Docstoc

موسوعة خطب المنبر 061

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 061 Powered By Docstoc
					                 ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
            ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                            ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                            ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
      ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
      ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
 ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                     ‫معين.‬


                                               ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                       ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                           ‫ضرر المخد‬
                                                                        ‫ِّرات‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                   ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                       ‫الذبائح واألطعمة, قضايا المجتمع‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                               ‫مراد وعمارة‬
                                                                                ‫باب الوادي‬
                                                                                    ‫التقوى‬
                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- مدى انتشار المخدرات في المجتمع اإلسالمي. 7- تحريم المخدرات. 3- أسباب انتشار‬
 ‫المخدرات. 4- تاريخ ظهور المخدرات. 1- دور المستعمر في نشر المخدرات في المجتمع‬
                                                                                 ‫اإلسالمي.‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                 ‫وهم غ‬                            ‫ع‬                                ‫أي‬
‫ُّها المسلمون، هل بلغكم الخبر؟ هل ٌ أصاب نفوسنا وخلَع قلوبنا، ٌّ ن ّص علينا العيش حين‬
                  ‫فاجأنا الخبر الذي تنامى إلى أسماعنا في بيوتنا من قبل الوسائل الرسمي َّ‬
   ‫َّة أن نصف مجتمعنا أو‬
                                                                         ‫َّد‬
                     ‫قريبًا من ذلك مهد ٌ باالنقراض من جراء إدمان شبابنا وأبنائنا المخدرات!!!‬
                      ‫وإن‬                                               ‫أتوق‬            ‫أم‬
  ‫َّا أنا فما كنت َّع هذا البالء بهذا الحجم في ديارنا ديار اإلسالم، َّما كنت أحسبه في ديار‬
  ‫الكفر والضالل، التي ال يحكم الناس فيها وازع من دين وال رادع من خلق وال مسكة من عقل.‬
    ‫ِّ‬       ‫ًّا منحط‬
    ‫ُّون في أخس‬                                                     ‫تقد‬     ‫م‬
                   ‫فتلك أم ٌ مهما َّمت بهم التكنولوجيا وأساليب الترف والبذخ فهم حضاري‬
                  ‫َّ‬
      ‫المراتب وأسفل الدركات، بعد األنعام، ال بل بعد الضباع والقردة والخنازير، إال قليال منهم.‬
                                                                         ‫إن‬             ‫أي‬
    ‫ُّها المسلمون، َّ آفة المخدرات عنوان النهاية في الشر والفساد وانحطاطِ اإلنسان من مرتبة‬
                                       ‫اإلنسانية إلى أسفل مراتب الحيوان. هذه الحشيشة المخد‬
‫ِّرة واللقمة الملعونة المفترة، متى فشت في‬
          ‫لكن‬                                                    ‫وبش‬             ‫أم فكب‬
    ‫َّة ِّر عليها تسعا، ِّرها بالدمار والهالك، وقل: ال آسى على القوم المجرمين، َّها إذا‬
                                  ‫فشت في طائفة من المسلمين فقد وجب إعالن الحرب عليهم.‬
 ‫ِّجي بضاعتها َّ‬
 ‫فإن‬                                                ‫ل‬
              ‫أرأيتم هذه الخمر؟ هذه الخمر فمع ك ّ ما تعلمونه من خبثها وإثم شاربيها ومرو‬
      ‫الحشيشة المخدرة واللقمة الملعونة ِّرة هي أخطر من الخمر جرما وأعظم إثما وأشد ت‬
     ‫ُّ مق ًا‬                                   ‫المفت‬
                                                                      ‫وأسوأ سبيال وأقبح مآال.‬
    ‫فإن‬                                                ‫أن كل‬      ‫األئم‬
   ‫وقد انعقد إجماع َّة على َّ َّ طائفة مدمنة للخمور والمسكرات ال تنتهي بعد الزجر َّه‬
                                    ‫م كل‬
      ‫يجب إعالن الحرب عليهم وقتالهم. وإذا كان هذا حك َ ِّ طائفة ال تنتهي عن الخمر، فأهل‬
                                                    ‫المخدرات من مهربين ومتعاطين ومرو‬
                                ‫ِّجين أولى بذلك وأشقى.‬
                       ‫هذه المخدرات والمسكرات والمفترات ًّا كان نوعها وشكلها، شرا ًا يتجر‬
  ‫َّع، أو حقنة باإلبرة أو‬    ‫ب‬                        ‫أي‬
                                                                                      ‫ر‬
    ‫بخا ًا يشم أو لقمة تؤكل، فحكمها في دين اهلل التحريم الشديد، سواء في ذلك تناولها وشراؤها‬
 ‫وبيعها وحملها وإهداؤها وغرسها وسقيها وحصادها وإنتاجها وتهريبها وتخزينها، باإلجماع، وال‬
                                                                      ‫دليل أقوى من اإلجماع.‬
              ‫َّ إقبال شبابنا على هذه اآلفة الخطيرة، وجرأتهم على تناول هذه الحشيشة المخد‬
  ‫ِّرة أو الجرعة‬                                                                      ‫إن‬
                                    ‫ِّ‬                                    ‫المفت يدل‬
  ‫ِّرة ُّ على ضعف الوازع الديني من نفوسهم. وخلو قلوبهم من ملكة التقوى التي تحجزهم‬
                                                                       ‫عن مساخط اهلل تعالى.‬
   ‫وضعف الوازع الديني في شبابنا يرجع إلى أسباب من الجهل والظلم واتباع الهوى ولكن سبب‬
                          ‫األسباب هو إبعاد اإلسالم وزحزحته عن مكانه الالئق به في مجتمعنا.‬
                                    ‫كل‬                                            ‫ويتحم‬
  ‫َّل قسطًا من اإلثم ومن أسباب انتشار هذه اآلفة ُّ من عمل على إبعاد اإلسالم عن مواقع‬
  ‫الترشيد والتوجيه، وأقصاه من مراصد المراقبة والتحسس، وألغاه من محاكم القضاء، وأدناه من‬
                                      ‫َّة والخاص‬
  ‫َّة، في مجال التربية واإلعالم والثقافة‬      ‫مجالس التشريع، وفصله عن شؤون الحياة العام‬
                                                              ‫والترفيه وسائر المجاالت الحيوي‬
                                                            ‫َّة.‬
                                                                                     ‫ويتحم‬
    ‫َّل قسطًا من اإلثم من بنى للشباب النوادي الليلية المنتشرة على جنبات الطرق، وتقاربها‬
                          ‫إال‬                                             ‫ض ر‬
    ‫أي ًا كثي ٌ من مقاهي شبكة اإلنترنت، التي كثير منها ما هي َّ صورة مصغرة من النوادي‬
 ‫الليلية، بدالً من أن تكون محطات تزويد بالمعلومات المفيدة، واالتصاالت الجماعية النافعة. فمن‬
                                                                  ‫هذه األوكار تنتشر هذه اآلفات.‬
                                      ‫األو‬
     ‫ومهما يكن من أسباب انتشار هذه اآلفة فالمسؤول َّل واآلخر عن تحصين األبناء منها هم‬
                                                                                ‫اآلباء واألمهات.‬
  ‫ر‬                                                                                     ‫أي‬     ‫إن‬
 ‫َّكم ـ ُّها اآلباء ـ مسؤولون عن أبنائكم يوم القيامة، فاتقوا اهلل فيهم، مراقبةً ومعاقبة، وتحذي ًا‬
                                                                                        ‫ومتابعة.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أن‬                               ‫هذه النبتة الخبيثة َّى الحشيشة، و َّى الغبيراء، ويسم‬
  ‫ِّها سفلة الناس بالغبرا، ويزعمون َّ‬              ‫تسم‬            ‫تسم‬
                                                ‫ذلك يطلق على أجود أنواعها كما قال ابن تيمية.‬
                                                                                      ‫أو‬
      ‫َّل ما ظهرت هذه الحشيشة في بالد المسلمين على يد الزنادقة المالحدة الذين عرفوا باسم‬
                                                                      ‫َّة أو اإلسماعيلي‬
    ‫َّة، الذين ينكرون الصالة والزكاة والحج والقرآن، ولهم مقدساتهم وكتبهم‬             ‫الباطني‬
                                                                                      ‫الخاص‬
                                                     ‫َّة، وكانت لهم دولة الفاطميين بمصر.‬
                                ‫وقد بدأت دعوة هؤالء الحشاشين بقيادة ذلك الخبيث المسم‬
   ‫َّى الحسن بن محمد بن علي الصباح‬
‫الحميري عام 384هـ، بعدما جاء إلى مصر، واجتمع بالحاكم الفاطمي، فانتشرت هناك دعوتهم،‬
  ‫وقوي نشاطهم، وأرهبوا العباد وأكثروا من النهب والسبي والفساد، وكانوا يعمدون إلى االغتيال‬
                                                            ‫كل‬
    ‫لتحقيق أغراضهم، فيغتالون َّ من يجهر باإلنكار عليهم من العلماء والسالطين، ولم ينج من‬
                                                                                   ‫حتى‬
                                                                  ‫بطشهم َّ النساء والصبيان.‬
                                       ‫حت إن‬
‫وكانت لهم في األزمان الغابرة سلطة وقوة َّى َّ أكبر سالطين المسلمين قي زمانه وهو صالح‬
                                                    ‫َّ إلى مهادنتهم ليتفر‬
    ‫َّغ لقتال الصليبيين، وكانت لهم قالع بأصبهان والشام‬                 ‫الدين األيوبي اضطر‬
                                             ‫والجزيرة وديار بكر واألنضول وخراسان وغيرها.‬
                                     ‫وكانوا يبطنون مذهبهم ويخفونه، ولذلك يسمون الباطني‬
‫َّة، وال يزال لهم وجود إلى اآلن في جنوب‬
‫جزيرة العرب وفي مدينة سلمية وغيرها من شمال سوريا وفي مدينة بمبي وغيرها من بالد الهند‬
                                                                           ‫وفي أوربا، ويسم‬
  ‫َّون اآلن في الهند باألغاخان، وال تزال فيهم اإلمارة إلى اليوم، وآخر أمرائهم‬
                                                             ‫ولعل‬
   ‫عبد الكريم خان أو ابنه، َّه ال يزال حيا. وقد شاركوا مع االستعمار الغربي ضد المسلمين،‬
                                                                                ‫أن‬    ‫يد‬
                                                                      ‫وهم َّعون َّهم مسلمون.‬
      ‫فهؤالء كانوا منذ القرن الخامس يستعملون هذه الحشيشة لتخدير األعضاء، ثم يحملونهم إلى‬
                                                            ‫الجن‬    ‫أن‬
                                                          ‫حدائق جميلة ليوهموهم َّهم في َّة.‬
                     ‫ِّفة وهو حيدر صاحب الطريقة الحيدري‬
     ‫َّة في بداية القرن‬                                                         ‫ثم‬
                                                     ‫َّ انتشرت على أيدي بعض المتصو‬
                                                                               ‫ثم‬
      ‫السابع، َّ على يدي القلندري صاحب الطريقة القلندرية، وكان لهذه الفرقة زاوية في مدينة‬
                                 ‫القاهرة بمصر، وبعد ذلك كان ظهور التتار وغزوهم للمسلمين.‬
                               ‫يتبي‬                                               ‫إن‬
              ‫َّ من يمعن النظر في تاريخ ظهور هذه الحشيشة الخبيثة َّن له أمران مهمان:‬
                                                                        ‫أن‬
‫أحدهما: َّ ظهورها إرهاص بين يدي الغزاة المستعمرين، إلضعاف النفوس عن المقاومة، وذلك‬
  ‫لما تحدثه هذه المخدرات من إماتة الشعور بالكرامة والعزة والنخوة والغيرة على النفس واألهل‬
     ‫أو‬                                ‫قابلي‬             ‫ثم تتول‬
    ‫والعشيرة والوطن، ومن َّ َّد في نفس المدمن َّة االستعمار واإلذالل. ولذلك كان َّل‬
   ‫ظهورها في بالد المسلمين في نهاية القرن السادس وبداية السابع على يد التتار، فهجموا على‬
                                   ‫مد‬
  ‫ديار المسلمين بهذه الحشيشة قبل هجومهم عليهم بالسيف َّة سنين، قال ابن تيمية: "إنما حدثت‬
                                   ‫فإن‬
     ‫في الناس بحدوث التتار، أو من نحو ظهور التتار، َّها خرجت وخرج معها سيف التتار".‬
      ‫وكذلك فعل المستعمر البريطاني والفرنسي حين عزم على غزو بالد المسلمين واستعمارها‬
                  ‫ج‬                         ‫واستعباد أهلها، َّد لمجيئه بنشر هذه الحشيشة المخد‬
 ‫ِّرة إنتاجًا وتسويقا وتروي ًا، في البالد التي‬                             ‫مه‬
 ‫يريد غزوها، وذلك عن طريق حلفائهم من الباطنيين وبعض المنتسبين للصوفية والطرقية، ومن‬
                                                               ‫هنا انتشرت في بالد المسلمين.‬
  ‫حت‬                   ‫أن‬                               ‫شر‬    ‫أن‬
 ‫وقد ذكرت لكم من قبل َّ من ِّ آثار هذه المخدرات على اإلنسان َّه يصير عديم الغيرة َّى‬
                                                                 ‫مد‬
                            ‫على نفسه، ويصير بعد َّة بليد الفكرة ديوثا ال يغار على عرضه.‬
    ‫وحت ي‬                      ‫ل‬         ‫حت‬
 ‫األمر الثاني: اقترانها بقصد إضالل العقول َّى تقبل ك ّ ضاللة تناقض اإلسالم، َّى َضعف‬
 ‫ال لكل‬
 ‫الوازع الديني من النفوس، فيرتفع سلطان الخوف من اهلل وحاجز التقوى، فيصير العبد قاب ً ِّ‬
    ‫ما يملى عليه من الضالالت، وراضيًا باإلذالل والمهانة واالستعمار، ولذا نجد بعض الطرق‬
               ‫ألن‬
 ‫الصوفية المشرقية كالحيدرية والقلندرية تأمر أتباعها بتناول هذه الحشيشة؛ َّ العقل إذا ضعف‬
                                                                                      ‫تقب‬
                                                  ‫بها َّل أوامر شيوخ الضاللة، والعياذ باهلل.‬

‫(5/3153)‬




                                                               ‫التحذير من العصبيات الجاهلية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                            ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                        ‫الفتن, الوالء والبراء, مساوئ األخالق‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                ‫مراد وعمارة‬
                                                                                  ‫باب الوادي‬
                                                                                      ‫التقوى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- العز والمجد في التمسك بالدين. 7- حال العرب قبل اإلسالم. 3- إثارة األعداء للنعرات‬
        ‫العرقية بين المسلمين. 4- النهي عن المفاخرة باألنساب. 1- فضائل البربر وبيان بعض‬
                                                                         ‫علمائهم. 6- فضل العرب.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                        ‫وِل ِزة وِرس له ول م من‬
                                      ‫قال تعالى: َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِ ِ َِلْ ُؤْ ِ ِينَ [المنافقون:8].‬
                                                                       ‫أعز‬                ‫أي‬
‫ُّها المسلمون، لقد َّنا اهلل باإلسالم، وباإلسالم فقط، ال بلسان وال بلهجة، وال بلون وال بجنس،‬
  ‫فإن‬                               ‫وإن‬                                          ‫ع‬
  ‫وال ب ِرق وال بنسب، وال بإقليم وال بوطن وال بقوم، َّه من ابتغى العزة في غير اإلسالم َّ‬
                                                ‫أم‬       ‫د‬                              ‫ل‬
    ‫الذ ّ والصغار مآله وال بد. وكيف يق ّس اهلل َّة أنعم عليها بعزة اإلسالم فنبذته وراء ظهرها،‬
                                     ‫ملت‬                                         ‫وتطل‬
 ‫َّبت العزة والشرف في غيره؟! تارة في تقليد َّ َي الغضب والضاللة من اليهود والنصارى،‬
                      ‫لعل‬                    ‫ة ينب‬                               ‫حت‬
   ‫َّى لو دخلوا جحر ضب اتبعوهم، وتار ً ِّشون في مقبرة التاريخ َّهم يجدون عظْمة عظيم‬
                                                         ‫َّدون به. يتمج‬
‫َّدون باألسالف، ال بأسالف اإلسالم ولكن بأسالف الجاهلية. وإن‬          ‫ينتسبون إليه ويتمج‬
‫كان أولئك األسالف في غاية من الجهل والضاللة، عساهم يكتسون لباس العظمة والمجد والشرف‬
                                                   ‫بذلك، كما هو شأن أهل الجاهلية سواء بسواء.‬
                                                     ‫س‬                       ‫إن‬
      ‫فيا للغباوة، َّ المجد والعظمة ال تكتَ َب باالنتساب إلى العظماء، فكيف باالنتساب إلى أهل‬
                                         ‫بعز‬                                      ‫الجاهلي‬
                        ‫َّة الذين حرموا نعمة اإلسالم، ولم ينعموا َّته وعظمته ومجده؟!‬
                                         ‫فالعزة والمجد والعظمة لمن َّك باإلسالم، والذل‬
    ‫ُّ والمهانة والمسكنة والصغار على من أبى‬               ‫تمس‬
                                                                   ‫اإلسالم بعد أن أنعم اهلل به عليه.‬
   ‫فقد روى الحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو‬
                 ‫خف‬
  ‫عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع َّيه، فوضعهما على‬
‫عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟!‬
  ‫يسر أن‬                                                                  ‫خف‬
  ‫تخلع َّيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما ُّني َّ‬
 ‫ألم محم إن كن‬                                            ‫أو‬
‫أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: ( َّه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكاالً َّة َّد ، َّا َّا‬
                          ‫أذل‬          ‫أعز‬        ‫العز‬                           ‫أذل قوم فأعز‬
   ‫َّنا اهلل باإلسالم، فمهما نطلب َّ بغير ما َّنا اهلل به َّنا اهلل)، وفي رواية: يا‬       ‫َّ‬
       ‫أعز‬
‫أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر: (إنا قوم َّنا اهلل‬
                                                                          ‫العز‬
                                                                  ‫باإلسالم، فلن نبتغي َّ بغيره).‬
 ‫فإن‬               ‫فإن مي‬             ‫محم‬
‫وقال رسول اهلل : ((أتاني جبريل فقال: يا َّد، عش ما شئت َّك ِّت، وأحبب من شئت َّك‬
             ‫ٌّ به، واعلم َّ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعز‬
   ‫ُّه استغناؤه‬                           ‫أن‬                 ‫فإن‬
                                                       ‫مفارقه، واعمل ما شئت َّك مجزي‬
                                        ‫عن الناس)) رواه الطبراني وغيره وهو حسن بشواهده.‬
     ‫هذا هو العز والشرف، ومن أين لك الشرف إذا كنت تنتسب إلى أقوام لم ينعم اهلل عليهم بنعمة‬
                                                                                                             ‫اإلسالم؟!‬
   ‫ثم انظروا ـ وفقكم اهلل ـ إلى اإلمام المفسر قتادة بن دعامة رحمه اهلل وهو يصف حال العرب‬
       ‫و ُر ن م الله ع ُ ِ ك ُ ْد ً َل ب َ قل بك‬
     ‫قبل الرسالة وهو يتلو قول اهلل تعالى: َاذْك ُوا ِعْ َةَ َّ ِ َلَيْكمْ إذْ ُنْتمْ أَع َاء فَأَّفَ َيْن ُُو ِ ُمْ‬
                             ‫ح ْر م الن ِ َ ُ م ه‬                      ‫ت بن مت و وك ت عل‬
‫فَأَصْبَحْ ُمْ ِ ِعْ َ ِهِ إِخْ َانًا َ ُنْ ُمْ ََى شَفَا ُف َةٍ ِنْ َّار فَأَنْقذَكمْ ِنْ َا [آل عمران:305]، يقول قتادة:‬
                                                             ‫ل‬
‫"كان هذا الحي من العرب أذ ّ الناس ذال وأشقاه عيشا وأبينه ضاللة وأعراه جلودا وأجوعه بطونا‬
                          ‫س‬
     ‫بين فكي أسد فارس والروم، ال واهلل ما في بالدهم يومئذ شيء يح َدون عليه، من عاش منهم‬
  ‫عاش شقيا، ومن مات ردي إلى النار، يؤكلون وال يأكلون. واهلل، ما نعلم قبيال يومئذ من حاضر‬
  ‫األرض كانوا فيها أصغر حظا وأضعف شأنا منهم، حتى جاء اهلل عز وجل باإلسالم، فورثكم به‬
‫الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به األرزاق، وجعلكم به ملوكا، وباإلسالم أعطى اهلل‬
       ‫ما رأيتم، فاشكروا نعمته، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من اهلل،‬
                                                                                               ‫فتعالى ربنا وتبارك".‬
                                                                      ‫كل أم‬
    ‫فواهلل، هذا حال ِّ َّة من العرب أو الفرس أو الروم أو البربر أو الترك أو الحبش إذا تركوا‬
                                                                                  ‫ز‬
                                                                 ‫نعمة اإلسالم، حرموا الع َّة والمجد والعظمة.‬
                                                           ‫األم‬   ‫أن‬
‫وشيطان الغرب يعلم َّ هذه َّة المسلمة بجميع أجناسها وشعوبها على اختالف ألسنتهم وألوانهم‬
         ‫وأن‬             ‫ال تزال متماسكة منيعة عزيزة رفيعة الشأن جليلة الخطر ما دامت متمس‬
    ‫ِّكةً باإلسالم، َّه ليس‬
  ‫ر‬
 ‫هناك شيء يهدم هذه القوة مثل إثارة العرقيات والعصبية للجنس واللغة واللون على قاعدة: "ف ّق‬
                                                                                            ‫س‬
   ‫ت ُد"، ولذلك فال يألو المستعمر الغربي في إذكاء نيران الفتن بنشر هذه األفكار والمبادئ الهدامة‬
           ‫َّة العربي‬
   ‫َّة فيفتخر‬             ‫َّات، فيستخدم البعثي‬
                   ‫َّ للقومي‬                                ‫َّة، وبعث القومي‬
                                            ‫َّات وتغذية العصبي‬            ‫من النعرات العرقي‬
     ‫َّة فيفخر باألجداد الذين كانوا في الجاهلي‬
    ‫َّة‬                                                                    ‫ر‬
                                            ‫باآلباء وإن كانوا كفا ًا، كما يستخدم ذا النعرة البربري‬
                                                                                                         ‫قبل اإلسالم.‬
      ‫ن‬                                                               ‫وقد قال النبي : ((لينتهين‬
 ‫َّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكون ّ أهون‬
           ‫ر‬               ‫ِّي‬
‫على اهلل من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه. إن اهلل قد أذهب عنكم عب َّة الجاهلية وفخ َها باآلباء،‬
‫إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي. الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب)) رواه الترمذي وأحمد،‬
‫وعن أبي مالك األشعري أن النبي قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية ال يتركونهن: الفخر في‬
                              ‫األحساب والطعن في األنساب واالستسقاء بالنجوم والنياحة)) رواه مسلم.‬
                                 ‫م‬
         ‫قال ابن تيمية: "إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حك ٌ من أحكام الجاهلية الذين‬
     ‫اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل، ولهذا ليس في كتاب اهلل آية واحدة يمدح فيها‬
  ‫أحدا بنسبه، وال يذم أحدا بنسبه، وإنما يمدح باإليمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان".‬
     ‫فالشرف والعزة والمجد ليس في االنتساب إلى العروبة وال إلى البربرية، بل بالتقوى واإليمان‬
                                                                                    ‫وبالعلم النافع والعمل الصالح.‬
      ‫ُّ القومي‬
      ‫ُّ‬              ‫أي‬                         ‫كف‬           ‫ُّ القومي‬
             ‫ُّ العروبي ـ َّ لسانك عن البربر، وأنت ـ ُّها البعثي‬              ‫أي‬
                                                                     ‫فأنت ـ ُّها البعثي‬
                                  ‫أن‬                                      ‫كف‬
    ‫األمازيغي ـ َّ لسانك عن العرب، فيكفيهم كالهما شرفًا َّ اهلل تعالى أراد بهم خيرا، حين‬
                                                                    ‫أدخل اإلسالم عليهم جميعا.‬
‫فعن كرز بن علقمة الخزاعي قال: قال رجل: يا رسول اهلل، هل لإلسالم من منتهى؟ قال : ((نعم،‬
    ‫أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد اهلل بهم خيرا أدخل عليهم اإلسالم))، قال: ثم مه؟ قال:‬
‫((ثم تقع الفتن كأنها الظلل))، قال األعرابي: كال واهلل إن شاء اهلل، قال : ((بلى، والذي نفسي بيده‬
      ‫ثم تعودون فيها أساود صبا، يضرب بعضكم رقاب بعض)). أساود صبا: قال سفيان: الحية‬
                                   ‫السوداء تنصب أي: ترتفع. رواه أحمد والحاكم بسند صحيح.‬
                                                                            ‫أن‬     ‫يدل‬
 ‫فهذا ُّ على َّ العرب وإخوانهم البربر قد أراد اهلل بهم جميعًا خيرا حين أدخل عليهم اإلسالم،‬
                                   ‫ولو لم يرد اهلل بأحدهما خي ًا لتركهم َّطون في جاهلي‬
 ‫َّتهم الجهالء، تحت سطوة الروم والفرس‬          ‫يتخب‬       ‫ر‬
       ‫ر‬                     ‫بأن‬                                              ‫ثم‬
   ‫في القديم، َّ تحت سطوة المستعمر الغربي الجديد. فالحديث يشهد َّ اهلل قد أراد بهم خي ًا ما‬
                                      ‫أذل‬                                              ‫تمس‬
                               ‫َّكوا باإلسالم، فمن رغب عنه وابتغى العزة في غيره َّه اهلل.‬
                          ‫د‬
   ‫ونحن نعرف للعرب فضلهم ونعرف للبربر فضلهم، وال نبخس أح ًا من هؤالء وهؤالء فضله.‬
              ‫َّة التي يجب األخذ َّة على قائليها واإلنكار عليهم أن يسب‬
   ‫َّ غير العربي‬                                 ‫بشد‬                ‫فمن العبارات الجاهلي‬
                                 ‫ُّ‬     ‫جنسَ العرب طاع ًا عليهم بفعل السفهاء، أو أن يسب‬
     ‫َّ العربي غيره من البربر ومسلمي العجم‬                             ‫ن‬
                                ‫َّد المخالفة في الجنس واللسان، فهذا الذي نهى عنه النبي‬
 ‫ُّ حين قال: ((أربع في أمتي من أمر‬                                                  ‫لمجر‬
                ‫الجاهلية ال يتركونهن: الفخر في األحساب والطعن في األنساب...)) رواه مسلم.‬
                                                                 ‫فاهلل المستعان، وعليه التكالن.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                ‫القبلي‬                 ‫ُّها الناس، ليكف‬
 ‫َّ أقوام تحملهم النعرة َّة على امتهان غيرهم واحتقارهم والطعن في أنسابهم،‬            ‫أي‬
                                                 ‫وقد قال رسول اهلل : ((بحسب امرئ من الشر‬
                         ‫ِّ أن يحتقر أخاه المسلم)).‬
‫فمن طعن في نسب مسلم وافتخر عليه باآلباء واألجداد فقد احتقره مهما كان جنسه ولسانه ولونه.‬
          ‫وأنا ِّد لكم من فضائل البربر والعرب في عهد اإلسالم ما ُّكم على ضرورة التمس‬
     ‫ُّك به،‬                ‫يدل‬                                              ‫أمه‬
                                                    ‫تمس‬                            ‫وإن‬
                         ‫َّما يتفاضل الناس والشعوب بحسب ُّكهم بشرائع اإلسالم وأخالقه.‬
                  ‫وثب‬                  ‫مد‬             ‫ر أن‬                   ‫ف‬
‫ويكفي البربر شر ًا ـ وال أقول فخ ًا ـ َّ فيهم أبطاال َّ اهلل بهم اإلسالم، َّته على أيديهم. أال‬
   ‫تذكرون طارق بن زياد الذي فتح اهلل به البالد، بالد األندلس، ذاك الفتى البربري بلسان عربي‬
                 ‫َّ بن باديس الصنهاجي الذي َّ اهلل به أهل السنة، وأذل‬
   ‫َّ به دولة الرفض‬                      ‫أعز‬                       ‫مبين؟! أم نسيتم المعز‬
                                                                           ‫م‬
   ‫الباطنية حكا َ بني عبيد العتاة في القرن الخامس. ومن بعده حين كادت األندلس تسقط في أيدي‬
                                                      ‫ذ‬
       ‫القوط النصارى لم يجد المسلمون منق ًا لهم ـ بعد اهلل تعالى ـ سوى ذاك األمير البربري‬
                           ‫أس‬
     ‫الصنهاجي العادل الشهم البطل الشجاع يوسف بن تاشفين، الذي َّس دولة المرابطين، وبنى‬
             ‫السن‬
   ‫الجامع الكبير الذي في ساحة الشهداء من نحو ألف عام، وأعاد االعتبار ألهل َّة والجماعة‬
                                                  ‫فحارب البدع ومنع أهل الكالم والخصام وأعز‬
                                 ‫َّ اهلل به اإلسالم.‬
        ‫محم‬                      ‫وبجاية كانت تزخر بكبار األدباء َّة النحو واللغة العربي‬
       ‫َّة وهم من البربر. ومنهم َّد‬                   ‫وأئم‬
                      ‫األريسي الذي كان يسلك في شعره سلوك المتنبي وكان في المائة السابعة.‬
‫ولم تخل بجاية من قديم األعصار من فقهاء وعلماء ومحدثين وأدباء باللسان العربي المبين، فمنهم‬
 ‫ابن يبكي صاحب الرابطة الذي كان إليه المرجع في الفتيا في القرن السابع، وكان يفتي بالحديث‬
                                                                           ‫يقل‬
 ‫واألثر وال ِّد أحدا، ومنهم في القرن السادس الحافظ الكبير المتقن عبد الحق بن الخراط خطيب‬
                                          ‫محم‬
 ‫بجاية ومفتيها، ومنهم المحدث عبد اهلل بن َّد الصنهاجي األشيري من محدثي القرن السادس،‬
                                                                                  ‫محم‬
   ‫ومنهم َّد بن يحيى الباهلي من أدباء وفقهاء بجاية قي القرن الثامن، ومنهم المحدثة البجائية‬
‫المقيمة بمكة رقية بنت عبد القوي التي أجاز لها الحافظان العراقي والهيثمي، وأجازت هي للحافظ‬
      ‫السخاوي، ومنهم علي الحسناوي من فقهاء بجاية في القرن التاسع، وغيرهم كثير وكثير...‬
                ‫ز‬                              ‫ج ج‬                                      ‫وأم‬
‫َّا زواوة، هذه القبيلة العظيمة في جبال ُر ُرة، فلم تزل موطنًا منيعًا عزي ًا لألشراف من أهل‬
                                         ‫أمي‬                       ‫يفر‬
                           ‫البيت الذين كانوا ُّون من مالحقات أمراء بني َّة وبني العباس.‬
                                   ‫يسم‬                             ‫أن‬
‫بل األغرب واألعجب َّ هذه المنطقة منطقة زواوة التي ِّيها الناس اليوم القبائل الكبرى كانت‬
                                                 ‫وحت‬                ‫ِّمين والمتفق‬
  ‫ِّهين في الدين، بل َّى في لسان العرب المبين، يأتيها الطلبة من المشرق‬         ‫قبلة المتعل‬
                         ‫أئم‬   ‫يعد‬
    ‫والمغرب، ألم تسمعوا بالشيخ اللغوي البربري الذي كان ُّ من َّة عصره في النحو وعلوم‬
                                                                                  ‫العربي‬
  ‫َّة يحيى بن عبد النور بنِ معط، صاحبِ األلفية في النحو العربي والتي جاء ابن مالك من‬
                    ‫تسم‬                            ‫مقد‬
    ‫بعده فألف ألفيته على منوالها، وهذه ِّمة ابن آجروم في النحو، والتي َّى باآلجرومية، ال‬
                                                                    ‫تدر‬
‫تزال إلى يومنا َّس في المعاهد والثانويات في جميع بالد العرب، وهذا الشيخ طاهر السمعوني‬
                                                      ‫الجزائري، ِّس المكتبة الظاهري‬
 ‫َّة بدمشق، هاجر والده من أرض زواوة مع األمير عبد القادر‬               ‫مؤس‬
                                         ‫ثم حن‬
  ‫لما استولى اإلفرنج الكفرة على بالدهم، َّ َّ إلى وطنه فزاره في عام 3885م، ودخل موطن‬
                                                         ‫محم‬
  ‫آبائه بزواوة، والتقى بالشيخ َّد السعيد بن زكري الزواوي الذي كان مفتى مدينة الجزائر في‬
 ‫ذلك الوقت. ومنهم الشيخ المهدي السكالوي اليراثني نسبة إلى قبيلة يراثن، ويقال لموطنهم اليوم:‬
     ‫"أربعاء نَايت إيراثن"، وكان هذا من علمائهم وفضالئهم في القرن الثالث عشر. ومنهم الشيخ‬
            ‫ب‬      ‫أل‬                           ‫َّد السعيد بن علي اليلولي الشالطي، المتوف‬
    ‫َّى من نحو مائة عام، وكان قد َّف كتا ًا باللغة‬                                     ‫محم‬
                                                                            ‫األمازيغي‬
     ‫َّة لكن بالحرف الذي يناسبها وهو الحرف العربي، وفي علم شريف هو علم التوحيد‬
                               ‫تخط‬
      ‫والعقيدة اإلسالمية، ال كما يريد المستعمر وأذنابه اليوم أن َّ بالحرف الالتيني والمحتوى‬
                     ‫دم‬                                 ‫د‬
   ‫الالديني، وكان رحمه اهلل قد بنى معه ًا للعلوم اإلسالمية في زمانه، وقد َّرته فرنسا في أثناء‬
                         ‫يؤد مهم‬                                        ‫ثم‬
        ‫حرب التحرير، َّ أعيد بناؤه في األعوام األخيرة، وال يزال ِّي َّته في نشر الثقافة‬
                                                                                     ‫اإلسالمي‬
                                                                                   ‫َّة.‬
                                           ‫محم‬
   ‫ومن شيوخ زواوة في القرون الغابرة الشيخ َّد صالح بن علي الورتالني المتوفى في القرن‬
                                          ‫ج‬
   ‫الحادي عشر، وضريحه معلوم هناك في قرية أ َلْميم عرش بني أجْمات، وكان يوصف بالعالم‬
                                                                ‫أن‬                     ‫المجد‬
   ‫ِّد للدين، ومن النوادر َّ هذا الفقيه الصالح كان يأمر أهل منطقته بالتزام أحكام الشريعة،‬
   ‫وكانوا يمنعون ميراث النسوة، فلم يستجيبوا له، فتركهم إلى وقت ذهابهم لقطف الزيتون، فأخذ‬
   ‫فلم‬
  ‫متاعه وزوجته وعزم على الهجرة من بالدهم، فصاح القوم ليجتمعوا على الشيخ ليمسكوه، َّا‬
                                               ‫حت‬                               ‫ح‬
‫أل ّوا على رجوعه حلف ال يرجع إليهم َّى يرجعوا إلى العمل بالشريعة في المواريث وغيرها،‬
          ‫حت غي‬                       ‫ن‬                              ‫د‬
  ‫فامتثلوا أمره بج ّ وصدق، ولم يزالوا على ذلك قرو ًا إلى زمان االستعمار، َّى َّرت فرنسا‬
                                                                          ‫ورد‬
                                  ‫األوضاع َّتهم إلى حكم شيوخ الجماعة، وهو حكم جاهلي.‬
                                  ‫ث‬
    ‫ومنهم في القرن الثامن عيسى بن مسعود المنكالتي كان محد ًا فقيها، ومنهم في القرن التاسع‬
  ‫منصور بن علي المنكالتي، والشيخ علي بن عثمان المنكالتي، والشيخ عبد الرحمن الوغليسي،‬
               ‫الت‬                                             ‫وأبو القاسم بن َّد المشد‬
   ‫َّالي فقيه بجاية في القرن الثامن، ويحيى بن إدير َّدلسي... ولست‬     ‫محم‬
                ‫أريد أن أطيل عليكم بذكر جميع شيوخ زواوة فما أكثرهم، وما أكثر من يجهلهم.‬
 ‫ودونكم شهادة المؤرخ الشهير ابن خلدون الذي يقول عن البربر: " َّا ُّقهم بالفضائل اإلنساني‬
‫َّة‬                   ‫وأم تخل‬
 ‫وتنافسهم في الخالل الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن‬
                                         ‫لمت‬                         ‫السلف، لو كانت مسط‬
                          ‫َّرة لحفظ منها ما يكون أسوة َّبعيهم من األمم.‬
                                             ‫الذم‬                           ‫عز‬
 ‫فمن خلقهم ُّ الجوار وحماية النزيل ورعاية َّة والوفاء بالعهد وبر الكبير وتوقير أهل العلم‬
                                                         ‫الكل‬
 ‫ورحمة المسكين وحمل ِّ وكسب المعدوم وقري الضيف والصبر على المكارم واإلعانة على‬
                        ‫َّة الدول" أي: عدم القابلي‬
 ‫َّة لالستعمار، إلى آخر ما‬                      ‫النوائب ومقارعة الخطوب وإباية الضيم ومشاق‬
                                                                                       ‫طو‬
  ‫َّل به ابن خلدون من أوصافهم وأخالقهم في غابر األزمان قبل أن تفسدها الفتن المتتالية التي‬
   ‫ودم‬                 ‫َّة وبعث القومي‬
 ‫َّة، فأفسدت األخالق َّرت‬                   ‫غرست في القوم هذه النعرات َّة والعصبي‬
                                    ‫َّة العرقي‬       ‫القبلي‬
            ‫َّة التخبط في الفقر والخوف والجوع وتسل‬
  ‫ُّط األشرار.‬                                                         ‫التدي‬
                                                ‫القيم وأوهنت ُّن، فكانت النتيجة الحتمي‬
      ‫نذكر هذا تذكي ًا ِّ بربر ّ َّه َّر أخالق أسالفه وما كانوا عليه من االعتزاز والتمج‬
     ‫ُّد‬                                              ‫ي لعل يتذك‬    ‫ر لكل‬
                                                                       ‫باإلسالم دون ما سواه.‬
       ‫ألن‬                           ‫َّت اليوم فيهم هذه األخالق، كما اضمحل‬
‫َّت في غيرهم من العرب والعجم، َّ الفساد‬                                         ‫ورب‬
                                                                        ‫َّما اضمحل‬
                   ‫َّات القومي‬
                 ‫َّة.‬                ‫يغذ‬   ‫مترب‬                            ‫عم كل‬
                            ‫قد َّ َّ مكان، وأرباب الفتن ال يزالون ِّصين ُّون العصبي‬
  ‫فأين أنتم ـ أ ُّها الطاعنون ـ في األنساب؟! وأين أنتم ـ ُّها البعثيون للنعرات القومية الجاهلي‬
 ‫َّة‬                                 ‫أي‬                                       ‫ي‬
                                                                     ‫َّة كانت أو بربري‬
                                                                  ‫َّة؟!‬             ‫ـ عربي‬
                        ‫فإن‬                  ‫َّة الجاهلي‬
     ‫َّة ـ ما لك وللعرب؟! َّ مآثرهم وفضائلهم ال‬                ‫ُّ للقومي‬
                                                      ‫َّة البربري‬              ‫أي‬
                                                                      ‫وأنت ـ ُّها البعثي‬
                                                                     ‫ف أن‬
 ‫تخفى، ويكفيهم شر ًا َّ اهلل أنزل كتابه الخالد بلسانهم، فأصبح اللسان العربي هو لسان كل مسلم‬
 ‫َّ الخاتم محم َ‬
 ‫َّد‬                         ‫ِّد‬       ‫أن‬                 ‫مهما كانت أصوله وجذوره غير عربي‬
              ‫َّة، ويكفيهم شرفًا َّ منهم سي َ ولد آدم، النبي‬
                                                                          ‫بنَ عبد اهلل القرشي‬
                                                     ‫َّ عليه الصالة والسالم.‬
        ‫ُّ العرب والعروبة إذا كان ألجل ذلك وألجل الدين فهو حس ٌ، َّ كان نعرة جاهلي‬
 ‫َّة كسائر‬             ‫ن وإال‬                                                   ‫وحب‬
                                                                                                ‫النعرات العرقي‬
                                                                                       ‫َّة األخرى.‬
         ‫محب‬          ‫محج‬                                      ‫أل‬
‫وفي هذا المعنى الشريف َّف الحافظ العراقي كتابه الممتع المفيد " َّة القرب في َّة العرب".‬
 ‫وكذا ألف قبله اإلمام ابن قتيبة كتابه في فضل العرب، وال تخلو كتب الفضائل والمناقب من ذكر‬
                                                                                          ‫فضل العرب وغيرهم.‬
       ‫ولست هنا ألغذي نخوة االفتخار عند العرب وال عند البربر فهما إخوان بحكم الدين، ينالهم‬
                                                                                ‫الشرف والعز‬
        ‫َّة ما تمسكوا بالدين، ويذوقون مرارة العيش ومذلة الحياة ما تركوا هذا الدين.‬
  ‫فإذا أراد العرب والبربر وسائر العجم العزة والكرامة والمجد والشرف فلن يجدوا سوى اإلسالم‬
                                                                        ‫ع‬              ‫ع‬                 ‫مؤلف‬
                                                               ‫ِّ ًا بين قلوبهم جام ًا لكلمتهم راف ًا لشأنهم.‬
                                                                                        ‫أقول هذا وأستغفر اهلل...‬

‫(5/4153)‬




                                                                                               ‫ال لدعوى الجاهلية‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                            ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫الفتن, الوالء والبراء, مساوئ األخالق‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                      ‫مراد وعمارة‬
                                                                                                        ‫باب الوادي‬
                                                                                                              ‫التقوى‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- أصل بني آدم التراب. 7- محاربة اإلسالم للعصبيات والقوميات. 3- نصوص من السنة‬
 ‫وآثار السلف في النهي عن التفاخر باألنساب. 4- إثارة النعرات القبلية من مكائد أعداء اإلسالم.‬
‫1- وسائل التعبير عن السخط. 6- الفرق بين الفاتحين المسلمين وبين المستعمر الغربي. 2- آية‬
                                                                                                  ‫اختالف األلسن.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
 ‫ُ ِ َر وأ وجع ُ شع وقب ِل‬                                      ‫َي الن س ِن‬
 ‫يقول اهلل تعالى في كتابه العزيز: يَا أُّهَا َّا ُ إ َّا خَلَقْنَاكمْ منْ ذَك ٍ َُنثَى َ َ َلْنَاكمْ ُ ُوبًا َ َ َائ َ‬
                                                                            ‫ُ‬          ‫ل ع َف ِن ْرم ُ ع ْ الل‬
                                                            ‫ِتَ َار ُوا إ َّ أَك َ َكمْ ِندَ َّهِ أَتْقَاكمْ [الحجرات:35].‬
                                                  ‫ع أن‬
    ‫هذا خطاب من اهلل تعالى للناس جمي ًا َّه خلقهم من ذكر هو آدم ومن أنثى هي حواء، فالناس‬
‫كلهم آلدم، وآدم من تراب. فالتراب هو منتهى األنساب، فبم يفتخر شعب على شعب؟! وبم يحتقر‬
          ‫العل‬                          ‫ثم‬               ‫وكل‬             ‫وكل‬
‫قوم قوما؟! ُّهم كان ترابا، ُّهم يصير ترابا. َّ كشف اهلل للناس في اآلية عن َّة في جعلهم‬
  ‫شعوبًا وقبائل وهي التعارف، أي: ليعرف بعضكم بعضا، ال ليبغي بعضكم على بعض، والمراد‬
                                                                                   ‫قطع التفاخر باألنساب واألحساب.‬
       ‫ك م َر وأ ث‬                    ‫َيه الن س ِن‬                             ‫د‬
      ‫وعن ابن عباس قال: (ال أرى أح ًا يعمل بهذه اآلية: يَا أ ُّ َا َّا ُ إ َّا خَلَقْنَا ُمْ ِنْ ذَك ٍ َُن َى‬
                                      ‫ُ‬          ‫جع ُ شع َ ب ِ ل َف ِن ْرم ُ ع ْ الل‬
  ‫وَ َ َلْنَاكمْ ُ ُوبًا وقَ َائلَ ِتَعَار ُوا إ َّ أَك َ َكمْ ِندَ َّهِ أَتْقَاكمْ، فيقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك،‬
                                                                            ‫إال‬            ‫د‬
                                 ‫فليس أح ٌ أكرم من أحد َّ بتقوى اهلل). رواه البخاري في األدب المفرد.‬
    ‫هذا وقد كنت خطبت فيكم من بضعة أسابيع خطبة في هذا الموضوع، بسطت فيها هذه القضي‬
  ‫َّة؛‬
               ‫وبي‬
     ‫قضية العصبية والفخر باألنساب واآلباء واألجداد واأللوان واألعراق واللغات، َّنت لكم بما‬
           ‫يحر‬
‫سقته من كتاب اهلل وسنة رسول اهلل وآثار السلف ما يشفي القلوب من أدوائها، و ِّر النفوس من‬
         ‫ة‬                            ‫د‬                 ‫أن‬     ‫يدل‬
      ‫أهوائها، ولكن ما حدث أمس ُّ على َّ األمر يتطلب مزي ًا من البيان والتذكير، ونافل ً من‬
                                                                                                      ‫اإليضاح والتبصير.‬
                                                             ‫َّ‬              ‫أي‬
 ‫فاعلموا ـ ُّها المسلمون ـ أن أهل الجاهلية من العرب والبربر وسائر الناس كانوا متفرقين، ال‬
                       ‫ال‬                                  ‫قوي‬
‫يحكمهم دين وال عقل سليم، ُّهم يأكل ضعيفهم، تفنيهم الحروب أجيا ً بعد جيل من أجل استغاثة‬
                          ‫رجل بقبيلته ولو على باطل، ونحو ذلك من تفاهات األسباب وحقير البواعث.‬
            ‫فجاء اإلسالم ماح ًا هذه الجاهليات والعصبيات النتنة، َّف بين قلوب المؤمنين، باألخو‬
           ‫َّة‬                         ‫وأل‬                                 ‫ي‬
                                                    ‫أن‬      ‫بي‬               ‫أخو‬
  ‫الصحيحة َّة الدين، بعدما َّن لهم َّهم إخوة في الطين، فالناس كلهم من آدم، وآدم من طين،‬
                                                                                             ‫َّ األخو‬
                                            ‫َّة الرابطة بإحكام والجامعة بالدفء هي أخوة اإلسالم.‬    ‫لكن‬
   ‫تعل‬                                                                                     ‫إن‬
‫َّ معرفة اإلنسان لقبيلته وانتسابه لها والمحافظة على األنساب ال يذم في الدين، بل جاء: (( َّموا‬
                                                       ‫إن‬
 ‫من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم))، َّما المذموم االفتخار بالقبائل، وذم أنساب الناس، واحتقار‬
                                                                           ‫من لم يعرف بقبيلة، فتلك دعوى الجاهلي‬
                                                                         ‫َّة.‬
                      ‫ر ِّ‬                                     ‫النبو‬
          ‫أنا أتلو عليكم من مشكاة َّة ومنهاج السلف ما يكفي رادعًا وزاج ًا لكل عاقل ومبصر،‬
   ‫ق ل‬           ‫ْ م من ِذ دع إل له َرس ل ل ُم ب ُ‬                                           ‫ِنم‬                      ‫وأذك‬
 ‫ِّركم اهلل الذي يقول: إَّ َا كَانَ قَولَ الْ ُؤْ ِ ِينَ إ َا ُ ُوا َِى الَّ ِ و َ ُوِهِ ِيَحْك َ َيْنَهمْ أَنْ يَ ُوُوا‬
  ‫ِز ن‬           ‫ُ‬         ‫الله و َت ِ أ‬        ‫وأ ك ُ م ح وم ي الله َرس ه وي‬                                          ‫سم و‬
  ‫َ ِعْنَا َأَطَعْنَا َُوْلَئِ َ همْ الْ ُفْلِ ُونَ َ َنْ ُطِعْ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َخْشَ َّ َ َي َّقه فَُوْلَئِكَ همْ الْفَائ ُو َ‬
                                                                                                          ‫[النور:51، 71].‬
           ‫حت‬
   ‫كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء األجناد: (إذا تداعت القبائل فاضربوهم بالسيف َّى يصيروا‬
                                              ‫ت‬
 ‫إلى دعوة اإلسالم) رواه ابن أبي شيبة، أي: ح ّى تكون دعوتهم وانتسابهم لإلسالم وليس للقبائل،‬
  ‫كما في رواية عند أبي عبيد: (سيكون للعرب دعوى قبائل، فإذا كان ذلك فالسيف السيف والقتل‬
                                                                                                 ‫حت‬
                                             ‫القتل َّى يقولوا: يا للمسلمين)، وفي رواية: (يا أهل اإلسالم).‬
              ‫ع ِّي‬
 ‫وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال: ((من قاتل تحت راية ُم َّة ـ أي: األمر‬
  ‫َّة، أو ينصر عصبي‬
‫َّة،‬                               ‫َّة ال يستبين وجهها ـ، يغضب لعصبي‬
                 ‫َّة أو يدعو إلى عصبي‬                             ‫األعمى للعصبي‬
                                            ‫أم‬                          ‫فقتل ف ِتلته جاهلي‬
                                       ‫َّة))، وفي رواية: ((فليس من َّتي)).‬        ‫ق‬
                                                          ‫وعن الحارث األشعري عن النبي‬
  ‫ِّ : ((من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم))، قالوا: يا‬
                             ‫أن‬       ‫رسول اهلل، وإن صام وصلى؟ قال: ((وإن صام وصل‬
      ‫َّى وزعم َّه مسلم، فادعوا المسلمين‬
                                                                         ‫سم‬
    ‫بأسمائهم؛ بما َّاهم اهلل عز وجل به: المسلمين المؤمنين عباد اهلل)) رواه أحمد وغيره وهو‬
                                                                            ‫حديث صحيح.‬
        ‫وإن‬                                ‫إن‬
 ‫وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول اهلل : (( َّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، َّما أنتم‬
                                                                  ‫طف‬
 ‫ولد آدم، ُّ الصاع لم تملؤوه ـ أي: قريب بعضكم من بعض في النسب ـ، ليس ألحد على‬
                                                                          ‫إال‬
                                 ‫أحد فضل َّ بالدين أو عمل صالح)) رواه أحمد بسند حسن.‬
   ‫وعن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول اهلل : ((من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير‬
                                                                             ‫رد‬
‫الذي ِّي ـ أي: سقط في البئر ـ، فهو ينزع ـ أي: يحاول الخروج ـ بذَنَبه)) رواه أبو داود‬
                                                                              ‫بسند صحيح.‬
                                                          ‫َّ أبلغ حديث في ذم العصبي‬
 ‫َّة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اهلل قال: غزونا مع‬                     ‫ولعل‬
                                            ‫حت‬                              ‫النبي‬
   ‫ِّ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين َّى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع‬
                                            ‫حت‬                              ‫أنصاري‬
   ‫ًّا، فغضب األنصاري غضبًا شديدا، َّى تداعوا، وقال األنصاري: يا لألنصار، وقال‬
                   ‫ثم‬      ‫المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي فقال: ((ما بال دعوى الجاهلي‬
‫َّة؟))، َّ قال: ((ما شأنهم؟))‬                          ‫ُّ‬
                                       ‫فإن‬
                            ‫فأخبر بكسعة المهاجري األنصاري، فقال: ((دعوها َّها خبيثة)).‬
                                              ‫وهذا من أبلغ ما جاء في ذم العصبي فإن‬
 ‫َّة، َّ االنتساب لألنصار والمهاجرين ممدوح غير مقبوح،‬
                                                         ‫ز‬                       ‫لم‬
     ‫لكن َّا خرج عن أن يكون اعتزا ًا بالدين إلى االعتزاز بالقوم والعصبة والقبيلة صار من‬
                                                                                    ‫الجاهلي‬
                                                                                  ‫َّة.‬
                                                         ‫إال‬
                                                  ‫واهلل المستعان، وال حول وال قوة َّ باهلل.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                    ‫أي‬                                                            ‫إن‬
    ‫َّ األحداث األخيرة مؤامرة مكشوفة، ال تخفى على عاقل، فاحذروا ـ ُّها المسلمون ـ أن‬
        ‫األم‬      ‫تساقوا إلى ما ِّره الشياطين شياطين اإلنس ـ ومن ورائهم شيطان الجن‬
‫ِّ ـ لهذه َّة من فتن‬                                              ‫تدب‬
                          ‫ال‬
    ‫وحروب وتناحر وتشاجر وتقاطع وتدابر، فال فتيل هو أسرع اشتعا ً من فتيل إثارة النعرات‬
                     ‫َّة، فاحذروها واحذروا دعاة الفتنة الذين يريدون تفريق َّة، ويغذ‬
 ‫ُّون فيها أسباب الشجار‬     ‫األم‬                                                 ‫العرقي‬
                                   ‫َّة والقبلي‬
                        ‫َّة والعرقية.‬                ‫واالقتتال بحمى الجاهلية ودعوى الجاهلي‬
                                            ‫َّة العروشي‬
     ‫فمتى كان تخريب البيوت بأيدي أصحابها طريقًا لإلصالح؟! ومتى كان اإلفساد في األرض‬
         ‫وإهالك الحرث والنسل سبيالً النفراج األزمات وتفريج الكربات؟! بل ومتى كانت هذه‬
         ‫ط‬              ‫المظاهرات وما يجري فيها من ضجيج واختالط وصخب أسلوبًا حضاري‬
        ‫ًّا في نفسه ونم ًا‬
                                                                                 ‫ض‬       ‫نموذجي‬
                                                                        ‫ًّا مفرو ًا علينا؟!‬
                                                           ‫يعل‬
‫ومن عجائب الزمان أن ِّق بعض الناس فيقول: ال ضير وال عيب في التخريب والفساد إلظهار‬
                                                             ‫ب‬     ‫ألن‬
   ‫السخط والغضب، َّ شعو ًا متحضرة اليوم تفعل مثل ذلك. فيا سبحان اهلل! متى كانت شعوب‬
  ‫القوط والخزر والجرمن والسكسن والغال واإلفرنج قدوةً لنا، وقد كانوا باألمس القريب من نحو‬
                                                           ‫ثالثة قرون فقط شعو ًا همجي‬
 ‫َّة متوحشة حفاة عراة، يلبسون جلود الضأن من الجوع والفقر، فمن‬    ‫ب‬
         ‫ألن‬             ‫الطبيعي أن تكون أساليبهم في التعبير عن السخط مناسبة لطبيعتهم الهمجي‬
   ‫َّة القديمة، ًََّّ العرق‬
                                                ‫أضل‬
     ‫دساس، فمتى كان هؤالء الضالل الذين َّهم اهلل عن الدين الحق في شؤون العبادة وشؤون‬
   ‫الحياة، متى كانوا قدوة لنا في أساليب التعبير عن السخط؟! وهل خال ديننا عن بيان السبيل في‬
                                                                                       ‫كال‬
                                                                                      ‫ذلك؟! َّ.‬
                                                                                        ‫إن أم‬
‫َّنا َّة واحدة، وقد أنعم اهلل علينا بنعمة اإلسالم، وشرع لنا الوسائل المفيدة في التعبير عن السخط‬
     ‫وفي دفع المكاره والمظالم، وذلك باللجوء إلى اهلل ملك الملوك الذي نواصي الملوك بيده، فما‬
                                                         ‫ثم‬
 ‫يصيبنا من جَورهم فبما كسبت أيدينا، َّ ثانيًا بالمرافعة بواسطة العريفين الذين هم أعيان العشائر‬
    ‫والقرى ووجهاء الناس وعقالؤهم، كما أمر النبي في حجة الوداع، وجعل العرفاء واسطة بينه‬
       ‫وبين الناس، يرفعون إليه ما يريدونه، وإذا لم تفد هذه فاألولى كافية وموجبة أثرها وال بد.‬
                             ‫فإن‬                     ‫ف‬
   ‫فيا من جمعتهم رابطة اإلسالم ك ّوا عن الشقاق والخالف، َّ الشيطان ـ شيطان الغرب ومن‬
          ‫لكن‬
     ‫ورائه شيطان الجن ـ قد يئس أن يخرج الناس في هذا الوطن من دينهم أفواجا، َّه رضي‬
    ‫إن‬      ‫بالتحريش بيننا والتفريق بيننا ليسود علينا، على قاعدة: "ف ّق ت ُد"، مصداقًا لقول النبي‬
    ‫ِّ : (( َّ‬                    ‫ر س‬
     ‫الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم)) رواه أحمد ومسلم وغيرهما.‬
                                                                                 ‫ر‬
      ‫وبماذا يف ّق بيننا؟! فديننا واحد، ووطننا واحد، وجنسنا واحد، فد اختلط فيه العرق البربري‬
  ‫بالعرق العربي، وأصلنا واحد من آدم، وآدم من تراب وطين، فنحن إخوة في الطين، وإخوة في‬
     ‫الدين جميعا، فلما لم يتأت لهذه الشياطين أن تفرقنا من جهة الطين والدين لجأت إلى اختالف‬
              ‫اللغات، واختالف اللغات عند المسلمين مفخرة من مفاخر اإلسالم لو كانوا يعلمون.‬
    ‫انظروا إلى الفارق بين الفاتحين المسلمين الذين فتحوا بالد األعاجم من الفرس والترك والديلم‬
     ‫والحبشة والروم والقوط والكرد والهند والسند والصين والبربر، وتركوا الناس من جميع هذه‬
                          ‫ر‬        ‫تعر‬            ‫تعر‬
    ‫األجناس على ألسنتهم ولغاتهم، ومن َّب لسانه منهم َّب اختيا ًا ورغبة في الدين، وليس‬
                                                                                ‫بإجبار أو إكراه.‬
            ‫وهذا عكس ما يفعله االستعمار الغربي، فكان من غاياته طمس الهويات والقضاء على‬
                                ‫تعل‬                        ‫الحضارات، فكان يمنع ُّم العربي‬
               ‫َّة في بالد اإلسالم، ويفرض ُّم اللغة الفرنسية.‬      ‫تعل‬
                                                                        ‫د‬
       ‫وال أذهب بعي ًا ففي 47 من شهر أكتوبر سنة 7485 أجبر المستعمر الفرنسى أهالي مدينة‬
                       ‫الجزائر على تعلم اللغة الفرنسية في الجامع الكبير وفي المدارس األهلي‬
      ‫َّة، مما اضطر الناس‬
  ‫وعلى رأسهم مفتي الجزائر آنذاك مصطفى الكبابطي على إعالن العصيان، وانتهى األمر بسجنه‬
                         ‫ثم بنفيه إلى مصر، َّ بعد ذلك منع المستعمر من ُّم اللغة العربي ألن‬
   ‫َّة، َّها لغة الدين اإلسالمي،‬           ‫تعل‬                        ‫ثم‬
                                                                             ‫ألن قد أن‬
 ‫َّهم َّروا َّه متى ارتبطت هذه األمة باللغة العربية ارتبطت بدينها، ومتى ارتبطت باإلسالم لم‬
                                                                                                ‫تقبل بوجود المستعمر.‬
                                                                                     ‫أي‬
                            ‫فقارنوا ـ ُّها اإلخوان ـ بين الفاتحين المسلمين وبين الغرب المستعمرين.‬
                                                                                           ‫أم‬
        ‫َّا الفاتحون المسلمون، فقد احترموا اللغات، فبقي الفرس بلسانهم الفارسي، والترك بلسانهم‬
    ‫وم ي ته‬                                                ‫َّ‬
    ‫التركي، والبربر بلسانهم األمازيغي... إن اختالف األلسنة من آيات اهلل، قال تعالى: َ ِنْ آ َا ِ ِ‬
                                                ‫ف س ت ُ و و نك‬                      ‫ق الس و ت و َ ْض و‬
        ‫خَلْ ُ َّمَ َا ِ َاألر ِ َاخْتِال ُ أَلْ ِنَ ِكمْ َأَلْ َا ِ ُمْ [الروم:77]، فقد جعل اهلل تعالى اختالف‬
                               ‫تعظ‬
       ‫ألواننا وألسنتنا آية من آياته، وإذا كان من شأن آيات اهلل أن َّم وتحترم، فالطاعن في لون‬
    ‫و َتخذ ي الل‬                                                            ‫إن‬
  ‫غيره أو في لسانه ولغته َّما يطعن في آيات اهلل تعالى، وقد قال اهلل تعالى: َال ت َّ ِ ُوا آ َاتِ َّهِ‬
 ‫ه ُ ًا َاذْك ُوا ِعْ َةَ َّهِ َلَيْكمْ [البقرة:537]، وقال: َ َنْ َكْفرْ بِآ َاتِ َّه فَإ َّ ا َّهَ س ِي ُ الْ ِ َا ِ‬
 ‫وم ي ُ ي الل ِ ِن لل َر ع حس ب‬                                                  ‫ُزو و ُر ن م الل ع ُ‬
      ‫ِذ سم ُ‬                           ‫ْزئ‬           ‫ُ ِالله و ي ته ورس له ك ُ‬
    ‫[آل عمران:85]، وقال: قلْ أَب َّ ِ َآ َا ِ ِ َ َ ُوِ ِ ُنتمْ تَسْتَه ِ ُونَ [التوبة:16]، وقال: إ َا َ ِعْتمْ‬
              ‫ت‬          ‫و َّذ ن ذب‬                             ‫عد مع ُ‬               ‫الل ي َر به وي ْزأ به‬
           ‫آيَاتِ َّهِ ُكْف ُ ِ َا َ ُسْتَه َُ ِ َا فَال تَقْ ُ ُوا َ َهمْ [النساء:045]، وقال: َال ِي َ كَ َّ ُوا بِآيَا ِنَا‬
 ‫ِن َّذ َذب ي ت و َر ع ه‬                                                      ‫ح ب الن‬              ‫و َر ع أ‬
‫َاسْتَكْب ُوا َنْهَا ُوْلَئِكَ أَصْ َا ُ َّارِ [األعراف:63]، وقال: إ َّ ال ِينَ ك َّ ُوا بِآ َا ِنَا َاسْتَكْب ُوا َنْ َا‬
      ‫ِْ‬        ‫َّذ خ ض ف ي ت‬                      ‫وِ ر‬                           ‫ت َتح ُ و ب السم‬
    ‫ال ُف َّ ُ لَهمْ أَبْ َا ُ َّ َاءِ [األعراف:04]، وقال: َإذَا َأَيْتَ ال ِينَ يَ ُو ُونَ ِي آ َا ِنَا فَأَعرضْ‬
                                                                                                         ‫ع ُ‬
                                                       ‫َنْهمْ [األنعام:86]. واآليات في تعظيم آيات اهلل كثيرة.‬
                                                                           ‫أن‬
    ‫والشاهد منها َّ من اآليات التي يجب احترامها وتعظيمها آية اختالف اللغات وألسنة بني آدم،‬
                                                                                                            ‫فإن‬
                                                                    ‫َّ اهلل تعالى جعل ذلك التنوع آية من آياته.‬
              ‫ألم‬                                                              ‫فض‬
     ‫نعم قد َّل بعضها على بعض، فكان اللسان العربي هو اللسان الذي اختاره اهلل َّة اإلسالم‬
                            ‫كل‬                                               ‫يتفق‬
  ‫لسانًا َّهون به في دينهم، وجعله لسان القرآن، يتلى به في ِّ يوم خمس مرات في جميع بقاع‬
   ‫األرض من عرب وعجم، فقال تعالى: إ َّا َ َلْنَاه قرْآنًا ع َب ًّا [الزخرف:3]، وقال: ِِسَانٍ ع َب ٍّ‬
   ‫َر ِي‬        ‫بل‬                    ‫َر ِي‬         ‫ِن جع ُ ُ‬
                                                                                 ‫ألن‬               ‫مب ن‬
                                           ‫ُ ِي ٍ [الشعراء:185]؛ َّ اللسان العربي هو أقدر األلسنة بيانًا.‬
                             ‫ألن‬                   ‫تمس‬                      ‫ومن ثم فتمس‬
  ‫ُّكنا باللسان العربي ليس ُّكًا بعرق أو جنس، بل َّه لسان القرآن واإلسالم، فهو‬   ‫َّ‬
                           ‫يحت‬                                                      ‫أم‬
      ‫لسان َّة اإلسالم كيفما كانت أنسابهم وألسنتهم وألوانهم، دون أن ِّم على الشعوب والقبائل‬
                                                                                                ‫تتخل‬
                                                                                    ‫األعجمية أن َّى عن لسانها.‬
                                                                                ‫هذا ما سمعتم، واهلل يغفر لي ولكم.‬

‫(5/1153)‬
                                         ‫أثر وفاة الشيخ العثيمين ومن قبله من العلماء الربانيين‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                ‫العلم الشرعي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫مراد وعمارة‬
                                                                                  ‫باب الوادي‬
                                                                               ‫25/05/5745‬
                                                                                       ‫التقوى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- تتابع موت العلماء. 7- موت العلماء من عالمات قرب الساعة. 3- اإلسالم ال يرتبط‬
                  ‫باألشخاص وإنما يرتبط بالوحي. 4- لن تخلو أمة اإلسالم من علماء مجددين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                            ‫غمرتنا قبلَ يومين آيتان عظيمتان من آيات اهلل تعالى، بدران خسفا.‬
                       ‫ثم‬                     ‫ر‬                              ‫األو‬      ‫فأم‬
   ‫َّا البدر َّل فهو هذا القمر الذي اكتمل بد ًا يراه الناس جميعًا، َّ إذا به يخسف وينحجب،‬
                                               ‫يشع‬                   ‫شيئ‬             ‫حت‬
‫َّى لم نعد نرى ًَّا من النور الذي كان ُّ به، فهذه اآلية األولى، وهي آية خسوف القمر ليلة‬
                                                                                        ‫البدر.‬
        ‫إن‬                                  ‫َّا اآلية األخرى فإن قلي ً من الناس من يحس‬
 ‫ُّ بها، وأكثر الناس هم عنها غافلون، َّها خسوف‬              ‫َّ ال‬                   ‫وأم‬
                         ‫خ‬                                                  ‫ر‬
   ‫بدر أعظم نو ًا من نور القمر ليلةَ البدر، هذا البدر الثاني الذي َسف وانحجب بخسوفه النور‬
                                                      ‫محم‬                   ‫يشع‬
   ‫الذي كان ُّ به هو الشيخ اإلمام َّد صالح العثيمين رحمه اهلل تعالى، فقد توفي الشيخ قبل‬
                          ‫ر‬       ‫إن‬         ‫يشع‬
 ‫يومين، فانخسف بفقده نور العلم والهدى الذي كان ُّ به. نعم َّه البد ُ الثالث، ثالث ثالثة نفقده‬
                              ‫بعد فقدنا من نحو عام ألخويه ابن باز واأللباني رحمهم اهلل تعالى.‬
                                                                            ‫إن‬
      ‫َّهم بدور خسفت فلن تنير، وشموس كسفت فلن تشرق، ومنارات هدى هدمت فلن تضيء.‬
                                      ‫ة‬
 ‫لقد خسر العالم اإلسالمي في هذه الشهور األخيرة كوكب ً من كبار العلماء، فمن نحو ثالثة أعوام‬
  ‫حم ن محم‬                   ‫محد‬        ‫ثم‬
 ‫رزئنا بوفاة الشيخ العالمة إسماعيل األنصاري، َّ من بعده ِّثِ الحجاز الشيخ َّاد ب ِ َّد‬
                          ‫أي‬        ‫ثم‬
‫األنصاري، وقبل سنة رزئنا بوفاة الشيخ صالح بن غصون، َّ بعده ب َّام فجعنا بوفاة مفتي الزمان‬
 ‫ُّ َّى جاء الخبر بوفاة الشيخ علي الطنطاوي، َّ‬
 ‫ثم‬                                      ‫الشيخ عبد العزيز بن باز، فلم تكد دموعنا تجف حت‬
      ‫ثم‬                                ‫بأي‬     ‫ثم‬                                  ‫بأي‬
 ‫بعده َّام وفاة الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، َّ بعده َّام وفاة الشيخ مناع خليل القطان، َّ وفاة‬
                                         ‫أقل‬               ‫ض‬           ‫عطي محم‬
                          ‫الشيخ َّة َّد سالم، بع ِهم تلوَ بعض، في َّ من أربعة أشهر.‬
                    ‫م أو‬                              ‫َّ كانت الفاجعة الكبرى والرزي‬
 ‫َّة العظمى أن خسرنا في منتصف عا َ َّل مصباحًا من مصابيح‬                         ‫ثم‬
                                   ‫َّد‬                         ‫الوه‬
             ‫الدجى وسراجًا من السرج َّاجة بنور العلم والهدى، محم ًا ناصر الدين األلباني.‬
                         ‫السن‬         ‫م َّاني‬              ‫أئم‬    ‫م‬      ‫نود‬
               ‫وها نحن اآلن ِّع إما ًا من َّة الهدى وعال ًا رب ًّا من علماء َّة والسبيل.‬
               ‫فسالم على مشاهد كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت ظالل رعايته وتعه‬
       ‫ُّده عليها‬
     ‫ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر‬
                                        ‫ل‬
‫ونوره الزاهر مغمورة، وعلى جمعيات كان شمُها بوجوده مجموعًا، وكان صوته الجهير كصوت‬
                                                                             ‫مدو‬        ‫الحق‬
                                                      ‫ِّ الشهير، ِّيًا في جنباتها مسموعًا.‬
          ‫ر‬                                    ‫ة أشد‬                ‫ة أشد‬
 ‫فيا لها مصيب ً ما َّ وقعها، وخسار ً ما َّ وجعها، انقبض بها علم نافع كان منشو ًا، وارتفع‬
                                                              ‫ر‬                  ‫ح‬     ‫ر‬
                                                            ‫بها ذك ٌ صال ٌ كان اهلل به مذكو ًا.‬
             ‫أئم‬                      ‫َّه ليس على وجه البسيطة من رجل على السبيل والسن‬
 ‫َّة هو أذكر هلل تعالى من َّة الدين، وال‬                                           ‫فإن‬
                               ‫ك‬                                             ‫نبي‬
             ‫أكثر صالة على ِّه منهم، وال أعبد هلل منهم، وخير العبادة التف ّر والفقه في الدين.‬
                    ‫أن‬
    ‫والشيوخ الثالثة ابن باز واأللباني والعثيمين يزيدون على غيرهم في ذلك َّنا علمناهم ووجوه‬
                      ‫رب‬            ‫ة‬            ‫ميم ة‬
  ‫الخلق في مشارق األرض ومغاربها ِّم ٌ شطرهم طالب ٌ توقيعهم عن ِّ العالمين، فيما ينزل‬
    ‫ل‬             ‫د‬           ‫قل‬
‫من نوازل بالمسلمين، بما آتاهم اهلل من علم نافع وفقه في الدين، َّما أوتي أح ٌ مثله من العاِمين،‬
                          ‫فالناس اليوم بعدهم أيتام، بعدما كانوا باألمس كالصبيان في حجورهم.‬
                     ‫ر‬              ‫ي‬                                          ‫ْد‬
                   ‫فيا للهول من فق ِ من كان بين الخلق وخالقهم داعيًا إليه هاد ًا وسراجًا مني ًا.‬
                                        ‫وأي‬                                       ‫وأي‬
  ‫ُّ آية أعظم من خسوف العلم والنور والهدى؟! ُّ نسبة بين نور القمر ونور العلم والهدى.‬
             ‫فإن‬                                                     ‫أن‬
    ‫فال جرم َّ خسوف نور العلم بخسوف العلماء أعظم من خسوف نور القمر، َّ آية خسوف‬
       ‫ر‬        ‫ض‬                                     ‫فإن‬
‫القمر إذا كانت منذرةً بقرب الساعة َّ آية فقد العلماء تنذر بقرب الساعة أي ًا، وأخط ُ من ذلك‬
                                                            ‫وأعظم َّها تنذر برفع العلم وفشو‬
                                            ‫ِّ الجهل والضاللة.‬                     ‫أن‬
                     ‫د‬     ‫فخر‬
  ‫وهذا عبد اهلل بن عباس قيل له: ماتت فالنة بعض أزواج النبي، َّ ساج ًا فقيل له: تسجد هذه‬
                             ‫وأي‬
‫الساعة؟! فقال: قال رسول اهلل : ((إذا رأيتم آية فاسجدوا))، ُّ آية أعظم من ذهاب أزواج النبي‬
                                                        ‫؟! رواه أبو داود والترمذي بسند حسن.‬
                                                                               ‫ألن‬
            ‫وهذا َّ ذهاب أزواجه يؤذن بقرب الساعة وبذهاب كثير من العلم. واهلل المستعان.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                               ‫عل‬               ‫ُّها المسلمون، ال َّ َّ الحدث عظيم، ولكن‬
      ‫َّ اهلل تعالى قد َّمنا كيف نتعامل مع مثل هذه‬               ‫شك أن‬                ‫أي‬
                                                                                      ‫األحداث.‬
       ‫َّ‬      ‫ة ع‬                               ‫تحر‬
                                                 ‫ًَّ‬                                    ‫َّ‬
‫إن فقد العلماء يوجب في قلب المؤمن الحي ُّقًا على فراقهم وحزنًا، وعِبر ً و َبرة، ألن بفقدهم‬
          ‫ًََّّ ذلك مؤذ ٌ بقرب الساعة وفشو‬
 ‫ِّ الضاللة،‬               ‫ن‬         ‫يفوت أعز مطلوب وأشرف مرغوب، وهو العلم، وألن‬
                    ‫ر‬          ‫ويقل‬                ‫يعل‬                       ‫ولكن‬
 ‫َّ ذلك ال يبلغ بالمسلم أن ِّق مصيره باألشخاص، ِّد دينه بش ًا يخطئ ويصيب، فيخطئ‬
                                                         ‫التابع إذا أخطأ المتبوع، ويموت بموته.‬
                        ‫وأي‬
    ‫أما لنا عبرة بخطبة أبي بكر الصديق حين توفي رسول اهلل ؟! ُّ مصيبة أعظم من مصيبة‬
                                ‫ثب‬
  ‫موت من ال نبي بعده؟! وقد كادت قلوب تطيش بذلك لوال أنْ َّتها اهلل بخطبة أبي بكر الصديق،‬
            ‫فإن‬                           ‫َّد فإن َّد‬                          ‫أي‬
 ‫حين قال: ُّها الناس، من كان يعبد محم ًا َّ محم ًا قد مات، ومن كان يعبد اهلل َّ اهلل حي ال‬
                                                                                          ‫يموت.‬
‫وإذا كان هذا في حق النبي الذي انقطع الوحي بموته، فأولى بذلك ورثته من العلماء الذين قد جعل‬
                                                   ‫كل‬               ‫كل‬      ‫خ‬
                                              ‫اهلل فيهم ال ُلف في ِّ جيل، وعلى رأس ِّ قرن.‬
                                                                           ‫م‬
  ‫لقد وجدنا قو ًا يتباكون فقدَ العلماء، وقد غلب عليهم اليأس، وينشرون ذلك على صفحات الشبكة‬
                                ‫َّ اهلل قد أخلى الزمان من قائم له بالحج‬
                              ‫َّة!‬                                   ‫العنكبوتية لألنترنت، وكأن‬
                          ‫بل قد سأل سائ ٌ فقال: اليوم قد ذهب كبار العلماء فإلى من تتوج األم‬
                       ‫َّه َّة؟!‬                                            ‫ل‬
                                                   ‫الثل‬                  ‫م‬            ‫فليت‬
‫أال َّق اهلل أقوا ٌ يجعلون من فقدِ هذه َّة المباركة من العلماء سبيالً لليأس واإلياس، ويزرعون‬
  ‫أئم‬
 ‫الشكوك في قلوب الناس، ويرمون باألمة فريسة في أيدي المفتئتين على مناصب العلماء من َّة‬
                                                   ‫الضاللة ودعاة الفتنة والتحزبات واالنشقاقات.‬
 ‫َّن اللم َ والطعن فيمن بقي من العلماء، فال يزال بحمد اهلل في َّة خي ٌ كثير، وجي ٌ‬
 ‫ل‬           ‫األم ر‬                                                     ‫ز‬       ‫وذلك يتضم‬
                                            ‫من العلماء عظيم، وآخرون هم على الدرب الحقون.‬
              ‫ال‬                  ‫وسن‬                      ‫إن‬
  ‫إننا أمة ال نرتبط باألشخاص، َّما نرتبط بالوحي كتابًا َّة، وبهدي السلف سبي ً ومنهجا. هذا‬
                            ‫هو العاصم لنا من الضاللة بعد رحمة اهلل عز وجل وتوفيقه وفضله.‬
                                   ‫ل‬                       ‫فسؤال من يسأل: إلى من نتوج‬
‫َّه بعد موت العلماء؟ سؤا ٌ ناشئ من سوء األوضاع التي نشأ عليها‬
                                ‫َّ‬
     ‫السائل، فيا سبحان اهلل، أليس اهلل هو الحافظ لدينه؟! فواهلل لن نضل ما دام كتاب اهلل فينا يتلى‬
        ‫ص‬                                                                           ‫ي‬
‫و ُتدارس، وما دامت سنة نبيه تروى وتنشر، وال يزال اهلل يغرس في هذه األمة من يب ّرها بأمر‬
                                                                            ‫دينها ويقيم الحج‬
   ‫َّة هلل، وينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وال‬
                        ‫ِّ إلى يوم القيامة، هكذا أخبر النبي‬
       ‫ُّ ، وهم أهل العلم.‬                                             ‫األم‬
                                                         ‫تزال طائفة من هذه َّة قائمةً بالحق‬
     ‫ففي الوقت الذي يفرح فيه المنافقون بفقد العلماء ويرفعون بذلك رأسا، يمأل هؤالء المرتابون‬
                                                           ‫قلوب الضعفاء من الناس هونًا ويأسا.‬
                                                                                  ‫وأكر‬
 ‫ِّر بهذه المناسبة ما كنت قلته في خطبة مضت في حدث مماثل: إذا كان أهل النفاق قد راقهم‬
        ‫فإن‬                       ‫س‬      ‫ي‬
   ‫موت علمائنا ورفعوا بذلك رأسًا، وفرحوا بفقدهم ولم ُبدو أ ًى، فليبشروا بما يسوؤهم، َّ اهلل‬
                     ‫األم‬     ‫يجد‬            ‫كل‬               ‫نبي أن‬
‫وعدنا على لسان ِّه َّه يبعث على رأس ِّ مائة سنة من ِّد لهذه َّة أمر دينها، فال يموت‬
                ‫حت‬                               ‫إال‬                ‫حت‬            ‫ل‬
  ‫جي ٌ من العلماء َّى يخلفه جيل آخر، َّ ما شاء اهلل من أوقات الفترات، َّى ينزل عيسى بن‬
‫مريم، في آخر الزمان فيحكم بشريعة الرحمان، كما بقيت محفوظة في صدور العلماء ودواوينهم.‬
                                           ‫وكذلك هو األمر، فقد ظهر في الساحة علماء بالسن‬
  ‫َّة فقهاء في معانيها وبصراء برجالها وعللها،‬
                             ‫ما لم يكن منذ أعصار مديدة بعد وفات السخاوي والسيوطي رحمهما اهلل.‬
       ‫إن‬                                                  ‫أي‬               ‫حم‬
 ‫قال َّاد بن زيد حضرت ُّوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول: " َّ الذين‬
                         ‫متم‬                                           ‫السن‬         ‫يتمن‬
 ‫َّون موت أهل َّة يريدون أن يطفئوا نور اهلل بأفواههم، واهلل ٌّ نوره ولو كره الكافرون".‬
                                                                        ‫إن وإن‬            ‫قو إال‬
                                                          ‫فال حول وال َّة َّ باهلل، َّا هلل َّا إليه راجعون.‬
                                                                 ‫أي‬
 ‫أحسن اهلل عزاءكم ـ ُّها المسلمون ـ في علمائكم، وأحسن اهلل عليكم الخلف من بعدهم، فنسأل‬
                                                    ‫ي‬                        ‫يتغم أئم‬
  ‫اهلل أن َّد َّتنا العلماء برحمته، وأن ُلحقهم بالرفيق األعلى مع النبيين والصديقين والشهداء‬
                                                       ‫والصالحين، وأن ال يَفتننا بعدهم، وال يَحرمنا أجرهم.‬
                                                                           ‫أقول ما تسمعون، واهلل يغفر لي ولكم.‬

