيت يوم ُرْمَين في الجحيم؟! فصرخت َّت هاربة تائبة إلى اهلل، عابدة زاهدة حتى ِّبت بعد‬
                                                            ‫ُس‬                                ‫ب‬
                                ‫ذلك بعا ِدَة الكوفة، وكان يقول هؤالء الف َّاق: لقد أفسدها علينا الربيع.‬
                                                                               ‫ثب‬
    ‫ما الذي َّت الربيع أمام هذه الفتنة؟! هل قلة شهوة؟! إنها الشهوة العظيمة، وفي سن هو أوج‬
    ‫الشهوة وهو سن الثالثين، ومع ذلك ما الذي ثبته هنا؟! وما الذي عصمه بإذن اهلل؟! إنه اإليمان‬
           ‫باهلل الذي ال إله إال هو، فاإليمان ـ يا أيها األحبة ـ كالجمرة متى ما نفخت بها أضاءت‬
        ‫واشتعلت؛ فأصبحت إضاءتها عظيمة عظيمة، وحين ينقص منسوب اإليمان يقع اإلنسان في‬
                                      ‫الفواحش واآلثام، يغرق في الشهوات، ثم يقع بعد ذلك في الموبقات.‬
   ‫الن ن ن‬
   ‫ومن المنجيات من الفتن القيام باألمر بالمعروف وإنكار المنكر، أخرج البخاري عن ُّعْمَا َ بْ َ‬
  ‫م ل ْ تهم‬                    ‫م َل ِ ع ُد الله و و ِ ف‬                               ‫بش ٍ رض الله ع ه ع النب ِّ‬
‫َ ِير َ ِيَ َّ ُ َنْ ُمَا َنْ َّ ِي قَالَ: (( َث ُ الْقَائمِ َلَى ح ُودِ َّ ِ َالْ َاقِع ِيهَا كَ َثَ ِ قَومٍ اسْ َ َ ُوا‬
   ‫م مء‬                     ‫له ِذ‬           ‫َّذ َ ف‬                         ‫وب ض ُ‬               ‫ب ضه‬               ‫عل ف ة‬
   ‫ََى سَ ِينَ ٍ، فَأَصَابَ َعْ ُ ُمْ أَعْالهَا َ َعْ ُهمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ ال ِين ِي أَسْفَِ َا إ َا اسْتَقَوْا ِنْ الْ َا ِ‬
     ‫إ ي رك ُ وم‬                 ‫َن َر ف ص ب َ ْق وَ ن ْذ م ْ ْ‬                              ‫َر عل م ْ ه ْ ل‬
    ‫م ُّوا ََى َنْ فَوقَ ُم فَقَاُوا: لَوْ أ َّا خ َقْنَا ِي نَ ِي ِنَا خر ًا َلمْ ُؤ ِ َن فَوقَنَا، فَِنْ َتْ ُ ُوهمْ َ َا‬
                                              ‫جم ع‬          ‫و‬           ‫َر د ه ك جم ع وإ َذ عل ْد ِ‬
                                          ‫أ َا ُوا َلَ ُوا َ ِي ًا، َِنْ أَخ ُوا ََى أَي ِيهمْ نَجَوْا َنَجَوْا َ ِي ًا)).‬
  ‫ومن المنجيات حفظ اللسان والصمت وقلة الكالم، فنحن نعيش زمن الكالم: نكات، غيبة، نميمة،‬
    ‫ع عب ن ٍِ قل‬
   ‫أحقاد، قذف، تشهير وفضح ولغو وكالم غير نافع وسمر مقيت... الخ. َنْ ُقْ َةَ بْ ِ عَامر َا َ:‬
 ‫س ع لس ك َ يس ب تك و عل ط ك ق ل‬                                                       ‫النج ة‬         ‫ق ت ي رس الل‬
 ‫ُلْ ُ: َا َ ُولَ َّهِ، مَا َّ َا ُ؟ قَالَ: ((أَمْ ِكْ َلَيْكَ ِ َانَ َ ولْ َ َعْكَ َيْ ُ َ َابْكِ ََى خَ ِيئَتِ َ)) َا َ‬
                                                                  ‫َذ حد ث حسن‬          ‫ب عس‬
          ‫أَ ُو ِي َى: "ه َا َ ِي ٌ َ َ ٌ". وعن عبد اهلل بن عمرو قال: قال رسول اهلل : ((تكون فتنة‬
‫تستنظف العرب، قتالها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف)) رواه ابن ماجه وغيره. وعن‬
       ‫س‬                                    ‫ل‬           ‫ن‬
‫أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((إ ّ الرجل ليتكّم بالكلمة من سخط اهلل ال يرى بها بأ ًا فيهوي‬
                                                                ‫بها في نار جهنم سبعين خريفا)) رواه ابن ماجه.‬
      ‫ي ق الش ن ف لَّذ َ ف قل به م َض و سية‬                                 ‫ل ع‬
      ‫ومن المنجيات إصالح القلوب، ّيَجْ َلَ مَا ُلْ ِى َّيْطَا ُ ِتْنَةً ّل ِين ِى ُُو ِ ِم َّر ٌ َالْقَا ِ َ ِ‬
                                                                               ‫بع‬           ‫قل ب ُ وِن لظ لم ف‬
                                                                 ‫ُُو ُهمْ َإ َّ ا َّاِ ِينَ لَ ِى شِقَاقٍ َ ِيدٍ [الح :31].‬
                                               ‫ب‬                       ‫ص‬         ‫ل‬              ‫ح‬
                                               ‫وصال ُ األَجْساد سه ٌ ولكن…في َالح القلوبِ يعيا الطبي ُ‬
                                                          ‫د َن ُ سب‬              ‫و َّذ ج َد ْ ف‬
                                      ‫والمجاهدة توفيق، َال ِينَ َاه ُوا ِينَا لَنَهْ ِيَّهمْ ُ ُلَنَا [العنكبوت:26].‬
‫الش ن‬         ‫َي َّذ ن من خل ْ ف س ْ َافة و َتبع خط‬
‫األخذ بالدين كله، قال تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ادْ ُُوا ِي ال ّلمِ ك َّ ً َالَ تَّ ِ ُواْ ُ ُواتِ َّيْطَا ِ‬
                                                ‫ر‬
   ‫[البقرة:607]، قال ابن كثير: "يقول تعالى آم ًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا‬
                                                                            ‫ع‬
‫بجميع ُرى اإلسالم وشرائعه والعمل بجميع أوامره وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك".‬
    ‫ومن المنجيات الرجاء في حسن الجزاء، قال : ((عبادة في الهرج كهجرة إلي))، وقال: ((يأتي‬
     ‫على الناس زمان للعامل منهم أجر خمسين))، قالوا: يا رسول اهلل، منا أو منهم؟ قال: ((منكم،‬
                                          ‫فإنكم تجدون على الخير أعوانًا، وال يجدون على الخير أعوانا)).‬
          ‫الضراعة إلى اهلل تعالى والدعاء، لدينا يقين ال يخالطه أدنى شك أننا لو أجمعنا أمرنا على‬
                              ‫ص‬
     ‫التضرع إلى رب الناس في الليالي واأليام دعاء صادقًا خال ًا يخرج من قلب وجل مشفق أن‬
  ‫يكشف عنا الغمة ويزيح عنا الفتنة فإن اهلل تعالى لن يخيب رجاءنا ولن يضيع مسعانا، فقط ندعو‬
   ‫اهلل تعالى بصدق وإنابة وتضرع ويقين أنه سيكون معنا ولن يخذلنا ما دمنا نلتزم بابه ال نبرحه،‬
       ‫وقد قال فيما رواه الحاكم: ((يأتي على الناس زمان ال ينجو فيه إال من دعا دعاء الغريق)).‬
‫ومن المنجيات الحذر من أماكن هذه الفتن، ولهذا قال في الدجال: ((من سمع به فلينأ عنه))، ولعل‬
‫هذا السبب في أن قراءة فواتح سورة الكهف عصمة من الدجال، حيث ذكر فيها فرار أهل الكهف‬
‫ْف ي ُ ك ْ َبك م ر مته‬                      ‫وِ َز تم ُ وم ي بد َال الل َ و إل‬
‫بدينهم من الفتن: َإذِ اعْت َلْ ُ ُوهمْ َ َا َعْ ُ ُونَ إ َّ َّه فَأْ ُواْ َِى الْكَه ِ َنْشرْ لَ ُم رُّ ُم ّن َّحْ َ ِ ِ‬
                                                                                         ‫ويهي ُ م ر ُ ّ ْ‬
                                                                        ‫َ ُ َ ّئ لَكمْ ّنْ أَمْ ِكمْ مرفَقًا [الكهف:65].‬
                ‫والمبادرة إلى العمل الصالح من المنجيات، قال : ((بادروا باألعمال الصالحة فتنا)).‬
                    ‫ة‬                      ‫فلعل‬
    ‫إنك ال تعلم ما هو العمل الذي به تدخل الجنة، َّ شريطًا توزعه أو نصيح ً عابرة تتكلم بها‬
                                                                                   ‫يكتب اهلل بها لك رضاه ومغفرتَه.‬
                                        ‫ي‬
‫ولقد أخبر النبي كما في الصحيحين أن امرأة بغ ًا من بني إسرائيل كانت تمشي في صحراء فرأت‬
‫كلبًا بجوار بئر يصعد عليه تارة، ويطوف به تارة، في يوم حار قد أدلع لسانه من العطش، قد كاد‬
  ‫يقتله العطش، فلما رأته هذه البغي التي طالما عصت ربها وأغوت غيرها ووقعت في الفواحش‬
    ‫وأكلت المال الحرام، لما رأت هذا الكلب نزعت خفها حذاءها وأوثقته بخمارها فنزعت له من‬
                                                                                     ‫الماء وسقته، فغفر اهلل لها بذلك.‬
‫اهلل أكبر، غفر اهلل لها، بماذا؟ هل كانت تقوم الليل وتصوم النهار؟! هل قتلت في سبيل اهلل؟! كال،‬
                                                                    ‫وإنما سقت كلبًا شربةً من ماء، فغفر اهلل لها.‬
    ‫ومن المنجيات المراقبة، إذا خلوت بنفسك وظننت أن ال أحد يراك وال أحد يراقبك وغلقت كل‬
‫األبواب وقالت لك نفسك األمارة بالسوء: هيت لك، إذا صالت وجالت في بالك الخطرات وضعفت‬
‫همتك أمام المغريات وحدثتك نفسك باالقتراب من المنكرات واالنسياق خلف الشهوات، إذا سقطت‬
          ‫في وحل الفضائيات وتعلقت نفسك بالفاتنات وأدمنت مشاهدة المائالت المميالت الكاسيات‬
‫العاريات وانسقت خلف التائهين والتائهات من الساقطين والساقطات، إذا رأيت في الطريق إحدى‬
  ‫السافرات فأتبعت النظرة األولى عشر نظرات، إذا جلست أمام أحد الحاسبات نظرت ما يعرض‬
  ‫على الشبكة من المفسدات وأوغلت في تلك المشاهدات حتى ضعفت عن فعل الطاعات بل حتى‬
                                                  ‫ن‬
‫تكاسلت عن أداء الصلوات، كل ذلك وتظ ّ أنه ال أحد يراك، إذا فعلت ذلك أو هممت بفعله فتذكر‬
       ‫م‬         ‫َن َ و م ُمت ت‬
       ‫تلك الجبال والنافذة، تذكر تلك الجبال، قال رسول اهلل : ((ألعْلَم َّ أقْ َامًا ِنْ أ َّ ِي يَأْ ُونَ يَوْ َ‬
        ‫ي‬                     ‫عل الله َز َل ء م ث ر‬                        ‫ض‬        ‫جب ل ته‬                  ‫ق مة بحس‬
       ‫الْ ِيَا َ ِ ِ َ َنَاتٍ أَمْثالِ ِ َا ِ ِ َامةَ بي ًا فَيَج َُهَا َّ ُ ع َّ وَج َّ هبا ً َنْ ُو ًا))، قَالَ ثَوْبَان: َا‬
   ‫ِن ُ إ و ك‬                             ‫َم‬         ‫ك م ُ و ُ‬                              ‫َله‬            ‫ه‬         ‫رس الل‬
 ‫َ ُولَ َّهِ، صِفْ ُمْ لَنَا، جِّ ِمْ لَنَا؛ أَنْ ال نَ ُونَ ِنْهمْ َنَحْن ال نَعْل ُ، قَالَ النبي : ((أَما إَّهمْ ِخْ َان ُمْ‬
             ‫ب ح ر الل هك‬                       ‫ذ ن و ك ه أ و م ِذ‬                  ‫وم ج ْد ُ و ذ ن م ل ل م‬
  ‫َ ِنْ ِل َتكمْ َيَأْخ ُو َ ِنْ الّي ِ كَ َا تَأْخ ُو َ، َلَ ِن ُمْ َق َا ٌ إ َا خَلَوْا ِمَ َا ِمِ َّهِ انْتَ َ ُوهَا)) رواه‬
                                                                                                                 ‫ابن ماجه.‬
 ‫إذا فعلت ما فعلت أو هممت بفعله فتذكر تلك النافذة، وأنت تنتهك حرمات اهلل تخيل أن نافذة تقبع‬
 ‫بجانبك، وملك الموت يشرف عليك منها من حيث ال تعلم، وتخيل أنه نزع روحك وأنت في هذه‬
‫الحال فبماذا ستقابل ربك وقد ختم لك بهتك الحرمات واإلصرار على السيئات؟! نسأل اهلل لنا ولك‬
                                                                      ‫الهداية والثبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬
  ‫ومن المنجيات زيارة القبور وتذكر الموت، أخي المسلم، هل رأيت القبور؟! هل رأيت ظلمتها؟!‬
     ‫هل رأيت وحشتها؟! هل رأيت شدتها؟! هل رأيت ضيقها؟! هل رأيت هوامها وديدانها؟! أما‬
‫علمت أنها أعدت لك كما أعدت لغيرك؟! أما رأيت أصحابك وأحبابك وأرحامك نقلوا من القصور‬
  ‫إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن مالعبة األهل والولدان إلى مقاساة الهوام‬
                 ‫أ‬
    ‫والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب، ومن ُنس العشرة إلى‬
              ‫غ‬
    ‫وحشة الوحدة، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل؟! فأخذهم الموت على ِرة، وسكنوا‬
    ‫القبور بعد حياة الترف واللذة، وتساووا جميعًا بعد موتهم في تلك الحفرة، فاهلل نسأل أن يجعل‬
                                                             ‫قبورنا روضة من رياض الجنة.‬
                                                 ‫أتيت القبور فساءلتها…فأين المعظم والمحتقر‬
                                                ‫وأين الْمذل بسلطانه…وأين القوي على ما قدر‬
                                                       ‫ع‬               ‫م‬
                                           ‫تفانوا جميعا فما ُخبر…وماتوا جمي ًا ومات الخبر‬
                                         ‫فيا سائلي عن أناس مضوا…أما لك فيما مضى معتبر‬
         ‫ّ‬
  ‫عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان رضي اهلل عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته،‬
 ‫فقيل له: تذكر الجنة والنار فال تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن الرسول قال: ((القبر أول منازل‬
 ‫اآلخرة، فإن ين منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ين منه فما بعده أشد منه))، ثم قال: قال رسول‬
                                                                      ‫ر‬
            ‫اهلل : ((ما رأيت منظ ًا إال والقبر أفظع منه)) رواه أحمد والترمذي وحسنه األلباني.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/2271)‬




                                                                     ‫إن تنصروا اهلل ينصركم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                       ‫آثار الذنوب والمعاصي, القتال والجهاد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫عكرمة بن سعيد صبري‬
                                                                                      ‫القدس‬
                                                                               ‫25/1/6715‬
                                                                                                              ‫المسجد األقصى‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- رسالة عمر بن الخطاب في أسباب النصر. 7- التقوى من أعظم أسباب النصر. 3- أثر‬
‫المعاصي في الهزيمة. 1- ال تكفي القوة المادية وحدها في النصر. 1- جريمة تدنيس المصحف.‬
                                                           ‫6- استمرار المحاوالت الصهيونية في تهويد القدس.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
     ‫ُر الل‬        ‫َيه َّذ من إ‬
   ‫أيها المسلمون، يقول اهلل عز وجل في سورة محمد "القتال": يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َ ُوا ِنْ تَنص ُوا َّهَ‬
    ‫َ الله‬            ‫ُ ل بَن ُ َ ه‬                    ‫ُ و َل‬                    ‫ر‬         ‫ي ص ُ وي َب َ ْد م ُ و َّذ‬
    ‫َن ُرْكمْ َ ُثِّتْ أق َا َكمْ َال ِينَ كَفَ ُوا فَتَعْسًا لَهمْ َأَض َّ أَعْمَالَهمْ ذَِكَ ِأَّهمْ كرِ ُوا مَا أَنزلَ َّ ُ‬
     ‫و ْ الل ِ ي ِف الله‬                                                      ‫ُ‬
     ‫فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهمْ [محمد:2-2]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الروم: َعدَ َّه ال ُخْل ُ َّ ُ‬
     ‫و َ َ س م ْ لك‬                                                    ‫ي م‬           ‫و ْ ه و ِن َ الن‬
     ‫َعدَ ُ َلَك َّ أَكْثرَ َّاسِ ال َعْلَ ُونَ [الروم:6]، ويقول في السورة نفسها: َلَقدْ أرْ َلْنَا ِن قَبِْ َ‬
      ‫ْر م من ن‬                   ‫رم و ن َق ع‬                  ‫م َّذ‬                  ‫ء ُ َي ِ‬                   ‫مِ‬         ‫رس إ‬
      ‫ُ ُالً ِلَى قَوْ ِهمْ فَجَا ُوهمْ بِالْبِّنَات فَانتَقَمْنَا ِنْ ال ِينَ أَجْ َ ُوا َكَا َ ح ًّا َلَيْنَا نَص ُ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                                                                                                                   ‫[الروم:21].‬
 ‫أيها المسلمون، هذه اآليات الكريمة تعطينا صورة واضحة ال لبس فيها وال غموض بأن اهلل رب‬
                                 ‫د‬
‫العالمين قد ربط األسباب بالمسببات، فهو سبحانه يعطي وع ًا على نفسه بأن ينصر المؤمنين؛ ألن‬
    ‫النصر من عنده وحده، ولن يخلف اهلل وعده. ولكن متى يتحقق وعد اهلل؟ والجواب: إذا نصر‬
                                                      ‫المؤمنون اهلل عز وجل. وكيف يكون نصر المؤمنين هلل؟‬
  ‫أيها المسلمون، يمكننا معرفة أسباب النصر من خالل الرسالة القيمة التي وجهها أمير المؤمنين‬
                ‫د‬
        ‫عمر بن الخطاب إلى القائد والصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص الذي كان قائ ًا للجيوش‬
  ‫اإلسالمية في العراق، فيقول عمر في هذه الرسالة والتي كتبت قبل خمسة عشر قرن: (أما بعد:‬
            ‫د‬
‫فإني آمرك ومن معك من األجناد بتقوى اهلل على كل حال، فإن تقوى اهلل أفضل الع ّة على العدو،‬
                                                                                              ‫وأقوى المكيدة في الحرب).‬
 ‫أيها المسلمون، إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يركز في رسالته أول ما يركز على تقوى اهلل‬
 ‫رب العالمين، فإن أول عامل من عوامل النصر هو االتصاف بتقوى اهلل في جميع األحوال، وأن‬
                       ‫ذ‬
     ‫تقوى اهلل هي أفضل القوة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، فال بد إ ًا من تقوية العقيدة‬
                        ‫ي‬
   ‫واإليمان في قلوب الجيل الصاعد في األمة؛ ألن اإليمان هو الذي غ ّر مجرى التاريخ في بدء‬
                                                                                                           ‫الدعوة اإلسالمية.‬
      ‫أيها المسلمون، يقول عمر في رسالته أيضًا: (وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من‬
                                ‫المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم).‬
                ‫ر‬
  ‫فمن عوامل النصر االبتعاد عن المعاصي؛ ألن المعاصي واآلثام هي أشد خط ًا على المسلمين‬
              ‫ر م‬
 ‫من أعدائهم؛ حيث تفتك هذه المعاصي في المجتمع من الداخل. واألشد خط ًا وإث ًا هو المجاهرة‬
                       ‫بالمعاصي، وهذا ما نشاهده في وقتنا الحاضر، فأين نحن من رسالة عمر؟!‬
                                                                          ‫ص‬
‫إنه كان حري ًا على أخالق القادة والجند؛ ألنه ال نصر مع االنحراف الخلقي، ال نصر مع الذين‬
           ‫يقضون سهراتهم في النوادي الليلية وفي الكازينوهات. إن المعاصي واآلثام والموبقات‬
                                        ‫م‬
                         ‫واالنحرافات من األسباب المباشرة للهزائم المتالحقة التي ُنَيت بها أمتنا.‬
                    ‫ي‬
 ‫أيها المسلمون، يتابع عمر بن الخطاب في رسالته الفريدة قوله: (وإنما ُنصر المسلمون بمعصية‬
     ‫عدوهم هلل، ولوال ذلك لم تكن لنا عليهم قوة؛ ألن عددنا ليس كعددهم، وال عدتنا كعدتهم، فإن‬
                                             ‫استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة).‬
 ‫وكما هو واضح أن من أسباب نصر اهلل للمؤمنين هو بسبب معاصي األعداء، ولوال ذلك لم تكن‬
  ‫للمسلمين قوة على أعدائهم؛ ألن عدد المسلمين أقل من عدد األعداء، وأن عدة المسلمين لم تكن‬
                                   ‫كعدتهم، فإن استوى الطرفان في المعصية كانت الغلبة لألعداء.‬
‫أيها المسلمون، من المعلوم بداهة أن المسلمين عبر التاريخ لم يسبق لهم أن انتصروا على أعدائهم‬
 ‫بسبب زيادة في العدد أو العدة، فما من معركة انتصر فيها المسلمون إال وكان األعداء أكثر منهم‬
                  ‫ل‬                                                                ‫ة‬      ‫د‬
‫عد ًا وعد ً، وإنما انتصروا عليهم بتقوى اهلل والتزام الشريعة اإلسالمية والتحّي باألخالق الحميدة‬
                                                  ‫واالبتعاد عن المعاصي والمنكرات واالنحرافات.‬
                               ‫َرك الله ب َ ْر و ُ ِلة‬                 ‫وَ‬
 ‫واهلل سبحانه وتعالى يقول: َلَقدْ نَص َ ُمْ َّ ُ ِبد ٍ َأَنْتمْ أَذَّ ٌ [آل عمران:375] أي: وأنتم ضعاف‬
                                                       ‫ال‬
    ‫في معركة بدر، وكان عددكم قلي ً، ومع ذلك فقد انتصرتم على أعدائكم. وهذا يؤكد أن نصر‬
                                                           ‫ط‬                 ‫م‬
                                     ‫المسلمين لم يكن يو ًا من األيام مرتب ًا بالقوة المادية فحسب.‬
   ‫وال يعني هذا في الوقت نفسه إهمال القوة المادية، ولكن ليست هي العامل األساس في النصر،‬
 ‫والدليل على ذلك أيضًا ما حصل قبيل معركة اليرموك، فقد قال أحد الجند من المسلمين: ما أكثر‬
  ‫الروم وما أقل العرب! فأجابه قائدهم: ال، بل قل: ما أكثر العرب وما أقل الروم. فالعبرة ليست‬
                ‫بالعدد، بل بالكيف والنوع، وانتصر المسلمون على الروم رغم التفاوت في العدد.‬
     ‫ودليل ثالث مما قاله الصحابي الجليل المغيرة بن زرارة األسدي ليزدجرد ملك الفرس: (أيها‬
  ‫الملك، لقد أصبح هذا الرسول فيما بيننا وبين رب العالمين، وأخرجنا من عبادة العباد إلى عبادة‬
                                                  ‫رب العباد ومن جور األديان إلى عدل اإلسالم).‬
  ‫أيها المسلمون، إن انتشار المعاصي والموبقات والمخدرات في هذا الزمان لمؤشر على الهزيمة‬
‫المستمرة، فال بد من العودة إلى اهلل رب العالمين بالدعاء والتضرع له مع إعداد العدة؛ ليحقق اهلل‬
    ‫وعده، وليجري النصر على أيدي المؤمنين، فالنصر من اهلل رب العالمين لمن يستحق النصر‬
                   ‫المبين، وإن أي شك في ذلك هو في حقيقته شك في اإليمان وهو عين الهزيمة.‬
     ‫أيها المسلمون، والسؤال في المقابل: كيف يكون نصر اهلل للمؤمنين؟ والجواب: إن اهلل العلي‬
  ‫القدير العزيز الجبار المنتقم ال يعوزه أي أسلوب من األساليب، وال أي شكل من أشكال النصر،‬
            ‫و ي َم جن َب ِال ه وم ه ِال ذ ْ ل ب َر‬
            ‫فيقول عز وجل في سورة المدثر: َمَا َعْل ُ ُ ُودَ ر ِّكَ إ َّ ُوَ َ َا ِيَ إ َّ ِكرَى ِلْ َش ِ‬
                                                                         ‫ث‬
  ‫[المدثر:53]. ويم ّل جند اهلل أحيانًا المالئكة كما حصل في معركة بدر لقوله سبحانه وتعالى في‬
   ‫ئ ة ُ ْ ِف ن وم جعله‬                 ‫ج ك َن م ِد ُ ْف م‬                             ‫غ ث ن َب ُ‬             ‫ِ‬
   ‫سورة األنفال: إذْ تَسْتَ ِي ُو َ ر َّكمْ فَاسْتَ َابَ لَ ُمْ أ ِّي ُم ُّكمْ بِأَل ٍ ِنْ الْمَال ِكَ ِ مرد ِي َ َ َا َ ََ ُ‬
                ‫الله ِال ب ْر ول م ِن ب ِ قل ب ُ و الن ْر ِال م ع الل ِن الل َ ز ح م‬
    ‫َّ ُ إ َّ ُش َى َِتَطْ َئ َّ ِه ُُو ُكمْ َمَا َّص ُ إ َّ ِنْ ِنْدِ َّهِ إ َّ َّهَ عزِي ٌ َكِي ٌ [األنفال:2-‬
                                                                                                                      ‫05].‬
       ‫أيها المسلمون، قد يقول قائل: نحن اآلن في عصر الصواريخ واألقمار الصناعية والبوارج‬
‫البحرية، وإن هذه األساليب الحديثة المتطورة هي التي تقرر النتائ وتحسم الموضوع، فما عالقة‬
‫نصر اهلل وقدرته في هذا المجال؟! والجواب على هذا الطرح أقول: إن قدرة اهلل رب العالمين هي‬
       ‫جم‬
  ‫قدرة أزلية دائمة، وهي قائمة وماثلة في كل زمان ومكان، سواء أكان ذلك في عصر ال ِ َال أم‬
    ‫في عصر الصواريخ. وإن حرب رمضان ـ والمعروفة بحرب تشرين عام 3225م ـ لتؤكد‬
 ‫ذلك، حين انطلق الجند المؤمنون وهم صائمون في مصر أرض الكنانة بهتاف: اهلل أكبر، وكانوا‬
         ‫يشاهدون القتلى من األعداء وهم يتساقطون أرضًا قبل أن يصلوا إليهم، وكاد هؤالء الجند‬
                                                             ‫ق‬
                                                           ‫المؤمنون أن يقلبوا الموازين لوال األوامر بالتو ّف.‬
                                        ‫ال‬
 ‫ثم إن هزيمة العراق األخيرة جاءت نتيجة الخيانات أو ً، وثانيًا ألن المسؤولين في العراق وقتئذ‬
                ‫ال‬
  ‫لم يطلبوا النصر من اهلل عز وجل، ولم يكونوا متصلين باهلل، ولم يتقوا اهلل أص ً، فكيف سيأتيهم‬
                           ‫ُر الل ي ص ُ وي َب َ ْد م ُ‬                 ‫إ‬
              ‫النصر واهلل سبحانه وتعالى يقول:ِنْ تَنص ُوا َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثِّتْ أق َا َكمْ [محمد:2]؟!‬
   ‫وجاء في الحديث الشريف: ((ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، ال‬
  ‫يضرهم من خالفهم))، قيل: أين هم يا رسول اهلل؟ قال: ((ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)).‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
‫أيها المسلمون، أيها المرابطون ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، هناك قضايا ساخنة، وأتعرض‬
                                                                                                   ‫الثنتين منها بإيجاز:‬
                                                                                      ‫ال‬
 ‫أو ً: تدنيس القرآن الكريم: ال تزال الحملة الصليبية المتصهينة ضد ديننا اإلسالمي العظيم وضد‬
            ‫ب‬
     ‫القرآن الكريم، أقول: ال تزال هذه الحملة المسعورة الحاقدة مستمرة، وقد سبق وأن ن ّهنا إلى‬
  ‫خطورتها منذ أربع سنوات تقريبًا، أي: منذ األحداث التي وقعت في أمريكا في شهر سبتمبر في‬
 ‫عام 5007م، وكان آخر هذه المحاوالت العدوانية هو تدنيس القرآن الكريم في سجن "غوانتانامو"‬
 ‫في أمريكا التي تدعي الحرية والديمقراطية، وقد تحقق ذلك من قبل السجانين األمريكان، بالرغم‬
‫من أن الصحيفة التي نشرت الخبر قد حاولت بعد ذلك أن تتهرب وتشكك في الرواية؛ ألنها لمست‬
‫ردة الفعل القوية من المسلمين في أرجاء العالم محتجين على تدنيس القرآن الكريم، باستثناء العالم‬
                                                                                                 ‫شغ‬
                                                                              ‫العربي الذي ُ ِل بمشاكله الداخلية.‬
    ‫ج‬
   ‫أيها المسلمون، يا إخوة اإليمان في كل مكان، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ال يحصل ته ّم‬
                              ‫ي‬
    ‫واعتداء على الديانات األخرى السماوية منها واألرضية؟! لماذا ُستهدف اإلسالم ونبي اإلسالم‬
     ‫ر‬       ‫ب‬        ‫ع‬       ‫ر‬
    ‫ودستور اإلسالم؟! والجواب: إن المسلمين قد ابتعدوا عن دينهم، وتف ّقوا شي ًا وأحزا ًا، فتج ّأ‬
                          ‫ء‬
         ‫غير المسلمين على دين اإلسالم، ثم إن الغرب يحمل في قلبه وعقله عدا ً متوارثًا من أيام‬
   ‫الحروب الصليبية الفرنجية، فهو ـ أي: الغرب ـ يخطط أن ال يعود المسلمون إلى دينهم الذي‬
                                                                                   ‫هو سر وحدتهم وقوتهم.‬
‫ِن ن َز ن الذ ر‬                                                           ‫ف‬
‫إنا نقول ألعداء اإلسالم: لقد تك ّل اهلل رب العالمين بحفظ القرآن الكريم بقوله: إ َّا نَحْ ُ ن َّلْ َا ِّكْ َ‬
                                                                               ‫ظ‬         ‫وِن ه‬
‫َإ َّا لَ ُ لَحَافِ ُونَ [الحجر:2]. إنه القرآن الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه، من تركه‬
                                                                                      ‫ب‬
              ‫من ج ّار قصمه اهلل، ومن ابتغى العزة في غيره أضله اهلل، كما قال رسولنا األكرم .‬
  ‫أيها المسلمون، فمهما حاول األعداء تدنيس القرآن الكريم أو تحريفه فإن جميع محاوالتهم باءت‬
       ‫وستبوء بالفشل بإذن اهلل ورعايته وقوته، وإن المسلمين في هذه األيام يزدادون حرصًا على‬
                                                                                  ‫ر‬           ‫س‬
                                                                   ‫القرآن وتم ّكًا به ونش ًا له في العالم.‬
   ‫ويتوجب على أمريكا االعتذار عما بدر من موظفيها من تدنيس للقرآن ومحاكمتهم، كما يتوجب‬
                                        ‫ج‬
‫على أمريكا أيضًا منع وسائل اإلعالم التي تنشر الته ّمات الباطلة الزائفة على اإلسالم وعلى نبي‬
 ‫اإلسالم، وبالمقابل فإنه يتوجب على المسلمين مقاطعة المنتجات األمريكية كإجراء احتجاجي على‬
                                                         ‫الموقف األمريكي المعادي لإلسالم والمسلمين.‬
                                                        ‫ق‬
‫ثانيًا: حي البستان في سلوان: لقد تل ّت حوالي مائة عائلة مقدسية إخطارات من البلدية اإلسرائيلية‬
     ‫تشعرهم فيها بأن حي البستان في سلوان بالقدس هو منطقة خضراء، وأن البيوت المقامة هي‬
‫بيوت غير قانونية حسب زعم البلدية، وإنها مهددة بالهدم، وهذه اإلجراءات الظالمة هي من ضمن‬
                ‫م‬
     ‫مخططات تهويد القدس، في حين أن معظم البيوت مقامة منذ أكثر من خمسين عا ًا، وقد أقام‬
          ‫السكان خيمة اعتصام لهم لتدارس أوضاعهم القانونية والسياسية واالجتماعية واإلنسانية،‬
‫ويطالبون المواطنين والمؤسسات الوقوف إلى جانبهم للدفاع عن قضيتهم العادلة، وإليواء عائالتهم‬
      ‫وأطفالهم، رغم أن أصحاب هذه البيوت يدفعون ما يترتب عليهم من رسوم البلدية، ويسددون‬
                                                  ‫فواتير الكهرباء والماء وغيرهما منذ عشرات السنين.‬
        ‫فالثبات الثبات يا أهلنا في بيت المقدس، واهلل معكم، َ َ َعْل ُ ال ِي َ ظَلَ ُوا أ َّ ُنقَلَبٍ َنقَِ ُو َ‬
        ‫ي لب ن‬            ‫وسي َم َّذ ن م َي م‬
                                                                                            ‫[الشعراء:277].‬

‫(5/6271)‬
                                                                     ‫منه أهل السنة في الخلق‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫مكارم األخالق‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                        ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                         ‫الخبر‬
                                                                                  ‫67/3/1515‬
                                                                                          ‫النور‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أزمة المسلمين اليوم أزمة أخالق. 7- من منه السلف الصالح االهتمام بجانب األخالق. 3-‬
‫مكانة األخالق الفاضلة في اإلسالم. 1- أخطاء في مفهوم األخالق. 1- سبل وطرق لرفع مستوى‬
                                                              ‫أخالقنا. 6- من أخالق المؤمنين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، فإنه لم يعد خافيًا على كل مسلم يريد لنفسه النجاة في الدنيا واآلخرة أن‬
                        ‫ن‬
‫التزام كتاب اهلل وسنة رسوله بفهم السلف الصالح هو سفينة النجاة، وإ ّ المتأمل في حياتنا ـ نحن‬
      ‫المسلمين ـ في هذه العصور المتأخرة على اختالف درجاتنا في االستقامة واإليمان ليالحظ‬
                                                                           ‫ر‬
‫انفصاالً كبي ًا بين الجانب العلمي النظري والجانب السلوكي األخالقي، حيث أصبح من المعتاد أن‬
               ‫د‬
   ‫يرى اإلنسان أحيانًا من نفسه أو من بعض إخوانه ـ حتى الصالحين منهم ـ بع ًا في كثير من‬
                                                     ‫ذ‬
  ‫الجوانب األخالقية، فمن الالزم إ ًا عند طرح منه السلف والدعوة إليه أن يطرح بشكل شامل،‬
     ‫فيتضمن العقيدة والفقه والسلوك واألخالق، فكما أنه ال يقبل من أحد أن يلتزم بأخالق السلف‬
  ‫ويترك معتقدهم، فكذلك ال يسوغ ألحد أن يعتقد معتقدهم ويترك االلتزام بسلوكهم وأخالقهم، ولو‬
                         ‫أننا رجعنا إلى سيرة السلف الصالح لوجدنا خير مثال للمنه المتكامل.‬
 ‫أيها اإلخوة، إننا إذا أدركنا هذا األمر والتزمنا به فسوف تختفي من حياتنا وبإذن اهلل تلك الصور‬
                                                  ‫ص‬
‫والمواقف المتناقضة، نعم إننا لن نجد شخ ًا يعتقد عقيدة السلف في التوحيد ومحاربة البدع ثم هو‬
      ‫في نفس الوقت يخالف سلوكهم باقترافه أنواعًا من الظلم واألخالق المبتذلة والحقد والشحناء‬
                                                                                 ‫واتباع الهوى.‬
     ‫ومما يؤيد أهمية الجانب األخالقي في منه السلف أن العلماء الجهابذة الذين ألفوا في العقيدة‬
                            ‫ال‬                                            ‫ر‬
    ‫ضمنوا كتبهم كثي ًا من الجوانب السلوكية واألخالقية، ومن ذلك مث ً ما قاله شيخ اإلسالم ابن‬
‫تيمية رحمه اهلل في العقيدة الواسطية: "ثم هم ـ أي: أهل السنة ـ يأمرون بالمعروف وينهون عن‬
      ‫المنكر على ما توجبه الشريعة"، حتى قال رحمه اهلل: "ويحافظون على الجماعات، ويدينون‬
       ‫بالنصيحة لألمة، ويعتقدون معنى قوله : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه‬
      ‫بعضًا)) وشبك بين أصابعه، وقوله : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل‬
    ‫الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر))، ويأمرون بالصبر عند‬
                                                   ‫م‬
 ‫البالء والشكر عند الرخاء والرضا ب ُر القضاء، ويدعون إلى مكارم األخالق ومحاسن األعمال،‬
                                              ‫ن‬
 ‫ويعتقدون معنى قوله : ((أكمل المؤمنين إيما ًا أحسنهم خلقًا))، ويندبون إلى أن تصل من قطعك،‬
     ‫وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين وصلة األرحام وحسن الجوار‬
     ‫واإلحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيالء‬
        ‫والبغي واالستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي األخالق، وينهون عن‬
                                                                                     ‫سفاسفها".‬
                                                        ‫س‬
     ‫فانظر ـ رحمك اهلل ـ كيف كان ال ّلف يفهمون الشمول في الدين والمعتقد، وقال اإلمام أبو‬
 ‫عثمان الصابوني المتوفى سنة 211هـ في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث، قال رحمه اهلل‬
     ‫واصفًا أهل السنة والجماعة: "ويتواصون بقيام الليل للصالة بعد المنام، وبصلة األرحام على‬
     ‫اختالف الحاالت، وإفشاء السالم، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين واأليتام،‬
 ‫واالهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي‬
  ‫في الخيرات، واتقاء شر عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر" انتهى كالمه رحمه اهلل. فأين‬
                                 ‫الذين يدعون إلى منه السلف عن هذا السلوك وهذه األخالق؟!‬
    ‫أيها األحبة في اهلل، إن األمة اإلسالمية باإلضافة إلى ما تعيشه من تخبط عقدي وتأخر دنيوي‬
               ‫فإنها تعيش أزمة كبرى في الجانب الخلقي، ومصيبةً عظمى في الجانب السلوكي.‬
  ‫معاشر المسلمين، إن لألخالق مكانة كبيرة في ديننا اإلسالمي، والقرآن الكريم لم يثن على خير‬
                                              ‫وِن ع خل ع‬
  ‫الرسل محمد بأكثر من أن قال: َإ َّكَ لَ َلى ُُقٍ َظِيمٍ [القلم:1]، والنبي يلخص رسالته فال يزيد‬
    ‫أن يقول: ((إنما بعثت ألتمم مكارم األخالق))، وال يعني هذا أن الرسول بعث للناس من أجل‬
 ‫تحسين أخالقهم فقط، إنما كان أصل دعوة النبي للتوحيد وحتى يعبد اهلل وحده ال شريك له، ولكن‬
    ‫النبي أراد التنبيه على أن من أعظم مهمات الرسل توجيه الناس إلى األخالق الحسنة والسلوك‬
  ‫القويم، ولذا فقد قال مرغبًا أمته في األخالق الفاضلة: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم‬
 ‫م‬
‫القيامة من خلق حسن))، وقال : ((البر حسن الخلق)). وال عجب ـ أيها اإلخوة ـ إن رأينا عال ًا‬
  ‫مثل ابن القيم رحمه اهلل يقول: "الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين".‬
     ‫أيها اإلخوة، إن الدين ال يقف عند حد الدعوة إلى مكارم األخالق وتمجيدها فقط، لكنه أرسى‬
‫قواعدها وحدد معالمها وضبط مقاييسها، فكل خلق حسن إنما جاء به اإلسالم، وكل خلق سيئ فقد‬
                                                                     ‫ن‬
    ‫نهى عنه اإلسالم، وإ ّ فهم هذا األمر كفيل لكل مسلم بأن يستزيد من فقه الكتاب والسنة، وأن‬
            ‫ر‬
  ‫يتأمل في النصوص الشرعية، وفي نفس الوقت ال بد له أن يعلو بإيمانه ويسمو مفتخ ًا بانتسابه‬
             ‫إلى هذا الدين، فال يبحث عن األخالق عند أقوام وصفهم اهلل بأنهم أضل من األنعام.‬
  ‫إننا نعلم أن بعض الكفار قد يتصف ببعض الصفات الحسنة التي يرجو ثوابها في الدنيا، وهي ال‬
   ‫عمل‬       ‫َ َد إل‬
 ‫تنفعه في اآلخرة؛ ألنه لم يؤمن باهلل حق اإليمان، واهلل يقول في حق هؤالء: وق ِمْنَا َِى مَا َ ُِوا‬
                              ‫و‬                                ‫م عم ٍ جع ه هب ء م ث ر‬
‫ِنْ َ َل فَ َ َلْنَا ُ َ َا ً َنْ ُو ًا [الفرقان: 37]، ولكن هذا ال يس ّغ لمسلم بين يديه وحي من السماء‬
                                                                 ‫فيتركه باحثًا عن الهدى في غيره.‬
                ‫ترب‬
   ‫وإن الناظر إلى شخصية الرسول ليرى عجبًا، وعلى تلك األخالق الفاضلة َّى الصحابة على‬
       ‫يديه ، فأنت لألمة جيالً لن يتكرر، فجيل الصحابة بحق أسطورة يعجز المرء عن وصفها.‬
   ‫أيها اإلخوة المسلمون، يخطئ كثير من المسلمين في مفهوم األخالق اإلسالمية، فيظنون الخلق‬
                                                                                   ‫ر‬
 ‫محصو ًا في االبتسامة ولو كانت صفراء، وفي الكلمة الطيبة فقط ولو كانت مداهنة ونفاقًا، وهذا‬
                                                                        ‫ر‬
‫كله ال يصلح تفسي ًا لألخالق، إنما األخالق هي بمفهومها الشامل كل ما جاء به اإلسالم من تنظيم‬
  ‫عالقة اإلنسان بغيره، وهذا لن تجده إال في اإلسالم. وإن عدم الفهم الصحيح لألخالق وحصرها‬
                                                         ‫ر‬
  ‫في بعض الجوانب أورث شعو ًا عند بعض المسلمين بأن الكفار أو الغرب خاصة لديهم أخالق‬
   ‫أفضل مما عند المسلمين، وهذا أمر ال يجوز اعتقاده؛ ألن مما ينقض األخالق من أصولها تلك‬
  ‫الحياة الغربية التي تقوم على العبودية المنحطة وإن سموها حرية، ألنهم يعبدون المال ويعبدون‬
        ‫النساء والشهوة الجنسية، فهم يعيشون إباحية متناهية ال يضبطها نظام وال يردعها قانون.‬
    ‫إننا لن نقبل على قيمنا اإلسالمية ولن نعرف كيف نستقي منه حياتنا كامالً إال إذا نظرنا إلى‬
   ‫القرآن الذي بين يدينا وسنة نبينا محمد نظرة الذي بلغ به العطش مبلغه، فهو يروي عطشه من‬
 ‫ماء بارد زالل ال يرضى عنه بديالً، ومن ثم فسيدرك كل مسلم أنه كان في غفلة عن وحي ربه،‬
      ‫وإن كنت ـ أخي المسلم ـ ممن فاتك شيء من هذه الفرص فاستدرك اليوم ما فاتك، وإنما‬
                                                                                  ‫األعمال بالخواتيم.‬
                                                                    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن...‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                              ‫ن‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن الحديث عن األخالق ألمر سهل، لك ّ األمر ليس مجرد كالم، وإنه ال‬
                               ‫ذ‬                                        ‫د‬
‫يعرف أن أح ًا وصف بحسن األخالق ألنه يعرف األخالق، إ ًا ـ أيها اإلخوة ـ نقف مع الخطوة‬
‫األولى من العالج وهي أن نشعر جميعًا بال استثناء أننا بحاجة إلى أن نتربى على أخالق اإلسالم،‬
                                    ‫ق‬
     ‫ومن ثم نأتي البيوت من أبوابها، فنفتش عن أخالق النبي خل ًا خلقًا، ومن بعده سلفنا الصالح،‬
     ‫فنأخذ مما أخذوا، ونسير كما ساروا، ولقد كان من دعائه : ((اللهم اهدني ألحسن األخالق ال‬
                   ‫يهدي ألحسنها إال أنت، واصرف عني سيئها ال يصرف عني سيئها إال أنت)).‬
                                                   ‫ال‬
‫أيها األخ المسلم، حاسب نفسك قلي ً، واسألها: أي رصيد تملك من أخالق أهل اإلسالم؟ واعرض‬
  ‫نفسك على ما سأذكره لك من أخالق عملية أوصى بها أحد أسالفنا الصالحين، فقد قال يحيى بن‬
                                                                     ‫ر‬
   ‫معاذ رحمه اهلل ذاك ًا ما يجب أن يكون عليه المؤمن من خلق، فقال رحمه اهلل: "أن يكون كثير‬
      ‫الحياء، قليل األذى، كثير الخير، قليل الفساد، صدوق اللسان، قليل الكالم، كثير العمل، قليل‬
                                ‫ر‬      ‫ر‬      ‫ال‬
   ‫الزلل، قليل الفضول، كثير البر، للرحم وصو ً، وقو ًا شكو ًا، كثير الرضا عن اهلل إذا ضيق‬
   ‫م‬          ‫ب‬                                            ‫ق‬      ‫ف‬               ‫ق‬      ‫م‬
 ‫عليه الرزق، حلي ًا رفي ًا بإخوانه، عفي ًا شفو ًا، ال لعانًا وال سبابًا وال عيابًا وال مغتا ًا وال نما ًا،‬
                                                     ‫ر‬           ‫د‬          ‫د‬         ‫ال‬
   ‫وال عجو ً وال حسو ًا وال حقو ًا وال متكب ًا وال معجبًا، وال راغبًا في الدنيا وال طويل األمل،‬
                               ‫ش‬      ‫ال‬         ‫ق‬
 ‫وال كثير النوم والغفلة، وال مرائيًا وال مناف ًا وال بخي ً، هشا ًا بشاشًا، يحب في اهلل ويبغض في‬
‫اهلل، ويرضى في اهلل ويغضب هلل، زاده تقواه، وهمته عقباه، وجليسه ذاكره، وحبيبه مواله، وسعيه‬
‫آلخراه". فاعلم ذلك يا أخي، وفتش نفسك قبل موتك، وابك عليها إن وجدت فيها أخالق المنافقين.‬
      ‫اللهم اهدنا ألحسن األخالق ال يهدي ألحسنها، واصرف عنا سيئها ال يصرف عنا سيئها إال‬
                                                                                                  ‫أنت...‬

