Docstoc

موسوعة خطب المنبر 081

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 081 Powered By Docstoc
					                      ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
                ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                   ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                    ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                                ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
          ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
          ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
     ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                            ‫معين.‬


                                                      ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                              ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                         ‫األيتام‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                               ‫األسرة والمجتمع‬
                                                          ‫األبناء, قضايا األسرة, قضايا المجتمع‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                   ‫أحمد بن عبد العزيز الشاوي‬
                                                                                          ‫بريدة‬
                                                                           ‫جامع المنتزه الشرقي‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- هل اليتم هو بوفاة الوالدين أو أحدهما فقط؟ 7- التفريط بحقوق األبناء أشد من اليتم الحقيقي.‬
    ‫3- السلبيات واألمراض الناتجة عن تفريط اآلباء في تربية أبنائهم. 4- تجريم اإلسالم لآلباء‬
                   ‫والمسؤولين غير المراعين لحقوق األبناء. 1- أسباب هذه الظاهرة وعالجها.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                        ‫ت‬
‫أما بعد: فاتقوا ربكم يا مسلمون، وإن ت ّقوا اهلل يجعل لكم فرقانا، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم،‬
                                                                        ‫واهلل ذو الفضل العظيم.‬
‫إذا كان الموت ضحاياه أيتام فقدوا حنان األبوة فإن هؤالء سيلقون من أمهاتهم وأقاربهم من يكفلهم‬
                                                     ‫د‬         ‫خ‬
    ‫ويرعاهم، وإذا كانت الجريمة ال ُلقية ومق ّماتها تثمر أيتامًا مجهولي النسب بال أم وال أب فإن‬
                                  ‫م‬
  ‫أولئك سيجدون من أهل الخير واإلحسان من يحتضنهم ويهت ّ بأمرهم، لكن حينما يكون اليتم من‬
                                                                               ‫أ‬
‫أنواع ُخر فإن تلك ـ ورب ـ إلحدى الكبر، أيتام هذا النوع ليسوا ضحية وفاة وال نتاج فاحشة،‬
                  ‫ولكنهم ضحايا آلباء وأمهات لم يدركوا أسباب الهداية ولم يركبوا سفينة النجاة.‬
                                          ‫تخل‬          ‫شغ‬
   ‫أيتام هذا النوع من ضحايا آباء قد ُ ِلوا وأمهات َّين عن القيام بالمسؤولية، فأسندت التربية‬
                                ‫للخادمات والمتابعة للسائقين، وذاك ـ وربي ـ هو اليتيم بعينه.‬
                                          ‫ليس اليتيم من انتهى أبواه من…ه ّ الحياة وخّفاه ذلي ً‬
                                          ‫ال‬       ‫ل‬          ‫م‬
                                      ‫ال‬
                                      ‫فأصاب بالدنيا الحكيمة منهما…وبحسن تربية الزمان بدي ً‬
                                            ‫ال‬              ‫أم ل‬                             ‫ن‬
                                            ‫إ ّ اليتيم هو الذي تلقى له… ًّا تخَّت أو أبًا مشغو ً‬
    ‫أيتام هذا النوع ضحايا لحاالت الطالق يوم أن يكون الولد ضحية للعناء والتغيب والمهاترات،‬
 ‫ويوم أن يبقى الولد مشفقًا بين أب مشغول بزوجة جديدة وأم مشغولة ببعل جديد. أيتام هذا النوع‬
                                     ‫هم‬
 ‫ضحايا الفهم الخاطئ لتعدد الزوجات، حينما يكون ُّ الزوج قضاء الوطر وإشباع الغريزة دون‬
 ‫أن يرى في حاجات األبناء ومتطلبات التربية. أيتام هذا النوع ضحية تسلط الزوجة الثانية حينما‬
   ‫تكون ممن ال يخشى اهلل وال يتقيه، حينما تكون سببًا في إيغار صدر األب على أوالده وإشغاله‬
  ‫عن واجباته. أيتام هذا النوع هم ضحايا السلبية المفرطة يوم أن تخلى اآلباء عن واجب التربية،‬
                                                     ‫وشغلوا بجمع الحطام أو السهر مع الرفاق.‬
   ‫ال‬                                                 ‫ت‬       ‫ق‬             ‫ول ال‬
   ‫اليتم هذا َّد جي ً منحرفًا يتل ّى قدوا ِه من السافلين والسافالت ممن صنع منهم اإلعالم أبطا ً‬
  ‫ب‬                                                        ‫ب ه‬           ‫ل‬
 ‫ونجومًا. هذا اليتم وّد شبا ًا تائ ًا في دروب االنحراف والرذيلة، ال يلقى موجها وال يجد محاس ًا‬
    ‫وال معاتبًا. هذا اليتم ضحاياه بنات في عمر الزهور وقعن في شراك المعاكسات، وانتهى بهن‬
        ‫المطاف إلى نهاية أليمة وعواقب وخيمة. هذا اليتم ضحاياه شباب صغار أدمنوا التدخين،‬
                           ‫ي‬                                     ‫خ‬                ‫ر‬
  ‫وتو ّطوا في انحرافات ُلقية؛ ألنهم فقدوا من يسأل عنهم وهو ح ّ. هذا اليتم ضحاياه جيل من‬
 ‫شباب األمة غرق في وحل المخدرات ومستنقع الشهوات. ضحايا هذا اليتم أبناء أضاعوا الصالة‬
                          ‫ال بني‬
    ‫واتبعوا الشهوات؛ ألنهم لم يظفروا بالولي الذي يخاطبهم قائ ً: يا َّ أقم الصالة. ضحايا هذا‬
                                          ‫ال‬
      ‫اليتم شباب تجدهم مع كثبان الرمال، يمارسون أعما ً تأنف منها الرجولة وتتنافى مع الحياة‬
   ‫والمروءة. ضحايا هذا اليتم طالب فاشلون في حياتهم الدراسية والعملية. هذا اليتم صنعه اآلباء‬
                         ‫يوم أن شغلوا عن بيوتهم، وأصبحت االستراحات مكان أنسهم ومتعتهم.‬
      ‫ف‬                                                                ‫س غ‬             ‫ن‬
  ‫إ ّ هناك أنا ًا ش ِلوا عن بيوتهم بكسب المال، فترى الواحد منهم يكدح طوال النهار وطر ًا من‬
‫الليل، وال يعود إلى داره إال مكدود الجسم مهدود القوى، قد استنفد طاقته حتى لم يعد لديه استعداد‬
                                  ‫ال‬
  ‫لحديث وال مؤانسة ألهله وولده، قد يكسب من ورائه ما ً ومتاعًا، ولكنه يعرض نفسه لخسران‬
                                                       ‫الحياة الزوجية وضياع األوالد والذرية.‬
   ‫وأسوأ من هؤالء أناس شغلوا عن بيوتهم بمعاشرة األصدقاء والسمر في االستراحات وحضور‬
      ‫الحفالت والسهرات واالشتراك في الرحالت، فترى الواحد منهم بعيدا عن بيته وأهله معظم‬
‫األوقات، وإن لم يذهب من الدار جاء هؤالء األصدقاء إليه. إن هذا اإلنسان قد يكسب ود عدو من‬
     ‫األصدقاء، وقد يكسب سمعة اجتماعية جيدة، ولكنه يعرض نفسه إلى خسران السعادة البيتية.‬
‫وهناك أناس شغلوا عن أوالدهم بأمور محمودة، فتراهم في ذكر وعبادة ونصح للناس ودعوة. إن‬
 ‫هؤالء جميعًا قد فقدوا القدرة على الموازنة بين الحقوق المقدمة، وفقدان القدرة على هذه الموازنة‬
                                                                                 ‫ال‬
              ‫يورث خل ً واضطرابًا في الحياة الداخلية للفرد منهم في حياته مع زوجته وأوالده.‬
‫إن األهل والذرية ـ أيها المسلمون ـ من أحق الناس بالعناية وبأن توجه الدعوة إليهم. إن الواحد‬
     ‫من هؤالء الذين فقدوا القدرة على تلك الموازنة ال يلبث أن يستيقظ من غفلته فإذا هو في وادٍ‬
                                                                ‫د‬
   ‫وزوجته وأوالده في وا ٍ آخر، أفكاره غير أفكارهم، ومواقفه تختلف عن مواقفهم، وسلوكه في‬
      ‫الحياة بعيد عن سلوكهم، وذلك ألنه ترك أهله وأوالده خاضعين لمؤثرات أخرى من وسائل‬
‫اإلعالم بأنواعها والبيئة والعالقات والقرابات، وربما كان كثير منها ال يتفق مع اتجاهه في الحياة.‬
         ‫ومن أصعب األمور على النفس أن يرى المرء زوجه وأوالده يسيرون في طريق الزيغ‬
                                                                        ‫واالنحراف والضالل.‬
                                                   ‫خ‬
   ‫التفكك األسري بكافة أشكاله سواء تم ّض عن إهمال أو سوء تربية أو افتراق بين الزوجية أو‬
‫انشغال عن األهل واألوالد، كل هذه األشكال من أسباب انحراف األحداث وتربة خصبة في نفسية‬
                                                                           ‫ب‬
                         ‫الولد الستقبال ُذور الجريمة، وترعرع هذه النبتة في هذا الجو الملوث.‬
 ‫إن الطفل بحاجة ملحة إلى التغذية النفسية، وهذه األجواء تحرمه من هذا الغذاء، فال يسعد بالحنو‬
          ‫الكافي، وكيف يرجى أن يستقبل األب دنيا الناس بالشر وقد عبثت بحقه معاول اإلهمال‬
     ‫والضياع؟! والذي أضاع حقه من الرعاية والعناية هو الذي دفع به إلى هوة التشرد ومستنقع‬
                                                                                     ‫األشرار.‬
   ‫ت كل‬
   ‫وإذا اجتمع مع انشغال اآلباء انشغال األمهات بالوظائف واألعمال كان األمر أسوأ حينما ُو َ ُ‬
       ‫ط‬
     ‫األمور إلى الخادمات ومؤثرات أخرى، فهذا الجيل الغربي من التائهين والضائعين المح ّمي‬
‫األعصاب المبلبلي األفكار القلقي النفوس، وهذه النسبة اآلخذة في االرتفاع حسب إحصاء الغربيين‬
  ‫أنفسهم لالنحراف والشذوذ بكل صوره وألوانه، هذه الظواهر واآلثار كلها هي من آثار التجربة‬
  ‫التي خاضها الغرب في المرأة؛ ألن هؤالء جميعًا هم أبناء العامالت والموظفات الذين عانوا من‬
 ‫إرهاق أمهاتهم وهم في بطونهن، ثم تعرضوا إلهمالهن بعد أن وضعنهن، وماذا يبتغي الناس من‬
                                                           ‫تجربة فاشلة كهذه؟! أفال يتدبرون؟!‬
                 ‫ر‬        ‫ر ر‬
   ‫لذلك اعتبر اإلسالم إهمال األطفال واالنشغال عنهم جرمًا كبي ًا وش ًا مستطي ًا، وفي الحديث:‬
  ‫((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت))، وقال لقاسي الفؤاد الذي يبخل مع طفلة بالقبلة الحانية:‬
                                                                                        ‫و‬
       ‫((أ َأملك أن ينزع اهلل من قلبك الرحمة؟!))، واعتبر كال من الزوجين متحمالً أمانة التربية‬
                                                        ‫والرعاية: ((وكل مسؤول عن رعيته)).‬
      ‫وشرع الدين وسائل عدة للتقارب الزوجي إذا انفجرت براكين الخالف مخافة أن ينفرط عقد‬
      ‫التالحم األسري، ولم يشرع الطالق إال عند تعذر الوفاق. كل هذا وذاك حماية للناشئين من‬
  ‫الضياع والتشرد، ورغبة في إيجاد نشء سوي ال يعتريه النقص النفسي، وال يتأرجح في سلوكه‬
                                                                                          ‫المستقبلي.‬
   ‫ر‬                                    ‫ي‬
‫أيها المسلمون، إن هؤالء الذين يشتغلون عن أهليهم َجْنون بعد حينٍ المصاب والعلقم، ويتج ّعون‬
                                                     ‫ق‬
                     ‫غصص العناء والشقاء، والحياة اليوم مع ّدة الجوانب مترعة بأسباب التأثير.‬
                                    ‫ِر‬
  ‫أخي رعاك اهلل، ال أدعوك لكي تكون حبيس منزلك، مؤث ًا العزلة، قابضًا يدك عن التعاون مع‬
    ‫بني جنسك، قاطعًا عالقاتك بالناس، تاركًا الدعوة إلى اهلل والسعي في طلب الرزق، وإنما هي‬
    ‫دعوة للتوازن وإعطاء كل ذي حق حقه قدر اإلمكان، فوازنْ بين الحقوق، وليكن لك مع أهلك‬
   ‫وأوالدك وقت تملؤه بالمؤانسة العذبة والحديث الجذاب، وأشرق عليهم بعطفك ولطفك وحنانك؛‬
 ‫ذلك من أجل أن ال ينشأ أوالدنا أيتامًا ونحن أحياء، وحتى نسعد بالولد الصالح والذرية المباركة.‬
                             ‫أستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‬
                                                                                         ‫ر‬
                                                                                       ‫تسليمًا كثي ًا.‬
   ‫أما بعد: فأسوأ األيتام حاالً أيتام العلم واألدب، من يعيش بين أبوين ال يدركان من معاني األبوة‬
   ‫واألمومة وحقوقها إال جلب الطعام والشراب وتأمين وسائل الترفيه وتحقيق طلبات األبناء دون‬
 ‫قيود أو ضوابط شرعية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ومن هؤالء من زرعوا بذور الفساد‬
‫واإلفساد في بيوتهم، يوم أن نصبوا فيها أجهزة تبث الرذيلة وتحارب الفضيلة وتقتل الحياء وتسلب‬
‫الصفاء والنبل من األبناء، أجهزة أثبتت األحداث والوقائع أنها هزت أخالق األمة وخلخلت ثوابتها‬
‫ونزعت معالم الدين وتعظيم الشعائر من قلوب الناس، أجهزة ساهمت في صد الناس عن ذكر اهلل‬
                                                                      ‫وعن الصالة، وجر‬
   ‫َّأت الشباب على الجرائم والسلوكيات الخاطئة، وعلمت الفتيات فنون التمرد‬
     ‫على القيم واآلداب واألخالق، وفي كل يوم يظهر للعيان من شأنها شان، فَ َا ِهَ ُالء الْقَومِ َ‬
     ‫ْ ال‬          ‫م لؤ‬
                                                                              ‫َد‬     ‫ه‬           ‫ي د‬
                                                             ‫َكَا ُونَ يَفْقَ ُونَ ح ِيثًا [النساء:72].‬
                                                                                       ‫ت‬
    ‫إن بي ًا فيه هذه األجهزة أبناؤه أيتام ولو كانوا بين أبوين يغدقان عليهم صنوف اللباس والطعام‬
    ‫والشراب، إن أبًا يجلب هذه األجهزة لبيته لهو أب يصنع معالم اليتم وأمارات الحرمان، ويداه‬
                                                                                   ‫أوكتا وفوه نفخ.‬
                                           ‫إن مثل هذا األب هو من عنته تلك الفتاة حينما قالت:‬
                                                ‫ألبستنا ثوب الرذيلة ضافيا…وتركتنا نَختال فيه و نرفل‬
                                                 ‫ت‬                       ‫ب‬                    ‫إن‬
                                              ‫ِّي ليحزنني بأنك يا أ ِي…يوم القيامة عن صناعي ُسأل‬
 ‫أيها المسلمون، إن اهلل سائل كل راع عما استرعاه: حفظ ذلك أم ضيعه، و((ما من عبد يسترعيه‬
  ‫اهلل رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إال حرم اهلل عليه الجنة))، و((كفى بالمرء إثمًا أن‬
                               ‫يضيع من يقوت))، بهذا صحت األخبار عن النبي المصطفى المختار.‬
 ‫قال ابن القيم رحمه اهلل: "فوصية اهلل لآلباء بأوالدهم سابقة على وصية األوالد بآبائهم، فمن أهمل‬
   ‫تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية اإلساءة، وأكثر األوالد إنما جاء فسادهم من قبل‬
                        ‫ر‬
  ‫اآلباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغا ًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم‬
                                                                                       ‫ر‬
                                                                                    ‫ولم ينفعوا آباءهم كبا ًا".‬
                                   ‫َر‬
‫أيها اآلباء الكرام، لكي نرفع عن أبنائنا اليتم األقسى واألم ّ ولكي ال نجعل من أبنائنا يتامى ونحن‬
                                           ‫ر‬                 ‫ر‬
    ‫أحياء، لكي نسعد بصالحهم وب ّهم في الحياة ونق ّ بدعائهم بعد الممات، فإن في هدي اإلسالم‬
                                                                                     ‫وتعاليمه الدواء والغذاء.‬
                                 ‫ِ‬         ‫ِّ ْ‬
  ‫أيها األب المبارك، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، فقوم نفسك تستقمْ لك ذريتك، إذ كيف يستقيم الظل‬
      ‫والعود أعوج؟! وانظر كيف حفظ اهلل اليتيمَين بصالح والدهم، قال تعالى: َأ َّا الْج َار فَكَا َ‬
      ‫وَم ِد ُ ن‬
                                                                                   ‫َد‬      ‫لغ م يت م ِ ف‬
                                                            ‫ِ ُلَا َيْنِ َ ِي َيْن ِى الْم ِينَةِ اآلية [الكهف:77].‬
‫اجعل من هدي رسول اهلل لك منهجًا وقدوة، فهو النبي الذي لم تشغله هموم األمة وتكاليف الرسالة‬
      ‫ر‬
     ‫عن القيام بحقوق األهل والذرية، واقرأ في سيرته وقصصه مع أبنائه وأبناء بناته تجد صو ًا‬
                                                                         ‫تعجز الكلمات عن وصف دالئلها.‬
                 ‫ق‬          ‫بي‬                    ‫ق‬
   ‫االنشغال عن األهل والولد تفريط في ح ّ الرجل واألسرة وظلم ِّن، وإن أح ّ الناس بتوجيهك‬
    ‫ر‬                                       ‫تر‬
  ‫أوالدك وزوجك الذين معهم تعيش وبهم ُع َف، وشرهم وخيرهم مقرون بك، فكن لهم معاش ًا،‬
‫وال تتركهم نهبًا للوساوس والخطرات وعرضة للوحشة واألزمات وفريسة للمغريات والمفسدات.‬
  ‫اغرس في أوالدك بذور الفضيلة، وجنبهم خوارمها، وراقب تصرفاتهم، وتعرف على جلسائهم،‬
  ‫واربطهم بالصحبة الصالحة والمجالس اإليمانية، ونمْ بعدها قرير العين، ال نومة غافل متساهل،‬
                             ‫ولكن نومة من ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا، فهو يقظان نائم.‬
‫وغذ‬                                                                                  ‫َص‬
‫ح ِّنْ أفكار أوالدك بنين وبنات من األفكار الرذيلة والدعوات المنحرفة والدعايات المضللة، ِّ‬
‫عقولهم بالعلم النافع والغذاء الفكري الهادف. أشركْ شريكة حياتك وأوالدك الكبار في مهمة رعاية‬
                                                            ‫األسرة وتنشئة أفرادها على الخير والفضيلة.‬
                                 ‫ب‬       ‫م‬
‫وبعد أن تبذر البذرة وتغرس الفسيلة ارفع يدك إلى َنْ قلو ُ العباد بين أصبعين من أصابعه وقل:‬
    ‫م َ ج َ ُ ّي تن‬                    ‫َب ه‬                           ‫ه ل م َّد ذ ّي يب‬
   ‫يا رب، َبْ ِى ِن ل ُنْكَ ُر َّةً طَ ّ َةً [آل عمران:37]، وقل: رَّنَا َبْ لَنَا ِنْ أزْوا ِنَا وذر َّا ِ َا‬
‫ق َّةَ أَعْ ُنٍ [الفرقان:42]، كما قال عباد الرحمن، ور ّد: ر ِّ أَو ِعْ ِي أَنْ أَشْك َ ِعْ َتَ َ َّ ِي َنْ َمْ َ‬
‫ُر ن م ك الت أ ع ت‬                      ‫د َب ْز ن‬                                                  ‫ُر ي‬
                ‫ض ه وَ خ ن ب م َ ف عب الص لح‬                           ‫ل‬      ‫َ‬         ‫عَي وع و ِ َي و‬
 ‫َل َّ َ َلَى َالد َّ َأَنْ أَعْملَ صَاِحًا تَرْ َا ُ َأدْ ِلْ ِي ِرَحْ َتِك ِي ِ َادِكَ َّاِ ِينَ [النمل:15]،‬
   ‫وإنك بعدها ستسعد بإذن اهلل بأبناء بررة وذرية صالحة ترفع رأسك في حياتك، وتدعو لك بعد‬
              ‫ق‬                                                          ‫تف‬
  ‫مماتك، ويوم أن ُغ ِل ذلك فأبناؤك يتامى ولو كنت فوق أطباق الثرى، فإن اليتيم ح ًا يتيم العلم‬
 ‫واألدب، ويوم أن تفعل ذلك سيسعد أبناؤك بتربيتك وعلمك ولو حرموا من روحك وجسمك. وإذا‬
  ‫فعلت السبب ولم يتحقق لك الطلب فاعلم أن ذلك ابتالء من اهلل، واهلل يختص برحمته من يشاء،‬
     ‫ولك في نبي اهلل نوح مع ابنه أسوة، وحسبك أنك قمت بالرسالة وأديت األمانة، فبرئت ذمتك‬
                                                                          ‫ورفعت عنك المالمة.‬
                                    ‫ة‬                                                ‫أقر‬
         ‫َّ اهلل عينك بصالح أهلِك وولدك، وأسعدك بهداية فلذ ِ كبدك، إنه على كل شيء قدير.‬
                                            ‫ذ‬      ‫م َش‬                          ‫صل‬
              ‫اللهم ِّ وسلم على خير البشر و َنْ ب َّر وأن َر نبينا محمد وعلى آله وصحبه...‬

‫(5/1354)‬




                                                                          ‫رمضان وأحوال األمة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                           ‫الفتن‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                   ‫أحمد بن عبد العزيز الشاوي‬
                                                                                          ‫بريدة‬
                                                                                    ‫5/1/7745‬
                                                                           ‫جامع المنتزه الشرقي‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
                                                                ‫ل‬
  ‫5- الفتن واالبتالء الذي ح ّ باألمة. 7- الغزو لألنظمة والقوانين من الكفرة على أمة اإلسالم.‬
      ‫3- الفساد الداخلي لألفراد والمجتمعات سبب نكستنا. 4- الحل هو الفرار إلى اهلل سبحانه.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                  ‫ف‬         ‫د كل‬                ‫و‬
‫أما بعد: في كل مجتمع مسلم لقاء بين زائر َمزور، لقاء يتج ّد َّ عام، تح ّه الخيرات والمكارم‬
   ‫واإلنعام، أ ّا ال َزور فكل مسلم رضي باهلل ربًا وباإلسالم دينًا وبخير األنام محمد نبيًا ورسو ً‬
   ‫ال‬                                                                        ‫م م‬
                                         ‫ر‬
‫وكل مؤمن يرجو اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كثي ًا، أما الزائر فضيف عزيز كريم يحل علينا كل‬
  ‫عام يحمل معه المكارم والبشائر، ويفيض على األمة من سحائب الجود اإللهي والكرم الرباني.‬
  ‫يحل علينا كل عام، فتستقبله األمة بالوجوه الباسمة والنفوس السامية والهمم العالية، لكن في هذا‬
                         ‫العام قد زارنا ونعم الزائر هو، فاستقبلته الوجوه البائسة والهمم الباردة.‬
                                        ‫ال‬
                                       ‫خاطب الضيف العزيز مضيفه فتكلم وافد المسلمين قائ ً:‬
                                                          ‫ب‬
                                         ‫مرحبا أهالً وسهالً بالصيام…يا حبي ًا زارنا في كل عام‬
                                                               ‫ن‬
                                       ‫عذركم شهرنا عما ترى…إ ّ أرض المسلمين اليوم تضام‬
                                                                ‫ر‬
‫أيها الشهر المعظم، عذ ًا فنحن واهلل ال نعرف أفضالك وال ندرك جاللك وال نستشعر نفحاتك وال‬
     ‫ن‬                                                             ‫ر‬
 ‫نستقي من بركاتك. عذ ًا أيها الشهر المعظم، قد حللت علينا هذا العام ونحن نصارع طوفا ًا من‬
                                                                             ‫ج‬
   ‫الفتن هائجًا ومو ًا من الهموم عاتيًا، تحل علينا هذا العام وأمة اإلسالم قد رمتها أمم الكفر عن‬
        ‫ُّهم، ُّهم ورافضي‬
      ‫ُّهم‬                      ‫ُّهم، شيوعي‬
                 ‫ُّهم وهندوسي بوذي‬                 ‫قوس، وتكالب علينا األعداء يهودي‬
                                         ‫ُّهم ونصراني‬
                ‫ي‬            ‫ُّهم، وأمة اإلسالم ما بين مظلوم ُداس كرامته ويهج‬
   ‫َّر من بلده و ُحال بينه وبين‬             ‫ت‬                                        ‫ق‬
                                                                           ‫مناف ُهم وعلماني‬
   ‫شريعة ربه، وما بين متخاذل خذل إخوانه في موقف أهينت فيه كرامته، وانتقص فيه عرضه،‬
                                                       ‫ال‬
                                              ‫وما بين ضعيف ال يملك حوالً وال طو ً وال قوة.‬
 ‫يا شهر اهلل المعظم، نحن المسلمين قد أوذينا في ديننا وعقيدتنا ودمائنا من قبل أن تأتينا ومن بعد‬
  ‫ن‬
‫ما جئتنا. يا شهر اهلل المعظم، تحل علينا هذا العام وقد أطلت الفتن بأعناقها وأصبح الحليم حيرا ًا،‬
                                                        ‫ص‬                         ‫ب‬
‫تذبذ ٌ في اآلراء والمواقف، نكو ٌ على األعقاب، انهزامية نفسية، تناقض في األحكام والفتاوى،‬
                                        ‫م‬
                                  ‫فأصبحت األمة تعيش فراغًا تبحث فيه عن مرجعية ول ّا تجد.‬
         ‫ز‬      ‫ف‬                                             ‫ر‬
 ‫يا أيها الشهر المعظم، عذ ًا على الجفاء وضعف االحتفاء فأنت تحل علينا ضي ًا عزي ًا في زمن‬
‫ظهرت فيه خفافيش الظالم وهم المنافقون الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وبرز فيه‬
  ‫أصحاب الشهوات الذين يريدون أن تميل األمة ميالً عظيمًا، ظهروا في زمن انشغلت فيه األمة‬
    ‫بمصائبها، وهكذا هم ال يظهرون إال في األزمات، يظهرون ليبثوا سمومهم ولينشروا أفكارهم‬
‫العفنة ودعواتهم المنحرفة والتي تهدف إلى إفساد أخالق المجتمع ونبذ األحكام الشرعية التي تكفل‬
                                                          ‫قيام مجتمع محافظ تسود فيه الفضيلة.‬
                     ‫ث‬                                ‫ي‬
   ‫لقد استغلوا انشغال األمة رعاة ورع ّة باألحداث الجارية، فبدؤوا في ب ّ سمومهم، فسمعنا عن‬
                                      ‫ع‬
 ‫دعواتهم إلصدار بطاقات للمرأة تحمل صورتها بل قد ف َلوا، وقرأنا عن دعواتهم لتغيير المناهج‬
  ‫ألنها ـ بزعمهم الكاذب ـ تخلق جيالً يحمل مبادئ اإلرهاب والتطرف وتغذي روح العدوانية،‬
   ‫ونسوا بل تناسوا أن المناهج اإلسالمية التعليمة في بلدنا هي السبب بعد اهلل في ترابط المجتمع‬
    ‫وتربية أفراده على االنتماء للدين واألمة، وأنها هي التي تربي الناشئة على طاعة اهلل وطاعة‬
        ‫ز‬
 ‫رسوله والسمع والطاعة لمن والهم اهلل أمر األمة، وأنها هي التي تصنع جيالً مسلمًا معت ًا بدينه‬
                                                 ‫ر‬                                       ‫ر‬
‫مفتخ ًا بانتمائه إلى بلد المقدسات، جيالً قاد ًا على الدفاع عن بلده وأمته إذا اشتدت األزمات، أما‬
                                                     ‫ج‬
  ‫المناهج التي يريدها المنافقون فمناه ُ تغذي في الناشئة روح الوالء ألعداء اهلل، وتضعف جانب‬
 ‫التميز والشعور بالعزة اإلسالمية، مناهج تربي الشباب على الميوعة في المبادئ واألفكار، فينشأ‬
                                                                      ‫جيل ضعيف االنتماء لدينه ووطنه.‬
 ‫يا أيها الشهر المعظم، معذرة على هذا الجفاء، فنحن نستقبلك واألمة تعيش أحداثًا أبرزت الحقائق‬
 ‫وأظهرت الخلل في عقيدة الوالء والبراء عند المسلمين، فأصبحنا نسمع من يدعو لنصرة الكفار،‬
‫ونقرأ لكتاب يسخرون من اإلسالم والمنتسبين إليه، وأصبحنا نسمع من يدعو إلى اهلل أن يرفع عن‬
  ‫الله‬        ‫م‬                               ‫ي‬
  ‫الكفار الجمرة الخبيثة، وآخر يفر من المساجد التي ُقنت فيها للمسلمين، وصدق اهلل: َّا كَانَ َّ ُ‬
                                  ‫َّي‬     ‫ب م‬               ‫ل َ َ م من عل م ت ع َت ي‬
                ‫ِيذرَ الْ ُؤْ ِ ِينَ ََى َا أَن ُمْ َلَيْهِ ح َّى َمِيزَ الْخَ ِيثَ ِنْ الطِّبِ [آل عمران:125].‬
                             ‫ي‬
     ‫يا شهر اهلل المعظم، نحن نستقبلك وأمة اإلسالم تعيش حربًا ظالمة، ُقتل فيها األبرياء، وتهدم‬
  ‫البيوت، وتسفك فيها دماء الضعفاء من األطفال والشيوخ والعجائز والنساء، حرب صليبية تحت‬
                                            ‫ي َر‬
     ‫غطاء محاربة اإلرهاب، وتحت هذا الغطاء ُج ُّ المسلمون إلى استعداء إخوانهم وزرع بذور‬
                                                                                             ‫ل‬
                                                                               ‫الحقد والغ ّ بين المسلمين.‬
                                                       ‫ل‬
 ‫يا أيها الشهر الذي زارنا، تح ّ علينا هذا العام وقد حصحص الحق، واتضحت الحقائق، وانكشف‬
      ‫ر‬
  ‫المغطى، وبرزت نتائج الحرب الصليبية التي يسمونها الحرب ضد اإلرهاب. لقد تبين أخي ًا أن‬
                                                                     ‫ي ر‬
     ‫اإلرهاب الذي ُحا َب هو إعفاء اللحى وارتداء الحجاب والترفع عن الغناء والموسيقى، وأن‬
                                               ‫اإلرهاب هو التوحيد الخالص وهدم المظاهر الشركية.‬
  ‫لقد بدت الحملة الصليبية لمكافحة اإلرهاب، فحلق الناس لحاهم، وتسابقت النساء لنزع الحجاب،‬
                                                  ‫و‬
 ‫وفتحت المزارات واألضرحة لز ّارها، وصدحت في وسائل اإلعالم أصوات الموسيقى، وصدق‬
                                    ‫ع‬            ‫و َز ل ي تل ُ َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
                    ‫اهلل: َالَ ي َاُونَ ُقَا ُِونَكمْ حَّى ير ُّوكمْ َن ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا [البقرة:257].‬
  ‫أال ليت الحالقين للحلى، ويا ليت المتبرجات من النساء، ويا ليت السامعين للغناء، يا ليت هؤالء‬
      ‫يدركون أنهم بأفعالهم تلك يحققون أهداف الحملة الصليبية على األمة اإلسالمية من حيث ال‬
                                                                                                    ‫يشعرون.‬
                                   ‫ش‬                                   ‫م‬
    ‫ويا أيها الرجال المتج ّلون باللحى، ويا أيتها النساء المتح ّمات، ويا أهل الصالح واالستقامة،‬
                                        ‫ئ‬      ‫ي‬
    ‫هنيئًا لكم وصف اإلرهاب بمفهومه الغَربي الكفر ّ، هني ًا لكم عداوة الكفار لكم وعداوتكم لهم.‬
  ‫يا أيها الشهر الكريم، لقد استعدت لك األمة وتهيأت الستقبالك، فاإلعالنات التجارية والزحام في‬
    ‫األسواق ينبئك عن حال فئة من الناس ال ترى فيك إال موسمًا لملء البطون والتنافس في كثرة‬
         ‫الصحون، ووسائل اإلعالم جعلت منك موسمًا للهو والترفيه غير البريء، عبر الفوازير‬
‫والمسلسالت الساقطة مما طاش به عقل الحليم، وما طاش إال لما فيها من السفه والسقوط الوخيم.‬
  ‫يا أيها الشهر المعظم، حللْتَ علينا واليهود والنصارى عبر وسائل إعالمهم الفاسدة المفسدة تشن‬
  ‫حربًا إعالمية جائرة على بالدنا، واصفة إياها بتبني اإلرهاب واإلفساد، ولعمرو اهلل إنها تعلم أن‬
                                                ‫َد‬
  ‫بالدنا لم تعتد على أحد، وال ترضى أن يعت َى على أحد، لكنهم يعنون باإلرهاب أننا دولة تحكم‬
‫باإلسالم، وتقيم شعائره، وتعلم مبادئه، وتنشر تعاليمه في العالم عبر المراكز اإلسالمية والجمعيات‬
   ‫يه د و النص ر َت َتبع‬                     ‫ض ع‬        ‫ول‬
   ‫الخيرية، وصدق اهلل وهذا يؤكد الحقيقة اآلية: ََن تَرْ َى َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّ َا َى ح َّى تَّ ِ َ‬
                  ‫ر‬                                        ‫ب‬                                   ‫ِل ُ‬
         ‫مَّتَهمْ [البقرة:075]، وإذا كان هذا إرها ًا فليشهد العالم أننا إرهابيون وأننا متط ّفون وأننا‬
                                                           ‫مستعدون لتحمل تبعات هذا اإلرهاب وتكاليفه.‬
  ‫أما النساء فيرين فيك فرحة للهروب إلى األسواق والتجوال فيها قرب السحر، حيث يوأد الحياء‬
  ‫وتقتل المروءة والشهامة، حيث ينصب الشيطان راية للشباب. قد تهيئوا لك بتجهيز االستراحات‬
                                          ‫ر‬
                     ‫وتهيئة المالعب، هؤالء هم الناس الذين يستقبلونك، فعذ ًا أيها الشهر المبارك.‬
                                                   ‫ل‬
‫يا ضيفنا، يا شهر اهلل المعظم، حينما تح ّ علينا يغدو إلى المساجد أناس تعرف منهم وتنكر، ما هم‬
   ‫بجن وال مالئكة، كل ما نعرفه عنهم أنهم مسلمون، ويسمعون نداء اهلل يجلجل في بيوتهم طوال‬
                ‫ل‬                      ‫ل‬
      ‫العام، لكنهم ال يعرفون طريقًا إلى بيت اهلل إال حينما تح ّ علينا، وحتى حينما تح ّ علينا فهم‬
                                                                                 ‫يث‬
   ‫َك ُرون عند المغرب والفجر، وينامون عن الصالة في الظهر والعصر، فبئس القوم ال يعرفون‬
                                                                                          ‫اهلل إال في رمضان.‬
‫يا شهر اهلل العظيم، هذه بعض حالنا، وهذا خبر ما عندنا، وهذا هو عذرنا حينما استقبلناك بالفتور‬
                                                            ‫وضعف العزيمة، فيا ترى ما خبر ما عندك؟!‬
              ‫َ ال‬
     ‫قال الضيف العزيز: أما خبر ما عندنا فسوف أنبئك به بعد أن تستريح وتريح قلي ً، وبعد أن‬
                                                                                 ‫ر‬       ‫ب‬
                                   ‫تستغفروا ر ّكم كثي ًا، فأستغفر اهلل لي ولكم، إنه هو الغفور الودود.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
            ‫ر‬
          ‫هلل، والصالة والسالم على رسول اهلل، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
 ‫أما بعد: فبعد أن قال وافد المسلمين قوله ووصف حالهم أجاب الزائر الكريم شهر رمضان المعظ‬
‫َّم‬
                          ‫ل‬                                   ‫مت‬
‫بلسان الحال فقال: قد تس ّع ُ ـ يا وافد المسلمين ـ إلى مقالك وتأّمت لحالك، وآلمني أن تكونوا‬
                                                                           ‫و‬       ‫ن‬
  ‫آيسين قَ ِطين، أ َما علمتم أنه ال ييأس من روح اهلل إال القوم الكافرون، وال يقنط من رحمة ربه‬
                                                                                                 ‫إال الضالون؟!‬
   ‫َق ع ن ْر‬                ‫و‬                                               ‫ي‬                      ‫ِ‬
   ‫لمَ اليأس ووعد اهلل لن ُخلَف وكلمته ال تتبدل وسنته في األمم ال تتغير؟! َكَانَ ح ًّا َلَيْنَا َص ُ‬
   ‫َ ُو ُ وي ل ُ ْ ف‬               ‫عس َبك أ ي‬                                                   ‫م م ن‬
  ‫الْ ُؤْ ِني َ [الروم:24]، إن أوذيتم في دينكم وعقيدتكم ف َ َى ر ُّ ُمْ َن ُهْلِكَ عد َّكمْ َ َسْتَخِْفَكم ِى‬
‫تب ن‬              ‫د‬                                              ‫مل ن‬         ‫ْ ِ ي ُر ْ‬
‫األرض فَ َنظ َ كَيفَ تَعْ َُو َ [األعراف:175]، وإن تسلط المنافقون فأظهروا كي َهم ومكرهم و َ َي َ‬
     ‫َر ْ ف‬          ‫ْر م ع ِ ي بح عل‬                                    ‫عس الله أ ت‬
    ‫مسارعتهم خلف العدو فَ َ َى َّ ُ َن يَأْ ِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَم ٍ ّنْ ِندِه فَ ُصْ ِ ُواْ ََى مَا أَس ُّوا ِى‬
                                       ‫ة‬                                             ‫فس ِ دم‬
‫أَن ُ ِهمْ نَا ِ ِينَ [المائدة:71]. ثم إنه ال تصيب األمةَ مصيب ٌ إال بما كسبت أيديهم، وكيد المنافقين ال‬
       ‫ج‬                                                  ‫ل‬                                   ‫ي ج‬
      ‫ُوا َه بالتشاكي وال بالتباكي، وإنما الح ّ بأيديكم أنتم أيها المسلمون. إن كيد المنافقين يوا َه‬
                    ‫باستنكاره والرفع إلى من بيده األمر، فإن اهلل يزع بالسلطان ما ال يزع بالقرآن.‬
    ‫كيد المنافقين يواجه بزرع بذور اإليمان في األسرة وتربية النساء والناشئة على رفض كل ما‬
                                        ‫ي‬      ‫ر‬
  ‫يخدش بالحياء أو يجرح الكرامة أو يخالف أم ًا شرع ًا وتربيتهم على االعتزاز بالدين والحشمة‬
                                                                                                                ‫والحياة.‬
                               ‫ث‬
 ‫كيد المنافقين يواجه بتكثيف الدعوة واإلصالح في الناس وب ّ الخير وإيصال كلمة الحق إلى كل‬
 ‫بيت وكل فرد في المجتمع، أما أن ينشغل المصلحون فيما بينهم بنقاشات وردود وانتصار للنفس‬
         ‫ص‬
  ‫فذلك مما يفتح الثغرات للمنافقين ويضعف أثر الصالحين، وما نجح منافق إال بما ق ّر مصلح.‬
‫أما ما ذكرتَ من كيد األعداء وحربهم على المسلمين وقلبهم للحقائق وتالعبهم بالمصطلحات فذاك‬
   ‫َض‬               ‫َن وِ‬         ‫َِذ ق ُ ْ ل‬                                      ‫ب‬
 ‫أمر قد علمناه في كتاب رّنا، وقد نبأكم اهلل من أخبارهم: وإ َا لَ ُوكم قَاُواْ ءام َّا َإذَا خَلَوْاْ ع ُّوا‬
                             ‫ُّد‬        ‫ِ ق م ت ب ظ ُ ِن الل ع م ِ‬                         ‫ِ م‬            ‫ع ُ‬
          ‫َلَيْكمْ األَنَاملَ ِنْ الغَيْظ ُلْ ُو ُوا ِغَيْ ِكمْ إ َّ َّهَ َلِي ٌ بذَاتِ الص ُورِ [آل عمران:155].‬
        ‫أما ما تشكوه من حال فئة من الناس ال يرون في الحياة الدنيا إال فرصة للمآكل والمشارب‬
   ‫والمالهي والمالعب فتلكم حال أهل الهمم الضعيفة الذين ال يرون في الحياة إال أنها لهو ولعب‬
                          ‫وزينة وتفاخر، ونسوا أنه في اآلخرة عذاب شديد ومغفرة من اهلل ورضوان.‬
                                                                                                           ‫ك‬
                                                                                                        ‫لكنني أذ ّرك:‬
                                                                      ‫ف‬              ‫د‬       ‫ل‬      ‫إن لل ع د ف‬
                                                                  ‫َّ َّه ِبا ًا ُطَنا…طّقوا ال ّنيا وخافوا ال ِتَنا‬
                                                               ‫يسن‬               ‫أن‬      ‫د م ع‬              ‫َر‬
                                                              ‫ج ّبوا ال ّنيا فل ّا َرفوا… َّها ليست لِح ّ َك ًا‬
                                                                 ‫س‬                        ‫ُج وات‬
                                                              ‫جعلوها ل َّة َّخذوا…صالحَ األعمال فيها ُفنا‬
‫م الله‬              ‫َر ُ ُكع س َّد ي غ‬                                                          ‫ن‬
‫فكما أ ّ في الناس من يريد الدنيا فمنهم من يريد اآلخرة، ت َاهمْ ر َّ ًا ُج ًا َبْتَ ُونَ فَضْالً ّنَ َّ ِ‬
 ‫و ِضْ َانًا ِيمَا ُم ِى ُ ُو ِهمْ ّنْ أَثرِ ُّ ُودِ [الفتح:17]، تَتَ َا َى ُ ُو ُهمْ َنِ الْ َضَاجِ ِ يدْ ُو َ‬
 ‫عَع ن‬           ‫ج ف جن ب ُ ع م‬                                ‫َر و س ه ْ ف وج ه ِ م َ السج‬
                                                      ‫م و ِم َ َ ُ ي فق‬                   ‫َب ُ ْف‬
  ‫ر َّهمْ خَو ًا وَطَ َعًا َم َّا رزقْنَاهمْ ُن ِ ُونَ [السجدة:65]. فهؤالء وأولئك سيلقي كل منهم ما عمل،‬
                                       ‫َر َر َ ه‬                 ‫َر ْر َ ه وم ي َ م‬                       ‫م ي َ م‬
                       ‫فَ َن َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ خَي ًا يرَ ُ َ َن َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ ش ًّا يرَ ُ [الزلزلة:2، 7].‬
‫يا وافد المسلمين، إن من ذكرتهم بأنهم ال يعرفون بيت اهلل إال في رمضان وكأنهم يستكثرون على‬
   ‫اهلل زيارة بيته والنيل من فضله ثم هم يهجرون المساجد ويتركون الصالة بعد رمضان، هؤالء‬
                           ‫بل‬
     ‫يخادعون اهلل والذين آمنوا وما يخدعون إال أنفسهم وما يشعرون. ِّغ هؤالء أن اهلل غني عن‬
          ‫د‬
 ‫عبادتهم، وأن دين اهلل وأحكامه ال يقبل التالعب والمخادعة، وأن األمر بالعبادة ال يح ّ بزمان أو‬
                                                           ‫يق ن‬           ‫و ب ْ َب َت ي ت‬
      ‫مكان، َاعْ ُد ر َّكَ ح َّى َأْ ِيَكَ الْ َ ِي ُ [الحجر:11]، ((اتق اهلل حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة‬
‫تمحها)). قل ألولئك: فَِن َ ُو ُواْ يَ ُ خَي ًا َّ ُمْ [التوبة:42]، فَِن لمْ َسْتَ ِي ُواْ لَك فَاعْلمْ أ َّ َا ي َّ ِ ُو َ‬
‫َ َ َنم َتبع ن‬                      ‫إ َّ ي ج ب‬                         ‫إ يت ب ك ْر له‬
                                                ‫ُد م الل‬          ‫َل ِم ات و ه ب‬                   ‫و ُ وم‬
                                  ‫أَهْ َاءهمْ َ َنْ أَض ُّ م َّنْ َّبَعَ هَ َا ُ ِغَيْرِ ه ًى ّنَ َّهِ [القصص:01].‬
                  ‫ي‬      ‫ظ‬           ‫ر‬                    ‫م‬
       ‫يا وافد المسلمين، اسمع مني وبلغ َنْ وراءك: إني شهر ش ّفه اهلل وع ّمه، ف ّ تفتح أبواب‬
               ‫و‬
  ‫الجنان وتغلق أبواب النيران، وإني ميدان للتنافس والمسارعة إلى الخيرات، فتز ّدوا مني، فإني‬
                                                                                                ‫إذا مضيت ال أعود.‬
                                                ‫ل‬               ‫م‬
 ‫يا وافد المسلمين، بلغ َن وراءك أني أح ّ عليكم وأنتم تنعمون بأمن في الوطن وصحة في البدن‬
 ‫ورغد في العيش وسعة في الرزق، وإنني أفد على آخرين وهم يقضون أيامي في حالة ال يعلمها‬
   ‫إال اهلل جل جالله؛ خوف وجوع ومسغبة وبرد قارس، ال مأوى وال سكن، وال أمن في الوطن،‬
‫يقضون أيامه تحت أزيز الطائرات المهاجمة وزئير الدبابات وأصوات الطلقات، قد حيل بين األب‬
                                                                                            ‫وأبنائه والزوجة وزوجها.‬
    ‫ل‬                                               ‫ن‬             ‫أقدم على قوم على األسر‬
 ‫َّة البيضاء يتمّون أن يصوموا مع الصائمين ويقوموا مع القائمين، بّغوا‬
 ‫من وراءكم أنكم قد بلغتموني وأدركتموني، بينما اخترم الموت أناسًا كانوا مثلكم، لهم من اآلمال‬
 ‫ما لكم، وعندهم من القوة ومن الغنى ما عندكم، لكنهم اليوم في بطون األلحاد صرعى، ويتمنون‬
  ‫هلل ركعة أو سجدة أو صياما، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون. فهؤالء وأولئك سيلقى كل منهم‬
                                ‫َر َر َ ه‬                 ‫َر ْر َره وم ي َ م‬                       ‫م ي َ م‬
                               ‫ما عمل، فَ َن َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ خَي ًا ي َ ُ َ َن َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ ش ًّا يرَ ُ.‬
    ‫يا وافد المسلمين، بلغ من وراءك أن الجنة حفت بالمكاره، وأن سلعة اهلل الجنة غالية، ال تنال‬
                                     ‫ط‬           ‫ل‬
   ‫بالتشهي وال بالتمني، وأن رحمة اهلل التي يعّق عليه الب ّالون آمالهم دون عمل ال يستحقها إال‬
  ‫س تب لَّذ ن َتق ن وي ت الز و َّذ ن ُ ي ت ي من ن‬                                               ‫و مت وسع ُل‬
  ‫أهلها، َرَحْ َ ِى َ ِ َتْ ك َّ شَىْء فَ َأَكْ ُ ُهَا ِل ِي َ يَّ ُو َ َ ُؤْ ُونَ َّكَاةَ َال ِي َ همْ بِآ َا ِنَا ُؤْ ِ ُو َ‬
                   ‫[األعراف:615]، ومغفرة اهلل ال ينالها إال من تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى.‬
                                                               ‫م‬
   ‫يا وافد المسلمين، بلغ َنْ وراءك في شهري المعارك الحاسمة واالنتصارات الرائعة، وأن من‬
 ‫نصر رسوله على المشركين في بدر سينصرهم على الصليبيين اليوم، وأن من فتح مكة لرسوله‬
  ‫سيفتح على المسلمين اليوم فتحًا مبينًا، وأن من أذل التتار في عين جالوت سيذل أحزاب الكفر،‬
                                                                              ‫وإياكم والقنوط، إنكم قوم تستعجلون.‬
              ‫م‬
   ‫يا وافد المسلمين، أنا شهر قبول الدعوات وإغاثة اللهفات وكشف الكربات، فبلغ َنْ وراءك أن‬
 ‫للصائم دعوة ال ترد، وله عند السحر والفطر دعوة مستجابة، فادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه ال‬
                                                                                                          ‫يحب المعتدين.‬
‫وصلوا وسلموا على خير المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه بإحسان إلى يوم‬
                                                                                                                   ‫الدين...‬

‫(5/0454)‬




                                                                                                                  ‫عاشوراء‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                              ‫اإليمان, فقه‬
                                                                                                 ‫الصوم, الوالء والبراء‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫أحمد بن عبد العزيز الشاوي‬
                                                                                                                       ‫بريدة‬
                                                                           ‫جامع المنتزه الشرقي‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فضل صيام يوم عاشوراء. 7- ترك إفراد عاشوراء بالصوم مخالفة لليهود فيه تأكيد على‬
   ‫تميز المسلمين في جميع شؤون حياتهم. 3- المؤمنون حزب واحد مهما تباعدت بينهم األمكنة‬
 ‫وطالت األزمنة. 4- شكر اهلل تعالى مبني على خمس قواعد. 1- تعويد الصغار على فعل الخير‬
                ‫سبيل استقامتهم عليه في الكبر. 6- التحذير من بدع الرافضة في يوم عاشوراء.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
           ‫أما بعد: فاتقوا اهلل يا عباد اهلل، فتقوى اهلل خير وأبقى، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.‬
   ‫ن‬
   ‫وهكذا تتوالى منن الرحمن ومنحه لهذه األمة، فال تكاد القلوب تصدأ والذنوب تتراكم حتى يم ّ‬
                                              ‫عالم الغيوب بستر العيوب ويتوب على من يتوب.‬
   ‫يأتي اليوم العاشر من المحرم وهو يوم من أيام اإليمان، ومناسبة تستحق الشكر والعرفان، بما‬
                                                                  ‫شرع اهلل، ال بما يهوى البشر.‬
‫وفي غمرة الشعور باليأس واإلحباط الذي أصاب المسلمين اليوم من جراء تتابع النكبات والشدائد،‬
‫يأتي يوم عاشوراء ليذكر األمة أنه ال تقف أمام قوة اهلل أي قوة، وال يعجزه شيء في األرض وال‬
                                        ‫في السماء، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون.‬
                  ‫ل‬
  ‫أيها المسلمون، نتفيأ هذه األيام ظالل يوم مبارك، فنتذكر فيه قوة الحق وإن ق ّ أتباعه، وانهزام‬
                                                               ‫الباطل وإن قويت شوكة أصحابه.‬
     ‫عباد اهلل، ما المناسبات اإلسالمية إال اصطفاء من اهلل تعالى لبعض األزمان، وتخصيص لها‬
  ‫بعبادات ووظائف، تأتي تلك المناسبات الكريمة، فتحرك الشعور اإلسالمي في أهله ليقبلوا على‬
                                               ‫ي‬                ‫ر‬
‫اهلل عز وجل، فيزدادوا طه ًا وصفاءً ونقاء، ُقْبل شهر اهلل المحرم فيدعو المسلمين للصيام، حيث‬
                             ‫يقول : ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر اهلل المحرم)) رواه مسلم.‬
    ‫وفي الوقت الذي يذكرنا فيه هذا الشهر بهجرة المصطفى وهي بداية ظهور الدعوة وقيام دولة‬
 ‫اإلسالم نجد كذلك فيه يومًا يذكرنا بانتصار نبي آخر هو موسى عليه الصالة والسالم، وذلك هو‬
                                                               ‫يوم عاشوراء العاشر من المحرم.‬
                                                             ‫ال‬
   ‫ولقد حبا اهلل هذا اليوم فض ً وضاعف فيه أجر الصيام، ثم كان للناس فيه طرائق، فأدخلوا فيه‬
                   ‫د‬            ‫ع‬
  ‫وأحدثوا وزادوا إما رغبة في الخير أو مجاراةً للناس، وإما اتبا ًا للهوى وزه ًا في السنة. فماذا‬
                    ‫يعني لنا نحن المسلمين يوم عاشوراء؟ ذلك ما نعرفه من خالل هذه الوقفات.‬
                                            ‫ج‬
    ‫الوقفة األولى: جاء في فضل عاشوراء أنه يوم ن ّى اهلل فيه نبيه موسى عليه الصالة والسالم‬
  ‫والمؤمنين معه، وأغرق فيه فرعون وحزبه، فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل قدم‬
         ‫المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول اهلل : ((ما هذا اليوم الذي‬
                                                 ‫ج‬
   ‫تصومونه؟)) فقالوا: هذا يوم عظيم ن ّى اهلل فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه‬
                                                                        ‫ر‬
‫موسى شك ًا فنحن نصومه، فقال رسول اهلل : ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم))، فصامه رسول‬
                                                       ‫اهلل وأمر بصيامه. رواه البخاري ومسلم.‬
    ‫وجاء في فضل صيامه أن النبي سئل عن صيام عاشوراء فقال: ((يكفر السنة الماضية)) رواه‬
 ‫مسلم، وفي حديث آخر: ((من صام عاشوراء غفر له سنة)) صححه األلباني. قال البيهقي: "وهذا‬
     ‫فيمن صادف صومه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفرها، فإن صادف صومه وقد كفرت سيئاته‬
                                                                ‫بغيره انقلبت زيادة في درجاته".‬
‫ويصور ابن عباس حرص النبي على صيامه فيقول: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على‬
            ‫ل‬
   ‫غيره إال هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان. متفق عليه. وِما عرف من‬
‫فضله فقد كان للسلف حرص كبير على إدراكه، حتى كان بعضهم يصومه في السفر خشية فواته.‬
 ‫الوقفة الثانية: مخالفة الكفار من أبرز مظاهر تحقيق البراء من الكافرين، والذي ال يتم اإليمان إال‬
   ‫به، وقد شدد الشارع الحكيم على المتشبهين بهم، حتى قال النبي : ((من تشبه بقوم فهو منهم))‬
      ‫رواه أبو داود. وقد ذكر ابن تيمية أن هذا أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر‬
                                                                                   ‫المتشبه بهم.‬
       ‫ن‬               ‫أ‬
  ‫ولقد كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، حتى ُمر بمخالفتهم و ُهي عن‬
                                            ‫د‬
   ‫موافقتهم، فعزم على أن ال يصوم عاشوراء مفر ًا، فكانت مخالفته لهم في ترك إفراد عاشوراء‬
‫بالصوم، فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: حين صام رسول اهلل يوم عاشوراء وأمر بصيامه‬
    ‫قالوا: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول اهلل : ((فإذا كان العام المقبل إن شاء اهلل‬
  ‫صمنا اليوم التاسع)) رواه مسلم، والمراد أنه عزم على صوم التاسع مع العاشر، وقال: لم يعثر‬
                                                                               ‫عليه بهذا اللفظ.‬
            ‫وفي ترك إفراد عاشوراء بالصوم درس عظيم، فإنه مع فضل صوم ذلك اليوم وحث‬
  ‫ِّ النبي على‬
‫صومه وكونه كفارة سنة ماضية إال أن النبي أمر بمخالفة اليهود فيه، وعزم على ضم التاسع إليه،‬
    ‫فوقعت المخالفة في صفة ذلك العمل مع أن صوم عاشوراء مشروع في الشريعتين، فكيف بما‬
       ‫كان دون ذلك من المباح أو المحرم وما كان من شعائر دينهم؟! ال شك في أن ذلك فيه من‬
                                                         ‫المفاسد ما ال يظهر أكثره ألكثر الخلق.‬
      ‫وديننا يأمرنا بالتميز في سلوكنا ومظاهرنا وفي عباداتنا، وأن تكون لنا ـ نحن المسلمين ـ‬
                                         ‫الشخصية المتميزة المبنية على الشعور بالعزة اإليمانية.‬
 ‫واإلسالم منهج وسط في االتباع، فحاديه دائما الحق المجرد، ففعل المشركين لحقٍ ال يسوغ ترك‬
   ‫هذا الحق بدعوى مخالفتهم، كما أن فعلهم لباطل ال يسوغ متابعتهم فيه بدعوى موافقتهم لتأليف‬
 ‫قلوبهم، وعليه تنفى الدوافع المتوهمة لإليجاب مماألة أي مبطل أو متابعته في باطله أو ترك حق‬
  ‫ألنه فعله، إذ مقياس القبول هو توافقها مع الشرع، وميزان المخالفة ما كان من خصائص ملتهم‬
                                                                                             ‫وشعائر دينهم.‬
        ‫ر‬
   ‫الوقفة الثالثة: علل اليهود صيامهم عاشوراء بمتابعتهم موسى عليه السالم حين صامه شك ًا هلل‬
          ‫د‬
     ‫على إنجائه له من فرعون، وصومهم ال يكفي دليالً لكونهم أولى بموسى عليه السالم أب ًا، إذ‬
‫َّذ اتبع ه َذ الن ِي‬                      ‫ِن ل الن س إ‬
‫الحكم في ذلك بحسب تمام المتابعة والتزام المنهج إ َّ أَوَْى َّا ِ بِِبْراهِيمَ لَل ِينَ َّ َ ُو ُ وَه َا َّب ُّ‬
                                                                ‫و َّذ ن من َالله وِي م من‬
‫َال ِي َ آ َ ُوا و َّ ُ َل ُّ الْ ُؤْ ِ ِينَ [آل عمران:76]، ولذا كان نبي هذه األمة وأتباعه أولى بنبي اهلل‬
      ‫موسى عليه الصالة والسالم من المغضوب عليهم، فقال: ((نحن أحق وأولى بموسى منكم)).‬
                                                                              ‫ح‬
 ‫وهكذا تتو ّد المشاعر وترتبط القلوب مع طول العهد الزماني والتباعد المكاني، فيكون المؤمنون‬
                                                                            ‫د‬
‫حزبًا واح ًا، هو حزب اهلل عز وجل، فهم أمة واحدة من وراء األجيال والقرون ومن وراء المكان‬
    ‫واألوطان، ال يحول دون االنتماء إليها أصل اإلنسان أو لونه أو لغته أو طبقته، إنما هو شرط‬
   ‫واحد ال يتبدل، وهو تحقيق اإليمان، فإذا ما وجد كان صاحبه هو األولى واألحق بالوالية، دون‬
                                           ‫ِن ه ُمت ُ ُمة و ِد‬
   ‫القريب الذي افتقد الشرط، إ َّ َاذِهِ أ َُّكمْ أ َّ ً َاح َةً [األنبياء:71]، هكذا يجب أن تكون مشاعر‬
             ‫المسلمين مع إخوانهم آالمًا وآماالً أفراحًا وأحزانًا، وبذلك تتحقق األخوة وتظهر العزة.‬
                   ‫ن‬
     ‫الوقفة الرابعة: كانت نجاة موسى عليه الصالة والسالم وقومه من فرعون م ّة كبرى، أعقبها‬
                        ‫ر‬
   ‫موسى عليه السالم بصيام ذلك اليوم، فكان بذلك وغيره من العبادات شاك ًا هلل تعالى، إذ العمل‬
                           ‫د و ش ْر َ ل ل م عب ِ الشك ر‬                      ‫مل‬
                 ‫الصالح شكر هلل كبير اعْ َُواْ ءالَ َا ُودَ ُك ًا وقَِي ٌ ّنْ ِ َادىَ َّ ُو ُ [سبأ:35].‬
 ‫وأساس الشكر مبني على خمس قواعد: الخضوع للمنعم، وحبه، واالعتراف بنعمته، والثناء عليه‬
 ‫بها، وأن ال تصرف النعمة فيما يكره المنعم، والبشر مهما بالغوا في الشكر قاصرون عن الوفاء،‬
                                                     ‫فكيف إذا قصروا وغفلوا عن الشكر من األساس؟!‬
        ‫وأمر العبادة قائم على االتباع، فال يجوز إحداث عبادات لم تشرع، كما ال يجوز تخصيص‬
                                    ‫ص‬
  ‫عاشوراء وال غيره من األزمان الفاضلة بعبادات لم ين ّ عليها الشارع في ذلك الزمن، والنهج‬
                    ‫على آثار األنبياء واالهتداء بهديهم واالجتهاد في تطبيق سنتهم هو الشكر بعينه.‬
                                                     ‫م َو‬       ‫ُّبي‬
‫الوقفة الخامسة: عن الر ِّع بنت ُع ِّذ رضي اهلل عنها قالت: أرسل رسول اهلل غداة عاشوراء إلى‬
            ‫ر‬                        ‫م فليتم‬
‫قرى األنصار التي حول المدينة: ((من كان صائ ًا َّ صومه، ومن كان أصبح مفط ًا فليتم بقية‬
     ‫يومه))، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء اهلل، ونذهب إلى المسجد‬
    ‫ي‬                                                                 ‫ع‬
‫ونصنع لهم اللعبة من ال ِهْن، فنذهب به معنا، فإذا سألوا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى ُتموا‬
                                                                                      ‫صومهم. رواه مسلم.‬
     ‫وهكذا بلغ بالصحابة الحرص على تعويد صغارهم الصيام أن احتالوا عليهم في تمرينهم عليه‬
‫حتى يتموه، فصنعوا لهم اللعب يتلهون بها عن طلب الطعام، وذلك لكون تعويد الصغير على فعل‬
 ‫الخير مكمن قوة في استقامته عليه في الكبر، ألنها تصير هينة راسخة في نفسه تعسر زعزعتها،‬
‫واليوم لدينا من وسائل التلهية المباحة بقدر ما لدينا من أصناف الطعام وأشكاله، وإذا اقتنع المربي‬
                                                                                     ‫بواجب لم تعيه الحلية.‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما‬
     ‫تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله‬
                                                                                ‫ر‬
                                                                              ‫وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
       ‫أما بعد: فإنه ال يمر يوم عاشوراء دون أن نتذكر ما جرى لنبي اهلل موسى عليه السالم من‬
      ‫مواقف وأحداث في طريق دعوته، وما واجه من تحديات وعقبات انتهت بانتصار المؤمنين‬
  ‫فَم‬
 ‫وهزيمة الطغاة والمفسدين، بعدما بلغ الكرب بالمؤمنين نهايته، فالبحر أمامهم والعدو خلفهم، َل َّا‬
                                                      ‫ب م س ِن ُ ْرك‬                       ‫ج ِ‬            ‫َر‬
                                     ‫ت َاءا الْ َمْعَان قَالَ أَصْحَا ُ ُو َى إ َّا لَمد َ ُونَ [الشعراء:56].‬
  ‫إنها ملحمة من مالحم الدعوة تؤكد أن نور اهلل غالب مهما حاول المجرمون طمس معالمه، وأن‬
 ‫الصراع مهما امتد أجله والفتن مهما استحكمت حلقاتها، فإن العاقبة للمتقين، لكن ذلك يحتاج إلى‬
    ‫م ْ ع ن ِالله و ِر ِن َ ْ ِل‬                              ‫م س‬
  ‫صبر ومصابرة واستعانة باهلل صادقة، قَالَ ُو َى لِقَوْ ِهِ استَ ِي ُواْ ب َّ ِ َاصْب ُوا إ َّ األرضَ لَّهِ‬
                                                         ‫ي رثه م ي ء م عب ه و ع قبة ل ُتق‬
                                       ‫ُو ُِ َا َنْ َشَا ُ ِنْ ِ َادِ ِ َالْ َا ِ َ ُ ِلْمَّ ِينَ [األعراف:775].‬
      ‫ر‬
    ‫أجل فال ينبغي أن يخالج قلوب المؤمنين أدنى شك بوعد اهلل، وال ينبغي أن يخدعهم أو يغ ّهم‬
        ‫تقلب الذين كفروا فيظنوه إلى األبد، وما هو إال متاع قليل، ثم يكون الفرج والنصر المبين‬
                                                                                                    ‫للمؤمنين.‬
      ‫وقصة موسى تؤكد أن األمة المستضعفة ـ ولو بلغت في الضعف ما بلغت ـ ال ينبغي أن‬
        ‫يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها، فقد استنقذ اهلل أمة بني إسرائيل على ضعفها‬
         ‫َالله لب عل ْ ه‬
         ‫واستعبادها من فرعون وملئه ومكنهم في األرض وملكهم بالدهم. و َّ ُ غَاِ ٌ ََى أَمرِ ِ‬
                                      ‫و ي ُ َن الله م ي ُره ِن الل ِي ع ز‬
                           ‫[يوسف:57]، َلَ َنصر َّ َّ ُ َنْ َنص ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ َزِي ٌ [الحج:04].‬
       ‫أيها المسلمون، لقد ارتبط يوم عاشوراء ولألسف بما يفعله مجوس هذه األمة من ضالالت‬
   ‫وخرافات قائمة على البدع واألوهام، إن يوم عاشوراء مناسبة للذكر والشكر وسبب من أسباب‬
   ‫ت‬
‫التأمل في قصص القرآن وزيادة اإليمان، وأنى هذا مما يفعله الرافضة من ممارسات خاطئة ُلطم‬
‫بها الخدود وتخدش بها الوجوه ويجتمع فيها البكاء والعويل، وربما سالت منها الدماء واختلط فيها‬
                                                                           ‫ب‬
                                                              ‫الرجال والنساء وكانت سب ًا في الفحشاء.‬
                                          ‫م‬
    ‫قال ابن رجب عن يوم عاشوراء: "وأما اتخاذه مأت ًا كما تفعله الرافضة ألجل قتل الحسين بن‬
   ‫علي رضي اهلل عنهما فيه فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن‬
  ‫صنعًا، ولم يأمر اهلل وال رسوله باتخاذ أيام مصائب األنبياء وموتهم مأتمًا، فكيف بمن دونهم؟!".‬
     ‫إننا ال ننازع في فضل الحسين رضي اهلل عنه ومناقبه، فهو من علماء الصحابة ومن سادات‬
‫المسلمين في الدنيا واآلخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء، وهو ابن بنت قدوتنا وحبيبنا‬
  ‫أشرف الخلق ، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع يحزن كل مسلم، وقد‬
                                     ‫انتقم اهلل عز وجل من قتلته، فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة.‬
   ‫وال ننازع في محبته ومحبة آل بيت رسول اهلل ، ونشهد اهلل على حبهم ومواالتهم، بل ونصلي‬
                         ‫ر‬
                      ‫عليهم في صلواتنا، كيف ال وقد أذهب اهلل عنهم الرجس وطهرهم تطهي ًا؟!‬
    ‫لكن الذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضا بقضاء اهلل وقدره، وأنه‬
‫تعالى يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند اهلل تعالى، وليس اتخاذ المآتم من هدي دين‬
                                                          ‫اإلسالم، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية.‬
 ‫والمالحظ أن مآتم مجوس هذه األمة في عاشوراء لم ترتبط بأصل إسالمي من قريب أو بعيد، إذ‬
‫ال عالقة لها بنجاة موسى عليه السالم وال بصيام النبي ، بل الواقع أنهم حولوا المناسبة إلى اتجاه‬
                                                    ‫آخر، وهذا من جنس تبديل دين اهلل عز وجل.‬
  ‫إننا ـ نحن المسلمين ـ نحمد اهلل أن هدانا للصراط المستقيم ووفقنا للمنهج القويم والتباع النبي‬
 ‫الكريم ، ونحن نتعامل مع المصائب واألحزان من مبدأ شعاره: ((إن أمر المؤمن كله له خير))،‬
     ‫وليست األحداث المحزنة تقعدنا عن العمل الجاد المثمر، أو تدفعنا للجلوس في مآتم جنونية،‬
                        ‫تسحق فيها العقول، وتهدر فيها كرامة المسلم، وتشوه فيها سمعة اإلسالم.‬
 ‫إن يوم عاشوراء لنا ـ نحن المسلمين ـ يوم عز ونصر وفرح وبشر؛ ألنه يوم تدفعنا مآثره إلى‬
    ‫ِن ع قب ل ُتق ن‬
    ‫استشعار العزة والشعور باألمل والترقب للنصر، هو يوم يقول عنه تعالى: إ َّ الْ َا ِ َةَ ِلْم َّ ِي َ‬
                                                                     ‫ِنه ي لح الظ لم‬
                                                   ‫[هود:14]، إ َّ ُ الَ ُفِْ ُ َّاِ ُونَ [األنعام:135].‬
 ‫اللهم كما أنجيت موسى وقومه فأنجِ المسلمين المستضعفين في كل مكان من فراعنة هذا الزمان،‬
                                                                                  ‫يا رحيم يا رحمان.‬
                                                                     ‫صل‬
 ‫اللهم ِّ على محمد وعلى آل محمد وعلى صحابة محمد، وخص منهم أبا بكر وعمر وعثمان‬
                                                                  ‫وعلي وسائر الصحابة أجمعين...‬

‫(5/5454)‬




                                                                                       ‫عقوق الوالدين‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                              ‫الوالدان‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫أحمد بن عبد العزيز الشاوي‬
                                                                                                              ‫بريدة‬
                                                                                                      ‫4/7/0745‬
                                                                                           ‫جامع المنتزه الشرقي‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- ظاهرة عقوق الوالدين في زماننا. 7- العقوق خزي في الدنيا وعذاب في اآلخرة. 3- ثمرة‬
                                                                                        ‫ر‬
‫ب ّ الوالدين وكيفية البر. 4- تربية الشباب على بر الوالدين. 1- صور من بر األبناء باآلباء. 6-‬
                                                                                     ‫البر بالوالدين بعد موتهما.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
       ‫ع ك ْ َق ب‬              ‫س ل به و َ ح ِن الل‬                   ‫َاتق الل َّ‬
      ‫أما بعد: فيا أيها الذين آمنوا، و َّ ُواْ َّهَ الذِى تَ َاءُونَ ِ ِ َاألرْ َامَ إ َّ َّهَ كَانَ َلَيْ ُم ر ِي ًا‬
                                                                                                       ‫[النساء:5].‬
   ‫أمة اإلسالم، في عصرنا الحاضر جحود بالفضل ونكران للجميل وانغماس في الشهوات وقمع‬
    ‫بالباطل وفرار من معاني الروح وتسابق إلى أحضان المادة. في مجتمعنا الحالي عقوق لآلباء‬
 ‫وبغض لألقرباء وحسد بين الجيران وغدر باألصحاب وخيانة لألمانة وغش في المعامالت، فإلى‬
                                    ‫د‬
      ‫أين تسير؟! قف ـ أيها الغافل ـ قليالً كي نبين الطريق ونح ّد الغاية وإال فالنهاية الخاسرة‬
‫تنتظرنا إن لم نعمد إلى نفوسنا فنقومها، وأخالقنا فنحسنها، وطباعنا فنهذبها، ومعامالتنا فنصلحها.‬
                                                        ‫د‬
      ‫ولنبدأ بالنفس فننير لها السبيل ونح ّد ما لها من حقوق وما عليها من واجبات، فإذا استقامت‬
  ‫رسخت دعائم المجتمع قوية متماسكة، تستقيم النفس بالتربية، والتربية مصدرها األول الوالدان،‬
                                                                                          ‫وهما موضوع حديثنا.‬
        ‫والحديث عنهما عبارات حديث عن حق ال ينسى، وأنى للعبارات عن الوالدين أن توفيهما‬
                                                             ‫م‬
       ‫حقهما؟! إنه حديث عن األ ّ التي تحملت ما يفوق الوصف عن آالم الحمل والوالدة وهموم‬
     ‫الرضاع، سهر بالليل ونصب بالنهار في سبيل الرعاية والحماية لوليدها. إنها األم التي تذبل‬
  ‫لذبول وليدها، وتغيب بسمتها إن غابت ضحكته، وتذرف دموعها إن اشتد توعكه، وتحرم نفسها‬
   ‫الطعام والشراب من أجله، وتلقي نفسها في النار لتنقذه، وتتحمل من الذل والشقاء أمثال الجبال‬
                                                                                                 ‫كي يحيا ويسعد.‬
  ‫إنها األم التي يرقص قلبها إذا ضحك الوليد، وال تسعها الدنيا نشوة إذا حبا أو مشى، وتسمع نغم‬
                                            ‫ال‬      ‫ر‬
    ‫الدنيا في كلمته، وترى الحياة كلها نو ًا وجما ً وهي تراه مع الصبيان يلعب أو إلى المدرسة‬
                                                                                                            ‫يذهب.‬
 ‫إنها األم التي طعامك درها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك،‬
                                ‫وتجوع لتشبعك أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة وعليك شفيقة.‬
         ‫إنها األم التي تعيش لولدها ومعه، وهي تنتظر األيام الحاسمة في حياتها وحياته حين ينجح‬
   ‫ويكسب ويتزوج هل يكون لها في ولدها نصب أم كل جهودها وتضحياتها وآمالها تذهب أدراج‬
                                                                                                          ‫الرياح؟!‬
                                              ‫د‬
      ‫وهو حديث عن األب الذي من أجلك يك ّ ويشقى لراحتك، يروح ويسعى ويدفع عنك صنوف‬
                                           ‫م‬
             ‫األذى، ينتقل في األسفار يجوب الفيافي والقفار ويتح ّل األخطار بحثًا عن لقمة العيش.‬
                                                                ‫ر‬
‫يا شباب اإلسالم، إن الب ّ بالوالدين واإلحسان إليهما عام مطلق ينضوي تحته ما يرضى االبن وما‬
                        ‫ر‬
  ‫ال يرضى من غير امتناع وال جدل وال مناقشة وال ضجر، ذلك أن كثي ًا من األبناء يحسبون أن‬
  ‫البر فيما يروق لهم ويحقق رغباتهم وفيما تهواه نفوسهم، والحق أن البر ال يكون إال فيما يخالف‬
                                                       ‫ر‬
                                                     ‫أهواءهم وميولهم ولو كان فيما يوافقها لما سمي ب ًا.‬
    ‫أيها المسلمون، إن العار والشنار والويل والثبور أن يفاجأ الوالدان بإنكار للجميل، كانا يتطلعان‬
   ‫إلى اإلحسان ويؤمالن الصلة بالمعروف، فإذا بهذا المخذول قد تناسى ضعفه وطفولته، وأعجب‬
   ‫بشبابه وفتوته، وغره تعليمه وثقافته، وترفع بجاهه ومرتبته، يؤذيهما بالتأفف والذم، ويجاهرهما‬
                                                                                              ‫ي‬
                                                                    ‫بالسوء وس ّئ القول، يقهرهما وينهرهما.‬
       ‫فيا أيها المخذول، هل حينما كبرا فاحتاجا إليك جعلتهما أهون األشياء عليك؟! قدمت غيرهما‬
     ‫بر‬
     ‫باإلحسان، وقابلت جميلهما بالنسيان، شق عليك أمرهما، وطال عمرهما، أما علمت أن من َّ‬
                                                                            ‫ر‬
 ‫بوالديه ب ّ به بنوه، ومن عقهما عقوه، ولسوف تكون محتاجًا إلى بر أبنائك، وسوف يفعلون معك‬
     ‫كما فعلت مع والديك، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، يقول عليه الصالة والسالم:‬
                              ‫يدخ‬
       ‫((ما من ذنب أجدر أن تعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما َّ َر له في اآلخرة من البغي‬
                                     ‫وقطيعة الرحم))، وإن من أكبر الكبائر عقوق الوالدين بعد الشرك.‬
                                                                           ‫ِر‬
‫يا أبناء اإلسالم، ب ُّ الوالدين خلق األنبياء وشيمة األوفياء، فقد قال ربنا عن عيسى عليه السالم أنه‬
  ‫و َر و ِد ه‬                                               ‫و َر و ِدت وَ ع ن َب ر ِي‬
  ‫قال: َب ًّا بِ َال َ ِي َلمْ يَجْ َلْ ِي ج َّا ًا شَق ًّا [مريم:73]، وقال عن يحيى عليه السالم: َب ًّا بِ َال َيْ ِ‬
                                                                      ‫وَ يك َب ر ع ِي‬
      ‫َلمْ َ ُنْ ج َّا ًا َص ًّا [مريم:45]، وإسماعيل عليه السالم ضرب المثل األعلى في البر حينما‬
 ‫استسلم ألمر اهلل، ثم ألمر أبيه، ولم تقف به نفسه العالية عند هذا الحد، بل أعان أباه على الطاعة‬
                                        ‫ت َر‬         ‫َ‬      ‫ب‬
   ‫وشجعه على تنفيذ أمر ربه فقال: يَا أَ َتِ افْعلْ مَا ُؤْم ُ [الصافات:705]، فأين هذا من أبناء هذا‬
         ‫م‬
‫الزمان الذين فسدت أذواقهم، وماتت مشاعرهم، واضمحلت عزتهم؟! ال ينفذ أحدهم أمر أ ّه إال إذا‬
    ‫دعت عليه وبلغت صيحاتها ودعواتها أقصى الحي، وال يلبي طلب أبيه إال إذا عبس في وجهه‬
                                                       ‫د‬
           ‫وقطب وانهال عليه سبًا، وقلما تجد ول ًا يكتفي بإشارة ويفهم بنظرة ويتعظ بتأديب حسن.‬
 ‫و ض َب َال بد ِال ِي ه و و ِد إ س ن‬
‫يا شباب اإلسالم، لقد قال ربكم في شأن الوالدين: َقَ َى ر ُّكَ أ َّ تَعْ ُ ُوا إ َّ إ َّا ُ َبِالْ َال َيْنِ ِحْ َا ًا‬
        ‫ال َر م‬          ‫َ ه َق ه‬                  ‫ُ ه ُف و‬                     ‫ه‬              ‫ك َ َده‬              ‫ِم ي ل َن ع ْ‬
       ‫إ َّا َبُْغ َّ ِندَكَ الْ ِبرَ أَح ُ ُمَا أَوْ كِال ُمَا فَال تَقلْ لَ ُمَا أ ٍّ َال تَنْهرْ ُمَا و ُلْ لَ ُمَا قَوْ ً ك ِي ًا‬
                     ‫َبي ن ص ر‬                  ‫ُّل م الر مة َ ُ َّب ح ه‬                     ‫ه ج‬         ‫و ف‬
  ‫َاخْ ِضْ لَ ُمَا َنَاحَ الذ ِّ ِنْ َّحْ َ ِ وقلْ ر ِّ ارْ َمْ ُمَا كَمَا ر َّ َا ِي َغِي ًا [اإلسراء:37، 47].‬
     ‫فبهذه العبارات الندية والصور الموحية يستحث القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب‬
                                                                                                                           ‫األبناء.‬
‫إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية األوالد، إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات، وكما تمتص‬
   ‫النباتية الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، كذلك يمتص األوالد كل رحيق وكل عافية‬
  ‫وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين، فإذا هما في شيخوخة ـ إن أمهلهما األجل ـ وهما مع ذلك‬
                                                                                                                         ‫سعيدان.‬
                                                                ‫س‬
    ‫فأما األوالد فسرعان ما ين َون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى األمام، إلى الزوجات والذرية،‬
 ‫وهكذا تندفع الحياة، ومن ثم ال يحتاج اآلباء إلى توصية باألبناء، إنما يحتاج األبناء إلى استجاشة‬
‫وجدانهم بقوة، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف، وهنا يجيء األمر‬
     ‫باإلحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من اهلل سبحانه، يحمل معنى األمر المؤكد بعد األمر‬
                                                                                                ‫بعبادة البر الرحيم سبحانه.‬
                                   ‫َر‬
     ‫يا أبناء اإلسالم، رضا الوالدين و برهما سبب في حلول الف َج إذا بلغت الشدة غايتها وتسهيل‬
 ‫العسير وتحقق األماني، وقصة أصحاب الغار برهان على ذلك. الولد البار ـ يا أبناء اإلسالم ـ‬
‫يهنأ بعمره ويطمئن في عمله، وتحفه السعادة من كل جانب، وفي الحديث: ((من بر والديه طوبى‬
   ‫له، زاد اهلل في عمره)) ضعفه األلباني، فما أحلى الحياة إذا طال فيها العمر وانبسط فيها المال‬
        ‫وغمرتها السعادة، وما أهنأ العيش إذا رافقته طمأنينة النفس وراحة الضمير ومحبة الناس.‬
‫أيها المسلمون، ولنتفيأ وأنتم ظالل المواقف المشوقة والصور الرائعة للبر عند سلفنا الصالح، لكي‬
    ‫نأخذ منها العبر ونجعل منها لنا مثالً، قال : ((دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟‬
                           ‫ر‬
                   ‫فقيل: حارثة بن النعمان))، فقال النبي : ((كذلك البر، كذلك البر)) وكان ب ًا بأبيه.‬
  ‫وعن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة في عهد عثمان رضي اهلل عنه ألف درهم، فعهد أسامة‬
                                                     ‫جم ر‬              ‫َر‬
  ‫بن زيد إلى نخلة فَع َقَها، فأخرج ُ ّا َها فأطعمه، فقالوا: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة‬
            ‫ئ‬                                                       ‫جم‬
 ‫قد بلغت ألف درهم وال ُ ّار ال يساوي درهما؟! قال: إن أمي سألتنيه، وال تسألني شي ًا أقدر عليه‬
                                                                                                                    ‫إال أعطيتها.‬
                                                                          ‫ش‬       ‫ح‬
‫وكان َيوة بن ُريح ـ وهو أحد أئمة المسلمين ـ يقعد في حلقته يعلم الناس فتقول له أمه: قم يا‬
                                                                  ‫حيوة، فألقِ الشعير للدجاج، فيقوم ويترك التعليم.‬
                                                              ‫ر‬
  ‫قال المأمون، لم أرَ أحدا أب ّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره أن يحيى كان ال يتوضأ إال‬
                                                               ‫س‬
   ‫بماء مسخن وهما في ال ّجن، فمنع السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين‬
                                                          ‫خ‬
  ‫أخذ يحيى مضجعه إلى إناء كان يس ّن فيه الماء فمأله ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائما‬
‫وهو في يده حتى أصبح، فمنعه السجان من تسخين الماء بالمصباح، فعمد الفضل إلى اإلناء فأخذه‬
                                          ‫في فراشه وألصقه بأحشائه حتى أصبح وقد فتر الماء.‬
                                                                       ‫ج‬
‫يا شباب اإلسالم، أو ّه لكم هذا النداء الذي وجهه أحد الدعاة فهو يقول: يا معشر األوالد من بنين‬
‫وبنات، ويا فلذة األكباد، يا من أصبحتم أو ستصبحون بإذن اهلل آباء وأمهات، منذ سنين خلت كنت‬
    ‫د‬                                              ‫ي‬
   ‫ابنًا مثلكم، وكان لي أم وأب يحنوان عل ّ ويريان الدنيا جميلة بي حلوة بوجودي، وكنت سعي ًا‬
                                 ‫ء ر‬                      ‫ر‬
     ‫بقربهما، فلما فقدت أبي فقدت شط ًا من السعادة وجز ًا كبي ًا من النعيم، وجرح قلبي موته،‬
     ‫فبقيت سنين أبكي، ثم انحصر بعده نعيم الحياة ولذاتها في أمي، وكانت واهلل أمًا طيبة، بقيت‬
‫ترعاني بدموع عينيها، والتمست سعادتي بشقائها وراحتي بتعبها، وكنت أجد منها حنانها وعط َ‬
‫ف‬
                                ‫ل‬                                             ‫د‬
   ‫أبي، وأع ّها رأس مالي في الدنيا وزادي إلى اآلخرة، ثم ح ّ بها األجل، فلحقت بأبي، فتصدع‬
   ‫شرخ شبابي وهو يوقد على أشده، وتضعضعت أرجاء حياتي وهي بالغة قوتها، ووهب اهلل لي‬
                 ‫ي‬
     ‫البنين والبنات، فلم ألمس فيهم لذة األبوة ومحبتها؛ ألني كنت أسعد بشقاء والد ّ ويسعد اليوم‬
    ‫أوالدي بشقائي، وأستريح بتعبهما ويستريحون بتعبي، وكانا يبكيان أللمي وأبكي اليوم أللمهم،‬
                                                        ‫ر‬
  ‫فشتان بين تجارتين، لقد كنت با ًا بهما في حياتهما، أؤثرهما على نفسي، وأعمل ما يرضيهما،‬
                                                           ‫م‬        ‫ء‬
     ‫وأقبل أيديهما صباحًا ومسا ً، احترا ًا لهما واعترافًا بفضلهما، وال واهلل ما وجدت ألين منها.‬
                                                         ‫س‬
 ‫وكم من األنوف رغمت ود ّت في التراب عندما تدنست بالعقوق، فهل من آذان صاغية وقلوب‬
 ‫واعية تعي هذا الحديث؟! ويا ليت أهل العقوق يقفون على أحوال من سبقهم ليطلعوا على النكال‬
              ‫ع‬                          ‫م‬                                         ‫َّ‬
  ‫الذي حل بهم والعذاب الذي نزل بهم والضيق الذي أل ّ بهم، فلم يجدوا في ذلك رد ًا لهم ووقاية‬
                                                                           ‫لهم وإيقاظًا لغفلتهم.‬
     ‫إنه في خضم هذا الزمن الذي قست فيه القلوب وطغت فيه المادة وضعف فيه الوازع الديني‬
  ‫وتالشت فيه معاني المروءة ومكارم األخالق فإننا نخشى من نشوء جيل القطيعة الذي ال يعرف‬
                                          ‫د‬
 ‫لوالد حقًا، وال يحفظ لهم معروفًا، وال يقدر لهم جه ًا، وما لم نتدارك ذلك بالتربية الحسنة وزرع‬
                            ‫ق‬
  ‫بذرة الدين في قلوب أبنائنا وتنشئتهم على معالي األمور وما لم تَ ُمْ محاضن التربية بدورها في‬
              ‫ذلك فإن جيل القطيعة قادم ال محالة، واهلل يتولى الصالحين، وأستغفر اهلل لي ولكم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله‬
                                                                      ‫ر‬
                                                                    ‫وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
       ‫ال‬
   ‫أما بعد: فيا شباب الصحوة المباركة، أيها الشباب الملتزم، إن النقطة السوداء ال تظهر إ ّ على‬
   ‫الثياب البيضاء، وإنكم لستم كغيركم، فإن كان الناس ال يستغربون صور العقوق ومظاهره من‬
 ‫المنحرفين وأنهم يفتقدون الوازع الديني والرادع اإليماني فإنهم ـ ولهم الحق ـ يستنكرون أدنى‬
                                                      ‫صورة من صور العقوق أن تصور فيكم.‬
 ‫يا أيها الشباب، إنه إن رضينا من غيركم بأدنى درجات البر فال نرضى منكم إال بالصور العالية‬
                                   ‫والمظاهر المشرفة والمواقف المشرقة من مواقف البر والوفاء.‬
                  ‫ر‬                                                              ‫ب‬
    ‫عجبًا لشا ّ ملتزم يحفظ كتاب اهلل ثم هو مع هذا أبعد الناس عن والديه، وكثي ًا ما يتباطأ عن‬
                         ‫ب‬
      ‫القيام بحقوقهما، ويسافر بغير إذنهما، ويغضب عليهما إذا لم ينفذا له طل ًا أو يحققا له رغبة،‬
                   ‫وربما تجد من يرفع صوته عليهما أو يسخر من هيئتهما، فأين حقيقة االلتزام؟!‬
                                                                          ‫ص‬
‫يا شباب ال ّحوة، ال نرضى منكم إال أن تكونوا مالزمين لوالديكم ومراعين لمشاعرهم، فهذا من‬
                                                                 ‫مقتضيات الدين ومستلزمات االلتزام.‬
      ‫َ ض َب َال‬                         ‫ُ ل ول ِد‬                                    ‫ق‬
      ‫إنه حديث عن ح ّهما مقرون بعبادة اهلل، أَنِ اشْكرْ ِى َِوال َيْكَ [لقمان:45]، وقَ َى ر ُّكَ أ َّ‬
                                                                          ‫ُد ِال ِي ه و ِد إ‬
                                                    ‫تَعْب ُواْ إ َّ إ َّا ُ َبِالْوال َيْنِ ِحْسَانًا [اإلسراء:37].‬
         ‫ر‬
    ‫أيها المسلمون، من أرضى الوالدين فقد أرضى اهلل، ومن أسخطهما فقد أسخطه، ومن ب ّ بهما‬
                                         ‫ف‬                         ‫ب‬
   ‫وأحسن إليهما فقد شكر ر ّه، ومن أساء إليهما فقد ك َر بنعمته، وهما الباب الموصل إلى الجنة،‬
                                                            ‫ق م‬                    ‫ّ‬
   ‫فمن بر بهما وصل، ومن ع ّهما ُنع، ولم يذكر اإلسالم أنواع البر بهما ليحددها ويفصلها، فإن‬
   ‫ذلك أمر ال يخضع للتفصيل والتعيين، إنما يخضع للظروف واألحوال والحاجة والقدرة والذوق‬
                                                       ‫ي‬
                                          ‫اإلنساني والعرف االجتماعي والشعور الح ّ لدى األبناء.‬
    ‫ر‬                        ‫ي‬                     ‫ّ‬              ‫ق‬
   ‫يا أبناء اإلسالم، إن ح ّ والديك ليس كحق أحد من الناس، فإن أ ّ كلمة أو إشارة تفيد تضج ًا‬
      ‫ال‬                          ‫ن‬
   ‫منهما أو من أحدهما تعتبر معصية ولو كانت كلمة (أف)، وإ ّ اهلل ال يرضى عن األبناء إ ّ أن‬
‫ُّل م الر مة َ ُ َّب‬               ‫ه ج‬         ‫و ِ‬                                               ‫ل‬
‫يذّوا أنفسهم آلبائهم وأمهاتهم خصوصًا عند الكبر، َاخْفضْ لَ ُمَا َنَاحَ الذ ِّ ِنْ َّحْ َ ِ وقلْ ر ِّ‬
                                                                 ‫َب ن ص ر‬                 ‫ح هم‬
‫ارْ َمْ ُ َا كَمَا ر َّيَا ِي َغِي ًا [اإلسراء:47]، وهو ذل للوالدين ليس سببه القهر والغلبة، ولكن سببه‬
                                                                                                      ‫ب‬
                                                                                             ‫الح ّ والرحمة.‬
          ‫يا فتى اإلسالم، مهما أذللت نفسك ألبويك فإن اهلل يحبك ويرضى عنك، والناس يكبرونك‬
 ‫ويمدحونك ويجعلونك بينهم مثالً طيبًا، وهذا عكس من يذل نفسه للناس، فإن كرام الناس ينفرون‬
                                                                                                             ‫منه.‬
                      ‫ر‬
‫قيل لبعض السلف رحمه اهلل: كيف كان بر ابنك بك؟ قال: ما مشينا نها ًا قط إال مشى خلفي، وال‬
    ‫ت‬
 ‫مشى أمامي وال رقَا سطحًا وأنا تحته. وعن ابن عون أن أمه نادته فأجابها، فَعَال صوته صو َها،‬
  ‫فأعتق رقبتين. وقيل لعلي بن الحسين رضي اهلل عنهما: أنت من أبر الناس وال تأكل مع أمك؟!‬
                          ‫فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها.‬
‫وهكذا فإن البر ال يكون في الكالم، وإنما هو اطمئنان في النفس واعتراف بالفضل ونكران للذات،‬
                          ‫حس‬
  ‫عرف رحمه اهلل أن البر باألم أن يشعر الولد بشعورها ويدرك ب َد ِه ما يجول في نفسها ويفهم‬
                                          ‫من نظراتها مرادها، فإذا فقد هذه المعاني فقد حقيقة البر.‬
                 ‫َ َّ‬                                                          ‫ر‬
  ‫م ّ ابن عمر رضي اهلل عنهما وهو يطوف برجل يماني يطوف بالبيت، وترَحلَ أمه على ظهره‬
                                                                                                    ‫وهو يقول:‬
                                                                        ‫ل‬
                                                ‫إني لها بعيرها المذّل…إن ذعرت ركابها لم أذعر‬
                              ‫ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جازيتها؟! قال: ال، وال بزفرة واحدة.‬
‫ولما ماتت أم إياس بن معاوية جعل يبكي فقيل: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة،‬
                                         ‫ي‬
 ‫وغلق أحدهما. أما بعد موتهما فال أنساهما يوم ًا من صدقة وال من الدعاء كل صالة، وأحب من‬
                                                                ‫كان يحبان، وأصل أهل ودهما.‬
         ‫وأنتم ـ أيها األبناء ـ من كان له أبوان فليهنأ بهما، وليحرص عليهما، وليسعَ جهده في‬
‫إرضائهما، ألنه أوتي سعادة الدنيا واآلخرة، والوالدان تاج ال يراه إال األيتام، ومن فقد أحدهما فقد‬
    ‫خسر نصف السعادة، فليحرص على نصفها اآلخر قبل أن يزول، ومن فجعه الدهر بهما كما‬
     ‫فعم‬
    ‫فجعني فال ينساهما من صالته ودعواته، ومن أصبح منكم أبًا يدرك هذا، ومن لم يصبح َّا‬
   ‫قريب، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، والحياة دين ووفاء، ونعوذ باهلل من العقوق والجفاء، ويوم‬
      ‫ِب‬                                        ‫ص‬
      ‫تبلى السرائر ويبعثر ما في القبور ويح ّل ما في الصدور، حينها سيرى أهل العقوق غ َّ‬
             ‫عقوقهم، وسيرى أهل البر حسن العاقبة، وطوبى لمن لقي اهلل ووالداه عنه راضيان.‬
                                      ‫هذا وصلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه...‬