‫(5/6153)‬




                                                                                       ‫إلى رجال اإلعالم والصحافة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                                   ‫اإلعالم‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                           ‫مراد وعمارة‬
                                                                                                              ‫باب الوادي‬
                                                                                                                    ‫التقوى‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
                  ‫َ ع به‬                             ‫ه رم‬              ‫وإذ‬
    ‫5- وقفة مع قوله تعالى: َِ َا جَاءَ ُم أَم ٌ ِنَ األَمنِ أَو الخَوفِ أذَا ُوا ِ ِ. 7- بعض سقطات‬
     ‫رجال اإلعالم وعثراتهم. 3- خطر العلمانية على األمة اإلسالمية. 4- أدب مناصحة الوالة‬
                                                                                                         ‫وذوي السلطة.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
 ‫ْ َ ع به و ْ َد ه إل الرس ل‬                                    ‫ُ ْر م‬            ‫وِذ‬                         ‫أم‬
 ‫َّا بعد: يقول اهلل تعالى: َإ َا جَاءَهمْ أَم ٌ ِنَ األَمْنِ أَوْ الْخَوفِ أذَا ُوا ِ ِ َلَو ر ُّو ُ َِى َّ ُو ِ‬
          ‫ْل الل ع ُ َر مته التب ُ‬                      ‫ْ م ُ علمه َّذ ي ط ه م ُ و‬                                  ‫وإل أ ل‬
        ‫ََِى ُوِْي األَمرِ ِنْهمْ لَ َِ َ ُ ال ِينَ َسْتَنْبِ ُونَ ُ ِنْهمْ َلَوْال فَض ُ َّهِ َلَيْكمْ و َحْ َ ُ ُ َّ َعْتمْ‬
                                                                                                      ‫إ َّ ل‬         ‫الش‬
                                                                                     ‫َّيْطَانَ ِال قَِيالً [النساء:38].‬
  ‫ب‬                                                                ‫ص‬                ‫أي‬
  ‫ُّها الناس، لقد ف ّلت هذه اآلية بين رجل اإلعالم والصحفي الصدوق وبين الكذوب، وهي أد ٌ‬
                                          ‫ِّب اهلل تعالى به عباده َّة، ورجال اإلعالم منهم بخاص‬
                                        ‫َّة.‬                        ‫بعام‬                    ‫يؤد‬
    ‫ي‬        ‫ر‬          ‫أن‬
‫ومعنى اآلية على ما ذكره إمام التفسير أبو الفداء ابن كثير رحمه اهلل َّ هذا إنكا ٌ على من ُبادر‬
                         ‫صح‬                               ‫ي‬                 ‫تحق‬
                       ‫إلى األمور قبل ُّقها، فيخبر بها و ُفشيها وينشرها، وقد ال يكون لها َّة.‬
     ‫وقوله تعالى: َسْتَنْبِ ُونَ ُ ِنْهمْ أي: الذين يستخرجون الخبر من معادنه، ويستعلمونه من مظان‬
   ‫ِّه،‬                                                       ‫ي ط هم ُ‬
                               ‫حت يحق‬                                         ‫يحر‬
     ‫فال ِّف الخبر وال يزيد فيه وال ينقص، وال يذيعه َّى ِّقه ويرجو الخير والمصلحة في‬
                                                                      ‫مهم‬
                                              ‫نشره وإذاعته، وهذه هي َّة رجال اإلعالم الصدوقين.‬
         ‫تحد‬                          ‫َّ‬
  ‫وسبب نزول هذه اآلية يزيد في وضوحها، وذلك أن رسول اهلل حين اعتزل نساءه َّث الناس‬
        ‫َّ ذلك اليوم، وبعد َّة طويلة في التحر‬
       ‫ِّي‬              ‫قص‬                                                    ‫طل‬
                                           ‫فقالوا: َّق رسول اهلل نساءه، فقال عمر: ألعلمن‬
         ‫ثم‬                       ‫أطل‬                            ‫فلم‬
  ‫استأذن على رسول اهلل، َّا أذن له سأله: يا رسول اهلل، َّقت نساءك؟ قال: ((ال))، َّ استأذن‬
                          ‫يطل‬            ‫ي‬
  ‫رسول اهلل في إذاعة الخبر، فأذن له، فنزل وقال: أ ُّها الناس، لم ِّق رسول اهلل نساءه، ونزلت‬
   ‫على إثر ذلك هذه اآلية: َإذَا جَاءَهمْ أَمْ ٌ ِنَ األَمْنِ أَوْ الْخَوفِ أذَا ُوا ِ ِ َلَو ر ُّو ُ َِى َّ ُو ِ‬
   ‫ْ َ ع به و ْ َد ه إل الرس ل‬                                    ‫ُ رم‬                 ‫وِ‬
      ‫ر‬          ‫ت‬                             ‫ْ م ُ علمه َّذ ي ط ه م ُ‬                                ‫وإل أ ل‬
     ‫ََِى ُوِْي األَمرِ ِنْهمْ لَ َِ َ ُ ال ِينَ َسْتَنْبِ ُونَ ُ ِنْهمْ، قال عمر: فكنت أنا استنبط ُ ذلك األم َ.‬
                ‫األم بحق‬                          ‫رواه مسلم. فكان عمر بن الخط أو‬
 ‫َّاب َّل من باشر وظيفةَ اإلعالم في َّة ِّها، وهو الصدوق.‬
     ‫وقد جاء في معنى هذه اآلية عن رسول اهلل أحاديث هي بمثابة دستور عام لمن يباشر وظيفة‬
           ‫حد‬                                           ‫مطي‬
‫اإلعالم، منها قوله : ((بئس َّة الفتى زعموا)) رواه أبو داود، وقال : ((من َّث بحديث وهو‬
                  ‫أن‬                                                       ‫أن ب‬
‫يرى َّه كذ ٌ فهو أحد الكاذبين)) رواه مسلم في المقدمة، وفي الصحيحين َّ رسول اهلل : ((نهى‬
      ‫تبي‬     ‫ب‬         ‫تثب‬                   ‫عم‬
 ‫عن قيل وقال)) أي: الذي يكثر من الحديث َّا يقول الناس من غير ُّت وال تد ّر وال ُّن وال‬
                                                                                                      ‫تفك‬
                                                                                     ‫ُّر في شؤم العواقب.‬
                          ‫سم‬                                      ‫فحظ‬          ‫أي‬
          ‫وأنتم ـ ُّها الناس ـ ُّكم من هذه اآلية وما معها أن ال تكونوا َّاعين للكاذبين من‬
                             ‫مم‬            ‫حت‬             ‫مرو‬
‫المتعاطين للصحافة واإلعالم، ِّجين لباطلهم، َّى ال تكونوا َّن ذم اهلل في هذه اآلية وجعلهم‬
                                                                                         ‫من متبعي الشيطان.‬
                                                                              ‫أي‬       ‫وأم‬
 ‫َّا أنتم ُّها اللصوص اللئام، المفتئتون على منصب اإلعالم، فمن أين لكم الرفعة وأنتم تجولون‬
 ‫في أعراض الناس وتصولون بالشتم والسباب والبهت والبهتان والكذب واالفتراء والطعن واللمز‬
                                    ‫والثلب والقذف وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين والتجس‬
     ‫ُّس على شؤون الناس في خاصة أنفسهم‬
                                        ‫ب‬              ‫ُّس هفوات ذوي الهيئات وترق‬
 ‫ُّب العثرات وتت ّع عورات الناس وإظهار ما يجب ستره منها؟!‬                      ‫وتلم‬
             ‫األم‬             ‫أهذه هي المهمة النبيلة لرجل اإلعالم؟ َّ، ما هؤالء باإلعالمي‬
           ‫ِّين المرضيين في َّة.‬                  ‫كال‬
   ‫يسم‬                                       ‫َّهم اليوم قلقون وساخطون، َّ مشروعًا تعزيري‬
‫ًّا يراد ترسيمه، قد وجدوا فيه تضييقًا لما ُّونه‬             ‫ألن‬                       ‫إن‬
                                                                                     ‫ِّية الصحافة وحر‬
                                                                            ‫ِّية الرأي.‬            ‫بحر‬
    ‫وحر ّة الرأي ما حر ّة الرأي، َّها النافذة التي يدخل منها ك ّ مبطل يريد لباطله رواجا، ًَّ‬
    ‫وكل‬
    ‫ُّ‬                          ‫ل‬                            ‫إن‬         ‫ي‬              ‫ي‬
                                                                                                         ‫أف‬
                                                                                    ‫َّاك يريد لكذبه ترويجا.‬
                                        ‫فحر‬          ‫حر‬                    ‫يتبج‬
    ‫أين ما َّح به هؤالء من حماية ِّية الرأي؟! ِّية الرأي عندهم أن يقولوا ما شاءت لهم‬
                                             ‫ن‬
 ‫أهواؤهم، وينتقدوا من شاءوا ال بالنقد النزيه الب ّاء، بل بالبهت والزور واالفتراء واإلفك والكذب‬
                              ‫حق‬                 ‫ب‬         ‫حق‬
‫والقذف والشتم والسباب. فمن ِّهم أن يس ّوا من شاءوا، وال َّ ألحد سواهم أن ينتقدهم أو يأخذ‬
                                                                                  ‫على أيديهم.‬
                                                                           ‫أن‬
  ‫ال جرم َّ الساخطين على مشروع العقوبات هم هذه الحثالة من المفتئتين على منصب اإلعالم‬
                                                         ‫بغير حق، بل بالباطل واإلذاية للخلق.‬
                                            ‫ب‬                   ‫األم‬                  ‫إن‬
   ‫َّهم حفنة ال تخفى على َّة حقيقة أمرهم ومذه ِهم الذين ينتمون إليه، وهو االتجاه المعروف‬
                                ‫باالتجاه الالئكي العلماني، أي: ما نسميه نحن باالتجاه الالديني.‬
                     ‫مسو‬      ‫رب‬                                ‫شاذ‬
     ‫والعلمانية مذهب ٌّ ونبتة هجينة في أوطان المسلمين، َّما وجد ِّغات وجوده في أمم‬
  ‫َّة في أوروبا، َّ َّ من َّم لعقله السليم اصطدم ضرورةً بخرافات المسيحي‬
 ‫َّة‬                                         ‫سل‬    ‫ألن كل‬            ‫الضالل والظالمي‬
                             ‫فكل‬                                    ‫وضالالت النصراني‬
      ‫َّة وظلم البابوات والقساوسة وانحرافهم، ُّ ذلك قد يوجب ثورة العقل‬
                                                              ‫وانفصاله عن ذلك الدين المحر‬
                                                            ‫َّف.‬
                       ‫ل‬                                           ‫َّ‬                  ‫أم‬
‫َّا نحن فليس ديننا محرفًا، وال فيه ما يناقض العقل، بل هو دين كام ٌ محفوظ ناسخ لكل ما سبقه‬
                                                             ‫د‬
                                                           ‫من أديان، وال ينسخه بعده دين أب ًا.‬
                                              ‫ذ‬                  ‫َّ من نكد الدنيا أن يتسر‬
     ‫َّب هذا المذهب الشا ُ ـ أعني الالئكية أو العلمانية ـ إلى أوطان‬                    ‫وإن‬
                                                                  ‫ط‬
                                         ‫المسلمين، فيصاب به ره ٌ من قومنا ومن بني جلدتنا.‬
                 ‫ل‬                            ‫م‬           ‫ُذ‬                          ‫ويكأن‬
    ‫َّهم نبتوا في غير أرضهم، وغ ُّوا بغير أس ِدتهم، فجاءوا بفكر دخيل، وعق ٍ بالفهم كليل،‬
                                                       ‫أم‬
   ‫وقلب عليل، ولسان هو بلسان َّتهم قصير وثقيل، وبلسان المستعمر سريع وطويل، أولئك هم‬
                                                                            ‫ُّون الالئكي‬
                                                                         ‫ُّون.‬        ‫العلماني‬
                                       ‫َّهم حفنة عفنة وطغمة نتنة، أفئدتهم عند صولة الحق‬
 ‫ِّ هواء، وقلوبهم أشربت باألهواء، وعقولهم‬                                            ‫إن‬
                                ‫أم‬                         ‫فتنك‬   ‫أم‬
     ‫خواء، انقلبوا على َّتهم، َّروا لدينهم ولغتهم وتاريخ َّتهم وحضارتهم، وهؤالء ينصبون‬
                  ‫أنفسهم أوصياء على الجميع في جميع مناحي الحياة، وال وصاية ألحد عليهم.‬
                      ‫صح فإن‬       ‫أن‬                                           ‫ويسم‬
 ‫ُّون أنفسهم السلطة الرابعة، ويغيب عن أذهانهم َّ ذلك لو َّ َّما ينطبق على اإلعالمي‬
                                                 ‫األم‬               ‫هم‬
   ‫الصدوق الذي ُّه إيصال ما تحتاج َّة إلى االطالع عليه ومعرفته كما هو دون تحريف أو‬
                                                                                        ‫تبديل.‬
                                        ‫ألن‬          ‫ق‬
  ‫نعم، هم يرَون في هذا المشروع تضيي ًا لوظيفتهم َّ الكذب والدعاية الكاذبة وتحريف األخبار‬
                                     ‫ألغراض سياسية وقذف األشخاص هي رأس مالهم والماد‬
    ‫َّة الخام لعملهم، فإذا منعت عنهم أو‬
                                                          ‫منعوا منها فال يجدون ماذا ينشرون.‬
                     ‫ومن هنا تظهر الحاجة بل الضرورة للتعجيل بإصالح المنظومة اإلعالمي‬
      ‫َّة، وتطهير وسائل‬
    ‫اإلعالم من الممارسات والنظم واألنماط الوافدة من دول ومجتمعات تختلف تقاليدها وعاداتها‬
      ‫لكل‬
      ‫وطباعها عن موروثنا اإلسالمي في تقاليدنا وعاداتنا وطباعنا، بفرض عقوبات زاجرة ِّ‬
                                                     ‫كل ر م‬
                                                 ‫متطاول طويل اللسان في ِّ محت َم ُصان.‬
                                                                ‫واهلل المستعان وعليه التكالن.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
            ‫بأئم‬                   ‫أن أ‬                         ‫أن‬
  ‫قد تعجبون إذا علمتم َّ الذي زاد من غيظ هؤالء َّهم ُلحقوا في ذلك المشروع َّة المساجد،‬
           ‫األئم‬              ‫أن‬           ‫األئم‬
‫فهم ال يرون أنفسهم في منزلة واحدة مع َّة، بل يرون َّهم أشرف وأنبل من َّة، ال بل هم‬
                            ‫ألن‬                 ‫وأم األئم‬
  ‫قد نصبوا أنفسهم سلطة رابعة، َّا َّة فهم بمعزل عنها؛ َّهم في نظرهم ليسوا سوى أناس‬
                                                                               ‫متخل‬
   ‫ِّفين عن اللحاق بركب حضارة الغرب، يثيرون الفتن والفوضى، ويقفون حائال دون إباحة‬
              ‫األم‬                        ‫كل‬      ‫التمتع بالشهوات والشعوذات، ويصد‬
            ‫ُّون عن ِّ رأي خبيث يثير الشبهات في َّة.‬
      ‫ولذلك فهم غاضبون وقلقون، وللسخط على هذا المشروع معلنون، وله رافضون والعنون.‬
                       ‫مقد‬
 ‫وأعداء الدين منهم ال يكترثون بالطعن في الدين وعلمائه وانتهاك َّساته تحت غطاء المعارضة‬
                                   ‫َّعون من الزج‬
    ‫ِّ بالعلماء والدعاة واألئمة ـ وهم‬                           ‫حر‬
                                              ‫السياسية، وتحت شعار ِّية الرأي، وال يتور‬
‫سادة األمة وذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم ـ في معترك األحداث التي تناولها الجرائد السيارة،‬
              ‫ص‬                           ‫ي‬                                            ‫د‬
      ‫تقلي ًا للغرب الذين يتناولون رجال الدين عندهم كما ُتناول المجرم والعربيد والل ّ العنيد.‬
           ‫وتجدونهم يقحمون القضايا المحترمة كالفتاوى الشرعية المجمع على َّتها في خضم‬
    ‫ِّ اآلراء‬        ‫صح‬
                                                                           ‫القابلة للطعن فيها.‬
      ‫وإذا كانت طبيعة التعايش عند الغرب تستلزم احترام الرأي والرأي اآلخر، فاألولى من ذلك‬
                                        ‫واألحق باالحترام ما يصدر عن السادة الفقهاء واألئم‬
  ‫َّة العلماء من فتاوى، والتي يجب احترامها‬
                                                                                       ‫شرعًا.‬
                                   ‫وأن‬
‫وإذا كان من مذهبهم العلماني الفصل بين الدين والحياة، َّه ال دخل لإلمام في شؤون الحياة، فما‬
                                                                     ‫يتدخ‬
                                                  ‫الذي يبيح لهم أن َّلوا في شؤون الدين؟!‬
                                                                 ‫ظل‬     ‫كل‬
 ‫يحدث هذا ُّه في ِّ غياب الرادع السلطاني المسؤول عن حراسة الدين وحماية البيضة، فكان‬
                                                            ‫لألف‬                   ‫بد‬
                                       ‫ال َّ من العقوبات الرادعة َّاكين من هؤالء وهؤالء.‬
                                                                    ‫أن‬        ‫إن‬
 ‫فنحن َّما نفهم َّ هذا المشروع الرادع لتصرفات الطائشين ينصرف إلى من يخون اهلل في دينه‬
                                                          ‫وأم‬
   ‫وكتابه ورسوله، ويخون وطنه َّته؛ فيدعو إلى خالف ما أمر اهلل به من االئتالف واالجتماع‬
  ‫على كتابه وسنة نبيه ونهج أصحابه، و يدعو الناس إلى البدع والخرافات وعبادة القبور ويزرع‬
                                  ‫ِّم لهم الحالل ويحل‬
    ‫ِّل لهم الحرام، فمثل هذا إذا نصب‬               ‫فيهم بذور الشر والفساد واالفتراق، ويحر‬
                ‫أشد‬    ‫تنز‬              ‫إما ًا أو افتأت على منصب اإلمامة أو انتصب صحفي‬
 ‫ًّا فما أحراه أن َّل به ُّ أنواع العقوبات‬                                       ‫م‬
                                                               ‫ة‬
‫والتعازير، وأن يجعل عبر ً ونكاال لكل مفتئت على منصب اإلمامة أو متعاط لوظيفة اإلعالم بغير‬
                                                                        ‫مؤه‬
                                                      ‫حق وبغير ِّل شرعي علمي وخلقي.‬
            ‫مهم‬                                ‫فإن‬                              ‫ف‬
    ‫ومع تح ّظنا في كيفية تطبيق هذا المشروع َّنا نقبل به، وال نرى فيه ما يخالف َّة اإلمام‬
                                 ‫يتعي‬               ‫َّة ورسالته اإلعالمي‬
    ‫َّة والثقافية، وما َّن عليه من واجب األمر بالمعروف‬                           ‫التربوي‬
                                                                      ‫َّة والتوجيهي‬
                  ‫ر‬
‫والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه، كما كنت شرحت لكم منها كثي ًا في خطب مضت، وكما‬
                                                       ‫سأبسطه إن شاء اهلل في مناسبة الحقة.‬
                        ‫حت‬                            ‫ِّف بن عبد اهلل بن الشخ‬
 ‫ِّير يقول: "لئن لم يكن لي دين َّى أقوم إلى رجل معه مائة‬                   ‫وقد كان مطر‬
                     ‫ر‬                     ‫ذ لضي‬        ‫إن‬
                    ‫ألف سيف أرمي إليه كلمة فيقتلني، َّ ديني إ ًا ِّق". رواه ابن عبد الب ّ.‬
                                                ‫يضي‬                 ‫أن‬
  ‫يريد رحمه اهلل َّ ديننا أوسع من أن َّق في دائرة واحدة وهي إعالن النكير على السلطان،‬
                                                                           ‫يضي‬        ‫وأن‬
                                                        ‫َّ اهلل لم ِّق علينا في ترك ذلك.‬
    ‫فمجال العمل التربوي واإلعالمي بالنسبة لإلمام واسع رحب، وهي وظيفة شريفة في غاياتها‬
         ‫ووسائلها، مضبوطة بآداب رفيعة وأخالق كريمة في مبادئها وأهدافها. فال مجال للتخو‬
     ‫ُّف أو‬
                                                                              ‫إعالن السخط.‬
                ‫فإن‬                  ‫ي‬
   ‫ونحن إذ ندلي بالنصائح، ونحن أحوج ما نكون إلى من ُسدي إلينا النصيحة، َّنا نراعي فيها‬
                ‫ة‬                                                   ‫َّة المتعل‬
  ‫ِّقة بالنصيحة مع الكبراء وذوي السلطة، وهي آداب مباين ٌ للطرق الوافدة‬      ‫اآلداب الشرعي‬
    ‫علينا والغريبة عن ديننا وتقاليدنا، في كيفية توجيه النصيحة، أو في كيفية التعبير عن السخَط‬
                                                       ‫وعدم الرضا بالحاكم أو ببعض أعماله.‬
                                                                                   ‫بي‬
‫وقد َّن ذلك رسول اهلل إذ قال: ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فال يبده عالنية، ولكن يأخذ بيده‬
                                                 ‫أد‬        ‫وإال‬
                                   ‫فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، َّ كان قد َّى الذي عليه)).‬
                                           ‫وأنتم تالحظون الفرقَ بين هذه الطريقة اإلسالمي‬
    ‫َّة الشريفة المسؤولة في توجيه النصيحة لذي‬
  ‫السلطة، أو في التعبير له عن السخط وعدم الرضا ببعض أعماله، وبين الطرق الوافدة الغريبة‬
    ‫ُع‬                                                   ‫ة ط‬
  ‫عن ديننا وتقاليدنا، فهي طريق ٌ وسَ ٌ بين طريقة الخوارج الغالة التي أخذ بها كثير من الو َّاظ‬
         ‫ر‬
      ‫والخطباء وأدعياء العلم والفتوى والدعوة، وبين طريقة الغرب الجفاة التي أخذ بها كثي ٌ من‬
 ‫الصحفيين واإلعالميين والسياسيين في التشهير بالحاكم والجهر له بالتعيير واإلعالن له بالنكير.‬
           ‫سر‬                   ‫و ويكل‬                                        ‫ت‬
    ‫فمن اب ُلي بوجوب النصح لذي سلطان فاألدب أن يخل َ به ِّمه فيما بينه وبينه ًّا، بلطف‬
         ‫السن‬                              ‫ي‬     ‫ورفق ولين، وال ِّن وال ِّر وال يسب‬
 ‫ُّ وال ُعلن له بالنكير جهارا. بهذا جاءت َّة، وهكذا‬       ‫يعي‬     ‫يخش‬
            ‫كانت أحوال السلف مع أمرائهم. وسوف أبسط لكم هذا في خطبة الحقة إن شاء اهلل.‬
            ‫َّة الرفيعة في نصيحة الرعي‬
  ‫َّة لراعيها.‬                                           ‫د‬             ‫األئم‬
                                    ‫فنحن ـ معاشر َّة ـ لسنا نعْ ُو هذه اآلداب اإلسالمي‬
                                                                         ‫وإي‬
                                   ‫واهلل يحفظني َّاكم، ويغفر لي ولكم، وقوموا إلى صالتكم.‬

‫(5/2153)‬
                                                                 ‫كيفية النصيحة لألمراء والوالة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                    ‫أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                     ‫فرق منتسبة, قضايا دعوية‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫مراد وعمارة‬
                                                                                    ‫باب الوادي‬
                                                                                        ‫التقوى‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- عدم صالحية الطريقة الغربية في اإلصالح. 7- أحاديث وآثار توضح منهج اإلسالم في‬
    ‫مناصحة الوالة. 3- ابتعاد السلف عن سب الوالة والنيل منهم. 4- السبب في النهي عن سب‬
                                            ‫الوالي الجائر. 1- منهج السلف في مناصحة الوالة.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                ‫و‬                           ‫أي‬
       ‫ُّها الناس، ما أحوجنا إلى تن ّرنا بالتربية اإلسالمية الصحيحة التي نبتعد بها عن األنموذج‬
   ‫الغربي الالديني في كيفية أداء النصيحة، ومخاطبة الكبراء والوجهاء وذوي السلطة من الحكام‬
    ‫واألمراء، وفي طريقة إظهار السخط وعدم الرضا. فمتى كان تخريب البيوت بأيدي أصحابها‬
 ‫طريقًا لإلصالح؟! ومتى كان اإلفساد في األرض وإهالك الحرث والنسل سبيالً النفراج األزمات‬
 ‫وتفريج الكربات؟! بل ومتى كانت هذه المظاهرات وما يجري فيها من ضجيج واختالط وصخب‬
                                                  ‫ًّا في نفسه ونمطًا نموذجي‬
     ‫ًّا مفروضًا علينا؟! ومتى كانت شعوب القوط والخزر‬                     ‫أسلوبًا حضاري‬
     ‫ح‬      ‫والجرمن والسكسن والغال واإلفرنج قدوةً لنا، وقد كانوا باألمس القريب شعوبًا همجي‬
   ‫َّة متو ّشة‬
 ‫حفاة عراة، يلبسون جلود الضأن؟! فمن الطبيعي أن تكون أساليبهم في التعبير عن السخط مناسبة‬
                ‫أضل‬                                        ‫ألن‬             ‫لطبيعتهم الهمجي‬
‫َّة القديمة، ًََّّ العرق دساس، فمتى كان هؤالء الضالل الذين َّهم اهلل عن الدين‬
 ‫الحق في شؤون العبادة وشؤون الحياة، متى كانوا قدوة لنا في أساليب التعبير عن السخط؟! وهل‬
                                                         ‫كال‬
                                                        ‫خال ديننا عن بيان السبيل في ذلك؟ َّ.‬
                                                                                        ‫إن أم‬
‫َّنا َّة واحدة، وقد أنعم اهلل علينا بنعمة اإلسالم، وشرع لنا الوسائل المفيدة في التعبير عن السخط‬
     ‫وفي دفع المكاره والمظالم، وذلك باللجوء إلى اهلل ملك الملوك الذي نواصي الملوك بيده، فما‬
                                                         ‫ثم‬
 ‫يصيبنا من جورهم فبما كسبت أيدينا، َّ ثانيًا بالمرافعة بواسطة العريفين الذين هم أعيان العشائر‬
‫والقرى ووجهاء الناس وعقالؤهم، كما أمر النبي في حجة الوداع وجعل العرفاء واسطة بينه وبين‬
                                                      ‫ت‬
             ‫الناس يرفعون إليه ما يريدونه، وإذا لم ُفد هذه فاألولى كافية وموجبة أثرها وال بد.‬
                                              ‫أن‬
    ‫هذا وقد كنت وعدتكم في الخطبة التي مضت َّني سأبسط لكم الطريقة اإلسالمية في نقد والة‬
                                              ‫األمور من أعلى هرم السلطة إلى أدناه، ولكل‬
 ‫ِّ من له نوع سلطنة وأتباع من المسلمين، وهذا حين‬
                                               ‫شيئ‬                     ‫الوفاء، وسيتطل‬
  ‫َّب هذا البسط في الشرح ًَّا من التطويل فاصبروا الصبر الجميل، واسمعوا ما‬
                                                                  ‫يشفي العليل ويروي الغليل.‬
                                                                      ‫أن‬
 ‫عن جبير بن نفير َّ عياض بن غَنْم قال لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول اهلل : ((من أراد‬
        ‫وإال‬
 ‫أن ينصح لذي سلطان فال يبده عالنية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، َّ كان قد‬
                                                                                    ‫أد‬
                              ‫َّى الذي عليه)) رواه أحمد وابن أبي عاصم وهو حسن بطريقيه.‬
   ‫وعن شقيق بن سلمة، عن أسامة بن يزيد رضي اهلل عنهما قال: قيل له: أال تدخل على عثمان‬
                         ‫كل‬                   ‫أكل إال أ‬     ‫أن‬                           ‫فتكل‬
   ‫ِّمه فيما يصنع؟! فقال: أترون ِّي ال ِّمه َّ ُسمعكم؟! واهلل، لقد َّمته فيما بيني وبينه ما‬
      ‫إن أكل‬                                       ‫أو‬         ‫دون أن أفتح أم ًا ال أحب‬
 ‫ُّ أن أكون َّل من فتحه. هذا لفظ مسلم. وعند البخاري: ِّي ِّمه في‬      ‫ر‬
                                                           ‫أو‬          ‫ب‬                ‫السر‬
                                                 ‫ِّ دون أن أفتح با ًا ال أكون َّل من فتحه.‬
                                                         ‫أن‬
   ‫قال القاضي عياض: "مراد أسامة َّه ال يفتح باب المجاهرة بالنكير على اإلمام، لما يخشى من‬
                                                        ‫سر‬            ‫يتلط‬
                                  ‫عاقبة ذلك، بل َّف به وينصحه ًّا، فذلك أجدر بالقبول".‬
              ‫فسل‬
  ‫وعن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد اهلل بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، َّمت عليه، قال‬
 ‫لي: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان، قال: فما فعل والدك؟ قلت: قتلته األزارقة، قال: لعن اهلل‬
                                              ‫أن‬              ‫حد‬
    ‫األزارقة، لعن اهلل األزارقة، َّثنا رسول اهلل َّهم كالب النار، قال: قلت: األزارقة وحدهم أم‬
                                       ‫فإن‬             ‫كل‬                     ‫كل‬
    ‫الخوارج ُّها؟ قال: بلى الخوارج ُّها، قال: قلت: َّ السلطان يظلم الناس ويفعل بهم، قال:‬
                                                  ‫ثم‬                          ‫يدي‬
‫فتناول َّ فغمزها بيده غمزةً شديدة، َّ قال: ويحك يا ابن جمهان! عليك بالسواد األعظم، عليك‬
    ‫وإال‬
    ‫بالسواد األعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك َّ‬
                                                                               ‫فإن‬
                                           ‫فدعه، َّك لست بأعلم منه. رواه أحمد بسند حسن.‬
                                            ‫وقال عبد اهلل بن مسعود: (إذا أتيت األمير المؤم‬
                 ‫َّر فال تأته على رؤوس الناس).‬
        ‫ر‬                                    ‫وعن السائب بن يزيد أن رج ً قال لعمر بن الخط‬
  ‫َّاب: أن ال أخاف في اهلل لومة الئم خي ٌ لي أم‬               ‫َّ ال‬
                                     ‫شيئ‬                         ‫أم‬
    ‫أقبل على نفسي؟ فقال: ( َّا من ولي من أمر المسلمين ًَّا فال يخاف في اهلل لومة الئم، ومن‬
                                                ‫كان خل ًا فليقبل على نفسه، ولينصح لولي‬
      ‫ِّ أمره) رواه سعيد بن منصور وعبد الرزاق بسند‬                            ‫و‬
                                                                                     ‫صحيح.‬
                      ‫ر‬           ‫ُغي‬                          ‫أن‬
  ‫فأفادت هذه األحاديث واآلثار َّ السلطان ومن في معناه ال ي َّر عليه منك ُه باليد، وال يجهر له‬
             ‫ر‬               ‫َّ سر‬     ‫ي‬                       ‫ً‬            ‫ألن‬
‫بالنكير، َّه إن كان عدال فيجب رعاية حرمته، فال ُنصح إال ًّا، وإن كان جائ ًا فيحذر من أن‬
                                                                                        ‫يؤد‬
                                                                ‫ِّي ذلك إلى فتح باب الفتن.‬
                     ‫س‬                                          ‫إال‬              ‫ثم إن‬
‫َّ َّه ال ينكر عليه َّ بالوعظ والتخويف والتذكير، بلطف ورفق، دون ِباب أو تعيير، فإن عجز‬
      ‫نص‬          ‫يتعر‬
 ‫عن القيام بذلك على الوجه المشروع وجب عليه الصبر والدعاء، ولم َّض له، كما َّ عليه‬
                                         ‫العلماء، ونصوصهم كثيرة ال يتسع المقام هذا لذكرها.‬
                         ‫فإن‬                             ‫يتمك‬       ‫ر‬
 ‫قال ابن عبد الب ّ: "إن لم َّن نصح السلطان فالصبر والدعاء، َّهم ـ أي: علماء السلف ومن‬
                                                     ‫سب‬
                                           ‫تبعهم من الخلف ـ كانوا ينهون عن ِّ األمراء".‬
     ‫عب حت‬                     ‫مك‬                             ‫لم‬
    ‫وعن أبي جمرة قال: َّا بلغني تحريق البيت خرجت إلى َّة، واختلفت إلى ابن َّاس َّى‬
                                            ‫عب‬           ‫عرفني، واستأنس بي، فسببت الحج‬
       ‫َّاج عند ابن َّاس، فقال: (ال تكن عونًا للشيطان) رواه‬
                                                                        ‫البخاري في تاريخه.‬
                                  ‫فلم يكن من عادة السلف ُّ األمراء وتعييرهم في السر‬
     ‫ِّ، فكيف في الجهر؟! فكيف في حال‬                       ‫سب‬
                        ‫فإن‬                     ‫سب‬
   ‫اإلنكار؟! بل المنقول عنهم هو النهي عن ِّ األمراء والنيل منهم، َّ السلطان إذا كان يقود‬
                                                   ‫بالشرع ُّه مناف لما يجب على الرعي‬
    ‫َّة من إكرامه وإجالله وتوقيره وتعزيره، كما ورد في‬                      ‫فسب‬
                                                   ‫األحاديث واآلثار الصحيحة، ومنها ما يلي:‬
 ‫عن زياد بن كسيب قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق،‬
                                             ‫الفس‬           ‫ر‬
 ‫فقال أبو بالل: انظروا أمي َنا يلبس ثياب َّاق، فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول اهلل يقول:‬
 ‫((من أهان سلطان اهلل في األرض أهانه اهلل)) رواه الترمذي والطيالسي والبيهقي وأحمد ابن أبي‬
                                                                         ‫ن‬
                                                          ‫عاصم وهو حس ٌ بمجموع طريقيه.‬
    ‫وعن أبي الدرداء رضي اهلل عنه َّه وقف يو ًا على باب معاوية، فحجبه لشغل كان فيه، فكأن‬
‫َّ أبا‬                                        ‫م‬         ‫أن‬
                                                       ‫وإن أو‬
      ‫الدرداء وجد في نفسه فقال: ( َّ َّل نفاق المرء طعنه على إمامه) رواه ابن عبد البر في‬
                                                                        ‫التمهيد وابن عساكر.‬
          ‫حل‬
    ‫وعن عمرو البكالي قال: "إذا كان عليك أمير فأمرك بإقام الصالة وإيتاء الزكاة فقد َّ لك أن‬
                                                             ‫سب‬                  ‫تصل‬
                     ‫ِّي خلفه، وحرم عليك ُّه" رواه ابن زنجويه في األموال بسند صحيح.‬
                                                                  ‫ق‬                      ‫وأم‬
    ‫َّا إذا كان السلطان فاس ًا فاجرا ظالمًا جائرا فال حرمة له وال كرامة، ولكن نهوا أيضًا عن‬
                                                           ‫ر مم‬      ‫سب‬      ‫سب وإن ه‬
  ‫ِّه، َّما ن َوا عن ِّه حذ ًا َّا يؤول إليه سبابه والمجاهرة له بالنكير من المفاسد والشرور‬
                      ‫العظيمة، واإلعانة على سفك الدماء المعصومة وتحريك الفتن المشؤومة.‬
                            ‫وشك‬                       ‫ولذا نهى السلف عن ِّ الحج‬
 ‫َّاج بن يوسف، مع بغضهم له ِّهم في إيمانه، بل أطلق بعضهم‬   ‫سب‬
                      ‫َّه كافر. وهذا نظير ما ورد في النهي عن ِّ الشيطان دفعًا لنفخه وشر‬
 ‫ِّه، ال لحرمته وكرامته،‬                      ‫سب‬                                     ‫أن‬
                                              ‫كما ستسمعون بعد حين والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                  ‫َّ تحريم ِّ السلطان الفاجر بمنزلة النهي عن ِّ الشيطان دفعًا لنفخه وشر‬
‫ِّه، ال لحرمة له وال‬                      ‫سب‬                                ‫سب‬       ‫إن‬
‫لكرامة. فكذلك السلطان الجائر ال حرمة له، وقد قال غير واحد من السلف: "ال غيبة لفاسق" روى‬
                                ‫ذلك ابن أبي الدنيا في الصمت عن إبراهيم النخعي من وجهين.‬
                                                              ‫يؤد‬     ‫سب‬      ‫وإن ه‬
       ‫َّما ن َوا عن ِّه لما ِّي إليه من الفساد والشرور، وحرمانهم خيره وعدله في الوجوه‬
                                                                             ‫فإن‬
                       ‫األخرى، َّ سبابه مدعاة إلى الزيادة في الطغيان ونقص الخير والعدل.‬
                           ‫م قط إال حق‬
     ‫وقد قال حذيفة بن اليمان رضي اهلل عنه: (ما تالعن قو ٌ ُّ َّ َّ عليهم القول) رواه عبد‬
  ‫سب‬                                                                               ‫الرز‬
  ‫َّاق والبخاري في األدب المفرد وابن أبي شيبة والحاكم، وقال أبو إسحاق السبيعي: "ما َّ‬
                     ‫ر‬                                                        ‫إال‬       ‫م‬
‫قو ٌ أميرهم َّ حرموا خيره" رواه أبو عمرو الداني في الفتن وابن عبد الب ّ في التمهيد، وقال أبو‬
                                                                                ‫سب‬
 ‫مجلز: " ُّ اإلمام الحالقة، ال أقول: حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين" رواه حميد بن زنجويه في‬
           ‫محم‬                          ‫ل‬      ‫ذ‬       ‫األموال بسند حسن، وقال الوص‬
‫َّافي: " ُكر رج ٌ من بني مروان عند أبي جعفر َّد بن علي بن‬
                          ‫أشد‬                                 ‫كف‬
 ‫الحسن وأنا عنده، فقال: َّ عنهم، فواهلل ألعمالهم لتسرع فيهم َّ من السيوف المشهرة عليهم"‬
              ‫محم‬
    ‫رواه البيهقي في شعب اإليمان بسند صحيح، وقال سهيل بن أبي حزم: سمع َّد بن سيرين‬
‫م‬     ‫قط‬                                     ‫إن‬          ‫أي‬             ‫ُّ الحج‬
‫َّاج فقال: "مه ُّها الرجل! َّك لو وافيت اآلخرة كان أصغر ذنب عملته ُّ أعظ َ‬       ‫ال‬
                                                                             ‫رج ً يسب‬
        ‫َّ حكم عدل، إن أخذ من الحج‬
  ‫َّاج لمن‬                          ‫أن عز‬               ‫عليك من أعظم ذنب عمله الحج‬
                                ‫َّاج، واعلم َّ اهلل َّ وجل‬
                              ‫َّاج ممن ظلمه، فال تشغلن نفسك بسب‬
     ‫ِّ أحد" رواه البيهقي في شعب‬       ‫َّ‬                              ‫شيئ فشيئ‬
                                                             ‫ظلمه ًَّا ًَّا أخذ للحج‬
                ‫اإليمان، وقال رياح بن عبيدة: كنت قاع ًا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر الحج‬
 ‫َّاج فشتمته، فقال‬                                ‫د‬
     ‫حت‬                                                   ‫أن‬        ‫إن‬
    ‫عمر: "مهالً يا رياح! َّه بلغني َّ الرجل يظلم بالمظلمة، فال يزال المظلوم يشتم الظالم َّى‬
     ‫يستوفي َّه، ويكون للظالم الفضل عليه" رواه ابن المبارك في الزهد، وعن قتادة قال: َّ‬
     ‫سب‬                                                                      ‫حق‬
                                                               ‫ل‬         ‫الحج ج ن‬
  ‫َّا َ ب َ يوسف رج ٌ عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: أظلمك بشيء؟ قال: نعم، ظلمني‬
                                                ‫حت‬             ‫فهال‬
   ‫بكذا وكذا، قال عمر: َّ تركت مظلمتك َّى تقدم عليها يوم القيامة وهي وافرة؟! رواه عبد‬
                                                                          ‫َّاق في المصن‬
                                                                        ‫َّف.‬         ‫الرز‬
                                                ‫صح‬                         ‫وقد يحتج‬
 ‫ُّ بعضهم في هذا المقام بما َّحه الحاكم عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما عن‬
                        ‫تود‬          ‫إن‬                           ‫أم‬                 ‫النبي‬
   ‫ِّ قال: ((إذا رأيت َّتي تهاب الظالم أن تقول له: َّك ظالم فقد ِّع منهم)) فهذا حديث ال‬
                                                                             ‫بي‬      ‫يصح‬
                                                 ‫ُّ، كما َّنه ابن عدي والبيهقي وغيرهما.‬
                                                                             ‫صح‬
     ‫وبتقدير َّته فال يتناول السلطان لما ذكر، ولألحاديث اآلمرة بالصبر على جوره، وبتقدير‬
         ‫ر‬                                 ‫يدل‬          ‫إن‬
‫تناوله للسلطان فليس في قوله: َّك ظالم، ما ُّ على مشروعية اإلعالن له بذلك جها ًا، وال أن‬
        ‫ر‬                                                         ‫ر‬        ‫س ب‬
  ‫يقال له ذلك ِبَا ًا وتعيي ًا، بل غاية ما فيه التصريح بمقتضى حاله من كونه ظالمًا جائ ًا. ومع‬
                                                          ‫بي‬     ‫هذه التقادير فالحديث ال يصح‬
                                       ‫ُّ كما َّنه الحفاظ النحارير.‬
                                     ‫َّا ما يذكره بعض الناس َّ من عادة السلف التعر‬
‫ُّض لألخطار والتصريح باإلنكار، فهذا حيث‬                  ‫أن‬                     ‫وأم‬
     ‫ينفع ذلك، وحيث كانت األمراء تقبل منهم وتصغي إليهم، وحيث كانت المصلحة في تقديرهم‬
                                      ‫راجحة، ومع هذا فلم يكونوا ينكرون على أمرائهم بالسب‬
                            ‫ِّ والتعيير.‬
                                               ‫أن‬                            ‫ي‬     ‫وعام‬
      ‫َّة ما ُروى من األخبار والحكايات في َّهم كانوا يغلظون لهم في اإلنكار عليهم فليس‬
   ‫ي عام‬                                   ‫َّ‬                            ‫صح‬
  ‫بصحيح، وما َّ منها فله محامل معروفة، على أن فعل الواحد واالثنين إذا لم يكن هد ًا ًّا‬
                                                ‫العام‬                   ‫بحج‬
                                       ‫للسلف فليس َّة، فكيف إذا كان الهدي ُّ بخالفه؟!‬
                                 ‫يسب‬           ‫يعر‬        ‫َّ َّه ال يخفى َّ الذي يسب‬
‫ُّ السلطان ِّض أبويه ألن َّهما السلطان أو أعوانه كما تجري به‬       ‫أن‬          ‫ثم إن‬
                     ‫سب‬      ‫عادة َّاق عمومًا وذوي السلطان خصوصا، فيكون هو المتسب‬
     ‫ِّبَ في ِّ والديه، وقد قال‬                                           ‫الفس‬
                                                                         ‫إن‬
      ‫رسول اهلل : (( َّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه))، قيل: كيف يسب والديه؟! قال:‬
‫ُّ أباه...)) الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وثبت عن النبي‬
‫ِّ‬                                                                        ‫ل‬      ‫يسب‬
                                                           ‫(( ُّ الرج ُ أبا الرجل فيسب‬
                                                 ‫َّه قال: ((ليس المؤمن باللعان وال بالطع‬
  ‫َّان)) أخرجه الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة والبخاري‬                                   ‫أن‬
‫في األدب المفرد وهو حديث صحيح وله شواهد، وقال : ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) رواه‬
                                                                   ‫البخاري ومسلم وغيرهما.‬
   ‫أن‬                                                ‫ر‬                   ‫تقي‬     ‫يعم كل‬
 ‫وهذا ُّ َّ مسلم ًّا كان أو فاسقًا، ب ّا أو فاجرا، من أهل السنة أو من أهل البدع، طالما َّهم‬
                                                                                         ‫كل‬
                                            ‫ُّهم يشملهم لفظ المسلم، وال دليل على االستثناء.‬
                                                         ‫ق‬
          ‫فإذا كان سباب السلطان المسلم فسو ًا فكيف يكون مباحًا؟! بل كيف يكون مندوبًا إليه؟!‬
                                 ‫َّ الذين غلطوا فوقعوا في شيء من ذلك قد تابوا وندموا وتبر‬
    ‫َّموا مما فعلوا، واآلثار في ذلك‬                                                    ‫ثم‬
                                                                              ‫يطول ذكرها.‬
  ‫د‬
‫وحسبكم منها ما جاء عن أبي معبد عبد اهلل بن عكيم قال: لن أعين على دم خليفة بعد عثمان أب ًا،‬
                         ‫ن‬               ‫إن أعد‬
 ‫فقيل له: يا أبا معبد، أعنت على دمه؟! قال: ِّي ُّ ذكر مساوئه عو ًا على دمه. رواه الدوالبي‬
                                                                                  ‫في الكنى.‬
                                     ‫أن‬             ‫م‬
     ‫وهذا مثل ما كان يحكيه لكم قدي ًا بعض الوعاظ َّ عمر بن الخطاب خطب فقال: لئن ملت‬
                                                   ‫بحد‬    ‫عد‬                        ‫فعد‬
 ‫ِّلوني، فقالوا له: لو ملت َّلناك ِّ سيوفنا... ونحو هذا من الحكايات، وهي حكايات باطلة،‬
                                                  ‫ال وجود لها في كتب اإلسالم بإسناد مقبول.‬
                         ‫َّا امتنعت األمراء عن اإلصغاء إلى الناصحين، و ُفعت العصي‬
    ‫ُّ والسيوف على من يحاول‬       ‫ر‬                                            ‫فلم‬
           ‫ِّي لهم باإلنكار عليهم، امتنع السلف بعد ذلك من الدخول عليهم، لكي ال يضطر‬
     ‫ُّوا إلى‬                                                                    ‫التصد‬
                                                                     ‫اإلنكار عليهم وتكذيبهم.‬
                                                                    ‫ر وأم‬
    ‫قال ابن عبد الب ّ: " َّا مناصحة والة األمر فلم يختلف العلماء في وجوبها، إذا كان السلطان‬
            ‫إال‬                                         ‫أن‬              ‫ولم‬
    ‫يسمعها ويقبلها، َّا رأى العلماء َّهم ال يقبلون نصيحًا وال يريدون من جلسائهم َّ ما وافق‬
          ‫هواهم زاد البعد عنهم والفرار منهم"، وقال ابن مفلح: " َّا ما جرى للسلف من التعر‬
‫ُّض ألمرائهم‬                     ‫فأم‬
                                                                                         ‫فإن‬
                              ‫َّهم كانوا يهابون العلماء، فإذا انبسطوا احتملوهم على األغلب".‬
             ‫أحق‬                     ‫أي‬
  ‫وعن هذيل بن شرحبيل قال: خطبهم معاوية فقال: يا ُّها الناس، وهل كان أحد َّ بهذا األمر‬
                      ‫أحق‬                                                        ‫من‬
    ‫ِّي؟! قال: وابن عمر جالس، قال: فقال ابن عمر: هممت أن أقول: ُّ بهذا األمر منك من‬
 ‫فهو‬                ‫أعد‬           ‫د‬                       ‫ثم‬
‫ضربك وأباك على اإلسالم، َّ خفت أن تكون كلمتي فسا ًا، وذكرت ما َّ اهلل في الجنان، َّن‬
                                                                                       ‫علي‬
                                                           ‫َّ ما أقول. رواه ابن أبي شيبة.‬
                                                          ‫عب‬
  ‫وعن طاوس قال: أتى رجل ابن َّاس فقال: أال أقدم على هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: ال،‬
                                                        ‫الرز‬
   ‫يكون لك فتنة... رواه عبد َّاق وابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح، وعن سعيد بن جبير‬
‫ثم‬                                                                     ‫عب‬
‫قال: قلت البن َّاس: آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فال، َّ‬
                                      ‫ً‬     ‫بد‬
                    ‫عدت الثالثة فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت ال َّ فاعال ففيما بينك وبينه.‬
‫وقيل لداود الطائي: أرأيت رجالً دخل على هؤالء األمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟‬
                    ‫إن‬                                   ‫إن‬
   ‫قال: أخاف عليه السوط، قال: َّه يقوى، قال: أخاف عليه السيف، قال: َّه يقوى، قال: أخاف‬
                                                                             ‫د‬
                                                 ‫عليه الداء ال ّفين من العجب. رواه أبو نعيم.‬
  ‫فالسلطان الممتنع من اإلصغاء إلى النصيحة، الحامل سوطه وسيفه على من ينكر عليه، قد سقط‬
    ‫وجوب اإلنكار عليه، بل يحرم إن كان يؤول إلى نشر الفتنة والفساد. ومن قوي على اإلنكار‬
‫ُّ‬       ‫يعي‬     ‫يخش‬                      ‫سر‬                   ‫ويكل‬
‫فاألدب أن يخلو به ِّمه فيما بينه وبينه ًّا، بلطف ورفق ولين، وال ِّن وال ِّر وال يسب‬
                                                ‫السن‬                              ‫ي‬
           ‫وال ُعلن له بالنكير جهارا. بهذا جاءت َّة، وهكذا كانت أحوال السلف مع أمرائهم.‬
                                                 ‫ترد‬    ‫أن‬                   ‫القي‬
‫قال ابن ِّم: "من دقيق الفطنة َّك ال ُّ على المطاع خطأه بين المأل، فتحمله رتبته على نصرة‬
                                                        ‫تلط‬
                    ‫الخطأ وذلك خطأ ثان، ولكن َّف في إعالمه به حيث ال يشعر به غيره".‬
  ‫عباد اهلل، هذه هي طريقة اإلسالم وسعة الدين في نقد الوالة ونحوهم من الكبراء وذوي الهيئات‬
                                         ‫األم‬
 ‫من الوجهاء، ال كتلك الطرق الوافدة علينا من َّة الغضبية الملعونة، أمة المغضوب عليهم من‬
                                                              ‫أم‬         ‫األم‬
                                            ‫اليهود، ومن َّة الضالة َّة النصارى الضالين.‬
  ‫وأنتم تالحظون هذا الفرق الكبير بين طريقة اإلسالم في التعبير عن السخط وعدم الرضا، وفي‬
                                 ‫قل‬
    ‫أسلوب النقد وكيفية توجيهه، وبين طريقة الغرب الجفاة التي َّدهم فيها أذنابهم من المتعاطين‬
  ‫للصحافة واإلعالم، وكذا أرباب األحزاب السياسية وجماهيرهم التي يسوقونها كما تساق البعير،‬
                                                        ‫ليمألوا بها الشارع ضجيجًا وصخبا.‬
‫فالحمد هلل على سماحة اإلسالم وسعة الدين ويسره، والحمد هلل على رحمته بعباده وعلى رفقه بهم‬
                        ‫وإن‬
  ‫ولطفه وتيسيره. ما جعل علينا في الدين من حرج، فتضيقَ قلوبنا، َّما تضيق قلوب المجادلين‬
                               ‫إال‬
        ‫بالباطل، الذين ضاقت عليهم سبل الهدى، فال تنطلق ألسنتهم َّ بالسباب والقذف واألذى.‬
                                   ‫أقول ما تسمعون واهلل يغفر لي ولكم، وقوموا إلى صالتكم.‬

‫(5/8153)‬




                                                                          ‫العلمانية وخطرها‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                       ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                       ‫أديان‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫إبراهيم بن محمد الفارس‬
                                                                                                      ‫المجمعة‬
                                                                                               ‫جامع الجزيرة‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- وجوب تتبع طرق الشر والتحذير منها. 7- مدلول العلمانية ومفهومها. 3- أنواع الجاهلية.‬
‫4- الفصل بين العقيدة، والسلوك والمعامالت هدف العلمانية. 1- حكم العلمانية. 6- بعض صور‬
                                           ‫اإلفساد في األرض. 2- إنكار ما ورد في صحيفة محلية.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                           ‫د‬               ‫د‬
        ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، فإن تقوى اهلل هي النجاة غ ًا، والمنجاة أب ًا، والعاقبة للتقوى.‬
                                               ‫ن‬
  ‫أيها المسلمون، لقد أنزل اهلل الكتاب تبيا ًا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، وأرسل رسوله‬
                                     ‫ب‬       ‫ن م‬          ‫ي‬
     ‫بالهدى ودين الحق، ففتح به أعينًا عم ًا وآذا ًا ص ًا وقلو ًا غلفًا، وبدد بدعوته ظلمات الجهل‬
 ‫ك‬
‫والحماقة، وأسقط األغالل التي كانت على العقول، فأصبحت عبادة األصنام في ميزان المسلم إف ًا‬
 ‫م ي الله‬
 ‫قديمًا، ويعجب المسلم فيما يعجب، من سخف المشركين، وصدق اهلل تعالى إذ يقول: َن َهْدِ َّ ُ‬
                                                     ‫ِ ه ولي م ِد‬                   ‫ه م َ وم ي ِ ْ‬
                                        ‫فَ ُوَ الْ ُهْتدِ َ َن ُضْلل فَلَن تَجدَ لَ ُ َِ ّا ُّرْش ًا [الكهف:25].‬
      ‫عباد اهلل، غير أنه يجب أن نذكر دائمًا أن البالء مستمر، ومادة الشر باقية، وشياطين اإلنس‬
    ‫والجن مستمرون في ترويج الضالل، حتى زخرفوه بكل لون، وروجوا له بكل لسان: َك َِ َ‬
    ‫و َذلك‬
          ‫ْ ُر‬           ‫ط إل س و جن ي ح ب ضه إل ب ٍ ز ْر‬                            ‫جع ل ُل نبى َدو‬
      ‫َ َلْنَا ِك ّ ِ ِ ّ ع ُ ّاً شَيَا ِينَ ا ِنْ ِ َالْ ِ ّ ُو ِى َعْ ُ ُمْ َِى َعْض ُخ ُفَ الْقَولِ غ ُوراً‬
  ‫[األنعام:755]، ومن الواجب أن نتتبع طرق الغي، بالتحذير منها وكشف مراميها وأبعادها، وسد‬
   ‫السبل على دعاتها، حتى يكون المسلمون على بينة من ربهم وبصيرة من سبيلهم، وال يضرهم‬
                                                                         ‫انتحال المبطلين أو كيد الكائدين.‬
     ‫ولقد شاعت في دنيا المسلمين اليوم، فلسفات وأنظمة خدعت الكثيرين منا ببريقها، وانتشرت‬
     ‫شعارات ومصطلحات لو قدر لها أن تنتشر، لم تأت على شيء إال جعلته كالرميم، ومن تلك‬
      ‫األفكار، الفكر الصليبي (غير الديني)، وهو ما يسمى بالعلمانية، التي تسربت إلى مجتمعات‬
‫المسلمين، ولعل أحد التحديات الخطيرة، التي تواجه أهل السنة الجماعة في هذا العصر هي إسقاط‬
     ‫الالفتات الزائفة، وكشف المقوالت الغامضة، وفضح الشعارات الملتبسة، التي تتخفى وراءها‬
                                      ‫العلمانية، التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه األمة.‬
  ‫ومدلول هذا المصطلح وفكره، هو إقامة الحياة على غير دين، سواء بالنسبة لألمة أو الفرد، إن‬
                                                                ‫هذه العلمانية، لهي أكبر نقيض للتوحيد.‬
      ‫عباد اهلل، ولقد تغيرت بعض مظاهر العبادة، فلم يعد هناك تلك األوثان التي كان العرب في‬
 ‫شركهم يعبدونها، ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل األوثان القديمة أوثان أخرى،‬
 ‫كالحزبية والقومية والعلمانية، والحرية الشخصية والجنس وغيرها... وعشرات األوثان الجديدة،‬
   ‫إن العلمانية- عباد اهلل – تعني بداهة : الحكم بغير ما أنزل اهلل، وتحكيم غير شرع اهلل، وقبول‬
  ‫وم‬
 ‫الحكم والتشريع والطاعة من الطواغيت من دون اهلل، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين َ َن‬
                                                                ‫َّ ي ك بم َ الل ُ أ ئ ُم ك ِر‬
                                               ‫لمْ َحْ ُم ِ َا أَنزلَ َّه فَُوْلَ ِكَ ه ُ الْ َاف ُونَ [المائدة:44].‬
   ‫عباد اهلل، والجاهلية أنواع، منها جاهلية اإللحاد باهلل سبحانه وإنكار وجوده، فهي جاهلية اعتقاد‬
       ‫وتصور كجاهلية الشيوعيين، ومنها اعتراف مشوه بوجود اهلل سبحانه، وهي جاهلية االتباع‬
 ‫والطاعة، كجاهلية الوثنيين واليهود والنصارى، وفيها اعتراف بوجود اهلل سبحانه، وأداء للشعائر‬
                 ‫د‬
     ‫التعبدية، مع انحراف خطير في تصور داللة شهادة أن ال إله إال اهلل، وأن محم ًا رسول اهلل،‬
    ‫وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم مسلمين من العلمانيين، ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة‬
        ‫اإلسالم وحققوه بمجرد نطقهم بالشهادتين، وأدائهم للشعائر التعبدية، مع سوء فهمهم لمعنى‬
                                                           ‫الشهادتين، ومع استسالمهم لغير اهلل من العبيد.‬
 ‫عباد اهلل، والعلمانية، تجعل العقيدة والشعائر هلل وفق أمره، وتجعل الشريعة والتعامل مع غير اهلل‬
   ‫وفق أمر غيره، وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله، ألن أهل الجاهلية األولى لم ينكروا وجود‬
                          ‫ق ُن الله‬               ‫السم ت و‬             ‫ُ م‬             ‫وئ‬
    ‫اهلل، قال تعالى: َلَ ِن سَأَلْتَهمْ َّنْ خَلَقَ َّ َاوا ِ َاألرْضَ لَيَ ُول َّ َّ ُ [لقمان:17]، وكذلك لدى‬
 ‫جعل ِل ِم َر من ح ث و أل ع م‬
 ‫أهل الجاهلية األولى بعض الشعائر التعبدية، قال تعالى: وَ َ َُواْ لَّهِ م َّا ذ َأَ ِ َ الْ َرْ ِ َا َنْ َا ِ‬
                                                                                        ‫ص‬
‫نَ ِيباً [األنعام:635]، ومع ذلك فقد حكم اهلل عليه بأن ذلك كفر وجاهلية، وعد تلك األمور جميعها‬
                                                                                                        ‫ر‬
                                                                                     ‫صف ًا في ميزان اإلسالم.‬
‫عباد اهلل، وكذلك فإن بيننا اليوم ممن يقولون: إنهم مسلمون، من يستنكرون وجود صلة بين العقيدة‬
         ‫واألخالق، وبخاصة أخالق المعامالت المادية، وفي مجتمعنا الواسع أناس حاصلون على‬
                                       ‫ال‬
        ‫الشهادات العليا من بعض جامعات العالم، يتساءلون أو ً في استنكار: ما لإلسالم وسلوكنا‬
  ‫االجتماعي؟! وما لإلسالم واختالط الرجال مع النساء على الشواطئ والمنتزهات؟! وما لإلسالم‬
    ‫وتعليم العلوم الطبيعية؟! وما لإلسالم وزي المرأة في الطريق؟! وما لإلسالم والمرأة وقيادتها‬
   ‫للسيارة واختالطها بالرجال وحريتها الشخصية في سفرها بدون محرم وتصرفها في شؤونها؟!‬
        ‫وهم يتساءلون ثانيًا: بل بشدة وعنف أن يتدخل الدين في االقتصاد، وأن تتصل المعامالت‬
 ‫باالعتقاد، أو حتى باألخالق من غير اعتقاد، ويقولون: ما للدين والمعامالت الربوية؟! وما للدين‬
    ‫ن‬
‫والسياسة والحكم ؟! بل إنهم يتبجحون بأن األخالق إذا تدخلت في االقتصاد أفسدته، فال يذهب ّ بنا‬
  ‫تك ت ُرك‬                                                                          ‫ر‬
  ‫الترفع كثي ًا عن أهل مدين في تلك الجاهلية األولى، حين قالوا لنبي اهلل شعيب: أَصال ُ َ َأْم ُ َ‬
                                             ‫ؤ‬             ‫أ ن َ َ ف ول‬                  ‫أ ن ْرك م ي بد ؤ‬
                                  ‫َن َّت ُ َ َا َعْ ُ ُ ءابَا ُنَا أَوْ َن َّفْعل ِى أَمْ َاِنَا مَا نَشَ ُا [هود:28].‬
‫والعالم اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون‬
 ‫بين العقيدة وسلوك الشخص في الحياة والمعامالت المادية، تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود،‬
  ‫وبعد أن استهلكت هذه األلفاظ، أضافت الجاهلية اليوم وصفهم بالتطرف!! أليس هذا هو بعينه ما‬
    ‫يريده رافعوا شعار: "الدين هلل والوطن للجميع" من أدعياء اإلسالم من العلمانيين، الذين أفسدوا‬
                                                                               ‫البالد والعباد؟ قاتلهم اهلل أنى يؤفكون.‬
   ‫أيها المسلمون، إن من عادة المنافقين من علمانيين وحداثيين وغيرهم من المنتسبين لهذا الدين،‬
 ‫عدم اإلنكار الصريح والواضح، وعدم إظهار العداء السافر لإلسالم، وهم يتخذون سالح التلبيس‬
‫والتمويه لاللتفاف حول المسلمين، لحين المعركة الفاصلة، حتى يفاجئوا المسلمين على حين غرة،‬
‫من أجل ذلك يرفع هؤالء الزنادقة من العلمانيين وأشباههم شعارات، يحاولون بها خداع أكبر عدد‬
  ‫ممكن من المسلمين، وتهدئة قلوب القلة التي قد تفضحهم وتشوش عليهم وتكشفهم للناس، هؤالء‬
  ‫الذين يرفعون شعارات العلمانية، بينما يسعون بواقعهم العملي القتالع اإلسالم من جذوره ولكن‬
                                                                                    ‫د‬      ‫د‬
                                      ‫روي ًا روي ًا، فهم يحرصون على كل طريق يوصل لوسائل اإلعالم.‬
‫عباد اهلل، إن العلمانية التي ولدت وترعرعت في أحضان الجاهلية، لهي كفر بواح ال خفاء فيه وال‬
                               ‫د‬
    ‫ريب وال التباس، ولكن الخفاء والريب وااللتباس، إنما يحدث عم ًا من دعاة العلمانية أنفسهم،‬
    ‫ألنهم يعلمون أنه ال حياة وال اهتداء بجاهليتهم في بالد المسلمين إال من خالل راياتهم الزائفة،‬
  ‫التي تخفي حقيقة أمرهم وباطن دعوتهم عن المسلمين، وتلبس على العامة أمر دينهم وعقيدتهم،‬
    ‫بل وتحقرهم ضد إخوانهم الصادقين الداعين بحقيقة هذا الصراع، المنبهين إلى خطرهم الداهم‬
‫على الدين وأهله، ومن هؤالء ـ عباد اهلل ـ يجب التوقي والحذر، وأن ال يغتر المسلمون بكونهم‬
 ‫من بني جلدتهم ويتكلمون بلغتهم، فلقد جاء في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي اهلل‬
  ‫عنه قال: كان الناس يسألون رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر،‬
 ‫مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول اهلل، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا اهلل بهذا الخير، فهل بعد‬
    ‫هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَن))،‬
                          ‫ي‬           ‫ي ْد‬                     ‫ي‬
‫قلت: وما دَخَنه؟ قال: ((قوم َسْتَنون بغير سنتي، و َه ُون بغير هد ِي، تعرف منهم وتنكر)) فقلت:‬
  ‫هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها)) فقلت :‬
    ‫يا رسول اهلل، صفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا...)) الحديث. وفي لفظ‬
   ‫وجع ه‬                                  ‫ج‬
 ‫لمسلم: ((وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في ُثمان إنس))، ولقد صدق اهلل: َ َ َلْنَا ُمْ‬
  ‫أَئ َّ ً يدْ ُونَ َِى َّارِ َيَومَ الْ ِيا َةِ الَ ُنص ُو َ َأَتْ َعْنَا ُم ِى هذِهِ ُّنْيَا لَعْنَةً َيَو َ ال ِ َا َةِ همْ ّ َ‬
  ‫و ْم قي م ُ من‬                           ‫ي َر ن و ب ه ف َ الد‬                       ‫ِمة َ ع إل الن و ْ ق م‬
                                                                                                           ‫ب ح‬
                                                                                        ‫الْمَقْ ُو ِينَ [القصص:54، 74].‬
      ‫نسأل اهلل أن يحفظ على المسلمين دينهم، وأن يكفيهم شر األشرار، وكيد الفجار، وأن يرزقهم‬
      ‫اليقظة من إفساد المفسدين ونفاق المنافقين، وأقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولعموم‬
                                                     ‫المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين، والعاقبة للمتقين وال عدوان إال على الظالمين، أشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
 ‫م‬                                                           ‫د‬
‫ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسلي ًا‬
                                                                                                                ‫ر‬
                                                                                                              ‫كثي ًا.‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، وللمستفهم أن يقول : كيف يكون بعض المسلمين دعاة على أبواب‬
 ‫جهنم؟ فالجواب هو أنهم كذلك ببثهم الفساد واالنحراف، وإشاعة الفاحشة في مثل صور فاتنة، أو‬
   ‫مقاالت تخدش الحياء، من خالل الصحافة مثالً أو في مجال التعليم، بزرع المبادئ الهدامة بين‬
‫الطالب من خالل كوادر غير أمينة، أو من خالل منظري التطوير التعليمي في سائر البقاع، فيما‬
     ‫يقدمونه من الحد والتقليص لما يقوي صبغة اهلل في نفوس الطالب َ َنْ أَحْ َ ُ ِنَ َّهِ صبْ َ ً‬
     ‫سن م الل ِ غة‬               ‫وم‬
‫[البقرة:835]، أو التقليل من شأن العلوم الدينية، في مقابل الحرص الدؤوب على تكثيف ما عداها.‬
  ‫ويكون اإلفساد ببث أفكار تسيء إلى اإلسالم وأهله وتحارب الدعوة إليه، وتزدي الدعاة وتسخر‬
  ‫منهم، وتنادي بعزل دين الناس عن دنياهم وهذا ما طالعتنا به جريدة محلية تدعى "الوطن" وهي‬
     ‫بحق مثيرة الفتن، في عددها الصادر يوم الثالثاء قبل الماضي السادس من شهر صفر، تحت‬
‫عنوان: "دعاة ال معلمون"، لكاتب دعي حاقد على الدعوة والدعاة، سائته حراسة الفضيلة قبل ذلك‬
                                                                       ‫ب‬
      ‫فقال فيما قاله: "إن سب ًا رئيسًا أدى إلى تدني مستوى التعليم في بالدنا، وهو اهتمام كثير من‬
  ‫المؤسسات واألفراد بما يسمى "الدعوة"، فأنكر المخيمات والمعارض الدعوية، إلى أن قال: "لهذا‬
     ‫أصبحنا محاطين (بالدعوة) و(الدعاة) من كل جانب"، وينفر ممن يذكر الناس بالموت وأهمية‬
       ‫الحجاب والجهاد والتحذير من الدجال والسحر، ويستنكر أن تدخل الدعوة في علوم الطبيعة‬
  ‫والرياضيات، واتهم المناهج في بالدنا أنها هي السبب في وجود هؤالء الدعاة، وكأنها جريمة ال‬
      ‫ا‬
‫تغتفر، حيث قال: "فقد اصطبغت الكتب الدراسية جميعها بصبغة دينية"، إلى أن قال مستنكرً: "فال‬
  ‫تدرس مادة اللغة اإلنجليزية مثالً ذاتها، بل لتكون وسيلة للدعوة إلى اهلل، وتمتلئ كتب هذه المادة‬
                                                           ‫بالحديث عن اإلسالم" انتهى كالم هذا المغرض.‬
‫أيها المسلمون، إن هذا الحاقد على الدعوة والدعاة ال يعدو قدره، إال أن الواجب على كل مسلم أن‬
 ‫يقوم بما أوجب اهلل عليه من األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن دين اهلل، واإلنكار‬
  ‫على الجريدة، والرفع عنه لوالة األمر لمحاسبته وتأديبه، ليتعظ هو نفسه، وليرتدع به غيره، أما‬
  ‫أن يترك الحبل على الغارب لكل دعي جاهل ليحارب اإلسالم في أرضه، دون أن يقف من أهل‬
       ‫ِ أ‬           ‫ظك‬          ‫د ُ ِن‬
      ‫الغيرة أحد في وجهه ووجه كل من سانده و أعانه فال يسوغ أب ًا: قلْ إَّمَا أَعِ ُ ُمْ بِواحدَةٍ َن‬
              ‫ي م‬            ‫ه و ِن َ الن‬                  ‫َالله لب عل‬                    ‫َ ُر‬      ‫ق م ِله م‬
           ‫تَ ُو ُواْ لَّ ِ َثْنَى وف َادَى [سبأ:64]، و َّ ُ غَاِ ٌ ََى أَمْرِ ِ َلَاك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُونَ‬
                                                                                                     ‫[يوسف:57].‬

‫(5/8153)‬
                                                                                      ‫سالح المؤمن الدعاء‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                              ‫الدعاء والذكر‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫إبراهيم بن محمد الفارس‬
                                                                                                    ‫المجمعة‬
                                                                                              ‫جامع الجزيرة‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
‫5- فضل الدعاء ومكانته. 7- الدعاء وااللتجاء إلى اهلل سبيل النجاة عند البالء. 3- آداب الدعاء.‬
                       ‫4- مشروعية القنوت في النوازل. 1- فتوى اللجنة الدائمة في أمر القنوت.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                   ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره وال تعصوه.‬
‫عباد اهلل، إن اإليمان باهلل سبب األمن واألمان، اإليمان يجعل الخوف من اهلل وحده، وال أمان فيما‬
                            ‫ح ِال الل‬                     ‫هو‬            ‫الله و‬        ‫َّذ ن يبلغ َ ر‬
 ‫سواه: ال ِي َ ُ َّ ُون ِسَاالتِ َّ ِ َيَخْشَوْنَ ُ َالَ يَخْشَوْنَ أَ َداً إ َّ َّهَ [األحزاب:83]، ولهذا كانت‬
‫الصدور الجوفاء من اإليمان البعيدة من اهلل، مليئة بالخوف والهلع والجزع واالضطراب والحيرة.‬
‫أيها المسلمون، وإذا امتأل القلب إيماناً، عرف صاحبه ملجأه ودواءه ومفزعه وشفاءه. إن الحياة قد‬
   ‫طبعت على كدر، وقلما يسلم اإلنسان من خطر، مصائب وأمراض، حوادث وأعراض، أحزان‬
‫ا‬
‫وحروب وفتن، ظلم وبغي، هموم وغموم، إال أن اهلل تعالى لطيف بعباده رحيم بخلقه، فتح لهم بابً‬
            ‫يتنفسون منه الرحمة، وتنزل به على قلوبهم السكينة والطمأنينة، أال وهو باب الدعاء.‬
    ‫المتيقظون يلجؤون إلى حصن اإليمان وسالح الدعاء، يفرون إلى جناب اهلل تعالى، ويلتجئون‬
   ‫بحماه، يدركون أن الخالئق فقراء إلى اهلل هلْ ِنْ خَالِقٍ غَي ُ َّهِ يرز ُكمْ ّنَ َّمَاء َاألر ِ‬
   ‫ْر الل َ ْ ُق ُ م الس و ْض‬                       ‫َ م‬
‫[فاطر:3]، ومن يهدي من أضل اهلل؟ من لم يتفضل اهلل عليه بالهداية واإليمان ومغفرة الذنوب فهو‬
‫الهالك في الدنيا واآلخرة، ولقد أدركوا فيما أدركوا أن المفزع في هذا الخضم من الحيرة والتذبذب‬
       ‫ي‬                   ‫ي‬
  ‫والخوف، لقد أدركوا أن المفزع بعد اإليمان هو الدعاء، السالح الذي ُستدفع به البالء، و ُرد به‬
 ‫شر القضاء، وهل شيء أكرم على اهلل تعالى من الدعاء، كيف واهلل سبحانه يحب ذلك من عبده،‬
    ‫َ َ َب ُ‬
  ‫وانطراحه بين يديه، والتوجه بالشكوى إليه، بل أمر عباده بالدعاء ووعدهم باإلجابة: وقَال رُّكمْ‬
     ‫عن إن َر ب أج ب د و الد ِذ دع‬                        ‫عب‬            ‫وِذ‬               ‫ج ُ‬             ‫ع ن‬
  ‫ادْ ُو ِى أَسْتَ ِبْ لَكمْ [غافر:06]، َإ َا سَأَلَكَ ِ َادِي َ ّي فَِ ّي ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْ َةَ َّاعِ إ َا َ َانِ‬
                                                                                                           ‫[البقرة:685].‬
‫فكم من بلية ومحنة رفعها اهلل بالدعاء، ومصيبة كشفها اهلل بالدعاء؟ وكم من ذنب ومعصية غفرها‬
‫اهلل بالدعاء؟ وكم من رحمة ونعمة ظاهرة وباطنة استجلبت بسبب الدعاء؟ روى الحاكم والطبراني‬
‫بسند حسن عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ال يغني حذر‬
‫من قدر، والدعاء ينفع فيما نزل وفيما لم ينزل، وإن البالء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم‬
                                         ‫القيامة)) رواه الحاكم والطبراني بسند حسن وله شاهد عند أحمد.‬
‫شع ن‬               ‫ت و َ ع ر ا َره ا و ن‬                          ‫ِنه ن يس رع َ ف‬
‫والدعاء قربة األنبياء: إ َّ ُمْ كَا ُواْ ُ َا ِ ُون ِى الْخَيْرا ِ َيدْ ُونَنَا َغَبً و َ َبً َكَا ُواْ لَنَا خا ِ ِي َ‬
      ‫[األنبياء:08]، ال يهلك مع الدعاء أحد، وال يخيب من هلل رجا وقصد، عن أبي سعيد الخدري‬
‫رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم‬
  ‫وال قطيعة رحم، إال أعطاه اهلل بها إحدى ثالث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في‬
                                                                              ‫ي‬
    ‫اآلخرة، وإما أن َصْرف عنه من السوء مثلها)) قالوا: إذاً نكثر؟ قال: ((اهلل أكثر)) رواه اإلمام‬
                                         ‫أحمد والحاكم. وفي كتاب ربنا أكثر من ثالثمائة آية عن الدعاء.‬
    ‫أيها المسلمون، إن التضرع إلى اهلل، وإظهار الحاجة إليه، واالعتراف باالفتقار إليه، من أعظم‬
                                                   ‫عرى اإليمان، وبرهان ذلك الدعاء واإللحاح في السؤال.‬
‫إخوة اإلسالم، لقد مر على األمة أزمات وابتالءات ومآزق، فكان اللجوء إلى اهلل هو سبيل النجاة،‬
 ‫و َ َ س إل أ َم م ق لك‬
 ‫واهلل تعالى يبتلي الناس لترق قلوبهم، ويلجؤوا إليه بصدق وتضرع: َلَقدْ أرْ َلنَا َِى ُم ٍ ّن َبِْ َ‬
    ‫َرع و ك س قل ب ُ‬                     ‫ِ ج ُ بس‬                  ‫س و َّر َل ُ ي َرع َ‬                           ‫َ ُ‬
  ‫فَأَخذْنَاهمْ بِالْبَأْ َاء َالض َّاء لَعَّهمْ َتَض َّ ُون فَلَوْال إذْ َاءهمْ َأْ ُنَا تَض َّ ُواْ َلَا ِن قَ َتْ ُُو ُهمْ‬
    ‫[األنعام:74، 34]، ولقد كان بعض المشركين األوائل، إذ نابتهم النوائب واشتد عليهم الخطب،‬
        ‫عرفوا أي باب يطرقون، وأين يلجؤون ويهرعون، فدعوا اهلل مخلصين له الدين، وهذه أمة‬
‫اإلسالم اليوم أحوج ما تكون إلى ربها ولطفه ونصره وعطفه، واهلل سبحانه ال تأخذه سنة وال نوم،‬
  ‫وهو وحده الذي يسمع دعاء الداعين أينما كانوا، وبأي لغة تكلموا، ال يشغله سمع عن سمع، وال‬
 ‫يتبرم بكثرة الداعين وإلحاح الملحين، هو سبحانه الذي ال تشتبه عليه األصوات، وال تختلف عليه‬
   ‫الحاجات، يعلم ما في الضمائر وما تنطوي عليه السرائر، وهو الذي ينفع ويضر على الحقيقة،‬
                                                                                                ‫دون أحد من الخالئق.‬
‫أيها المسلمون، الدعاء حبل ممدود بين السماء واألرض، يقدره حق قدره عباد اهلل المخلصون، هو‬
‫الربح ظاهر بال ثمن، وهو المغنم في الدنيا واآلخرة بال عناء، هو التجارة الرابحة، يملكها الفقراء‬
                    ‫مق‬
 ‫كما يملكها األغنياء على حد سواء، يتفاوت الناس في هذه العبادة بين ُ ِل ومستكثر، بين حاضر‬
 ‫القلب وشارد الذهن، بين خاشع متأمل لما يقول، وبين قاسي القلب ال يتأثر وال يلين، وهو طريق‬
       ‫للفالح في اآلخرة، وهو سبب من أسباب السعادة في الدنيا بإذن اهلل، ذلكم هو الدعاء بل هو‬
 ‫العبادة، وهل علمت ـ أخا اإلسالم ـ أن المقصر في الدعاء من أعجز الناس، يقول النبي صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم: ((أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسالم)) هذا فضل‬
                                                                                              ‫الدعاء وأهميته.‬
  ‫وللدعاء آداب وسنن تخفى على كثير من الناس، ومعرفتها والعمل بها سبب في استجابة الدعاء‬
                                                                                              ‫بإذن اهلل، فمنها:‬
   ‫أن يبتدئ الداعي دعوته بحمد اهلل والثناء عليه، واالعتراف بتقصير العبد وحاجته إلى اهلل، وقد‬
                                                    ‫ال‬
  ‫سمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رج ً يدعو ويقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت اهلل‬
                                ‫و‬
‫ال إله إال أنت األحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كف ًا أحدا. فقال صلى اهلل عليه وسلم:‬
  ‫((لقد سألت اهلل تعالى باالسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)) رواه أبو داود، وفي‬
  ‫رواية: ((لقد سألت اهلل باسم اهلل األعظم)) وتأمل في دعاء ذي النون، إذ دعا ربه وهو في بطن‬
                                            ‫س ح إن ك ت م الظ لم‬                   ‫ال ِال‬
 ‫الحوت: َّ اله إ َّ أَنتَ ُبْ َانَكَ ِ ّى ُن ُ ِنَ َّاِ ِينَ [األنبياء:28]، ((لم يدع بها رجل مسلم في‬
                                             ‫شيء قط إال استجاب اهلل له)) رواه الحاكم بإسناد صحيح.‬
      ‫وإذا كان هذا الثناء على اهلل تعالى في بدء الدعاء، فإن من سننه ختمه بالصالة والسالم على‬
       ‫رسول اهلل ففي صحيح الجامع: ((كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي صلى اهلل عليه‬
    ‫وسلم)) فالعمل بهاتين السنتين أرجى للقبول، وأدعى لفتح أبواب السماء. ومن سنن الدعاء أن‬
      ‫يختار الداعي األوقات الفاضلة، فقد سئل النبي صلى اهلل عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ قال:‬
  ‫((جوف الليل اآلخر، ودبر الصلوات المكتوبات)) رواه الترمذي. وإن في يوم الجمعة ساعة، ال‬
                                                       ‫شيئ‬
                                      ‫يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل اهلل ًَّا إال أعطاه إياه.‬
‫ومن آداب الدعاء، بل هو من أهم اآلداب وهو: حضور القلب وخشوعه هلل، ومعرفة ما يدعو به،‬
     ‫فإن الغافل الالهي تتحرك شفتاه بالدعاء وقلبه مشتغل بأمر آخر، وأنى لهذا الدعاء أن يصعد‬
   ‫َر خ ي ِنه ي ِب م تد ن‬                                 ‫ع ْ َبك‬
   ‫للسماء، والحق يرشدنا إلى هذا األدب ويقول: ادْ ُوا رَّ ُمْ تَض ُّعًا وَ ُفْ َةً إ َّ ُ الَ ُح ُّ الْ ُعْ َ ِي َ‬
 ‫[األعراف:11]، ويقول عليه الصالة والسالم: ((ادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة، واعلموا أن اهلل‬
                                                                   ‫ه‬
                                                   ‫ال يستجيب دعاء من قلب غافل ال ٍ)) رواه الترمذي.‬
  ‫ومن آداب الدعاء وسننه: أن يستقبل القبلة ويكون على طهارة، فذلك أقرب للقبول، وإن لم يكن‬
                                                                        ‫م‬      ‫ط‬
     ‫ذلك شر ًا الز ًا، فيمكن أن يدعو المرء على كل حال، وفي أي اتجاه كان، لكن إن تيسر له‬
      ‫االستقبال وكان على وضوء، فهو أولى وأحرى، ومن آداب الدعاء: أن يعزم الداعي الدعاء‬
  ‫ويوقن باإلجابة، قال سفيان بن عيينة رحمه اهلل: ال يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه،‬
          ‫ِن من‬              ‫ظ ن إل ْم ي عث َ‬
          ‫فإن اهلل تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال: فَأَن ِرْ ِى َِى يَو ِ ُبْ َ ُون قَالَ فَإ َّكَ ِ َ‬
                                                                                                  ‫م ر‬
                                                                               ‫الْ ُنظَ ِينَ [الحجر:63، 23].‬
     ‫ومن آداب الدعاء عدم التكلف فيه، وخفض الصوت وتكراره ثالثًا، واإللحاح فيه والدعاء في‬
   ‫الرخاء، إذ هو سبب لقبول الدعاء في حال الشدة والضر، ويبقى بعد ذلك أمر مهم وهو معرفة‬
   ‫موانع االستجابة للدعاء ليتجنبها، ومن أبرز أسباب عدم قبول الدعاء: المطعم الحرام، والملبس‬
 ‫الحرام، واالستعجال في الدعاء، والتوقف عنه، يقول صلى اهلل عليه وسلم: ((يستجاب ألحدكم ما‬
‫لم يعجل يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي)) وفي رواية لمسلم: قيل: يا رسول اهلل ما االستعجال؟‬
    ‫قال: ((يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)).‬
 ‫أيها المسلمون، وبعد التذكير بهذه العبادة العظيمة، نجد أنفسنا بحاجة إليها في كل وقت وحين، ال‬
                                         ‫م َي‬
 ‫سيما في زماننا هذا، الذي نرى فيه حربًا عقدية ُس َّسة، كلما انطفأت في بقعة من بالد المسلمين‬
‫اشتعلت في بقعة أخرى، والهدف منها يعرفه كل من له أدنى بصيرة، أال وهو طمس الهوية وإبادة‬
     ‫الشعوب المسلمة، وأرض العراق شاهدة حاضرة، ال تحتاج إلى سرد أدلة وال إظهار براهين‬
    ‫خافية، فيا أخا اإلسالم ما موقفك؟ وأي جهد قدمته إلخوانك؟ فإن أعوزك المال وليس كل أحد‬
  ‫يعوزه، ففي اللسان والقلب متسع للدعوة والدعاء، والحب والنصرة للمسلمين، والبغض والمعادة‬
  ‫للكافرين، ال يسوغ لك بحال أن تسمع أخبار المسلمين في تلك البالد وغيرها، وكأنها ال تعنيك،‬
    ‫ابدأ بنفسك في إصالحها، وجاهد قلبك ونفسك ولسانك بالدعاء إلخوانك، وال تنس تذكير أهلك‬
   ‫وزوجك وأبنائك بعبادة الدعاء في صالتهم وقنوتهم وسجودهم، في جميع أحوالهم، فرب أشعث‬
                                                                                     ‫طر‬
                                          ‫أغبر ذي ِمْ َين، مدفوع باألبواب، لو أقسم على اهلل ألبره.‬
  ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ُوَ ال ِى ي ِيكمْ ءا َا ِهِ َ ُنز ُ لَ ُم ّنَ َّ َاء رزْقاً َ َا َتَذَك ُ إ َّ‬
  ‫ه َّذ ُر ُ ي ت وي َ ّل ك م السم ِ وم ي َّر ِال‬
                                         ‫ك فر‬                  ‫م ين ُ ع الل م لص ه د ن و‬
     ‫َن ُ ِيب فَادْ ُواْ َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ال ّي َ َلَوْ كَرِهَ الْ َا ِ ُونَ [غافر:35، 45]، نفعني اهلل وإياكم‬
           ‫بهدي كتابه وسنة نبيه محمد صلى اهلل عليه وسلم، وألهمنا الدعاء والتسبيح واالستغفار.‬
                                                                            ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل...‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل الواحد القهار، المتصرف في خلقه بما يشاء ويختار، يقبض ويبسط ويرفع ويخفض،‬
   ‫يجعل بعض خلقه لبعض فتنه، وله في كل تصريف حكمة، وفي كل محنة على المؤمن منحة،‬
                                       ‫د‬
                         ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله.‬
‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، إن الناس جميعًا ـ وأخص المسلمين منهم ـ يعيشون هذه األيام نازلة‬
‫حلت ببالد من بلدانهم، وشعب من بني جلدتهم، تسلط عليهم حاكم جائر، سلب أموالهم وأثخن فيهم‬
                                                             ‫ن‬      ‫ر‬              ‫ال‬
   ‫قت ً وتعذيبًا وأس ًا وسج ًا، ثم تحالفت عليهم بسببه علوج النصارى الحاقدين، فأصبحت أرض‬
                                                                             ‫ن‬
         ‫العراق ميدا ًا لتجريب أسلحتهم، فكان التدمير والخراب وال يزال، ولذا أصبح القنوت في‬
                                                                         ‫ع‬
 ‫الصلوات مشرو ًا في حق كل إمام، وإذا لم يقنت إمام المسجد في هذه النازلة فمتى يقنت إذن؟؟‬
     ‫ولذا يحسن التذكير بأحكامه، وقد بينت اللجنة الدائمة لإلفتاء شيئًَّا منه، والفتوى برقم 67807‬
                                                                        ‫وتاريخ 67/4/0745هـ إذ قالت:‬
                                                                                  ‫ال‬
  ‫أو ً: القنوت في النوازل العارضة التي تحل بالمسلمين من األمور المشروعة في الصالة، وهو‬
 ‫من السنن الثابتة والمستفيضة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم، في الصحيحين وغيرهما من كتب‬
   ‫ال‬
   ‫السنة، فعن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: بعث الرسول صلى اهلل عليه وسلم سبعين رج ً‬
      ‫ر مع‬          ‫ي ل‬                       ‫ر‬
  ‫لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم: ِعْل وذَكْوان عند بئر ُقا ُ لها: بئ ُ َ ُونة،‬
                                                ‫نم‬                                 ‫م‬
‫فقال القو ُ واهلل ما إياكم أردنا، وإنما نح ُ ُجتازون في حاجة النبي صلى اهلل عليه وسلم فقتلوهم،‬
                                                   ‫ً‬
 ‫فدعا النبي صلى اهلل عليه وسلم شهرا في صالة الغداة، وعن أبي هريرة وأنس رضي اهلل عنهما‬
‫أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قنت بعد الركعة في صالة شهراً إذا قال: سمع اهلل لمن حمده، يقول‬
   ‫في قنوته: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة،‬
     ‫اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين‬
                                ‫كسني يوسف)) إلى غير ذلك من األحاديث الكثيرة والمشهورة.‬
‫ثانيًا: المقصود بالنوازل التي يشرع فيها الدعاء في الصلوات؛ هو ما كان متعلقًا بعموم المسلمين،‬
  ‫كاعتداء الكفار على المسلمين، والدعاء لألسرى، وحال المجاعات، وانتشار األوبئة، وغيرها...‬
           ‫ثالثًا: قنوت النوازل يكون بعد الركوع من آخر ركعة في الصالة، وفي جميع الصلوات‬
‫المفروضات، جهرية كانت أو سرية، وآكد ذلك في صالة الفجر، فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما‬
                                                                   ‫قال: (قنت رسول اهلل صلى‬
                                                                    ‫ر‬
   ‫اهلل عليه وسلم شه ًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصالة الصبح، في دبر كل‬
    ‫صالة، إذا قال: سمع اهلل لمن حمده، من الركعة اآلخرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على‬
                                                              ‫ِعْل وذكوان و ُص َّة، ويؤم‬
                        ‫ِّن من خلفه) خرجه اإلمام أحمد وأبو داود.‬     ‫ع َي‬              ‫ر‬
  ‫رابعًا: ليس هناك دعاء معين يدعى به في النوازل، بل يدعوا المسلمون في كل وقت ما يناسب‬
‫حالهم في النازلة، ومن دعا في النوازل بدعاء قنوت الوتر الوارد: اللهم اهدنا فيمن هديت ... الخ‬
    ‫فقد خالف السنة ولم يأت بالمقصود، ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم لم يقنت في النازلة بذلك،‬
                                                        ‫وإنما كان يعلمه الناس في دعاء الوتر.‬
               ‫خامسًا: قنوت النوازل مشروع من حين وقوع النازلة، ويستمر إلى حين انكشافها.‬
  ‫سادسًا: على أئمة المساجد ـ وفقهم اهلل ـ االجتهاد في معرفة السنة، والحرص على العمل بها‬
       ‫و‬
   ‫في جميع األمور، فالناس بهم يقتدون، وعنهم يأخذون، فالحذر الحذر من مخالفة السنة غل ًا أو‬
                                                                                       ‫ر‬
                                                                                     ‫تقصي ًا.‬
         ‫ومن ذلك الدعاء في قنوت الوتر والنوازل، فالمشروع الدعاء بجوامع الكلمات، واألدعية‬
    ‫والواردة، في حال من السكون والخشوع، وترك اإلطالة واإلطناب، والمشقة على المأمومين،‬
                        ‫وعلى اإلمام أن ال يقنت إال في النوازل العامة. والحمد هلل رب العالمين.‬

