موسوعة خطب المنبر 068 by italiano.egy

VIEWS: 84 PAGES: 235

									                    ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
              ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                 ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                   ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                               ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
         ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
         ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
    ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                          ‫معين.‬


                                                    ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                             ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                            ‫التعليم في اإلسالم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                              ‫التربية والتزكية‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                ‫عبد الباري بن عوض الثبيتي‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                    ‫3/8/1725‬
                                                                                ‫المسجد النبوي‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                                                                         ‫ل‬
 ‫5- معنى التعّم والتعليم. 7- سعي النبي لمحو األمية. 3- ال غنى ألحد عن التعلم. 2- أهمية‬
  ‫ميدان التربية والتعليم. 1- التربية في اإلسالم. 6- مفاسد العلم بال تربية. 2- ثمار التعليم في‬
‫اإلسالم. 8- أول خطوات التعليم في اإلسالم. 9- قاعدة كبرى في التربية والتعليم. 05- القرآن‬
               ‫أساس التربية والتعليم. 55- تعليم المرأة في اإلسالم. 75- أهمية اللغة العربية.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
      ‫َي َّذ من اتق الل َق ت ته و‬                                                                            ‫م‬
    ‫أ ّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوَى اهلل، قال اهلل تعالى: يَا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا َّ ُوا َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َال‬
                                                                                       ‫م تن ِال و ُ م لم‬
                                                                    ‫تَ ُو ُ َّ إ َّ َأَنْتمْ ُسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
                 ‫ع‬                ‫ل‬               ‫ل ع‬                       ‫م‬                ‫تل‬
 ‫ال ّعّم طلب العلم وال َعرفة، والتعليم إيصا ُ ال ِلم والمعرفة وبذُهما لآلخرين. ال ِلم في اإلسالم ال‬
    ‫ر‬             ‫م‬                     ‫وم أ ت ت م ع ْ إ َّ ل‬                                              ‫َد‬
    ‫ح َّ له وال نهايةَ، قال اهلل تعالى: َ َا ُو ِي ُمْ ِنْ الْ ِلمِ ِال قَِيالً [اإلسراء:18]. و َن أمعنَ النظ َ‬
      ‫ق‬                                  ‫ل‬                                ‫وتتب‬        ‫س‬
‫وأح َن التفكير َّع األسبابَ المبثوثةَ في الكونِ دّه الخالق سبحانه على بعضِ أسرار خل ِه، قال‬
 ‫ق َف فس ِ َت‬                    ‫س ُر ِ ي ت ف‬                                   ‫َ يَ‬               ‫عَّ إل‬
‫تعالى: َلمَ ا ِنسَانَ مَا لمْ َعْلمْ [العلق:1]، وقال سبحانه: َن ِيهمْ آ َا ِنَا ِي اآلفَا ِ و ِي أَنْ ُ ِهمْ ح َّى‬
             ‫َر م أ ت‬            ‫و ُر ِ م ي ِال ه‬                                      ‫ي َي ُ َنه َق‬
          ‫َتَب َّنَ لَهمْ أ َّ ُ الْح ُّ [فصلت:31]، وقال سبحانه: َمَا ن ِيهمْ ِنْ آ َةٍ إ َّ ِيَ أَكْب ُ ِنْ ُخْ ِهَا‬
                                                                                 ‫وكل م‬
                                                           ‫[الزخرف:82]. ُّ عل ٍ نافع فهو مطلوب شرعًا.‬
                 ‫يعل كل‬                     ‫ع‬        ‫مي‬            ‫ع‬        ‫ّ‬     ‫ر‬
   ‫كان ال ّسول أولَ من س َى لمحو األ ّ ّة حين ج َل فداءَ أسرى بدرٍ أن ِّم ٌّ منهم عشرةً من‬
              ‫ي ن‬          ‫ب‬                     ‫م‬
‫المسلمين القراءةَ والكتابة(5)[5]. ومهما كان مقا ُ اإلنسان عاليًا ومنص ُه سام ًا فإ ّه ال يستغني عن‬
   ‫ي‬                            ‫و‬                                                ‫ي‬              ‫ت‬
‫ال ّعليم، فهذا نب ّ اهلل داود عليه السالم مع حصوله على الملك والنب ّةِ لم يستغنِ عن تعليم اهلل إّاه،‬
                                      ‫و ه الله م ك و ح م و َلمه ِم ي ء‬
      ‫قال اهلل تعالى: َآتَا ُ َّ ُ الْ ُلْ َ َالْ ِكْ َةَ َعَّ َ ُ م َّا َشَا ُ [البقرة:517]. وموسى عليه السالم‬
   ‫ت َلمن‬           ‫ه م س َ َتبع ع‬                                   ‫َّ‬      ‫ت‬                        ‫س‬
  ‫يلتمِ ُ من العبدِ الصالح مرافق َه ليتعلم منه، قال تعالى: قَالَ لَ ُ ُو َى هلْ أَّ ِ ُكَ َلَى أَنْ ُعِّ َ ِي‬
                            ‫د َ ُ ر ِّ ز ن ع‬              ‫ب‬                  ‫ِم ُل َ ر ْد‬
‫م َّا عِّمْت ُش ًا [الكهف:66]، وطل َ منه المزي َ: وقلْ َب ِدْ ِي ِلْمًا [طه:255]. قال سفيان بن‬
                       ‫م م م ن‬                 ‫م ح‬              ‫م‬                    ‫و‬                   ‫ع‬
             ‫ُيينة رحمه اهلل: "أ ّل العلم االستماع، ث ّ الفَهم، ث ّ ال ِفظ، ث ّ الع َل، ث ّ ال ّشر"(7)[7].‬
           ‫عة ء‬                               ‫ش‬             ‫ر‬              ‫أهم‬   ‫م‬                 ‫ن‬
           ‫ميدا ُ التربية والتعلي ِ من ِّ الميادين، أث ُه كبير في تن ِئَةِ األجيال الذين هم قا ِد ُ بنا ِ‬
    ‫د ِن الل َ‬            ‫ن‬       ‫ر‬            ‫ت‬                 ‫ت‬               ‫دو‬
 ‫المجتمعات وال ّ َل، ولما كان ال ّغيير في المجتمعا ِ واألمم يسي ُ حسب س ّةٍ ال تتب ّل: إ َّ َّه ال‬
        ‫ل‬          ‫ة ت‬                           ‫ن‬                 ‫ي ِّر ب ْ َت ي ِّر م ب فس ِ‬
        ‫ُغَي ُ مَا ِقَومٍ ح َّى ُغَي ُوا َا ِأَن ُ ِهمْ [الرعد:55] فإ ّ ميدانَ التغيير التربي ُ وال ّعليم، وجي ُ‬
                                                                                         ‫ة‬                  ‫المتعل‬
                                                                    ‫ِّمين اليومَ هم قاد ُ مجتمَع الجيل القادم.‬
                       ‫ة‬                    ‫ي م‬
    ‫ولقد صارتِ التربية والتعليم في الواقعِ التاريخ ّ لأل ّة فكانت وسيلةَ هداي ٍ وطريقةَ خير للفردِ‬
    ‫م ه َّ بع َ ف أل ِّي ن‬                ‫ل و‬                ‫ر‬                      ‫ن‬
    ‫والمجتمع وال ّاس أجمعين، فقد كان ال ّسول هو المعّم األ ّل لأل ّةِ، ُوَ الذِي َ َث ِي ا ُمِّي َ‬
     ‫رس م ُ ي ل ع ِ ي ته وي َك ِ وي َلم ُ ك ب و ح م وإ ن م ْ ْل ف ض ل‬
     ‫َ ُوالً ِنْهمْ َتُْو َلَيْهمْ آ َا ِ ِ َ ُز ِّيهمْ َ ُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَاُوا ِن قَب ُ لَ ِي َال ٍ‬
                                                                                                                    ‫مب‬
                                                                                                     ‫ُ ِينٍ [الجمعة:7].‬
                  ‫مة‬              ‫ن‬                           ‫قي م‬            ‫تؤس‬           ‫ت ة‬
      ‫ال ّربي ُ في اإلسالم َّس على ِ َم األ ّةِ ومبادئها، وبهذا نعلَم أ ّه ال يمكن أل ّ ٍ من األمم أن‬
                                                                             ‫مٍ‬       ‫ي‬           ‫ج‬      ‫ر‬
                                                                       ‫تستعي َ مناه َها التعليم ّة من أ ّة أخرى.‬
  ‫مة نبي بع‬                                             ‫ق‬                 ‫ي تغد‬             ‫ت‬
 ‫ال ّربية اإلسالم ّة ِّي العقلَ بالحقائ ِ والمعارف والنفسَ بالتربية واألخالق، فنحن أ ّ ُ ٍّ ُ ِث‬
                                                                                                                ‫ر‬
                                                                                                      ‫بمكا ِم األخالق.‬
                ‫ّ‬       ‫د‬         ‫ع‬             ‫ر‬    ‫ة‬                  ‫جلي ن‬          ‫ر‬
     ‫وفي عص ِنا يظهر ًّا أ ّ التعليم بال تربي ٍ ضر ُه أكثر من نف ِه، فالتق ّم التقني في األطباق‬
                                                       ‫م‬               ‫ُخ ع‬              ‫ي‬
   ‫الفضائ ّة مثالً س ِّر لل ُريِ الماجن وال ُجون الفاضح وقتلِ الحياء ووأدِ الفضيلة وتلويثِ العقول‬
      ‫ن‬       ‫ع‬       ‫ّ‬             ‫د‬                  ‫ي‬        ‫د‬              ‫ر‬
‫باألفكار المنح ِفة، وكذا التق ّم العلم ّ في الحضارةِ الما ّية المعاصرة ولدَ قوى ُظمى، لكّها قوى‬
                   ‫ص‬        ‫د‬                 ‫و‬       ‫ي تهذ‬          ‫دع‬                 ‫ي‬
    ‫همج ّة، ال أخالقَ تر َ ُها، وال ق َم ِّبها، ق َى سيطرةٍ واستبدا ٍ وامتصا ِ ثرواتِ الضعفاء‬
        ‫ش‬     ‫يقو خ ق‬       ‫ن‬      ‫يهذ‬          ‫دي ل ع م‬                                   ‫س‬
       ‫و َحق األبرياء. هذه الحضارة الما ّ ّة وّد ِل ُها الذي لم ِّبه دي ٌ ولم ِّمه ُل ٌ جيو ًا‬
‫ت‬         ‫ع‬                                   ‫ص‬               ‫ح‬               ‫ك‬         ‫ر‬
‫ج ّارة، ترت ِب المذابح، وتن َر السالم، وتغت ِب الفتيات، ونَشأت في أحضانِ هذا ال ِلم عصابا ُ‬
  ‫ِّجار بأعضاءِ البشر باعتبارها ِطَع غيار عالم ّة. إ ّه عل ٌ يجع ُ المنتمين له َكرى، ال واز َ‬
  ‫ع‬            ‫س‬             ‫ي ن م ل‬                  ‫ٍ‬       ‫ق‬                            ‫االت‬
                                                                                            ‫ي‬
                                                                                         ‫لهم وال ح َاء.‬
       ‫ن‬                                                          ‫توف‬     ‫د‬       ‫ي‬       ‫ث ة‬
       ‫ال ّور ُ العلم ّة الما ّية لم ِّر للناس طمأنينةَ القلب وسكينةَ النفس وهدوءَ األعصاب واألم َ‬
                ‫ي‬                 ‫ي‬                         ‫ز‬                              ‫شم‬
  ‫ال ّا ِل والسالمَ العادل، فالعالم ين ِف من ويالتِ القتل الجماع ّ والتدمير اإلباد ّ والتفجير الذي‬
   ‫ش ر‬                       ‫س‬                                     ‫ل ن‬                   ‫ش‬
‫ين ُر األشالء، العاَم يئ ّ من موتِ الضمير وفقدانِ األخالق، فال ّرقة واالختالس والغ ّ وال ّشوة‬
                ‫غ‬     ‫سب‬        ‫ل‬          ‫ر‬            ‫ر‬                          ‫ج‬
  ‫والتروي ُ والخيانات وغيرها شاعَ أم ُها وفشَا ضر ُها في العاَم، وال ّ َب هو ِياب التربية مع‬
                                                                                                ‫التعليم.‬
               ‫ة‬           ‫ر‬      ‫ل‬        ‫ن د‬                            ‫ت‬      ‫ة ُسم‬
     ‫هذه مفاجأ ُ ما ي َّى بال ّربية الحديثة، ال تقيم وز ًا ل ِينٍ أو خُق، تح ّكها المصلح ُ والمنفعة،‬
                          ‫د‬          ‫ن ق‬                              ‫تشعَل حرو ٌ وتدم ر‬
              ‫َّر ق ًى من أجل المصالح والمنافع، إّها ِوى ال تهت ِي بنور اهلل.‬ ‫ب‬
   ‫ال‬    ‫ش‬                   ‫ي‬          ‫ي‬               ‫ل‬            ‫ج‬                            ‫م‬
   ‫أ ّا التعليم في اإلسالم فأنموذ ٌ فريد وتكام ٌ بديع مع الترب ّة اإليمان ّة الراسخة، إنها تن ِئ جي ً‬
    ‫خ‬                          ‫ع‬                                ‫ض‬                    ‫يعم‬      ‫ب‬
‫ر ّانيًا، ِّر الحياة، يبني األر َ، يقيم العقيدةَ في القلب والمشا ِر والجوارح، يقوم بدَور ال ِالفة‬
       ‫لتحقيق العبود ّة هلل، ولتكو َ سم ُ ال ُخرجات جس ًا طاه ًا، قل ًا مؤمنًا، ِلمًا نافعًا وحضار ً‬
       ‫ة‬                  ‫ع‬          ‫ر ب‬           ‫د‬         ‫ن ة م‬                   ‫ي‬
                                                                                     ‫تستنير بهدَى اهلل.‬
      ‫م‬        ‫لب‬                   ‫ي‬             ‫يرب‬             ‫ه‬                         ‫ت‬
      ‫ال ّعليم في اإلسالمِ هو المن َج الوحيد الذي ِّي الفرد وينم ّ شخصيتَه ويجعله يطُ ُ التعلي َ‬
  ‫س‬         ‫د‬                 ‫ر‬                ‫ر‬                 ‫ه‬                   ‫ر‬        ‫ن‬
‫ويسعى لل ّبوغ وال ّيادةِ للبناء ال لل َدم، للخير ال للش ّ، للفضيلة ال لل ّذيلة، إنه ال يعت ِي، ال يف ِد،‬
              ‫ن‬                        ‫ِ قر‬                   ‫ِ‬           ‫م‬         ‫م‬
 ‫ال يد ّر، يخشَى ِن إراقة قطرة دمٍ فضالً عن تدمير ُ ًى وبيوتٍ على األطفال والّساء واألبرياء‬
                                                                    ‫د‬                  ‫ل ر‬
                                                         ‫كما تفعُه ج ّافات أدعياءِ التق ّم والحضارة.‬
  ‫ة ص‬                ‫و‬             ‫ب‬             ‫ة‬                              ‫ّل خ‬
‫إخوةَ اإلسالم، أو ُ ُطوات التعليم في اإلسالمِ تهيئ ُ القلب، تأدي ُه بأدبِ النب ّة في األمان ِ وال ّدق‬
       ‫ث ع‬                                                                  ‫ع‬
   ‫واالستقامة وال َدل واإلخالص وصالحِ الظاهر وطَهارةِ السريرة إلى غير ذلك من الم ُل ال ُليا،‬
   ‫والمناه ُ والّصوص مهما كانت سا ِية ال يكون لها تأثير ف ّال إ ّ إذا تح ّلت إلى واقعٍ متحر‬
  ‫ِّك‬               ‫و‬        ‫ٌ ع ال‬                      ‫م ً‬                 ‫ج ن‬
                                ‫ت‬                         ‫ك‬           ‫ر‬          ‫ي‬
 ‫وترجمةٍ عمل ّة في التص ّفات والسلو ِ والمشاعر واألفكار، فحاج ُنا إلى القلوبِ العامرة باإليمان‬
                                             ‫ليست دونَ حاجتنا إلى الرؤوس المشحونةِ بالمعلومات.‬
 ‫يخطئ كثي ًا من يح ُر التعليمَ في تكثيفِ المناهج وحشوِ المعلومات، ومع أه ّ ّة ذلك إ ّ أ ّ تقد َ‬
 ‫ال ن ّم‬            ‫مي‬                                                      ‫ص‬        ‫ر‬
           ‫ة م‬         ‫ق ن أي‬               ‫وتمث‬
 ‫ُّعها بالمبادئ ُّلها باألخال ِ. إ ّ َّ حضار ٍ وأ ّةٍ ال تقوم‬
                                                           ‫األمم ُقاس ب َدر التزا ِها بالق َم وتشب‬
                                                                 ‫ي‬        ‫م‬         ‫ق‬      ‫ي‬
             ‫ة‬         ‫ض‬         ‫ك ع‬            ‫عملي‬                            ‫ي‬              ‫مؤس‬
 ‫َّساتها التعليم ّة على التربيةِ الرشيدة واقعًا ًّا وسلو ًا واق ًا في محا ِن التربي ِ والتعليم ال‬
       ‫ُفج‬          ‫ُعم‬             ‫ت‬                  ‫ن‬                         ‫ر‬
      ‫يمكن أن تسي َ طويالً مهما ارتفَعت وتف ّنت في الوسائل وال ّقنية، والذي ي ِّق األسى وي ِّر‬
 ‫د‬                             ‫م‬             ‫ن‬      ‫الحزنَ ُّع بعضِ أبناء المسلمين ُحرَ الضب‬
‫ِّ الذي ُهينا عنه وعد ُ االعتبار بمآسي التعليم الما ّي‬      ‫ج‬                      ‫تتب‬
                                   ‫ض‬           ‫ع‬                                      ‫ي‬
  ‫الذي لم ُصبَغ بنور اإليمان وهداية القرآن. وواق ُ األمة يقت ِي تغذيةَ المناعةِ وتحصينَ األجيال‬
           ‫ة‬                         ‫ل‬                                     ‫د‬              ‫ر‬
  ‫حذ ًا من أخطار مح ِقة بالعقيدة والفِكر والسلوك، وهذا يتطّب من القائمين على التربي ِ والتعليم‬
 ‫م ر‬                        ‫ُ‬          ‫س ي‬              ‫ي‬              ‫ي‬          ‫م ر‬
‫تقيي َ مسا ِنا التربو ّ لصناعة الشخص ّة المسلمة ال ّو ّة، واإلهمال في تقويم السلوك أعظ ُ خط ًا‬
‫د‬       ‫ر‬            ‫ر‬               ‫ن‬                                                   ‫ُّ‬
‫وأشد فتكًا من اإلهمال في تقويمِ المعارف والعلوم، ذلك أ ّ السلوكَ المنح ِف يتجاوز ضر ُه الفر َ‬
                                                                                            ‫كل‬
                                                                                          ‫إلى المجتمع ِّه.‬
      ‫م‬             ‫ت‬                                               ‫ي ل‬          ‫ب‬       ‫أم ل‬
‫هذه ٌّ مسِمة ومر ّية واع َة تجّي البنها ولألجيالِ الهدفَ من التعليم وقيمةَ ال ّربية، تقول أ ّ سفيان‬
 ‫ل‬                        ‫ي‬            ‫م ط‬                                            ‫ي‬
‫الثور ّ الذي غدا في عصره علَمًا وبين أقرانه نج ًا سا ِعًا: "يا بن ّ، خذ هذه عشرة دراهم، وتعّم‬
   ‫ن‬                 ‫ب‬                         ‫ت م‬            ‫ُغي‬
  ‫عشرةَ أحاديث، فإذا وجدتها ت ِّر في جلس ِك و ِشيتك وكالمك مع الناس فأق ِل عليه، وأنا أعي ُك‬
                                                               ‫ش‬                 ‫ال‬
                    ‫بمِغزلي هذا، وإ ّ فاتركه، فإني أخ َى أن يكونَ وباالً عليك يومَ القيامة"(3)[3].‬
                ‫م‬          ‫ع‬                  ‫ة‬                ‫ي‬           ‫تؤس‬        ‫ة‬
 ‫هذه المرأ ُ المسلمة ِّس في الترب ّة والتعليم قاعد ً كبرى: ال نفعَ لل ِلم بدون ع َل، وال قيمةَ له‬
                                 ‫ة‬                             ‫ن م‬                ‫س‬
                                ‫بدون أثرٍ في ال ّلوك. نعم، إ ّ األ ّة العظيمةَ وراءها تربية عظيم ٌ.‬
        ‫ن‬                  ‫د‬               ‫ر‬             ‫ن‬                ‫ة‬        ‫س‬
 ‫إخوةَ اإلسالم، أسا ُ التربي ِ والتعليم القرآ ُ الكريم تفسي ًا وفهمًا وتجوي ًا وحِفظًا، فهو ال ّبع الذي‬
                ‫ُ س‬                         ‫ي‬         ‫ِز ش‬              ‫حد‬         ‫ة‬          ‫ض‬
  ‫ال ين َب والسعاد ُ التي ال َّ لها والع ُّ الم ِيد والرق ّ الحميد، لم ترفعِ األمة رأ ًا إال بالقرآن،‬
    ‫ه‬                                      ‫ولم تنَل ِّةَ والمنعةَ إال بتطبيقِ أحكامه، وحري م‬
 ‫ٌّ بأ ّة اإلسالم أن ترفعَ شأنَ القرآن في منا ِجها‬                               ‫العز‬
                                                        ‫المعل‬       ‫خب‬                          ‫ت‬
                                     ‫وُعليَ قدرَه ومِقداره، تنت ِ ُ له أكفأَ ِّمين وأفضلَ األوقات.‬
                                       ‫ة‬            ‫ن دة‬                        ‫م‬         ‫ُتصو‬
    ‫ال ي َّر ـ يا أ ّةَ اإلسالم ـ أن تكو َ ما ّ ُ القرآن جاف ً جامدة ال روحَ فيها وال أثرَ لها في‬
             ‫ال‬             ‫ة‬            ‫عام‬      ‫د‬         ‫ه‬
    ‫الفكر والسلوك واألخالق، واألد َى أن نشه َ ضعفًا ًّا في القراء ِ والتالوة، فض ً عن الفهم‬
                                                                                                        ‫ب‬
                                                                                                      ‫والتد ّر.‬
        ‫َ‬        ‫هن‬                ‫ر‬     ‫ل‬        ‫ن‬     ‫ر‬              ‫د‬
        ‫عن عبد اهلل بن مسعو ٍ قال: (كان ال ّجل م ّا إذا تعّم عش َ آيات لم يجاوز ُ ّ حتى يعرف‬
                  ‫ف‬         ‫ب‬                ‫ي‬                          ‫ن‬             ‫ه‬
    ‫معاني ِن والعملَ به ّ)(2)[2]، وقال الحسن البصر ّ: "واهلل، ما تد ّرَه من ح ِظ حروفَه وأضاع‬
             ‫م‬         ‫خل‬                   ‫ي‬      ‫ن كل‬       ‫ت‬                   ‫ّ‬
    ‫حدودَه حتى إن أحدَهم ليقول: قرأ ُ القرآ َ َّه ولم ُرَ للقرآنِ عليه في ُُقٍ وال ع َل"(1)[1]،‬
          ‫م‬      ‫وقال عبد اهلل بن مسعود: (والذي نفسي بيدِه، إن ح ّ تالوته أن يح َّ حاللَه ويحر‬
 ‫ِّم حرا َه ويقرأَه‬          ‫ِل‬              ‫ق‬
 ‫ن‬        ‫ن‬                          ‫ز‬        ‫ال ع‬                                   ‫ز‬
 ‫كما أن َله اهلل)(6)[6]. وهنا نريد من ط ّبِ ال ِلم أن ي ِنوا حالَهم على ضوءِ هذه الّصوص؛ أي َ‬
                                                    ‫ت‬       ‫حض م‬                             ‫ق‬
                                                  ‫مو ِعهم من فَهم القرآن؟ وما هو ُّهم ِن هداي ِه؟‬
   ‫ب‬                                                      ‫كل‬     ‫ت‬
  ‫ما أجملَ ـ إخوةَ اإلسالم ـ أن ُربَط ُّ العلوم في اإلسالم بالقرآنِ الكريم، لتعيشَ األجيال قل ًا‬
   ‫َ َر َن الل َ م‬                           ‫ي ع ي‬          ‫كل ه ٍ‬
 ‫وقالَبًا مع القرآن وقريبًا منه في ِّ من َج شرع ّ أو ِلم ّ، قال تعالى: أَلمْ ت َى أ َّ َّهَ أَنزلَ ِنْ‬
  ‫َّ َا ِ َاءً اآلية [الحج:36]، وفيها إشارَ ٌ إلى علم الفلَك والخلق البديع. وقال تعالى: فَأَخ َجْنَا ِ ِ‬
  ‫ْر به‬                                                      ‫ة‬                                 ‫السم ء م‬
      ‫ز‬          ‫م‬            ‫ال‬                   ‫ة‬                          ‫ون‬                ‫َر ت م‬
      ‫ثَم َا ٍ ُخْتَلِفًا أَلْ َاُهَا [فاطر:27]، وفيها إشار ٌ إلى علمِ النبات شك ً ولونًا وحج ًا. وقال ع ّ‬
                             ‫ل وم جب ل ُ َد ب ض ح ْر م ِف و نه و َر ب ب س د‬
  ‫وج ّ: َ ِنْ الْ ِ َا ِ جد ٌ ِي ٌ وَ ُم ٌ ُخْتَل ٌ أَلْ َاُ َا َغ َا ِي ُ ُو ٌ [فاطر:27]، وفيها إشارة إلى‬
  ‫ة‬      ‫ب‬            ‫ِلم طبقاتِ األرض وما ي ّصل به. وبهذا ُغ ّي المناه ُ على مختلفِ تخص‬
  ‫ُّصاتها القلو َ بعظم ِ‬             ‫ج‬         ‫تذ‬               ‫ت‬                      ‫ع‬
   ‫ق َف أ فس ِ‬             ‫سنر ه ي ت ف‬                         ‫ن ع‬         ‫ل ت‬                  ‫ت‬
 ‫اهلل وخشي ِه وإجالله في ك ّ وق ٍ وحي ٍ وسا َة، قال تعالى: َ ُ ِي ِمْ آ َا ِنَا ِي اآلفَا ِ و ِي َنْ ُ ِهمْ‬
                                                                            ‫َت ي َي ُ َنه َق‬
                                                                 ‫ح َّى َتَب َّنَ لَهمْ أ َّ ُ الْح ُّ [فصلت:31].‬
        ‫ت‬         ‫ت‬                            ‫ة ّز‬           ‫ع‬               ‫م‬
      ‫إخوةَ اإلسالم، التعلي ُ في اإلسالم يج َل للمرأ ِ تمي ًا في المناهج، يتالءم مع فطر ِها وأنوث ِها‬
                                                                ‫و س الذ َر أل‬
                                            ‫ووظيفتها، قال تعالى: َلَيْ َ َّك ُ كَا ُنْثَى [آل عمران:63].‬
      ‫فإعدا ُ الفتاة ليس كإعدادِ الفتى، المرأ ُ لم تع َّ لتصا ِعَ الرجل في المصنَع والمت َر، ولتكو َ‬
      ‫ن‬         ‫ج‬                          ‫ر‬      ‫َد‬       ‫ة‬                                 ‫د‬
‫ع ت‬              ‫َ‬       ‫د‬
‫كادح ً نا ِب ً. إعدا ُها بما ينا ِب طبيعتَها ولينس ِ َ مع وظيف ِها. إعدا ُها لتكون زوجةً تج َل بي َ‬
                                   ‫ت‬         ‫جم‬                  ‫س‬           ‫د‬       ‫ة صة‬
     ‫س‬                                ‫ُم‬         ‫ةس‬               ‫ي‬                    ‫نة‬
    ‫الزوجية ج ّ ً وارفةَ الظالل، تتف ّأ ظاللَها أسر ٌ َعيدة، وأ ًّا تغدِق حنانَها على أطفالها وتح ِن‬
                                               ‫أجل‬         ‫م‬           ‫وأي‬
‫تربيةَ أوالدها، ُّ خدمةٍ لأل ّة والوطنِ ُّ وأعظم من صنعِ الرجال وتربيةِ األجيال؟! فهذه هي‬
                                                                                               ‫ي م‬                ‫ث‬
                                                                                             ‫ال ّروة الحقيق ّة لأل ّة.‬
        ‫د‬                                        ‫س‬                              ‫ض‬
   ‫تجاهلَت بع ُ المجتمعات طبيعةَ المرأة وتنا َت الفرقَ بين تركيبها وتركيبِ الرجل، فأو َى بها‬
                        ‫م‬                         ‫ة‬         ‫ز‬               ‫و التفك‬
    ‫ذلك في مها ِي ُّك واالنهيار، ن َلت المرأ ُ إلى ميادينِ الرجال، زاح َته في ميادينِ العمل،‬
                ‫ّ‬       ‫ز‬       ‫س‬               ‫س‬       ‫ت‬                                   ‫ل‬
     ‫تخّت عن تربيةِ األطفال، غفَلت عن أنوث ِها، فف َد المجتمَع، وف َد المن ِل، وتتشردَ األطفال،‬
                       ‫ب‬                                ‫ة‬          ‫ك ع‬
      ‫وضاعَ الزوج، وتف ّكت ُرَى األسر ِ، وساءتِ األحوال، وفي هذا يقول رّنا تبارَك وتعالى:‬
         ‫وَق الص و ت الز و ط الل‬                          ‫َر ج هِي أل‬                     ‫َ َ َ ف بي ت ُن و َر‬
       ‫وقرْن ِي ُ ُو ِك َّ َال تَب َّجْنَ تَب ُّجَ الْ َا ِل َّةِ ا ُولَى َأ ِمْنَ َّالةَ َآ ِينَ َّكَاةَ َأَ ِعْنَ َّهَ‬
                        ‫ب ت وي َهر ُ ه ر‬                        ‫َرس ه ِن ُر د الله ل ُ ه ع ك الر س‬
         ‫و َ ُولَ ُ إَّمَا ي ِي ُ َّ ُ ِيذْ ِبَ َنْ ُمْ ِّجْ َ أَهْلَ الْ َيْ ِ َ ُط ِّ َكمْ تَطْ ِي ًا [األحزاب:33].‬
                                               ‫ي‬
‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونَفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات والذكرِ الحكيم، أقول قولي‬
                                                     ‫ن‬
                                  ‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم فاستغفروه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                                      ‫ق‬                      ‫ن‬
‫الحمد هلل على إحسا ِه، والشكر له على توفي ِه وامتنانه، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحده ال شريكَ له‬
             ‫ل‬                                  ‫ّد‬      ‫ي‬       ‫ن ي‬
  ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد أ ّ س ّدنا ونبّنا محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صّى اهلل عليه‬
                                                                                       ‫ن‬        ‫ب‬
                                                                                     ‫وعلى آله وصح ِه وإخوا ِه.‬
                                                                                 ‫و‬                         ‫م‬
                                                                          ‫أ ّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتق َى اهلل.‬
               ‫ن‬         ‫ز ِز‬       ‫ي‬         ‫ت‬        ‫ي‬                                    ‫ت‬
         ‫اللغا ُ من أعظمِ شعائرِ األمم التي بها يتم ّزون، ولغُنا العرب ّة رم ُ ع ِّنا وعنوا ُ مجدنا‬
        ‫ب‬                    ‫م د‬            ‫ت‬                ‫يش‬        ‫ن‬            ‫د‬        ‫ت‬
‫وأصال ِنا وسيا َتنا، واللسا ُ العرب ّ ِعار اإلسالم الر ِباطه بأه ّ مق ّساتِ المسلمين الكتا ِ والسنة،‬
                                             ‫ل‬       ‫ل د‬              ‫ر‬          ‫ف‬           ‫د‬
                       ‫واعتيا ُ اللغةِ ال ُصحى له أث ٌ على العق ِ وال ّين والخُق كما ذكر ذلك العلماء.‬
                                ‫ل‬    ‫ه‬        ‫ر‬            ‫لغوي‬               ‫ل‬
     ‫ويعاني جيُنا المشهود ضعفًا ًّا، وهذا مظه ٌ من مظا ِر تخّف األمة، وحين تتهاوَى اللغة‬
       ‫ُو‬         ‫ق‬      ‫َّد‬                    ‫م‬                                     ‫سس‬          ‫ق‬
       ‫تس ُط معها أ ُ ُ العقيدةِ ومعالم التاريخ وسيادَة األ ّة، واللغة العربية مهد ٌ إشرا ُها مع فش ِّ‬
                                ‫ي‬           ‫ي‬        ‫م‬                         ‫العا ّية وتعد‬
       ‫ُّد اللهجاتِ وسيطرة اإلعال ِ الفضائ ّ غير العرب ّ ومزاحمة غيرها من اللغات.‬     ‫م‬
        ‫م‬                           ‫ء ب‬          ‫م‬         ‫ض‬                 ‫ل‬         ‫ج‬
      ‫والعال ُ تعزيز الّغة في مناهج ومحا ِن التعلي ِ وإحيا ُ مح ّتها في نفوس الناشئة، مع أه ّية‬
     ‫ت‬          ‫ن ه‬                                      ‫مة‬                ‫ي‬
     ‫المساندة اإلعالم ّة، ولن تعجزَ أ ّ ٌ حملت حضارةَ العالم أربعةَ عشر قر ًا وم ّدت لحضارا ٍ‬
    ‫ب‬                               ‫ت‬       ‫كل‬                  ‫ة‬
    ‫معاصرة، لن تعجزَ هذه اللغ ُ عن تدريسِ العلوم ِّها بلغ ِها في مدارسها وجامعاتها، وتعري ُ‬
     ‫ع‬                          ‫س‬                                       ‫م‬        ‫م ل‬
   ‫التعليم أسل ُ لُغةِ األ ّة وأحفَظ لكرامتها وسيادتها، وما زال ال ّلف يكرهون تغييرَ شعائر ال َرب‬
 ‫تكل‬                                         ‫ي ال‬               ‫ُّ‬
                                                                ‫التكل‬
‫حتى في المعامالت، ومنه ًُّم بغير العرب ّة إ ّ لحاجة، بل قال اإلمام مالك رحمه اهلل: "من َّم‬
                                                                         ‫أ رج‬                  ‫د‬
                                                                   ‫في مسج ِنا بغير العربية ُخ ِ َ منه".‬
‫ِن الله وم ئكته‬                ‫ب‬                                                              ‫ل‬
‫أال وصّوا ـ عبادَ اهلل ـ على رسولِ الهدى، فقد أمركم اهلل بذلك في كتا ِه فقال: إ َّ َّ َ َ َال ِ َ َ ُ‬
                                    ‫ل‬       ‫َل ع ه و َلم‬           ‫ي َل عل الن ِي ي َي الذ ن من‬
                  ‫ُصُّونَ ََى َّب ِّ َا أُّهَا َّ ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                       ‫م‬              ‫م‬                    ‫م ل ل‬
        ‫الله ّ ص ّ وسّم على عبدك رسولك مح ّد، وارضَ الله ّ عن الخلفاء األربعة الراشدين...‬
                                                                                          ‫__________‬
 ‫(5) روى أحمد (5/227) عن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: (كان ناس من األسرى يوم بدر‬
      ‫لم يكن لهم فداء، فجعل رسول اهلل فداءهم أن يعلموا أوالد األنصار الكتابة)، قال الهيثمي في‬
 ‫المجمع (2/69): "رواه أحمد عن علي بن عاصم وهو كثير الغلط والخطأ، وقد وثقه أحمد"، لكن‬
      ‫تابعه خالد بن عبد اهلل عند البيهقي في الكبرى (6/275، 773)، وصححه الحاكم (5767).‬
                           ‫(7) رواه أبو نعيم في الحلية (2/227)، والبيهقي في الشعب (7/987).‬
          ‫(3) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن (871)، والسمعاني في أدب اإلمالء واالستمالء‬
                                                                                                ‫(ص905).‬
 ‫(2) رواه البيهقي في الكبرى (3/955) نحوه، وانظر: سير أعالم النبالء (5/092)، وتفسير ابن‬
                                                                                              ‫كثير (5/2).‬
         ‫(1) رواه عبد الرزاق (3/363-263)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (2/23).‬
                                               ‫(6) رواه الطبري في تفسيره (5/951، 071، 571).‬

‫(5/8623)‬




                                                                        ‫توجيهات في ظل األزمة الحالكة‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                       ‫الفتن‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                                              ‫ذات النطاقين‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- العدوان السافر على األمة اإلسالمية. 7- ضرورة الجهاد في سبيل اهلل. 3- ضوابط للجهاد‬
   ‫في سبيل اهلل. 2- التحذير من االختالف والتفرق. 1- النهي عن تكفير المسلمين. 6- خطورة‬
    ‫االفتيات على أولياء األمور. 2- تحريم سفك الدماء. 8- أهمية مطلب األمن. 9- التحذير من‬
                                                                                            ‫الخوف واليأس والقنوط.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
    ‫د‬                                                                               ‫ن‬
    ‫أما بعد: فإ ّ األمة اليوم تواجه تحالفًا على العدوان والبغي من أعداء اهلل، وقد اجتمع لذلك أش ّ‬
       ‫الناس عداوة من اليهود والصليبيين لممارسة العدوان الظالم بمعايير انتقائية وحجج داحضة؛‬
 ‫كمكافحة اإلرهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل. ويعيش المسلمون محنة هذا االعتداء في فلسطين‬
          ‫واألفغان والعراق، إضافة إلى مصائبهم األخرى في الشيشان وكشمير والسودان وغيرها.‬
                                      ‫د‬
 ‫وإن مما ينبغي علينا أن نفقهه في أوج هذه األزمة وش ّة حالكة ظلمتها أن الجهاد هو ذروة سنام‬
     ‫اإلسالم، ماضٍ إلى قيام الساعة، قال : ((ال تزال طائفة من أمة محمد ظاهرين على الحق، ال‬
                                                                                  ‫ر‬
‫يض ّهم من خذلهم حتى يأتي أمر اهلل وهم على ذلك))، وأن إقامته واجبة على األمة ما استطاعت‬
  ‫ِر ف ف وث ال و ِد ب و ل ُ و فس ُ ف س الل ل ُ ْر ُ إ ك ُ‬
‫إلى ذلك سبيالً، انْف ُوا خِ َا ًا َ ِقَا ً َجَاه ُوا ِأَمْ َاِكمْ َأَنْ ُ ِكمْ ِي َبِيلِ َّهِ ذَِكمْ خَي ٌ لَكمْ ِنْ ُنْتمْ‬
                                                                                                                 ‫م‬
                                                                                                 ‫تَعْلَ ُونَ [التوبة:52].‬
 ‫ومع هذا المبدأ الراسخ وهو ضرورة الجهاد في سبيل اهلل إال أنه ال بد من استيفاء أسبابه وتحقيق‬
                              ‫د‬                                           ‫م‬
‫شروطه، وأن يت ّ النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم، بعي ًا عن االجتهادات الفردية الخاصة‬
                            ‫ن‬
  ‫التي قد تمهد للعدو عدوانه، وتعطيه الذريعة لتحقيق مآربه، فإ ّ كل ما يزعزع المجتمع ويحدث‬
                            ‫ال‬                      ‫و‬
                   ‫الخلل في الصف هو هدية ثمينة تقدم إلى عد ّ ال يرقب في المسلمين إ ً وال ذمة.‬
      ‫عباد اهلل، يجب علينا في ظل هذه الظروف الخطيرة التي نعيشها أن نلزم التواصي بين سائر‬
       ‫المسلمين بالبر والتقوى والتمسك بحبل اهلل والبعد عن التفرق واالختالف الذي يقع به تمكين‬
 ‫المتربصين باألمة وتسليطهم على شعوبها وخيراتها، فإنه إذا انفك حبل االجتماع وشاع االفتراق‬
  ‫بين المسلمين فهذا نذير فتنة عامة. وال شك أن قصد االجتماع على البر والتقوى يوجب مقامات‬
                                                                                   ‫م‬
   ‫من أه ّها الصبر وترك العجلة، وتجنب االفتيات على أولي األمر من الحكام والعلماء الربانيين‬
                                     ‫ل‬                           ‫و‬     ‫ر‬
‫بقول أو فعل يح ّك عد ّها إلى ميادينها العامة، ويسّط عليها من ينتظر من بعض أبنائها صناعة‬
     ‫ّ‬                                                                             ‫و‬
‫المس ّغ لمزيد من بسط نفوذه وتعديه، وقد ذكر العز بن عبد السالم في قواعد األحكام أن أي قتال‬
                                                        ‫و ن‬                    ‫ق‬
  ‫للكفار ال يتح ّق به نكاية بالعد ّ فإ ّه يجب تركه؛ ألن المخاطرة بالنفوس إنما جازت لما فيها من‬
 ‫مصلحة إعزاز الدين والنكاية بالمشركين، فإذا لم يحصل ذلك وجب ترك القتال لما فيه من فوات‬
        ‫النفوس وشفاء صدور الكفار وإرغام أهل اإلسالم، وبذا صار مفسدة محضة ليس في طيها‬
                                                                                                             ‫مصلحة.‬
       ‫و‬                                         ‫ق‬       ‫ّ‬
‫ولذا ـ يا عباد اهلل ـ فإن القيام العام ال يح ّ إال لمن اجتمعت فيه األحكام الشرعية المس ّغة لذلك‬
         ‫ق‬                                  ‫ي‬
‫من العلم واإلمامة في الدين واالجتهاد والقدرة وتع ّن المصلحة واقتضائها، وإذا كان متح ّقًا تحريم‬
                                                       ‫ق‬
    ‫القول في مسألة من النوازل إال لمن تح ّق له االجتهاد المناسب لها فهذا الباب أولى، ولذا فإن‬
                                                            ‫ك‬
  ‫على من علم من حاله عدم التم ّن من هذا الباب أن يبتعد عن االفتيات على أهل العلم وال سيما‬
                                                                                                ‫في المسائل العامة.‬
   ‫عباد اهلل، إن من أهم ما يجب االبتعاد عنه وعدم الخوض فيه في هذه األزمة الحكم باإلسالم أو‬
        ‫الكفر أو النفاق أو الردة أو الفسق على أحد من المسلمين، ال سيما ممن ليس من أهل العلم‬
    ‫الشرعي الرصين العميق، فإن التكفير مزلق خطير، وقد قال فيما رواه الشيخان عن ابن عمر‬
     ‫رضي اهلل عنهما: ((أيما امرئ قال ألخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإال‬
  ‫رجعت عليه)). والحديث يدل على منع إطالق التكفير، حتى لمن يشتبه حاله أنه كذلك، ولهذا لم‬
                    ‫ر‬                                         ‫ف‬
        ‫يعذره في الحديث، فكيف بمن يك ّر األخيار والصالحين واألئمة والعلماء لمج ّد المخالفة؟!‬
                      ‫ل‬         ‫ر‬                                ‫ر‬      ‫م‬
   ‫والمعنى: ما دام ث ّةَ مج ّد احتمال أن ال يكون الموصوف كاف ًا فال يح ّ لمسلم أن يطلق عليه‬
                                                                                             ‫هذا؛ ألنه يرجع عليه.‬
‫وفي الحديث المتفق عليه أيضًا عن أبي سعيد في قصة الذي قال: اعدل يا محمد، فقال عمر: ائذن‬
                                                        ‫لي فأضرب عنقه؟ فقال : ((لعله أن يكون يصلي)).‬
       ‫وهذه سيرة النبي وسيرة خلفائه األربعة وأصحابه جميعًا وسير تابعيهم بإحسان، ومن بعدهم‬
             ‫ال‬
‫كاألئمة األربعة وكبار أصحابهم، فال ترى فيها مالحقة للناس بالتكفير، وال اشتغا ً بها، مع وجود‬
                                         ‫و‬
 ‫الكفر والشرك والنفاق في زمانهم، بل كانوا يتأ ّلون لمن وقع في شيء من ذلك من أهل اإلسالم‬
                                                      ‫َّذ َ الل ُ ب ُد هم َ‬                     ‫أ‬
                                    ‫ما وسعهم التأويل، ُولَئِكَ ال ِينَ هدَى َّه فَ ِه َا ُ ُ اقْتدِهْ [األنعام:09].‬
  ‫عباد اهلل، ويدخل في هذه المسألة وهي مسألة االفتيات على ولي األمر والعلماء الربانيين مسألة‬
                           ‫ل‬                                                           ‫ل‬
‫ح ّ الدماء، فضالً عن تسويغ الفتك العام في المجتمع، فهذا مقام ضّت فيه أفهام وزلت أقدام، وال‬
 ‫ب‬       ‫د‬                                                                      ‫ر‬
‫سيما أن كثي ًا مما يقع في زمن الفتنة يقع بنوع من التأويل الذي يظنه بعض الناس اجتها ًا مناس ًا‬
    ‫ر‬
    ‫إلذن الشارع، وقد ذكر شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل ما حصل بمثل هذا التأويل من الش ّ‬
      ‫والفتن وأنه سفك به دماء قوم من المؤمنين وأهل العهد... وقد صح عن رسول اهلل أنه قال:‬
  ‫ين‬         ‫م ن حد َن إل‬                                                              ‫قي‬
 ‫((اإليمان َّد الفتك، ال يفتك مؤمن)). قال صاحب عون المعبود: " َعْ َى الْ َ ِيث أ َّ ا ِيمَان َمْ َع‬
                                   ‫م الت َر‬               ‫ي‬        ‫م غر‬             ‫ب‬          ‫م ف ال ه‬
                                ‫ِنْ الْ َتك َّذي ُوَ القَتل َعْد األَ َان َد ًا كَمَا َمنَع القَيْد ِنْ َّص ُّف".‬
    ‫د‬                     ‫ل‬
   ‫ومعلوم عند سائر فقهاء المسلمين أن الكفر ال يوجب هدر الدم في ك ّ األحوال، بل يعصم ال ّم‬
  ‫ر ِ الله‬       ‫ع‬       ‫ع ْ الل‬
  ‫بالعهد واألمان والجزية والصلح وغيره، ولذلك عند البخاري َعنْ َبدِ َّهِ بْن َمْرٍو َضيَ َّ ُ‬
‫َ بع ن‬            ‫م َ مع د َ ير ْ ر ح َنة وِن ر ح ت جد م م‬                                            ‫ع ه ع النب ِّ‬
‫َنْ ُمَا َنْ َّ ِي قَال: (( َنْ قَتلَ ُ َاه ًا لمْ َ ِح َائِ َةَ الْج َّ ِ، َإ َّ ِي َهَا ُو َ ُ ِنْ َسِيرَةِ أرْ َ ِي َ‬
                 ‫ر‬
 ‫عَامًا)). انظر مع أن المعاهد كافر إال أن النبي حرم سفك دمه، بل إنه من المق ّر عند أئمة السنة‬
                                                                               ‫ل‬
‫أن ح ّ الدم ال يوجب لزوم سفكه إذا اقتضت المصلحة العامة عدم ذلك كما ترك الرسول قتل عبد‬
                            ‫د‬
              ‫اهلل بن أبي لمصلحة عامة المسلمين؛ حتى ال يتحدث الناس أن محم ًا يقتل أصحابه.‬
                              ‫ي‬
 ‫عباد اهلل، إن مما يدان هللِ به تحريمَ سفك الدماء المحرمة تحت أ ّ تأويل، مما يلزم معه أنه يحرم‬
‫نشر الفتنة وسفك الدم بالتأويل، وأن يعلم أن من الجناية على المسلمين جرهم إلى مواجهات ليسوا‬
                                                                                      ‫ه‬
    ‫مؤ ّلين لتحملها، وتوسيع رقعة الحرب بحيث تصبح بالد المسلمين اآلمنة ميدانًا لها، وأن هذا‬
  ‫ربما كان هدفًا يقوم أعداء الملة لتحقيقه باستدراج البعض حتى يصبح ذريعة لتدخل أكبر وتقسيم‬
      ‫للمنطقة وإضعاف للمسلمين أكثر ما هم فيه من ضعف، ولذا فال بد من تدبر عواقب األمور‬
                                                                              ‫ونتائج األعمال وآثارها.‬
 ‫نعم، يجب الموازنة بين المصالح والمفاسد كما قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل:"ليس العاقل‬
                          ‫ر‬
 ‫الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وش ّ الشرين، ويعلم أن الشريعة‬
‫مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإال فمن لم يوازن ما في الفعل‬
       ‫والترك فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع" (مجموع الفتاوى 07/21،‬
                                                                                             ‫05/251).‬
      ‫وقد ذكر العز بن عبد السالم في قواعد األحكام (ص8): "أن مصالح الدنيا ومفاسدها تعرف‬
                                                     ‫ن‬
‫بالضرورة والتجربة والعادة والظ ّ المعتبر، وأن من أراد أن يعرف المصلحة والمفسدة فليعرض‬
     ‫ذلك على عقله ثم يبني عليه الحكم، وال يخرج عن ذلك إال ما كان من باب التعبد المحض".‬
     ‫إ ْر ه ُ ر ِّ ع َذ بَد من‬                        ‫وِ‬                 ‫ص‬
    ‫وليعلم أن تحقيق األمن من أخ ّ مقاصد المرسلين، َإذْ قَالَ ِب َا ِيم َب اجْ َلْ ه َا الْ َل َ آ ِ ًا‬
                                                                ‫ن‬          ‫ب‬           ‫و ن ن وب ِي‬
     ‫َاجُْبْ ِي َ َن َّ أَنْ نَعْ ُدَ األَصْ َامَ [إبراهيم:13]. نعم، هذا دليل ظاهر على أن المجتمع المستقر‬
                                        ‫اآلمن هو الميدان الفاضل النتشار دعوة التوحيد ورسوخها.‬
  ‫عباد اهلل، نحن وإن كنا نعلم أن هذا كله من األمور الواضحة الجلية عند الكثير، إال أن مجريات‬
     ‫األحداث وتداخل األفكار واضطراب الحال وربما كثرة الحماس مع عدم وضوح الرؤية عند‬
                           ‫ظ‬
‫البعض يوجب تأكيد هذا األمر وتكرار النصح والتحذير والبالغ حف ًا لعصمة األمة وشأنها، ولئال‬
     ‫تزل قدم بعد ثبوتها ويذوق أهل اإلسالم السوء من تسلط بعضهم على بعض فضالً عن تسلط‬
                              ‫ل‬
   ‫عدوهم عليهم، واغتنامه الفرصة بتحريض المسلم على أخيه، وأق ّ ما يهدف إليه أعداء اهلل في‬
  ‫هذه األزمة الراهنة خلخلة الجبهة الداخلية في بالد المسلمين وضرب بعضهم ببعض، ومن ذلك‬
                                   ‫ت‬
  ‫ضرب الحكومات بالشباب وضرب الشباب بالعلماء، حتى ي ّسع لهم الباب ليلجوا إلى عقر الدار‬
                                                                   ‫ونحن مشغولون بالتناحر فيما بيننا.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
              ‫ء‬     ‫س‬
     ‫عباد اهلل، من الطبيعي عند اقتراب الحرب واشتدادِ الكرب أن يشعر النا ُ بشي ٍ من الخوف‬
            ‫ر‬
 ‫والقلق على أنفسهم ومصالحهم، ومثل هذا ال سبيل إلى رفعه ودفعه، وليس فيه كبي ُ خطر ما دام‬
        ‫ُوظ‬
       ‫في درجته الطبيعية التي تناسب الحدث. فإذا كان ال سبيل إلى دفعه فمن الحكمة أن ي َّف‬
                                                 ‫فق‬
       ‫التوظيف الصحيح، حتى يكون دافعًا للجد، د ّا ًا باألعمال اإليجابية التي تلتقي في استشعار‬
 ‫المسؤولية والدفاع عن مصالح البالد ووحدة الصف والمحافظة على األمن ورأب الصدع والقيام‬
                                                                                               ‫بمصالح المسلمين.‬
    ‫ر ي‬         ‫ر‬
   ‫أما حين يخرج الخوف والقلق عن صورته الطبيعية التي تناسب الحدث فهو ش ٌ وخط ٌ يتع ّن‬
               ‫ال‬                           ‫ر‬
‫اجتثاثه ومقاومته، فهو في بعض صوره خط ٌ على العقيدة؛ ألنه يعارض أص ً من أصولها، وهو‬
      ‫ِن ل ُم الش ن ي ِّف لي ءه‬                           ‫ف‬             ‫ل‬
 ‫الخوف من اهلل الذي ال يجوز أن يبُغَ مبلغَه خو ٌ من أحد، إَّمَا ذَِك ُ َّيْطَا ُ ُخَو ُ أَوِْ َا َ ُ فَال‬
                               ‫ُ و‬                                   ‫خ ف ُ خ ف إ ك ُ م من‬
    ‫تَ َا ُوهمْ وَ َا ُونِ ِنْ ُنْتمْ ُؤْ ِ ِينَ [آل عمران:125]، فَال تَخْشَوْهمْ َاخْشَوْنِ [المائدة:3]. وهذا‬
                                                                                   ‫ب‬
 ‫الضر ُ من الخوف يدفعه ويبعده تعزيز معنى التوكل على اهلل في القلوب، وملؤها باليقين والثقة‬
   ‫ُم الن س ِن الن َ َ جمع‬               ‫َّذ َ‬                           ‫ء‬
 ‫باهلل وحسن الظن به، وإحيا ُ معاني اإليمان في النفوس، ال ِين قَالَ لَه ُ َّا ُ إ َّ َّاس قدْ َ َ ُوا‬
                                   ‫ُ ْ َز ه إ ن َ ل ح ب الله ون ْ وك ل‬                                     ‫ُْ‬
     ‫لَكم فَاخْشَوْهم ف َادَ ُمْ ِيمَا ًا وقَاُوا َسْ ُنَا َّ ُ َ ِعمَ الْ َ ِي ُ [آل عمران:325]، فلما صدقوا في‬
                                                                     ‫ر‬                     ‫ك‬
‫تو ّلهم على اهلل كفاهم ش ّ أعدائهم، وتحققت لهم العاقبة المنتظرة التي وعدها اهلل المتوكلين عليه:‬
              ‫ع‬         ‫َ ي س ُ س ء َاتبع ر و الله َالله ذ‬                          ‫ب بن مة م الله َ‬
     ‫فَانْقَلَ ُوا ِ ِعْ َ ٍ ِنَ َّ ِ وفَضْلٍ لمْ َمْ َسْهمْ ُو ٌ و َّ َ ُوا ِضْ َانَ َّ ِ و َّ ُ ُو فَضْلٍ َظِيمٍ [آل‬
 ‫ع ْ ه وي ِّف ك َّذ م د نه‬                      ‫الله ب‬
 ‫عمران:225]. ولك أن تنصت إلى قوله تعالى: أَلَيْسَ َّ ُ ِكَافٍ َبدَ ُ َ ُخَو ُونَ َ بِال ِينَ ِنْ ُو ِ ِ‬
                         ‫ُلق‬                                     ‫هم ه‬             ‫وم ي ِ الل ُ‬
      ‫َ َنْ ُضْللِ َّه فَمَا لَ ُ ِنْ َادٍ [الزمر:63]، ثم قال جل جالله وهو ي ِّن عباده الجواب الذي‬
                                             ‫ق ح ب الله ع ي و َّل م َكل‬
                              ‫يطرح هذا التخويف: ُلْ َسْ ِيَ َّ ُ َلَيْهِ َتَ َك ُ الْ ُتَو ُِّونَ [الزمر:83].‬
   ‫عباد اهلل، إن مما يجب علينا هو انتشال مشاعر القلق والتوتر والهزيمة النفسية من قلوبنا، وأنه‬
‫مهما أصابنا بالء فال نسمح أن تتسرب الهزيمة إلى داخل نفوسنا، وأن نداوي الهلع الذي سكن في‬
  ‫بعض النفوس بالتذكير بمقامات الصبر واالحتساب واليقين بموعود اهلل. إن في قلوبنا خلالً ال بد‬
                  ‫ر‬
  ‫أن نتداركه بإفاضة معاني الثقة بموعود اهلل واحتساب األجر عند نزول الض ّ، وإن أمر المؤمن‬
                                                                                   ‫ل‬
            ‫كّه له خير؛ إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وليس ذلك إال للمؤمن.‬

‫(5/9623)‬




                                                                                                ‫هل نحتاج للمولد؟‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                                              ‫االتباع‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫محمد بن إبراهيم النعيم‬
                                                                                                                    ‫الهفوف‬
                                                                                                            ‫55/3/1725‬
                                                                                                            ‫جامع الصيهد‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
‫5- إحياء األمم لذكرى عظمائها. 7- أحداث ربيع األول المهمة. 3- تمام المنة ببعثة النبي . 2-‬
 ‫فضل النبي وعظم شأنه. 1- النبي أكثر من يذكر من الناس. 6- مواضع الصالة على النبي في‬
‫اليوم. 2- حقيقة محبة النبي . 8- استبدال القدوة السيئة بالقدوة الحسنة. 9- االحتفال بالمولد ليس‬
                                ‫عالمة حبه . 05- التحذير من مخالفة سنته . 55- فضل النبي وأمته.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                        ‫ي‬            ‫ل‬            ‫ج‬                    ‫ط‬
     ‫لكل أمة عظماء س ّر التاريخ مآثرهم وم ّد أعمالهم وخّد جزءا من س َرهم وحياتهم ليكونوا‬
              ‫م‬
‫نبراسا لمن بعدهم في علمهم وجهادهم وأخالقهم. ولقد اعتادت كثير من األمم وال ِلل إحياءَ ذكرى‬
                                                                         ‫ص‬
‫عظمائها، فيخ ّصون يوما يوافق يوم مولدهم أو يوم وفاتهم لتذكير شعوبهم وأتباعهم بسير هؤالء‬
                                        ‫العظماء أمال أن ال يموت ذكرهم وال تنسى أسماؤهم طوال العام.‬
                        ‫م‬                                                         ‫ر‬
 ‫ويم ّ على المسلمين في هذا الشهر شهر ربيع األول ثالثة أحداث مه ّة، هي مولد النبي وهجرته‬
                                       ‫مهم‬               ‫ن ال‬
‫إلى المدينة ووفاته . وال ريب أ ّ ك ً منها كان حدثًا ًّا في حياة المسلمين، بل وفي حياة الثقلين‬
   ‫َ َن الله عل م من ِ بع َ ف ِ رس ال م فس ِ ي ل‬
 ‫أجمعين، يقول اهلل تبارك وتعالى: لَقدْ م َّ َّ ُ ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ إذْ َ َث ِيهمْ َ ُو ً ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َتُْوا‬
                     ‫ع ِ ته وي َك ِ وي َلمه ك ب و ح م وإ ن م ْ ل ف ض ل مب‬
              ‫َلَيْهمْ آيَا ِ ِ َ ُز ِّيهمْ َ ُعِّ ُ ُمْ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِنْ كَا ُوا ِن قَبْ ُ لَ ِي َال ٍ ُ ِينٍ [آل‬
                                                                                                           ‫عمران:265].‬
       ‫أيها اإلخوة في اهلل، ففي شهر ربيع األول ولد أفضل خلق اهلل في هذا الوجود، ولد الرسول‬
                                                                           ‫م‬
‫العالمي والنبي األ ّي العربي محمد بن عبد اهلل ليكون خاتم النبيين وإماما للمتقين والرحمة المهداة‬
                     ‫ف‬
     ‫للعالمين والحجة على الخالئق أجميعن، فشرفت به األرض واستبشر به من و ّقه اهلل للهداية.‬
        ‫ل‬                                                                       ‫ب‬
       ‫اصطفاه اهلل ور ّاه ليكون قدوة لهذه األمة وبشيرا ونذيرا وداعيا إلى اهلل وسراجا منيرا، فبّغ‬
‫الرسالة، ونصح األمة، وجعلها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ال يزيغ عنها إال هالك، حتى‬
       ‫قال : ((كل أمتي يدخلون الجنة إال من أبى))، فقالوا: يا رسول اهلل، ومن يأبى؟! قال: ((من‬
                                               ‫أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) رواه البخاري.‬
                                                           ‫ر‬
‫ولقد أوذي وعودي وضرب وج ِح وهو يدعو الناس إلى اهلل، وقال عنه الظالمون: إن تتبعون إال‬
       ‫رجال مسحورا. وما زال يتنزل عليه القرآن آية بعد آية وهو يرشد األمة إلى أشرف مقصد‬
                                                                ‫ق‬
‫وأسمى غاية فظهر الح ّ وزهق الباطل. وما إن استجاب العرب إلى نداء رسولهم حتى انتقلوا من‬
      ‫عل‬
  ‫حال خير من حالهم ومآل خير من مآلهم، فتحولوا من ضعف إلى قوة، ومن جهالء إلى َُماء،‬
 ‫ومن رعاة للغنم إلى قادةٍ لألمم. فلقد ألف بينهم هذا الرسول الكريم بعد أن كانوا أحزابا متناحرة‬
  ‫وقبائل متعادية يأكل القوي منهم الضعيف، فجمع كلمتهم تحت راية اإلسالم، وانتزع من قلوبهم‬
   ‫الضغائن واألحقاد، فخرجوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.‬
‫فخرجت الدولة اإلسالمية الكبرى التي غمر عدلها ونورها نصف األرض، فهل يحتاج المسلمون‬
                             ‫ر‬                 ‫ع‬
                    ‫إلى إحياء ذكرى ميالد نبيهم محمد أسوة بما يف َل بالعظماء على م ّ التاريخ؟‬
                                                     ‫ق‬
  ‫إن شأن رسول اهلل عند اهلل لعظيم، وإن َدرَه لكريم، فلقد اختاره اهلل تعالى واصطفاه على جميع‬
    ‫البشر وفضله على جميع األنبياء والمرسلين. وشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه‬
                         ‫م‬                                  ‫ف‬
    ‫وزره، وأعلى له قدره، لهذا تك ّل اهلل عز وجل بإحياء اسم خليله مح ّد على ألسنة أتباعه من‬
                                                              ‫د‬
     ‫المسلمين حتى إن المسلم لير ّد اسم نبيه محمد في اليوم والليلة أكثر من مائة وسبعين مرة.‬
          ‫م‬                                  ‫ر‬                              ‫م‬
 ‫وإذا علمنا أن أ ّة اإلسالم قد فاق عددها المليا َ وربع المليار فمعنى هذا أن اسم مح ّد يذكر في‬
   ‫اليوم والليلة أكثر من مائة وسبعين مليار مرة، والمليار يعدل ألف مليون. دعونا نجرِي حسبة‬
 ‫بسيطة باستعراض ما يقوم به المسلم كل يوم من أذكار فيها ذكر نبينا محمد ، لندرك هل نحتاج‬
                                                                                        ‫إلى إحياء مولده .‬
                                ‫ي‬
     ‫لقد دعا اهلل عز وجل عباده المؤمنين إلى الصالة على نبّه محمد في مواضع كثيرة هي في‬
                              ‫ي‬
  ‫بعضها واجبة وفي بعضها اآلخر مستحبة، فالمسلم يذكر اسم نب ّه محمد ثمانيا وثالثين مرة في‬
                                 ‫ل‬
   ‫الصلوات الخمس وذلك في التشهد األول والثاني من ك ّ صالة، وخمس عشرة مرة في األذان‬
     ‫واإلقامة، وعشر مرات في الدعاء عقب األذان، وعشر مرات في دعاء الدخول إلى المسجد‬
   ‫والخروج منه، وخمس مرات عقب الوضوء، وثمانيا وأربعين مرة في السنن الرواتب، واثنتي‬
     ‫عشرة مرة في الشفع والوتر، وستا وثالثين مرة ضمن أوراد الصباح و المساء، فهذه بعض‬
      ‫المواطن التي يشرع فيها ذكر نبينا محمد والصالة عليه كل يوم، والتي يبلغ مجموعها مائة‬
   ‫وأربعة وسبعين مرة. ولو اعتبرنا أن عدد المسلمين ليس مليار وربع المليار وإنما مليار واحد‬
                                                   ‫د‬
   ‫فقط فمعنى ذلك أن اسم محمد يذكر وير ّد في اليوم الواحد أكثر من مائة وسبعين مليار مرة،‬
     ‫ل‬                                              ‫أ‬
‫وهذا بغض النظر عن يوم الجمعة الذي ُمرنا فيه باإلكثار من الصالة عليه ، فهل تجدون مِكا أو‬
  ‫رئيس دولة في العالم من يذكر اسمه بهذا العدد؟ ليس في اليوم الواحد، بل في العام الواحد؟ بل‬
          ‫في عمر الزمان كله؟ هكذا رفع اهلل ذكر محمد وصدق اهلل حين قال: ورفَعْنَا لَكَ ِكْرَ َ‬
          ‫ذ ك‬                 ‫ََ‬
      ‫ُْ ف‬           ‫لَ‬
     ‫[الشرح:2]، وما ذلك إال لنجعله أسوة لنا في كافة شؤون حياتنا، قال تعالى: َّقدْ كَانَ لَكم ِي‬
                      ‫ر‬         ‫ِر َ َ الل‬         ‫رس الل أ ة حس ة لم ن َ ج الله و ْ‬
       ‫َ ُولِ َّهِ ُسْوَ ٌ َ َنَ ٌ ّ َن كَا َ يرْ ُو َّ َ َالْيَومَ اآلخ َ وذَكرَ َّهَ كَثِي ًا [األحزاب:57].‬
                                                                             ‫إن من أحب‬
  ‫َّ النبي محمد واجبه أن يعمل بسنته المطهرة وأن ينشرها بين الناس ليزداد ذكر اسم‬
   ‫النبي محمد . إن واجب المسلمين اليوم حكومات وشعوبا بمناسبة ذكرى مولد النبي أن يجددوا‬
   ‫تأملهم في شخصية رسولهم وقدوتهم ويدرسوا سيرته ويتدبروا كالمه والقرآن الذي نزل عليه،‬
‫وأن يتابعوا الطريقة التي بنى بها األمة المسلمة، وأن يروا كيف ربى هذا النبي الكريم على تعاليم‬
                                                                        ‫ً‬
     ‫اإلسالم جماعة عاشت دهرا طويال في أعماق الصحراء كانت منبوذة من بين األمم، فإذا هي‬
                                                  ‫ري‬
    ‫باإلسالم أرقى أمم الدنيا تقارع إمبراطو ِ َتَي فارس والروم. وما ذاك إال ألن سلف هذه األمة‬
                                                           ‫ل‬
 ‫جعلوا النبي قدوتهم في ك ّ شيء ونبراسا لهم في كل طريق، فنصرهم اهلل على شياطينهم وعلى‬
                                                                   ‫أهوائهم، فانتصروا بعد ذلك على أعدائهم.‬
                     ‫ٍ‬
    ‫أما في وقتنا المعاصر فقد استبدل كثير من الناس بقدوتهم وأسوتهم قدوات زائفة لمعتهم بعض‬
     ‫ق‬                                         ‫م‬
  ‫وسائل اإلعالم المختلفة العربية واإلسالمية، فس ّتهم نجومَ المجتمع وهم ليسوا أهال لذلك، ف ُلبت‬
   ‫ر‬           ‫ي‬                     ‫ك‬
  ‫موازين الفضيلة عند كثير من الناس. وإذا أردت أن تتأ ّد من ذلك فاسمع إلى أ ّ مقابلة تج َى‬
                                                                ‫ث‬       ‫مغن‬
‫مع فنان أو ٍّ أو مم ّل أو العب تجدهم يسألون هؤالء أسئلة دقيقة عن حياتهم الشخصية كأنهم‬
                                                 ‫ي‬
‫يقابلون أحد علماء األمة وقدواتها فتراه ُسأل: من الذي هداك إلى هذا الفن؟ ومن قدوتك في عالم‬
   ‫الفن؟ وما هوايتك المفضلة؟ وكيف تقضي إجازتك ووقت فراغك؟ وما اللون الذي تفضله؟ وما‬
   ‫أجمل وردة تحبها؟ وما أفضل طبخة تأكلها؟ وما أحرج موقف مر بك في حياتك؟ وماذا تتمنى‬
                                  ‫ّ‬                ‫م‬
   ‫للشباب العربي؟ وغيرها من أسئلة ال ته ّ المسلمين وال تحل قضاياهم، وإنما تزيدهم غفلة فوق‬
                                                                                        ‫غفلتهم ولهوا إلى لهوهم.‬
‫إننا نخطئ كثيرا في التعبير عن حبنا وتعظيمنا لرسولنا محمد ، فليس حبه بجعل يوم ميالده عيدا‬
 ‫ل‬                                                                      ‫ي‬
 ‫رسميا أو فرحا شكل ّا كما تفعله بعض الدول اإلسالمية، إنما حبه يتمثل في امتثال أمره ونبذ ك ّ‬
                                                    ‫ما يخالف شرعه، وأن يكون القدوة الحقيقية للمسلمين.‬
        ‫ها هي كثير من دول العالم اإلسالمي قد جعلت يوم مولده إجازة رسمية تقام فيه احتفاالت‬
  ‫ومهرجانات زعما أنها تحيي بذلك ذكرى مولد النبي ، وفي المقابل تراها تجاهر بكبائر الذنوب‬
       ‫ليل نهار وتحارب سنته وتسجن العلماء الذين يدعون إلى تعاليمه وترفض االحتكام لشرعه‬
                       ‫ش‬
‫وتحتكم بشرع غيره، فكيف يسوغ لهم أن يمدحوا ذات النبي ويذموا ال ّرع الذي نزل عليه؟! إنها‬
                                                                                                   ‫موازين مقلوبة.‬
                                 ‫ن‬         ‫د‬           ‫ر‬         ‫ب‬
‫إن اإليمان برسول اهلل وح َه ليس مج ّد كلمات نر ّدها ونتغ ّى بها وننسج حوله القصائد والمدائح‬
                                                                      ‫و‬
‫واألشعار ثم ال تتح ّل مقتضيات هذا اإليمان في حياتنا إلى واقع وسلوك. إن رسول اهلل لم يأمرنا‬
    ‫أن نحتفل بيوم ميالده تقليدا للنصارى، ولم يفعل ذلك من اختارهم اهلل لصحبة نبيه وال العلماء‬
                                       ‫ب‬
   ‫الذين عاشوا في القرون المفضلة، وإنما أمرنا أن نطّق المنهج الذي نزل عليه فقال جل وعال:‬
    ‫ِد ف فس ِ َ ج ِم ض ت‬                           ‫َر ب ُ ثم‬               ‫َت ي َكم َ ف‬         ‫ي من‬         ‫و َب‬
    ‫فَال َر ِّكَ ال ُؤْ ِ ُونَ ح َّى ُح ِّ ُوك ِيمَا شَج َ َيْنَهمْ ُ َّ ال يَج ُوا ِي أَن ُ ِهمْ حرَ ًا م َّا قَ َيْ َ‬
                                                                                                     ‫ل‬       ‫وي َلم‬
                                                                                    ‫َ ُسِّ ُوا تَسِْيمًا [النساء:16].‬
                          ‫ن‬
‫أيها اإلخوة في اهلل، لقد أخبرنا اهلل عز وجل في كتابه الكريم أ ّ من رفع صوته فوق صوت النبي‬
‫َر له‬           ‫الن ِي و‬                 ‫و ُ‬          ‫َْع‬         ‫َي َّذ ن من‬
‫سيحبط عمله فقال تعالى: يَا أ ُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا ال ترفَ ُوا أَصْ َاتَكمْ فَوْقَ صَوْتِ َّب ِّ َال تَجْه ُوا َ ُ‬
        ‫ر‬                       ‫ُر‬           ‫لُ و ُ‬                               ‫ج ب ضك لب‬
   ‫بِالْقَوْلِ كَ َهْرِ َعْ ِ ُمْ ِ َعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَاُكمْ َأَنْتمْ ال تَشْع ُونَ [الحجرات:7]. إن مج ّد رفع‬
   ‫خ‬
‫الصوت على رسول اهلل يحبط العمل، فكيف بالذين يخالفون أمره بل ويحاربون أتباعه ويس َرون‬
                                                                              ‫ي‬
‫منهم ويغ ّرون أنظمة حكمهم إرضاء ألعدائهم؟! فماذا سيقول هؤالء الناس لرسولهم يوم القيامة؟!‬
                                                                         ‫وبأي وجه سيقابلونه؟!‬
  ‫ولقد أخبر الرسول عن هذا الموقف الرهيب الذي سيطرد فيه أناس من أمته عن حوض الكوثر‬
                                           ‫ي‬
‫فقال : ((إني على الحوض أنظر من يرد عل ّ منكم، وسيؤخذ ناس من دوني فأقول: يا رب، مني‬
   ‫ومن أمتي! فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟! واهلل، ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) رواه‬
                                                                                      ‫البخاري.‬
                                                     ‫د‬
      ‫اللهم إنا نعوذ بك أن نفتَن في ديننا أو نر ّ على أعقابنا، اللهم اجعلنا من جنود نبينا محمد ،‬
            ‫واجعلنا من أتباعه وممن يقتدون بسنته وال يخالفون أمره، إنك أنت الرؤوف الرحيم.‬
                                                ‫ل‬
  ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم من ك ّ ذنب لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا‬
                                                                    ‫إليه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                         ‫ن‬
‫الحمد هلل الذي م ّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسوال من أنفسهم يتلو عليهم آيته ويزكيهم ويعلمهم‬
  ‫الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضالل مبين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
                                        ‫س‬     ‫م‬
  ‫إله األولين واآلخرين، أسبغ على عباده نع َه وو ِعهم برحمته وهو أرحم الراحمين، وأشهد أن‬
                                                      ‫ب‬
‫محمدا عبده ورسوله الذي أرسله ر ّه ليكون قدوة للناس أجمعين، يخرجهم من الظلمات إلى النور‬
    ‫المبين، صلى اهلل عليه وعلى آل بيته الطيبين وعلى صحابته الطاهرين من اتهامات المبتدعة‬
                                                                                ‫ل‬
                                                                 ‫والمنحرفين وسّم تسليما كثيرا.‬
               ‫أما بعد: فاتقوا اهلل ـ عباد اهلل ـ وأطيعوه، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم.‬
                                                             ‫حق‬
  ‫ثم اعلموا أن لرسول اهلل ًّا في طاعته، فهو أسوة لكل المسلمين، فبكرامته وشرف منزلته عند‬
                            ‫و‬
    ‫اهلل عز وجل كنا خير أمة أخرجت للناس، فهو رسول رحيم بنا، ت ّج اهلل به الزمان وختم به‬
    ‫األديان، قضى كل وقته يدعو أمته إلى الهداية، ذلكم هو نبي هذه األمة صاحب اللواء المعقود‬
                                             ‫م‬
     ‫والحوض المورود الذي أخبرنا عن فضله وفضل أ ّته فقال : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة،‬
‫وبيدي لواء الحمد وال فخر، وما نبي يومئذ من آدم فمن سواه إال تحت لوائي، وأنا أول من تنشق‬
    ‫عنه األرض وال فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع وال فخر))، كما أخبرنا أيضا بأنه أول من‬
‫يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأول نبي يقضى بين أمته يوم القيامة، وأولهم جوازا على الصراط‬
    ‫بأمته، وأول من يدخل الجنة بأمته، وهو الذي يشفع في رفع درجات أقوام في الجنة ال تبلغها‬
                                  ‫أعمالهم، ويشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيخرجهم منها.‬
  ‫ب‬        ‫ب‬                   ‫ل‬             ‫يقد‬                                   ‫ي‬
  ‫نب ّ بهذه الصفات وبهذه المنزلة لجدير أن َّم قوله على ك ّ مخلوق، وأن يجعل ح ّه فوق ح ّ‬
                                                           ‫ن‬
    ‫النفس والمال والولد، وأن تج ّد النفوس واألموال لنصرة شريعته ونشرها بين الناس كما فعل‬
                                                                                               ‫السلف الصالح.‬
                                                                                    ‫ر‬
    ‫إن س ّ انتصار المؤمنين األولين هو امتثالهم ألوامر اهلل عز وجل وأوامر رسوله قوال وعمال،‬
                                         ‫ر‬
    ‫هذا هو الحب الذي يطلبه اهلل عز وجل منا، ال أن يك َم بالمدح والثناء فقط والقلوب خاوية من‬
                                                                                     ‫ب‬
 ‫ح ّه وجوارحنا بعيدة عن اتباعه وألسنتنا بعيده عن ذكر أحاديثه. يقول القاضي عياض رحمه اهلل‬
    ‫تعالى: "فالصادق في حب النبي من تظهر عالمة ذلك عليه، وأولها االقتداء به واستعمال سنته‬
   ‫واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه‬
‫إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ك الله وي ِ ُ ذن َ ُ َالله‬
‫ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ِنْ ُنْتمْ ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْ ُمْ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُوبكمْ و َّ ُ‬
                                                                                             ‫ف ٌر م‬
                                                                             ‫غَ ُور َحِي ٌ [آل عمران:53]".‬
                                          ‫ل‬
‫أيها اإلخوة في اهلل، برهنوا على االقتداء بنبيكم، فتخّقوا بأخالقه، واعملوا بسنته، يكن لكم ما كان‬
            ‫ألسالفكم، فمن أطاع رسول اهلل دخل الجنة، ومن عصاه فقد أبى، ومن أبى دخل النار.‬
   ‫اللهم إنا نعوذ بك من كل عمل يخزينا، ومن كل أمل يلهينا، ومن كل فقر ينسينا، ومن كل غنى‬
                                                                                                      ‫يطغينا...‬