‫(5/2271)‬




                                                                                      ‫من أحكام المسنين‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                          ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                     ‫اآلداب والحقوق العامة, الوالدان, مكارم األخالق‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                    ‫الخبر‬
                                                                                           ‫37/7/7715‬
                                                                                                    ‫النور‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- تقلب اإلنسان بين الطفولة والشباب والمشيب. 7- أخطاء البعض بحق الكبار والمسنين. 3-‬
‫حديث موجه إلى المسنين. 1- إجالل المسنين واحترامهم. 1- دور الكبار في تربية المجتمع. 6-‬
    ‫من حفظ اهلل في صغره حفظ اهلل قوته في كبره. 2- اإلسالم وكفالة المسنين. 6- أحكام فقهية‬
                                                             ‫راعت أحوالهم. 2- مآسي المسنين في الغرب.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
  ‫ُم ج َ م ب ض ٍ ُوة ُم ج َ ِ ب د‬                         ‫ك م ض‬               ‫الله َّ‬
  ‫أما بعد: قال اهلل تعالى: َّ ُ الذِي خَلَقَ ُمْ ِنْ َعْفٍ ث َّ َعلَ ِنْ َعْدِ َعْف ق َّ ً ث َّ َعلَ منْ َعْ ِ‬
                                           ‫ُوة ض و بة لق م ي ء ه ع م َد ر‬
    ‫ق َّ ٍ َعْفًا َشَيْ َ ً يَخُْ ُ َا َشَا ُ وَ ُوَ الْ َلِي ُ الْق ِي ُ [الروم:11]. سبحان من خلق الخلق بقدرته,‬
                                                                                   ‫وصر‬
     ‫َّفهم في هذا الوجود والكون بعلمه وحكمته, وأسبغ عليهم اآلالء والنعماء بفضله وواسع‬
    ‫الله‬                 ‫م‬                                       ‫ف‬      ‫ف‬
    ‫رحمته, خلق اإلنسان ضعي ًا خفي ًا ثم أمده بالصحة والعافية، فكان به حلي ًا رحيمًا لطيفًا، َّ ُ‬
                                              ‫ُ م ض ْف ُم ج َ م ب ْد ض ْ ُو‬                      ‫َّ‬
      ‫الذِي خَلَقَكمْ ِنْ َع ٍ ث َّ َعلَ ِنْ َع ِ َعفٍ ق َّةً، قوة الشباب التي يعيش بها أجمل األيام‬
    ‫والذكريات مع األصحاب واألحباب, ثم تمر السنون واألعوام، وتتالحق األيام تلو األيام، حتى‬
     ‫يصير إلى المشيب والكبر، ويقف عند آخر هذه الحياة، فينظر إليها فكأنها نس من الخيال أو‬
‫ضرب من األحالم، يقف في آخر هذه الحياة وقد ضعف بدنه وانتابته األسقام واآلالم، ثم بعد ذلك‬
                                             ‫ِنك َيت وِن ُ َيت‬
                               ‫يفجع بفراق األحبة والصحب الكرام، إ َّ َ م ِّ ٌ َإَّهمْ مِّ ُونَ [الزمر:3].‬
           ‫عباد اهلل، حديثنا اليوم سيكون عن المسنين، كبار السن في مجتمعنا من األهل واألقارب‬
                                                          ‫والجيران، وممن نخالطهم في المساجد والمجالس.‬
   ‫إنه الكبير الذي رق عظمه وكبر سنه، وخارت قواه وشاب رأسه، إنه الكبير الذي نظر اهلل إلى‬
   ‫عف ن م الرج ل َالنس ء و و ْد‬                 ‫ِال م‬
‫ضعفه وقلة حيلته فرحمه وعفا عنه، قال اهلل تعالى: إ َّ الْ ُسْتَضْ َ ِي َ ِنْ ِّ َا ِ و ِّ َا ِ َالْ ِل َانِ‬
       ‫ي ط ع ح ة و ي َد سب ً أ ئ عس الله َ ف ع ُ و الله ُو ف ر‬
      ‫ال َسْتَ ِي ُونَ ِيلَ ً َال َهْت ُونَ َ ِيال فَُوْلَ ِكَ َ َى َّ ُ أَنْ يعْ ُوَ َنْهمْ َكَانَ َّ ُ عَف ًّا غَ ُو ًا‬
                                                                                                  ‫[النساء:62، 22].‬
                   ‫ُي‬
        ‫نقف اليوم ـ أيها األحبة ـ مع كبير السن، نقف مع حقوقه التي طالما ضِّعت، ومشاعره‬
                                                            ‫ج‬
       ‫وأحاسيسه التي طالما ُرحت، ومع آالمه وهمومه وغمومه وأحزانه التي كثرت وعظمت.‬
                                      ‫ل‬
     ‫أيها المسلمون، أصبح كبير السن اليوم غريبًا حتى بين أهِه وأوالده، ثقيالً حتى على أقربائه‬
    ‫وأحفاده، من هذا الذي يجالسه؟! ومن هذا الذي يؤانسه؟! بل من هذا الذي يدخل السرور عليه‬
                                                                                                           ‫ويباسطه؟!‬
‫إذا تكلم الكبير قاطعه الصبيان, وإذا أبدى رأيه ومشورته سفهه الصغار, فأصبحت حكمته وخبرته‬
          ‫في الحياة إلى ضياع وخسران. أما إذا خرج من بيته فقد كان يخرج باألمس القريب إلى‬
      ‫األصحاب واألحباب وإلى اإلخوان والخالن, يزورهم ويزورونه، يقضي حوائجهم ويقضون‬
‫حوائجه، أما اليوم فإن خرج فإنه يخرج إلى األشجان واألحزان, يخرج اليوم إلى أحبابه وأصحابه‬
                                            ‫ي ي‬
  ‫من أقرانه وممن كان يجالسهم، يخرج اليوم ُشّع موتاهم ويعود مرضاهم, فاهلل أعلم كيف يعود‬
   ‫إلى بيته, يعود بالقلب المجروح المنكسر, وبالعين الدامعة, وبالدمع الغزير المنهمر؛ ألنه ينتظر‬
       ‫ب‬      ‫د‬                                 ‫ج‬
‫دوره. يرجع إلى بيته ويرى أن معظم أقرانه و ُلسائه قد فارقوا الحياة، فصار وحي ًا غري ًا ينتظر‬
                                                                                                  ‫أمر اهلل عز وجل.‬
‫فيا معاشر كبار السنن، اهلل يرحم ضعفكم, اهلل يجبر كسركم، في اهلل عوض عن الفائتين, وفي اهلل‬
          ‫ط‬                                 ‫ع‬
 ‫أنس للمستوحشين. إنا لنعلم أنه قد تج ّد جلدك، وثقل سمعك، وضعف بصرك، وب ِئت حركتك،‬
                                                                 ‫ي‬
    ‫وترهلت عضالتك، وتغ ّر لون شعرك، ومع ذلك ـ فيا معاشر الكبار ـ أنتم كبار في قلوبنا,‬
   ‫عل‬
‫وكبار في نفوسنا, وكبار في عيوننا, كبار بعظيم حسناتكم وفضلكم بعد اهلل علينا، أنتم الذين َّمتم‬
        ‫وربيتم وبنيتم وقدمتم وضحيتم، لئن نسي الكثير فضلكم فإن اهلل ال ينسى، ولئن جحد الكثير‬
                                                            ‫ي‬
    ‫معروفكم فإن المعروف ال َبْلى, ولئن طال العهد على ما قدمتموه من خيرات وتضحيات فإن‬
‫ِن َّذ ن من وعمل الص لح ت‬
‫الخير يدوم ويبقى، ثم إلى ربك المنتهى, وعنده الجزاء األوفى، إ َّ ال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّاِ َا ِ‬
                                                                                  ‫سن ع‬         ‫م‬        ‫ِن نض ع‬
                                                                 ‫إ َّا ال ُ ِي ُ أَجْرَ َنْ أَحْ َ َ َمَالً [الكهف:03].‬
                                                                       ‫م‬
   ‫يا معاشر الكبار، أ ّا اآلالم واألسقام واألمراض التي تجدونها بسبب كبر السن فالمالئكة كتبت‬
                                                                            ‫ظ‬
 ‫حسناتَها, واهلل ع ّم أجورها, وستجدونها بين يدي اهلل, فاهلل أعلم كم كان لهذه األسقام واآلالم من‬
                   ‫د‬                             ‫ت‬                ‫ت‬
     ‫حسنات ودرجات, اليوم ُزعجكم وتقلقكم و ُبكيكم وتقض مضاجعكم, ولكنها غ ًا بين يدي اهلل‬
                                                                             ‫ك‬        ‫ك‬
‫تفرح ُم وتضحك ُم, فاصبروا على البالء، واحتسبوا عند اهلل جزيل األجر والثناء، فإن اهلل ال يمنع‬
                  ‫ر‬
  ‫عبده المؤمن حسن العطاء، قال : ((عجبت ألمر المؤمن، إن أمره كله خي ٌ؛ إن أصابته ضراء‬
                             ‫ظ‬          ‫ر‬                                  ‫ر‬
      ‫صبر فكان خي ًا له, وإن أصابته سراء شكر فكان خي ًا له)). ع ّم اهلل أجوركم, وأجزل في‬
                                                          ‫اآلخرة ثوابكم، فأحسنوا الظن بما تجدونه عند ربكم.‬
 ‫ثم يا معاشر الشباب، توقير الكبير وتقديره أدب من آداب اإلسالم وسنة من سنن سيد األنام عليه‬
                                                                              ‫من اهلل أفضل الصالة وأزكى السالم.‬
   ‫يا معاشر الشباب، إجالل الكبير وتوقيره وقضاء حوائجه سنة من سنن األنبياء وشيمة من شيم‬
    ‫خ ر ق هم ُم َل إل‬                                 ‫ق َت ي ْد الرع ء و ب‬
   ‫الصالحين األوفياء، قَالَتَا ال نَسْ ِي ح َّى ُص ِرَ ِّ َا ُ َأَ ُونَا شَيْ ٌ كَبِي ٌ فَسَ َى لَ ُ َا ث َّ تَوَّى َِى‬
                                                   ‫ٍ قر‬            ‫َب ِن ل ز إ ي م‬                            ‫الظ ِّ‬
                                   ‫ِّل فَقَالَ ر ِّ إ ِّي ِمَا أَن َلْتَ ِلَ َّ ِنْ خَيْر فَ ِي ٌ [القصص:37، 17].‬
                                ‫وأجل‬
‫يا معاشر الشباب، ارحموا كبار السن وقدروهم ووقروهم ُّوهم؛ فإن اهلل يحب ذلك ويثني عليه‬
        ‫ن‬                                                                           ‫ر ر‬
 ‫خي ًا كثي ًا, قال النبي : ((إن من إجالل اهلل إجالل ذي الشيبة المسلم))، وقال : ((ليس م ّا من لم‬
                ‫به وقد‬
  ‫يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)). إذا رأيت الكبير فارحم ضعفه، وأكبر شي َ ُ, ِّر منزلته وارفع‬
                                              ‫ي ز‬                ‫يظ‬
‫درجته, وفرج كربته، َع ُم لك الثواب, و ُج ِل اهلل لك به الحسنى في المرجع والمآب، بل اعتبر‬
‫بما رواه اإلمام أحمد رحمه اهلل عن أنس أنه قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اهلل يوم‬
‫فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول اهلل ، فقال رسول اهلل ألبي بكر: ((لو أقررت الشيخ‬
                                                                                                         ‫في بيته ألتيناه)).‬
    ‫ِم ي ل َن ِ ْدك‬
    ‫يا معاشر الشباب، أحسنوا لكبار السن، ال سيما الوالدين من اآلباء واألمهات، إ َّا َبُْغ َّ عن َ َ‬
  ‫الْ ِبرَ أَح ُ ُ َا أَوْ كِال ُ َا فَال تَقلْ لَ ُمَا أ ٍّ َال تَنْهرْ ُمَا َقلْ لَ ُ َا قَوْ ً ك ِي ًا َاخْفضْ لَ ُمَا َ َا َ‬
  ‫ه جن ح‬           ‫َ ه و ُ هم ال َر م و ِ‬                           ‫ُ ه ُف و‬                   ‫هم‬             ‫ك َ َدهم‬
                                        ‫ُّل م الر مة َ ُ َّب ح ه م َب ن ص ر‬
      ‫الذ ِّ ِنْ َّحْ َ ِ وقلْ ر ِّ ارْ َمْ ُمَا كَ َا رَّيَا ِي َغِي ًا [اإلسراء:37، 17]، ال سيما إن كان‬
‫الكبار من األعمام والعمات واألخوال والخاالت. كم تجلسون مع األصحاب واألحباب من ساعات‬
‫وساعات, كم تجالسونهم وتباسطونهم وتدخلون السرور عليهم, فإذا جلستم مع األقرباء الكبار مللتم‬
                          ‫وضقتم وسئمتم, فاهلل اهلل في ضعفهم، اهلل اهلل فيما هم فيه من ضيق نفوسهم.‬
‫يا معاشر الشباب، ما كان للكبار من الحسنات فانشروها واقبلوها واذكروها, وما كان من السيئات‬
     ‫والهنات فاغفروها واستروها، فإنه ليس من البر إظهار زلة من أحسن إليك دهرا، وليس من‬
                                                                            ‫م‬       ‫م م‬
                                                               ‫الشيمة إعالن هفوة َن َا بِكَ ِن خير فبسببه.‬
                                                                        ‫س‬
     ‫أيها المسلمون، ُئل بعض السلف فقيل له: من أسعد الناس؟ قال: أسعد الناس من ختم اهلل له‬
                            ‫ت‬                                ‫س‬
‫بالخير. أسعد الناس من ح ُنت خاتمته, وجاءت على الخير قيام ُه, قال : ((خيركم من طال عمره‬
                                                        ‫وحسن عمله, وشركم من طال عمره وساء عمله)).‬
    ‫ي َّر ف ه م َ َكر‬               ‫وَ ن َم ُ‬
    ‫يا ابن آدم، إذا رق عظمك وشاب شعرك فقد أتاك النذير، أَ َلمْ ُع ِّرْكمْ مَا َتَذَك ُ ِي ِ َنْ تذ َّ َ‬
         ‫ة‬                                                                     ‫ج ء ُ الن ر‬
 ‫وَ َا َكمْ َّذِي ُ [فاطر:23]؛ تذكرة من اهلل جل جالله, وتنبيه من اهلل سبحانه وتعالى رحم ً بعباده.‬
‫كان السلف الصالح رحمة اهلل عليهم إذا بلغ الرجل منهم أربعين سنة لزم المساجد وسأل اهلل العفو‬
   ‫بع س ً ق ل‬                ‫َت ِذ ب ُده وب‬
   ‫عما سلف، وكان يسأله اإلحسان فيما بقي من األزمان، ح َّى إ َا َلَغَ أَش َّ ُ َ َلَغَ أَرْ َ ِينَ َنَة َا َ‬
  ‫ُ ن م الت ع عَي وع و ِ َي‬                                     ‫َب ْز ن‬              ‫ُر ن م َ‬               ‫َب ْز ن‬
  ‫ر ِّ أَو ِعْ ِي أَنْ أَشْك َ ِعْ َتَك قَالَ ر ِّ أَو ِعْ ِي أَنْ أَشْكرَ ِعْ َتَكَ َّ ِي أَنْ َمْتَ َل َّ َ َلَى َالد َّ‬
    ‫َّذ ن‬           ‫ه و ل ل ف ذ ِّيت ِن ت ت إ ك وِن م م لم ن أ‬                                                 ‫َ‬         ‫و‬
    ‫َأَنْ أَعْملَ صَالِحًا تَرْضَا ُ َأَصِْحْ ِي ِي ُرَّ ِي إ ِّي ُبْ ُ ِلَيْ َ َإ ِّي ِنْ الْ ُسِْ ِي َ ُوْلَئِكَ ال ِي َ‬
       ‫ن‬      ‫ِّ َّذ‬           ‫َنة و‬                  ‫َّل ع ه سن عمل و وز ع َي ته ْ ف‬
     ‫نَتَقَب ُ َنْ ُمْ أَحْ َ َ مَا َ ُِوا َنَتَجا َ ُ َنْ سِّئَا ِ ِم ِي أَصْحَابِ الْج َّ ِ َعْدَ الصدْقِ ال ِي كَا ُوا‬
                                                                                         ‫ي َد‬
 ‫ُوع ُونَ [األحقاف:15، 65]. كانوا إذا بلغوا أربعين عامًا لزموا بيوت اهلل, وأكثروا من ذكر اهلل,‬
     ‫وأحسنوا القدوم على اهلل جل جالله, أما اليوم فأبناء ستين وسبعين في الحياة يلهثون, غافلون‬
  ‫الهون, أما اليوم فنحن في غفلة عظيمة، من طلوع الصباح إلى غروب الشمس واإلنسان يلهث‬
       ‫م‬                                  ‫يد‬
     ‫في هذه الدنيا, ال يتذكر وال يعتبر, ال ينيب وال َّكر, وتجده إذا غابت عليه الشمس وقد ُلئ‬
     ‫بالذنوب واآلثام من غفلة الدنيا وسيئاتها ينطلق إلى المجالس, إلى مجلس فالن وعالن, وغيبة‬
                        ‫د‬                                             ‫ي‬
         ‫ونميمة وغيرِ ذلك مما ال ُرضي اهلل, فيأتي عليه يومه خامالً كسالنًا بعي ًا عن رحمة اهلل.‬
      ‫كبارنا خيارنا، أهل الفضل والحلم فينا، هم قدوتنا في كل خير، هم أئمتنا إلى الطاعة والبر.‬
   ‫يا معاشر الكبار، أنتم قدوة ألبنائكم وبناتكم وأهليكم, قدوة في مجتمعاتكم، إذا جلست مع األبناء‬
                      ‫ل‬                                     ‫ظ‬
 ‫والبنات فإن كنت محاف ًا على الخير والطاعات أحبوك وهابوك وأجّوك وأكرموك, وإن وجدوك‬
   ‫ي‬
‫تسب الناس وتشتمهم وتنتقصهم وتعيبهم وتغتابهم أهانوك وأذلوك ثم سبوك وعابوك, وهكذا ُجزى‬
                                                           ‫المحسن باإلحسان, والمسيئون بالخيبة والخسران.‬
‫معاشر الكبار، إنكم قدوة في مجتمعاتكم، أردتم أم لم تريدوا، من هم دونكم في السن ينظرون إليكم‬
           ‫ي‬
    ‫نظرة إجالل واقتداء، فالحذر الحذر من المخالفة والعصيان، إن المجتمع ال يقبل أن ُرى كبير‬
                                        ‫ي‬                                      ‫ئ‬
    ‫السن سي ًا في خلقه وتعامله، ال يرضى المجتمع أن ُرى كبير السن يدخن مثالً، فكيف بما هو‬
  ‫أعظم من التدخين؟! أو يالحظ عليه ما يشين. نعم يا معاشر الكبار، إن من حقكم علينا االحترام‬
                              ‫ي‬
    ‫والتقدير والمواساة، ومن حقنا عليكم القدوة وأن تكونوا نماذج ُحتذى بكم ويستفاد من خبرتكم‬
                                                                                        ‫وتجاربكم.‬
     ‫ر‬
    ‫يا معاشر الكبار، إنابة إلى اهلل الواحد القهار, وتوبة من الحليم الغفار، إذا تقربت إلى اهلل شب ًا‬
 ‫تقرب منك ذراعًا, وإن تقربت منه ذراعًا تقرب منك باعًا, وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة, إذا نظر‬
       ‫اهلل إلى قلبك أنك تحب التوبة وتحب اإلنابة إليه فتح لك أبواب رحمته ويسر لك السبيل إلى‬
        ‫مغفرته وجنته, إلى متى وأنت عن اهلل بعيد؟! وإلى متى وأنت طريد؟! ما الذي جنيت من‬
                                          ‫السهرات؟! وما الذي حصلت من الجلوس هنا وهناك؟!‬
  ‫قال بعض كبار السن: اللهم أحسن لي الخاتمة, فمات بين الركن والمقام. وقال ثان: اللهم أحسن‬
‫الختام, فمات وهو ساجد بين يدي اهلل جل جالله. وقال ثالث: اللهم إني أسألك حسن الخاتمة, فمات‬
                                                                           ‫م‬
 ‫يوم الخميس صائ ًا هلل جل جالله. أحسنوا الختام, وأقبلوا على اهلل جل جالله بسالم، وودعوا هذه‬
                                       ‫الدنيا بأحسن األعمال وشيم الكرام، فإن األعمال بالخواتيم.‬
   ‫يا معاشر الكبار، إن مما يحفظ عليك صحتك وقوتك حتى مع كبر سنك طاعة اهلل جل وتعالى،‬
         ‫وأن ال تستخدم هذه الجوارح في معصيته، وهذا شيء من معنى قول النبي : ((احفظ اهلل‬
‫يحفظك))، أي: من حفظ اهلل في صباه وقوته حفظه اهلل في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه‬
                                                                     ‫وبصره وحوله وقوته وعقله.‬
                                                                                     ‫ر‬
     ‫ُوي عن أبي الطيب الطبري رحمه اهلل تعالى أنه جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله،‬
                                                     ‫ً‬
     ‫فركب مرة سفينة، فلما خرج منها قفز قفزة قوية ال يستطيعها الشباب، فقيل له: ما هذا يا أبا‬
                                                                             ‫ِ‬
                                            ‫الطيب؟! فقال: ولمَ وما عصيت اهلل بواحدة منها قط؟!‬
‫وفي أزماننا المتأخرة فإنا قد عاصرنا مثل إمام هذا العصر اإلمام عبد العزيز بن باز ـ رحمه اهلل‬
 ‫تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ـ وقد جاوز الثمانين من عمره، وهو بكامل قواه العقلية‬
                                  ‫يل ير‬
‫وذاكرته وحفظه، وكان رحمه اهلل يستحضر و ُعّم و ُد ّس ويفتي حتى آخر لحظة من حياته. ذلك‬
                                       ‫ح‬     ‫ح‬
            ‫فضل اهلل يؤتيه من يشاء. إنها جوارح متى ما ُفِظت َفَظَت، ((احفظ اهلل يحفظك)).‬
                                                   ‫ل‬
      ‫عن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: قّما كان رسول اهلل يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤالء‬
   ‫الدعوات ألصحابه: ((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما‬
 ‫تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما‬
          ‫أحييتنا، واجعله الوارث منا))، والوارث هو الباقي، والمراد إبقاء قوته إلى وقت الكبر.‬
      ‫ُد‬                                                             ‫ل‬
‫معاشر الكبار، لقد دّنا رسول اهلل إلى بعض األعمال التي بسببها يطول عمر اإلنسان، وع ّ إطالة‬
    ‫العمر جزاءً لهذه األعمال الفاضلة، ومن ذلك بر الوالدين وصلة األرحام وحسن الخلق وحسن‬
                                                                     ‫الجوار وتقوى اهلل عز وجل.‬
  ‫فنسأل اهلل جل وتعالى طول عمر مع حسن عمل، كما نسأله سبحانه صحة في قلوبنا وصحة في‬
                                                         ‫أبداننا، وأن ال يحوجنا إلى غيره سبحانه.‬
   ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو‬
                                                                                               ‫الغفور الرحيم.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: إن مرحلة الشيخوخة من العمر مرحلة عصيبة، وال عجب فلقد تعوذ منها رسول اهلل فيما‬
‫رواه عنه أنس أن النبي كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم)) رواه‬
‫البخاري، وفي رواية أخرى أنه عليه الصالة والسالم كان يتعوذ من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد‬
                                                  ‫ٍ‬                               ‫د‬
        ‫ع ّ الرسول هذه المرحلة هي آخر مرحلة قبل الموت، عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال:‬
    ‫م‬              ‫ض‬                        ‫ر م‬
   ‫((بادروا باألعمال سبعًا: هل تنتظرون إال فق ًا ُنسيا أو غنى مطغيا أو مر ًا مفسدا أو هر ًا‬
                                                                                  ‫مفندا أو موتًا مجهزا؟!)).‬
  ‫أيها المسلمون، ولئن اعتنت الدول بهذه المرحلة من عمر اإلنسان فظهر ما يسمى بنظام التقاعد‬
                                                   ‫ظ‬
   ‫والتأمينات االجتماعية، فإن اإلسالم قد ن ّم وأكد هذا األمر قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا. إن‬
                                                       ‫عد‬                             ‫ن‬
    ‫المس ّين يدخلون ضمن الرعية التي ي َ ّ إمام المسلمين راعيًا لهم ومسؤوالً عنهم، ((كلكم راع‬
 ‫ومسؤول عن رعيته، فاإلمام راع وهو مسؤول عن رعيته)) رواه البخاري من حديث ابن عمر.‬
   ‫ورعاية المسنين تلزم ولي أمر المسلمين، وهي مسؤولية شاملة لجوانب الرعاية، من اقتصادية‬
‫واجتماعية وطبية ونفسية وغيرها. عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((ما من عبد‬
                                                                     ‫يح‬
                     ‫يسترعيه اهلل رعية فلم ُ ِطها بنصحه إال لم يجد رائحة الجنة)) رواه البخاري.‬
 ‫أيها المسلمون، لقد جاءت هذه الشريعة رحمة للبشرية، ومن صور هذه الرحمة أن اهلل عز وجل‬
                                                         ‫ة‬
 ‫خص كبار السن ببعض األحكام؛ رحم ً بهم وإشفاقًا عليهم، مراعاةً لحالتهم الصحية والبدنية، من‬
                                                                                                           ‫ذلك:‬
    ‫أنه أمر األئمة في المساجد بتخفيف الصالة مراعاة لكبار السن والمرضى، روى البخاري في‬
‫صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن منهم الضعيف‬
                                           ‫والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)).‬
                                                               ‫د‬
             ‫ومن األحكام أن األكبر سنا مق ّم في اإلمامة في الصالة إذا تساووا في قراءة القرآن.‬
   ‫وأيضا من األحكام أن كبير السن الذي ال يستوي على الراحلة يح عنه ويعتمر ولو كان حيا،‬
                                        ‫ة‬
   ‫فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: جاءت امرأ ٌ من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول‬
      ‫اهلل، إن فريضة اهلل على عباده في الح أدركت أبي شيخا كبيرا ال يستطيع أن يستوي على‬
                                 ‫الراحلة، فهل يقضي عنه أن أح عنه؟ قال: ((نعم)) رواه البخاري.‬
      ‫ومن األحكام الرخصة لكبير السن باإلفطار في رمضان حين عجزه، واإلطعام عن كل يوم‬
     ‫م ن م ُ َر ض عل َ ٍ ِدة م َي أ َ وعل َّذ‬
  ‫مسكينا أخذا بقول اهلل تعالى: فَ َنْ كَا َ ِنْكمْ م ِي ًا أَوْ ََى سَفر فَع َّ ٌ ِنْ أ َّامٍ ُخرَ َ ََى ال ِينَ‬
                                                                                 ‫يط ق ُ ف ية ع م م ك‬
                                                                ‫ُ ِي ُونَه ِدْ َ ٌ طَ َا ُ ِسْ ِينٍ [البقرة:165].‬
   ‫ومن األحكام أنه أمر الصغير أن يسلم على الكبير، وأن يبدأه إجالال له وتقديرا لسنه، عن أبي‬
       ‫هريرة قال: قال رسول اهلل : ((يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على‬
                                                                                           ‫الكثير)) رواه البخاري.‬
                                                          ‫ي‬
 ‫ومن أحكام كبار السن أنه أمر أن ُبدأ بتقديم الشرب لألكابر، ففي الحديث أن رسول اهلل كان إذا‬
                                                                                         ‫س‬
 ‫ُقي قال: ((ابدؤوا بالكبراء))، أو قال: ((باألكابر)). ومرةً جاءه عيينة بن حصن وعنده أبو بكر‬
  ‫وعمر وهم جلوس على األرض، فدعا لعيينة بوسادة وأجلسه عليها، وقال: ((إذا أتاكم كبير قوم‬
                                                                                                           ‫فأكرموه)).‬
                         ‫تحجب‬                     ‫ه‬
 ‫وأيضًا من األحكام جواز كشف المسنة وج َها لغير المحارم، لكن ُّ ُها أفضل، قال اهلل تعالى:‬
  ‫ع ِن ج ح يض ن ثي ب ُن ْر م َرج ت‬                                      ‫َ ج ن ح‬             ‫و و ِد م الن الالت‬
  ‫َالْقَ َاع ُ ِنْ ِّسَاءِ َّ ِي ال يرْ ُونَ ِكَا ًا فَلَيْسَ َلَيْه َّ ُنَا ٌ أَنْ َ َعْ َ ِ َا َه َّ غَي َ ُتَب ِّ َا ٍ‬
                                                ‫ْر ُن َالله سم ع ع م‬                          ‫ِز ة و ي‬
  ‫ب ِينَ ٍ َأَنْ َسْتَعْفِفْنَ خَي ٌ لَه َّ و َّ ُ َ ِي ٌ َلِي ٌ [النور:06]، قال اإلمام عبد العزيز بن باز رحمه‬
  ‫اهلل: "والقواعد هن العجائز الالتي ال يرغبن في النكاح وال يتبرجن بالزينة، فال جناح عليهن أن‬
   ‫و ي َ ن‬
   ‫يسفرن عن وجوههن لغير محارمهن، لكن تحجبهن أفضل وأحوط لقوله سبحانه: َأَنْ َسْتعْفِفْ َ‬
                                                                        ‫ْر ُن‬
 ‫خَي ٌ لَه َّ، وألن بعضهن قد تحصل برؤيتها فتنة من أجل جمال صورتها وإن كانت عجوزا غير‬
     ‫متبرجة بزينة، أما مع التبرج فال يجوز لها ترك الحجاب، ومن التبرج تحسين الوجه بالكحل‬
                                                                                                       ‫ونحوه" انتهى.‬
  ‫ومن أحكام المسنين أن الشريعة نهت عن قتل كبير السن من العدو الكافر حال الجهاد، فقد كان‬
‫ة‬           ‫ر‬
‫رسول اهلل يوصي أصحابه عند بعث السرايا والجيوش في الغزوات أن ال يقتلوا صغي ًا وال امرأ ً‬
 ‫ش‬                                                                         ‫ر‬
‫وال شيخًا كبي ًا، روى الطبراني عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اهلل إذا بعث جي ًا‬
                             ‫ر‬
  ‫أو سريةً دعا صاحبهم فأمره بتقوى اهلل وبمن معه من المسلمين خي ًا، ثم قال: ((اغزوا بسم اهلل‬
       ‫خ‬         ‫د‬                                        ‫ل‬
      ‫وفي سبيل اهلل، قاتلوا من كفر باهلل، ال تغّوا وال تغدروا وال تمثلوا وال تقتلوا ولي ًا وال شي ًا‬
                                                                                                                  ‫ر‬
                                                                                                              ‫كبي ًا)).‬
  ‫فتأمل ـ يا رعاك اهلل ـ إلى شريعة اإلسالم حتى مع العدو حال القتال، ال يقتل كبير السن، وال‬
    ‫تقتل المرأة، فضالً عن األطفال، وقارن ـ يا أخي الحبيب ـ بين هذا وبين ما يمارسه الكفار‬
                      ‫ء‬                  ‫ر‬                ‫ء‬
   ‫اليوم بجميع مللهم ونحلهم، ابتدا ً من اليهود ومرو ًا بالنصارى وانتها ً بالصرب والشيوعيين،‬
                                ‫ة‬           ‫خ ر‬                    ‫ال‬
  ‫وكيف أنهم لم يرحموا طف ً رضيعًا وال شي ًا كبي ًا وال امرأ ً مسكينة، بل بهم يبدؤون، وعليهم‬
    ‫ترسل الصواريخ والقذائف، بل وتدمر البيوت والمساكن فوق رؤوسهم، وال حول وال قوة إال‬
                                                               ‫باهلل، إنها شريعة الغاب التي يدين بها الغرب.‬
                 ‫ن‬
 ‫وإن تعجب فاعجب من موقف عمر بن الخطاب مع ذلك الرجل الكبير المس ّ الضرير اليهودي،‬
                              ‫مر‬
‫وقد ذكره أبو يوسف في كتاب الخراج أن عمر بن الخطاب َّ بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ‬
                                 ‫ّ‬
‫كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، فقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال:‬
                                    ‫ن‬
    ‫فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والس ّ، قال: فأخذ عمر بيده فذهب به إلى‬
  ‫منزله فأعطاه من المنزل شيئًا، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فواهلل‬
                    ‫ِنم الص َ ت ل ف َر ء و مس ك‬
    ‫ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إَّ َا َّدقَا ُ ِلْ ُق َا ِ َالْ َ َا ِينِ [التوبة:06]،‬
            ‫فالفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.‬
   ‫أال فلتسمع الدنيا مثل هذه المعاملة، ولتسمع بخالد بن الوليد عندما صالح أهل الحيرة وجاء في‬
                                                   ‫ي‬
 ‫صلحه معهم أنه قال: (وجعلت لهم أّما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من اآلفات أو كان‬
       ‫غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين).‬
 ‫أين منظمات حقوق اإلنسان اليوم عن مثل هذه األحكام وهذه التشريعات؟! إنه ال خالص للبشرية‬
 ‫من الممارسات الوحشية اليوم في العالم كله إال باإلسالم، ويوم يرجع اإلسالم لحكمه في األرض‬
                                 ‫من‬
                   ‫فستنعم البشرية في ظله، وهو يوم آت ال نشك في ذلك، ولتعل ُ ّ نبأه بعد حين.‬
                                                     ‫د‬
 ‫إن الغرب ـ أيها األحبة ـ الذي ي ّعي حقوق اإلنسان اليوم زعموا، إليك بعض أخباره مع كبار‬
                                                                                            ‫السن عندهم:‬
     ‫ي‬
    ‫اقترح مستشار الرئيس الفرنسي السابق في إحدى الدراسات أن ال يعطى الشيوخ عالجًا طب ًا‬
                                                                      ‫سن‬            ‫ف‬
‫مكث ًا إذا تجاوز ًّا معينة من أجل التعجيل بوفاته، وها هو أحد المستشفيات في الدانمارك يرفض‬
  ‫استقبال المرضى المسنين؛ ألن إقامتهم في المستشفى قد تطول، ويجب أن تعطى أولوية العالج‬
 ‫للعاملين الذين يسهمون في تمويل صناديق الرعاية بما يدفعونه من ضرائب، فقيمة اإلنسان لديهم‬
‫ليست في ذاته، وإنما في قدرته على اإلنتاج، ومن ال ينت فالموت، هذه هي الحضارة التي ينادي‬
        ‫بها في مجتمعاتنا أولئك المنهزمون ممن رضعوا من ألبان الغرب من أصحاب التوجهات‬
       ‫العلمانية، ومن نحى نحوهم ممن يريدون أن يأخذوا حضارة الغرب بعجرها وبجرها. هذه‬
                                                                 ‫ي‬
      ‫الكتابات التي نقرأها يوم ًا في صحفنا ومجالتنا، والتي تنادي بالحضارة الغربية والسير في‬
                                          ‫ن‬                    ‫ن‬
         ‫منوالها، هل يريدون أيضًا م ّا أن نعامل كبار الس ّ عندنا على مثل ما اقترحه المستشار‬
                                                                        ‫الفرنسي؟! رحماك ثم رحماك.‬
      ‫اللهم ارحمنا رحمة اهد بها قلوبنا، اللهم اختم لنا بخير, اللهم اختم لنا بخير, اللهم اجعل خير‬
      ‫أعمالنا أواخرها, وخير أعمارنا خواتمها, وخير أيامنا يوم لقائك, اللهم اجعل أسعد اللحظات‬
     ‫وأعزها لحظة الوقوف بين يديك برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم ارحم كبارنا, ووفق للخير‬
                                                          ‫صغارنا, وخذ بنواصينا لما يرضيك عنا...‬

‫(5/0031)‬




                                                                                  ‫عيد الفطر 0515هـ‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                           ‫فضائل األعمال, قضايا دعوية‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫محمد بن عبد اهلل السبيل‬
                                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                                              ‫5/05/0515‬
                                                                                             ‫المسجد الحرام‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- الحث على التمسك بالكتاب والسنة. 7- أهمية الحكمة في الدعوة إلى اهلل. 3- التحذير من‬
   ‫إصدار الفتاوى واألحكام دون علم شرعي. 1- أهمية تطبيق الشريعة في حياة المجتمعات. 1-‬
     ‫الترغيب في االستمرار على األعمال الصالحة بعد رمضان. 6- الحث على صيام الست من‬
                                                                                                     ‫شوال.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
‫اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، ال إله إال‬
                                                                    ‫اهلل، واهلل أكبر، اهلل أكبر، وهلل الحمد.‬
      ‫الحمد هلل العلي األعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، له ملك السموات واألرض وما‬
     ‫بينهما وما تحت الثرى، على العرش استوى, وعلى الملك استولى, وقد وسع كل شيء رحمة‬
     ‫وعلمًا، كتب علينا الصيام، وسن رسوله لنا القيام، وشرع األعياد في اإلسالم، وأجزل لنا فيها‬
                                                                                      ‫العطاء وأنال المنى.‬
‫أحمده سبحانه، وبحمده يله من في األرض والسماء، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                             ‫د‬
    ‫عالم السر والنجوى، وإليه المآب والرجعى، وأشهد أن سيدنا محم ًا عبده ورسوله، الداعي إلى‬
    ‫ول‬
   ‫كلمة التقوى، أفضل من صام وتهجد، وأتقى من أناب وتعبد، وأخلص من دعا إلى اهلل فما َّى‬
      ‫وال تردد، فبلغ الرسالة وأدى األمانة حتى لحق بالرفيق األعلى، اللهم صل وسلم على عبدك‬
   ‫ورسولك محمد ما هل هالل وأضا، وما هطل غيث على سهل أو ربا، وعلى آله وصحبه أئمة‬
   ‫العلم والهدى، ومصابيح الظالم والدجى، ما تعاقبت الدهور، وتكررت األعياد والشهور، صالة‬
                                                     ‫وسالمًا دائمين متالزمين إلى يوم البعث والنشور.‬
   ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، واشكروه على نعمه الوافرة ومننه المتكاثرة، أال إن يومكم هذا يوم‬
                                               ‫د‬      ‫د‬
    ‫شهيد، فضله اهلل وعظمه، وجعله عي ًا سعي ًا ألهل طاعته، يفيض عليهم فيه من جوده وكرمه،‬
      ‫فاشكروه على إكمال عدة الصيام، واذكروه وكبروه على ما هداكم وحباكم من نعمة اإلسالم،‬
  ‫واعبدوه حق عبادته، واتقوه حق تقاته، وال تموتن إال وأنتم مسلمون، أفردوه بالعبادة فإنه خلقكم‬
                                            ‫ت ِن و إل ِال لي بد‬                        ‫و‬
                          ‫لها كما قال عز وجل: َمَا خَلَقْ ُ الْج َّ َا ِنسَ إ َّ ِ َعْ ُ ُونِ [الذاريات:61].‬
 ‫يجب علينا هلل غاية الذل والخنوع له وكمال المحبة واإلنابة واإلقبال عليه واإلعراض عن كل ما‬
     ‫سواه وتعلق القلب به وإخالص العمل له وحده، واحذروا ـ عباد اهلل ـ من التعلق بغيره في‬
‫جلب نفع أو دفع ضر، فغيره سبحانه ال يملك لنفسه نفعًا وال ض ًا، َالَ َمِْ ُو َ َوْتًا َالَ حيا ً َ َ‬
‫ة وال‬        ‫ر و ي لك ن م و‬
       ‫لكم الل ُ َب ُ ه م ك‬                                                                       ‫نش ر‬
       ‫ُ ُو ًا [الفرقان:3]، فاهلل هو القادر على كل شيء، وبيده كل شيء، ذَِ ُ ُ َّه ر ُّكمْ لَ ُ الْ ُلْ ُ‬
        ‫ي مع دع ُ و سمع م‬                          ‫إ َع ُ‬                ‫و َّذ َ ع ن م د نه ي لك م‬
       ‫َال ِينَ تدْ ُو َ ِن ُو ِ ِ مَا َمِْ ُونَ ِن قِطْمِيرٍ ِن تدْ ُوهمْ الَ َسْ َ ُواْ ُ َاءكمْ َلَوْ َ ِ ُواْ َا‬
                                          ‫ج ب ك و ْ ق م ي ُر ب ِ ك ُ و ي بئ م ل‬
                   ‫اسْتَ َا ُواْ لَ ُمْ َيَومَ الْ ِيَا َةِ َكْف ُونَ ِشرْ ِكمْ َالَ ُنَّ ُكَ ِثْ ُ خَبِيرٍ [فاطر:35، 15].‬
    ‫عباد اهلل، تمسكوا بكتاب ربكم تفلحوا، واعملوا بسنة نبيكم تهتدوا، وحافظوا على الصالة فإنها‬
       ‫عماد الدين، وهي صلة بين العبد وبين ربه، من حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما‬
       ‫سواها أضيع. أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم فإنها من أركان دينكم، وصوموا شهركم،‬
    ‫وحجوا بيت ربكم، وعليكم ببر الوالدين فإنه أعظم الحقوق بعد حق اهلل وحق رسوله ، وعليكم‬
‫بصلة األرحام واإلحسان إلى الفقراء واأليتام، وتضرعوا بالصبر على أقدار اهلل تفوزوا بالمواهب‬
     ‫الجسام، واجتنبوا الربا، واحذروا من بخس المكاييل والموازين والمقاييس والغش والخداع في‬
‫المعامالت، ووقروا اليمين باهلل في الخصومات، فقد قال : ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي‬
        ‫اهلل وهو عليه غضبان))(5)[5]، وإياكم واإلفك والبهتان وشهادة الزور، واحذروا من الكبر‬
‫والخيالء والفخر واالزدراء، وعليكم بالتواضع وخفض الجناح والتواصل والتوادد والتراحم وعدم‬
                                                                                                               ‫التقاطع.‬
‫ُ ب ْ الله و ِر مته‬
‫عباد اهلل، اشكروا ربكم على نعمة اإلسالم، وتمسكوا بدينكم، وافرحوا به، قلْ ِفَضلِ َّ ِ َب َحْ َ ِ ِ‬
                                                                        ‫ح هو ْر ّم ي مع‬                         ‫ِ َ‬
                                                          ‫فَبذَلِك فَلْيَفْرَ ُواْ ُ َ خَي ٌ م َّا َجْ َ ُونَ [يونس:61].‬
             ‫ب‬
     ‫وأحبوا في اهلل وأبغضوا في اهلل؛ فقد جاء عنه أنه قال: ((أوثق عرى اإليمان أن تح ّ في اهلل‬
                                                                                                  ‫وتبغض في اهلل)).‬
 ‫وادعوا إلى اهلل على بصيرة؛ فإن الدعوة إلى اهلل على بصيرة من هديه وطريقته ممتثالً أمر ربه‬
 ‫الله وم أ من‬               ‫وم اتبعن وس‬                     ‫ق ه ذ سب ل َ ع إل الل عل بص‬
 ‫سبحانه بقوله: ُلْ َا ِهِ َ ِيِى أدْ ُو َِى َّهِ ََى َ ِيرَةٍ أَنَاْ َ َنِ َّ َ َ ِى َ ُبْحَانَ َّ ِ َ َا َنَاْ ِ َ‬
                                                                                  ‫م ْرك‬
  ‫الْ ُش ِ ِينَ [يوسف:605]، فلقد رسمت لنا هذه اآلية الكريمة طريق الدعوة إلى اهلل بأوضح داللة‬
                                                                               ‫وأوجز عبارة، وسار على نهجها.‬
  ‫وسلك الرعيل األول من الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان مسلك أنبياء اهلل ورسوله، يدعون إلى‬
    ‫اهلل على بصيرة، يدعون إلى اهلل بالتي هي أحسن، يدعون إلى اهلل بالحكمة والموعظة الحسنة،‬
   ‫أعطاهم اهلل الحكمة في الدعوة وفي األمر والنهي، كانوا كما وصفهم اهلل سبحانه: ُؤْ ِى الْ ِكْ َ َ‬
   ‫ي ت ح مة‬
                                                        ‫ح م َ أ تى ْر ر‬                             ‫م ي وم ي‬
                                         ‫َن َشَاء َ َن ُؤْتَ الْ ِكْ َةَ فَقدْ ُو ِ َ خَي ًا كَثِي ًا [البقرة:267].‬
 ‫فالحكمة وضع الشيء في موضعه وبقدره بدون زيادة في التصرف أو لجوء إلى التكلف، وبدون‬
    ‫نقص في التبصير أو جنوح إلى التقصير، فقد كانت أقوالهم وأفعالهم وتدبيراتهم تابعة للحكمة،‬
     ‫موافقة للصواب، غير متقدمة على أوانها، وال متأخرة عن إبانها، وبال زيادة عما ينبغي, وال‬
                                    ‫نقص فيما يطلب، أولئك هم الرجال الكمل، وعليهم المعو‬
     ‫َّل، وهم القدوة في كل زمان ومكان،‬
  ‫عملوا بالحكمة في التعليم والتوجيه، يعلمون طالبهم صغار المسائل قبل كبارها، وواضحها قبل‬
 ‫مشكلها، بحسب فهم الطالب وقدرته على استيعاب ما يلقى عليه، بعبارة سهلة واضحة مختصرة،‬
    ‫وعملوا بالحكمة في نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بحسب مالءمة‬
      ‫ت َف‬                             ‫ر‬
 ‫الوقت والحال المناسبة للمنصوح أو المأمور، يستخدمون ال ِفقَ والكلمات الطيبة التي ال ُن ِّر وال‬
                                                          ‫تجرح الشعور، في رفق وتأن‬
 ‫ٍّ كما قال بعض السلف: "على اآلمر بالمعروف والناهي عن المنكر‬
               ‫ق‬                                   ‫م‬                 ‫م‬                 ‫م‬
   ‫أن يكون علي ًا فيما يأمر، علي ًا فيما ينهى، حلي ًا فيما يأمر، حليمًا فيما ينهى، رفي ًا فيما يأمر،‬
                                                          ‫رفيقًا فيما ينهى، وإال كان ضرره أكثر من نفعه".‬
 ‫وقد رسم لنا القرآن الكريم صفة الدعوة إلى اهلل حينما ذكر سبحانه قصة موسى مع فرعون، فإن‬
 ‫فرعون كان أعتى أهل األرض، يقول لقومه: أَنَا رُّك ُ األَعَْى [النازعات:17]، ويقول: َا َِمْ ُ‬
 ‫م عل ت‬                           ‫ل‬       ‫ْ َب ُم‬
       ‫ه ِل‬                                                                                ‫ك م‬
      ‫لَ ُمْ ّنْ اله غَيْرِى [القصص:63]، فلما بعث اهلل موسى وأخاه هارون قال اهلل لهما: اذْ َبَا إَى‬
                                      ‫ش‬           ‫لي ل َله ي َ َكر‬                 ‫ُ‬       ‫ق‬          ‫ِنه‬            ‫ِ‬
  ‫فرْعَوْنَ إ َّ ُ طَغَى فَ ُوالَ لَه قَوْالً َّ ّنًا َّعَّ ُ َتذ َّ ُ أَوْ يَخْ َى [طه:31، 11]، فأمرهما سبحانه بالقول‬
                                                                                  ‫وبي‬
‫اللين، َّن أن ذلك أدعى للقبول، وأسهل إلى االنقياد للحق، وأبعد عن النفور، وهذا تنبيه لكل داع‬
                                                          ‫إلى اهلل أن يسلك هذا المسلك في دعوته وإرشاده.‬
  ‫فهكذا كانت دعوته وتعليمه وإرشاده، يتضح ذلك بما جاء عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا‬
  ‫أنا أصلي مع رسول اهلل إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اهلل، فرماني القوم بأبصارهم،‬
                                                     ‫إلي‬                   ‫ث م‬
      ‫فقلت: وا ُكل أ ّاه! ما شأنكم تنظرون َّ؟! قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما‬
    ‫رأيتهم يصنتوني لكني سكت، فلما صلى رسول اهلل فسلم، فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله وال‬
 ‫بعده أحسن تعليمًا منه، فواهلل ما كهرني وال ضربني وال شتمني، قال: ((إن هذه الصالة ال يصلح‬
 ‫فيها شيء من كالم الناس، إنما هو التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن)) روى هذا الحديث‬
                                                                          ‫اإلمام أحمد ومسلم وغيرهما(7)[7].‬
  ‫وفي حديث أنس قال: بينما نحن في مسجد مع رسول اهلل إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد،‬
    ‫فقال أصحاب رسول اهلل : مه مه، قال: فقال رسول اهلل : ((ال تزرموه، دعوه))، فتركوه حتى‬
 ‫بال، ثم إن رسول اهلل دعاه فقال: ((إن هذه المساجد ال تصلح لشيء من هذا البول وال القذر, إنما‬
   ‫هي لذكر اهلل عز وجل والصالة وقراءة القرآن))، وفي حديث أبي هريرة قال: ((دعوه وأريقوا‬
     ‫على بوله سجالً من ماء، أو ذنوبًا من الماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) روى‬
                                                                    ‫الحديث البخاري ومسلم وغيرهما(3)[3].‬
            ‫د‬
 ‫ثم إن هذا األعرابي حينما خرج من المسجد وركب بعيره قال: اللهم ارحمني ومحم ًا، وال ترحم‬
                                                                                                           ‫د‬
                                                                                                         ‫معنا أح ًا.‬
‫عباد اهلل، هذه طريقته في تعليمه ونصحه وإرشاده ودعوته وأمره ونهيه، وخير الهدي هدي محمد‬
 ‫، فاتبعوا هديه، واسلكوا نهجه، واعملوا بتوجيهاته، واتصفوا بها في جميع شؤونكم، واحذروا من‬
 ‫التكلف والغلو أو التنطع في الدين؛ فقد جاء عنه قوله: ((أال هلك المتنطعون)) قالها ثالثًا(1)[1].‬
       ‫وإياكم والتكلف والدخول في أمور ال تعني، فقد قال : ((من حسن إسالم المرء تركه ما ال‬
‫يعينه)). وإن من التكلف أن يقحم بعض الناس نفسه فيتصدى لألمر والنهي وهو ال يعرف حكم ما‬
    ‫يأمر به وال ما ينهى عنه، فإنه يحصل بسبب ذلك خلل في الدين واستخفاف بالعلم وأهله، وكم‬
‫تظاهر أقوام بالوعظ واإلرشاد ممن ال يحسن ذلك لجهله أو سوء خلقه، فهو يتصيد بعض المقاالت‬
 ‫ل‬
 ‫من بعض العلماء وهو ال يدري مأخذها وال يوقعها موقعها، وكم تطاول بعض الجاهلين ممن ق ّ‬
                                                       ‫ر‬
    ‫علمهم وأحبوا الشهرة فأنكروا أمو ًا ال توجب اإلنكار، وربما تكلموا في أعراض الناس لعدم‬
     ‫مالزمتهم لبعض المستحبات التي يثاب فاعلها وال يعاقب تاركها، أو ربما كان استحبابها عند‬
                                                                      ‫بعض العلماء دون بعض.‬
                                               ‫َ‬        ‫ك‬
     ‫فربما يقع في اغتياب هؤالء بأمور تر ُها ال إثم فيه، وهم قد ارتكبوا بعض الكبائر باغتيابهم‬
     ‫للناس؛ فإن الغيبة من كبائر الذنوب على الصحيح من أقوال العلماء، فأنكروا ما ليس بمنكر،‬
  ‫وحرموا ما ليس بمحرم، وارتكبوا اإلثم، وهذا من قلة العلم وغلبة الجهل، ونت عن ذلك عداوة‬
     ‫في الدين وتفرق واختالف وتخطئة للعلماء, وربما تطاول بعض السفهاء فتناول بعض األئمة‬
   ‫رحمهم اهلل بالتنقص واالزدراء، وكل هذا سببه قلة العلم والورع وحب الشهرة. فاتقوا اهلل عباد‬
                                                        ‫اهلل، واتبعوا هدي نبيكم وسلفكم الصالح.‬
‫عباد اهلل، إن دين اإلسالم قد أكمله اهلل لألمة وأتم به النعمة، فتمسكوا به، واحذروا من التفريط فيه‬
       ‫أو اإلفراط, ومن الغلو والجفاء, فهو الدين الكامل الشامل لكل ما تحتاجه البشرية في دينها‬
    ‫ومجتمعها وحل مشاكلها، وهو الذي تحصل به سعادة الدنيا واآلخرة لمن تمسك به وسار على‬
                                                                              ‫م‬
   ‫نهجه، فما ت ّ عدل وال تكامل أمن وال سعدت أمة إال بتطبيقه والتحاكم إليه وإقامة حدوده ونشر‬
                                                                                        ‫تعاليمه.‬
   ‫والكل منا يعلم ما يحصل في بعض بالد المسلمين من التفكك بين الشعوب وقادتها وعدم األمن‬
 ‫واضطراب األحوال بسبب االنحراف عن تعاليمه وعدم تطبيق شريعة اهلل على عباد اهلل، فساءت‬
   ‫بذلك أحوالهم، وكثر االختالف والنزاع، لقد روي عن ابن عمر أنه قال: ((وما لم تحكم أئمتهم‬
                                                    ‫بكتاب اهلل إال جعل اهلل بأسهم بينهم))(1)[1].‬
                                                         ‫من‬
‫وإنا نحمد اهلل جل شأنه على ما َّ به على هذه البالد من األمن واالستقرار ورغد العيش والتحام‬
   ‫شعبها بقادتها؛ بسبب تطبيق شريعة اهلل وتنفيذ أحكامها وحدودها واألمر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر، فانتشر بذلك العدل في ربوعها واألمن في أرجائها، وإنا نبتهل إلى اهلل جل شأنه أن يحفظ‬
   ‫هذه البالد وقائدها ويوفقه لما يحبه ويرضاه، وأن يحفظه من كيد الكائدين ومكر الماكرين وشر‬
   ‫الحاسدين، وأن يجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.‬
      ‫أيها المؤمنون، استقيموا على طاعة موالكم، وال تعرضوا عن إلهكم بعد إقبالكم عليه في هذا‬
     ‫الشهر الكريم، شهر الصيام والقيام، فاإلله هو الرب المعبود في رمضان وفي جميع األزمان،‬
                                                                      ‫فاستقيموا إليه واستغفروه لعلكم ترحمون.‬
‫وتذكروا ـ عباد اهلل ـ بهذا االجتماع اجتماعكم يوم العرض على اهلل، يوم تعرضون على من ال‬
      ‫تخفى عليه منكم خافية، في ذلك الموقف ينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في‬
   ‫يم ن‬          ‫ح‬        ‫َم إ ن م م َرب َ َر ح َر ن َن ت م وَم إ ن م‬
   ‫السعير، فَأ َّا ِن كَا َ ِنَ الْ ُق َّ ِين ف َوْ ٌ و َيْحَا ٌ وَجَّا ُ نَعِي ٍ َأ َّا ِن كَا َ ِنْ أَصْ َابِ الْ َ ِي ِ‬
‫فَ ََا ٌ َّكَ ِنْ أَصْحَابِ الْ َ ِي ِ َأ َّا ِن كَا َ ِنَ الْ ُك ّ ِينَ َّاّينَ فَنز ٌ ّنْ َ ِيمٍ َتَصِْ َ ُ َحِيمٍ إ َّ‬
‫يم ن وَم إ ن م م َذب الض ل ُ ُل م حم و لية ج ِن‬                                                           ‫سل م ل م‬
                                                                 ‫ه ذ ه َق يق ِ سب ب ْ ِ رب ع‬
                                           ‫َا َا لَ ُوَ ح ُّ الْ َ ِين فَ َ ّحْ ِاسم َ ّكَ الْ َظِيمِ [الواقعة:66-62].‬
   ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي‬
                                 ‫ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
‫اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، اهلل أكبر، ال إله إال اهلل، واهلل أكبر، اهلل‬
                                                                                                    ‫أكبر، وهلل الحمد.‬
                                                                            ‫ج‬       ‫م‬
     ‫الحمد هلل ُعيد ال ُمع واألعياد، وجامع الناس ليوم ال ريب فيه إن اهلل ال يخلف الميعاد، أحمده‬
  ‫سبحانه وأشكره على ترادف مننه وتكاثر نعمه، وأشهد أن ال إله اهلل وحده ال شريك له إله الحق‬
                                                             ‫د‬
    ‫المبين، وأشهد أن سيدنا محم ًا عبده ورسوله، شرع الشرائع وسن األعياد، وقرر الملة وأشاد،‬
   ‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                                                                  ‫الدين.‬
      ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل حق تقاته، واعبدوه حق عبادته، واعلموا أن أصدق الحديث‬
           ‫كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل بدعة ضاللة، وعليكم‬
                                                ‫بالجماعة؛ فإن يد اهلل على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.‬
    ‫عباد اهلل، عليكم بالتخلق بأخالق القرآن والتأدب بآداب سيد األنام، حسنوا أخالقكم مع إخوانكم‬
 ‫المؤمنين، مع أقاربكم وجيرانكم؛ فما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق.‬
            ‫ق‬              ‫ن‬
  ‫حسنوا أخالقكم مع أهليكم وأزواجكم، فقد قال : ((أكمل المؤمنين إيما ًا أحسنهم أخال ًا، وخياركم‬
                                                                                                   ‫خياركم لنسائهم)).‬
  ‫أيتها المرأة المسلمة، اتقي اهلل وحافظي على ما أوجب اهلل عليك في دينك وأمانتك وما استرعاك‬
                                                                          ‫م‬
‫اهلل عليه، ُري أبناءك بالصالة، وعوديهم على الطاعات وعلى الصدق واألمانة ومكارم األخالق،‬
 ‫وحذريهم من الكذب والغيبة والنميمة وبذاءة اللسان، حافظي على كرامتك وعرضك, ال تزاحمي‬
                                                                   ‫الرجال في األسواق والمتاجر والمجتمعات.‬
  ‫أيها المؤمنون والمؤمنات، إن اهلل أوجب على األمة اإلسالمية التعاون على البر والتقوى واألمر‬
   ‫بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح فيما بيننا واجب هلل ولكتابه ولرسوله وألئمة المسلمين‬
                                                                                                        ‫وعامتهم.‬
                                         ‫عم‬
     ‫وإن الفساد ـ يا عباد اهلل ـ إذا انتشر في األمة َّ المسيء وغيره، وحلت العقوبة في األمة‬
 ‫كلها، وإن من أسوأ األمور التي عم بها البالء في كثير من بالد اإلسالم ما جلبه أعداء المسلمين‬
      ‫لتمزيق شملهم وتفكيك أسرهم وإفساد دينهم وابتزاز أمانهم وقتل مروءتهم والفتك بأجسادهم‬
‫وأرواحهم. إن هذه المخدرات بجميع أنواعها وأشكالها والخمور وسائر المحرمات أفسدت األخالق‬
 ‫وكدرت األمن وشتت األسر ونكدت على اآلباء واألمهات من جراء فساد أخالق أبنائهم وتباعدهم‬
                       ‫عن دينهم وعن أهليهم والتفافهم على أصحاب الشر والفساد وجلساء السوء.‬
                                                           ‫ع‬
        ‫فيا عباد اهلل، إنه يجب علينا جمي ًا محاربة هذه األمور, وإنكارها والتحذير منها, وإشاعة‬
 ‫ضررها, وتبليغ المسؤولين عن أمن هذه البالد عما يعلمه كل فرد منا عن المروجين والمتعاطين‬
  ‫لها لقمع الفساد والمفسدين، فإن هذا من التعاون المطلوب من كل مسلم، ومن واجب كل مؤمن,‬
                                                                   ‫م‬
                                       ‫حماية لنفسه وألبناء جنسه وقيا ًا بواجبه ونصحًا لدينه وأمته.‬
          ‫ومن‬
 ‫عباد اهلل، اشكروا اهلل على ما حباكم من نعمة األمن واالستقرار، وعلى ما هداكم َّ عليكم من‬
       ‫نعمة دين اإلسالم وتحكيم شريعة اهلل في هذه البالد، وعلى تواجد الخيرات واألرزاق فيها،‬
‫وتذكروا ـ عباد اهلل ـ ببهجتكم وسروركم في هذا اليوم المبارك إخوانكم المعوزين والمضطهدين‬
   ‫في بعض األقطار األخرى من إخوانكم المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين وفي غيرهما من‬
   ‫بعض النواحي، تعلو وجوههم الكآبة والحزن، وترجف قلوبهم من الخوف وقلة األمن بمطاردة‬
        ‫أعدائهم أعداء اإلسالم بالقنابل المحرقة واألسلحة الفتاكة وباالضطهاد في دينهم وحريتهم‬
        ‫و م م ه ِال أ ي من ِالل َز حم د‬
        ‫وكرامتهم، يغتصبون بالدهم وأوطانهم، َمَا نَقَ ُواْ ِنْ ُمْ إ َّ َن ُؤْ ِ ُواْ ب َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِي ِ‬
‫[البروج:6]، وهم مع ذلك صابرون مناضلون في بسالة وتضحية، فهذا شهيد، وذاك جريح، وآخر‬
         ‫أسير، فكم أيموا النساء، وأيتموا األطفال، وشتتوا األسر، وفرقوا بين األمهات وأطفالهم.‬
  ‫فتذكروا إخوانكم في تلك البقاع، واشكروا اهلل على أمنكم واستقراركم، وإن من شكر النعم القيام‬
‫بأمر اهلل واإلحسان إلى أولئك المجاهدين والمضطهدين وإسعافهم بما تجود به نفوسكم من أموالكم‬
  ‫ض‬                                                                    ‫ر‬
‫ومما رزقكم اهلل شك ًا هلل على نعمه وإعانة إلخوانكم؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بع ًا،‬
    ‫إ ت رض الل َ َ ض‬
   ‫والراحمون يرحمهم الرحمن، وإن الصدقة تدفع البالء وتزيد في المال، ِن ُقْ ِ ُواْ َّه قرْ ًا‬
                                                      ‫ه ُ وي ف ك َالله ك ر ح م‬                              ‫حسن ي‬
                                        ‫َ َ ًا ُضَاعِفْ ُ لَكمْ َ َغْ ِرْ لَ ُمْ و َّ ُ شَ ُو ٌ َلِي ٌ [التغابن:25].‬
‫عباد اهلل، إن نبيكم قد ندبكم لصيام ستة أيام من شوال، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب أن رسول‬
 ‫اهلل قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر))(6)[5]. فبادروا إلى فعل‬
                                                                           ‫الطاعات، وتسابقوا إلى القربات.‬
   ‫أال وصلوا ـ عباد اهلل ـ على خير البرية أجمعين ورسول رب العالمين نبي الهدى والرسول‬
‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن‬
‫المجتبى، فقد أمركم موالكم بذلك في محكم كتابه: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ‬
                                                                   ‫لم‬          ‫َل ع وسلم‬                ‫من‬
                                                    ‫ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
      ‫اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله األطهار وصحابته المهاجرين منهم واألنصار،‬
   ‫وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين واألئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعملون: أبي‬
    ‫بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن العشرة المفضلين وأهل بدر والعقبة وعن أصحاب الشجرة،‬
                                                          ‫والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر المجاهدين في‬
       ‫سبيلك الذين يجاهدون لتكون كلمة اهلل هي العليا في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر‬
   ‫المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي جميع أقطار المسلمين وفي كل موطن يضطهد فيه‬
                                                              ‫قو‬
‫عبادك المؤمنون، اللهم ِّ عزائمهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى...‬