‫(5/0653)‬
                                                                                        ‫أسباب محبة اهلل تعالى (5)‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                              ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                      ‫أعمال القلوب, اهلل عز وجل‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫عبد اهلل بن علي الهزاني‬
                                                                                                               ‫الرياض‬
                                                                                                       ‫07/05/7745‬
                                                                                            ‫جامع رياض الصالحين‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- المحبة الصادقة تستلزم الطاعة واالنقياد التام. 7- قراءة القرآن بتدبر من أعظم األسباب‬
   ‫الجالبة لمحبة اهلل تعالى. 3- النوافل تكمل نواقص الفرائض. 4- دوام ذكره تعالى سب لرفعة‬
  ‫الدرجات. 1- عند نزعات الهوى تظهر المحبة الصادقة. 6- معرفة اهلل تعالى تحصل بمطالعة‬
                                  ‫أسمائه سبحانه وصفاته. 2- على قدر المحبة تكون الطاعة والعبادة.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                              ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها الناس، واعبدوا ربكم الذي خلقكم وإليه ترجعون.‬
  ‫عباد اهلل، إن هذه األجساد التي نحملها، واألعضاء التي نحركها، ال يمكن أن نسيرها إال بمشيئة‬
   ‫اهلل تعالى، ثم بحسب مشاعرها التي تكنها بين جنباتها، فهي للمشاعر تبع، وال يمكن أن تعرف‬
              ‫ي‬      ‫ّ‬
                     ‫ث‬                                                                    ‫م‬
 ‫ُحبًا لشيء وال مبغضًا له إال بفعله تجاهه وموقفه منه، ال بكالمه وإن ك ّره وز ّنه وحلف عليه،‬
                                                                              ‫ا‬
‫والعمل كثيرً ما تلحقه اآلفات والنقائص، أما إذا استجمع العبد في قلبه محبة صادقة خالصة دائمة‬
      ‫هلل ورسوله، فإن ذلك يعوض نقصان عمله، فالمحبة يزكو بها العمل ويبارك بها في الجهد،‬
                                                                                  ‫والعمل برهانها ودليل وجودها.‬
             ‫واسمع ـ يا رعاك اهلل ـ إلى هذا الحديث الصحيح، الذي أخرجه البخاري ومسلم في‬
   ‫َن ج َ الن ِي َل الل ع ه وسَّم‬
   ‫صحيحيهما، ورواه الصحابي الجليل أنس بن مالك : أ َّ رَ ُال سَألَ َّب َّ صَّى َّه َلَيْ ِ َ َل َ‬
         ‫إ َن أ ِب الل‬                                    ‫وم ذ ْ َ‬                ‫مت الس عة‬             ‫ع الس عة‬
       ‫َنِ َّا َ ِ: فَقَالَ َ َى َّا َ ُ؟ قَالَ: (( َ َا َا أَعددْتَ لَهَا؟)) قَالَ: ال شَيْءَ ِال أ ِّي ُح ُّ َّهَ‬
     ‫ب ٍ َرح‬                 ‫س م‬                       ‫ب‬        ‫عم‬                       ‫َرس ه َل الل ع ه وسَّ َ‬
  ‫و َ ُولَ ُ صَّى َّه َلَيْ ِ َ َلم فَقَالَ: ((أَنْتَ مَ َ َنْ أَحْ َبْتَ))، قَالَ أَنَ ٌ: فَ َا فَرِحْنَا ِشَيْء ف َ َنَا‬
       ‫أ ِب الن ِي َل الل‬            ‫س‬                  ‫ب‬        ‫مع م‬            ‫الن ِي َل الل ع وسَّم‬
      ‫بِقَوْلِ َّب ِّ صَّى َّه َلَيْهِ َ َل َ: ((أَنْتَ َ َ َنْ أَحْ َبْتَ)) قَالَ أَنَ ٌ: فَأَنَا ُح ُّ َّب َّ صَّى َّه‬
          ‫لِ‬        ‫َ بم ْل‬          ‫ك ن مع ُ ب ُب ِي ُ وإ َ‬                      ‫ع ه وسَّم و ب ْر وع َر وَ ج‬
‫َلَيْ ِ َ َل َ َأَبَا َك ٍ َ ُم َ، َأرْ ُو أَنْ أَ ُو َ َ َهمْ ِح ِّي إ َّاهمْ، َِنْ لمْ أَعْملْ ِ ِث ِ أَعْمَاِهمْ، فلماذا‬
         ‫فرح الصحابة يا ترى بهذا الحديث من رسول اهلل كل هذا الفرح بعد فرحهم بدين اإلسالم؟‬
 ‫ذلك أنهم عرفوا بأن الصدق في محبة اهلل تعالى ورسوله ، يدرك بها المرء منزلة عالية عند اهلل،‬
 ‫قلما توصل إليها األعمال، فمحبة اهلل عز وجل رأس كل أمر، وهي كما قال ابن القيم رحمه اهلل:‬
  ‫"قوت القلوب وغذاء األرواح، وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة األموات،‬
                                                                 ‫والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات".‬
   ‫ولكن ينبغي لك ـ أيها المسلم المبارك ـ أن تستيقظ وتنتبه، وتعلم أن هذه المحبة هلل ال تنفصل‬
  ‫عن العمل، بل العمل ثمرة من ثمارها، فالمحب ال يستغني عن طاعة محبوبه، فكما أن كل عمل‬
  ‫ي ع‬                                      ‫ُد‬
 ‫يؤدى بال محبة ال روح فيه، فكذلك كل محبة ت ّعى بغير عمل ال صدق فيها، بل كل إيمان ُز َم‬
‫بدون محبة وال عمل فال حقيقة له، قال ابن تيمية رحمه اهلل: "محبة اهلل ورسوله من أعظم واجبات‬
‫اإليمان والدين، كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال اإليمان والدين، فجميع األعمال اإليمانية‬
        ‫الدينية ال تصدر إال عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة اهلل ورسوله".‬
                        ‫ص‬
‫فإذا أردت ـ أيها العبد ـ أن تبرهن على صدق محبتك هلل، وأن تح ّل أصل تلك المحبة، فال بد‬
     ‫لك من العمل، بل إذا أردت أن ترقى أعلى من منزلة المحب هلل، إلى منزلة المحبوب من اهلل،‬
     ‫فعليك بالعمل في طاعة اهلل، فبدون العمل لن يكون لديك كبير أمل، وقد جمع لك اإلمام الهمام‬
                                            ‫ر‬
‫شمس الدين بن قيم الجوزية رحمه اهلل آللئ عش ًا من األعمال الصالحة، واألسباب الجالبة لمحبة‬
     ‫اهلل تعالى، والتي ترفع مقامك عند اهلل عز وجل، وقد نظمها لك في عقد لعلك تتزين به ظاهرً‬
     ‫ا‬
                                                                                    ‫ن‬
 ‫وباط ًا، وإليك هذا العقد فاجعله حول عنقك تزهو به بين العباد، إن كنت من الباحثين عن الترقي‬
     ‫في مدارج السالكين إلى ربهم، وإن كنت من الذين يسمعون وال يعقلون، وال يدركون أنهم هم‬
  ‫المعنيون، فال أملك لك من اهلل شيئاً، إن أراد اهلل أن يحول بينك وبين ذلك، فأعرني ـ يا هذا ـ‬
‫سمعك وقلبك، وانتبه من نعاسك، فإنك في مجلس يحبه اهلل تعالى، وإليك أول لؤلؤة من ذلك العقد:‬
   ‫قراءة القرآن بتدبر وتفهم لمعانيه وما أريد به، وأن تعلم أن ما تقرؤه ليس من كالم البشر، وأن‬
  ‫تستحضر عظمة المتكلم به، قال ابن الصالح: "قراءة القرآن كرامة أكرم اهلل بها البشر، فقد ورد‬
                                                                      ‫ي‬
  ‫أن المالئكة لم ُعطوا ذلك، وأنها حريصة على استماعه من اإلنس". واعلم ـ حفظك اهلل ووقاك‬
                                ‫ال‬
‫ـ أن قراءة القرآن شرف لك ما بعده شرف، لهذا فإن رج ً من أصحاب النبي استجلب محبة اهلل‬
    ‫بتالوة سورة واحدة، فتدبرها وأحبها، وهي سورة اإلخالص التي فيه صفة الرحمن جل وعال،‬
     ‫فظل يرددها في صالته، فلما سئل عن ذلك قال: (ألنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرا بها)‬
‫فقال النبي : ((أخبروه أن اهلل يحبه)) البخاري ومسلم. قال عبد اهلل بن مسعود : (من أحب القرآن‬
                                                                                             ‫فهو يحب اهلل ورسوله).‬
    ‫ح ن‬
    ‫وهاك اللؤلؤة الثانية: التقرب إلى اهلل بالنوافل بعد الفرائض، وإليكم هذا الحديث، فعن طَلْ َةَ بْ َ‬
  ‫ي مع‬         ‫ل ج َ جل إ رس الل َل الل ع ه وسَّم م ْل ْد ِ الر‬
  ‫عبيد اهلل قا ُ: َاء رَ ُ ٌ ِلَى َ ُولِ َّهِ صَّى َّهم َلَيْ ِ َ َل َ ِنْ أَه ِ نَج ٍ، ثَائرَ َّأْسِ، ُسْ َ ُ‬
      ‫َ رس ل الل َل الل‬           ‫م‬           ‫ِي ص ته و ي ه يق ل َت د ِذ ه ي َل ع‬
    ‫دَو ُّ َوْ ِ ِ َال ُفْقَ ُ مَا َ ُو ُ، ح َّى َنَا فَإ َا ُوَ َسْأ ُ َنِ اإلسْال ِ، فَقَال َ ُو ُ َّهِ صَّى َّهم‬
    ‫َوع‬             ‫إ‬               ‫ه عَي ْره‬                    ‫ْم َالل ة‬            ‫س صو ٍ ف‬            ‫ع ه وسَّم‬
  ‫َلَيْ ِ َ َل َ: ((خَمْ ُ َلَ َات ِي الْيَو ِ و َّيْلَ ِ)) فَقَالَ: َلْ َل َّ غَي ُ َا؟ قَالَ: ((ال ِال أَنْ تَط َّ َ))‬
  ‫إ أ‬                ‫ه عَي ْره‬                  ‫َ رس ل الل صل الل ع ه وسَّم وص ُ رم ن‬
‫قَال َ ُو ُ َّهِ ََّى َّهم َلَيْ ِ َ َل َ: (( َ ِيَام َ َضَا َ)) قَالَ: َلْ َل َّ غَي ُ ُ؟ قَالَ: ((ال ِال َنْ‬
      ‫َ عَي ره ل‬                         ‫ُ رس ل الل َل الل ع ه و َل الز ة‬                       ‫َ‬          ‫َوع‬
‫تَط َّ َ)) قَالَ: وذَكَرَ لَه َ ُو ُ َّهِ صَّى َّهم َلَيْ ِ َسَّمَ َّكَا َ، قَالَ: هلْ َل َّ غَيْ ُ َا؟ قَا َ: ((ال‬
     ‫رس ل الل‬         ‫َز د عل َ و قص‬                   ‫َ الر ُل وهو ق ل َالل‬                        ‫َوع‬             ‫إ‬
   ‫ِال أَنْ تَط َّ َ)) قَالَ: فَأَدْبرَ َّج ُ َ ُ َ يَ ُو ُ: و َّه ال أ ِي ُ ََى هذَا َال أَنْ ُ ُ، قَالَ َ ُو ُ َّهِ‬
                                                                       ‫َل الل ع وسَّم َ إ َ‬
                                                  ‫صَّى َّهم َلَيْهِ َ َل َ: ((أفْلَحَ ِنْ صدَقَ)) البخاري ومسلم.‬
       ‫ل‬                ‫ع ب هر ْ‬
       ‫واستمع إلى هذا الحديث الذي فيه بشارة للمتقرب إلى اهلل بالنوافل: َنْ أَ ِي ُ َيرَةَ قَالَ: قَا َ‬
 ‫َ ُو ُ َّهِ صَّى َّه َلَيْهِ َ َل َ: ((إ َّ َّه قَالَ: َنْ عَادَى ِي َل ًّا فَقدْ آذَنْ ُ ُ بِالْ َرْ ِ، َمَا تَق َّ َ‬
 ‫ل وِي َ ته ح ب و َرب‬                                          ‫م‬        ‫رس ل الل َل الل ع وسَّم ِن الل َ‬
    ‫َب إَي ِم ر ت ع ه و َز ل ع ْد ي َرب إَي ِالنو ِل َت أ ِبه‬                                                ‫إَي ع ْ ب‬
   ‫ِل َّ َبدِي ِشَيْءٍ أَح َّ ِل َّ م َّا افْتَ َضْ ُ َلَيْ ِ، َمَا ي َا ُ َب ِي َتَق َّ ُ ِل َّ ب َّ َاف ِ ح َّى ُح َّ ُ،‬
  ‫ِذ ب ته ك ت س عه َّذ ي ع ب وب َ ه َّذ ي ِر ب و َده الت ي ش به َ له الت‬
 ‫فَإ َا أَحْ َبْ ُ ُ ُنْ ُ َمْ َ ُ ال ِي َسْمَ ُ ِهِ، َ َصرَ ُ ال ِي ُبْص ُ ِهِ، َي َ ُ َّ ِي َبْطِ ُ ِ َا، ورِجَْ ُ َّ ِي‬
   ‫عله َر ُّد‬                     ‫ع ن ع َنه وم َ َد ت ع‬                         ‫ط َنه و ئ‬            ‫ن‬          ‫ي ش ب وإ‬
  ‫َمْ ِي ِهَا، َِنْ سَأَلَ ِي ألعْ ِي َّ ُ، َلَ ِنِ اسْتَ َاذَ ِي أل ِيذ َّ ُ، َ َا تر َّدْ ُ َنْ شَيْءٍ أَنَا فَا ُِ ُ ت َد ِي‬
                                                           ‫م من ي ه م و ْ ه مس ء ه‬                                           ‫ع‬
                                                ‫َنْ نَفْسِ الْ ُؤْ ِ ِ، َكْرَ ُ الْ َوْتَ َأَنَا أَكرَ ُ َ َا َتَ ُ)) البخاري.‬
‫ومن فوائد النوافل ـ أصلحني اهلل وإياك ـ أنها تجبر النقص في الفرائض: كما صح في الحديث:‬
                                                          ‫فيكم‬
          ‫((انظروا هل لعبدي من تطوع َّل بها ما أنتقص من الفريضة)) وتقربك من محبة اهلل.‬
      ‫أخي المبارك، أود هنا أن أعطيك اللؤلؤة الثالثة فهل أدركت ما سبقها؟ أال وهي دوام ذكر اهلل‬
  ‫تعالى على كل حال، باللسان والقلب والعمل، فنصيبك من المحبة على قدر نصيبك من الذكر هلل‬
 ‫هر ْ َنه س رس الل َل الل ع ه وسَّ ثر ع َب َز و َل‬
 ‫تبارك وتعالى، عن أبي ُ َيرَةَ أ َّ ُ َمِعَ َ ُولَ َّهِ صَّى َّه َلَيْ ِ َ َلمَ يَأْ ُ ُ َنْ ر ِّهِ ع َّ َج َّ‬
   ‫أ َّه قَالَ: ((أَنَا مَعَ َب ِي مَا ذَك َ ِي َتَح َّكَتْ ِي شَفَتَا ُ)) رواه أحمد. و َنْ أَ ِي ه َيْ َةَ أَن ُق َا َ‬
   ‫ع ب ُر ر َّ ف َر ء‬                             ‫ه‬          ‫َرن و َر ب‬                  ‫ع ْد‬                     ‫َن ُ‬
 ‫الْ ُهَا ِ ِينَ أَتَوْا َ ُولَ َّهِ صَّى َّه َلَيْ ِ َ َلم فَقَاُوا: ذَ َبَ أَه ُ ُّ ُو ِ بِالد َجَاتِ الْ ُلَى و َّعِي ِ‬
 ‫ع َالن م‬                ‫ْل الدث ر َّر‬           ‫ه‬       ‫رس الل َل الل ع ه وسَّ َ ل‬                           ‫م جر‬
         ‫ص م وي ص َّق ن و‬               ‫ل ي َل ن م ن َل ويص م ن‬                     ‫و ذك‬                        ‫م‬
      ‫الْ ُقِيمِ، فَقَالَ: (( َمَا َا َ؟)) قَاُوا: ُصُّو َ كَ َا ُصِّي، َ َ ُو ُو َ كَمَا نَ ُو ُ، َ َتَ َد ُو َ َلَا‬
‫نَتَص َّ ُ، َ ُعْ ِ ُو َ َلَا ُعْتِ ُ، فَقَال َ ُو ُ َّهِ صَّى َّه َلَيْ ِ َ َل َ: ((أفَال ُعِّ ُ ُمْ شَي ًَّا تدْ ِ ُو َ ِ ِ‬
‫َ رس ل الل َل الل ع ه وسَّم َ أ َلمك ْئ ُ رك ن به‬                                       ‫َدق وي تق ن و ن ق‬
           ‫ص ُ‬          ‫م سب ُ و بق به م ب ْد ُ و يك ن َد َ م ُ ِل م ص م ْ‬
      ‫َنْ َ َقَكمْ، َتَسْ ِ ُونَ ِ ِ َنْ َع َكمْ، َلَا َ ُو ُ أَح ٌ أَفْضلَ ِنْكمْ إَّا َنْ َنَعَ ِثلَ مَا َنَعْتمْ؟))‬
     ‫و ث َرة‬                         ‫ت َبح وت ِّر ن و َد د ُر ُل ص‬                            ‫ل بل ي رس الله‬
   ‫قَاُوا: ََى َا َ ُولَ َّ ِ، قَالَ: (( ُس ِّ ُونَ َُكَب ُو َ َتَحْم ُونَ ُب َ ك ِّ َلَاةٍ ثَلَاثًا َثَال ِينَ م َّ ً))‬
           ‫ي‬
     ‫البخاري. وجاء رجل إلى رسول اهلل فقال: يا رسول اهلل إن شرائع اإلسالم كثرت عل ّ، فباب‬
                               ‫نتمسك به جامع، فقال : ((ال يزال لسانك رطباً من ذكر اهلل)) رواه أحمد.‬
  ‫وإني على يقين أنك في لهفة وشوق إلى الحصول على اللؤلؤة الرابعة لنظمها مع أخواتها، فهاك‬
      ‫إياها نفع اهلل بها قلبك وأقر بها عينك: إيثار محابه تعالى على محابك عند نزعات الهوى، إي‬
   ‫إيثار رضى اهلل على رضى غيره وإن كانت نفسك، وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن،‬
                                                                       ‫الط‬
‫وضعف عنه َّول والبدن، وإن كان في ذلك ما يغضب الخلق، وهذه درجة عالية حازها األنبياء‬
  ‫صلوات اهلل وسالمه عليهم، وأولي العزم من أتباعهم، فالعبد الكيس الفطن ال يعطي لنفسه العنان‬
  ‫أينما توجهت به اتجه، وما اشتهت اشتهى، وثبت عنه أنه قال: ((المجاهد من جاهد نفسه في اهلل‬
                                                                                   ‫عز وجل)).‬
                                                                                    ‫قال الناظم:‬
                              ‫إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت …ولم ينهها تاقت إلى كل باطل‬
                                   ‫وساقت إليه اإلثم والعار الذي……دعته إليه من حالوة عاطل‬
                                                                                   ‫وقال اآلخر:‬
                            ‫فخالف هواها واعصها فمن يطع ……هوى نفسه تنزع به شر منزع‬
                                                         ‫تْ‬
                            ‫ومن يطع النفس اللجوجة ُردِه ……وترم به في مصرع أي مصرع‬
     ‫والسبب الخامس من األسباب الجالبة لمحبة اهلل تعالى تلك اللؤلؤة الثمينة وهي: مطالعة القلب‬
          ‫ألسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ومشاهدة آثارها ومعرفتها في الكون واألنفس، وسائر‬
‫المخلوقات، فمن عرف اهلل بأسمائه وصفاته أحبه اهلل ال محالة، والمعرفة ـ أيها المسلمون ـ هي‬
    ‫إدراك الشيء على حقيقته، وهي أخص من العلم وضدها اإلنكار، والعارف باهلل هو من عرفه‬
      ‫بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق اهلل في معاملته، ثم أخلص في قصده ونيته، ثم انسلخ من‬
  ‫األخالق الرديئة، وتطهر من أوساخ الذنوب والرذيلة، ثم صبر على أحكام اهلل في نعمه وبالئه،‬
                                                                                   ‫قال الشاعر:‬
                                  ‫تأمل سطور الكائنات فإنها ……من الملك األعلى إليك رسائل‬
                                ‫وقد خط فيها لو تأملت خطها ……أال كل شيء ما خال اهلل باطل‬
                                  ‫تشير بإثبات الصفات لربها ……فصامتها يهدي ومن هو قائل‬
       ‫هذه جواهر خمس من األسباب العشرة الموجبة لمحبة اهلل تعالى، وهي بحق تستحق العناية‬
                           ‫والرعاية، ألن فالحك وفوزك ـ أيها العبد ـ متوقف عليها بإذن اهلل.‬
      ‫نفعني اهلل وإياكم بما سمعنا، ورزقني وإياكم محبته والصدق في ذلك، بارك اهلل لي ولكم في‬
                                                                              ‫القرآن العظيم ...‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين، وال عدوان إال على الظالمين، وأشهد أن ال إله إال اهلل الواحد الحق المبين،‬
         ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله األمين، صلى اهلل وسله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين‬
                               ‫ا ر‬
                             ‫الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمً كثي ًا.‬
        ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، عليكم بتقوى اهلل فإنها لكم وجاء وحصن حصين، تزينوا بها تفلحوا.‬
 ‫أيها المسلمون، يقول الرسول صلى اهلل عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ثالث من كن فيه وجد‬
‫حالوة اإليمان: أن يكون اهلل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء ال يحبه إال هلل، وأن‬
    ‫يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار)) البخاري، وهذه صفات عالية المطلب،‬
                                                                        ‫ا‬
                           ‫يحدو لها القلب طربً وشوقًا، فمحبة اهلل أسمى المنى وأغلى المطالب.‬
‫عباد اهلل، إن تلك لمرتبة العالية: (وهي أن يجد المرء حالوة اإليمان باهلل في قلبه) إنه بقدر محبتك‬
 ‫هلل تكون استجابتك ومحبتك لتنفيذ ما أمر به اهلل، وما تفريطك في بعض ما أمر به، إال لنقص في‬
                                                  ‫محبتك هلل علمت ذلك أو لم تعلم. قال الشاعر:‬
                                    ‫تعصي اإلله وأنت تزعم حبه …هذا لعمري في القياس بديع‬
                                       ‫لو كان حبك صادقا ألطعته …إن المحب لمن يحب مطيع‬
                   ‫ا‬        ‫ا‬          ‫ا‬         ‫ا‬
‫فيا عبد اهلل، انظر في نفسك إذا أحببت إنسانً، أو طعامً، أو مركوبً أو ملبسً، فإنك تكثر من ذكره‬
      ‫وطاعته واستعماله والتردد عليه، ودوام حضوره على لسانك وقلبك، فكيف بمحبة اهلل تعالى‬
  ‫عندك، فإن القول الذي ال يصدقه عمل، قول مردود على صاحبه، وهو في صدقه منه في حل،‬
 ‫فاربأ بنفسك وقد صنعك اهلل لنفسه أن تعطي نفسك لغيره، عليك بما أمر اهلل يحبك اهلل، وإن كنت‬
  ‫ترى نفسك غنيًا عن هذه المحبة، فيا لبؤسك وشقائك في الدنيا واآلخرة، فعليك بالعمل وتزود ما‬
                                                                     ‫ل‬
                                                   ‫دمت في دار العمل، وتعّم واعمل يحبك اهلل.‬

‫(5/5653)‬




                                                                     ‫أسباب محبة اهلل تعالى (7)‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                             ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                   ‫أعمال القلوب, اهلل عز وجل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد اهلل بن علي الهزاني‬
                                                                                       ‫الرياض‬
                                                                                ‫27/05/7745‬
                                                                        ‫جامع رياض الصالحين‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- التأمل في نعمه تعالى موجب لتعلق القلب به سبحانه. 7- الخشوع الصادق كيف يكون؟ 3-‬
     ‫قيام الليل من أسباب محبة اهلل تعالى لعبده. 4- الصحبة الصالحة تعين العبد على الخير. 1-‬
                                                                            ‫معنى القلب السليم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
   ‫ال‬
   ‫أما بعد: فاتقوا اهلل ـ أيها المسلمون ـ واعلموا أن التقوى عمل القلب والجوارح، وليست قو ً‬
                                 ‫باللسان أجوف، بل هي مخافة القلب من اهلل، ومراقبة القلب هلل.‬
‫عباد اهلل، تسعد وإياكم في هذه الجمعة بمعرفة خمس آللئ من األسباب العشرة الموجبة لمحبة اهلل‬
                                              ‫تح‬           ‫تح‬
‫تعالى، إذ الشأن كله أن ُ َب وليس أن ُ ِب فقط، كما قال المولى عز وجل عن عبادة المخلصين‬
                 ‫رض َّه ع ُ ورض ع ه‬
  ‫له القائمين له بما أوجب حيث أحبوا ربهم فأحبهم َّ ِىَ الل ُ َنْهمْ َ َ ُواْ َنْ ُ [المائدة:855]،‬
      ‫داعياً ربي القريب المجيب أن ينفعني وإياكم بها، وأن يجعلني وإياكم من العالمين العاملين.‬
 ‫أيها المسلمون، إن اللؤلؤة السادسة هي: مشاهدة بره عز وجل وإحسانه، وآالئه الباطنة والظاهرة‬
  ‫فيك وعليك أيها اإلنسان وفي الكون، فإنها داعية إلى محبة اهلل تعالى، وكما قيل فإن العبد أسير‬
‫اإلحسان، فاإلنعام والبر واللطف، معاني تسترق مشاعر اإلنسان، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه‬
                                          ‫إلى محبة من يسدي إليه النعمة، ويهدي إليه المعروف.‬
                                                                                     ‫م‬
  ‫وال ُنعم على الحقيقة، وال محسن على الحقيقة إليك وعليك إال اهلل، فكل ما في هذا الكون خلقه‬
    ‫اهلل من أجلك أيها العبد، أيها المخلوق الصغير، حتى مالئكته جعلهم في خدمتك، لتعرف بذلك‬
   ‫مدى بره وإحسانه إليك، ولطفه ورحمته بك، فأنت حينما تتفكر في آالء اهلل، وتمعن النظر في‬
   ‫قدرة اهلل عز وجل، يقودك ذلك إلى محبته، أليس التفكر والتأمل في كل هذا الكون الفسيح، وما‬
 ‫فيه، من دواعي محبته سبحانه؟ أليس هو من دواعي زيادة اإليمان؟ بلى واهلل، ولكن كما قال اهلل‬
                                                                    ‫عز وجل عنك أيها اإلنسان.‬
   ‫وأما الجوهرة السابعة من ذلك الكنز الذي ال يقدر بثمن فهي: انكسار القلب بكليته بين يدي اهلل‬
 ‫تعالى، واالنكسار هو الخشوع هلل واإلخبات له، والتذلل واالفتقار، ومراعاة األدب مع اهلل، وكلها‬
   ‫معان تدل على خشوع القلب هلل تعالى، كان الحسن بن علي إذا توضأ اصفر لونه، فقيل له: ما‬
     ‫هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول: أتدرون بين من أريد أن أقوم؟ لقد كان القوم يحبون‬
     ‫ويحيون الصالة، فتحيا قلوبهم بها، وتقر أعينهم فيها، وكيف ال تقر أعينهم بها وهي حية في‬
               ‫قلوبهم، والرسول يقول: ((... وجعلت قرة عيني في الصالة...)) أحمد والنسائي.‬
  ‫أخي المبارك، وإني على ثقة أنك ذو فطنة وفهم، بأنك تعي أن المقصود بالخشوع ليس الخشوع‬
                                                              ‫ا‬
                        ‫في الصالة فقط، وإنما أيضً خارج الصالة وذلك بمعناه الذي ذكرت لك.‬
    ‫والجوهرة الثامنة هي: الخلوة به سبحانه وتعالى وقت النزول اإللهي، لمناجاته وتالوة كالمه،‬
    ‫والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك باالستغفار والتوبة، وهذا السبب من أبلغ أسباب‬
     ‫المحبة، ألنه من أصدق دالئل األدب في العبودية مع اهلل، ولقد أثنى اهلل على أهل قيام الليل،‬
 ‫ومدحهم بقوله، وهذا رسول اهلل يقول لمعاذ بن جبل : ((أال أدلك عل أبواب الخير؟ الصوم جنة،‬
  ‫تجف‬                                           ‫ء‬
 ‫والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ النارَ الما ُ، وصالة الرجل من جوف الليل))، ثم قرأ: َتَ َا َى‬
                                                                            ‫جن ب ُ ع م‬
      ‫ُ ُو ُهمْ َنِ الْ َضَاجِعِ [السجدة:65]، أحمد والترمذي والنسائي، وقال عليه الصالة والسالم:‬
      ‫((وأفضل الصالة بعد الفريضة، صالة الليل)) مسلم، وهذا الفضل ال يمتنع عن الدخول في‬
   ‫العبادات األخرى، قال ابن رجب: "فيدخل فيه من انتظر صالة العشاء فلم ينم حتى يصليها، ال‬
‫سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على ذلك، ومن انتظر الصالة بعد الصالة" ولكن صالة‬
  ‫الليل ال يزال لها مزية خاصة، ولهذا فال عجب أن يتنزل أمين الوحي جبريل عليه السالم على‬
‫األمين الصادق المصدوق ويقول له: ((واعلم أن شرف المؤمن، قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن‬
                                                                            ‫الناس)) الطبراني والحاكم.‬
       ‫أما اللؤلؤة التاسعة فهي: مجالسة األخيار المحبين الصادقين في اهلل، وطلب االستفادة منهم‬
   ‫وإفادتهم، مع حفظ اللسان عما ال يفيد من لغو القول وفضوله، ولعل أحدكم يتسأل فيقول: كيف‬
‫يكون هذا من أسباب محبة اهلل، وهو أمر قائم بين العباد؟ فأقول لك: هون على نفسك وهاك الدليل‬
                             ‫ز‬
‫على ما ذكرنا، فلعلها تطمئن نفسك، لقد جاءت البشرى بذلك، و ُفت إلى أهل المحبة في اهلل عبر‬
     ‫في‬              ‫في‬
    ‫الوحي، قال رسول اهلل : ((قال اهلل عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين َّ، والمتجالسين َّ،‬
                                                           ‫في‬             ‫في‬
                          ‫والمتزاورين َّ والمتباذلين َّ)) أحمد ومالك في الموطأ وهو صحيح.‬
  ‫وإن كنت ـ يا أخي ـ ممن ال تطمئن نفوسهم بالدليل الواحد... فهاك آخر فعن أبي هريرة عن‬
        ‫ا‬           ‫َ‬                                                ‫ً‬
  ‫رسول اهلل : ((أن رجال زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد اهلل تعالى على مدْرَجته ملكً، فلما‬
            ‫ُب‬
‫أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تَر ُّها؟ قال: ال،‬
‫غير أني أحببته في اهلل تعالى، قال: فإني رسول اهلل إليك بأن اهلل قد أحبك كما أحببته فيه)) مسلم،‬
  ‫وكما تعلم: ((أوثق عرى اإليمان الحب في اهلل، والبغض في اهلل)) وكما ال يخفاك ـ أيها العاقل‬
‫الفطن ـ فإن ((الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)). ونسوق لك األدلة من أجل أن‬
                                                                         ‫تتبين الحق وتعلمه وتعمل به.‬
‫قال عمر بن الخطاب قال رسول اهلل : ((إن من عباد اهلل ألناساً ما هم بأنبياء وال شهداء، يغبطهم‬
    ‫األنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اهلل تعالى)) قالوا: يا رسول اهلل تخبرنا من هم؟ قال:‬
‫((هم قوم تحابوا بروح اهلل على غير أرحام بينهم، وال أموال يتعاطونها، فواهلل إن وجوههم لنور،‬
   ‫أ‬
 ‫وإنهم على نور، ال يخافون إذا خاف الناس، وال يحزنون إذا حزن الناس)) ثم قرأ هذه اآلية: َال‬
                                                  ‫ْف ع ه و ُ زن‬                           ‫ِن ل الل‬
                ‫إ َّ أَوِْيَاء َّهِ الَ خَو ٌ َلَيْ ِمْ َالَ همْ يَحْ َ ُونَ [يونس:76]، أبو داود وابن حبان.‬
‫ثم اعلم بأنك مأمور أن تقول خيراً أو تصمت؛ ألن ذلك من مقتضيات اإليمان، وكما قال لك نبيك‬
                                                                                  ‫ً‬
   ‫وحبيبك محذرا لك: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين‬
  ‫المشرق والمغرب)) مسلم، وإليك هذا الحديث الذي الوجيز في ألفاظه، العميق في معانيه، حيث‬
  ‫تزداد الحاجة إليه في مواضع الخلطة مع الناس، وفي مواطن الفتن، حيث يكون الصمت حكمة‬
  ‫ونجاة، قال رجل للنبي يا رسول اهلل ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك‬
                                                                              ‫على خطيئتك)) الترمذي.‬
  ‫أما الجوهرة العاشرة: فدعني وإياك نعمل بما عمل به المصطفى في خطبه، حيث كان يجلس ما‬
 ‫بين الخطبتين جلسة خفيفة، ثم نتعرف وإياكم عليها . نفعني اهلل وإياكم بما سمعنا.. وبارك اهلل لي‬
      ‫ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا ..‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫من‬
‫الحمد هلل الذي َّ على عباده بالعطايا والهبات، وهداهم لإليمان به وهم يسألونه الثبات، وأشهد أن‬
                       ‫ا‬
  ‫ال إله إال اهلل الواحد األحد، الذي بيده المحيا والممات، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله، عليه من‬
      ‫اهلل أفضل السالم وأزكى الصلوات، وعلى آله وأصحابه الذين صبروا وجاهدوا في اهلل حتى‬
                                               ‫الممات، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الحسرات.‬
 ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل، وخذوا حذركم، وال تغرنكم الحياة الدنيا، وقدموا ألنفسكم ما‬
                     ‫تحبون أن تجدوه غداً في صحائف أعمالكم، يوم الوقوف بين يدي اهلل تعالى.‬
‫أيها الناس، وقفنا على نظم الجوهرة العاشرة من ذلك العقد، الذي نظمه لك عالم من علماء أمتك،‬
                                                     ‫ا‬
   ‫عالم ذاع صيته في اآلفاق، فنفع اهلل به خلقً كثيراً، أال وهو العالمة ابن قيم الجوزية رحمه اهلل‬
              ‫رحمة واسعة، حيث قال فيها: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين اهلل عز وجل.‬
  ‫أيها اإلخوة في اهلل، ال خيار لإلنسان إذا أراد حقيقة محبة اهلل، في أن يسعى للمحافظة على قلبه‬
       ‫من كل آفة وعيب وفساد ينافي ما يحبه اهلل تعالى، فالقلب إذا فسد فلن يجد المرء فائدة فيما‬
        ‫يصلحه من شؤون الدنيا المادية، ولن يجد نفعاً أو كسباً في أخراه، وكان يقول في دعائه:‬
   ‫ا‬                                    ‫ا‬                              ‫ا‬
   ‫((وأسألك قلباً سليمً)) ومحمد بن سيرين يذكر لنا بعضً من المعاني، التي يظل القلب بها سليمً‬
                                                                                   ‫ا‬
‫حيً، ليصدق عليه وصف السالمة، فيقول: "القلب السليم هو أن يعلم أن اهلل حق، وأن الساعة حق‬
            ‫آتية ال ريب فيها، وأن اهلل يبعث من في القبور" وهذه وصية جامعة من عالم عارف.‬
   ‫أما ابن تيمية .. فله اختيار جامع في معنى القلب السليم، يقول فيه: هو "القلب السليم مما سوى‬
                     ‫اهلل، أو مما سوى عبادة اهلل، أو مما سوى إرادة اهلل، أو مما سوى محبة اهلل".‬
‫و اعلم أن أمراض القلوب كثيرة، أحصرها لك في ثالثة أمور، األول منها: الشبهات، فإنها تورث‬
     ‫شكاً في دين اهلل، والثاني الشهوات، فإنها تورث تقديم الهوى على طاعة اهلل ورضاه، الثالث:‬
          ‫الغضب، فإنه يورث العدوان على خلق اهلل، ومن خالل هذه األبواب الثالثة تلج الذنوب‬
                                                                      ‫والمعاصي المفسدة للقلوب.‬
    ‫وتلك األمور الثالثة ترجع في أصولها إلى أصول ثالثة هي: 5) تعلق القلب بغير اهلل، وغايته‬
‫الشرك باهلل، وهو لألول. 7) طاعة النفس في الشهوة، وغايتها الزنا وهو الثاني. 3) طاعة النفس‬
 ‫في الغضب، وغايتها القتل، وهو لثالث. وقد نزه اهلل عبادة المتقين أصحاب القلوب السليمة عنها،‬
                                                                   ‫فقال في وصف عباد الرحمن.‬
                                                 ‫ن‬
      ‫فيا عبد اهلل، هذه خمسة أسباب كالجواهر، ُظمت لك في عقد ينفعك اهلل بها في دينك ودنياك‬
     ‫وآخرتك، فانتفع بها ـ يا رعاك اهلل ـ وكن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فإن الناس‬
   ‫يسمعون كثير ويعلمون كثيراً ولكن المنتفعين العاملين قليل. هذا وصلوا على خير الورى، نبي‬
 ‫الرحمة والهدى، محمد النبي المصطفى، فقد أمركم اهلل بهذا ودعاكم نبيكم إلى اإلكثار من الصالة‬
                          ‫والسالم عليه، فصلوا عليه حين يذكر اسمه، وخاصة ليلة الجمعة ويومها.‬

‫(5/7653)‬




                                                                                                ‫جهاد المقاطعة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                 ‫القتال والجهاد‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫عبد اهلل بن علي الهزاني‬
                                                                                                        ‫الرياض‬
                                                                                                 ‫27/7/3745‬
                                                                                     ‫جامع رياض الصالحين‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- معنى الجهاد وأهدافه في اإلسالم. 7- تعدد ميادين الجهاد. 3- تأصيل جهاد المقاطعة في‬
     ‫الدين اإلسالمي. 4- فوائد المقاطعة االقتصادية. 1- وجوب بذل ما يستطاع لنصرة اإلسالم‬
                                                                                                    ‫والمسلمين.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                          ‫ن‬
 ‫أما بعد: فيا أيها العبد المسلم ما أجملك حين تكو ُ من أهل التقوى، وما أحسنك حينما تلبس لباس‬
                                                                                      ‫ا‬
                     ‫التقوى ظاهرً وباطناً، أال فاتقوا اهلل عباد اهلل، وتمسكوا بدينكم حق االستمساك.‬
     ‫تل ه ي َذ ُم الله ْد ُ وي ِ وي ص ُ عل ِ‬
   ‫أيها المسلمون، يقول ربنا تبارك وتعالى: قَا ُِو ُمْ ُع ّبْه ُ َّ ُ بِأَي ِيكمْ َ ُخْزِهمْ َ َنْ ُرْكمْ ََيْهمْ‬
      ‫ل ُ و فس ُ ْ ف سب الل‬                   ‫و ِد‬                                ‫ْم م من‬           ‫وي ف ُد‬
    ‫َ َشْ ِ ص ُورَ قَو ٍ ُّؤْ ِ ِينَ [التوبة:45]، وقال تعالى: َجَاه ُواْ بِأَمْواِكمْ َأَن ُ ِكم ِى َ ِيلِ َّهِ‬
                                                                             ‫لُ ر لُ إ ك ُ م‬
                                                             ‫ذاِكمْ خَيْ ٌ َّكمْ ِن ُنتمْ تَعْلَ ُونَ [التوبة:54].‬
‫أيها المسلمون، والجهاد هو محاربة الكفار والمبالغة في ذلك، واستفراغ ما في الوسع والطاقة من‬
  ‫قول وعمل، والجهاد ثابت بالكتاب والسنة، وهو واجب متحتم، وفريضة مقدسة ماضية إلى يوم‬
     ‫القيامة على أهل االستطاعة والقدرة من أفراد األمة، قال القسطالني: "هو قتال الكفار لنصرة‬
   ‫اإلسالم وإعالء كلمة اهلل" وقال الكاساني: "هو بذل الوسع والطاقة بالقتل في سبيل اهلل عز وجل‬
                                                                ‫ُ‬
                                                          ‫بالنفس والمال واللسان، أو غير ذلك والمبالغة فيه".‬
     ‫والجهاد له أهداف وغايات سامية منها: إعالء كلمةِ اهلل، ونشر دين اهلل، وتعبيد الناس هلل دون‬
    ‫إكراههم على ذلك، ورد اعتداء المعتدين على حمى اإلسالم، وحماية الدولة اإلسالمية من شر‬
 ‫الكفار، وإظهار هيبة اإلسالم في نفوس األعداء. وأما ترك الجهاد والتكاسل عنه، مع القدرة عليه‬
        ‫حين وجوبه، كبيرة من كبائر الذنوب، وتركه سبب للهالك في الدنيا واآلخرة، وسبب للذل‬
    ‫والهوان والبالء، قال رسول اهلل : ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا‬
                 ‫ي‬                    ‫ً‬
   ‫أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اهلل، أَنزل بهم بالء فلم يرفعه عنهم حتى ُراجعوا دينهم))‬
                                                                                                   ‫أحمد وإسناده حسن.‬
  ‫أيها المسلمون، وبما أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الجهاد بالسالح، فإننا في الوقت نفسه مطالبون‬
                                                ‫ً‬
   ‫اليوم، وقبل أي وقت مضى، بأن نحقق نوعا آخر من أنواع الجهاد والتي ال تنحصر في القتال‬
‫فقط، أال وهو الجهاد، بالمال وباللسان، فهذا النوع من الجهاد قد مدح اهلل أهله وأثنى عليهم، لما له‬
             ‫ب‬
    ‫من أثر ودور فاعل في تربية األمة على التعاضد ومجاهدة األعداء، وكذلك على تق ّل األوامر‬
   ‫إللهيه والعمل بها، وكذلك تربية أفراد األمة على التفاعل مع قضاياهم المصيرية، ونبذ الفردية‬
         ‫ِن م من َّذ ن من ِالله َرس ل ُم َ َ ب و َد‬
      ‫واألنانية المقيتة، قال تعالى: إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِي َ ءا َ ُواْ ب َّ ِ و َ ُوِهِ ث َّ لمْ يرْتَا ُواْ َجَاه ُواْ‬
                                                     ‫ُم الص ِق‬          ‫ل ِ و فس ِ ْ ف س الل أ‬
                                    ‫بِأَمْواِهمْ َأَن ُ ِهم ِى َبِيلِ َّهِ ُوْلَئِكَ ه ُ َّاد ُونَ [الحجرات:15].‬
                  ‫ن‬
    ‫أيها المسلمون، لربما يسأل أحدكم فيقول: ها نحن نتبرع بأموالنا ونجاهد بها، ُصرة لدين اهلل،‬
                                                                                       ‫ا‬
      ‫وعونً إلخواننا عند كل مطلب لذلك، يقال لك: أيها المبارك، حسناً فعلت, وأجراً إن شاء اهلل‬
                                                       ‫ً‬
   ‫غنمت، ولكنني هنا أود أن أقرر نوعا آخر من أنواع الجهاد، وهذا النوع فيه إضرار باألعداء،‬
  ‫وإضعاف لهم، وإرباك القتصادهم، وجعلهم يفكرون ملياً في تلك السياسة البربرية الهمجية التي‬
‫يتعاملون بها مع المسلمين، وهو لون من ألوان المقاومة المشروعة، التي تنقل األمة َ بأفرادها من‬
‫السلبية المذمومة، إلى اإليجابية الممدوحة، بل وفيه تربية إيمانية ألفراد أمة اإلسالم، وتحررها من‬
‫العبودية والتبعية ألعدائها، وهو تعبير صادق عن وحدة األمة، وتحقيق أخوة اإلسالم، وهو رسالة‬
    ‫غاضبة إلى األعداء على اختالف مشاربهم، بأن المسلمين قادرون على تغيير موازين القوى،‬
                                       ‫ا‬
                               ‫وأنهم أمة حية، ال تزيدها النكسات والمصائب إال صالبة وتمسكً بدينها.‬
   ‫أيها المسلمون، إن اقتصاد األعداء على اختالف دولهم وتعدد مشاربهم هو سر قوتهم، فلماذا ال‬
         ‫نؤذيهم فيه، ونقتلهم به، ولو طال األمد؟! نعم ـ أيها اإلخوة ـ إن بأيدينا سالحاً لم نحسن‬
                              ‫ا‬
   ‫استخدامه، وربما ظن بعضنا أنه سالح متواضع، قد ال يجدي نفعً مع قوة العدو، ولكن التاريخ‬
                                                ‫ق‬
   ‫والواقع يشهدان بقوة تأثير هذا السالح، إذا ُرن باإلخالص هلل تعالى، وحسن الظن، ودوام الثقة‬
  ‫به، واستشعرنا مسؤوليتنا تجاه ديننا وأمتنا، وأردنا حقاً أن نؤدي عمالً يكون عزاً ألمتنا وبراءة‬
   ‫إ صر الل ي ص ُ ويثب‬                                      ‫ن‬
 ‫لذمتنا أمام اهلل تعالى، ثم إنه من أنواع ُصرة الدين، قال تعالى: ِن تَن ُ ُواْ َّهَ َن ُرْكمْ َ ُ َّتْ‬
                                                                                             ‫َ ْد م ُ‬
                                                                                 ‫أق َا َكمْ [محمد:2].‬
                                       ‫فعلينا أن نقدم فعل الشرط لنستحق جواب الشرط في اآلية.‬
                        ‫لم‬
‫وأما شهادة التاريخ لهذا، فإن رسول اهلل حاصر يهود بني النضير ّ ّا نقضوا العهد معه، وحاصر‬
          ‫ث ة أ‬
       ‫أهل الطائف بعد فتح مكة، وقصة المقاطعة االقتصادية التي نفذها الصحابي ُمام ُ بن ُثال‬
  ‫الحنفي.. مع مشركي مكة عندما دخل في اإلسالم، والقصة مبسوطة في كتب السير والمغازي،‬
                                                            ‫ا‬
 ‫وأما شهادة الواقع فإن كثيرً من الشعوب الواعية المتفاعلة مع قضاياها، وعلى كفرها قد جربت‬
                                       ‫ً‬     ‫ح‬
                                      ‫ذلك السالح، بوعي مع دول معادية لها فنجحت نجا ً كبيرا.‬
                                                         ‫م‬
 ‫إن ذلكم الجهاد المطلوب منا القيا َ به، دون توانٍ أو تخاذل أو كسل أو تردد، هو جهاد المقاطعة‬
    ‫ت‬                                                          ‫ت‬
 ‫للمنتجات والسلع التي ُصدر إلينا من مصانع ذاتِ رؤوس أموال يهودية، ومن دول كافرةٍ ُظهر‬
                          ‫ا‬               ‫ا‬                         ‫ت‬
    ‫عداءها لإلسالم وُظاهر عليه، وإن كانت سياسيً صديقة، فهي شرعً من أكبر أعداء اإلسالم‬
 ‫والمسلمين، فيجب على المسلمين وجوباً القيام بهذا النوع من الجهاد، كما قرر ذلك جم غفير من‬
                                                                                   ‫علماء المسلمين.‬
                                                             ‫ة‬
       ‫أيها المسلمون، وإذا كنا أم ً مستهلِكة مستهلَكة, فإن هذا سر من أسرار ضعفنا يضاف إلى‬
      ‫األسرار األخرى، فإن أضعف اإليمان أن نقاطع من يحاربوننا بأموالنا، ويقتلوننا بدراهمنا،‬
                           ‫ت‬                                                              ‫ي‬
  ‫و ُذلوننا بسبب ضعفنا وسلبيتنا، هذا وإن في المقاطعة فوائدَ عظيمة، ُجنى ثمارها للبالد والعباد‬
                                                                                   ‫واالقتصاد، منها:‬
                     ‫5) التخلص من العبودية والتبعية والهيمنة لألعداء على نمط وسلوك حياتنا.‬
                                         ‫7) ترشيد عادة االستهالك المفرط لدى الشعوب المسلمة.‬
     ‫3) حماية الصحة العامة للمجتمع المسلم، من أضرار تلك السلع المصنعة من مواد مشبوهة.‬
                                                                          ‫4) تحقيق االكتفاء الذاتي.‬
                                            ‫1) توظيف أموالنا في أسوقنا خدمة لشعوبنا وقضايانا.‬
                                             ‫ا‬       ‫ال‬
‫أيها المسلمون، هذا وإن للمقاطعة أشكا ً وأنواعً كثيرة منها على سبيل المثال: مقاطعة السفر إلى‬
    ‫تلك البلدان التي تعادي وتحارب اإلسالم وأهله، ويكفي موعظةً لذوي الحجا ما فعلوه بإخواننا‬
                                                                               ‫الدارسين في بالدهم.‬
‫أيها المسلمون، إن التجار وأصحاب الشركات، الذين يستوردون من تلك الدول الكافرة والمعادية،‬
‫عليهم إعادة النظر في تعامالتهم مع أولئك، كما أن عليهم مسؤولية عظيمة تجاه دينهم وأمتهم، فال‬
     ‫يكن همهم الدينار والدرهم، وأما قضايا األمة فال وزن لها عندهم، فعلى الجميع أن يتقوا اهلل‬
                                                                       ‫ا‬
                                            ‫تعالى، ((فإن من ترك شيئً هلل عوضه اهلل خيراً منه)).‬
     ‫و‬
    ‫أيها األخ المبارك، أرجو أن تسمح لي بأن أهمس في أذنك همسة رقيقة، وهي أن أمتك تع ّل‬
                           ‫ا‬
‫عليك أمراً عظيماً، فكن على مستوى المسؤولية واألمانة، وفكر مليً بأنك أنت بعينك لك دور كبير‬
                 ‫ا‬               ‫ق ن‬
    ‫تستطيع أن تفعله، فال تقلل من حجمك ودورك ((وال تح ِر ّ من المعروف شيئً)) كما ورد عن‬
        ‫النبي . كما وإنني أنبه إلى قضية أخرى ال بد منها، وهي في غاية األهمية، أال وهي قبل أن‬
                                                ‫خف‬
‫نقاطع السلع والبضائع من أولئك الذين يست ِ ّون بنا ألننا مسلمون، وينظرون إلينا على أننا شعوب‬
     ‫همجية، ال بد من مقاطعة الذنوب والمعاصي على اختالف تنوعها وأشكالها، والرجوع إلى اهلل‬
  ‫َيه‬
 ‫بالتوبة النصوح، واالعتصام به سبحانه، ليحقق لنا عز وجل ما نصبوا إليه من عزة وسؤدد ياأُّ َا‬
  ‫الد ي من‬                ‫ْ َرض ت‬          ‫كم ِر ْ ف سب الل اث ُ إل‬                             ‫ك ِ‬             ‫َّذ ن من‬
  ‫ال ِي َ ءا َ ُواْ مَا لَ ُمْ إذَا قِيلَ لَ ُ ُ انف ُوا ِى َ ِيلِ َّهِ َّاقَلْتمْ َِى األرضِ أ َ ِي ُم بِالْحياةِ ُّنْ َا ِ َ‬
  ‫ِ إ َّ ل ِال فر ي َذ ُ َ ب ل م وي ِ ْ م غ ر ُ‬                                              ‫م ع حي الد ي ف‬                    ‫ِ ِ‬
‫اآلخرَة فَمَا َتَا ُ الْ َ َاةِ ُّنْ َا ِى اآلخرَةِ ِال قَلِي ٌ إ َّ تَن ِ ُواْ ُع ّبْكمْ عذَا ًا أَِي ًا َ َسْتَبْدل قَوْ ًا َيْ َكمْ‬
                                                                   ‫َد ر‬         ‫ُر ه ْئ َالله عل ُل‬                  ‫و‬
                                                  ‫َالَ تَض ُّو ُ شَي ًَّا و َّ ُ ََى ك ّ شَىْء ق ِي ٌ [التوبة:83، 83].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من اآليات والحكمة، أقول قولي هذا‬
                                                                                                     ‫وأستغفر اهلل لي ولكم...‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                       ‫ن‬
      ‫الحمد هلل العزيز الوهاب، الذي أنزل على عبده الكتاب، ليبين للناس ما ُزل إليهم وخص منهم‬
     ‫أولي األلباب، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له خضعت له الرقاب، وأشهد أن محمدً‬
     ‫ا‬
   ‫عبده ورسوله صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله واألصحاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                                                                          ‫الحساب.‬
                                   ‫ا‬
 ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها المسلمون، واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثً، ولن تتركوا همالً، فقدموا ألنفسكم‬
                                                                                                                    ‫ا‬     ‫ال‬
                                                                                                                   ‫عم ً صالحً.‬
                     ‫ي‬
‫عباد اهلل، إن موضوع اليوم، لهو من األمور التي ينبغي على المسلمين أن ُعيدوا النظر فيها بجد،‬
      ‫وأن يتعاملوا معه على أنه من القضايا المصيرية لألمة، ثم إنه قد يظن البعض منكم أن األمر‬
             ‫ا‬                   ‫ر‬                ‫أ‬
   ‫صعب أو مستحيل، ولئال أرتكب خطأ أو ُهون من هذا األم ِ وأقول: إنه ليس صعبً في مبدئه،‬
             ‫ال‬
  ‫فأكون بذلك مجانباً لصواب، ولكني محق إن شاء اهلل حينما أقول: إنه ليس مستحي ً على الرجال‬
  ‫ذوي العزائم الصادقة، التي يدفعها اإليمان باهلل والرضى بما عنده، ثم التأسي بالرعيل األول من‬
  ‫أخيار هذه األمة المباركة، صحابة رسول اهلل ، الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم، وترك أوطانهم‬
 ‫وأهليهم، دفاعاً عن دين اهلل، وجهاداً في سبيل اهلل، فمدحهم اهلل وأثنى عليهم، ورفع قدرهم، وحقق‬
 ‫لهم ما وعدهم من النصر والتمكين في األرض، وما وعدهم به في األخرة من الجنة والرضوان،‬
          ‫ُ َن ُم ل َن ي تل َ ف س الل‬                             ‫فس ُ و‬          ‫ِن الل َ م م من‬
        ‫قال تعالى: إ َّ َّهَ اشْترَى ِنَ الْ ُؤْ ِ ِينَ أَن ُ َهمْ َأَمْوالَهمْ بِأ َّ لَه ُ اّج َّةَ ُقَا ُِون ِى َبِيلِ َّهِ‬
                ‫تل وي ل ن و ْد ع ه ق ف الت ْر ة و إل ج ل و ُ ن وم ْف بع ْ ه م الل‬
              ‫فَيَقْ ُُونَ َ ُقْتَُو َ َع ًا َلَيْ ِ حَ ّا ِي َّو َا ِ َا ِن ِي ِ َالْقرْءا ِ َ َنْ أَو َى ِ َهدِ ِ ِنَ َّهِ‬
                                                   ‫م‬          ‫ْز‬         ‫ِر بب ع ُم َّذ ي ت به و ك ه‬
                                     ‫فَاسْتَبْش ُواْ ِ َيْ ِك ُ ال ِى بَا َعْ ُمْ ِ ِ َذالِ َ ُوَ الْفَو ُ الْعَظِي ُ [التوبة:555].‬
  ‫أيها المسلمون، كل ذلك يدفعنا إلى أن نحقق نصراً ألمتنا، ولو ببذل اليسير ما دمنا نستطيع ذلك،‬
 ‫فهل تنطلق عزائم الرجال من أرض الجزيرة، كما انطلقت جحافل الصحابة فاتحين ناصرين دين‬
   ‫اهلل، وهل يتغلب اإليمان على الشهوة والرغبة والهوى، ولنعلم جميعاً أن لألب دور في أسرته،‬
 ‫ولألم كذلك، وللمعلم دور في مدرسته، وللطالب كذلك، وللشباب دور كبير ومسؤولية عظمى في‬
‫أمر المقاطعة، فعليهم أن ال تغريهم الدعايات، التي تروج هنا وهناك لكثير من البضائع والمطاعم‬
     ‫المشبوهة في تصنيع مكوناتها، وذلك كل بحسب قدرته واستطاعته، وفق اهلل الجميع لكل خير‬
                 ‫وفالح، وسدد الجهود للنجاح، وأعننا وإياكم على كل ما فيه عز اإلسالم والمسلمين.‬

‫(5/3653)‬




                                                                                          ‫بروتوكوالت أخبار الصهاينة‬
                                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                                     ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                                                          ‫أديان‬
                                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                                            ‫محمد الشعراني‬
                                                                                                                  ‫غير محددة‬
                                                                                                                   ‫غير محدد‬
                                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
            ‫5- المصادر التي تشكل الفكر اليهودي. 7- نظرة التلمود للعرب وكافة البشر. 3- أهم‬
    ‫بروتوكوالت الصهاينة التي يعملون وفقها. 4- تحذير بعض رؤساء أمريكا شعبهم من الخطر‬
  ‫الصهيوني. 1- أهداف المنظمات اإلنسانية التابعة لألمم المتحدة. 6- سياسة الكيل بمكيالين في‬
                                                                                                              ‫مجلس األمن.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، لتشخيص المعركة القادمة ومقدماتها مع أعدائنا اليهود، ولعلمنا علم اليقين‬
   ‫بوجوب تجلية مكائد العدو للمسلمين، كما يقول اهلل تعالى لنبيه : َكذَِك نفَ ّ ُ االْ َا ِ َِتَسْ َ ِي َ‬
   ‫و َ ل َ صل ي ت ول تب ن‬
                                                                                                          ‫سب ل م رم‬
                                                                                         ‫َ ِي ُ الْ ُجْ ِ ِينَ [األنعام:11].‬
  ‫و الن س ب ِل وي ُد ن‬                      ‫كل‬               ‫ب ر َالر‬           ‫م‬          ‫َي الذ ن من ِن‬
  ‫وقال: يَاأُّهَا َّ ِي َ ءا َ ُواْ إ َّ كَثِيراً ّنَ االْحْ َا ِ و ُّهْبَانِ لَيَأْ ُُونَ أَمْ َالَ َّا ِ بِالْ َاط ِ َ َص ُّو َ‬
      ‫م‬            ‫ع سب الله و َّذ ي ِز الذهب و ِض و ي ق ه ف سب الل ِ ب ّ ُ ب َ‬
      ‫َن َ ِيلِ َّ ِ َال ِينَ َكْن ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َالَ ُنفِ ُونَ َا ِي َ ِيلِ َّه فَ َشرْهمْ ِعذَابٍ أَلِي ٍ‬
                                                                                                      ‫[التوبة:43].‬
    ‫ْ ِ س ا َالله ي ِب م ِد ن‬                     ‫َف‬       ‫ه الله وي‬                ‫ُل ْ َد ن ل َ‬
    ‫وقال: كَّمَا أَوق ُواْ َاراً ّلْحرْبِ أَطْفَأَ َا َّ ُ َ َسْعَوْن ِى األرض فَ َادً و َّ ُ الَ ُح ُّ الْ ُفْس ِي َ‬
                                                                                                     ‫[المائدة:46].‬
                                    ‫فإننا نتحدث اليوم عن المصادر التي تشكل الفكر اليهودي وتغذيه.‬
                               ‫إن أعظم المصادر عند اليهود ثالثة: التوراة والتلمود والبروتوكوالت.‬
                                                                                                ‫نظريات التلمود:‬
   ‫"اليهود يضعون التلمود فوق التوراة، والحاخام فوق اهلل، واهلل يقرأ وهو واقف على قدميه، وما‬
‫يقوله الحاخام يفعله اهلل، إن تعاليم الالهوتيين في التلمود، لهي أطيب من كالم الشريعة (كالم اهلل)،‬
      ‫ي‬                                                                        ‫م‬
 ‫والخطايا ال ُقترفة ضد التلمود، لهي أعظم من المقترفة ضد التوراة". و"إن الرباني مناحيم ُطلعنا‬
    ‫باالتفاق مع كثير من العلماء، على أن اهلل يأخذ رأي الربانيين على األرض، في المشاكل التي‬
                                                 ‫د‬
  ‫تنشأ في السماء". و"إن كلمات الربانيين أش ّ عذوبة من كلمات األنبياء... وذلك ألن كلماتهم هي‬
                                                                                                      ‫كلمات اهلل".‬
                                                                          ‫نظرة التلمود إلى العرب (القدماء):‬
                                                                                    ‫م‬
 ‫"أمة ُحتقرة، من العار الزواج بعربية، يعبدون األصنام، مرتكبو تسعة أعشار الجرائم في العالم،‬
                          ‫صفتهم الغدر وكراهية اليهود، كانوا قادة تخريب الهيكل مع نبوخذ نصر".‬
                                                                                     ‫نظرة التلمود لكافة البشر:‬
        ‫"المخلوقات نوعان؛ علوي وسفلي. العالم يسكنه سبعون شعباً بسبعين لغة. إسرائيل صفوة‬
                    ‫ا‬
 ‫المخلوقات، واختاره اهلل، لكي تكون له السيادة العليا، على بني البشر جميعً، سيادة اإلنسان على‬
                              ‫ا‬                     ‫ع‬                       ‫مج‬
   ‫الحيوان ال ُد ّن". "إن نفوس اليهود من ّم عليها، بأن تكون جزءً من اهلل، فهي تنبثق من جوهر‬
      ‫اهلل، كما ينبثق الولد من جوهر أبيه"، و"هذا السبب يجعل نفس اليهودي، أكثر قبوالً عند اهلل،‬
                            ‫ت ق‬
     ‫وأعظم شأناً عند اهلل، من نفوس سائر الشعوب، ألن هؤالء ُشت ّ نفوسهم من الشيطان، وهي‬
                                                                          ‫مشابهة لنفوس الحيوانات والجماد".‬
  ‫ولهذا يقول التلمود: "إن زرع (نطفة) الرجل غير اليهودي هي زرع حيواني". و"زرع األغراب‬
     ‫(القوييم)كزرع الحصان". و"إن غير اليهود كالب عند اليهود". و"إن غير اليهودي، ال يختلف‬
              ‫ك‬
   ‫بشيء عن الخنزير البري". و"إن بيوت غير اليهود زرائب للحيوانات"، و"قد ُتب على شعوب‬
‫األرض: لحومكم من لحوم الحمير، وزرعكم من زرع الحيوانات". و"كما أن ربة البيت تعيش من‬
            ‫م‬
    ‫خيرات زوجها، هكذا أبناء إسرائيل، يجب أن يعيشوا من خيرات األمم، دون أن يتح ّلوا عناء‬
                                                                                                            ‫العمل".‬
                                               ‫م‬
     ‫ويقولون: "أن نار جهنم ال سلطان لها، على ُذنبي بني إسرائيل، وال سلطان لها على تالمذة‬
                                                                                                         ‫الحكماء".‬
                         ‫ي ج‬                                                         ‫ن‬
   ‫و"هذه الج ّة اللذيذة، ال يدخلها إال اليهود الصالحون، أما الباقون ف ُز ّون في نار جهنم". و"...‬
 ‫ويأتي المسلمون بعد النصارى، ألنهم ال يغسلون، سوى أيديهم وأرجلهم وأفخاذهم وعوراتهم، كل‬
                                           ‫ا‬                           ‫ً‬         ‫ي‬
                                         ‫هؤالء، ُحشرون حشرا في جهنم، وال يغادرونها أبدً".‬
                        ‫ا‬                                                             ‫د‬
                      ‫"إذا ر ّ أحد اليهود إلى الغريب القوييم ما أضاعه، فالرب ال يغفر له أبدً".‬
                                                                        ‫بروتوكوالت الصهاينه:‬
     ‫ي د‬                                               ‫ق‬
    ‫5. إن قوانين الطبيعة تقضي بأن الح ّ هو القوة. (بمعنى أن الذي يملك القوة، هو الذي ُح ّد‬
                             ‫مفاهيم الحق، ويفرضها على اآلخرين، والقوة تعني امتالك المال).‬
     ‫7. أن الحرية السياسية ليست إال فكرة مجردة، ولن تكون حقيقة واقعة. (بمعنى أنك تستطيع‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫اإلدعاء ظاهريً، بأنك ديموقراطي وتسمح بحرية الرأي، ولكنك في المقابل تقمع الرأي اآلخر‬
                                                                                            ‫ا‬
                                                                                          ‫سرً).‬
‫3. سلطة الذهب (المال) فوق كل السلطات حتى سلطة الدين. (محاربة الدين وإسقاط أنظمة الحكم‬
   ‫غير الموالية، من خالل تمويل الحركات الثورية ذات األفكار التحررية، وتمويل المنتصر منها‬
                                                                                    ‫بالقروض).‬
                                                                              ‫ر‬
 ‫4. الغاية تب ّر الوسيلة. (فالسياسي الماهر: هو الذي يلجأ إلى الكذب والخداع والتلفيق، في سبيل‬
                                                                      ‫الوصول إلى سدة الحكم).‬
 ‫1. من العدل أن تكون السيادة لألقوى. (وبالتالي تحطيم المؤسسات والعقائد القائمة، عندما يترك‬
                                   ‫ر‬
                        ‫المستسلمون حقوقهم ومسؤولياتهم، للركض وراء فكرة التح ّر الحمقاء).‬
    ‫6. ضرورة المحافظة على السرية. (يجب أن تبقى سلطتنا، الناجمة عن سيطرتنا على المال،‬
                                                                                    ‫ي‬
‫مخف ّة عن أعين الجميع، لغاية الوصول إلى درجة من القوة، ال تستطيع أي قوة منعنا من التقدم).‬
      ‫2. ضرورة العمل على إيجاد حكام طغاة فاسدين. (ألن الحرية المطلقة تتحول إلى فوضى،‬
‫وتحتاج إلى قمع، وذلك لكي يتسنى ألولئك الحكام سرقة شعوبهم، وتكبيل بلدانهم بالديون، ولتصبح‬
                                                                          ‫الشعوب برسم البيع).‬
    ‫8. إفساد األجيال الناشئة لدى األمم المختلفة. (ترويج ونشر جميع أشكال االنحالل األخالقي،‬
  ‫إلفساد الشبيبة، وتسخير النساء للعمل في دور الدعارة، وبالتالي تنتشر الرذيلة حتى بين سيدات‬
                                                                         ‫ء‬
                                             ‫المجتمع الراقي، اقتدا ً بفتيات الهوى وتقليداً لهن).‬
         ‫8. الغزو السلمي التسللي هو الطريق األسلم، لكسب المعارك مع األمم األخرى. (الغزو‬
     ‫االقتصادي الغتصاب ممتلكات وأموال اآلخرين، لتجنب وقوع الخسائر البشرية في الحروب‬
                                                                           ‫العسكرية المكشوفة).‬
  ‫05. إحالل نظام مبني على أرستقراطية المال، بدال من أرستقراطية النسب، (لذلك يجب إطالق‬
  ‫ا‬
  ‫شعارات: الحرية والمساواة واإلخاء، بين الشعوب بغية تحطيم النظام السابق، وكان هذا موجهً‬
     ‫إلى األسر األوروبية ذات الجذور العريقة، ومن ضمنها األسر الملكية واإلمبراطورية، ليلقى‬
                                                           ‫ا‬
                                    ‫لصوص هذه المؤامرة بعدها، شيئً من التقدير واالحترام).‬
      ‫ال‬
      ‫55. إثارة الحروب، وخلق الثغرات في كل معاهدات السالم التي تعقد بعدها، لجعلها مدخ ً‬
         ‫إلشعال حروب جديدة. (وذلك لحاجة المتحاربين إلى القروض، وحاجة كل من المنتصر‬
   ‫والمغلوب لها بعد الحرب، إلعادة اإلعمار والبناء، وبالتالي وقوعهم تحت وطأة الديون، ومسك‬
                                                             ‫ن‬
   ‫الحكومات الوطنية من خ ّاقها، وتسيير أمورها حسب ما يقتضيه المخطط من سياسات هدامة).‬
       ‫75. خلق قادة للشعوب، من ضعاف الشخصية الذين يتميزون بالخضوع والخنوع، (وذلك‬
      ‫بإبرازهم وتلميع صورهم، من خالل الترويج اإلعالمي لهم، لترشيحهم للمناصب العامة في‬
              ‫ص‬
   ‫الحكومات الوطنية، ومن ثم التالعب بهم، من وراء الستار بواسطة عمالء متخ ّصين، لتنفيذ‬
                                                                                 ‫سياساتنا).‬
       ‫ف‬
    ‫35. امتالك وسائل اإلعالم والسيطرة عليها. (لترويج األكاذيب واإلشاعات والفضائح المل ّقة،‬
                                                                       ‫التي تخدم المؤامرة).‬
    ‫45. قلب أنظمة الحكم الوطنية المستقلة بقراراتها، والتي تعمل من أجل شعوبها، وال تستجيب‬
       ‫لمتطلبات المؤامرة. (من خالل إثارة الفتن، وخلق ثورات داخلية فيها، لتؤدي إلى حالة من‬
‫الفوضى، وبالتالي سقوط هذه األنظمة الحاكمة، وإلقاء اللوم عليها، وتنصيب العمالء قادة في نهاية‬
                                                                     ‫ي‬
                              ‫كل ثورة، وإعدام من ُلصق بهم تهمة الخيانة من النظام السابق).‬
 ‫15. استخدام األزمات االقتصادية للسيطرة على توجهات الشعوب. (التسبب في خلق حاالت من‬
    ‫البطالة والفقر والجوع، لتوجيه الشعوب إلى تقديس المال وعبادة أصحابه، لتصبح لهم األحقية‬
    ‫واألولوية في السيادة، واتخاذهم قدوة والسير على هديهم، وبالتالي سقوط أحقية الدين وأنظمة‬
                                                ‫د‬
                          ‫الحكم الوطنية، والتمرد على كل ما هو مق ّس، من أجل لقمة العيش).‬
  ‫65. نشر العقائد اإللحادية المادية. (من خالل تنظيم محافل الشرق الكبرى، تحت ستار األعمال‬
 ‫الخيرية واإلنسانية، كالماسونية ونوادي الروتاري والليونز، التي تحارب في الحقيقة كل ما تمثله‬
                                                           ‫ً‬
    ‫األديان السماوية، وتساهم أيضا في تحقيق أهداف المخطط األخرى، داخل البلدان التي تتواجد‬
                                                                                     ‫فيها).‬
                             ‫ن‬
         ‫25. خداع الجماهير المستمر، باستعمال الشعارات والخطابات الرّانة، والوعود بالحرية‬
 ‫والتحرر. (التي تلهب حماس ومشاعر الجماهير لدرجة يمكن معها، أن تتصرف بما يخالف حتى‬
    ‫األوامر اإللهية، وقوانين الطبيعة، وبالتالي بعد الحصول على السيطرة المطلقة على الشعوب،‬
                                                     ‫سنمحو حتى اسم "اهلل" من معجم الحياة).‬
‫85. ضرورة إظهار القوة إلرهاب الجماهير. (وذلك من خالل افتعال حركات تمرد وهمية، على‬
        ‫أنظمة الحكم، وقمع عناصرها بالقوة على علم أو مرأى من الجماهير، باالعتقال والسجن‬
                      ‫والتعذيب والقتل إذا لزم األمر، لنشر الذعر في قلوب الجماهير، وتجن‬
    ‫ُّب أي عصيان مسلح قد‬
                                                                                      ‫يك‬
                                             ‫ُف ّرون فيه، عند مخالفة الحكام لمصالح أممهم).‬
                                                          ‫ي‬
      ‫85. استعمال الدبلوماسية السر ّة من خالل العمالء. (للتدخل في أي اتفاقات أو مفاوضات،‬
                        ‫وخاصة بعد الحروب، لتحوير بنودها بما يتفق مع مخططات المؤامرة).‬
    ‫07. الهدف النهائي لهذا البرنامج هو الحكومة العالمية، التي تسيطر على العالم بأسره. (لذلك‬
                              ‫ر‬
 ‫سيكون من الضروري، إنشاء احتكارات عالمية ضخمة، من ج ّاء اتحاد ثروات اليهود جميعها،‬
                                    ‫ظ‬
  ‫بحيث ال يمكن ألي ثروة من ثروات الغرباء مهما ع ُمت، من الصمود أمامها، مما يؤدي إلى‬
                                                 ‫ج‬
    ‫انهيار هذه الثروات والحكومات، عندما يو ّه اليهود العالميون، ضربتهم الكبرى في يوم ما).‬
     ‫57. االستيالء والسيطرة على الممتلكات العقارية والتجارية والصناعية للغرباء. (وذلك من‬
                                                                           ‫ال‬
      ‫خالل؛ أو ً: فرض ضرائب مرتفعة، ومنافسة غير عادلة للتجار الوطنيين، وبالتالي تحطيم‬
                    ‫ا‬
‫الثروات والمدخرات الوطنية، وحصول االنهيارات االقتصادية باألمم. ثانيً: السيطرة على المواد‬
 ‫الخام، وإثارة العمال، للمطالبة بساعات عمل أقل وأجور أعلى، وهكذا تضطر الشركات الوطنية‬
      ‫لرفع األسعار، فيؤدي ذلك إلى انهيارها وإفالسها، ويجب أن ال يتمكن العمال بأي حال من‬
                                                    ‫األحوال، من االستفادة من زيادة األجور).‬
              ‫ا‬      ‫ا‬
‫77. إطالة أمد الحروب، الستنزاف طاقات األمم المتنازعة، مادياً ومعنويً وبشريً. (لكي ال يبقى‬
      ‫في النهاية سوى مجموعات من العمال، تسيطر عليها وتسوسها حفنة من أصحاب الماليين‬
  ‫العمالء، مع عدد قليل من أفراد الشرطة واألمن، لحماية االستثمارات اليهودية المختلفة، بمعنى‬
                                             ‫ا‬
                          ‫آخر إلغاء الجيوش النظامية الضخمة حرباً أو سلمً، في كافة البلدان).‬
 ‫37. الحكومة العالمية المستقبلية، تعتمد الدكتاتورية المطلقة كنظام للحكم. (فرض النظام العالمي‬
‫الجديد، يقوم فيه الدكتاتور بتعيين أفراد الحكومة العالمية، من بين العلماء واالقتصاديين وأصحاب‬
                                                                                  ‫الماليين).‬
  ‫47. تسلل العمالء إلى كافة المستويات االجتماعية والحكومية. (من أجل تضليل الشباب وإفساد‬
                          ‫ال‬
                        ‫عقولهم بالنظريات الخاطئة، حتى تسهل عملية السيطرة عليهم مستقب ً).‬
    ‫17. ترك القوانين الداخلية والدولية التي سنتها الحكومات والدول كما هي، وإساءة استعمالها‬
                      ‫ً‬
 ‫وتطبيقها. (عن طريق تفسير القوانين، بشكل مناقض لروحها، يستعمل أوال قناعاً لتغطيتها، ومن‬
                                                                 ‫ا‬
                                                               ‫ثم يتم طمسها بعد ذلك نهائيً).‬
                                                                            ‫د‬
‫ثم يختم المتح ّث عرضه بالقول: "لعلكم تعتقدون أن الغرباء القوييم (غير اليهود)، لن يسكتوا بعد‬
                                                                       ‫ب‬
    ‫هذا، وأنهم سيه ّون للقضاء علينا، كال هذا اعتقاد خاطئ. سيكون لنا في الغرب، منظمة على‬
  ‫درجة من القوة واإلرهاب، تجعل أكثر القلوب شجاعة ترتجف أمامها، تلك هي منظمة الشبكات‬
    ‫الخفية تحت األرض، وسنعمل على تأسيس منظمات من هذا النوع، في كل عاصمة ومدينة،‬
                                                                                     ‫ق‬
                                                            ‫نتو ّع صدور الخطر منها" انتهى.‬
                                                                             ‫ر‬
                                          ‫- بتص ّف من كتاب (أحجار على رقعة الشطرنج).‬
      ‫ولهذا قال الرئيس األمريكي األسبق بنيامين فرانكلين: "أيها السادة: هنالك خطر كبير يتهدد‬
                     ‫يحل‬
‫الواليات المتحدة األمريكية... وهذا الخطر هو اليهود... ففي أي أرض ُّ بها اليهود... يعملون‬
              ‫ل‬
   ‫على تدني المستوى األخالقي والتجاري فيها... وعلى مدى تاريخهم الطويل... ظّوا متقوقعين‬
    ‫على أنفسهم في معزل عن األمم التي يعيشون فيها... ولم يندمجوا في حضاراتها... بل كانوا‬
  ‫يعملون دوماً على إثارة األزمات المالية وخنق اقتصادياتها... كما حصل في البرتغال وأسبانيا.‬
     ‫ألكثر من 0025 سنة، وهم يبكون على قدرهم ومصيرهم المحزن، أعني طردهم ونفيهم من‬
 ‫وطنهم األم (فلسطين)، ولو أن العالم المتحضر (الغرب) أعاد لهم فلسطين اآلن، فإنهم على الفور‬
   ‫سيختلقون الكثير من األسباب واألعذار والحجج الواهية، ليبرروا عدم رغبتهم في العودة إليها،‬
        ‫لماذا؟ ألنهم كائنات طفيلية، والطفيليات ال تستطيع أن تتطفل على طفيليات أخرى، فهم ال‬
    ‫يستطيعون العيش مع بعضهم البعض، مما يستدعي ضرورة تواجدهم بين المسيحيين، أو بين‬
                                                                         ‫أناس من غير جنسهم.‬
                                                                               ‫ي‬
     ‫وإن لم ُطردوا من الواليات المتحدة بموجب الدستور، فإنهم وخالل مائة عام على األقل من‬
               ‫م‬
  ‫اآلن، سيتوافدون إلى هذا البلد بأعداد كبيرة، وبتلك األعداد سوف يحكمونا ويد ّرونا، من خالل‬
   ‫تغيير أنظمة الحكم لدينا، والتي بذلنا نحن األمريكيين من أجل توطيدها على مر السنين، الغالي‬
  ‫والنفيس من دمائنا وأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا، وإن لم يتم طردهم، وبعد مائتي سنة من اآلن،‬
‫فإن أحفادنا سيعملون في الحقول ليل نهار، من أجل إشباع بطونهم وجيوبهم، بينما يجلسون هم في‬
                                                   ‫ا‬        ‫ا‬
                        ‫قصورهم يفركون أيديهم فرحً واغتباطً، بما حصدوه من غالل وأرباح.‬
   ‫وها أنا أحذركم أيها السادة، إن لم تطردوا اليهود من هذا البلد إلى األبد، فإن أوالدكم وأحفادكم‬
   ‫ا‬                            ‫مث‬
  ‫سيلعنونكم في قبوركم، ومع أنهم يعيشون بيننا منذ أجيال، فإن ُ ُلهم العليا ما زالت تختلف كليً،‬
                                                        ‫مث‬
  ‫عما يتحلى به الشعب األمريكي من ُ ُل، فالفهد األرقط ال يمكنه تغيير لون جلده (عبارة مقتبسة‬
                                                             ‫ير‬
  ‫من التوراة)، سوف ُع ّضون مؤسساتنا ومقوماتنا االجتماعية للخطر، لذلك يجب طردهم بنص‬
                                                                                ‫من الدستور ".‬
   ‫وكان فرانكلين من الرؤساء األوائل في أمريكا، والذي استشعر الخطر اليهودي قبل تغلغله في‬
          ‫أمريكا، من خالل دراسته لتوراتهم ولتاريخهم في أوروبا، وما أحدثوه من خراب فيها.‬
‫وهذا قسم من خطاب الرئيس األمريكي (لنكولن) لألمة األمريكية، في نهاية مدته الرئاسية األولى:‬
                                      ‫ا‬     ‫ً‬                 ‫ن‬
  ‫" إنني أرى في األفق ُذر أزمة تقترب شيئا فشيئً … وهي أزمة تثيرني وتجعلني أرتجف على‬
   ‫سالمة بلدي… فقد أصبحت السيادة للهيئات والشركات الكبرى … وسيترتب على ذلك وصول‬
 ‫الفساد إلى أعلى المناصب… إذ إن أصحاب رؤوس األموال، سيعملون على إبقاء سيطرتهم على‬
                                         ‫ز‬
    ‫الدولة… مستخدمين في ذلك مشاعر الشعب وتح ّباته… وستصبح ثروة البالد بأكملها، تحت‬
                                 ‫سيطرة فئة قليلة … األمر الذي سيؤدي إلى تحطم الجمهورية".‬
      ‫وكان هذا الخطاب قبل أكثر من 035 سنة، بعد أن تغلغل اليهود في أمريكا، وقد اغتيل هذا‬
  ‫الرئيس في بداية فترة الرئاسية الثانية، نتيجة خطاباته؛ ألن كل أصحاب رؤوس المال األمريكي‬
                                                                           ‫أصبحوا من اليهود.‬
                                                          ‫المنظمات اإلنسانية في األمم المتحدة:‬
  ‫ما الذي تنادي به هذه المنظمات؟ تنادي بحرية المرأة، وحقوق اإلنسان، وحقوق الطفل، وتنظيم‬
                    ‫ا‬
     ‫النسل وتحديده، وغيرها، وكل هذه الحريات والحقوق، عند المناداة بها، غالبً ما تأخذ الطابع‬
      ‫السياسي، فانظر إلى الدول المتهمة، بانتهاك هذه الحريات وهذه الحقوق، هي الدول العربية‬
                                           ‫ا‬                                   ‫ال‬
     ‫اإلسالمية أو ً، والدول اإلسالمية غير العربية ثانيً، والدول الشيوعية، وما عدا ذلك إذا كان‬
                                                                          ‫ر‬
          ‫موجوداً، فهو لذ ّ الرماد في العيون، فما الذي يريدون من وراء ذلك ؟ انظر إلى الحياة‬
  ‫االجتماعية في الغرب، الذي سمح ويسمح بهذه الحريات والحقوق، تجد أن اإلجابة هي ما يلي:‬
                                                                                      ‫ر‬
    ‫تح ّر الفكر، فنتج الكفر واإللحاد وعبادة المادة وتقديسها، تحررت النساء فتنازلن عن دورهن‬
    ‫الفطري في األمومة والتربية، فنتجت كافة أنواع اإلباحية والفجور والدعارة، وأصبحت لحوم‬
       ‫ل‬                                             ‫ر‬        ‫ل‬
    ‫النساء عرضة للكالب الضاّة . وتح ّرت الطفولة، فتطاولت على اآلباء واألمهات والمعّمين‬
                                                                     ‫ر‬         ‫ل‬
    ‫والمعّمات، وتم ّدت عند البلوغ لتترك األسرة، وطفقت تبحث عن إشباع الغرائز والشهوات.‬
‫لنخلص من ذلك إلى أن المطالبة بحماية هذه الحقوق والحريات، هي في األصل دعوة للتمرد على‬
                            ‫د‬
 ‫الطبيعة البشرية وأبجدياتها، وعلى القيم الروحية واألخالقية، التي ق ّمتها األديان السماوية كمنهج‬
   ‫للحياة. تهدف إلى ضرب األسرة، اللبنة األساسية في بناء المجتمعات، بحرمان األب من دوره‬
          ‫القيادي، مما يؤدي إلى تفكيك العالقات ما بين أفرادها، وضياع الرؤى المشتركة للبقاء‬
       ‫واالستمرار. ولو قمت بإحصائية لعدد الغربيين ذوي الوالدات الشرعية ! ربما لوجدت أن‬
            ‫م‬                                                     ‫ر‬
      ‫معظمهم أوالد زنا، ش ّ الخلق عند اهلل!! أما نحن... فماضون على الدرب لنواكب ُتطلبات‬
      ‫ر‬
     ‫العصر اليهودي … بجهود الجهابذة من مفكرين وخبراء واختصاصيين … من دعاة التح ّر‬
                ‫د‬                  ‫م‬
      ‫والتحرير واإلصالح االقتصادي والثقافي … وسنصل … ع ّا قريب … إن لم يت ّاركنا اهلل‬
                                                                                      ‫برحمته.‬
                                                                                 ‫مجلس األمن:‬
                                                                     ‫ي ث‬
 ‫بغض النظر عما ُم ّله من أنظمة وقوانين وقرارات، تأخذ طابع العدالة واإلنصاف، فالتطبيق في‬
                                                                      ‫ا‬
    ‫الواقع يختلف كليً، ويأخذ طابع الجور والظلم، كما هو الحال مع فلسطين والعراق من جانب،‬
     ‫وإسرائيل من جانب آخر. فالقرارات ملزمة للجانب األول، وغير ملزمة للجانب الثاني. وخذ‬
     ‫إسرائيل وجنوب إفريقيا من جانب آخر كنظاميين عنصريين، فالنظام األول زالت عنه صفة‬
     ‫العنصرية، بقرار من مجلس األمن مع بقاء النظام العنصري، والثاني زالت عنه هذه الصفة‬
                                                                  ‫ي م‬
 ‫بزوال النظام، وهذا ال ُس ّى كما يحلو لبعض الغافلين، ازدواجية في التعامل، أو الكيل بمكيالين،‬
‫فالحقيقة هي أن مجلس األمن الخاص باألمم المتحدة، هو مجلس أمن يهودي عالمي، وبالتالي ليس‬
                                                                           ‫ي م‬
   ‫هناك ما ُس ّى بمعيارين أو مكيالين، بل هو معيار واحد ومكيال واحد، يقيس كل األشياء وفق‬
 ‫الرؤى اليهودية اإلسرائيلية، فهو الذي أوجد دولة إسرائيل، وهو الذي حافظ على بقائها وإدامتها.‬
   ‫لنطرح هذه التساؤالت: كم كان عدد الدول، التي كانت قلقة بمصير اليهود؟ وما الداعي لوجود‬
    ‫دولة لليهود، بما أن اليهودية ديانة وليست قومية؟ ومن قال بأن القومية تعطي الشرعية إلقامة‬
‫دولة ؟ فهناك األكراد وألبان كوسوفو وغيرهم الكثير، ممن هم متواجدين على أراضيهم! فلماذا لم‬
                                                      ‫ال‬      ‫ال‬                     ‫ي‬
      ‫ُوجد لهم مجلس األمن دو ً؟! وبد ً من ذلك يتغاضى عن إبادتهم وقمعهم، خاصة إذا كانوا‬
  ‫ل‬                                            ‫ً‬
 ‫مسلمين كالبوسنة وكوسوفو والشيشان، أو أعداء لدولة حليفة لليهود كأكراد تركيا، وعندما يتعّق‬
                                     ‫ت‬                                    ‫ي‬
 ‫األمر بالعراق ُصبح األكراد في الشمال مسألة إنسانية ُقلق مجلس األمن. فما مصلحة أمم العالم‬
   ‫قاطبة ومجلس أمنها، في إنشاء دولة لليهود! مع وجود األنظمة العلمانية في معظم دول العالم،‬
‫حتى في معظم الدول اإلسالمية والعربية! إال أن يكون هذا المجلس هو مجلس أمن يهودي بحت،‬
                                                                             ‫ص‬
                                                            ‫ولكن كيف تح ّل اليهود على ذلك؟‬
        ‫الجواب بسيط جداً، من خالل التالعب من خلف الستار، بالترغيب والترهيب االقتصادي،‬
                                                                                ‫و‬
    ‫للمص ّتين على القرارات، لضمان األغلبية إلصدار أي قرار يرغبون بتمريره. باإلضافة إلى‬
       ‫إيجاد حق النقض (الفيتو) للدول دائمة العضوية، منها ثالث دول مؤيدة إلسرائيل بالسيطرة‬
       ‫االقتصادية، مع أن واحدة تكفي، لتعطيل أي قرار ال يخدم مصالح اليهود والدولة اليهودية،‬
                                 ‫ا‬
     ‫واثنتان ال يرتجي منهما خير وهما روسيا والصين، اللتان غالب ً ما كانتا تتماشيان مع الرغبة‬
 ‫األمريكية، نتيجة االسترضاء السياسي، كغض الطرف عن ممارسات هاتين الدولتين، فيما يخص‬
                           ‫ي‬             ‫م‬
   ‫مثالً حقوق اإلنسان في الصين، أو اضطهاد الشعوب ال ُجاورة واألقل ّات العرقية أو الدينية في‬
                            ‫روسيا، باإلضافة إلى اإلغراء االقتصادي، متعدد األوجه والخيارات.‬
                                                                        ‫ك‬
    ‫وفي حال ف ّرت إحداهما في استعمال أي منهما، حق النقض على قرار يخدم إسرائيل، تصبح‬
     ‫دولة نازية وال سامية، وتبدأ اآللة اإلعالمية اليهودية العالمية بالطبل والزمر، فاألمور تصبح‬
                        ‫د‬                                        ‫اك‬
 ‫محسومة مسبقاً، ومؤخرً ُشف النقاب عن هذه السياسة علناً، عندما ه ّدت أمريكا دولة كولومبيا‬
                                           ‫و‬
‫المستضعفة بفرض مقاطعة اقتصادية، عندما ص ّتت لصالح إرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين.‬
                               ‫ت‬
      ‫ولنأخذ على سبيل المثال، القرارات الخاصة بالعراق، حيث اُخذت باإلجماع، بحجة مخالفة‬
  ‫العراق للقانون الدولي آنذاك، وطريقة تأمين اإلجماع، تمت كما هي العادة بطريقة آلية، بالنشاط‬
       ‫الملحوظ للديبلوماسية اليهودية األمريكية من وراء الستار، ومن أمام الستار أحياناً بجوالت‬
                                                      ‫م‬
       ‫مكوكية . فمعظم دول مجلس األمن، إ ّا أن تكون حليفة، أو صديقة، أو مديونة، أو منهارة‬
                                                                     ‫و‬         ‫ا‬
   ‫اقتصاديً. وعندما ُضع أول قرار بدأت الماكينة اليهودية، بالدوران بأقصى سرعتها وطاقتها،‬
 ‫مدفوعة بأحقادها ومخاوفها التوراتية، لفرض قرارات جديدة، ولتأمين تطبيق القرارات وتنفيذها،‬
  ‫والعالم كله ال يعلم لغاية اآلن، حقيقة النوايا اليهودية األمريكية البريطانية، من وراء تلك الحرب‬
                                                                                 ‫وهذا الحصار.‬
               ‫ي‬                                          ‫ي‬            ‫و‬
        ‫وفي الحقيقة ما ُضع بقرار ال ُرفع إال بقرار، وهذا ينطبق على الحصار، ولن ُرفع هذا‬
‫الحصار اليهودي التوراتي، ما دامت أمريكا تملك حق النقض، إال أن يتم خرق هذا الحصار بدون‬
        ‫قرار رفع، من جانب دولة عظمى كروسيا أو الصين، ال يستطيع القانون الدولي اليهودي‬
                                                       ‫ا‬
 ‫األمريكي معاقبتها، كونها تمتلك سالحً نووياً، قادراً على أن يمحو أمريكا وحلفائها عن الوجود،‬
                                           ‫م‬           ‫يد‬
‫بما فيها من يهود، وهذا االحتمال ُع ّ نوع من ال ُغامرة في الظروف الراهنة، ومع ذلك بدأ التمرد‬
                                                ‫الروسي على أوامر أسياد العالم يلوح في األفق.‬
                                                             ‫يك‬
‫وفي نظر ساسة الغرب، من ُف ّر اليوم بمناهضة اليهود ومعاداتهم في الغرب، فقد ثكلته أمه، فخذ‬
                                                                             ‫ال‬
‫(هايدر) مث ً، زعيم أحد األحزاب النمساوية، الذي أطلق يوماً عبارات مناهضة لليهود، عندما فاز‬
                    ‫ج‬                                                      ‫ا‬
  ‫حزبه ديموقراطيً، بأغلبية في مقاعد البرلمان، فقامت الدنيا ولم تقعد، ض ّة إعالمية كبرى، في‬
                                    ‫أ‬
     ‫إسرائيل، أمريكا، بريطانيا، فرنسا، األمم المتحدة، حتى ُرغم االتحاد األوروبي على مقاطعة‬
                     ‫النمسا، لمنع (هايدر) من الحصول على أي منصب في الحكومة النمساوية.‬
‫اللهم أيقظ قلوبنا من الغفالت، وطهر جوارحنا من المعاصي والسيئات، ونق سرائرنا من الشرور‬
   ‫والبليات، اللهم باعد بيننا وبين ذنوبنا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقنا من خطايانا كما‬
 ‫ينقى الثوب األبيض من الدنس، واغسلنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد، اللهم اختم بالصالحات‬
 ‫أعمالنا، وثبتنا على الصراط المستقيم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي اآلخرة، اللهم اجعلنا من‬
        ‫المتقين الذاكرين، الذين إذا أساؤوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا، اللهم انصر إخواننا‬
‫المجاهدين في سبيلك في كل مكان، الذين يريدون أن تكون كلمتك هي العليا، اللهم ثبتهم وسددهم،‬
     ‫وفرج همهم، ونفس كربهم، وارفع درجاتهم. اللهم واخز عدوهم من اليهود والنصارى، ومن‬
 ‫شايعهم وسعى في التمكين لهم وتسليطهم على المسلمين، اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم وخالف‬
  ‫بين كلمتهم واجعلهم غنيمة للمسلمين وعبرة للمعتبرين، اللهم عليك بهم، اللهم زلزل بهم األرض‬
                                                                             ‫ا‬
    ‫وأسقط عليهم كسفً من السماء، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيع والبدع والعناد والفساد.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                        ‫لم ترد.‬