‫(5/0223)‬




                                                                                    ‫وقفات مع مشكلة الطالق‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                                       ‫الطالق, قضايا األسرة‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                       ‫الرياض‬
                                                                                                   ‫3/8/1725‬
                                                                              ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                             ‫د‬
    ‫5- وجوب قبول أحكام اهلل تعالى. 7- مشكلة الطالق وما تح ِثه من مخالفات. 3- مشروعية‬
        ‫الطالق والحكمة منه. 2- مراحل الطالق. 1- الترغيب في الرجعة لإلصالح. 6- حقوق‬
                                                                                   ‫المطل‬
                               ‫َّقة. 2- تصرفات وتصورات خاطئة. 8- مشكلة حضانة األوالد.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                              ‫حق‬                            ‫ي‬             ‫م‬
                                                      ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها الناس، اتقوا اهلل تعَالى َّ التقوى.‬
           ‫الص‬   ‫ش‬            ‫والر‬
    ‫ِبادَ اهلل، َّ الوا ِبَ على ِّ مؤ ِ ٍ ومؤ ِنَة قَبو ُ أحكامِ اهلل ِّضَا بها وان ِراح َّدرِ لها‬
                                             ‫ل‬         ‫م‬     ‫كل من‬           ‫إن ج‬                ‫ع‬
         ‫م‬        ‫والر‬            ‫ن‬              ‫م‬              ‫بأي ع ة‬            ‫ت‬       ‫د‬
        ‫وع َم االع ِراض عليها ِّ ِبار ٍ كانت، فتَسلي ُ العبدِ المؤم ِ والمؤمنة هلل ِّضَا بحك ِه‬
   ‫ل ُ من‬          ‫وم‬         ‫ل‬           ‫وقو ي‬             ‫صح‬     ‫ريل‬             ‫م ن ذ‬
   ‫واالط ِئنا ُ ب َلك هذا أم ٌ َد ّ على َّةِ اإليمان َّته، َقول اهلل ج ّ جالله: َ َا كَانَ ِمؤْ ِ ٍ‬
   ‫ُ خ َ ة م ْ ِ وم ي ْ الله َ َس له‬                         ‫يك‬        ‫و م م ِ ض الله ورس له ْر‬
   ‫َال ُؤْ ِنَةٍ إذَا قَ َى َّ ُ َ َ ُوُ ُ أَم ًا أَنْ َ ُونَ لَهمْ الْ ِيرَ ُ ِنْ أَمرِهمْ َ َنْ َعصِ َّ َ ور ُوَ ُ‬
                                                                                         ‫ال مب‬      ‫َ َل‬
                                                                       ‫فَقدْ ض َّ ضَال ً ُ ِينًا [األحزاب:63].‬
      ‫َر‬     ‫م و ع‬             ‫ي ص‬
      ‫أ ّها المسِم الكَريم، َّتها المؤمِنة، إ ّ هناكَ ق ِ ّةً اجتماعّةً يح ُل أحيانًا ِن ُقو ِها ضج ُ‬
                                                ‫ضي‬          ‫ن‬                ‫أي‬           ‫ل‬       ‫ي‬
                   ‫ر‬            ‫َ َم‬                 ‫هلل ت ص‬                ‫نم‬               ‫ضض‬
   ‫بع ِ ُعَفاءِ اإليما ِ ِن أحكامِ ا ِ واس ِنقا ُهم ألحكامِ اهلل وعد ُ قناعتِهم و ِضاهم بحكمِ اهلل،‬
 ‫م ة‬                             ‫ن‬      ‫ل‬        ‫ر‬                 ‫ظ ح‬             ‫ت سي‬           ‫فيتفو‬
 ‫َّهونَ بكلما ٍ ِّئة وألفا ٍ وقِ َة، لو عَادوا إلى ُشدِهم لعِموا أ ّ تلكَ األلفاظَ واألقوالَ ُنافي ٌ‬
   ‫َر ب نه‬           ‫َت ي َكم ف‬            ‫ي من‬         ‫و َب‬        ‫م‬           ‫الر‬    ‫ن ن و‬
 ‫لكَمالِ اإليما ِ، أل ّ ال َاجبَ ِّضا والتسلي ُ، فَال َر ِّكَ ال ُؤْ ِ ُونَ ح َّى ُح ِّ ُوكَ ِيمَا شَج َ َيْ َ ُمْ‬
                                                 ‫ل‬       ‫ِد ف أ فس ِ َ ج ِم ض وي َلم‬                            ‫ث َّ‬
                                ‫ُم ال يَج ُوا ِي َن ُ ِهمْ حرَ ًا م َّا قَ َيْتَ َ ُسِّ ُوا تَسِْيمًا [النساء:16].‬
 ‫هذهِ المشكل ُ االجتماع ّة َّل عندما يقَع َّالق من الزوجِ المرأ ِه، فإذا وقَعَ ال ّال ُ منَ الزو ِ‬
 ‫ج‬          ‫ط ق‬                   ‫ت‬                    ‫الط‬            ‫ي تتمث‬         ‫ة‬
            ‫ح‬                    ‫له‬       ‫ز ِ‬           ‫ز‬                                       ‫رت‬
           ‫الم َأَ ِه عند ذلكَ تَسمَع من الزوجِ أو أهلِ ال ّوجِ أو ال ّوجة أو أهِ َا تسمَع ألفاظًا وقِ َة‬
                        ‫ص‬             ‫د‬          ‫ء ظن‬            ‫ب‬        ‫ش‬
  ‫واعتراضاتٍ على ال ّرعِ، ور ّما تسمَع سو َ ٍّ باهلل ون َمًا على ما ح َل، ويا ليتَ الزواجَ لم‬
    ‫عرف‬         ‫ب الس‬              ‫ب‬                      ‫ر‬                    ‫ن‬      ‫ب‬                   ‫م‬
‫يت ّ، ويا ليتَنا لم نق َل فال ًا، ويا ليتَنا لم نع ِفه، ويا ليتنَا لم نرت ِط به، وما أق َحَ َّاعةَ التي َّتنَا‬
  ‫خ أ‬     ‫م ل وكل‬             ‫ز‬                  ‫ل‬               ‫ز‬
  ‫بهذا أو بهذا. هذا يقَع من ال ّوجِ أحيانًا وأهِه، وقد يقَع من ال ّوجةِ أو ِن أهِها، ُّ ذلك َطٌ‬
                                                                                                         ‫م‬
                                                                                                      ‫من الج ِيع.‬
     ‫هو ال َّ أ ّ تطبيقَ األحكامِ الشرع ّة أحيانًا ي ِ ّ به البع ُ، فيأتي الخط ُ ال ِن ذاتِ الحك ِ‬
     ‫م‬            ‫ر م‬                ‫ض‬         ‫خل‬             ‫ي‬                       ‫شك ن‬
    ‫ش ي‬                ‫ة‬         ‫ِل‬       ‫ت‬                             ‫ت‬                  ‫ي‬
  ‫الشرع ّ، ولكن من سوءِ ال ّطبيق، يأتي الخطَر من سوءِ ال ّطبيق وقَّة العناي ِ باألحكامِ ال ّرع ّة،‬
  ‫ع ل و َم‬                            ‫ُض‬         ‫َر‬             ‫ية حد‬                    ‫م‬
‫أ ّا األحكام الشرع ّ ُ في ِّ ذاتها فال ضر َ وال تناق َ وال اضطرابَ فيها، بل هي َد ٌ، َت َّتْ‬
         ‫ء ت‬                          ‫مب ِّ ل لم ت ه السم ع عل م‬                          ‫لمة َبك ِ ْق و َ‬
 ‫كَِ َ ُ ر ِّ َ صد ًا َعدْالً ال ُ َدلَ ِكَِ َا ِهِ وَ ُوَ َّ ِي ُ الْ َِي ُ [األنعام:155]، لكن سو ُ ال ّطبيقِ من‬
     ‫ص‬                     ‫د الض‬       ‫ِ‬       ‫يسب‬                      ‫ر‬        ‫ح ز‬
 ‫أ َدِ ال ّوجين ال ّجلِ أو المرأةِ هو الذي ِّب المشاكلَ ويح ِث َّغائنَ في النفوس، فيح ُل ما‬
                                                                                                            ‫ص‬
                                                                                                          ‫يح ُل.‬
   ‫م‬         ‫أ ّها َّجل المؤ ِن، وأ ّتها المرأ ُ المؤمنة، الطال ُ حك ٌ من أحكامِ اهلل، حك ٌ تشريعي‬
   ‫ٌّ من أحكا ِ‬     ‫م‬                    ‫ق م‬                   ‫ة‬          ‫ي‬      ‫م‬        ‫ي الر‬
   ‫ي‬       ‫أي ط ب‬                ‫ِ‬       ‫دب‬          ‫ت َز‬                 ‫يطب الت‬
   ‫اهلل، عندما َّق َّطبيقَ الصحيحَ و ُلت َم فيه آ َا ُ الشريعة فلن يحصلَ ُّ اض ِرا ٍ وال أ ّ‬
        ‫قب ز‬          ‫ر‬                 ‫ر م قب‬           ‫ر ط‬           ‫ب‬            ‫د‬
   ‫قلَق، ولكن عن َما يكون الس َب المثي ُ لل ّالق أمو ًا ِن ِ َل المرأةِ أو أمو ًا من ِ َل ال ّوج أو‬
                                               ‫ي‬                          ‫ل‬          ‫ه‬               ‫ل‬
                                          ‫أهِه عند ذلك يقَع َذا اإلشكا ُ، نسأَل اهلل التوفيقَ لما ُرضيه.‬
 ‫ش ع ح َم‬                              ‫ل‬         ‫أن‬                            ‫م ي‬            ‫ي ر‬
‫أ ّها ال ّجل المؤ ِن، أ ّتها المؤمِنة، لنَعلم جميعًا َّ اهللَ ج ّ وعال حينَما شرعَ الطالقَ َر َه ل ِك ٍ،‬
    ‫ء‬         ‫ن‬               ‫ي ع‬       ‫ذ و‬           ‫د‬                     ‫ح رع‬            ‫ع‬
    ‫شر َه لمصال َ، ش َ َه لتخليصِ الزوجين عن َما يتع ّر ال ِئام و َص ُب البقَاء في الّكاح، فجا َ‬
                                                            ‫المبي‬        ‫ك ب ط‬             ‫بحل ذ‬
                                           ‫اإلسالم ٍّ له ِه المش ِلةِ ِشرو ِه وقيودِهِ َّنةِ في شرعِ اهلل.‬
‫ع م‬            ‫ي ض ي ض‬           ‫ر‬
‫أ ّها المسلم، إ ًا فعلَى المؤ ِنةِ أن تر َى بال ّال ِ، و َلى ال ّجلِ أن َر َى، َر َى الجمي ُ بحك ِ‬
                                        ‫ط ق ع‬           ‫ض‬          ‫م‬             ‫ذ‬             ‫ي‬
‫ي‬          ‫سر‬                ‫ش ي‬                  ‫ب‬        ‫ح ص‬                  ‫ق‬      ‫جب‬
‫اهلل، والوا ِ ُ تطبي ُ أحكامِ اهلل وال ِر ُ على تط ِيقِ األحكامِ ال ّرع ّة حتى تأخذَ م َا َها الحقيق ّ‬
                                                                                                       ‫ت‬
                                                                                         ‫وتسلَم البيو ُ من قيل وقالَ.‬
                  ‫ِ‬          ‫ع‬       ‫الط‬    ‫ذ‬                 ‫ن‬                ‫ي‬            ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، أّتها المسلِمة، إ ّ الشارعَ عندما أ ِن في َّالق وج َله على مراحلَ ثالث: األولى‬
     ‫ص‬                 ‫ذ‬      ‫ر ن ش‬             ‫تعذ‬        ‫و‬                               ‫ن‬
    ‫والثا ِية والثالثة يقصد منها عالجَ ال َضع، فإذا َّر األم ُ فإ ّ ال ّرعَ أ ِن في الطالق تخلي ًا‬
         ‫ن‬      ‫ًّ‬                                        ‫م‬      ‫ر‬               ‫م ك‬
‫للمرأة من ُش ِلة وتخليصًا لل ّجل من ُشكلة، فلم يمنَعِ الطالق ليجعل المرأةَ غِال في ع ُقِ الرجل،‬
                                                ‫ء‬                  ‫ر‬                    ‫ط‬
 ‫ولم يمنعِ ال ّالق ليجعلَ أيضًا ال ّجلَ في قلقٍ وشَقا ٍ ويحول بينَه وبين االستمتاعِ بما أباحَ اهلل له،‬
                                                               ‫َّر َب وتعق‬          ‫ي‬       ‫ج‬
                                                             ‫بل جاءَ العال ُ الشرع ّ لمن تبص َ وتد َّر َّل.‬
            ‫ق ر‬                ‫ن‬                    ‫ط‬        ‫د ُذ‬                     ‫ي‬            ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، أّتها المسلِمة، وعن َما أ ِن في ال ّالق لم يكن ذلك اإلذ ُ معناه مغلِ ًا لل ّجعة، ال، بل‬
 ‫ء ض‬                        ‫ِد‬               ‫ت‬
‫لما أ ِن في ال ّالق ش ِعت ال ّجعة لل ّجل على امرأ ِه في أثناءِ الع ّة بال حاجةٍ إلى قَضا ِ قا ٍ،‬
                                                          ‫ر‬       ‫ر‬      ‫ُر‬     ‫ط‬        ‫ُذ‬
          ‫عْ م ُ‬            ‫و ِد‬                 ‫ن‬                    ‫ر‬          ‫دي ه ر‬
        ‫وإنما إشها ٌ ُش ِد ال ّجل على ال ّجعةِ شاهدَي عدلٍ أل ّ اهلل يَقول: َأَشْه ُوا ذَوَى َدلٍ ِنْكمْ‬
    ‫دة‬     ‫ض‬            ‫ة‬
    ‫[الطالق:7]. وهذه الرجع ُ تكون ِّفاق الزو َين ما دا َت ع ّ ُ ال ّالق باقي ً، فإنِ انقَ َت ع ّ ُ‬
                                  ‫دة ط‬        ‫م‬         ‫ج‬         ‫بات‬     ‫ة‬
‫ن ح‬      ‫د‬               ‫ة‬         ‫ع‬         ‫د د‬         ‫بد م‬                            ‫ط‬
‫الطالقِ في ال ّلقةِ األولى أو الثانِية فال َّ ِن عق ٍ جدي ٍ، وإن وق َتِ الطلق ُ الثالثة فال ب ّ من ِكا ِ‬
      ‫زوجٍ آ َر ِكاحًا ال ُهدف منه تحليُها، ولكن إن وقَع ال ّكا ُ ِّفاقًا ثم َّ َها ال ّوج الثاني جا َ‬
      ‫ز‬             ‫طلق ز‬               ‫ن ح ات‬                      ‫ل‬            ‫ي‬         ‫خ ن‬
    ‫غ ْره‬            ‫ِل ه م ب ْد َت ك‬                       ‫إ َل ه‬                   ‫ن‬                   ‫و‬       ‫ج‬
    ‫لزو ِها األ ّل العَود إليها؛ أل ّ اهلل يقول: فَِنْ طَّقَ َا فَال تَح ُّ لَ ُ ِنْ َع ُ ح َّى تَن ِحَ زَوْجًا َي َ ُ‬
                                     ‫يق ُد الل‬               ‫ي َر ج إ َن‬               ‫ج ع هم‬                 ‫إ َل ه‬
                     ‫فَِنْ طَّقَ َا فَال ُنَاحَ َلَيْ ِ َا أَنْ َت َا َعَا ِنْ ظ َّا أَنْ ُ ِيمَا ح ُودَ َّهِ [البقرة:037].‬
 ‫وبع ت ُن َق ِ َده َّ ف‬                           ‫ح‬           ‫ر‬              ‫ن‬            ‫ر‬          ‫ر‬
‫وش َط اهلل لل ّجعةِ أن يكو َ القَصد من ال ّجعة اإلصال َ، ولذا قال اهلل: َ ُ ُولَ ُه َّ أَح ُّ بر ِّ ِن ِي‬
    ‫ل ويغي‬       ‫و‬          ‫م‬            ‫ز ج‬                                     ‫إ َر د إ‬
   ‫ذَلِكَ ِنْ أ َا ُوا ِصْالحًا [البقرة:877]، فإذا أرادَ ال ّو ُ الرجعةَ لل َرأة وقد ن َى أن يصِحَ ِّر‬
           ‫ر‬                               ‫ع‬     ‫ةم‬         ‫تغي‬                      ‫ع‬     ‫م‬
        ‫ِن وض ِه إن كان الخطَأ منه أو ِّر المرأ ُ ِن وض ِها إن يكن الخطَأ منها كانتِ ال ّجعة‬
                            ‫ش‬                                 ‫ر‬              ‫ل‬                 ‫ة‬
                         ‫مشروع ً، وإن راجَع الرج ُ ألجلِ اإلضرا ِ بالمرأَة كان آثمًا ومخالِفًا لل ّرع.‬
   ‫ن‬          ‫ل‬        ‫د‬
   ‫َّقةَ عن َه في منزِهِ إذا كا َ‬
                               ‫ُّنا ج ّ وعال عندما أ ِن بالطالق أ َر الزو َ بأن ُب ِيَ المرأةَ المطل‬
                                               ‫يق‬       ‫ج‬       ‫م‬            ‫ذ‬              ‫ورب ل‬
         ‫ر‬               ‫ه‬        ‫س‬                                       ‫ط‬                      ‫ط ق‬
 ‫ال ّال ُ الطلقةَ األولى أو ال ّلقةَ الثانية؛ عسَاه أن يعودَ إليها، وع َى الميا ُ أن تعودَ لمجا ِيها، قال‬
    ‫ر ِال ي ت ن ح ة م َي ة وت حد د الله وم‬                                        ‫ت ْرج ُن م بي ت ِن و‬
  ‫اهلل تعالى: ال ُخ ِ ُوه َّ ِنْ ُ ُو ِه َّ َال يَخْ ُجْنَ إ َّ أَنْ َأْ ِي َ بِفَا ِشَ ٍ ُب ِّنَ ٍ َ ِلْكَ ُ ُو ُ َّ ِ َ َنْ‬
    ‫م ل ع‬                      ‫ْر‬               ‫َل الل ي دث ب‬            ‫ي َد حد الل ِ َ َم س ُ َ ْ‬
  ‫َتَع َّ ُ ُودَ َّه فَقدْ ظَل َ نَفْ َه ال تدرِي لَع َّ َّهَ ُحْ ِ ُ َعْدَ ذَلِكَ أَم ًا [الطالق:5]. فأ َر ج ّ و َال‬
      ‫ق‬                   ‫ط‬                         ‫ط‬         ‫ل‬          ‫ِّق أن ُبقيَ المرأةَ المطل‬
  ‫َّقةَ في حا ِ كونِ ال ّالق الطلقةَ األولى أو ال ّلقةَ الثانية أن تب َى في‬                ‫ي‬     ‫المطل‬
       ‫ج‬          ‫ل‬                                                  ‫ت‬
      ‫بيتِ الزوج كإحدى زوجا ِه؛ ينظر إليها وتنظر إليه، ويخلو بها وتخلو به، فلع ّ نظرةً تو ِب‬
  ‫عم‬       ‫د‬        ‫ر‬       ‫ْر‬             ‫َل الل ي دث ب ْ‬           ‫َْ‬                   ‫بة َد‬
 ‫للقلبِ مح ّ ً ومو ّة كما قال اهلل: ال تدرِي لَع َّ َّهَ ُحْ ِ ُ َعدَ ذَلِكَ أَم ًا، أي: َجعةً بع َما وق َ ِن‬
                                                                                                                     ‫ق‬
                                                                                                                    ‫طال ٍ.‬
    ‫ج‬      ‫طي‬                     ‫ة‬
  ‫َّقةِ أن ت َّع بمتع ٍ حسنة، بمعنى: أن يع ِ َها زو ُها‬
                                          ‫ُمت‬                              ‫ل‬         ‫ن‬       ‫ر‬
                                                     ‫وأم ٌ آخر أ ّ اهللَ ج ّ وعال شرعَ أيضًا للمطل‬
      ‫ول م َل ت م ع‬                                                  ‫ر‬       ‫عو مالي‬                  ‫طل‬
      ‫إذا َّقَها شيئًُّا أو ِ َضًا ًّا تذكي ًا لما كان بينَهما من العالقةِ، قال تعالى: َِلْ ُطَّقَا ِ َتَا ٌ‬
     ‫وذك‬                      ‫َق عل ُتق ن َ ك ي َين الله ُ ي ت َل ُ قل‬                                      ‫م ْر‬
    ‫بِالْ َع ُوفِ ح ًّا ََى الْمَّ ِي َ كذَلِ َ ُب ِّ ُ َّ ُ لَكمْ آ َا ِهِ لَعَّكمْ تَعْ ُِونَ [البقرة:527، 727]. َّر‬
  ‫تعالى ال ّوجين ما بينَهما من صالتٍ قديمة، فال ينسى الرجل للمرأ ِ مواقفَها، وال تن َى له أيا َ ُ‬
  ‫مه‬          ‫س‬                  ‫ة‬                                                     ‫ز‬
                                                         ‫ْ ب ك‬                       ‫و‬                   ‫ي‬
                                         ‫وليال َه معها، قال تعالى: َال تَنسَوْا الْفَضلَ َيْنَ ُمْ [البقرة:237].‬
                             ‫ر‬                ‫َ‬              ‫ن‬               ‫ل ي‬          ‫ي‬
     ‫أ ّها المسِم، أّتها المسلمة، إ ّ المصيبةَ اليوم تقَع من بعض تص ّفات بعض أولياءِ الزوج أو‬
   ‫بع ِ أولياء المرأة أو من أحدِ الزوجين، عندما َّق المرأ ُ من زو ِها يكون هناك تص ّفا ٌ‬
   ‫ر ت‬                  ‫ج‬       ‫ة‬        ‫تطل‬                                        ‫ض‬
                   ‫م‬                                        ‫ض‬        ‫ز‬        ‫إم‬
       ‫خاطئة، َّا من ال ّوجين بع ِهم مع بعض وأهلِ المرأة أو أهل الزوج، أو ِن أفرادِ بعض‬
                                                                                                           ‫المجتمَع.‬
  ‫ر‬         ‫و‬                                                              ‫السي‬         ‫م‬
  ‫ف ِنَ األخطاء ِّئة عندما يقَع الطالق بين الزوجين ترى الزوجَ أو أهلَ الزوج يحا ِلون تبري َ‬
   ‫ب‬          ‫م صق‬                            ‫ة ش‬                              ‫تش‬
 ‫الموقف، فهنا ُن َر األسرار التي كانت غائب ً، فين ُر الرجل فضائحَ المرأة، إ ّا ِد ًا وإما كذ ًا،‬
   ‫ب‬                                ‫ع‬                  ‫ب‬      ‫ش‬                        ‫يبر‬
  ‫ِّر موقِفَه من طالقها وين ُر عيو َها ويقول: قالت وف َلت وفعلت وإلى آخره، قد يكون مصي ًا‬
     ‫ّف‬              ‫ع‬                   ‫م‬                        ‫ِئ‬
     ‫فيما يَقول، وقد يكون مخط ًُّا فيما يقول، وقد يكون ح َل المرأةَ على ما ف َلت نتيجةً لتصر ِ‬
‫ج‬                               ‫تحد‬        ‫ي‬              ‫لتحم‬               ‫ط‬
‫الزوج الخا ِئ الذي ليس أهالً ُّل تلك المسؤول ّة، وربما َّثتِ المرأة أو أولياؤها عن الزو ِ‬
    ‫د‬        ‫وأهِه وقالوا عنه كذا وكذا، تكشَف األسرار، وتنب ِط األلسن ُ بالغيبة، ويكون التشف‬
 ‫ِّي من أح ِهما‬                   ‫ة‬         ‫س‬                                           ‫ل‬
                                                       ‫باآلخر، وهذا ـ يا إخواني ـ من األمور الخطيرة.‬
 ‫د م‬                            ‫م‬        ‫م‬             ‫ء‬                   ‫ر‬        ‫ل‬
‫اهلل ج ّ وعال ش َع الطالق، وهذا قضا ٌ وقدر، والمؤ ِن والمؤ ِنة يرضيان بقضاءِ اهلل وق َره، َا‬
                        ‫ْر‬                ‫ْض و ف فس ُ إ َّ ف ك ب م ْ‬                   ‫م مص ب ٍ ف‬
 ‫أَصَابَ ِنْ ُ ِي َة ِي األَر ِ َال ِي أَنْ ُ ِكمْ ِال ِي ِتَا ٍ ِن قَبْلِ أَنْ نَب َأَهَا [الحديد:77]. وقَع‬
 ‫ح‬                     ‫د‬           ‫ت‬         ‫ر‬        ‫هذا الطالق فهل معناه أ ّ هذه المطل ي خ‬
‫َّقةَ س ُر َى الستا ُ عليها و ُخفَى من ال ّنيا وال يرغَب فيها أ َد‬  ‫ن‬             ‫ُ‬
  ‫ي‬           ‫م‬              ‫ة‬        ‫ة طل م‬                     ‫كل‬              ‫ُ ُ ح‬
  ‫وال يميل قلب أ َدٍ إليها؟ هذا ُّه خطَأ، هي امرأ ٌ ِّقَت إ ّا لمشكل ٍ منَ الزوج أو ِنها، والنب ّ‬
                                         ‫ل‬           ‫ر‬            ‫د ن‬        ‫ح‬
 ‫يقول: ((األروا ُ جنو ٌ مج ّدة، فما تعا َفَ منها ائتَف، وما تناكر منها اختلف))(5)[5]. قد تكون‬
‫أخال ُ هذا الزوج ال َّفق مع أخالقِ المرأة، وأخال ُ المرأة ال َّفق مع طباعِ الزوج ولو كان ٌّ‬
‫كل‬                          ‫تت‬           ‫ق‬                           ‫ِ تت‬            ‫ق‬
                        ‫ف‬            ‫ي‬                               ‫ج‬
  ‫[من] الزوجَين على منه ٍ منَ االستقامة وااللتزام الشرع ّ، لكن اختال ُ الطبائع واألخالقِ هذه‬
                                                                                                            ‫ر‬
                                                                                         ‫أمو ٌ بيَد اهلل جل وعال.‬
      ‫ج‬            ‫د‬         ‫ة‬
  ‫َّقَة وإلقا ُ الّوم عليها واحتقا ُها أو اعتقا ُ أنها المرأ ُ التي فق َت حياتها في ِب أن‬
                                          ‫د‬            ‫ر‬                ‫ء ل‬                    ‫ذ ع‬
                                                                                       ‫إ ًا ف َيب المطل‬
      ‫تلزمَ البيتَ وأن تيأ َ منَ ال ّواج هذا ُّه تص ّف خاطئ، هي امرأ ٌ مسلمة، هب أ ّ ال ّو َ‬
      ‫ن ز ج‬                 ‫ة‬                ‫ر‬     ‫كل‬        ‫ز‬        ‫س‬
 ‫ن‬                ‫ت‬        ‫د‬
‫ُّفه، من ِّة تح ّله، من ع َم مباال ِه، من كونه إنسا ًا‬
                                     ‫قل م‬               ‫ء‬               ‫ق‬                   ‫ل‬
                                                    ‫طّقها، ربما يكون طال ُه ناتجًا من سو ِ تصر‬
   ‫ليس على المستَ َى المطلوبِ منه وليس َّالً ُّل المسؤول ّة، أ ُلقى العي ُ على هذه المرأ ِ‬
   ‫ة‬               ‫ب‬         ‫ي ي‬              ‫مؤه لتحم‬                    ‫و‬
      ‫ل‬         ‫ة‬        ‫أ ل‬      ‫كل‬          ‫ر د‬                       ‫ع‬         ‫ظ‬
 ‫المطلقة، وين ُر المجتم ُ إليها نظرةَ احتقا ٍ واز ِراء؟! هذا ُّه خطٌ وكّه مخالف ٌ، اهلل ج ّ وعال‬
            ‫وإ ي ف َّ ي الله كال م سعته و الله و س حك‬                                         ‫مسل ز‬
        ‫قال ِّيًا لل ّوجين عند الفراق: َِنْ َتَ َرقَا ُغْنِ َّ ُ ُ ً ِنْ َ َ ِ ِ َكَانَ َّ ُ َا ِعًا َ ِيمًا‬
          ‫ي الله كال م سعت و الله و س حك م‬                                      ‫وإ ي ف َّ‬
  ‫[النساء:035]. َِنْ َتَ َرقَا أي: الزوجان، ُغْنِ َّ ُ ُ ً ِنْ َ َ ِهِ َكَانَ َّ ُ َا ِعًا َ ِي ًا. فيغني‬
         ‫ز‬                ‫ر‬       ‫ج‬                                   ‫ر‬               ‫ج‬
      ‫اهلل الزو َ بامرأةٍ هي خي ٌ له من تلك، ويغني اهلل المرأةَ بزو ٍ هو خي ٌ لها من ذلكَ ال ّوج،‬
     ‫سب‬                                             ‫وسبحانَ الحكيم العليم فيما يق ِي ِّر. المهم‬
    ‫ُّ من هذا أن ال نجعلَ الطالقَ سببًا للعداء و َب ًا‬      ‫ض ويقد‬
                                                                                       ‫ب‬     ‫ء‬
                                                                             ‫للبغضا ِ وسب ًا للقطيعة.‬
                    ‫م‬         ‫م‬         ‫ب‬       ‫م‬          ‫ت‬        ‫يطل ر‬                 ‫خ‬
   ‫ُذ مثالً عندما ِّق ال ّجل امرأ َه التي هي ِن أقار ِه؛ بنت ع ّه، بنت ع ّته، بنت خاله، بنت‬
                             ‫ج‬             ‫غ‬        ‫ر‬                  ‫ق‬
   ‫خالته، يكون هذا الطال ُ سببًا لقطيعةِ ال ّحم، فيب ِضون ذلك الزو َ، ويكرهونه، ويعيبونه، وإذا‬
    ‫ق شك ن‬                          ‫طل‬                     ‫ء‬                 ‫ر‬                       ‫س‬
   ‫ُئلوا عنه قالوا فيه أمو ًا يعلَم اهلل برا َته منها، لماذا؟ ألنه َّق ابنتَهم. هذا الطال ُ ال َّ أ ّه‬
  ‫َر‬        ‫ته‬       ‫نلف‬              ‫ره‬          ‫رح‬                   ‫ق‬           ‫ء د‬
‫وقع بقضا ٍ وق َر، فهل يلي ُ بنا أن نقطَعَ ال ّ ِم وأن نك َ َ ذلك الزوج وأن ِّقَ به ُ َمًا هو ب ِيء‬
    ‫منها أو يليق أن َّث أوليا ُ ال ّوج عن تلك المرأةِ ويقولون فيها ما يقولون؟! ك ّ هذه أمو ٌ‬
    ‫ر‬         ‫ل‬                                             ‫ء ز‬           ‫يتحد‬
           ‫ع‬        ‫م‬            ‫يجب أن ُبتعدَ عنها، وأن يرضى الجميع بقضاءِ اهلل وق َره، ويسل‬
         ‫ِّموا هللِ حك َه وتشري َه.‬      ‫د‬                ‫ُ‬                       ‫ي َ‬
     ‫ج‬          ‫ن‬         ‫ن‬                  ‫مر‬              ‫أ ّها المسلم، إ ّ النبي م توف َ ج م س م‬
 ‫َّ ل ّا ِّي زَو ُ أ ّ َل َة قَال لها آ ِ ًا لها أن تقولَ: إ ّا هلل وإ ّا إليه را ِعون،‬ ‫ن‬        ‫ي‬
                ‫ت ّ ت‬                ‫م‬               ‫ي ر‬        ‫ل‬      ‫ب‬           ‫م ج‬
   ‫الله ّ آ ِرني في مصي َتي واخُف عل ّ خي ًا منها، تقول أ ّ سلَمة: قلُها ثم قل ُ في نفسي: ومن‬
  ‫خي ٌ من أبي سلمة؛ هاجر مع رسول اهلل وجاهد معه؟! قالت: فل ّا انقضت َّتي خط َني رسو ُ‬
  ‫ل‬       ‫ب‬      ‫عد‬        ‫م‬                                                     ‫ر‬
                                              ‫م‬               ‫ر‬         ‫ل‬
                                      ‫اهلل إلى نفسه، فكان رسو ُ اهلل خي ًا لي من أبي سل َة(7)[7].‬
                    ‫ب‬      ‫ب لتفر‬                                                                ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، ال نزهد في أحكامِ اهلل، وال نجعل تنفيذَ أحكام اهلل سب ًا ُّق قلو ِنا وقطيعةِ أرحامنا،‬
           ‫ع‬                 ‫ت‬          ‫تي‬             ‫ب‬               ‫ر‬
   ‫وأن نحفظَ للبيوتِ أسرا َها، فالزوج واج ٌ عليه أن ي ّق َ اهلل ويس ُرَ على المرأة ما َسى أن ال‬
     ‫ع ة‬          ‫تعذ‬              ‫ه حق‬               ‫س‬              ‫ص‬                    ‫َ‬
‫يكون موافِقًا له، هو ين َح الزوجةَ ويح ِن إليها ويرعا َا َّ الرعاية، وإذا َّرتِ ال َالق ُ معها‬
  ‫ن‬      ‫س‬      ‫َ ب‬                      ‫ت‬                 ‫ر‬                               ‫ي‬
 ‫فإ ّاه ونشرَ أسرارِها وكشفَ األسرا ِ وما جرى في البي ِ من قيل وقال. ليلزمْ أد َه ويم ِك لسا َه‬
  ‫ل‬               ‫ج‬                    ‫ِ ري‬               ‫سي‬       ‫ف ي‬                     ‫َ‬
‫ويحمدِ اهلل على العا ِية و َبحث و َ َرى في النساء أخ َ َات. والمرأة أيضًا ي ِب عليها وعلى أهِها‬
             ‫َ‬                 ‫ي‬              ‫ر‬              ‫د‬
       ‫اإلمساك عن قيل وقال والتح ّث وكشف األسرا ِ واألمور الخف ّة، فال يجوز أن تظهرَ على‬
         ‫ر ض‬            ‫ي‬        ‫س‬           ‫خ‬                  ‫ر‬              ‫ر‬
        ‫الساحةِ أسرا ُ البيوت وما ج َى فيها، يجب أن ير َى عليها ال ّتار وأن ُعتَبر أم ًا م َى‬
      ‫فكل‬        ‫د‬            ‫ِ س‬                            ‫ل‬        ‫ل‬       ‫أم حد‬
    ‫وانتهى، َّا الت ُّث والتكّم بالقي ِ والقال والبحث عن المعائبِ ال ّابقَة والتح ّث عن ذلك ُّها‬
                 ‫س‬                                  ‫ف‬                                          ‫بة‬
  ‫غي َ ٌ أحيانًا، وربما يكون بهتانًا إذا قيلَ خال ُ الواقِع، وربما أوقَعَ اإلنسان نف َه في حرجٍ عندما‬
                      ‫ن‬          ‫ن‬           ‫و‬       ‫ن‬            ‫ب‬       ‫ن ن‬           ‫ب ز‬
 ‫يعي ُ ال ّوج ويتم ّى أ ّه ما ق ِل خطبتَه وأ ّه ما ز ّجه، أو يتم ّى الرجل أ ّه ما خطَب تلك المرأة.‬
 ‫ل‬            ‫ع‬                   ‫م‬           ‫ر‬                   ‫د‬       ‫غ‬                    ‫كل‬
‫ُّ هذهِ األمور ال ينب ِي التح ّث بها، بل ينبغي ال ّضا والتسلي ُ هللِ ومعالجة الوض ِ بأحسنِ سبي ٍ،‬
                    ‫ي‬                ‫ت‬                                           ‫ة‬         ‫م‬
‫حتى تض َنَ الحيا ُ السعيدة ويسلَم المجتمَع من هذه األشياء ال ّافهة التي ال يح ِيها وال يسير وراءَها‬
                                                                                ‫ر‬        ‫ء‬        ‫إال‬
                                                                    ‫َّ السفها ُ منَ ال ّجال والنساء.‬
                                                  ‫ر‬         ‫ل‬        ‫ن‬       ‫ل‬                  ‫ف‬
                                                ‫و ّق اهلل الجميعَ لك ّ خير، إّه على ك ّ شيء قدي ًا.‬
      ‫ف‬        ‫ل ب‬         ‫ن‬                                              ‫ف‬
   ‫أقول قولي هذا، وأستغ ِر اهلل العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمي َ من ك ّ ذن ٍ، فاستغ ِروه‬
                                                                                    ‫ن‬
                                                                 ‫وتوبوا إليه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                               ‫ب ب‬                       ‫د ر يب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا مباركًا فيه كَما يح ّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وحدَه ال‬
  ‫م ر‬            ‫ل‬     ‫ب‬     ‫ه‬                    ‫ل‬                 ‫ن ّد‬
 ‫شريكَ له، وأشهَد أ ّ محم ًا عبده ورَسوله، صّى اهلل عليه وعلى آل ِ وصح ِه، وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                         ‫إلى يومِ الدين.‬
                                                  ‫حق ت و‬                   ‫ت‬     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تَعالى َّ الّق َى.‬
‫ن‬             ‫عبادَ اهلل، ين ُج من الطال ِ مشكل ُ حضانة األطفال من بني َ وبنا ٍ، وال ّر ُ المطه‬
‫َّر حكَم على أ ّ‬    ‫ن ت ش ع‬                                 ‫ة‬      ‫ق‬           ‫ت‬
   ‫ن‬      ‫ّ‬          ‫ة‬                                ‫ٌ‬         ‫و‬                   ‫أحق‬
  ‫المرأةَ ُّ بولدَها ما لم تتز ّج، هذا حكم شرعي ال إشكالَ فيه، لكن المشكل ُ تأتي من أن أحيا ًا‬
 ‫الزوجَ يس َى في اإلضرارِ بالمرأة، وذلك إذا كان ُّق أوالدها الصغار بها وخوفها من أن يكو َ‬
 ‫ن‬                                      ‫تعل‬                                   ‫ع‬
                          ‫زوا ُها ِّب أخذَ ال ّوجِ ألبنا ِه وبنا ِه ال ّغار في ِف حجر عثرةٍ ويهد‬
       ‫ِّد المرأةَ ويقول: إن‬         ‫َ‬    ‫ق‬       ‫ت ص‬           ‫ئ‬          ‫ز‬          ‫ج يسب‬
     ‫ن‬     ‫ش‬         ‫ك ن‬                      ‫س‬                ‫ن‬              ‫ل ع‬          ‫و ت‬
     ‫تز ّج ِ سأفع ُ وأف َل، وهو يعلم أ ّ أوالدَه لن ينت ِبوا إلى غيره، وال ش ّ أ ّ حكمَ ال ّرع أ ّ‬
    ‫ة‬                  ‫ض‬                ‫ُت‬                            ‫ق‬      ‫و‬           ‫المطل‬
    ‫َّقةَ إذا تز ّجت تس ُط حضانتها، لكن ال ينبغي أن يَّخذَ ذريعة في ال ّغط عليها والحيلول ِ‬
    ‫ر‬                        ‫ح ت‬               ‫ي‬       ‫ن‬                   ‫بينها وبين أن تتزو‬
    ‫َّج بزوجٍ آخر، بإمكا ِه السع ُ في اإلصال ِ وال ّوفيق وأن ال يضيعَ الصغا ُ‬
         ‫ج‬      ‫ن‬         ‫ة‬
       ‫َّ َة عانس ً تعلَم أ ّ بزوا ِها‬
                                  ‫لتصّب ال ّوج أو أهله أو ُّب المرأة أو أهِها، فقد تب َى المطلق‬
                                          ‫ق‬           ‫ل‬      ‫ِ‬       ‫تصل‬           ‫ل ز ِ‬
‫ل‬         ‫ر‬          ‫ع‬               ‫م‬              ‫ذ‬                                    ‫ل‬
‫سيتسّط الزوج هذا على األوالدِ، وربما أخَ َهم، وليس المه ّ األخذ لكن يمن ُهم من زيا َتها ويحو ُ‬
        ‫َق‬               ‫بينهم وبينَ رؤ َ ِها َّ بعد الّرا ُعِ للمحا ِم والقيل والقال، وهذا التصر‬
        ‫ُّف خاطئ. أنت أح ُّ‬                         ‫ك‬         ‫ت ف‬         ‫يت إال‬
  ‫ع‬           ‫ط‬             ‫يترت‬
‫ُّ هل يقت ِي أن َّبَ عليه الضغ ُ عليها ومن ُها‬
                                   ‫ض‬                                 ‫بأوال ِك حك ًا شرعي‬
                                            ‫ًّا بال إشكال، لكن هذا الحق‬    ‫م‬     ‫د‬
  ‫ئ‬          ‫ع‬      ‫ب‬
‫من الزوا ِ والحيلول ُ بينها وبين ال ّواج؟! ث ّ إذا ُ ِم أنها َّجت صار في قل ِها ول ٌ على أبنا ِها‬
                                  ‫تزو‬      ‫م قس‬             ‫ز‬               ‫ة‬          ‫ج‬
                                     ‫م‬        ‫ب تفر‬
 ‫وبناتها، وأنت ـ يا قاسيَ القلبِ ـ ال تح ّ أن ِّحَهم بأ ّهم ولو يومًا في األسبوعِ أو نحو ذلك،‬
     ‫ن‬                             ‫رة‬               ‫د‬         ‫بل يكو ُ عندك تشد ٌ وموا ِف متصل‬
     ‫ِّبة ال تخ ِم هدفًا، المض ّ ُ إنما تقَع على الصغار من بني َ‬    ‫ق‬      ‫ُّد‬        ‫ن‬
                       ‫ي‬                              ‫ب‬               ‫ة‬       ‫د ي‬
      ‫وبنات؛ عق ٌ نفس ّة وحال ٌ محرِجة. الواج ُ على الجميعِ تقوَى اهلل والسع ُ في الخير، وأن ال‬
                                                 ‫من‬
                                        ‫نحملَ المرأة على ما ال يليق، هذا هو المطلوب َّا جميعًا.‬
        ‫ء‬                                                 ‫ن‬                 ‫ب‬              ‫ن‬
    ‫كما أ ّ المرأةَ مطلو ٌ منها أيضًا تعاو ُ أوليائها مع الزوج في سبيل رؤيةِ أبنائه وااللتقا ِ بهم‬
                      ‫ف‬          ‫ح م‬              ‫ي ف‬        ‫ٍ‬
       ‫ونحو ذلك؛ حتى تعالَجَ األمور بعالج شرع ّ هد ُه اإلصال ُ العا ّ، ال التش ّي وال الظلم وال‬
                          ‫ء‬      ‫ُ ب‬                  ‫مبر‬              ‫ف‬
 ‫العدوان وال المواق ُ التي ليسَ لها ِّر، وإنما هي قسوة قل ٍ وجفا ٍ وانتقام من أحدهما لآلخر،‬
                                                                       ‫ل‬      ‫م‬              ‫ر‬
                                                                    ‫وهذا أم ٌ ال يليق باأل ّة المسِمة.‬
            ‫ر‬       ‫ي‬             ‫ص‬                    ‫ي‬               ‫ل‬            ‫ب و‬
     ‫الواج ُ تق َى اهلل في ك ّ األحوال والسع ُ في تربية النشءِ ال ّغار تربيةً ط ّبة، يع ِفون بها‬
 ‫ع ن‬                        ‫ع‬                ‫د‬                                  ‫وأم‬
 ‫أباهم وشفقتَه َّهم ومرحمتَها وحنانها عليهم، فيتبا َل الجميع المناف َ، ويكون األوالد ال يش ُرو َ‬
      ‫ء‬            ‫ي‬                             ‫ء‬        ‫بض َر وال بفَقدِ األ ّ أو األب، أما إذا تعص‬
‫َّب أوليا ُ المرأة ووقَفوا المواقفَ الس ّئة أو أوليا ُ الزوج‬                   ‫م‬                 ‫َر‬
        ‫أو الزوج فال ّح ّة العظيم ُ هم األبنا ُ والبنات. فالواج ُ تقوَى اهلل، والواج ُ على المطل‬
    ‫ِّق أو‬        ‫ب‬                    ‫ب‬                 ‫ء‬           ‫ة‬         ‫ض ي‬
     ‫ق ك م‬                       ‫كل‬                       ‫َم د‬          ‫ل كف س‬
    ‫المطّقة ُّ األل ُن وعد ُ التح ّث في الماضي والستر على ِّ ما مضى، تلك أخال ُ ال ِرا ِ.‬
                                                                 ‫ل‬          ‫ي‬
                                                            ‫أسأل اهلل أن يعينَنا وإ ّاكم على ك ّ خير.‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسنَ الحديث كتا ُ اهلل، وخيرَ الهدي َدي مح ّد ، وش ّ األمو ِ‬
   ‫ر‬       ‫ر‬       ‫م‬      ‫ه‬                   ‫ب‬                  ‫ّ‬
   ‫م ذ ذ‬                              ‫ن‬                                          ‫ل‬
   ‫محدثاتها، وك ّ بدعةٍ ضاللة، وعليكم بجمَاعة المسلمين، فإ ّ يدَ اهلل على الجماعة، و َن ش ّ ش ّ‬
                                                                                                      ‫ن‬
                                                                                                   ‫في ال ّار.‬
 ‫ِن الله وم ئ ه ي َل ن‬                          ‫ب‬                                           ‫ل‬
 ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على محمد كما أمركم بذلك رّكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّو َ‬
                                          ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫عل النبى َي َّذ ن من‬
                        ‫ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
               ‫ئ ر‬              ‫لم‬             ‫م‬                       ‫ر‬      ‫م َل َل‬
       ‫الله ّ ص ِّ وسِّم وبا ِك على عبدِك ورسولِك مح ّد، وارضَ الّه ّ عن خلَفا ِه ال ّاشدين...‬
                                                                                          ‫__________‬
   ‫(5) رواه مسلم في البر (8367) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه. وورد عن عائشة رضي اهلل‬
                                                                                                ‫عنها أيضا.‬
           ‫(7) قصة أم سلمة هذه رواها مسلم في الجنائز (859) عنها رضي اهلل عنها بمعناها.‬

‫(5/5223)‬




                                                                ‫عناية اإلسالم بحفظ األنفس المعصومة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                   ‫الكبائر والمعاصي, محاسن الشريعة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫سعد بن أحمد الغامدي‬
                                                                                                    ‫الظهران‬
                                                                              ‫جامع األمير محمد بن فهد‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- البشرية قبل بعثة النبي . 7- نبي الرحمة. 3- حفظ اإلسالم للضرورات الخمس. 2- عناية‬
 ‫اإلسالم بحفظ األنفس المعصومة. 1- عظم جرم قتل النفس بغير حق. 6- مفاسد التفجيرات في‬
                                                                                             ‫بالد الحرمين.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
‫كانت البشرية قبل بعثة النبي محمد في ضاللة عمياء وجاهلية جهالء، ال تعرف معروفا وال تنكر‬
                          ‫ق‬                 ‫ّف د‬                             ‫ن‬
      ‫منكرا، أحس ُهم حاال من كان على دين محر ٍ مب ّل، التبس فيه الح ّ بالباطل، واختلط فيه‬
                   ‫ق‬                   ‫م‬             ‫ي‬
  ‫الصدق بالكذب، فبعث اهلل سبحانه نب ّه ومصطفاه مح ّدا بالهدى ودين الح ّ ليظهره على الدين‬
                                         ‫م‬
   ‫كله ولو كره المشركون، وكانت الرحمة المطلقة العا ّة هي المقصد من بعثته ، قال اهلل تعالى:‬
      ‫ّ‬     ‫ة‬                                                   ‫إ َّ م ل م‬                     ‫وم َ س‬
   ‫َ َا أرْ َلْنَاكَ ِال رَحْ َةً ّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:2]، فحصر سبحانه وتعالى المقصد من بعث ِ النبي في‬
                                                    ‫تحقيق الرحمة للعالمين، والعالمون جميع الخلق.‬
                                      ‫ق‬                                      ‫س‬
     ‫ولقد كان أ ّ هذه الرحمة وقطبها هو الفرقان بين الح ّ والباطل وبين الضاللة والهدى، فهو‬
              ‫م‬
    ‫الرحمة المهداة، عن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه قال: كان رسول اهلل يس ّي لنا نفسه‬
                           ‫ي‬            ‫ي‬              ‫ف‬
    ‫أسماء فقال: ((أنا محمد وأحمد والمق ّي والحاشر ونب ّ التوبة ونب ّ الرحمة)). وقد كان رحمة‬
                                                    ‫د‬
 ‫للناس في أحلك الظروف وأقساها وأش ّها، عن عائشة رضي اهلل عنها أنها قالت للنبي : هل أتى‬
                 ‫د‬                                                      ‫د‬
‫عليك يوم كان أش ّ من يوم أحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أش ّ ما لقيت منهم يوم‬
‫العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كالل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا‬
  ‫مهموم على وجهي، فلم أستفق إال وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني،‬
                  ‫د‬
  ‫فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن اهلل قد سمع قول قومك لك وما ر ّوا عليك، وقد بعث‬
                           ‫ل ي‬
‫إليك ملكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسّم عل ّ ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك‬
      ‫فيما شئت، إن شئتَ أن أطبق عليهم األخشبين))، فقال النبي : ((بل أرجو أن يخرج اهلل من‬
                                                     ‫أصالبهم من يعبد اهلل وحده ال يشرك به شيئا)).‬
    ‫بل كان أيضا رحمة للبهائم، فعن ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: كنا مع رسول اهلل في سفر،‬
         ‫ُفر‬          ‫م‬                                        ‫حم‬
  ‫فانطلق لحاجته، فرأينا ُ ّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الح ّرة فجعلت ت ِّش، فجاء‬
                                                       ‫ُد‬               ‫ج‬              ‫ي‬
  ‫النب ّ فقال: ((من ف َع هذه بولدها؟ ر ّوا ولدها إليها))، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: ((من‬
   ‫حرق هذه؟)) قلنا: نحن، قال: ((إنه ال ينبغي أن يعذب بالنار إال رب النار))، وعن عبد اهلل بن‬
             ‫ن‬
‫جعفر أن رسول اهلل دخل حائطا لرجل من األنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي ح ّ وذرفت عيناه،‬
                                            ‫ب‬                        ‫ذ‬
    ‫فأتاه النبي فمسح ِفراه فسكت، فقال: ((من ر ّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟)) فجاء فتى من‬
                     ‫ل‬
 ‫األنصار فقال: لي يا رسول اهلل، فقال: ((أفال تتقي اهلل في هذه البهيمة التي مّكك اهلل إياها؟! فإنه‬
                                                                                             ‫ي‬
                                                                         ‫شكا إل ّ أنك تجيعه وتدئبه)).‬
  ‫كما كان رحمة حتى للجمادات، فعن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي كان يخطب إلى جذع،‬
                                                                       ‫ن‬
                                          ‫فلما اتخذ النبي المنبر ح ّ الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن.‬
                  ‫ن‬                                                  ‫ل‬
       ‫أيها المسلمون، وتتجّى رحمة اإلسالم في مقاصده العظيمة وقواعده الجليلة وُظمه الفريدة‬
    ‫وأخالقه النبيلة، فهو رحمة في السلم والحرب، ورحمة في الشدة والرخاء، ورحمة في الوسع‬
               ‫ل‬
      ‫والضيق، ورحمة في اإلثابة والعقوبة، ورحمة في الحكم والتنفيذ، ورحمة في ك ّ األحوال.‬
                       ‫د‬
    ‫ولتحقيق هذه الرحمة جاء اإلسالم بحفظ الضروريات الخمس التي ال ب ّ منها في قيام مصالح‬
          ‫الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج‬
     ‫واضطراب وفوت حياة، وفي األخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. وهذه‬
 ‫الضروريات الخمس هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأعظمها بعد مقصد حفظ الدين‬
                                                                                       ‫د‬
                                                                            ‫مقص ُ حفظ النفس.‬
                  ‫ق‬                                                                 ‫ع‬
     ‫فقد ُنيت الشريعة اإلسالمية بالنفس عناية فائقة، فشرعت من األحكام ما يح ّق لها المصالح‬
 ‫ويدرأ عنها المفاسد، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها ودرء االعتداء عليها. والمقصود باألنفس‬
 ‫التي عنيت الشريعة بحفظها األنفس المعصومة باإلسالم أو الجزية أو العهد أو األمان، وأما غير‬
 ‫ذلك كنفس المحارب فليست مما عنيت الشريعة بحفظه، لكونِ عدائه لإلسالم ومحاربته له أعظمَ‬
  ‫في ميزان الشريعة من إزهاق نفسه، بل وقد تكون النفس معصومة باإلسالم أو الجزية أو العهد‬
  ‫أو األمان ومع ذلك يجيز الشرع للحاكم إزهاقها بالقصاص أو الرجم أو التعزير، وال يقال: هذا‬
     ‫خ‬
    ‫مناف لمقصد حفظ النفس؛ لكون مصلحة حفظها والحالة هذه عورضت بمصلحة أعظم، فأ ِذ‬
                                                                            ‫بأعظم المصلحتين.‬
‫وقد وضعت الشريعة اإلسالمية تدابير عديدة كفيلة بإذن اهلل بحفظ النفس من التلف والتعدي عليها,‬
      ‫د‬              ‫د‬                                                                   ‫د‬
‫بل س ّت الطرقَ المفضية إلى إزهاقها أو إتالفها أو االعتداء عليها, وذلك بس ّ الذرائع المؤ ّية إلى‬
                                                                                 ‫م‬
                                             ‫القتل. فم ّا جاءت به الشريعة لتحقيق هذا المقصد:‬
      ‫5- تحريم االنتحار والوعيد الشديد لمن قتل نفسه: عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال‬
   ‫ل‬                                  ‫ج‬
 ‫رسول اهلل : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتو ّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخّدا‬
   ‫د‬                     ‫ل‬                       ‫س‬                    ‫سم‬
  ‫فيها أبدا, ومن شرب ُ ّا فقتل نفسه فهو يتح ّاه في نار جهنم خالدا مخّدا فيها أبدا, ومن تر ّى‬
                                                                 ‫د‬
                                                ‫من جبل فقتل نفسه فهو يتر ّى في نار جهنم )).‬
  ‫7- النهي عن القتال في الفتنة: عن األحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل, فلقيني‬
        ‫علي‬                 ‫عم‬
‫أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابنَ ِّ رسول اهلل ـ يعني ًّا ـ قال:‬
   ‫فقال لي: يا أحنف, ارجِع, فإني سمعت رسول اهلل يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل‬
 ‫والمقتول في النار))، قال: فقلت أو قيل: يا رسول اهلل, هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه قد‬
                             ‫ل‬
    ‫أراد قتل صاحبه)). قال النووي: "معنى ((تواجها)): ضرب ك ّ واحد وجه صاحبه, أي: ذاته‬
                                                                              ‫م‬
   ‫وجملته, وأ ّا كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من ال تأويل له, ويكون قتالهما‬
                                              ‫ق‬
‫عصبية ونحوها, ثم كونه في النار معناه: مستح ّ لها, وقد يجازى بذلك, وقد يعفو اهلل تعالى عنه,‬
                                                                         ‫هذا مذهب أهل الحق".‬
  ‫3- النهي عن اإلشارة بالسالح ونحوه من حديدة وغيرها: عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
  ‫قال أبو القاسم : ((من أشار إلى أخيه بحديدة فإن المالئكة تلعنه حتى يدعه, وإن كان أخاه ألبيه‬
  ‫وأمه)). قال النووي: "فيه تأكيد حرمة المسلم, والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له‬
  ‫بما قد يؤذيه, وقوله : ((وإن كان أخاه ألبيه وأمه)) مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد,‬
                                                               ‫ت‬                ‫ت‬
  ‫سواء من ي ّهم فيه ومن ال ي ّهم, وسواء كان هذا هزال ولعبا أم ال؛ ألن ترويع المسلم حرام بكل‬
          ‫ل‬                                            ‫ر‬
  ‫حال؛ وألنه قد يسبقه السالح كما ص ّح به في الرواية األخرى, ولعن المالئكة له يد ّ على أنه‬
                                                                                        ‫حرام".‬
   ‫َق لعب د ق ل الت هى‬                                                             ‫ب‬
   ‫2- النهي عن الس ّ والشتم المفضي للعداوة ثم التقاتل: قال تعالى: و ُل ّ ِ َا ِى يَ ُوُواْ َّ ِى ِ َ‬
                                ‫لإل ن َدو مب‬                 ‫سن ِن الش ن زغ ب ُ ِن الش ن‬
  ‫أَحْ َ ُ إ َّ َّيْطَا َ يَن َ ُ َيْنَهمْ إ َّ َّيْطَا َ كَانَ ِ ِنْسَا ِ ع ُ ّا ُّ ِينًا [اإلسراء:31]. قال الطبري:‬
   ‫"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : وقل ـ يا محمد ـ لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن؛‬
                                     ‫ِن الش ن زغ ب ه‬
‫من المحاورة والمخاطبة, وقوله: إ َّ َّيْطَا َ يَن َ ُ َيْنَ ُمْ يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم‬
        ‫َدو مب ن‬              ‫إل‬         ‫ِن الش ن‬                                            ‫زغ ب ُ‬
 ‫بعضا يَن َ ُ َيْنَهمْ يقول: يفسد بينهم, يهيج بينهم الشر، إ َّ َّيْطَا َ كَانَ لِ ِنْسَانِ ع ُ ّا ُّ ِي ًا يقول:‬
                                                            ‫و‬
     ‫إن الشيطان كان آلدم وذريته عد ّا قد أبان لهم عداوته بما أظهر آلدم من الحسد وغروره إياه‬
    ‫حتى أخرجه من الجنة". عن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((سباب‬
                                                                                                     ‫المسلم فسوق وقتاله كفر)).‬
   ‫و ض َب َال ت بد‬
 ‫وقد جاءت الشريعة اإلسالمية لحفظ الضروريات الخمس، قال اهلل تعالى: َقَ َى رُّكَ أ َّ َعْ ُ ُوا‬
   ‫َ هم‬          ‫ُ هم ُف و‬                    ‫ه‬              ‫ك َ َده‬                ‫ن ِم ي ل َن ع‬                   ‫ِال ِي ه و و ِد‬
  ‫إ َّ إ َّا ُ َبِالْ َال َيْنِ إِحْسَا ًا إ َّا َبُْغ َّ ِنْدَكَ الْ ِبرَ أَح ُ ُمَا أَوْ كِال ُمَا فَال تَقلْ لَ ُ َا أ ٍّ َال تَنْهرْ ُ َا‬
  ‫َبي ن ص ر‬                  ‫ُّل م الر مة َ ُ َّب ح ه‬                     ‫ه ج‬         ‫َ ُ هم ال ر و ِ‬
 ‫وقلْ لَ ُ َا قَوْ ً كَ ِيمًا َاخْفضْ لَ ُمَا َنَاحَ الذ ِّ ِنْ َّحْ َ ِ وقلْ ر ِّ ارْ َمْ ُمَا كَمَا ر َّ َا ِي َغِي ًا‬
        ‫ف ر و ذ ُ ب َقه‬                      ‫َو ب‬             ‫ح َ ِنه‬              ‫َب ُ َم بم ف نف س ُ إ ك ن‬
        ‫ر ُّكمْ أَعْل ُ ِ َا ِي ُ ُو ِكمْ ِنْ تَ ُو ُوا صَالِ ِين فَإ َّ ُ كَانَ لِأل َّا ِينَ غَ ُو ًا َآتِ َا الْقرْ َى ح َّ ُ‬
                                                      ‫ر‬           ‫و م ك ن و الس ل و تب ِّ‬
       ‫َالْ ِسْ ِي َ َابْنَ َّبِي ِ َال ُ َذرْ تَبْذِي ًا [اإلسراء:37-67]، فجاء ما يدل على حفظ الدين في‬
‫ذ ُ ب َقه‬                                           ‫و ض َب َال بد ِال ِي ه‬
‫مطلعها في قوله: َقَ َى رُّكَ أ َّ تَعْ ُ ُواْ إ َّ إ َّا ُ، وجاء حفظ المال في قوله: وَءاتِ َا الْقرْ َى ح َّ ُ‬
    ‫و تل الن س‬                      ‫دُ‬           ‫و ُل‬                                  ‫و تَ ّ ْ ر‬
    ‫وقوله: َالَ ُبذرْ تَبذِي ًا، وجاء حفظ النفس في قوله: َالَ تَقْتُواْ أَوْال َكمْ وقوله: َالَ تَقْ ُُواْ َّفْ َ‬
                                                                                                          ‫الت ح َّ الله ِال ب ق‬
                                                                                                         ‫َّ ِى َرمَ َّ ُ إ َّ ِالحَ ّ.‬
    ‫وتأملوا سنة النبي ، عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))‬
      ‫قالوا: يا رسول اهلل وما هن؟ قال: ((الشرك باهلل والسحر وقتل النفس التي حرم اهلل إال بالحق‬
‫وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافالت)). قال عبد‬
    ‫اهلل قادري: "وقد سمى االعتداء على هذه األمور موبقًا أي: مهلكًا، وال يكون مهلكًا إال إذا كان‬
                                                         ‫حفظ األمر المعتدى عليه ضرورة من ضرورات الحياة".‬
‫وعن عبادة بن الصامت رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني‬
                                                                      ‫شيئ‬
‫على أن ال تشركوا باهلل ًُّا وال تسرقوا وال تزنوا وال تقتلوا أوالدكم وال تأتوا ببهتان تفترونه بين‬
    ‫أيديكم وأرجلكم وال تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على اهلل، ومن أصاب من ذلك‬
                                                                                           ‫شيئ‬
   ‫ًُّا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًُّا ثم ستره اهلل فهو إلى اهلل إن شاء‬
   ‫عفا عنه وإن شاء عاقبه))، فبايعناه على ذلك. قال عبد اهلل قادري: "فقد بايع رسول اهلل أصحابه‬
                         ‫َال ت ْرك به‬
   ‫على حفظ هذه الضرورات، وهي حفظ الدين في قوله تعالى: أ َّ ُش ِ ُواْ ِ ِ شَيْئًُّا، وحفظ النفس‬
 ‫وال‬                                    ‫و تل الن الت ح َّ الله ِال ب ق‬
 ‫في قوله: َالَ تَقْ ُُواْ َّفْسَ َّ ِى َرمَ َّ ُ إ َّ ِالحَ ّ، وحفظ النسل والنسب والعرض في قوله: َ َ‬
    ‫و ي ِْن‬                           ‫د ِن وَ جل ِن‬               ‫و ت ببه ي َر ه ب‬                                  ‫َ ن‬
  ‫يزْ ِينَ وقوله: َالَ يَأْ ِينَ ِ ُ ُتَانٍ َفْت ِينَ ُ َيْنَ أَيْ ِيه َّ َأرْ ُِه َّ، وحفظ المال في قوله: َالَ َسرقْ َ".‬
          ‫أيها المسلمون، ما عظم جرم قتل النفس بغير حق؟ جاءت نصوص الكتاب والسنة بتحريم‬
                                                                  ‫د‬
    ‫االعتداء على النفس وع ّ ذلك من كبائر الذنوب؛ إذ ليس بعد اإلشراك باهلل ذنب أعظم من قتل‬
                                                                      ‫ع‬
  ‫النفس المعصومة. وقد تو ّد اهلل سبحانه قاتلَ النفس بالعقاب العظيم في الدنيا والعذاب الشديد في‬
    ‫و ِد إ س ن‬                           ‫ْل م ح َّ َب ُ ع ُ َال ت رك ب‬                                 ‫ُ‬
   ‫اآلخرة، قال اهلل تعالى: قلْ تَعَالَوْاْ أَت ُ َا َرمَ رُّكمْ َلَيْكمْ أ َّ ُشْ ِ ُواْ ِهِ شَيْئًُّا َبِالْوال َيْنِ ِحْ َا ًا‬
  ‫َر م وم طن وال‬                         ‫ن ن َ ْزق ُ وِي ُ و ْرب ف‬                                   ‫دُ م‬              ‫و تل‬
  ‫َالَ تَقْ ُُواْ أَوْلَا َكمْ ّنْ إمْلَاقٍ َّحْ ُ نر ُ ُكمْ َإ َّاهمْ َالَ تَق َ ُواْ الْ َواحِشَ مَا ظَه َ ِنْهَا َ َا بَ َ َ َ َ‬
                                 ‫تل الن الت َر الله ِال حق ل ُ َص ُ ب َل ُ قل‬
   ‫تَقْ ُُواْ َّفْسَ َّ ِى ح َّمَ َّ ُ إ َّ بِالْ َ ّ ذاِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّكمْ تَعْ ُِونَ [األنعام:515]، وقال تعالى:‬
   ‫ي ْر ف‬         ‫ل م َ جع وليه س ن‬                             ‫و تل الن الت ح َّ الله ِال ب ق وم ق ِ‬
  ‫َالَ تَقْ ُُواْ َّفْسَ َّ ِى َرمَ َّ ُ إ َّ ِالحَ ّ َ َن ُتلَ مَظُْو ًا فَقدْ َ َلْنَا لِ َِ ّ ِ ُلْطَا ًا فَالَ ُس ِف ّى‬
‫َر و تل ن‬                    ‫َ ع ن الل‬               ‫و َّذ‬                            ‫ْ ِنه ن م ص ر‬
‫الْقَتلِ إ َّ ُ كَا َ َنْ ُو ًا [اإلسراء:33]، وقال تعالى: َال ِينَ الَ يدْ ُو َ مَعَ َّهِ الها ءاخ َ َالَ يَقْ ُُو َ‬
        ‫ي َ ه َ ب ْم‬                              ‫ي‬          ‫ق و َ ن وم ي َ‬                    ‫الن الت ح َّ الله ِال‬
        ‫َّفْسَ َّ ِى َرمَ َّ ُ إ َّ بِالْحَ ّ َالَ يزْ ُونَ َ َن َفْعلْ ذالِكَ َلْقَ أَثَامًا ُضَاعفْ لَ ُ الْعذَا ُ يَو َ‬
‫َنه‬            ‫ع بن إ‬                         ‫م ْ‬                                    ‫ق مة و ُ ْ ف ه م ن‬
‫الْ ِيا َ ِ َيَخْلد ِي ِ ُهَا ًا [الفرقان:86، 96]، وقال تعالى: ِنْ أَجلِ ذالِكَ كَتَبْنَا َلَى َ ِى ِسْراءيلَ أ َّ ُ‬
‫الن س‬            ‫َن‬          ‫ي‬
‫َن قَتَلَ نَفْسًا ِغَي ِ نَفْسٍ أَو فَ َاد ِى األرضِ فَكَأَّمَا قَتلَ َّاسَ َ ِيعًا َ َنْ أَحْ َاهَا فَكَأَّمَا أَحْيَا َّا َ‬
                                      ‫َن َ الن جم وم‬                       ‫ْ‬     ‫ْ سٍف‬               ‫ب ْر‬                   ‫م‬
                  ‫م ْ ِف‬     ‫ْ‬     ‫َف‬        ‫جم ع و ج ُ رسل لبي ت ُم ِن ر م ُ ب ْ‬
 ‫َ ِي ًا َلَقَدْ َاءتْهمْ ُ ُُنَا بِاّ َ ّنَا ِ ث َّ إ َّ كَثِي ًا ّنْهمْ َعدَ ذالِك ِى األرضِ لَ ُسر ُونَ [المائدة:73].‬
         ‫وعن أنس بن مالك رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((أكبر الكبائر اإلشراك باهلل وقتل النفس‬
‫وعقوق الوالدين وقول الزور))، وعن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((لن يزال‬
   ‫المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)). والفسحة في الدين: سعة األعمال الصالحة‬
  ‫حتى إذا جاء القتل ضاقت ألنها ال تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا‬
                                                                                                   ‫جاء القتل ارتفع القبول.‬
                                               ‫و‬
   ‫وعن عبد اهلل بن مسعود قال: قال النبي : ((أ ّل ما يقضى بين الناس في الدماء)). قال النووي:‬
                                                              ‫و‬
    ‫"فيه تغليظ أمر الدماء, وأنها أ ّل ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة, وهذا لعظم أمرها وكثير‬
           ‫خطرها, وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن: ((أول ما يحاسب به العبد‬
                                                                                    ‫ن‬
     ‫صالته)) أل ّ هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين اهلل تعالى, وأما حديث الباب فهو فيما بين‬
                                                                                             ‫العباد, واهلل أعلم بالصواب".‬
      ‫وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة, ناصيته‬
                                                 ‫ب‬
           ‫ورأسه بيده, وأوداجه تشخب دما, يقول: يا ر ّ, هذا قتلني, حتى يدنيه من العرش)). قال‬
  ‫المباركفوري: "قوله: ((يجيء المقتول بالقاتل)) الباء للتعدية, أي: يحضره ويأتي به, ((ناصيته))‬
                                                                                 ‫د‬
       ‫أي: شعر مق ّم رأس القاتل, ((ورأسه)) أي: بقيته بيده, أي: بيد المقتول, ((وأوداجه)) هي ما‬
                                     ‫د‬
       ‫أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها و َج بالتحريك, ((تشخب)) بضم الخاء‬
                         ‫ر‬
       ‫المعجمة وبفتحها أي: تسيل دما, ((يقول: يا رب، قتلني هذا)) أي: ويك ّره, ((حتى يدنيه من‬
                                                    ‫ل‬
‫العرش)) من اإلدناء, أي: يقرب المقتو ُ القاتلَ من العرش, وكأنه كناية عن استقصاء المقتول في‬
                                                             ‫طلب ثأره, وعن المبالغة في إرضاء اهلل إياه بعدله".‬
      ‫وك‬
    ‫وعن أبي سعيد رضي اهلل عنه عن نبي اهلل أنه قال: ((يخرج عنق من النار يتكلم يقول: ِّلت‬
                                                                          ‫ل‬
    ‫اليوم بثالثة: بك ّ جبار, وبمن جعل مع اهلل إلها آخر, وبمن قتل نفسا بغير نفس, فينطوي عليهم‬
                                                                                             ‫فيقذفهم في غمرات جهنم)).‬
     ‫وم ي ُ م من م ع ّد َز ؤه‬
     ‫أال وإن حرمة دم المسلم عظيمة جدا عند اهلل، قال اهلل تعالى: َ َن َقْتلْ ُؤْ ِ ًا ُّتَ َم ًا فَج َا ُ ُ‬
                                      ‫جه َّم ِد ف ه و ض الله ع ه و ع ه و َد ه َ ب ظ‬
  ‫َ َن ُ خَال ًا ِي َا َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَا ًا عَ ِيمًا [النساء:39]. قال ابن كثير: "هذا‬
‫تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك باهلل تعالى في غير‬
                                  ‫د‬
                               ‫ما آية في كتاب اهلل... واآليات واألحاديث في تحريم القتل كثيرة ج ًا".‬
                                    ‫ر‬
 ‫وقال في أكبر اجتماع للناس في عصره: ((أال إن اهلل ح ّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم‬
‫هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، أال هل بلغت؟)) قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد ـ ثالثا ـ ويلكم‬
‫انظروا ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)). قال القاضي عياض: "قوله: ((فإن‬
 ‫ل‬
 ‫دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)) ك ّ‬
 ‫هذا تأكيد لحرمة الدماء واألموال واألعراض، وتحريم لمظالم العباد، كتأكيد حرمة يوم النحر من‬
‫شهر الحج في حرم مكة". وقال النووي: "قوله : ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كرحمة يومكم‬
                                                    ‫هذا في شهركم هذا)) معناه: متأكدة التحريم شديدته".‬
  ‫وعن البراء بن عازب رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((لزوال الدنيا أهون على اهلل من قتل‬
    ‫مؤمن بغير حق))،وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي اهلل عنهما عن رسول اهلل قال:‬
                                                                                  ‫ّ‬
‫((لو أن أهل السماء وأهل األرض اشتركوا في دم مؤمن ألكبهم اهلل في النار)). وقال ابن العربي:‬
                                                       ‫ق‬
     ‫"ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير ح ّ والوعيد في ذلك، فكيف بقتل اآلدمي؟! فكيف بالمسلم؟!‬
                                                                                      ‫فكيف بالتقي الصالح؟!".‬
 ‫وعن عبد اهلل بن عمرو قال: رأيت رسول اهلل يطوف بالكعبة ويقول: ((ما أطيبك وأطيبَ ريحك,‬
                                                                     ‫م‬       ‫م‬
    ‫ما أعظ َك وأعظ َ حرمتك. والذي نفس محمد بيده, لحرمة المؤمن أعظم عند اهلل حرمة منك:‬
                                                                         ‫ماله ودمه وأن نظن به إال خيرا)).‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
        ‫ت‬                                                               ‫ك‬
   ‫ال أحد يش ّ في شناعة حادث التفجير الذي حصل في مدينة الرياض، والذي راح ضحي َه عدد‬
                                                ‫ة‬
 ‫من رجال األمن وأصيب آخرون، وهذه الجريم ُ النكراء التي تنكرها الشرائع السماوية والقوانين‬
 ‫األرضية والعقول السوية إن كان قد قام بهذه الجريمة ممن ينتسب لإلسالم فإن لها من المفاسد ما‬
                                                                              ‫ال يمكن حصره، ومن أبرزها:‬
                                                          ‫ق‬                    ‫ر‬
                                  ‫5- قتل النفس التي ح ّم اهلل تعالى بغير ح ّ كما بينا لكم من األدلة.‬
                                     ‫ر‬     ‫ح‬
  ‫7- زعزعة األمن في بالد الحرمين التي أصب َت مض ِبَ المثل في استتباب األمن واستقراره‬
  ‫ن‬                                                               ‫ث‬                      ‫و‬
  ‫بين د َل العالم، وكم في العب ِ باألمن من مخاطرَ ال يعلمها إال اهلل، فكيفَ تقوم الحياة دون أم ٍ‬
                               ‫ء‬                                 ‫ة‬
          ‫واستقرار؟! وكيف تكون عباد ُ اهلل تعالى وارتياد المساجد وأدا ُ الشعائر في حال الخوف‬
   ‫ُّد ر‬     ‫ر َ ك م قل ب الت ف‬                            ‫م‬           ‫ِنه‬
   ‫واالنفالت؟! ولكن كما قال تعالى: فَإَّ َا الَ تَعْ َى األَبْصَا ُ ولَ ِن تَعْ َى الْ ُُو ُ َّ ِي ِي الص ُو ِ‬
                                                                                                     ‫[الحج:62].‬
                                     ‫نص‬         ‫ر حق‬
‫3- الخروج على والةِ األمر بغي ِ ٍّ، والذين َّ القرآن على وجوب طاعتهم بالمعروف، قال‬
                      ‫ْر م ُ‬       ‫و ط ع الرس وأ ل‬                 ‫َي َّذ ن من ط ع‬
   ‫اهلل تعالى: يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا أَ ِي ُوا اهللَ َأَ ِي ُوا َّ ُولَ َُوِي األَم ِ ِنكمْ [النساء:91]، وقد‬
‫جاء في الحديث: ((من أطاع األمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع اهلل، ومن عصى األمير‬
                                                                 ‫فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى اهلل)).‬
  ‫الرس م ب ْد م‬            ‫وم ي‬                       ‫ة‬
 ‫2- االنشقاق على جماعةِ المسلمين ومخالف ُ سبيلهم، قال تعالى: َ َن ُّشَاقِقِ َّ ُولَ ِن َع ِ َا‬
                ‫َل ون ل جه َّم وس ء م ر‬                   ‫م من ن ن َله‬              ‫َي ه ُد و َتب ْر س‬
               ‫تَب َّنَ لَ ُ اله َى َي ِّ ِعْ غَي َ َبِيلِ ال ُؤْ ِ ِي َ ُوِّ ِ مَا تَوَّى َُصِْهِ َ َن َ َ َا َتْ َصِي ًا‬
                      ‫ر‬          ‫د‬                 ‫ف‬                 ‫ج‬
    ‫[النساء:155]. فما أحو َنا إلى وحدةِ الص ّ وجمع الكلمة بعي ًا عن التف ّق والتنازع كما قال‬
                                                    ‫ل و َ ه ر ح ُ و ِر‬                     ‫و ن زع‬
                                    ‫تعالى: َالَ تَ َا َ ُوا فَتَفْشَُوا َتذْ َبَ ِي ُكمْ َاصْب ُوا [األنفال:62].‬
                         ‫ي‬
     ‫1- خدمة أعداءِ اإلسالم في إيجاد الذرائع لهم في عالمنا اإلسالم ّ، بل في أرض الحرمين،‬
                               ‫ًّا وإعالمي‬
                    ‫ًّا وغير ذلك.‬                 ‫ليش ّوا حمالتهم المغرضةَ على المسلمين سياسي‬
                                        ‫ًّا واقتصادي‬                                    ‫ن‬
                         ‫ه‬
 ‫6- تشويه صورةِ الدين اإلسالمي في أنظار غير المسلمين، وتشوي ُ مذهب أهل السنة في أنظار‬
                ‫ن‬              ‫ص‬                               ‫ن‬      ‫ي س‬
  ‫المخالفين، فكيف ُح َن الظ ّ بمذهبٍ أو دين جعل الدماءَ أرخ َ ما لديه، وكأ ّ إزهاقَ األنفس‬
                                                                    ‫وإراقةَ الدماء من األمور اليسيرة السهلة؟!‬
                  ‫ّ‬                 ‫ي‬          ‫ي‬        ‫ي‬         ‫ي‬
 ‫2- إعاقة العمل الوطن ّ واإلغاث ّ والدعو ّ واإلصالح ّ، بل أقول والجهادي في مواطنِ الجهاد‬
                                                                                                       ‫ي‬
                                                                                    ‫الحقيق ّة في فلسطين وغيرها.‬
                                                                              ‫د‬               ‫ب‬
                                                           ‫وإن كان د ّرت من أعداء ال ّين فاللهم عليك بهم.‬
      ‫ل‬                ‫ف‬
 ‫أسأل اهلل تعالى أن يحفظَ على بالد الحرمين أمنَها واستقرارها، وأن يو ّق والة أمرها لك ّ خير،‬
       ‫ن‬              ‫ن‬               ‫ق ل‬
‫وأن يرزقَهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الح ّ وتدّهم عليه، وأن يجّب بالدنا الفت َ ما ظهر‬
                                                       ‫ن‬                  ‫ح‬
                                           ‫منها وما بطن، وأن يصل َ شباب المسلمين، إ ّه سميع مجيب.‬

‫(5/7223)‬




                                                                                               ‫د‬
                                                                                              ‫فلسطين: جراح تتج ّد‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                      ‫العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                           ‫المسلمون في العالم, جرائم وحوادث‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                          ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                                                  ‫عنيزة‬
                                                                                                         ‫27/7/7725‬
                                                                                    ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- ضعف المسلمين وتشتت دولتهم. 7- غياب كثير من المسلمين عن قضايا أمتهم. 3- فلسطين‬
  ‫جرح في جسد األمة على مدى ثالث وخمسين سنة. 2- تآمر الغرب النصارى مع اليهود ضد‬
‫المسلمين. 1- إرجاع فلسطين التي أخذت بالقوة لن يكون إال بالقوة. 6- اليهود قتلة األطفال. 2-‬
                                                 ‫وجوب توحيد الصفوف لنصرة المستضعفين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                              ‫أما بعد: يا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
     ‫د‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، ظل العالم اإلسالمي بأسره مئات األعوام وهو متجانس متماسك يش ّ بعضه‬
   ‫أزر بعض، ويأرز إلى عقيدته الجامعة كلما هدد كيانه خطر أو ادلهم عليه خطب، ومنذ فقدان‬
     ‫األندلس ومن ثم ضعف وسقوط الخالفة العثمانية أخذت أرض اإلسالم تنتقص من أطرافها،‬
‫ففقدت أقطار وأمم وانتهكت محارم ومقدسات ودارت رحى الحرب على المسلمين وتداعت عليهم‬
    ‫األمم والشعوب، وصدق رسول اهلل : ((يوشك أن تتداعي عليكم األمم كما تتداعى األكلة على‬
  ‫قصعتها))، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول اهلل؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير ولكم غثاء كغثاء‬
    ‫السيل، ولينزعن اهلل من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن))، قالوا: وما‬
                           ‫الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) أخرجه أحمد وأبو داود.‬
                         ‫د‬
        ‫نعم إخوتي، إنه الوهن وهو سر الضعف األصيل حين يعيش الناس عبي ًا لدنياهم، عشاقًا‬
                                      ‫ي‬
    ‫ألوضاعهم الرتيبة، تحركهم الشهوات، وتموج بهم وتس ّرهم الرغائب المادية. إنه الوهن حين‬
     ‫ل‬
 ‫يكره المسلمون الموت ويؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، ويؤثرون حياة يموتون فيها ك ّ يوم‬
     ‫موتات على موت يحيَون بعده حياة سرمدية، جبن في النفوس والقلوب، وانفعالية في اإلرادة‬
                                                ‫ق‬
‫والتصرفات، وغرام بالمتع الرخيصة في أد ّ الساعات وأحلك األيام، وافتتان بالمالهي والرياضة‬
    ‫والمعازف، وجبن عن المغامرة واإلقدام، وشرع الحكم اإلسالمي بالتراجع ومرتكزاته العلمية‬
                                          ‫ل‬                      ‫ل‬
       ‫بالتداعي، فحلت البدع مح ّ اإلبداع، والتقليد مح ّ التجديد، وزاحمت ظلمات الخرافة بدور‬
                   ‫التوحيد، وقامت رايات القومية العربية أو االشتراكية أو الناصرية أو البعثية.‬
                      ‫ل‬
 ‫تلكم باختصار ـ إخوتي ـ وصف لحال أمتنا العربية اإلسالمية التي تبّد حسها بالرغم من كثرة‬
‫مصائبها التي طالت شعوبها وأراضيها بل وحتى مقدساتها، وتغيب األمة عن قضاياها لتفقد الخلق‬
   ‫واإلرادة، وتباع األمة وحقها بمنافع سلطوية شخصية، وتزعزع روح التدين واألخالق، فكيف‬
 ‫كانت النتيجة؟! نعم كيف كانت النتيجة؟! لقد أصبحت الشعوب العربية اإلسالمية غثاء وركاما ال‬
                    ‫ق‬                                                          ‫ال‬
           ‫تملك حو ً وال طوالً وال قوة في مواجهة أعدائها، هذا إن عرفت عدوها ح ّ المعرفة.‬
                                                                                      ‫ت‬
     ‫ُرى ما أسباب تبلد الشعور العربي؟! أحداث مأساوية ودماء وأشالء، أطفال تقتل في مهدها،‬
                                                   ‫ً‬
  ‫ونساء تنتهك حرماتها، وبيوت تهدم ليال فوق أهلها، أشجار الزيتون تقتلع من أرضها، بل أعظم‬
      ‫من كل ذلك مقدسات على وشك أن تهدم، بل قد دنست، وأما سبيل المقاومة أمام المدرعات‬
  ‫والمجنزرات والجند المدججين فهو الحجر، نعم الحجر، لم يملك المسلمون بكل قواهم وثرواتهم‬
    ‫سوى الحجر. إنها فلسطين حيث صور الدمار والدماء والجثث التي ال تملك وأنت تطالعها أو‬
  ‫تسمع عنهم إال أن تتساءل: أين غابت نخوة المسلمين؟! بل أين غابت نخوة العرب؟! أين غابت‬
                 ‫ت‬
  ‫الثروات؟! هل تبلد الشعور في نفوسنا أم انطفأت جذوة الحماس في قلوبنا؟! ُرى هل أمتنا غير‬
                      ‫ن‬
  ‫تلك األمة التي نطالع مجدها ونقرأ تاريخها الحافل باالنتصارات والتي تغ ّى بها الشعراء؟! إنها‬
                                                                              ‫أسئلة بال إجابة.‬
                                                ‫أمتي هل لك بين األمم …منبر للسيف أو للقلم؟‬
                                            ‫أتلقاك وطرفي مطرق …خجالً من أمسك المنصرم‬
                                      ‫كيف أغضيت على الذل ولم …تنفضي عنك غبار التهم؟!‬
                                             ‫رب وامعتصماه انطلقت …ملءَ أفواه الصبايا اليتم‬
                                             ‫المست أسماعهم لكنها …لم تالمس نخوة المعتصم‬
                                             ‫أمتي كم صنم مجدته …لم يكن يعرف طهر الصنم‬
                                          ‫ال يالم الذئب في عدوانه …إن يك الراعي عدو الغنم‬
   ‫إنها نكبة النكبات، إنها فلسطين في زمن التخاذالت، فلسطين التي يدمى جرحها كل يوم، فماذا‬
‫فعلنا لها؟ ماذا قدمنا من تضحيات؟! ماذا فعلنا لها؟! وماذا فعلنا وحققنا بالتنازالت؟! حتى عواطفنا‬
     ‫تجاه إخواننا هناك ما لبثت أن انكمشت كنار سعفة شبت ثم انطفأت، ثالث وخمسون سنة من‬
‫تاريخ صراعنا مع اليهود في نكبة فلسطين، ثالث وخمسون سنة وفلسطين ومقدساتها تحت نيران‬
   ‫احتالل الصهاينة اليهود، ثالث وخمسون سنة وأمتنا العربية من نكبة إلى نكسة إلى تشرذم إلى‬
‫خالف، ثالث وخمسون سنة وأمتنا اإلسالمية تنهش من أطرافها وأوساطها ويستغيث بنا المسلمون‬
‫وال مجيب، ثالث وخمسون سنة وإعالمنا العربي منشغل عن قضاياها المصيرية بالفن والرياضة‬
                                             ‫ل‬
 ‫ومسلسالت العهر والفجور واالستهزاء بمسّمات ديننا اإلسالمي، ثالث وخمسون سنة وكل راية‬
 ‫رفعت في مواجهة اليهود إال راية اإلسالم والجهاد في سبيل اهلل، حتى راية الفاتيكان وقساوستها‬
         ‫يهم‬
      ‫وبابا الفاتيكان يستعان به وراية الفاتيكان ترفع في بالد المسلمين وعلماء المسلمين َّشون‬
                          ‫ي‬                                                       ‫ويضي‬
        ‫َّق عليهم، ثالث وخمسون سنة وأبناء فلسطين في رباط دائم مط ّبين بالكفاح مثخنين‬
    ‫ح‬       ‫م‬
  ‫بالجراح، ثالثة وخمسون عامًا وبلد إسالمي في األرض المباركة فلسطين يعيش آال ًا وجرا ًا،‬
                        ‫ي‬      ‫د‬
      ‫يعيش نكبات لم ينكب مثلها المسلمون منذ قرون، يعيش طر ًا وحش ًا لشعب آمن في أرضه‬
   ‫وعمرانه، يعيش جريمة دولية تصلح لعصابة يهود أن تمارس القتل والتشريد بال تمييز، ثالث‬
   ‫وخمسون سنة تعرت فيها الفدائيات المهترئة والمنظمات المتخاذلة وانكشفت فيها أكذوبة السالم‬
  ‫وخداع أوسلو ومدريد وكل اللقاءات والمؤتمرات واللجان والمبعوثين ورعاة السالم المزعومين،‬
   ‫ثالثة وخمسون عامًا والحكاية ما تزال في بدايتها، غرب متآمر، جوار متخاذل، وأموال تتدفق‬
       ‫على المعتدي الصهيوني، ثالثة وخمسون عامًا والبرابرة اليهود مع الخونة والمتخاذلين من‬
‫أعوانهم ينفذون نكبات جديدة من دير ياسين إلى دير البلح إلى كفر قاسم وإحراق المسجد األقصى‬
       ‫ومذبحة صابرا وشاتيال وعناقيد الخضم في قانا، إنه حاضر يرتد إلى الماضي فكيف بدأت‬
                                                                                   ‫القصة؟!‬
‫أيها المسلمون، كان اليهود شراذم وأقليات في بقاع شتى من العالم، فعزموا على إعادة بناء أنفسهم‬
     ‫بجدية، فأنشؤوا حركة صهيونية تعمل وفق خطة مدروسة واضحة المعالم بوصاية بريطانية،‬
‫واجتمع هدف اليهود والنصارى الذين لم ينسوا األحزاب وخيبر وبالط الشهداء وحطين وبدعم من‬
 ‫قادتهم كهرتزل ونوردن ووايزل، استطاعوا في فصل تاريخي أن يعقدوا مؤتمر باسل قبل حوالي‬
  ‫مائة سنة الذي انبثقت عنه المنظمة الصهيونية التي نجحت بالتحالف مع الغرب بعد أن سيطرت‬
‫على غالب ثرواته وتحكمت في إعالمه بأن كثفت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن ثم استصدار‬
 ‫وعد وزير خارجية بريطانيا بلفور عام 2595م بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين المستعمرة‬
       ‫حينذاك من بريطانيا، هذا الوعد ألرض مستعمرة في فلسطين لتجمع شتات اليهود، وزادت‬
     ‫المصيبة وعظمت حين أسقطت دولة الخالفة اإلسالمية في عام 2795م، وفي نهاية المطاف‬
           ‫م‬
  ‫نجحت الصهيونية ليعلن ابن قريون إنشاء كيان دولة يهودية في فلسطين قبل 31 عا ًا أي: سنة‬
 ‫8295م تسيطر حينذاك على 82 في المائة من أرض فلسطين، هذه الدولة النشاز التي سارع إلى‬
     ‫االعتراف بها عدد من دول العالم الكافر بمنظماته وهيئاته، وفي الوقت نفسه الذي يجتمع فيه‬
                                     ‫ف‬                                      ‫ر‬
      ‫اليهود ش ّد من مسلمي فلسطين حينذاك حوالى 012 أل ًا الذين ما زال معظمهم يعيشون في‬
     ‫مخيمات بائسة بعد أن أصبح تعدادهم ثالثة ماليين ونصف الجئ، وفي سنة 2695م استكمل‬
 ‫الصهاينة احتالل باقي فلسطين مع عدد من األراضي العربية، ثم أصبحت إسرائيل دولة اعترف‬
‫بها حتى بعض دول العالم اإلسالمي، وتعاملوا معها ووقعوا معها االتفاقيات وتبادلوا معها السفراء‬
                      ‫والمكاتب التجارية في نفس الوقت الذي يقتل فيه المسلمون داخل فلسطين.‬
 ‫تلكم هي قصة ثالثة وخمسين عامًا من الصراع مع يهود، كان عدد اليهود في بدايته قليال، وكان‬
‫مشروعهم صغيرا بإمكان المسلمين حينذاك القضاء عليه في مهده لو انتبهوا لهم وما انشغلوا عنه،‬
 ‫لكن المشروع توسع ولعله من قدر اهلل جل وعال أن يجعل هذه المنطقة في أتون الصراع لتجاهد‬
                                             ‫في سبيل اهلل وتخرج العدو من األرض المباركة.‬
       ‫لقد استنجد أهل فلسطين في بداية صراعهم مع اليهود بإخوانهم العرب والمسلمين، وقامت‬
‫التجارب الجهادية ألمة ما زال فيها عرق ينبض ورجال ال يقبلون الضيم حينذاك، واشترك علماء‬
 ‫وشباب ضحوا بأنفسهم في سبيل اهلل لمقاومة دولة يهود ودفاعًا عن المقدسات، لكن تلك التجارب‬
     ‫أجهض أكثرها وحوربت من القريب قبل البعيد، وكان مسلمو فلسطين يصرخون ويستغيثون‬
      ‫ش‬
    ‫ويبينون المؤامرة تلو المؤامرة، فعقدت المؤتمرات الكثيرة، وناقشوا القضية، وأشبعوها نقا ًا،‬
  ‫فتمخض الدعم بالمال فقط إن وجد، واستجاب العالم العربي بدوله ومنظماته بلجان تأتي وتذهب‬
 ‫وال تستطيع أن تفعل شيئا، لجان ومندوبون برعاية كافرة من هيئة األمم أو مجلس األمن، وكانوا‬
                                     ‫ع‬
‫يصدرون القرارات ويعدون ويحاورون ويناورون وي ِدون العرب وال يوفون، والعرب ال يزالون‬
                                            ‫ح‬
   ‫ينتظرون، واليهود يماطلون، بل استفادوا تسلي ًا وتدريبًا ونحن في غفلة ضائعون، وفي الوقت‬
     ‫ذاته الذي كان العرب يزدادون فيه ضعفًا وتخاذالً فإن اليهود الصهاينة يزدادون قوة وتمكينا،‬
       ‫وضعفت المقاومة تجاه اليهود، بل أصبحت الشعوب العربية ممنوعة حتى من الهتاف ض ّ‬
       ‫د‬
‫إسرائيل، وقد تقمع لذلك، ذلكم هو تاريخ القضية التي ما زالت تنتقل من نكبة إلى نكبة ومن نكسة‬
                                                                                      ‫إلى نكسة.‬
                     ‫ن‬               ‫ث‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، إنها دعوة للتأمل ودراسة الحال بح ًا عن العالج فإ ّ المتأمل في مسيرة هذا‬
       ‫الصراع تصدمه حقائق كبيرة يراد تصغيرها ومعالم خطيرة يراد تحقيرها، منها أن الكيان‬
‫الصهيوني الذي جعل الدين ركيزة تنطلق منها السياسة ظل يتنقل خالل مراحل الصراع من إنجاز‬
‫إلى إنجاز ومن قوة وانتشار إلى مزيد من القوة واالنتشار في الوقت الذي ظلت فيه أكثر الكيانات‬
   ‫العلمانية التي تصدرت للمعركة تتخبط في سيرها متنقلة من فشل إلى فشل ومن تنازل وخسارة‬
       ‫إلى مزيد من التنازل والخسارة. إن اليهود رفعوا منذ بدأت معركتهم راية واحدة هي راية‬
  ‫التوراة، واندفعوا وراء غاية واحدة هي أرض الميعاد، فأسموا دولتهم باسم نبي اهلل يعقوب عليه‬
   ‫السالم إسرائيل، وجعلوا دستور دولتهم التوراة، وخاضوا معاركهم خلف األحبار والحاخامات،‬
                                                  ‫د‬      ‫ر‬
    ‫وجعلوا لدولتهم بكل توجهاتها شعا ًا واح ًا هو نجمة داود وقبلتهم هيكل سليمان الذي يريدون‬
                                                      ‫بناءه مكان المسجد األقصى كما يزعمون.‬
‫إنها ثالثة وخمسون عامًا على قيام دولة يهودية شاذة في أرض العرب، أثبتت كل الشواهد خاللها‬
                  ‫د‬
    ‫الفشل الذريع والهزائم المنكرة والتراجع المذهل لالتجاه العلماني بأثوابه المتع ّدة من اشتراكية‬
                                 ‫ز‬
    ‫وقومية وتقدمية أو بعثية أو ناصرية أو رافضية. إن الذي ه ِم وتراجع أمام اليهودية ليس هو‬
 ‫اإلسالم، بل مسميات أخرى بعيدة عنه مشوهة له، والذي ألقى السالح وطلب االستسالم ليس هو‬
‫اإلسالم بل هي العلمانية، اإلسالم الذي لم يمكن حتى اآلن من التصدي لتلك المعركة العقائدية مع‬
                                                                                         ‫اليهود.‬
         ‫و‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون، بعد كل ذلك هل نستفيد من التاريخ؟ هل نرجع إلى الماضي لنق ّم الحاضر؟‬
                                                                ‫خ‬
    ‫هل لليل فلسطين من آ ِر؟ وهل لفجرها من موعد؟ إن اليهود بما يملكون من قوى سياسية أو‬
     ‫عسكرية أو اقتصادية أو إعالمية أو نظام مؤسسات هم أضعف بكثير مما يتصورهم عدد من‬
  ‫الناس، لكننا ال نستطيع مواجهتهم والوهن كامن في نفوسنا والمهابة منزوعة من صدور أعدائنا‬
       ‫وإعالمهم ونظامهم ينسج الحقيقة من وجهات نظرهم وحدهم. إننا ال نستطيع مواجهتهم إال‬
                                ‫ح‬
      ‫باإلسالم، وباإلسالم وحده ننتصر بإذن اهلل، وباإلسالم يتص ّح الخلل وتستمد أسباب النصر‬
     ‫و‬
    ‫ومقومات الصمود، فليس الصراع مع اليهود صراعًا موسميا، بل بدأ صراعنا معهم منذ نب ّة‬
      ‫محمد ، وجاهر بها أسالفهم بعد ذلك من بني قريضة وقينقاع وبني النظير وعبد اهلل بن سبأ‬
                             ‫د‬
       ‫وميمون بن ديسان القداح. إن قضية فلسطين قضية إسالمية بال ّرجة األولى، وإن الصراع‬
                                                                              ‫ر‬
  ‫سيستم ّ وهو صراع بين اإلسالم والتحالف الغربي الصهيوني، والجهاد الذي بدأه الشيخ يوسف‬
 ‫الجرار وعز الدين القسام وعبد القادر المظفر وفرحان السعدي سيستمر بإذن اهلل. ويجب أن يعلم‬
     ‫المسلمون أن ال ثقة بوعود الغرب وأمريكا راعية السالم المزعوم، وأنه من السذاجة وهزال‬
                                                 ‫د‬
    ‫الرؤية أن نستجدي الغرب ليساعدنا ض ّ اليهود أو يوقفهم عن ارتكاب المجازر في حق شعب‬
                          ‫ت د‬
        ‫عربي هم يعتبرونه همجيا أو إرهابيًا، وإن نكبة مثل فلسطين ال تس َر ّ بالحلول السهلة أو‬
    ‫بالمؤتمرات والخطب فقط أو بالجلوس مع يهود في مفاوضات سالم ال تبحث إال عن إرضاء‬
         ‫اليهود ومصالح يهود، وإن البحث عن مثل هذا الواقع المتردي هو أول الوسائل للنصر.‬
       ‫أيها اإلخوة، لقد هانت هذه األمة حين ظهر فيها تفرق الكلمة واختالف األغراض وتجاذب‬
‫األهواء، لقد برزت فيها األحقاد، شغل بعضهم ببعض، انقسموا إلى قوميات وتفرقوا إلى دوليات،‬
    ‫لهم في عالم السياسات مذاهب، ولهم في االقتصاديات مشارب، استولت عليهم الفرقة ووقعت‬
‫عليهم الهزيمة، بل نهش بعضهم بعضا وسلب بعضهم حقوق بعض حتى صيح بهم من كل جانب،‬
  ‫فانصرفوا عن قضاياهم الكبرى، واستغل األعداء األجواء، وفي هذه األجواء المظلمة واألحوال‬
                                                ‫د‬       ‫و‬
   ‫القاتمة يزداد الصهاينة في مقدساتنا عت ًا وفسا ًا وتقتيالً وتخريبًا، يريدون في زعمهم أن يبنوا‬
  ‫هيكلهم المزعوم على أنقاض ثالث المسجدين الشريفين، أو أن يجهضوا انتفاضة الحجر ألطفال‬
 ‫المسلمين ورجالها ونسائها، أال ساء ما يزعمون، فالعزة هلل ولرسوله وللمؤمنين، والذلة والصغار‬
   ‫والمسكنة لمن غضب اهلل عليه ولعنه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، أولئك شر‬
                                                                                        ‫ن‬
                                                                  ‫مكا ًا وأضل عن سواء السبيل.‬
      ‫أيها المسلمون، واهلل ثم واهلل ثم واهلل، ال عز لهذه األمة وال جامع لكلمتها إال كتاب اهلل وسنة‬
‫رسوله ، فليس بغير دين اهلل معتصم، به العز والمنعة، وعليه وحده تجتمع الكلمة، ولن يكون لهذه‬
                                             ‫ب‬
 ‫األمة ذكر ومجد إال به. لقد تبين لكل ذي ل ّ أن النزاع مع هؤالء الصهاينة نزاع هوية ومصير‬
  ‫وعقيدة ودين، وأن حقوق األمة لن تنال بمثل هذا الخور، لقد أوضحت االنتفاضة كما أوضحت‬
    ‫أفغانستان والبوسنة والشيشان أن الجهاد في سبيل اهلل هو السبيل األقوم والطريق األمثل ألخذ‬
     ‫الحق واالعتراف به، وأيقن المسلمون أن راية الدين إذا ارتفعت تصاغرت أمامها كل راية،‬
                       ‫ق‬
 ‫بالجهاد ترد عاديات الطغيان ويكون الدين كله هلل ويبقى دين محمد مصد ًا لما بين يديه من الحق‬
                                                                                    ‫ومهيمنًا عليه.‬
   ‫إن حقًا على أهل اإلسالم أن تربيهم التجارب والوقائع وتصقلهم االبتالءات والمحن، وإن بلوى‬
                                                ‫ع‬
‫نكبة فلسطين وتكرار ذكرها ينبغي أن يكون داف ًا لنا ال محبطا، محركًا للجهود ال جالبًا لليأس من‬
      ‫ر‬          ‫ز‬
     ‫عدم النصر، فال ييأس من روح اهلل إال القوم الكافرون. ومن االبتالء ما جلب ع ًا وخلد ذك ًا‬
                                                                           ‫ر‬
‫وكتب أج ًا وحفظ حقًا، كيف تحمى الحياة لمن يضيع دياره؟! وإذا ضاع الحمى فهل بعد ذلك من‬
                                                                                                            ‫خسارة؟!‬
 ‫ولتعلموا أن الكفاح في طريق مملوء بالعقبات الكؤود عند أصحاب الحق والكرامة والصرامة أل ّ‬
 ‫ذ‬
  ‫وأجمل من القعود والتخلف من أجل راحة ذليلة وحياة حقيرة ال تليق بهمم الرجال، وإن صاحب‬
           ‫الحق ال بد له من المدافعة عن حقه وتهيئة أسباب القوة النتزاع حقه من أيدي الغاصبين،‬
     ‫و ِد ه م تط ُ‬                                                  ‫ل‬
   ‫واالنتصار ال يتحقق للضعفاء، فال ح ّ إال بالجهاد، وال بد من اإلعداد، َأَع ُّوا لَ ُمْ َا اسْ َ َعْتمْ‬
  ‫م ُ الله ي لم ُ‬                ‫ْل ت هب ن ب َ ُو الله و َ ُو ُ و َر ن م د ن ِ ْ‬                     ‫م ْ ُو وم ْ رب‬
‫ِن ق َّةٍ َ ِن ِ َاطِ الْخَي ِ ُرْ ِ ُو َ ِهِ عد َّ َّ ِ َعد َّكمْ َآخ ِي َ ِنْ ُو ِهم ال تَعْلَ ُونَهمْ َّ ُ َعَْ ُهمْ‬
                                                                                                ‫اآلية [األنفال:06].‬
       ‫فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، وتناصروا بدين اهلل، وخذوا بعزائم األمور، واعتصموا بأخوة اإلسالم‬
  ‫والوالء هلل ولرسوله ولدينه، نسأل اهلل أن ينصر اإلسالم والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين‬
                                                            ‫واليهود والنصارى والمنافقين، إنه سميع مجيب.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                  ‫م‬                                                      ‫د‬
                ‫له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسلي ًا.‬
     ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أن الشدائد والنوازل التي أصيب بها المسلمون‬
 ‫خالل ثالثة وخمسين عامًا بل أكثر في فلسطين تستجيش مكمون القوى وكوامن الطاقات، وعندما‬
‫تدلهم الخطوب واألحداث يتميز الغبش من الصفاء والثقة من القنوط، وإن التساؤالت التي تفرض‬
    ‫نفسها في حال فلسطين ونكبتها لتبين لنا كيف جبنت الهمم وضعفت العزائم وخارت القوى عن‬
 ‫تقديم أبسط وسائل النصرة لشعب فلسطين الذي يقصف صباح مساء على أيدي الصهاينة اليهود،‬
                              ‫ر‬
   ‫والعرب ال يتكلمون، بل علقوا آمالهم على سالم مهترئ يسمى زو ًا وبهتانًا سالم الشجعان، أو‬
                                              ‫د ع‬
     ‫على مبادرات من هنا وهناك تؤخر وال تق ّم وت ِد وال تنجز، فأي سالم هذا الذي يهدم البيوت‬
                                                              ‫ر‬
 ‫ويزرع المستوطنات ويش ّد من الديار ويحاصر الشعوب ويقتل اآلالف وينتهك المقدسات؟! سالم‬
   ‫يلغي الكرامة ويولي مجرمي الحرب رؤساء ومفاوضين! إنها صور مأساوية للبغي على شعب‬
                       ‫ل‬
  ‫فلسطين، يراها العالم بكل فئاته فال يحرك ساكنًا، حتى الحس العربي تبّد فما أصبح له من أثر.‬
                                                                              ‫ر‬
            ‫محمد الد ّة، أمل الخطيب، وغيرهم في فلسطين، هل تعلمون من هم؟! إنهم اإلرهابيون‬
‫ل‬                                                                             ‫ح‬
‫المتو ّشون كما يزعم شارون حين يقصفهم هو وجنوده في منازلهم وفي طرقاتهم وأولئك األطفا ُ‬
                                                                                 ‫ر‬
 ‫على أس ّتهم بدعوى مقاومة اإلرهاب، وإنما هم أطفال لم يحركوا ساكنًا والعالم صامت ال يتكلم.‬
                                  ‫ق‬
       ‫إيمان حجو ذات األربعة أشهر يقصفها اليهود بقذيفة تش ّ صدرها من هنا وتخرج من هناك‬
                                                  ‫ي‬
   ‫بدعوى مقاومة اإلرهاب في فلسطين، فبأ ّ ذنب قتلت وهي بطفولتها البريئة في مهد جنازتها؟!‬
   ‫إنما ترينا جبننا وخورنا عن نصرة قضية فلسطين ونحن ما زلنا صامتين، إنها أسماء أطفال لم‬
   ‫تحارب، بل حتى الحجر لم تقذف الحجر، بل ماتت بالسالح الصهيوني الذي ال زال حتى اآلن‬
‫يهدم البيوت ويقصف اآلمنين ونحن عابثون صامتون الهون عن نصرتهم، إن اهلل سائلنا وال شك‬
 ‫عما قدمناه من نصرة لهؤالء الضعفاء الذين خذلهم القريب قبل البعيد، أين أبسط أدوار المناصرة‬
  ‫التي نقدمها إلى فلسطين؟! إنه ليس من عذر ألحد اليوم يرى مقدساته تنتهك ويرى أطفال أبرياء‬
                                                              ‫ل‬
    ‫يقتلون في أسرتهم ويهود متسّطين، ثم ال يدعم إخوانه هناك وال يتأثر لمصابهم، بل قد يتلهى‬
                                                                            ‫عنهم بالتر‬
 ‫َّهات واألباطيل، فأين أخوة اإلسالم؟! أين نخوة عرب مضر وعدنان؟! ألم تروا جنائز‬
   ‫الشهداء؟! ألم تسمعوا بكاء النساء؟! إنه ال عذر ألحد اليوم، إنه ال عذر ألحد اليوم، إنه ال عذر‬
                                                                                   ‫ألحد اليوم.‬
                               ‫وفي المحيا سؤال حائر قلق …أين الفداء؟ وأين الحب في الدين؟‬
                             ‫أين الرجولة واألحداث دامية؟! …أين الفتوح على أيدي الميامين؟!‬
                                        ‫أال نفوس إلى العلياء نافرة …تواقة لجنان الحور والعين‬
                       ‫يا غيرتي أين أنت أين معذرتي؟ …ما بال صوت المآسي ليس يشجيني؟!‬
   ‫إن أبسط أدوار المناصرة هي الدعم بالمال للمسلمين في فلسطين، هذا الدعم الذي بدأه قادة هذه‬
‫البالد وشجعوه في حملة نصرة انتفاضة األقصى المباركة، ونحن نسينا هذا الدعم بل تغافلنا عنه،‬
                  ‫م‬
    ‫كذلك الشعور الدائم بالقضية عبر مقاطعة بضائع اليهود والنصارى التي تح ّس لها المسلمون‬
                                                                                         ‫ن‬
        ‫زم ًا، ثم تغافلوا عنها بالرغم من أثرها الكبير عليهم، ومع ذلك فقد نسيها أكثر المسلمين.‬
                 ‫د‬
  ‫إن أشد ما يواجهه إخواننا في فلسطين من قصف وقتل هو هذه األيام فهم أش ّ ما يكونون حاجة‬
    ‫إلى نصرة إخوانهم حتى الدعاء في القنوت الذي أمر به والة أمر هذه البالد وفقهم اهلل بخل به‬
‫بعض أئمة المساجد وتثاقله كذلك بعض الناس من المصلين في تلك المساجد، فأين الشعور بالجسد‬
                                                                                      ‫الواحد؟!‬
    ‫لقد طالعت قبل قليل بعض صور الدماء والقتلى من جراء القصف اليهودي فرأيتهم لم يستثنوا‬
                                                         ‫ز‬                   ‫ال‬        ‫د‬
‫أح ًا، ال طف ً وال امرأة وال عجو ًا وال بيتًا، إنها صور مؤثرة تبكي اإلنسان، وعجز اإلنسان عن‬
  ‫نصرة إخوانه هناك يقتله أكثر من هذه الصور التي يراها، إنها صور رأيت فيها شعب فلسطين‬
 ‫يناشدوننا فيها النصرة، رأيتهم يبكون ويقولون: أين إخواننا العرب؟! ولكن ال مجيب، فإنا هلل وإنا‬
                                                                                ‫إليه راجعون.‬
‫إن أملنا باهلل عظيم في نصرة إخواننا في فلسطين، وأن يهيئ لهم النصر على سواعد األبطال التي‬
                                                                               ‫تقذف الحجارة.‬
                                                                            ‫م‬
                                          ‫إذا البغي يو ًا طغى وانتشر …فالبد من قذفه بالحجر‬
                                               ‫وال بد للظلم أن ينجلي …وال بد للقهر أن يندحر‬
                                     ‫أيرضيك يا مبعث األنبياء …ومسرى الرسول الرحيم األبر‬
                                                                                              ‫ال‬
                                                          ‫نطأطئ ذ ً من الظالمين …فمن ذلنا ال نطيق النظر‬
                                                                ‫يعيث اليهود بأقدارنا …ومن يغدرون عدو أشر‬