                                                                                           ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه البخاري في كتاب الخصومات، باب: كالم الخصوم بعضهم في بعض (2517)،‬
‫ومسلم في كتاب اإليمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم (635) عن ابن مسعود رضي اهلل عنه.‬
  ‫(7) مسند أحمد (1/211)، صحيح مسلم: كتاب والمساجد ومواضع الصالة، باب: تحريم الكالم‬
                                                                                       ‫في الصالة (231).‬
    ‫(3) صحيح البخاري: كتاب األدب، باب: الرفق في األمر كله (1706)، صحيح مسلم: كتاب‬
                                                           ‫الطهارة، باب: وجوب غسل البول (167).‬
‫(1) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب: هلك المتنطعون (0267) عن ابن مسعود رضي اهلل عنه.‬
  ‫(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب: العقوبات (2501)، وأبو نعيم في الحلية (6/333-‬
                           ‫133)، وصححه الحاكم (1/011)، وهو في السلسلة الصحيحة (605).‬
      ‫(6) صحيح مسلم: كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا (1655).‬

‫(5/5031)‬




                                                                                  ‫التحذير من فتنة الدجال‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                     ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                     ‫أشراط الساعة, الفتن‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫أسامة بن سعيد عمر منسي المالكي‬
                                                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                                 ‫07/1/7715‬
                                                                                                                       ‫أبو العال‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫5- وصف تميم الداري رضي اهلل عنه للدجال. 7- خطبة النبي في وصف الدجال والتحذير منه.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، أوصيكم ونفسي بالمسارعة إلى ما يدنيكم من ربكم الكريم الغفور الرحيم،‬
‫وال يكون ذلك إال بمالزمة تقوى اهلل رب العالمين والسير بهدي سيد المرسلين: (( َا ِ ُوا ِاألعْ َا ِ‬
‫ب در ب م ل‬
  ‫مر م ِد هرم م ِّد م م ِز‬                                      ‫غن م غ‬             ‫ِر إ ْر م س‬                     ‫ه‬       ‫س‬
 ‫َبْعًا: َلْ تَنْتَظ ُونَ ِال فَق ًا ُنْ ِيًا أَوْ ِ ًى ُطْ ِيًا أَوْ َ َضًا ُفْس ًا أَوْ َ َ ًا ُفَن ًا أَوْ َوْتًا ُجْه ًا‬
                                  ‫َّج َ َر ئ ي َر الس ع َ َالس عة َ ه و َر‬
     ‫أَوِ الد َّال فَش ُّ غَا ِبٍ ُنْتَظ ُ أَوِ َّا َة ف َّا َ ُ أدْ َى َأَم ُّ؟!)) رواه الترمذي بإسناد ضعيف‬
                                                                                                                      ‫(6037).‬
               ‫ر‬                           ‫ر‬
‫أيها الناس، ال يخفى عليكم أن رسول اهلل ما ترك خي ًا إال دل األمة عليه، وال ش ًا إال حذر األمة‬
 ‫م‬                                                    ‫شر‬
‫منه، ومن الشر الذي حذر األمة منه ُّ غائب ينتظر، أال وهو الدجال، فقد قال رسول اهلل : (( َا‬
                                                                  ‫َ َذ ب‬              ‫بع ِي إ ْ أم ه‬
                                           ‫ُ ِثَ نَب ٌّ ِال أَنذَرَ ُ َّتَ ُ األعْورَ الْك َّا َ)) رواه البخاري (5352).‬
 ‫أ َ ْر ن‬          ‫لي ْ َ ُل إ ن م ه ث َّ‬                                    ‫ب‬
 ‫وكان من تحذيره أن قام خطي ًا في أصحابه فَقَالَ: ((ِ َلزمْ ك ُّ ِنْسَا ٍ ُصَال ُ))، ُم قَالَ: ((َتد ُو َ‬
        ‫ِن َالل م جم تك ِر بة و ِر بة و ك‬                                    ‫ل الله َرس له َم‬                    ‫ِ جم ت ُ‬
      ‫لمَ َ َعُْكمْ؟)) قَاُوا: َّ ُ و َ ُوُ ُ أَعْل ُ، قَالَ: ((إ ِّي و َّهِ َا َ َعْ ُ ُمْ ل َغْ َ ٍ َال ل َهْ َ ٍ، َلَ ِنْ‬
 ‫َّ ك ت‬           ‫ع و َم َد ن َد و‬                             ‫م الد ِي َ جال ْر ِي ج‬                              ‫جم ت ُ‬
 ‫َ َعُْكمْ ألن تَ ِيمًا َّار َّ كَان رَ ُ ً نَص َانًّا، فَ َاءَ فَبَايَ َ َأَسْل َ، وَح َّثَ ِي ح ِيثًا َافَقَ الذِي ُنْ ُ‬
      ‫م ُذ م‬            ‫جال م‬       ‫ث‬             ‫َّج ل َد ن َن ُ رك َ ف ف ة ب ْ ِي‬                      ‫أ َدثك ع مس‬
     ‫ُح ِّ ُ ُمْ َنْ َ ِيحِ الد َّا ِ، ح َّثَ ِي أ َّه َ ِب ِي سَ ِينَ ٍ َحر َّةٍ مَعَ ثَال ِينَ رَ ُ ً ِنْ لَخْ ٍ وَج َا َ،‬
   ‫ْ َت‬           ‫ف‬                       ‫إل َز ة‬           ‫ْ ُم َ ْ‬           ‫عب بهم م ج ْر ف‬
  ‫فَلَ ِ َ ِ ِ ُ الْ َوْ ُ شَه ًا ِي الْبَحرِ، ث َّ أرفَؤوا َِى ج ِيرَ ٍ ـ أي: التجؤوا إليها ـ ِي الْبَحرِ ح َّى‬
  ‫َ رة‬          ‫َ ل‬                                   ‫م ر الش س ج س ف َ ْر السف ة‬
 ‫َغْ ِبِ َّمْ ِ، فَ َلَ ُوا ِي أق ُبِ َّ ِينَ ِ ـ أي: ما قارب إلى األرض منها ـ فدَخَُوا الْجزِي َ َ،‬
   ‫أت‬              ‫الش َر ل و‬                    ‫قي ُ َابة ب ر الش َ ِ َ ْر ن م قبله م د ُر م‬
  ‫فَلَ ِ َتْهمْ د َّ ٌ أَهْلَ ُ كَثِي ُ َّعر ال يد ُو َ َا ُ ُُ ُ ِنْ ُب ِهِ ِنْ كَثْرَةِ َّع ِ، فَقَاُوا: َيْلَكِ مَا َنْ ِ؟‬
                                                                     ‫َس سة‬
     ‫فَقَالَتْ: أَنَا الْج َّا َ ُ ـ سميت بذلك لتجسسها األخبار للدجال، وجاء عن عبد اهلل بن عمرو بن‬
   ‫ْم ط ق‬                 ‫َي‬            ‫ل وم َس سة‬
 ‫العاص أنها دابة األرض المذكورة في القرآن ـ، قَاُوا: َ َا الْج َّا َ ُ؟ قَالَتْ: أُّهَا الْقَو ُ، انْ َلِ ُوا‬
 ‫ق ل َم‬                                     ‫وق‬              ‫إل َذ الر ُ ِ ف الد ْ ِ ِنه إل َرك‬
‫َِى ه َا َّجل ِي َّير فَإ َّ ُ َِى خَب ِ ُمْ بِاألَشْ َا ِ ـ أي: شديد األشواق إلى خبركم ـ، َا َ: ل َّا‬
           ‫َت خ‬          ‫ِر‬                         ‫ة‬           ‫ك ن‬                            ‫رج ً َ ِ م‬              ‫َم‬
      ‫س َّتْ لَنَا َ ُال فرقْنَا ِنْهَا ـ أي: خفنا ـ أَنْ تَ ُو َ شَيْطَانَ ً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا س َاعًا حَّى دَ َلْنَا‬
             ‫و َده وث‬               ‫ر ُ َط‬                ‫ب‬            ‫ب‬          ‫َم إ ن‬              ‫الد ْر ِ ف‬
        ‫َّي َ، فَإذَا ِيهِ أَعْظ ُ ِنْسَا ٍ ـ أي: أك ُره جثة وأهي ُ هيئة ـ َأَيْنَاه ق ُّ خَلْقًا، َأَش ُّ ُ ِ َاقًا،‬
  ‫َ َ َ ُ عل‬                        ‫حد د ق ْ و ك‬                     ‫ب‬         ‫م م عة َد ه إل عنقه ب َ ر ب إ‬
 ‫َجْ ُو َ ٌ ي َا ُ َِى ُ ُ ِ ِ مَا َيْن ُكْ َتَيْهِ ِلَى كَعْ َيْهِ بِالْ َ ِي ِ، ُلنَا: َيْلَ َ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قدْ قدرْتمْ ََى‬
‫ْر ح ن‬             ‫ن أ س م َر رك ف ف ة ِي ٍ ص َ‬                                         ‫بر ن م ُ ل‬                         ‫َ‬
‫خَبرِي فَأَخْ ِ ُو ِي َا أَنْتمْ؟ قَاُوا: نَحْ ُ ُنَا ٌ ِنَ الْع َبِ َ ِبْنَا ِي سَ ِينَ ٍ بَحْر َّة فَ َادفْنَا الْبَح َ ِي َ‬
  ‫عب ب م ج ْر ُم َ ْ إل َز رت َذه جل ن ف‬                                                                     ‫َ‬
 ‫اغْتَلمَ ـ أي: هاج وجاوز حده ـ، فَلَ ِ َ ِنَا الْ َوْ ُ شَه ًا، ث َّ أرفَأْنَا َِى ج ِي َ ِكَ ه ِ ِ، فَ ََسْ َا ِي‬
  ‫ُ ْ م قبله م دب م ْ الش َر‬                          ‫ج َ قي َابة ب ث ر الش َ‬                                             ‫َ ْربه‬
 ‫أق ُ ِ َا، فَدَخَلْنَا الْ َزِيرَة فَلَ ِ َتْنَا د َّ ٌ أَهْلَ ُ كَ ِي ُ َّعرِ، ال يدرَى َا ُ ُُ ُ ِنْ ُ ُرِهِ ِنْ كَثرَةِ َّع ِ،‬
      ‫َس سة ت مد إل َذ الر ُ ِ ف‬                          ‫َس سة ق و‬                                 ‫ق و كم ت‬
     ‫فَ ُلْنَا: َيْلَ ِ َا أَنْ ِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْج َّا َ ُ، ُلْنَا: َمَا الْج َّا َ ُ؟ قَالَ ِ: اعْ ِ ُوا َِى ه َا َّجل ِي‬
       ‫نة‬          ‫ك ن‬            ‫وَ م‬              ‫ِر َ َز م‬                 ‫الد ْ ِ ِنه إل بر ُ ب و ق َ ب إ‬
      ‫َّير فَإ َّ ُ َِى خَ َ ِكمْ ِاألشْ َا ِ، فَأقْ َلْنَا ِلَيْكَ س َاعًا وف ِعْنَا ِنْهَا، َلمْ نَأْ َنْ أَنْ تَ ُو َ شَيْطَا َ ً،‬
    ‫أ أل ُ‬         ‫ِر‬             ‫ق ع َي ن‬                                    ‫ِر ن ع ْ ب ن‬
  ‫فَقَالَ: أَخْب ُو ِي َنْ نَخلِ َيْسَا َ ـ هي قرية بالشام ـ، ُلْنَا: َنْ أ ِّ شَأْ ِهَا تَسْتَخْب ُ؟ قَالَ: َسَُْكمْ‬
         ‫بر ن ع بح رة‬                       ‫ت ِر‬           ‫ِنه ي ك‬                       ‫له َ ي ِر ق ه َ‬                         ‫ع‬
         ‫َنْ نَخِْ َا هلْ ُثْم ُ؟ ُلْنَا لَ ُ: نَعمْ، قَالَ: أَمَا إ َّ ُ ُوشِ ُ أَنْ ال ُثْم َ، قَالَ: أَخْ ِ ُو ِي َنْ ُ َيْ َ ِ‬
    ‫ه ْ ف مء‬              ‫ِر‬           ‫ق ع َي نه‬                                                 ‫الط َ ِي‬
   ‫َّبر َّةِ ـ هي بحر صغير معروف بالشام ـ، ُلْنَا: َنْ أ ِّ شَأْ ِ َا تَسْتَخْب ُ؟ قَالَ: َل ِيهَا َا ٌ؟‬
      ‫بر ن ع ع ن ز َر‬                     ‫ِن م ء ي شك ي هب‬                               ‫ل ه ث ة مء‬
 ‫قَاُوا: ِيَ كَ ِيرَ ُ الْ َا ِ، قَالَ: أَمَا إ َّ َا َهَا ُو ِ ُ أَنْ َذْ َ َ، قَالَ: أَخْ ِ ُو ِي َنْ َيْ ِ ُغ َ ـ هي‬
      ‫بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام ـ، قَاُوا: َنْ أ ِّ شَأْ ِ َا تَسْتَخْب ُ؟ قَالَ: هلْ ِي الْ َيْ ِ‬
      ‫َ ف عن‬                   ‫ِر‬           ‫ل ع َي نه‬
 ‫م ء ه َ ْرع ل بم ء ع ن ق ه َ هي ث ة ء و ل َ ْرع ن م م ئه ق ل‬
‫َا ٌ؟ وَ َلْ يز َ ُ أَهُْهَا ِ َا ِ الْ َيْ ِ؟ ُلْنَا لَ ُ: نَعمْ، ِ َ كَ ِيرَ ُ الْمَا ِ، َأَهُْهَا يز َ ُو َ ِنْ َا ِ َا، َا َ:‬
       ‫َ ه َرب ق‬                      ‫رج م َك و َ َ ي رب‬                      ‫ِر ن ع ِي ِّي ن م َل ل‬
 ‫أَخْب ُو ِي َنْ نَب ِّ األمِّي َ َا فَع َ؟ قَاُوا: قَدْ خَ َ َ ِنْ م َّةَ َنزلَ َثْ ِ َ، قَالَ: أقَاتَلَ ُ الْع َ ُ؟ ُلْنَا:‬
     ‫ُ َ‬             ‫َ ه َن ُ َ َ ع م يل ه م َرب و ع ه‬                                         ‫ْ ص بِ‬                   ‫َ‬
   ‫نَعمْ، قَالَ: كَيفَ َنَعَ ِهمْ؟ فَأَخْبرْنَا ُ أ َّه قدْ ظَهرَ َلَى َنْ َِي ِ ِنَ الْع َ ِ َأَطَا ُو ُ، قَالَ لَهمْ: قدْ‬
    ‫َس ح‬             ‫يط ع ه وِن م ِرك َن ِن‬                          ‫ر ُ‬           ‫م ِن ذ‬                 ‫َ‬         ‫ك ق‬
   ‫كَانَ ذَلِ َ؟ ُلْنَا: نَعمْ، قَالَ: أَ َا إ َّ َاكَ خَيْ ٌ لَهمْ أَنْ ُ ِي ُو ُ، َإ ِّي ُخْب ُ ُمْ ع ِّي: إ ِّي أَنَا الْم ِي ُ،‬
       ‫َد َ َ ي إ هب ته ف‬                 ‫ْ ِ‬    ‫َف‬         ‫ُر ج ْر َ‬            ‫وِن أ شك ي ْ ل ف‬
      ‫َإ ِّي ُو ِ ُ أَنْ ُؤذَنَ ِي ِي الْخ ُو ِ، فَأَخ ُج فَأَسِير ِي األرض فَال أ َع قرْ َةً ِال َ َطْ ُ َا ِي‬
   ‫و ِد‬           ‫بة ه م َرم عَي ك ه ُل َر ت َ ُ و ح‬                                                    ‫ْر َك‬                   ‫َ بع‬
  ‫أرْ َ ِينَ لَيْلَةً، غَي َ م َّةَ وَطَيْ َ َ، فَ ُمَا ُح َّ َتَانِ َل َّ ِلْتَا ُمَا، كَّمَا أ َدْ ُ أَنْ أدْخلَ َا ِدَةً أَوْ َاح ًا‬
     ‫وِن ع ُل ب م ه‬                     ‫ي ُدن ع‬                        ‫ب ن م ك ب َد الس ْف ص‬                  ‫مه‬
    ‫ِنْ ُمَا اسْتَقْ َلَ ِي َلَ ٌ ِي ِهِ َّي ُ َلْتًا ـ أي: مسلوال ـ َص ُّ ِي َنْهَا، َإ َّ َلَى ك ِّ نَقْ ٍ ِنْ َا‬
  ‫َ ه بة َ ه بة َذه‬                               ‫م ئ ة رس ه و عن رس ل الل بم َرت ِ ف م َر‬
  ‫َال ِكَ ً يَحْ ُ ُونَ َا))، َطَ َ َ َ ُو ُ َّهِ ِ ِخْص َ ِه ِي الْ ِنْب ِ وقَالَ: ((هذِ ِ طَيْ َ ُ، هذِ ِ طَيْ َ ُ، ه ِ ِ‬
                                                                                                                  ‫بة‬
                                                                                             ‫طَيْ َ ُ)) أخرجه مسلم (7127).‬
  ‫إن َ تك‬
‫وإليكم خطبة أخرى من خطب رسول اهلل في التحذير من الدجال، قال : ((أيها الناس، ِّها لمْ َ ُنْ‬
 ‫َّج ل وِن الل َ ي ع ِي إ ح َّ ُمته‬                                ‫مْف‬             ‫ف ٌ ف َ ْض م ْذ َر الله ذ ِّي َ‬
 ‫ِتْنَة ِي األر ِ ُن ُ ذ َأَ َّ ُ ُر َّةَ آدمَ أَعْظَمَ ِن ِتْنَةِ الد َّا ِ، َإ َّ َّهَ لمْ َبْ َثْ نَب ًّا ِال َذرَ أ َّ َ ُ‬
           ‫ر و ب َ‬                ‫إ‬                  ‫ِر بي ء و ُ خر َم ه ر ٌ ف ُ‬                                     ‫َّج و‬
           ‫الد َّالَ، َأَنَا آخ ُ األنْ ِ َا ِ َأَنْتمْ آ ِ ُ األم ِ، وَ ُوَ خَا ِج ِيكمْ ال مَحَالَةَ، فِنْ يَخْ ُجْ َأَنَا َيْن‬
       ‫سه َالله ل ت عل ُل‬                     ‫ُل ج‬           ‫ج ل ُل م لم وإ ي ْر م ب ْ‬
       ‫أظهركم فَأَنَا حَ ِي ٌ ِك ِّ ُسِْ ٍ، َِنْ َخ ُجْ ِنْ َعدِي فَك ُّ حَ ِي ُ نَفْ ِ ِ، و َّ ُ خَِيفَ ِي ََى ك ِّ‬
                 ‫يع ث يم ويع ث ال ي عب الل‬                          ‫م ِم وِنه ْرج م َل ب الش م و ِر‬
         ‫ُسْل ٍ، َإ َّ ُ يَخ ُ ُ ِنْ خَّةٍ َيْنَ َّا ِ َالْع َاقِ، فَ َ ِي ُ َ ِينًا َ َ ِي ُ شما ً. َا ِ َادَ َّهِ، أيها‬
      ‫َ َب ُ‬         ‫َب ُ و‬          ‫ِي ه ِي ل ق ل‬                        ‫َ ي‬            ‫ِن س فه ُ‬                ‫بت‬
    ‫الناس، فَاثْ ُ ُوا، فَإ ِّي َأَصِ ُ ُ لَكمْ صِفَةً لمْ َصِفْهَا إ َّا ُ نَب ٌّ قَبِْي، ي ُو ُ: أَنَا رُّكمْ َال تَرَوْن رَّكمْ‬
   ‫ح َّى تَ ُو ُوا، َإ َّ ُ أَعْ َ ُ َِن ر َّ ُمْ لَيْسَ بِأَعْو َ، َإ َّ ُ َكْ ُو ٌ َيْنَ َيْنَيْ ِ: َاف ٌ، يَقْرَ ُ ُ ك ُّ ُؤْ ِ ٍ‬
   ‫ؤه ُل م من‬               ‫َر وِنه م ت ب ب ع ه ك ِر‬                                    ‫َت م ت وِنه ور وإ َّ َبك‬
     ‫ره َنة و َنته ن ر م تل ب ره‬                                 ‫ْر تب وِن م ْ ف ت َن معه َنة ون ر‬                               ‫تب‬
     ‫كَا ِ ٍ أَوْ غَي ِ كَا ِ ٍ، َإ َّ ِن ِتْنَ ِهِ أ َّ َ َ ُ ج َّ ً َ َا ًا، فَنَا ُ ُ ج َّ ٌ، َجَّ ُ ُ َا ٌ، فَ َنِ ابْ ُِيَ ِنَا ِ ِ‬
    ‫فَلْ َسْتَ ِثْ ب َّ ِ، َلْيَق َأ فَ َا ِ َ الْكَه ِ، َإ َّ ِنْ ِتْنَ ِهِ أَنْ يَ ُولَ ألَع َاب ٍّ: أَ َأَيْتَ ِنْ َ َثْ ُ لَكَ َ َا َ‬
    ‫ْر ِي ر إ بع ت أب ك‬                                ‫ق‬           ‫ي غ ِالله و ْر ْ و تح ْف وِن م ف ت‬
    ‫ب ه وُمه ق ن ب َي‬                            ‫ف ص‬               ‫َد َن َبك يق ل َ ي َثل ه‬                                     ‫وُمك‬
   ‫َأ َّ َ، أَتَشْه ُ أ ِّي ر ُّ َ؟ فَ َ ُو ُ: نَعمْ، فَ َتَم َّ ُ لَ ُ شَيْطَانَانِ ِي ُورَةِ أَ ِي ِ َأ ِّ ِ، فَيَ ُوال ِ: يَا ُن َّ،‬
            ‫م ش َت ت‬                    ‫س وح ة ت ي ُ‬                          ‫ي َل ع‬          ‫اتب ُ ِنه َبك وِن م ْ ف ت‬
         ‫َّ ِعْه فَإ َّ ُ ر ُّ َ، َإ َّ ِن ِتْنَ ِهِ أَنْ ُسَّطَ َلَى نَفْ ٍ َا ِدَ ٍ فَيَقْ ُلَهَا َنْشرَهَا بِالْ ِنْ َارِ ح َّى ُلقى‬
‫ي عثه الله و ق ل‬              ‫ظر إل ع ْد َ ِن عثه ُم ي ُم َن ُ َب ْر‬                                            ‫بشق ُم ق‬
‫َّين، ث َّ يَ ُولَ: انْ ُ ُوا َِى َب ِي هذَا فَإ ِّي أَبْ َ ُ ُ، ث َّ َزْع ُ أ َّ لَه ر ًّا غَي ِي، فَ َبْ َ ُ ُ َّ ُ، َيَ ُو ُ‬
         ‫َد‬        ‫َّج ل َالل م ك ت‬                     ‫َ ُو الل‬       ‫ه ب ث م ْ َبك يق ل َب الله و‬
         ‫لَ ُ الْخَ ِي ُ: َن رُّ َ؟ فَ َ ُو ُ: ر ِّيَ َّ ُ، َأَنْتَ عد ُّ َّهِ، أَنْتَ الد َّا ُ، و َّهِ َا ُنْ ُ قط أَش َّ‬
    ‫ت بت‬             ‫ت ط َ ت ِر و م َ‬                         ‫ي ُ الس‬          ‫ْم وِن م ْ ف ت‬              ‫ة ب ِن‬          ‫ب‬
    ‫َصِيرَ ً ِكَ م ِّي الْيَو َ، َإ َّ ِن ِتْنَ ِهِ أَنْ َأْمرَ َّمَاءَ أَنْ ُمْ ِر فَُمْط َ، َيَأْ ُرَ األرْضَ أَنْ ُنْ ِ َ‬
‫وِن م ف ت أ ي ُر‬                     ‫ق ه ئمة إ ه‬                         ‫ي ُر َي ي َذب ُ‬                       ‫ت ب وِن م ْ ف ت‬
‫فَ ُنْ ِتَ، َإ َّ ِن ِتْنَ ِهِ أَنْ َم َّ بِالْح ِّ فَ ُك ِّ ُونَه فَال تَبْ َى لَ ُمْ سَا ِ َ ٌ ِال َلَكَتْ، َإ َّ ِنْ ِتْنَ ِهِ َنْ َم َّ‬
        ‫بِالْ َي فَ ُ َد ُونَ ُ فَيَأْ ُرَ َّ َاءَ أَنْ ُمْ ِر فَُمْ ِرَ، َ َأْمرَ األرضَ أَنْ ُنْ ِتَ فَُنْ ِتَ، ح َّى ت ُو َ‬
        ‫َت َر ح‬         ‫تب تب‬                  ‫ت ط َ ت ط وي ُ َ ْ‬                      ‫ح ِّ يص ِّق ه م السم‬
     ‫و مه و َده و صر وَ َره ُر ع وِنه ي ق‬                                             ‫م‬               ‫وشه م ي مِ‬
    ‫مَ َا ِي ِمْ ِنْ َوْ ِهمْ ذَلِكَ أَسْ َنَ مَا كَانَتْ، َأَعْظَ َ ُ َأَم َّ ُ خَ َا ِ َ َأد َّ ُ ض ُو ًا، َإَّ ُ ال َبْ َى‬
          ‫بهم‬           ‫ء م َ ْ إ ط ه و َ ع إ َك و َد ة ي ت ه م ب م‬
   ‫شَيْ ٌ ِنَ األرضِ ِال وَ ِئَ ُ َظَهرَ َلَيْهِ ِال م َّةَ َالْم ِينَ َ، ال َأْ ِي ِمَا ِنْ نَقْ ٍ ِنْ نِقَا ِ ِ َا ـ أي:‬
 ‫َت‬                                 ‫ئ ة ِالسي ف ص ة‬                 ‫إ قي ه‬
‫طريق من طرقها ـ ِال لَ ِ َتْ ُ الْمَال ِكَ ُ ب ُّ ُو ِ َلْتَ ً ـ أي: بسيوف مجردة من غمدها ـ، ح َّى‬
    ‫ُف َد ة ب له‬                                                ‫الس‬        ‫مر ع ْ م‬                     ‫يْ ِ عْ‬
   ‫َنزلَ ِندَ الضريْبِ األَحْ َ ِ ِندَ ُنْقَطَعِ َّبَخَةِ ـ وهو مكان بالمدينة ـ، فَتَرْج ُ الْم ِينَ ُ ِأَهِْ َا‬
  ‫من فق و م ة إ رج إ ه فت ف‬                                 ‫يق‬                                      ‫َر‬
 ‫ثَالث َجَفَاتٍ ـ أي: تتزلزل وتضطرب ـ، فال َبْ َى فيها ُ َا ِ ٌ َال ُنَافِقَ ٌ ِال خَ َ َ ِلَيْ ِ، َ َنْ ِي‬
      ‫َرب‬                       ‫ص‬           ‫ْم ْ‬                 ‫َد و ُ ع‬            ‫ر ب‬            ‫ب مه م يف‬
      ‫الْخَ َثَ ِنْ َا كَ َا َنْ ِي الْكِي ُ خَ َثَ الْح ِيدِ، َيدْ َى ذَلِكَ الْيَو ُ يَومَ الْخَال ِ))، قيل: فَأَيْنَ الْع َ ُ‬
      ‫ه م ِ ٍ ل ل وإم م ُ ْ جل لح ب إم مه ْ َ ق َّم ي َل بهم الص ِ‬                                                    ‫ي م ِذ‬
    ‫َوْ َئ ٍ؟ قَالَ: (( ُمْ يَوْ َئذ قَِي ٌ، َِ َا ُهم رَ ُ ٌ صَاِ ٌ، فَ َيْنَمَا ِ َا ُ ُم قدْ تَ َد َ ُصِّي ِ ِ ُ ُّبْحَ إذْ‬
  ‫يش‬                            ‫ل إلم م ي ُص‬                    ‫َ َ ع ِ ع س ن َ َ الص ح‬
 ‫نزلَ َلَيْهمْ ِي َى ابْ ُ مرْيمَ ُّبْ َ، فَرَجَعَ ذَِكَ ا ِ َا ُ َنْك ُ ـ أي: يرجع إلى الوراء ـ َمْ ِي‬
           ‫ُق م‬           ‫ُم ق ل ه َد ْ ص ِّ ِن‬                         ‫َ لي ق َّ ع س يضع ع س َ ه ب ن ت‬
        ‫الْقَهْقرَى ِ َتَ َدمَ ِي َى، فَ َ َ ُ ِي َى يدَ ُ َيْ َ كَ ِفَيْهِ، ث َّ يَ ُو ُ لَ ُ: تَق َّم فَ َل فَإَّهَا لَكَ أ ِي َتْ،‬
 ‫ور ه َّج ل‬              ‫ي ح‬            ‫ح ب‬                 ‫ع س ع الس‬              ‫ََ َ‬    ‫ي َل ب ِ إم م ُ ِذ‬
 ‫فَ ُصِّي ِهمْ ِ َا ُهمْ، فَإ َا انْصرف قَالَ ِي َى َلَيْهِ َّالم: افْتَ ُوا الْ َابَ، فَ ُفْتَ ُون وَ َ َاءَ ُ الد َّا ُ‬
 ‫َذ ب م ح‬                     ‫َّج ل‬           ‫ْ يه ِي ُل ُ ذ س ْف م َل و ج ِذ َ إ‬                            ‫معه س ع‬
 ‫َ َ ُ َبْ ُونَ أَلفَ َ ُود ٍّ، كُّهمْ ُو َي ٍ ُحًّى َسَا ٍ، فَإ َا نَظرَ ِلَيْهِ الد َّا ُ ذَابَ كَمَا ي ُو ُ الْ ِلْ ُ‬
            ‫ب ن به‬                 ‫ِن ل ف ك ض ب‬           ‫ف م ء وي ق ر ويق ل ع س ع الس‬
  ‫ِي الْ َا ِ، َ َنْطَلِ ُ هَا ِبًا َ َ ُو ُ ِي َى َلَيْهِ َّالم: إ َّ ِي ِي َ َرْ َةً لَنْ تَسْ ِقَ ِي ِ َا ـ أي: لن‬
‫ي تل ُ في ْ ِم‬                                      ‫ُّد َّ ْ ِي‬           ‫ُ ْركه ع ْد‬        ‫ي‬       ‫و‬
‫تف ّتها عل ّ ـ، فَيد ِ ُ ُ ِن َ بَابِ الل ِّ الشرق ِّ ـ هو موضع بالشام وقيل بفلسطين ـ، فَ َقْ ُُه َ َهز ُ‬
   ‫الش ء ح َر و‬             ‫الله‬            ‫به يه ِي إ‬            ‫الله‬         ‫ء ِم‬         ‫يق‬          ‫الله يه د‬
 ‫َّ ُ الْ َ ُو َ، فَال َبْ َى شَيْ ٌ م َّا خَلَقَ َّ ُ يتواقى ِ ِ َ ُود ٌّ ِال أَنْطَقَ َّ ُ ذَلِكَ َّيْ َ، ال َج َ َال‬
             ‫َ ِ‬      ‫ِن م‬                                     ‫َر و ح و َاب إ َ ْ َ‬
        ‫شَج َ َال َائِطَ َال د َّةَ ِال الْغرقدَةَ ـ هو ضرب من شجر الشوك ـ، فَإ َّهَا ِنْ شَجرِهمْ ال‬
      ‫ت ه يك ن ع س ن َ ي ع الس‬                               ‫ع الل م ِ َ يه د ٌّ ع‬                                   ‫ق إ‬
   ‫تَنْطِ ُ، ِال قَالَ: يَا َبْدَ َّهِ الْ ُسْلمَ، هذَا َ ُو ِي فَتَ َالَ اقْ ُلْ ُ، فَ َ ُو ُ ِي َى ابْ ُ مرْ َمَ َلَيْهِ َّالم‬
 ‫ي ُق‬                                  ‫وإم م‬                                ‫َ ال‬       ‫ف ُمت ح‬
 ‫ِي أ َّ ِي َكَمًا عدْ ً ـ أي: حاكمًا بين الناس ـ، َِ َامًا ُقْسِطًا ـ أي: عادالً في الحكم ـ، َد ُّ‬
                                                   ‫و َ بح خ ْز‬                      ‫الصل ب‬
  ‫َِّي َ ـ أي: يكسره ـ، َيذْ َ ُ الْ ِن ِيرَ ـ أي: يحرم أكله أو يقتله بحث ال يوجد في األرض‬
                                 ‫وي ع ِ ي‬
     ‫ليأكله أحد، والحاصل أنه يبطل دين النصارى ـ، َ َضَ ُ الْجزْ َةَ ـ أي: ال يقبلها من أحد من‬
     ‫ةو‬       ‫ي ع عل‬                               ‫وي ْرك َّ َ‬
   ‫الكفرة، بل يدعوهم إلى اإلسالم ـ، َ َت ُ ُ الصدقَةَ ـ لكثرة األموال ـ فَال ُسْ َى ََى شَا ٍ َال‬
 ‫و ُ ْ ع الش ء َالتب ُض وت ْزع‬                                                                 ‫ب‬
 ‫َعِيرٍ ـ أي: يترك زكاتها فال يكون لها ساع يجمع زكاتها ـ، َترفَ ُ َّحْنَا ُ و َّ َاغ ُ، َ ُن َ ُ‬
‫َت ي ِ ول د َده‬                                          ‫كل‬                      ‫حم‬        ‫حمة ُل‬
‫ُ َ ُ ك ِّ ذَاتِ ُ َةٍ ـ أي: ينزع السم من ِّ دابة سامة كالعقرب والحية ـ، ح َّى ُدْخلَ الْ َِي ُ ي َ ُ‬
                              ‫ه‬             ‫ُره وت ِر ول ة َ َ ي ُر‬                              ‫َي ِ‬
         ‫في في الْح َّة فَال تَض َّ ُ، َ ُف َّ الْ َِيدَ ُ األَسد فَال َض ُّهَا ـ أي: تَ ُش البنت الصغيرة األسد‬
    ‫ي أل‬          ‫َم َنه ب وت أل َ ْض م الس ْ‬                         ‫ويك الذ ُ ف‬
    ‫فينصرف وال يضرها ـ، َ َ ُونَ ِّئْب ِي الْغَن ِ كَأ َّ ُ كَلْ ُهَا، َُمْ ُ األر ُ ِنَ ِّلمِ كَمَا ُمْ ُ‬
   ‫وت ُ ُر ش‬              ‫ي َد إ الله و ع ح ب ْز‬                             ‫إل ء م م ء و ك ن لمة و ِ‬
   ‫ا ِنَا ُ ِنَ الْ َا ِ، َتَ ُو ُ الْكَِ َ ُ َاحدَةً، فَال ُعْب ُ ِال َّ ُ، َتَضَ ُ الْ َرْ ُ أَو َارَهَا، َُسْلَب ق َيْ ٌ‬
                                                          ‫ِض‬         ‫وك ن َ ض ث‬                      ‫م‬
    ‫ُلْكَهَا، َتَ ُو ُ األرْ ُ كَفَاُورِ الْف َّةِ ـ الفاثور: هو الخوان أي: المائدة، وهو تعبير عن كثرة‬
       ‫الن ر عل ق ْ من‬                 ‫بع د َم َت ي‬                     ‫ت بت‬
       ‫البركة الحاصلة في ذلك الزمان ـ، ُنْ ِ ُ نَبَاتَهَا ِ َهْ ِ آد َ، ح َّى َجْتَمِعَ َّفَ ُ ََى الْ ِطفِ ِ َ‬
    ‫ُّم ِ ت بعه ويك الث ْر ب َ و َ م م ل و َك ن‬                                 ‫ع ِ ي بع ُ و م الن َر عل‬
    ‫الْ ِنَب فَ ُشْ ِ َهمْ، َيَجْتَ ِعَ َّف ُ ََى الر َّانَة فَُشْ ِ َ ُمْ، َ َ ُونَ َّو ُ ِكذَا َكذَا ِنَ الْ َا ِ، َت ُو َ‬
      ‫أ َد‬     ‫ت ب ح‬                     ‫ل ي رس الله و ي خص َ س‬                           ‫َ س ِالدر هم ت‬
  ‫الْفرَ ُ ب ُّ َيْ ِ َا ِ))، قَاُوا: َا َ ُولَ َّ ِ، َمَا ُرْ ِ ُ الْفرَ َ؟ قَالَ: ((ال ُرْكَ ُ لِ َرْبٍ َب ًا))،‬
 ‫ِد د‬      ‫سو‬           ‫َّج ل‬        ‫ت رث َ ْض ُل وإ َّ ْ خر‬                         ‫ه م ي ل الث ْر‬
‫قِيلَ لَ ُ: فَ َا ُغِْي َّو َ؟ قَالَ: (( ُحْ َ ُ األر ُ كُّهَا، َِن قَبلَ ُ ُوجِ الد َّا ِ ثَالثَ َنَ َاتٍ ش َا ٍ،‬
   ‫وي ُر‬                 ‫س ثل‬              ‫يص ب الن َ ف ج ع َد د ي ُر الله الس َ ف الس أل ل‬
   ‫ُ ِي ُ َّاس ِيهَا ُو ٌ ش ِي ٌ، َأْم ُ َّ ُ َّمَاء ِي َّنَةِ ا ُوَى أَنْ تَحْبِ َ ُُثَ مَطَرِهَا، َ َأْم ُ‬
‫و مر َ ْ َ ف س‬                  ‫َ‬       ‫س ثل‬          ‫َ ْ َ بس ثل ب ته ُم ي ُر السم َ ف الث ني ِ‬
‫األرض فَتَحْ ِ ُ ُُثَ نَ َا ِ َا، ث َّ َأْم ُ َّ َاء ِي َّا ِ َة فَتَحْبِ ُ ُُثَيْ مَطرِهَا، َيَأْ ُ ُ األرض َتَحْبِ ُ‬
       ‫ت ِر ْ ة وي ُر‬                 ‫ُله‬        ‫س َ‬            ‫ثل ب ته ُم ي ُر الله السم َ ف الس الث ل ِ‬
       ‫ُُثَيْ نَ َا ِ َا، ث َّ َأْم ُ َّ ُ َّ َاء ِي َّنَةِ َّاِثَة فَتَحْبِ ُ مَطرَهَا كَّ ُ، فَال ُقْط ُ قَطرَ ً، َ َأْم ُ‬
        ‫الله‬             ‫إ‬       ‫تظ إ ه‬                             ‫ْر‬    ‫ُله ت بت‬                      ‫َ ْ َ بس‬
     ‫األرض فَتَحْ ِ ُ نَبَاتَهَا كَّ ُ فَال ُنْ ِ ُ خَض َاءَ، فَال تَبْقَى ذَا ُ ِلْفٍ ِال َلَكَتْ ِال مَا شَاءَ َّ ُ))،‬
   ‫ذلك‬         ‫الت ل َالت ب ر َالت ب ح َالت م د‬                         ‫الز ن‬           ‫يع ش الن ُ ف‬
   ‫قِيلَ: فَمَا ُ ِي ُ َّاس ِي ذَلِكَ َّمَا ِ؟ قَالَ: (( َّهْلِي ُ و َّكْ ِي ُ و َّسْ ِي ُ و َّحْ ِي ُ، ويجزئ َِ َ‬
                                                                                                 ‫الطع م‬          ‫ع ِ‬
                                                                                              ‫َلَيْهمْ مجزأة َّ َا ِ)).‬
      ‫حس الطن ِي يق ل سم ت ع ْ الر م مح ر ِي ق ل‬                                         ‫سم‬
     ‫قَالَ اإلمام ابن ماجه: َ ِعْت أَبَا الْ َ َنِ َّ َافس َّ َ ُو ُ: َ ِعْ ُ َبدَ َّحْ َنِ الْ ُ َا ِب َّ يَ ُو ُ:‬
                                 ‫ُ ْ ع َذ َد ث إل م َد َت ي َلمه الص َ ف ُت ب‬                                      ‫ي بغ‬
                                ‫َنْ َ ِي أَنْ يدفَ َ ه َا الْح ِي ُ َِى الْ ُؤ ِّبِ ح َّى ُعِّ َ ُ ِّبْيَان ِي الْك َّا ِ.‬
          ‫إي واهلل أيها المؤمنون، ينبغي للخطباء والمربين والمدرسين أن يعلموا الناس هذا الحديث‬
                                      ‫ألهميته، ولما فيه من التحذير لكثير من عظيم الفتن والتحذير منها.‬
    ‫تى ب ْض‬              ‫ت َب‬               ‫َ ي ُر إ أ ت هم ْم ئ ة‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، هلْ َنظ ُونَ ِال َن تَأْ ِي ُ ُ ال َلَا ِكَ ُ أَوْ يَأْ ِىَ ر ُّكَ أَوْ يَأْ ِ َ َع ُ‬
   ‫سب ْ ف‬         ‫إمن َ ك م م ل‬                                   ‫ي ع‬          ‫ي ربك ْم ي ت ب ض ي رب‬
  ‫ءا َاتِ َ ّ َ يَو َ َأْ ِى َعْ ُ ءا َاتِ َ ّكَ الَ َنفَ ُ نَفْسًا ِي َاُهَا لمْ تَ ُنْ ءا َنَتْ ِن قَبْ ُ أَوْ كَ َ َت ِى‬
                                                                          ‫ظر ِن م ظر‬                   ‫إ م نه ْر ُ‬
                                                        ‫ِي َا ِ َا خَي ًا قلِ انتَ ِ ُواْ إ َّا ُنتَ ِ ُونَ [األنعام:615].‬
    ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وسنة سيد أنبيائه، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي‬
                                                                       ‫ل‬
                                  ‫ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                          ‫م‬                                 ‫ت‬
       ‫الحمد هلل الذي شهدت بوجودِه آيا ُه الباهرة، ودلت على عظيم جوده نع ُه الباطنة والظاهرة،‬
        ‫وسبحت بحمده األفالك السائرة والرياح الدائرة والسحب الماطرة والرياض النضرة، أحمده‬
‫سبحانه حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له إلها كتب على‬
                       ‫ه رب ذ ج ل و ْر م‬                          ‫ُل م ع ه ن وي‬
      ‫أهل الدنيا الفناء، ك ُّ َنْ َلَيْ َا فَا ٍ َ َبْقَى وَجْ ُ َ ّكَ ُو الْ َلْا ِ َاإلك َا ِ [الرحمن:67، 27]،‬
       ‫وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله الرسول األعظم والنبي األكرم، اللهم صل وسلم‬
                                   ‫وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
  ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل واعلموا أن التحذير من الدجال قد ورد في سنة رسول اهلل بأكثر‬
    ‫مما سمعتم، والمقصود هنا هو التنبيه على شيء يسير من ذلك لما فيه من تنبيه للغافل وتذكير‬
                                                                                                  ‫للناسي وإيقاظ للنائم.‬
       ‫م س ع َّج ِ ي َ ه‬
      ‫وعلينا أيضا أن نتبع الوصايا النبوية في ذلك، قال رسول اهلل : (( َنْ َمِ َ بِالد َّال فَلْ َنْأَ عنْ ُ،‬
                  ‫ت هو سب َنه م م ٌ َتبعه ِم ي َث به م الشب ت‬                                             ‫َالل ِن الر ُ‬
 ‫فَو َّهِ إ َّ َّجلَ لَيَأْ ِيهِ وَ ُ َ يَحْ ِ ُ أ َّ ُ ُؤْ ِن فَي َّ ِ ُ ُ م َّا َبْع ُ ِ ِ ِنَ ُّ ُهَا ِ)) أخرجه أبو داود‬
‫ع ِم من‬             ‫م ف ع ْ َ ي ت م َو س ر‬                          ‫ع ب َّ ْد ء َن النب َّ‬
‫(2531)، و َنْ أَ ِي الدر َا ِ أ َّ َّ ِي قَالَ: (( َنْ حَ ِظَ َشر آ َا ٍ ِنْ أ َّلِ ُو َةِ الْكَهْف ُص َ ِ َ‬
  ‫ق ْر‬          ‫س م َ ب جه َّم و َ‬              ‫ع ذ ِالل م‬                                          ‫َّج ل‬
 ‫الد َّا ِ)) رواه مسلم (206)، وقَالَ : ((اسْتَ ِي ُوا ب َّهِ ِنْ خَمْ ٍ: ِنْ عذَا ِ َ َن َ، َعذَابِ الْ َب ِ،‬
                                                      ‫َّج ل‬        ‫مس‬            ‫و مم ت َف‬                         ‫َف‬
                               ‫و ِتْنَةِ الْمَحْيَا َالْ َ َا ِ، و ِتْنَةِ الْ َ ِيحِ الد َّا ِ)) رواه النسائي (5511).‬

‫(5/7031)‬




                                                                                           ‫السيرة النبوية العطرة‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫اإليمان, سيرة وتاريخ‬
                                                                                ‫اإليمان بالرسل, السيرة النبوية‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                                                   ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                       ‫5/7/6015‬
                                                                                                                 ‫قباء‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
   ‫أثر تدبر القرآن ودراسة السيرة في صالح القلب – خطورة الغلو في ذاته صلى اهلل عليه وسلم‬
‫والتحذير منه – حماية الرسول صلى اهلل عليه وسلم جناب التوحيد – مقام العبودية ومقام الرسالة‬
         ‫– عصمة الرسول صلى اهلل عليه وسلم , ومعجزاته – نشأة الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
                        ‫واشتغاله بالرعي ثم التجارة وأثر ذلك , وزواجه من خديجة رضي اهلل عنها‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فإن شقاء النفوس ودواء القلوب وصالح العقول واألفكار في شيئين. في قراءة كالم اهلل‬
 ‫عز وجل بتدبر وفي دراسة سيرة النبي المصطفي . فمن أراد أن يناجي ربه من أراد أن يتحدث‬
         ‫مع اهلل عز وجل فليقرأ كالمه بتدبر ومن أراد أن يعرف أوامره سبحانه وتعالى وفرائضه‬
     ‫وتوحيده ووعده ووعيده فليتدارس القرآن. ومن أراد أن يعرف التطبيق العملي الرابح للقرآن‬
 ‫فليدرس سيرة النبي المصطفي فإنها الترجمة العلمية والتفسير العلمي للقرآن. ونحن منذ اليوم إن‬
   ‫شاء اهلل تعالي سنبدأ أحاديث عن السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصالة والسالم ولكننا لن‬
  ‫نفعل مثل ما يفعل بعض محبيه مثل ما يفعل بعض محبيه من جهال المسلمين من الغلو في ذاته‬
 ‫واالشتغال بذلك عن مواضع األسوة والقدوة في ذاته وفي حياته بينما هو بنفسه وخوفه على أمته‬
             ‫ف‬
‫حذرهم من الغلو في ذاته الشريفة فإن مقام النبوة حذرهم من ذلك خوفًا عليهم خو ًا على أمته من‬
 ‫أن تقع نفس الوحدة التي وقع فيها النصارى من قبلهم وذلك ألن مقام النبوة مقام عظيم هذا المقام‬
 ‫في شخصية عيسى ابن مريم عليه السالم كانت من ضمن الدوافع التي دفعت النصارى إلى الغلو‬
‫في ذات عيسى ابن مريم حتى قالوا هو ابن اهلل ثم قالوا هو اهلل ومحمد عبد اهلل ورسوله أعظم من‬
         ‫عيسى ابن مريم مقامًا بالنبوة فلو استسلم المسلمون الستدراج المحبة محبته فلو استسلموا‬
       ‫الستدراج محبته حتى وقعوا في الغلو فإنه يخاف عليهم حينئذ أن يقعوا في مثل ما وقع فيه‬
                                                               ‫النصارى من الغلو في ذاته الكريمة .‬
  ‫دخل رجل على النبي فلما رأى النبي أخذ يرتعد ويرتجف من هيبة النبي فقال له رسول اهلل من‬
     ‫تواضعه هلل عز وجل فقال له: ((يا هذا، هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل‬
                                  ‫ر‬        ‫م‬
     ‫القديد))(5)[5] وقال له أحد أصحابه يومًا قال له تعظي ًا وتوقي ًا : يا سيدنا وابن سيدنا، فقال‬
 ‫رسول اهلل من تواضعه لربه عز وجل: ((إنما أنا عبد اهلل ورسوله، فقولوا: عبد اهلل ورسوله، وال‬
                                                                               ‫ي‬
  ‫تغلوا ف ّ كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم))(7)[7]. انظر إلى هذا التوجيه النبوي الكريم‬
‫النبي يوجه الجليلين في ذاته وشخصيته وإلى أثرهما على حياته إنهما أوال مقام العبودية هلل تعالي‬
                                                                                          ‫ي‬
    ‫وثان ًا مقام الرسالة. هو عبد اهلل وهو رسول اهلل فهو عبد اهلل ورسوله أما في مقام العبودية هلل‬
 ‫فيشترك فيه مع سائر الخلق فما من أحد من الخلق مهما عال شأنه يمكن أن ينفك من العبودية هلل‬
   ‫تعالي. ولكن أكمل الخلق عبودية هلل هم األنبياء والمرسلون األنبياء والمرسلون هم أكمل الخلق‬
    ‫عبودية هلل وأعرف الخلق وأعلمهم بمقام العبودية هلل تعالى وأكمل األنبياء والمرسلين في مقام‬
‫العبودية هلل تعالى هو أفضلهم وخاتمهم وإمامهم محمد فهو أكمل األنبياء والمرسلين في عبوديته هلل‬
                                                                       ‫وأعلمهم وأعرفهم بهذا المقام.‬
                                            ‫د‬
‫المقام الثاني هو مقام النبوة فقد اختص اهلل تعالى محم ًا وإخوانه األنبياء والمرسلين بهذا المقام فال‬
     ‫يشاركهم فيه أحد من الناس ألن اهلل تعالي لم يكرم كل أحد بهذا المقام العظيم واهلل أعلم حيث‬
                  ‫الله ي ف م م ئ ِ رس وم الن ِن الل سم ع ب ر‬
  ‫يضع رسالته: َّ ُ َصْطَ ِي ِنْ الْ َال ِكَة ُ ُالً َ ِنْ َّاسِ إ َّ َّهَ َ ِي ٌ َصِي ٌ [الح :12]. فهذا‬
                                                  ‫د‬
‫المقام العظيم مقام النبوة اختص اهلل به محم ًا وإخوانه األنبياء والمرسلين فال يشركهم فيه أحد من‬
      ‫الناس وهكذا في شخصيته أيضًا جانبًا من وجه آخر إنهما جانبان من وجه أخر إنهما جانب‬
  ‫البشرية وجانب الوحي وجانب البشرية يستوي فيه باقي البشرية فيه وفي حالة البشرية هو بشر‬
  ‫مثلهم في ذلك إال أن اهلل تعالي اختصه حتى هذا الجانب اختصه بالكمال البشري فهو إن اتصف‬
       ‫بالبشرية إال أنه في أكمل حاالتها وأحسن درجاتها إنه متصف بالكمال البشري ثم هناك في‬
                                     ‫ر‬
   ‫شخصيته جانب الوحي الذي تمثله النبوة فهو وإن كان بش ًا مثل باقي البشر إال أن اهلل اختصه‬
   ‫واصطفاه بالرسالة والنبوة فأوصى إليه وهذا الجانب الذي هو الوحي يستلزم العصمة والرعاية‬
 ‫الربانية الخاصة فعصم ما يمكن أن يمس هذا المقام العظيم مقام النبوة ولذلك إذا نسي النبي ذكره‬
                ‫ء‬
   ‫ربه عز وجل وإذ قال خالف األولى وجهه ربه عز وجل وإن أراد أحد به سو ًا حماه ربه عز‬
‫وجل وقد جمع اهلل تعالى هاتين الصفتين وهذين الجانبين في شخصيته . جمع بينهما في آية واحدة‬
              ‫ر‬                             ‫ب َر م ل ُ ي ح إَي‬                ‫ق ِن‬
    ‫في قوله تعالى: ُلْ إَّمَا أَنَا َش ٌ ِثُْكمْ ُو َى ِل َّ [الكهف:055]. فهو وإن كان بش ًا مثلكم في‬
 ‫طبائعه وغرائزه وخصاله البشرية إال أنه اختص من بينكم بأن اجتبي واصطفي بالنبوة والرسالة‬
    ‫فأوحي إليه. ولقد كان لهذا المقام العظيم مقام النبوة وكان له تأثير واضح على حياة المصطفى‬
     ‫ظهر تأثير مقام النبوة واضحًا على حياته ومنذ صغره ومنذ صغره وقد حفت به كرامة النبوة‬
‫فظهرت معجزاتها بل ظهرت معجزاته حتى وهو في بطن أمه ظهرت معجزاتها وظهرت كرامة‬
     ‫النبوة على حياته منذ صغره ومن عجائب متطلبات هذا المقام العظيم مقام النبوة أن اهلل تعالي‬
                            ‫ر‬
    ‫ربى نبيه محمد منذ صغره وأدبه وأحسن تأديبه فرباه علي اليتم صغي ًا. فنشأ يتيم األبوين. ثم‬
        ‫رباه برعي الغنم وفي هذين من الدروس العظيمة ما فيهما فإن في هذين األمرين التربويين‬
             ‫د‬
 ‫الجليلين الربانيين لعبده ومصطفاه وإن فيهما تدريبًا له على تحمل المشاق وتعوي ًا له على صعب‬
‫الحياة وعنائها. كما أن في رعي الغنم تدريبًا له على سياسة الخلق وفن القيادة فإن في رعي الغنم‬
  ‫تدريبًا على ذلك ولذلك ما من نبي بعثه اهلل عز وجل إال وقد رعى الغنم. ثم اشتغل بالتجارة في‬
     ‫مرحلة شبابه ورحل في التجارة رحلة وفي هذا أيضًا تدريب له على السياسة وعلى تصريف‬
      ‫األمور ورعاية المصالح وفن التعامل مع الناس ومعاركة الحياة فيه بما فيه من هذه الدروس‬
        ‫س‬
       ‫العظيمة فربى اهلل عز وجل عبده ونبيه أحسن تربية وأدبه وأحسن تأديبه حتى إذا بلغ خم ًا‬
                ‫ر‬
  ‫وعشرين سنة تزوج من خديجة بنت خويلد القرشية األسدية التي أرسلت إليه س ًا تخطبه لنفسها‬
  ‫لما رأت ما يخص من إرهاصات النبوة. فعلمت من كمال عقلها وحكمتها وذكائها أنه سيكون له‬
                                                       ‫ر‬
 ‫شأن كريم عظيم فخطبته لنفسها س ًا رضي اهلل عنها وأرضاها ونالت بذلك هذه الكرامة العظيمة‬
    ‫الجليلة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد القرشية األسدية كانت سيدة من سادات قريش ذات ذكاء‬
 ‫وعقل وحكمة فلما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة وفي هذا السن يكتمل العقل البشري والنمو البشري‬
     ‫لما بلغ هذه المرحلة من عمره انبعثت عليه أنوار النبوة وهو مختل بغار حراء يتعبد لربه عز‬
                               ‫ب‬
‫وجل وهذا موضوع حديثنا في الجمعة القادمة إن شاء اهلل. أعوذ ًاهلل من الشيطان الرجيم بسم اهلل‬
   ‫و خ ة ْر م أل ل‬                         ‫َد َ َبك وم‬            ‫َالضح َالل ْ ِذ ج‬
  ‫الرحمن الرحيم: و ُّ َى و َّيلِ إ َا سَ َى مَا و َّعَك رُّ َ َ َا قَلَى َلَآل ِرَ ُ خَي ٌ لَكَ ِنْ ا ُوَى‬
 ‫ً ن فَم‬                   ‫َد‬         ‫ً ه‬        ‫وَ َ‬             ‫ض َ ِ ك يت م‬                     ‫و ْ ي ط َب‬
‫َلَسَوفَ ُعْ ِيكَ ر ُّكَ فَتَرْ َى أَلمْ يَجدْ َ َ ِي ًا فَآوَى وَ َجدَك ضَاال فَ َدَى وَوَج َكَ عَائِال فَأَغْ َى َأ َّا‬
                                          ‫ه وَم بن م َب َ َد‬                            ‫َ وَم الس ِ‬                   ‫ي‬
                          ‫الْ َتِيمَ فَال تَقْهرْ َأ َّا َّائلَ فَال تَنْ َرْ َأ َّا ِ ِعْ َةِ ر ِّك فَح ِّثْ [سورة الضحى].‬
 ‫بارك اهلل تعالى لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول‬
                                        ‫قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من‬
‫يهد اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادي له وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن‬
                                                                                ‫د‬
      ‫محم ًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين من يطع اهلل‬
‫ورسوله فقد رشد ومن يعص اهلل ورسوله فقد غوى. من يعص اهلل ورسوله فإنه ال يضر إال نفسه‬
                                                                                                     ‫وال يضر اهلل شيئًا.‬
     ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة‬
  ‫بدعة وكل بدعة ضاللة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل مع الجماعة ومن شذ شذ في‬
‫النار، واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنه الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم‬
                                                                                                                  ‫أجمعين.‬
     ‫َيه‬                           ‫َي َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
    ‫يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال تَ ُوت َّ إ َّ َأَنْ ُمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705]، يَا أ ُّ َا‬
        ‫ُ وي ف ُ ذن بك وم ي الل‬                                  ‫َد د ي ل ُ‬                   ‫َّذ ن من اتق الله َق ل‬
      ‫ال ِي َ آ َُوا َّ ُوا َّ َ و ُوُوا قَوْالً س ِي ًا ُصِْحْ لَكمْ أَعْمَالَكمْ َ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ َ َنْ ُطِعْ َّهَ‬
                                                                              ‫َرس ُ ْ ف َ ْز ظ م‬
                                                           ‫و َ ُولَه فَقَد َاز فَو ًا عَ ِي ًا [األحزاب:02، 52].‬
‫يا ابن آدم، أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن ما شئت فكما تدين تدان.‬
‫ِن‬
‫صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إ َّ‬
                     ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫الله و ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬
   ‫َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61]،‬
                                       ‫وقال : ((من صلى علي صالة صلى اهلل عليه بها عشر))(3)[5].‬
 ‫اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‬
‫إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق‬
  ‫وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي، وعلى آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه‬
‫أمهات المؤمنين، وعن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم‬
                                                          ‫بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬
                                                                                    ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين...‬