‫(5/7454)‬




                                                                     ‫محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                        ‫السيرة النبوية, الشمائل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                          ‫ناصر بن عمر العمر‬
                                                                                ‫المدينة المنورة‬
                                                                           ‫جامع جابر األحمدي‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- الحديث عن العظماء. 7- النبي من الوالدة إال النبوة. 3- نزول الوحي عليه . 4- دعوته‬
                                             ‫خ‬         ‫خ‬
‫إلى دين اهلل تعالى. 1- صفاته ال ِلقية وال ُلقية. 6- خصائصه . 6- فضائل األمة المحمدية. 2-‬
                                 ‫من معجزاته . 7- مرضه ووفاته. 1- حب النبي واتباع سنته.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: يحلو الحديث عن الرجال العظماء من الناس، ولكن الحديث عن هذا الرجل العظيم ال‬
‫يجاريه أي حديث في روعته وحالوته والطرب به والشوق إليه، رجل مأل حبه القلوب، واصطفاه‬
                    ‫اهلل على الناس، فجعله أكرمهم وأحبهم إليه، وكان خليل اهلل، إنه رسول اهلل .‬
 ‫حديث اليوم عن الحبيب الذي تشتاق إليه النفوس، وبذكره ترق وتلين القلوب، وعند الحديث عنه‬
  ‫تطمع النفوس المؤمنة إلى رؤيته وااللتقاء به في الجنان، والموعد حوضه الشريف حيث ينتظر‬
                                                             ‫ر‬
‫المؤمنين، يأتون إليه غ ًا محجلين عن باقي األمم كي يشربوا من حوضه الشريف شربه هنيئة ال‬
                                                                             ‫يظمؤون بعدها أبدا.‬
                     ‫ب‬
‫محمد بن عبد اهلل بن عبد المطلب من بني هاشم من قريش، أعز الناس نس ًا، وأشرفهم مكانة، ولد‬
                                                             ‫ر‬
 ‫في بطاح مكة، فرأت أمه نو ًا أضاءت له قصور الشام، نشأ حين نشأ يتيمًا، فكفله جده ثم عمه،‬
‫واسترضع في ديار بني سعد، أرضعته حليمة السعدية، فكانت أسعد الناس به، نزلت المالئكة من‬
‫السماء فشقت صدره وغسلت قلبه، فنشأ نشأة طهر وعفاف في مجتمع جاهلي يعج بالشرك والظلم‬
                                     ‫ر‬
 ‫والمنكرات، لم يتجه يومًا بقلبه إلى صنم، ولم يعاقر خم ًا، ولم يتسابق كغيره إلى النساء. صادق‬
                                                             ‫ة‬
                                       ‫اللسان، لم يجرب عليه قومه كذب ً واحدة، أمين وأي أمين.‬
  ‫تزوج في شبابه وقبل مبعثه بأكرم النساء وأحصنهم وأعفهم وأرجحهم عقالً أم المؤمنين خديجة‬
      ‫رضي اهلل عنها، فأنجب منها جل أبنائه وبناته. حبب اهلل إليه الخلوة والتعبد لربه بعدما كره‬
    ‫بفطرته السليمة ما كان عليه قومه من عبادة األصنام، فكان يصعد إلى غار حراء، فيمكث به‬
                                                                        ‫ر‬
                                               ‫الليالي ذوات العدد ناظ ًا للكعبة الشريفة والسماء.‬
                    ‫د‬      ‫س‬
 ‫بشر بقدومه األنبياء من قبله، وهتفت الجن ببعثته، وامتألت السماء حر ًا شدي ًا وشهبًا. بعثه اهلل‬
‫للناس على رأس أربعين سنة، فلما اقتربت طلوع شمسه كان ال يمر بحجر وال شجر إال سمع من‬
 ‫يقول له: السالم عليك يا رسول اهلل، فيلتفت فال يرى إال الحجر والشجر، فلما كان ذات ليلة على‬
 ‫ْر ب ْ ِ َبك َّ خلق‬
 ‫عادته في الغار وإذا بجبريل عليه السالم يأتيه رسول مرسل من ربه باق َأْ ِاسم رِّ َ الذِي ََ َ‬
    ‫م‬      ‫ال‬                                                               ‫م ع‬         ‫إل‬
‫خَلَقَ ا ِنسَانَ ِنْ َلَقٍ [العلق:5، 7]، فرجع بها إلى بيته خائفًا يرجف منها فؤاده قائ ً: ((ز ّلوني‬
     ‫زملوني))، فسكبت عليه خديجة رضي اهلل عنها أعذب الكالم وأروعه حتى هدأت نفسه: كال‬
                                  ‫الكل‬            ‫ص‬          ‫د‬
  ‫واهلل، ال يخزيك اهلل أب ًا؛ إنك لت ِل الرحم وتحمل َّ وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين‬
                                                                                ‫ق‬
                                                                               ‫على نوائب الح ّ.‬
                       ‫سر‬                                 ‫ب ر‬
     ‫ثم تتابع الوحي عليه من ر ّه آم ًا له بالدعوة إلى اهلل، فخرج يدعو ًّا من كان يرجو قبول‬
                            ‫ْد ب ت َر‬
   ‫الحق، فلما تكاثر المؤمنون من حوله أتاه األمر: فَاص َعْ ِمَا ُؤْم ُ [الحجر:41]، فلقي منذ ذلك‬
     ‫الوقت صنوف األذى والسخرية واالستهزاء، وتحمل هو ومن معه من المؤمنين الذين كانوا‬
 ‫يزدادون يومًا بعد يوم الشدائد لتمسكهم باإلسالم والمحافظة على هذا الدين العظيم، فلما رأى من‬
  ‫قومه الصدود واإلعراض بدأ بإخراج دعوته خارج مكة، فوصل الطائف والقى من أهلها أكثر‬
                ‫ر‬
‫مما القاه من قومه في مكة، فأخذ يعرض دعوته على القبائل حتى هيأ اهلل له نف ًا من أهل المدينة‬
     ‫قدموا مكة في الموسم، فعرض دعوته عليهم، فأوقع اهلل في قلوبهم اإليمان، فاتفق معهم على‬
   ‫الهجرة للمدينة وأن ينصروه ويمنعوه مما يمنعون أبناءهم وأهليهم، فكانت تلك الهجرة العظيمة‬
   ‫وذلك الحدث التاريخي الذي قلب األمور على األرض رأسًا على عقب، وانطلقت دولة اإلسالم‬
‫من المدينة، وبدأ الجهاد لما توافرت أسبابه، فجاهد رسول اهلل هو وأصحابه بأموالهم وأنفسهم حتى‬
‫فتح اهلل له القرى وأمها، ودانت له جزيرة العرب، وهابته األعاجم في ديارها، فكان من آخر أمره‬
     ‫حجه بالناس، فنصح وبلغ رسالة ربه حتى حانت ساعة وفاته عليه الصالة والسالم التي نقف‬
 ‫عندها بعد أن نقف على شيءٍ يسير من صفاته وشمائله وخصائصه التي خصه اهلل بها في الدنيا‬
                                                                                       ‫واآلخرة.‬
                                                                      ‫خ‬
    ‫فإن سألت عن شكل ِلقته: كيف كان؟ فإنك تسأل القمر ليلة تمامه، فكان أجمل الناس وأبهاهم‬
                                                                                  ‫ر‬
  ‫منظ ًا، أبيض مشربًا بحمرة، ربعة من الناس، فليس بالطويل وال بالقصير، عظيم الهامة، واسع‬
     ‫الجبين، مقوس الحواجب في غير اقتران، طويل األنف مع صغر أرنبته، له نور يعلوه، كث‬
  ‫اللحية، واسع الفم، مفلوج األسنان، ليس بالنحيف وال بالسمين، مستوي البطن والصدر، عريض‬
  ‫الصدر، بعيد ما بين المنكبين، أشعر الذراعين والمنكبين والصدر، لين الملمس كأن يده الحرير.‬
   ‫يمشي وكأن مشيته في منحدر، إذا التفت التفت بكل جسمه، نظره إلى األرض أطول من نظره‬
  ‫إلى السماء، يمشي وأصحابه أمامه، طويل السكوت، دائم الفكرة، ال يتكلم في غير حاجة، يفتتح‬
  ‫كالمه ويختمه باسم اهلل تعالى، يتكلم بجوامع الكلم، وال يضحك إال تبسمًا، ال يتكلم فيما ال يعنيه،‬
‫يؤلف الناس وال ينفرهم، يتفقد أصحابه ويسأل عنهم، يحلم على الجاهل والسفيه، ويصبر على من‬
‫يحادثه حتى يكون محدثه هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إال بها أو بميسور جميل من‬
                                               ‫القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبًا.‬
       ‫مجلسه مجلس علم وحياء وأدب، ال ترفع فيه األصوات، وال تذاع فلتاته، سهل الخلق، لين‬
      ‫الجانب، ليس بصخاب وال فحاش وال عياب. يبيع ويشتري، يضحك مما يضحك له الناس،‬
                                                                         ‫ويتعجب مما يتعجبون.‬
    ‫بين كتفيه خاتم النبوة، وهي غدة حمراء بها شعرات مجتمعات، كان شعره إلى أنصاف أذنيه،‬
    ‫وعدت شعيراته البيضاء فبلغت عشرين شعرة، وقال عنها: ((شيبتني هود وأخواتها)). يحسبه‬
   ‫الرائي له أنه يخضب بالحناء شعره، ولكنه كان وبيص الطيب الذي يضعه، يحب الطيب وأمر‬
                                                                                    ‫بأن ال يرد.‬
 ‫عاش عيشة الزهد، فلم يشبع من خبز الشعير قط، يمر على بيوته الهالل ثم الهالل ثم الهالل وال‬
                                                             ‫د‬
       ‫يوقد في بيوت آل محم ٍ نار، ربما وضع حجرين على بطنه ليسكت جوع بطنه. كان يأكل‬
  ‫بأصابعه الثالث ويلعقها إذا انتهى بأدب. أحب من الطعام الدباء والحلوى والعسل، وكان ال يذم‬
                                                                                          ‫م‬
                                                                                     ‫طعا ًا قط.‬
    ‫قسم وقته داخل بيته ثالثة، فقسم هلل، وقسم ألهله، وقسم لنفسه، وقسم الذي لنفسه ما بينه وبين‬
‫الناس. كان يمازح أصحابه وال يقول إال حقًا، كان يسمر مع نسائه ويحدثهن ويحدثونه فيستمع إلى‬
                                                                                         ‫أحاديث النساء.‬
                                   ‫ر‬
   ‫كان راجح العقل، صادق الفراسة، ثابتًا في الشدائد، صاب ًا في البأساء والضراء وحين البأس،‬
                                                                     ‫ر ي‬          ‫م‬
‫حلي ًا وقو ًا وف ًا للعهد والناس، يصفح ويعفو عمن أساء له، فعفا عمن سحره، وعفا عمن دس له‬
                                    ‫م‬                    ‫ط‬
             ‫السم، وصفح عن أهل مكة. كان وس ًا يحب االعتدال، كري ًا سخيًا كالريح المرسلة.‬
    ‫أيها المؤمنون، لقد انفرد نبيكم عن إخوانه من الرسل واألنبياء والناس أجمعين بخصائص في‬
                                       ‫الدنيا واآلخرة لم تكن لغيره كرامة وتشريفًا لهذا النبي الكريم.‬
‫منها أن اهلل أخذ العهد والميثاق على األنبياء من قبله على اإليمان به ونصرته والبشارة به، ومنها‬
  ‫أن رسالته كانت للناس كافة وكانت رسالة من قبله من األنبياء ألقوامهم خاصة، ومنها أنه خاتم‬
‫األنبياء والمرسلين وكانت رسالته رحمة للعالمين، ومنها أنه النبي الوحيد الذي خاطبه اهلل بوصف‬
                                 ‫َيه الن ِي ي َي الرس ل‬
  ‫النبوة والرسالة، فكان القرآن ينزل بيَا أُّ َا َّب ُّ و َا أ ُّهَا َّ ُو ُ، ونادى بقية األنبياء بأسمائهم.‬
           ‫ر‬       ‫د‬
‫ومن خصائصه عليه الصالة والسالم أن جعل اهلل له وألمته األرض مسج ًا وطهو ًا، ونصر على‬
   ‫ة‬
   ‫أعدائه بالرعب، وغفر اهلل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. كانت معجزات األنبياء من قبله وقتي ً‬
                                  ‫تنتهي بموتهم وكانت معجزته خالدة إلى يوم الدين: القرآن الكريم.‬
                    ‫تفرد عن بقية األنبياء باإلسراء والمعراج حتى أدناه اهلل منه في سدرة المنتهى.‬
   ‫خصه اهلل يوم القيامة فأعطاه اهلل الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، وهو مقام الشفاعة العظمى‬
                     ‫للخالئق عند ربهم حتى يفصل فيهم، ويشفع ألمته حتى يبلغوا ثلثي أهل الجنة.‬
    ‫أكرم اهلل أمته كرامة له، فكانت خير األمم أخرجت للناس، وأحل اهلل لها الغنائم، ووضع عنها‬
  ‫اآلصار واألغالل التي كانت على من قبلهم، وتجاوز عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه،‬
‫وحفظ هذه األمة من الهالك واالستئصال، وجعلها أمة ال تجتمع على ضاللة، وأعطاهم اهلل األجر‬
                                           ‫ر‬
  ‫العظيم على العمل القليل، ويأتون يوم القيامة غ ًا محجلين من أثر الوضوء، ويسبقون األمم إلى‬
                                                                                                   ‫الجنة.‬
     ‫أظهر اهلل على يديه من المعجزات ما يبهر العقول، ففلق له القمر فلقتين، وتكلمت الحيوانات‬
‫بحضرته، وسبح الطعام بين يديه، وسلم عليه الحجر والشجر، وتكاثر له الطعام والشراب كرامة،‬
                                            ‫وأخبر بالمغيبات، فما زالت تتحقق في حياته وبعد وفاته.‬
‫فاللهم اجز نبينا عن اإلسالم والمسلمين خير الجزاء وأوفره، اللهم وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة‬
                          ‫العالية الرفيعة، وأوقفه المقام المحمود الذي وعدته، إنك ال تخلف الميعاد.‬
                                           ‫عباد اهلل، استغفروا ربكم يغفر لكم، إن ربكم لغفور رحيم.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا‬
                           ‫عبده ورسوله، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.‬
                                      ‫أما بعد: فاتق اهلل أيها المسلم، واعلم أن الدنيا ليست بدار قرار.‬
       ‫أيها المسلمون، عاش نبيكم ثالثا وستين سنة، قضى منها ثالثا وعشرين في النبوة والرسالة‬
    ‫والبالغ واإلنذار والجهاد، فلما أتم اهلل الدين وكملت الرسالة بدأت اإلشارات بدنو ساعة رحيل‬
  ‫ْ م ت ُ د ك و م ت عل ُ‬
‫الحبيب ، فكان أول هذه اإلشارات نزول قول اهلل عز وجل: اليَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَ ُمْ َأَتْ َمْ ُ ََيْكمْ‬
‫ر الله و ف ح‬              ‫ِذ ج‬                                         ‫ن مت ورض ت ُ إل م د ن‬
‫ِعْ َ ِي َ َ ِي ُ لَكمْ ا ِسْال َ ِي ًا [المائدة:3]، وقول الحق تبارك وتعالى: إ َا َاءَ نَصْ ُ َّ ِ َالْ َتْ ُ‬
 ‫[النصر:5]، وكان يقول في حجة الوداع: ((خذوا عني مناسككم؛ لعلي ال ألقاكم بعد عامي هذا))،‬
                                                      ‫د‬
      ‫وكان يخبر الناس بعد حجة الوداع: ((إن عب ًا خيره اهلل بين الدنيا وبين لقاء ربه فاختار لقاء‬
                                                                                                     ‫ربه)).‬
‫في العام الحادي عشر من الهجرة الشريفة وفي غرة شهر ربيع األول رجع النبي من البقيع فدخل‬
 ‫بيته ووجد أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها تشتكي رأسها و تقول: وارأساه، فيقول لها النبي :‬
    ‫((بل أنا وارأساه يا عائشة))، فكان بداية مرضه وجعا في رأسه الشريف، ثم بدأت به الحمى،‬
 ‫وأخذت تشتد عليه حتى بلغت منه مبلغًا عظيمًا، فكان يصب عليه من سبع قرب من الماء ليبرد،‬
 ‫وكانت توضع على جسده الشريف القطيفة فيجد الالمس حرارته من فوقها، وكان من شدتها بعد‬
      ‫ذلك أن كان يغمى عليه المرة تلو المرة وهو يحاول القيام للصالة بالناس فال يستطيع، فيأمر‬
   ‫صاحبه في الغار أن يصلي بالناس، فلما روجع في اختياره ألبي بكر لرقة أبي بكر في الصالة‬
 ‫أصر عليه الصالة والسالم على إمامته للناس. واستأذن في أثناء ذلك من جميع زوجاته أن يبيت‬
                                                                           ‫فأذن‬
                                                                       ‫ويمرض في بيت عائشة َّ له.‬
‫صلى الناس في أحد أيام مرضه الظهر فوجد رسول اهلل خفة فخرج للمسجد، وكاد الناس أن يفتنوا‬
‫في صالتهم حينما رأوا نبيهم وحبيبهم يخرج إليهم، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول اهلل ليكمل الصالة‬
                            ‫بالناس، فكان يصلي جالسًا وأبو بكر يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر.‬
  ‫واشتد المرض عليه، وكان يقول: ((ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت‬
    ‫انقطاع أبهري من ذلك السم))، وكان يدخل عليه العارفون بالطب فلم يجدوا له عالجا، وكانت‬
              ‫عائشة تأخذ يده الشريفة لتضعها بالماء ثم تضعها على وجهه الشريف رجاء بركتها.‬
  ‫وفي مرض موته عليه الصالة والسالم كان يوصي بآخر وصاياه لألمة من بعده، فأوصى األمة‬
                                                               ‫ر‬
‫بالصالة، وأوصى الرجال خي ًا بالنساء، وأوصى أن ال يجعل قبره وثنًا يعبد، وأن ال تتخذ القبور‬
                                                                                                    ‫مساجد.‬
‫في صالة الفجر من يوم االثنين الذي مات فيه يكشف الستار الذي على الحجرة فينظر إلى جموع‬
  ‫المسلمين من أمته صفوفًا خلف أبي بكر، فتقر عينه بهذا المنظر الذي كان ثمرة ثالث وعشرين‬
                                                                                 ‫سنة من الدعوة والجهاد.‬
‫وفي ساعته األخيرة يدخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اهلل عنهما وفي يده سواك، فجعل‬
   ‫النبي يطيل النظر إلى السواك وال يستطيع الحديث، فتفهم عائشة رضي اهلل عنها مراده وتأخذ‬
 ‫السواك من أخيها فتلينه له ثم أعطته إياه، فجعل يستاك به كأحسن ما يكون آلخر مرة في حياته،‬
 ‫وكان يشتد عليه األلم فيقول: ((ال إله إال اهلل، إن للموت لسكرات))، ثم سمعت منه عائشة رضي‬
  ‫اهلل عنها وهو واضع رأسه الشريف على صدرها وهو يقول: ((بل الرفيق األعلى))، فكان آخر‬
     ‫ي‬                 ‫ٍ‬
    ‫ما نطق به وخرجت روحه الشريفة الطاهرة إلى روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، َا‬
           ‫َيت الن س م م ِنة جع إ َب ِ ر ضية م ِي ً خل ف عب د و خل َنت‬
          ‫أ َّ ُهَا َّفْ ُ الْ ُطْ َئ َّ ُ ارْ ِ ِي ِلَى ر ِّك َا ِ َ ً َرْض َّة فَادْ ُِي ِي ِ َا ِي َادْ ُِي ج َّ ِي‬
                                                                                                ‫[الفجر:27-03].‬
      ‫ومات نبي اهلل، ومات رسول اهلل، وبموته انقطع الوحي من السماء، وما إن علم الناس حتى‬
 ‫طاشت منهم العقول، وتراهم سكارى وما هم بسكارى ولكن موت رسول اهلل شديد. يخرج عمر‬
  ‫رضي اهلل عنه يهدد ويتوعد كل من يقول: رسول اهلل مات، رافضًا وجدانه تصديق خبر موته،‬
       ‫ووصل أبو بكر الصديق وكان في ناحية من المدينة، ودخل حجرة عائشة حيث رسول اهلل‬
                                                           ‫ال‬
  ‫مسجى، فكشف عنه وبكى وقبله قائ ً: أما الموتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، واهلل لن يجمع اهلل‬
                                                                    ‫د‬
 ‫عليك موتتين أب ًا، ثم خرج للناس وهم في هياج وحيرة، فحاول إسكات عمر فلم يستطع، فتوجه‬
                                                                      ‫م‬
 ‫بكالمه للناس، كال ًا ال يصدر إال من أبي بكر في مثل هذه المواقف: (أيها الناس، من كان يعبد‬
                                                                          ‫د‬          ‫د‬
  ‫محم ًا فإن محم ًا قد مات، ومن كان يعبد اهلل فإن اهلل حي ال يموت)، ثم تال على مسامعهم قول‬
  ‫ُ عل‬              ‫ْ قت‬       ‫م ْ ل الر ُل َ إ م‬                  ‫و مح َّد إ َّ رس ٌ َ‬
 ‫الحق تبارك وتعالى: َمَا ُ َم ٌ ِال َ ُول قدْ خَلَتْ ِن قَبِْهِ ُّس ُ أفَِيْن َاتَ أَو ُ ِلَ انْقَلَبْتمْ ََى‬
                      ‫الله الش ِر‬        ‫ي ُر الله ئ وس‬                ‫بك وم ي ل عل عقب ِ‬
   ‫أَعْقَا ِ ُمْ َ َنْ َنْقَِبْ ََى َ ِ َيْه فَلَنْ َض َّ َّ َ شَيْ ًا َ َيَجْزِي َّ ُ َّاك ِينَ [آل عمران:445]،‬
                                                   ‫يقول عمر بعد ذلك: وكأني أسمع هذه اآلية ألول مرة.‬
    ‫ودفن عليه الصالة والسالم في المكان الذي توفي فيه في حجرة عائشة، وهكذا تدفن األنبياء،‬
   ‫وأخذ الناس يدخلون عليه جماعات يصلون عليه، تقول فاطمة بنت محمد ألنس بن مالك بعدما‬
  ‫فرغوا من دفنه عليه الصالة والسالم: (يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول اهلل‬
                                                                                                                ‫؟!).‬
‫أيها المسلمون، تلكم لمحة عن الحبيب المصطفى، أال وإن في القلوب لهيب الشوق إليه، ال يطفئه‬
      ‫إال لقاؤه على الموعد في جنات عدن، فنسأ اهلل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ال يحرمنا‬
                                                       ‫رؤيته ولقاءه والشرب من حوضه يا رب العالمين.‬
                                                  ‫ش‬
‫أيها المسلم، يا محب رسول اهلل ، أب ّرك بقول حبيبك : ((المرء يحشر مع من أحب))، ولكن ذلك‬
               ‫ب‬                         ‫ل‬
  ‫الحب وحده ال يكفي، وتلك العاطفة وحدها ال تبّغك المقصود، ولكن هذا الح ّ يجب أن يترجم‬
  ‫إلى تعظيم لسنة الحبيب والعمل بها واتخاذه أسوة حسنة في أقوالنا وأفعالنا، في غدونا ورواحنا،‬
                                        ‫في يسرنا وعسرنا، في منشطنا ومكرهنا، في رضانا وغضبنا.‬
                  ‫لم‬         ‫َل ع و َلم‬             ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل الن ِي ي َي َّذ من‬
                 ‫إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا‬
                                                                                                ‫[األحزاب:61]...‬

‫(5/3454)‬




                                                                      ‫لماذا تستعجلون شهواتكم أيها الشباب؟‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                               ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫األبناء, الفتن, الكبائر والمعاصي‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫عبد العزيز بن محمد القنام‬
                                                                                                    ‫وادي الدواسر‬
                                                                                                       ‫7/7/6745‬
                                                                                            ‫جامع النويعمة القديم‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
                               ‫س‬                ‫ج‬               ‫ة‬
   ‫5- خطر الشهوة. 7- الشهو ُ الجنسية غريزة ُبلتْ عليها النف ُ البشرية. 3- اآلثار المترتبة‬
                                                       ‫تج‬         ‫تسع ر‬
  ‫على الشهوة إذا َّر نا ُها ولم ُل َم بلجامِ التقوى. 4- أسباب االنحرافِ في الشهوة. 1- سبل‬
                                                                                      ‫الوقاية من شر الشهوات.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، فإن بعد الحياة مماتا، وبعد الممات سؤاال، وبعد السؤال إما جنة أو‬
   ‫َاتق ي ت جع َ ف إل الله ُم ت َف ُل س م‬
  ‫نار، يقول اهلل الذي إليه المرجع والمآب: و َّ ُوا َوْمًا ُرْ َ ُون ِيهِ َِى َّ ِ ث َّ ُو َّى ك ُّ نَفْ ٍ َا‬
                                                                                        ‫سب ه ْ ي م‬
                                                                       ‫كَ َ َتْ وَ ُم ال ُظْلَ ُونَ [البقرة:577].‬
                                                           ‫حق‬
                          ‫أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا ربكم َّ التقوى، وتمسكوا بالعروةِ الوثقى.‬
              ‫ُ‬          ‫ع‬           ‫رزي إن‬     ‫ع‬           ‫س كل‬
  ‫الشهوة ـ عباد اهلل ـ أسا ُ ِّ قضية ومنب ُ كل َّة، َّها المستنق ُ الذي تتولد فيه قاذورات‬
                       ‫ب‬       ‫إن ء‬                   ‫ف ه‬                   ‫ب‬
  ‫الخطايا، وهي ال ُركان الذي تتقاذ ُ من ُ رحم الباليا، َّها دا ُ الشبا ِ، بل وغير الشباب، وهي‬
‫ة‬       ‫ؤ إن‬                                 ‫ع‬        ‫ال‬                              ‫ة‬
‫القضي ُ الكبرى للشباب، ما من جريمةٍ إ ّ هي منب ُها، وما من كبيرةٍ إال وهي مبد ُها، َّها قضي ُ‬
‫ب‬         ‫م‬                             ‫ء‬         ‫ة‬       ‫ة‬
‫الشبابِ الكبرى، الزنا، واللواط، والعاد ُ السري ِ، والغنا ُ، والمعاكساتِ الهاتفية، جرائ ُ االغتصا ِ‬
                      ‫ل‬           ‫ر‬       ‫م‬              ‫ن‬                ‫ق‬
    ‫واالختطاف، والعش ُ واإلعجاب، إدما ُ النظرِ المحر ِ، السه ِ والسفر، ك ّ هذهِ األدواءِ صدى‬
‫هلل‬    ‫ء‬                 ‫ه‬                      ‫بح‬        ‫إن‬
‫لهذه القضية، واستجابة لسعارها، َّها حجا ٌ ُفت به النار، من اخترق ُ دخلها، هي ابتال ٌ من ا ِ‬
                                                                                         ‫ن‬
                                       ‫وامتحا ٌ لعباده، ليعلمَ الصادقين والصابرين، ويبلو أخبارهم.‬
        ‫ت‬                 ‫كل‬          ‫ت‬
    ‫َّها ـ أّها المسلمون ـ قضي ُ الشبا ِ والشهو ِ، ولس ُ أعني بها َّ شهوة، لكنني أرد ُ بها‬
                                             ‫ة‬        ‫ب‬       ‫ة‬                  ‫ي‬      ‫إن‬
             ‫إال‬        ‫ء‬                                            ‫ي‬        ‫ج‬
       ‫شهوة الفر ِ، أو ما ُسمى بالمصطلحِ المعاصر: "شهوة الجنس". وهل دا ُ الشبابِ َّ الميل‬
   ‫ن‬                     ‫ل‬                               ‫ي ر‬           ‫أل ن‬
  ‫الجنسي الذي يم ُ ُفوسهم و ُسيط ُ على أرواحهم ويتراءى لهم في ك ِّ جميلٍ في الكون شيطا ًا‬
                                                                 ‫س‬       ‫ة‬            ‫د‬
  ‫لعينًا يقو ُ إلى الهاوي ِ وإبلي ًا من أبالسةِ الرذيلةِ يدعو إلى دينِ الهوى وشرعِ الشهوات؟! كم من‬
                                                ‫ة‬                           ‫ة‬            ‫ب‬
   ‫شا ٍ كانت الشهو ُ له عائقًا من سلوكِ الهداي ِ، وكم من كانت السبب في انحرافهِ وضالله. واهلل‬
                                                                                           ‫المستعان.‬
                        ‫ي‬                     ‫ي م‬                     ‫ةي ر‬                          ‫إن‬
   ‫َّ االنسياقَ وراءَ الشهو ِ ُدم ُ إرادةَ اإلنسان، و ُحط ُ كيانَ اإلنسانيةِ، و َفقدها وعيها وإرادتها،‬
       ‫وي ُو ُها على نغمِ القطيعِ الذي ير ُ ُ على إيقا ِ نزواته، فيعب ُ شهوات ِ، ويظل ي س ه‬
       ‫ُّ ُمار ُ هذ ِ‬ ‫ه‬    ‫د‬              ‫ع‬          ‫قص‬                             ‫ق د‬
‫العبوديةِ، وي ِّر َّ طاقات ِ للشهو ِ والهوى، َّها من ِّ الشهوا ِ وأخطرِها على الشبابِ خاص ً‬
‫ة‬                          ‫ت‬        ‫أشد‬     ‫إن‬         ‫ة‬       ‫ه‬       ‫ُسخ كل‬
 ‫ن‬      ‫م‬                       ‫ل‬           ‫ر‬               ‫ت‬                 ‫ن‬
 ‫في هذا الزم ِ، قال : ((ما ترك ُ بعدي فتنةً أض ّ على الرجا ِ من النساء))، وقال: (( َن يضم ُ‬
                      ‫ر ي ل‬               ‫س‬                                  ‫ه‬
   ‫لي ما بينَ لحيي ِ وما بين رجليه أضمن له الجنة))، و ُئل عن أكث ِ ما ُدخ ُ الناسَ النار فقال:‬
 ‫((الف ُ والفرج)). لمن هذا الحديث؟ َّ ُ لك ِّ الشباب، ولك ِّ من ُعاني ما يعانيهِ الشباب من طوفا ِ‬
 ‫ن‬                               ‫ي‬    ‫ُل‬             ‫إنه ُل‬                               ‫م‬
 ‫الشهواتِ العارم، َّ ُ خطا ٌ ِّ من ُري ُ أن يتسامى بروح ِ، وأن يبقى ل ُ دين ُ، ويصان عرض ُ‬
 ‫ه‬            ‫ه ه‬                 ‫ه‬                ‫ي د‬      ‫ب لكل‬    ‫إنه‬
                                                                                             ‫وشرفه.‬
 ‫ل‬                 ‫س‬                ‫ة ج‬       ‫ة‬        ‫ة‬                        ‫ب‬
 ‫يا معشرَ الشبا َ ويا غيرَ الشباب، الشهو ُ الجنسي ُ غريز ٌ، ُبلتْ عليها النف ُ البشرية، فقد جع َ‬
     ‫ا ُ سبحان ُ هذا الميلَ الغريزي في ٍّ من الرج ِ والمرأة؛ لتحقيقِ هدفٍ سام وهو بقا ُ النو ِ‬
     ‫ء ع‬                                        ‫ل‬         ‫كل‬                       ‫ه‬       ‫هلل‬
                                           ‫ل‬                       ‫ع‬
    ‫اإلنساني، فلوال هذا الداف ُ الجنسي لما كان التناس ُ والتكاثر الذي عمرَ وجه األرض جيالً بعد‬
 ‫ج‬                                                              ‫م‬
 ‫جيل، وقد حمى اإلسال ُ هذه الشهوة من االنحراف بما شرعه من ضوابط وأحكام؛ فشرعَ الزوا َ‬
       ‫ق‬                    ‫ف‬                       ‫يك‬                ‫ويس س‬       ‫حض‬
       ‫و َّ عليه، َّر ُبله وأسبابه، ل َ ُون الطريق الشرعي لتصري ِ هذه الشهوة بما يحق ُ‬
                                   ‫ي ِّر‬
     ‫السعادةَ والسكنَ النفسي والطمأنينةَ لكال الزوجين، وبما ُطه ُ النفسَ من أدرانها ويَحفظها من‬
           ‫ه‬                                 ‫ف‬                               ‫اآلفات، ولكن‬
‫َّ الهوى المستحكم في النفوسِ يصر ُ اإلنسانَ عن طريقِ الحاللِ ليوقع ُ في الحرام،‬
      ‫ط ن‬                     ‫ه‬       ‫م د‬                 ‫ح ل ر‬                       ‫ن ه‬
      ‫ويزي ُ ل ُ الباطلَ فيصب ُ العق ُ أسي ًا لذلك الهوى، ُنقا ًا وراء ُ حتى يؤدي ذلك إلى ُغيا ِ‬
    ‫أم‬         ‫ه‬               ‫م‬       ‫ك ل‬                        ‫ب‬             ‫ة س‬            ‫ة‬
   ‫الشهو ِ وتدسي ُ النف ِ، ليكونَ صاح ُها كالبهائم. وفي ذل َ يقو ُ اإلما ُ ابن القيم رحم ُ اهلل: " َّا‬
      ‫َّ‬                                             ‫د ُه ل‬           ‫ِ‬      ‫ء‬      ‫ة‬          ‫د‬
   ‫مشه ُ الحيواني ِ وقضا ُ الشهوة فمشه ُ الج َّا ِ الذين ال فرقَ بينهم وبينَ سائرِ الحيواناتِ إال في‬
    ‫اعتدالِ القامةِ ونطقِ اللسا ِ، ليس همهم َّ مجر َ نيل الشهوةِ ِّ طريقٍ أفضت إليها، فهؤال ِ‬
    ‫ء‬                         ‫بأي‬            ‫د‬     ‫إال‬          ‫ن‬
                                     ‫ِ‬                   ‫ه‬                      ‫س‬       ‫ن س‬
     ‫ُفو ُهم نفو ٌ حيوانية، لم تترقَ عن ُ إلى درجةِ اإلنسانية فضالً عن درجةِ المالئكة، وهم في‬
                                                                      ‫ب‬      ‫ن‬
                      ‫أحوالهم متفاوتو َ، بحس ِ تفاوتِ الحيواناتِ التي هم على أخالقها وطباعها".‬
  ‫ف‬                      ‫تج‬            ‫يا معشرَ الشباب، َّ الشهواتِ إذا َّرت نا ُها واشتد س‬
  ‫َّ ُعارها ولم ُل َم بلجامِ التقوى والخو ِ‬      ‫ر‬      ‫تسع‬             ‫إن‬
                                    ‫ف‬               ‫ة‬                    ‫ذ ث‬          ‫فإنه‬
 ‫من اهلل َّ ُ حينئ ٍ تور ُ انحرافًا في الغريز ِ، وهذا االنحرا ُ له آثار إنسانية وإيمانية واجتماعية‬
                                 ‫ن‬        ‫ط‬
 ‫وسلوكية ونفسية ومرضية، له آثار إنسانية حينما ينح ُ اإلنسا ُ بانحرافِ غريزتهِ إلى الحيوانية،‬
   ‫بل إلى ما هو ُّ منها، ف ُن ُ تلكَ اللحظةِ التي يقط ُ بها اإلنسا ُ صلت ُ با ِ يغدو حيوانًا يعي ُ‬
   ‫ش‬                  ‫ه هلل‬      ‫ن‬            ‫ع‬                       ‫مذ‬           ‫أحط‬
    ‫غ‬             ‫ه‬          ‫ت‬        ‫ح‬            ‫ع‬          ‫ُ‬           ‫ه‬
    ‫بغرائزهِ ويحيا لنزوات ِ، وبها تتعطل فيه نواز ُ الخير وتصب ُ الشهوا ُ أكبرَ هم ِ والدنيا مبل َ‬
        ‫علم ِ، فبانحرافِ الغريزةِ الجنسي ِ ينح ُ اإلنسا ُ من أحسنِ تقويمٍ إلى أضل سبيل، ذلك ه َ‬
        ‫و‬             ‫ّ‬                       ‫ن‬        ‫ة ط‬                                ‫ه‬
                                                                                                       ‫ن‬
                                                                                               ‫الخسرا ُ المبين.‬
     ‫ه‬      ‫ه‬                              ‫ي ع‬                  ‫ؤ‬           ‫ي‬             ‫ه ر‬
‫ول ُ آثا ٌ إيمانية بأن ُسلب من الم ُمنِ إيمانه، فَ ُرفَ ُ من قلبه عندما ينحرف، وتستعبد ُ شهوت ُ، فال‬
                                                                        ‫يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.‬
   ‫ؤ‬              ‫ة‬                 ‫ة‬                                   ‫ت ب‬
 ‫كم كانتِ الشهوا ُ سب ًا في الحورِ بعد الكور، وكانت الخطو ُ األولى نحو الرد ِ والكفر، واقر ُوا‬
  ‫ِن ب ء م ِن‬                   ‫ُ ْ َم َ َ‬            ‫إل س‬           ‫ِْ‬        ‫م َ الش‬
 ‫إن شئتم تفسير قوله تعالى: كَ َثلِ َّيْطَانِ إذ قَالَ لِ ِنْ َانِ اكْفر فَل َّا كَفر قَالَ إ ِّي َرِي ٌ ِنْكَ إ ِّي‬
                    ‫ت‬                                                      ‫م‬          ‫ف الله َب‬
   ‫أَخَا ُ َّ َ ر َّ الْعَالَ ِينَ [الحشر:65]. ألم تسمعوا حكايةَ ذلكَ الرجلِ الذي اب ُلي بعشقِ المردان،‬
                             ‫ض‬      ‫ه‬        ‫ه‬     ‫ك‬         ‫فعشقَ شابًا اسم ُ أسلم، واشتد ه‬
   ‫َّ كلف ُ به، وتم ّن حب ُ من قلب ِ، فمر َ بسببه، ولزمَ الفراشَ، ولم‬      ‫ه‬
                           ‫ه ه‬           ‫ؤه لكنه م‬           ‫ه‬                         ‫د ض‬
                          ‫يزل يزدا ُ مر ُه حتى قاربَ الوفاة، فالم ُ جلسا ُ ُ، َّ ُ خت َ حيات ُ بقول ِ:‬
                                                                                                      ‫م‬
                                                            ‫أسل ُ يا راحةَ العليل…ويا شفاءَ الْمدنفِ النحيل‬
                                                                                               ‫ك‬
                                                        ‫لقيا َ أشهى إلى فؤادي…من رحمةِ الخالقِ الجليل‬
         ‫ت ث‬                            ‫ة‬             ‫ر‬                   ‫د‬      ‫َ د‬
         ‫وربما وجدت عاب ًا زاه ًا فارقَ الدنيا كاف ًا، كانت بداي ُ انحرافهِ نظرة، والنظرا ُ تور ُ‬
                   ‫ن‬                 ‫ؤ‬
‫الحسرات، أولم تسمعوا عن حافظٍ للقرآن تنصر، وآخرَ كان م ُذنًا فتركَ اآلذا َ وارتد؟! لماذا؟ لقد‬
      ‫ر‬             ‫ف‬          ‫ج‬                      ‫َ‬       ‫فإن‬          ‫أ‬       ‫ب‬
     ‫كان السب ُ نظرةً ُولى، وهكذا َّ التهاون في وقايةِ شهوةِ الفر ِ واالنحرا ِ ولو كان يسي ًا‬
 ‫ص‬       ‫عب‬                                ‫ء‬                                       ‫ئ‬
 ‫سيؤدي شي ًا فشيئًا إلى ما هو أخطر، حتى يقعَ المر ُ فريسةَ طغيانِ الشهوةِ التي يص ُ ُ التخل ُ‬
                             ‫ه‬                ‫ِ ب‬                         ‫ت‬         ‫ش‬
    ‫من ُرورها، و ُؤدي في النهايةِ إلى طمس قل ِ صاحبها وانسالخ ِ من األخالقِ الفاضلة، هذا‬
‫باإلضافةِ إلى ما ُصيب ُ من األمراضِ النفسي ِ من قل ٍ واضطراب وذبو ِ أحاسيس ومشاعرِ الغير ِ‬
‫ة‬                      ‫ل‬              ‫ق‬       ‫ة‬                    ‫ي ه‬
       ‫ج‬                                                                 ‫ف‬       ‫ض‬
     ‫والعر ِ والشر ِ والحياء والرجولة، وما يعتريه من األمراضِ الجسديةِ التي يعوز عال ُها‬
                                                                           ‫ؤ‬
                                                                        ‫ويستعصي على أهلِ الطبِ دوا ُها.‬
   ‫خ‬     ‫ُ‬    ‫ض ب‬                 ‫ة ه‬                                   ‫إن‬
   ‫يا معشرَ الشباب، َّ بدايةَ االنحرافِ في هذه الشهو ِ سبب ُ األساسي مر ُ القل ِ وعدم رسو ِ‬
                  ‫د‬                              ‫ة‬          ‫ه ء‬         ‫ع‬              ‫ِ‬
   ‫اإليمان فيه، فإذا ما ُرضَ ل ُ شي ٌ من الفتن ِ مالَ إليها وتأثرَ بها، فازدا َ مرضًا على مرض.‬
                ‫الذ ف ب م َض‬                                                      ‫َ ل ن‬
  ‫وفي ذلك يقو ُ اب ُ تيمية رحمه اهلل في قولهِ تعالى: فَيَطْمَعَ َّ ِي ِي قَلْ ِهِ َر ٌ [األحزاب:73]:‬
        ‫ب‬                             ‫ة‬                                  ‫ة فإن‬       ‫ض‬
        ‫هو مر ُ الشهو ِ؛ َّ القلبَ الصحيحِ لو تعرضت له المرأ ُ لم يلتفت إليها، بخالفِ القل ِ‬
                                          ‫ض‬            ‫ف ي ل‬         ‫ة فإنه‬
 ‫المريض بالشهو ِ، َّ ُ لضع ِهِ َمي ُ إلى ما يعر ُ له من ذلكَ بحسبِ قوةِ المرضِ وضعفه، فإذا‬
‫ع‬         ‫ي نه‬                                         ‫إن‬      ‫ه‬                          ‫ن‬
‫خضع َ بالقولِ طمعَ الذي في قلب ِ مرض، َّ القلبَ الذي تذوقَ حالوةَ اإليمانِ ال ُمك ُ ُ أن ينصا َ‬
   ‫َّ‬                      ‫ألن‬           ‫ت‬           ‫ن ي ض ه‬
   ‫لوساوسِ الشيطان، أو يفت َ بما ُعر ُ ل ُ من الشهوا ِ والمغريات؛ َّ نورَ اإليمانِ إذا استقر‬
                                 ‫إال ر‬               ‫ف‬     ‫ة‬             ‫ه ظ‬
                           ‫في القلبِ طردَ عن ُ ال ُلمات، وما قص ُ يوس ُ عليه السالم َّ خي ُ مثال.‬
       ‫ٌ‬     ‫ة‬         ‫ٌ‬            ‫ة‬                         ‫ر‬        ‫ة ق د‬                   ‫إن‬
 ‫َّ الشهوةَ الجنسي ِ و ُو ُها النظ ُ إلى الحرام، بل هو الخطو ُ األولى، نظرة فابتسام ٌ فسالم فكالم‬
 ‫ه‬     ‫فموع ٌ فلقا ُ. َّ النظرةَ األولى ُجر ُ على ما بعدها، والعي ُ مرآ ُ القلبِ، فإذا غض د‬
 ‫َّ العب ُ بصر ُ‬         ‫ن ة‬                         ‫ت ئ‬                  ‫د ء إن‬
       ‫ته‬                         ‫م‬      ‫ل‬        ‫ب‬         ‫ة ل‬                     ‫ه‬       ‫غض ب‬
       ‫َّ القل ُ شهوتَ ُ وإرادته، والنظر ُ تفع ُ في القل ِ ما يفع ُ السه ُ في الرميةِ، فإن لم تق ُل ُ‬
          ‫ت ه ُ‬              ‫س‬                     ‫ت‬            ‫ة‬                     ‫ه‬
    ‫جرحت ُ، وهي بمنزلةِ الشرار ِ من النارِ، ُرمى في الحشيشِ الياب ِ، فإن لم ُحرق ُ كله أحرقت‬
                                                                                              ‫ه‬
                                                                                             ‫بعض ُ:‬
                                ‫ر‬                        ‫م‬      ‫ر‬                ‫ث‬         ‫ل‬
                                ‫ك ّ الْحواد ِ مبدؤها من النظ ِ…ومعظ ُ النارِ من مستصغرِ الشر ِ‬
                                  ‫ر‬        ‫س‬        ‫م‬              ‫ب‬     ‫ف ب‬          ‫ٍ‬
                                  ‫كم نظرة فتكت ِي قل ِ صاح ِها…فتكَ السها ِ بال قو ٍ وال وت ِ‬
                                ‫ر‬          ‫ف‬      ‫ر‬                 ‫ني ب‬           ‫َ‬      ‫ء‬
                                ‫والمر ُ ما دام ذا عيْ ٍ ُقل ُها…في أعينِ الغي ِ موقو ٌ على الخط ِ‬
             ‫ه‬                         ‫ه ه‬            ‫ه َّ‬            ‫ولخطورةِ النظ ِ وعلمِ النبي‬
    ‫ِّ بعظيمِ أثر ِ حذرَ أصحاب ُ من ُ بل مما يفضي إليه في قول ِ: ((إياكم‬          ‫ر‬
                                    ‫س‬                              ‫ُم‬
‫والجلوسِ في الطرقات))، ث َّ قال: ((فإذا أبيتم إال المجال َ فأعطوا الطريق حقها))، قالوا: وما حق‬
               ‫ُّ األذى، ُّ السالم، وأم ٌ بالمعروف، ونهي‬
  ‫ٌّ عن المنكر)).‬             ‫ر‬             ‫ورد‬            ‫ر‬      ‫غض‬
                                                      ‫الطريق؟ قال: (( ُّ البص ِ، وكف‬
                      ‫ج‬                                   ‫ط‬                        ‫أن ط‬
       ‫هذا مع َّ ُرقاتِ المدينةِ لم تكن ك ُرقاتِ المسلمين اليوم مليئةً بالتبر ِ والسفور ومظاهر‬
‫ء‬      ‫ُر‬                  ‫ألنه ه‬
‫اإلغرا ِ والفتن ِ، َّما كانَ النظ ُ بهذهِ الدرج ِ من ال ُطورةِ َّ ُ يتبع ُ ما بعده، فحين ينظ ُ المر ُ‬
                                            ‫خ‬       ‫ة‬             ‫ر‬             ‫ة وإن‬        ‫ء‬
     ‫ل‬              ‫ِّ‬      ‫ي ر‬         ‫ن‬          ‫ي ن‬             ‫ُ‬      ‫م‬
    ‫نظرةً محرمة ترتس ُ الصورة في قلبه و ُزي ُها الشيطا ُ له، ف ُثي ُها في كل موقف، وحين يخُو‬
‫ر‬        ‫ل ه‬              ‫ي ُ‬       ‫ر‬       ‫ه‬                ‫ن‬        ‫د‬
‫بنفسهِ ويأوي إلى فراشهِ يعي ُ الشيطا ُ الصورةَ في ذهن ِ فيتذك ُها، و ُفكر فيها ويطو ُ مع ُ التفكي ُ‬
    ‫ر‬         ‫ر‬           ‫ه‬              ‫ه‬       ‫ر‬        ‫ل‬                            ‫ي ح‬
‫حتى ُصب ُ له ديدنًا وشأنًا، وحين يطو ُ التفكي ُ بصاحب ِ، ويستولي علي ِ، فقد يتطو ُ به األم ُ إلى‬
        ‫ُم‬                                                ‫ة‬        ‫أ‬      ‫ة‬          ‫ل‬
    ‫التفكيرِ بالفع ِ والممارس ِ، وتبدُ المسأل ُ من كونها مجرد أفكارٍ إلى أن تتحولَ إلى نيةٍ، ث َّ إلى‬
                                               ‫ة‬                ‫ِ‬           ‫ة ثم‬        ‫ط‬
     ‫تخطي ٍ وعزيم ٍ، َُّ إلى الوقوع ربما في الفاحش ِ والفساد، فإن لم يكن كذلكَ فقد يؤدي به إلى‬
                                                             ‫ة ر‬
                                                  ‫ممارسةِ العادةِ السرية، والوقاي ُ خي ٌ من العالج.‬
   ‫م‬                  ‫م‬                                   ‫ر يشتد‬             ‫إن‬
   ‫يا معشر الشباب، َّ الشهوةَ نا ٌ ال ُّ أوارها إال بالتساهلِ في أسبابها و ُوقداتها، فكيف يسل ُ‬
      ‫ر‬           ‫ح‬                                  ‫م‬              ‫ل م‬
      ‫من داءِ الشهوةِ من يتساه ُ في ُشاهدةِ األفال ِ والمسلسالت أو متابعةِ القنواتِ ب ُجةِ األخبا ِ‬
‫ف م‬                          ‫د‬         ‫ء‬       ‫ع‬        ‫ة‬
‫والمناظرات؟! وكيفَ ينجو من نارِ الشهو ِ من يسم ُ الغنا َ أو يرتا ُ تجمعاتِ النساء؟! وكي َ يسل ُ‬
                                               ‫ي د‬                        ‫ي ب‬
                            ‫من داءِ الشهوةِ من ُقل ُ المجالتِ الهابطة أو ُشاه ُ القنواتِ الساقطة؟!‬
          ‫ل‬                                           ‫ت‬       ‫ك‬
‫يا معشرَ الشباب، ال تغتروا بالتزام ُم، وال ُعجبوا بأعمالكم، وال تأَمنوا مكرَ اهلل، فأو ُ داءٍ يسري‬
  ‫ط‬         ‫ة‬          ‫ء‬
  ‫إلى ُفوسِ الصالحين هو العج ُ والغرو ُ بالطاع ِ، فإذا استحك َ هذا الدا ُ فهو عالم ٌ على تسل ِ‬
                                  ‫م‬             ‫ة‬        ‫ر‬        ‫ب‬                      ‫ن‬
                        ‫س‬            ‫ةت د‬                       ‫بأن‬     ‫ر‬       ‫س‬
    ‫شهوةِ حبِ النف ِ، ونذي ُ خطرٍ َّ هذهِ الشهوةِ الخفي ُ ُمه ُ الطريقَ لت َلطِ الشهواتِ األخرى.‬
 ‫مش ة‬                                                                          ‫ب‬
 ‫لقد تساهلَ شبا ٌ صالحون بالنظرِ إلى النساءِ عبرَ القنواتِ الفضائية، وتساهلَ آخرونَ في ُ َاهد ِ‬
       ‫د‬           ‫كل‬                ‫ف‬    ‫ة‬         ‫ة‬
  ‫مواقعَ اإلنترنت الفاضحة، وتساهلَ فئ ٌ في قراء ِ صح ٍ ومجالتٍ ساقطة، ُّ ذلك اعتما ًا على‬
      ‫قاعدةِ االلتزام، ولعم ُو ا ِ، ذاكَ با ٌ خطير ومزل ٌ عظيم، تساقطَ فيه أخيا ٌ، وزل فيه ُبا ٌ‬
      ‫ع د‬       ‫َّ‬   ‫ر‬                       ‫ق‬           ‫ب‬          ‫ر هلل‬
            ‫َ‬      ‫ي ك‬                                 ‫هلل إال م‬          ‫ن‬        ‫إنه‬
       ‫أطهار، َّ ُ ال يأم ُ مكرَ ا ِ َّ القو ُ الخاسرون، ومن حامَ حولَ الحمى ُوش ُ أن يقع فيه.‬
   ‫ء‬                                                      ‫ة‬      ‫ٌ‬
   ‫تلك ـ معاشرَ الشبابِ ـ لفتة سريع ٌ إلى الداءِ األعظم والمشكلةِ الكبرى، قد صورت لكم الدا َ‬
            ‫ة‬         ‫ة‬           ‫ة‬        ‫ق‬        ‫ص‬       ‫ل‬           ‫ومصدره، ويبقى األهم‬
 ‫ُّ وهو السبي ُ للخال ِ والطري ُ لمواجه ِ هذه الشهو ِ وللسالم ِ من آثارِها‬
                                                                                                               ‫وأخطارها.‬
 ‫ِن م لم ن و م لم ت و م من ن و م م ت و نت ن و نت ت‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، إ َّ الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْ َا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَا ِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِ َا ِ‬
 ‫َالص ِق ن َالص ِ ت َالص ِر ن َالص ِر ت و شع ن و ش ت و م َدق و مت َد ت‬
 ‫و َّاد ِي َ و َّادقَا ِ و َّاب ِي َ و َّاب َا ِ َالْخَا ِ ِي َ َالْخَا ِعَا ِ َالْ ُتَص ِّ ِينَ َالْ ُ َص ِّقَا ِ‬
  ‫َد الله‬        ‫ر َالذ ِر‬           ‫ت َالذ ِر الل‬               ‫َالص ئم ن َالص ئم ت و ح ظ َ ُر جه و‬
  ‫و َّا ِ ِي َ و َّا ِ َا ِ َالْ َافِ ِين ف ُو َ ُمْ َالْحَافِظَا ِ و َّاك ِينَ َّهَ كَثِي ًا و َّاك َاتِ أَع َّ َّ ُ‬
                                                                                        ‫ُ م ف ة و ْر ظ م‬
                                                                         ‫لَهمْ َغْ ِرَ ً َأَج ًا عَ ِي ًا [األحزاب:13].‬
     ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، ونفعنا‬
‫بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل‬
                                                                           ‫ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل الذي يسر لنا سبل الهدى و التقى والعفاف، ونجانا بفضله مما يحذر المرء منه ويخاف،‬
    ‫وأكرمنا بجوده الذي ليس على أحد بخاف، وجعلنا بكرمه ومنته من المسلمين األحناف، أحمده‬
 ‫سبحانه وأشكره أن شرع ألمة اإلسالم من الحدود ما يحفظ بها عليها أمنها األخالقي واالجتماعي‬
                           ‫د‬
‫والمالي. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبد اهلل ورسوله، صلى اهلل‬
                                                                        ‫ر‬
                                                                      ‫عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
            ‫ر‬               ‫ف‬      ‫ر‬                              ‫أ ك‬
        ‫أما بعد: يا معشرَ الشباب، ُدر ُ أنكم في زمنٍ تواجهون فيه تيا ًا جار ًا وطوفانًا هاد ًا من‬
           ‫ظ‬           ‫ت‬               ‫ل‬                                      ‫ق‬
  ‫الشهوات، يالح ُكم أينَما كنتم وحيثما حللتم، حتى ليقو ُ القائل: وماذا ُجدي المواع ُ والخطب؟!‬
      ‫ِ‬                      ‫ب‬     ‫ع س‬           ‫ج‬                        ‫ب ك‬                 ‫إن‬
   ‫َّكم تقولون للشبا ِ: ُن صينًا وعفيفًا وهو يخر ُ فيسم ُ إبلي َ يخط ُ بلغةِ الطبيعةِ الثائرة في‬
                                          ‫ق‬                                  ‫ن‬
 ‫السوقِ على لسا ِ حالِ المرأةِ المتبرجة وفي الحدائ ِ وعلى السواحلِ على لسانِ النساءِ السافرات‬
     ‫وفي القنواتِ اإلعالمية على لسانِ المناظرِ المتهتكةِ المثيرة وفي المكتبةِ بل والبقالةِ على لسانِ‬
                           ‫س‬                                                           ‫د‬
        ‫الجرائ ِ والمجالتِ المصورة والرواياتِ الغراميةِ الماجنة وفي المدار ِ والشارعِ على لسانِ‬
    ‫ع ة‬                   ‫ن‬                ‫ء‬       ‫ث‬              ‫ر‬
    ‫أصحابهِ المستهترين بل وفي جوا ِ بيتِ اهلل حي ُ النسا ِ الالتي لم يأتي َ يبغينَ حجةً وال ُمر ً‬
                                                                                                          ‫ولكن ليفتن‬
                                                                                         ‫َّ الشبابَ المغفل!!‬
          ‫ق‬               ‫كل‬         ‫َب‬             ‫ألن‬
       ‫َّ الشبا َ تتعبد ُ الشهو ُ فيخض ُ لها؛ َّ سهامها تَنص ُّ عليه من ِّ جانب، فال يطي ُ أن‬
                                                            ‫ع‬      ‫ة‬       ‫ه‬       ‫ب‬       ‫إن‬
            ‫د‬                         ‫ً ة‬                 ‫ر‬             ‫ُ‬     ‫ي ر ه‬
   ‫يتقيها، ف ُصو ُها ل ُ خياله عالمًا مسحو ًا عجيبًا وجنة فتان ً، فيتمنى دخولَها، فال يج ُ من دونها‬
      ‫ة‬                          ‫د‬         ‫ج‬                ‫ي ِزه‬           ‫ه‬         ‫د‬
   ‫حجابًا، بل يج ُ من يسوق ُ إليها و ُحف ُ ُ عليها، فال يخر ُ منها أب ًا، وال عليه إن ماتتِ األم ُ أو‬
                                                                                 ‫عاشت، فهل من عالجٍ لهذا الداء؟!‬
       ‫ُذ‬            ‫د د‬              ‫ق‬              ‫ر‬                ‫ج ن‬          ‫إن‬
     ‫يا معشر الشباب، َّ العال َ هي ٌ ميسور والعقاقي ُ دانية، ال ين ُصها إال ي ٌ تمت ُ إليها، فتأخ ُها‬
                                                                      ‫ض‬      ‫ء ن رب‬                    ‫ن‬
                                                             ‫لتكو َ سببًا في الشفا ِ بإذ ِ ِّ األر ِ والسماء.‬
       ‫ِّ الشهواتِ قو ُ اإليما ِ باهلل تبارك وتعالى؛ فاإليما ُ سال ُ‬
       ‫ن ح‬                           ‫ن ِ‬            ‫ة‬                  ‫س‬                        ‫إن‬
                                                                  ‫َّ أقوى عالجٍ لشهوةِ الجن ِ ولكل‬
        ‫ف‬                           ‫ُد‬                 ‫ت‬           ‫ة ي ه‬               ‫ِ‬
‫المؤمن في مواجه ِ ما ُضل ُ من الشهوا ِ والشبهات، فال ب َّ من تربيةِ النفسِ على الخو ِ من اهلل‬
                                                                                             ‫ومراقبتهِ في السر‬
                                                                                  ‫ِّ والعالنية.‬
       ‫ِ‬                 ‫َّ المؤمنَ إذا تربى على اإليمانِ باهلل ُبحان ُ وتعالى ومراقبتهِ في السر‬
    ‫ِّ والعالنيةِ وخشيته في‬                       ‫س ه‬                                         ‫إن‬
     ‫ة‬     ‫ه‬             ‫ه ة‬                            ‫أ‬            ‫ن‬      ‫فإنه ي ح‬           ‫ن ب‬
‫الم ُقل ِ والمثوى َّ ُ ُصب ُ إنسا ًا سويًا وينشُ شابًا تقيًا، ال تستهوي ِ ماد ٌ، وال تستعبد ُ شهو ٌ، وال‬
   ‫يتسل ُ عليه شيطا ٌ، وال تعتل ُ في أعماق ِ وساو ُ النفسِ األمار ِ، فإذا دعت ُ امرأة ذات منص ٍ‬
   ‫ب‬               ‫ه‬           ‫ة‬               ‫س‬      ‫ه‬          ‫ج‬           ‫ن‬           ‫ط‬
            ‫علي‬             ‫ن‬      ‫ه‬                        ‫ف رب‬            ‫إن‬
‫وجمال قال: ِّي أخا ُ اهللَ َّ العالمين، وإذا وسوسَ ل ُ شيطا ٌ قال: ليس لكَ َّ سلطان، وإذا‬
                                                                  ‫ء‬              ‫س ء‬          ‫زين ُ ق‬
                                 ‫َّ له ُرناءَ ال ُو ِ طريقَ الفحشا ِ والمنكرِ قال: ال أبتغي الجاهلين.‬
       ‫ث‬               ‫ِ‬            ‫ك‬       ‫د‬              ‫ك‬             ‫ت‬
   ‫أخي الشاب، حينما ُغلق عليك باب َ وال يراكَ أح ٌ وتتحر ُ كوامن الشهوة في نفسكَ فتبح ُ لها‬
   ‫ك‬           ‫م‬             ‫ة‬                            ‫أن‬                     ‫س‬
   ‫عن متنف ٍ غير شرعي تذكر حينها َّ اهللَ عز وجل في تلكَ الساع ِ يراكَ، ويعل ُ ما في نفس َ‬
                                       ‫ُّد ر‬     ‫ي و ت ف‬                    ‫ي َم ئ‬                   ‫ت‬
                            ‫وما ُخفي في صدرك، َعْل ُ خَا ِنَةَ الْأَعْ ُنِ َمَا ُخْ ِي الص ُو ُ [غافر:15].‬
                                                 ‫ن‬         ‫ل‬        ‫س‬       ‫ة‬      ‫ٍف‬
                                                 ‫وإذا خلوتَ بريبة ِي ظلم ٍ…والنف ُ داعية إَى الطغيا ِ‬
                                                 ‫م‬                 ‫إن‬       ‫ق‬                  ‫ي‬
                                           ‫فاستح ِ من نظرِ اإللهِ و ُل لها… َّ الذي خلقَ الظال َ يراني‬
      ‫ك‬                                  ‫م ق ك‬             ‫ة‬              ‫َ‬
‫أخي الشاب، ولكي تأمن غوائلَ الشهو ِ تذكر يو َ و ُوف َ بين يدي اهللِ تباركَ وتعالى، وأن َ ستلقى‬
  ‫وِن‬                                               ‫س‬                                  ‫ت‬
  ‫اهللَ يومَ ُبلى السرائر، يومَ ال يخفى من النا ِ خافية، تذكر شهادة المالئكةِ عليكَ بما فعلت، َإ َّ‬
                                              ‫ظ ن ِر م تب ي م ن م عل‬                                  ‫ع ُ‬
    ‫َلَيْكمْ لَحَافِ ِي َ ك َا ًا كَا ِ ِينَ َعْلَ ُو َ َا تَفْ َُونَ [االنفطار:05-75] , وتذكر شهادة جوارحك،‬
                     ‫ن ي مل‬            ‫ه ع ِ س عه و ص ره جل د ُ ب‬                                 ‫َت ِذ م ج ء‬
       ‫ح َّى إ َا َا َا ُوهَا شَ ِدَ َلَيْهمْ َمْ ُ ُمْ َأَبْ َا ُ ُمْ وَ ُُو ُهمْ ِمَا كَا ُوا َعْ َُونَ [فصلت:07]،‬
       ‫ر‬         ‫إن‬                 ‫ي مئ ت َدث ب ر‬
   ‫وتذكر شهادة األرضِ بما عليها قد فعلتَ، َوْ َ ِذٍ ُح ِّ ُ أَخْ َا َهَا [الزلزلة:4]. َّ من يتذك ُ ذلك‬
                    ‫ةت ب‬         ‫ة‬      ‫ي ُ ه‬           ‫ِّل ه‬        ‫ه سه‬                 ‫ي ن‬
             ‫و ُوق ُ به فلن تحدث ُ نف ُ ُ أو تسو ُ ل ُ بعملٍ ُسخط رب ُ وشهو ٍ محرم ٍ ُغض ُ خالقه.‬
  ‫ت‬          ‫قب‬             ‫ة ثم‬     ‫أن ة‬            ‫ٍ‬               ‫ك س‬
  ‫أخي الشاب، إذا حدثت َ نف ُكَ باقترافِ شهوة فتذكر َّها لذ ُ ساع ٍ َّ تنقضي، وتع ُ ُها الحسرا ُ‬
   ‫ء‬     ‫َّ‬                              ‫ء‬          ‫ل‬            ‫إن‬         ‫ن‬         ‫ت‬
   ‫والزفرا ُ. قال اب ُ الجوزي: َّ الهوى يَحو ُ بين المر ِ وبين الفَهمِ للحال، فال يرى إال قضا َ‬
    ‫شهوت ِ، ولو ميزَ العاق ُ بين قضاءِ وطرهِ لحظ ً وانقضاءِ باقي ال ُم ِ بالحسرةِ على قضاءِ ذل َ‬
    ‫ك‬                       ‫عر‬                    ‫ة‬                     ‫ل‬         ‫َّ‬      ‫ه‬
           ‫ه‬             ‫ل ه‬                     ‫أن‬                 ‫أ‬     ‫ب ه‬
     ‫الوطرِ لما قر َ من ُ ولو ُعطي الدنيا، غيرَ َّ سكرةَ الهوى تحو ُ بين ُ وبين ذلك. آ ٍ كم من‬
‫ة‬           ‫ي ل‬       ‫ي ح‬            ‫ر وأقل‬            ‫ك ثم‬          ‫كأن‬
‫معصيةٍ مضت في ساعتها َّها لم ت ُن، َّ بقيت آثَا ُها، ُّهَا ما ال َبر ُ وال َزو ُ من المرار ِ‬
                                                                               ‫ة‬        ‫أم‬            ‫م‬
                                                                              ‫في الند ِ والهزيمةِ، َّا الشهو ُ:‬
                                        ‫ر‬       ‫م‬                                        ‫ُ‬
                                        ‫تفنى اللذاذات ممن نالَ صفوتَها…من الحرامِ ويبقى اإلث ُ والعا ُ‬
                                          ‫تبقى عواق ُ ُوء ِي مغب ِها…ال خي َ في لذ ٍ من بعدها النا ُ‬
                                          ‫ر‬               ‫ة‬       ‫ر‬         ‫ت‬      ‫بس ٍف‬
‫م‬        ‫ة‬                 ‫ت‬                    ‫أخي الشاب، أغلقِ البابَ الذي ُشم فيهِ روائحَ الشر‬
‫ِّ بالبعدِ عن المثيرا ِ، فالصورِ ومشاهد ُ األفال ِ‬               ‫ت ُ‬
                                ‫ر‬           ‫م‬          ‫ل‬         ‫ة‬                    ‫ث‬
     ‫والبح ُ عن المواقعِ الهابط ِ والتساه ُ في قضايا ُشاهدة الصو ِ والمحادثاتِ وتبادل الرسائل‬
    ‫ر‬      ‫ة‬                 ‫ة س‬                ‫د‬        ‫اإللكتروني ِ وغيرها هي من أبوابِ الشر‬
 ‫ِّ، والبع ُ عنها وقاي ٌ للنف ِ من غوائلِ الشهو ِ وشرو ِها.‬                       ‫ة‬
  ‫د‬                       ‫ة مس ِل‬            ‫ُزين‬           ‫س‬          ‫أن‬
‫يا أخي الشاب، إذا علمتَ َّ قرينَ ال ُوءِ هو الم ِّ ُ للشهو ِ وال ُ َه ُ للفاحشةِ فهل فكرتَ بج ٍ ـ‬
‫خالء ي م ِذ‬               ‫أ‬       ‫وده عه‬                 ‫ن ر‬                       ‫هلل‬       ‫ت د‬
‫وأنتَ ُري ُ طاعةَ ا ِ ـ أن يكونَ لكَ قري ُ خي ٍ، يبقى لكَ ُّ ُ ونف ُ ُ دنيا وُخرى؟! األَ ِ َّ ُ َوْ َئ ٍ‬
                                                                             ‫َ ُو ِال ُتق‬             ‫ب ض ُ لب‬
                                                             ‫َعْ ُهمْ ِ َعْضٍ عد ٌّ إ َّ الْم َّ ِينَ [الزخرف:26].‬
   ‫أنك‬         ‫ٍ‬   ‫ك ةم‬                           ‫تر‬        ‫د‬     ‫ت‬      ‫ك س‬
   ‫يا أملَ األمةِ، إذا حدثت َ نف ُكَ أن ُذهبَ ِينَك و ُ ِيقَ ماءَ حياتِك وعفتِ َ بلذ ٍ ُحرمة فتذكرْ َّ َ‬
    ‫د ُن‬                            ‫ر‬      ‫إن ُن‬                     ‫ر‬          ‫ك‬
    ‫بذلكَ تحرم نفس َ ما هو خي ٌ وأبقى وأتقى وأنقى، َّه َّ الحو ُ العين الالتي لو اطلعت إح َاه َّ‬
‫إن‬              ‫د‬       ‫ر‬                ‫صف‬           ‫ر‬                                  ‫أهل‬
‫على ِّ األرضِ لمألت ما بينهما ريحًا ونو ًا، ولَنَ ِي ُها على رأسها خي ٌ من ال ُنيا وما فيها. َّ‬
                   ‫أن‬           ‫ٌ‬              ‫ٌ‬
 ‫ثَمنَ العِفةِ وجزاء الصبرِ على المغرياتِ جنة فيها ما ال عين رأت وال ُذ ٌ سمعت وال خطرَ على‬
                                                   ‫َز ُ بم صبر َنة ح ر‬
  ‫قلبِ بشر، وَج َاهمْ ِ َا َ َ ُوا ج َّ ً وَ َرِي ًا [اإلنسان:75]. أفتستبدلونَ الذي هو أدنى بالذي هو‬
‫خير؟! َّا ذكرَ ا ُ شهواتِ ال ُنيا وزينتها قالَ بعده ذلك: قلْ أَ ُنُِّكمْ بِخَيْرٍ ِنْ ذَِكمْ ِل ِينَ َّقَوْا ِن َ‬
‫م ل ُ لَّذ ات ع ْد‬                         ‫ُ ؤ َبئ ُ‬                               ‫د‬           ‫هلل‬       ‫لم‬
  ‫ر ِّهمْ جَّا ٌ تَج ِي ِنْ تَحْ ِ َا الْأَنْ َا ُ خَال ِين ِيهَا َأَزْ َا ٌ ُطَه َ ٌ َ ِضْ َا ٌ ِنَ َّهِ و َّ ُ َصِي ٌ‬
  ‫ته ه ر ِد َ ف و و ج م َّرة ور و ن م الل َالله ب ر‬                                             ‫َب ِ َن ت ْر م‬
                                                                                   ‫عب‬
    ‫بِالْ ِ َادِ [آل عمران:15]. فحصنوا أنفسكم شباب اإلسالم، وانتظروا حور العين في الجنة ـ إن‬
                                                                                       ‫شاء اهلل ـ وال تستعجلوا.‬
 ‫ة م ة‬                        ‫ر‬           ‫صغ‬      ‫ب‬
 ‫يا معشرَ الشباب، احذروا االستهانةَ بالذن ِ ولو َ ُر، فال صغي َ مع إصرار. والنظر ُ ال ُحرم ُ‬
‫تور ُ الحسرا ِ والزفرات، والعي ُ تزني وزناها النظر. ومن ُنا أقو ُ للشبابِ الملتز ِ: كم ُ َا ِ ُ‬
‫نخ دع‬        ‫م‬                ‫ل‬       ‫ه‬                        ‫ن‬                 ‫ت‬        ‫ث‬
   ‫ة‬     ‫ي ح م‬                             ‫ر‬          ‫ره ن‬              ‫ر‬             ‫ن ح‬            ‫س‬
   ‫أنف َنَا حينما ُبي ُ لها في السف ِ ما نعتب ُ ُ نَح ُ عندَ غَي ِنا إحدى الكبر. ما الذي ُبي ُ لنا ُشاهد ِ‬
      ‫ُف‬       ‫ب‬             ‫و ُن أن‬            ‫ر‬       ‫ن‬                     ‫ن ُحذر‬           ‫د‬
      ‫ال ُشوشِ ونح ُ ن ِّ ُ منها؟! أفي أمنٍ نَح ُ من مك ِ اهلل؟! أ َنظ ُّ َّ عقوبةَ الذن ِ هي خَس ٌ‬
      ‫غب‬             ‫ة‬      ‫م‬                         ‫ن‬          ‫و َ ق ِق ب‬                 ‫خ‬
      ‫ومس ٌ فقط؟! أ َليس في ُسوة ُلو ِنَا وحرما ِنَا من لذةِ الطاعاتِ أعظ ُ عقوب ً؟! فال تأمنْ َّ‬
                                                                                                   ‫بد‬       ‫ب‬
                                                                                              ‫الذن ِ ولو َع َ حين.‬
‫ل‬                            ‫ة‬       ‫ت ِ‬               ‫ة دأ ط ة َد‬
‫يا معشرَ الشباب، الشهو ُ تَب َُ بخا ِر ٍ، ف َافعها قَبلَ أن ُصبحَ فكر ً، فإن صارت فكرةً فدافعها قب َ‬
                                 ‫ة‬        ‫ت‬                              ‫ة فإن‬
  ‫أن تصيرَ إراد ً، َّ صارتْ إرادةً فدافعها قبلَ أن ُصبحَ هم ً، فإن صارت همةً فدافعها قبلَ أن‬
                  ‫ع ُف ق‬            ‫م‬       ‫ت َ‬                                    ‫ال‬       ‫ت‬
               ‫ُصبحَ فع ً، فإن أصبحتْ فعالً فدافعها قبلَ أن ُصبح عادةً ُستحكمة يص ُب ِرا ُها.‬
 ‫ة‬                                     ‫ي ِ ه ث‬                  ‫ف‬        ‫إن‬                    ‫ر‬
 ‫وأخي ًا يا شبابَ اإلسالم، َّ من يعر ُ الداءَ ال ُعجزَ ُ البح ُ عن الدواء إذا تسلحَ باإلرادةِ القوي ِ‬
      ‫ه‬                             ‫ه‬               ‫ء‬          ‫ة‬       ‫والعزيمةِ الصادقة، وإذا أحس‬
  ‫َّ بخطور ِ هذا الدا ِ وسعى إلى دوائ ِ، وإذا التجأَ إلى اهللِ ودعا ُ كما‬
‫ي م ه‬                      ‫ه بكل‬           ‫د‬        ‫ر ه‬                                  ‫ه‬
‫دعا ُ الصالحون المستغفرون، وإذا عم َ وقت ُ بالمفي ِ، وشغلَ نفس ُ ِّ عملٍ صالح، حينها َسل ُ ل ُ‬
                                    ‫سه ي‬              ‫م ر حه‬         ‫ه ق ه‬           ‫ه‬          ‫ه‬
           ‫دين ُ، ويبقى ل ُ شَرف ُ و َدرَ ُ، وتس ُو ُو َ ُ وتزكو نف ُ ُ، و َحظى برضا خالِقهِ وتوفيقه.‬
 ‫معاشرَ المسلمين، َّ الحديثَ إلى الشبابِ ال َعني أننا ُطاِ ُهم أن َ ُونوا مالئك ً مقربين أو أنبيا َ‬
 ‫ء‬                 ‫ة‬           ‫يك‬       ‫ن لب‬           ‫ي‬                        ‫إن‬
   ‫م ع وكل‬             ‫ل ِ‬         ‫معصومين، فهم بشر يق ُ منه ُ الخطُ والجنو ُ عن الحق م له‬
   ‫ِّ، َثَُ ُم كمث ِ بقية فئاتِ ال ُجتم ِ، ُّ‬   ‫ح‬        ‫أ‬     ‫ٌ ع م‬
                        ‫ب‬                ‫ب‬                                ‫ر‬
‫ابن آدمَ خطاء، وخي ُ الخطائين التوابون، لكنِ المطلو ُ أن يكونَ الشبا ُ في الموقعِ الصحيح، فإنْ‬
                        ‫ر ه ِ ح‬                   ‫ه‬                 ‫م ر‬          ‫ب ه‬
   ‫أخطأَ حاس َ نفس ُ وحاك َ تَص ُفهِ، وتاب إلى رب ِ وعادَ إلى ُشدِ ِ، وقبلَ ُكمَ اهللِ ورسولهِ على‬
   ‫ه‬                             ‫أن‬                               ‫ب‬                     ‫ه‬
   ‫فعال ِ. وفي ذاتِ الوقتِ يج ُ على أبناءِ المجتمعِ أن يعلموا َّ الشبابَ إذا أخطأ أو صدرت من ُ‬
         ‫َ‬                         ‫ئ س‬               ‫س‬      ‫أنه‬          ‫عمه ب‬             ‫ة‬
     ‫هفو ٌ أو وق َ ِن ُ ذن ٌ ال يعني َّ ُ مغمو ٌ في اإلثمِ وميُو ٌ من حياتهِ ومستقبله ما دام غير‬
                                               ‫أن‬                            ‫ه‬            ‫م‬
 ‫َ ُصرٍ على عمل ِ ولم يستمر في انحرافهِ، كما َّ الحديثَ إلى الشبابِ ال يعني براءةَ غيرهم، كما‬
  ‫ه‬                          ‫م‬       ‫ة ب‬                                  ‫ش‬        ‫ع‬       ‫ي‬
‫ال َعني ال ُموم وال ُمول واإلحاطة واليأس، ففي األم ِ شبا ٌ مستقي ٌ نجا ـ بفضلِ اهللِ ورعايت ِ ـ‬
‫ه م َل‬          ‫هلل‬     ‫ه‬                    ‫ة‬        ‫ج فذ‬        ‫إن‬       ‫ُر‬
‫من غوائلِ الشهوةِ وش ُورِها، َّهم نماذ ُ َّة، وفتي ٌ آمنوا بربهم وزادهم ُدى. وا ُ وحدَ ُ ال ُؤم ُ‬
                 ‫كر‬                 ‫ي َر‬         ‫ُ َي ُ ق‬                ‫ب‬             ‫ل يح‬
        ‫والمسؤو ُ أن ُ َبب لنا ولشبا ِنا اإليمانَ ويزِّنه في ُلوبنا، و ُك ِهَ لنا ولهم ال ُف َ والفسوقَ‬
                                                                            ‫وإي‬
                                                            ‫والعصيان، وأن يجعلنا َّاهم من الراشدين.‬
 ‫أال وصلوا وسلموا ـ رحمكم اهلل ـ على البشير النذير والسراج المنير، كما أمركم بذلك اللطيف‬
    ‫الخبير، فقال عز من قائل: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ َلَى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا صُّوا ََيْ ِ‬
    ‫َل عل ه‬        ‫ِن الله و ئ ه ي َل ع الن ِي َي َّذ من‬
                                                                                           ‫لم‬         ‫و َلم‬
                                                                            ‫َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
     ‫اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد اهلل، وارض اللهم عن خلفائه‬
   ‫الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا‬
                                                                                             ‫أرحم الراحمين.‬
                      ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين...‬

‫(5/4454)‬




                                                                 ‫يوم النصر العظيم وفضل يوم عاشوراء‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                           ‫الرقاق واألخالق واآلداب, قضايا في االعتقاد‬
                                                  ‫البدع والمحدثات, الصحابة, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫عبد العزيز بن محمد القنام‬
                                                                                               ‫وادي الدواسر‬
                                                                                                  ‫1/5/6745‬
                                                                                        ‫جامع النويعمة القديم‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                                                                  ‫ح‬
‫5- البالء و ِكمه. 7- قصة موسى عليه السالم مع فرعون. 3- دروس وعبر مستفادة من قصة‬
  ‫موسى مع فرعون. 4- مشروعية صيام يوم عاشوراء. 1- فضل صيام يوم عاشوراء، وفضل‬
 ‫شهر اهلل المحرم . 6- بدع ومخالفات تقع في يوم عاشوراء. 2- مذهب أهل السنة والجماعة في‬
                                                                                 ‫الصحابة رضي اهلل عنهم.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
          ‫أما بعد: فاتقوا اهلل يا عباد اهلل، ثقوا بنصر اهلل إذا توفرت أسبابه، من الصدق واإلخالص‬
                  ‫واالستقامة على شرعه والتضرع بين يديه ورجائه والخوف منه وحده دون سواه.‬
      ‫أيها المسلمون، عاشوراء يوم النصر العظيم، ويوم الصراع بين الحق والباطل، وبين أولياء‬
                               ‫ر‬
     ‫الرحمن وأولياء الشيطان، قديم قدم البشرية ذاتها، ولن يزال مستع ًا مشبوبًا إلى قيام الساعة،‬
  ‫َّذ ن من ي تل َ ف‬
 ‫وهذه سنة اهلل في خلقه، وهي مقتضى حكمته ورحمته، قال اهلل عز وجل: ال ِي َ آ َ ُواْ ُقَا ُِون ِي‬
   ‫ن‬            ‫ِن ْ الش‬             ‫ل الش‬           ‫َر ي تل َ ف س الط غ ِ تل‬                         ‫سب له و َّذ‬
   ‫َ ِيلِ الّ ِ َال ِينَ كَف ُواْ ُقَا ُِون ِي َبِيلِ َّا ُوت فَقَا ُِواْ أَوِْيَاء َّيْطَانِ إ َّ كَيدَ َّيْطَانِ كَا َ‬
      ‫َر م ُ و ك لي لو ب ضك بب ض‬                         ‫ك و ي الله‬                                           ‫ضع‬
      ‫َ ِيفًا [النساء:62]، وقال تعالى: ذَلِ َ َلَوْ َشَاء َّ ُ لَانتَص َ ِنْهمْ َلَ ِن ِّ َبُْ َ َعْ َ ُم ِ َعْ ٍ‬
                                                    ‫ُ‬          ‫و َّذ َ قتل ف سب الل ِ ل ي ِل‬
  ‫َال ِين ُ ُِوا ِي َ ِيلِ َّه فََن ُض َّ أَعْمَالَهمْ [محمد:4]. فاهلل تعالى قادر على أن يهلك الظالمين‬
    ‫في لحظة، ويأخذهم على حين غرة، ولكنه ابتلى بهم عباده المؤمنين ليكشف معادنهم، ويمتحن‬
   ‫صدقهم وصبرهم وجهادهم وبذلهم. فباالبتالء يتميز المؤمن الصادق من الدعي المنافق, ويتبين‬
                                                  ‫قص‬
 ‫المجاهد العامل من القاعد الخامل. ولقد َّ اهلل لنا فصوالً كثيرة من هذا الصراع بين المؤمنين‬
                                                                                                          ‫والكافرين.‬
    ‫عباد اهلل، ومن هذه القصص العظيمة قصة موسى عليه الصالة والسالم مع فرعون مصر في‬
    ‫عهده، والتي تكرر ذكرها في القرآن فيما يقارب ثالثين موضعًا، وهي أكثر القَصص القرآني‬
                                                                                    ‫ر‬
 ‫تكرا ًا؛ وذلك لمشابهتها لما كان يعانيه الرسول من صناديد قريش وفراعين هذه األمة, ولما فيها‬
 ‫من التسلية له وللمؤمنين حينما يشتد عليهم أذى الكفار والمنافقين، ولما اشتملت عليه من العظات‬
                                               ‫البالغة والدروس والحكم الباهرة والحجج واآليات القاطعة.‬
 ‫د‬
‫وتبدأ قصة موسى مع فرعون منذ أن كان موسى حمالً في بطن أمه، فقد قيل لفرعون: إن مولو ًا‬
‫من بني إسرائيل سيولد، وسيكون على يديه هالكك وزوال ملكك. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق‬
‫بن إبراهيم عليهم الصالة والسالم، وقد نزح إسرائيل وأوالده من الشام إلى مصر في عهد يوسف‬
      ‫بن يعقوب عليهما السالم، وكان عددهم آنذاك ثمانين شخصًا، ثم لم يزل عددهم ينمو ونسلهم‬
                                          ‫يتكاثر حتى بلغوا في عهد فرعون الطاغية ستمائة ألف إنسان.‬
                                                                         ‫ب‬
  ‫وعندما أخ ِر فرعون أن زوال ملكه سيكون على يد غالم من بني إسرائيل، أصدر أوامره بقتل‬
   ‫و له لب عل‬                                                 ‫ر‬
  ‫أبنائهم واستحياء نسائهم، حذ ًا من وجود هذا الغالم، ولن يغني حذر من قدر، َالّ ُ غَاِ ٌ ََى‬
                                                          ‫ي م‬            ‫ْ ه و ِن َ الن‬
    ‫أَمرِ ِ َلَك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُونَ [يوسف:57]. واحترز فرعون كل االحتراز أن ال يوجد هذا‬
‫الغالم، حتى جعل رجاالً وقابالت يدورون على النساء الحوامل، ويعلمون ميقات وضعهن، فال تلد‬
                                                                                   ‫ر‬
 ‫امرأة ذك ًا إال ذبحه من ساعته. وكان هارون عليه السالم قد ولد قبل بدء هذه المحنة، فأنجاه اهلل‬
  ‫ف‬
 ‫من كيد فرعون، وأما موسى عليه السالم فإنه لما حملت به أمه حرصت على إخفاء حملها خو ًا‬
 ‫ر‬
‫عليه من القتل، وكان خوفها عليه يزداد مع مرور األيام وقرب وقت المخاض، ولما وضعته ذك ًا‬
                           ‫م‬
    ‫ضاقت به ذرعًا، وضاقت عليها األرض بما رحبت، وركبها من اله ّ والخوف ما ال يعلمه إال‬
      ‫ب‬
  ‫اهلل، وكان خوفها عليه أضعاف أضعاف فرحها بقدومه، ولكن اهلل جل وعال ألهمها بما يثّت به‬
         ‫ع ِ ق ِ ف َم و‬                         ‫َ ضع ِ ِذ‬             ‫و ح إل ُم م س‬
      ‫فؤادها، كما قال تعالى: َأَوْ َيْنَا َِى أ ِّ ُو َى أَنْ أرْ ِ ِيه فَإ َا خِفْتِ َلَيْه فَأَلْ ِيه ِي الْي ِّ َلَا‬
                                     ‫عل ه م ُ سل‬                     ‫خ ف و ْزن ِن َاد ه إ‬
 ‫تَ َا ِي َلَا تَح َ ِي إَّا ر ُّو ُ ِلَيْكِ وَجَا ُِو ُ ِنَ الْمرْ َِينَ [القصص:2]، فاستجابت أم موسى لهذا‬
    ‫اإللهام، وصنعت البنها صندوقًا وألقته في نهر النيل، حيث كانت دارها مجاورة له، ألقته في‬
           ‫ر‬                     ‫ط‬
        ‫النهر وكأنما ألقت معه عقلها وقلبها، فأصبح صدرها خاليًا من ال ّمأنينة، خاليًا من ال ّاحة‬
                                     ‫د‬                                ‫ن‬
    ‫واالستقرار، ولوال أ ّ اهلل ربط على قلبها باإليمان وش ّ عزمها باليقين، لكشفت السر وأفسدت‬
     ‫ب ل ك ن من‬                ‫رب ع‬               ‫و ب َ ف د ُم م س ف ر إ د ت ْد به ْ‬
     ‫التدبير، َأَصْ َح ُؤَا ُ أ ِّ ُو َى َا ِغًا ِن كَا َتْ لَُب ِي ِ ِ لَولَا أَن َّ َطْنَا َلَى قَلْ ِهَا ِتَ ُو َ ِ َ‬
                                                                                ‫م من‬
     ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ [القصص:05]، ويمضي الموج بالوليد الضعيف داخل الصندوق، يحفه اهلل بعنايته،‬
‫ويكلؤه بحفظه ورعايته، حتى بلغ قصر فرعون، فالتقطه آل فرعون، ولما فتحوا التابوت وجدوا‬
  ‫فيه ذلك الغالم الضعيف، ولكن رب األرباب ومالك القلوب واأللباب يلقي في قلب آسية زوجة‬
‫َ ُرت‬         ‫ْر ُ ف‬           ‫َ‬
‫فرعون فيضًا من الرحمة والرأفة والحنان على هذا الطفل الرضيع، وقَالَتِ ام َأَت ِرْعَوْن ق َّ ُ‬
                          ‫َت ِ ه وَد ه ْ ي ُر‬                     ‫تل ه عس أ ي ع‬                    ‫ع ل و‬
 ‫َيْنٍ ِّي َلَكَ ال تَقْ ُُو ُ َ َى َن َنفَ َنَا أَوْ ن َّخذَ ُ َل ًا وَ ُم ال َشْع ُونَ [القصص:1]، وكانت آسيا‬
                                                   ‫ُ ْ ي عر‬                              ‫ر‬
     ‫عاق ًا ال تلد، وقوله تعالى: وَهم ال َشْ ُ ُونَ أي: كدناهم هذا الكيد وجعلناهم يلتقطون موسى‬
                                                                                            ‫و‬
                                                                      ‫ليكون لهم عد ًا وحزنا وهم ال يشعرون.‬
  ‫وقد أنالها اهلل ما رجت منه من النفع والخير, فهداها اهلل بسببه، وجعلها من أهل جواره وجنته،‬
  ‫ولكن هذا الطفل المحفوف بعناية اهلل يفاجئهم بأنه ال يقبل ثدي امرأة ليرضع، فحاروا في أمره،‬
             ‫ء‬                       ‫ت‬
  ‫واجتهدوا في تغذيته بكل ممكن، وهو ال يزيدهم إال عن ًا وحيرة ورفضًا واستعصا ً، وبينما هم‬
 ‫كذلك إذا بأخته تقبل عليهم، وكانت أمها قد أمرتها بأن تتابع أخاها وهو في الصندوق، وأن تقفو‬
  ‫ي ُر ن‬         ‫أل ت ِ ُص ِ بصر به ع جنب ُ‬                      ‫َ‬
  ‫أثره، لتعلم مستقره وتستطلع خبره، وقَالَتْ ُخْ ِه ق ِّيه فَ َ ُ َتْ ِ ِ َن ُُ ٍ وَهمْ ال َشْع ُو َ‬
     ‫ب ت ي فل ه ُ ُ ه صح ن‬                                 ‫ه َ ُل ُ عل‬              ‫َر ع م ْ ُ‬                ‫َر ع‬
     ‫وَح َّمْنَا َلَيْهِ الْم َاضِ َ ِن قَبل فَقَالَتْ َلْ أدُّكمْ ََى أَهْلِ َيْ ٍ َكْ ُُونَ ُ لَكمْ وَهمْ لَ ُ نَا ِ ُو َ‬
                                                ‫د‬
‫[القصص:55، 75]، ففرحوا بذلك فرحًا شدي ًا، وذهبوا معها إلى منزلهم، فلما رأته أمه ما كادت‬
                    ‫ه‬
 ‫تصدق عينيها، فأخذته وضمته إلى صدرها وألقمته ثديها، فأخذ يرضع بنَ َم شديد، وهم في غاية‬
     ‫الدهشة والسرور. وهكذا يأبى اهلل عز وجل إال أن يحمل آل فرعون هذا الوليد إلى أمه التي‬
‫خافت عليه منهم، ثم يعطوها مع ذلك أجرة إرضاعها له، ويتعهدوا وليدها بالتربية والرعاية، قال‬
         ‫َر ع ن و ْزن ول َ َن و ْ الل َق و ِن َ ه‬                                        ‫َ َ َ ه إل ُمه‬
    ‫اهلل تعالى: فرددْنَا ُ َِى أ ِّ ِ كَيْ تَق َّ َيُْهَا َال تَح َ َ َِتَعْلمَ أ َّ َعدَ َّهِ ح ٌّ َلَك َّ أَكْثرَ ُمْ ال‬
                                                                                                            ‫ي م‬
                                                                                             ‫َعْلَ ُونَ [القصص:35].‬
         ‫م‬
  ‫وما زالت األيام تمضي واألعوام تترى، وكبر موسى وبلغ أشده، وآتاه اهلل حكمًا وعل ًا، فصار‬
 ‫يأمر وينهى، ويقول فيسمع، ويشفع فيشفع، وال غرو فهو ابن فرعون بالتبني، وهو ربيبه وواحد‬
  ‫م سن ن‬            ‫ه ح وع م و َ ك ْ‬                         ‫وَم ب ُده و و‬
  ‫من أهل بيته، قال اهلل تعالى: َل َّا َلَغَ أَش َّ ُ َاسْتَ َى آتَيْنَا ُ ُكْمًا َ ِلْ ًا َكذَلِ َ نَجزِي الْ ُحْ ِ ِي َ‬
                                                                                                       ‫[القصص:45].‬
                                        ‫ال‬
‫وبعد حين وقع في محنة عظيمة، حيث قتل رج ً من قوم فرعون ما كان يريد قتله، وتخوف من‬
  ‫الطلب، ففر هاربًا إلى أرض مدين، ولبث فيهم عشر سنين، تزوج في أثنائها، ثم عاد إلى أرض‬
‫مصر مع أهله، وفي الطريق إليها أكرمه اهلل برسالته، وأوحى إليه بوحيه، وكلمه من غير واسطة‬
 ‫وال ترجمان، وأرسله إلى فرعون باآليات القاطعات والسلطان المبين، ولكن فرعون عاند وكابر،‬
                             ‫ل‬       ‫َب ُم‬                           ‫َذب وعص ُم َ َر ي ع ح َ‬
 ‫فَك َّ َ َ َ َى ث َّ أدْب َ َسْ َى فَ َشرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رُّك ُ األَعَْى [النازعات:57-47]، وادعى أن‬
  ‫ما جاء به موسى سحر، وأن عنده من السحر ما يبطله، وجمع السحرة من جميع أنحاء مملكته،‬
     ‫فألقوا ما عندهم من السحر، فَل َّا أَلْقَوا قَالَ ُو َى مَا ِئْ ُم ِهِ ِّح ُ إ َّ الّهَ َ ُبْ ُِ ُ إ َّ الّهَ َ‬
     ‫ج ت ب الس ْر ِن ل سي طله ِن ل ال‬                         ‫م س‬        ‫ْ‬         ‫َم‬
                    ‫ْفك‬         ‫ف‬          ‫م س عص ُ ِذ ه‬                                ‫ي لح ع َ م ِد‬
    ‫ُصِْ ُ َملَ الْ ُفْس ِينَ [يونس:57]، فَأَلْقَى ُو َى َ َاه فَإ َا ِيَ تَلْقَ ُ مَا يَأ ِ ُونَ [الشعراء:4]،‬
       ‫ِر ن وأ ق الس َ ة ِد َ ق ل‬                 ‫ن ي مل َ غلب ه ك و ب‬                                  ‫َ ع َق و َ‬
    ‫فَوقَ َ الْح ُّ َبَطلَ مَا كَا ُواْ َعْ َُون فَ ُِ ُواْ ُنَالِ َ َانقَلَ ُواْ صَاغ ِي َ َُلْ ِيَ َّحرَ ُ سَاج ِين َاُواْ‬
                                                   ‫م َ َب م س ه ر‬                  ‫َن ب ِب‬
       ‫آم َّا ِر ِّ الْعَالَ ِين ر ِّ ُو َى وَ َا ُونَ [األعراف:755-775]، ولما انقطعت حجة فرعون‬
  ‫وخاب كيده، وانكشف باطله وزيفه لجأ إلى القوة والبطش والتعذيب والتنكيل والمالحقة والتشريد‬
     ‫وإرهاب الناس بالنار والحديد. إنه منطق الطغيان العاتي، كلما أعوزته الحجة وخذله البرهان‬
                                                                     ‫وخاف أن يظهر الحق ويتمكن أهله ورواده.‬
  ‫ثم أرسل اهلل عز وجل على فرعون وقومه آيات عجيبة وعقوبات متنوعة، من الطوفان والجراد‬
                      ‫وم ي َم جن َب ِال هو وم ه ِال ذ ْ ل ب َ‬
‫والقمل والضفادع والدم، َ َا َعْل ُ ُ ُودَ ر ِّكَ إ َّ ُ َ َ َا ِيَ إ َّ ِكرَى ِلْ َشرِ [المدثر:53]، ولكنها‬
   ‫س عل ِم‬                                           ‫م‬      ‫ر‬          ‫د‬
   ‫ـ والعياذ باهلل ـ لم تزدهم إال عنا ًا واستكبا ًا وظل ًا وعدوانًا، يقول اهلل تعالى: فَأَرْ َلْنَا ََيْه ُ‬
           ‫ُّوفَا َ َالْج َا َ َالْ ُملَ و َّفَا ِ َ َالد َ آ َا ٍ ُّف َّالَت فَاسْتَكْ َ ُواْ َكَا ُوا قَوْمًا ُّجْ ِ ِي َ‬
           ‫م رم ن‬              ‫بر و ن ْ‬                  ‫الط ن و َر د و ق َّ َالض دع و َّم ي ت م َص ٍ‬
  ‫[األعراف:335]، ولما تمادى فرعون في طغيانه وإيذائه لموسى ومن معه أوحى اهلل إلى موسى‬
                                                     ‫ال‬
           ‫أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر لي ً، فخرجوا قاصدين بالد الشام، فلما علم فرعون‬
     ‫َ َل‬
     ‫بخروجهم جمع جيشه وجند جنوده من شتى أنحاء مملكته ليلحقهم ويمحقهم في زعمه، فَأرْس َ‬
     ‫ئظ ن وِن جم ع ح ِر ن‬                           ‫ِ ذم ٌ ل ل ن وِن ُ‬           ‫َد ئ ح ِر ن ِن ؤ‬                ‫ُف‬       ‫ِ‬
     ‫فرْعَوْن ِي الْم َا ِنِ َاش ِي َ إ َّ هَ ُالء لَشرْ ِ َة قَِيُو َ َإَّهمْ لَنَا لَغَا ِ ُو َ َإ َّا لَ َ ِي ٌ َاذ ُو َ‬
                                                                                                      ‫[الشعراء:31-61].‬
       ‫ج ِ قل‬              ‫َم َر‬
       ‫فخرج فرعون وجنوده في أثرهم، حتى أدركهم عند البحر األحمر، فَل َّا ت َاءى الْ َمْعَان َا َ‬
                                                                 ‫ح ب م س ِن ُ ْرك‬
 ‫أَصْ َا ُ ُو َى إ َّا لَمد َ ُون [الشعراء:56]، فالبحر أمامهم، والعدو خلفهم، فأجابهم موسى بلسان‬
      ‫ِن مع َ َب سي ْد ن‬
      ‫المؤمن الواثق بأن اهلل معه ولن يضيعه، وقال لهم بكل ثقة وثبات: كَال إ َّ َ ِي ر ِّي َ َه ِي ِ‬
‫[الشعراء:76]، فأوحى اهلل إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه وهو يتالطم بأمواجه، فانفلق ـ‬
                                                                   ‫ق‬
       ‫بإذن اهلل ـ اثني عشر طري ًا يابسًا، وصار هذا الماء السيال وتلك األمواج العاتيات كأطواد‬
    ‫الجبال الراسيات، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين، ودخل فرعون وجنوده في أثرهم الهثين‬
    ‫سادرين، فلما جاوزه موسى وقومه وتكاملوا خارجين وتكامل فرعون وقومه داخلين أطبقه اهلل‬
    ‫ر ُ َر ف ب ْر‬                           ‫ْر ب ِب‬          ‫وَ ح إ م س‬
    ‫عليهم وأغرقهم أجمعين، َلَقدْ أَوْ َيْنَا ِلَى ُو َى أَنْ أَس ِ ِع َادِي فَاضْ ِبْ لَهمْ ط ِيقًا ِي الْ َح ِ‬
  ‫شيه و ض َّ ِ ن‬                  ‫بع ُ ْ ِ ن بجن د ِ ش َه م َم‬                                       ‫ف َر و‬            ‫يب ل‬
  ‫َ َسًا َّا تَخَا ُ د َكًا َال تَخْشَى فَأَتْ َ َهم فرْعَوْ ُ ِ ُ ُو ِه فَغَ ِي ُم ِّنَ الْي ِّ مَا غَ ِ َ ُمْ َأَ َل فرْعَوْ ُ‬
                                                                          ‫مه وم َ‬
 ‫قَوْ َ ُ َ َا هدَى [طه:22-12]، وهذا هو مصير أعداء اهلل في كل حين، وتلك هي عاقبة المكذبين‬
  ‫ك َ ِ ب ِ م ه م َ س ع ح صب‬
 ‫الضالين، وما ربك بظالم للعبيد، يقول اهلل تعالى: فَ ُالً أَخذْنَا بذَن ِه فَ ِنْ ُم َّنْ أرْ َلْنَا َلَيْهِ َا ِ ًا‬
      ‫الله ل لم ُ‬             ‫ه الص حة وم ه م س ب َ ْض وم ه م ْ َ و‬                                               ‫وم ه م‬
    ‫َ ِنْ ُم َّنْ أَخَذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْ ُم َّنْ خَ َفْنَا ِهِ الْأر َ َ ِنْ ُم َّنْ أَغرقْنَا َمَا كَانَ َّ ُ ِيَظِْ َهمْ‬
                                                                                          ‫و ك ن فسه لم‬
                                                                        ‫َلَ ِن كَاُوا أَن ُ َ ُمْ يَظِْ ُونَ [العنكبوت:04].‬
      ‫ويستفاد من هذه القصة أن العاقبة للمتقين والنصر حليفهم متى ما تمسكوا بدينهم، واستنزلوا‬
    ‫ُ ُ رسل‬       ‫ِن‬                        ‫ح‬          ‫و الن ر ِال م ع ل َ‬
 ‫النصر من ربهم، َمَا َّصْ ُ إ َّ ِنْ ِندِ الّهِ الْعزِيزِ الْ َكِيمِ [آل عمران:675]، إ َّا لَنَنصر ُ َُنَا‬
     ‫ي ع الظ لم ن م ْذرته و هم الل ة ول ُ‬                    ‫ق م هد ْ‬                       ‫و َّذ ن من ف ح الد و‬
   ‫َال ِي َ آ َ ُوا ِي الْ َيَاةِ ُّنْيَا َيَوْمَ يَ ُو ُ الْأَشْ َا ُ يَومَ ال َنفَ ُ َّاِ ِي َ َع ِ َ ُ ُمْ َلَ ُ ُ َّعْنَ ُ ََهمْ‬
                                                                                                               ‫س ء الد‬
                                                                                             ‫ُو ُ َّارِ [غافر:51، 71].‬
    ‫ويستفاد منها كذلك أن الباطل مهما انتفخ وانتفش وتجبر وتغطرس وظن أنه ال يمكن ألحد أن‬
     ‫ينازعه أو يرد كيده وباطله أو يهزم جنده وجحافله فإن مصيره إلى الهالك وعاقبته هي الذلة‬
   ‫والهوان، فهذا فرعون الطاغية بلغ به التكبر والغرور أن يدعي األلوهية، وأن يعلن للناس بكل‬
                                                 ‫م عل ت ك م إ ْ‬
‫جرأة وصفاقة: َا َِمْ ُ لَ ُمْ ِنْ ِلَهٍ غَيرِي [القصص:73]، وأن يقول بملء فيه من غير حياء وال‬
   ‫ل مك‬                ‫ْ‬                                                     ‫ل‬         ‫َبك‬
   ‫مواربة: أَنَا ر ُّ ُمْ األَعَْى [النازعات:47]، ثم يفتخر بقوته وسلطانه فيقول: يَا قَومِ أَلَيْسَ ِي ُلْ ُ‬
                                           ‫ت َ ت ِر‬               ‫ه ر ْر م‬                 ‫م ر وَ‬
 ‫ِصْ َ َهذِهِ األَنْ َا ُ تَج ِي ِنْ تَحْ ِي أفَال ُبْص ُونَ [الزخرف:51]، ثم يحتقر موسى عليه السالم‬
      ‫ْر م َذ َّ ه مه ن و ي د يب ن‬                              ‫َ‬
      ‫وهو النبي الصالح والداعية الناصح فيقول: أمْ أَنَا خَي ٌ ِنْ ه َا الذِي ُوَ َ ِي ٌ َال َكَا ُ ُ ِي ُ‬
    ‫[الزخرف:71]، ولكنه حين حل به العذاب لم يغن عنه ملكه وسلطانه، وال جنده وأعوانه، وال‬
                  ‫ع لم ي ش‬                       ‫ِرة و أل ل إ َّ ف‬             ‫َ ه الله‬
   ‫تبجحه وادعاؤه، فَأَخذَ ُ َّ ُ نَكَالَ اآلخ َ ِ َا ُوَى ِن ِي ذَلِكَ لَ ِبْرَةً ِ َنْ َخْ َى [النازعات:17،‬
                                                                                                                             ‫67].‬
‫فيا ترى متى وقع هذا الحدث العظيم وتحقق هذا النصر المبين؟! لقد كان ذلك في اليوم العاشر من‬
   ‫هذا الشهر الكريم شهر اهلل المحرم، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد اهلل بن عباس رضي اهلل‬
         ‫عنهما قال: قدم رسول اهلل المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ((ما هذا اليوم الذي‬
                      ‫تصومونه؟)) قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى اهلل فيه موسى وقومه، وغر‬
  ‫َّق فرعون وقومه، فصامه‬
                                                                          ‫ر‬
      ‫موسى شك ًا، فنحن نصومه، فقال رسول اهلل : ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم))، فصامه‬
‫رسول اهلل وأمر بصيامه. وقد كان صيام يوم عاشوراء واجبًا قبل أن يفرض صيام رمضان، فلما‬
                                                     ‫فرض صيام رمضان أصبح صيام عاشوراء سنة مؤكدة.‬
  ‫تقول حفصة رضي اهلل عنها: أربع لم يكن رسول اهلل يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثالثة‬
 ‫أيام من كل شهر، وركعتان قبل الفجر. رواه أحمد والنسائي وصححه األلباني. وسئل ابن عباس‬
 ‫رضي اهلل عنهما عن صيام عاشوراء فقال: ما علمت أن رسول اهلل صام يومًا يطلب فضله على‬
                                                                                         ‫األيام إال هذا اليوم. متفق عليه.‬
          ‫وبين النبي عليه الصالة والسالم أن صيام هذا اليوم يكفر ذنوب سنة كاملة فقال: ((صيام‬
     ‫عاشوراء أحتسب على اهلل أن يكفر السنة التي قبله)) رواه مسلم. وروى مسلم أيضًا عن ابن‬
‫عباس قال: حين صام رسول اهلل يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول اهلل، إنه يوم تعظمه‬
‫اليهود والنصارى! فقال: ((فإذا كان العام القابل إن شاء اهلل صمت التاسع))، فلم يأت العام المقبل‬
      ‫م‬             ‫م‬
     ‫حتى توفي رسول اهلل ، وفي صحيح مسلم أيضًا: ((خالفوا اليهود، صوموا يو ًا قبله أو يو ًا‬
                                                                                                             ‫بعده)).‬
   ‫قال ابن القيم: "فمراتب صومه ثالث، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام‬
           ‫ء‬
  ‫التاسع والعاشر، وعليه أكثر األحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم". وبنا ً عليه فإن‬
 ‫إفراد العاشر وحده بالصوم جائز، وبه يحصل األجر المذكور في تلك األحاديث، واألكمل صيام‬
  ‫م‬
 ‫التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، حتى تحصل المخالفة ألهل الكتاب، وإن صمت يو ًا‬
    ‫ك‬                                                                         ‫م‬
‫قبله ويو ًا بعده فهذا أحسن وأتم، حتى تستيقن صيام اليوم العاشر، خصوصًا إذا كان مشكو ًا في‬
‫وقت دخول الشهر، وألن السنة صيام ثالثة أيام من كل شهر، كما أن الصيام في شهر المحرم له‬
        ‫خصوصية ومزية على ما سواه، فقد روى اإلمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال:‬
 ‫((أفضل الصيام بعد رمضان شهر اهلل المحرم، وأفضل الصالة بعد الفريضة صالة الليل)). وإن‬
 ‫وافق عاشوراء يوم الجمعة أو السبت فال بأس بصيامه في أحدهما؛ ألن النهي عن إفراد الجمعة‬
       ‫أو السبت بالصيام إنما هو لمن صام من أجل أنه الجمعة أو السبت، أما إذا كان للصيام في‬
 ‫أحدهما سبب شرعي يقتضيه كأن يوافق يوم عاشوراء أو يوم عرفة فال حرج في الصيام حينئذ.‬
‫فاحتسبوا ـ أيها المؤمنون ـ وارغبوا في صيام عاشوراء رجاء أن تشملكم رحمة اهلل ومغفرته،‬
‫وجددوا هلل تعالى التوبة في كل حين. اللهم تب علينا واعف عنا وتجاوز عن خطيئاتنا، اللهم اغفر‬
 ‫لنا ذنبنا كله، دقه وجله، عالنيته وسره، أوله وآخره، ما علمنا منه وما لم نعلم. كما نسأل اهلل أن‬
                                                     ‫ي‬
      ‫يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله أن ُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا‬
                                                                                             ‫ويجعلنا من المتقين.‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول هذا‬
     ‫القول، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                             ‫الرحيم.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن هلل سبحانه يختص بفضله من يشاء من عباده، وله سبحانه أن يفضل‬
‫بعض األزمان على بعض، وأن يخصها بمزيد عناية وكرم، ومن ذلك ما اختص به شهر محرم،‬
                       ‫ُر‬                          ‫ن‬
  ‫فهو شهر عظيم مبارك، وهو أول شهور الس ّة الهجرية، وأحد األشهر الح ُم التي قال اهلل فيها:‬
  ‫م ه أ بعة‬               ‫و‬      ‫الس‬         ‫الل ي ْ‬      ‫ْر ف ك‬        ‫عَ‬          ‫ِن ِد الشه ع الل‬
  ‫إ َّ ع َّةَ ُّ ُورِ ِندَ َّهِ اثْنَا َشرَ شَه ًا ِي ِتَابِ َّهِ َومَ خَلَقَ َّماوات َاألرْضَ ِنْ َا َرْ َ َ ٌ‬
                                                           ‫لم ْ ف ِن فس ُ‬                  ‫د ن يُ‬                  ‫ُ ُم‬
                                            ‫حر ٌ ذالِكَ ال ّي ُ الْقَ ّم فَالَ تَظِْ ُوا ِيه َّ أَن ُ َكمْ [التوبة:63].‬
                                                          ‫ت‬
                            ‫أيها المسلمون، لقد أنص ّم في -------------------------‬
   ‫الخطبة األولى قصة موسى والطاغية فرعون، وكذلك فضل اليوم العاشر من شهر اهلل المحرم‬
                                                           ‫الذي وقعت فيه تلك الحادثة العظيمة.‬
‫ثم اعلموا أن من المفارقات العجيبة ما حصل في هذا اليوم المبارك أيضًا من قتل سيد شباب أهل‬
 ‫الجنة الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه وعن أبيه وأمه وآل بيته، حيث قتل في فتنة‬
    ‫عظيمة بين فئتين من المسلمين، وهي فتنة طهر اهلل منها أيدينا فال نخوض فيها بألسنتنا، ولكن‬
    ‫الذي ينبغي التنبيه إليه هو أن ما يفعله بعض الشيعة في هذا اليوم من البكاء والنواح على قتل‬
      ‫الحسين وما يقومون به من تعذيب أنفسهم وإسالة الدماء من وجوههم وصدورهم وظهورهم‬
     ‫والتقرب إلى اهلل بضرب أبدانهم بالسالسل والسكاكين ولطم خدودهم ونتف شعورهم ليس من‬
  ‫اإلسالم في شيء، وهو من البدع المحدثة والمنكرات الظاهرة ومن كبائر الذنوب ـ يا عباد اهلل‬
     ‫ـ التي تبرأ رسول اهلل من مرتكبيها فقال: ((ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا‬
‫بدعوى الجاهلية)) متفق عليه، وعن أبي موسى أن رسول اهلل برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.‬
 ‫متفق عليه. والصالقة هي التي ترفع صوتها بالنياحة والندب، والحالقة هي التي تحلق رأسها عند‬
   ‫المصيبة، والشاقة هي التي تشق ثوبها، فكل عمل يدل على الجزع والتسخط وعدم الرضا بقدر‬
  ‫اهلل فإنه محرم. ويضاف إلى ذلك ما في هذه األعمال البدعية المؤذية لألبدان من حماقة وسفاهة‬
   ‫وتشويه لصورة اإلسالم وتنفير لغير المسلمين من الدخول فيه، وقد رأينا بعض وسائل اإلعالم‬
 ‫العالمية المعادية تحرص على نشر هذه األعمال البدعية بالصوت والصورة، زاعمة بأن هذا هو‬
                                  ‫اإلسالم، وأن هذا ما يفعله المسلمون في هذا اليوم من كل عام.‬
    ‫وأشنع من هذا ما يفعله بعض هؤالء المبتدعة من لعن للصحابة األبرار وإعالن للبراءة منهم،‬
     ‫وهذا ـ لعمرو اهلل ـ من أعظم الضالل وأنكر المنكرات، ويقابل هؤالء فرقة أخرى ناصبوا‬
                                         ‫د‬
    ‫الحسين العداوة والبغضاء، فيتخذون هذا اليوم عي ًا، ويظهرون فيه الفرح والسرور، ويلبسون‬
 ‫الجديد، ويتبادلون الهدايا، ويصنعون أطعمة غير معتادة. وهذا كله من البدع المحدثة والضالالت‬
  ‫المنكرة، والبدعة ال تعالج بالبدعة، والخطأ ال يصحح بالخطأ. قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه‬
       ‫اهلل: "وقوم يستحبون االكتحال واالغتسال والتوسعة على العيال واتخاذ أطعمة غير معتادة،‬
‫وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين ، وكل بدعة ضاللة، ولم يستحب ذلك أحد من األئمة‬
  ‫األربعة وال غيرهم، وال عند من استحب ذلك حجة شرعية، بل المستحب يوم عاشوراء الصيام‬
                                                                        ‫عند جمهور أهل العلم".‬
‫فاتق اهلل أيها المسلم، وعليك بالسنة والجماعة، فإن يد اهلل مع الجماعة، ولتعلم بأن منهج أهل السنة‬
  ‫في الصحابة الكرام من آل البيت وغيرهم هو اعتقاد عدالتهم جميعًا، وأنهم أفضل هذه األمة بعد‬
   ‫رسولها ؛ ولهذا اختارهم اهلل تعالى لصحبته ونصرته وتبليغ هديه وسنته، ويدينون هلل عز وجل‬
   ‫بمحبتهم كلهم والترضي عن جميعهم، ويسكتون عما شجر بينهم وحصل لهم من الفتن والمحن،‬
  ‫ويعتقدون أنهم جميعًا مجتهدون مريدون للحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر‬
      ‫واحد وخطؤه مغفور، وإن أخطاءهم مهما عظمت فإنها مغمورة في بحور حسناتهم التي من‬
     ‫أعظمها صحبتهم لرسول اهلل وجهادهم معه، رضي اهلل عنهم أجمعين، وجمعنا بهم في جنات‬
                                                                                                              ‫النعيم.‬
  ‫أال وصلوا وسلموا ـ رحمكم اهلل ـ على النبي الكريم، كما أمركم بذلك المولى العزيز الرحيم،‬
    ‫َل ع ه وسلم‬              ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبي َي َّذ من‬                                    ‫ال‬
 ‫فقال تعالى قو ً كريما: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِينَ آ َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ‬
                                                                                                            ‫ل‬
                                                                                          ‫تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
     ‫اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد اهلل، وارض اللهم عن خلفائه‬
         ‫الراشدين وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم‬
     ‫برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أنا نسألك أن تنصرنا على أعدائنا حتى نسعد ونسر بظهور‬
                                                                                                            ‫دينك...‬