‫(5/3223)‬




                                                                                                            ‫صولة الباطل‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                    ‫المسلمون في العالم‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                                                     ‫القدس‬
                                                                                                              ‫3/8/1725‬
                                                                                                        ‫المسجد األقصى‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- اشتغال نبي اهلل موسى عليه السالم برعي الغنم قبل نبوته كغيره من األنبياء. 7- تكليم اهلل‬
‫تعالى لموسى عليه السالم بعد قضائه األجل في طريق عودته لمصر. 3- المقارنة بين أول كلمة‬
                                                                                   ‫نب‬
     ‫ِّئ بها موسى ومحمد عليهما الصالة والسالم. 2- أوجه االختالف بين فرعون بني إسرائيل‬
     ‫وفراعنة هذا الزمان. 1- من أحوال الشباب ومشكالتهم في هذا العصر. 6- صمود الصحوة‬
                                                                               ‫اإلسالمية في وجه حمالت األعداء.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
        ‫َ وس ر ل س م‬                      ‫َم ض م س‬
      ‫أما بعد: عباد اهلل، يقول المولى تبارك وتعالى: فَل َّا قَ َى ُو َى األَجلَ َ َا َ بِأَهِْهِ آنَ َ ِنْ‬
   ‫َ ة م الن ل َل ُ‬               ‫ت ن ر َل ت ُ م ب َ‬                        ‫له كث ِن‬                       ‫ن الط ن ر‬
 ‫جَا ِبِ ُّورِ َا ًا قَالَ ألَهِْ ِ امْ ُ ُوا إ ِّي آنَسْ ُ َا ًا لَعِّي آ ِيكمْ ِنْهَا ِخَبرٍ أَوْ جذْوَ ٍ ِنْ َّارِ َعَّكمْ‬
   ‫م س‬               ‫م ِ ف ب ع م ر ة م الش َ‬                             ‫ط و‬             ‫ن د م‬             ‫ل َ َم‬
  ‫تَصْطَُون فَل َّا أَتَاهَا ُو ِي ِنْ شَا ِئِ الْ َادِي األَيْ َن ِي الْ ُقْ َةِ الْ ُبَا َكَ ِ ِنْ َّجرَةِ أَنْ يَا ُو َى‬
                                                                                     ‫م‬          ‫الل ُ َب‬        ‫ِن‬
                                                                  ‫إ ِّي أَنَا َّه ر ُّ الْعَالَ ِينَ [القصص:97، 03].‬
‫عباد اهلل، نعيش وإياكم اليوم مع نبي اهلل موسى عليه السالم، لقد قضى موسى األجل، وظل يرعى‬
    ‫ي‬                               ‫ر د‬
‫الغنم لشعيب عليه السالم عشر سنوات، عمل أجي ًا ليس ّ جوعته، ويعصم شهوته، وما من نب ّ إال‬
           ‫ل‬                  ‫س ي‬
   ‫ورعى الغنم، ونبينا رعى الغنم، ولعل في رعي الغنم در ًا ال ُنسى؛ فرعي الغنم يعّم الراعي‬
                                                  ‫ل‬                       ‫ل‬
                               ‫الصبر والحلم واألناة، يعّمه الرحمة بالضعفاء، ويعّم الحكمة في الحياة.‬
 ‫ومن هنا فإن موسى جلس إلى شعيب عليهما السالم ذات يوم، وبعد أن مرت عشر سنوات، وقال‬
‫له: أال تأذن لي أن أعود إلى مصر ألطمئن على حال أمي وأخي؟ اهلل تبارك وتعالى ألقى في قلبه‬
                                         ‫م‬
    ‫إلهامًا أن يعود إلى مصر، ألنه على موعد، مع َن؟ مع حاكم؟! مع رئيس ليدخل في التشكيل‬
                            ‫ن‬
   ‫الجديد؟! هل سيدرج اسمه في قائمة التشكيل الجديد ليتقن موسى ف ّ النفاق؟! إذً على موعد مع‬
                                                ‫ُم ج ع َ َ ي م س‬                                     ‫م‬
                                      ‫َن؟! اسمع إلى قوله تعالى: ث َّ ِئْتَ َلَى قدرٍ َا ُو َى [طه:02].‬
                                                            ‫ذ‬        ‫َ‬
    ‫ويتحرك الكليم من مدْين آخ ًا طريقه في شبه جزيرة سيناء، ومعه زوجته وولده، وإذا بموسى‬
                                                                                             ‫ي‬
  ‫ُقاسي ثالث شدائد: الشدة األولى: ظلمة الصحراء، الشدة الثانية: البرد القاسي، الشدة الثالثة: أن‬
                   ‫ر‬
   ‫قدماه تاهتا في بحار سيناء. فماذا يفعل؟ وإذا بموسى ينظر على بعد، فيرى نا ًا، ثم قال ألهله:‬
                   ‫ر‬                ‫ر‬                                   ‫ت نر‬          ‫كث ِن‬
  ‫امْ ُ ُوا إ ِّي آنَسْ ُ َا ًا [القصص:97]. لم تكن في الحقيقة نا ًا، إنما كانت نو ًا، الكليم هناك في‬
                                 ‫َب‬          ‫ِن‬         ‫م س‬       ‫ن د‬            ‫َم‬
                  ‫جبل المناجاة بسيناء، فَل َّا أَتَاهَا ُو ِي يَا ُو َى (55) إ ِّي أَنَا ر ُّكَ [طه:55، 75].‬
                         ‫ل‬
  ‫ال إله إال اهلل، اهلل كلم موسى من وراء حجاب، ولكنه ليلة المعراج كّم نبينا بغير حجاب. موسى‬
              ‫َ ر ك َ ك‬                                                ‫َْ‬  ‫َب ر ل‬
‫يقول لربه: ر ِّ اشْ َحْ ِي صدرِي [طه:17]، واهلل قال لنبيه: أَلمْ نَشْ َحْ لَ َ صدْرَ َ [االنشراح:5].‬
     ‫الل ْ ِ ف َب‬        ‫وم‬                              ‫َب ل ض‬             ‫و جت إ‬
   ‫موسى يقول لربه: َعَ ِلْ ُ ِلَيْكَ ر ِّ ِتَرْ َى [طه:28]، واهلل قال لحبيبه: َ ِنْ آنَاءِ َّيل َس ِّحْ‬
             ‫و ْ ي ط َ َب َ ض‬                                    ‫ض‬        ‫و ْر النه َل‬
 ‫َأَط َافَ َّ َارِ لَعَّكَ تَرْ َى [طه:035]، ويقول له: َلَسَوفَ ُعْ ِيك رُّكَ فَترْ َى [الضحى:1].‬
                                                                                ‫َب َ‬         ‫م س ِن‬
     ‫يَا ُو َى إ ِّي أَنَا ر ُّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:55-75]، اخلع ما في قدميك إكرامًا وتعظيمًا لمالقاة‬
              ‫الل ُ إ إال‬              ‫م ل ي ح ِنن‬                  ‫تَ‬              ‫ِنك و د م َدس طو و‬
        ‫الملك، إ َّ َ بِالْ َا ِي الْ ُق َّ ِ ُ ًى َأَنَا اخْتَرْ ُك فَاسْتَ ِعْ ِمَا ُو َى إَّ ِي أَنَا َّه ال ِلَهَ ِ َّ أَنَا‬
                                                                                                             ‫ُن‬
                                                                                                ‫فَاعْبدْ ِي [طه:75-25].‬
      ‫هكذا بدأ الوحي لموسى عليه السالم، بدأ الوحي بال إله إال أنا، وبدأ الوحي على سيدنا محمد‬
                                                                  ‫ْر ْ َب َّذ‬
     ‫بقوله: اق َأْ بِاسمِ ر ِّكَ ال ِي خَلَقَ [العلق:5]، لماذا؟ لماذا كانت أول خطوة على طريق الوحي‬
  ‫لموسى: إ َّ ِي أَنَا َّه ال ِلَهَ إ َّ أَنَا؟ ولماذا كانت أول خطوة على طريق الوحي لنبينا : اق َأْ ِاس ِ‬
  ‫ْر ب ْم‬                                                          ‫الل ُ إ ِال‬              ‫ِنن‬
                 ‫أ س‬                      ‫أ س‬                                        ‫َب َّذ‬
‫ر ِّكَ ال ِي خَلَقَ؟ لماذا؟ ألن هناك فرقًا بين من ُر ِل إليه موسى، وبين من ُر ِل إليه سيدنا محمد‬
                                       ‫أ س‬                                  ‫أ س‬
‫، فموسى ُر ِل إلى رجل قال: أنا ربكم األعلى، وُر ِل إلى رجل قال: يا أيه المأل ما علمت لكم‬
 ‫ف ِْ ل‬                                     ‫ر‬            ‫ر‬            ‫ر‬
‫من إله غيري. رجل غ ّه سلطانه، غ ّته قوته، وغ ّه جبروته، قال لوزيره هامان يومًا: َأَوقدْ ِي‬
        ‫ذب َ‬           ‫ُنه م‬        ‫َل َط ع إل إ م س وِن‬                       ‫َ‬  ‫ن عل الط ِ ع ل‬
  ‫يَا هَامَا ُ ََى ِّين فَاجْ َل ِي صرْحًا لَعِّي أ َّلِ ُ َِى ِلَهِ ُو َى َإ ِّي ألَظ ُّ ُ ِنْ الْكَا ِ ِين. أراد‬
                              ‫د‬                                       ‫ط‬                 ‫ب ج‬
‫أن يبني ُر ًا عاليًا، لعله ي ّلع إلى اهلل جل في عاله، لم يجد حوله أح ًا يقول له: ال إله إال اهلل، لم‬
                                  ‫ش‬                                 ‫ت‬             ‫د‬
         ‫يجد حوله أح ًا يقول له: ا ّق اهلل. كلهم زبانية سوء، نفاق وغ ّ وخداع، وأنانية الجاهلية.‬
   ‫أيها المسلمون، الفراعنة كثرت في هذه األيام، إن فرعون موسى كان يستحي أن يعتقل النساء،‬
 ‫ال‬
‫أما فراعنة اليوم فقد ملؤوا السجون بالنساء والرجال. أحد فراعنة اليوم دخل جنوده ليعتقلوا رج ً،‬
   ‫و‬       ‫ل‬
  ‫فلم يجدوه في بيته، ووجدوا زوجته في حالةِ المخاض، فلم يرحموها، وأخذوها مع طفِها يول ِل‬
                                                                           ‫ب‬
                                        ‫ويقول بلسان حاله: ر ّ إني مغلوب فانتصر. ال إله إال اهلل.‬
                                                                      ‫ر‬                 ‫ن‬
                                         ‫ال تظلم ّ إذا ما كنت مقتد ًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬
                                            ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه…يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
‫فرعون موسى كان يتفاهم ويتناقش، أما فراعنة اليوم فال تفاهم وال نقاش. من قال: الشمس طالعة‬
                ‫ف‬
    ‫في النهار، قالوا له: على بصرك غشاوة فنحن بالليل، من قال: ال إله إال اهلل ك ّروه، من قال:‬
                                                                     ‫ذ‬
                        ‫محمد رسول اهلل ك ّبوه، حتى ضاعت األخالق، حتى ضاعت القيم والمثل.‬
                ‫بع‬                       ‫ْر‬
        ‫وأول بدء الوحي على رسول اهلل كان بقوله تعالى: اق َأْ، لماذا؟ ألن الرسول ُ ِث في أمة‬
                           ‫م ه َّذ بع َ ف أل ِّي ن رس م ُ‬
 ‫الجاهلية، أرسل في أمة أ ّية، ُوَ ال ِي َ َث ِي ا ُمِّي َ َ ُوالً ِنْهمْ [الجمعة:7]، فناسب الوحي‬
 ‫أن يبدأ بالعلم والقراءة والدراسة والمعرفة. ديننا هو دين العلم، ديننا هو دين اإلصالح، ديننا هو‬
                                                                            ‫دين العدالة واألمن والقوة.‬
                                              ‫ع‬
     ‫عباد اهلل، شبابنا اليوم أصبحوا يعانون من ُقدة نفسية جراء ذلك، معظم الشباب اآلن مصاب‬
                                  ‫ن‬                                                  ‫ع‬
    ‫ب ُقد، ما من يوم يمر إال ونلتقي ببعض الشباب، واحد كأ ّ ساقيه ال تقويان على حمل جسمه،‬
                                                                                   ‫م ر‬
 ‫يجلس ُنها ًا باكيًا دامعًا، ماذا يشكو؟ يشكو ألنه إذا فتح الكتاب ال يطيق الدراسة، وإذا أوى إلى‬
      ‫فراشه عيناه ال تنام، ما الذي جرى للشباب؟ كنا نرى شبابًا يختلفون إلى المساجد، ال تفوتهم‬
                                                      ‫ب‬
         ‫تكبيرة اإلحرام وراء اإلمام، كنا نرى شبا ًا أقوياء في عقيدتهم ودينهم، نرى شبابًا القرآن‬
  ‫دستورهم والرسول قدوتهم. فما للشباب أصبح ذابل العود؟! ما للشباب أصبح يائس النفس؟! ما‬
                                 ‫للشباب أصبح حائر اللب؟! أي شيء جرى لشبابنا في هذه األيام؟!‬
                                       ‫ي‬                                      ‫ي ر‬
  ‫شبابنا ُحا َبون من وسائل اإلعالم، البيوت أصبحت ال ُقرأ فيها القرآن، وال نجد فيها من يذكر‬
     ‫أس‬
    ‫اهلل، كتب الجنس أصبحت تباع علنًا، وسائل اللهو في كل مكان، فتيات كاسيات عاريات، ُ َر‬
                ‫م‬
 ‫تسهر في الغي والضالل طوال ساعات الليل، الحفالت الساهرة والفراقيع المد ّرة، وبنفس الوقت‬
                                        ‫ح‬                  ‫ي‬                ‫ر‬
       ‫وطن يباع ويشت َى ويقال: "فليَح َا الوطن". رجال يض ّون بأموالهم وأنفسهم في سبيل اهلل،‬
                                                     ‫ب‬                ‫م‬
                                 ‫ورجال يبيعون حياتهم وكرا َتهم للشيطان، عج ًا لنا في هذه األيام.‬
                                    ‫أ‬                              ‫ن‬
    ‫عباد اهلل، لم نسمع أ ّ واحدا من أصحاب رسولنا الكريم ُصيب باالكتئاب، أتدرون لماذا؟ ألن‬
 ‫الرسول أقام في نفوسهم مملكة الرضا، يقول فيها : ((ارضَ بما قسم اهلل لك تكن أغنى الناس))،‬
                                             ‫د‬
‫واالكتئاب ال يستطيع أن يقتحم مملكة الرضا أب ًا. كان الواحد منهم ينام على جوع، وليس في بيته‬
    ‫شيء، ومع ذلك كنت تسأله كيف حالك؟ فيقول لك بلسان الرضا: أنا في سعادة، لو علمت بها‬
                                                    ‫ق‬
                                           ‫الملوك لجالدتنا عليها بالسيوف. وهو ال يجد ُوت يومه!!‬
  ‫م اتق‬                   ‫م ِن قل ب‬              ‫أ بذ ْ الل‬                   ‫ل‬
 ‫عباد اهلل، مشاكلنا يتلخص حّها بكلمة واحدة: َال ِ ِكرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ [الرعد:87]، فَ َنْ َّ َى‬
                                                            ‫ف ع ه و ُ ْزن‬                         ‫َ‬      ‫و‬
                                           ‫َأَصْلَح فَال خَوْ ٌ َلَيْ ِمْ َال همْ يَح َ ُونَ [األعراف:13].‬
                  ‫ص‬
 ‫العودة إلى اهلل يا شباب المسلمين، ال تقنطوا من رحمة اهلل. قبل أن تناموا ح ّنوا أنفسكم بقراءة‬
                                                  ‫ُ ه الله َد‬                          ‫ص‬
                                     ‫القرآن، ح ّنوا أنفسكم بقراءة: قلْ ُوَ َّ ُ أَح ٌ [اإلخالص:5].‬
‫ولقد جاءني شاب بلغ اليأس به مبلغه، قلت له: يا أخي، قبل أن تنام اقرأ المعوذتين، قال لي: وما‬
   ‫ُ ع ذ برب‬                        ‫م‬                     ‫ن‬
   ‫المعوذتان؟ لم يسمع عنهما، لم يسمع أ ّ في القرآن سورتين تس ّيان المعوذتين: قلْ أَ ُو ُ ِ َ ِّ‬
                                                                        ‫ُ ع ذ ب َب الن‬
                                                         ‫الْفَلَقِ [الفلق:5]، قلْ أَ ُو ُ ِر ِّ َّاسِ [الناس:5]!!‬
                                                                  ‫ُر‬
 ‫يا هلل ويا للمسلمين، أين ق ّاء القرآن؟! وأين علماء اإلسالم؟! الشباب حائر ألن أولياء األمور ما‬
                                                        ‫ن‬
                         ‫أرشدوهم إلى شيء يرضي اهلل تعالى، أل ّ العلماء ابتعدوا عن دروس العلم.‬
                                                        ‫م اتب ُد ي ي ِل و ي ق‬
                                             ‫أيها المؤمن، َنْ َّ َعَ ه َا َ فَال َض ُّ َال َشْ َى [طه:375].‬
 ‫َب‬          ‫ِن ه مع ة ض و ُره ْ قي م م‬                                         ‫وم ْر ع ذ ْ‬
 ‫أيها المعرض، َ َنْ أَع َضَ َنْ ِكرِي فَإ َّ لَ ُ َ ِيشَ ً َنكًا َنَحْش ُ ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ أَعْ َى قَالَ ر ِّ‬
            ‫ْم ت س‬              ‫ك ت س وَ‬                                ‫َ‬        ‫م ََ ك ت ب ر‬              ‫ِ حَ ن‬
  ‫لمَ َشرْتَ ِي أَعْ َى وقدْ ُن ُ َصِي ًا قَالَ كذَلِكَ أَتَتْ َ آيَاُنَا فَنَ ِيتَهَا َكذَلِكَ الْيَو َ ُن َى [طه:275-‬
                                                                                                              ‫675].‬
   ‫يا عباد اهلل، اتقوا اهلل، وأخلصوا قلوبكم هلل، افتحوا قلوبكم هلل، استعينوا باهلل واصبروا، ال تنسوا‬
                                   ‫ذكر اهلل، أصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا اهلل ورسوله إن كنتم مؤمنين.‬
                       ‫د‬     ‫َر‬      ‫ت‬                       ‫ك‬
       ‫لما فتح أمير المؤمنين عمر بالد ِسرى وجاءته الرسالة بال ّهنئة خ ّ ساج ًا هلل، وبكى بكاء‬
                                                                                        ‫ر‬
   ‫مري ًا، قالوا: أتبكي يا أمير المؤمنين وقد نصرك اهلل؟! قال: أبكي خشية أن تفتح عليكم الدنيا،‬
                                                                  ‫فينكر بعضكم بعضًا، وينكركم أهل السماء.‬
 ‫فال داعي ـ أيها المؤمنون ـ إلى االحتفاالت الغربية العجيبة، ال داعي لإلسراف والتبذير؛ ألن‬
                       ‫ل‬                 ‫ل‬                               ‫م‬
    ‫الفرحة إنما تت ّ بعودة المسجد األقصى، الفرحة محّها القلب، يوم تصطِحون مع اهلل فهذه هي‬
           ‫ل‬                          ‫ي‬
    ‫الفرحة الكبرى. قيل لإلمام الحسن البصري رحمه اهلل: أ ّ األيام عندك عيد؟ فقال: ك ّ يوم ال‬
                                                                                         ‫أعصي اهلل فيه هو عيد.‬
                                     ‫م ال‬
   ‫عباد اهلل، كان البن سيرين ابنة تعبدت فأقامت في ُص ّها فترة من الزمن، وكانت تحيي الليل‬
                        ‫ج‬
  ‫كله، فإذا كان وقت السحر نادت بصوت محزن: إليك قطع العابدون د َى الليالي، يستبقون إلى‬
‫فضل مغفرتك، وإلى رحمتك، فبك ـ يا إلهي ـ أسألك ال بغيرك، أن تجعلني في زمرة السابقين،‬
     ‫وأن ترفعني في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الرحماء وأعظم‬
  ‫العظماء وأكرم الكرماء، يا كريم. ثم تخر ساجدة فيسمع لها وجد، ثم ال تزال تبكي وتدعو حتى‬
                                                                                                        ‫يطلع الفجر.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                                     ‫ك‬
   ‫إن األمة اإلسالمية المف ّكة األوصال الفاقدة لقيادات حاكمة مؤمنة مخلِصة لقضايا األمة الفقيرة‬
  ‫للمبادئ اإليمانية المستمدة من دستور اإلسالم العظيم من كتاب اهلل تعالى ومن سنة الرسول قائد‬
                                                              ‫ه‬
‫األمة ومعلم البشرية قد م ّدت الطريق أمام القوى االستعمارية الحتالل أراضيهم واستغالل ونهب‬
                                     ‫ز‬                             ‫َ‬
       ‫ثرواتهم وإذالل شعوبهم، فلم ترَ األمة اإلسالمية يومًا تعت ّ به بعد سقوط الخالفة اإلسالمية‬
                           ‫وتحويل تركيا أرض الخالفة إلى دولة علمانية تحارب اإلسالم والمسلمين.‬
      ‫ظن‬
‫ومن المؤسف والمخزي أن بعض الحكام العرب قد ساهموا وتآمروا على إسقاط الخالفة ًّا منهم‬
                                                                     ‫م‬
 ‫أن المستعمر سيع َل على إنصافهم وإعطائهم حقوقهم وحرياتهم. إنه نفس السيناريو االستعماري‬
                      ‫ع‬                         ‫حالي‬
 ‫البغيض الذي تنتهجه الدول االستعمارية ًّا بإيهام الشعوب بأنها تس َى إلى تحريرها من قبضة‬
                                                                             ‫حكامها الظلمة.‬
              ‫ه‬
        ‫ثم كانت الطامة الكبرى والمؤامرة الصهيونية باغتصاب أرض فلسطين، والذي م ّد لهذا‬
                                   ‫ع‬
 ‫االغتصاب وعد بلفور الذي أعطى بريطانيا التي كانت تتز ّم القوى االستعمارية والهيمنة آنذاك‬
                                                                            ‫حق‬
                                ‫بموجبه ًّا لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين.‬
    ‫م‬
    ‫أيها المسلمون، إن الثورات واالنقالبات العسكرية التي شهدتها الدول العربية والتي كانت تت ّ‬
‫بتغطية من الدوائر االستعمارية في أكثر من بلدٍ عربي هي نتيجة اإلحباطات المتتالية من الشعوب‬
  ‫العربية واإلسالمية المقهورة وسياسة مدروسة المتصاص نقمة الشعوب على الحكام التي كانت‬
   ‫تبني اآلمال على هذا الزعيم أو ذاك بقرب الخالص وتحرير البالد، ولكن مع استمرار الهزائم‬
     ‫والنكسات في عالمنا العربي الذي ابتعدت فيه األنظمة العربية عن تطبيق منهج اهلل واتخذت‬
     ‫االشتراكية والقومية أساليب ومسميات ونظام حكم لمواجهة العدوان الصهيوني على فلسطين‬
  ‫أخذت الصحوة اإلسالمية تتنامى بين الشعوب اإلسالمية، وعندما شعرت الدول االستعمارية بأن‬
                                                                     ‫ُوح‬
   ‫هذه الصحوة قد ت ِّد الصفوف وتبعث الهمم وتجدد العزائم بالعودة إلى كتاب اهلل وتطبق شرع‬
   ‫اهلل في األرض انبرت الدول االستعمارية لهذه الصحوة بطريقين متالزمين: الحرب اإلعالمية‬
    ‫والتي اتخذت طرائق عدة لتشويه صورة اإلسالم، والدعوة إلى تغيير المناهج التعليمية واتهام‬
    ‫ر‬
 ‫اإلسالم بالرجعية والتخلف واإلرهاب. ولعل أحداث الحادي عشر من أيلول قد أعطت المب ّرات‬
                                       ‫د‬                     ‫ن‬
    ‫والذرائع ألعداء اإلسالم بش ّ حرب ال هوادة فيها ض ّ اإلسالم والمسلمين في أكثر من موقع،‬
                                                               ‫ومن أكثر من جهة استعمارية.‬
       ‫وكما تعلمون كان غزو أفغانستان ثم غزو العراق من قبل القوات األمريكية والحرب ضد‬
                          ‫د‬            ‫ص‬
   ‫المسلمين في البوسنة والهرسك من قبل قوات ال ّرب والحرب ض ّ المسلمين في الشيشان من‬
     ‫ر‬                       ‫ء‬                         ‫حالي‬
    ‫قبل روسيا والمحاوالت الجارية ًّا لتفتيت وحدة السودان بد ًا من قضية الجنوب، ومرو ًا‬
                                                                  ‫ل‬      ‫حالي‬
  ‫بقضية دارفور ًّا، وتخّي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل بعد التهديدات األمريكية المتواصلة‬
                                             ‫لها، واستمرار التهديد لسوريا وإيران والسعودية.‬
 ‫ن‬                                                                                       ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلمون، من هنا نتوجه إلى الدول االستعمارية العدوانية وإلى كل الذين ساهموا معها بش ّ‬
‫عدوانها على األمة اإلسالمية بالسؤال اآلتي: هل قضيتم على اإلسالم؟ هل ساد الرفاه واالستقرار‬
        ‫واألمن الدول التي غزوتموها وسلبتم خيراتها وثرواتها؟ والجواب: ال، وألف ال، فها هي‬
     ‫ن‬                                               ‫يومي‬
  ‫أفغانستان تشهد عمليات عسكرية ًّا ضد الغزاة، وها هي العراق، أمريكا وحلفاؤها تش ّ كل‬
                                                                               ‫ب‬
‫يوم حر ًا طاحنة ال هوادة فيها ضد المسلمين هناك على السواء، سنيين وشيعة. وفي كل يوم يقتل‬
‫جمع من األمريكان وغيرهم. وفي السودان خرق متواصل لكل اتفاقيات وقف إطالق النار إلرغام‬
                         ‫د‬
       ‫الحكومة السودانية على تغيير دستور الدولة من اإلسالم إلى نظام متع ّد الديانات. وها هي‬
                                    ‫د‬                         ‫ر‬      ‫د‬
         ‫الشيشان تشهد تصعي ًا خطي ًا في العمليات العسكرية ض ّ الغزاة الروس. وها هو شعبنا‬
                                         ‫س‬
    ‫الفلسطيني الصامد الصابر يعطي العالم بأسره درو ًا في الصمود والرباط رغم شدة المعاناة.‬
     ‫ق‬                        ‫ن‬
‫أيها المسلمون، لن يهنأ أعداء اإلسالم ولن يفرحوا إذا اعتقدوا أ ّ آلة الحرب العسكرية ستح ّق لهم‬
       ‫الهدوء واالستقرار، ولن تدوم أنظمة القمع التي ساهمت في قهرِ الشعوب اإلسالمية لخدمة‬
                                                                                        ‫األعداء.‬
                                                                     ‫ر‬
     ‫فاإلسالم كبير، وسيبقى كبي ًا بإذن اهلل، والنصر آتٍ ال محالة، ودولة الخالفة قائمة بإذن اهلل،‬
                                                                        ‫ي‬
                                                         ‫وسيعلم الذين ظلموا أ ّ منقلب ينقلبون.‬
 ‫أيها المسلمون، ال تزال اإلجراءات اإلسرائيلية المشددة تجاه المسلمين تقض مضاجعنا، إذ تصدر‬
  ‫التصريحات من المسؤولين اإلسرائيليين بتفريغ البلدة القديمة من سكانها المسلمين األصليين عن‬
  ‫طريق السماسرة والعمالء المجرمين، ونطالب كل المسلمين إلى المرابطة وعدم التفريط بأرض‬
                                                               ‫المسلمين، أرض اآلباء واألجداد.‬
     ‫ومن ناحية أخرى نستنكر وبشدة ما قام به المستوطنون في األسبوع الماضي من إجراء عقد‬
                                                ‫م‬
     ‫زواج لهم في باحات المسجد األقصى، ونح ّل الحكومة اإلسرائيلية مسؤولية ما حدث، والتي‬
        ‫تدعي أنها لم تعلم باألمر، في حين أنها تشدد على الداخل والخارج إلى األقصى من أبناء‬
                                                                           ‫المسلمين والمصلين.‬

‫(5/2223)‬




                                                                                ‫حصاد المسلمين‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                          ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                   ‫قضايا دعوية‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                 ‫عالء الدين بن محمود زعتري‬
                                                                                           ‫حلب‬
                                                                                    ‫9/2/1725‬
                                                                                  ‫جامع الصديق‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- حقيقة مشروع الشرق األوسط. 7- الظروف العصيبة التي تمر باألمة اإلسالمية. 3-‬
     ‫المخرج من الهوان. 2- التحذير من طلب العزة من غير اهلل تعالى. 1- ضرورة إصالح ما‬
                                    ‫باألنفس. 6- أهمية األمر بالمعروف والني عن المنكر وأدب ذلك.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                   ‫ر‬      ‫ر‬
      ‫اتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا أن مشروع الشر أوسط يقتحم المنطقة نها ًا جها ًا، بعد أن كان‬
                                                                 ‫ر‬
    ‫يحاول التسلل خفية وإسرا ًا. نعم، إنه الشر أوسط الجديد، وال تلوموني فلم أخطئ في الكلمة،‬
                                                                          ‫و‬
‫فغياب ق ّة إيمان المسلمين قد أسقطت في طريقها (قاف) الشرق فأضحى المشروع (الشر أوسط).‬
                                                       ‫ر‬
                                                 ‫يا أمة الحق واآلالم مقبلة…متى تفيقي ونار الش ّ تستعر‬
                                            ‫متى يعود إلى اإلسالم مسجده…متى يعود إلى محرابه عمر‬
                                                                                       ‫ي‬     ‫أكل‬
                                                ‫َّ يوم ُرى للدين نازلة…وأمة الحق ال سمع وال بصر‬
‫و ي ص َن الله م ي ُره ِن الل ِي َز ز َّذ إ م َّن ُ ْ ف َ ْض‬
‫عباد اهلل، يقول تعالى: َلَ َن ُر َّ َّ ُ َنْ َنص ُ ُ إ َّ َّهَ لَقَو ٌّ ع ِي ٌ ال ِينَ ِنْ َك َّاهم ِي األر ِ‬
                ‫ع م ر وِل ع قبة ألم‬                          ‫م ْر ف و‬          ‫َ م الص و الز و َر‬
   ‫أقَا ُوا َّالةَ َآتَوْا َّكَاةَ َأَم ُوا بِالْ َع ُو ِ َنَهَوْا َنْ الْ ُنْكَ ِ َلَّهِ َا ِ َ ُ ا ُ ُورِ [الحج:02،‬
                                                                                                              ‫52].‬
                      ‫ز م‬       ‫ر‬
    ‫فيا أمة اإلسالم أفيقي، ومن غفلتك فانتبهي، فلينصرن اهلل نص ًا عزي ًا َن ينصر دينه، ويؤيد‬
 ‫لم‬                                                            ‫ت‬
‫شريعته، ويعمل بكتابه، وي ّبع سنة رسوله . وفي المقابل يكون الخزي والعار والذل والهوان ِ َن‬
                             ‫يهمل شريعة اهلل. هذه سنة اهلل في عباده الذين ارتضوا ألنفسهم اإلسالم.‬
  ‫ح‬              ‫م‬                           ‫ت‬             ‫ن‬
 ‫إخوتي في اهلل، يعيش المسلمون اليوم زم ًا عصيبًا ووق ًا دقيقًا وجرحًا مميتًا وأل ًا فظيعًا وجرا ًا‬
   ‫ال ت‬          ‫ر ر‬                                ‫ر‬
 ‫مذففة وجثثًا متفحمة وسيارات مفخخة وأشجا ًا مقتلَعة وبيوتًا مهدمة وأس ًا مش ّدة وأطفا ً ميّمة‬
  ‫ق‬     ‫ت ر‬                                                                     ‫ء‬
 ‫ونسا ً ثكلى، وقد ال تسعفك الكلمات في القواميس عن وصف حال المسلمين التي ال ُس ّ صدي ًا‬
                                               ‫م‬                    ‫د‬
         ‫وال تجعل العدو حاس ًا. مشاكل تستهدف األ ّة بتدمير مستقبلها وتدنيس حاضرها وتغييب‬
                                                                                                          ‫ماضيها.‬
         ‫ويأتي السؤال: فماذا نفعل؟ ومن المنقذ؟ وما سبيل النجاة؟ ما درب السالمة مما نحن فيه؟‬
                 ‫ك‬
‫أقول: ال خالص لألمة إال بانقيادها لكتاب ربها واتباع سنة نبيها محمد ، فلقد ُتب لهذه األمة حين‬
      ‫ك‬                                     ‫ال‬
    ‫تحيد عن الشرع أن تتقلب في اإلهانات والمذ ّت، وأن تنتقل من هزيمة إلى هزيمة، كما ُتب‬
‫لهذه األمة حين تعتصم بحبل اهلل المتين أن ترتفع رايات نصرها وتعلو أبراج سؤددها. هذه حقيقة‬
                 ‫ج‬                                ‫ت‬
      ‫ال ينبغي أن تغيب عن األذهان، وال أن ُمنع عن سماعها اآلذان، وال أن تح َب عن رؤيتها‬
                                                                                                           ‫العينان.‬
   ‫فلنرفع الغطاء عن أنفسنا، ولنكشف الغشاوة عن أبصارنا، ولنفتح بالوعي أذهاننا، ولتكن حياتنا‬
  ‫ملؤها التواصي بالحق والمصارحة، والتناصح في اهلل والمكاشفة، كفانا نكباتٍ تجرح مشاعرنا،‬
                                                               ‫و‬                        ‫ز‬
                                                      ‫كفانا كوارثَ ته ّ كياننا، كفانا نكسات تس ّد وجوهنا.‬
                               ‫ت‬                                      ‫م‬
    ‫أما يئسنا من تل ّس النصر عند البشر من دون اهلل؟! ألم ن ّعظ من استجداء النصر من مجلس‬
                                                                                                              ‫األمن؟!‬
                                                    ‫قتل وتشريد وهتك محارم…فينا وكأس الحادثات دهاق‬
                                                     ‫وحشية يقف الخيال أمامها…متضائال وتمجها األذواق‬
                                                ‫أين النظام العالمي؟! أما له…أثر؟! ألم تنعق به األبواق؟!‬
                                             ‫أين السالم العالمي؟! لقد بدا…كذب السالم وزاغت األحداق‬
                                                     ‫ي‬
                                            ‫يا مجلس الخوف الذي في ظله…كسر األمان وض ّع الميثاق‬
                                                ‫ف‬
                                            ‫أوما يحركك الذي يجري لنا؟!…أوما يثيرك جرحنا الد ّاق؟!‬
                                                                                                                 ‫قالت:‬
                                                ‫أنا أيها األحباب مسلمة طوى…أحالمها األوباش والفساق‬
                                          ‫أخذوا صغيري وهو يرفع صوته:…"أمي" وفي نظراته إشفاق‬
                                                           ‫ي ك‬
                                             ‫ولدي ويصفعني الدعي ويكتوي…قلبي و ُحْ ِم بابي اإلغالق‬
                                                                                                          ‫أضافت:…‬
                                                ‫أنا ال أريد طعامكم وشرابكم…فدمي هنا يا مسلمون يراق‬
                                                              ‫ب ٌّ‬
                                                  ‫عرضي يدنس أين شيمتكم؟!…أما فيكم أَ ِي قلبه خفاق؟!‬
                                                                                                               ‫أجيبت:‬
                                            ‫أختاه أمتنا التي تدعينها…صارت على درب الخضوع تساق‬
                                              ‫َال‬                                        ‫د‬
                                             ‫م ّي إلى الرحمن كف تضرع…فلسوف يرفع شأنك الخ َّق‬
                                                                            ‫ف‬
 ‫كفانا استعطا ًا من مجلس األمم الظالمة، ولنعمل بإسالم ربنا الذي يبني مجتمعات وأممًا عادلة.‬
                                                                   ‫د‬
  ‫كفانا عن كتاب اهلل بع ًا، كفانا عن سنة رسوله حيادا؛ فإن الحق تبارك وتعالى أرادنا أن نكون‬
    ‫مسلمين مؤمنين، وهو القائل: َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِنَا ُ َعْ ُهمْ أَوِْ َا ُ َع ٍ َأْم ُو َ بِالْ َع ُو ِ‬
    ‫و م من ن و م م ت ب ض ُ لي ء ب ْض ي ُر ن م ْر ف‬
 ‫ع م َر ويق م ن الص وي ت الز ويط ع الله َرس ه أ ك سي حم ُ الله‬                                                       ‫وي‬
 ‫َ َنْهَوْنَ َنْ الْ ُنك ِ َ ُ ِي ُو َ َّالةَ َ ُؤْ ُونَ َّكَاةَ َ ُ ِي ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ ُوْلَئِ َ َ َرْ َ ُهمْ َّ ُ‬
                                                                                            ‫ِن الل َ ز حك م‬
                                                                               ‫إ َّ َّهَ عزِي ٌ َ ِي ٌ [التوبة:52].‬
               ‫ق‬       ‫م‬                                                ‫تنز‬
‫هذه موازين ُّل الرحمات إن أردتموها أيها المسلمون، هذه مقاييس َن يستح ّ الرحمة من اهلل‬
                                                                          ‫م‬
    ‫إن رغبتم فيها. فيا َن تطلبون الرحمة من اهلل والعنايةَ والرعاية، هل بذلتم أسبابها، أم تراكم‬
                                                                           ‫ر‬
‫زرعتم بذو ًا تعطي عكس الرحمة من الغضب والنقمة؟! فما الرحمات اإللهية والعنايات الربانية‬
                                                                           ‫س‬
 ‫وكذا ال ّخط الرباني والغضب الرباني إال بسبب أعمالكم، فهو زرع قدمتموه تنتظرون حصاده،‬
                                                                                     ‫فماذا تتوقعون مما تفعلون؟!‬
  ‫قولوا باهلل عليكم: ما نتيجة إقرار الناس على الجرائم والمنكرات؟! ما نتيجة سكوت الناس عن‬
‫الفواحش والضالالت؟! ما نتائج تقديم العصاة في المسؤوليات وتأخير المؤمنين والمؤمنات؟! ما‬
     ‫نتيجة ترك الصلوات وإهمال الزكوات؟! ما نتيجة تسهيل المسكرات وتعاطي المخدرات؟! ما‬
       ‫نتيجة سماع األغاني الماجنات والترويجِ للغانيات الفاسقات؟! ما نتيجة إطالق العنان إلرواء‬
‫الملذات والجري وراء الشهوات؟! ما نتيجة الركون إلى الذين فسقوا ومداهنة الذين كفروا ومواالة‬
         ‫الذين ظلموا؟! وماذا تنتظرون بعد المجاهرة بكل أصناف المعاصي والمنكرات والفواحش‬
                                                                                                           ‫والسيئات؟!‬
                      ‫ض‬
‫إن ما تمر به األمة اليوم ما هو إال حصاد زرعٍ سابق ونتيجة سلوك ما ٍ، والنتيجة يراها الناس‬
             ‫ل‬                ‫ز‬                                 ‫ل‬
     ‫بأم أعينهم؛ فاألمور قد اختّت، والقيم قد تغيرت، والبركة قد ن ِعت، والنقمة قد حّت، مع أن‬
                                                   ‫ب‬                   ‫ص‬
    ‫القرآن قد حوى ق ّة مماثلة وحكاية مع ّرة عن أقوام فعلوا في الماضي ما وقع فيه المسلمون‬
                            ‫ال‬
        ‫اليوم، ولكن لألسف جعلنا القرآن للموت والموتى، ولم نشعر به عم ً وسعادة ونجاة للحياة‬
                                                                                                             ‫واألحياء.‬
‫اقرؤوا قول اهلل تعالى: ُ ِنَ ال ِينَ كَف ُوا ِنْ َ ِي ِس َا ِيلَ عَى ِسَانِ َا ُو َ َ ِي َى ابْنِ مرْ َ َ َِ َ‬
‫َ يم ذلك‬            ‫د و د وع س‬          ‫َر م بن إ ْر ئ َل ل‬                  ‫لع َّذ‬
                   ‫ع م ٍ عل ه ب م ن ي عل‬                                    ‫ي‬      ‫و ن ي َد ن ن‬                 ‫بم ع‬
   ‫ِ َا َصَوْا َكَاُوا َعْت ُو َ كَا ُوا ال َتَنَاهَوْنَ َنْ ُنكَر فَ َُو ُ لَ ِئْسَ َا كَا ُوا َفْ َُونَ [المائدة:82،‬
                                                                                                                  ‫92].‬
                                                                                 ‫ي‬
    ‫واليوم ُالحظ كل مسلم أن المنكرات في حياة المسلمين ظاهرة للعيان، فالزنا قد انتشر، ودور‬
    ‫الخمر قد فشت، وقطيعة الرحم قد ذاعت، والغش والتدليس والكذب قد استفحل، والموبقات قد‬
              ‫م‬       ‫ق‬                                          ‫ت‬
  ‫عمت، والفجور رائح ُه فاحت، والمعاصي راياتها ارتفعت، فهل يستح ّ النصر َن هذا حاله؟!‬
           ‫ضي‬
         ‫انظروا حولكم: أما انتشر الفحش وعم الفساد؟! أما استبدلت األغاني بالقرآن؟! أما ُ ّعت‬
                                             ‫ن‬                               ‫ي‬
       ‫الصلوات؟! أما أح ِيت الليالي على الماجنات من المغّين والمغنيات بدل إحياء الليالي بالقيام‬
      ‫ق‬                                                 ‫م‬             ‫أ‬
     ‫والركعات؟! أما ُكل الميراث و ُنع من أصحابه وضاعت أموال الناس بالباطل؟! فهل يتح ّق‬
                                                                                                              ‫ر‬
                                                                                                ‫نص ٌ والحالة هذه؟!‬
 ‫أمراض وعلل، وأوبئة أوصلت إلى الشلل؛ تعصف بجسد األمة فتضعفه، وتنخر في إيمانه فتذيبه‬
                                                          ‫ل‬
      ‫وتمحقه، وتنال من شموخ األمة لتّها. وفي المنطق السليم والعقل الرصين والفكر الرشيد أن‬
                                           ‫المريض يبحث عن الدواء، وأن المعلول يفتش عن االستشفاء.‬
                          ‫م‬
     ‫فواهلل، ال دواء لألمة إال بشرع ربها، وال شفاء إال بكتاب بارئها، و َن عرف الدواء استعمله،‬
                                                                                                         ‫م‬
                                                                        ‫و َن انتفع به نصح به غيره باستعماله.‬
  ‫وهذا هو أوان االستشفاء، وهذا زمان أخذ الدواء، وهذا وقت التناصح، وميعاد األمر بالمعروف‬
    ‫ع‬         ‫م ْر ف وي‬            ‫مر‬         ‫و م من ن و م م ت ب ض ُ ل ء ب ْ‬
  ‫والنهي عن المنكر، َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِنَا ُ َعْ ُهمْ أَوِْيَا ُ َعضٍ يَأْ ُ ُونَ بِالْ َع ُو ِ َ َنْهَوْنَ َنْ‬
‫م ر ويق م الص وي ت الز ويط ع الله َرس ه أ ك سي حم ُ الله إن الل َ ز‬
‫الْ ُنكَ ِ َ ُ ِي ُونَ َّالةَ َ ُؤْ ُونَ َّكَاةَ َ ُ ِي ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ ُوْلَئِ َ َ َرْ َ ُهمْ َّ ُ ِ َّ َّهَ عزِي ٌ‬
                                                                                                               ‫ح م‬
                                                                                                  ‫َكِي ٌ [التوبة:52].‬
                                ‫م‬                                         ‫م‬
‫أيها المسلمون، َن يأمر بالمعروف إن لم تأمروا به أنتم؟! و َن ينهى عن المنكر إن لم تنهوا عنه‬
                                                                                                                  ‫أنتم؟!‬
     ‫أال واعلموا أن األمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الطريقة المحمدية؛ بالحكمة والرفق‬
   ‫واللين، بالشفقة والرأفة والرحمة، ((اللهم اهد قومي فإنهم ال يعلمون))، فما هو إال دواء يعطيه‬
     ‫الطبيب للمريض. فال ندعو لضرب المخطئين وإيذائهم، وال لشتم المذنبين وسبهم، وال لكسر‬
‫خواطر العاصين وجرح مشاعرهم، وال للتشهير بالفاسقين وتكفيرهم، بل ندعو إلى إنقاذ الناس من‬
   ‫الضاللة، وإدخالهم إلى ساحة الرحمة والهداية، ندعو إلى أخذ الناس بمراكب النجاة، وإيصالهم‬
                ‫إلى بر السالمة واألمان، فالدين النصيحة هلل ولرسوله وألئمة المسلمين وعامتهم.‬
     ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم، ونبهني اهلل وإياكم من نومة الغافلين، اللهم اجعلنا من الذين‬
                                                                 ‫يستمعون القول فيتبعون أحسنه.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                         ‫لم ترد.‬

‫(5/1223)‬




                                                                                     ‫عار فضائي‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                        ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                         ‫اإلعالم, قضايا المجتمع‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                           ‫عنيزة‬
                                                                                   ‫75/7/1725‬
                                                                                    ‫جامع السالم‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نهي القرآن عن الفساد واإلفساد. 7- تحذير الدعاة من الغزو الفكري والثقافي. 3- طعنة في‬
   ‫الظهر. 2- االستغالل السيئ للقنوات الفضائية. 1- البرامج الفضائية السافلة. 6- أهداف هذه‬
    ‫القنوات الهابطة. 2- المطلوب من عامة المسلمين تجاه هذه القنوات الفاسدة. 8- دعوة للتوبة‬
                                                    ‫والرجوع إلى اهلل. 9- كلمة لآلباء وللشباب.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                           ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى.‬
                 ‫م‬                  ‫ي‬
    ‫أيها اإلخوة المؤمنون، إذا كنا قد تحدثنا عن شيخ على كرس ّ اإلعاقة ارتفع به ّته إلى الدعوة‬
             ‫ي‬                      ‫م‬       ‫د‬                                ‫ر‬
     ‫والجهاد وح ّك األمة باستشهاده، فتعالوا لنتح ّث عن أ ّة أضحت قعيدةً على كرس ّ الهوان،‬
                                                            ‫ه‬
                                                ‫مشلولة الهمة، مسلوبة اإلدارة، تتل ّى باألباطيل.‬
                                                       ‫ر‬
   ‫أنقلكم اليوم إلى حديث عن مشكلة تؤ ّق األذهان، وتؤذي األسماع، ال سيما أولئك الذين عافاهم‬
                ‫م م‬
   ‫اهلل من متابعة مثل هذه المنكرات ونجت بيوتهم من مثل هذا الفساد الذي ع ّ وط ّ، لكننا نحاول‬
                          ‫ل‬                  ‫ر‬                                 ‫م‬
 ‫بحديثنا إبراء ذ ّتنا جميعا بإنكار هذا األمر والتب ّؤ منه ومن أهله، ع ّ ذلك ينجينا من عقوبة اهلل‬
                                             ‫ن‬
 ‫وعذابه وفتنته التي قد ال تصيب الذين ظلموا م ّا خاصة، وسعيًا لتحقيق معنى اإليمان وعدم لبسه‬
                                  ‫ت‬                                               ‫ص‬
                             ‫بالظلم لنح ّل األمن والهداية، واهلل وحده المستعان وعليه ال ّكالن.‬
                                                                        ‫ب‬                  ‫ي‬
 ‫أ ّها األحبة، عند تد ّر كتاب اهلل والتأمل فيه نرى فيه نهيا وتحذيرا عن الفساد، ومن أعظم الفساد‬
‫إضالل الناس في أخالقهم وتشكيكهم في دينهم، وهو خلق المنافقين وسبيل المجرمين الذين إذا قيل‬
   ‫لهم: "ال تفسدوا في األرض" قالوا: "إنما نحن مصلحون"، أال إنهم المفسدون ولكن ال يشعرون.‬
                                   ‫ث‬                                ‫ذ‬
    ‫أيها اإلخوة، لطالما ح ّر الدعاة والناصحون من خطورة الب ّ المباشر والقنوات الفضائية التي‬
                                                                             ‫د‬
           ‫تعبر حدو َنا وتغزو منازلنا، وركزوا على التحذير من مخاطر الغزو الفكري الصليبي‬
     ‫ر‬                                                ‫ج‬
    ‫والصهيوني عبر قنواتهم وإعالمهم المو ّه لمجتمعاتنا بنشر اإلباحية والتنصير وأفكار التح ّر‬
     ‫وترويج الفاحشة، لكن الذي حدث وبكل أسف أن ذلك اإلفساد والتحلل جاء من قنوات عربية‬
                                                                          ‫ي‬      ‫ع‬
 ‫صرفة ن َم عرب ّة التمويل واللغة والتفكير. ورحم اهلل المجاهد نور الدين محمود حين جلس عنده‬
              ‫س‬              ‫س‬
        ‫ذات مرة أحد رواة الحديث روى حديثا عن رسول اهلل متسلسال بالتب ّم فقال له: تب ّم أيها‬
                          ‫د‬                    ‫ل‬
         ‫السلطان، قال: واهلل، ال أتبسم والنصارى احتّوا ثغر دمياط والمسج ُ األقصى في األسر.‬
         ‫اهلل أكبر يمتنع نور الدين رحمه اهلل عن التبسم في الوقت الذي أصبحت فيه دماء العلماء‬
                                                                       ‫ر‬
  ‫المجاهدين هد ًا للصهاينة، ودماء الشعوب رخيصة لألعداء بال حساب، وفي الوقت الذي تعاني‬
            ‫ك‬                      ‫ر‬                              ‫ي‬
‫فيه األمة انتكاسة في الق َم والمثل وضعفا في الدين، وتتج ّع مرارة اإلغراق والتف ّك، وفي الوقت‬
                     ‫ي ن‬                                                             ‫و‬
  ‫الذي تتذ ّق فيه األمة أنواعَ الهزائم النفسية واالقتصادية والسياسية، و ُش ّ عليها حرب ال هوادة‬
     ‫فيها، وتحتل أراضيها وتنهب ثرواتها وتهدر دماء المسلمين رخيصة يوم ّا في فلسطين وبال ِ‬
     ‫د‬                 ‫ي‬
                         ‫الشيشان واألفغان والعراق مع ضعف وخور في المسلمين شعوبا وقادة.‬
  ‫في هذا الذي تحتاج األمة فيه إلى إعالم يصلحها ويرفع من شأنها، فإذا بوسائل اإلعالم في أمتنا‬
                                                  ‫ق‬
    ‫تشن على األمة حربا تقضي على ما تب ّى من خلق ودين. قنوات فضائية يملكها من يزعم أنه‬
‫عربي مسلم، وقد ينتسب إلى هذا البلد، لكنهم يبثون فضائح أخالقية ومسابقات غنائية، رقض على‬
‫جراح األمة النازفة ومآسيها المنتشرة التي تعرض صباح مساء، برامج فاسدة يباركها أعداء األمة‬
                                                                                   ‫ك‬
     ‫ومر ّزة على الشباب والمراهقين؛ ألنها تريد إيجاد جيل مسلم متسامح مع أعدائه، غافل عما‬
  ‫يصلح حاله، متناسٍ قضايا أمته ومقدساته التي تنتهك حرماتها. ويريد أولئك البغاة الذين يعتدون‬
 ‫علينا في بيوتنا من خالل تلك القنوات الهابطة أن نميل إلى باطلهم عبر برامجهم التي تسحَق كل‬
  ‫َالله ُر د يت ب ع ُ و ُر د‬                                    ‫فضيلة عرفها أوالدنا وترّوا عليها، وتزي‬
  ‫ِّن في أعينهم الرذيلة، و َّ ُ ي ِي ُ أَنْ َُو َ َلَيْكمْ َي ِي ُ‬            ‫ب‬
                                                       ‫ظم‬           ‫مل م‬               ‫َّذ َتبع الش و‬
                                         ‫ال ِينَ يَّ ِ ُونَ َّهَ َاتِ أَنْ تَ ِيُوا َيْالً عَ ِي ًا [النساء:27].‬
                                                 ‫ل‬
   ‫معاشر اإلخوة، ال شك أنه من نعمة اهلل ج ّ وعال هذا التواصل في التقنيات الحديثة الذي نرى‬
     ‫فوائده في عدد من المظاهر ال سيما االتصاالت، ولكن بدال من شكر نعمة اهلل واستغالها في‬
 ‫الخير نرى سيطرةً للشر وأهله على تلك التقنيات، وتأكيدا على التفاهات، وتكريسا للتبعية للغرب‬
                             ‫الصليبي حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم.‬
               ‫ث‬                                           ‫ل‬
    ‫قنوات فضائية عربية تتنافس ك ّ يوم في تقديم أنواع جديدة من الفساد، وفي ب ّ حي للخالعة‬
 ‫والمجون، ولم يكفهم هذا بل ذهبوا يجمعون الشباب والشابات في برامج وأماكن واحدة ألغراض‬
  ‫مختلفة ال جامع بينهما إال الفساد واإلفساد، وكثير من الناس عنهم غافلون، وال حول وال قوة إال‬
                                                                                                          ‫باهلل.‬
              ‫و‬                                        ‫و‬
‫يجمعون الشباب والبنات ليص ّروهم طوال ساعات اليوم في مشاهد مخزية تص ّر أكلهم ورقصهم‬
 ‫وغناءهم واختالطهم ولهوهم غير البريء وتنافسهم على فعل المنكرات، ومن يبرز منهم في تلك‬
‫األعمال المشينة هو الفائز الذي يتسابق الناس للصويت له، ويضعون أسفل الشاشة شريطا مكتوبا‬
                                                                ‫للتواصل يحتوي أخبث الكالم وأسقطه.‬
       ‫عباد اهلل، إنني ال أحدثكم عن برامج في أمريكا أو أوربا، بل إنها في بالد اإلسالم وبأموال‬
               ‫المسلمين ومدعومة من رجال أعمال من بالدنا، نسأل اهلل لنا ولهم الهداية والسداد.‬
   ‫إن ما يدعونا لذكر مثل هذه البرامج على حقارتها تلك اإلحصائيات المبكية لالتصاالت الهاتفية‬
    ‫بهم من قبل أناس يعيشون بيننا في بلداننا العربية، متناسين هموم أمتهم وقضاياها، حتى فاقت‬
                                                    ‫و‬
     ‫االتصاالت الثمانين مليون اتصال تص ّت لنشر الرذيلة وقتل الفضيلة، منها أحد عشر مليون‬
   ‫اتصال من هذا البلد فقط. ثم انظر للدعم الالمحدود من قبل بعض الجهاتِ المسؤولة في بعض‬
                           ‫البلدان العربية ودعوة مواطنيهم للمشاركة فيها والتصويت لهذا أو تلك.‬
                                          ‫ن‬                   ‫ك‬
     ‫أيها األحبة، إنها أمور مب ِية محزنة حين ترى أ ّ قضايا المسلمين المصيرية والتصويت لها‬
      ‫والتعاطف معها لم ينل مثل هذا التصويت لدعمها. كذلك يحزنك حين ترى أن اهتمام بعض‬
        ‫ع‬                                                     ‫ج‬
   ‫مسؤولي البالد العربية مو ّه لمثل ذلك، متناسين دعم قضايا أمتهم وبالدهم، في تضيي ٍ واضح‬
                                                                    ‫م‬
‫لألمانة وإشغالٍ للشعوب ع ّا يهمها في دينها وحياتها، وامتدادا لهذا االستهتار بالقيم وجراح األمة‬
                    ‫ل‬       ‫ث‬
  ‫ينبري البعض الفتتاح قنواتٍ غنائية على مدى ساعات اليوم ال تب ّ إال ك ّ ما يسيء إلى الخلق‬
                                                              ‫ي‬                ‫ث‬
     ‫والمرأة ويب ّ الدعارة المجان ّة على الهواء، وقنوات أخرى لألفالم والمسلسالت المدبلجة، أو‬
‫لبرامج حوارية تثير الفتن بين الشعوب، وال هدف لها إال اإلثارة، ولو كان ذلك على حساب تكفير‬
                                                     ‫العلماء الصادقين وتبديع الدعاة الناصحين.‬
                                       ‫م‬
 ‫إنها قنوات تعبث باألخالق، وينشر هذا البالء ليصبح ه ّ الكثيرين ال سيما المراهقين متابعة مثل‬
   ‫هذه البرامج ومشاهدة ما يحدث لفالن أو فالنة، حتى وصل ذلك إلى حديث في دور العلم وهي‬
                              ‫ل‬
   ‫المدار س بين الطلبة والطالبات. ويزداد العبث حين يعلنون ك ّ يوم عن افتتاح برامج وقنوات‬
 ‫أخرى ال تحمل إال ذات األهداف، وكأن األمة بحالتها هذه وجراحها الدامية بحاجة إلى مثل ذلك.‬
  ‫إنها طعنة غادرة من القائمين على مثل هذه القنوات توجه للشعوب العربية بإيجاد هذه البرامج،‬
      ‫إنها حرب على العفاف، حرب على العقيدة واألخالق، وهدم للحياء، وحرب على المسلمين‬
 ‫والمسلمات حينما يظهرون المراهقين والمراهقات وهم ينضمون لبرامجهم تلك، ويرقصون على‬
  ‫ضفاف نشرات األخبار المثقلة بهموم االحتالل وقتل الشهداء، وترى البكاء والعويل على إخفاق‬
     ‫أحدهم في تلك البرامج كما لو أنهم يبكون الحتالل المسجد األقصى وسقوط بغداد وقتل أحمد‬
                          ‫ياسين، نسأل اهلل السالمة والعافية وأن ال يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.‬
                                                           ‫ن‬
      ‫حرب إعالمية غير أخالقية تش ّها هذه الفضائيات العربية على العرب والمسلمين في دينهم‬
                  ‫ق‬                         ‫ذ‬      ‫د‬
  ‫وأخالقهم، تأخذ منحنى خطيرا لم يكن أش ّ المح ّرين منها ومن خطورتها يتو ّعه، فهذه القنوات‬
  ‫تريد اختزال اإلنسانية بالعري والفتون بالعالئق المحرمة. أما أهداف تلك الهجمات فال تجد أبلغ‬
  ‫بيانا من أنها إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا وإباحة الباطل وتسويق االختالط بين الجنسين حتى‬
   ‫يكون هو الحياة الطبيعية، وتقديم ذلك على أنه ثقافة الحاضر وجواز المرور إلى المستقبل عبر‬
                ‫ذ‬                                                      ‫ب‬
     ‫إيجاد أجيال يتخّطها الشيطان من الجنس، أجيال حائرة هائمة على وجهها تتغ ّى بفكر يهلك‬
    ‫الحرثَ والنسل، واهلل ال يحب الفساد، أجيال تتناغم مع المشروع الصهيوني الصليبي لصياغة‬
                                                      ‫عقول شباب األمة وحرف أخالق المرأة.‬
    ‫إنما غرض مشروعهم أن يختزل الشباب حياتهم بالمتع الرخيصة، الهين عما يراد بأمتهم من‬
                                 ‫د‬
     ‫مشاريع تغريبية. غرض مشروعهم اختصار المرأة في جس ٍ كاس عار مبذول لمدمني المتَع‬
                                                  ‫م‬                           ‫ر‬
‫المح ّمة واالتجاهات المغرضة، ويس ّون مشروعهم الصليبي هذا إصالحا، قد ينبري من أزالمهم‬
                                                                 ‫م‬         ‫و‬
  ‫في المنطقة من ير ّج له تزا ُنا مع الهجمات الصليبية على المنطقة شعوبا وقادة، قاتلهم اهلل أنى‬
                                                                                      ‫يؤفكون.‬
      ‫إنها برامج من أهدافها هدم المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تربى عليها أوالدنا؛ كالحجاب‬
                     ‫ر‬                                                   ‫ر‬
‫واالختالء المح ّم وغيرها، ورسالة إعالمية موجهة في إظهار المرأة متب ّجة وإلغاء الحواجز بين‬
 ‫الجنسين في العالقات، ويكثرون من عرضها حتى يألفها الشباب فال يستنكرونه، بل يريدون هذا‬
                       ‫ه‬
  ‫التصويت الهائل له عبر الهاتف. هكذا تنحر الفضيلة في المجتمع، وتش َر المنكرات، ويقع فيها‬
                                                                         ‫ر‬
                                                                   ‫أولئك المساكين المغ ّر بهم.‬
                                           ‫د‬
      ‫إنها برامج تزخر بها فضائياتنا، تلهي الشباب وتخ ّر طاقتهم التي تستطيع باإليمان أن تخدم‬
                          ‫د‬                                                         ‫ي‬
    ‫قض ّتها وتعلي شأن أمتها وتقاوم الغزاة وتخرج المحتلين من المق ّسات في فلسطين والعراق.‬
           ‫ق‬               ‫ي‬                                      ‫ر‬
      ‫برامج تفسد الرجولة وتك ّس في عقولهم التفاهة حتى ال يناصروا قض ّة وال يطلبوا ح ّا وال‬
                                ‫ث‬
‫يحفظوا شرفا. برامج تجعل من نجومها المعروضين قدوات تتأ ّر بها أجيالنا، فهل نجوميتهم أنهم‬
                                                      ‫ع‬                                    ‫ر‬
   ‫ح ّروا بلدا أم اكتشفوا دواء أو اخترعوا ِلما جديدا أم لهم ميزة بالعلم والدعوة؟! وأين أسالفنا‬
  ‫العظام كأبي بكر وعمر وسعد وابن الزبير ونور الدين وصالح الدين؟! أينهم في عقول وقلوب‬
  ‫أجيالنا التي انشغلت بسير هؤالء التافهين؟! أي ضرر عظيم لهذه البرامج المعروضة على القناة‬
               ‫ز‬
‫المسلمة وهي تستهزئ بحجابها وتسهل تواصلها مع الشباب وأن حياءها الذي يع ّها إنما هو عقدة‬
   ‫ف‬                                                                         ‫ف‬
 ‫نفسية وتخ ّف من رهبة ذلك المنكر في نفسها لتتخذ من رسائل الجوال وأحاديث اإلنترنت متن ّسا‬
               ‫ف‬
  ‫لها في مثل هذه المحرمات؟! وبعض اآلباء الغافلين الهون عن بناتهم بعد أن و ّروا لهم أجهزة‬
                                   ‫في غرفهم، نسأل اهلل أن يحفظ نساءنا من عوادي الغفلة ومكر السوء.‬
‫أيها اإلخوة المسلمون، إن حديثنا هذا ليس بمبالغة أو تهويل، فإن مما يدمي القلب سقوط كثير من‬
   ‫الشباب أمام تلك اإلغراءات والشهوات التي ال يقرها شرع وال تتماشى مع خلق، وهذا التنافس‬
       ‫البائس المحموم بين هذه القنوات العربية في إيجاد هذه البرامج التي كما أنها تعكس أخالق‬
                                          ‫ع‬                               ‫و‬
‫منتجيها ومر ّجيها فإنها تعكس أيضا جمهورا صن َه إعالم فعلي ينفق سحابة يومه على متابعتها،‬
                     ‫ي‬                      ‫ع‬          ‫يي‬             ‫ي‬
     ‫فيظهر بؤسه المعنو ّ وفقره الق َم ّ، وهكذا ض ُف الطالب والمطلوب، فأ ّ خيانة ألمتهم من‬
                                     ‫د‬
 ‫أصحاب هذه القنوات حين يكون هدفهم المادي هو المق ّم وهم الذين يستطيعون بأعمالهم األخرى‬
   ‫جني األرباح الطائلة بدال من ترويج هذا الفساد أم أنهم أشبهوا اليهود والنصارى الذين يعبدون‬
                                          ‫ر‬
‫المال ويتاجرون في المحرمات دون اهتمام بالمتض ّرين ولو كانوا من أهلهم؟! في التقليد األعمى‬
   ‫الذي أخبر عنه رسول اهلل صلوات اهلل وسالمه عليه من التشبه بأهل الكتاب ولو تركوا بيوتهم‬
                                                                ‫ب‬
  ‫العامرة ودخلوا جحر ض ّ لدخلوه وراءهم، بل قال عليه الصالة والسالم كما في رواية الحاكم‬
                 ‫وأبي داود: ((حتى لو أن أحد جامع امرأته بالطريق لفعلتموه)) وصدق رسول اهلل .‬
                                                                                        ‫ت‬
  ‫أال ي ّقون اهلل ببذل أموالهم في هذا الفساد والتخريب والتغريب؟! أال يتقون اهلل وهم أصبحوا أداة‬
    ‫بيد الصهاينة والصليبيين إلفساد األمة قصدوا ذلك أم لم يشعروا به؟! أال يتقون اهلل وهم يرون‬
                                                       ‫ض‬
 ‫حاجة األمة إلى إعالمٍ هادف يو ّح الحقائق ويدافع عن المقدسات ويكشف الشبهات ويبني األمة‬
   ‫ال يهدمها؟! ثم أال يتقون اهلل ببذل أموالهم هذه وهم يرون وصف اهلل إلنفاق الكافرين على مثل‬
  ‫ُم ك ن ع ِ ح ْرة ُم‬                     ‫َر ي ق ن و ُ لي ُد ع س الل ِ سي فق‬                                      ‫ِن َّذ‬
  ‫ذلك: إ َّ ال ِينَ كَف ُوا ُنْفِ ُو َ أَمْ َالَهمْ ِ َص ُّوا َنْ َبِيلِ َّه فَ َ ُن ِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْهمْ َس َ ً ث َّ‬
                                                                        ‫ي ب ن و َّذ ن َر إل جه َّ ي َر‬
                                                      ‫ُغْلَ ُو َ َال ِي َ كَف ُوا َِى َ َنمَ ُحْش ُونَ [األنفال:63]؟!‬
      ‫إننا حين نتحدث عن فساد عريض في تلك القنوات فمن العدل عدم تعميم ذلك، فهناك قنوات‬
‫تحترم عقول مشاهديها وتلتزم بالضوابط الشرعية، لكنها نادرة نادرة أمام هذا الفساد الفاجر، وكما‬
                                                         ‫هي بحاجة إلى التطوير فهي بحاجة للدعم والمساندة.‬
    ‫أيها اإلخوة المؤمنون، فبالرغم من جماهير المغشوشين والغافلين الذين ابتلوا بمتابعة مثل هذه‬
                                                                     ‫ر‬
        ‫المنكرات فإن مما يس ّ أن ترى فئاما من الناس ممن لديهم الغيرة والدين ينكرون مثل هذه‬
   ‫البرامج والقنوات وتشمئز منها نفوسهم، لكن ذلك ال يكفي. نعم إخوتي، ال يكفي، فإن المطلوب‬
‫كما أننا نستنكرها في نفوسنا أن ننكرها أمام من هم حولنا في بيوتنا وأصدقائنا وسائر مجتمعاتنا،‬
                                                                             ‫د‬
       ‫ال بد أن نش ّ على أيدي المسؤولين لمنع مثل هذه الممارسات واألخذ على يد المشاركين بها‬
     ‫والداعمين لها ومحاكمتهم وهم يشهدون منكراتهم في مخالفةٍ للدين واضحة ومجاهرة بالمنكر‬
                                 ‫ن‬
        ‫فاضحة. كذلك ال بد من الوعي بهذه الظواهر المؤلمة وما بي ّاه من نتائج خطيرة على جيل‬
                                                ‫د‬
     ‫المستقبل بدال من الغفلة أو الثقة الزائدة عن ح ّها لدى بعض اآلباء. كما أننا إنكارا لمثل هذه‬
                                     ‫و‬
    ‫المحرمات نقاطع من تميز بها والشركات الراعية والمم ّلة مقاطعةً اقتصادية. نتواصى عليها‬
                         ‫ر‬                  ‫ذ‬
      ‫ونحاربهم بها كما حاربونا في أخالقنا وديننا، ونح ّر من التأجير المح ّم للمحالت التي تبيع‬
                  ‫ّ‬
   ‫أجهزة هذه المنكرات. ثم ال بد من دعواتٍ صادقة نلجأ بها إلى اهلل ليكفينا شر فتن هؤالء، وأن‬
‫يرزقنا ما يقوينا من اإليمان، وأن يجنبنا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يشغل هؤالء بأنفسهم عن‬
         ‫المسلمين، وإن لم يرد بهم صالحا وهداية أن يزيدَهم خسرانا في الدنيا وعذابا في اآلخرة.‬
 ‫ُم َ يت ب ه َ ب ج َنم‬                          ‫ِن َّذ َ ن م من و م م‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، إ َّ ال ِين فَتَُوا الْ ُؤْ ِ ِينَ َالْ ُؤْ ِنَاتِ ث َّ لمْ َ ُو ُوا فَلَ ُمْ عذَا ُ َه َّ َ‬
                                                                                               ‫و ُ َ ب َر‬
                                                                               ‫َلَهمْ عذَا ُ الْح ِيقِ [البروج:05].‬
                                                                       ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                                                    ‫أما بعد: فاتقوا اهلل حق التقوى.‬
    ‫إننا نذ ّر من ابتلي بمشاهدة هذه المح ّمات والمداومة عليها بتقوى اهلل وطلب التوبة بإخال ٍ‬
    ‫ص‬                                                 ‫ر‬                            ‫ك‬
    ‫حتى يعينه اهلل، وعليه بالدواء الناجع الذي تطيب به القلوب القاسية وهو ذكر اهلل تعالى وكثرة‬
   ‫ِن م من َّذ ِ ذ ِ الله‬
   ‫قراءة القرآن؛ فإنه سبب لحياة القلوب، وهجره سبب لخرابها، إَّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِينَ إذَا ُكرَ َّ ُ‬
                           ‫ج ْ قل ب ُ وِ تلي ع ِ ت ُ ز د ُ إ م نَ وعل َب ِ ي َكل‬
‫وَ ِلَت ُُو ُهمْ َإذَا ُِ َتْ َلَيْهمْ آيا ُه َا َتْهمْ ِي َا ًُّا َ ََى ر ِّهمْ َتَو َُّونَ [األنفال:7]. كما أن صدق‬
                                                                                   ‫ر‬
     ‫التض ّع واللجوء إلى اهلل ودوام اإلنابة واستحضار عظم الجناية وذكر الموت وأهواله أسباب‬
                                                                  ‫معينة على التوبة لمن أراد استدراك ما فاته.‬
    ‫أما أنت أيها األب والولي، يا من جلب هذه األجهزة إلى منزله أو استراحته بال ضبط وتركها‬
                                      ‫س‬                                              ‫ي‬
 ‫لتض ّع أهلَ بيته ويرضى لهم مثل هذه الخبائث التي تف ِد الدين والخلق وتتجاهل التوجيه األبوي‬
    ‫والتعلم المدرسي، أال تتذكرون ـ معاشر اآلباء واألمهات ـ حديث رسول اهلل : ((كلكم راع،‬
  ‫وكلكم مسؤول عن رعيته)). اتقوا اهلل فيمن تحت أيديكم من أوالد وزوجات، واعلموا أنها أمانة‬
                    ‫ل‬        ‫م‬
   ‫عظيمة أنتم مساءلون عنها يوم ال يجزي والد عن ولده، يو َ تذهل ك ّ مرضعة عما أرضعت.‬
  ‫تذكر ـ أخي األب ـ يوما تحتاج فيه إلى مثقال ذ ّة من حسنة، فإذا بك ُسأل عن أسباب فسا ِ‬
  ‫د‬                 ‫ت‬                   ‫ر‬
        ‫ب‬                       ‫ب‬
    ‫أوالدك، يومَ يتعلقون فيه بك ويأخذون بتالبيبك يقولون: يا ر ّ، لقد أضاع األمانة وتس ّب في‬
       ‫ضياعنا، وأنت ال تستطيع المدافعة عن نفسك، فأقرب الناس لك خصماؤك الذين ظننت أنك‬
       ‫َد م‬            ‫ي َصر ُ َد م ْ ِم‬                                                          ‫ع‬
     ‫تس ِدهم في الدنيا بجريمة عرض هذه المحرمات عليهم، ُب َّ ُونَهمْ يَو ُّ الْ ُجر ُ لَوْ يَفْت ِي ِنْ‬
 ‫وم ْ ف َ ْ جم ع ُم ي ج كال ِنه‬                       ‫م ِذ ببن ه و حبته و خ ه و ص ت الت ت‬                                ‫َ‬
‫عذَابِ يَوْ ِئ ٍ ِ َ ِي ِ َصَا ِ َ ِ ِ َأَ ِي ِ َفَ ِيلَ ِهِ َّ ِي ُؤْويهِ َ َن ِي األرضِ َ ِي ًا ث َّ ُن ِيهِ َ َّ إَّ َا‬
                                                                                 ‫ظ َز ع ِلش‬
   ‫لَ َى ن َّا َةً ل َّوَى [المعارج:55-65]. نسأل اهلل أن يرزقنا العافية والنجاة لنا وألهلينا وأوالدنا‬
                                                                                                               ‫ووالدينا.‬
                                    ‫البدار البدار ـ أيها اآلباء ـ بتطهير منازلكم من كل هذه المنكرات.‬
 ‫أما أنتم أيها الشباب، فاعلموا أنكم مساءلون عن أوقاتكم وأعماركم وأموالكم التي تبذلونها في هذه‬
       ‫المشاهدات وتلك االتصاالت، وإن األمة تنتظر منكم الكثير، فهداكم في الحياة أسمى من هذا‬
 ‫ب‬                                                                ‫د‬
‫العبث. واعلموا أنكم مسته َفون من أعدائكم الختاللكم، وإن المرءَ يحشر يومَ القيامة مع من أح ّ،‬
          ‫ب‬                                        ‫ي‬
       ‫فهل تحبون أن تحشروا يوم القيامة مع نب ّكم وصحابته الكرام أم مع من أعطيتموهم مح ّتكم‬
           ‫شر َّذ ن م‬                                                                        ‫ع‬
         ‫و ِشقكم مع فسقةِ هذه القنوات، فتصبحوا كما وصف اهلل جل جالله: احْ ُ ُوا ال ِي َ ظَلَ ُوا‬
      ‫م َ ف ُ ِن ُ م ئ ل ن‬                     ‫ِر‬     ‫ن ي ُد ن م د الل ِ ْد ُ إ‬                     ‫وَ و ج ه و‬
      ‫َأزْ َا َ ُمْ َمَا كَاُوا َعْب ُو َ ِنْ ُونِ َّه فَاه ُوهمْ ِلَى ص َاطِ الْجَحِي ِ وقِ ُوهمْ إَّهمْ َسُْوُو َ‬
                                                                                               ‫[الصافات:77-27]؟!‬
 ‫إنها مطالبة للمسؤولين بمنع المشاركة وإلغاء أسباب هذه االتصاالت المحرمة والوسائل المفضية‬
      ‫إليها، كما أنها دعوة للكتاب والمثقفين والدعاة الناصحين لحمل هموم مجتمعهم والكتابة عنها‬
       ‫ونقدها وبيان زيف مثل هذه الممارسات اإلعالمية وبيان خطرها وسوء تغريبها، وال بد من‬
‫السعي إلثارة البدائل المناسبة الموافقة للشرع والخلق. واعلموا أن العالج ليس صعبا حين تصدق‬
                                                ‫ر‬                          ‫م‬
                                       ‫النفوس وتحسن النوايا في أ ّة متكاتفة متعاونة على الب ّ والتقوى.‬
          ‫ل‬            ‫د‬              ‫د‬       ‫ل‬
    ‫اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا وجميعَ المسلمين وأصِحهم ور ّهم إلى الحق ر ّا جميال. وص ّ اللهم‬
                                                                                                      ‫ي‬         ‫ل‬
                                                                                              ‫وسّم على نب ّنا محمد.‬