                                                                                                        ‫__________‬
                                                                   ‫(5) أخرجه ابن ماجه في األطعمة (7533).‬
                                   ‫(7) أخرجه أحمد (3/715)، والنسائي في عمل اليوم والليل (017).‬
                                                  ‫(3) صحيح مسلم (601) عن أبي هريرة رضي هلل عنه.‬

‫(5/3031)‬
                                                                                     ‫االقتصاد اإلسالمي‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                                       ‫فقه‬
                                                                          ‫البيوع, قضايا فقهية معاصرة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                               ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                            ‫مكة المكرمة‬
                                                                                           ‫67/1/6715‬
                                                                                          ‫المسجد الحرام‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- أهمية المال. 7- تنافس الناس على المال واختالف مشاربهم فيه. 3- حض اإلسالم على‬
  ‫عمارة األرض. 1- حرص اإلسالم على تحقيق االستقالل االقتصادي. 1- الفوضى االقتصادية‬
             ‫ي‬
   ‫والضعف التنموي. 6- العالقة بين االقتصاد والنمو. 2- حقيقة المفهوم االقتصاد ّ اإلسالمي.‬
                                                                ‫6- بماذا ينهض االقتصاد اإلسالمي؟‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
    ‫ّر‬         ‫ت‬         ‫ن‬                                                            ‫فإن‬      ‫م‬
    ‫أ ّا بعد: َّ الوصية المبذولةَ لي ولكم ـ عبادَ اهلل ـ هي تقوَى اهلل سبحا َه ومراقب ُه في الس ِّ‬
‫ِنه م َتق‬                                  ‫ح‬                      ‫ب‬
‫والعلن، فاتقوا اهلل عباد اهلل، وأت ِعوا السيئةَ الحسنة تم ُها، وخالقوا الناس بخلق حسن، إ َّ ُ َن يَّ ِ‬
                                                           ‫يض ع ْ م سن‬                   ‫وي ب ْ ِن الل‬
                                             ‫َ َصْ ِر فَإ َّ َّهَ الَ ُ ِي ُ أَجرَ ال ُحْ ِ ِينَ [يوسف:02].‬
       ‫ن‬             ‫ع‬      ‫أن‬
‫أيها الناس، الما ُ في هذه ال ّنيا شريا ُ الحياةِ التنمو ّة الماد ّ، كما َّ الشر َ والدين شريا ُ الحياة‬
                                    ‫ّي‬       ‫ي‬                ‫ن‬         ‫د‬           ‫ل‬
                ‫ي‬         ‫ث‬      ‫َل‬     ‫ة ر‬                                ‫ي‬         ‫ي‬
     ‫الروح ّ والمعنو ّ. وللمال في نفسِ اإلنسان حظو ٌ وش َه وتطُّب حثي ٌ، إذا لم ُحكَم بميزان‬
                        ‫م‬           ‫ة س‬                    ‫ص‬           ‫ة ر‬               ‫ش‬
    ‫ال ّرع والقناع ِ وال ّضا فإنه سي ِل بصاحبه إلى درج ِ ال ّعار المسمو ِ والجشَع المقيت. وال‬
‫ل‬                            ‫د‬         ‫َ‬           ‫ر‬                ‫ن حب ن‬                   ‫ر‬
‫ج َم عباد اهلل، فإ ّ َّ اب ِ آدمَ للمال ليس ِي في جسدِه سرَيان ال ّم في العروق، كيف ال واهلل ج ّ‬
                                              ‫وِنه ُب ْ َد د‬
      ‫وعال يقول عن ابن آدم: َإَّ ُ لِح ِّ الخَيرِ لَش ِي ٌ [العاديات:6] أي: المال، ويقول سبحانه عن‬
                                                           ‫م ُب َم‬               ‫وت ِب‬            ‫ة‬
                                              ‫جماع ِ بني آدم: َ ُح ُّونَ ال َالَ ح ًّا ج ًّا [الفجر:07].‬
             ‫م‬                  ‫و‬         ‫وَ‬                         ‫سس‬                           ‫م‬
  ‫و ِن هذا المنطلَق تنافس النا ُ َعيًا في تحصيل هذا المال، َكدْحًا تل َ كَدْحٍ في لَمْلَ َةِ المستطاع‬
    ‫ن‬        ‫ب‬                                                 ‫أن‬
    ‫من هذا المال الفاتن، غيرَ َّ صحةَ هذا الكدح أو فسادَه وحصول األجر فيه أو ذها َه لمرهو ٌ‬
   ‫َيه إل ن ِنك‬                     ‫ل‬               ‫ر‬                ‫ئ‬            ‫ْر‬      ‫د‬        ‫ح‬
   ‫ب ُسن القص ِ والمو ِد فيه أو سو ِه، وفي كال األم َين يقول اهلل ج ّ وعال: يَا أُّ َا ا ِنسَا ُ إَّ َ‬
                                               ‫ألن‬              ‫م قه‬                  ‫دح إ َب‬
‫كَا ِ ٌ ِلَى ر ِّكَ كَدْحًا فَ ُال ِي ِ [االنشقاق:6]؛ َّ المال سالح ذو حدين، فهو ألهلِ اإلسالم واإليمان‬
‫َّذ ن‬              ‫م‬         ‫س‬               ‫ح‬                             ‫ن ة‬               ‫ح‬
‫و ُسنِ القصد به ِعم ٌ يحمدون اهلل تعالى عليها صبا َ مساء، وهذه هي ِيمَا األ ّةِ الخيرية: ال ِي َ‬
           ‫ْف ع ِ و ُ‬               ‫و ه ِال ل َالن ر ِر وع ني ً ُ ْره ع َ َب ِ و‬                                       ‫ي ق‬
         ‫ُنفِ ُونَ أَمْ َالَ ُم ب َّليْ ِ و َّهَا ِ س ًا َ َال ِ َة فَلَهمْ أَج ُ ُمْ ِند رِّهمْ َالَ خَو ٌ َلَيْهمْ َالَ همْ‬
   ‫د‬        ‫ف‬                   ‫تعد‬              ‫ح‬                                  ‫ْزن‬
 ‫يَح َ ُونَ [البقرة:127]. وهو ألهلِ الكفر َسرة وبالء مهما َّدت مصادره وكثر توا ُره؛ لبع ِهم‬
   ‫عن وضعه في موضعه، وما ذاك إال ليكونَ ندامة ووبا ً عليهم كما قال ج ّ وعال: َالَ يَحْ َب َّ‬
   ‫س َن‬          ‫و‬       ‫ل‬                 ‫ال‬                  ‫ّ‬                     ‫ِ‬
              ‫ر َن ن ل له ْر أل فس ِ ِن ن ل ُ لي ْد د إ م و ه َ ب مه ن‬                                                    ‫َّذ‬
          ‫ال ِينَ كَفَ ُوا أَّمَا ُمِْي ُ ُمْ خَي ٌ َن ُ ِهمْ إَّمَا ُمِْي لَهمْ ِ َز َا ُوا ِثْ ًا َلَ ُمْ عذَا ٌ ُّ ِي ٌ [آل‬
         ‫ب‬      ‫ل‬                           ‫د‬                            ‫فإن‬
   ‫عمران:625]، َّ معظمَ أوجه اإليرادات والصا ِرات لدى من كفَر باهلل وبرسوِه منص ّة فيما‬
                          ‫د‬                                         ‫ه‬        ‫م‬              ‫ر‬
     ‫ح َّم اهلل ورسوله ِنْ أخذِ ِم الربا وأكلهم أموالَ الناس بالباطل والص ّ عن سبيل اهلل، وتلك ـ‬
       ‫ر‬         ‫ِن َّذ‬                            ‫م ْد‬                      ‫ة‬                  ‫ر‬
     ‫لعم ُو اهلل ـ هي الحسر ُ والندامة، والت ساعةَ َن َم، وليس بعد الكفرِ ذَنب، إ َّ ال ِينَ كَفَ ُوا‬
     ‫َر‬       ‫ُم ك ن َ ِ ح ْر ُم ي ب ن و َّذ‬                           ‫و ه لي ُد ع سب الل ِ سي ق‬                            ‫ي ق‬
   ‫ُنفِ ُونَ أَمْ َالَ ُمْ ِ َص ُّوا َن َ ِيلِ َّه فَ َ ُنفِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ علَيْهمْ َس َةً ث َّ ُغْلَ ُو َ َال ِينَ كَف ُوا‬
                                                                                                      ‫إل جه َّم ي َر‬
                                                                                     ‫َِى َ َن َ ُحْش ُونَ [األنفال:63].‬
    ‫ِّ م وذم‬                        ‫و‬          ‫د‬                      ‫مي‬         ‫ل‬        ‫وإن‬
‫َّ مما يد ّ على أه ّ ّة المال في حياةِ الفر ِ والجماعة ُرودَه في القرآن متصرفًا َدحًا ًّا في‬
                                                                                                                   ‫ر‬
                                                                                                 ‫أكث َ من ثمانين موضعًا.‬
 ‫أ ّها المسلمون، إ ّ الشريعة اإلسالميةَ الغراء جا َت حا ّة على عمارة األرض وتنم ِتها اقتصادي‬
‫ًّا‬         ‫ي‬                       ‫ض‬     ‫ء‬                              ‫ن‬               ‫ي‬
                           ‫م‬                                          ‫ق‬              ‫ن‬
    ‫بما يكون عو ًا على أداءِ ح ّ اهلل فيها، فلقد قال رسول اهلل : ((إذا قا َت الساعة وفي يدِ أحدِكم‬
                                  ‫أ‬                       ‫ر‬                           ‫ة‬
          ‫فسيل ٌ فاستطاع أن ال تقوم حتى يغ ِسها فليغرسها، فله بذلك َجر)) رواه البخاري(5)[5].‬
       ‫ي‬                       ‫ر‬           ‫ر‬                ‫َد‬             ‫ِ‬
      ‫ومن هنا فقدْ حرصَ اإلسالم أش ّ الحرص على توفي ِ ضمانات أو َكائز لتحقيقِ هذه التنم َة‬
          ‫االقتصادية واستمرارها، ولعل من أبرزِها تحقيق االستقالل االقتصاد ّ والتنمية المستقل‬
     ‫َّة لدى‬               ‫ي‬
    ‫ي‬          ‫ل‬                            ‫م ْ ق َل‬      ‫د م‬              ‫د‬
    ‫المجتمع المسلم؛ ليكون قائ ًا ال منقا ًا، و َتبوعًا ِن ِب ِ غيرِه ال تابعًا. واالستقال ُ االقتصاد ّ‬
                   ‫مقد ت‬       ‫ل‬                              ‫ي‬                        ‫ً‬
            ‫يعني بداهة نفيَ التبعيةِ االقتصاد ّة لألجنبي وسيطرةَ المجتمع المسِم على َّرا ِ بِالده‬
                              ‫ن‬                                     ‫ي‬        ‫ُّ‬       ‫ي‬
          ‫االقتصاد ّة دون تدخلٍ أجنب ّ؛ ألن فقدانَ السيطرة االقتصادية فقدا ٌ لما عداه من السيطرة‬
                                              ‫ن‬          ‫ة‬                                ‫ة‬
    ‫السياسي ِ والعسكرية واالجتماعية والثقافي ِ؛ ولذا فإ ّ التنميةَ االقتصادية لدى المجتمع المسلم ال‬
                                                        ‫لي‬               ‫ي‬                         ‫م‬        ‫ك‬
                                                      ‫يم ِن أن تت ّ دونَ االستقالل االقتصاد ّ والتنمية المحّ ّة.‬
     ‫ي‬          ‫َّ األمة اإلسالمية في هذا العصرِ لتكت ِي بلهيب من الفو َى االقتصادية والض‬
‫َّعف التنمو ّ، كما‬               ‫ض‬                ‫و‬                    ‫َ‬               ‫إن‬
                                                 ‫ذ‬      ‫ًّا يد ّ دبيبًا ويتسل‬
       ‫َّل لوا ًا بين الحين واآلخَر عبر منافذِه الرئيسة في‬                      ‫د‬
                                                                     ‫أنها تعيش فسا ًا اقتصادي ب‬
                       ‫وإن‬            ‫المجتمعاتِ المسلمة، وهي مناف ُ التسّل الفرد ّ والمؤس‬
 ‫َّسي والمنتظم. َّ اتساع مثل هذه المنافذ‬     ‫ي‬        ‫ل‬     ‫ذ‬
              ‫ة‬                     ‫ي‬                          ‫لكفي ٌ بتفعيل البلبلة والخلخلَة المسب‬
 ‫ِّبين عدمَ االستقرار السياس ّ واالجتماعي، والنتيج ُ التالية لمثل‬                             ‫ل‬
                                                    ‫ض‬           ‫ي‬                     ‫ّف‬
                          ‫ذلكم تخل ٌ ذريع في السوق المال ّة والنمو و َعف اقتصادي فادح بالمسلمين.‬
                                                        ‫لتؤك‬                    ‫وإن ر‬
    ‫َّ كثي ًا من الدراسات الحديثة ِّد وجودَ عالقة عكسية بين الفساد االقتصادي وبين النمو.‬
  ‫د‬           ‫د‬        ‫ي‬                   ‫ي‬                          ‫ي‬               ‫ن‬
‫ومن هنا فإ ّ األمة اإلسالم ّة لو أخذَت بالمعنى الحقيق ّ لالقتصادِ اإلسالم ّ لما حا َتْ عن الجا ّة،‬
      ‫يسم‬        ‫ف‬                                                ‫ب‬       ‫ض‬
‫ولما عاشَت فو َى التخ ّط واللهث وراءَ المغريَات المالية من خاللِ التها ُت على ما َّى بسوق‬
                     ‫ب‬      ‫ض‬               ‫ت َ ألط‬                ‫ي‬                  ‫ص‬
       ‫البور َة والمرابحات الدولّة التي لم ُحْكمْ با ُ ُر الشرعية، وفو َى التخّط أيضًا في سوء‬
                        ‫يسب‬      ‫ي‬
     ‫الموازنة وعدم إحكامِ القروض المالية في الحاجيات والتحسين ّات؛ ما ِّب تراكمَ الديون على‬
            ‫ج‬                ‫ر‬                               ‫ي‬       ‫ن‬                            ‫م‬
            ‫مجت َعاتٍ ال تطيق حملها، ولذا فإ ّ التنم ّة االقتصادية اإلسالميةَ ال تعت ِف بتنمية اإلنتا ِ‬
‫ن‬            ‫ي‬                         ‫د‬     ‫ن‬                 ‫ح‬     ‫ز‬       ‫ّ‬
‫االقتصادي في مع ِل عن ُسن توزيعه، كما أ ّ جهو َ وأهداف االقتصاد اإلسالم ّ يجب أن تكو َ‬
     ‫ت س ي‬                ‫وأمي‬                        ‫ة‬                     ‫ء‬             ‫ٍ‬
    ‫مصاغة بعناية فائقة للقضا ِ قدرَ الطاقة على فاق ِ الفرد المسلم وبطَالَته ِّ ّته ومعانا ِه ال ّكن ّة‬
                                                                                                                   ‫صح‬
                                                                                                                ‫وال ّ ّية.‬
               ‫ض‬          ‫ل‬                          ‫ي‬                                ‫تأم‬
    ‫ولو َّل الناس حقيقةَ المفهوم االقتصاد ّ اإلسالمي لما وقعوا في مث ِ هذه الفو َى ومثل ذلكم‬
        ‫ز‬          ‫ع‬                              ‫ة‬                              ‫ب ألن‬
    ‫التخ ّط؛ َّ كلمة االقتصاد في األصل مأخوذ ٌ من القَصد، وهو االستقامة وال َدل والتوا ُن في‬
            ‫ي‬                                             ‫ت ص‬
      ‫القول والعمل، وفي اإليرادا ِ وال ّادرات وفي الكَسب واإلنفاق. فاالقتصاد اإلسالم ّ هو في‬
                                                ‫ي‬                ‫ل‬                   ‫ن‬      ‫ة‬
            ‫الحقيق ِ تواز ٌ في التنمية واعتدا ٌ في السوق المال ّة، يحمل المجتمعَ المسلم إلى االعتدال‬
   ‫ت‬                           ‫ب‬                                       ‫ط‬           ‫ن‬
‫والمواز َة دون إفرا ٍ أو تفريط؛ ولذا ـ عبادَ اهلل ـ كان واج ًا على المجتمعات المسلمة أن َسعى‬
  ‫ألن‬        ‫نة‬                                                             ‫م‬
  ‫جاهدةً إلى أَسلَ َة االقتصاد والتنمية من خاللِ توحيد المصدر، وهو كتاب اهلل وس ّ ُ رسوله ؛ َّ‬
                                    ‫م‬           ‫ن‬                        ‫ح‬
             ‫العقيدة الصحيحةَ وص ّة المصدر كفيالن في إحسا ِ تشغيلِ ال ُلكية على مستوَى األفراد‬
                                                                                                               ‫والشعوب.‬
              ‫د‬         ‫ن‬               ‫ر م‬            ‫الط‬    ‫ل‬        ‫ُّذ‬         ‫وقد يتعج‬
         ‫َّب بعض الس َّج من مث ِ هذا َّرح نظ ًا لفَه ِه القاصر على أ ّ االقتصا َ يخضع‬
    ‫ن‬                          ‫ل‬        ‫رد‬            ‫ٍ‬          ‫ص‬     ‫ت ج‬             ‫ب‬
    ‫لضَوا ِط ومعايير ُتَر َم في ِيَغٍ رياضية فحسب. ولل ّ ّ على مث ِ هذا الفهم القاصر نقول: إ ّ‬
                   ‫ة‬         ‫ج‬                    ‫ص‬                         ‫النظام االقتصادي‬
     ‫َّ المهيمن في عالمنا المعا ِر كان في األصل قد و ِد في بيئ ٍ مالئمة له لدى‬
          ‫ر‬                      ‫قي‬              ‫ة‬               ‫تغي‬
        ‫غَير المسلمين، وذلك بعد أن َّرت لديهم مجموع ُ المبادئ وال ِ َم التي كانت تحكم تفكي َهم‬
                         ‫وسلوكهم، وذلك بأخ ِهم بالفلسفة الفرد ّة ك َلَقة فلسف ّة تحكم التفكيرَ وتحد‬
         ‫ُّه بمعيار المصلحة‬                  ‫ي‬          ‫ي ح‬                     ‫ذ‬
          ‫ي‬                 ‫ر‬                     ‫ح‬          ‫ت‬                          ‫ص‬
         ‫الخا ّة دونَ النظرِ إلى ما سِوى ِلكم المصل َة الخاصة، ومن هنا صا َتِ النظرة األجنب ّة‬
    ‫أي‬                                                    ‫ي‬
   ‫لالقتصاد مذبذبةً بين تحليلٍ اشتراك ّ وتحليل رأسمالي. وهذا دليل واضح على تأثيرِ االعتقاد ًّا‬
                                                                                ‫كان نوعه على التنمية االقتصادية.‬
     ‫ل‬                ‫د ج‬                  ‫ي‬                       ‫ي د‬                  ‫فإن‬
     ‫ولذا َّ التقدم الحقيق ّ في ِراسة االقتصادِ اإلسالم ّ إنما يجيء في ال ّر َة األولى من خال ِ‬
                  ‫م‬                          ‫َب ِه بالق َم والمبادئ اإلسالمية، واالحتفاظِ له بالص‬
    ‫ِّبغة التي أرادها اهلل، وعد ِ مَسخه وتشويهه‬                                      ‫ي‬       ‫رط‬
                                                                             ‫ي‬       ‫د‬                   ‫ع‬
                                                                            ‫بوض ِه في قوالب االقتصا ِ الوضع ّ.‬
         ‫ي‬                 ‫ل‬      ‫ي‬                                   ‫بأن‬              ‫يدل‬
        ‫ومما ُّ على ما ذكرناه َّ اإلسالم ينظر إلى النشاطِ االقتصاد ّ المتعّق باستخدام الملك ّة‬
    ‫َي َّذ ن من‬                      ‫ل‬                                 ‫د‬                    ‫ر‬
  ‫والتص ّف فيها على أنه محدو ٌ بما شرع اهلل وما نهى عنه، وهو قوُه تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا‬
 ‫ن ح ب م لله َرس له وإ‬                          ‫قي م الر إ ك ت م من إ َّ عل‬                                  ‫اتق الله َ َر‬
‫َّ ُوا َّ َ وذ ُوا مَا بَ ِ َ ِنَ ِّبَا ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِينَ فَِن لمْ تَفْ َُوا فَأْذَ ُوا بِ َرْ ٍ ِّنَ ا َّ ِ و َ ُوِ ِ َِن‬
        ‫ش‬                                       ‫لم ن و ت م‬                    ‫ت ُ ْ ُ رء س و ل ُ‬
   ‫ُبْتم فَلَكمْ ُ ُو ُ أَمْ َاِكمْ الَ تَظِْ ُو َ َالَ ُظْلَ ُونَ [البقرة:627، 227]، بل قد جاء في ال ّرع ما‬
             ‫بب‬                    ‫كن عدو‬               ‫وذل‬                    ‫ّ‬      ‫ل‬
 ‫يد ّ على أن فسادَ حالِ المسلمين َّهم وضعفَهم وتم ّ َ ِّهم منهم قد يكون بس َ ِ ما يرتكبونه‬
                ‫ي‬                             ‫ضن‬                   ‫ي‬
     ‫من مخالفاتٍ في أسواقهم المال ّة، فقد قال : ((إذا َّ الناس بالدينار والدرهم وتبا َعوا بالعينة‬
     ‫ج‬                         ‫ذال‬                                                         ‫ب‬
  ‫وت ِعوا أذنابَ البقر وتركوا الجهاد في سبيل اهلل أنزل اهلل بهم ًّ، فلم يرفعه عنهم حتى يرا ِعوا‬
                                                           ‫ح‬
                                       ‫دينَهم)) رواه اإلمام أحمد ورجاله ثقات وص ّحه ابن القطان(7)[7].‬
                                                ‫وبعد يا رعاكم اهلل، فإ ّ االقتصاد اإلسالمي‬
   ‫َّ ليحتاج في النهوض به إلى المستوى المطلوبِ إلى‬                ‫ن‬
         ‫لي‬                           ‫د‬
         ‫جهودِ المخلصين من العلماء وأهلِ االقتصاد، ومساهمتهم الجا ّة في إيجادِ المفتاح المدخَِ ّ‬
                    ‫ي‬                     ‫ض‬
           ‫لالقتصاد اإلسالمي الصحيح، مع مراعاة فِقهِ هذه المع ِلة في تركيبها الواقع ّ وتشكيلها‬
       ‫تن‬            ‫د‬          ‫ِّ‬
  ‫االجتماعي، وكذا مراعاة الخضوعِ للخطوات المشهورة في كل دراسة جا ّة، وهي أن ُب َى على‬
 ‫المالحظة واالفترا ِ والتجريب والوصول، أو بمعنى آخر: تخضَع الستخدامِ المنه االستقرائ ّ‬
 ‫ي‬                                                                 ‫ض‬
         ‫د‬                              ‫س‬              ‫ل‬                         ‫ّ‬
         ‫واالستنباطي بهدفِ الوصول إلى كشف العّة الكامنة وال ّببِ القابِع وراء ضمور االقتصا ِ‬
‫ف‬          ‫ل‬      ‫ي‬
‫اإلسالمي في مقا ِل ض ّه. وهذا األمر َّب م ّا أن نب َث في المنه النبو ّ كسبي ٍ أساس لكش ِ‬
                                    ‫ح‬        ‫يتطل ن‬               ‫د‬    ‫ب‬        ‫ّ‬
                        ‫و َل الله ب ع ح َّ الرب‬
   ‫سنَنِ الهداية واإلرشاد انطالقًا من قوله تعالى: َأَح َّ َّ ُ ال َيْ َ وَ َرمَ ِّ َا [البقرة:127]، وقوله‬
     ‫مك‬       ‫ج ع ر‬                ‫و ك ب ك ب ِ ِال أ ك‬                              ‫كل‬            ‫َيه َّذ ن من‬
   ‫سبحانه: يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا الَ تَأْ ُُوا أَمْ َالَ ُم َيْنَ ُم بِالْ َاطلِ إ َّ َن تَ ُونَ تِ َارَةً َن تَ َاضٍ ِّن ُمْ‬
                                                                          ‫بك ْ رح‬          ‫و تل فس ُ ِن ل‬
                                                         ‫َالَ تَقْ ُُوا أَنْ ُ َكمْ إ َّ الَّهَ كَانَ ِ ُم َ ِيمًا [النساء:27].‬
   ‫قت‬                 ‫ذ‬               ‫ه‬                 ‫ع‬
‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونف َني وإياكم بما في ِ من اآليات وال ّكر الحكيم، قد ُلْ ُ ما‬
                ‫ر‬          ‫ن‬                                                  ‫م‬              ‫قت‬
              ‫ُلْ ُ، إن صوابًا ف ِن اهلل، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر اهلل إ ّه كان غفا ًا.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                             ‫ي‬
                                                       ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نب ّ بعده.‬
‫ي‬                   ‫ج‬                      ‫ت‬         ‫ن‬                                     ‫فات‬
‫وبعد: َّقوا اهلل معاشرَ المسلمين، واعلَموا أ ّ المشكال ِ االقتصاديةَ التي يوا ِهها العالم اإلسالم ّ‬
        ‫م‬                           ‫ي‬         ‫ي‬                       ‫ب‬
  ‫اليوم ما هي إال بس َب غيابِ المنه االقتصاد ّ اإلسالم ّ الصحيح، والذي يتناول تنظي َ جوانب‬
        ‫تتحق‬                                             ‫م‬                ‫ي‬
       ‫النشاط االقتصاد ّ في الحياة العا ّة بعدلٍ وتعاون وتكافل وإحسان، والتي من خِاللها َّق‬
              ‫ي‬          ‫المصالح لألمة وتد َُ المفاسد عنها. َّ التطبيقاتِ المعاصرةَ في المؤس‬
‫َّسات المال ّة اإلسالمية في‬                            ‫وإن‬              ‫ُ ْرأ‬
             ‫سل‬               ‫ت‬                     ‫ة س‬                      ‫ر‬
 ‫مجال المصا ِف والتأمين لفي حاج ٍ ما ّة إلى إدراك المجتمعا ِ والحكومات وال ُّطات الرقابية‬
                                                                                   ‫م‬       ‫ي‬
                                                                       ‫لقيمتها واألثر اإليجاب ّ في دع ِها وتطبيقها.‬
               ‫ِ‬                              ‫ي‬                          ‫ء‬
      ‫وإذا ما أردنا إذكا َ مثل ذلكم النشاط االقتصاد ّ الصحيح فعلينا جميعًا أن ال نهملَ عنصرين‬
            ‫يتحق‬                           ‫ر‬                                       ‫مهم‬
     ‫َّين في هذا الميدان الواسع، أال وهما عنص ُ الزكاة وعنصر الوقف؛ إذ بهما َّق الدعم‬
   ‫ي‬                ‫ع‬                                   ‫ي‬                     ‫ل‬      ‫الال‬
   ‫َّمحدود ِتحقيق األمن االقتصاد ّ واالجتماعي لألمة. يضاف إلى ذلكم ـ ِباد اهلل ـ الوع ُ‬
                      ‫س‬     ‫ر‬                         ‫ي‬                                ‫م‬
 ‫التا ّ في التعامل مع العولمة االقتصاد ّة، والتي أصبحت واقعًا يف ِض نف َه على العالم أجمع؛ ما‬
                     ‫ي‬                         ‫ي‬                     ‫ي ن‬                        ‫يؤك‬
    ‫ِّد التعاونَ االقتصاد ّ الب ّاء بين الدول اإلسالم ّة لزيادةِ التبادل التجار ّ بينها وإنشاء سوق‬
               ‫ي‬                         ‫ي ألن‬          ‫ي‬                 ‫ف‬        ‫ر‬
‫إسالمية مشت َكَة تنا ِس األسواقَ المال ّة العالم ّة؛ َّ مستقبلَ المسلمين يجب أن ُصْنَع في بالدهم‬
        ‫ّ‬         ‫ي‬        ‫وعلى أرضهم بكدحِهم وأخالقهم حتى ال يقَعوا فريسةً ألخالق التسو‬
    ‫ُّل الفكر ّ االقتصادي بكل‬
  ‫ئ‬             ‫َّراتهم؛ َّ َّ أ ّة تب ِي مستقبلَها على مثل ذلكم التسو‬
‫ُّل فهي أمة ضا ِعة‬                            ‫ألن أي م ن‬            ‫صنوفه في طاقاتهم ومقد‬
   ‫َل ال‬   ‫ه َّذ جع ُم ْ‬                                                ‫ح فأن‬
   ‫في تيهِ العقلِ الش ّاذ، َّى لها حينئذ االستقرار أو الظهور؟! ُوَ ال ِي َ َلَ لَك ُ األَرضَ ذُو ً‬
                                                 ‫ش ف م كب وكل م ِّ ْقه وإ النش ر‬
                                     ‫فَامْ ُوا ِي َنَا ِ ِهَا َ ُُوا ِن رز ِ ِ َِلَيْهِ ُّ ُو ُ [الملك:15].‬
         ‫ر‬                           ‫ي‬              ‫ي‬                                ‫و َل‬
  ‫هذا َصُّوا ـ رحمكم اهلل ـ على خيرِ البر ّة وأزكى البشر ّة محمد بن عبد اهلل، فقد أم َكم اهلل‬
    ‫ي‬       ‫ل‬                           ‫وأيه‬          ‫بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بمالئك ِه المسب‬
   ‫ِّحة بقدسه، َّ َ بكم أيها المؤمنون، فقال ج ّ وعال: َا‬     ‫ت‬
  ‫ة ل‬      ‫ي‬     ‫ل‬                             ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫َي َّذ ن من‬
 ‫أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61]، وقال : ((من صّى عل ّ صال ً صّى‬
                                                                                      ‫ر‬
                                                                                  ‫اهلل عليه بها عش ًا)).‬
                                             ‫ل‬                    ‫م‬        ‫لم ل‬
‫الّه ّ ص ّ على مح ّد وعلى آل محمد كما صّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد،‬
   ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك‬
 ‫ة‬                                                           ‫لم‬       ‫و ْ‬
 ‫حميد مجيد، َارضَ الّه ّ عن خلفائه األربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحاب ِ‬
                                                                                               ‫م‬     ‫ي‬
                                                                                          ‫نب ّك مح ّد ...‬
                                                                                        ‫__________‬
  ‫(5) أخرجه أحمد (3/525)، والبخاري في األدب المفرد (221)، وعبد بن حميد (6575) عن‬
  ‫أنس بن مالك رضي اهلل عنه، وصححه الضياء في المختارة (2/767-167)، وهو في السلسلة‬
                                                                                         ‫الصحيحة (2).‬
‫(7) مسند أحمد (7/71، 16) من حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما، وهو أيضا عند أبي داود في‬
          ‫كتاب البيوع (7613)، والروياني (7715)، وأبي يعلى (2161)، والطبراني في الكبير‬
   ‫(05/731)، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (3/25)، وقواه ابن القيم في تعليقه‬
   ‫على سنن أبي داود (2/117)، وصححه األلباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (55).‬

‫(5/1031)‬




                                                                     ‫أزواج النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                ‫األسرة والمجتمع, سيرة وتاريخ, قضايا في االعتقاد‬
                                                                                ‫الصحابة, المرأة, تراجم‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                          ‫عبد المحسن بن محمد القاسم‬
                                                                                          ‫المدينة المنورة‬
                                                                                             ‫67/1/6715‬
                                                                                           ‫المسجد النبوي‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- االقتداء بالصالحات. 7- فضائل خديجة رضي اهلل عنها. 3- فضائل عائشة رضي اهلل عنها.‬
   ‫1- فضائل سودة رضي اهلل عنها. 1- فضائل حفصة رضي اهلل عنها. 6- فضائل زينب بنت‬
   ‫خزيمة رضي اهلل عنها. 2- فضائل أم حبيبة رضي اهلل عنها. 6- فضائل أم سلمة رضي اهلل‬
‫عنها. 2- فضائل زينب بنت جحش رضي اهلل عنها. 05- فضائل جويرية رضي اهلل عنها. 55-‬
 ‫فضائل صفية رضي اهلل عنها. 75- فضائل ميمونة رضي اهلل عنها. 35- زهد النبي وزوجاته.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                 ‫ة‬         ‫ل و‬                                 ‫حق‬                                  ‫م‬
      ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل ـ عبادَ اهلل ـ َّ التقوى، فتقوَى اهلل ذِكرَى لك ّ أ ّابٍ ونجا ٌ للعبادِ من‬
                                                                                                       ‫ع‬
                                                                                                   ‫ال َذاب.‬
        ‫أ ّها المسِمون، تس َد المرأ ُ المسِمة باق ِفا ِ أث ِ خَيرِ ِساءٍ ِشنَ في أفضلِ القرون وترب‬
   ‫َّين في‬                      ‫ن ع‬           ‫ت ء ر‬            ‫ل‬     ‫ة‬        ‫ع‬        ‫ل‬       ‫ي‬
  ‫ز‬        ‫ث ع ن‬                   ‫ز‬       ‫ج َّ ق ر‬
  ‫أ ِّ البيو ِ بيتِ الّب ّة، أعَى اهلل َكانتَهن، وأ َل َد َهن، ون َل القرآن بالّناءِ َليه ّ، قال ع ّ‬
                                                              ‫م‬       ‫ل‬     ‫نو‬          ‫ت‬       ‫َجل‬
     ‫ن‬       ‫ز ت ر‬                      ‫ل نس الن ِي ُن َ م النس إ ات ُن‬
  ‫وج ّ: يَا ِ َاءَ َّب ِّ لَسْت َّ كَأَحدٍ ِّنَ ِّ َاءِ ِنِ َّقَيْت َّ [األحزاب:73]، َوجا ٌ مبا َكات، و ِساء‬
                                                                                                    ‫م‬
                                                                                                 ‫عظي َات.‬
                              ‫خ‬                        ‫ذ ت‬            ‫قل‬             ‫أ ن‬
 ‫ُواله ّ المرأة العا َِة الحا ِقة ذا ُ الدين والنسب خديجة بنت ُويلدٍ رضي اهلل عنها، نشأت على‬
   ‫ء ك‬            ‫تع‬                 ‫ف‬         ‫ر وات‬                ‫ُّق بالفضائ ِ والتحل‬
  ‫ِّي باآلداب والك َم، َّصفت بالع ّة والشرف، كانت ُد َى بين نسا ِ م ّة‬     ‫ل‬          ‫التخل‬
               ‫ج ة‬               ‫س‬       ‫و‬                                    ‫تزوج‬
    ‫بالطاهرة. َّ َها المصطفى فكانت نِعمَ الزوجة له، آ َته بنف ِها ومالها ور َاح ِ عقلها، وفي‬
            ‫ي ّ‬                             ‫بث‬                                          ‫ن‬
    ‫أحزا ِه عليه الصالة والسالم كان يأوِي إليها وي ُ ّ إليها همومه. نزل عليه الوح ُ أولَ نزوله‬
           ‫شت‬                                                ‫ه‬     ‫د‬      ‫ج‬
       ‫فرجَع إليها ير ُف فؤا ُه من َول ما رأى، وقال لها: ((ما لي يا خديجة؟! لقد خ ِي ُ على‬
                                  ‫د‬                         ‫كال‬                        ‫فتلق‬
                          ‫نفسي))، َّته بقَلبٍ ثابت وقالت له: َّ واهلل، ال يخزيك اهلل أب ًا(5)[5].‬
 ‫الحَ اإلسالم في دا ِها فكانت أولَ من آمن من هذه األمة، قال ابن األثير رحمه اهلل: "خديجة أو ُ‬
 ‫ّل‬                                                           ‫ّ‬          ‫ر‬
                                         ‫ر‬        ‫ل‬       ‫يتقد‬
                              ‫خلقِ اهلل إسالمًا بإجماعِ المسلمين، لم َّمها رج ٌ وال ام َأَة"(7)[7].‬
                              ‫ب‬                      ‫ع ُ َت ال ّدائِد على النب ّ في مطلَع دعو ِه، واشتد‬
    ‫َّ اإليذاء، فكانت له قل ًا حانيًا ورأيًا ثاقبًا، ال‬      ‫ت‬              ‫ي‬               ‫ظم ش‬
                  ‫ي‬                   ‫ال ثب وهو‬                          ‫ئ‬
   ‫يسمَع من الناسِ شي ًا يكرهه ثم يرجِع إليها إ ّ َّتته َّنت عليه، يقول النب ّ : ((آمنت بي إذ‬
   ‫د‬            ‫ز‬              ‫ر‬
 ‫كَ َر بي ال ّاس، وص ّقتني إذ َّبني الناس، ووا َتني بمالها إذ ح َمني الناس، ور َقني اهلل ول َها‬
                                                ‫س‬               ‫كذ‬        ‫د‬       ‫ن‬        ‫ف‬
                                                          ‫إذ حرمني أوالدَ النساء)) رواه أحمد(3)[3].‬
     ‫َم‬     ‫ع خل‬         ‫ب‬              ‫و‬        ‫ي‬                        ‫م‬      ‫رة ج‬
 ‫عظيمة با ّ ٌ بزو ِها وأ ّ حنون، جميع أوالدِ النب ّ منها س َى إبراهيم، أد ُها رفي ٌ و ُُقها ج ّ، لم‬
   ‫بش‬                       ‫ي‬                      ‫ذ‬         ‫م‬
‫تراجِعِ المصطفى يومًا في الكال ِ، ولم تؤ ِه في خِصام، يقول النب ّ : ((أتاني جبريل فقال: ِّرها‬
                         ‫ص‬       ‫ب‬            ‫مجو‬
 ‫ببيتٍ في الجنة من قصب ـ أي: لؤلؤ َّف ـ، ال صخَ َ وال ن َب)) متفق عليه(1)[1]. قال‬
 ‫م‬         ‫ت‬       ‫ي‬            ‫ت‬                                     ‫بش‬                  ‫س ّ‬
‫ال ّهيلي رحمه اهلل: "إنما َّرها ببيتٍ في الجنة ألنها لم ترفَع صو َها على النب ّ ، ولم ُتعِبه يو ًا‬
                                                   ‫د‬
                                          ‫من الدهر، فلم تصخَب عليه يومًا، وال آذته أب ًا"(1)[1].‬
                                                              ‫رب‬      ‫ي‬       ‫ي‬
  ‫كانت راض َةً مرض ّة عند ِّها، يقول عليه الصالة والسالم: ((قال لي جبريل: إذا أتتك خديجة‬
   ‫ة‬                       ‫ي‬                                 ‫ن‬      ‫رب‬
‫فأقرِئ عليها السالم من ِّها وم ّي)) متفق عليه(6)[6]. قال ابن الق ّم رحمه اهلل: "وهي فضيل ٌ ال‬
       ‫ن ُز‬                ‫ي‬        ‫َّتها المالئكة وأحب‬
     ‫َّها النب ّ ، يقول : ((إ ّي ر ِقت‬                           ‫أحب‬                        ‫ر‬
                                                     ‫تع َف المرأةٍ سِواها"(2)[2]. َّها اهلل وأحب‬
                                                                                             ‫حب‬
                                                                        ‫َّها)) رواه مسلم(6)[6].‬
      ‫ك‬       ‫ي‬                                           ‫ك ص‬             ‫ل‬     ‫ر‬
     ‫كان إذَا ذك َها أعَى شأنَها وش َر ُحبتَها، تقول عائشة رضي اهلل عنها: كان النب ّ إذا ذ َر‬
       ‫ر‬                    ‫ُد‬        ‫ف‬                              ‫ء‬          ‫أ‬
      ‫خديجةَ لم يكن يسَم من ثَنا ٍ عليها واستغفارٍ لها(2)[2]. ح ِظ لها و َّها ووفاءها، فكان يك ِم‬
     ‫ء م‬            ‫يقط‬                 ‫ورب‬                             ‫د ت‬            ‫حب‬
     ‫صا ِ َاتها بع َ وفا ِها، تقول عائشة رضي اهلل عنها: َّما ذبح الشاةَ، ثم ِّعها أعضا ً، ث ّ‬
                      ‫ة ال‬          ‫د‬               ‫ن‬        ‫قت‬
 ‫يبعثها إلى صديقاتِ خديجة، فربما ُل ُ له: كأ ّه لم يكن في ال ّنيا امرأ ٌ إ ّ خديجة! فيقول: ((إنها‬
                                     ‫كانت وكانَت، وكان لي منها ولد)) رواه البخاري(05)[05].‬
                                 ‫ذك‬           ‫ر‬      ‫ز‬                 ‫ت‬         ‫سمع النبي‬
           ‫ُّ صوتَ أخ ِها بعد وفاتها فح ِن كثي ًا وقال: (( َّرتني بخديجة))(55)[55].‬
                            ‫م‬                                   ‫ل‬     ‫ل‬                ‫م‬
  ‫ك ُلَت في دينها وعقِها وخُقها، يقول عليه الصالة والسالم: ((ك ُل من الرجال كثير، ولم يكمل‬
                    ‫ت‬                        ‫ة‬                                   ‫ن‬
   ‫من ال ّساء إال ثالث: مريم بنت عمران، وآسي ُ امرأة فرعون، وخديجة بن ُ خويلد)) رواه ابن‬
                                                                                ‫مردويه(75)[75].‬
    ‫رن ئ‬                                                    ‫ي‬                    ‫ء‬        ‫ب‬
‫س َقَت نسا َ هذه األمة في الخير ّة والشرف والسناء، يقول عليه الصالة والسالم: ((خي ُ ِسا ِها ـ‬
                      ‫م‬          ‫م‬         ‫ئ‬                     ‫م‬
      ‫أي: في زمانها ـ مري ُ بنت عمران، وخير نسا ِها ـ أي: ِن هذه األ ّة ـ خديجة)) متفق‬
                                                                                   ‫عليه(35)[35].‬
               ‫ر‬      ‫ت‬         ‫ح‬
 ‫َلحت في نف ِها وأصلَ َت بيتَها، ف َنَت ثمرةَ ُهدها، فأصبَ َت هي وابنُها خي َ نساء العالمين‬
                                             ‫ج‬          ‫ج‬            ‫ح‬         ‫س‬          ‫ص‬
          ‫م‬             ‫ة‬       ‫ن‬             ‫َل ن‬                                  ‫ن‬
  ‫في الج ّة، يقول عليه الصالة والسالم: ((أفض ُ ِساء أهلِ الج ّة خديج ُ وفاطمة ومري ُ وآسية))‬
                                                                             ‫رواه أحمد(15)[15].‬
            ‫تسر‬         ‫ة‬       ‫َّج امرأةً قبلَها ولم يتزو‬
    ‫َّج امرأ ً معها وال َّى إلى أن‬                                 ‫ي‬               ‫ً‬
                                                        ‫كانت عظيمة في فؤادِ النب ّ ، فلم يتزو‬
     ‫ة‬      ‫ة‬    ‫دي ة م‬
  ‫ق َت نح َها، فح ِنَ لفَقدِها، يقول الذهب ّ رحمه اهلل: "كانت عا ِلةً جليلةً ِّن ً َصون ً كريم ً من‬
                                   ‫ق‬                     ‫ي‬                        ‫ز‬       ‫ب‬     ‫ض‬
                                                                             ‫أهلِ الجنة"(15)[15].‬
  ‫ت‬                                           ‫ت‬           ‫ص ق ت و ِد‬                ‫ب‬
  ‫وفي َيتِ ال ّد ِ وال ّق َى ول َت عائشة بن ُ أبي بكر الصديق رضي اهلل عنها، ونشأت في بي ِ‬
   ‫ِد‬    ‫ِد‬      ‫ي‬                ‫ي‬               ‫ت‬            ‫ت‬               ‫فأم‬
 ‫اإليمان، ُّها صحابية، وأخ ُها أسماء ذا ُ النطاقين صحاب ّة، وأخوهَا صحاب ّ، ووال ُها ص ّيق‬
      ‫ء متدفق‬           ‫ح‬        ‫عال َ ش َس ب‬                     ‫ع‬           ‫ر ر‬
     ‫هذه األمة. ت َع َعت في بيتِ ِلم، كان أبوها َّمة قري ِ ون َّا َتها، من َها اهلل ذكا ً ِّ ًا‬
  ‫ت‬         ‫م‬                      ‫مِ ُ‬                                               ‫ق‬
‫وحفظًا ثا ِبًا، قال ابن كثيرٍ رحمه اهلل: "لم يكن في األ َم مثل عائشَةَ في حفظها وعل ِها وفصاح ِها‬
   ‫حظ‬                               ‫ِ‬             ‫ع‬           ‫ج‬
 ‫وعَقلها"(65)[65]، فاقَت نساءَ ِنسها في ال ِلم والحكمة، رزقَت في الفقه فهمًا وفي الشعر ِف ًا،‬
   ‫َم‬                      ‫م‬           ‫ه‬                                ‫و ء‬       ‫ش‬
   ‫وكانت لعلومِ ال ّريعة ِعا ً، يقول الذهبي رحمه اهلل: " أفقَ ُ نساءِ األ ّة على اإلطالق، وال أعل ُ‬
                                                                           ‫ن‬                   ‫م‬
                                    ‫في أ ّة محمد بل وال في الّساء مطلَقًا امرأةً أعلَم منها"(25)[25].‬
‫س َت على النساء بفضا ِِها وجميلِ ِشرتها، يقول المصطفى : ((فضل عائشةَ على النساء كفض ِ‬
‫ل‬                                                  ‫ع‬          ‫ئل‬                  ‫م‬
                                                         ‫الثريد على سائر الطعام)) متفق عليه(65)[65].‬
                ‫ب‬      ‫ي ن‬                               ‫ي‬      ‫ب‬                       ‫أحب‬
   ‫َّها النبي ، وما كان ليح ّ إال طّبًا، يقول عمرو بن العاص : أ ّ ال ّاس أح ّ إليك يا رسول‬
                  ‫اهلل؟ قال: ((عائشة))، قلت: فمن الرجال؟ قال: ((أبوها)) رواه البخاري(25)[25].‬
       ‫لرب‬                 ‫ع ٌ‬          ‫ة‬               ‫ُ‬      ‫ز‬                ‫ر‬      ‫لم يتزو‬
 ‫َّج بِك ًا غيرَها، وال ن َل الوحي في لحافِ امرأ ٍ سواها، َفيفة في نفسها، عابِدة ِّها، ال‬
              ‫ر ال ال‬            ‫ن‬      ‫س‬                ‫ر‬                     ‫ر ال‬           ‫ر‬
     ‫تخ ُج من دا ِها إ ّ ليالً لئال يراها ال ّجال، تقول عن نف ِها: ك ّا ال نخ ُج إ ّ لي ً(07)[07]،‬
 ‫ي‬                           ‫هِي أل ل‬              ‫َر‬         ‫َ َ َ ف بي ت ُن و َر‬                          ‫ق‬
 ‫مح ّقةً قولَ اهلل: وقرْن ِي ُ ُو ِك َّ َالَ تَب َّجْنَ تَب ُّجَ الجَا ِل َّةِ ا ُوَى [األحزاب:33]، قال القرطب ّ‬
       ‫ر‬                                    ‫ن‬        ‫ن ء‬             ‫ة ح‬
    ‫رحمه اهلل: "والشريع ُ طافِ َة بلزوم ال ّسا ِ بيوتَه ّ واالنكفافِ عن الخروج منها إال لضرو َة..‬
                                          ‫ت م‬           ‫ُّ‬       ‫ِ ك‬               ‫ة‬        ‫مس‬
                                ‫فإن َ ّت الحاج ُ إلى الخروج فَلي ُن على تبذلٍ وتس ّر تا ّ"(57)[57].‬
   ‫َ م‬              ‫عر‬                      ‫به‬                               ‫حب‬        ‫ل‬
 ‫واهلل يبتِي من ي ِ ّ، واالبتالء على قدرِ اإليمان، ُ ِتَت رضي اهلل عنها و ُم ُها اثنَا عشر عا ًا،‬
 ‫قالت: فبكَي ُ حتى ال أَكت ِل بنوم وال َرقأ لي َمع، حتى َّ أبواي أ ّ البكا َ فاِ ٌ كب ِي، واشتد‬
 ‫َّ‬      ‫ء لق ِد‬            ‫ن‬         ‫ظن‬        ‫د‬       ‫ي‬           ‫ح‬             ‫ت‬
 ‫بها البالء، قالت: حتى قلَصَ دمعي فال أح ّ منه قطرة(77)[77]. قال ابن كثير رحمه اهلل: فغا َ‬
 ‫ر‬                                               ‫س‬
      ‫ع‬                       ‫ر‬                       ‫ل‬        ‫ر‬                ‫ز‬
 ‫اهلل لها، وأن َل براءتها في عش ِ آيات تتَى على الزمان، فسمَا ذك ُها وعال شأنها؛ لتسمَعَ َفافها‬
                               ‫ة‬         ‫عد‬         ‫ي‬                         ‫ِ‬
                    ‫وهي في صباها. فشَهدَ اهلل لها بأنها من الط ّبات، وو َ َها بمغفر ٍ ورزق كريم.‬
            ‫س‬        ‫ت‬                  ‫ِّ‬        ‫ت‬             ‫نبي تمرض‬           ‫ه‬
       ‫لم تزل سا ِرةً على ِّنا ، ِّ ُه وتقوم بخدم ِه، حتى توفيَ في بيتها وليلَ ِها وبين َحرِها‬
                                                                                                      ‫ونحرِها.‬
    ‫د‬         ‫ج‬         ‫ي‬
‫و َلي َ ُ القلب سَود ُ بنت زم َة رضي اهلل عنها، أو ُ من تز ّ َ بها النب ّ بعد خدي َة، وانفر َت به‬
                                   ‫وج‬        ‫ّل‬                   ‫ع‬        ‫ة‬            ‫س مة‬
                      ‫م‬      ‫س ة وه‬                  ‫ل ز‬                                    ‫و‬
   ‫نح ًا من ثالثِ سنين، كانت جليلةً نبيَة، ر ِقَت صفاءَ ال ّرير ِ، َ َبت يو َها لعائشةَ رضي اهلل‬
                                                                   ‫غ ر رب‬                          ‫ر‬
                                                                ‫عنها ِعايةً لقلب النبي تبتَ ِي ِضَا ِّها.‬
    ‫والق ّا َ ُ ال ّ ّامة حفص ُ بنت أميرِ المؤمنين عم َ بن الخطاب رضي اهلل عنه، نشَأت في بي ِ‬
    ‫ت‬                                     ‫َر‬                      ‫ة‬        ‫و مة صو‬
   ‫ه‬                                  ‫ر‬                 ‫س ةم‬                            ‫ن‬
  ‫ُصرةِ الدين وإظهارِ الحق، َبع ٌ ِن أهلها شهدوا بد ًا، تقول عنها عائشة رضي اهلل عنها: ِي‬
                                                                   ‫ي‬                   ‫ت م‬
                                                         ‫التي كانت ُسا ِيني من أزواجِ النب ّ (37)[37].‬
  ‫ي ر‬                                         ‫ل‬            ‫ي‬            ‫خ‬     ‫م ة ب‬
‫وال ُنفق ُ زين ُ بنت ُزيمة الهالل ّة، ذات البذ ِ والمسارعة في الخيرات، مكثَت عند النب ّ شه َين‬
                                                                                                      ‫توفي‬
                                                                                                    ‫ثم ِّ َت.‬
         ‫جه م‬                                                       ‫سب م‬
     ‫والمهاجرة المحت ِ َة أ ّ حبيبة رملة بنت أبي سفيانَ رضي اهلل عنها، ليس في أزوا ِ ِ َن هي‬
        ‫ئي‬              ‫م تزو‬                   ‫رص‬          ‫ئ م‬                              ‫ب‬
‫أقر ُ نسبًا إليه منها، وال في نسا ِه َن هي أكث ُ َداقًا منها، وال في َن َّج بها وهي نا ِ َة الدارِ‬
            ‫حب ب وجه‬                   ‫َ‬            ‫بش رة‬                          ‫َ‬        ‫َد‬
   ‫أبع َ منها، عقدَ عليها وهي في الح َ َة فا ّ ٌ بدينها، وأصدقَها عنه صا ِ ُ الح َشَة َّزها إليه.‬
   ‫وال ّا ِرة الحي َّة أ ّ سلمة رضي اهلل عنها هن ُ بنت أبي أم ّة ِنَ المهاجرات األ َل، ول ّا أراد ِ‬
   ‫ت‬       ‫م‬      ‫و‬                 ‫ي م‬             ‫د‬                       ‫ِي م‬           ‫صب‬
      ‫كت‬              ‫ل‬       ‫ج‬                 ‫م‬      ‫فر‬            ‫ج‬
      ‫الهجرةَ إلى المدينة مع زو ِها أبي سلمة َّقَ قو ُها بينها وبين زو ِها وطِفِها، قالت: ف ُن ُ‬
   ‫ف‬                              ‫ة‬     ‫س‬                        ‫ط‬                  ‫كل‬
‫أخرج َّ غداة وأجلس باألب َح، فما أزال أبكي حتى أم ِي سن ً كاملة أو قريبًا منها، حتى أش َقوا‬
                                                                               ‫إلي‬        ‫علي‬
                                                                 ‫َّ فأعادوا َّ طفلي(17)[17].‬
   ‫ج‬                       ‫نبوي فعو‬                                  ‫س توف‬             ‫ن‬
  ‫يقيُها باهلل را ِخ، ِّيَ عنها زوجها أبو سلمة فقالت دعاءً ًّا، َّضها اهلل برسول اهلل زو ًا‬
‫لم‬                           ‫ن‬          ‫ة‬       ‫ب‬           ‫م‬            ‫لها، تقول: سمع ُ النبي‬
‫َّ يقول: ((ما ِن مسلم تصي ُه مصيب ٌ فيقول: إ ّا هلل وإنا إليه راجعون الّه ّ‬    ‫ت‬
              ‫م‬                   ‫ر‬                            ‫ر‬        ‫ل‬                 ‫ج‬
‫أ ُرني في مصيبتي وأخِف لي خي ًا منها إال أخلَف اهلل له خي ًا منها))، قالت: فل ّا مات أبو سلمة‬
                       ‫م‬                             ‫و‬                            ‫ي‬
   ‫قلت: أ ّ المسلمين خير من أبي سلمة أ ّل بيت هاجر إلى رسول اهلل؟! ث ّ إني قلتها فأخلَف لي‬
 ‫ر‬       ‫و‬                          ‫ذ ر‬               ‫ع‬
‫رسولَ اهلل . رواه مسلم(17)[17]. فاج َل هذا الدعاءَ ُخ ًا لك عندَ حلولِ المصاب يع ّضْك خي ًا‬
                                                                                          ‫ب‬
                                                                                      ‫من مصي َتِك.‬
     ‫ب‬              ‫ن‬      ‫س‬        ‫ع‬                  ‫م‬         ‫ز ب تج‬                ‫م‬
 ‫وأ ّ المساكين َين ُ بن ُ َحش بنت ع ّةِ رسول اهلل ، نَ ِمت بالح َب وال ّسب والشرف وال َهاء،‬
         ‫َر‬         ‫َم ض ز د م‬                                   ‫ولي‬      ‫َّ َها اهلل َّه بنص ب‬
        ‫ِّ كتا ِه، بال ٍّ وال شاهد، قال عز وجل: فَل َّا قَ َى َيْ ٌ ِّنْهَا وَط ًا‬ ‫نبي‬     ‫زوج‬
       ‫ُر‬                          ‫ل‬         ‫ة‬          ‫ز َّجْنَاكَهَا [األحزاب:23]. زوا ُ النبي‬
      ‫ِّ بها بركَ ٌ على المسِمات إلى قيامِ الساعة حين ف ِض‬    ‫ج‬                             ‫َو‬
                                  ‫ّر‬        ‫نص‬           ‫تزو‬         ‫ت و‬           ‫ب‬
                ‫الحجا ُ على بنا ِ ح ّاء بعد أن َّجها؛ ليكو َ ِيانة للش َف والعفاف والنقاء.‬
                ‫سخ َّة العطاءِ للفقرا ِ وال ّعفاء، كثير ُ الب ّ والصدقة، ومع شريف مكان ِها وعلو‬
     ‫ِّ شأنها كانت‬     ‫ت‬                        ‫ة ر‬               ‫ء ض‬                     ‫ِي‬
        ‫ت‬                                          ‫ب‬        ‫تع َل بيدها تدبَغ وتخر ُ وتتصد‬
  ‫َّق من كس ِها، قالت عنها عائشة رضي اهلل عنها: ما رأي ُ امرأة‬    ‫ز‬                   ‫م‬
                              ‫ص ر‬                 ‫د‬          ‫ق‬               ‫د‬        ‫ر‬
        ‫خي ًا في ال ّين من زينب؛ أت َى هلل وأص َق حديثًا وأو َل لل ّحم وأعظم صدقة(67)[67].‬
                  ‫ِّد‬          ‫ل‬
    ‫والعابدة جويرية بنت الحارث رضي اهلل عنها من بني المصطِق، أبوها سي ٌ مطاع في قومه،‬
    ‫م‬                 ‫ت‬                                                          ‫ر‬
    ‫وهي مبا َكَة في نفسها وعلى أهلها، تقول عائشة رضي اهلل عنها: ما رأي ُ امرأةً كانت أعظ َ‬
                                                                                  ‫م‬
                                                                  ‫بركةً على قو ِها منها(27)[27].‬
              ‫ن‬                 ‫ر‬        ‫كثير ُ ُّد ِّها، قانت ٌ لموالها، كانت تجِس في مصال‬
‫َّهَا تذك ُ اهلل إلى نصفِ الّهار، تقول: أتى‬       ‫ل‬                 ‫ة‬         ‫ة التعب لرب‬
                                        ‫م‬                        ‫أسب‬        ‫غ‬           ‫علي‬
  ‫َّ رسول اهلل ُدوة وأنا ِّح، ثم انطلَقَ لحاجته، ث ّ رجع قريبًا من نصف النهار، فقال: ((أما‬
                                                                     ‫ر‬                    ‫زت‬
                              ‫ِل ِ قاعدة؟)) يعني: تذك ِينَ اهلل، قالت: نعم. رواه مسلم(67)[67].‬
‫ت‬                                           ‫م ري‬                    ‫يي‬         ‫ة ي‬
‫والوجيه ُ صف ّة بنت ح َ ّ رضي اهلل عنها، ِن ذ ّ ّة هارونَ عليه السالم، كانت شريفةً عاقلة ذا َ‬
    ‫ي‬      ‫وإن عم‬               ‫ة ي‬                                        ‫ح‬        ‫ة‬
  ‫مكان ٍ ودين و ِلم ووقار، قال لها النبي : ((إنك البن ُ نب ّ ـ أي: هارون ـ، َّ َّك لنب ّ ـ‬
                                                               ‫ي‬           ‫ن‬
                                       ‫أي: موسى ـ، وإ ّك لتحتَ نب ّ)) رواه الترمذي(27)[27].‬
                     ‫َّر‬                                 ‫ج س‬                   ‫ة ي‬
           ‫كانت وليم ُ النب ّ عليها في زوا ِها ال ّمن واألقِط والتمر، فكان زواجًا ميس ًا مباركًا.‬
                                      ‫ي‬                                   ‫ص رح م‬
     ‫ووا ِلة ال ّ ِم أ ّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهالل ّة رضي اهلل عنها من عظماءِ النساء،‬
       ‫إن‬                                                                                   ‫ح‬
     ‫من َها اهلل صفاءَ القلب ونقاء السريرة ومالزمةَ العبادةِ، تقول عائشة رضي اهلل عنها: أما َّها‬
                                                                       ‫ل‬
                                                      ‫كانت من أتقانَا هلل وأوصِنا للرحم(03)[03].‬
  ‫ن‬        ‫م ن ر‬                      ‫م‬                        ‫ة‬
  ‫وبعد: أيها المسلمون، فتلك سير ُ الخالداتِ في اإلسالم أ ّهات المؤمنين، َناقبه ّ مش ِقة، جمع َ‬
      ‫بين المحا ِ ِ والفَضائل، حقي ٌ بنساءِ المسلمين أن يجعلنَه ّ نِبرا ًا للحياة، يرتَ ِفن من معي ِ‬
      ‫ن‬          ‫ش‬               ‫س‬       ‫ن‬                            ‫ق‬                ‫سن‬
                                                      ‫ب‬
   ‫مآثرهن، ويقتدينَ بهن في الدين والخلق ومراق َةِ اهلل واالنقياد التام هلل ورسوله ومالزمةِ العبادة‬
            ‫ر‬                                                  ‫ص‬
 ‫واإلكثار من الطاعات وال ّدق في الحديث وحفظ اللسان والبذل للفقراء وتفري ِ ك ُبات الضعفاء‬
                                    ‫والسعيِ إلصالح األبناء وال ّبر على تقويمِ ع َجِهم والتحص‬
    ‫ُّن بالعلم وسؤالِ العلماء الراسخين‬         ‫و‬                ‫ص‬
      ‫َ‬                                   ‫ح‬                                ‫سر‬
 ‫ومالزمة ال ّت ِ والعفاف والقرارِ في البيوت وال ِجاب والبعد عن الشبهات والشهوات والحذرِ من‬
    ‫ر‬          ‫ص‬                             ‫ه‬          ‫ت‬
 ‫طول األمل والغفلة في الحياة أو االع ِناء بالظا ِر مع فسادِ الباطن وإطالق الب َر في المح ّمات‬
           ‫ر‬                ‫ر‬              ‫د‬                  ‫ي ذ‬
       ‫والخضوع بالقول مع الرجال، ول َح َرن من األبواقِ ال ّاعية إلى التب ّج واالختالط بال ّجال،‬
                                                                                ‫ن‬         ‫فشمو ُ المرأة وعز‬
                                                                    ‫ُّها في دي ِها وحِجابها.‬         ‫خ‬
 ‫ونس م من ي ن َل هن م‬                               ‫َيه النب ُّ ق َ و جك َب‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، يَا أ ُّ َا َّ ِي ُل ألزْ َا ِ َ و َنَاتِكَ َ ِ َاءِ ال ُؤْ ِ ِينَ ُدْ ِينَ عَيْ ِ َّ ِن‬
                                      ‫ي ْ ن و الله ف ر رح‬                      ‫ب ب ِن ل َ ن أ ي ْر َ‬
                    ‫جَال ِي ِه َّ ذَِكَ أدْ َى َن ُع َفْن فَالَ ُؤذَيْ َ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا َّ ِيمًا [األحزاب:21].‬
                 ‫ذ‬               ‫ه‬                      ‫ع‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونف َني اهلل وإياكم بما في ِ من اآليات وال ّكر الحكيم، أقول‬
                   ‫ن‬
        ‫ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولجميع المسلمين من ك ذنب فاستغفروه، إ ّه هو الغفور‬
                                                                                                             ‫الرحيم.‬