‫(5/4653)‬




                                                         ‫الرافضة والشيخ محمد بن عبد الوهاب‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                          ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                          ‫أديان‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫محمد الشعراني‬
                                                                                               ‫غير محددة‬
                                                                                                ‫غير محدد‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- الحمالت الصليبية والمغولية على العالم اإلسالمي. 7- عقيدة الباطنيين وآراؤهم الفاسدة. 3-‬
   ‫حقد الباطنيين على أهل السنة وتنكيلهم بهم. 4- عداوة الباطنيين للشيخ محمد بن عبد الوهاب.‬
                                ‫1- تصدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب للباطنيين وبدعهم المنكرة.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
        ‫َ قب ف م م ِال و ِمة وأ ئ ُم‬
        ‫أما بعد: أيها المسلمون، مصداقاً لقول ربكم: الَ يرْ ُ ُونَ ِى ُؤْ ِنٍ إ ًّ َالَ ذ َّ ً َُوْلَ ِكَ ه ُ‬
                                                                                   ‫م د‬
      ‫الْ ُعْتَ ُونَ [التوبة:05]، وكما ال يخفى عليكم، لقد تعرض العالم اإلسالمي في الماضي لثمان‬
     ‫حمالت صليبية عسكرية حربية، شنت منطلقة من مبدأ الدين ومحاربة أتباع سيد المرسلين ،‬
‫وكشفت تلك الضغائن الخفية التي ال يتصورها عاقل، والتي يبطنها لنا عباد الصليب، والتي تمثلت‬
 ‫جلية في تلك المجازر الوحشية، وبرك الدماء التي صنعتها تلك القوات بالمسلمين، بال تفريق بين‬
     ‫مدني أو عسكري، بل ذبح األطفال والنساء الشيوخ وبقرت بطون الحوامل، وداست مراكبهم‬
       ‫المرضى في الشوارع، هدمت المساجد، وسرقت مقتنياتها، وأتلفت الكتب ونهبت المنازل،‬
   ‫واستبيحت المحرمات، أحرقت الدور على من فيها، لقد صنعوا بالمسلمين بمصطلح اليوم أفظع‬
                                                                                    ‫أنواع جرائم الحرب.‬
  ‫ثم تلتها الحملة التاسعة المغولية الهوالكية، فأقبلت بالهالك والذبح الجماعي، وزادت على صنيع‬
 ‫الصليبيين بتدمير معالم الحضارة في عاصمة الخالفة بغداد، وإحراق الكتب العظيمة، ثروة األمة‬
 ‫التي ال تقدر بثمن، وتحويل أنهار العراق إلى لون الحبر والمداد، من ألوف الكتب والوثائق التي‬
         ‫ا‬
  ‫سطرها علماء اإلسالم، عبر قرون دفعوا فيها راحتهم، وسالمة عيونهم، وأعمارهم، ثمنً ثم هذه‬
                                                                                                 ‫نهايتها؟!!‬
‫واليوم هذه الحملة العاشرة مرة أخرى على العالم اإلسالمي، ابتدأت باالستعمار ثم احتالل فلسطين‬
     ‫وانتهاك حرمة بيت المقدس، من قبل إخوان القردة والخنازير، والدعم الال محدود وحتى هذه‬
‫الساعة من كل الدول الصليبية بال استثناء، للسرطان المسمى بإسرائيل، وانتهت باحتالل لم يسبق‬
          ‫له مثيل للعراق، مروراً بحروب التصفية الجماعية لمسلمي البوسنة وكوسفو والشيشان‬
 ‫وأفغانستان، وحتى هذه الحملة على العراق مرة أخرى، والتي تدير رحاها أقوى دولتين تتبجحان‬
    ‫بأكذوبة حقوق اإلنسان، والمحافظة على التراث وحماية اآلثار، تعيد إلى أذهان المسلمين نفس‬
    ‫المشاهد، بقصف غير مسبوق للمدنيين، وقتل لألبرياء واألطفال، وهدم للبيوت، وتدمير للبنى‬
                          ‫ت‬
 ‫التحتية، بل ولم يكتفوا بهذا فحسب، فتحت أعينهم وبمباركتهم ُرك آالف المرضى والجرحى في‬
‫المستشفيات بال أطباء وبال دواء، وترك آالف المساجين بال طعام أو شراب، بسبب خلو السجون‬
                                                                               ‫من السجانين.‬
‫بل وفي نفس الوقت الذي شنوا فيها حرباً على حكومة طالبان المسلمة، وأحد أهم مبرراتها تدمير‬
    ‫صنم بوذا، بدعوى أنه تراث أثري يجب المحافظة عليه، نراهم في نفس الوقت يشرفون على‬
                                                                                      ‫ب‬
 ‫سل ٍ كامل، ونهب لم يسبق له نظير لمئات اآلالف من اآلثار والتراثيات، التي هي بقايا لما يزيد‬
 ‫على 0002 سنة من حضارات متعاقبة في بالد العراق، وعلى مرأى العالم ومسمعه، حتى رأينا‬
                                  ‫بكاء علماء اآلثار على هذه الكارثة اإلنسانية التي ال توصف.‬
    ‫واليوم نقف مع حال الباطنيين ودورهم في هذه الحمالت العشر، والتاريخ يعيد نفسه في ذلك‬
    ‫الدعم والوقوف العجيب من قبل الباطنيين، وخيانتهم العظمى ألمة اإلسالم، بالترحيب بالقوى‬
                                                                         ‫ال‬
  ‫الصليبية، بل بد ً من االحتجاج عليها، تؤجج األحقاد على أتباع سنة النبي ، في مسيرة مليونية‬
‫تعيد شعار (يا لثارات الحسين!!) إتماماً لحديثنا عن الدور الذي تلعبه القوى الصليبية في المنطقة،‬
      ‫لكي تثبت أقدامها على تراب العالم اإلسالمي في اللعب بورقة الباطنية، الذين أجادوا الدور‬
                                                                  ‫ا‬
     ‫وبرعوا فيه، تواطؤً مع كل حملة صليبية، بل وكل حملة مغولية، بل وكل مهاجم على بالد‬
                                                                                     ‫اإلسالم.‬
                                                         ‫ها نحن نواصل رفع الستائر المسدلة.‬
                                 ‫هذي الحقائق أرويها وأسردها ……وأسأل اهلل عوناً كي أجليها‬
                              ‫وأكشف الستر عن شر يراد بنا ……فافهم هديت لما أوردته فيها‬
   ‫أخي المسلم، يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية عدو الباطنية اللدود، والسيف الذي سله اهلل على كل‬
‫عدو لسلف األمة ـ رحمه اهلل تعالى وأسكنه فسيح جناته ـ عن الباطنية: "... واعلم أن الصحابة‬
 ‫رضي اهلل عنهم كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الباطنية، ومن‬
 ‫انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في اإلسالم إنما كانت من جهتهم، واعلم أن أصلهم‬
‫ومادتهم منافقون، اختلقوا األكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين اإلسالم، ويستزلوا بها‬
                      ‫ا‬
  ‫من ليس من أولي األحالم...". "... فإنهم أعظم ذوي األهواء جهالً وظلمً، يعادون خيار أولياء‬
    ‫اهلل تعالى بعد النبيين، من السابقين األولين من المهاجرين واألنصار، والذين اتبعوهم بإحسان‬
     ‫رضي اهلل عنهم ورضوا عنه، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين،‬
                       ‫وأصناف الملحدين، كالنصيرية، واإلسماعيلية، وغيرهم من الضالين...".‬
 ‫وقال: "...كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين، ومعاونة للكافرين، وهكذا معاونتهم لليهود أمر‬
  ‫شهير، حتى جعلهم الناس لهم كالحمير..يقول أحدهم بلسانه خالف ما في قلبه، وهذا هو الكذب‬
‫والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين األولين‬
    ‫بالردة والنفاق، فهم في ذلك كما قيل: (رمتني بدائها وانسلت)، إذ ليس في المظاهرين لإلسالم‬
‫أقرب إلى النفاق والردة منهم، وال يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم ...".‬
‫وقد قال اإلمام مالك رحمه اهلل: "الذي يشتم أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم، ليس لهم سهم، أو‬
‫قال نصيب في اإلسالم" بل لكم أن تتصوروا هذه الهجمة حتى على رسول اهلل بالهجوم والتعرض‬
    ‫لحبيبته وقرة عينه أم المؤمنين، ليعيدوا إلينا فرية معلمهم األول الذي علمهم النفاق ابن سلول،‬
    ‫باتهام عائشة بالفاحشة مرة أخرى، اهلل أكبر ما أعظم المشابهة؛ اليهود اتهموا (مريم) الطاهرة‬
     ‫المطهرة عليها السالم بالزنى، وأحفادهم هؤالء اتهموا (عائشة) الصديقة الطاهرة المطهرة أم‬
  ‫الن ِى‬
  ‫المؤمنين ـ بنص القرآن ـ بهذه التهمة.. أال لعنة اهلل على الكافرين، وصدق اهلل العظيم: َّب ُّ‬
                                                    ‫م من ن م فس ِ وَ جه ُم ت ُ‬                             ‫ل‬
                                     ‫أَوَْى بِالْ ُؤْ ِ ِي َ ِنْ أَنْ ُ ِهمْ َأزْوا ُ ُ أ َّهَاُهمْ [األحزاب:6].‬
   ‫أيها المسلمون، إن اإلنسان ال يستطيع أن يتصور كيف يقود كلب الحقد والضغينة هؤالء القوم،‬
          ‫لدرجة أنهم حتى أقبح أنواع الدناءة ال يتورعون عنها، وربما تورع عنها عباد الصليب‬
‫واألحجار.. أليس قد بلغ من حنقهم أنهم يحقنون الفاكهة بالبول، ثم يبيعونها، ويضعون أذكارهم ـ‬
 ‫أعزكم اهلل ـ في األواني واألكواب قبل تقديمها لمن يخالفهم؟!! فكيف يتقى شرهم؟ لم يفت علماء‬
                                                            ‫ا‬
‫التاريخ وغيرهم أن يذكروا طرفً من أذى الباطنية، أليس شيخ اإلسالم هو الذي قال: "... وقد علم‬
  ‫أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الباطنية، يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم‬
                                                                        ‫ا‬
     ‫وقتلوا خلقاً عظيمً وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسالح‬
  ‫واألسرى، وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على‬
                                                                       ‫المسلمين من جميع األعداء...".‬
                                                ‫فلم أر ودهم إال خداعً ……ولم أر دينهم إال نفاقً‬
                                                ‫ا‬                        ‫ا‬
   ‫أخي المسلم، إن الباطنيين: "..حين يعيشون في دول ال تدين بمعتقدهم، يتجه جهدهم إلى العمل‬
‫والتخطيط للتمكين لمذهبهم وبني جنسهم، وإلحاق الضرر بغيرهم، ومن يقرأ ما فعله ابن يقطين ـ‬
  ‫الباطني ـ بالمساجين المساكين، ويرى محاوالت الباطنيين الدائبة في التسلل إلى أجهزة األمن،‬
‫وكذلك التغلغل في جيوش الدول اإلسالمية، يعرف أن هدفهم من ذلك ليس خدمة الدولة وال الدفاع‬
      ‫عنها ضد أعدائها، ولكن استغالل هذه األجهزة في العدوان على المسلمين، ونصرة الباطنية‬
                                                                ‫ومذهبهم كلما الحت لهم الفرصة...".‬
  ‫نعم، فالباطنية كعادتهم ".. وفي سبيل الوصول ألغراضهم، سيحاولون الدخول ليتمكنوا بواسطة‬
‫ذلك من التسلط على عباد اهلل الصالحين، وإلحاق الضرر واألذى بمخالفيهم، بل هم يثبتون هذا في‬
   ‫كتبهم، فهذا نعمة اهلل الجزائري في كتابه األنوار النعمانية يقول: إن علي بن يقطين وصل إلى‬
‫منصب وزارة في عهد هارون الرشيد، وأنه قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين ـ أي أهل‬
‫السنة ـ فأمر غلمانه وهدموا أسقف المحبس على المحبوسين، فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل‬
    ‫تقريبا". وقد أثنى ـ الزعيم الباطني ـ في كتابه "الحكومة اإلسالمية" على هذا الرجل لدخوله‬
 ‫الشكلي، كما يعبر في الدولة اإلسالمية لنصرة اإلسالم والمسلمين ـ يعني الباطنية ومذهبهم ـ".‬
 ‫وكثير منا يعلم قصة ابن العلقمي الباطني، الذي جعله المستعصم وزيراً أربع عشرة سنة، وكيف‬
  ‫كان هذا الباطني من أهم أسباب سقوط دولة الخالفة في بغداد، واستيالء التتار عليها، وارتكبت‬
‫بواسطته أعظم جريمة حرب في التاريخ، ذهب ضحيتها في شهر واحد مليون وثمانمائة نفس، ثم‬
         ‫ترى أحفاده الباطنيين المعاصرين يثنون على صنيعه هذا، بل وعدوه من أعظم مناقبه.‬
   ‫ولعلنا ال نتعجب من حقد الباطنية على أتباع محمد وأصحابه، إذا نظرنا للروايات األثيمة التي‬
   ‫حشا بها القوم كتبهم، كما في كتاب الشرائع للباطني ابن بابويه، بروايته عن داود بن فرقد أنه‬
‫سأل شيخه عن قتل مخالفهم من أهل التوحيد؟ فقال: حالل الدم، ولكني اتقي عليك، فإن قدرت أن‬
                                                                          ‫ا‬
                               ‫تقلب عليه حائطً أو تغرقه في ماء لكي ال يشهد به عليك فافعل.‬
                            ‫ت‬
‫وقال آخر مجيباً لمن سأله، وناصحا له: "أشفق إن قتلته ظاهراً أن ُسأل لم قتلته؟ وال تجد السبيل‬
 ‫إلى تثبيت حجة، وال يمكنك إدالء الحجة، فتدفع ذلك عن نفسك، فيسفك دم مؤمن من أوليائنا بدم‬
                                                                     ‫كافر، وعليكم باالغتيال".‬
      ‫فيا أيها المسلم، قد أعطاك اهلل فطنة فاحذرهم أن يغتالوك، فلقد ذكر في كتاب رجال الكشي‬
 ‫للباطنية، أن باطنياً رفع تقريراً إلى أحد رؤوس الباطنية، يخبره أنه تمكن وحتى ذلك الوقت، من‬
  ‫قتل ثالثة عشر مسلماً ال ذنب لهم، إال أنهم من أهل السنة، ويعتز هذا الباطني ويفتخر، ويصف‬
‫كيف استطاع أن يقضي عليهم فيقول: ".. منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من‬
                                                 ‫دعوته بالليل على بابه، فإذا خرج علي قتلته".‬
‫أال يجدر بنا بعد كأمة واعية، أمة تقتفي هدي رسول اهلل وتبع سنته، أن نأخذ حذرنا، وأن ال نغتر‬
 ‫بظواهر األمور، فالمؤمن كيس فطن، ليس بالخَب وال الخب يخدعه، ونصيحتي التي أذكر نفسي‬
                                            ‫وإخواني بها: ال ننسى التاريخ، ال ننسى التاريخ؟؟‬
‫فانظر كيف يعيشون في وسط المسلمين، ويتسمون باسم اإلسالم، وهم يتحينون أدنى فرصة للقتل،‬
                                                      ‫وهذه اعترافاتهم تشهد بآثارهم السوداء".‬
    ‫وفي وقتنا المعاصر التاريخ يعيد نفسه، أصبحت لهم دول كما كانت الدولة العبيدية والبويهية‬
         ‫والحمدانية والصليحية، وهاهم قد نكلوا بأتباع سنة محمد أيما تنكيل، وأقاموا لهم المذابح‬
                                                        ‫ا‬
  ‫والمجازر، وصب عليهم العذاب صبً، وكثر فيهم القتل، فلم تكن تمضي ليلة واحدة بغير إعدام،‬
                                         ‫ء‬
                                        ‫وأيضاً فقد امتألت سجونهم بأهل التوحيد رجاالً ونسا ً.‬
 ‫بل يا عبد اهلل، لقد وصل حقدهم البغيض، وإجرامهم الرهيب، إلى أن حراس ثوراتهم الشيطانية،‬
  ‫كانوا يغتصبون البنت العذراء البكر قبل إعدامها، وليس لها ولمثيالتها ذنب سوى أنهن من بني‬
  ‫أتباع سنة المصطفى ، ".. ولك أن تشعر بمشاعر من يرى أخاه اإلنسان... يقتل ظلماً، أو يرى‬
                                                                                 ‫ا‬
 ‫أختً يعتدى على عرضها، وتهتك حرمتها ثم تقتل مظلومة، وهو ال يملك أن يدافع عنه أو عنها،‬
    ‫وأما عن الحرية الدينية فهناك أكثر من ثالثمائة ألف من أهل السنة والجماعة، وحتى اليوم ال‬
           ‫يوجد لهم حتى اآلن مسجد واحد يصلون فيه جماعة على أرض أحفاد ابن العلقمي!!".‬
      ‫أخي المسلم، هذا قليل من كثير، ولكن اعلم أن الباطنية إذا كانوا ضعفاء أخلدوا إلى األمن،‬
‫ا‬         ‫ا‬        ‫ال‬
‫وأظهروا المودة والمحبة ألهل التوحيد، فإذا قويت شوكتهم عاثوا فيهم قت ً واضطهادً، واغتصابً‬
                                                                ‫ل‬            ‫ا‬
   ‫وإجرامً، وإن شئت فقّب صفحات التاريخ وانظر إلى الواقع، وسيتضح لك خذالنهم للمسلمين،‬
    ‫وتآمرهم عليهم كلما حدثت لهم حادثه ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة. وما أمر بغداد عنا‬
                                      ‫ببعيد، أعرفت اآلن معنى أن ترى حاقداً يلبس جلد الثعلب؟!‬
                                ‫هو ه د‬             ‫ق الس‬           ‫ُ ب‬               ‫َذ ْ لم‬             ‫إ َّ ف‬
                        ‫ِن ِى ذالِكَ ل ِكرَى ِ َن كَانَ لَه قَلْ ٌ أَوْ أَلْ َى َّمْعَ وَ ُ َ شَ ِي ٌ [ق:23].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والمواعظ والذكر الحكيم،‬
                 ‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو البر الغفور الرحيم.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل الذي أظهر دينه المبين، ومنعه بسياج متين، فحاطه من تحريف الغالين، وانتحال‬
                      ‫سخ‬
‫المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، َّر لدينه رجاالً قام بهم‬
 ‫ب‬                                                                       ‫وبه قاموا، واعتز‬
‫َّ بدعوتهم وجهادهم وبه اعتزوا، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، كان ير ّي‬
                                                                              ‫ل‬
   ‫ويعّم ويدعو، ويصوم ويقوم ويغزو. صلوات ربي وسالمه عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين‬
                                                          ‫الطاهرين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
    ‫وبعد: إن القوم الضالين، وكل فرق الباطنية المنافقين، أعلنوا حملة شعواء ال هوادة فيها على‬
   ‫اإلمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وعلى أتباعه، الذين ال ينفك الباطنيون عن نعتهم بالوهابية‬
                                                     ‫والوهابيين، وكأنهم طائفة من غير أهل السنة!.‬
     ‫وكما عادى هؤالء بكل وسيلة شيخ اإلسالم علم الدنيا واألعالم، أحمد بن عبد الحليم بن عبد‬
  ‫السالم ابن تيمية، فهم يسلكون مع الشيخ ابن عبد الوهاب الطريقة نفسها، من التشهير ومناصبته‬
‫وأتباعه العداء، فهذا زعيم الباطنية الهالك ـ في كتابه: "الحكومة اإلسالمية" يصف حركة المجدد‬
    ‫الشيخ اإلمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بشتى األوصاف المقذعة، فتارة يسميهم: "وحوش‬
       ‫نجد"، وتارة: "وحداة البعران في الرياض"، وتارة يقول: "ممن يعدون من أسوأ المخلوقات‬
    ‫البشرية.."، وتارة يقول: "الوهابيين، الذين هم مجموعة من رعاة اإلبل المجردين من أي علم‬
                                                                             ‫ومدنية..."، فما هو السبب؟‬
                                                                                    ‫ال‬
       ‫أو ً: الشيخ اإلمام محمد بن عبد الوهاب (1555- 6075هـ) ولد ببلدة العيينة القريبة من‬
                                                  ‫ا‬
 ‫الرياض، وتلقى علومه على والده دارساً شيئً من الفقه الحنبلي والتفسير والحديث، حافظاً للقرآن‬
                                                                              ‫الكريم وعمره عشر سنين.‬
     ‫لقد سلك اإلمام رحمه اهلل تعالى في بحثه عن فرق الباطنية مسلك الباحث الموضوعي، الذي‬
‫اعتمد في كل جزئية تناولها على مراجعهم ومصادرهم، شأنه شأن المنصفين المقسطين، وال غرو‬
 ‫في ذلك فهو رحمه اهلل تعالى سلك مسلك أئمة السلف في الرد على المخالفين، ال سيما وأن اإلمام‬
    ‫قد تأثر إلى حد كبير بمنهج اإلمامين العظيمين: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما اهلل تعالى،‬
                                                      ‫فجاءت كتابته عن الرافضة سديدة وموثقة.‬
   ‫إن الشيخ بسبب تصديه ومحاربته العظيمة لعباد القبور واألضرحة، وقيامه بأهم الواجبات وهو‬
   ‫تصفية التوحيد من أدران الشرك، وهدمه للقباب واألضرحة، وإبطاله أن يكون هناك عتبات أو‬
  ‫مراقد مقدسة ألي أحد كان، ومنعه من الطواف بها، واالستغاثة، وطلب كشف الكربات، وتفريج‬
                                                          ‫ا‬
    ‫المهمات، وتطبيق ذلك عمليً، بهدم قبة قبر زيد بن الخطاب، وجميع أضرحة ومزارات نجد،‬
‫وبسبب فضحه للباطنيين على نفس طريقة اإلمامين العظيمين: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما‬
‫اهلل تعالى، وقيامه بالرد عليهم وتبيين دجلهم ونفاقهم، وحتى اليوم أتباعه يدعون بدعوته، فإن القوم‬
                                               ‫يعادونه عداء ليس له نظير، فإنه أكبر فاضح لهم.‬
   ‫يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وبسبب الباطنية حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من‬
                                                                            ‫بنى عليها المساجد".‬
  ‫إن الباطنية يعبدون ويتقربون لقبور الصالحين، فإذا كان حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
  ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((لعن اهلل اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))‬
      ‫رواه البخاري ومسلم في قبور األنبياء، فكيف من اتخذ المشاهد لمن هم أدنى من األنبياء؟!!‬
   ‫وهو الذي منع النبي من األمر بإبراز قبره للناس، كما في حديث عائشة رضي اهلل عنها قالت:‬
    ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن اهلل اليهود والنصارى،‬
       ‫ا‬        ‫ي‬                         ‫أ‬
‫اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت: (لو ال ذلك ُبرز قبره، غير أنه خشي أن ُتخذ مسجدً)، وقال‬
    ‫عليه الصالة والسالم: ((اللهم ال تجعل قبري وثناً، لعن اهلل قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))‬
                                                                                    ‫رواه أحمد.‬
‫وهذا الذي يفعله هؤالء الباطنيون ـ باهلل عليكم ـ أليس من أعظم الشرك؟ وجعل قبور الصالحين‬
 ‫أوثاناً تدعى وتعبد ويركع لها ويسجد، إن اهلل تعالى في عليائه أمر بإقامة الوجوه عند كل مسجد،‬
    ‫ا‬
 ‫ولم يأمر أن نقيمها عند كل مشهد، ثم إذا كان الغلو مهلكة ألمم السابقة، فهل أعظم منهم غلوً؟!!‬
                                                                                     ‫بلى واهلل!!‬
‫وعن عمر أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ال تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم،‬
    ‫إنما أنا عبده، فقولوا: عبد اهلل ورسوله)) أخرجاه. وقال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
    ‫((إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) رواه النسائي وابن ماجه.‬

‫(5/1653)‬
                                                                                ‫مقارنة بين جيش البعث واالنتفاضة‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                  ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                     ‫المسلمون في العالم‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                         ‫محمد الشعراني‬
                                                                                                               ‫غير محددة‬
                                                                                                                ‫غير محدد‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وجوب االعتبار بحال من مضى. 7- السقوط واالندحار مصير كل جيش لم يقم على أساس‬
  ‫الدين. 3- سر انتصار المسلمين، أين يكمن؟ 4- سبب ثبات االنتفاضة في فلسطين وقوتها. 1-‬
      ‫اعترافات إسرائيلية بقوة المقاومة وثباتها. 6- موازين النصر ال تخضع لكثرة العدد والعتاد.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
          ‫ت‬                    ‫ت‬           ‫ذ‬              ‫ن‬
   ‫أما بعد: أيها المسلمون، عباد اهلل، فإ ّ التاريخ أستا ٌ ينبغي أنْ ُستقى منه العبر، وأن ُؤخذ منه‬
       ‫ن َد ث ي َر‬              ‫ب‬           ‫َ ف صص ِ ع ْرة ال ل‬             ‫َ‬        ‫ز‬
      ‫الدروس، يقول اهلل ع ّ وجل: لَقدْ كَان ِى قَ َ ِهمْ ِب َ ٌ ّوِْى االلْبَا ِ مَا كَا َ ح ِي ًا ُفْت َى‬
                      ‫ُد َ م ْم ي من‬                         ‫ُل‬           ‫د َّ ب َد ه و‬                    ‫و ك‬
‫َلَا ِن تَصْ ِيقَ الذِى َيْنَ ي َيْ ِ َتَفْصِيلَ ك ّ شَىْء وَه ًى ورَحْ َةً لْقَو ٍ ُؤْ ِ ُونَ [يوسف:555]، إنه ال‬
 ‫يحدث في هذه الدنيا حدث إال بتقدير اهلل له قبل أن يخلق العالم بخمسين ألف سنة، وإن أساس ما‬
‫يجب أن يعتقده المسلم في أقدار اهلل تعالى الكونية والشرعية، أنها منطلقة من حكمة بالغة، فإن اهلل‬
                                          ‫ت ن ُّ ُر‬           ‫ح مة ل ة‬                       ‫ا‬
  ‫ال يخلق شيئً عبثاً سبحانه، ِكْ َ ٌ بَاِغَ ٌ فَمَا ُغْ ِى النذ ُ [القمر:1]. وإن الناس إن لم يستفيدوا مما‬
    ‫يحدث في هذه الدنيا من األمور، يكونون قد فرطوا تفريطاً عظيماً فيما ينفعهم وفيما يصلح من‬
  ‫َر ِ ل‬                 ‫ر َّذ‬            ‫ه َّ‬
  ‫أحوالهم، ألم تسمع إلى قوله تعالى بعدما هزم بني النضير: ُوَ الذِى أَخْ َجَ ال ِينَ كَف ُواْ منْ أَهْ ِ‬
‫ْرج و َن َن ُ م نعته حص نه م الل ِ أ ُم‬                                    ‫ُ‬       ‫م د ِ ِو ح ْ م‬                        ‫ك‬
‫الْ ِتَابِ ِن ِيَارِهمْ ألَ َّلِ الْ َشرِ َا ظَنَنتمْ أَن يَخ ُ ُواْ َظ ُّواْ أَّهمْ َّا ِ َ ُ ُمْ ُ ُو ُ ُم ّنَ َّه فََتَاه ُ‬
         ‫م من َ‬               ‫سب َ َ َ ف قل ب ِم الر ب ي رب بي ُ د ِ و‬                                     ‫الله م ح ث َ‬
         ‫َّ ُ ِنْ َيْ ُ لمْ يَحْتَ ِ ُواْ وقَذف ِى ُُو ِه ُ ُّعْ َ ُخْ ِ ُونَ ُ ُوتَهمْ بِأَيْ ِيهمْ َأَيْدِى الْ ُؤْ ِ ِين‬
                                                                    ‫ص‬         ‫ِر أ ل‬
 ‫فَاعْتَب ُواْ ياُوِْى األَبْ َارِ [الحشر:7]، فأخذ العبرة من األحداث واجب، وتأملها من أعظم ما ينفع‬
                                                                                             ‫اإلنسان في تسيير حياته.‬
    ‫إذا عرفنا هذا كله، ونحن نشاهد سقوط جيش عظيم، قرابة نصف مليون مدجج بأنواع األسلحة‬
 ‫التقليدية، من الصواريخ والدبابات واآلليات، جيش له تجارب وخبرة ضخمة على مدى 47 سنة،‬
                       ‫ا‬
‫جيش عرف بقوته وجبروته وبطشه، ومع ذلك ينهار في ظرف 07 يومً، وإن كان األمر ما يزال‬
     ‫محيراً، إال أن القاعدة التي تعلمناها من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضيَ اهلل عنه وهو‬
                                              ‫مه‬
     ‫يخاطب قائد الجيش يقول له: (يا سعد بن ُ َيْج، يا سعد بن أبي وقاص، ال يضرنك أن يقول‬
                      ‫ر‬
      ‫الناس أنت خال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، اتق اهلل وكن على حذ ٍ من المعصية، إني‬
           ‫عد‬
   ‫أوصيك ومن معك من األجناد بتقوى اهلل، فإنكم ال تنتصرون على األعداء بعددٍ وال ُ َّة، وإنما‬
‫تنصرون بطاعتكم ومعصية عدوكم, فإن عصيتم اهلل كنتم أنتم وهم سواء، ينتصر بعد ذلك من كان‬
                                                                                       ‫َد ا‬
                                                                                     ‫أكثر ع َدً).‬
                                      ‫إذن إنهار جيش العراق ألجل هذا، وغلبوهم بالعدد والعدة.‬
  ‫وبينما نحن نشاهد جيوش الروس بجميع أسلحتها، من الطائرات والصواريخ والدبابات واآلليات‬
    ‫وخبرتها كأقوى قوة تناطح أمريكا، رأيناها مدحورة مخذولة قد دوختها طائفة مؤمنة تقية نقية‬
                                                                            ‫ُتق‬              ‫والل‬
   ‫َّهَ مَعَ الْم َّ ِينَ [التوبة:375]، ليس عندها جيش نظامي وال دبابة واحدة، وقد رأينا كذلك نفس‬
                                                                  ‫أ‬
  ‫الجيش األمريكي، يظل ُسْد اهلل من المجاهدين األشاوس في أفغانستان، يقاومونه إلى آخر رمق‬
  ‫وآخر نفس، بل وهم مستمرون في النيل منه حتى هذه الساعة، حصروه داخل أسواره وأسالكه‬
 ‫الشائكة، ال يستطيع الخروج منها والتنقل بحرية، بل إنما يمنعه من كيد المجاهدين ويحميه طائفة‬
                                       ‫ا‬
  ‫مرتدة من أتباعه المنافقين، كل هذا وكل العالم يعلم يقينً بأن هذه الطائفة ليس لديها ما كان لدى‬
                                                 ‫ا‬
                                              ‫جيش البعث من العتاد والخبرة، أليس هذا عجيبً؟!!‬
  ‫أيها اإلخوة المسلمون، إن سر انتصار المسلمين مكمنه في حديث الرسول صلى اهلل عليه وسلم:‬
 ‫((يوشك األمم أن تداعى عليكم، كما تداعى األكلة إلى قصعتها)) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟‬
                               ‫ز َن‬
    ‫قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولين َع َّ اهلل من صدور عدوكم المهابة‬
     ‫منكم، وليقذفن اهلل في قلوبكم الوهن)) فقال قائل: يا رسول اهلل وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا‬
  ‫وكراهية الموت)) أخرجه أبو داود وأحمد من حديث ثوبان، وصححه الشيخ األلباني رحمه اهلل.‬
 ‫نعم إنه باختصار كراهية الدنيا وطلب اآلخرة بصدق، التي ال يمكن الفوز بما أعد اهلل تعالى فيها‬
       ‫إال بحب الموت، كما قال أبو بكر الصديق رضي اهلل تعالى عنه: (اطلب الموت توهب لك‬
                                                                                         ‫الحياة).‬
                                     ‫ال تسقني كأس الحياة بذلة …بل فاسقني بالعز كأس الحنظل‬
‫بل حتى بالد المسلمين المحتلة في األرض المباركة، أرض فلسطين، أرض الشام، أرض المالحم‬
  ‫قبل قيام الساعة، كل العالم يشاهد ويسمع تلك العجائب! كيف يتصدى أطفال بحجارة، وشباب ال‬
‫يملكون من السالح غير سالح اإليمان، والحرص على طلب الجنان مهما كان، كيف يتصدون لما‬
   ‫يصفه العالم بأنه أقوى جيوش المنطقة، وخامس أقوى جيش في العالم، الذي قال أحد المراقبين‬
                    ‫ا‬
                 ‫اليهود: "كل شعوب العالم تملك جيشاً، إال في إسرائيل، فإنها جيش يملك شعبً"!!‬
     ‫نعم شباب االنتفاضة، هم يقاومون بمعنويات مرتفعة، يسندها أنهم ال يستمعون وال يبالون بما‬
       ‫يصرخ به المتقاعسون الالهثون وراء سالم الشجعان، الذين كلما وقعت عملية ناجحة بكل‬
 ‫المعايير ضد العدو المحتل، أتى هؤالء ونبحوا معلقين: "وكل هذا سيؤدي إلى انتقام شديد من قبل‬
    ‫العدو المحتل". هذه الفتية التي آمنت بربها واهتدت، زادهم اهلل هدى، حتى اليهود في إعالمهم‬
   ‫يعترفون بهزيمتهم مقابل االنتفاضة، فلننظر ماذا قال الخبير اإلستراتيجي اليهودي "فان كرفيلد"‬
 ‫وهو أستاذ الدراسات العسكرية في الجامعة العبرية، وعدد من األكاديميات العسكرية حين يتحدث‬
    ‫عن هذا التغيير ونتائجه، وكيف ربطه بكل جرأة وصراحة بنهاية دولة إسرائيل: "ال نجد جيشً‬
    ‫ا‬
 ‫نظامياً نجح في مواجهة انتفاضة كالتي نواجهها. ما يحدث معنا اليوم هو ما حدث مع األمريكيين‬
    ‫في فيتنام، واإلسرائيليين في لبنان، والروس في أفغانستان، وهذا ما سيحدث معنا مرة أخرى،‬
                                                         ‫وهذا ما سيحدث لألمريكيين في أفغانستان".‬
                                                    ‫فيقول له الصحفي: أال يوجد لديك مثال مخالف؟‬
                                                                       ‫ال‬
‫قال: أنا ال أعرف مثا ً مخالفاً، إننا ندير حرباً للطرف اآلخر فيها كل اإليجابيات، فنحن نقاتل في‬
      ‫ملعبه، الجيش اليوم موجود في الجانب غير الصحيح، في الجهة التي سيحكم عليها بالفشل".‬
‫ويقول: "لدينا قوة كبيرة، ولكن معظم هذه القوة ال يمكننا أن نستعمله، وحتى لو استعملناه فثمة شك‬
    ‫في نجاحه، فاألمريكيون أنزلوا ستة ماليين طن من القنابل، على فيتنام وال أذكر أن هذا األمر‬
                                                                                               ‫نفعهم".‬
                     ‫و يعبر "يوري أفنيري" الذي كان عضواً في الكنيست عن هذه الهزيمة بمثال:‬
   ‫"دخل مالكمان الحلبة: واحد منهما بطل الوزن الثقيل، واآلخر وزن الريشة. ويتوقع الجميع أن‬
                   ‫يقوم البطل بتسديد ضربة قاضية تقضي على غريمه الهزيل في الجولة األولى.‬
   ‫ولكن بأعجوبة تنتهي الجولة األولى، والضربة القاضية لم تسدد بعد، ثم الجولة الثانية، ويستمر‬
                        ‫ا‬
‫نفس الوضع، وبعد الجولتين الثالثة والرابعة ال يزال خفيف الريشة واقفً، مما يعني أنه هو الرابح‬
                      ‫ا‬
   ‫الحقيقي، ال بالضربة القاضية وال بالنقاط، وإنما لمجرد أنه ال يزال واقفً ومستمراً في الصراع‬
                                                                                   ‫مع غريمه القوي".‬
               ‫سب‬           ‫ُم الله م ح ث َ‬
 ‫ولنعرف السبب ـ أيها اإلخوة ـ لنتأمل قوله تعالى: فَأَتَاه ُ َّ ُ ِنْ َيْ ُ لمْ يَحْتَ ِ ُواْ [الحشر:7]،‬
                                                               ‫ا‬
    ‫يقول: "فان كرفيلد" أيضً: "في عام 4885 دعيت إللقاء محاضرة في هيئة األركان الصهيونية‬
     ‫العامة، وكان قائدها آنذاك إيهود باراك (رئيس الوزراء فيما بعد)، لقد خرجت من المحاضرة‬
                                                                            ‫ا‬
   ‫مصعوقً من مستوى وسلوك الجنراالت آنذاك، فبعضهم انشغل في أكل الساندويتشات، واآلخر‬
  ‫تكلم، والبعض ثرثر، ورابع لعب في األوراق التي أمامه، وبعضهم انشغل بالحواسيب يلعب بها‬
        ‫كاألوالد الصغار، لقد فعلوا في أثناء المحاضرة كل ما يفعله طالب فوضوي، ما عدا قذفهم‬
                           ‫ا‬
‫المحاضر باألوراق! ولقد سألت باراك إن كانت هذه الفوضى دائمً تحدث أثناء المحاضرة فأجاب:‬
 ‫"بشكل عام.. الوضع أكثر صعوبة"، إن مستوى الفوضى لدى الضباط فاجأني، إنهم مجموعة من‬
           ‫ً‬
‫المتخلفين، ولم ألتق بمجموعة جاهلة كهذه المجموعة في أي إطار، وهم أشد جهال في موضوعهم‬
                                          ‫"الجيش اإلسرائيلي" بما في ذلك تاريخ ونظريات الجيش".‬
                                            ‫فيقول له الصحفي: إذن ماذا يتعلمون في الدورات؟‬
                                                                      ‫فيجيب: اهلل وحده يعلم.‬
                                              ‫فيعود ليقول له: إذن نحن في طريقنا إلى البحر؟‬
 ‫فيجيب: "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإننا سنصل إلى تفكيك "دولة إسرائيل"، ليس عندي‬
    ‫شك في ذلك، والدالئل موجودة، ولكن قبل أن نتفكك نهائياً ستنشب هنا حرب أهلية، وهذا هو‬
   ‫الخط األحمر بالنسبة لي، ولو وقعت جريمة قتل أخرى، كتلك التي حدثت لرابين، فسأرحل أنا‬
                                                                              ‫ا‬
                     ‫وعائلتي، تاركً أبناء شعبي الذين أحبهم هنا، ليقتل الواحد منهم اآلخر"اهـ.‬
                                                                   ‫وعن الطرف اآلخر يقول:‬
                               ‫ا‬
  ‫"فيما يتعلق بالفلسطينيين، فإن هذا األمر يعمل بشكل عكسي تمامً، فهم يملكون دائما ثقة بالنفس‬
 ‫عالية، ويمكنك أن تالحظ تردي األوضاع عندنا من خالل السنوات المنصرمة، كيف أن فضيحة‬
     ‫تتبعها فضيحة، وفشل يتبعه فشل، فالرجال يرفضون الخدمة العسكرية، والجنود يبكون على‬
  ‫القبور، في نظري أن هذا البكاء أحد أغرب األمور، ولو كان بوسعي فعل شيء لمنعت بث هذه‬
   ‫المشاهد وهذه الصور، ومن الجهة المقابلة أنت ترى رغبة شديدة في االنتقام ومعنويات عالية،‬
  ‫وما عليك إال أن تقارن الجنازات، حتى تفهم لمن توجد همة عالية أكثر، ومعنويات أعلى: عندنا‬
‫ينوحون، وعندهم يطلبون االنتقام، إننا نقترب من نقطة سيفعل الفلسطينيون بنا ما فعله المجاهدون‬
‫األفغان بالجنود السوفييت في أفغانستان، وما فعلت جبهة التحرير الوطني الجزائرية في الفرنسيين‬
                                                                               ‫في الجزائر".‬
   ‫وال بأس ـ أيها اإلخوة ـ أن نذكر لكم كذلك ما قاله "جرشون باسكين"، المدير العام المشترك‬
    ‫للمنظمة اإلسرائيلية الفلسطينية للبحوث والمعلومات، حيث كتب يقول موضحاً سبب االنتصار‬
                                                                                  ‫لالنتفاضة:‬
    ‫"إن الفلسطينيين يعرفون أن قوتهم العسكرية أقل بأضعاف من القوة اإلسرائيلية، وأنه ال توجد‬
 ‫أمامهم أية إمكانية للفوز في أرض المعركة، ولكنهم يؤمنون من الناحية األخرى بتفوقهم السياسي‬
    ‫واألخالقي. واعتقادهم هو أن العدل والتاريخ يقفان إلى جانبهم، وهم يقولون: إن إسرائيل هي‬
 ‫المحتل األخير المتبقي في العالم، وأن أحداً ال يستطيع أن يوقف نصرهم في حرب التحرير التي‬
     ‫يخوضونها من االحتالل األجنبي، ـ إلى قوله ـ وهم مقتنعون أنهم سيحققون ذلك في نهاية‬
       ‫المطاف، من خالل الكفاح الذي يخوضونه اآلن"، أي من خالل حرب التحرير الفلسطينية.‬
                                         ‫هذه شهادة العدو المحتل والحق ما شهدت به األعداء.‬
   ‫اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا اللهم لصالح القول والعمل برحمتك يا‬
   ‫أرحم الراحمين، بارك اهلل لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر‬
         ‫الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو البر الغفور الرحيم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل ذي العز والسلطان، أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، أحمده سبحانه‬
    ‫على عظيم اإلحسان، وأشهد أن ال إله إال اهلل عظيم الشان، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده‬
 ‫ورسوله، بعثه اهلل إلى اإلنس والجان، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى‬
                                                                                ‫آله وصحبه أولي الفضل واإليمان.‬
‫أما بعد: أيها اإلخوة المؤمنون، إن أمتنا لن تحقق عزتها إال إذا كانت تحت راية إسالمية، ال قيمة‬
         ‫لألعداد الغفيرة، وال العدد الكثيرة، إذا كانت الراية ليست راية إسالمية، ال قيمة للشعارات‬
 ‫والخطب الكاذبة والدعاوى بغير بينات، ال قيمة للرايات البعثية والقومية، بل من قاتل تحتها فهو‬
     ‫من أهل الجاهلية، كما قال صلى اهلل عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ومن قاتل تحت راية‬
                                                                          ‫ع‬
                ‫عمية، يغضب ل ُصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل؛ فقتلة جاهلية)).‬
         ‫إن الراية التي يجب أن ينضوي تحتها المسلمون هي راية ال إله إال اهلل، وهي الراية التي‬
‫ستنتصر، وهي الراية التي تكون في سبيل اهلل، كما قال صلى اهلل عليه وسلم في الحديث الصحيح‬
                                                                                                    ‫ا‬
                                           ‫أيضً: ((من قاتل لتكون كلمة اهلل هي العليا فهو في سبيل اهلل)).‬
                                         ‫ا‬
 ‫نحن نحتاج في الحقيقة مثل تلك الفئات التي ذكرناها آنفً، والينبغي لنا أن نغتر بالكثرة والعدد أو‬
     ‫بالقوة المادية، فهاهي قد ولت على أدبارها في بغداد: لَقدْ نَص َ ُ ُ َّه ِى مَ َا ِ َ كَثِيرَةٍ ويَوْ َ‬
     ‫َ م‬               ‫َركم الل ُ ف و طن‬            ‫َ‬
  ‫ع ُم ْض ب حب ُم َل ت م ِر ن‬                                ‫ا وض‬         ‫ح ِ جب ك ْرت ُ ْ َ ت ع ك‬
  ‫ُنَيْنٍ إذْ أَعْ َ َتْ ُمْ كَث َُكم فَلمْ ُغْنِ َن ُمْ شَيْئً َ َاقَتْ َلَيْك ُ االر ُ ِمَا رَ ُ َتْ ث َّ وَّيُْم ُّدْب ِي َ‬
                                                                                                              ‫[التوبة:17].‬
                                                                         ‫يا ألف مليون وأينهم …إذا دعت الجراح‬
                                                                         ‫ا‬      ‫ا‬
                                                                 ‫هاتوا من المليار مليونً …صحاحً من صحاح‬
                                                                                        ‫ا‬
                                                                    ‫من كل ألف واحدً …أغزو بهم في كل ساح‬
                                                          ‫من خان حي على الصالة …يخون حي على الكفاح‬
    ‫ليست راية التوحيد راية تدعى أو تزعم، إنما تصدقها األفعال المنبعثة من النية الصادقة، ففي‬
‫الحديث الصحيح أن أعرابيا جاء إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال: إن الرجل يقاتل للذكر‬
                                                     ‫ُر‬                             ‫ي‬
‫ويقاتل ل ُحْمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل لي َى مكانه، فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((من قاتل‬
          ‫ً‬
  ‫حتى تكون كلمة اهلل هي أعلى، فهو في سبيل اهلل ـ عز وجل ـ)). وإذا صار مقاتال في سبيل‬
                                                                                ‫اهلل فهو الذي يستحق الجنة بجدارة.‬
‫كما في حديث أبي هريرة، قال: مر رجل من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بشعب فيه‬
                                                                      ‫ة‬                ‫عي‬
  ‫ُ َينَة من ماء عذب ٌ، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل‬
     ‫حتى أستأذن رسول اهلل فذكر ذلك لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال: ((ال تفعل؛ فإن مقام‬
  ‫أحدكم في سبيل اهلل أفضل من صالته في بيته سبعين عاماً، أال تحبون أن يغفر اهلل لكم ويدخلكم‬
‫الجنة؟ اغزوا في سبيل اهلل، من قاتل في سبيل اهلل فَواق ناقة وجبت له الجنة)) رواه الترمذي وهو‬
                                                                                                                    ‫حسن.‬
                                                     ‫ي م‬            ‫َالله لب عل ْ ه و ِن َ الن‬
                                       ‫و َّ ُ غَاِ ٌ ََى أَمرِ ِ َلَاك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُونَ [يوسف:57].‬
  ‫فهل من عودة إلى دين اهلل يا عباد اهلل؛ هل من توبة؟ هل من صحوة؟ وهل نعي أسباب النصر‬
                                                                                                            ‫والهزيمة؟!!‬

‫(5/6653)‬




                                                                                      ‫يوشك أن تداعى عليكم األمم‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                          ‫القتال والجهاد‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫فيصل بن عوض الردادي‬
                                                                                                              ‫غير محدد‬
                                                                                                              ‫غير محدد‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- موقف هارون الرشيد من رسالة ملك الروم. 7- نداء إلى أهل العراق وحثهم على الصبر‬
                                ‫والصمود. 3- أسباب النصر. 4- مبشرات بنصر اإلسالم والمسلمين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                     ‫د‬
  ‫أما بعد: فعندما تضعف أمة اإلسالم، فإن كالب األمم تطمع بخيراتها ومق ّراتها، بل تتجرأ على‬
                                                 ‫ي‬
‫غزو ديارها، وإن كالب األمم بعامة ال ُجدي معها سوى لغة إلقام الحجر! وال يردعها سوى لغة:‬
                                            ‫د‬                  ‫ل‬            ‫ي‬
  ‫((خمس فواسق ُقتلن في الح ّ والحرم))! وال ير ّها خاسئة ذليلة حقيرة، إال منطق سليمان عليه‬
             ‫إ ِ ْ ت َن ُ بجن ٍ ق َ ه به و ن ْر َنه م َ ِلة و ُ‬
           ‫الصالة والسالم: ((ارْجِعْ ِلَيْهم فَلَنَأْ ِيَّهمْ ِ ُ ُود ال ِبلَ لَ ُم ِ َا َلَ ُخ ِج َّ ُم ِّنْهَا أذَّ ً َهمْ‬
                                                                                                              ‫ِر ن‬
                                                                                                           ‫صَاغ ُو َ)).‬
                                                     ‫م ل‬
‫وال يقطع دابرها سوى مقولة: (( َنْ ِكعب بن األشرف فإنه قد آذى اهلل ورسوله)) رواه البخاري.‬
                                                                                     ‫د‬
                             ‫وال ير ّها عما عزمت عليه غير منطق: (الجواب ما تراه ال ما تسمعه).‬
   ‫لقد كان هذا هو منطق أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين في زمانه، هارون الرشيد، يوم أطلقها‬
                                                                                                  ‫مو‬
                                                                                      ‫ُد ّية من بغداد.‬
                                                   ‫م ر ك‬
  ‫لقد تجرأ نقفور ملك الروم، فكتب ( ُج ّد ِتابة!!!) إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة‬
                                                             ‫الر‬
     ‫التي كانت قبلي أقامتك مقام ُّخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها، وذلك‬
  ‫لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك، وافتد نفسك، وإال فالسيف بيننا!‬
                              ‫ا‬
‫فلما قرأ هارون الرشيد الكتاب اشتد غضبه، وتفرق جلساؤه، خوفً من بادرة تقع منه، ثم كتب بيده‬
                                                                                    ‫على ظهر الكتاب:‬
                                                  ‫من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم!‬
                                     ‫قرأت كتابك يا ابن الكافرة! والجواب ما تراه دون ما تسمعه.‬
‫ثم ركب من يومه، وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة، وأوطأ الروم ذالً وبالءً، فقتل وسبى وذل‬
        ‫نقفور، وطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك.‬
                                                                           ‫هلل درك يا هارون الرشيد!‬
             ‫و‬                                                   ‫م‬
     ‫واهلل إن األمة بحاجة إلى ُخاطبة طاغية الروم ـ اليوم ـ بهذا الخطاب، وبهذه الق ّة، وبهذه‬
                                                                                                  ‫اللغة.‬
                                                                  ‫ير‬
                                                           ‫وكم هو واهلل بحاجة إلى أن ُع ّف قدره.‬
                                       ‫ر‬                            ‫د‬
                                       ‫يا ألف مليون تكاثر ع ّهم ……إن الصليب بأرضنا يتبخت ُ‬
                                    ‫أبي ر‬
                                    ‫فالحرب دائرة على اإلسالم يا ……قومي، فهل منكم ٌّ يثأ ُ‬
                                   ‫يتقاسم األعداء أوطاني على ……مرأى الورى وكأننا ال نشع ُ‬
                                   ‫ر‬
                                        ‫ي ر‬                ‫اي‬
                                       ‫أين النظام العالمي أال ترى ……شعب ً ُباد وبالقذائف ُقب ُ؟‬
                                      ‫ي ر‬
                                     ‫أين العدالة أم شعار يحتوي ……سفك الدماء وباإلدانة ُست ُ؟‬
                                     ‫ر‬                           ‫م‬
                                    ‫ما دام أن الشعب شعب مسل ٌ ……ال حل إال قولهم : نستنك ُ!‬
                                   ‫ت عر‬
                                   ‫يا أمتي والقلب يعصره األسى ……إن الجراح بكل شبرٍ ُس ِ ُ‬
                                       ‫د‬
                                      ‫واهلل لن يحمي ربى أوطاننا ……إال الجهاد ومصحف يتق ّر‬
      ‫عباد اهلل، آن لنا أن نخاطب إخواننا الصامدين الثابتين.. الرابضين في الخنادق أمام الزحف‬
    ‫الصليبي اليهودي الحاقد، فهذه نداءات يطلقها إخوان لكم من قلوب تحترق لما ترى من تكالب‬
 ‫أعداء اهلل عليكم، وعظيم ما وقع عليكم من ظلم، وهي تعيش شعوركم، وتحس إحساسكم كغيرهم‬
 ‫عس َبك أ‬
‫من آالف الماليين، تحترق قلوبهم لما يجري لكم، وترقص طرباً لبطوالتكم وثباتكم َ َى ر ُّ ُمْ َن‬
                                      ‫مل ن‬         ‫ْ ِ ي ُر ْ‬          ‫ي ل َ ُوك وي ل ُ ْ ف‬
                       ‫ُهِْكَ عد َّ ُمْ َ َسْتَخِْفَكم ِى األرض فَ َنظ َ كَيفَ تَعْ َُو َ [األعراف:875].‬
   ‫يا أهل العراق، يا أهل الرافدين، يا أهل الكوفة والبصرة، يا أهل بغداد، يا دار الخالفة، ومنبت‬
   ‫العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، والحكمة والحكماء، بلد أمير المؤمنين الرشيد، وإمام أهل السنة‬
                                                  ‫أحمد بن حنبل، والقائد المظفر المثنى بن حارثة.‬
     ‫ال‬
‫أنتم اآلن رمز األمة، وحملة لواء بطوالتها فال تخذلوها.. اهلل اهلل.. وال تبتغوا بإسالمكم بدي ً، فهو‬
                                                            ‫ع‬
‫سر عزتكم وكرامتكم، ما ُرفت بالدكم بحضارة آشور وال بابل، ولكن بحضارة الدين واإلسالم،‬
 ‫وال استمدت إمامتها من حمورابي وال بختنصر، ولكن من خلفاء اإلسالم، وأئمة الدين، فاهلل اهلل..‬
      ‫ارفعوا لواء الجهاد وهوية اإلسالم، وأخلصوا الدين هلل، وتبرؤوا من كل راية جاهلية، قومية‬
                                              ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬
‫وبعثية وقبلية، واجعلوها جهادً صادقً ناصعً، بعد تصحيح االعتقاد، وتحكيم الشريعة، حتى يكون‬
                                                                                             ‫ا‬             ‫ا‬
                                                                                            ‫قتيلكم شهيدً وتليدكم عزيزً.‬
                                             ‫ً‬
 ‫يا أهل العراق، أيها الصامدون، صبراً صبرا في مواجهةٍ الزحف الصليبي، فإنما الشجاعة صبر‬
                                                                                         ‫ال‬
                                                                                        ‫ساعة، والمهزوم من يئن أو ً.‬
  ‫َ فئة‬              ‫ك م ف ٍ ل‬
  ‫تذكروا أسالفكم المجاهدين أهل القادسية والجسر، والمعارك الفاصلة، َم ّن ِئَة قَِيلَةٍ غَلَبتْ ِ َ ٍ‬
                                                                                                          ‫ة ِ الل‬
                                                                                          ‫كَثِيرَ ً بِإذْنِ َّهِ [البقرة:847].‬
 ‫في دياركم وأراضيكم سقط العرش الكسروي، ودمر البيت األبيض (إيوان كسرى) قال صلى اهلل‬
                                                                    ‫ع‬
 ‫عليه وسلم: (( ُصيبة من المسلمين يفتتحون البيض األبيض بيت كسرى)) رواه مسلم. فعسى أن‬
                                                       ‫يكون على أيديكم سقوط البيت األبيض، إيوان الطاغية.‬
                                              ‫ومن دياركم انطلقت ألوية فتح الهند والسند والصين والروس.‬
        ‫أيها الصامدون، تذكروا الشعوب الصامدة التي قاتلت حتى آخر قطرة دم، ووقفت في وجه‬
                                     ‫ال‬
             ‫االستعمار حتى آخر رجل، تذكروا أهل فيتنام الذين ذهبوا مث ً خالداً في تاريخ البطولة‬
    ‫ا و هن ْ ف‬
   ‫والتضحية، ودنسوا وجه أمريكا القبيح، فال يكن الكافرون أشد وأقوى منكم بأسً: َالَ تَ ِ ُوا ِى‬
 ‫ل ن و َ ج م الل م َ ج ن و الله‬                                 ‫م َ ِنه م ن‬                          ‫ْ إ ك ن‬                 ‫ت‬
 ‫ابْ ِغَاء الْقَومِ ِن تَ ُو ُواْ تَأْلَ ُون فَإ َّ ُمْ يَأْلَ ُو َ كَمَا تَأَْمو َ َترْ ُونَ ِنَ َّهِ َا الَ يرْ ُو َ َكَانَ َّ ُ‬
                         ‫ا‬                                                      ‫عل ا حك‬
     ‫َِيمً َ ِيماً [النساء:405]. ال يكن الروس المالحدة أقوى منكم بأسً، حينما سطروا بطوالت‬
‫خارقة، وقاتلوا هتلر قتال المدن على خرائب "ليننغراد"، وعلى أطالل "ستالين غراد" وغيرها، أبوا‬
                                                 ‫ا‬
‫على الغزاة األلمان، وصمدوا شهورً وسنين، وتحملوا أعنف قصف جوي ومدفعي عرفته البشرية‬
 ‫إلى ذلك الوقت، وقاتلوا فرق اإلنزال، وحصدوا فرق الصاعقة والكوماندوز، حتى هزموا األلمان‬
                                                    ‫هزيمة منكرة، وحطموا جيشهم الذي كان عداده بالماليين.‬
   ‫تذكروا تضحياتهم، بل تذكروا تضحيات إخوانكم األفغان، وخوضهم غمار حرب، واجهوا فيها‬
‫بالبنادق أقوى جبروت عسكري، مجهز بكل الطائرات والصواريخ والمدافع، حتى هزموا الروس،‬
                                                                                                 ‫وكان على أيديهم تفككه.‬
                    ‫ا‬                                                                  ‫ا‬
‫صبرً يا أيها العراقيون المسلمون، ال يكن هؤالء الصليبيون العلوج أشد بأسً منكم، فإنما هم لفيف‬
    ‫من اللقطاء والبغايا، وهاهم يهاجمونكم يا أحفاد الصحابة والعرب األباة في عقر داركم، وعلى‬
                      ‫ا‬
                     ‫مرأى ومسمع من العالم، فال يكن النساء الفاجرات وأوالد العلوج أشد منكم بأسً.‬
   ‫إياكم أن تتراجعوا في وجوه نساء الغرب، إنها سبة التاريخ و وصمة العار، قاتلوا حتى النهاية‬
                                                                                                  ‫فإما الفوز وإما الشهادة.‬
                                                                                       ‫ا‬
                                           ‫عش عزيزً أو مت وأنت كريم ……بين طعن القنا وخفق البنود‬
   ‫أيها المجاهدون في العراق، اعلموا أن قضيتكم عادلة، وأنتم مظلومون معتدى عليكم في دياركم‬
    ‫ْ ِ د ر َّذ أ ْ ج م دي ه ب ْ ق‬                                 ‫َن ُ ظلم وِن الل عل‬               ‫ُذ لَّذ ي ل‬
    ‫أ ِنَ ِل ِينَ ُقَاتَُونَ بِأَّهمْ ُِ ُواْ َإ َّ َّهَ ََى نَصرِهمْ لَقَ ِي ٌ ال ِينَ ُخرِ ُواْ ِن ِ َارِ ِم ِغَيرِ حَ ّ‬
                                       ‫و‬
         ‫[الحج:83، 04]، وكل هذه الصفات محققة فيكم، قوتلتم ُظلمتم، وأراد الغزاة إخراجكم من‬
            ‫دياركم، وسلب أموالكم وبترولكم، فال تكونوا عبيداً للغرب، اثبتوا واصبروا إن اهلل يحب‬
                                                                                                             ‫الصابرين.‬
   ‫واعلموا أن أمريكا غاشمة ظالمة، مستبدة متكبرة، مغرورة بقوتها، ظانة أن ال غالب لها، وهذه‬
                 ‫ُ َم م وجع لم لكه م ِد‬                                           ‫ُ‬        ‫وت‬
    ‫أمارات الزوال والهزيمة َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَاهمْ ل َّا ظَلَ ُواْ َ َ َلْنَا ِ َهِْ ِ ِم َّوْع ًا [الكهف:81]،‬
  ‫فعسى أن يكون موعد هالكهم على أيديكم، وفي دياركم، وقال تعالى: َ َن يَظِْم ّن ُمْ نذقْ ُ ع َابً‬
  ‫ل م ك ُ ِ ه َذ ا‬             ‫وم‬
         ‫َّذ ن َرج م دي ه ط ا ور الن س‬                           ‫و ك ن‬
         ‫كَبِيراً [الفرقان:85]، وقال تعالى: َالَ تَ ُو ُواْ كَال ِي َ خ َ ُواْ ِن ِ َارِ ِم بَ َرً َ ِئَاء َّا ِ‬
  ‫ِن الل‬                              ‫ي ِب رح‬               ‫ر ِن الل‬
‫[األنفال:24]، وقال تعالى: الَ تَفْ َحْ إ َّ َّهَ الَ ُح ُّ الْفَ ِ ِينَ [القصص:62]، وقال سبحانه: إ َّ َّهَ‬
                                                                     ‫ي ِب ُل م ٍ خ‬
          ‫الَ ُح ُّ ك َّ ُخْتَال فَ ُورٍ [لقمان:85]، فأمريكا مكروهة مبغوضة هلل، بتكبرها وغطرستها‬
                                                                                                                ‫وظلمها.‬
  ‫واحرصوا أنتم على أسباب محبة اهلل لكم، بتحكيمكم شرعه واتباع هدي رسوله، والمحافظة على‬
‫الطاعة، وترك المعصية، ورفع راية الجهاد الخالص، واالجتماع وترك الفرقة، حتى يكون النصر‬
   ‫حليفكم لمحبة اهلل إياكم، إذا حققتم أسبابها، قال تعالى: إ َّ َّهَ ُح ُّ ال ِينَ ُقَا ُِون ِى َ ِيِ ِ َ ًّ‬
   ‫ِن الل ي ِب َّذ ي تل َ ف سب له صفا‬
                                                                                        ‫َنه ب ن م ص ص‬
                                                                              ‫كَأَّ ُم ُنْيَا ٌ َّرْ ُو ٌ [الصف:4].‬
 ‫يا أهل العراق، أعلنوها إسالمية خالصة جامعة، وتبرؤوا من كل عصبية سوى اإلسالم، كالبعثية‬
                         ‫ت‬
 ‫واالشتراكية وغيرها، لتلتئم حولكم الشعوب، وتهوي إليكم القلوب، و ُرضوا عالم الغيوب، فاتقوا‬
                                                       ‫اهلل.. واجعلوه جهاداً في سبيله إلعالء كلمة اهلل تعالى.‬
                                                                                  ‫أقول ما تسمعون وأستغفر اهلل...‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                           ‫الحمد هلل على إحسانه ...‬
                                                                   ‫ي‬
                        ‫عباد اهلل، إن المبشرات، التي ُرجى معها دحر هذا العدو الكافر عديدة، فمنها:‬
‫5- ما أعد اهلل للمجاهدين في سبيله من الثواب األوفى، إذا صدقوا النية، وأخلصوا القصد، وقاتلوا‬
      ‫لتكون كلمة اهلل هي العليا، وكم في القرآن والسنة من اآليات واألحاديث الواعدة بهذا الثواب،‬
 ‫ويكفيكم قوله تعالى: إ َّ َّهَ اشْت َى ِنَ الْ ُؤْ ِ ِي َ أَن ُ َهمْ َأَمْوالَهمْ بِأ َّ لَه ُ اّج َّةَ ُقَا ُِون ِى َ ِي ِ‬
 ‫ُ َن ُم ل َن ي تل َ ف سب ل‬                           ‫ِن الل َر م م من ن فس ُ و‬
       ‫وم ْف بع ْده م الله‬                  ‫الل ِ تل وي ل ن و ْد ع حق ف الت ْر ة و إل ل و ُ‬
       ‫َّه فَيَقْ ُُونَ َ ُقْتَُو َ َع ًا َلَيْهِ َ ّا ِي َّو َا ِ َا ِنجِي ِ َالْقرْءانِ َ َنْ أَو َى ِ َه ِ ِ ِنَ َّ ِ‬
                                      ‫م‬          ‫ْز‬         ‫ِر بب ع ُم َّذ ي ت به و ك ه‬
  ‫فَاسْتَبْش ُواْ ِ َيْ ِك ُ ال ِى بَا َعْ ُمْ ِ ِ َذالِ َ ُوَ الْفَو ُ الْعَظِي ُ [التوبة:555]. قال الحسن البصري: "يا‬
  ‫عجباً أنفساً خلقها، وأمواالً وهبها، فباع واشترى معها، وضمن الربح لها" اهلل أكبر ما أعظم كرم‬
      ‫كع ن‬          ‫ح ِد الس ئح‬             ‫ِد‬           ‫الت ئب‬
      ‫اهلل، تأملوا الشروط في اآلية بعدها وحققوها: َّا ِ ُونَ الْعَاب ُونَ الْ َام ُونَ َّا ِ ُونَ الر ِ ُو َ‬
      ‫ُد الل وب ّ م من ن‬                     ‫م ر ف َالن ه ع م َر و ح ظ‬                              ‫ِر‬             ‫الس‬
      ‫َّاجِدونَ االْم ُونَ بِالْ َعْ ُو ِ و َّا ُونَ َنِ الْ ُنك ِ َالْ َافِ ُونَ لِح ُودِ َّهِ َ َشرِ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                                                    ‫[التوبة:755]، والسائحون: المجاهدون أو الصائمون.‬
 ‫واعلموا أن قتال أهل الكتاب من أفضل القتال والجهاد، وذكر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن‬
  ‫أفضل الشهداء في زمانهم، من يقتلهم النصارى في الملحمة بينهم وبين المسلمين، هذا قدركم يا‬
   ‫أهل العراق، جاءكم الجهاد في دياركم يسعى، ودخلت عليكم الشهادة أرضكم وبيوتكم، فقولوا:‬
                                                                                      ‫ا‬
    ‫مرحبً بلقاء اهلل، واعلموا أنها سوق الجنة، قامت في أرضكم، فبيعوا واشتروا مع اهلل، وانووا‬
           ‫الجهاد الصادق، وحققوا الدين الخالص، والتوحيد الحق، وتجردوا من كل أنواع الشرك‬
      ‫والضالالت والبدع والمحدثات، فواهلل ال نحب أن يودعنا منكم ذاهب، إال إلى جنة عرضها‬
                                                                                            ‫السماوات واألرض.‬
     ‫7- ومن المبشرات كثرة دعوات المسلمين لكم في أرجاء الدنيا، شعوراً منهم بفداحة ما وقع‬
       ‫عليكم من ظلم وإجرام، وليتكم تسمعون ضجيج األصوات بالدعوات من المساجد والبيوت‬
  ‫والمجامع، من العجائز، واألطفال، والصغار والكبار، والرجال والنساء، يدعون اهلل لكم بالنصر‬
  ‫والثبات، ولعدوكم بالهزيمة والخذالن، فلستم وحدكم في الساحة، فكم من جنود هلل مجاهيل تقاتل‬
                                                           ‫و ي َم جن َ رب ِال ه‬
‫معكم: َمَا َعْل ُ ُ ُود َّكَ إ َّ ُوَ [المدثر:53]، ويحييون الليالي، ويتهجدون في الظالم، ويدعون‬
                             ‫ُ‬                ‫غ ث َ َبك ْ‬            ‫ِ‬
              ‫الواحد األحد، ويستمطرون لكم النصر إذْ تَسْتَ ِي ُون رَّ ُم فَاسْتَجَابَ لَكمْ [األنفال:8].‬
‫وحري أن يستجيب اهلل الدعاء، إذا تضافرت وتظاهرت عليه الجموع، وأنتم كذلك ال تملوا الدعاء‬
                                                               ‫والتضرع، فإنه من أسباب النصر والتمكين.‬
‫3- ومن المبشرات أن عدوكم ظالم، باغ، متغطرس، متكبر، يقاتل جنوده المكرهون ال لهدف وال‬
      ‫لغاية، وأنتم تقاتلون في بالدكم وبيوتكم، ودون محارمكم، فاصبروا فإن النصر مع الصبر،‬
           ‫ال‬
  ‫وعدوكم يقاتل غريباً وحيداً في صحراء لم يتعودها، وال يتحملها، ولئن صبرتم قلي ً، يوشك أن‬
    ‫تشتد عليه الشمس، فتذوب أجسادهم المنعمة، كما يذوب الثلج تحت وهج اللهب، ال تملوا وال‬
                                                                                                ‫تستبطئوا النصر.‬
                         ‫مل‬        ‫ي ُ ْ‬          ‫ْ‬     ‫َ ُو ُ وي ل ُ ْ ف‬               ‫عس َبك أ ي‬
       ‫َ َى ر ُّ ُمْ َن ُهْلِكَ عد َّكمْ َ َسْتَخِْفَكم ِى األرضِ فَ َنظرَ كَيفَ تَعْ َُونَ [األعراف:875].‬

‫(5/2653)‬




                                                                           ‫خطبة عيد الفطر: الشرك األصغر‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                                             ‫التوحيد‬
                                                                                                  ‫الشرك ووسائله‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫محمد إقبال جابو‬
                                                                                                ‫غير محددة‬
                                                                                                 ‫غير محدد‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- التوحيد أعظم ما اعتنى اإلسالم به. 7- أنواع الشرك األصغر في أعمال القلوب. 3- من‬
  ‫أعظم الشرك األصغر الرياء والسمعة. 4- معنى الشرك األصغر في األلفاظ. 1- األفعال التي‬
     ‫يحصل بها الشرك األصغر. 6- شروط جواز الرقية. 2- ال يجوز التبرك بشيء لم يرد فيه‬
                                                                                                       ‫دليل.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                    ‫ز ل‬
      ‫ثم أما بعد: عباد اهلل، إن اهلل ع ّ وج ّ أحاط دينه وشرعه بسياج منيع, ونهى عن قربان هذا‬
                           ‫ْرب ه‬            ‫ت حد د الل ِ‬                                         ‫س‬
    ‫ال ّياج؛ فضالً عن الوقوع فيه، قال تعالى: ِلْكَ ُ ُو ُ َّه فَالَ تَق َ ُو َا [البقرة:285]، وقال في‬
                                                     ‫و ْرب زن ِنه َ ح‬
 ‫شأن الزنا: َالَ تَق َ ُواْ ال ّ َى إ َّ ُ كَان فَا ِشَةً [اإلسراء:73]، وما هذا إال احتياط للشرع أن تنتهك‬
‫حرمته، وفي حديث النعمان بن بشير رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إن‬
       ‫الش‬                        ‫الحالل ب ِّن والحرام ب ِّن, وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمهن‬
   ‫َّ كثير من الناس, فمن اتقى ُّبهات‬                               ‫َي‬            ‫َي‬
       ‫حم‬
‫استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول ال ِ َى, يوشك‬
                                                                                                     ‫َ‬
                                                                               ‫أن يرْتَع فيه)) متفق عليه.‬
     ‫ب‬
     ‫بل أعظم من ذلك, إذا علمنا القاعدة الشرعية القائلة: "الطاعة المؤدية لمعصية راجحة واج ٌ‬
                                                                 ‫تركها, فكل ما أدى إلى شر فهو شر".‬
                                     ‫ث‬
       ‫أيها المسلمون، وإن أعظم شيء حمى اإلسالم جنابه وح ّ على تقويته وتنميته وتغذيته هو‬
‫"التوحيد"، بل نهى عن كل ما يخل به أو يضعفه أو يزيله، وبالمقابل: إن أعظم شيء نهى اإلسالم‬
                                                                            ‫عنه، وحر‬
     ‫َّض على االبتعاد عن أي وسيلة قد تؤدي إليه أو تقرب منه، هو الشرك، الذي قال‬
                                ‫لم ي‬             ‫ي ِر أ ي ْر به وي فر م د‬                  ‫ِن الل‬
               ‫تعالى فيه: إ َّ َّهَ الَ َغْف ُ َن ُش َكَ ِ ِ َ َغْ ِ ُ َا ُونَ ذَلِكَ ِ َن َشَاء [النساء:84].‬
  ‫فمن أجل ذلك كله، وتطبيقاً للقواعد التي ذكرناها، سنتكلم ـ إن شاء اهلل ـ في هذه الخطبة عن‬
        ‫شد‬             ‫تطل‬                                               ‫ر ً‬
‫أمرٍ خطي ٍ جدا يقدح في باب التوحيد، أال وهو الشرك األصغر. وقد َّب الكالم عنه َّة خفائه,‬
        ‫ذ‬                                                                                ‫ع‬
‫و ِظم بالئه, وإفتنان الخلق ـ إال من رحم اهلل ـ به. ولقد بالغ صلى اهلل عليه وسلم وح ّر وأنذر,‬
                                                                     ‫وأبدأ وأعاد, وخص َم‬
‫َّ وع ّ، في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه اهلل بها، كما قال بعض العلماء عن‬
 ‫الشريعة اإلسالمية: هي أشد الشرائع في التوحيد واإلبعاد عن الشرك, وأسمح الشرائع في العمل.‬
                                                            ‫ا‬
   ‫أيها األحبة في اهلل، إن كثيرً من المسلمين اليوم ـ ولألسف الشديد ـ قد ال يعلم أي شيء عن‬
     ‫ماهية الشرك األصغر, ومدى خطورته, وماهي أنواعه!! وإن الكالم عن كل ذلك يحتاج إلى‬
              ‫ع‬                                                            ‫ط‬
         ‫عشرات الخ ّب، ولكننا سنختصر ـ إن شاء اهلل ـ معظم هذه األبحاث في هذه ال ُجالة.‬
                        ‫ال‬                                                  ‫ع‬
‫فأ ِرني سمعك ـ رعاك الباري ـ إلى تعريف الشرك األصغر أو ً، فالشرك األصغر هو كل ما‬
 ‫نهى عنه الشرع؛ من اعتقاد أو قول أو عمل، مما هو ذريعة إلى الشرك األكبر أو وسيلة للوقوع‬
                                                                                ‫إن‬
‫فيه... بل َّ بعض العلماء جعلوه كالشرك األكبر في أن اهلل تعالى ال يغفره يوم القيامة, وال يدخل‬
   ‫تحت المشيئة كبقية المعاصي، أما األمر الذي ال خالف فيه، فهو أن الشرك األصغر أعظم من‬
      ‫الكبائر, وأن بعضه قد يكون بذاته شركاً أكبر, وبعض اآلخر قد يتحول ويصبح شركاً أكبر,‬
                                     ‫وبعضه المتبقي يؤدي إلى الشرك األكبر ـ والعياذ باهلل ـ.‬
                                                        ‫ء‬         ‫قس‬
      ‫إخوة اإليمان والعقيدة، لقد َّم العلما ُ، الشرك األصغر إلى ثالثة أنواع، اعتماداً على كيفية‬
  ‫اإلتيان به، أي مواقعته: األول: الشرك األصغر في أعمال القلوب. والثاني: الشرك األصغر في‬
                                                 ‫األلفاظ. والثالث: الشرك األصغر في األعمال.‬
 ‫أما النوع األول: وهو الشرك األصغر في أعمال القلوب، فأول شرك يدخل فيه؛ الشرك األصغر‬
                                 ‫ج َل‬
  ‫في المحبة؛ وهو الغلو في المحبة التي أصلها شرعي أو َبِي. وأولى األمثلة على هذا: الشرك‬
‫األصغر في محبة الرسول صلى اهلل عليه وسلم؛ وهو الغلو في محبة النبي وغيره من باب أولى،‬
                                                 ‫ٍ‬
      ‫كعلي أو األولياء ونحوهم, ورفعهم إلى مرتبة فوق مراتبهم، أو الزيادة في اإلطراء والمدح،‬
   ‫والرسولصلى اهلل عليه وسلم يقول: ((ال تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, إنما أنا عبده,‬
                                                                    ‫فقولوا: عبد اهلل ورسوله)).‬
                                                                               ‫ر‬
‫ولذلك ك ِه بعض العلماء تكرار كلمة "سيدنا" عن النبي صلى اهلل عليه وسلم وغيره من باب أولى,‬
‫ولكن ليت األمر توقف عند هذا، بل اسمع إلى ما يقوله الصوفية والغالة فيه صلى اهلل عليه وسلم,‬
                                                  ‫ال‬
                                                 ‫فهذا أحد كبار الصوفية يغلو في الرسول قائ ً:‬
                                     ‫ومن جودك الدنيا وضرتها …ومن علومك علم اللوح والقلم‬
                                                        ‫د‬
                                                     ‫فليت شعري! ماذا أبقى هلل تبارك وتق ّس؟!‬
   ‫ومن أنواع الشرك األصغر في المحبة: محبة إنسان محبة تجعلك تطيعه في معصية اهلل؛ بجعل‬
                            ‫ي ر‬                          ‫ا‬
  ‫الحرام حالالً أو جعل الحالل حرامً, ومنها أيضاً العشق الذي ُخ ِج اإلنسان عن الحد الطبيعي,‬
    ‫حتى يشغله عن ربه في صالته، يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "فإن المتحابين يحب‬
‫أحدهما ما يحب اآلخر بحسب الحب, فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه اهلل ورسوله،‬
                                        ‫نقص من دينهما بحسب ذلك, إلى أن ينتهي إلى الشرك".‬
 ‫عباد اهلل، وإن ثاني أنواع شرك أعمال القلوب: الشرك األصغر في الخوف, وهو خوف غير اهلل‬
                          ‫ا‬
  ‫بما يصد عن طاعة اهلل، مع اعتقاد أن األمر هلل، وهذا كمن ترك واجبً, أو فعل محرماً خوفاً من‬
  ‫غير اهلل، فهذا شرك أصغر منافٍ لكمال التوحيد. أما أن يخاف الخوف الطبيعي من سبب تحقق‬
‫إيذاؤه في مجاري العادة، فهذا ليس بمذموم، مع أن الكمال هو أن ال يبقى في قلب العبد خوف أحد‬
    ‫غير اهلل, وطريقه تكميل اإليمان بالقدر. أما الخوف مما لم تجرِ العادة بأنه سبب للخوف، فهذا‬
                                    ‫و الن س و‬
             ‫جبن وضعف في النفس، واهلل تعالى يقول: فَالَ تَخْشَ ُاْ َّا َ َاخْشَوْنِ [المائدة:44].‬
    ‫أيها المسلمون، ومن أنواع الشرك األصغر في أعمال القلوب: التطير، وهو التشاؤم من شيء‬
 ‫معين ليس سبباً لذلك، كمن يتطير بالبوم أو الغربان، أو التطير بسماع بعض الكلمات، أو التطير‬
  ‫والتشاؤم بمالقاة األعور أو األعرج أو العجوز, أو التطير إذا تعثر أو وقع, أو التطير والتشاؤم‬
      ‫ببعض األيام أو الساعات أو الجهات، فكل هذه األمور محرمة وشرك أصغر، قد تؤدي إلى‬
                                                                   ‫ل‬
                                                   ‫الشرك األكبر المخرج من المّة والعياذ باهلل.‬
                                            ‫أن‬                   ‫أن‬                 ‫إن‬
  ‫بل َّ خطورتها تكمن في َّ اإلنسان إذا اعتقد َّ هذه األشياء أو أحدها تملك بذاتها الضرر أو‬
‫النفع أو ما شابه، فهذا بذاته هو الشرك األكبر. فيجب على اإلنسان أن يجاهد نفسه, وال يلتفت إلى‬
                                                              ‫ل‬       ‫ا‬
   ‫مثل هذه األمور إطالقً، بل يعّق قلبه باهلل فقط، والرسول صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((الطيرة‬
                                                                                        ‫شرك)).‬
‫عباد اهلل، ومن أنواع الشرك األصغر: االعتماد على األسباب؛ أو بمعنىً أوضح: اعتقاد واتخاذ ما‬
                                                              ‫ال‬
   ‫ليس بسبب كسبب، فمنها أو ً: ما هو شرك أكبر، كاتخاذ األصنام أو القبور واسطة وسببًا بين‬
                                                                   ‫عز ل‬
‫اإلنسان وبين اهلل َّ وج ّ. أو االعتماد على سبب، يعتقد فيه النفع والضر بمشيئته المستقلة، فهذا‬
     ‫انتقل من الشرك األصغر إلى الشرك األكبر، فكل من أثبت سببًا لم يجعله اهلل سببًا شرعيًا أو‬
                       ‫ب‬                                         ‫ك‬
  ‫قدريًا، فقد أشرك باهلل شر ًا أصغر، ألنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سب ٌ، فقد شارك اهلل تعالى‬
                                       ‫ب‬
                                     ‫في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، واهلل تعالى لم يجعله سب ًا.‬
‫أيها المسلمون، ومن أعظم أنواع الشرك األصغر، الرياء والسمعة، والرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
  ‫يقول: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك األصغر)), قالوا: وما الشرك األصغر يا رسول اهلل؟‬
    ‫قال: ((الرياء, يقول اهلل عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في‬
                                     ‫الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) صححه األلباني.‬
 ‫والكالم عن الرياء وأقسامه يطول، ولكن ليعلم أن منه ما هو شرك أكبر وهو النفاق األكبر، وهو‬
    ‫أن يكون الرياء في أصل العبادة. ومن الرياء ما يطرأ أثناء العبادة، ومنه ما يصاحب العبادة،‬
  ‫ومنه الرياء بعد الفراغ من العبادة، ومنه الفرح بحمد الناس وثنائهم، وهذه جميعها صاحبها على‬
                                        ‫ي ب‬
 ‫خطر عظيم، وجميعها شرك أصغر، وبعضها ُح ِط العمل وال يقبل من صاحبه، وبعضها اآلخر‬
                                                                          ‫ينقص األجر والثواب.‬
           ‫م‬                                              ‫ال‬
 ‫أما التسميع، وهو أن يعمل عم ً وال يراه فيه أحد ـ أي غير مراء ـ ثم يذهب ويس ّع به، فهذا‬
                                                                   ‫يعتمد على نية المسم‬
   ‫ِّع، وعلى كل، فليكن المسلم على حذر من هذا!! ومن وقع منه رياء فليتب‬
                                                                             ‫إلى اهلل، ويستغفره.‬
‫ومن ذلك ما أرشد إليه النبي صلى اهلل عليه وسلم أمته بقوله ألبي موسى األشعري: ((الشرك فيكم‬
   ‫أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته، أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول:‬
‫اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما ال أعلم)) صححه األلباني. وهذا الدعاء‬
                                              ‫وقاية وعالج وكفارة ـ إن شاء اهلل ـ واهلل أعلم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫أما بعد: أيها اإلخوة المسلمون، وأما القسم الثاني من الشرك األصغر ـ كما ذكرنا ـ هو الشرك‬
   ‫األصغر في األلفاظ، وهو التشريك بين اهلل تعالى وشيء من خلقه بحرف "الواو"، كقول الرجل‬
 ‫لصاحبه: "ما شاء اهلل وشئت"، "وما لي إال اهلل وأنت "، " وأرجو اهلل وأرجوك"، "وأعتمد على اهلل‬
   ‫ك‬
  ‫وعليك"، فضالً عن أن يقول: "ما لي إال أنت.. معتمد عليك.." فهذه وغيرها ألفاظ شركية شر ًا‬
‫أصغر، والرسول صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((ال تقولوا ما شاء اهلل وشاء محمد، وقولوا: ما شاء‬
              ‫اهلل وحده)). وفي حديث آخر قال: ((قولوا: ما شاء اهلل ثم شئت)). فلينتبه إلى ذلك.‬
     ‫إخوة اإليمان والعقيدة، ومن أنواع الشرك األصغر: الشرك األصغر في األسماء، وهي على‬
  ‫أنواع: فمن األسماء تلك التي فيها تعظيم ال يليق إال باهلل عز وجل، مثل: ملك الملوك، وسلطان‬
‫السالطين، وقاضي القضاة.. ونحو ذلك، بغض النظر عن نية صاحب االسم أو المنادي، فكل هذه‬
   ‫التسميات ال يجوز ال المناداة بها، وال إطالقها، وال التسمي بها، مع التذكير بأن باب األلفاظ ال‬
                            ‫ينظر فيه إلى نية المتلفظ ومقصده، واألدلة على ذلك كثيرة معروفة.‬
                                                                           ‫ب‬
‫ومنها األسماء المع ّدة لغير اهلل، كأن يقول السيد لمملوكه: "عبدي" أو "أمتي" أو هذا "عبد فالن" أو‬
      ‫"أمته".. ولكن الصحيح قول: "فتاي وفتاتي وغالمي"، وكذلك قول المملوك لسيده: "ربي" أو‬
 ‫"ربتي"، ولكن الصحيح قول "موالي وموالتي". ومنها التسمي "بعبد عمر وعبد تميم وعبد الكعبة‬
                                      ‫ب‬
 ‫وعبد الحسين وعبد الرسول وعبد المطلب". ونحوه مما يع ّد فيها االسم لغير اهلل سبحانه وتعالى.‬
                                                        ‫ب‬
    ‫ومن الشرك األصغر في األلفاظ: س ّ الدهر أو شتمه، وما في معناه من الزمان أو الليالي أو‬
                              ‫ب‬
 ‫األيام أو الساعات.. والرسول صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((ال تس ّوا الدهر، فإن اهلل هو الدهر))‬
                                                                                    ‫رواه مسلم.‬
  ‫عباد اهلل، أما القسم الثالث واألخير من أقسام الشرك األصغر: فهو الشرك األصغر في األفعال،‬
                                        ‫والتو‬                     ‫الر‬
‫وهو على أنواع: فأولها: ُّقى، والتمائم "الحجب"، ِّ َلة "الودائع"، فنقول باختصار: أما التمائم‬
‫"الحجب" وهو كل ما يعلقه الشخص، أو يضعه على صدره أو يده أو رقبته، أو في أي مكان كان‬
     ‫ـ وهي على األغلب تشتمل على كتابة ما ـ فهذه جميعها ال تجوز، ومحرمة بل هي شرك‬
   ‫أصغر، حتى وإن كانت الكتابة من القرآن الكريم أو السنة النبوية. ألن الرسول صلى اهلل عليه‬
                                                  ‫والتو‬           ‫الر‬
‫وسلم يقول: ((إن ُّقى والتمائم ِّ َلة شرك)). ويقول أيضا ـ عليه أفضل الصالة والسالم ـ:‬
                                                                                   ‫َل‬
                                                    ‫((من عَّق تميمة فقد أشرك)) رواهما أحمد.‬
      ‫م‬                                                                               ‫التو‬
     ‫أما ِّ َلة "الودائع" وهي كالخرز أو العين أو الكف أو القالدة أو الوتر وغيره، فحكمها تما ًا‬
   ‫كحكم التمائم، بل أشد. ولكن لينتبه "أن تعليق التمائم أو التولة قد ينتقل من الشرك األصغر إلى‬
     ‫الشرك األكبر، إذا اعتقد اإلنسان أنها بذاتها تنفع أو تضر، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة،‬
                                                                                       ‫والعياذ باهلل.‬
                     ‫ال‬                                                       ‫ر‬
    ‫أما ال ّقى: "وهو ما يقرأ على المريض" فلها شروط مهمة لجوازها: أو ً: خلوها من الشرك.‬
‫ثانيًا: أن ال يعتقد أنها تؤثر بذاتها، ثالثًا: أن تكون باللغة العربية، رابعًا: أن تكون مفهومة المعنى،‬
                    ‫س‬
    ‫خامسًا: أن تكون الرقية بعد الوجع ونزول الداء، فأما قبله فال تجوز، ساد ًا: أن ال تكون من‬
                                                                                        ‫ر‬
    ‫ع ّاف أو كاهن أو ما شابه، سابعًا: أن تكون من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. فإذا‬
  ‫توفرت هذه الشروط كانت جائزة، وإذا انتفى شرط واحد فقط، أصبحت محرمة ال تجوز، وهي‬
                                                       ‫شرك أصغر، وقد تؤدي إلى الشرك األكبر.‬
   ‫ش‬
  ‫عباد اهلل، ومن أنواع الشرك األصغر: تصوير ذات األرواح، سواء كانت رسمًا أو نحتًا أو نق ًا‬
                                                                      ‫ر‬
   ‫أو نسجًا أو تصوي ًا فوتوغرافيًا، فالرسول صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((كل مصور في النار،‬
                                                                 ‫و‬
‫يجعل له بكل صورة ص ّرها نفسًا، فتعذبه في جهنم)) رواه مسلم، وفي رواية للبخاري: (ولعن ـ‬
                        ‫كل‬                  ‫و‬                        ‫ص‬
‫رسول اهلل ـ الم ّور)، وقال أيضًا: ((من ص ّر صورة في الدنيا، ُّف أن ينفخ فيها الروح يوم‬
                                                                 ‫القيامة، وليس بنافخ)) متفق عليه.‬
  ‫أيها اإلخوة، وآخر ما نتعرض له من أنواع الشرك األصغر: هو "التبرك"، وأعني التبرك بشيء‬
  ‫لم ترد فيه البركة، كالتبرك والتمسح بقبور األنبياء والصالحين واألولياء، أو التمسح بالقرآن أو‬
  ‫أعمدة المساجد وأبوابها، أو بالكعبة وجدرانها، أو بتربة مكان معين، أو التمسح بإنسان أو لمس‬
‫يده وثوبه وجسمه، إلى غيرها من األشياء واألمور التي لم يأت معها دليل يدل على بركتها، فهذه‬
      ‫جميعها ال يجوز التبرك بها وال التمسح فيها، ويحرم ذلك بل هي شرك أصغر قد يؤدي إلى‬
                                                                                     ‫الشرك األكبر.‬
   ‫مع االنتباه أن التبرك بشيء مشروع، أو استخدام سبب مشروع "شرعي أو كوني ـ قدري ـ"‬
‫يجوز بشرط أن ال يعتقد أن الشيء أو السبب بذاته هو النافع أو الضار، وإنما هو مجرد سبب بيد‬
                                                                                      ‫اهلل عز وجل.‬
   ‫أيها المسلمون، هذه أهم أنواع الشرك األصغر ـ التي كما ذكرنا ـ قد تؤدي بصاحبها إلى أن‬
    ‫يقع بالشرك األكبر، فليحرص المسلم على اجتنابها واالبتعاد عنها والتحذير منها، مع العلم أن‬
                                                                          ‫م‬
    ‫هناك تقسي ًا آخر للعلماء.. للشرك األصغر ـ باعتبار آخر ـ إلى قسمين: ظاهر وخفي، هذا‬
   ‫واهلل أعلم وأحكم، فإن أصبت فمن اهلل، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، اللهم قد بلغت فاشهد،‬
                                                        ‫اللهم قد بلغت فاشهد، اللهم قد بلغت فاشهد.‬