‫(5/6223)‬




                                                                                               ‫الجار: حقوق وعقوق‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                                     ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                                       ‫قضايا المجتمع‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                                                 ‫الطائف‬
                                                                                                           ‫25/6/0725‬
                                                                                                          ‫جامع الفاروق‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
                          ‫5- عظم حق الجار. 7- أصول حق الجوار. 3- من مظاهر إيذاء الجار.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فإن الروابط بين الناس كثيرة، والصالتِ التي تص ُ بعضَهم ببعض متعددة، فهناك رابط ُ‬
‫ة‬                                ‫ل‬
                                 ‫ة‬               ‫ة‬                       ‫ة‬
  ‫القرابة ورابط ُ النسب والمصاهرة ورابط ُ الصداقة ورابط ُ الجوار، وغيرها من الروابط التي‬
  ‫تقوم األمم بها وتقوى بسببها، فمتى سادت هذه الروابط بين الناس على أساس من البر والتقوى‬
                 ‫ص‬                    ‫أ‬
   ‫والمحبة والرحمة عظمت األمة وقوي شأنها، ومتى ُهملت هذه الحقوق وتف ّمت تلك الروابط‬
  ‫شقيت األمة وهانت وحل بها التفكك والدمار، من أجل ذلك ـ عباد اهلل ـ جاء اإلسالم بمراعاة‬
        ‫هذه الروابط وتقويمها وتمكينها وإحاطتها بما يحفظ وجودها ويعلي منارها بين المسلمين.‬
                   ‫د‬
    ‫ومن بين هذه الروابط العظيمة التي دعمها اإلسالم وأوصى بمراعاتها وش ّد في التقصير في‬
                               ‫ر‬                ‫ة‬                    ‫ة‬
‫حقوقها وواجباتها رابط ُ الجوار، تلك الرابط ُ العظيمة التي ف ّط كثير من الناس فيها ولم يرعوها‬
                                                   ‫م‬                      ‫ال‬
   ‫حق رعايتها؛ إما جه ً منهم بحقوق الجوار وإ ّا تناسيًا لها، أو ال مباالة بأذى الجار واالعتداء‬
           ‫د‬
 ‫عليه، مما سبب التنافر والتباغض بين المسلمين، بل والعداء والكيد فيما بينهم، أفرا ًا وجماعات،‬
                                                                                                ‫ة‬      ‫د ال‬
                                                                                      ‫وحتى ُو ً مسلم ً متجاورة!!‬
         ‫ر ر‬                               ‫ي‬      ‫ر‬
     ‫أيها اإلخوة في اهلل، الجار هو من جاورك جوا ًا شرع ًا، سواءً كان مسلمًا أو كاف ًا، ب ًا أو‬
                  ‫ب ض‬               ‫ي‬          ‫ب‬       ‫فاج ًا، صديقًا أو عد ًا، محسنًا أو مسيئ‬
   ‫ًُّا، قري ًا أو أجنب ًا. وله مرات ُ بع ُها أعلى من بعض،‬              ‫و‬                ‫ر‬
                                 ‫ل‬      ‫ي‬
            ‫تزيد وتنقص بحسب قربه وقرابته ودينه وخلقه، ف ُعطى ك ٌ بحسب حاله وما يستحق.‬
                        ‫ر‬
   ‫فالجار المالصق لك في الدار ليس كالبعيد، وله ما ليس للبعيد، والجا ُ ذي القربى ليس كالجار‬
                                                                       ‫ب‬         ‫ج‬
   ‫ال ُنب، وصاح ُ الدين ليس كالفاسق المؤذي. وكما يكون الجوار في المسكن فيكون في العمل‬
 ‫والسوق والمسجد والسفر والدراسة ونحو ذلك، بل يشمل مفهوم الجوار التجاور بين الدول، فلكل‬
                                                                                                            ‫ة‬
                                                                                           ‫دول ٍ على جارتها حقوق.‬
  ‫عباد اهلل، لقد أوصى اإلسالم بالجار وأعلى من قدره، فللجار في اإلسالم حرمة مصونة وحقوق‬
       ‫ك‬
‫كثيرة، لم تعرفها قوانين وشرائع البشر والدول، تلك القوانين والشرائع الوضعية التي تتن ّر للجار‬
                                                                                           ‫وتستمرئ العبث بحرمته.‬
     ‫فقد قرن اهلل حق الجار بعبادته وتوحيده وباإلحسان للوالدين واليتامى واألرحام، فقال عز من‬
      ‫و و ِد إ ن و ِذ ُ ب و ي م و م ك ن‬                                                  ‫و ُد الله و ت رك ب‬
      ‫قائل: َاعْب ُوا َّ َ َال ُشْ ِ ُوا ِهِ شَيْئًُّا َبِالْ َال َيْنِ ِحْسَا ًا َب ِي الْقرْ َى َالْ َتَا َى َالْ َسَا ِي ِ‬
                         ‫ق ب و ج جنب َالص حب ج ب و الس‬                                        ‫و مس ك ن و ج‬
 ‫َالْ َ َا ِي ِ َالْ َارِ ذِي الْ ُرْ َى َالْ َارِ الْ ُُ ِ و َّا ِ ِ بِالْ َنْ ِ َابْنِ َّبِيلِ [النساء:63]. الجار‬
                                              ‫م‬
 ‫ذي القربى: هو الذي بينك وبينه قرابة، أو َن قرب جواره، وقيل: المسلم. والجار الجنب: الذي‬
                                                                     ‫ليس بينك وبينه قرابة، أو غير المسلم.‬
         ‫هذه وصية اهلل عز وجل في كتابه، أما وصية رسول اهلل فجاءت في صورة جليلة وتعبير‬
                      ‫ظ‬
      ‫مستفيض لمعاني وحقوق الجار، والوصاية به، والصيانة لعرضه، والحفا ِ والسترِ لعورته،‬
                                                                                 ‫ض‬
‫وغ ّ البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه ويسيء إليه، قال فيها رسول اهلل : ((ما زال‬
                                                            ‫جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيور‬
                                                       ‫ِّثه)).‬
   ‫معاشر المسلمين، إن حقوق جيراننا علينا كثير ٌ عديدة، ُّها حقوق عظيمة، ال يجوز التساه ُ‬
   ‫ل‬                              ‫وكل‬       ‫ة‬
                                                                 ‫ع‬
                    ‫فيها أو اإلخالل بها. وتَرْج ُ الحقوق بين الجيران في أصولها إلى أربعة حقوق:‬
                                                                             ‫ف‬
   ‫األول: ك ّ األذى، فقد جاء الزجر األكيد والتحذير الشديد في حق من يؤذي جاره؛ ألن األذى‬
‫بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريمًا، فعن أبي شريح رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((واهلل ال‬
            ‫ر‬
 ‫يؤمن، واهلل ال يؤمن، واهلل ال يؤمن))، قيل: من يا رسول اهلل؟ قال: ((من ال يأمن جا ُه بوائقه)).‬
    ‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((ال يدخل الجنة من ال يأمن‬
      ‫ذ‬                                                                                 ‫ر‬
      ‫جا ُه بوائقه)). وفي الصحيحين قال رسول اهلل : ((من كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فال يؤ ِ‬
                                                                                                         ‫جاره)).‬
    ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قيل: يا رسول اهلل، إن فالنة تصلي الليل وتصوم النهار‬
‫وفي لسانها شيء، تؤذي جيرانها، سليطة، قال: ((ال خير فيها، هي في النار))، وقيل له: إن فالنة‬
                                                 ‫د‬
  ‫تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتص ّق باألثوار ـ أي: القطعة الكبيرة من األقط ـ وليس‬
                                                              ‫د‬                   ‫ٌ‬
 ‫لها شيء غيره، وال تؤذي أح ًا، وفي رواية اإلمام أحمد: وال تؤذي بلسانها جيرانها، قال: ((هي‬
                                                                                                     ‫في الجنة)).‬
                                      ‫ج‬
‫بل جاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، ففي حديث أبي ُحيفة قال: جاء رجل إلى النبي يشكو جاره،‬
 ‫فقال له: ((اطرح متاعك في الطريق))، قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه ـ أي: يلعنون من‬
     ‫ت‬                          ‫ت‬
     ‫كان يؤذي جاره ـ فجاء إلى النبي فقال: يا رسول اهلل، ما لقي ُ من الناس، قال: ((وما لقي َ‬
      ‫منهم؟)) قال: يلعنوني، قال: ((فقد لعنك اهلل قبل الناس))، قال: يا رسول اهلل، فإني ال أعود.‬
  ‫أخرجه البخاري في األدب المفرد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. فهل بعد هذه األحاديث وهذا‬
                              ‫الترهيب الشديد من أذى الجار يتساهل متساهل بحقه ويتعرض ألذيته؟!‬
                                                           ‫ر‬
   ‫فكم ـ ولألسف ـ بيننا من صو ٍ مشاهدةٍ ملموسةٍ لإلخالل بهذا الحق العظيم بين الجيران في‬
                  ‫م‬            ‫ل‬          ‫ت ي‬
    ‫مثل مضايقة الجار بإيقاف السيارات أمام بابه لُضّق عليه دخوَه وخروجه، و ِنْ تركِ المياه‬
  ‫تتسرب أمام منزله، وإيذائه بالروائح الكريهة المنبعثة من مياه المجاري والزبائل ونحوها، ومن‬
 ‫إيذائه بمخلفات البناء التي ال داعي لبقائها أمام منزل الجار، أو إيذائه باالعتداء على حقوقه كأخذ‬
                                                ‫ة‬
      ‫شيء من أرضه والتعدي على حدوده بإزال ٍ أو تغيير، أو بالسرقة من الجار وأخذ شيء من‬
    ‫متاعه، سواءً في العمل أو المدرسة أو السوق ونحو ذلك، فقد جاء عن المقداد بن األسود قول‬
     ‫النبي : ((فما تقولون في السرقة؟)) قالوا: حرمها اهلل ورسوله فهي حرام، قال: ((ألن يسرق‬
                                  ‫الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره)).‬
‫ومن صور األذى للجيران التعدي على الجار بإيذاء أبنائه أو العبث بسيارته وممتلكاته، واإلزعاج‬
   ‫برفع الصوت المنكر، كصوت الغناء أو لعب الصبيان أو بالشجار، أو لعب األوالد بالكرة، أو‬
                                                          ‫ب‬
‫بطرق األبواب، أو إطالق من ّهات السيارات واإلزعاج بها، وخاصة في وقت النوم والراحة، فكل‬
                                                                               ‫ر‬
                           ‫هذه صو ٌ من األذى المحرم بين الناس وبين الجيران من باب أولى.‬
          ‫ز‬
    ‫ومن صور أذية الجيران تأجير من ال يرغبون في إسكانه بينهم، كحال من يؤجر للع ّاب بين‬
                                                                        ‫ح‬
    ‫البيوت اآلهلة بال ُرم، أو من يؤجر للفسقة المنحرفين الذين يخشى منهم إفساد أبناء الحي، أو‬
  ‫كحال من يؤجر المحالت التي تجلب الضرر على الجيران، كقصور األفراح ومحالت المقاهي‬
    ‫واالستراحات ونحوها، قال ابن رجب رحمه اهلل: "ومذهب أحمد ومالك أن يمنع الجار من أن‬
                                                            ‫ر‬
                                                    ‫يتصرف في خاص ملكه بما يض ّ بجاره".‬
  ‫وقريب من هذا أن يبيع الرجل ما يملكه من منزل أو أرض دون عرض ذلك على جيرانه، فعن‬
  ‫ابن عباس رضي اهلل عنهما عن النبي أنه قال: ((من كانت له أرض فأراد أن يبيعها فليعرضها‬
                                                                                 ‫على جاره)).‬
                                                ‫ة‬
      ‫ومن أعظم وأخطر صور األذية للجار الخيان ُ والغدر به، كالتجسس عليه، والوشايةِ به عند‬
  ‫ة‬               ‫ل‬
  ‫أعدائه، وتتبع عوراته، والنظر إلى محارمه عبر سطح المنزل أو النوافذ المطّة، أو حال زيار ِ‬
                 ‫س‬          ‫ال‬                  ‫الجيران ألهله، فإنه من أقبح الخصال وأحط‬
‫ِّها، وال يصنع ذلك إ ّ لئيم خسي ُ الطبع، فإن العرب‬
                     ‫ف‬
      ‫على جاهليتها كانت تأنف من مثل هذه الخصال الدنيئة وتأباها وتفخر بالتر ّعِ عنها كما قال‬
                                                                                       ‫عنترة:‬
                                                                            ‫ض‬
                                ‫وأغ ّ طرفي إن بدت لي جارتي…حتى يواري جارتي مأواها‬
   ‫أين هذا من أخالق وتصرفات بعض قليلي المروءة والحياء حين ينتظرون جاراتهم ويرقبونهن‬
 ‫حال دخولهن وخروجهن من بيوتهن؟! وأين هذا من حال أولئك الغادرين الخائنين الذين نشاهدهم‬
           ‫كل يوم وهم ينتظرون باصات الرئاسة ونحوها لنقل الطالبات؛ ليعاكسوا بنات الجيران‬
 ‫ويؤذونهن؟! وأين هذا من فعل ذلك الغادر الخائن لجاره حين عاكس جارته عبر الهاتف أو جلس‬
            ‫ت‬
 ‫أمام منزلها مقابالً لبابها، أمام دكانه أو مكتبه؟! فكم ـ ولألسف الشديد ـ تقع حاال ٌ من الخيانة‬
                      ‫ل‬                    ‫ب‬
‫والغدر واألذية في األعراض بين الجيران، بل أغل ُ ما تكون هذه األفعا ُ الدنيئة صادرةً من جار‬
                                       ‫ت‬
‫على جاره ـ والعياذ باهلل ـ أو جارة سيئة مع جارها، ُبدي له زينتها وتتبرج أمامه، مما قد ينتج‬
                                                                         ‫ة‬
‫عنه خيان ٌ وغدر باألعراض عن طريق ارتكاب المنكرات والفواحش بين الجيران، وهذا في غاية‬
                         ‫ر‬           ‫د كل‬
   ‫الفحش والبشاعة؛ ألن فاعل ذلك قد جمع جرائم ع ّة، ُّ جريمة أكب ُ من أختها، من االعتداء‬
   ‫على حق اهلل، وعلى حق الزوج، وهتك حرمة الجار الذي ينتظر من جاره أن يصونه ويحافظ‬
                                                                                        ‫على عرضه حال غيابه.‬
                                ‫ر‬      ‫س‬      ‫ر كل‬
        ‫ولهذا جاء الوعيد الشديد من النبي محذ ًا َّ معاك ٍ وغاد ٍ ومتطلع على عورات جيرانه‬
   ‫ونسائهم، فعن ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: قلت: يا رسول اهلل، أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن‬
                                                                             ‫ند‬
   ‫تجعل هلل ًّا وهو خلقك))، قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك))، قلت: ثم‬
     ‫أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة جارك))، وعن المقداد رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ما‬
                                                           ‫ر‬
 ‫تقولون في الزنا؟)) قالوا: حرام ح ّمه اهلل ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول اهلل :‬
                                ‫((ألن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)).‬
 ‫ن‬
‫أال فليتق اهلل أولئك الغادرون الخائنون الذين يتصيدون الفرص وينتهزون األوقات؛ ليخونوا جيرا ًا‬
                                         ‫ي‬
            ‫لهم ويؤذوهم ويغدروا بهم، عن طريق المعاكسات الح ّة والهاتفية، أو عن طريق النظر‬
                                                                                     ‫ُْ‬
                                                             ‫والمراسلة، فإن جرمَ ذلك عظيم وخطرَه جسيم.‬
     ‫سب َ ِ تمل‬                    ‫م من و م م ب ْر‬                          ‫و َّذ ي ْذ‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َال ِينَ ُؤ ُونَ الْ ُؤْ ِ ِينَ َالْ ُؤْ ِنَاتِ ِغَي ِ مَا اكْتَ َ ُوا فَقد احْ َ َُوا‬
                                                                                                 ‫وإ م مب‬             ‫ب‬
                                                                               ‫ُهْتَانًا َِثْ ًا ُ ِينًا [األحزاب:81].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                                           ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                ‫الحمد هلل رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وال عدوان إال على الظالمين.‬
    ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها المسلمون، واقدروا الجار حق قدره، واحذروا أذيته، فهو أول حق لكل‬
                                                                ‫ف‬
‫جار على جاره، أن يك ّ أذاه عنه، بأي صورة كان األذى، حسي أو معنوي، في دينه أو ممتلكاته‬
                                                                                              ‫د‬
                                                                                             ‫أو عرضه وهو أش ّ.‬
                                    ‫ت‬
       ‫أيها اإلخوة في اهلل، وثاني حقوق الجار على جاره: حمايُه، فمن الوصاية بالجار ومن حقه‬
                                                                                 ‫ت‬
   ‫حماي ُه، سواء كان ذلك في عرضه أو بدنه أو ماله، فقد كانت العرب تفاخر بحماية الجار حتى‬
                                                                                                   ‫مألت أشعارهم:‬
                                                                     ‫ة‬
                                           ‫وإني ألحمي الجار من كل ذل ٍ…وأفرح بالضيف المقيم وأبهج‬
 ‫أما ما يحدث اليوم من إخالل بهذا الحق بين الجيران فأمر ال يجوز، كاالحتقار له والسخرية به،‬
  ‫إما لفقره أو لجهله أو بكشف أستاره؛ ألن الجار أقرب الناس إلى جاره، أو بتتبع عثراته والفرح‬
                             ‫ال‬               ‫خ‬                                       ‫ال‬
  ‫بز ّته، أو تنفير الناس من الجار إذا أرادوا ِطبة منه أو تعام ً معه، كل ذلك دون ما مناسبة،‬
                                                                                     ‫ل‬         ‫س‬
                                                                               ‫وإنما لؤمًا وخ ّةَ طبع وقّة دين.‬
              ‫ف‬
‫وثالث الحقوق بين الجيران: اإلحسان، فال يكفي اإلنسان في حسن الجوار أن يك ّ أذاه عن جاره،‬
                                            ‫ن‬               ‫د‬
‫أو أن يدفع عنه بيده أو جاهه ي ًا طاغية أو لسا ًا مفزعًا، بل يدخل في حسن الجوار أن يحسن إليه‬
                    ‫ق‬      ‫ن‬               ‫ن‬
  ‫في كافة وجوه اإلحسان، فذلك دليل الفضل وبرها ُ اإليمان وعنوا ُ الصد ِ والعرفان، فعن أبي‬
       ‫هريرة رضي اهلل عنه عن النبي أنه قال: ((ومن كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فليحسن إلى‬
                                                         ‫جاره))، وفي رواية: ((فليكرم جاره)).‬
                                                                ‫ز‬
 ‫فمن حسن الجوار أن تع ّي جارك عند المصيبة، وتهنئه عند الفرح، وتعودَه عند المرض، وتبدأه‬
         ‫ل‬                           ‫ع‬                                           ‫ت‬
    ‫بالسالم، و ُطلق له وجهك عند اللقاء، وترشدَه إلى ما ينف ُه في أمر دينه ودنياه، وتواصَه بما‬
                                        ‫م م‬
 ‫تستطيع من ضروب اإلحسان، فقد يكون محتاجًا ُعد ًا، أو قد ركبته الديون، أو لديه مريض، أو‬
                                               ‫شيئ‬
               ‫في البيت أرامل وأيتام، وأنت ال تعلم عنهم ًُّا، وهم أولى باإلحسان من األباعد.‬
                                                                        ‫ق‬
      ‫ومن اإلحسان للجيران تف ّدهم بالطعام، فمع أنه ال يكلف شيئًُّا إال أن الغفلة عنه بين الجيران‬
  ‫كبيرة، وآثاره في التآلف بينهم عظيمة، فعن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: أوصاني خليلي : ((إذا‬
                                                                             ‫ق‬
‫طبخت مر ًا فأكثر ماءه، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك فأصبهم منها بمعروف))، وقال رسول اهلل‬
                                                     ‫: ((ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)).‬
         ‫ال‬                            ‫ل‬
 ‫ومن صور اإلحسان بين الجيران التهادي بينهم، فق ّ أن يسلم الجيران من هفوات وز ّت، فتأتي‬
                        ‫الهدية لتزيل وتذيب ما قد يحصل في نفوس من حزازيات وظنون سيئة.‬
                                                                              ‫ة‬
                                                         ‫إن الهدية حلو ٌ…كالسحر تجتذب القلوبا‬
                                                      ‫ب‬       ‫ي‬
                                                     ‫تدني البعيد عن الهوى…حتى تص ّره قري ًا‬
                                                      ‫ب‬         ‫ب‬
                                                     ‫وتعيد مضطعن العدا…وة بعد ُغضته حبي ًا‬
                                           ‫تنفي السخيمة عن ذوي الشحـ…ـنا وتمتحق الذنوبا‬
                                                            ‫د تحاب‬
‫قال رسول اهلل : ((تها ُوا ُّوا))، وعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: قلت: يا رسول اهلل، إن لي‬
   ‫جارتين، فإلى أيهما أهدي؟ ـ داللة على تواصل السلف والنساء بالهدايا ـ قال: ((إلى أقربهما‬
                                                                                     ‫منك بابًا)).‬
     ‫وينبغي أن ال يحقر الجار هديةً جاءته من جاره مهما كانت، فإن ذلك من الكبر المذموم، فإن‬
          ‫ن‬                                                                       ‫د‬
     ‫الهدية ال تق ّر بقيمتها، وإنما تقدر بمعناها، قال النبي : ((يا نساء المؤمنات، ال تحقر ّ جارة‬
                                     ‫ف‬                                      ‫ف‬
 ‫لجارتها ولو ِرسن شاة)) أي: العظم قليل اللحم، وهو خ ّ البعير. والمقصود به هنا حافر الشاة.‬
        ‫م‬                                                                     ‫ص‬         ‫ل‬
    ‫ولع ّ النبي خ ّ النساء هنا المتجاورات بالتهادي ألنه يكثر منهن االحتقار للهدية أو لل ُهدي،‬
          ‫وألنهن أكثر التصاقًا بالجيران من الرجال، وألنهن موارد المودة أو البغضاء بالجيران.‬
          ‫ف‬          ‫ل‬
  ‫عباد اهلل، ورابع الحقوق بين الجيران: احتمال أذى الجار، فللرجل فض ٌ في أن يك ّ عن جاره‬
                                                            ‫د‬
‫األذى، وله فضل في أن يذو َ عنه ويحميه، وله فضل في أن يواصلَه باإلحسان إليه جهده. وهناك‬
                          ‫ال‬      ‫ح ر‬
  ‫فضل رابع وهو أن يغضي عن هفواته، ويتلقى بالصف ِ كثي ًا من ز ّته وإساءاته، وال سيما إن‬
 ‫صدرت عن غير قصد. فاحتمال أذى الجار وترك مقابلته بالمثل من أرفع األخالق وأعلى الشيم،‬
      ‫ف‬
      ‫وقد فقه السلف هذا المعنى وعملوا به، روى المروذي عن الحسن: "ليس حسن الجوار ك ّ‬
                                                                                ‫ن‬
                                                       ‫األذى، حس ُ الجوار الصبر على األذى".‬
            ‫ر‬
    ‫وكم نرى ونسمع في مخالفات لهذا الحق بين الجيران، فكم من الناس من هو كثي ُ الخصومة‬
                                                           ‫ر‬                 ‫ة‬
‫والمالحا ِ مع جيرانه، يشاج ُ على كل صغيرة وكبيرة، وربما وصل األمر إلى االشتباك باأليدي،‬
        ‫ع‬         ‫ر‬                                                  ‫ش ط‬           ‫ّ‬
  ‫أو تطورَ إلى ال ُر ِ والمحاكم، وعلى أمور ال تستدعي. وكم من جيران تهاج ُوا وتقاط ُوا عند‬
                    ‫أسباب تافهة أو ظنون سيئة، أو لخالفات يسيرة، ال تستدعي ما وصلت إليه.‬
                           ‫ل‬
    ‫ومما جعل هذه األخالق المبغوضة توجد بين بعض الجيران قّة حرص الجيران على إصالح‬
                                          ‫م‬
‫ذات بينهم، بل ـ والعياذ باهلل ـ قد يوجد من ح ّالة الحطب من يغري العداوة ويذكي أوارها بين‬
                                                                                       ‫جيرانه.‬
                                             ‫ض‬          ‫ل‬
  ‫فالواجب على الجيران احتما ُ بعضهم بع ًا، فإذا ما حصل نزاع أو خصومة سعى األخيار في‬
                     ‫ر‬
    ‫اإلصالح بين المتنازعين، وعلى الجار أن يقبل بالصلح ويفرح به ويشك َ من سعى له، ال أن‬
 ‫يرفض ويستعلي. فالجار أولى بالعفو من غيره، والتغاضي عن زلته، خصوصًا إذا كان ذا فضل‬
                                                                                      ‫وإحسان.‬
                                                  ‫ن‬           ‫د‬              ‫ب‬
                                       ‫وإذا الحبي ُ أتى بذنب واح ٍ…جاءت محاس ُه بألف شفيع‬
 ‫و‬           ‫ُ‬                                                ‫د‬
 ‫وليس من حق الجار على جاره أن ير ّ األذى بمثله واإلساءة بأختها، فاهلل تعالى يقول: خذْ الْعَفْ َ‬
                                                      ‫هل‬          ‫ُ فو ِْ ع‬              ‫وُ‬
‫َأْمرْ بِالْعرْ ِ َأَعرضْ َنْ الْجَا ِِينَ [األعراف:995]، وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: جاء‬
                     ‫ث‬
‫رجل إلى النبي يشكو جاره، فقال: ((اذهب فاصبر))، فأتاه مرتين أو ثال ًا، فقال: ((اذهب فاطرح‬
     ‫متاعك في الطريق))، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل‬
               ‫ه‬
             ‫الناس يلعنونه: فعل اهلل وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع، ال ترى شيئًُّا تكر ُه.‬
                                                      ‫ح‬       ‫و‬             ‫ل‬        ‫ر‬
                 ‫فالصب ُ واحتما ُ األذى والعف ُ والصف ُ هو األولى بين الجيران كما قال أحدهم:‬
                                        ‫ل‬      ‫ب ُ ِال بحق ُدال‬
                                        ‫أقول لجاري إذا أتاني معات ًا…مد ًّ ٍّ أو م ًّ بباط ِ‬
                                              ‫ر‬            ‫ر‬
                                  ‫إذا لم يصل خيري وأنت مجاو ٌ…إليك فما ش ّي إليك بواصل‬
         ‫ُ‬
   ‫قال رسول اهلل : ((ثالثة يحبهم اهلل)) وذكر منهم: ((والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر‬
                                                             ‫ت‬            ‫ر‬
                                                   ‫على أذاه حتى يف ّق بينهما مو ٌ أو ظعن)).‬
   ‫أيها المؤمنون المتحابون المتآلفون، هذه هي حقوق الجار على جاره، فكم فينا من تقصير، وكم‬
                                          ‫ق‬
   ‫في تعاملنا مع جيراننا من خلل ونقص، مع أن ح ّه عظيم، وال غرابة بعد هذه الحقوق أن يظن‬
                                                                          ‫ث‬
                                                             ‫النبي أن اهلل سيور ُ الجار الجار.‬
     ‫ب‬                                                             ‫ف‬
     ‫عباد اهلل، هنيئًُّا لمن و ّقه اهلل لجار صالح، فإن الجار الصالح الذي يرعى هذه الحقوق مكس ٌ‬
    ‫وسعادة فـ((من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء)) هكذا‬
 ‫أخبر رسول اهلل . ولألسف تجد الكثير من الناس ال يبالي باختيار الجار الصالح، خاصة إذا أراد‬
                                                                               ‫ء‬
     ‫بنا َ منزل جديد أو شراءَه، فتراه يحرص على حسن الموقع وقربه من الخدمات، أما صالح‬
                    ‫أ‬
  ‫الجيران من عدمه فال يهمه ذلك، وهذا خلل كبير، فالجار قبل الدار كما ُثر عن علي رضي اهلل‬
                                                                                          ‫عنه.‬
             ‫ض‬        ‫ال‬                                    ‫م‬
 ‫وقد كان السلف الصالح والكرا ُ من الناس ال يؤثرون بالجار الصالح ما ً وال عر ًا من الدنيا،‬
  ‫فهذا أبو الجهم العدوي باع داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟‬
 ‫ت‬                                           ‫ي‬      ‫د‬            ‫ٌ‬        ‫ي‬
 ‫قالوا: وهل ُشترى جوار قط؟ قال: ر ّوا عل ّ داري، وخذوا مالكم، ال أدع جوار رجل إن قعد ُ‬
            ‫ت‬             ‫ر‬                   ‫ت‬             ‫ح‬
‫سأل عني، وإن رآني ر ّب بي، وإن غب ُ حفظني، وإن شهدت ق ّبني، وإن سأل ُه قضى حاجتي،‬
                                                   ‫فر‬
  ‫وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة َّج عني، فبلغ ذلك سعيد بن العاص فبعث إليه بمائة ألف‬
                                                                                         ‫درهم.‬
                                             ‫د‬                    ‫ة‬                ‫ر‬
      ‫فالجا ُ الصالح له منزل ٌ عند العقالء ومن يق ُرون المكارم قدرها، فهم يحرصون عليه، وال‬
                                                                                      ‫ر‬
  ‫يف ّطون في مجاورته إن أراد االنتقال عنهم، بخالف جار السوء ـ أعاذنا اهلل وإياكم منه ـ فقد‬
‫تعوذ منه النبي في دعائه فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقام، فإن جار الدنيا‬
                             ‫ن‬        ‫ق‬                                       ‫ذ‬           ‫و‬
      ‫يتح ّل))، فهو إ ًا من البالء ومما يتعوذ منه، فقد ال يطي ُ اإلنسا ُ احتمال أذى الجار السيئ‬
                                                                       ‫ت‬       ‫ت‬
‫وإهان َه ومذل َه له أو مضرته له في دينه أو عرضه، فإن الحزم والحكمة يقتضيان أن يرتحل عن‬
                                                                  ‫داره ما دام هذا وصف جاره.‬
                                                 ‫ر‬                        ‫ي‬
 ‫وفي هذا ُحكى عن رجل أنه كان مجاو ًا لجيران سوء، فصبر عليهم وصابر، إال أنهم يزدادون‬
                         ‫د‬            ‫ف‬        ‫ب‬                         ‫ر ص‬                ‫ء‬
                  ‫سو ًا، فباع داره ب ُخ ٍ وانتقل عنهم، فالمه أقار ُه ومعار ُه لومًا شدي ًا فقال:‬
                               ‫ينغص‬       ‫ر‬               ‫ال‬
                               ‫يلومونني إذ بعت بالرخص منز ً…ولم يعرفوا جا ًا هناك ِّ ُ‬
                                    ‫ص‬                                           ‫ف‬
                                    ‫فقلت لهم: ك ّوا الكالم، فإنها…بجيرانها تغلو الديار وترخ ُ‬

‫(5/2223)‬




                                                                         ‫خ‬
                                                              ‫أما آن للصائم المد ّن أن يتوب؟!‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                           ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                        ‫الطائف‬
                                                                                    ‫8/9/2525‬
                                                                                  ‫جامع الفاروق‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أضرار التدخين. 7- دعوة للمدخن. 3- وقفات صحية واقتصادية مع المدخنين. 2- العالج‬
                                                                           ‫النافع لترك التدخين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها المسلمون، فإن من اتقى اهلل كفاه، ومن توكل عليه ولجأ إليه حماه، ومن‬
                                                                              ‫ل‬
                                                                     ‫اعتصم بغيره أذّه وأخزاه.‬
               ‫ق‬                                ‫ب‬
   ‫أيها اإلخوة في اهلل، أيها الصائمون، أيها المس ّحون، حديثنا اليوم، حديث غير متو ّع لكم، ألفتم‬
   ‫الحديث في مثل هذا الشهر عن الصيام وأحكامه، والقرآن وآدابه والقيام والدعاء، ولكن حديثنا‬
                                                      ‫م‬      ‫ت‬       ‫ع‬
 ‫اليوم عن داء ُضال، ف ّاك مد ّر لألفراد والمجتمعات، إنه حديث عن مرض سيطر على الكبير‬
                                                                  ‫ل‬
     ‫والصغير، والجاهل والمتعّم، والعاقل والمجنون، والسفهاء وشيوخ القبائل، إال من رحم اهلل.‬
              ‫ٌ‬
   ‫إنه بلوى لم يسلم منها حتى الفقير، يصيح ويشتكي الفقر، وما أفقره إال هو، عديم نفعه، بطيء‬
                                                                                   ‫ل‬
  ‫قتُه، كم فتك من إنسان، وأصاب الكثير باإلدمان. يموت بسببه مليونان ونصف المليون كل سنة‬
                ‫ل‬
   ‫في أنحاء العالم، قال عنه جماعة من العلماء المتخصصين في الغرب: "إنه عام ٌ قاتل للبشرية‬
                                                      ‫أكثر من المجاعات والحروب والكوارث".‬
     ‫وأنت ـ أخي الصائم ـ في شهر كريم وموسم مبارك، أنت اآلن في عبادة لو تعرف أجرها‬
                     ‫ه‬
  ‫لتمنيت الموت لو قبلها اهلل منك. إنك اآلن ـ أخي ـ في بيت الكريم الو ّاب الذي ال معطي لما‬
                      ‫ق‬                   ‫ب‬
            ‫منع، وال مانع لما أعطى، وهو رب األربا، ومس ّب األسباب وخالق خل ِه من تراب.‬
                           ‫ي‬               ‫د‬
     ‫أخي الصائم، إنني أخاطب فيك اليوم إيمانك، وأح ّث فيك قلبك الح ّ الذي استجاب ألمر اهلل‬
           ‫ذ‬                                   ‫ء‬
‫بالصالة والصيام، تركتَ الطعام والشراب ابتغا َ مرضاة اهلل. إنني أخاطبك اليوم بال ّات؛ ألنك ذو‬
                                                                       ‫ي‬
                                                                      ‫عزيمة ثابتة وصبر قو ّ.‬
‫أقف معك اليوم وفي هذا الشهر المبارك الذي أسأل اهلل أن يوفقنا وإياك فيه لتوبة نصوح. نعم، لقد‬
                                                                               ‫ج‬
 ‫أ ّلت الحديث عن هذا الموضوع منذ زمن طويل، حتى جاءت هذه األيام الفاضلة، فألحدثك عن‬
                                                             ‫د‬
                                                ‫هذا البالء الذي ابتليت به، إنه ال ّخان والتدخين.‬
   ‫نعم أيها اإلخوة الكرام، إن لم يكن حديثنا عن التدخين في رمضان فمتى يكون؟! إن لم يكن في‬
    ‫شهر الصبر والمصابرة والجهاد والمجاهدة، فقل لي بربك: متى يكون؟! إن لم يكن حديثنا مع‬
        ‫ذ‬
     ‫إخواننا المدخنين في شهر رمضان الذي يزداد فيه إيمانهم وتقوى عزيمتهم فمتى يكون إ ًا؟!‬
                       ‫حر‬
 ‫فرمضان فرصة عظيمة، إنه مدرسة للتربية على التقوى، إنه فرصة ُ ِمها كثير من الناس، إما‬
                                                                    ‫بموت أو مرض أو ضالل.‬
     ‫نعم أيها األخ الصائم، نحن في شهر لم يعرف بعض المدخنين أو أغلبهم حرمته، ولم يقدروه‬
     ‫و‬                                ‫ل‬                                      ‫ب‬
 ‫قدره. فيا عج ًا لصائم أمسك عن الطعام والشراب وما أح ّ اهلل طيلة النهار، ثم هو يفطر أ ّل ما‬
               ‫ال‬           ‫ر‬                                  ‫ب‬
  ‫يفطر على الدخان. ويا عج ًا ثم عجبًا لصائم نوى الصيام والتق ّب للملك الع ّم، وآخر سحوره‬
                                                ‫سيجارة دخان، يختم بها ما أكل وشرب من الطيبات.‬
 ‫أيها الصائم، هل التدخين يرضي اهلل؟! سؤال ال أظن مدخنًا يجهل جوابه، ولكن وقفة معك يا من‬
                                                                                                  ‫ابتليت به.‬
                                                   ‫ي‬
   ‫قل لي بربك واصدق في جوابك: في أ ّ حزبٍ تضع الدخان؟ أمع الطيبات أم مع الخبائث؟! ال‬
                                                         ‫ال‬
                                ‫أشك وأنت عاقل مدرك ورجل رشيد إ ّ أن تقول: إنه من الخبائث.‬
            ‫بئ‬           ‫وي ِل ُ َّيب ويح ِّم ع ِ‬                                                          ‫ذ‬
          ‫إ ًا أخي، أما علمتَ أو قرأتَ قول اهلل تعالى: َ ُح ُّ لَهمْ الطِّ َاتِ َ ُ َر ُ َلَيْهمْ الْخَ َا ِثَ‬
                                                                                          ‫[األعراف:215].‬
    ‫ثم أسألك سؤاالً آخر وأجبني بصدق: هل في التدخين من فائدة؟! ال أريد فوائد، إنما فقط أريد‬
                                                                    ‫ً‬
                 ‫فائدة واحدة، سواء في دينك أو دنياك أو صحتك أو مالك؟ إن الجواب معروف.‬
             ‫م‬                  ‫س م‬
     ‫والنبي يقول: ((ال ضرر وال ضرار))، ويقول: ((من تح ّى س ًا فقتل به نفسه فس ّه في يده‬
                                                       ‫د‬          ‫د‬      ‫د‬
                                         ‫يتحساه في نار جهنم خال ًا مخل ًا فيها أب ًا)) حديث صحيح.‬
                                                                   ‫و‬          ‫ل‬
  ‫نعم، كّنا وأنت أ ّلنا تعرف أن التدخين سبب ألمراض السرطان بجميع أنواعه، وأمراض القلب‬
                                                    ‫م‬                           ‫ف‬
                                         ‫والرئة، ومضع ٌ للقوى، ومهلك للخاليا، ومد ّر للشرايين.‬
                                                                 ‫ل‬
‫وأسألك سؤاالً ثالثًا عن ماِك: المال الذي تملك مال من؟ من الذي أنعم به عليك؟ أليس اهلل؟! أليس‬
                                                     ‫ذ‬
 ‫هو القادر على أخذه من بين يديك؟! إ ًا فلم تستعمله فيما يسخطه ويغضبه؟! وواهلل ـ وأنت تعلم‬
     ‫ـ إنه لن تزول قدماك يوم القيامة حتى تسأل عن مالك: من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟ فبماذا‬
‫تجيب ربك إذا سألك وسيسألك؟ أتقول: يا رب، أنفقت مالي في هذا الخبيث؟! ما أخجله من جواب‬
                                                                                         ‫د‬
                                                                                        ‫وما أسوأه من ر ّ.‬
‫ثم ألقف معك وقفة اقتصادية، فكم تشرب في اليوم؟ علبة واحدة، ولنفرض أن قيمتها ثالثة رياالت‬
 ‫إذا كانت من األنواع الرديئة. أتدري ـ يا أخي ـ كم تنفق في السنة على هذا الوضع؟ أكثر من‬
 ‫ألف ريال، والبعض ضعف هذا المبلغ. إنك ال تدري أنك تنفق في عشرين سنة ما يقارب الثالثة‬
            ‫ء‬     ‫َ‬               ‫ر‬
     ‫واألربعون ألف ريال، كلها في الدخان. أليس هذا المبلغ مه ًا لزوجة، أو قيمة شرا ٍ لسيارة‬
 ‫وبدون أقساط؟! هذا المال ألستَ أنت أولى به وأبناؤك وأهلك؟! هذا منك أنت فقط، فكيف باآلخر‬
                                             ‫ل‬
   ‫والثالث؟! كم مدخن في مجتمعنا؟ لنفرض على أق ّ تقدير أنهم ال يتجاوزون الثالثة ماليين، مع‬
   ‫أنهم أكثر بكثير، فكم في اليوم يكلفهم الدخان، إنه يكلفهم يوميًا تسعة ماليين ريال، وفي الشهر‬
   ‫مائتان وسبعون مليون ريال، وفي العام الواحد فقط ينفقون ثالثة آالف ومائتان وأربعون مليون‬
                   ‫ب‬                                           ‫ل‬
‫ريال، ميزانيات دول. ك ّ هذا المبلغ الهائل في عام واحد فقط، أين يص ّ؟! إنه يصب في خزائن‬
                       ‫ك‬
   ‫أعدائنا ونحن نشعر أو ال نشعر. إننا ـ يا مسلمون يا صائمون ـ نم ّن لليهود والنصارى في‬
                                                                                          ‫أرض المسلمين.‬
                                                    ‫ل‬
    ‫بل ويساهم المسلمون الراكعون المصّون الصائمون أصحاب البقاالت والتموينات في بيع هذا‬
                                                  ‫م‬
  ‫الخبيث، ويدعمون اقتصاد األعداء، ويد ّرون اقتصاد وقوة المسلمين، أتعلمون أن شركات التبغ‬
                                                    ‫ن‬               ‫م‬
 ‫الكبرى يمتلك معظ َها اليهود، ويص ّعون يوميًا عشرة آالف مليون سيجارة، أي: بمعدل سيجارة‬
        ‫و‬
 ‫لكل فرد على ظهر البسيطة يوميًا. إنهم ينفقون أموالهم، بل وقد يخسرون، ولكنهم يع ّضون تلك‬
             ‫ك‬
    ‫الخسائر بزيادات كبيرة في المبيعات على ما يسمى بدول العالم الثالث، والذي نش ّل فيه نحن‬
                                                                          ‫ك‬
                                                                      ‫المسلمين أغلب س ّانه.‬
  ‫إن من يتعاون مع هذه الشركات اليهودية الصهيونية لهو من دعاة الفساد والضالل، إن من يبيع‬
                         ‫و‬                 ‫س‬
‫هذه المواد السامة من دخان وجراك وشيش ومع ّل ونحوها إنما ير ّج لما يقتل المسلمين ويقضي‬
                                                                      ‫و‬
    ‫عليهم، وهو عد ّ لكل مسلم؛ إذ كيف يرضى مسلم مؤمن أن يبيع ألخيه ما يضره وال ينفعه؟!‬
                                                                            ‫و‬
‫كيف ير ّجها ويأكل ثمنها؟! ثمنها حرام وسحت، ((وأيما جسد نبت على سحت فالنار أولى به)).‬
‫إنها مسؤولية عظيمة كلنا عنها مسؤولون، ولذا أفتى علماؤنا األجالء بحرمة بيع الدخان أو شرائه‬
‫أو إيجار محالت بيعه، ويا عجبًا لمحالت ال يباع فيها إال الدخان، تجمع الخبث والنتن، وانتشرت‬
‫محالت بيع الجراك والشيش ونحوها وأحيانًا بأسماء نساء. ال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم،‬
                 ‫م‬
‫وحسبنا اهلل ونعم الوكيل من مسلمين ال يعيش الواحد منهم لدينه وأمته، بل ه ّه جمع المال من أي‬
                                                                      ‫طريق حاللٍ أو حرام.‬
                            ‫د‬
      ‫أخي الكريم، أيها األخ المبارك، ما هو وضع جسدك؟ لماذا اسو ّ وجهك وشفتاك؟ بل لماذا‬
                                                                     ‫ر‬             ‫ر‬
                                                            ‫احم ّت عيناك واصف ّت أسنانك؟‬
                                    ‫م ر‬
  ‫أخي، لماذا رائحتك دائمًا كريهة؟ ولماذا ثوبك دائ ًا مخ ّق؟ بل وأبناؤك يتضايقون منك. ال، بل‬
                                                 ‫ل‬
 ‫وزوجك تكره قربك. لماذا يتضايق المصّون من الصالة بجانبك؟ أما سألت نفسك هذه األسئلة؟!‬
                                                                                         ‫ل‬
‫ك ّ ذلك بسبب هذا الدخان. و((المالئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم))، قاله عليه الصالة والسالم‬
                                                        ‫ل‬
                                                  ‫لمن أكل ثومًا أو بصالً، وهما مما أح ّ اهلل.‬
                                      ‫يا شارب التنباك ما أجراكا…من ذا الذي في شربه أفتاكا‬
                                         ‫أتظن أن شرابه مستعذب…أم هل تظن بأن فيه غذاكا‬
                                         ‫هل فيه نفع ظاهر لك يا فتى…كال فما فيه سوى أذاكا‬
                                         ‫ومضرة تبدو وقبح روائح…مكروهة تؤذي به جلساكا‬
                                 ‫وفتور جسم وارتخاء مفاصل…مع ضيق أنفاس وضعف قواكا‬
                                                    ‫ن‬             ‫ض‬
                                     ‫أو حرق مال لم تجد عو ًا له…إال دخا ًا قد حشا أحشاكا‬
                                                                  ‫ب‬        ‫ً‬
                                             ‫آثرته وتركت جهال غيره…ت ّا لمن قد آثر التنباكا‬
                                                               ‫ر‬
                                    ‫ورضيت فيه بأن تكون مبذ ًا…وأخو المبذر لم يكن يخفاكا‬
                                               ‫ّ‬                                ‫ذم‬
                                         ‫يكفيك ًّا فيه أن جميع من…قد كان يشربه يود فكاكا‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                                                                  ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                                                ‫د‬
    ‫له إله األولين واآلخرين، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وحجة على‬
                         ‫الخلق أجمعين، صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
                      ‫ي‬
‫أما بعد: أخي الصائم، يا من ابتليت بهذا البالء، إني أعلم أنك لست راض ًا عن التدخين، بل تتمنى‬
  ‫دائمًا أن يخلصك اهلل منه، وكم سمعتك تقول: واهلل إن الدخان خبيث وإثم وحرام، وإني أعلم أنه‬
                                                                                      ‫ر‬
                                        ‫يض ّ وال ينفع، وكم حاولت أن أتركه ولكني أرجع إليه.‬
  ‫ال‬
 ‫فيا صاحب العزيمة واإلرادة، أنت مؤمن، رضيت باهلل ربًا وباإلسالم دينًا وبمحمد نبينا ورسو ً.‬
         ‫أنت من أحفاد أبي بكر وعمر وخالد ومصعب والقعقاع وحمزة. أنت في شهر الفتوحات‬
  ‫واالنتصارات. نعم، انتصر أجدادي وأجدادك في رمضان على أعدائهم، وكانت أغلب الفتوحات‬
                            ‫الشهيرة في رمضان، أال تنتصر أنت على شيطانك ونفسك وهواك؟!‬
 ‫و‬                   ‫و‬                                           ‫وت‬
‫ال تقل: ال أستطيع تع ّد ُ عليه، فهل الخمر أعظم أم الدخان؟! هل من تع ّدها وأدمنها كمن تع ّد‬
                                                        ‫د ِ ذ م‬
  ‫على الدخان وأدمن أم أش ّ؟ فلمَ إ ًا ل ّا سمع الصحابة مناديَ رسول اهلل ينادي: (أال إن الخمر قد‬
                                                                                      ‫ر‬
   ‫ح ّمت) قالوا: انتهينا، انتهينا. فمن كانت في منزله أخرجها وسكبها، ومن كانت في يده رماها‬
                                                 ‫ر‬              ‫ج‬
                        ‫وكسرها، ومن كانت في فمه م ّها، أليسوا بش ًا كالبشر أم إنهم مالئكة؟!‬
       ‫و‬                                  ‫ذ‬
‫أخي، اعلم أنت إذا نويت وصدقت في النية فإن اهلل آخ ٌ بعزيمتك، ((ومن ترك شيئًُّا هلل ع ّضه اهلل‬
                                                                                           ‫ر‬
                                                                                   ‫خي ًا منه)).‬
  ‫ثم ال تنس الدعاء، فإنه السالح الذي ال غنى عنه، والسهم الذي ال يخطئ، والعالج الذي ال يندم‬
                        ‫ل‬
       ‫صاحبه، فأكثر من دعاء اهلل، وخاصة في هذه الليالي المباركة أن يخّصك منه، ارفع يديك‬
                                      ‫ب‬       ‫ب‬
‫بإخالص وصدق في وقت السحر: يا ر ّ، يا ر ّ، عصيت أمرك، وارتكبت نهيك، أهلكت نفسي،‬
   ‫وأضعت مالي، ودعمت أعدائي، فتب علي توبة من عندك، تمحو بها ذنبي، وتغفر بها خطئي،‬
  ‫د‬                                                                                     ‫و‬
 ‫وتق ّم بها حالي، يا أرحم الراحمين. وواهلل، لو علم اهلل منك صدق الدعاء والعمل واللجأ ال ير ّك‬
                                                                                         ‫خائبًا.‬
                      ‫ل‬
      ‫ثم أخي، اعلم أن من أعظم أسباب العالج كذلك ترك أماكن التدخين وك ّ ما يذكرك به، من‬
‫أصحاب أو أكل معين أو شراب أو وقت أو مكان، فإن أردت لنفسك النجاة فاهجر المدخنين؛ ألنك‬
       ‫كيف تريد ترك الدخان وأنت تجالس أهله وشاربيه؟! بل كيف تريد تركه وأنت ال يحلو لك‬
         ‫الجلوس إال في استراحات الشيش والدخان؟! اصدق في التوبة إلى اهلل تكن من الفائزين.‬
                         ‫ُل‬
   ‫أما علمت قصة الذي قتل مائة نفس، فسأل عن أعلم أهل األرض فد ّ على عالم، فقال: هل لي‬
 ‫من توبة؟! قال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟! ولكن، واستمع لما بعد لكن: اخرج‬
           ‫م‬
   ‫من األرض التي أنت فيها فإنها قرية سوء، واذهب إلى األرض الفالنية فإن فيها قو ًا صالحين‬
    ‫يعبدون اهلل، فاعبد اهلل معهم. فلما خرج الرجل وعلم اهلل صدق توبته وهجر قرية السوء وأخذ‬
   ‫كل‬
   ‫متاعه على ظهره أتاه الموت في الطريق، فاختصمت فيه مالئكة العذاب ومالئكة الرحمة، ٌّ‬
               ‫ي‬
   ‫يقول: هو من نصيبي، حتى بعث اهلل لهم ملكًا أن قيسوا ما بين القريتين، فإلى أّهما أقرب فهو‬
                    ‫لها. فقاسوا فوجوده أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فأخذته مالئكة الرحمة.‬
‫نعم أيها األخ الصائم، إنه شرط لكل تائب أن يترك مجتمع العاصين إلى مجتمع الطائعين إن أراد‬
‫أن يكون من المفلحين. ثم انشغل عنه بالسواك الذي هو مرضاة للرب ومطهرة للفم، وإن احتجت‬
                                                   ‫د‬
                                                 ‫إلى زيارة عيادات مكافحة التدخين فال تتر ّد.‬
                 ‫ي‬
  ‫عباد اهلل، أيها الصائمون، أنتم في شهر كريم ويوم فضيل، فنسأل اهلل تعالى الح ّ القيوم بأسمائه‬
                  ‫ل‬                                      ‫ل‬
 ‫الحسنى وصفاته العلى أن يعافي ك ّ من ابتلى بالتدخين، اللهم عافه منه، وخّصه من إثمه، اللهم‬
               ‫ر‬                                                      ‫ونق‬             ‫ه‬
 ‫ط ّر قلبه ولسانه ِّ جوارحه وأركانه، اللهم ارزقه تقواك، وكن عونًا له ونصي ًا يا ذا الجالل‬
‫واإلكرام، اللهم ارزقه صدق العزيمة، وال تجعله يخرج من بيتك الطاهر إال بنية أكيدة على تركه‬
                                                                               ‫ي‬
                                                                      ‫وهجره، يا ح ّ يا قيوم.‬

‫(5/8223)‬




                                                                             ‫صنائع المعروف‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                   ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                              ‫فضائل األعمال, قضايا المجتمع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                      ‫الطائف‬
                                                                                 ‫1/2/5725‬
                                                                               ‫جامع الفاروق‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- مصائب الدنيا. 7- حق المسلم على أخيه المسلم. 3- فضل تفريج الكرب وقضاء الحوائج.‬
                                                                     ‫2- عالج الكرب والهم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                         ‫فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل عز وجل.‬
 ‫أيها اإلخوة في اهلل، إن أعباءَ الدنيا جسام، والمتاعبَ تنزل بالناس من اليتامى واألرامل والغرباء‬
                            ‫ال‬                           ‫ن‬
     ‫والضعفاء والمعسرين. واإلنسا ُ بمفرده أضعف من أن يصمد طوي ً تجاه هذه الشدائد، ولئن‬
                                    ‫ن‬
     ‫صمد فإنه يبذل من الجهد ويقاسي من المعاناة ما كان في غ ًى عنه لو أن إخوانه التفتوا إليه‬
                          ‫ٌ‬
             ‫وهرعوا لنجدته وأعانوه في مشكلته، فالمرء قليل ضعيف بنفسه كثير قوي بإخوانه.‬
    ‫ومن حق المسلم على أخيه المسلم أن يتألم أللمه، ويحزن لحزنه، ويعينه على دفع كربته، أما‬
                                    ‫ك‬                                      ‫ل‬
 ‫موت العاطفة وقّة االكتراث وكأن األمر ال يعنيه فهو تن ّر لهذه األخوة، فضالً عن أنه جفاء في‬
                                                                       ‫الخلق وجمود في الطبع.‬
     ‫والتألم الحق هو الذي يدفعك إلى كشف ضوائق إخوانك، فال تهدأ حتى تزول الغمة وتنكشف‬
   ‫الظلمة، ((المسلم أخو المسلم؛ ال يظلمه وال يسلمه وال يخذله، ومن كان في حاجة أخيه كان اهلل‬
                                                                                  ‫في حاجته)).‬
                                ‫ً‬
 ‫عباد اهلل، إن من رحمة اهلل حين خلق المعروف أن خلق له أهال فحببه إليهم وحبب إليهم إسداءه،‬
                                                                            ‫ج‬
   ‫ووجههم إليه كما و ّه الماء إلى األرض الميتة فتحيا به ويحيا به أهلها، وإن اهلل إذا أراد بعبده‬
                     ‫ل‬                                                              ‫ر‬
  ‫خي ًا جعل قضاء حوائج الناس على يديه، ومن كثرت نعم اهلل عليه كثر تعّق الناس به، فإن قام‬
                 ‫ر‬        ‫ل ر‬         ‫ص‬
   ‫بما يجب عليه هلل فيها فقد شكرها وحافظ عليها، وإن ق ّر وم ّ وتب ّم فقد ع ّضها للزوال، ثم‬
                                                                    ‫انصرفت وجوه الناس عنه.‬
                               ‫ر‬
 ‫ورد في الحديث: ((إن هلل أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع عباده، يق ّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها‬
      ‫ع‬                                                                  ‫و‬
    ‫نزعها منهم فح ّلها إلى غيرهم)) أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا. وعن ابن عباس مرفو ًا:‬
        ‫ر‬        ‫ر‬
   ‫((ما من عبد أنعم اهلل عليه نعمة وأسبغها عليه ثم جعل حوائج الناس إليه فتب ّم فقد ع ّض تلك‬
                                                       ‫النعم للزوال)) رواه الطبراني بسند جيد.‬
                                                   ‫ف‬
  ‫وفي الصحيح عن النبي قال: ((من ن ّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اهلل عنه كربة من‬
                                                                ‫س‬
 ‫كرب يوم القيامة، ومن ي ّر على معسر يسر اهلل عليه في الدنيا واآلخرة، ومن ستر مسلمًا ستره‬
    ‫اهلل في الدنيا واآلخرة، واهلل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). وفي صحيح مسلم:‬
  ‫ر‬
 ‫((من سره أن ينجيه اهلل من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه، ومن أنظر معس ًا‬
                                          ‫أو وضع عنه أظله اهلل في ظله يوم ال ظل إال ظله)).‬
                                                               ‫د‬
‫فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يش ّ بعضه بعضًا، وأحب الخَلق إلى اهلل أنفعهم لعباده، وصنائع المعروف‬
‫تقي مصارع السوء، والجزاء من جنس العمل، فكما تعامل الخلقَ في الدنيا يعاملك الخالق سبحانه‬
                                                                     ‫في اآلخرة، فاختر لنفسك.‬
‫أحب‬                                              ‫ولما سئل نبينا عن أحب الناس إلى اهلل وأحب‬
‫ِّ األعمال إلى اهلل، قال عليه الصالة والسالم: (( ُّ‬
                   ‫ل‬                                 ‫الناس إلى اهلل أنف ُهم للناس، وأحب‬
‫ُّ األعمال إلى اهلل عز وجل سرور تدخُه على مسلم، أو تكشف‬            ‫ع‬
     ‫ب ي‬
  ‫عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، وألن أمشي مع أخٍ في حاجة أح ّ إل ّ من‬
                                                        ‫ر‬
  ‫أن أعتكف في هذا المسجد شه ًا ـ أي: المسجد النبوي الذي الصالة فيه بألف صالة ـ، ومن‬
                                                                                   ‫كف‬
 ‫َّ غضبه ستر اهلل عورته، ومن كظمَ غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه مأل اهلل قلبه رجاءً يوم‬
                  ‫ل‬
   ‫القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت اهلل قدمه يوم تزو ُ األقدام)) وصدق‬
                                                                                  ‫رسول اهلل .‬
                                            ‫كل‬                                       ‫ر‬
                                       ‫وخي ُ عبادِ اهلل أنفعهم لهم…رواه من األصحاب ُّ فقيه‬
                                               ‫َ‬            ‫ل ل ي ن‬
                                      ‫وإن إله العرش ج ّ جالُه… ُعي ُ الفتى ما دام عون أخيه‬
                                                ‫ء‬                       ‫ُ‬          ‫فهنيئ‬
  ‫ًُّا لمن يسارع في صنائع المعروف وقضا ِ حوائجِ الناس، وهنيئًُّا للموظف الذي يسعى لذلك‬
                                             ‫س‬
‫ولو لم يكن من صميم عمله، وهنيئًُّا لمن تو ّط في قبول طالبٍ أو مساعدة محتاج أو تنفيس كربة‬
                                     ‫ر‬
   ‫مكروب مهموم، هنيئًُّا لمن شفع شفاعة حسنة له أجرها وب ّها في الدنيا واآلخرة، قال حبيبنا :‬
                                ‫وكل‬                                    ‫ع‬
    ‫((صنائ ُ المعروف تقي مصارع السوء))، وقال: (( ُّ معروف صدقة، وأهل المعروف في‬
        ‫الدنيا هم أهل المعروف في اآلخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في اآلخرة)).‬
                                                        ‫س‬
  ‫والغبطة ـ أيها األحبة ـ فيمن ي ّر اهلل له خدمةَ الناس وأعانه على السعي في مصالحهم، فعن‬
  ‫عبد اهلل بن مسعود قال قال النبي : ((ال حسد إال في اثنتين رجل آتاه اهلل ماال فسلط على هلكته‬
                                     ‫في الحق ورجل آتاه اهلل الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)).‬
        ‫ة‬            ‫م‬                    ‫ج‬       ‫ة‬
   ‫إن دروب الخير ـ أيها المسلمون ـ كثير ٌ وحوائ ُ الناس متنوعة: إطعا ُ جائع وكِسو ُ عاري‬
  ‫م‬           ‫د‬            ‫ف‬            ‫ة‬            ‫ر‬            ‫م‬            ‫ة‬
 ‫وعياد ُ مريض وتعلي ُ جاهل وإنظا ُ معسر وإعان ُ عاجز وإسعا ُ منقطع، تطر ُ عن أخيك ه ًا‬
    ‫ر‬                  ‫ر‬      ‫ل‬       ‫ز‬     ‫ت م‬                         ‫ف‬              ‫ل‬
    ‫وتزي ُ عنه غمًا، تك ُل يتيمًا وتواسي أرملة، ُكر ُ عزي َ قوم ذ ّ وتشك ُ على اإلحسان وتغف ُ‬
‫اإلساءة، تسعى في شفاعة حسنة تف ّ بها أسي ًا وتحقن به دمًا وتج ُّ بها معروفًا وإحسانًا، وشهاد ُ‬
‫ة‬                             ‫ُر‬                    ‫ر‬         ‫ك‬
                         ‫ن‬                  ‫ل‬          ‫كل‬          ‫ق‬       ‫ظ‬      ‫ترد‬
  ‫حق ُّ وتحف ُ بها ح ًا لمظلوم. ُّ ذلك تكاف ٌ في المنافع وتضام ٌ في التخفيف من المتاعب،‬
          ‫ح‬                    ‫ن‬                  ‫ر‬               ‫ع‬            ‫س‬
      ‫تنفي ٌ للكروب ودف ٌ للخطوب، وتصبي ٌ في المضائق وتأمي ٌ عند المخاوف، وإصال ٌ بين‬
    ‫َّ‬                                    ‫ك‬                              ‫ٌ‬
    ‫المتخاصمين، وهداية البن السبيل، فإن كنتَ ال تمل ُ هذا وال هذا فادفع بكلمة طيبة وإال فكف‬
                                                                ‫ة‬
                                                  ‫أذاك عن الناس، فإنه صدق ٌ منك على نفسك.‬
    ‫أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((تبسمك في وجه أخيك‬
    ‫صدقة، وأم ُ َ بالمعروف ونه ُكَ عن المنكر صدقة، وإرشا ُكَ الرجلَ في أرضِ الضالل ل َ‬
    ‫ك‬                           ‫د‬                         ‫ي‬              ‫رك‬
                     ‫غ‬                                  ‫ك‬       ‫ر‬        ‫ت‬
    ‫صدقة، وإماط ُكَ الحج َ والشو َ والعظمَ عن الطريق لك صدقة، وإفرا ُكَ من دلوك في دلو‬
                                                                               ‫أخيك صدقة)).‬
                                               ‫ل‬                 ‫كل‬
   ‫نعم أيها اإلخوة، ُّ معروف صدقة، وأه ُ المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في اآلخرة،‬
                                             ‫د‬                               ‫ُ‬
   ‫والصدقة تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزي ُ في العمر، والمال إن لم تصنع به معروفًا أو‬
‫د‬                     ‫ع‬                                    ‫ر‬            ‫د‬
‫تقضِ به حاجة أو ت ّخر لك به أج ًا فما هو إال لوارثٍ أو لحادث، وصنائ ُ البر واإلحسان تستعب ُ‬
                                                                                   ‫بها القلوب.‬
                                 ‫ن‬      ‫ن‬
                                 ‫أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهم…فطالما استعبد اإلنسا َ إحسا ُ‬
                            ‫سب‬                                ‫ش‬            ‫ل ح‬           ‫ح‬
‫والشحي ُ البخي ُ كال ُ الوجه، يعي ُ في الدنيا عيشةَ الفقراء، ويحا َ ُ يوم القيامة حسابَ األغنياء،‬
                                                                           ‫ر‬       ‫ِر‬
                                                           ‫فال تكن ـ أيها الموس ُ القاد ُ ـ خازنًا لغيرك.‬
         ‫ر‬            ‫ء‬                         ‫م‬
‫أيها اإلخوة األحباب، إن صفوَ العيش ال يدو ُ، وإن متاعب الحياة وأرزا َها ليست حِك ًا على قوم‬
                                           ‫ء‬           ‫خ ن‬
                                     ‫دون قوم، وإن حسابَ اآلخرة لعسير، و ُذال ُ المسلم شي ٌ عظيم.‬
    ‫المسلمون اليوم هانوا أفرا ًا وهانوا ُممًا، حين ضعفت فيهم أواص ُ األخوة، ووهت فيهم حبا ُ‬
    ‫ل‬          ‫ْ‬            ‫ِر‬                        ‫أ‬         ‫د‬
     ‫المودة، استحكمتْ فيهم األنانيات، وساد حب الذات، فوقعت اآلفات، ومحقت البركات، ((وهل‬
                                                                         ‫تنصرون وترزقون إال بضعفائكم)).‬
                                                            ‫ق‬
  ‫بل إن بعض غِالظِ األكباد و ُساةِ القلوب ينظرون إلى الضعيف والمحتاج وكأنه قذى في العين،‬
                                                    ‫ز‬          ‫كل‬                         ‫ي‬
   ‫ُزلقونه بأبصارهم في نظرات ُّها اشمئزا ٌ واحتقار. أال يعتبر هؤالء بأقوام دار عليهم الزمان‬
        ‫م‬        ‫ز ال غ ه ر‬                                ‫ف‬
      ‫وعدتْ عليهم العوادي واجتاحتهم صرو ُ الليالي فاستدارَ ع ُهم ذ ً، و ِنا ُم فق ًا، ونعي ُهم‬
                                                                                                             ‫م‬
                                                                                                          ‫جحي ًا؟!‬
                               ‫ة‬     ‫س‬
‫فاتقوا اهلل رحمكم اهلل، وأصلحوا ذات بينكم، ولتكنِ النفو ُ سخي ً واأليدي بالخير ندية، واستمسكوا‬
 ‫ة‬        ‫د ر‬             ‫ال‬            ‫َ‬             ‫و م‬
 ‫بعرى السماحة، وسارعوا إلى سداد عَ َز ال ُعْوزين، ومن بذلَ اليوم قلي ً جناه غ ًا كثي ًا. تجار ٌ‬
                             ‫ق‬               ‫ف‬           ‫د‬              ‫ض‬
‫مع اهلل رابحة، وقر ٌ هلل حسن مردو ٌ إليه أضعا ًا مضاعفة، إنفا ٌ بالليل والنهار والسر والعلن،‬
 ‫ب الن وم ي َ ذلك‬                    ‫إ‬         ‫مر‬             ‫و ه ِال م َر ب َ َ‬               ‫رم‬         ‫َْف‬
 ‫الَ خَير ِي كَثِي ٍ ِنْ نَجْ َا ُمْ إ َّ َنْ أَم َ ِصدقَةٍ أَوْ َعْ ُوفٍ أَوْ ِصْالحٍ َيْنَ َّاسِ َ َنْ َفْعلْ َِ َ‬
                                                               ‫ْر ظ‬           ‫الل ِ ْ ن ت‬              ‫ت ءم‬
                                             ‫ابْ ِغَا َ َرْضَاةِ َّه فَسَوفَ ُؤْ ِيهِ أَج ًا عَ ِيمًا [النساء:255].‬
    ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي رسوله الكريم، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين‬
                                                                           ‫فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                    ‫د ر ب‬
‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما ينبغي لجالل وجهه وعظيم سلطانه، له الملك وله الحمد،‬
                   ‫ض‬
        ‫هو المتفضل وصاحب الفضل، هو الكريم وصاحب الكرم، خلق عباده وف ّل بعضهم على‬
                                           ‫ز‬
       ‫بعض، وجعل بعضهم فوق بعض درجات، يع ّ ويذل، يغني ويفقر، يعطي ويمنع، ويخفض‬
                                                          ‫ي َل َم ي َل ُ ي ل‬
        ‫ويرفع، ال ُسْأ ُ ع َّا َفْع ُ وَهمْ ُسْأَُونَ [األنبياء:37]، والصالة والسالم على عبده ورسوله‬
        ‫د‬                                ‫م ب‬
  ‫األمين، الذي وصفته زوجه خديجة رضي اهلل عنها ل ّا ُعث: (كال واهلل ما يخزيك اهلل أب ًا؛ إنك‬
                                                            ‫ل‬
    ‫لتصل الرحم، وتحمل الك ّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) فكان‬
        ‫المصطفى يفرج كرب المعدم ومن أصابته النوائب، صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله‬
                                                                                               ‫وصحبه أجمعين.‬
       ‫أما بعد: فالمعروف أيمن زرع وأفضل كنز، وال يتم المعروف إال بثالث: تعجيله وتصغيره‬
‫وستره، فمن وفق لبذل المعروف واإلحسان إلى الناس فليكن ذلك بنية صالحة ووجه طلق ومظهر‬
   ‫بشوش، وليحرص على كتمان معروفه وإحسانه مراعاة لإلخالص وحفظًا لكرامة أخيه المسلم.‬
    ‫أيها اإلخوة في اهلل، ويبلغ األدب غايته حين يعلم باذل المعروف أن ما يقدمه من المعروف هو‬
                         ‫ر‬
         ‫حق لمن قدمه لهم، ساقه اهلل على يديه، فال ينتظر منهم جزاءً وال شكو ًا، بخالف من يتبع‬
                                      ‫ير‬               ‫ي‬                         ‫ن‬
        ‫معروفه بالم ّ واألذى، فإنه يمحق أجره وُبطل ثوابه، و ُع ّض ما أنعم اهلل به عليه للزوال.‬
                                                             ‫ل‬
      ‫فالمال والجاه والمنصب وغيرها كّها من اهلل، هو واهبها، وهو القادر أن يسلبها من العبد في‬
                                                                                                                         ‫لحظة.‬
‫فيا من جعل اهلل حوائج الناس إليه، ابذل المعروف لهم، صدقة وإحسانًا، مساعدة وشفاعة، فقد كان‬
      ‫السلف رحمهم اهلل يفرحون بقضاء حوائج الناس أيما فرح، يقول حكيم بن حزام: "ما أصبحت‬
                                                      ‫وليس ببابي صاحب حاجة إال علمت أنها من المصائب".‬
      ‫وأنت أخي المحتاج، يا صاحب الحاجة، ويا أيها المكروب، ال يكن اعتمادك فقط على من هم‬
                                ‫ل‬       ‫ه‬                              ‫مثلك من البشر، فرب‬
    ‫ُّ من تستشفع بهم هو القادر، وإل ُ من تسأُهم هو الناصر، والبشر ال يملك‬
   ‫ض‬                                                   ‫ر‬
 ‫أحدهم لنفسه فضالً عن غيره نفعًا وال ض ًا، إال أن يشاء اهلل. فال تكن عن اهلل غافالً أو معر ًا،‬
                                                 ‫ال ب‬            ‫د‬
‫وال تكن على غيره معتم ًا أو متوك ً، فرّما وكلك اهلل إلى نفسك أو إلى من سألتهم قضاء حاجتك‬
                                                                                                      ‫فتخسر الدين والدنيا.‬
 ‫عن أبي بكرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فال‬
    ‫تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، ال إله إال أنت)) حديث صحيح، وعن علي‬
                                                                        ‫ل‬
  ‫رضي اهلل عنه قال: عّمني رسول اهلل إذا نزل بي كرب أن أقول: ((ال إله إال اهلل الحليم الكريم،‬
    ‫سبحان اهلل وتبارك اهلل رب العرش العظيم، والحمد هلل رب العالمين)) رواه أحمد وهو صحيح.‬
    ‫وكان نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه إذا كربه أمر يقول: ((يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث)).‬
                                     ‫ه‬             ‫س‬                 ‫م‬
 ‫فاهلل هو فارج اله ّ وكاشف الكرب ومي ّر العسير ومس ّل األمور، والناس ـ إال من رحم اهلل ـ‬
             ‫ل‬
         ‫عن دعاء ربهم غافلون، وعن سؤاله واإللحاح عليه معرضون، وبغيره من البشر متعّقون،‬
 ‫مك‬                ‫ُ الل ُم‬
 ‫وعليهم معتمدون، وهذا نقص في التوحيد وكماله، وخلل في التوكل وصدقه، قلْ َّه َّ مَالِكَ الْ ُلْ ِ‬
  ‫ْر ِن عل‬               ‫ء بي‬          ‫ء و ُ ِل م‬         ‫ء وت ِز م‬           ‫ء و ْزع م ِم‬                      ‫ت ت مك م‬
 ‫ُؤْ ِي الْ ُلْ َ َنْ تَشَا ُ َتَن ِ ُ الْ ُلْكَ م َّنْ تَشَا ُ َ ُع ُّ َنْ تَشَا ُ َتذ ُّ َنْ تَشَا ُ ِ َدِكَ الْخَي ُ إ َّكَ ََى‬
                                                                                                      ‫ٍ َد ر‬       ‫ُل‬
                                                                                       ‫ك ِّ شَيْء ق ِي ٌ [آل عمران:67].‬
                                                   ‫د‬
        ‫أيها اإلخوة المؤمنون، ليس للمعروف ح ّ، بل ال يقتصر بذل المعروف على بني آدم، فحتى‬
‫البهائم والحيوان في بذل المعروف لها أجر، فالرحمة في ديننا شملت البهائم حتى القطط والكالب،‬
                                                ‫ر‬
  ‫قال رسول اهلل : ((دخلت امرأة النار في ه ّة؛ حبستها ال هي أطعمتها، وال هي تركتها تأكل من‬
                               ‫ب‬         ‫ي‬
    ‫خشاش األرض))، وفي صحيح مسلم: ((إن امرأة بغ ًا رأت كل ًا في يوم حار يطيف في بئر قد‬
                                      ‫غ‬                                                     ‫َ‬
                             ‫أدلَع لسانه من العطش، فنزعت له موقها ـ أي: خفها ـ فسقته ف ُفر لها)).‬
‫فيا عباد اهلل، إن كانت الرحمة وبذل المعروف لكلب من امرأةٍ بغي أوجب لها ما أوجب، أال تكون‬
     ‫الرحمة وبذل المعروف واإلحسان للمسلمين أعظم وأنفع؟! فالمعروف وصنائع المعروف تثمر‬
                                                                                             ‫حتى مع البهائم العجماوات.‬
  ‫يذكر اإلمام الذهبي في سير أعالم النبالء عند حديثه عن اإلمام القدوة العالم الجليل شيخ اإلسالم‬
    ‫في زمانه سفيان الثوري رحمه اهلل قال: يقول أبو منصور: بات سفيان الثوري في هذا البيت،‬
                               ‫خل‬       ‫س‬                                       ‫ب‬
 ‫وكان هنا ُلبل البني، فقال سفيان: ما بال هذا محبو ًا؟! لو ُّي عنه، قال: فقلت: هو البني وهو‬
              ‫ل‬                ‫ر‬                    ‫ر‬
   ‫يهبه لك، قال سفيان: ال، ولكن أعطيه دينا ًا، قال: فأعطاه دينا ًا وأخذ البلبل وخّى عنه. يقول‬
  ‫أبو منصور: فكان البلبل يذهب يرعى فيجيء بالعشي ـ آخر النهار ـ فيكون في ناحية البيت،‬
                                                                                     ‫م‬
    ‫فل ّا مات سفيان الثوري تبع البلبل معنا جنازته ـ سبحان اهلل العظيم ـ فكان البلبل يضطرب‬
    ‫على قبره، ثم اختلف بعد ليالٍ إلى قبره، فكان ربما بات عند القبر، وربما رجع إلى البيت، ثم‬
                                      ‫وجدوه ميتًا عند قبر سفيان الثوري رحمه اهلل، فدفن عنده.‬
‫هكذا يصنع المعروف مع الطير والبهائم فكيف مع بني اإلنسان؟! كيف مع إخواننا المسلمين؟! إنه‬
                                                                      ‫ع‬             ‫ر‬
                                                  ‫ألعظم أج ًا ومثوبة ونف ًا في الدنيا واآلخرة.‬

‫(5/9223)‬




                                                                                    ‫عظمة اهلل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫اإليمان‬
                                                                                 ‫اهلل عز وجل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                         ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                       ‫الطائف‬
                                                                                  ‫2/1/5725‬
                                                                                ‫جامع الفاروق‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- اهلل عز وجل يحب أن يمدح. 7- وما بكم من نعمة فمن اهلل. 3- مظاهر عظمة اهلل. 2-‬
‫تعظيم اهلل في القلوب داع إلى مراقبته والخوف منه. 1- من مظاهر ضعف مراقبة اهلل تعالى. 6-‬
                                                                       ‫آثار ضعف مراقبة اهلل.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                        ‫َّ َ ْ‬   ‫و َ َر الل‬                      ‫ز‬                   ‫ي‬         ‫م‬
‫أ ّا بعد: أ ّها اإلخوة، فيقول ع ّ من قائل عن نفسه: َمَا قد ُوا َّهَ حَق قدرِهِ [األنعام:59] أي: ما‬
                         ‫ب‬        ‫ب د‬                     ‫ك‬             ‫ع َد‬           ‫ظ حق‬
                       ‫ع ّمه َّ تعظيمه من َب َ غيره، أو تو ّل على سواه، أو أح ّ أح ًا فوق ح ّه.‬
   ‫روى البخاري رحمه اهلل عن ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: جاء حبر من األحبار إلى رسول‬
                                                       ‫ن‬
‫اهلل فقال: يا محمد، إنا نجد أ ّ اهلل عز وجل يجعل السماوات على إصبع، واألرضين على إصبع،‬
      ‫والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك،‬
 ‫فضحك رسول اهلل حتى بدت نواجذه تصدي ًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول اهلل : َ َا ق َ ُوا َّهَ ح َّ‬
 ‫وم َدر الل َق‬                                          ‫ق‬
 ‫ِي ت بيم ن س ح ه و ل َم ي رك ن‬                             ‫َ ْ ه و َ ْض جم ع ضته ْ قي مة َالس و ت‬
 ‫قدرِ ِ َاألر ُ َ ِي ًا قَبْ َ ُ ُ يَومَ الْ ِ َا َ ِ و َّم َا ُ مَطْوَّا ٌ ِ َ ِي ِهِ ُبْ َانَ ُ َتَعَاَى ع َّا ُشْ ِ ُو َ‬
         ‫م‬      ‫ي ه‬
         ‫[الزمر:26]. فهذا الكون بما فيه من ضخامة واتساع إنما هو على أصابع القو ّ الق ّار يو َ‬
                                                                                                                    ‫القيامة.‬
   ‫فسبحان من أتته السماء واألرض طائعة، وتطامنت الجبال لعظمته خاشعة، ووكفت العيون عند‬
                                                            ‫ز‬      ‫ل‬
                    ‫ذكره دامعة، عبادته شرف، والذ ّ له ع ّة، واالفتقار إليه غنى، والتمسْكن له قوة.‬
                                      ‫م‬                   ‫ط‬
    ‫سبحان من أحاط علمه بالكائنات، وا ّلع على النيات، عال ٌ بنهايات األمور، يعلم خائنة األعين‬
   ‫ء وهو‬          ‫س مل‬
   ‫وما تخفي الصدور، علم ما في الضمير، وال يغيب عنه الفتيل والقطمير، لَيْ َ كَ ِثِْهِ شَيْ ٌ َ ُ َ‬
                               ‫ع‬                                             ‫السم ع ب ر‬
     ‫َّ ِي ُ ال َصِي ُ [الشورى:55]. يبدئ ويعيد، وينشئ ويبيد، وهو ف ّال لما يريد، لم يخلق الخلق‬
                                                                                ‫د‬                           ‫س‬
                                                                              ‫ُدى، ولم يتخذ من المضلين عض ًا.‬
   ‫دخل موسى وهارون على رأس الكفر والطغيان فهابا وخافا، فناداهما ربهما: إَّ ِي َ َ ُمَا َسْ َ ُ‬
   ‫ِنن معك أ مع‬
                                                                                         ‫وَ‬
 ‫َأرَى [طه:62]. لما التجأ رسول اهلل ومعه الصديق إلى الغار وأحاط بهما الكفار قال أبو بكر: يا‬
                                      ‫رسول اهلل، كيف لو رأونا ها هنا؟! قال: ((ال تحزن، إن اهلل معنا)).‬
    ‫س‬                                   ‫ر‬
  ‫شكت خولة بنت ثعلبة للرسول أمرها، وأخبرته س ّها، وعائشة في طرف البيت لم تسمع هم ًا،‬
  ‫ج و ك إل الله َالله ي مع‬                      ‫َ س الل ُ ْ الت تج دلك ف‬                            ‫حس‬
  ‫ولم تعلم ِ ًا، فأنزل اهلل: قدْ َمِعَ َّه قَولَ َّ ِي ُ َا ُِ َ ِي زَوْ ِهَا َتَشْتَ ِي َِى َّ ِ و َّ ُ َسْ َ ُ‬
                                                                                  ‫ورك ِن الل سم ع بص ر‬
                                                                    ‫تَحَا ُ َ ُمَا إ َّ َّهَ َ ِي ٌ َ ِي ٌ [المجادلة:5].‬
     ‫اجتمعت عائشة وحفصة وتفاوضتا في شأن الرسول وأخبرت إحداهما األخرى بسره، وكشفت‬
‫وِ َر الن ِي إل ب ْ َ و ج حد ث َم َب به وأ َره‬                                         ‫ال‬
‫شيئًُّا من أمره، فأنزل ع ّم الغيوب: َإذْ أَس َّ َّب ُّ َِى َعضِ أزْ َا ِهِ َ ِي ًا فَل َّا ن َّأَتْ ِ ِ ََظْه َ ُ‬
       ‫َب ن ع م‬                      ‫ك َ‬            ‫م‬         ‫الله ع ع َّ ب ضه و َ ع ب ٍ َم َب به‬
       ‫َّ ُ َلَيْهِ َرفَ َعْ َ ُ َأَعْرضَ َنْ َعْض فَل َّا نَّأَهَا ِ ِ قَالَتْ َنْ أَنْبَأَ َ هذَا قَالَ ن َّأَ ِي الْ َلِي ُ‬
                                                                                                                 ‫ر‬
                                                                                                    ‫الْخَبِي ُ [التحريم:3].‬
‫قط م َ َق ِال‬               ‫و‬          ‫ِ ي م ِال هو وي َم م ف َر و‬                              ‫وع ْ ه تح‬
‫وصدق اهلل: َ ِندَ ُ مَفَا ِ ُ الْغَيْب ال َعْلَ ُهَا إ َّ ُ َ َ َعْل ُ َا ِي الْب ِّ َالْبَحْرِ َمَا تَسْ ُ ُ ِنْ ور َةٍ إ َّ‬
                          ‫س إ َّ ف ك ب مب‬             ‫بو‬         ‫َ ْض و‬      ‫ي مه و َب ٍ ف ظلم‬
    ‫َعْلَ ُ َا َال ح َّة ِي ُُ َاتِ األر ِ َال رَطْ ٍ َال يَابِ ٍ ِال ِي ِتَا ٍ ُ ِينٍ [األنعام:91]، وقال‬
     ‫َ م كو‬                 ‫َر ٍ ف َ ْض و ف السم ء و‬                ‫وم ي زب ع ْ َب م م‬
   ‫سبحانه: َ َا َعْ ُ ُ َن رِّكَ ِنْ ِثْقَالِ ذ َّة ِي األر ِ َال ِي َّ َا ِ َال أَصْغرَ ِنْ ذَلِ َ َال‬
                                                                                            ‫َ إ َّ ف ك ب مب‬
                                                                              ‫أَكْبرَ ِال ِي ِتَا ٍ ُ ِينٍ [يونس:06].‬
        ‫فسبحان من علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وسع علمه كل شيء،‬
     ‫وأحاط بكل شيء، فالورقة تسقط بعلمه، والهمسة تنبس بعلمه، والكلمة تقال بعلمه، والنية تعقد‬
                                 ‫بعلمه، والقطرة ال تنزل إال بعلمه، والخطوة بعلمه، علم الحي‬
         ‫َّ والميت، والرطب واليابس،‬
                               ‫والحاضر والغائب، والسر والجهر، والبادي والخافي، والكثير والقليل.‬
        ‫النجوى عنده جهر، والس ّ عنده عالنية، سَ َا ٌ ِنْكمْ َنْ أَس َّ الْقَولَ َ َنْ َ َرَ ِ ِ َ َنْ ُ َ‬
        ‫و ء م ُ م َر ْ وم جه به وم هو‬                                             ‫ر‬
                                                                              ‫م ْف ِالل ْل و رب ِالنه‬
                                                               ‫ُسْتَخ ٍ ب َّي ِ َسَا ِ ٌ ب َّ َارِ [الرعد:05].‬
                                ‫ر‬                                                  ‫ت‬
‫تتك ّم الضمائر على مستودعات األفكار، فال يعلمها ملك مق ّب وال نبي مرسل وال عالم جهبذ وال‬
                                               ‫ت‬              ‫ال‬
  ‫شيطان مارد، ويعلمها ع ّم الغيوب. تتس ّر الصدور بخواطر وواردات ومقاصد ونيات، ال ينفذ‬
                                                                  ‫ط‬
                                           ‫إليها سمع، وال يصل إليها بصر، وي ّلع عليها الحكيم العليم.‬
                    ‫ي‬       ‫ي‬                                                     ‫يف‬
    ‫ُل ّ الجنين بغشاء إثر غشاء في رحم أمه في ظلمات ثالث، فال ُدرى أح ّ أم ميت، أذكر أم‬
   ‫أنثى، أشقي أم سعيد، وال يدرى ما أجله وال رزقه وال عمره، ويعلم ذلك الذي أحاط بكل شيء‬
                                                                                                              ‫علمًا.‬
             ‫ط‬                              ‫ت‬
     ‫فسبحان من ال تقع قطرة وال تسقط ورقة وال ُقال كلمة وال تطلق نظرة وال يخ ّ حرف وال‬
                                                              ‫ت‬            ‫ت‬             ‫ت‬
                        ‫ُمشى خطوة وال ُسكب دمعةوال ُهمس همسة إال بعلمه، وهو العليم الخبير.‬
   ‫يعلم السرائر، ويطلع على الضمائر، ويحيط باألمور، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ال غالب‬
                                                                 ‫كل‬
       ‫لحكمه، وال راد لقضائه، َّ يوم هو في شأن. عنده علم الليالي واأليام، والزمان والمكان،‬
                   ‫إ َّ َب ُ الله َّ‬
         ‫واإلنس والجان، والنبات والحيوان، ال إله إال هو اللطيف الخبير. ِن رَّكمْ َّ ُ الذِي خَلَقَ‬
  ‫ي ش الل ْ النه ر لبه حث ث و لش س‬                     ‫عل ع‬               ‫الس و ت و َ ْ َ ف ِت َي م ُم‬
  ‫َّمَ َا ِ َاألرض ِي س َّةِ أ َّا ٍ ث َّ اسْتَوَى ََى الْ َرْشِ ُغْ ِي َّيلَ َّ َا َ يَطُْ ُ ُ َ ِي ًا َا َّمْ َ‬
                     ‫م‬          ‫الل ُ َب‬           ‫و َر َالنج م َّر ب ْ أ ه ق و ْر‬
    ‫َالْقَم َ و ُّ ُومَ ُسَخ َاتٍ ِأَمرِهِ َال لَ ُ الْخَلْ ُ َاألَم ُ تَبَارَكَ َّه ر ُّ الْعَالَ ِينَ [األعراف:21].‬
   ‫روى البيهقي بسند حسن عن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: (ما بين السماء واألرض‬
                       ‫غظ‬
 ‫مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، و ِلَ ُ كل سماء مسيرة خمسمائة‬
    ‫عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام،‬
    ‫والكرسي فوق الماء، واهلل سبحانه فوق العرش، ال يخفى عليه شيء من أعمالكم). مستوٍ على‬
     ‫عرشه، ويسمع ويرى ك ّ شيء في ملكوته، وال يخفى عليه شيء من أحوال خلقه، ال تدْ ِ ُ ُ‬
     ‫ُ ركه‬                                                        ‫ل‬
                                                    ‫ر ه الل ف ب ر‬                         ‫صر ه ُ ك‬
                                     ‫األَبْ َا ُ وَ ُوَ يدْرِ ُ األَبْصَا َ وَ ُوَ َّطِي ُ الْخَ ِي ُ [األنعام:305].‬
‫عباد اهلل، إن تعظيم اهلل في القلوب داعٍ إلى مراقبته والخوف منه والعمل بمرضاته. تعظيم اهلل في‬
                 ‫و‬
      ‫القلوب طريق للتقوى، ((اتق اهلل حيثما كنت)) من ليل أو نهار، في بر أو ج ّ أو في أقصى‬
   ‫ف َْ‬            ‫ْ ف الس و‬               ‫َبة م َ ْد ٍ ك ْ ف‬                ‫ب َي ِن إ ك م‬
 ‫البحار، يَا ُن َّ إَّهَا ِنْ تَ ُ ِثْقَالَ ح َّ ٍ ِنْ خر َل فَتَ ُن ِي صَخْرَةٍ أَو ِي َّمَ َاتِ أَوْ ِي األرضِ‬
                                                                          ‫ب الله‬
‫يَأْتِ ِهَا َّ ُ [لقمان:65]. فمن كان هلل معظمًا كان له أخوف ومنه أقرب وعن معاصيه أبعد، ومن‬
                ‫ب‬              ‫ال‬                                      ‫ب‬
 ‫كان للمعاصي مرتك ًا وعن الطاعات والواجبات متوانيًا متكاس ً كان لتعظيم ر ّه ومراقبة مواله‬
                                                                                                    ‫ر‬      ‫ّر‬
                                                                                                ‫مقص ًا ومف ّطًا.‬
                  ‫ل‬
‫أيها اإلخوة في اهلل، ما جاهر مجاهر بمعصية إال لما ضعفت مراقبته هلل وق ّ تعظيمه له. ما ترك‬
‫ل‬                                      ‫ل‬                           ‫ل‬
‫الصالة تارك وال تخّف عنها جماعة في المساجد متخّف إال لما ضعفت مراقبة اهلل في قلبه وق ّ‬
                                         ‫ل‬
       ‫تعظيمه هلل وخوفه منه، ولو راقب العبد ربه لما تخّف عن الصالة، ولما نام عنها وتركها.‬
      ‫الصالة التي هي صلة بين العبد وربه، فرضها اهلل على الذكر واألنثى، الحر والعبد، المقيم‬
‫والمسافر، الصحيح والمريض، اآلمن والخائف، ((العهد الذي بيننا وبينهم الصالة، فمن تركها فقد‬
   ‫كفر)). الصالة التي فرضت من فوق سبع سماوات، الصالة التي إذا صلحت صلح سائر عمل‬
   ‫العبد، وإذا فسدت فسد سائر أعمال العبد، وهي أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة، الصالة‬
                ‫ط‬                                             ‫ر‬
  ‫التي من حافظ عليها كانت له نو ًا وبرهانًا ونجاة من عذاب اهلل تعالى، فاهلل م ّلع عليك يا عبد‬
 ‫َّذ‬                                                          ‫م‬              ‫ب‬
‫اهلل، مراق ٌ ألفعالك، عال ٌ بحركاتك وسكناتك، مشاهد لصالتك وعبادتك أو تفريطك وغفلتك، ال ِي‬
                                                           ‫َر ح ق م و َل َ ف الس ِد‬
                                    ‫ي َاكَ ِينَ تَ ُو ُ َتَقُّبَك ِي َّاج ِينَ [الشعراء:857، 957].‬
                   ‫ك‬               ‫يسل‬
      ‫قال العلماء: تارك الصالة كافر، يعامل معاملة الكفار، ال َّم عليه، وال تؤ َل ذبيحته، وال‬
                        ‫َّج، وال يجالس، وال يؤاكل، وال ُساكن، وإن مات لم يغسل ولم يصل‬
  ‫َّ عليه، لماذا؟ ألنه قطع‬                           ‫ي‬                             ‫يزو‬
 ‫الصلة فيما بينه وبين اهلل بتركه الصالة، فكان من الحق أن يقطع المسلمون الصلة معه وبه؛ ألنه‬
                                                                                           ‫ر‬
                                                                ‫متكب ٌ على اهلل، يأبى السجود هلل.‬
  ‫أيها المسلمون، لما ضعفت مراقبة اهلل في قلوب كثير من األخوات المسلمات، خرجن متبرجات‬
                                                                       ‫ذ‬
      ‫سافرات متب ّالت مستهترات بالعرض والشرف، ولو استشعرن نظر اهلل إليهن ـ وهو الذي‬
                                          ‫كن‬
  ‫أمرهن بالستر والحجاب والبعد عن الرجال ـ ل ُ ّ كأمهات المؤمنين، الواحدة فيهن محجبة ولو‬
‫كانت لوحدها في الصحراء، عفيفة طاهرة ألنها تعبد اهلل بالحجاب، فهو الذي أمرها به، وهو الذي‬
                      ‫م‬
‫يحاسبها عليه، ولكن ـ ولألسف ـ قد تستحي المرأة اليوم من الناس أعظ َ من حيائها من اهلل، أو‬
‫ق‬           ‫ال‬                                                                ‫ج‬
‫قد تخاف زو َها أو أباها وتراقبه أعظم من خوفها ومراقبتها هلل؛ ألنها ما قدرت ع ّم الغيوب ح ّ‬
                                                                               ‫ظ‬
                                                                 ‫قدره، وما ع ّمته حق تعظيمه.‬
                ‫غ‬               ‫ر‬                               ‫م‬
‫فمراقبة اهلل وتعظيمه ص ّام أمان في نفوس الناس، وازع خي ٍ ومانع شرٍ إذا ُرس في قلب العبد.‬
                                                                              ‫ل‬
 ‫وما قّت وضعفت مراقبة اهلل في قلوب الناس إال وانتشرت فيهم المعاصي والمنكرات، وجاهروا‬
                         ‫بالخطايا والمخالفات، واعتدوا على الحقوق والواجبات، فما غش غاش‬
‫ٌّ أخاه المسلم إال لما ضعفت‬  ‫ّ‬
                                                      ‫ق‬
         ‫مراقبة اهلل، وال اعتدى معتد على ح ّ غيره من مالٍ أو أرض إال لما ضعفت مراقبة اهلل‬
    ‫ذ‬
  ‫واستشعار نظره وعظمته، ما تبرجت من تبرجت وال سفرت عن وجهها من تبرجت وال تب ّلت‬
                               ‫حق‬                   ‫ال‬                           ‫ذ‬
‫من تب ّلت إال لما غفلت عن مراقبة ع ّم الغيوب ولم تقدره َّ قدره. وما توارى متوارٍ وال غمز‬
                                     ‫ن‬                         ‫س‬
   ‫غامز وال عاكس معاك ٌ وال خان خائن وال زنى زا ٍ وال سرق سارق وال وشى واشٍ إال لما‬
                          ‫َّ َ ْ‬   ‫وم َر الل‬                    ‫ل‬
          ‫ضعفت مراقبة اهلل في القلوب وق ّ تعظيمه فيها. َ َا قَد ُوا َّهَ حَق قدرِهِ [الزمر:26].‬
‫ح‬                    ‫ر‬                        ‫ر‬
‫معاشر المسلمين، اعلموا أن مراقبة اهلل في الس ّ والعلن وتعظيمه واستشعا َ كبريائه وجالله يري ُ‬
                                                             ‫ي ح‬            ‫ي ن‬
   ‫البال و ُطمئ ُ الفؤاد و ُصل ُ الحال وينجي يوم المآل، ومن خشي الناس أعظم من خشية اهلل أو‬
                 ‫س‬
 ‫راقب الناس ولم يراقب اهلل ندم يوم ال ينفع الندم، وخسر يوم ال يجدي التح ّر، ففي الحديث عن‬
        ‫ر‬      ‫ء‬
    ‫النبي : ((يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها اهلل هبا ً منثو ًا))،‬
                                 ‫عل‬        ‫ل‬
   ‫فقال أبو أمامة: من هم يا رسول اهلل؟ صفهم لنا، جّهم لنا، َّنَا أن نكون منهم ونحن ال ندري،‬
                                    ‫ل‬
   ‫فقال عليه الصالة والسالم: ((إنهم قوم مثلكم، يصّون كما تصلون، ويصومون كما تصومون،‬
                                                                             ‫ظ‬
‫ويأخذون ح ّهم من الليل، ولكنهم إذا خلوا بمحارم اهلل انتهكوها))، رحماك ربي، رحماك ربي. لم‬
   ‫يراقبوا اهلل، ولم يقدروه حق قدره، ولم يجعلوا أعمالهم له جل وعال، نعوذ باهلل أن نكون منهم،‬
 ‫نعوذ باهلل أن نكون منهم. يقول أحد السلف: "ال تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة‬
 ‫من عصيت". ال تقلْ: هذه نظرة، هذه كلمة، هذه أغنية، هذه صغيرة، ولكن انظر إلى عظمة من‬
                                        ‫عصيت. وقال آخر: "ال تجعل اهلل أهون الناظرين إليك".‬
                   ‫و ْم ي َر ْد ء الل إل الن ِ ُ ي زع‬
     ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َيَو َ ُحْش ُ أَع َا ُ َّهِ َِى َّار فَهمْ ُو َ ُونَ [فصلت:95].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور‬
                                                                                          ‫الرحيم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                          ‫لم ترد.‬