                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
                                                       ‫ق‬               ‫ش‬       ‫ن‬
‫الحمد هلل على إحسا ِه، وال ّكر له على توفي ِه وامتنانه، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحدَه ال شريكَ له‬
   ‫م‬       ‫ل‬                                ‫ل‬                ‫د‬     ‫ه أن‬
  ‫تعظيمًا لشأنه، وأش َد َّ محم ًا عبده ورسوله، صّى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه، وسّم تسلي ًا‬
                                                                                                                ‫ر‬
                                                                                                              ‫كثي ًا.‬
     ‫لب سع‬             ‫ت ن‬                    ‫بت‬            ‫أ ّها المسلمون، زوجا ُ النبي ع‬
    ‫ِّ ِشن معه في َي ٍ متواضِع، في حجرا ٍ ب ِيت من الّ ِن و َ َف‬    ‫ت‬                  ‫ي‬
       ‫ن‬                       ‫ر‬          ‫ي‬           ‫ب‬                        ‫ل‬
       ‫النخل، ولكنه مِيء باإليمان والتقَوى، ص َرن مع النب ّ على الفق ِ والجوع، كان يأتي عليه ّ‬
 ‫ر‬                      ‫ن‬               ‫يم‬                ‫ن‬
 ‫الشهر والشهران وما يوقد في بيوته ّ نار، وتأتي أ ّا ٌ وليس في بيوته ّ سِوى تمرة واحدة، ويم ّ‬
                          ‫ص‬            ‫ة‬                          ‫س‬            ‫د‬       ‫ن‬
       ‫زم ٌ من ال ّهر ليس فيها ِوى الماء بدون طَعام، قناع ٌ في العيش و َبر على موعودِ اهلل،‬
                                                                                  ‫و ِ ة ر لك م أل‬
                                                                   ‫َلَآلخرَ ُ خَيْ ٌ َّ َ ِنَ ا ُولَى [الضحى:1].‬
         ‫أجوره ّ ُضاعفة مرتين، َ َن يَقُْتْ ِنك َّ لَّ ِ َ َ ُوِ ِ َتَعْ َلْ صَالِحًا ُّؤْ ِ َا أَجرَ َا م َّتَيْ ِ‬
         ‫ن ته ْ ه َر ن‬                            ‫وم ن م ُن ِله ورس له و م‬                                ‫نم‬
                                                                                     ‫و َ ه ِ ْق ر م‬
                                                                      ‫َأَعْتدْنَا لَ َا رز ًا كَ ِي ًا [األحزاب:53].‬
        ‫م حق‬        ‫ت‬                  ‫نم‬                              ‫س ن تزو ن‬
  ‫خم ٌ منه ّ َّجه ّ عليه الصالة والسالم وأعماره ّ ِن األربعين إلى السّين عا ًا، َّق بذلك‬
      ‫م‬                                         ‫تزو‬         ‫ن‬
‫رعايةَ األراملِ وكفالة صبيانه ّ األيتام. َّجَ خديجةَ رضي اهلل عنها وعمرها أربعون عا ًا ولها‬
    ‫ت‬     ‫ٌ ز‬                       ‫َّج بعد، وتزوج ب‬
  ‫َّ َ زين َ بنت خزيمة وهي أرملة ناه َت السّين‬                                ‫ة‬
                                                  ‫ثالث ُ أوالدٍ من غيره، وهو لم يتزو‬
              ‫ة‬            ‫د‬
       ‫َّجَ سو َةَ وهي أرمل ٌ وعمرها‬
                                  ‫من ُمرِها، وتز ّج أم سلَ َة وهي أر َلَة ولها س ّة أوالد، وتزو‬
                                               ‫ت‬           ‫م‬         ‫م‬         ‫و‬           ‫ع‬
                                                                                                         ‫سة‬
                                                                                           ‫خم َ ٌ وخمسون عامًا.‬
 ‫م‬      ‫بر‬              ‫ّ‬                     ‫و‬       ‫مت‬       ‫ت م‬                      ‫تزو‬
‫َّج من األقارب من بنا ِ ع ّه وع ّا ِه، وتز ّج من األباعد، وكان لهن زوجًا رحيمًا ًّا كري ًا‬
                             ‫ع‬      ‫َ‬                 ‫ن‬      ‫جميلَ ال ِشرة معه ّ دائمَ ال ِشر متلطف‬
      ‫ِّ ًا معه ّ، فمن طلَب السعادة فليج َل خيرَ البشَر قدوةً له،‬    ‫ب‬          ‫ن‬        ‫ع‬
     ‫ر‬         ‫ّ‬       ‫ء‬                                          ‫ت‬      ‫ِ‬               ‫ح‬
     ‫ولتل َقِ المسلمة بركاب زوجا ِه الصالحات، فال فالحَ للمرأة إال باالقتفا ِ بمآثرهن في الست ِ‬
                                                              ‫ز‬
                                                    ‫والصالح والتقوى واإلحسان إلى ال ّوج والولد.‬
    ‫ِن الله و ئكته‬               ‫ت‬                                              ‫م‬
    ‫ثم اعلَموا أن اهلل أ َركم بالصالة والسالم على نبيه، فقال في محكمِ الّنزيل: إ َّ َّ َ َمَال ِ َ َ ُ‬
                                  ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ي َل عل الن ِي ي َي الذ ن من‬
                ‫ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا َّ ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
         ‫ق‬                                     ‫لم‬             ‫م‬      ‫ي‬        ‫ل م ل وسل‬
 ‫الّه ّ ص ّ ِّم على نبّنا مح ّد، وارضَ الّه ّ عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالح ّ وبه كان‬
                                                      ‫ي‬            ‫ر‬
                         ‫يعدلون: أبي بكر وعم َ وعثمان وعل ّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين...‬
                                                                                        ‫__________‬
  ‫(5) صحيح البخاري: كتاب التفسير (1121) عن عائشة رضي اهلل عنها. وهو أيضا عند مسلم‬
                                                                                    ‫في اإليمان (065).‬
                                                                           ‫(7) أسد الغابة (5/2335).‬
      ‫(3) مسند أحمد (6/255) عن عائشة رضي اهلل عنها، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير‬
                                           ‫(37/35)، وحسن إسناده الهيثمي في المجمع (2/177).‬
‫(1) صحيح البخاري: كتاب المناقب (5763)، صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة (7317) عن‬
                                                                            ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                                ‫(1) انظر: البداية والنهاية (3/275).‬
‫(6) صحيح البخاري: كتاب المناقب (5763)، صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة (7317) عن‬
                                                                            ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                                             ‫(2) زاد المعاد (5/705).‬
                 ‫(6) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة (1317) عن عائشة رضي اهلل عنها.‬
  ‫(2) أخرجه الطبراني في الكبير (37/35)، قال الهيثمي في المجمع (2/177): "أسانيده حسنة".‬
                ‫(05) 05] صحيح البخاري: كتاب المناقب (6563) عن عائشة رضي اهلل عنها.‬
  ‫(55) 55] ينظر من أخرجه بهذا اللفظ. وقد أخرج البخاري في كتاب المناقب (5763)، ومسلم‬
  ‫في كتاب فضائل الصحابة (2317) عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد‬
        ‫أخت خديجة على رسول اهلل ، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: ((اللهم هالة)).‬
    ‫(75) 75] أخرجه ابن مردويه من طريق شعب عن معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا كما في‬
                                                                            ‫تفسير ابن كثير (5/363).‬
      ‫(35) 35] صحيح البخاري: كتاب المناقب (1563)، صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة‬
                                                                   ‫(0317) عن علي رضي اهلل عنه.‬
  ‫(15) 15] مسند أحمد (5/327، 653، 773) عن ابن عباس رضي اهلل عنهما، وأخرجه أيضا‬
  ‫عبد بن حميد (221)، والنسائي في الكبرى (1/32، 12)، وأبو يعلى (7727)، والطبراني في‬
   ‫الكبير (55/633، 77/201، 37/2)، وصححه ابن حبان (0502)، والحاكم (6363، 0651،‬
      ‫1121، 7161)، وحسنه النووي في تهذيب األسماء (7/513)، وقال الهيثمي في المجمع‬
                     ‫(2/377): "رجالهم رجال الصحيح"، وهو في صحيح الجامع (1355).‬
                                               ‫(15) 15] سير أعالم النبالء (7/055).‬
                                                  ‫(65) 65] البداية والنهاية (3/275).‬
                                               ‫(25) 25] سير أعالم النبالء (7/015).‬
     ‫(65) 65] صحيح البخاري: كتاب المناقب (2623، 0223)، صحيح مسلم: كتاب فضائل‬
     ‫الصحابة (5317، 6117) عن أبي موسى األشعري وعن أنس بن مالك رضي اهلل عنهما.‬
   ‫(25) 25] صحيح البخاري: كتاب المناقب (7663). وهو أيضا عند مسلم في كتاب فضائل‬
                                                                  ‫الصحابة (1637).‬
 ‫(07) 07] أخرجه البخاري في الشهادات (5667)، ومسلم في التوبة (0227) في قصة اإلفك.‬
                                     ‫(57) 57] الجامع ألحكام القرآن (15/225، 065).‬
 ‫(77) 77] أخرجه البخاري في الشهادات (5667)، ومسلم في التوبة (0227) في قصة اإلفك.‬
 ‫(37) 37] الثابت في الصحيحين وغيرهما أن عائشة رضي اهلل عنها قالت ذلك في زينب بنت‬
‫جحش رضي اهلل عنها كما في قصة اإلفك، وقد أخرجها البخاري في الشهادات (5667)، ومسلم‬
                                                                 ‫في التوبة (0227).‬
                           ‫(17) 17] أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (7/153).‬
                                         ‫(17) 17] صحيح مسلم: كتاب الجنائز (652).‬
                                ‫(67) 67] صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة (7117).‬
 ‫(27) 27] أخرجه أحمد (6/227)، وأبو داود في العتق (5323)، والحاكم (5626)، وصححه‬
  ‫ابن الجارود (102)، وابن حبان (1101، 1101)، وحسنه األلباني في صحيح سنن أبي داود‬
                                                                           ‫(2733).‬
                                   ‫(67) 67] صحيح مسلم: كتاب الذكر (6727) بمعناه.‬
‫(27) 27] سنن الترمذي: كتاب المناقب (1263) عن أنس رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا معمر‬
‫في جامعه (55/031 ـ المصنف ـ)، وعبد بن حميد (6175)، وأحمد (3/135)، والنسائي في‬
    ‫الكبرى (1/527)، وأبو يعلى (2313)، وأبو نعيم (7/11)، وقال الترمذي: "هذا حديث سن‬
   ‫صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه ابن حبان (5572)، وهو في صحيح سنن الترمذي‬
                                                                           ‫(1103).‬
     ‫(03) 03] أخرجه ابن سعد في الطبقات (6/635)، والحارث بن أبي أسامة (111 ـ بغية‬
     ‫الباحث ـ)، وأبو نعيم (1/22)، وصححه الحاكم (2226)، وصحح ابن حجر في اإلصابة‬
                                                             ‫(6/675) سند ابن سعد.‬
‫(5/1031)‬




                                                                               ‫وصية نبوية جامعة‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                    ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                 ‫أحاديث مشروحة, خصال اإليمان‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                 ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                           ‫الرياض‬
                                                                                     ‫25/1/6715‬
                                                                    ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- اختصاص النبي بجوامع الكلم. 7- من جوامع كلمه . 3- األمر بتقوى اهلل تعالى. 1- حقيقة‬
     ‫التقوى. 1- عموم تقوى اهلل تعالى لكل األعمال. 6- األمر بإتباع السيئة بالحسنة. 2- األمر‬
                                                 ‫بحسن الخلق. 6- ضرورة ألخذ بوصايا النبي .‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                  ‫حق ت‬                 ‫ات‬
                                              ‫أما بعد: فيا أيها الناس، َّقوا اهلل تعالى َّ الّقوى.‬
       ‫ر‬                   ‫ص‬        ‫ل‬                         ‫نبي أن‬          ‫عبادَ اهلل، َّ مما خص‬
     ‫َّ اهلل به َّنا َّ اهلل أعطاه جَوامِعَ الكَِم، واخت َر له الكالمَ اختصا ًا،‬     ‫إن‬
            ‫ة‬               ‫عل‬                                              ‫ب‬             ‫ت‬
    ‫فكلما ٌ يقولها تعتَ َر من جوامع الكلم، تحتها من المعاني ما اهلل به َِيم، وهلل الحكم ُ في ذلك.‬
              ‫ات‬                  ‫ت‬                                   ‫ص‬         ‫م ل‬
  ‫من جوا ِعِ كَِمه ما أو َى به معاذَ بنَ جبل حيث قال له كلما ٍ ثالث، قال له: (( َّق اهلل حيثما‬
                                         ‫لق‬                     ‫ح‬
                            ‫كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تم ُها، وخالِقِ الناس بخُ ٌ حسن))(5)[5].‬
                                            ‫ت‬         ‫برب‬              ‫تحد‬       ‫ت‬
            ‫هذه الكلما ُ الثالث ِّد عالقةَ العبد ِّه، وعالق َه بنفسه، وعالقتَه مع سائر الخلق:‬
    ‫أي‬                            ‫ز‬                         ‫ات‬             ‫ع‬                  ‫ّل‬
    ‫فأو ُ هذه الوصايا وأجم ُها قوله : (( َّقِ اهلل حيثما كنتَ))، ال َم تقوَى اهلل حيثما كنتَ، في ِّ‬
    ‫كل‬                  ‫ز‬                ‫يك‬                     ‫أي ل‬             ‫ن‬
 ‫زمان ومكا ٍ كنت، وفي ِّ حا ٍ من األحوال كنتَ، ل َ ُن تقوى اهلل مال ِمًا لك في أحوالِك ِّها،‬
  ‫سر‬             ‫م‬             ‫ك‬               ‫رء ل‬                ‫كل َ‬
 ‫ليكن تقوَى اهلل وراءَ ِّ عملٍ تعمله وو َا َ ك ّ قول تقوله، لي ُن تقوَى اهلل ُصاحبًا لك في ِّك‬
 ‫ّف يب‬          ‫ر‬             ‫ت‬
‫ُّفاتك وأحوالِك؛ أل ّك إذا ا ّقيتَ اهلل تص ّفتَ تصر ًا طّ ًا‬
                                       ‫ن‬                      ‫كل‬            ‫ت‬           ‫ي‬
                                                          ‫وعالن ّتك في يقظَ ِك ومنامك في ِّ تصر‬
        ‫كل وف‬                    ‫ات‬                            ‫ج ر‬                  ‫ُّ‬     ‫وتصر‬
 ‫َّفتَ تصرفًا تكون نتائ ُه خي ًا لك في الدنيا واآلخرة، فمن َّقى اهلل في أمورِه ِّها َّقه اهلل‬
     ‫لل ّواب وأعانه على ِّ خير، لكن المصيبة أن يقودَك الهوى فيع ِيك ويص ّك وتكون تصر‬
 ‫ُّفاتك‬         ‫م‬       ‫م‬                                      ‫كل‬               ‫ص‬
                                     ‫َ َر م ات َ إ هه و ه و َله الله عل ع ْ‬
                     ‫على غير هدى، أف َأَيْتَ َنْ َّخذَ ِلَ َ ُ هَ َا ُ َأَضَّ ُ َّ ُ ََى ِلمٍ [الجاثية:37].‬
     ‫كِ َة التقوى من الكِ َات الجامعة، َّ َت عبارا ُ ال ّلف في تفسيرها وتوضي ِها، فقال قائ ٌ‬
     ‫ل‬             ‫ح‬                    ‫ت س‬           ‫تنوع‬            ‫لم‬                ‫لم‬
       ‫رك‬                      ‫ج ل‬               ‫ر‬                                   ‫ة‬
       ‫منهم: "حقيق ُ التقوى أن تعملَ بطاعة اهلل على نو ٍ من اهلل تر ُو بذِك ثوابَ اهلل، وأن تت ُ َ‬
   ‫ل ع‬       ‫وبي‬                     ‫َل‬                      ‫ف‬             ‫ر‬
 ‫معصيةَ اهلل على نو ٍ من اهلل تخا ُ عقابَ اهلل". أجل، تعم ُ بطاعةِ اهلل على نورٍ ِّنَة وعَى ِلم‬
 ‫ع‬         ‫ن‬             ‫ل‬               ‫ت‬         ‫ع‬                                ‫ش‬
 ‫بال ّرع، ترجو بذلك ثوابَ اهلل الذي و َد به الم ّقين، فليست أعماُك عن هوى، ولكّها عن شر ٍ‬
                   ‫ر‬        ‫ن‬                          ‫ي‬         ‫ك‬            ‫ن‬
    ‫كتابِ اهلل وس ّة رسوله وتر ُك المعاص َ والمخالفات لكونِك تعلم أ ّ اهلل ح ّمها عليك، وترجو‬
                 ‫أن‬      ‫ل‬                      ‫ي‬                         ‫ر‬        ‫ك‬      ‫وتأم‬
 ‫ِّل بتر ِها، وتت ُك معصيةَ اهلل على نور وب ّنة تخاف من عقابِ اهلل،ِعلمِك َّ اهلل ال يرضاها،‬
                                                                                   ‫َ َبه َن‬                  ‫ولم‬
                                                                 ‫َِ َنْ خَافَ مَقَام ر ِّ ِ جَّتَانِ [الرحمن:61].‬
  ‫ة‬                                     ‫كل فنت‬                                ‫و‬                   ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، لتكن تق َى اهلل مصاحبةً لنا في أحوالنا ِّها، َّقي اهلل في عبادتنا هلل، فنجعل العباد َ‬
            ‫م ك نبي ولي‬                                                                ‫ل‬      ‫كل‬
        ‫َّها بك ّ أنواعها هلل، ال نشرك مع اهلل غيره، مهما كان ذلك المدعو َلَ ًا أو ًّا أو ًّا أو‬
         ‫ق ل‬                ‫ي‬      ‫ة‬
  ‫صالحًا، فالعبادة بجميع أنواعها من دعاءٍ وخوف ورجاء واستغاث ٍ حقيق ّة واستعاذَة ح ّة كّها هلل،‬
                                  ‫ت‬                                 ‫ي‬
‫ال نجعل مع اهلل شريكًا في أ ّ نوعٍ أنواع من أنواع العبادة، فن ّقي اهلل في دعائنا، فندعو اهلل وحده‬
                           ‫ت‬              ‫ب‬                    ‫ل‬
‫ال ندعو سواه، ونتقي اهلل في ك ّ أعمالنا، فنصرفها لرّنا جل وعال، ونّقي اهلل فنخلِص أعمالنا هلل،‬
                             ‫ب‬                               ‫ن‬
        ‫وال يكون هناك شريك مع اهلل، ال ُرائي بأعمالنا، وال نبتغي الثوا َ من الخلق، وإنما نريد‬
 ‫ح و ي ْ بعب دة‬                 ‫َ َب ِ ي َ ع ال‬                 ‫م نَ ج‬                                         ‫ل‬
 ‫بأعماِنا وجهَ اهلل والدارَ اآلخرة، فَ َنْ كَا َ يرْ ُوا لِقَاء رِّه فَلْ َعْملْ َمَ ً صَالِ ًا َال ُشرِكْ ِ ِ َا َ ِ‬
                                                                                                     ‫َب َد‬
                                                                                       ‫ر ِّهِ أَح ًا [الكهف:055].‬
              ‫م ة تت‬               ‫د‬                     ‫ت ّقي َّك في طهارتك، فتحسِنها وتكمل‬
    ‫ِِّها وتسبِغ وضوءَك وتؤ ّي الطهارة كا ِل ً. َّقي اهلل في‬                        ‫ت رب‬
  ‫ن‬       ‫م‬              ‫وف‬          ‫ب‬                            ‫ت‬             ‫ظ‬
‫صالتِك، فتحاف ُ عليها في وق ِها، وتحافظ على أركانها وواج َاتها، وإن َّقك اهلل فاستك َلتَ سن َها‬
             ‫ل‬                     ‫تؤخ‬     ‫ة‬                          ‫ي‬
    ‫فذاك من األعمال الط ّبة، تحافظ عليها في الجماع ِ، فال ِّرها عن وقتها، وال تخ ّ بأركانها‬
                           ‫ض‬         ‫أن‬     ‫ع‬                    ‫ت‬          ‫ة‬
                 ‫وواجباتها، بل هي أمان ٌ عندك، فا ّقِ اهلل في أدائها ل ِلمكَ َّ اهلل ير َى منك ذلك.‬
          ‫ن‬                   ‫وتّقي اهلل في زكاة مالِك، فتخرجها كامل ً تا ّة، وتوصلها إلى مستحق‬
‫ِّيها؛ لكونك تعلَم أ ّ ذلك براءة‬                  ‫ة م‬                                       ‫ت‬
 ‫رق‬               ‫بر‬             ‫ت‬      ‫بر َو‬               ‫لذ ّتك. َّقي اهلل في صو ِك وحج ت‬
‫ِّك، تّقي اهلل في ِّك بأب َيك، فتّقي اهلل فيهم ًّا وإحسانًا و ِف ًا‬ ‫م‬             ‫م وتت‬
                                                                                           ‫ق م‬                ‫خ‬
                                                                                 ‫و ِدمة ونَفَقة و ِيا ًا بالواجب.‬
    ‫ت‬                 ‫ش‬                          ‫فق ك‬                      ‫جت‬               ‫ت‬
  ‫تّقي اهلل في زو َ ِك رعايةً لها وإن َا ًا و ِسوة وحملها على الخير ومعا َرتها بالمعروف. وتّقي‬
                                           ‫ب‬                 ‫ت‬
  ‫اهلل في أوالدك من بنين وبنات، تّقي اهلل فيهم فتر ّيهم التربيةَ الصالحة، وتحرص على هدايتِهم،‬
        ‫ت‬                ‫ب‬             ‫ل‬                              ‫م‬          ‫د‬
 ‫وتسعى جاه ًا في تعلي ِهم الخير واألخذ على أيديهم وحمِهم على ما يح ّ اهلل ويرضاه، ت ّقي اهلل‬
   ‫فيهم أدبًا وتربي ً وتوجيهًا، تّقي اهلل فيهم فال تف ّل بعضهم على بعض، وال تح ِث بينهم عداو ً‬
   ‫ة‬             ‫د‬                        ‫ض‬                    ‫ت‬            ‫ة‬
                                                                                  ‫ع‬
                                      ‫وشَحناء، وإنما تس َى في التأليف بينهم وإصالحِ ذاتِ البين بينهم.‬
                      ‫ب ت‬                               ‫الغش‬   ‫ي‬             ‫ع‬              ‫ت‬
      ‫ت ّقي اهلل في بي ِك وشرائك، فإ ّاك و َّ والخيانةَ والتدليس واألكاذي َ. تّقي اهلل في شرائك‬
                                                                    ‫ِل‬
                                                          ‫فتكون صادقًا في أداء الثمن غيرَ مماط ٍ وال جاحد.‬
    ‫ش ع‬                                    ‫ب‬              ‫ت ّقي اهلل في جيرا ِك إحسا ًا إليهم وكف‬
   ‫َّ األذى عنهم و َذل النصيحة لهم فيما خالَفوا فيه ال ّر َ.‬         ‫ن‬       ‫ن‬                ‫ت‬
                    ‫ق‬            ‫تّقي اهلل في أعمالك التي أنيطَت بك، ِّي العمل الوظيفي‬
    ‫َّ كامالً بصد ٍ وإخالص، ال ترجو‬             ‫فتؤد‬                                ‫ت‬
                  ‫ن‬              ‫دية ر‬                       ‫تتطل‬             ‫ء‬
 ‫بأداءِ العمل ثنا ً من الناس، وال َّع إلى مصالحَ ما ّ ّ ٍ، فال ّشوة ترفضها أل ّك تعلم أنها حرام،‬
             ‫مرت‬                      ‫ر ر‬                                         ‫ي‬      ‫ل‬
‫وك ّ مالٍ ُدفع إليك في سبيل أعمالِك تعلم أنها أم ٌ مح ّم؛ ألنك أخذتَ على عملك َّبًا، فال يليق‬
                       ‫بك أن تسا ِمَ على أعمالك؛ َّ ِذ منها وسيلةً لل ّراء من غير الطريق الشرعي‬
                      ‫ِّ.‬                      ‫ث‬                 ‫لتتخ‬               ‫و‬
                              ‫مت‬         ‫م‬                                      ‫تم‬                 ‫ت‬
    ‫تّقي اهلل فيما ائ ُ ِنتَ عليه من أعمالٍ وتنفيذ لمشاريع األ ّة، فتكون َّقيًا هلل صادقَ التعامل، ال‬
                                                                                                        ‫غاش‬
                                                                                            ‫كاذبًا وال ًّا وال خائنا.‬
               ‫ت‬      ‫ج‬                             ‫بر ص‬            ‫ل‬                         ‫ت‬
     ‫تّقي اهلل في أيمانك، فال تحِف إال على ٍّ و ِدق، وتبتعِد عن األيمانِ الفا ِرة. ت ّقي اهلل في‬
          ‫م‬       ‫ر‬              ‫ي‬                            ‫ق‬       ‫ال‬
  ‫شهادتِك، فال تشهد إ ّ على ح ّ، وال تشهد إال على علم حقيق ّ، فال تشهد زو ًا ومجا َلة ألحد،‬
                                                              ‫ة‬                         ‫ق‬       ‫ه‬
                                                   ‫وإنما تش َد بالح ّ الذي تعلَمه من غير زياد ٍ وال نقصان.‬
      ‫م بحق‬                                     ‫رم‬                                        ‫ت‬
     ‫ت ّقي اهلل في محاماتِك، فال تحامي عن المج ِ ِين، وال تدافع عنِ اآلثمين، وإنما تحا ِي ٍّ،‬
                                                                                            ‫ق‬                  ‫ق‬
                                                                                         ‫وت ِف موقفَ العدل وال ِسط.‬
   ‫د‬         ‫ع لم‬           ‫ص‬      ‫ر‬                                  ‫م‬         ‫م‬             ‫ت‬
  ‫تّقي اهلل في أ ّتك ومجتَ َعك المسلم، فتكون ساعيًا لهم بالخي ِ، حري ًا على جم ِ كِ َتهم، بعي ًا‬
               ‫م‬          ‫تتست‬   ‫ر‬        ‫ق‬               ‫و‬        ‫ء‬         ‫د َ‬
   ‫عن أن تح ِث فيهم سو ًا أو تؤ ِيَ محدثًا أو ت ِف مع مج ِم أو َّر على ظال ٍ وباغ ومعتدي‬
                                        ‫ق‬            ‫فإن ت‬             ‫ء‬
    ‫ومن يريد باألمة البال َ والشقاء، َّ الم ّقي هلل ال ي ِف مع المجرمين، وال ينصر اآلثمين، وال‬
                     ‫ل‬             ‫ّ‬      ‫يتأث ي ٍ ي‬
       ‫يرضى لمجتمَعه المسلم أن َّر بأ ّ فكر رد ّ أو بأي رأي خاطئ ضا ّ، بل هو يقف مع‬
                                            ‫ت‬        ‫لتمس‬
                                          ‫المجتمع المسلم حماية ألمنه، حمايةً لدينه، حماية ُّكه وثبا ِه.‬
      ‫حق‬                ‫ل‬                       ‫ت‬                               ‫ت‬
     ‫هكذا المسلم يّقي اهلل فيما يقول ويعمل، فمن ا ّقى اهلل في أقواله وأعماِه صارتِ األقوال ًّا‬
                                 ‫ت‬        ‫ت‬                 ‫فات‬              ‫ص‬
 ‫واألعمال ِدقًا وإخالصًا. َّقِ اهلل حيثما كن َ؛ في بي ِك وفي سوقك، وفي متجرك وفي مكتبك،‬
  ‫رج‬                 ‫ل‬                      ‫وأن‬                      ‫ع‬           ‫وكل‬
 ‫ُّ أعمالك اج َل تقوى اهلل نصبَ عينيك َّ اهلل سائلك عن كل أحواِك، فمن كان كذلك ُ ِي‬
                                                                         ‫ِ‬          ‫م‬                  ‫ق‬
                                                                 ‫له بتوفي ٍ من اهلل أن تستقي َ حاله وينتظمَ أمره.‬
        ‫ة‬                 ‫ب‬         ‫ي‬        ‫يت‬                         ‫د‬                 ‫ق‬          ‫ّ‬
        ‫ثم يأتي الح ّ الثاني بين العب ِ وبين نفسه، فيقول في وص ّ ِه الثان َة: ((وأت ِعِ السيئةَ الحسن َ‬
                                                                                                                       ‫ح‬
                                                                                                                  ‫تم ُها)).‬
               ‫نب‬                 ‫و‬         ‫ط‬             ‫ل ط‬                 ‫كل ع‬             ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، ُّنا ُرضة للخطأ، وكّنا خ ّاء، وخير الخ ّائين الت ّابون، ولو لم تذ ِ ُوا لذهبَ اهلل‬
              ‫ز‬           ‫ع ة‬             ‫ل‬        ‫ف‬                    ‫م ن‬
  ‫بكم، وألتى بقو ٍ يذ ِبون ثم يستغفرون فيغ ِر لهم. كّنا بنو آدم ُرض ٌ للخطأ وال ّلل، والمعصوم‬
     ‫ل‬             ‫و‬                                               ‫رب‬           ‫ل‬          ‫ص‬
‫من ع َمَ اهلل؛ وِذا من رحمة ِّنا أن شرع لنا التوبةَ إليه واإلنابةَ إليه لنمح َ بالتوبة ما سَفَ من‬
      ‫ر ِذن ب ِ‬                 ‫م فس ُ َر الل َ‬                           ‫ي و َّذ ِ عل ح‬                        ‫ل‬
    ‫أقوالنا وأعماِنا السّئة: َال ِينَ إذَا فَ َُوا فَا ِشَةً أَوْ ظَلَ ُوا أَنْ ُ َهمْ ذَك ُوا َّه فَاسْتَغْفَ ُوا ل ُ ُو ِهمْ‬
                                  ‫وم ي ِر الذن ِال الله وَ ي ِر عل م عل ه ي ْ م‬
               ‫َ َنْ َغْف ُ ُّ ُوبَ إ َّ َّ ُ َلمْ ُص ُّوا ََى َا فَ َُوا وَ ُمْ َعلَ ُونَ [آل عمران:135].‬
               ‫ِف‬                               ‫ص‬                  ‫ب س‬                  ‫ي‬
 ‫نعم أ ّها المسلم، تت ِع ال ّيئاتِ باألعمال ال ّالحة، فكثرة األعمال الصالحة تضع ُ شأنَ السيئات،‬
   ‫ع‬                   ‫وإن كانتِ الكبائر ال ب ّ فيها من توبة نصوحٍ، لكن كثر ُ الحسنات وتعد‬
  ‫ُّد مجاالتِ الخير تض ِف‬           ‫ة‬                             ‫د‬
    ‫َ َف النه ر َز م الل ْ ِن حس ت ُ ه ن َّيئ ت‬                                  ‫وَ ِ الص‬
    ‫السيئات بتوفيقٍ من اهلل، َأقمْ َّالةَ طر ِي َّ َا ِ و ُلَفًا ِنْ َّيلِ إ َّ الْ َ َنَا ِ يذْ ِبْ َ الس ِّ َا ِ‬
                                                                                                  ‫ذ ْر ِلذ ِر‬
                                                                                    ‫ذَلِكَ ِك َى ل َّاك ِينَ [هود:155].‬
                ‫ل‬                                            ‫ن‬              ‫ب‬            ‫ِل‬
  ‫فنواف ُ الصالةِ يج ُر اهلل بها ال ّقصَ في الفرائض، ونَوافل الصدقةِ كذلك، ونواف ُ الصوم والح ّ،‬
         ‫د‬                       ‫يتقر‬                 ‫ض‬            ‫ب‬                     ‫فكل ن‬
         ‫ُّ ال ّوافل بعدَ الفرائض تج ُر نقصَ فرائ ِنا، وما يزال العبد َّب إلى اهلل بالنوافل بع َ‬
       ‫د‬        ‫ص‬                              ‫ع‬              ‫أحب‬            ‫يحب‬
 ‫الفرائض حتى َّه اهلل، فإذا َّه اهلل كان سم َه الذي يسمع به وبصرَه الذي يب ِر به وي َه التي‬
       ‫ذ‬          ‫َّه سؤالَه، وإن استعاذه ليعيذن‬
      ‫َّه اهلل. إ ًا‬                                             ‫ئ‬                    ‫ل‬         ‫ط‬
                                              ‫يب ِش بها ورجَه التي يمشي بها، ول ِن سَأل اهللَ ليعطين‬
                   ‫د‬         ‫ر‬         ‫م‬                 ‫ي‬         ‫ي‬                        ‫ث‬
          ‫فأك ِر من صالح األعمال القول ّة والفعل ّة، فصالح األعمال ِن األذكا ِ واألورا ِ واألعمال‬
       ‫ث‬                    ‫ق‬                 ‫ي‬             ‫ع‬      ‫الصالحة َّما كثرت وتعد‬
   ‫َّدت أض َفَت جانبَ السّئات أو قضت بتوفي ٍ من اهلل عليها، فأك ِر من‬          ‫كل‬
      ‫ل ث َّ َد‬           ‫م وِن َف ر لم ب و من وع ِ‬                             ‫فرب‬        ‫ل‬
     ‫صالح القو ِ والعمل، ُّك رؤوف رحي ٌ، َإ ِّي لَغ َّا ٌ ِ َنْ تَا َ َآ َ َ َ َملَ صَاِحًا ُم اهْت َى‬
                                                                                                                   ‫[طه:76].‬
                ‫لق س‬             ‫س لق س‬                                                  ‫ر‬
‫ثم أم َه بالتعامل مع خَلق اهلل فقال: ((وخالِقِ النا َ بخُ ٍ ح َن)). الخُ ُ الح َن مطلوب في القول‬
 ‫َ ُ لعب د يق ل الت‬                ‫ل‬                       ‫َق ل ِلن ح ن‬
‫والعمل قال اهلل تعالى: و ُوُوا ل َّاسِ ُسْ ًا [البقرة: 36]، وقال ج ّ وعال: وقلْ ِ ِ َا ِي َ ُوُوا َّ ِي‬
                                ‫َ ُو مب‬          ‫إل‬                ‫زغ ب ُ ِن الش‬                   ‫سن ِن الش‬          ‫ه‬
              ‫ِيَ أَحْ َ ُ إ َّ َّيْطَانَ يَن َ ُ َيْنَهمْ إ َّ َّيْطَانَ كَانَ لِ ِنسَانِ عد ًّا ُ ِينًا [اإلسراء:31].‬
                                  ‫ء‬            ‫ب‬             ‫تحم‬            ‫س‬
  ‫((خالِقِ النا َ بخلق حسن))، َّل األذى، واص ِر على الجفا ِ، وقابل اإلساءةَ باإلحسان، وقابل‬
  ‫س ُ ِذ َّ ب ك وب ه َد ة َنه وِي حم م و يَق ه‬                                          ‫ْ ِالت ه‬            ‫و ح‬
 ‫الجهلَ بالعف ِ وال ِلم، ادفَعْ ب َّ ِي ِيَ أَحْ َن فَإ َا الذِي َيْنَ َ َ َيْنَ ُ ع َاوَ ٌ كَأ َّ ُ َل ٌّ َ ِي ٌ َمَا ُل َّا َا‬
                                                               ‫ِال َّذ صبر و يَق ِال ذ َظ ع‬
                                           ‫إ َّ ال ِينَ َ َ ُوا َمَا ُل َّاهَا إ َّ ُو ح ٍّ َظِيمٍ [فصلت:13، 13].‬
     ‫ب بكل‬          ‫ر‬                    ‫ف‬                      ‫ب‬         ‫لتحم‬       ‫وف‬
  ‫فمن َّقَه اهلل ُّل ما يصي ُه من جهلِ الجاهلِ وسَ َه السفيه عاشَ في خي ٍ، ومن عاتَ َ ِّ ما‬
         ‫يسمَع ت ِب في أموره ِّها، حتى األب مع أبنائه وبنا ِه، إن كان يعاملهم بالحسنَى ويتحم‬
‫َّل منهم ما‬                              ‫ت‬                            ‫كل‬           ‫ع‬
               ‫سه‬                               ‫ن تحمل‬        ‫ل سف‬               ‫ن‬
 ‫قد يكو ُ من جهل جاه ٍ و َ َه سفيه فإ ّ َّه ذلك يدعوهم إلى الخجل في أنف ِ ِم وإلى الرجوعِ‬
                                                                                                     ‫إلى أنفسِهم وتبص‬
                                                                                          ‫ُّر أخطائِهم.‬
                                     ‫طب‬                  ‫ف‬               ‫َل‬                 ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلم، قد يجه ُ عليك جاهل ويس َه عليك سفيه ويخا ِ ُك بما ال يليق، لكن إن قابلَ منك‬
                                ‫يأنب‬          ‫ي‬                                            ‫ص‬
    ‫َمتًا وإعراضًا وتجاهالً عن ذلكَ الكَالم الرد ّ فيوشك أن ِّ َه ضميره وأن يرجِعَ إلى نفسه،‬
                 ‫ِذ َّذ ب ك وب ه َد ة َنه وِي ح م‬                                                      ‫قل‬
       ‫فيعلَم خطأه و ِّةَ حيائه؛ ولذا قال اهلل: فَإ َا ال ِي َيْنَ َ َ َيْنَ ُ ع َاوَ ٌ كَأ َّ ُ َل ٌّ َمِي ٌ، ولكن هذه‬
   ‫و يَق ه ِال َّذ ص َر‬                                   ‫كل‬                   ‫ُّ ح‬      ‫د‬       ‫ِم‬
 ‫المكار ُ ال يق ِرها كل أ َد، وال يقوَى عليها ُّ الخلق؛ ولذا قال اهلل: َمَا ُل َّا َا إ َّ ال ِينَ َب ُوا‬
                                                                                           ‫وم يَق ِال ذ َظ ع م‬
                                                                                          ‫َ َا ُل َّاهَا إ َّ ُو ح ٍّ َظِي ٍ.‬
                                      ‫ِل س عت‬                  ‫ه‬               ‫ن‬
         ‫كم يأتي الشيطا ُ لهذا ويقول: أ ِينَت كرامتك، أذَّت ُم َ ُك، تسمَع من هذا كذا وكذا، حتى‬
                     ‫و‬             ‫ّ ر‬                           ‫ع‬                  ‫ض‬
  ‫يغ َبَ لنفسه، وحتى يس َى في االنتقام، فيزداد الشر ش ًا، ولكن العف ُ والصفح واإلعراض من‬
                    ‫م َ ْ ألم‬                ‫و م ص َر و َ ِن‬                                           ‫ن‬
    ‫ِعمةِ اهلل، قال تعالى في المؤمنين: َلَ َنْ َب َ َغَفرَ إ َّ ذَلِكَ لَ ِنْ عزمِ ا ُ ُورِ [الشورى:31]،‬
                                                                                     ‫ل‬
                                                                            ‫ولذا قال : ((خالِقِ الناس بخُقٍ حسن)).‬
                                ‫ِ‬          ‫ه‬                          ‫ص‬     ‫ع‬
‫أعطِ من من َك، و ِل من قطعك، واحلم على من ج ِل عليك. عاملِ الناسَ على قدرِ عقولِهم، فإذا‬
                          ‫ٍ‬                     ‫ل‬                     ‫ل‬    ‫م ي‬
  ‫عرفتَ كال َ وس ّئ قوِه فانظر إلى أسوأ أقواِه، فإنها دليل على نَقص في عقله وتفكيره، فاحمله‬
      ‫ُ‬                  ‫ة‬                               ‫م‬                  ‫ف ل‬
    ‫على ضع ِ عقِه وتفكيره، وال تح ِله على سِوى ذلك، فتزداد طمأنين ً وإعراضًا عن هذا، خذْ‬
    ‫حق نبي‬             ‫ل‬                           ‫هل‬          ‫و و ُ ع ْف و ْر ع‬
‫الْعَفْ َ َأْمرْ بِالْ ُر ِ َأَع ِضْ َنْ الْجَا ِِينَ [األعراف:225]، واهلل ج ّ وعال يقول في ِّ ِّنا :‬
    ‫ل َ ْف ع ه و ت ف‬                   ‫َض م‬                      ‫بم ر م م الل ل ه و ك َ َظ ل‬
  ‫فَ ِ َا َحْ َةٍ ِنْ َّهِ ِنْتَ لَ ُمْ َلَوْ ُنْت ف ًّا غَِيظَ الْقَلْبِ النْف ُّوا ِنْ حَوِْك فَاع ُ َنْ ُمْ َاسْ َغْ ِرْ‬
                                                                                       ‫ْ‬      ‫ُ و ِ هْ ف‬
                                                                     ‫لَهمْ َشَاورْ ُم ِي األَمرِ [آل عمران:215].‬
      ‫ُ‬          ‫فهم‬        ‫ل ل‬                ‫ع‬                    ‫ِّ لب د‬        ‫ي‬
‫أتى أعراب ٌّ للنبي يطُ ُه َينًا فقال: أنتم بنو َبد المطلب أه ُ مط ٍ بالناس، َّ به الصحابة فقال:‬
  ‫ألن‬    ‫كل‬             ‫و‬       ‫ر‬                             ‫((دعوه؛ َّ لصاحبِ الحق ال‬
  ‫ِّ مقا ً))، وقال: ((أنا أَولى أن تأم َني بال َفاء))(7)[7]. ُّ ذلك َّ‬       ‫فإن‬
                ‫ر‬            ‫كل‬                      ‫ّ‬    ‫اإلنسانَ إذا َّر األمورَ قد َها وتصر‬
    ‫َّف تصرفًا معقوالً في أمورِه ِّها نال الخي َ والسعادة في‬     ‫ر‬             ‫قد‬
   ‫ر‬             ‫ت طي‬               ‫الغل‬               ‫ن‬                                   ‫د‬
   ‫ال ّنيا واآلخرة؛ راحة القلب، طمأنينة الّفس، السَالَمة من ِّ والحِقد، فيبي ُ ِّبَ النفس قري َ‬
     ‫ِ س‬                 ‫َبع َّال ح ص‬                        ‫ِل م م‬                         ‫م‬
   ‫العين ُرتاحًا من هذه المشاك ِ، وأ ّا َن كان دائمًا متَتِّ ًا للز َّت َري ًا على أن يقابلَ ال ّوء‬
       ‫ب‬             ‫م‬                                        ‫َر‬        ‫م ظ ن‬                ‫ء‬
       ‫بالسو ِ والظل َ بال ّلم فإ ّه قد يظف ُ وقد ال يظفَر، وال يشفي غليلَه ذلك، لكن َن التزم األد َ‬
                                                      ‫ِن‬              ‫ر‬                ‫م‬          ‫ّ‬
                                               ‫الشرعي فإنه ينا ُ قرير العين منش ِحَ الصدر مطمئ َّ الحال.‬
                          ‫ل‬        ‫ن‬                          ‫ق‬
                ‫نسأل اهلل لنا ولكم الثباتَ على الح ّ واالستقامةَ على الهدى، إ ّه على ك ّ شيء قدير.‬
    ‫عن ُّ َر ص عل ك‬                ‫َ ج ء ُ ْ رس ل م فس ُ َز ز ع‬
  ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، لَقدْ َا َكم َ ُو ٌ ِنْ أَن ُ ِكمْ ع ِي ٌ َلَيْهِ مَا َ ِتمْ ح ِي ٌ ََيْ ُمْ‬
     ‫ء ٌ ر ٌ إ َل ق ح ب الل ُ إ ِال ه ع ه َك ت وه رب َ ش‬                                                       ‫م من‬
     ‫بِالْ ُؤْ ِ ِينَ رَ ُوف َحِيم فَِنْ تَوَّوْا فَ ُلْ َسْ ِي َّه ال ِلَهَ إ َّ ُوَ َلَيْ ِ تَو َّلْ ُ َ ُوَ َ ُّ الْعرْ ِ‬
                                                                                        ‫الْعَظِيمِ [التوبة:675، 275].‬
                     ‫ت ذ‬                  ‫ف‬        ‫ي‬      ‫ع‬
‫بارَكَ اهلل لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونف َني وإ ّاكم بما ِيهِ منَ اآليا ِ وال ّكر الحكيم، أقول قَولي‬
          ‫ب‬        ‫ف‬            ‫ل‬          ‫ل‬       ‫ل ِ‬                        ‫ع‬          ‫ف‬
  ‫هذا، وأَستغ ِر اهلل ال َظيمَ الجليلَ لي ولَكم وِسائرِ المسِمينَ من ك ّ ذنب، فاستغ ِروه وتو ُوا إليه،‬
                                                                                                   ‫ر‬                 ‫ن‬
                                                                                               ‫إ ّه هوَ الغَفور ال ّحيم.‬