‫(5/1454)‬




                                                                                                     ‫اجتماع الكلمة‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                          ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫عبيد بن عساف الطوياوي‬
                                                                                                                ‫حائل‬
                                                                                                     ‫65/5/6745‬
                                                                                                       ‫جامع الخلف‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- أهمية اجتماع الكلمة ووحدة الصف. 7- أسباب الفرقة واالختالف. 3- مقومات االتفاق‬
                                                                                                       ‫واالختالف.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة‬
                                                           ‫بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
     ‫أيها اإلخوة المؤمنون، اجتماع الكلمة ووحدة الصف من األمور المهمة التي حث عليها الدين،‬
           ‫وأمرت بها األدلة من كتاب اهلل عز وجل ومن سنة نبيه ، يقول تبارك وتعالى آمرا عباده‬
   ‫و صم ح الل جم و ف َّق و ُر ن م الل ع ُ ِ ك ُ ْد ً أَّف‬
   ‫المسلمين: َاعْتَ ِ ُوا بِ َبْلِ َّهِ َ ِيعًا َال تَ َر ُوا َاذْك ُوا ِعْ َتَ َّهِ َلَيْكمْ إذْ ُنْتمْ أَع َاء فََل َ‬
   ‫ُ م ه َ ل ي َين الله ل ُ‬                    ‫ح ة م الن ِ‬             ‫ب ُ بن مت و وك ُ عل‬                              ‫ب َ قل بك ْ‬
 ‫َيْن ُُو ِ ُم فَأَصْ َحْتمْ ِ ِعْ َ ِهِ إِخْ َانًا َ ُنْتمْ ََى شَفَا ُفْرَ ٍ ِنَ َّار فَأَنْقَذَكمْ ِنْ َا كذَِكَ ُب ِّ ُ َّ ُ َكمْ‬
                                                                                                    ‫د‬          ‫ت َل ُ‬
                                                                                 ‫آيَا ِهِ لَعَّكمْ تَهْتَ ُونَ [آل عمران:305].‬
 ‫هذه اآلية نزلت في شأن األوس والخزرج، قبيلتان من القبائل التي أسلمت في عهد النبي ، وكان‬
                        ‫بن مت إ و‬
‫بينهم حروب طاحنة، لما اسلموا صاروا كما قال اهلل تعالى: ِ ِعْ َ ِهِ ِخْ َانًا. حاول يهودي ـ كعادة‬
   ‫اليهود ـ أن يفرق بينهم، لما رآهم متفقين متآلفين ساءه ذلك، فبعث رجال معه وأمره أن يجلس‬
‫بينهم ويذكرهم بما كان بينهم من حروب، وهذا شأن اليهود، يحاولون دائما التفريق بين المسلمين،‬
      ‫ويعملون جاهدين على تمزيق وحدتهم. فانظروا ماذا فعل هذا الخبيث، أرسل رجال ـ واليوم‬
       ‫اليهود قد يفعلون ذلك، يفعلونه من خالل قنواتهم، أو من خالل وسائل إعالمهم، أو حتى عن‬
    ‫طريق أذنابهم من بني جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا، الذين يلجؤون إليهم ويتلقونهم باألحضان،‬
        ‫ليستعملوهم من أجل تفريق المسلمين ـ فأثر ذلك الخبيث حتى حميت نفوس القوم، وغضب‬
   ‫بعضهم على بعض، فثاروا وحملوا السالح، وتواعدوا الحرة، فعلم النبي ، فأخذ يسكنهم ويقول:‬
 ‫((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!)) وتال عليهم اآلية، فندموا واصطلحوا وتعانقوا رضي اهلل‬
                                                                                                              ‫عنهم وأرضاهم.‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون، وأما اجتماع الكلمة في السنة ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة‬
‫أنه قال: ((إن اهلل يرضى لكم ثالثا، ويسخط لكم ثالثا. يرضى لكم أن تعبدوه وال تشركوا به شيئا،‬
    ‫وأن تعتصموا بحبل اهلل جميعا وال تفرقوا، وأن تناصحوا من واله اهلل أمركم. ويسخط لكم ثالثا‬
                                                                         ‫قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).‬
    ‫فاجتماع الكلمة ـ أيها اإلخوة ـ من األمور المهمة التي يجب وينبغي أن تكون بين المسلمين،‬
                                                               ‫ولهذا حرم اهلل عز وجل كل أمر من شأنه التفريق.‬
  ‫اهلل عز وجل ـ أيها اإلخوة ـ يحب أن يكون المسلمون إخوة ليس بينهم فرقة، يحب جل جالله‬
    ‫أن يكون المؤمنون على مستوى من المحبة وعلى درجة عالية من األلفة والترابط، ولهذا يقول‬
                   ‫و ُ َاتق الل َل ُ ت حم‬                         ‫ح ب‬            ‫ِن م من إ ٌ‬
  ‫جل جالله: إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ِخْوَة فَأَصْلِ ُوا َيْنَ أَخَ َيْكمْ و َّ ُوا َّهَ لَعَّكمْ ُرْ َ ُونَ [الحجرات:05]،‬
   ‫ويقول النبي : ((ال تباغضوا، وال تحاسدوا، وال تدابروا، وال تقاطعوا، وكونوا عباد اهلل إخوانا،‬
                                                          ‫وال يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثالث)) متفق عليه.‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، ولكي ندرك اهتمام الدين بوحدة الكلمة والحرص على عدم الفرقة والتحذير‬
‫من االختالف نتأمل هذا الحديث الذي رواه اإلمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي قال:‬
‫((تفتح أبواب الجنة يوم االثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد ال يشرك باهلل شيئا، إال رجال كانت‬
‫بينه وبين أخيه شحنا، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)). فمغفرة‬
   ‫اهلل عز وجل للعبد السالم من الشرك ال تكون إال لمن اصطلح مع إخوانه، وقضى على ما بينه‬
                                                                                   ‫وبينهم من شحناء وبغضاء.‬
‫فلنتق اهلل يا عباد اهلل، ولنحذر الفرقة، ولنعمل على توحيد الكلمة ووحدة الصف؛ ألن التفرق يشل‬
‫حركة المجتمع ويوهن البناء ويضعف الشوكة. ولنحذر ـ أيها اإلخوة ـ األهواء، ولنحرص على‬
                                       ‫الحب واإلخاء؛ ألن اتباع األهواء يفرق، والحب واإلخاء يجمع.‬
                        ‫أسأل اهلل لي ولكم علما نافعا وعمال خالصا وسالمة دائمة، إنه سميع مجيب.‬
            ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، اعلموا ـ رحمني اهلل وإياكم ـ بأن اهلل عز وجل حذرنا وحرم علينا أمورا‬
   ‫تسبب الفرقة، وتورث النزاع واالختالف، هذه األمور يجب على المسلم أن يحذرها وأن يعمل‬
  ‫على اجتنابها والبعد عنها، وهي كثيرة، ولكن يجمعها البعد عن تعاليم القرآن والسنة، ولهذا قال‬
                                        ‫و صم بح ْ الل جم و َرق‬
 ‫اهلل عز وجل: َاعْتَ ِ ُوا ِ َبلِ َّهِ َ ِيعًا َال تَف َّ ُوا [آل عمران:305]، ويقول النبي : ((كتاب‬
      ‫اهلل هو حبل اهلل الممدود من السماء إلى األرض)). وال يؤلف ـ أيها اإلخوة ـ بين القلوب‬
                            ‫فيجعلها متآلفة متآخية متحابة إال التمسك بكتاب اهلل عز وجل وسنة نبيه .‬
       ‫واهلل الذي ال إله غيره، ال يجتمع الناس وال تتآلف قلوبهم إال إذا عملوا بكتاب اهلل عز وجل‬
    ‫م ف َ ْض جم ع م‬                          ‫و َّ ب َ قل ب ِ‬
   ‫وتمسكوا بسنة نبيه ، يقول تبارك وتعالى: َأَلفَ َيْن ُُو ِهمْ لَوْ أَنْفَقْتَ َا ِي األر ِ َ ِي ًا َا‬
                                        ‫َل ب َ قل به و ِن الل َّ ب ُ ِنه ع ز ح م‬
 ‫أَّفْتَ َيْن ُُو ِ ِمْ َلَك َّ َّهَ أَلفَ َيْنَهمْ إ َّ ُ َزِي ٌ َكِي ٌ [األنفال:36]، وخطب النبي األنصار فقال:‬
     ‫((يا معشر األنصار، ألم أجدكم ضالال فهداكم اهلل بي، وعالة فأغناكم اهلل بي، وكنتم متفرقين‬
                                                                                               ‫فألفكم اهلل بي؟!)).‬
  ‫فاالستقامة على أمر اهلل وعلى أمر رسوله بها ومن خاللها نكون إخوة متحابين متآلفين، أما إذا‬
    ‫كان الناس على خالف ذلك فليبشروا بالفرقة والتشتت في هذه الدنيا وبالنار يوم القيامة، يقول‬
 ‫النبي : ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت‬
    ‫النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحد ٌ في الجنة، والذي نف ُ‬
    ‫س‬                    ‫ة‬
            ‫ة‬         ‫ة‬                                              ‫نأ‬               ‫د‬
    ‫محم ٍ بيده، لتفترق ّ ُمتي ـ يعني نحن ـ على ثالث وسبعين فرقةً؛ فواحد ٌ في الجن ِ واثنتان‬
                                                     ‫وسبعون في النار)) والحديث في السلسلة الصحيحة.‬
     ‫فحري بالمسلم أن يحرص على أن يكون من الفرقة الناجية، أن يكون من الفرقة السالمة من‬
 ‫جهنم، وقد سأل النبي عن هذه الفرقة فقال: ((هم الذين على ما أنا عليه اليوم وأصحابي))، أسأل‬
                                                                       ‫اهلل عز وجل أن يجعلني وإياكم منهم.‬
‫أال وصلوا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال جل من قائل‬
              ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل الن ِي ي َي َّذ من‬
          ‫عليما: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا‬
                                                                                      ‫[األحزاب:61].‬
      ‫فاللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن‬
        ‫التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا بعفوك ورحمتك يا أرحم‬
                                                                                            ‫الراحمين.‬
                                                              ‫اللهم انصر اإلسالم وأعز المسلمين...‬

‫(5/6454)‬




                                                                                            ‫بين عامين‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                            ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫اغتنام األوقات, التوبة‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبيد بن عساف الطوياوي‬
                                                                                                 ‫حائل‬
                                                                                          ‫7/5/6745‬
                                                                                          ‫جامع الخلف‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- التفكر في تصرم األيام من عالمات أولي األلباب. 7- العاقل من يتعظ بأمسه ويجتهد في‬
     ‫يومه ويستعد لغده. 3- الوصية بالتوبة قبل حلول الندم. 4- وفقة محاسبة مع النفس في آخر‬
                                                                                                 ‫العام.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
   ‫و َ َص َّذ أ ت ك ب‬
   ‫أما بعد: أيها المسلمون، يقول ربكم جل جالله وتقدست أسماؤه: َلَقدْ و َّيْنَا ال ِينَ ُو ُوا الْ ِتَا َ‬
                                                                ‫اتق الل‬          ‫م ْ ل ُ وِي ك‬
     ‫ِن قَبِْكمْ َإَّا ُمْ أَنِ َّ ُوا َّهَ [النساء:535]. فاعملوا بوصية ربكم، اعملوا بوصية ربكم بفعل‬
                                ‫أوامره واجتناب ما نهاكم عنه، جعلني اهلل وإياكم من عباده المتقين.‬
‫السم و ت و َ ْض و ت ف الل ْل َالنه ر‬                  ‫إ َّ ف‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، يقول اهلل عز وجل: ِن ِي خَلْقِ َّ َا َا ِ َاألر ِ َاخْ ِال ِ َّي ِ و َّ َا ِ‬
                                                                               ‫أل ل‬
     ‫آلياتٍ ُوِي األَلْبَاب [آل عمران:015]. ومن أولو األلباب؟ أي: أصحاب العقول الذين تعمل‬
       ‫عقولهم على الوجه المطلوب، على الشكل الصحيح، فهؤالء هم الذين يدركون األمور على‬
                                                                              ‫أج‬
                                        ‫حقائقها، أما الذين َّروا عقولهم فال يستفيدون من هذه اآليات.‬
                                             ‫ب‬            ‫أل ل‬
‫يقول ابن كثير في تفسيره: آلياتٍ ُوِي األَلْبَا ِ: "أي: ألصحاب العقول، ليسوا كالصم البكم الذين‬
      ‫ي ُر ع ه ُ ع ه‬                    ‫و َي م ي ٍ ف السم و ت و َ‬
     ‫ال يعقلون الذين قال اهلل فيهم: َكَأ ِّنْ ِنْ آ َة ِي َّ َا َا ِ َاألرْضِ َم ُّونَ َلَيْ َا وَهمْ َنْ َا‬
                                                                                                   ‫م رض‬
                                                                                   ‫ُعْ ِ ُونَ [يوسف:105]".‬
      ‫فحري بالمسلم أن يراجع وظائف عقله؛ ليرى ـ أيها اإلخوة ـ هل هو من أولي األلباب أم‬
‫والعياذ باهلل من الذين يمرون على اآليات، وتمر بهم وهم عنها في إعراض، كالصم البكم الذين ال‬
                                                                                                         ‫يعقلون.‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إننا في هذه األيام نبدأ عاما جديدا بعد توديعنا لعام قبله، مضى ذلك العام‬
‫من أعمارنا، وهذه سنة الحياة؛ أعوام تمضي، وأزمنة تنقضي، وفي ذلك آيات ألولي األلباب، في‬
    ‫ذلك آيات ألصحاب العقول الذين يعتبرون بمرور األيام، ويعظهم تعاقب األعوام، فيكون ذلك‬
       ‫َّذ ج َ َ ف‬      ‫ب‬
      ‫دافعا لهم للنشاط في العبادة واإلكثار من الطاعة والبعد عن المعصية، تَ َارَكَ ال ِي َعل ِي‬
      ‫السم ء ُر وج َ َ ف ه ِر و َر م ر ه َّ جع الل ْ َالنه ر خ لم َر أ‬
    ‫َّ َا ِ ب ُوجًا َ َعل ِي َا س َاجًا َقَم ًا ُنِي ًا وَ ُوَ الذِي َ َلَ َّيلَ و َّ َا َ ِلْفَةً ِ َنْ أ َادَ َنْ‬
                                                                                      ‫َر شك ر‬              ‫ي َّك‬
                                                                   ‫َذ َّرَ أَوْ أ َادَ ُ ُو ًا [الفرقان:56، 76].‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، قليل من الناس من تكون له نهاية العام موعظة وعبرة، والكثرة ـ أكثر‬
 ‫الناس ـ من ال يكترث بمرور أعوامه وانصرام أيامه، وبعضهم من ال يعرف العام إال من أجل‬
     ‫مصلحة دنيوية أو منفعة ذاتية؛ فالسجين يفرح بانقضاء عامه ليخرج من سجنه، وآخر يفرح‬
                                                   ‫أج‬
‫بانقضاء عامه ليقبض أجرة مسكن َّره أو لحلول دين أجله، وآخر يفرح بانقضاء عامه من أجل‬
                                                       ‫ر‬
‫ترقية في وظيفة أو لزواج أو تخ ّج، ولكن الفرح في مثل هذه األمور مع الغفلة عن النفس وعدم‬
                                                     ‫االعتبار بمرور األعوام هو في الحقيقة غبن ظاهر.‬
                                              ‫إنا لنفرح باأليام نقطعها…وكل يوم مضى يدني منَ األجل‬
                                                                      ‫م‬             ‫س‬
                                   ‫فاعمل لنف ِك قبل الْموت ُجتهدا…فإنما الربح والخسران في العمل‬
                     ‫إن العاقل ـ أيها اإلخوة ـ هو من يتعظ بأمسه ويجتهد في يومه ويستعد لغده.‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إنه ينبغي للعاقل أن يتدارك أوقاته، وأن يحفظها ويستغلها بما يكون خيرا‬
  ‫س‬
‫له ال بما يكون وباال عليه، فالعمر قليل واألجل قريب، ومهما عاش فإنه ال بد له من الموت. ُئل‬
‫نوح عليه السالم وقد لبث في قومه داعيا إلى اهلل عز وجل ألف سنة إال خمسين عاما، قيل: كيف‬
   ‫رأيت هذه الدنيا؟ قال: كداخل من باب وخارج من آخر. أكثر من تسعمائة وخمسين سنة وكأنه‬
                      ‫داخل من باب وخارج من آخر، فكيف بنا وأعمارنا من الستين إلى السبعين؟!‬
   ‫نعم أيها األخوة، هذا مقدار أعمارنا، فنحن لسنا كنوح نعيش مئات السنين، المعمر فينا من يبلغ‬
    ‫مائة سنة، وفي الحديث عن النبي قال: ((أعمار أمتي ـ يعني: نحن وأمثالنا ـ ما بين الستين‬
‫والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)). يعني الكثرة هم الذين يموتون قبل السبعين، فالذي يعيش حتى‬
     ‫يتجاوز السبعين فهذا من القليل وحالة نادرة. سبحان اهلل أيها اإلخوة، ما أقسى قلوبنا وما أشد‬
‫غفلتها، األمر واضح وبين، فأكثر الناس من يوافيه األجل بين الستين والسبعين، ومنهم من يوافيه‬
          ‫قبل ذلك، والقلة ـ نعم القلة ـ هم الذين يتجاوزون سن السبعين، ثم أيضا يوافيهم أجلهم‬
                                                                                                      ‫ويموتون.‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، إن مرور األعوام على اإلنسان قد يكون نعمة وقد يكون نقمة؛ فطول العمر‬
     ‫أحيانا يكون شرا ووباال على صاحبه، فمثال العصاة كثرة أعوامهم إذا لم يبادروا بالتوبة شر‬
‫ووبال عليهم، فكلما طال عمر أحدهم استكثر من حجج اهلل عليه، ففي الحديث يقول النبي : ((خير‬
                     ‫الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله)).‬
 ‫يا من ضيعت عمرك فيما ال ينفع، ألم تعلم بأنك تستكثر من الذنوب في كل عام؟! أما علمت بأن‬
                                           ‫ذ‬
                 ‫هذا العمر وهذه األعوام التي مرت بك شاهدة عليك؟! إ ًا بادر بتوبة، تب إلى اهلل.‬
                                                           ‫ر‬
‫إن العاقل ـ أيها اإلخوة ـ ال ينغ ّ وال ينخدع بإمهال اهلل له، وال بما أعطاه اهلل، يقول عز وجل:‬
                    ‫ْر ب ْ ي عر‬                ‫سب َن ن ِد ُ ب م م ل وبن نس رع ُ ْ ف‬
   ‫أَيَحْ َ ُونَ أَّمَا ُم ُّهمْ ِهِ ِنْ َا ٍ َ َ ِينَ ُ َا ِ ُ لَهم ِي الْخَي َاتِ َل ال َشْ ُ ُونَ [المؤمنون:11،‬
                                                                                                            ‫61].‬
 ‫أخي المسلم، يا من أمضيت عددا من السنين، اعلم بأن هذا العمر الذي أمضيت سوف تسأل عنه‬
‫وتحاسب عليه، ففي الحديث عن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول اهلل : ((ال تزول قدما ابن آدم‬
  ‫يوم القيامة عند اهلل حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أباله؟ وعن ماله‬
       ‫من أين أكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟)). فأعد للسؤال جوابا، وللجواب صوابا.‬
   ‫اللهم أيقظنا من رقدة الغافلين، وأغثنا باإليمان واليقين، واجعلنا من عبادك الصالحين، وارحمنا‬
                                                                                 ‫برحمتك يا أرحم الراحمين.‬
            ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أيها المسلمون، اعلموا ـ رحمني اهلل وإياكم ـ بأن هذه الدنيا فانية زائلة ال محالة، وتيقنوا بأنها‬
    ‫منتهية راحلة، وما مرور األعوام واأليام إال دليل على ذلك، وهذه الدنيا جعلها اهلل دار ابتالء‬
      ‫واختبار ومزرعة لآلخرة ومتجرا لدار الخلد والبقاء والقرار، فالسعيد من تنبه لها، وأعطاها‬
   ‫قدرها، ولم يفرط في لحظاتها فضال عن أيامها، ولم ينشغل في مباحاتها فضال عن محرماتها.‬
   ‫فاهلل اهلل أيها اإلخوة، اغتنموا فرصة وجودكم في هذه الحياة، استبقوا أوقاتها، وتحينوا فرصها،‬
      ‫واستفيدوا من مناسباتها، وتذكروا قول نبيكم : ((اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك،‬
                ‫وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)).‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، مع بداية هذا العام وقفة محاسبة لهذه النفس، ماذا عملت؟ وماذا قدمت؟ سل‬
  ‫نفسك يا عبد اهلل، حاسبها: ما حالها مع الواجبات؟ هل قامت بها؟ وما حالها مع المحرمات؟ هل‬
    ‫ارتكبت شيئا منها؟ سلها عن حقوق الناس األرحام واألقارب والجيران، سلها عن هذه األموال‬
‫التي بين يديك: من أين جمعتها؟ وفيم أنفقتها؟ سل نفسك ـ يا عبد اهلل ـ عن هذه النعم التي تتقلب‬
                                                                       ‫فيها: هل أديت شكرها؟‬
‫خمس ـ أيها اإلخوة ـ ينبغي لكل واحد منا أن يجلس مع نفسه ويحاسبها عليها: أوال: الواجبات،‬
                              ‫ثانيا: المحرمات، ثالثا: حقوق الناس، رابعا: المال، خامسا: النعم.‬
       ‫أسأل اهلل عز وجل أن يجعلني وإياكم من الذين طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم، إنه سميع‬
                                                                                       ‫مجيب.‬
                                       ‫اللهم إنا نسألك صالح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا...‬

‫(5/2454)‬




                                                                                       ‫فلسطين‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫عبيد بن عساف الطوياوي‬
                                                                                          ‫حائل‬
                                                                                 ‫17/5/3745‬
                                                                                  ‫جامع الخلف‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- النصوص الشرعية الواردة في فضل فلسطين. 7- فضل بيت المقدس. 3- فضل الشام. 4-‬
                                           ‫بطوالت قدمها قادة المسلمين من أجل بيت المقدس.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فإن أصدق الكالم كالم اهلل، وخير الهدى هدى محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل‬
                                       ‫محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
      ‫أيها اإلخوة المؤمنون، سبق الحديث عن عداوة اليهود، وذلك بمناسبة ما يفعله إخوان القردة‬
      ‫والخنازير في المسلمين في فلسطين، وأما حديثنا ـ في هذا اليوم ـ فهو عن فلسطين نفسها‬
     ‫ْر بع ْد ال م م ِ َر إل م ِد‬                                      ‫َّ‬        ‫س‬
     ‫مسرى نبينا ، يقول جل جالله: ُبْحَانَ الذِي أَس َى ِ َب ِهِ لَيْ ً ّنَ الْ َسْجدِ الْح َامِ َِى الْ َسْج ِ‬
                                                                                       ‫ه‬             ‫ر‬        ‫ص َّ‬
                                                                          ‫األقْ َى الذِي بَا َكْنَا حَوْلَ ُ [اإلسراء:5].‬
 ‫والمسجد األقصى في فلسطين اختاره اهلل مسرى لنبيه ومنطلقا لمعراجه، يقول عن رحلة اإلسراء‬
                                                                               ‫أ‬
‫والمعراج: ((ُتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط فيها األنبياء،‬
             ‫ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم عرج بي إلى السماء)) والحديث رواه مسلم.‬
       ‫كثير من الناس ـ أيها اإلخوة ـ ينظر إلى فلسطين على أنها دولة عربية أو إسالمية فقط،‬
       ‫ويتحمس لها من هذا الجانب، ويجهل ما لفلسطين من مكانة شرعية، ففلسطين مسرى النبي‬
                                                                                                      ‫ومنطلق معراجه .‬
      ‫وأرض فلسطين ـ أيها اإلخوة ـ أرض مباركة، جعلها اهلل كذلك، ووصفها بذلك في كتابه،‬
       ‫ِل‬
      ‫واآليات التي تدل على أن أرض فلسطين أرض مباركة كثيرة جدا، منها قول اهلل تعالى: إَى‬
                                                          ‫ه‬             ‫ص َّذ ر‬                ‫م ِ‬
     ‫الْ َسْجدِ األقْ َى ال ِي بَا َكْنَا حَوْلَ ُ [اإلسراء:5]، يقول ابن سعدي في تفسيره عند تفسيره لهذه‬
                                                                  ‫ه‬             ‫ر‬        ‫َّ‬
 ‫اآلية: الذِي بَا َكْنَا حَوْلَ ُ: "أي: بكثرة األشجار واألنهار والخصب الدائم، ومن بركته تفضيله على‬
        ‫غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحال إليه للعبادة‬
                                          ‫والصالة فيه، وأن اهلل اختصه محال لكثير من أنبيائه وأصفيائه".‬
   ‫إل َ ْ الت‬          ‫و َج ه ول‬
  ‫ومن اآليات التي تدل على بركة أرض فلسطين قول اهلل تعالى: َن َّيْنَا ُ َُوطًا َِى األرضِ َّ ِي‬
                                                                                ‫بر ف ل م‬
 ‫َا َكْنَا ِيهَا ِلْعَالَ ِينَ [األنبياء:52]، يعني نبي اهلل وخليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصالة والسالم،‬
     ‫فقد خرج من أرض العراق مهاجرا إلى الشام، فكانت مهاجره، وكان فيها مماته عليه الصالة‬
                                                                                                                   ‫والسالم.‬
                      ‫ِر‬      ‫ُر الت ب ر ف ه ُر‬                     ‫وجع ب ُ وب‬
  ‫ومنها قول اهلل تعالى: َ َ َلْنَا َيْنَهمْ َ َيْنَ الْق َى َّ ِي َا َكْنَا ِي َا ق ًى ظَاه َةً [سبأ:75]، قال ابن‬
                                                            ‫عباس: (القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس).‬
   ‫ففلسطين أرض مباركة، وكذلك هي أرض مقدسة، لها مكانة عند المسلمين، ولها منزلة سامية،‬
     ‫ي‬
    ‫سماها اهلل باألرض المقدسة بنص القرآن، فقال تعالى حكاية عن موسى عليه السالم وقومه: َا‬
              ‫سر‬        ‫لب‬            ‫َد عل َ ب ر ُ‬              ‫الله ُ و‬             ‫م دس الت‬              ‫ْ خل َ ْ‬
           ‫قَومِ ادْ ُُوا األرضَ الْ ُقَ َّ َةَ َّ ِي كَتَبَ َّ ُ لَكمْ َال تَرْت ُّوا ََى أدْ َا ِكمْ فَتَنْقَِ ُوا خَا ِ ِينَ‬
    ‫[المائدة:57]، يقول الزجاج: "المقدسة الطاهرة؛ سماها مقدسة ألنها طهرت من الشرك وجعلت‬
                                                                                            ‫مسكنا لألنبياء والمؤمنين".‬
       ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إننا عندما نبكي على فلسطين ليس من أجل ترابها، فعندنا الصحاري‬
     ‫الواسعة، وليس من أجل جبالها، فعندنا الجبال الشاهقة، إنما هو من أجل مكانتها ومنزلتها في‬
                   ‫ديننا، فاالعتداء عليها هو اعتداء على ديننا، واإلساءة لها هي إساءة إلى مقدساتنا.‬
  ‫أيها اإلخوة، على أرض فلسطين عاش كثير من األنبياء والمرسلين، فعلى أرضها عاش إبراهيم‬
   ‫وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السالم،‬
                                  ‫وغيرهم الكثير ممن لم تذكر أسماؤهم من أنبياء بني إسرائيل.‬
‫وفي فلسطين بيت المقدس أحد المساجد التي تشد لها الرحال، قال : ((ال تشد الرحال إال إلى ثالثة‬
              ‫مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد األقصى)) رواه البخاري ومسلم.‬
‫فالمسجد األقصى ثالث المساجد في شد الرحال وفي فضل الصالة، وللصالة فيه فضل عظيم؛ ففي‬
‫الحديث عن عبد اهلل بن عمرو أنه سمع النبي يقول: ((لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل‬
   ‫اهلل ثالثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا ال ينبغي ألحد من بعده، وأن ال يأتي هذا المسجد أحد ال‬
 ‫يريد إال الصالة فيه إال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، فقال النبي : ((أما اثنتان فقد أعطيهما،‬
                           ‫وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة)) رواه ابن ماجه وصححه األلباني.‬
    ‫ومما يدل على مكانة فلسطين أن المالئكة تبسط عليها أجنحتها، كما في الحديث الذي صححه‬
‫األلباني عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول اهلل يقول: ((يا طوبى للشام، يا طوبى للشام))، قالوا:‬
‫يا رسول اهلل، وبم ذلك؟ قال: ((تلك المالئكة باسطة أجنحتها على الشام)). فهذه ميزة، ميزة للشام‬
                                                                               ‫ومنها فلسطين.‬
  ‫وعلى أرض فلسطين يكون المحشر والمنشر، فقد روى اإلمام أحمد بسنده عن ميمونة بنت سعد‬
         ‫موالة النبي ، قالت: يا نبي اهلل، أفتنا في بيت المقدس، قال: ((أرض المحشر والمنشر)).‬
    ‫وفلسطين موئل الطائفة المنصورة الثابتة على الحق، فعن أبي أمامه عن النبي قال: ((ال تزال‬
  ‫طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر اهلل وهم كذلك))، قيل: يا‬
     ‫رسول اهلل، وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس)) والحديث في مسند اإلمام‬
                                                                                        ‫أحمد.‬
                 ‫ُد‬
 ‫وفي فلسطين يصرع الدجال ويقتل، حيث يلقاه عيسى عليه السالم عند باب ل ّ، فيذوب كما يذوب‬
                        ‫الملح في الماء، فيقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، فيضربه فيقتله.‬
     ‫وفي فلسطين موطن الكثير من صحابة رسول اهلل ، منهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس‬
 ‫وأسامة بن زيد بن حارثة وواثلة بن األسقع وفيروز الديلمي ودحية الكلبي وعبد الرحمن بن غنم‬
  ‫األشعري وأوس بن الصامت ومسعود بن أوس وزنباع بن روح الجذامي وغيرهم من الصحابة‬
                                                                       ‫الكرام رضي اهلل عنهم.‬
 ‫إنها فلسطين موطن اآلالف من أعالم األمة وعلمائها الذي أضاؤوا في سمائها بدورا ولمعوا فيها‬
     ‫نجوما، ومن هؤالء مالك بن دينار واألوزاعي وروح بن زنباع وسفيان الثوري وابن شهاب‬
                                                       ‫الزهري والشافعي وابن قدامة المقدسي.‬
 ‫أسأل اهلل عز وجل أن يطهرها من أدران اليهود، اللهم طهر فلسطين من إخوة القردة والخنازير،‬
                              ‫اللهم حرر المسجد األقصى من اليهود الغاصبين، إنك قوي عزيز.‬
           ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
     ‫أيها المسلمون، ومن أجل فلسطين سار عمر بن الخطاب على بعير يعتقبه مع غالم له، فلما‬
               ‫وصل بيت المقدس صلى في محراب داوود عليه السالم، وترنم بسورة اإلسراء.‬
‫ومن أجل فلسطين امتنع الملك نور الدين زنكي عن التبسم، وقال: "أستحي من اهلل أن أتبسم وبيت‬
                                                                         ‫المقدس في األسر".‬
‫ومن أجل فلسطين شمخ صالح الدين برأسه وشحذ سيفه وأعد عدته؛ ليخرج الصليبيين من أرض‬
   ‫األقصى. كان في بيت المقدس نحو من ستين ألف مقاتل صليبي، كلهم يرى الموت أهون عليه‬
‫من تسليمها، فجهز صالح الدين جيشه الذي ال يزيد على اثني عشر ألف مقاتل، وجابه به جيوش‬
  ‫الفرنجة، وحصر المسلمون الصليبيين وأحرقوا الحشائش الجافة من حولهم ومن تحتهم، فاجتمع‬
  ‫عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السالح، فقتلوا منهم ثالثين ألفا وأسروا ثالثين‬
   ‫ألفا، وبيع األسير الصليبي يومئذ بدرهم، بل باع مسلم أسيرا صليبيا بنعلين، فقيل له: ما أردت‬
                             ‫بذلك؟ قال: أردت أن يكتب التاريخ هوانهم وأن أحدهم بيع بنعلين.‬
   ‫نعم، هذه هي فلسطين بعبقها وتاريخها، بخيراتها وبركاتها وفضائلها، بشموخها وكبريائها. هذه‬
                                                  ‫هي فلسطين بجمالها الساحر وحسنها الفتان.‬
                              ‫أقول والقلب يشدو في خمائلها…هذا الجمال إلى الفردوس ينتسب‬
                                  ‫يا للجبال إذا ما زينت وعلى…سفوحها غرد الزيتون والعنب‬
                                                                         ‫ر‬
                         ‫يا لل ّبى والمروج الخضر مصبحة…والورد من كل لون منظر عجب‬
                                                   ‫م‬
                          ‫هنا السموات باألرض التقَيْن وقد…ع ّ السرور جميع الكون والطرب‬
                               ‫ب‬
                               ‫هذي فلسطين يا من ليس يعرفها…كأن أحجارها القدسية الشه ُ‬
  ‫أيها المسلمون، ومهما أخذت فلسطين فإنها سوف تعود لإلسالم والمسلمين، واجتماع اليهود في‬
    ‫فلسطين هو بداية النهاية إلخوان القردة والخنازير، يقول النبي : ((ال تقوم الساعة حتى يقاتل‬
  ‫المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر‬
 ‫والشجر: يا مسلم، يا عبد اهلل، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إال الغرقد فإنه من شجر اليهود)).‬
  ‫أسأل اهلل عز وجل أن يقر عيونكم بهالك اليهود المعتدين، وبهيمنة اإلسالم والمسلمين، ونصرة‬
 ‫عباد اهلل المؤمنين. اللهم إنا نسألك أن تنصر عبادك المؤمنين، وأن تذل الشرك والمشركين، اللهم‬
                                               ‫عليك باليهود المعتدين، والنصارى الحاقدين...‬

‫(5/7454)‬
                                                                                            ‫الحرب الصليبية الجديدة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                             ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                             ‫القتال والجهاد, محاسن الشريعة, معارك وأحداث‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                                    ‫الخبر‬
                                                                                                          ‫75/7/3745‬
                                                                                                                    ‫النور‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5- موقف أهل الكتاب من دعوة النبي . 7- صور من عدل المسلمين مع أهل الكتاب. 3- تاريخ‬
‫أهل الكتاب األسود مع المسلمين. 4- ما جاء في القرآن من كشف حقائق اليهود والنصارى. 1-‬
‫موجز تاريخ الحروب الصليبية. 6- اآلثار اإليجابية للحروب الصليبية على األمة اإلسالمية. 2-‬
                                                                  ‫حلف األطلسي واستمرار الحروب الصليبية.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
        ‫ر‬
‫أما بعد: لقد أشرقت شمس الرسالة على أهل األرض ببعثة محمد ، فكانت لهم سراجًا مني ًا، فأنعم‬
                                                 ‫ر‬
 ‫اهلل بها عليهم نعمة ال يستطيعون لها شكو ًا، وأهل الكتاب وقتئذ مترقبون ينتظرون، فلما أشرقت‬
                          ‫ال‬
     ‫من مكة ببعثة محمد بن عبد اهلل الهاشمي كفروا بها وجحدوها إال قلي ً منهم، وكانوا هم أولى‬
    ‫باتباع النبي ؛ لما يجدونه مكتوبًا عندهم في كتبهم، قال اهلل تعالى: ال ِي َ يَّ ِ ُونَ َّ ُولَ ال َّب َّ‬
    ‫ن ِي‬         ‫َّذ ن َتبع الرس‬
                                                    ‫جد ه م ت ع ْ ُ ْ ف الت ْر ة و إل‬                 ‫أل ِّي َّ‬
                               ‫ا ُم َّ الذِي يَ ِ ُونَ ُ َكْ ُوبًا ِندَهم ِي َّو َا ِ َا ِنجِيلِ [األعراف:215].‬
   ‫ْ كت ِ ق‬
 ‫وخص اهلل سبحانه أهل الكتاب من اليهود والنصارى بدعوة خاصة فقال تعالى: يَا أَهلَ الْ ِ َاب َدْ‬
 ‫جَا َكم َ ُوُنَا ُب ِّ ُ لَكمْ كَثِي ًا م َّا ُنْتمْ ُخْ ُو َ ِنْ الْ ِتَا ِ و َعْ ُو َنْ كَ ِير قدْ َا َكمْ ِنْ َّهِ ُو ٌ‬
 ‫ر ِم ك ُ ت ف ن م ك ب َي ف ع ث ٍ َ ج ء ُ م الل ن ر‬                                             ‫ء ُ ْ رس ل ي َين ُ‬
  ‫وك ب مب ن ي ْد ب الله م اتب َ ر و ه س ُ الس م وي جه م الظلم إل الن بِ نه‬
  ‫َ ِتَا ٌ ُ ِي ٌ َه ِي ِهِ َّ ُ َنْ َّ َع ِضْ َانَ ُ ُبلَ َّال ِ َ ُخْرِ ُ ُمْ ِنْ ُُّ َاتِ َِى ُّورِ ِإذْ ِ ِ‬
            ‫م‬        ‫ف‬      ‫ي ْ ك ب‬                                            ‫وي ْد ِ إل صر ط م ق‬
   ‫َ َه ِيهمْ َِى ِ َا ٍ ُسْتَ ِيمٍ [المائدة:15، 65]، فناداهم ب َا أَهلَ الْ ِتَا ِ تشري ًا وتكري ًا، وليكون‬
                   ‫ك‬     ‫م‬            ‫س‬
        ‫ذلك أدعى لقبول ما جاء به محمد ، فكان منهم من أسلم ف ِلم، وآمن فأ ِن، و ُتب له األجر‬
                          ‫ر‬
‫مرتين، وكان منهم من أخذه الكبر والحسد فكفر وجحد، ومع ذلك أق ّهم اإلسالم على دينهم، وأذن‬
‫للمسلمين في اإلحسان إليهم، وعصم دماءهم وأموالهم، وحفظ لهم حقوقهم، وأبقاهم بين المسلمين؛‬
     ‫ن‬
 ‫رجاء الخير لهم بإسالمهم وإيمانهم. فكان اإلسالم عليهم نعمة والمسلمون لهم رحمة، ما ظّكم ـ‬
      ‫ر‬                                       ‫ر‬               ‫ي‬
  ‫أيها المسلمون ـ بدين ُفتي علماؤه ويق ّرون بأن من كان معه ماء لوضوئه ووجد مضط ًا من‬
                                    ‫د‬
‫أهل الكتاب أو من دوابهم المعصومة وجب عليه أن يع ِل إلى التيمم، وأن يسقي ذلك المضطر أو‬
                                   ‫إ َّ ر م ل م‬                  ‫و َ س‬
                ‫تلك الدابة، إنه مصداق قوله تعالى: َمَا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َةً ِلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205].‬
  ‫أيها المسلمون، إن أهل الكتاب ما نعموا بعدل وال سعدوا بأمن إال تحت حكم المسلمين، وشواهد‬
  ‫التاريخ على ذلك كثيرة، من ذلك أنه لما انسحب أبو عبيدة بن الجراح من حمص بعد أن فرض‬
‫عليها الجزية بكى النصارى في حمص، وقالوا: يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن‬
                                          ‫ف‬
‫كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأك ّ عن ظلمنا، وأحسن والية علينا، ولكنهم ـ أي:‬
                       ‫َ‬
         ‫الروم ـ غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا. هكذا كان اإلسالم لهم، وهكذا أَمرَ اهلل ورسوله‬
                                                                                           ‫المسلمين أن يكونوا لهم.‬
       ‫وفي مقابل هذا البر واإلحسان والرحمة واإلنعام كيف كان أهل الكتاب للمسلمين؟ إن تاريخ‬
   ‫د‬                      ‫د‬
  ‫النصارى في التعامل مع المسلمين تاريخ أسود كله، إنهم يكيدون لنا كي ًا ليردونا عن ديننا فر ًا‬
   ‫ر‬                                        ‫ف‬                                        ‫د‬
  ‫فر ًا، سلكوا في ذلك جميع السبل والوسائل، ون ّذوا من أجله مخططات األواخر واألوائل، فم ّة‬
                                              ‫ر‬
 ‫مكر وخديعة في ثوب الناصح األمين، وم ّة غصب واستعمار تحت ستار اإلعانة والتأمين، وها‬
      ‫هو التبشير والتنصير قد أنشب أظفاره وكشر أنيابه، وهو نتيجة من نتائج التعصب الصليبي‬
                               ‫ت‬        ‫ت م‬
     ‫المسلح، ومولود من مواليد القوة الطاغية التي ُس ّي كل ما َرضى عنه من األعمال المنكرة‬
                                              ‫ت م‬
       ‫حرية دين أو حرية فكر أو حرية رأي، وُس ّي كل ما ال ترضى عنه من المطالبة بالحقوق‬
                                               ‫ّد‬                     ‫ب‬
                                             ‫المغصوبة وغير ذلك، تسميه إرها ًا وعنفًا وأصولية وتشد ًا.‬
                                                  ‫يكذ‬
‫أيها المسلمون، إنه ال عجب في أن ِّب النصارى بالقرآن الكريم، ولكن العجب كل العجب فيمن‬
   ‫يقول من الغافلين والخائنين من المسلمين: إن النصارى إخوان لنا راضون عنا! وهو يقرأ قول‬
                           ‫يه د و النص ر َت َت ع ِل ُ‬                      ‫ض ع‬           ‫و‬
  ‫اهلل عز وجل: َلَنْ تَرْ َى َنْكَ الْ َ ُو ُ َال َّ َا َى حَّى تَّبِ َ مَّتَهمْ [البقرة:075]. العجب كل‬
            ‫ن‬
      ‫العجب فيمن يزعم أنه يؤمن بالقرآن الكريم ثم هو يقول: إن النصارى يحبوننا وال يكّون لنا‬
     ‫ع‬            ‫و َز ل ي تل ُ َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
   ‫العداوة والبغضاء! واهلل تعالى يقول: َال ي َاُونَ ُقَا ُِونَكمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا‬
         ‫[البقرة:257]. العجب كل العجب فيمن يقول من المتخاذلين والمخذولين من المسلمين: إن‬
         ‫كت‬               ‫َد ر م‬                                     ‫ر‬
 ‫النصارى يحترمون ديننا ويعظمونه ويق ّوننا عليه! واهلل تعالى يقول: و َّ كَثِي ٌ ِنْ أَهْلِ الْ ِ َابِ لَوْ‬
                   ‫َي ه َق‬                     ‫َ ُد ُ م ب إ ن ُ ُف ر ح َد م ع ْ أ فس ِ م ب ْد‬
     ‫ير ُّونَكمْ ِنْ َعْدِ ِيمَا ِكمْ ك َّا ًا َس ًا ِنْ ِندِ َن ُ ِهمْ ِنْ َع ِ مَا تَب َّنَ لَ ُمْ الْح ُّ [البقرة:105].‬
                 ‫ي‬                                 ‫ر‬
      ‫إن عداوة أهل الكتاب للمسلمين قضية مق ّرة محسومة، وعقيدة راسخة معلومة، بّنها اهلل في‬
‫القرآن الكريم، وشهد بها التاريخ والواقع األليم، فمن لم يقنع ببينة القرآن ولم يكفه شاهد العيان فال‬
                                                                                                             ‫حيلة إليه.‬
    ‫إننا لم ننسَ الجرائم الشنيعة والعظائم الفظيعة التي ارتكبها النصارى في حق مسلمي األندلس،‬
                                                               ‫و‬
‫أجبروهم على التنصر، وح ّلوا مساجدهم إلى كنائس، وأتلفوا كتبهم ومصاحفهم، واعتبروا أطفالهم‬
                                                                              ‫م‬
 ‫نصارى، فع ّدوهم بالقوة، ومحوا شعائرهم وشعاراتهم، ومنعوا تقاليدهم وعاداتهم، ونكثوا العهود‬
                ‫والمواثيق التي أخذت منهم أن ال يتعرضوا للمسلمين، فقَتلوا وعذبوا َّلوا وشر‬
            ‫َّدوا.‬     ‫ونك‬
  ‫ثم جاءت الحروب الصليبية الكبرى التي شنها النصارى على الشرق اإلسالمي طيلة قرنين من‬
                        ‫ن‬
‫الزمان تحت مسمى "الحرب من أجل تحرير القبر المقدس". لقد ش ّ النصارى سلسلة من الحروب‬
              ‫على العالم اإلسالمي دافعه ديني صليبي، من أبشع ما عرفته البشرية من حروب.‬
    ‫كانت الحرب الصليبية األولى عام (174هـ) بقيادة بطرس الناسك بتحريض من رجال الدين‬
‫الحتالل بيت المقدس، ثم جاءت الحرب الصليبية الثانية عام (541هـ) بقيادة ملك ألمانيا، والثالثة‬
   ‫كانت عام (171هـ) بقيادة ريتشارد قلب األسد ملك إنجلترا وفيليب ملك فرنسا بحجة استعادة‬
  ‫بيت المقدس بعد االنتصارات التي حققها البطل المجاهد صالح الدين األيوبي، ثم كانت الحرب‬
       ‫الصليبية الرابعة عام (411هـ) بقيادة أمراء فرنسيين انتهت بالفشل، أما الحرب الصليبية‬
  ‫الخامسة فكانت عام (156هـ)، ثم السادسة عام (176هـ) بقيادة ملك ألمانيا انتهت بتسليم بيت‬
    ‫المقدس إلى الصليبيين، والحرب الصليبية السابعة كانت عام (236هـ)، أما الحرب الصليبية‬
       ‫الثامنة فهي الهجمة الصليبية مع بداية القرن المنصرم، والتي من خاللها تم تدمير الخالفة‬
         ‫اإلسالمية وتفكيك العالم اإلسالمي إلى دويالت متفرقة وجثوم الصليبيين على قلب العالم‬
                                                                           ‫َم‬
      ‫اإلسالمي، ومن ث ّ تسليم فلسطين ألحفاد القردة والخنازير، وفيها ركل القائد اإلنجليزي قبر‬
 ‫صالح الدين وقال قولته المشهورة: "ها قد عدنا يا صالح الدين"، قالها بعد سبعمائة سنه من آخر‬
                                                                                       ‫حملة.‬
 ‫وقد ذكر بعض المؤرخين المعاصرين أن الحرب الصليبية التاسعة والتي كانت عام (7745هـ)‬
                          ‫ق‬
      ‫هي الهجوم على بالد األفغان، وهناك من يقول بأن العاشرة قد د ّت طبولها، وأن الحروب‬
                                                                        ‫الصليبية لم تنته بعد.‬
‫أيها المسلمون، كم ارتكب النصارى في هذه الحروب من مذابح بقيت شامة عار في جباههم، ففي‬
     ‫الحملة األولى فقط أبادوا أهل أنطاكية، وذبحوا في القدس أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين،‬
                       ‫وخربوا حمص وبعلبك وحماة وعسقالن وطبرية وغيرها من البالد، وهج‬
 ‫َّروا أهلها منها، وفعلوا‬
                                     ‫األفاعيل العظيمة التي استحى حكماؤهم ومؤرخوهم منها.‬
     ‫وفي التاريخ القريب، ماذا فعل االستعمار الصليبي في بالد المسلمين من قتل وتشريد وفساد‬
   ‫وإفساد وتخريب ودمار ونهب لألموال والممتلكات وحرمان المسلمين من أدنى الحقوق التي ال‬
                ‫ن‬
‫تحرم منها الدواب والبهائم؟! وليست مذابح البوسنة والهرسك ومجازر كوسوفا م ّا ببعيد. فاعرفوا‬
                              ‫ـ أيها المسلمون ـ أعداءكم، وإياكم ثم إياكم من زخارف القول.‬
                          ‫ب‬
  ‫إن الدول الغربية تفتعل أي سبب لكي تضرب أية دولة أو لتشن حر ًا صليبية جديدة، حالهم في‬
   ‫ذلك حال ذلك الذئب الذي كان يشرب من أحد األنهار، فأبصر حمالً فطمع في افتراسه، ولكنه‬
      ‫أراد أن يراعي شريعة الغاب حتى يكون افتراسه موافقًا لقرارات األمم المتحدة، فيبدأ بتقديم‬
                                                                                  ‫و‬
     ‫مس ّغ الفتراس ذلك الحمل يقنع به باقي الوحوش، فما إن رأى الحمل يجتر بفمه حتى بادره‬
    ‫ي‬      ‫د‬                                       ‫د‬                                     ‫ال‬
‫قائ ً: أتهزأ بي ال أبا لك؟! قال الحمل: أب ًا، إنما أجتر بعض الطعام، قال: فلماذا ك ّرت عل ّ ماء‬
                   ‫ذ‬
‫النهر أثناء شربي؟! قال الحمل: وكيف وأنت أعلى النهر وأنا أسفله؟! قال: إ ًا أنت الذي قتلت أبي‬
                      ‫ذ‬                                       ‫د‬
   ‫في العام الماضي؟! قال الحمل: أب ًا، فلم أولد إال قبل أشهر! قال: فأبوك إ ًا هو الذي قتله؟! ثم‬
   ‫هجم عليه وافترسه. هكذا يتعامل الغرب اليوم مع الشعوب المسلمة؛ لكي يغطوا عورة الحرب‬
                                                                                             ‫الصليبية الجديدة.‬
     ‫أيها المسلمون، إننا نرجو من اهلل سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحمالت الصليبية من المحن‬
      ‫وي َ الل ُ ف خ ْر‬                ‫ه‬              ‫عس‬
     ‫المحملة بالمنح، وأن يصدق فيها قول اهلل تعالى: فَ َ َى أَنْ تَكْرَ ُوا شَيْئًا َ َجْعلَ َّه ِيهِ َي ًا‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                     ‫كَثِي ًا [النساء:15]، ولعلها تكون كذلك من ناحيتين:‬
‫الناحية األولى: أن تكون موقظة لألمة من غفلتها، فإن األمة تعاني من أمراض عظيمة، من حب‬
     ‫الدنيا وكراهة الموت واالبتعاد عن الشرع والخلود إلى األرض، فأعجزها ذلك عن الحراك،‬
   ‫وسلط عليها الكفار من كل جنس، وعالجها ـ واهلل أعلم ـ ال يكون إال بصدمات قوية متتابعة‬
   ‫بقوة ما هي عليه من مرض، فلعل هذه الحمالت الصليبية تحمل بين أظهرها عالج هذه األمة،‬
      ‫فتجعلها تفيق من غفلتها وتنهض من كبوتها. وقد رأينا كيف كان االجتياح الشيوعي األحمر‬
     ‫ألفغانستان قبل أكثر من عشرين سنة من أعظم أسباب إحياء شعيرة الجهاد في سبيل اهلل بين‬
   ‫المسلمين في العصر الحاضر، وما يدريك أن حملة بني األصفر الحالية على المنطقة أن تحيي‬
                                                           ‫ض‬
    ‫الجهاد في هذه المنطقة أي ًا، ويحصل ما كان يخشاه الغرب، وتوقظ قلوب المسلمين، وتكون‬
               ‫طريقًا إلظهار اإلسالم على الدين كله ولو كره الكافرون، وما ذلك على اهلل بعزيز.‬
                                     ‫ت‬
     ‫الناحية الثانية: أن تكون طريقًا لنهاية بعض الدول التي ُسمى بالدول العظمى، إنها تمر اآلن‬
                                                   ‫ر‬
   ‫بأزمات اقتصادية متتابعة خانقة، ولو تو ّطوا بحملة صليبية جديدة فإن ذلك يحتاج إلى ميزانية‬
‫ضخمة، باإلضافة إلى ما يسببه االعتداء على مناطق النفط من أزمات عالمية ستتضرر منها هذه‬
                                                                               ‫ي‬
      ‫الدول، وهذا ُؤذن بأفول نجم هذه الدولة بحول اهلل وقوته، إذ إن قوامها قائم على االقتصاد،‬
 ‫والتاريخ الحديث فضالً عن القديم يشهد لذلك، فأين هي االتحاد السوفيتي اآلن بعدما تورطت في‬
                                                                                        ‫دخولها بالد األفعان؟!‬
  ‫أما نحن المسلمون، فإننا مأمورون أيام الفتن بتقوى اهلل سبحانه والرجوع إليه، فإنه ما نزل بالء‬
                      ‫ل‬                 ‫ب‬
‫إال بذنب، وال رفع إال بتوبة، واالهتمام بأصل الدين ول ّه توحيد اهلل، وتعّمه وتعليمه ودعوة الناس‬
 ‫إليه، وهجر الشرك كله صغيره وكبيره وتحذير الناس منه، والتمسك بالسنة واتباعها والحذر من‬
     ‫البدع وأهلها والمعاصي والتحذير منها، والبراءة من الكفر وأهله، فإن هذه األمور من أعظم‬
          ‫ُر الل ي ص ُ وي َب َ ْد مك‬                     ‫َي َّذ من إ‬
        ‫أسباب النصر، قال اهلل تعالى: يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا ِنْ تَنْص ُوا َّهَ َنْ ُرْكمْ َ ُثِّتْ أق َا َ ُمْ‬
                                                                                                     ‫[محمد:2].‬
     ‫ح‬
 ‫وعلى المسلمين جميعًا أن يعدوا العدة للجهاد في سبيل اهلل، وأن يتهيؤوا للقتال، فإن األيام ُبلى،‬
   ‫تط ت‬              ‫و ِد ُ‬                         ‫ي ط‬
 ‫وقد أعلنوها حملة صليبية صريحة، والمؤمن ك ّس فَ ِن، وقد قال تعالى: َأَع ُّوا لَهمْ مَا اسْ َ َعْ ُمْ‬
  ‫م ُم الله ي لم ُ‬               ‫ْل ت هب ن ب َ ُو الله و َ ُو ُ و َر ن م د ن ِ ْ‬                     ‫م ْ ُو وم ْ رب‬
‫ِن ق َّةٍ َ ِن ِ َاطِ الْخَي ِ ُرْ ِ ُو َ ِهِ عد َّ َّ ِ َعد َّكمْ َآخ ِي َ ِنْ ُو ِهم ال تَعْلَ ُونَه ُ َّ ُ َعَْ ُهمْ‬
                                           ‫ت م‬          ‫ٍ ف سب الل ي َف إ ُ و ُ‬                      ‫وم ت فق م‬
                          ‫َ َا ُنْ ِ ُوا ِنْ شَيْء ِي َ ِيلِ َّهِ ُو َّ ِلَيْكمْ َأَنْتمْ ال ُظْلَ ُونَ [األنفال:06].‬
                          ‫ج‬                       ‫ز‬           ‫و‬
 ‫نسأل اهلل سبحانه أن يهلك عد ّنا، وأن يع ّ اإلسالم وأهله، وأن يع ّل بنصر المجاهدين في سبيله‬
 ‫في كل مكان، وأن يرد كيد المنافقين إلى نحورهم، وأن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يجعلنا من‬
        ‫أنصار دينه، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬
       ‫أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن اهلل وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، واهلل‬
                                                             ‫ر‬
                                                           ‫ورسوله منه بريئان، وأستغفر اهلل إنه كان غفا ًا.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: إن أوروبا لم تشبع بعد من دماء المسلمين، ولم تكفها سبع أو ثمان حمالت في القرون‬
   ‫الوسطى لشفاء غليلها من المسلمين الموحدين، ولم تشفها الحمالت المعاصرة قبل وبعد الحربين‬
   ‫الكونيتين في النصف األول من هذا القرن، بدليل أن صيحاتهم باتت تصم اآلذان مبشرة ومنذرة‬
  ‫بقيام المزيد من الحروب الصليبية بين العالم اإلسالمي والعالم النصراني، فالحروب الصليبية لم‬
                                                                                                            ‫تنته بعد.‬
  ‫أيها المسلمون، في الثاني والعشرين من إبريل عام (3115م) لم يكن مضى على استالم الرئيس‬
         ‫األمريكي "بل كلينتون" للحكم أكثر من ثالثة أشهر حين أقام احتفاالً في العاصمة األمريكية‬
 ‫بمناسبة افتتاح متحف المحرقة اليهودية وبحضور عدد من رؤساء أوروبا بشرقها وغربها، وقف‬
 ‫د‬                              ‫ب‬
 ‫رئيس وزراء الكيان الصهيوني الهالك "رابين" في ذلك الحفل خطي ًا وقال: "إننا لسنا متأكدين بع ُ‬
                                                 ‫م‬
 ‫من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تما ًا خطر األصولية اإلسالمية، والدور الحاسم إلسرائيل‬
 ‫في محاربتها، إن مقاومتنا ضد اإلرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها إيقاظ العالم الذي يرقد في‬
                              ‫سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السالم العالمي".‬
                    ‫م‬                                    ‫بع‬
 ‫ولو رجعنا قليالً إلى الوراء إلى ُ َيد الحرب العالمية الثانية حيث ما يس ّى بحلف شمال األطلسي‬
         ‫"الناتو" كان هدف إنشاء هذا الحلف في بداية أمره ليكون وسيلة دفاعية ضد ما كان يعرف‬
 ‫باالتحاد السوفييتي، وكانت دول أوروبا وحلفاؤها تشعر بالقلق تجاه السياسة السوفييتية التوسعية،‬
   ‫وازدادت المخاوف عندما فرض السوفييت أشكاالً من الحكومات الشيوعية على العديد من دول‬
‫وسط أوروبا وشرقها، ونتيجة لذلك سعت الحكومات الغربية إلى تحالف جديد لفترة ما بعد الحرب‬
                 ‫ي م‬
   ‫العالمية لتأمين الدفاعات األوربية ضد احتماالت التهديد السوفييتي، فنشأ ما ُس ّى بحلف الناتو.‬
                                                                                           ‫ك‬
        ‫د ّ مجاهدو أفغانستان تلكم اإلمبراطورية ولم يعد لالتحاد السوفييتي وجود اآلن، فلماذا بقي‬
                                               ‫أ‬                              ‫د‬
‫الحلف موجو ًا والهدف األساسي الذي من أجله ُقيم قد زال؟! بل السؤال األهم: لماذا التوسع اآلن‬
                             ‫و‬
   ‫في هذا الحلف؟! الجواب في كلمة مختصرة: إن هدف الحلف تح ّل اآلن ضد التيار اإلسالمي.‬
                                                                       ‫هذه هي حقيقة القصة والقصة الحقيقية.‬
     ‫إن أي حلف يوجد على وجه األرض ال بد أن يكون له عدو، وإال ما كان لوجوده أي فائدة،‬
                                      ‫د‬      ‫و‬
 ‫واإلسالم للغرب النصراني عدو دائم، وليس عد ًا جدي ًا، وهو الخطر القادم بعد زوال الشيوعية‬
 ‫كما يصرحون هم بذلك، فالمسلمون اليوم ال يواجهون حلفًا من ست عشرة دولة أول ما قام حلف‬
 ‫الناتو، ولكننا نواجه حلفًا يتكون من أربع وأربعين دولة بعد التوسع، وهو يعتبر أكبر تحالف في‬
 ‫التاريخ، فإن ثمة مجلسًا ظهر يسمى "المجلس األوروبي للتعاون األطلسي"، وقد عقدت اجتماعاته‬
          ‫ق‬
     ‫عقب قمة مدريد بحضور الدول الست عشرة المعلنة وثمان وعشرين دولة أخرى و ّعت مع‬
                                                                              ‫ق‬
   ‫الحلف ميثا ًا خاصًا، ومن بينها كل دول االتحاد السوفييتي السابق. وعلى هذا فالمسلمون أمام‬
 ‫أربع وأربعين دولة مجهزة بأحدث األسلحة وتتحكم في 02 بالمائة من إنتاج العالم بزعامة حلف‬
                                                         ‫األطلسي، فحسبنا اهلل ونعم الوكيل.‬
     ‫فهل نحن مدركون لهذا الواقع؟! وهل نحن على وعي تام لما يراد بنا ولنا؟! وهل نحن على‬
                                                                   ‫مستوى هذه التحالفات؟!‬
                                                                    ‫ج‬
                                                 ‫أسأل اهلل تعال أن يع ّل بفرج أمة محمد ...‬

‫(5/1454)‬




                                                                         ‫الحروب الصليبية‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                             ‫القتال والجهاد, معارك وأحداث‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                    ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                     ‫الخبر‬
                                                                                     ‫النور‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- مؤتمر الشراكة المتوسطية وذكرى الحروب الصليبية. 7- تجدد الحروب الصليبية في‬
 ‫العصر الحديث. 3- المذابح التي تعرض لها المسلمون في القدس على يد الصليبيين. 4- حلف‬
  ‫اليهود مع النصارى في الحرب ضد اإلسالم. 1- صور مختصرة لما فعله النصارى بالمسلمين‬
                                                                     ‫خالل القرن المنصرم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: في يوم 27 نوفمبر من عام 1115م اختارت الدول األوروبية الواقعة على سواحل البحر‬
                                ‫س‬                   ‫د‬
   ‫األبيض المتوسط هذا اليوم ليكون موع ًا النعقاد مؤتمر مو ّع في برشلونة بإسبانيا، يضم 15‬
   ‫دولة أوربية و75 دولة متوسطية، من بينها 7 دول عربية، إضافة إلى تركيا وقبرص ومالطة‬
   ‫ودولة العدو الصهيوني. ما مناسبة هذا المؤتمر؟ ولماذا عقد؟ وهل جاء هذا الموعد في زمانه‬
                                                                     ‫ومكانه محض مصادفة؟‬
     ‫الجواب: إن كل هذا الترتيب وفي هذا الموعد بالذات لم يكن مصادفة، إن هذا الموعد يوافق‬
 ‫بالتمام والكمال ذكرى مرور 001 سنة على بدء الحروب الصليبية، ففي مثل ذلك اليوم من ذلك‬
   ‫الشهر في عام 1105م أطلق بابا النصارى أوربان الثاني دعوته لبدء الحمالت الصليبية على‬
    ‫البلدان اإلسالمية الواقعة شرق البحر األبيض المتوسط؛ بغرض االستيالء على بيت المقدس.‬
  ‫وكان مما قيل في ذلك المؤتمر ما صرح به ويلي كالوس حيث قال: "إن األصولية خطيرة كما‬
  ‫كانت الشيوعية، ونرجوكم أن ال تقللوا من شأن هذا الخطر"، وقال أيضًا: "إن الخطر األصولي‬
  ‫اإلسالمي هو من أهم التحديات التي تواجه الغرب بعد تفكك االتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية،‬
                       ‫ومن واجبنا أن نتعاون مع الدول التي تواجه ذلك النوع من الصعوبات".‬
                                                              ‫ر‬
 ‫فهل كان هذا المؤتمر تحضي ًا لحروب صليبية جديدة؟! ألم تنته الحروب الصليبية بعد؟! ألم يقل‬
    ‫القائد اللنبي بعد استيالء اإلنجليز على القدس في الحرب العالمية الثانية وهو واقف على قبر‬
      ‫صالح الدين: "اآلن انتهت الحروب الصليبية"، هل كان مخطئًا؟ يبدو ذلك، بل بالتأكيد كان‬
                                                              ‫ن‬         ‫ن‬
 ‫مخطئًا، هذا إن أحس ّا به الظ ّ، ولم يكن يعلم أن النصرانية لم تشبع بعد من دماء المسلمين، ولم‬
‫تكفها سبع أو ثمان حمالت في القرون الوسطى إلشفاء غليلها من المسلمين الموحدين، ولم تشفها‬
     ‫الحمالت المعاصرة قبل وبعد الحربين الكونيتين في النصف األول من هذا القرن، بدليل أن‬
 ‫صيحاتهم باتت تصم اآلذان منذرة بقيام المزيد من الحروب الصليبية بين العالم اإلسالمي والعالم‬
                                              ‫ر‬           ‫ر‬
   ‫النصراني، وأنها لم تنته بعد، ص ّح بذلك مؤخ ًا كبيرهم الذي علمهم السحر، إن القائد اللنبي‬
‫قال: "إن الحروب الصليبية انتهت باستيالء النصارى على القدس في القرن العشرين"، ولكن جاء‬
  ‫الصرب وافتتحوا حمالت جديدة، حتى قال وزير إعالمهم بالحرف الواحد في إعالن شهير له:‬
‫"إن الصرب في معاركهم في البلقان إنما يمثلون طليعة الحرب الصليبية األخيرة الستئصال شأفة‬
 ‫اإلسالم". إن العالم قد رأى بعينيه الصلبان تحفر على صدور ورقاب المسلمين في البوسنة، فهل‬
                                        ‫تستحق هذه الحرب وصفًا آخر غير الحرب الصليبية؟!‬
    ‫أيها المسلمون، لقد فرغ النصارى من أمر أكثر الدول واألنظمة في العالم العربي واإلسالمي‬
‫تقريبًا، ثم أقبلوا اآلن على الشعوب المسلمة ذاتها؛ ليناصبوا كل من بقي على الوفاء للدين العداء،‬
              ‫ال‬                          ‫و ال‬
‫واألصولية أو اإلرهاب التي نصبوها عد ًا بدي ً بعد سقوط الشيوعية ما هي إ ّ تعبير عن رغبة‬
‫قطاعات عريضة من الشعوب اإلسالمية في العودة ألصول الدين. هذه األصولية بهذا المعنى هي‬
                       ‫ال‬                                      ‫ش‬
       ‫المستهدفة بالحرب الشعواء التي ب ّر الغرب بقيامها، ثم باشر البدء فيها فع ً، أحيانًا بالقوة‬
       ‫العسكرية، وأحيانًا بالمحاصرة االقتصادية، وفي أحايين أخرى بالتسلط الدولي تحت مسمى‬
‫الشرعية الدولية. ومهما حاول الصليبيون الجدد ستر أغراضهم وأحقادهم الدينية باألقنعة السياسية‬
      ‫أو االقتصادية أو الثقافية أو محاربة اإلرهاب فإن تلك األقنعة تسقط، ويظهر الوجه الحقيقي‬
     ‫و َز ل ي تل ُ َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
   ‫للصراع، وأنها حرب صليبية، قال اهلل تعالى: َال ي َاُونَ ُقَا ُِونَكمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ‬
                   ‫و‬       ‫ر ك ن‬                    ‫فر ن‬               ‫َد‬                               ‫ع‬
   ‫اسْتَطَا ُوا [البقرة:257]، وقال تعالى: و ُّوا لَوْ تَكْ ُ ُو َ كَمَا كَفَ ُوا فَتَ ُو ُونَ سَ َاءً [النساء:17]،‬
                              ‫َت َتب ِل ُ‬                ‫يه د و الن‬            ‫ض ع‬           ‫و‬
  ‫وقال تعالى: َلَنْ تَرْ َى َنْكَ الْ َ ُو ُ َال َّصَارَى ح َّى تَّ ِعَ مَّتَهمْ [البقرة:075]، وقال تعالى:‬
             ‫ِنْ َثْقَ ُوكمْ َ ُوُوا لَكمْ أَع َا ً َ َبْ ُ ُوا ِلَيْ ُمْ أَي ِ َهمْ َأَلْ ِنَتَهمْ ب ُّو ِ وَو ُّوا لَوْ تَكْ ُ ُو َ‬
             ‫فر ن‬               ‫إ ي ف ُ يك ن ُ ْد ء وي سط إ ك ْدي ُ و س ُ ِالس ء َد‬
                                                                                                                 ‫[الممتحنة:7].‬
  ‫أيها المسلمون، إن القرآن لم يحدثنا عن األطماع االقتصادية أو األهداف السياسية والعسكرية أو‬
                                                  ‫ك‬
     ‫الحضارية للنصارى واليهود، ولكنه ر ّز على األغراض الدينية لهم، أما األغراض األخرى‬
 ‫فتأتي بالتبع. لقد كانت هتافات الجنود النصارى الزاحفين على بيت القدس أيام الحروب الصليبية‬
 ‫ُز‬                           ‫ُد‬
‫األولى: "أمر اهلل، أمر اهلل، إنها إرادة اهلل"، وباسم هذا اإلله الم ّعى ذبح النصارى المسلمين الع ّل‬
   ‫وقت دخولهم القدس في الحملة الصليبية األولى، حتى بلغ عدد القتلى من المسلمين في ساحات‬
    ‫األقصى وطرقات المدينة نحو سبعين ألفًا، وهذا ما يريده النصارى الجدد في حربهم الصليبية‬
   ‫القادمة التي أعلنوا عنها. وتخبرنا الروايات الصليبية نفسها بأطراف من المأساة، فيقول أحدهم‬
‫وهو ريمون داجيل في رواية موثقة لدى أدعياء المسيحية السمحة طرفًا من الحدث، فيقول: "وقعنا‬
                     ‫ي‬
      ‫على مشاهد لم يسبق لها مثيل، فقد قتل عدد كبير من أبناء المدينة، فكانوا ُرمون بالنبال أو‬
                                    ‫عذ‬
‫يجبرون على القفز جماعات من فوق األسوار، كما ُ ّب بعضهم قبل أن يرموا في النار، شوارع‬
 ‫المدينة كانت مليئة بالرؤوس واأليدي واألرجل، وكان الجنود في كل مكان يسيرون فوق الجثث،‬
 ‫لقد كانت مجزرة رهيبة، بعدها كنا نسير في بحيرات من الدم، لقد نهب الصليبيون حتى ارتووا"،‬
        ‫رض ي‬
  ‫وقال نصراني آخر: "إن النساء كن يقتلن طعنًا بالسيوف والحراب، واألطفال ال ّ ّع ُختطفون‬
                                    ‫ش‬                             ‫ي‬
                          ‫بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، و ُقذف بهم من فوق األسوار أو ته ّم رؤوسهم".‬
                                                                        ‫د‬
  ‫ولماذا نذهب بعي ًا؟! فقد رصد التاريخ اإلسالمي الحدث ذاته بكثير من التفصيل والدقة، سردها‬
   ‫ابن األثير رحمه اهلل في كتابه الكامل (5/415)، وذكر أن المذبحة استمرت طوال يوم الدخول‬
 ‫وليلته، واقتحم النصارى المسجد األقصى في صباح اليوم التالي، وأجهزوا على من احتموا فيه،‬
    ‫وصبغت ساحات المسجد بدماء العباد والزهاد الركع السجود، وتوجه قائد الحملة في الضحى‬
                                                                 ‫س‬
 ‫لدخول ساحة المسجد متلم ًا طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبته، وكان النظر ال يقع إال‬
‫على أكوام من الرؤوس واأليدي واألقدام المقطعة في الطرقات والساحات، ونهب النصارى جميع‬
   ‫األمتعة، وخربوا أثاث المسجد األقصى وقبة الصخرة، ونهبوا القناديل التي بلغت نيفًا وأربعين‬
                ‫ال‬                                                                 ‫ال‬
‫قندي ً، كل قنديل وزنه ثالثة آالف وستمائة درهم، وأخذوا نيفًا وعشرين قندي ً من ذهب، وأبادوا‬
                                  ‫قن‬
     ‫أهل أنطاكية، وخربوا حمص وبعلبك وحماة وعسقالن و ِّسرين وطبرية وغيرها من البالد،‬
                                                                                   ‫وهج‬
          ‫َّروا أهلها منها، وفعلوا األفاعيل العظيمة التي استحى حكماؤهم ومؤرخوهم منها.‬
 ‫أيها المسلمون، إن هذا، بل وأكثر ليس بغريب أن يفعله النصارى لو تمكنوا من رقابنا، بل لماذا‬
                                       ‫ق‬                                        ‫د‬
‫نذهب بعي ًا؟! ففي خالل األعوام الماضية القريبة كم ُتل من مسلمي البوسنة وطاجاكستان وألبانيا‬
 ‫والشيشان؟! بل كم قتل من شعب الصومال والسودان والعراق على أيدي النصارى الصليبيين؟!‬
                 ‫وإلى اآلن لم يرتووا، ولو حصل لهم فرصة أخرى ألحرقوا األخضر واليابس.‬
                     ‫د‬
     ‫أعود لتاريخ المؤتمر في أول الخطبة، إنه اليوم الذي أرادوا أن يكون عي ًا يحتفلون به على‬
‫أنقاض أرض األندلس الضائعة، بل ليتهم أرادوا االحتفال بالذكرى فحسب، بل أرادوا أن يجعلوها‬
 ‫بداية انطالق لبدء رحلة جديدة من الحروب الصليبية، وقبل ذلك بالتعاون مع العدو القديم اليهود‬
                                                             ‫ز‬
      ‫الذين أصبحوا اليوم أع ّ أصدقاء النصارى الصليبيين، وأخلص معاونيهم، حتى إن الغرب‬
    ‫النصراني كله قد أجمع على تحويل األرض المقدسة إلى ترسانة ضخمة من األسلحة النووية‬
                                                            ‫ج‬
      ‫والكيمائية والجرثومية المو ّهة إلى صدور كل شعوب المنطقة اإلسالمية، وإن دولة اليهود‬
                                             ‫ج‬
   ‫إسرائيل هي الفرس الذي يعتليه النصارى ويو ّهونه، واليهود يعرفون دورهم هذا تمامًا، وهم‬
 ‫يعلمون أن النصارى يدخرونهم ليوم معلوم قد يحاول المسلمون فيه استعادة كرامتهم ومقدساتهم.‬
   ‫ق‬
   ‫ولهذا فإن المراقب المسلم ال يمكنه أن يتجاهل الدور اليهودي في التبشير بالصراع القادم ود ّ‬
   ‫د‬
‫الطبول للحرب المرتقبة، وتصريحاتهم القديمة في ذلك كثيرة ومتواترة، وال يزال قادتهم ير ّدون‬
     ‫وبقوة أشد التحذيرات والصيحات والنذر من خطورة عودة الروح إلى اإلسالم على يد دعاة‬
                                                                                  ‫األصولية.‬
  ‫أيها المسلمون، إن النصارى الجدد يريدون أن يستمروا في إراقة الدماء، ولو كانت دماء شيوخ‬
                       ‫ل‬      ‫م‬
‫ونساء وأطفال، المهم أنهم مسلمون، وقد يخترعون مسرحية أم ش ّاعة يعّقون عليها أهدافهم. إنها‬
                                                       ‫حرب صليبية، وال تفسير لها إال ذلك.‬
   ‫أيها المسلمون، إن اإلسالم هو دين اهلل عز وجل، فال خوف على اإلسالم من الحرب الصليبية‬
                          ‫دق‬
    ‫الجديدة، إنما الخوف على موقفي أنا وأنت من هذه الحرب التي قد ُ ّت طبولها، ماذا قدمنا؟!‬
‫وماذا سنقدم؟! وما الدور الذي يجب أن يقفه كل مسلم؟! أما اإلسالم فهو كتلك الحبة التي تبقى في‬
 ‫باطن األرض عشرات السنين، فإذا نزل المطر نبتت من جديد، وهذا األمر واقع في الدنيا كلها،‬
    ‫فلقد عمل أعداء اإلسالم للقضاء على دين اهلل بكل الوسائل: أباحوا المحرمات، حاربوا التعليم‬
                             ‫ج‬                                               ‫م‬
 ‫اإلسالمي، ه ّشوا لغة القرآن، ألغوا تطبيق األحكام الشرعية، ش ّعوا كل أنواع المالهي المفسدة‬
       ‫للشباب، جعلوا من وسائل اإلعالم ـ وفي مقدمتها التلفزة ـ معاول لهدم األخالق، نشروا‬
     ‫الصحف والكتب التي تشكك حتى في اإليمان باهلل، ومع ذلك فهل تم القضاء على اإلسالم؟!‬
    ‫لقد انتشر اإلسالم على يد األتراك العثمانيين في مقدونيا وألبانيا وكوسوفا والسنجق والبوسنة‬
     ‫والهرسك، وأصبحت المآذن في كل هذه األرجاء تردد صباح مساء نداء: اهلل أكبر، ومنذ عام‬
‫7515م والمخططات تعمل للقضاء على اإلسالم في تلك األنحاء، فالحكم الشيوعي حارب اإلسالم‬
  ‫حربًا ال هوادة فيها، حتى وصل األمر في ألبانيا إلى منع األسماء اإلسالمية، وفي مقدمتها اسم:‬
    ‫ئ‬
   ‫محمد، ونشأت أجيال تحت الحكم اإللحادي الكافر القاضي بقهره وسفكه لدم كل من يظهر شي ًا‬
                                    ‫م‬
  ‫من اإلسالم، حتى ظن أعداء اإلسالم أنهم قد قضوا تما ًا على أي وجود إسالمي، لكنهم فوجئوا‬
                                                       ‫ّ‬
    ‫كما فوجئ الغرب بنور اإلسالم يشع في تلك األرجاء، بمجرد انحسار الحكم الشيوعي، فما إن‬
  ‫سقطت األنظمة الشيوعية حتى ارتفعت المآذن، وامتألت المساجد، وظهر الشباب الحافظ لكتاب‬
                       ‫د‬
   ‫اهلل، والمتقن للغة العربية، وتيقن أعداء اإلسالم أن نور اهلل ال ينطفئ أب ًا، كيف ينطفئ وقد قال‬
 ‫اهلل عز وجل: ي ِي ُونَ أَنْ ُطْ ِ ُوا ُورَ َّهِ بِأفْ َا ِهمْ َيَأْ َى َّ ُ إ َّ أَنْ ُت َّ ُورَ ُ َلَوْ كَرِهَ الْ َاف ُو َ‬
 ‫ك ِر ن‬                  ‫ي فئ ن الل َ و ه ِ و ب الله ِال ي ِم ن ه و‬                                       ‫ُر د‬
                                                                                                             ‫[التوبة:73].‬
       ‫أيها المسلمون، لقد ارتكب النصارى جرائم وحشية في حق مسلمي األندلس، أجبروهم على‬
                                                                           ‫و‬
     ‫التنصر، وح ّلوا مساجدهم إلى كنائس، وأتلفوا كتبهم ومصاحفهم، واعتبروا أطفالهم نصارى،‬
                                                                                        ‫م‬
‫فع ّدوهم بالقوة، ومحوا شعائرهم وشعاراتهم، ومنعوا تقاليدهم وعاداتهم، ونكثوا العهود والمواثيق،‬
                                                                                          ‫فقتلوا وعذبوا َّلوا وشر‬
                                                                                      ‫َّدوا.‬     ‫ونك‬
    ‫وفي القرن المنصرم فعل االستعمار الصليبي في بالد المسلمين من قتل وتشريد وفساد وإفساد‬
‫وتخريب ودمار ونهب لألموال والممتلكات ما تقشعر له األبدان، وحرم المسلمين من أدنى الحقوق‬
          ‫ن‬
  ‫التي ال تحرم منها الدواب والبهائم، وليست مذابح البوسنة والهرسك ومجازر كوسوفا م ّا ببعيد.‬
                                                              ‫ر‬
       ‫وها هم اليوم يتغنون كذبًا وزو ًا باألمن والسالم والوحدة والوئام، فهذا مجلس األمن، وذاك‬
   ‫مبعوث السالم، وهذه خطة أمن، وتلك صالة سالم، فباهلل عليكم، متى علمتم الوحوش الضارية‬
  ‫استأنست؟! ثم هل تلد الوحوش غير الوحوش؟! واألعجب أن المسلمين ال يعتبرون من التاريخ،‬
‫وما يزال البعض يثق بالنصارى، ويصدق بأنهم عادلون منصفون يرعون حقوق اإلنسان، وصدق‬
                                ‫ع‬            ‫و َز ل ن ي تل ُ َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
                ‫اهلل العظيم: َال ي َاُو َ ُقَا ُِونَكمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا [البقرة:257].‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أيها المسلمون، لقد بدأت محاوالت الغزو الصليبي الحديث منذ القرن العاشر الهجري الموافق‬
                                                   ‫ط‬
  ‫للقرن السادس عشر الميالدي بعد أن َرد األوروبيون اإلسالم من األندلس، بعد معارك وحشية‬
  ‫طويلة، بارك البابا االنتصار الصليبي، وشجع الصليبيين على متابعة المسلمين لطردهم من بقية‬
‫بالد اإلسالم، يدفع إلى ذلك حقدهم الدفين على اإلسالم والمسلمين، ثم تبعتها الرحالت االستكشافية‬
 ‫تحت غطاء العلم؛ ألن المقصود من تلك الرحالت هو تطويق العالم اإلسالمي آنذاك. وقد صرح‬
                        ‫َد‬                            ‫ح‬
            ‫بذلك الرحالة فاسكوداجاما الذي استعان بالب ّارة المسلم ابن ماجد الذي أَم ّه بالمعلومات‬
                                                          ‫ج‬
     ‫والخرائط، وقاد معه سفينته نحو ُزر الهند الشرقية، فلما وصل قال ذلك الصليبي الحاقد بعد‬
     ‫إتمام الرحلة: "اآلن طوقنا رقبة اإلسالم، ولم يبق إال جذب الحبل فيختنق ويموت". ثم تتابعت‬
    ‫الرحالت األخرى التي قام بها الصليبيون في العالم اإلسالمي يدرسون مداخله ومخارجه، هذه‬
                                                                      ‫ُدر‬
         ‫الرحالت التي ن ِّسها لطالبنا على أنها من أعظم الرحالت، وأنها كانت رحالت علمية.‬
 ‫أما اليوم فها هو التبشير والتنصير قد أنشب أظفاره، وكشر أنيابه، وهو نتيجة من نتائج التعصب‬
    ‫الصليبي المسلح، ومولود من مواليد القوة الطاغية التي تسمي كل ما ترضى عنه من األعمال‬
       ‫المنكرة حرية دين أو حرية فكر أو حرية رأي، وتسمي كل ما ال ترضى عنه من المطالبة‬
                                 ‫د‬               ‫ف‬
                               ‫بالحقوق المغصوبة وغير ذلك تسميه إرهابًا وعن ًا وأصولية وتشد ًا.‬
  ‫أيها المسلمون، إن عداوة أهل الكتاب للمسلمين قضية مقررة محسومة، وعقيدة راسخة معلومة،‬
   ‫بينها اهلل في القرآن الكريم، وشهد بها التاريخ والواقع األليم، فمن لم يقنع ببينة القرآن ولم يكفه‬
                                                                                ‫شاهد العيان فال حيلة إليه.‬
      ‫لقد غزت أوربا النصرانية بالد المسلمين بجيوش جرارة ألحقاد دفينة ترفضها جميع األديان‬
     ‫السماوية، وأرادوا تحقيق أغراض توسعية لمصلحة الكنائس الغربية، واستغالالً لخيرات بالد‬
  ‫المسلمين. إن الدافع األول من أهداف الحروب الصليبية القديمة والجديدة هو الدافع الديني، ومن‬
                                                                             ‫تبن‬
    ‫أشهر من َّى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو البابا نفسه، والذي يعتبر المسؤول األول عن‬
      ‫الترويج لحرب المسلمين، وقد وعد البابا الجموع المشاركين في الحرب برفع العقوبات عن‬
‫المذنبين منهم، وإن كانت حمالتهم ال تخلو من مآرب اقتصادية الستغالل خيرات العالم اإلسالمي.‬
                                                          ‫ن‬
 ‫فهل توقفت الحمالت الصليبية اآلن؟! أ ّى لها أن تتوقف وأحقاد القوم ال يطفئها إال االنتقام وإراقة‬
    ‫َ‬                                               ‫د‬
  ‫الدماء. الحروب الصليبية لم تتوقف أب ًا منذ مطلع الدعوة اإلسالمية وحتى عصرنا الحاضر، قدْ‬
        ‫ول‬                                 ‫َد ب ض ء م َ و ه ِ و ت ف صد ر ُ بر‬
      ‫ب َتْ الْ َغْ َا ُ ِنْ أفْ َا ِهمْ َمَا ُخْ ِي ُ ُو ُهمْ أَكْ َ ُ [آل عمران:755]، قال اهلل تعالى: ََنْ‬
                                                    ‫يه د و النص ر َت َتب ِل ه‬                          ‫َ ض ع‬
                                    ‫ترْ َى َنْكَ الْ َ ُو ُ َال َّ َا َى ح َّى ت َّ ِعَ مَّتَ ُمْ [البقرة:075].‬
    ‫يعود تاريخ الحروب الصليبية إلى بداية المواجهة ضد النصارى في غزوة مؤتة، واستمر هذا‬
‫الصراع مع حملة الصليب عبر األندلس وصقلية وفلسطين وسواحل بالد الشام. غزوة مؤتة كانت‬
                                                                     ‫ك‬
   ‫مثاالً للصراع المب ّر بين المسلمين والنصارى في السنة الثامنة من الهجرة، وكان الصليب هو‬
‫شعار الروم آنذاك، واستمر الصراع فجاءت معركة اليرموك بقيادة كبار الصحابة، ورفعت رايات‬
                                ‫اإلسالم على بالد الشام خفاقة مشرقة، ودخل اإلسالم أرض الكنانة.‬
    ‫ومن المعارك الفاصلة في تاريخ الصراع الصليبي مع المسلمين موقعة مالذ كرد، انهزم فيها‬
   ‫النصارى هزيمة ساحقة، وامتألت األرض في آسيا الصغرى بجثث القتلى، وأسر اإلمبراطور‬
                                                                ‫نفسه على يد القائد المسلم ألب أرسالن.‬
  ‫ثم جاءت الحروب الصليبية الشهيرة، واستمرت قرنين من الزمان، وكانت الحمالت فيها تتوالى‬
 ‫من الغرب الصليبي على بالد المسلمين كاألمواج المتالطمة، وكان الصليب فيها شعارهم، فكانت‬
                        ‫ل‬                                            ‫د‬
‫عدوانًا صارخًا حاق ًا ليس له نظير في تاريخ الحروب العالمية، إذ خّفت الخراب والدمار، وكانت‬
   ‫سمتها المجازر الوحشية مما يعتبر وصمة عار في تاريخ العالم النصراني. وكل حملة من هذه‬
 ‫الحمالت كانت توجه لبقعة من أراضي المسلمين، فجاءت األولى نحو بيت المقدس، ثم الثانية ثم‬
  ‫الثالثة وهكذا، حتى جاءت السابعة بقيادة ملك فرنسا موجهة إلى مصر، فتصدى لهم المجاهدون‬
   ‫قرب المنصورة، وألحقوا بهم هزيمة ساحقة، بلغ فيها عدد القتلى من الصليبيين ثالثين ألفًا، أما‬
   ‫األسرى فحدث وال حرج والحمد هلل. والحملة الثامنة توجهت نحو المغرب، ونزلت في تونس،‬
                        ‫وبعد أربعة أشهر نزل وباء قضى على أكثر الجيش الصليبي والحمد هلل.‬
       ‫أما الدولة العثمانية فتاريخها مع الحروب الصليبية النصرانية تاريخ عريق، فلم تنس أوربا‬
               ‫ر‬      ‫ر‬
  ‫النصرانية هزيمتها أمام الدولة العثمانية، والتي أحرز فيها العثمانيون نص ًا مؤز ًا، فقد قتل من‬
     ‫النصارى الكثير، وغرق آالف منهم في نهر الدانوب والحمد هلل. ولن تنسى أوربا النصرانية‬
 ‫سقوط القسطنطينية بيد السلطان محمد الفاتح رحمه اهلل، ومنذ ذلك التاريخ وقادة أوربا النصرانية‬
 ‫يضعون الخطط لإلجهاز على الدولة العثمانية واقتسام تركتها، واستمر القوم يتآمرون ويتعاونون‬
‫مع جمعيات الماسون السرية التي كانت تضم المجرمين من اليهود والصرب واليونان حتى تمكنوا‬
 ‫من عزل السلطان عبد الحميد وإسقاط الخالفة ليتحكم فيها جماعة االتحاد والترقي، ومعظم قادتها‬
                      ‫ي‬
 ‫وأعضائها من يهود الدونمة، فتمكن االستعمار الخبيث من القضاء نهائ ًا على الخالفة واصطناع‬
     ‫الحدود بين أقطارها عن طريق اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة عام 1515م، وتم إلغاء الخالفة‬
  ‫اإلسالمية وطَرد الخليفة خارج الحدود ومصادرة أمواله، وإعالن علمانية الدولة وإلغاء الشريعة‬
         ‫اإلسالمية. ولم تكتف الصليبية النصرانية بكل هذا، بل استمروا في حربهم الصليبية ضد‬
   ‫المسلمين، واستغلوا خيرات بالد المسلمين من المغرب العربي إلى مصر وبالد الشام، فلم تسلم‬
                                                ‫دولة إسالمية من ذلك حتى باكستان وأندونيسيا.‬
    ‫ُز‬
   ‫وها هم اليوم يعلنونها حربًا صليبية جديدة، نسأل اهلل تعالى أن يحقن فيها دماء المسلمين الع ّل‬
                                                                             ‫ال‬
                                                      ‫الذين ال ذنب لهم إ ّ أنهم قالوا: ربنا اهلل.‬