‫(5/0823)‬




                                                                                 ‫منكرات األفراح‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                            ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                           ‫النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                            ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                          ‫الطائف‬
                                                                                    ‫75/2/5725‬
                                                                                   ‫جامع الفاروق‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- مشروعية الزواج وفضائله. 7- عقبة تكاليف الزواج. 3- البركة حاصلة في قلة تكاليف‬
                                                      ‫النكاح. 2- معالجة ظواهر منكرات األفراح.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: أيها اإلخوة في اهلل، إننا في زمن عصفت فيه الفتن، وماجت فيه المنكرات، واندفق علينا‬
 ‫سيل جارف من الشهوات والملهيات والمغريات، من مجالت وأفالم وقنوات وأغنيات ومنكرات،‬
                             ‫ب‬                                                 ‫ج‬
‫ف ّرت في النفوس براكين الشهوات، وكانت ـ ولألسف ـ سب ًا في سقوط بعض الشباب والفتيات‬
                                                                         ‫في حمأة الرذيلة والفاحشة.‬
 ‫وال سبيل لنيل الفضيلة وحفظ العرض إال بما شرع اهلل وأباح من الزواج، الذي ال يشك مسلم أنه‬
 ‫من الواجبات وخاصة في هذا الزمان، وقد سئل اإلمام أحمد رحمه اهلل: ما تقول في التزويج هذا‬
  ‫الزمان؟ أي: في زمانه هو، زمان اإلمام أحمد العفيف الطاهر، فقال رحمه اهلل: مثل هذا الزمان‬
    ‫ينبغي للرجل أن يتزوج، ليت أنه إذا تزوج اليوم ثنتين يسلم، ثم قال: ما يأمن أحدكم أن ينظر‬
             ‫النظرة فيحبطَ عمله؟! إذا كان هذا زمن اإلمام أحمد فماذا نقول نحن في زماننا هذا؟!‬
 ‫أيها اإلخوة الكرام، الزواج سنة األنبياء والمرسلين، وهو سبيل المؤمنين، ((يا معشر الشباب من‬
                                ‫استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)).‬
     ‫الزواج تلبية لما في الرجل والمرأة من غريزة النكاح بطريق نظيف مثمر، ولذا نهى اهلل عن‬
   ‫ظ‬                      ‫َ و ج ُن‬            ‫ضل ُن ي‬
  ‫عضل البنات ومنع تزويجهن فقال: فَال تَعْ ُُوه َّ أَنْ َنكِحْنَ أزْ َا َه َّ [البقرة:737]، ولذا ع ّم‬
                                                          ‫مثق لظ‬                ‫م‬
                                            ‫اهلل شأن الزواج وس ّى عقده ِي َا ًا غَِي ًا [النساء:57].‬
                          ‫ل‬
‫في الزواج حفظ العرض وصيانة الفرج وتحصيل اإلحصان والتحّي بفضيلة العفاف عن الفواحش‬
       ‫واآلثام. في الزواج حفظ النسل وتكثير األمة المسلمة. في الزواج تحقيق السكن واالطمئنان‬
                                                ‫د‬
      ‫والراحة من كدر الحياة وشقائها وعناء الك ّ والكسب. والزواج من أسباب الغنى ودفع الفقر‬
                                                ‫ل‬       ‫إ يك ن ف َر ي ن ِ الله م‬
  ‫والفاقة، ِنْ َ ُو ُوا ُق َاءَ ُغْ ِهمْ َّ ُ ِنْ فَضِْهِ [النور:73]. والزواج يرفع كل واحد من الزوجين‬
   ‫عن عيشة البطالة والفتنة إلى معاش الجد والعفة بطريقها المشروع. وبالزواج يستكمل كل من‬
‫الزوجين خصائصه، فيستكمل الرجل رجولته، ويتحمل مسؤوليته، وتستكمل المرأة أنوثتها وتشعر‬
                                                 ‫بمسؤوليتها تجاه بيتها وزوجها وأبنائها ومجتمعها.‬
       ‫معاشر المسلمين، هذا الزواج، وهذه فضائله، فهو نعمة من نعم اهلل العظيمة، وآية من آياته‬
                  ‫و‬
      ‫الكريمة، ولكن ـ ولألسف ـ نرى هذه النعمة قد أحيطت هذه األيام بأمور تح ّلها إلى بالء‬
                                  ‫د‬         ‫ذ‬      ‫ت‬             ‫ت‬
              ‫ونقمة، قد أحيطت بمنكرات ُمحق بركتها و ُذهب ل ّتها، وتح ّ من انتشارها وأثرها.‬
  ‫ومن أعظم الجهل أن نقلب السعادة بأيدينا نحن إلى شقاء، والسرور إلى تعاسة، من أجل عادات‬
                                                             ‫ش ٍ‬
‫ممقوتة أو تقاليد بالية أو ُهرة زائفة أو مفاخرة مذمومة. والنتيجة تطاول العمر بكثير من الشباب‬
  ‫عاجزين عن توفير تكاليف الزواج، وانتشار العنوسة وتأخر زواج الفتيات، فال غرابة عندها أن‬
                                                                  ‫د‬        ‫ة‬             ‫ل‬
       ‫يح ّ الشر والفتن ُ والفسا ُ العريض، لقول رسول اهلل : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته‬
                                     ‫فزوجوه، إال تفعلوا تكن فتنة في األرض وفساد عريض)).‬
‫لقد أصبح الزواج الذي كان في السابق وإلى عهد قريب من أيسر األمور، أصبح من أشق األمور‬
                                                         ‫ف‬
  ‫وأعسرها؛ ألننا ألزمنا أنفسنا بأعرا ٍ وشكليات، وأثقلنا كواهلنا ببدع ورسميات ما أنزل اهلل بها‬
                                                   ‫من سلطان، وال يقرها شرع وال يقبلها عقل.‬
                            ‫ر‬
 ‫لقد أحيط الزواج في هذه األيام بأسالك شائكة جعلت الحالل عسي ًا، بينما شياطين اإلنس والجن‬
                                                                  ‫ر‬
‫قد جعلوا الحرام مبذوالً يسي ًا. أصبح الزواج اليوم محاطًا بأغالل الفخر الزائفة والخيالء الكاذبة،‬
 ‫واآلباء واألمهات والقدوات في المجتمع بأيديهم القضاء على كثير من المشاكل والعادات والتقاليد‬
                                      ‫التي جعلت العزوبة تفشو في شبابنا والعنوسة تغزو بناتنا.‬
  ‫د‬                     ‫ز‬
 ‫وأول العقبات في الزواج المغاالة في المهور، الذي أصبح عند البعض رم ًا للمفاخرة، إما تقلي ًا‬
                ‫ن‬
   ‫للغير، ففالن زوج بكذا، وفالنة بكذا، وابنتنا ليست بناقصة، وماذا يقول الناس ع ّا إذا زوجناها‬
        ‫خ‬
‫بكذا؟! وقد يكون الطمع والجشع من بعض اآلباء واألمهات سببًا في ارتفاع المهر، وتد ّل النساء‬
                                                                                       ‫ر‬
                                          ‫يج ّ المتاعب ويفسد أكثر مما يصلح إال من رحم اهلل.‬
  ‫لقد ظن بعض الناس أنه كلما زاد المهر كلما زاد شرف وقدر ابنته، والعكس هو الصحيح لفعل‬
                                        ‫ت‬
‫النبي الكريم الذي ما أصدق امرأة من نسائه وال بن ًا من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية ونصف،‬
                                                            ‫ال‬
 ‫أي: ما يعادل اليوم 655 ريا ً. ولقوله صلوات اهلل وسالمه عليه: ((أعظم النساء بركة ـ وماذا‬
       ‫يريد الزوج وأهله وأهل الزوجة سوى البركة؟! ـ أيسرهن مؤونة))، فكلما زادت المهور‬
 ‫والتكاليف قلت البركة والخير، وكلما كان االقتصاد والتيسير عظمت البركة بإذن اهلل، ولو تتبعنا‬
    ‫بعض حاالت الطالق لوجدنا الزواج كان قائمًا على الكلفة والتعسير والمبالغة مما أفقده بركته‬
                                             ‫حتى وقع الطالق، وقال : ((خير الصداق أيسره)).‬
  ‫وقد زوج النبي على خاتم من حديث، وزوج على وزن نواة من ذهب، وزوج ابنته فاطمة سيدة‬
 ‫نساء هذه األمة لعلي على درع حطمية، وزوج على وسادة من أدم حشوها ليف ودقيق وسويق،‬
                           ‫م‬                       ‫ز‬
                   ‫وزوج رجالً بما معه من القرآن، فالمهر رم ٌ ولم يكن في اإلسالم يو ًا ثمنًا.‬
                                        ‫ل‬
     ‫أيها اإلخوة المؤمنون، ومن الظواهر الغريبة التكّف والسرف في عقد القران والملكة، حتى‬
     ‫أصبحت كالزواج، تحجز من أجلها القصور وتذبح الذبائح الكثيرة، وكان األولى هو التيسير‬
                                                                                    ‫والتواضع.‬
    ‫ومن العادات عند البعض ما يسمى بالكساوي ألم الزوجة ووالدها وبعض أقاربها، إما ماالً أو‬
          ‫م‬                                                        ‫د‬
 ‫هدايا ونحوها، وقد يع ّ من عيوب الزوج ومناقصه عدم دفع هذه الكساوي، بل قد ال يت ّ العقد لو‬
                                                                                        ‫ر‬
                                                                       ‫أص ّ على عدم تقديمها.‬
   ‫ومن المنكرات خلوة الخاطب بالمخطوبة وخروجها معه قبل العقد بحجة التعرف على األخالق‬
‫والطباع، مما أوحت به الشاشة واألفالم، وهذا منكر وحرام، فما لم يتم العقد فال تجوز الخلوة بها‬
    ‫ألنها أجنبية عنه، وال تجوز مصافحتها، وال النظر إليها ولو بوجود محرم لها حتى يتم العقد.‬
 ‫عن المغيرة بن شعبة رضي اهلل عنه قال: خطبت امرأة، فقال لي رسول اهلل : ((أنظرت إليها؟))‬
    ‫قلت: ال، قال: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، قال المغيرة: فأتيتها وعندها أبواها‬
   ‫وهي في خدرها، فقلت: إن رسول اهلل أمرني أن انظر إليها، قال: فسكتا، قال: فرفعت الجارية‬
                     ‫ي‬                                        ‫ر‬
   ‫جانب الخدر، فقالت: أح ّج عليك إن كان رسول اهلل أمرك أن تنظر إل ّ لما نظرت، وإن كان‬
     ‫رسول اهلل لم يأمرك أن تنظر إلي فال تنظر، قال: فنظرت إليها ثم تزوجتها فما وقعت عندي‬
                                                                               ‫امرأة بمنزلتها.‬
    ‫ومن المنكرات أن يستبدل بعض الناس النظرة الشرعية بالصور الشمسية، وهذا مع حرمته ال‬
  ‫يرضى به إال قليل الغيرة والحياء، وفي المقابل تعجب من أناس قد تبرج بناتهم ونساؤهم ونزلن‬
                                  ‫ن‬
 ‫األسواق لوحدهن وخالطن الرجال فإذا ما جاء الخاطب تمّعوا أن ينظر إليها ألن عادتهم ترفض‬
                                                                                   ‫ذلك وتأباه.‬
   ‫ومن المنكرات دبلة الخطوبة، تلكم العادة النصرانية الوافدة على المسلمين، وقد تكون من ذهب‬
  ‫ُضر‬
 ‫يلبسه الرجل، وهذا إثم على إثم، ومنكر على منكر؛ لما فيها من االعتقاد الباطل والتقليد الم ِّ.‬
 ‫ومن المنكرات قراءة الفاتحة ونحوها بعد الموافقة أو عند العقد، فإنه من البدع المحدثة في الدين.‬
‫ومن المنكرات عدم التحري في اختيار الزوجة أو الزوج، كالزواج من امرأة ال تصلي، أو تزويج‬
 ‫من ال يصلي، فإنه منكر عظيم، إذ الصالة ركن اإلسالم وعموده، وتاركها كافر ال يحل تزويجه‬
  ‫وال معاشرته، ((العهد الذي بيننا وبينهم الصالة فمن تركها فقد كفر))، ((بين الرجل وبين الكفر‬
                                                                      ‫والشرك ترك الصالة)).‬
  ‫ولو علم ولي المرأة أن خاطبها ال يصلي ولو بعد العقد وجب عليه فسخ هذا النكاح ومفارقة هذا‬
‫الزوج، وألن تبقى الفتاة في بيت أهلها معززة مكرمة مصونة محفوظة خير من أن تتزوج برجل‬
                        ‫ال يصلي أو فاسدٍ في دينه وأمانته مرتكبٍ للموبقات والكبائر مجاهرٍ بها.‬
    ‫ومن العظائم إجبار الفتاة على رجل ال تريده، أو تزويجها بغير إذنها، فمن الواجب أخذ رأيها‬
                                                                                   ‫د‬
   ‫فيمن تق ّم إليها، وموافقتها على ذلك أو رفضها. فهذا من حقوقها التي أعطاها إياه رسول اهلل .‬
     ‫ومن المنكرات دخول الزوج على زوجته أمام النساء األجنبيات، فهذه الظاهرة وإن كانت قد‬
                                                                            ‫ر‬
    ‫تالشت كثي ًا إال أنها قد بدأت في الظهور واالنتشار، وهو منكر عظيم، أن يدخل الرجل على‬
                                   ‫ت‬
   ‫النساء وقد يدخل معه بعض أقارب الزوجة أو إخوانها، وقد ُلتقط لهم الصور التذكارية والعياذ‬
                        ‫ط‬                  ‫مْ‬
 ‫باهلل، يدخل على النساء وهن في كامل زينتهن، و َن فيها حياء قد تتغ ّى أثناء دخوله. فأي منكر‬
                                               ‫ل‬
 ‫أعظم من هذا؟! وأي وقاحة وسوء أدب وقّة غيرة واعتداء على أعراض المسلمين واستهانة بها‬
                                                                               ‫أكثر من هذا؟!‬
‫ومن المنكرات المبالغة من النساء في ثوب الزفاف الذي قد يصل سعره إلى عشرات اآلالف، كل‬
   ‫ذلك مفاخرة وشهرة وإسراف وتبذير، والنبي يقول: ((من لبس ثوب شهرة ألبسه اهلل ثوب مذلة‬
                                                                                ‫يوم القيامة)).‬
       ‫ومما يترتب على هذا الثوب أن بعض النساء لكبر حجمه ال تستطيع أن تلبس العباءة فوقه،‬
       ‫ط‬              ‫م ت‬              ‫ج‬
‫فتخرج من الزفاف لتركب مع زوجها بال عباءة، وبح ّة أن السيارة ُس ّرة والزجاج مغ ّى! فأين‬
                                                        ‫ب‬
                                    ‫الستر والحياء؟! وأين الحشمة والفضيلة التي تر ّت عليها هذه الفتاة؟!‬
                  ‫ب‬                                           ‫ت‬
   ‫ومن العادات القبيحة ا ّباع الزوج وزوجته وهما خارجان من القصر بموك ٍ من السيارات مع‬
       ‫ن‬
   ‫تصفيق وغناء وضرب لمنبهات السيارات في أوقات متأخرة من الليل والناس نيام، وأحيا ًا مع‬
    ‫أذان الفجر، أو أثناء صالة الفجر والعياذ باهلل، وصدق المصطفى : ((إن مما أدرك الناس من‬
                                                            ‫كالم النبوة األولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).‬
            ‫ر‬
 ‫ومن المنكرات الظاهرة وجود التصوير إما بالفيديو أو الكاميرات العادية، فكم ج ّت هذه الصور‬
 ‫واألفالم من مصائب وآفات، وكم أفسدت من أسر وبيوت، وكم تسببت في طالق وشقاق وفراق،‬
                                                                                                    ‫ه‬
                                                                      ‫وكم ُتك بسببها من ستر وعفاف وفضيلة.‬
                                  ‫ج‬
  ‫ومن المنكرات العظيمة ـ وقد سبق الحديث عنها في ُمع ماضية ـ ظاهرة األغاني وأشرطته‬
 ‫والحكم فيها بين واضح، فالمباح المشروع ال يرفضه أحد، والمحرم الممنوع ال يبيحه أو يرضاه‬
                                                                                              ‫مسلم يخاف اهلل ويرجوه.‬
‫ولألسف فبعض الناس عن آيات اهلل معرضون، وللمحرم والمنكر مستمعون ممارسون، وكأنهم ال‬
   ‫ي دع الله و َّذ ن من وم ْدع ن ِال أ فسه‬
 ‫يسمعون وال يعلمون وال يعقلون وال يفقهون، ُخَا ِ ُونَ َّ َ َال ِي َ آ َ ُوا َ َا يَخ َ ُو َ إ َّ َن ُ َ ُمْ‬
                 ‫ن ي ْذب‬          ‫وم ي ُر َ ف قل ب ِ م َ ٌ َز ُ الله مر و ه َ ب م ب‬
   ‫َ َا َشْع ُون ِي ُُو ِهمْ َرض ف َادَهمْ َّ ُ َ َضًا َلَ ُمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ ِمَا كَاُوا َك ِ ُونَ [البقرة:9،‬
                                                                                                                        ‫05].‬
   ‫ِنم َ ْ م من ِذ دع إل الله َرس ل ل ُم ب ن ُ أ‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إ َّ َا كَان قَولَ الْ ُؤْ ِ ِينَ إ َا ُ ُوا َِى َّ ِ و َ ُوِهِ ِيَحْك َ َيْ َهمْ َنْ‬
     ‫الله و َتق ِ أ ك ُ‬               ‫وأ ئك ُ م لح وم يط الله َرس ه وي‬                                      ‫ق ل سم و‬
   ‫يَ ُوُوا َ ِعْنَا َأَطَعْنَا َُوْلَ ِ َ همْ الْ ُفِْ ُونَ َ َنْ ُ ِعْ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َخْشَ َّ َ َي َّ ِيه فَُوْلَئِ َ همْ‬
                                                                                                               ‫ِز‬
                                                                                            ‫الْفَائ ُونَ [النور:51، 71].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور‬
                                                                                                                     ‫الرحيم.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل عز وجل واتباع مرضاته ولو أسخط ذلك‬
  ‫الناس، فمن أرضى اهلل بسخط الناس رضي اهلل عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط اهلل برضا‬
                                                                       ‫الناس سخط اهلل عليه وأسخط عليه الناس.‬
‫أيها اإلخوة الفضالء، ومن المنكرات واآلفات الظاهرة المنتشرة في األعراس والحفالت ما تظهر‬
                      ‫ي‬                            ‫م‬
      ‫به بعض أخواتنا المسلمات من طيب يش ّ من مسافات، والنبي يقول: ((أّما امرأة استعطرت‬
                    ‫ط‬       ‫خ‬                                                        ‫ر‬
    ‫فم ّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية))، وكان بإمكانها أن تؤ ّر التع ّر إلى حين دخولها‬
                                                                         ‫مكان الزفاف أو غيره.‬
                                                                                   ‫م‬
  ‫ومما ع ّت به البلوى ـ وال حول وال قوة إال باهلل ـ تلك المالبس الفاضحة العارية التي يلبسها‬
    ‫كثير من المسلمات في صاالت األفراح وغيرها، مالبس يندى جبين المؤمن الغيور والمؤمنة‬
    ‫الغيورة التقية من سماع وصفها، فكيف برؤيتها؟!! كل ذلك بحجة أنه يجوز لبسها عند النساء‬
                                                                                      ‫وأمامهن!‬
  ‫مالبس وأزياء في غاية العري والسفالة، ولوال الحياء لوصفت لكم بعض هذه المالبس وما فيها‬
                                                                                ‫ر‬
         ‫من تع ّي، إنها أزياء وموديالت جاءت ووفدت إلى نسائنا من لدن البغايا الالئي خسرن‬
                      ‫ش‬
‫أعراضهن بعرض أجسادهن عبر هذه األزياء المتعرية المتجددة التي ُحنت بها األسواق وتبارى‬
                                       ‫ف‬
 ‫في السبق إلى شرائها النساء، ولو علموا مصدرها المتع ّن لتباعد عنها الذين فيهم بقية من حياء.‬
                                                              ‫و‬
      ‫تقول إحدى النساء مص ّرة ومعبرة عن بعض ما رأته في األفراح من منكرات: بدأت أكره‬
                ‫ل‬
  ‫الذهاب إلى حفالت الزفاف لشيء يزلزل كياني، إلى متى تظل فتياتنا شماعة يعّق عليها أباطرة‬
 ‫مصممي األزياء سخافاتهم تحت مظلة الموضة والتقدم والتطوير؟! إني ألغمض عيني خجالً لما‬
    ‫أرى تلك الوجوه المثقلة بوسائل التزوير العالمية، وتلك األجساد الطاهرة المسلمة وهي عارية‬
                                                                                         ‫مبتذلة.‬
  ‫نعم أيها اإلخوة، إن المنكر لعظيم، وإن ما عليه بعض المسلمات اليوم من مالبس ال يرضاه اهلل‬
                                                      ‫ورسوله وال يقبله غيور وال تلبسه مؤمنة.‬
             ‫ذ‬      ‫ر‬
‫إن من أعز ما يملكه اإلنسان هو الحياء والعفاف والفضيلة، والمرأة إذا تع ّت وتب ّلت ـ ولو أمام‬
                                          ‫النساء ـ فماذا بقي لها من الحياء والعفاف والفضيلة؟!‬
‫إن المرأة عورة، هكذا قال الرسول بدون استثناء شيء منها، فجميع بدنها عورة على الصحيح من‬
     ‫أقوال أهل العلم إال ما جرت العادة بكشفه أمام المحارم في البيت وحال المهنة، أما أن تظهر‬
    ‫المرأة فخذها وثدييها وظهرها وأجزاء من بطنها وال ترى في ذلك بأسًا فهذا محرم ال يجوز.‬
                                  ‫ال‬
  ‫أال فليتق اهلل امرؤ من أب أو ابن أو أخ أو زوج ونحوهم و ّه اهلل أمر امرأة أن يتركها تنحرف‬
    ‫عن الحشمة والفضيلة والحياء والستر واالحتشام واألدب. وليتق اهلل نساء المسلمين، وليسلمن‬
      ‫الوجه هلل والقياد لمحمد بن عبد اهلل ، وال يلتفتن إلى الهمل دعاة الفواحش واألفن، وليتق اهلل‬
‫األمهات فإنهن مسؤوالت ولبناتهن مالصقات ولمالبسهن مشاهدات، وعليهن الدور األكبر والحمل‬
                                                                                        ‫األعظم.‬
‫أيها اإلخوة في اهلل، ومن المنكرات العظيمة اإلسراف في الوالئم والذبائح ونحوها، وهذا موضوع‬
                                                        ‫له خطورته وله حديث مستقل بإذن اهلل.‬
   ‫عباد اهلل، ما أجمل أن تكون األفراح إسالمية، ليس فيها لمنكر ظهور، وال لعادات وتقاليد سيئة‬
 ‫وجود، وإنما هو التيسير والسماحة والستر والصيانة. فالمسلم والمسلمة ـ وخاصة في هذه األيام‬
                                                           ‫ي‬
‫ـ يربأ بنفسه عن حضور مناسبة ُعصى اهلل فيها بأمر من األمور. وإننا جميعًا لنشعر بالمسؤولية‬
         ‫تجاه هذه المنكرات، وخاصة من هم في محل القدوة أو لديهم القدرة على المنع أو التغيير.‬
                                          ‫د‬                        ‫ت‬
                                        ‫فلنتق اهلل في أنفسنا وفي أفراحنا، فما ُشكر نعم اهلل بمعاصيه أب ًا.‬

‫(5/5823)‬




                                                                                                   ‫يا من تريد الطالق‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                                               ‫الطالق, قضايا األسرة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫فواز بن خلف الثبيتي‬
                                                                                                                 ‫الطائف‬
                                                                                                         ‫جامع الفاروق‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أحكام النشوز بين الزوجين. 7- الرد على شبهات حول األحكام المترتبة على نشوز الزوجة.‬
           ‫3- وضع المرأة الغربية. 2- وسائل عالج نشوز الزوجة. 1- أحكام الخلع في اإلسالم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                     ‫ل‬
        ‫أما بعد: أيها الناس، اتقوا اهلل، فبتقوى اهلل يصلح الفرد والمجتمع، وعليكم بتعّم أحكام دينكم‬
                                                                                ‫ر‬
                                                                ‫وشرعكم، فمن يرد اهلل به خي ًا يفقه في الدين.‬
 ‫أيها اإلخوة في اهلل، سبق لنا الحديث في خطب ماضية عن أسباب الطالق وآثاره وعواقبه، وبقي‬
               ‫لنا وقفة هامة مع أحكام النشوز بين الزوجين وعالجه، وأخرى عن الطالق وأحكامه.‬
   ‫فإذا ما نشزت الزوجة وعصت زوجها ولم تقم بحقوقه عليها فإنها تداوى بما في القرآن والسنة‬
 ‫من عالج ودواء، يقول اهلل تعالى: ِّ َال ق َّا ُونَ ََى ِّسَاءِ ِمَا فَضلَ َّ ُ َعْ َهمْ ََى َعْ ٍ‬
 ‫َّ الله ب ض ُ عل ب ض‬             ‫الرج ُ َو م عل الن ب‬
 ‫ف نش ز ُن‬              ‫ب ف الله َالالت‬                 ‫تل‬           ‫ُ ن ت‬             ‫وب أ ق م و ل ِ َالص‬
 ‫َ ِمَا َنفَ ُوا ِنْ أَمْ َاِهمْ ف َّالِحَات قَا ِتَا ٌ حَافِظَا ٌ ِلْغَيْبِ ِمَا حَ ِظَ َّ ُ و َّ ِي تَخَا ُونَ ُ ُو َه َّ‬
           ‫غ ع ِن سب ِن ل‬                            ‫ُْ‬           ‫ع و ْرب ه َّ إ‬         ‫عظ ُن و ُر ه َّ ف م‬
   ‫فَ ِ ُوه َّ َاهْج ُو ُن ِي الْ َضَاجِ ِ َاض ِ ُو ُن فَِنْ أَطَعْنَكم فَال تَبْ ُوا َلَيْه َّ َ ِيالً إ َّ الَّهَ كَانَ‬
                                                                                                           ‫عِي ر‬
                                                                                             ‫َل ًّا كَبِي ًا [النساء:23].‬
 ‫يقول اإلمام القرطبي رحمه اهلل عند هذه اآلية: "اعلم أن اهلل عز وجل لم يأمر في شيء من كتابه‬
                                                                            ‫ص ح‬
       ‫بالضرب ُرا ًا إال هنا، وفي الحدود العظام كالزنا والقذف، فساوى معصية المرأة لزوجها‬
                                                                                    ‫بمعصية الكبائر العظام" اهـ.‬
   ‫فإذا عصت ونشزت فإنه يبدأ بوعظها وتخويفها باهلل عز وجل واآلخرة والحساب، ويذكر لها ما‬
   ‫أوجب اهلل له عليها من حقوق وطاعة، وما يلحقها من اإلثم بمخالفته وعصيانه، ويذكرها بفضل‬
      ‫الزوجة الصالحة وما لها من األجر عند اهلل، كل هذا من وعظها وتذكيرها باهلل. فإن ارعوت‬
                            ‫يِ‬
     ‫وأطاعت وإال هجرها، بأن ال يضاجعها وال يأوي إلى فراشها وال ُقبلْ عليها، وإن رأى أن ال‬
                                                                              ‫ل‬
     ‫يحادثها وال يكّمها فله ذلك، ولكن دون ثالثة أيام، لقوله : ((ال يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق‬
                                           ‫ر‬        ‫ر‬
      ‫ثالث ليال)). وقد اعتزل النبي نساءه شه ًا في مش ُبته، وللزوج أن يختار من الهجر ما يراه‬
                                                                                               ‫ي‬        ‫ب‬
                                                                                ‫مناس ًا ما لم ُحدث مفسدة أعظم.‬
  ‫لَّذ ي ل ن م‬                                  ‫د‬                                    ‫مد‬
‫وأقصى َّة للهجر في المضجع أربعة أشهر، وهي م ّة اإليالء الذي قال اهلل فيه: ِل ِينَ ُؤُْو َ ِنْ‬
‫ُ إ ْ ء ِن الل ف ٌ رح م وإ َزم الط َ ِن ل سم ع عل م‬                                            ‫نس ئ ِ ر ُّص بع‬
‫ِ َا ِهمْ تَ َب ُ أَرْ َ َةِ أَشْهرٍ فَِن فَا ُوا فَإ َّ َّهَ غَ ُور َ ِي ٌ َِنْ ع َ ُوا َّالق فَإ َّ الَّهَ َ ِي ٌ َِي ٌ‬
                                                                                               ‫[البقرة:677، 277].‬
          ‫ي‬
   ‫فإذا ما انصلح حالها والن قيادها فالحمد هلل، وإال فليضربها ضربًا غير مبرح، مما ال ُدمي وال‬
                                                                                    ‫ي‬
  ‫ُخشى معه تلف نفس أو عضو أو كسر أو تشويه أو جروح أو إصابات تأديبًا ال عقوبة وتعذيبا،‬
 ‫وليتجنب الوجه؛ فإن الضرب عليه ال يجوز، وال يزيد في ضربها عن عشرة أسواط لقوله : ((ال‬
‫يجلد أحد فوق عشرة أسواط إال في حد من حدود اهلل))، وقال النبي : ((ال يجلد أحدكم امرأته جلد‬
                                                                             ‫العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم)).‬
                                ‫ي‬
      ‫فالضرب غير المبرح هو الضرب الخفيف وبآلة خفيفة، وال ُلجأ للضرب إال عند الضرورة،‬
                             ‫د‬                                                       ‫تعذ‬
         ‫وعند ُّر اإلصالح بالوعظ والهجر. وإذا لجأ إليه الزوج فليكن بعي ًا عن األبناء؛ مراعاة‬
                                                                 ‫د‬              ‫م‬
                                          ‫لمشاعرهم ومشاعر أ ّهم، وليكن بعي ًا عن سمع الجيران أيضًا.‬
           ‫م‬
 ‫عباد اهلل، هذه الوسائل تشريع اهلل، وقد أساء بعض المتحضرين من أبناء المسلمين فه َ هذا النوع‬
                        ‫ض‬
         ‫من العالج، فوصفوه بأنه عالج صحراوي جاف، ال يتفق وطبيعة التح ّر القاضي بتكريم‬
                                            ‫حَ‬
   ‫الزوجة وإعزازها، وهذا من الجهل باإلسالم وب ِكمِ شرع اهلل الذي ارتضاه لعباده في كل زمان‬
      ‫ومكان ولكل بيئة وجيل، ونسي هؤالء المغرضون أن اهلل تعالى قبل أن يأمر بضرب الزوجة‬
        ‫الناشز أشاد بأولئك النساء الالتي يترفعن بخلقهن وإيمانهن وصالحهن عن النزول إلى درك‬
              ‫بم ح الله‬               ‫ُ ن تح تل‬                     ‫َالص‬
              ‫المستحقات للهجر فضالً عن الضرب: ف َّالِحَات قَا ِتَا ٌ َافِظَا ٌ ِلْغَيْبِ ِ َا َفِظَ َّ ُ‬
                                  ‫َالالت خ ف ن نش ُن ِظ ُن‬                            ‫د‬
            ‫[النساء:23]، ق ّم ذكرهن على و َّ ِي تَ َا ُو َ ُ ُوزَه َّ فَع ُوه َّ... اآلية [النساء:23].‬
  ‫ثم إننا نقول ألولئك الذين يتأففون من تشريع تأديب الزوجة سواء بالهجر أو الضرب، نقول: هل‬
                                   ‫كل‬
 ‫من كرامة الرجل أن يهرع إلى طلب محاكمة زوجته َّما انحرفت أو عصت أو خالفت؟! المرأة‬
                                                     ‫ر‬
   ‫العاقلة ال ترضى أن ينشر زوجها س ّها، ويكشف للناس أفعالها، ويفضحها في المحاكم أو حتى‬
                                                                                                            ‫عند أبيها.‬
          ‫ب‬                                                                      ‫ت‬     ‫ذ‬
  ‫إ ًا هل ُترك األسرة بمشاكلها حتى يتصدع البيت ويتشرد األوالد بسبب الطالق، أم تق َل المرأة‬
                                                              ‫د‬
      ‫وهي هادئة راضية أن ير ّها زوجها إلى رشدها بشيء من التأديب المادي الذي ال يتجاوز‬
                                                ‫المألوف في تربيتها هي ألبنائها وصغارها؟!‬
    ‫إن المتأففين من تشريع التأديب للزوجة الناشز يحاولون دائمًا إثارة هذه القضية في الصحف‬
                                                   ‫د‬
   ‫والمجالت ونحوها، لماذا؟ لكسب و ّ النساء ألغراض لهم سيئة، فتجدهم يستكبرون مشروعية‬
‫التأديب، وال يستكبرون أن تنشز الزوجة على زوجها وتترفع عليه وتحقره، فكيف يريد هؤالء أن‬
          ‫ال‬
         ‫تعالج مثل هذه الناشز؟! ولكن صدق الشاعر الجاهلي الشنفرى لما خاطب امرأته قائ ً:‬
                                                                             ‫ت‬
                                         ‫وإذا ما جئ ِ ما أنهاك عنه…ولم أنكرْ عليك فطلقيني‬
                                      ‫فأنت البعل يومئذ فقومي…بسوطك ال أبا لك فاضربيني‬
    ‫ونقول لهؤالء المغرضين المعجبين بحضارة الغرب وبالمرأة الغربية وما تتمتع به من حرية‬
     ‫مزعومة: ألم تسمعوا عن حال المرأة المتحضرة في دول الغرب؟! ألم تسمعوا عن حال من‬
                                                          ‫تدعون نساءنا أن يحذين حذوها؟!‬
        ‫ر‬                                         ‫ل‬                                   ‫نش‬
   ‫ُ ِر بالواليات المتحدة األمريكية في مجّة التايم تحقيقًا عن حوادث الضرب التي تتع ّض لها‬
‫الزوجة األمريكية في العصر الحديث بدرجة هائلة، وتشير اإلحصائيات إلى أن ستة ماليين امرأة‬
                                               ‫ل‬
     ‫يتعرضن لحوادث الضرب من أزواجهن ك ّ عام، وأن ما بين ألفين إلى أربعة آالف زوجة‬
   ‫د‬                                                                      ‫ر‬
   ‫يتع ّضن للضرب الذي يفضي إلى الموت كل عام، ويضيع ثلث وقت رجال الشرطة في الر ّ‬
    ‫على المكالمات الهاتفية لإلبالغ عن حوادث العنف المنزلي. وكشفت دراسة جرت في إحدى‬
  ‫المستشفيات الكبرى بالعاصمة األمريكية واستغرقت الدراسة أربع سنوات وتم االنتهاء منها قبل‬
 ‫أعوام قليلة وذلك سنة 7995م تبين أن 17 بالمائة من حاالت االنتحار التي تقدم عليها الزوجات‬
                                     ‫و‬
   ‫يسبقها تاريخ من حوادث الضرب من الزوج. و ُجد أن ضرب الزوجة من زوجها هو السبب‬
   ‫الرئيس والوحيد في حدوث إصابات لهن أكثر من حوادث السيارات أو االغتصاب أو السرقة‬
  ‫ونحوها. وتبين أن 01 في المائة من الالتي تعرضن للقتل قام بقتلهن أزواجهن إما الحاليون أو‬
                                                                                 ‫السابقون.‬
                              ‫ر‬
‫ولكم أن تعرفوا أن ما تلقاه الزوجة الغربية من ضرب مب ّح يشمل الكدمات والخدوش والجروح‬
                   ‫ن‬
     ‫وكدمات حول العين أو صدمة أو ارتجاج في المخ وكسور في العظام وأحيا ًا فقد للسمع أو‬
                                                                                   ‫البصر.‬
     ‫هذه نماذج مما تعانيه المرأة الغربية من زوجها، وما خفي كان أعظم، فهي مجتمعات تعيش‬
                                                    ‫د‬
     ‫العنف بكل صوره وألوانه، فهل من م ّكر؟! هل حامد هلل على شرعه القويم ودينه الحكيم؟!‬
                                                              ‫فالحمد هلل الذي جعلنا مسلمين.‬
 ‫أيها اإلخوة المسلمون، ليس حديثنا عن ضرب الزوجة دعوة إليه أو استحبابًا له، ال، ولكنه دفاع‬
                               ‫د‬                    ‫د‬
              ‫عن أمر من أوامر الشرع والدين، تع ّى عليه بعض من ال يق ّرون اهلل حق قدره.‬
  ‫وقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب واالكتفاء بالتهديد أفضل، فعن يحيى بن سعيد أن رسول‬
    ‫اهلل استؤذن في ضرب النساء فقال: ((اضربوا ولن يضربَ خياركم)) فأباح وندب إلى الترك،‬
‫وقال : ((ال تضربوا إماء اهلل))، فأتاه عمر رضي اهلل عنه فقال: يا رسول اهلل، ذئر النساء ـ أي:‬
  ‫كل‬                               ‫ض‬
‫اجترأن ونشزن ـ على أزواجهن، فأذن في ضربهن ف ُربن، فأطاف بآل محمد نساء كثير، ُّهن‬
                       ‫كل‬
  ‫يشكون أزواجهن، فقال النبي : ((لقد طاف بآل محمد سبعون امرأة ُّهن يشكون أزواجهن، وال‬
                                                 ‫م‬
‫تجدون أولئك خياركم)). بل هو ما ضرب خاد ًا وال امرأة، وال ضرب بيده شيئًُّا إال أن يجاهد في‬
                                                                                          ‫سبيل اهلل.‬
 ‫والضرب إنما أبيح ألنه أخف من التأديب بالطالق، فضرب المرأة أهون وأفضل من طالقها وال‬
‫شك، وليس كل امرأة تحتاج إلى الضرب، فهناك من هي قانتة صالحة، وهناك من هي ناشز ينفع‬
 ‫فيها الوعظ ويؤثر، والبعض قد ينفع فيها الهجر، وأخريات ال يتأدبن إال بالضرب، ونساء ال ينفع‬
                                                                                 ‫معهن إال الطالق.‬
                                             ‫ض‬
‫فالنساء يختلفن في طبائعهن، كما أن الرجال أي ًا يختلفون في أساليب حياتهم وتأديبهم، فهناك من‬
                                                                  ‫ر‬
 ‫الرجال من هو ض ّاب للنساء، بل من الصحابة من كان كذلك، منهم أبو جهم الذي خطب فاطمة‬
   ‫بنت قيس فاستشارت رسول اهلل فقال: ((أما أبو جهم فال يضع العصا عن عاتقه)) وفي رواية:‬
                           ‫ر‬                                                     ‫فضر‬
   ‫(( َّاب للنساء)). وكان الزبير بن العوام رضي اهلل عنه مشهو ًا بضربه للنساء، تقول عنه‬
  ‫زوجته أسماء بنت أبي بكر رضي اهلل عنها: كنت رابعة أربعة نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا‬
     ‫غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها، وقالت: كان يكسر علينا أعواد‬
‫المساحيب. وهناك من الرجال من ال يضرب زوجته ولو نشزت عليه وعصته وهؤالء هم أنصار‬
                                                                                             ‫القائل:‬
                                                       ‫فشل‬
                                  ‫رأيت رجاالً يضربون نساءهم… َّت يميني يوم أضرب زينب‬
          ‫و‬
‫ولألسف فهناك جهلة في بعض القبائل ـ وخاصة كبار السن وإلى اليوم ـ يتص ّرون أن ضرب‬
                                             ‫المرأة من عالمات الرجولة والكمال، فال يتور‬
      ‫َّع أحدهم عن جلد امرأته جلد العبد دون عذر‬
    ‫يستدعي، والمرأة مسكينة وليس أمامها إال الصبر والسكوت والرضوخ؛ ألن أباها أقسى وأشد‬
                         ‫ض‬                           ‫ي‬
    ‫عليها من زوجها، وهذا ظلم للمرأة أ ّ ظلم، وعلى الزوج الغليظ ال ّراب ألهله أن يتذكر أن‬
                                                ‫قدرة اهلل عليه أعظم من قدرته على من تحت يده.‬
    ‫عِي‬           ‫ِن الل‬
   ‫يقول اإلمام ابن كثير رحمه اهلل عن ختام آية ضرب النساء، وهو قوله تعالى: إ َّ َّهَ كَانَ َل ًّا‬
                                                                ‫د‬                         ‫ر‬
  ‫كَبِي ًا [النساء:23] قال: "تهدي ًا للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن اهلل العلي الكبير‬
                                                                                        ‫ولي‬
                                              ‫ُّهن، وهو المنتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن" اهـ.‬
    ‫أيها اإلخوة في اهلل، هذه هي وسائل عالج النشوز من الزوجة، وعظ بال هجر وال ضرب، ثم‬
                                                          ‫هجر بال ضرب، ثم ضرب غير مبرح.‬
    ‫الرج ُ َو م عل النس بم َض الله ب ضه ع ب ْض‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ِّ َال ق َّا ُونَ ََى ِّ َاءِ ِ َا ف َّلَ َّ ُ َعْ َ ُمْ َلَى َع ٍ‬
‫ِ ف الله َالالت خ ف نش ز ُن‬                            ‫تل‬           ‫ُ ن ت‬             ‫وب أ ق م و ل ِ َالص‬
‫َ ِمَا َنفَ ُوا ِنْ أَمْ َاِهمْ ف َّالِحَات قَا ِتَا ٌ حَافِظَا ٌ ِلْغَيْبِ بمَا حَ ِظَ َّ ُ و َّ ِي تَ َا ُونَ ُ ُو َه َّ‬
          ‫غ ع هن سب ِن الل‬                         ‫ُْ‬           ‫ع و ْرب ه َّ إ‬         ‫عظ ُن و ُر ه َّ ف م‬
  ‫فَ ِ ُوه َّ َاهْج ُو ُن ِي الْ َضَاجِ ِ َاض ِ ُو ُن فَِنْ أَطَعْنَكم فَال تَبْ ُوا َلَيْ ِ َّ َ ِيالً إ َّ َّهَ كَانَ‬
                                                                                                          ‫عِي ر‬
                                                                                            ‫َل ًّا كَبِي ًا [النساء:23].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور‬
                                                                                                                ‫الرحيم.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: أيها اإلخوة المؤمنون، أما إن أفلست جميع تلك السبل من الوعظ والهجر والضرب في‬
     ‫ب نهم عث ح م م له وح م ل إ‬                                                  ‫وإ خ ُ‬
   ‫العالج، فإن اهلل تعالى يقول: َِنْ ِفْتمْ شِقَاقَ َيْ ِ ِ َا فَابْ َ ُوا َكَ ًا ِنْ أَهِْ ِ َ َكَمًا ِنْ أَهِْهَا ِنْ‬
                                   ‫ر‬           ‫عل‬         ‫ي َف الله ب ه ِن الل‬                   ‫ُر د إ‬
‫ي ِي َا ِصْالحًا ُو ِّقْ َّ ُ َيْنَ ُمَا إ َّ َّهَ كَانَ َِيمًا خَبِي ًا [النساء:13]. وإلخالص الحكمين وصدق‬
                 ‫ي َف الله ب ه‬               ‫إ ُر د إ‬
              ‫نيتهما أثر بالغ وعظيم في اإلصالح بين الزوجين، ِنْ ي ِي َا ِصْالحًا ُو ِّقْ َّ ُ َيْنَ ُمَا‬
                                                                                                          ‫[النساء:13].‬
 ‫عباد اهلل، وقد يكون النشوز من الزوج والزوجة متضررة منه، إما بعلوه عليها، أو بتقصيره في‬
 ‫حقوقها، فهل تعظه وتذكره وتنصحه؟ نعم، ولكنها ال تهجره وال تضربه. وإن لم ينفع فيه الوعظ‬
     ‫م ب له‬             ‫وإ ْر ة‬
    ‫والتذكير فتدخل من يصلح بينها وبين زوجها الناشز، يقول تعالى: َِنْ ام َأَ ٌ خَافَتْ ِنْ َعِْ َا‬
                        ‫َالص ح ر‬             ‫ي ح ب ه ص‬                     ‫ج حع ه‬               ‫نش ز إ ْر ض‬
          ‫ُ ُو ًا أَوْ ِع َا ًا فَال ُنَا َ َلَيْ ِمَا أَنْ ُصْلِ َا َيْنَ ُمَا ُلْحًا و ُّلْ ُ خَيْ ٌ [النساء:875].‬
           ‫خ‬              ‫خل‬
‫وقد يصل الحد بالمرأة إلى كراهة زوجها وبغضه وعدم تحمله في ُُقه أو هيئته و ِلقته، وتخشى‬
   ‫أن ال تؤدي حق اهلل فيه، فلها أن تخلع نفسها منه، وتفتدي بشيء من مال أو منفعة ونحو ذلك،‬
‫وهذا من إكرام اهلل للمرأة وتشريفه لها، فقد تطلب الفراق هي، وقد جعله اهلل حقًا للمرأة في مقابل‬
   ‫حق الزوج في الطالق، فهو مشروع في حالة خوف الزوجين أن ال يقيما حدود اهلل، فَال ُنَا َ‬
   ‫ج ح‬
                                                                                             ‫َد ب‬           ‫ع هم ف‬
                                                                             ‫َلَيْ ِ َا ِيمَا افْت َتْ ِهِ [البقرة:977].‬
‫فقد جاءت حبيبة بنت سهل األنصارية رضي اهلل عنها إلى النبي تشتكي زوجها ثابت بن قيس بن‬
‫شماس رضي اهلل عنه، وكان قد شهد معركة أحد وبيعة الرضوان، وكان خطيبا مفوها، وكان من‬
                                                            ‫م‬
  ‫نجباء محمد ، إال أنه كان دمي ًا، فقالت: يا رسول اهلل، ما أعيب عليه في خلق وال دين، ولكني‬
         ‫أكره الكفر في اإلسالم، وكانت تبغضه، فأمره النبي بطالقها وقال: ((خذ الحديقة، وطلقها‬
    ‫تطليقة))، وفي رواية أخرى: أنه ضربها فكسر بعضها، فأتت رسول اهلل بعد الصبح، فاشتكته‬
 ‫إليه، فدعاه النبي فقال: ((خذ بعض مالها وفارقها))، فقال: ويصلح يا رسول اهلل؟! قال: ((نعم))،‬
    ‫قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها، فقال النبي : ((خذها وفارقها))، ففعل رضي اهلل عنه‬
                                                                        ‫وعنها. وكان هذا أول خلع في اإلسالم.‬
    ‫د‬
    ‫ومن أحكام الخلع: أن ال يأخذ الزوج أكثر من المهر، وإذا انفسخ عقد الزوجية بالخلع فال يع ّ‬
  ‫ض‬
 ‫طالقًا إال إذا نواه طالقًا أو تلفظ بلفظ الطالق، والمرأة ال بأس أن تطلب الخلع ولو كانت حائ ًا‬
  ‫أو في طهر جامعها فيه بخالف الطالق؛ ألن النبي لم يسأل أو يشترط ذلك على امرأة ثابت بن‬
    ‫قيس لما جاءته، وعدة المختلعة حيضة واحدة، وليس للزوج بعد المخالعة أن يعيد زوجته إلى‬
   ‫عصمته في عدتها، وإن رغبا في العودة فال بد من عقد جديد ومهر جديد، ويحرم على الزوج‬
                                                                           ‫ة‬
   ‫المضار ُ بزوجته حتى تفتدي نفسها ببعض مهرها أو ترك بعض حقوقها عليه، فهذا من الظلم‬
                                          ‫و ت َار ُن لت َيق ع ِن‬
  ‫واالعتداء، قال تعالى: َال ُض ُّوه َّ ُِضِّ ُوا َلَيْه َّ [الطالق:6]، ولتعلم المرأة أن النبي قال:‬
 ‫((المنتزعات والمختلعات هن المنافقات)) فعلى المرأة أن تصبر على زوجها إذا كان ذا دين وأن‬
                                                                               ‫ال تتعجل مفارقته.‬
                                                      ‫اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات...‬

‫(5/7823)‬




                                                                          ‫أهمية المراكز التربوية‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                         ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                          ‫األبناء, التربية والتزكية‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                      ‫صالح بن عبد اهلل بن حميد‬
                                                                                     ‫مكة المكرمة‬
                                                                                    ‫05/8/1725‬
                                                                                   ‫المسجد الحرام‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نعمة الوقت. 7- خطورة الفراغ. 3- ضرورة الحديث عن حسن استغالل الوقت. 2- وسائل‬
  ‫محكمة لبناء العقول والشخصيات. 1- منافع المراكز التربوية والدورات العلمية. 6- ضرورة‬
     ‫مضاعفة البرامج التربوية والدورات العلمية. 2- فضل اإلنفاق على المراكز التربوية. 8-‬
    ‫التحذير من منع هذه الفعاليات والمناشط. 9- الرد على أعداء المراكز التربوية. 05- فضل‬
                                                                                    ‫صيام شعبان.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
        ‫َد‬             ‫ح‬           ‫ت‬                                       ‫ي‬                  ‫م‬
     ‫أ ّا بعد: فأوصيكم ـ أّها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، فا ّقوا اهلل ر ِمكم اهلل، ابت َأكم‬
       ‫َلن م‬                  ‫َّن د‬                         ‫ل‬            ‫نم‬         ‫ن وأتم‬
      ‫بإحسا ِه، َّ عليكم ِع َه وإفضاله، حُم مع االقتدار فال يغتر َّ عب ٌ باإلهمال، وال يغف َّ ِن‬
  ‫خوف االستدراج، عافانا اهلل وإ ّاكم ِ َ االغترار بعدَ اإلمهال واالستدراجِ باإلحسان، واعلموا ث ّ‬
  ‫م‬                                                       ‫ي من‬
         ‫ت‬                                             ‫د‬              ‫س‬               ‫ن‬
     ‫اعلموا أ ّ من الغفلةِ ال ّفرَ من غير زا ٍ والذهابَ إلى القب الموحشِ بغير أنيس، ومن ال ّفريط‬
            ‫ن م أم‬                                    ‫ج م‬
  ‫القدوم على الحكمِ العدل بغير ح ّة. َن وقف في غير بابِ اهلل طال هوا ُه، و َن َّل غيرَ فضل‬
  ‫مع ِر ُ و و ه‬                   ‫ل َ ي سب َن‬                  ‫ع‬             ‫ر‬
‫اهلل خابت آماله، ومن ابتغى غي َ وجه اهلل ضا َت أعماُه، أمْ َحْ َ ُونَ أ َّا ال نَسْ َ ُ س َّهمْ َنَجْ َا ُمْ‬
                                                                                   ‫ب َرسل َد ِ ي تب‬
                                                                   ‫َلَى و ُ ُُنَا ل َيْهمْ َكْ ُ ُونَ [الزخرف:08].‬
                  ‫ن ذ‬                              ‫زنو‬                 ‫ت د‬                     ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلمون، الوق ُ ما ّة الحياة، وال ّم ُ ِعاء األعمار، واألوقات خزائ ُ ال ّخائر، واألعمال‬
        ‫م‬             ‫الصالحة هي أعَى ذخائر، والوق ُ أغلى ما ُ ِي اإلنسا ُ بحفظه، وتصر‬
  ‫ُّم الزمان أعظ ُ واعظ،‬          ‫ن‬         ‫عن‬          ‫ت‬               ‫ل‬
              ‫قص‬              ‫ة‬               ‫ن‬       ‫ع‬                  ‫ي قص‬
         ‫وانقضاء األ ّام ِ َر في األعمار، وال ُمر أثم ُ بضاعة، والحسر ُ والخَسار لمن َّر فيه‬
           ‫ب‬                 ‫ف‬        ‫ت‬     ‫م ف‬             ‫ة‬                     ‫ع م‬
      ‫وأضا َه، و ِن عالمات المقتِ إضاع ُ الوقت، و َن ح ِظ وق َه فقد ح ِظ عمرَه، وإذا أح ّ اهلل‬
  ‫ل‬                            ‫ر ت‬                     ‫ع ووف ح ع‬
 ‫عبدَه بارك له في ُمره َّقه ل ُسن ِمارة وقته، والخي ُ وال ّوفيق في بركة العمر، ال في طوِه‬
       ‫وال في ق َره، فكم ِن إنسانٍ أ ّل الحياةَ وطولَ البقاء فعاشَ إلى زم ٍ بكت فيه عيناه وتقر‬
  ‫َّح فيه‬                 ‫ن‬                                    ‫م‬           ‫م‬        ‫ص‬
‫ن‬                      ‫ر مغي‬            ‫دي‬             ‫ح‬             ‫ت‬                     ‫ب‬
‫قل ُه ورأى من شدائدِ الف َن وصروفِ الم َن ما ال يكا ُ ُطاق، واألقدا ُ َّبة، والليالي من الزما ِ‬
                                                   ‫ن‬                    ‫برب‬       ‫ذ‬               ‫ح‬
                         ‫ُبالى، وكما يعو ُ المسلم ِّه من فتنة الممات فإ ّه يعوذ به من فتنةِ المحيا.‬
     ‫يا عبد اهلل، الوق ُ كالسيف، وكم لهذا ال ّيف من ضحايا وصر َى، تراهم في األسواق يتسك‬
  ‫َّعون‬                      ‫ع‬                ‫س‬                     ‫ت‬
 ‫تحس‬        ‫ِّرون وبين ي َي شبكاتِ المعلومات مستَسلمون، كم ن ِم المفر‬
‫ِّطون، وكم َّر‬     ‫د‬                                   ‫د‬           ‫وأمامَ الشاشات متسم‬
  ‫ف ر ت َال ِنه‬                      ‫َل‬       ‫َل‬       ‫َت ِذ ج َ ُ م ُ َ َب جع‬                                 ‫المقص‬
 ‫ِّرون، ح َّى إ َا َاءَ أَحدَهمْ الْ َوْت قَال ر ِّ ارْ ِ ُونِ لَعِّي أَعْم ُ صَالِحًا ِيمَا تَ َكْ ُ ك َّ إَّ َا‬
    ‫د‬           ‫كَِ َ ٌ ُو قَا ُِ َا َ ِنْ و َا ِهمْ بر َ ٌ َِى يَو ِ ُبْ َ ُونَ [المؤمنون:99، 005]. فمن أصح‬
  ‫َّ اهلل له ب َنه‬                             ‫لمة ه َ ئله وم َر ئ ِ َ ْزخ إل ْم ي عث‬
                         ‫د‬                               ‫ِ س‬                           ‫وفر‬
       ‫َّغ له وقتَه ولم يسعَ لصالح نف ِه فهو المغبون، بذلِك أخبر الصا ِق المصدوق حين قال:‬
 ‫د ل‬               ‫حل‬                          ‫حة‬                           ‫ن‬           ‫ن‬
‫(( ِعمتان مغبو ٌ فيهما كثير من الناس: الص ّ ُ والفراغ))(5)[5]. وحين ي ُ ّ المرض وتشت ّ العّة‬
                                                                ‫ت ق‬                            ‫م‬
                                                          ‫تنك ِش األعوام حتى كأنها لحظا ُ بر ٍ وامض.‬
          ‫ر‬        ‫ّ‬     ‫ٍ‬                  ‫س‬         ‫ش‬                   ‫س‬                ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، يح ُن التذكير بهذا وال ّباب واأل َر تعيش استقبالَ عام دراسي في كثي ٍ من الديار‬
                 ‫ت‬                             ‫ه‬          ‫ه‬                   ‫ث‬
 ‫والبلدان، والحدي ُ عن التعليم والمنا ِج والتوجي ِ واإلرشاد وحسنِ استغالل الوق ِ واالستفادةِ منه‬
             ‫ل‬                    ‫ب‬        ‫ع‬                  ‫ب‬           ‫د‬          ‫ث‬
 ‫حدي ٌ يطول، تح ّث فيه المر ّون، ووعظ فيه الوا ِظون، ون ّه إلى أساليبِ استغالِه المصلِحون،‬
           ‫فن‬     ‫ي‬                ‫ي‬                  ‫ب‬        ‫ب‬          ‫م‬
    ‫في حديثٍ لآلباء واأل ّهات والمر ّين والمرّيات في برامجَ علم ّة ومناشطَ ترفيه ّة في ِّ إدارةِ‬
                                          ‫الوقت وخدمةِ المجتمع وتنميةِ المهارات وصالحِ الدين والدنيا.‬
             ‫م‬             ‫ب م‬                         ‫ه‬               ‫ع‬                    ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلمون، اإلبدا ُ واكتشاف الموا ِب وتنمية الملكات مطال ُ مه ّة ووسائل محك َة لبناء‬
   ‫ب‬                                            ‫ت‬         ‫ر‬
   ‫العقول وبناءِ الشخصية وشغلِ األعما ِ واألوقا ِ بالمفيد النافع من العلوم واألعمال. ومن جان ٍ‬
    ‫ة‬                                                                    ‫و‬            ‫ن‬
    ‫آخر فإ ّ توفيرَ الج ّ الصالحِ المكشوف المعلَن في مزاولةِ النشاط وممارسةِ العبادات الصحيح ِ‬
           ‫ز‬                                       ‫ش‬            ‫ر‬         ‫ل‬           ‫ل‬
      ‫والخُق السليم ك ّ ذلك جدي ٌ بصياغةِ ال ّباب والناشئة صياغةً صالحة مستقيمة متوا ِنة في‬
         ‫م‬                                ‫ن‬        ‫تؤه ص‬            ‫ط‬
     ‫صالح الدين والدنيا معًا، مناشِ ُ معلَنَة ِّل لل ّالح وال ّجاح لينفَعوا أنفسَهم وأهليهم وأ ّتَهم‬
                                                                                         ‫وأوطانهم.‬
 ‫صة‬        ‫ي ل‬          ‫ه‬                           ‫ر‬             ‫نم‬       ‫ب‬
 ‫معاشرَ األح ّة، وإ ّ ِن أفضل ما تص َف فيه األوقات وتصقَل الموا ِب ويبني و ُصِح وبخا ّ ٍ‬
                                                 ‫د‬                            ‫ظ‬
‫في هذهِ ال ّروف مراكز خدمة المجتمَع وال ّورات العلمية وحلقات تحفيظ كتابِ اهلل وتعليمه، فهي‬
                                         ‫ي‬      ‫ٌ ع‬                ‫فر ٌ تربو ّة وتجم ش‬
     ‫ُّع لل ّباب حميد، عظيم نف ُه، ثر ّة معلوماته، يحفَظ األوقات، ويعين على‬ ‫ي‬     ‫َص‬
    ‫د‬             ‫س‬      ‫ح‬         ‫س‬         ‫د سن‬           ‫ج م َد‬        ‫ت‬
  ‫الخير وتوثيق الصال ِ. برام ُ ُع َّة إعدا ًا ح َ ًا في درو ٍ مفيدة ب ُسن ال ّلوك وصالح ال ّين‬
        ‫قص د‬          ‫ي‬       ‫ض‬               ‫س‬            ‫وج‬
‫وتصليحِ األخطاءِ وتقويم المع َ ّ على نهج ال ّلف الصالح. محا ِن تربو ّة على ِ َر م ّتها فيها‬
     ‫ر‬          ‫ترب‬                       ‫ز د‬                                  ‫ز‬
    ‫منافِع يع ّ تحصيلها في غيرها. هذه المراك ُ وال ّورات والحلَقات والمناشط ِّي على مكا ِم‬
                                           ‫ر‬                  ‫سي‬     ‫ه‬
                  ‫األخالق ومعاليها وتن َى عن ِّئها وسفسافها، تشا ِك في البناء وروح اإلبداع.‬
                                    ‫ل ن‬                         ‫د ت‬                 ‫ز‬            ‫إن‬
   ‫َّ هذه المراك َ والمناشط وال ّورا ِ والحلقات وأمثالَها تعِن أ ّ الشبابَ بحاجةٍ إلى اليدِ الحانية‬
   ‫ف‬             ‫د ش‬             ‫ل‬                ‫د‬                  ‫ح‬           ‫تقد‬
  ‫الرحيمةِ التي ِّم لهم النص َ والتوجيه واإلرشا َ والهداية في قواِب من الو ّ وال ّفقة والمالطَ َة‬
                               ‫م‬         ‫مي‬                                               ‫ت ع‬
     ‫ُش ِرهم بدَورهم في الحياةِ وأثرِهم في المجتمع وأه ّ ّتهم في أ ّتهم وإشعارهم باألخطار التي‬
                   ‫ف‬       ‫م‬                         ‫ق‬        ‫تذك‬                  ‫ِّدهم وتهد‬
     ‫ِّد دينَهم وأوطانهم، ِّرهم بال ُدوات الصالحة من سلَف األ ّة وخلَ ِها من قياداتها‬      ‫تهد‬
               ‫ز‬                            ‫وح ّا ِها و ُلمائها ورِجاالتها؛ ليتعم ه ش ر ق‬
       ‫َّق في ِم ال ّعو ُ الح ّ باالنتماءِ لدينهم واالعتزا ِ بأمتِهم‬        ‫كم ع‬
     ‫والغيرة على ديارهم واالستعصاء على َ َالت ال ّغريب والتذوي ِ واالختالط وألوانِ التطر‬
    ‫ُّف‬                      ‫ب‬             ‫ت‬       ‫حم‬
                                                                                      ‫د‬       ‫و‬
                                                                                    ‫والغل ّ والتش ّد.‬
           ‫ي‬                  ‫كل‬                    ‫ت‬         ‫ز‬            ‫َّ من المؤك أن‬
    ‫َّد َّ هذه المراك َ والدورا ِ والحلقات وأمثالَها ُّ أولئك محاضن تربو ّة، تحفظ‬      ‫إن‬
        ‫م ي‬          ‫ي م‬           ‫ي‬                 ‫ت شد ُ َشد‬
       ‫أوقاتَ الشباب فتيانا وفتيا ٍ، تر ِ ُها وتر ِّ ُها في مناشطَ علم ّة وتربو ّة و َسلكية و ِهن ّة‬
         ‫و‬                                                        ‫ح‬                    ‫ح ي‬
  ‫و ِرف ّة، تربيةً على الصال ِ واإلصالح والخلقِ الفاضل وترسيخِ االنتماء لدين اهلل وأخ ّة الدين‬
                 ‫ب ص‬                    ‫م‬          ‫ِر‬               ‫والوالء لوالةِ األمور وحب‬
      ‫ِّ العلماء وتقدير ِجاالت األ ّة واالحترام والح ّ لل ّغير والكبير‬
                      ‫ك‬                   ‫ح‬                             ‫ت‬              ‫إ‬
       ‫وِكسابِ المهارا ِ واكتشافِ المواهب والملكات و ُسن التعامل مع المش ِالت واإلسهام في‬
    ‫عو‬          ‫ي‬          ‫تشخي ِها ِّها وب ّ رو ِ التعاون والعمل الجماع ّ والمث ِر وتحم‬
    ‫ُّل المسؤول ّة وغَرس ُل ّ‬    ‫م‬       ‫ي‬                       ‫ث ح‬         ‫ص وحل‬
   ‫ط ق ي‬                     ‫ت‬                          ‫م‬          ‫ي‬              ‫االت‬       ‫م‬
  ‫اله ّة وتكوين ِّجاهات اإليجاب ّة نحو الع َل والتدريب واإلتقان واالب ِكار والتجديد بِ ُر ٍ تقن ّة‬
                      ‫م‬                            ‫ت‬      ‫ب مشوق ك‬             ‫ِّمة والتدر‬
‫ُّب بأسلو ٍ ِّ ٍ مبتَ َر وال ّدريب على تقديم الخدمات العا ّة والحِفاظ على المرافق‬       ‫متقد‬
‫ت‬                                  ‫م‬                                  ‫م‬
‫وصيانة الممتَلَكات العا ّة والخاصة وااللتزام باآلدابِ العا ّة واالنخراط في دوراتٍ علمية وندوا ٍ‬
   ‫ق‬                                             ‫ر‬                                ‫ي تعل‬
   ‫فكر ّة ِّم أدبَ الحوار وحسنَ االستماع لل ّأي اآلخر وحسنَ التعامل مع اآلخرين وقبولَ الح ّ‬
                                                                                               ‫م‬
                                                                                      ‫م ّن جاء به.‬
   ‫ي‬                                 ‫ف‬                ‫ت‬       ‫م‬                          ‫ز‬
 ‫مراك ُ وندَوات وحلقات ودورات تض ّ المئا ِ واآلالف منَ ال ِتيان والفَتَيات، في مناشطَ وفعال ّات‬
   ‫ز‬       ‫ه د ي‬            ‫ي‬      ‫ب‬        ‫م‬          ‫ِد‬                             ‫تقد‬
   ‫ال ِّمها المدارس والجامعات والمعاه ُ، وال يتض ّنها كتا ٌ مدرس ّ وال من َج ِراس ّ. مراك ُ‬
          ‫ر‬          ‫ش كل‬        ‫ت‬          ‫ت‬
    ‫ِّب ملكا ِه وإمكانا ِه، يكت ِف َّ ذلك ويما ِسه على‬
                                                    ‫يكت ِف فيها الشا ّ قدرا ِه ومواه َه ويجر‬
                                                          ‫ب‬        ‫ت‬      ‫ب‬            ‫ش‬
         ‫ل ص‬               ‫ق م‬           ‫َج‬        ‫ِّمين ومدر‬
      ‫ِّبين ومو ِّهين موثو ِين ِن أهل الفض ِ وال ّالح‬                      ‫م‬
                                                           ‫مرأَى ومس َع من مشرفين ومعل‬
         ‫ِّهون ومرشدون ومدر‬
      ‫ِّبون‬                      ‫معل‬                       ‫ع‬
                         ‫والخِبرة واالعتدال وال ِلم واالختصاص. نعم، إنهم ِّمون وموج‬
             ‫م‬      ‫ح‬                                   ‫وي‬       ‫وعلما ُ َّلون ًّا وعملي‬
   ‫ًّا وترب ًّا، وموثوقون في آرائِهم واعتدالهم و ُسن فه ِهم لألحوال‬     ‫ء مؤه علمي‬
                                                                   ‫د‬         ‫ف‬           ‫والمتغي‬
                                                                ‫ِّرات والظرو ِ والمستج ّات.‬
       ‫وي‬                       ‫ب‬      ‫ح‬               ‫أ ّها المسلمون، معاشرَ اإلخوة، َّ الحق‬
‫َّ والمصلحةَ وال ِكمة و ُعد النظر والرؤية والر ِ ّة تقتضي‬   ‫إن‬                            ‫ي‬
    ‫م‬             ‫ة‬                       ‫ت‬         ‫م‬           ‫مضاعفةَ هذه البرامج والتوس‬
   ‫ُّع فيها لتش َلَ نشاطا ٍ وإبداعات لم تكن موجود ً وال ممارسةً ِن‬
          ‫ن ص‬                 ‫التدي ص‬        ‫ِ‬                       ‫ن‬
      ‫قبل؛ مثل التعليم الف ّي والتدريب المهني وتعميق مفهوم ُّن ال ّحيح والمواطَ َة ال ّالحة‬
             ‫ء‬                                                               ‫ب‬
     ‫ومكافحةِ اإلرها ِ وتصحيح المفاهيم وإزالة ما قد يلتبِس حول مفاهيمِ الجهاد والوال ِ والبراء‬
 ‫وغيرِها من بعضِ المصطَلَحات والتحذير من الجفاءِ و َعف ُّن وال ُ ُوعة واالنحالل؛ ليترب‬
‫َّى‬                  ‫مي‬       ‫التدي‬ ‫ض‬
  ‫ل‬         ‫د‬                        ‫النشء على ممارسةِ حياةٍ ها ِئةٍ مستق ّة مِيئةٍ بالح َ ِ ّة والجد‬
  ‫ِّية والنافِع المفيد، بعي ًا عن فضو ِ‬     ‫يوي‬            ‫ِر ل‬          ‫د‬
           ‫س‬      ‫ت‬      ‫ي م‬
  ‫ال ّظرات والكِمات والتص ّفات، و ُسنِ استخدام المنج َات التقن ّة ِن هوا ِف وحا ِبات وآالف‬
                                      ‫َز‬                 ‫ح‬       ‫ر‬          ‫ل‬         ‫ن‬
                            ‫ك‬         ‫ت‬         ‫ز‬            ‫إن‬                    ‫ت‬
       ‫وأدوا ٍ وشبكات معلومات، بل َّ هذه المراك َ والدورا ِ من المم ِن أن تزيدَ في اإلبداع‬
 ‫د‬      ‫والجاذب ّة والتجديد ِّق ِّق حتى تجعلَ من برامجها ومنا ِطها ما يش َل التوج و‬
 ‫ُّه نح َ ترشي ِ‬ ‫م‬          ‫ش‬                            ‫فتعم وتدق‬        ‫ي‬
    ‫ط‬                 ‫دي‬         ‫ي‬                ‫م ل‬            ‫ة‬          ‫ز‬        ‫و‬
    ‫نشاطاتِ التس ّق والتن ّه والسياح ِ؛ لتجعلَ ِن ك ّ ذلك متعةً عائل ّة أو فر ِ ّة تعتمِد االنضبا َ‬
                                                          ‫م‬                    ‫ل‬
                                                         ‫والذوقَ الرفيع والخُق الكريم واألدب الج ّ.‬
   ‫ي‬                                       ‫د‬                    ‫م‬            ‫ن‬               ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلمون، إ ّ من المأمول ِنَ الجامعات والمعاه ِ والقطاعات التعليمية والمهنية والتدريب ّة‬
      ‫ش‬             ‫تقد‬               ‫ز‬        ‫م‬          ‫ِد خ‬
  ‫ومراكزِ خدمة المجتمع أن تع ّ ُططًا محكَ َة لمراك َ وبرامج ونشاطات َّم للطالب وال ّباب،‬
   ‫ط‬                ‫ض‬                   ‫ف‬                 ‫د‬                         ‫ج‬
   ‫برام ُ تعينهم على مواجهةِ التح ّيات الكبرى في ال ِكر والسلوك في الحا ِر والمستقبل، خط ٌ‬
       ‫حصينة محكَ َة ت ُول دونَ وقو ِ هؤالءِ ال ّا ِئَة ضح ّةَ أهوالٍ جِسام من اإلرها ِ والتزم‬
      ‫ُّت‬     ‫ب‬                          ‫ي‬       ‫نش‬             ‫ع‬            ‫م ح‬
      ‫ء‬                                      ‫غ‬            ‫س‬        ‫ِّرات والميوع ِ والتحل‬
‫ُّل والتف ّخ، تقيهم من ُثاءِ القنواتِ وشبكاتِ المعلومات وقرنا ِ السوء‬     ‫ة‬            ‫والمخد‬
     ‫ف ت‬                                              ‫والمقاهي الموبوءَة واالستراحاتِ المسو والش‬
  ‫َّرة ُّقَقِ المغلَقَة. هذا الغثاء الذي انساقَ إليه ِئا ٌ من‬
                                                                       ‫ل‬        ‫ة‬           ‫ش‬
                                                        ‫ال ّباب في غفل ٍ من المصِحين والمسؤولين.‬
    ‫كما ين َ ِي أن تفتحَ األن ِ َة الرياض ّة واألدب ّة أبوا َها وتستنفرَ طاقاتها وإمكانا ِها لترس َ وتخط‬
   ‫ِّط‬   ‫م‬        ‫ت‬                            ‫ب‬       ‫ي‬         ‫ي‬         ‫دي‬                 ‫بغ‬
      ‫ط‬        ‫ي‬       ‫ي‬          ‫ي‬        ‫ي‬            ‫ذ ة‬                                ‫وتستعد‬
      ‫َّ الحتواءِ الشبابِ في برامجَ ج ّاب ٍ نظيفة رياض ّة وثقاف ّة واجتماع ّة ومهن ّة ومناش َ‬
      ‫سياح ّة منضبِطة، مع ال ّأكيد على ضرورةِ َعم ِّ هذه المرا ِق بما تحتا ُه من دع ٍ ماد ّ‬
      ‫م ّي‬           ‫ج‬           ‫ف‬           ‫د كل‬                  ‫ت‬                 ‫ي‬
                                                                           ‫م‬           ‫ي م‬
                                                                 ‫ومعنو ّ لتقو َ بهذه المه ّة العظيمة.‬
           ‫س يم‬              ‫ت‬                  ‫ة‬          ‫ه‬        ‫ز‬                         ‫ن‬
 ‫إ ّ اإلنفاقَ على هذه المراك ِ والمعا ِد واألندي ِ والدورات والحلقا ِ والبذلَ ال ّخ ّ ِن أجلها من‬
       ‫َّه إلى ذلك ويدع َه الحكوما ُ ورجال األعما ِ والقادرو َ‬
       ‫ن‬          ‫ل‬              ‫ت‬          ‫م‬                                          ‫م‬
                                                            ‫أه ّ وجوهِ اإلنفاق، يجب أن يتوج‬
                                                                                               ‫ن‬
                                                                               ‫ال ّاصحون المصلِحون.‬
     ‫ر‬       ‫و‬       ‫ن ت‬              ‫ت ح ل‬           ‫ر‬                   ‫ة‬          ‫ن‬
     ‫عبادَ اهلل، إ ّ من الحكم ِ والعقل وحصافةِ ال ّأي أن ُفتَ َ ك ّ هذه الميادي ِ وُمأل بذ ِي الفك ِ‬
  ‫ء‬                                     ‫ن‬         ‫السو ّ، ُف َح األبواب وتش َع النوا ِذ وتهب تي‬
  ‫َّ ال ّّارات وال ّسائم لتطردَ الروائحَ الكريهة واألجوا َ‬ ‫ف‬        ‫ر‬              ‫ِي ت ت‬
                             ‫ز ي‬         ‫ص‬        ‫تي‬       ‫ء ّي‬                              ‫ال ّاكدة والترس‬
                           ‫ُّباتِ اآلسنةَ؛ ليدخلَ الهوا ُ الطِّب وال ّ ّارات ال ّالحة ال ّك ّة.‬         ‫ر‬
   ‫ن‬         ‫ع ل ي‬             ‫ب كل‬
‫َّد أ ّ هذا الفت َ واالن ِتاح هو سبي ٌ مستقيم لجل ِ ِّ صالح ودف ِ ك ّ سّئ؛ ذلك أ ّ ما‬
                                               ‫ل‬           ‫ف‬       ‫ح‬                     ‫إن‬
                                                                              ‫َّ من المؤك ن‬
                               ‫د‬      ‫ك‬               ‫س‬              ‫ي‬                 ‫يس م‬
    ‫ُن َب ِن إساءاتٍ أو سلب ّات لبعض المنت ِبين لهذه المرا ِز وال ّورات أو المنخَرِطين فيها هي‬
     ‫ع ه‬                       ‫ب‬       ‫ج ن ر‬           ‫كل ق م‬                         ‫ت‬
     ‫سلبيا ٌ محدودَة موجودة في ِّ مرف ٍ و َنشط. ي ِب الّظ ُ والتد ّر: هل منَ الحكمة من ُ هذ ِ‬
   ‫ت‬              ‫ي‬               ‫ء‬                  ‫الفعال ّات؟! وهل إذا ُ ِعت أو أقفلَت سيكف‬
   ‫ُّ المسيئونَ عن إسا َتهم، أم أنهم س َبحثون عن قنوا ٍ‬               ‫من‬              ‫ي‬
    ‫ومجاالت أخرى أكث َ فاعلية وأش ّ أث ًا وتأثي ًا لسو ِهم في أجواء سر ّ ٍ وأماكنَ مغلَ َة في ُق ٍ‬
    ‫شق‬       ‫ق‬              ‫ية‬                ‫ئ‬      ‫ر‬        ‫د ر‬               ‫ر‬
                                                            ‫ب‬                     ‫ة‬              ‫ري‬
                                                         ‫وخلَواتٍ ب ّ ّة ومواقع بعيد ٍ عن األنظار والمراقَ َة؟!‬
        ‫ع‬                               ‫حل‬    ‫ب‬     ‫إال‬      ‫س ي‬               ‫ء‬         ‫إن‬
    ‫َّ االنكفا َ والحذَرَ ال ّلب ّ ما هو َّ هرو ٌ عن ِّ المشكلة يزيد من انتشارها ويضا ِف في‬
‫ل ب‬                       ‫ر‬                 ‫َّ ح‬        ‫ف‬        ‫ب‬       ‫تو‬                      ‫ي‬
‫سلب ّاتها، بل يزيد من الع ُ ّ والتج ّر واالن ِالت. إن فت َ هذه األبوابِ خي ٌ من إغالقها، وقَف ُ أبوا ِ‬
           ‫ب‬                     ‫ر‬                          ‫ذ‬           ‫ِ ٍ‬
 ‫الخير من أجل فئة قليلةٍ شا ّة ليس من الحكمة وال من ال ّشد، وهل المسؤول وصاح ُ القرار من‬
            ‫ئ‬                 ‫ِفة ذ‬                                                        ‫ل‬     ‫ع‬
 ‫ال َجز وقّةِ الحيلة أن يمنَعَ الكثرةَ الكاثرة من الخير من أجل ِئ ٍ شا ّة ال يمنَع من سو ِها وإيذائها‬
           ‫ح‬        ‫ن ض‬            ‫جَ‬             ‫ذ‬        ‫ل‬                                  ‫ل‬
          ‫مث ُ هذه المواقف والقرارات. إن هذه القّةَ الشا ّة يجب أن توا َه في ميدا ِ وا ِحٍ فَسي ٍ.‬
         ‫م‬    ‫د‬                       ‫ج‬
   ‫و َعد: فإ ّ كلمةَ الح ّ إن شاء اهلل أ ّ هذه المراك َ والبرام َ واألندية وأمثالها سدو ٌ ضخ َة أمام‬
                                                ‫ز‬            ‫ن‬               ‫ق‬           ‫ن‬       ‫ب‬
        ‫ِّف أو نه ٍ منح ّ، أ ّا األخطاء أو النقص فيظل ر َشري‬
    ‫ُّ أم ًا ب ًّا في‬                 ‫ج ل م‬                      ‫ج‬        ‫ل ر ر‬
                                                          ‫ك ّ فك ٍ منح ِف أو تو ّهٍ متطر‬
  ‫متعل‬   ‫معل‬     ‫ِّ جه ٍ وع َل، محكومًا عليه من ِ َل أفرادِه ومن باش َه ِن ِّ ٍ أو متدر‬
‫ِّبٍ أو ِّم أو ِّم،‬      ‫ر م مدرب‬                    ‫قب‬                    ‫كل د م‬
  ‫ق‬              ‫ة‬        ‫وال يكون ُكمًا على المشروعِ ِّه أو على المنشأ ِ ِّها، فهذا ُل ٌ وتعد‬
  ‫ٍّ ومجافا ٌ عن سبيلِ الح ّ‬   ‫ظم‬           ‫ة كل‬                ‫كل‬                  ‫ح‬
                                                                                                                ‫والعدل.‬
     ‫ر َن ُ‬       ‫َيه َّذ من ك ن َو م ِل ش َد ء ق ط و‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا ُو ُوا ق َّا ِينَ لَّهِ ُه َا َ بِالْ ِسْ ِ َال يَجْ ِمَّكمْ‬
                ‫مل‬         ‫رب‬          ‫ْدل ه َ ْرب ِلت و َاتق َّ ِن الل‬                      ‫عل َال ْدل‬             ‫ُ‬
‫شَنَآن قَوْمٍ ََى أ َّ تَع ُِوا اع ُِوا ُوَ أق َ ُ ل َّقْ َى و َّ ُوا اللهَ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا تَعْ َُونَ [المائدة:8].‬
                                                  ‫م‬                            ‫ي‬
   ‫نفعني اهلل وإ ّاكم بالقرآن العظيم وبهدي مح ّد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر‬
                                                           ‫ن‬               ‫ة‬           ‫ل‬
                                        ‫المسلمين من ك ّ ذنب وخطيئ ٍ فاستغفِروه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                       ‫ه ت‬                       ‫س‬                   ‫ءم‬          ‫ف‬
 ‫الحمد هلل، و ّقَ من شا َ ِن عباده لطاعته، وي ّر له سبيلَ توفيقه و ِداي ِه، أحمده سبحانه وأشكره‬
         ‫يه‬                       ‫د‬         ‫إال‬                      ‫ن‬              ‫م‬
         ‫أفاضَ علينا ِن فضله ومزيدِ ِعمته، وأشهد أن ال إلهَ َّ اهلل وح َه ال شريك له في ألوه ّت ِ‬
                    ‫ب م سل‬                            ‫ي حد‬              ‫ن ي‬              ‫ي‬
       ‫وربوبّته، وأشهد أ ّ س ّدنا ونب ّنا م َم ًا عبد اهلل ورسوله المجت َى ِن ر ُُه والمصطفى من‬
            ‫ر‬         ‫ي‬      ‫ل‬
   ‫خليق ِه، صّى اهلل وسّم وبارك عليه، وعلى ِّبين وال ّاهرين من آِه وذر ّته، والغ ّ الميامين‬
                                        ‫ط‬        ‫الطي‬                 ‫ل‬         ‫ل‬    ‫ت‬
            ‫ر‬              ‫ل‬      ‫ن‬                                ‫م‬
   ‫من صحابته، والتابعين و َن تبعهم بإحسان وسار على هديه وس ّته، وسّم تسليمًا كثي ًا إلى يوم‬
                                                                                                                  ‫الدين.‬
                             ‫ط‬                 ‫أ ّا بعد: فإ ّ الذين يثيرون الشكو َ واالت ت‬
 ‫ِّهاما ِ حولَ هذه المناش ِ والبرامج والمراكز والنشاطات‬ ‫ك‬                   ‫ن‬          ‫م‬
                     ‫م‬             ‫فكل ي‬          ‫ب‬     ‫ال‬               ‫ص ّي‬            ‫ّفي‬
 ‫الص ِّ ّة وغيرِ ال ّف َّة ال يوردون دلي ً وال ُرهانًا، ُّ ما ُثار هو تَضخي ٌ في العباراتِ وتهويل‬
      ‫ز ر‬              ‫ٌ ر حس ظ‬                                      ‫ت‬
      ‫في التصوير واستنتاجا ٌ ال تستنِد إلى استدالالت وتوظيف غي ُ َ َن لل ّروف وانتها ٌ غي ُ‬
                                                                                                                ‫ٍ‬
                                                                                                       ‫حميد لألحداث.‬
    ‫ي‬              ‫ز‬          ‫م‬             ‫ِ‬          ‫د‬                       ‫ق‬              ‫إن‬
   ‫َّ المسلَكَ الح ّ وطريق اإلنصاف االستنا ُ إلى الدالئلِ والبراهين ِن خالل ال ّيارات الميدان ّة‬
    ‫م‬      ‫ن‬            ‫ر‬       ‫ص‬
    ‫وفَحص البرامج واستقراءِ اإلحصائيات وغيرِها من وسائل الفح ِ والتح ّي؛ ولهذا فإ ّ إقحا َ‬
‫ل‬           ‫ر‬        ‫م ص ته‬                   ‫ش‬             ‫د‬          ‫َر‬         ‫ر‬
‫بعضِ التص ّفات المنك َة التي تص ُر من بعضِ ال ّباب والفئات ث ّ تل َق ُ َمًا جائ َة جاهزة لك ّ‬
      ‫م‬                                   ‫ل هج‬              ‫د‬       ‫ه‬             ‫ص‬
      ‫األخيار وال ّلَحاء وأعمال ِم وجهو ِهم وعلى ك ّ من َ ٍ صالح في الدين والتعليم والدعوة ظل ٌ‬
                                                                                                            ‫ج‬
                                                                                                       ‫وبهتان و ِناية.‬
 ‫أال فاح َروا ـ رحمكم اهلل جميعًا ـ ال ّ َمَ ومواردَ المهالك وسوءَ المساِك، ولْي ُن ِن ِّ موا ِ ِ‬
 ‫ك م دنو سم‬              ‫ل‬                      ‫ِ‬       ‫ته‬                              ‫ذ‬
       ‫ي‬           ‫ط‬                                                   ‫ث‬          ‫ي ن‬
     ‫الخيرات وأ ّام ال ّفَحات باع ًا وهاديًا إلى محاسَبة النفس والسعي نحوَ الزكاء وال ُهر، إنها أ ّام‬
            ‫ص‬        ‫م‬      ‫ي‬         ‫ث‬                     ‫ر‬     ‫دم‬                     ‫ر‬
‫شه ُ رمضانَ المبارك، يق َ ُه شه ُ شعبان، والذي كان يك ِر فيه نب ّكم مح ّد من ال ّيام حتى قالت‬
         ‫م‬                         ‫َّ ال‬
     ‫عائشة رضي اهلل عنها: كان رسول اهلل يصوم شَعبانَ إال قلي ً، وفي رواية: لم أرَه صائ ًا من‬
                                                                                           ‫ط ر‬
                                                                  ‫شهرٍ ق ّ أكث َ من صيامه من شعبان(7)[5].‬
                     ‫ن‬           ‫ص‬       ‫ة‬      ‫ت‬                      ‫س ق‬               ‫ن‬
    ‫غيرَ أ ّ بعضَ النا ِ يعت ِدون في شعبانَ اعتقادا ٍ باطل ً، وبخا ّةٍ ليلة ال ّصف منه، فلهم فيها‬
‫ت‬           ‫ص‬             ‫ص‬         ‫ن‬       ‫ب‬                       ‫َد‬            ‫ت‬
‫معتقدا ٌ وعبادات مبت َعة، ال أصلَ لها من كتا ٍ وال س ّة؛ كتخصي ِها بدعاءٍ خا ّ أو بقراءا ٍ‬
  ‫َر ي‬                    ‫رة ي‬                       ‫ع‬              ‫سو‬           ‫ت‬
 ‫فرادى وجماعا ٍ أو تحديد ُ َر من القرآن ب َينها كسورة ياسين م ّ ً بن ّة طولِ العمر وم ّةً بن ّة‬
   ‫م‬           ‫ص م‬           ‫ب‬
  ‫دفعِ البالء أو يخ ّها بعمرة، ُّ ذلك م ّا لم ي ُم عليه َليل ولم يث ُت فيه ن ّ. أ ّا الصيام ف َن‬
                                         ‫د‬       ‫ق‬       ‫م‬       ‫فكل‬         ‫ص‬
   ‫ص‬                                         ‫ي‬                ‫ر‬
 ‫كان يصوم بعضَ شعبانَ أو كثي ًا منه أو يصوم أ ّامَ البيض أو وافقَ يوم اثنين أو خميس فلي ُمه‬
                                                                              ‫ن‬               ‫ت‬
                                              ‫على عاد ِه واتباعًا للس ّة كما سبق في حديثِ عائشةَ وغيره.‬
  ‫د‬       ‫ث‬       ‫ع‬
‫أال فا ّقوا اهلل رحمكم اهلل، وليلتزمِ المسلم بالس ّة، وليجتَ ِب مسالكَ ال ِدعة، فالبد َة إحدا ٌ في ال ّين‬
                              ‫ب‬            ‫ن‬          ‫ن‬               ‫َِ‬                         ‫ت‬
               ‫ر‬     ‫د‬             ‫ت تع ُ‬                   ‫ت‬         ‫ر‬       ‫ل‬       ‫ر‬
 ‫وتغيي ٌ في المّة وآصا ٌ وأغالَل ُضاع فيها األوقا ُ و ُت َب فيها األجسا ُ وتص َف فيها األموال‬
      ‫إال‬   ‫ب‬      ‫د‬             ‫س‬        ‫ج‬                                               ‫ت ع‬
      ‫وا ّبا ٌ لغير طريقِ رسول اهلل ، ينشَط الكَسول فيها ويع َز عن ال ّنَن، وال تكا ُ تقام ِدعة َّ‬
              ‫تص به ْ ف ة يص ب ُ َ ب م‬                                 ‫ْ َ َّذ ن ي ف ع ْ‬                        ‫ج ن‬
  ‫وته َر س ّة، فَلْيَحذرْ ال ِي َ ُخَالِ ُونَ َنْ أَمرِهِ أَنْ ُ ِي َ ُم ِتْنَ ٌ أَوْ ُ ِي َهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [النور:36].‬
                            ‫م‬      ‫نبي‬           ‫ن‬                ‫ر‬           ‫ل وسل‬
 ‫هذا، وصّوا ِّموا على ال ّحمة المهداة وال ّعمة المسداة ِّكم مح ّد رسول اهلل، فقد أمركم بذلك‬
        ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ ن من‬                                  ‫ال‬                 ‫ل‬     ‫رب‬
      ‫ُّكم ج ّ في عاله، فقال قو ً كريمًا: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا‬
                                                                                    ‫لم‬         ‫َل ع و َلم‬
                                                                     ‫صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                 ‫ري‬                        ‫م‬                            ‫اللهم صل وسل‬
‫َّ ِّ ِّم وبارك على عبدِك ورسولك مح ّد، وعلى آله وأزواجه وذ ّ ّته، وارض اللهم عن‬
                                                                                      ‫الخلفاء األربعة الراشدرن...‬


                                                                                                      ‫__________‬
                         ‫(5) أخرجه البخاري في الرقاق (7526) عن ابن عباس رضي اهلل عنهما.‬
  ‫(7) أخرجه البخاري في الصوم (9695)، ومسلم في الصيام (6155) واللفظ له في الروايتين.‬