‫(5/8653)‬
                                                             ‫ماذا يخفي لنا ساسة أمريكا؟ (5)‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                               ‫القتال والجهاد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل‬
                                                                                       ‫بريدة‬
                                                                                ‫85/5/4745‬
                                                                                 ‫جامع العودة‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- الحرب لم تكن على العراق وحده، وإنما الهدف هو اإلسالم. 7- الصراع مع أهل الكتاب‬
                                        ‫طويل أمده. 3- المنطلق العقدي للحرب على العراق.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                     ‫وبعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعبدوه واشكروه وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.‬
‫إخوة الدين والعقيدة، لماذا الحرب على العراق؟ وما أهداف حرب الخليج الثالثة التي شرع العدو‬
                                                                                    ‫بإشعالها؟‬
‫وماذا وراء هذه الحرب؟ ولماذا بهذا التوقيت؟ وهل هي حرب لنزع أسلحة الدمار الشامل كما هو‬
                        ‫معلن، أم هي الخدعة والمكيدة من أجل استعمار جديد ألرض اإلسالم؟‬
       ‫وما حقيقة أسلحة الدمار الشامل المحرمة على العراق، المشروعة بل الواجبة على الكيان‬
                                                                                 ‫الصهيوني؟‬
                                      ‫لماذا حرمت هذه األسلحة على المسلمين وأحلت لليهود؟‬
       ‫وهل هذه الحرب الجديدة خطوة أولى لتمهيد تحقيق الحلم اليهودي الكبير، لتوسع إسرائيل‬
      ‫وامتدادها، ليتم الوعد األمريكي بإيجاد دولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات؟‬
  ‫أم هذه الحرب خطوة لتحقيق المشروع الكبير الذي ينتظره نصارى أمريكا قبل يهود إسرائيل،‬
 ‫وهو المشروع المؤجل منذ خمسين عامًا، مشروع إعادة بناء هيكل سليمان؟ أم هي حرب جديدة‬
 ‫لتغيير خارطة الدول العربية، وتقسيم دول اإلسالم وتغريب الشعوب المسلمة، وتتريكها بإلحاقها‬
                             ‫بتركيا التي طمس فيها أتاتورك معالم اإلسالم، ومسخ فيها هوية المسلمين؟‬
      ‫هل الهدف من هذه الحرب، إعادة مشاهد التغريب الذي لعب دوره خائن األمة أتاتورك، لكن‬
      ‫بصياغة جديدة تعتمد على التهديد والوعيد في تغيير األخالق والثقافات، والمبادئ اإلسالمية؟‬
                                                   ‫أم هي حرب عسكرية اقتصادية من أجل نفط العراق فقط؟‬
    ‫أم هي حرب أرادت فيها أمريكا السيطرة على العالم، ورد كرامتها، واستعادة هيبتها ومجدها،‬
                                                                               ‫م‬
     ‫الذي ُرغ في الوحل والتراب على هضاب وسفوح أفغانستان، وقبل ذلك اإلهانة الكبرى التي‬
                                                                                          ‫كانت لها في أحداث سبتمبر؟‬
   ‫ي‬
‫وهل هذه الحرب على العراق فقط، أم هي حرب شاملة طويلة المدى، بدأت في العراق وال ُدرى‬
                                                                                                                 ‫أين تنتهي؟‬
       ‫ثم هل هي وليدة خطة جديدة، أملتها أحداث سبتمبر، أم هي نتيجة دراسة واعية منذ سنوات‬
                                                                                                                      ‫طويلة؟‬
                                                                                                            ‫ر‬
                                                                                 ‫وأخي ًا ما موقفنا تجاه هذه الحرب؟‬
                                                                 ‫وما الدور المناط بنا في هذه الظروف الحرجة؟‬
               ‫وما واجب األفراد والمجتمعات المسلمة، وهي ترى الحرب تدار ساحتها في أرضها؟‬
 ‫هذه تساؤالت عديدة ملحة، البد من معرفتها، كي نكون على مستوى عال في فهم حقيقة المعركة‬
                                                                                                                    ‫وأهدافها.‬
‫أيها األحبة المؤمنون، وقبل الشروع في إجابة هذه التساؤالت والمطارحات الهامة في هذه الحرب‬
                                                                     ‫الراهنة، أرغب أن انبه إلى قضيتين هامتين:‬
  ‫األولى منهما: أن هذه الحرب ليست على العراق، إنما هي على اإلسالم وعلى دول اإلسالم، و‬
    ‫من سنن اهلل البالغة في كونه، سنة التدافع بين الحق والباطل، وديمومة الصراع بين أهل الحق‬
‫وبين المبطلين، وسنة اهلل تعالى في خلقه جارية ماضية قدي ًا وحديثًا، ال تتغير وال تتبدل ََن تَج َ‬
‫ول ِد‬                                  ‫م‬
                                                                                                        ‫ل ُن الل ْد‬
                                                                                      ‫ِس َّةِ َّهِ تَب ِيالً [األحزاب:76].‬
                                                        ‫لي‬
      ‫هي سنة و يبتلى فيها أهل اإليمان، ِ ُعلم قدر جهادهم وصبرهم، ويملي اهلل فيها ألهل الباطل‬
 ‫ليأخذهم ُن ِ ُونَ أَمْوالَهمْ ِ َص ُّواْ َن َبِيلِ َّه فَ َ ُن ِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْ ِمْ َس َةً ث َّ ُغْلَ ُو َ َال ِي َ‬
 ‫ُم ك ن ع ه ح ْر ُم ي ب ن و َّذ ن‬                             ‫ُ لي ُد ع س الل ِ سي فق‬                             ‫ي فق‬
‫ب ب ضه عل ب ْ في كمه‬                      ‫ر إل جه َّ ي َر لي الله ب م الطيب وي َ‬
‫كَفَ ُواْ َِى َ َنمَ ُحْش ُونَ ِ َمِيزَ َّ ُ الْخَ ِيثَ ِنَ َّّ ِ َ َجْعلَ الْخَ ِيثَ َعْ َ ُ ََى َعضٍ َ َرْ ُ َ ُ‬
                                                                 ‫ِر‬        ‫ُم‬          ‫جم ً ع ُ ف جه َّ أ‬
                                            ‫َ ِيعا فَيَجْ َلَه ِى َ َنمَ ُوْلَئِكَ ه ُ الْخَاس ُونَ [األنفال:63، 23].‬
   ‫ومع أن هذه األحداث تروعنا، وهذه الحرب تزعجنا، إال أنه البد أن ندرك أنها حلقة واحدة من‬
         ‫حلقات الصراع بين اإلسالم والكفر، وأنها معركة طرفاها القرآن الحق، والتوراة واإلنجيل‬
                                                                                                                  ‫المحرفين.‬
                                                ‫ق‬
                                      ‫معركة يقصد من وراءها إذالل الشعوب المسلمة، وسح ُ المسلمين.‬
    ‫إن هذه الحرب الصليبية الغازية لبالد اإلسالم، وهذه األحداث المؤلمة الموجعة للمسلمين، كما‬
‫تؤكد سنة االبتالء، فإنها أيضًا تؤكد عظمة هذا الدين على مدى األزمان والعصور والدهور، وتدل‬
  ‫على أن أعداء الدين ينظرون إلى اإلسالم في بالد المسلمين وكأنه صخرة شماء، وجبل راسٍ ال‬
                                                                             ‫يتزعزع، وقوة ضاربة صلبة الجذور.‬
    ‫وعلى قدر شرف رسالتنا، وعظمة عقيدتنا، تكون شراسة عدونا، ولو لم يكن ديننا بهذه المثابة‬
                                                                                               ‫والعظمة لما اكترثوا له.‬
   ‫ما رأينا جيوش الصليبية يومًا تهاجم وثنية أو بوذية، لقد هاجمت أفغانستان والعراق المسلمتين،‬
                                                                            ‫ي‬
   ‫ولم ُقدموا على حرب كوريا مع أن الرئيس األمريكي وصف كوريا من جملة محور الشر، بل‬
                                                                                         ‫ر‬
                                                             ‫لقد تراجعوا كثي ًا عن التحرش بها فكيف بحربها.‬
       ‫أما أفغانستان والعراق فيستحقان الحرب عند الصليبية؛ ألن شعبيهما شعب مسلم، وقد صور‬
     ‫القرآن هذه الحقيقة في قول ربنا تعالى وعز: َالَ ي َاُونَ ُقَا ُِونَ ُمْ ح َّى ير ُّوكمْ َن ِي ِكمْ ِ ِ‬
     ‫و َز ل ي تل ك َت َ ُد ُ ع د ن ُ إن‬
                                                                                                                ‫ع‬
                                                                                               ‫اسْتَطَا ُواْ [البقرة:257].‬
     ‫َت‬         ‫يه د و الن‬            ‫ض ع‬          ‫و‬
    ‫ولن تنتهي الصراعات بيننا وبين أهل الكتاب أبدا َلَن تَرْ َى َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّصَارَى ح َّى‬
                                                                                  ‫َت ع ِل ُ‬
  ‫تَّبِ َ مَّتَهمْ [البقرة:075]، والمتتبع للعالقة بين الغرب وبين شعوب اإلسالم، يدرك أنها تسير في‬
     ‫دوامة صراع دائم ال يضعف، بل هو في تضاعف وازدياد، وما ذلك إال لما تحمله قلوبهم من‬
   ‫الرعب الشديد من اإلسالم، والخوف من المسلمين، والحسد المتجذر في قلوبهم على المسلمين.‬
  ‫و َّ كَ ِي ٌ ّنْ أَهلِ الْ ِتَابِ لَوْ ير ُّونَ ُم ِن َعدِ ِي َا ِكمْ ك َّا ًا َس ًا ّنْ ِندِ أَنْ ُ ِهمْ ِّن َعدِ َا َب َّ َ‬
  ‫َ ُد ك م ب ْ إ م ن ُ ُف ر ح َد م ع ْ فس ِ م ب ْ م ت َين‬                                          ‫َد ث ر م ْ ك‬
                                                                                                              ‫ُم َق‬
                                                                                                ‫لَه ُ الْح ُّ [البقرة:805].‬
                                                       ‫ر‬
 ‫ثم القضية الثانية أيها اإلخوة، أننا كثي ًا ما نعيش في الظروف الشديدة كهذه األيام، أزمة الغثائية‬
                                           ‫د‬
   ‫والسطحية في التفكير والفهم، ونفتقد العمق في إ َراك األهداف واألبعاد من وراء تجييش العدو‬
      ‫للجيوش، وإقامة الحروب، وربما غرر العدو بنا، فانطلت علينا كثير من مخططاته وأهدافه.‬
                                                           ‫َر‬      ‫ن‬
 ‫إنك لتسمع أحيا ًا من ي ُوج عليه أن هدف الحرب تنحية شخص الرئيس العراقي، أو نزع سالح‬
                                                                                                             ‫الدار الشامل.‬
  ‫إننا بهذه السطحية من الفهم، وبهذا التفكير البدائي نكون متخلفين عن الواقع، بعيدين عن معرفة‬
                                                                                                            ‫حجم المعركة.‬
‫بل ربما برر بعض من السذج حرب العدو، واعتبرها حربًا مقبولة، ما دام يقصد من ورائها هذا.‬
    ‫إن العدو قد جاء بقضه وقضيضه، لمعركة واسعة شاملة بعيدة المدى، معركة حاسمة يراد من‬
‫وراءها اقتالع اإلسالم من جذوره، ونزع سالح اإليمان من القلوب، وفصل أمة اإلسالم، وإبعادها‬
‫عن مصدر عزها كتاب اهلل، الذي َّ َأْ ِيهِ الْ َاط ُ ِن َيْنِ ي َيْ ِ َالَ ِنْ خَلْ ِ ِ تَنزِي ٌ ّنْ َكِي ٍ َ ِي ٍ‬
‫ل م ح م حم د‬               ‫فه‬         ‫ال ي ت ب ِل م ب َد ه و م‬
                                                                                                             ‫[فصلت:74].‬
 ‫إنها حرب جديدة، جمعت بين االستعمار في الماضي والتغريب في الحاضر، إنه تطور جديد في‬
                                     ‫أسلوب الحرب على المسلمين، يجمع بين تجربة الماضي والحاضر.‬
   ‫إن أعداء اإلسالم جادون غير هازلين، في فتنة المسلمين وصدهم عن دينهم وعما أنزل إليهم،‬
‫و ْ ُ أ تن ع ب ْض‬
‫ليتطلعوا إلى مناهج أخرى، ويتعاملوا مع مبادئ غير ملة اإلسالم َاحذَرْهمْ َن يَفْ ِ ُوكَ َن َع ِ‬
                                                                                    ‫ز الله إ‬
                                                                ‫مَا أَن َلَ َّ ُ ِلَيْكَ [المائدة:84].‬
      ‫ولقد قال رئيس وزراء بريطانيا قبل زمن، في مجلس العموم البريطاني بعدما حمل القرآن‬
      ‫بيده:إننا ال نستطيع القضاء على اإلسالم والمسلمين، إال بعد القضاء على ثالثة أشياء:صالة‬
‫الجمعة والحج وهذا الكتاب، فقام أحد الحاضرين ليمزق القرآن فقال: ما هكذا أريد يا أحمق، إني‬
‫أريد تمزيقه في قلوبهم وتصرفاتهم. هكذا وبكل صراحة ووضوح، يرمون من وراء حمالتهم إلى‬
  ‫صرف المسلمين عن دينهم، ويسعون إلى تدمير اإليمان والقرآن ونزعهما من قلوب المسلمين،‬
     ‫فكيف بعد هذا الوضوح تصدق أكذوبة العصر المضحكة، أن الهدف من الحرب نزع سالح‬
   ‫الدمار الشامل، أو تنحية رئيس العراق، ولقد صرح الرئيس األمريكي بتاريخ5/5/3007، أنه‬
       ‫اليعلم إذا ماكان الرئيس العراقي يمتلك حاليًا أسلحة دمار شامل، واآلن أقبل بجنده وجيشه‬
   ‫العرمرم لحرب العراق، بحجة نزع سالح الدمار الشامل، مع أنه قد صرح أنه ال يعلم هل في‬
                         ‫العراق سالح دمار شامل، إنها أالعيب وأكاذيب وتناقضات النهاية لها.‬
  ‫وآخر المطاف في مضحكات القوم: أن أحد المسؤولين في اإلدارة األمريكية صرح قبل الحرب‬
                         ‫بأيام، أن أمريكا عازمة على الحرب، حتى ولو تنحى الرئيس العراقي.‬
  ‫كل هذا ـ أيها اإلخوة ـ وغيره كثير مما ال يسع ذكره هاهنا، دليل بين على ما بيته القوم من‬
‫حرب دامية، يريدون من وراءها زلزلة المنطقة، والسيطرة التامة عليها، من أجل تغيير خارطتها‬
 ‫ومسخ شعوبها، وطمس هويتها، واستذالل ونهب خيراتها، والتمكين للصهيونية المتشوقة ألطماع‬
                                                                               ‫كثيرة في المنطقة.‬
      ‫إنها حرب عقدية سياسية، عسكرية اقتصادية توسعية، ذات أهداف كثيرة، وأبعاد عديدة، قد‬
                                                      ‫ت‬        ‫ن‬              ‫ت‬
 ‫اخْ ُطت مشاهدها، و ُظمت حلقاُها منذ عشر سنين، إنها حرب أكبر مما نتصور، ومعركة أفظع‬
              ‫مما نخمن ونظن، معركة أعد لها كل اإلعداد، ورصد لدراستها ماليين الدوالرات.‬
  ‫وشاهد القول ـ أيها اإلخوة ـ، أن الحجم الكبير لهذه المعركة يملي علينا فهمًا أعمق، ويوجب‬
                                                                ‫ي‬
   ‫علينا إدراكاً أكبر لما ُراد بنا، كي نكون على بصيرة من األمر، ولنحصن نفوسنا ومجتمعاتنا‬
    ‫ي‬
 ‫وأجيالنا القادمة، باإليمان الحق، وامتثال هذا الدين العظيم، وهذا هو الذي يفزع األعداء، و ُزعج‬
                                                                       ‫نفوسهم، ويفشل مكائدهم.‬
 ‫إن أول خطوة نضعها في الطريق الصحيح لمواجهة هذه األزمة: الفهم الصحيح لطبيعة المعركة‬
   ‫بيننا وبين الصليب، إذا أدركنا حجم المعركة وطبيعتها ـ بعيدا عن السطحية والغثائية ـ فإنه‬
                                       ‫ن‬                       ‫د‬
‫يمكن لنا حينئذ أن نعد لها إعدا ًا سليمًا، ويمكن لنا أن ُنشئ األجيال تنشئة صالحة متينة، ال تتأثر‬
                                                                 ‫باألعاصير وال تتكدر بالرياح.‬
          ‫ز‬
‫هذا هو أول واجب علينا تجاه هذه الحرب الجديدة، التي نسأل اهلل أن يجعل عاقبتها ع ًا لإلسالم،‬
                                                                            ‫وذالً للصليب وأهله.‬
                   ‫ونسأله أن يبطل كيد المعتدين ويردهم خائبين. آمين والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                             ‫ع‬         ‫ق‬
  ‫الحمد هلل، ال يقول إال ح ًا، وال ي ِد إال صدقًا، أحمده وأشكره، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
                                                                                   ‫د‬
                                                                           ‫شريك له تعب ًا ورقًا.‬
                                            ‫خ‬                          ‫د‬
 ‫وأشهد أن نبينا محم ًا عبده ورسوله، أنبل الناس ُلقًا، وأصدقهم نطقًا، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                         ‫وصحبه إلى يوم اللقاء.‬
                                                           ‫َ ك‬
    ‫أما بعد: امة اإلسالم، عرْ ُ العراق وعزلها، وإذالل شعبها، أصبح ضرورة أمريكية، وحاجة‬
   ‫إسرائيلية، ومطلباً ظالمًا ينشده قادة البغي المتعطشون لسفك الدماء، وهو قبل هذا وذاك مقصد‬
    ‫توراتي قديم، وغرض إنجيلي صهيوني حديث، وشرق العراق وغربها تواصل ذكر هما في‬
                                                                                         ‫التوراة.‬
 ‫حتى إن اسم بابل التي في العراق، ذكرت في التوراة أكثر من مائتي مرة، على أنها مدينة اإلثم‬
                                                                             ‫والفجور والشرور.‬
                                   ‫وهذا رسخ نظرية العداء للعراق وأهل العراق عند النصارى.‬
 ‫إن كراهية العراق، وبغض العراقيين جزء من عقيدة أهل الكتاب، وعداء كفار بني إسرائيل من‬
                        ‫النصارى للعراق وأهله، ال يقل عن عداء كفار بني إسرائيل من اليهود.‬
                                                      ‫ت‬                           ‫ال‬
 ‫ألن ك ً منهما يدين بالتوراة، التي ُدين العراقيين باإلجرام في حق من يعتبرون أنفسهم بالشعب‬
     ‫المختار.هكذا قالوا، وهذا المنطلق العقدي عند النصارى وعند اليهود، هو أحد الدوافع وراء‬
  ‫الموقف العدائي الغربي من العراق، وهو الذي يقف وراء خلفيات اإلصرار المتآزر مع اليهود‬
                                                  ‫د‬
                                 ‫على إطالة مدة عزل العراق وحصاره، تمهي ًا لتفكيكه ودماره.‬
                                       ‫ر‬       ‫ر ر‬
‫وتشير الدالئل وتؤكد أن للغرب دو ًا كبي ًا مباش ًا في توريط العراق في صرا عات مع جيرانه؛‬
                                              ‫إيران والكويت؛ في حربي الخليج األولى والثانية.‬
        ‫ر‬                                            ‫شيئ‬
   ‫وربما افتعلوا في هذه الحرب الثالثة ًَّا من ذلك، ليقنعوا العالم أنه ما زال يشكل خط ًا على‬
                                                                                         ‫جيرانه.‬
   ‫وبطبيعة الحال ـ أيها اإلخوة ـ فإن هذه الخلفيات الدينية لعداء العراق، ال تقف وحدها وراء‬
‫النية الشريرة األمريكية، بل هناك وبال شك، دوافع عديدية أخرى، سياسية واقتصادية وحضارية،‬
                                                  ‫ولكنها دوافع تتغذى بالمنطلقات الدينية العقدية.‬
         ‫حت‬
    ‫وكون العراق بلد ال يفصل بينه وبين دولة اليهود المتربصة سوى صحراء جرداء، َّم على‬
 ‫النصرانية القيام بهذه الحرب إلضعاف العراق، والسيطرة عليه، مخافة أن ينال اليهود شيء من‬
                 ‫أذاه، وحفظ أمن اليهود من المرتكزات التي توجبها الخلفيات الدينية النصرانية.‬
  ‫هذه الخلفيات العقدية، مع األطماع الكثيرة األخرى، هيأت األسباب للقيام بهذه الحرب المدمرة،‬
         ‫التي استعدت لها أمريكا بإسطول ضخم كانت أمريكا تعده لهذه الحرب منذ زمن طويل.‬
   ‫وقد اجتمعت ألمريكا عدة دوافع لتحقيق عدة أهداف من هذه الحرب المشتعلة، وثمة مستجدات‬
  ‫عديدة دفعتها لتعجيل الحرب، إضافة لالستحقاقات القديمة، التي يرى األمريكيون واليهود أنه قد‬
     ‫آن األوان لفتح ملفاتها وخرائطها على جبهة الصراع، وعلى رغم التداخل الشديد بين الواقع‬
 ‫واألهداف، إال أن الجامع بينهما هو أن أعداء األمة يريدون تسديد ضربة إجهاضية جديدة، كافية‬
                         ‫لتجميد مسيرة األمة، ودفعها إلى التقهقر على مستوى الزمان والمكان.‬
                                    ‫نسأل اهلل أن يرد كيد المعتدي في نحره، وأن يذله ويدمره.‬

‫(5/8653)‬




                                                            ‫ماذا يخفي لنا ساسة أمريكا؟ (7)‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                      ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                             ‫القتال والجهاد‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل‬
                                                                                      ‫بريدة‬
                                                                              ‫17/5/4745‬
                                                                               ‫جامع العودة‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- مهاجمة النساء واألطفال دليل جبن العدو وذعره. 7- خطر األسلحة المستخدمة في الحرب‬
   ‫على العراق. 3- األهداف الكامنة وراء الحرب تصب في صالح إسرائيل. 4- تالزم الحرب‬
       ‫على العراق مع ما يحدث في فلسطين. 1- تغيير القيم اإلسالمية أحد أهداف الحرب. 6-‬
       ‫األهداف االقتصادية في الحرب على العراق. 2- النصر في نهاية المطاف حليف اإلسالم‬
                                                                                ‫والمسلمين.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فاتقوا اهلل أيها المسلمون، فبتقواه تزكوا، النفوس واألعمال، وبطاعته تنال العزة والغلبة‬
                                                                                                  ‫على مر الدهور واأليام.‬
    ‫أيها المؤمنون، وتستمر الحرب الصليبية على العراق المسلمة، في تغافل متعمد لنداءات العالم‬
                                                    ‫ن‬
    ‫الصارخة، بعد المشاهد الدامية التي ُشرت فيها صور األشالء، من النساء و األطفال الرضع،‬
                                                                                                             ‫والشيوخ الركع.‬
                                              ‫دماء تنزف، وقنابل تقذف، وكارثة إنسانية في البصرة تشرف.‬
‫وعدو غاشم لما عاين هزيمته في البر، ألقى بثقل قنابله المدمرة على مساكن المدنيين، ليمسح عار‬
                                                                                             ‫الخيبة عن وجهه ولن يفعل!‬
   ‫لما جبن عن مقابلة الرجال في ساح الوغى، وأصيب بالذعر والهلع من جراء صدمة المواجهة‬
                                                                                                                      ‫الضارية.‬
         ‫جعل حنقه على األطفال، وصب جام غضبه على المدنيين العزل، يالها من خيبة! يالها من‬
                                                                                                                         ‫هزيمة!‬
                                                                                     ‫ي د‬
                                            ‫ياله من عار ُسَو ُ وجوه األمريكان على مدار التاريخ والزمان.‬
   ‫هذه األحداث المتسارعة تدل على قرب نهاية القوم، وأنهم يحفرون بأيديهم قبورهم، ويصنعون‬
                                                                                                           ‫بحروبهم حتوفهم.‬
                                                                                  ‫يع‬
     ‫ألم َ ِدوا العالم بأجمعه أنها حرب قصيرة في ظل أسبوعين أو ثالثة، واآلن يعلنونها صريحة‬
                                            ‫قائلين:إن الحرب سيطول مداها، وسنواجه مقاومة صعبة شديدة.‬
    ‫س َن الل غ ف‬            ‫و‬
 ‫واهلل ليأتين عليكم يوم يفرح فيه كل مسلم، وكل مظلوم على وجه األرض، َالَ تَحْ َب َّ َّهَ َا ِالً‬
 ‫ي َ م له‬            ‫عم الت‬                  ‫َ َب بع ِ َ‬              ‫َ َر ْ‬                         ‫َم ي َل الظ لم‬
‫ع َّا َعْم ُ َّاِ ُونَ [إبراهيم:74]، أَلمْ ت َ كَيفَ فَعلَ ر ُّكَ ِ َادٍ إرمَ ذَاتِ الْ ِ َادِ َّ ِى لَمْ ُخْلقْ ِثُْ َا‬
 ‫ر ْ فه‬                 ‫ْف ب‬             ‫َّذ ن‬                           ‫ف ب د و م َّذ ج ب الص ْر و د َ ِ‬
‫ِى الْ ِلَا ِ َثَ ُودَ ال ِينَ َا ُواْ َّخ َ بِالْ َا ِ وفرْعَوْنَ ذِى األَوْتَادِ ال ِي َ طَغَوْا ِى الْ ِلَادِ فَأَكْثَ ُوا ِي َا‬
                                                     ‫م‬           ‫ِن َب‬          ‫س َ َب ع ِ َب س ع‬
                                ‫الْفَ َاد فَص َّ َلَيْهمْ ر ُّكَ َوْطَ َذَابٍ إ َّ ر َّكَ لَبِالْ ِرْصَادِ [الفجر:6-45].‬
 ‫إن هزيمة القوم ـ أذلهم اهلل ـ ابتدأت حين انتقموا مما أصابهم، بتسليط قنابلهم على المدنيين من‬
    ‫األطفال والنساء والشيوخ، إنه ال يوجد ال في األعراف الدولية وال اإلنسانية كلها أن االنتصار‬
‫يكون بقتل المدنيين العزل، والنساء والشيوخ واألطفال الرضع، والمعروف في أعراف البشر كل‬
   ‫البشر، أن الهزيمة أو النصر إنما يكون في ساح الوغى، وفي أرض المعمعة وساحة المعركة.‬
‫مئات القتلى من األطفال والنساء والشيوخ، أما الجرحى والمصابين في المستشفيات فآالف مؤلفة،‬
‫أخطأت في استهدافهم القنابل الذكية التي سموها ذكية ألنها ال تخطئ، وال ندري هل تسميتها ذكية‬
                                                                      ‫إنما كان اعتباطًا، وإال هي في حقيقتها غبية!‬
     ‫أم أن من أرسلها يدرك أنها ذكية، ولكن بسبب غيظ قلبه، ولتفادي هزيمته، حول مسارها إلى‬
                                                                                                       ‫ُ‬
                                                   ‫العزْل بعد أن تجهز بالعذر المعلب المعتاد "أخطأت هدفها".‬
                                                                         ‫عجيب واهلل أن تخطئ الهدف في كل مرة!‬
                   ‫ي‬
‫عجيب أن تكون النسبة الغالبة من ألف طلعة جوية، وخمسمائة صاروخ يوم ًا قد أخطأت أهدافها!‬
  ‫إن في هذا لدالالت على أن العدو ال يمانع من إبادة الشعب العراقي بكامله، في سبيل مسح عار‬
              ‫الهزيمة عن وجهه األغبر، وتغطية ذل الفضيحة التي لحقت به في الحرب البرية.‬
‫يؤكد هذا أن 06 من القذائف األمريكية المستخدمة في العراق تحتوي على مواد مشعة كاليورانيوم‬
   ‫تحمله صواريخ كروز، والقنابل التدميرية، وقد ذكرت صحيفة "الزمان" اللندنية أن هذه القذائف‬
   ‫المشعة من إنتاج مصنع إسرائيلي أمريكي، موجود في إسرائيل، كما ذكرت الصحيفة نفسها أن‬
 ‫من القنابل المستعملة في هذه الحرب، قنبلة تسمى "أم القنابل" تحتوي على تسعة ونصف طن من‬
 ‫المتفجرات المخلوطة بمادة البولتيوم المشعة، وهي قنبلة خطيرة، ذات قدرة تدميرية هائلة، تعادل‬
   ‫نصف القنبلة الذرية التي ألقاها األمريكيون على هيروشيما اليابانية عام ألف وتسعمائة وخمسة‬
                                                                                                 ‫وأربعين.‬
      ‫وآثار هذه المواد اإلشعاعية كبيرة وضخمة، يظل تأثيرها على نطاق جغرافي واسع، بسبب‬
 ‫انتقالها بالرياح، واختالطها بالدخان الناتج عن حرائق آبار النفط، نسأل اهلل أن يبطل كيدهم، وأن‬
                                                            ‫ينتقم للمسلمين منهم إنه عزيز ذو انتقام.‬
   ‫أيها األحبة، إنه ال يخفى أن الدافع األساسي في هذه الحرب هو الدافع العقدي، الذي أملى على‬
     ‫أساطين الغرب ضرورة شن حرب على العراق، وثمة دوافع أخرى كثيرة، من أهمها الدافع‬
                ‫األمني، حيث تسعى الواليات المتحدة لخدمة دولة اليهود وذلك من خالل ما يلي:‬
                                                                                   ‫ال‬
   ‫أو ً: حفظ أمن اليهود، وهذا إنما يتأتى بالقضاء على أقوى قوة عسكرية عربية، يخشى الكيان‬
                                                       ‫الصهيوني أن توجه ضده في يوم من األيام.‬
    ‫ثانيًا: تسعى أمريكا للسيطرة على العراق، وإيجاد مركز ثقل أمريكي قوي فيها، وتخطط لنقل‬
 ‫القوات المتفرقة في دول الخليج إلى العراق، وذلك لتنأى بها عن التمركز في أماكن تثير مشاعر‬
                                                     ‫ب‬
 ‫المسلمين ضدها، ولتكون هذه القوة قري ًا من دولة يهود، لتفتح لها الطريق، وتمهد لها الدرب من‬
                                  ‫أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى، الممتد من النيل إلى الفرات.‬
‫وما الحروب الطاحنة التي يقوم بها اليهود ضد الفلسطينيين في هذه األيام، إال إشارة واضحة لنية‬
                                                                                        ‫اليهود التوسعية.‬
        ‫د‬
  ‫وتعتزم الواليات المتحدة بعد الحرب، وضع حاكم في العراق أمريكي أو عربي يكون عب ًا لها،‬
                                                                             ‫وصديقاً لربيبتها إسرائيل.‬
‫وفي هذا رسالة إلى شعوب المنطقة وأنظمتها، أنها بدأت تعيش عصر الحكومة العالمية األمريكية‬
       ‫الصهيونية، فال بد أن تتعايش مع هذا العصر الجديد، الذي تعتبره الواليات المتحدة عصر‬
‫التحرير والتجديد، وعصر التغيير لحياة التخلف التي عاشتها دول المنطقة ردحًا من الزمن، ولهذا‬
   ‫يق ل ن‬
   ‫يكرر قادة الحرب على العراق: إن حرب أمريكا عليها حرب تحرير ال حرب استعمار َ ُوُو َ‬
                                             ‫َ ف قل به والله َم ب ي تم‬                       ‫َ هه م‬
                          ‫بِأفْوا ِ ِم َّا لَيْس ِى ُُو ِ ِمْ َ َّ ُ أَعْل ُ ِمَا َكْ ُ ُونَ [آل عمران:265].‬
   ‫ثالثًا: يطمح ساسة الواليات المتحدة وإسرائيل بعد هذه الحرب إلى تهيئة الجو، والتمهيد إلنجاز‬
    ‫المشروع الكبير المؤجل منذ خمسين عامًا، بل منذ ألفي عام، وهو مشروع إعادة بناء الهيكل‬
    ‫الثالث، الذي ينتظره النصارى قبل اليهود، حيث إن من قطعيات عقائد اليهود والنصارى، أن‬
                                                     ‫نزول المسيح إلى األرض يسبقه ثالث خطوات:‬
                                                                           ‫األولى: إقامة دولة إسرائيل.‬
                                                           ‫والثانية: االستيالء على القدس (العاصمة).‬
                                            ‫والخطوة الثالثة من الخطوات الثالث: إعادة بناء الهيكل.‬
  ‫أما الدولة فقد أقاموها وهي إسرائيل، وأما العاصمة فقد وحدوها وهي القدس، وأما منبر الدعوة‬
 ‫وموضع القبلة لهم وهو بناء الهيكل في القدس، فهي مهمة ساسة اليهود والنصارى، التي يؤمنون‬
                                                                         ‫بضرورتها وحتمية القيام بها.‬
    ‫ولهذا أصروا على شن هذه الحرب رغم معارضة العالم لها؛ ألنهم ينطلقون من عقيدة توجب‬
  ‫عليهم خدمة اليهود، والسعي في تحقيق أهدافهم ومشاريعهم الكبيرة في المنطقة، وهذا شيء مما‬
                                                       ‫ُد ر ُ َر‬          ‫و ت ف‬
                                       ‫تفوه به أقطابهم َمَا ُخْ ِى ص ُو ُهمْ أَكْب ُ [آل عمران:855].‬
                                                       ‫والهدف الثالث: من أهداف أمريكا في الحرب:‬
                                  ‫د‬      ‫م‬
‫وضع خريطة جديدة للشرق األوسط، تتضمن تقسي ًا جدي ًا للمنطقة العربية، وذلك إلضعاف دول‬
   ‫ا‬
  ‫المنطقة، وخلخلة بنائها من الداخل لتهيئة المجال لتدجينها أمريكيًا، وإحكام القبضة عليها جميعً،‬
     ‫واإلحاطة بحدودها إحاطة السوار بالمعصم، لتتصرف في المنطقة بعد ذلك كما تشاء، وفكرة‬
‫تغيير خارطة الشرق األوسط هي فكرة جادة، تعتزم الواليات المتحدة القيام بها، وقد أعد الخريطة‬
        ‫وصنعها يهوديان بارزان في اإلدارة األمريكية، هما نائب وزير الدفاع األمريكي، والثاني‬
    ‫(ريتشارد)رئيس مجلس السياسة الدفاعية، وهما من صقور تيار اليمين النصراني الصهيوني،‬
‫المهيمن على اإلدارة األمريكية، والذي كان له الدور األكبر في حملة أمريكا العدوانية على شعب‬
                                        ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِر ن‬
 ‫العراق المسلم َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِي َ [األنفال:03]، نسأل اهلل أن يخذلهم، وأن‬
                                                                                ‫يرد كيدهم في نحورهم.‬
                                         ‫والهدف الرابع: من أهداف أمريكا في حربها على العراق:‬
‫االنطالق بقوة وحرية بعد السيطرة على العراق، لتغيير القيم وتغريب األخالق والمثل اإلسالمية،‬
 ‫وصهرها في بوتقة الحياة الغربية، لضمان التبعية المطلقة للحضارة الغربية، والخالص من تأثير‬
      ‫مق‬                            ‫ي‬
     ‫البيئة اإلسالمية التي تزعم الواليات المتحدة أن اإلرهاب ُستنبت في تربتها، وأنها هي َع ِد‬
                                                    ‫الخطورة على الشعب المختار في دولة إسرائيل.‬
‫وأولى الخطوات في هذا التغيير: بلورة أنظمة التعليم واإلعالم في العالم العربي، بما يخدم أهداف‬
                                                                                      ‫أمريكا وإسرائيل.‬
        ‫والواليات المتحدة تطالب العرب ـ بكل حزم ـ حذف كل تأريخ من شأنه رفض اليهود،‬
                                                           ‫وتأسيس عداوتهم في قلوب ناشئة المسلمين.‬
       ‫وقد نشرت صحيفة "األسبوع" المصرية بتاريخ 75-5-3007، خبر قيام اإلدارة األمريكية‬
      ‫بتشكيل لجنة داخل الخارجية األمريكية، أطلق عليها "لجنة تطوير الخطاب الديني في الدول‬
     ‫العربية واإلسالمية"، مهمتها تغيير أنظمة التعليم واإلعالم في الدول العربية واإلسالمية، وقد‬
                                                                              ‫شيئ‬
  ‫الحظنا ًَّا من هذا التغيير في بعض الدول اإلسالمية، وعلى سبيل المثال، مما تطالب بتغييره‬
                                                                                                ‫هذه اللجنة:‬
                                                                                   ‫ال‬
‫أو ً: رأت اللجنة أن لفظة الجهاد يجب أن يتم قصر معناها على جهاد النفس فقط، دون القتال في‬
                                                                                                  ‫المعارك.‬
      ‫ثانيًا: فسر فطاحلة المفسرين في هذه اللجنة لفظة "اليهود" في القرآن والسنة بأن المراد بها:‬
                 ‫مجموعة من البدو المتنقلين، الذين عاشوا في الماضي السحيق، وانتهى تاريخهم.‬
‫ثالثًا: تقترح اللجنة إلغاء مقررات التربية الدينية، باعتبارها مغذية اإلرهاب، ومصدر اإلرهابيين.‬
         ‫كما تقترح اللجنة المشفقة الناصحة، تخصيص يوم كامل في مدارس الشرق األوسط للقيم‬
                       ‫األخالقية، يركز فيه على جانب التسامح مع األديان األخرى ونبذ اإلرهاب.‬
                                                                          ‫رابعًا: وتقترح اللجنة الموقرة:‬
                                                                ‫ي‬
        ‫جعل المسجد منتدى اجتماع ًا، شبيهًا بالوضع الكنسي، للمرأة فيه دور ريادي كما للرجل.‬
‫هذه بعض المقترحات، التي تنشدها هذه اللجنة، من كافة المسلمين في جميع األقطار، وصدق اهلل‬
 ‫ول ت ض‬                         ‫و‬       ‫م َر ك ن‬                   ‫فر‬               ‫َد‬
‫سبحانه إذ قال عنهم: و ُّواْ لَوْ تَكْ ُ ُونَ كَ َا كَف ُواْ فَتَ ُوُونَ سَ َاء [النساء:88]، وقال: ََن َرْ َى‬
                                                            ‫يه د و النص ر َت َت ع ِل ُ‬                      ‫ع‬
                                            ‫َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّ َا َى حَّى تَّبِ َ مَّتَهمْ [البقرة:855].‬
‫هذا ما أعدوا لنا، فماذا أعددنا لهم؟ نسأل اهلل أن يكبتهم خائبين، وأن يردهم على أعقابهم خاسئين،‬
                                                                                                       ‫آمين‬
                                                                                 ‫والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
 ‫إن الحمد هلل، نستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اهلل‬
               ‫فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له.‬
                                                                                      ‫د‬
                                                                        ‫وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله.‬
 ‫وبعد: أيها المسلمون، والهدف الخامس:من أهداف الحرب على العراق: بسط السيطرة على نفط‬
                               ‫ي‬
  ‫العراق العريق، الذي يمثل ثاني أكبر احتياطي في العالم، وذلك ل ُضمَ إلى بقية منابع النفط التي‬
  ‫تضع أمريكا يدها عليها، لكي تؤمن لنفسها ولحليفتها في الغرب، موارد ال تنضب في الخمسين‬
                                                          ‫سنة القادمة، إذا أوشك نفطها على النضوب.‬
 ‫وتؤمن الواليات المتحدة بأن خروجها من حالة الركود االقتصادي الذي أصابها، مرهون بوضع‬
                  ‫يديها على احتياط النفط العراقي الضخم، الذي يتجاوز اثنا عشر مليار برميل.‬
‫كما أنها ترجو من وراء السيطرة على منابع النفط في العراق، السيطرة على سعر النفط في العالم‬
                                                                                            ‫كله.‬
      ‫وغني عن البيان، أن الدول العربية سيتأثر اقتصادها تلقائيًا إذا ما سيطرت أمريكا على نفط‬
       ‫العراق، وعليه البد أن تستعد الدول العربية النفطية ببرنامج جديد للتقشف، والبد من تهيئة‬
‫مجتمعاتنا لما هو قادم، واالستعداد لحالة طويلة األجل من التقشف، واالعتماد على الذات في سوق‬
  ‫العمل، والبعد عن الترف ومظاهر الرفاهية، وعدم االعتماد على العمالة األجنبية في كل شيء.‬
   ‫والهدف السادس: من أهداف أمريكا في حربها على العراق: استعادة الهيبة، ورد االعتبار بعد‬
                                                      ‫م‬
  ‫صفعة الحادي عشر، وبعد أن ُرغت في الوحل على سفوح أفغانستان وهضابها، حيث لم تنجح‬
                                   ‫د‬
   ‫ولم تفلح في تحقيق أهدافها المعلنة، وأحرجت حرجًا شدي ًا أمام سمع العالم وبصره، وظنت أن‬
   ‫استعادة العزة، ورد الكرامة، إنما يكون على جماجم العراقيين، فكانت المفاجأة الكبرى والحرج‬
                                    ‫ت‬
 ‫األشد لها، أن وجدت نفسها في مستنقع ومضيق اليمكن أن ُخرج نفسها منه إال باإلبادة الجماعية‬
                                                                    ‫لألطفال والنساء والعاجزين.‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون، هذه األهداف التي سمعتم هي بعض أهداف القوم في حربهم على العراق،‬
                                                                           ‫وهي أهمها وأبرزها.‬
 ‫وقد تبدو الصورة مظلمة وقاتمة، ولكننا نؤمن أنه الظالم الذي يسبق بزوغ الفجر، أو الفجر الذي‬
                  ‫يسبق اإلشراق، إشراق اإلسالم الذي تنتظره الدنيا في أركان األرض األربعة.‬
       ‫عز يع‬                                                    ‫وب‬       ‫َد‬
 ‫((وال يترك اهلل بيت م َر وال َ َر إال أدخله اهلل هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، ًّا ُ ِز اهلل‬
                                                                            ‫ُذ‬
                                                ‫به اإلسالم، وذالً ي ِل اهلل به الكفر)) رواه أحمد.‬
    ‫هذا هو خبر الصادق المصدوق صلى اهلل عليه وسلم كما في الحديث المخرج في مسند أحمد.‬
                                                                                  ‫و‬
      ‫وعد ّ المسلمين حامل راية الظلم والكفر في هذا العصر، ال يزال يسير على درب الهاوية،‬
 ‫والواليات المتحدة بخروجها عن كل قيم العدل في التعامل مع الشعوب المسلمة، وبقوتها الغاشمة‬
 ‫الظالمة على الشعب العراقي، وإذالله، إنما تأخذ بذلك طريق االنتحار السريع، وتستنزل مطارق‬
              ‫السنن اإللهية والشرعية، التي تدل على أن البغي والظلم هو أسرع الذنوب عقوبة.‬
                  ‫ب‬
‫قال صلى اهلل عليه وسلم كما في سنن أبي داود والترمذي وصححه عن أبي َكْرة رضي اهلل عنه:‬
 ‫((ما من ذنب أجدر أن يعجل اهلل تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في اآلخرة من‬
                                                                         ‫البغي وقطيعة الرحم)).‬
                   ‫ونسأل اهلل أن يعجل بالفرج ألهل العراق، اللهم فرج لهم، وارفع عنهم البالء.‬

‫(5/0253)‬
                                                                                                            ‫االبتداع‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                                 ‫البدع والمحدثات‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫سعد بن أحمد الغامدي‬
                                                                                                           ‫الظهران‬
                                                                                     ‫جامع األمير محمد بن فهد‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- معنى البدع في اللغة والشرع. 7- حكمها في اإلسالم. 3- المحاذير التي يقع فيها المبتدع.‬
                                             ‫4- أقوال السلف وأهل العلم في البدع. 1- مضار االبتداع.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فإن اهلل ـ جل وعال ـ أمرنا في كتابه الكريم باتباع النبي الصادق األمين، نبينا محمد‬
   ‫ُم الرس ُ ُذ ه‬              ‫و‬
   ‫عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصالة والتسليم، وذلك بقوله سبحانه: َمَا ءاتَاك ُ َّ ُول فَخ ُو ُ‬
  ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ِ‬                                             ‫وم ه ُ ع ُ ه‬
‫َ َا نَ َاكمْ َنْه فَانتَ ُواْ [الحشر:2]. وقال تعالى: قلْ ِن ُنتمْ ُح ُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْفرْ‬
                                                                                    ‫ُ ذن ب ُ‬
      ‫لَكمْ ُ ُو َكمْ [آل عمران:53]. واآليات التي تحثنا على اتباع النبي صلى اهلل عليه وسلم كثيرة،‬
    ‫فلذلك كان واجبًا على المسلمين أن يتبعوا هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم، وأن ال يبتدعوا في‬
                                                                                            ‫دين اهلل ما ليس منه.‬
             ‫تعب‬
‫والبدع في اللغة: هي األشياء التي يبتدعها اإلنسان. وأما في الشرع: فهي كل من َّد اهلل سبحانه‬
                                            ‫ال‬
 ‫وتعالى بغير ما شرع، عقيدة أو قوالً أو فع ً. وعرف بعض أهل العلم البدعة على أنها كل شيء‬
                                                                          ‫د‬
‫كان سببه موجو ًا في زمن النبي صلى اهلل عليه وسلم، ولم يأت به النبي صلى اهلل عليه وسلم فهو‬
       ‫بدعة. وخطر البدعة عظيم، حتى قال فيها ابن القيم رحمه اهلل: "تزوجت بدعة األقوال ببدعة‬
   ‫األعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأهم إال وأوالد الزنا يعيشون في بالد اإلسالم، تضج‬
        ‫منهم العباد والبالد إلى اهلل تعالى". وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "تزوجت الحقيقة‬
                                                                           ‫فتول‬
                                            ‫الكافرة بالبدعة الفاجرة، َّد بينهما خسران الدنيا واآلخرة".‬
 ‫وال شك أن اإلنسان المسلم إن اتبع هدي النبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه، وسار على نهجهم‬
     ‫كان من الفائزين، وإن خالفهم وابتعد عن طريقهم كان من الخاسرين، فعن عائشة رضي اهلل‬
    ‫عنها، قالت: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو‬
  ‫رد)) متفق عليه. وهذا الحديث يعني أنه من أحدث في شرع اهلل وفي دين اهلل ما ليس منه، فهو‬
                                                                  ‫مردود على صاحبه غير مقبول منه.‬
    ‫واألعمال إما ظاهرة أو باطنة، فاألعمال الظاهرة ميزانها حديث عائشة هذا: ((من أحدث في‬
   ‫أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، واألعمال الباطنة ميزانها حديث عمر بن الخطاب رضي اهلل‬
  ‫عنه، وهو أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إنما األعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))‬
  ‫متفق عليه. فلو علم المسلمون معنى هذين الحديثين والتزموا بهما الستقام حال األمة اإلسالمية،‬
  ‫ولما ظهر فيها البدع. وعند مسلم عن جابر رضي اهلل عنه، قال: كان رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                                ‫وسلم إذا خطب احمر‬
         ‫َّت عيناه، وعال صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول:‬
                                                           ‫ب‬                ‫َبحك ومس‬
‫((ص َّ َ ُم َّاكم)) ويقول: (( ُعثت أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى،‬
    ‫ويقول: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم،‬
      ‫وشر األمور محدثاتها، وكل بدعة ضاللة)). ويعني بقوله عليه الصالة والسالم: ((بعثت أنا‬
    ‫والساعة كهاتين))، أي أن أجل الدنيا قريب وأنه ليس ببعيد، فلذلك ينبغي على المسلم أن ينتبه‬
  ‫ويحذر، فيجتنب البدع ويجتنب الذنوب كبيرها وصغيرها، وأن يجاهد نفسه على ترك المعاصي‬
                                                                                    ‫وااللتزام بشرع اهلل.‬
‫والبدعة من أخطر الوسائل التي يستخدمها الشيطان في استدراج اإلنسان، ولذلك احتجز اهلل التوبة‬
 ‫عن صاحبها، فعن أنس ابن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن‬
      ‫اهلل احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة)) رواه ابن أبى عاصم في السنة والطبراني وذكره‬
    ‫األلباني في الصحيحة رقم (0765) وقال: حسن. وال شك أن اإلنسان المبتدع يقع في محاذير‬
                                                                              ‫ال‬
  ‫كثيرة: أو ً: أن ما ابتدعه فهو ضاللة بنص القرآن والسنة، وذلك أن ما جاء به النبي صلى اهلل‬
                         ‫م ب حق ِال الض َل‬
     ‫عليه وسلم فهو الحق، وقد قال اهلل تعالى: فَ َاذَا َعْدَ الْ َ ّ إ َّ َّال ُ [يونس:73]، هذا دليل‬
‫القرآن، ودليل السنة قوله صلى اهلل عليه وسلم: ((كل بدعة ضاللة)) رواه مسلم، ومن هذا الحديث‬
                                            ‫يتبين أن البدع كلها ضاللة، وأنه ليس هناك بدعة حسنة.‬
   ‫ُ إ كُ‬                                                             ‫ج‬
 ‫ثانيًا: أن في البدعة خرو ًا عن اتباع النبي صلى اهلل عليه وسلم، وقد قال اهلل تعالى: قلْ ِن ُنتمْ‬
         ‫يتعب‬                               ‫ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ِ ُ ذن ب ُ‬
   ‫ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ [آل عمران:53]، فمن ابتدع بدعة َّد اهلل‬
  ‫بها، فقد خرج عن اتباع النبي صلى اهلل عليه وسلم، ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم لم يشرعها،‬
   ‫فيكون خارجًا عن شرعة اهلل فيما ابتدعه. وقد ثبت أن النبي صلى اهلل عليه وسلم لم يمت حتى‬
                                                                         ‫ي‬
  ‫أتى ببيان جميع ما ُحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا كما قال الشاطبي رحمه اهلل في كتابه‬
  ‫(االعتصام) ال مخالف عليه من أهل السنة، بل وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود‬
‫وأحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن العرباض بن سارية: وعظنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
      ‫مود‬
‫موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول اهلل، إن هذه لموعظة ِّع، فما‬
  ‫تعهد إلينا؟ قال: ((تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، ال يزيغ عنها بعدي إال هالك، من يعش‬
   ‫منكم فسيرى اختال ًا كثي ًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدي عض‬
 ‫ِّين، ُّوا‬                                                   ‫ف ر‬
                                                                                            ‫عليها بالنواجذ)).‬
                                 ‫د‬
  ‫ثالثًا: أن هذه البدعة التي ابتدعها تنافي تحقيق شهادة أن محم ًا رسول اهلل، ألنه من أراد تحقيق‬
              ‫يتعب‬
  ‫هذه الشهادة ال بد له أن يلتزم بما جاء به النبي صلى اهلل عليه وسلم، وأن ال َّد بما لم يصح‬
                                                                                                          ‫عنه.‬
    ‫رابعًا: أن مضمون البدعة الطعن في اإلسالم، وذلك ألن المبتدع تتضمن بدعته أن اإلسالم لم‬
   ‫ْ م ت ُ د ُ و م ت عل ك‬
 ‫يكتمل، وأنه كمل اإلسالم بهذه البدعة، وقد قال اهلل تعالى: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ َأَتْ َمْ ُ ََيْ ُمْ‬
                                                                             ‫َم د‬        ‫ن مت ورض ت ُم‬
                                                            ‫ِعْ َ ِى َ َ ِي ُ لَك ُ األسْال َ ِيناً [المائدة:3].‬
      ‫خامسًا: أنه يتضمن الطعن في رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وذلك ألن هذه البدعة، التي‬
    ‫ال‬
   ‫زعمت أنها عبادة إما أن يكون الرسول صلى اهلل عليه وسلم لم يعلم بها، وحينئذٍ يكون جاه ً،‬
   ‫د‬                                 ‫م‬          ‫ذ‬
 ‫وإما أن يكون قد علم بها ولكنه كتمها، وحينئ ٍ يكون كات ًا للرسالة أو لبعضها، وهذا خطير ج ًا،‬
                                           ‫ق‬
‫إذ كيف نأخذ من األفعال أو األقوال ما يكون طري ًا إلى هذا الظن في النبي صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫سادسًا: أن البدعة تتضمن تفريق األمة اإلسالمية، ألن األمة اإلسالمية إذا فتح الباب لها في البدع‬
                                                    ‫شيئ‬              ‫شيئ‬
   ‫صار هذا يبتدع ًَّا، وهذا يبتدع ًَّا، كما هو الواقع اآلن، وكل منهم يظن أنه على صواب،‬
                                                                ‫ال‬
      ‫وكل منهم فرح ببدعته، فمث ً: الذين ابتدعوا االحتفال بمولد الرسول عليه الصالة والسالم،‬
   ‫يطعنون في الذين ال يحتفلون بهذا اليوم، ويقولون: هؤالء يبغضون النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫ويكرهونه، ولهذا لم يفرحوا بمولده، والحقيقة خالف ذلك، إذ إن المبتدع هو الذي تتضمن بدعته‬
                                          ‫يد‬
    ‫أنه يبغض الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وإن كان َّعي أنه يحبه، ألنه إذا ابتدع هذه البدعة‬
‫والرسول صلى اهلل عليه وسلم لم يشرعها لألمة، فذلك كأنما يتهمه بالجهل أو الكتمان، وحاشاه أن‬
     ‫والش‬
 ‫يكون كذلك عليه الصالة والسالم، بل الخير في اتباع سنة النبي صلى اهلل عليه وسلم، َّر في‬
                                                         ‫يشر‬                        ‫تعد‬
‫ِّيها، وال ينبغي للمسلم أن ِّع كيف شاء ومتى شاء، فيجعل نفسه شريكًا مع اهلل في التشريع،‬
                                                                          ‫تعد‬
                                            ‫بل في هذه البدع ٍّ صريح على الشريعة وعلى الشارع.‬
  ‫سابعًا: أن البدعة إذا انتشرت في األمة اضمحلت السنة، ولهذا قال بعض السلف: "ما ابتدع قوم‬
  ‫بدعة إال أضاعوا من السنة مثلها أو أشد"، وذلك ألن البدع تؤدي إلى نسيان السنن واضمحاللها‬
       ‫ي َر ن‬
     ‫بين األمة اإلسالمية. ولذلك كان المسلمون يخشون البدع، ويخشون الوقوع فيها، و َحذ ُو َها‬
                                                                               ‫ويحذ‬
  ‫ِّرون المسلمين منها، فهذا عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يقول: (إياكم وأصحاب الرأي،‬
                   ‫َل وَضل‬
  ‫فإنهم أعداء السنن، أعيتهم األحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فَضُّوا َأ ُّوا) وقال عبد اهلل‬
                     ‫ي ْد‬     ‫ست دث‬
    ‫بن مسعود رضي اهلل عنه: (قد أصبحتم على الفطرة، وإنكم َ ُحْ ِ ُون و ُح َث لكم، فإذا رأيتم‬
                                                                ‫األو‬
    ‫محدثة فعليكم بالهدى َّل)، وقال رضي اهلل عنه: (االقتصاد في السنة خير من االجتهاد في‬
      ‫البدعة)، وقال رضي اهلل عنه: (إنا نقتدي وال نبتدي، ونتبع وال نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا‬
             ‫ال د‬        ‫ضُّن‬                                    ‫زم‬
          ‫باألثر)، وقال: (عليكم بالطريق فال َ ُوه، ولئن أخذتم يمينًا وشماالً لَتَ ِل َّ ضال ً بعي ًا).‬
    ‫وقال ابن عمر رضي اهلل عنهما: (كل بدعة ضاللة، وإن رآها الناس حسنة)، وقال ابن عباس‬
    ‫رضي اهلل عنهما يوصي عثمان األزدي: (عليك بتقوى اهلل تعالى واالستقامة، اتبع وال تبتدع)،‬
 ‫وقال: (إن أبغض األمور إلى اهلل تعالى البدع)، وقال: (عليكم باالستقامة واألثر، وإياكم والبدع).‬
‫ُنة‬                  ‫الس‬                            ‫ب‬
‫وقال عبد اهلل بن الديلمي رضي اهلل عنه: ( َلَغَني أن أول ذهاب الدين ترك ُّنة، يذهب الدين س َّ ً‬
                        ‫ُّن‬                                     ‫ُو ُو‬                        ‫ُن‬
 ‫س َّة، كما يذهب الحبل ق َّةً ق َّة). وقال الحسن البصري رحمه اهلل: "الس َّة ـ والذي ال إله إال هو‬
                             ‫ُّن‬
  ‫ـ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم اهلل، فإن أهل الس َّة كانوا أقل الناس فيما مضى،‬
     ‫وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل اإلتراف في إترافهم، وال مع أهل البدع في‬
‫بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء اهلل فكونوا"، وقال رحمه اهلل: "ال يقبل‬
                                               ‫ج‬       ‫ة‬          ‫م‬
   ‫اهلل لصاحب بدعة صو ًا وال صال ً وال ح ًا وال عمرة حتى يدعها"، وقال: "صاحب البدعة ال‬
                                       ‫د‬                                       ‫د‬
‫يزداد اجتها ًا، صيامًا وصالةً، إال ازداد من اهلل بع ًا"، وقال: "ال تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض‬
                   ‫سن‬
   ‫قلبك". وقال حسان بن عطية: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إال نزع اهلل من َّتهم مثلها، ثم ال‬
                                                                            ‫يعيدها إليهم إلى يوم القيامة".‬
  ‫وقال يحيى بن أبي كثير: "إذا لقيت صاحب بدعة في طريق، فخذ في طريق آخر". وقال سفيان‬
                ‫ي‬                     ‫ي‬
‫الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية ُتاب منها، والبدعة ال ُتاب منها"، وقال:‬
                                                  ‫ُّن‬
‫"دع الباطل، أين أنت عن الحق؟ اتبع الس َّة، ودع البدعة"، وقال ابن الماجشون رحمه اهلل: "سمعت‬
                ‫د‬                           ‫ة‬                                          ‫ك‬
 ‫مال ًا رحمه اهلل يقول: من ابتدع في اإلسالم بدع ً يراها حسنة فقد زعم أن محم ًا صلى اهلل عليه‬
        ‫ن‬                                    ‫ْ مت ُ د ُ‬
   ‫وسلم خان الرسالة، ألن اهلل يقول: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ [المائدة:3]، فما لم يكن يومئذ دي ًا فال‬
                                                                                          ‫يكون اليوم دينًا".‬
                                   ‫ً‬
 ‫وقال الفضيل بن عياض: "من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه"، وقال: "من أحب صاحب بدعة‬
               ‫ع‬
  ‫أحبط اهلل عمله وأخرج نور اإلسالم من قلبه"، وقال رحمه اهلل: "إذا رأيت مبتد ًا في طريق فخذ‬
                                                             ‫ي‬
‫في طريق آخر، وال ُرفع لصاحب البدعةإلى اهلل –عز وجل- عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد‬
                                                  ‫زو‬
 ‫أعان على هدم اإلسالم"، وقال: "من َّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها"، وقال: "اتبع طرق‬
 ‫الهدى وال يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضاللة وال تغتر بكثرة الهالكين"، وقال الشافعي–‬
                                 ‫ر‬
‫رحمه اهلل-: "ألن يلقى اهلل العبد بكل ذنب ما خال الشرك، خي ٌ له من أن يلقاه بشيء من األهواء".‬
                                                        ‫وأقوال أهل العلم أكثر من أن تحصى في ذلك.‬
‫عباد اهلل، إن هذه اآلثار الواردة عن السلف الصالح ـ رحمهم اهلل تعالى ـ كلها تدعو إلى التمسك‬
                                                                   ‫ُحذ‬
‫بالكتاب والسنة، وت ِّر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها. يقول اإلمام أبو محمد البربهاري‬
  ‫ـ رحمه اهلل ـ في كتاب (شرح السنة للبربهاري): "واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع‬
                    ‫ر‬                                              ‫ر‬
  ‫تعود حتى تصير كبا ًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في األمة كان أولها صغي ًا يشبه الحق، فاغتر‬
  ‫بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط‬
 ‫المستقيم. فانظر رحمك اهلل كل من سمعت كالمه من أهل زمانك خاصة، فال تعجلن، وال تدخلن‬
‫في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم أو أحد‬
         ‫شيئ‬                                    ‫من العلماء؟ فإن أصبت فيه أث ًا عنهم فتمس‬
  ‫َّك به وال تجاوزه لشيء، وال تختر عليه ًَّا فتسقط‬         ‫ر‬
                                                                                                 ‫في النار".‬
                                                           ‫أقول ما سمعتم، وأستغفر اهلل لي ولكم...‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                             ‫الحمد اهلل على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه.‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل، فإن من مضار االبتداع: حبوط األعمال وإن كانت كثيرة، ومن لوازمه دعوى‬
‫عدم كمال الدين. صاحبه من أعوان الشيطان ومن أعداء الرحمن، أبغض إلى اهلل ـ عز وجل ـ‬
   ‫من كثير من المعاصي. صاحبه ال يرجى له التوبة بخالف أهل المعاصي. كل البدع ليس فيها‬
                                                                                               ‫شيء حسن.‬
   ‫أنواعها: في العقيدة والعبادة، وشرها بدع العقيدة. والبدع قولية وفعلية، وكلها مذمومة. وإثمها‬
‫متجدد ال ينقطع ما دام يعمل بها في األرض. وهي من أقرب مداخل الشيطان لإلنسان. تؤدي إلى‬
   ‫خلط الحق بالباطل وحيرة األغرار في التمييز بينهما. وتؤدي إلى نفرة من ليس له قدم في فهم‬
‫اإلسالم منه، لكثرة ما يظن من تكاليفه. هذا ويجب عليك يا عبد اهلل أن تعلم علم اليقين، أن أعظم‬
   ‫زاجر عن الذنوب وعن المعاصي وعن البدع والمحدثات، هو خوف اهلل تعالى وخشية انتقامه‬
   ‫ْ َّذ ي ف ع ْر أ‬
  ‫وسطوته، وحذر عقابه وغضبه وبطشه، كما قال جل وعال: فَلْيَحذَرِ ال ِينَ ُخَالِ ُونَ َنْ أَم ِهِ َن‬
                                                               ‫تص ب ُ ف ة يص ب ُ َ ب م‬
                                                   ‫ُ ِي َهمْ ِتْنَ ٌ أَوْ ُ ِي َهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [النور:36].‬
                    ‫ت‬
 ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، اتقوا اهلل حق التقوى، واتبعوا وال تبتدعوا، واتقوا يومًا ُرجعون فيه إلى اهلل،‬
   ‫وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه‬
                                                       ‫أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬

‫(5/5253)‬




                                                                                      ‫ظ‬
                                                                                     ‫كفى بالموت واع ًا‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                           ‫الموت والحشر‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                  ‫سعد بن أحمد الغامدي‬
                                                                                                                    ‫الظهران‬
                                                                                            ‫جامع األمير محمد بن فهد‬
                                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- الموت واقع على كل حي. 7- الدنيا مزرعة اآلخرة. 3- عالج قسوة القلب. 4- زيارة‬
              ‫القبور من أعظم أسباب رقة القلب وصالحه. 1- ذكر الموت ينسي كل لذة أو حسرة.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
       ‫قال اهلل تعالى: ك ُّ نَفْسٍ ذَائِقَ ُ الْمَوْ ِ َإَّ َا ُو َّوْنَ ُ ُو َ ُمْ يَومَ الْ ِ َا َة فَ َن ُحْ ِحَ َنِ َّا ِ‬
       ‫ت وِنم ت َف أج رك ْ قي م ِ م ز ز ع الن ر‬                                         ‫ة‬                ‫ُل‬
  ‫وم ن‬                                      ‫ة الد ِال م ع ُر‬                      ‫َن َ ْ ف ز و‬            ‫وُ ِ‬
  ‫َأدْخلَ الْج َّةَ فَقد َا َ َما الْحيا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْغ ُورِ [آل عمران:185]، وقال تعالى: َ َا كَا َ‬
   ‫ِرة‬         ‫ك ا م َج وم ُر و ب الد ن ت م وم ُ ِ و‬                                              ‫م ِال ِ‬                     ‫ل‬
   ‫ِنَفْسٍ أَنْ تَ ُوتَ إ َّ بِإذْنِ اهلل ِتَابً ُّؤ َّالً َ َن ي ِدْ ثَ َا َ ُّنْيَا ُؤْ ِهِ ِنْهَا َ َن يردْ ثَ َابَ اآلخ َ ِ‬
                                                              ‫الش ِر‬        ‫ن ت م وس‬
‫ُؤْ ِهِ ِنْهَا َ َنَجْزِى َّاك ِينَ [آل عمران:145]، وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((عش ما‬
                                                              ‫شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه)).‬
‫الموت يأتي على الصغير والكبير، وعلى الغني والفقير، وعلى الملك والحقير، كل من عليها فان،‬
    ‫فآثروا ما يبقى على ما يفنى، أيامنا معدودة وأنفاسنا محدودة، َِ ُ ّ أ َّةٍ أَ َل فَإ َا َاء أَ َُهمْ َ‬
    ‫ولكل ُم ج ٌ ِذ ج جل ُ ال‬
                                                                                 ‫ي ِر ن عة و ي دم‬
                                                                ‫َسْتَأْخ ُو َ سَا َ ً َالَ َسْتَقْ ِ ُونَ [األعراف:43].‬
                                       ‫الموت باب وكل الناس داخله ……فليت شعري بعد الباب ما الدار‬
                                          ‫الدار دار نعيم إن عملت بما ……يرضي اإلله وإن خالفت فالنار‬
                                           ‫هما محالن ما للناس غيرهما ……فانظر لنفسك ماذا أنت تختار‬
‫وقال عليه الصالة والسالم: ((أكثروا ذكر هاذم اللذات)) يعني الموت، فهذا سيدنا عبد اهلل بن عمر‬
          ‫رضي اهلل عنهما، كان إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، وكان يجمع كل ليلة الفقهاء‬
  ‫فيتذاكرون الموت والقيامة، ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة، وقد روي عنه أيضًا أنه قال:‬
                                                        ‫ب‬
  ‫أخذ رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم َمنْكِبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))،‬
   ‫وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فال تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فال تنتظر المساء، وخذ من‬
                                                         ‫صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.‬
                            ‫َي َّذ ن من اتق الله و ت ُ س م َدم ل َ‬
‫قال اهلل تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ َلْ َنظرْ نَفْ ٌ َّا ق َّ َتْ ِغدٍ [الحشر:85]، ففي هذه اآلية‬
    ‫أمر بالتقوى، والتقوى لزوم طاعة اهلل بأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وفي هذه اآلية دليل‬
       ‫على محاسبة العبد نفسه، فلينظر اإلنسان ماذا يقدم آلخرته من العمل الصالح، فعلى العبد أن‬
      ‫و َّد ْ ِن ْ الز الت و‬
     ‫يتزود آلخرته حتى يكون من المرضيين عند اهلل، قال تعالى: َتَزَو ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْ َى‬
                            ‫[البقرة:285]، أي تزودوا من دنياكم آلخرتكم فالدنيا مزرعة اآلخرة.‬
 ‫قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل‬
                                              ‫د‬
   ‫أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غ ًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم)، وقال اإلمام علي‬
   ‫رضي اهلل عنه وكرم وجهه: (ارتحلت الدنيا وهي مدبرة، وارتحلت اآلخرة وهي مقبلة، فكونوا‬
                    ‫د‬
    ‫من أبناء اآلخرة وال تكونوا من أبناء الدنيا، اليوم العمل وال حساب، وغ ًا حساب وال عمل).‬
‫واعلموا أن هذه الدنيا خائنة كذابة تضحك على أهلها، من مال عنها سلم منها، ومن مال إليها بلي‬
   ‫فيها، هي كالحية لين ملمسها قاتل سمها، أيامها تمضي كالخيال، لذاتها سريعة الزوال، فاشتغل‬
                                                    ‫فيها بطاعة اهلل، وال تغفل عن محاسبة نفسك.‬
                             ‫ال دار للمرء بعد الموت يسكنها ……إال التي كان قبل الموت يبنيها‬
                                    ‫فإن بناها بخير طاب مسكنه ……وإن بناها بشر خاب بانيها‬
 ‫أيها الناس، ليس للقلوب مثل زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها‬
 ‫بثالثة أمور: أحدها: اإلقالع عن ما هي عليه، بحضور مجالس العلم، بالوعظ والتذكر والتخويف‬
 ‫والترغيب وأخبار الصالحين. ثانيها: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات،‬
        ‫وميتم البنين والبنات. ثالثها: مشاهدة المحتضرين، فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته‬
  ‫ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها،‬
 ‫ويمنع األجفان من النوم واألبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في االجتهاد والتعب في‬
 ‫طاعة اهلل. يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر‬
‫إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام‬
                   ‫ع‬
  ‫يرحمك اهلل، فقال: يا أهاله، عليكم بطعامكم وشرابكم، فواهلل لقد رأيت مصر ًا ال أزال أعمل له‬
                                                                                      ‫حتى ألقاه.‬
                                                             ‫س‬
 ‫فهذه ثالثة أمور ينبغي لمن ق ًا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها دواء لدائه، ويستصرخ بها من‬
    ‫فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت به دواعي‬
  ‫الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما ال يبلغه األول والثاني والثالث، ولذلك قال عليه‬
  ‫الصالة والسالم: ((زوروا القبور فإنها تذكر الموت)) رواه مسلم، فاألول سماع باإلذن، والثاني‬
‫إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة‬
  ‫قبر من مات من المسلمين معاينة كان أبلغ من األول والثاني. قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ليس‬
 ‫الخبر كالمعاينة)) رواه أحمد، إال أن االعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل األوقات، أما‬
                                        ‫زيارة القبور فوجودها أسرع، واالنتفاع بها أليق وأجدر.‬
‫فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه قي إتيانها، وال يكون حظه الطواف‬
    ‫باألجداث فقط، فإنها حالة تشاركه بها البهيمة، ونعوذ باهلل من ذلك، فليقصد بزيارته وجه اهلل،‬
     ‫وإصالح فساد قلبه، ويتجنب المشي على القبور والجلوس عليها، ويخلع نعليه ويسلم إذا دخل‬
                                                                         ‫المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين.‬
    ‫اعتبروا بمن صار تحت التراب، وانقطع عن األهل واألحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر،‬
 ‫ونافس األصحاب والعشائر، وجمع األموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهول لم‬
 ‫يرتقبه، فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه، الذين بلغوا اآلمال، وجمعوا‬
 ‫األموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحى التراب محاسن وجوههم، وافترقت‬
     ‫في القبور أجزاؤهم، وترمل بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أوالدهم، واقتسم غيرهم أموالهم،‬
 ‫وتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتات األسباب، وركونهم‬
     ‫إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى الهوى واللعب، كميلهم، وغفلته عن ما بين يديه من‬
  ‫الموت الفظيع والهالك السريع كغفلتهم، وإنه ال بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من‬
                                                                           ‫د‬
     ‫كان مترد ًا في أغراضه، وكيف تهدمت رجاله، وكان يتلذذ بالنظر إلى من حوله، وقد سالت‬
     ‫عيناه، ويصول ببالغة نطقه، وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتات دهره، وقد أبلى التراب‬
 ‫أسنانه، وليتحقق أن حاله كحالهم ومآله كمآلهم، وعند التذكر واالعتبار، تزول عنه جميع األغيار‬
     ‫الدنيوية، ويقبل على األعمال األخروية، فيزهد في الدنيا، ويقبل على طاعة مواله، ويلين قلبه‬
                                                                                                   ‫وتخشع جوارحه.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
      ‫الحمد هلل، الحمد هلل العلي األعلى، الولي المولى، الذي خلق فسوى، وحكم على خلقه بالموت‬
                 ‫ع‬         ‫ُل س ب‬           ‫لت ْ‬
  ‫والفناء، والباقي إلى دار الجزاء، ثم الفصل والقضاء ِ ُجزَى ك ُّ نَفْ ٍ ِمَا تَسْ َى [طه:15]، ولقد‬
   ‫ي وم‬           ‫يم ُ ف و‬            ‫َبه م ر ً ِن ه جه َّ‬                ‫ِنه م ي‬
  ‫قال تعالى في محكم التنزيل: إ َّ ُ َن َأْتِ ر َّ ُ ُجْ ِما فَإ َّ لَ ُ َ َنمَ الَ َ ُوت ِيهَا َالَ يَحْ َى َ َن‬
    ‫هر‬          ‫ته‬        ‫ُم َّ ج ت عل َن ت َ ن ْر م‬                              ‫ته م م ً َ ع ِ الص ح ِ أ‬
    ‫يَأْ ِ ِ ُؤْ ِنا قدْ َملَ َّالِ َات فَُوْلَئِكَ لَه ُ الدرَ َا ُ الْ َُى ج َّا ُ عدْ ٍ تَج ِى ِن تَحْ ِ َا االنْ َا ُ‬
                                                           ‫َز م َ َك‬            ‫ِد َ ف ه و‬
‫خَال ِين ِي َا َذالِكَ ج َاء َن تز َّى [طه:42-62]]. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له‬
                                            ‫د‬
‫الملك وله الحمد وإليه المنتهى، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره‬
  ‫على الدين كله ولو كره المشركون. من اعتصم باهلل ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد‬
 ‫ن‬                             ‫وم ي ْ الله َرس ُ َ َل ض مب‬
‫في اآلخرة واألولى، َ َن َعصِ َّ َ و َ ُولَه فَقدْ ض َّ َلَاالً ُّ ِيناً [األحزاب:63]، وخسر خسرا ًا‬
         ‫مبينا، أسأل اهلل أن يجعلني وإياكم ممن يطيعه، ويطيع رسوله صلى اهلل عليه وسلم، ويتبع‬
                                                                 ‫رضوانه، ويتجنب سخطه فإنما نحن به وله.‬
               ‫فإن ذ‬
  ‫قال عليه الصالة والسالم: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات)) يعني الموت. ًّ ِكر الموت يورث‬
    ‫االنزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الباقية، ثم إن اإلنسان ال ينفك‬
 ‫عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه‬
 ‫بعض ما هو فيه، فإنه ال يدوم والموت أصعب منه، وإن كان في حالة نعمة وسعة، فذكر الموت‬
                                                              ‫يمنعه من االغترار بها والسكون إليها.‬
       ‫فالموت ليس بعدم محض، وال فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته‬
    ‫وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب، وقد سماه اهلل‬
                                                  ‫ص ب ك مص بة‬
       ‫تعالى مصيبة في قوله تعالى: فَأَ َا َتْ ُم ُّ ِي َ ُ الْمَوْتِ [المائدة:605]. فالموت هو المصيبة‬
      ‫العظمى، والرزية الكبرى، قال العلماء: وأعظم منه الغفلة عنه، واإلعراض عن ذكره، وقلة‬
                   ‫التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر.‬
    ‫ويروى أن أعرابيًا كان يسير على جمل له، فخر ميتًا، فنزل األعرابي عنه، وجعل يطوف به‬
    ‫ويتفكر فيه، ويقول: مالك ال تقوم؟ مالك ال تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة، ما‬
 ‫شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ من الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف‬
                                                                 ‫ب‬               ‫ر‬
    ‫متفك ًا في شأنه متعج ًا من أمره. وروى ابن ماجه عن ابن عمر أنه قال: كنت مع رسول اهلل‬
   ‫صلى اهلل عليه وسلم فجاءه رجل من األنصار فسلم على النبي صلى اهلل عليه وسلم، ثم قال: يا‬
                           ‫خ‬
   ‫رسول اهلل، أي المؤمنين أفضل؟ قال صلى اهلل عليه وسلم: ((أحسنهم ُلقًا)) قال: فأي المؤمنين‬
              ‫د‬                           ‫ر‬
       ‫أكيس؟ قال صلى اهلل عليه وسلم: ((أكثرهم للموت ذِك ًا، وأحسنهم لما بعده استعدا ًا أولئك‬
                                                                                           ‫األكياس)).‬
   ‫فمن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده‬
                   ‫ر‬
    ‫فيما كان فيها يؤمل. كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه كثي ًا ما يتمثل بهذه‬
                                                                                              ‫األبيات:‬
                               ‫ال شيء مما ترى تبقى بشاشته ……يبقى اإلله ويودى المال والولد‬
   ‫وروى مسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: زار النبي صلى اهلل عليه وسلم قبر أمه فبكى‬
  ‫وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور‬
                                                ‫قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)).‬
   ‫مثل نفسك يا مغرور، وقد حلت بك السكرات، ونزل بك األنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن‬
                                                                                     ‫ن‬
   ‫فال ًا قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فالنًا ثقل لسانه، فال يعرف جيرانه، وال‬
    ‫يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك وأنت تسمع الخطاب، وال تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك‬
 ‫وهي كاألسيرة، وتتضرع، وأقبلت الصغرى تمرغ خدها على وجنتيك حينًا، وحينًا على صدرك،‬
 ‫وتخمش خديها، وتبكي بحرقة تنادي: أبي إني غلبت على الصبر، حبيبي أبي من لليتامى تركتهم‬
                                                                  ‫كأفراخ زغب، في بعد عن الوكر؟‬
                                                            ‫أ‬
  ‫تخيل نفسك يا ابن آدم إذا ُخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك، فغسلك الغاسل، وألبست األكفان،‬
  ‫وأوحش منك األهل والجيران، وبكت عليك األصحاب واإلخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فالن‬
‫تحاهلل؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم؟ من الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب‬
                 ‫م‬          ‫يق م الن س ِرب‬
‫فراشه، والدود أنيسه، وهو بهذا ينتظر الفزع األكبر: يَوْمَ َ ُو ُ َّا ُ ل َ ّ الْعَالَ ِينَ [المطففين:6].‬
   ‫من أكثر من ذكر الموت تجددت التوبة عنده، وحصلت القناعة في قلبه، ونشطت العبادة لديه،‬
‫ومن نسي الموت ولم يذكره، ضيع التوبة وترك القناعة، وتكاسل عن العبادة. تفكر يا مغرور في‬
  ‫الموت وسكرته، وصعوبة كاسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله.‬
            ‫ع‬                                                                ‫ح‬
 ‫كفى بالموت مقر ًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاط ًا لألمنيات،‬
   ‫فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك وانتقالك من موضعك، إذا نقلت من سعة إلى ضيق،‬
     ‫وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك األخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى عرر،‬
                                                       ‫َد‬
 ‫وغطوك من بعد لين لحاف بتراب وم َر؟ فيا جامع المال والمجتهد في البنيان، ليس لك واهلل من‬
 ‫مالك إال األكفان، بل هي واهلل للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب. فأين الذي جمعته من‬
       ‫المال، هل أنقذك من األهوال؟ كال بل تركته لمن ال يحمدك، وقدمت بأوزارك على من ال‬
                                                                                     ‫يعذرك.‬
                                                             ‫صلوا وسلموا على رسول اهلل...‬

‫(5/7253)‬




                                                                                ‫احذروا الظلم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                           ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                       ‫عنيزة‬
                                                                                  ‫جامع العليا‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫55- شؤم الظلم. 7- تحريم اهلل الظلم على نفسه. 3- تحريم الظلم بين العباد. 4- مراتب الظلم.‬
‫1- من صور الظلم في الواقع المعاصر. 6- من أولى الناس بالنصرة؟ 2- وسائل نصرة أخواننا‬
                                                                       ‫المستضعفين في الدين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                 ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل أيها المؤمنون، فإنه ال فالح لكم في الدنيا وال نجاة في اآلخرة إال بتقوى اهلل‬
                                                                                                                   ‫تعالى.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن البغي والظلم ذنب عظيم، وإثم مرتعه وخيم، وهو سبب كل شر وفساد، وكل‬
     ‫بالء وعقاب، فهو منبع الرذائل والموبقات، ومصدر الشرور والسيئات، وعنه تصدر سالسل‬
 ‫العيوب واآلفات. متى فشا في أمة آذن اهلل بأفولها, ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها‬
                                                                                  ‫وتحو‬
‫ُّل لباسها، فبه تفسد الديار, وتخرب األوطان, وتدمر األمصار, به ينزل غضب الواحد الجبار‬
  ‫القهار, قال اهلل سبحانه وتعالى: َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَا ُمْ ل َّا ظَلَ ُوا [الكهف:81]، وقال: َكذَِكَ أَخ ُ‬
  ‫و َ ل ْذ‬                          ‫ه َم م‬                          ‫ُ‬        ‫وت‬
‫و ْ ص م ْ ق ية‬                                   ‫َب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬
‫ر ِّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705], وقال تعالى: َكَم قَ َمْنَا ِن َرْ َ ٍ‬
      ‫وية عل‬         ‫هي لمة ه‬                              ‫َي م ْ َ ي‬                                       ‫لم‬
     ‫كَانَتْ ظَاِ َةً [األنبياء:55], وقال تعالى: فَكَأ ِّنْ ِن قرْ َةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ فَ ِيَ خَا ِ َ ٌ ََى‬
                                                                             ‫مش‬        ‫ُر شه وب ْر م َط ة و‬
                                                              ‫ع ُو ِ َا َ ِئ ٍ ُع َّلَ ٍ َقَصْرٍ َ ِيدٍ [الحج: 14].‬
              ‫و َبك بظ ل عب‬
            ‫أيها المؤمنون, إن اهلل تعالى نفى عن نفسه الظلم, فقال عز وجل: َمَا ر ُّ َ ِ َالمٍ ِلْ َ ِيد‬
             ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬                    ‫ِ ُ َب َد‬             ‫و‬
            ‫[فصلت:64], وقال: َال يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:84]، وقال: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّة‬
                                                         ‫و الله ير د ظ ل ع‬
     ‫[النساء:04]، َمَا َّ ُ ُ ِي ُ ُلْمًا ِلْ ِبَادِ [غافر:53]. وقد حرمه تعالى على نفسه, ففي الحديث‬
   ‫اإللهي عن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((يا‬
     ‫عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فال تظالموا)) رواه مسلم(5)[5].‬
     ‫م‬
‫فأعلم اهلل تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه, قبل أن يجعله محر ًا بين‬
                                                                                                                    ‫عباده.‬
‫وقد أعلن النبي حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف, فقال في خطبته يوم عرفة: ((أال إن دماءكم‬
‫وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(7)[7]، وفي‬
   ‫الصحيحين أن النبي قال: ((اتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(3)[3] وقال فيما يرويه‬
                                                          ‫ل‬
                         ‫مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم, ال يظِمه, وال يخذله, وال يحقره))(4)[4].‬
‫َم ي َل الظ لم ن‬             ‫س َن الل غ‬          ‫و‬
‫وقد تهدد اهلل تعالى أرباب الظلم وأهله, فقال جل ذكره: َال تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُو َ‬
   ‫[إبراهيم:74]، فاهلل تعالى للظالمين بالمرصاد, ففي الصحيحين عن أبي موسى األشعري رضي‬
       ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ :‬
                                     ‫ْ ُ َب ِذ َ قر هي لمة ِن ْ ه م َد د‬                                              ‫وَ‬
    ‫َكذَلِكَ أَخذ رِّكَ إ َا أَخذَ الْ ُ َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ ش ِي ٌ. وقد لعن اهلل الظالمين فقال: أال‬
         ‫َالل ُ ي ِب الظ لم‬                                               ‫ة الل عل الظ لم‬
  ‫لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:85]، وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: و َّه ال ُح ُّ َّاِ ِينَ [آل‬
                                                                                                           ‫عمران:21].‬
‫والظلم ـ يا عباد اهلل ـ من أعظم أسباب ارتفاع األمن وزوال االهتداء عن األفراد والمجتمعات,‬
                     ‫َّذ ن من وَ ي بس إ ُ ظ ْ أ ك ُم ن ُ م َد‬
    ‫قال اهلل تعالى: ال ِي َ آ َ ُوا َلمْ َلْ ِ ُوا ِيمَانَهمْ بِ ُلمٍ ُولَئِ َ لَه ُ الْأَمْ ُ وَهمْ ُهْت ُونَ [األنعام:78]،‬
     ‫فبقدر ما يكون في الفرد والمجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه األمن واالهتداء, فالجزاء من‬
                                                                           ‫َل ل عب‬            ‫وم َب‬
                                                             ‫جنس العمل، َ َا ر ُّكَ بِظَّامٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
    ‫أيها المؤمنون, إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه‬
                                                                                            ‫درجات ومراتب:‬
   ‫أولها: الظلم الكبير الخطير العظيم, الذي ال يغفر اهلل الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إال باإلقالع‬
 ‫عنه, وتوبته منه, أال وهو اإلشراك باهلل تعالى، بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير اهلل, كدعاء‬
  ‫ي‬
 ‫غيره, والسجود لغيره, والذبح والنذر لغيره, ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه, قال اهلل تعالى حاك ًا‬
                                     ‫ظ‬         ‫ت ْر بالل ِن‬
   ‫عن لقمان وصيته البنه: يا بني ال ُش ِكْ َّهِ إ َّ الشرك ل ُلْم عظيم [لقمان:35]، فهذا الظلم ال‬
    ‫ك لم يش‬             ‫ِن الل َ ي فر ي ْ ب وي ِر د‬
  ‫يغفره اهلل إال بالتوبة منه, قال تعالى: إ َّ َّه ال َغْ ِ ُ أَنْ ُشرِكَ ِهِ َ َغْف ُ مَا ُونَ ذَلِ َ ِ َنْ َ َاء‬
 ‫ص‬
‫[النساء:84]. فأخلصوا ـ أيها المؤمنون ـ عبادتكم هلل تعالى, فإنه من قال: "ال إله إال اهلل" خال ًا‬
                                     ‫من قلبه دخل الجنة، وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.‬
‫وأما ثاني مراتب الظلم: فذاك الظلم الذي ال يتركه اهلل تعالى, وهو ظلم العبد غيره من الخلق, فهذا‬
    ‫ال بد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال اهلل سبحانه في الحديث اإللهي: ((وعزتي‬
                                                                                           ‫ن‬
                                                    ‫ألنصر ّك ولو بعد حين))(1)[1]. وقد أجاد من قال:‬
                                                                         ‫ر‬
                                            ‫ال تظلمن إذا ما كنت مقتد ًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬
                                               ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه…يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
 ‫م‬
‫أيها المؤمنون, اتقوا الظلم, فإن نبيكم الصادق المصدوق أخبر أن الدنيا تمأل في آخر الزمان ظل ًا‬
                                                                                   ‫ر‬
        ‫وجو ًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء‬
 ‫واألموال واألبضاع واألعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر‬
                                                                                                      ‫الجاهلي:‬
                                                                ‫ٍ‬
                                                 ‫والظلم من شيم النفوس فإن تجد…ذا عفة فلعلةٍ ال يظلم‬
‫وال تظنن ـ أيها األخ ـ أن هذه مبالغة أو مزايدة, بل ذلك هو واقع كثير من الناس, فكم نرى من‬
‫أصحاب األعمال الذين ظلموا عمالهم, بتحميلهم ما ال يطيقون, أو بتأخير رواتبهم ومستحقاتهم, أو‬
    ‫جحد حقوقهم, أو فرض اإلتاوات عليهم. وكم نرى من أرباب األسر والبيوت الذين جنوا على‬
  ‫أهليهم, وظلموا أوالدهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين دلسوا بضائعهم وغشوا عمالءهم. وكم‬
  ‫هم الوالة الذين نبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم, وحكموا القوانين الوضعية، فلم يعدلوا في الرعية‬
 ‫ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا ألنفسهم العنان في أعراض الناس‬
  ‫ودمائهم, فتمضمضوا بأعراض المؤمنين, وتفكهوا بدمائهم, إنهم كثير كثير كثير, قال اهلل تعالى:‬
                                                 ‫ْ ي ِل ع س الل‬                ‫َر م ْ ف‬         ‫وإ ت‬
                                ‫َِنْ ُطِعْ أَكْث َ َن ِي األرضِ ُضُّوكَ َنْ َبِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
                                          ‫م‬                                            ‫ل‬
 ‫فلّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ويتح ّلون عنهم, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
 ‫قال رسول اهلل : ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا :المفلس فينا من ال درهم له وال متاع, فقال: ((إن‬
 ‫المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصالة وصيام وزكاة, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال‬
‫هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل‬
                                                                  ‫أخ‬              ‫ي‬
‫أن ُقضى ما عليه, ُ ِذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار))(6)[6]. فيا لها من تجارة‬
                                         ‫ج‬
  ‫بائرة وصفقة خاسرة, أن تأتي يوم القيامة وأنت أحو ُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ميزانك, فإذا‬
    ‫بخصمائك قد أحاطوا بك, فهذا آخذ بيدك, وهذا قابض على ناصيتك, وهذا متعلق بتالبيبك, هذا‬
  ‫يقول: ظلمتني, وهذا يقول: شتمتني, وهذا يقول: اغتبتني أو استهزأت بي, وهذا يقول: جاورتني‬
                                              ‫فأسأت جواري, وهذا يقول: غششتني, وهذا يقول: أخذت حقي.‬
                                                            ‫أما واهلل إن الظلم شؤم…وما زال المسيء هو الظلوم‬
                                                                                  ‫د‬
                                                            ‫ستعلم يا ظلوم إذا التقينا …غ ًا عند المليك من الملوم‬
    ‫ص‬
‫فيا عباد اهلل، تداركوا األمر قبل فوات األوان، فما هي واهلل إال ساعة ثم تبعثر القبور، ويح ّل ما‬
‫في الصدور، وعند اهلل تجتمع الخصوم, فيقتص للمظلوم من الظالم, فتحللوا ـ أيها اإلخوان ـ من‬
   ‫المظالم قبل أن ال يكون درهم وال دينار, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل :‬
     ‫((من كانت له مظلمة ألخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال‬
        ‫درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات‬
                                                                                                            ‫حم‬
                                                                                             ‫صاحبه ف ُ ِل عليه))(2)[2].‬
          ‫أيها المؤمنون, أما ثالث مراتب الظلم: فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات, فكل ذنب‬
‫وم يت َد‬
‫وخطيئة تقارفها ـ يا عبد اهلل ـ فإن ذلك ظلم منك لنفسك, وبغي عليها, قال اهلل تعالى: َ َنْ َ َع َّ‬
                                                                     ‫ُد الل ِ أ ئ ُم الظ لم‬
      ‫ح ُودَ َّه فَُولَ ِكَ ه ُ َّاِ ُونَ [البقرة:877]، وما أكثر ما قال اهلل عند ذكر العصاة والمذنبين‬
           ‫ص‬                             ‫ه و ك ن فس ُ لم‬                                      ‫و‬
‫والظالمين: َمَا ظَلَمْنَا ُمْ َلَ ِنْ كَا ُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُون [النحل:855]، فكل مذنب وعا ٍ فإنما يجني‬
‫على نفسه, ويعرضها لعذاب اهلل األليم وعقابه الشديد, كما قال النبي فيما أخرجه ابن ماجه وغيره‬
      ‫بسند ال بأس به عن سليمان بن عمرو بن األحوص عن أبيه قال: سمعت رسول اهلل يقول في‬
                                                        ‫حجة الوداع: ((أال ال يجني جان إال على نفسه))(8)[8].‬
   ‫فتخففوا ـ عباد اهلل ـ من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم اهلل به, وترك مانهاكم عنه, والتوبة مما‬
                                                         ‫فرط من الذنوب, فإن التائب من الذنب كمن ال ذنب له.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المؤمنون, اعلموا أن اهلل سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره, وأمر بمجاهدة‬
‫الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين, وقد أرسل اهلل سبحانه رسله وأنزل كتبه إلقامة القسط ورفع‬
‫َي ت و ْز معهم ك ب و ز ل ق الن س ب ق ط‬                                                   ‫َ س رس‬
‫الظلم, قال اهلل تعالى: َلقدْ أَرْ َلْنَا ُ ُلَنَا بِالْبِّنَا ِ َأَن َلْنَا َ َ ُ ُ الْ ِتَا َ َالْمِي َانَ ِيَ ُومَ َّا ُ ِالْ ِسْ ِ‬
                                                                                                                   ‫[الحديد:17].‬
                   ‫د‬
    ‫فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل, ونحن مه ّدون بعقوبة عامة‬
    ‫ي َيه َّذ ن‬
    ‫ومحنة عاجلة, فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس, إنكم تقرؤون هذه اآلية: َا أ ُّ َا ال ِي َ‬
                                            ‫من ع ك فسك ْ ي ُر ُ م َل ِذ َد ُ‬
 ‫آ َُوا َلَيْ ُمْ أَنْ ُ َ ُم ال َض ُّكمْ َنْ ض َّ إ َا اهْت َيْتمْ [المائدة:105]، وإني سمعت رسول اهلل يقول:‬
                                    ‫م‬
   ‫((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يع ّهم اهلل بعقاب منه)) رواه أبو داود‬
   ‫والترمذي بإسناد جيد(8)[5]. فرفع الظلم واإلنكار على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته‬
  ‫وطاقته ووسعه, قال النبي : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول اهلل, هذا ننصره‬
                                                                        ‫م‬
                                       ‫مظلومًا, فكيف ننصره ظال ًا؟ قال: ((تأخذ فوق يديه))(05)[7].‬
                  ‫ل‬                                                         ‫ن‬
     ‫أيها المؤمنون, إ ّ أولى المظلومين بالنصر والتأييد واإلعانة هم أولئك الذين ظِموا في دينهم,‬
  ‫ن‬               ‫رب‬                            ‫أ‬     ‫سج‬
 ‫ف ُو ِبوا و ُو ِلوا, و ُ ّروا وض ِبوا و ُ ِنوا وُوذوا من أجل أنهم رضوا باهلل ًّا وباإلسالم دي ًا‬
                                                               ‫ُر‬      ‫ج‬
                                                                       ‫هِ‬        ‫ق ت‬       ‫ح ر‬
                                  ‫ي من ِالل َز حم‬                           ‫م نبي وم م م ه إ‬
‫وبمح ّد ًّا، َ َا نَقَ ُوا ِنْ ُمْ ِال أَنْ ُؤْ ِ ُوا ب َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِيدِ [البروج:8]. فهؤالء وأضرابهم هم‬
       ‫أولى الناس بالنصر والتأييد, ال سيما في هذا العصر المفتون الذي انتعش فيه أعداء اهلل، من‬
‫اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين والمنافقين, فرموا أهل اإلسالم عن قوس واحدة‬
             ‫كما أخبر النبي في حديث ثوبان: ((يوشك األمم أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى‬
   ‫قصعتها))(55)[3]. فليس ما يجري على اإلسالم وأهله في كثير من بلدان العالم إال تصديقًا لما‬
                                                                               ‫أخبر به الصادق المصدوق .‬
                                                                           ‫م‬                   ‫ل‬
                                                 ‫أح ّ الكفر باإلسالم ظل ًا…يطول به على الدين النحيب‬
                 ‫فقوموا بما أوجب اهلل عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم, وذلك من خالل عدة أمور:‬
  ‫وت ب إل الل جم ع َي م من ن ل َل ُ‬
‫األول: التوبة النصوح من جميع الذنوب, قال اهلل تعالى: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِي ًا أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُو َ َعَّكمْ‬
 ‫وم‬                                                                                      ‫ت ح‬
‫ُفْلِ ُونَ [النور:53]. فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا, ويعفو عن كثير, قال اهلل تعالى: َ َا‬
                                                    ‫ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
   ‫أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِيرٍ [الشورى:03]. فالتوبة إلى اهلل تعالى من‬
    ‫أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين, قال ابن القيم رحمه اهلل: "فليس للعبد إذا بغي‬
                                 ‫عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح".‬
    ‫األمر الثاني: مجاهدة أعداء اهلل تعالى ومراغمتهم على اختالف أنواعهم, كل حسب ما يناسبه,‬
     ‫فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان, وأما المنافقون والمشككون والمرتابون فبالحجة‬
     ‫والبرهان والعلم والبيان, وأما الظالمون والعصاة فباألمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان‬
                                           ‫الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من األمر والنهي والخير.‬
            ‫د‬             ‫ب‬                           ‫ل‬                       ‫مد‬
  ‫األمر الثالث: ُّ يد العون والمساعدة لك ّ من أوذي في سبيل اهلل, قري ًا كان أو بعي ًا, وذلك من‬
‫خالل تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي, ال سيما ـ أيها اإلخوة ـ ونحن في هذه‬
     ‫البالد, ال زال كثير منا وهلل الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش, فالواجب علينا‬
 ‫أكبر من الواجب على غيرنا, فمدوا ـ بارك اهلل فيكم ـ أيديكم بسخاء إلخوانكم المسلمين في كل‬
   ‫مكان, واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء, فإياكم والبخل, فإنه من‬
                                                                                 ‫يبخل فإنما يبخل عن نفسه.‬
    ‫فإن شحت نفسك أو عدمتَ ما تقدمه إلخوانك فلن تعدم ـ هداك اهلل ـ لسانًا بالدعاء والتضرع‬
                                                                  ‫ز‬
      ‫الهجًا, وهلل سائالً أن يع ّ أهل دينه, وأن يذل أعداءه, فادعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلخوانكم‬
‫المسلمين المظلومين في دينهم, فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين اهلل حجاب, عن ابن‬
                                                      ‫ذ‬
 ‫عباس رضي اهلل عنه أن النبي بعث معا ًا إلى اليمن فقال: ((اتق دعوة المظلوم, فإنها ليس بينها‬
                                                                  ‫وبين اهلل حجاب))(75)[4].‬