‫(5/0154)‬




                                                                     ‫الحياء ومكانته في اإلسالم‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫مكارم األخالق‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                        ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                          ‫الخبر‬
                                                                                   ‫1/4/5745‬
                                                                                           ‫النور‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- منزلة األخالق في اإلسالم. 7- أحاديث في الحث على الحياء. 3- حقيقة الحياء ودرجاته.‬
      ‫4- ثمرات الحياء. 1- اآلثار النكدة لغياب الحياء بين كثير من الناس. 6- الحياء الممدوح‬
                                                                              ‫والحياء المذموم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تبارك وتعالى واشكروه على ما هداكم لإلسالم، وجعلكم من أمة‬
      ‫خير األنام عليه الصالة والسالم، راقبوه وال تعصوه، واعلموا أنكم لديه محضرون، وعلى‬
                                                   ‫أعمالكم محاسبون، وعلى تفريطكم نادمون.‬
   ‫عباد اهلل، اآلداب واألخالق عنوان صالح األمم والمجتمعات، ومعيار فالح الشعوب واألفراد،‬
    ‫ولها الصلة العظمى بعقيدة األمة ومبادئها، بل إنها التجسيد العملي لقيم األمة ومثلها، وعنوان‬
     ‫تمسكها بعقيدتها، ودليل التزامها بالمنهج السليم والصراط المستقيم، وال يتم التحلي باألخالق‬
   ‫م‬
  ‫العالية واآلداب السامية إال بترويض النفوس على نبيل الصفات وكريم السجايا والعادات، تعلي ًا‬
                                                                        ‫م‬       ‫ء‬
                                                                      ‫وتهذيبًا واقتدا ً وتقوي ًا.‬
    ‫ومن شمولية هذا الدين وعظمته أنه دين األخالق الفاضلة والسجايا الحميدة والصفات النبيلة،‬
                                                                     ‫قي‬
  ‫جاءت تعاليمه و ِ َمه باألمر بالمحافظة على األخالق الحسنة في كل أحوال المسلمين، صغيرها‬
         ‫َ‬                               ‫ر‬                ‫د‬
 ‫وكبيرها، دقيقها وجليلها، أفرا ًا ومجتمعات، وأس ًا وجماعات، ويكفي لبيان ذلك أن حصرَ النبي‬
        ‫مهمة بعثته وهدف رسالته في إصالح األخالق وتهذيبها بقوله: ((إنما بعثت ألتمم مكارم‬
                                                                                    ‫األخالق)).‬
                                  ‫وإنما األمم األخالق ما بقيت…فإن همو ذهبت أخالقهم ذهبوا‬
        ‫أيها المسلمون، وقد جعل اإلسالم لألبواب الواسعة من األخالق الفاضلة والسجايا الحميدة‬
                         ‫ر‬     ‫ال‬                      ‫د‬
   ‫والخصال الحسنة جعل لها مفتاحًا واح ًا وعنوانًا واضحًا ودلي ً ظاه ًا، به يقاس معيار الخلق‬
‫جميله أو قبيحه، ذلك ـ يا معاشر المسلمين ـ هو خلق الحياء، الحياء من اهلل والحياء من الناس.‬
  ‫بذلك جاءت وصايا الرسول الكريم ألمته في كثير من أقواله وتوجيهاته التربوية، عن ابن عمر‬
                                                      ‫ر‬
 ‫رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل م ّ على رجل من األنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، أي: ينهاه‬
   ‫عن كثرة الحياء، فقال رسول اهلل : ((دعه؛ فإن الحياء من اإليمان))، وعن عمران بن حصين‬
‫قال: قال رسول اهلل : ((الحياء ال يأتي إال بخير))، وفي رواية لمسلم: ((الحياء خير كله)) أو قال:‬
  ‫((الحياء كله خير))، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((اإليمان بضع وسبعون شعبة، أو‬
  ‫بضع وستون شعبة، أفضلها ال إله إال اهلل، وأدناها إماطة األذى عن الطريق، والحياء شعبة من‬
   ‫اإليمان))، وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول اهلل أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا‬
                                                               ‫رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه.‬
  ‫ما هو الحياء؟ ما هو تعريف الحياء؟ الحياء ـ عباد اهلل ـ هو خلق اإلسالم الفاضل الذي يحمل‬
   ‫على ترك القبيح من الصفات واألفعال واألقوال، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق سبحانه‬
   ‫وتعالى، وذلك عندما يرى العبد آالء اهلل ونعمه عليه، ويرى تقصيره في شكرها والقيام بحقها،‬
‫وعبودية اهلل تعالى على الوجه الذي شرعه سبحانه دون تفريط أو إفراط. الحياء هو امتناع النفس‬
   ‫عن فعل ما يعاب، وانقباضها من فعل شيء أو تركه مخافة ما يعقبه من ذم ولوم. والدعوة إلى‬
‫التخلق بالحياء ومالزمته إنما هي دعوة إلى االمتناع عن كل معصية وشر، فالحياء خلة من خالل‬
    ‫الخير، وشعبة من شعب اإليمان، وعليه مدار كثير من أحكام اإلسالم. قال الفضيل بن عياض‬
 ‫رحمه اهلل: "من عالمات الشقوة القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا،‬
                                                                                     ‫وطول األمد".‬
    ‫عباد اهلل، الحياء أصل الخير والعقل، وتركه أصل الشر والجهل، فالحياء يدل على كمال عقل‬
        ‫صاحبه، فمتى وجد في اإلنسان الحياء وجد فيه الخير كله، ومتى فارقه الحياء قادته نفسه‬
                                              ‫وشيطانه إلى الهالك المحتوم، وأرداه موارد الفساد.‬
                                       ‫إذا قل ماء الوجه قل حياؤه…فال خير في وجه إذا قل ماؤه‬
                                         ‫حياؤك فاحفظه عليك فإنما…يدل على وجه الكريم حياؤه‬
 ‫بالهيبة والحياء ـ عباد اهلل ـ تعمر القلوب، وتزكو النفوس، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير،‬
                     ‫وعلى قدر حياة القلب تكون قوة الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح.‬
                                                                      ‫ل‬
                                             ‫إذا لَم تَخش عاقبة اللياِي…ولَم تستح فاصنع ما تشاء‬
                                           ‫فال واهلل ما في العيش خير…وال الدنيا إذا ذهب الحياء‬
                                            ‫ل‬
                                         ‫يعيش المرء ما استحيا بخير…ويبقى العود ما بقي الّحاء‬
      ‫د‬
‫من قوي حياؤه صان عرضه، ودفن مساوئه، ونشر محاسنه، وكان ذكره عند الناس محمو ًا وعند‬
‫اهلل مرفوعًا. ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، وظهرت مساوئه، ودفنت محاسنه، وكان عند الناس‬
                                               ‫ع‬        ‫ق‬                                     ‫ن‬
‫مها ًا وعند اهلل ممقوتًا. الحياء واإليمان ُرنا جمي ًا، فإذا رفع أحدهما رفع اآلخر. إن اهلل تعالى إذا‬
                                                                                      ‫د‬
                      ‫أبغض عب ًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إال بغيضًا مبغضًا.‬
           ‫ق‬                                       ‫خ‬
  ‫عباد اهلل، وكما يستحيي المسلم من ال َلق فال يكشف لهم عورة وال يقصر لهم في ح ّ وال ينكر‬
                              ‫ص‬                                              ‫ف‬
 ‫لهم معرو ًا فإن عليه أن يستحيي من الخالق سبحانه، فال يق ّر في طاعته، وال في شكر نعمته،‬
‫لما يرى من قدرة اهلل عليه وعلمه به، فاهلل أحق أن يستحيى منه، ومن استحيى من اهلل حق الحياء‬
 ‫حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وذكر الموت والبلى، وترك زينة الحياة الدنيا، وشكر‬
    ‫نعمة اهلل تعالى عليه، وأدرك عظمته واطالعه عليه وإحاطته بعباده وقربه منهم وعلمه بخائنة‬
   ‫األعين وما تخفي الصدور، ثم رجع على نفسه فحاسبها على التقصير، فال يراه اهلل حيث نهاه،‬
           ‫ُقي‬
         ‫وال يفقده حيث أمره، قال عمر : (من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى و ِ َ).‬
           ‫د‬
    ‫عباد اهلل، ومن ثمرات الحياء العفة والوفاء، فمن اتصف بالحياء صار عفيفًا وفيًا بعي ًا عن كل‬
           ‫د‬
  ‫منقصة، قريبًا من كل فضيلة. قال األحنف بن قيس رحمه اهلل: (اثنتان ال تجتمعان أب ًا في بشر:‬
                           ‫الكذب والمروءة، ومن ثمرات المروءة الصدق والوفاء والعفة والحياء).‬
                                                                      ‫فق‬
   ‫أيها المسلمون، وإذا ُ ِد الحياء من المرء فقل: عليه السالم، فقد هبط إلى ميدان الرذيلة، وهوى‬
   ‫ي‬      ‫ي‬
 ‫في دركات الحماقة والوقاحة، ولم تزل خطواته تقوده من سيئة إلى أخرى حتى يصير بذ ًا جاف ًا،‬
                           ‫ك‬                                             ‫ي‬
 ‫فيه قبائح األفعال وس ّئ األقوال. إن اهلل عز وجل إذا أراد بعبده هال ًا نزع منه الحياء، فإذا نزع‬
      ‫ن‬                ‫ن‬
 ‫منه الحياء لم تلقه إال مقيتًا، فإذا كان كذلك نزع منه األمانة فلم تلقه إال خائ ًا، فإذا كان خائ ًا نزع‬
                                                              ‫ظ‬
    ‫منه الرحمة فلم تلقه إال فظًا غلي ًا، فإذا كان فظًا غليظًا نزع ربقة اإليمان من عنقه، فإذا نزع‬
                                                   ‫ن‬
  ‫ربقة اإليمان من عنقه لم تلقه إال شيطا ًا لعينًا. وعند البخاري من حديث أبي مسعود األنصاري‬
            ‫أنه قال: ((إن مما أدرك الناس من كالم النبوة األولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).‬
  ‫الحياء ـ يا عباد اهلل ـ سراج منيع وحصن حصين من الوقوع في المعاصي والمحرمات، فمن‬
    ‫ذهب حياؤه ذهبت مروءته، ومن ذهبت مروءته قل إحساسه، فلم يدر عيب الناس وانتقاصهم.‬
                                                              ‫ب‬            ‫ن‬                 ‫رب‬
                                                 ‫و ُ ّ قبيحة ما حال بي ِي…وبيْن ركو ِها إال الحياء‬
                                               ‫فكان هو الدواء لها ولكن…إذا ذهب الحياء فال دواء‬
  ‫وما عانت المجتمعات ـ يا عباد اهلل ـ من المحن وانتشرت فيها اإلحن وتتابعت عليها الفتن إال‬
         ‫يوم ضاع الحياء، فاستبيحت المحرمات، وعانق الناس الرذيلة، وأقصيت الفضيلة بدعوى‬
                                                                                  ‫الحضارة والتمدن.‬
                                                                    ‫عط‬              ‫ضي‬
    ‫هل ُّعت الصلوات و ُ ّلت أحكام الدين إال يوم قل الحياء من اهلل وابتعد الناس عن الدين؟!‬
   ‫وهل وقع في المعصية من وقع إال يوم قل حياؤه من اهلل تعالى فاستهان باهلل سبحانه حتى جعله‬
 ‫أهون الناظرين إليه؟! وهل ظهر االختالط بين الرجال والنساء وانتشرت المعاكسات وعم الفساد‬
         ‫إال حين كسرت المرأة حجابها ودفقت ماء حيائها وضاع من وجهها العفاف فخرجت إلى‬
    ‫المنتديات وتسكعت في األسواق والطرقات وأغرت ضعاف النفوس وعديمي الحياء والمروءة‬
                                       ‫فق‬
     ‫وأدمت قلوبهم فوقعوا في الجرائم والفواحش؟! وهل ُ ِدت الغيرة من الرجال فسمحوا لنسائهم‬
  ‫بمشاهدة األفالم الماجنة والمسلسالت الخليعة والوقوع في المحرمات من اختالط بالخدم والباعة‬
  ‫والخروج مع السائقين والسفلة إال حين ضاع منهم الحياء وفشت فيهم الرذيلة؟! أعاذنا اهلل وإياكم‬
                                                                                                ‫منها.‬
‫نعم يا عباد اهلل، أين الحياء ممن شغفوا باألغاني الماجنة ومزامير الشيطان فأزعجوا بها الناس في‬
     ‫طرقاتهم ومنازلهم؟! بل وأين الحياء ممن ضيعوا أبناءهم في الشوارع يخالطون قرناء السوء‬
 ‫ويصاحبون ذوي األخالق الرديئة؟! وأين الحياء من المدخن الذي ينفث الدخان من فمه في وجوه‬
     ‫جلسائه ومن حوله دون مباالة بشعورهم؟! وأين الحياء من الموظف الذي يستهتر بالمسؤولية‬
     ‫الملقاة على عاتقه ويتعامل مع المراجعين بكل صلف ورعونة؟! وأين الحياء من التاجر الذي‬
   ‫يخدع الناس ويغش في السلع ويكذب في المعاملة؟! إن الذي حمل هؤالء وغيرهم على النزول‬
 ‫إلى هذه المستويات الهابطة من األخالق والتعامل هو ذهاب الحياء، وصدق المصطفى حين قال:‬
                                                               ‫((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).‬
                                        ‫ال‬      ‫م‬
                                        ‫وإذا أصيب القوم في أخالقهم…فأقم عليهم مأت ًا وعوي ً‬
‫اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم جنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واهدنا‬
                  ‫ألقوم األخالق ال يهدي ألحسنها إال أنت، واصرف عنا سيئها يا رب العالمين.‬
                   ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
           ‫د‬
 ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها المسلمون، واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أنه إذا كان الحياء محمو ًا والوقاحة‬
  ‫مذمومة فإنه ال حياء في الدين، بمعنى أن خلق الحياء في المسلم غير مانع له من قول الحق أو‬
 ‫طلب العلم أو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تقول عائشة رضي اهلل عنها: يرحم اهلل نساء‬
                ‫ِب‬
 ‫األنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتعلمن أمور دينهن. وقد شفع أسامة بن زيد ح ُّ رسول اهلل وابن‬
                                                                                    ‫حب‬
‫ِ ّه في المرأة التي سرقت فلم يمنع الحياء رسول اهلل أن يقول ألسامة في غضب: ((أتشفع في حد‬
‫من حدود اهلل؟! والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها)). ولم يمنع الحياء‬
                                                                                      ‫س‬
‫أم ُلَيم األنصارية رضي اهلل عنها أن تقول: يا رسول اهلل، إن اهلل ال يستحيي من الحق، فهل على‬
                     ‫المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول اهلل : ((نعم، إذا رأت الماء)).‬
                           ‫ف‬
   ‫فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، واعلموا أن الحياء الممدوح هو الذي يك ّ صاحبه عن مساوئ األخالق،‬
       ‫ويحمله على فعل ما يجمله ويزينه، أما الحياء الذي يمنع صاحبه من السعي فيما ينفعه دنيا‬
                                                ‫وأخرى فإنه حياء مذموم، وتخذيل من الشيطان.‬
                             ‫ج‬       ‫ك‬
‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، واحرصوا على خلق الحياء سلو ًا ومنه ًا وتربية وواقعًا تعيشون عليه،‬
                                                                              ‫فالحياء خير كله.‬
     ‫ثم صلوا وسلموا ـ رحمكم اهلل ـ على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد اهلل عليه‬
                                                                   ‫أفضل صالة وأزكى تحية...‬

‫(5/5154)‬
                                                                                     ‫الزواج‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                              ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                    ‫الكبائر والمعاصي, النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                      ‫الخبر‬
                                                                                 ‫7/7/5745‬
                                                                                       ‫النور‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- أهمية الزواج وأثره على الفرد والمجتمع. 7- ما جاء في الوحيين من الحث على الزواج.‬
      ‫3- موانع الزواج وعوائقه. 4- خطورة إهمال الغريزة الجنسية. 1- من منكرات األفراح.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
       ‫أما بعد: أيها المسلمون، يهدف اإلسالم الذي شرفنا اهلل به ورضيه لنا دينًا إلى حفظ النسب‬
‫والنسل، ويدعو إلى حفظ الفروج وصيانة األعراض، ويرغب في عمارة الكون وإصالح األرض‬
‫وما يحقق للمجتمع اإلسالمي االستمرار والبقاء، وال يتأتى ذلك إال باتباع ما شرع اهلل من التزاوج‬
                                                                                   ‫والتناسل.‬
                 ‫ب‬
   ‫الزواج ـ عباد اهلل ـ وسيلة إلى تحقيق أمور عظيمة عقدها الشارع الحكيم وحّب للناس القيام‬
                                         ‫ق‬
   ‫بها، بل هو ضرورة من ضرورات الحياة؛ لما يح ّقه من آثار طيبة وثمرات مباركة تعود على‬
                                       ‫الفرد نفسه ومجتمعه وأمته بالخير العميم والنفع العظيم.‬
   ‫في الزواج ـ عباد اهلل ـ جمع الشمل والتئام الشعث وطمأنينة النفس وراحة الضمير وحصول‬
                 ‫ض‬                                                      ‫أل‬
‫الولد وعمارة ا ُسر، فيه المودة والرحمة وقمة األنس وتمام النعمة، فيه غ ٌ للبصر وحفظ للفرج‬
    ‫وحرث للنسل ومتاع للحياة وإحصان للجوارح، وفيه الخير كل الخير لمن وفقه اهلل عز وجل،‬
                                                  ‫ب‬                      ‫م‬
     ‫ولهذه المنافع الج ّة والحكم العظيمة المح ّبة للنفوس البشرية ولما ركبه المولى جل وعال في‬
                        ‫ن‬
  ‫اإلنسان من الغريزة والشهوة كان ال بد للرجل والمرأة من الزواج، سك ًا ولباسًا ومودة ورحمة،‬
‫وقد امتن الباري جل في عاله على خلقه بهذه النعمة، وجعلها آية من آياته توجب التفكر والشكر،‬
‫ج َ ب ك َدة ور مة‬                           ‫ك م فس ُ و ل كن إ‬                                            ‫وم ي ت‬
‫فقال جل جالله: َ ِنْ آ َا ِهِ أَنْ خَلَقَ لَ ُمْ ِنْ أَن ُ ِكمْ أَزْ َاجًا ِتَسْ ُ ُوا ِلَيْهَا وَ َعلَ َيْنَ ُمْ مَو َّ ً َ َحْ َ ً‬
                                                           ‫ي َكر‬                              ‫إ َّ ف‬
‫ِن ِي ذَلِكَ آليَاتٍ لِقَوْمٍ َتَف َّ ُونَ [الروم:57]، بل جاءت نصوص الكتاب والسنة القاطعة واألوامر‬
‫الصريحة بالنكاح وبيان آثاره، قال اهلل تعالى: فَانكِ ُوا َا طَابَ لَ ُمْ ِنَ ِّ َاءِ َثْ َى َ ُال َ َ ُ َا َ‬
‫ك م النس م ن وث ث ورب ع‬                           ‫ح م‬
‫ي م م ُ َالص ح م ع د ُ وإم ئ ُ إ يك ن ف َر ء‬                                   ‫و كح‬
‫[النساء:3]، ويقول سبحانه: َأَن ِ ُوا األَ َا َى ِنْكمْ و َّالِ ِينَ ِنْ ِبَا ِكمْ َِ َا ِكمْ ِنْ َ ُو ُوا ُق َا َ‬
                                                          ‫ي نه الله م ْ له َالله و ع ع م‬
   ‫ُغْ ِ ِمْ َّ ُ ِن فَضِْ ِ و َّ ُ َاسِ ٌ َلِي ٌ [النور:73]، وقد كان الزواج ملة األنبياء وسنة المرسلين،‬
                                    ‫َذ ِّي‬      ‫و َ َ س رسال م ْ لك وجع ُ َ و‬
                      ‫قال اهلل تعالى: َلَقدْ أرْ َلْنَا ُ ُ ً ِن قَبِْ َ َ َ َلْنَا لَهمْ أزْ َاجًا و ُر َّةً [الرعد:73].‬
                                                    ‫ث‬
        ‫وسنة المصطفى القولية والفعلية تح ّ على ذلك وترغب فيه، روى البخاري ومسلم عن ابن‬
    ‫مسعود قال: قال رسول اهلل : ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض‬
                                                      ‫ر‬
     ‫للبصر وأحصن للفرج))، وقال منك ًا على من رغب عن الزواج ونحوه مما أحل اهلل: ((لكني‬
   ‫أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) متفق عليه، وفي‬
                                               ‫صحيح مسلم: ((الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة)).‬
  ‫أيها المسلمون، لقد كان الزواج سنة سلف هذه األمة رحمهم اهلل، قال الصديق : (أطيعوا اهلل فيما‬
 ‫أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى)، وقال ابن مسعود : (التمسوا الغنى في النكاح)،‬
                                          ‫إ يك ن ف َر ي نه الله م ْ ل‬
  ‫وقرأ قوله تعالى: ِنْ َ ُو ُوا ُق َاءَ ُغْ ِ ِمْ َّ ُ ِن فَضِْهِ [النور:73]. وقال : (لو لم يبق من أجلي‬
                                     ‫ْل‬
        ‫إال عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يومًا ولي طَو ٌ على النكاح فيهن لتزوجت مخافة‬
                             ‫ن‬          ‫ن‬
          ‫الفتنة). وقال إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاووس: لتنكح ّ أو ألقول ّ لك ما قال عمر ألبي‬
                                                      ‫ز‬
  ‫الزوائد: (ما يمنعك عن النكاح إال عج ٌ أو فجور). وقال اإلمام أحمد رحمه اهلل: "ليست العزوبة‬
‫من أمر اإلسالم في شيء، ومن دعاك إلى غير التزوج دعاك إلى غير اإلسالم". وفي االختيارات‬
   ‫لشيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "واإلعراض عن األهل واألوالد ليس مما يحبه اهلل ورسوله،‬
                                                                        ‫وال هو دين األنبياء عليهم الصالة والسالم".‬
         ‫أيها المسلمون، ما الذي يمنع عن الزواج والمبادرة إليه وتيسير طرقه وتذليل الصعاب أمام‬
     ‫ز‬                                                  ‫ق‬                    ‫ع‬
     ‫الراغبين فيه وقد ُلمت منافعه وآثاره و َرعت أدلته النقلية والعقلية األسماع؟! أيمنع منه عج ٌ‬
                                  ‫ق‬
   ‫وتقصير؟! أيمنع منه تساهل وعدم مباالة بالعواقب، أو انسيا ٌ وراء الناعقين من أعداء الشريعة‬
                              ‫ف‬                                              ‫ُض‬
  ‫الذين تق ّ مضاجعهم كثرة المسلمين وزيادة عددهم، أو انجرا ٌ في سيل عادات جاهلية وتقاليد‬
‫اجتماعية مخالفة لمنهج الكتاب والسنة، أو انسياق وراء مظاهر خادعة وتكاليف باهظة هي آصار‬
                                                                                      ‫وأغالل ما أنزل بها من سلطان؟!‬
                                                                                    ‫بحق‬
 ‫ٍّ أيها األحبة، كان اهلل في عون الضعيف الذي ال يقدر على تكاليف الزواج، ما ذنب هؤالء؟!‬
   ‫ن‬            ‫ن‬                  ‫خ‬         ‫أ‬             ‫م‬
   ‫وما جريرة آالف الفتيات الالتي ُنعن األزواج وُبعدن عما ُلقن له، وحيل بينه ّ وبين أن يك ّ‬
                                                   ‫أ‬
    ‫زوجات وأمهات ومربيات أجيال ودعائم ُسر؟! كفى بأولياء أمور هؤالء البنات جشعًا وشراهة‬
                                                 ‫ن ة‬             ‫ن‬                  ‫ال‬
     ‫وجه ً وتفاهة أن يعضلوه ّ ويجعلوه ّ سلع ً معروضةً للمساومة، أين هؤالء من قوله : ((إذا‬
                                                   ‫ال‬
      ‫أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إ ّ تفعلوا تكن فتنة في األرض وفساد كبير))؟! أجهل‬
    ‫هؤالء أنه عند توفر الدين والخلق واألمانة تتالشى الماديات وتذوب ألوان التفاخر والمباهاة؟!‬
                    ‫و‬
  ‫أنسي هؤالء الحمقى أن صفوة الخلق وقدوة العالم عليه الصالة والسالم ز ّج رجالً بما معه من‬
                                ‫ي‬
 ‫القرآن، وقال لآلخر: ((التمس ولو خاتمًا من حديد))؟! ولم ُذكر عن أحد من سلف هذه األمة أنه‬
         ‫ر‬            ‫ذ‬                         ‫ء‬
 ‫غالى في مهر أو أسرف في نفقة أو باهى بشي ٍ مما عليه الناس اليوم، إ ًا فلماذا يص ّ كثير من‬
                                                                       ‫ض‬
   ‫سفهاء األحالم و ِعاف البصيرة في االنسياق وراء هذه المظاهر الخادعة والشكليات التافهة؟!‬
                                                                     ‫ر‬
                                   ‫إنهم بصنيعهم هذا يع ّضون األمة بأسرها للفساد واالنحالل.‬
                                                     ‫ر‬
 ‫أتدرون ـ معاشر المسلمين ـ ماذا يج ّه الواقع المؤلم من تعقيد أمر الزواج ورد األكفاء ووضع‬
        ‫العقبات في سبيله؟! إنه يعني فتح الباب على مصراعيه للفساد الخلقي واالنحالل والتفسخ‬
  ‫واإلباحية، إنها دعوة مبطنة للزنا واللواط واالستمناء ووضع الشهوة في غير الطريق المشروع‬
‫واستشراء الجرائم الخلقية المدمرة. بماذا نفسر ظواهر الزنا واالختطاف والمعاكسات والمغازالت‬
                  ‫س‬                                                         ‫م‬
   ‫وهروب كثير م ّن اكتوَوا بنار الشهوة واصطلَوا بلَظاها إلى بقاع تروج بها ِلع الفساد وتسهل‬
                                                                                  ‫فيها طرقه؟!‬
                                 ‫س‬
   ‫إن الغريزة الجنسية ـ عباد اهلل ـ إذا أثيرت ال تعرف التو ّط واالعتدال، إنها تقذف بصاحبها‬
                                         ‫ال‬                                   ‫د‬
‫في وا ٍ من الرذيلة سحيق، وال حول وال قوة إ ّ باهلل، ونحن في عصر ضعف فيه اإليمان، وقست‬
       ‫م‬
      ‫فيه القلوب، وعميت فيه البصائر، وفسدت فيه الهمم إال من عصم اهلل، وكثر الفساد، وع ّت‬
      ‫وسائل الباطل، وقادت موجات الفسق التي تضرب على وتر الجنس واألغاني، هذه الصور‬
    ‫الخليعة وهذه األفالم الماجنة وهذه المظاهر السيئة التي تودي باإلنسان ـ إن لم يحصن نفسه‬
    ‫بالزواج ـ إلى هاوية الفساد، وبالمجتمع إلى أقصى مراتب االنحدار والتقهقر. هل نرضى أن‬
                                                                        ‫ت‬
                                        ‫تموج أمواج الفساد ل ُغرق شبابنا وفتياتنا ونحن نتفرج؟!‬
 ‫فلنتق اهلل عباد اهلل، ولنعلم أن هذا األمر مسؤولية المجتمع بأسره، وأن المسؤولية تقع أول ما تقع‬
                                               ‫ل‬
 ‫على عاتق الوجهاء والعلماء والعقالء وأهل الح ّ والعقد والمكانة، فليكونوا قدوة للمجتمع في هذا‬
                                                                                       ‫الشأن.‬
           ‫غل‬
     ‫فإننا ننادي باسم الشباب الهائم على وجهه والحائر في أمره، وباسم الفتيات الالتي ُِبن على‬
                                                                                  ‫ن‬
    ‫أمره ّ، فإننا جميعًا ندعو ونخاطب العقالء والوجهاء لدراسة موضوع الزواج وإزالة العقبات‬
                                 ‫ال‬
 ‫حوله، فإنه ـ واهلل الذي ال إله إال هو ـ ال صالح لألمة إ ّ بصالح شبابها وفتياتها، ومن أعظم‬
  ‫طرق الصالح وأهم أسبابه النكاح الشرعي والزواج اإلسالمي، وال تبرأ الذمة ـ وقد بلغ السيل‬
                                                             ‫م‬                     ‫الز‬
  ‫ُّبى وطفحت المقاالت وع ّت الكتابات وكثرت المناداة ـ إال بعالج هذا األمر، ولكن هل من‬
‫مجيب؟! ونسيان هذا األمر والتساهل فيه يعرض المجتمع للفتنة والعذاب األليم، وينحدر بالمجتمع‬
                                                               ‫اإلسالمي إلى ما ال تحمد عقباه.‬
                     ‫د‬                  ‫ي‬
   ‫هذا، ونسأل اهلل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يه ّئ لنا من أمرنا رش ًا، وأن يصلح حالنا،‬
                                             ‫وأن يكبت كيد أعدائنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى، واشكروه على ما هيأ لكم من الحالل الطيب، وبادروا‬
                              ‫ُر‬
   ‫بطاعة ربكم وامتثال أمره فيما أمركم به من النكاح، وإنه ليس ّ كل مسلم ما يشاهد في الغالب‬
   ‫وبعد انتهاء الدراسة وبداية اإلجازة الصيفية من كثرة حفالت الزواج وإقبال أعدادٍ من الشباب‬
     ‫على هذا الخير، لكن مما يؤسف له تجاوز بعض العوائل المشروع والدخول في المحرمات‬
                              ‫ر‬        ‫ي‬
          ‫الواضحة والمجاهرة بالمنكر في حفالت زواجهم، تباه ًا وتفاخ ًا ليتحدث الناس بذلك.‬
                                                                  ‫ر‬
  ‫وإن مما أزعج كثي ًا من الصالحين والغيورين والعقالء وأصحاب الفطر السليمة ما نشر حول‬
             ‫ن‬                    ‫ن‬
   ‫إقامة زواج عندنا بالماليين، وقد دعي لهذا الزواج مغّيات من الخارج وبعضه ّ نصرانيات،‬
  ‫واستمر الرقص والغناء المحرم وما صاحب ذلك من منكرات أخرى حتى التاسعة صباحًا، وتم‬
    ‫وضع جنيهات الذهب في بعض المأكوالت، وأعطيت بعض المغنيات مبلغ 013 ألف ريال،‬
  ‫ج‬
 ‫ومجاهرةً بالمنكر نشر الخبر في بعض الصحف. وبعد أقل من شهر أقامت عائلة أخرى زوا ًا‬
‫لهم، وأرادوا منافسة من سبقهم، وأيضًا أحضروا مغنيات من الخارج، وفعلوا وأسرفوا أكثر ممن‬
                                                                         ‫ي‬        ‫ر‬
                       ‫سبقهم تفاخ ًا وتباه ًا، وزيادة دخولٍ في أبواب من الحرام، والعياذ باهلل.‬
    ‫أيها األحبة، متى عرفت مجتمعاتنا المحافظة مثل هذه الصور من حفالت الزواج؟! منذ متى‬
  ‫أصبحنا نأتي بمغنيات فاسقات فاجرات وبعضهن نصرانيات إلى جزيرة العرب التي أمر النبي‬
     ‫بإخراج المشركين منها؟! وكلما تأتي أسرة ثرية تريد أن تنافس من سبقها فتفعل ما لم تفعله‬
                                                ‫م‬
   ‫األولى. إن الثراء والمال قد يكون شؤ ًا على صاحبه في بعض األحيان، وسوء التربية يسيء‬
                                                            ‫ن‬
 ‫للرجل حتى بعد وفاته، فأحيا ًا يكون صاحب المال مشغوالً عن أوالده وبناته بتجاراته وشركاته‬
                                                                     ‫د‬
   ‫وأمواله، ويترك أوال ًا سفهاء وبعضهم فسقة، يسيئون إليه بعد وفاته، فيعبثون بهذا المال دون‬
   ‫نظرٍ إلى حالل أو حرام، لذا تشاهد وتسمع إقامة مثل هذه النوعية من حفالت الزواج، والذي‬
                                   ‫ي‬
 ‫يصل فيه المنكر غايته والفسق نهايته. ففكر ـ أيها الغن ّ ـ في هذه القضية قبل الموت، وانتبه‬
   ‫لعبث األوالد بعدك إن لم يتربوا على الدين والخلق، فربما يلحقك من آثامهم وأنت في قبرك.‬
‫أيها المسلمون، ال يجوز حضور مثل هذه الحفالت، وال يجوز المشاركة فيها، بل الواجب اإلنكار‬
                                      ‫ة‬
   ‫على مثل هذه العوائل والتشهير بهم؛ لكيال يكونوا قدو ً سيئةً لغيرهم، ولكيال يشجعوا من كان‬
                                                 ‫مستحييًا أن يفعل شيئًا من هذا فيتقوى بفعلهم.‬
‫ثم كيف يريد هؤالء البركة والتوفيق في حياتهم الزوجية وقد بدؤوها بمعصية اهلل، بل وبمنكرات‬
      ‫عظيمة تعد من الكبائر ودعوا الناس إليها، ليحملوا أوزارهم وأوزار من حضر لعرسهم؟!‬
        ‫أيها المسلمون، ألم يئن األوان للتعقل والرشد؟! إلى متى تستمر مظاهر البذخ واإلسراف‬
                                            ‫ك‬            ‫ن‬
    ‫والتبذير؟! إلى متى والنساء ه ّ الالتي يتح ّمن في حفالت الزواج والرجال على الهامش ثم‬
‫تحصل مثل هذه السخافات، والنساء بنص المصطفى : ((ناقصات عقل ودين))؟! هذا الذي يظهر‬
       ‫د‬     ‫ال‬                 ‫ال‬                        ‫ن‬
     ‫من خلفيات في هذين العرسين، إ ّ وراء الموضوع النساء، وإ ّ فالرجال أكثر تعق ً ورش ًا.‬
‫أيها المسلمون، ال بد من التغلب على العادات الجاهلية واألعراف المنافية لإلسالم، ال بد أن يكون‬
     ‫في كل أسرة وقبيلة من أصحاب المكانة والنفوذ من يهتم بهذا األمر لتجنب وقوع المخالفات‬
     ‫وتعريض األسر المحافظة والعوائل المحتشمة ألمور محرمة منافية للخلق والدين، وال بد أن‬
     ‫يدرك األثرياء وغيرهم وندرك نحن جميعًا أن المال ليس كل شيء، أيظن هؤالء أنهم بالمال‬
 ‫بإمكانهم أن يفعلوا كل شيء، وأن يخالفوا تعاليم الدين، وأن يتحدوا األعراف، وأن يكسروا بوابة‬
                                                                          ‫ال‬
     ‫الخلق والعفة؟! أو ً: المال ليس كل شيء، وثانيًا: المال لن يبقى معك دائمًا، فالذي أغناك قد‬
                                                                ‫يسلبك كل هذا الثراء في ليلة.‬
                                                                    ‫اللهم اغفر لنا وارحمنا...‬

‫(5/7154)‬




                                                                                  ‫الصالة (5)‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                   ‫الصالة, الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                       ‫الخبر‬
                                                                                        ‫النور‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- منزلة الصالة في اإلسالم وأثرها على األمة. 7- انقسام الناس في الصالة إلى ثالثة أقسام.‬
 ‫3- األدلة على كفر تارك الصالة. 4- بيان عقوبة الكفار يوم القيامة. 1- خطورة تأخير الصالة‬
     ‫عن وقتها وما جاء من النصوص في ذلك. 6- أحوال السلف في المحافظة على الصالة في‬
    ‫أوقاتها. 2- ما جاء من الوعيد في النوم عن صالتي الفجر والعصر. 7- بيان وجوب صالة‬
                                                                   ‫الجماعة واألدلة على ذلك.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                  ‫ي‬
   ‫أما بعد: أيها المسلون، ففي أعقاب معركة اليرموك الشهيرة وقف ملك الروم ُسائل فلولَ جيشه‬
              ‫ي‬                                                          ‫ي‬
     ‫المهزوم، وقف ُسائلهم والمرارة تعتصر قلبه، والغيظ يمأل صدره، والحنق يكاد ُذهب عقله:‬
                                            ‫ر‬
 ‫ويلكم، أخبروني عن هؤالء الذين يقاتلونكم، أليسوا بش ًا مثلكم؟! قالوا: بلى أيها الملك، قال: فأنتم‬
                          ‫ذ‬
      ‫أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم في كل موطن، قال: فما بالكم إ ًا تنهزمون؟! ما بالكم‬
      ‫تنهزمون؟! فأجابه شيخ من عظمائهم: إنهم يهزموننا ألنهم يقومون الليل، ويصومون النهار،‬
                                                                     ‫ويوفون بالعهد، ويتناصحون بينهم.‬
 ‫صدق واهلل وهو كذوب، فهذه السجايا الكريمة وهذه الخصال العظيمة كانت هي أسباب تلك العزة‬
‫وذلكم المجد التليد، كانت هي األسباب التي صنعت ملحمة الجهاد الكبرى، ورسمت أقواس النصر‬
‫ض‬                                  ‫م‬
‫الباهرة، وأقامت حضارة اإلسالم العالمية، ومكنت القو َ من رقاب عدوهم، حتى دانت لهم األر ُ‬
                                                                                          ‫ل‬
        ‫وأهُها، وأتتهم الدنيا وهي راغمة. هذه الخصال الرفيعة هي التي انتقلت بأسالفنا تلك النقلة‬
     ‫بد وِي ك ع ن‬                     ‫ِي‬
‫الضخمة من عتبات الالت والعزى ومناة الثالثة األخرى إلى منازل إ َّاكَ نَعْ ُ ُ َإ َّا َ نَسْتَ ِي ُ، حيث‬
                                                       ‫ة‬        ‫س‬                   ‫ة‬
                                           ‫األرواح المتطلع ُ إلى السماء والنفو ُ السابح ُ في العلياء.‬
      ‫ولكن، ولكن يا لفرحة لم تستمر! ويا لبهجة لم تكتمل! فقد تغيرت األحوال، وهوت األمة من‬
     ‫عليائها لتستقر في غبرائها، وأصبحنا نحن الذين نتساءل اليوم: لماذا نهوي ويرتفع خصومنا؟‬
 ‫الجواب، الجواب أيها األحبة في اهلل: كيف ال يكون ذلك وقد ضاعت تلك الخصال الرفيعة والقيم‬
‫السامية، وليت األمر توقف عند ذلك، ليت األمر توقف عند قيام الليل الذي أضعناه، وصيام النهار‬
                                                  ‫ب‬     ‫ي‬
    ‫الذي افتقدناه، لهان األمر وما هو به ّن ور ّ الكعبة، ولكننا أضعنا ما هو أكبر من ذلك بكثير،‬
    ‫ته‬                      ‫ل‬
   ‫فالصالة المفروضة عماد الدين وركنه الركين أصبحت اليوم مح ّ استخفاف البعض وسخري ِ ِم‬
          ‫ت‬              ‫ة‬      ‫ة‬                    ‫ة‬      ‫ة‬            ‫د ه‬
    ‫واستهزائهم وتن ّرِ ِم، فهي ضائع ٌ مهمل ٌ لدى الكثيرين، منسي ٌ مؤخر ٌ لدى آخرين، و ُفعل في‬
 ‫غير الجماعة لدى الباقين، وما أشد خوفي أن يكون بعضنا قد اقترب من وعيد الجبار جل جالله:‬
                       ‫َي‬           ‫ع الص َاتبع الش و ت ْ ي‬                         ‫َ م ب ْ ِ ْف‬
  ‫فَخَلفَ ِنْ َعدِهمْ خَل ٌ أَضَا ُوا َّالةَ و َّ َ ُوا َّهَ َا ِ فَسَوفَ َلْقَوْنَ غ ًّا [مريم:11]، وإذا كنا‬
   ‫جادين أيها األحبة الكرام، إذا كنا جادين في محاولة إصالح األمة وبعث عزتها من جديد فنحن‬
  ‫مدعوون اليوم إلى بحث هذا الموضوع الشائك، ومناقشة هذا األمر الجلل، ومعالجة هذه المسألة‬
                   ‫ب‬
     ‫المهمة، لكونها من كبريات القضايا وأمهات المسائل، وذكرى لمن كان له قل ٌ أو ألقى السمع‬
                                                                                                ‫وهو شهيد.‬
       ‫ب‬
  ‫أيها المسلمون، ولو استعرضنا أحوال الناس ومواقفهم من الصالة لوجدناهم أصنافًا وأحزا ًا، كل‬
                                                                                                  ‫ب‬
                                                                                 ‫حز ٍ بما لديهم فرحون:‬
‫فأما صنف من الناس فقد غرتهم أنفسهم، وغرتهم الحياةِ الدنيا، وظنوا أنهم إلى ربهم ال يرجعون،‬
                                      ‫ر‬                    ‫ن‬        ‫ة‬
          ‫هؤالء ال يعرفون للصالة قيم ً وال وز ًا، فال يصلونها بالم ّة أو يصلونها أحيانًا، أو عند‬
                                                      ‫ماس‬
       ‫المناسبات فقط، فهم بحاجة واهلل َّة إلى تصحيح أصل اإليمان في قلوبهم، هم بحاجة إلى‬
 ‫دعوتهم إلى اإلسالم، ومحاولة إقناعهم به كغيرهم من الكفار الخارجين عن دائرة اإلسالم وإطاره‬
‫المحدود، ومهما كان الحكم قاسيًا فهي حقيقة ال تحتمل الجدال أو المناقشة، فالذي حكم بكفرهم هو‬
     ‫إ ب وَ م الص و الز َ و ن ُ ْ ف الد‬
  ‫اهلل ورسوله، فأما اهلل جل جالله فيقول: فَِنْ تَا ُوا َأقَا ُوا َّالةَ َآتَوْا َّكَاة فَإِخْ َا ُكم ِي ِّينِ‬
    ‫[التوبة:55]، ومفهوم اآلية واضح، ويعني باختصار شديد: إن لم يقيموا الصالة فليسوا إخوة لنا‬
‫في الدين، أي: أنهم مرتدون خارجون عن اإلسالم وأهله. أفهمتم يا من تتركون الصالة وتحسبونه‬
‫س ُ ف َ َ ل َ ك م م َل ن وَ ك‬                                                                            ‫ي‬
‫ه ّنًا وهو عند اهلل عظيم؟! وفي القرآن الكريم: مَا َلَكَكمْ ِي سَقر قَاُوا لمْ نَ ُ ِنَ الْ ُصِّي َ َلمْ نَ ُ‬
         ‫عُ‬              ‫يق ُ‬                ‫ئض ن و ُن ن َذب بي ْ الد َت‬                         ‫ُ ِم م ك و ُن خ ض‬
       ‫نطْع ُ الْ ِسْ ِينَ َك َّا نَ ُو ُ مَعَ الْخَا ِ ِي َ َك َّا ُك ِّ ُ ِ َومِ ِّينِ ح َّى أَتَانَا الْ َ ِين فَمَا تَنْفَ ُهمْ‬
    ‫د‬                                              ‫ِ‬                        ‫عة الش فع‬
 ‫شَفَا َ ُ َّا ِ ِينَ [المدثر:74-74]، وما حرْمانهم من الشفاعة إال دليل واضح على كفرهم ور ّتهم‬
                                                                        ‫خ‬
                                                            ‫وخسارتهم للدنيا واآلخرة، ذلك هو ال ُسران المبين.‬
     ‫وأما رسولنا فقد أعلنها صريحة ال تقبل التأويل، فقال : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصالة، فمن‬
                                                                ‫ض‬
 ‫تركها فقد كفر))، وقال أي ًا: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصالة))، وأما عبد اهلل بن‬
    ‫شقيق فينقل موقف صحابة النبي ، ينقل موقفهم من تارك الصالة فيقول: ما كان أصحاب النبي‬
       ‫َ‬                                                                   ‫ئ‬
   ‫يعدون شي ًا تركه كفر إال الصالة. وهو كما ترى ـ أخي المسلم ـ موقف صارم ال ميوعة فيه‬
                                     ‫ه‬      ‫ر د‬
                              ‫وال تردد، فترك الصالة أيها الناس، ترك الصالة كف ٌ ور ّة وسف ٌ وجنون.‬
      ‫وأما الذين ال يعرفون الكفر وما معناه فالكفر جحيم ال ينقضي، وعذاب ال ينتهي، الكفر بؤس‬
     ‫صم ف َب ِ‬                           ‫َ‬
   ‫وعناء ودماء وأشالء، الكفر زفرات وآهات، دموع وعبرات، هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَ َ ُوا ِي ر ِّهمْ‬
     ‫رء س ِ ح م ي هر به م ف بط ن ِ‬                         ‫َر ُطع ُ ثي ب م ن ي َب م ْ‬                         ‫َّذ‬
   ‫فَال ِينَ كَف ُوا ق ِّ َتْ لَهمْ ِ َا ٌ ِنْ َارٍ ُص ُّ ِن فَوْقِ ُ ُو ِهمْ الْ َمِي ُ ُصْ َ ُ ِ ِ َا ِي ُ ُو ِهمْ‬
       ‫رج م م َم أع د ف َذ ق َذ ب‬                                       ‫ع م حد ُل َر د‬                       ‫و جل د و ه‬
       ‫َالْ ُُو ُ َلَ ُمْ مَقَامِ ُ ِنْ َ ِيدٍ كَّمَا أ َا ُوا أَنْ يَخْ ُ ُوا ِنْهَا ِنْ غ ٍّ ُ ِي ُوا ِيهَا و ُو ُوا ع َا َ‬
  ‫َر ُ ن ر ج َن َ ي ض ع ِ يم ت و ي َّف ع ُ م‬                                      ‫و َّذ‬                  ‫َر‬
‫الْح ِيقِ [الحج:15-77]، َال ِينَ كَف ُوا لَهمْ َا ُ َه َّم ال ُقْ َى َلَيْهمْ فَ َ ُو ُوا َال ُخَف ُ َنْهمْ ِنْ‬
‫ح ْ َّ كن ن َل‬                      ‫َ‬            ‫خ ف ه َب ْ‬                  ‫َ ب َ ك ْز ُل ف ر ُ ي‬
‫عذَا ِهَا كذَلِ َ نَج ِي ك َّ كَ ُو ٍ وَهمْ َصْطَرِ ُونَ ِي َا رَّنَا أَخرِجْنَا نَعْملْ صَالِ ًا غَيرَ الذِي ُ َّا َعْم ُ‬
                          ‫ِلظ لم ن م‬            ‫ي َّر ف م َ َكر و ء ُ الن ُ َذ ق‬                        ‫وَ ن َم ُ‬
      ‫أَ َلمْ ُع ِّرْكمْ مَا َتَذَك ُ ِيهِ َنْ تذ َّ َ َجَا َكمْ َّذِير ف ُو ُوا فَمَا ل َّاِ ِي َ ِنْ نَصِيرٍ [فاطر:63،‬
                                                                                                                            ‫23].‬
                                                                            ‫ة‬
   ‫إن ترك الصال ِ واالستخفاف بها خطأ فادح بكل المقاييس، وجناية مخزية بكل المعايير، ال ينفع‬
   ‫معها ندم وال اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار. إننا ندعو هؤالء بكل شفقة وإخالص،‬
           ‫ندعوهم واأللم يعتصر قلوبنا خوفًا عليهم ورأفة بهم، ندعوهم إلى إعادة النظر في واقعهم‬
                                       ‫م‬
 ‫ومجريات حياتهم، ندعوهم إلى مراجعة أنفسهم، وتأ ّل أوضاعهم قبل فوات األوان، إننا ننصحهم‬
                                                            ‫ر‬
   ‫بأن ال تخدعهم المظاهر، وال يغ ّهم ما هم فيه من الصحة والعافية والشباب والقوة، فما هي إال‬
                                            ‫ق ُل‬          ‫ء‬           ‫ه‬
      ‫سراب بقيعة يحسب ُ الظمآن ما ً، أو كبر ٍ خَّب سرعان ما يتالشى وينطفئ ويزول، فالصحة‬
    ‫سيعقبها السقم، والشباب يالحقه الهرم، والقوة آيلة إلى الضعف، ولكن أكثر الناس ال يتفكرون.‬
     ‫ل‬                                ‫ٍ‬          ‫ر‬
 ‫ليتذكر تاركو الصالة أنهم سائرون إلى قبو ٍ موحشة وحفر مظلمة، إنه ال ينفعهم ساعتها ما ٌ وال‬
                 ‫ر‬      ‫ر‬                                               ‫ق‬
        ‫بنون، وال صدي ٌ وال صاحب، ليعلم تارك الصالة أن أصحابه الذين غ ّوه، غ ّوه في ترك‬
                             ‫د‬
        ‫الصالة وإضاعة فريضة اهلل، وزينوا له محاكاتهم وتقليدهم، ليعلم جي ًا أنه حين يفارقهم فلن‬
               ‫أ سه‬
 ‫يذرفوا عليه سوى دموع التماسيح، يعودون بعدها إلى مزاميرهم وطربهم وُن ِ ِم، غير مكترثين‬
                                ‫َم‬                ‫ي‬           ‫ي‬                     ‫ف‬
    ‫به وال بأل ٍ من أمثاله، إنهم أنانّو الطباع، مّتو اإلحساس، ال ه ّ لهم إال أنفسهم وملذاتهم ولو‬
          ‫ب‬
      ‫فقدوا اآلباء واألمهات، فضالً عن األصحاب والخالن. فاستيقظ يا هذا من غفلتك، وتن ّه من‬
     ‫نومتك، فالحيا ُ قصير ٌ وإن طالت، والفرح ُ ذاهب ٌ وإن دامت، َا أ ُّهَا ا ِنسَا ُ َا غ َّكَ ِر ِّ َ‬
     ‫ي َي إل ن م َر ب َبك‬                             ‫ة‬      ‫ة‬                  ‫ة‬      ‫ة‬
        ‫دح إ َب َ ح‬                 ‫َيه إل ن ِن‬                                   ‫َد‬       ‫َ َو‬            ‫َّذ‬       ‫َ‬
       ‫الْكرِيمِ ال ِي خَلَقَك فَس َّاكَ فَع َلَكَ [االنفطار:6، 2]، يَا أُّ َا ا ِنسَا ُ إَّكَ كَا ِ ٌ ِلَى ر ِّكَ كدْ ًا‬
                                                                                                               ‫م ق‬
                                                                                              ‫فَ ُال ِيهِ [االنشقاق:6].‬
    ‫اإلسالم ـ يا هؤالء ـ ليس باألسماء والصور، وليس بالدعاوى واألماني، ولكنه قول واعتقاد‬
      ‫ر‬      ‫ة‬                          ‫ر‬      ‫ء‬
‫وعمل. وأما الدعاوى فستذهب أدراج الرياح هبا ً منثو ًا، ال تزيد صاحبها إال حسر ً وثبو ًا. هذا‬
                                                                                                 ‫هو الصنف األول.‬
       ‫ق‬               ‫ع‬                                                         ‫ف‬
      ‫وصن ٌ آخر يؤخرون الصالة عن وقتها، فهم يؤدونها حسب أهوائهم وتب ًا ألمزجتهم ووف ًا‬
 ‫لظروفهم، فإذا كانوا نائمين أ ّوها عند االستيقاظ، وإذا كانوا مشغولين أ ّوها عند الفراغ، فالصال ُ‬
 ‫ة‬                       ‫د‬                                        ‫د‬
                                                         ‫ء ج‬                    ‫ر ي‬
   ‫أم ٌ ثانو ٌ في حياتهم، وشي ٌ ساذ ٌ في أذهانهم، وما يدرى هؤالء أنهم المعنيون بقوله تعالى:‬
                                                  ‫و ْل ل م َل َّذ ن ُ ع ص ته س ه‬
  ‫فَ َي ٌ ِلْ ُصِّينَ ال ِي َ همْ َنْ َال ِ ِمْ َا ُونَ [الماعون:4، 1]، قال مسروق رحمه اهلل: "أي: ال‬
  ‫يفعلون الصالة في وقتها المشروع"، وعند البخاري عن الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك‬
                           ‫ت‬           ‫ف ئ‬
      ‫بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ال أعر ُ شي ًا مما أدرك ُ إال هذه الصالة، وهذه‬
                                                                             ‫أخ‬           ‫ضي‬
                                                                 ‫الصالة قد ُ ّعت. يعني: ُ ّرت عن وقتها.‬
    ‫فتأمل رعاك اهلل، تأمل مشهد صاحب رسول اهلل وعيناه تذرفان ألمًا وحسرة حين أخذ بنو أمية‬
     ‫يؤ ّرون الصالة عن وقتها، مما أدمى قلوبَ الغيورين على الصالة، وأجرى دموعهم، وأثا َ‬
     ‫ر‬                                                                            ‫خ‬
          ‫عر‬
‫حفيظتهم. ومع ذلك كله فقد حرص األسالف على أدائها في وقتها المشروع، وإن َّضوا أنفسهم‬
                             ‫خ‬
 ‫لبطشِ بني أمية وانتقامهم، فعند عبد الرزاق عن عطاء أنه قال: أ ّر الوليد بن عبد الملك الجمعة‬
          ‫س ء‬                     ‫ت‬
‫حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صلي ُ العصر وأنا جال ٌ إيما ً وهو يخطب.‬
    ‫خ‬                 ‫ف‬
 ‫وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: كنت بمنى وصح ٌ تقرأ للوليد، فأ ّروا‬
                                  ‫ء‬
 ‫الصالة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيما ً وهما قاعدان. كما أخرج عن ابن عمر‬
            ‫ر‬                                         ‫خ‬
   ‫أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أ ّر الحجاج الصالة ترك الصالة معه. وهذه آثا ٌ عن السلف‬
                              ‫ة‬                                                 ‫ين‬
   ‫تب ّ ُ شدة حرصهم على أداء الصالة في وقتها بالرغم من شد ِ بطش الوليد والحجاج بن يوسف‬
                                                          ‫الثقفي الذي كان يسفك الدم الحرامَ بمجرد الشبهة.‬
  ‫فالحالة النشاز التي كان يصنعها بنو أمية لم تجعل فقهاء السلف وعلماءهم، لم تجعلهم يوافقونهم‬
        ‫في شذوذهم ذاك، ولكنهم حرصوا كل الحرص واجتهدوا غاية االجتهاد في حفظ صلواتهم‬
  ‫وصيانتها ورعايتها، مع أن حرصهم ذاك كان سيكلفهم حياتهم وأرواحهم، فأين المؤخرون اليوم‬
      ‫لصالتهم؟! أين هم عن تلك القمم السامقة والقدوات النادرة؟! بل أين هم عن غيرة عمر يوم‬
                                                      ‫م‬              ‫ب‬     ‫ء‬
   ‫الخندق يوم جا َ مغض ًا حزينًا مهمو ًا مغمومًا يسب المشركين، ويقول: يا رسول اهلل، ما كدت‬
  ‫ت‬                                                                              ‫أ‬
‫ُصلي العصر حتى غربت الشمس؟! أين هؤالء من غيرة عمرَ هذه؟! أما يسأل الواحد نفسه: ُرى‬
                 ‫ه‬                  ‫د‬                        ‫م‬              ‫م‬
‫ما الذي أه ّه؟ ما الذي أغ ّه؟ ما الذي أضاق صدره وك ّر خاطره وأحزن قلب ُ وألهب فؤاده؟! ثم‬
       ‫ل‬                                ‫ل‬
       ‫ما الذي جعله يؤخر الصالة عن وقتها؟! أألنه مشغو ٌ بسقي حديقة منزله، أم ألنه مشغو ٌ‬
                               ‫ل‬           ‫ج‬     ‫ل‬
       ‫بإصالح عطل في سيارته، أم ألنه مشغو ٌ محر ٌ بضيفٍ ثقي ٍ يتناول الشاي في مجلسه؟!‬
                                                             ‫ر‬
  ‫والجواب: حاشا هلل أن تحول أمو ٌ تافهة كهذه بين الفاروق وبين أدائهِ الصالة في وقتها المعلوم‬
                                                                    ‫ل‬
‫المشروع، ولكن شغُه الذي شغله هو جهاده في سبيل اهلل ودفاعه عن مدينة رسول اهلل، ومع ذلك‬
         ‫م‬                       ‫ة‬       ‫حب‬                ‫م‬            ‫ب‬
 ‫فهو مغض ٌ محزون مهمو ٌ مغموم، فقد كان ُّ الصال ِ وحرصه عليها يجري في د ِهِ وينبض‬
                             ‫ي ل‬                        ‫ر‬         ‫ي‬                ‫ق‬
  ‫مع عرو ِه، أليس هو الذي ُطعن بخنج ِ أبي لؤلؤةِ المسموم ف ُحم ُ إلى بيته بين الحياة والموت‬
                     ‫حظ‬
  ‫فيقولون: يا أمير المؤمنين، الصالة الصالة، فيقول: (نعم، الصالة، ال َّ في اإلسالم لمن ترك‬
             ‫الصالة)، لم ينس المسلمون الصالة، ولم ينسها عمر مع شدة الكرب وهول الفجيعة.‬
      ‫وإن تعجب ـ أخي المسلم ـ من مواقف عمر هذه فاعجب من موقف ابن الزبير والحجاج‬
                                                                             ‫ر ه‬
  ‫محاص ٌ ل ُ في البيت الحرام، ويتخلى عنه أكثر أعوانه، فال يمنعه ذلك من النهوض إلى مصاله‬
                            ‫ب‬
      ‫في كل وقت، غير مكترثٍ وال مبالٍ بعدوهِ الحقود الذي كان يطل ُ حياته بأي ثمن، حتى لو‬
                                                                                         ‫أ‬
  ‫ُحرقت الكعبة، وسالت أروقة المسجدِ الحرامِ دمًا زكيًا، ولعمرو الحق ما ترك ابن الزبير صالة‬
                 ‫ض‬             ‫ة‬
    ‫واحدة في وقتها طيلةَ حصارِ الحجاج له، حتى هوت عليه قذيف ٌ ألزمته األر َ بعد ذلك، لقد‬
       ‫م‬                                  ‫ت‬      ‫َ‬              ‫َ ر‬
       ‫كانوا يقدرون الصالة حق قد ِها، ويرعونها حق رعاي ِها، ويؤدونها في أوقاتها مهما ادله ّ‬
                                                                               ‫ز‬
                                                                    ‫الخطب وتأ ّمت المواقف.‬
                    ‫ل‬                                ‫ُ‬
 ‫ولماذا ال يؤدونها في أوقاتها وصوت رسول اهلل يجلجل في آذانهم ويصو ُ في قلوبهم وهو يقول‬
‫كما عند البخاري من حديث بريدة: ((من ترك صالة العصرِ فقد حبط عمله))؟! فرحماك يا إلهي،‬
 ‫من ترك صالة واحدة حبط عمله، فكيف بمن ترك صالتين أو ثالث أو خمس صلوات كل يوم؟!‬
                                     ‫ي‬
  ‫فاتقوا اهلل يا من تؤخرون الصالة عن وقتها، وتحسبونه ه ّنًا وهو عند اهلل عظيم، فاستيقظوا من‬
      ‫ل‬     ‫ه‬
    ‫سباتكم يا هؤالء، وأفيقوا من أحالمكم، وأعتقوا رقابكم من غضب اهلل وناره وجحيم ِ ونكاِه.‬
    ‫وأما النائمون عن صالة الفجر والعصر خاصة فعند البخاري وأحمد من حديث سمرة قال في‬
     ‫حديث الرؤية الطويل: ((أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قاال لي: انطلق، فانطلقت‬
                                     ‫م‬                     ‫ل‬               ‫وإن‬
‫معهما، َّا أتينا على رج ٍ مضطجع، وإذا آخر قائ ٌ عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة على‬
      ‫د‬                                               ‫خ‬
 ‫رأسه فيثلغ رأسه، ثم يتبع الحجر فيأ ُذه فال يرجع إليه، حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعو ُ عليه‬
 ‫ه‬     ‫ُ‬  ‫ي‬                       ‫ُو‬
 ‫فيفعل به مثل ما فعل المرةِ األولى))، وفي آخر الحديث أ ِّلَ لرسول اهلل هذا الذي ُضرب رأس ُ‬
                                           ‫ض‬      ‫ن‬       ‫ل ذ‬
          ‫بالصخرة، فقيل له: ((هو الرج ُ يأخ ُ القرآ ُ فيرف ُه، ثم ينام عن الصالةِ المكتوبة)).‬
    ‫أرأيت يا من تنام عن الفجر، ويا من تنام عن العصر؟! أرأيت ماذا ينتظرك من العذاب وأنت‬
                                                    ‫ي‬             ‫د‬                      ‫ل‬
     ‫غاف ٌ اله ال تدري ماذا يرا ُ بك وماذا يه ّأ لك؟! فاتقِ اهلل، وألقِ عن نفسك الكسل والخمول،‬
  ‫ه‬        ‫د‬                    ‫د‬
  ‫فالمسألة ليست أحاديث صبيان، وال أالعيب مراهقين، ولكنها ج ٌ وربِ الكعبة، وإن غ ًا لناظر ِ‬
                                                                                                                   ‫لقريب.‬
   ‫ر‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما في كتابه وسنة نبيه من اآليات والذك ِ‬
                                                                                          ‫ل‬
                                               ‫الحكيم، أقو ُ ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                        ‫ر‬                         ‫ر‬            ‫ِض‬
‫الحمد هلل يعطي ويمنع، ويخف ُ ويرفع، ويض ُ وينفع، أال إلى اهلل تصي ُ األمور، وأشهد أن ال إله‬
                                                                                         ‫د‬
                                                                             ‫إال اهلل، وأشهد أن محم ًا رسول اهلل.‬
                                                      ‫ف‬
‫أما بعد: أيها الناس، فأما الصن ُ الثالث من الناس فهم حريصون كل الحرصِ على أداء الصلوات‬
                    ‫ع‬                                      ‫س‬
 ‫في أوقاتها في كل حما ٍ وإصرار، ولكن حماسهم يخبو وإصرارهم يض ُف عن أداء الصالة مع‬
           ‫ق‬                                            ‫م‬
 ‫جماعة المسلمين في المساجد، فإبراءً للذ ّة وإخالءً للعهدة أمام اهلل تبارك وتعالى نسو ُ إليهم هذه‬
 ‫األدلة الثابتة والحجج الراسخة التي تؤكد وجوب صالة الجماعة في المساجد، وأن من يظن غير‬
                                                                     ‫ب أ‬           ‫ر‬           ‫ش‬
                                                             ‫هذا فهو يعي ُ وهمًا كبي ًا، ويرتك ُ خطً فادحًا.‬
      ‫ر‬                                                   ‫ر‬            ‫ة‬
      ‫وفي مقدمة تلك األدل ِ وأبلغها أث ًا ما أوجبه اهلل تعالى على المجاهدين وهم يخوضون غما َ‬
   ‫المعركة في أحلك ساعات النزال، ما أوجبه اهلل تعالى عليهم من لزوم الجماعة، فهو القائل جل‬
       ‫َد‬       ‫لح ُ ِ‬             ‫ة م ه م ك و ُذ‬                       ‫ُ الص َ ُ‬                 ‫وِ ك ف ِ ْ َ‬
     ‫وعال: َإذَا ُنتَ ِيهم فَأقَمْتَ لَهمْ َّالة فَلْتَقمْ طَائِفَ ٌ ِنْ ُمْ َعَ َ َلْيَأْخ ُوا أَسِْ َتَهمْ فَإذَا سَج ُوا‬
        ‫ة أ ْ َ ي َل ي َل م ك و ي ُذ ِ ُ و ح ُ‬                                          ‫يك ن م َر ئ ُ و ت‬
      ‫فَلْ َ ُو ُوا ِنْ و َا ِكمْ َلْتَأْ ِ طَائِفَ ٌ ُخرَى لمْ ُصُّوا فَلْ ُصُّوا َعَ َ َلْ َأْخ ُوا حذْرَهمْ َأَسْلِ َتَهمْ‬
   ‫[النساء:705]، أرأيت أيها المبارك، أرأيت كيف فرض اهلل الجماعة في أحلك الظروف وأحرج‬
         ‫ل‬                                                              ‫ة‬
         ‫المواقف؟! طائف ٌ تصلي وأخرى تحرس، ثم تتغير المواقف، فالتي كانت في الصالة تنتق ُ‬
‫للحراسة، والتي كانت في الحراسة تنتظ ُ للصالة جماعة، كل ذلك والعدو مترب ٌ متحفز قد أقب َ‬
‫ل‬              ‫ص‬                                  ‫م‬
                  ‫ف‬                      ‫خ‬                   ‫ض‬      ‫ل ضه‬         ‫له‬
 ‫بخيِ ِ ورجِه وق ّ ِ وقضي ِه. تأمل ـ أيها األ ُ الكريم ـ بعين اإلنصا ِ والتجرد كيف أوجب‬
      ‫س‬                  ‫ئ‬                    ‫ث‬
   ‫اهلل الجماعة في تلك الظروفِ العجيبة، حي ُ تخضبت السيوفِ بدما ِها، وتطايرت الرؤو ُ عن‬
     ‫ع‬                                                          ‫ذ‬                      ‫ق‬
     ‫أعنا ِها، فكيف يكون الحال إ ًا في اآلمنين في بيوتهم المطمئنين بين نسائهم وذراريهم؟! ند ُ‬
                                                               ‫ب‬
                           ‫اإلجابة لك أيها الحبيب، فما نحس ُك إال منصفًا تقول الحق ولو على نفسك.‬
     ‫ال‬                                ‫ت‬
     ‫أما الحديث المتفق على صحته ففيهِ يقول : ((لقد همم ُ أن آمر بالصالة فتقام، ثم آمر رج ً‬
                                         ‫م‬                    ‫ق‬
‫فيصلي بالناس، ثم أنطل ُ معي برجالٍ معهم حز ٌ من حطب إلى قومٍ ال يشهدون الصالة ـ يعني:‬
                        ‫ُحر‬                                        ‫ُحر‬
      ‫ال يشهدون الجماعة ـ فأ ِّق عليهم بيوتهم بالنار))، وجاء بصيغةِ ((أ ِّق)) إلفادة التكثير‬
           ‫يهم‬     ‫ٌ‬                    ‫ه ب‬
    ‫والمبالغة. يا سبحان اهلل! رسول اهلل الذي وصف ُ ر ّه بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ُّ بإحراق‬
         ‫ي‬                             ‫ء ل‬                         ‫ل‬
    ‫البيوتِ على أهلها حين تَخَّوا عن الجماعة، فأي شي ٍ يد ُ عليه ذلك إال أنها واجبة متع ّنة في‬
                          ‫أ ح‬             ‫م‬     ‫م‬     ‫ب‬
‫المسجد، وأن أداءها في البيوت ذن ٌ عظي ٌ وجر ٌ خطير وخطٌ فاد ٌ بكل المقاييس؟! كيف ال وقد‬
   ‫جاءَ عن ابن عباس مرفوعًا: ((من سمع النداء فلم يأتهِ فال صالة له إال من عذر)) رواه الحاكم‬
   ‫وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي، وعند أبي داود وابن حبان قالوا: يا رسول‬
                              ‫ِ‬              ‫ذ‬             ‫ف‬            ‫ر‬
‫اهلل، وما العذ ُ؟ قال: ((خو ٌ أو مرض)). إ ًا فليس من العذر في تركِ الجماعة ـ يا مسلمون ـ‬
                               ‫ة‬                           ‫ب‬                         ‫ب‬
     ‫ح ّ الراحة واالسترخاء أو شر ُ القهوةِ أو الشاي أو مطالع ُ الصحف والمجالت أو استقبال‬
                                                   ‫ِ‬                           ‫ف‬
      ‫الضيو ِ أو تودعيهم، بل ليس من العذر في ترك الجماعة قراءة القرآن أو الطواف بالبيت‬
                       ‫ب‬
 ‫الحرام، وأي عذرٍ لهؤالء وقد جاء األعمى إلى رسول اهلل ، جاء يشكو ُعدَ دارِه ووعورة طريقه‬
                                                             ‫ل‬              ‫د‬
   ‫وفقدانهِ لقائ ٍ يالئمه، ويسأ ُ رخصةً أن يصلي في بيته، فيقول له الرؤوف الرحيم عليه الصالة‬
  ‫ة‬       ‫ن‬                  ‫د‬
  ‫السالم: ((أتسمع النداء؟!)) قال: نعم، قال: ((أجب، فإني ال أج ُ لك رخصة))، أفتكو ُ الرخص ُ‬
                                                                                  ‫ذ‬
  ‫إ ًا لذوي السمع القوي والبصر الحاد؟! أفتكون الرخصة لمن أحاطت بهم المساجد من كل جانب‬
                                  ‫ن‬                                  ‫ع‬                ‫ذ‬
                            ‫و ُللت لهم الطرق و ُبدت لهم الشوارع؟! سبحانك هذا بهتا ٌ عظيم.‬
     ‫فاتقوا اهلل أيها الزاهدون في الجماعة، وتذكروا حال أسالفكم كيف كانوا شديدي االهتمام بها،‬
          ‫ب‬
   ‫عظيمي الخوف عليها، تذكروا موقف الخليفة الشهيد عثمان بن عفان وقد حاصره الس َئيون في‬
    ‫ه‬                       ‫ه‬
   ‫المدينة يطلبون دمه، ويمنعونه من إمامة الناس، فال يمنعه حصار ُم إياه وظلمهم له وخروج ُم‬
                                     ‫ذم‬
 ‫عليه من الصالة خلفهم حرصًا على الجماعة وإبراءً لل ّ ّة، فعند البخاري من حديث عبيد اهلل بن‬
                        ‫م م‬                              ‫ٌ‬
    ‫عدي أنه دخلَ على عثمان وهو محصور فقال له: يا إمام، إنك إما ُ عا ّه، ونزلَ بنا ما ترى،‬
                                 ‫ل‬        ‫ن‬     ‫ُ‬                ‫ر‬            ‫ُ‬
 ‫ويصلي لنا إمام فتنة، فنتح ّج، فقال : (الصالة أحس ُ ما يعم ُ الناس، فإذا أحسن الناس فأحسنوا،‬
                                                                ‫وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم).‬
    ‫ن وم‬                                                   ‫ن‬
    ‫أيها المسلمون، لقد آن األوان أن ُعيد النظر في أوضاعنا، ونصحح مفاهيمنا وأخطاءنا، و ُق ّ َ‬
                                                              ‫ة‬            ‫ت‬
 ‫سلوكنا وتصرفا ِنا، فنحن أم ٌ خلقت لتكون قائدة، ووجدت لتكون رائدة، أال إنها دعوة إلى عمارة‬
         ‫ت‬
‫بيوت اهلل بالذكر والتسبيح وصالة الجماعة، أال إنها دعوة إلى الجنة فوقَ مراكبَ من ال ُقى والعمل‬
                                                        ‫ب‬
                   ‫الصالح والتوبة النصوح، واهلل غال ٌ على أمره، ولكن أكثر الناس ال يعلمون.‬

‫(5/3154)‬




                                                                                  ‫الصالة (7)‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                   ‫الصالة, الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                       ‫الخبر‬
                                                                                        ‫النور‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أثر الصالة على حياة المسلم. 7- أهمية الخشوع في الصالة. 3- صور من خشوع السلف.‬
             ‫ش‬                                 ‫ش‬
 ‫4- نصوص في الخشوع وفضله. 1- ُبه تاركي الصالة والجواب عنها. 6- ُبه من يؤخرون‬
                                                ‫ل‬        ‫ش‬
 ‫الصالة والجواب عنها. 2- ُبه المتخّفين عن صالة الجماعة والجواب عنها. 7- نصائح مهمة‬
                                                                                         ‫حول الصالة.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون، فكنا قد تحدثنا في الخطبة الماضية عن فريضة اهلل العظمى وشعيرة اهلل‬
                                       ‫ص‬
‫الكبرى، فتحدثنا عن الصالة وأحوال الناس معها، وف ّلنا القول، وضربنا األمثلة، ذكرى لمن كان‬
                                                                                            ‫ب‬
                                                                    ‫له قل ٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.‬
 ‫ونستأذنكم اليوم ـ أيها األحبة ـ الستكمال الحديث وإتمام الفائدة وإقامة الحجة واإلعذار أمام اهلل‬
                                                                                            ‫جل جالله.‬
                                             ‫ص‬         ‫ر‬
   ‫فأما الصنف الرابع من الناس، وتذكي ًا: فقد ف ّلنا القول في الجمعة الماضية في ثالثة أصناف‬
‫من الناس األول: التاركين للصالة، الصنف الثاني: من يؤخرونها عن أوقاتها، الصنف الثالث: من‬
 ‫يصلونها في بيوتهم وال يشهدون المساجد، وأما الصنف الرابع من الناس فهم ُناس فضالء وقو ٌ‬
 ‫م‬           ‫أ ٌ‬
                                          ‫م‬
     ‫عقالء، أدركوا أهمية الصالة وآمنوا بوجوبها ولزو ِها، فحافظوا عليها في أوقاتها مع جماعة‬
                                                                     ‫ة‬      ‫ِ‬
 ‫المسلمين بكل قناع ٍ وإقبال، ولكنهم ـ ولألسفِ الشديد ـ يفتقدون الخشوع في صالتهم فيؤدونها‬
                                ‫ك‬                                                   ‫ة‬
      ‫بطريق ٍ آلية، دون استشعار لروحها أو تذوقٍ لجمالها أو إدرا ٍ لمراميها أو استحضار لهيبة‬
                   ‫ض‬                            ‫ذ‬
‫الموقف بين يدي اهلل جل جالله. فال غرو إ ًا والحالة هذه أن تجد التناق َ صارخًا في تصرفاتهم‬
  ‫ئ‬                                         ‫ر‬                        ‫د‬
 ‫واألثر اإليجابي محدو ًا في حياتهم، فلربما جاه َ بعضهم بذنوبه، واستعلن بأخطائه، وعاقر شي ًا‬
                                                          ‫م‬                ‫ز‬
                                                     ‫من الكبائر. وهنا تبر ُ عالمات استفهام ُحيرة.‬
                            ‫ءو م َ‬                   ‫ه ع‬           ‫ِن الص‬                              ‫ُ‬
  ‫ترَى ألم يقل الباري جل جالله: إ َّ َّالةَ تَنْ َى َنْ الْفَحْشَا ِ َالْ ُنْكرِ [العنكبوت:14]؟! فما بال‬
                   ‫ق‬
        ‫هؤالء لم تنههم صالتهم عن الفحشاء والمنكر؟! ما بالهم على سبيل المثال يع ّون والديهم،‬
                      ‫ش‬
  ‫ويقطعون أرحامهم، ويظلمون أزواجهم، ويسيئون الجوار؟! ما بالهم يغ ّون في بيعهم وشرائهم،‬
    ‫ويكتمون عيوب السلعة، ويخفون زيفها ونقصها؟! ما بالهم يثلبون أعراض الناس، ويمارسون‬
 ‫الغيبة والنميمة والكذب؟! ما بال هؤالء جميعًا لم تنههم صالتهم عن الفحشاء والمنكر؟! أليس اهلل‬
             ‫ت‬                                     ‫ءو م َ‬                   ‫ه ع‬           ‫ِن الص‬
         ‫يقول: إ َّ َّالةَ تَنْ َى َنْ الْفَحْشَا ِ َالْ ُنْكرِ [العنكبوت:14]؟! أين مكمن الخلل يا ُرى؟!‬
‫والجواب أيها المسلمون: إن الصالة التي قصدها اهلل وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ليست‬
                                          ‫ر‬
        ‫هي الصالة التي يصليها هؤالء المذنبون المص ّون على منكراتهم وفواحشهم ومعاصيهم.‬
                                         ‫ر‬
   ‫الصالة التي أرادها ربنا ليست هي التي يصليها كثي ٌ من الناس اليوم، والتي ال تعدو أن تكون‬
  ‫مجرد حركات وتنقالت وتمتمات، ال روحَ فيها وال حياة وال طمأنينة وال خشوع وال سكينة وال‬
   ‫ُ‬                 ‫ُ‬               ‫ُ‬               ‫ُ‬               ‫ن‬
‫خضوع، فالذه ُ في شرود، والقلب في غفلة، والنفس في حيرة، والبصر في جولة، والجوارح في‬
   ‫ُ د‬                                                                ‫ُ د‬
 ‫عبث، يقف أح ُنا في صالته ال يدري كيف وقف، ولماذا وقف، وبين يدي من يقف، يدخل أح ُنا‬
            ‫ء‬          ‫ي ُّ‬
‫صالته فيتذكر كل شيءٍ إال الصالة، ويعي كل شيءٍ إال الصالة، و ُفكر في كل شي ٍ إال الصالة،‬
                ‫ن‬                         ‫ري‬                ‫ة‬     ‫ة‬
   ‫فقل لي بربك: ما قيم ُ صال ٍ كهذه؟! وأي أث ٍ ُرجى من ورائها؟! وكيف يمك ُ أن تنهى صالة‬
                      ‫كهذه عن الفحشاء والمنكر واإلثم والبغي والعدوان؟! أجيبوا أيها المصلون.‬
    ‫ر‬
   ‫أيها المسلمون، إن الصالة التي أرادها اهلل وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر تختلف كثي ًا‬
             ‫ة‬       ‫ة‬        ‫ة‬        ‫ة‬                                                  ‫ر‬
‫وكثي ًا عن صالتنا هذه، الصالة التي أرادها اهلل هي الصال ُ الخاشع ُ الخاضع ُ التام ُ الكاملة التي‬
                  ‫م‬                  ‫ل‬                    ‫ب‬
     ‫يقدرها المصلي حق قدرها، ويحس ُ لها ألف حساب، ويحم ُ لها في قلبهِ أعظ َ مكانة، ويبدأ‬
                                                     ‫ل‬
      ‫استعداده لها واهتمامه بها من حين دخو ِ وقتها وشروعهِ في التطهرِ لها. إنها الصالة التي‬
                              ‫ف‬              ‫ه‬                                ‫ُ‬
    ‫يستجمع فيها المصلي قلبه وقالبه وإحساس ُ وشعوره، ويعر ُ بين يدي من يقف، ومن يناجي‬
     ‫ج‬
    ‫ويخاطب، ولمن يركع ويسجد. إن الصالة التي أرادها اهلل هي صالة محمد وأصحابه األما ِد‬
                                                              ‫ر‬
‫وأتباعهِ األفاضل، ففي األث ِ عن عائشة رضي اهلل عنها: كان يباسطنا ويمازحنا ويحدثنا، حتى إذا‬
                                       ‫د‬                              ‫ه‬
 ‫حانت الصالة فكأن ُ لم يعرفنا ولم نعرفه، وليس أح ٌ أعرفَ باهلل من رسوله ونبيه، وقال مطرف‬
                  ‫ل‬             ‫ز‬
  ‫بن عبد اهلل عن أبيه: رأيت رسول اهلل يصلي وفي صدره أزي ٌ كأزيز المرج ِ من البكاء. رواه‬
‫أبو داود والنسائي وغيرهما وقال ابن حجر: "إسناده قوي". وكان أبو بكر إذا قام إلى صالته كأنه‬
                                                                                    ‫د‬
  ‫وت ٌ من الخشوع، وكان إذا جهر فيها بالقراءة خنقته عبرته من البكاء. وأما عمر ـ وما أدراك‬
                                                            ‫ه‬      ‫ي م م‬
  ‫من عمر ـ لم يكد ُس ِع َن خلف ُ من الشهيق والبكاء، فعند البخاري عن عبد اهلل بن شدادٍ قال:‬
                 ‫ُ ن إل الل‬       ‫ِنم ك َث‬
    ‫سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: إ َّ َا أَشْ ُو ب ِّي وَحزْ ِي َِى َّهِ [يوسف:67]،‬
                                        ‫ئ‬                ‫ب‬
‫وكان علي إذا حانت الصالة يضطر ُ ويتغير، فإذا س ُل عن ذلك: ما بالك يا إمام؟! قال: (لقد آن‬
                                               ‫ض‬                          ‫ض‬
‫أوان أمانةٍ عر َها اهلل على السموات واألر ِ والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملتها‬
                                         ‫ض ي‬
‫أنا)، وكان علي بن الحسن العابد الزاهد إذا تو ّأ تغ ّر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: "أتدرون بين‬
  ‫يدي من ُري ُ أن أقف؟!"، وكان عطاء بن أبي رباح إذا أراد أن يقوم إلى صالته فيقرأ مائة آي ٍ‬
  ‫ة‬                                                                           ‫أ د‬
                                                           ‫ل ه ء‬
                                                 ‫من سورة البقرة ال يزو ُ من ُ شي ٌ أو يتحرك.‬
          ‫ن‬      ‫ه‬                                                         ‫ة‬
   ‫هكذا كانت صال ُ القوم، فهل تشبهها صالتنا اليوم؟! يأتي أحدنا المسجد وقلب ُ مشحو ٌ بمشاكل‬
                                                                   ‫ر‬
  ‫الدنيا وهمومها وزخ ُفها وبهرجها وفتنتها وزينتها، فيصطف خلف اإلمام، فال يدري ماذا يقول‬
            ‫ج‬
   ‫هو أو ماذا يقول اإلمام، فال يشعر إال وقد انقضت الصالة وانتهت المناجاة، فيخر ُ كما دخل،‬
                                                 ‫ب‬                ‫س‬                 ‫ل‬
                                            ‫ويدخ ُ كما خرج، فال نف ٌ اطمأنت، وال قل ٌ خشع.‬
                         ‫ة‬            ‫ة ة‬
    ‫أيها المسلمون، إن قضيةَ الخشوع في الصالة قضي ٌ بالغ ُ األثر عظيم ُ الشأن، فحين ذكر اهلل‬
     ‫َ َل‬
   ‫أوصاف المؤمنين كان الخاشعون على رأس القائمةِ ومقدمة الصفوف، واقرأ إن شئتَ: قدْ أفَْحَ‬
                                                      ‫م من َّذ ن ُ ْ ف ص ت ِ شع‬
      ‫الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِي َ هم ِي َال ِهمْ خَا ِ ُونَ [المؤمنون:5، 7]، أما الحديث الصحيح الذي رواه‬
     ‫ع‬                                                 ‫ج‬             ‫ر‬
   ‫الحاكم ففيه ما يح ّك النفوس ويؤ ّج الحماس إلى طلبِ الخشوع بأي ثمن، فعن عقبةَ مرفو ًا:‬
                                                                ‫م ض ي‬
 ‫((ما من مسل ٍ يتو ّأ ف ُسبغ الوضوء ثم يقوم في صالته فيعي ما يقول ـ أي: يعي ويتدبر ـ إال‬
                          ‫ل‬                                              ‫أ‬       ‫م‬
‫انفتل كيو ِ ولدته ُمه)) أي: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وذلك فض ُ اهلل يؤتيه من يشاء، واهلل‬
                                                                                ‫ذو الفضلِ العظيم.‬
    ‫ولقد شدد أسالفنا في اإلنكار على أولئك النقارين الذين ينقرون صالتهم، ويعبثون بجوارحهم،‬
 ‫ويجرحون فريضتهم، فقد أنكر حذيفة على رجلٍ ال يخشع في صالته وال يتم ركوعها وسجودها،‬
                                              ‫ت‬
 ‫فقال: (يا هذا، لو مت على هذه الصالة لم ّ على غير الفطرة) رواه البخاري، وكان عمر يقول:‬
   ‫(إن الرجل ليشيب عارضاه في اإلسالم وما أتم هلل صالة)، قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟!‬
      ‫ب‬                    ‫ب‬
‫قال: (ال يتم خشوعها وخضوعها)، وأما نبينا عليه الصالة السالم فحس ُك قوله : ((إنما يكت ُ للعبد‬
                                                                       ‫من الصالة ما عقل منها)).‬
                                      ‫ف‬
 ‫أيها المسلمون، لقد تحدثنا فيما مضى عن ثالثة أصنا ٍ من الناس: أما الصنف األول: فهم تاركو‬
    ‫الصالة، وأما الصنف الثاني: فهم المؤخرون لها عن وقتها، وأما الصنف الثالث: فهم الذين ال‬
            ‫ف‬
  ‫يشهدون الجماعة، وذكرنا اليوم الذين ال يخشعون في صالتهم، فتم لنا أربعة أصنا ٍ من الناس،‬
 ‫شه‬                                            ‫ب‬        ‫ح‬       ‫شبه بث‬
 ‫ولكل منهم ُ َ ٌ يتشّ ُ بها و ُجج يتعص ُ لها؛ لينصر وجهته ويؤيد طريقته، ونحن نعرض ُب َ‬
                                                        ‫كل فريق، ونبين الحق إن شاء اهلل تعالى.‬
      ‫فأما التاركون للصالة فقد زين لهم الشيطان أعمالهم، وصدهم عن السبيل، وقذف في قلوبهم‬
                                       ‫ر‬                       ‫و‬
     ‫الشبهة تلو الشبهة حتى ص ّر لهم الصالة بأنها مظه ٌ من مظاهر التخلف والرجعية والبالهة‬
             ‫ة‬
   ‫والسذاجة، ونسي هؤالء المساكين ـ ولألسف الشديد ـ أن أكثر دول العالم حضار ً ومدنية قد‬
                                                        ‫ُ‬
  ‫أخذت تنتشر فيها المساجد، وترتفع فيها المآذن كل يوم، حتى بلغت آالف المساجد والجوامع في‬
‫أوربا وأمريكا وغيرها، بل وحتى المطارات الدولية بدأت تفتتح فيها المساجد بشكل رسمي وتحت‬
   ‫رعاية الدولة، وال توجد عاصمة من عواصم أوروبا شرقيها وغربيها إال والمساجد قد ارتفعت‬
                                              ‫ال‬                         ‫ُرع‬
‫مآذنها وش ِّ َت أبوابها وأخذت تشهد إقبا ً يفوق الوصف من األوربيين وغيرهم، وحسبك أن تعلم‬
  ‫كبر‬
  ‫ـ أخي الكريم ـ أن جامع مدينة لندن على سبيل المثال تقام فيه صالة العيد عدة مرات مع ِ َ ِ‬
       ‫ء‬                                                                      ‫د‬
 ‫مساحته وتعد ِ طوابقه؛ لكثرة الزحام وشدة اإلقبال، فأي شيءٍ يعني هذا الكالم؟! وأي شي ٍ يعنيه‬
                ‫ال‬
             ‫إقبال تلك الدول المتحضرة على الصالة؟! فلماذا السباحة عكس التيار؟! أال قلي ً من‬
                                        ‫الموضوعية؟! أال قليالً من اإلنصاف؟! أصلح اهلل قلوبكم.‬
  ‫ومن حججهم الغريبة في ترك الصالة أن يحتج أحدهم بأنه ما يزال شابًا والفرصة متاحة واأليام‬
   ‫قادمة، يجيبك بهذا المنطق األعوج بلسان حاله أو بلسان مقاله، فالصالة في نظره شأن العجائز‬
‫والشيوخ، فيا حسرةً على العباد! فقد نسي هؤالء المغترون بشبابهم أن الموت ال يعرف االستئذان،‬
                                           ‫ر‬
   ‫وال يفرق بين صغير وال كبير، وال يترك بيت وب ٍ وال مدرٍ إال دخله بعز عزيز أو بذل ذليل،‬
 ‫ولو سألنا كل واحدٍ منا عن الشباب الذين يعرفهم ممن اختطفهم الموت وحل بساحتهم األجل لنبأنا‬
               ‫د‬       ‫غرن‬                                   ‫ص‬                   ‫أ‬
 ‫من ذلك نبً ولقص علينا منه قص ًا، فاتقوا اهلل أيها الشباب، وال ي ُ َّكم سوا ُ شعوركم ونضارة‬
                                                     ‫ن ص‬                ‫ت‬
                             ‫وجوهكم، فإن أجل اهلل آ ٍ طال الزما ُ أم ق ُر، والسعيد من وعظ بغيره.‬
                                           ‫و‬        ‫ف‬             ‫ب‬
      ‫أيها المسلمون، وقري ٌ من هؤالء صن ٌ آخر يس ّفون الصالة، ويماطلون في التوبة، ويقول‬
                                        ‫م‬                            ‫ء‬
‫قائلهم: سأصلي ابتدا ً من الجمعة القادمة؛ ألنه يو ٌ فضيل، أو مع بداية رمضان؛ ألنه شهر الخير‬
                                              ‫ة‬
        ‫والبركة، أو مع مطلع السنة الجديدة؛ ألفتح صفح ً بيضاء، ونحو تلك المواعيد العجيبة، ويا‬
     ‫سبحان اهلل! ألهذا الحد تالعب بك الشيطان أيها اإلنسان؟! ألهذا الحد بلغ بك طول األمل؟! من‬
                                                                  ‫ش‬           ‫ن‬
    ‫أعطاك ضما ًا أنك ستعي ُ إلى الجمعة القادمة أو إلى رمضان أو إلى العام الجديد؟! وهل هذه‬
 ‫عبارة عقالء أو منطق فطناء؟! ألم تسمع إلى قول موالك وهو يحذرك أمثال تلك األوهام ويعلنها‬
              ‫س َي َ ْض م ت‬                   ‫سب َد و َ‬                ‫و َ ْر س م‬
 ‫صريحة مدوية: َمَا تد ِي نَفْ ٌ َاذَا تَكْ ِ ُ غ ًا َمَا تدْرِي نَفْ ٌ بِأ ِّ أر ٍ تَ ُو ُ [لقمان:43]؟!‬
                               ‫ل‬
      ‫ومن شبه هؤالء أن يقول قائلهم: إن لدي بعض المعاصي، وفع ُ الصالة لن ينفعني، أو كيف‬
                      ‫ي ح‬                        ‫ب‬                       ‫س‬
 ‫أصلي وأنا متلب ٌ ببعض الكبائر؟! والجوا ُ: يا هذا، إن الخطأ ال ُصل ُ بخطأ مثله، فليس هناك‬
         ‫ب‬                                                                        ‫م‬
 ‫معصو ٌ عن الخطأ إال من عصمه اهلل من النبيين والمرسلين، وإال فكل الناس لهم ذنو ٌ وخطايا،‬
                                       ‫د‬
    ‫ولو كان ال يصلي إال من سلم من الذنوب لما صلى أح ٌ سوى األنبياء، فعل الصالة والمداومة‬
                                ‫ق‬
        ‫عليها هي الطريقة المثلى للتقلل من الذنوب وحصرها في أضي ِ نطاق، وهي السبيل األقوم‬
     ‫لتخفيف السيئات وأثرها المشؤوم، بل والقضاء عليها تمامًا مع التوبة واالستغفار، قال اهلل جل‬
                       ‫َّي‬        ‫يه‬         ‫َ َف الن ر َز ف م الل ْ ِن حس‬                     ‫وَ ِ الص‬
‫جالله: َأقمْ َّالةَ طر ِي َّهَا ِ و ُلَ ًا ِنْ َّيلِ إ َّ الْ َ َنَاتِ ُذْ ِبْنَ الس ِّئَاتِ [هود:405]، وقال :‬
    ‫ُ‬                                                   ‫ِم‬
  ‫((وأتبع السيئة الحسنة تمحها))، ثم ل َ كل هذا اليأس من رحمة اهلل وهو يناديك وإياي فيقول: قلْ‬
   ‫يَا ِ َادِي ال ِينَ أَسر ُوا َلَى أَنْ ُ ِهمْ ال تَقْنَ ُوا ِنْ رَحْ َةِ َّهِ إ َّ َّهَ َغْ ِ ُ ُّ ُوبَ َ ِيعًا إ َّ ُ ُ َ‬
   ‫م الل ِن الل ي فر الذن جم ِنه هو‬                             ‫ط م‬               ‫فس ِ‬         ‫ْ َف ع‬        ‫َّذ‬      ‫عب‬
                                                                                  ‫ف ر الرح‬
   ‫الْغَ ُو ُ َّ ِيم [الزمر:31]؟! فتب إلى اهلل يسامحك اهلل، وبادر إلى الصالة يوفقك اهلل، واعلم أن‬
                        ‫كل هذه الحجج من كيد الشيطان ووسوسته، فاستعذ باهلل، إنه هو السميع العليم.‬
                                  ‫ر‬                         ‫خ‬
‫أيها المسلمون، وأما الذين يؤ ّرون الصالة عن وقتها فأكث ُ ما يدفعهم إلى ذلك هو الكسل والهوى‬
                              ‫ج‬                        ‫ة‬         ‫م‬
 ‫واالستخفاف بشأنها وعد ُ المباال ِ بأمرها، وهم مع ذلك يتح ّجون بحجج داحضه وأعذارٍ واهية،‬
  ‫فقد يحتجون بالنوم أحيانًا وخصوصًا المتأخرون عن صالة الفجر، ويرددون حديث: ((رفِع القل ُ‬
  ‫م‬         ‫ُ‬
      ‫عن ثالثة))، وذكر منهم: ((والنائم حتى يستيقظ))، والنوم ـ أيها المسلمون ـ ليس بعذر إال‬
                                                                         ‫ي‬
   ‫لرجلٍ بذل األسباب وه ّأ السبل كي يقوم للصالة فغلبته عيناه يومًا من الدهر، أما أن يعتاد النوم‬
                           ‫ر‬       ‫ر‬                     ‫ر‬
    ‫عن الصالة كل يوم ويظن نفسه معذو ًا فهو يعيش وهمًا كبي ًا وكبي ًا ويخادع نفسه، فاهلل جل‬
                                                                     ‫د‬             ‫ل‬
‫جالله أج ّ وأعظم أن يخ َع من أمثال هذا. فاتقوا اهلل أيها النائمون، ودعوا عنكم أحالمكم الفارغة‬
                                       ‫ه م‬
                                 ‫وأمانيكم الباطلة، فإن اهلل يمهل وال يهمل، وإذا أخذ فإن أخذ ُ ألي ٌ شديد.‬
‫ومن أعذارهم في تأخير الصالة اعتذارهم بالوعكة والمرض، فما إن يقع أحدهم مريضًا إال ويمنح‬
             ‫م‬          ‫أ‬                                ‫ة‬                  ‫ي‬            ‫ه‬
       ‫نفس ُ إعفاءً ذات ًا من الصالة وإجاز ً مفتوحةً إلى حين الشفاء، وهذا خطٌ كبير وجر ٌ خطير،‬
           ‫ب‬          ‫ر ر‬             ‫ل ل‬                       ‫ض‬              ‫م‬     ‫م‬
 ‫فحرا ٌ حرا ٌ أن يدع المري ُ صالته مادام له عق ٌ يعق ُ به وشعو ٌ يشع ُ به، وواج ٌ عليه أداء‬
 ‫الصالة لوقتها حسب استطاعته وقدرته، وال يكلف اهلل نفسًا إال وسعها، وفي الحديث الصحيح قال‬
                                                 ‫د‬
                      ‫لعمران: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاع ًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)).‬
                      ‫ص‬
‫أيها المسلمون، ومن أعذارهم في تأخير الصالة االعتذار بالسفر، خصو ًا عندما يركبون الطائرة‬
                                                   ‫م‬
        ‫في رحالتٍ طويلة، فيندر أن ترى من يقو ُ إلى الصالة، وما منعهم من ذلك إال الحياء أو‬
   ‫الالمباالة، وغاب عن هؤالء المصلين حتمية أداء الصالة لوقتها، سواءً ركبوا البحر أم صعدوا‬
                                                                        ‫ش‬
    ‫الفضاء، ولئن ُرع الجمع بين الصالتين في وقتِ إحداهما فذلك من فضل اهلل، ولكن الكارثة‬
                             ‫والمصيبة في تفويت كال الوقتين، وتلك ـ واهلل ـ قاصمة الظهر.‬
                            ‫ت ن‬                        ‫ح‬
   ‫وأما المفرطون في الجماعة فلهم ُججهم أيضًا، ولكنها ال ُسم ُ وال تغني من جوع، فمن ذلك‬
             ‫ر‬               ‫ر‬
      ‫احتجاجهم باإلنهاك والتعب، خصوصًا حين يأتون من أعمالهم ظه ًا أو قبيل العص ِ بقليل،‬
           ‫ب‬          ‫ت‬                ‫أ‬                       ‫ة‬
‫فيدخلون بيوتهم دون مباال ٍ بصالة الجماعة التي قد ُقيمت أو كادت أن ُقام، وعجي ٌ حال هؤالء،‬
       ‫ر‬
 ‫ال مانع لديهم من مكابدة العمل طيلة ساعات النهار، ثم تأتي الصالة بدقائقها الخمس تخو ُ قواهم‬
                                                                                  ‫ر‬
                             ‫وتنها ُ عزائمهم، فأين العدل يا مسلمون؟! سبحانك ربي ما أحلمك.‬
            ‫د‬
  ‫ومن أعذارهم في ترك الجماعة االحتجاج بحديث: ((صالة الرجلِ في جماعة تزي ُ على صالته‬
                                                                  ‫س‬
 ‫في بيته وسوقه خم ًا وعشرين درجة))، فيقولون: المسألة مسألة أفضلية، وليست مسألة وجوب،‬
       ‫ونسي هؤالء الواهمون أن ذكر األفضلية ال يعني سقوط الجماعة، فضالً عن كونِ الحديث‬
                                                     ‫ر‬
‫محموالً على من تخلف عن الجماعة لعذ ٍ؛ كأن ينام عن الصالة بال تفريطٍ أيضًا، قال : ((من نام‬
  ‫عن صالة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ال كفارة لها إال ذلك))، أو كان في طريقه إلى الجماعة‬
   ‫فوجدهم خارجين فعاد فصالها في بيتهِ أو سوقه، ثم أين هؤالء من عشرات األدلة التي توجب‬
      ‫ل‬                  ‫ث‬
      ‫الجماعة وتؤكد حتميتها فيضربون بها عرض الحائط، ويتشبثون بحدي ٍ كهذا له ألف تأوي ٍ‬
                                                                                    ‫وتأويل؟!‬
       ‫ومن أعذارهم في ترك الجماعة اعتذارهم بمشاغل البيت ومطالبِ الوالدين وحاجات األهلِ‬
  ‫واألسرة، وربما ردد بعضهم قوله : ((خيركم خيركم ألهله، وأنا خيركم ألهلي))، والجواب: إن‬
                                  ‫ف‬
    ‫القيام بحاجات البيت وحقوق الوالدين من أعظم المعرو ِ وأفضلِ البر، لكن ليس على حساب‬
‫صالة الجماعة، فعند البخاري من حديث األسود قال: سألت عائشة رضي اهلل عنها: ما كان النبي‬
‫يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله ـ يعني في خدمتهم ـ فإذا حضرت الصالة خرج‬
         ‫إلى الصالة. فحاجات البيت ـ أيها المسلمون ـ لها وقتها وفريضة اهلل لها وقتها أيضًا.‬
   ‫ر‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما في كتابه وسنة نبيه من اآليات والذك ِ‬
                                                                                ‫ل‬
                                    ‫الحكيم، أقو ُ ما تسمعون، وأستغفرِ اهلل لي ولكم فاستغفروه.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                      ‫ر‬                         ‫ر‬            ‫ِض‬
              ‫الحمد هلل، يعطي ويمنع، ويخف ُ ويرفع، ويض ُ وينفع، أال إلى اهلل تصي ُ األمور.‬
       ‫ب‬             ‫د ن‬          ‫ل‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، فهذه نصائح عاجلة ومواعظ سريعة، عّها تج ُ آذا ًا صاغية وقلو ًا واعية‬
                                                                            ‫لمن يهمه األمر:‬
  ‫النصيحة األولى: لآلباء األفاضل، اهتموا ـ بارك اهلل فيكم ـ بأوالدكم، ومروهم بالصالة، وال‬
       ‫ن‬                 ‫ل‬
       ‫تيأسوا من روح اهلل، ثم يجب أن نتجاوز ـ يرحمكم اهلل ـ مرحلة: "صّوا يا أوالد" ونح ُ‬
       ‫سائرون إلى المسجد، إلى مرحلة الدعوة واإلقناع وجهًا لوجه، وإلى مرحلة الحوار الهادئ‬
                                          ‫ر‬
                                    ‫والنقاش الموضوعي الجاد، فإن نفَعَ ذلك وإال فهج ٌ جميل.‬
‫النصيحة الثانية: إلى العبي الكرة في الحارات، اعلموا ـ وفقكم اهلل ـ أن ممارسة الرياضة أمر‬
                                                                      ‫ي‬
    ‫ال بأس به ما دام خال ًا من المحاذير الشرعية، لكن استمرار اللعب إلى أذان المغرب تمامًا قد‬
                                                ‫ر‬
 ‫يحرمكم من إدراكِ الجماعة في المسجد؛ نظ ًا لحاجتكم أحيانًا لتغيير مالبسكم وتجديد وضوئكم،‬
                                                        ‫ت‬
                          ‫فيا حبذا لو توقفتم قبيل األذان بوق ٍ كافٍ لتدركوا الجماعة مطمئنين.‬
             ‫ر‬
    ‫النصيحة الثالثة: لمن يهمه األمر، اعلم ـ بارك اهلل فيك ـ أن تارك الصالة كاف ٌ مرتد يجب‬
       ‫ي‬           ‫ي ل‬      ‫يكف‬     ‫يغس‬
 ‫استتابته وإال قتل، فال يتزوج بمسلمة، وإذا مات ال َّل وال َّن وال ُصّى عليه وال ُدفن مع‬
              ‫ه‬                       ‫ث‬               ‫ل‬                      ‫ي‬
  ‫المسلمين وال ُدعى له بالرحمة وال تح ّ ذبيحته وال ير ُ وال يورث وال واليةً ل ُ على أحدٍ من‬
                                                     ‫بناته وال حضانة له على أحدٍ من أوالده.‬
  ‫النصيحة الرابعة: لمن يهمه األمر أيضًا، اعلم ـ بارك اهلل فيك ـ أن للصالة شرو ًا ال يجو ُ‬
  ‫ز‬         ‫ط‬
                       ‫ل‬                                                           ‫ل‬
  ‫اإلخال ُ بها، وبناءً عليه فإن لبسَ الثوب الشفاف المظهر للفخذين مبط ٌ للصالة، والصالة لغير‬
                             ‫ل‬                                  ‫ل‬
‫القبلة مع عدم التحري مبط ٌ لها أيضًا، والصالة قبل الوقت مبط ٌ لها كذلك، وعدم إتمام الطهارة‬
                                                                          ‫ض‬            ‫ل‬
                                                                        ‫مبط ٌ للصالةِ أي ًا.‬
                                          ‫ب‬
  ‫النصيحة الخامسة: إلى المرأة المسلمة، والتي يج ُ عليها أداء الصالة في وقتها حتى ولو كانت‬
                  ‫ر‬
    ‫في السوق، وتأخيرها للصالة عن وقتها المشروع بدعوى أدائها في البيت أم ٌ بالغ الخطورة،‬
                        ‫فلتنتبه ولينتبه قبلها ولي أمرها لكي ينبهها على ذلك كلما نزلت للسوق.‬
  ‫النصيحة السادسة: إلى الذين يشتكون من عدم الخشوع، اعلموا أن خير وسيلةٍ لتحقيق الخشوع‬
    ‫هو في تصويب البصر إلى موضع السجود، واستحضار الموقف بين يدي المولى جل جالله،‬
                                ‫وسؤاله العون والسداد، واالستعاذة من شر الشيطان ووسوسته.‬
       ‫ي‬                          ‫د‬
      ‫النصيحة السابعة: لمن يهمه األمر، ال نريد منك ـ أيها المس ّد ـ أن تكون انفعاالتك وقت ّة‬
                                                                   ‫ي‬
‫واستجابتك سطح ّة، سريعة الحضور سريعة االنصراف، ولكن نريد قناعات راسخة وعزائم أكيدة‬
   ‫ً‬                                                                 ‫ر‬        ‫ح‬
‫وتوبةً نصو ًا وإصرا ًا على االستقامة والثبات، نريد أن تتبوأ الصالة مكانة في قلبك ومنزلة في‬
                                        ‫ف‬                   ‫ب‬                ‫ق‬
                      ‫أعما ِ ضميرك، فال تغي ُ عن بالك، وال تتخل ُ عن إحساسك وشعورك.‬
                                                            ‫ب‬                       ‫ر‬
‫وأخي ًا ـ أيها المسلمون ـ يج ُ علينا أن نتعاون في إحياء هذه الشعيرة العظيمة وأمر الناس بها‬
 ‫وحثهم عليها، وأن ننتقل بهم سريعًا من مرحلة: "أرحنا منها" إلى مرحلة: ((أرحنا بها يا بالل))،‬
         ‫د‬          ‫د‬
       ‫وأن تكون الصالة هي قرة العين وسكون النفس وطمأنينة القلب، يومها سيعو ُ لألمة مج ُها‬
                                                  ‫ه ً‬       ‫ل‬                ‫ف‬         ‫وعز‬
              ‫ُّها، وسيق ُ ملك الروم يسائ ُ جيش ُ مرة أخرى: ويلكم، ويلكم، مالكم تنهزمون؟!‬
                                                         ‫م‬                      ‫ة‬
                         ‫اللهم إنا نسألك رحم ً تهدي بها قلوبنا، وتل ّ بها شعثنا، وتذهب بها الفتن عنا.‬
                                      ‫اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا...‬