                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                 ‫إال‬                      ‫حب ب ي ض‬                           ‫د ر يب م‬                  ‫د‬
   ‫الحم ُ هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا ُباركًا فيهِ كَمَا ي ِ ّ رّنا و َر َى، وأَشهَد أن الَ إلهَ َّ اهلل وحدَه ال‬
 ‫م ر‬            ‫ل‬                               ‫صل‬               ‫ن ّد‬
‫شريكَ له، وأشهَد أ ّ محم ًا عبده ورسوله، َّى اهلل عليه وعلى آله وصَحبه، وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                                         ‫إلى يوم الدين.‬
        ‫ر‬                          ‫حق الت و وتأد ب‬                   ‫ات‬    ‫ي ن‬                   ‫م‬
‫أ ّا بعد: فيَا أ ّها ال ّاس، َّقوا اهلل تَعالى َّ َّق َى، َّبوا ِآدابِ اإلسالم، ففيها الخي ُ والصالح‬
  ‫إ ه ِال ي ي ح‬                                              ‫ب نبي‬       ‫ب‬                ‫د‬
 ‫في ال ّنيا واآلخرة، اق َلوا آدا َ ِّكم ووصاياه، فإنه ال ينطق عن الهوى، ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى‬
                                            ‫م ر‬            ‫ل‬              ‫[النجم:1]، قوُه ِدق وحق ل‬
                                          ‫ٌّ، صّى اهلل عليه وسّم تسلي ًا كثي ًا.‬  ‫ل ص‬
  ‫ي‬        ‫ّبي‬                             ‫أد ٌ رفيع، ُُق طّب، ع َ ٌ صالح، أ َ ٌ ح َن، فحري‬
  ‫ٌّ بالمسلم إذا سمِعَ أقوالَ الن ِّ أن يصغ َ‬     ‫دب س‬            ‫مل‬      ‫خل ي‬         ‫ب‬
‫س ه أ ئ َّذ ن‬                   ‫ْ َتبع‬                ‫َّذ ن ي مع‬              ‫ب ِّ ع‬
‫إليها ويعمل بمقتضاها، واهلل يقول: فَ َشرْ ِبَادِي ال ِي َ َسْتَ ِ ُونَ الْقَولَ فَيَّ ِ ُونَ أَحْ َنَ ُ ُوْلَ ِكَ ال ِي َ‬
                                                                                     ‫َد ُ الله وأ ك ُ أ ل‬
                                                       ‫ه َاهمْ َّ ُ َُوْلَئِ َ همْ ُوُْوا األَلْبَابِ [الزمر:25، 65].‬
 ‫ٌّ‬                          ‫ر ل‬         ‫وكل‬       ‫كل‬         ‫ي‬       ‫ص‬           ‫ّد‬
 ‫فمحم ٌ عندمَا يو ِي بوصا َا وصاياه ُّها عدل، ُّها خي ٌ، وكّها نظام للعبد في حياته. فحري‬
             ‫د‬                                  ‫ّ‬              ‫زم‬              ‫َ‬        ‫ب‬
 ‫بالمسلم أن يق َلَها ويعملَ بها ويلتَ ِ َها ويعتقدَ الحق فيها، فصلوات اهلل وسالمه عليه أب ًا دائمًا إلى‬
 ‫ِر‬       ‫ي ج الله و ْ‬                ‫ُ ْ ف رس الل أ ة حس ة لم‬                                     ‫د‬
 ‫يوم الدين، وص َقَ اهلل: لَقَدْ كَانَ لَكم ِي َ ُولِ َّهِ ُسْوَ ٌ َ َنَ ٌ ِ َنْ كَانَ َرْ ُو َّ َ َالْيَومَ اآلخ َ‬
                                                                                             ‫ر‬         ‫َ َ الل‬
                                                                              ‫وذَكرَ َّهَ كَثِي ًا [األحزاب:57].‬
  ‫ر‬       ‫واعلَموا ـ رح َكم اهلل ـ أن أح َنَ الح ِي ِ ِتا ُ اهلل، وخَيرَ الهديِ َدي َّد ، وشر‬
  ‫َّ األمو ِ‬     ‫ه محم‬                      ‫دثك ب‬            ‫ّ س‬              ‫م‬
  ‫ة م شذ شذ‬             ‫ل‬           ‫ن‬                   ‫ج‬                      ‫لب‬           ‫د‬
  ‫مح َثاتها، وك ّ ِدعةٍ ضَاللة، وعليكم ب َماعةِ المسلمين، فإ ّ يدَ اهلل عَى الجماع ِ، و َن َّ َّ‬
                                                                                                            ‫ن‬
                                                                                                         ‫في ال ّار.‬
        ‫ِن الله‬                 ‫ب‬         ‫مر‬                     ‫م‬                   ‫ر‬     ‫ل‬
        ‫وصّوا ـ َحمكم اهلل ـ على مح ّد بن عبد اهلل كما أ َ َكم بذلك رّكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ‬
                       ‫لم‬          ‫َل ع ه وسلم‬              ‫وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
        ‫َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
              ‫ِد‬           ‫لمع خ‬               ‫م‬                     ‫ر ع‬       ‫َّهم صل وسل‬
         ‫الل َّ ِّ ِّم وبا ِك َلى عبدِك ورَسولِك مح ّد، وارضَ الّه ّ َن ُلفائه الراش ِين...‬
                                                                                                 ‫__________‬
  ‫(5) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة (2625)، والدارمي في الرقاق (5227) من حديث‬
‫أبي ذر رضي اهلل عنه، ثم أخرجه الترمذي عن محمود بن غيالن عن وكيع عن سفيان عن حبيب‬
   ‫بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ به، وقال: "قال محمود: والصحيح حديث أبي‬
    ‫ذر". وهذا االختالف من سفيان الثوري، فقد أخرجه أحمد في المسند (1/315) عن وكيع عن‬
  ‫سفيان، وقال في آخره: "قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ، فوجدت في كتابي عن أبي ذر،‬
                                           ‫ال‬
       ‫وهو السماع األول". وروي من وجه آخر مرس ً، ورجحه الدارقطني كما في جامع العلوم‬
 ‫والحكم (5/123)، ثم قال ابن رجب: "وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ‬
‫من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين"‬
 ‫ثم ذكرهما رحمه اهلل. فالحديث حسن وقد حسنه األلباني في صحيح الترغيب والترهيب (1167،‬
                                                                                                          ‫0653).‬
  ‫(7) أخرجه البخاري في الوكالة، باب: الوكالة في قضاء الديون (6037)، ومسلم في المساقاة،‬
  ‫باب: من استسلف شيئا فقضى خيرا منه (5065) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه بنحوه،‬
                                  ‫و‬       ‫ر‬
                            ‫وليس فيه مقالة الرجل، وال قول النبي : ((أنا أَولى أن تأم َني بال َفاء)).‬

‫(5/6031)‬




                                                                                ‫دروس وعبر من حياة أم سليم‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                                     ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                                             ‫تراجم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                             ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                       ‫القدس‬
                                                                                ‫67/1/6715‬
                                                                             ‫المسجد األقصى‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- فضل الصحابة. 7- دروس من حياة أم سليم: ثبات العقيدة، الدعوة إلى اهلل، الشجاعة،‬
        ‫الصبر، غالء المهور. 3- السيدة نفيسة في سكرات الموت. 1- اضطهاد المسلمين في‬
   ‫أوزبكستان. 1- وقفات مع ذكرى حرب حزيران وما بعدها. 6- المسجد األقصى واألخطار‬
                              ‫المحدقة. 2- أسباب تدهور األمة اإلسالمية في واقعنا المعاصر.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                        ‫ب‬
    ‫عباد اهلل، تعالوا نعيش وإياكم مع النفحات الطيبة العطرة، مع الذين تر ّوا على مائدة القرآن،‬
      ‫وتعلموا من الرسول عليه الصالة والسالم. وكم نحن بحاجة في هذه األيام لكي نسير على‬
                                                          ‫ي‬
  ‫منهاجهم، كيف ال وهم الذين أ ّدوا هذا الدين، ونصروا اإلسالم، ونشروه في كل مكان؟! كانوا‬
  ‫رضي اهلل عنهم رسل خير ومحبة، رسل دعوة ورسالة، واجهوا ظلم الظالمين بعدالة اإلسالم،‬
                                                                     ‫ل‬               ‫ب‬
     ‫وط ّقوا األحكام، فخّد اهلل ذكرهم في كتابه وعلى لسان نبيه ، رسموا للعالم خريطة الطريق‬
          ‫السليمة التي توصل الناس إلى رضا ربهم، فيتحقق األمن واألمان، والعزة والسلطان.‬
                                                        ‫س‬
   ‫عباد اهلل، الصحابية الجليلة أم ُلَيم بنت ملحان األنصارية رضي اهلل عنها، تزوجت مالك بن‬
‫النضر في الجاهلية، فولدت الصحابي أنس بن مالك ، وأسلمت مع السابقين األولين من األنصار،‬
  ‫ر‬
 ‫وغضب زوجها إلسالمها، وخرج إلى الشام فمات بها، وجاء أبو طلحة يطلب يدها، وكان كاف ًا‬
                 ‫ل‬
   ‫ال يؤمن باهلل العظيم، فاشترطت عليه اإلسالم. وهنا ـ أيها المؤمنون ـ يتجّى جانب اإليمان‬
‫والتوحيد، تتجلى عقيدة المؤمن. العقيدة ـ أيها المؤمنون ـ هي األمر الذي ال يجوز التفريط فيه‬
                                                                                          ‫د‬
                                                                                        ‫أب ًا.‬
                                                                           ‫َل‬
     ‫ومن هنا فقد عَّمنا رسولنا درسًا في الثبات على العقيدة والتضحية ألجلها عندما جاءه كفار‬
                                               ‫ُدو‬
 ‫قريش، وشكوه لعمه أبي طالب أعلنها م َ ّية صريحة بقوله: ((واهلل لو وضعوا الشمس في يمني‬
  ‫والقمر في يساري على أن اترك هذا األمر ـ وهو توحيد اهلل والدعوة لدينه ـ ما تركته حتى‬
                                                                                         ‫ي ه‬
                                                                  ‫ُظ ِره اهلل أو أهلك دونه)).‬
  ‫هذا هو االقتناع بالعقيدة التي هانت على بعض الناس اليوم فهانوا على اهلل تعالى، فتنازلوا عن‬
                                                       ‫أهم مبادئ العقيدة بثمن بخس دراهم معدودة.‬
                                                                 ‫س‬
  ‫عباد اهلل، الصحابية أم ُلَيم صاحبة عقيدة، تعلمت من رسول اهلل خير المعلمين، تعلمت في أول‬
                                                  ‫مدرسة في اإلسالم، في بيت األرقم بن أبي الرقم.‬
                                                          ‫ر‬
    ‫جاء أبو طلحة يطلب يدها وكان كاف ًا، فماذا قالت له؟ قالت: يا أبا طلحة، ألست تعلم أن إلهك‬
 ‫الذي تعبد نبت من األرض؟! قال: بلى، قالت: أفال تستحي تعبد شجرة؟! إن أسلمت فإني ال أريد‬
                                                                                    ‫َد ق‬
  ‫منك ص َا ًا غيره. سبحان اهلل! هكذا تكون الدعوة إلى اهلل يا عباد اهلل، إن أسلم الرجل فهي تقبل‬
 ‫لح َ ل‬           ‫سن ال ِم د إل الله وعم‬                       ‫وم‬
 ‫بزواجه، ومهرها هبة له، تضحية بالمال، َ َنْ أَحْ َ ُ قَوْ ً م َّنْ َعَا َِى َّ ِ َ َ ِلَ صَاِ ًا وقَا َ‬
                                                                          ‫ِنن م م لم‬
   ‫إ َّ ِي ِنْ الْ ُسِْ ِينَ [فصلت:33]. أين نساء اليوم ليتعلمن هذا الدرس من هذه الصحابية المؤمنة‬
                                                                                            ‫الصادقة؟!‬
                                                         ‫د‬
‫عباد اهلل، اسمعوا هذه القصة جي ًا، أراد شاب أن يتزوج فتاة ظهر له منها أنها صاحبة دين وخلق‬
                                  ‫د‬               ‫َر‬
‫تطبيقًا لقول الرسول : ((فاظفر بذات الدين ت ِبت يداك))، وتق ّم الشاب لخطبة الفتاة، ثم عقد عليها‬
   ‫عقد الزواج حتى يكون دخوله لبيتهم شرعيًا، فماذا حدث؟ جلس الشاب مع الفتاة، أتدرون ـ يا‬
 ‫عباد اهلل ـ ما أول سؤال سألته الفتاة لهذا الشاب؟! كان يتوقع الشاب أن تسأل عن معنى آية من‬
 ‫كتاب اهلل تعالى أو عن حديث نبوي شريف أو عن حكم شرعي أو تسأل عن أحوال المسلمين في‬
    ‫ي ر‬
 ‫فلسطين أو العراق أو كيف يعيش المسلمون في هذه األيام في دول العالم الغربي وكيف ُحا َبون‬
‫ليس إال ألنهم مسلمون، أتدرون ماذا سألت الفتاة أيها المسلمون؟! ويا بئس ما سألت، قالت للشاب:‬
                                                         ‫به‬
    ‫ما رأيك في الرقص الشرقي؟ و ُ ِت الشاب أمامها، وقال لها: ما دخل الرقص فيما نحن فيه؟!‬
‫فقالت له: وكيف ال تجيد الرقص وأنت طالب جامعي؟! اسمح لي أن أقول لك: إنك متأخر، أيوجد‬
                                                              ‫في زماننا من ال يجيد الرقص والفن؟!‬
   ‫إن هذا الشيء عجيب! إذا أردت أن يتم الزواج فعليك أن تتعلم فن الرقص. شريحة من شرائح‬
     ‫المجتمع الذي يعيش فيه بعض الفتيان، هذا النموذج من فتياتنا هذه األيام، وأريد أن أقول لكم‬
                                               ‫ت‬           ‫د‬
   ‫كلمة، وعليكم أن تحفظوها جي ًا: أخطر ما ُصاب به األمم هو في دينها وعقيدتها، إذا أصيبت‬
                                                                       ‫األمم بهذا البالء فعليها العفاء.‬
                                                                                  ‫ب‬       ‫ل‬
                                             ‫وطّق الشا ُ الفتاة، وبحث عن امرأة مؤمنة من جديد.‬
                                                                               ‫س‬
    ‫عباد اهلل، أم ُلَيم رضي اهلل عنها كانت مثاالً للمرأة المسلمة، في بيتها كان يزورها الرسول ،‬
                      ‫س‬                                ‫س قت‬
‫فتتحفه بالشيء تصنعه له. أم ُلَيم ُ ِل أخوها وأبوها في سبيل اهلل. أم ُلَيم كانت تغزو مع رسول‬
                                      ‫ح‬      ‫ر‬
‫اهلل، ولها قصص مشهورة، منها أنها اتخذت خنج ًا يوم ُنَين، فقال أبو طلحة: يا رسول اهلل، هذه‬
                                                                                      ‫س‬
                  ‫أم ُلَيم معها خنجر! فقالت: اتخذته؛ إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه.‬
  ‫ومنها قصتها لما مات ولدها ابن أبي طلحة، فقالت لما دخل: ال أحد يذكر ذلك ألبي طلحة قبلي.‬
           ‫ي‬
      ‫فلما جاء وسأل عن ولده قالت: هو أسكن ما كان، فظن أنه عوفي، وقام فأكل، ثم تزّنت له‬
                                                                                  ‫ي‬
    ‫وتطّبت، فنام معها، وأصاب منها، فلما أصبح قالت له: احتسب ولدك، فذكر ذلك للنبي فقال:‬
      ‫د‬       ‫ُز‬
 ‫((بارك اهلل لكما في ليلتكما)). فجاءت بولد وهو عبد اهلل بن أبي طلحة، فأنجب ور ِق أوال ًا قرأ‬
                                                                            ‫القرآن منهم عشرة قراءة كاملة.‬
        ‫ب‬                                                                 ‫د‬
       ‫عباد اهلل، نريد أوال ًا يقرؤون القرآن يتلونه ويحفظونه ويعملون بما ورد فيه، ال نريد شبا ًا‬
                          ‫ب‬                                                       ‫ك‬
    ‫يتس ّعون في الشوارع ويلهثون وراء الشهوات والمعاصي، نريد شبا ًا يحملون دعوة اإلسالم،‬
    ‫ال‬                                                                      ‫ل‬
    ‫نريد شبابًا يتخّقون بأخالق القرآن، نريد طائفة تعيد لألمة مجدها وعزها وكرامتها، نريد جي ً‬
    ‫ي َي َّذ ن من‬                                                                          ‫ر‬
  ‫يحمل فك ًا سليما وتربية صالحة، استجابة لنداء اهلل تعالى في سورة التحريم: َا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا‬
                                                      ‫ق فس ُ و ل ُ ن ر َق د الن س و حج ة‬
                                         ‫ُوا أَن ُ َكمْ َأَهِْيكمْ َا ًا و ُو ُهَا َّا ُ َالْ ِ َارَ ُ [التحريم:6].‬
  ‫وجهوا أوالدكم إلى المخيمات اإلسالمية، فنحن على أبواب العطلة الصيفية، شجعوهم على حفظ‬
‫القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصالة والسالم، فاألمر يحتاج لعناية ورعاية ومتابعة، حتى‬
                                                                      ‫ينشأ جيل صالح يحمل راية اإلسالم.‬
                                           ‫ي‬                      ‫س‬
‫عباد اهلل، لقد اشترطت أم ُلَيم رضي اهلل عنها أن ُسلم أبو طلحة، وكان لها ما طلبت، أكرمها اهلل‬
‫سبحانه وتعالى بأن يسلم أبو طلحة على يدها فجاء وقال: أشهد أن ال إله إال اهلل وأن محمد رسول‬
                       ‫س‬                                             ‫و‬
‫اهلل، فقالت: يا أنس، ز ّج أبا طلحة. فزوجها، كم تريدين من المهر يا أم ُلَيم؟ فقالت: يكفيني أنك‬
                                                                                             ‫نطقت بالشهادتين.‬
                  ‫ت ف‬
      ‫عباد اهلل، لماذا أصبح المهر يشكل مشكلة أمام من يريد الزواج؟! لماذا ال ُخ ّف عن أوالدنا‬
  ‫تكاليف وأعباء الزواج؟! من الممكن أن نحصر الشيء الكثير من عاداتنا وتقاليدنا، فدماء شهداء‬
            ‫األمة لم تجف بعد، بحاجة لطاقات وجهود الشباب المؤمن الصادق مع اهلل في العبادات‬
                                                   ‫والمعامالت والدفاع عن حرمات اإلسالم والمسلمين.‬
 ‫عباد اهلل، انظروا إلى هذه المرأة الصالحة، لما حضرت السيدة نفيسة رضي اهلل عنها الوفاة كانت‬
   ‫صائمة في رمضان، فقال لها الطبيب: يا سيدتي أفطري، فقالت: واهلل ال أفطر إال عند اهلل، لقد‬
                                                                      ‫م‬
    ‫كنت أدعو اهلل دائ ًا وأقول: اللهم اقبضني إليك وأنا صائمة. نفيسة على فراش الموت صائمة،‬
     ‫الطبيب يقول لها: أفطري، فتقول: واهلل ال أفطر إال عند اهلل. وما هو اإلفطار عند اهلل؟ ما هو‬
   ‫اإلفطار عند اهلل يا حفيدة رسول اهلل؟ وعلى أي شيء يكون؟ إ َّ األَب َارَ َش َ ُونَ ِنْ كَأْسٍ كَا َ‬
   ‫ن‬              ‫ِن ْر ي ْرب م‬
                                       ‫ر‬          ‫ِز ج ك ف ر ع ي رب ب عب د الل ي ِّر ه‬
    ‫م َا ُهَا َا ُو ًا َيْنًا َشْ َ ُ ِهَا ِ َا ُ َّهِ ُفَج ُونَ َا تَفْجِي ًا [اإلنسان:1، 6]، السيدة نفيسة قرأت‬
                                   ‫ل‬
   ‫القرآن الكريم كله مائة وأربعين مرة، قرأت القرآن، ظَّت تقرأ وهي على فراش الموت إلى أن‬
                      ‫ن ي مل‬            ‫ُ د ر الس ع ْ َبه وهو وِي ُ ب‬
 ‫وصلت إلى قوله تعالى: لَهمْ َا ُ َّالمِ ِندَ ر ِّ ِمْ َ ُ َ َل ُّهمْ ِمَا كَا ُوا َعْ َُونَ [األنعام:275]، ثم‬
                                                                ‫فاضت روحها الطاهرة إلى عالم الغيوب.‬
                                                                      ‫ر ن‬                ‫ر ن‬        ‫ل‬
                                                                     ‫يا عاِم الس ّ م ّا…ال تكشف الس ّ ع ّا‬
                                                                      ‫ن‬                ‫ن‬
                                                                     ‫وكن لنا حيث ك ّا…وعافنا واعف ع ّا‬
                                                             ‫س‬                   ‫ء‬
        ‫نريد نسا ً صالحات من طراز أم ُلَيم والسيدة نفيسة، نريد مؤمنات قاتنات كما قال تعالى:‬
                                                      ‫ب ح الله‬                ‫َالص ح ُ ن ت ح ف ت ل‬
                                         ‫ف َّالِ َات قَا ِتَا ٌ َا ِظَا ٌ ِلْغَيْبِ ِمَا َفِظَ َّ ُ [النساء:13].‬
     ‫َضر الله م لَّذ ن من ا ْر ة‬
     ‫وقد ضرب اهلل لنا القدوة الحسنة منهن في القرآن الكريم: و َ َبَ َّ ُ َثَالً ِل ِي َ آ َُوا ِم َأَ َ‬
                                    ‫ص ْ َ جه‬           ‫ع ْر الت‬               ‫وَ َ‬                       ‫ِ‬
                     ‫فرْعَوْن [التحريم:55]، َمرْيمَ ابْنَتَ ِم َانَ َّ ِي أَحْ َنَت فرْ َ َا [التحريم:75].‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
  ‫م و َ ج م الله‬                          ‫ِن ُ م‬               ‫م‬          ‫إ ك ن‬
  ‫أيها المؤمنون، يقول اهلل عز وجل: ِنْ تَ ُوُوا تَأْلَ ُونَ فَإَّهمْ يَأْلَ ُونَ كَمَا تَأْلَ ُونَ َترْ ُونَ ِنْ َّ ِ‬
                                                                             ‫َ ج‬
 ‫مَا ال يرْ ُونَ [النساء:105]. قضية مهمة في عالمنا اإلسالمي، هناك في أوزبكستان قتل وتعذيب‬
‫وتشريد ألمة اإلسالم على أيدي الطغاة المجرمين الحاقدين الموالين ألعداء األمة، ليس لسبب، بل‬
‫ألنهم مسلمون يريدون أن يقيموا حكم اإلسالم في تلك األرض اإلسالمية، المسلمون في تلك البالد‬
                                  ‫ح‬                         ‫ر‬       ‫ر سر‬                ‫يت‬
     ‫ُقَ ّلون ليالً ونها ًا ًّا وجها ًا، وال حسيب وال رقيب، يض ّون بأنفسهم ابتغاء رضوان اهلل،‬
                                                       ‫ُم‬
      ‫وحكام المسلمين في كل مكان ص ّ بكم عمي فهم ال يعقلون، لم نسمع أي اعتراض من واحد‬
                                                                                                              ‫منهم.‬
             ‫ل‬
    ‫ولكن أبشروا أيها المؤمنون، فاألمل يلوح في األمة والحمد هلل، فقد بدأت األمة تتّمس طريقها‬
  ‫للخالص، فقد أدركت أمتنا أن ال خالص لها إال بإعادة سلطان اإلسالم على األرض، ولعل تلك‬
   ‫الطالئع التي رفضت الظلم في أوزبكستان خير شاهد على ذلك. وتذكروا ـ يا عباد اهلل ـ أن‬
  ‫الفرج قريب إن شاء اهلل، وأن نصر اهلل آتٍ ال محالة، مهما طال الليل والظالم فال بد من طلوع‬
                                     ‫الفجر والنور، واهلل غالب على أمره، ولكن أكثر الناس ال يعلمون.‬
                                           ‫ح‬                           ‫ر‬
           ‫أيها المسلمون، تم ّ علينا هذه األيام ذكرى حرب ُزَيران عام 2625م، وال يزال شعبنا‬
‫الفلسطيني يعاني من آثارها المدمرة القاسية، ويدفع ثمن تآمر وتخاذل من كانوا يتربعون على سدة‬
                                    ‫ُ‬
          ‫الحكم. ثمانية وثالثون عامًا، أربعة عقود مرت على نكسة حزَيران التي أعقبت نكبة عام‬
      ‫6125م، وخالل هذه الحقبة من االحتالل ألرض فلسطين جرت متغيرات، واختلت موازين،‬
 ‫وتبدلت معايير، تترك الحليم حيران، فقد تمسكت إسرائيل بمنه واضح رغم اختالف الحكومات‬
 ‫التي تقلدت زمام الحكم على امتداد العقود األربعة، وقد نجحت بفرض سيادتها وتمسكها بالثوابت‬
                                                                            ‫ح‬
                                                           ‫التي أعلنتها عقب هزيمة ُزَيران عام 2625م:‬
                                                                            ‫5- ال للعودة لحدود عام 2625م.‬
                                                                                            ‫7- ال لتقسيم القدس.‬
                                                                                ‫م َج‬
                                                                            ‫3- ال لعودة النازحين ال ُه َّرين.‬
  ‫هذه الثوابت التي تمسكت بها إسرائيل عززت من وجودها واحتاللها وتوسعها وهضمها لحقوق‬
     ‫أمتنا. وخالل هذه الفترة أقامت المستوطنات والنقاط العسكرية، وصادرت آبار المياه، وقتلت‬
                                                                                                          ‫ر‬
                                                                                 ‫وش ّدت آالفًا من أبناء شعبنا.‬
      ‫أما على الجانب العربي اإلسالمي صاحب األرض فماذا جرى؟! وماذا يجري؟! فاالعتراف‬
                                                   ‫ر‬
‫بإسرائيل اليوم أصبح حتمية تاريخية وأم ًا واقعًا، والمقاومة أصبحت إرهابًا، والتطبيع أصبح من‬
                                                              ‫أسس التقدم والسالم والتعايش السلمي.‬
                                   ‫ح‬
    ‫أيها المسلمون، لقد صدرت قرارات دولية عقب حرب ُزيران أهمها القراران (717، 633)‬
 ‫الداعيان إلى انسحاب إسرائيل من األراضي العربية المحتلة، واالعتراف بحق الشعب الفلسطيني‬
     ‫بتقرير مصيره، وحتى اآلن لم يتم تنفيذ هذين البندين، وبالمقابل صدرت قرارات ضد أنظمة‬
  ‫عربية ودول إسالمية مما يسمى مجلس األمن، سرعان ما أعقبها تنفيذ فعلي لهذه القرارات، إما‬
‫بالمقاطعة االقتصادية كما تم مع الصومال والسودان وليبيا وسوريا، أو بتدخل عسكري سافر كما‬
 ‫حدث في أفغانستان والعراق. واألنكى من ذلك التأييد أو الصمت العربي للعدوان األمريكي على‬
‫الشعوب اإلسالمية، أو التلويح باستخدام القوة العسكرية في حال عدم االنصياع للقرارات الدولية،‬
‫كما حدث مع سوريا التي سحبت قواتها من لبنان، أو فرض حلول سلمية بين الفئات المتصارعة،‬
   ‫كما هو الحال في السودان. وبنفس الوقت استغلت إسرائيل حالة الضعف، وعملت على تطبيع‬
                                                 ‫ر‬
‫عالقاتها مع العديد من الدول العربية ظاه ًا وباطنًا، وهي تمتلك أسلحة نووية، ومع ذلك ال يجرؤ‬
     ‫أي نظام بمطالبتها بإزالة أسلحة الدمار الشامل، أو التوقيع على معاهدة عدم انتشار األسلحة‬
                ‫النووية، في حين تواجه إيران تهديدات مباشرة من أمريكا ضد برنامجها النووي.‬
‫وعندنا فإننا نسمع ونقرأ في وسائل اإلعالم أن المستوطنين عازمون على دخول المسجد األقصى،‬
      ‫ويراهنون على من يملك طول النفس لمن يحقق مآربه. فهل ييأس المسلمون من الدفاع عن‬
   ‫ِر وص بر‬            ‫َي َّذ من‬
 ‫األقصى ونحن مطالبون بالرباط الذي شرفنا اهلل فيه بقوله: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا اصْب ُوا َ َا ِ ُوا‬
                                                                 ‫َر بط َاتق الل َل ُ ت ح‬
                                             ‫و َا ِ ُوا و َّ ُوا َّهَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُونَ [آل عمران:007]؟!‬
    ‫وكذلك فإن إصرار سلطات االحتالل على هدم تسعين منزالً في مدينة القدس ـ وبالتحديد في‬
  ‫سلوان ـ جريمة ال تغتفر بحق شعبنا المسلم، والتي تندرج ضمن سياسة تهويد المدينة المقدسة،‬
                                       ‫ونحن من هنا نستنكر هذا اإلجراء الظالم، فهل من مجيب؟!‬
‫أيها المسلمون، هذا الواقع اليوم، فهل سأل أحدكم عن السبب؟! والجواب هو ابتعادنا عن منه اهلل‬
       ‫وعدم وجود دولة اإلسالم، فمتى تدرك األمة أن عزتها ورفعة شأنها ووحدتها ال تكون إال‬
 ‫باإلسالم؟! متى يدرك حكامنا أن األحداث الجارية اليوم هي حرب معلنة ضد اإلسالم والمسلمين‬
                                      ‫أوقدها أعداء األمة الحاقدين على عظمة هذا الدين الحنيف؟!‬
    ‫أيها المسلمون، عودوا إلى رشدكم، وتمسكوا بعقيدتكم، اعملوا على إقامة دولتكم دولة الخالفة‬
                   ‫الراشدة، ازرعوا في نفوس أبنائكم عظمة اإلسالم وحب الدين ورفعة األخالق.‬