                                                                             ‫__________‬
                                                  ‫(5) صحيح مسلم في البر والصلة (4264).‬
                               ‫(7) أخرجه البخاري في العلم (16), ومسلم في الحج (2357).‬
       ‫(3) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (2677)، ومسلم في البر والصلة (1264).‬
                                                  ‫(4) أخرجه مسلم في البر والصلة (0164).‬
        ‫(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند ال بأس به، انظر: السلسلة الصحيحة (868).‬
                                                  ‫(6) أخرجه مسلم في البر والصلة (8264).‬
                                        ‫(2) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (8677).‬
                                                   ‫(8) أخرجه ابن ماجه في الديات (8167).‬
               ‫(8) أخرجه الترمذي في الفتن (4807), وأخرجه أبو داود في المالحم (1223).‬
                                      ‫(05) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (4677).‬
                                                 ‫(55) أخرجه أبو داود في المالحم (1423).‬
                                        ‫(75) أخرجه البخاري في المظالم والغصب (8677).‬

‫(5/3253)‬




                                                                                ‫احذروا الظلم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                           ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                       ‫عنيزة‬
                                                                                  ‫جامع العليا‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
‫55- شؤم الظلم. 7- تحريم اهلل الظلم على نفسه. 3- تحريم الظلم بين العباد. 4- مراتب الظلم.‬
‫1- من صور الظلم في الواقع المعاصر. 6- من أولى الناس بالنصرة؟ 2- وسائل نصرة أخواننا‬
                                                                                             ‫المستضعفين في الدين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                 ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل أيها المؤمنون، فإنه ال فالح لكم في الدنيا وال نجاة في اآلخرة إال بتقوى اهلل‬
                                                                                                                  ‫تعالى.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن البغي والظلم ذنب عظيم، وإثم مرتعه وخيم، وهو سبب كل شر وفساد، وكل‬
     ‫بالء وعقاب، فهو منبع الرذائل والموبقات، ومصدر الشرور والسيئات، وعنه تصدر سالسل‬
 ‫العيوب واآلفات. متى فشا في أمة آذن اهلل بأفولها, ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها‬
                                                                                  ‫وتحو‬
‫ُّل لباسها، فبه تفسد الديار, وتخرب األوطان, وتدمر األمصار, به ينزل غضب الواحد الجبار‬
  ‫و َ ل ْذ‬                          ‫ه َم م‬                          ‫ُ‬        ‫وت‬
  ‫القهار, قال اهلل سبحانه وتعالى: َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَا ُمْ ل َّا ظَلَ ُوا [الكهف:81]، وقال: َكذَِكَ أَخ ُ‬
‫ر ِّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705], وقال تعالى: َكَم قَ َمْنَا ِن َرْ َ ٍ‬
‫و ْ ص م ْ ق ية‬                                   ‫َب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬
      ‫وية عل‬         ‫هي لمة ه‬                              ‫َي م ْ َ ي‬                                       ‫لم‬
     ‫كَانَتْ ظَاِ َةً [األنبياء:55], وقال تعالى: فَكَأ ِّنْ ِن قرْ َةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ فَ ِيَ خَا ِ َ ٌ ََى‬
                                                                            ‫مش‬        ‫ُر شه وب ْر م َط ة و‬
                                                             ‫ع ُو ِ َا َ ِئ ٍ ُع َّلَ ٍ َقَصْرٍ َ ِيدٍ [الحج: 14].‬
              ‫و َبك بظ م ل عب‬
            ‫أيها المؤمنون, إن اهلل تعالى نفى عن نفسه الظلم, فقال عز وجل: َمَا ر ُّ َ ِ َال ٍ ِلْ َ ِيد‬
             ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬                    ‫ِ ُ َب َد‬             ‫و‬
            ‫[فصلت:64], وقال: َال يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:84]، وقال: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّة‬
                                                         ‫و الله ير د ظ ل ع‬
     ‫[النساء:04]، َمَا َّ ُ ُ ِي ُ ُلْمًا ِلْ ِبَادِ [غافر:53]. وقد حرمه تعالى على نفسه, ففي الحديث‬
   ‫اإللهي عن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((يا‬
     ‫عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فال تظالموا)) رواه مسلم(5)[5].‬
     ‫م‬
‫فأعلم اهلل تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه, قبل أن يجعله محر ًا بين‬
                                                                                                                  ‫عباده.‬
‫وقد أعلن النبي حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف, فقال في خطبته يوم عرفة: ((أال إن دماءكم‬
‫وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(7)[7]، وفي‬
   ‫الصحيحين أن النبي قال: ((اتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(3)[3] وقال فيما يرويه‬
                                                         ‫ل‬
                        ‫مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم, ال يظِمه, وال يخذله, وال يحقره))(4)[4].‬
‫َم ي َل الظ لم ن‬             ‫س َن الل غ‬          ‫و‬
‫وقد تهدد اهلل تعالى أرباب الظلم وأهله, فقال جل ذكره: َال تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُو َ‬
   ‫[إبراهيم:74]، فاهلل تعالى للظالمين بالمرصاد, ففي الصحيحين عن أبي موسى األشعري رضي‬
       ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ :‬
                                    ‫ْ ُ َب ِذ َ قر هي لمة ِن ْ ه م َد د‬                                              ‫وَ‬
   ‫َكذَلِكَ أَخذ رِّكَ إ َا أَخذَ الْ ُ َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ ش ِي ٌ. وقد لعن اهلل الظالمين فقال: أال‬
         ‫َالل ُ ي ِب الظ لم‬                                               ‫ة الل عل الظ لم‬
  ‫لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:85]، وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: و َّه ال ُح ُّ َّاِ ِينَ [آل‬
                                                                                                          ‫عمران:21].‬
 ‫والظلم ـ يا عباد اهلل ـ من أعظم أسباب ارتفاع األمن وزوال االهتداء عن األفراد والمجتمعات,‬
                    ‫َّذ ن من وَ ي بس إ ُ ظ ْ أ ك ُم ن ُ م َد‬
   ‫قال اهلل تعالى: ال ِي َ آ َ ُوا َلمْ َلْ ِ ُوا ِيمَانَهمْ بِ ُلمٍ ُولَئِ َ لَه ُ الْأَمْ ُ وَهمْ ُهْت ُونَ [األنعام:78]،‬
     ‫فبقدر ما يكون في الفرد والمجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه األمن واالهتداء, فالجزاء من‬
                                                                          ‫َل ل عب‬            ‫وم َب‬
                                                            ‫جنس العمل، َ َا ر ُّكَ بِظَّامٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
    ‫أيها المؤمنون, إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه‬
                                                                                                    ‫درجات ومراتب:‬
   ‫أولها: الظلم الكبير الخطير العظيم, الذي ال يغفر اهلل الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إال باإلقالع‬
 ‫عنه, وتوبته منه, أال وهو اإلشراك باهلل تعالى، بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير اهلل, كدعاء‬
  ‫ي‬
 ‫غيره, والسجود لغيره, والذبح والنذر لغيره, ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه, قال اهلل تعالى حاك ًا‬
                                     ‫ظ‬         ‫ت ْر بالل ِن‬
   ‫عن لقمان وصيته البنه: يا بني ال ُش ِكْ َّهِ إ َّ الشرك ل ُلْم عظيم [لقمان:35]، فهذا الظلم ال‬
    ‫ك لم يش‬             ‫ِن الل َ ي فر ي ْ ب وي ِر د‬
  ‫يغفره اهلل إال بالتوبة منه, قال تعالى: إ َّ َّه ال َغْ ِ ُ أَنْ ُشرِكَ ِهِ َ َغْف ُ مَا ُونَ ذَلِ َ ِ َنْ َ َاء‬
 ‫ص‬
‫[النساء:84]. فأخلصوا ـ أيها المؤمنون ـ عبادتكم هلل تعالى, فإنه من قال: "ال إله إال اهلل" خال ًا‬
                                        ‫من قلبه دخل الجنة، وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.‬
‫وأما ثاني مراتب الظلم: فذاك الظلم الذي ال يتركه اهلل تعالى, وهو ظلم العبد غيره من الخلق, فهذا‬
    ‫ال بد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال اهلل سبحانه في الحديث اإللهي: ((وعزتي‬
                                                                                               ‫ن‬
                                                        ‫ألنصر ّك ولو بعد حين))(1)[1]. وقد أجاد من قال:‬
                                                                             ‫ر‬
                                                ‫ال تظلمن إذا ما كنت مقتد ًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬
                                                  ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه…يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
 ‫م‬
‫أيها المؤمنون, اتقوا الظلم, فإن نبيكم الصادق المصدوق أخبر أن الدنيا تمأل في آخر الزمان ظل ًا‬
                                                                                   ‫ر‬
        ‫وجو ًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء‬
 ‫واألموال واألبضاع واألعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر‬
                                                                                                               ‫الجاهلي:‬
                                                                    ‫ٍ‬
                                                     ‫والظلم من شيم النفوس فإن تجد…ذا عفة فلعلةٍ ال يظلم‬
‫وال تظنن ـ أيها األخ ـ أن هذه مبالغة أو مزايدة, بل ذلك هو واقع كثير من الناس, فكم نرى من‬
‫أصحاب األعمال الذين ظلموا عمالهم, بتحميلهم ما ال يطيقون, أو بتأخير رواتبهم ومستحقاتهم, أو‬
    ‫جحد حقوقهم, أو فرض اإلتاوات عليهم. وكم نرى من أرباب األسر والبيوت الذين جنوا على‬
  ‫أهليهم, وظلموا أوالدهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين دلسوا بضائعهم وغشوا عمالءهم. وكم‬
  ‫هم الوالة الذين نبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم, وحكموا القوانين الوضعية، فلم يعدلوا في الرعية‬
 ‫ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا ألنفسهم العنان في أعراض الناس‬
  ‫ودمائهم, فتمضمضوا بأعراض المؤمنين, وتفكهوا بدمائهم, إنهم كثير كثير كثير, قال اهلل تعالى:‬
                                                ‫ْ ي ِل ع س الل‬                ‫َر م ْ ف‬         ‫وإ ت‬
                               ‫َِنْ ُطِعْ أَكْث َ َن ِي األرضِ ُضُّوكَ َنْ َبِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
                                          ‫م‬                                            ‫ل‬
 ‫فلّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ويتح ّلون عنهم, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
 ‫قال رسول اهلل : ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا :المفلس فينا من ال درهم له وال متاع, فقال: ((إن‬
 ‫المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصالة وصيام وزكاة, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال‬
‫هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل‬
                                                                  ‫أخ‬              ‫ي‬
‫أن ُقضى ما عليه, ُ ِذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار))(6)[6]. فيا لها من تجارة‬
                                         ‫ج‬
  ‫بائرة وصفقة خاسرة, أن تأتي يوم القيامة وأنت أحو ُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ميزانك, فإذا‬
   ‫بخصمائك قد أحاطوا بك, فهذا آخذ بيدك, وهذا قابض على ناصيتك, وهذا متعلق بتالبيبك, هذا‬
 ‫يقول: ظلمتني, وهذا يقول: شتمتني, وهذا يقول: اغتبتني أو استهزأت بي, وهذا يقول: جاورتني‬
                                     ‫فأسأت جواري, وهذا يقول: غششتني, وهذا يقول: أخذت حقي.‬
                                                ‫أما واهلل إن الظلم شؤم…وما زال المسيء هو الظلوم‬
                                                                      ‫د‬
                                                ‫ستعلم يا ظلوم إذا التقينا …غ ًا عند المليك من الملوم‬
    ‫ص‬
‫فيا عباد اهلل، تداركوا األمر قبل فوات األوان، فما هي واهلل إال ساعة ثم تبعثر القبور، ويح ّل ما‬
‫في الصدور، وعند اهلل تجتمع الخصوم, فيقتص للمظلوم من الظالم, فتحللوا ـ أيها اإلخوان ـ من‬
   ‫المظالم قبل أن ال يكون درهم وال دينار, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل :‬
    ‫((من كانت له مظلمة ألخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال‬
       ‫درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات‬
                                                                                         ‫حم‬
                                                                          ‫صاحبه ف ُ ِل عليه))(2)[2].‬
        ‫أيها المؤمنون, أما ثالث مراتب الظلم: فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات, فكل ذنب‬
‫وم يت َد‬
‫وخطيئة تقارفها ـ يا عبد اهلل ـ فإن ذلك ظلم منك لنفسك, وبغي عليها, قال اهلل تعالى: َ َنْ َ َع َّ‬
                                                                   ‫ُد الل ِ أ ئ ُم الظ لم‬
    ‫ح ُودَ َّه فَُولَ ِكَ ه ُ َّاِ ُونَ [البقرة:877]، وما أكثر ما قال اهلل عند ذكر العصاة والمذنبين‬
           ‫ص‬                             ‫ه و ك ن فس ُ لم‬                                      ‫و‬
‫والظالمين: َمَا ظَلَمْنَا ُمْ َلَ ِنْ كَا ُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُون [النحل:855]، فكل مذنب وعا ٍ فإنما يجني‬
‫على نفسه, ويعرضها لعذاب اهلل األليم وعقابه الشديد, كما قال النبي فيما أخرجه ابن ماجه وغيره‬
    ‫بسند ال بأس به عن سليمان بن عمرو بن األحوص عن أبيه قال: سمعت رسول اهلل يقول في‬
                                            ‫حجة الوداع: ((أال ال يجني جان إال على نفسه))(8)[8].‬
  ‫فتخففوا ـ عباد اهلل ـ من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم اهلل به, وترك مانهاكم عنه, والتوبة مما‬
                                             ‫فرط من الذنوب, فإن التائب من الذنب كمن ال ذنب له.‬


                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المؤمنون, اعلموا أن اهلل سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره, وأمر بمجاهدة‬
‫الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين, وقد أرسل اهلل سبحانه رسله وأنزل كتبه إلقامة القسط ورفع‬
‫َي ت و ْز معهم ك ب و ز ل ق الن س ب ق ط‬                                                   ‫َ س رس‬
‫الظلم, قال اهلل تعالى: َلقدْ أَرْ َلْنَا ُ ُلَنَا بِالْبِّنَا ِ َأَن َلْنَا َ َ ُ ُ الْ ِتَا َ َالْمِي َانَ ِيَ ُومَ َّا ُ ِالْ ِسْ ِ‬
                                                                                                                   ‫[الحديد:17].‬
                   ‫د‬
    ‫فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل, ونحن مه ّدون بعقوبة عامة‬
    ‫ي َيه َّذ ن‬
    ‫ومحنة عاجلة, فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس, إنكم تقرؤون هذه اآلية: َا أ ُّ َا ال ِي َ‬
                                            ‫من ع ك فسك ْ ي ُر ُ م َل ِذ َد ُ‬
 ‫آ َُوا َلَيْ ُمْ أَنْ ُ َ ُم ال َض ُّكمْ َنْ ض َّ إ َا اهْت َيْتمْ [المائدة:105]، وإني سمعت رسول اهلل يقول:‬
                                    ‫م‬
   ‫((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يع ّهم اهلل بعقاب منه)) رواه أبو داود‬
   ‫والترمذي بإسناد جيد(8)[5]. فرفع الظلم واإلنكار على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته‬
  ‫وطاقته ووسعه, قال النبي : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول اهلل, هذا ننصره‬
                                                                               ‫م‬
                                              ‫مظلومًا, فكيف ننصره ظال ًا؟ قال: ((تأخذ فوق يديه))(05)[7].‬
                   ‫ل‬                                                         ‫ن‬
      ‫أيها المؤمنون, إ ّ أولى المظلومين بالنصر والتأييد واإلعانة هم أولئك الذين ظِموا في دينهم,‬
  ‫ن‬               ‫رب‬                            ‫أ‬     ‫سج‬
 ‫ف ُو ِبوا و ُو ِلوا, و ُ ّروا وض ِبوا و ُ ِنوا وُوذوا من أجل أنهم رضوا باهلل ًّا وباإلسالم دي ًا‬
                                                               ‫ُر‬      ‫هِ‬
                                                                       ‫ج‬         ‫ق ت‬       ‫ح ر‬
                                  ‫ي من ِالل َز حم‬                           ‫م نبي وم م م ه إ‬
‫وبمح ّد ًّا، َ َا نَقَ ُوا ِنْ ُمْ ِال أَنْ ُؤْ ِ ُوا ب َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِيدِ [البروج:8]. فهؤالء وأضرابهم هم‬
       ‫أولى الناس بالنصر والتأييد, ال سيما في هذا العصر المفتون الذي انتعش فيه أعداء اهلل، من‬
‫اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين والمنافقين, فرموا أهل اإلسالم عن قوس واحدة‬
               ‫كما أخبر النبي في حديث ثوبان: ((يوشك األمم أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى‬
   ‫قصعتها))(55)[3]. فليس ما يجري على اإلسالم وأهله في كثير من بلدان العالم إال تصديقًا لما‬
                                                                                             ‫أخبر به الصادق المصدوق .‬
                                                                                    ‫م‬                   ‫ل‬
                                                          ‫أح ّ الكفر باإلسالم ظل ًا…يطول به على الدين النحيب‬
                    ‫فقوموا بما أوجب اهلل عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم, وذلك من خالل عدة أمور:‬
  ‫وت ب إل الل جم ع َي م من ل َل ُ‬
‫األول: التوبة النصوح من جميع الذنوب, قال اهلل تعالى: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِي ًا أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ َعَّكمْ‬
 ‫وم‬                                                                                      ‫ت ح‬
‫ُفْلِ ُونَ [النور:53]. فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا, ويعفو عن كثير, قال اهلل تعالى: َ َا‬
                                                    ‫ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
   ‫أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِيرٍ [الشورى:03]. فالتوبة إلى اهلل تعالى من‬
     ‫أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين, قال ابن القيم رحمه اهلل: "فليس للعبد إذا بغي‬
                                      ‫عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح".‬
     ‫األمر الثاني: مجاهدة أعداء اهلل تعالى ومراغمتهم على اختالف أنواعهم, كل حسب ما يناسبه,‬
      ‫فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان, وأما المنافقون والمشككون والمرتابون فبالحجة‬
      ‫والبرهان والعلم والبيان, وأما الظالمون والعصاة فباألمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان‬
                                                   ‫الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من األمر والنهي والخير.‬
            ‫د‬             ‫ب‬                           ‫ل‬                       ‫مد‬
  ‫األمر الثالث: ُّ يد العون والمساعدة لك ّ من أوذي في سبيل اهلل, قري ًا كان أو بعي ًا, وذلك من‬
‫خالل تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي, ال سيما ـ أيها اإلخوة ـ ونحن في هذه‬
    ‫البالد, ال زال كثير منا وهلل الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش, فالواجب علينا‬
‫أكبر من الواجب على غيرنا, فمدوا ـ بارك اهلل فيكم ـ أيديكم بسخاء إلخوانكم المسلمين في كل‬
   ‫مكان, واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء, فإياكم والبخل, فإنه من‬
                                                                   ‫يبخل فإنما يبخل عن نفسه.‬
   ‫فإن شحت نفسك أو عدمتَ ما تقدمه إلخوانك فلن تعدم ـ هداك اهلل ـ لسانًا بالدعاء والتضرع‬
                                                                   ‫ز‬
       ‫الهجًا, وهلل سائالً أن يع ّ أهل دينه, وأن يذل أعداءه, فادعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلخوانكم‬
‫المسلمين المظلومين في دينهم, فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين اهلل حجاب, عن ابن‬
                                                       ‫ذ‬
  ‫عباس رضي اهلل عنه أن النبي بعث معا ًا إلى اليمن فقال: ((اتق دعوة المظلوم, فإنها ليس بينها‬
                                                                   ‫وبين اهلل حجاب))(75)[4].‬


                                                                              ‫__________‬
                                                   ‫(5) صحيح مسلم في البر والصلة (4264).‬
                                ‫(7) أخرجه البخاري في العلم (16), ومسلم في الحج (2357).‬
        ‫(3) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (2677)، ومسلم في البر والصلة (1264).‬
                                                   ‫(4) أخرجه مسلم في البر والصلة (0164).‬
        ‫(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند ال بأس به، انظر: السلسلة الصحيحة (868).‬
                                                   ‫(6) أخرجه مسلم في البر والصلة (8264).‬
                                         ‫(2) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (8677).‬
                                                    ‫(8) أخرجه ابن ماجه في الديات (8167).‬
                ‫(8) أخرجه الترمذي في الفتن (4807), وأخرجه أبو داود في المالحم (1223).‬
                                       ‫(05) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (4677).‬
                                                   ‫(55) أخرجه أبو داود في المالحم (1423).‬
                                         ‫(75) أخرجه البخاري في المظالم والغصب (8677).‬

‫(5/4253)‬




                                                                ‫أشد الناس عداوة ألهل اإليمان‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                      ‫أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                                    ‫أديان, القتال والجهاد, جرائم وحوادث‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                          ‫عنيزة‬
                                                                                                    ‫جامع العليا‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
‫55- من سنن اهلل الكونية. 7- شدة عداوة اليهود للمسلمين. 3- صور من مكائد اليهود بالرسول‬
  ‫. 4- عداوة اليهود لألنبياء عامة. 1- حماية اهلل تعالى لرسوله وأنصار دينه من كيد الكائدين.‬
                                     ‫6- جرائم اليهود عبر التاريخ. 2- من أسباب النصر والتمكين.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
           ‫يخ‬
 ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل, واعلموا أن هلل سبحانه سننًا في األمم والمجتمعات ال َنْ َرم نظامها,‬
   ‫وال يضطرب ميزانها, وال يتغير سيرها, وال يتأخر وقوعها، دائمة دوام الليل والنهار, مطردة‬
     ‫ِ ل ُن الل‬
   ‫على مر العصور واألعوام، ال يعتريها ارتباك وال اختالل، قال اهلل تعالى: فَلَنْ تَجدَ ِسَّتِ َّهِ‬
                                                                      ‫ِ ل ُن الل و ال‬                 ‫د ال و‬
                                                            ‫تَبْ ِي ً َلَنْ تَجدَ ِسَّتِ َّهِ تَحْ ِي ً[فاطر:34].‬
                         ‫عدو‬
     ‫ومن هذه السنن أن اهلل سبحانه وتعالى قضى بأن يكون لكل نبي ٌّ من المجرمين, يحاربه‬
   ‫ويعمل على إبطال رسالته, وإطفاء أنوار شريعته, ودحض حجته, وتبديد دعوته, وإفساد ملته,‬
     ‫و َ ل جع ل ُل ِي َ ُو من‬
     ‫وتمزيق أمته, وتشويه سمعته, ليصد الناس عنه, قال تعالى: َكذَِكَ َ َلْنَا ِك ِّ نَب ٍّ عد ًّا ِ َ‬
     ‫و َ جع ل ُل ِي َ ُو‬                                             ‫ِ َب ه دي و ر‬                ‫م ْرم و‬
    ‫الْ ُج ِ ِينَ َكَفَى برِّكَ َا ِ ًا َنَصِي ًا [الفرقان:53]، وقال تعالى: َكذَلِكَ َ َلْنَا ِك ِّ نَب ٍّ عد ًّا‬
    ‫َب م عل ه‬                    ‫ْ ُر ر و‬             ‫ي ط إ س و ِن ي ح ب ض ُ إل ب ْ ز ْ ُ‬
    ‫شَ َا ِينَ الِْنْ ِ َالْج ِّ ُو ِي َعْ ُهمْ َِى َعضٍ ُخرفَ الْقَولِ غ ُو ًا َلَوْ شَاءَ ر ُّكَ َا فَ َُو ُ‬
                                                                                          ‫َ َ ُ و ي َر‬
                                                                        ‫فذرْهمْ َمَا َفْت ُونَ [األنعام:755].‬
                           ‫ر‬
      ‫وقد بين اهلل سبحانه وتعالى في كتابه هؤالء المجرمين, وذكر كثي ًا من أوصافهم وأعمالهم‬
                                      ‫وأحوالهم, وقصصهم مع األنبياء السابقين وأتباعهم المصد‬
  ‫ِّقين، بيد أن المتأمل في كتاب اهلل وما‬
 ‫م ر‬
‫فيه من القَصص يالحظ أن فئة من هؤالء األعداء قد شَغلت أخبارهم واحتلت أنباؤهم قس ًا كبي ًا‬
‫من آيات القرآن وقصصه، فبين أفعالهم مع أنبيائهم وصادقيهم, وأظهر مواقفهم من المؤمنين على‬
‫توالي السنين, وأماط اللثام عن كثير من صفاتهم وأحوالهم وخصالهم التي اختصوا بها دون سائر‬
                                                                                          ‫األعداء والمعاندين.‬
 ‫وقد أخبر اهلل سبحانه وتعالى عن شدة عداوتهم للمؤمنين الصادقين عامة, ولخاتم النبيين وأتباعه‬
                ‫ْرك‬        ‫َد و لَّذ ن من يه د و َّذ‬                   ‫ِ َن َد الن‬
              ‫خاصة, فقال تبارك وتعالى: لَتَجد َّ أَش َّ َّاسِ ع َا َةً ِل ِي َ آ َُوا الْ َ ُو َ َال ِينَ أَش َ ُوا‬
                  ‫َر‬
     ‫[المائدة:78]، فأشد الناس عداوة لرسول اهلل ودينه وأتباعه هم اليهود, الذين م َنوا على تكذيب‬
                                                                  ‫در‬
   ‫األنبياء والرسل وقتلهم، و َ َبوا بالعتو والكفور والمعاصي والفجور, عاندوا اهلل في أمره ونهيه,‬
  ‫وحرفوا كتبه، مردوا على اللعنة والذلة والمسكنة، طويت قلوبهم على الكفر والفسوق والعصيان,‬
    ‫فحاربوا اإلسالم وأهله منذ أول وهلة, وسعوا بكل وسيلة، وطرقوا كل باب, وسلكوا كل درب,‬
       ‫ير د ن‬
       ‫إلطفاء نور اهلل, وإحباط دعوته ورسالته, فباؤوا باللعنة والخيبة والغضب والخسار: ُ ِي ُو َ‬
                                           ‫لي فئ ن الل و هه َالله م ِم ن ره و َر ك ِر‬
                              ‫ِ ُطْ ِ ُوا ُورَ َّهِ بِأَفْ َا ِ ِمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ َلَوْ ك ِهَ الْ َاف ُونَ [الصف:8].‬
                           ‫ر‬
   ‫وقد حفظت آيات الكتاب ودواوين السنة وكتب السيرة ألوانًا وصو ًا من مكايد هؤالء، ومكرهم‬
                                                                                                                ‫بالنبي .‬
                                                                   ‫ر‬
 ‫منها: لما قدم المدينة مهاج ًا عاهد من فيها من اليهود وسالمهم, وأقرهم على البقاء فيها ما أقاموا‬
  ‫العهود, وحفظوا المواثيق، إال أن يهود لما رأوا ظهور الدين وانتصارات خاتم النبيين مأل الحس ُ‬
  ‫د‬
  ‫والحقد قلوبهم, فتفجرت ينابيع الشر والغدر والخيانة في أفعالهم و أقوالهم, فناصبوا رسول اهلل و‬
 ‫أصحابه العداء المستحكم المرير، وأخذوا ضده كل كافر ومنافق أثيم, فرحوا واستبشروا بما نزل‬
  ‫برسول اهلل وأصحابه من المنكرات واألزمات، وتألموا لما أحرزوه من الفتوحات واالنتصارات,‬
                                ‫فطفقوا يخططون, وأخذوا يمكرون برسول اهلل أنواعًا من المكر والكيد.‬
                                    ‫ز‬        ‫ت‬
   ‫فمن ذلك أنهم أكثروا على رسول اهلل األسئلة تعن ًا وتعجي ًا, ليحرجوا رسول اهلل ، ويشككوا في‬
                                           ‫ل‬                                           ‫ق‬
          ‫صد ِه ونبوته، فأحبط اهلل عملهم، وخيب سعيهم، وف ّ قصدهم، فأجابهم عما كانوا يسألون،‬
‫ي م َنه َق م َب ِ و الله‬                                ‫وِن َّذ أ ت ك‬
‫وأسمعهم ما يكرهون، فقال اهلل تعالى: َإ َّ ال ِينَ ُوُوا الْ ِتَابَ لَ َعْلَ ُونَ أ َّ ُ الْح ُّ ِنْ ر ِّهمْ َمَا َّ ُ‬
                                                                                                 ‫بغ ف َم ي مل‬
                                                                                ‫ِ َا ِلٍ ع َّا َعْ َُونَ [البقرة:445].‬
        ‫ومما آذوا به رسول اهلل أنهم سحروه, فقد أوعزت يهود ـ عليهم لعنة اهلل والمالئكة والناس‬
 ‫أجمعين ـ إلى لبيد بن األعصم اليهودي, فسحر رسول اهلل ، فكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما‬
                              ‫فعله, فأبطل اهلل كيدهم, وأفسد مكرهم, ففك اهلل عن رسوله السحر وشفاه.‬
‫ومما آذت به يهود رسول اهلل أنهم نقضوا العهود, ونكثوا بالمواثيق, وسلكوا دروب الغدر والخيانة‬
          ‫والغش واالحتيال, فألبوا القبائل على رسول اهلل ، وأغروهم بقتاله، وحرضوا على حربه،‬
 ‫ووعدوهم بالمساندة والمناصرة عليه، فلما بان نكثهم وظهر نقضهم أجالهم رسول اهلل عن المدينة‬
                                                    ‫ج‬
   ‫طائفةً تلو أخرى, حتى كان آخرهم خرو ًا بنو قريظة, الذين أجالهم النبي بعد غزوة األحزاب,‬
                                                                 ‫كما قص اهلل علينا نبأهم في سورة األحزاب.‬
                                                               ‫ر‬       ‫ل‬      ‫د‬
‫وقد بلغ الحق ُ والغ ُ والكف ُ في يهود منتهاه بعد انتصارات رسول اهلل وأصحابه, وبعد انحساراتهم‬
                                ‫د‬
     ‫وانكساراتهم, فحاولوا أن يحيوا سنة آبائهم وأسالفهم, فدبروا عد ًا من المؤامرات لقتل النبي ,‬
 ‫وكان آخر محاوالتهم أن امرأة منهم دست السم لرسول اهلل في شاة صنعتها, فتناول الذراع, فالك‬
                 ‫ة‬
‫منها مضغة ولم يسغها, فما زال لهذه األكلة التي أكلها أثر, حتى إذا كانت ساع ُ وفاته قال لعائشة‬
  ‫رضي اهلل عنها كما في البخاري معلقًا بصيغة الجزم: ((يا عائشة, ما أزال أجد ألم الطعام الذي‬
             ‫ع‬
  ‫أكلت بخيبر, فهذا أوان وجدت انقطاع أَبهري من ذلك السم))(5)[5]. واألبهر: ِرق في الظهر‬
                                                                                     ‫ت‬
‫م ّصل بالقلب, إذا انقطع مات صاحبه. وقد وردت العديد من الروايات بهذا المعنى, وهي تفيد أنه‬
                                                               ‫م‬             ‫د‬
‫مات شهي ًا من أثر الس ّ الذي وضعته اليهودية كما قال بعض أهل العلم. ومهما يكن من أمر في‬
      ‫ذلك فإن اهلل سبحانه وتعالى قد قص علينا أخبارهم مع أنبيائهم, وكيف فعلوا بهم, فقال عنهم‬
              ‫تل ن‬           ‫َ ُ ْ َر َذ ُ َ َر‬                    ‫فس ُم‬                     ‫ء ُ رس ل ب‬           ‫َ ُل‬
              ‫سبحانه: أفَكَّمَا جَا َكمْ َ ُو ٌ ِمَا ال تَهْوَى أَنْ ُ ُك ُ اسْتَكْبرْتم فَف ِيقًا ك َّبْتمْ وف ِيقًا تَقْ ُُو َ‬
                                                                                                                    ‫[البقرة:28].‬
                             ‫ر‬
 ‫ومع هذه المكايد كلها فقد رد اهلل الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خي ًا, وكفى اهلل رسوله والمؤمنين‬
      ‫َي الن ِي ح ْب الله وم اتب ك م م من ن‬
      ‫شرَ أعدائهم, وصدق اهلل العظيم حيث قال: يَا أُّهَا َّب ُّ َس ُكَ َّ ُ َ َنِ َّ َعَ َ ِنَ الْ ُؤْ ِ ِي َ‬
                                                    ‫ف‬
‫[األنفال:46]. فقد أخبر اهلل سبحانه أنه كا ٍ نبيه, وكافٍ أتباع نبيه , فال حاجة للمؤمنين مع كفاية‬
   ‫اهلل سبحانه وتعالى إلى أحد, فمن كفاه اهلل وقاه, ومن كان اهلل معه خاب كل من ضاده وعاداه.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الذي وعد بإظهار دينه على كل دين, ووعد بنصر عباده المؤمنين على كل عدو أفاك‬
   ‫مبين, والصالة والسالم على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد األمين, وعلى آله وأصحابه‬
                                                                                                                         ‫الطيبين.‬
  ‫أما بعد: فقد استعرضنا صفحة من تاريخ يهود مع هذه األمة, ممثلة بنبيها , وقد رأينا ما اجتمع‬
                           ‫د‬       ‫ِ‬
 ‫في هؤالء القوم من الكفر واالستكبار والعناد والظلم والغدر والحس ِ والبغي؛ ورأينا كيف آل بهم‬
 ‫ن‬
‫األمر, فأجالهم النبي عن المدينة، وغزاهم في خيبر آخر معاقلهم في الجزيرة, و أنزل بهم ألوا ًا‬
    ‫ِن َّذ‬
 ‫من العذاب, بسبب ما اجتمع فيهم من خالل الكفر وصفاته, فصدق اهلل تعالى حيث قال: إ َّ ال ِينَ‬
  ‫ُم ك ن ع ِ ح ْ ة ُم ي ب ن َالذ ن‬                             ‫و ُ لي ُد ع سب الل ِ سي ق‬                             ‫ر ي فق‬
  ‫كَفَ ُوا ُنْ ِ ُونَ أَمْ َالَهمْ ِ َص ُّوا َنْ َ ِيلِ َّه فَ َ ُنْفِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْهمْ َسرَ ً ث َّ ُغْلَ ُو َ و َّ ِي َ‬
                                                                                               ‫ر إل جه َّ ي َر‬
                                                                              ‫كَفَ ُوا َِى َ َنمَ ُحْش ُونَ [األنفال:63].‬
  ‫والمتأمل في ماضي األمة وحاضرها يدرك أن بليةَ اإلسالم في أهله باليهود عظيمة شديدة, فكم‬
                    ‫ع‬
       ‫من معقل لإلسالم قد سعوا في هدمه، وكم من حصن راموا هتكه، وكم من َلَم عملوا على‬
   ‫طمسه, ضربوا بمعاول الشبهات في أصله, وروجوا اإلباحية والفساد ليصدوا الناس عن عبادة‬
                      ‫ف‬
    ‫رب العباد, تحالفوا مع شياطين اإلنس والجن ضده, عملوا على إحداث ال ُرقة في أمته وإثارة‬
         ‫الفتن بين أهل ملته، وعكفوا على ترويج وإشاعة وإنشاء األقوالِ المبتدعة واآلراء الضالة‬
 ‫والمذاهب المنحرفة, فهل السبئية إال من بنات أفكارهم؟! وهل الباطنية إال ثمرة جهودهم؟! وهل‬
‫َ ال‬                                                         ‫ج‬
‫الماسونية والعلمانية إال نتا ُ مؤامراتهم ومخططاتهم؟! فعداوة القوم لإلسالم وأهله لم ترض مح ً‬
                                                                                                      ‫لها إال سويداء قلوبهم.‬
 ‫وعداوة يهود لألمة ليست رهينة فترة زمنية ثم تنتهي، بل عداوتهم لإلسالم وأهله دائمة إلى آخر‬
    ‫م‬                                       ‫ال‬                                ‫ة‬
 ‫الزمان, ممتد ٌ عبر الليالي واأليام, متوارثة جي ً بعد جيل, أوصى بها األكابر األصاغر, وح ّلها‬
      ‫د‬                                                 ‫ء‬
‫سلفهم خلفَهم، لذا فإن اليهود حلفا ُ كلِ من عادى األمة؛ فباألمس حالفوا مشركي العرب ض ّ النبي‬
                                     ‫د‬                 ‫ّ‬
     ‫, واليوم حالفوا النصارى وغيرهم ضد أهل اإلسالم, وغ ًا يحالفون الدجال ويتبعونه ضد أمة‬
 ‫اإلسالم, ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((يتبع الدجال‬
                                              ‫الط ل‬          ‫ف‬
‫من يهود أصبهان سبعون أل ًا, عليهم َّيَاِسة))(7)[5]، وقد قال في حديث عثمان بن أبي العاص‬
                              ‫رضي اهلل عنه: ((وأكثر تبعه ـ أي: الدجال ـ اليهود والنساء))(3)[7].‬
                                                           ‫ُب‬
     ‫إال أن هذا الكيد والمكر الك َّار إلى زوال واضمحالل, إذا صبرت األمة واتقت ربها وتمسكت‬
   ‫ِر و َتق‬           ‫إ س ُ حس ة س ُ وإ تص ُ َي ة ح ب وإ‬
 ‫بدينه, قال اهلل تعالى: ِنْ تَمْ َسْكمْ َ َنَ ٌ تَ ُؤْهمْ َِنْ ُ ِبْكمْ س ِّئَ ٌ يَفْرَ ُوا ِهَا َِنْ تَصْب ُوا َتَّ ُوا‬
                                                    ‫ِن الل بم ي مل ن مح ط‬                       ‫ي ُر ُ ْد ُ‬
                                    ‫ال َض ُّكمْ كَي ُهمْ شَيْئًَّا إ َّ َّهَ ِ َا َعْ َُو َ ُ ِي ٌ [آل عمران:075].‬
  ‫وال نشك أن اهلل سبحانه وتعالى سينصر دينه, ويعلي كلمته, ويؤيد أوليائه, طال الزمن أو قصر,‬
                                                ‫د‬
 ‫فإن العاقبة هلل ولرسوله وللمؤمنين, ويص ّق هذا ما وعد به رسول اهلل أمته, ففي الصحيحين عن‬
  ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ال تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود,‬
     ‫فيقتلهم المسلمون, حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر, فيقول الحجر أو الشجر: يا‬
         ‫مسلم, يا عبد اهلل, هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله, إال الغرقد فإنه من شجر اليهود))(4)[3].‬
                ‫ي‬
        ‫وهذا الحديث يفيد أن الصراع بين أمة اإلسالم وبين يهود لن يضع أوزاره حتى ُقتلوا عن‬
 ‫آخرهم, كما أخبر النبي , فما دام في اليهود عرق ينبض وعين تلحظ وقلب يخفق فلن تزول هذه‬
 ‫العداوة, فإن معركتنا معهم معركة إبادة، فكل من حاول إزالة هذه العداوة أو رفعها فإنما يركض‬
                        ‫ر‬                               ‫د‬
    ‫وراء السراب, ويحرث في الماء, ويضا ُ ما قضاه اهلل سبحانه كونًا وقد ًا وشرعًا, واهلل غالب‬
                                                                       ‫على أمره ولكن أكثر الناس ال يعلمون.‬


                                                                                                    ‫__________‬
                                                              ‫(5) أخرجه البخاري في كتاب المغازي معلقًا.‬
                                                      ‫(7) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (2371).‬
                                          ‫(3) أخرجه أحمد من حديث عثمان بن أبي العاص (67725).‬
    ‫(4) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (8027 )، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (7071).‬

‫(5/1253)‬
                                                                                    ‫أال بذكر اهلل تطمئن القلوب‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                    ‫الدعاء والذكر‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                              ‫عنيزة‬
                                                                                                       ‫جامع العليا‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضل الذكر في الكتاب والسنة. 7- مراتب الذكر. 3- فوائد الذكر. 4- اغتنام األوقات في‬
                                                                                                  ‫ذكر اهلل تعالى.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل, اتقوا اهلل, وأكثروا من ذكره, فإن ذكره سبحانه قوت قلوب الذاكرين, وهو قرة‬
     ‫عيون الموحدين, وهو عدتهم الكبرى, وسالحهم الذي ال يبلى, وهو دواء أسقامهم, الذي متى‬
                                           ‫تركوه أصيبت منهم المقاتل, فانتكسوا على أعقابهم خاسرين.‬
                                                ‫إذا مرضنا تداوينا بذكركم…ونترك الذكر أحيانًا فننتكس‬
 ‫فبالذكر يستدفع الذاكرون اآلفات, ويستكشفون الكربات, وتهون عليهم المصيبات, فإليه الملجأ إذا‬
‫ل‬
‫ادلهمت الخطوب, وإليه المفزع عند توالي الكوارث والكروب, به تنقشع الظلمات واألكدار, وتح ّ‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                                                             ‫األفراح والمس ّات.‬
              ‫ُر الل ذ ْر ر‬                 ‫َيه َّذ من‬
             ‫وقد أمر اهلل تعالى به المؤمنين فقال تعالى: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا اذْك ُوا َّهَ ِك ًا كَثِي ًا‬
                          ‫ُ ُ و ُر ل و فر‬                       ‫ُر ن‬
‫[األحزاب:54]، وقال تعالى: فَاذْك ُو ِي أَذْكرْكمْ َاشْك ُوا ِي َال تَكْ ُ ُونِ [البقرة:715]. وقد أثنى‬
      ‫ِن م لم ن و م لم ت و م من ن‬
      ‫اهلل سبحانه وتعالى في كتابه على الذاكرين فقال تعالى: إ َّ الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْ َا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ‬
        ‫و م م ت و نت ن و ن ت َالص ِق ن َالص ِ ت َالص بر ن َالص ب ت و شع ن‬
        ‫َالْ ُؤْ ِنَا ِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِتَا ِ و َّاد ِي َ و َّادقَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّا ِرا ِ َالْخَا ِ ِي َ‬
   ‫َّا ِ َا ِ َالْحَافِ ِين ُ ُو َهمْ َالْ َافِ َا ِ‬
   ‫َّا ِ ِي َ والص ئم ت و ظ َ فر ج ُ و ح ظ ت‬                   ‫و ش ت و م َدق ن و م َ ّ ت‬
                                                     ‫َالْخَا ِعَا ِ َالْ ُتَص ّ ِي َ َالْ ُتَصدقَا ِ والص ئم ن‬
                                   ‫َد الله ه م ِ ة و ْر ظ‬                       ‫ر و ك‬              ‫و ِر الل‬
                 ‫َالذاك ِينَ َّهَ كَثِي ًا َالذا ِراتِ أَع َّ َّ ُ لَ ُم َّغْفرَ ً َأَج ًا عَ ِيمًا [األحزاب:13].‬
                             ‫د‬
  ‫وأما األخبار عن النبي فقد دلت األدلة على أن أفضل ما شغل العب ُ به نفسه في الجملة ذكر اهلل‬
‫تعالى, فمن ذلك ما رواه أحمد وغيره عن أبي الدرداء رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((أال‬
     ‫أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب‬
                                                                                      ‫َ‬
 ‫والورِق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم, فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى، قال:‬
                                                 ‫ض‬
      ‫((ذكر اهلل تعالى))(5)[5]. ومن ذلك أي ًا ما رواه اإلمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‬
              ‫ج‬
 ‫رضي اهلل عنه قال: كان رسول اهلل يسير في طريق مكة, فمر على جبل يقال له ُمْدان, فقال :‬
                                                               ‫((سيروا هذا ُمْدان, سبق المفر‬
  ‫ِّدون))، قالوا: وما المفردون يا رسول اهلل؟ قال: ((الذاكرون اهلل‬              ‫ج‬
                                                                                                 ‫ر‬
                                                                             ‫كثي ًا والذاكرات))(7)[7].‬
                                                           ‫و‬
‫ومما يظهر فضل الذكر وعل َ مرتبته ما أخرجه الترمذي عن عبد اهلل بن بسر رضي اهلل عنه أن‬
                                  ‫علي‬
‫رجالً قال: يا رسول اهلل، إن شرائع اإلسالم قد كثرت َّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: ((ال‬
                                                                           ‫ب‬
     ‫يزال لسانك رط ًا من ذكر اهلل))(3)[3]. ومما يدل على ذلك أن اهلل تعالى أمر المؤمنين بأن‬
     ‫َقع د‬          ‫ِذ ض ُم الص َ ُر الل َ ق‬                                          ‫د‬
    ‫يذكروه قيامًا وقعو ًا وعلى جنوبهم, فقال تعالى: فَإ َا قَ َيْت ُ َّالة فَاذْك ُوا َّه ِيَامًا و ُ ُو ًا‬
                                                                             ‫وعل جن ب ُ‬
‫َ ََى ُ ُو ِكمْ [النساء:305]. وهكذا كان النبي فعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: كان النبي يذكر‬
                                                                            ‫اهلل على كل أحيانه(4)[4].‬
   ‫أيها المؤمنون, اعلموا أن أعلى مراتب الذكر الذي أمر اهلل به هو ما تواطأ فيه القلب واللسان,‬
  ‫واعلموا أن هذا الفضل العظيم واألجر الكثير ليس معلقًا على ذكر الشفة واللسان فحسب, بل ال‬
 ‫يثبت هذا األجر الموعود إال على ذكر يتواطأ فيه القلب واللسان, فذكر اهلل إن لم يخفق به القلب,‬
  ‫ب‬
 ‫وإن لم تعش به النفس, وإن لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والمحبة هلل تعالى, فلن يكون سب ًا‬
                                                                       ‫لتحصيل هذه المزايا والفضائل.‬
  ‫وقد يسأل المرء: ما سر تفضيل الذكر على سائر أنواع وأعمال البر, مع أنه خفيف على اللسان‬
                                                                     ‫وال يحصل به تعب على األبدان؟‬
‫فالجواب: إن سر هذا التفضيل هو أن الذكر يورث يقظة القلب وحياته وصالحه, ولذلك قال النبي‬
     ‫: ((مثل الذي يذكر ربه والذي ال يذكر ربه مثل الحي والميت))(1)[1]. فالذكر حياة القلوب‬
   ‫وصالحها, والذكر للقلب كالماء للزرع, بل كالماء للسمك, ال حياة له إال به. فإذا حييت القلوب‬
 ‫صل‬     ‫ص‬                                                                     ‫ص‬
‫و َلَحت صلحت الجوارح واستقامت, قال النبي : ((أال وإن في الجسد مضغة, إذا َلَحت ََح‬
                       ‫الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, أال وهي القلب)) متفق عليه(6)[6].‬
   ‫فعليكم ـ عباد اهلل ـ باإلكثار من ذكره سبحانه, وعمارةِ األوقات واألزمان باألذكار واألوراد‬
‫المطلقة والمقيدة, كقول: ال إله إال اهلل, فإنها من خير األقوال وأحبها إلى اهلل, أو قول: سبحان اهلل,‬
 ‫والحمد هلل, وال إله إال اهلل, واهلل أكبر, فإنها خير مما طلعت عليه الشمس, وغير ذلك من األقوال‬
                                                                         ‫تنم‬
‫التي َّى بها الحسنات, وترفع بها الدرجات, وتوضع السيئات. فإن قصرت همتك وضعفت قوتك‬
‫عن تلك المنازل الكبار فال أقل من أن تحافظ على األذكار المؤقتة والمقيدة, قال شيخ اإلسالم ابن‬
  ‫تيمية رحمه اهلل: "وأقل ذلك ـ أي: ما ينبغي على العبد المحافظة عليه من األذكار ـ أن يالزم‬
   ‫العبد األذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين , كاألذكار المؤقتة في أول النهار وآخره,‬
   ‫وعند أخذ المضجع, وعند االستيقاظ من المنام, وأدبار الصلوات. واألذكار المقيدة مثل ما يقال‬
  ‫عند األكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخالء والخروج من ذلك وعند‬
 ‫المطر والرعد وغير ذلك". وقد صنفت في ذلك بعض الكتيبات, فما عليك ـ أيها المبارك ـ إال‬
                                                                           ‫د‬
                         ‫أن تقتني واح ًا من تلك المصنفات, وتواظب على المسابقة في الخيرات.‬
‫ومما يشحذ همتك ويلهب حماسك ويجذبك إلى ذكر موالك أن تعلم أن للذكر فوائد كثيرة وعواقب‬
                                       ‫حميدة لمن حافظ عليه وأكثر منه, وإليك بعض هذه الفوائد:‬
‫فمن فوائد الذكر الكبار: أنه يورث محبة اهلل سبحانه وتعالى, فالذكر باب المحبة وشارعها األعظم‬
                                                      ‫ر‬
     ‫وصراطها األقوم, فكلما ازداد العبد هلل ذك ًا ازداد له حبًا, فمن أراد أن يفوز وينال محبة اهلل‬
                                                                                 ‫تعالى فليلهج بذكره.‬
‫ومن فوائد ذكر اهلل تعالى: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره, ويزيل الهم والغم والحزن, ويجلب‬
    ‫للقلب الفرح والسرور والبسط, ففي الترمذي وأبي داود والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال‬
‫رسول اهلل : ((إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم اهلل، توكلت على اهلل، ال حول وال قوة إال باهلل،‬
‫يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل‬
                                                                         ‫هدي وكفي ووقي))(2)[2].‬
  ‫وقد ثبت أن الشيطان يهرب من األذان, ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن‬
                                    ‫ض‬
  ‫رسول اهلل قال: ((إذا نودي للصالة أدبر الشيطان وله ُراط, حتى ال يسمع التأذين, فإذا قضى‬
                ‫ي ط‬                                                ‫ُو‬
     ‫النداء أقبل, حتى إذا ث ِّب بالصالة أدبر, حتى إذا قضى التثويب أقبل, حتى َخْ ِر بين المرء‬
               ‫ونفسه, يقول: اذكر كذا, اذكر كذا, لما لم يكن يذكر, حتى يظل الرجل ال يدري كم‬
                                                                                      ‫صلى))(8)[8].‬
‫ومنها: أنه يكسو الذاكر المهابة والحالوة والنضرة, ويمده بالقوة في قلبه وبدنه, حتى إنه ليفعل مع‬
  ‫الذكر ما ال يفعله بدونه, ولذلك علم النبي ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب رضي اهلل عنهما أن‬
‫يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثالثًا وثالثين, ويحمدا ثالثًا وثالثين, ويكبرا أربعًا وثالثين, لما‬
                                ‫سألته أن يعطيها خادمًا, وقال: ((فهو خير لكما من خادم))(8)[8].‬
    ‫ُر ن َ ك ُ و كر ل و‬
  ‫ومنها: أن الذكر يورث ذكر اهلل تعالى للعبد, قال اهلل تعالى: فَاذْك ُو ِي أذْ ُرْكمْ َاشْ ُ ُوا ِي َال‬
                                                                                  ‫ُر‬
 ‫تَكْف ُونِ [البقرة:715]. وفي الحديث القدسي قال تعالى: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي,‬
                                         ‫وإن ذكرني في مأل ذكرته في مأل خير منهم))(05)[05].‬


                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
  ‫ر‬
 ‫الحمد هلل الذي أمر بذكره, ورتب على ذلك عظيم أجره, والصالة والسالم على أعظم الناس ذك ًا‬
                                        ‫لربه, نبينا محمد وعلى آله وصحبه, ومن سار على دربه.‬
       ‫أما بعد: فاعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن من فوائد الذكر أن اهلل عز وجل يباهي بالذاكرين‬
   ‫مالئكته, كما في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي قال لجماعة اجتمعوا يذكرون اهلل: ((أتاني‬
                                           ‫جبريل فأخبرني أن اهلل يباهي بكم مالئكته))(55)[5].‬
    ‫ومن فوائد الذكر: أنه سبب لنزول الرحمة والسكينة, كما قال : ((وما اجتمع قوم في بيت من‬
 ‫بيوت اهلل, يتلون كتاب اهلل ويتدارسونه بينهم, إال نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم‬
                                                      ‫المالئكة, وذكرهم اهلل فيمن عنده))(75)[7].‬
                                                       ‫ي‬
        ‫ومن فوائده: أنه يورث المراقبة, حتى ُدخل العبد في باب اإلحسان, فيعبد اهلل كأنه يراه.‬
  ‫ومن فوائد الذكر: أنه يورث اإلنابة, وهي الرجوع إلى اهلل تعالى, فإنه متى أكثر العبد الرجوع‬
   ‫إلى اهلل تعالى بذكره أورثه ذلك رجوعه إلى اهلل تعالى بقلبه في كل األحوال, فيصير اهلل تعالى‬
                        ‫مفزعه وملجأه, ومالذه ومعاذه, وقبلة قلبه, ومهربه عند النوازل والباليا.‬
‫ومن فوائده: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى, فإن الغافل بينه وبين اهلل حجاب‬
                                                               ‫كثيف, ووحشة ال تزول إال بالذكر.‬
 ‫ومن فوائده: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة, والكذب والفحش والباطل, فإن العبد ال‬
 ‫بد له من أن يتكلم, فإن لم يتكلم بذكر اهلل تعالى تكلم بهذه المحرمات, وال سبيل إلى السالمة منها‬
 ‫ألبتة إال بذكر اهلل تعالى, والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك, فمن عود لسانه ذكر اهلل صان لسانه‬
‫عن الباطل واللغو, ومن يبس لسانه عن ذكر اهلل تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش، وال حول‬
                             ‫وال قوة إال باهلل, ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل وال بد.‬
 ‫ومن فوائد الذكر: أنه من أكبر العون على طاعته سبحانه, فإنه يحبب الطاعة إلى العبد ويسهلها‬
          ‫عليه، يجعلها قرة عينه, فال يجد في الطاعة من الكلفة والمشقة والعناء ما يجده الغافل.‬
                    ‫ذك‬
  ‫ومن فوائده: أنه يسهل المصاعب, وييسر العسير, ويخفف المشاق, فما ُ ِر اهلل على صعب إال‬
    ‫هان, وال على عسير إال تيسر, وال على شاق إال خف, وال على شدة إال زالت, وال كربة إال‬
  ‫انفرجت, وذلك ألن الذكر يذهب عن القلب المخاوف كلها, وله تأثير عجيب في حصول األمن,‬
 ‫فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر اهلل عز وجل, إذ بحسب ذكره يجد األمن ويزول‬
                                           ‫م ِن قل ب‬              ‫أ ِذ ْ الل‬
                               ‫الخوف, قال اهلل تعالى: َال ب ِكرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ [الرعد:87].‬
          ‫م‬                         ‫س‬
   ‫ومن أعظم فوائد الذكر: أنه ينبه القلب من نومه, ويوقظه من ِنَته, والقلب إذا كان نائ ًا فاتته‬
  ‫األرباح والمتاجر, وكان الغالب عليه الخسران, فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر,‬
                                ‫وأحيا بقية عمره, واستدرك ما فاته, وال تحصل يقظته إال بذكر.‬
    ‫أيها المؤمنون, هذه بعض فوائد الذكر الذي هو من أسهل األعمال وأيسرها, وأقلها كلفة, فهال‬
 ‫عمرنا به األوقات, وشغلنا به المشاهد والخلوات, عسى أن ندرك بعض هذه المناقب والخيرات,‬
   ‫ت‬
  ‫فإنه واهلل وباهلل من أعظم الحرمان ومن أشد الخذالن أن يمضي الواحد منا الساعات إما صام ًا‬
     ‫ساكتًا, أو متكلمًا فيما ال يعود عليه بنفع ال في الدنيا وال في يوم المعاد, بل إنه قد أصبح من‬
 ‫غرائب المشاهدات عند أكثر الناس أن يروا من يحرك شفتيه بالذكر في المجامع والخلوات, فما‬
                                                                     ‫شيئ‬
 ‫إن يروا من ذلك ًَّا إال رمقه الناس بأبصارهم, وتابعوه بأنظارهم, وقد يسيء به بعضهم الظن,‬
                    ‫فينسبه إلى قلة العقل, أو غير ذلك من األمراض, فإنا هلل وإنا إليه راجعون.‬


                                                                           ‫__________‬
                                         ‫(5) أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء (35207).‬
                            ‫(7) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (4384).‬
                                                 ‫(3) أخرجه الترمذي في الدعوات (2873).‬
                                                      ‫(4) أخرجه مسلم في الحيض (811).‬
                                            ‫(1) أخرجه مسلم في صالة المسافرين (8875).‬
                         ‫(6) أخرجه البخاري في اإليمان (01), ومسلم في المساقاة (6887).‬
                   ‫(2) أخرجه الترمذي في الدعوات (8433), وأبو داود في األدب (5344).‬
                           ‫(8) أخرجه البخاري في األذان (321), ومسلم في الصالة (781).‬
        ‫(8) أخرجه البخاري في المناقب (8743), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                  ‫(6084).‬
  ‫(05) 05] أخرجه البخاري في التوحيد (6186), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                  ‫(7384).‬
                           ‫(55) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (8684).‬
                           ‫(75) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (2684).‬

‫(5/6253)‬




                                                                          ‫اإلخالص وفوائده‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫أعمال القلوب‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                     ‫عنيزة‬
                                                                                ‫جامع العليا‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
                         ‫5- منزلة اإلخالص في اإلسالم. 7- أسباب اإلخالص. 3- فوائد اإلخالص.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل, وخير الهدي هدي محمد , وشر األمور محدثاتها, وكل‬
                                                                                    ‫محدثة بدعة, وكل بدعة ضاللة.‬
    ‫َي الن س اتق َب ُم ال خلق ُ‬
  ‫أيها الناس, اتقوا اهلل وأطيعوه, فإنه تعالى أمركم بذلك فقال: يَا أ ُّهَا َّا ُ َّ ُوا رَّك ُ َّذِي ََ َكمْ‬
    ‫ءل ن به‬            ‫ث ر ونس ء َاتق الل َّ‬                        ‫ج و َث م هم‬                  ‫م‬          ‫ِ س و ِدة‬
    ‫منْ نَفْ ٍ َاح َ ٍ وَخَلَقَ ِنْهَا زَوْ َهَا َب َّ ِنْ ُ َا رِجَاالً كَ ِي ًا َ ِ َا ً و َّ ُوا َّهَ الذِي تَسَا َُو َ ِ ِ‬
                                                                                   ‫ع ُ َق‬               ‫و َ ح ِن الل‬
                                                                   ‫َاألرْ َامَ إ َّ َّهَ كَانَ َلَيْكمْ ر ِيبًا [النساء:5].‬
     ‫أيها اإلخوة الكرام, إن اهلل تعالى خلق الخلق لعبادته, وبعث الرسل إلى الناس ليعبدوه وحده ال‬
 ‫وم‬                               ‫و أ ِر إ لي ُد الل م لص ه الد‬
‫شريك له, قال تعالى: َمَا ُم ُوا ِال ِ َعْب ُوا َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ِّينَ [البينة:1]، وقال جل ذكره: َ َا‬
                                  ‫ُد‬               ‫َ س م ْ ك م ْ رس إ ن ح إ َن ُ إ إ‬
    ‫أرْ َلْنَا ِن قَبْلِ َ ِن َ ُولٍ ِال ُو ِي ِلَيْهِ أ َّه ال ِلَهَ ِال أَنَا فَاعْب ُونِ [األنبياء:17]، وقال تعالى:‬
                                          ‫ُد الله و نب الط غ‬                        ‫و َ بع ف ُل ُم ٍ رس‬
                           ‫َلَقدْ َ َثْنَا ِي ك ِّ أ َّة َ ُوالً أَنِ اعْب ُوا َّ َ َاجْتَ ِ ُوا َّا ُوتَ [النحل:63].‬
       ‫وعبادة اهلل سبحانه وتعالى ال تقوم إال باإلخالص له, فاإلخالص هو حقيقة الدين ولب العبادة‬
       ‫وشرط في قبول العمل, وهو بمنزلة األساس للبنيان, وبمنزلة الروح للجسد, ولذلك لما كانت‬
  ‫َ َد إل م‬                    ‫ر‬      ‫ء‬
 ‫أعمال الكفار ال توحيد فيها وال إخالص, جعلها اهلل تعالى هبا ً منثو ًا, قال تعالى: وق ِمْنَا َِى َا‬
                                                         ‫عمل م ع َ ٍ جع ه هب م ث ر‬
      ‫َ ُِوا ِنْ َمل فَ َ َلْنَا ُ َ َاءً َنْ ُو ًا [الفرقان:37]. وهذا اإلبطال واإلحباط نصيب كل من لم‬
       ‫م ن ُر د ح الد َز ه ن َف إل ِ‬
     ‫يخلص العمل هلل تعالى وقصد غيره, قال تعالى: َنْ كَا َ ي ِي ُ الْ َيَاةَ ُّنْيَا و ِينَتَ َا ُو ِّ َِيْهمْ‬
  ‫صع فه‬                ‫ِ إ الن ر ح‬              ‫ه ف‬                ‫ي س أ ئ َّذ‬                    ‫ُْ ف ه هْ ف‬
 ‫أَعْمَالَهم ِي َا وَ ُم ِيهَا ال ُبْخَ ُون ُولَ ِكَ ال ِينَ لَيْسَ لَ ُمْ ِي اآلخرَةِ ِال َّا ُ وَ َبِطَ مَا َنَ ُوا ِي َا‬
                                                                                          ‫ن ي مل‬             ‫وب ِل‬
                                                                     ‫َ َاط ٌ مَا كَا ُوا َعْ َُونَ [اإلسراء:15، 65].‬
                                   ‫ر‬
    ‫فيا خيبة من جاء بأعمال مثل الجبال, يجعلها اهلل هباء منثو ًا, ويكبه على وجهه في النار, فعن‬
    ‫أ‬
  ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه مرفوعًا: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد, فُتي‬
                                                       ‫م‬
 ‫به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما ع ِلتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت, قال: كذبت, ولكنك‬
   ‫قاتلت ألن يقال: جريء, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم‬
                                                                                    ‫ل‬
    ‫العلم وعّمه, وقرأ القرآن, فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم‬
                                                                                       ‫ل‬
‫وعّمته, وقرأت فيك القرآن, قال: كذبت, ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم, وقرأت القرآن ليقال: هو‬
                     ‫س‬
  ‫قارئ, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل و ّع اهلل عليه, وأعطاه‬
‫من أصناف المال كله, فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل‬
                                                                                        ‫ب‬
  ‫تح ّ أن ينفق فيها إال أنفقت فيها لك, قال: كذبت, ولكنك فعلت ليقال: هو جواد, فقد قيل, ثم أمر‬
                                 ‫به فسحب على وجهه, ثم ألقي في النار))(5)[5] نعوذ باهلل من الخذالن.‬
 ‫ل‬
‫فسبحان من ال تخفى عليه خافية, بل يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور, فإن المرء مهما ضّل‬
‫الناس وخدعهم ظاهره وصورته، فإن هذه الظواهر والصور وهذا التزييف والتضليل ال يغني عنه‬
                ‫ِن م ق ن ي دع الله هو دعه‬                                                                     ‫شيئ‬
‫ًَّا. أما عند اهلل تعالى فقد قال في كتابه: إ َّ الْ ُنَافِ ِي َ ُخَا ِ ُونَ َّ َ وَ ُ َ خَا ِ ُ ُمْ [النساء:745]،‬
                    ‫وقد قال النبي : ((إن اهلل ال ينظر إلى صوركم وأموالكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم‬
                                                                                            ‫وأعمالكم))(7)[7].‬
 ‫أما الناس فسرعان ما ينكشف الستار, وتبدو الحقيقة لألنظار, إما في الدنيا أو في دار القرار, قال‬
       ‫ي ك ُ ف َ ْض َ ك ي رب الله‬                  ‫َم الز َد َ هب ج ء وَم ي ع الن‬
       ‫اهلل تعالى: فَأ َّا َّب ُ فَيذْ َ ُ ُفَا ً َأ َّا مَا َنْفَ ُ َّاسَ فَ َمْ ُث ِي األر ِ كذَلِ َ َضْ ِ ُ َّ ُ‬
                                                                                          ‫األَمْثَالَ [الرعد:25].‬
                                           ‫ل‬
 ‫أيها المسلمون, اعلموا أن من أعظم أسباب تخّف اإلخالص وغيابه في األعمال هو طلب الدنيا,‬
      ‫أو محبة المدح والثناء, قال ابن القيم رحمه اهلل: "ال يجتمع اإلخالص في القلب ومحبة المدح‬
    ‫والثناء والطمع فيما عند الناس إال كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت"، وقال رحمه اهلل:‬
                                    ‫ً‬
‫"فإذا حدثتك نفسك بطلب اإلخالص, فأقبل على الطمع أوال فاذبحه بسكين اليأس, وأقبل على المدح‬
      ‫والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في اآلخرة, فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء‬
        ‫والمدح سهل عليك اإلخالص, فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء‬
‫والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك يقينك أنه ليس شيء يطمع فيه إال هو بيد اهلل وحده, ال‬
 ‫يملكه غيره, وال يؤتي العبد منه شيئًَّا سواه. وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه‬
 ‫ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إال اهلل وحده, فازهد في مدح من ال يزينك مدحه,‬
        ‫وفي ذم من ال يشينك ذمه, وارغب في مدح من كل الزين في مدحه, وكل الشين في ذمه".‬
 ‫فإذا جاهد العبد نفسه حتى زهد في الدنيا, وفي مدح الناس وثنائهم, وقصد اهلل في عمله, كان من‬
 ‫ر‬
‫أهل اإلخالص الذين أعمالهم كلها هلل تعالى, وأقوالهم هلل, وحبهم هلل, وبغضهم هلل, فمعاملتهم ظاه ًا‬
                                ‫ر‬         ‫ء‬                                             ‫ن‬
  ‫وباط ًا لوجه اهلل وحده, اليريدون بذلك من الناس جزا ً وال شكو ًا, وال ابتغاء الجاه عندهم, وال‬
                                                 ‫ب‬
 ‫طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم, وال هر ًا من ذمهم, وبهذا تكون أقوى الناس, ألن وليك حينئذ‬
             ‫هو موالك القوي المتين, وبهذا تكون من أهل الكرامة في هذه الدار, وفي دار الجزاء.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أما بعد: أيها المسلمون, إن إلخالص العمل هلل تعالى فوائد كثيرة, أذكر بعضها, عسى أن تكون‬
    ‫حافزة لنا إلى مزيد من االجتهاد, والعمل في تحقيق اإلخالص هلل تعالى في األقوال واألعمال.‬
                     ‫ح‬
‫اعلموا أن من فوائد اإلخالص: أن األقوال و األعمال ال تقبل إال إذا صا َبها اإلخالص, فاألعمال‬
  ‫ع‬
‫مهما حسن أداؤها إذا لم يصاحبها إخالص هلل تعالى فهي مردودة حابطة, فعن أبي أمامة مرفو ًا:‬
 ‫((إن اهلل ال يقبل من العمل إال ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه))(3)[5]. وكذلك األقوال, قال‬
              ‫النبي في وصف أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة: ((من قال: ال إله إال اهلل خالصًا من‬
                                                                                                           ‫قلبه))(4)[7].‬
‫ومنها: أن اإلخالص سبب لقوة القلب, ورباطة الجأش, وتحمل أعباء العبادة وتكاليف الدعوة, ولو‬
‫تأمل الواحد منا حال بعض المخلصين الصادقين لتبين له ذلك, فمن ذلك رباطة جأش النبي وقوته,‬
                ‫ْز ِن الل مع‬
             ‫مع توافر أسباب الهالك عليه, حيث قال لصاحبه وهو في الغار: ال تَح َنْ إ َّ َّهَ َ َنَا‬
                                                                                                             ‫[التوبة:04].‬
  ‫فاإلخالص والصدق مع اهلل تعالى يعين على النهوض بالحق ومجابهة الباطل, مهما عظمت قوة‬
‫الباطل, فهذا نبي اهلل هود لم تكن له آية بارزة كما كان لغيره من األنبياء, دعا قومه إلى عبادة اهلل‬
 ‫ل ي ه د‬
 ‫وحده, وترك عبادة ما سواه, فجادله قومه, وقالوا كما قص اهلل علينا نبأهم في كتابه: قَاُوا َا ُو ُ‬
 ‫َر ب ْض‬          ‫ن بم م إ ق ل إ‬                           ‫ن بت رك لهت ع ْ ل و‬                        ‫ج ب َي و‬
 ‫مَا ِئْتَنَا ِبِّنَةٍ َمَا نَحْ ُ ِ َا ِ ِي آِ َ ِنَا َن قَوِْكَ َمَا نَحْ ُ لَكَ ِ ُؤْ ِنِين ِنْ نَ ُو ُ ِال اعْت َاكَ َع ُ‬
      ‫ِن أ هد الله و هد َن بر ء ِم ت ْ ِك م د ن ك د ن جم ُم‬                                              ‫لهت بس ٍ‬
   ‫آِ َ ِنَا ِ ُوء قَالَ إ ِّي ُشْ ِ ُ َّ َ َاشْ َ ُوا أ ِّي َ ِي ٌ م َّا ُشر ُون ِنْ ُو ِهِ فَ ِي ُو ِي َ ِيعًا ث َّ ال‬
                                                                                                             ‫ت ِر‬
                                                                                             ‫ُنْظ ُونِ [هود:31-11].‬
            ‫ر‬
  ‫ومنها: أن من فوائد اإلخالص التخلص من كيد الشيطان وتسلطه, قال اهلل تعالى إخبا ًا عما قاله‬
                                   ‫ِ عب د م هم م ص‬                            ‫ب‬
                    ‫إبليس لما طلب أن ينظره ر ّ العالمين: إال ِ َا َكَ ِنْ ُ ُ الْ ُخْلَ ِينَ [الحجر:04].‬
        ‫و َم به َم به‬
‫ومنها: أنه سبب لصرف السوء والفحشاء, قال تعالى في قصة يوسف: َلَقَدْ ه َّتْ ِ ِ وَه َّ ِ َا لَوْال‬
                ‫ِنه م ع د م ص‬                                ‫َبه َ ل ْ ِ ع ه الس ء و‬                     ‫ْر ُ‬
  ‫أَن َأى برْهَانَ ر ِّ ِ كذَلِكَ ِنَصرفَ َنْ ُ ُّو َ َالْفَحْشَاءَ إ َّ ُ ِنْ ِبَا ِنَا الْ ُخْلَ ِينَ [يوسف:47].‬
 ‫ومنها: أن العمل القليل مع اإلخالص سبب للفوز برضا اهلل تعالى, ومن أمثلة ذلك قوله : ((اتقوا‬
    ‫النار ولو بشق تمرة))(1)[3], فشق التمرة مع اإلخالص يقي النار بمنة الكريم المنان, وأطنان‬
 ‫َ م الن ر َل جد‬                     ‫ِن من فق َ ف َّ‬
 ‫التمر مع الرياء تولج أسفل النيران, قال تعالى: إ َّ الْ ُ َا ِ ِين ِي الدرْكِ األَسْفلِ ِنَ َّا ِ وَنْ تَ ِ َ‬
                                                                                                          ‫ر‬         ‫ُ‬
                                                                                           ‫لَهمْ نَصِي ًا [النساء:145].‬
                                                                                              ‫قال ابن القيم رحمه اهلل:‬
                                                                      ‫س‬                             ‫هلل‬
                                                         ‫وا ُ ال يرضى بكثرة فعلنا…لكن بأح َنه مع اإليمان‬
                                                 ‫فالعارفون مرادهم إحسانه…والجاهلون عموا عن اإلحسان‬
   ‫بقي من الفوائد: أن العبد ينصر بإخالصه, قال النبي فيما أخرجه النسائي عن مصعب بن سعد‬
        ‫رأى سعد بن أبي وقاص أن له فضالً على من دونه: ((إنما ينصر اهلل هذه األمة بضعيفها؛‬
                                                                         ‫بدعوتهم وصالتهم وإخالصهم))(6)[4].‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون, اعلموا ـ وفقكم اهلل ـ أن األعمال والطاعات ال تتفاضل بصورها وعددها,‬
 ‫وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب, فتكون صورة العملين واحدة, وبينهما من التفاضل كما بين‬
                                    ‫د‬
     ‫السماء واألرض, والرجالن يكون مقامهما في الصف واح ًا, وبين صالتيهما كما بين السماء‬
           ‫واألرض, فعن عمار بن ياسر رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إن الرجل‬
                               ‫س‬      ‫س‬             ‫ت‬          ‫ع‬
     ‫لينصرف وما كتب له إال ُشر صالته، ُسعها، ثمنها، ُبعها، ُدسها، خمسها، ربعها، ثلثها،‬
                           ‫نصفها))(2)[1]. فيا إخواني عليكم بتصحيح النيات واألعمال هلل تعالى.‬


                                                                                       ‫__________‬
                                                              ‫(5) أخرجه مسلم في اإلمارة (2713).‬
                                                        ‫(7) أخرجه مسلم في البر والصلة (5164).‬
                                                            ‫(3) أخرجه النسائي في الجهاد (8803).‬
                                                               ‫(4) أخرجه البخاري في العلم ( 28).‬
                                                           ‫(1) أخرجه البخاري في الزكاة (8735).‬
                                                            ‫(6) أخرجه النسائي في الجهاد (2753).‬
                                                            ‫(2) أخرجه أبو داود في الصالة (126).‬

‫(5/2253)‬




                                                                                                ‫اإلسراء‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                               ‫السيرة النبوية, القصص‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                              ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                  ‫عنيزة‬
                                                                                             ‫جامع العليا‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫55- نعمة إرسال الرسل. 7- قصة اإلسراء والمعراج. 3- الدروس والعبر المستفادة من القصة.‬
   ‫4- عظم شأن الصالة في اإلسالم. 1- وجوب اإليمان والتصديق بكل نصوص الوحيين. 6-‬
                                                    ‫بدعة االحتفال بليلة السابع والعشرين من رجب.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
       ‫َي َّذ ن من اتق الله و من‬
     ‫أما بعد: فأوصيكم ـ أيها المؤمنون ـ بتقوى اهلل تعالى، يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ َآ ِ ُوا‬
        ‫م‬       ‫ن م ْ ر مته و ع ُ ن ر ش ب وي ِ ُ َالله ف ر‬                                                  ‫ِرس له ي ت ُ‬
        ‫ب َ ُوِ ِ ُؤْ ِكمْ كِفْلَيْ ِ ِن َحْ َ ِ ِ َيَجْ َلْ لَكمْ ُو ًا تَمْ ُونَ ِهِ َ َغْفرْ لَكمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ رَحِي ٌ‬
            ‫[الحديد:87]. فاتقوا اهلل عباد اهلل، واشكروه على أن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.‬
    ‫واعلموا ـ عباد اهلل ـ أن من أجل نعم اهلل عليكم أن جعلكم من أمة اإلسالم، ومن أتباع خير‬
‫األنام من أمة محمد الذي رفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذل والصغار على من خالف‬
 ‫أمره، فهو خليل الرحمن وسيد األنام، صاحب المقام المحمود والكوثر والحوض المورود، فنعمة‬
     ‫ر‬                         ‫ال‬
    ‫اهلل عليكم به ـ يا عباد اهلل ـ أجل النعم وأعظمها رحمةً وفض ً، فلله الحمد على ذلك كثي ًا‬
                                                                                                                      ‫ر‬
                                                                                                                    ‫كثي ًا.‬
                                 ‫د‬
 ‫عباد اهلل، أيها المؤمنون، إن اهلل تعالى قد اصطفى محم ًا النبي األمي، وخصه بخصائص عديدة‬
                        ‫الله َم ح ث ي َ ُ ر ه‬
         ‫وفضائل كثيرة، فاق بها األولين واآلخرين، َّ ُ أَعْل ُ َيْ ُ َجْعل ِسَالَتَ ُ [األنعام:475].‬
   ‫فمن خصائصه العظيمة وآياته المبينة خبر اإلسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى‬
                  ‫أوالً، ثم العروج به إلى السماء ثانيًا، تلك الرحلة العجيبة واآلية العظيمة الباهرة.‬
                           ‫ق‬
 ‫فبينما رسول اهلل نائم في الحجر في الكعبة قبل الهجرة أتاه آت فش ّ ما بين ثغرة نحره إلى أسفل‬
  ‫بطنه، ثم استخرج قلبه فمأله حكمة وإيمانًا، ثم أتي بدابة بيضاء، يقال لها: البراق، يضع خطوه‬
  ‫ع‬
‫عند منتهى طرفه، فركب ومعه جبريل حتى أتيا بيت المقدس، فدخل المسجد فلقي األنبياء جمي ًا،‬
‫فصلى بهم ركعتين، كلهم يصلي خلف محمد ، ثم خرج رسول من المسجد األقصى، فجاءه جبريل‬
                          ‫بإناء فيه خمر وإناء من لبن، فاختار اللبن فقال له جبريل: اخترتَ الفطرة.‬
    ‫ثم عرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن‬
‫معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح له فوجد‬
    ‫آدم فسلم عليه فرد عليه السالم، وقال: مرحبًا باالبن الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به إلى‬
‫السماء الثانية فاستفتح جبريل ففتح له، فرأى فيها النبي عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات‬
  ‫اهلل عليهم، فرحبا به فدعوا له بالخير، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فإذا هو بيوسف وقد أعطي‬
    ‫شطر الحسن، فرحب به ودعا له بخير، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فإذا هو بإدريس عليه‬
    ‫السالم، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فإذا هو بهارون فرحب به ودعا له، ثم عرج به إلى‬
  ‫السماء السادسة فإذا هو بموسى فرحب به ودعا له بالخير، ثم عرج به إلى السماء السابعة فإذا‬
                                                          ‫د‬
  ‫هو بإبراهيم عليه السالم مسن ًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف‬
                                                                ‫ذ‬
‫ملك ال يعودون إليه، ثم ُهب به إلى سدرة المنتهى، فلما غشيها من أمر اهلل ما غشي تغيرت، فما‬
    ‫أحد من خلق اهلل يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إليه اهلل تعالى ما أوحى، وفرض عليه‬
   ‫خمسين صالة في كل يوم وليلة، فنزل إلى موسى فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن‬
                                  ‫ر‬                                               ‫أ‬
   ‫ُمتك ال يطيقون ذلك، فرجع فوضع اهلل تعالى عنه عش ًا، وما زال يراجع حتى استقرت على‬
  ‫خمس فرائض في اليوم والليلة، ثم نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم عاد‬
                                                                      ‫رسول اهلل إلى فراشه قبل الصبح(5)[5].‬
‫عباد اهلل، كل هذا النبأ العظيم واألحداث الكبار كانت في ليلة واحدة، فسبحان اهلل، والحمد هلل، واهلل‬
                                                                                                  ‫أكبر، وال إله إال اهلل.‬
      ‫وعاد محمد من ليلته، فلما أصبح رسول اهلل في قومه أخبرهم بما أراه اهلل عز وجل من آياته‬
 ‫الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم إياه وتعديهم عليه ، فسألوه أن يصف لهم بيت المقدس فجاله اهلل‬
                            ‫له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته وال يستطيعون أن يردوا عليه شيئا.‬
‫وكان أبو بكر رضي اهلل عنه كلما قال شيئًَّا قال: صدقت أشهد أنك رسول اهلل، وأخبرهم عن إبلهم‬
    ‫ر‬
  ‫في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، فكان األمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إال نفو ًا،‬
                                                                                              ‫ر‬
                                                                                            ‫وأبى الظالمون إال كفو ًا.‬
‫أيها المؤمنون، هذا خبر اإلسراء بمحمد والعروج به إلى السماوات العال، آية وعبرة ينتفع بها من‬
 ‫أحيا اهلل قلبه بالعلم واإليمان، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم في ريبهم يترددون، وفي مثل هذه‬
           ‫ُ‬       ‫َم َّذ من َز د ُ إ م‬
         ‫األخبار يشككون، وصدق اهلل ومن أصدق من اهلل قيال: فَأ َّا ال ِينَ آ َ ُوا ف َا َتْهمْ ِي َانًا وَهمْ‬
             ‫َسْتَبْ ِ ُو َ َأ َّا ال ِين ِي ُُو ِهمْ َرض ف َا َتْهم ِجْسًا ِلَى رِجْ ِ ِمْ َمَاُوا وَهمْ َا ِ ُو َ‬
             ‫ُ ك فر ن‬          ‫سه و ت‬              ‫إ‬      ‫ي شر ن وَم َّذ َ ف قل ب ِ م َ ٌ َز د ُ ْ ر‬
                                                               ‫[التوبة:475، 175]، فاعتبروا يا أولي األبصار.‬
 ‫ْر بع ْ ال م م ِ َر إل‬                                ‫َّ‬        ‫س‬
‫فقد ذكر اهلل في كتابه فقال في شأن اإلسراء: ُبْحَانَ الذِي أَس َى ِ َبدِهِ لَيْ ً ِنَ الْ َسْجدِ الْح َامِ َِى‬
      ‫َالن ْ ِذ‬                                                 ‫ل‬          ‫م ِ َ ص َّذ ر‬
     ‫الْ َسْجدِ األقْ َى ال ِي بَا َكْنَا حَوَْه [اإلسراء:5]، وقال اهلل تعالى في شأن المعراج: و َّجمِ إ َا‬
   ‫ي ي ح َلمه َد د قو‬                    ‫و إ ه إ‬              ‫و ي طق ع‬                ‫َل ص حب ُ و‬           ‫و‬
  ‫هَ َى مَا ض َّ َا ِ ُكمْ َمَا غَوَى َمَا َنْ ِ ُ َنِ الْهَ َى ِنْ ُوَ ِال وَحْ ٌ ُو َى عَّ َ ُ ش ِي ُ الْ ُ َى‬
     ‫ح إل ع ْده م‬                ‫َ‬          ‫َ َ س‬               ‫و وهو ُفق ل ُم د َ َل‬                                 ‫ذ ِر ٍ‬
    ‫ُو م َّة فَاسْتَ َى َ ُ َ بِاأل ُ ِ الْأَعَْى ث َّ َنَا فَتدَّى فَكَان قَاب قَوْ َيْنِ أَوْ أدْنَى فَأَوْ َى َِى َب ِ ِ َا‬
      ‫ع ِ ْ م ته‬                    ‫َر و ْ ر ه َ أ‬                    ‫ف دم ر َت ر هع‬                               ‫ح م‬
     ‫أَوْ َى َا كَذَبَ الْ ُؤَا ُ َا َأَى أفَ ُمَا ُونَ ُ َلَى مَا ي َى َلَقَد َآ ُ نزْلَةً ُخْرَى ِنْدَ سدرَةِ الْ ُنْ َ َى‬
     ‫ِ ربه‬          ‫م ز ب َر وم غ َ ْ ر م‬                        ‫ي‬         ‫ِّ ْ‬      ‫ِ ي‬              ‫َنة‬         ‫عْ‬
     ‫ِندَهَا ج َّ ُ الْمَأْوَى إذْ َغْشَى السدرَةَ مَا َغْشَى َا َاغَ الْ َص ُ َ َا طَ َى لَقد َأَى ِنْ آيَات َ ِّ ِ‬
                                                                                                                 ‫كْ‬
                                                                                                ‫الْ ُبرَى [النجم:5-85].‬