‫(5/3823)‬




                                                                             ‫مولد النبي بين االتباع واالبتداع‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                               ‫البدع والمحدثات‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                      ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                                            ‫عنيزة‬
                                                                                                     ‫9/3/7725‬
                                                                                                    ‫جامع السالم‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- البشارة بمحمد . 7- محبة الصحابة للنبي . 3- تغير مفهوم المحبة. 2- بدعية االحتفال‬
‫بالمولد النبوي وبيان نشأته. 1- االختالف في تاريخ مولد النبي . 6- المحبة الحقيقية للنبي . 2-‬
                ‫التحذير من الغلو ومن الجفاء. 8- لماذا التحذير من بدعة االحتفال بالمولد النبوي.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                        ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
 ‫وي َلم ُ ك ب‬                      ‫َب و ع ف ه ْ رس م ُ ي ل ع ِ‬
 ‫كان دعوة أبيه إبراهيم حين قال: رَّنَا َابْ َثْ ِي ِم َ ُوالً ِنْهمْ َتُْو َلَيْهمْ آيَاتِكَ َ ُعِّ ُهمْ الْ ِتَا َ‬
                                                ‫َز ز ح م‬                      ‫و ح م و ُ َك ه ِن‬
 ‫َالْ ِكْ َةَ َيز ِّي ِمْ إ َّكَ أَنْتَ الْع ِي ُ الْ َكِي ُ [البقرة:975]، وكان بشرى أخيه عيسى بن مريم عليه‬
    ‫ِن رس ل الل إ ُ مص ِّ ل ب ن َ َي م الت ْر ومب ِّر‬                               ‫بن إ ْر‬
   ‫السالم حين قال: يَا َ ِي ِس َائِيلَ إ ِّي َ ُو ُ َّهِ ِلَيْكمْ ُ َدقًا ِمَا َيْ َ يد َّ ِنَ َّو َاةِ َ ُ َش ًا‬
                                 ‫م‬                       ‫مه َد‬              ‫ِرس ي ت م ب ْ‬
   ‫ب َ ُولٍ َأْ ِي ِنْ َعدِي اسْ ُ ُ أَحْم ُ [الصف:6]، وكان رؤيا أ ّه حين رأت في المنام قبل والدته‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                                 ‫نو ًا خرج منها أضاءت له قصور الشام.‬
   ‫ر‬
  ‫إنه محمد الذي كانت دعوته إجابة لدعوة إبراهيم ومصداقًا لدعوة المسيح عليهما السالم وتعبي ًا‬
                                                           ‫ر‬
      ‫لرؤيا أمه، فجعله اهلل سراجًا مني ًا استنارت به األرض بعد ظلمتها، وجمع اهلل به األمة بعد‬
       ‫شتاتها، واهتدت به البشرية بعد حيرتها، ومع بعثته ولدت الحياة وارتوى الناس بعد الظمأ.‬
                                         ‫ل‬              ‫ر‬        ‫الر‬         ‫ل‬
                                    ‫لما أط ّ محمد زكت ُّبى…واخض ّ في البستان ك ّ هشيم‬
‫فدخل الناس في دين اهلل أفواجًا، وقامت لإلسالم دولته، وعاش المسلمون في عصر النبوة حياة لم‬
  ‫يسبق لها مثيل، توحيد خالص هلل وحده، وعدل وإنصاف، وتحابب وتآخ، واعتزاز وعزة كرامة‬
            ‫ّ‬             ‫ح‬
       ‫وهيبة في قلوب األعداء، وعاش المسلمون في ذلك العهد الفريد رد ًا من الزمن أحب فيها‬
                     ‫ء‬                   ‫ب‬
‫صحابة رسولِ اهلل رسولَ اهلل وعظموه واقتدوا به ح ًا حقيقيا وليس ادعا ً، يقول المشركون لخبيب‬
                                  ‫ب‬
‫بن عدي رضي اهلل عنه وقد أسروه ثم صلبوه ثم عذبوه عذا ًا شديدا فيقول له أحدهم: أتحب لو أن‬
                                                                                       ‫د‬
       ‫محم ًا مكانك؟ فقال: واهلل، إني ال أتمنى أن أكون في أهلي آمنًا مطمئنًا ويصاب رسول اهلل‬
                                                                                      ‫بشوكة.‬
    ‫هكذا كان حب صحابته له، وترجموا ذلك الحب باتباعه واتباع سنته وتطبيق أوامره واجتناب‬
                                      ‫ل‬
 ‫نواهيه، وعندما ضعف نور النبوة في حياة األمة وق ّ تمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها ضعف هذا‬
                                                             ‫التعظيم في حياة األمة وحر‬
    ‫ِّفت محبة النبي حين حاول بعض الغيورين جهالً أو غفلة جبر هذا‬
‫الضعف بإحداث بعض المظاهر واالحتفاالت التي لم يعرفها ولم يقمها خير من عظم المصطفى ،‬
               ‫وهم‬           ‫أ‬
  ‫وضاعف المأساة أن سوقَ الجهل في األمة أصبحت رائجة وُهمل العلماء ِّش دورهم، فكان‬
      ‫األثر على أمة اإلسالم واضحًا في انتشار البدعة ورواجها، كما ساعد الفكر اإلرجائي الذي‬
           ‫ن‬                                  ‫ث‬
 ‫صاحب هذا االنحراف وكذلك االتجاه الرافضي المتم ّل في الدولة العبيدية المسماة بهتا ًا الفاطمية‬
     ‫في إقامة الموالد وقصر محبة النبي على مجرد كلمات مدائح يتغنى بها المنشدون في الموالد‬
                                           ‫ي‬
‫والمناسبات من غير أن يكون لهذه الكلمات أ ّ أثر من عمل واتباع لمن يزعمون محبته وتعظيمه‬
        ‫وإقامة المولد له، وكلما اشتد الجهل والغفلة واالدعاء زاد الغلو واالنحراف الذي حذر منه‬
          ‫ظ‬                    ‫ب‬
     ‫المصطفى في أكثر من حديث نبوي، ومع الزمن ينتشر هذا الح ّ الزائف والغلو المن ّم بين‬
    ‫ت‬
  ‫قطاعات عريضة في األمة، وترعاه الدول والحكومات، بل تكون أيام هذه البدع إجازات وتّخذ‬
   ‫هذه الحفالت والموالد أشكاالً ووسائل شعبية ومجاالً للترفيه والترويح، وقد يشتمل بعضها على‬
               ‫ر‬
  ‫عدد من األمور المنكرة كاختالط الرجال بالنساء والرقص والغناء أو أعمال ش ّ كثيرة أو شرك‬
                             ‫كاالستغاثة بالنبي أو ادعاء حضوره أو ما يسمى بالحضرة النبوية.‬
          ‫وتكون تلك الموالد مواسم ارتزاق لبعض المنتفعين ومناخًا لنشر البدعة، ويستغله بعض‬
    ‫المغرضين ويدعي بعض الطيبين أنها فرصة للدعوة إلى الدين إضافة إلى النيل ممن يسمونهم‬
                                                                                 ‫د‬
      ‫بالمتش ّدين عبر قنواتهم الفضائية أو عبر إعالمهم، وذلك بلمزهم والنيل من محافظتهم على‬
                                                             ‫عقيدتهم وعدم االبتداع في الدين.‬
    ‫أيها األحبة، إن احتفاالت المولد النبوي على اختالف مقاصد فاعلية ال شك أنه بدعة في الدين‬
       ‫ز‬
       ‫محرمة محدثة أحدثت في القرن الرابع الهجري على يد الرافضة العبيديين حين بدأه المع ّ‬
        ‫العبيدي وأحدث معه خمسة موالد أخرى لعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي اهلل عنهم‬
               ‫د‬                                                  ‫د‬
           ‫وأرضاهم، وأحدث كذلك مول ًا لمن يحكم من العبيديين، وأقام العبيديون بعدها عد ًا من‬
  ‫االحتفاالت كعيد الخليج وعيد النيروز المسمى اآلن عيد الربيع وعيد لكل من زعموا الوالية له،‬
‫وأصبح تضخيم تلك االحتفاالت وحبك األساطير حولها ثم إشاعتها بين العوام وأشباههم ليتلهوا بها‬
‫من الوسائل التي يلجأ إليها الحكام لصرف الناس عن الدين الحق، فما أن يتفرغ الناس من مناسبة‬
                                                                                      ‫حتى يالحقوا بغيرها.‬
    ‫ثم أظهر االحتفال بالمولد بعدهم الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في أواخر القرن‬
‫السادس وأول القرن السابع الهجريين، حيث فعله قبلهم بالموصل الشيخ عمر بن محمد المال وهو‬
        ‫خل‬
     ‫من الصالحين المعروفين، فاقتدى به حاكم إربل كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن ِّكان‬
   ‫وغيرهما، يقول ابن خلكان: "فإذا كان أول صفر وضعوا الزينة الفاخرة وجوق األغاني وتبطل‬
  ‫معايش الناس وأخرجوا من الطعام ما يفوق الوصف ويزف الناس بالطبول واألغاني والمالهي‬
                                                        ‫حتى تمتلئ بها الميادين" انتهى كالمه رحمه اهلل.‬
               ‫خ‬
    ‫فهذا مبدأ حدوث االحتفال وإحيائه بمناسبة ذكرى المولد النبوي، فإنه حدث متأ ّر عن القرون‬
 ‫الثالثة الفاضلة، ويكون مقترنًا باللهو والترف وإضاعة األموال واألوقات وراء بدعة ما أنزل اهلل‬
 ‫بها من سلطان، قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل في كتابه العظيم الموسوم اقتضاء الصراط‬
     ‫المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم قال: "ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميالد‬
                                 ‫د‬                                           ‫ب‬
 ‫عيسى وإما مح ّة للنبي وتعظيمًا له من اتخاذ مولد النبي عي ًا مع اختالف الناس في تاريخ مولده‬
       ‫ح‬               ‫ر‬
  ‫فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع، ولو كان خي ًا محضًا أو راج ًا كان‬
                                        ‫م‬            ‫د‬
     ‫السلف أحق منا بفعله، فإنهم كانوا أش ّ محبة وتعظي ًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما‬
                      ‫ر‬
 ‫كانت محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته ظاه ًا وباطنًا ونشر ما بعث‬
    ‫به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وأكثر هؤالء الذين تجدهم حرصاء على هذه البدع‬
    ‫تجدهم فاترين في أمر الرسول مما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزله من يحمل مصحفًا وال‬
                                                              ‫يقرأ فيه وال يتبعه" انتهى كالمه رحمه اهلل.‬
 ‫وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه اهلل تعالى: "إن بدعة عيد المولد التي تقام في شهر ربيع األول في‬
 ‫الليلة الثانية عشرة منه ليس لها أساس من التاريخ؛ ألنه لم يثبت أن والدة النبي كانت تلك الليلة،‬
   ‫وقد اختلفت أقوال المؤرخين في ذلك: فبعضهم جعله في الثاني من الشهر، وبعضهم في الثامن‬
    ‫من ربيع األول أو التاسع أو السابع عشر، وبعضهم في الثاني والعشرين، وليس من قول لديه‬
         ‫دليل يرجحه، إال أن بعض المعاصرين حقق أنه في اليوم التاسع" انتهى كالمه رحمه اهلل.‬
                    ‫م‬                              ‫ق‬
   ‫إخوتي، إن عدم معرفة تاريخ المولد بد ّة ألكبر دليل على أن الصحابة و َن بعدهم من القرون‬
                     ‫د‬
 ‫الفاضلة لم يقيموه، ولم يكن دليل صدقهم في حب النبي أو اإليمان به مول ًا يصنعونه لرسول اهلل‬
                                                                 ‫م‬
  ‫أو ذكرى يهيمون بها أيا ًا وليالي ثم ينسون سيرته وسنته وهديه بعد ذلك، لقد كان دليل صدقهم‬
    ‫ك ْ ف رس الل أ ة حس ة لم ن َ ج لل‬                                    ‫َ‬
  ‫وإيمانهم ومحبتهم هو اتباعهم لسنته، لَقدْ كَانَ لَ ُم ِي َ ُولِ َّهِ ُسْوَ ٌ َ َنَ ٌ ِ َنْ كَا َ يرْ ُو ا َّهَ‬
                                                                              ‫الل ث ر‬            ‫ِر َ‬       ‫و ْ‬
                                                               ‫َالْيَومَ اآلخ َ وذَكَرَ َّهَ كَ ِي ًا [األحزاب:57].‬
                                                       ‫د‬
‫عباد اهلل، إن اهلل تعالى الذي بعث محم ًا وقرن الشهادة برسالته بالشهادة بوحدانيته سبحانه وتعالى‬
     ‫هو الذي جعله األسوة الحسنة كما هو صريح القرآن، أسوة في حياته وأقواله وأفعاله وسلوكه‬
      ‫وتصريفه لشئون الحياة، وإنه لمن العقوق لرسالة اإلسالم ولسيرة النبي ومن الكفران بهما أن‬
  ‫يعمل اإلنسان ببعض األحكام ويكفر ببعض، وعلى هذا فإن صدق االحتفاء بذكرى مولد الرسول‬
                        ‫خ‬
 ‫إنما يكون بمتابعة الطريق وكيف عاش عليه الصالة والسالم للدعوة وس ّر لها حياته، وإنما يأتي‬
                                                                   ‫ء‬
 ‫مثل هذا االنحراف بد ًا من ادعاء المحبة وغيرها والقرآن الكريم حسم دالئل المحبة للرسول في‬
  ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُ الله وي ِ ُ ذن ب ُ َالله ف ر رح م‬
  ‫قوله جل وعال: قلْ ِنْ ُنْتمْ ُح ُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْكمْ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ َ ِي ٌ‬
‫[آل عمران:53]. فالمحبة تقتضي االتباع وليس اإلحداث واالبتداع، واتباع النبي في أقواله وأفعاله‬
             ‫أحد ركائز دين اإلسالم وأساسياته ومن أعظم مسلمات الشريعة واألمور المعلومة منها‬
                                            ‫ُ الرس ُ ُذ ه و ه ُ ع ُ ه‬                               ‫و‬
                               ‫بالضرورة، َمَا آتَاكمْ َّ ُول فَخ ُو ُ َمَا نَ َاكمْ َنْه فَانْتَ ُوا [الحشر:2].‬
                                                                                     ‫ر‬
   ‫وكثي ًا ما يوجد عدد من المنكرات في األمة أسبابها الغلو ولو كان هذا الغلو في رسول األمة ،‬
   ‫وذلك باالستغاثة به وطلب المدد منه واعتقاد أنه يعلم الغيب وترديد قصيدة البوصيري في مدح‬
   ‫النبي وهي تشتمل في عدد من أبياتها على الشرك المحض وغير ذلك من األمور التي يتعاطاها‬
   ‫بعض هؤالء الناس حين احتفالهم بمولد النبي ، وقد صح عنه أنه قال: ((إياكم والغلو في الدين،‬
 ‫فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))، وقال : ((ال تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم،‬
                                                ‫فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اهلل ورسوله)) أخرجه البخاري.‬
    ‫أيها المسلمون، إننا في الوقت ذاته الذي ننكر فيه الغلو في رسول اهلل ونستنكر تلك الممارسات‬
    ‫المبتدعة التي اختزل فيها حب النبي مع كل ذلك فإننا نستنكر كذلك الجفاء في محبة الرسول ،‬
   ‫نستنكر الجفاء في محبته وعدم معرفة فضله على األمة وأنه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، هداهم‬
‫إلى الصراط المستقيم، ولم يترك سبيالً لهدايتهم إال سلكه، وال علمًا إال بذله، فصلوات اهلل وسالمه‬
    ‫عليه. فمعرفة حقه على كل مسلم واجب عظيم، ال ينبغي تركه وإهماله، وكما أن الغلو مردود‬
    ‫فكذلك الجفاء مرفوض بكل صوره وأشكاله، وإن وصاياه ألمته كانت في التمسك بالدين وعدم‬
                                        ‫ف ر‬
   ‫اإلحداث فيه: ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختال ًا كثي ًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين‬
  ‫المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات األمور؛ فإن كل بدعة‬
                                                                                                           ‫ضاللة)).‬
 ‫إن فيما شرعه اهلل تعالى من تعظيم رسوله ووسائل محبته ما يغني عن كل وسيلة تبتدع وتحدث،‬
    ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، واستغنوا بما شرعه اهلل عما لم يشرعه، وبما سنه رسول اهلل عما لم يسنه.‬
  ‫وَن َ ِر ط م ق م َاتبع ه و َتبع الس ُ َ َر َ ب ُ ع‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َأ َّ هذَا ص َا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َال ت َّ ِ ُوا ُّبل فَتَف َّق ِكمْ َنْ‬
                                                                            ‫سب ل ل ُ َص ُ ب َل ُ َتق‬
                                                          ‫َ ِيِهِ ذَِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّكمْ تَّ ُونَ [األنعام:315].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                                        ‫هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على ال نبي بعده، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
                              ‫ل‬                                              ‫د‬
                    ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسّم تسليمًا.‬
    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أننا حين نتكلم عن هذه البدعة بالرغم من عدم‬
                                         ‫ذ‬
‫وجودها في أوساطنا وهلل الحمد فإنما لنبين خطرها ونح ّر منها فئامًا من المسلمين تقام تلك البدعة‬
    ‫في بلدانهم، ومع هذا االنفتاح اإلعالمي والحديث عبر القنوات واإلذاعات أصبحت هذه البدعة‬
  ‫وغيرها منشورة معروضة على جميع المسلمين عبر عرض احتفاالت المولد النبوي وغيره من‬
  ‫الموالد في القنوات واإلذاعات والكتابة عنها في المقاالت، وقد يتبناها بعض المنتسبين إلى العلم‬
     ‫ح‬      ‫ض‬                                                                        ‫و‬
    ‫ويس ّغونها للناس مع نقدهم الالذع لمخالفيهم ووسمهم بالتشدد والجفاء، وترى تناق ًا واض ًا‬
  ‫حين يرعى هذه االحتفاالت ويحضرها بعض من يحاربون اإلسالم وال يطبقون شريعته وحكمه‬
               ‫في أحكامهم، ثم هم يحتفلون بمولد النبي ، فهل هذا هو االتباع المشروع لرسالته ؟!‬
         ‫ر‬            ‫ق‬                                                 ‫ب‬
    ‫لذلك وجب التن ّه وعدم االغترار بانتشار البدع وعرضها وتسويقها من ِبل بعض المغ ّر به،‬
                                            ‫ص‬                              ‫يت‬
‫فالحق أحق أن َّبع، كما أن علينا جميعًا أن نح ّن أنفسنا وبيوتنا وطالبنا ومجتمعنا من مثل هذه‬
 ‫البدع بتعليمهم أصول الدين الحنيف وسبل الوقاية من البدع والمحدثات بالدليل واإلقناع واالتباع.‬
 ‫اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات واألرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم‬
 ‫بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى‬
                                                                                                    ‫صراط مستقيم.‬
                                              ‫ال‬                                  ‫ق‬
                             ‫اللهم أرنا الحق ح ًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باط ً وارزقنا اجتنابه.‬
    ‫وصلوا وسلموا ـ يا عباد اهلل ـ على من أمركم اهلل بالصالة والسالم عليه فقال جل من قائل‬
               ‫ل‬       ‫َل ع و َلم‬             ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل الن ِي َيه َّذ من‬
           ‫عليم: إ َّ َّ َ َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َ ُوا صُّوا َلَيْهِ َسِّ ُوا تَسِْيمًا‬
                                                                                                    ‫[األحزاب:61].‬
 ‫اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وارض اللهم‬
   ‫عن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين...‬

‫(5/2823)‬




                                                                                                         ‫أبواق النفاق‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                                     ‫اإليمان‬
                                                                                                          ‫نواقض اإليمان‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                                   ‫الرياض‬
                                                                                                            ‫05/8/1725‬
                                                                                       ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نعمة اإلسالم. 7- أصناف الناس حيالَ اإلسالم. 3- خطر المنافقين على اإلسالم وأهله. 2-‬
      ‫خوف السلف من النفاق. 1- صفات المنافقين وأخالقهم. 6- أطروحات منافقي زماننا. 2-‬
                                                                                   ‫التحذير من المنافقين وأراجيفهم.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                  ‫حق‬                           ‫ي‬             ‫م‬
                                                          ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها الناس، اتقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
      ‫وم‬       ‫ث‬            ‫ٍ م‬          ‫عبادَ اهلل، بعثَ اهلل عب َه ورسوله محم ًا باله َى ودين الحق‬
     ‫ِّ، برسالة عا ّة لجميعِ ال ّقلين، َ َا‬         ‫د‬       ‫ّد‬            ‫د‬
       ‫ليجد‬                      ‫الن ِ ي م‬                ‫ِال َاف ِلن بش ر و َ ر و ِن‬                         ‫َ س‬
‫أرْ َلْنَاكَ إ َّ ك َّةً ل َّاسِ َ ِي ًا َنذِي ًا َلَك َّ أَكْثَرَ َّاس ال َعْلَ ُونَ [سبأ:87]. بعثه اهلل ِّد به ما‬
        ‫ن م م رك ن‬                  ‫ات ِل إ ْر م حن ف و‬                          ‫ي ُم ح إ‬                        ‫المل‬  ‫س‬
        ‫اندرَ َ من َّةِ الحنيف ّة، ث َّ أَوْ َيْنَا ِلَيْكَ أَنْ َّبِعْ مَّةَ ِب َاهِي َ َ ِي ًا َمَا كَا َ ِنْ الْ ُشْ ِ ِي َ‬
       ‫ن‬                            ‫ن‬       ‫دن م‬                     ‫ِ‬        ‫الد‬        ‫ب‬
     ‫[النحل:375]. َعثه بهذا ِّين القويم فأكملَ بهِ ال ّي َ وأت ّ بهِ الّعمة ورضيَ [لَه] اإلسالمَ دي ًا،‬
                                         ‫َد الله‬                    ‫َد ل َذ و ُن ل َد‬                    ‫ح ْد ِل َّ‬
                           ‫الْ َم ُ لَّهِ الذِي ه َانَا ِه َا َمَا ك َّا ِنَهْت ِيَ لَوْال أَنْ ه َانَا َّ ُ [األعراف:32].‬
                  ‫ق س‬                ‫د‬        ‫نبي م د‬              ‫ع‬            ‫ق‬                  ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلم، والخَل ُ حيالَ ما ب َث اهلل به َّه ِن ال ّين واله َى ودينِ الح ّ انق َموا إلى أقسامٍ‬
                                                                                                                      ‫ثالثة:‬
 ‫ِر‬                    ‫ر‬                        ‫ن ص ق‬           ‫ر‬       ‫د‬          ‫ن م‬
‫فمنهم مؤم ٌ آ َن بهذا ال ّين ظاه ًا وباط ًا، َاد ٌ في إيمانه، فإيمانه ظاه ًا وإيمانه باطنًا، فس ّه‬
‫وعالني ُه مستويَان في هذا األمر، وهم الذين سبقَت لهم منَ اهلل السعادة، فشرح اهلل صدو َهم للح ّ‬
‫ق‬       ‫ر‬                                                                             ‫ت‬
             ‫ه ع ن ر م َب‬                   ‫م ر الله َ ْره إل‬                              ‫وق ِلوا به واطمأن‬
           ‫َّت بذلك نفوسهم، أَفَ َنْ شَ َحَ َّ ُ صد َ ُ لِ ِسْالمِ فَ ُوَ َلَى ُو ٍ ِنْ رِّهِ‬           ‫ب‬
                                                                                                             ‫[الزمر:77].‬
  ‫ح‬                             ‫َ عدو‬         ‫ر ط‬            ‫د‬          ‫ف‬                  ‫م‬
  ‫و ِن عبادِ اهلل من ك َر بهذا ال ّين ظاه ًا وبا ِنًا، وانتصب ًّا وخصمًا لهذا الدين، وقد أوض َ‬
                                                                       ‫ي‬          ‫ه‬
                                                                      ‫اهلل صفاتِ الكافرين، وأمر ُم واضح جل ّ.‬
                    ‫ر‬        ‫ت‬              ‫ط‬               ‫ر‬                               ‫ة‬
       ‫وفئ ٌ من الناس آمنوا بهذا الدين ظاه ًا وكفروا به با ِنًا، آمنت ألسنُهم وكفَ َت قلوبهم، فهم‬
                        ‫يتظا َرون باإلسال ِ وينت ِبون إلى اإلسالم، ولك ّ أعمالَهم وأقوالهم تضاد‬
‫ُّ اإلسالم وتنافي اإلسالم،‬                     ‫ن‬                     ‫م س‬                 ‫ه‬
   ‫ب وِذ ق َّذ من ل َن‬                                      ‫و‬             ‫هلل‬                 ‫ر‬
  ‫فإيمانهم ظاه ًا وفي باطن األمر ا ُ يعلم ما انط َت عليه قلو ُهم، َإ َا لَ ُوا ال ِينَ آ َ ُوا قَاُوا آم َّا‬
 ‫وم الن م ق ل َن‬                               ‫إل ي ط نه ْ ل ِن مع ُ ِنم ن م ْزئ‬                                       ‫وِذ‬
‫َإ َا خَلَوْا َِى شَ َا ِي ِ ِم قَاُوا إ َّا َ َكمْ إ َّ َا نَحْ ُ ُسْتَه ُِونَ [البقرة:25]، َ ِنْ َّاسِ َنْ يَ ُو ُ آم َّا‬
         ‫ْدع ِال فس ُ َم‬                   ‫ِر وم ه بم من ي دع الله و َّذ ن من و‬                               ‫ِالله و ْ‬
        ‫ب َّ ِ َبِالْيَومِ اآلخ ِ َ َا ُمْ ِ ُؤْ ِ ِينَ ُخَا ِ ُونَ َّ َ َال ِي َ آ َ ُوا َمَا يَخ َ ُونَ إ َّ أَن ُ َهمْ و َا‬
                                                                                                                  ‫ي عر‬
                                                                                                ‫َشْ ُ ُونَ [البقرة:8، 9].‬
                                         ‫ل‬                 ‫أ ّها المسلم، هذه الفرق ُ من ال ّاس أضر‬
           ‫ُّ على اإلسالمِ وأهِه من كافرٍ أعلن كفرَه وعداوتَه‬    ‫ن‬       ‫ة‬                     ‫ي‬
      ‫َم‬             ‫م‬      ‫ه‬                  ‫ب‬       ‫ة‬                     ‫ر‬           ‫ت‬
  ‫وضالل َه، فذاك أم ُه واضح، ولكنِ المصيب ُ من تل ّسَ بالمسلمين وتظا َر أنه ِنهم واهلل يعل ُ أنه‬
                  ‫ن‬                ‫ف‬                       ‫ُسم‬                            ‫ج‬
    ‫خار ٌ عنهم وعن سبيلِهم، وهذا ما ي َّى بالنفاقِ الذي كان سل ُنا الصالح يخافو َه على أنفسِهم،‬
    ‫ي‬              ‫ن‬                     ‫ِ‬                                           ‫م‬
   ‫فكان المؤ ِنون السابقون يخافون على أنفسِهم من هذا النوع من النفاقِ، أعني ال ّفاقَ االعتقاد ّ،‬
      ‫س‬               ‫م‬              ‫خ‬                   ‫ح‬             ‫مل‬
   ‫يخافون منَ النفاق ع َِه واعتقادِه، ِرصًا على إيمانهم و َوفًا على إسال ِهم، قال بعض ال ّلف:‬
       ‫إن ن‬                         ‫س‬                       ‫ب م كل‬           ‫م‬        ‫ت‬
      ‫"أدرك ُ ثالثين ِن أصحا ِ مح ّد ُّهم يخاف النفاقَ على نف ِه، ما منهم من يقول: َّ إيما َه‬
               ‫ن‬     ‫ن إال‬
‫كإيمان [جبريل وميكائيل]"(5)[5]، وقال الحسن رحمه اهلل: "ما خافَ ال ّفاقَ َّ مؤم ٌ، وما أمِنه إال‬
  ‫ل ف‬                                                                 ‫ف‬
 ‫منافق"(7)[7]. هذا الخو ُ على أنفسهم من أن تكونَ أعمالهم منافيةً لما عملوا فيكون العم ُ خال ًا‬
                                                                                                                       ‫ق‬
                                                                                                                     ‫للمعتَ َد.‬
   ‫ت‬                                             ‫ب‬                          ‫ن‬             ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، إ ّ اهلل جل جالله ذكر في كتا ِه العزيز صفاتِ المؤمنين وصفاتِ الكافرين وصفا ِ‬
         ‫ص‬          ‫ق‬                  ‫ٌ‬                    ‫ِ‬       ‫ر‬
 ‫وأخالقَ المنافقين لنحذ َها ونبتعدَ عنها. قد يسأل سائل فيقول: هذا النفا ُ هل هو خا ّ بمن كان‬
                 ‫ق وات‬         ‫تخل‬   ‫ن م ل‬                   ‫ق م‬                 ‫ي‬
      ‫في عهدِ النب ّ أم هذا النفا ُ عا ّ؟ والجواب أ ّه عا ّ لك ّ من َّق بأخال ِهم َّصفَ بصفاتهم‬
                                                                                                                     ‫م‬
                                                                                                          ‫وع ِل بأعمالهم.‬
    ‫ِر‬       ‫ه‬            ‫ل‬        ‫ن‬              ‫م إال ال‬                        ‫ن‬             ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، إ ّ أعمالَ القلوب ال يعل ُها َّ ع ّم الغيوب، ولك ّ اهلل ج ّ وعال قد يظ ِر ما يس ّه‬
         ‫ء ر كُ‬                    ‫و‬              ‫ل‬          ‫العبد على فلتَاتِ لسانه، ويظ َر أيضًا من تصر‬
       ‫ُّفاته وأعماِه، قال تعالى: َلَوْ نَشَا ُ ألَ َيْنَا َهمْ‬            ‫ه‬
 ‫فَلَعرفْتَ ُمْ ِ ِيمَاهمْ َلَتَعرفَّهمْ ِي لَحْنِ الْقَو ِ و َّ ُ َعْل ُ أَعْمَالَكمْ [محمد:03]. أ َل، تعر ُهم في لح ِ‬
 ‫ن‬         ‫ف‬       ‫ج‬                ‫ُ‬          ‫ْل َالله ي َم‬                  ‫َ َ ه بس ُ و ْ ِ َن ُ ف‬
                               ‫د‬       ‫ن‬                  ‫د‬              ‫م‬                 ‫ر‬
                        ‫القولِ، تع ِفهم من خاللِ كال ِهم وأقوالهم و ِعاياتهم وما يقولو َه ويتح ّثون به.‬
                          ‫ق‬                                   ‫ع‬            ‫ر‬                     ‫ي‬
         ‫أ ّها المسلم، فليَكن حذ ُك من النفاق َظيمًا، واسألِ اهلل الثباتَ على الح ّ واالستقامة عليه.‬
     ‫ي وض‬            ‫م‬        ‫ن‬                  ‫ل‬                 ‫َ‬                          ‫إن‬
    ‫َّ من أخالقِ المنافقين كراهية أحكامِ اهلل ورسوِه والرضا بالقواني ِ واألنظ َة الوضعّة عِ َ ًا‬
                  ‫ي‬          ‫ة‬        ‫ش‬           ‫ر ّ‬              ‫ن‬
‫عن شرع اهلل الكامل؛ ذلك أ ّ المنافقَ ي َى أن أحكامَ ال ّرع ظالم ٌ جائرة، و َرى أن أنظمةَ البشر‬
          ‫َ َ إل َّذ‬             ‫ن‬              ‫ة‬                                      ‫دة‬
       ‫وقوانينَهم عا ِل ٌ منصِفَة، وتلك ـ والعياذ باهلل ـ عالم ٌ من عالمات ال ّفاق، أَلمْ ترَ َِى ال ِينَ‬
        ‫ي ح م إل الط غ ت َ َ‬                 ‫َ عم َنه من ب أ ز إ و أ ِ م ْ ل ير د‬
      ‫يزْ ُ ُونَ أ َّ ُمْ آ َ ُوا ِمَا ُن ِلَ ِلَيْكَ َمَا ُنزلَ ِن قَبِْكَ ُ ِي ُونَ أَنْ َتَ َاكَ ُوا َِى َّا ُو ِ وقدْ‬
   ‫إل م َ الله‬                     ‫ه‬             ‫بع د وِ‬              ‫ي فر به وير د الش ن ي ِله‬                           ‫أ ِر‬
   ‫ُم ُوا أَنْ َكْ ُ ُوا ِ ِ َ ُ ِي ُ َّيْطَا ُ أَنْ ُضَّ ُمْ ضَالالً َ ِي ًا َإذَا قِيلَ لَ ُمْ تَعَالَوْا َِى َا أَنزلَ َّ ُ‬
  ‫وِذ دع ِل الله‬                                ‫م ق ي ُد ع ك ُد د‬                           ‫وإل الرس ِ ر‬
  ‫ََِى َّ ُول َأَيْتَ الْ ُنَافِ ِينَ َص ُّونَ َنْ َ ص ُو ًا [النساء:06، 56]، وقوله: َإ َا ُ ُوا إَى َّ ِ‬
      ‫َرس ل لي ُم ب ُ ِ َر ق م ُ م رض ن وإ يك ُ َق ي ت إ ه ُ عن َف قل ب ِ‬
    ‫و َ ُوِهِ ِ َحْك َ َيْنَهمْ إذَا ف ِي ٌ ِنْهمْ ُعْ ِ ُو َ َِنْ َ ُنْ لَهمْ الْح ُّ َأْ ُوا ِلَيْ ِ مذْ ِ ِينَ أ ِي ُُو ِهمْ‬
                   ‫ه الظ لم‬           ‫ح الله ع ِ ورس له َ أ‬                      ‫ب َ خف ن‬                    ‫َ َض َ‬
     ‫مر ٌ أمْ ارْتَا ُوا أمْ يَ َا ُو َ أَنْ يَ ِيفَ َّ ُ َلَيْهمْ َ َ ُوُ ُ بلْ ُوْلَئِكَ ُمْ َّاِ ُونَ [النور:82-‬
                                                                                                                        ‫01].‬
       ‫ن‬                            ‫ض‬         ‫َ‬         ‫ض‬           ‫ل‬                        ‫م‬
       ‫ِن عالماتِ المنافقين تفضيُهم أهلَ ال ّالل وطريقة أهلِ ال ّالل على أهلِ اإلسالم، فيرَو َ‬
 ‫ز ِر‬           ‫ب‬             ‫ل‬         ‫ق‬                    ‫ل‬              ‫الكافرَ الضال ل‬
‫َّ سبيُه وأعماله أفض ُ من أهل اإليمان مطل ًا، قال ج ّ وعال في كتا ِه العزي ِ مخب ًا‬
                               ‫ْد م الذ ن من سب‬                   ‫ر ؤ‬              ‫و ق ل لَّذ‬
          ‫عنهم في قوله: َيَ ُوُونَ ِل ِينَ كَفَ ُوا هَ ُالءِ أَه َى ِنَ َّ ِي َ آ َ ُوا َ ِيالً [النساء:51]. فهم‬
        ‫ف‬                                              ‫ل‬                              ‫يفض‬
     ‫ِّلون طريقَ المغضوبِ عليهم والضاّين على طريقةِ أهلِ اإلسالم واإليمان؛ ألنهم كا ِرون‬
                                                                  ‫َ‬     ‫ن‬
                  ‫بذلك في قلوبهم، فيرو َ طريقة أهل الكفر والضالل أفضلَ من طريقةِ أهلِ اإلسالم.‬
         ‫كل‬     ‫ب‬          ‫ة ِّ‬           ‫ف‬           ‫ن ة‬           ‫أن َ ة‬              ‫م‬
  ‫و ِن صفاتهم َّهم أمرَ ٌ بالمنكر ُها ٌ عن المعرو ِ، فهم دعا ٌ لكل رذيلة حر ٌ على ِّ فضيلة،‬
    ‫ع م ر ف و بض أ ْدي ُ‬                        ‫م ر وي ْ‬              ‫من فق ن و من ت ب ضه م ب ْض مر‬
  ‫الْ ُ َا ِ ُو َ َالْ ُ َافِقَا ُ َعْ ُ ُمْ ِنْ َع ٍ يَأْ ُ ُونَ بِالْ ُنْكَ ِ َ َنهَوْنَ َنْ الْ َعْ ُو ِ َيَقْ ِ ُونَ َي ِ َهمْ‬
                                                                                                          ‫س الل َ سيه‬
                                                                                           ‫نَ ُوا َّه فَنَ ِ َ ُمْ [التوبة:26].‬
       ‫إ‬       ‫ل‬                        ‫ر‬       ‫ل‬             ‫رح بذل‬                       ‫م‬
     ‫ِن أخالقِ المنافقين ف َ ُهم ِّ اإلسالمِ وأهِه وسرو ُهم يضعفِ اإلسالم، قال ج ّ وعال: ِنْ‬
         ‫ُ ح ن‬             ‫ْر م ْل وي َل‬                           ‫تص حس ة س ه وإ تص ك مص بة ق ل َ‬
         ‫ُ ِبْكَ َ َنَ ٌ تَ ُؤْ ُمْ َِنْ ُ ِبْ َ ُ ِي َ ٌ يَ ُوُوا قدْ أَخَذْنَا أَم َنَا ِنْ قَب ُ َ َتَوَّوا وَهمْ فَرِ ُو َ‬
                                                                                                                  ‫[التوبة:01].‬
      ‫ِّ‬      ‫طن‬        ‫ئ‬
‫ُّص لمباد ِه وال ّع ُ فيه بكل سبيل.‬
                                 ‫ِن أخالقهم ال ّخري ُ باإلسالم وأهِه واالستهزا ُ بأحكا ِه والتنق‬
                                         ‫م‬       ‫ء‬            ‫ل‬             ‫س ة‬                ‫م‬
        ‫وِ م إل الص ِ م‬                                  ‫ر‬             ‫ك‬                 ‫ق‬
      ‫من أخال ِهم الذميمةِ أنهم ُسالى عن الخي ِ، ولذا قال جل وعال: َإذَا قَا ُوا َِى َّالة قَا ُوا‬
              ‫َ إل ؤ ء و إل هؤ ء‬                        ‫ُ ب ب‬                                           ‫ك ل‬
              ‫ُسَاَى [النساء:725]. وهم ال ثباتَ لهم، مذَبْذَ ِينَ َيْنَ ذَلِك ال َِى هَ ُال ِ َال َِى َ ُال ِ‬
                                                                                                               ‫[النساء:325].‬
     ‫ق‬          ‫ل َ ت إل َّذ‬                      ‫ضد‬                       ‫د‬             ‫أن‬          ‫م‬
   ‫و ِن أخالقهم َّ قلوبَهم وأي ِيَهم مع أعداءِ اإلسالم َّ اإلسالم وأهِه، أَلمْ َرى َِى ال ِينَ نَافَ ُوا‬
 ‫ئ أ ْر ت ْر َن معك و نط ع ف ُ َد أ َد‬                                   ‫و ن ِ َّذ ن َر م ْ ك‬                             ‫ق ل‬
‫يَ ُوُونَ إلِخْ َا ِهمْ ال ِي َ كَف ُوا ِنْ أَهلِ الْ ِتَابِ لَ ِنْ ُخ ِجْ ُمْ لَنَخ ُج َّ َ َ ُمْ َال ُ ِي ُ ِيكمْ أَح ًا َب ًا‬
                                                                                                                 ‫[الحشر:55].‬
     ‫وِذ‬                              ‫متغي‬      ‫ر‬                         ‫ل‬     ‫تلون‬           ‫م‬
    ‫ِن أخالقِهم ُّ ُ أحواِهم، فال ثباتَ لهم على أم ٍ، بل هم ِّرو الفِكر دائمًا، قال تعالى: َإ َا‬
  ‫له َن ُ خشب مس َّ ة ي سب ُل ص ح عل ه ه‬                                   ‫م‬        ‫س مه وإ ق ل‬                 ‫ر ه ت جب‬
‫َأَيْتَ ُمْ ُعْ ِ ُكَ أَجْ َا ُ ُمْ َِنْ يَ ُوُوا تَسْ َعْ لِقَوِْ ِمْ كَأَّهمْ ُ ُ ٌ ُ َندَ ٌ َحْ َ ُونَ ك َّ َيْ َةٍ ََيْ ِمْ ُمْ‬
                                                                                                                      ‫َ ُو‬
                                                                                                       ‫الْعد ُّ [المنافقون:2].‬
                   ‫زة‬                        ‫ف‬              ‫ّل‬                     ‫ف‬              ‫م‬
       ‫ِن أخالقِهم وص ُهم أهلَ اإلسالم بالذ ِّ والهوان، ووص ُهم أعداءَ اإلسالم بالع ّ ِ، قال تعالى:‬
             ‫وِل ِزة وِرس ل‬                       ‫َ َل‬         ‫َد ي ْ َن َز م‬                      ‫ق ل ئ ْ رج إل‬
           ‫يَ ُوُونَ لَ ِن َ َعْنَا َِى الْم ِينَةِ لَ ُخرِج َّ األَع ُّ ِنْهَا األذ َّ قال تعالى: َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِهِ‬
                                                                                                                   ‫ول م من‬
                                                                                                 ‫َِلْ ُؤْ ِ ِينَ [المنافقون:8].‬
                  ‫م‬        ‫أ ّها المسلم، كم نسمَع وكم نق َأ من أنا ٍ يك ُبون وين ُرون مقاال ٍ تضاد‬
        ‫ُّ اإلسال َ وأهله، كم‬   ‫ت‬          ‫ش‬        ‫س ت‬            ‫ر‬                           ‫ي‬
      ‫و‬               ‫ة‬        ‫ل تفو‬             ‫ين ُرون وكم يكتبون وكم يذيعونَ أقواالً تضاد‬
     ‫ُّ اإلسالم وأهَه، َّهت ألسن ُ أولئك بما انط َت‬                                     ‫ش‬
    ‫بَن ُ ل‬                  ‫ع‬              ‫م‬              ‫ة‬                    ‫ء‬            ‫ب‬
  ‫عليه قلو ُهم من العدا ِ هلل ورسولهِ وكراهي ِ ما جاء به مح ّد ، قال تعالى َنهم: ذَلِكَ ِأ َّهمْ قَاُوا‬
                               ‫ْر َالله ي َم إ ْر ُ‬               ‫لَّذ َره م َز الله سنط عك ْ ف ب‬
                  ‫ِل ِينَ ك ِ ُوا َا ن َّلَ َّ ُ َ ُ ِي ُ ُم ِي َعْضِ األَم ِ و َّ ُ َعْل ُ ِس َارَهمْ [محمد:67].‬
                                 ‫َ‬                            ‫م‬                 ‫م‬                 ‫تأم‬
             ‫َّل كتاباتِهم، وتأ ّل ألفاظَهم، واست ِع إلى ما يذيعون ويقولون؛ لتعلمَ حقيقةَ أمر أولئك.‬
  ‫ُّر خا ِئ ومن رأ ٍ‬
  ‫ي‬         ‫ط‬              ‫ي‬                      ‫م تحد‬                 ‫يتحد‬
                  ‫إذا جاؤوا َّثون عن قضايا األ ّة َّثوا عنها من منطلَقٍ س ّئ ومن تصو‬
   ‫َ‬     ‫ن‬      ‫ع‬                        ‫ع‬      ‫ن‬          ‫خ‬                                 ‫ل‬
‫ضا ّ ومن عقيدةٍ باطلة والعياذ باهلل. ُذ مثالً أ ّهم يط َنون في أحكامِ اهلل، ويز ُمون أ ّ الشرع ال‬
             ‫ر‬                                     ‫ع‬                  ‫ن‬
 ‫يصلح لهذه العصور، وأ ّ شرعَ اهلل الذي ب َث به خاتمَ أنبيائه ورسله قد انتهى دو ُه في الحياة،‬
        ‫ت‬                          ‫رب‬                    ‫ن‬
   ‫فال مجالَ له في الحياة، لماذا؟ أل ّه الشرع الذي جاء عن ِّ العالمين، وفي قلوبِهم مق ٌ لهذه‬
     ‫ك‬           ‫ذ‬               ‫ر‬             ‫ع‬      ‫ن‬                 ‫ب‬        ‫ي‬
    ‫الشريعة وكراه ّة لها و ُغض لها، فيرونَ أ ّ الشر َ قد انتهى دو ُه في الحياة. إ ًا بماذا تح َم‬
   ‫م‬         ‫ل‬                      ‫البشر ّة؟ وب َ َّم أحوالها؟ إنما هو دعو ٌ لتنظيم قانوني ر‬
  ‫ٍّ كاف ٍ بعيدٍ عن اإلسالمِ وأهِه وتعالي ِه‬ ‫ٍ‬      ‫ة‬                       ‫م تنظ‬     ‫ي‬
                                                                                                        ‫ص‬
                                                                                                   ‫ال ّالحة.‬
‫ج‬         ‫يص‬                       ‫تحد‬                             ‫ُ‬        ‫تحد‬       ‫ظ‬
‫ان ُرهم إذا َّثوا عن نظمِ الحياة ومناهجِ تعليم األمة َّثوا من منطلقٍ خبيث، ف َ ِفون مناه َ‬
  ‫ال‬        ‫ِر‬             ‫نرب َ‬                                            ‫م‬              ‫م‬
  ‫األ ّة وتعليمَ األ ّة بأنه اإلرهاب وبأنه وبأنه.. لماذا؟ يريدون أن ِّي أجيالَنا حاض ًا ومستقب ً‬
    ‫ع‬          ‫ل‬     ‫ر‬                ‫ن‬       ‫ر‬       ‫ء‬
  ‫على غيرِ الدين، يريدون أن ينشَأ النش ُ ال يع ِف الدي َ وأهلَه، وال يع ِف أصوَه وال فرو َه،‬
                           ‫ه بأي ص‬                              ‫ص‬            ‫ن‬
      ‫منقطعًا عن دي ِه، مبتور ال ّلةِ بماضيه، ال عالقةَ له بماضي ِ ِّ ِلَة، هكذا يدعو أولئك.‬
                            ‫ة‬         ‫ع‬                  ‫ل‬           ‫م‬                 ‫تحد‬
  ‫إذا َّثوا عن وحدةِ األ ّة واجتماع كِمتها أرادوا أن يج َلوها وحد ً بعيدة عن الدين قائمةً على‬
                   ‫وِن َ ُمت ُ ُمة و ِ ة و َبك ْ َاتق‬
 ‫غيرِ أصولِ الشرع، واهلل يقول لنا: َإ َّ هذِهِ أ َُّكمْ أ َّ ً َاحدَ ً َأَنَا ر ُّ ُم ف َّ ُونِ [المؤمنون:71].‬
                     ‫ه م أم‬                                                 ‫م‬        ‫قة‬         ‫م‬
‫فأ ّتنا الح ّ ُ هي األ ّة المجتمِعة على دين اهلل المنطلِقة من توجي ِ مح ّد ، َّا وحدَةِ على غيرِ هذا‬
                                                                           ‫ب‬       ‫ٍ‬       ‫ة‬
                                                            ‫الدين فوحدَ ٌ على أمر ال يث ُت وال قرارَ له.‬
   ‫ت‬              ‫ر‬        ‫ظ‬                  ‫ك بكل‬             ‫ة‬                   ‫تحد‬
   ‫إذا َّثوا عن قضايا المرأ ِ المسلِمة أتو َ ِّ غريب، وكأنهم يغي ُهم أن ي َوا في المسلما ِ‬
 ‫ء‬                   ‫ي‬                                     ‫خ‬           ‫صي‬          ‫متحج‬
 ‫ِّبةً عفيفة ِّنة، يريدون َلعَ جلبابِ حيائها، ويريدون تذويبَ شخصّتها، ويريدون القضا َ‬
                                                             ‫ر‬            ‫ت يسر‬
                                       ‫على حيائها وفضيل ِها، ُّهم هذا األم ُ المشين والعياذ باهلل.‬
                 ‫ُ‬                       ‫يت‬                   ‫م‬                          ‫تحد‬
     ‫إذا َّث أولئك عن ملتَقَياتِ األ ّة ومجتمعاتها وأند َ ِها وكيف تخدم هذه األندية قضايا األمة‬
               ‫ل‬       ‫ت ل‬                 ‫رأيتَهم [يجولون ويصولون]، لكّهم أحيانًا قد ال يصر‬
      ‫ِّحون، لكن فلتَا ُ الّسان تد ّ على أنهم‬                  ‫ن‬
     ‫م‬                          ‫ي‬        ‫ذ‬                        ‫ل‬           ‫م ة‬
    ‫يريدون لأل ّة نقل ً من دينٍ وخُق واستقامةٍ إلى آراء شا ّة علمان ّة بعيدة عن اإلسالم وتعالي ِه‬
                                                                                                         ‫ِ‬
                                                                                                     ‫الخالدَة.‬
                ‫د ن‬                  ‫د‬                       ‫ت‬             ‫ي‬            ‫ي‬            ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلم، أّها الكاتب، أّها الناشر، ا ّقِ اهلل فيما تقول وتتح ّث، وليعلَم العب ُ أ ّ اهلل مجازيه‬
         ‫ن‬           ‫ً‬                            ‫حق‬                            ‫ظ‬          ‫ب‬
    ‫ومحاس ُه عن ألفا ِه التي يقولها، فإن يكن يقول ًّا فليحمدِ اهلل، وإن قال باطال فليعلَم أ ّ اهلل‬
       ‫ل‬      ‫ليتكل‬     ‫وإن‬           ‫ي ظ م ْ ْ ِال َد ِ َق ب عت د‬                            ‫ب‬
  ‫محاس ُه عن ذلك، مَا َلْفِ ُ ِن قَولٍ إ َّ ل َيْه ر ِي ٌ َ ِي ٌ [ق:85]، (( َّ العبدَ َّم بالكِمة من‬
                              ‫م‬         ‫ط‬                 ‫ت‬                      ‫ن‬
               ‫سَخط اهلل ما يظ ّ أن تبلغَ ما بلغَت، يكُب اهلل له بها سخ َه إلى يو ِ يلقاه))(3)[3].‬
               ‫د‬      ‫ل‬                ‫س‬                           ‫س‬                          ‫إن‬
     ‫َّ النفاقَ وأهلَ النفاق لأل َف الشديد بدأت ألسِنتهم تنب ِط في اإلسالم وأهِه، وب َؤوا يقولون‬
     ‫ط‬                      ‫تغل‬                                    ‫ري ر‬
‫ويقولون باسم ح ّ ّة ال ّأي والنشر، لكنها ولألسفِ الشديد اس ُ ِّت في حربِ اإلسالم وال ّعن في‬
                   ‫د‬                       ‫م‬               ‫شر‬       ‫ق‬                 ‫قي‬
           ‫مبادئه و ِ َمه وفضائله وأخال ِه التي َّف اهلل بها األ ّةَ ورفع قدرَها بهذا ال ّين وحده.‬
               ‫كل‬      ‫م‬          ‫ع‬            ‫إال‬                                 ‫عز‬     ‫م‬
‫فاأل ّة ال َّ لها وال كرامةَ لها وال ثباتَ لها َّ إذا كان شر ُ اهلل نظا َها في ِّ أحوالها والتقت‬
               ‫ي ِل و ي‬            ‫م ات ُد‬                      ‫ن‬                       ‫د‬
‫قلوبها على ال ّين وتعاليمه الخالدة، إ ّ اهلل يقول: فَ َنْ َّبَعَ ه َايَ فَال َض ُّ َال َشْقَى [طه:375]،‬
    ‫وم ْ َ ع ذ ر ِن له‬                        ‫د‬              ‫شقي‬    ‫َاال‬           ‫م د‬
    ‫فالمستَ ِع له َى اهلل ليس ض ًّ وال ًّا، بل هو مهتَ ٍ وسعيد، َ َنْ أَعرضَ َنْ ِكْ ِي فَإ َّ َ ُ‬
                              ‫ل‬                    ‫مع ة ض ك و شره ْ قي م م‬
        ‫َ ِيشَ ً َن ًا َنَحْ ُ ُ ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ أَعْ َى [طه:275]، هكذا حا ُ من أعرضَ عن دين اهلل.‬
   ‫ن‬               ‫ل‬         ‫ن‬
   ‫َّقِ اهلل أي قائل يقول، َّقِ اهلل من َّث ويلقي و ُع ّ؛ أن يعلمَ أ ّ اهلل سائُه ومحاسِبه؛ أل ّ‬
                                           ‫ي ِد‬          ‫يتحد‬         ‫وليت‬          ‫ُّ‬        ‫فليت‬
                   ‫د‬          ‫م‬                    ‫ي‬          ‫م وكل‬                ‫ة‬
                 ‫هذا الدين أمان ٌ في أعناقِ األ ّة، ُّ إنسانٍ س ُسأَل يومَ القيامة ع ّا قال وتح ّث.‬
 ‫د‬                                                                    ‫د‬       ‫س د‬        ‫م‬
‫كم ِن أنا ٍ ي ّعون وي ّعون وإذا أصغيتَ إلى أقوالهم وجدتَ ـ والعياذ باهلل ـ فيها شطَطًا وبع ًا‬
               ‫ل‬                           ‫م‬                               ‫كأن‬
 ‫عن الهدى، وما َّ أولئك عاشوا بينَ المسلمين؛ يح ِلون الحِقدَ على اإلسالم وأهِه وعلى تعاليمه‬
  ‫م‬                  ‫د ن م‬            ‫سن وكأن‬            ‫ل‬           ‫يم‬           ‫د‬
  ‫وعلى مبا ِئه وعلى ق َ ِه وعلى فضائِه وعلى محا ِ ِه، َّهم جنو ٌ مج ّدة ِن أعداء الدين لهد ِ‬
                                                                    ‫ع‬
                                                                ‫هذا الدين واقتِالعه من قلوبِ ال ِباد.‬
             ‫فليحذرِ المسلمون هذا النفاقَ، هذا ال ّفا ُ ب َي ِه، نفا ٌ وإن ا ّعى أهُه وأنِ َّعى المتكل‬
 ‫ِّم والقائل ما‬       ‫اد‬       ‫ل‬     ‫د‬       ‫ق‬       ‫ن ق عن‬
      ‫فإن‬         ‫يم‬                              ‫وكل ل‬                         ‫فإن كل‬   ‫د‬
  ‫ا ّعى، َّ َّ قولٍ ينافي هذا الدينَ َّ قو ٍ يعادي هذا الدينَ وفضائله وق َ َه وأخالقه َّ ذلك‬
                                                                     ‫ر م حق‬                    ‫د‬
                                                                   ‫يص ُر من إنسانٍ غي ِ مؤ ِنٍ ًّا.‬
          ‫ر‬        ‫ِز‬                  ‫ن‬            ‫ق‬                    ‫َّق اهللَ في أنفسنا، ولنتمس‬
      ‫َّك بدينِ اإلسالم الح ّ، ولنعلَم أ ّه ال سعادَةَ وال ع ّ وال نص َ وال‬                       ‫فلنت‬
        ‫ع‬            ‫إال‬         ‫كل‬           ‫ك‬         ‫ن‬            ‫إال‬
   ‫استقامةَ وال استقرارَ لألمة َّ إذا كان دي ُ اهلل يح ُم بينها في ِّ أحوالها، َّ إذا كان شر ُ اهلل‬
                                                                         ‫كل‬             ‫هو المنظ‬
                                                        ‫ِّم لحياتها في ِّ شؤونها وأحوالها.‬
            ‫ن ي‬                            ‫َ‬                             ‫ق‬
‫نسأل اهلل الثباتَ على الح ّ واالستقامةَ عليه، وأن ال يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إ ّه ول ّ ذلك والقادر‬
                                                                                                ‫عليه.‬
                         ‫ت‬                     ‫ي‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليا ِ والذكر الحكيم، أقول قولي‬
                              ‫ل‬                                                   ‫ف‬
  ‫هذا، وأستغ ِر اهلل العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه،‬
                                                                              ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                             ‫ب ب‬                   ‫د ر يب م‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا ُباركًا فيه كما يح ّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫م ر‬            ‫ل‬     ‫ب‬                         ‫صل‬                ‫ن ّد‬
 ‫شريكَ له، وأشهَد أ ّ محم ًا عبده ورَسوله، َّى اهلل عليه وعلى آله وصح ِه، وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                       ‫إلى يومِ الدين.‬
                                                        ‫حق‬                           ‫ي‬             ‫م‬
                                                ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها الناس، اتقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
                ‫ِّ‬                                            ‫ن‬                ‫ر‬
     ‫سأل أمي ُ المؤمنين عمر ب ُ الخطاب رضي اهلل عنه حذيفةَ بن اليمان صاحبَ سر رسولِ اهلل‬
   ‫د‬     ‫ك‬                                          ‫ل‬          ‫عد‬
  ‫فقال: يا حذيفة، أسألك باهلل هل َّني لك رسو ُ اهلل من المنافقين أم ال؟ قال: ال، وال أز ّي أح ًا‬
                                                                                        ‫بعدك(2)[5].‬
                   ‫ل‬                       ‫م‬                  ‫ِ‬          ‫ق‬         ‫م‬
      ‫فهذا ع َر الفارو ُ ثاني خلفاء رسول اهلل، هذا ع َر يخشى أن يكونَ في أعماِه نفاق، ويسأل‬
                   ‫حب‬                                                       ‫ُد‬
   ‫حذيفةَ: هل ع َّ من المنافقين أم ال؟ مع أنه من المجاهدين الصادقين، لكن ُّ اإليمان وكراهية‬
            ‫س‬        ‫س‬                                                                ‫الشر ل‬
       ‫ِّ جعَتهم يخافون على إيمانهم، ويسألونَ اهلل الثباتَ على إيمانهم، ويحا ِبون أنف َهم عن‬
                                                                                    ‫أقوالهم وأفعالهم.‬
           ‫كل‬                         ‫ت‬     ‫إال‬              ‫ت‬
       ‫قال بعض السلف: "ما عرض ُ عملي على قولي َّ خشي ُ أن أكونَ كاذبًا"(1)[7]، ُّ ذلك‬
      ‫ال‬      ‫ال‬             ‫ي‬       ‫يثب‬                ‫د‬             ‫ح ص‬                ‫ح ص‬
 ‫ِر ًا على اإليمان، ِر ًا على هذا ال ّين. نسأل اهلل أن ِّتنا وإ ّاكم عليه أقوا ً وأعما ً، وأن‬
                                                                                ‫ر‬
                                                                      ‫يجعلَنا صادقين في إيماننا ظاه ًا وباطنًا.‬
                          ‫ي‬                        ‫ق‬                                      ‫وأحذ‬
      ‫ِّر إخواني المسلمين منَ المنافقين وأخال ِهم وصفاتهم وأعمالهم الس ّئة ومقاالتهم الخطيرة‬
                     ‫كت‬                             ‫س‬                        ‫ل‬
‫وكتاباتهم الضاّة المنحرفة من أقوامٍ يح َبون على اإلسالم وأهله، وأنهم ُّاب وأنهم وأنهم.. ولكن‬
              ‫ز‬                                ‫ظ‬
‫إذا سمعتَ األقوالَ وأصغيتَ إلى بعض األلفا ِ وجدتَ ـ ولألسفِ الشديد ـ ما يح ِن القلبَ ويؤلم‬
           ‫ز د‬                        ‫ع ب‬                            ‫ظ ي‬               ‫س كل‬
   ‫نف َ ِّ مسلم من ألفا ٍ سّئة وأقوالٍ خطيرة وانخدا ٍ وان ِهار لما لدى األعداء، و ُه ًا في هذه‬
                              ‫ر‬                                            ‫ي بد‬
 ‫األخالق اإلسالم ّة و ُع ًا عنها، بل ألفاظ تأتي كثيرة ال ترى فيها ذِك ًا هلل وال اسمًا هلل، وإنما هي‬
                                                                                      ‫ر خ‬                  ‫ٌ‬
                                                                   ‫ألفاظ فيها منَ الش ّ وال ُبث ما اهلل به عليم.‬
‫م َد َ ر م ِنك أ ت‬                      ‫ُز ْ قل ب ب ِ َد وه‬                          ‫َب‬                             ‫ل‬
‫فنسأ ُ اهلل الثباتَ على اإلسالم، ر َّنَا ال ت ِغ ُُو َنَا َعْدَ إذْ ه َيْتَنَا َ َبْ لَنَا ِنْ ل ُنْك َحْ َةً إ َّ َ َنْ َ‬
                                                    ‫ب‬      ‫ثب‬          ‫م مقل‬                   ‫َه ب‬
                                        ‫الْو َّا ُ [آل عمران:8]. الله ّ ِّبَ القلوب ِّت قلو َنا على دينك.‬
          ‫ر‬       ‫م‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسنَ الحديث كتاب اهلل، وخيرَ الهدي هدي مح ّد ، وش ّ األمور‬
   ‫ذ ذ‬          ‫ة‬                                                            ‫ل‬
   ‫محدثاتها، وك ّ بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد اهلل على الجماع ِ، ومن ش ّ ش ّ‬
                                                                                                                 ‫ن‬
                                                                                                              ‫في ال ّار.‬
  ‫ِن الله‬                           ‫ر‬         ‫م‬     ‫ل‬                                    ‫ل‬
  ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على عبدِ اهلل ورسوِه مح ّد كما أم َكم بذلك ربكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ‬
                        ‫لم‬         ‫َل ع ه و َلم‬           ‫وم ئ ه ي َل عل الن ِي َي َّذ ن من‬
         ‫َ َال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّب ِّ يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا صُّوا َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
                  ‫ر‬               ‫م‬              ‫م‬                            ‫م َل َل‬
          ‫الله ّ ص ِّ وسِّم وبارك على عبدِك ورسولك مح ّد، وارضَ الله ّ عن خلَفائه ال ّاشدين...‬


                                                                                                      ‫__________‬
                                     ‫م‬
    ‫(5) القائل هو أبو بكر ابن أبي مليكة، علقه عنه مجزو ًا به البخاري في اإليمان، باب: خوف‬
   ‫المؤمن من أن يحبط عمله وهو ال يشعر، ووصله المروزي في تعظيم قدر الصالة (886) من‬
‫طريق الصلت بن دينار عنه لكن فيه: "أدركت زيادة على خمسين"، قال ابن رجب في فتح الباري‬
  ‫(5/195): "في الصلت ضعف". وله طريق آخر عن ابن جريج عنه، رواه البخاري في التاريخ‬
         ‫ه‬
 ‫الكبير (1/235) والخالل في السنة (5805). قال ابن حجر في الفتح (5/055): "وصل ُ ابن أبي‬
                ‫يم وً‬                   ‫م‬
        ‫خيثمة في تاريخه, لكن أبهم العدد. وكذا أخرجه مح ّد بن نصر المروز ّ ُط ّال في كتاب‬
                      ‫ه‬      ‫ر‬                           ‫ّ‬   ‫د‬       ‫ز‬       ‫ي‬
                  ‫اإليمان له, وع ّنه أبو ُرعة ال ّمشقي في تاريخه من وجه آخر مختص ًا كما ُنا".‬
   ‫(7) علقه عنه البخاري في اإليمان، باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو ال يشعر، قال‬
  ‫ابن رجب في فتح الباري (5/195): "هذا مشهور عن الحسن صحيح عنه"، وقال ابن حجر في‬
   ‫الفتح (5/555): "هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعددة‬
                                                                                                       ‫بألفاظ مختلفة".‬
    ‫(3) أخرجه مالك في الموطأ (8285)، وأحمد (3/962)، والترمذي في الزهد (9537)، وابن‬
‫ماجه في الفتن (9693) من حديث بالل بن الحارث المزني رضي اهلل عنه، وقال الترمذي: "وفي‬
 ‫الباب عن أم حبيبة، وهذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (587)، والحاكم (5/205-‬
                                                  ‫805)، وهو في السلسلة الصحيحة (888).‬
                                                    ‫(2) انظر: سير أعالم النبالء (7/263).‬
                                           ‫م‬
‫(1) القائل هو إبراهيم التيمي، علقه عنه مجزو ًا به البخاري في اإليمان، باب: خوف المؤمن من‬
  ‫أن يحبط عمله وهو ال يشعر، ووصله في التاريخ الكبير (5/233)، والفريابي في صفة المنافق‬
  ‫(19)، والاللكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة (0815)، وأبو نعيم في الحلية (2/557)، قال‬
      ‫ابن رجب في فتح الباري: "هذا معروف عنه، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه".‬

‫(5/1823)‬




                                                                           ‫صنائع المعروف‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                           ‫أحاديث مشروحة, فضائل األعمال, مكارم األخالق‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫حسين بن عبد العزيز آل الشيخ‬
                                                                             ‫المدينة المنورة‬
                                                                               ‫05/8/1725‬
                                                                              ‫المسجد النبوي‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- المدرسة النبوية األخالقية. 7- التأكيد على بذل النفع للمسلمين. 3- فضل قضاء حوائج‬
  ‫م‬
  ‫المسلمين. 2- الحرص على إدخال السرور في قلوب المسلمين. 1- فضل كظم الغيظ. 6- ذ ّ‬
                            ‫سوء الخلق. 2- فضل صيام شعبان. 8- بدع النصف من شعبان.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
  ‫م‬                                        ‫ي‬                              ‫ي‬             ‫م‬
  ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسلمون، أوصيكم ونفسي بوص ّةٍ عظمية أال وهي تقوَى اهلل عز وجل ولزو ُ‬
                                                           ‫ع‬                  ‫ر‬
                                     ‫طاعته في الس ّ والعلَن، فبها تس َد حياتنا وتزكو آخرتنا.‬
    ‫د‬                       ‫ن‬          ‫ت‬             ‫ي‬       ‫ة‬         ‫ء‬
   ‫معاشرَ المسلمين، لقد جا َت المدرس ُ النبو ّة وفي توجيها ِها المحاس ُ التي ال تتناهى والمبا ِئ‬
 ‫ة‬                           ‫ث‬                  ‫ة ي‬                      ‫ت‬          ‫ل‬
 ‫المثَى التي ال ُجَارى، كيف وهي مدرس ُ س ّد الثقلين والمبعو ِ رحمةً للخلق أجمعين؟! مدرس ٌ‬
                                               ‫نطي‬                         ‫نطي‬    ‫ل‬
                        ‫ما أحَى أن ِّبَ األسماع بتوجيهاتها وأن ِّب األوقاتَ بالعيش معها.‬
    ‫ب‬           ‫أي‬                      ‫ي‬                    ‫ن‬
‫روى ابن عمرَ رضي اهلل عنهما أ ّ رجالً جاء إلى النب ّ فقال: يا رسولَ اهلل، ُّ الناسِ أح ّ إلى‬
      ‫ع ن‬                                ‫أحب‬          ‫ل‬                    ‫اهلل؟ وأ ّ األعمال أحب‬
   ‫ُّ إلى اهلل؟ فقال رسو ُ اهلل : (( ُّ الناسِ إلى اهلل تعالى أنف ُهم لل ّاس،‬  ‫ِ‬       ‫ي‬
  ‫ر‬                  ‫ض‬       ‫ة‬          ‫ش‬                   ‫ر خ‬                         ‫ب‬
 ‫وأح ّ األعمال إلى اهلل سرو ٌ يد ِله إلى مسلمٍ أو يك ِف عنه كرب ً أو تق ِي عنه دينًا أو تط ُد‬
‫عنه جوعًا، وألن أمش َ مع أخٍ في حاجةٍ أح ّ إل ّ ِن أن أعت ِف في هذا المسجد ـ يعني مسج َ‬
‫د‬                          ‫ك َ‬        ‫ب يم‬                        ‫ي‬
        ‫ي‬                                                 ‫ب‬    ‫كف‬       ‫ر‬
 ‫المدينة ـ شه ًا، ومن َّ غض َه سترَ اهلل عورته، ومن كظمَ غيظَه ولو شاء أن يمض َه أمضاه‬
         ‫م‬                   ‫ي‬                                                       ‫ب‬
    ‫مألَ اهلل قل َه رجاءً يومَ القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تته ّأ له أثبتَ اهلل قد َه يوم‬
       ‫ي‬                           ‫تزول األقدام، َّ سوءَ الخُق ليفسِد ال ّين كما يف ِد الخل‬
    ‫ُّ العسل)) حديث رواه الطبران ّ في‬    ‫س‬          ‫د‬            ‫ل‬         ‫وإن‬
                     ‫ق‬
               ‫الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وغيرهما، وسنده حسن عند المح ّقين من‬
                                                                                            ‫د‬
                                                                                  ‫المح ّثين(5)[5].‬
                   ‫و‬      ‫ُ ح‬        ‫ب‬           ‫َّن ما يو ِث َّ اهلل وحب‬
     ‫َّ الخلق وما ِه تشيع رو ُ األخ ّة بين المسلمين‬       ‫ر حب‬                   ‫ث‬
                                                                       ‫حدي ٌ عظِيم تضم‬
     ‫م ي‬                                ‫وتقوَى العالقا ُ معه بين المؤمنين. حدي ٌ جليل تضم‬
    ‫َّن من مبادئ األخالق أعالها، و ِن ق َم‬       ‫ث‬                       ‫ت‬
           ‫ت‬                          ‫س‬      ‫م‬            ‫س‬              ‫م‬      ‫ع‬
  ‫اآلداب أرف َها، و ِن معالي المحا ِن أزكاها، و ِن محا ِنِ الشمائل أرقاها. توجيها ٌ تزكو بها‬
      ‫خ‬                ‫ية‬          ‫قي‬                         ‫ع‬     ‫ت‬
  ‫النفوس وتصلح بها المجتمعا ُ وتس َد بها األفراد والجماعات ِ َم اجتماع ّ ٌ لم يشهد التأري ُ لها‬
                   ‫ت‬                    ‫ر‬          ‫ي‬                ‫ي‬      ‫ِئ‬       ‫ال‬
     ‫مثي ً، ومباد ُ حضار ّة لم تعرف البشر ّة لها نظي ًا، ذلكم أنها توجيها ُ من ال يصدر عن‬
                                                                    ‫إ ه ِال ي ي ح‬
                                                        ‫الهوى، ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:2].‬
        ‫َر‬        ‫ي‬                    ‫ت‬                             ‫ت‬
   ‫إخوةَ اإلسالم، وهنا وقَفا ٌ عند هذا الحديثِ الجليل نستم ِع عندها بتوجيهاتِ س ّدنا ونس ُّ معها‬
                                                                                   ‫ِ‬
                                            ‫بإرشادات رسولنا عليه أفضل الصالة وأزكى التسليم.‬
   ‫الوقف ُ األولى: تأكي ُ هذا الحديث على بذ ِ النفعِ للمسلمين بوجوهِ النفع المختلِفة وأشكالهِ المتعد‬
‫ِّدة،‬                                                     ‫ل‬                   ‫د‬              ‫ة‬
                                                                       ‫ف‬         ‫ب‬
‫فذلكم سب ٌ عظيم لل َوز باألجر الكبير والثوابِ الجزيل، ولهذا يقول عليه الصالة والسالم في هذا‬
                                                              ‫ع‬                ‫أحب ن‬
                                                   ‫الحديث: (( ُّ ال ّاس إلى اهلل أنف ُهم للناس)).‬
        ‫م‬                                                         ‫ء‬
    ‫ومن أعظم النفع لهم قضا ُ حاجاتهم وإعانَتهم في ذلك، أكانت حاجتهم إلى المال أو الع َل أو‬
                      ‫ع‬                             ‫ع‬             ‫ة ي‬
 ‫الوظيفة أو إلى بذل كلم ٍ طّبة أو إلى دف ِ ظلمٍ أو إلى المشاركة بالمشا ِر في األتراح واألفراح‬
                               ‫أو إلى نح ِ ذلك من الحاجات التي تختِف باختالفِ أسبابها وبتنو‬
                     ‫ُّع أشكالها.‬                      ‫ل‬                        ‫و‬
                ‫ح‬                            ‫ي‬       ‫ة‬                 ‫ٌ م‬
     ‫وهذه قاعدة عا ّة في الشرع، قاعد ُ مشروع ّة المواساة بين المؤمنين وال ِرص على قضاء‬
                    ‫ي‬      ‫ً‬       ‫ث ل‬
     ‫حاجاتِ المسلمين، ومن هذا المنطلَق جاء في هذا الحدي ِ قوُه تمثيال لجزئ ّات هذه القاعدة:‬
                  ‫ر‬                               ‫((وألن أمش َ مع أخ في حاجة أحب إلي‬
 ‫ُّ َّ من أن أعتكفَ في هذا المسجد شه ًا))، وقوله: ((ومن‬   ‫ٍ‬       ‫ٍ‬     ‫ي‬
                                              ‫م‬                   ‫ي‬         ‫ة‬
                        ‫مشى مع أخيه في حاج ٍ حتى تته ّأ له أثبتَ اهلل قد َه يومَ تزول األقدام)).‬
     ‫ر‬              ‫ِ‬                ‫د ر‬
    ‫وفي مقامِ التفصيل والبيان يقول : ((وإرشا ُك ال ّجلَ في أرض الضالل لك صدقة، وبص ُك‬
       ‫ة‬                                         ‫ت‬                 ‫ص‬       ‫ّد‬
      ‫للرجل الر ِيء الب َر لك صدقة، وإماط ُك الحجر والشوكةَ والعظم عن الطريق لك صدق ٌ،‬
                   ‫ل‬         ‫كل‬
 ‫وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقَة))(7)[7]. ولهذا ِّه حرص أه ُ الخير والفَضل على‬
 ‫إنهاءِ حاجاتِ المؤمنين وإسداءِ النفع للمسلمين، يقول حكيم ب ُ حزام رضي اهلل عنه: (ما أصبح ُ‬
 ‫ت‬                             ‫ن‬
         ‫النع‬         ‫ت إال‬                                                      ‫ط‬
   ‫صباحًا ق ّ فرأيت بفناءِ داري طالبَ حاجة قد ضاقَ بها ذرعًا فقضي ُها َّ كانت من ِّ َم التي‬
                             ‫إال‬     ‫ب‬            ‫َ‬      ‫ح‬     ‫ب ت‬                     ‫د‬
    ‫أحم ُ اهلل عليها، وال أص َح ُ صبا ًا لم أر بفنائي طال َ حاجة َّ كان ذلك من المصائبِ التي‬
                                                                               ‫ز ل‬
                                                          ‫أسأل اهلل ع ّ وج ّ األجرَ عليها)(3)[3].‬
       ‫ِ‬                              ‫ص‬              ‫م‬                   ‫ك‬            ‫ة‬
‫الوقف ُ الثانية: أ ّد هذا الحديث العظي ُ على صفاتٍ خا ّة من قضاء حوائجِ المسلمين لعظيم أجرِها‬
        ‫س بت‬                                             ‫ح‬       ‫ت‬                    ‫ر‬
    ‫وكبي ِ ثوابها، وهذه الصفا ُ هي ال ِرص بقدرِ اإلمكان على عونِ المسلم في تنفي ِ كر َ ِه أو‬
                      ‫ض ك‬                   ‫ع‬          ‫ع‬              ‫ع‬      ‫ط‬     ‫ن‬
      ‫قضاءِ دي ِه أو َرد جو ِه، قال : ((أط ِموا الجائ َ، وعودوا المري َ، وف ّوا العاني)) رواه‬
                          ‫عس‬         ‫ت ة‬              ‫ل ن‬
  ‫البخاري(2)[2]، ويقول : ((أال رج ٌ يم َح أهلَ بي ٍ ناق ً تغدو ب ُ ّ ـ أي: قدحٍ كبير ـ وتروح‬
                                                                                     ‫بعس َّ‬
                                                      ‫ٍّ، إن أجرها لعظيم)) متفق عليه(1)[1].‬
                 ‫ّ‬                    ‫د‬                    ‫الد‬
  ‫وفي شأنِ ثواب التجاوزِ عن َّين أو قضائهِ عن الم ِين جاء في الصحيحين أن رسول اهلل قال:‬
    ‫عن‬                  ‫لعل‬            ‫سر‬                                         ‫ل ي‬
  ‫((كان رج ٌ يدا ِن الناسَ، فكان يقول لفتاه: إذا أتيتَ مع ِ ًا فتجاوز عنه َّ اهللَ أن يتجاوزَ َّا،‬
      ‫م‬                    ‫ن‬
  ‫فلقيَ اهلل عز وجل فتجاوز عنه))(6)[6]، وعن عبد اهلل بن أبي قتادة أ ّ أبا قتادةَ طلب غري ًا له‬
    ‫فتوارى عنه، ثم وجده بعد ذلك فقال ـ أي: المدين ـ: إني معسر، فقال: آهلل؟ قال: آهلل، قال:‬
      ‫فإني سمع ُ َّ اهلل صلوات اهلل وسالمه عليه يقول: (( َن َّه أن ينج َه اهلل من ُ َب يو ِ‬
      ‫م‬     ‫كر‬           ‫ي‬         ‫م سر‬                                       ‫ت نبي‬
                                                                               ‫فلينف‬
                                      ‫القيامة ِّس عن معسرٍ أو يضَع عنه)) رواه مسلم(2)[2].‬
 ‫كن نسم‬                                 ‫ت‬         ‫م‬                  ‫م ز‬          ‫ل‬
‫خصا ٌ عظي َة الت َم بها الصالحون وع ِل بها المّقون، قال أبو هريرة رضي اهلل عنه: َّا ِّي‬
    ‫س‬     ‫ر‬          ‫عك م‬              ‫شيئ‬                        ‫ه‬
   ‫جعفرَ أبا المساكين؛ كان يذ َب إلى بيته، فإن لم يجِد ًُّا أخرج لنا ُ ّةً ِن عسلٍ أث ُها ع َل‬
        ‫م‬       ‫ي‬       ‫ُّها فنلعَ ُها(8)[8]، وكانت ألبي برزَة األسلم ّ جفن ٌ من ثريدٍ في الغدو‬
       ‫ِّ والعش ّ لألرا ِل‬                ‫ي ة‬                                      ‫ق‬         ‫فنشق‬
      ‫د م‬                                            ‫ي‬                           ‫م‬
     ‫واليتا َى والمساكين(9)[9]، وكان عل ّ بن الحسَين رضي اهلل عنه وعن أبيه وعن ج ّه يح ِل‬
    ‫ف‬      ‫ل‬            ‫ن ص َ‬                ‫م‬                      ‫ب‬                ‫ل‬
   ‫الخبزَ بالّيل على ظهرِه يتتّع به المساكين في الظل َة ويقول: "إ ّ ال ّدقة في سوادِ الّيل تط ِئ‬
            ‫ة‬             ‫سم‬                                                 ‫ب‬       ‫ض‬
  ‫غ َبَ الر ّ"(05)[05]، قال محمد بن إسحاق رحمه اهلل: "كان نا ٌ ِن أهل المدين ِ يعيشون ال‬
   ‫ل‬                ‫ي‬                                 ‫ي‬         ‫م‬       ‫ش‬         ‫ن‬
‫يدرون من أي َ كان معا ُهم، فل ّا مات عل ّ بن الحسين فقَدوا ذلك الذي كانوا ُؤتَونَ بالليل فعِموا‬
                                                 ‫ت‬
   ‫أنه منه، ولهذا قيل: كان يعول مائةَ أهل بي ٍ من المدينة"(55)[55]، وعن شعبةَ رحمه اهلل قال:‬
 ‫"لما ِّي الزبير ل ِيَ حكيم ب ُ حزام عبدَ اهلل بن ال ّبير فقال: كم ترك أخي من ال ّين؟ فقال: أل َ‬
 ‫ف‬             ‫د‬                           ‫ز‬                      ‫ن‬          ‫ق‬           ‫توف‬
                                                                                ‫علي‬
                                                              ‫ألفٍ، قال: َّ منها خمسمائة ألف.‬
                             ‫الوقفة الثالثة: َّ من الخصال التي َّ عليها هذا الحدي ُ ورغ‬
 ‫َّب فيها الحرصَ على الشديد على‬  ‫ث‬                 ‫حث‬                ‫أن‬
            ‫ك‬                 ‫ة ي‬               ‫ب‬
‫إدخالِ السرور والسعادةِ على المسلمين بتطيي ِ خواطرهم بكلم ٍ طّبة أو مساعدةٍ مم ِنة بالمال أو‬
                  ‫يعك ص‬         ‫الجاه أو بمشا َك ٍ بمشاع َ ط ّبةٍ في أوقاتِ الحزن وعند التعر‬
   ‫ُّض لما ِّر ال ّفوَ، فقد جاء في‬                            ‫ِر ي‬        ‫رة‬
                                          ‫ر خ‬                         ‫أحب‬
‫هذا الحديث: (( ُّ األعمال إلى اهلل سرو ٌ تد ِله على مسلم))، وفي الحديث عن أنسٍ رضي اهلل‬
        ‫م‬         ‫ل‬         ‫سر‬       ‫ب ي ُر‬                      ‫َ‬                 ‫ي‬
        ‫عنه عن النب ّ أنه قال: ((من لقي أخاه المسلم بما يح ّ ل َس ّه بذلك َّه اهلل ج ّ وعال يو َ‬
                    ‫ي‬       ‫ذك ي ر‬
 ‫القيامة)) رواه الطبراني بإسنادٍ حسن(75)[75]. ولهذا َّر نب ُ ال ّحمة نب ّ األخالق صلوات اهلل‬
                ‫خ‬          ‫ل‬              ‫ج‬       ‫بكل م‬   ‫ذك م باالت‬
   ‫وسالمه عليه َّر أ ّتَه ِّصاف ِّ َظهر يو ِب السرورَ وبك ّ مسلَك يد ِل على اآلخرين‬
                                      ‫قرن‬                                                   ‫س‬
 ‫ال ّعادةَ والحبور، يقول عليه الصالة والسالم: ((ال تح ِ َ ّ من المعروف شيئًُّا ولو أن تلقَى أخاك‬
 ‫ي‬                 ‫د‬                ‫سم‬                                             ‫ه‬
 ‫بوج ٍ طلق)) رواه مسلم(35)[35]، ويقول أيضًا: ((تب ّ ُك في وجه أخيك ص َقة)) رواه الترمذ ّ‬
                                                                                    ‫ي‬           ‫ب‬
                                                               ‫وابن ح ّان والبيهق ّ وإسناده حسن(25)[25].‬
                            ‫قي‬              ‫ق‬          ‫ت‬        ‫خ‬      ‫م‬          ‫َ ل‬
  ‫وقد التزمَ سَف هذه األ ّة وهم ِيارها ب ِلك األخال ِ الفاضلة وال ِ َم العظيمة، فكان بكر بن عبد‬
                                                                   ‫ت‬
   ‫اهلل المزني يلبَس كسو َه وهو يعيش عيشَ األغنياء، يلبس كسوتَه ثم يجيء إلى المساكين يجلِس‬
                                                                           ‫ل‬              ‫د‬
                                                   ‫معهم ويح ّثهم ويقول: "لعّهم يفرحون بذلك"(15)[15].‬
            ‫التحل‬            ‫ث وبي‬                ‫حث‬               ‫ي‬       ‫م‬
‫الوقفة الرابعة: ِنَ الق َم العالية التي َّ عليها هذا الحدي ُ َّن عظيمَ أجرِها ِّي بالصبر عند‬
           ‫م‬                                                   ‫الغ َب وعند ثورا ِه واالت‬
 ‫ِّصاف بكظمِ الغيظِ عند اشتداده، فالصبر عند الغضب وكظ ُ الغيظ عند‬     ‫ن‬            ‫ض‬
     ‫وس رع إل م ِر م َبك‬                    ‫ت‬              ‫ة‬                             ‫د‬
   ‫وجو ِه خَصلة من خصال الصالحين وصف ٌ من صفاتِ الم ّقين، َ َا ِ ُوا َِى َغْف َةٍ ِنْ ر ِّ ُمْ‬
    ‫َّر ء و َّر ء و ظم ن‬                 ‫َن ع ض الس و ت و ْض أ ِد ل ُتق َّذ ن ي ق َ ف‬
    ‫وَج َّةٍ َرْ ُهَا َّمَ َا ُ َاألَر ُ ُع َّتْ ِلْم َّ ِينَ ال ِي َ ُنْفِ ُون ِي الس َّا ِ َالض َّا ِ َالْكَا ِ ِي َ‬
   ‫ظ‬        ‫ي‬                                   ‫و ف ع الن س َالله ي ِب م سن‬
‫الْغَيْظَ َالْعَا ِينَ َنْ َّا ِ و َّ ُ ُح ُّ الْ ُحْ ِ ِينَ [آل عمران:335، 235]. قال الطبر ّ: "الكا ِمين‬
    ‫ف‬      ‫ر‬         ‫ن ظ‬                         ‫س‬
   ‫الغيظَ يعني: الجارعين الغيظَ عند امتالء نفو ِهم منه، يقال: كظم فال ٌ غي َه إذا تج ّعه فح ِظ‬
                                                                 ‫ة‬            ‫ضي‬         ‫س‬
                ‫نف َه أن تم ِ َ ما هي قادر ٌ على إمضائه باستنكارِها ممن غاظَها وانتِصارها ممن‬
                         ‫س‬               ‫رد‬
  ‫ظلمها"(65)[65]، ويقول القرطبي: "كظم الغيظ ُّه في الجوف وال ّكوت عليه وعدم إظهاره ال‬
                                                      ‫بقو ٍ وال بفعل مع ُدرة الكاظمِ على اإليقاع بعدو‬
                                           ‫ِّه"(25)[25].‬                          ‫ق‬             ‫ل‬
                           ‫د‬              ‫م‬                               ‫َ‬     ‫يبي‬
  ‫ورسولنا ِّن عظيم فضل كظم الغيظِ فيقول: ((من كظ َ غيظًا وهو قا ِر على أن ينفذَه دعاه اهلل‬
                             ‫ي‬                      ‫ر‬           ‫يخي‬
             ‫على رؤوسِ الخالئق حتى ِّره من الحو ِ ما شاء)) رواه الترمذ ّ وأبو داود وسنده‬
‫د‬          ‫ٍ‬     ‫ع‬                 ‫ر‬          ‫ج ع‬
‫حسن(85)[85]، وعند ابن ماجه: ((ما من ُر َة أعظم أج ًا عند اهلل من جر َةِ غيظ كظمها عب ٌ‬
                                                                                     ‫ء‬
             ‫ابتغا َ وجهِ اهلل))(95)[95]، قال في الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات"(07)[07].‬
     ‫ن‬                  ‫ن قت‬              ‫ل‬          ‫ذم‬               ‫ّ‬
     ‫الوقفة الخامسة واألخيرة: أن في هذا الحديث ًّا لسوء الخُق وبيا ًا لعا ِب ِه الوخيمة، ذلكم أ ّ‬
     ‫س‬             ‫ي‬                             ‫ق‬         ‫م‬         ‫م‬       ‫ي‬
     ‫األخالقَ الس ّئة سمو ٌ قاتلة و ُهلكات وا ِعة ورذائل واضحة، روى الطبران ّ وغيره عن أن ٍ‬
                                   ‫ل‬    ‫ل ح‬              ‫إن‬         ‫ي‬
‫رضي اهلل عنه عن النب ّ قال: (( َّ العبدَ ليبُغ ب ُسن خُقه عظيمَ درجات اآلخرة وشرفَ المنازل‬
                       ‫ن‬     ‫ََ ر‬       ‫ل‬        ‫ل م‬            ‫وإن‬            ‫ف‬       ‫ن‬
‫وإ ّه لضعي ٌ في العبادة، َّ العبدَ ليبُغ ِن سوءِ خُقه أسفل د َك جه ّم))(57)[57]، قال الحافظ‬
  ‫َل‬          ‫م‬                             ‫ي‬                                  ‫ي‬
  ‫العراق ّ: "سنده جيد"(77)[77]، وعند الترمذ ّ وقال: "حديث حسن صحيح": ((ما ِن شيءٍ أثق ُ‬
          ‫ح‬                                 ‫ل س وإن‬                       ‫م‬
      ‫في ميزانِ المؤ ِن يومَ القيامة من خُق ح َن، َّ اهلل يبغِض الفاحشَ البذيء)) صحي ٌ عند‬
                                                                                                          ‫المحق‬
                                                                                              ‫ِّقين(37)[37].‬
   ‫ر‬       ‫ح ة‬           ‫ح‬            ‫ة‬                   ‫ء ل ية‬                ‫ض س‬
   ‫قال بع ُ ال ّلف: "سو ُ الخُق س ّئ ٌ ال تنفَع معها كثر ُ الحسنات، و ُسن الخلق َسن ٌ ال تض ّ‬
             ‫د‬      ‫ح‬                    ‫د ز‬                           ‫ة ي‬
 ‫معها كثر ُ السّئات"، كيف وقد روى أحم ُ والب ّار وابن حبان في صحي ِه بسن ٍ صحيح عن أبي‬
          ‫م‬                 ‫ث‬
        ‫هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رجل: يا رسولَ اهلل، إن فالنة تك ِر من صالتها وصيا ِها‬
         ‫ن‬                                                  ‫ل‬           ‫ذ‬
   ‫وصدقتها غيرَ أنها تؤ ِي جيرانها بِسانها، قال: ((هي في النار))، قال: يا رسول اهلل، إ ّ فالنة‬
                                      ‫رم‬           ‫د‬                ‫ص‬          ‫قلة‬      ‫ك‬
    ‫تذ ُر من ِّ ِ صالتها و ِيامها وإنها تتص ّق باألثوا ِ ِن األقِط(27)[27] وال تؤذي جيرانها،‬
                                                                      ‫قال: ((هي في الجنة))(17)[17].‬
                          ‫ز‬                               ‫ر‬                                      ‫ت‬
‫فا ّقوا اهلل عباد اهلل، واستجيبوا هلل ولل ّسول إذا دعاكم لما يحييكم. فالت ِموا بتلك األخالقِ الكريمة،‬
                                               ‫ف‬                ‫ع‬            ‫ت‬            ‫ر‬
                                           ‫واح ِصوا على اال ّصاف بها؛ تس َدوا وتفوزوا وتظ َروا.‬
         ‫ف‬                                                     ‫ن‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والس ّة، ونفعنا بما فيهما من البيان، أقول هذا القول، وأستغ ِر اهلل لي‬
                                                      ‫ف‬            ‫ل‬
                             ‫ولكم ولسائرِ المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغ ِروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
     ‫ن ي‬                                          ‫د‬
  ‫الحمد هلل وكفى، وأشهد أن ال إلهَ إال اهلل وح َه ال شريك له في اآلخرة واألولى، وأشهد أ ّ س ّدنا‬
                   ‫م صل وسل‬                              ‫ي‬                   ‫ّد‬      ‫بي‬
  ‫ون ِّنا محم ًا عبده ورسوله النب ّ المصطفى والعبد المجتَبى، الله ّ ِّ ِّم وبارك عليه وعلى‬
                                                                                    ‫آله وأصحابه األتقياء.‬
            ‫و‬           ‫ي‬         ‫ز ل‬            ‫و‬                              ‫ي‬             ‫م‬
         ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتق َى اهلل ع ّ وج ّ، فهي وص ّة اهلل لأل ّلين‬
                                                                                                   ‫واآلخرين.‬
‫عبادَ اهلل، ور َت أحادي ُ صحيح ٌ في فضيلةِ صيام أكث ِ شَعبان، جاء في الصحيحين عن النبي ن‬
‫ِّ أ ّ‬                             ‫ر‬                    ‫ة‬      ‫ث‬        ‫د‬
                  ‫ط إال‬
 ‫عائشة رضي اهلل عنها قالت: ما رأيت رسولَ اهلل استكملَ صيامَ شهرٍ ق ّ َّ رمضان، وما رأيته‬
                         ‫ن كل َّ ال‬
 ‫في شهرٍ أكثر صيامًا منه في شعبان، فكان يصوم شعبا َ َّه إال قلي ً(67)[5]. وفيما رواه أحمد‬
                        ‫ر‬          ‫م‬
 ‫والنسائي من حديث أسامة بن زيد أنه قال: لم أرك تصو ُ من الشهو ِ ما تصوم في شعبان! قال:‬
          ‫رب‬         ‫ل‬                                        ‫ن‬             ‫ر‬
‫((ذلك شه ٌ يغفل عنه ال ّاس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفَع األعما ُ فيه إلى ِّ العالمين،‬
                                                                                ‫م‬            ‫حب‬
                                                          ‫وأ ِ ّ أن يرفَع ع َلي وأنا صائم))(27)[7].‬
                                         ‫ولكن م ّا ن ّه عليه العلماء قدي ًا وحديثًا أ ّه لم يصح‬
        ‫َّ شيء من األحاديثِ في تخصيصِ ليلةِ‬      ‫ن‬            ‫م‬                   ‫م ب‬
                         ‫ن ض‬                      ‫م‬                               ‫ن‬
‫ال ّصف من شعبان بقيام وال تخصيص يو ِها بصِيام، وما يظ ّه بع ٌ أنها ـ أي: ليلة النصف من‬
     ‫ض‬                            ‫مب ر‬             ‫ِن ز ه ف‬                            ‫ة‬
   ‫شعبان ـ هي المرادَ ُ بقوله جل وعال: إ َّا أَن َلْنَا ُ ِي لَيْلَةٍ ُ َا َكَةٍ [الدخان:3] فهو خطَأ وا ِح؛‬
    ‫ِن‬         ‫ل‬                            ‫ة‬                                                  ‫ن‬
   ‫أل ّ المرادَ بالليلة المباركة في صحيحِ التفسير هي ليل ُ القدر كما يشير إليه قوله ج ّ وعال: إ َّا‬
                                                                                     ‫َْ‬              ‫ز ُف‬
                                                                        ‫أَن َلْنَاه ِي لَيْلَةِ الْقدرِ [القدر:5].‬
                        ‫فكل‬                                     ‫ل‬
   ‫وما ورَد في فض ِ تخصيص الصالة في ليلةِ النصف من شعبان ُّه موضوع على رسول اهلل‬
                                     ‫د‬            ‫صلوات اهلل وسالمه عليه كما ذكر ذلك المحق‬
‫ِّقون من المح ّثين قديمًا وحديثًا، قال الشوكاني رحمه‬
      ‫اهلل: "حديث صال ِ نِصف شعبان باطل"، وقال الحافظ العراقي رحمه اهلل: "حديث صالة ليل ِ‬
      ‫ة‬                           ‫ّ‬                                     ‫ة‬
                                                             ‫ع‬
   ‫النصف من شعبان موضو ٌ على رسول اهلل وكذب عليه"، وقال النووي في المجموع: "الصالة‬
              ‫و‬            ‫ع‬                               ‫ث‬                    ‫ة‬
 ‫المعروف ُ بصالةِ الرغائب وهي ِنتَا عشرةَ ركعة بين المغرب وال ِشاء ليلةَ أ ّل جمعة من رجب‬
          ‫ي ر‬                       ‫ب‬      ‫ص‬
  ‫وصالة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة هاتان ال ّالتان ِدعتان منكَرتان، وال ُغتَ ّ بذكرهما‬
                 ‫ن كل‬                   ‫ث‬
   ‫في كتابِ قوتِ القلوب وإحياء علوم الدين وال بالحدي ِ المذكور فيهما، فإ ّ َّ ذلك باطل، وال‬
             ‫ن‬                           ‫ن‬     ‫م‬            ‫ه م‬                 ‫َر ض‬
    ‫يغت ّ ببع ِ من اشتبه علي ِ حك ُهما من األئ ّة، فصّف ورقاتٍ في استحبابهما، فإ ّه غالط في‬
                 ‫د‬               ‫د‬      ‫ح ض‬
     ‫ذلك" انتهى كالمه رحمه اهلل(87)[3]. ولكن ص ّح بع ُ المح ّثين حديثًا واح ًا وهو قوله :‬
             ‫ق إال‬                            ‫ن‬           ‫ق‬                            ‫يط‬
    ‫(( َّلع اهلل تبارك وتعالى إلى خل ِه ليلةَ ال ّصف من شعبان، فيغفر لجميع خل ِه َّ لمشرك أو‬
           ‫ة‬      ‫ن‬           ‫ن‬                                   ‫ن‬
       ‫مشاحن))(97)[2]، ولك ّ هذا الحديث ال يفيد تخصيصَ ليلة ال ّصف من شعبا َ بصال ٍ وال‬
                                              ‫م‬      ‫ي‬           ‫ز‬               ‫ص م‬
                                           ‫تخصي َ يو ِها بصيام، فالت ِموا سنة نب ّكم مح ّد .‬
                             ‫ي‬                                                   ‫ن‬
                     ‫واعلَموا أ ّ من أفضلِ األعمال وأزكاها الصالةَ والسالم على النب ّ الكريم.‬
       ‫م‬                           ‫م‬             ‫م‬      ‫ي‬       ‫ي‬              ‫م صل وسل‬
      ‫الله ّ ِّ ِّم وبارك على س ّدنا ونبّنا مح ّد، وارض الله ّ عن الخلفاء الراشدين واألئ ّة‬
                                                                                       ‫ي‬
                                                                                  ‫المهدّين...‬