‫(5/2031)‬
                                                                                               ‫القرآن عزيز مهما فعلوا‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                         ‫العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                                    ‫القرآن والتفسير, جرائم وحوادث‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫محمد بن صالح المنجد‬
                                                                                                                        ‫الخبر‬
                                                                                                             ‫75/1/6715‬
                                                                                                    ‫عمر بن عبد العزيز‬
                                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- آيات في فضل القرآن الكريم. 7- تأثير القرآن الكريم على اإلنس والجن. 3- تكفل اهلل تعالى‬
 ‫بحفظ القرآن الكريم. 1- القرآن يتحدى. 1- محاوالت يائسة مخجلة لإلتيان بمثل القرآن الكريم.‬
 ‫6- محاوالت الغرب الفاشلة للقضاء على القرآن الكريم. 2- مقاطع من كتاب الفرقان المزعوم.‬
   ‫6- صور من اعتداء الكفار على القرآن الكريم.2- واجب المسلمين تجاه جريمة تدنيس القرآن‬
                                                                                                                     ‫الكريم.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
     ‫ال ن َّ ُ ْ‬                               ‫َ عل ع ْ ك ب وَ ع ه و‬                                   ‫ح ْد ِل َّ‬
‫الْ َم ُ لَّهِ الذِي أَنزلَ ََى َبدِهِ الْ ِتَا َ َلمْ يَجْ َلْ لَ ُ عِ َجَا [الكهف:5]، وتَبَارَكَ َّذِي َزلَ الْفرقَانَ‬
‫تك‬                   ‫ك ب ر َ ف ه ُ ل ُتق‬                                         ‫عل ع ْ ليك ل م ن َذ ر‬
‫ََى َبدِهِ ِ َ ُونَ ِلْعَالَ ِي َ ن ِي ًا [الفرقان:5]، ذَلِكَ الْ ِتَا ُ ال َيْب ِي ِ هدًى ِلْم َّ ِينَ [البقرة:7]، ِلْ َ‬
       ‫ِن َ ُ ن ي ْد ِلت ه‬                                 ‫وك مب ن هد وب ْ ل م من‬                        ‫ت ُ‬
     ‫آيَا ُ الْقرْآنِ َ ِتَابٍ ُ ِي ٍ ُ ًى َ ُشرَى ِلْ ُؤْ ِ ِينَ [النمل:5، 7]، إ َّ هذَا الْقرْآ َ َه ِي لَّ ِي ِيَ‬
  ‫ل َب‬             ‫وِنه‬                  ‫َ َم ويب ِّر م من َّذ ي مل الص ح َن ه ْر ر‬
  ‫أقْو ُ َ ُ َش ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ ال ِينَ َعْ َُونَ َّالِ َاتِ أ َّ لَ ُمْ أَج ًا كَبِي ًا [اإلسراء:2]، َإ َّ ُ لَتَنْزِي ُ ر ِّ‬
                  ‫عر ِي مب‬         ‫ل ك ن م م ِر بل‬                          ‫م ن َ َ ب الر ح م ن ع‬
 ‫الْعَالَ ِي َ نزلَ ِهِ ُّو ُ األَ ِي ُ َلَى قَلْبِكَ ِتَ ُو َ ِنْ الْ ُنذ ِينَ ِِسَانٍ َ َب ٍّ ُ ِينٍ [الشعراء:725-‬
    ‫كت ِ َ‬                                   ‫َ ك ب ز ه مب ٌ َاتبع ه َاتق َل ُ ت حم‬
  ‫125]، وَهذَا ِتَا ٌ أَن َلْنَا ُ ُ َارَك ف َّ ِ ُو ُ و َّ ُوا لَعَّكمْ ُرْ َ ُونَ [األنعام:115]، يَا أَهْلَ الْ ِ َاب قدْ‬
 ‫جَا َكم َ ُوُنَا ُب ِّ ُ لَكمْ كَثِي ًا م َّا ُنْتمْ ُخْ ُو َ ِنْ الْ ِتَا ِ و َعْ ُو َنْ كَ ِير قدْ َا َكمْ ِنْ َّهِ ُو ٌ‬
 ‫ر ِم ك ُ ت ف ن م ك ب َي ف ع ث ٍ َ ج ء ُ م الل ن ر‬                                             ‫ء ُ ْ رس ل ي َين ُ‬
   ‫وك ب مب ن ي ْد ب الله م اتب َ ر و ه س ُ الس م وي جه م الظلم إل الن بِ نه‬
   ‫َ ِتَا ٌ ُ ِي ٌ َه ِي ِهِ َّ ُ َنْ َّ َع ِضْ َانَ ُ ُبلَ َّال ِ َ ُخْرِ ُ ُمْ ِنْ ُُّ َاتِ َِى ُّورِ ِإذْ ِ ِ‬
‫َد ث ك ب م ب م ني ت ش ِر‬                           ‫س‬        ‫الله ن َّ‬                 ‫ِر ط م ق م‬         ‫وي ْد ِ إل‬
‫َ َه ِيهمْ َِى ص َا ٍ ُسْتَ ِي ٍ [المائدة:15، 65]، َّ ُ َزلَ أَحْ َنَ الْح ِي ِ ِتَا ًا ُتَشَا ِهًا َثَا ِ َ َقْ َع ُّ‬
      ‫به م‬       ‫ه الل ي‬              ‫َ َبه ُم ل ن جل د ُ َقل ب ُ إ ذ ْ الل‬                          ‫م ه جل د َّذ ن‬
    ‫ِنْ ُ ُُو ُ ال ِي َ يَخْشَوْن رَّ ُمْ ث َّ تَِي ُ ُُو ُهمْ و ُُو ُهمْ ِلَى ِكرِ َّهِ ذَلِكَ ُدَى َّهِ َهْدِي ِ ِ َنْ‬
      ‫َ َ ه ل ْر ه عل الن عل م ث‬                     ‫َُ‬                     ‫ي ء وم ي ِ الل ُ م ه م‬
      ‫َشَا ُ َ َنْ ُضْللْ َّه فَ َا لَ ُ ِنْ هَادٍ [الزمر:37]، وقرْآنًا فرقْنَا ُ ِتَق َأَ ُ ََى َّاسِ ََى ُكْ ٍ‬
               ‫ش‬        ‫ل ق ِال ِ لم‬                     ‫ُ‬          ‫ْز ع‬                                ‫و َز ه ز‬
   ‫َن َّلْنَا ُ تَن ِيالً [اإلسراء:605]، مَا أَن َلْنَا َلَيْكَ الْقرْآنَ ِتَشْ َى إ َّ تَذْكرَةً ِ َنْ يَخْ َى [طه:5، 7]،‬
‫ة م َب ُ و ء‬                      ‫ي َي الن ُ َ ج ء ُ‬                          ‫َره‬             ‫َال ِنه ِر ٌ م‬
‫ك َّ إ َّ ُ تَذْك َة فَ َنْ شَاءَ ذَك َ ُ [المدثر:11، 11]، َا أُّهَا َّاس قدْ َا َتْكمْ مَوْعِظَ ٌ ِنْ ر ِّكمْ َشِفَا ٌ‬
                                                                                                        ‫ُّد‬    ‫لم ف‬
                                                                                          ‫ِ َا ِي الص ُورِ [يونس:21].‬
 ‫تي‬                                        ‫و َق ز ه و َق َ َ‬
‫هكذا أعلن سبحانه وتعالى: َبِالْح ِّ أَن َلْنَا ُ َبِالْح ِّ نزلَ [اإلسراء:105]. هكذا كان هذا الذي أو ِ َه‬
                              ‫ق‬
     ‫النبي وحيًا أوحاه اهلل إليه، بقي على مدى األزمان، وسيبقى إلى ُرب قيام الساعة؛ ولذلك كان‬
                                                                        ‫نبي‬
                                                                     ‫أتباع محمد أكثرَ األمم من الذي اتبعوا َّهم.‬
  ‫عباد هلل، كتاب فيه الخير والبركة والهدى والنور، قال عثمان : (لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من‬
                                                              ‫علي‬
   ‫كالم اهلل، وما أحب أن يأتي َّ يوم وال ليلة إال أنظر في كالم اهلل). هؤالء الذين ينظرون في‬
     ‫ِن َّذ أ ت‬                      ‫ر‬                               ‫ُّر‬
   ‫الكتاب العزيز فقهًا وتدب ًا يحصل لهم الخشوع والخشية، ويخ ّون وهم يفقهون، إ َّ ال ِينَ ُو ُوا‬
‫َ ْ س َّد و ق ل س َ َب إ ن و د َب لم ع ال‬                                        ‫ع ْ م ْ ل ِذ ي ل ع ه ِر‬
‫الْ ِلمَ ِن قَبِْهِ إ َا ُتَْى َلَيْ ِمْ يَخ ُّونَ لِألذقَانِ ُج ًا َيَ ُوُونَ ُبْحَان رِّنَا ِنْ كَا َ َعْ ُ ر ِّنَا َ َفْ ُو ً‬
                                                                  ‫َ ْ ن ي ك ن ويز د ُ خش‬                 ‫و ِر‬
                                           ‫َيَخ ُّونَ لِألذقَا ِ َبْ ُو َ َ َ ِي ُهمْ ُ ُوعًا [اإلسراء:205-205].‬
    ‫تنزل المالئكة لسماعه، وتتأثر به، ((اقرأ يا ابن حضير، تلك المالئكة دنت لصوتك، ولو قرأت‬
                                                                  ‫ألصبحت ينظر الناس إليها، ال تتوارى منهم)).‬
  ‫خلع أفئدة الكفار، وألقى الهيبة في قلوبهم، وهذا جبير بن مطعم ـ وكان مشركًا من أكابر قريش‬
   ‫َ خق م‬                                     ‫ب‬
 ‫وعلماء السب فيها ـ لما أخذ في أسرى بدر ور ِط في المسجد بحيث يسمع القرآن: أمْ ُلِ ُوا ِنْ‬
                                                                   ‫لق‬          ‫َ ُ‬            ‫ْ‬
‫غَيرِ شَيْءٍ أمْ همْ الْخَاِ ُونَ [الطور:13] قال: (كاد قلبي أن يطير، كان ذك أول ما دخل اإليمان في‬
   ‫قلبي). وكان أبو بكر وقد أوتي ذلك الخشوع، كان رجال بكاءً، ال يملك دمعه حين يقرأ القرآن،‬
                      ‫ص‬
           ‫فابتنى مسجدا بفناء داره بمكة، وبرز، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتق ّف عليه نساء‬
    ‫المشركين وأبناؤهم يستمعون عند داره، يعجبون وينظرون إليه، فأفزع ذلك أشراف قريش من‬
                                                                                                                  ‫المشركين.‬
    ‫وكذلك فإن الجن واإلنس الذين سمعوه مسلمهم وكافرهم لم يملكوا أنفسهم حين سمعوا قول اهلل:‬
              ‫ُد ِله و بد‬               ‫َ م َذ َد ث جب و حك ن و ك ن و ت س ِد َ‬
 ‫أفَ ِنْ ه َا الْح ِي ِ تَعْ َ ُونَ َتَضْ َ ُو َ َال تَبْ ُو َ َأَنْ ُمْ َام ُون فَاسْج ُوا لَّ ِ َاعْ ُ ُوا [النجم:21-‬
   ‫ل‬
 ‫76]، لم يملكوا أنفسهم فسجدوا، هيبة القرآن التي أرغمتهم على السجود. لقد تأثر الجن به: فَقَاُوا‬
       ‫ِن‬        ‫َر م‬           ‫وِ َر إ‬                        ‫جب ي ْ إل الر ْ ِ َن ب‬                  ‫ِن سم ُ‬
       ‫إ َّا َ ِعْنَا قرْآنًا عَ َ ًا َهدِي َِى ُّشد فَآم َّا ِهِ [الجن:5، 7]، َإذْ ص َفْنَا ِلَيْكَ نَف ًا ِنْ الْج ِّ‬
                                                     ‫ُ َ َم حضر ُ ل صت‬                          ‫ي مع‬
       ‫َسْتَ ِ ُونَ الْقرْآن فَل َّا َ َ ُوه قَاُوا أَنْ ُِوا [األحقاف:27]، لقد كانت اآليات كافية أن يصبح‬
   ‫ل ي م ِن سم ك أ ْ ِ م ب م س‬
  ‫أولئك دعاة إلى اهلل، فولوا إلى قومهم منذرين: قَاُوا َا قَوْ َنَا إ َّا َ ِعْنَا ِتَابًا ُنزلَ ِنْ َعْدِ ُو َى‬
                                                                          ‫َق‬       ‫إل‬      ‫مص ِّ لم ب يد ه ي‬
                                                            ‫ُ َدقًا ِ َا َيْنَ َ َيْ ِ َهْدِي َِى الْح ِّ [األحقاف:03].‬
  ‫وِذ سمع‬                              ‫ر‬
‫وحتى أصحاب األديان األخرى من الذين أراد اهلل بهم خي ًا كانوا تأثروا عند سماعه: َإ َا َ ِ ُوا‬
       ‫َب من ف ت‬                ‫َق ق ل‬           ‫ي ُ ف ض م الد ِم َ َف م‬                        ‫أ ز إل الرس َر‬
  ‫مَا ُن ِلَ َِى َّ ُولِ ت َى أَعْ ُنَهمْ تَ ِي ُ ِنْ َّمْعِ م َّا عر ُوا ِنْ الْح ِّ يَ ُوُونَ ر َّنَا آ َ َّا َاكُْبْنَا‬
                                                                                    ‫الش ِد‬
 ‫مَعَ َّاه ِينَ [المائدة:36]. هؤالء أقرب الناس مودة للذين آمنوا، الذين يتأثرون إذا سمعوا القرآن‬
                                                           ‫َب َن ت م الش هد ن‬
                                                          ‫ثم يسلمون في النهاية: ر َّنَا آم َّا فَاكْ ُبْنَا َعَ َّا ِ ِي َ.‬
                                     ‫َل‬                                      ‫ي‬
‫هذا القرآن الذي ُكرم صاحبه يوم القيامة بتاج الوقار، ويحَّى بالحلية العظيمة، حتى والديه ينالهما‬
                                                                                   ‫ر‬
   ‫خي ًا بسبب حفظ ودهما، ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا))،‬
 ‫ويشفع لصاحبه يوم القيامة، وتأتي البقرة وآل عمران كغمامتين تظلالن على صاحبهما يوم الحر‬
                                                                                                           ‫األكبر.‬
 ‫عباد اهلل، هذا قرآن عربي مبين، تكفل اهلل بحفظه، ولم يوكل حفظه إلى أحبار األمة وعلمائها كما‬
       ‫ِن‬                  ‫ظ‬         ‫ِن ن َز الذ ْر وِن ه‬                                                        ‫فع‬
      ‫ُ ِل بالذين من قبلنا، وإنما قال تعالى: إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ِّك َ َإ َّا لَ ُ لَحَافِ ُونَ [الحجر:2]، وإ َّا‬
                                                                               ‫فظ‬
                                                                     ‫تأكيد، والالم في قوله: لَحَا ِ ُونَ تأكيد.‬
                                                 ‫ب‬
       ‫وقد تولى اهلل حفظه فلم يستطع أحد من يوم ُعث النبي عليه الصالة والسالم إلى اآلن، ولن‬
  ‫ع‬
‫يستطيع أحد إلى قيام الساعة أن يحرفه وال أن يبدله وال أن يغيره تغييرا يروج على الناس جمي ًا،‬
‫ال يمكن، أن يحصل فيه تحريف عام بحث يزول من األرض القرآن األصلي ال يمكن أن يتوصل‬
                                    ‫ش‬
   ‫إلى ذلك أحد، ال من الجن وال من اإلنس، ولذلك ك ِفت محاوالت تحريف القرآن، وتصدى من‬
                                                                       ‫قي‬
  ‫هذه األمة من َّضه اهلل لكشف األالعيب والتحريف في اللفظ أو المعنى، واستمرت المحاوالت،‬
                                    ‫ل‬       ‫ن‬                              ‫م‬
                                   ‫ولكن كناطح صخرةٍ يو ًا ليوهنها، فلم يضرها وأوهى قر َه الوع ُ.‬
     ‫بل باإلضافة إلى ذلك تحدى اهلل البلغاء والفصحاء والناس جميعًا على مراحل، فقال في كتابه‬
                   ‫ت بع ْ س َر م ل‬
        ‫طالبًا من العباد أن يأتوا بمثله فعجزوا، ولما عجزوا قال: فَأْ ُوا ِ َشرِ ُو ٍ ِثِْهِ [هود:35]‬
     ‫ُ م د الل إ‬                    ‫ت بس ة م له و ع م‬
   ‫فعجزوا، فناداهم أن يأتوا بسورة واحدة: فَأْ ُوا ِ ُورَ ٍ ِثِْ ِ َادْ ُوا َنْ اسْتَطَعْتمْ ِنْ ُونِ َّهِ ِنْ‬
                           ‫و ع ش َد ء ُ م د الل إ ك ُ ص دق‬                                  ‫ك ُ ص ِق‬
        ‫ُنْتمْ َاد ِينَ [يونس:63]، َادْ ُوا ُه َا َكمْ ِنْ ُونِ َّهِ ِنْ ُنتمْ َا ِ ِينَ [البقرة:37]، لم‬
  ‫ُ ئ ْ مع إل س و ِن عل أ ي ت‬
‫يستطيعوا، فنادى عليهم بالعجز إلى قيام الساعة فقال: قلْ لَ ِن اجْتَ َ َتْ ا ِن ُ َالْج ُّ ََى َنْ َأْ ُوا‬
                                      ‫ر‬       ‫ب ض ُ لب ْض‬               ‫ي ت ن بم له و‬               ‫بم ْ َذ ُ‬
                       ‫ِ ِثلِ ه َا الْقرْآنِ ال َأْ ُو َ ِ ِثِْ ِ َلَوْ كَانَ َعْ ُهمْ ِ َع ٍ ظَهِي ًا [اإلسراء:66].‬
       ‫لقد نزل القرآن في وقت كانت العرب في أوج قوتها في الشعر والنثر، خطابةً وشعرا، نثرا‬
  ‫وشعرا، تحداهم وهم في أوج قوتهم البالغية وفي زمن المعلقات التي حفظوها، ولكنهم جميعا قد‬
  ‫خرسوا أن يأتوا بمثله، بل إن فصحاءهم كبراءهم لم يستطيعوا إخفاء إعجابهم بالقرآن، حتى قال‬
  ‫الوليد بن المغيرة المشرك: "واهلل إن له لحالوة، وإن عليه لطالوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعاله‬
‫لمثمر، ما يقول هذا بشر". وهؤالء األعراب األقحاح الذين كانوا يأتون من الصحراء بلغتهم القوية‬
‫لم يخالطها شيء لم يملكوا أنفسهم من اإلعجاب والرضوخ لفصاحة القرآن وبالغته وقوة أسلوبه،‬
                                         ‫ْد بم ت مر‬
    ‫حتى إن أعرابيا سمع قول اهلل: فَاص َعْ ِ َا ُؤْ َ ُ [الحجر:12] فقال: سجدت لفصاحتها، وسمع‬
                                                ‫ِي‬       ‫س مه ص‬                      ‫َم‬
‫آخر قول اهلل: فَل َّا اسْتَيْئَ ُوا ِنْ ُ خَلَ ُوا نَج ًّا [يوسف:06] قال: أشهد أن مخلوقًا ال يقدر على مثل‬
                                                                                                       ‫هذا الكالم.‬
                                                                              ‫علو‬
‫ومن تأمل َّ أسلوب القرآن وأنه فوق أمثال العرب، العرب تقول في أمثالها: "القتل أنفى للقتل"،‬
                 ‫ح ة‬         ‫و ُْ ف ق‬                                                   ‫قت‬
    ‫يعني: إذا ُ ِل القاتل ينفي ذلك القتلَ، فلما نزل قول اهلل: َلَكم ِي الْ ِصَاصِ َيَا ٌ [البقرة:225]‬
             ‫ح ة‬         ‫و ُْ ف ق‬
   ‫أنساهم ذلك المثل؛ فإنه فوقه في البالغة واإليجاز والمعنى َلَكم ِي الْ ِصَاصِ َيَا ٌ فكيف يكون‬
                                                  ‫ة‬
                              ‫في القتل حياة؟! كيف يكون القصاص وهو قتل حيا ً؟! حياة لبقية الناس.‬
      ‫ع‬                                           ‫و َ الر س‬
    ‫وكذلك لما سمع بعضهم قول اهلل: َاشْتَعلَ َّأْ ُ شَيْبًا [مريم:1]، االشتعال للنار يسير سري ًا،‬
   ‫وجاء هذا التعبير عن انتشار الشيب بسرعة، وبعض الناس هكذا ينتشر شيبهم بسرعة. وعندما‬
                                                         ‫ْ‬        ‫وأ ْرب ف قل ب ِ‬
     ‫تسمع قول اهلل: َُش ِ ُوا ِي ُُو ِهمْ الْعِجلَ [البقرة:32]، لتتأمل أن هذا التعبير أبلغ من "تغلغل‬
   ‫وأ ْرب ف‬                              ‫الحب" و"دخل" ونحو ذلك، جعل القلب كالسفنجة وحب‬
  ‫َّ العجل كالماء الذي يتشربه، َُش ِ ُوا ِي‬
                                                                                         ‫ْ‬        ‫قل ب ِ‬
                                                                        ‫ُُو ِهمْ الْعِجلَ يعني حب العجل.‬
  ‫لقد أعجزهم باإلخبار عن المغيبات ثم تقع كما أخبر، فكانت الفرس قد هزمت الروم واكتسحتها،‬
 ‫وكانت قريش تؤيد فارس ألنهم عباد أصنام، وكان المسلمون يميلون إلى الروم ألنهم أهل كتاب،‬
‫ولما كان المسلمون بمكة أولئك الكتابيون أقرب إليهم من عباد النار واألصنام، ونزل قول اهلل: الم‬
  ‫وه م‬                                                         ‫َْ‬        ‫غلب الر ُ ف َ‬
‫ُِ َتْ ُّوم ِي أدْنَى األرضِ [الروم:5-3] في عقر دارهم، ولكن ما الذي سيحدث؟ قال: َ ُمْ ِنْ‬
   ‫ْر م ْ ْل وم‬           ‫ف ب ع سن ِل‬                                              ‫به سي لب‬                ‫ب‬
 ‫َعْدِ غَلَ ِ ِمْ َ َغِْ ُونَ [الروم:3]، (سـ) في المستقبل، متى؟ ِي ِضْ ِ ِ ِينَ لَّهِ األَم ُ ِن قَب ُ َ ِنْ‬
                                                               ‫ب د و م ِذ رح م من‬
 ‫َعْ ُ َيَوْ َئ ٍ يَفْ َ ُ الْ ُؤْ ِ ُونَ [الروم:1]، يفرحون بصدق هذه البشارة، بصدق هذا الخبر. وراهنت‬
 ‫قريش أبا بكر، لقد استحال عندهم أن يحدث ذلك، ال يمكن في الموازين األرضية والعسكرية أن‬
                ‫تستعيد الروم قوتها، ولكن ما مضت تسع سنين إال والروم تكتسح فارس من جديد.‬
 ‫د‬
‫عباد اهلل، شهد ببالغة القرآن ومكانته وعلوه القاصي والداني، ولما حاول بعضهم أن يقبل التح ّي‬
        ‫ق‬        ‫ق‬
     ‫بزعمهم في اإلتيان فبماذا أتوا؟! قال مسيلمة الكذاب: "يا ضفدع، يا ضفدعين، نِ ّي ما تن ّين،‬
     ‫نصفك في الماء ونصفك في الطين. الشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء،‬
                                                 ‫حر‬
     ‫واللبن األبيض، إنه لعجب محض، وقد ِّم المذق، فما لكم ال تمجعون؟! والمبذرات زرعا،‬
     ‫والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا،‬
                                                       ‫ة‬
  ‫والثاردات ثردا، والالقمات لقما، إهال ً..." إلى آخر الكالم الفارغ بعد قصص األطفال التي ألفها‬
  ‫مسيلمة، ثم تأتي إليه سجاح التي ادعت النبوة ثم تابت بعد ذلك ليقول لها قرآنا نزل عليه: "إنكن‬
                                                            ‫ت‬                 ‫ل‬
   ‫معشر النساء خِقتن أفواجا، وجعل ُن لنا أزواجا، نولجه فيكن إيالجا..." إلى آخر الكالم من قلة‬
 ‫األدب ليقول: "أرأيتِ إن كنتِ حبلى، وفي بطنك حية تسعى"، وتأتي بعده لتقول: "عليكم باليمامة،‬
   ‫ورفوا رفيف الحمامة..." إلى آخر الكالم الفارغ، ليقوم عطارد بن الحاجب مفتضحا بها يقول:‬
                                                                     ‫ب‬    ‫ي‬         ‫ي‬
                                        ‫أضحت نب ّتنا أنثى ُطاف ِها…وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا‬
                                           ‫فلعنة اهلل رب الناس كلهم…على سجاح ومن باإلفك أغوانا‬
                                                                   ‫س‬
                                      ‫أعني مسيلمة الكذاب ال ُقيت…أصداؤه من رعيت حيثما كانا‬
   ‫رجعت سجاح عن غيها، وكذلك طليحة األسدي، وبقي مسيلمة حتى فضحه اهلل وقتله شر قتلة،‬
     ‫وحاولوا وحاولوا بعد ذلك، توالت المحاوالت، وعرف األعداء مكمن قوة هذه األمة، فجردوا‬
 ‫الحمالت ألجل القضاء على هذا الدين، وكان قائدهم وهو ذاهب في حمالتهم الصليبية يقول: "أنا‬
      ‫ذاهب لسحق األمة الملعونة ألحارب الديانة اإلسالمية، وألمحو القرآن بكل قوتي"، ولكن ما‬
                                                                                         ‫استطاعوا محوه.‬
                                                     ‫ل‬
‫قتل من قتل من المسلمين شهيدا وظِموا وأخذت ديارهم فترة من الزمن ولكن ما استطاعوا محوه،‬
                                                                              ‫ت‬
  ‫ولما عو ِب بعض كبرائهم في العصر الحديث: ماذا صنعتم؟! لما استعمرتم البلد الفالني ما هي‬
    ‫النتائ ؟! قال: ماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى منا؟! وبالرغم من محاوالت بعض المستشرقين‬
        ‫ق‬                ‫ر‬      ‫و‬                   ‫ل‬
 ‫للطعن في القرآن ووصفه بأنه مم ّ ومضطرب ومختلط ومش ّش ويك ّر بال نهاية ومع ّد، ولكن‬
    ‫كل هذه المحاوالت ذهبت أدراج الرياح، حاولوا التحريف لفظا ومعنى، ووزعوا مصاحف في‬
   ‫ش‬
 ‫هذه السنوات المتأخرة على الجامعات والكليات والمعاهد العلمية في أوربا وأمريكا، ولكن ك ِفت‬
 ‫محاوالتهم، وكان من أهل اإلسالم من لهم بالمرصاد. لقد حاولوا حتى الطعن من خالل الترجمة‬
                                      ‫َّذ َتبع الرس النبي أل ِّي‬
    ‫وهم يفسرون قول اهلل: ال ِينَ يَّ ِ ُونَ َّ ُولَ َّ ِ َّ ا ُم َّ [األعراف:215]، قالوا: نبي العوام،‬
                                                                                     ‫ش‬
                       ‫وك ِفت. وامتد جهل الجاهلين وعبث العابثين حتى فسر بعضهم الم: (‪.)ALM‬‬
          ‫قن‬           ‫و ُ َبك َت ي تي‬
          ‫واستمرت هكذا الجهاالت تتوالى، وهؤالء الصوفية يقولون: َاعْبدْ ر َّ َ ح َّى َأْ ِ َكَ الْيَ ِي ُ‬
    ‫[الحجر:22] اليقين مرحلة إذا بلغها اإلنسان سقت عنه التكاليف، فيقوم لهم أهل السنة واإليمان‬
                   ‫قن‬             ‫و ُ ْ َب َت ي ت‬
    ‫ليقولوا: إن اليقين بإجماع المفسرين هو الموت، َاعْبد رَّكَ ح َّى َأْ ِيَكَ الْيَ ِي ُ. وهكذا يقوم من‬
                                     ‫ح بَ‬                 ‫ِن الل ُرك‬
  ‫يريد أن يحرف القرآن فقول: إ َّ َّهَ يَأْم ُ ُمْ أَنْ تَذْبَ ُوا َقرَةً [البقرة:26] عائشة، ونحو ذلك من‬
    ‫التراهات، بقرة موسى أين هذا من عائشة رضي اهلل عنها؟! ويقوم القاديانيون بالتحريف ألنهم‬
‫يعتقدون أن أحمد القادياني نبي، ويريدون التخلص من قضية أن محمدا عليه الصالة والسالم خاتم‬
                                              ‫َ الن ِي‬       ‫و ك رس الله‬
 ‫النبيين ليقول قائلهم: َلَ ِنْ َ ُولَ َّ ِ وَخَاتمَ َّبِّينَ [األحزاب:01] الخاتم يعني الزينة الخاتم في‬
  ‫األصبع. انتبه ـ يا عبد اهلل ـ للتحريف الذي يريدونه، والنبي عليه الصالة والسالم فسره وبينه‬
                                       ‫وقال: ((ال نبي بعدي))، فماذا تقول في هذه يا قادياني يا عدو اهلل؟!‬
                                                                          ‫ت‬
‫عباد اهلل، لم ُجدِ المحاوالت، وجاء أصحاب العبث اآلخر، تارة تحت تيار اإلعجاز العددي والرقم‬
               ‫25، وإعجاز المكتشفات والمخترعات ونحو ذلك ليقولوا: إن القرآن مليء بالمكتشفات‬
         ‫والمخترعات، ويكون العبث الذي يقول: أشعة (‪ )x‬نار اهلل الموقدة التي تطلع على األفئدة،‬
                                                      ‫م‬
      ‫وحدثني من أثق به أنه سمع ذلك المع ّم على طالبه يقول لهم: إن القرآن قد ذكر المكتشفات‬
 ‫الحديثة: التلفون، وتعجب ُ ما هذه اآلية التي فيها ذكر التلفون؟! ليقول له: ع َّ َتَ َا َُونَ عنْ َّ َِ‬
 ‫َ النبإ‬      ‫َم ي س ءل‬                                                     ‫ت‬
                                  ‫خ‬                   ‫م ف‬                         ‫َّذ ُ ْ ف م لف‬
                              ‫الْعَظِيمِ ال ِي هم ِيهِ ُخْتَِ ُونَ [النبأ:5-3]: " ُخْ تلِ ُون"، فقلت له: ال م ّ له.‬
                                                           ‫ك‬      ‫ر‬
    ‫عباد اهلل، هكذا يقولون: تَ َكوك و ُوكَا، فأين الببسي يا غافل يا جاهل؟! ونحو ذلك من األشياء‬
     ‫الترهات التي نسمعها بين الحين واآلخر. يخرج علينا مسيلمات في هذا الزمن ويقولون: نقبل‬
                                               ‫غي‬
          ‫التحدي، وقد أصدرنا قرآنا: "المذ"، عجبا! إذا َّر حرفا جاء بسورة جديدة؟! "إنا أرسلناك‬
        ‫للعالمين مبشر ونذيرا"، طيب نحن نقول ذلك، قال: "تقضي بما يخطر بفكرك وتدبر األمور‬
‫تدبيرا"، إ ًا و يريد أن يقول: إنه ال يأتي بوحي من اهلل، بل بما يخطر بفكره، "فمن عمل بما رأي َ‬
‫ت‬                                                                                ‫ذ‬
                                ‫ذ‬
 ‫فلنفسه، ومن لم يعمل فلسوف يلقى على يديك جزاء مريرا"، إ ًا "من عمل بما رأيتَ" أين هو هذا‬
‫َق ل ُم ب الن س ب َر الله و ك ل ئن ن‬                                          ‫ك‬           ‫ِن ز إ‬
‫الكذاب من قول اهلل: إ َّا أَن َلْنَا ِلَيْكَ الْ ِتَابَ بِالْح ِّ ِتَحْك َ َيْنَ َّا ِ ِمَا أ َاكَ َّ ُ َال تَ ُنْ ِلْخَا ِ ِي َ‬
                                                                                                              ‫ص‬
                                                                                           ‫خَ ِيمًا [النساء:105]؟!‬
‫عباد اهلل، هكذا تتوالى االفتراءات، وبعضهم من نصارى العرب الذين درسوا هذا القرآن، وأرادوا‬
‫بعربيتهم محاولة تقليده بزعمهم: "إنا أعطينا موسى من قبلك من الوصيات عشرة، ونعطيك عشرة‬
 ‫أخرى، إذ ختمنا بك األنبياء وجعلناك عليهم أميرا، فانسخ ما لك أن تنسخ مما أمرناك به ـ قال:‬
                                            ‫ذ‬
‫ـ سمحنا لك أن تري على قراراتنا تغييرا"، إ ًا المسألة اآلن تالعب، فهو ينسخ ما يرى، ويحذف‬
                ‫َ‬     ‫َّ ع ب ْ‬                ‫و‬
‫ويبقي وهكذا ما ذكر اهلل سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: َلَوْ تَقَولَ َلَيْنَا َعضَ األقَاوِيلِ، القرآن‬
     ‫مه‬                ‫َ م ه يم ن ُم‬                        ‫َ و‬        ‫َّ ع ب ْ‬                ‫و‬
     ‫ما فيه مجامالت في تبليغه، َلَوْ تَقَولَ َلَيْنَا َعضَ األقَا ِيلِ ألَخذْنَا ِنْ ُ بِالْ َ ِي ِ ث َّ لَقَطَعْنَا ِنْ ُ‬
                                                                                   ‫وت‬
  ‫الْ َ ِينَ [الحاقة:11-61]، يقوله عن عبده ونبيه محمد ، لو فعل ذلك لقطعنا عرق القلب والظهر‬
                                    ‫م ُ م ح ع ه جز‬
 ‫الذي إذا انقطع مات اإلنسان، فَمَا ِنْكمْ ِنْ أَ َدٍ َنْ ُ حَا ِ ِينَ [الحاقة:21]، وال يستطيع أحد حين‬
   ‫ذلك أن يدافع عنه، وال أن يمنع عقاب اهلل النازل فيه، ولكنه عليه الصالة والسالم بلغه بصدق‬
 ‫و ش الن س‬
 ‫وأمانة، بلغه عليه الصالة والسالم ولم يكتم منه شيئا، ولو أراد أن يكتم لكتم مثال: َتَخْ َى َّا َ‬
                ‫عب و َل‬                                                 ‫ه‬              ‫َالله َق‬
 ‫و َّ ُ أَح ُّ أَنْ تَخْشَا ُ [األحزاب:23]، لو كان كاتما شيئا لكتم مثال: َ َسَ َتَوَّى [عبس:5]، ولكن‬
                                              ‫ب‬
  ‫أداه عليه الصالة والسالم كامال، علمه أصحا َه، فعلموه من بعدهم، وهكذا انتقل غضا طريا كما‬
   ‫أنزل، إلى ابن مسعود، وإلى من بعده من طالبه، وال زالت القراءات باألسانيد في أجيال األمة‬
  ‫إلى اآلن، فهنيئا لمن تلقوا القرآن تلقيا مشافهة من هؤالء الخبراء في القراءة الذين أخذوه بالسند‬
     ‫إلى محمد إلى جبريل إلى اهلل عز وجل. سلسلة عظيمة في أجيال األمة، لو قام هؤالء اليهود‬
‫والنصارى والكفار بتحريف جميع نسخ القرآن المطبوعة فستبقى هنالك نسخ غير قابلة للتحريف،‬
         ‫ُد َّذ أ ت ع ْم‬                ‫َ هو ي ت َي ٌ ف‬
         ‫إنها النسخ في صدور مؤمني هذه األمة، بلْ ُ َ آ َا ٌ بِّنَات ِي ص ُورِ ال ِينَ ُوُوا الْ ِل َ‬
                                                                                                     ‫[العنكبوت:21].‬
  ‫اللهم اجعلنا من حملة كتابك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا ممن رزقتهم تدبره يا أرحم الراحمين،‬
                   ‫و‬
 ‫اللهم اجعلنا من أهلك أهل القرآن، اللهم إنا نسألك أن تشرح به صدورنا، وتن ّر به قلوبنا، وترفع‬
         ‫ُس‬
     ‫به شاهدنا، وتثقل به يوم الموازين موازيننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما ن ِّينا،‬
                                            ‫وارزقنا تالوته آناء الليل وأطراف النهار يا أرحم الراحمين.‬
                             ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أيها المسلمون، هذا الكتاب الذي يتعرض اليوم للغارات والهجمات يريدون به تحقيرا وإهانة،‬
  ‫يريدون إزالته من الحكم، يريدون إزالة سلطانه، يريدون تحجيم أثره، يريدون عزله عن الحياة،‬
‫يريدونه في بعض الحاالت كالما يقرأ للتبرك والعالج واالستشفاء فقط، ال ليحكم في حياة الناس،‬
  ‫ال يريدونه حكما في حياتهم االجتماعية واالقتصادية والسياسية، ال يريدونه أن يكون هو الفصل‬
        ‫وله الكلمة، ولذلك جروا في مخططاتهم على اتجاهات كثيرة، ومنها هذا المزعوم المسمى‬
   ‫بالفرقان الحق، وهو بعيد من الفرقان وبعيد من الحق، ال فرقان وال حق، الذي كتب بعضه أحد‬
   ‫هؤالء النصارى من العرب وما أشدهم على اإلسالم، والذي يقول ويقترح بتجميع المسلمين في‬
            ‫منطقة الشرق األوسط إلبادتهم بالقنابل النووية، وأن هذا هو الحل الوحيد للمشكل معهم.‬
        ‫سي‬
‫اجتمع هؤالء من اليهود والنصارى ليقرروا هذا الكتاب المزعوم الذي صدر منه جزء و َ َليه اثنا‬
    ‫عشر جزءا بزعمهم، طبعوه لينشروه ليكون هو القرآن في القرن الحادي والعشرين. هذا الذي‬
      ‫سربوا بعض نسخه هو أحد الحلقات في مسلسل عداوة هؤالء الكفار للقرآن الكريم، وإن هذه‬
      ‫السخافة مثل السخافات السابقة ولو سموها ما سموها، وواضح فيه كلمات الكفر: "باسم األب‬
        ‫الكلمة الروح اإلله" ونحو ذلك، الخلط بين التوحيد والشرك، هذا بزعمهم، ثم كتابات سخيفة‬
      ‫وأسلوب مهلهل، فيه اإلنكار على المسلمين الذين يحكمون بالقرآن: "فأنى يكون القتل سبيلنا؟!‬
                     ‫كت ع ك ق ل‬
       ‫وأنى نكتب على عبادنا المؤمنين ذلك؟!"، واهلل تعالى يقول: ُ ِبَ َلَيْ ُمْ الْ ِتَا ُ [البقرة:657]،‬
   ‫"وتزعمون بأنا نحب الذين يقاتلون في سبيلنا، وأنا كتبنا القتال على المؤمنين" هذه إحدى اآليات‬
 ‫في هذا الفرقان الحق المزعوم، واهلل يقول: إ َّ َّهَ ُح ُّ ال ِينَ ُقَا ُِون ِي َ ِيِهِ ص ًّا كَأَّهمْ ُن َا ٌ‬
 ‫ِن الل ي ِب َّذ ي تل َ ف سب ل َف َن ُ ب ي ن‬
                                                                               ‫َ ص ص‬
  ‫مرْ ُو ٌ [الصف:1]. يقول: "وحرصتم على القتال واجتناب السلم فقلتم: وال تهنوا وتدعوا إلى‬
       ‫إ ك ت م من‬                         ‫و هن و ْزن و ت‬
‫السلم وأنتم األعلون"، واهلل قال في كتابه: َال تَ ِ ُوا َال تَح َ ُوا َأَنْ ُمْ األَعْلَوْنَ ِنْ ُنْ ُمْ ُؤْ ِ ِينَ [آل‬
                                                                                                    ‫عمران:235].‬
  ‫وهكذا تتوالى هذه اآليات المزعومة التي فيها خلط الحق بالباطل، التي فيها: "وزعم بأننا قلنا: يا‬
    ‫عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون اهلل، وزعم بأننا قلنا: نقدر أن‬
    ‫الله ع س ن َ َ أأ ت‬                     ‫وِ ْ‬
    ‫نهلك المسيح ابن مريم وأمه"، واهلل قال في كتابه العزيز: َإذ قَالَ َّ ُ يَا ِي َى ابْ َ مرْيمَ ََن َ‬
                                                   ‫ق ِلن اتخذ ن وُم إ ه ن م د الل‬
    ‫ُلْتَ ل َّاسِ َّ ِ ُو ِي َأ ِّي ِلَ َيْ ِ ِنْ ُونِ َّهِ [المائدة:655]، وتبرأ عيسى عليه السالم من تلك‬
   ‫المقالة ويعلن ذلك على األشهاد في يوم القيامة، وقال اهلل للذين يعبدون عيسى وأمه من دون اهلل‬
   ‫ن َ يم وُمه وم ْ ف‬              ‫ي ل مس‬                 ‫إ َر‬              ‫م ي لك م الل‬
  ‫أنهما من البشر، وقال: فَ َنْ َمِْ ُ ِنْ َّهِ شَيْئًا ِنْ أ َادَ أَنْ ُهِْكَ الْ َ ِيحَ ابْ َ مرْ َ َ َأ َّ ُ َ َن ِي‬
 ‫يق ل‬         ‫ئ‬         ‫ِن ْره ِذ َر‬                                                                     ‫َ ْ جم‬
 ‫األرضِ َ ِيعًا [المائدة:25]، ال أحد يقوم أمام إرادة اهلل إذا أراد، إ َّمَا أَم ُ ُ إ َا أ َادَ شَيْ ًا أَنْ َ ُو َ‬
                                                                                                  ‫ه ك ْ يك ن‬
                                                                                         ‫لَ ُ ُن فَ َ ُو ُ [يس:76].‬
‫ومسلسل االحتقار ومسلسل اإلهانة للمصحف الشريف يتوالى، فكم ركلوه بأرجلهم وهدموا المسجد‬
 ‫فوق المصاحف فاستخرج من بين األنقاض، وكذلك رسموا عليه الصليب في كثير من المناسبات‬
 ‫التي هاجموا فيها مساجد المسلمين، بل منهم من اشترى مصحفا من أمزون يجد عليه تلك العبارة‬
‫الخطيرة، وهذا طبيعي ألن النبي عليه الصالة والسالم لما نهانا أن نأتي بالقرآن إلى أرض العدو،‬
‫لماذا ال نجعل المصحف بين يدي كافر؟! خشية اإلهانة يا عباد اهلل، ((ال يمس القرآن إال طاهر)).‬
‫ثم يأتي هؤالء في هذا المعسكر الذي يهينون به عقائد المأسورين ودينهم ليلقوا به أمامهم، يلقوا به‬
  ‫و‬
‫في المرحاض، ويلطخوه بالنجاسات، فهذا أحد الحلقات في مسلسل العداء الذي نبهنا اهلل عليه: َال‬
                                          ‫ع‬            ‫َز ل ي تل ك َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
     ‫ي َاُونَ ُقَا ُِونَ ُمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا [البقرة:257]. هؤالء بدت البغضاء من‬
  ‫أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، وهكذا أفعالهم. وهم وإن كانوا في الظاهر أهانوا المصحف‬
    ‫فإن اهلل قد أهانهم، ولذلك جعل اهلل بغضهم في قلوب الناس حتى من الكفار، وجعلهم في ديون‬
      ‫عظيمة ال يستطيعون قضاءها إلى قيام الساعة، وجعلهم محقورين في قلوب كثير من الخلق‬
 ‫يدعون عليهم بالليل والنهار، ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، وكم جعل اهلل عليهم‬
   ‫من العقوبات الكونية وبأيدي أوليائه، وكم جعل اهلل عليهم من النكبات العظيمة بأيدي المسلمين‬
    ‫وهم يحتلون بعض بلدان المسلمين، فأذاقهم اهلل الهوان بأيدي المسلمين في بالد المسلمين، وال‬
   ‫يزالون ينفقون أموالهم ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ولن يستطيعوا ذلك ألن الدين محفوظ‬
‫والقرآن محفوظ، ومهما فعلوا فلن يستطيعوا، ولقد كانت مشاهد المسلمين وهم يرفعون المصاحف‬
                                                                                    ‫ء‬
‫نسا ً ورجاال ذكرانا وإناثا عامة وعلماء، وال زالت الخطب، وال زالت الكلمات، وال زالت الحمية‬
                ‫في نفوس المسلمين للقرآن الكريم، إنها مشاد العز في زمن قد ذل فيه الكثيرون.‬
       ‫قال النووي رحمه اهلل: "قد أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه، وقال‬
     ‫أصحابنا وغيرهم: لو ألقاه مسلم في القاذورات ـ والعياذ باهلل ـ صار الملقي كافرا"، وقال:‬
                                                   ‫و‬
‫"أجمع المسلمون على أن القرآن المتل ّ في األقطار والمكتوب في الصحف التي في أيدي المسلمين‬
                    ‫د‬
   ‫كالم اهلل ووحي منزل، من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف عام ًا فهو كافر"، وقال‬
   ‫العلماء: "يحرم توسد المصحف، ويحرم السفر إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم" إذا‬
 ‫خيف من إهانته، فعلى الذين يحملون المصحف في الحقائب اليدوية وهم يمرون على التفتيش في‬
  ‫بعض مطارات الكفار أن ينتبهوا لذلك، وال يحملوه في تلك الحقائب التي تتعرض للمسك بأيدي‬
                                                                      ‫م‬
    ‫هؤالء الكفرة، فال يؤ َن منهم، وإنما يؤخذ بالطريقة المناسبة التي يغلب على الظن فيها أن ال‬
                                                                             ‫تمسه أيدي الكفار.‬
                                                                       ‫ي‬
 ‫عباد اهلل، نهى أن ُسافر بالقرآن إلى أرض العدو لهذا السبب، وليس معناه منع المبتعثين من أخذ‬
 ‫المصاحف، كال، ولكن المقصود أن يأخذوه بالطرق التي يغلب على الظن سالمة المصحف فيها،‬
                                         ‫ي‬
       ‫والحمد هلل الذي خلق من الوسائل اإللكترونية ما ُجعل فيه هذا المصحف بعيدا عن األيدي‬
   ‫واألنظار، والحمد هلل الذي نصبه على مواقع الشبكات العنكبوتية يقرؤه من أراد بالليل والنهار.‬
       ‫عباد اهلل، من أسباب كفر الساحر التي ذكرها العلماء أنه ال يعينه الجن إال إذا لطخ القرآن‬
  ‫بالنجاسات، ومن الوسائل العجيبة لهؤالء ـ كما ذكر ذلك شيخ اإلسالم ابن تيمية وغيره ـ أنهم‬
   ‫يكتبون المصحف بم الحيض، فتأمل كيف يهين الكهان والسحرة والمشعوذون كتاب اهلل، وليس‬
                                         ‫فقط أعداء الخارج، هناك إهانات كثيرة لهذا المصحف.‬
  ‫ولما لطخوا هذا المصحف فإننا نتفاءل بهذا الحدث أن يجعل انكسارهم عاجال، قال شيخ اإلسالم‬
    ‫ابن تيمية رحمه اهلل: "حدثي العدول من أهل لعلم والخبرة أنهم كانوا يحاربون بني األصفر ـ‬
‫يعني الروم ـ، فتستعصي عليهم الحصون ـ يعني حصون الروم ـ ويصعب عليهم فتحها، حتى‬
 ‫إذا وقع أهل الحصن في عرض رسول اهلل استبشرنا خيرا بقرب فتح الحصن، قال: فواهلل ال يمر‬
       ‫يوم أو يومان إال وقد فتحنا الحصن عليهم بإذن اهلل جل وعال"، ثم قال شيخ اإلسالم: "كانوا‬
  ‫يستبشرون خيرا بقرب الفتح إذا ما وقعوا في سب اهلل أو سب رسول اهلل "، ونحن نستفتح عليهم‬
‫بهذا، ونسأل اهلل أن يجعل هذا الذي حصل منهم فتحا للمسلمين عليهم ونصرا عاجال مؤزرا، اللهم‬
                                                                                                       ‫قر‬
                                                                                     ‫ِّبه يا رب العالمين.‬
‫وعلى المسلمين أن ال يقفوا عن هذا الحدث فقط بالعواطف، وإنما رصد كل ما يهاجم القرآن للرد‬
 ‫عليه، إعداد الردود المناسبة، الكتابة وفي مواقع اإلنترنت وفي غيرها، نقل القرآن عبر األجيال،‬
                                       ‫ح‬
   ‫االهتمام بتحفيظ القرآن الكريم لألوالد، وهكذا مساندة ِلق تحفيظ القرآن الكريم في كل العالم،‬
‫وهكذا نشر المصحف وترجمة معاني المصحف، وهكذا االعتناء بالتفسير ودروس التفسير وعلوم‬
                                                               ‫يت‬
 ‫القرآن، وهكذا يجب أن َّخذ من هذا الحدث منبر للكالم عن فضل القرآن وأحكام القرآن وبالغة‬
                                            ‫القرآن وإعجاز القرآن وهيمنة القرآن على سائر الكتب.‬
                                                 ‫ظ‬         ‫ِن ن َز الذ ر وِن ه‬
                   ‫عباد اهلل، إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ِّكْ َ َإ َّا لَ ُ لَحَافِ ُونَ [الحجر:2]، هذه نعمة عظيمة.‬
‫اللهم أتمم نعمتك علينا بحفظ كتابك يا رب العالمين، ومعرفة معانيه يا أرحم الراحمين، اللهم علمنا‬
‫معاني ما أنزلت إنك أنت العليم الحكيم، اللهم فهمنا هذا القرآن يا مفهم سليمان ويا معلم إبراهيم...‬

‫(5/6031)‬




‫(5/2031)‬




                                                      ‫اليوم م الموافق 67/ جمادى األولى/ 6715هـ‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫2631‬
                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                           ‫آثار الذنوب والمعاصي, األمر بالمعروف والنهي عن المنكر, القصص‬
                                                                                   ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                        ‫الخبر‬
                                                                                               ‫57/5/1715‬
                                                                                                                                ‫النور‬
                                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
‫5- من فوائد القصص القرآني. 7- قصة أصحاب القرية. 3- تعريف اآليات بطبائع اليهود. 1-‬
 ‫وجوب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة التساهل فيه. 1- فشو المعاصي من أسباب‬
                                                ‫هالك المجتمعات. 2- سد الشرع للذرائع المفضية إلى الحرام.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
               ‫ت‬                                                  ‫ص‬
     ‫أما بعد: أيها الناس، لقد قَ ّ اهلل جل وتعالى علينا في كتابه العديد من القصص لن ّعظ ونعتبر،‬
      ‫فكتاب اهلل هو المنبع للهدى والحق، فيه يجد المسلم النور الذي يضيء له الطريق، ومنه يفوز‬
‫بالقوة والخشية من اهلل، ومن أعرض عن هذا الصراط فما هو بحي ولو نما جسمه ونبض عرقه،‬
    ‫ي ه جع ه ن ر ي ش ب ِ ف الن س كم‬                                    ‫وم ن م‬
   ‫بل هو ميت كما قال جل وعز: أَ َ َن كَا َ َيْتًا فَأَحْ َيْنَا ُ وَ َ َلْنَا لَ ُ ُو ًا َمْ ِي ِه ِى َّا ِ َ َن‬
                                ‫ن ي مل‬              ‫رج م َ زي ل ك فر ن‬                                       ‫م ل ُ ف الظل‬
              ‫َّثَُه ِي ُُّمَاتِ لَيْسَ بِخَا ِ ٍ ّنْهَا كذَلِكَ ُ ّنَ ِلْ َا ِ ِي َ مَا كَا ُواْ َعْ َُونَ [األنعام:775].‬
                   ‫ب‬
          ‫أال وإن المرء المؤمن حينما يغشى معالم كتاب ربه بقلب غير مقفول لهو كمتع ّد يغشى في‬
     ‫ن َد ث ي َر‬              ‫بب‬          ‫َ ف صصه ع ْ ٌ ل‬                  ‫َ‬
    ‫مصاله، ينهل من تلك القصص، لَقدْ كَان ِي قَ َ ِ ِمْ ِبرَة ألوِْي األلْ َا ِ مَا كَا َ ح ِي ًا ُفْت َى‬
                       ‫ُد َ م ْم ي من‬                     ‫ُل ش‬           ‫د َّ ب َد ه و‬                    ‫و ك‬
        ‫َلَا ِن تَصْ ِيقَ الذِي َيْنَ ي َيْ ِ َتَفْصِيلَ ك ّ َيء وَه ًى ورَحْ َةً لْقَو ٍ ُؤْ ِ ُونَ [يوسف:555].‬
                  ‫جم‬
    ‫إن في آيات القصص وإطالة النظر في عواقب المثالت التي قد عفت لفوائد َ ّة، فيرى المسلم‬
   ‫وهو يتأمل في كتاب ربه لعن اليهود ومسخهم، ويقرأ غرق فرعون ذي األوتاد وخسف قارون،‬
                                                       ‫ي‬           ‫عم‬          ‫ِر‬        ‫م‬
    ‫ويتأ ّل عذاب إ َم ذات ال ِ َاد التي لم ُخلق مثلها في البالد، فيعيش المرء مع القرآن حتى كأنه‬
   ‫وعل‬         ‫وِ ُلي ع ِ ي ت ُ ز د ُ إ‬
  ‫في اآلخرة، ويغيب عن الدنيا حتى كأنه خارج عنها، َإذَا تِ َتْ َلَيْهمْ ءا َا ُه َا َتْهمْ ِيمَانًا َ ََى‬
                                                                                                                  ‫رب ِ ي َكل‬
                                                                                                  ‫َ ّهمْ َتَو َُّونَ [األنفال:7].‬
                                                        ‫ص‬
        ‫أيها المسلمون، في سورة األعراف ق ّ اهلل تعالى علينا خبر أهل القرية التي كانت حاضرة‬
   ‫ِ ي ْد ن ف الس ِ‬                      ‫ض‬              ‫و ُ ع َ ي الت‬
 ‫البحر حيث قال جل وتعالى: َسْئَلْهمْ َنِ الْقرْ َةِ َّ ِي كَانَتْ حَا ِرَةَ الْبَحْرِ إذْ َع ُو َ ِي َّبْتِ إذْ‬
  ‫ت ه ك ك ل ه بم ن ي سق ن وِ ْ ل‬                                        ‫ي بت‬          ‫ت ه ح ن ُ ْ س ت ِ ُر و ْ‬
‫تَأْ ِي ِمْ ِيتَاُهمْ يَومَ َبْ ِهمْ ش َّعًا َيَومَ الَ َسْ ِ ُونَ الَ تَأْ ِي ِمْ َذالِ َ نَبُْو ُم ِ َا كَا ُوا َفْ ُ ُو َ َإذ قَاَتْ‬
   ‫أ َّ ٌ ّنْ ُمْ لمَ تَ ِ ُون قَوْمًا َّ ُ ُهِْ ُهمْ أَوْ ُع ّ ُهمْ عذَا ًا شَ ِي ًا قَاُواْ َعذ َةً ِلَى َ ّ ُمْ َلَعَّهمْ يَّ ُو َ‬
   ‫م َذب ُ َ ب د د ل م ْ ِر إ ربك و َل ُ َتق ن‬                                       ‫الله م لك ُ‬          ‫ُمة م ه ِ عظ َ‬
       ‫ن‬        ‫ع الس و َ الذ ن م ب َ ب بئ ب‬                                  ‫ذ ّر ب ج َّذ ي‬                          ‫َم س‬
    ‫فَل َّا نَ ُواْ مَا ُك ُواْ ِهِ أَن َيْنَا ال ِينَ َنْهَوْنَ َنِ ُّوء َأَخذْنَا َّ ِي َ ظَلَ ُواْ ِعذَا ٍ َ ِيسٍ ِمَا كَا ُواْ‬
     ‫نه ع ُ ق ُ ك ن ِ َدة سئ ن وِ َذ َب ي ع َن ع ِ إل‬                                                     ‫سق َ َم ع ع‬
    ‫يَفْ ُ ُون فَل َّا َتَوْا َنْ مَا ُ ُوا َنْه ُلْنَا لَهمْ ُو ُوا قر َ ً خَا ِ ِي َ َإذْ تَأ َّنَ ر ُّكَ لَ َبْ َث َّ َلَيْهمْ َِى‬
                 ‫م‬       ‫ب وِنه ف ر‬                   ‫ِن َب سر ع‬                 ‫َ‬       ‫ْ ق م م يس م ُ س‬
   ‫يَومِ الْ ِيَا َةِ َنْ َ ُو ُهمْ ُوءَ الْعذَابِ إ َّ ر َّكَ لَ َ ِي ُ الْعِقَا ِ َإ َّ ُ لَغَ ُو ٌ رَحِي ٌ [األعراف:365-‬
                                                                                                                             ‫265].‬
‫أيها المسلمون، إن حاصل معنى هذه اآليات في سورة األعراف هو أن اليهود المعارضين لرسالة‬
                                    ‫ل‬
 ‫النبي زعموا أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان وال معاندة ِمَا أمروا به، ولذا أمر اهلل نبيه أن‬
  ‫يسألهم على جهة التوبيخ لهم عن هذه القرية، وهي على المشهور من أقوال المفسرين قرية أيلة‬
                                                       ‫على شاطئ بحر القَل َم بين مدْ َن والط‬
   ‫ُّور، هذه القرية أهلها من اليهود، وكانوا يعتدون في يوم‬    ‫َي‬         ‫ْز‬
 ‫السبت، ويخالفون شرع اهلل، حيث إنه نهاهم عن الصيد فيه، وكان اهلل سبحانه قد ابتالهم في أمر‬
                   ‫ُر‬
     ‫الحيتان بأن تغيب عنهم سائر األيام، فإذا كانوا يوم السبت جاءتهم في الماء ش ّعا مقبلة إليهم‬
                      ‫ر‬          ‫ر‬                                                    ‫ف‬
   ‫مصط ّة، فإذا كان ليلة األحد غابت بجملتها، ففتنهم ذلك وأض ّ بهم، فتط ّقوا إلى المعصية بأن‬
                                                                              ‫ر‬
 ‫حفروا حف ًا يخرج إليها ماء البحر على أخدود، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وكانت في الحفرة‬
       ‫ألقوا فيها الحجارة فمنعوها من الخروج إلى البحر، فإذا كان األحد أخذوها، حتى كثر صيد‬
                                                                          ‫م‬
        ‫الحوت، و ُشي به في األسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فنهضت فرقة منهم ونهت عن ذلك،‬
   ‫ُمة م ه‬              ‫وِ ْ‬
 ‫وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تعص ولم تنه، بل قالوا للناهين: َإذ قَالَتْ أ َّ ٌ ّنْ ُمْ‬
                                          ‫دد‬            ‫معذبه َ‬              ‫م الله م لكه‬             ‫ِ ظ‬
    ‫لمَ تَعِ ُونَ قَوْ ًا َّ ُ ُهِْ ُ ُمْ أَوْ ُ َ ّ ُ ُمْ عذَابًا شَ ِي ًا [األعراف:165]، فلما لم يستجب العاصون‬
 ‫أخذهم اهلل بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص سبحانه على نجاة الناهين، وسكت عن الساكتين،‬
                                                         ‫م‬                           ‫ح‬
                                                ‫فهم ال يستحقون مد ًا فيمدحوا، وال ارتكبوا عظي ًا فيذموا.‬
  ‫روى ابن جرير بسنده عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس رضي اهلل عنهما والمصحف في‬
  ‫حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟ جعلني اهلل فداءك، فقال: هؤالء الورقات، وإذا‬
   ‫هو في سورة األعراف، فقال: ويلك، تعرف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة،‬
  ‫فقال ابن عباس: ال أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم، نرى فال ننكر، فقلت: أما‬
          ‫ة‬                ‫ف ُر‬                      ‫َم ع ع م نه ع ه‬
         ‫تسمع قوله: فَل َّا َتَوْاْ َن َّا ُ ُواْ َنْ ُ [األعراف:665]؟! قال: ُس ّي عنه وكساني حل ً.‬
  ‫عباد اهلل، في هذه اآليات دالالت وإشارات ونصح وتوجيه لمن ألقى السمع وهو شهيد، من ذلك‬
       ‫ِ‬    ‫و‬       ‫و‬                        ‫ك‬
 ‫تعريف هذه األمة بطبائع اليهود من خبث ومكر وتن ّر للرسالة السماوية، يتل ّنون تل ّن الحرْباء،‬
  ‫ك مث ب ع د‬            ‫ُ َ أ بئ ُ ب َر م‬
  ‫مما جلب لهم المقت من ربهم، فأوقع بهم شر العقوبات، قلْ هلْ ُنَ ُّكمْ ِش ّ ّن ذالِ َ َ ُو َةً ِن َ‬
     ‫ر وع َ الط غ أ ك َر مك ن‬                            ‫الل م لع ه الله و ض ع ه وج َ م هم ِ َ و‬
    ‫َّهِ َن َّ َنَ ُ َّ ُ َغَ ِبَ َلَيْ ِ َ َعلَ ِنْ ُ ُ الْقردَةَ َالْخَنَازِي َ َ َبدَ َّا ُوتَ ُوْلَئِ َ ش ٌّ َّ َا ًا‬
                                                                            ‫و َل ع و الس‬
   ‫َأَض ُّ َن سَ َاء َّبِيلِ [المائدة:06]. لقد كان لليهود شأن في بادئ األمر، وقد أثنى اهلل عليهم‬
   ‫ل م م ْ ِف ن و َد‬                      ‫ِنه‬            ‫مه ن م ف‬             ‫م َ‬              ‫و َ َج بن إ‬
   ‫بقوله: َلَقدْ ن َّيْنَا َ ِى ِسْراءيلَ ِنَ الْعذَابِ الْ ُ ِي ِ ِن ِرْعَوْنَ إ َّ ُ كَانَ عَاِيًا ِّنَ الْ ُسر ِي َ َلَق ِ‬
      ‫اخْترْنَاهمْ ََى ِلمٍ ََى الْعَالَ ِينَ [الدخان:03-73]، لك ّ التح ّل الذي حدث فيهم كان جذري‬
    ‫ًّا،‬                      ‫ن و‬                            ‫م‬           ‫َ ُ عل ع ْ عل‬
                                   ‫ي‬                                       ‫ي‬
‫حتى أصبح ال ُعرف من شمائلهم أنهم يقودون إلى تقوى أو ُعرفون بمهادَنة، ومن هنا تبدو النكتة‬
  ‫اللطيفة، وهي أنه من الغباء بمكان أن يحسب أهل جيل ما أن رحى األيام ال تدور بالمجتمعات،‬
                                                      ‫ي وبد‬        ‫د‬
                                                    ‫وأن من ارتفع اليوم ستبقى رفعته له غ ًا إذا غ ّر َّل.‬
                 ‫د ي‬               ‫ي‬       ‫ي‬                  ‫ي‬
 ‫إن التاريخ صفحات متتابعة، ُطوى منها اليوم ما ُطوى، و ُنشر منها غ ًا ما ُنشر، وإن اهلل جل‬
   ‫وَن إل‬
  ‫شأنه يختبر بالرفعة والوضاعة، بالزلزلة والتمكين، بالخوف واألمن، بالضحك والبكاء، َأ َّ َِى‬
                                         ‫وَنه ه م و‬                   ‫كو‬           ‫رب م ه وَنه ه‬
  ‫َ ّكَ الْ ُنتَ َى َأ َّ ُ ُوَ أَضْحَ َ َأَبْكَى َأ َّ ُ ُوَ أَ َاتَ َأَحْيَا [النجم:71-11]. كل ذلك حتى تنقطع‬
                                                            ‫م‬                ‫ت‬
      ‫األعذار و ُخرس األلسن التي ُرنت الجدل، فإن ناسًا سوف يبعثون يوم القيامة وهم مشركون‬
‫ب عل فسه و َل ع ُ م ن تر ن‬                                               ‫ُ‬      ‫ُن م رك‬              ‫َالل ِ َب‬
‫ويقولون هلل: و َّه رِّنَا مَا ك َّا ُشْ ِ ِينَ انظرْ كَيْفَ كَذَ ُواْ ََى أَن ُ ِ ِمْ َض َّ َنْهمْ َّا كَا ُواْ يَفْ َ ُو َ‬
    ‫[األنعام:37، 17]، وألجل ذا ـ يا عباد اهلل ـ جاء التحذير الصارخ من أن نسلك مسالكهم، بل‬
                                         ‫جاء األمر الصريح بمخالفة اليهود والنصارى في غير ما حديث.‬
        ‫من أهم العبر في آيات سورة األعراف أنه ينبغي على أهل العلم وذوي اإلصالح أن يقوموا‬
  ‫بواجب النصح والوعظ في إنكار المنكرات على الوجوه التي جاءت بها الشريعة اإلسالمية، وال‬
‫ض‬
‫يمنع من التمادي على الوعظ باألمر والنهي واإلصرار عليه عدم القبول من المخالف؛ ألنه فر ٌ‬
                                                                      ‫يب‬          ‫قب‬
    ‫فرضه اهلل ُ ِل أو لم ُق َل، وأن هذا هو الذي يحفظ لألمة كيانها بأمر اهلل، وبذلك تكون المعذرة‬
‫َبك‬             ‫و‬                                     ‫ب‬             ‫بع‬
‫إلى اهلل، ويكون الخروج من الت ِ َة وسوء المغَ ّة، وبذلك يدفع اهلل الباليا عن البشر، َمَا كَانَ ر ُّ َ‬
                                                         ‫ُر ظ ْم و ل م ح‬                         ‫لي‬
   ‫ِ ُهْلِكَ الْق َى بِ ُل ٍ َأَهُْهَا ُصْلِ ُونَ [هود:255]، ولم يقل: وأهلها صالحون؛ فإن مجرد الصالح‬
     ‫ليس كفيالً في النجاة من العقوبة اإللهية الرادعة، وألجل ذلك قال النبي : ((ال إله إال اهلل، ويل‬
                        ‫ل‬                              ‫َ‬     ‫فت‬
  ‫للعرب من شر قد اقترب، ُ ِح من ردْم يأجوج ومأجوج مثل هذه))، وحّق بإصبعه اإلبهام والتي‬
           ‫ث‬
          ‫تليها، قالت زينب بنت جحش: يا رسول اهلل، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا ك ُر‬
   ‫َت ي ع َ ف أمه رس ي ل عل ه‬                     ‫ق‬           ‫َ َبك م‬         ‫و‬                        ‫ب‬
 ‫الخَ َث)) رواه البخاري ومسلم. َمَا كَان رُّ َ ُهْلِكَ الْ ُرَى ح َّى َبْ َث ِى ُ ّ َا َ ُوالً َتُْو ََيْ ِمْ‬
                                                          ‫لم‬        ‫ي ت و ُن م لك ُر ِال و ل‬
                                           ‫ءا َا ِنَا َمَا ك َّا ُهِْ ِي الْق َى إ َّ َأَهُْهَا ظَاِ ُونَ [القصص:21].‬
                           ‫ت‬
           ‫أيها المسلمون، إن المعاصي والمنكرات هي الداء العضال والوباء القّال، الذي به خراب‬
‫المجتمعات وهالكها، وإن التفريط في تغيير المنكرات ومكافحتها والقضاء عليها من أعظم أسباب‬
                                  ‫ي‬
‫حلول العقاب ونزول العذاب، يقول النبي : ((ما من قوم ُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن‬
                                                       ‫م‬                   ‫يي‬            ‫يي‬
   ‫ُغ ّروا ثم ال ُغ ّروا إال يوشك أن يع ّهم اهلل بعقاب)) رواه أبو داود وغيره، وكتب عمر بن عبد‬
   ‫العزيز رحمه اهلل تعالى إلى بعض عماله: "أما بعد: فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم‬
  ‫أهل الصالح بينهم إال أصابهم اهلل بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده، وال يزال الناس‬
                                         ‫ت ف‬                   ‫ق‬
                       ‫معصومين من العقوبات والنقمات ما ُمع أهل الباطل واس ُخ ِيَ فيهم بالمحارم".‬
  ‫أيها المسلمون، إن عدم التناهي بين المسلمين من أعظم أسباب اللعن والطرد واإلبعاد عن رحمة‬
‫أرحم الراحمين، يقول النبي : ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل‬
‫فيقول: يا هذا، اتق اهلل ودع ما تصنع، فإنه ال يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فال يمنعه‬
                                                           ‫ع‬        ‫ر‬        ‫ك‬
    ‫ذلك أن يكون أَ ِيله وشَ ِيبه وقَ ِيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اهلل قلوب بعضهم ببعض))، ثم قال:‬
         ‫م َ ل ب عص و ن‬                         ‫د و د وع س‬          ‫عل ل‬        ‫َر م بن إ ْر‬             ‫لع َّذ‬
       ‫ُ ِنَ ال ِينَ كَف ُوا ِنْ َ ِي ِس َائِيلَ ََى ِسَانِ َا ُو َ َ ِي َى ابْنِ َرْيمَ ذَِكَ ِمَا َ َوْا َكَا ُوا‬
                                      ‫َل‬       ‫ن‬         ‫ع م َ عل ه ب س‬                         ‫ي‬      ‫ي َد ن ن‬
        ‫َعْت ُو َ كَا ُوا ال َتَنَاهَوْنَ َنْ ُنكرٍ فَ َُو ُ لَ ِئْ َ مَا كَا ُوا يَفْعُونَ [المائدة:62، 22]، ثم قال :‬
  ‫ْر‬              ‫طرن‬                        ‫ن‬                  ‫ن‬                 ‫ن‬
 ‫((واهلل، لتأمر ّ بالمعروف ولتنهو ّ عن المنكر ولتأخذ ّ على يد الظالم ولتَأْ ُ ُ ّه على الحق أَط ًا‬
                                                    ‫ن‬            ‫ْر‬              ‫ُرن‬
    ‫ولتقص ُ ّه على الحق قَص ًا، أو ليضرب ّ اهلل بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم))‬
                                                                                           ‫رواه أبو داود والترمذي.‬
                                                 ‫ر‬          ‫ن ي‬
 ‫لقد لعن اهلل اليهود في كتابه لع ًا ُتلى على م ّ األيام والسنين وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين،‬
‫فاحذروا ـ عباد اهلل ـ سبيلهم الوخيم وفعلهم الذميم، فإنه ال صلة بين العباد ورب العباد إال صلة‬
  ‫العبادة والطاعة، فمن استقام على شريعة اهلل استحق من اهلل الكرامة والرضوان، ومن حاد عن‬
                                               ‫سبيل الحق والهدى باء باللعن والخيبة والخسران.‬
                           ‫صخ‬                ‫نبي‬        ‫ن‬               ‫رب‬
‫يا من رضيتم باهلل ًّا وباإلسالم دي ًا وبمحمد ًّا ورسوالً، أَ ِي ُوا سمعكم وأصغوا قلوبكم لقول‬
                                                            ‫ر‬
  ‫النبي محمد : ((من رأى منكم منك ًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،‬
   ‫وذلك أضعف اإليمان)) رواه مسلم، وانظروا وتساءلوا: أين أثر تطبيق هذا الحديث في نفوسنا‬
     ‫ر‬
    ‫ومجتمعاتنا؟! أين إيماننا الصادق وخضوعنا التام لما جاء به محمد ؟! ((من رأى منكم منك ًا‬
‫فليغيره بيده))، السلطان في سلطانه، واألمير في إمارته، والقائد في جيشه، والرجل في أهل بيته،‬
                ‫َزع‬                  ‫يزع‬
‫وكل مسؤول فيما تحت واليته، يقول عثمان : (إن اهلل َ َ ُ بالسلطان ما ال ي َ ُ بالقرآن)، ويقول‬
                                                        ‫بعض السلف: "ما قيمة حق ال نفاذ له؟!".‬
                                                                      ‫ه‬
 ‫أيها اآلباء، ط ّروا بيوتكم من جميع المنكرات، وليكن بيت النبوة ـ على صاحبه أفضل الصالة‬
  ‫وأزكى السالم ـ لكم في ذلك قدوة وأسوة، تنتهجون نهجه، وتحذون حذوه، تقول عائشة رضي‬
                                               ‫س‬
  ‫اهلل عنها: قدم رسول اهلل من سفر، وقد سَترت َهْوَة من جدران فيه تماثيل، فلما رآه رسول اهلل‬
                                                                                 ‫و‬       ‫هك‬
    ‫َتَ َه، وتل ّن وجهه، وقال: ((يا عائشة، أشد الناس عذابًا عند اهلل يوم القيامة الذين يضاهئون‬
        ‫بخلق اهلل تعالى)) متفق عليه. تقول عائشة رضي اهلل عنها: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو‬
                                                            ‫وسادتين. رحماك ثم رحماك يا رب.‬
                                                                           ‫َز‬
       ‫عباد اهلل، من عَج َ منكم عن اإلنكار باليد والسلطان فلينكر باللسان والبيان، فعن عبادة بن‬
          ‫مْ‬         ‫م‬        ‫ي‬        ‫ع‬
 ‫الصامت قال: بايعنا رسول اهلل على السمع والطاعة في ال ُسْر وال ُسْر وال َنشَط وال َكرَه، وعلى‬
                                      ‫ر‬                                                        ‫َ‬
      ‫أَثرَةٍ علينا، وعلى أن ال ننازع األمر أهله، إال أن تروا كف ًا بواحًا عندكم من اهلل تعالى فيه‬
 ‫برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، ال نخاف في اهلل لومة الئم. متفق عليه. وعن أبي سعيد‬
                                       ‫ال‬
‫الخدري أن النبي قال في خطبته: ((أال ال يمنعن رج ً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)) رواه‬
        ‫ك‬                                            ‫ير‬
       ‫الترمذي وأحمد وزاد: ((فإنه ال ُق ّب من أجل وال يباعد من رزق أن يقال بحق أو يذ ّر‬
   ‫بعظيم))، وقال : ((ال يحقر أحدكم نفسه))، قالوا: يا رسول اهلل، كيف يحقر أحدنا نفسه؟! قال:‬
                                                                                   ‫ر‬
   ‫((يرى أم ًا هلل عليه فيه مقال ثم ال يقول فيه، فيقول اهلل عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن‬
                                                                              ‫ي‬
‫تقول ف ّ كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول اهلل جل وعال: فإياي كنت أحق أن تخشى)) رواه‬
                                                                                       ‫ابن ماجه.‬
 ‫أيها المسلمون، إن الطامة الكبرى والمصيبة العظمى أن تتوالى الفتن على القلوب، ويزول خطر‬
      ‫ر‬
     ‫المعاصي في النفوس، فيواقع الناس حدود اهلل وينتهكون أوامر اهلل، ويصبح المعروف منك ًا‬
        ‫د د‬
  ‫والمنكر معروفًا، يقول رسول الهدى : ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عو ًا عو ًا، فأي‬
                           ‫ن‬       ‫نك‬                           ‫ن‬       ‫أ ْر نك‬
    ‫قلب ُش ِبها ُ ِتت فيه ُكتة سوداء، وأي قلب أنكرها ُ ِتت فيه ُكتة بيضاء، حتى تصير على‬
  ‫ِ َاد‬
 ‫قلبين: على أبيض مثل الصفا، فال تضره فتنة ما دامت السماوات واألرض، واآلخر أسود مرْب ًّا‬
                                 ‫أ ر‬          ‫ر‬                                  ‫ك م َخ‬
           ‫كال ُوز ُج ِّيًا، ال يعرف معروفًا وال ينكر منك ًا إال ما ُش ِب من هواه)) رواه مسلم.‬
            ‫س‬
    ‫أيها المسلمون، لم يفتأ أعداء الدين من اليهود والنصارى ومن سار في ركابهم من ف ّاق الملة‬
  ‫المستغربين والعلمانيين يشنون على أمة اإلسالم حمالت متالحقة عبر وسائل ورسائل، ال يخفى‬
                                                                     ‫ي‬
     ‫مستواها، وال ُجهل فحواها ومحتواها، غرضها زعزعة عقيدة األمة وتدمير أخالقها وطمس‬
‫هويتها وتغييبها عن رسالتها. فبماذا واجه المسلمون تلك الحمالت؟! هل أوصدوا دونها األبواب؟!‬
  ‫هل جاهدوها حق الجهاد؟! هل قاموا بالضمانات الكافية من عدم انتشار الشر والفساد؟! لقد فتح‬
                                ‫ق‬
‫كثير من المسلمين بسبب الغفلة عن دين اهلل وقلة التحفظ والتي ّظ، فتحوا بالدهم ومتاجرهم وبيوتهم‬
    ‫وقلوبهم لتلك التيارات الوافدة، وأسلموا مجتمعاتهم لألمة الكافرة المعاندة، وصدق رسول اهلل :‬
               ‫ج ضب‬                           ‫ع‬       ‫ر ر‬                        ‫نس‬
   ‫((لتتبع ّ َنَن من كان قبلكم شب ًا شب ًا وذرا ًا ذراعًا، حتى لو دخلوا ُحْر َ ّ لدخلتموه))،‬
                          ‫قلنا: يا رسول اهلل، اليهود والنصارى؟ فقال : ((فمن؟!)) رواه البخاري.‬
       ‫ر‬
      ‫عباد اهلل، إن مما يبعث على الحرقة واألسى أن يرى المسلم في مجتمعه وأمام عينيه صو ًا‬
                      ‫جع ي‬
 ‫ممرضة من المنكرات والمحرمات فال يجد لذلك في نفسه تو ّ ًا، فأ ّ ركن قد وهى؟! وأي نور‬
                                                  ‫ِر‬
 ‫لألمة قد ذهب واختفى؟! نعوذ باهلل من اند َاس معالم هذه الشعيرة واستيالء المداهنة على القلوب‬
                                                                             ‫وذهاب الغيرة الدينية.‬
  ‫فيا أمة محمد ، يا خير أمة أخرجت للناس، أين الحمية التي تتأج في صدوركم لدين اهلل؟! أين‬
                                                                              ‫ع‬
                                                ‫الغضب؟! أين تم ّر الوجوه في انتهاك حدود اهلل؟!‬
                    ‫ةت‬
   ‫أيها المسلمون، تعاقدوا وتعاهدوا أن تنصروا شريعة الرحمن، وقوموا قوم ً ُعلي راية اإليمان،‬
        ‫وخذوا على أيدي سفهائكم قبل استفحال الداء وإعواز الدواء، واعلموا أن التواكل والتالوم‬
    ‫ئ‬               ‫ي‬                                      ‫د‬             ‫ج‬        ‫س‬
  ‫والتح ّر والتض ّر دون عمل وج ّ واجتهاد وأمر ونهي ودعوة وإرشاد ال يغ ّر من الواقع شي ًا،‬
                                      ‫ة‬                                ‫م م‬
    ‫بل هو داعية غ ّ وه ّ وفتور وإحباط. إننا ال نريد غير ً ال تعدو أن تكون مجرد معان نتمناها‬
         ‫ي‬                      ‫ع‬                                                   ‫س‬
  ‫بأذهاننا أو نح ّها مجردة في مشاعرنا، إننا نريدها باعثًا قويًا وواق ًا عمليًا وعمالً إيجاب ًا لخدمة‬
                           ‫دين اهلل واالنتصار لشرع اهلل وفق القيود الشرعية والضوابط المرعية.‬
 ‫أيها المسلمون، إن القيام بشعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة جسيمة ذات أعباء ال‬
                                                                     ‫كم‬
 ‫يقدر عليها إال ال ُ ّل من الرجال، هي مهمة األنبياء والرسل صلوات اهلل وسالمه عليهم أجمعين،‬
                                                ‫ر‬
 ‫مهمة تصطدم بشهوات الناس ونزواتِهم وغرو ِهم وكبريائِهم وهبوط السفلة منهم، وال بد أن ينال‬
                                                            ‫القائمين بها شيء من االعتداء واألذى.‬
                                           ‫ر‬       ‫ة‬      ‫ال‬
     ‫إن للحق والخير والمعروف رجا ً ودعا ً وأنصا ًا يدعون إليه، ويرغبون فيه، ويأمرون به،‬
  ‫ء‬
  ‫ويصبرون عليه، ويتحملون في سبيل ذلك كل ما ينالهم ويصيبهم، كما أن لهم في المقابل أعدا ً‬
 ‫يكرهون الحق الذي معهم ويقاومونه، ويدعون إلى الباطل، ويحسنون الشر ويفعلونه، ولكن شتان‬
                               ‫ي‬
        ‫بين هؤالء وأولئك، فالمؤمنون الصالحون اآلمرون بالمعروف ول ّهم اهلل، ومن يعاديهم من‬
    ‫الله وِي َّذ ن من ي ْ جه م الظلم إل الن ر و َّذ ن‬
    ‫المنافقين وأذنابهم وليهم الشيطان، َّ ُ َل ُّ ال ِي َ آ َ ُوا ُخرِ ُ ُمْ ِنْ ُُّ َاتِ َِى ُّو ِ َال ِي َ‬
                                       ‫ل ؤ ُ الط غ ت ي ْ ج ُ م الن إل الظلم‬                      ‫ر‬
    ‫كَفَ ُوا أَوِْيَا ُهمْ َّا ُو ُ ُخرِ ُونَهمْ ِنْ ُّورِ َِى ُُّ َاتِ [البقرة:217]. والنهاية مهما طال‬
                                                                        ‫م‬
   ‫الطريق وادله ّ الليل وكثرت العقبات ستكون ـ بإذن اهلل ـ ألصحاب الحق اآلمرين بالمعروف‬
         ‫الل ُ‬      ‫وم ي َل الله َرس ه و َّذ ن من ِن ح‬
       ‫والناهين عن المنكر، قال اهلل تعالى: َ َنْ َتَو َّ َّ َ و َ ُولَ ُ َال ِي َ آ َ ُوا فَإ َّ ِزْبَ َّهِ همْ‬
                                                                                                                    ‫لب‬
                                                                                                   ‫الْغَاِ ُونَ [المائدة:61].‬
                                                                                     ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن...‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                             ‫د‬
  ‫أما بعد: ومن دروس قصة أهل القرية أن الشارع الحكيم جاء بس ّ الذرائع المفضية إلى ما حرم‬
               ‫ت‬
‫اهلل ورسوله ، وأن شيئًا من أنواع الحيل الموصلة إلى ما حرم اهلل ال يجوز الب ّة، وهي وإن كانت‬
   ‫تخفى على جملة من البشر إال أنها ال تخفى على رب البشر، إذ إنها من باب اإللحاد في حدود‬
 ‫َل َفم‬                          ‫يت‬       ‫ِن َّذ ي ِد َ ف‬
‫اهلل، وهو الميل واالنحراف عنها، قال اهلل تعالى: إ َّ ال ِينَ ُلْح ُون ِي ءا َا ِنَا الَ يَخْفَوْنَ عَيْنَا أ َ َن‬
              ‫مل ن بص ر‬            ‫ش ُ ِنه ب‬              ‫م ْ ق م مل‬                         ‫ي ف الن ر ْر أ م ت‬
              ‫ُلْقَى ِى َّا ِ خَي ٌ َم َّن يَأْ ِي ءا ِنًا يَومَ الْ ِيَا َةِ اعْ َُواْ مَا ِئْتمْ إ َّ ُ ِمَا تَعْ َُو َ َ ِي ٌ‬
                                                                                                              ‫[فصلت:01].‬
  ‫وأيًا كانت هذه الحيل في العبادات أو المعامالت أو األحوال الشخصية أو نحوها، ال يجوز فعلها‬
    ‫للوصول إلى المحرم من طرف خفي، ولربما انتشر مثل هذا في أوساط الكثيرين، ال سيما في‬
        ‫البنوك والمصارف أو في الهيئات والشركات المتعهدة في اتخاذ طرق ومرابحات دولية أو‬
      ‫ُغر‬     ‫السذ‬            ‫ي‬
  ‫مضاربات صورية، إنما هي في حقيقتها حيلة على أخذ الربا، ف ُخدع ببهرجها ُّ ّج، وي ُّ بها‬
                                              ‫ر‬
       ‫الذين ينشدون الكسب الحالل، فيوقعونهم في ش ّ مما فروا منه، دون الرجوع إلى أهل العلم‬
  ‫والمعرفة في كشف حقيقة تلك المرابحات، ما يجوز منها وما ال يجوز، وكذا الحيل في التخلص‬
                                                    ‫من الزكاة بتفريق المجتَمِع وجمع المتفر‬
‫ِّق. ومن ذلك الحيل في إباحة المطلقة طالقًا ال رجوع فيه‬
                                                     ‫م ْد‬          ‫و‬
                                                   ‫نتيجة شقاق ورعونة عقل، أعقبها ندم، َالتَ ساعة َن َم.‬
    ‫أيها المسلمون، إن هذه األمثلة المطروحة ما هي إال شعبة في واد وقطرة من بحر، القصد من‬
   ‫ورائها تنبيه الغافلين وإنذار المتغافلين والتأكيد الجازم على خطورة شيوع الحيل المحرمة، وما‬
                     ‫ل ثل‬                                     ‫ع‬             ‫َد‬
‫تودي به من ك َر في الصفو و َطَب في النية والمقصد، وهي وإن تَقَاّها ُّة من الناس فإن هذا ال‬
                                                                                                    ‫و‬
                                     ‫يه ّن من شأنها، فإن القليل بالقليل يكثر، وإن الصفاء بالقذَى ليكْدر.‬