                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
        ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعتبروا ـ يا أولي األبصار ـ بما في هذه القصة من اآليات‬
‫الباهرات والمنن الوافيات، فإن فيها ما يبهر العقول ويأسر األلباب ويزيد اإليمان في قلوب المتقين‬
                                                                                                                ‫من العباد.‬
                                                ‫ن‬
       ‫أيها المؤمنون، إن أبرز ما في هذه القصة بيا ُ عظيم منزلة هذا الرسول الكريم عند اهلل جل‬
 ‫وعال، فمحمد خليل الرحمن، فقد جعله اهلل إمامًا وبلغه منزلة لم يبلغها أحد من األولين واآلخرين،‬
      ‫فبلغ مكانًا سمع فيه صريف األقالم أي: صوت األقالم التي تكتب األقدار، ورأى في معراجه‬
‫الجنة والنار، وفي هذه الحادثة العظيمة إقرار جميع األنبياء بنبوة محمد ، وبذلك يظهر وفاؤهم بما‬
                                                                                                ‫أخذ عليهم من الميثاق.‬
‫وفي ليلة اإلسراء والمعراج أظهر اهلل فضل هذه األمة، وأنها أمة الفطرة ودينها دين الفطرة؛ فإنه‬
                                                                                      ‫خي‬
      ‫لما ُ ّر بين الخمر واللبن اختار اللبن، فسالمة الفطرة لبن هذا الدين، ((كل مولود يولد على‬
                                                 ‫الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))(7)[5].‬
‫أيها المؤمنون، في ليلة المعراج وفي أشرف مكان فرض اهلل على نبيه الصلوات الخمس، فرضها‬
        ‫على نبيه مباشرة بال واسطة، فدل ذلك على عظيم منزلة هذه العبادة وعناية اهلل تعالى بها.‬
      ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وحافظوا على الصلوات، فإنه من لم يصل فقد قطع صلته بربه ومواله،‬
                    ‫ر م س ُ ْ ف َ َ ل َ ك م م َل‬                                   ‫ر‬
     ‫وسوف يدعو ثبو ًا ويصلى سعي ًا، َا َلَكَكم ِي سَقر قَاُوا لمْ نَ ُ ِنَ الْ ُصِّينَ [المدثر:74،‬
                                                                                                               ‫34].‬
     ‫ُم خ َرة م‬            ‫يك‬        ‫لم من و م م ِ ض الله َرس له ْر‬                                   ‫و‬
   ‫أيها المؤمنون، َمَا كَانَ ِ ُؤْ ِ ٍ َال ُؤْ ِنَةٍ إذَا قَ َى َّ ُ و َ ُوُ ُ أَم ًا أَنْ َ ُونَ لَه ُ الْ ِي َ ُ ِنْ‬
                                                                                       ‫ْ ِ‬
  ‫أَمرِهمْ [األحزاب:63]، فإذا جاءه الخبر أو الحكم عن اهلل أو عن رسوله قابله بالتصديق والتسليم‬
 ‫بال شك وال ريبة، كيف ال وربه ـ أيها المؤمنون ـ هو رب السماوات واألرض الذي له األمر‬
 ‫و ي ق‬
 ‫كله وإليه يرجع األمر كله، فهو العليم الخبير القوي العزيز، ورسول اهلل صادق أمين، َمَا َنْطِ ُ‬
                                                                          ‫إ ه ِال ي ي ح‬                       ‫ع‬
                                                           ‫َنْ الْهَوَى ِنْ ُوَ إ َّ وَحْ ٌ ُو َى [النجم:3، 4].‬
  ‫فاحذر ـ يا عبد اهلل ـ أهل التشكيك الذي يشككونك في أخبار اهلل ورسوله وأحكام دينك، وليكن‬
 ‫لك في صديق هذه األمة أبي بكر رضي اهلل عنه أسوة حسنة، فإنه لما جاءه أن رسول اهلل يحدث‬
‫بخبر اإلسراء والمعراج قال بلسان صادق وقلب ثابت وإيمان راسخ: (إن كان قد حدثكم بذلك فهو‬
                                                                           ‫صادق)، فرضي اهلل عنه وأرضاه.‬
‫أيها المؤمنون، هذه بعض الفوائد والعبر المستفادة من هذا الخبر، فالحمد هلل على إحسانه وامتنانه،‬
                                                                       ‫والشكر له على عظيم فضله وإحسانه.‬
 ‫عباد اهلل، إن حادثة اإلسراء والمعراج كانت قبل هجرة النبي إلى المدينة، وقد اختلف المؤرخون‬
   ‫في تحديد السنة والشهر الذي وقعت فيه هذه اآلية العظيمة، منهم من قال: إنها في ربيع األول،‬
     ‫ومنهم من قال: إنها في ربيع اآلخر، ومنهم من قال: إنها في رجب، ومنهم من قال: إنها في‬
    ‫رمضان، ومنهم من قال: إنها في شوال، وليس على واحد من هذه األقوال دليل صحيح يعتمد‬
                                                                                                               ‫عليه.‬
    ‫كما أنه يجب أن تعلموا ـ يا عباد اهلل ـ أنه ليس في ليلتها فضل خاص، فال تخص بقيام وال‬
                                      ‫احتفال، وال بغير ذلك؛ فإن هذا كله من البدع، وكل بدعة ضاللة.‬
  ‫ر‬
 ‫وبهذا يتبين خطأ الذين يحتفلون في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر، فواهلل لو كان ذلك خي ًا‬
                                                            ‫لسبقنا إليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان.‬
      ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، فإن خير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل بدعة ضاللة،‬
                                                                       ‫وعليكم بالجماعة فإن اهلل مع الجماعة.‬
                                                                             ‫__________‬
     ‫(5) أخرجها البخاري في بدء الخلق (2073) من حديث مالك بن صعصعة رضي اهلل عنه.‬
                          ‫(7) أخرجه البخاري في الجنائز (8135)، ومسلم في القدر (8167).‬

‫(5/8253)‬




                                                                                ‫غالء المهور‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                       ‫النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                      ‫زهير بن حسن حميدات‬
                                                                                       ‫الخليل‬
                                                                                ‫87/7/4745‬
                                                                       ‫عبد الرحمن بن عوف‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- النهي عن المغاالة في المهور. 7- نماذج من مهور السلف الصالح. 3- أخطاء ومخالفات‬
 ‫يقع فيها كثير من أولياء األمور عند الخطبة. 4- دعوة ألولياء األمور لتيسير المهور. 1- دعوة‬
 ‫للعلماء وطالب العلم وأهل الصالح بأن يكونوا قدوة للناس في تخيفيف المهور. 6- شبهة والرد‬
                                                                                       ‫عليها.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
 ‫أيها المسلمون، لقد ازدادت مشكلة غالء المهور، حتى صار الزواج عند بعض الناس من األمور‬
                                              ‫د‬
   ‫الشاقة والمستحيلة، وبلغ المهر في بعض البقاع ح ًا خياليًا، ال يطاق إال بجبال من الديون التي‬
     ‫ر ظ‬                                                 ‫كل‬
 ‫تثقل كاهلَ الزوج. ويؤسف َّ غيور أن يصل الجشع ببعض األولياء أن يطلب مه ًا باه ًا من‬
   ‫أناس يعلم اهلل حالهم، لو جلسوا شطر حياتهم في جمعه لما استطاعوا، فيا سبحان اهلل، أإلى هذا‬
        ‫المستوى بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟! وكيف تعرض المرأة المسلمة سلعة للبيع‬
‫والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؟! حتى غدت كثيرات من العوانس مخدرات في البيوت حبيسات‬
                                                   ‫في المنازل بسبب ذلك التعنت والتصرف األرعن.‬
     ‫إخوة اإلسالم، يقول الفاروق رضي اهلل عنه: (أال ال تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت‬
   ‫ت‬
‫مكرمة في الدنيا أو تقوى في اآلخرة لكان النبي أوالكم بها؛ لم يصدق امرأة من نسائه ولم ُصدق‬
    ‫امرأة من بناته بأكثر من ثنتي عشرة أوقية)، ولعله ال يزيد في عملتنا المعاصرة على عشرين‬
                                                                                                     ‫دينارا فقط.‬
‫وجاءت امرأة إلى رسول اهلل فقالت: إني وهبت من نفسي، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها‬
  ‫حاجة، فقال عليه الصالة والسالم: ((هل عندك من شيء تصدقها؟))، قال: ما عندي إال إزاري،‬
                    ‫شيئ‬                  ‫شيئ‬
     ‫فقال: ((إن أعطيتها إياه جلست ال إزار لك، فالتمس ًَّا))، فقال: ما أجد ًَّا، فقال النبي :‬
                                                                        ‫م‬
  ‫((التمس ولو خات ًا من حديد))، فلم يجد، فقال: ((أمعك من القرآن شيء؟))، قال: نعم سورة كذا‬
                                                                 ‫م‬
                    ‫وكذا وسورة كذا، لسور س ّاها، فقال: ((قد زوجناكها بما معك من القرآن)).‬
  ‫ولقد خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: واهلل، ما مثلك يرد، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، وال يحل لي‬
               ‫أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، وال أسألك غيره، فكان كذلك، أسلم وتزوجها.‬
    ‫وهذا عبد الرحمن بن عوف وهو من أغنى أهل المدينة، والذي توفي عن أربعة وستين مليون‬
        ‫دينار، تزوج على وزن نواة من ذهب، صاحب الماليين تزوج على وزن نواة من ذهب.‬
 ‫والصحابة رضوان اهلل عليهم كانوا يمهرون ملء الكف من الدقيق أو السويق أو التمر، قال النبي‬
                                       ‫ر‬        ‫ق‬
                         ‫: ((من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سوي ًا أو تم ًا فقد استحل)).‬
    ‫وهذا سعيد بن المسيب رحمه اهلل سيد التابعين، يتقدم لخطبة ابنته الخليفة عبد الملك بن مروان‬
‫البنه الوليد ولي العهد، فيرفض، ويزوجها لتلميذ صالح صاحب دين وخلق، اسمه عبد اهلل بن أبي‬
 ‫وداعة، ماتت زوجته، فقال له شيخه: وهل استحدثت امرأة غيرها؟ قال: ومن يزوجني وما أملك‬
  ‫إال درهمين أو ثالثة؟! فقال: أنا أزوجك، وزوجه بابنته على درهمين أو ثالثة. يقول التلميذ عبد‬
 ‫اهلل بن أبي وداعة: فدخلت بها فإذا هي من أجمل النساء، وأحفظ الناس لكتاب اهلل، وأعلمهم بسنة‬
   ‫رسول اهلل، وأعرفهم بحق الزوج، وبعد شهر عاد إلى شيخه سعيد، فدفع له شيخه عشرين ألف‬
                                                                                                            ‫درهم.‬
    ‫معاشر اإلخوة، إن قصة سعيد بن المسيب وتلميذه عبد اهلل بن أبي وداعة توبيخ لمن باع ابنته‬
                                                        ‫ال‬
 ‫بالدرهم والدينار، واشترط لها أموا ً طائلة وتكاليف باهظة، لقد آثر سعيد ما يبقى على ما يفنى،‬
      ‫م‬
    ‫والسعادة ـ واهلل ـ ليست في األموال، وإنما في اإليمان باهلل والعمل الصالح، قال تعالى: َّنْ‬
                                     ‫َل ل عب‬            ‫ح ل سه وم س ع و َب‬                                        ‫عِ‬
                       ‫َملَ صَالِ ًا فَِنَفْ ِ ِ َ َنْ أَ َاء فَ َلَيْهَا َمَا ر ُّكَ بِظَّامٍ ّلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
       ‫وقد أنكر الرسول على المغالين في المهور، فقد جاءه رجل يسأله فقال: يا رسول اهلل، إني‬
                                 ‫و‬
‫تزوجت امرأة على أربع أواق من الفضة، فقال النبي : ((أ ّه، على أربع أواق من الفضة؟! كأنما‬
                                                                        ‫ع‬
                                      ‫تنحتون الفضة من ُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك)).‬
‫أمة اإلسالم، يا أمة محمد، يقول الرسول : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إال تفعلوه‬
 ‫تكن فتنة في األرض وفساد عريض)). هذا أمر رسول اهلل الذي خالفه بعض األولياء هداهم اهلل،‬
                                                     ‫ن‬                     ‫ُم‬
 ‫فخانوا األمانة التي ح ِّلوها في بناتهم بمنعه ّ من الزواج من األكفاء دينًا وخلقًا وأمانة، فقد يتقدم‬
      ‫إليهم الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية‬
‫وجوانب كمالية، يسألون عن ماله، وعن وظيفته، وعن وجاهته ومكانته، ويغفلون أمر دينه وخلقه‬
    ‫وأمانته، بل لقد وصل ببعض األولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته سلعة للمساومة وتجارة‬
    ‫للمزايدة والعياذ باهلل، وما درى هؤالء المساكين أن هذا عضل وظلم وخيانة، ألم يسمع هؤالء‬
‫بالقصص الواقعية لضحايا هذه الظاهرة؟! ألم يقرؤوا الرسائل المؤلمة المفجعة التي سطرتها دموع‬
     ‫هؤالء؟! إنها صرخة نذير في آذان اآلباء واألولياء، ورسالة عاجلة إليهم أن يتداركوا شرفهم‬
                                                              ‫وعفتهم وعرضهم قبل فوات األوان.‬
            ‫تلط‬     ‫أين الرحمة في قلوب هؤالء األولياء؟! كيف ال يفكرون بالعواقب؟! أيسر‬
‫ُّهم أن َّخ سمعتهم مما‬
‫يندى له جبين الفضيلة والحياء؟! سبحان اهلل، كيف يجرؤ مسلم غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها‬
 ‫على الحكم عليها بالسجن المؤبد إلى ما شاء اهلل؟! ولو عقل هؤالء لبحثوا هم لبناتهم عن األزواج‬
   ‫األكفاء، فهذا عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها، ثم‬
 ‫على عثمان رضي اهلل عنهم أجمعين. وهذا سعيد بن المسيب رحمه اهلل سيد التابعين يزوج تلميذه‬
                                                                                        ‫أبا وداعة.‬
‫أيها المسلمون، يا أحباب محمد، إن اإلسالم لم يشرع في نفقات العقد والزفاف سوى المهر للمرأة،‬
     ‫والوليمة لحفلة العرس، وإكرام الضيف بما يناسب الحال. أما ما عداها من الهدايا والنفقات،‬
    ‫كغرفة النوم وأثاث البيت والمالبس والمال الذي يعطى ألب العروس وإخوتها وعمها وخالها،‬
                         ‫د‬
  ‫فهي ليست فرضًا واجبًا، وليس من شروط العقد والنكاح في شيء أب ًا. ومن أراد أن يكرم على‬
                                                                   ‫العروس فليكرم عليها من ماله.‬
‫واهلل الذي ال اله إال هو، إنه لمن العار على أقارب العروس أن يأخذوا من العريس ما يكرمون به‬
  ‫على رحمهم أمام الناس، يطلب ولي العروس مهرا بآالف الدنانير، ويبخل عليها بعشرة دنانير،‬
                      ‫أإلى هذا المستوى ـ أيها الناس ـ أصبحنا تبعا للعادات والتقاليد الجاهلية؟!‬
    ‫يا أمة محمد، يا خير أمة أخرجت للناس، لم يشرع في الزواج إال المهر، فمن أين جاءت تلك‬
 ‫التكاليف الباهظة؟! ذهب، غرفة نوم، مالبس، أثاث بيت، هدايا ألقارب العروسين، العم والخال،‬
 ‫أجرة صالون، نفقات حفلة الزفاف، وغير ذلك من تبعات الزواج، ناهيك عن المهر المؤجل الذي‬
                ‫يبقى دينا على الزوج في حياته ومماته، آالف الدنانير هي تكاليف الزواج عندنا.‬
   ‫كل هذا على من؟! على عامل ينام في العبارات أو في الحرش، تحت األرض أو فوق الشجر،‬
‫يعمل يوما ويسجن أياما، أو على موظف معاشه ال يكفي لحاجاته الضرورية، فكيف سيوفر آالف‬
 ‫الدنانير؟! كم سنة يحتاجها لتوفير هذا المبلغ؟! شباب فقراء مساكين في مجتمع ال يرحم، يحلمون‬
                                                          ‫بالزواج وكأنه أصبح ضربا من الخيال.‬
‫فإلى من تكلوهم يا عباد اهلل؟! إلى االحتالل الصهيوني الذي يسقطهم أفواجا أفواجا، أم إلى السلطة‬
            ‫الفلسطينية التي أحلت لهم الزنا واللواط، ووفرته لهم في الجامعات وأماكن االختالط؟!‬
    ‫فيا أولياء األمور، أين الرحمة بهؤالء؟! بل أين الرحمة ببناتكم؟! كل شيء باالنتفاضة تأثر إال‬
      ‫المهر، وكل العادات تتغير وتتبدل إال في الزواج، فإلى متى يا عباد اهلل؟! إلى متى يا أولياء‬
                                           ‫األمور؟! إلى متى يا من تتركون سنة الحبيب المصطفى؟!‬
                                                                 ‫ي َ َو‬      ‫ُ َو‬
    ‫الرسول لم يز ِّج ولم َتز َّج بأكثر من عشرين دينارا بمستوى معيشتنا، وأمته في هذا البلد لم‬
                                                                                     ‫َو‬            ‫ُ َو‬
                                                         ‫تز ِّج ولم تَتَز َّج بأقل من ثمانية آالف دينار.‬
  ‫فيا أولياء األمور، نسألكم باهلل العظيم أن تتعاونوا على تخفيض المهور، ويا أيها العلماء، يا أئمة‬
                               ‫تزو‬
   ‫المساجد، يا أهل الدين، يا أهل الخير، نسألكم باهلل العظيم أن ِّجوا بسنة محمد، فأنتم القدوة،‬
    ‫وغيركم تبع لكم. سنة ميتة، من يحييها له أجر مائة شهيد، من منكم يكون أهال لها؟! من منكم‬
        ‫يملك الجرأة الكافية واإليمان القوي لينتصر على نفسه األمارة بالسوء، وعلى تلك العادات‬
‫الجاهلية الموروثة، فيثبت بذلك حبه لرسول اهلل ، ويسن سنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها‬
                                                                                         ‫إلى يوم القيامة؟!‬
 ‫أيها المؤمنون، يقول النبي : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إال تفعلوا تكن فتنة في‬
                      ‫ُل‬
  ‫األرض وفساد كبير)). وهذا خطاب للرجال العقالء، ال للنساء اللواتي قِّدن أمر الزواج في هذا‬
                                                                                                  ‫المجتمع.‬
 ‫لقد صار بيد المرأة الموافقة على الزواج، وبيدها تحديد المهر، فكثرت العوانس، وغلت المهور،‬
                            ‫ف‬
    ‫وتضاعفت نفقات الزواج. وال شك أن المرأة بما جبلت عليه من ِعال وعاطفة، وبما تحبه من‬
 ‫المظاهر والمفاخرة وحب الظهور أمام الناس، ال يمكن أن يتحقق على يديها خطبة أو زواج، إال‬
‫إذا كانت تزن األمور بميزان الشرع والدين، ومثل ذلك قليل. فكم سمعنا عن أمهات يفسدن زواج‬
                                ‫بناتهن؛ ألن الواحدة منهن تدعي أن ابنتها ليست بأقل من بنت فالن.‬
‫إن المرأة ـ أيها الناس ـ مهما بلغت فهي ناقصة عقل، وال تكاد تعرف عواقب األمور، لذلك قال‬
         ‫الرسول : ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)). ولذلك جعل اهلل أمر التزويج بأيدي الرجال‬
    ‫ي م م ُ َالص لح م ع د ُ َإ ئ ُ‬                         ‫و ح‬
  ‫الراشدين واألولياء الصالحين، قال تعالى: َأَنْكِ ُواْ األَ َا َى ِنْكمْ و َّاِ ِينَ ِنْ ِبَا ِكمْ وِما ِكمْ‬
                                                               ‫ل‬      ‫إ يك ن ف َر ي ن ِم الله م‬
   ‫ِن َ ُو ُواْ ُق َاء ُغْ ِه ُ َّ ُ ِن فَضِْهِ [النور:73]. هذا أمر اهلل لألولياء بتزويج أبنائهم وبناتهم،‬
                                             ‫ووعد منه برزقهم ورعايتهم، ومن أصدق من اهلل قيال؟!‬
         ‫إن العار إذا لحق إنما يلحق بالرجال. فاحذروا ـ أيها الرجال ـ فالقوامة لكم ال لنسائكم.‬
‫فيا أيها األولياء، اتقوا اهلل فيمن تحت أيديكم من البنات، بادروا بتزويجهن متى ما تقدم األكفاء في‬
                                    ‫دينهم وأخالقهم، ((إال تفعلوا تكن فتنة في األرض وفساد كبير)).‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم باآليات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر‬
             ‫ر‬      ‫م‬
           ‫اهلل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان حلي ًا غفو ًا.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                                           ‫ر‬
  ‫الحمد هلل الذي خلق من الماء بش ًا فجعله نسبا وصهرا، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                           ‫ر‬       ‫ر‬                                         ‫د‬
  ‫له، وأشهد أن نبينا محم ًا عبد اهلل ورسوله، بعثه اهلل هاديًا ومبش ًا ونذي ًا، وداعيًا إلى اهلل بإذنه‬
                               ‫م ر‬                                               ‫ر‬
                             ‫وسراجًا مني ًا، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلي ًا كثي ًا.‬
                ‫س‬                    ‫َ‬
  ‫أما بعد: أيها األحبة، إننا نقولها وبصراحة: ماذا ينفع المرأة أهلها إذا بقيت عان ًا قد فاتها ركب‬
      ‫ر‬                                                                  ‫أي‬
 ‫الزواج، وأصبحت ِّمًا لم تسعد في حياتها بزوج وأوالد، يكونون لها زينة في الحياة، وذخ ًا لها‬
‫بعد الوفاة؟! وكم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نضارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك‬
 ‫الموت لمن عطل زواجها، لتسمع كلمة األمومة على لسان وليدها، وكم هي الصيحات والزفرات‬
                                                                                         ‫الحر‬
                         ‫َّاء التي أطلقت من مثل هؤالء، فأين الرحماء ببناتهم؟! أين العقالء؟!‬
   ‫واهلل، إننا لنحزن على أخوات لنا ظلمهن أولياؤهن ظلما كبيرا، فال هن متزوجات فيسعدن، وال‬
 ‫هن بميتات فيسترحن. فهذه امرأة في عصرنا الحاضر شابة تقدم إليها الخطاب، فرفض أبوها أن‬
 ‫يزوجها، فلما تقدم بها السن، وحضرت أباها الوفاة، قال لها: يا بنية، اجعليني في حل، سامحيني‬
    ‫سامحك اهلل، فقالت له: واهلل، ال أسامحك، بل عليك لعنة اهلل كما حرمتني من حقي في الحياة.‬
     ‫وهذا رجل آخر يزور أخته في المستشفى، وقد تقدم بها السن ولم تتزوج، بعد أن رد أخوها‬
    ‫خطابها، ولما كانت على فراش الموت في آخر لحظة من حياتها قالت ألخيها: اقترب مني يا‬
 ‫أخي، فلما اقترب منها، قالت له: حرمك اهلل الجنة كما حرمتني من الزواج، وفاضت روحها إلى‬
              ‫اهلل. هذه المآسي ـ يا عباد اهلل ـ بسبب المغاالة في المهور وتعسير أمور الزواج.‬
   ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، يسروا وال تعسروا، وبشروا وال تنفروا، ((إال تفعلوا تكن فتنة في األرض‬
                                                                                  ‫وفساد عريض)).‬
 ‫أمة اإلسالم، لقد حث اإلسالم على تسهيل الزواج وتيسير أموره، ونهى عن المغاالة في المهور،‬
‫والمبالغة في تكاليفه، فهذا خير البشر محمد يزوج ابنته فاطمة رضي اهلل عنها بعلي بن أبي طالب‬
       ‫ر‬               ‫ال‬
 ‫بما يساوي أربعة دراهم. واإلسالم اعتبر أن المرأة كلما كان مهرها قلي ً كان خيرها كثي ًا، قال‬
 ‫رسول اهلل : ((إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة))، وقال : ((يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير‬
                                                                                          ‫صداقها)).‬
    ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، ويسروا أمر الزواج، واحرصوا على من ترضون دينه وخلقه، وإياكم من‬
                 ‫الرغبة في المال دون الدين، فالمال عرض زائل وعارية مستردة، والبقاء للدين.‬
  ‫وإني ألدعوكم ـ أيها األخوة ـ للعودة إلى المهر المحدود المقطوع، كما كان قديما، به تشتري‬
     ‫العروس ما شاءت، وال تسأله غير هذا المهر، حقا خالصا لها، كخطوة أولى نحو أحياء سنة‬
 ‫الحبيب المصطفى ، ليتزوج العازبون، ويعدد المتزوجون، وتقل نسبة العوانس، ويستغني الشباب‬
                                                                                ‫بالحالل عن الحرام.‬
 ‫ولعل هذا الكالم ـ أيها األحبة ـ قد ال يعجب بعض السامعين، فيستخفون به، ويعترضون عليه،‬
                                                                       ‫ظانين بأن هذا يقلل من قيمة بناتهم.‬
‫فأقول لهؤالء: إن بناتكم ونساءكم لسن بأشرف من بنات ونساء الرسول اللواتي قبلن بأقل من هذا،‬
‫وهن أشرف وأطهر نساء األرض، وأنتم لستم بأفضل من رسول اهلل الذي قبل بأقل من ذلك لبناته‬
         ‫وأزواجه، والبركة في القليل من المهر، لقول الرسول : ((إن أعظم النساء بركة أيسرهن‬
                                                                                                      ‫مؤونة)).‬
   ‫ي م م ُ َالص لح م ع د ُ وإ ئ ُ‬                        ‫و كح‬
 ‫فاتقوا اهلل أيها الناس، وقوموا بمسؤولياتكم، َأَنْ ِ ُواْ األ َا َى ِنْكمْ و َّاِ ِينَ ِنْ ِبَا ِكمْ َِما ِكمْ‬
                                                                                                   ‫[النور:73].‬
  ‫ِن الله وم ئكته‬
  ‫ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
                                     ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫ي َل عل الن ي َي َّذ ن من‬
                   ‫ُصُّونَ ََى َّب ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
 ‫اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه‬
       ‫أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...‬

‫(5/8253)‬




                                                                                                 ‫فضل الشهادة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                ‫القتال والجهاد‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫زهير بن حسن حميدات‬
                                                                                                         ‫الخليل‬
                                                                                               ‫67/75/3745‬
                                                                                       ‫عبد الرحمن بن عوف‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضائل الشهادة في سبيل اهلل. 7- صور من عشق الصحابة للجهاد واالستشهاد. 3- نماذج‬
           ‫من الجهاد المعاصر. 4- كرامات الشهيد. 1- وصف الحور العين. 6- وصف للجنة.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
        ‫وبعد: أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، أيها المرابطون في هذه الديار، لقد‬
   ‫اختاركم اهلل حلقة ممتدة في سلسلة الرباط الممتد في هذه الديار إلى يوم الدين، فكنتم أهال لذلك،‬
 ‫تذودون عن شرف أمتكم وكرامتها، وتحرسون مقدساتها، وكنتم طليعة متقدمة لألمة، فنلتم شرف‬
    ‫الرباط في سبيل اهلل الذي يقول عنه نبيكم رسول اهلل : ((رباط يوم في سبيل اهلل خير من الدنيا‬
                                  ‫وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها)).‬
‫له وي ِر ب َّذ ن‬                   ‫ُ الله م‬          ‫حنب‬
‫واتخذ اهلل منكم شهداء، ففازوا بأوسمة الشهادة، فَرِ ِي َ ِمَا آتَاهمْ َّ ُ ِنْ فَضِْ ِ َ َسْتَبْش ُونَ ِال ِي َ‬
                                              ‫ف ِ َال ْف ع ِ و ُ زن‬                            ‫َ ي ق بِ م‬
                           ‫لمْ َلْحَ ُوا ِهمْ ِنْ خَلْ ِهمْ أ َّ خَو ٌ َلَيْهمْ َال همْ يَحْ َ ُونَ [آل عمران:025].‬
                          ‫فالشهداء في األمة هم تاج شرفها، ومفخرة مفاخرها، وجوهرة هامتها العالية.‬
     ‫وكم من شهيد يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليذوق ثانية حالوة الشهادة، يقول النبي : ((ما من أحد‬
  ‫يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على األرض من شيء إال الشهيد، يتمنى أن يرجع‬
                                                     ‫للدنيا فيقتل عشرات مرات لما يرى من فضل الشهادة)).‬
   ‫وهذا رسول اهلل يعبر عما في نفسه الشريفة من حب عميق للشهادة حمله على التمني أن يرزق‬
  ‫بها مرات متعددة, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((والذي نفسي بيده لوددت‬
‫أن أغزو في سبيل اهلل فأقتل, ثم أغزو فأقتل, ثم أغزو فأقتل)), وإنها ألمنية يا لها من أمنية، كيف‬
   ‫انبعثت من هذا القلب الطهور معبرة أبلغ التعبير عن هذا الحب العميق والشوق الغامر إلى هذا‬
                                                                              ‫الباب العظيم من أبواب جنات النعيم.‬
 ‫ي ع َ رب ِ ُ ْ َق َ َرح ن بم‬              ‫َ‬             ‫س َن َّذ َ قتل ْ ف س الل‬                 ‫و‬
‫قال اهلل تعالى: َالَ تَحْ َب َّ ال ِين ُ ُِوا ِي َبِيلِ َّهِ أَمْواتًا بلْ أَحْ َاء ِند َّهمْ يرز ُون ف ِ ِي َ ِ َا‬
‫فه َال ف ع ِ و ُ ي ْزن ن‬                             ‫له وي ِر ِالذ َ ي ق به م‬                                 ‫هم الله م‬
‫ءاتَا ُ ُ َّ ُ ِن فَضِْ ِ َ َسْتَبْش ُونَ ب َّ ِينَ لمْ َلْحَ ُواْ ِ ِم ّنْ خَلْ ِ ِمْ أ َّ خَوْ ٌ َلَيْهمْ َالَ همْ َح َ ُو َ‬
                              ‫يض ع ر م من‬                     ‫ي شر بن مة م الله َ ْل وَن الل‬
       ‫َسْتَبْ ِ ُونَ ِ ِعْ َ ٍ ّنَ َّ ِ وفَض ٍ َأ َّ َّهَ الَ ُ ِي ُ أَجْ َ الْ ُؤْ ِ ِينَ [آل عمران:865-525].‬
     ‫آيات من كتاب اهلل نزلت في شهداء أحد، حيث جعل اهلل أرواحهم في جوف طير خضر، ترد‬
‫أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب‬
    ‫مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق؛ لئال يزهدوا في‬
  ‫الجهاد وال ينكلوا عند الحرب؟ فقال اهلل تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل اهلل عز وجل هذه اآليات.‬
       ‫هؤالء الشهداء الذين قتلوا في سبيل اهلل قد أمنوا من عظيم األهوال والكربات، وسكنوا بأجل‬
                                      ‫ع‬                                                ‫ل‬
    ‫المحا ّ في أعلى الغرفات، وشربوا من النعيم أكوابا، وادر ُوا من التنعيم أثوابا، ومتعوا بجنان‬
                                               ‫الفردوس مستقرا ومآبا، وتمتعوا بحور عين كواعب وأترابا.‬
       ‫أرواحهم في جوف طير خضر تجول في الجنان، تأكل وتشرب وتأوي إلى قناديل معلقة في‬
  ‫عرش الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار ليقتلوا في سبيل اهلل مرات ومرات لما بهرهم من‬
                                                                                                       ‫ثواب اهلل الجزيل.‬
   ‫قال النبي : ((إن للشهيد عند ربه سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده‬
                                                                       ‫ل‬
‫من الجنة، ويحّى حلية اإليمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع األكبر، ويوضع على رأسه‬
   ‫تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع‬
                                                                                     ‫في سبعين إنسانا من أقاربه)).‬
       ‫ومنها أن كل الناس يموتون فتنقطع أعمالهم إال من ثالثة: من ولده الصالح يدعو له، والولد‬
    ‫الصالح مصيره الموت، ومن ترك علما ينتفع به، والعلم قد يأتي عليه زمان يندثر، ومن ترك‬
‫صدقة جارية، وهذه كذلك قد يأتي طاغوت يعطل جريانها، ثم ماذا بقي بعد ذلك؟! بقي ما للشهيد،‬
                                ‫ج‬                                                      ‫يم‬
‫ُن ّى له في عمله، ليس منقطعا أثره إلى قيام الساعة، فالعمل َارٍ، الصالة تكتب والزكاة والصيام‬
‫وغيرها من الصالحات، كل ذلك وهو في قبره في عالم الشهداء. هل هناك فضل أعظم من هذا؟!‬
                   ‫ل‬                                                            ‫م‬
‫إن الشهيد ل ّا بذل حياته هلل أعطاه اهلل سبحانه حياة أكمل منها عنده في مح ّ قربه وكرامته، ولكن‬
‫ن‬
‫أي حياة؟! غير الشهيد يحيا مع من؟! والشهيد يحيا عند من؟! فارق أهل الدنيا الذين يموتون، فم ّ‬
                                                                      ‫اهلل عليه بالحياة عند الحي الذي ال يموت.‬
                                         ‫ن‬                                         ‫م ِّ‬
 ‫ُزقَت أجسادهم في دار الدنيا هلل عز وجل، فم ّ اهلل عليهم بحواصل طير خضر، حبست أقدامهم‬
                                                                                     ‫ن‬
                                           ‫عن السعي، فم ّ اهلل عليهم بأن يسرحوا في الجنة حيث شاؤوا.‬
                                                          ‫م‬
‫فانظر وتأمل ـ أخي المسلم ـ ل ّا ترك المجاهد الفراش واألزواج، جاد عليه الملك الوهاب بكثرة‬
                                              ‫األزواج من الحور العين، والجزاء عند اهلل من جنس العمل.‬
                                                                              ‫م‬
‫فاز بوصالِ َن خلقتَ من النور، واهلل ال يجف دم الشهيد حتى تلقاه، وتستمتع برؤية نورها عيناه،‬
‫حوراء عيناء، جميلة حسناء، بكر عذراء، كأنها الياقوت والمرجان، لم يطمثها إنس قبله وال جان.‬
        ‫ُ َن هم ل َنة‬                     ‫ِن الل َ م م من َ فسه و‬
        ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إ َّ َّهَ اشْترَى ِنَ الْ ُؤْ ِ ِين أَن ُ َ ُمْ َأَمْوالَهمْ بِأ َّ لَ ُ ُ اّج َّ َ‬
    ‫وم ْف‬             ‫ق ف الت ْر ة و إل ل و ُ‬                  ‫ي تل َ ف سب الل ِ تل ن وي ل ن و ْد ع‬
   ‫ُقَا ُِون ِي َ ِيلِ َّه فَيَقْ ُُو َ َ ُقْتَُو َ َع ًا َلَيْهِ حَ ّا ِي َّو َا ِ َا ِنجِي ِ َالْقرْءانِ َ َنْ أَو َى‬
                            ‫ْز ع م‬                ‫شر بب عكم َّذ ب ي ُ به و ك ه‬                               ‫بع ْ ه م الل ِ‬
              ‫ِ َهدِ ِ ِنَ َّه فَاسْتَبْ ِ ُواْ ِ َيْ ِ ُ ُ ال ِى َا َعْتمْ ِ ِ َذالِ َ ُوَ الْفَو ُ الْ َظِي ُ [التوبة:555].‬
‫عباد اهلل، لقد عرف الصحابة جنة ربهم, فتوطدت في نفوسهم أعمق معاني الشهادة, وترسخت في‬
       ‫قلوبهم أسمى درجات الحب لها والولع بها، والعمل الدؤوب لبلوغ مقامها والتنعم برياضها.‬
    ‫قال رسول اهلل في غزوة بدر: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات واألرض)), فقال عمير بن‬
     ‫الحمام: يا رسول اهلل، إلى جنة عرضها السموات واألرض؟! قال: ((نعم)), قال: بخ بخ, قال‬
    ‫الرسول : ((ما يحملك على قول: بخ بخ؟)) قال: ال واهلل يا رسول اهلل، إال رجاء أن أكون من‬
  ‫أهلها, فقال: ((فإنك من أهلها)), فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن, ثم قال: إن أنا حييت‬
            ‫حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة, فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل.‬
     ‫فانظروا ـ رحمكم اهلل ـ كيف استبطأ رضي اهلل عنه الشهادة لتأخرها عنه دقائق معدودات.‬
                                         ‫و‬
       ‫ولقد كانت كلمات بعضهم عند الشهادة صرخات مد ّية زلزلت قلوب قاتليهم, وحملتهم على‬
   ‫الدخول في دين اهلل, فهذا حرام بن ملحان رضي اهلل عنه يصيح عند االستشهاد في وجه قاتله:‬
                                                   ‫ب‬                                   ‫ت‬
  ‫(فز ُ ورب الكعبة), فكانت تلك العبارة سب ًا في إسالم هذا القاتل. وهذا سيف اهلل المسلول خالد‬
   ‫بن الوليد الذي عرف معنى االستشهاد في سبيل اهلل يقول عند احتضاره وهو يبكي بكاء شديدا:‬
 ‫(خضت أكثر من مائة معركة، وما في جسمي موضع شبر إال وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح،‬
                        ‫وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فال قرت أعين الجبناء).‬
     ‫ثم استمعوا ـ رعاكم اهلل ـ إلى خبر هذا األعرابي المسلم، كيف صدق اهلل في طلب الشهادة‬
                                                                      ‫فصدقه اهلل وبلغه ما أراد:‬
                                                                ‫َ‬
 ‫جاء أعرابي إلى النبي بعد أن قَسمَ له النبي من الغنائم ما قسم، فقال األعرابي: ما هذا؟ قال النبي‬
    ‫: ((قسمته لك)), قال األعرابي: ما على هذا اتبعتك, ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا بسهم‬
‫فأموت فأدخل الجنة, فقال النبي : ((إن تصدق اهلل يصدقك)), فلبثوا قليال ثم نهضوا إلى قتال العدو‬
       ‫فأتي به إلى النبي وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي : ((أهو هو؟))، قالوا: نعم, قال:‬
   ‫((صدق اهلل فصدقه)), ثم كفنه النبي في جبته, ثم قدمه فصلى عليه، وكان مما قال في صالته:‬
                    ‫((اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا, أنا شهيد على ذلك)).‬
‫فأي شهادة ـ يا عباد اهلل ـ أرفع وأسمى وأصدق وأخلص من هذه الشهادة الكريمة العظيمة, وكم‬
 ‫في حياة السلف الصالح من صور هذا الحب العاطر والشوق الظامئ إلى الظفر بمقام الشهادة، يا‬
                                                                                   ‫له من مقام.‬
‫وهكذا مضت على بذل الشهادة كواكب متتابعة وقوافل متعاقبة من الشهداء األبرار، الذين بدمائهم‬
   ‫الزكية سطروا أروع صحائف التضحية والبذل، وأرفع أمثلة العطاء والجود, إنه الجود بالنفس,‬
                                                                       ‫وهو أقصى غاية الجود.‬
‫فها هم شهداء المسلمين في الشيشان, وفي أفغانستان, ومن قبل في البوسنة والهرسك، وفي غيرها‬
                                                                              ‫من ديار اإلسالم.‬
     ‫وها نحن اليوم نرى بأم أعيننا, نرى ويرى العالم كله معنا هذه الصور العظيمة المتجددة من‬
        ‫صور الشهادة على أرض بيت المقدس, أرض اإلسراء والمعراج، أرض الجهاد والرباط.‬
   ‫إن اإلنسان الفلسطيني الذي يتوق للحرية ويرفض القهر والظلم واالحتالل يسعى ليموت شهيدا‬
      ‫محفوظة كرامته، رافعا هامته، تشده عزة اإليمان ليطاول الجبال، ويدفعه عبق الشهادة نحو‬
‫الجنان، مع الذين أنعم اهلل عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.‬
‫عباد اهلل، نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل‬
                       ‫لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي جعل الشهادة بابا من أعظم أبواب الجنة, أحمده سبحانه حث األمة على المضي في‬
   ‫درب الشهادة في سبيله, وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له, وأشهد أن نبينا محمدا عبده‬
   ‫ورسوله, خير من ضرب األمثال في حب الشهادة, وفي بذل التضحيات العظام, صلى اهلل عليه‬
                                  ‫وعلى آله وصحبه األئمة األبرار األعالم وسلم تسليما كثيرا.‬
  ‫وبعد: فإن للشهيد كرامات، ومن كراماته أنه يخفف عنه ألم الموت حتى إنه ال يجد من ألمه إال‬
    ‫كما يجد أحدنا من مس القرصة, قال رسول اهلل : ((ما يجد الشهيد من مس القتل إال كما يجد‬
                                                                   ‫أحدكم من مس القرصة)).‬
    ‫ومنها أن دار الشهداء في الجنة أحسن الدور وأفضلها, قال رسول اهلل : ((رأيت الليلة رجلين‬
‫أتياني، فصعدا بي الشجرة، فأدخالني دارا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها، قاال لي: أما‬
                                                                         ‫هذه فدار الشهداء)).‬
 ‫ومن ألوان الكرامة أيضا أن المالئكة تظله بأجنحتها، ويأتي يوم القيامة بجرحه والدم ينزف منه،‬
‫قال رسول اهلل : ((والذي نفسي بيده، ال يكلم أحد في سبيل اهلل ـ واهلل أعلم بمن يكلم في سبيله ـ‬
                                     ‫إال جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك)).‬
   ‫ونف َ ف الص ِ ص م ف السم ت وم ف‬
  ‫وهم الذين قال عنهم اهلل عز وجل في قوله: َ ُ ِخ ِي ُّور فَ َعِقَ َن ِي َّ َاوا ِ َ َن ِي‬
                                                                    ‫الله‬       ‫ْ ِال م‬
    ‫األرضِ إ َّ َن شَاء َّ ُ [الزمر:86]، فهم الذين شاء اهلل أن ال يصعقوا يوم النفخ في الصور؛‬
                                                 ‫حيث يبعثهم اهلل متقلدين أسيافهم حول عرشه.‬
  ‫أيها المسلمون، لعل أحدنا ال يدرك ما معنى أن يتزوج الشهيد بثنتين وسبعين من الحور العين،‬
                                                                  ‫ن‬
  ‫وال يدرك جماله ّ، إنهن الكواعب األتراب. فالحوراء ـ يا إخوة ـ تجري الشمس من محاسن‬
  ‫وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، يرى وجهه في خدها، ويرى مخ‬
‫ساقها من وراء اللحم والعظم والحلل، لو اطلعت على الدنيا لمألت ما بين األرض والسماء ريحا،‬
                            ‫صف‬
  ‫ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولنَ ِي ُها على رأسها خير من الدنيا‬
                                                                                   ‫وما فيها.‬
  ‫فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها، وإذا انتقلت من قصر‬
                                   ‫ن‬
 ‫إلى قصر قلت: هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها، وإذا غ ّت فيا لذة األبصار واألسماع، ينادين‬
       ‫بأصوات غنجة لذيذة: نحن الخالدات فال نموت أبدا، ونحن الغانجات فال نبأس أبدا، ونحن‬
    ‫المقيمات فال نظعن أبدا، ونحن الراضيات فال نسخط أبدا، ونحن الحور الحسان، أزواج أقوام‬
     ‫كرام، ونحن األبكار السوام، للعباد المؤمنين، طوبى لمن كان لنا وكنا له. فكلما نظرت إليها‬
                          ‫ازدادت في عينيك حسنا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنا.‬
 ‫أفيجمل بعاقل ـ أيها الناس ـ أن يسمع بهذه ويقعد عن وصالها؟! كيف وله في الجنة من الحور‬
                                                                        ‫العين أمثال أمثالها؟!‬
 ‫إنها الجنة التي غرس غراسها الرحمن بيده، قال النبي : ((يا رب، أخبرني بأعالهم منزلة، قال:‬
 ‫أولئك الذين أردت، وسوف أخبرك، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع‬
                          ‫أذن ولم يخطر على قلب بشر)). نسأل اهلل أن يجعلنا وإياكم من أهلها.‬
‫(5/0853)‬




                                                                                  ‫وفاة النبي‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                               ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                              ‫السيرة النبوية‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫زهير بن حسن حميدات‬
                                                                                     ‫الخليل‬
                                                                      ‫عبد الرحمن بن عوف‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- فضل الهجرة النبوية. 7- خطبة الرسول بمنى في الحج. 3- قصة مرضه وموته. 4- جرائم‬
                                                                                    ‫اليهود.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
‫أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، في شهر ربيع األول اجتمعت ثالثة أحداث، وهي مولد‬
                                                        ‫النبي ، وهجرته إلى المدينة، ووفاته.‬
  ‫وال ريب أن كال منها كان حدثا مهما في حياة المسلمين، لكن بعض المسلمين ولألسف يجعلون‬
           ‫حدث المولد أهم األحداث الثالثة، بل ويعتبره بعضهم أهم أحداث السيرة النبوية قاطبة.‬
    ‫والحق أن ميالد النبي حدث مبارك، حيث أشرق النبي على األرض بمولده، ولكن هذا الحدث‬
                 ‫ليس له تميز عن سائر والدات الناس لو لم يبعث ويرسل عليه الصالة والسالم.‬
       ‫والحدث األهم من والدته هو هجرته التي أوجدت لنا المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي‬
 ‫استمرت قرونا طويلة، وقدمت لإلنسانية حضارة فريدة على مر الزمن، وألهمية هذا الحدث أرخ‬
                         ‫به عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه والمسلمون بعده التاريخ اإلسالمي.‬
 ‫والحدث المهم في سيرة النبي هي وفاته؛ ألن وفاته ليست كوفاة سائر الناس، وال كسائر األنبياء،‬
                          ‫فبموته انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي اهلل عن األرض.‬
     ‫أيها المسلمون، يا أحباب محمد، في اليوم الثامن من ذي الحجة نزل الحبيب المصطفى بمنى‬
     ‫فخطب في مائة وأربعة وأربعين ألفا من المسلمين، في حجة الوداع، قال فيها: ((أيها الناس،‬
                      ‫د‬
 ‫اسمعوا قولي، فإني ال أدري لعلي ال ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أب ًا، إن دماءكم وأموالكم‬
    ‫حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. أال كل شيء من أمر الجاهلية‬
  ‫تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن‬
 ‫الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا‬
  ‫ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله. فاتقوا اهلل في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اهلل،‬
                           ‫د‬
    ‫واستحللتم فروجهن بكلمة اهلل، ولكم عليهن أن ال يوطئن فرشكم أح ًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك‬
 ‫فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن‬
  ‫تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اهلل. أيها الناس، إنه ال نبي بعدي، وال أمة بعدكم، أال فاعبدوا‬
‫ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وحجون بيت ربكم،‬
 ‫وأطيعوا والة أمركم، تدخلوا جنة ربكم، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون))، قالوا: نشهد أنك قد‬
 ‫بلغت وأديت ونصحت، فقال عليه الصالة والسالم وهو يشير بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء‬
                                            ‫وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد)).‬
       ‫ْ م ت ك د ك و م ت ع ك ن مت‬
      ‫ولما فرغ من خطبته نزل عليه قول اهلل تعالى: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَ ُمْ ِينَ ُمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْ ُمْ ِعْ َ ِى‬
                                                                     ‫َ د‬         ‫َرض ت ُم‬
     ‫و َ ِي ُ لَك ُ اإلسْالمَ ِينًا [المائدة:3]. وعندما سمعها عمر رضي اهلل عنه بكى، فقيل له: ما‬
                                                            ‫يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إال النقصان.‬
 ‫ثم خرج ليلة مع غالمه أبي مويهبة إلى البقيع فاستغفر لهم، وقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت‬
                                            ‫وخي‬
   ‫مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، ِّرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة))،‬
‫فقال أبو مويهبة: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: (( ال واهلل يا أبا مويهبة،‬
                                                                  ‫لقد اخترت لقاء ربي عز وجل والجنة)).‬
 ‫وفي يوم االثنين آخر أيام شهر صفر شهد عليه الصالة والسالم جنازة في البقيع، فلما رجع وهو‬
   ‫في الطريق أخذه صداع في رأسه واشتدت حرارته، فدخل على عائشة رضي اهلل عنها فقالت:‬
   ‫وارأساه! فقال النبي: ((بل أنا وارأساه، وما ض ّك لو ِت قبلي فغسل ُكِ وكفن ُ ِ وصلي ُ علي ِ‬
   ‫ت ك‬          ‫تك‬         ‫ت‬           ‫م ِّ‬   ‫ر‬
                 ‫س‬                                                             ‫تك‬
‫ودفن ُ ِ))، فقالت: لكأني بك ـ واهلل ـ لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعر ّت فيه ببعض نسائك،‬
                                                                                             ‫فتبسم رسول اهلل .‬
   ‫وفي يوم األربعاء ارتفعت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع، ثم أحس بخفة فدخل المسجد‬
         ‫وهو معصوب الرأس، حتى جلس على المنبر فخطب الناس فقال: ((لعنة اهلل على اليهود‬
  ‫والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، وقال: ((ال تتخذوا قبري وثنا يعبد))، ثم قال: ((من‬
  ‫كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد‬
                      ‫د‬
  ‫منه)). ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، ثم قال: ((إن عب ًا خيره اهلل أن يؤتيه‬
   ‫من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده))، فبكى أبو بكر رضي اهلل عنه، وقال:‬
                                                                          ‫فديناك بآبائنا وأمهاتنا.‬
 ‫وفي يوم الخميس أوصى عليه الصالة والسالم بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة‬
                                          ‫العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم.‬
    ‫ومع ما كان عليه من شدة المرض إال أنه كان يصلي بالناس جميع الصلوات، فصلى بالناس‬
‫صالة المغرب من يوم الخميس، وعند العشاء زاد ثقل المرض، فلم يستطع الخروج إلى المسجد.‬
                                              ‫ل‬
        ‫تقول عائشة رضي اهلل عنها: فقال النبي : ((أصّى الناس؟))، قلنا: ال يا رسول اهلل، وهم‬
‫ينتظرونك، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟))، قلنا: ال يا رسول‬
‫اهلل، وهم ينتظرونك، فاغتسل فخرج لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟))، قلنا: ال‬
 ‫يا رسول اهلل، وهم ينتظرونك، فاغتسل فخرج لينوء فأغمي عليه، فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي‬
                                                             ‫بالناس، فصلى أبو بكر تلك األيام.‬
                                  ‫د‬
    ‫وفي يوم األحد أعتق عليه الصالة والسالم غلمانه، وتص ّق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب‬
                 ‫للمسلمين أسلحته، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثالثين صاعا من الشعير.‬
   ‫وفي يوم االثنين بينما المسلمون في صالة الفجر وأبو بكر يصلي بهم، فإذا برسول اهلل يكشف‬
 ‫ستر حجرة عائشة فينظر إليهم، وهم في صفوف الصالة، ثم تبسم وضحك، فنكص أبو بكر على‬
                      ‫م‬
  ‫عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول اهلل يريد أن يخرج إلى الصالة، وه ّ المسلمون أن يفتتنوا‬
     ‫في صالتهم فرحًا برسول اهلل ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صالتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى‬
                                                                                           ‫الستر.‬
                        ‫ر‬
‫إنها النظرة األخيرة، نظرة الوداع وهو يبتسم ويضحك رضًا وسرو ًا بثبات أصحابه على الحق،‬
                              ‫إنها البسمة األخيرة التي لن يراها صحبه وأحباؤه بعدها في الدنيا.‬
                     ‫د‬
  ‫إنها طلة الفراق، فلن ينعموا برؤية هذا الوجه الكريم في الدنيا بعد اليوم أب ًا، نظرة وداع يلقيها‬
‫رسول اهلل على أصحابه، نظرة من سيد الخلق أجمعين، وحبيب رب العالمين، نظرة مودع لم يبق‬
   ‫من عمره إال ساعات قليلة، فيودع هذه الدنيا التي ذاق فيها من العذاب ما لم يذقه أحد، وصبر‬
                                                                                       ‫على ذلك.‬
 ‫عباد اهلل، يا أهل الجهاد والرباط، لقد كان سبب مرض النبي مؤامرة اليهودية حين دست له الس ّ‬
 ‫ُم‬
       ‫في طعامه الذي دعته إليه، فأكل رسول اهلل منها، وأكل القوم فقال: ((ارفعوا أيديكم؛ فإنها‬
     ‫أخبرتني أنها مسمومة))، ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرا، ودعا أزواجه‬
 ‫فوعظهن وذكرهن، وطفق الوجع يشتد عليه ويزيد، وهو يقول لعائشة: ((يا عائشة، ما أزال أجد‬
‫ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)). واألبهر: عرق في‬
                                              ‫الظهر متصل بالقلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة.‬
               ‫ثم أوصى الناس فقال: ((الصالة، الصالة، وما ملكت أيمانكم))، كرر ذلك مرارا.‬
   ‫قال عبد اهلل بن مسعود: لما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة رضي اهلل عنها، فنظر إلينا،‬
                                                                                ‫فدمعت عيناه.‬
                       ‫ي‬          ‫نع‬
  ‫وبدأ االحتضار، فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من ِ َم اهلل عل ّ أن رسول اهلل توفي في‬
     ‫بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن اهلل جمع بين ريقي وريقه عند موته؛ دخل عبد‬
  ‫الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول اهلل ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب‬
                   ‫ألي‬           ‫د‬
 ‫السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشت ّ عليه وقلت: ِّنه لك، فأشار برأسه‬
                                                                     ‫ن‬         ‫ي‬
   ‫أن نعم، فل ّنته فاست ّ به كأحسن ما كان مستنا، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في‬
    ‫الماء فيمسح بها وجهه ويقول: ((ال إله إال اهلل، إن للموت سكرات)). وما إن فرغ من السواك‬
  ‫حتى رفع يده أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو‬
      ‫يقول: ((مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اغفر لي‬
     ‫وارحمني، وألحقني بالرفيق األعلى، اللهم الرفيق األعلى))، كررها ثالثا، ثم مالت يده ولحق‬
                                                                              ‫بالرفيق األعلى.‬
     ‫إنا هلل وإنا إليه راجعون. مات الشفيق الرحيم بأمته، مات شمس الحياة وبدرها، مات الداعية‬
‫الناصح، مات صاحب القلب الكبير الذي وسع المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير.‬
                                     ‫مر‬         ‫د‬
   ‫مات من كان لأليتام أبا ولألرامل عونًا وسن ًا، مات َه َب الفقراء والمساكين ومالذ المعوزين‬
 ‫المحتاجين، مات اإلمام المجاهد، مات نبي األمة وقدوة الخلق، مات خير البشر وأحب الخلق إلى‬
            ‫اهلل، مات الذي نعمت برؤياه األبصار وتشنفت بسماع جميل حديثه األسماع واآلذان.‬
‫إنها المصيبة العظيمة، وكل مصيبة دون مصيبتنا بموته تهون، فبموته عليه الصالة والسالم انقطع‬
‫الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وبموته انقطعت النبوات، وبموته ظهر الفساد في البر والبحر،‬
                                                                                     ‫وتذك‬
   ‫ُّر ذلك تسلية وعزاء للمصائب يقول : ((يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين‬
      ‫أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدا من أمتي لن‬
                                                ‫يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)).‬
                                                                     ‫تذك‬
                              ‫نعم أيها الناس، إن ُّر النبي وما حل بنا بفقده هو أعظم مصيبة.‬
                                      ‫ل‬                            ‫ل‬
                                     ‫فاصبر لكل مصيبة وتجّد لها…واعلم بأن المرء غير مخّد‬
                                      ‫فإذا ذكرت مصيبة ومصابها…فاذكر مصابك بالنبي محمد‬
‫عباد اهلل، نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل‬
                      ‫لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل ولي الصالحين، وال عدوان إال على الظالمين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
   ‫له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى اهلل‬
‫بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستن بسنته‬
                                                                             ‫إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.‬
                         ‫ر‬
 ‫أما بعد: أيها المسلمون، وبلغ أبا بكر الصديق الخبر، فأقبل مس ِعا حتى دخل بيت عائشة رضي‬
            ‫ب‬          ‫ب‬                                     ‫ج‬
‫اهلل عنها، ورسول اهلل مس ّى، فكشف أبو بكر عن وجه رسول اهلل وأك ّ عليه، وق ّل وجهه مرارا‬
   ‫وهو يبكي، ويقول: وانبياه، وخلياله، واصفياه، بأبي أنت وأمي، ال يجمع اهلل عليك موتتين، أما‬
                                                                                 ‫مت‬
                                                                              ‫الموتة التي كتبت عليك فقد َّها.‬
                                                     ‫إنا هلل وإنا إليه راجعون، مات ـ واهلل ـ رسول اهلل .‬
                                             ‫ي‬          ‫ر‬                                 ‫رب‬
                                            ‫فلو أن َّ العرش أبقاك بيننا…سعدنا ولكن أم ُه كان ماض ًا‬
                                               ‫لبيك رسول اهلل من كان باكيا…فال تنس قبرا بالمدينة ثاويًا‬
                                                                           ‫م‬        ‫كل‬
                                             ‫جزى اهلل عنا َّ خير مح َدا…فقد كان مهديا وقد كان هاديا‬
                                             ‫وكان رسول اهلل روحا ورحمة…ونورا وبرهانا من اهلل باديا‬
                                          ‫وكان رسول اهلل بالقسط قائما…وكان لما استرعاه مواله راعيا‬
                                            ‫وكان رسول اهلل يدعو إلى الهدى…فلبى رسول اهلل لبيه داعيا‬
                                                                       ‫ل‬
  ‫ثم خرج وعمر يكّم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا‬
                                         ‫د‬
‫عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محم ًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد اهلل فإن‬
  ‫م ل الر ُل أ إ م ت‬                     ‫و م َمد إ َّ رس ٌ َ‬
  ‫اهلل حي ال يموت، وتال قول اهلل تعالى: َمَا ُح َّ ٌ ِال َ ُول قدْ خَلَتْ ِن قَبِْهِ ُّس ُ َفِيْن َّا َ‬
       ‫وس ْ الله الش ِر‬                  ‫ب ُ وم ي ل عل قب ِ ل ي ُر الل‬                          ‫ُ عل‬             ‫ْ قِ‬
‫أَو ُتلَ انقَلَبْتمْ ََى أَعْقَا ِكمْ َ َن َنقَِبْ ََى عَ ِ َيْه فََن َض َّ َّهَ شَيْئًَّا َ َيَجزِى َّ ُ َّاك ِينَ [آل‬
                                                                                                     ‫عمران:445].‬
  ‫قال ابن عباس رضي اهلل عنه: واهلل، لكأن الناس لم يعلموا أن اهلل أنزل هذه اآلية حتى تالها أبو‬
            ‫بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إال يتلوها، فيهوي إلى األرض.‬
                                                 ‫وانتشر خبر وفاة رسول اهلل فضجت المدينة كلها بالبكاء.‬
‫وهكذا ـ أيها األحبة ـ طويت أعظم صفحة في تاريخ البشرية جمعاء، مات القدوة الناصح وخير‬
  ‫البشر، مات أفضل األنبياء، لتبقى حياته نبراسا ألبناء األمة من بعده، تنير لهم طريق السير إلى‬
                  ‫اهلل، عبادته وأخالقه، توحيده وجهاده، تعامله وزهده، أخذه وعطاؤه، بيعه وشراؤه.‬
  ‫وما مات رسول الهدى حتى بلغ الرسالة، وأدى األمانة، وترك األمة على المحجة البيضاء ليلها‬
                                                                              ‫كنهارها، ال يزيغ عنها إال هالك.‬
                                             ‫م‬
   ‫أمة اإلسالم، يا أمة محمد، إن حبيبكم ونبيكم مح ّدا مات شهيدا قتيال مسموما، قتلته وسمته تلك‬
  ‫األمة المغضوب عليها، إنهم اليهود، أهل الكذب والبهت وأهل الغدر والمكر، قتلة األنبياء وأكلة‬
        ‫السحت، أخبث األمم طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة وأقربهم من النقمة، عادتهم‬
                    ‫ع‬
   ‫البغضاء، وطبيعتهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، ال ير َون لنبي حرمة، وال‬
                                                                                          ‫إال‬
                                                                                 ‫يرقبون في مؤمن ًّ وال ذمة.‬
‫(5/5853)‬




                                                                            ‫ر‬
                                                                          ‫أخوة الدين وفساد الجماعات المف ّقة‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                       ‫قضايا دعوية‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫فرج بن حسن البوسيفي‬
                                                                                                              ‫بنغازي‬
                                                                                             ‫األرقم بن أبي األرقم‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
‫5- الوحدة اإلسالمية. 7- حال العرب قبل اإلسالم. 3- التفريق سالح استخدمه أعداء الدين ضد‬
      ‫المسلمين. 4- أخطاء يقع فيها كثير ممن ينتسب إلى الصالح والعلم. 1- ذم االختالف. 6-‬
                                                                         ‫موقف بعض الصحابة من االختالف.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
          ‫أما بعد: أيها المؤمنون، يقول الحق سبحانه: إ َّ َاذِهِ أ َُّكمْ أ َّ ً َا ِدَ ً َأَنَا رُّكم فَاعْ ُ ُو ِ‬
          ‫ِن ه ُمت ُ ُمة و ح ة و ْ َب ُ ْ بد ن‬
                   ‫ل‬       ‫َض م‬             ‫ْ‬         ‫و ك َظ ل‬
             ‫[األنبياء:78]، ويقول الحق سبحانه: َلَوْ ُنْتَ ف ًّا غَِيظَ الْقَلبِ الَنْف ُّواْ ِنْ حَوِْكَ [آل‬
                                                                                                     ‫عمران:815].‬
‫إن من مقاصد هذه اآليات ـ أيها المؤمنون ـ أن تكون أمة ال اهلل إال اهلل كمثل الجسد الواحد، أمة‬
                                                              ‫أصولها المحبة واألخوة والترابط واالعتصام.‬
  ‫إن من عظمة هذا الدين أن جمع بين األعداء كما هو الحال في أول اإلسالم؛ حيث كانت القبائل‬
 ‫آنذاك تتقاتل وتقوم بينها الحروب والمالحم على أتفه األسباب، فجاء اإلسالم بأخوة الدين، وجعل‬
                                                                         ‫الفرقة والدعوة للتحزب من الجاهلية.‬
                                                                                         ‫ي‬
                                                  ‫وقال للذي ع ّر رجالً بأمه: (( إنك امرؤ فيك جاهلية)).‬
       ‫و ك ن م م ْرك ن م َّذ َ ف َّق د ُ و ن شي ُل ح ب ب َ َ ه‬
     ‫وقال تعالى: َالَ تَ ُو ُواْ ِنَ الْ ُش ِ ِي َ ِنَ ال ِين َر ُواْ ِينَهمْ َكَا ُواْ ِ َعًا ك ُّ ِزْ ٍ ِمَا لديْ ِمْ‬
                                                                                                         ‫َ ح‬
                                                                                       ‫فرِ ُونَ [الروم:53-73].‬
       ‫وإن أصغر طالب في االبتدائي يعلم نظرية األعداء: "فرق تسد"، وعدو اإلسالم اليوم ـ أيها‬
                             ‫ن‬
‫المؤمنون ـ ينخر جسد األمة بشتى وسائل الكيد والمكر، ويج ّد شباب األمة تحت كل دعوة ضالة‬
     ‫بدون ما يشعرون؛ حيث يعمل بعض بني جلدتنا ممن يتكلمون بكالمنا ويعتقدون عقيدتنا، وقد‬
                   ‫انحرف بهم التيار، فصار مثلهم، كمثل الضفدعة، يقذفها السيل للهاوية وهي تزغد.‬
‫لقد نبتت في أبناء األمة دعوات فاسدة، تزرع في الشباب الحقد والضغينة وكره المسلمين، وأصبح‬
   ‫التنابز باأللقاب والمسميات والطعن في الناس، بل الطعن في دعاة اإلسالم وأولياء األمة أصبح‬
                                                                                    ‫ز‬
  ‫رم ًا للتدين واتباع السلف، ونعوذ باهلل من الكذب على صالحي سلف األمة الذين فهموا الخالف‬
                        ‫س‬
  ‫وأدب الخالف، وما سمعنا وال قرأنا في تاريخ أمتنا المجيدة عالمًا يف ّق غيره، أو يدعو لتفريق‬
                    ‫ي‬
‫كلمة األمة، بمسميات هي في الحقيقة كعنقاء مغرب، فترى الشاب الطر ّ الغصن الفارغ من علم‬
              ‫د‬      ‫ر‬      ‫ن‬      ‫ُأص‬
   ‫الشرع الفاشل في حرفة أو صناعة أو وظيفة يقعد وي ِّل ويص ّف ويج ّح ويع ّل، ويقول في‬
                     ‫ر‬
        ‫العمالقة من جهابذة الدنيا واإلسالم قوالً عظيمًا وإفكًا مبينًا، ولعلك تلتمس عذ ًا لهذا الجاهل‬
                        ‫ر‬
‫المغرور، لكن الداهية الدهياء ممن ينتسبون للعلم والدعوة لإلسالم زو ًا وكذبًا، ينشرون األشرطة‬
           ‫والرسائل والكتب باسم اإلسالم والدين والسلفية، يسلخون علماء األمة وعبادها وأوليائها،‬
                                     ‫يسلخونهم من كل وصف حسن مليح، على مسمياتهم الكاسدة الفاسدة.‬
                                                    ‫حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه…فالناس أعداء له وخصوم‬
                                                                   ‫ر‬      ‫د‬
                                                       ‫كضرائر الحسناء قلن لوجهها…حس ًا وزو ًا: إنه لدميم‬
‫أيها المؤمنون، اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد فتفرقوا، فلما بعث محمد أنزل عليه:‬
                                                         ‫م ُْ ف‬      ‫ِن َّذ َ ف َّق د ُ و ن شي ل‬
                                    ‫إ َّ ال ِين َر ُواْ ِينَهمْ َكَا ُواْ ِ َعًا َّسْتَ ِنْهم ِي شَيء [األنعام:815].‬
       ‫ِن َّذ‬                                                            ‫ن‬
    ‫قالت أم سلمة: ليتقي ّ امرؤ أن ال يكون من رسول اهلل في شيء، ثم قرأت هذه اآلية: إ َّ ال ِينَ‬
                                                         ‫م ُْ ف‬      ‫ف َّق د ُ و ن شي ل‬
 ‫َر ُواْ ِينَهمْ َكَا ُواْ ِ َعًا َّسْتَ ِنْهم ِي شَيء [األنعام:815]. أال إن اهلل ورسوله بريئان من الذين‬
                                                                                              ‫فارقوا دينهم وكانوا شيعًا.‬
                                          ‫و ُر ن م الل ع ُ ِ ك ت ْد‬
 ‫وقال تعالى: َاذْك ُواْ ِعْ َةَ َّهِ َلَيْكمْ إذْ ُن ُم أَع َاء يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدكم ضعيفكم،‬
                                   ‫ت بن مته و‬                         ‫َل ب َ قل ب ُ‬
       ‫حتى جاء اهلل باإلسالم، فَأَّفَ َيْن ُُو ِكمْ فَأَصْبَحْ ُم ِ ِعْ َ ِ ِ إِخْ َانًا [آل عمران:305]، فألف به‬
                                                                 ‫بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.‬
                                                                            ‫ِ ك ت ْد‬
‫إذْ ُن ُم أَع َاء، كانت الحرب بين األوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام اإلسالم، فأطفأ اهلل‬
                                                                                                         ‫ذلك، وألف بينهم.‬
            ‫ب ت بن مت إ و‬                   ‫و ُر ن م ل ع ُ ِ ك ت ْد َّ ب َ قل بك ْ‬
‫قال قتادة: َاذْك ُواْ ِعْ َةَ الَّهِ َلَيْكمْ إذْ ُن ُم أَع َاء فَأَلفَ َيْن ُُو ِ ُم فَأَصْ َحْ ُم ِ ِعْ َ ِهِ ِخْ َانًا إذ كنتم‬
      ‫تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء اهلل باإلسالم، فآخى به بينكم، وألف به بينكم.‬
                                   ‫أما ـ واهلل الذي ال إله إال هو ـ إن األلفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب.‬
                        ‫ً‬                 ‫علي‬
  ‫قال رسول اهلل : ((يا معشر األنصار، بم تمنون َّ؟ أليس جئتكم ضالال فهداكم اهلل بي، جئتكم‬
                                                 ‫أعداء فألف اهلل بين قلوبكم بي؟!))، قالوا: بلى يا رسول اهلل.‬
                                                           ‫ح ْر م الن‬               ‫وك ُ ع‬
‫َ ُنتمْ َلَىَ شَفَا ُف َةٍ ِّنَ َّارِ [آل عمران:305]، وكنتم على طرف النار، من مات منكم وقع في‬
                                                        ‫النار، فبعث اهلل محمد ، فاستنقذكم به من تلك الحفرة.‬
                                   ‫َّذ ن ف َّق و ف م ب م ج هم بي ت‬                                       ‫و ك ن‬
      ‫َالَ تَ ُو ُواْ كَال ِي َ تَ َر ُواْ َاخْتَلَ ُواْ ِن َعْدِ َا َاء ُ ُ الْ َّنَا ُ [آل عمران:105]، نهى اهلل أهل‬
                                                ‫اإلسالم أن يتفرقوا ويختلفوا كما تفرق واختلف أهل الكتاب.‬
                                                                ‫َّذ ن ف َّق و ف‬                    ‫و ك ن‬
    ‫َالَ تَ ُو ُواْ كَال ِي َ تَ َر ُواْ َاخْتَلَ ُواْ، أمر اهلل المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن االختالف والفرقة،‬
                                                 ‫وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالخصومات في دين اهلل.‬
    ‫ََ ُ‬                        ‫َطع ْ ه ب ه ْ ز ُر ُل ح ب َد ِ ْ َرح‬
  ‫وقال تعالى: فَتَق َّ ُوا أَمرَ ُم َيْنَ ُم ُب ًا ك ُّ ِزْبٍ ِمَا ل َيْهم ف ِ ُونَ أي: معجبون برأيهم، فذرْهمْ‬
                                                                              ‫ْرت ِ َت ح‬          ‫ف‬
                               ‫ِي غَم َ ِهمْ ح َّى ِينٍ [المؤمنون:31، 41] أي: في ضاللتهم إلى الموت.‬
 ‫فكيف يطيب لمسلم يؤمن بأخوة الدين أن يفرق بين أبناء األمة، بمجرد آراء وفتاوى هي من باب‬
                                                                                              ‫الرأي والرأي اآلخر؟!‬
    ‫َر ك م الد م‬
   ‫إن اهلل سبحانه ذم االختالف في كتابه، ونهى عن التفرق والتنازع، فقال: ش َعَ لَ ُم ِّنَ ِّينِ َا‬
         ‫َق م الد ن و‬           ‫ح إ و َص ب إ ْر م وم س وع س‬                                         ‫َص ب ن ح و َّ‬
      ‫و َّى ِهِ ُو ًا َالذِي أَوْ َيْنَا ِلَيْكَ َمَا و َّيْنَا ِهِ ِب َاهِي َ َ ُو َى َ ِي َى أَنْ أ ِي ُوا ِّي َ َلَا‬
    ‫و ك ن َالذ َرق و ف م ب ْد ج ُم َين ت‬                                                                      ‫ف َّق ف‬
‫تَتَ َر ُوا ِيهِ [الشورى:35]، وقال: َالَ تَ ُو ُواْ ك َّ ِينَ تَف َّ ُواْ َاخْتَلَ ُواْ ِن َع ِ مَا َاءه ُ الْب ِّ َا ُ [آل‬
                               ‫م ُْ ف‬      ‫ِن َّذ َ ف َّق د ُ و ن شي ل‬
        ‫عمران:105]، وقال: إ َّ ال ِين َر ُواْ ِينَهمْ َكَا ُواْ ِ َعًا َّسْتَ ِنْهم ِي شَيْءٍ [األنعام:815]،‬
        ‫َطع‬                              ‫ل و َ هب ر ح ُ‬              ‫و ط ع له َرس ه و ن زع ْ‬
      ‫وقال: َأَ ِي ُواْ الّ َ و َ ُولَ ُ َالَ تَ َا َ ُوا فَتَفْشَُواْ َتذْ َ َ ِي ُكمْ [األنفال:64]، وقال: فَتَق َّ ُوا‬
                                                  ‫ْ ه ب ه ْ ز ُر ُل ح ب بم َد ِ ْ َرح‬
  ‫أَمرَ ُم َيْنَ ُم ُب ًا ك ُّ ِزْ ٍ ِ َا ل َيْهم ف ِ ُونَ [المؤمنون:31]، والزبر: الكتب، أي: فرقة صنفوا‬
                                                                                      ‫ب‬
     ‫كت ًا أخذوا بها وعملوا بها ودعوا إليها دون كتب اآلخرين كما هو الواقع عند بعض الجماعات‬
                                                                                                               ‫ولألسف.‬
                                                   ‫ْم َض وج ه و َد وج ه‬
‫وقال: يَو َ تَبْي ُّ ُ ُو ٌ َتَسْو ُّ ُ ُو ٌ [آل عمران:605]، قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة‬
                                                            ‫واالئتالف، وتسود وجوه أهل الفرقة واالختالف).‬
    ‫وقال النبي : ((ال تختلفوا فتختلف قلوبكم))، وقال: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا‬
                                                                                                     ‫اختلفتم فقوموا)).‬
       ‫ف‬
      ‫ولقد كان التنازع واالختالف أشد شيء على رسول اهلل ، وكان إذا رأى من الصحابة اختال ًا‬
                                       ‫فق‬                                        ‫ر‬
‫يسي ًا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنما ُ ِئ فيه حب الرمان ويقول: ((أبهذا أمرتم)).‬
                           ‫إن االختالف مهلكة، والمقصود أن االختالف مناف لما بعث اهلل به رسوله .‬
                  ‫قال عمر رضي اهلل عنه: (ال تختلفوا؛ فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختالفا).‬
                                                           ‫ي‬
‫ولما سمع رضي اهلل عنه أب ّ بن كعب وابن مسعود يختلفان في صالة الرجل في الثوب الواحد أو‬
                        ‫ّ‬
  ‫الثوبين صعد المنبر، وقال: (رجالن من أصحاب النبي اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟‬
                                                 ‫ما أسمع اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إال صنعت وصنعت).‬
       ‫وقال علي رضي اهلل عنه في خالفته للقضاة: (اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخالف،‬
                                                                           ‫وأرجو أن أموت كما مات أصحابي).‬
                       ‫وقد أخبر النبي أن هالك األمم من قبلنا إنما كان باختالفهم على أنبيائهم.‬
     ‫وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن األسقع: خرج علينا رسول اهلل ونحن نتنازع في شيء من‬
                                                                  ‫د‬
‫الدين، فغضب غضبًا شدي ًا لم يغضب مثله، قال: ثم انتهرنا، قال: ((يا أمة محمد، ال تهيجوا على‬
     ‫أنفسكم وهج النار))، ثم قال: ((أبهذا أمرتم؟! أوليس عن هذا نهيتم؟! إنما هلك من كان قبلكم‬
                                                                    ‫س‬
                                      ‫بهذا))، وعنه قال: (( ِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
‫قال : ((إذا قال الرجل ألخيه يا كفر، وجب الكفر على أحدهما))، ال يرمي رجل رجالً بالفسق أو‬
‫الكفر إال ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك، ما شهد رجل على رجل بالكفر إال باء بها أحدهما‬
                                                   ‫ر‬                              ‫ر‬
                            ‫إن كان كاف ًا فهو كما قال، وإن لم يكن كاف ًا فقد كفر بتكفيره إياه.‬
  ‫قال حذيفة بن اليمان: قال رسول اهلل : ((إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت‬
   ‫عليه بهجته وكان رداء اإلسالم أعثره إلى ما شاء اهلل، وانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وخرج‬
   ‫على جاره بالسيف، ورماه بالشرك))، قال: قلت: يا رسول اهلل، أيهما أولى بالشرك المرمي أو‬
                                                            ‫الرامي؟ قال: (( ال، بل الرامي)).‬
 ‫فهل من العقل أو الدين ـ يا أمة اإلسالم ـ أن يكفر المسلمون بعضهم بعضًا، أو تهدر األوقات‬
      ‫وتقام العداوات في مسائل الفروع، ويصنف الناس بأهواء وآراء مستوردة من دعاة التفريق‬
 ‫والتجريح والطعن والسباب، ممن لو تتبعت جذورهم لوجدتهم موجهين بدون شعور إذ ال شعور‬
                                                                                       ‫عندهم.‬
                       ‫ز‬                ‫ل‬
   ‫والدليل على أن القوم في سباتهم يعمهون أنهم يؤّفون الرسائل ويو ّعون األشرطة في الطعن‬
   ‫والسباب وسوء الظن والتحريش بين المسلمين، ويتفرجون فقط على أعمال اليهود والصليبيين‬
                 ‫ر‬
 ‫ومكائدهم لإلسالم، وال يغيرون المنكر، بل إنهم يرون خطر اليهود أقل خط ًا من خطر إخوانهم‬
                                                               ‫الذين نبذوهم باأللقاب والبهتان.‬

‫(5/7853)‬




                                                                                        ‫السفر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                            ‫موضوعات عامة‬
                                                                              ‫السياحة والسفر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫فهد بن عبد اهلل الصالح‬
                                                                                                                    ‫المجمعة‬
                                                                                                       ‫إبراهيم التويجري‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- اإلجازة والسفر. 7- أنواع السفر في اإلسالم. 3- وقفات مع المسافرين. 4- توجيهات عامة‬
                                                         ‫للمسافرين. 1- أخطاء يقع فيها كثير من المسافرين.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل، ونحن على أبواب اإلجازة الصيفية يناسب الحديث عن السفر والسياحة، إذ إن البعض‬
     ‫ض‬                               ‫ض‬
‫من المسلمين اعتاد أن يسافر في هذه اإلجازة، وبع ٌ أخطأ في وجهته أثناء سفره, وبع ٌ سأل:‬
                                                                  ‫إلى أين يسافر هذه األيام؟ وال عجب في ذلك.‬
   ‫ن‬                                                             ‫ر‬
 ‫فالسياحة في األرض أم ٌ محبب للنفوس؛ ألن النفس تَمل المكث والبقاء في مكان واحد، وقد ُقل‬
 ‫عن الزاهد الورع بشرٍ الحافي رحمه اهلل أنه قال: "يا معشر القراء، سيحوا تطيبوا، فإن الماء إذا‬
                                                                  ‫ساح طاب، وإذا طال مقامه في موضع تغير".‬
‫والسفر ـ أيها اإلخوة ـ له مقاصد في اإلسالم كثيرة ومشروعة، فأعلى أنواع السفر هو ما كان‬
‫للجهاد في سبيل اهلل ونصرة الدين والدعوة إلى اهلل وإغاثة المسلمين وتفقد أحوالهم، وفي الحديث:‬
                                                                                               ‫((سياحة أمتي الجهاد)).‬
         ‫ِر ف ف و ال‬
         ‫ولقد أمر اهلل بالخروج والنفرة من أجل الغزو والجهاد، قال اهلل تعالى: انْف ُواْ خِ َا ًا َثِقَا ً‬
 ‫كن‬                            ‫هد ب ل ُ وأ فس ُ ف سب الل ل ُ ر ل ُ إ ك ُ م‬
 ‫وَجَا ِ ُواْ ِأَمْواِكمْ ََن ُ ِكمْ ِي َ ِيلِ َّهِ ذاِكمْ خَيْ ٌ َّكمْ ِن ُنتمْ تَعْلَ ُونَ [التوبة:54]، وقال: لَا ِ ِ‬
  ‫هم ْر ت وأ ك هم م لح ن‬                                  ‫الرس ل و َّذ ن من معه َد ب ل ِ وأ فسه وأ‬
  ‫َّ ُو ُ َال ِي َ ءا َ ُواْ َ َ ُ جَاه ُواْ ِأَمْواِهمْ ََن ُ ِ ِمْ َُوْلَئِكَ لَ ُ ُ الْخَي َا ُ َُوْلَئِ َ ُ ُ الْ ُفِْ ُو َ‬
                                                                                                              ‫[التوبة:88].‬
                                                           ‫ء‬
    ‫والسفر يكون للحج والعمرة سوا ً حج الفريضة أو النافلة, ويكون لطلب العلم رفعًا للجهل عن‬
                                                      ‫ق‬                             ‫ع‬
     ‫النفس ونف ًا لألمة، يقول : ((من سلك طري ًا يلتمس به علمًا سهل اهلل لديه طريقًا إلى الجنة))‬
                                                                                                                ‫رواه مسلم.‬
     ‫والسفر يكون لطلب الرزق لتعذر حصوله في بلده, ويكون السفر بقصد التجارة وجلب السلع‬
                                                                                                               ‫وتصديرها.‬
‫ومن السفر ما يكون للبقاع الكريمة الثالثة لقوله : ((ال تشد الرحال إالَ إلى ثالث مساجد، مسجدي‬
                                    ‫هذا ـ يعنى المسجد النبوي ـ والمسجد الحرام والمسجد األقصى)).‬
     ‫ومن السفر المشروع ـ أيها اإلخوة ـ السفر لصلة الرحم وزيارة األقارب واإلخوان في اهلل‬
     ‫تعالى، جاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: ((زار رجل أخًا له في قرية، فأرصد اهلل على‬
         ‫ة ترب‬
 ‫مدرجته ملكًا، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخي في هذه القرية، قال: هل لك من نعم ٍ ُّها عليه؟‬
 ‫قال: ال، غير أني أحببته في اهلل عز وجل، قال: فإني رسول اهلل إليك بأن اهلل قد أحبك كما أحببته‬
                                                                                            ‫فيه)) رواه مسلم.‬
                                                     ‫هذه معظم أنواع السفر المشروعة في دين اإلسالم.‬
  ‫ويبقى سفر مباح وسفر محرم، وتبقى النية هي التي تحكم على العمل، فهذا العالمة أبو بكر ابن‬
   ‫العربي رحمه اهلل يبين أهمية النية في السفر، بعد أن عدد أنواع السفر، يقول رحمه اهلل: "فالنية‬
 ‫تقلب الواجب من هذا حراما، والحرام حالال، بحسب حسن القصد وإخالص السر عن الشوائب".‬
                                                               ‫ٌ‬
          ‫أيها المسلمون، هنالك وقفات سريعة مع موضوع السفر بعد أن عرفنا شيئًَّا عن أنواعه.‬
                                                         ‫ب‬      ‫ر‬
  ‫فالسفر في اإلجازة ليس أم ًا واج ًا، والذين ال يسافرون ليسوا على خطأ؛ إذ األصل هو اإلقامة‬
                                                               ‫ب‬      ‫إم‬
                                ‫واالستقرار، ولكن يبقى السفر َّا واج ًا أو مباحًا أو حرامًا كما تقدم.‬
                                                   ‫ر‬
‫وإذا كان بعض اآلباء يسافرون بعائالتهم سف ًا نزيهًا للفرجة وتغيير الجو عليهم ومكافأةِ الناجحين‬
  ‫على اجتهادهم، إالَ أنه ال يحق للزوجة وال لألوالد مضايقة األب أو إحراجه إذا كان ال يستطيع‬
                                                                              ‫م‬
    ‫السفر بهم، إ َّا لقلة ذات اليد أو لعدم التفرغ أو غيرها من الشواغل والموانع. ومن التجاوزات‬
                                                                                     ‫م‬
                                                  ‫الخاطئة أن يح ّل اإلنسان نفسه ديونًا من أجل السفر.‬
‫ووقفة أخرى ـ أيها اإلخوة ـ مع السفر وأماكن السفر، فمعلوم أن بالد الكفر كأوربا وأمريكا هي‬
                           ‫د‬
 ‫بالد ليست إسالمية، فال يسمع فيه األذان للصالة، وال تكاد ترى مسج ًا إالَ نادرا، ومظاهر الكفر‬
                     ‫ض‬
       ‫والفسق والفجور فيها منتشرة, وقريبًا من هذا الوضع المتردي أخالقيًا بع ُ الدول العربية‬
       ‫واإلسالمية التي دمرها االستعمار أثناء وجوده، ونشر فيها المراقص والزنا وأماكن الخمر‬
              ‫إال‬                                ‫ر‬
      ‫واالختالط, فالذهاب إلى هذه البالد خط ٌ على اإلنسان وعلى أخالقه وسلوكه، َّ لمن ذهب‬
                                                                               ‫ٍ‬
       ‫لمصلحة راجحة وغلب على ظنه أنه لن يقع في هذه المستنقعات، ولن يتأثر بتلك المظاهر‬
                                                                                                      ‫والمفاتن.‬
‫أيها المسلمون، األولى باإلنسان إذا أراد السفر أن يختار المكان الالئق به، فالسياحة داخل المملكة‬
‫أصبحت وهلل الحمد متيسرة إلى درجة كبيرة, وفي هذه البالد الحرمان الشريفان، واللذان تضاعف‬
     ‫فيهما الصالة مع أداء العمرة في مكة, وفي هذه البالد أماكن طيبة الهواء، وأماكن تطل على‬
                                                ‫البحار، ووسائل التنقل متيسرة والطرق معظمها سريع.‬
              ‫ء‬
 ‫ووقفة ثالثة ـ أيها األحبة ـ مع السفر وهو وجوب البعد عن أماكن الشر، سوا ً كان في أسواق‬
  ‫فيها نساء أو حفالت غنائية، أو مهرجانات فيها صخب واختالط، أو أي أمر ٍ محرم في الشرع.‬
   ‫ر‬
 ‫فال يحل للمسلم أن يذهب بنفسه أو يصطحب عائلته إلى أي موقع يغلب على ظنه أن فيه منك ًا،‬
    ‫ِ ع ُ‬             ‫ت‬        ‫َّذ خ ض َ ف‬               ‫وِ ر‬
  ‫وقد قال اهلل تعالى في محكم كتابه العزيز: َإذَا َأَيْتَ ال ِينَ يَ ُو ُون ِي ءايَا ِنَا فَأَعْرضْ َنْهمْ‬
     ‫ْ الظ لم ن‬           ‫ُ ب ْ الذ ْر م‬              ‫ْ ه وِم ي س َن الش ُ‬                 ‫َت خ ض ْ ف َد‬
     ‫ح َّى يَ ُو ُوا ِي ح ِيثٍ غَيرِ ِ َإ َّا ُن ِيَّكَ َّيْطَان فَالَ تَقْعدْ َعدَ ِّك َى َعَ الْقَومِ َّاِ ِي َ‬
                                                                                                               ‫[األنعام:86].‬
                                             ‫أمَا الوقفة الرابعة فهي ضبط األهل واألوالد وذلك أثناء السفر.‬
    ‫فينبغي مراعاة تصرف األوالد والبنات، فال يذهبوا إلى أي مكان شاؤوا دون إذن ورقابة، وال‬
                       ‫ت‬
     ‫تتساهل المرأة في أمر الحجاب في األسواق والطرقات بحجة أنها ال ُعرف، فالحجاب شريعة‬
                                                                                        ‫ي‬
‫ُتعبد اهلل بها في كل مكان، وهو ستر لها عن أعين جميع الرجال، وكذا مراقبة األوالد في مشاهدة‬
                                                      ‫القنوات الفضائية التي توجد في بعض الشقق المفروشة.‬
‫وأمَا من اضطر إلى السفر خارج هذه البالد إلى بالد فيها تبرج واختالط وخمر ومخدرات، فعليه‬
   ‫أن يراقب ربه وأن يغض بصره، وأن يبحث عن سكن ليس فيه منكرات، وأن يبتعد عن جميع‬
                  ‫ض‬     ‫ال‬                         ‫شيئ‬
    ‫األماكن التي يغلب على ظنه أن فيها ًَّا من ذلك، وإال أصبح متساه ً معر ًا نفسه المهالك‬
                                                                                                  ‫والوقوع فيما حرم اهلل.‬
                                            ‫ر‬      ‫ر‬
        ‫والمسافرون ـ أيها اإلخوة ـ سواءً كان سف ًا قصي ًا أو طويالً عليهم أن يحسنوا النية في‬
                                                  ‫د‬
                                            ‫سفرهم، وال ينسوا دعاء السفر، فهو دعاء عظيم وور ٌ حصين.‬
                                                          ‫م‬
    ‫وعليهم اختيار الرفيق الصالح وقدي ًا قيل: "الرفيق قبل الطريق"، وإنما سمى السفر بهذه االسم‬
                                                                          ‫ألنه يسفر عن حقيقة المرء وعن أخالقه.‬
      ‫وعلى المسافرين أن يتأملوا عجيب صنع اهلل في المناظر الطبيعية، في األنهار والبحار، وأن‬
  ‫وإم‬                                                   ‫إم‬                    ‫ر‬
 ‫يتأملوا كثي ًا في واقع بعض الدول َّا لفقر أهلها مع وجود الخيرات واألنهار والبحار فيها، َّا‬
                                                   ‫وإم‬
       ‫الضطراب الحياة االجتماعية واألخالقية، َّا لخراب ديارهم كبقايا األمم السالفة، وكل ذلك‬
         ‫بسبب التكذيب والبعد عن التمسك الدين. يقول اهلل تعالى في ذلك: أَ َلمْ َ ِير ُا ِي األر ِ‬
         ‫ْض‬      ‫وَ يس و ْ ف‬
‫ْ ِ خ ُم‬           ‫ثر ف‬           ‫ن م له ن ُ َد م ه ْ ُو‬                                   ‫ع قبة َّذ‬                     ‫ي ُر‬
‫فَ َنظ ُواْ كَيْفَ كَانَ َا ِ َ ُ ال ِينَ كَا ُواْ ِن قَبِْ ِمْ كَا ُواْ همْ أَش َّ ِنْ ُم ق َّةً وَءا َا ًا ِي األرض فَأَ َذَه ُ‬
                                                                       ‫ه م الل م و‬                ‫الله ِذن ب ِ وم‬
                                                         ‫َّ ُ ب ُ ُو ِهمْ َ َا كَانَ لَ ُم ّنَ َّهِ ِن َاقٍ [غافر:57].‬
‫وينبغي على مريد السفر أن يتجنب اإلسراف في المسكن والمأكل وغيرهما من المصروفات؛ فإن‬
                                                                                        ‫اهلل أمر بالتوسط في كل شيء.‬
                   ‫حل ت‬                                              ‫حل‬
    ‫والمؤمن كالغيث حيثما َ ّ كان الخير والفالح، فعلى المسلم أن يكون في ِِه و ِرحاله داعية ًَّ‬
  ‫إلى اهلل بالقدوة الطيبة والموعظة الحسنة وإهداء الشريط والمطوية والكتاب المناسب والمشاركة‬
                ‫ي‬                                     ‫ر‬
 ‫في أعمال الخير المتنوعة، وكما يكون آم ًا بالمعروف وداعيًا إلى اهلل يكون ناه ًا عن المنكر إذا‬
                                                                                                             ‫صادفه أو رآه.‬
     ‫ي ث‬
    ‫هذا هو عمل المسلم، هو في عباده وفي طاعة، وفي عمل صالح ما دام في رحلة الحياة َمت ِل‬
                                                                   ‫و ُ َبك َت ي تي يق ن‬
                                                       ‫قوله تعالى: َاعْبدْ ر َّ َ ح َّى َأْ ِ َكَ الْ َ ِي ُ [الحجر:88].‬
      ‫َز‬
‫والمسافر عليه أن يلهث بشكرِ اهلل على نعمه، فهو سبحانه وتعالى الذي سهل له سفره، ور َقه هذا‬
     ‫المال وهذه الزوجة وهؤالء األوالد، وأعطاه هذه المركبة، ومكنه من قيادتها وسهل له الطرق‬
‫ووسائل المواصالت من طائرات وسيارات، فاإلنسان يقطع الطريق إلى مكة المكرمة في أقل من‬
                                        ‫ال‬     ‫ر‬
                       ‫نهار، ولقد كان اآلباء واألجداد يمكثون شه ًا كام ً مع التعب والنصب.‬
                                                                   ‫ت‬
           ‫فهذه النعم ينبغي أن ُشكر هلل، ومن شكرها عدم استخدامها في غير طاعة اهلل تعالى.‬
 ‫ومن األخطاء التي يقع فيها بعض المسافرين ـ هداهم اهلل ـ التساهل في أمر الصالة، فال ينتبه‬
                                                        ‫ب‬
       ‫عند بحثه عن سكن أن يكون قري ًا من مسجد, فإذا استقر واستأجر وإذا ليس بقربه مسجد‬
                          ‫د‬
     ‫فأصبحت الصالة بعضها يذهب لها بسيارة، وأكثرها يصليها منفر ًا في المنزل، وهذا خطأ‬
                                        ‫وتفريط، ومثل السكن والجلوس في بعض المنتزهات.‬
  ‫فعلى المسلم أن يبحث عن جماعة يصلي معهم. وللمسافر دعوة مستجابة فال يحرم نفسه وأهله‬
                                                                            ‫والمسلمين منها.‬
   ‫هذه ـ معاشر األحبة ـ بعض الوقفات السريعة مع أمور تتعلق بالسفر، وهي من فقه السفر،‬
                                      ‫ر‬
                   ‫وفي الحديث الصحيح عنه أنه قال: ((من يرد اهلل به خي ًا يفقهه في الدين)).‬
      ‫جعلنا اهلل وإياكم من أهل التقى والرشاد، وممن يراقب اهلل في السر والخفاء، وجنبنا وإياكم‬
                                              ‫ي‬
                                         ‫المعاصي والمنكرات،ووفقنا لمرضاته، إنه ول ّ ذلك.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/3853)‬