                                                                             ‫__________‬
                        ‫م‬
 ‫(5) معجم الطبراني الكبير (75/312)، قضاء الحوائج (63) ولم يس ّ الصحابي، وأشار المنذري‬
    ‫في الترغيب إلى ضعفه (16763)، وقال الهيثمي في المجمع (8/595): "فيه سكين بن سراج‬
                                     ‫وهو ضعيف"، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (609).‬
    ‫(7) رواه البخاري في األدب المفرد (598)، والترمذي في البر (6195)، والبزار (0202)،‬
‫والطبراني في األوسط (0282)، والبيهقي في الشعب (3/207) عن أبي ذر رضي اهلل عنه، وقال‬
     ‫الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (971)، وهو في السلسلة الصحيحة‬
                                                                                     ‫(721).‬
                                           ‫(3) رواه ابن أبي الدنيا في مكارم األخالق (272).‬
        ‫(2) صحيح البخاري: كتاب األطعمة (3231) عن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه.‬
  ‫(1) صحيح البخاري: كتاب الهبة (9767)، صحيح مسلم: كتاب الزكاة (9505) واللفظ له عن‬
                                                                  ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
    ‫(6) صحيح البخاري: كتاب البيوع (8207)، صحيح مسلم: كتاب المساقاة (7615) عن أبي‬
                                                                       ‫هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                   ‫(2) صحيح مسلم: كتاب المساقاة (3615).‬
                    ‫(8) أخرجه الترمذي في المناقب (2623) وقال: "هذا حديث حسن غريب".‬
         ‫(9) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/997)، وانظر: سير أعالم النبالء (3/72).‬
   ‫(05) 05] رواه أحمد في الزهد (ص665)، وانظر: تهذيب الكمال (07/793)، وجامع العلوم‬
                                            ‫والحكم (ص727)، وسير أعالم النبالء (2/393).‬
‫(55) 55] رواه عبد اهلل بن أحمد في زوائد الزهد (ص665)، وانظر: تهذيب الكمال (07/793).‬
‫(75) 75] المعجم الصغير (8255)، ورواه أيضا ابن عدي في الكامل (7/157)، قال ابن عدي:‬
    ‫"هذا حديث منكر بهذا اإلسناد"، وحسن إسناده المنذري في الترغيب (3/163)، والهيثمي في‬
                                      ‫المجمع (8/395)، وهو في السلسلة الضعيفة (6875).‬
                     ‫(35) 35] صحيح مسلم: كتاب البر (6767) عن أبي ذر رضي اهلل عنه.‬
  ‫(25) 25] سنن الترمذي: كتاب البر والصلة (6195)، صحيح ابن حبان (222، 971)، شعب‬
   ‫اإليمان (3/077) عن أبي ذر رضي اهلل عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وأخرجه‬
‫أيضا البخاري في األدب المفرد (598)، والبزار (0202)، وله شواهد كثيرة أشار إليها الترمذي،‬
                   ‫وحسنه األلباني في السلسلة الصحيحة (721)، وهو جزء من حديث قد تقدم.‬
                                              ‫(15) 15] انظر: سير أعالم النبالء (2/231).‬
                                                           ‫(65) 65] جامع البيان (2/39).‬
                                          ‫(25) 25] انظر: الجامع ألحكام القرآن (2/607).‬
‫(85) 85] سنن الترمذي: كتاب البر (5707)، سنن أبي داود: كتاب األدب (2222) عن معاذ بن‬
‫أنس الجهني رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا أحمد (3/022)، وابن ماجه في الزهد (6852)، وأبو‬
‫يعلى (2925)، والطبراني في الكبير (07/885)، والبيهقي في الشعب (6/353)، وقال الترمذي:‬
                      ‫"هذا حديث حسن غريب"، وحسنه األلباني في صحيح الترغيب (3127).‬
 ‫(95) 95] سنن ابن ماجه: كتاب الزهد (9852) عن ابن عمر رضي اهلل عنهما، وأخرجه أيضا‬
 ‫أحمد (7/875)، والطبراني في األوسط (7872)، والبيهقي في الشعب (6/353، 253)، وحسنه‬
                      ‫العراقي في اإلحياء (2/365)، وهو في صحيح سنن ابن ماجه (2233).‬
                                                     ‫(07) 07] مصباح الزجاجة (2/337).‬
     ‫(57) 57] المعجم الكبير (5/067)، وأخرجه أيضا أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان‬
   ‫(2/237)، والضياء في المختارة (7585)، قال المنذري في الترغيب (3/727): "رواته ثقات‬
   ‫سوى شيخه المقدام بن داود وقد وثق"، وقال الهيثمي في المجمع (8/17): "رواه الطبراني عن‬
‫شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وقال ابن دقيق العيد في اإلمام: إنه وثق، وبقية رجاله ثقات"،‬
                                              ‫وأورده األلباني في السلسلة الضعيفة (0303).‬
                                                        ‫(77) 77] تخريج اإلحياء (3/26).‬
                 ‫(37) 37] سنن الترمذي: كتاب البر (7007) عن أبي الدرداء رضي اهلل عنه،‬
                                                           ‫(27) 27] أي: القطع من األقِط.‬
    ‫(17) 17] مسند أحمد (7/022)، صحيح ابن حبان (2621)، وأخرجه أيضا ابن راهويه في‬
‫مسنده (397)، والبخاري في األدب المفرد (955)، والبيهقي في الشعب (2/82، 92)، وصححه‬
     ‫أيضا الحاكم (2032، 1032)، والمنذري في الترغيب (3/727)، وقال الهيثمي في المجمع‬
                               ‫(8/965): "رجاله ثقات"، وهو في السلسلة الصحيحة (095).‬
  ‫(67) صحيح البخاري: كتاب الصوم (9695، 0295)، صحيح مسلم: كتاب الصيام (6155).‬
 ‫(27) مسند أحمد (1/507)، سنن النسائي: كتاب الصيام، باب: صوم النبي (2137)، وأبو نعيم‬
   ‫في الحلية (9/85)، وصححه ابن خزيمة كما في الفتح (2/157)، وحسنه األلباني في صحيح‬
                                                                    ‫الترغيب (7705).‬
                                                  ‫(87) المجموع شرح المهذب (2/ 56).‬
  ‫(97) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصالة والسنة فيها، باب: ما جاء في ليلة النصف من شعبان‬
    ‫(0935) من حديث أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل‬
 ‫(7/561)، قال البوصيري في الزوائد: "إسناده ضعيف لضعف عبد اهلل بن لهيعة، وتدليس الوليد‬
                                             ‫ل‬
      ‫بن مسلم"، وله شواهد كثيرة ال يخلو ك ّ واحد منها من ضعف، قال ابن رجب في لطائف‬
                 ‫ت‬
  ‫المعارف (ص325): "وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث متعددة، وقد اخ ُلف فيها، فضعفها‬
 ‫األكثرون، وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه"، وقال األلباني في السلسلة الصحيحة‬
    ‫بعد أن ساق الشواهد وتكلم عليها: "وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بال‬
  ‫ريب، والصحة تثبت بأقل منها عددا ما دامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا‬
                                                                              ‫الحديث".‬

‫(5/6823)‬




                                                                   ‫حين نكتشف الحقيقة‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                  ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                    ‫المسلمون في العالم‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                    ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                 ‫عنيزة‬
                                                                           ‫جامع السالم‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- انجالء الحقيقة. 7- حرب الكفار على اإلسالم وأهله. 3- حقائق مكشوفة. 2- التلبيس الذي‬
             ‫تسلكه أعداء اإلسالم. 1- الحقائق القرآنية عن الكافرين. 6- آية الكسوف والخسوف.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                               ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
                                                                        ‫د‬
                                            ‫وقد ظهرت فما تخفى على أح ٍ…إال على أحدٍ ال يعرف القمرا‬
    ‫ة‬                ‫ل‬         ‫ق‬                                         ‫ت ش‬
    ‫ما أقبحهم حين ُكتَ َف حقيقتهم، وما أظلمهم عندما يطالبون بالح ّ، هذه حا ُ أمريكا الصليبي ِ‬
                                                               ‫ق هر كل‬
   ‫إخوتي، والحقائ ُ تظ َ ُ َّ يوم، والفظائع ـ إخوتي ـ تزداد بإخواننا تزداد، ليس في العراق‬
     ‫فحسب، بل في كل مكان، فهل يفقه من يدافع عنها في الصحف والقنوات؟! يضعون ألفعالها‬
                                             ‫عم ر‬        ‫ي‬
 ‫التبريرات والتأويالت! فكيف ُدافعون َّن َكب الصعب والذلول في عداوة بالدنا والمسلمين؟!‬
               ‫ء‬                                                                   ‫ن ِّل‬
       ‫فكيف ُؤو ُ هجماتهم علينا صباح مساء قادةً وشعبًا، تعليمًا وجمعيات، شبابا ونسا ً؟! لكنها‬
  ‫الفضيحة الكبرى بحمد هلل لهؤالء الصليبيين ولمن واالهم على المسلمين، ونراهم بأسماء كأحمد‬
                      ‫ل‬                              ‫ر‬        ‫ولكن‬       ‫د‬
     ‫وجالل وسع ٍ وعثمان، َّهم متأم ِكون أكثر من األمريكيين حين يتخّون عن بالدهم التي‬
    ‫وض لكل‬
    ‫عاشوا فيها وأخذوا من خيرها، وينبرون للدفاع المستميت عنْهم وعن ظلمهم الذي َ َحَ ِّ‬
 ‫أح ٍ، ويهاجمون من إخوانهم وعلمائهم للنيل منهم، ال ِي َ َتَر َّ ُونَ ِكم فَِنْ كَانَ لَكمْ فَتْ ٌ ِنْ َّ ِ‬
 ‫ُ ح م الله‬                    ‫َّذ ن ي َبص ب ُ ْ إ‬                                                    ‫د‬
       ‫ِ ع ُ و ُ م م من ن‬                                     ‫ل َ ك مع ُ وإ ن ل ك ِر ص ٌ ل َ‬
       ‫قَاُوا أَلمْ نَ ُنْ َ َكمْ َِنْ كَا َ ِلْ َاف ِينَ نَ ِيب قَاُوا أَلمْ نَسْتَحْوذْ َلَيْكمْ َنَمْنَعْكمْ ِنْ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                                                                                                              ‫[النساء:525].‬
‫هذا هو الواقع المهين حين نكتشف الحقيقة في العراق، فنرى صورَ التعذيب إلخواننا في السجون‬
 ‫بأسالك الكهرباء، وتعريتهم من مالبسهم، وترى منع النساء واألطفال خلف األسالك الشائكة عن‬
  ‫ر‬                                                           ‫د‬
‫الوصول إلى منازلهم التي ُه ِمت في الفلوجة، والقتل العشوائي للمدنيين، وسرقة الثروات جها ًا،‬
                                                               ‫ر‬
                                              ‫وتعيين الموالين لهم حكامًا، ثم ترى من يب ّر لهم اعتداءاتهم.‬
                                                  ‫م‬                 ‫ة‬        ‫ف‬
       ‫حين تنكش ُ الحقيق ُ في فلسطين عن دع ٍ صليبي ومواالةٍ للصهاينةِ على حساب المسلمين‬
                                                                                ‫ظ‬       ‫ت‬
                                                  ‫وتسخيرِ القرارا ِ والمن ّمات والهيئات الدولية لمصلحتهم.‬
               ‫ي‬     ‫ب‬              ‫ً‬                                          ‫ف‬
‫حين تنكش ُ الحقيقة في أفغانستان، فإذا بهم يزيلون دولة اختارها الشع ُ ورض َ بها، ثم يعيدون‬
                                ‫ن‬                               ‫د‬
                              ‫السرقة واختالل األمن وزراعة المخ ّرات إليها بعد أن اختفى ذلك زما ًا.‬
                                                ‫ي‬                         ‫ف‬
        ‫حين تنكش ُ الحقيقة عن تاريخٍ أمريك ّ صليبي دامي خالل حوالي خمسين سنة، ليس مع‬
                                       ‫المسلمين فحسب، بل في اليابان وكوريا وفيتنام وغيرها من البالد.‬
                                   ‫ء‬                                           ‫ف‬
‫حين نكتش ُ الحقيقة عن واقعهم في بالدهم، فإذا هم شركا ُ في أحداثِ هدم المراكز التجارية وإن‬
     ‫ة‬                                     ‫ة‬               ‫د‬      ‫م‬
‫لم يشرفوا على إعدادها ل ِا تعو ُ عليهم من مصلح ِ، وإذا بقصةِ أسلحة الدمار الشامل كذب ٌ كبرى‬
                                                                       ‫أرادوا من خاللها تحقيق أهدافهم المتطرفة.‬
                                                                            ‫ف‬
‫حين تنكش ُ الحقيقة عن مأساةٍ عظيمة لدول اإلسالم وشعوبه في خذالن إخوانهم، فال تراهم حتى‬
‫يستنكرون ما حدث لألسرى وما يحدث في فلسطين، فأين الغيرة والحمية؟! ما بالها ذهبت في هذا‬
                                                                                                ‫العصر؟!‬
                                          ‫م خ‬
      ‫حين تنكشف الحقيقة عن بعض المسلمين م ّن س ّر نفسه لتشجيعهم على غزو بالد اإلسالم‬
          ‫و‬
 ‫ودعمهم بالمال ومواالتهم ضد المسلمين على حساب قضاياهم، فأصبحوا سماسرة يس ّقون قضايا‬
                                                                                     ‫الصليبيين لشعوبهم.‬
                                                           ‫د ر‬
 ‫حين تنكشف الحقيقة عن عه ٍ ح ّ وسالم جديد ألهلنا في العراق وأفغانستان، فإذا بالحرية سجون‬
                                      ‫ال‬                  ‫ته‬
‫في جواتانامو ال تليق بالحيوان وُ َم تلقى جزافًا وباط ً. إذا بالحرية تعذيب بالكهرباء وممارسات‬
                                                                                  ‫ذ‬
 ‫شا ّة على إخواننا في المعتقالت مع االفتخار بذلك وتصويره في مشاهد مخزِية، حين يظهرونهم‬
     ‫َم‬          ‫ج‬
‫وهم عراة ويلقون بأوساخهم عليهم أخزاهم اهلل، ويلقون بهم من السيارات ويح َزون بال ته ٍ، وال‬
                                    ‫د‬        ‫ة ة‬
     ‫حول وال قوة إال باهلل. إذا الحرية الموعود ُ إهان ٌ للمساج ِ والمشائخ وخطف للعلماء البارزين‬
                                                                                          ‫ي‬
                                                                               ‫وتهديد، فأ ّ حرية هذه؟!‬
     ‫و‬                        ‫لت‬             ‫ء‬             ‫ل‬                ‫د‬                ‫م‬
‫أ ّا السالم الموعو ُ منهم فهو احتال ٌ للبالد ودما ٌ تنزف وقناب ُ ُقْذف وكوارث إنسانية وعد ٌ أراد‬
                                          ‫م‬       ‫ي‬                           ‫ر ت‬
 ‫مسحَ عا ِ خيب ِه وهزيمته بثقل قنابله الغب ّة المد ّرة، لما جبن عن مقابلة الرجال جعل حنقه على‬
 ‫األطفال وص ّ غضبه على المدنّين، أما السال ُ المدعوم من قبلهم في فلسطين فلقد رأيناه اغتيا ً‬
 ‫ال‬                                             ‫م‬              ‫ي‬               ‫ب‬
                         ‫ي‬                                 ‫ق‬              ‫ب‬              ‫ة‬
‫للقاد ِ والمشائخ ونه ًا لألراضي وحر ًا لألشجار وإقامةً لجدارٍ عنصر ًًُّ فاصل ال يليق إال بفِكرهم‬
‫لس‬          ‫ق ل ن بَ ه ِ‬                                                             ‫ي‬
‫الصهيون ّ الصليبي وإن كانوا يعلنون صباح مساء حرصهم على السالم، يَ ُوُو َ ِأفْوا ِهمْ مَا َيْ َ‬
                                                                   ‫ف قل ب ِ َالله َم ب ي تم‬
                                                ‫ِي ُُو ِهمْ و َّ ُ أَعْل ُ ِمَا َكُْ ُونَ [آل عمران:265].‬
                                     ‫ر‬                                       ‫ف‬
   ‫حين نكتش ُ حقيقة تبديل المصطلحات، فإذا بالدين تط ّف، وإذا بالجهاد إرهاب، وإذا بالضعف‬
‫عقل، وإذا بالخالعة فن، واحتالل البلدان جلب للعدل والحرية، والتفجير وترويع اآلمنين إصالح،‬
                                                                    ‫وغير ذلك من لَبس الحق بالباطل.‬
     ‫نعم إخوتي، حين تنكشف حقيقة هؤالء الصليبيين، فيحاولون حجبها وتشويهها بمحاربة بعض‬
                                 ‫القنواتِ اإلخبارية العربية التي تحاول عرضَ الحقيقةِ على الناس.‬
  ‫أر ك‬                  ‫ِ‬           ‫ٌ‬                                      ‫ة‬        ‫ف‬
‫حين تنكش ُ الحقيق ُ الديمقراطية الزائفة، فإذا هي دكتاتورية مطلَقة كمنق فرعون مصر، مَا ُ ِي ُمْ‬
                       ‫د‬              ‫م‬                                             ‫ِال َ‬
                   ‫إ َّ مَا أرَى [غافر:97]، ومنطق فرعون أمريكا الحالي: "إ ّا معنا وإما ض ّنا".‬
            ‫ع‬                ‫ت‬             ‫ة‬                                 ‫ف‬
  ‫حين تكش ُ مزاعم حقوق اإلنسان، فإذا هي كذب ٌ كبرى وشعارا ٌ مهترئة، هم أسر ُ الناس إلى‬
                                                           ‫ُ‬
   ‫نقضها وانتهاكها، وتنكشف حقيقة فكرهم لبالدنا وسائر بالد المسلمين، مكرهم بالشباب، مكرهم‬
                                    ‫وي ُر ن وي ُر الله َالله ْر م ِر‬
                   ‫للتعليم، مكرهم للمرأة، َ َمْك ُو َ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِينَ [األنفال:03].‬
                                                                       ‫ت‬
     ‫حين تنكشف الحقيقة لي ّخذوا من أحداث سبتمبر سببًا لتعميم التهمة على العالم اإلسالمي بدينه‬
 ‫ذ‬                                                                                       ‫ول‬
‫ود َِه وشعوبه وجمعياتِ الخير فيه، بينما تراهم يطالبوننا بأن نعتبر تعذيب الجنود إلخواننا شذو ًا‬
  ‫ي‬
  ‫ال يمثل جيشهم، ويقدم لنا رئيسهم االعتذارَ عنه بعد أن صمتوا عنه أكثر من خمسة أشهر، فأ ّ‬
     ‫ل‬                                              ‫ر د‬          ‫ي‬            ‫ٍ‬    ‫ي‬
‫باطلٍ هذا؟! أ ّ باطل يفعله؟! وأ ّ اعتذا ٍ يق ّمه وهو الذي لم يترك شيئًُّا في اإلسالم إال وتكّم فيه‬
                                                                                 ‫وجعله سببًا لكل بالء؟!‬
                             ‫م د‬          ‫ر‬
      ‫حين تنكشف حقيقة شعوبنا المسلمة، فإذا هي تعيش خط ًا داه ًا يه ّد أخالقها ومبادئها، حين‬
                       ‫مرو‬     ‫ي ك‬                      ‫ط‬
    ‫تحيط بها صور الباطل من اختال ٍ نسائي وعار فضائي و ُتر ُ فيها ِّجو الفساد والعهر في‬
             ‫ة‬                                                                    ‫يس‬
      ‫قنواتهم ل ُف ِدوا المجتمعات ويتخذوا من الفنانين والفنانات والالعبين قدوات في حقيق ٍ مرة ال‬
                                                                                                 ‫نستطيع التعامي عنها.‬
               ‫ُ‬                 ‫ُ‬
‫أيها المسلمون، هذه هي الحقائق، وما كان غيرها مما يعلن فهو كذب، وهذا طبع أهل الكتاب حين‬
                                 ‫ل‬
‫يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلون، وإذا كان ك ّ هذا كذبًا ـ إخوتي ـ فأين الحقيقة‬
                                                                                               ‫ُ‬
                                                                               ‫؟! نعم أين الحقيقة في هذا الزمان؟!‬
               ‫إن الحقيقة ـ إخوتي ـ قريب ٌ لمن أرادها، واضح ٌ لمن قرأها، فهي في كتاب مسط‬
     ‫َّر ال يأتيه‬                         ‫ة‬                  ‫ة‬
                                                           ‫م‬
                                                     ‫الباطل من بين يديه وال من خلفه تنزيل من حكي ٍ حميد.‬
                                  ‫ر‬         ‫ر‬
  ‫إنه القرآن الكريم الذي أوضح لنا ـ وما زالَ ـ كثي ًا من مكْ ِهم، بين لنا باطلَهم، فكلما رجعنا‬
                ‫د‬                                                           ‫ِ‬
  ‫إليه حقًا وقرأناه صدْقًا نرى الحقيقة المماثلة لنا عن هؤالء والتي ال يستطيع أح ٌ حجبها بصداقته‬
  ‫َت ِذ‬        ‫َيه َّذ من‬                                                                    ‫ِ‬
‫معهم أو بتقليد قنواتهم وأخالقهم، الحقيقة عنهم نراها في قوله تعالى: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َ ُوا ال ت َّخ ُوا‬
   ‫ْم‬        ‫ل ب ضه لي ء ب ْ وم ي َل ُ م ُ ْ ِنه م ُ ِن الل َ ي ْد‬                                           ‫يه د َالنص‬
   ‫الْ َ ُو َ و َّ َارَى أَوِْيَاءَ َعْ ُ ُمْ أَوِْ َا ُ َعضٍ َ َنْ َتَوَّهمْ ِنْكم فَإ َّ ُ ِنْهمْ إ َّ َّه ال َه ِي الْقَو َ‬
                                                                                                      ‫الظ لم‬
                                                         ‫َّاِ ِينَ [المائدة:51]، فتعالوا بنا نستعرض الحقائق.‬
                                                            ‫أن‬            ‫أ‬
‫عباد اهلل، إن ُولى الحقائق َّ هذه الحربَ ليست على العراق وفلسطين، كال واهلل، وإنما هي على‬
     ‫ول‬             ‫ة‬                                  ‫د‬
   ‫اإلسالم وعلى دول اإلسالم في صراعٍ ق ّره اهلل بين أهل الحق والباطل، وسن ُ اهلل ماضية، ََنْ‬
                                                                                                 ‫ِ ل ُن الل د‬
                                                                               ‫تَجدَ ِس َّةِ َّهِ تَبْ ِيالً [األحزاب:76].‬
    ‫و َز ل ن ي تل ُ َت َ ُد ُ ع‬                      ‫ن‬         ‫ة ة ف‬                        ‫ة ح‬
  ‫الحقيق ُ أن َربهم هذه مستمر ٌ دائم ٌ لهد ٍ واحدٍ ع َدهم، َال ي َاُو َ ُقَا ُِونَكمْ ح َّى ير ُّوكمْ َنْ‬
                                                                                                  ‫ع‬            ‫د نُ إ‬
                                                                                  ‫ِي ِكمْ ِنْ اسْتَطَا ُوا [البقرة:257].‬
                                                      ‫خ‬                            ‫ة‬
‫الحقيق ُ أن أهل الكتاب يمتلكون تاري ًا من الصراع معنا لم يضعف، وما ذلك إال لما تحمله قلوبهم‬
                                                           ‫ب‬
  ‫من غيظ على المسلمين ورع ٍ من اإلسالم، فهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، مما يجول في‬
  ‫َ ُد ك م ب ْ إ م نك ُف ر ح َد م‬                              ‫َد ر م ْ ك‬                                ‫د‬
‫نفوسهم من حق ٍ وحسدٍ علينا، و َّ كَثِي ٌ ِنْ أَهلِ الْ ِتَابِ لَوْ ير ُّونَ ُمْ ِنْ َعدِ ِي َا ِ ُمْ ك َّا ًا َس ًا ِنْ‬
                                                                        ‫َي ُ َق‬                    ‫ع ْ فسه م ب ْد‬
                                                          ‫ِندِ أَن ُ ِ ِمْ ِنْ َع ِ مَا تَب َّنَ لَهمْ الْح ُّ [البقرة:905].‬
 ‫ض‬                                 ‫لق‬       ‫ض‬                                   ‫ة‬
 ‫الحقيق ُ أن المرض يسري في بعض قلوبنا، أمرا ٌ كالتعُ ِ بالدنيا بشهواتها ومناصبها، أمرا ٌ‬
  ‫كالفكر السطحي البعيد عن الفهم والوعي لواقع األمة وما يتهددها وعدم معرفةِ األهداف وإدراك‬
        ‫ي ِّر‬    ‫من‬         ‫ُب‬                  ‫ط ت‬
       ‫األبعاد لحروب األعداء، بل تنطلي علينا مخ ّطا ُه وتغريره بنا، ولرَّما انبرى َّا من ُب ُر‬
     ‫َّذ َ ف قل ب ِ َرض ي رع َ ف ه‬               ‫َ‬                            ‫ة‬                  ‫ب‬
    ‫حرْ َهم ويعتبرها مقبول ً خشيةً على دنياه الزائلة، فَترَى ال ِين ِي ُُو ِهمْ م َ ٌ ُسَا ِ ُون ِي ِم‬
        ‫ْر م ع ْد ي بح عل م‬                                    ‫تص ب د ِ ٌ عس الله ي ت‬                         ‫ش‬         ‫ق ل‬
       ‫يَ ُوُونَ نَخْ َى أَنْ ُ ِي َنَا َائرَة فَ َ َى َّ ُ أَنْ َأْ ِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَم ٍ ِنْ ِن ِهِ فَ ُصْ ِ ُوا ََى َا‬
                                                                                             ‫َر ف فس ِ دم‬
                                                                            ‫أَس ُّوا ِي أَن ُ ِهمْ نَا ِ ِينَ [المائدة:71].‬
     ‫الحقيقة أن أعداءَ اإلسالم جا ّون غير هازلين في حربهم ومخططاتهم لفتنةِ المسلمين وصد‬
‫ِّهم عن‬                                                  ‫د‬
‫ي تن ك‬            ‫و ْ ُ‬
‫دينهم وطرح مناهج أخرى ومبادراتِ إصالح وهي إفساد، فال بد من الحذر، َاحذَرْهمْ أَنْ َفْ ِ ُو َ‬
                                                                                      ‫ز الله إ‬           ‫ع ب ْض‬
                                                                  ‫َنْ َع ِ مَا أَن َلَ َّ ُ ِلَيْكَ [المائدة:92].‬
                             ‫ٍ‬                                                     ‫ة‬
   ‫الحقيق ُ أن الدافع األساس لما نراه من صفاقةٍ غير متناهية وتناس لألعراف والحقوق والمواثيق‬
                                                                           ‫ع‬
     ‫هو داف ٌ عقدي يحركه تحالف صهيوني صليبي، شاء المدافعون عنه أم أبوا، وما تصريحات‬
                                      ‫ة‬       ‫ب‬
  ‫زعيمهم ووزير دفاعهم واآلخرين بأنها حر ٌ صليبي ٌ بخطأ لفظي، فلقد أثبتت الممارسات صحة‬
                                                                                                  ‫ن‬
                                                                                      ‫أقوالهم وتج ّي معتقداتهم.‬
        ‫الحقيقة أن كذبة حقوق اإلنسان إنما دعوا إليها لمصلحتهم وحدهم، وأن نور اهلل لن يطفئوه‬
    ‫بأفواههم، فاهلل متم نوره ولو كره الكافرون، وكلمتنا هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.‬
               ‫ي‬
    ‫ثم إن الحقيقة ـ إخوتي ـ أن اهلل سبحانه وتعالى ومن خالل هذه األحداث سيم ّز الخبيث من‬
                                                        ‫ٍ‬
                          ‫الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم.‬
  ‫الحقيق ُ ـ إخوتي ـ أنهم سينفقون أموالهم ويشحذون أسلحتهم، ثم ستكون بإذن اهلل عليهم حسر ً‬
  ‫ة‬                                                                              ‫ة‬
                                                                                                        ‫ثم يغلبون.‬
              ‫و ي َ الله ل ك ِر عل م من ن سب ال‬                                                        ‫ة‬
              ‫الحقيق ُ أن الغلبة هلل ولرسله وللمؤمنين، َلَنْ َجْعلَ َّ ُ ِلْ َاف ِينَ ََى الْ ُؤْ ِ ِي َ َ ِي ً‬
                       ‫ْر م من‬                  ‫َق ع‬         ‫و‬
        ‫[النساء:525]. نعم، إننا منصورون بإذن اهلل، َكَانَ ح ًّا َلَيْنَا نَص ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ [الروم:22].‬
      ‫ص‬                    ‫ل‬                                    ‫ر‬
  ‫الحقيقة أن كيدهم هذا لن يض ّنا بإذن اهلل إال أذى جسديًا، وسوف يوّون األدبار ثم ال ين َرون،‬
                          ‫ة‬
‫فال نتعامى عن الحقيقة أن األمة ال زالت إلى خير، يثبت ذلك المقاوم ُ الباسلة للرجال والنساء في‬
                                                            ‫ن‬           ‫د‬       ‫ق‬
 ‫فلوجة العرا ِ وبغدا ِ، في فلسطي َ والشيشان، كلهم استطاعوا أن يثبتوا أن اإليمان مع قلة السالح‬
    ‫ُذ ِلذ ي ل بَنه ظلم وِن الل عل‬
   ‫يفعل العجائب أمام أعتى القوى وأمضى األسلحة، أ ِنَ لَّ ِينَ ُقَاتَُونَ ِأ َّ ُمْ ُِ ُوا َإ َّ َّهَ ََى‬
                       ‫ق ل َب الله‬               ‫ر َّذ أ ج م دي ِ ب ْر َق ِال‬                                 ‫ِ‬
        ‫نَصْرِهمْ لَقَدِي ٌ ال ِينَ ُخْرِ ُوا ِنْ ِ َارِهمْ ِغَي ِ ح ٍّ إ َّ أَنْ يَ ُوُوا رُّنَا َّ ُ [الحج:93، 02].‬
          ‫َ‬     ‫ي‬
  ‫الحقيقة ـ إخوتي ـ أننا بالشعور بمصاب إخواننا في بلدانهم ومعرفة حالهم نح ِي موات قلوبنا،‬
                                                                 ‫ع‬                  ‫ك‬
‫ونعيد تذ ّر أمجادنا، وال ند ُ التخاذل يصيدنا، ونقوم بأقل الواجب حماية لبلداننا من أن يصيبنا ما‬
      ‫أصابهم بعد أن تركنا نصرتهم والدفاع عنهم، فإن ما رأيناه من صور تعذيب المعتقلين وتلك‬
 ‫المشاهد اليومية للنساء والمنازل المهدمة تلقي علينا واهلل مسؤولية عظمى بواجب نصرتهم وعدم‬
                                                                                                     ‫التخلي عنهم.‬
                                                          ‫و‬                       ‫ة‬
 ‫الحقيق ُ أننا بدعمهم بالمال نق ّيهم، وبالدعاء ننصرهم، وأن نستجيب لربنا ونخفف مصابنا ونخذل‬
                                                                                            ‫الكافرين والمنافقين.‬
      ‫َ‬     ‫ل‬              ‫ة‬          ‫ورد س لكن‬               ‫ع‬                       ‫ة أن‬
‫الحقيق ُ َّنا بتوحيد الكلمة نستطي ُ مقاومتَهم َّ بأ ِهم، َّنا بالفرق ِ والتنازع نفش ُ وتذهب ريحنا‬
                                                                                                            ‫أمامَهم.‬
        ‫ر‬                                     ‫الحقيقة، نعم الحقيق ُ أنَنا بنبذ أمراض التطر‬
  ‫ُّف والغلو والحذر من ممارسات العنف، نب ّئ ساحة‬                     ‫ة‬
                                        ‫ديننا ونعلي كلمتنا وندفع عنا تشويه المغرضين ونقد المرجفين.‬
                            ‫ّر‬                    ‫و‬                ‫د‬                            ‫ة‬
   ‫الحقيق ُ أننا نقاومهم بالعزائم الجا ّة واإلرادات الق ّية، ال بالتلهي بالت َّهات واألباطيل، ال بالغناء‬
                                     ‫ُ‬    ‫م‬
    ‫والرقص، وليس بالكرة واإلعالم الهابط، وإنما بإعال ٍ يرفع اهتمامات األمة ويعزها وال يذلها.‬
                            ‫ق‬                               ‫ة‬      ‫ة‬
        ‫عباد اهلل، إنها حقائق دافع ٌ واضح ٌ، ال لبسَ فيها وال تشويه، حقائ ُ ينبغي لنا استحضارها‬
       ‫واالستشهاد بها ونحن نرى ما آل إليه الحال في صراعنا مع هؤالء الكفار في عد ٍ من بال ِ‬
       ‫د‬        ‫د‬
                                                                               ‫ر‬
                                              ‫اإلسالم وثغوره، كفا ٌ يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.‬
                        ‫ة‬      ‫ي‬
   ‫إنها حقائق من الخطأ واإلجرام التعامي عنها والتهاون بها تحت أ ّ ذريع ٍ، فماذا بعدَ الحق إال‬
                                              ‫الضالل؟! ولنحذر من الذين يجادلون في الحق بعدما تبين.‬
        ‫إنها حقائق ال خالف عليها، فهي منطوق كتاب اهلل لمن أراد الدليل لشرعه والمصلحة لبلده‬
‫َ ل ي رب الله َق و ب ط َ َم الز َ ُ َ هب ج ء وَم ي ع الن في كث‬
‫والرفعة لدينه، كذَِكَ َضْ ِ ُ َّ ُ الْح َّ َالْ َا ِل فَأ َّا َّبد فَيذْ َ ُ ُفَا ً َأ َّا مَا َنفَ ُ َّاسَ َ َمْ ُ ُ‬
                                                                              ‫ف َْ‬
       ‫ِي األرضِ [الرعد:25]. فإذا كان هذا هو الحق فأين نحن منه؟! وما دوري وما دورك في‬
        ‫ق‬                                ‫ي‬      ‫ق‬                       ‫َ‬
 ‫إظهاره وإعالئه؟! ولم نرَ الباطل منتفشًا والح ّ منزو ًا إال بتقصير أهله، فارفعوا بالح ّ رؤوسكم‬
                                                                                    ‫ً‬
       ‫عالية إخوة اإليمان، واعلموا أن باطلهم ينكشف مع األيام، وإن ما ذكرناه من الحق سيزهق‬
 ‫َ ْذف َق عل ب ط ِ َ مغ ُ ِذ‬
‫الباطل، إن الباطل كان زهوقا، فهل يفقه ذلك المؤمنون؟! بلْ نَق ِ ُ بِالْح ِّ ََى الْ َا ِل فَيدْ َ ُه فَإ َا‬
                                                                             ‫ه َ ز ق و ُ و ل ِم صف‬
                                                           ‫ُو َاهِ ٌ َلَكمْ الْ َيْ ُ م َّا تَ ِ ُونَ [األنبياء:85].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول ما‬
                                     ‫تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                  ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                                       ‫أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى توبوا إليه.‬
         ‫ي‬
         ‫ُ‬                     ‫ي ِ ْ ي قل‬                    ‫إ َّ ف‬                              ‫ت‬
       ‫آيا ٌ خلقها اهلل في السماوات واألرض، ِن ِي ذَلِكَ آل َاتٍ لقَومٍ َعْ ُِونَ [الرعد:2]. نعم أُّها‬
     ‫األحبة، كيف رفع اهلل هذه السماوات بقوته وأمسكها بقدرته ورحمته أن تقع على العباد، أحكم‬
       ‫ٌ‬          ‫ر‬
‫بناءَها فما لها من فروج وال فطور، زينها بالمصابيح وجعل فيها سراجًا وقم ًا منيرا، كل في فلك‬
                        ‫سخ‬         ‫يسبحون، في نظامٍ دقيق عجيبٍ رتبه بحكمتهِ وهو القوي‬
   ‫ُّ العزيز، َّر سبحانه وتعالى الشمس‬
‫ه‬       ‫ن‬         ‫ع‬                                ‫ُل‬               ‫ص الل َّ‬
‫والقمر بحسبان دائبين، ُنْعَ َّهِ الذِي أَتْقَنَ ك َّ شَيْءٍ [النمل:88]، فأين ما يصن ُه اإلنسا ُ ويعلم ُ‬
                                                                                                   ‫ة‬
                                                                        ‫من عظم ِ صنعِ اهللِ اللطيف الخبير؟!‬
                                                               ‫ر‬
‫عباد اهلل، حين كانت الشمس والقم ُ آيتين من آيات اهلل ينكسفان بأمره، فإذا أراد اهلل أن ينذر عباده‬
       ‫ر‬               ‫ر‬                 ‫كل‬
  ‫من عاقبة معاصيهم ومخالفتهم كسفهما باختفاء ضوئهما ِّه أو بعضهِ، إنذا ًا للعباد وتذكي ًا لهم‬
                                                                      ‫ة‬
        ‫لعلهم يحدثون توب ً، فيقومون بما يجب عليهم من أوامر ربهم ويبتعدون عما حرمه عليهم.‬
             ‫هذه الحكمة العظيم ُ التي تناساها النا ُ اليو َ لهذا األمر الجلل عند حدوثه، ولعل‬
‫َّ ما خفف مصابه‬                               ‫س م‬                        ‫ة‬
                                                                             ‫ن‬
   ‫عليهم اإلعال ُ عنه قبل وقوعه، فترى في الناس من ال يأبه بحدوثه وال حول وال قوة إال باهلل.‬
       ‫ترى بعض الناس يتهاونون بأمر الكسوف فال يقيمون له وزنًا، وما ذاك إال لضعف إيمانهم‬
  ‫وجهلهم بما فعله رسول اهلل تجاهه واعتمادهم على ما علم من أسباب الكسوف الطبيعية وغفلتهم‬
                                                              ‫ر‬
  ‫عن األسباب الشرعية التي يق ّ بها المؤمنون وينكرها الكافرون ويتهاون بها ضعيفو اإليمان فال‬
     ‫يقومون بما أمرهم به رسول اهلل من الفزع إلى الصالة والذكر والدعاء واالستغفار والصدقة‬
                                                                                         ‫والعتق.‬
                                     ‫ر‬       ‫ز‬
     ‫يحصل الكسوف فيخرج عليه الصالة والسالم ف ِعًا يج ّ رداءه وراءه، يدعو الناس: الصالة‬
     ‫د‬        ‫ر‬             ‫ال‬
    ‫جامعة، ثم يعظهم حتى قال: ((واهلل، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قلي ً ولبكيتم كثي ًا)). يح ّث‬
    ‫بذلك صحابته فكيف لو رأيتَ حالنا يا رسول اهلل، وفينا من يجاهر بالمعاصي، وفينا من يدعو‬
       ‫إليها ويرعاها ويحمي أصحابها؟! كيف وفينا من يقوم اقتصاده على الربا، وفينا من يوالي‬
    ‫الكافرين ويعادي المؤمنين؟! كيف ـ يا رسول اهلل ـ وفينا من يرى هذه اآليات المخوفة التي‬
                              ‫ث‬                            ‫ر‬
‫تتابع ثم ال يحرك لها ساكنا، تراه ساه ًا أمام القنوات الفضائية عاب ًا الهيًا يقدم ورقة يلعب بها أو‬
 ‫مباراة يشاهدها على حضور صالة الكسوف؟! فتذكروا ـ يا عباد اهلل ـ العبرة من هذه اآليات،‬
                                                            ‫وقوموا بما أوجبه اهلل عليكم اتجاهها.‬
             ‫ح‬     ‫ة‬
    ‫نسأل اهلل ـ أيها األحبة ـ أن يغفر لنا زللنا وخطأنا، ونسأله جل وعال توب ً نصو ًا تمحو ما‬
                                            ‫ن‬
  ‫اقترفناه من الذنوب، فواهلل ـ عباد اهلل ـ إ ّ اإلنسان ليخاف ونحن نرى هذه اآليات من كسوف‬
 ‫د‬                 ‫ح‬
‫الشمس وخسوف القمر وكثرة الرياح واألعاصير والغبار وانقطاع األمطار وش ّ المياه الذي يته ّد‬
   ‫بالدنا بقلة موارد الماء ونقص المياه الجوفية وغورها في األرض وغير ذلك مما ينبغي لنا أن‬
                                                                                  ‫نخشاه ونخافه.‬
          ‫نسأل اهلل تعالى اللطف بنا وبسائر عباده المؤمنين، وأن ال يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.‬
                                              ‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد...‬

‫(5/2823)‬




                                                                       ‫آخر العام الهجري 2725‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                  ‫اغتنام األوقات‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                      ‫إبراهيم بن عبد اهلل صاحب‬
                                                                                          ‫جازان‬
                                                                                  ‫97/75/2725‬
                                                                             ‫جامع قرية المجديرة‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- ضرورة المحاسبة. 7- مجاهدة النفس. 3- فضل المحاسبة. 2- نماذج من محاسبة السلف‬
               ‫ألنفسهم. 1- سبب ذم الدنيا. 6- وقفة عند انقضاء عام كامل. 2- التذكير بالموت.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، فإن تقوى اهلل دار حصن عزيز،‬
           ‫د‬               ‫د‬                         ‫ح‬
         ‫تمنع أهلها وتحرز من لجأ إليها، وبها تقطع ُمة الخطايا، فهي النجاة غ ًا، والمنجاة أب ًا.‬
     ‫إن الفرد منا إذا تعرض لنكبات وخسارات فإن عليه أن يعيد لملمة أوراقه وترتيب صفحاته،‬
     ‫ويعود لنفسه ليتبين موضع أقدامه، ويبصر مكان خطواته، ليصبح في أشد الحاجة إلى عمليه‬
                 ‫د‬
   ‫تجديد وبناء جديد، حتى تعود نفسه لبنة صالحة، فيقيم منها صرحًا شامخًا مشي ًا مجيدا، ولذلك‬
                      ‫ب فس ِ‬           ‫ي ّر م ْم َت ي ّر‬                    ‫ِن الل‬
  ‫يقول الحق تبارك وتعالى: إ َّ َّهَ الَ ُغَي ُ َا بِقَو ٍ ح َّى ُغَي ُواْ مَا ِأَن ُ ِهمْ [الرعد:55]، ويقول‬
                                                      ‫َي َّذ ن من ع ُ فس ُ‬
   ‫سبحانه: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َلَيْكمْ أَنْ ُ َكمْ [المائدة:105]، ويقول عليه الصالة والسالم: ((عليك‬
                                          ‫بخاصة نفسك)) أخرجه األربعة إال النسائي وحسنه الترمذي.‬
   ‫عباد اهلل، إن أعجب األشياء مجاهدة النفس ومحاسبتها، ألنها تحتاج إلى صناعة عجيبة وقدرة‬
                                                                        ‫م‬
‫رهيبة، فإن أقوا ًا أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما يكرهون، وإن آخرين بالغوا في خالفها حتى‬
  ‫ظلموها ومنعوها حقها، وأثر ظلمهم لها في تصرفاتهم وتعبداتهم، ومن الناس من أفرد نفسه في‬
  ‫خلوة وعزلة، أثمرت الوحشة من الناس، وآلت إلى ترك فرائض أو فضل من عيادة مريض أو‬
                         ‫أل‬                                ‫م‬
‫بر والدة، وإنما الحازم ال ُحكم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ ا ُصول، فالمحقق المنصف هو من‬
‫يعطيها حقها ويستوفي منها ما عليها، وإن في الحركة بركة، ومحاسبة النفس حياة، والغفلوة عنها‬
   ‫َي َّذ ن من اتق الله و ظ س م َدم ل َد‬                                                     ‫ر‬
   ‫لون من ألوان القتل صب ًا. قال تعالى: ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ َلْتَن ُرْ نَفْ ٌ َّا ق َّ َتْ ِغ ٍ‬
                                                                       ‫مل‬         ‫رب‬          ‫َاتق الل ِن الل‬
                                                        ‫و َّ ُواْ َّهَ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا تَعْ َُونَ [الحشر:85].‬
‫وإن العبد المسلم لن يبلغ درجة التقوى حتى يحاسب نفسه على ما قدمت يداه، وعلى ما يعقد عليه‬
              ‫س‬
     ‫العزم من شؤونه في جميع األمور، فينيب إلى اهلل مما اجترح من السيئات، ملتم ًا عفو ربه‬
                                                                                     ‫ع‬
                                                          ‫ورضاه، طام ًا في واسع رحمته وعظيم فضله.‬
     ‫ومحاسبة النفس المؤمنة سمة للمؤمن الصالح، ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،‬
‫والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل األماني))، والذنوب واردة على كل مسلم، ولكن ال‬
  ‫بد لها من توبة، وال توبة دون محاسبة، قال رسول اهلل : ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين‬
                                                                                     ‫التوابون)) رواه الترمذي.‬
 ‫يتوب العبد بعد أن يحاسب نفسه، ويحاسب نفسه لينجو من عذاب اآلخرة، فإن الشهود كثير، وال‬
‫قن الله‬            ‫ل‬           ‫َ ل جل ِ ِ ِدت ع‬
‫يملك العبد في االحتيال فتيال وال نقيرا وال قطميرا، وقَاُواْ لِ ُُودِهمْ لمَ شَه ُّمْ َلَيْنَا قَاُواْ أَنطَ َ َا َّ ُ‬
                               ‫م ِذ تحدث ب ه‬                                             ‫ُل‬              ‫َّ‬
     ‫الذِى أَنطَقَ ك َّ شَىْء [فصلت:57]، اهلل أكبر، يَوْ َئ ٍ ُ َ ّ ُ أَخْ َارَ َا [الزلزلة:2]، قال الصحابة‬
 ‫رضي اهلل عنهم: يا رسول اهلل، وما أخبارها؟ قال: ((أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على‬
                               ‫ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا)) رواه أحمد وغيره.‬
‫ونضر اهلل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ورضي عنه ذا الكلمة الراشدة الراسمة طريق النجاح:‬
 ‫م ِذ‬
 ‫(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض األكبر على اهلل) يَوْ َئ ٍ‬
                                                                              ‫م ُ خ فية‬                     ‫ت رض‬
                                                                 ‫ُعْ َ ُونَ الَ تَخْفَى ِنكمْ َا ِ َ ٌ [الحاقة:85].‬
                             ‫ج‬      ‫ي‬
   ‫إن ارتفاع النفس ونضوجها ال يتكون فجأة، وال يولد قو ًا ناض ًا دون ما سبب، بل يتكون على‬
‫مكث، وينضج على مراحل، وإن ترويض النفس على الكمال والخير وفطامها عن الضالل والشر‬
       ‫يحتاج إلى طول رقابة وكرات من الحساب. وإنه ال أشد حمقًا وال أغرق غفلة ممن يعلم أنه‬
                                                                                     ‫ي‬
‫ُحصى عليه مثاقيل الذر، وسيواجه بما عمله من خير أو شر، ويظل في سباته العميق الهيًا، غير‬
 ‫مستعتب لنفسه وال محاسب لها، يمسي على تقصير، ويصبح على تقصير، قال أحد السلف رحمه‬
 ‫اهلل: "من حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن‬
   ‫منقلبه ومآبه. ومن لم يحاسب نفسه، دامت خسارته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته‬
                                                                                  ‫إلى الخزي والمقت سيئاته" .‬
     ‫واعلم ـ أيها المسلم ـ أنه ما من بالء أو مصيبة تقع باإلنسان إال بسبب الذنوب، يوضح هذا‬
    ‫موقف أبو الدرداء يوم انتصر المسلمون على الروم القياصرة وزالت دولتهم، حيث جلس يبكي‬
  ‫فلما سئل: يا أبا الدرداء، أتبكي في يوم أعز اهلل فيه اإلسالم وأهله؟! فقال أبو الدرداء: (ويحك يا‬
        ‫هذا، ما أهون الخلق على اهلل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، تركوا أمرا هلل‬
                                             ‫ن‬                ‫ح‬
   ‫فصاروا إلى ما ترى). وقد ُمل ابن سيرين دي ًا، فسئل فقال: "إني ألعرف الذنب الذي حمل به‬
                                                ‫علي الدين ما هو؛ قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس".‬
                                                                                  ‫ل‬
  ‫قّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نؤتى، والجزاء من جنس‬
                                                                                                             ‫العمل.‬
    ‫يقول أحد السلف: واهلل، إني ألعلم ذنوبي حتى في انقطاع شراك نعلي وسير دابتي. ونظر أحد‬
                                  ‫ب‬
‫السلف إلى امرأة في السوق فقال له صاحبه: واهلل، لتجدن غ ّها ولو بعد حين، أي: أثر هذا الذنب،‬
                                                              ‫فنسي القرآن بعد أربعين سنة من تلك الحادثة.‬
                                                       ‫ي‬                      ‫ب‬
      ‫يا ابن آدم، ال ِر ال يبلى، و الذنب ال ُنسى، والديان ال يموت، اعمل ماشئت، فكما تدين تدان.‬
                                                                                                 ‫د‬
                                                                ‫إن هلل عبا ًا فطنا…طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا‬
                                                                   ‫َى‬
                                                              ‫نظروا فيها فلما علموا…أنها ليست لِح ٍّ وطنا‬
                                                                ‫س‬                            ‫ُج‬
                                                            ‫جعلوها ل َّة واتخذوا…صالح األعمال فيها ُفْنا‬
   ‫فالفطناء العقالء هم الذين عرفوا حقيقة الدار، فحرثوها وزرعوها، وفى اآلخرة حصدوها. فالذم‬
    ‫الوارد فى القرآن والسنة للدنيا ال يرجع إلى زمانها من ليل ونهار، فلقد جعل اهلل الليل والنهار‬
                                                          ‫ر‬
‫خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكو ًا، والذم الوارد للدنيا فى الكتاب والسنة ال يرجع إلى مكانها‬
                               ‫ر‬
      ‫أال وهو األرض، إذ إن اهلل قد جعل األرض لبني آدم سكنًا ومستق ًا، والذم الوارد فى القرآن‬
        ‫والسنة ال يرجع إلى ما أودعها اهلل عز وجل من خيرات، فهذه الخيرات نعم اهلل على عباده‬
  ‫وجميع خلقه، إنما الذم الوارد فى القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب فى حق ربنا جل‬
                                                                                                                   ‫وعال.‬
 ‫أخي الحبيب، دنياك مهما طالت فهى قصيرة، ومهما عظمت فهى حقيرة؛ ألن الليل مهما طال ال‬
                                        ‫بد من طلوع الفجر، وألن العمر مهما طال ال بد من دخول القبر.‬
                                      ‫دع عنك ما قد فات فى زمن الصبا…واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب‬
                                                       ‫لم ينسه الملكان حين نسيته…بل أثبتاه وأنت اله تلعب‬
                                                 ‫والروح منك وديعة أودعتها…ستردها بالرغم منك وتسلب‬
                                                     ‫وغرور دنياك التى تسعى لها…دار حقيقتها متاع يذهب‬
                                                       ‫الليل فاعلم و النهار كالهما…أنفاسنا فيها تعد وتحسب‬
‫قلْ يا ِ َادىَ ال ِينَ أَسر ُواْ ََى أَن ُ ِهمْ الَ تَقْنَ ُواْ ِن َّحْ َةِ َّهِ إ َّ َّهَ َغْف ُ ُُّوبَ َ ِيعًا إ َّ ُ ُ َ‬
‫ط م ر م الل ِن الل ي ِر الذن جم ِنه هو‬                                        ‫ْ َف عل فس ِ‬              ‫ُ عب ِ َّذ‬
               ‫تي ُم َ ب ُم ت َر‬                          ‫ف ر الرح م و ن ب إ رب ُ و لم ه م ْ‬
 ‫الْغَ ُو ُ َّ ِي ُ َأَ ِي ُواْ ِلَى َّكمْ َأَسِْ ُواْ لَ ُ ِن قَبلِ أَن يَأْ ِ َك ُ الْعذَا ُ ث َّ الَ ُنص ُونَ [الزمر:31،‬
                                                                                                                    ‫21].‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من اآليات والحكمة. أقول قولي‬
      ‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور‬
                                                                                                                 ‫الرحيم.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                                  ‫د ر ب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصالة والسالم على حبيب اهلل‬
                                              ‫ر‬
                                            ‫وخليله وعبده ورسوله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
      ‫وبعد: أيها اإلخوة المسلمون، نقف اليوم على آخر عتبة من دار عام كامل، وهو العام الرابع‬
       ‫والعشرون بعد األربعمائة واأللف من هجرة المصطفى عليه الصالة والسالم، وهو اليوم في‬
                ‫أنفاسه األخيرة، نقف ونلتفت للخلف لنتمعن في أعمالنا في هذا العام من خير أو شر.‬
 ‫ص‬            ‫د‬
‫ففي الوقت الذي توقف كثير من المؤسسات أعمالها وتغلق أبوابها لكي تعمل جر ًا سنويا وفح ًا‬
                                                                                     ‫ي‬
       ‫دور ّا للمشتريات والمبيعات، ويجلس الشركاء ليتحاسبوا على النقير والقطمير والصغير قبل‬
 ‫الكبير، يحسن بالمسلم أن يجلس مع نفسه ليحاسبها وليضبط سلوكها. والسؤال هو: هل جلس كل‬
‫منا مع نفسه اليوم أو قبله أو بعده، وأخذ ورقة وقلما، وحاول أن يتذكر بعض أعماله التي قام بها‬
‫في هذا العام المنصرم من خير أو شر، فيشكر ربه على أن وفقه ألعمال الخير، ويلوم نفسه على‬
  ‫تقصيره وفعله للشر، وحتى ال يتمادى به الهوى وتطغيه الشهوة ويتتبع خطوات الشيطان ويلهيه‬
                                                                                     ‫طول األمل وتفتنه الدنيا؟!‬
                                             ‫إبليس والدنيا ونفسي والهوى …كيف الخالص وكلهم أعداء‬
   ‫وأقول ـ أيها األحبة ـ ال بد من وقفة بطولية ومحاسبة شديدة حازمة حاسمة لهذه األنفس لكي‬
                              ‫نرب‬
     ‫نردعها عن الزيغ والفساد، قبل أن تجرنا إلى الهاوية، فإذا لم ِّها على الفضيلة جرفتنا إلى‬
‫الرذيلة، وإذا لم نرفعها وضعتنا، وإذا لم نجرها إلى الحسنات سحبتنا إلى السيئات، إذن فال بد من‬
‫معالجة هذه األنفس قبل أن يستفحل المرض، وقبل أن ينتشر ويكون رانًا على القلوب وغالفًا على‬
        ‫الصدور، وعلينا أن نطهرها وننظفها، لتكون بيضاء نقية الستقبال العام الجديد، وكما قيل:‬
 ‫المحسن هو من كان يومه خير من أمسه، وغده خير من يومه، والمسيء من كان أمسه خير من‬
‫َال‬
‫يومه، ويومه خير من غده. فالمؤمن يبقى على عبادة اهلل تعالى حتى يأتيه الموت، قال تعالى: ك َّ‬
          ‫َق م ر‬                                                   ‫َّر قى َ م ر‬                  ‫ِذ ب‬
    ‫إ َا َلَغَتِ الت َا ِ َ وقِيلَ َنْ َاقٍ [القيامة:67، 27]، إذا بلغت الروح الترقوة و ِيلَ َنْ َاقٍ من‬
   ‫يرقيه؟! من يرقى بروحه؟! مالئكة الرحمة أم مالئكة العذاب؟! من يبذل له الرقية؟ من يبذل له‬
   ‫الطب والعالج؟! فهو من هو؟! صاحب الجاه والسلطان؟! صاحب األموال والولدان؟! انتقل فى‬
            ‫ص‬
  ‫طيارة خاصة إلى أكبر مستشفى فى العالم، التف حوله أكبر األطباء، هذا متخ ّص فى جراحة‬
                               ‫خ‬
  ‫القلب، وهذا في البطن، وهذا متخصص فى جراحة الم ّ واألعصاب، وهذا متخصص فى كذا،‬
                                         ‫شيئ‬
     ‫وذاك متخصص فى كذا. التف حوله األطباء يريدون ًُّا، وملك الملوك أراد شيئًُّا آخر، قال‬
     ‫أ نم‬                     ‫ي ِر ن عة و ي ْدم‬                           ‫جل ُ‬           ‫ول ُل ُم َ ٌ إ‬
    ‫تعالى: َِك ّ أ َّةٍ أَجل فَِذَا جَاء أَ َُهمْ الَ َسْتَأْخ ُو َ سَا َ ً َالَ َسْتَق ِ ُونَ [األعراف:23]، َيْ َ َا‬
                                              ‫ك ن ُ ِككم م ت و ك ُ ْ ف بر م َّد‬
  ‫تَ ُو ُواْ يدْر ُّ ُ الْ َوْ ُ َلَوْ ُنتم ِى ُ ُوجٍ ُّشَي َةٍ [النساء:82]، والتف حوله األطباء مرة أخرى،‬
 ‫ع‬
‫كل يبذل له العالج والرقية، ولكن حاروا وداروا، اصفر وجهه، شحب لونه، بردت أطرافه، تج ّد‬
 ‫جلده، بدأ يشعر بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، فينظر فى لحظة السكرة والكربة‬
                                                  ‫ء‬
    ‫فيرى الغرفة التى هو فيها مرة فضا ً موحشًا ومرة أخرى أضيق من سم الخياط، وينظر مرة‬
    ‫فيجد أهله يبتعدون عنه وأخرى يقتربون منه، اختلطت عليه األمور واألوراق، من هذا؟! ملك‬
   ‫الموت؟! ملك الموت عند رأسه، ومن هؤالء الذين يتنزلون من السماء؟! إنه يراهم بعينه، إنهم‬
‫المالئكة، يا ترى مالئكة الرحمة أم مالئكة العذاب؟! يا ترى ماذا سيقول ملك الموت؟! هل سيقول‬
 ‫لي اآلن: يا أيتها الروح الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اهلل ورضوان ورب راض غير غضبان،‬
        ‫أم يقول: يا أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط اهلل وعذابه؟! ينظر لحظة الصحوة بين‬
‫السكرات والكربات، فإذا هو يعي من حوله من أهله وأحبابه، فينظر إليهم نظرة استعطاف، نظرة‬
    ‫رجاء، فيقول بلسان الحال وربما بلسان المقال: يا أوالدي، يا أحبابي، يا إخواني، ال تتركوني‬
              ‫ع‬
‫وحدي، وال تفردوني فى لحدي، أنا أبوكم، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي َمرت لكم الدور،‬
                                                                             ‫نم‬
‫أنا الذي َّيت لكم التجارة، فمن منكم يزيد فى عمري ساعة أو ساعتين؟! افدوني بأموالي، افدوني‬
       ‫لي ه عن س ني‬                    ‫ن عن‬
     ‫بأعماركم. وهنا يعلو صوت الحق كما قال جل وعال: مَا أَغْ َى َ ّى مَاِ َهْ َلَكَ َ ّى ُلْطَا ِ َهْ‬
                                                                                       ‫[الحاقة:87، 97].‬
  ‫وقد سجل التاريخ لهارون الرشيد عندما نام على فراش الموت فنظر إلى جاهه وماله وقال: ما‬
   ‫أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه، ثم قال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوه إلى‬
 ‫قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى، ونظر إلى السماء وقال: يا من ال يزول ملكه، ارحم من قد‬
    ‫زال ملكه. أين الجاه؟! أين السلطان؟! أين المال؟! أين األراضي والولدان؟! ذهب كل شيء.‬
                                                                                       ‫َدع‬
                                                           ‫أيا من ي َّ ِي الفهم …إلى كم يا أخى الوهم‬
                                                                                           ‫ب‬
                                                            ‫تع ّ الذنب والذنب …وتخطئ الخطأ الجم‬
                                                                 ‫أما بان لك العيب …أما أنذرك الشيب‬
                                                            ‫أما أسمعك الصوت …أما نادى بك الموت‬
                                                                 ‫أما تخشى من الفَوْت …فتحتاط وتهتم‬
                                                              ‫فكم تسير فى اللهو …وتختال من الزهو‬
                                                                     ‫كأني بك تنحط …إلى اللحد وتنغط‬
                                                               ‫وقد أسلمك الرهط …إلى أضيق من سم‬
                                                                  ‫هناك الجسم ممدود …ليستأكله الدود‬
                                                            ‫إلى أن ينخر العود …فيمسي العظم قد ر ّ‬
                                                            ‫م‬
                                                                                           ‫و‬
                                                            ‫فز ّد نفسك الخير …ودع ما يعقب الضير‬
                                                            ‫وهيئ مركب السير …وخاف من لجة اليم‬
                                                            ‫بذا أوصيك يا صاح …وقد بحت كمن باح‬
                                                                 ‫فطوبى لفتى راح …بقرآن الرب يأتم‬
                                  ‫أ‬
     ‫أيها الشاب، أيها الشيخ، صحح مسارك، واستقم كما ُمرت، وانطلق على وجه األرض ذات‬
‫ب‬                                                             ‫ح‬
‫الطول والعرض، ولتكن مصبا ًا للدجى ومشعالً للهدى، فترد نفسك والفارين من اهلل إلى اهلل ر ّ‬
  ‫العالمين، وتنادي المعرضين عن سبيل الهداية والدين، وتعيد الناكصين، ممن في طريق الباطل‬
    ‫سالكين، فتعبق بشذاك في كل مكان وفي كل زمان، فتغدو مبارك الخطوة أينما حللت وحيثما‬
                                                                         ‫رحلت، هكذا تكون أنت البطل‬
                                                                         ‫ً‬
                                                 ‫ليس من يقطع طرقًا بطال…إنما من يتقي اهلل البطل‬
                       ‫و ِنن م م لم‬                            ‫س ُ ال ّم د إل الله وع ِ‬                  ‫وم‬
         ‫َ َنْ أَحْ َن قَوْ ً م َّن َعَا َِى َّ ِ َ َملَ صَالِحًا َقَالَ إَّ ِى ِنَ الْ ُسِْ ِينَ [فصلت:33].‬
                 ‫ل‬                    ‫ر‬
  ‫هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين ومنا ًا للسالكين، اللهم ص ّ وسلم عليه وعلى‬
                                                          ‫آله وأصحابه والمقتدين بهم إلى يوم الدين .‬

‫(5/8823)‬
                                                                                ‫وصايا في االستثمار‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                                        ‫البيوع, الفتن‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                            ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                        ‫مكة المكرمة‬
                                                                                        ‫25/8/1725‬
                                                                                      ‫المسجد الحرام‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
‫5- تنافس الناس على الدنيا. 7- فتنة المال. 3- حب المال. 2- كثرة المال في آخر الزمان. 1-‬
    ‫انتشار المكاسب المحرمة. 6- وصايا للمستثمرين. 2- عناية الشريعة اإلسالمية بحفظ المال.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                  ‫ّر‬         ‫ت‬                                           ‫ي‬                  ‫م‬
‫أ ّا بعد: فأوصيكم ـ أّها الناس ـ ونفسي بتقوَى اهلل سبحانه ومراقب ِه في الس ِّ والعلن واالستعداد‬
                                      ‫م‬           ‫وإن‬      ‫َ‬               ‫فإن س‬
                          ‫ليوم المعاد، َّ ال ّاعةَ آتية ال ريب فيها، َّ اهلل يبعث َن في القبور.‬
    ‫ض‬               ‫ِ‬               ‫الد د‬        ‫د‬           ‫ل‬                    ‫ّ‬
‫عبادَ اهلل، إن تنافسَ الناس في ني ِ مطامعِ ال ّنيا لهو َّي َن المعهود في غابرِ األزمان وحا ِرها،‬
  ‫إن‬                 ‫ت‬                       ‫له‬            ‫طم ل‬            ‫ف‬             ‫د‬      ‫وإن‬
  ‫ِّه ليز َاد هذا التنا ُس معَ ال ّ َع كّما ازداد الّ َث وراءَ المكنون من زين ِها ومفاتنها، حتى َّ‬
      ‫إال م شد‬          ‫ء‬          ‫ء‬                          ‫س‬          ‫ب‬
 ‫النفسَ المغامرة لتشرئ ّ أمامَ ال ّرابِ في القيعةِ تحسَبه ما ً وليس بما ٍ، وما ذلك َّ ِن َّة ولع‬
                                                                                                ‫ن‬
                                                                             ‫ال ّاس بالدنيا وزخرفها.‬
                                                  ‫د‬                                            ‫وإن‬
     ‫َّ على رأس هذهِ المفاتن المالَ، المال الذي أو َعه اهلل بين عباده، يتناقلونه فيما بينهم، يبيع‬
                 ‫ت تة‬                                        ‫ب‬          ‫ب‬
‫بعضهم لبعض، ويرا ِح بعضهم ل َعض. يجِد الناس في هذا المالِ طاقا ٍ متف ّق ً بين الحين واآلخر‬
‫في إذكاءِ المضاربات والمرابحات، ح ّى يص ِح التنافس والتها ُت ِم ُ ِن سما ِ مغامرات النا ِ‬
‫س‬              ‫ت‬      ‫ف سةم‬                     ‫ب‬     ‫ت‬
‫ومخاطراتهم، وكأنهم بذلك يف ّون من فق ٍ َّق ي َ ّون إليه د ًّا، حتى وقَعوا فيما َّر منه النب ّ‬
‫ي‬           ‫حذ‬                   ‫َع‬          ‫ر محق دع‬            ‫ر‬
         ‫س‬          ‫د‬               ‫ت‬
  ‫بقوله: ((فواهلل، ال الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن ُبسَطَ عليكم ال ّنيا كما ب ِطَت على‬
                  ‫ي‬                ‫ه‬                ‫ل‬                                          ‫م‬
     ‫َن كان قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها، وتهِكَكم كما أهلَكت ُم)) رواه البخار ّ ومسلم(5)[5].‬
 ‫ل‬             ‫س‬      ‫د‬           ‫ظِ ب‬                 ‫ل ب جم م‬                                 ‫م إن‬
 ‫ث ّ َّ هذا التنافسَ المحمومَ لم تسَم َرا ِ ُه ِن أوخازِ ال ّلم وال ُهتان والكي ِ والح َد وأكلِ أموا ِ‬
‫ة‬          ‫ُ‬             ‫الناس بالباطل؛ إذ ما ِن تَنافسٍ يخر ُ عن إطارِ االعتدا ِ والتوس إال‬
‫ُّط َّ وتكون العواقب فيه وخيم ً‬     ‫ل‬                  ‫ج‬              ‫م‬
   ‫ع‬                     ‫غ‬        ‫ن‬          ‫ف‬              ‫م‬                 ‫ث‬
  ‫واآلفات المتكا ِرة عليه أليمة. و ِن هنا تنشأ ال ِتنة بين الّاس، فيب ِي بعضهم على بعض، ويل َن‬
     ‫م‬              ‫ن لكل م ٍ ف‬                     ‫ق‬       ‫ه‬      ‫ة‬
   ‫بعضهم بعضًا، وهذِه النتيج ُ إنما ِي مصدا ٌ لقولِ المصطفى : ((إ ّ ِّ أ ّة ِتنةً، وفتنة أ ّتي‬
                                                             ‫المال)) رواه الترمذي في جامعه(7)[7].‬
                        ‫ً‬       ‫ق‬        ‫ة ر‬                   ‫ف‬             ‫حب‬               ‫ن‬
   ‫إ ّ كرهَ الفقر و ُ ّ الغنى أمران ِطريان، والشريع ُ الغ ّاء ال ت ِف كالِحة في وجهِ الفِطرة التي‬
 ‫كل‬                   ‫حاث‬           ‫ف َر اهلل الناسَ عليها، ولكنها في الوق ِ نف ِه تب ُز كمصح‬
 ‫ِّحةٍ للمَسار َّةٍ على االعتدال في ِّ‬    ‫ت س ر‬                                           ‫ط‬
                                           ‫شر‬                     ‫شيء حتى في المال؛ أل ّ النبي‬
               ‫َّ قد استعاذَ باهلل من ِّ الغنى والفقر. رواه أبو داود‬    ‫ن‬
  ‫س‬       ‫يحر‬      ‫ر‬             ‫َ‬     ‫ن‬                ‫والترمذي(3)[3]. فاإلسالم لم يحث ط‬
  ‫َّ ق ّ على الفقرِ؛ أل ّ الفقر كاد يكون كف ًا، ولم ِّض النا َ‬
                                             ‫غ‬                ‫ن‬                        ‫له‬
                            ‫على الّ َث األعمى وراء المال؛ أل ّ اإلنسانَ قد يط َى أن رآه استَغنى.‬
   ‫ن‬                                           ‫ن‬       ‫أ ّها الناس، جاء في مسند أحمدَ أ ّ النبي‬
   ‫َّ ذكر أ ّ الساعةَ ال تقوم حتى يفيضَ المال(2)[2]، وإ ّ‬    ‫ن‬                 ‫َ‬            ‫ي‬
                              ‫وع‬                                  ‫ز‬            ‫ه‬        ‫من المقر‬
       ‫َّر المشا َد في هذا ال ّمن ـ عباد اهلل ـ كثرةَ المال وتن ّ َ موارده وامتالءَ الساحة‬
              ‫ف‬                                                       ‫ي‬
 ‫باألطروحات االستثمار ّة والمساهماتِ الربحية؛ ما جعل الناس يتهافتون إليها تها ُت الفراشِ على‬
           ‫ن‬                                                   ‫إال‬       ‫د‬        ‫ن‬           ‫الن‬
  ‫ِّبراس، حتى إّها لم ت َع بيتًا َّ وأصابته بدخَنها. وليس هذا هو العجبَ عباد اهلل، فإ ّ النبي قد‬
    ‫ي‬           ‫ط‬                      ‫ب‬                         ‫ج‬
   ‫أخبرنا بهذا التنافس، وإنما الع َب حينما يكون هذا االنكبا ُ واالنغماس في حمأة ال ّفرَة المال ّة‬
   ‫لدى المستث ِرين عاريًا عن األنا ِ والوضوح وال َرز بين ما َّه اهلل وبين ما ح ّمه، وأن تكو َ‬
   ‫ن‬            ‫ر‬                 ‫أحل‬         ‫ف‬             ‫ة‬                    ‫م‬
      ‫ي‬                                                  ‫ات‬
  ‫غاية الكثيرين هي التحصيلَ كيفما َّفق دون النظرِ إلى الضوابط الشرعية والقواعِد المرع ّة في‬
                            ‫ر‬               ‫ّ‬    ‫ة‬        ‫ء‬            ‫س‬
         ‫أبوابِ المعامالت بين النا ِ بيعًا وشرا ً ومرابح ً. وإن مثلَ هذه المع ّة لم تأتِ بغتةً دون‬
          ‫طر‬                                ‫د لقل ع ض‬                            ‫د‬
‫مق ّمات، بل إنها رَجع ص ًى َّة ال ِلم و َعف الحرص على استجالبِ المال من ُ ُقه الواضحة‬
     ‫به‬              ‫ي متنو‬                 ‫م‬        ‫ه‬          ‫ة‬        ‫ِل‬             ‫ي‬
     ‫الب ّنة من حيث الح ّ والحرم ُ. وما نشا ِده اليو َ من عروضٍ استثمار ّة ِّعة يعتريها ش َ ٌ‬
          ‫ت ن‬                 ‫وشكوك بل يعت ِيها ظن راجح بأنها ملتاث ٌ بشيءٍ من ال ّرق المحر‬
     ‫َّمة في المعامال ِ إ ّما هو‬      ‫ط‬             ‫ة‬                  ‫ٌّ‬    ‫ر‬
                                    ‫ء‬               ‫ن‬                ‫َن‬           ‫ِّرنا بقول النبي‬
‫ِّ : ((ليأتي َّ على الناسِ زما ٌ ال يبالي المر ُ بما أخذَ من المال بحاللٍ أو بحرام))‬            ‫يذك‬
                                                                                    ‫رواه أحمد(1)[1].‬
      ‫عبادَ اهلل، إ ّ الثورةَ الماليةَ الهائلة في أوساطِ المستثمرين قد َّدت شيئًُّا من اإل َن والمشا ّ ِ‬
      ‫حة‬          ‫ح‬                  ‫ول‬                                                  ‫ن‬
             ‫ر‬          ‫حل‬          ‫كم‬                    ‫ج‬
            ‫والدعاوى، إضافةً إلى اإلعسارِ المفا ِئ والخسائرِ المترا ِ َة التي ت ُ ّ ببعض الف َص‬
   ‫االستثمارية، فتشت ِل على إث ِها الخصوما ُ والّكبات ج ّاءَ تلكم ال َمَاالت التي لم تكن مح َ‬
   ‫ض‬                      ‫ح‬            ‫ر‬       ‫ت ن‬              ‫ر‬         ‫ع‬
                      ‫نؤك‬        ‫ل‬                                     ‫ف‬            ‫ص ة‬
       ‫ُدف ٍ مع االعترا ِ بأنها غالبًا ما تكون مفاجئةً، وهذا كّه يجعلنا ِّد على توضيح بعض‬
              ‫خ‬           ‫غ ر‬             ‫ن‬                ‫م‬          ‫ص‬          ‫لي‬
   ‫األمور وتجِ َتها لمن أ ِيبوا بالع َى في هذا الميدا ِ واستنشقوا ُبا َه، وذلك من ِالل الوصايا‬
                                                                                                 ‫التالية:‬
               ‫م‬                     ‫ح‬            ‫ي‬                            ‫ن‬            ‫ي‬
    ‫الوص ّة األولى: أ ّ أمورَ العباد وأموالَهم مبن ّة على المشا ّة والمؤاخذة، فالمستث ِرون بالجملة‬
                ‫ة‬                        ‫ح موف‬                       ‫ح‬                 ‫عي‬
     ‫ُم ُ البصائر أمام صا ِب االستثمار ما دام راب ًا َّقًا، ال يسألونه عن صغير ٍ وال كبيرة،‬
  ‫ه‬                         ‫س‬                                       ‫ح‬
 ‫ناهيكم عن المبالغةِ في مد ِه والثناءِ عليه واإلعجاب به، فإذا ما خ ِر وكبا انقلَبوا على وجوه ِم‬
                    ‫غ‬                       ‫غ‬                     ‫يؤك‬                  ‫ومد‬
                 ‫شاتمين له َّعِين عليه، والواقع ِّد مواالتَهم له في ال ُنم ومعاداتَهم له في ال ُرم.‬
       ‫ء‬                          ‫ة‬         ‫ق‬                            ‫ن‬             ‫ي‬
 ‫الوص ّة الثانية: أ ّ األصلَ في أموال الناس وحقو ِهم الحرم ُ والحضر، فال يجوز االعتدا ُ عليها‬
  ‫ِّرة للتص ّفات الممنوعة فيها؛ أل ّ النبي‬
  ‫َّ‬    ‫ن‬          ‫ِ‬           ‫ر‬                            ‫ع‬               ‫ُ‬
                                        ‫أو المماطلة والتفريط فيها أو الوقو ُ في التأويالتِ المبر‬
 ‫ض‬                                    ‫ع‬          ‫م‬                           ‫كل‬
‫يقول: (( ُّ المسلم على المسلم حرام؛ د ُه وماله و ِرضه)) رواه مسلم(6)[6]، وعند مسلم أي ًا‬
                                                                               ‫َ‬        ‫م‬          ‫أن النبي‬
                                                       ‫َّ قال: ((ب َ تأخذ مال أخيك بغير حق؟!))(2)[2].‬
          ‫ظن‬                  ‫ب‬                ‫ت‬             ‫َ‬                ‫ل ن‬
 ‫الوصية الثاِثة: أ ّ القناعة والسماحة في ميدان ال ّجارة أمران مندو ٌ إليهما إذ هما م ِ ّة البركة،‬
    ‫خ‬           ‫ة‬              ‫ن‬             ‫ة قل‬          ‫ظن‬                         ‫ع‬      ‫أن‬
‫كما َّ الطم َ والجشَع وعدم القناعة م ِ ّة للكبو ِ و ِّة البركة؛ أل ّ للتجارةِ سور ً كسورةٍ ال َمرة،‬
‫ع‬         ‫م‬                ‫ق‬          ‫ر من‬                                ‫ش‬           ‫ب‬
‫تأخذ شار َها حتى ينت ِي، فإذا انتشى عاوَد حتى يصي َ مد ِ ًا، ال يفي ُ من نشوةِ المغا َرة والطم ِ‬
 ‫خ ال بحق‬             ‫ي‬                 ‫د‬                                 ‫ل‬
‫حتى يستويَ عنده حا ُ الخمار واإلفاقة، والتَ ساعةَ من َم، ولقد قال النب ّ : ((من يأ ُذ ما ً ِّه‬
                                                          ‫حق‬
      ‫يبارَك له فيه، ومن يأخذ ماالً بغير ِّه فمثله كمثلِ الذي يأكل وال يشبَع)) رواه مسلم(8)[8].‬
         ‫ع‬                          ‫ح‬                     ‫ر‬            ‫س‬                 ‫ة‬
    ‫فالسماح ُ والقناعة هما رأ ُ البركة وال ّحمة لقول النبي : ((ر ِم اهلل رجالً سمحًا إذا با َ وإذا‬
                                                                                              ‫ض‬
                                                                       ‫اشترى وإذا اقت َى)) رواه البخاري(9)[9].‬
   ‫ن ن‬                                ‫ط‬                       ‫ح‬                    ‫ي‬
   ‫الوص ّة الرابعة: وهي تصحي ٌ لبعضِ المفاهيم المغلو َة لدى بعضِ المرابحين حيث يظ ّون أ ّ‬
  ‫َّمة َّ إذا شا َها صور ٌ من ص َرِ ِّبا، وأ ّ َّ معاملة خالي ٍ‬
  ‫ة‬      ‫ٍ‬      ‫ن أي‬       ‫و الر‬       ‫ة‬       ‫ب‬                ‫ن‬         ‫م‬
                                                        ‫المعامالتِ المحر ّة ال تكو ُ محر إال‬
                        ‫م‬      ‫ر‬                ‫ن‬            ‫ظن‬          ‫ح‬
 ‫من الربا فهي َالل، وهذا ٌّ خاطئ، بل إ ّ المعامالت المح ّمة أع ّ في السبب من ذلك؛ ألنها‬
   ‫ر‬                        ‫و‬                  ‫ة‬       ‫ن‬                             ‫ة‬
  ‫في الحقيق ِ ترجع إلى ثالثِ قواعد: أواله ّ: قاعد ُ الربا بأنواعه وص َره، والثانية: قاعدة الغ َر‬
                                                             ‫خ‬                ‫ِ‬
                                         ‫بأقسامه وأنواعه، والثالثة: قاعدَة التغرير وال ِداع بألوانه وأحواله.‬
    ‫ر ب‬                     ‫ألن‬              ‫تج‬            ‫يتفط‬  ‫ر قل‬
   ‫وهذا ـ عباد اهلل ـ أم ٌ َّ من َّن له من ال ّ ّار والمرابحين؛ َّ المعاملةَ قد تح ُم بس َب‬
        ‫ل‬              ‫ِر‬                                    ‫ط ح‬                       ‫ن‬
 ‫ُقصانها شرطًا من شرو ِ صِ ّة البيع المعلومة وإن لم تكن على صورة ِبا، فالبركة ك ّ البركة‬
                                                                             ‫ق ل‬
                                                    ‫في الكسبِ الحالل، والمح ُ ك ّ المحقِ في الكسبِ الحرام.‬
          ‫االت‬                        ‫م‬              ‫جه‬                             ‫ة‬        ‫م‬
       ‫أ ّا الوصي ُ الخامسة ـ عبادَ اهلل ـ فنو ّ ُها إلى من ائت َنَهم الناس على أموالهم في ِّجار‬
                                         ‫م‬                                  ‫ت‬
 ‫والمرابحة أن ي ّقوا اهلل فيها، وأن يسيروا في إتما ِها على الوجهِ المباح والوضوح والخضوع لما‬
       ‫ق‬                                               ‫أي ض‬                ‫ب‬                ‫أحل‬
‫َّ اهلل فيها، وال ُعد والنأي عن ِّ مو ِع ريبةٍ أو شبهة أو تفريط وإهمالٍ أو استغالل ثِ َة الناس‬
               ‫ن‬          ‫في‬              ‫فإن‬      ‫ر وض‬                    ‫بهم في أن يتصر‬
    ‫َّفوا فيها على غي ِ ما ُ ِعت له، َّ من نوى أن ي ِ َ بحقوق ال ّاس كان اهلل‬
 ‫د‬                                       ‫َّر أمثا ُ هؤالء قولَ النبي‬
‫ِّ : ((من أخذ أموالَ الناس يريد أداءها أ ّى‬               ‫ل‬       ‫معه، والعكس بالعكس، وليتذك‬
                                                                   ‫ف‬
                                     ‫اهلل عنه، ومن أخَذها يريد إتالفها أتلَ َه اهلل)) رواه البخاري(05)[05].‬
                   ‫م‬                             ‫ن‬              ‫ت‬                             ‫ت‬
 ‫أال فا ّقوا اهلل معاشرَ المسلمين، وا ّقوا المالَ فإ ّ فتنة هذه األمة المال، ولتست ِعوا إلى قول الباري‬
   ‫ع َر ض م ُ‬                ‫ك ن‬          ‫و ُ ب ك ب ِ ِال‬                           ‫كل‬           ‫َي َّذ من‬                      ‫ل‬
 ‫ج ّ شأنه: يَا أُّهَا ال ِينَ آ َ ُوا ال تَأْ ُُوا أَمْ َالَكمْ َيْنَ ُمْ بِالْ َاطلِ إ َّ أَنْ تَ ُو َ تِجَارَةً َنْ ت َا ٍ ِنْكمْ‬
                                                                           ‫بك ْ رح‬          ‫و تل أ فس ُ ِن الل‬
                                                          ‫َال تَقْ ُُوا َن ُ َكمْ إ َّ َّهَ كَانَ ِ ُم َ ِيمًا [النساء:97].‬
                          ‫ت‬          ‫ه‬           ‫ي‬      ‫ع‬
‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونف َني وإ ّاكم بما في ِ من اآليا ِ والذكرِ الحكيم، قد قلت ما‬
                ‫فر‬          ‫ن‬         ‫ف‬                          ‫ًُّ‬             ‫م‬
              ‫قلت، إن صوابًا ف ِنَ اهلل، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغ ِر اهلل إ ّه كان غ ّا ًا.‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                ‫ي‬
                                                          ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نب ّ بعده.‬
                          ‫ي‬                 ‫ي‬                                        ‫ن‬
         ‫وبعد: فإ ّ الشريعةَ اإلسالمية قد جاءت موافقةً لبق ّة الشرائع السماو ّة في حفظ الضرورات‬
          ‫ر‬       ‫كل‬              ‫ع ش‬                     ‫ن‬            ‫س‬
     ‫الخمس وهي الدين والنف ُ والعقل وال ّسل والمال. فالبي ُ وال ّراء والمرابحة ُّها تند ِج تحت‬
                     ‫د‬                     ‫ن‬        ‫ض‬          ‫م ح‬
     ‫ضرورةِ حِفظ المال، وانطالقًا ِن ِفظ هذه ال ّرورة فإ ّ الشارعَ الحكيم لم ي َعِ الفردَ المسلم‬
                   ‫أر‬         ‫م د‬                  ‫ال‬                      ‫ر‬          ‫حر‬
    ‫ًّا في التص ّف المالي دون ضوابط، لئ ّ يخرج بالمال عن َقص ِه الذي ُك ِم به بنو آدم من‬
 ‫ي‬            ‫ح‬                            ‫ال ي‬                  ‫ن‬           ‫ن‬       ‫ن ن‬
 ‫كو ِه ِعمة وم ّة إلى كونه ِقمة على صاحبه ووبا ً ُسأل عنه يومَ القيامة، فقد ص ّ عند الترمذ ّ‬
                                                                                ‫ن‬
  ‫وغيره أ ّ النبي قال: ((ال تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع)) وذكر منها: ((وعن‬
                                                                                                                ‫ل‬
                                                                         ‫ماِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟))(55)[5].‬
   ‫فالواجب على ِّ مسلمٍ أن يدركَ حقيقة المال وأنه سالح ذو حدي، وليح َر َّ الحذر أن ينقل َ‬
   ‫ب‬               ‫ذ أشد‬                                                   ‫كل‬
     ‫و ل ُ و دك ْ ف ة وَن الله‬                      ‫و م َن‬                             ‫ل‬        ‫ء ن‬
     ‫عليه فتنة وبال ً؛ أل ّ اهلل ج ّ شأنه قال عن المال: َاعْلَ ُوا أ َّمَا أَمْ َاُكمْ َأَوْال ُ ُم ِتْنَ ٌ َأ َّ َّ َ‬
                                                                                                           ‫ع ْ ه ْر ظ م‬
                                                                                             ‫ِندَ ُ أَج ٌ عَ ِي ٌ [األنفال:87].‬
 ‫س‬      ‫د‬                                          ‫فالوا ِ ُ على والةِ األمور والعلما ِ والمختص‬
‫ِّين في المعامالتِ المالية أن يكونَ لهم جهو ٌ ملمو َة‬      ‫ء‬                          ‫جب‬
  ‫س ج ع‬                ‫سل‬                                           ‫م‬
 ‫في حفظ هذه الضرورة ِن خالل وضعِ الضوابط الشرعية والمصالحِ المر ََة لتكونَ ِيا ًا مني ًا‬
                             ‫ِّ‬                    ‫م‬        ‫َب‬        ‫ن‬            ‫عب‬
       ‫يحول دونَ ال َ َث بأموال ال ّاس والع ِّ منها ك َا الهيم، وألجلِ أن تقللَ من ضحايا المرابِحين‬
        ‫ل‬     ‫ع‬     ‫ي كأل م ح لكل ذ‬
        ‫ِّرين وال ُ َطاء المغا ِرين، ولئ ّ تكونَ السو ُ المالّة ًُّ ُبا ًا ِّ سا ِج ير َى حو َ‬
                                               ‫ق‬            ‫ال‬        ‫م‬          ‫بس‬         ‫المتهو‬
                        ‫نس‬              ‫ب‬          ‫ء م‬          ‫ل‬                               ‫ح‬
      ‫ِماها، وذلك حمايةً للحقوق والمصاِح ودر ًا لل َفاسد والع َث بأموال ال ّا ِ، يقول اهلل تعالى:‬
    ‫د م غث‬                   ‫ول و‬           ‫م َنم ح ة الد ي عب و و وز ة و خر ب ُ و ُ ٌ ف‬
    ‫اعْلَ ُوا أ َّ َا الْ َيَا ُ ُّنْ َا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ َ ِينَ ٌ َتَفَا ُ ٌ َيْنَكمْ َتَكَاثر ِي األَمْ َا ِ َاألَوْال ِ كَ َثَلِ َيْ ٍ‬
‫أَعْ َبَ الْك َّا َ نَ َا ُ ُ ث َّ َ ِيج فَت َا ُ ُصْف ًّا ث َّ َ ُو ُ ُطَا ًا و ِي اآلخرَةِ عذَا ٌ شَ ِي ٌ َ َغْف َ ٌ ِنْ َّ ِ‬
‫ِ َ ب د د وم ِرة م الله‬                      ‫ُف ر ب ته ُم يه ُ َر ه م َر ُم يك ن ح م َف‬                                  ‫ج‬
                                                                        ‫َر و ن و حي ة الد ِال م ع ُر‬
                                                        ‫و ِضْ َا ٌ َمَا الْ َ َا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْغ ُورِ [الحديد:07].‬
                                  ‫ي‬              ‫ي‬                                ‫ل‬
  ‫هذا وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على خيرِ البر ّة وأزكى البشر ّة محمد بن عبد اهلل بن عبد المطلب‬
 ‫ي‬      ‫ب قس‬             ‫ئت‬
‫صاحبِ الحو ِ وال ّفاعة، فقد أم َكم اهلل بأم ٍ بدأ فيه بنَف ِه، وث ّى بمال ِك ِه المس ّحة ب ُد ِه، وأ ّه‬
                                    ‫ن‬      ‫س‬              ‫ر‬            ‫ر‬             ‫ض ش‬
     ‫َل‬    ‫ِن الله و ئ ه ي َل عل لن ِي ي َي َّذ من‬                                   ‫ل‬                   ‫ي‬
   ‫بكم أ ّها المؤمنون فقال ج ّ وعال: إ َّ َّ َ َمَال ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى ا َّب ِّ َا أُّهَا ال ِينَ آ َُوا صُّوا‬
                                                                                                    ‫لم‬         ‫ع ه و َلم‬
                                                                                     ‫َلَيْ ِ َسِّ ُوا تَسِْي ًا [األحزاب:61].‬
               ‫ن‬                                 ‫ل‬       ‫م‬             ‫م‬        ‫م ل‬
         ‫الله ّ ص ّ على مح ّد وعلى آل مح ّد كما صّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إ ّك حميد‬
                                                                                                                            ‫مجيد...‬