‫(5/4154)‬




                                                                                                         ‫طوفان آسيا‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                      ‫آثار الذنوب والمعاصي, جرائم وحوادث‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                                 ‫الخبر‬
                                                                                                                 ‫النور‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- نعم اهلل على عباده. 7- شكر النعم. 3- الحكم من الحوادث والكوارث. 4- ما حصل من‬
‫جراء تحرك البحر في المحيط بسبب زلزال فيه. 1- رد على من يزعم بأن هذه الزالزل ظواهر‬
 ‫طبيعية لها أسباب معروفة ال عالقة بها بأفعال الناس ومعاصيهم. 6- حال مجتمعاتنا اليوم. 2-‬
                                                                                           ‫وفقات مع طوفان آسيا.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
        ‫أما بعد: أيها المسلمون، أسأل اهلل جل وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ بالد‬
‫المسلمين من الزالزل والطوفان والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما أسأله عز وجل‬
                                                               ‫أن يجعل ما نرى وما نسمع عبره لنا ولغيرنا.‬
‫عباد اهلل، إن هذه األرض التي نعيش عليها من نعم اهلل علينا، فإن اهلل سبحانه وتعالى قد مكننا من‬
     ‫هذه األرض، نعيش على ظهرها، وندفن موتانا في باطنها، كما قال تعالى: أَلمْ نَجْ َلْ األر َ‬
     ‫َ ع َ ْض‬
   ‫ُ وف نع دك وم ن ْرج ُ‬                             ‫مه‬                                       ‫يء و و‬
 ‫كِفَاتًا أَحْ َا ً َأَمْ َاتًا [المرسالت:17، 67]، وقال تعالى: ِنْ َا خَلَقْنَاكمْ َ ِيهَا ُ ِي ُ ُمْ َ ِنْهَا ُخ ِ ُكمْ‬
                                                                                                                   ‫ت أ‬
                                                                                                     ‫َارَةً ُخْرَى [طه:11].‬
       ‫ومن رحمته جل وعز أن أودع في هذه األرض كل ما يحتاجه الناس، فبارك فيها وقدر فيها‬
 ‫أقواتها، ثم جعلها سبحانه وتعالى ثابتة مستقرة ال تتحرك وأرساها بالجبال، حتى نتمكن من البناء‬
 ‫عليها والعيش على ظهرها، ومع كل هذا فهذه األرض قد تتحرك وتمتد ويحصل بسببها الزالزل‬
‫المدمرة؛ تخويفًا للعباد وتأديبًا للبعض اآلخر. والبحر كذلك، هذا البحر الهادئ الجميل قد يأمره اهلل‬
 ‫جل وتعالى فيتحرك ويهيج، ف ُغرق و ُد ّر، َ َا َعْل ُ ُ ُود ر ِّكَ إ َّ ُ َ َ َا ِيَ إ َّ ِكرَى ِلْ َ َ ِ‬
 ‫ي م وم ي َم جن َ َب ِال هو وم ه ِال ذ ْ ل بشر‬                               ‫ي‬
                                                                                                                 ‫[المدثر:53].‬
    ‫إننا ـ معاشر األحبة ـ في نعمة من اهلل تامة، أمن في أوطاننا، وصحة في أبداننا، ووفرة في‬
          ‫أموالنا، وبصيرة في ديننا، فماذا أدينا من شكر اهلل الواجب علينا؟! فإن اهلل وعد من شكره‬
    ‫َ ت َز َن ُ و ئ َ ت‬                      ‫وِ َذن َب ُ ئ‬
  ‫بالمزيد، وتوعد من كفر بنعمته بالعذاب الشديد: َإذْ تَأ َّ َ ر ُّكمْ لَ ِنْ شَكرْ ُمْ أل ِيد َّكمْ َلَ ِنْ كَفرْ ُمْ‬
                                                                                                         ‫ِن َ ب َد د‬
                                                                                            ‫إ َّ عذَا ِي لَش ِي ٌ [إبراهيم:2].‬
                                                                    ‫ي‬
 ‫إن اهلل سبحانه وتعالى ُري عباده من آياته ليعتبروا ويتوبوا، فالسعيد من تنبه وتاب، والشقي من‬
 ‫غفل واستمر على المعاصي ولم ينتفع باآليات. كم نسمع من الحوادث ونشاهد من العبر، حروب‬
       ‫ء‬       ‫ال م‬
      ‫في البالد المجاورة أتلفت أممًا كثيرة، وشردت البقية عن ديارهم، يتمت أطفا ً ور ّلت نسا ً،‬
      ‫وأفقرت أغنياء وأذلت أعزاء، وال تزال تتوقد نارها ويتطاير شرارها على من حولهم، وغير‬
 ‫الحروب، هناك كوارث ينزلها اهلل بالناس، كالعواصف واألعاصير التي تجتاح األقاليم والمراكب‬
         ‫في البحار، والفيضانات التي تغرق القرى والزروع، وهناك حوادث السير في البر والبحر‬
    ‫والجو، والتي ينجم عنها موت الجماعات من الناس في لحظة واحدة، وهناك األمراض الفتاكة‬
   ‫المستعصية التي تهدد البشر، وهناك الزالزل، كل ذلك يخوف اهلل به عباده، ويريهم بعض قوته‬
   ‫وقدرته عليهم، ويعرفهم بضعفهم، ويذكرهم بذنوبهم، فهل اعتبرنا؟! هل تذكرنا؟! هل غيرنا من‬
       ‫أحوالنا؟! هل تاب المتكاسل عن الصالة فحافظ على الجمع والجماعات؟! وهل تاب المرابي‬
                 ‫والمرتشي والذي يغش في المعامالت؟! هل أصلحنا أنفسنا وطهرنا بيوتا من المفاسد‬
      ‫والفضائيات؟! إن كل شيء من هذه األحوال لم يتغير إال ما شاء اهلل، بل إن الشر يزيد، وإننا‬
              ‫َد ب ل ِ‬
      ‫نخشى من العقوبة المهلكة، وال حول وال قوة إال باهلل، فإن اهلل تعالى يقول: ك َأْ ِ آ ِ فرْعَوْنَ‬
     ‫ك بَن الل َ‬                    ‫و َّذ م ل ِ ر ي الل ِ َ ُ الله ِذن ب ِ ِن َّ َ ِي َد د‬
   ‫َال ِينَ ِنْ قَبِْهمْ كَفَ ُوا بِآ َاتِ َّه فَأَخذَهمْ َّ ُ ب ُ ُو ِهمْ إ َّ الله قَو ٌّ ش ِي ُ الْعِقَابِ ذَلِ َ ِأ َّ َّهَ لمْ‬
                     ‫أ فس ِ وَن الل سم ع عل م‬                  ‫ْ َت ي َير‬             ‫ك م ِّر ن م عمه ع‬
   ‫يَ ُ ُغَي ًا ِعْ َةً أَنْ َ َ َا َلَى قَومٍ ح َّى ُغ ِّ ُوا مَا بَِن ُ ِهمْ َأ َّ َّهَ َ ِي ٌ َِي ٌ [األنفال:71، 31].‬
       ‫إن اهلل سبحانه توعد الذين ال يتعظون بالمصائب وال تؤثر فيهم النوازل فيتوبون من ذنوبهم،‬
 ‫و َ َ س إل‬
‫توعدهم بأن يستدرجهم بالنعم ثم يأخذهم على غرة ويقطع دابرهم، كما قال تعالى: َلَقدْ أرْ َلْنَا َِى‬
     ‫َرع ولك‬            ‫ِ ج ُ س‬                     ‫َ َ ُ ب س ء و َّر َل ُ ي َرع َ‬                                         ‫أَ م‬
   ‫ُممٍ ِنْ قَبْلِك فَأَخذْنَاهمْ بِالْ َأْ َا ِ َالض َّاءِ لَعَّهمْ َتَض َّ ُون فَلَوْال إذْ َاءَهمْ بَأْ ُنَا تَض َّ ُوا ََ ِنْ‬
    ‫قَ َت ُُو ُ ُمْ َز َّنَ لَهمْ َّيْطَا ُ مَا كَا ُوا َعْ َُون فَل َّا نَ ُوا مَا ُك ُوا ِه فَتَحْنَا َلَيْ ِمْ أَبْ َا َ ك ِّ‬
    ‫ع ه و ب ُل‬                         ‫ذ ِّر ب ِ‬       ‫ن ي مل َ َم س‬                     ‫س ْ قل به و َي ُ الش ن‬
‫حت ِ َ ح ب أ ت َ ُ ب ً ِذ ُ م لس َ ق د بر ْ َّذ ن م و ح ْد‬
‫شَيْءٍ َ َّى إذَا فرِ ُوا ِمَا ُوُوا أَخذْنَاهمْ َغْتَة فَإ َا همْ ُبِْ ُون فَ ُطِعَ َا ِ ُ الْقَومِ ال ِي َ ظَلَ ُوا َالْ َم ُ‬
                                         ‫ي‬                                   ‫م‬          ‫ِل ِ َب‬
       ‫لَّه ر ِّ الْعَالَ ِينَ [األنعام:74-14]. إنه ـ واهلل ـ ُخشى علينا اليوم الوقوع في مثل هذا،‬
 ‫معاصينا تزيد، ونعم اهلل تتكاثر علينا. فاتقوا اهلل عباد اهلل، واحذروا نقمة اهلل التي حلت بمن قبلكم‬
   ‫ومن حولكم أن تحل بكم، الدنيا لدينا معمورة، والمساجد مهجورة، ليس لدينا تقصير في الدنيا،‬
                                                                          ‫لكن التقصير في الدين.‬
     ‫أيها المسلمون، لقد ضج العالم كله بما حصل في األيام الماضية من تحرك البحر في المحيط‬
‫بسبب زلزال فيه، تحرك الماء بسببه فحصل ما حصل. تحرك قاع المحيط وفاضت المياه بطوفان‬
‫جرف األخضر واليابس في ثمان دول على األقل، أفاق الناس ورواد المنتجعات على كارثة تعادل‬
    ‫في مأساويتها الحروب الكبرى، فموجات المد البحري ابتلعت قرى بأكملها، وحتى قمم الجبال‬
‫وأسطح المنازل لم تعصم الضحايا من الماء، رائحة الموت امتدت لمسافات كبيرة، وانشغلت فرق‬
    ‫اإلنقاذ بانتشال الجثث التي تحلل معظمها قبل العثور عليها، واختلطت األشالء البشرية بجيف‬
     ‫الحيوانات، وتحولت المستشفيات لمراكز تجمع القتلى. أما ماليين المشردين فيواجهون خطر‬
  ‫الموت إما جوعًا أو من األوبئة الفتاكة، ولم يبق أمامهم سوى انتظار مساعدات الدول األخرى؛‬
                                                   ‫لعجز دولهم عن إنقاذهم والنحيب على قتالهم.‬
         ‫ه‬                ‫ي‬                    ‫ة‬
    ‫إن ما جرى في آسيا من الطوفان العظيم لهو آي ٌ من آيات اهلل، وجند ٌ من جنوده، يرسل ُ اهلل‬
                                                        ‫ه‬
    ‫على من يشاء من عباده، ويصرف ُ عمن يشاء، دمر به مدنًا كاملة، أهلك به الزرع والضرع،‬
 ‫ء‬
 ‫وأباد به الحرث والنسل، لقد تغيرت خارطة العالم. كان الناس يعيشون في هدوءٍ سياحي وأجوا ٍ‬
        ‫ح‬                ‫س‬        ‫ً‬                   ‫ة‬
   ‫هادئة، لم ينذرهم الفلكيون، وال الكهن ُ وال العرافون، وفجأة جاء بأ ُ اهلل، فأخذهم ض ًى وهم‬
     ‫يلعبون، وجاءهم بياتًا وهم نائمون، فخرجوا من بيوتهم يهرعون، وفي الطرقات يجأرون، ال‬
‫يلوون على شيء، ينظرون عن أيمانهم فال يرون إال المباني المتهاوية، وينظرون عن شمائلهم فال‬
 ‫يرون إال الجثث والقتلى، وينظرون خلفهم فال يرون إال الفيضانات، وينظرون تلقاء وجوههم فال‬
  ‫يرون إال الموت، أين يذهبون؟! بل أين يهربون؟! وإلى أين يفرون؟! أظلم عليهم النهار، وفرق‬
                                ‫ض‬                       ‫ف‬
  ‫جمعهم الدمار، خر عليهم السق ُ من فوقهم، وتفجرت األر ُ من تحت أقدامهم، وأتاهم العذاب‬
                   ‫ة‬                          ‫ة‬
            ‫من حيث ال يشعرون. عواصف بحرية، وهز ٌ أرضيه، وإن شئت فقل: عقوب ٌ إلهية.‬
    ‫حصيلة القتلى ـ إلى اآلن ـ قرابة الثمانين ألف شخص. وآسيا تشهد أكبر عمليات إغاثة في‬
                                                                   ‫ر‬
    ‫التاريخ البشري. والمش ّدون بالماليين، والقتلى من السواح باآلالف مما أدى إلى مأتم عالمي‬
     ‫كبير. وفي أندونيسا أكدت الحكومة مقتل 04 ألف شخص مع اكتشاف مزيد من الضحايا في‬
 ‫غرب جزيرة سومطرا، حيث دمر الطوفان قرى بأكملها، فال إله إال اهلل. وفي سريالنكا بلغ عدد‬
                                                     ‫ب‬
     ‫القتلى نحو 77 ألفا على األقل، وش ّه الناجون موجات المد بحوائط وصل ارتفاعها إلى نحو‬
   ‫عشرة أمتار، جرفت في طريقها األخضر واليابس. أما في الهند فقد تجاوزت حصيلة الطوفان‬
   ‫0001 قتيل، وما زال اآلالف مفقودين، وال تزال عمليات انتشال الجثث مستمرة. إن أكثر من‬
 ‫ثلثي الضحايا من األطفال الذين جرفتهم المياه رغم محاوالت ذويهم حملهم بعيدا عن البحر. وما‬
 ‫زالت فرق اإلنقاذ تسابق الزمن النتشال جميع جثث القتلى لمنع انتشار األوبئة الفتاكة. إن روائح‬
‫الجثث المتعفنة تنتشر في محيط القرى المنكوبة. وقد ذكر المتخصصون أن هذا الزلزال يعادل في‬
                                                     ‫قوته قوة مائة وخمس وسبعين قنبلة ذرية، فال إله إال اهلل.‬
     ‫لقد رأى العالم مناظر مفزعة، ال يتحمل أن ينظر إليها، صور المئات من الناس والمياه يدخل‬
  ‫عليهم في بيوتهم وتأخذ الصغير والكبير، فنادق ضخمة على تلكم السواحل كنسها البحر وأغرق‬
                  ‫كل من فيها. األم ترمي بطفلها لكي تنجو بنفسها، ومناظر مروعة ال يمكن وصفها.‬
              ‫د‬
   ‫ومن رحمة اهلل على البشرية وعلى العالم أن هذا الزلزال حدث في البحر، ولو ق ّر حدوثه على‬
                                                                   ‫اليابسة لفاقت أثاره التدميرية بعشرات المرات.‬
         ‫أيها المسلمون، وهذا الذي حصل ال شك أنه عقوبة من اهلل على ما يرتكبه العباد من الكفر‬
       ‫والمعاصي والمخالفات. إن تلك السواحل التي أغرقها البحر سواحل معروفة بالفساد والعهر‬
     ‫والدعارة، ونسبة غير قليلة من الذين أهلكهم اهلل تعالى من السواح األجانب من أوربا وأمريكا‬
                                                         ‫ومن غيرها قد جعلوا من تلك المناطق مواخير للفساد.‬
       ‫وقد سمعنا من يقول من الجغرافيين والعلمانيين: إن هذه الزالزل ظواهر طبيعية، لها أسباب‬
         ‫معروفة ال عالقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، كما جرى ذلك على ألسنة بعض الصحفيين‬
‫واإلعالميين، حتى صار الناس ال يخافون عند حدوثها وال يعتبرون بها، كما قال أشباههم من قبل‬
                            ‫َّر ء و َّر ء‬           ‫َ َس ب ء‬
‫عندما أصابهم الكوارث والنكبات: قدْ م َّ آ َا َنَا الض َّا ُ َالس َّا ُ [األعراف: 11]، فيعتبرون ذلك‬
            ‫حالة طبيعية وليست عقوبات لهم، فيستمرون على غيهم وبغيهم، وال يتوبون من ذنوبهم.‬
‫إن الكتاب والسنة ـ يا عباد اهلل ـ يدالن على أن هذه الزالزل والفيضانات كغيرها من الكوارث،‬
          ‫د‬
‫إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم، وكونها تقع ألسباب معروفة ال يخرجها عن كونها مق ّرة من اهلل‬
‫الله ق ُل ش ء وهو‬
‫سبحانه على العباد لذنوبهم، فهو مسبب األسباب وخالق السبب والمسبب، َّ ُ خَالِ ُ ك ِّ َيْ ٍ َ ُ َ‬
                                                  ‫و ل ه م ل د الس و ت و َ ْ‬                   ‫عل ُل‬
 ‫ََى ك ِّ شَيْءٍ َكِي ٌ لَ ُ َقَاِي ُ َّمَ َا ِ َاألرضِ [الزمر:76، 36]. فإذا أراد اهلل شيئًا أوجد سببه‬
 ‫ق ف ه َق عل ه‬                   ‫ن ل َ َ َ م م ْرف ه‬                        ‫وِذ َ َ‬
‫ورتب عليه نتيجته، كما قال تعالى: َإ َا أردْنَا أَنْ ُهِْك قرْيةً أَ َرْنَا ُت َ ِي َا فَفَسَ ُوا ِي َا فَح َّ ََيْ َا‬
                                                                                              ‫ر‬          ‫ْ ُ َ َم ه‬
                                                                               ‫الْقَول فد َّرْنَا َا تَدْمِي ًا [اإلسراء:65].‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعتبروا بما يجري حولكم وبينكم، وتوبوا إلى ربكم، وتذكروا قول اهلل تعالى:‬
     ‫ي بس ُ شي ويذ ق‬                   ‫َ جل ُ‬           ‫م‬        ‫ي ع ع ُ َ ب م ْقك‬                          ‫در عل‬           ‫ُ ه‬
     ‫قلْ ُوَ الْقَا ِ ُ ََى أَنْ َبْ َثَ َلَيْكمْ عذَا ًا ِنْ فَو ِ ُمْ أَوْ ِنْ تَحْتِ أرْ ُِكمْ أَوْ َلْ ِ َكمْ ِ َعًا َ ُ ِي َ‬
 ‫ُّ ُ ل ت‬           ‫َله ه و َذ ب م ه‬                                         ‫ظ ْ نص ِّف‬            ‫بْ‬          ‫ب ضُ‬
 ‫َعْ َكمْ بَأْسَ َعضٍ ان ُرْ كَيفَ ُ َر ُ اآليَاتِ لَعَّ ُمْ يَفْقَ ُونَ َك َّبَ ِهِ قَوْ ُكَ وَ ُوَ الْحَق قلْ َسْ ُ‬
                                                                  ‫م‬              ‫ع ُ بو ل ُل ب م َر و‬
                                              ‫َلَيْكمْ ِ َكِيلٍ ِك ِّ نَ َإٍ ُسْتَق ٌّ َسَوْفَ تَعْلَ ُونَ [األنعام:16-26].‬
‫لقد أخبر النبي أن الزالزل ستكثر في آخر الزمان، وأنه بسبب ذنوب الناس ومعاصيهم، فقد روى‬
   ‫اإلمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ال تقوم الساعة حتى يقبض العلم‬
                               ‫ويتقارب الزمان وتكثر الزالزل وتظهر الفتن ويكثر الهرج))، فاللهم سلم.‬
       ‫لما حدث الخسف بقارون لم يكن السبب أن القشرة األرضية كانت لينة وهينة، بل السبب أنه‬
  ‫ه م ف ي ُر نه م‬                    ‫َْ َ م‬          ‫به و ِد‬
‫عصى اهلل ورسوله، كما قال اهلل عنه: فَخَسَفْنَا ِ ِ َب َارِهِ األرض فَ َا كَانَ لَ ُ ِنْ ِئَةٍ َنص ُو َ ُ ِنْ‬
                                                                                  ‫ن م م ِر‬                 ‫د الله و‬
                                                                   ‫ُونِ َّ ِ َمَا كَا َ ِنْ ال ُنْتَص ِينَ [القصص:57].‬
   ‫وعندما أخبر النبي أن هذه األمة سيكون فيها خسف ومسخ وقذف لم يذكر أن السبب هو تصدع‬
   ‫سطح األرض وانشقاقها، إنما السبب هو المعاصي، فقال: ((سيكون في هذه األمة خسف ومسخ‬
       ‫خ‬
  ‫وقذف؛ إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور)). وعندما أخبر عن الرجل الذي ُسف به‬
      ‫لم يقل: إن السبب في الخسف هزة أرضية، بل خسف به بسبب تكبره وتجبره، فقال : ((بينما‬
 ‫رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في األرض إلى يوم القيامة)). وعندما وقع زلزال في‬
 ‫المدينة على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فجاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها‬
      ‫وسألها، فماذا قالت له؟! قالت: كثرت الذنوب في المدينة، فماذا قال ؟! جمع الناس وقال لهم:‬
          ‫د‬
       ‫(واهلل، ما رجفت المدينة إال بذنب أحدثته أو أحدثتموه، واهلل لئن عادت ال أساكنكم فيها أب ًا).‬
          ‫ر‬
    ‫أيها المسلمون، لقد جرت سنته تعالى في خلقه أن يعامل عباده حسب ما عملوا؛ إن خي ًا فخير‬
          ‫َّذ عمل‬        ‫الن ل ُذ ه ب‬                  ‫ه س د ف َر و ْر ب سب‬                                    ‫ر‬
       ‫وإن ش ًا فشر، ظَ َرَ الْفَ َا ُ ِي الْب ّ َالْبَح ِ ِمَا كَ َ َتْ أَيْدِي َّاسِ ِي ِيقَ ُمْ َعْضَ ال ِي َ ُِواْ‬
                                                                             ‫َل ُ َ جع‬
   ‫لَعَّهمْ يرْ ِ ُونَ [الروم:54]. وشؤم هذه الذنوب والمعاصي والتي يعاقَب الناس بسببها ال يصيب‬
 ‫المباشرين لها فقط، بل يصل حتى للصالحين والمؤمنين، فقد سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش‬
 ‫رضي اهلل عنها، سألت رسول اهلل فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)).‬
                                                                        ‫ع‬
   ‫والخبث كل معصية ُصي اهلل تعالى بها في البر أو البحر أو في الليل أو النهار، لذلك كان من‬
                                                                     ‫ع‬
   ‫الواجب علينا جمي ًا أن نحذر من ذلك، وأن ال نأمن مكر اهلل خاصة مع ارتكاب المعاصي، قال‬
      ‫م ل ُ أ تي ُ ب س‬                                   ‫ُ ئم‬                ‫َ م ْل ُر أ تيه ب س ب‬
   ‫اهلل تعالى: أفَأَ ِنَ أَه ُ الْق َى َن يَأْ ِ َ ُم َأْ ُنَا َيَاتًا وَهمْ نَا ِ ُونَ أَوَ أَ ِنَ أَهْ ُ الْقرَى َن يَأْ ِ َهمْ َأْ ُنَا‬
                      ‫ِر‬        ‫من م ْ الل ِال ْم‬                      ‫ُ ي عب َ من م ْ الل ِ‬                   ‫ضح‬
  ‫ُ ًى وَهمْ َلْ َ ُونَ أفَأَ ِ ُواْ َكرَ َّه فَالَ يَأْ َ ُ َكرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُونَ [األعراف:21-11].‬
                        ‫د‬
      ‫ومن سنته تعالى أنه قد يمهل أقوامًا ويرجئ عذابهم إلى وقت آخر، ويم ّهم مع ذلك باألموال‬
   ‫والبنين، ويوسع عليهم في حياتهم، ويسهل لهم الصعاب، ويمهد لهم سبل المعاش، فيظن الجهال‬
   ‫منهم بسنة اهلل أنهم على خير، وأنهم ناجون غير معاقبين، والحقيقة أن اهلل يستدرجهم ويملي لهم‬
 ‫ي سب ن‬                                                                   ‫و‬
 ‫من حيث ال يتص ّرون، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: أَ َحْ َ ُو َ‬
                            ‫ت ب ال ي ُر‬               ‫َن ن ِد ُ به م م وبن نس رع ُ ْ ف‬
‫أ َّمَا ُم ُّهمْ ِ ِ ِن َّالٍ َ َ ِينَ ُ َا ِ ُ لَهم ِي الْخَيْرا ِ َل َّ َشْع ُونَ [المؤمنون:11، 61]. ووجود‬
  ‫األموال واألوالد وكل ما في الدنيا من مغريات، كل ذلك ال قيمة له عند اهلل إذا ما كان أصحابها‬
          ‫ح‬         ‫د ُ ِالت ت رب ُ ع د ز ف ِال م من وع ِ‬                                ‫لك و‬           ‫وم‬
         ‫يعصون ربهم، َ َا أَمْواُ ُمْ َالَ أَوْال ُكمْ ب َّ ِي ُقَ ّ ُكمْ ِن َنَا ُلْ َى إ َّ َنْ آ َ َ َ َملَ صَالِ ًا‬
                           ‫د‬                            ‫ح‬
  ‫[سبأ:23]. نعم، إال من آمن وعمل صال ًا، فاهلل سبحانه ال يعتبر أح ًا لعظيم جاهه ورئاسته، وال‬
   ‫لغناه وثروته، وال لحسبه ونسبه، وال لجميل منظره وصورته وبهائه، إنما المعتبر عنده سبحانه‬
                      ‫دع ؤ ُ‬           ‫ي ؤ ب ُ ْ رب‬           ‫ُ‬
‫المؤمن الذي يخضع له، كما قال سبحانه: قلْ مَا َعْبَ ُا ِكم َ ّي لَوْالَ ُ َا ُكمْ [الفرقان:22] أي: ما‬
                           ‫يبالي بكم وال لكم عنده قدر وال قيمة لوال دعاؤكم، أي: لوال إيمانكم وعبادتكم.‬
             ‫ر‬                              ‫ال‬               ‫م‬        ‫م‬
      ‫ولقد أهلك اهلل عز وجل أم ًا وأقوا ًا وقرونًا وأجيا ً كانوا أشد منا قوة وأطول أعما ًا وأرغد‬
       ‫ر‬                            ‫ر‬          ‫ي‬                         ‫ال‬
‫عيشًا وأكثر أموا ً، فاستأصلهم وأبادهم، ولم َبق لهم ذك ٌ وال أثر، وتركوا وراءهم قصو ًا مشيدة‬
      ‫م‬                                                              ‫ي‬              ‫ر‬
     ‫وآبا ًا معطلة وأراض َ خالية وزروعًا مثمرة ونعمة كانوا فيها فاكهين، فأورث كل ذلك قو ًا‬
                                     ‫ن م ر‬              ‫ب ع هم السم و ض و‬
‫آخرين، فَمَا َكَتْ َلَيْ ِ ُ َّ َاء َاألرْ ُ َمَا كَا ُواْ ُنظَ ِينَ [الدخان:17]، وفي هذا يقول سبحانه:‬
     ‫ض َ نمك لك وَ س الس عل ه‬                                 ‫م له م َ م َّن ُ ْ ف‬                                    ‫َ َ‬
    ‫أَلمْ يرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا ِن قَبِْ ِم ّن قرْنٍ َّك َّاهم ِي األرْ ِ مَا لمْ ُ َ ّن َّ ُمْ َأرْ َلْنَا َّمَاء ََيْ ِم‬
           ‫م ب ْ ه ْ َ ن َر ن‬                   ‫ُ بذن ب ِ و‬                    ‫ته ْ‬       ‫م‬                         ‫َّ ْر ر وجع‬
           ‫مد َا ًا َ َ َلْنَا األنْهَارَ تَجْرِي ِن تَحْ ِ ِم فَأَهْلَكْنَاهمْ ِ ُ ُو ِهمْ َأَنْشَأْنَا ِن َعدِ ِم قرْ ًا آخ ِي َ‬
                                                                                                                  ‫[األنعام:6].‬
              ‫ما الذي أغرق قوم نوح بالطوفان؟! وقوم عاد لماذا أرسل عليهم الريح فأصبحوا عبرة‬
‫للمعتبرين؟! وقوم ثمود لماذا أهلكهم اهلل بالصحية فماتوا على بكرة أبيهم؟! وقوم لوط لماذا أمر اهلل‬
 ‫جبريل عليه السالم برفع مدنهم إلى أعلى الفضاء ثم جعل عاليها سافلها مع رجمهم بالحجارة من‬
  ‫سجيل؟! ولماذا أغرق اهلل فرعون وقومه في البحر؟! فاألجساد غرقى، واألرواح حرقى، والنار‬
 ‫قبة الظ لم ن‬                ‫ء َ ه جن ه ب ه ف ي ِّ ظ ْ‬
 ‫يعرضون عليها صباحًا ومسا ً، فَأَخذْنَا ُ وَ ُ ُودَ ُ فَنَ َذْنَا ُمْ ِي الْ َم فَان ُرْ كَيفَ كَانَ عَا ِ َ ُ َّاِ ِي َ‬
                                   ‫ي صر ن‬         ‫جع ُ ِمة َ ع إل الن ر و ْ ق م‬
  ‫وَ َ َلْنَاهمْ أَئ َّ ً يدْ ُونَ َِى َّا ِ َيَومَ الْ ِيَا َةِ ال ُن َ ُو َ [القصص:04، 54]، وهكذا باقي األمم‬
      ‫ب ب مه م َ س‬                                ‫ك‬
 ‫السابقة كقوم شعيب وقارون وقوم تبع وغيرهم، قال جل وعال: فَ ُالً أَخَذْنَا ِذَنْ ِهِ فَ ِنْ ُمْ َنْ أرْ َلْنَا‬
      ‫ه الص حة وم ُ م َ ه الص حة وم ُ م س به َ ْض‬                                             ‫ع ح صب وم ُ م‬
      ‫َلَيْهِ َا ِ ًا َ ِنْهمْ َنْ أَخَذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْهمْ َنْ أَخذَتْ ُ َّيْ َ ُ َ ِنْهمْ َنْ خَ َفْنَا ِ ِ األر َ‬
                                   ‫الله ل لم ُ و ك ن فس ُ لم‬                                    ‫وم ه م ْ َ و‬
                 ‫َ ِنْ ُمْ َنْ أَغرقْنَا َمَا كَانَ َّ ُ ِيَظِْ َهمْ َلَ ِنْ كَاُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُونَ [العنكبوت:04].‬
       ‫إن اهلل جل وتعالى عاقب كل هؤالء بسبب الكفر والشرك والذنوب والمعاصي. والمتأمل في‬
   ‫أحوال المسلمين اليوم يجد أن لديهم من الشرك والبدع وسائر المعاصي ما اهلل به عليم. لقد فشا‬
  ‫في كثير من مجتمعات المسلمين الربا والزنا، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات،‬
      ‫كثر أكل الحرام وتنوعت الحيل؛ شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت‬
‫أصوات المعازف والمزامير، وفشت رذائل األخالق ومستقبح العادات في البنين والبنات، حورب‬
                               ‫س‬                 ‫د‬
 ‫الدين وأهله، وسيم الدعاة والمصلحون أش ّ العذاب والنكال، ُخر منهم واستهزئ بهم، ونال سفلة‬
                                                            ‫صد‬
  ‫القوم الترحيب والرفعة و ُ ّروا في المجالس، وأصبح قدوة الشباب الفنان فالن والمطرب فالن‬
  ‫والالعب فالن، حين ابتعد الناس عن الطريق المستقيم كثر الكفر والفسوق، وقل الشكر وإرجاع‬
  ‫الحقوق، كذب وتزوير، خيانة وخداع، أمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وإصرار على الذنوب‬
     ‫وعدم التوبة، تبرج وسفور، منع للخير، وإغالق للمؤسسات الخيرية، وآفة اآلفات الحكم بغير‬
   ‫شرع اهلل والتحاكم إليه، والظلم والجور، إلى غير ذلك من الذنوب واآلثام التي تؤذن بعذاب اهلل‬
             ‫وعقابه، وكان حقا على اهلل أن يعاقب من فعل بعض هذه المنكرات، فكيف بها جميعا؟!‬
‫إن األمة حين تغفل عن سنن اهلل تغرق في شهواتها، وتضل طريقها حتى تقع في مصارع السوء.‬
        ‫و‬
        ‫إنها سنة اهلل حين تفشو المنكرات وتقوم الحياة على الذنوب واآلثام واالنحالل الخلقي وفش ّ‬
                                  ‫الدعارة وسلوك مسالك اللهو والترف، حينها ينزل اهلل العذاب والعقاب.‬
  ‫وإذا كانت كل هذه المصائب تحدث في بالد المسلمين إال من رحم اهلل فهل تستغرب بعد ذلك أن‬
       ‫يعاني المسلمون هذه األيام من الهزائم الحربية على أيدي أعدائهم؟! وهل تستغرب حصول‬
  ‫المصائب األخرى كالفقر والمرض والتخلف والتعرض للفيضانات والسيول والزالزل والخسف‬
   ‫و ص ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ك وي ف ع‬                                                 ‫د‬
 ‫وغير ذلك؟! ال تستغرب أب ًا، وصدق اهلل: َمَا أَ َا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِي ُمْ َ َعْ ُو َنْ‬
                                                                                           ‫كَثِيرٍ [الشورى:03].‬
           ‫فنسأل اهلل تعالى أن يرحم ضعفنا، وأن يغفر ذنبنا، وأن ال يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.‬
                                                                     ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة...‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى، وتوبوا إليه من ذنوبكم قبل أن يحل بكم ما حل بغيركم من‬
                                                                                                        ‫العقوبات.‬
   ‫إن ما يحدث في األرض اليوم من الزالزل المدمرة والفيضانات المروعة واألعاصير القاصفة‬
     ‫والحروب الطاحنة والمجاعات المهلكة واألمراض الفتاكة وحوادث المراكب البرية والبحرية‬
     ‫والجوية التي يذهب فيها األعداد الكبيرة من البشر وتسلط قطاع الطرق ومختطفي الطائرات‬
      ‫وم‬
     ‫وسطو اللصوص والتفجيرات كل ذلك يحدث بسبب الذنوب والمعاصي، كما قال تعالى: َ َا‬
  ‫و َ َ ن َل‬                                      ‫ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
 ‫أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِيرٍ [الشورى:03]، وقال تعالى: َكذَلِك ُوِّي‬
                                                                   ‫ن ي سب‬            ‫ب ْ الظ لم ن ب ض ب‬
                                                 ‫َعضَ َّاِ ِي َ َعْ ًا ِمَا كَاُوا َكْ ِ ُونَ [األنعام:175].‬
       ‫ح‬
      ‫وإنه يحدث منا من الذنوب والمعاصي ما ال يحصى، مما نتخوف منه نزول العقوبة صبا ًا‬
 ‫ي تي ُ َذ ب‬                 ‫ِ الله ب ِ َ ْ‬                   ‫َّي‬     ‫َ م َّذ م َر‬                           ‫ء‬
 ‫ومسا ً، كما قال تعالى: أفَأَ ِنَ ال ِينَ َك ُوا السِّئَاتِ أَنْ يَخْسفَ َّ ُ ِهمْ األرضَ أَوْ َأْ ِ َهمْ الْع َا ُ‬
          ‫م‬                         ‫ُ ُ ْ ف َلب ِ ْ م ُ بم جز‬                          ‫م ح ُ ي عر‬
‫ِنْ َيْث ال َشْ ُ ُونَ أَوْ يَأْخذَهم ِي تَقُّ ِهم فَ َا همْ ِ ُعْ ِ ِينَ [النحل:14، 64]. وختا ًا فهذه بعض‬
                                                                                      ‫الوقفات مع طوفان آسيا:‬
  ‫الوقفة األولى: عدم توقع الناس لحدوث هذا الطوفان الذي فاجأ العالم بغتة، ال خبراء األرصاد،‬
‫وال األجهزة الحساسة، وال الفلكيون، وفي هذا إشارة إلى ضعف اإلنسان وقصور علمه مهما بلغ،‬
                                                                                  ‫عْ ع م‬          ‫كل‬        ‫َ‬
                                                                       ‫وفَوْقَ ُ ّ ذِي ِلمٍ َلِي ٌ [يوسف:62].‬
      ‫الوقفة الثانية: أن هذه الدول والتي تسمي نفسها بالدول العظمى والكبرى، والتي منها أمريكا‬
    ‫وبعض دول أوربا وإسرائيل، ممن يغترون بقوتهم العسكرية والتقنية واالقتصادية، مما جعلهم‬
       ‫يتسلطون على غيرهم ظلمًا وعدوانًا، كما هو حاصل اآلن في فلسطين والعراق وأفغانستان‬
       ‫وغيرها من البالد، كل هؤالء لو أراد اهلل جل وتعالى ألهلكهم في لحظات، إما باألمواج أو‬
              ‫َ ي َم جن َ َب ِال هو‬
              ‫بالرياح أو باألعاصير أو بغيرها من جنود اهلل عز وجل، ومَا َعْل ُ ُ ُود رِّكَ إ َّ ُ َ‬
                                                                                                    ‫[المدثر:53].‬
                                                    ‫د ئ‬
 ‫الوقفة الثالثة: أن هذا الزلزال ال يع ّ شي ًا أمام زلزال اآلخرة، فماذا يعمل اإلنسان هناك؟! وكيف‬
     ‫يكون حاله؟! إذَا ُل ِلَتْ األَرض ِل َالَهَا َأَخ َ َتْ األر ُ أَثْقَالَهَا وقَالَ ا ِنسَا ُ مَا لَهَا َوْ َ ِ ٍ‬
     ‫ي مئذ‬               ‫إل ن‬           ‫َ‬              ‫َ ْض‬     ‫ْ ُ ز ْز و ْرج‬                 ‫ِ ز ْز‬
 ‫ُ م ي م م ق َرة‬                                  ‫ت لُ‬          ‫ي م ِذ ي ْ ُر الن س‬         ‫ح‬        ‫ت َدث ب ه َن َب‬
 ‫ُح ِّ ُ أَخْ َارَ َا بِأ َّ ر َّكَ أَوْ َى لَهَا َوْ َئ ٍ َصد ُ َّا ُ أَشْتَا ًا ِيرَوْا أَعْمَالَهمْ فَ َنْ َعْ َلْ ِثْ َالَ ذ َّ ٍ‬
                                                                         ‫َر َر ي‬               ‫ْر ي وم ي َ م‬
                                                      ‫خَي ًا َرَه َ َنْ َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ ش ًّا َرَه [سورة الزلزلة].‬
                                                            ‫د‬
  ‫إذا كان هذا الزلزال جعل أعدا ًا من الناس يخرجون من بيوتهم، الذوا بالفرار، وتركوا أمهاتهم‬
‫وآباءهم وأزواجهم وأبناءهم، كل يقول: نفسي نفسي، فانتقل ـ أخي ـ بحسك وشعورك إلى مشهد‬
      ‫َّاخة ْم ِر َ م خ ه وأمه و ب ه و ِبته‬                                         ‫ِذ‬
      ‫يوم القيامة في قوله تعالى: فَإ َا جَاءتِ الص َّ ُ يَو َ يَف ُّ الْمرْء ِنْ أَ ِي ِ َُ ّ ِ َأَ ِي ِ َصَاح َ ِ ُ‬
 ‫وبن لكل ْر م ُ م ِذ ن ي ن وج ه م ِذ م ف ة ح ة م ِرة ووج ه م ِ عل ه‬
‫َ َ ِيهِ ِ ُ ّ ام ِئ ّنْهمْ يَوْ َئ ٍ شَأْ ٌ ُغْ ِيهِ ُ ُو ٌ يَوْ َئ ٍ ُّسْ ِرَ ٌ ضَا ِكَ ٌ ُّسْتَبْش َ ٌ َ ُ ُو ٌ يَوْ َئذٍ ََيْ َا‬
                                                                ‫َ ة هق َ ة أ ك ُم َ ة ج ة‬
                                                  ‫غَبرَ ٌ تَرْ َ ُهَا قَترَ ٌ ُوْلَئِ َ ه ُ الْكَفرَ ُ الْفَ َرَ ُ [عبس:33- 74].‬
                                                                    ‫فنسأل اهلل جل وتعالى أن يهدينا سواء السبيل...‬

‫(5/1154)‬




                                                                               ‫وداع رمضان والحث على زكاة الفطر‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                                                 ‫فقه‬
                                                                                                                ‫الزكاة والصدقة‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                      ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                                                ‫جدة‬
                                                                                                                ‫األمير منصور‬
                                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- الموفقون والمحرومون في رمضان. 7- دعوة الغتنام ما بقي من الشهر. 3- يوم العيد يوم‬
            ‫فرح وسرور. 4- الحكمة من مشروعية زكاة الفطر. 1- أحكام زكاة الفطر ومقاديرها.‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                          ‫ن‬
‫الحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده سبحانه وتعالى على ما م ّ علينا من إعانتنا على أداء‬
 ‫الواجبات، ونسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يتقبل صيامنا وقيامنا وسائر العبادات،‬
                                 ‫د‬
 ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله خير الدعاة ومرشدهم‬
 ‫إلى طريق النجاة, صلى اهلل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم واقتفى أثرهم إلى أن‬
                                                                                                  ‫نلقى رب البريات.‬
‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى واعلموا أن شهر رمضان المبارك قد آذن بالرحيل، ولم يبق‬
              ‫َل ل عب‬            ‫لح ل س وم س ع ْ وم َب‬                                   ‫م عِ‬
‫منه إال أيام معدودة، َّنْ َملَ صَاِ ًا فَِنَفْ ِهِ َ َنْ أَ َاء فَ َلَيهَا َ َا ر ُّكَ بِظَّامٍ ّلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
                                                 ‫م‬
       ‫ويا سعادة وفوز من اتخذ من رمضان موس ًا لطاعة اهلل تعالى، فصام نهاره وأحسن صيامه‬
  ‫وصانه، وقام ليله فأحسن قيامه، وبتالوة القرآن زانه، وشكر نعم اهلل تعالى عليه فلم ينس إخوانه‬
                                                                    ‫من الضعفاء والمحرومين، فبذل لهم ماله.‬
‫ويا لشقاوة من لم ينتفع برمضان، فلم يستفد من صيامه وال قيامه، وإنما كان شغله الشاغل ما يمأل‬
‫المعدة من أصناف المطعومات، وما يطفئ روح النفس من الطيش والسباب، وأطلق فيما حرم اهلل‬
     ‫عليه لسانه، وشتان شتان ـ رحمكم اهلل ـ بين من حظه من رمضان القبول والتوبة الصادقة‬
                                          ‫والغفران ومن كان حظه فيه الخيبة والندامة التعب والخسران.‬
       ‫واسمعوا معي ـ عباد اهلل ـ ما قاله الصحابي الجليل أبو هريرة رضي اهلل عنه قال: صعد‬
    ‫رسول اهلل المنبر فقال: ((آمين آمين آمين))، فقيل له: يا رسول اهلل، إنك صعدت المنبر فقلت:‬
 ‫آمين آمين آمين! فقال : ((أتاني جبرائيل عليه السالم فقال: يا محمد، رغم أنف امرئ دخل عليه‬
 ‫شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه‬
      ‫أو أحدهما فلم يدخاله الجنة، قل: آمين، فقلت آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم‬
                     ‫يصل عليك، قل: آمين، فقلت: آمين)). صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم.‬
‫فيا عباد اهلل، أوصي نفسي وإياكم أن نتدارك أنفسنا وخاصة في هذه األيام القليلة الباقية المحدودة،‬
                   ‫ر‬
 ‫فعسى أن تكون فيها ليلة القدر، الليلة المباركة التي يكون العمل فيها خي ًا من ألف شهر، وعسى‬
          ‫أن تكون التوبة واإلقالع والندم ترقع من الصيام ما انخرق، وعسى للمنقطعين عن ركب‬
      ‫المقبولين أن يفوزوا باللحاق، وعسى برحمة من اهلل أن من استوجب النار أن يعتق من النار‬
                                                                                     ‫فرحمة اهلل وسعت كل شيء.‬
        ‫فال تقنطوا ـ عباد اهلل ـ من رحمة اهلل تعالى، وبادروا بالتوبة الصادقة النصوح واألعمال‬
                              ‫ن‬
 ‫الصالحة، واستبشروا بقول نبي الرحمة : ((من قام ليلة القدر إيما ًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من‬
                                                                                                        ‫ذنبه))(5)[5].‬
   ‫وأخلصوا ـ عباد اهلل ـ في الدعاء، وألحوا عليه جل وعال وأنتم موقنون باإلجابة، واعلموا أن‬
‫األعمال بالخواتيم، فنسأل اهلل عز وجل أن يختم لنا بصالح األعمال المرضية، وأن يصلح لنا النية‬
                                                                                                               ‫والذرية.‬
       ‫الد ِذ َع‬            ‫عن إن َر ب أج ب د‬              ‫عب‬            ‫وِذ‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َإ َا سَأَلَكَ ِ َادِي َ ّي فَِّي ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْوَةَ َّاعِ إ َا د َانِ‬
                                                                  ‫ي ج ب ل و ي من ب َل ُ َ شد‬
                                                 ‫فَلْ َسْتَ ِي ُواْ ِى َلْ ُؤْ ِ ُواْ ِى لَعَّهمْ يرْ ُ ُونَ [البقرة:675].‬
     ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، وأقول‬
               ‫قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
  ‫إن الحمد هلل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده‬
‫اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن‬
                                                                                                            ‫د‬
                                                                                             ‫محم ًا عبده ورسوله .‬
  ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل، واعلموا أن يوم العيد يوم فرح وسرور بنعمة اهلل تعالى، فينبغي‬
 ‫تعميم السرور على كل أبناء المجتمع المسلم، ولن يفرح المسكين ويسر إذا رأى اآلخرين يأكلون‬
                                               ‫ما لذ وطاب وهو ال يجد قوت يومه في يوم عيد المسلمين.‬
     ‫ولحكمة بالغة من اهلل ولتطهير الصائم اقتضت حكمة الشارع أن يفرض للفقراء والمساكين ما‬
                                                                   ‫ل‬
    ‫يغنيهم عن الحاجة وذ ّ السؤال في يوم الفرح والسرور، مما يؤدي إلى إشاعة المحبة والمودة‬
                                        ‫والسرور في المجتمع اإلسالمي وخاصة المساكين وأهل الحاجة.‬
‫وإلى جانب هذا األمر العظيم فهناك حكمة أخرى سامية وهي تتعلق بالصائمين في شهر رمضان،‬
  ‫وما عساهم أن يكونوا قد ارتكبوا من ذنب أو وقعوا في إثم من لغو القول ورفث الكالم وصغار‬
  ‫الذنوب، فجاءت هذه الزكاة في ختام الشهر لتجبر ما كان فيه من قصور وتستر ما وقع فيه من‬
    ‫خلل، ولذا جاء في الحديث عن عبد اهلل بن عباس رضي اهلل عنهما أنه قال: فرض رسول اهلل‬
   ‫زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصالة فهي زكاة‬
                                         ‫مقبولة، ومن أداها بعد الصالة فهي صدقة من الصدقات(7)[5].‬
 ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل تعالى ـ أن زكاة الفطر ال يشترط فيها ما يشترط في الزكوات األخرى،‬
   ‫فتلك زكاة األموال، أما هذه فزكاة األشخاص، لذا فهي واجبة على الذكر واألنثى والحر والعبد‬
       ‫والصغير والكبير، كما جاء في الصحيح عن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال: فرض‬
                                                               ‫ع‬
      ‫رسول اهلل زكاة الفطر صا ًا من تمر أو صاعًا من شعير، على الحر والعبد والذكر واألنثى‬
                                               ‫د‬
‫والصغير والكبير من المسلمين، وأن تؤ ّى قبل خروج الناس إلى الصالة(3)[7]. وقال بعض أهل‬
                                                                              ‫العلم يستحب إخراجها عن الحمل.‬
   ‫ووقت زكاة الفطر يوم العيد قبل الصالة، ويجوز إخراجها قبل يوم عيد بيوم أو يومين أو ثالثة‬
    ‫لما ورد أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثالثة.‬
                                   ‫وهي صاع من القوت الغالب في البلد، وتدفع إلى الفقراء والمساكين.‬
‫وس رع إ م ِ ة م ر ّ ُ و َن ع ضه السم ت و ْ ض‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َ َا ِ ُواْ ِلَى َغْفرَ ٍ ّن َّبكمْ َج َّةٍ َرْ ُ َا َّ َاوا ُ َاالرْ ُ‬
 ‫و ف ع الن س َالله ي ِب‬                           ‫َّر و َّر و ظم‬                  ‫أ ِد ل ُتق َّذ ن ي فق ف‬
 ‫ُع َّتْ ِلْمَّ ِينَ ال ِي َ ُن ِ ُونَ ِى الس َّاء َالض َّاء َالْكَا ِ ِينَ الْغَيْظَ َالْعَا ِينَ َنِ َّا ِ و َّ ُ ُح ُّ‬
                                                                                                    ‫م سن‬
                                                                            ‫الْ ُحْ ِ ِينَ [آل عمران:335، 435].‬
‫فاللهم نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تتقبل منا طاعتنا، وأن تعيد علينا هذا الشهر ونحن‬
                  ‫في عافية في ديننا ودنيانا، وأن تجعلنا من عتقائك من النار يا أرحم الراحمين.‬


                                                                                 ‫__________‬
     ‫(5) رواه البخاري في صالة التراويح، باب: فضل من قام رمضان وباب: فضل ليلة القدر‬
‫(7/5173)، ومسلم في صالة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (112).‬
    ‫(7) رواه أبو داود في الزكاة، باب: زكاة الفطر (1065)، وابن ماجه في الزكاة باب: صدقة‬
                                     ‫الفطر (2775)، وصححه األلباني في إرواء الغليل (347).‬
‫(3) رواه البخاري في الزكاة، باب: فرض صدقة الفطر (7/735)، ومسلم في الزكاة، باب: زكاة‬
                                                 ‫الفطر على المسلمين من التمر والشعير (471).‬

‫(5/6154)‬




                                                               ‫شهر اهلل المحرم وصوم عاشوراء‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                 ‫الصوم, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                           ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                              ‫جدة‬
                                                                                   ‫األمير منصور‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وداع عام واستقبال آخر. 7- دعوة الغتنام العمر قبل انصرامه. 3- فضل صيام عاشوراء‬
                                                                                  ‫وبعض أحكامه.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها،‬
                                    ‫وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل وتحلوا بالعبودية الخالصة هلل سبحانه وتعالى، واعلموا أنكم قد‬
                                                                  ‫ر‬      ‫د‬
    ‫استقبلتم عامًا جدي ًا وشه ًا مفضالً عظيمًا، وقد افتتحت ألعمالكم سنة جديدة تحصى عليكم فيها‬
                                                                ‫ر‬              ‫ر‬
             ‫أعمالكم، إن خي ًا فخير، وإن ش ًا فشر، فلتكن أعمالكم في عامكم الجديد مفتتحة بالتقوى‬
‫والصالح، ثم الندم والتوبة على زمن انصرم وانقضى في غير طاعة اهلل ولم نفز فيه بالرضوان.‬
 ‫ر‬
‫فليخلص كل منا ـ رحمكم اهلل ـ نواياه، ولنعزم العزم على أن يكون حظنا في العام الجديد خي ًا‬
         ‫د‬
        ‫من ماضيه بالتقرب إلى اهلل تعالى باألعمال الصالحات إن شاء اهلل تعالى، فمن أحسن فليز َد‬
                                           ‫ال‬
    ‫إحسانًا، ومن أساء فليتب إلى اهلل تعالى وليزدد عم ً صالحًا وتقوى اهلل تعالى، وليكرس كل منا‬
  ‫ُل جهوده للباقيات الصالحات عند الرب تبارك وتعالى الذي قال في محكم التنزيل: َك َّ ِنْ َا ٍ‬
  ‫و ُل إ س ن‬                                                                              ‫ج‬
‫ْ عل ك‬                  ‫ك ف ب‬               ‫ْز ه ئ ُ ف عنقه ون رج ه ْ ق مة ك ب ي ه م ش ر ْر‬
‫أَل َمْنَا ُ طَ ِرَه ِى ُ ُ ِ ِ َ ُخْ ِ ُ لَ ُ يَومَ الْ ِيَا َ ِ ِتَا ًا َلْقَا ُ َنْ ُو ًا اق َأْ كَتَابَ َ كَ َى ِنَفْسِكَ الْيَومَ ََيْ َ‬
   ‫َد ِن ي ت ل سه وم ض َّ ِن ي ِل ع ه و َ ِر و ِ ة ِ ْر أ ْر وم‬                                           ‫حس م‬
  ‫َ ِيبًا َّنِ اهْت َى فَإ َّمَا َهْ َدى ِنَفْ ِ ِ َ َن َل فَإَّمَا َض ُّ َلَيْ َا َالَ تز ُ َازرَ ٌ وز َ ُخ َى َ َا‬
                                                                                          ‫ُن معذب ن َت ع َ رس‬
                                                                     ‫ك َّا ُ َ ّ ِي َ ح َّى نَبْ َث َ ُوالً [اإلسراء:35-15].‬
     ‫فيا عباد اهلل، تزودوا من العمل الصالح الخالص لوجه اهلل تعالى قبل أن يختم الكتاب وأنتم عنه‬
                     ‫ل‬
‫الهون، قد غرتكم الحياة الدنيا فتعلقتم بها ونسيتم أن ابن آدم مهما عاش فق ّ أن يجاوز الثمانين أو‬
‫التسعين، وقد بين رسول اهلل أن أعمار أمته ما بين الستين والسبعين، ومهما بلغت من العمر ـ يا‬
‫ابن آدم ـ من مدة فما أقصرها بالنسبة لعمر األيام، وبالنسبة أليام اهلل التي يعدل فيها كل يوم ألف‬
                                                 ‫سنة مما تعدون، فالحياة قصيرة والموت قريب، واهلل المستعان.‬
 ‫فليغتنم كل منا ـ عباد اهلل ـ هذه الفرصة المتبقية من حياتنا القصيرة، والتي ال ندري متى يكون‬
      ‫ختامها، ولنغتنم هذا الشهر العظيم من العام الجديد بالتوبة واستصالح أغالط الماضي والتوبة‬
‫الصادقة النصوح والعزم على عدم العودة إلى فعل القبيح والندم على فعل المنكرات واإلقالع عما‬
    ‫اقترفناه من الذنوب واآلثام، فإننا ال ندري هل سنعيش للعام القابل أم أن أسماءنا مع الموتى في‬
                                                                                                           ‫الديوان، فاهلل المستعان.‬
    ‫ح وم‬            ‫وي َم م ف‬               ‫ِن الل ع ه ع ْم الس عة وي َزل‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، إ َّ َّهَ ِندَ ُ ِل ُ َّا َ ِ َ ُن ّ ُ الْغَيْثَ َ َعْل ُ َا ِى األرْ َامِ َ َا‬
                   ‫َ ْر س م ذ سب َد وم َ ْر س ى َ ْض م ت ِن الل ع م ر‬
       ‫تد ِى نَفْ ٌ َّا َا تَكْ ِ ُ غ ًا َ َا تد ِى نَفْ ٌ بِأَ ّ أر ٍ تَ ُو ُ إ َّ َّهَ َلَي ٌ خَبِي ٌ [لقمان:43].‬
           ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،‬
                                                                                            ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                                            ‫ب‬
   ‫الحمد هلل الواحد القهار، مد ّر األمور مصرف األحوال، رب المشارق والمغارب العزيز الغفار،‬
                                    ‫د‬
     ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله المبعوث إلى الناس‬
  ‫كافة بالهدى والرحمة واألنوار، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.‬
     ‫أما بعد: عباد اهلل، فقد صح في الحديث عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل سئل: أي‬
     ‫الصالة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: ((أفضل الصالة بعد‬
                   ‫المكتوبة الصالة في جوف الليل, أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر اهلل‬
                                                                                                       ‫المحرم))(5)[5].‬
        ‫ومن حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: لما قدم رسول اهلل المدينة رأى اليهود تصوم‬
‫عاشوراء فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: هذا يوم صالح، نجى اهلل فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم،‬
                                            ‫ر‬
  ‫وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شك ًا، فنحن نصومه، فقال رسول اهلل : ((فنحن أحق‬
‫وأولى بموسى منكم))، فصامه رسول اهلل وأمر بصيامه(7)[7]. وفي رواية قال: حين صام رسول‬
      ‫اهلل يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول اهلل، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال‬
  ‫رسول اهلل : ((فإذا كان العام المقبل إن شاء اهلل صمنا اليوم التاسع))، فلم يأت العام المقبل حتى‬
                                                                                            ‫توفي رسول اهلل (3)[3].‬
                                               ‫وقد ذكر العلماء أن صيام يوم عاشوراء على ثالث مراتب:‬
                                                        ‫5- صوم ثالثة أيام: التاسع والعاشر والحادي عشر.‬
                                                                                          ‫7- صوم التاسع والعاشر.‬
                                                               ‫3- صوم العاشر وحده أو مع إضافة يوم بعده.‬
‫والقصد في كل المراتب التقرب هلل تعالى والشكر له جل وعال على نعمة وفضل هذا اليوم العظيم‬
  ‫الذي نجى اهلل فيه موسى عليه السالم وقومه، وبصومه التاسع قبله أو الحادي عشر بعده مخالفة‬
     ‫لليهود والنصارى كما وردت بعض النصوص في مخالفتهم وأمره صلى اهلل عليه وآله وسلم‬
    ‫بمخالفتهم، واألمر يقتضي الوجوب وااللتزام، مثل قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم:‬
      ‫((قصوا الشوارب وأعفوا اللحى))، وفي رواية: ((خالفوا اليهود والنصارى، حفوا الشوارب‬
    ‫ووفروا اللحى)). واألمر هنا يقتضي الوجوب واإللزام، ورسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم‬
  ‫ورد عنه في بعض الروايات منها قوله: ((أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص الشارب)). وقد قال‬
                                                  ‫م‬
 ‫بعض أهل العلم بفسق حالق اللحية وأنه ال يؤ ّ المصلين إال إذا كانوا مثله، واهلل المستعان. وأشد‬
                                                                      ‫م‬
‫من ذلك وأنكى َن حلَقَ لحيته وأطال شاربه، فقد خالف مخالفة صريحة تستدعي توبته، وال حول‬
                                                                                      ‫وال قوة إال باهلل العلي العظيم.‬
      ‫و م رو ب‬                          ‫ُ ب وي ه ع‬                    ‫ن وإ‬          ‫ِن الل ُر َ ل و‬
   ‫عباد اهلل، إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلْحْسَا ِ َِيتَآء ذِى الْقرْ َى َ َنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَ ِ َالْ َغْى‬
                                                                           ‫ي ظك َلك َّر‬
 ‫َعِ ُ ُمْ لَعَّ ُمْ تَذَك ُونَ [النحل:01]، فاذكروا اهلل على نعمه، واشكروه على آالئه، ولذكر اهلل أكبر،‬
                                                                                               ‫واهلل يعلم ما تصنعون.‬


                                                                                                        ‫__________‬
                                          ‫(5) رواه مسلم في الصيام، باب: فضل صوم المحرم (3655).‬
   ‫(7) رواه البخاري في الصوم، باب: صيام يوم عائشوراء (7/017)، ومسلم في الصيام، باب:‬
                                                                 ‫صوم يوم عاشوراء (0355).‬
                       ‫(3) رواه مسلم في الصيام، باب: أي يوم يصام في عاشوراء؟ (4355).‬

‫(5/2154)‬




                                                                                ‫صالة الجماعة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫فقه‬
                                                                              ‫الصالة, المساجد‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                         ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                           ‫جدة‬
                                                                                ‫األمير منصور‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- وجوب صالة الجماعة على المسلم. 7- الحكمة من صالة الجماعة وفوائدها. 3- تعويد‬
                                                                 ‫الصغار على الذهاب للمساجد.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
  ‫د‬
 ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل، واعلموا أن اإلسالم لم يكتف من المسلم أن يؤدي صالته منفر ًا‬
   ‫في عزلة عن المجتمع اإلسالمي الذي يعيش فيه، وإنما أوجب عليه إلى جانب فرضية الصالة‬
   ‫أداءها في جماعة المسلمين في بيوت اهلل حيث ينادى للصالة والفالح: "حي على الصالة، حي‬
      ‫م‬      ‫د‬
     ‫على الفالح"، فعن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: (من سره أن يلقى اهلل غ ًا مسل ًا‬
‫فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن اهلل شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من‬
  ‫سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو‬
‫تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إال‬
  ‫كتب اهلل له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، وحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما‬
  ‫يتخلف عنها إال منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في‬
                                                                               ‫الصف)(5)[5].‬
‫وكان بعض السلف رحمهم اهلل تعالى يقول: "إذا تخلف أحد منا عن صالة العشاء أو الفجر اتهمناه‬
                                                                                                      ‫بالنفاق".‬
‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: أتى رسول اهلل رجل أعمى فقال: يا رسول اهلل، إني ليس لي‬
 ‫قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اهلل أن يرخص له، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: ((هل‬
       ‫ُّ‬
   ‫تسمع النداء بالصالة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب))(7)[7]، ليس له عذر، فاألمر ما منه بد رغم‬
‫هم‬       ‫دع‬
‫هذه األعذار، فويل ألهل زماننا ممن ال يؤديها مع الجماعة تبعًا للراحة والرفاهية وال َ َة، وقد َّ‬
‫الرسول أن يحرق على قوم بيوتهم ألنهم يتخلفون عن الجماعات، فليس األمر من البساطة بمكان،‬
                                                                              ‫فالتوعد باإلحراق أمر عظيم.‬
  ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وحافظوا على الصلوات في أوقاتها مع الجماعة في المساجد لتفوزوا باألجر‬
  ‫العظيم المعد لمن حافظ عليها، وتسلموا من اإلثم والوزر والخسران المعد لمن ضيعها وأهملها.‬
    ‫واعلموا ـ عباد اهلل ـ أن اإلسالم لم يشرع الصالة جماعة في المساجد إال لحِكم بالغة وفوائد‬
                                                                                                           ‫م‬
                                                                                                         ‫ج ّة:‬
  ‫منها أن المسجد يضم أهل الحي في كل يوم خمس مرات، فتتالصق األبدان، وتتعارف الوجوه،‬
                              ‫وتتصافح األيدي، وتتآلف القلوب، وتغفر الذنوب وتتضاعف الحسنات.‬
     ‫ومنها تلك المساواة التي نراها في الصفوف المتراصة في المسجد، األمير إلى جانب الفقير،‬
    ‫والسيد إلى جانب العامل، والخادم إلى جانب الموظف الكبير وهكذا، فليس في جماعة المسجد‬
    ‫الئحة تخصص الصف األول للملوك واألمراء، والثاني لموظفي الدرجة األولى، وإنما الجميع‬
                   ‫ي‬
  ‫سواسية، ويفوز بفضل الصفوف األولى المبكرون الحريصون على الفضل أ ًا كانت منزلتهم أو‬
                                                                                                      ‫أعمالهم.‬
      ‫ومن تلك الفوائد العظيمة للجماعة أيضًا ما يتعلمه المصلون من طاعة األمر واالنقياد للنظام‬
  ‫الشرعي واحترام صاحب األمر المتمثل هنا باإلمام، فال ركوع إال مع اإلمام، وال سجود كذلك،‬
                                      ‫ع‬
 ‫واإلنصات أثناء القراءة، وعدم سبقه بالسالم، وقد تو ّد النبي من يخرج عن هذا النظام بالخروج‬
 ‫عن إنسانيته فقال : ((أال يخشى من إذا رفع رأسه قبل اإلمام أن يحول اهلل رأسه رأس حمار؟!))‬
                                                                                                 ‫أو كما قال .‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وحافظوا على أداء الصالة مع الجماعة في بيوت اهلل عز وجل التي ذكرها في‬
                             ‫مه‬          ‫ف بي َذ الله أ ُ ْ ع وي َ ف‬
  ‫محكم كتابه حيث قال: ِى ُ ُوتٍ أ ِنَ َّ ُ َن ترفَ َ َ ُذْكَر ِيهَا اسْ ُ ُ [النور:63]، والتي قال فيها‬
                                         ‫ذ‬
               ‫رسول اهلل : ((صالة الجماعة أفضل من صالة الف ّ بسبع وعشرين درجة))(3)[3].‬
       ‫شع ن‬           ‫رة ِال عل‬            ‫ة وِنه‬         ‫و ع ن ِالص ْر و‬
       ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َاسْتَ ِي ُواْ ب َّب ِ َالصال ِ َإ َّ َا لَكَبِي َ ٌ إ َّ ََى الْخَا ِ ِي َ‬
                                                                                                 ‫[البقرة:14].‬
       ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                       ‫الرحيم.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،‬
    ‫من يهده اهلل فال مضل له، من يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                                                                           ‫د‬
                   ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، إن من عالمة إخالص المرء لدينه دعوته الناس إلقامة الصالة، وخاصة‬
      ‫أهله وأبناؤه ومن استرعاه اهلل فيهم وسيسأله عنهم، واألخذ على يد المفرط فيها، واستصحاب‬
      ‫األوالد ممن أمر الشارع الحكيم بأمرهم بالصالة في السن السابعة من السنوات إلى المساجد،‬
        ‫لينشؤوا تنشئة صالحة على حب المساجد، فإن اهلل قد استرعانا إياهم، وهو سائلنا عنهم يوم‬
       ‫القيامة، بل هم أنفسهم سيتعلقون بنا يوم ال ينفع مال وال بنون ويقولون: يا رب، سل هذا: لم‬
                                   ‫ضيعنا؟ ورعايتهم الصحيحة بأمرهم باالستقامة على دين اهلل تعالى.‬
 ‫فاتق اهلل أخي المسلم، واحذر وقوفك بين يدي اهلل وخصومة الولد والبنت والزوجة إياك، فال تدع‬
                                                                                ‫ر‬
 ‫لهم عذ ًا في ترك الصالة أو التهاون بها ومساءلتهم عن أدائها ومتى وأين ومحاسبتهم على ذلك.‬
                                                ‫م‬
     ‫واعلم أنك مأمور بذلك بأمر متحتم عليك ِن الذي أوجدك من العدم وأبرزك إلى حيز الوجود‬
‫و ُ لك‬
‫المشاهد، وعليك األخذ على أيديهم بحكمة وشدة وحزم، وتذكر قول اهلل تبارك وتعالى: َأْمرْ أَهَْ َ‬
     ‫ض‬                         ‫ل َ ِ ْ ن ن َ ْ ُقك و ع قبة ِلت‬                       ‫ِ ع ه‬           ‫ةو‬
‫بِالصال ِ َاصْطَبرْ َلَيْ َا الَ نَسْأَُك رزقًا َّحْ ُ نرز ُ َ َالْ َا ِ َ ُ ل َّقْوَى [طه:735]، وتذكر أي ًا قول‬
      ‫معلم البشرية ومربيها : ((مروا أوالدكم بالصالة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء‬
                                                              ‫عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))(4)[5].‬
            ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واهتدوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم، ففي ذلك الضمان بالمغفرة والفوز‬
                ‫ق ت‬             ‫َل م من ن ك‬                      ‫ِن الص‬
               ‫بالرضوان، فكما قال اهلل تبارك وتعالى: إ َّ َّالةَ كَانَتْ عَى الْ ُؤْ ِ ِي َ ِتَابًا مَوْ ُو ًا‬
 ‫[النساء:305] أي: مفروضًا في األوقات، وكما قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم: ((مروا‬
       ‫أبناءكم بالصالة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)). وهنا يحرص‬
‫القارئ والمستمع أن اللفظة المستعملة في الحديث تفيد األمر، ال كما يقال من بعض الناس: علموا‬
                                                                          ‫أبناءكم، فلفظ الحديث: ((مروا)).‬
  ‫وليأتمر في نفسه حتى يكون قدوة ألوالده وأهل بيته، وليحثهم على ذلك، ولنحرص على التفريق‬
‫بينهم في المضاجع، فاألمر يقتضي الوجوب واإللزام وااللتزام، فحذار ـ أخي المسلم ـ من مغبة‬
                                                 ‫ر‬
        ‫التهاون أو عدم األخذ بأمر رسول اهلل ، فتج ّ على نفسك العار والندامة والخسران المبين.‬


                                                                                             ‫__________‬
                           ‫(5) رواه مسلم في المساجد، باب: صالة الجماعة من سنن الهدى (416).‬
            ‫(7) رواه مسلم في المساجد، باب: يجب إتيان المساجد على من سمع النداء (316).‬
‫(3) رواه البخاري في الجماعة، باب: فضل صالة الجماعة (5/715)، ومسلم في المساجد، باب:‬
                                                                ‫فضل صالة الجماعة (016).‬
‫(4) رواه أحمد (7/075، 275)، وأبو داود في الصالة، باب: متى يؤمر الغالم بالصالة؟ (114)‬
   ‫من حديث عبداهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما، وحسنه األلباني في اإلرواء (247).‬

‫(5/7154)‬




                                                                              ‫عظم حق الجار‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                         ‫جدة‬
                                                                              ‫األمير منصور‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                   ‫5- وصية اهلل ورسوله بالجار. 7- حقوق الجار. 3- الوعيد لمن آذى جاره.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫الحمد هلل الذي أمرنا بالبر والصلة واإلحسان، أحمده سبحانه وتعالى جعل للجار حقًا على جاره‬
   ‫حتى وإن كان من أهل الكفر والفسوق والعصيان، وذلك بدعوة الكافر إلى عبادة الملك الديان،‬
      ‫د‬
‫والنصيحة للمسلم بقدر اإلمكان، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده‬
‫ورسوله الهادي إلى صراط اهلل المستقيم بأحسن بيان، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد‬
                                                    ‫وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.‬
           ‫متقو‬
    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أن الدين ليس مجرد زعم قائل أو ِّل بقوله‬
  ‫عقيدة تستقر في ضميره ويخالفها العمل، وال شعائر تقام دون أن يكون لذلك كله أثره في سلوك‬
   ‫اإلنسان في كل أعماله وتصرفاته ومجاالت حياته، فقد أقام اإلسالم قواعد ثابتة للتنظيم العائلي‬
   ‫واالجتماعي تحدد عالقات الناس بعضهم ببعض، وترسم لكل فرد في المجتمع حقوقًا وواجبات‬
           ‫منبثقة من العقيدة األساسية التي ينبثق منها كل صالح وصواب في العبادات والتصورات‬
                                                                                   ‫والعالقات بكل صورها وأشكالها.‬
 ‫ومن جملة تلك الحقوق العظيمة حقوق الجار التي أمر اهلل بها رسوله صلى اهلل عليه وآله وسلم،‬
     ‫جاءت مؤكدة باآليات الكريمة واألحاديث الشريفة، يقول اهلل سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:‬
  ‫و ِد إ ن و ِذ ُ ب و ي م و م ك ن و ج ر ذ‬                                                   ‫و ُد الله و ت رك به‬
 ‫َاعْب ُواْ َّ َ َالَ ُشْ ِ ُواْ ِ ِ شَيْئًا َبِالْوال َيْنِ ِحْسَا ًا َب ِى الْقرْ َى َالْ َتَا َى َالْ َسَا ِي ِ َالْ َا ِ ِى‬
                          ‫منُ‬             ‫ُ ب و ج جنب َالص حب ج ب و السب وم م‬
   ‫الْقرْ َى َالْ َارِ الْ ُ ُ ِ و َّا ِ ِ بِال َنْ ِ َابْنِ َّ ِيلِ َ َا َلَكَتْ أَيْ َاُكمْ [النساء:63]، فاسمعوا‬
                                                                                                                   ‫ع‬
                                                                                               ‫و ُوا وتدبروا والتزموا.‬
          ‫ويقول رسول اهلل عليه الصالة والسالم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه‬
                                                                                   ‫سيورثه))(5)[5]، إنه لحق عظيم.‬
      ‫ويقسم رسول اهلل على عدم كمال إيمان من ال يأمن جاره دواهيه وشروره، فيقول: ((واهلل ال‬
          ‫يؤمن، واهلل ال يؤمن، واهلل ال يؤمن))، قيل: من يا رسول اهلل؟ قال: ((الذي ال يأمن جاره‬
                                                        ‫ر‬                   ‫م‬
                          ‫بوائقه))(7)[7]. كفى به إث ًا عظيما وحوبًا كبي ًا، نسأل اهلل السالمة والعافية.‬
      ‫وقال أيضًا: ((من كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فال يؤذ جاره ))، وفي رواية: ((فليحسن إلى‬
                                                                                                                     ‫جاره)).‬
 ‫اللهم وفقنا إلى اإلحسان إلى جيراننا، ونعوذ بك اللهم من أذية الجار واإلساءة إليه، وارزقنا اللهم‬
            ‫ي‬
   ‫الصبر وعدم التململ إذا بدر علينا من جيراننا شيء، واجعلنا اللهم ممن يكافئ الس ّئ بالحسن.‬
                       ‫ر‬
   ‫وإن مجال اإلحسان إلى الجار ـ يا عباد اهلل ـ واسع وعظيم يشمل أمو ًا عديدة، منها إكرامه‬
‫والتودد بالهدية والقول اللطيف، ولهذا أوصى رسول اهلل الصحابي الجليل أبا ذر فقال له: ((يا أبا‬
‫ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك منها))(3)[3]. إنها لوصية عظيمة لها مدلولها‬
                                                                                                                     ‫وأثرها.‬
    ‫وأوصى نساء المسلمين عامة فقال: ((يا نساء المؤمنات، ال تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن‬
                                         ‫شاة))(4)[4] أي: ظلفها، فما أقله من عمل، وما أعظمه من أجر.‬
     ‫ومن اإلحسان إلى الجار ـ أيها الناس ـ كف األذى عنه بأي حال من األحوال، كالنظر إلى‬
‫أهله، أو التجسس إلى أحاديثه في بيته، أو اقتطاع جزء من أرضه، أو تحريض األبناء على أبنائه‬
  ‫لإلضرار بهم، أو رفع المذياع وقت الراحة من النهار أو الليل، أو غير ذلك من أنواع الضرر،‬
          ‫ث‬                                    ‫ع‬
 ‫فمن فعل شيئًا من ذلك وأمثاله فقد دخل في تو ّد رسول اهلل : ((واهلل ال يؤمن ـ ثال ًا ـ من ال‬
                                                                                                     ‫يأمن جاره بوائقه)).‬
   ‫ومن اإلحسان إلى الجار أن تؤدي حقوقه عليك، ومن تلك الحقوق أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن‬
 ‫تعوده إذا مرض، وأن تشيعه إذا مات، وتكون ألوالده بعد وفاته كما كان لهم في حياته، كما قال‬
  ‫اهلل تعالى: َلْ َخْشَ ال ِينَ لَوْ ت َ ُواْ ِنْ خَلْ ِهمْ ُر َّ ً ِ َا ًا َا ُواْ َلَيْهم فَلْي َّ ُوّ َّ َ َلْ َ ُوُوا قَوْ ً‬
  ‫ف ِ ذ ّية ضع ف خ ف ع ِ ْ َتق ا الله و يق ل ْ ال‬                                  ‫َرك م‬              ‫َّذ‬      ‫وي‬
                                                                                  ‫َد د‬
  ‫س ِي ًا [النساء:1]، وأن تقف إلى جانبه في السراء والضراء، فإن هذه الحقوق وإن كانت واجبة‬
‫عليك ـ أيها المسلم ـ تجاه كل الجيران بصفة خاصة وبصفة عامة تجاه كل المسلمين فإنها بحق‬
‫جيرانك أوجب، فعن عبد اهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((خير‬
   ‫األصحاب عند اهلل خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اهلل: خيرهم لجاره))(1)[1]، فكن خير‬
                                                                                                 ‫جار أخي المسلم.‬
    ‫وعن عائشة أم المؤمنين رضي اهلل عنها قالت: قلت: يا رسول اهلل، إن لي جارين، فإلى أيهما‬
                 ‫أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك بابًا))(6)[6]. إنه توجيه سام وإرشاد حكيم وعظيم.‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واحرصوا على تنفيذ وصية الرسول الكريم بمراعاة حقوق الجيران، وترفعوا‬
‫عن كل ما يؤذي الجيران ويضرهم، واعلموا أن من السعادة أن يكون الجار صالحًا، فكونوا ذلك‬
     ‫الجار الذي يحقق السعادة لجيرانه، كما قال عليه الصالة والسالم: ((أربع من السعادة: المرأة‬
‫الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: المرأة السوء،‬
                                                      ‫والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق)).‬
                                                          ‫ن‬
      ‫اللهم اجعلنا صالحين، وارزقنا جيرا ًا صالحين، فاهلل اهلل ـ يا عباد اهلل ـ في حسن الجوار،‬
                                                  ‫فاألمر عظيم، والحق كبير، والسعادة في الجار الصالح.‬
  ‫ُ ب‬         ‫س وِ‬              ‫و ِد‬                  ‫و ُد الله و ت ْرك ب‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َاعْب ُواْ َّ َ َالَ ُش ِ ُواْ ِهِ شَيْئًا َبِالْوال َيْنِ إِحْ َانًا َبذِى الْقرْ َى‬
   ‫جنب َالص حب ج ب و السب ل و ملك‬                                 ‫ُ ب و‬                   ‫و ي م و م كن و‬
 ‫َالْ َتَا َى َالْ َسَا ِي ِ َالْجَارِ ذِى الْقرْ َى َالْجَارِ الْ ُُ ِ و َّا ِ ِ بِال َنْ ِ َابْنِ َّ ِي ِ َمَا ََ َتْ‬
                                                                                                             ‫م نك‬
                                                                                              ‫أَيْ َا ُ ُمْ [النساء:63].‬
‫وفقنا اهلل إلى أداء حقوق الجار، وعصمنا اهلل من أذية الجار، ونفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وسنة‬
 ‫نبيه، وأقول هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                              ‫الرحيم.‬


                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
  ‫إن الحمد هلل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من‬
      ‫يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                                                                             ‫د‬
             ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى أصحابه والتابعين وسلم تسليمًا.‬
     ‫أما بعد: فحقوق الجار قد عظم اهلل من شأنها وعظم من شأنها رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله‬
                ‫وسلم، والموفق من وفق للقيام بحقوق الجار، والمحروم من أخفق في حقوق الجار.‬
   ‫فيا عباد اهلل، لقد صح من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه أنه قال: جاء رجل إلى رسول اهلل‬
           ‫يشكو جاره، فقال: ((اذهب فاصبر))، فأتاه مرتين أو ثالثًا فقال: ((اذهب فاطرح متاعك‬
 ‫بالطريق))، ففعل، فجعل الناس يمرون ويسألونه، ويخبرهم خبر جاره، فجعلوا يلعنونه: فعل اهلل‬
            ‫ئ‬
‫به وفعل، وبعضهم يدعو عليه، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع فإنك لن ترى مني شي ًا تكرهه. إنه‬
                                                    ‫رأي من ال ينطق عن الهوى صلوات اهلل وسالمه عليه.‬
                                     ‫و‬
  ‫وإن في هذا الحديث ـ عباد اهلل ـ درسًا واضحًا يص ّر للمسلم الوعيد الشديد في حق كل جار‬
      ‫يؤذي جاره أو يسبب له أي أذى أو مضرة، بطريق أو بيع أو معاملة، فإن من أصول الدين‬
                                                                     ‫اإلسالمي الحنيف أن ال ضرر وال ضرار.‬
      ‫و م رو ب‬                          ‫ُ ب وي ه ع‬                    ‫ن وإ‬          ‫ِن الل ُر َ ل و‬
   ‫عباد اهلل، إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلْحْسَا ِ َِيتَآء ذِى الْقرْ َى َ َنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَ ِ َالْ َغْى‬
                                                                                               ‫ي ظك َلك َّر‬
                                                                                ‫َعِ ُ ُمْ لَعَّ ُمْ تَذَك ُونَ [النحل:01].‬
   ‫فاذكروا اهلل على نعمه، واشكروه على آالئه، ولذكر اهلل أكبر، واهلل يعلم ما تصنعون، وأحسنوا‬
   ‫إلى جيرانكم، وترفعوا عن اإلساءة إليهم، واغرسوا ذلك في نفوس أوالدكم، وألزموه زوجاتكم،‬
 ‫وحذار من الدخول مع الجيران في دعوى أو خصومة أو مراء أو كالم هراء أو ترهات، والتزم‬
    ‫وصية رسول اهلل صلى اهلل عليه آله وسلم وما ذكره عن جبريل عليه السالم، واهلل المستعان.‬
                                                                                                        ‫__________‬
     ‫(5) رواه البخاري في األدب، باب: الوصية بالجار (2/72)، ومسلم في البر والصلة، باب:‬
                                                                                            ‫الوصية بالجار (1767).‬
   ‫(7) رواه البخاري في األدب، باب: إثم من ال يأمن جاره بوائقه (2/72)، ومسلم في اإليمان،‬
                                                                              ‫باب: بيان تحريم إيذاء الجار (65).‬
                      ‫(3) رواه مسلم في البر والصلة، باب: الوصية بالجار واإلحسان إليه (1767).‬
  ‫(4) رواه البخاري في األدب، باب: ال تحقرن جارة لجارتها (2/72)، ومسلم في الزكاة، باب:‬
                                                                          ‫الحث على الصدقة ولو بقليل (0305).‬
  ‫(1) أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في حق الجوار (1415) وقال: "هذا حديث‬
                                                         ‫حسن غريب"، وهو في السلسلة الصحيحة (0305).‬
                          ‫(6) رواه البخاري في األدب، باب: حق الجوار في قرب األبواب (2/12).‬

‫(5/1154)‬




                                                                                            ‫عناصر القوة في اإلسالم‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                       ‫أعمال القلوب, القتال والجهاد‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                              ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                    ‫جدة‬
                                                                                       ‫األمير منصور‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- األمر بأخذ أسباب القوة. 7- قوة العقيدة والعتاد واإلعداد. 3- االستعالء اإليماني والصدع‬
  ‫بالحق. 4- ضرورة تصحيح أخطاء حياتنا. 1- المؤمن القوي خير وأحب على اهلل من المؤمن‬
                                           ‫الضعيف. 6- التوكل والعزم والتفويض سالح المؤمن.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فيا عباد اهلل، إن من أهم أسباب المحافظة على العزة التي كتبها اهلل لعباده المؤمنين األخذ‬
 ‫و ِد ل ُ م‬
‫بعناصر القوة في أشكالها المتعددة، وذلك استجابة ألمر اهلل القائل في كتابه الكريم: َأَع ُّواْ َهمْ َّا‬
                                                                                     ‫ت م ُو‬
                                                                     ‫اسْتَطَعْ ُم ّن ق َّةٍ [األنفال:06].‬
‫ومن عناصر القوة قوة العقيدة ورسوخ اإليمان باهلل جل وعال وبكل ما جاء عن اهلل تبارك وتعالى‬
    ‫وعن رسوله صلى اهلل عليه وآله وسلم واالنقياد الكلي هلل ولرسوله في كل ما نأتي ونذر، فإن‬
                                            ‫ط‬
   ‫المسلم إذا تغلغل اإليمان في قلبه أكسبه نشا ًا وحماسًا على تحمل الصعاب ومواجهة األخطار‬
                                                                               ‫ه‬
   ‫دون ت َيب، وكما أن العقيدة القوية تضفي على صاحبها قوة تنطبع في سلوكه كله وفي عبادته‬
           ‫خ‬                            ‫ق‬
 ‫ومعامالته وأخالقه وفي شأنه كله، فإذا تكلم كان واث ًا من قوله، وإذا عمل كان راس ًا في عمله،‬
         ‫ال‬                                           ‫ل‬              ‫ح‬
        ‫وإذا توجه كان واض ًا في هدفه، وق ّ ما يعرف التردد أو اليأس إلى نفس المؤمن سبي ً.‬
 ‫فعليكم ـ يا عباد اهلل ـ بتقوية اإليمان في نفوسكم ونفوس أبنائكم؛ لتضمنوا العزة التي كتبها لكم‬
‫ربكم إن كنتم مؤمنين، فالعقيدة الصحيحة هي أساس الفالح في الدنيا واآلخرة والنجاح في األمور‬
                                                               ‫كلها والعاقبة الحميدة واهلل المستعان.‬
                                                        ‫و‬
 ‫ومن عناصر القوة ـ أيها الناس ـ ق ّة العدة والعتاد والتدريب على فنون الجهاد باللسان والمال‬
 ‫والعتاد واألنفس والتدرب على السالح والرماية بالطرق المشروعة، وبذلك نرضي الرب تبارك‬
                                                                          ‫ُب‬
  ‫وتعالى، ونذ ُّ عن ديننا، ونحمي أنفسنا وأهلينا وديارنا، وبذلك نضمن العز والنصر في معركة‬
                   ‫و ي ُ َن الله م ي صره ِن الل ِي َ ز‬
    ‫الحق مع الباطل، قال تعالى: َلَ َنصر َّ َّ ُ َنْ َن ُ ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ عزِي ٌ [الحج:04]، وعن‬
    ‫و ِد ُ م‬
   ‫عقبة بن عامر رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل وهو على المنبر يقول: (( َأَع ُّواْ لَهمْ َّا‬
                                                                                ‫ت م ُو‬
   ‫اسْتَطَعْ ُم ّن ق َّةٍ أال إن القوة الرمي، أال إن القوة الرمي، أال إن القوة الرمي))(5)[5]. والرمي‬
 ‫هذا يشمل كل رمي في كل زمان ومكان بحسبه؛ ألن الرسول عليه الصالة والسالم أطلق الرمي‬
                          ‫ولم يعين ما يرمى به، فيتحرك المسلم حسب ما يقتضيه الحال والمكان.‬
      ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وامتثلوا ألمر اهلل ورسوله بإعداد القوة الالزمة لرد كيد أعداء اإلسالم في‬
  ‫نحورهم، ولتعلموا أن اإلسالم ليس ترفًا ورخاوة أو لذة أو جمعًا لحطام الدنيا، وإنما اإلسالم دين‬
         ‫ودولة ومصحف وسيف ومحراب وميدان للجهاد في سبيل اهلل بكل وسائل القوة بعد التوكل‬
                                                ‫واالعتماد على اهلل جل وعال وإخالص النية هلل رب العالمين.‬
 ‫ومن عناصر القوة ـ أيها المسلمون ـ أن يكون المسلم صريحًا جريئًا يواجه الناس بقلب مفتوح‬
                                     ‫ض‬
   ‫ومبادئ واضحة، فال يصانع على حساب الحق بما يغ ّ من كرامته وكرامة إخوانه المسلمين،‬
           ‫ط‬                                                     ‫ُّ‬
  ‫فال يوهن فيهم وال يفت في عضدهم وال يهين كرامتهم وال يحطم معنوياتهم وال يح ّ من قدرهم‬
                                                              ‫د‬
‫وال يحيد عن هذه الصراحة أب ًا، فقاعدة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنبثق من هذا المبدأ،‬
                                                                 ‫ر‬
         ‫فعلى المسلم أن ال يتهيب كبي ًا وال يستحي من قريب أو بعيد وال تأخذه في اهلل لومة الئم.‬
        ‫ولذلك كره اإلسالم أن يضعف اإلنسان أمام العصاة من الكبراء فيناديهم بألفاظ التكريم، قال‬
                                   ‫رسول اهلل : ((إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد فقد أغضب ربه))(7)[7].‬
            ‫يحق‬
  ‫فمن الجريمة ـ عباد اهلل ـ أن تنتهك حرمات اإلسالم ثم ال يجد من ينتهكها من ِّره، بل يجد‬
                 ‫وم يه الل ُ م ه م م ْر ِن الل عل ي‬
             ‫من يمتدحه ويبجله، قال اهلل تعالى: َ َن ُ ِنِ َّه فَ َا لَ ُ ِن ُّك ِمٍ إ َّ َّهَ يَفْ َ ُ مَا َشَاء‬
                                                                                                                   ‫[الحج:75].‬
    ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وخذوا بكل أسباب القوة لتتحقق لكم الحياة الطيبة العزيزة الكريمة في الدنيا‬
                                            ‫م‬
     ‫وفي اآلخرة، واعلموا أن الظفر بالعزة ليس حل ًا معسوال نصبو إليه ونحن نعيش حياة الترف‬
 ‫والخالعة والفجور، نضيع نهارنا في ذرع األسواق وغشيان المعارض والرفاهية الزائفة، ونسهر‬
      ‫ليلنا عكوفًا على األفالم الخليعة من فيديو وتلفزيون وسينما، وإنما الظفر بالعزة يكون بالهدف‬
   ‫األسمى للمسلم، وذلك يتطلب تضحيات جسيمة ال يقدر عليها إال الرجال من المؤمنين الصادقين‬
                                                                             ‫المتوكلين على ربهم بعد توفيق اهلل لهم.‬
      ‫ي ِز ن و ِد ُ م‬                     ‫س َن َّذ ن َر سبق ِن ُ‬                       ‫و‬
     ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َالَ يَحْ َب َّ ال ِي َ كَف ُواْ َ َ ُواْ إَّهمْ الَ ُعْج ُو َ َأَع ُّواْ لَهمْ َّا‬
 ‫لم نهم‬               ‫ت م ُوة وم رب ط ْ ت هب ب َ ُو الله و َ ُو ُ و ر ن م د نه‬
 ‫اسْتَطَعْ ُم ّن ق َّ ٍ َ ِن ّ َا ِ الْخَيلِ ُرْ ِ ُونَ ِهِ عد َّ َّ ِ َعد َّكمْ َءاخَ ِي َ ِن ُو ِ ِمْ الَ تَعَْ ُو َ ُ ُ‬
                          ‫ت م‬           ‫ف س الل ي َف إ ك و ت‬                         ‫الله ي مه و ت فق م‬
‫َّ ُ َعْلَ ُ ُمْ َمَا ُن ِ ُواْ ِن شَىْء ِى َبِيلِ َّهِ ُو َّ ِلَيْ ُمْ َأَن ُمْ الَ ُظْلَ ُونَ [األنفال:11، 06]، وقال‬
     ‫فر ْ َب ُ ُم ت ب إ ُ س السم ع ُ ّ ْر ر و َز ُ ُو إ ُوتك و ت َل‬
 ‫أيضًا: اسْتَغْ ِ ُوا رَّكمْ ث َّ ُو ُواْ ِلَيْهِ يرْ ِلِ َّ َاء َلَيْكمْ مد َا ًا َي ِدْكمْ ق َّةً ِلَى ق َّ ِ ُمْ َالَ َتَوَّوْاْ‬
                                                                                                                     ‫م رم‬
                                                                                                        ‫ُجْ ِ ِينَ [هود:71].‬
         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،‬
                                                                                      ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
   ‫إن الحمد هلل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من‬
     ‫يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                                                                       ‫د‬
  ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي األمي، وأزواجه أمهات المؤمنين،‬
                                        ‫وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
     ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، لقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال‬
  ‫رسول اهلل : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص‬
   ‫على ما ينفعك واستعن باهلل وال تعجز، وإن أصابك شيء ال تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا،‬
 ‫ولكن قل: قدر اهلل وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))(3)[5]، يعني: توكل عليه واجعل‬
                                                                            ‫تفويض األمور كلها إليه جل وعال.‬
       ‫د‬      ‫ال‬     ‫ز‬      ‫ف‬
   ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا أن اإلسالم يكره للمسلم أن يكون ضعي ًا عاج ًا كسو ً مترد ًا في‬
                                                                               ‫ر‬
‫أموره حائ ًا في فكره تائهًا في اتجاهه، وبين لنا رسول اهلل أن ذلك من إيحاء الشيطان في النفس‬
       ‫ليجعلها في يأس وقنوط على ما فات، فيذكرها دومًا بالهزائم واألحزان، وتَكرار كلمة (لو)‬
             ‫م‬                                          ‫ل‬
‫و(ليت) ـ كما بين لنا ـ ليس من خُق اإلنسان المسلم، فالمسلم يجب أن يكون دائ ًا وثيق العزم،‬
                                                                         ‫واهلل يثني على أولى العزم من الرسل.‬
    ‫وليكن المسلم مستجمع النية على إدراك أهدافه بالوسائل الصحيحة، باذالً كل جهوده في بلوغ‬
                                                    ‫د‬              ‫ق‬
    ‫مأربه، متوكالً على اهلل ح ّ التوكل، معتق ًا أن النتائج من عند اهلل تعالى، وأن األسباب ليست‬
   ‫وحدها كافية في إحراز النتائج، ثم إن قدر اهلل له تحقيق ما أراد فيقوم بالشكر هلل تعالى ويكون‬
                                                                                ‫ر‬
‫ذلك خي ًا له، وإن قدر له غير ذلك فيصبر ويحتسب األجر من اهلل تعالى ويعلم أن هلل من الحكمة‬
            ‫ي م‬            ‫َالله لب عل ْ ه و ِن َ الن‬
   ‫ما ال تدركه العقول وال يخطر ببال، و َّ ُ غَاِ ٌ ََى أَمرِ ِ َلَاك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُونَ اآلية‬
                                                                                                         ‫[يوسف:57].‬
                      ‫وُ وض ْ إل الل ِن الل بص ر عب‬
  ‫ويعقل المؤمن قول اهلل تعالى: َأفَ ّ ُ أَمرِى َِى َّهِ إ َّ َّهَ َ ِي ٌ بِالْ ِ َادِ [غافر:44]، ويعقل‬
  ‫كما قال اهلل تعالى عن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصالة والسالم حسبي اهلل، قال اهلل تعالى:‬
     ‫هو َر ل ُ َالله ي َم و ُ ال‬                          ‫ر ل ُ وعس أ ت ِب‬               ‫ه‬               ‫وعس أ ْ ه‬
     ‫َ َ َى َن تَكرَ ُواْ شَيْئًا وَ ُوَ خَيْ ٌ َّكمْ َ َ َى َن ُح ُّواْ شَيْئًا وَ ُ َ ش ٌّ َّكمْ و َّ ُ َعْل ُ َأَنتمْ َ‬
                                                                                                               ‫م‬
                                                                                              ‫تَعْلَ ُونَ [البقرة:657].‬
‫وفقني اهلل وإياكم وجميع المسلمين للعمل بمقتضى كتابه وسنة نبيه ، ونعوذ باهلل من الهم والحزن،‬
               ‫ل‬
‫ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال. وص ّ اللهم على عبدك‬
                   ‫ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬


                                                                                                     ‫__________‬
                                ‫(5) رواه مسلم في اإلمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه (2515).‬
     ‫(7) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/553) وقال: "هذا حديث صحيح اإلسناد ولم يخرجاه"،‬
                                                                                              ‫ووافقه الذهبي.‬
                         ‫(3) رواه مسلم في القدر، باب: في األمر بالقوة وترك العجز (4667).‬

‫(5/0654)‬




                                                                                                     ‫فتنة المال‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                            ‫الفتن‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                             ‫جدة‬
                                                                                               ‫األمير منصور‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- كسب المال من طرق خبيثة. 7- التحذير من تعلق القلب بالمال وجمعه. 3- الحرص‬
                   ‫والطمع من صفات اإلنسان. 4- زهد النبي . 1- طالب المال منهوم ال يشبع.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫الحمد هلل الملك الكريم الرزاق، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، ويمتحن بالمال واألوالد.‬
‫سبحانه ال إله إال هو العزيز الحكيم، أحمده وأشكره على نعمائه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن‬
                                      ‫د‬
‫ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن نبينا محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل وسلم عليه وعلى‬
                                                                                                  ‫آله وصحبه.‬
‫أما بعد: أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى، واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن، احذروا ـ يا عباد اهلل‬
 ‫و لم َنم‬                                 ‫م‬
‫ـ كل ما يصدكم عن اهلل من مال وأهل وولد، واذكروا دو ًا قول اهلل تبارك وتعالى: َاعَْ ُواْ أَّ َا‬
                                                  ‫ل ُ و د ُ ف ة وَن الل ع ه ْر ظ م‬
                                    ‫أَمْواُكمْ َأَوْلَا ُكمْ ِتْنَ ٌ َأ َّ َّهَ ِندَ ُ أَج ٌ عَ ِي ٌ [األنفال:77].‬
‫فالمال واألوالد ـ عباد اهلل ـ اختبار وابتالء من اهلل سبحانه وتعالى لعباده، وليس المال كما يعتقد‬
 ‫البعض مقياس السعادة والنجاح، وليس عنوان الوجاهة والفالح، كما أنه ليس غاية، فليس كل من‬
                                                           ‫ي‬                     ‫د‬
                                                         ‫أعطي المال سعي ًا، وال كل من حرمه شق ًا.‬
    ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل، واعلموا أن فتنة المال من الفتن الكبيرة التي ابتلي بها كثير من الناس،‬
                                                            ‫قل‬                  ‫وقل‬
       ‫َّ من يسلم منها، بل َّ من يتحرى في أسباب الحصول على المال أمن حرام هو أم من‬
 ‫الحالل، وذلك مصداق ما أخبر به رسول اهلل حيث قال: ((يأتي على الناس زمان ال يبالي المرء‬
                                       ‫ما أخذ منه من المال: أمن الحالل، أم من الحرام))(5)[5].‬
   ‫فيا عباد اهلل، إن مما يندى له الجبين ويبعث أشد األسى في قلوب المؤمنين ما يرى ويشاهد من‬
 ‫المشاكل والنزاع الذي يؤدي أغلب األحيان إلى السب والشتم واالقتتال بين المسلم وأخيه المسلم،‬
‫ورسول اهلل يقول: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) الحديث، وكل ذلك بسبب‬
    ‫هم‬
    ‫عرض زائل ودنيا فانية تعلقت بها القلوب في أيام طغت فيها المادة على كل القيم، فأصبح ُّ‬
                           ‫ي‬                  ‫ذ‬
   ‫اإلنسان كسب المال بأي وجه من الوجوه متخ ًا وسيلة الغش والح َل والطرق الملتوية والكذب‬
                             ‫ي‬
  ‫والرشوة للحصول على المال، وكأنه خلق للمال والدنيا فقط، متناس ًا الغاية التي خلق من أجلها،‬
             ‫د‬
  ‫وإن المال وسيلة وليس غاية، كما أنه بداية وليس نهاية، فالمال مال اهلل، والحساب غ ًا عند اهلل.‬
  ‫فالحذر الحذر ـ عباد اهلل ـ من االنزالق في فتنة المال الحرام وشبه الحرام، فتصرفوا عمركم‬
 ‫في جمعه، فيوردكم أتعس الموارد المهلكة، فتخسرون دينكم من أجل دنياكم كما أخبر رسول اهلل‬
         ‫ر‬            ‫ن‬                                    ‫ن‬
 ‫حيث قال: ((بادروا باألعمال فت ًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤم ًا ويمسي كاف ًا، ويمسي‬
                                ‫ذ‬                                         ‫ر‬            ‫ن‬
                     ‫مؤم ًا ويصبح كاف ًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا))(7)[7]، عيا ًا بك يا رب.‬
                ‫ر‬
 ‫إنها فتن مظلمة تعمي األبصار والقلوب، ال نور فيها، تؤثر في عقيدة اإلنسان تأثي ًا بالغًا ما بين‬
                                   ‫ب‬
  ‫عشية وضحاها، فاحذروا ـ عباد اهلل ـ المال الحرام وح ّ الدنيا وسيطرة المادة على النفوس،‬
                                                                          ‫ك‬
 ‫فإنها أشد فت ًا بالذمم واألعراض والكرامة وسائر القيم اإلسالمية، فكم نشاهد من فضيلة ضاعت‬
               ‫بسبب المال، وكم من كرامة ديست وخلق مثالي قد وضع على حطام الدنيا الزائل.‬
 ‫وقد شبه رسولنا الكريم الحرص على المال والشرف بأنه يفسد الدين أكثر مما يفسد الذئب الجائع‬
‫إذا أرسل في قطيع الغنم فقال: ((ما ذئبان جائعان أرسال في غنم بأفسد لها من حرص المرء على‬
                                                                    ‫المال والشرف لدينه))(3)[3].‬
‫عباد اهلل، اتقوا اهلل، واعلموا أن كسب المال بالحالل والتمتع بطيبات الدنيا التي أحلها اهلل ليس ذلك‬
 ‫بحرام، بل إن طلب المعيشة فرض على العباد من أجل التقوي على طاعة اهلل تعالى، ولكن ذلك‬
                                                                 ‫ال‬
      ‫يصبح حرامًا إذا كان شاغ ً عن طاعة اهلل وااللتزام بسنة رسوله واالستعداد للدار األخرى.‬
 ‫فإن الحرص طبيعة في اإلنسان كما قال رسول اهلل في الحديث الصحيح من رواية أنس بن مالك‬
                                    ‫ّ‬
       ‫رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان: الحرص على المال،‬
                         ‫والحرص على العمر))(4)[4]، اللهم ثبتنا على الحق وألحقنا بالصالحين.‬
   ‫وقال رسول اهلل : ((لو أن البن آدم مثل واد من ذهب ماالً ألحب أن يكون إليه مثله، وال يمأل‬
        ‫عين ابن آدم إال التراب، ويتوب اهلل على من تاب))(1)[1]، اللهم تب علينا أجمعين وتوفنا‬
                                                                                          ‫مسلمين.‬
‫فيا أيها الناس، رويدكم في الدنيا، فإن حب المال رأس كل خطيئة، والتكالب على الدنيا أساس كل‬
     ‫بلية، وما سميت هذه الدنيا إال ألنها دنية، فاجعلوا ـ عباد اهلل ـ جل همكم الدار اآلخرة، وال‬
    ‫تنسوا نصيبكم من الدنيا، واعلموا أن أرزاقكم مقسومة، وآجالكم محتومة، وأن ربكم جل شأنه‬
  ‫ص َ من‬                ‫ِ و‬            ‫الله الد‬            ‫و ِف‬
  ‫طلب منكم في كتابه الكريم بقوله تعالى: َابْتَغ ِيمَا ءاتَاكَ َّ ُ َّارَ االْخرَةَ َالَ تَنسَ نَ ِيبكَ ِ َ‬
       ‫د ُ ِالت ت ربك‬                    ‫لك و‬           ‫وم‬                                                     ‫الد‬
     ‫ُّنْيَا [القصص:22]، كما بين لنا قيمة المال عنده فقال: َ َا أَمْواُ ُمْ َالَ أَوْلَا ُكمْ ب َّ ِى ُقَ ّ ُ ُمْ‬
    ‫ه َز ض ْف ب عمل ه ْ ف ُ ُف ت‬                                  ‫ح أ‬            ‫ع د ز ف ِال م من وع ِ‬
    ‫ِن َنَا ُلْ َى إ َّ َنْ ءا َ َ َ َملَ صَالِ ًا فَُوْلَئِكَ لَ ُمْ ج َاء ال ّع ِ ِمَا َ ُِواْ وَ ُم ِى الْغر َا ِ‬
                                                                                                           ‫من‬
                                                                                              ‫ءا ِ ُونَ [سبأ:23].‬
        ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولكافة المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
   ‫إن الحمد هلل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من‬
      ‫يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                                                                          ‫د‬
‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                                            ‫الدين، وسلم تسليمًا.‬
  ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، صح من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه أنه قال: ما شبع آل محمد من‬
                                                                   ‫ع‬
   ‫طعام ثالثة أيام تبا ًا حتى قبض(6)[5] أي: رسول اهلل . وكانت عائشة أم المؤمنين رضي اهلل‬
‫عنها تقول لعروة: واهلل يا ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهالل ثم الهالل ثم الهالل، ثالثة أهلة في‬
           ‫شهرين، وما أوقد في أبيات رسول اهلل نار، قال: قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت:‬
    ‫األسودان: التمر والماء(2)[7]. وقال ابن عباس رضي اهلل عنهما: كان رسول اهلل يبيت وأهله‬
                                                          ‫الليالي المتتابعة طاوين ال يجدون العشاء(7)[3].‬
                                           ‫د‬
    ‫فيا أيها الناس، هكذا كان نبيكم ومرشدكم يعيش زاه ًا في الدنيا لم يشبع منها، وليس ذلك لعدم‬
 ‫مقدرته وعجزه، فقد كان باستطاعته عليه الصالة والسالم أن يكون من أغنى األغنياء، ويضاهي‬
 ‫بل ويفوق ويعلو في دنياه ملك كسرى وقيصر، ولكنه لم يكن يريد ذلك رغبة منه، ال لعدم قدرته‬
   ‫على ذلك، وال أدل على ما أقول من حديث عائشة رضي اهلل تعالى عنها المتقدم أن رسول اهلل‬
                           ‫وأهل بيته كان عيشهم األسودان التمر والماء، فصلوات اهلل وسالمه عليه.‬
  ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل، وازهدوا في الدنيا الفانية متأسين بنبيكم وصحابته، كما ورد: ((ازهد في‬
 ‫الدنيا يحبك اهلل، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))، واعلموا أن طالب المال كشارب ماء‬
                                                                                 ‫ب‬
                                                ‫البحر، كلما زاد شر ًا منه زاد عطشًا حتى يقتله ويهلكه.‬
                                                      ‫ي‬
  ‫وهذا مثل من يأخذ المال بغير حقه بأ ّ وجه من الوجوه المحرمة، فال يقنع منه بقليل وال كثير،‬
 ‫فيصاب بالظمأ الدائم إليه، ويستمرئ الحرام حتى يقع فيه، ويقول رسول اهلل : ((إن روح القدس‬
    ‫نفث في روعي أن ال تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا اهلل وأجملوا في الطلب))، وفي‬
     ‫رواية: ((فإن رزق اهلل ال يطلب بالحرام))، فاللهم ال تجعل الدنيا أكبر همنا وال مبلغ علمنا.‬
                              ‫وفيما ورد عن اإلمام الشافعي رحمه اهلل تعالى أنه قال في أبياته:‬
                                                                          ‫ل‬        ‫د‬         ‫ن‬
                                                  ‫إ ّ هلل عبا ًا فطنا…طّقوا الدنيا وخافوا الفتنا‬
                                                     ‫ي‬
                                                ‫نظروا فيها فلما علموا…أنها ليست لح ّ وطنا‬
                                                                  ‫ل‬       ‫ل وات‬
                                               ‫جعلوها ُجة َّخذوا…صاِح األعمال فيها سفنا‬
                                         ‫ويقول اإلمام الذهبي صاحب كتاب الكبائر رحمه اهلل:‬
                                           ‫أما واهلل لو علم األنام…لما خلقوا لما هجدوا وناموا‬
                                         ‫لقد خلقوا ألمر لو رأيتهم…عيون قلوبهم ماتوا وهاموا‬
                                                                       ‫ُم‬       ‫ُم‬     ‫م‬
                                                ‫َمات ث ّ قبْر ث ّ حشر…وتوبيخ وأهوال عظام‬
                                                 ‫م‬
                                     ‫ليوم الحشر قد عملت رجال…فصلوا من َخافته وصاموا‬
                                                                                        ‫ن‬
                                             ‫و َحن إذا أمرنا أو نهينا…كأهل الكهف أيقاظ نيام‬
                                ‫ر‬
  ‫اللهم صل وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثي ًا، اللهم وفقنا للقناعة بالحالل‬
                ‫القليل من هذه الدنيا، وجنبنا الحرام، وارزقنا التقوى واالستعداد ليوم الرحيل...‬