‫(5/0531)‬
                                                                                              ‫نهاية الفرعون الجديد‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                              ‫القتال والجهاد, المسلمون في العالم‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                                  ‫الخبر‬
                                                                                                        ‫65/5/1715‬
                                                                                                                  ‫النور‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- العقلية الفرعونية. 7- تشابه أفعال الفراعنة والطغاة على مر العصور والدهور. 3- أخطار‬
                               ‫تواجه أمة اإلسالم اليوم. 1- أثر الظلم وعاقبته. 1- من أسباب النصر.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                 ‫ز‬
     ‫أما بعد: أيها المسلمون، لقد كان فرعون رم ًا للطغاة وقدوة للمستكبرين الذين يسعون إلهالك‬
                 ‫ي‬                             ‫م‬
  ‫الحرث والنسل في سبيل خلو األرض من ُعارض، فيشيع الرعب والدمار، و ُقدم على اإلجراء‬
     ‫تلو اآلخر وعلى الحرب تلو األخرى من أجل إرساء قسمات عالم يروق لمزاجه وكتل بشرية‬
                                                                  ‫تسبح بحمده وتقر بنعمته وأمنه وبسط نفوذه.‬
                             ‫ط‬                              ‫ي‬
      ‫أيها المسلمون، لقد حدثنا القرآن مل ًا عن هذه العقلية بما يجعل الم ّلع والمتأمل في سيرة هذا‬
      ‫م‬             ‫والس‬                                                        ‫ع‬
‫ال ُتل ومن سار على خطاه واسترشد بهداه يستخلص الدرس بعد العبرة ُّنة بعد العلة ِن تقلب‬
     ‫الحال لما أحدثته تلك السياسات العرجاء التي سنها الفراعنة على مر العصور، وحملوا البشر‬
  ‫عليها بقوة الحديد والنار، ثم نهاية المعقد والمآل لتلك المالحم الملونة بدم األبرياء، والذين نذروا‬
                                                                            ‫ع‬
‫أنفسهم درو ًا مقاومة للظلم ونصرة للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ال يستطيعون‬
                                                                                            ‫ال‬
                                                                                           ‫حيلة وال يهتدون سبي ً.‬
    ‫والحكمة التي يكشف عنها القرآن في تشابه أفعال الفراعنة والطغاة على مر العصور والدهور‬
     ‫على الرغم من اختالف األزمنة واألمكنة هي عقلية الطغيان، أو جينات االستكبار ـ إذا صح‬
     ‫التعبير ـ التي يحملها ذاك النوع من البشر الذي يعتبر نفسه خلقًا غير عادي، قال اهلل تعالى:‬
 ‫كذَلِ َ مَا أَتَى ال ِينَ ِنْ قَبِْ ِمْ ِن َ ُولٍ ِال قَاُوا َاح ٌ أَوْ َجْ ُو ٌ أَتَ َاصَوْا ِهِ بلْ همْ قَو ٌ طَا ُو َ‬
 ‫ب َ ُ ْم غ ن‬                     ‫َّذ م له م ْ رس إ َّ ل س ِر م ن ن و‬                                             ‫َ ك‬
    ‫[الذاريات:71، 31]، فذاك القول النتن وتلك األفعال المستهجنة التي تصدر إنما هي نتاج العلو‬
‫والتكبر في األرض، فادعاء األلوهية ثم استخدام سياسة العصا والجزرة ومصادرة حريات الناس‬
   ‫وتسفيه آرائهم وازدرائها مع العمد إلى تفسيق الناس ليسهل سوقهم كالهوام التي ال تفكر إال في‬
               ‫ج‬
     ‫اتباع الشهوات والتقاط الشبهات وما حام حول حماها كلها سياسات وإجراءات ُربت من قبل‬
  ‫المتكبرين، وفي حال عدم إتيانها للثمار التي يرومونها وتحقيقها للنهايات التي يتطلعون إليها فلم‬
                                                           ‫و‬
        ‫يعد بعد ذاك إال السحق للمقا ِم بأي طريقة كانت، وتحت أي عذر أو مبرر كان، وهذا عين‬
                     ‫ب‬
    ‫الحمق الذي يرتكبه من يسوسون العالم في البيت األبيض، فمن ليس معهم قل ًا وقالبًا بعد حمل‬
       ‫العالم على أجندة مكافحة اإلرهاب فهو مع اإلرهابيين أو منتظم معهم في محور الشر، ومن‬
  ‫يحددون بأنه خطر على األمن والسالم العالميين ـ أي: أمنهم وسالمهم هم ال غير ـ فسيلقنونه‬
 ‫درسًا تحت مطية الحرب االستباقية التي يجب أن يعلم الكل أن الحركات والهمسات بل وتمتمات‬
‫النفس وهمساتها في ظلها معدودة، وتحت دثار ردائها، صاحبها متابع ومحاسب، حتى ال تسول له‬
                        ‫ر‬
    ‫نفسه في يوم من األيام بأنه أو من سيخرج من صلبه سيكون قاد ًا على قض مضاجع العرش‬
                 ‫ي‬                                     ‫و‬
‫الذي اعتلوه والمكانة العالمية التي تب ّؤوها، والتي تجعل منهم بمثابة الذي ال ُسأل عما يفعل، وال‬
  ‫ي ْ ُ م ك ْم‬
  ‫يجب أن يرى الناس إال ما يراه، ويتبعوا ثم يهتدوا بما يقرره هو ويمليه، َا قَومِ لَكمْ الْ ُلْ ُ الْيَو َ‬
     ‫َ ِ ن ُر ُ ِال م َ وم‬                          ‫ء‬       ‫م ي ُر م ب الل إ‬                   ‫هر َ ف َ ْ‬
    ‫ظَا ِ ِين ِي األرضِ فَ َنْ َنص ُنَا ِنْ َأْسِ َّهِ ِنْ جَا َنَا قَال فرْعَوْ ُ مَا أ ِيكمْ إ َّ َا أرَى َ َا‬
                                                                                                 ‫ْد ك ِال س الر‬
                                                                                 ‫أَه ِي ُمْ إ َّ َبِيلَ َّشَادِ [غافر:27].‬
‫ويا له من تطابق بين أفعال الفرعون المذكور في القرآن وبين صنيع أحفاده الذين يسوسون العالم‬
   ‫اآلن؛ لقد سن فرعون قانون قتل ذكور بني إسرائيل الذين قيل له بأن حتفه سيكون على يد فتى‬
  ‫ز‬
 ‫منهم، على إثر المنام الذي رآه، فبدأ يستبقي النساء ويحصد األوالد دفعًا لذلك المحذور واحترا ًا‬
 ‫من النذر المشؤوم، وها هو الفرعون الجديد ـ رئيس الواليات المتحدة ـ يسير على نفس خطى‬
                            ‫ر‬
       ‫الفرعون القديم، يسن قانون الحرب االستباقية ليبدأ في تطبيقها حذ ًا من الخطر الذي تشكله‬
 ‫عصابات، بزعمه يملكون أسلحة الدمار الشامل، التي يزعم أنه يملكها أو قادر على إنتاجها، من‬
  ‫أن تقع في يد اإلرهابيين وما أدراك ما اإلرهابيون؟! وما األرض الخصبة التي يترعرعون فيها‬
         ‫ع ف‬           ‫إ َّ ِ‬
        ‫والعرق البشري الذي يكثرون فيه ويتناسلون؟! قال الحق جل في عاله: ِن فرْعَوْنَ َال ِي‬
          ‫ِ‬       ‫ُ وي ي نس ُ ِنه‬                           ‫م ُ ي َبح‬                ‫ِف‬       ‫شي ي‬                 ‫َ ْض وج َ‬
        ‫األر ِ َ َعلَ أَهْلَهَا ِ َعًا َسْتَضْع ُ طَائِفَةً ِنْهمْ ُذ ِّ ُ أَبْنَاءَهمْ َ َسْتَحْ ِ ِ َاءَهمْ إ َّ ُ كَانَ منْ‬
‫الْ ُفْس ِي َ َ ُ ِي ُ أَنْ نَم َّ َلَى ال ِينَ اسُْضْعِ ُوا ِي األَرضِ َنَجْ َلَهمْ أَئ َّ ً َنَجْ َلَهمْ الْ َا ِ ِي َ َُم ِّ َ‬
‫ْ و ع ُ ِمة و ع ُ و رث ن ون َكن‬                                    ‫ت ف ف‬             ‫ُن ع َّذ‬              ‫م ِد ن ونر د‬
                         ‫ْر‬        ‫ن‬           ‫جن ده م ُ‬                 ‫ُ ْ ف َ ْ و ُر ِ ع ن ه‬
         ‫لَهم ِي األرضِ َن ِي فرْ َوْ َ وَ َامَانَ وَ ُ ُو َ ُمَا ِنْهمْ مَا كَا ُوا يَحذَ ُونَ [القصص:1-6].‬
   ‫أيها المسلمون، إن الفرعون القديم بعد أن بلغ الطغيان به والعلو مبلغه اهتدى إلى هذه السياسة؛‬
                                                                                           ‫ن‬
         ‫ظ ًا منه ـ ومن البطانة التي تدفعه ـ أن هذا األمر يقطع دابر الفتنة والفساد، أي: مقاومة‬
   ‫غطرسته وجبروته التي كانت على يد موسى عليه السالم والعصبة المؤمنة التي كانت معه من‬
                                                                        ‫س‬
       ‫بني إسرائيل، فق ّم الناس إلى طوائف وفرق: فريق الخير الذي يدور في فلكه ويأتمر بأمره‬
      ‫ويبارك مسعاه ومبتغاه، وفريق الشر الذي يعارض كبرياءه ويستهجن صنيعه، فلألول القربى‬
 ‫والزلفى، وللثاني الخسف والخطف وتجفيف المنابع وقطع دابر اإلمدادت المادية والمالية وتشويه‬
                  ‫السمعة والرمي بكل نقيصة لتنفير الناس مما لدى المعارض من حج وبراهين.‬
   ‫وهذا ما يفعله الفرعون الجديد اليوم تحت غطاء حربه على اإلرهاب، فالعالم انقسم إلى قسمين‬
                                 ‫د‬
   ‫وصار فريقين: فريق الخير، وهم المباركون للخطى والمق ّمون للقرابين والمطأطئون للرؤوس‬
                                                                                    ‫الذين كما قال األول:‬
                                      ‫ال يسألون أخاهم حين يندبهم…في النائبات على ما قال برهانا‬
                                  ‫لم‬
    ‫وفريق الشر الذين يتمحكون ويتململون بل ويتساءلون: ِ َ كل هذا العسف والحيف والظلم في‬
‫تعميم سياسات قيل: إن المستهدف من ورائها هم اإلرهابيون؟! ليجد العالم بعد ذلك نفسه أمام جهة‬
    ‫مستهدفة في كل شيء، حتى في حكامها الذين أساموها سوء العذاب، بوضع أيديهم في يد هذا‬
  ‫الفرعون الجديد، وتقديم كل ما يريد، ومع ذلك فهو غير راض وال مقتنع إال باالستسالم التام أو‬
   ‫السحق المستضام، فالماليين من البشر التي خرجت في مسيرات مليونية مدوية لم يشهد العالم‬
       ‫المعاصر لها مثيالً في أكثر من سبعين دولة وستمائة مدينة لتعبر عن رفضها لهذا المنطق‬
   ‫األعرج ولهذا الحمق األهوج ال تستحق من فرعون أمريكا وملَئه النظر إلى رسالتها وااللتفات‬
                                          ‫تد‬
‫إلى حججها؛ ألنها رعناء حسب منطقه، وال ُق ّر العواقب وال تدرك الخطر، وفوق ذلك ال تدرك‬
     ‫تلك الجماهير وال الشخصيات السياسية أو المثقفة التي خرجت معها مدى الخير العميم الذي‬
   ‫سيحل بعد الحرب، ومدى الحريات والتوزيع العادل للثروات بعد وضع مقدرات البلد البترولية‬
                                                                    ‫تحت إمرة األيادي البيضاء األمينة.‬
 ‫أما االعتراض الفرنسي أو األلماني ـ وإن كان ال يقدم أو يؤخر ـ في نهاية المطاف كما حدث‬
  ‫في مناسبات سابقة فإن فرعون أمريكا يصف ذلك بنعقة من أوربا القديمة التي عفا عليها الزمن‬
                     ‫وأكل عليها الدهر وشرب، والتي ال تستحق أن يلتفت إلى صراخها وعويلها.‬
  ‫أليس هذا الذي يصنعه فرعون أمريكا هو عين العلو الذي وقع فيه فرعون مصر؟! فهو ال يريد‬
                                                                          ‫ي‬           ‫ي‬
   ‫أن َسمع إال ما ُطربه، وال يريد السماح بالعيش إال لمن يقر بنعمته عليه، فال يحرك شاردة أو‬
      ‫واردة إال بعد إذنه، وقد كان ذاك الفرعون القديم يفعل ما يشبه هذا، ففي لحظة من الغضب‬
                              ‫َر ن َ ُ م س و َ ُ َبه‬
     ‫والهيجان يقرر بكل كبر وعلو: ذ ُو ِي أقْتلْ ُو َى َلْيدْع ر َّ ُ [غافر:67]، وعندما يستجيب‬
                                                                      ‫ق‬             ‫سح‬
     ‫ال ّ َرة لنداء الح ّ بعد سقوط األقنعة عن الزيف الذي كان يمارسه عليهم قابلهم بكل عجرفة‬
                           ‫ُ‬                     ‫م ُ بِ‬
          ‫ونهرهم باألسلوب الذي اعتاد مخاطبتهم به: آ َنتمْ ِه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكمْ [األعراف:375].‬
      ‫والحديث في هذا المجال يطول بذكر الصلف والغرور الذي تفوح به أفعال الطغاة على مر‬
‫العصور؛ ألن المأل زين لهم، وألن القوة والسلطة أغرتهم، وألن العلو والكبر مأل سويداء قلوبهم،‬
‫فراحوا يضربون ذات اليمين وذات الشمال، ظانين أن ال أحد يقف في طريقهم، وال أحد يسلم من‬
‫مكرهم وتدبيرهم، فيأتيهم األمر من حيث ال يشعرون، ويدخل عليهم الخراب والدمار من حيث ال‬
    ‫و ُر ِ ن ه م ن‬                                          ‫ُ الله م ح ث َ ي سب‬
    ‫يحتسبون، فَأَتَاهمْ َّ ُ ِنْ َيْ ُ لمْ َحْتَ ِ ُوا [الحشر:7]، قال اهلل تعالى: َن ِي فرْعَوْ َ وَ َا َا َ‬
                                                                 ‫َر‬        ‫ن‬           ‫جن ده م ُ‬
                                                   ‫وَ ُ ُو َ ُمَا ِنْهمْ مَا كَا ُوا يَحْذ ُونَ [القصص:6].‬
                                                               ‫أ‬
‫أيها المسلمون، لقد ُتي فرعون مصر من قبل الكبر والعلو من حيث لم يحتسب؛ بأن تربى موسى‬
  ‫عليه السالم في قصره بعد أخذ الحيطة والحذر بالتدبير لقتل جميع الذكور الذين يولدون من بني‬
      ‫إسرائيل، وكان حتفه على يديه بعد رعاية اهلل وتدبيره لكل هذا. وال أظن أن فرعون أمريكا‬
    ‫بصنيعه الظالم هذا سيفلت من هذا األمر، وسيكون بدعًا عن سير الظالمين الهالكين. فمن رح ِ‬
    ‫ِم‬
‫هذه الغطرسة ومن إزار ذلك الكبرياء ومن ثمار تلك السياسات الحمقاء ستتولد بذور المقاومة لهذا‬
  ‫الطغيان، وستربو ثم تنمو وتثمر في وسط هذه المالحم وعلى أنقاض تلك األشالء التي ستتطاير‬
                                                                    ‫ت‬
    ‫واألرواح التي س ُزهق بغير حق دروع الشموخ التي ترفض أن تساق إلى المشنقة كالسوام أو‬
                      ‫ح‬
  ‫ترضى االستبقاء تحت ظل حياة كيفما كان شكلها أو لونها، فكم هلل من ِكم في استخراج النهار‬
      ‫من الليل والفجر من غسق الدجى والميت من الحي ومن إحياء األرض بعد موتها ومن أخذ‬
                                                                      ‫د‬      ‫د‬
  ‫الظالمين روي ًا روي ًا إلى ارتكاب ما يظنون أنه مانع لهم مما هم في حذر منه أو دافع عنهم ما‬
                                                                                       ‫يقد‬
       ‫ِّرون حتفهم أو بدايته في طياته، غير أن الظلم والغطرسة والكبر تعمي وتصم، وأمْر اهلل‬
‫وسي َم َّذ ن‬
‫بالمرصاد، فإذا جاء ال راد ألمره، وال دافع لقضائه، إال ما أراده هو بمشيئته وحينها َ َ َعْل ُ ال ِي َ‬
                                                                    ‫ي لب‬           ‫م َي م‬
‫ظَلَ ُوا أ َّ ُنقَلَبٍ َنقَِ ُونَ [الشعراء:277]، وعلى يد من سينالهم غضب اهلل ويحل بهم نكاله بعد أن‬
‫يبثوا الرعب ويزهقوا األرواح ويهلكوا الحرث والنسل ردحًا من الزمن كاف ألن يجعلهم يعيشون‬
                           ‫ش‬            ‫ن‬                         ‫ة م َد ِن ُو‬
  ‫في سكر ِ َنْ أَش ُّ م َّا ق َّةً [فصلت:15]، ومن أكثر م ّا بأسًا وبط ًا؟! ومن يعترض سبيلنا ويقف‬
 ‫في سبيل فرض قيمنا؟! بعدها سيأتي الوقت الذي يقدره المولى جل وعال من فوق سبع سماوات،‬
                                                                                    ‫م ص‬             ‫إ َّ َب‬
                                                                     ‫ِن ر َّكَ لَبِالْ ِرْ َادِ [الفجر:15].‬
                                                            ‫بارك اهلل لي ولكم في الكتاب والسنة...‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                     ‫ر‬                  ‫م‬
     ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن األمة المسلمة تواجه اليو َ خصامًا بعنف وتآم ًا وحربًا بجبروت،‬
              ‫ر‬                      ‫ُ‬                               ‫م‬
   ‫يقودها فرعون ظالم وقو ٌ لئام، أماطت عنهم اللثام األحداث والوقائع واأليام، يج ّون الضغائن،‬
           ‫م‬            ‫وأن ُحق‬                     ‫ن‬
    ‫ويحملون مسمومَ الدفائن، ملؤوا الدنيا عدوا ًا، وأشعلوها نيرانا، َّى ي ِّق هؤالء سال ًا دائما‬
                                                                                            ‫ب‬
                                                                                         ‫وسكونا دائ ًا؟!‬
                              ‫وات واد‬           ‫ك‬      ‫ر ُمث ت ح‬               ‫ثت ع‬
   ‫أحدا ٌ ُفت َل، وأدوا ٌ ت َّل و ُنت َل، إف ٌ وافتراء، ِّهام ِّعاء، وغطرسة وغرور، واستبداد‬
            ‫ج‬         ‫أد‬                                                    ‫ج‬
  ‫وفجور، و َور واشتطاط، وظلم واختباط، وتالحم بالظالمين واختالط، َّى إلى تف ّر العنف في‬
         ‫المنطقة وانعدام األمن وانتشار الخوف واختالل األوضاع في كثير من األصقاع والبقاع.‬
                 ‫د‬                                          ‫ة‬
‫إن العالم باتت تحكمه شريع ُ الغاب وسياسات التهديد واإلرهاب ولغة التح ّي واإلرعاب، مصالح‬
   ‫ة‬                              ‫ي‬                               ‫ي‬              ‫مأ ي‬
   ‫ذاتية، ونظ ٌ ُحاد ّة، وإدارة فرد ّة، تتعامل مع الغير معاملةَ الس ّد للمسود والقائد للمقود، سياس ُ‬
                                    ‫ي‬                  ‫ي‬
   ‫مصالح ال قيم، سياسة ال تحكم بالسو ّة، وال تعدل في قض ّة، وال تتعامل إال بحيف وازدواجية،‬
                                 ‫ب و‬            ‫ٌّ وبغي، وتسّط وتم ّد، ورؤًى خاص ر‬
            ‫َّة يق ّرها صاح ُ الق ّة وفق عقيدته ومصلحته،‬      ‫ر‬      ‫ل‬          ‫غي‬
  ‫ر‬                                            ‫ق‬                     ‫ث‬      ‫ت‬
 ‫ومحاوال ُ إحدا ِ خلخلة وضعضعة وانشقا ٍ وافتراق في صفوف األمة المسلمة؛ لتكونَ أمصا ًا‬
                                                                                                 ‫د‬
                                                                               ‫متنافرة وبال ًا متناثرة متناحرة.‬
         ‫ل‬       ‫س ل ي ر‬                      ‫ر‬                    ‫ية‬                   ‫ة‬
‫إنها صور ٌ واضحة المعالم جل ّ ُ األبعاد للواقع الم ّ الذي تأباه نف ُ ك ّ أب ّ ح ّ، وستظ ّ المباركة‬
           ‫د‬
  ‫والتأييد التي يلقاها اإلجرام األمريكي وتهيئة األجواء له وإفساح المجال الرتكاب مزي ٍ من الهدم‬
                      ‫حظ‬                      ‫وأن‬                   ‫د‬
            ‫والتشريد والتقتيل شاه ًا على الحقد األعمى، َّه ليس عند القوم للعدل ٌّ وال معنى.‬
                                                       ‫د‬           ‫ز‬
         ‫أيها المسلمون، لقد بلغ السيل ُباه، والكي ُ مداه، والظلم منتهاه، والظلم ال يدوم وال يطول،‬
                                                         ‫ف‬                     ‫ل‬    ‫ي‬
                     ‫وس َضمح ّ ويزول، والدهر ذو صر ٍ يدور، وسيعلم الظالمون عاقبة الغرور.‬
                                       ‫والس‬                   ‫والدع‬
   ‫أين الذين التحفوا باألمن َّ َة، واستمتعوا بالثروة َّعة، من األمم الظالمة الغابرة الظاهرة‬
    ‫مع‬         ‫ِس‬                                      ‫ل‬
‫القاهرة؟! لقد نزلت بهم الفواجع، وحّت بهم الصواعق والقوارع، فهل تعي لهم ح ًّا أو تس َ ُ لهم‬
                                                                                       ‫ز‬
   ‫رك ًا؟! فعن أبي موسى األشعري قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم‬
                ‫وك ل ْذ رب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬                                                        ‫ي‬
‫ُفلته))، وقرأ : َ َذاِكَ أَخ ُ َ ّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705]. متفق‬
                                                                                                               ‫عليه.‬
        ‫ف‬                        ‫فإن‬        ‫ف‬            ‫وة‬
‫أيها المسلمون، مهما بلغت ق ّ ُ الظلوم وضع ُ المظلوم َّ الظالم مقهور مخذول، مص ّد مغلول،‬
                        ‫ي‬                                                            ‫ب‬
‫وأقر ُ األشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، يرفعها الح ّ القيوم فوق الغيوم، يقول‬
                                                                    ‫د‬
‫الرسول : ((ثالثة ال تر ّ دعوتهم: الصائم حين يفطر، واإلمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها اهلل‬
      ‫د‬         ‫َّتي وجاللي ألنصرن‬
‫َّك ولو بع َ حين))‬              ‫فوق الغمام، ويفتح لها أبوابَ السماء، ويقول لها الرب: وعز‬
     ‫أخرجه أحمد. فسبحان من سمع أنينَ المضطهدِ المهموم، وسمع نداءَ المكروب المغموم، فرفع‬
                                                                   ‫ز‬
                                                           ‫للمظلوم مكانًا، ودمَغ الظالم فعاد بعد الع ّ مهانًا.‬
                                                             ‫ء‬
 ‫أيها الناس، إنه ليس شي ٌ أسرع في خراب األرض وال أفسد لضمائر الخلق من الظلم والعدوان،‬
                  ‫بكل‬       ‫ل‬
   ‫وال يكون العمران حيث يظهر الطغيان، وإن الظالمَ الجائر سيظ ّ محاطًا ِّ مشاعر الكراهية‬
                         ‫ت‬             ‫ع‬
 ‫والعداء والحقد والبغضاء، ال يعيش في أمان، وال ين َم بسالم، حيا ُه في قلق، وعيشه في أخطار‬
                                    ‫ة‬                      ‫وأرق؛ َّ الظلم جال ُ اإلحن ومسب‬
  ‫ِّب المحن، والجَور مسلب ٌ للنعم مجلبة للنقم، وقد قيل: األمن‬         ‫ب‬           ‫ألن‬
                                                                               ‫أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش.‬
             ‫م‬                   ‫ع‬      ‫دع‬                     ‫ن‬                    ‫ي‬
   ‫أيها المسلمون، قد ُنعم اهلل على الكافر ِعمَ نَفْع أو نعمَ َفْ ٍ أو ن َم رفْع، ولكنه إنعا ٌ وإعطاء ما‬
          ‫و ي س َن َّذ ن ر َن ن ل ُ ْر فس ِ ِن ن ل ُ‬
        ‫هو إال استدراج وإمالء، َالَ َحْ َب َّ ال ِي َ كَفَ ُواْ أَّمَا ُمِْى لَهمْ خَي ٌ ألن ُ ِهمْ إَّمَا ُمِْى لَهمْ‬
          ‫وأ ل ُ ِن ْد مت ن‬                                           ‫ل َ ْد د إ م و ْم َ ب مه ن‬
          ‫ِيز َا ُواْ ِثْ ًَا َلَه ُ عذَا ٌ ُّ ِي ٌ [آل عمران:625]، وقال تعالى: َُمِْى لَهمْ إ َّ كَي ِي َ ِي ٌ‬
  ‫تب‬             ‫سب َنم ن ِد ُ به م م ل وبن ن نس رع ُ ْ ف‬
 ‫[األعراف:365]، وقال تعالى: أَيَحْ َ ُونَ أَّ َا ُم ُّهمْ ِ ِ ِن َّا ٍ َ َ ِي َ ُ َا ِ ُ لَهم ِي الْخَيْرا ِ َل‬
  ‫ر تص به بم ص ع ْ ق رعة‬                       ‫و َز ل َّذ‬                                         ‫ال ي ُر‬
  ‫َّ َشْع ُونَ [المؤمنون:11، 61]، وقال تعالى: َالَ ي َا ُ ال ِينَ كَفَ ُواْ ُ ِي ُ ُم ِ َا َنَ ُوا َا ِ َ ٌ‬
‫أَوْ تَ ُل ق ِيبًا ّن َارِهمْ ح َّى َأْ ِي َع ُ َّهِ إ َّ َّهَ الَ ُخْل ُ الْ ِي َادَ [الرعد:53]، وقال تعالى: َ‬
‫ال‬                           ‫ي ِف م ع‬              ‫ح ُّ َر م د ِ َت ي ت و ْد الل ِن الل‬
                                    ‫ر‬                            ‫يغ َّنك َلب َّذ ن ر ْ ف ب‬
‫َ ُر َّ َ تَقُّ ُ ال ِي َ كَفَ ُوا ِي الْ ِلَادِ [آل عمران:625]، ال يغ ّنَك ما هم فيه من االستعداد واإلمداد،‬
    ‫م ع‬              ‫د‬                          ‫يغرن‬                                    ‫يغرن‬
    ‫ال َّك ما هم فيه من التعالي واالستبداد، ال َّك ما يملكون من القوة والع ّة والعتاد، َتَا ٌ‬
 ‫قَلِي ٌ ث َّ مَأْ َاهمْ َه َّ ُ َ ِئْسَ الْ ِهَا ُ [آل عمران:225]، فَ َ ُن ِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْهمْ َس َةً ث َّ ُغَْ ُو َ‬
 ‫ُم ك ن ع ِ ح ْر ُم ي لب ن‬                         ‫سي فق‬                       ‫م د‬            ‫ل ُم و ُ ج َنم وب‬
                                                                                    ‫َر إل جه َّم ي َر‬             ‫و َّذ‬
                                                                   ‫َال ِينَ كَف ُواْ َِى َ َن َ ُحْش ُونَ [األنفال:63].‬
                                             ‫ل‬                         ‫إن‬
       ‫أيها المسلمون، َّ ما أصاب المسلمين من التخّف والتقهقر والضعف والتأخر ونزع المهابة‬
    ‫والهوان والعدوان إنما هو عاقبة الفسوق والعصيان، فعن ثوبان قال: قال رسول اهلل : ((يوشك‬
                                                                                      ‫م‬
     ‫األم ُ أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى قصعتها))، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال:‬
                     ‫و‬                 ‫((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثا ٌ كغثاء السيل، ولينزعن‬
    ‫َّ اهلل من صدور عد ّكم المهابةَ منكم،‬                   ‫ء‬
                ‫ب‬                                                                      ‫وليقذفن‬
 ‫َّ اهلل في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول اهلل، وما الوهن؟ قال: ((ح ّ الدنيا وكراهية‬
   ‫الموت)) أخرجه أبو داود، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إذا‬
             ‫ال‬              ‫سل‬
   ‫تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد َّط اهلل عليكم ذ ً، ال ينزعه‬
                                                                        ‫حتى ترجعوا إلى دينكم)) أخرجه أبو داود.‬
    ‫شهوا ٌ و ُتع، ودنيا مؤ َرة وه ًى َّبع، أجيا ٌ مردت على العبث، مجتمعات فشت فيها قنوا ُ‬
    ‫ت‬               ‫ٌ‬                       ‫ل‬         ‫و مت‬       ‫ث‬             ‫ت م‬
                                                               ‫بكل‬        ‫ب‬
   ‫الخبث، تالع ٌ بالمرأة ِّ وقاحة وجرأة، والربا صار كالمباح، ال حرج فيه وال جناح، وأيدي‬
     ‫ر‬             ‫ة‬                                 ‫ل‬                           ‫د‬
     ‫الظلمة امت ّت إلى الفقراء والضعاف بالتسّط واإلجحاف والقهر واإلتالف، فجبا ُ األموال بغي ِ‬
         ‫ع ض‬                            ‫ذ‬                                         ‫حق‬
 ‫ِّها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وآخ ُو الملك من يد مالكه من غير ِو ٍ وال سبب‬
     ‫كل‬                                                                  ‫م‬
  ‫ظلمة، وباخسو الع ّال حقوقَهم ظلمة، والثلة إذا نام عنها راعيها عاث الذئاب فيها. فعلى ِّ من‬
                              ‫آتاه اهلل رئاس ً تامة وزعامة عامة أن يقوم بالعدل والسلطان، لتنكف‬
     ‫َّ بسطوته األيدي المتغالية،‬                                              ‫ة‬
      ‫د‬
    ‫وتمتنع من خوفه النفوس العادية، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اهلل : ((إنه ال ق ّست‬
                                                                             ‫حق‬             ‫ي ذ‬
                                              ‫أمة ال َأخ ُ الضعيف فيها َّه غيرَ متعتَع)) أخرجه ابن ماجه.‬
               ‫ل د‬         ‫ر ي‬                      ‫ر‬               ‫ر‬
‫أيها المسلمون، الده ُ طعمان: حلو وم ّ، واأليام طرفان: عس ٌ و ُسر، وك ّ ش ّة إلى رخاء، وكل‬
                                  ‫و‬                 ‫و‬              ‫وإن‬
           ‫غمرة فإلى انجالء، َّ بعد الكدر صف ًا، وبعد المطر صح ًا، والشمس تغيب ثم تشرق،‬
‫والروض يذبل ثم يورق، وهلل أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاثي، ومن عرف اهلل في الرخاء‬
              ‫فتحل‬
   ‫عرفه في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد، َّوا بالطاعة،‬
  ‫والتزموا الجماعة، وإياكم والتشاحن والتطاحن، واحذروا الجدل، وعليكم بالجد والعمل، واعلموا‬
       ‫َيه َّذ ن من إ صر‬                                   ‫د‬                                        ‫أن‬
    ‫َّ من فعل ما شاء لقي ما ساء، ومن أصلح فاس َه أهلك حاسدَه، ياأ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُواْ ِن تَن ُ ُواْ‬
‫ُ ل بَنه ره م َ الله‬                                  ‫ل ُ و َل‬                ‫َر ْ‬       ‫الل ي ص ُ وي ب َ ْد م ُ و َّذ‬
‫َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثَّتْ أق َا َكمْ َال ِينَ كَف ُوا فَتَعْسًا َّهمْ َأَض َّ أَعْمَالَهمْ ذَِكَ ِأ َّ ُمْ كَ ِ ُواْ َا أَنزلَ َّ ُ‬
     ‫ع قبة َّذ م له َم الله عل ِ‬                             ‫ْ ِ ي ُر ْ‬              ‫ُ ََ ي ر ف‬
   ‫فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهمْ أفَلمْ َسِي ُواْ ِي األَرض فَ َنظ ُواْ كَيفَ كَانَ َا ِ َ ُ ال ِينَ ِن قَبِْ ِمْ د َّرَ َّ ُ ََيْهمْ‬
                       ‫ل ُ‬               ‫ل َّذ من وَن ِر‬                           ‫ل ل َن الل‬                     ‫ول ك ِر‬
        ‫َِلْ َاف ِينَ أَمْثَاُهَا ذَِكَ بِأ َّ َّهَ مَوَْى ال ِينَ آ َ ُواْ َأ َّ الْكَاف ِينَ الَ مَوَْى لَهمْ [محمد:2-55].‬
              ‫قض‬                  ‫ر‬                   ‫ر‬
    ‫أيها المسلمون، المؤمن مهما تفاقم الش ّ وتراقى الخطر والض ّ فإنه يعلم أن ما ُ ِي كائن وما‬
                       ‫ق‬                                                  ‫ُط‬             ‫ُد‬
 ‫ق ِّر واجب وما س ِّر منتظَر، ومهما يشأ اهلل يكن، وما يحكم به اهلل يح ّ، ال رافع لما وضع، وال‬
                        ‫رب‬
‫واضع لما رفع، وال مانع لما أعطى، وال معطي لما منع، وما شاء ُّنا صنع، فال جزع وال هلع،‬
     ‫و‬                                                     ‫َّ‬                ‫ر‬
   ‫وإنما صب ٌ ومصابرة، وفأل بأن ألهل اإلسالم السلطة واالنتصار والفرج واإلظفار، ولعد ّهم‬
                ‫ي م‬            ‫ه و ِن َ الن‬                  ‫َالله لب عل‬                                ‫ل‬
             ‫الذّة والصغار والدمار والخسار، و َّ ُ غَاِ ٌ ََى أَمْرِ ِ َلَاك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُونَ‬
                                                                                                     ‫[يوسف:57].‬
   ‫اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أعز اإلسالم وانصر المسلمين،‬
    ‫اللهم أعز اإلسالم وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، والكفرة الملحدين واحم حوزة‬
                                                                                                            ‫الدين...‬

‫(5/5531)‬




                                                                                     ‫القرآن ومعتقل غوانتانامو‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                  ‫العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                            ‫القرآن والتفسير, جرائم وحوادث‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫عويض بن حمود العطوي‬
                                                                                                                ‫تبوك‬
                                                                                                     ‫75/1/6715‬
                                                                                                      ‫أنس بن مالك‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
‫5- موقف الكفار من القرآن كما يحكيه القرآن. 7- استمرار عبث العابثين بكتاب اهلل تعالى. 3-‬
  ‫علو القرآن الكريم وتحديه للكافرين. 1- دالئل حادثة تدنيس المصحف الكريم. 1- واجبنا تجاه‬
                                                                                           ‫هذه الجريمة النكراء.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
     ‫وِذ ت ل ع ه ي ت َي ت ِ ُ ف وج َّذ فر‬
   ‫أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى: َإ َا ُتَْى َلَيْ ِمْ آ َاُنَا ب ِّنَا ٍ تَعْرف ِي ُ ُوهِ ال ِينَ كَ َ ُوا‬
                                                       ‫م ي د ي ط ن َّذ ي ل ع ِ ي ت‬
                                         ‫الْ ُنْكَرَ َكَا ُونَ َسْ ُو َ بِال ِينَ َتُْونَ َلَيْهمْ آ َا ِنَا [الح :72].‬
                                             ‫ز‬                             ‫ق‬
  ‫إنها كراهية الح ّ الذي ال يستقيم مع الهدى وال ّيع، إذا تلي القرآن العظيم الهادي إلى الصراط‬
                                                      ‫د‬                   ‫رم‬
 ‫المستقيم و ِ َت أنوف الكفار واشت ّ غيظهم، حتى لم يتمالكوا كتمه، فظهر على وجوههم، واليوم‬
                                                                     ‫ظهر في تصرفاتهم وما عملته أيديهم.‬
‫كتاب اهلل العظيم يدنس ـ وهو مكرم إن شاء اهلل ـ على أيدي أدعياء الحضارة في معتقالت كوبا‬
      ‫وسجون أفغانستان والعراق، ضمن سلسلة قديمة حديثة من العداء الدفين لهذا الكتاب وأهله.‬
                                                 ‫ي‬
         ‫تحاول هذه الحضارة البائسة يائسة أن تخف َ وجهها الكالح أمام مليار ونصف المليار من‬
       ‫المسلمين. إنها سلسلة ماضية في حلقاتها منذ أن نزل هذا القرآن على قلب محمد في مكة.‬
                 ‫يت‬                   ‫وِذ ت ل ع ِ‬
  ‫تأملوا ـ يا كرام ـ إلى هذه اآليات مرة أخرى: َإ َا ُتَْى َلَيْهمْ أي: الكفار، آ َا ُنَا أي: القرآن،‬
  ‫ْر ُ ف وج ه‬                    ‫ع‬                                                      ‫َي‬
  ‫بِّنَاتٍ أي: واضحات، وفي تقييد اآليات بكونها واضحات تفظي ٌ إلنكارهم لها، تَع ِف ِي ُ ُو ِ‬
                 ‫د‬                                                    ‫ر م َر‬                 ‫َّذ‬
 ‫ال ِينَ كَفَ ُوا الْ ُنْك َ، ما قال سبحانه: "تعرف في وجوههم المنكر" مع أنهم تق ّم ذكرهم، بل أظهر‬
                    ‫ْر ُ ف وج َّذ ن ر ذ‬                                             ‫ل‬         ‫ل‬
 ‫جّت قدرته عّة اإلنكار وهي الكفر فقال: تَع ِف ِي ُ ُوهِ ال ِي َ كَفَ ُوا، إ ًا هذا هو السبب، هذه‬
     ‫هي العلة، ثم إنه ذكر سبحانه الوجوه وأن الناظر في وجوههم لحظة تالوة القرآن يلحظ ذلك‬
                             ‫و‬                                        ‫م‬            ‫ي‬
   ‫التغ ّر الواضح ال ُنبي عن كره بغيض لمضمون تلك اآليات المتل ّة، وفي هذا كناية عن امتالء‬
                                 ‫ه‬
    ‫نفوسهم من اإلنكار والغيظ حتى تجاوز أثره بواطنهم فظ َر على وجوههم، وال شك أن ما في‬
                  ‫ُد ر ُ َر‬          ‫و ت ف‬
  ‫البواطن أعظم وأشنع؛ ألنه سبحانه وصفهم بقوله: َمَا ُخْ ِي ص ُو ُهمْ أَكْب ُ [آل عمران:655].‬
                                             ‫ر‬
  ‫معاشر المؤمنين، إذا كانوا يضمرون كل هذا الش ّ بمجرد تالوة اآليات فماذا يمكن أن يفعلوا لو‬
‫ظفروا بهذا الكتاب ووقع في أيديهم، أو دارت لهم الدائرة على حملة هذا القرآن، هذا ما يذكره اهلل‬
                        ‫ي ط‬             ‫َّذ ي ل ع ِ ت‬                        ‫ي د ني ط‬
    ‫عنهم في قوله: َكَا ُو َ َسْ ُونَ بِال ِينَ َتُْونَ َلَيْهمْ آيَا ِنَا، ومعنى َسْ ُونَ أي: يبطشون، إنهم‬
                          ‫د‬                                   ‫ص ل‬
‫يكادون ويقاربون أن ي ُوُوا على الذين يتلون هذا الكتاب من ش ّة حقدهم وغيظهم من سماع هذا‬
                                                                                                         ‫القرآن.‬
‫ويحهم! ماذا فيه غير سعادة البشرية؟! ماذا فيه غير الحق؟! ماذا فيه غير الهدى حتى تمتأل قلوبهم‬
                               ‫ال‬
    ‫بكل هذا الغيظ لمجرد سماع آياته؟! إنهم ال يملكون حجة وال دلي ً وال برهانًا، إنما هو العمى‬
                                                                                              ‫والتجبر والبطر.‬
                                           ‫س‬
       ‫معاشر المؤمنين، هذا وصف بليغ ال مزيد عليه، يف ّر لنا ما يمأل سمع العالم اآلن من هذه‬
   ‫الجريمة البشعة التي تعرض فيها هؤالء الصاغرون لكتاب اهلل العظيم، وهي تكشف عن جرائم‬
                                   ‫و‬                             ‫ح‬
     ‫كثيرة مماثلة طوتها س ُب الظالم، لم تلتقطها عدسة مص ّر، ولم تنشرها صفحة جريدة، إنها‬
‫جريمة تمثل جرائم، وفضيحة في سلسلة فضائح لوجه الحضارة المزعومة راعية الحرية والسالم،‬
                                 ‫ت‬
                   ‫ونفي الخبر والواقعة لن يغير من الحقيقة شيئًا؛ ألن الخرق قد ا ّسع على الراقع.‬
                                                             ‫ضد‬          ‫ث‬
      ‫عباد اهلل، عب ُ الصاغرين َّ هذا الكتاب سيبقى ما بقي الخير والشر، واألساليب ستتنوع،‬
                                ‫وأقنعتهم ستتلون، لكنهم بإذن اهلل خاسرون وأمام كالم اهلل مدحورون.‬
‫تأملوا ـ رعاكم اهلل ـ إلى هذه الصورة التي تمثل نموذجًا آخر ليس ببعيد عن سابقها من مواقف‬
     ‫ف ل َلك‬             ‫مع ل َذ ُ ن و‬                     ‫َّذ ن َر‬           ‫َ‬
   ‫الحاقدين على هذا النور، قال تعالى: وقَالَ ال ِي َ كَف ُوا ال تَسْ َ ُوا ِه َا الْقرْآ ِ َالْغَوْا ِيهِ َعَّ ُمْ‬
                                                                                                       ‫لب‬
                                                                                         ‫تَغِْ ُونَ [فصلت:67].‬
                        ‫ء‬
 ‫معاشر المؤمنين، تأملوا ـ رعاكم اهلل ـ إلى تكرار العلة ذاتها في إيما َة جديدة إلى أن الكفر هو‬
    ‫َر‬       ‫َّذ‬       ‫َ‬                                ‫د‬
 ‫دافع التواصي بعدم سماع الحق، بل والتع ّي على هذا الكتاب، فيقول سبحانه: وقَالَ ال ِينَ كَف ُوا،‬
              ‫مع ل َذ ُ‬                                           ‫ل‬                           ‫ذ‬
   ‫إنها إ ًا وصية الكبراء المنظرين، حمَة القرار ألنفسهم ولل