                                                                                                                ‫__________‬
 ‫(5) صحيح البخاري: كتاب الجزية (8153)، صحيح مسلم: كتاب الزهد (5697) عن عمرو بن‬
                                                                ‫عوف رضي اهلل عنه.‬
‫(7) جامع الترمذي: كتاب الزهد (6337) عن كعب بن عياض رضي اهلل عنه، ورواه أيضا أحمد‬
     ‫(2/065)، وابن أبي عاصم في اآلحاد والمثاني (6517)، والطبراني في الكبير (95/925)‬
    ‫واألوسط (1973)، والبيهقي في الشعب (2/087)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح‬
   ‫غريب"، وصححه ابن حبان (3773)، والحاكم (6982)، وهو في السلسلة الصحيحة (791).‬
  ‫(3) سنن أبي داود: كتاب الصالة (3215)، سنن الترمذي: كتاب الدعوات (1923) عن عائشة‬
  ‫رضي اهلل عنها، وهو عند البخاري في الدعوات (8636، 1236، 6236، 2236)، ومسلم في‬
                                                                        ‫الذكر (981).‬
    ‫(2) مسند أحمد (6/17) عن عوف بن مالك األشجعي رضي اهلل عنه، وهو عند البخاري في‬
                                                                     ‫الجزية (6253).‬
‫(1) مسند أحمد (7/101) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه، وهو عند البخاري في البيوع (9107،‬
                                                                             ‫3807).‬
                      ‫(6) صحيح مسلم: كتاب البر (2617) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
            ‫(2) صحيح مسلم: كتاب المساقاة (2115) عن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما.‬
              ‫(8) صحيح مسلم: كتاب الزكاة (7105) عن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه.‬
           ‫(9) صحيح البخاري: كتاب البيوع (6207) عن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما.‬
       ‫(05) 05] صحيح البخاري: كتاب االستقراض (2837) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
       ‫(55) سنن الترمذي: صفة القيامة (2527) من حديث أبي برزة األسلمي رضي اهلل عنه،‬
        ‫وأخرجه أيضا الدارمي في المقدمة (231)، وأبو يعلى (2322)، والطبراني في األوسط‬
‫(5957)، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وله شواهد انظرها في السلسلة الصحيحة لأللباني‬
                                                                              ‫(629).‬

‫(5/9823)‬




                                                            ‫يوم يعض الظالم على يديه‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                 ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                   ‫القرآن والتفسير, المسلمون في العالم‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                         ‫إسماعيل الحاج أمين نواهضة‬
                                                                                                                  ‫القدس‬
                                                                                                         ‫25/8/1725‬
                                                                                                      ‫المسجد األقصى‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- تتابع األحداث على العالم اإلسالمي. 7- من مشاهد يوم القيامة. 3- موقف المجرمين من‬
 ‫القرآن الكريم. 2- استمرار عناصر الخير في األمة. 1- عوامل الفوز والنجاح. 6- قرب شهر‬
                                             ‫القرآن. 2- كشف مكر اليهود وصدهم عن المسجد األقصى.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                    ‫ل‬
      ‫أحداث جسام ومتالحقة تقع في عالمنا اإلسالمي من قت ٍ وتدمير وإزهاق لألرواح ومصادرة‬
                 ‫ب ّ‬
‫لألراضي في فلسطين والعراق؛ حيث تقوم القوات األمريكية الغازية بحر ٍ ضد أهلنا في العراق،‬
   ‫ويحتار المرء عن ماذا يخطب: عن المجازر في العراق، أم المجازر في فلسطين، والتي كانت‬
 ‫آخرها ما يحدث حاليا في غزة إذ بلغ عدد الشهداء حتى صباح اليوم 73 شهيدا، وأكثر من 015‬
                               ‫ل‬
  ‫جريحا، أو نتحدث عن جدار الفصل العنصري ومنع المصّين من الوصول إلى ساحات المسجد‬
 ‫ل‬             ‫د‬                                           ‫د‬
‫األقصى المبارك، أو نتحدث عما ت ّعيه الدوائر اإلسرائيلية الحاكمة أن خطرا يه ّد انهيار المصّى‬
                                                                                                          ‫المرواني؟!!‬
     ‫و ْم ي َض الظ ِم عل َد ه ق ل ي ن ات ت الرس سب ال َ لت‬
    ‫يقول اهلل تعالى: َيَو َ َع ُّ َّال ُ ََى ي َيْ ِ يَ ُو ُ َا لَيْتَ ِي َّخَذْ ُ مَعَ َّ ُولِ َ ِي ً يَا ويَْ ِي‬
 ‫َلن ع الذ ْر ب ِ ج ءن و الش ن لإل ن َذ ال َق ل‬                                           ‫ن َ َت ِ ف ن ل‬
 ‫لَيْتَ ِي لمْ أ َّخذْ ُال ًا خَِيالً لَقَدْ أَضَّ ِي َنْ ِّك ِ َعْدَ إذْ َا َ ِي َكَانَ َّيْطَا ُ ِ ِنسَا ِ خ ُو ً و َا َ‬
  ‫الرس ل َب ِن م ات َذ َذ ُ ن م ج ر و َ جع ل ُل ِي ع ُو م م ْرم ن‬
  ‫َّ ُو ُ يَا ر ِّ إ َّ قَوْ ِي َّخ ُوا ه َا الْقرْآ َ َهْ ُو ًا َكذَلِكَ َ َلْنَا ِك ِّ نَب ٍّ َد ًّا ِنْ الْ ُج ِ ِي َ‬
                                                                                  ‫ب َبك ه د و ر‬                 ‫و‬
                                                                ‫َكَفَى ِر ِّ َ َا ِيًا َنَصِي ًا [الفرقان:27-53].‬
  ‫أيها المسلمون، تذكر بعض الروايات أن سبب نزول هذه اآليات هو أن عقبة بن أبي معيط كان‬
‫يكثر من مجالسة النبي ، فدعاه إلى ضيافته فأبى النبي أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين،‬
                                                   ‫ق‬
‫ففعل. وعلم بذلك أبي بن خلف وكان صدي َه، فعاقبه وقال له: صبأت؟ فقال: ال واهلل ولكن أبى أن‬
 ‫يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه، فشهدت له، فقال: ال أرضى منك إال أن تأتيه فتطأ‬
   ‫ج‬
   ‫قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال له النبي : ((ال ألقاك خار َ‬
                                                  ‫علي‬
                                           ‫مكة إال علوت رأسك بالسيف))، فأسر يوم بدر فأمر ًّا قتله.‬
                                                           ‫د‬
   ‫إن هذه اآليات الكريمة تعرض مشه ًا من مشاهد يوم القيامة الذي ال ينفع فيه مال وال بنون إال‬
 ‫من أتى اهلل بقلب سليم، اليوم الذي يندم فيه الظالمون الضالون على أفعالهم المشينة التي اقترفوها‬
                                                    ‫ق‬             ‫و‬
  ‫وأقوالهم البذيئة التي تف ّهوا بها في ح ّ اإلسالم وأهله وفي حق الرسول األعظم الرحمة المهداة‬
                                                                                           ‫صلوات اهلل عليه وسالمه.‬
                                          ‫ض‬
  ‫إنه مشهد رهيب عجيب، مشهد الظالم وهو يع ّ على يديه من الندم واألسف واألسى، حيث ال‬
              ‫د‬                                                           ‫ض‬
‫تكفيه يد واحدة يع ّ عليها، إنما هو يداول بين هذه اليد وتلك، أو يجمع بينهما لش ّة ما يعانيه من‬
                                                                 ‫ض‬       ‫ث‬
     ‫الندم الالذع المتم ّل في ع ّه على اليدين، وهذا فعل يرمز ويشار به إلى الحالة النفسية التي‬
                                                                                                          ‫يعيشها الظالم.‬
  ‫يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيال، فسلكت طريقه واتبعت سنته ولم أفارقه، يا ليتني كنت‬
      ‫على دينه وعقيدته، يا ليتني كنت معه فأفوز فوزا عظيما، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فالنا خليال.‬
  ‫ة‬                        ‫د‬             ‫ل‬         ‫ل‬
  ‫وفي هذا المقام لم يذكر اسم الضا ّ ليشمل ك ّ صاحب سوء يص ّ عن سبيل الرسول وعن دعو ِ‬
                                            ‫ل‬
‫اإلسالم ومنهج القرآن. لقد كان الظالم شيطانا يض ّ، أو كان عونا للشيطان يقوده إلى الهاوية وإلى‬
                                                                                         ‫مواقف الخذالن والخسران.‬
      ‫ز‬                                            ‫ّ‬
    ‫وهكذا ـ أيها المسلمون ـ نجد القرآن يهز قلوب الظالمين والمجرمين بهذه المشاهد المزل ِلة‬
                                                                               ‫و‬
      ‫التي تص ّر لهم مصيرَهم البائس، وتريهم إياه واقعا مشهودا، وهم ما زالوا في هذه األرض‬
     ‫ج‬                           ‫ع‬                                                          ‫ذ‬
‫يك ّبون بلقاء اهلل، ويتطاولون على ذاته العلية. إنه الهول المر ِب ينتظرهم هناك والندم الفا ِع بعد‬
                                                                                                           ‫فوات األوان.‬
            ‫ز‬                                                                ‫د‬
    ‫ثم تتح ّث هذه اآليات عن موقف المجرمين مع الرسول حيث هجروا القرآن الذي ن ّله تعالى‬
                                                                      ‫ص‬
        ‫عليه لينذرهم ويب ّرهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم،‬
    ‫وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خالله والهداية من نوره، وهجروه فلم يجعلوه دستورا‬
        ‫ِن َذ ُ‬
   ‫لحياتهم، وقد جاء ليكون منهاج حياة يقود البشرية إلى أقوم طريق وأهدى سبيل، إ َّ ه َا الْقرْآنَ‬
       ‫َن ُ ْر ر وَن َّذ َ‬                             ‫ي ْد ِلت ه َ َم وي َشر م من َّذ ن ي مل الص‬
    ‫َه ِي لَّ ِي ِيَ أقْو ُ َ ُب ِّ ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ ال ِي َ َعْ َُونَ َّالِحَاتِ أ َّ لَهمْ أَج ًا كَبِي ًا َأ َّ ال ِين ال‬
                                                                     ‫لم‬           ‫ُ َ‬                     ‫ِ‬         ‫ي من‬
                                                   ‫ُؤْ ِ ُونَ بِاآلخرَةِ أَعْتَدْنَا لَهمْ عذَابًا أَِي ًا [اإلسراء:9، 05].‬
         ‫د‬                    ‫ق‬       ‫د‬                 ‫ي‬
    ‫ثم تمضي اآليات لتبين أن لكل نب ّ أعداء يهجرون ال ّين الح ّ الذي جاءهم به، ويص ّون عن‬
      ‫سبيل اهلل. إن اهلل تعالى يهدي رسله وأولياءه إلى طريق النصر على أعدائهم المجرمين، قال‬
     ‫تعالى: إ َّا لَنَنصر ُ ُلَنَا َال ِي َ آ َ ُوا ِي الْ َيَاةِ ُّنْ َا َ َومَ َ ُو ُ األَشْ َا ُ يَومَ ال َنفَ ُ َّاِ ِي َ‬
     ‫ي ع الظ لم ن‬          ‫هد ْ‬            ‫ُ ُ رس و َّذ ن من ف ح الد ي وي ْ يق م‬                                  ‫ِن‬
                                                                        ‫م ْذرت ُ و ُ الل ة و ُ س ء الد‬
                                                      ‫َع ِ َُهمْ َلَهمْ َّعْنَ ُ َلَهمْ ُو ُ َّارِ [غافر:51، 71].‬
    ‫في زحمة هذه الحياة وتهافت الكثير من الناس عليها، وفي ظل مظاهر اللهو والفسق والفجور‬
                   ‫ك‬
        ‫وانتشار الفساد وظهوره في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وفي ظل التن ّر لشرع اهلل‬
                   ‫ل ل‬                                                       ‫ت‬
 ‫وأحكامه وا ّباع الهوى وترك األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ظ ّ ك ّ ذلك لن تفقد األمة‬
    ‫المسلمة عناصر الخير من أبنائها الذين اختاروا طريق السالمة باتباعها طريق الهداية القرآنية‬
  ‫وتزودهم بالتقوى وإقبالهم على اهلل تعالى بعزم وصبر، يبتغون الزلفى والقربى إليه، في مختلف‬
    ‫ما يبذلونه من األعمال الصالحة، يرجون بذلك الربح الوفير والتجارة التي لن تبور، فهم ممن‬
    ‫ِن‬                   ‫ق‬
    ‫وصفهم اهلل تعالى في معرض المدح، وقوى عزائمهم للعمل واتباع الح ّ، فقال جل جالله: إ َّ‬
   ‫تب ر‬                    ‫َّذ ي ل ن ك الله وَ م الص و ق ِم َ َ ُ ِر وع نية َ ج‬
   ‫ال ِينَ َتُْو َ ِتَابَ َّ ِ َأقَا ُوا َّالةَ َأَنْفَ ُوا م َّا رزقْنَاهمْ س ًّا َ َال ِ َ ً يرْ ُونَ تِجَارَةً لَنْ َُو َ‬
                                                     ‫لي َفي ُ أج ُ ويز ُ م ْ ل ِنه ف ر ك ر‬
                                      ‫ِ ُو ِّ َهمْ ُ ُورَهمْ َ َ ِيدَهمْ ِن فَضِْهِ إ َّ ُ غَ ُو ٌ شَ ُو ٌ [فاطر:97، 03].‬
                              ‫ي‬
   ‫أيها المؤمنون، إنها ثالثة عوامل وأسس اعتمدها الصالحون الخ ّرون في دور االمتحان، وعلقوا‬
                                                                                              ‫عليها اآلمال في ربح التجارة:‬
    ‫ر‬                                         ‫ب‬
   ‫العامل األول: اإلقبال على تالوة كتاب اهلل في تد ّر آياته واالتعاظ بمواعظه والوقوف عند عِب ِه‬
                                                   ‫والعمل بتوجيهاته والرهبة عند وعيده واالطمئنان عند وعده.‬
                     ‫و‬
  ‫نعم أيها المؤمنون، تلك هي التالوة النافعة التي تحدِث في نفسية المسلم تح ّال محمودا، يجد أثره‬
                                                                                                                      ‫د‬
                                                                                            ‫بر ًا في قلبه وسالما في حياته.‬
          ‫العامل الثاني: إقام الصلوات المكتوبة بحدودها وقيودها والخشوع في أدائها وعدم التسويف‬
        ‫والتشاغل عنها بمنصب أو مال أو تجارة ورياسة أو بأي شيء آخر من مشاغل الحياة الدنيا‬
                                                                                                                         ‫وزخارفها.‬
     ‫العامل الثالث: مواساة البؤساء والفقراء باألموال، ومعاونتهم برزق اهلل وماله، ال يبخلون به أو‬
        ‫يكتنزونه، وكانت المواساة من هؤالء الصالحين تختلف باختالف المناسبات والظروف، سرا‬
                                                  ‫ع‬                               ‫ر‬
            ‫وعالنية، س ّا خشية الرياء والسمعة والشهرة، َلَنا مع األمن من ذلك، ليشيعوا الخير في‬
                      ‫ي‬
        ‫مجتمعهم ليكونوا قدوة لغيرهم، فبلغوا بذلك أرفع مجاالت الخير، وشملهم العل ّ القدير بالعفو‬
                                                                                                      ‫والغفران وكريم الجزاء.‬
             ‫لي َفي ُ أج ه و َز ه م ْ له‬
             ‫قال ابن عباس رضي اهلل عنه في تفسير قوله تعالى: ِ ُو ِّ َهمْ ُ ُورَ ُمْ َي ِيدَ ُمْ ِن فَضِْ ِ‬
     ‫[فاطر:03]: (يوفيهم جزاء أعمالهم، ويزيدهم من الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن، ويغفر‬
                                                                     ‫العظيم من ذنوبهم، ويشكر اليسير من أعمالهم).‬
                  ‫ل‬
       ‫حقا أيها المؤمنون، إنها سعادة ال تعدلها سعادة، وفوز ما بعده فوز، يحرزه ك ّ من سار على‬
                                 ‫نهجهم وطريقتهم، وذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء، واهلل ذو الفضل العظيم.‬
                   ‫س‬
‫أيها المؤمنون، أما من كان على النقيض من سيرة هؤالء الصالحين فهو ممن ن ِي اهلل، فأنساه اهلل‬
                                                               ‫ل‬
       ‫العمل الصالح، وهو ممن ض ّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قال‬
          ‫ُ ي سب َنه‬                   ‫َّذ ن َل س ي ُ ْ ف ح الد‬                            ‫َر‬            ‫ق َ ن َبئ ُ‬
        ‫تعالى: ُلْ هلْ ُن ُِّكمْ بِاألَخْس ِينَ أَعْمَاالً ال ِي َ ض َّ َعْ ُهم ِي الْ َيَاةِ ُّنْيَا وَهمْ َحْ َ ُونَ أ َّ ُمْ‬
 ‫قي مة و ن‬                   ‫ن م ه‬            ‫له ْ‬              ‫ي سن ن ص ع أ ئ َّذ ن ر ب ي ِ َب ِ و ئ ِ ح‬
‫ُحْ ِ ُو َ ُنْ ًا ُولَ ِكَ ال ِي َ كَفَ ُوا ِآ َات رِّهمْ َلِقَا ِه فَ َبِطَتْ أَعْمَاُ ُم فَال ُقِي ُ لَ ُمْ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ َزْ ًا‬
                                           ‫ر َات ذ ي ت ورسل ُزو‬                         ‫َز ؤه جه َّم ب‬
                         ‫ذَلِكَ ج َا ُ ُمْ َ َن ُ ِمَا كَفَ ُوا و َّخَ ُوا آ َا ِي َ ُ ُِي ه ُ ًا [الكهف:305-605].‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
‫إن نفحات اهلل تعالى تبدو ضافية شاملة منذ أن تشرق على ربوع اإلسالم شمس رمضان المبارك،‬
                                                                                 ‫و‬
    ‫فأ ّله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، ومن أجل ذلك تغمر المسلمين في مشارق‬
                    ‫ص‬
‫األرض ومغاربها الفرحة والبهجة استبشارا بشهر الصيام، الشهر الذي اخت ّه اهلل بنزول القرآن،‬
                                                                  ‫فيه الهدى والنور والفرقان.‬
                                                                     ‫ص‬
          ‫ومن أجل ذلك يخت ّ المسلمون بشهر القرآن، ويكون لهم فيه أعظم تنافس في الباقيات‬
‫الصالحات كمظهرٍ للشكر على نزول القرآن، ولكي يربحوا المغنم بعد أن قامت في رمضان سوق‬
                            ‫ه‬                          ‫م‬
  ‫التجارة الرابحة، فأضعف الناس ه ّة وأعظمهم خسارة من لم ينت ِز الفرصة للربح في التجارة.‬
      ‫أيها المؤمنون، تطل علينا إشراقة شهر رمضان وأفئدة المسلمين تتطلع إلى المسجد األقصى‬
  ‫المبارك بشوق ورغبةٍ في الوصول إليه والصالة فيه، وبخاصة أبناء فلسطين ألنهم أهل الرباط،‬
‫والمسجد األقصى في قلوبهم وأرواحهم، إنه قريب منهم وعلى مرأى العيون واألبصار، ولكنه في‬
                  ‫م‬                                                ‫ل‬
        ‫نفس الوقت بعيد عنهم ك ّ البعد بسبب االحتالل وظلمه وغطرسته وأعماله المت ّثلة بإقامة‬
                                                                          ‫د‬
                                            ‫الحواجز والج ُر التي تحول دون وصول أحد إليه.‬
       ‫إن هذه األعمال التي يقوم بها المحتلون تمثل اعتداء صارخا على حق اإلنسان الفلسطيني،‬
                                               ‫وتتنافى مع الشرائع السماوية والقوانين الدولية.‬
     ‫لقد كان الفلسطينيون يأملون بالوصول إلى المسجد األقصى مع حلول شهر رمضان المبارك‬
‫بالرغم من العقبات التي كانت توضع في طريقهم في المواسم السابقة، إال أنهم يفاجَؤون هذه األيام‬
‫بتصريحات المسؤولين اإلسرائيليين العجيبة في صياغتها الغريبة في توقيتها ومفادها؛ إن تقديرات‬
  ‫ل‬                       ‫و‬                               ‫خ‬
 ‫أمنية إسرائيلية أجريت مؤ ّرا تشير وبشكل واضح إلى وجود تخ ّف من احتمال انهيار المصّى‬
                                                  ‫ل‬          ‫ت‬
 ‫المرواني على عشرا ِ آالف المصّين المسلمين، خصوصا خاللَ شهر رمضان، وأنه بناء على‬
                                                                           ‫ج‬
  ‫هذه التقديرات و ّه رئيس الحكومة اإلسرائيلية تعليمات لألوساط األمنية باتخاذ كافة السبل لمنع‬
                                                             ‫وقوع ما وصفه بالكارثة الكبيرة.‬
                                                          ‫وتعقيبا على هذه التصريحات نقول:‬
‫أوال: أعلنت دائرة األوقاف اإلسالمية ومجلس األوقاف والهيئة اإلسالمية العليا في القدس ووزارة‬
‫األوقاف في عمان أن المصلى المرواني في المسجد األقصى المبارك وجميع جدرانه وسقفه وكافة‬
     ‫المباني داخله آمنه وسليمة بموجب تقارير صادرة عن لجان دولية تؤكد ذلك، وأن ما تشيعه‬
                                            ‫إسرائيل بأنه آيل للسقوط ال أساس له من الصحة.‬
      ‫ثانيا: أن الهدف من إشاعة هذه التصريحات وهذه األخبار هو التأكيد على منع المصلين من‬
   ‫الصالة في المسجد األقصى مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك تحت ذريعة الخوف على‬
                                                                                     ‫حياتهم.‬
                                          ‫ط‬                   ‫ه‬
  ‫ثالثا: أن هذه التصريحات تم ّد الطريق لتنفيذ مخ ّطاتهم الهادفة إلى جعل مكان لهم في المسجد‬
                                                                ‫األقصى، وهم ال يخفون ذلك.‬
      ‫رابعا: أن مثل هذه التصريحات واإلشاعات لم ولن تمنع المصلين من الوصول إلى المسجد‬
                                              ‫ب‬         ‫س‬
                                         ‫األقصى والصالة فيه، بل ستزيدهم تم ّكا به وح ّا له.‬
  ‫د‬
  ‫خامسا: أن المسجد األقصى هو قبلة المسلمين األولى وثاني المسجدين وثالث المساجد التي تش ّ‬
   ‫ن‬                                           ‫ل‬
 ‫إليها الرحال، وهو رمز عقيدة المسلمين في ك ّ زمان ومكان، وهذه حقائق ثابتة بالقرآن والس ّة،‬
                                                                       ‫ال مجال لنفيها أو إنكارها.‬
                                                                        ‫ل‬
‫إذا كان المحتّون حريصون على حياة وسالمة هذا الشعب فلينهوا احتاللهم لألراضي الفلسطينية،‬
                                                                                ‫ف‬
    ‫وليك ّوا عن ممارساتهم اليومية المتمثلة بعزل المدن والقرى الفلسطينية وفرض حصار شامل‬
   ‫عليها وهدم بيوتهم ومالحقة أبنائهم لقتلهم أو اعتقالهم ومصادرة أراضيهم إلنشاء جدار الفصل‬
                           ‫العنصري، وما يحدث في غزة والضفة الغربية أكبر شاهد على ذلك.‬
                 ‫ل‬                                      ‫م‬
 ‫وأخيرا نناشد العرب والمسلمين ليتح ّلوا المسؤولية تجاه حمايةِ األقصى، ونتطّع إلى اليوم الذي‬
                                                                                        ‫م‬
                                ‫يت ّ فيه تحريره وتطهيره من االحتالل، وما ذلك على اهلل بعزيز.‬

‫(5/0923)‬




                                                                            ‫الجنة: نعيم ومبشرون‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                               ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                        ‫الجنة والنار, اليوم اآلخر‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫مازن التويجري‬
                                                                                          ‫الرياض‬
                                                                                    ‫87/3/5725‬
                                                                                ‫جامع حي النزهة‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫55- قصة المرأة السوداء التي دخلت الجنة بصبرها. 7- الجنة ثمن للجهاد في سبيل اهلل. 3-‬
     ‫ل ِر َت‬                        ‫ال‬
    ‫صهيب الرومي والبيع الرابح. 2- عظم نعيم آخر أهل الجنة دخو ً. 1- لَنْ تَنَاُوا الْب َّ ح َّى‬
                                                                          ‫ت ق ِم ت ِب ن‬
 ‫ُنْفِ ُوا م َّا ُح ُّو َ. 6- أبو الدحداح يبيع بستانه بنخلة في الجنة. 2- أم عمارة وأبناءها في رفقة‬
                                          ‫النبي في الجنة. 8- صور مختلفة من نعيم أهل الجنة.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                         ‫م‬                                ‫د ه‬
      ‫قد أثقل المرض كاهلها، وه ّ الوَ َن عزمها، عاثت بجسدها النحيل أيا ُ الزمن، وآلمت قلبها‬
   ‫الصغير ليالي الحياة، لم تزل رفيقة األسقام خليلة اآلالم، ها هي ذا تقبل من بعيد، تدفع جسمها‬
                                     ‫ص‬
    ‫دفعًا، وقدماها تخطان في األرض حكاية المعاناة وق ّة األوجاع، جاءت تلقي الهموم وتحكي‬
                                            ‫ب‬
  ‫ضعف الحال وقلة الحيلة، ألقت بهمومها إلى ال َر الرحيم، وشكت حالها إلى العطوف الكريم: يا‬
                       ‫ت‬                              ‫ش‬              ‫أ‬
   ‫رسول اهلل، إني ُصرع، وإني أتك ّف، فادع اهلل لي، قال: ((إن شئ ِ صبرت ولك الجنة، وإن‬
‫شئت دعوت اهلل أن يعافيك)). إنها تعلم أنها تناجي خير العالمين، تناجي حبيب اهلل وخليل الرحمن‬
                                                             ‫د‬
  ‫الذي إذا رفع يديه إلى السماء ر ّدت أرجاءها ترحيبًا وتأمينًا، لقد كان بينها وبين قضاء حاجتها‬
                                ‫ر‬
  ‫بإذن ربها أن تقول: فادع اهلل لي أن يشفيني، ولكنه كان خيا ًا دون خيارٍ أعظم، ومطلوبا أسمى‬
                                         ‫تالشت أمامه كل الهموم وتناست بذكره كل اآلالم.. الجنة.‬
                                                ‫د‬
 ‫إي وربي، وكأن ذلك الصدر الصغير يتر ّد فيه وهو يسمع ذلك العرض: الجنة.. الجنة، ال بأس‬
     ‫ب‬     ‫ب‬      ‫د‬                                                                ‫ب‬
   ‫أص ِر، ومرحبًا بالمرض، وما أروعها لسعات الوجع، عندها أعلنتها دون تر ّد: أص ِر أص ِر.‬
                                           ‫ذ‬
     ‫ومن تلك اللحظات بات للمرض طعم آخر تستل ّه وتأنس به، ولقد كان ابن عباس رضي اهلل‬
   ‫عنهما يقول لعطاء كما عند البخاري ومسلم: أال أريك امرأةً من أهل الجنة؟! فيقول: بلى، قال:‬
                                                                                   ‫هذه المرأة السوداء.‬
  ‫م‬
‫أيها المؤمنون، هل عرفتموها؟ ال.. ال.. لم تعرفوها ولن تعرفوها، إن التاريخ لم يسجل لها اس ًا،‬
 ‫والسير لم تذكر لها ترجمة، لقد كانت من عامة الناس، قد ال يعرفها أهل المدينة ومن حولها، بيد‬
    ‫أنها كانت تمشي بين البشر وتقرع بقدميها الثرى وهي من أهل الجنة، فنعم المآل، وما أعظم‬
                                                                                     ‫المنقلب والمنتهى.‬
 ‫إنها الجنة دار المتقين، ورغبة المخبتين، ومقصد الصالحين، روى البخاري ومسلم عن سهل بن‬
‫سعد الساعدي رضي هلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((قال اهلل عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين‬
     ‫َم س م‬
    ‫ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: فَال تَعْل ُ نَفْ ٌ َا‬
                                              ‫أ في ُ م ْ ُر ي َز بم ن ي مل‬
‫ُخْ ِ َ لَهمْ ِن ق َّةِ أَعْ ُنٍ ج َاءً ِ َا كَا ُوا َعْ َُون [السجدة:25]))، وفي المتفق عليه عن أبي هريرة‬
‫رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر،‬
     ‫خ‬            ‫و‬                                     ‫ُر‬
 ‫ثم الذين يلونهم على أشد كوكب د ّي في السماء إضاءة، ال يبولون وال يتغ ّطون وال يتم ّطون،‬
  ‫آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم‬
       ‫من الحسن، ال اختالف بينهم وال تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون اهلل بكرة‬
                                                                                              ‫وعشيًا)).‬
                                   ‫م‬                                ‫م‬
  ‫دعا النبي للخروج يو َ بدر، فأقبل يسعى فرحًا يستأذن أ ّه العجوز في الخروج مع رسول اهلل ،‬
‫ومضى حارثة بن سراقة مع موكب النور نحو بدر، وبينما القوم فيها قد أرخى الليل سدوله وعاث‬
   ‫الظالم في ربوع الكون فخيم هدوء مطبق توجه الفتى الصغير حارثة بن سراقة إلى قليب بدر‬
‫يريد الشرب منها، فأبصره رجل من المسلمين كان يحرس على البئر، فظنه من عسكر المشركين‬
                                                                                ‫ال‬
                                                                               ‫فرماه بسهم أرداه قتي ً.‬
     ‫وانقضت الغزاة، ونصر اهلل حزبه، وأظهر جنده، وأعز أولياءه، فقفل المؤمنون رجوعًا إلى‬
     ‫الر َي‬                                          ‫د‬        ‫ب‬
‫المدينة، فاستقبلهم الناس ترحي ًا وتمجي ًا، وكان من بين أولئك عجوز نقية لربها تقية، ُّب ّع بنت‬
         ‫د‬
 ‫النضر أم حارثة بن سراقة، استوقفت أحد الصحابة تسأله: أين ابني حارثة؟ أماتَ شهي ًا؟! قال:‬
                                                         ‫ق خطأ‬           ‫د‬
    ‫إنه لم يمت شهي ًا، ولكنه ُتل ًُّ، فأقبلت تسعى إلى النبي : يا رسول اهلل، قد عرفت منزلة‬
    ‫حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن األخرى فترى ما أصنع، قال: ((ما‬
    ‫قلت؟)) قالت: هو ما سمعت، قال: ((ويحك يا أم حارثة، ويحك يا أم حارثة، أهبلت؟! أوَجنة‬
                                   ‫واحدة؟! إنها جنان، وإن ولدك قد أصاب الفردوس األعلى)).‬
    ‫يا حارثة، زهرة شبابك أتذبل؟ وأيام صباك أتنقضي؟ ونضارة وجهك أتنمحي؟ وحالوة الدنيا‬
                                      ‫ح‬        ‫َز‬
   ‫وطيب العيش ولذة الحياة أتتركها؟ نعم فلت ُل ولتنم ِ ولتنقضِ إذا كان وراء ذلك جنة عرضها‬
                                                                             ‫السموات واألرض.‬
  ‫في المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون‬
     ‫أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في األفق من المشرق أو المغرب‬
 ‫لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول اهلل، تلك منازل األنبياء ال يبلغها غيرهم، قال: ((بلى والذي‬
‫نفسي بيده، رجال آمنوا باهلل وصدقوا المرسلين))، ولهما عن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه‬
    ‫أن النبي قال: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون‬
                      ‫ميال، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فال يرى بعضهم بعضًا)).‬
  ‫ر‬                                          ‫ن‬
 ‫وبعد أن هاجر النبي إلى المدينة لم تعد مكة موط ًا ألهل الحق واإليمان، فراحوا يتسابقون فرا ًا‬
 ‫بدينهم إلى طيبة الطيبة حيث األمان واإليمان، ولكن قريشًا كانت تعيق أولئك الفارين بدينهم بكل‬
 ‫حيلة ما استطاعت، وكان منهم الصحابي الجليل صهيب الرومي صاحب التجارة والمال الوافر،‬
           ‫أقامت عليه قريش رقباء يقومون عليه ليل نهار حتى ال يفلت من أيديهم بنفسه وماله.‬
                                            ‫م‬                    ‫ل‬
 ‫وفي ليلة باردة تسّل صهيب من بينهم، وي ّم وجهه شطر المدينة، لم يمض غير قليل حتى فطن‬
     ‫له رقباؤه، فهبوا من نومهم مذعورين، وامتطوا خيولهم السوابق، وأطلقوا أعنتها خلفه حتى‬
                                                                    ‫س‬
     ‫أدركوه، فلما أح ّ بهم وقف على مكان عالٍ وأخرج سهامه من كنانته ووتر قوسه وقال: يا‬
  ‫معشر قريش، لقد علمتم واهلل إني من أرمى الناس وأحكمهم إصابة، وواهلل ال تصلون إلي حتى‬
                                                                             ‫ل‬
  ‫أقتل بك ّ سهم معي رجالً منكم، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي شيء منه، فقال قائل منهم:‬
                          ‫ك ر‬
  ‫واهلل، ال ندعك تفوز منا بنفسك وبمالك؛ لقد أتيتَ مكة صعلو ًا فقي ًا فاغتنيت وبلغت ما بلغت،‬
 ‫فقال صهيب: أرأيتم إن تركت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فدلهم على موضع ماله في‬
                                                                             ‫ل‬
 ‫بيته بمكة فخّوا سبيله، ثم عاود يحث المسير إلى رسول اهلل والمؤمنين، فلما بلغ قباء رآه رسول‬
                                                                       ‫ش‬        ‫ش‬
 ‫اهلل مقبالً فهَ ّ له وبَ ّ وقال: ((ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى)).‬
     ‫ب‬                 ‫ي‬                ‫ل‬
 ‫إن هذه الكلمة الصادقة وذلك اللقاء الحنون وتلك الطَّة البشوشة والمح ّا الطلق أنست صهي ًا كل‬
                                                  ‫ض‬       ‫د‬                ‫ل‬
   ‫أمواله، ك ّ تجارته، أنسَته ُورَه و َيعته، غاصت في أعماقه فتالشى معها طول السفر وتعب‬
                                                                ‫الطريق ونصب الوحدة ولوعة الوحدة.‬
                 ‫ج‬                                 ‫ق‬                                    ‫ي‬
  ‫أ ّ تجارة وأي مال إذا كان ثمنها قولة ح ّ وصدق: ربح البيع أبا يحيى؟! فلته َر البالد والدور‬
 ‫إذا كان الثمن "ربح البيع أبا يحيى"، ولتفنَ الدنيا بشهواتها وملذاتها، بأموالها وقصورها وزهرتها،‬
                       ‫م‬
     ‫إذا كان المقابل ربح البيع أبا يحيى، ولكنها معادلة صعبة ال يحسن فه َها كفار قريش األمس‬
                                                                                    ‫وكفار األرض اليوم.‬
‫في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه يقول: كان أبو طلحة أكثر األنصار بالمدينة‬
                                                  ‫ب ْرح‬
   ‫ماال من نخل، وكان أحب أمواله إليه َي ُ َاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اهلل يدخلها‬
‫ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه اآلية: لَنْ تَنَاُوا الْب َّ ح َّى ُنْ ِ ُوا م َّا ُح ُّو َ‬
‫ل ِر َت ت فق ِم ت ِب ن‬
  ‫ل‬
‫[آل عمران:79] قام أبو طلحة إلى رسول اهلل فقال: يا رسول اهلل، إن اهلل تبارك وتعالى يقول: َنْ‬
        ‫ب‬                        ‫ب رح‬                        ‫ل ِر َت ت ق ِم ت ِب ن‬
     ‫تَنَاُوا الْب َّ ح َّى ُنْفِ ُوا م َّا ُح ُّو َ، وإن أحب أموالي إلي َيْ ُ َاء، وإنها صدقة هلل أرجو ِرها‬
        ‫ب‬
  ‫وذخرها عند اهلل، فضعها ـ يا رسول اهلل ـ حيث أراك اهلل، قال: فقال رسول اهلل : (( َخ، ذلك‬
    ‫مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في األقربين))، فقال أبو‬
                                                                                   ‫ل‬
                                 ‫طلحة: أفع ُ يا رسول اهلل، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.‬
   ‫أيها اإلخوة، لسنا نروي أساطير أو نحكي قصصًا من نسج الخيال، ولكنه واقع قوم كانت الدنيا‬
                                                  ‫بأيديهم ولم تكن في قلوبهم، باعوها بجنة الرضوان.‬
    ‫وعن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول اهلل : ((إني ألعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر‬
                                            ‫و‬
    ‫أهل الجنة دخوالً الجنة، رجل يخرج من النار حب ًا فيقول اهلل تبارك وتعالى له: اذهب فادخل‬
      ‫الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها مألى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها مألى، فيقول اهلل تبارك‬
                                             ‫ي‬
 ‫وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها فيخ ّل إليه أنها مألى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها‬
‫مألى، فيقول اهلل له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال‬
 ‫الدنيا، قال: فيقول: أتسخَر بي؟! أو أتضحك بي وأنت الملك؟!)) قال: لقد رأيت رسول اهلل ضحك‬
                    ‫حتى بدت نواجذه، قال: ((فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة)) متفق عليه.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
  ‫ط‬
 ‫كان غالم من األنصار يملك بستانًا يجاور بستان رجل من الصحابة، فأراد الغالم أن يبني حائ ًا‬
  ‫يفصل بستانه عن بستان صاحبه، فاعترضت له نخلة هي في نصيب اآلخر، فأتاه فقال: أعطني‬
 ‫النخلة أو بعني إياها، فأبى، فأقبل الغالم على رسول اهلل فشكا له الحال، فأمره أن يأتي بصاحبه،‬
        ‫ر‬
  ‫فأقبال والنبي عليه الصالة والسالم بين أصحابه، فقال له: ((أعطه النخلة))، قال: ال، فك ّر عليه‬
 ‫ثالثًا وهو يأبى، عندها قال النبي : ((أعطه النخلة ولك بها نخلة في الجنة))، قال: ال، والصحابة‬
                                                                 ‫ب‬
 ‫يرقبون الموقف ويك ِرون العرض ويعظمون الثمن ويستنكرون اإلحجام من الرجل. وبينا الدهشة‬
 ‫تعلو الوجوه وصمت االستغراب يمأل المكان إذ شق ذلكم الصمت صوت أبي الدحداح رضى اهلل‬
                                                  ‫ت‬
  ‫عنه وهو يقول: يا رسول اهلل، إن أنا اشتري ُ النخلة ووهبتها الغالم ألي النخلة في الجنة؟ قال:‬
                                                  ‫ت‬
  ‫((نعم))، فقال أبو الدحداح: يا هذا، قد ابتع ُ النخلة ببستاني الذي فيه ستمائة نخلة، فقبل، فذهب‬
                                                                        ‫ع‬
 ‫أبو الدحداح مسر ًا إلى بستانه ينادي زوجته: يا أم الدحداح، اخرجي وأبناءك فقد بعت البستان.‬
‫قالت: لمن؟ قال: هلل بنخلة في الجنة، قالت: ربح بيعك وبارك اهلل لك فيما اشتريت. ثم أقبلت على‬
 ‫صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط اآلخر، فقال النبي‬
                                          ‫ى‬         ‫ل‬
‫كما في صحيح مسلم: ((كم من عذق معّق أو مدل ّ في الجنة ألبي الدحداح)). ستمائة نخلة وماء‬
                                                                                 ‫ي ل‬
   ‫نق ّ وظ ّ وافر وأشجار وثمار، أطيار وأزهار بنخلة واحدة. نعم ولم ال؟! إنها نخلة في الجنة.‬
‫في المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير‬
      ‫الراكب الجواد المضمر مائة سنة ال يقطعها))، وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال:‬
 ‫((ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فال تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فال تموتوا أبدا، وإن لكم أن‬
    ‫تُ‬          ‫ون د‬                                                                           ‫ب‬
  ‫تش ّوا فال تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فال تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز وجل: َ ُو ُوا أَنْ ِلْكمْ‬
                                                                 ‫َنة أ ر تم ب ك ُ مل‬
                                              ‫الْج َّ ُ ُو ِثْ ُ ُوهَا ِمَا ُنتمْ تَعْ َُونَ [األعراف:32])).‬
  ‫في يوم أحد انكشف الناس عن رسول اهلل وما بقي حوله إال نفر قليل فيهم أم عمارة نسيبة بنت‬
       ‫ت‬       ‫ل‬
 ‫كعب قالت: أقبل رجل على فرس فضربني، فتسرت له فلم يصنع شيئًُّا، ووّى فضرب ُ عرقوب‬
   ‫فرسه فوقع على ظهره، فجعل النبي يصيح: ((يا ابن عمارة، أمك أمك))، قالت: فعاونني عليه‬
                                                   ‫ج‬
    ‫حتى قتلته، قال ولدها عبد اهلل بن زيد: ُرحت يومئذ جرحًا وجعل الدم ال يرقأ، فقال النبي :‬
   ‫((اعصب جرحك))، فتقبل أمي ومعها عصائب في حقوها فربطت جرحي والنبي واقف فقال:‬
                                                                          ‫ي‬
      ‫((انهض بن ّ، وضارب القوم))، وجعل يقول: ((من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة))، ويأتي‬
    ‫ضارب ابنها فيقول عليه الصالة والسالم: ((هذا ضارب ابنك))، قالت: فأعترض له فأضرب‬
 ‫ساقه فبرك، فتبسم عليه السالم حتى رأيت نواجذه وقال: ((استقدتِ يا أم عمارة))، وجرحت اثني‬
                                                                              ‫ح‬
     ‫عشر جر ًا، فنظر النبي عليه السالم إليه ويقول لولدها: ((أمك أمك، اعصب جرحها، اللهم‬
   ‫اجعلهم رفقة لي في الجنة))، قالت أم عمارة بعدها: ما أبالي ما أصابني من الدنيا. انظر: سير‬
                                                                               ‫أعالم النبالء (7/927).‬
         ‫ن‬
 ‫وعن أبي هريرة عن رسول اهلل قال: ((إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تم ّ، فيتمنى‬
 ‫ويتمنى فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم؟ فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه)) رواه مسلم،‬
  ‫وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل تبارك وتعالى يقول ألهل الجنة: يا أهل‬
‫الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا ال نرضى وقد أعطيتنا‬
           ‫ي‬
  ‫ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأ ّ شيء أفضل‬
                                                                     ‫ل‬
                  ‫من ذلك؟! فيقول: أح ّ عليكم رضواني فال أسخط عليكم بعده أبدا)) متفق عليه.‬

‫(5/5923)‬
                                                            ‫إن رحمة اهلل قريب من المحسنين‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫اإليمان‬
                                                                                ‫اهلل عز وجل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                             ‫مازن التويجري‬
                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                              ‫07/55/0725‬
                                                                           ‫جامع حي النزهة‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- اهلل أرحم بعباده من األم بولدها. 7- هلل مائة رحمة. 3- عظيم سعة رحمة اهلل تعالى. 2-‬
‫طرق استجالب رحمة اهلل: إخالص التوحيد، األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عمارة األرض‬
     ‫بطاعة اهلل، رحمة الضعفاء والمحاويج. 1- الفهم الصحيح لنصوص الترغيب والترهيب في‬
                                                                                   ‫الوحيين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
       ‫ل‬                                             ‫ي‬
      ‫بينما النبي في أصحابه قد جاءه سب ٌ من سبي المشركين إذ بامرأة من السبي تطوف عَجَْى‬
                                                    ‫الذ‬          ‫محي‬
‫بالقوم، تبدو على ُ َ ّاها عالمات ُّعر والخوف، وترتسم في خطاها معاني الشوق واللهفة، تلفظ‬
                              ‫ي‬                                   ‫س‬          ‫س‬
  ‫أنفاسها ِراعًا، تج ّد لوحة الحنان والرأفة، كلما رأت صب ًا ضمته إلى صدرها عسى أن يكون‬
                                                                                ‫د‬
   ‫وليدها، تح ّق النظر فيه، فإذا به ليس هو، تفارقه، لتعاود البحث بين أفواج البشر، وفجأة ألقت‬
      ‫بيديها على صبي، نظرت في وجهه فإذا هو قرة العين وريحانة القلب، ضمته إلى صدرها،‬
         ‫ليغرق في أعماق الحنان والحب، ألقمته ثديها، وراحت تغوص في بحار عطف األمومة‬
   ‫ورحمتها، كل هذا والنبي وأصحابه يرقبون هذا المشهد العجيب لحظة بلحظة، عندها قال النبي‬
    ‫ألصحابه: ((أترون هذه طارحة ولدها في النار؟!)) قالوا: ال، وهي تقدر على أن ال تطرحه،‬
                                          ‫فقال: ((هلل أرحم بعباده من هذه بولدها)) متفق عليه.‬
                                                           ‫ي‬
  ‫إن هذه الصورة والمثال الح ّ الذي عاشه الصحابة وقلوبهم ملئت بالعجب من رحمة هذه المرأة‬
                                                               ‫ق‬
‫بولدها حتى تناست معه الرِ ّ الذي رمى بأغالله عليها، وبعد كل هذا اإلعجاب واإلكبار قال النبي‬
  ‫قولته؛ ليحقق في نفوس الصحابة أنه مهما بلغت رحمة الرحماء في الدنيا فهي ال تعدل شيئًُّا أمام‬
                                                                                         ‫رحمة أرحم الراحمين.‬
               ‫ن‬
      ‫هل عجبتم من دفاع الطير عن فراخه في وكرها وهو يقاتل حيوانًا أو يهاجم إنسا ًا؟! أم هل‬
                                                          ‫جب‬
‫راعكم منظر الوحوش التي ُ ِلت على القتل واإليذاء وهي تالعب صغارها وتحنو عليها؟! أم هل‬
                                               ‫د‬
            ‫رأيتم حيوانًا ضعيفًا أو حشرة صغيرة وهي تق ّم نفسها للموت دون أبنائها وصغارها؟!‬
      ‫َ ب‬                                                                      ‫جب‬
     ‫إنها الرحمة التي َ َل اهلل الخلقَ عليها، ولكنها ال تساوي قيد أنملة في رحمة اهلل، قَالَ عذَا ِي‬
     ‫ر‬                                                  ‫ء َر مت وسع ُل‬                    ‫أص ب ب م‬
 ‫ُ ِي ُ ِهِ َنْ أَشَا ُ و َحْ َ ِي َ ِ َتْ ك َّ شَيْءٍ [األعراف:615]. لقد جعل اهلل هذه الدنيا دا َ عمل‬
‫وابتالء، وأنزل فيها من الرحمات والبركات على قلوب من شاء واصطفى من عباده، وكانت هذه‬
                                              ‫الرحمات مؤشرات لبلوغ رحمته وعفوه يوم يقوم األشهاد.‬
     ‫روى مسلم عن سلمان الفارسي رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل خلق يوم خلق‬
‫السموات واألرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء واألرض، فجعل منها في األرض‬
 ‫رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة‬
                                                                                          ‫أكملها بهذه الرحمة)).‬
        ‫فكل ما ترى من رحمة المخلوقات بعضها على بعض على امتداد الزمن منذ خلق اهلل هذه‬
            ‫د‬
   ‫المعمورة إلى أن يرث األرض ومن عليها ما هي إال رحمة واحدة من مائة رحمة، ا ّخرها اهلل‬
                                                     ‫س‬
                                     ‫ألوليائه وحزبه يوم القيامة، فسبحان من و ِعت رحمته كل شيء.‬
                              ‫ي‬
‫جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النب ّ قال: ((لما خلق اهلل الخلق كتب‬
          ‫في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)). ولكن مع سعة هذه الرحمة‬
                           ‫ت ط‬                 ‫س‬                      ‫ف‬
   ‫وعمومها بقي المو ّق من عباد اهلل من يتح ّس الخصال التي ُستم َر بها رحماته وبركاته، ثم‬
‫علم الموفقون كذلك أن الغاية عندهم وأعلى مقاصدهم الفوز والنجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين،‬
                ‫ف‬                                      ‫ب‬                                 ‫ر‬
  ‫فأد َكوا أن أعظم نسائم الرحمة التي ته ّ على الخلق في هذه الحياة الدنيا أن يو ّقهم اهلل لسلوك‬
                                       ‫طريق الخير والصالح ونهج سبيل أهل اإليمان وحزب الرحمن.‬
                              ‫ت‬
  ‫معاشر اإلخوة، إن صفاء التوحيد وعمق اإلخالص من أعظم ما ُستجلب به رحمة اهلل في الدنيا‬
          ‫ر‬                             ‫ل‬                                   ‫ي‬
      ‫واآلخرة، فال ُصرف شيء من العبادة إال هلل، وال يتعّق القلب بسواه، ولذلك ترى كثي ًا من‬
                                          ‫شيئ‬                                 ‫ت‬
    ‫الناس ُمحق بركة رزقه أو ولده يوم أن صرف ًُّا من التوكل على غير اهلل، فتعلق بأسباب‬
‫الدنيا المجردة، أو والى أعداء اهلل وعادى أولياءه، كيف يرجو البركة والرحمة من صرف الرغبة‬
  ‫والرهبة لمخلوق ضعيف يرضيه بسخط اهلل ويحبه بغضب اهلل، يداهن ويجامل على حساب دينه‬
                                        ‫م ف‬                          ‫ة‬
         ‫وتوحيده؟! إن أعظم رحم ٍ يرحم اهلل بها عبده يو َ يو ّقه إلخالص العبادة وتوحيد القصد.‬
     ‫أيها المؤمنون، إن قيام المجتمع بشعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دالئل توفيقه‬
                ‫ب‬                             ‫ه‬       ‫ن‬                  ‫و‬
  ‫وخيريته وسم ّه ورفعته، إنه ضما ٌ من كل َلَكة وأمان من العقوبة ومستجل ٌ لسيل الرحمات،‬
   ‫مر ف‬              ‫و م من ن و م م ت ب ضه لي ء ب ْض مر‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِنَا ُ َعْ ُ ُمْ أَوِْ َا ُ َع ٍ يَأْ ُ ُونَ بِالْ َعْ ُو ِ‬
   ‫ع م َر ويق م ن الص وي ت الز ويط ع الله َرس ه أ ك سي حم ُ الله‬                                                       ‫وي‬
   ‫َ َنْهَوْنَ َنْ الْ ُنك ِ َ ُ ِي ُو َ َّالةَ َ ُؤْ ُونَ َّكَاةَ َ ُ ِي ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ ُوْلَئِ َ َ َرْ َ ُهمْ َّ ُ‬
  ‫ي‬                                                                     ‫ِن الل َ ز حك م‬
 ‫إ َّ َّهَ عزِي ٌ َ ِي ٌ [التوبة:52]، وبقدر تخلي األمة عن هذا الركن الركين يكون هالكها إن حس ًا‬
                                                                                                                ‫أو معنويًا.‬
   ‫أيها األكارم، عمارة األرض بطاعة اهلل والتقرب إليه بإقامة فرائضه وإحياء النوافل والسنن من‬
                                              ‫ن د‬
      ‫أسباب تنزل البركات وغشيان الرحمات، وإ ّ عب ًا متهاونًا في الفرائض متكاسال عن النوافل‬
                                                                                   ‫ل‬         ‫ر‬
                              ‫متج ّئا على ك ّ معصية لهو أبعد الناس عن رحمة اهلل في الدنيا واآلخرة.‬
           ‫ت‬                                                                         ‫ن‬
‫إ ّ تعلق كثير من الناس بأحاديث جاءت في رحمة العصاة بأعمال يسيرة قاموا بها واّكالهم عليها‬
 ‫لهو عين الجهل باهلل وسننه وشرعه، إذ يؤخذ منها عظم فضله وسعة رحمته، وليس المقصود أن‬
                                              ‫ت‬
     ‫يحارب العبد ربه بالمعاصي واألوزار ثم يّكل على عمومات اآليات واألحاديث، بل يجب أن‬
                               ‫ب‬                                            ‫ع‬
‫تؤخذ النصوص بجمْ ِها، فاهلل سبحانه كما أنه غفر لبغي بسقيها كل ًا فقد أدخل النار امرأةً في هرة،‬
      ‫ف ر الر م وَن‬                   ‫َن‬       ‫َب عب‬                                          ‫ف‬
      ‫وكما أنه يغ ِر ويتجاوز فهو يغار إذا انتهكت محارمه، نِّئْ ِ َادِي أ ِّي أَنَا الْغَ ُو ُ َّحِي ُ َأ َّ‬
                                                                ‫م‬         ‫َ ب ه َ ب‬
   ‫عذَا ِي ُوَ الْعذَا ُ األَلِي ُ [الحجر:92-01]، ومن كانت حاله إقامةً على المعاصي وتضييعا ألمر‬
‫ِر ن‬         ‫ي من م ْ الل ِال ْم‬
‫اهلل ثم يرجو العفو والصفح من غير عمل فقد أمن مكر اهلل، فَال َأْ َ ُ َكرَ َّهِ إ َّ الْقَو ُ الْخَاس ُو َ‬
                                                                                                         ‫[األعراف:99].‬
   ‫فنصوص الرحمة والمغفرة إنما تدفع أولي األلباب للعمل وتغيير الحال وتصحيح المسار، ال أن‬
      ‫إ َّ م الل ِ َر ب م م سن ن‬                                        ‫مت‬
      ‫تكون سبيالً للقعود عن العمل، و ُّكأًُّ لسوء الحال والعمل، ِن رَحْ َةَ َّه ق ِي ٌ ِنْ الْ ُحْ ِ ِي َ‬
                      ‫[األعراف:61]، فكلما أحسن العبد كان أقرب من رحمة اهلل، وإذا أساء فهو أبعد.‬
‫م به م ُر‬                  ‫و ْ رح ُ و‬
‫وليعلم أن رحمة اهلل بالكافرين والعصاة إنما هي ابتالء لهم، َلَو َ ِمْنَاهمْ َكَشَفْنَا َا ِ ِمْ ِنْ ض ٍّ‬
 ‫و ئ َ َ ه مة ِن م ب ْد َر َس ه ق َن َذ‬                                                       ‫َج ف ط ي نه ي مه‬
‫لَل ُّوا ِي ُغْ َا ِ ِمْ َعْ َ ُونَ [المؤمنون:12]، َلَ ِنْ أذقْنَا ُ رَحْ َ ً م َّا ِنْ َع ِ ض َّاءَ م َّتْ ُ لَيَ ُول َّ ه َا‬
       ‫َر بم‬          ‫ن َب َن َّذ‬              ‫ُن الس ع َ ئمة و ئ ْ رج ت إ َب ِن ل ع ْ ه ح‬                                ‫ل و‬
      ‫ِي َمَا أَظ ُّ َّا َة قَا ِ َ ً َلَ ِن ُ ِعْ ُ ِلَى ر ِّي إ َّ ِي ِندَ ُ لَلْ ُسْنَى فَلَ ُن ِّئ َّ ال ِينَ كَف ُوا ِ َا‬
                                                                                ‫ل‬        ‫عمل و نذ َنه م َ‬
                                                                  ‫َ ُِوا َلَ ُ ِيق َّ ُمْ ِنْ عذَابٍ غَِيظٍ [فصلت:01].‬
                                                         ‫ب‬
    ‫هذا هو اإلنسان الجحود البعيد عن ر ّه، ينعم اهلل عليه ويغدق، فينسب النعمة إلى نفسه، فيسيء‬
‫العمل، ويطول به األمل حتى ينسى اهلل والدار اآلخرة، وإن تذكر فسعة الرحمة وعظيم المن، وإذا‬
                      ‫ر‬                                                  ‫ح‬
  ‫نصح ناص ٌ قال أحدهم: ربك غفور رحيم، سبحان اهلل! هل ترجو خي ًا من رئيسك وأنت تسيء‬
                 ‫د‬                  ‫ب‬
            ‫معاملته وتقسو في عشرته؟! وهلل المثل األعلى، أنرجو القر َ والغفران ونحن نق ّم سوء‬
                             ‫المعاملة؟! فسبحانك ربي! كيف جمع أولئك بين سوء العمل وحسن الظن؟!‬
                                          ‫س‬
                                          ‫ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها…إن السفينه ال تجري على اليب ِ‬
     ‫جر ج َد ف سب الل أ َ َ ج َ ر م الله َالله ف ٌ ر‬                                      ‫ِن َّذ ن من و َّذ‬
 ‫إ َّ ال ِي َ آ َ ُوا َال ِينَ هَا َ ُوا وَ َاه ُوا ِي َ ِيلِ َّهِ ُوْلَئِك يرْ ُون َحْ َةَ َّ ِ و َّ ُ غَ ُور َحِيم‬
                                                                                                            ‫[البقرة:857].‬
                                                        ‫ت ط‬        ‫ن‬
‫معاشر الفضالء، وإ ّ مما ُستم َر به الرحمات في الدنيا واآلخرة رحمة الضعفاء وذوي الحاجة،‬
                                     ‫د‬
‫إغاثة الملهوف وكفالة اليتيم والقيام على األرملة وس ّ حاجة المسكين والعطف على الفقراء. روى‬
    ‫أبو داود والترمذي عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((الراحمون‬
     ‫يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل األرض يرحمكم من في السماء))، وفي الصحيحين من حديث‬
                                ‫م‬
       ‫جرير بن عبد اهلل رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ال يرح ُ اهلل من ال يرحم الناس)).‬
       ‫ً‬                     ‫ْذ‬
 ‫فالعطفَ العطف، والرحمةَ الرحمة، مسحًا على رأس اليتيم، وأخ ًا على يد الفقير، وقضاء لحاجة‬
                                                                                                                ‫المسكين.‬
   ‫إن رحمة اهلل في الدنيا عامة للمؤمنين وغيرهم، ولكنها في اآلخرة خاصة للمؤمن، َمَا تَ َا ُو َ‬
   ‫و شء ن‬
 ‫َد ُ َذ أل م‬                  ‫مته َالظ لم‬          ‫ِال ي الله ِن الل ن عل حك ُ ِل م ي ء ف‬
‫إ َّ أَنْ َشَاءَ َّ ُ إ َّ َّهَ كَا َ َِيمًا َ ِيمًا يدْخ ُ َنْ َشَا ُ ِي رَحْ َ ِ ِ و َّاِ ِينَ أَع َّ لَهمْ ع َابًا َِي ًا‬
                                                                                                   ‫[اإلنسان:03، 53].‬
   ‫ومهما بلغ العبد من القرب والطاعة فلن يدخل الجنة إال برحمة أرحم الراحمين، في الصحيحين‬
  ‫د‬     ‫يخ‬                               ‫د‬
 ‫عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل : ((س ّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه ال ُد ِل أح ًا‬
                                                                                    ‫له‬
‫الجنة عمُ ُ))، قالوا: وال أنت يا رسول اهلل؟ قال: ((وال أنا، إال أن يتغمدني اهلل بمغفرة ورحمة)).‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                    ‫لم ترد‬

‫(5/7923)‬




                                                                          ‫تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                     ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                                                   ‫االتباع‬
                                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                                       ‫مازن التويجري‬
                                                                                                                 ‫الرياض‬
                                                                                                         ‫17/05/2725‬
                                                                                                      ‫جامع حي النزهة‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضل التمسك بالكتاب والسنة. 7- التحذير من اإلعراض عن الكتاب والسنة وخطورة ذلك.‬
                                                                           ‫3- الواجب تجاه الكتاب والسنة.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                            ‫ق‬
   ‫سبيل النجاة وطوق السالمة وطري ُ الفالح ومهيَع النجاح هو النور كتاب اهلل تعالى؛ إذ ال نور‬
     ‫وال ضياء من غيره، بل ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ظلمات جهل‬
                                       ‫وم َ ي َ الله ه ن ر م ه م ن‬
‫وشرك وضالل، َ َنْ لمْ َجْعلْ َّ ُ لَ ُ ُو ًا فَ َا لَ ُ ِنْ ُورٍ [النور:02]. الهدى والرشاد في سبيله،‬
‫والتوفيق والسداد في طريقه. هو حبل اهلل المتين وصراطه المستقيم، هو الفصل ليس بالهزل، من‬
              ‫أج‬
  ‫تركه من جبار قصمه اهلل، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اهلل، من أخذ به ُ ِر، من عمل به‬
                                                                                         ‫ه‬
   ‫ُدي إلى صراط مستقيم، اتباعه دليل حب اهلل، واالسترشاد بهديه عالمة التوفيق، واالنتفاع بما‬
 ‫يحويه أمارة القرب والزلفى. الدين ما فيه، والشرع ما أودعه اهلل فيه، ال نجاة وال زكاة وال فالح‬
‫للعبد إال بالتمسك به، وال عز وال نصر وال سناء وال رفعة لألمة إال إذا نهلت من معينه وغرفت‬
 ‫ف زل م ح م‬                     ‫ي ت ب ِل م َ ن يد ه و م‬
 ‫من صافي مائه، محفوظ بحفظ اهلل له، ال َأْ ِيهِ الْ َاط ُ ِنْ بيْ ِ َ َيْ ِ َال ِنْ خَلْ ِهِ تَن ِي ٌ ِنْ َكِي ٍ‬
                                                                                             ‫حم‬
                                            ‫َ ِيدٍ [فصلت:72]. ال نقص يعتريه، وال زلل يتطرق إليه.‬
  ‫ما األمة قبله إال كقطعان غنم ال راعي لها، ينهش الذئب منها ويأكل، ال مأوى لها وال مرقد، أو‬
                                                           ‫ص‬
  ‫كقافلة قائدها أعمى وروادها ٌم بكم، متى سيصلون؟ وأين يتجهون؟ ما األمة قبله إال ركام من‬
                                                   ‫ي‬
      ‫العادات والتقاليد عاثت فيها لغة القو ّ يأكل الضعيف، والغني يقضي على الفقير، حتى جاء‬
                     ‫ليرفعها من الجهل إلى العلم، ومن الظالم إلى النور، ومن الضالل إلى الهدى.‬
       ‫َ‬
     ‫إنه حبل اهلل، نعمته، فضله، منته، إنه وحي السماء في كتاب اهلل وسنة رسوله ومصطفاه : قدْ‬
          ‫ب الله م ات ر و ه سب الس وي ج ُ م‬                               ‫ء ُ م الل ن ر وك ب مب ن ي‬
        ‫جَا َكمْ ِنْ َّهِ ُو ٌ َ ِتَا ٌ ُ ِي ٌ َهْدِي ِهِ َّ ُ َنْ َّبَعَ ِضْ َانَ ُ ُ ُلَ َّالمِ َ ُخْرِ ُهمْ ِنْ‬
                                                        ‫ِر ط م‬      ‫إل الن إ ن وي ْد ه إ‬                   ‫الظل‬
                             ‫ُُّمَاتِ َِى ُّورِ بِِذْ ِهِ َ َه ِي ِمْ ِلَى ص َا ٍ ُسْتَقِيمٍ [المائدة:15، 65].‬
     ‫في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((ما من األنبياء نبي إال‬
‫أعطي من اآليات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذي أوتيته وحيًا أوحاه اهلل إلي، فأرجو أن أكون‬
     ‫أكثرهم تابعًا يوم القيامة))، وفي البخاري عن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما قال: جاءت‬
   ‫مالئكة إلى النبي وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان،‬
  ‫فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثال، فاضربوا له مثال، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين‬
           ‫ي‬                            ‫ر‬
‫نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دا ًا وجعل فيها مأدبة، وبعث داع ًا، فمن أجاب‬
    ‫الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة،‬
     ‫فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان،‬
          ‫د‬                             ‫د‬
     ‫فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ، فمن أطاع محم ًا فقد أطاع اهلل، ومن عصى محم ًا فقد‬
                                                                                   ‫ر‬
                                                                       ‫عصى اهلل، ومحمد ف ّق بين الناس.‬
 ‫إي واهلل، ال صالح لهذه األمة وال نجاة إال باألخذ بالهدى واالرتباط بحبل السماء والنهل من نور‬
‫الوحيين وتحكيمهما في شؤون الحياة، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، في البخاري ومسلم عن‬
‫أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((إنما مثلي ومثل ما بعثني اهلل به كمثل رجل‬
                                                                                     ‫م‬
 ‫أتى قو ًا فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة‬
           ‫ب‬
        ‫من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فص ّحهم‬
 ‫الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما‬
                                                                                                         ‫جئت به من الحق)).‬
                                                  ‫ر‬
‫نعم، لم يزل كتاب اهلل وسنة رسوله فينا نذي ًا بين يدي الناس، من اتبع سبيلهما كانت له النجاة في‬
                       ‫د‬
‫الدنيا واآلخرة، ومن حرم السبيل والنهج القويم وأعرض عن االتباع وق ّم قول فالن وفالن عليهما‬
      ‫ِر ط‬      ‫س َّ أ ح إ ِن ع‬
      ‫كانت عليه الوبال والخسارة في الدنيا واآلخرة، فَاسْتَمْ ِكْ بِالذِي ُو ِيَ ِلَيْكَ إ َّكَ َلَى ص َا ٍ‬
                                                            ‫م ق م وِنه ذ ْر ك و ك و ْ ت ل‬
                                         ‫ُسْتَ ِي ٍ َإ َّ ُ لَ ِك ٌ لَ َ َلِقَوْمِ َ َسَوفَ ُسْأَُون [الزخرف:32، 22].‬
  ‫عجبًا لنا ولبني قومنا! كيف استبدلوا الذي أدنى بالذي هو خير؟! كيف عافوا النقاء والصفاء في‬
    ‫وحي السماء، وراحوا يلهثون وراء غرب أو شرق، يثنون ويعجبون، ثم يأمرون ويدعون إلى‬
                                                                 ‫هجر الشرع والدين واالبتعاد عن النور والهدى؟!‬
‫ني ب‬                 ‫ط‬            ‫ل ن‬                                ‫س‬
‫روى أحمد في مسنده وح ّنه األلباني عن جابر بن عبد الّه أ ّ عمر بن الخ ّاب أتى ال ّب ّ بكتا ٍ‬
    ‫ل‬       ‫ط‬                    ‫و‬                   ‫ني‬
  ‫أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه ال ّب ّ فغضب فقال: ((أمته ّكون فيها يا ابن الخ ّاب؟! واّذي‬
 ‫ل‬               ‫بحق ذ‬             ‫ٍ‬                  ‫ية‬
 ‫نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نق ّ ً، ال تسألوهم عن شيء فيخبروكم ٍّ فتك ّبوا به أو بباط ٍ‬
                              ‫ت‬                  ‫حي‬          ‫ن‬                   ‫ل‬          ‫د‬
                       ‫فتص ّقوا به. واّذي نفسي بيده، لو أ ّ موسى كان ًّا ما وسعه إال أن يّبعني)).‬
     ‫هذا في أمر كتاب أصابه عمر من أهل الكتاب، قد ال يقدمه على شريعة محمد ، وقد يكون لم‬
   ‫يتطرق إليه التحريف بعد، ومع هذا يغلق النبي كل باب يمكن أن يفضي إلى التهلكة والبعد عن‬
                                                         ‫د‬
   ‫منهج اهلل الذي ارتضاه لعباده، ليشت ّ توبيخه للفاروق؛ أمتحيرون أم أنتم غير مبالين؟! ثم يكون‬
                                      ‫حي‬
 ‫البيان العظيم: ((والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان ًّا لما وسعه إال أن يتبعني))، وصدق اهلل‬
  ‫ُ ب ن ُ بم‬            ‫ك ب َق مص ِّق ل ب يد م ك ومه م ع ِ‬                                                       ‫و ز إ‬
 ‫سبحانه: َأَن َلْنَا ِلَيْكَ الْ ِتَا َ بِالْح ِّ ُ َد ًا ِمَا َيْنَ َ َيْهِ ِنْ الْ ِتَابِ َ ُ َيْ ِنًا َلَيْه فَاحْكمْ َيْ َهمْ ِ َا‬
                                             ‫َق‬        ‫م‬          ‫َ الله و َتب و ُ َم‬
 ‫أَنزلَ َّ ُ َال تَّ ِعْ أَهْ َاءَهمْ ع َّا جَاءَكَ ِنْ الْح ِّ [المائدة:82]، والمهيمن هو الرقيب والشاهد عن‬
                                                                                                                          ‫ما سبقه.‬
‫ها هو عليه الصالة والسالم يقطع الشك باليقين، ويبين الحق فال مرية فيه وال التباس أو اختالط؛‬
         ‫ِن ن َز الذ ْر وِن ه‬
         ‫ليعلم أن الحق هو ما جاء به محمد عن ربه الذي تكفل بحفظه، إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ِّك َ َإ َّا لَ ُ‬
                                                                                                                      ‫ح ظ‬
                                                                                                        ‫لَ َافِ ُونَ [الحجر:9].‬
                           ‫ط‬
‫أخرج اإلمام أحمد في مسنده والحاكم عن عبد اهلل بن مسعود قال: خ ّ لنا رسول اهلل خطًا ثم قال:‬
‫((هذا سبيل اهلل))، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: ((هذه سبل ـ قال يزيد: متفرقة‬
   ‫وَن َذ ِر ط م ق م َاتبع ه و َتبع‬
 ‫ـ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه))، ثم قرأ: َأ َّ ه َا ص َا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َال ت َّ ِ ُوا‬
                                                     ‫الس ُ َ َر بك ع سب ل ل ُ َص ُ ب َلك َتق‬
                                   ‫ُّبل فَتَف َّقَ ِ ُمْ َنْ َ ِيِهِ ذَِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّ ُمْ ت َّ ُونَ [األنعام:315].‬
                                      ‫ز‬
 ‫والمقصود ـ أيها األفاضل ـ أن خير األمة الذي به ع ّها وشرفها ال يكون إال بالتمسك بالكتاب‬
  ‫والسنة وأخذ اإلسالم بقوة، وقد كان الفصل في هذا شرع اهلل في وحي السنة كما روى البخاري‬
   ‫ل‬                                 ‫ن‬              ‫ل م‬             ‫ل‬        ‫ن‬
 ‫عن أبي هريرة أ ّ رسول الّه قال: ((ك ّ أ ّتي يدخلون الج ّة إال من أبى))، قالوا: يا رسول الّه،‬
                                                           ‫ن‬
                                    ‫ومن يأبى؟! قال: ((من أطاعني دخل الج ّة، ومن عصاني فقد أبى)).‬
                                       ‫ِ‬                                                 ‫ع‬
      ‫إذا ُلم الداء وتبين الخلل فما الواجب على األمة تجاه أمر ال صالح لها إال به، وال نجاة وال‬
                                                                                                                      ‫فالح؟‬
                                                                                       ‫ال‬
‫أو ً: البيت واألسرة هما المحضن األول لألجيال القادمة، ولزامًا أن تقوم األسرة بدورها الريادي‬
‫في تربية األوالد على حب الكتاب والسنة وتعظيم الوحي، تربيتهم على حب اهلل ورسوله ، توثيق‬
                                                            ‫صلتهم بإسالمهم، تغرس قيمه ومبادئه في نفوسهم.‬
    ‫من البيت يتخرج الشاب والفتاه، ال يقدم قول أحد كائنًا من كان على كالم الوحي وشرعة اهلل،‬
                ‫ل‬
      ‫األمة في وقتها الراهن بأمس الحاجة إلى بيوتات تنشئ األفراد على أن الحق ك ّ يدعيه وكل‬
                                                                      ‫ق‬
      ‫يتعلق به، ولكن ال ح ّ إال مع القرآن والسنة، فما تسمع آذانهم وما ترى أعينهم وما يقرؤون‬
                          ‫ي‬
 ‫بألسنتهم ال بد وأن يعرضوه على ما جاء في الوحي، فإن وافقه فح ّ هال، وإن كانت األخرى فال‬
                                                 ‫د‬                                    ‫حي‬
‫َّ وال هال وال كرامة، يفهمون هذا، بعي ًا عن التعاطف مع فالن وفالن أو التخوف لهذا أو ذاك،‬
    ‫ي ن عكم‬              ‫و َّذ َ ي م ِنه‬                           ‫ْ ِ َاتب ه و َت‬              ‫عل َر عة م‬            ‫ُم جع‬
  ‫ث َّ َ َلْنَاكَ ََى ش ِي َ ٍ ِنْ األَمر ف َّ ِعْ َا َال تَّبِعْ أَهْ َاءَ ال ِين ال َعْلَ ُونَ إ َّ ُمْ لَنْ ُغُْوا َن َ ِنْ‬
                                                                                              ‫الل‬
   ‫َّهِ شَيْئًُّا [الجاثية:85، 95]. يسعى الوالدان لغرس اإليمان في نفوس األبناء والبنات منذ نعومة‬
                ‫أظفارهم، في ترسيخ القيم، وتعميق المفاهيم، عبر مناشط متعددة، وبأساليب متنوعة.‬
    ‫ثانيًا: المدرسة هي المحضن الثاني ألبناء األمة، فالدور المنوط بها عظيم، واألمل كبير في أن‬
            ‫يكون هاجس تعبيد الخلق لخالقهم هو الذي يشغل فكر المعلمين والمعلمات على اختالف‬
      ‫تخصصاتهم، تربي األجيال بين ردهات المدارس على أخذ الحق من معينه الصافي وينبوعه‬
                       ‫م‬
     ‫النقي. وتتكامل عملية التربية بين أهل اإلسالم في مدارسنا حينما يشغل ه ّ تربية األبناء على‬
                                         ‫الكتاب والسنة هيكل التعليم كله من رئيسه إلى أصغر عضو فيه.‬
 ‫ما أجمل أن يسمع الطالب اآلية والحديث من معلم الرياضيات أو اللغة اإلنجليزية، وما أروع أن‬
  ‫يسمع الحادثة من السيرة من معلم الفيزياء أو الكيمياء. لم ال يسعى أحدنا ـ معاشر المعلمين ـ‬
  ‫أن يربط أبناءه الطالب بخالقهم سبحانه وتعالى؟! فمعلم العلوم والجغرافيا يرسخ اإليمان ويعمق‬
  ‫اليقين بالخالق تعالى وتقدس من خالل مخلوقاته وآياته، بل حتى معلم الرسم والرياضة يقف مع‬
     ‫أبنائه وقفات مع نعم اهلل وبركاته على اإلنسان مما أعطاه من قوة وحواس وأطراف، وأن من‬
                                                          ‫أولى أنواع شكرها أن يستخدمها العبد في طاعة اهلل.‬
   ‫المهم أن تغدو المدرسة خلية ال تهدأ في عمل دؤوب لتعميق جذور اإليمان في القلوب، ويكون‬
       ‫هذا هو الهم والهدف، يتذاكره الجميع ويقدمونه على ما سواه، ومن ثم يسعى المجتمع بأسره‬
                                              ‫ت‬                   ‫د‬
 ‫وخاصة أرباب التعليم إلى ر ّ قالة السوء التي ت ّهم مناهج التوحيد والسنة بافتراءات ال أصل لها،‬
                                                               ‫بل مصدرها الهوى والشيطان.‬
 ‫ثالثًا: اإلعالم عليه واجب عظيم ومسؤولية كبيرة نحو تبصير الناس وبيان الحق لهم وردهم إلى‬
     ‫منهج القرآن والسنة، إن على أصحاب القلم وأرباب اإلعالم أن يتقوا اهلل في هذه األمانة وال‬
‫يخونوا اهلل فيها، ماذا يريد أولئك الذين يتندرون من الدين ويسخرون به؟! أين عقولهم؟! ماذا يريد‬
                                              ‫ر‬
    ‫أولئك الذين يملؤون األعمدة والزوايا بأحبا ٍ ما خافت اهلل وال صدقت في النصح لدينه، وهي‬
‫تسعى جهدها لتبث للناس زعمها بأن مناهجنا تفرخ اإلرهاب وتربي على العنف، أين هذا أو ذاك‬
                              ‫ت‬
   ‫من أفالم الكرتون المتحركة وألعاب الحاسب التي تربي صو ًا وصورة على العنف والتعدي؟!‬
                                                                 ‫ص‬             ‫ر‬
      ‫كيف يج ّأ أولئك أن ي ِموا دينهم وعقيدتهم بأنها تربي على اإلرهاب والعنف؟! أين عقول‬
‫القوم؟! هل زاغت األبصار أم غابت أفهام القوم؟! كيف ينالون من دينهم وشرعة ربهم؟! أين تلك‬
    ‫البرامج التي يقدمها اإلعالم بجميع وسائله لربط الناس بخالقهم ودعوتهم للتمسك بكتاب ربهم‬
                                                                               ‫وسنة نبيهم ؟!‬
                                                       ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم...‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                       ‫لم ترد‬

‫(5/3923)‬




                                                                      ‫من صفات المربي (5)‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                      ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                     ‫األبناء, التربية والتزكية‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                             ‫مازن التويجري‬
                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                           ‫جامع حي النزهة‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أهمية التربية في حياة األفراد والمجتمعات. 7- أهم صفات المربي: العلم بجوانبه المختلفة‬
           ‫المتنوعة، القدرة على العطاء، القدرة على القيادة والمتابعة، القدرة على بناء العالقات.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
   ‫ّ‬                                 ‫م‬                                               ‫ن‬
‫إ ّ من يتعامل مع غير اإلنسان إنما يتعامل مع آلة ص ّاء ال روح فيها، وإن كانت الروح تدب في‬
  ‫جسدها، فما هي إال كائن حي يمكن السيطرة عليه وترويضه مهما كان حجمه أو قوته، فالجميع‬
 ‫و َخ ُ م ف الس و ت وم ف َ ْض جم م ه ِن‬                                                         ‫خ‬
 ‫مس ّر لك أيها اإلنسان، مهيأ لخدمتك، َس َّرَ لَكمْ َا ِي َّمَ َا ِ َ َا ِي األر ِ َ ِيعًا ِنْ ُ إ َّ‬
                                                                         ‫ي َّر‬                ‫ي‬            ‫ف‬
                                                        ‫ِي ذَلِكَ آل َاتٍ لِقَوْمٍ َتَفَك ُونَ [الجاثية:35].‬
                                                  ‫د‬
 ‫بيد أن التعامل مع هذا اإلنسان ذاته يع ّ تعامالً مع مخلوق غريب في عالم أغرب، إنه تعامل مع‬
      ‫الروح بإقبالها وإدبارها، مع النفس بأحوالها ومشاعرها، مع الطبع البشري بعواطفه وتقلباته‬
       ‫ومزاجيته، مع حبه وبغضه، إقدامه وإحجامه. إنه التعامل مع عطاء اإلنسان أو أنانيته، مع‬
     ‫ل‬                               ‫ذ‬
    ‫عالميته في البذل أو بحثه عن ذاته وشخصه ومصالحه. إ ًا فالتعامل مع هذا المخلوق المتقّب‬
   ‫العجيب وتربيته عملية مهمة صعبة في ذات الوقت، إنها إعداد لإلنسان وغرس للقيم والمعاني‬
                  ‫وتطهير للنفوس من رواسب العادات السيئة وأدران أمراض القلوب والجوارح.‬
 ‫إن من البدهيات المقررة لدى الناس أجمع أنه ال بد لكل وظيفة وعمل يقوم به اإلنسان من إعداد‬
 ‫وتهيئة، فالمحسوسات من حولنا تحكي الواقع وتبرهن على سنة اهلل في هذا الكون أن لكل صنعة‬
     ‫صانع يسبر أغوارها ويحسن التعامل معها بما رزقه اهلل من فهم في هذا التخصص أو ذاك.‬
                                     ‫ه‬                           ‫د‬
   ‫وعليه كان ال بد لمن يتص ّى لتربية الناس من صفات يتأ ّل بها ليشغل تلكم الوظيفة ويقوم بها‬
          ‫ر‬
  ‫خير قيام، إنها رسالة إلى األب في تربيته ألبنائه، إلى المعلم بين تالميذه، إلى من تش ّفوا بحمل‬
     ‫الرسالة واعترك في نفوسهم هم اإلصالح والدعوة إلى الخير من مؤسسات دعوية ومحاضن‬
                                        ‫تربوية في حلقات لتحفيظ القرآن الكريم أو مكتبات خيرية.‬
                                                                   ‫الصفة األولى: العلم وله جوانب:‬
                                                                                           ‫ال‬
    ‫أو ً: العلم الشرعي، فالتربية في اإلسالم إعداد المرء لعبودية اهلل تبارك وتعالى، وسبيله العلم‬
               ‫ال‬
  ‫الشرعي، فكيف يستطيع األب أو المربي أن يأمر ابنه بالطهارة والصالة مث ً وهو يجهل بعض‬
‫ما هلل عليه فيهما، أو يعجز عن اإلجابة عما يطرأ من تساؤالت في ذهن المتربي؟! وقس على هذا‬
                                                       ‫سائر نواحي الشرع من عبادات ومعامالت.‬
                                 ‫الجانب الثاني: ثقافة المربي العامة وإدراكه لما يدور في عصره.‬
      ‫ر‬                   ‫ال‬
  ‫الجانب الثالث: العلم بطبيعة المرحلة التي يتعامل معها إن كانوا أطفا ً أو مراهقين أو كبا ًا من‬
 ‫رجال أو نساء، فاألب الذي يجهل نفسية ابنه المراهق وما هي عليه من تقلبات وحدة في المزاج‬
             ‫وأنه انتقل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة بعيدة عنها مغايرة لها لن ينجح في تربيته.‬
          ‫جاء شاب يستأذن النبي في الزنا فقال له : ((أترضاه ألمك؟!)) قال: ال، قال: ((أترضاه‬
      ‫ألختك؟!))، قال: ال، قال: ((فكذلك الناس ال يرضونه ألمهاتهم وأخواتهم)) أو كما قال عليه‬
                                               ‫السالم. لقد كان هذا السؤال من الشاب جريئ‬
‫ًُّا مفزعًا غريبًا يستثير غضبَ المسؤول، واألعظم من‬
                                                                ‫ر‬
 ‫هذا أنه يلقيه على مسمع الب ّ التقي عليه الصالة والسالم، ومع هذا لم يعنفه أو يزجره، بل أقنعه‬
   ‫بأسلوب حكيم ولفظ يقطر لطفًا ورحمة، وما ذاك إال لعلمه عليه الصالة والسالم بفورة الشباب‬
                                                            ‫وثوران الشهوة في تلك المرحلة.‬
  ‫الجانب الرابع: معرفة المربي بالشخص نفسه من حيث قدراته وإمكاناته حتى ال يبخسه حقه أو‬
 ‫يكلفه فوق طاقته، وذلك يظهر جليًا في إلزام كثير من اآلباء أبناءهم دراسة العلوم الطبيعية حتى‬
‫ولو كانوا ال يملكون قدرة تؤهلهم للبروز فيها، وفي المقابل تجد لديه مخزونًا إبداعيًا في تخصص‬
                                                                ‫آخر لم يكتشفه والده المربي.‬
‫روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((أرحم‬
‫أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر اهلل عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحالل والحرام‬
                                            ‫أ‬
‫معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم ُبي، ولكل أمة أمين، وأمين هذه األمة أبو عبيدة‬
                                                                               ‫بن الجراح)).‬
    ‫وكذلك دعا البن عباس بسعة العلم، ويرسل خالد بن الوليد بسرية بعد سرية، ويشبع رغبة أبا‬
 ‫سفيان في الوجاهة والمنصب، وهكذا كلما جهل المربي حال المتربي وقدراته وإمكاناته فسيكون‬
                                                                         ‫تعامله معه خاطئ‬
                                     ‫ًُّا ووصاياه له مجانبة للصواب أو العدل.‬
  ‫م‬
 ‫والمعنى فيما سبق من جوانب مهمة في العلم أن يملك المربي ما يقدمه لذلك المتربي علمًا وفه ًا‬
                                               ‫ر‬
‫للواقع وقدرة في اإلجابة على تساؤالته وسب ًا ألغوار نفسيته، وحين يفقد المربي هذا وذاك يشعر‬
    ‫المتربون أنه ليس ثمة ما يدعوهم لالرتباط بفالن من الناس، وليس عنده ما يؤهله ألن يتولى‬
                                  ‫تربيتهم، فليتنبه لهذا جموع المربين من آباء ودعاة ومعلمين.‬
   ‫الصفة الثانية من صفات المربي: أن يملك المربي القدرة على العطاء كما يملك حسن العطاء.‬
                                             ‫ي‬
   ‫هناك شخصيات كبيرة فائقة التكوين، متفوقة عقل ًا وذاتيًا، ولكنه لسبب ما ال يستطيع أن يعطي‬
                                      ‫ذ‬
  ‫التجربة الواقعية لما يحمله في ذاته من مثال رائع، إ ًا فليست األهمية تكمن فيما يملك الشخص‬
                                                                 ‫ض‬
 ‫من قدرات، ولكنها أي ًا إجابة عن التساؤل: هل هو قادر على العطاء والتربية؟ ولذلك ال عجب‬
       ‫شيئ‬          ‫ال‬    ‫و‬                                             ‫ذ‬
   ‫في أن تجد أستا ًا يحمل أعلى الشهادات ال يستطيع أن يربي أو يك ّن جي ً يحمل ولو ًُّا من‬
                                                                                    ‫م‬
                                                                        ‫علمه و ُثله وأخالقه.‬
                             ‫ر‬
  ‫أيها اإلخوة، إن البائع الذي يسعى لترويج سلعته يدرك أن مج ّد عرضها على الناس للبيع ليس‬
                                                                                ‫ي‬
   ‫كاف ًا في ترويجها، فهو يحتاج لحسن عرضها والحديث عنها مع الناس بالطريقة التي تشعرهم‬
‫بحاجتهم إليها. والمقصود أن المربي قد يملك القدرة على العطاء، وهذا ال يكفي بمفرده، فقد يكون‬
 ‫ب‬
 ‫عطاؤه بطريقة خاطئة منفرة، فيضيع األثر المطلوب، وقد ينقلب إلى الضد، ولذلك قيل: قد تح ّ‬
                                                                            ‫ب‬
      ‫طفلك وتح ّ له الخير، ولكن طريقتك في تقويم الخير إليه تشككه في حبك له، وتوهمه أنك‬
     ‫تكرهه. وخالصة القول أن المربي الحق هو الذي يجيد استخدام األسلوب األمثل، في الوقت‬
                                                                    ‫المناسب، يعرضه في قالب الحب والشفقة.‬
 ‫الصفة الثالثة من صفات المربي: القدرة على القيادة والمتابعة. مع العلم وحسن العطاء ال بد من‬
‫قيادة الناس وإدارتهم، فاألب الذي ال يستطيع إدارة بيته والمعلم الذي ال يملك زمام فصله والداعية‬
  ‫الذي ال يحسن استمالة الجمهور وإقناعهم بفكرته لن يستطيع أولئك أن يجروا بسفينة التربية إلى‬
 ‫شاطئ األمان. فالمربي الحق هو الذي يقود أفراده حسب قناعات راسخة رباهم عليها، ال بقانون‬
                                                                                                    ‫س‬
                                                                                   ‫العسكر و َوْق الناس بالعصا.‬
                                                            ‫ر‬
  ‫واألمر اآلخر بعد هذا أن يكون قاد ًا على متابعة المتربي أبناء وتالميذ وإخوانا، فالتربية عملية‬
                   ‫ر‬
‫مستمرة ال يكفي فيها توجيه عابر مهما كان مخلصًا صوابًا، ولهذا تجد كثي ًا من المربين يظن أن‬
  ‫دوره في التربية يقف عند حد التوجيه والتقويم، فيأمر ابنه بالصالة وال يتابعه عليها، وينهاه عن‬
                                                                       ‫رفقة السوء وال يشغله بغيرهم، وهكذا..‬
 ‫وليس المقصود بالتوجيه المستمر والمتابعة ـ أيها اإلخوة ـ المحاسبة على كل هفوة، فذلك ينفر‬
                                            ‫ر‬         ‫ن‬
      ‫وال يربي، فالمربي الحكيم يتغاضى أحيا ًا أو كثي ًا عن الهفوة وهو كاره لها؛ ألنه يدرك أن‬
                              ‫استمرار التنبيه ضار كاإللحاح فيه، وهذا ال يعني الغفلة والثقة المفرطة.‬
  ‫الصفة الرابعة من صفات المربي: القدرة على بناء العالقات. إن التلقي فرع عن المحبة، وبينها‬
                                                               ‫و‬
   ‫من االتصال قدر كبير قد ال نتص ّره أحيانًا، وهب أن إنسانًا بلغ الغاية في التأثير وقوة المنطق‬
                                       ‫ر‬
   ‫ورصانة الحجة، أتراه يكون أعلم أو أنصح أو أكثر تأثي ًا من النبي ؟! ومع ذلك قال اهلل تعالى‬
                           ‫َض م‬                      ‫م م الل ل ه و ك َ َظ ل‬                                 ‫ب‬       ‫ي‬
  ‫لنب ّه : فَ ِمَا رَحْ َةٍ ِنْ َّهِ ِنْتَ لَ ُمْ َلَوْ ُنْت ف ًّا غَِيظَ الْقَلْبِ النْف ُّوا ِنْ حَوْلِكَ [التوبة:915]،‬
 ‫هذا مع ما آتاه اهلل من وسائل التأثير وشعور الناس بأن الحق معه هو مأمور بأن يلين ألصحابه،‬
‫وإال كانت النتيجة أن ينفضوا من حوله، فكيف بغيره ممن يحمل قائمة طويلة من صفات القصور‬
                                                                                                            ‫والنقص؟!‬
‫والرجاء أن ال يظن اآلباء أنهم بمنأى عن هذا الخطاب، فهم أولى من يسعى في بناء العالقات مع‬
                                          ‫أبنائهم، وإال ففي المجتمع أبدال وأمثال، واللبيب تكفيه اإلشارة.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                ‫لم ترد.‬

‫(5/2923)‬




                                                                                            ‫من صفات المربي (7)‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                         ‫األبناء, التربية والتزكية‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                  ‫مازن التويجري‬
                                                                                                            ‫الرياض‬
                                                                                                 ‫جامع حي النزهة‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- التربية بالقدوة. 7- تأثر النفس البشرية بالقدوة. 3- خلق النبي . 2- احتجاج المتربي‬
                                               ‫بمربيه. 1- تحذير المربين من يكونوا قدوة في المعاصي.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                           ‫م‬              ‫ل‬
          ‫من السهل أن يتكّم المرء عن ال ُثل والمبادئ، ومن اليسير أن يأمر بطيب الفعال وجميل‬
                                                              ‫ن‬      ‫م‬
‫الخصال، قد نقرأ كال ًا رصي ًا عن الخلق وحسن التعامل فنتأثر به ونميل إليه، ولكن قد يكون هذا‬
                                                                       ‫ي‬      ‫ث‬
    ‫الميل وذاك التأ ّر وقت ًا