                                                                               ‫__________‬
                 ‫(5) رواه البخاري في البيوع، باب: من لم يبال من حيث كسب المال (3/6).‬
       ‫(7) رواه مسلم في اإليمان، باب: الحث على المبادرة باألعمال قبل تظاهر الفتن (755).‬
   ‫(3) رواه أحمد (3/064)، والترمذي في الزهد، باب: حرص المرء على المال والشرف لدينه‬
                                                                                      ‫(2237).‬
 ‫(4) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر اهلل إليه في العمر (2/525)،‬
                                        ‫ومسلم في الزكاة، باب: الحرص على الدنيا (2405).‬
‫(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: ما يتقى من فتنة المال (2/125)، ومسلم في الزكاة، باب:‬
                                                           ‫ث‬
                                                  ‫لو أن البن آدم واديان البتغى ثال ًا (1405).‬
‫(6) رواه البخاري في األطعمة، باب: ما كان النبي وأصحابه يأكلون (6/407)، ومسلم في الزهد‬
                                                                                      ‫(6217).‬
        ‫(2) رواه البخاري في الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا؟‬
                                                        ‫(2/125)، ومسلم في الزهد (0217).‬
  ‫(7) رواه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي (5637)، وقال: "هذا حديث حسن‬
                                                                                      ‫صحيح".‬
‫(5/5654)‬




                                                                                          ‫مكارم األخالق‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                          ‫مكارم األخالق‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                      ‫جدة‬
                                                                                          ‫األمير منصور‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
‫5- عناية الشريعة بتنمية األخالق الحسنة. 7- ارتباط األخالق باإليمان. 3- التهاون في المعاملة‬
                                                                     ‫مع الناس سبب الهالك واإلفالس.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها‬
                                        ‫وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
 ‫عباد اهلل، اتقوا اهلل، واعلموا أن الغاية من العبادات كلها هي توحيد اهلل جل وعال وإفراده بالعبادة‬
‫وحده ال شريك له، توحيد اهلل الذي دعت إليه جميع األنبياء والرسل، وكذلك تهذيب سلوك اإلنسان‬
  ‫وخلقه تهذيبًا كريمًا يصون الحياة البشرية ويعلي من شأنها، فالصالة عندما أمر اهلل بها أبان لنا‬
                          ‫و م‬                  ‫ه ع‬               ‫ِن‬             ‫وَ ِ‬
     ‫الحكمة من إقامتها فقال: َأقمِ الصالةَ إ َّ الصالةَ تَنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَرِ [العنكبوت:14]،‬
      ‫فحقيقة الصالة ـ يا عباد اهلل ـ اإلبعاد عن الرذائل، والتطهر من سوء القول وسوء العمل.‬
‫وكذلك الزكاة من أهدافها السامية غرس مشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد اإللفة والمحبة بين أفراد‬
   ‫ُ م أ لِ‬
 ‫المجتمع، والوصول به إلى الطهارة في النفس والمال والمجتمع، كما قال تعالى: خذْ ِنْ َمْواِهمْ‬
                                                                            ‫َ َ ت ّر ُ وتزك ِ ب‬
                                                           ‫صدقَةً ُطَه ُهمْ َ ُ َ ّيهمْ ِهَا [التوبة:305].‬
       ‫وكذلك الصوم من أهدافه النبيلة تهذيب النفس وتخليصها من شهوتها ونزواتها وترك جميع‬
 ‫الطبائع السيئة، ولهذا المعنى أشار النبي : ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس هلل حاجة في‬
      ‫أن يدع طعامه وشرابه))(5)[5]، وقال أيضًا: ((الصيام جنة ـ أي: وقاية ـ، فإذا كان أحدكم‬
                                                                                         ‫م‬
                    ‫صائ ًا فال يرفث وال يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم))(7)[7].‬
                                               ‫ل‬
    ‫أما الحج فهو رحلة طيبة مليئة بالمعاني الخُقية، فهناك ال يجوز في الحج رفث وال فسوق وال‬
‫جدال، وإنما تز ّد باألعمال الصالحة والخلق القويم والتقوى، كما قال سبحانه وتعالى: الْح ُّ َشْه ٌ‬
‫َج أ ُر‬                                                                        ‫و‬
‫م ل م ت م َر َ ف ِن ح َّ َ ر و َ فس و ِد َ ف حج و عل م َ ْر ي ل ه‬
‫َّعُْو َا ٌ فَ َن ف َض ِيه َّ الْ َج فَال َفَثَ َال ُ ُوقَ َالَ ج َال ِي الْ َ ّ َمَا تَفْ َُواْ ِنْ خي ٍ َعَْمْ ُ‬
                                            ‫بب‬          ‫الله و َ َّد ْ ِن ْ الز الت و َاتق ن أ ل‬
                              ‫َّ ُ َتزَو ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْ َى و َّ ُو ِ يُوِْي األلْ َا ِ [البقرة:215].‬
   ‫وهكذا كل العبادات، وأعمال اإلنسان كلها عبادة ـ يا عباد اهلل ـ إذا قصد بها اإلنسان وجه اهلل‬
   ‫تنم‬                 ‫ر‬
‫تبارك وتعالى وكانت موافقة لسنة النبي ، ولذلك بين لنا رسول اهلل كثي ًا من األعمال التي ُّ عن‬
                                                             ‫غ‬
 ‫سلوك وخلق طيب ور ّب فيها واعتبرها صدقة من الصدقات حيث قال: ((تبسمك في وجه أخيك‬
      ‫صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضالل لك‬
‫صدقة، وإماطتك األذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك‬
   ‫لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة))(3)[3]، أعمال جليلة نسأل اهلل تعالى أن‬
                                                                                                       ‫يوفقنا لها.‬
‫وهكذا ـ عباد اهلل ـ تالحظون معي ارتباط األخالق الحميدة والمزايا الرفيعة بالعبادات الصحيحة‬
   ‫ارتباطًا وثيقًا، بل هو أساس الصالح في الدنيا والنجاة في اآلخرة، فإن اإليمان القوي ينشئ عند‬
                                                                            ‫ق‬
 ‫صاحبه خل ًا قويًا، كما أن ضعف األخالق وانهيارها دليل قاطع على ضعف اإليمان، ولهذا أشار‬
   ‫رسول اهلل بقوله: ((إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخالقًا، وإن أبغضكم‬
                                                                       ‫س‬
     ‫إلي وأبعدكم مني مجل ًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون))(4)[4]. وكان يقول:‬
          ‫((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن اهلل يبغض الفاحش‬
          ‫البذيء))(1)[1]. اللهم ارزقنا ووفقنا إلى حسن الخلق، اللهم جنبنا الفحش والكالم البذيء.‬
  ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واستقيموا على نهج الهدى، فمدار السعادة في الدارين دين قويم وخلق متين،‬
   ‫ولهذا كانت الغاية من بعثته إتمام مكارم األخالق كما روى مالك بن أنس رحمه اهلل أنه بلغه أن‬
  ‫رسول اهلل قال: ((بعثت ألتمم حسن األخالق))(6)[6]. فعلى المسلم الذي ينشد الفضيلة أن يترفع‬
   ‫عن ترهات الكالم وسفاسف األمور، ويتحلى بحسن الخلق، ويجالس األخيار، فالمرء يعرف من‬
                                                                                                           ‫جليسه.‬
    ‫ْض وال‬      ‫ير د عُو ف‬                ‫ت الد ر ِ ة عله لَّذ‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، ِلْكَ َّا ُ اآلخرَ ُ نَجْ َُ َا ِل ِينَ الَ ُ ِي ُونَ ُل ًّا ِى األر ِ َ َ‬
                                                                                     ‫س د و ع قبة ل ُتق‬
                                                                      ‫فَ َا ًا َالْ َا ِ َ ُ ِلْمَّ ِينَ [القصص:37].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني اهلل وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول‬
 ‫قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                          ‫الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
     ‫الحمد هلل الهادي إلى محاسن األخالق، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن‬
                                                                                   ‫د‬
‫محم ًا عبده ورسوله، خير من دعا إلى االستقامة والهدى بأقواله وأفعاله، اللهم صل وسلم وبارك‬
     ‫على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                    ‫م‬
 ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، لقد صح في الحديث أن رسول اهلل سأل أصحابه يو ًا فقال: ((أتدرون من‬
   ‫المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من ال درهم له وال متاع، قال: ((إن المفلس من يأتي يوم القيامة‬
  ‫بصالة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا،‬
      ‫فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من‬
                                          ‫خطاياهم فطرحت عليه، ثم يطرح في النار))(2)[5].‬
‫ذلكم ـ يا عباد اهلل ـ المفلس الحقيقي، من يأتي ربه يوم القيامة وقد صلى وصام وزكى وأدى ما‬
   ‫عليه من العبادات المطلوبة، وقد ظهر أمام الناس بحرصه على أدائها، ولكنه لم يرع حقوقها،‬
                                                                    ‫ل‬
 ‫وارتكب أعماالً يأباها الخُق الكريم واإليمان الحق، وفاتته الغاية األساسية من أداء تلك العبادات‬
     ‫أال وهي تزكية نفسه ونقاوتها وتهذيب صلته ومسلكه باهلل ثم الناس، وإال فما قيمة عبادة بال‬
  ‫خلق؟! وما قيمة االنتساب إلى اإلسالم مع اإلفساد في األرض؟! ولهذا لما قيل لرسول اهلل : إن‬
 ‫فالنة تذكر من كثرة صالتها وصيامها صدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: ((هي في‬
                                                                                ‫النار))(7)[7].‬
‫ومن أجل تقرير هذه المبادئ الواضحة من صلة اإليمان بالخلق القويم ومتانة األواصر التي تربط‬
 ‫األخالق بالدين يقول النبي الكريم صلوات اهلل وسالمه عليه: ((ثالث من كن فيه فهو منافق وإن‬
         ‫صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن‬
                                                                                ‫خان))(1)[3].‬
     ‫أعاذني اهلل وإياكم من سوء األخالق، وجعلنا من عباده المؤمنين الذين يحافظون على مكارم‬
                                                                                     ‫األخالق.‬
   ‫اللهم اهدنا ألحسن األخالق ال يهدي ألحسنها إال أنت, وجنبنا سيئ األخالق ال يجنب سيئها إال‬
                                                     ‫خل‬        ‫خق‬
    ‫أنت، اللهم كما زينت َل َنا فزين ُُقنا، اللهم ارزقنا الصدق واإلخالص والصواب في القول‬
                            ‫واالعتقاد والعمل، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم...‬


                                                                              ‫__________‬
    ‫(5) رواه البخاري في الصوم، باب: من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (7/777).‬
‫(7) رواه البخاري في الصوم، باب: هل يقول إني صائم إذا شتم؟ (7/777)، ومسلم في الصيام،‬
                                                           ‫باب: حفظ اللسان للصائم (5155).‬
             ‫(3) رواه الترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في صنائع المعروف (2115).‬
               ‫(4) رواه الترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في معاني األخالق (1507).‬
 ‫(1) رواه أبو داود في األدب، باب: حسن الخلق (1124)، والترمذي في البر والصلة، باب: ما‬
                                                          ‫جاء في حسن الخلق (3007).‬
                                                                 ‫(6) الموطأ (7/401).‬
                                      ‫(2) رواه مسلم في البر، باب: تحريم الظلم (5717).‬
‫(7) رواه أحمد (7/044) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، قال أحمد شاكر: "سنده صحيح".‬
                               ‫(1) رواه مسلم في اإليمان، باب: بيان خصال المنافق (11).‬

‫(5/7654)‬




                                                                ‫من أسرار شهر رمضان‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                              ‫العلم والدعوة والجهاد, فقه‬
                                                                ‫الصوم, محاسن الشريعة‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                  ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                    ‫جدة‬
                                                                         ‫األمير منصور‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فرائض اهلل كلها حِكم وفوائد. 7- فوائد الصوم وحكمه. 3- التحذير من التفريط في شهر‬
                                                                               ‫رمضان.‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                         ‫الخطبة األولى‬
  ‫الحمد هلل بديع السموات واألرض، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو على كل شيء قدير،‬
‫رفع من شأن بعض األزمنة على بعض، وفاوت فيما بينها للحصول على الخير والثواب واألجر،‬
    ‫واقتضت إرادته وحكمته جل شأنه تكريم النوع البشري لحكمة أرادها اهلل جل وعال، وسخر‬
    ‫الكائنات له، وجعله خليفة في األرض ليعمرها بطاعته، وميزه بالعقل، وطلب منه التدبر في‬
                       ‫ي ع‬
 ‫ملكوت السماوات واألرض ليهتدي إلى خالق الكائنات، الرزاق الذي ُط ِم وال يطعم، وهو العليم‬
                ‫د‬
          ‫الخبير، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له السميع البصير، وأشهد أن محم ًا عبده‬
                   ‫ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المصير.‬
  ‫أما بعد: عباد اهلل، اتقوا اهلل جل وعال، واعلموا أن اهلل فرض علينا ـ معشر المسلمين ـ صيام‬
 ‫شهر رمضان لحكم بالغة نعرف منها ما نعرف، ونجهل منها ما نجهل، فعلينا أن نتأمل حكمة اهلل‬
       ‫من وراء هذا الجوع العطش والحرمان طيلة النهار في شهر رمضان المبارك، لنحقق بذلك‬
   ‫ْر رمض ن‬
   ‫الهدف الذي فرض علينا الصيام من أجله في تلك العبادة السنوية، قال اهلل تعالى: شَه ُ َ َ َا َ‬
  ‫ِد م ُم الش ْ َ يص ه وم‬            ‫م ُد و ُ ْ ِ م‬                    ‫َّ أ ِ َ ف ُ ن ه ّلن و َي‬
 ‫الذِى ُنزل ِيهِ الْقرْآ ُ ُدًى ل َّاسِ َبِّنَاتٍ ِّنَ الْه َى َالْفرقَان فَ َن شَه َ ِنك ُ َّهر فَلْ َ ُمْ ُ َ َن‬
                ‫عل َ ِدة م َي أ َر ير د الله بكم ْي ْر و ُر د ب ُم ع ر‬                                            ‫ن َر‬
                ‫كَا َ م ِيضًا أَوْ ََى سَفرٍ فَع َّ ٌ ّنْ أ َّامٍ ُخ َ ُ ِي ُ َّ ُ ِ ُ ُ ال ُس َ َالَ ي ِي ُ ِك ُ الْ ُسْ َ‬
                                                                                                         ‫[البقرة:175].‬
                                ‫ر‬
  ‫عباد اهلل، إن من بعض أسرار فرض الصيام علينا أن نتح ّر من سلطان الغريزة، ونتغلب على‬
‫نزعة الشهوات، فننطلق من سجن الجسد حتى نسمو بروحنا البشرية إلى حيث أراد اهلل جل وعال‬
                                  ‫لنا رحمة ومغفرة واستجابة دعاء ومضاعفة الحسنات ومحو السيئات.‬
‫ومن أسرار الصوم تقوية اإلرادة بالصبر، فالصائم يجوع وأمامه أشهى الغذاء، ويعطش وبين يديه‬
                                                                  ‫ف‬
     ‫بارد الشراب والماء، ويع ّ وبجانبه زوجته بال رقيب عليه إال اهلل تعالى، وهكذا يكون إعداد‬
     ‫المؤمن الصابر المرابط المجاهد الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان المؤقت لنيل المثوبة‬
                                                                                                    ‫واألجر والغفران.‬
 ‫ومن حكم الصوم أيضًا أنه يعرف المرء مقدار نعم اهلل تعالى عليه، ألن اإلنسان إذا تكررت عليه‬
                                                                                 ‫ل‬
‫النعم ق ّ شعوره بها، ولذلك قيل: وبضدها تتميز األشياء، وبمعرفة هذه النعم نشعر بجوع الجائعين‬
                                  ‫وبؤس البائسين الذين ال يجدون ما يسدون به جوعة بطون صغارهم.‬
‫وفي الصوم ـ قبل كل هذا ـ تحقيق كمال العبودية لرب الخلق أجمعين وحده ال شريك له، وهذه‬
‫الحكمة السامية عامل مشترك في كل العبادات، وهي الهدف األسمى من خلق اإلنسان كما قال اهلل‬
                                                            ‫ت ِن و إل ِال لي ُد‬                     ‫وم‬
                                          ‫جل ذكره: َ َا خَلَقْ ُ الْج َّ َا ِنسَ إ َّ ِ َعْب ُونِ [الذاريات:61].‬
   ‫ومظهر العبودية في الصوم يظهر جليًا باستسالم المرء ألمر اهلل، فهو يجوع ويظمأ ويمتنع عن‬
     ‫زوجته واألسباب متوفرة أمامه ال يمنعه منها إال حب اهلل والرغبة في رضاه، ولهذا نسب اهلل‬
   ‫الصيام إليه، وتولى جزاء الصائمين جزاء يفوق العد والحصر، إذ ال يعلم قدر جزاء الصوم إال‬
  ‫الذي فرضه كما يروي رسول اهلل عن ربه تعالى، فقال في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم‬
 ‫له إال الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به))(5)[5]، وفي رواية أخرى ((والذي نفسي بيده لخلوف فم‬
  ‫الصائم أطيب عند اهلل من ريح المسك، إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي،‬
                                                                                             ‫وأنا أجزي به))(7)[7].‬
                                ‫ب‬
    ‫ذلكم ـ يا عباد اهلل ـ هو الصوم في اإلسالم، لم يشرعه اهلل تعذي ًا للبشر وال انتقامًا، بل كيف‬
            ‫ُر د الله ب ُم ي ْر و ير د ب ُم ع ْ‬
          ‫يكون ذلك وقد ختَم جل شأنه آية الصوم بقوله: ي ِي ُ َّ ُ ِك ُ الْ ُس َ َالَ ُ ِي ُ ِك ُ الْ ُسرَ‬
                               ‫[البقرة:175]، وحقيقة الصيام رحمة بالعباد ولطف بهم وعدل فيهم.‬
                       ‫ق‬                                   ‫ح‬
‫فيا عباد اهلل، تلكم بعض من ِكم الصيام، ينبغي علينا أن نرعاها ح ّ رعايتها، وأن نضعها نصب‬
                                                 ‫ق‬
  ‫أعيننا في صومنا؛ حتى يكون صومًا يح ّق مراد اهلل ويفي بالغرض المقصود منه، وهو الشعور‬
                          ‫َل ُ َتق‬
        ‫واإلحساس بالخوف والوجل من اهلل تعالى كما قال اهلل تعالى: لَعَّكمْ ت َّ ُونَ [األنعام:315].‬
‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل المتفضل على عباده بالنعم والخيرات، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد‬
                                                                                 ‫د‬
                              ‫أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل واعلموا أن من أعظم المصائب على اإلنسان تضييع أوقاته في‬
   ‫معصية اهلل تعالى في أيام وليالي شهر رمضان، وأن تفوت أوقاته فتذهب بال فائدة، ألن ضياع‬
      ‫الوقت ال يوازيه شيء آخر مهما كان، فكل شيء يمكن تعويضه بالنصيحة والرشد والداللة‬
   ‫والحيلة إال الوقت، فإذا ذهبت ساعة من العمر دون أن يكتسب اإلنسان فيها فائدة فإنه ال يتمكن‬
‫من استردادها مهما حاول، ولو بذل من أجل ذلك كل التضحيات، ومن أجل هذا قال معلم البشرية‬
  ‫وقائدها : ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك،‬
    ‫وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))(3)[5]، وقال أيضًا: ((ال تزول قدما عبد يوم القيامة‬
  ‫حتى يسأل عن أربع))، وذكر منها: ((عن عمره: فيم أفناه؟))، وفي رواية أخرى من حديث ابن‬
‫مسعود رضي اهلل عنه: ((ال تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس))،‬
                                     ‫وذكر منها: ((عن عمره: فيم أفناه؟ وعن شبابه: فيم أباله؟)).‬
   ‫فيا عباد اهلل، هذا شهر رمضان قد أخذ في الرحيل والنقصان فانتصف، فمن منكم حاسب نفسه‬
                                                              ‫د‬
                                                    ‫وأنصف؟! من منكم أعد الجواب غ ًا للموقف؟!‬
      ‫فبادروا ـ رحمكم اهلل ـ إلى اغتنام هذا الباقي من الوقت الثمين بالتقرب إلى المولى الكريم‬
  ‫بصالح األعمال وتالوة القرآن وأداء الفرائض ومالزمة السنن واإلخالص هلل في القول والعمل،‬
    ‫حتى إذا ما جاءت لحظة الرحيل كنا على خير حال واهلل المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل،‬
                                                                         ‫د‬
                                                                       ‫اللهم هيئ لنا من أمرنا رش ًا.‬


                                                                                      ‫__________‬
    ‫(5) رواه البخاري في الصوم، باب: فضل الصوم (7/677)، ومسلم في الصيام، باب: جامع‬
                                                                                     ‫الصيام (5155).‬
                                              ‫(7) رواه مالك في الصيام، باب: جامع الصيام (5/053).‬
     ‫(3) أخرجه الحاكم عنهما (4/603) من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما وقال: "هذا حديث‬
       ‫صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وهو في صحيح الجامع (7705).‬

‫(5/3654)‬




                                                                                       ‫من أسرار مناسك الحج‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫العلم والدعوة والجهاد, فقه‬
                                                                              ‫الحج والعمرة, محاسن الشريعة‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                              ‫جدة‬
                                                                                                 ‫األمير منصور‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- الحج خامس أركان اإلسالم. 7- مكة بلد اهلل الحرام األمين. 3- المساواة بين المسلمين في‬
    ‫جنبات المشاعر. 4- الوحدة اإلسالمية في الحج. 1- تبادل المنافع في الحج. 6- اغتنام األيام‬
                                                               ‫العشر من ذي الحجة. 2- فضل يوم عرفة.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
             ‫ق‬
‫الحمد هلل على نعمه الظاهرة والباطنة، نصب أعالم هذا الدين، فمن تمسك به صاد ًا مخلصًا أعزه‬
       ‫اهلل ورفعه، ومن حاد عنه أذله وأخزاه ووضعه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                                                                        ‫د‬
    ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم‬
              ‫الدين، وجعلنا اهلل من أتباعهم، إنه على كل شيء قدير، فهو نعم المولى ونعم النصير.‬
           ‫أما بعد: عباد اهلل، إنكم تعيشون اآلن في أشهر الحج التي قال اهلل تعالى فيها: الْح ُّ أَشْه ٌ‬
           ‫َج ُر‬
‫م ل م ت م َر َ ف ِن ح َّ َ ر و َ فس و ِد َ ف حج و عل م َ ر ي ل ه‬
‫َّعُْو َا ٌ فَ َن ف َض ِيه َّ الْ َج فَال َفَثَ َال ُ ُوقَ َالَ ج َال ِي الْ َ ّ َمَا تَفْ َُواْ ِنْ خيْ ٍ َعَْمْ ُ‬
                                             ‫بب‬          ‫الله و َ َّد ْ ِن ْ الز الت و َاتق ن أ ل‬
                               ‫َّ ُ َتزَو ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْ َى و َّ ُو ِ يُوِْي األلْ َا ِ [البقرة:215].‬
  ‫والحج ـ عباد اهلل ـ هو أحد أركان اإلسالم الخمسة األساسية التي بني عليها اإلسالم، وهو من‬
                                                 ‫د‬                        ‫ر‬
 ‫أوضح العبادات أث ًا في حياة المسلمين أفرا ًا وشعوبًا، وكيف ال يكون كذلك واهلل سبحانه وتعالى‬
‫ال وع ُل ض ِ ت ن م ك ّ ج ع ي لي َد من فع‬                                  ‫وَذ ف الن س حج ي ت َ‬
‫يقول: َأ ّن ِى َّا ِ بِالْ َ ّ َأْ ُوك رِجَا ً َ َلَى ك ّ َامرٍ يَأْ ِي َ ِن ُل فَ ّ َم ِقٍ ّ َشْه ُواْ َ َا ِ َ‬
                                                                     ‫ْ الل ِ ف َي م ل‬             ‫ُ و َ كر‬
                                               ‫لَهمْ َيذْ ُ ُواْ اسمَ َّه ِى أ َّامٍ َّعُْومَاتٍ [الحج:27، 77]؟!‬
       ‫ظ‬                                      ‫ليشهد الناس منافع لهم في بلد المقدسات ومتنز‬
 ‫َّل الرحمات ومهبط الوحي، بلد أمين آمن ع ّم اهلل‬
 ‫من شأنه وحمى حماه، وأقسم به تبارك وتعالى، وهلل أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق‬
‫فليس له أن يقسم إال باهلل جل وعال، وهو البلد األمين الذي أقسم اهلل به في القرآن الكريم، وأضفى‬
   ‫عليه األمن وحمى حماه، وجعل فيه بيته المعظم إلقامة شعائر الدين، وليكون قبلة المسلمين إلى‬
                         ‫ل‬        ‫وم ُ ِ ف ه إ ح د ظ ْم ُّ ِ ه م َ‬
           ‫يوم الدين، كما قال اهلل تعالى: َ َن يردْ ِي ِ بِِلْ َا ٍ بِ ُل ٍ نذقْ ُ ِنْ عذَابٍ أَِيمٍ [الحج:17].‬
‫هذا البلد األمين يلتقي فيه المسلمون من مختلف األقطار وشتى الطبقات، وقد ساوى اإلسالم بينهم‬
    ‫بالحج، فتذوب بذلك كل الفوارق، وتضمحل الشخصيات، فال يشمخ شريف بشرفه، وال يتعالى‬
    ‫زعيم بزعامته، والكل يلبس ذلك اللباس البسيط الموحد الذي هو أشبه ما يكون بأكفان الموتى،‬
      ‫يلبسه الملك واألمير، كما يلبسه الغني والفقير، قد وحدتهم رابطة العقيدة في الشعائر والهدف‬
‫الواحد، فال إقليمية، وال عنصرية، وال قبلية، وال قومية، وال عصبية للونٍ أو جنس أو طبقة، الكل‬
 ‫يعيش في أمان وسالم فريد من نوعه، حتى إنه شمل الطير في الجو والصيد في البر والنبات في‬
   ‫ه ن من‬                 ‫وم‬
  ‫األرض، ما دام في بلد اهلل الحرام الذي جعله اهلل تعالى مثابة للناس وأمنا، َ َن دَخَلَ ُ كَا َ ءا ِ ًا‬
                                                                ‫[آل عمران:21]، أمان كامل من كل شيء.‬
     ‫ومن أجل تحقيق هذه الوحدة اإلسالمية العظيمة السامية الرفيعة والتي تذوب فيها كل الفوارق‬
‫وقف رسول اهلل في أيام التشريق يخطب الناس ويقول: ((يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم‬
  ‫واحد، أال ال فضل لعربي على عجمي وال لعجمي على عربي وال ألحمر على أسود وال ألسود‬
 ‫ك م َر وأ ث‬                   ‫َيه الن س ِن‬
‫على أحمر إال بالتقوى))(5)[5]، ويقول اهلل تبارك وتعالى: ياأُّ َا َّا ُ إ َّا خَلَقْنَا ُم ّن ذَك ٍ َُنْ َى‬
                                    ‫ُ‬          ‫جع ُ شع َ ب ِ ل َف ِن ْرم ُ ع الل‬
 ‫وَ َ َلْنَاكمْ ُ ُوبًا وقَ َائلَ ِتَعَار ُواْ إ َّ أَك َ َكمْ َندَ َّهِ أَتْقَاكمْ [الحجرات:35]، فالمفاضلة والتفاضل‬
                                                                                                 ‫بالتقوى وحدها.‬
 ‫عباد اهلل، هذه ثمرة من ثمار الحج، والثمرة األخرى تظهر بذلك التجمع الكبير في مؤتمر عالمي‬
                                                                               ‫س‬
       ‫يضم أنا ًا شتى، من شتى بقاع األرض وقارات الدنيا الخمس، فيلتقي رجال العلم والسياسة‬
   ‫واإلصالح والدعوة والخاصة والعامة مع بعضهم على هدف واحد، ولو أنهم عقلوا هذا المعنى‬
                                                                                             ‫د‬
                         ‫جي ًا لبلغوا األهداف وحققوا اآلمال بالتمسك بكتاب اهلل تعالى وسنة رسوله .‬
   ‫ومن الثمار العظيمة للحج ـ يا عباد اهلل ـ فرصة تبادل المنافع التجارية على نطاق واسع بين‬
    ‫المسلمين، وقد كان بعض المسلمين يتحرج من االتجار في موسم الحج، فسألوا رسول اهلل عن‬
                              ‫م رب ُ‬             ‫غ‬         ‫ع ُ ج حأ‬
              ‫ذلك، فنزل قول اهلل تعالى: لَيْسَ َلَيْكمْ ُنَا ٌ َن تَبْتَ ُواْ فَضْالً ّن َّّكمْ [البقرة:715].‬
‫عباد اهلل، هذه بعض الثمار التي يجنيها المسلم في موسم الحج العظيم إلى جانب المقصد األول من‬
  ‫العبادات كلها، أال وهو توحيد اهلل عز وجل واالمتثال هلل جل وعال والوفاء بحقه تبارك وتعالى،‬
  ‫ولتعلموا ـ أيها اإلخوة المسلمون ـ أن كل تجمعات الدنيا مهما بلغت في سمو األهداف وكثرة‬
       ‫العدد لن تبلغ هدف هذا المؤتمر العالمي اإلسالمي، فواجب على كل من سعد بحضور هذا‬
 ‫ح‬
‫المؤتمر أن يشكر اهلل على فضله، ويثوب إلى رشده، ويقلع عن غيه، فيتوب إلى اهلل توبة نصو ًا‬
‫خالية من التسويف والتأويالت والطرق الملتويات، ويفتح صفحات جديدة في عقيدة سليمة ليخرج‬
‫من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما قال عليه الصالة والسالم: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من‬
‫ذنوبه كيوم ولدته))(7)[7]. اهلل أكبر يا عباد اهلل، إنها ـ واهلل ـ لفرصة ثمينة وعظيمة، نسأل اهلل‬
                                                                            ‫جل وعال أن يرزقنا بفضله ذلك.‬
      ‫أقول هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب‬
                                                                                                          ‫الرحيم.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫د‬
 ‫الحمد هلل غافر الذنب وقابل التوب، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا‬
 ‫عبده ورسوله البشير النذير، صاحب المقام المحمود والقدر العظيم، اللهم صل وسلم على عبدك‬
                                                               ‫ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
                                        ‫ومن‬
‫أما بعد: فيا عباد اهلل، فإن من رحمة اهلل تعالى َّته على عباده أن جعل لنا موسم العشر من ذي‬
                      ‫ب‬                            ‫حاج‬
     ‫الحجة ليشترك به كل الناس من ٍّ ومقيم، فمن عجز عن الحج انك ّ في العشر على عمل‬
      ‫صالح يعمله في بيته يكون له به فضل أكثر من الجهاد الذي هو أفضل من الحج، فقد روى‬
 ‫البخاري من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها‬
 ‫أحب إلى اهلل من هذه األيام))، فقالوا: يا رسول اهلل وال الجهاد في سبيل اهلل؟! قال: ((وال الجهاد‬
                                                                     ‫ال‬
                     ‫في سبيل اهلل، إال رج ً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء))(3)[5].‬
 ‫عباد اهلل، اتقوا اهلل وأكثروا من العبادات كلها في أيام العشر من ذي الحجة، كذكر اهلل عز وجل‬
‫والصالة والصيام والصدقة، فإن السلف رضوان اهلل عليهم كان يعظمون ثالثة أعشار: عشر ذي‬
                          ‫الحجة، والعشر األواخر من رمضان، والعشر األول من شهر اهلل المحرم.‬
       ‫ومن أيام العشر ـ عباد اهلل ـ يوم عرفة، وهو عيد أهل الموقف، وفيه أكمل اهلل عز وجل‬
  ‫ْ م ت ُ د ُ و م ت ع ُ ن مت ورض ت ل ُم‬
  ‫للمسلمين دينهم فنزلت اآلية الكريمة: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْكمْ ِعْ َ ِى َ َ ِي ُ َك ُ‬
                                                                                                       ‫َ د‬
                                                                                      ‫اإلسْالمَ ِينًا [المائدة:3].‬
 ‫ويوم عرفة يوم شرفه اهلل وعرفه وجعله اهلل جل وعال يوم مغفرة للذنوب والتجاوز عنها والعتق‬
‫من النار والمباهاة بأهل الموقف، يتجلى فيه اهلل تبارك وتعالى ويقول: انصرفوا قد رضيت عنكم‬
    ‫وأرضيتكم، فيستحب صيامه ألهل األمصار، كما يستحب اإلفطار ألهل الموقف، فهم ضيوف‬
‫الرحمن؛ ألن النبي وصحبه في حجة الوداع لم يصوموا، وقد ثبت عن النبي صلى اهلل عليه وآله‬
 ‫وسلم أنه بعد الظهر يوم عرفة كان مستقبالً القبلة على ناقته القصواء يذكر اهلل جل وعال ويدعو‬
   ‫حتى غربت الشمس، وثبت عنه صلى اهلل عليه وآله وسلم أنه قال: ((خير ما قلت أنا والنبيون‬
 ‫قبلي: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، فما رآه‬
  ‫الصحابة اشتغل بأكل وال شرب وال نوم حتى ظنوا أنه صائم، فرفعوا إليه بأبي وأمي صلى اهلل‬
 ‫عليه وآله وسلم إناء فيه ماء فشرب. فليكن لك ـ أيها الحاج ـ القدوة من فعل رسول اهلل صلى‬
                                                                                                  ‫اهلل عليه وآله وسلم.‬
   ‫قال المصطفى : ((صيام يوم عرفة إني أحتسب على اهلل أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي‬
                                                                                                          ‫قبله))(4)[7].‬
      ‫و م رو ب‬                          ‫ُ ب وي ه ع‬                    ‫ن وإ‬         ‫ِن الل ُر َ ل و‬
   ‫عباد اهلل، إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلحْسَا ِ َِيتَآء ذِى الْقرْ َى َ َنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَ ِ َالْ َغْى‬
                                                                                          ‫ي ظك َلك َّر‬
                                                              ‫َعِ ُ ُمْ لَعَّ ُمْ تَذَك ُونَ [النحل:01]، وأقم الصالة.‬


                                                                                                       ‫__________‬
                                                                                          ‫(5) رواه أحمد (1/554).‬
    ‫(7) رواه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (7/715)، ومسلم في الحج، باب:‬
                                                                     ‫فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1435).‬
                                 ‫(3) رواه البخاري في العيدين،باب: فضل العمل أيام التشريق (7/2).‬
    ‫(4) أخرجه مسلم في الصيام، باب: استحباب صيام ثالثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة‬
                                                                                                               ‫(7655).‬

‫(5/4654)‬




                                                                                        ‫من هدي خطبة حجة الوداع‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                              ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                                                       ‫جدة‬
                                                                                                         ‫األمير منصور‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
          ‫5- نص خطبة حجة الوداع. 7- اشتمال هذه الخطبة على قواعد الدين وأسس المجتمع‬
   ‫اإلسالمي. 3- حرمة الدماء واألموال واألعراض. 4- إبطال الربا. 1- الوصية بالنساء. 6-‬
                                                                   ‫االعتصام بهدي الكتاب والسنة.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل، وخير الهدى هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل‬
                                           ‫محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
  ‫عباد اهلل، لقد صح عن رسول اهلل أنه خطب الناس خطبته المشهورة في حجة الوداع فقال: ((إن‬
 ‫دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أال‬
‫كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من‬
                                           ‫ع‬
  ‫دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترض ًا في بني سعد فقتلته هذيل ـ، وربا الجاهلية‬
                                                                 ‫ر‬
    ‫موضوع، وأول ربا أضع ِبانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اهلل في‬
      ‫النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اهلل، واستحللتم فروجهن بكلمة اهلل، ولكم عليهن أن ال يوطئن‬
                                                                          ‫د‬
         ‫فرشكم أح ًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن‬
     ‫ت‬                                        ‫ل‬
‫وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اهلل، وأنتم ُسألون‬
  ‫عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها‬
                  ‫إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد))، ثالث مرات(5)[5].‬
     ‫عباد اهلل، تلك هي الخطبة العظيمة السامية رفيعة المستوى عظيمة القدر الكريمة التي خطبها‬
 ‫رسول اهلل يوم النحر في حجة الوداع، فقرر فيها قواعد الدين ومبادئ اإلسالم، واستشهد صحابته‬
‫على البالغ فشهدوا بذلك، وهم بلغوا رسالته من بعده، وما علينا ونحن نسمع ذلك إال أن نشهد بأن‬
  ‫رسول اهلل قد بلغ الرسالة وأدى األمانة، وكذلك صحابته من بعده، ولم يبق علينا سوى أن نتابع‬
  ‫الطريق على هديهم بتبليغ الرسالة وأداء األمانة إلى أن تنضوي البشرية كلها تحت لواء اإلسالم‬
                   ‫مذعنة طائعة إن شاء اهلل، وما ذلك على اهلل بعزيز، وهو على كل شيء قدير.‬
 ‫عباد اهلل، لقد قرر رسول اهلل في هذه الخطبة موعظة العمر، حدد فيها الحرمات التي تعتبر بحق‬
      ‫حلم البشرية على مدار التاريخ في الوصول إلى حياة آمنة سعيدة ينعم فيها المرء بالطمأنينة‬
‫والرخاء والسعادة واألمان والحرية والمساواة في ظل كتاب اهلل تعالى وسنة رسوله صلى اهلل عليه‬
                                                                                        ‫وآله وسلم.‬
                            ‫ن‬                                   ‫م م‬
   ‫فقرر حرمة الدماء، و َن ِن الناس يهنأ له عيش إال إذا كان آم ًا على روحه وبدنه، ال يخشى‬
‫َي َّذ ن من كتب‬
‫االعتداء عليها، ولهذا كان القصاص في النفس واألطراف كما قال تعالى: ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ُ ِ َ‬
                                  ‫ث‬           ‫ُر ُر و ع ْد ع ْد و ث‬                          ‫ل‬         ‫ُف‬    ‫ع ُم ق‬
                   ‫َلَيْك ُ الْ ِصَاص ِي الْقَتَْى الْح ُّ بِالْح ّ َالْ َب ُ بِالْ َب ِ َاألن َى بِاالْنْ َى [البقرة:725].‬
       ‫وقرر رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم في هذه الخطبة حرمة األموال التي يكدح المرء‬
    ‫ليجمعها وليستمتع بالحالل من الطيبات من الرزق، ويصون نفسه ومن يعول عن مذلة السؤال‬
  ‫ع ديه َز بم‬                          ‫َالس ق َالس ِ ُ‬
 ‫وخدش الوجه، وصيانة لحرمة المال قال اهلل تعالى: و َّارِ ُ و َّارقَة فَاقْطَ ُواْ أَيْ ِ َ ُمَا ج َاء ِ َا‬
                                                                         ‫ال م الله َالله َ ز حك م‬                 ‫س‬
                                                           ‫كَ َبَا نَكَا ً ّنَ َّ ِ و َّ ُ عزِي ٌ َ ِي ٌ [المائدة:73].‬
                                          ‫ض‬
 ‫وقرر رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم أي ًا حرمة األعراض، األعراض التي ينشأ في ظلها‬
‫النسل الطاهر النظيف، ليكون دعامة صالحة في مجتمع صالح، وصيانة لألعراض قال اهلل تعالى:‬
        ‫ُ ُ بهم ر ْ ٌ ف د الل إ ك ُ‬                    ‫جْ ة و‬               ‫ِد ُل و ِ م ه‬                 ‫الز نية َالز ن‬
      ‫َّا ِ َ ُ و َّا ِى فَاجْل ُواْ ك َّ َاحدٍ ّنْ ُمَا مِاْئَةَ َلدَ ٍ َالَ تَأْخذْكمْ ِ ِ َا َأفَة ِى ِينِ َّهِ ِن ُنتمْ‬
                                                                  ‫ِ‬      ‫ت من ِالله و ْ‬
     ‫ُؤْ ِ ُونَ ب َّ ِ َالْيَومِ اآلخرِ [النور:7]، هذا بالنسبة لغير المحصن، أما المحصن فجعل عقوبته‬
                                                                                                  ‫الرجم حتى الموت.‬
    ‫وقرر رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم إبطال ربا الجاهلية الذي يقوم على أساس الحصول‬
    ‫على المال بأي وسيلة حتى ولو كانت سحق البشرية لمصلحة المرابي، ومن أجل هذا آذن اهلل‬
      ‫َيه َّذ ن من اتق الله َ َر م قى من‬
      ‫المرابين بحرب منه ومن رسوله فقال تعالى: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ وذ ُواْ َا بَ ِ َ ِ َ‬
                               ‫ر إ ك ُ م من إ َّ عل ْ ن ح ب م الله َرس ل‬
          ‫ال ّبَوااْ ِن ُنتمْ ُّؤْ ِ ِينَ فَِن لمْ تَفْ َُوا فَأْذَ ُواْ بِ َرْ ٍ ّنَ َّ ِ و َ ُوِهِ [البقرة:727، 127].‬
                                   ‫ر‬
 ‫وفي هذه الخطبة الكريمة استوصى رسول اهلل بالنساء خي ًا، فبين ما لهن وما عليهن من الحقوق‬
 ‫بما يتالءم مع وظيفتهن وفطرتهن، فلهن اإلكرام واالحترام والمعاشرة بالمعروف والنفقة الالزمة‬
       ‫من الطعام والكسوة والمسكن دون إسراف وال تقتير، وعليهن السمع والطاعة وتهيئة المناخ‬
       ‫األسري الطيب في البيت ليجد الرجل سكنه النفسي وراحة البال والطمأنينة ورعاية األوالد‬
 ‫د‬
‫والحفاظ على األعراض واألموال، فتحفظه في ماله وشرفه، وتراعي شعوره، فال تدخل بيته أح ًا‬
                        ‫ق‬
    ‫إال بإذنه ولو كان محرمًا، وال تخرج هي األخرى من بيته إال بإذنه مسب ًا، وال تكن من النساء‬
                        ‫و َ َ ف بي ت ُن‬
          ‫المذمومات الخراجات الوالجات، فاهلل جل وعال يقول: َقرْن ِى ُ ُو ِك َّ [األحزاب:33].‬
     ‫فإذا حصل النشوز والعصيان واالنحراف فال بد وقتها من التأديب بالتدريج الذي يناسب رأب‬
‫الصدع وحفظ الود، التأديب الذي ليس فيه إهانة وال إذالل، وإنما هو تأديب بكل ما في الكلمة من‬
‫ف نش ز ُن‬              ‫َالل ت‬
‫معنى، التأديب الذي ينشد اإلصالح وال يستهدف التعذيب، قال اهلل تعالى: و َّا ِى تَخَا ُونَ ُ ُو َه َّ‬
           ‫غ ع ِن سب ِن الل‬                          ‫ُْ‬           ‫ع و ْرب ه َّ إ‬         ‫عظ ُن و ُر ه َّ ف م‬
   ‫فَ ِ ُوه َّ َاهْج ُو ُن ِى الْ َضَاجِ ِ َاض ِ ُو ُن فَِنْ أَطَعْنَكم فَالَ تَبْ ُواْ َلَيْه َّ َ ِيالً إ َّ َّهَ كَانَ‬
                                                                                                           ‫عِي ر‬
                                                                                             ‫َل ًّا كَبِي ًا [النساء:43].‬
 ‫أيها المؤمنون، هذا رسول اهلل قد قرر قواعد الدين، وهدم قواعد الشرك والجاهلية وأبطلها، وكان‬
                                                                  ‫س‬
‫قدوة عملية للمسلمين ليتأ ّوا به، فبدأ بإبطال ما كان في أقرب أقربائه من عمومته وأبناء عمومته،‬
  ‫وهكذا يجب أن يكون كل الدعاة اآلمرين بالمعروف والناهين عن المنكر قدوة لغيرهم، فيبدأ كل‬
                                                 ‫منهم بنفسه وأهله أوالً ليكون للموعظة التأثير في النفوس.‬
    ‫ُر م ع الل أ‬                ‫عل‬           ‫َي َّذ ن من ِم ق ل م‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ل َ تَ ُوُونَ َا الَ تَفْ َُونَ كَب َ َقْتًا ِندَ َّهِ َن‬
                                                                              ‫عل‬           ‫ق ل م‬
                                                              ‫تَ ُوُواْ َا الَ تَفْ َُونَ [الصف:7، 3].‬
‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم، وأقول هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،‬
                                                                 ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الولي العظيم، أحمده سبحانه وتعالى ذو الطول والخير العميم، وأشهد أن ال إله إال وحده‬
                                                               ‫د‬
 ‫ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله الهادي بهداية اهلل إلى الصراط المستقيم، اللهم صل‬
                            ‫وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.‬
 ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، لقد بين لنا رسول اهلل في خطبة الوداع ما فيه عصمتنا من الضالل والغي،‬
‫وأرشدنا لما فيه فالحنا ونجاحنا في الدنيا واآلخرة، فقال: ((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن‬
  ‫اعتصمتم به: كتاب اهلل))، فكتاب اهلل هو الحبل المتين والذكر الحكيم وصراط اهلل المستقيم الذي‬
 ‫أنزله على رسوله وبينه لصحابته، وأمر المسلمين بالتمسك به وبسنته فقال: ((تركت فيكم شيئين‬
               ‫لن تضلوا بعدهما: كتاب اهلل وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض))(7)[5].‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعتصموا بكتاب اهلل عز وجل وسنة نبيه صلى اهلل عليه وآله وسلم، واعلموا‬
‫أن األمة ال تزال بخير ما استمسكت بهما واعتصمت بحبلهما وعملت بشريعتهما، وال يحيد عنهما‬
                                                               ‫إال هالك ضال، خسر دنياه وأخراه.‬
   ‫واعلموا ـ عباد اهلل ـ أن هذا آخر ما عهد به إلينا رسول اهلل قبل لحوقه بالرفيق األعلى، وقد‬
  ‫أشهد أمته على ذلك مرة بعد مرة، ثم ال ننسى وصايته صلى اهلل عليه وآله وسلم عند احتضاره‬
             ‫ر‬
 ‫ومفارقته الدنيا بقوله: ((الصالة الصالة وما ملكت أيمانكم))، ووصايته بالنساء خي ًا، وبهذا على‬
  ‫الرجل أخذ هذه الوصاة بالسمع والطاعة وبعين االعتبار وااللتزام بها، وعلى النساء كف األذى‬
 ‫عن األزواج واحترام الزوج وتقديره والنزول عند رغبته وعدم تعمد معارضته في رأيه وحديثه‬
   ‫وسائر كالمه، بل عليها اإلصغاء إليه حين يتكلم وتنفيذ ما يأمرها به واالنقياد والسمع والطاعة‬
             ‫ر د‬
‫بالمعروف، فقد جاء عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم: ((لو كنت آم ًا أح ًا أن يسجد أحد‬
       ‫ألحد ألمرت المرأة أن تسجد لزوجها))، فاألمر عظيم، فلتتق اهلل امرأة خافت ربها، ولتطع‬
  ‫ر‬
‫زوجها، فإن طاعتها له من طاعة هلل تعالى، وال تسترسل معه في الخصومات، وال تفشي له س ًا،‬
‫فالبيوت أسرار، والمرأة سكن الرجل، والدخول منها في معارضته له تأثير كبير على األوالد، بل‬
                                                             ‫ضرره على األم أكبر، وإثمها أعظم.‬
    ‫فاهللَ اهللَ يا أمةَ اهلل في رعاية حق الزوج، واهللَ اهللَ في السمع والطاعة، كيف والسجود الذي ال‬
                                      ‫ر‬
   ‫يجوز مطلقًا إال هلل وحده ال شريك له لو يجوز ألم َ به من ال ينطق عن الهوى ـ بأبي وأمي‬
          ‫صلى اهلل عليه وآله وسلم ـ للزوج لعظم حقه، فحذار ـ أيتها المصلية الصائمة ـ من‬
      ‫االستخفاف بحق الزوج، وال يستهوينك الشيطان باالستهانة به، فاتقي اهلل، وأطيعي زوجك،‬
           ‫وأْتمري بأمره، واعلمي أنك مسؤولة أمام اهلل جل وعال عن ذلك كله، واهلل المستعان.‬
  ‫وها نحن نشهد أن رسول اهلل قد بلغ الرسالة وأدى األمانة ونصح لألمة، ونشهد أن صحابته من‬
   ‫بعده قد بلغوا وأدوا األمانة، ونسأل اهلل سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتبليغ وأداء األمانة إنه سميع‬
                                                                                          ‫مجيب.‬
   ‫اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، كما صليت وباركت‬
                                                                 ‫على إبراهيم إنك حميد مجيد...‬


                                                                                 ‫__________‬
                                         ‫(5) أخرجه مسلم في الحج، باب: حجة النبي (7575).‬
  ‫(7) أخرجه الحاكم (3/745) من حديث أبي هريرة، وهو في السلسلة الصحيحة (5625) وفي‬
                                                                        ‫صحيح الجامع (4317).‬

‫(5/1654)‬




                                                                           ‫هديه في مناسك الحج‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫فقه‬
                                                                                   ‫الحج والعمرة‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                          ‫داود بن أحمد العلواني‬
                                                                                             ‫جدة‬
                                                                                  ‫األمير منصور‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- الحج خامس أركان اإلسالم. 7- ضرورة التأسي بالنبي في سائر العبادات ومنها الحج. 3-‬
                                                            ‫صفة حج النبي . 4- الحج المبرور.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها،‬
                                     ‫وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
  ‫عباد اهلل، في هذه األيام من كل عام تتجدد فريضة العمر وأحد أركان اإلسالم، أال وهي فريضة‬
 ‫َلل عل الن س ِج‬                                                  ‫د‬
 ‫الحج إلى بيت اهلل الحرام، َين اهلل على كل مستطيع من الناس لقوله تعالى: و َّهِ ََى َّا ِ ح ُّ‬
                                                                ‫إ سب‬                     ‫ب م‬
  ‫الْ َيْتِ َنِ اسْتَطَاعَ ِلَيْهِ َ ِيالً [آل عمران:21]، وقوله : ((بني اإلسالم على خمس: شهادة أن ال‬
                                                                    ‫د‬
  ‫إله إال اهلل وأن محم ًا رسول اهلل، وإقام الصالة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من‬
                                                                                ‫ال‬
                                                                       ‫استطاع إليه سبي ً))(5)[5].‬
                              ‫ص‬
‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا أن وسيلة قبولِ العمل أن يكون خال ًا هلل تعالى ومطابقًا لسنة رسول‬
       ‫اهلل ، فما علينا ـ أيها اإلخوة ـ إال أن نعرف مناسك الحج على ضوء الكتاب والسنة قبل‬
                           ‫ال‬       ‫ح‬
                          ‫المباشرة بأعمال الحج، ليكون عملنا إن شاء اهلل تامًا وصحي ًا ومقبو ً.‬
 ‫ج‬
‫وقد صح عنه أنه قال: ((خذوا عني مناسككم))(7)[7]، وقد صح عنه أنه مكث تسع سنين لم يح ّ،‬
                                                 ‫ش‬
 ‫ثم أذن في الناس في العاشرة، فقدم المدينة ب َر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اهلل ، فلما أتى‬
‫ذا الحليفة صلى في المسجد ثم ركب القصواء ورفع صوته مهالً بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك‬
     ‫ال شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، ال شريك لك))، وورد: ((لبيك إله الحق)).‬
‫وكان بعض السلف رحمهم اهلل يقول: "لبيك ذا النعماء، لبيك ذا التواصل، لبيك ال شريك لك لبيك،‬
                                                                                 ‫لك الحمد والملك".‬
                                                     ‫رم‬
 ‫ولما وصل مكة وأتى البيت استلم الركن ف َ َل ثالثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ:‬
     ‫ع‬                                                       ‫م م َل‬        ‫َات ِذ م مق إ‬
‫و َّخ ُواْ ِن َّ َامِ ِبْراهِي َ ُصًّى [البقرة:175]، فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان مضطب ًا أي:‬
               ‫واضعًا طرف ردائه األيمن تحت إبطه األيمن، والطرف الثاني على عاتقه األيسر.‬
 ‫وهنا مالحظة هامة وهي تغطية الكتفين قبل الصالة، حيث ذكر بعض أهل العلم أنه لم ير رسول‬
                                                                           ‫ط‬
                                                                    ‫اهلل يصلي إال وهو مغ ّ كتفيه.‬
                              ‫ز‬
 ‫ثم رجع إلى الركن فاستلمه، وقد قال بعض أهل العلم: إن الملت َم هو ما بين باب الكعبة والحجر‬
    ‫م ع ِ الل‬            ‫ِن الص و م‬
  ‫األسود، ثم خرج من الباب إلى الصفا، لما دنا من الصفا قرأ: إ َّ َّفَا َالْ َرْوَةَ ِن شَ َائرِ َّهِ‬
‫[البقرة:715] وقال: ((أبدأ بما بدأ اهلل به))، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة،‬
     ‫فوحد اهلل وكبره، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى أي: أسرع‬
    ‫قريبًا من الهرولة، وذلك للرجل دون النساء، وذلك سبعة أشواط، من الصفا إلى المروة شوط،‬
 ‫ومن المروة إلى الصفا شوط، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، حتى إذا أتى المروة فعل على المروة‬
 ‫كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة أمر الناس أن يحلوا ويجعلوها عمرة‬
   ‫إال من كان معه هدي. فحل الناس كلهم وقصروا، إال النبي ومن كان معه هدي أو ساق الهدي‬
                                                                                     ‫ل‬        ‫ال‬
                                                                      ‫مه ً بما أه ّ به رسول اهلل .‬
                     ‫م ال‬
     ‫فلما كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى ُه ً بالحج، فصلى بها‬
                                      ‫ع‬        ‫ر‬
     ‫الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قص ًا ال جم ًا، ولما طلعت شمس اليوم التاسع أمر‬
  ‫بقبة فضربت له بنمرة، فسار رسول اهلل حتى جاوز المزدلفة ولم يقف بها، حتى أتى عرفة حيث‬
                      ‫ع‬      ‫ر‬
 ‫ضربت القبة بنمرة فنزل بها، وصلى بها الظهر والعصر قص ًا وجم ًا وخطب خطبته المشهورة‬
    ‫التي بين فيها معالم الدين وحطم عصبيات الجاهلية ونزعاتها، ثم ركب ناقته القصواء حتى أتى‬
                                                   ‫ف‬
     ‫الموقف فاستقبل القبلة، ولم يزل واق ًا يهلل ويكبر ويدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة‬
                                                                                                                     ‫ال‬
                                                                                                                    ‫قلي ً.‬
 ‫ثم دفع رسول اهلل من عرفة حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين،‬
       ‫ولم يسبح بينهما شيئًا. ثم اضطجع رسول اهلل حتى طلع الفجر فصاله بأذان وإقامة، ثم ركب‬
       ‫ف‬
      ‫القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا اهلل وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واق ًا‬
                                                                                                         ‫د‬
                                                                                                       ‫حتى أسفر ج ًا.‬
          ‫ثم دفع رسول اهلل قبل أن تطلع الشمس من مزدلفة إلى منى، ورمى الجمرة الكبرى مخالفًا‬
      ‫الطريق الذي أتى منه، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل‬
 ‫حصى الخذف، ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم أمر ببعض اللحم فطبخ، فأكل من لحمه وشرب‬
                    ‫من مرقه، وأرخص للناس باألكل والتزود، والتكبير المشروع: بسم اهلل، اهلل أكبر.‬
 ‫وأقام رسول اهلل بمنى يوم النحر مع الناس، فما سئل عن شيء قدم قبل شيء إال قال: ((ال حرج،‬
  ‫ال حرج))، قال له رجل: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: ((ال حرج))، ثم جاء رجل آخر فقال: حلقت‬
 ‫قبل أن أرمي قال: ((ال حرج))، ثم جاءه رجل آخر فقال: طفت قبل أن أرمي قال: ((ال حرج))،‬
     ‫وقال آخر: طفت قبل أن أذبح قال: ((اذبح وال حرج))، ثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن‬
                        ‫أرمي قال: ((ارم)). ثم قال نبي اهلل : ((قد نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر)).‬
      ‫ثم ركب رسول اهلل فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة المكرمة الظهر وشرب من ماء زمزم، ثم‬
  ‫رجع إلى منى وأقام بها ثالثة أيام بعد يوم العيد يرمي الجمار الثالث كل يوم بعد الزوال ال قبله,‬
                                                                                   ‫ئ‬
 ‫مبتد ًا بالجمرة التي تلي مسجد الخيف الجمرة األولى ثم الوسطى ثم الكبرى، يدعو بعد أن يتنحى‬
                       ‫ة‬
                      ‫قليالً بعد الجمرة األولى والوسطى أما جمرة العقبة فينصرف بعد رميها مباشر ً.‬
     ‫فهذه ـ يا عباد اهلل ـ سنة نبيكم في حجه، فاتقوا اهلل، واحرصوا كل الحرص على االقتداء به‬
   ‫ق‬                     ‫ر‬
  ‫لتحوزوا القبول وتفوزوا برضا اهلل جل وعال، وحتى يكون حجكم مبرو ًا ال بد أن يكون مطاب ًا‬
                                                      ‫ال‬    ‫ال‬
                                                     ‫لحجة رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم قو ً وعم ً.‬
      ‫َد ذ ر‬              ‫ِ ض ت م س ُ ْ ُر الل َذ ر ُ ب ُ‬
     ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، فَإذَا قَ َيْ ُم َّنَا ِكَكم فَاذْك ُواْ َّهَ ك ِكْ ِكمْ ءا َاءكمْ أَوْ أَش َّ ِكْ ًا‬
 ‫ق وم ه م ق ل َب تن ف‬                             ‫ِ م‬         ‫م الن م يق ل َب ت ف الد وم ُ ف‬
‫فَ ِنَ َّاسِ َن َ ُو ُ ر َّنَا ءا ِنَا ِى ُّنْيَا َ َا لَه ِى اآلخرَةِ ِنْ خَلَا ٍ ِ ِنْ ُم َّن يَ ُو ُ ر َّنَا ءا ِ َا ِى‬
 ‫ُّنْيَا َ َنَ ً و ِي اآلخرَ ِ َ َنَ ً و ِنَا عذَابَ َّارِ ُولَئِكَ لَ ُمْ نَ ِي ٌ م َّا كَ َ ُواْ و َّ ُ َ ِي ُ الْ ِ َا ِ‬
 ‫ه ص ب ّم سب َالله سر ع حس ب‬                                    ‫الن أ‬        ‫ِ ة حس ة َق َ‬              ‫الد حس ة َف‬
                                                                                                 ‫[البقرة:007-707].‬
    ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو‬
                                                                                ‫الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي هدانا لدين اإلسالم، وجعل القلوب المؤمنة تهفو إلى بلد اهلل الحرام، أحمده سبحانه،‬
                                   ‫د‬
‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله خير معلم وإمام، اللهم‬
                  ‫ر‬
                ‫صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الكرام، وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
                                     ‫ر‬
      ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، إن من كمال الحج أن يكون مبرو ًا، فقد سئل رسول اهلل : أي العمل‬
‫أفضل؟ فقال: ((حج مبرور))(3)[5]، وقال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور‬
                                                              ‫ليس له جزاء إال الجنة))(4)[7].‬
                                                                                      ‫ر‬
    ‫وب ّ الحج ـ عباد اهلل ـ يشتمل على عدة أمور، منها تقوى اهلل تبارك وتعالى، ومنها التكبير‬
        ‫واإلكثار من ذكر اهلل جل وعال، ومنها اإلحسان إلى الناس بجميع وجوه اإلحسان بالدعوة‬
            ‫واإلرشاد والقول والفعل، فقد سئل رسول اهلل عن البر فقال: ((حسن الخلق))(1)[3].‬
‫ومن البر اإلكثار من فعل الطاعات والمحافظة على صالة الجماعة وإيتاء الزكاة، فأركان اإلسالم‬
                                                                        ‫مرتبط بعضها ببعض.‬
                                                                  ‫ض‬
      ‫ومن أعظم أنواع البر أي ًا ـ عباد اهلل ـ كثرة ذكر اهلل تعالى لقوله : ((أفضل الحج العج‬
                      ‫ج‬                                                  ‫ج‬
   ‫والثج))(6)[4]. والع ّ ـ عباد اهلل ـ هو رفع الصوت بالتلبية والذكر، والث ّ إراقة دماء الهدايا‬
     ‫والنسك، ويتخير الحاج الهدي الطيب البالغ السن المشروعة في الهدي واألضاحي في الفقه.‬
   ‫ومن البر في الحج أن يطيب العبد نفقته، فإن اهلل طيب ال يقبل إال طيبًا، ويختار الزاد الحالل،‬
                                                                     ‫ولينفق مما آتاه اهلل تعالى.‬
                      ‫ء‬
 ‫ومن بر الحج كذلك ـ عباد اهلل ـ أن ال يقصد العبد بحجه سمعة وال ريا ً وال مباهاة وال نزهة،‬
    ‫نسأل اهلل السالمة والعافية، فيخشع لربه ويتواضع بحجه ويتضرع إلى اهلل تعالى ويدعوه ويلح‬
                                                                               ‫عليه في الدعاء.‬
                                                                                    ‫ر‬
 ‫وأخي ًا، اعلموا ـ عباد اهلل ـ أن من البر في الحج اجتناب أفعال اإلثم كلها من الرفث والفسوق‬
‫والجدال وكل المعاصي، فكل تلك األفعال نهى اهلل تعالى عنها وممقوت صاحبها، بل وينتقص من‬
                                  ‫ف‬
    ‫أجر حجه، فالحاج الذي يريد وجه اهلل والدار اآلخرة يتر ّع عن الترهات وسقط الكالم ويشغل‬
                    ‫ّ‬
 ‫نفسه بذكر اهلل والعبادات والصالة والدعوة إلى اهلل عز وجل، وليغتنم الحاج فرصة لقائه بإخوانه‬
      ‫الحجاج الذين قدموا من أنحاء المعمورة، فيتذاكر معهم ويفيدهم ويستفيد منهم ويحصل بذلك‬
‫التعارف والتآلف والتعاون على البر والتقوى، فإن اجتماعات الدنيا مهما كانت وأين كانت لن تبلغ‬
   ‫الهدف الذي يجتمع فيه الحجاج في عرفات، فاللباس موحد، والهدف واحد، يتوجهون إلى ربهم‬
  ‫تبارك وتعالى بقلوب ملؤها اإليمان، وهناك يحرص كل حاج على تحقيق وإقامة أساس اإليمان،‬
‫أال وهو توحيد اهلل جل وعال الواحد األحد الفرد الصمد الذي خلقنا وأوجدنا من العدم وأبرزنا إلى‬
‫حيز الوجود المشاهد، فهو المستحق للعبادة وحده ال شريك له، كما هو عنوان كل حاج في تلبيته،‬
   ‫وال يرجع من حجه إال وهو قد حصل على رصيد كبير، أال وهو توحيد اهلل واإلخالص له في‬
 ‫م َ َ ف ِن َج َ َ و َ فس ق وال‬
 ‫العبادة، لقول اهلل تبارك وتعالى في سورة البقرة: فَ َن فَرض ِيه َّ الْح َّ فَال رفَثَ َال ُ ُو َ َ َ‬
                                           ‫ّ‬                              ‫ِد َ ف حج‬
 ‫ج َال ِي الْ َ ّ [البقرة:215]، ولقوله : ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته‬
                                                                                      ‫أمه))(2)[1].‬
                        ‫ر‬        ‫ج‬
‫جعلني اهلل وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وجعل اهلل ح ّنا مبرو ًا خالصًا لوجهه الكريم ال‬
                                                              ‫رياء فيه وال سمعة، إنه جواد كريم.‬


                                                                                   ‫__________‬
 ‫(5) رواه البخاري في اإليمان، باب: قول النبي : ((بني اإلسالم على خمس)) (5/2)، ومسلم في‬
                                                              ‫اإليمان، باب: أركان اإلسالم (65).‬
                 ‫(7) رواه مسلم في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (2175).‬
                            ‫(3) أخرجه البخاري في الحج، باب: فضل الحج المبرور (7/545).‬
 ‫(4) رواه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (7/715)، ومسلم في الحج، باب: في‬
                                                        ‫فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1435).‬
                               ‫(1) رواه مسلم في البر والصلة، باب: تفسير البر واإلثم (3117).‬
‫(6) أخرجه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة آل عمران (5003)، وابن ماجه في المناسك،‬
                              ‫باب: ما يوجب الحج (6177)، وهو في السلسلة الصحيحة (001).‬
 ‫(2) رواه البخاري في الحج، باب: وجوب العمرة وفضلها (7/715)، ومسلم في الحج، باب: في‬
                                                        ‫فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1435).‬

‫(5/6654)‬




                                                  ‫الصحابة رضي اهلل عنهم بين اإلجالل واإلخالل‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                           ‫الصحابة‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                               ‫نايف بن أحمد الحمد‬
                                                                                                       ‫غير محدد‬
                                                                                                       ‫غير محدد‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- ضرورة العناية بالسنة النبوية. 7- أهمية معرفة نقلة السنة. 3- فضل الصحابة رضي اهلل‬
‫عنهم. 4- تعريف الصحابي. 1- ما ورد في فضل الصحابة في القرآن والسنة. 6- التحذير من‬
  ‫سب الصحابة وبغضهم. 2- تعظيم السلف للصحابة رضي اهلل عنهم. 7- فضل الصحابة مقرر‬
                                                                                                ‫في كتب العقائد.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
‫وبعد: فإن أولى ما نظر فيه الطالب وعني به العالم بعد كتاب اهلل عز وجل سنن رسوله صلى هلل‬
                                                                 ‫المبي‬
         ‫عليه وآله وسلم، فهي ِّنة لمراد اهلل عز وجل من مجمالت كتابه، والدالة على حدوده،‬
      ‫ل‬      ‫سل‬                    ‫م‬
      ‫والمفسرة له، والهادية إلى الصراط المستقيم صراط اهلل، َن اتبعها اهتدى، ومن ُِبها ض ّ‬
                                                                                                   ‫ال‬
                                                                                    ‫وغوى وو ّه اهلل ما تولى.‬
                                                                                        ‫م‬
‫و ِن أَوكد آالت السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها معرفة الذين نقلوها عن نبيهم صلى اهلل‬
   ‫عليه وآله وسلم إلى الناس كافة، وحفظوها عليه، وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين‬
       ‫وعوها وأدوها ناصحين محسنين حتى أكمل بما نقلوه الدين، وثبت بهم حجة اهلل تعالى على‬
   ‫المسلمين، فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء اهلل عز وجل‬
    ‫عليهم وثناء رسوله عليه السالم، وال أعدل ممن ارتضاه اهلل لصحبة نبيه ونصرته، وال تزكية‬
   ‫م َم ٌ رس ل الله َالذ معه أ ِد ء‬
   ‫أفضل من ذلك، وال تعديل أكمل منه، قال اهلل تعالى ذكره: ُح َّد َ ُو ُ َّ ِ و َّ ِينَ َ َ ُ َش َّا ُ‬
   ‫ِ الله َر و ن س م ُ ف وج هه‬                          ‫عل ُف ِ رح ء ب ُ َر ُ ْ ُك س َّد ي غ‬
 ‫ََى الْك َّار ُ َمَا ُ َيْنَهمْ ت َاهم ر َّعًا ُج ًا َبْتَ ُونَ فَضْالً منَ َّ ِ و ِضْ َا ًا ِي َاهمْ ِي ُ ُو ِ ِمْ‬
                                                                                                 ‫م َ السج‬
                                                                                   ‫ِنْ أَثرِ ُّ ُود [الفتح:17].‬
                                       ‫ل‬                                         ‫ر‬
‫والصحابة أب ّ هذه األمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكّفا، وأقومها هديا، وأحسنها حاال، اختارهم‬
 ‫اهلل لصحبة نبيه وإقامة دينه، كما قاله ابن مسعود . فحبهم سنة، والدعاء لهم قربة، واالقتداء بهم‬
                                                                               ‫وسيلة، واألخذ بآثارهم فضيلة.‬
    ‫وهم صفوة خلق اهلل تعالى بعد النبيين عليهم الصالة والسالم، روى الطبري (07/7) عن ابن‬
     ‫ف‬          ‫ُ ح د ِله وس م عل عب د َّذ‬
    ‫عباس رضي اهلل عنهما في قول اهلل عز وجل: قلِ الْ َمْ ُ لَّ ِ َ َال ٌ ََى ِ َا ِهِ ال ِينَ اصْطَ َى‬
  ‫[النمل:11] قال: (أصحاب محمد )، وروى سعيد بن منصور (1/134) عن سفيان في قوله عز‬
                                               ‫َّذ من و مئ ُّ قل ب ُ بذ ْ الل‬
  ‫وجل: ال ِينَ آ َ ُوا َتَطْ َ ِن ُُو ُهمْ ِ ِكرِ َّهِ [الرعد:77] قال: "هم أصحاب محمد "، وروى عبد‬
        ‫َ ة ِر م َ َ ة‬           ‫بْ‬
        ‫بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه رحمه اهلل في قوله تعالى: ِأَيدِي سَفرَ ٍ ك َا ٍ بررَ ٍ‬
            ‫ي ل ه َق وت‬
           ‫[عبس:15، 65] قال: "هم أصحاب محمد "، وقال قتادة في قوله تعالى: َتُْونَ ُ ح َّ تِال َ ِه‬
     ‫[البقرة:575]: "هم أصحاب محمد ، آمنوا بكتاب اهلل، وعملوا بما فيه"، وروى أحمد (5/123)‬
      ‫والطيالسي (647) بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: (إن اهلل نظر في قلوب العباد فوجد قلب‬
  ‫محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد‬
                                       ‫ي ت‬                                      ‫َ‬
                         ‫فوجد قلوبَ أصحابهِ خير قلوبِ العبادِ، فجعلهم وزراءَ نبيهِ ُقا ِلون على دينه).‬
                 ‫ل‬                                            ‫والصحابي هنا هو َن لقي النبي‬
       ‫َّ مؤمنًا به ومات على ذلك. فقد جاء في حديث قَيَة العنبرية‬         ‫م‬
                                                         ‫الص‬
     ‫رضي اهلل عنها: خرجت أبتغي َّحابةَ إلى رسول اهلل . رواه ابن سعد (5/753) والطبراني‬
                                                      ‫(17/7) قال الهيثمي في المجمع (6/75): "رجاله ثقات".‬
    ‫َول ن م م ِر ن‬                   ‫َالس بق‬
    ‫وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة، منها قوله تعالى: و َّا ِ ُونَ األ َُّو َ ِنَ الْ ُهَاج ِي َ‬
      ‫ته‬        ‫ْر‬       ‫رض الله ع ُ ورض ع ه و َد ه َن‬                               ‫ر و َّذ اتبع ه ب‬                  ‫و‬
     ‫َاألَنْصَا ِ َال ِينَ َّ َ ُو ُمْ ِإِحْسَانٍ َ ِيَ َّ ُ َنْهمْ َ َ ُوا َنْ ُ َأَع َّ لَ ُمْ جَّاتٍ تَج ِي تَحْ َ َا‬
‫ْ رض الله ع م من ن‬                                            ‫ه ر لد ف ه َد ك ْز ع م‬
‫األَنْ َا ُ خَاِ ِينَ ِي َا أَب ًا ذَلِ َ الْفَو ُ الْ َظِي ُ [التوبة:005]، وقال تعالى: لَقَد َ ِيَ َّ ُ َنِ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                  ‫الش َر ِ عِ م ف قل ب ِ ْ َ السك ع ِ و ب ُ ح َر‬                                           ‫ِ يب يع ك‬
  ‫إذْ ُ َا ِ ُونَ َ تَحْتَ َّج َة فَ َلمَ َا ِي ُُو ِهم فَأَنْزلَ َّ ِينَةَ َلَيْهمْ َأَثَا َهمْ فَتْ ًا ق ِيبًا [الفتح:75]،‬
        ‫مح َّ ٌ رس ل الله و َّذ معه ِد ء عل ُف ِ رحم ء ب ه َر ُ ُكع س َّد‬
       ‫وقال تعالى: ُ َمد َ ُو ُ َّ ِ َال ِينَ َ َ ُ أَش َّا ُ ََى الْك َّار ُ َ َا ُ َيْنَ ُمْ ت َاهمْ ر َّ ًا ُج ًا‬
  ‫ك م ل ُ ف الت ْر ة ومثل ُ‬             ‫ي غ َ ال م الله َر و س ُ ْ ف وج ه ِ م َ السج‬
‫َبْتَ ُون فَضْ ً ِنَ َّ ِ و ِضْ َانًا ِيمَاهم ِي ُ ُو ِهمْ ِنْ أَثرِ ُّ ُودِ ذَلِ َ َثَُهمْ ِي َّو َا ِ َ َ َُهمْ‬
       ‫ِي اإلنْجِي ِ كزرْعٍ أَخْ َجَ شَطْأَه َآ َرَه فَاسْتَغْلَظ فَاسْتَ َى ََى ُو ِهِ ُعْ ِ ُ الز َّاعَ ِ َ ِيظَ ب ِ ُ‬
       ‫و عل س ق ي جب ُّر ليغ ِهم‬                              ‫َ‬            ‫ُ فز ُ‬            ‫ر‬          ‫ل ََ‬           ‫ف‬
                           ‫م ُ م ِ ة و ر عظ‬                  ‫ُف ر وع الله َّذ ن من وعمل الص ل‬
  ‫الْك َّا َ َ َدَ َّ ُ ال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّاِحَاتِ ِنْهمْ َغْفرَ ً َأَجْ ًا َ ِيمًا [الفتح:17]، وفي آيات‬
                                                                                    ‫ض‬
                                                                             ‫عديدة ذكرهم اهلل تعالى وتر ّى عنهم.‬
           ‫ومما جاء في السنة: عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ال تسبوا أصحابي، ال تسبوا‬
                      ‫مد‬
    ‫أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك َّ أحدهم وال نصيفه))‬
                                                              ‫رواه البخاري (0243) ومسلم (0417) واللفظ له.‬
    ‫وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال بخالف غيرهم، وألن إنفاقهم‬
      ‫كان في نصرته وحمايته وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعاتهم، وقد قال تعالى: ال‬
         ‫ق م ب د َ َل‬                   ‫م َ َ م َّذ‬                     ‫ح َ َ أ‬               ‫م ْ‬                ‫ي و م ُ م‬
       ‫َسْتَ ِي ِنْكمْ َنْ أَنْفَقَ ِنْ قَبلِ الْفَتْ ِ وقَاتلَ ُولَئِكَ أَعْظَ ُ درَجةً ِنْ ال ِينَ أَنْفَ ُوا ِنْ َعْ ُ وقَاتُوا‬
          ‫[الحديد:05]، وهذا كله مع ما كان فيهم في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع‬
          ‫ت‬
‫واإليثار والجهاد في اهلل حق جهاده، وفضيلة الصحبة ولو لحظة ال يوازيها عمل وال ُنال درجتها‬
                                                                               ‫خ‬
                                           ‫بشيء، والفضائل ال تؤ َذ بقياس، ذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء.‬
‫وقال البيضاوي رحمه اهلل تعالى كما في فتح الباري (2/43): "معنى الحديث ال ينال أحدكم بإنفاق‬
                                    ‫د‬            ‫د‬
     ‫مثل أحدٍ ذهبًا من الفضل واألجر ما ينال أح ُهم بإنفاق م ّ طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما‬
         ‫يقارن األفضل من مزيد اإلخالص وصدق النية"، مع ما كانوا عليه من القلة وكثرة الحاجة‬
                                                                                                                  ‫والضرورة.‬
   ‫وقيل: السبب في ذلك أن تلك النفقة أثمرت في فتح اإلسالم وإعالء كلمة اهلل ما ال يثمر غيرها،‬
                                                        ‫خ‬
      ‫وكذلك الجهاد بالنفوس ال يصل المتأ ّرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدَد المتقدمين وقلة‬
      ‫أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، وألن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع‬
                                                                                     ‫عدمها.‬
  ‫ومما جاء في فضلهم رضي اهلل عنهم حديث ابن مسعود عن النبي قال: ((خير الناس قرني، ثم‬
    ‫الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه البخاري (1017) ومسلم (3317). وإنما صار أول هذه‬
 ‫األمة خير القرون ألنهم آمنوا به حين كفر الناس، وصدقوه حين كذبه الناس، وعزروه ونصروه‬
         ‫وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في اإلسالم.‬
   ‫ومما جاء في فضلهم ما رواه أبو بردة قال: قال رسول اهلل : ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت‬
                               ‫ت‬
‫النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة ألصحابي، فإذا ذهب ُ أتى أصحابي ما يوعَدون، وأصحابي‬
    ‫أمنة ألمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) رواه مسلم (5317). وهو إشارة إلى‬
‫الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار‬
                                                                                   ‫األرض.‬
 ‫وها هو أمير المؤمنين علي يصف حال الصحابة، فعن أبي أراكة قال: صليت خلف علي صالة‬
     ‫الفجر، فلما سلم انفلت عن يمينه ثم مكث كأن عليه الكآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط‬
    ‫المسجد قيد رمح قال: لقد رأيت أصحابَ محمد ، فما أرى اليوم شيئا يشبههم، كانوا يصبحون‬
                              ‫سج‬                                                     ‫ض ش‬
   ‫ُمرا ُعثًا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا هلل َّدا وقياما، يتلون كتاب اهلل،‬
 ‫ويراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا اهلل، مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح،‬
‫فهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم. رواه أبو نعيم في الحلية (5/62) وابن أبي الدنيا في التهجد وقيام‬
       ‫الليل (727) والخطيب في الموضح (7/033) وابن عساكر في تاريخ دمشق (74/714).‬
 ‫ومن الوعيد الشديد فيمن آذى أصحاب النبي ما رواه أحمد (1/41) والترمذي (7673) والبيهقي‬
 ‫في الشعب (7/515) عن عبد اهلل بن مغفل المزني قال: قال رسول اهلل : ((اهلل اهلل في أصحابي،‬
 ‫اهلل اهلل في أصحابي، ال تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي‬
  ‫أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اهلل تبارك وتعالى، ومن آذى اهلل فيوشك أن‬
                                                                                    ‫يأخذه)).‬
‫قال المناوي رحمه اهلل تعالى في الفيض (7/71): "((اهلل اهلل في)) حق ((أصحابي)) أي: اتقوا اهلل‬
 ‫فيهم، وال تلمزوهم بسوء، أو اذكروا اهلل فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذانا بمزيد الح ّ‬
 ‫ث‬
 ‫م‬
‫على الكف عن التعرض لهم بمنقص. ((ال تتخذوهم غرضا)) هدفا ترموهم بقبيح الكالم كما ير َى‬
                                    ‫الهدف بالسهام، هو تشبيه بليغ، ((بعدي)) أي: بعد وفاتي".‬
                                 ‫م‬
      ‫وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : (( َن سب أصحابي فعليه لعنة اهلل‬
 ‫والمالئكة والناس أجمعين)) رواه الطبراني في الكبير (75/745) وله شواهد ولذا حسنة األلباني‬
                                                           ‫رحمه اهلل في الصحيحة (0437).‬
                                      ‫وبي‬
‫ولقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام، َّنوا ذلك، وردوا على كل من أراد انتقاصهم‬
 ‫رضي اهلل عنهم، قال ابن عمر رضي اهلل عنهما: (ال تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة‬
                                                                ‫ع‬
‫خير من عمل أحدكم ُمره) رواه أحمد في الفضائل (5/21) وابن أبي شيبة (6/104) وابن ماجه‬
         ‫(765) وابن أبي عاصم في السنة (7/474) وصححه البوصيري في الزوائد: (5/47).‬
   ‫ت‬
‫وجاء رجل إلى عبد اهلل بن المبارك وسأله: أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "ل ُراب‬
                                                                           ‫ر‬
       ‫في منخ َي معاوية مع رسول اهلل خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز" رواه ابن عساكر‬
                                                                               ‫(11/707).‬
                ‫غ‬
  ‫وجاء رجل إلى اإلمام أبي زرعة الرازي رحمه اهلل فقال: يا أبا زرعة، أنا أب ِض معاوية، قال:‬
      ‫م‬                      ‫ٌّ‬        ‫ن رب‬                    ‫ي‬                     ‫ِم‬
‫ل َ؟ قال: ألنه قاتَل عل ّا، فقال أبو زرعة: إ ّ َّ معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خص ٌ كريم،‬
                 ‫فما دخولك أنت بينهما رضي اهلل عنهم أجمعين. رواه ابن عساكر (11/545).‬
  ‫وقال اإلمام أحمد رحمه اهلل تعالى: "إذا رأيت رجال يذكر أصحاب رسول اهلل بسوء فاتهمه على‬
                                ‫اإلسالم" رواه الاللكائي في شرح أصول االعتقاد (2/7175).‬
‫وقال رحمه اهلل تعالى: "ال يجوز ألحد أن يذكر شيئا من مساويهم، وال يطعن على أحد منهم بعيب‬
‫وال نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه‬
                               ‫ل‬
   ‫ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخّده الحبس حتى يموت أو يراجع".‬
                                            ‫م‬
 ‫وقال بشر بن الحارث رحمه اهلل تعالى: " َن شتم أصحاب رسول اهلل فهو كافر وإن صام وصلى‬
                                           ‫وزعم أنه من المسلمين" رواه ابن بطة في اإلبانة.‬
                                                              ‫ت‬
   ‫ولعل كثيرا من الك ّاب ممن في قلوبهم مرض الذين ينتقصون أصحاب رسول اهلل في الصحف‬
‫وغيرها يرون أن الوقت لم يحن بعد النتقاص القرآن والسنة، فرأوا أن تقليل شأن الصحابة الكرام‬
                                                         ‫د‬           ‫ص‬
   ‫عند الناس هو من أخ َر الطرق لر ّ الكتاب والسنة، كما قال أبو زرعة رحمه اهلل تعالى: "إذا‬
        ‫ق‬
‫رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اهلل فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ح ّ والقرآن‬
                                            ‫ُ‬                              ‫د‬          ‫ق‬
  ‫ح ّ، وإنما أ ّى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول اهلل ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا‬
                                                                                        ‫ي‬
                                      ‫ل ُبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة".‬
 ‫وقال السرخسي رحمه اهلل تعالى في أصوله (7/435): "فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ لإلسالم،‬
                                                                  ‫دواؤه السيف إن لم يتب".‬
                                                                  ‫ص‬
 ‫وقال اإلمام محمد بن ُبيح بن السماك رحمه اهلل تعالى لمن انتقص الصحابة: "علمتَ أن اليهود‬
‫ال يسبون أصحاب موسى عليه السالم، وأن النصارى ال يسبون أصحاب عيسى عليه السالم، فما‬
                    ‫ي‬                   ‫ت‬
  ‫بالك ـ يا جاهل ـ سببت أصحاب محمد ؟! وقد علم ُ من أين أوتيتَ؛ لم َشغَلك ذنبك، أما لو‬
                                                                 ‫رب‬
 ‫شغلك ذنبك لخِفت َّك، ولقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين، فكيف لم يشغلك عن المحسنين؟!‬
        ‫أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين، ولرجوت لهم أرحم الراحمين، ولكنك من‬
                                                                   ‫م َم ع‬
‫المسيئين، ف ِن ث َّ ِبت الشهداء والصالحين. أيها العائب ألصحاب محمد ، لو نمتَ ليلك وأفطرت‬
                                                                     ‫ر‬
        ‫نهارك لكان خي ًا لك من قيام ليلك وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب رسول اهلل ،‬
                                                                           ‫م‬
‫فويحك، ال قيا َ ليل، وال صوم نهار، وأنت تتناول األخيار، فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب‬
                   ‫ف‬
 ‫مما تسمع وترى، وبم تحتج ـ يا جاهل ـ إال بالجاهلين؟! وشر الخلف خل ٌ شتَم السلف، لواحد‬
                   ‫من السلف خير من ألف من الخلف" رواه المعافي في الجليس الصالح (7/713).‬
         ‫وقال ابن الصالح رحمه اهلل تعالى في مقدمته (774): "إن األمة مجمعة على تعديل جميع‬
                                     ‫ي‬                                             ‫م‬
                 ‫الصحابة, و َن البس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين ُعتد بهم في اإلجماع".‬
                                          ‫وقد ذكروا فضلهم في كتب العقائد رفعًا لشأنهم وعلو‬
 ‫ًّا لمنزلتهم، فقال الطحاوي رحمه اهلل تعالى:‬
                                                     ‫ن‬
  ‫"ونحب أصحاب رسول اهلل ، وال ُفرط في حب أحد منهم، وال نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من‬
                                  ‫ب‬
  ‫يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، وال نذكرهم إال بخير، وحّهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر‬
                                                                                                        ‫ونفاق وطغيان".‬
 ‫وذكر الحميدي رحمه اهلل تعالى أن من السنة الترحم على أصحاب محمد كلهم، فإن اهلل عز وجل‬
                   ‫إل‬        ‫و و ن َّذ ن س ق‬                       ‫ف‬        ‫ء م ب ْ ه يق ل َ َب‬                 ‫و َّذ‬
 ‫قال: َال ِينَ جَا ُوا ِنْ َعدِ ِمْ َ ُوُون رَّنَا اغْ ِرْ لَنَا َلِإِخْ َا ِنَا ال ِي َ َبَ ُونَا بِا ِيمَانِ [الحشر:05]،‬
  ‫فلم نؤمر إال باالستغفار لهم، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحدا منهم فليس على السنة، وليس له في‬
                                                          ‫الفيء حق، أخبرنا غير واحد عن مالك بن أنس. ".‬
     ‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل تعالى في العقيدة الواسطية: "ويمسكون عما شجر بين‬
   ‫الصحابة، ويقولون: إن هذه اآلثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه‬
                                                                           ‫غ ِّ‬
           ‫ونقص و ُيرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما‬
   ‫مجتهدون مخطئون... ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر،‬
‫حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما ال يغفر لمن بعدهم ؛ ألن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات‬
                                                ‫ي‬         ‫َ‬
    ‫مما ليس لمن بعدهم... ثم القدْر الذي ُنكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل‬
       ‫القوم ومحاسنهم من اإليمان باهلل ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع‬
                                ‫من‬
   ‫والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما َّ اهلل عليهم به من الفضائل علم‬
‫يقينا أنهم خير الخلق بعد األنبياء، ال كان وال يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه األمة التي‬
                                                                                 ‫هي خير األمم وأكرمها على اهلل".‬
                   ‫ِ‬       ‫َب‬      ‫ء م بْ ه ق ل‬                   ‫و َّذ‬
           ‫وفي الختام ال نقول إال كما قال اهلل تعالى: َال ِينَ جَا ُوا ِنْ َعدِ ِمْ يَ ُوُونَ ر َّنَا اغْفرْ لَنَا‬
       ‫م‬       ‫ع ْ ف قل ب غال لَّذ ن من َب ِن ؤ ف‬                              ‫نو‬                ‫و و ن َّذ ن س ق‬
       ‫َإلِخْ َا ِنَا ال ِي َ َبَ ُونَا بِاإليمَا ِ َال تَجْ َل ِي ُُو ِنَا ِ ً ِل ِي َ آ َ ُوا رَّنَا إ َّكَ رَ ُو ٌ رَحِي ٌ‬
                                                                                                            ‫[الحشر:05].‬
                 ‫اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين، واحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين...‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                   ‫لم ترد.‬
‫(5/2654)‬




                                                                        ‫أمانة األبناء والبنات‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                       ‫األبناء, المرأة, النكاح‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫نامي بن عوض الشريف‬
                                                                                          ‫جدة‬
                                                                               ‫07/3/6745‬
                                                                                  ‫السيدة آمنة‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نعمة األوالد. 7- تربية الوالدين لألوالد. 3- رحمة النبي باألوالد. 4- حالنا مع األوالد. 1-‬
     ‫صفات األسرة المسلمة. 6- ضرورة التحري في تزويج البنات. 2- إنكار إجبار البنت على‬
                                                                  ‫الزواج ممن ال ترغب فيه.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كالم اهلل، وخير الهدي هدي نبينا محمد، وشر األمور محدثاتها، وكل‬
                                       ‫محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
   ‫أما بعد: أيها اإلخوة المسلمون، حديثي إليكم حديث القلب إلى القلب، حديثي إليكم حديث الروح‬
    ‫س‬                                                                ‫ث‬
‫إلى الروح، حدي ٌ ذو شجون، حديث تختلط فيه آالم وآمال، تختلط فيه مشاعر الحزن واأل َى من‬
                                           ‫قضايا أسرية ومشكالت اجتماعية يندَى لها الجبين.‬
 ‫حديثي إليك أنت أيها األب الكريم، أيها األب الحنون، أيها األب الرحيم، أيها األب العطوف، لقد‬
‫حباك اهلل تعالى بصفاتٍ عظيمة، وأكرمك اهلل بما أكرمك به من صحة ومال وعافية تدوم بإذن اهلل‬
                                              ‫ح م‬
   ‫تعالى، رزقك اهلل تعالى البنين والبنات و ُر َهم آخرون، فأكرمك اهلل تعالى بهم، وجعل هؤالء‬
                                                 ‫ة‬         ‫ب‬       ‫ش‬
‫أمانة في عنقك، تن ّئهم وترّيهم تربي ً حسنة وتربيةً صالحة، وهو وحده الذي يجازيك على حسن‬
                                                                     ‫صنيعك وحسن تربيتك.‬
            ‫ه‬      ‫ي ل‬                ‫يأ َّن‬                           ‫ّل‬           ‫ة‬
  ‫فمنذ أن تلدَ المرأ ُ طفلَها فأو ُ ما يسمع ذكر اهلل تعالى، فَ َُذ ُ في أذنه، و َستقب ُ حيات ُ بذكر اهلل‬
                                                                       ‫تعالى، بالتوحيد هلل ال شريك له.‬
 ‫ويبدأ األ ُ واألم رعاية هذا الطفل ذك ًا كان أو أنثى، ُّ تبدُ المشوار بعد أن عانت آال َ حم ٍ‬
 ‫م ل‬                            ‫فاألم أ‬               ‫ر‬                    ‫ُّ‬    ‫ب‬
                         ‫ت‬                                              ‫ع‬       ‫ع‬
      ‫ووض ٍ وإرضا ٍ وحضانة، ثم بعد ذلك ينشأ على تربية حسنة تربية ُستقى من منهل النبوة‬
                                                                   ‫ي‬
     ‫الصافي وعلى ما كان النب ّ يربي أبناءه، فهذا عبد اهلل بن بريدة عن أبيه قال كان رسول اهلل‬
                                      ‫ي‬
          ‫يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران َعثران ويقومان، فنزل فأخذَهما‬
 ‫فوض َهما بين يديه ثم قال: ((صدق اهلل ورسوله: إ َّمَا أَمْ َاُكمْ َأَوْال ُ ُم ِتْنَ ٌ [التغابن:15]، رأي ُ‬
 ‫ت‬                   ‫و ل ُ و دك ْ ف ة‬                    ‫ِن‬                                          ‫ع‬
                                                          ‫ت‬                             ‫ي‬
                                   ‫ولد ّ هذين فلم أصبر حتى نزلت فأخذ ُهما))، ثم أخذ في خطبته.‬
                                           ‫ل‬
  ‫وعن أبي قتادة أن رسول اهلل كان يصلي وهو حام ٌ أمامةَ بنت زينب بنت رسول اهلل ، فإذا قام‬
                    ‫ي‬                          ‫ق‬        ‫ر‬
    ‫حملها، وإذا سجد وضعها. هذه ال ّحمة الح ّة والشفقة الصادقة، يرحم و ُشفق يعطف ويحنو .‬
                                                                                    ‫خ‬
 ‫وهذا أ ٌ ألنسِ بن مالك كناه أبا عمير ويقول له : ((يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)). وهذا الحسن‬
‫بن علي رضي اهلل عنه يحمله النبي على عاتقه وهو يقول: ((اللهم إني أحبه فأحبه))، وعن يعلى‬
                          ‫ب‬                           ‫دع‬                             ‫ر‬
   ‫بن م ّة أنه قال: خرجنا مع النبي و ُ ِينا إلى طعام فإذا حسين يلع ُ في الطريق، فأسرع النبي‬
                                                ‫ر‬
‫أمام القوم، ثم بسط يديه فجعل الغالم يف ّ ها هنا وها هنا ويضاحكه النبي حتى أخذه فجعل إحدى‬
 ‫يديه في ذقنه واألخرى في رأسه، ثم اعتنقه، ثم قال النبي : ((حسين مني، وأنا من حسين، أحب‬
 ‫َّ‬
                                                                                    ‫اهلل من أحب‬
                                                    ‫َّ حسينا، الحسين سبط من األسباط)).‬
                 ‫ح‬              ‫ل‬                           ‫ع‬
    ‫ما أجملَ هذا النزول، وما أرو َ هذا التواضع، نبي عظيم ينز ُ ويداعب، يماز ُ وال يقول إال‬
      ‫حه‬           ‫ة‬      ‫ت‬       ‫ر‬     ‫د‬
 ‫حقًا، فأين نحن من هديه ؟! تجد الرجل منا يكون له ول ٌ صغي ٌ أو بن ٌ صغير ٌ فال يماز ُ َا وال‬
                                       ‫ت‬      ‫ة‬        ‫ة‬          ‫ت‬      ‫ء‬        ‫د‬             ‫ل‬
‫يقبُها، بلِ البع ُ والجفا ُ طبيع ُه، والغلظ ُ والقسو ُ طريق ُه، وما علم أن نبينا وحبيبنا كان من هديه‬
                 ‫ي‬             ‫ة‬                                           ‫ف‬       ‫ن‬
‫الحنا ُ والعط ُ، فعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: أقبلت فاطم ُ تمشي كأن مش َتَها مشية النبي ،‬
       ‫فقال النبي : ((مرحبا بابنتي))، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله. فهذا ترحيب منه البنته‬
                                                                                     ‫وعطف منه عليها.‬
      ‫م ص خ‬         ‫ب‬           ‫ة‬       ‫ه‬           ‫ي‬         ‫ت‬
  ‫وربما بدرت من الصغير حركا ٌ بريئة ف ُعامله والد ُ معامل ً قاسية؛ ضر ٌ وشت ٌ و ُرا ٌ، بل‬
 ‫ن‬                  ‫ت قة ط‬               ‫ل‬
 ‫تخوي ٌ وتهدي ٌ ووعي ٌ. في ظ ّكم كيف سينشُ هذا الطف ُ وحيا ُه مع ّد ٌ مح ّمة؟! ويكبر المسكي ُ‬
                                                    ‫أ‬           ‫ن‬       ‫د‬      ‫د‬       ‫ف‬
                  ‫ن‬      ‫ت ع‬                                          ‫ن‬       ‫ت م‬
 ‫على ذلك وحيا ُه آال ٌ وأحزا ٌ. لماذا ال نحنو على أبنائنا؟! لماذا ال ت ّس ُ صدور ُا ألبنائنا؟! أبعد‬
       ‫م‬                ‫ل‬           ‫يئ‬
       ‫أن نفقدهم؟! أبعد أن نخسرهم؟! أبعد أن نراهم سلكوا طريقًا س ّ ًا بعيدين ك ّ البعدِ عن القي ِ‬
                                                     ‫الفاضلة واألخالقِ الحسنة؟! فعندئذ ال ينفع الندم.‬
                       ‫ث‬                                                  ‫ر‬
‫وفي حياة األبناء ذكو ًا وإناثًا يقوم األب بتوجيه أبنائه إلى الصالة والح ّ عليها، وكذا بناته، قال‬
                        ‫م‬                               ‫ِ ع‬       ‫ِالص و‬                ‫وُ‬
  ‫تعالى: َأْمرْ أَهْلَكَ ب َّالةِ َاصْطَبرْ َلَيْهَا [طه:735]. وكذا دور األ ّ مع بناتها، فهي ترحمهم‬
                    ‫د‬         ‫د‬
     ‫وتعطف عليهم، ال تحابي الصغيرة على الكبيرة، وال تجامل أح ًا على أح ٍ، بل هم سواء في‬
                                       ‫ر‬                                               ‫ب‬
  ‫الح ّ والعطف والحنان، وكذا األب يعدل بين أبنائه ذكو ًا وإناثًا، ال يحابي، وال يجامل، بل هم‬
   ‫أ‬
‫سواء، عن النعمان بن بشير قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول اهلل فقال: يا رسول اهلل، َشهد‬
                                         ‫أكل‬                                    ‫ت‬
   ‫أني قد نحل ُ النعمان كذا وكذا من مالي، فقال : (( َّ بنيك قد نحلتَ مثل ما نحلتَ النعمان؟))‬
             ‫ر‬                        ‫أيسر‬
‫قال: ال، قال: ((فأشهدْ على هذا غيري))، ثم قال: (( ُّك أن يكونوا إليك في الب ّ سواء؟)) قال:‬
  ‫ل‬
‫بلى، قال: ((فال إذا))، وفي رواية أن رسول اهلل قال: ((ألك بنون سواه؟)) قال: نعم، قال: ((فكّهم‬
                                      ‫أعطيت مثل هذا؟)) قال: ال، قال: ((فال أشهد على جور)).‬
      ‫عباد اهلل، األسرة المسلمة تكون في غاية الح ّ والعطف والسم ّ، وتنا ُ منالها عندما يحتر ُ‬
      ‫م‬                   ‫ل‬       ‫و‬              ‫ب‬
                                                          ‫ر‬       ‫ف‬             ‫ر‬
  ‫الصغي ُ الكبير ويعط ُ الكبي ُ على الصغير، عن عبادة بن الصامت أن رسول اهلل قال : ((ليس‬
                                                                     ‫ي ل‬
‫من أمتي من لم ُج ّ كبيرنَا ويرحم صغيرنا)). عندما يعطف الشاب على أخته وترحم الفتاة أخاها‬
         ‫ي‬              ‫ة‬                ‫ف‬               ‫ة‬                   ‫ب‬      ‫ة‬
‫هم إخو ٌ متحا ّون متعاطفون، المحب ُ شعارهم، والعط ُ منهجهم، والشفق ُ طريقهم، أمان ُهم واحدة،‬
               ‫ل‬          ‫ف‬             ‫ع‬                                 ‫د‬
‫إذا اشتكى أح ُهم أو مرض واحد منهم قاموا له جمي ًا يواسونه يخ ّفون عنه؛ عّهم يصلون به إلى‬
                                                                  ‫ح‬             ‫ِ‬
                                                                                ‫ه‬       ‫ه‬
                                                  ‫غايت ِ وبغيت ِ، يفرحون لفر ِه ويحزنون لحزنه.‬
   ‫ف‬                                                       ‫ء ف‬                    ‫ء ر‬
  ‫أبنا ٌ با ّون آلبائهم، وآبا ٌ مش ِقون على أبنائهم، يعطفون عليهم، يرحمونهم، يبحثون عما يخ ّف‬
                               ‫أب ُّ‬
    ‫أحزانهم؛ ألنهم فلذات أكبادهم، إنهم واهلل أسرة عظيمة، ُّ وأم قائدان عظيمان يقودان مركبة‬
‫عظيمة، يقودانها إلى بر األمان، إنها األسرة الصالحة، عن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أنه‬
   ‫سمع رسول اهلل يقول: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فاإلمام راع وهو مسؤول عن رعيته،‬
‫والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن‬
                                 ‫رعيتها)) إلى أن قال: ((فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).‬
                                                                                      ‫ب م‬
          ‫أ ٌ وأ ٌ ال يفكران في نفسيهما، ال ينظران إلى حياتهما بقدر ما ينظران إلى حياة أبنائهم‬
           ‫ر‬             ‫ت‬       ‫م‬                                ‫ي عب‬          ‫ي‬
         ‫وسعادتهم، َسعَون و َت َ ُون ليروا أبناءهم فرحين سعداء قد ُلئت حياُهم بهجة وسرو ًا.‬
                                      ‫ب‬      ‫ق ب‬                               ‫ب‬
   ‫فمن اآلباء أ ٌ يحرص على بناته، فعندما يطر ُ با َه خاط ٌ يريد ابنتَه ماذا عليه أن يفعل؟ إنه‬
‫االختبار الصعب، إنه االختبار األقوى، لمن؟ لمن سيكون زو ًا البنته، لفلذةِ كبده، لمن هي قطع ٌ‬
‫ة‬                                  ‫ج‬
                                     ‫ي‬
                ‫منه، يريبه ما يريبها، لمن هي أمانة في عنقه، لمن هي رع ّة استرعاه اهلل عليها.‬
      ‫ر‬                                 ‫ل‬
 ‫عباد اهلل، إن الواجب على األب الصالح أن يجتهد ك ّ االجتهاد في البحث والسؤال والتح ّي بكل‬
 ‫وسيلة ممكنة، يسأل هذا، ويسأل ذاك، يسأل عن صالحه وصالته وأخالقه، عن أبي هريرة قال:‬
                                     ‫و‬
    ‫قال رسول اهلل : ((إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فز ّجوه، إال تفعلوا تكن فتنة في األرض‬
     ‫وفساد عريض))، يسأل عن أخالقه، يسأل عن عقيدته، ال سيما اآلفاقيون الذين ال تربطهم به‬
                                                                                           ‫عالقة.‬
    ‫ة‬                   ‫ة‬                            ‫ع‬                                         ‫ي‬
    ‫أ ّها األب الكريم يا رعاك اهلل، إن التي تدف ُها إليه ما هي إال ابنتك فلذ ُ كبدك، ربيتها صغير ً‬
                         ‫و‬                                                   ‫ة‬
‫وكبير ً، وأحسنت تربيتَها، وأصلحت تنشئتها، وقد عرفتْ لك أب ّتَك وحقَك، وحفظت لك عرضك،‬
                                                       ‫ر‬                         ‫ق‬
                                                    ‫فاعرف لها ح ّها، واحفظ لها كرامتها وب ّها.‬
                 ‫ي ي‬           ‫ل‬                            ‫ّد‬
  ‫ومن اآلباء من يقتصر على مجر ُ سؤالٍ عابر، وكأن ابنته حِم ٌ يريد أن ُلق َه عن ظهره، يريد‬
‫ب‬                      ‫ج‬            ‫ه‬            ‫ي ي‬
‫الخالص منها بشكل أو آخر، يريد أن ال ُبق َها أمامه. آ ٍ من قلوب تح ّرت، ما أقساه من قلب أ ٍ‬
                 ‫ف‬                        ‫ب‬                                   ‫ف و‬
 ‫ال يعر ُ للبن ّة حقها، وال للرحمة طريقها، أين تذه ُ من اهلل تعالى عندما تق ُ بين يديه ويسألك‬
                                                      ‫عن هذه المسكينة الضعيفة؟! ماذا ستجيب؟!‬
                                                           ‫ي‬
 ‫أيها األب الحبيب، حذار أن تض ّع ما استرعاك اهلل من رعية، وأن تخون ما ائتمنك اهلل عليه من‬
                       ‫أمانة، حذار أن يقال لك يوم القيامة: تأخر، ويقال البنتك: تقدمي واقتصي.‬
          ‫د‬                                        ‫ن‬
 ‫أيها اإلخوة الكرام، نسأل اهلل تعالى أن يم ّ على بناتنا بالصالحين الطاهرين الذين يق ّرون سعادة‬
    ‫بناتنا ويكرمونهن، وأن يرزق أبناءنا الصالحات العفيفات الذين يحفظونهم في الغيب والشهادة.‬
                       ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آل‬
 ‫بيته الطيبين والطاهرين، وعلى الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم‬
                                                                                             ‫الدين.‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، يرد إلينا من المشكالت االجتماعية والقضايا األسرية الشيء الكثير، فهذا‬
                                                                                 ‫ب‬
  ‫أ ٌ يجبر ابنته ويكرهها على الزواج من ابن أخيه أو قريبه وهي ترفض وترفض ولكن ال حياة‬
                ‫د‬                                                        ‫ت ض‬
‫لمن تنادي، ف ُغم ُ المسكينة عينيها وتقول: يريد أبي لي الخير والسعادة، وما َرتِ المسكينة أنه‬
‫يريد أن ُمضيَ أعرافًا وتقاليد بالية قد عفا عليها الزمن من سقمها وبعدها عن منهج ربها، فعادا ٌ‬
‫ت‬                                                                                  ‫ي‬
                                                            ‫ت ر‬
   ‫ما أنزل اهلل بها من سلطان، ُجب ُ وتكرِه على الزواج، ولسان حاله يقول: ماذا أقول لهم؟! ماذا‬
‫ف ي ه‬            ‫ال‬                                                    ‫ت‬                  ‫د‬
‫أر ُ عليهم؟! لقد أعطي ُهم كلمة، هذا إن شاورها وإال تكون الموافقة من عنده حا ً. أعرا ٌ س َّرت ُ‬
 ‫م‬        ‫ي‬                                    ‫ة‬
‫إلى هذا الطريق المظلم، وكأن المسكينة دمي ٌ ال أحاسيس لها وال مشاعر، فالمهم أن ُمضي كال َه‬
   ‫وأن تتزوج ابنته بما وعد به، وال ينظ ُ إلى النتيجة أتدوم الحيا ُ أم ال؟ أتسعد البن ُ أم ال؟ أتهنُ‬
   ‫أ‬            ‫ت‬                   ‫ة‬                         ‫ر‬
                                                          ‫ت ينف‬
   ‫المرأة أم ال؟ المهم ما وعد ُ به َّذ، أين القلوب الرحيمة؟! أين القلوب العطوفة؟! أين القلوب‬
                                                                        ‫ء‬
    ‫الشفيقة؟! أين اآلبا ُ الصالحون الذين يَحرِصون على سعادة بناتهم؟! أين األولياء الذين يسعون‬
                                     ‫لغرس الفرحة والسعادة والبهجة والسرور في نفوس بناتهم؟!‬
                                                            ‫ِ‬       ‫خي ه ه‬
     ‫وهذا أ ٌ ُكر ُ أختَ ُ بعد موت أبيهم، يجبرها أن تتزوج من صاحبه وصديقه، ولربما كان هذا‬
            ‫ي‬                                                       ‫ة‬        ‫ك‬
   ‫الزوج تار ًا للصال ِ أو صاحبَ عقيدة فاسدة أو مذهب منحرف، فتلك عنده أمور ال ُسأَل عنها‬
                                                                            ‫م‬
   ‫ولكن ال بد أن يت ّ الزواج، ثبت عنه أنه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصالة، فمن تركها فقد‬
                    ‫ة‬      ‫ة‬
   ‫كفر)). وماذا بعد ذلك؟ تذهب المسكينة إلى بيت زوجها وهي أسير ٌ كاره ٌ مجبرة ال حول لها‬
                         ‫ل‬      ‫أ‬                                          ‫ه‬
 ‫وال قوة، فاألصوات تنت ِرها، واألعين ترتقبها إلبداء الموافقة، ويبدُ مسلس ُ الحياةِ القاسية، لماذا؟‬
                                                               ‫ي ن‬                  ‫ف‬
                                                      ‫ألنه ال يخا ُ اهلل تعالى وال ُحس ُ عشرتَها.‬
              ‫ذ‬        ‫ت‬                                        ‫م‬
‫أيها اإلخوة الكرام، يرد إلينا َن هذه حالها، فالضرب والشتم واإلهانة حيا ُها، وأخ ُ مالها إن كانت‬
    ‫ف‬                                                       ‫ر‬       ‫ع ز‬                ‫م‬
  ‫عا ِلة وبشكل فظي ٍ مق ّز تقشع ُ منه القلوب، ما الذي أوصلها إلى هذه الحالة؟! من الذي ز ّها‬
   ‫ء‬
   ‫إلى زوجها؟! إنه أنت أيها الولي، أين الغيرة على بناتنا؟! أين الحرقة على أخواتنا؟! أريق ما ُ‬
                   ‫ذك‬
 ‫وجهنا، أين القلوب العالية؟! أين القلوب السامية؟! يا ويلنا ماذا أصابنا؟! ت َّر ـ يا رعاك اهلل ـ‬
           ‫ي‬
 ‫قول المصطفى : ((ما من رجل يسترعيه اهلل رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرع ّته إال حرم‬
                                                                                            ‫اهلل عليه الجنة)).‬
         ‫ظ‬                     ‫ز‬            ‫ُ ب‬              ‫ك‬
         ‫أخي الحبيب يا رعاك اهلل، أال يحر ُ هذا الحديث قلو َنا؟! أال يه ُ مشاعرنا؟! أال تستيق ُ‬
                                                                                   ‫سن‬
   ‫أحاسي ُ َا؟! أين الرحمة من قلوبنا تجاه فلذات أكبادنا؟! ثبت عنه أنه قال: ((الراحمون يرحمهم‬
     ‫الرحمن، ارحموا من في األرض يرحمكم من في السماء))، وعن جرير عن النبي قال: ((ال‬
              ‫ي‬       ‫ي‬
        ‫يرحم اهلل من ال يرحم الناس))، وعن أبي سعيد عن النبي قال: ((من ال َرحم ال ُرحم)).‬
  ‫ر‬
‫فالغش ـ أخي الحبيب ـ يكون في عدم التحري وعدم السؤال وعدم التدقيق والتفتيش، ما ض ّنا‬
  ‫ب‬                              ‫ت‬
 ‫لو أننا بحثنا لبناتنا الصالحين الطاهرين ليكونوا أزواجًا لبنا ِنا، قال البخاري في صحيحه: "با ُ:‬
        ‫تأي‬
 ‫عرض اإلنسان ابنته أو أخته على أهل الخير"، ثم قال: إن عمر بن الخطاب حين َّمت حفصة‬
‫بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول اهلل فتوفي بالمدينة فقال عمر بن‬
   ‫الخطاب: أتيت عثمانَ بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم‬
  ‫ت‬
  ‫لقيني فقال: قد بدا لي أن ال أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئ َ‬
                          ‫ت‬            ‫ي‬                                         ‫ت‬
 ‫زوج ُك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إل ّ شيئا، فلبث ُ ليالي ثم خطبها رسول اهلل‬
                     ‫ي‬              ‫ي‬
  ‫فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عل ّ حين عرضتَ عل ّ حفصة فلم أرجع إليك‬
‫شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ علي إال أني‬
     ‫ب‬                                   ‫ي سر‬                 ‫ك‬                   ‫ت‬
‫كنت علم ُ أن رسول اهلل قد ذ َرها فلم أكن ألفش َ َّ رسول اهلل ، ولو تركها رسول اهلل ق ِلتها.‬
              ‫ي‬
   ‫أيها اإلخوة الكرام، وسيكون لنا خطبة قادمة بإذن اهلل تعالى حول المشاكل األسر ّة والخالفات‬
   ‫ل‬
   ‫الزوجية وما يترتب عليها من طالق، وما هو موقف الزوجين واألبوين واألبناء منه، وهل ك ّ‬
                            ‫وإ ي ف َّ ي الله كال م سعت‬                                      ‫د‬
            ‫طالق يع ّ عذابًا أم قد يكون رحمة، َِنْ َتَ َرقَا ُغْنِ َّ ُ ُ ً ِنْ َ َ ِهِ [النساء:035].‬
    ‫ِن الل‬                                                                ‫ل‬     ‫ل‬
  ‫عباد اهلل، صّوا وسّموا على الهادي األمين، فقد أمركم بذلك حيث قال في كتابه الكريم: إ َّ َّهَ‬
                      ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫وم ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬
       ‫َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
    ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد‬
  ‫مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك‬
                                                                                                   ‫حميد مجيد.‬
       ‫اللهم ارض عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين األئمة المهديين: أبي بكر وعمر‬
    ‫وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                                                          ‫الدين.‬
                                                       ‫ل‬
           ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين، وأذ ّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين...‬
‫(5/7654)‬




                                                                                ‫تغيير الواقع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                     ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                         ‫التربية والتزكية, المسلمون في العالم, قضايا المجتمع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                      ‫الخبر‬
                                                                               ‫05/7/4545‬
                                                                                       ‫النور‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
               ‫ي‬
‫5- البشر هم الذين يرسمون الخطوط العامة لمعالم التاريخ. 7- متى حصل التغ ّر في هذه األمة؟‬
                           ‫3- التغيير السليم والتغيير الفاسد. 4- بعض معالم التغيير الصحيح.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: إن البشر هم الذين يرسمون الخطوط العامة لمعالم التاريخ، وإن البشر هم الذين يغيرون‬
           ‫وجه التاريخ بحسب المنهج الذي معهم وبحسب التصورات التي يحملونها، فإن كان في‬
                            ‫ر‬
‫تصوراتهم غبش وفي منهجهم انحراف يكون التغيير الذي يحدثونه تغيي ًا سيئًا مخالفا لما أراد اهلل‬
   ‫عز وجل، وبالعكس إذا كان ما يحملون من تصورات موافقا لمنهج أهل السنة والجماعة فأبشر‬
                                                   ‫بمجتمع طالما اشتاقت لها النفوس المؤمنة.‬
                        ‫ب‬
‫أيها المسلمون، إن الواحد منا وهو يقلب النظر في حالة هذه األمة وما ُليت به لتهفو نفسه وتتطلع‬
      ‫إلى رؤية ذلك المجتمع األول الذي كان بالفعل يمثل القمة الشامخة في تاريخ اإلنسانية. ذلك‬
    ‫المجتمع الذي عاش بين ظهرانيه رسول اهلل ، القدوة األولى لهذه األمة، ثم بدأت نقطة التحول‬
   ‫األولى من اللحظة التي اختار فيه النبي الكريم ـ صلوات ربي وسالمه عليه ـ لقاء ربه على‬
                                                                ‫ب‬
   ‫هذه الدنيا الفانية، يوم ع ّر عن ذلك الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي اهلل عنه بقوله: (وإنا‬
                                                               ‫لفي الدفن حتى أنكرنا قلوبنا).‬
‫ولكن هذا التحول لم يكن ليستمر مع وجود النخبة المصطفاة الذين رباهم النبي على عينيه، فكانت‬
   ‫الخالفة الراشدة، الزمام الذي حفظ اهلل به لهذه األمة استقامتها على ذلك المنهج القرآني الفريد.‬
    ‫وفي أواخر عهد الخلفاء الراشدين حصل شيء من التغيير، حيث أصيبت وحدة العقيدة بصدع‬
‫عظيم من جراء ظهور البدع، فظهرت الخوارج والمرجئة والقدرية والرافضة، فكادت هذه الفرق‬
        ‫أن تشتت وحدة األمة لوال أن اهلل جل وتعالى قيض لهؤالء المبتدعة من يصد شرهم ويفند‬
                                                    ‫أباطيلهم، ويظهر راية السنة منشورة شامخة.‬
  ‫وبعد انقضاء القرون الثالثة التي شهد لها النبي بالفضل دخلت األمة مرحلة أخرى من التغيير،‬
                    ‫ب‬
 ‫دخلت في مرحلة أقل في الفضل بكثير من سابقتها، غير أنه لم يزل الخير غال ًا فيها، إذ يسر اهلل‬
  ‫لها من الخلفاء العظام من اجتهد أن يعيدها سيرتها األولى، حتى بلغت مرحلة من السيادة كانت‬
   ‫فيها حديث العالم أجمع، حيث كان في الخلفاء قوة وتمسك بالحق وعناية بالجهاد واهتمام بالعلم‬
                                                          ‫ل‬
 ‫ومناصرة السنة وقمع البدعة، فاستغّوا خيرات البالد وثرواتها في الفتوح والدعوة إلى سبيل اهلل،‬
      ‫حتى اتسعت رقعة العالم اإلسالمي، فوصلت الفتوحات في عهد الخالفة العثمانية إلى إيطاليا‬
    ‫والمجر وألبانيا، فهزت جيوش المسلمين عروش ملوك أوربا، وفتحت القسطنطينية، واستولت‬
  ‫على كثير من جزر البحر األبيض المتوسط، وسيطرت على المالحة البحرية فيها، ولم يبق من‬
                                         ‫هذا المجد إال الذكرى الذي عبر عنه الشاعر وهو يقول:‬
                                ‫يا من ينوح فؤادي خلف موكبه…ومن ترفرف روحي حول مغناه‬
                                            ‫ر‬
                                    ‫ماذا تركت بقلبي بعدما نسجت…كف الخريف له ح ّى بالياه‬
                                             ‫ف‬                            ‫ن‬
                                   ‫هال ذكرت زما ًا ظل يسعدنا…نقضى حياة المنى ِي ظل دنياه‬
                                          ‫تسعى إلينا األماني في ظالله…وتستخف بنا أحالم دنياه‬
                                     ‫ما زلت أذكره في كل آونة…رغم الصدود وأنت اليوم تنساه‬
                                              ‫أ‬
 ‫ثم كان ما كان، يوم سقطت الخالفة، أو قل: ُسقطت الخالفة، وانتفشت العلمانية، وحورب الدين،‬
 ‫وتمزق العالم اإلسالمي إلى دويالت، كل حزب بما لديهم فرحون، ثم سادت النظريات اإللحادية،‬
‫ووزعت ثروات األمة وخيراتها على غير أبنائها، وحصل لألمة ما يعلم كل أحد من خالل دراسة‬
 ‫التاريخ، نكبات، دويالت وخيانات، حتى أصبح الضعف والتخلف سمة من السمات المميزة لألمة‬
 ‫في الوقت الحاضر، وصار يطلق غيرها عليها: الدول النامية والعالم الثالث، وغيرها من األلقاب‬
                              ‫التي يجب أن تؤثر فيها وال ترضى بها وتسعى جاهدة في تغييرها.‬
  ‫أيها المسلمون، بعد هذه المقدمة القصيرة نصل إلى قناعة، إلى أن الواقع يحتاج إلى تغيير، وأن‬
 ‫هذا التغيير ال يقوم إال بجهد، وهذا الجهد ال يكون إال بالبشر أنفسهم، ومن قلب هذه األمة ال من‬
  ‫ِن الل َ ي ِّر ب ْم َت‬
 ‫خارجها، فهم الذين يباشرون التغيير وذلك بعد مشيئة اهلل عز وجل، إ َّ َّه ال ُغَي ُ مَا ِقَو ٍ ح َّى‬
                                                                                ‫ب فس ِ‬          ‫ي ِّر‬
                                                                  ‫ُغَي ُوا مَا ِأَن ُ ِهمْ [الرعد:55].‬
‫إن كل مجتمع ال بد له من قيادة، وكل جيل ال بد له من موجهين ومنظرين، هناك فئة هم أصحاب‬
        ‫التأثير في كل وسط، وعليك أن تتخيل ـ أخي المسلم ـ حالة مجتمع أصحاب التأثير فيه‬
  ‫والموجهون فيه والرموز التي ينظر إليها الناس ويعجبون بهم هم الرياضيون والعبو الكرة، هل‬
       ‫م‬                                          ‫ر‬
  ‫يمكن لهذا الوسط أو لهذا المجتمع أن يقدم خي ًا ألمته، أو أن يغير واقعًا، أو أن يدفع ظل ًا لحق‬
   ‫ببعض أبنائه في أرض البلقان أو أرض األفعان أو أرض الصومال أو غيرها من أراضي اهلل‬
                                                       ‫ع‬
  ‫الواسعة؟! أو عليك أن تتخيل مجتم ًا أو وسطا أصحاب التأثير فيه هم زمرة من الشهوانيين، ال‬
‫يفكرون إال في الكأس والمرأة سافرة متبرجة، إما خلف مقود سيارة أو على مدرجات المالعب أو‬
‫خلف طاوالت العمل، تستقبل الناس في فندق أو مستشفى أو غيرها من األماكن، كيف يكون حال‬
‫هذا المجتمع؟! وإلى أي مستوى من التغيير يمكن أن يصل؟! هل تتصور أن هذا الوسط الذي هذه‬
                                                  ‫د ر‬
  ‫قيادته وهؤالء أصحاب النفوذ فيه أن يق ّم خي ًا ألمته، أو أن يغير واقعًا، أو أن يساهم في إقامة‬
   ‫مصنع، أو تنشيط تجارة على األقل، فضالً عن التفكير في أصعب األمور والعمل ألجلها لرفع‬
                                                          ‫ي‬         ‫ي‬
                                                       ‫مستوى البلد ثقافيًا واقتصاد ًا وأخالق ًا؟!‬
    ‫ي‬
   ‫ال شك أن القيادة والتوجيه ومن بيده اتخاذ القرار لو كان من هذه الفئة وهي فئة الشهوانيين أ ًا‬
                  ‫ي‬                          ‫ن‬
      ‫كان اتجاه هذه الشهوة فإنك سترى المنكر عل ًا في ذلك الوسط، وسترى التمّع والتخنث في‬
                                    ‫ي‬
   ‫الشوارع واألسواق والشواطئ، وسترى قلة الحياء، وال ُستغرب إذا رأيت بعد فترة كتل اللحم‬
‫أمام ناظريك، لحم األرجل والسيقان والظهور، وسيصل إلى الصدور والنحور إذا لم يتغمد اهلل عز‬
                                                                   ‫وجل ذلك المجتمع برحمته.‬
   ‫وستسمع وسترى عبر وسائل اإلعالم في ذلك المجتمع الطرب واللهو والغناء الفاحش، وكل ما‬
             ‫ط‬                        ‫د‬
       ‫يزيد من سعار الشهوة ويلهب من وهجها؛ ألن الذي يع ّ البرامج والذي يفكر ويخ ّط لهذه‬
   ‫الوسائل رجل الشهوة، فكيف بعد كل هذا يتربى الناس؟! وعلى ماذا يكبرون؟! وما الثقافة التي‬
               ‫د‬                                              ‫ال‬
‫ستصل إلى أدمغتهم؟! إنك قلي ً ما تشاهد أو تسمع في مجتمع الشهوة برنامجًا جا ًا أو حلقة علمية‬
‫نافعة، حتى بعض الفقرات النافعة أو الجادة في تلك البرامج ال بد من إقحام العنصر النسوي فيها،‬
        ‫ر‬                                            ‫ب‬      ‫ع‬
       ‫فالسؤال اآلن: هل يمكن لمجتم ٍ أصحا ُ القرار فيه هم رجال الشهوة أن يقدم هؤالء خي ًا‬
                                                                                         ‫لألمة؟!‬
                                                                ‫ع‬       ‫ي‬
     ‫أوْ عليك أن تتخ ّل مجتم ًا أو وسطًا ما أصحاب النفوذ وأصحاب التأثير فيه ومفكروها أناس‬
‫أبغض ما لديهم الدين، وأكثر ما يزعجهم أحكام الشريعة، يحاولون جادين في إبعاد الدين عن واقع‬
‫الحياة، ويحاولون إقناع الناس بأن الدين عبارة عن عالقة بين اإلنسان وربه، أما األمور األخرى،‬
 ‫أما العالقات والقضايا االجتماعية والحياة األسرية، فضالً عن الوظيفة والتجارة، فهذه ال بأس أن‬
 ‫تأخذ من أية فكرة أو أي تصور يراه المجتمع صالحًا ونافعًا. كيف يكون حال هذا الوسط؟! وإلى‬
                                                              ‫أي درجة سيصل هذا المجتمع؟!‬
   ‫سوف ينتشر بين الناس التفكير المادي والنظرة المادية؛ ألن العناصر القيادية في ذلك المجتمع‬
       ‫ي‬                                                                             ‫سيسخ‬
     ‫ِّر إعالمه إلقناع الناس بهذا النمط من التفكير، وال شك أن الناس سوف تتأثر تدريج ًا،‬
                                ‫م ل‬              ‫ر‬           ‫ظ‬
    ‫فتقسو القلوب؛ ألنها ال تسمع وع ًا وال تذكي ًا، بل حتى ال ُسَّمات الغيبية عن الناس يأتي من‬
                                                                      ‫ي‬            ‫ك‬
  ‫يش ّك فيها، فال ُستغرب في ذلك المجتمع التي هذه قيادته أن تقرأ في بعض صحفها السيارة أو‬
                                                             ‫ال‬
‫مجالتها األنيقة من يكتب مقا ً حول قضية شرعية عقدية ال نقاش فيها وال جدال، وغالبًا المقاالت‬
  ‫س‬
  ‫األولى من هذا النوع تكون مقاالت عامة وملتوية وبعيدة عن الوضوح، وتكون عبارة عن ج ّ‬
                             ‫ب‬
  ‫نبض الفئة الصالحة في ذلك الوسط، وعبارة عن تجربة لمدى تق ّل الناس في ذلك المجتمع لمثل‬
                       ‫هذه الكتابات أو هذا الكالم، لو كانت مقابلة شخصية مع أحد رموز هذا التيار.‬
‫فإذا لم يظهر رد على هذا المقال ولم تحصل بلبلة فهذا مؤشر إلى تهيؤ المجتمع لمثل هذه الكتابات‬
                                                                                       ‫ث‬
   ‫أو لب ّ هذه األفكار، فيأتي المقال الثاني لكن بجرعة أكبر، ويزاد فيها نسبة السم، هكذا فالسؤال‬
 ‫اآلن: هل لهذا الوسط الذي أصحاب التفكير فيه بهذا االتجاه أن يشارك في تقديم نفع ألمته؟! هل‬
    ‫د‬                                                         ‫ُتفل‬             ‫ب‬
    ‫لمجتمعٍ أصحا ُ التأثير فيه م ِّتون من تكاليف الدين أن يشارك في آالم األمة، أو أن يقدم ي َ‬
 ‫د‬
‫المساعدة والعون ليتيمٍ أو أرملة في بقاع اهلل الواسعة لمجرد أنه يشهد أن ال إله إال اهلل وأن محم ًا‬
                            ‫ل‬
  ‫رسول اهلل؟! هل يتأثر؟! بالتأكيد أنه ال يتأثر؛ ألنه لو بيده لسحق ك ّ من يتلفظ بهذه الكلمة، لكن‬
                                                         ‫ق‬          ‫ت‬                  ‫أن‬
‫َّى لمثل هؤالء المر َزقة أن يح ّقوا مآربهم، واهلل جل وتعالى سيفضحهم، ويخيب آمالهم، وسيعلو‬
                                                  ‫دين اهلل عز وجل، رضي من رضي، وسخط من سخط.‬
    ‫أيها المسلمون، نريد أن نصل بعد هذا كله إلى أن المجتمع الذي يظهر فيه شيء مما ذكر فإن‬
 ‫واقع ذلك المجتمع يحتاج إلى تغيير، وليعلم بأن التغيير مرتبط بمقدار الجهد المبذول، فإذا تحرك‬
   ‫أصحاب التصور السليم كان التغيير سليمًا، وإذا تحرك بعض أصحاب المبادئ التي ذكرت قبل‬
‫ء‬                ‫ِ َب و‬           ‫ؤ م‬             ‫ك ن ِد ؤ‬
‫قليل كان التغيير لصالحهم، كما قال تعالى: ُالً ُم ُّ هَ ُالء وَهَ ُالءِ ِنْ عَطَاء رِّكَ َمَا كَانَ عَطَا ُ‬
                                                                                                  ‫َبك م ظ ر‬
                                                                                   ‫ر ِّ َ َحْ ُو ًا [اإلسراء:07].‬
           ‫ج‬      ‫ج‬                ‫ر‬
‫فنسأل اهلل عز وجل أن يهيئَ لهذه األمة من يأخذ بيدها إلى ب ّ األمان، وأن يع ّل فرَ َها، إنه ولي‬
                                                                                                 ‫ذلك والقادر عليه.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
 ‫لُ ف ه‬             ‫ير د ح الد ي وز ه ن َف إ ِ‬                                 ‫م‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، قال اهلل تعالى: َنْ كَانَ ُ ِي ُ الْ َيَاةَ ُّنْ َا َ ِينَتَ َا ُو ِّ ِلَيْهمْ أَعْمَاَهمْ ِي َا‬
    ‫ِر ِال الن ر وحب م ص ع ف ه وب ِل م‬                      ‫ُْ ف‬             ‫َّذ‬          ‫ُْ ف ه ي س أ‬
   ‫وَهم ِي َا ال ُبْخَ ُونَ ُوْلَئِكَ ال ِينَ لَيْسَ لَهم ِي اآلخ َةِ إ َّ َّا ُ َ َ ِطَ َا َنَ ُوا ِي َا َ َاط ٌ َا‬
                                                                                                    ‫ن ي مل‬
                                                                                   ‫كَاُوا َعْ َُونَ [هود:15، 65].‬
                                   ‫أخي المسلم، بعدما سمعت -------------------------‬
                                                                   ‫ن‬
  ‫الخطبة األولى أظ ّك أدركت ضرورة التغيير وواجب اإلصالح وتقديم كل ما بإمكانك أن تقدمه‬
                                                                                                       ‫لدينك وأمتك.‬
                     ‫ل‬
 ‫أيها األحبة في اهلل، إنني أخاطب بهذه الكلمات كل مسلم في هذه األمة، وك ّ منا بمقدوره أن يقدم‬
                                                                     ‫ر‬
                             ‫الكثير تجاه هذا الواقع الم ّ، وها أنا أرسم لك بعض معالم هذه الخطوات:‬
                                                 ‫ي‬                       ‫ح‬         ‫ال‬
  ‫فأو ً: لو أتي َت لك فرصة في مركز قياد ّ فال تتردد، وظيفة أو عمل أو تكليف أو غيره، اعلم‬
                                      ‫ل‬                 ‫ل‬           ‫ّت‬            ‫د‬
     ‫جي ًا أنك لو فو َّ الفرصة وتخّيت عن الدور فسيح ّ مكانك إما رجل شهواني أو مغرور أو‬
     ‫صاحب أفكار منحرفة، فوجودك أنت في هذا المنصب أولى وأفضل، وبإمكانك من خالله أن‬
                                                                      ‫تخدم األمة وتنفع الناس وتقدم األفضل.‬
                                      ‫ب‬      ‫ح‬
     ‫بعض الناس لو عرضت عليه بعض األدوار تن ّى جان ًا بحجة التواضع أو ازدراء النفس أو‬
‫الزهد في الدنيا. يا أخي، هذا ليس مجال تواضع أو زهد، بل هو مجال تنافس وتصارع بين قوى‬
  ‫الخير والشر، واألمر ال يهمك أنت شخصيًا، بل يهم اإلسالم، بهذا المنظار يجب عليك أن تنظر‬
                                                                                                             ‫لألمور.‬
        ‫ثم عليك ـ ثانيًا ـ باالعتناء بالعلم الشرعي، ال نريد ممن يسعى للتغيير ويطمح إلصالح‬
‫األوضاع أن تكون قراءته قراءَة ثقافة في أوقات الفراغ، هذا ال يصلح، وليس هذا صفات عناصر‬
‫التغيير في المجتمع، بل نطالب هؤالء الشباب بثني الركب في حلق العلم، وطلب العلم من مظانه،‬
 ‫والصبر على المطوالت، واالطالع بعمق، وغربلة كتب السلف، وتكوين قاعدة صلبة وفق منهج‬
                                                          ‫أهل السنة والجماعة، وتأصيل القضايا الشرعية.‬
                                       ‫د‬
‫ثالثًا: علينا استغالل الملكات والقدرات، ومن المؤسف ج ًا أننا نملك الكثير من القدرات والطاقات،‬
                         ‫والتي ال تقوم إال بأقل القليل مما يفترض أن تقوم به وبإمكانها أن تقوم به.‬
    ‫إننا نملك الوقت ونملك الفراغ والصحة والشباب واألمن والخيرات، كل هذه القدرات ال بد أن‬
                         ‫س‬                                                  ‫ال‬
     ‫تستغل استغال ً طيبًا موفقًا من أجل التغيير واإلصالح، ((اغتنم خم ًا قبل خمس: حياتك قبل‬
       ‫موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)).‬
  ‫وبمناسبة استغالل القدرات، يذكَر أن اليابان كانت قبل قرن من الزمان تعيش في عزلة وتخلف،‬
          ‫د‬
  ‫ثم أصبحت في مصاف الدول الصناعية الكبرى، وفي عداد الدول المتقدمة، مع أنها ال ِينَ لها،‬
‫فكيف حصل ذلك؟! حصل بنوع من الجد الصارم والعزيمة القوية في استخدام الطاقات واستغالل‬
 ‫الجهود واستهالك الوقت في البناء واإلصالح، فإذا كانت هذه األمة الضالة قد استطاعت أن تفيق‬
                        ‫من ذلك السبات العميق، فكيف بأمة القرآن ذات المنهج والسيادة والتاريخ؟!‬
                                                            ‫م‬              ‫ج‬
‫رابعًا: على المو ّهين والذين يه ّهم التغيير تربية الشباب على الجدية والشجاعة والبناء واستغالل‬
                                                ‫الوقت واستثماره في الصالح وغرس هذه القضية لديهم.‬
   ‫خامسًا: على كل عناصر التغيير بجميع مستوياتها أن تجعل هذا من أساس منهجها في التغيير،‬
                                                ‫ال‬
‫وهو أن تغيير النفوس وإصالح القلوب أو ً وتوجيه األعمال وتنظيف األفكار وتطهير األدران كل‬
   ‫ذلك ال يحصل بضغط زر من األزرار، وإنما األمر يحتاج إلى مجاهدة ومجالدة وكبد، قال اهلل‬
                                   ‫م سن‬                 ‫ْد َنه سب وِن الل‬                     ‫و َّذ ج َد ف‬
        ‫تعالى: َال ِينَ َاه ُوا ِينَا لَنَه ِي َّ ُمْ ُ ُلَنَا َإ َّ َّهَ لَمَعَ الْ ُحْ ِ ِينَ [العنكبوت:16]، فالهداية‬
‫واالستقامة ال تأتي فلتة عارضة من السماء، بل هي متعلقة بالمجاهدة، وأعظم الناس هداية أكثرهم‬
      ‫مجاهدة لنفسه، وحتى المهتدين وحتى األخيار والصالحين واألبرار في حاجة لما هو أفضل‬
                                              ‫ه‬          ‫َ ز ه ُد و ُ‬                      ‫و َّذ‬
                                 ‫وأزكى، َال ِينَ اهْتدَوْا َادَ ُمْ ه ًى َآتَاهمْ تَقْوا ُمْ [محمد:25].‬
                                ‫اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.‬

‫(5/1654)‬




                                                                               ‫المؤمن كخامة الزرع‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                            ‫أحاديث مشروحة, الفتن‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                             ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                ‫الخبر‬
                                                                                         ‫1/2/2545‬
                                                                                                 ‫النور‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- شرح قول : ((المؤمن كخامة الزرع)). 7- تكفير ذنوب المؤمن بالبالء والمصائب. 3-‬
       ‫فوائد مستخرجة من الحديث. 4- الدعاء سبب عظيم في تخفيف المصائب ورفع الكروب.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة عن النبي قال: ((مثل المؤمن‬
                           ‫ف‬
 ‫كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تك ّأ بالبالء، والفاجر كاألرزة‬
                          ‫صماء معتدلة، حتى يقصمها اهلل إذا شاء)) واللفظ للبخاري (4461).‬
  ‫أيها المسلمون، لقد صدق رسول اهلل في قوله: ((أوتيت جوامع الكلم)). كلمات قليلة يقولها عليه‬
    ‫الصالة والسالم تحمل من المعاني والفوائد الشيء الكثير. وهذا من جوامع كلمه عليه الصالة‬
    ‫ف‬
   ‫والسالم: ((مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تك ّأ‬
                           ‫بالبالء، والفاجر كاألرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها اهلل إذا شاء)).‬
‫عباد اهلل، إن النبي ضرب مثل الريح في هذا الحديث العظيم بالبالء الذي يصيب الناس، المصائب‬
                       ‫والمحن والشدائد التي تواجه كل إنسان، المؤمن والكافر والبار والفاجر.‬
      ‫وشبه الرسول عليه الصالة والسالم المؤمن في هذا الحديث بخامة الزرع، وهي الرطبة من‬
                                                                    ‫ن‬
     ‫النبات الذي يكون لي ًا تحركه وتهزه أدنى ريح، فهو يتحرك معها يمنة ويسرة، ومثل المنافق‬
    ‫والفاجر باألرزة، وهي الشجرة العظيمة التي ال تحركها الرياح وال تزعزعها، حتى يرسل اهلل‬
                                                                                ‫ح‬
                                           ‫عليها ري ًا عاصفًا فتقلعها من األرض دفعة واحدة.‬
 ‫هل أدركتم ـ أيها اإلخوة ـ مراد الرسول عليه الصالة والسالم بهذا الحديث؟ يبين عليه الصالة‬
   ‫والسالم بهذا الحديث فضيلة عظيمة للمؤمن بابتالئه في الدنيا، وأن المحن والشدائد والمصائب‬
  ‫تصيب المسلمين والمؤمنين أكثر من الفجرة والكافرين، فالمؤمن تعرض له في هذه الدنيا أنواع‬
  ‫من البالء، في جسده وفي أهله، وفي ماله وفي دينه، وشبه الرسول كثرة ما يتعرض له المؤمن‬
      ‫من البالء بهذه الرياح التي تلعب بالزرع الصغير ((خامة الزرع)) يمنة ويسره، أما الفاجر‬
  ‫والمنافق والكافر فال يصيبه البالء حتى يموت، ولذا فهو كاألرزة، وهي الشجرة العظيمة، وهذا‬
‫تمثيل بعدم تعرض الكفار عمومًا للبالء حتى الموت، فيلقون اهلل عز وجل بذنوبهم كلها، فيستحقون‬
    ‫العقوبة عليها، بخالف المؤمن الذي تكون هذه المحن في حقه بمثابة المطهر والمزيل لذنوبه.‬
       ‫((مثل المؤمن كمثل خامة الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت كفأتها بالبالء،‬
                                   ‫والفاجر كاألرزة صماء معتدلة، حتى يقصمها اهلل إذا شاء)).‬
‫أيها المسلمون، وردت نصوص كثيرة في تكفير ذنوب المؤمن بالبالء والمصائب، ففي الصحيحين‬
                 ‫ر‬
   ‫عن عائشة رضي اهلل عنها عن النبي قال: ((ما من مصيبة تصيب المسلم إال كف ّ اهلل بها عنه،‬
                                                    ‫ض‬
     ‫حتى الشوكة يشاكها))، وفيهما أي ًا عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة‬
‫ن‬
‫رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((ما يصيب المؤمن بالء وال نصب وال وصب وال هم وال حز ٌ‬
 ‫وال أذى وال غم حتى الشوكة يشاكها إال كفر اهلل بها من خطاياه))، وفيهما أيضًا عن ابن مسعود‬
    ‫عن النبي قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إال حت عنه خطاياه كما يحت‬
 ‫ورق الشجر))، وروى اإلمام أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي قال: ((ما‬
     ‫يزال البالء بالعبد حتى يتركه يمشي على األرض ما عليه خطيئة))، وفي جامع الترمذي من‬
 ‫حديث أبي هريرة عن النبي قال: ((ما يزال البالء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى‬
   ‫يلقى اهلل وما عليه خطيئة))، وفي سنن أبي داود عن عامر قال: جلست إلى النبي نذكر األسقام‬
                                                           ‫س‬
  ‫فقال: ((إن المؤمن إذا أصابه ال ّقم ثم أعفاه اهلل منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له‬
       ‫ِم‬
 ‫فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر ل َ عقلوه‬
                                                                                       ‫ِ‬
 ‫ولمَ أرسلوه))، فقال رجل ممن حوله: يا رسول اهلل، ما األسقام؟ واهلل ما مرضت قط، قال : ((قم‬
     ‫عنا فلستَ منا))، وهذا كما قال للذي سأله عن الحمى فلم يعرفها، فقال عليه الصالة والسالم:‬
                                                                               ‫ر‬
‫((من س ّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا))، فجعل عليه الصالة والسالم الفرق‬
   ‫بين أهل الجنة وأهل النار في الحديث السابق إصابة البالء والمصائب، كما جعل ذلك فرقًا بين‬
                                                              ‫المؤمنين وبين الفجار المنافقين.‬
     ‫فهذه األسقام والباليا كلها ـ يا عباد اهلل ـ كفارات للذنوب الماضية ومواعظ للمؤمنين، حتى‬
 ‫يتعظوا ويرجعوا إلى اهلل، كما قال الفضيل رحمه اهلل تعالى: "إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد،‬
‫وليس كل من مرض مات"، ويقول الحسن رحمه اهلل: "إنما أنتم بمنزلة الغرض يرمى به كل يوم،‬
  ‫ليس من مرضه إال أصابتكم فيه رمية، عقل من عقل، وجهل من جهل، حتى يجيء الرمية التي‬
                                                                                               ‫ال تخطئ".‬
   ‫أيها المسلمون، إن تمثيل الرسول المؤمن بخامة الزرع وتمثيل المنافق والفاجر بالشجر العظام‬
                                              ‫يشتمل على فوائد جليلة، فنذكر منها ونقف مع بعضها:‬
‫أن الزرع ضعيف مستضعف، والشجر قوي مستكبر متعاظم، فنالحظ بأن الشجر ال يتأثر من حر‬
   ‫وال برد، والزرع بخالف ذلك، وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل‬
    ‫النار. ورد في الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي قال: ((أال أخبركم بأهل الجنة وأهل‬
‫النار؟ أهل الجنة كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على اهلل ألبره، أال أخبركم بأهل النار؟))، قالوا:‬
 ‫بلى، قال: ((كل شديد جعظري، هم الذين ال يألمون رؤوسهم))، وعن أبي هريرة عن النبي قال:‬
 ‫((تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي ال يدخلني إال ضعفاء الناس وسقطهم؟! وقالت النار:‬
                                                        ‫ما لي ال يدخلني إال الجبارون المتكبرون؟!)).‬
  ‫س م ُ وإ‬          ‫وإ ر ُ ت جب‬
‫وقد وصف اهلل المنافقين في كتابه بالخشب المسندة، فقال تعالى: َِذَا َأَيْتَهمْ ُعْ ِ ُكَ أَجْ َا ُهمْ َِنْ‬
                                                      ‫له َن ُ خشب مس َّ ة‬                   ‫م‬        ‫ق ل‬
  ‫يَ ُوُوا تَسْ َعْ لِقَوِْ ِمْ كَأَّهمْ ُ ُ ٌ ُ َندَ ٌ [المنافقون:4]، أما المؤمنون فبعكس هذه الصفات، حالهم‬
     ‫مستضعفون في ظاهر أجسامهم وكالمهم؛ ألنهم اشتغلوا بعمارة قلوبهم وأرواحهم عن عمارة‬
      ‫أجسامهم، وبواطنهم قوية ثابتة عامرة، فيكابدون بها األعمال الشاقة في طاعة اهلل من الجهاد‬
    ‫والعبادات وتعلم العلم مما ال يستطيع المنافق مكابدته لضعف قلبه، فاإليمان الذي في قلبه مثله‬
  ‫كمثل شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيعيش على اإليمان، ويموت ويبعث عليه،‬
 ‫وإنما الرياح ـ وهي باليا الدنيا ـ تقلب جسمه يمنة ويسرة، أما قلبه فال تصل إليه الرياح؛ ألنه‬
    ‫محروس باإليمان، أما الكافر والمنافق والفاجر فبعكس ذلك، جسمه قوي، ال تقلبه رياح الدنيا،‬
‫وأما قلبه فإنه ضعيف تتالعب به األهواء المضلة فتقلبه يمنة ويسرة، فكذلك كان مثل قلبه كشجرة‬
                                                      ‫خبيثة، اجتثت من فوق األرض ما لها من قرار.‬
                                                                  ‫ض‬
     ‫ومن فوائد هذا الحديث أي ًا أن المؤمن يمشي مع البالء كيفما مشى به فليكن له، فيقلبه يمنة‬
     ‫ويسرة، فكلما أداره استدار معه، فتكون عاقبته العافية من البالء وحسن الخاتمة، ويوقى ميتة‬
‫السوء، وفي هذا لفتة للمؤمنين الذين يقاومون رياح الفساد والعلمنة أن ال يتصلبوا في كل مواقفهم‬
                                                                                ‫ي‬
   ‫فربما ُقتلعوا وهم ال يشعرون، وقد تضرهم بعض لفحات هذه الرياح، لذا ال بد من التالين مع‬
                                                          ‫ر‬
  ‫هذه الرياح دون تنازل في مح ّم في بعض الفترات، وهذه من كياسة وفطنة المؤمن. أما الفاجر‬
‫فلقوته وتعاظمه يتقاوى على األقدار، ويستعصي عليها كالشجرة القوية التي تستعصي على الرياح‬
‫وال تتطامن معها، فيسلط عليه ريح عاصف ال يقوى عليها فتقلعه من أصله بعروقه، كما حكى اهلل‬
    ‫َق َ ل م َد ِن ُو وَ‬                           ‫َر ف َ ْض ب ْ‬                 ‫َم ع ٌ‬
  ‫عن عاد في قوله تعالى: فَأ َّا َاد فَاسْتَكْب ُوا ِي األر ِ ِغَيرِ الْح ِّ وقَاُوا َنْ أَش ُّ مَّا ق َّةً أَ َلمْ‬
    ‫َد َ س ع ِ ر ص َر‬                                ‫ُ هو َد م ُ ُوة و ن ب ت‬                                ‫َ َن الل َّ‬
   ‫يرَوْا أ َّ َّهَ الذِي خَلَقَهمْ ُ َ أَش ُّ ِنْهمْ ق َّ ً َكَا ُوا ِآيَا ِنَا يَجْح ُون فَأَرْ َلْنَا َلَيْهمْ ِيحًا َرْص ًا‬
     ‫ْز ه ي َر ن‬                    ‫ِ ْ ِ ف ح الد و َ ب خ‬                             ‫ف َي حس لنذ ُ َ‬
     ‫ِي أ َّامٍ نَ ِ َاتٍ ِ ُ ِيقَهمْ عذَابَ الْخزي ِي الْ َيَاةِ ُّنْيَا َلَعذَا ُ اآل ِرَةِ أَخ َى وَ ُمْ ال ُنْص ُو َ‬
  ‫[فصلت:15، 65]. فمن تواضع لعظمة اهلل وصبر على بالئه كانت عاقبته الجنة، وسلم في الدنيا‬
   ‫واآلخرة من البالء، ومن تقاوى على أقدار اهلل عجل اهلل عقوبته، وسلط عليه بالء يستأصله وال‬
                                                       ‫يقدر عليه، كالشجر العظام التي تقلعها الرياح بعروقها.‬
                                                                                               ‫وصدق الشاعر إذ يقول:‬
                                                    ‫إن الرياح إذا عصفن فإنما…تولي األذية شامخ األغصان‬
                                                                                                                 ‫وقال آخر:‬
                                                      ‫ي‬
                                        ‫من أخمل النفس أحياها وروحها…ولم يبت طاو ًا منها على ضجر‬
                                    ‫إن الرياح إذا اشتدت عواصفها…فليس ترمي سوى العالي من الشجر‬
                                          ‫ي‬
       ‫الوقفة الثالثة: ومن فوائد الحديث أيضًا أن الزرع ُنتفع به حصاده بخالف الشجر؛ فإن خامة‬
     ‫الزرع يحصده أربابه ثم يبقى منه بعد حصاده ما يلتقطه المساكين وترعاه البهائم، وهكذا مثل‬
     ‫المؤمن، يموت ويخلف ما ينتفع به من علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، وأما‬
                                 ‫ر‬
  ‫الفاجر فإذا اقتلع من األرض لم يبق فيه نفع، ربما أثر ضر ًا فهو كالشجرة المنجعفة، ال تصلح‬
                                                                        ‫إال لوقيد النار، نسأل اهلل السالمة والعافية.‬
  ‫فحاول ـ أخي المؤمن ـ أن تكون كخامة الزرع تنفع في كل حال، وتنفع في كل وقت، ويكون‬
                                  ‫نفعك ألغلب فئات المجتمع ولكل الناس؛ ليبقى لك أثر حتى بعد وفاتك.‬
                                                                              ‫نسأل اهلل عز وجل أن يحسن خاتمتنا.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: الوقفة الرابعة: ومن فوائد هذا الحديث أيضًا وهذه فائدة ال بد من تدبرها أيها اإلخوة، هو‬
      ‫أن الزرع وإن كان له طاقة ضعيفة إال أنه يتقوى بما يخرج معه وحوله، يعتضد به، بخالف‬
                                                                         ‫الشجر العظام، فإن بعضها ال يشد بعضا.‬
   ‫وم ل ُ ف إل ل‬
   ‫وقد ضرب اهلل تعالى مثل النبي وأصحابه بالزرع لهذا المعنى، فقال تعالى: َ َثَُهمْ ِي ا ِنْجِي ِ‬
    ‫أه‬        ‫ر‬                                 ‫عل س ق‬              ‫َ‬            ‫ُ َ ُ‬             ‫ر‬          ‫ََ‬
‫كزرْعٍ أَخْ َجَ شَطْأَه فَآزرَه فَاسْتَغْلَظ فَاسْتَوَى ََى ُو ِهِ [الفتح:17]، فقوله تعالى: أَخْ َجَ شَطَْ ُ أي:‬
                                                                              ‫ف َ ه‬
‫فراخه، َآزرَ ُ أي: ساواه وصار مثل األم وقوي به، فَاسْتَغْلَظَ أي: غلظ وقوي، فالزرع مثل النبي‬
   ‫إذا خرج وحده، فأمده اهلل بأصحابه وهم شطأ الزرع كما قويت الطاقة من الزرع بما نبت فيها،‬
    ‫حتى غلظت واستحكمت، فاستوى على سوقه. فهذا يدل ـ أيها اإلخوة ـ أن المؤمن وإن كان‬
        ‫ضعيفًا بنفسه في بعض األحيان أو في بعض األماكن أو المواقف فهو قوي بإخوانه، كخامة‬
    ‫و م من ن‬
    ‫الزرع التي تتقوى بما يخرج حولها من زرع آخر، ولهذا قال اهلل تعالى في حقهم: َالْ ُؤْ ِ ُو َ‬
                ‫ة‬           ‫ِن م من‬                                        ‫و م م ت ب ضُ ل ء بْ‬
  ‫َالْ ُؤْ ِنَا ُ َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعضٍ [التوبة:52]، وقال تعالى: إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ إِخْوَ ٌ [الحجرات:05].‬
            ‫م ق ن و م ت ب ض ُ م ب ْض‬
            ‫بينما قال اهلل تعالى في المقابل في حق المنافقين: الْ ُنَافِ ُو َ َالْ ُنَافِقَا ُ َعْ ُهمْ ِنْ َع ٍ‬
         ‫سبه جم ع‬
        ‫[التوبة:26] أي: أن بعضهم من جنس بعض في الكفر والنفاق، وقال تعالى: تَحْ َ ُ ُمْ َ ِي ًا‬
                                                                            ‫َقل ب ُ َت‬
         ‫و ُُو ُهمْ ش َّى [الحشر:45]. ويوضح هذا المعنى ما ورد في الصحيحين عن النبي أنه قال:‬
‫((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه، وفيهما أيضًا عن النبي : ((مثل‬
‫المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره‬
                                                                                                           ‫بالحمى والسهر)).‬
   ‫أيها المسلمون، إن المؤمن يصيبه من الشرور والمحن واألذى أكثر مما يصيب الكفار، والواقع‬
                                                    ‫بل‬
  ‫شاهد بذلك، ولكن مصائب المؤمن مقا ََة بالرضا واالحتساب، وذلك يخفف عليه ثقل البالء، أما‬
‫الكافر فال رضا عنده وال احتساب، وإن صبر على األذى فكصبر البهائم، وقد نبه اهلل تعالى على‬
‫م ن و ج م الله‬                        ‫ِن ُ م ن‬                 ‫م‬          ‫إ ك ن‬                      ‫و هن ف ت‬
‫ذلك بقوله: َال تَ ِ ُوا ِي ابْ ِغَاءِ الْقَوْمِ ِنْ تَ ُو ُوا تَأْلَ ُونَ فَإ َّهمْ يَأْلَ ُو َ كَمَا تَأْلَ ُو َ َتَرْ ُونَ ِنْ َّ ِ‬
                                                                                                               ‫َ ج‬
                                                                                              ‫مَا ال يرْ ُونَ [النساء:405].‬
                                                                                       ‫ض‬
    ‫وأي ًا ـ أيها اإلخوة ـ فإن ابتالء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه األدواء التي لو بقيت فيه‬
‫أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج االبتالء واالمتحان منه تلك األدواء، ويستعد به‬
      ‫لتمام األجر، وهذا ـ ال شك ـ فيه خير للمؤمن، يقول عليه الصالة والسالم: ((عجبت ألمر‬
                               ‫ر‬
 ‫المؤمن، إن أمره كله خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خي ًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان‬
                                                                                                                  ‫ر‬
                                                                                      ‫خي ًا له، وليس ذلك إال للمؤمن)).‬
 ‫عباد اهلل، إن المؤمن معرض في هذه الدنيا الزائلة أن يصيبه أي شيء، وقد تأتيه البلية من حيث‬
   ‫ر‬
  ‫ال يشعر، ولكن ـ أيها اإلخوة ـ هناك سالح عند المؤمن لو أحسن استخدامه لخفف عنه كثي ًا‬
    ‫من األذى والشرور، أال وهو سالح الدعاء الذي غفل عنه كثير من الناس، يعتمد أغلب الناس‬
                                     ‫على أمور مادية في دفع المصائب، وما علموا أن الدعاء أنفع وأقوى.‬
   ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، وتنبهوا لمثل هذه األمور التي تعينكم في دنياكم وأخراكم، وصدق من‬
          ‫ً‬                                    ‫ه‬
         ‫يقول وهو يصف نفسه في حال بالء وكيف أنه ُدي إلى هذا السالح فتوجه إلى ربه قائال:‬
                                        ‫ج‬
                                       ‫لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا…وقمت أشكو إلى موالي ما أ ِد‬
                                                                                      ‫ف‬
                                                   ‫وقلت: يا أملي ِي كل نائبة…ومن عليه لكشف الضر أعتمد‬
                                                              ‫ح‬                       ‫ر‬
                                              ‫أشكو إليك أمو ًا أنت تعلمها…ما لي على َملها صبر وال جلد‬
                                                             ‫ُد‬                  ‫ال‬
                                                    ‫وقد مددت يدي بالذل مبته ً…إليك يا خير من م َّت إليه يد‬
                                                      ‫فال تردنها يا رب خائبة…ونَهر جودك يروي كل من يرد‬

‫(5/0254)‬
                                                                             ‫حريق المدينة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                          ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                    ‫أشراط الساعة, الفتن, الكبائر والمعاصي‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                    ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                     ‫الخبر‬
                                                                             ‫17/4/4545‬
                                                                                     ‫النور‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وجوب اإليمان بكل ما أخبر به الرسول من أشراط الساعة. 7- حادثة خروج نار بالمدينة.‬
 ‫3- حادثة إغراق بغداد بالمياه. 4- جواب عن سؤال مشكل وهو: هل كل ما يصيبنا هو بسبب‬
               ‫ذنوبنا وبسبب معاصينا وأفعالنا؟ 1- كيف تساهم في نصرة إخوانك المظلومين؟‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: إن الرسول قد أخبرنا في غير ما حديث أنه ال تقوم الساعة حتى يحصل كذا، أو ال تقوم‬
   ‫الساعة حتى يخرج كذا، أو ال تقوم الساعة إال على كذا. وهذا الذي أخبر به النبي غيب وحق‬
      ‫يجب التصديق به، إذا ثبت النص عن رسول اهلل عن مثل هذه األمور الغيبية فيجب اعتقاد‬
                                        ‫حصوله، وهذا جزء من عقيدة المسلم وإيمانه بالغيب.‬
 ‫وهذا الذي أخبر به الرسول اهلل منه ما حصل وانتهى، ومنه ما هو واقع وحاصل اآلن، ومنه ما‬
‫لم يقع و سيحصل في المستقبل. فمما حصل وانتهى قوله عليه الصالة والسالم: ((ال تقوم الساعة‬
                                ‫ب‬                                   ‫ر‬
 ‫حتى تخرج نا ٌ من أرض الحجاز تضيء أعناقَ اإلبل ب ُصرى)). ومما هو حاصل اآلن قوله :‬
      ‫((ال تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد))، وقوله: ((ال تقوم الساعة حتى يتقارب‬
  ‫الزمان؛ فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة،‬
                                                                     ‫ة‬
 ‫وتكون الساعة كالضرم ِ بالنار)). ومما ال يقع بعد وسيقع بكل تأكيد قوله عليه الصالة والسالم:‬
 ‫((ال تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيغلبهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء‬
 ‫الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد اهلل، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إال‬
                            ‫ج‬
  ‫الفرقد فإنه من شجر اليهود))، وقوله: ((ال تقوم الساعة حتى ال يح ّ البيت))، وقوله: ((ال تقوم‬
 ‫الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار األعين عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، كأن وجوههم‬
               ‫المجان المطرقة، ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق حتى يرتبطوا خيولهم بالنخل)).‬
‫أيها األحبة في اهلل، موضوع خطبتنا هذه الجمعة ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن‬
      ‫رسول اهلل قال: ((التقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق اإلبل‬
                                                                                 ‫ببصرى)).‬
                      ‫حق‬
     ‫أيها المسلمون، هذا مما أخبر عنه المصطفى ووقع، وهو أمر غريب ًّا، أن تخرج نار من‬
                                                ‫و‬                             ‫ي‬
‫الحجاز ُشاهد ضوؤها في أرض الشام من ق ّتها وعظمها، إنها آية من آيات اهلل جل وتعالى. وقد‬
‫حصل هذا في جمادى اآلخرة سنة أربع وخمسين وستمائة في مدينة رسول اهلل ، وقد ذكر القصة‬
   ‫بتمامها الحافظ ابن كثير رحمه اهلل في تاريخه البداية والنهاية، وذكرها أيضًا شهاب الدين عبد‬
         ‫الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه، وهو ممن كانت في عصره ووقته.‬
‫وخالصة القصة أن المدينة زلزلت، وصار الناس يشعرون بتحرك األرض من تحتهم، وبدؤوا في‬
   ‫سماع أصوات مزعجة من منتصف األسبوع وبالتحديد يوم االثنين، وخمسة أيام وهم على هذه‬
    ‫الحالة، ارتجت وارتجفت األرض والحيطان والسقوف واألخشاب واألبواب، يقول أبو شامة:‬
‫فارتجت األرض مرة ونحن داخل مسجد رسول اهلل حول حجرته، حتى اضطرب المنبر، وسمعنا‬
     ‫صوت الحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، وبدأ الخوف والرعب في قلوب‬
    ‫الناس، ال يدرون ماذا يفعلون، يخافون من الخروج ويخافون من البقاء، ثم صار مع الزلزال‬
  ‫أصوات شديدة يشبه صوت الرعد، وأقام الناس على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة األربعاء‬
                                                          ‫ي‬                 ‫ق‬
  ‫تع ّب الصوت الذي كان ُسمع زلزال، واستمر الوضع على هذا الحال حتى ضحى يوم الجمعة‬
  ‫الخامس من شهر جمادى اآلخرة لسنة أربع وخمسين وستمائة، حتى تفجرت األرض، وخرجت‬
  ‫ف‬
 ‫نار عظيمة بحجم مدينة عظيمة شرق المدينة من ناحية وادي شظا تلقاء أحد، فخاف الناس خو ًا‬
                                                                             ‫د‬
    ‫شدي ًا، ومن قوة تلك النار سال الصخر، وذابت الحجارة حتى صارت مثل اآلنك، ثم صارت‬
     ‫ر‬                                                 ‫ر‬
    ‫كالفحم األسود، والنار ترمي بش َر عظيم، حتى سال من شدة هذه النار الوادي، يسيل صخ ًا‬
   ‫وحجارة مذابة، حتى مأل واديًا مقداره أربع فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف،‬
  ‫وهي تجري على وجه األرض، فإذا جمد صار أسود، وقبل جموده وهو يسير كان لونه أحمر،‬
                                                            ‫ن‬
   ‫ثم صارت النار تخرج دخا ًا عظيمًا ينعقد في السماء حتى يبقى كالسحاب األبيض، ثم ظهرت‬
‫للنار ألسن تصعد في الهواء حمراء كأنها القلعة العظيمة. عندها فزع الناس ودخلوا مسجد رسول‬
    ‫اهلل وتجمع الناس حول الحجرة الشريفة واستجاروا إلى اهلل، وكشفوا رؤوسهم وأقروا بذنوبهم‬
‫وابتهلوا إلى اهلل تعالى، وأتى الناس إلى المسجد من كل فج ومن النخل وتركوا مزارعهم، وخرج‬
 ‫النساء من البيوت وكذلك الصبيان، واجتمعوا كلهم وأخلصوا إلى اهلل، وغطت حمرة النار السماء‬
‫كلها حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر وبقيت السماء كالعلقة، وأيقن الناس بالهالك أو العذاب،‬
                                                       ‫ل‬
‫وبات الناس تلك الليلة بين مص ٍ وتال للقرآن وراكع وساجد وداع إلى اهلل عز وجل ومتنصل من‬
  ‫ذنوبه ومستغفر وتائب، ولزمت الناس مكانها، ولم تدخل النار المدينة، ثم صار يخرج من النار‬
  ‫حصى يصعد إلى السماء ويهوي على األرض، ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمى كالرعد.‬
 ‫فما وصل الحال إلى هذا الحد والناس هذا يومهم الخامس وهم على هذه الحالة، عندها قام قاضي‬
 ‫المدينة وذهب إلى األمير ودخل عليه وصار يعظه، وقال له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى اهلل‬
                                                   ‫ورد‬
 ‫تعالى، فأعتق األمير كل مماليكه، َّ على جماعة أموالهم كان قد أخذها ظلمًا، وطرح المكوس‬
  ‫وهي الضرائب التي كان قد فرضها على الناس، فقال له القاضي: اهبط هذه الساعة معنا، فنزل‬
‫معهم األمير، ودخل معهم المسجد النبوي، وباتوا في المسجد تلك الليلة جميعًا مع النساء واألوالد،‬
‫وكانت ليلة السبت. ثم سال من الوادي المذاب نهر من نار، وسد بعض الطرق الداخلة إلى المدينة‬
                                                    ‫ً‬
     ‫لكنه توقف، ثم بدأت األوضاع تهدأ قليال قليالً، إلى أن زالت، لكن بقيت آثارها على األرض‬
    ‫يشاهدها الناس، وتاب جميع أهل المدينة، وال بقي يسمع فيها رباب وال دف وال شرب، وعلم‬
     ‫الناس أن الذي أصابهم كان بسبب ذنوبهم، وشوهدت ضوء تلك النار ببصرى بأرض الشام،‬
     ‫ت‬
 ‫ورأوا أعناق اإلبل في ضوء هذه النار، وتحقق ما أخبر به الرسول اهلل ، وقال بعضهم أبيا ًا من‬
                                                 ‫الشعر في هذه الحادثة العظيمة، فيقول قائلهم:‬
                              ‫ء‬      ‫ب‬
                              ‫يا كاشف الضر صفحًا عن جرائمنا…لقد أحاطت بنا يا ر ّ بأسا ُ‬
                                    ‫ح ال ن ب حق حق ء‬
                                    ‫نشكو إليك خطوبًا ال نطيق لها… َم ً و َحن ِها ًّا أ ِ ّا ُ‬
                            ‫زالزل تخشع الصم الصالب لَها…وكيف يقوى على الزلزال صماء‬
                         ‫أقام سبعًا يرج األرض فانصدعت…عن منظرٍ فيه عين الشمس عشواء‬
                                        ‫ف‬                                         ‫ب‬
                           ‫َحر من النار تجري فوقه سفن…من الهضاب لَها ِي األرض إرساء‬
                                                             ‫ج‬    ‫ة‬                     ‫كأن‬
                                       ‫َّما فوقه األجبال طافي ٌ…مو ٌ عليه لفرط البهج وعثاء‬
                                         ‫ب‬     ‫ة‬       ‫كأن‬               ‫ر‬
                                   ‫ترمي لها شر ًا كالقصر طائشة… َّها ديم ٌ تنص ُ هطالء‬
                                                                             ‫ق‬
                         ‫تنش ّ منها قلوب الصخر إن زفرت…رعبًا وترعد مثل الشعب أضواء‬
                                                                        ‫ف‬
                           ‫منها تكاثف ِي الجو الدخان إلى…أن عادت الشمس منه وهي دهماء‬
                                     ‫قد أثرت سفعةً في البدر لفحتها…فليلة التم بعد النور ليالء‬
                                                    ‫ب‬         ‫ب‬
                                  ‫تحدث النيران السبع ألسنها… ِما يالقي ِها تحت الثرى الماء‬
                                  ‫وقد أحاط لظاها بالبروج إلَى…أن كاد يلحقها باألرض أهواء‬
                                                                                ‫ة‬
                                     ‫فيا لَها آي ٌ من معجزات رسو…ـل اهلل يعقلها القوم األلباء‬
                                                               ‫إلى آخر تلك القصيدة الطويلة.‬
‫ومن عجيب قدرة اهلل جل وتعالى أنه في نفس السنة وفي نفس الشهر أيضًا أغرق اهلل تعالى بغداد‬
‫بالعراق، فقد أصابها غرق عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد، وغرق كثير من الناس،‬
               ‫ر‬
   ‫ودخل الماء دار الخالفة وسط البلد، وانهدمت دار الوزير وثالثمائة وثمانون دا ًا كلها تهدمت‬
    ‫على بكرة أبيها، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك وفسد من خزانة السالح الشيء الكثير، وأشرف‬
                       ‫الناس على الهالك، وصار الناس يدخلون بالسفن وسط البلدة وفي أزقة بغداد.‬
                                                                                ‫ومما نظمه بعض الشعراء قوله:‬
                                                                  ‫ف‬
                                                    ‫سبحان من أصبحت مشيئته…جارية ِي الورى بمقدار‬
                                                      ‫أغرق بغداد بالمياه كما…أحرق أرض الحجاز بالنار‬
‫فنسألك اللهم أن ترحمنا برحمتك، اللهم ال تعذبنا فإنك علينا قادر، اللهم ال تؤاخذنا بما فعل السفهاء‬
                                                                                                                     ‫منا.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                               ‫د‬
‫أما بعد: هناك مسألة مهمة ج ًا تتعلق بما مضى سرده في -----------------------‬
                                                                                                                     ‫--‬
  ‫الخطبة األولى، تشكل على بعض الناس، وهذه المسألة هي: هل كل ما يصيبنا هو بسبب ذنوبنا‬
       ‫وبسبب معاصينا وأفعالنا؟ فالجواب أن في المسألة تفصيال وهو: أنه ينبغي أن نفرق بين ما‬
                                                        ‫يصيب الناس كأفراد، وما يصيب الناس بشكل عام.‬
     ‫أما ما يصيب الناس عمومًا وما يحل بالمجتمعات والدول والحضارات فهذا ال شك أنه بسبب‬
     ‫ذنوبهم، وبسبب بعدهم عن منهج اهلل، وبسبب المعاصي والكبائر والفواحش الموجودة عندهم،‬
    ‫فينزل العقاب العام والدمار الشامل على ذلك المجتمع أو تلك الدولة أو هاتيك الحضارة، ويعم‬
         ‫الصالح والطالح، الطيب والخبيث، ثم يبعث الناس بعد ذلك على نياتهم. قالت: أنهلك وفينا‬
  ‫ب ك مص ب ٌ َ ص ُ م ه ق ت َن َذ ُ‬                                     ‫وَم‬
‫الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث))، أَ َل َّا أَصَا َتْ ُمْ ُ ِي َة قدْ أَ َبْتمْ ِثْلَيْ َا ُلْ ُمْ أ َّى ه َا قلْ‬
  ‫ُ َ ِنْ ِنْدِ أَنْ ُ ِكمْ [آل عمران:165]، َإذَا أردْنَا أَنْ ُهِْك قرْ َةً أَ َرْنَا ُت َ ِي َا فَفَسَ ُوا ِي َا َح َّ‬
  ‫ق ف ه ف َق‬              ‫ن ل َ َ ي م م ْرف ه‬                         ‫وِ َ َ‬                     ‫هو م ع فس ُ‬
                                                                                 ‫ر‬                 ‫ُ َ َم‬                ‫ع‬
                                                                  ‫َلَيْهَا الْقَوْل فد َّرْنَاهَا تَدْمِي ًا [اإلسراء:65].‬
   ‫وأما ما يصيب األفراد كأفراد فال يستلزم أن يكون بسبب الذنوب والمعاصي، قد تكون الذنوب‬
                              ‫ح ي‬                                         ‫ء‬
        ‫سببًا، وقد تكون ابتال ً من اهلل جل وعال، فالعبد قد يكون صال ًا تق ًا نقيًا، من أهل الصالح‬
     ‫واالستقامة، فحلت به مصيبة، فال يكون بسبب ذنوبه، إنما هو ابتالء من اهلل لهذا العبد، لرفع‬
   ‫درجاته، أو تطهيره من أشياء سابقة ونحوها، لكن العقاب العام هذا ال يكون إال بسبب الذنوب.‬
     ‫فما يصيب األمة اآلن، هذه الهجمات التي توجه على األمة صباح مساء، هذه الجراحات التي‬
‫تنزف في كل مكان، هذا االضطهاد وهذا التقتيل وهذا اإلجرام الذي ينزل بالمسلمين في شتى بقاع‬
     ‫م‬     ‫ال‬    ‫ال‬     ‫د‬
    ‫الدنيا، فإن كل هذا بسبب ذنوبنا ومعاصينا وبعد المسلمين عن اهلل اعتقا ًا وقو ً وعم ً وحك ًا‬
                                                                                                              ‫وتحاكمًا.‬
  ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى، هل تعلم ـ أيها العبد أنت أيها الفرد ـ أنك بكل ذنب‬
      ‫ترتكبه وبكل معصية تفعلها وبكل تقصير في حق اهلل، أنك تساهم وتزيد مصاب األمة، وأنك‬
                                                  ‫مشارك في جراحات المسلمين؟! هل تعلم هذا؟!‬
 ‫جاءني رجل في يوم من األيام، وسألني عما يحصل للمسلمين اآلن على أرض البوسنة، ثم صار‬
                    ‫ئ‬
‫يلتمس األعذار ويبحث عن المبررات لنفسه أنه ليس بإمكانه أن يقدم شي ًا، فهو رجل بسيط عادي‬
 ‫نكرة في هذا المجتمع كما يتصور هو، وليس لديه أموال لكي يساهم في مساعدة المسلمين هناك،‬
   ‫وليس بإمكانه الذهاب بنفسه للمشاركة في القتال هناك. فقلت له وأقولها لكم جميعًا أيها األخوة:‬
     ‫يكفينا منك أن تكف عن المعاصي وتتخلص من الذنوب والمنكرات التي أنت واقع بها، وهذه‬
    ‫تعتبر أكبر مساعدة منك إلخوانك في البوسنة وغيرها من بالد اهلل، احتسب عند اهلل تعالى أنك‬
                                                     ‫م‬                               ‫ت‬
     ‫ُطهر نفسك، لكي ال تكون سببًا في ُصاب المسلمين في كل مكان. واهلل لو أدرك الناس هذه‬
  ‫الحقيقة وامتثلوا لهذا األمر وتخلص كل منا عما هو واقع فيه، المرابي ترك الربا، والغاش ترك‬
                                   ‫ّ‬
  ‫الغش، والظالم رد المظالم، وطهر الناس بيوتهم مما تعج فيها من المنكرات والطامات، لصلحت‬
                                                           ‫أحوال الناس، والتأمت جراحات األمة.‬
                                       ‫ب‬
  ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، اتق اهلل يا عبد اهلل، ال تكن سب ًا في قتل المسلمين هنا أو هناك، ال تكن‬
   ‫سببًا في هتك أعراض المسلمات العفيفات الشريفات، ال تتسبب في تشريد العجائز عن ديارهم،‬
 ‫وفي هدم المساجد فوق رؤوس المصلين، وفي تقطيع األطفال أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، ال تكن‬
‫سببًا ومشاركًا بسبب مخالفاتك هنا ماذا يدريك أن تنقلب اآلية ويأتيك الدور أنت، فيفعل بك ما فعل‬
                                                                                           ‫بغيرك.‬
  ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، تمسكوا بدينكم، حافظوا على صلواتكم حيث ينادى لها، زكوا أموالكم،‬
        ‫طهروا بيوتكم من اللهو ومزامير الشيطان والصور، استروا نساءكم وال يخرجن سافرات‬
‫متبرجات، اتركوا الحرام في معامالتكم، أدوا األمانات إلى أهلها، ردوا المظالم إلى أصحابها، من‬
   ‫كان متلبسًا بمعصية فليتب، ومن كان مرتكبًا المنكر فليدع، ومن كان شاربًا للخمر فلينته، ومن‬
                                                  ‫ب‬
    ‫كان مبتلى بالزنا فليستغفر، ومن كان شار ًا للدخان فليترك، وكل من كان سالكًا لغير الطريق‬
   ‫الذي رسمه رسول اهلل فليرجع إلى الجادة، وعليه بالمحجة، فالزائغ عنها هالك خاسر في الدنيا‬
                                                                                         ‫واآلخرة.‬
    ‫اللهم ال إله إال أنت، األحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يلد، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى أن‬
       ‫تجنبنا شرور أنفسنا وأن تجنبنا شر الشيطان وشركه، اللهم أصلح بواطنا وظواهرنا وسرنا‬
                                                                                         ‫وعالنيتنا.‬
                   ‫اللهم اغفر لكل مسلم ومسلمة ميت وميتة، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين...‬

‫(5/5254)‬
                                                                               ‫عيد الفطر0745هـ‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                               ‫الكبائر والمعاصي, فضائل األعمال‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                            ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                ‫الخبر‬
                                                                                       ‫5/05/0745‬
                                                                                                ‫النور‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- اختالف البلدان في دخول شهر شوال ال يضر. 7- عظم الصالة في اإلسالم. 3- التحذير‬
 ‫من جملة من المعاصي والموبقات. 4- الوصية ببعض األعمال الصالحة والقربات. 1- وصايا‬
                                                                                       ‫عامة للنساء.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن يومكم هذا يوم عظيم وعيد كريم، فأقول لكم: كل عام وأنتم بخير،‬
       ‫تقبل اهلل مني ومنكم، أسأل اهلل جل وتعالى أن يجعلني وإياكم وجميع إخواننا المسلمين من‬
                         ‫المقبولين، ممن تقبل اهلل صيامهم وقيامهم وكانوا من عتقائه من النار.‬
                         ‫ت‬
     ‫اعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أنه قد ثبت دخول شهر شوال هذا اليوم ثبو ًا شرعيًا، وأن اختالف‬
     ‫البلدان في دخول الشهر ال يضر؛ وذلك ألن مطالع القمر تختلف بحسب البلدان بإجماع أهل‬
                                                                                   ‫المعرفة في ذلك.‬
  ‫أيها المسلمون، إن هذا اليوم يوم عظيم من أيام المسلمين، يوم كله بر وإحسان، خرج المسلمون‬
                                                  ‫ر‬
‫إلى مصليات األعياد متطهرين مكبرين شك ًا هلل تعالى على إتمام شهر الصيام وعونه على القيام.‬
 ‫لقد حضر المسلمون وقصدوا مصالهم وقد أدوا زكاة فطرهم للفقراء والمساكين، فرحين مكبرين‬
                        ‫مهللين: اهلل أكبر اهلل أكبر، ال إله إال اهلل، اهلل أكبر اهلل أكبر واهلل الحمد.‬
                      ‫ن‬                                     ‫ن‬
‫أيها المسلمون، لقد رحل عّا رمضان، وطويت سجالته ودفاتره، وكل م ّا أدرى بما قدم، لكن هل‬
    ‫ح‬                                                      ‫ن‬
   ‫يدركنا رمضان القادم؟! هل يم ّ المولى علينا وندرك رمضان القادم، أم نكون من الذين تر ّم‬
                                                                                             ‫عليهم؟!‬
                                                             ‫ه‬
                                          ‫فيا شهر الصيام فدتك نفسي…تَم ّل بالرحيل واالنتقال‬
                                                            ‫ف‬             ‫ل‬
                                                   ‫فما أدري إذا ما الحول وّى…وعدت بقابل ِي خير حال‬
                                                                                     ‫حي‬             ‫ن‬
                                                         ‫أتلقا ِي مع األحياء ًّا…أو أنك تلقني في اللحد بالي‬
 ‫يا خسارة من لم يغفر له في رمضان، ويا خسارة من لم يعتق من النار في رمضان، ويا خسارة‬
                                                                              ‫من حرم من فيض الرحيم الرحمن.‬
 ‫اهلل أكبر اهلل أكبر، ال إله إال اهلل، اهلل أكبر اهلل أكبر، وهلل الحمد. اهلل أكبر كبيرا، والحمد هلل كثيرا،‬
                                                                                         ‫وسبحان اهلل بكرة وأصيال.‬
   ‫أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي المقصرة بوصية رسول اهلل ، إذ جعل يقول وهو يجود بنفسه:‬
  ‫((الصالة الصالة، وما ملكت أيمانكم))؛ وذلك ألن الصالة عمود اإلسالم وثاني أركانه وآخر ما‬
                                                  ‫و‬
      ‫يبقى منه، لقد كنتم من المصلين ومن ر ّاد المساجد طيلة شهر رمضان فواصلوا هذا الخير،‬
‫الصالة هي الناهية عن الفحشاء والمنكر، وال دين وال إسالم لمن تركها، أقيموها جماعة في بيوت‬
      ‫اهلل وفي أوقاتها التي كتبها اهلل، وعلى الصورة والهيئة التي سنها رسول اهلل ، فالصالة شأنها‬
‫عظيم في هذا الدين، وقد حكم اهلل ورسوله على تاركها ومضيعها بأنه كافر مشرك، وأن له الويل‬
                       ‫وَق م الص و ك ن م م رك‬
   ‫في الدنيا واآلخرة، قال اهلل تعالى: َأ ِي ُوا َّالةَ َال تَ ُو ُوا ِنْ الْ ُشْ ِ ِينَ [الروم:53]، وقال‬
                                             ‫تِ ه‬              ‫و ْل ل م َل َّذ ن ُ ع‬
 ‫تعالى: فَ َي ٌ ِلْ ُصِّينَ ال ِي َ همْ َنْ صَال ِهمْ سَا ُونَ [الماعون:4، 1]، وقال رسول اهلل : ((العهد‬
                                                             ‫الذي بيننا وبينهم الصالة، فمن تركها فقد كفر)).‬
‫عباد اهلل، احذروا من الشرك باهلل فإنه محبط لألعمال، والجنة حرام على صاحبه، قال اهلل تعالى:‬
                   ‫َن و و ه الن ر وم ِلظ لم م ص‬                                ‫ِنه م ي ْر ِالل ِ ح َّم الله ع‬
  ‫إ َّ ُ َنْ ُش ِكْ ب َّه فَقَدْ َر َ َّ ُ َلَيْهِ الْج َّةَ َمَأْ َا ُ َّا ُ َ َا ل َّاِ ِينَ ِنْ أَن َارٍ [المائدة:72].‬
      ‫والشرك نوعان: أكبر وأصغر، فاألكبر أن تشرك مع اهلل في عبادته غيره، ويدخل فيه الذبح‬
‫والنذر لغير اهلل واالستعاذة بغير اهلل والتبرك بشجر أو حجر، ومنه صرف الدعاء لغير اهلل فيما ال‬
  ‫و َ ع م د الل م ي عك و ي ُر َ إ ع َ فِنك‬
  ‫يقدر عليه إال اهلل، قال اهلل تعالى: َال تدْ ُ ِنْ ُونِ َّهِ َا ال َنْفَ ُ َ َال َض ُّك فَِنْ فَ َلْت َإ َّ َ‬
                                                                               ‫ِذ م الظ لم‬
     ‫إ ًا ِنْ َّاِ ِينَ [يونس:605]، وأما األصغر: فالحلف بغير اهلل والرياء وإرادة اإلنسان بعمله‬
   ‫ي َن عملك و َك َن‬                   ‫ر‬        ‫ئ‬             ‫و َ أ ح إ ك وإل َّذ ن م ْ‬
   ‫الدنيا، قال اهلل تعالى: َلَقدْ ُو ِيَ ِلَيْ َ ََِى ال ِي َ ِن قَبْلِكَ لَ ِنْ أَشْ َكْتَ لَ َحْبَط َّ َ َُ َ َلَت ُون َّ‬
                                                                                                       ‫سر‬           ‫م‬
                                                                                        ‫ِنْ الْخَا ِ ِينَ [الزمر:16].‬
    ‫و ض رب َال ُد ِال ِي ه‬
    ‫وإياكم وعقوق الوالدين؛ فإنه من كبائر الذنوب، قال اهلل تعالى: َقَ َى َ ُّكَ أ َّ تَعْب ُوا إ َّ إ َّا ُ‬
                                                                                    ‫و و ِد إ‬
     ‫َبِالْ َال َيْنِ ِحْسَانًا [اإلسراء:37]، وفي الصحيحين قال رسول اهلل : ((أال أنبئكم بأكبر الكبائر؟‬
                                                                       ‫اإلشراك باهلل وعقوق الوالدين)) الحديث.‬
   ‫و َّذ ن‬
   ‫وإياكم وقطيعة األرحام، فإن اهلل تبارك وتعالى لعن قاطعي األرحام، فقال عز من قائل: َال ِي َ‬
 ‫َن ُ ُونَ َهْدَ َّهِ ِنْ َع ِ ِي َا ِهِ َ َقْطَ ُونَ مَا أَ َرَ َّ ُ ِهِ أَنْ ُوصلَ َ ُفْس ُون ِي األرض ُوَْ ِ َ‬
 ‫ي َ وي ِد َ ف َ ْ ِ أ لئك‬                 ‫م الله ب‬             ‫ي قض ع الل م ب ْد م ث ق وي ع‬
       ‫ت سد ف‬             ‫َ عس ُ إ َل ُ‬                                            ‫ُم الل ة و ُ س ء الد‬
      ‫لَه ُ َّعْنَ ُ َلَهمْ ُو ُ َّارِ [الرعد:17]، وقال جل ذكره: فَهلْ َ َيْتمْ ِنْ تَوَّيْتمْ أَنْ ُفْ ِ ُوا ِي‬
                     ‫ُ‬           ‫َّذ ع ُ الل ُ َمه و م‬                              ‫َ ْض وت َطع َ م ُ أ‬
    ‫األر ِ َ ُق ِّ ُوا أرْحَا َكمْ ُوْلَئِكَ ال ِينَ لَ َنَهمْ َّه فَأَص َّ ُمْ َأَعْ َى أَبْصَارَهمْ [محمد:77، 37].‬
   ‫َم ي مل الظ لم ِن ي َخر ُ‬                     ‫س َن الل غ‬          ‫و‬
 ‫واجتنبوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة، َال تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْ َ ُ َّاِ ُونَ إَّمَا ُؤ ِّ ُهمْ‬
                                                                                ‫َ ُف‬       ‫ل ْ‬
‫ِيَومٍ تَشْخص ِيهِ [إبراهيم:74]، وقال عليه الصالة والسالم: ((اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها‬
                                                                                                           ‫وبين اهلل حجاب)).‬
     ‫وغضوا أبصاركم عن محارم اهلل، فإن النظرة سهم من سهام إبليس، وال تقربوا الزنا فإن فيه‬
       ‫خصاال قبيحة ماحقة ومهلكة في الدنيا واآلخرة، وقد نهى اهلل تعالى من االقتراب منه فكيف‬
                                               ‫و رب الزن ِنه َ ح ة و سب‬
                             ‫بالوقوع فيه؟! َال تَقْ َ ُوا ِّ َى إ َّ ُ كَان فَا ِشَ ً َسَاءَ َ ِيالً [اإلسراء:73].‬
    ‫واحذروا اللواط فإنه يغضب الرب، وعار ونار وشنار على صاحبه في الدنيا واآلخرة، قال :‬
                            ‫((لعن اهلل من عمل عمل قوم لوط)) قالها ثالثًا صلوات ربي وسالمه عليه.‬
        ‫وحذار ثم حذار من جماع اإلثم ومفتاح الشر الخمر؛ فإنها تذهب العقل والغيرة على الدين‬
‫والمحارم، وتورث الخزي والندم والفضيحة، ولو لم يكن من رذائلها إال أنها ال تجتمع هي وخمر‬
‫الجنة في جوف عبد لكفت، ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في اآلخرة)) قاله المصطفى .‬
 ‫و َل الله ب ع ح َّ الرب‬                                            ‫ال‬
‫وإياكم ثم إياكم والربا أكالً وتعام ً، فإنه حرام حرام بنص كالم ربنا: َأَح َّ َّ ُ الْ َيْ َ وَ َرمَ ِّ َا‬
                   ‫ر ر‬
‫[البقرة:127]، وانتبهوا من بعض معامالت البنوك فإنها تحارب اهلل جها ًا نها ًا، ففيها عين الربا.‬
         ‫واجتنبوا الغيبة والنميمة وقول الزور والعمل به، وإياكم والوقوع في أعراض الناس؛ فإن‬
       ‫م م‬                   ‫ق‬         ‫ِذ ك ُ وزن‬                    ‫و ْف‬
       ‫القصاص سيكون يوم القيامة من الحسنات. َأَو ُوا الْكَيْلَ إ َا ِلْتمْ َ ِ ُوا بِالْ ِسْطَاسِ الْ ُسْتَقِي ِ‬
                                                                   ‫ي ه‬            ‫س الن‬           ‫و‬
                                                  ‫[اإلسراء:13]، َال تَبْخَ ُوا َّاسَ أَشْ َاءَ ُمْ [الشعراء:375].‬
      ‫واحذروا المعاصي بجميع أشكالها وألوانها، ومن ذلك المجالت الخليعة التي أظهرت المرأة‬
                                                                                      ‫د‬
    ‫معبو ًا وصنمًا، فافْتَتَن بها شباب اإلسالم، زنَت أبصارهم قبل فروجهم إال من رحم اهلل. ومن‬
       ‫المعاصي التي أحذركم منها الغناء والموسيقى الذي مأل البيوت إال بيوت من رحم اهلل، من‬
  ‫أصوات المغنين والمغنيات والماجنين والماجنات األحياء منهم واألموات، فإنها تتنافى مع الدين‬
                                                                                                                       ‫والرجولة.‬
       ‫وقوموا بحق الجوار لمن جاوركم، قال : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه‬
                                                                                                                       ‫سيورثه)).‬
                              ‫ط‬                            ‫ص‬              ‫ر‬             ‫ر‬
   ‫ب ّوا آباءكم تب ّكم أبناؤكم، و ِلوا أرحامكم تكثر أموالكم وت ُل أعماركم، ففي الصحيحين قال‬
                   ‫رسول اهلل : ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه)).‬
  ‫حسنة و‬                    ‫و‬
‫وأحسنوا إلى من أساء إليكم، ذلكم خير لكم وأزكى وأطهر، قال اهلل تعالى: َال تَسْتَوِي الْ َ َ َ ُ َال‬
         ‫سن ِذ َّ ب ك وب ه َد ة َنه وِي ح م و يَق ِال َّذ‬                                                  ‫َّي ة ْ ِالت ه‬
      ‫الس ِّئَ ُ ادفَعْ ب َّ ِي ِيَ أَحْ َ ُ فَإ َا الذِي َيْنَ َ َ َيْنَ ُ ع َاوَ ٌ كَأ َّ ُ َل ٌّ َمِي ٌ َمَا ُل َّاهَا إ َّ ال ِينَ‬
                                                                            ‫صبر و يَق ِال ذ َظ ع‬
                                                        ‫َ َ ُوا َمَا ُل َّاهَا إ َّ ُو ح ٍّ َظِيمٍ [فصلت:43، 13].‬
 ‫تص َن الذ ن‬               ‫َاتق ف‬
 ‫وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإياكم وتركه مع القدرة عليه، و َّ ُوا ِتْنَةً ال ُ ِيب َّ َّ ِي َ‬
                                                                             ‫م م ُ َاص‬
‫ظَلَ ُوا ِنْكمْ خ َّةً [األنفال:17]، وإنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا ال يتناهون عن منكر فعلوه.‬
‫وأقيموا أوالدكم على طاعة اهلل، ألزموهم أداء الصلوات المفروضة في المساجد، واستروا نساءكم‬
‫َي َّذ ن‬                                   ‫ّ‬
‫ومحارمكم، واقسروهن على الستر والتستر، وال تطيعوهن فيما يضر دينكم ودنياكم، يَا أُّهَا ال ِي َ‬
                                                  ‫ة‬           ‫من ق أ فس ُ و ل ُ ر َق ده الن س و‬
                                     ‫آ َ ُوا ُوا َن ُ َكمْ َأَهِْيكمْ نَا ًا و ُو ُ َا َّا ُ َالْحِجَارَ ُ [التحريم:6].‬
       ‫سن‬             ‫ح‬        ‫د‬
 ‫طهورا منازلكم من الصور المجسمة وغير المجسمة إال ما ال ب ّ منه، و ِسابه على من َ ّه، قال‬
                                                         ‫رسول اهلل : ((ال تدخل المالئكة بيتا فيه صورة)).‬
                         ‫عظموا شعائر اهلل وتعاليم دينه، ومن يعظم شعائر اهلل فإنها من تقوى القلوب.‬
 ‫أذكركم جميعًا وأحثكم على صيام ستة أيام من شوال، ففي الحديث الصحيح: ((من صام رمضان‬
                                                                                             ‫ت‬
                                                                 ‫ثم أتبعه س ًا من شوال كان كصيام الدهر)).‬
                                            ‫اهلل أكبر اهلل أكبر، ال إله إال اهلل، اهلل أكبر اهلل كبر وهلل الحمد.‬
    ‫أيها المسلمون، تذكروا بجمعكم هذا يوم الجمع األكبر حين تقومون من قبوركم، حافيةً أقدامكم،‬
 ‫عارية أجسامكم، شاخصةً أبصاركم، يَو َ ت َوْنَهَا تَذْه ُ ك ُّ ُرْ ِ َةٍ ع َّا أرْ َ َتْ َتَضَ ُ ك ُّ َا ِ‬
 ‫َل ُل م ضع َم َ ضع و ع ُل ذ ت‬                                   ‫ْم َر‬                              ‫ً‬
‫ْ ِر م ء‬                         ‫الل َد د‬         ‫و ُ بس ر و ِن َ‬                  ‫و َر الن سك‬            ‫ح ْل ح‬
‫َم ٍ َمْلَهَا َت َى َّاسَ ُ َارَى َمَا همْ ِ ُكَا َى َلَك َّ عذَابَ َّهِ ش ِي ٌ [الحج:7]، يَومَ يَف ُّ الْ َرْ ُ‬
 ‫ر‬                        ‫م خ ه وُمه و ب و حبته وبن ل ُل ْر م ُ م ِ ن ي ن‬
‫ِنْ أَ ِي ِ َأ ِّ ِ َأَ ِيهِ َصَا ِ َ ِ ِ َ َ ِيهِ ِك ِّ ام ِئٍ ِنْهمْ يَوْ َئذٍ شَأْ ٌ ُغْ ِيهِ [عبس:43-23]، يوم تف ّق‬
         ‫َم م أ تي ك به بيم ن ِ س ْ ي سب حس ي ر‬
        ‫الصحف ذات اليمين وذات الشمال، فَأ َّا َنْ ُو ِ َ ِتَا َ ُ ِ َ ِي ِه فَ َوفَ ُحَا َ ُ ِ َابًا َسِي ًا‬
      ‫َ ع ثب ر وي ل س ر‬                      ‫ِ‬          ‫ل م ْر ر وَم م أ ت ك به َر‬                       ‫وي لب إل‬
     ‫َ َنقَِ ُ َِى أَهِْهِ َس ُو ًا َأ َّا َنْ ُو ِيَ ِتَا َ ُ و َاءَ ظَهْرِه فَسَوْفَ يدْ ُو ُ ُو ًا َ َصَْى َعِي ًا‬
                                                                                               ‫[االنشقاق:2- 75].‬
      ‫أيها المسلمون، قالوا: إن من أراد أن يعرف أخالق األمة فليراقبها في أعيادها؛ إذ تنطلق فيه‬
 ‫السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها، والمجتمع السعيد الصالح‬
  ‫هو الذي تسمو أخالقه في العيد إلى أرفع ذروة، ولقد رأى أحد السلف قومًا يعبثون في يوم العيد‬
                                                   ‫ت ُب‬
   ‫بما ال يرضي اهلل فقال: "إن كان هؤالء ُق ِّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم‬
                                                                                                       ‫ي ب‬
                                                                   ‫ُتقَ ّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين".‬
  ‫فنسأل اهلل جل وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يتجاوز عنا، كما نسأله جل وتعالى أن يجعلنا من‬
                                                       ‫الذين قبلهم في رمضان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬
        ‫نفعني اهلل وإياكم بهد كتابه واتباع سنة نبينا محمد ، أقول هذا القول، وأستغفر اهلل لي ولكم،‬
                                                                              ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
         ‫ِن الل‬
    ‫الحمد هلل معيد الجمع واألعياد، ومبيد األمم واألجناد، وجامع الناس ليوم ال ريب فيه إ َّ َّهَ ال‬
                                                                                 ‫ي ِف م ع‬
‫ُخْل ُ الْ ِي َادَ [آل عمران:1]، وأشهد أن ال اله إال اهلل وحده ال شريك له وال ند وال مضاد، وأشهد‬
                                                           ‫ض‬                   ‫د‬
  ‫أن محم ًا عبده ورسوله المف ّل على جميع العباد، صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى‬
                                          ‫أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليما كثيرا.‬
     ‫اهلل أكبر كبيرا، والحمد هلل كثيرا، وسبحان اهلل بكرة وأصيال. اهلل أكبر اهلل أكبر، ال إله إال اهلل،‬
                                                                                 ‫واهلل أكبر اهلل أكبر، وهلل الحمد.‬
 ‫أما بعد: فيا أيتها األخوات الحاضرات معنا في هذا المشهد العظيم، الممتثالت أمر رسول اهلل في‬
              ‫ن‬
 ‫شهود الخير ودعوة المسلمين، أسأل اهلل جل شأنه بكل اسم هو له أن يجعلنا وإياك ّ ممن قال فيهم‬
‫ِن م لم ن و م لم ت و م من ن و م م و نت ن و ن ت َالص دق ن َالص ِق ت‬
‫سبحانه: إ َّ الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْ َا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَاتِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِتَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّاد َا ِ‬
‫َالص بر ن َالص ِر ت و شع ن و شع ت و م َدق ن و م َد ت َالص ئم ن َالص ئم ت‬
‫و َّا ِ ِي َ و َّاب َا ِ َالْخَا ِ ِي َ َالْخَا ِ َا ِ َالْ ُتَص ِّ ِي َ َالْ ُتَص ِّقَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّا ِ َا ِ‬
  ‫َد الله ُ م ِ ة و ْر ظ م‬                      ‫ر َالذ ِر‬           ‫ت َالذ كر الل‬                ‫و ح ظ َ فر ج ُ و‬
 ‫َالْ َافِ ِين ُ ُو َهمْ َالْحَافِظَا ِ و َّا ِ ِينَ َّهَ كَثِي ًا و َّاك َاتِ أَع َّ َّ ُ لَهمْ َغْفرَ ً َأَج ًا عَ ِي ًا‬
                                                                                                           ‫[األحزاب:13].‬
                ‫ئ‬          ‫ر‬                                                      ‫ن‬
    ‫أذكرك ّ أن رسول اهلل بعد أن خطب الرجال في مثل هذا اليوم األغ ّ مشى متوك ًا على بالل ،‬
‫وخطب النساء، وكان من خطبته أنه تال عليه ّ آية مبايعة النساء في سورة الممتحنة: يَا أ ُّ َا َّب ُّ‬
‫َيه الن ِي‬                                             ‫ن‬
‫د ُن‬             ‫ِذ ج ء م م ت ي ي ك عل ْ ي ْر ن ِالل ئ و ي ْ ِ ن و َ ن ن و ت‬
‫إ َا َا َكَ الْ ُؤْ ِنَا ُ ُبَا ِعْنَ َ ََى أَن ال ُش ِكْ َ ب َّهِ شَيْ ًا َال َسرقْ َ َال يزْ ِي َ َال يَقْ ُلْنَ أَوْال َه َّ‬
  ‫ر ه ب ن ْد ِن وَ جل ِن و ي ص َ ف م ْر ٍ ي ُن و ِ ل ُن الل‬                                                    ‫و ي ت ن بب‬
‫َال َأْ ِي َ ِ ُهْتَانٍ يَفْتَ ِينَ ُ َيْ َ أَي ِيه َّ َأرْ ُِه َّ َال َعْ ِينَك ِي َع ُوف فَبَا ِعْه َّ َاسْتَغْفرْ َه َّ َّهَ‬
                              ‫ن‬                                             ‫م‬       ‫ِن الل ف ٌ‬
       ‫إ َّ َّهَ غَ ُور رَحِي ٌ [الممتحنة:75]، فلما فرغ من اآلية قال: ((أنت ّ على ذلك؟)) فقالت امرأة‬
 ‫ن‬              ‫د‬       ‫ن‬                 ‫ن‬
 ‫واحدة ولم تجبه غيرها: نعم يا رسول اهلل. ثم أمره ّ بالصدقة وقال له ّ: ((تص ّقن؛ فإن أكثرك ّ‬
                  ‫ن‬
    ‫حطب جهنم))، فقالت امرأة من وسط النساء: لماذا يا رسول اهلل؟ فقال: ((ألنك ّ تكثرن الشكاية‬
             ‫ن‬         ‫ن‬          ‫ن‬                ‫ن‬
      ‫وتكفرن العشير))، فجعلن رضي اهلل عنه ّ يلقين من قروطه ّ وخواتيمه ّ وقالئده ّ في ثوب‬
                                                                                                                 ‫ة‬
                                                                                                            ‫بالل صدق ً هلل.‬
                                                ‫ن‬
                              ‫فيا أيتها األخوات واألمهات، اتقين اهلل تعالى، وك ّ خير خلف لخير سلف.‬
                                            ‫ن‬                        ‫ن‬
       ‫أيتها النساء، إن عليك ّ أن تتقين اهلل في أنفسك ّ، وأن تحفظن حدوده وترعين حقوق األزواج‬
                                               ‫َالص ل ُ ن ت ح ف ت ل ب ب ف الله‬
                                  ‫واألوالد، ف َّاِحَات قَا ِتَا ٌ َا ِظَا ٌ ِلْغَيْ ِ ِمَا حَ ِظَ َّ ُ [النساء:43].‬
                                                       ‫د‬
  ‫أيتها األخوات واألمهات، أصغين جي ًا لهذه األحاديث من كالم رسول اهلل والتي رواها البخاري‬
          ‫في صحيحه، قال النبي : ((صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، ـ وذكر ـ نساء كاسيات‬
                       ‫ن‬                                    ‫ن‬
    ‫عاريات مائالت مميالت، رؤوسه ّ كأسنمة البخت المائلة، ال يدخلن الج ّة وال يجدن ريحها))،‬
                                                        ‫رت‬
     ‫وعن ابن عباس قال: قال النبي : ((أ ِي ُ النار فإذا أكثر أهلها النساء؛ يكفرن))، قيل: أيكفرن‬
    ‫ئ‬
   ‫باهلل؟ قال: ((يكفرن العشير، ويكفرن اإلحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شي ًا‬
                                                                ‫ر‬
    ‫قالت: ما رأيت منك خي ًا قط))، وعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: لقد كان رسول اهلل يصلي‬
                                                                 ‫ء‬
    ‫الفجر فيشهد معه نسا ٌ من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن‬
                                                                                    ‫د‬
        ‫أح ٌ، وعن عمران بن حصين عن النبي قال: ((اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء،‬
‫واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء))، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((استوصوا‬
 ‫بالنساء؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعاله، فإن ذهبت تقيمه كسرته،‬
‫وإن تركته لم يزل أعوج))، وعن أبي هريرة عن النبي قال: ((خير نساء ركبن اإلبل صالح نساء‬
  ‫قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده))، وعن أسامة بن زيد رضي‬
                                       ‫ر‬
   ‫اهلل عنهما عن النبي قال: ((ما تركت بعدي فتنةً أض ّ على الرجال من النساء))، وعن عقبة بن‬
                           ‫ل‬
 ‫عامر أن رسول اهلل قال: ((إياكم والدخول على النساء))، فقال رج ٌ من األنصار: يا رسول اهلل،‬
  ‫أفرأيتَ الحمو؟ قال: ((الحمو الموت))، وعن ابن عباس قال: لعن النبي المترجالت من النساء.‬
 ‫اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا من الذين قبلت منهم رمضان وأعتقتهم‬
       ‫من النيران، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا فغفرت له ما تقدم من ذنبه...‬

‫(5/7254)‬




                                                                       ‫عيد الفطر 7745هـ‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                          ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                     ‫الخبر‬
                                                                              ‫5/05/7745‬
                                                                                      ‫النور‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- اختالف البلدان في دخول شهر شوال ال يضر. 7- أحوال بعض الناس بعد رمضان. 3-‬
                                                                      ‫د‬
  ‫ذنوب توع ّ صاحبها بالنار وأخرى متحقق دخول صاحبها النار. 4- وقفة محاسبة. 1- وصف‬
                                              ‫ض‬
                         ‫النار. 6- وصايا عامة للنساء. 2- الح ّ على صيام ست من شوال.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن يومكم هذا يوم عظيم وعيد كريم، فكل عام وأنتم بخير، تقبل اهلل مني‬
 ‫ومنكم. أسأل اهلل جل وتعالى أن يجعلني وإياكم وجميع إخواننا المسلمين من المقبولين، ممن تقبل‬
                                             ‫اهلل صيامهم وقيامهم وكانوا من عتقائه من النار.‬
             ‫ي‬      ‫ت‬
       ‫اعلموا ـ رحمني اهلل وإياكم ـ أنه قد ثبت دخول شهر شوال هذا اليوم ثبو ًا شرع ًا، وأن‬
  ‫اختالف البلدان في دخول الشهر ال يضر؛ وذلك ألن مطالع القمر تختلف بحسب البلدان بإجماع‬
                                                                      ‫أهل المعرفة في ذلك.‬
   ‫أيها المسلمون، إن هذا اليوم يوم عظيم من أيام المسلمين، يوم كله بر وإحسان، خرج المسلمون‬
                                                  ‫ر‬
‫إلى مصليات األعياد متطهرين مكبرين شك ًا هلل تعالى على إتمام شهر الصيام وعونه على القيام.‬
  ‫لقد حضر المسلمون وقصدوا مصالهم، وقد أدوا زكاة فطرهم للفقراء والمساكين فرحين مكبرين‬
           ‫ر‬
  ‫مهللين: اهلل أكبر اهلل أكبر، ال إله إال اهلل، واهلل أكبر اهلل أكبر واهلل الحمد. اهلل أكبر كبي ًا، والحمد‬
                                                                                     ‫ال‬     ‫ة‬                   ‫ر‬
                                                                                    ‫هلل كثي ًا، وسبحان اهلل بكر ً وأصي ً.‬
   ‫م‬                                          ‫ّ‬                        ‫أ‬
  ‫أيها المسلمون، لقد ُطلق أسر الشيطان اليوم وفك قيده، وسيهجم اليوم علينا بخيله ورجله هجو ًا‬
       ‫عنيفًا، وسيحمل علينا حملة شعواء بهدف أن يفسد ما جمعنا في رمضان وأن يجعلنا من أهل‬
                                                                                               ‫النار، عافانا اهلل وإياكم منها.‬
     ‫معظم الناس يعودون لحالهم قبل رمضان، وهذا أمر خطير أن يرجع العبد عن طاعات استمر‬
       ‫عليها في رمضان، فالحذر الحذر ـ معاشر األحبة ـ من سلوك طرق قد توعد اهلل صاحبها‬
                                                                                                                               ‫بالنار.‬
    ‫ُذك‬                                                                    ‫ع‬      ‫ب‬
   ‫إن هناك ذنو ًا متو ّدا صاحبها بالنار، وهناك ما هو متحقق دخوله نار جهنم والعياذ باهلل، ن َ ّر‬
                                     ‫ن َذ‬       ‫ذ‬
                              ‫ببعضها في يوم انطلق فيه شياطين اإلنس والجن لكي نَح َرها و ُح ِّر منها.‬
‫و َّذ ن ر و َذب ب ت أ لئك‬
‫أولها وفي مقدمتها الكفر والشرك باهلل جل وعال، قال اهلل تعالى: َال ِي َ كَفَ ُوا َك َّ ُوا ِآيَا ِنَا ُوَْ ِ َ‬
     ‫ِنه م ي ر ِالل ِ َ‬                                                 ‫ح ب الن ُ ف ه ِد‬
   ‫أَصْ َا ُ َّارِ همْ ِي َا خَال ُونَ [البقرة:13]، وقال جل وعز عن الشرك: إ َّ ُ َنْ ُشْ ِكْ ب َّه فَقدْ‬
                                                            ‫َن و و ه الن ر و ِلظ لم ن م‬                         ‫ح َّ الله ع‬
                                   ‫َرمَ َّ ُ َلَيْهِ الْج َّةَ َمَأْ َا ُ َّا ُ َمَا ل َّاِ ِي َ ِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].‬
 ‫ومن األعمال النفاق، وقد توعد اهلل المنافقين بالنار، وهو وعيد قطعه المولى على نفسه ال يخلفه:‬
    ‫ج َن ِد َ ف ه ه ح به و ع ُ الله و ُ َذ ب‬                                    ‫و َ الله من ق ن و من ت و ُف‬
    ‫َعدَ َّ ُ الْ ُ َافِ ِي َ َالْ ُ َافِقَا ِ َالْك َّارَ نَارَ َه َّمَ خَال ِين ِي َا ِيَ َسْ ُ ُمْ َلَ َنَهمْ َّ ُ َلَهمْ ع َا ٌ‬
                 ‫ر‬                                                                       ‫م م‬
        ‫ُقِي ٌ [التوبة:76]، وأخبر أن المنافقين في الدرك األسفل من النار، وهو أشدها ح ًا وأكثرها‬
                                                                                                                               ‫إيالمًا.‬
      ‫و َّذ َذب‬
    ‫ومن األعمال أيضًا الكبر، وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال اهلل تعالى: َال ِينَ ك َّ ُوا‬
                                      ‫ِد‬         ‫ح ب الن ُ ف‬             ‫ي ت و َر ع أ ئ‬
    ‫بِآ َا ِنَا َاسْتَكْب ُوا َنْهَا ُوْلَ ِكَ أَصْ َا ُ َّارِ همْ ِيهَا خَال ُونَ [األعراف:63]، وقال عليه الصالة‬
                                                              ‫ُل جو‬
                                                  ‫والسالم: ((أال أخبركم بأهل النار؟ كل عت ٍّ َّاظ مستكبر)).‬
 ‫ومن األعمال أيضًا عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين وترك االلتزام بالضوابط‬
   ‫َ ل َ ك م م َل ن وَ ك ن ِم م ك و ُن‬                                        ‫س كْ ف‬
  ‫الشرعية، قال اهلل تعالى: مَا َلَكَ ُم ِي سَقَر قَاُوا لمْ نَ ُ ِنَ الْ ُصِّي َ َلمْ نَ ُ ُطْع ُ الْ ِسْ ِينَ َك َّا‬
                                        ‫قن‬                   ‫ئض ن و ُن ن َذب ب ْم الد َت‬                         ‫خ ض‬
                       ‫نَ ُو ُ مَعَ الْخَا ِ ِي َ َك َّا ُك ِّ ُ ِيَو ِ ِّينِ ح َّى أَتَانَا الْيَ ِي ُ [المدثر:74- 24].‬
     ‫ومن األعمال التي قد توجب دخول النار طاعة رؤساء الضالل وزعماء الكفر فيما قرروه من‬
  ‫ِن الله‬                                                 ‫د‬
  ‫مبادئ الضالل وخطوات الكفر التي تص ّ عن دين اهلل ومتابعة المرسلين، قال اهلل تعالى: إ َّ َّ َ‬
    ‫ت َلب وج هه ْ ف‬            ‫ر‬          ‫ِد ن وِي و‬            ‫ع ك ِر ن و َد ُ سع ر ِد َ ف ه َد‬
   ‫لَ َنَ الْ َاف ِي َ َأَع َّ لَهمْ َ ِي ًا خَال ِين ِي َا أَب ًا ال يَج ُو َ َل ًّا َلَا نَصِي ًا يَوْمَ ُقَّ ُ ُ ُو ُ ُم ِي‬
          ‫َل‬         ‫س د وك َر ء‬                    ‫َ ل َب ِن‬                ‫الرس‬          ‫الله و‬                         ‫الن يق ل ن‬
      ‫َّارِ َ ُوُو َ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا َّ َ َأَطَعْنَا َّ ُوالَ وقَاُوا ر َّنَا إ َّا أَطَعْنَا َا َتَنَا َ ُب َا َنَا فَأَضُّونَا‬
                                                                                                                    ‫السب‬
                                                                                               ‫َّ ِيال [األحزاب:46- 26].‬
       ‫ومن الذنوب والكبائر المتوعد صاحبها بالنار ـ وهي بلية هذا الزمان ومصيبتها العظمى ـ‬
  ‫وَ عد‬
  ‫الربا، وما أدراكم ما الربا، قال اهلل تعالى في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم اهلل له: َمنْ َا َ‬
        ‫كل‬           ‫ي َي َّذ من‬                                         ‫ح ب الن ر ه ْ ف ه ِد‬                    ‫أ‬
      ‫فَُوْلَئِكَ أَصْ َا ُ َّا ِ ُم ِي َا خَال ُونَ [البقرة:127]، وقال تعالى: َا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا ال تَأْ ُُوا‬
                         ‫ة َاتق الل َل ُ ت ح ن َاتق الن الت أ ِد ل ك فر‬                                     ‫ع م‬             ‫الر‬
                  ‫ِّبَا أَضْ َافًا ُضَاعَفَ ً و َّ ُوا َّهَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُو َ و َّ ُوا َّارَ َّ ِي ُع َّتْ ِلْ َا ِ ِينَ [آل‬
                                                                                                       ‫عمران:035، 535].‬
    ‫كل َ و ل ُ‬              ‫َي َّذ من‬
  ‫ومن الذنوب أيضًا أكل أموال الناس بالباطل، قال اهلل تعالى: يَا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال تَأْ ُُوا أمْ َاَكمْ‬
    ‫ب ُ ح وم‬                  ‫ج ع َر ض م ُ و تل فسك ِن الل‬                                     ‫ك‬         ‫ب ك ب ط ِال‬
  ‫َيْنَ ُمْ بِالْ َا ِلِ إ َّ أَنْ تَ ُونَ تِ َارَةً َنْ ت َا ٍ ِنْكمْ َال تَقْ ُُوا أَن ُ َ ُمْ إ َّ َّهَ كَانَ ِكمْ رَ ِيمًا َ َنْ‬
                              ‫ل عل الل ي ر‬               ‫ع و ظم س ْ ن له نر و‬                                 ‫ي َ‬
            ‫َفْعلْ ذَلِكَ ُدْ َانًا وَ ُلْ ًا فَ َوفَ ُصِْي ِ َا ًا َكَانَ ذَِكَ ََى َّهِ َسِي ًا [النساء:17، 03].‬
    ‫و َّذ ي ِز الذهب و ِض و ي فق ه ف س الل ِ ب ِّ ُ‬
  ‫ومن الذنوب عدم دفع الزكاة، َال ِينَ َكْن ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َال ُن ِ ُونَ َا ِي َبِيلِ َّه فَ َشرْهمْ‬
      ‫ََ ُ‬         ‫به جب ه ُ وجن ب ُ وظه ر ُ َ‬                   ‫ل م ْم ي م ع ف ن جه َّ َ ت‬                          ‫بَ‬
    ‫ِعذَابٍ أَِي ٍ يَو َ ُحْ َى َلَيْهَا ِي َارِ َ َنم فَُكْوَى ِ َا ِ َا ُهمْ َ ُ ُو ُهمْ َ ُ ُو ُهمْ هذَا مَا كنزْتمْ‬
                                                                                    ‫فس ُ ْ َذ ق م ك ت نز‬
                                                               ‫ألَن ُ ِكم ف ُو ُوا َا ُن ُمْ تَكْ ِ ُونَ [التوبة: 43، 13].‬
          ‫ء‬          ‫َ ج‬         ‫ِن َّذ‬                                                       ‫يخ‬
       ‫ومما قد ُد ِل النار:الغفلة عن اآلخرة والرضا واالطمئنان بالدنيا، إ َّ ال ِينَ ال يرْ ُونَ لِقَا َنَا‬
         ‫ن‬        ‫ت غ ِل أ ك و ه الن ر ب‬                            ‫ح الد ي و مَن ب و َّذ ُ ع‬                              ‫َرض‬
       ‫و َ ُوا بِالْ َيَاةِ ُّنْ َا َاطْ َأُّوا ِهَا َال ِينَ همْ َنْ آيَا ِنَا َافُونَ ُوْلَئِ َ مَأْ َا ُمْ َّا ُ ِمَا كَا ُوا‬
 ‫ن َف إ ه م ل ُ ْ ف ه‬                    ‫م ن ُر د ح الد َز‬                                                     ‫ي سب‬
‫َكْ ِ ُونَ [يونس:2، 7]، وقال جل شأنه: َنْ كَا َ ي ِي ُ الْ َيَاةَ ُّنْيَا و ِينَتَهَا ُو ِّ ِلَيْ ِمْ أَعْ َاَهم ِي َا‬
     ‫ِر ِال الن ر وحب م ص ع ف ه وب طل م‬                        ‫ُْ ف‬             ‫َّذ‬          ‫ُْ ف ه ي س أ‬
    ‫وَهم ِي َا ال ُبْخَ ُونَ ُوْلَئِكَ ال ِينَ لَيْسَ لَهم ِي الْآخ َةِ إ َّ َّا ُ َ َ ِطَ َا َنَ ُوا ِي َا َ َا ِ ٌ َا‬
                                                                                                            ‫ن ي مل‬
                                                                                           ‫كَاُوا َعْ َُونَ [هود:15، 65].‬
‫ن إل َّذ ن‬               ‫و‬
‫ومما توعد اهلل صاحبه بالنار أيضًا الركون والميل إلى الظلمة، فقال سبحانه: َال تَرْكَ ُوا َِى ال ِي َ‬
                                     ‫َسك الن ر وم ُ م د الل م ل ث َّ ت صر‬                                      ‫م‬
                       ‫ظَلَ ُوا فَتَم َّ ُمْ َّا ُ َ َا لَكمْ ِنْ ُونِ َّهِ ِنْ أَوِْيَاءَ ُم ال ُن َ ُونَ [هود:355].‬
 ‫و َر م رم ن ي مئ م َرن ن‬
 ‫اإلجرام بكل صوره وأشكاله من الذنوب المتوعد صاحبها بالنار، َت َى الْ ُجْ ِ ِي َ َوْ َ ِذٍ ُق َّ ِي َ‬
    ‫َرأ‬                                ‫د َر ب ل ُ م ْ ِر ن و ش وج ه ُ الن ر‬                          ‫ف‬
   ‫ِي األَصْفَا ِ س َا ِيُهمْ ِن قَط َا ٍ َتَغْ َى ُ ُو َهمْ َّا ُ [إبراهيم:14، 01]، وقال تعالى: و ََى‬
     ‫ِن‬                               ‫َن َنه مو قع ه وَ ِد ع ه م ْ ِ‬                            ‫م ْرم الن‬
     ‫الْ ُج ِ ُونَ َّارَ فَظ ُّوا أ َّ ُمْ ُ َا ِ ُو َا َلمْ يَج ُوا َنْ َا َصرفًا [الكهف:31]، وقال سبحانه: إ َّ‬
                   ‫م ْرم َ ف ض ل وس ُر ْم ي حب َ ف الن عل وج ه ِ ذ ق َس َ‬
      ‫الْ ُج ِ ِين ِي َال ٍ َ ُع ٍ يَو َ ُسْ َ ُون ِي َّارِ ََى ُ ُو ِهمْ ُو ُوا م َّ سَقرَ [القمر:24،‬
    ‫74]. فليفكر كل مجرم في حاله، وليتذكر هذه اآليات خصوصًا إذا كان إجرامه في حق غيره.‬
     ‫َ َر‬
    ‫ومما قد يدخل النار استبدال نعمة اهلل بالكفر، بل وإلزام اآلخرين بذلك، قال اهلل تعالى: أَلمْ ت َى‬
   ‫َر ر جعل ِله‬                  ‫ه وب‬           ‫و جه َّم ي‬             ‫مُ د‬          ‫إل َّذ َدل ن م الل ك ر و َل‬
   ‫َِى ال ِينَ ب َُّوا ِعْ َةَ َّهِ ُفْ ًا َأَحُّوا قَوْ َهمْ َارَ الْبَ َارِ َ َن َ َصْلَوْنَ َا َ ِئْسَ الْق َا ُ وَ َ َُوا لَّ ِ‬
                                               ‫د د لي ِل ع سب ل ُ َتع ِن مص ر ُ إل الن‬
                           ‫أَن َا ًا ِ ُضُّوا َنْ َ ِيِهِ قلْ تَمَّ ُوا فَإ َّ َ ِي َكمْ َِى َّارِ [إبراهيم:77-03].‬
  ‫ق ي و َم‬                            ‫م م م‬                 ‫َم‬
 ‫ومما قد يوجب النار الفسق بكل أنواعه ودرجاته، أفَ َنْ كَانَ ُؤْ ِنًا كَ َنْ كَانَ فَاسِ ًا ال َسْتَ ُونَ أ َّا‬
  ‫ق فم و ه‬               ‫ن ي مل ن وَم َّذ‬                 ‫نزال ب‬             ‫َّذ ن من وعمل الص ح ِ ه َن ت‬
‫ال ِي َ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّالِ َات فَلَ ُمْ ج َّا ُ الْمَأْوَى ُ ُ ً ِمَا كَا ُوا َعْ َُو َ َأ َّا ال ِينَ فَسَ ُوا َ َأْ َا ُمْ‬
   ‫َّا ُ كَّمَا أ َا ُوا أَنْ يَخ ُ ُوا ِنْ َا ُ ِي ُوا ِي َا و ِيلَ لَهمْ ُو ُوا عذَابَ َّارِ الذِي ُنْ ُمْ ِهِ ُك ِّ ُو َ‬
   ‫الن َّ ك ت ب ت َذب ن‬                    ‫ْرج م ه أع د ف ه َق ُ ذ ق َ‬                                  ‫الن ر ُل َر د‬
                                                                                                           ‫[السجدة:75-07].‬
 ‫وم ي ْ الله َرس له‬
 ‫وأيضًا مما توعد اهلل صاحبه بالنار معصية اهلل ورسوله، قال اهلل تعالى: َ َنْ َعصِ َّ َ و َ ُوَ ُ‬
 ‫الله َرس ه وي َد حد ده‬                 ‫وم ي‬                            ‫ِن ه ن جه َّ لد َ ف ه َد‬
 ‫فَإ َّ لَ ُ َارَ َ َنمَ خَاِ ِين ِي َا أَب ًا [الجن:37]، وقال تعالى: َ َنْ َعْصِ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َتَع َّ ُ ُو َ ُ‬
                                                    ‫ُ خ ه ن ر ِد ف و ه َ ب مه ن‬
 ‫يدْ ِلْ ُ َا ًا خَال ًا ِيهَا َلَ ُ عذَا ٌ ُ ِي ٌ [النساء:45]، وأين الذي ال يعصي؟! رحماك ثم رحماك يا‬
                                                                                                                 ‫رب.‬
‫ومما قد يدخل النار ـ والعياذ باهلل ـ إضاعة الصلوات وعدم االهتمام بها، وهذا ال يكون إال عن‬
   ‫طريق اتباع الشهوات، قال اهلل تعالى: فَخَلفَ ِنْ َعدِهمْ خَل ٌ أَضَا ُوا َّلَاةَ و َّ َ ُوا َّهَ َا ِ‬
   ‫ع الص َاتبع الش و ت‬                    ‫َ م ب ْ ِ ْف‬
                                                                                               ‫َي‬           ‫ْ ي‬
                                                                                   ‫فَسَوفَ َلْقَوْنَ غ ًّا [مريم:11].‬
  ‫ومن الذنوب التي يستحق فاعلها النار الذي يقطع شجرة السدر التي يستظل بها الناس، فعن عبد‬
                                       ‫صو‬
  ‫اهلل بن حبيش قال: قال رسول اهلل: ((من قطع سدرة َ ّب اهلل رأسه في النار)) رواه أبو داود.‬
                                                          ‫س‬
                        ‫هذا الذي يقطع ظل شجرة ينتفع النا ُ بها، فكيف بالذي يقطع ظل الشريعة؟!‬
 ‫ومن األمور ـ أيضًا ـ المتوعد صاحبها بأن يعذب بسببه في نار جهنم عدم اإلخالص في طلب‬
                                ‫ي‬
  ‫العلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((من تعلم علمًا مما ُبتغى به وجه اهلل ال يتعلمه إال‬
         ‫ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها. رواه أبو داود‬
                                                                                                             ‫والحاكم.‬
                            ‫د‬                          ‫م‬
   ‫أيها المسلمون، النار موعود بها مد ِن الخمر وقاطع الرحم والمص ّق بالسحر والمنان والنمام،‬
    ‫وما أسفل من الكعبين من اإلزار ففي النار، ومن أشد الناس عذابا طائفتان: المصورون الذين‬
                                                       ‫يضاهئون خلق اهلل، والذين يعذبون الناس في الدنيا.‬
                     ‫ت‬            ‫ح‬
‫هذه أخبار صدق عن جهنم ولظى، وأنباء حق عن السعير وال ُطمة، واهلل لُمألن، قال اهلل تعالى:‬
                                           ‫مع‬          ‫ِنة َالن‬         ‫َن جه َّم م‬          ‫و ك َق ل ِن‬
                           ‫َلَ ِنْ ح َّ الْقَوْ ُ م ِّي ألَمْأل َّ َ َن َ ِنْ الْج َّ ِ و َّاسِ أَجْ َ ِينَ [السجدة:35].‬
    ‫فويل لكل مشرك ومشركة، وويل لكل خبيث وخبيثة، ممن طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، ولم‬
    ‫َّف مه ن َم َش بن م‬                                   ‫ي ْرف م ْرم بس ه‬
    ‫يؤمن بيوم الحساب، ُع َ ُ الْ ُج ِ ُونَ ِ ِيمَا ُمْ [الرحمن:54]، حَال ٍ َ ِي ٍ ه َّازٍ م َّاءٍ ِ َمِي ٍ‬
     ‫م و ي ُض عل‬               ‫ي من ِالل‬                           ‫َز‬        ‫ع ُل ب ْ‬           ‫َن ل ْر م َ‬
    ‫م َّاعٍ ِلْخَي ِ ُعْتدٍ أَثِيمٍ ُت ٍّ َعدَ ذَلِك َنِيمٍ [القلم:05-45]، ال ُؤْ ِ ُ ب َّهِ الْعَظِي ِ َال َح ُّ ََى‬
                               ‫ك‬                   ‫ك‬                          ‫م ك‬
         ‫طَعَامِ الْ ِسْ ِينِ [الحاقة:33، 43]، لم ي ُ من المصلين، ولم ي ُ يطعم المسكين، يخوض مع‬
                                          ‫ذ‬
                                  ‫الخائضين، ويكذب بيوم الدين، هؤالء هم أصحاب الجحيم عيا ًا باهلل.‬
‫وأصناف من القضاة في النار، ومن غش رعيته فهو في النار، ومن اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة‬
   ‫فليتبوأ مقعده من النار، والذي يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم،‬
              ‫ر‬              ‫ر‬                           ‫م‬
‫والذين يأكلون أموال اليتامى ظل ًا إنما يأكلون في بطونهم نا ًا وسيصلون سعي ًا، وكل جسد نبت‬
   ‫من السحت فالنار أولى به، وصنفان من أهل النار: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها‬
‫الناس، ونساء كاسيات عاريات مائالت مميالت رؤوسهن كأسنمة البخت ال يدخلن الجنة وال يجدن‬
 ‫ريحها، والمكر والخداع في النار، والفجور يهدي إلى النار، وشر الناس منزلة عند اهلل من تركه‬
  ‫الناس اتقاء فحشه، وويل للذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا‬
                                                                                                            ‫واآلخرة.‬
           ‫ومن األعمال التي قد توجب النار أيضًا ـ إضافة إلى ما سبق ـ الحسد والخيانة والظلم‬
 ‫والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والجبن عن الجهاد والبخل واختالف السر والعالنية واليأس من‬
           ‫روح اهلل واألمن من مكر اهلل والجزع عند المصائب والبطر عند النعم وترك فرائض اهلل‬
  ‫واالعتداء على حدود اهلل وانتهاك حرمات اهلل وخوف المخلوق دون الخالق والعمل رياء وسمعه‬
                                                            ‫د‬
       ‫ومخالفة الكتاب والسنة اعتقا ًا وعمالً وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب للباطل‬
   ‫واالستهزاء بالدين أو بأهله الصالحين واالستمرار على ارتكاب المعاصي والمحرمات كمشاهدة‬
   ‫أفالم المجون والخالعة وشرب المسكرات والزنا واللواط والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس‬
‫التي حرم اهلل إال بالحق وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافالت‬
 ‫والتصوير وتقليد أعداء الدين وترك األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من األعمال‬
                                                                  ‫التي قد تدخل صاحبها في النار والعياذ باهلل.‬
  ‫ح َل‬                                         ‫د‬
  ‫أيها المسلمون، إن الخوف وحده ال ينجي أح ًا من النار، فإن القدر الواجب من الخوف ما َم َ‬
                                                                           ‫على أداء الفرائض واجتناب المحارم.‬
  ‫تأمل ـ يا عبد اهلل ـ إذا جيء بجهنم إلى الموقف، تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون‬
‫ج ء ي مئ جه َّم ي م ِ ي َ َكر إل ن وَن ه الذ ْر يق ل‬
‫ألف ملك يجرونها، قال اهلل تعالى: وَ ِي َ َوْ َ ِذٍ بِ َ َن َ َوْ َئذٍ َتذ َّ ُ ا ِنْسَا ُ َأ َّى لَ ُ ِّك َى َ ُو ُ‬
                        ‫ن َد ت لح ت ي مئ ي َذب َ به َد و ي ق وث ه َد‬
‫يَا لَيْتَ ِي ق َّمْ ُ ِ َيَا ِي فَ َوْ َ ِذٍ لَا ُع ِّ ُ عذَا َ ُ أَح ٌ َال ُوثِ ُ َ َاقَ ُ أَح ٌ [الفجر:37- 67]، وعن ابن‬
‫مسعود قال: قال رسول اهلل : ((يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك‬
                                                                                             ‫يجرونها)) رواه مسلم.‬
                      ‫و َ ِر و ِ ة ِ أ ْ‬
    ‫كل نفس ال تحمل إال حملها، وال تكسب إال عليها، َال تز ُ َازرَ ٌ وزْرَ ُخرَى [األنعام:465]،‬
                                                                       ‫ولسوف تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.‬
                                                                              ‫ر‬
‫أهلكت كثي ًا من الناس األماني، إيمان بال أثر، وقول بال عمل، ترى فيهم رجاال وال ترى عقوال،‬
                                     ‫ل‬           ‫ر‬
                                  ‫وتسمع حسيسًا وال ترى أنيسًا، عرفوا ثم أنكروا، وح ّموا ثم استحّوا.‬
     ‫ال يدخل الجنة إال من يرجوها، وال يسلم من النار إال من يخافها، وورود النار متيقن، قال اهلل‬
                                      ‫ع َب ح م ِي‬                        ‫وإ م ك ِال و ِد‬
      ‫تعالى: َِنْ ِنْ ُمْ إ َّ َار ُهَا كَانَ َلَى رِّكَ َتْمًا َقْض ًّا [مريم:52]، ولكن هل الخروج منها‬
                                                                                                    ‫متيقن؟! اهلل أعلم.‬
                                                       ‫ر‬
‫إنها دار موحشة مظلمة، شديد ح ّها، بعيد قعرها، لهيب سمومها، عظيم شررها، أوقد عليها ألف‬
      ‫د‬                                 ‫ر‬
    ‫عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى احم ّت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسو ّت،‬
            ‫ة‬                                                  ‫ل‬
      ‫فهي سوداء مظلمة. ظل ٌ من النار بعضها فوق بعض، ضوعفت عن نار الدنيا بتسع ٍ وستين‬
                                                                   ‫ت‬               ‫ء‬
‫جز ًا، الغمسة فيها ُنسي كل نعيم عاشت به النفس، فكيف بالمكوث فيها ومالزمة عذابها؟! قال :‬
 ‫((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت‬
                                                                              ‫ر‬           ‫ر‬
                          ‫خي ًا قط؟ هل م ّ بك نعيم قط؟ فيقول: ال ـ واهلل ـ يا رب)) أخرجه مسلم.‬
    ‫ْم‬         ‫ف إ عص ت َب َ‬                ‫ق ِن‬                                    ‫و‬
    ‫تلك الدار التي يخ ّف اهلل بها عباده ليتقوه ويطيعوه، ُلْ إِّي أَخَا ُ ِنْ َ َيْ ُ ر ِّي عذَابَ يَو ٍ‬
        ‫ش ُ م د ن ِ ُ ِن سر َّذ ن ِر‬                                ‫ُد‬        ‫هدن‬          ‫ٍ ُ الل ُد م ل‬
      ‫عَظِيم قلْ َّهَ أَعْب ُ ُخِْصًا لَ ُ ِي ِي فَاعْب ُوا مَا ِئْتمْ ِنْ ُو ِه قلْ إ َّ الْخَا ِ ِينَ ال ِي َ خَس ُوا‬
    ‫ه خ ْر ن مب ن ُ م ْ ق ِ ظَل م ن ر وم ت ته‬                                                   ‫قي م‬                ‫فس ُ و ل ه‬
  ‫أَنْ ُ َهمْ َأَهِْي ِمْ يَوْمَ الْ ِ َا َةِ أَال ذَلِكَ ُوَ الْ ُس َا ُ الْ ُ ِي ُ لَهمْ ِن فَوْ ِهمْ ُل ٌ ِنْ ال َّا ِ َ ِنْ َحْ ِ ِمْ‬
                                                                 ‫َُل ك ي ِّف الله ب ع ه ي عب ِ َاتق‬
                                              ‫ظل ٌ ذَلِ َ ُخَو ُ َّ ُ ِهِ ِبَادَ ُ َا ِ َاد ف َّ ُونِ [الزمر:35- 65].‬
         ‫د‬                                              ‫ب‬
‫ما ظنك بعذاب دار أهون أهلها عذا ًا من كان له نعالن يغلي منهما دماغه، ما يرى أح ًا أشد منه‬
   ‫عذابًا، وإنه ألهونهم، أما حال أهلها فشر حال، وهوانهم أعظم هوان، وعذابهم أشد عذاب. وما‬
   ‫ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة، حتى‬
                                   ‫ص‬
    ‫انقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أكبادهم جوعًا، ثم ان ُرف بهم إلى النار، فيسقون من عين‬
                                 ‫ر‬         ‫أ‬
   ‫آنية قد آذى حرها واشتد نضجها، فلو رأيتهم وقد ُسكنوا دا ًا ضيقة األرجاء، مظلمة المسالك،‬
  ‫مبهمة المهالك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، يسحبون‬
   ‫فيها على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن‬
                            ‫الظ لم‬           ‫ُ م ج َن م د وم ْ ق ِ و و َ ل‬
 ‫شمائلهم، لَهمْ ِنْ َه َّمَ ِهَا ٌ َ ِن فَوْ ِهمْ غَ َاشٍ َكذَِكَ نَجْزِي َّاِ ِينَ [األعراف:54]. أسأل اهلل‬
                                        ‫جل وتعالى أن يعصمنا وإياكم من النار، وأن يجنبنا مواضع سخطه.‬
  ‫فالحذر الحذر ـ عباد اهلل ـ بعد رمضان، فمعظم الناس يعودون ويرجعون إلى سالف عهدهم،‬
                                                                                              ‫ال‬
                                                                          ‫فال تكونوا مثلهم، وإ ّ فنار جهنم بالمرصاد.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: فيا معاشر األخوات الحاضرات معنا في هذا المشهد العظيم، اعلموا أنكن من أكثر حطب‬
                                                                         ‫رت‬
         ‫جهنم، قَالَ النبي : ((أ ِي ُ النار، فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن))، قيل: أيكفرن باهلل؟ قال:‬
    ‫((يكفرن العشير، ويكفرن اإلحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما‬
                                                                                                        ‫رأيت منك خيرا قط)).‬
           ‫ل ن‬
 ‫أيتها األخوات، لقد توعد اهلل بالنار أهل التبرج والسفور، والنساء ناقصات عق ٍ ودي ٍ، وال يجوز‬
                                                                          ‫م‬
                                                                         ‫للمرأة أن تسافر ثالثة أيامٍ إال مع ذي محر ٍ.‬
‫أيتها األخوات، لقد لعن النبي الواشمة والمستوشمة، ولعن النبي الواصلة والمستوصلة، ولعن النبي‬
                        ‫و‬
       ‫المتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق اهلل، ولعن رسول اهلل ز ّارات القبور، ولعن‬
   ‫رسول اهلل المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن النبي المترجالت من النساء، ولعن رسول اهلل‬
     ‫النائحة والمستمعة، وأخبر عليه الصالة والسالم أن النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها‬
                                                                                     ‫سربال من قطران ودرع من جرب.‬
  ‫فالحذر الحذر، فإن كل ما ورد فيه اللعن فصاحبه على خطر، أجارنا اهلل وإياكن من نار جهنم.‬
                                        ‫ء‬      ‫ال‬
      ‫أيها المسلمون والمسلمات، أنصح الجميع رجا ً ونسا ً بصيام ستة أيام من شوال؛ ففيها أجر‬
          ‫ت‬
 ‫عظيم، فعن أبي أيوب األنصاري أن رسول اهلل قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه س ًا من شوال‬
                                                                                           ‫كان كصيام الدهر)) رواه مسلم.‬
 ‫اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا من الذين قبلتهم في رمضان وأعتقتهم‬
                                       ‫ب‬
          ‫من النيران، اللهم اجعلنا ممن قام رمضان إيمانًا واحتسا ًا فغفرت له ما تقدم من ذنبه...‬

‫(5/3254)‬




                                                                                      ‫دروس من غزوة تبوك‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                                  ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                                         ‫غزوات‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                                           ‫الخبر‬
                                                                                                    ‫3/7/7745‬
                                                                                                            ‫النور‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- حكمة دوام الصراع بين الحق والباطل. 7- غزوة تبوك: تاريخها وسببها وأحداثها. 3-‬
                                                                             ‫دروس وعبر من غزوة تبوك.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل، اعلموا أن حكمة اهلل اقتضت أن يكون الحق والباطل في صراع دائم وصراع‬
‫مستمر إلى أن يرث اهلل األرض ومن عليها؛ كل ذلك ليميز اهلل الخبيث من الطيب، فمنذ بزغ هذا‬
 ‫الدين وأعداؤه من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون،‬
                            ‫ُر د لي فئ ن الل َ و ه ِ َالله م ِم ن ره و َر ك ِر‬
   ‫ي ِي ُونَ ِ ُطْ ُِوا ُورَ َّهِ بِأفْ َا ِهمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ َلَوْ ك ِهَ الْ َاف ُونَ [الصف:7]. والتاريخ في‬
              ‫ماضيه وحاضره يشهد بذلك، أنى لهم أن يفلحوا ما تمسكنا بكتاب ربنا وسنة نبينا ؟!‬
  ‫أيها المسلمون، يوم يقلب المرء صفحات الماضي المجيد ويتدبر القرآن الكريم ثم ينظر لواقعنا‬
                             ‫ر‬
   ‫ويقارنه بذلك الماضي يتحسر يوم يجد البون شاسعا والفرق كبي ًا، يتحسر يوم يرى تلك األمة‬
              ‫د‬
   ‫التي كانت قائدة قد أصبحت تابعة حينما ابتعدت عن شرع ربها ونهج نبيها، فعو ًا سريعا إلى‬
                    ‫د‬
  ‫الماضي المجيد لنستلهم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر، عو ًا لسيرة من لم يطرق‬
                                                                          ‫ة‬
    ‫العالم دعو ٌ كدعوته، ولم يؤرخ التاريخ عن مصلح أعظم منه، ولم تسمع أذن عن داعية أكرم‬
   ‫منه، وما أحرانا ونحن في هذه األيام العصيبة أن تتجاوز المدة الزمنية كي نعيش يوما من أيام‬
                                                                                    ‫محمد لنأخذ العبر والدروس.‬
                                                    ‫ع‬
 ‫نعود بكم إلى شهر رجب سنة تس ٍ من الهجرة لنعيش وإياكم أحداث غزوة تبوك وجيش العسرة‬
          ‫التي تساقط فيها المنافقون وثبت فيها المؤمنون وذل فيها الكافرون وعز فيها الصادقون.‬
  ‫بلغ النبي أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد دولته، يريدون مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم، فعند‬
   ‫ذلك أعلن النبي ألول مرة عن مقصده وعن تجهيز الجيش، فتجهز أقوام وأبطأ آخرون، تجهز‬
   ‫ثالثون ألف مقاتل، باعوا أنفسهم إلى اهلل نصرة هلل ورسوله، وتساقط المنافقون، فها هو أحدهم‬
‫يقول له رسول اهلل كما روى ابن هشام: ((هل لك في جالد بني األصفر؟)) أي: الروم، فيقول: يا‬
                    ‫ع‬                                         ‫نَ‬
   ‫رسول اهلل، ائذن لي وال تَفْتّي، فواهلل لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد ُجبًا بالنساء مني،‬
‫وإني أخشى إن رأيت نساء بني األصفر أن ال أصبر، فأعرض عنه ، ولكن اهلل جل وعال فضحه‬
        ‫ط وِن جه َّ مح ة‬                        ‫َم ُ م يق ل ْ ل و ِن َ ف ف‬
        ‫في قوله تعالى: و ِنْهمْ َنْ َ ُو ُ ائذَنْ ِي َال تَفْت ِّي أَال ِي الْ ِتْنَةِ سَقَ ُوا َإ َّ َ َنمَ لَ ُ ِيطَ ٌ‬
                                                                                                            ‫ك فر‬
                                                                                            ‫بِالْ َا ِ ِينَ [التوبة:14].‬
  ‫وتحدثت اآليات في القرآن عمن نكص كذلك من هذه المعركة وتحجج بحجج واهية حين آثروا‬
‫َر م َلف بم َ ِ خ ف‬
‫ظل القعود في بيوتهم وحقولهم على حر الصحراء ووعثاء السفر: ف ِحَ الْ ُخَّ ُونَ ِ َقْعدِهمْ ِال َ‬
 ‫َ ُولِ َّ ِ َكَرِ ُوا أَنْ ُجَاه ُوا ِأَمْ َاِ ِمْ ََن ُ ِهم ِي َ ِيلِ َّ ِ وقَاُوا ال َنف ُوا ِي الْ َر قلْ َا ُ‬
 ‫ت ِر ف ح ِّ ُ ن ر‬               ‫ي ِد ب و له وأ فس ِ ْ ف سب الله َ ل‬                           ‫رس الله و ه‬
                                                                              ‫ه ن‬           ‫ن‬          ‫جه َّ َد َر‬
                                                                 ‫َ َنمَ أَش ُّ ح ًّا لَوْ كَاُوا يَفْقَ ُو َ [التوبة:57].‬
 ‫وتجلت في اإلعداد لهذا الجيش طوايا النفوس ومقدار ما استودعت من قبل من إخالص ونشاط،‬
    ‫فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم ليجهزوا الجيش من الرواحل والسالح والخيل، منهم عثمان بن‬
 ‫عفان، سبق في بذله سبقا بعيدا حتى إن رسول اهلل عجب من كثرة ما أنفق، تصدق بمائتي بعير‬
     ‫بأقتابها وأحالسها، ومائتي أوقية، ثم تصدق بمائة بعير بأقتابها وأحالسها، ثم جاء بألف دينار‬
      ‫فنثرها في حجر النبي ، فقال النبي : ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)) رواه الحاكم بسند‬
                                                                                                               ‫صحيح.‬
 ‫وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله ولم يترك ألهله إال اهلل‬
   ‫ورسوله، وجاء عمر بنصف ما يملك، وجاء العباس بمال كثير، وجاء عاصم بن عدي بتسعين‬
             ‫د‬                                                                         ‫ق‬
 ‫وس ًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق م ًا أو مدين لم‬
                       ‫يكن يستطيع غيرها. وبعثت النساء ما قدرن عليه من خالخل وخواتم وذهب.‬
‫ومنهم الفقراء الذين لم يجدوا زادا وال راحلة، فأتوا رسول اهلل يقولون: يا رسول اهلل، ال زاد وال‬
‫راحلة، فيبحث لهم عن زاد وراحلة فال يجد ما يحملهم عليه، فيرجعون وأعينهم تفيض من الدمع‬
  ‫حزنا أن ال يجدوا ما ينفقون، إنهم البكاؤون، لم يبكوا على فقد متاع أو فقد دنيا، بل يبكون على‬
   ‫فقد جهاد وقتال في ساعةٍ عسيرة، قد تذهب أرواحهم فداء لهذا الدين الذي آمنوا به، روي عن‬
 ‫علي بن يزيد: أنه قام من الليل يصلي فتهجد ما شاء اهلل ثم بكى، وقال: (اللهم إنك أمرت بالجهاد‬
  ‫ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يدي رسولك ما يحملني عليه، وإني‬
  ‫أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو حد أو عرض)، وأصبح الرجل على‬
       ‫عادته مع الناس فقال رسول اهلل: ((أين المتصدق هذه الليلة؟))، فلم يقم أحد، ثم قال: ((أين‬
‫المتصدق هذه الليلة؟ فليقم))، فقام إليه فأخبره، فقال له رسول اهلل : ((أبشر، فوالذي نفسي بيده لقد‬
                                                                     ‫كتبت في الزكاة المتقبلة)).‬
   ‫ويخرج ويستخلف على المدينة عليا ، ويخيم في ثنية الوداع ومعه ثالثون ألفا، ويأتي المنافقون‬
     ‫الذين ال يتركون دسائسهم وإرجافهم على مر األيام، يالحقون أهل الخير واالستقامة، يلمزون‬
    ‫ويهمزون، ويتندرون ويسخرون، سخر اهلل منهم، ويستهزئون به، اهلل يستهزئ بهم، يأتون إلى‬
                                                                                     ‫ي‬
  ‫عل ّ ويقولون له: ما خلفك رسول اهلل إال استثقاال لك، فتأثر بذلك ولبس درعه وشهر سيفه يريد‬
          ‫ي‬
     ‫الجهاد في سبيل اهلل، ويصل إلى النبي ويقول له زعمهم، فيجيبه ويقول: ((كذبوا يا عل ّ، أما‬
       ‫ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! إال أنه ال نبي بعدي))، وعاد إلى المدينة‬
                                                                                       ‫راضيا.‬
 ‫ويتوجه إلى تبوك، فيمر بديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ديار غضب اهلل على أهلها، فتلك‬
     ‫بيوتهم خاوية، وآبارهم معطلة، وأشجارهم مقطعة، فاستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال‬
     ‫رسول اهلل : ((ال تشربوا من مائها، وال تتوضؤوا منه للصالة، وما كان من عجين عجنتموه‬
   ‫فاعلفوه اإلبل، وال تأكلوا منه شيئًا))، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح‬
   ‫عليه السالم. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: لما مر النبي بالحجر قال: ((ال تدخلوا مساكن‬
                                              ‫ال‬
  ‫الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إ ّ أن تكونوا باكين))، ثم قنع رأسه وأسرع بالسير‬
                                                                             ‫حتى جاز الوادي.‬
               ‫السح‬
‫واستمر في طريقه إلى تبوك، وقد بلغ به الجوع والتعب مبلغا عظيما، ومع َّ َر ينام من التعب‬
‫على دابته حتى يكاد يسقط كما في صحيح مسلم، فيقرب منه أبو قتادة فيدعمه بيده حتى يعتدل، ثم‬
    ‫يميل أخرى فيدعمه أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل ميلة أخرى أشد حتى كاد يسقط فيدعمه أبو‬
‫قتادة بيده، فيرفع رأسه ويقول: ((من هذا؟))، قال: أنا أبو قتادة، فقال له : ((حفظك اهلل بما حفظت‬
 ‫نبي اهلل يا أبا قتادة)). يقول المؤرخون: "فما زال أبو قتادة محفوظا بحفظ اهلل في أهله وذريته، ما‬
   ‫أصابهم سوء حتى ماتوا". درس عظيم لمن حفظ أولياء اهلل فإن اهلل يحفظه، وصنائع المعروف‬
                                                                           ‫تقي مصارع السوء.‬
      ‫عن عبد اهلل بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر:‬
    ‫خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزال وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع،‬
    ‫حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر‬
               ‫و‬
‫الصديق: يا رسول اهلل، إن اهلل عودك في الدعاء خيرا، فادع اهلل لنا؟ فقال: ((أ َتحب ذلك؟)) قال:‬
 ‫نعم، فرفع رسول اهلل يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتى أذنت السماء بالمطر، فأطلت ثم سكبت‬
                               ‫فملؤوا ما معهم. قال: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت المعسكر.‬
‫ويتأخر عن الجيش أبو ذر ببعيره الهزيل، فماذا فعل يا ترى؟! لقد ترك بعيره وأخذ متاعه وحمله‬
  ‫على ظهره، وينزل في أحد المنازل على الطريق، وينظر أحد المسلمين، ويقول: يا رسول اهلل،‬
  ‫رجل يمشي إلى الطريق وحده متاعه على ظهره، فقال عليه الصالة والسالم: ((كن أبا ذر، كن‬
     ‫أبا ذر))، فإذا هو أبو ذر، فأخبروا النبي بذلك فقال: ((رحم اهلل أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت‬
                       ‫ر‬                  ‫ي‬
‫وحده، ويبعث وحده)). وتمضي األيام واألعوام و ُنفى أبو ذر إلى ال ّبذة، ويحضره الموت هناك،‬
                                                                          ‫ال‬
    ‫وليس معه إ ّ امرأته وغالمه، وقبل موته أوصاهما أن يغساله ويكفناه ويضعاه على الطريق،‬
    ‫وأول ركب يمر بهم يقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول اهلل فأعينونا على دفنه، فيفعالن ذلك،‬
     ‫ويأتي عبد اهلل بن مسعود ومعه رهط مسافرون، فما راعهم إال الجنازة على قارعة الطريق،‬
 ‫فأخبرهم غالمه فاندفع عبد اهلل بن مسعود باكيا، يقول صدق رسول اهلل: ((تمشي وحدك، وتموت‬
                                                    ‫وحدك))، ثم دفنوه رضي اهلل عنه وأرضاه.‬
                    ‫د‬
  ‫أيها المسلمون، وينتهي المسير برسول اهلل إلى تبوك، فعسكر هناك وهو مستع ّ للقاء العدو، فقام‬
     ‫ذ‬                             ‫ض‬                                         ‫ب‬
    ‫فيهم خطي ًا، فخطب خطبة بليغة، أتى بجوامع الكلم، وح ّ على خيري الدنيا واآلخرة، فح ّر‬
                                                                          ‫ش‬
‫وأنذر، وب ّر وأبشر، حتى ارتفعت معنويات الصحابة رضي اهلل عنهم، وجبر بها ما كان فيهم من‬
                                                                         ‫ل‬
 ‫النقص والخلل من قّة الزاد والمؤونة. فأقام بها بضع عشرة ليلة، فلم يجدوا بها كيدا أو يواجهوا‬
                                                                                      ‫و‬
                            ‫عد ّا، ولكنهم بذلك أرهبوا الروم وحلفاءهم، وفرضوا عليهم الجزية.‬
      ‫وحصلت بعض األحداث أثناء بقائه عليه الصالة والسالم فيها، منها ما حدث به عبد اهلل بن‬
                         ‫ت‬
‫مسعود قال: نمنا ليلة متعبين في تبوك، وانتبهت في وسط الليل، فالتف ّ إلى فراش النبي فلم أجده،‬
                                ‫ل‬
      ‫وإلى فراش أبي بكر وعمر فلم أجدهما، وإذا بنار وسط الّيل تضيء آخر المعسكر، فذهبت‬
                                                               ‫ف‬
   ‫أتبعهما فإذا رسول اهلل ح َر قبرا، ومعه أبو بكر وعمر، وعنده سراج بيده قد نزل وسط القبر،‬
                                                                ‫ي‬
   ‫فقلت: يا رسول اهلل، من المّت؟ قال: هذا أخوك عبد هلل ذو البجادين، إنه أحد الصحابة الكرام،‬
        ‫ٍ‬                                       ‫ل‬         ‫م‬      ‫ل‬
  ‫أسلم وكان تاجرا، فأخذ أهُه وقو ُه مالَه كّه حتى لباسه، فذهب فما وجد لباسا غير شملة قطعها‬
                                                                             ‫ر‬
       ‫إلى بجادين، وف ّ بدينه يريد اهلل والدار اآلخرة، وأخبر بخبره، فقال عليه الصالة والسالم:‬
                                            ‫ر‬
  ‫((تركتَ مالكَ هلل ولرسوله، أبدلك اهلل ببجاديك إزا ًا ورداءً في الجنة، أنت ذو البجادين))، فلقب‬
   ‫بذلك. يقول عبد اهلل بن مسعود: وأنزله إلى القبر، فوالذي ال إله إال هو ما نسيت قوله وهو في‬
       ‫ل‬             ‫َّ‬    ‫ن‬                                                   ‫ّ‬
 ‫القبر، وقد مد ذراعيه لذي البجادين، وهو يقول ألبي بكر وعمر: ((أد ِيا إلي أخاكما))، فدّياه في‬
 ‫القبر، وهو يبكي ودموعه تتساقط على الكفن، ثم وقف عليه الصالة والسالم لما وضعه في القبر‬
                    ‫َ‬                         ‫لم‬
     ‫رافعا يديه مستقبال القبلة، وهو يقول: ((الّه ّ إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه، اللهم إني‬
             ‫ال‬
‫أمسيت عنه راضيا فارض عنه))، يقول عبد اهلل بن مسعود: فواهلل، ما تمنيت إ ّ أن أكون صاحب‬
                                                                          ‫الحفرة ألنال دعاءه .‬
‫ورجع النبي عائدا إلى المدينة موفورا منصورا، حتى قدم إلى المدينة، والحت له معالمها من بعيد‬
                               ‫د‬                             ‫أ د ب‬
      ‫فقال: ((هذه طابة، وهذا ُح ٌ يح ّنا ونحبه))، وتسامع الناس بمق َمه، وفرح النساء والصبيان،‬
                                                                                       ‫د‬
                                                                                   ‫فخرجوا الستقباله وهم ير ّدون:‬
                                                                                        ‫ي‬
                                                                               ‫طلع البدر علينا…من ثن ّات الوداع‬
                                                                               ‫وجب الشكر علينا…ما دعا هلل داع‬
                                                                         ‫أيها المبعوث فينا…جئت باألمر المطاع‬
                                                                                    ‫ب‬
                                                                        ‫جئت شرفت المدينة…مرح ًا يا خير داع‬
  ‫وقوبل جيش العسرة بحفاوة بالغة، ولم ينس النبي في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة الذين‬
   ‫صعب عليهم أن يجاهدوا معه فتخلفوا راغمين والعبرات تمأل عيونهم. روى البخاري عن أنس‬
      ‫بن مالك أن رسول اهلل رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إن في المدينة أقواما ما‬
 ‫سرتم مسيرا وال قطعتم واديا إال كانوا معكم))، فقالوا: يا رسول اهلل، وهم بالمدينة؟! قال: ((وهم‬
                     ‫ي‬                      ‫ر‬
‫بالمدينة؛ حبسهم العذر)). بهذه المواساة الرقيقة ك ّم النبي الرجال الذين شّعوه بقلوبهم وهو ينطلق‬
                                                                         ‫هم‬
                                                      ‫إلى الروم، فأصلح بالهم، وأراح ًّا ثقيال عن أفئدتهم.‬
    ‫ُ ِر ف س الل اث ق ت‬                             ‫َيه َّذ من م ُ ِ‬
  ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا َا لَكمْ إذَا قِيلَ لَكمْ انف ُوا ِي َبِيلِ َّهِ َّا َلْ ُمْ‬
   ‫ِ إ َّ ِ ل ِال ت ِر‬             ‫م ع ح الد ي ف‬                         ‫ِ‬      ‫إل َ ْ َرض ت ح ة الد م‬
 ‫َِى األرضِ أ َ ِي ُمْ بِالْ َيَا ِ ُّنْيَا ِنْ اآلخرَةِ فَمَا َتَا ُ الْ َيَاةِ ُّنْ َا ِي اآلخرَةِ ِال قَلي ٌ إ َّ َنف ُوا‬
               ‫ٍ ر‬           ‫ُر ه ئ َالله عل ُل‬                  ‫م رُ و‬                ‫ل وي ْ ِ‬                ‫ي َذ ك َ‬
   ‫ُع ِّبْ ُمْ عذَابًا أَِيمًا َ َسْتَبدلْ قَوْ ًا غَيْ َكمْ َال تَض ُّو ُ شَيْ ًا و َّ ُ ََى ك ِّ شَيْء قَدِي ٌ [التوبة:73،‬
                                                                                                                     ‫13].‬
            ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
           ‫أما بعد: أيها اإلخوة المؤمنون، ها قد عشتم بعض أحداث غزوة تبوك التي انتهت بنصر‬
 ‫المؤمنين، ولئن انتهت أحداثها فما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة،‬
                                  ‫ن‬
  ‫وفي كل قصة عظة وعبرة، وحذار أن يكون نصيبنا منها تغّيًا بالماضي وسردَ الحديث الغابر،‬
                             ‫فإن هذا ال يجدي شيئا وقد آلت األمة إلى ما آلت إليه وتداعى األكلة إليها.‬
   ‫وأول هذه الدروس: أن هذه األمة أمة جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة، ومتى ما تركت الجهاد‬
     ‫ضربت عليها الذلة والمسكنة، ولذلك فقد رأينا حياة النبي جهادا في جهاد، فإذا فرغ من جهاد‬
                                                ‫المشركين رجع إلى جهاد ومقاومة المنافقين ثم جهاد الروم.‬
                       ‫د‬
 ‫وثاني هذه الدروس: أن اهلل كتب العزة والقوة لهذه األمة متى ما ص َقت وأخلصت، فها هي دولة‬
     ‫و ي ص َن الله م‬
   ‫اإلسالم الناشئة تقف في وجه الكفر كله بقواه المادية، فتهزمه وتنتصر عليه، َلَ َن ُر َّ َّ ُ َنْ‬
                                                                                                              ‫ي صره‬
                                                                                                   ‫َن ُ ُ ُ [الحج:04].‬
    ‫ومن الدروس: أن العدو ما تسلل إال من خالل صفوف المنافقين والمرجفين، ولم يكن الضعف‬
 ‫ج ف ُ م‬
‫والتفرقة في هذه األمة إال من قبل أصحاب المسالك الملتوية والقلوب السوداء، لَوْ خَرَ ُوا ِيكمْ َا‬
                             ‫ُ‬      ‫ُ ي غ ُ ف وف ُ َم ع‬                                 ‫ز د ُ ِال ال و ضع‬
              ‫َا ُوكمْ إ َّ خَبَا ً َألَوْ َ ُوا خِاللَكمْ َبْ ُونَكمْ الْ ِتْنَةَ َ ِيكمْ س َّا ُونَ لَهمْ [التوبة:24].‬
‫ومن الدروس: أن مواجهة األعداء ال يشترط فيها تكافؤ القوة، بل يكفي المؤمنين أن يعدوا أنفسهم‬
                                      ‫ي‬
 ‫بما استطاعوا من قوة ثم يتقوا اهلل ويصبروا، وعندها ُنصروا، فها هو عبد اهلل بن رواحة يقول:‬
               ‫(واهلل، ما نقاتل الناس بعدد وال عدة، ما نقاتلهم إال بهذا الدين الذي أكرمنا اهلل به).‬
           ‫ومن الدروس: أن الحق ال بد له من قوة تحرسه وترهب أعداءه، ال يكفي حق بال قوة.‬
                                                              ‫يج‬         ‫ر ب‬
                                     ‫دعا المصطفى ده ًا ِمكة لَم ُ َبْ…وقد الن منه جانب وخطاب‬
                                                                       ‫ل‬
                                          ‫فلما دعا والسيف بالكف مسّط…له أسلموا واستسلموا وأنابوا‬
    ‫ومن الدروس العظيمة من هذه الغزوة: أن تمكن العقيدة في قلوب رجال اإلسالم أقوى من كل‬
                                                                                   ‫ع‬
      ‫سالح و َتاد، وقضى اهلل أن األمة متى ما غَفلَت عن عقيدتها وتعلقت بغيرها تقلبت في ثنايا‬
‫اإلهانات والنكبات والنكسات، حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها. واألمة اليوم بعيدة كل البعد‬
                                                                       ‫عن العقيدة الصحيحة إال من رحم اهلل.‬
                                                                    ‫ب‬      ‫ي‬
‫هل تريدون مثاالً ح ًا قري ًا على أن فئات كثيرة من األمة ال تعرف معنى ال إله إال اهلل إلى اآلن؟!‬
     ‫ومن هذه الفئات من هم محسوبون على العلماء وطلبة العلم، أحداث تكسير األصنام القريبة،‬
            ‫تس ت‬
‫مسألة واضحة ال يختلف فيها موحدان، أصنام الشرك والكفر باهلل عز وجل ُك ّر وُهدم، ثم يأتي‬
  ‫من يأتي من المسلمين ويستنكر هذا األمر، ويطنطن بعض من هم محسوبون على أهل العلم في‬
   ‫اإلذاعات والفضائيات، ويكتب من يكتب في الصحف والمجالت بحجة أنها آثار، فأين التوحيد؟‬
   ‫وأين هي العقيدة؟ وأين ال إله إال اهلل؟ إذا كانت األمة إلى اآلن تختلف في أصنام الشرك والكفر‬
                                                                             ‫فماذا بقي من عقيدتها وتوحيدها؟!‬
‫فعلى الدعاة والمصلحين والمربين ممن يمثلون منهج أهل السنة والجماعة أن يركزوا في دعوتهم‬
                                                      ‫ال‬
    ‫على مسألة التوحيد درسًا وشرحًا وعم ً وتطبيقًا، وأن ال يغتروا بغيرهم ممن يخالفهم في هذه‬
                                                 ‫ح‬
‫المسألة، فال صالح وال فالح إال إذا ص ّت عقائد الناس واتضحت لهم معالم وأصول هذه العقيدة.‬
    ‫أيها المسلمون، هذه غزوة تبوك غزوة العسرة، وهذه بعض دروسها، فاعتبروا بها وتدبروها.‬

‫(5/4254)‬




                                                                                                      ‫رجال الحسبة‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                          ‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                      ‫الخبر‬
                                                                                ‫6/4/4745‬
                                                                                       ‫النور‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- فضل رجل األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7- الرد على أقالم جائرة ومقاالت موبوءة‬
‫ضد الهيئة ورجالها. 3- وجوب االهتمام بتوسعة فروع الهيئات وإكرام رجالها. 4- وصايا عامة‬
        ‫لرجال الهيئات. 1- الحذر من إيذاء المصلحين اآلمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: إنهم األعين الساهرة واألم الرؤوم واألب العطوف، األم الرؤوم التي يحز في نفسها أن‬
   ‫ترى أبناءها يتجرعون السم من أيدي ضعاف النفوس، ويكدر نفسها أن تضيع زهرات أعمار‬
 ‫شبابنا فيما ال يفيد، ويضيق صدرها وهي ترى الصالة تقام ورجل واقف مكانه ال يتجه للمسجد،‬
‫وتثير غيرتها على األعراض رؤيتها لبنات المسلمين بلباسهن المتبرج في مركز تجاري أو مطعم‬
    ‫في وقت غير مناسب أو بال محرم أو بال أدب بل بتبرج فاضح، وتثير حميتها رؤية الشباب‬
 ‫المستهتر وتهافتهم على المعاكسات والنيل من أعراض نساء المسلمين، وتتحرك أشجانهم عندما‬
                                          ‫يرون أبناء المسلمين ضحايا المسكرات والمخدرات.‬
 ‫نعم يا عباد اهلل، إنهم رجال األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنهم أسود الحسبة، إنهم أبطال‬
                                                                             ‫مراكز الهيئات.‬
                                         ‫ح‬
                                  ‫يا هيئة اإلرشاد وجهك مشرق…والمكرمات روائ ٌ وغوادي‬
                                        ‫د‬      ‫ل‬                 ‫ق‬     ‫ي‬           ‫ب‬
                                        ‫أمر ِمعروف ونَه ٌ صاد ٌ …عن منكرٍ وتَحل ٍ وفسا ِ‬
                      ‫ر‬
 ‫إنها هيئة التقويم واإلصالح، هذه الهيئة عندما وضعت سفينة النجاة شعا ًا لها لم تكن تمزح ولم‬
  ‫تكن أهدافها فراغًا، بل كانت وما زالت كالقائد الذي يقود دفة األمة إلى بر النجاة وأكرم به من‬
                               ‫م‬
  ‫بر، وشاطئ األمان وأعظم به من شاطئ، حيث األعراض ُصانة، والخمور مراقة، والمعاكس‬
                                                                                       ‫ص‬
 ‫ين َح، واألمن مستتب. يقول النبي : ((مثل القائم على حدود اهلل والواقع فيها كمثل قوم استهموا‬
  ‫على سفينة، فأصاب بعضهم أعالها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء‬
 ‫مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما‬
                               ‫ع‬                                        ‫ع‬
              ‫أرادوا هلكوا جمي ًا، وإن أمسكوا على أيديهم نجوا ونجوا جمي ًا)) رواه البخاري.‬
‫اسألوا ـ أيها المسلمون ـ من وقع في أيديهم من الفتيات وهن على حالة منكرة، كيف انتشلوهن‬
  ‫من بحور الظلمات، كيف صانوا أعراضهن، كيف أنقذوهن من براثن الكالب المسعورة التي ال‬
                                                                      ‫مع‬
   ‫ترحم. لم يكن َنْ ُهن من التبرج في األسواق تعديًا على حريتهن الشخصية أو تحكمًا بهن، بل‬
                                                                         ‫صيانة لهن وحفاظًا عليهن.‬
                                                                    ‫ب‬
‫واسألوا الشباب كم تائ ٍ تاب على أيديهم، وكم ضائع اهتدى بسببهم بعد اهلل، وكم حائر أخذوا بيده‬
    ‫إلى الطريق القويم، كم مدمن للخمر انتشلوه حفاظا على دينه وصحته، وكم من تارك للصالة‬
‫أرجعوه إلى دائرة الدين، كم من معاكس أوقفوه عند حده ومنعوه من اللعب بأعراض الناس، وكم‬
                                                                          ‫و‬
  ‫من متشبه ق ّموه وأرشدوه، كم من فرد كان على شفا الوقوع في الفاحشة والهاوية ووجدَ رجال‬
  ‫الهيئة يبصرونه بما ينفعه ويحذرونه مما يضره، كم مروج لألشرطة الفاضحة والسموم المهلكة‬
 ‫وقع في أيديهم فمنعوا شره عن المسلمين، كم وكم، أال ترونهم في األسواق وفي أماكن التجمعات‬
‫آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر؟! أهم ينتظرون مكافأة أو جزاء؟! تكفيهم المكافأة التي وعدهم‬
                                                            ‫ُ م لح‬                 ‫وأ‬
  ‫بها اهلل سبحانه: َُوْلَئِكَ همْ الْ ُفِْ ُونَ [التوبة:77]، والمكافأة التي وعدهم بها رسول اهلل : ((من‬
         ‫دعا إلى هدى كان له من األجر مثل أجور من تبعه، ال ينقص ذلك من أجورهم شيئًا)).‬
                                                           ‫ق علي‬
                                           ‫يا خيرنا يا ذخرنا يا فخرنا…ح ٌ َّ بمثلكم أن أفخرا‬
                                          ‫ت‬          ‫ل‬
                                        ‫كم من فتاةٍ قد حفظتم عرضها…توصونها بالّين أن تتس ّرا‬
                                      ‫م‬                                    ‫ت‬
                                  ‫كم غافلٍ أرشد ُموه إلى الهدى…إذ عاد من بعد الضاللة ُبصرا‬
     ‫ي‬                         ‫ل‬
  ‫هذه هي الهيئة، وهؤالء هم رجالها، ومع كل أسف استغ ّ بعض مرضى القلوب ممن يتص ّدون‬
 ‫في الماء العكر ـ في األيام الماضية ـ بعض األحداث، فظهرت كتابات عفنة ومقاالت موبوءة،‬
   ‫أقحموا فيها الهيئة، فانكشف ـ والحمد هلل ـ عند الكثيرين أمرهم، وظهر غباؤهم، لقد انطلقوا‬
        ‫ب‬
    ‫يهذون بما ال يدرون، ويهرفون بما ال يعرفون، يقلد بعضهم بعضا، ويتحاكون تحاكي الب ّغاء.‬
                                        ‫ه‬
                                       ‫إذ ساء فعل المرء ساءت ظنونه…وصدق ما يعتاده بالتو ّم‬
                                    ‫فهذه األقالم الجائرة واألفهام الحائرة يصدق عليها قول األول:‬
                                                                            ‫بة‬
                               ‫إن يسمعوا س ّ ً طاروا بها فرحًا…هذا وما سمعوه من صالح دفَنوا‬
     ‫وكل ينفق مما عنده، وكل إناء بما فيه ينضح، نفوس جبلت على المقت والبغضاء والكراهية‬
                                                                                           ‫والشحناء.‬
    ‫واألمر ـ أيها المسلمون ـ ال يحتاج إلى تفكير طويل، وال إلى ذهن ثاقب في حل هذا اللغز،‬
‫لماذا يهاجم هؤالء األفاكون رجالَ الحسبة المصلحين من غير ذنب فعلوه وال جرم ارتكبوه؟! وإذا‬
    ‫أردت أن تعرف سبب ذلك فاسأل متعاطي المخدرات ومروجيها عن جهاز مكافحة المخدرات‬
   ‫وعن تقويمهم له، ماذا سيقولون؟! إنهم قطعًا سيكررون نفس المسرحية، وسيكيلون الشتائم لهذا‬
  ‫الجهاز، واسأل اللصوص وقطاع الطرق عن رجال األمن الذين يأخذون على أيديهم ويمنعونهم‬
‫من ممارسة مهنتهم القذرة وهوايتهم الدنيئة، فماذا تظن أن يقولوا؟! وهكذا هؤالء الموتورون حين‬
                                                              ‫ض‬
 ‫تسنح لهم الفرصة لينق ّوا على جهاز اإلصالح الحسبة الذي منعهم من شهواتهم المحرمة وحال‬
                                                                                  ‫دون تنفيذ مشاريعهم المشبوهة.‬
‫ونصيحة من قلب صادق ناصح لهؤالء المستهترين، عجبًا لكم! أما وجدتم ما تفترون وتستهزئون‬
 ‫به إال رجال الحسبة؟! هؤالء الرجال األبطال والجنود المجهولون الذين واصلوا سهر الليل بكلل‬
   ‫النهار، وأبت عليهم هموم األمة ومصائب المجتمع وحراسة الفضيلة التمتع بما يتمتع به غيرهم‬
‫من إجازات صيفية وسياحة برية ورحالت صيديه، بل وصلوات رمضانية وتهجدات ليلية، قلوبهم‬
‫تتقطع حسرة وهم يرون الوفود تتجه في العشر األواخر من رمضان إلى بيوت اهلل مصلية عاكفة‬
                                                  ‫م‬
‫داعية، وهم يجوبون األسواق والمج ّعات يحفظون أعراض المسلمين، ثم يأتي متكئ على أريكته‬
  ‫يتنعم بنعمة األمن التي حفظها اهلل علينا ودفع ضدها بفضله ثم بجهود أولئك األخيار، فال يجد له‬
                                                                                     ‫د‬                    ‫ال‬
                                                                      ‫عم ً وال شغالً إال التن ّر برجال الحسبة.‬
                                                                             ‫ف‬       ‫ف ر‬
   ‫فك ّوا ش ّكم، وو ّروا حسناتكم إن كان لكم منها بقية، واعلموا أن اهلل يغار لهؤالء ويدافع عنهم،‬
        ‫قال عليه الصالة والسالم: ((يا أبا بكر، إن كنت أغضبتَهم فقد أغضبت اهلل)) يعني: ضعفة‬
 ‫له وي تل ن الن ِي بغ ر‬                ‫ِن َّذ ي ُر ن ب ي‬
 ‫المسلمين، هذا وهو أبو بكر ! ويقول اهلل تعالى: إ َّ ال ِينَ َكْف ُو َ ِآ َاتِ الّ ِ َ َقْ ُُو َ َّبِّينَ ِ َيْ ِ‬
  ‫لُْ ف‬            ‫َّذ ن حب‬           ‫أ‬              ‫ب ِّ ه ب َ‬       ‫َق و تل ِّذ ن ي ُر ن ب ق ط م الن‬
 ‫ح ٍّ َيَقْ ُُونَ ال ِي َ َأْم ُو َ ِالْ ِسْ ِ ِنَ َّاسِ فَ َشرْ ُم ِعذَابٍ أَلِيمٍ ُولَئِكَ ال ِي َ َ ِطَتْ أَعْمَاُهم ِي‬
                                                                      ‫الد و خ و ه م ن ِر‬
                                                ‫ُّنْيَا َاآل ِرَةِ َمَا لَ ُم ِّن َّاص ِينَ [آل عمران:57، 77].‬
‫أيها المسلمون، وحتى تعلموا فضل هذه الرئاسة المباركة وجهودها الجبارة في المحافظة على أمن‬
    ‫المجتمع وسالمة أعراض الناس وأديانهم إليكم بعض األرقام، وهي لعام واحد فقط: بلغت عدد‬
  ‫القضايا التي تتعلق بالتخلف عن صالة الجماعة والتأخر في إغالق المحالت التجارية بعد األذان‬
‫واإلفطار في نهار رمضان والقمار أكثر من مائتين و ثمانية وثالثين ألف قضية، كل هذا في عام‬
      ‫واحد. كم يحتاج هذا الجهد من وقت ورجال لوال فضل اهلل تعالى ثم هذه الجهود المخلصة؟!‬
    ‫أما القضايا األخالقية وتشمل بيوت الدعارة وعمل قوم لوط ومحاولة اغتصاب األحداث والزنا‬
    ‫ومعاكسات النساء والخلوة المحرمة ومالحقة ما يسمى بالجنس الثالث ومظاهره فقد بلغ عددها‬
                                        ‫أكثر من إحدى وأربعين ألف حالة ضبطت من قبل رجال الهيئة.‬
  ‫فضالً عن قضايا المسكرات وتشمل المسكر وحيازته وترويجه وتصنيعه والتعاون على الترويج‬
  ‫والتصنيع وشم الروائح المسكرة، وقضايا المطبوعات وتشمل الصور الخليعة والصور المجسمة‬
‫ومطبوعات األفكار الهدامة واألشرطة الجنسية، ناهيك عن قضايا المخدرات وتشمل استعمالها أو‬
                         ‫حيازتها أو ترويجها أو التعاون على ذلك، كل هذه القضايا ضبطت باآلالف.‬
   ‫أيها المسلمون، ولو أن المصيبة وقعت على واحد من هؤالء الحاقدين المتقولين، َّض فاس ٌ‬
   ‫ِد‬     ‫فتعر‬
                                                          ‫مي‬                           ‫ت‬
  ‫لبن ِه أو أخته ألدرَك حينها أه ّ ّة هذا الجهاز وعظمة رجاله، وكم حانق حاقد عليهم لم يرعه في‬
                   ‫ي‬
 ‫هدأة الليل إال وجرس هاتفه يقرع عليه وهو غارق في بحرِ نومه أو لهوه، و ُطلَب من قبل الهيئة‬
           ‫د‬                                      ‫مسل‬       ‫م‬                  ‫ل ت‬
   ‫ليستّم ابن َه أو أخته وربما أ ّه سالمة َّمة مستورة بعد تخليصها من براثن ذئب عا ٍ، فانطلق‬
                                                                   ‫ِ‬     ‫ر‬
                              ‫لسانه الهجًا داعيًا شاك ًا معترفًا بفضلِهم، وأصبح عنهم من المدافعين.‬
‫هذا جزء يسير من جهود الهيئة، ويحق لنا أن نتساءل: كم ـ يا ترى ـ عدد الذين عملوا كل هذه‬
 ‫األعمال الجليلة وحققوا هذه اإلنجازات الباهرة وكفوا المجتمع من شرور كانت ستحصل ومفاسد‬
 ‫كادت تقع؟ ستستغرب لو أخبرتك بأن عدد أعضاء الهيئة أقل من ثالثة آالف في كل أنحاء البالد‬
       ‫ط‬                      ‫ق‬                             ‫د‬
 ‫المترامية، بإمكانيات محدودة ج ًا، ومع كل هذا استطاعوا أن يح ّقوا ما لم يحققه من أع ِي كافة‬
   ‫الخدمات، وما ذاك إال بسبب أنهم يعملون بصمت وإخالص، ويحملون هموم المجتمع، ووقتهم‬
                                                                       ‫متاح للجميع ولكل من يستنجد بهم.‬
                                           ‫ر‬                                  ‫ي‬     ‫بد‬
      ‫أ َع َ هذا ُسمع قول واشٍ فيهم؟! أبعد هذا يستم ّ أناس في األكل من لحومهم واالنتقاص من‬
                      ‫ي ِب حد ُ أ ك ْ خ ه م َر تم ه‬
  ‫قدرهم واهلل تعالى يقول: أَ ُح ُّ أَ َ ُكمْ َن يَأْ ُلَ لَحمَ أَ ِي ِ َيْتًا فَك ِهْ ُ ُو ُ [الحجرات:75]؟! فكيف‬
            ‫بلحوم المصلحين والدعاة العاملين، فلحومهم مسمومة، وسنة اهلل في منتقصِهم معلومة.‬
                                            ‫ر‬            ‫ن‬                   ‫ن‬              ‫ن‬
                                           ‫يا من إذا ِمنا بثوبِ أما ِنا…فتحوا العيون ال ّاعساتِ لتسه َا‬
                                                      ‫ن‬          ‫ن‬                      ‫ت ج‬
                                                  ‫هيئاُنا تا ٌ على هاماتنا…أخشى بدو ِهم بأن ال ُمطرا‬
‫أيها المسلمون، ومع هذا كله فإننا ال ندعي لهم العصمة، وال ننفي الخطأ عنهم، فالخطأ طبيعة ابن‬
         ‫و‬      ‫و‬                                    ‫ر‬
     ‫آدم، لكن ال سواء بين خطيئة مص ّ ومستكبر، وبين خطأ غير مقصود وقع سه ًا وعف ًا من‬
                                                                            ‫ل‬
  ‫مجتهد أق ّ أحواله أنه مأجور على خطئه كما أخبر النبي بذلك، وهو على خطئه من أكثر الناس‬
                                                                               ‫ر‬
  ‫تحس ًا وأسفًا، والوقوع في الخطأ حصل ألكمل جيل وأفضل رعيل، ومع ذلك قابلهم رسول اهلل‬
   ‫ر‬                      ‫ُسر‬
  ‫المربي األعظم بالصفح والعفو، بل واالستغفار واالعتذار، ألم ي ِّب حاطب بن أبي بلتعة س ًا‬
     ‫من أسرار رسول اهلل العسكرية الحربية إلى أعداءه؟! فماذا قال رسول اهلل لما أراد الصحابة‬
                ‫ر‬                                                ‫ال‬
  ‫رضي اهلل عنهم به بطشًا وقت ً واتهموه بالنفاق؟! قال: ((اتركوه؛ إنه قد شهد بد ًا))، وهذا خالد‬
                            ‫س‬                  ‫د‬        ‫ر‬
 ‫بن الوليد كان في سيفه شيء من ال ّهق من ش ّة غيرته، فقتل أنف ًا مسلمة ال تستحق القتل، ومع‬
  ‫ذلك دافع عنه رسول اهلل وسط األصوات المطالبة بعزله، واعتذر له، ولم يجرده من ألقابه، ولم‬
    ‫يسلبه وسام سيف اهلل المسلول، ولم يعزله عن القيادة، علمًا أن رجال الهيئة لم يتعرضوا ألحد‬
     ‫ي‬
‫بقتل، وإنما تعرضوا هم للقتل من قبل أهل الفجور، فهل جزاؤهم إذا اجتهدوا وأخطؤوا أن ُسجنوا‬
           ‫تؤ ِ إ نس‬                 ‫َب‬                       ‫ي‬       ‫ال‬                               ‫ك‬
  ‫أو تش ّل لجان للتحقيق معهم أو نقلهم نق ً تأديب ًا؟! يقول اهلل تعالى: ر َّنَا الَ ُ َاخذْنَا ِن َّ ِينَا أَوْ‬
                                                                 ‫أَخْطَأْنَا [البقرة:677]، قال اهلل: قد فعلت.‬
   ‫أيها المسلمون، إنا لنعجب ـ واهلل ـ بعد هذا لمن يتناول رجال الهيئات سبًا وتأثيمًا، ويتعرض‬
‫لهم قذفًا وتلفيقًا، وحسبه من اإلثم أن يقف في طريق من يأمر بحدود اهلل وينهى عن محارمه، وإن‬
       ‫ترخص أناس في الكالم فيهم ألنهم ـ كما يزعم هؤالء ـ يتعدون على خصوصيات الناس‬
       ‫وحرياتهم الشخصية، فنقول: أي حرية في التعدي على حدود اهلل ومحارمه؟! أي حرية في‬
    ‫التعرض ألعراض المسلمين؟! أي حرية في العبث بفتيات األمة؟! أي حرية في شرب الخمر‬
     ‫والمتاجرة بها؟! أي حرية في التبرج والسفور وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين؟! أي حرية في‬
                  ‫التشبه بالنساء وإضاعة حقوق اهلل والتعدي على محارمه؟! نعم، أي حرية هذه؟!‬
 ‫إن الحرية الشخصية لها حدود مقيدة بالكتاب والسنة، ونحن نقرأ قوله : ((كل المسلم على المسلم‬
   ‫حرام: دمه وماله وعرضه))، ولهذا وذاك كان واجبًا أن يتصدى من األمة من يقوم بهذا الدور‬
  ‫المهم، والضرب على أيدي المفسدين، وثني الضالين عن ضالالتهم. نعم، إذا خال أحدهم بنفسه‬
   ‫وبين أسوار بيته فليمارس ما شاء من حرية شخصية، واهلل تعالى له بالمرصاد، ال تخفى عليه‬
‫خافية، ولن يتسلق على بيته أحد، أما أن يخرج إلى الشارع أو تخرج المرأة إلى السوق والمطاعم‬
                            ‫ال‬
‫والميادين والتجمعات بكل هذه الفواحش والقبائح والرذائل فك ّ وألف كال، هذه فوضى وليست من‬
                                                       ‫و‬
    ‫الحرية في شيء، ولك أن تتص ّر كيف يتحول حال األمة إذا تصرف كل فرد فيها على هواه‬
   ‫وأتى من المحارم ما أراد ومتى شاء، كم من األعراض ستنتهك؟! وكم من األمانات ستضيع؟!‬
 ‫وكم طاقات للشباب ستستنزف؟! وكم يبلغ الوقت المهدر من عمر هذه األمة؟! ولك أن ترى حال‬
 ‫بعض الدول التي ظلمت نفسها بتركها هذا الواجب وهو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما‬
                                                                    ‫ال‬        ‫ال‬
   ‫جه ً أو تجاه ً، وانظروا كيف يعانون، ومن تحت األنقاض يصرخون، ويطالبون باألمن وال‬
  ‫أمن، يطالبون بصون األعراض، يطالبون بوقف نزيف تضييع الدين، ولكن ال فائدة، فالحمد هلل‬
                                             ‫ً‬
   ‫الذي قيض لنا تحقيق هذا الواجب وألهم رجاال مقتدرين على حمله بأمانة، ففي كل وقت تراهم‬
                                                                       ‫ث‬
                                ‫يجوبون األحياء بح ًا عن معروف يأمرون به ومعصية ينهون عنها.‬
                                                          ‫ء ُل‬
                                           ‫يا رب زلزل من يريد بجمعهم…سو ًا وش َّ يمينه والمنخرا‬
                                                                    ‫دم‬             ‫ب‬
                                     ‫هم للورى رك ُ النجاةِ تق ّ ًا…وبدونهم تمضي الركاب إلى الورا‬
                                           ‫ر‬                                 ‫ر‬
    ‫فجزاكم اهلل خي ًا يا رجال الحسبة، وجزاكم اهلل خي ًا يا أبطال الهيئة، وبارك اهلل في جهودكم‬
                                                                                                       ‫وأوقاتكم.‬
 ‫أيها المحتسبون من رجال الهيئة، اصبروا وصابروا ورابطوا، واحتسبوا األجر عند اهلل، فحسبكم‬
                                                                                       ‫أم‬
     ‫دعوة ٍّ لكم بالسداد بعد أن أنقذتم ابنتها من غائلة االنحالل، ودعوة أب أنقذتم ابنه من براثن‬
 ‫الفساد، ودعوات أسرة سرتم بأبيهم إلى بر النجاة وأنقذتموه من التشرد والضياع، فكنتم وما زلتم‬
      ‫َ‬                                                   ‫و‬
‫كاألب الذي يتابع أبناءه فيق ّم من يخطئ ويرشد من ينحرف، وكاألم التي يؤلمها أن يصيب فلذات‬
                                                                              ‫ر‬
   ‫أبنائها الش ّ، قد يقابلكم البعض بالنكران والجحود، وقد يتهمكم البعض بالقسوة والجمود، ولكن‬
  ‫حسبكم من عملكم دعوة صالحة ـ كما أسلفت ـ وأجركم على اهلل، وال تسمحوا لمن يثنيكم عن‬
    ‫عملكم أن ينال منكم، سيروا واهلل يوفقكم ويرعاكم ويسدد على طريق الحق خطاكم، يقول اهلل‬
        ‫تعالى: َأْمرْ بِالْ َعْ ُو ِ َانْهَ َنِ الْ ُنك ِ َاصْ ِرْ ََى مَا أَصَابَكَ إ َّ ذَلِ َ ِنْ عزمِ الُْ ُو ِ‬
        ‫ِن ك م َ ْ أم ر‬                               ‫و ُ م ر ف و ع م َر و ب عل‬
                                                                                                    ‫[لقمان:25].‬
                                                                    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أما بعد: أيها المسلمون، أال تستحق رئاسة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد هذه الجهود‬
  ‫الضخمة الجبارة التي عملوها أن تتحول إلى وزارة، خاصة مع حاجة المجتمع إليها، وأن بعض‬
                               ‫س‬      ‫ن‬
 ‫أهل العلم عدوا األمر بالمعروف والنهي عن المنكر رك ًا ساد ًا من أركان اإلسالم؟! أال يستحق‬
 ‫هذا الركن أن يوضع له مكان يليق بشرفه وأهميته؟! أترى السياحة أهم منها واألصوات متكاثرة‬
  ‫والدعوات متتابعة والجهود متوافرة لتحويل هذه األخيرة إلى وزارة؟! فيا ليت شعري أيتهما أهم‬
                                                                                                                   ‫وأقدم؟!‬
          ‫ومع توسع المدن وأحيائها وزيادة أعداد المراكز التجارية والصروح المختلفة وقوة التيار‬
     ‫س‬
  ‫الخارجي المنحرف المحرق عبر وسائل اإلعالم المختلفة كان لزامًا على المسؤولين أن يو ّعوا‬
 ‫ويزيدوا من فروع الهيئات ورجالها وما يحتاجون إليه حتى يكون في كل بقعة مركز إشعاع يشع‬
                                                                                 ‫ر د‬
‫نو ًا وه ًى وحقًا، وتعطى الهيئات الوظائف والمراتب العالية التي تدفع طالب العلم إلى االلتحاق‬
     ‫بها، وأن يكون لهم من االهتمام مثل غيرهم من موظفي الدولة، من حيث الرواتب والمكافآت‬
                    ‫ر‬
         ‫والبدالت وغيرها من الحوافر؛ ألنهم يعانون في عملهم أكثر من غيرهم، نظ ًا الحتكاكهم‬
                             ‫بالجمهور وعالقتهم بالقضايا األمنية التي قد يدفع اإلنسان نفسه في سبيلها.‬
         ‫كلمة أخيرة أوجهها لكل عضو من أعضاء الهيئة حفظهم اهلل: مهمة اإلصالح ليست هينة،‬
   ‫وتذكروا أن اهلل معكم، وتذكروا أن قلوبنا معكم، فلتسر قافلتكم اإلصالحية تقود المجتمع إلى بر‬
           ‫األمان، ولتبق األصوات النشاز تنطلق، فهي عما قريب ستكون من الماضي بمشيئة اهلل.‬
‫يا رجال الحسبة، إن القيام بشعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة جسيمة ذات أعباء ال‬
                                                                       ‫كم‬
      ‫يقدر عليها إال ال ُ ّل من الرجال وأنتم كذلك، هي مهمة األنبياء والرسل صلوات اهلل وسالمه‬
                     ‫ئ‬
‫عليهم أجمعين، مهمة تصطدم بشهوات الناس ونزواتِهم وغرورِهم وكبريا ِهم وهبوط السفلة منهم،‬
                                      ‫ر‬     ‫ر‬
     ‫وال بد أن ينالكم شيء من االعتداء واألذى، فصب ًا صب ًا يا رجال الحسبة، فقد أوذي إمامكم‬
     ‫الل‬     ‫و م َد ل ل‬
   ‫وقائدكم خاتم األنبياء وإمام الحنفاء محمد فصبر وصابر حتى نصره اهلل، َال ُب ِّلَ ِكَِمَاتِ َّهِ‬
                                           ‫و ي ُ َن الله م ي ُره ِن الل ِي ع ز‬
                                ‫[األنعام:43]، َلَ َنصر َّ َّ ُ َنْ َنص ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ َزِي ٌ [الحج:04].‬
 ‫إن إيذاء المصلحين اآلمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أو االعتداء عليهم أو الطعن فيهم أو‬
      ‫تضخيم أخطائهم أو بث اإلشاعات الكاذبة عنهم جرم عظيم وذنب كبير، تصيب المرء مغبته‬
     ‫الله وي تل الن ِي ب ْر َق‬                   ‫ِن َّذ ي فر ب‬                                          ‫ر‬
     ‫ومع ّته ولو بعد حين، يقول جل وعال: إ َّ ال ِينَ َكْ ُ ُونَ ِآيَاتِ َّ ِ َ َقْ ُُونَ َّبِّينَ ِغَي ِ ح ٍّ‬
                                        ‫وي تل َّذ ن ي ُر ن ق ط م الن ِ َش ُ ب َ ب‬
   ‫َ َقْ ُُونَ ال ِي َ َأْم ُو َ بِالْ ِسْ ِ ِنْ َّاس فَب ِّرْهمْ ِعذَا ٍ أَلِيمٍ [آل عمران:57]، وعن أبي هريرة‬
 ‫قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)) رواه البخاري.‬
  ‫فاحذروا من االنخداع بمقاالت الجاهلين أو االنسياق وراء أكاذيب الحاقدين وما يدور على ألسنة‬
  ‫م س َر ه الله‬                ‫َّذ ن‬       ‫ك ن‬          ‫ي َي َّذ من‬
  ‫المغرضين المنافقين، يقول جل وعال: َا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال تَ ُو ُوا كَال ِي َ آذَوْا ُو َى فَب َّأَ ُ َّ ُ‬
   ‫سد د ي ل ُ َ م ل ُ‬                      ‫َيه َّذ ن من اتق الله َق ل‬                       ‫ِم ل و ع ْ الله وج‬
 ‫م َّا قَاُوا َكَانَ ِندَ َّ ِ َ ِيهًا يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ و ُوُوا قَوْالً َ ِي ًا ُصِْحْ لَكمْ أعْ َاَكمْ‬
                                       ‫وي ِ ُ ذن ب ُ وم ي الله َرس ُ َ ْ ف َ ْز ظ‬
                  ‫َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َ ُولَه فَقد َاز فَو ًا عَ ِيمًا [األحزاب:16-52].‬
     ‫اللهم عليك بدعاة الفساد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، اللهم عليك بهم وبمن‬
  ‫يؤيدهم، اللهم وأنزل عليهم بالء يشغلهم وفتنة تفتك بهم، اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى،‬
         ‫أسعد المؤمنين وأفرحهم بهالك الظالمين المفسدين، اللهم طهر البالد من رجس المنافقين‬
                                                                     ‫والكافرين والشهوانيين...‬

‫(5/1254)‬




                                                                                   ‫ركن الزكاة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                         ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                               ‫الزكاة والصدقة, قضايا المجتمع‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                       ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                        ‫الخبر‬
                                                                                  ‫1/1/4745‬
                                                                                         ‫النور‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أهمية الزكاة في اإلسالم. 7- عقوبات تحل عند منع الزكاة. 3- الزكاة ودورها في التكافل‬
                                                              ‫االجتماعي. 4- مصارف الزكاة.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد: صح عن رسول اهلل أنه قال: ((بني اإلسالم على خمس: شهادة أن ال إله إال اهلل وأن‬
                                                                                   ‫د‬
                 ‫محم ًا رسول اهلل، وإقام الصالة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)).‬
     ‫أيها المسلمون، إن شرعية الزكاة ثابت في كتاب اهلل عز وجل وفي سنة رسول اهلل ، وأجمع‬
‫المسلمون على ذلك، فاتقوا اهلل تعالى أيها المسلمون، وأدوا زكاة أموالكم، فإن الزكاة قرينة الصالة‬
                    ‫س‬
 ‫في كتاب اهلل؛ من جحد وجوبها كفر، ومن منعها بخالً وتهاونًا كان من ف ّاق هذه األمة، وحكمه‬
  ‫في اآلخرة أنه تحت المشيئة، إن شاء اهلل عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عز وجل عذبه بالنار‬
                                                    ‫د‬
  ‫بقدر فسقه ثم أدخله الجنة، ومن أداها معتق ًا وجوبها راجيًا ثوابها فليبشر بالخير الكثير والخلف‬
                  ‫هو ي فه ه ْر الر ِق‬                           ‫ت م‬            ‫وم‬
     ‫العاجل والبركة، قال اهلل تعالى: َ َا أَنفَقْ ُمْ ِنْ شَيْءٍ فَ ُ َ ُخْلِ ُ ُ وَ ُوَ خَي ُ َّاز ِينَ [سبأ:13]،‬
    ‫و ُ ْ ف س الل م َ َب ب س س ِ َ ف ُل س بلة‬                                             ‫م ل َّذ ي ق‬
    ‫وقال تعالى: َثَ ُ ال ِينَ ُنفِ ُونَ أَمْ َالَهم ِي َبِيلِ َّهِ كَ َثلِ ح َّةٍ أَنْ َتَتْ َبْعَ َنَابل ِي ك ِّ ُنْ َُ ٍ‬
                                                     ‫ة َبة َالله ي ِف لم ي ء َالله و ع ع م‬
                                       ‫مِائَ ُ ح َّ ٍ و َّ ُ ُضَاع ُ ِ َنْ َشَا ُ و َّ ُ َاسِ ٌ َلِي ٌ [البقرة:567].‬
   ‫أيها المسلمون، أدوا ما أوجب اهلل عليكم في أموالكم التي رزقكم اهلل تعالى، لقد أخرجكم اهلل من‬
                                ‫ر‬        ‫ع‬
       ‫بطون أمهاتكم، ال تعلمون شيئًا، وال تملكون ألنفسكم نف ًا وال ض ًا، ثم يسر اهلل لكم الرزق،‬
      ‫لت‬
‫وأعطاكم ما ليس في حسابكم، فقوموا ـ أيها المسلمون ـ بشكره، وأدوا ما أوجب عليكم؛ ُِبْرئوا‬
                ‫ن‬
‫ذممكم وتطهروا أموالكم، واحذروا الشح والبخل بالتساهل في شأن الزكاة، فإ ّ ذلك هالككم ونزع‬
                                                                                                        ‫بركة أموالكم.‬
  ‫أيها المسلمون المؤمنون، إن هؤالء الذين بخلوا على اهلل عز وجل ولم يؤدوا هذا المقدار البسيط‬
‫الذي أوجبه اهلل عليهم في أموالهم، ألم يقرؤوا الوعيد بالنيران في كتاب اهلل عز وجل لمن بخل بما‬
‫و ي س َن َّذ ن ي ل ن بم ه الله م ْ له هو ْر ُ ب هو‬
‫آتاه اهلل، قال اهلل عز وجل: َال َحْ َب َّ ال ِي َ َبْخَُو َ ِ َا آتَا ُمْ َّ ُ ِن فَضِْ ِ ُ َ خَي ًا لَهمْ َلْ ُ َ‬
 ‫ش ٌّ لَهمْ َ ُطَو ُو َ َا بَ ُِوا ِهِ يَومَ الْ ِ َا َ ِ َلَّهِ مِي َا ُ َّمَ َا ِ َاألرْ ِ و َّ ُ ِمَا تَعْ َُونَ َبِي ٌ‬
 ‫مل خ ر‬               ‫َر ُ سي َّق ن م خل ب ْ قي مة وِل ر ث الس و ت و َ ض َالله ب‬
  ‫و َّذ ي نز الذهب و ِض و ي فق ه ف س ل الل ِ فب ِّ ُ‬
‫[آل عمران:075]، وقال تعالى: َال ِينَ َكْ ِ ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َال ُن ِ ُونَ َا ِي َبِي ِ َّه َ َشرْهمْ‬
      ‫كَ ُ‬         ‫به جب ه ُ وجن ب ُ وظه ر ُ َ‬                   ‫م ْم ي م ع ف ن جه َّ َ ت‬                             ‫بَ‬
    ‫ِعذَابٍ أَلِي ٍ يَو َ ُحْ َى َلَيْهَا ِي َارِ َ َنم فَُكْوَى ِ َا ِ َا ُهمْ َ ُ ُو ُهمْ َ ُ ُو ُهمْ هذَا مَا َنزْتمْ‬
                                                                  ‫فس ُ ْ َذ ق م ك ت نز‬
  ‫ألَن ُ ِكم ف ُو ُوا َا ُن ُمْ تَكْ ِ ُونَ [التوبة:43، 13]، وقال النبي في تفسير اآلية األولى: ((من آتاه‬
                                                               ‫مث‬                ‫ً‬
‫اهلل ماال فلم يؤد زكاته ُ ّل له شجاعًا أقرع ـ وهي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمها ـ‬
                                                                                            ‫مث‬
     ‫ُ ّل له شجاعًا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بشدقيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك))‬
‫رواه البخاري، وقال في تفسير اآلية الثانية: َال ِينَ َكْ ِ ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َال ُنفِ ُونَ َا ِي َبِي ِ‬
‫و َّذ ي نز الذهب و ِض و ي ق ه ف س ل‬
                                                                  ‫م‬            ‫الل ِ ب ِّ ُ ب َ‬
      ‫َّه فَ َشرْهمْ ِعذَابٍ أَلِي ٍ: ((ما من صاحب ذهب وال فضة ال يؤدي فيها حقها إال إذا كان يوم‬
  ‫القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره،‬
                             ‫ي‬
  ‫كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى ُقضى بين العباد)) رواه مسلم.‬
       ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، يا من تتهاونون في دفع زكاة أموالكم، فواهلل ال يحمى على الذهب‬
      ‫ء‬
‫والفضة في نار كنار الدنيا، إنما يحمى عليها في نار أعظم من نار الدنيا بتسعة وستين جز ًا، إنه‬
  ‫إذا أحمي عليها ال يكوى بها طرف من الجسم فقط، وإنما يكوى بها الجسم من كل ناحية، الجباه‬
   ‫من األمام، والجنوب من الجوانب، والظهور من الخلف. إن هذا العذاب ليس في يوم وال شهر‬
                                                  ‫وال في سنة، ولكن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.‬
                                             ‫د‬
   ‫فيا عباد اهلل، يا من آمنوا باهلل ورسوله، يا من ص ّقوا بالقرآن وصدقوا بالسنة، ما قيمة األموال‬
      ‫التي تبخلون بزكاتها؟! وما فائدتها؟! إنها تكون نقمة عليكم، وثمرتها لغيركم، إنكم ال تطيقون‬
   ‫الصبر على وهج الحر أيام الصيف، فكيف تصبرون على نار جهنم؟! فاتقوا اهلل عباد اهلل، أدوا‬
                                                    ‫زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، تنجون من عذاب ربكم.‬
                                                ‫ن‬        ‫ر‬                     ‫ب‬
                                               ‫فبادروا بزكاة الْمال إن ِها…للنفس والمال تطهي ًا وتحصي ًا‬
                                               ‫ك‬