                                                                                           ‫ع‬
                                                                                        ‫ال ِلْم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                     ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                               ‫العلم الشرعي, قضايا المجتمع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫فهد بن عبد اهلل الصالح‬
                                                                                    ‫المجمعة‬
                                                                           ‫إبراهيم التويجري‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- الجهل العدو األكبر لإلنسان. 7- فضل العلم. 3- مكانة األمة الجاهلة بين األمم. 4- حاجة‬
‫األمة اإلسالمية للعلماء. 1- من أساليب الدعوة للتنصير. 6- طرق تحصيل العلم. 2- رسالة إلى‬
                                                                               ‫الشباب وأوليائهم وللمجتمع.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                       ‫ء‬
    ‫أيها اإلخوة في اهلل، لإلنسان أعدا ٌ كثيرون يسعون للقضاء عليه وتهميش دوره في هذا الكون،‬
                                                         ‫ٌ‬
         ‫ويبرز من بين تلكم األعداء عدو شرس فتك باألمم وذهب بخيرات بالدها، وجعلها فريسة‬
                                                                                                     ‫لألعداء.‬
        ‫هذا العدو اللدود هو الذي جعل اإلنسان ينسى خالقه، ويعبد شهوته، هذا العدو اسمه الجهل.‬
                                ‫أ‬
   ‫إن الجهل ـ أيها اإلخوة ـ ما وصف به شيء إال شانه، وال ُضيف إلى شيء إال أساء إليه, ما‬
                                                                         ‫و‬              ‫غ‬
    ‫ُزيت العقول غز ًا فكريًا وال تحول العاقل الرشيد إلى بوق يصفق للعدو ويهتف بشعاراته إال‬
                                                                               ‫عبر قنوات الجهل والتخلف.‬
                                                          ‫م‬
      ‫ومن أجل هذه المصائب وغيرها أَ َر الخالق سبحانه عباده بالعلم، وحث على التعلم، وتوالت‬
‫الله َّذ ن من م ك و َّذ أ ت ع ْم‬                              ‫َ‬
‫الرساالت السماوية تدعو إلى العلم وترفع من شأنه: يرْفَعِ َّ ُ ال ِي َ ءا َ ُواْ ِن ُمْ َال ِينَ ُو ُواْ الْ ِل َ‬
                                                                                                          ‫َ‬
                                                                                    ‫درَجَاتٍ [المجادلة:55].‬
     ‫َق رب‬            ‫ب‬
     ‫ولم يأمر اهلل نبيه بطلب االزدياد من شيء إال من العلم، وذلك في قوله مخاط ًا إياه: و ُل َّ ّ‬
                                                                                                   ‫ِن ع‬
                                                                                    ‫زدْ ِي ِلْمًا [طه:455].‬
  ‫وأقسم اهلل بالتعلم لما له من عظيم األثر في محو األمية، ورفع مستوى الثقافة والمعرفة، بسم اهلل‬
                                                                     ‫و َ و ي ُر‬
                                                       ‫الرحمن الرحيم: ن َالْقَلمِ َمَا َسْط ُونَ [القلم:5].‬
                                                                                      ‫ر‬
     ‫وقد ك ّمَ اهلل اإلنسان على سائر الحيوان بالعلم، وبقدر ما يحمل اإلنسان من العلم يكون فضله‬
    ‫ومقداره. فالعلم من خصائص اإلنسان، فإذا تخلى عنه فقد تخلى عن إنسانيته، ورسول اهلل كان‬
   ‫قدوةَ الداعين إلى التعلم بأقواله وأفعاله، حتى جعل التعلم فريضة ًَّ الزمةً لكل فرد، وذلك بقوله:‬
   ‫ة‬
   ‫((طلب العلم فريضة ٌ على كل مسلم ومسلمة)). وحرر بعض أسرى بدر على أن يعلموا طائف ً‬
    ‫من المسلمين القراءة والكتابة. وسار على هذا النهج السلف الصالح رحمهم اهلل، كانوا يوجهون‬
   ‫النشء إلى التعليم لينشؤوا صالحين ألنفسهم وألمتهم. يقول عبد الملك بن مروان لبنيه: "يا بني،‬
                          ‫ع‬                  ‫ست‬                    ‫فت‬
                     ‫تعلموا العلم، فإن كنتم سادة ُق ُم، وإن كنتم وسطًا ُد ُم، وإن كنتم سوقةً ِشتم".‬
                                     ‫م‬
  ‫أيها المسلمون، إن التسابق اليوم بين قوى األرض هو في ِضمار العلم. واألمة الجاهلة المتخلفة‬
     ‫ال مكان لها بين األمم، بل إنها األمة الضعيفة المنهزمة دائمًا العالة على غيرها حتى ولو كان‬
                                                                                                      ‫عدوها.‬
‫ودول الغرب الكافرة ما وصلت إلى ما وصلت إليه من علو شأنها وقوةِ اقتصادها ونفاذ أمرها إ َ‬
‫ال‬
                        ‫ت‬                            ‫ر‬
      ‫بسالح العلم, في الوقت ذاته نجد كثي ًا من ديار اإلسالم تعيش حاال ٍ من التخلف والمرض؛‬
    ‫بسبب جهل أبنائها، مما جعل األعداء يجدون مراتع خصبة إلخراجهم عن ديارهم وإدخالهم في‬
                                                                                              ‫النصرانية الكافرة.‬
                                                                     ‫ص‬         ‫ش‬
      ‫تأتى جيو ٌ من المن ّرين من أوربا وأمريكا إلى بلدانٍ إسالمية في أفريقيا وفي شمال شرق‬
    ‫وأواسط آسيا لعالج مرضى المسلمين، وتعليمهم القراءة والكتابة، يعطونهم العالج وعليه شعار‬
        ‫الصليب، ومكتوب عليه هدية من المسيح، ويعلمونهم مبادئ النصرانية وعقائدها المنحرفة،‬
    ‫ويشوهون حقائق اإلسالم حتى ينفر الناس منه. ويقولون لهم: نحن إخوانكم وأحبابكم، ولو كان‬
                                                                       ‫ح‬
       ‫اإلسالم دينًا صحي ًا لجاء أتباعه المسلمون لنصرة إخوانهم. وما حدث هذا وغيره إال بسبب‬
                                        ‫الجهل وقلةِ الوعي الديني وقلة األطباء والمعلمين من المسلمين.‬
           ‫أيها المسلمون، إن اهلل تعالى لفت أنظار الناس إلى الكون وما فيه ليتعرفوا على أسراره،‬
        ‫جم م ه‬            ‫وم ف َ‬             ‫و َّ ُ م ف الس‬              ‫ر‬
        ‫ويستخرجوا كنوزه فهو مسخ ٌ لهم، َسَخرَ لَكمْ َّا ِي َّمَاواتِ َ َا ِي األرْضِ َ ِيعًا ّنْ ُ‬
                        ‫[الجاثية:35]. كما أنه أشار إلى تعلم الصناعات وكل ما يتوقف عليه العمران.‬
                                                                          ‫ي‬
   ‫فقد خلق الحديد وب ّن أن فيه قوة ًَّ لصد المعتدين ومحاربة الظالمين، وفيه منافع للناس يصنعون‬
    ‫منه ما يالئم عصورهم من عجائب المصنوعات ودقيق اآلالت، فقال تعالى: َأَنزْلْنَا الْح ِيد ِي ِ‬
    ‫َد َ ف ه‬                ‫و‬
              ‫ت م ُوة‬                 ‫و ِد ُ م‬                                         ‫س َد د ومن ع ِلن‬
‫بَأْ ٌ ش ِي ٌ َ َ َافِ ُ ل َّاسِ [الحديد:17]، ويقول تعالى: َأَع ُّواْ لَهمْ َّا اسْتَطَعْ ُم ّن ق َّ ٍ [األنفال:06].‬
‫وإعداد القوة يقتضي تعلم صناعة الذخائر الحربية والتدريبات العسكرية التي تالئم كل عصر. كل‬
  ‫ذلك من أجل حماية الدين وأعراض المسلمين وأموالهم ودمائهم، ومن أجل إقامة شريعة الجهاد.‬
                                                      ‫ث‬                ‫ر‬
    ‫أيها المؤمنون، د َج عند البعض تحد ًا أو كتابة وصف العلوم الشرعية كعلوم القرآن والحديث‬
‫والتفسير والفقه والعقيدة علومًا دينية، هذه التسمية غير صحيحة؛ ألنه يفهم منها أن العلوم األخرى‬
                                                 ‫م‬
                                      ‫كالطب والهندسة والكيمياء والرياضيات ونحوها علو ٌ غير دينية.‬
                                                   ‫م‬
      ‫والحق الذي عليه الدليل أن جميع العلوم علو ٌ دينية؛ ألن الدين شرعها أو أباحها، بل أمر بها‬
   ‫وحث على تعلمها؛ ألنها من ضرورات الحياة وال تستقيم الحياة البشرية إالَ بها، والمسلم محتاج‬
              ‫ر‬
 ‫لها حتمًا، محتاج للطب والصيدلة والهندسة وغيرها، فإن لم يكن من أهلها كان أسي ًا لعدوه، ولقد‬
                                         ‫ع الله ل ك ِر عل م من سب‬                           ‫ول‬
                       ‫نهى اهلل عن ذلك: ََن يَجْ َلَ َّ ُ ِلْ َاف ِينَ ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ َ ِيالً [النساء:545].‬
                                           ‫ل‬
      ‫أيها اإلخوة في اهلل، إن العلم والمعرفة والثقافة ال توَد مع اإلنسان، بل ال بد من اكتسابها من‬
                                              ‫طرقها المتنوعة، وفي كل عصر تتجدد وسائل طلب العلم.‬
 ‫فأحسن طرق كسب العلم الشرعي مالزمة العلماء وسؤالهم، ومن لم يتيسر له ذلك فعليه بالكليات‬
   ‫الشرعية، وتبقى وسيلة القراءة الفردية وحضور المحاضرات والندوات وسماعها عبر األشرطة‬
                                                                 ‫المسجلة تبقى في متناول كل إنسان بحسبه.‬
  ‫أيها المسلمون، لن تنهض أمة اإلسالم من جمودها ولن ترقى سلم العز والمجد، ولن تحافظ على‬
   ‫أعراضها ودمائها إالَ باعتمادها على ربها، ثم اعتمادها على شبابها، والجميع مسئول عن ذلك.‬
‫فالشباب المسلم عليه الجد واالجتهاد، والبعد عن إضاعة األوقات منذ دخوله المدرسة حتى يتخرج‬
 ‫من الثانوية، بهمةٍ عالية وتحصيل مرتفع، وطموح ال نهاية له لنيل الشهادات العالية، والتخصص‬
      ‫في علوم الحياة المتنوعة. وولي أمر الولد عليه متابعة ابنه منذ الصغر، وعدم إشغاله وقت‬
‫الدراسة، والسؤال عنه وتشجيعه على الدراسة، وإبعاده عن قرناء السوء وكل ما يشغله عن طاعة‬
                                                                       ‫ربه وعن مستقبله.‬
‫والمجتمع المسلم مسؤول عن أبنائه في فتح المدارس والجامعات لهم، واختيار النخبة من المعلمين‬
    ‫والمسؤولين, وبتضافر الجهود والهمم تبني األمة مجدها، وتنتقل من مؤخرة الركب إلى قيادة‬
   ‫القافلة، وتكون بحق خير أمةٍ أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن باهلل.‬
                       ‫ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اهلل ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم.‬
                                                          ‫أقول قولي هذا، واستغفر اهلل لي.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫لم ترد.‬

‫(5/4853)‬




                                                                               ‫غزوة بدر‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                              ‫المسلمون في العالم, غزوات‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                   ‫فهد بن عبد اهلل الصالح‬
                                                                                 ‫المجمعة‬
                                                                        ‫إبراهيم التويجري‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- تاريخه الغزوة وسببها وأحداثها وآثارها. 7- فضل الجهاد في سبيل اهلل. 3- أسباب تخلف‬
                                       ‫األمة. 4- من مآسي المسلمين في البوسنة والهرسك.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
    ‫أمَا بعد: أيها المسلمون، شهر رمضان شهر القرآن، شهر كتاب اهلل الكريم، فيه خبر ما قبلكم‬
     ‫َّ أ ِ َ ف ُ ن‬                 ‫ُ رم‬              ‫ط‬
     ‫وحكم ما بينكم، كتاب اهلل الذي يهدي إلى صرا ٍ مستقيم، شَهْر َ َضَانَ الذِي ُنزل ِيهِ الْقرْآ ُ‬
                     ‫ن‬             ‫م‬                              ‫ُ ّلن و َي ت م هد و ُ ْ‬
‫هدًى ل َّاسِ َبِّنَا ٍ ِّنَ الْ ُ َى َالْفرقَانِ [البقرة:185]، فالقرآن س َاه اهلل فرقا ًا ألن فيه التفريق بين‬
                                          ‫الحق والباطل، وبين الحالل والحرام، وبين اإليمان والضالل.‬
   ‫ن‬                            ‫ن‬                  ‫ن‬
   ‫وفي شهر رمضان ـ أيها اإلخوة ـ فرقا ٌ من نوع آخر، فرقا ٌ بين الحق والباطل، إنه فرقا ُ‬
                             ‫و ز عل ع ْد ْ ف ْ ن ْ ق ج‬
‫بدر المعركة الكبرى، َمَا أَن َلْنَا ََى َب ِنَا يَومَ الْ ُرقَا ِ يَومَ الْتَ َى الْ َمْعَانِ [األنفال:54]، لقد سمى‬
                          ‫اهلل تعالى يوم بدر فرقانا ألنه المعركة األولى التي تميز بين الحق والباطل.‬
       ‫ص‬
  ‫ولئن وقعت هذه المعركة في رمضان من السنة الثانية من الهجرة فإن النصر لم يكن خا ًا بمن‬
                                                  ‫ر‬
                  ‫كان له شرف خوضها، إن النصر فيها هو نص ٌ لهذا الدين ولمن يحمل هذا الدين.‬
                            ‫ة‬
        ‫لقد كانت معركة بدر أولى المعارك في تاريخ اإلسالم، وأول مواجه ٍ بين المؤمنين وأعداء‬
                                                                                                          ‫الدعوة.‬
‫لقد خرج المسلمون مع الرسول من المدينة يوم بدر، وهم ال ينوون قتاالً، إنما يريدون قافلة التجار‬
         ‫الخاصة بكفار مكة ليستولوا عليها في مقابل جانب مما استولى المشركون عليه من أموال‬
 ‫المسلمين وحقوقهم، فهم لم يأخذوا للمعركة حسابا، ولم يعدوا للقتال عدة، هذه مشيئتهم، ولكن شاء‬
                                                                                               ‫ر‬
                                                    ‫اهلل أم ًا آخر، شاء اهلل أن يكون القتال مع المشركين.‬
              ‫ش‬                                                                       ‫ع‬
     ‫ِير قريش التي أتت من الشام استطاع قائدها أبو سفيان النجاة بها، ولكن قري ٌ أصرت على‬
                                                            ‫د‬                 ‫ر‬
    ‫الخروج بط ًا ورئاء الناس وص ًا عن سبيل اهلل، حتى قال أبو جهل: واهلل، ال نرجع حتى نبلغ‬
                                                                                        ‫ر‬
  ‫بد ًا، ونقيم فيها ثالثًا، تنحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فال يزالون‬
                                                                                                      ‫د‬
                                                                                                    ‫يهابوننا أب ًا.‬
                            ‫م‬           ‫م‬
‫وأعلم النبي أصحابه أن اهلل وعده إحدى الطائفتين، إ َا العير وإ َا قريش، وأخذ من أصحابه الرأي‬
                                              ‫س‬
         ‫والمشورة، فأشاروا عليه بمقاتلة المشركين، ف ُر من موقف المهاجرين واألنصار، ثم قال:‬
   ‫((سيروا وأبشروا، فواهلل لكأني أنظر إلى مصارع القوم)). فساروا إلى الموقع واختاروا المكان‬
                                            ‫ال‬
        ‫المناسب، ولجأ النبي إلى ربه مستنزال نصره قائ ً : ((اللهم قريش جاءت بفخرها وخيالئها‬
                                                                        ‫د‬
  ‫وخيلها، تحا ّك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك‬
     ‫ج لُ‬            ‫َب ُ ْ‬   ‫غث‬            ‫ِ‬                       ‫د‬                ‫ت‬
   ‫هذه العصابة اليوم ال ٌعبد)). وجاء الر ّ من اهلل تبارك وتعالى: إذْ تَسْتَ ِي ُونَ رَّكم فَاسْتَ َابَ َكمْ‬
                                                                                                     ‫[األنفال:8].‬
    ‫وقد كان عدد المسلمين ثالثمائة وبضعة عشر رجال، أما خصومهم الكفار فكانوا أكثر من ألف‬
                                                 ‫مقاتل، ومعهم مائة فرس، وستمائة درع، وجمال كثيرة.‬
     ‫وما إن بدأت المعركة حتى انهزمت جموع الكفار وولت الدبر، ولقي المصير السيىء سبعون‬
    ‫منهم، وسبعون وقعوا في األسر، وفر البقية هاربين، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجال‬
                                                                                               ‫رضي اهلل عنهم.‬
    ‫أيها المسلمون، لقد استجاب اهلل دعاء رسوله ، فنصرهم اهلل على عدوه وعدوهم، مع تباين في‬
                                                              ‫ة‬
‫العدد والعدة. إن النصر سن ٌ من سنن اهلل، ينصر اهلل من ينصره، ينصر اهلل من يشاء وهو العزيز‬
                                                                                                                    ‫الرحيم.‬
    ‫ب ف ث ة ِ الله َالله مع‬                               ‫ك م ف ٍ ل‬
    ‫القلة والكثرة ليس لها حساب في سنن اهلل، َم ّن ِئَة قَِيلَةٍ غَلَ َتْ ِئَةٍ كَ ِيرَ ً بِإذْنِ َّ ِ و َّ ُ َ َ‬
‫َّاب ِي َ. على المسلمين إذا أرادوا نص ًا أن يخلصوا عملهم هلل، ويأخذوا بأسباب النصر من قو ٍ‬
‫ة‬                                                  ‫ر‬                             ‫الص ِر ن‬
                                                                                                  ‫وعدة وحيطةٍ وحذر.‬
   ‫لقد أراد اهلل تعالى للمسلمين أن تتعانق االنتصارات، انتصار الجيش اإلسالمي وانتصار القلوب‬
   ‫المؤمنة حين اتصلت باهلل وتخلصت من ضعفها الذاتي، وانتصرت على نفسها األمارة بالسوء،‬
  ‫وغلب اليقين والثقة باهلل على الحسابات الظاهرية، ونزول المالئكة األطهار لتقاتل مع المسلمين‬
                  ‫د‬                     ‫د‬
  ‫في بدر هو مدد من اهلل تعالى للمؤمنين، لم يكن مد ًا من أجل النصر بل مد ًا لنفوسهم، وبشرى‬
       ‫ج ك ن م ِدك‬
     ‫وطمأنينةً لها، أمَا النصر فلم يكن إالَ من عند اهلل. اقرؤوا كتاب اهلل: فَاسْتَ َابَ لَ ُمْ أَ ّي ُم ُّ ُمْ‬
 ‫ْف م م ئ ة ُ ْ ِف ن وم جع ه الله ِال ب ْر ول م ِن ب ِ قل ب ُ وم الن ر ِال م ع الله‬
 ‫بِأَل ٍ ّنَ الْ َلَ ِكَ ِ مرد ِي َ َ َا َ َلَ ُ َّ ُ إ َّ ُش َى َِتَطْ َئ َّ ِه ُُو ُكمْ َ َا َّصْ ُ إ َّ ِنْ ِندِ َّ ِ‬
                                                                                             ‫ِن الل َ ز حك م‬
                                                                             ‫إ َّ َّهَ عزِي ٌ َ ِي ٌ [األنفال:8-05].‬
                  ‫ي‬      ‫ت‬
        ‫معركة بدر ـ أيها اإلخوة ـ أظهرت قوة اإلسالم ودولته، تلكم التي ُهاب و ُحسب لها كل‬
                        ‫وِل ِزة وِرس له ول م من‬
      ‫حساب، وشعر المسلمون فيها بالعزة الحقيقية: َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِ ِ َِلْ ُؤْ ِ ِينَ [المنافقون:8].‬
                                                                                      ‫و‬
    ‫تذ ّق المسلمون فيها طعم اإليمان وحالوة التضحية ولذة العبادة. لقد شعر المسلمون بعد غزوة‬
                  ‫َركم الله ب َ ْر و ُ َ ِلة‬            ‫وَ‬
  ‫بدر بالعزة بعد الذلة، وباألمن بعد الخوف، َلَقدْ نَص َ ُ ُ َّ ُ ِبد ٍ َأَنتمْ أذَّ ٌ [آل عمران:375]،‬
                                                                         ‫ز‬
‫وأمة اإلسالم ع ّها في الجهاد، متى ما رفعت راية الجهاد كانت عاقبتها النصر والعزة والتمكين،‬
    ‫ومتى ما استكانت ورضيت بالقعود وتركت الجهاد ضربت بالذلة، وتسلط عليها أعداؤها بشتى‬
                                                                                                           ‫أنواع التسلط.‬
                                              ‫م‬
   ‫يقول أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه: (ال يدع قو ٌ الجهاد في سبيل اهلل إال ضربهم اهلل بالذل).‬
   ‫وروى أبو داود في سننه عن النبي أنه قال: ((إذا تبايعتم بالعينة ـ نوع من البيوع المحرمة ـ‬
‫وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع ـ أي: اشتغلتم بالزراعة والرعي ـ وتركتم الجهاد سلط اهلل‬
                                                                ‫عليكم ذال ال ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).‬
          ‫والجهاد فريضة إسالمية كفريضة الصالة والصيام، والذي شرعها أعلم بمصلحتها لعباده‬
   ‫ْئ وه ْر ل ُ وعس أ ت ِب‬                      ‫ه‬         ‫كت ع كم ق ل هو ُ ه ل ُ وعس أ‬
‫المؤمنين: ُ ِبَ َلَيْ ُ ُ الْ ِتَا ُ وَ ُ َ كرْ ٌ َّكمْ َ َ َى َن تَكْرَ ُواْ شَي ًَّا َ ُوَ خَي ٌ َّكمْ َ َ َى َن ُحُّواْ‬
                                                                ‫م‬              ‫هو َر ل ُ َالله ي َم و ُ‬
                                               ‫شَيْئًَّا وَ ُ َ ش ٌّ َّكمْ و َّ ُ َعْل ُ َأَنتمْ الَ تَعْلَ ُونَ [البقرة:657].‬
  ‫والجهاد هو أفضل عملٍ يتقرب به العبد لربه بعد اإليمان به لحديث أبى ذر رضي اهلل عنه قال:‬
     ‫قلت: يا رسول اهلل، أي العمل أفضل؟ قال : ((اإليمان باهلل والجهاد في سبيله)) رواه البخاري‬
                                                                                                                    ‫ومسلم.‬
                                        ‫ة‬      ‫م‬
   ‫ومنزلة الجهاد منزلة عظيمة ال يرقى إليها إالَ َن عظم ُ اآلخرة في قلبه وهانت عليه الدنيا، ال‬
  ‫يرقى إليها إال من تمكن اإليمان في قلبه ورسخت محبة اإليمان في سويداء قلبه، فسرى اإليمان‬
‫س‬
‫في أعضاء الجسم سريان الدم في العروق، فعاش هذا اإلنسان باهلل وهلل، وأيقن أنه لن تموت نف ٌ‬
  ‫حتى تستوفي أجلها ورزقها، وأن الروح لن تخرج إالَ في اليوم المحدد لها، وأن دخول المعارك‬
  ‫ال يقرب وال يبعد أجلها، وأنه لن يصيبه إالَ ما كتبه اهلل له، ومهما أصيب أو أوذي في اهلل فإنها‬
                                                                                                   ‫ة‬
                                                                         ‫كفار ٌ لذنوبه حتى الشوكة يشاكها.‬
 ‫بهذه العقيدة الصحيحة ربى الرسول أصحابه، فتسابقوا للجهاد، وواجهوا أعداء اهلل بثبات وإيمان،‬
     ‫وحرصوا على الموت حرص غيرهم على الحياة، فنصر اهلل دينه على أيديهم وشرفهم بخدمة‬
                                           ‫ء‬                                  ‫ء‬
                          ‫دينه، فهم أحيا ٌ بعزةٍ وتمكين فوق األرض، وهم أحيا ٌ عند ربهم يرزقون.‬
   ‫وما كانت انتصارات المسلمين إال بالجهاد، وما تسلط أعداؤنا علينا في هذا الزمن إال لما تركنا‬
                                                                                                        ‫الجهاد.‬
 ‫ل‬           ‫ي‬           ‫ر‬                                    ‫ل‬
 ‫مأساة البوسنة والهرسك مثا ٌ شاهد على ذلك، مدة اثنين وأربعين شه ًا والنصارى ُعملون القت َ‬
 ‫في رقاب المسلمين، وينتهكون أعراض المسلمات، ويخربون الديار، ويشردون األبرياء، والعالم‬
   ‫الغربي ومنظماته يقومون بأدوار المسرحية مع إخوانهم النصارى الصرب، حتى لما خافوا من‬
    ‫يقظة الجهاد ويئسوا من إبادة شعب مسلم ودولته وتشفوا من المسلمين بقتل ما يزيد عن مائتي‬
   ‫ألف مسلم، وكل فترة نسمع عن اكتشاف مقبرة جديدة، وهتك عرض أكثر من أربعين ألف فتاة‬
‫مسلمة، وجعلوا سرايفو وغيرها خرابًا دمارا، عطفوا على البوسنة باتفاق هش وظالم؛ جعلهم أقلية‬
‫داخل ديارهم يخافون أن يتخطفهم الناس، وهكذا في كل صقع من عالمنا اإلسالمي يتمكن األعداء‬
                                                                                     ‫فيه من رقاب المسلمين.‬
                              ‫ث‬                                ‫ث‬
          ‫هذا ـ أيها اإلخوة ـ حدي ٌ عن الجهاد وعن يوم الفرقان، حدي ٌ عن العزة واالنتصار.‬
‫فاتقوا اهلل يرحمكم اهلل، وخذوا من دينكم عزتكم ونصرتكم في الدنيا، وفالحكم وفوزكم في اآلخرة.‬
‫خ ف أ َ َطفكم‬                        ‫و كر ِ ت ْ ل م ْ ف َ ف‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َاذْ ُ ُواْ إذْ أَن ُم قَلِي ٌ ُّسْتَضعَ ُون ِي األرْضِ تَ َا ُونَ َن يتَخ َّ َ ُ ُ‬
                                       ‫ُر‬        ‫َل ُ‬      ‫الن ُ و ُ و َّدك ب ْ ه َ َ َ ك م الطيب‬
                      ‫َّاس فَآ َاكمْ َأَي َ ُم ِنَصرِ ِ ورزقَ ُم ّنَ َّ ّ َاتِ لَعَّكمْ تَشْك ُونَ [األنفال:67].‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                        ‫لم ترد.‬

‫(5/1853)‬




                                                                                                  ‫غض البصر‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                     ‫اآلداب والحقوق العامة, الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫فهد بن عبد اهلل الصالح‬
                                                                                       ‫المجمعة‬
                                                                             ‫إبراهيم التويجري‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
   ‫55- الدين منهج شامل لجميع مناحي الحياة. 7- أسباب انتشار األمراض الخطيرة. 3- خداع‬
                                                                       ‫ق‬
‫وتضليل من ِبلِ الغرب الكافر. 4- من طرق كيد أعداء الدين في تضليل المسلمين. 1- خطورة‬
  ‫النظر إلى الحرام. 6- األدلة على وجوب غض البصر. 2- فوائد غض البصر. 8- المنكرات‬
       ‫والفتن محك الختبار إيمان العبد. 8- واجب الفرد المسلم تجاه هذه الفتن المتالطمة. 05-‬
                                               ‫مسؤولية األب في حماية بيته من هذه المنكرات.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
     ‫عباد اهلل، إن من فضل اهلل علينا أن هدانا لإلسالم، ففيه الفالح في الدنيا والنجاة في اآلخرة.‬
                ‫ع‬
  ‫جاء دين اهلل كامالً شامالً لمناحي الحياة. في اإلسالم ـ أيها المسلمون ـ شرائ ُ وأحكام لو أخذ‬
         ‫أ‬                                      ‫ه‬               ‫ح‬      ‫ذ‬
     ‫بها المسلمون أخ ًا صحي ًا الستقامة حال ُم، ولملكوا األرض، وكانوا بحق خير أمةٍ ُخرجت‬
                                                                                        ‫للناس.‬
    ‫ومما شرعه اهلل للبشرية التوجيهات والشرائع التي تمنع الوقوع في جريمة الزنا، ذلكم المنكر‬
  ‫الفظيع الذي يجر على المجتمعات الويالت والمصائب, والتي من أبرزها األمراض الفتاكة التي‬
                                                                   ‫تعاني منها األمم والشعوب.‬
 ‫وقد كثرت في هذا الزمن مع ضعف المسلمين وتسلط الكفار والمنافقين, كثرت مع كثرة الوسائل‬
‫الحديثة التي تدعو للزنا والدعارة والفجور والخالعة، وآخر إحصائيةٍ عن مرض ـ هو واحد من‬
              ‫مسببات الزنا ـ مرض اإليدز، عدد المصابين به يصل إلى ثالثين مليون شخص.‬
 ‫وهذا رسول اهلل يحذر أمته من هذه األمراض قبل أربعة عشر قرنًا، ويخاطب في حديثه اإللهي،‬
   ‫يخاطب أفضل الناس في األمة بعد رسولها، إنهم الصحابة رضى اهلل عنهم، ويسأل ربه أن ال‬
   ‫تدرك هذه الفئة المؤمنة التي رضي اهلل عنها ورضت عنه، أن ال تدرك هذه األمراض القاتلة،‬
 ‫يقول : ((خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ باهلل أن تدركوهن)) وذكر منها: ((ما ظهرت الفاحشة في‬
                                                                  ‫َ‬
‫قوم حتى يعلنوا بها إال فشت فيهم األمراض التي لم تكن في أسالفهم)) الحديث رواه ابن ماجة في‬
                                                                                  ‫سننه وغيره.‬
                      ‫ي‬
       ‫وإذا كان الغرب الكافر بمؤسساته وإعالمه ومن يدور في فلكه إذا كان ُشرع دور السينما‬
  ‫ع‬
  ‫والمالهي وأماكن الرقص والدعارة، ثم يدعو إلى محاربة اإليدز، ويضع يومًا لذلك، وهذا خدا ٌ‬
       ‫وتضليل وتناقض وازدواجية؛ إذا كان هذا حال الغي والضالل فإن منهج اإلسالم هو الحق‬
                                                                                                  ‫والرشاد.‬
                                                            ‫ع‬      ‫م‬             ‫ر‬
‫اإلسالم ح َم الزنا تحري ًا قاط ًا، ودعا أهل اإليمان إلى البعد عنه، ودعاهم إلى الزواج المشروع‬
                                                                                                     ‫ع‬
                                                                                     ‫قط ًا لدابر الجريمة.‬
                                                      ‫ج‬
‫ومنهج اإلسالم في تحريم الزنا منه ٌ صحيح، إذ إنه ال يحرم الزنا فحسب، بل يحرم قربان الزنا،‬
        ‫و رب زن ِنه َ ح ة و سب ال‬
        ‫وهي الوسائل المؤدية لذلك، كما قال تعالى: َالَ تَقْ َ ُواْ ال ّ َى إ َّ ُ كَان فَا ِشَ ً َسَاء َ ِي ً‬
                                                                                           ‫[اإلسراء:73].‬
‫ومن الوسائل التي توقع في الزنا النظر، وهو موضوع اليوم، ولقد عرف أعداء األمة ما هي بداية‬
‫الطريق المؤدي للفاحشة، فأغرقوا المجتمعات وبالذات المجتمعات المسلمة، أغرقوها بسيل جارف‬
‫مما يدعو إلى النظر المحرم من المجالت الهابطة والمسلسالت الماجنة والصور الفاتنة، واستغلوا‬
‫إمكانات الفضاء لتدمير عفة األرض، ودعوا وسعوا إلى إخراج المرأة واختالطها مع الرجال، كل‬
        ‫ذلك من أجل إفسادها وإفساد الرجال بها، وال عجب في ذلك فهذه عقيدتهم وتلك مسالكهم.‬
                              ‫أيها المسلمون، جاء في الحديث: ((العينان تزنيان، وزناهما النظر)).‬
         ‫إطالق البصر بالنظر هو زنا للعين، وهو بريد الزنا الفرج، وهو بداية التفكيرِ في الزنا.‬
   ‫والذين يسافرون من أجل الفساد أو يبحثون عنه في كل مكان، كان سبب ذلك النظر في وجوه‬
                                                       ‫الفاتنات الكاسيات العاريات المائالت المميالت.‬
 ‫والنظر في وجوه تلك النساء يجعل بعض الرجال يزهد في زوجته وأم أوالده؛ ألنه رأى من هي‬
                                                                                      ‫أحسن منها وأجمل.‬
                                   ‫سم‬                             ‫ٌ‬
 ‫والنظر المحرم سبب لوقوع الهوى في القلب، ألنه ُ ّ إبليس يجري في عروق المرء كما يجري‬
                                                                             ‫د‬
   ‫الدم، فيفس ُ كل أجزاء الجسم، يبدأ بالباطن قبل أن يرى أثره في الظاهر، ومن أدمن النظر في‬
                                                     ‫وجوه الحسناوات لم يعد يستطيع الغفلة عن ذلك.‬
                                 ‫ل‬
    ‫إن فتنة النظر إلى ما حرم اهلل ـ أيها اإلخوة ـ هي أص ُ كل فتنة ومنجم كل شهوة، ويحكي‬
 ‫التاريخ والواقع قصصًا متواترة ألناس ضلوا بسبب النظرة المحرمة، ومنهم من ترك دينه بالكلية‬
                               ‫وتحول إلى دين عشيقته النصرانية؛ لتعلق قلبه بها ولتحقيق شرطها.‬
                                             ‫ومن وقع في داء النظر أدمن عليه وصار همه وعادته.‬
       ‫د‬                    ‫د‬
 ‫وفي الجملة أيها األحبة، فالنظر إلى ما حرم اهلل فتنة ٌ في الدين، وفسا ٌ للخلق القويم، وبري ٌ للزنا‬
                                                                                   ‫واللواط وسائر الفساد.‬
                                                    ‫ال‬
  ‫واهلل تعالى خلق العينين نعمةً منه وفض ً، فال يحل لمن يخالط اإليمان شفاف قلبه أن يمدها إلى‬
                                                                         ‫حرام أو يصرفها إلى معصية.‬
                                      ‫ل‬
                                      ‫ليس الشجاع الذي يحمي مطيته…يوم النزال ونار الحرب تشتع ُ‬
                                 ‫ل‬      ‫س‬                       ‫ر‬            ‫ض ف‬
                                 ‫لكن فتى غ ّ طر ًا أو ثنى بص ًا…عن الحرام فذاك الفار ُ البط ُ‬
           ‫ُ ل م من ن ي ُض م‬
         ‫أيها المؤمنون، إن اهلل تعالى يخاطب أهل التقوى واإليمان بقوله: قلْ ّلْ ُؤْ ِ ِي َ َغ ُّواْ ِنْ‬
                             ‫َ ك ُ ِن الل ب ر ب ي ع‬                               ‫ِ وي ظ ْ ُر ج ُ‬
 ‫أَبْصَارِهمْ َ َحْفَ ُوا ف ُو َهمْ ذالِكَ أزْ َى لَهمْ إ َّ َّهَ خَ ِي ٌ ِمَا َصْنَ ُونَ [النور:03]، قال ابن كثير‬
   ‫رحمه اهلل: "وهذا أمر من اهلل تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم اهلل، فال‬
    ‫ينظرون إال إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع‬
                                       ‫البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا".‬
‫وقال ابن القيم رحمه اهلل: "وأمر اهلل تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم،‬
‫ل‬                                                         ‫ط‬            ‫د‬            ‫يل‬
‫وأن ُعِْمهم أنه شاه ٌ ألعمالهم م ًلع عليها ـ ثم قال: ـ ولما كان مبدأ ذلك من قِبل ِالبصر جع َ‬
                                                                              ‫ض‬
    ‫األمرَ بغ ِه مقدمًا على حفظ الفرج؛ فإن الحوادثَ مبدؤها من البصر، كما أن معظم النار من‬
                                          ‫مستصغرِ الشرر، تكون نظرة ثم خطره ثم خطوة ثم خطيئة".‬
                                    ‫ب‬
   ‫أيها اإلخوة في اهلل، من غض بصره عن الحرام تخلص قل ُه من ألم الحسرة، تلكم الحسرة التي‬
    ‫تنتاب الناظر لتعلقه بمن رآه، وتخلصه أيضا من أسر الشهوة، فكم للشهوة من أسير ومنكسر.‬
                                         ‫س‬
    ‫وغض البصر ـ أيها المؤمنون ـ يورث اإلنسان أن ًا باهلل، ألنه ترك شهوته من أجل مواله,‬
                                                                       ‫و‬          ‫ض‬
   ‫وغ ُّ البصر ين ّر القلب وسائر الجوارح بسالمتها من السهم المسموم وإغالق منافذ الشيطان‬
                                  ‫ة‬                                                ‫ل‬
                   ‫عنها, ويسه ُ طريقَ التفكير والتفقه في الدين، ويورث القلب قو ً وشجاعة وثباتا.‬
                                                                                ‫ض‬
  ‫وغ ُ البصر ـ أيها اإلخوة ـ يزرع في القلب بهجة وفرحة، وقد قال بعض العارفين: "واهلل،‬
                                                                                            ‫م‬
                                                                             ‫للذة العفة أعظ ُ من لذة الذنب".‬
   ‫غض البصر يخلص القلب والعقل من سكر الشهوة ورقدةِ الغفلة، ذلك أن إطالق البصر يتدرج‬
                                        ‫بصاحبه حتى تستحكم الغفلة عن اهلل فيه ويقع في سكرِ العشق.‬
     ‫د ب‬                                           ‫ة‬
 ‫ويكفى ـ معاشر األحبة ـ يكفي مصلح ً من غض البصر عن النظر إلى النساء أنه يس ّ با ًا من‬
                                                          ‫أبواب جهنم وهو الوقوع في الزنا، والعياذ باهلل.‬
  ‫أيها المسلمون، يزداد النكير على من يطلقون أبصارهم بالنظر إلى الحرام، ويزداد الحث بغض‬
     ‫البصر كلما كانت الفتنة بالنساء أشد، وكلما كثر االختالط والتبرج في زمن أو مكان ما، فإن‬
‫بعض مجتمعات المسلمين كانت محافظة ومحتشمة ولما جاء االستعمار نشر فيها التبرج والسفور‬
                                                                            ‫واالختالط وسائر وسائل الفساد.‬
 ‫يزداد النكير والتذكير بزيادة الصحف والمجالت واألفالم والفضائيات ودور السينما وأماكن اللهو‬
                                             ‫ال‬
                         ‫المختلفة، والمسلم مسؤول أمام اهلل تعالى عن نفسه أو ً، وعن مجتمعه ثانيًا.‬
    ‫و َ ِر و ِ ة و ْ أ ْر‬                                                  ‫ل‬          ‫ل‬
   ‫ك ٌ منا مسؤو ٌ عن تصرفاته التي تكون بمحض إرادته واختياره: َالَ تز ُ َازرَ ٌ ِزرَ ُخ َى‬
                                                                         ‫ر‬     ‫ب‬
                                           ‫[فاطر:85]، فال يق َل عذ ُ معتذر بأن وسائل النظر منتشرة.‬
‫ف‬
‫القابض على دينه في وسط تكثر فيه النساء الكاسيات العاريات ـ بذاتها أو بصورتها ـ مضاع ٌ‬
                                                                               ‫ء‬
                                                             ‫له األجر إن شاء اهلل جزا َ صبره وقوة إيمانه.‬
    ‫لي الله ب م الطيب‬
    ‫وهذه المصائب والمنكرات هي فتنة وهي محك الختبار اإليمان: ِ َمِيزَ َّ ُ الْخَ ِيثَ ِنَ َّ ّ ِ‬
      ‫[األنفال:23]. فالناجح هو الممتثل ألمر ربه المراقب لمواله، والخاسر هو من يطلق لشهوته‬
                                               ‫العنان ويلقي التبعة على غيره إن كان له إحساس بالذنب.‬
 ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون، اتقوا اهلل في أبصاركم، وغضوا أبصاركم عن الحرام، تحفظوا فروجكم‬
                                                       ‫و‬
    ‫عن الوقوع في فاحشة الزنا واللواط، وين ّر اهلل قلوبكم ويزيد في درجاتكم، ومن ترك شيئًَّا هلل‬
                                                                                                  ‫ر‬
                                                                                            ‫عوضه اهلل خي ًا منه.‬
   ‫َ ك‬            ‫ُ ل م من ي ُض م ص ِ وي ظ ْ ُر ج ُ‬
  ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: قلْ ّلْ ُؤْ ِ ِينَ َغ ُّواْ ِنْ أَبْ َارِهمْ َ َحْفَ ُوا ف ُو َهمْ ذالِكَ أزْ َى‬
          ‫لَهمْ إ َّ َّهَ خَبِي ٌ ِمَا َصْنَ ُو َ و ُل ّلْ ُؤْ ِنَاتِ َغْ ُضْنَ ِنْ أَبْصَارِه َّ َ َحْفَظْن ُ ُو َه َّ‬
          ‫َ فر ج ُن‬         ‫ِن وي‬               ‫م‬     ‫ر ب ي ع ن َق ل م م ي ض‬                              ‫ُ ِن الل‬
                                                                                                 ‫[النور:03، 53].‬
                                               ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدى سيد المرسلين...‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                         ‫ي‬
 ‫عباد اهلل، اإلسالم ليس دينًا نظر ًا ال صلة له بالواقع, فأحكامه وتشريعاته ليست مواعظ ونصائح‬
                                                                            ‫ن‬
      ‫فحسب، بل هي دي ٌ أنزله اهلل ليحكم بين الناس، فاهلل تعالى يربط بين القول والفعل في آيات‬
 ‫ُر م ع الل أ‬                ‫عل‬           ‫َي َّذ ن من ِم ق ل م‬
‫كثيرة، ويحذر من الفصل بينهما: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ل َ تَ ُوُونَ َا الَ تَفْ َُونَ كَب َ َقْتًا ِندَ َّهِ َن‬
                                                                                          ‫عل‬           ‫ق ل م‬
                                                                           ‫تَ ُوُواْ َا الَ تَفْ َُونَ [الصف:7-3].‬
                   ‫ب‬
‫المسلم مطلوب منه أن يمتثل قول رسوله : ((اتق اهلل حيثما كنت)). ومطال ٌ أيضًا أن يراقب ربه‬
   ‫في الخلوات، كما هي حاله أمام أصحابه وكل الناس، ال ينتهك حرمات اهلل إذا خال بها بمفرده.‬
            ‫ع‬                            ‫ل‬                                 ‫ب‬
      ‫المسلم مطال ٌ بإقامة المعروف وإنكار المنكر، ك ٌ بحسب جهده وموقعه، وكلكم را ٍ وكلكم‬
                                                     ‫ل‬             ‫ُ‬              ‫ل‬
          ‫مسؤو ٌ عن رعيته، األب راع ٍ ومسؤو ٌ عن أهل بيته، فال يسمح بالمجالت الخليعة وال‬
‫المسلسالت المدمرة بدخول البيت, وهذا الدش الذي أصبح يوزع الضالالت والفتن، على المسلمين‬
                                      ‫ف‬
‫أن يحذروه وأن يقوا أنفسهم وأهليهم منه، وهكذا موق ُ المسلم في كل ما يدعو للنظر وللشر، فإن‬
‫تجفيف منابع النظر في مجتمعات المسلمين هي األهم في قطع الطريق على شهوات النفس وسهام‬
    ‫إبليس المسمومة، مع ما يصاحب ذلك من نشر العلم الشرعي والوعي الصحيح بالدين وبخطر‬
                                                                                        ‫المؤامرة على المسلمين.‬
 ‫ومن تربية األبناء واألهل على اآلداب الشرعية ربطهم بالكتاب والسنة، فاألمة متى ما عملت في‬
 ‫سبيل مرضاة ربها وأخلصت في ذلك فإن اهلل يوفقها للخيرات، ويعصمها من المنكرات، ويبارك‬
                                                                        ‫لها في الحياة، ويسكنها فسيح الجنات.‬

‫(5/6853)‬
                                                                                                         ‫احذروا الظلم‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                   ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                                  ‫عنيزة‬
                                                                                                            ‫جامع العليا‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
‫55- شؤم الظلم. 7- تحريم اهلل الظلم على نفسه. 3- تحريم الظلم بين العباد. 4- مراتب الظلم.‬
‫1- من صور الظلم في الواقع المعاصر. 6- من أولى الناس بالنصرة؟ 2- وسائل نصرة أخواننا‬
                                                                                             ‫المستضعفين في الدين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                 ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل أيها المؤمنون، فإنه ال فالح لكم في الدنيا وال نجاة في اآلخرة إال بتقوى اهلل‬
                                                                                                                  ‫تعالى.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن البغي والظلم ذنب عظيم، وإثم مرتعه وخيم، وهو سبب كل شر وفساد، وكل‬
     ‫بالء وعقاب، فهو منبع الرذائل والموبقات، ومصدر الشرور والسيئات، وعنه تصدر سالسل‬
 ‫العيوب واآلفات. متى فشا في أمة آذن اهلل بأفولها, ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها‬
                                                                                  ‫وتحو‬
‫ُّل لباسها، فبه تفسد الديار, وتخرب األوطان, وتدمر األمصار, به ينزل غضب الواحد الجبار‬
  ‫القهار, قال اهلل سبحانه وتعالى: َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَا ُمْ ل َّا ظَلَ ُوا [الكهف:81]، وقال: َكذَِكَ أَخ ُ‬
  ‫و َ ل ْذ‬                          ‫ه َم م‬                          ‫ُ‬        ‫وت‬
‫و ْ ص م ْ ق ية‬                                   ‫َب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬
‫ر ِّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705], وقال تعالى: َكَم قَ َمْنَا ِن َرْ َ ٍ‬
      ‫وية عل‬         ‫هي لمة ه‬                              ‫َي م ْ َ ي‬                                       ‫لم‬
     ‫كَانَتْ ظَاِ َةً [األنبياء:55], وقال تعالى: فَكَأ ِّنْ ِن قرْ َةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ فَ ِيَ خَا ِ َ ٌ ََى‬
                                                                            ‫مش‬        ‫ُر شه وب ْر م َط ة و‬
                                                             ‫ع ُو ِ َا َ ِئ ٍ ُع َّلَ ٍ َقَصْرٍ َ ِيدٍ [الحج: 14].‬
              ‫و َبك بظ ل عب‬
            ‫أيها المؤمنون, إن اهلل تعالى نفى عن نفسه الظلم, فقال عز وجل: َمَا ر ُّ َ ِ َالمٍ ِلْ َ ِيد‬
             ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬                    ‫ِ ُ َب َد‬             ‫و‬
            ‫[فصلت:64], وقال: َال يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:84]، وقال: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّة‬
                                                         ‫و الله ير د ظ ل ع‬
     ‫[النساء:04]، َمَا َّ ُ ُ ِي ُ ُلْمًا ِلْ ِبَادِ [غافر:53]. وقد حرمه تعالى على نفسه, ففي الحديث‬
   ‫اإللهي عن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((يا‬
     ‫عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فال تظالموا)) رواه مسلم(5)[5].‬
     ‫م‬
‫فأعلم اهلل تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه, قبل أن يجعله محر ًا بين‬
                                                                                                                   ‫عباده.‬
‫وقد أعلن النبي حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف, فقال في خطبته يوم عرفة: ((أال إن دماءكم‬
‫وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(7)[7]، وفي‬
   ‫الصحيحين أن النبي قال: ((اتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(3)[3] وقال فيما يرويه‬
                                                         ‫ل‬
                        ‫مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم, ال يظِمه, وال يخذله, وال يحقره))(4)[4].‬
‫َم ي َل الظ لم ن‬             ‫س َن الل غ‬          ‫و‬
‫وقد تهدد اهلل تعالى أرباب الظلم وأهله, فقال جل ذكره: َال تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُو َ‬
   ‫[إبراهيم:74]، فاهلل تعالى للظالمين بالمرصاد, ففي الصحيحين عن أبي موسى األشعري رضي‬
      ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ :‬
                                    ‫ْ ُ َب ِذ َ قر هي لمة ِن ْ ه م َد د‬                                              ‫وَ‬
   ‫َكذَلِكَ أَخذ رِّكَ إ َا أَخذَ الْ ُ َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ ش ِي ٌ. وقد لعن اهلل الظالمين فقال: أال‬
         ‫َالل ُ ي ِب الظ لم‬                                               ‫ة الل عل الظ لم‬
  ‫لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:85]، وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: و َّه ال ُح ُّ َّاِ ِينَ [آل‬
                                                                                                          ‫عمران:21].‬
 ‫والظلم ـ يا عباد اهلل ـ من أعظم أسباب ارتفاع األمن وزوال االهتداء عن األفراد والمجتمعات,‬
                    ‫َّذ ن من وَ ي بس إ ُ ظ ْ أ ك ُم ن ُ م َد‬
   ‫قال اهلل تعالى: ال ِي َ آ َ ُوا َلمْ َلْ ِ ُوا ِيمَانَهمْ بِ ُلمٍ ُولَئِ َ لَه ُ الْأَمْ ُ وَهمْ ُهْت ُونَ [األنعام:78]،‬
     ‫فبقدر ما يكون في الفرد والمجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه األمن واالهتداء, فالجزاء من‬
                                                                          ‫َل ل عب‬            ‫وم َب‬
                                                            ‫جنس العمل، َ َا ر ُّكَ بِظَّامٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
    ‫أيها المؤمنون, إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه‬
                                                                                                    ‫درجات ومراتب:‬
   ‫أولها: الظلم الكبير الخطير العظيم, الذي ال يغفر اهلل الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إال باإلقالع‬
 ‫عنه, وتوبته منه, أال وهو اإلشراك باهلل تعالى، بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير اهلل, كدعاء‬
  ‫ي‬
 ‫غيره, والسجود لغيره, والذبح والنذر لغيره, ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه, قال اهلل تعالى حاك ًا‬
                                     ‫ظ‬         ‫ت ْر بالل ِن‬
   ‫عن لقمان وصيته البنه: يا بني ال ُش ِكْ َّهِ إ َّ الشرك ل ُلْم عظيم [لقمان:35]، فهذا الظلم ال‬
    ‫ك لم يش‬             ‫ِن الل َ ي فر ي ْ ب وي ِر د‬
  ‫يغفره اهلل إال بالتوبة منه, قال تعالى: إ َّ َّه ال َغْ ِ ُ أَنْ ُشرِكَ ِهِ َ َغْف ُ مَا ُونَ ذَلِ َ ِ َنْ َ َاء‬
 ‫ص‬
‫[النساء:84]. فأخلصوا ـ أيها المؤمنون ـ عبادتكم هلل تعالى, فإنه من قال: "ال إله إال اهلل" خال ًا‬
                                        ‫من قلبه دخل الجنة، وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.‬
‫وأما ثاني مراتب الظلم: فذاك الظلم الذي ال يتركه اهلل تعالى, وهو ظلم العبد غيره من الخلق, فهذا‬
    ‫ال بد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال اهلل سبحانه في الحديث اإللهي: ((وعزتي‬
                                                                                               ‫ن‬
                                                        ‫ألنصر ّك ولو بعد حين))(1)[1]. وقد أجاد من قال:‬
                                                                             ‫ر‬
                                                ‫ال تظلمن إذا ما كنت مقتد ًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬
                                       ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه…يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
 ‫م‬
‫أيها المؤمنون, اتقوا الظلم, فإن نبيكم الصادق المصدوق أخبر أن الدنيا تمأل في آخر الزمان ظل ًا‬
                                                                                  ‫ر‬
       ‫وجو ًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء‬
 ‫واألموال واألبضاع واألعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر‬
                                                                                        ‫الجاهلي:‬
                                                        ‫ٍ‬
                                         ‫والظلم من شيم النفوس فإن تجد…ذا عفة فلعلةٍ ال يظلم‬
‫وال تظنن ـ أيها األخ ـ أن هذه مبالغة أو مزايدة, بل ذلك هو واقع كثير من الناس, فكم نرى من‬
‫أصحاب األعمال الذين ظلموا عمالهم, بتحميلهم ما ال يطيقون, أو بتأخير رواتبهم ومستحقاتهم, أو‬
    ‫جحد حقوقهم, أو فرض اإلتاوات عليهم. وكم نرى من أرباب األسر والبيوت الذين جنوا على‬
  ‫أهليهم, وظلموا أوالدهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين دلسوا بضائعهم وغشوا عمالءهم. وكم‬
  ‫هم الوالة الذين نبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم, وحكموا القوانين الوضعية، فلم يعدلوا في الرعية‬
 ‫ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا ألنفسهم العنان في أعراض الناس‬
  ‫ودمائهم, فتمضمضوا بأعراض المؤمنين, وتفكهوا بدمائهم, إنهم كثير كثير كثير, قال اهلل تعالى:‬
                                            ‫ْ ي ِل ع س الل‬                ‫َر م ْ ف‬         ‫وإ ت‬
                           ‫َِنْ ُطِعْ أَكْث َ َن ِي األرضِ ُضُّوكَ َنْ َبِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
                                          ‫م‬                                            ‫ل‬
 ‫فلّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ويتح ّلون عنهم, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
 ‫قال رسول اهلل : ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا :المفلس فينا من ال درهم له وال متاع, فقال: ((إن‬
 ‫المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصالة وصيام وزكاة, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال‬
‫هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل‬
                                                                  ‫أخ‬              ‫ي‬
‫أن ُقضى ما عليه, ُ ِذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار))(6)[6]. فيا لها من تجارة‬
                                         ‫ج‬
  ‫بائرة وصفقة خاسرة, أن تأتي يوم القيامة وأنت أحو ُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ميزانك, فإذا‬
   ‫بخصمائك قد أحاطوا بك, فهذا آخذ بيدك, وهذا قابض على ناصيتك, وهذا متعلق بتالبيبك, هذا‬
  ‫يقول: ظلمتني, وهذا يقول: شتمتني, وهذا يقول: اغتبتني أو استهزأت بي, وهذا يقول: جاورتني‬
                                 ‫فأسأت جواري, وهذا يقول: غششتني, وهذا يقول: أخذت حقي.‬
                                           ‫أما واهلل إن الظلم شؤم…وما زال المسيء هو الظلوم‬
                                                                 ‫د‬
                                           ‫ستعلم يا ظلوم إذا التقينا …غ ًا عند المليك من الملوم‬
    ‫ص‬
‫فيا عباد اهلل، تداركوا األمر قبل فوات األوان، فما هي واهلل إال ساعة ثم تبعثر القبور، ويح ّل ما‬
‫في الصدور، وعند اهلل تجتمع الخصوم, فيقتص للمظلوم من الظالم, فتحللوا ـ أيها اإلخوان ـ من‬
   ‫المظالم قبل أن ال يكون درهم وال دينار, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل :‬
    ‫((من كانت له مظلمة ألخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال‬
      ‫درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات‬
                                                                                  ‫حم‬
                                                                   ‫صاحبه ف ُ ِل عليه))(2)[2].‬
          ‫أيها المؤمنون, أما ثالث مراتب الظلم: فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات, فكل ذنب‬
‫وم يت َد‬
‫وخطيئة تقارفها ـ يا عبد اهلل ـ فإن ذلك ظلم منك لنفسك, وبغي عليها, قال اهلل تعالى: َ َنْ َ َع َّ‬
                                                                     ‫ُد الل ِ أ ئ ُم الظ لم‬
      ‫ح ُودَ َّه فَُولَ ِكَ ه ُ َّاِ ُونَ [البقرة:877]، وما أكثر ما قال اهلل عند ذكر العصاة والمذنبين‬
           ‫ص‬                             ‫ه و ك ن فس ُ لم‬                                      ‫و‬
‫والظالمين: َمَا ظَلَمْنَا ُمْ َلَ ِنْ كَا ُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُون [النحل:855]، فكل مذنب وعا ٍ فإنما يجني‬
‫على نفسه, ويعرضها لعذاب اهلل األليم وعقابه الشديد, كما قال النبي فيما أخرجه ابن ماجه وغيره‬
      ‫بسند ال بأس به عن سليمان بن عمرو بن األحوص عن أبيه قال: سمعت رسول اهلل يقول في‬
                                                        ‫حجة الوداع: ((أال ال يجني جان إال على نفسه))(8)[8].‬
   ‫فتخففوا ـ عباد اهلل ـ من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم اهلل به, وترك مانهاكم عنه, والتوبة مما‬
                                                         ‫فرط من الذنوب, فإن التائب من الذنب كمن ال ذنب له.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المؤمنون, اعلموا أن اهلل سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره, وأمر بمجاهدة‬
‫الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين, وقد أرسل اهلل سبحانه رسله وأنزل كتبه إلقامة القسط ورفع‬
‫َي ت و ْز معهم ك ب و ز ل ق الن س ب ق ط‬                                                   ‫َ س رس‬
‫الظلم, قال اهلل تعالى: َلقدْ أَرْ َلْنَا ُ ُلَنَا بِالْبِّنَا ِ َأَن َلْنَا َ َ ُ ُ الْ ِتَا َ َالْمِي َانَ ِيَ ُومَ َّا ُ ِالْ ِسْ ِ‬
                                                                                                                   ‫[الحديد:17].‬
                   ‫د‬
    ‫فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل, ونحن مه ّدون بعقوبة عامة‬
    ‫ي َيه َّذ ن‬
    ‫ومحنة عاجلة, فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس, إنكم تقرؤون هذه اآلية: َا أ ُّ َا ال ِي َ‬
                                            ‫من ع ك فسك ْ ي ُر ُ م َل ِذ َد ُ‬
 ‫آ َُوا َلَيْ ُمْ أَنْ ُ َ ُم ال َض ُّكمْ َنْ ض َّ إ َا اهْت َيْتمْ [المائدة:105]، وإني سمعت رسول اهلل يقول:‬
                                    ‫م‬
   ‫((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يع ّهم اهلل بعقاب منه)) رواه أبو داود‬
   ‫والترمذي بإسناد جيد(8)[5]. فرفع الظلم واإلنكار على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته‬
  ‫وطاقته ووسعه, قال النبي : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول اهلل, هذا ننصره‬
                                                                               ‫م‬
                                              ‫مظلومًا, فكيف ننصره ظال ًا؟ قال: ((تأخذ فوق يديه))(05)[7].‬
                   ‫ل‬                                                         ‫ن‬
      ‫أيها المؤمنون, إ ّ أولى المظلومين بالنصر والتأييد واإلعانة هم أولئك الذين ظِموا في دينهم,‬
  ‫ن‬               ‫رب‬                            ‫أ‬     ‫سج‬
 ‫ف ُو ِبوا و ُو ِلوا, و ُ ّروا وض ِبوا و ُ ِنوا وُوذوا من أجل أنهم رضوا باهلل ًّا وباإلسالم دي ًا‬
                                                               ‫ُر‬      ‫ج‬
                                                                       ‫هِ‬        ‫ق ت‬       ‫ح ر‬
                                  ‫ي من ِالل َز حم‬                           ‫م نبي وم م م ه إ‬
‫وبمح ّد ًّا، َ َا نَقَ ُوا ِنْ ُمْ ِال أَنْ ُؤْ ِ ُوا ب َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِيدِ [البروج:8]. فهؤالء وأضرابهم هم‬
       ‫أولى الناس بالنصر والتأييد, ال سيما في هذا العصر المفتون الذي انتعش فيه أعداء اهلل، من‬
‫اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين والمنافقين, فرموا أهل اإلسالم عن قوس واحدة‬
               ‫كما أخبر النبي في حديث ثوبان: ((يوشك األمم أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى‬
   ‫قصعتها))(55)[3]. فليس ما يجري على اإلسالم وأهله في كثير من بلدان العالم إال تصديقًا لما‬
                                                                                             ‫أخبر به الصادق المصدوق .‬
                                                                           ‫م‬                   ‫ل‬
                                                 ‫أح ّ الكفر باإلسالم ظل ًا…يطول به على الدين النحيب‬
                 ‫فقوموا بما أوجب اهلل عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم, وذلك من خالل عدة أمور:‬
  ‫وت ب إل الل جم ع َي م من ل َل ُ‬
‫األول: التوبة النصوح من جميع الذنوب, قال اهلل تعالى: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِي ًا أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ َعَّكمْ‬
 ‫وم‬                                                                                      ‫ت ح‬
‫ُفْلِ ُونَ [النور:53]. فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا, ويعفو عن كثير, قال اهلل تعالى: َ َا‬
                                                    ‫ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
   ‫أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِيرٍ [الشورى:03]. فالتوبة إلى اهلل تعالى من‬
    ‫أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين, قال ابن القيم رحمه اهلل: "فليس للعبد إذا بغي‬
                                 ‫عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح".‬
    ‫األمر الثاني: مجاهدة أعداء اهلل تعالى ومراغمتهم على اختالف أنواعهم, كل حسب ما يناسبه,‬
     ‫فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان, وأما المنافقون والمشككون والمرتابون فبالحجة‬
     ‫والبرهان والعلم والبيان, وأما الظالمون والعصاة فباألمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان‬
                                           ‫الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من األمر والنهي والخير.‬
            ‫د‬             ‫ب‬                           ‫ل‬                       ‫مد‬
  ‫األمر الثالث: ُّ يد العون والمساعدة لك ّ من أوذي في سبيل اهلل, قري ًا كان أو بعي ًا, وذلك من‬
‫خالل تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي, ال سيما ـ أيها اإلخوة ـ ونحن في هذه‬
     ‫البالد, ال زال كثير منا وهلل الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش, فالواجب علينا‬
 ‫أكبر من الواجب على غيرنا, فمدوا ـ بارك اهلل فيكم ـ أيديكم بسخاء إلخوانكم المسلمين في كل‬
   ‫مكان, واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء, فإياكم والبخل, فإنه من‬
                                                                                 ‫يبخل فإنما يبخل عن نفسه.‬
    ‫فإن شحت نفسك أو عدمتَ ما تقدمه إلخوانك فلن تعدم ـ هداك اهلل ـ لسانًا بالدعاء والتضرع‬
                                                                    ‫ز‬
        ‫الهجًا, وهلل سائالً أن يع ّ أهل دينه, وأن يذل أعداءه, فادعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلخوانكم‬
‫المسلمين المظلومين في دينهم, فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين اهلل حجاب, عن ابن‬
                                                       ‫ذ‬
  ‫عباس رضي اهلل عنه أن النبي بعث معا ًا إلى اليمن فقال: ((اتق دعوة المظلوم, فإنها ليس بينها‬
                                                                                 ‫وبين اهلل حجاب))(75)[4].‬


                                                                                              ‫__________‬
                                                             ‫(5) صحيح مسلم في البر والصلة (4264).‬
                                       ‫(7) أخرجه البخاري في العلم (16), ومسلم في الحج (2357).‬
          ‫(3) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (2677)، ومسلم في البر والصلة (1264).‬
                                                             ‫(4) أخرجه مسلم في البر والصلة (0164).‬
          ‫(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند ال بأس به، انظر: السلسلة الصحيحة (868).‬
                                                             ‫(6) أخرجه مسلم في البر والصلة (8264).‬
                                                 ‫(2) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (8677).‬
                                                       ‫(8) أخرجه ابن ماجه في الديات (8167).‬
                ‫(8) أخرجه الترمذي في الفتن (4807), وأخرجه أبو داود في المالحم (1223).‬
                                          ‫(05) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (4677).‬
                                                      ‫(55) أخرجه أبو داود في المالحم (1423).‬
                                            ‫(75) أخرجه البخاري في المظالم والغصب (8677).‬

‫(5/2853)‬




                                                                                      ‫احذروا الظلم‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                          ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                              ‫عنيزة‬
                                                                                        ‫جامع العليا‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- شؤم الظلم. 7- تحريم اهلل الظلم على نفسه. 3- تحريم الظلم بين العباد. 4- مراتب الظلم.‬
‫1- من صور الظلم في الواقع المعاصر. 6- من أولى الناس بالنصرة؟ 2- وسائل نصرة أخواننا‬
                                                                            ‫المستضعفين في الدين.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                 ‫م‬
   ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل أيها المؤمنون، فإنه ال فالح لكم في الدنيا وال نجاة في اآلخرة إال بتقوى اهلل‬
                                                                                             ‫تعالى.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن البغي والظلم ذنب عظيم، وإثم مرتعه وخيم، وهو سبب كل شر وفساد، وكل‬
    ‫بالء وعقاب، فهو منبع الرذائل والموبقات، ومصدر الشرور والسيئات، وعنه تصدر سالسل‬
 ‫العيوب واآلفات. متى فشا في أمة آذن اهلل بأفولها, ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها‬
                                                                                  ‫وتحو‬
‫ُّل لباسها، فبه تفسد الديار, وتخرب األوطان, وتدمر األمصار, به ينزل غضب الواحد الجبار‬
  ‫و َ ل ْذ‬                          ‫ه َم م‬                          ‫ُ‬        ‫وت‬
  ‫القهار, قال اهلل سبحانه وتعالى: َ ِلْكَ الْقرَى أَهْلَكْنَا ُمْ ل َّا ظَلَ ُوا [الكهف:81]، وقال: َكذَِكَ أَخ ُ‬
‫و ْ ص م ْ ق ية‬                                   ‫َب ِذ َ ُر هي لمة ِن ْ ه ل م َد د‬
‫ر ِّكَ إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَِي ٌ ش ِي ٌ [هود:705], وقال تعالى: َكَم قَ َمْنَا ِن َرْ َ ٍ‬
      ‫وية عل‬         ‫هي لمة ه‬                              ‫َي م ْ َ ي‬                                       ‫لم‬
     ‫كَانَتْ ظَاِ َةً [األنبياء:55], وقال تعالى: فَكَأ ِّنْ ِن قرْ َةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ فَ ِيَ خَا ِ َ ٌ ََى‬
                                                                             ‫مش‬        ‫ُر شه وب ْر م َط ة و‬
                                                              ‫ع ُو ِ َا َ ِئ ٍ ُع َّلَ ٍ َقَصْرٍ َ ِيدٍ [الحج: 14].‬
              ‫و َبك بظ ل عب‬
            ‫أيها المؤمنون, إن اهلل تعالى نفى عن نفسه الظلم, فقال عز وجل: َمَا ر ُّ َ ِ َالمٍ ِلْ َ ِيد‬
             ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬                    ‫ِ ُ َب َد‬             ‫و‬
            ‫[فصلت:64], وقال: َال يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:84]، وقال: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّة‬
                                                         ‫و الله ير د ظ ل ع‬
     ‫[النساء:04]، َمَا َّ ُ ُ ِي ُ ُلْمًا ِلْ ِبَادِ [غافر:53]. وقد حرمه تعالى على نفسه, ففي الحديث‬
   ‫اإللهي عن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((يا‬
     ‫عبادي, إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فال تظالموا)) رواه مسلم(5)[5].‬
     ‫م‬
‫فأعلم اهلل تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه, قبل أن يجعله محر ًا بين‬
                                                                                                                    ‫عباده.‬
‫وقد أعلن النبي حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف, فقال في خطبته يوم عرفة: ((أال إن دماءكم‬
‫وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(7)[7]، وفي‬
   ‫الصحيحين أن النبي قال: ((اتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(3)[3] وقال فيما يرويه‬
                                                          ‫ل‬
                         ‫مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم, ال يظِمه, وال يخذله, وال يحقره))(4)[4].‬
‫َم ي َل الظ لم ن‬             ‫س َن الل غ‬          ‫و‬
‫وقد تهدد اهلل تعالى أرباب الظلم وأهله, فقال جل ذكره: َال تَحْ َب َّ َّهَ َافِالً ع َّا َعْم ُ َّاِ ُو َ‬
   ‫[إبراهيم:74]، فاهلل تعالى للظالمين بالمرصاد, ففي الصحيحين عن أبي موسى األشعري رضي‬
       ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ :‬
                                     ‫ْ ُ َب ِذ َ قر هي لمة ِن ْ ه م َد د‬                                              ‫وَ‬
    ‫َكذَلِكَ أَخذ رِّكَ إ َا أَخذَ الْ ُ َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ ش ِي ٌ. وقد لعن اهلل الظالمين فقال: أال‬
         ‫َالل ُ ي ِب الظ لم‬                                               ‫ة الل عل الظ لم‬
  ‫لَعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [هود:85]، وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: و َّه ال ُح ُّ َّاِ ِينَ [آل‬
                                                                                                           ‫عمران:21].‬
‫والظلم ـ يا عباد اهلل ـ من أعظم أسباب ارتفاع األمن وزوال االهتداء عن األفراد والمجتمعات,‬
                     ‫َّذ ن من وَ ي بس إ ُ ظ ْ أ ك ُم ن ُ م َد‬
    ‫قال اهلل تعالى: ال ِي َ آ َ ُوا َلمْ َلْ ِ ُوا ِيمَانَهمْ بِ ُلمٍ ُولَئِ َ لَه ُ الْأَمْ ُ وَهمْ ُهْت ُونَ [األنعام:78]،‬
     ‫فبقدر ما يكون في الفرد والمجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه األمن واالهتداء, فالجزاء من‬
                                                                           ‫َل ل عب‬            ‫وم َب‬
                                                             ‫جنس العمل، َ َا ر ُّكَ بِظَّامٍ ِلْ َ ِيدِ [فصلت:64].‬
     ‫أيها المؤمنون, إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه‬
                                                                                                     ‫درجات ومراتب:‬
   ‫أولها: الظلم الكبير الخطير العظيم, الذي ال يغفر اهلل الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إال باإلقالع‬
‫عنه, وتوبته منه, أال وهو اإلشراك باهلل تعالى، بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير اهلل, كدعاء‬
  ‫ي‬
 ‫غيره, والسجود لغيره, والذبح والنذر لغيره, ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه, قال اهلل تعالى حاك ًا‬
                                     ‫ظ‬         ‫ت ْر بالل ِن‬
   ‫عن لقمان وصيته البنه: يا بني ال ُش ِكْ َّهِ إ َّ الشرك ل ُلْم عظيم [لقمان:35]، فهذا الظلم ال‬
    ‫ك لم يش‬             ‫ِن الل َ ي فر ي ْ ب وي ِر د‬
  ‫يغفره اهلل إال بالتوبة منه, قال تعالى: إ َّ َّه ال َغْ ِ ُ أَنْ ُشرِكَ ِهِ َ َغْف ُ مَا ُونَ ذَلِ َ ِ َنْ َ َاء‬
 ‫ص‬
‫[النساء:84]. فأخلصوا ـ أيها المؤمنون ـ عبادتكم هلل تعالى, فإنه من قال: "ال إله إال اهلل" خال ًا‬
                                     ‫من قلبه دخل الجنة، وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.‬
‫وأما ثاني مراتب الظلم: فذاك الظلم الذي ال يتركه اهلل تعالى, وهو ظلم العبد غيره من الخلق, فهذا‬
    ‫ال بد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال اهلل سبحانه في الحديث اإللهي: ((وعزتي‬
                                                                                           ‫ن‬
                                                    ‫ألنصر ّك ولو بعد حين))(1)[1]. وقد أجاد من قال:‬
                                                                         ‫ر‬
                                            ‫ال تظلمن إذا ما كنت مقتد ًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندم‬
                                               ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه…يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
 ‫م‬
‫أيها المؤمنون, اتقوا الظلم, فإن نبيكم الصادق المصدوق أخبر أن الدنيا تمأل في آخر الزمان ظل ًا‬
                                                                                   ‫ر‬
        ‫وجو ًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء‬
 ‫واألموال واألبضاع واألعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر‬
                                                                                                      ‫الجاهلي:‬
                                                            ‫ٍ‬
                                             ‫والظلم من شيم النفوس فإن تجد……ذا عفة فلعلةٍ ال يظلم‬
‫وال تظنن ـ أيها األخ ـ أن هذه مبالغة أو مزايدة, بل ذلك هو واقع كثير من الناس, فكم نرى من‬
‫أصحاب األعمال الذين ظلموا عمالهم, بتحميلهم ما ال يطيقون, أو بتأخير رواتبهم ومستحقاتهم, أو‬
    ‫جحد حقوقهم, أو فرض اإلتاوات عليهم. وكم نرى من أرباب األسر والبيوت الذين جنوا على‬
  ‫أهليهم, وظلموا أوالدهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين دلسوا بضائعهم وغشوا عمالءهم. وكم‬
  ‫هم الوالة الذين نبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم, وحكموا القوانين الوضعية، فلم يعدلوا في الرعية‬
 ‫ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا ألنفسهم العنان في أعراض الناس‬
  ‫ودمائهم, فتمضمضوا بأعراض المؤمنين, وتفكهوا بدمائهم, إنهم كثير كثير كثير, قال اهلل تعالى:‬
                                                 ‫ْ ي ِل ع س الل‬                ‫َر م ْ ف‬         ‫وإ ت‬
                                ‫َِنْ ُطِعْ أَكْث َ َن ِي األرضِ ُضُّوكَ َنْ َبِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
                                          ‫م‬                                            ‫ل‬
 ‫فلّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ويتح ّلون عنهم, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
 ‫قال رسول اهلل : ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من ال درهم له وال متاع, فقال: ((إن‬
 ‫المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصالة وصيام وزكاة, ويأتي قد شتم هذا, وقذف هذا, وأكل مال‬
‫هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل‬
                                                                  ‫أخ‬              ‫ي‬
‫أن ُقضى ما عليه, ُ ِذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار))(6)[6]. فيا لها من تجارة‬
                                         ‫ج‬
  ‫بائرة وصفقة خاسرة, أن تأتي يوم القيامة وأنت أحو ُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ميزانك, فإذا‬
   ‫بخصمائك قد أحاطوا بك, فهذا آخذ بيدك, وهذا قابض على ناصيتك, وهذا متعلق بتالبيبك, هذا‬
  ‫يقول: ظلمتني, وهذا يقول: شتمتني, وهذا يقول: اغتبتني أو استهزأت بي, وهذا يقول: جاورتني‬
                                       ‫فأسأت جواري, وهذا يقول: غششتني, وهذا يقول: أخذت حقي.‬
                                                   ‫أما واهلل إن الظلم شؤم…وما زال المسيء هو الظلوم‬
                                                                                 ‫د‬
                                                           ‫ستعلم يا ظلوم إذا التقينا … غ ًا عند المليك من الملوم‬
    ‫ص‬
‫فيا عباد اهلل، تداركوا األمر قبل فوات األوان، فما هي واهلل إال ساعة ثم تبعثر القبور، ويح ّل ما‬
‫في الصدور، وعند اهلل تجتمع الخصوم, فيقتص للمظلوم من الظالم, فتحللوا ـ أيها اإلخوان ـ من‬
   ‫المظالم قبل أن ال يكون درهم وال دينار, فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل :‬
     ‫((من كانت له مظلمة ألخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال‬
        ‫درهم, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات‬
                                                                                                            ‫حم‬
                                                                                             ‫صاحبه ف ُ ِل عليه))(2)[2].‬
          ‫أيها المؤمنون, أما ثالث مراتب الظلم: فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات, فكل ذنب‬
‫وخطيئة تقارفها ـ يا عبد اهلل ـ فإن ذلك ظلم منك لنفسك, وبغي عليها, قال اهلل تعالى: َ َنْ َ َع َّ‬
‫وم يت َد‬
                                                                     ‫ُد الل ِ أ ئ ُم الظ لم‬
      ‫ح ُودَ َّه فَُولَ ِكَ ه ُ َّاِ ُونَ [البقرة:877]، وما أكثر ما قال اهلل عند ذكر العصاة والمذنبين‬
           ‫ص‬                             ‫ه و ك ن فس ُ لم‬                                      ‫و‬
‫والظالمين: َمَا ظَلَمْنَا ُمْ َلَ ِنْ كَا ُوا أَنْ ُ َهمْ يَظِْ ُون [النحل:855]، فكل مذنب وعا ٍ فإنما يجني‬
‫على نفسه, ويعرضها لعذاب اهلل األليم وعقابه الشديد, كما قال النبي فيما أخرجه ابن ماجه وغيره‬
      ‫بسند ال بأس به عن سليمان بن عمرو بن األحوص عن أبيه قال: سمعت رسول اهلل يقول في‬
                                                        ‫حجة الوداع: ((أال ال يجني جان إال على نفسه))(8)[8].‬
   ‫فتخففوا ـ عباد اهلل ـ من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم اهلل به, وترك مانهاكم عنه, والتوبة مما‬
                                                         ‫فرط من الذنوب, فإن التائب من الذنب كمن ال ذنب له.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
    ‫أما بعد: فيا أيها المؤمنون, اعلموا أن اهلل سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره, وأمر بمجاهدة‬
‫الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين, وقد أرسل اهلل سبحانه رسله وأنزل كتبه إلقامة القسط ورفع‬
‫الظلم, قال اهلل تعالى: َلقدْ أَرْ َلْنَا ُ ُلَنَا بِالْبِّنَا ِ َأَن َلْنَا َ َ ُ ُ الْ ِتَا َ َالْمِي َانَ ِيَ ُومَ َّا ُ ِالْ ِسْ ِ‬
‫َي ت و ْز معهم ك ب و ز ل ق الن س ب ق ط‬                                                   ‫َ س رس‬
                                                                                                                   ‫[الحديد:17].‬
                   ‫د‬
    ‫فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل, ونحن مه ّدون بعقوبة عامة‬
    ‫ومحنة عاجلة, فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس, إنكم تقرؤون هذه اآلية: َا أ ُّ َا ال ِي َ‬
    ‫ي َيه َّذ ن‬
                                            ‫من ع ك فسك ْ ي ُر ُ م َل ِذ َد ُ‬
 ‫آ َُوا َلَيْ ُمْ أَنْ ُ َ ُم ال َض ُّكمْ َنْ ض َّ إ َا اهْت َيْتمْ [المائدة:105]، وإني سمعت رسول اهلل يقول:‬
                                    ‫م‬
   ‫((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يع ّهم اهلل بعقاب منه)) رواه أبو داود‬
   ‫والترمذي بإسناد جيد(8)[5]. فرفع الظلم واإلنكار على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته‬
  ‫وطاقته ووسعه, قال النبي : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول اهلل, هذا ننصره‬
                                                                               ‫م‬
                                              ‫مظلومًا, فكيف ننصره ظال ًا؟ قال: ((تأخذ فوق يديه))(05)[7].‬
                   ‫ل‬                                                         ‫ن‬
      ‫أيها المؤمنون, إ ّ أولى المظلومين بالنصر والتأييد واإلعانة هم أولئك الذين ظِموا في دينهم,‬
  ‫ن‬               ‫رب‬                            ‫أ‬     ‫سج‬
 ‫ف ُو ِبوا و ُو ِلوا, و ُ ّروا وض ِبوا و ُ ِنوا وُوذوا من أجل أنهم رضوا باهلل ًّا وباإلسالم دي ًا‬
                                                               ‫ُر‬      ‫هِ‬
                                                                       ‫ج‬         ‫ق ت‬       ‫ح ر‬
                                  ‫ي من ِالل َز حم‬                           ‫م نبي وم م م ه إ‬
‫وبمح ّد ًّا، َ َا نَقَ ُوا ِنْ ُمْ ِال أَنْ ُؤْ ِ ُوا ب َّهِ الْع ِيزِ الْ َ ِيدِ [البروج:8]. فهؤالء وأضرابهم هم‬
       ‫أولى الناس بالنصر والتأييد, ال سيما في هذا العصر المفتون الذي انتعش فيه أعداء اهلل، من‬
‫اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين والمنافقين, فرموا أهل اإلسالم عن قوس واحدة‬
             ‫كما أخبر النبي في حديث ثوبان: ((يوشك األمم أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى‬
   ‫قصعتها))(55)[3]. فليس ما يجري على اإلسالم وأهله في كثير من بلدان العالم إال تصديقًا لما‬
                                                                               ‫أخبر به الصادق المصدوق .‬
                                                                           ‫م‬                   ‫ل‬
                                                 ‫أح ّ الكفر باإلسالم ظل ًا…يطول به على الدين النحيب‬
                 ‫فقوموا بما أوجب اهلل عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم, وذلك من خالل عدة أمور:‬
  ‫وت ب إل الل جم ع َي م من ل َل ُ‬
‫األول: التوبة النصوح من جميع الذنوب, قال اهلل تعالى: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِي ًا أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ َعَّكمْ‬
 ‫وم‬                                                                                      ‫ت ح‬
‫ُفْلِ ُونَ [النور:53]. فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا, ويعفو عن كثير, قال اهلل تعالى: َ َا‬
                                                    ‫ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
   ‫أَصَا َكمْ ِنْ ُ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَثِيرٍ [الشورى:03]. فالتوبة إلى اهلل تعالى من‬
    ‫أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين, قال ابن القيم رحمه اهلل: "فليس للعبد إذا بغي‬
                                 ‫عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح".‬
    ‫األمر الثاني: مجاهدة أعداء اهلل تعالى ومراغمتهم على اختالف أنواعهم, كل حسب ما يناسبه,‬
     ‫فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان, وأما المنافقون والمشككون والمرتابون فبالحجة‬
     ‫والبرهان والعلم والبيان, وأما الظالمون والعصاة فباألمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان‬
                                           ‫الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من األمر والنهي والخير.‬
            ‫د‬             ‫ب‬                           ‫ل‬                       ‫مد‬
  ‫األمر الثالث: ُّ يد العون والمساعدة لك ّ من أوذي في سبيل اهلل, قري ًا كان أو بعي ًا, وذلك من‬
‫خالل تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي, ال سيما ـ أيها اإلخوة ـ ونحن في هذه‬
     ‫البالد, ال زال كثير منا وهلل الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش, فالواجب علينا‬
 ‫أكبر من الواجب على غيرنا, فمدوا ـ بارك اهلل فيكم ـ أيديكم بسخاء إلخوانكم المسلمين في كل‬
   ‫مكان, واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء, فإياكم والبخل, فإنه من‬
                                                                                 ‫يبخل فإنما يبخل عن نفسه.‬
    ‫فإن شحت نفسك أو عدمتَ ما تقدمه إلخوانك فلن تعدم ـ هداك اهلل ـ لسانًا بالدعاء والتضرع‬
                                                                    ‫ز‬
        ‫الهجًا, وهلل سائالً أن يع ّ أهل دينه, وأن يذل أعداءه, فادعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلخوانكم‬
‫المسلمين المظلومين في دينهم, فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين اهلل حجاب, عن ابن‬
                                                       ‫ذ‬
  ‫عباس رضي اهلل عنه أن النبي بعث معا ًا إلى اليمن فقال: ((اتق دعوة المظلوم, فإنها ليس بينها‬
                                                                                 ‫وبين اهلل حجاب))(75)[4].‬


                                                                                              ‫__________‬
                                                 ‫(5) صحيح مسلم في البر والصلة (4264).‬
                               ‫(7) أخرجه البخاري في العلم (16), ومسلم في الحج (2357).‬
       ‫(3) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (2677)، ومسلم في البر والصلة (1264).‬
                                                 ‫(4) أخرجه مسلم في البر والصلة (0164).‬
        ‫(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند ال بأس به، انظر: السلسلة الصحيحة (868).‬
                                                 ‫(6) أخرجه مسلم في البر والصلة (8264).‬
                                        ‫(2) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (8677).‬
                                                   ‫(8) أخرجه ابن ماجه في الديات (8167).‬
               ‫(8) أخرجه الترمذي في الفتن (4807), وأخرجه أبو داود في المالحم (1223).‬
                                      ‫(05) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب (4677).‬
                                                 ‫(55) أخرجه أبو داود في المالحم (1423).‬
                                        ‫(75) أخرجه البخاري في المظالم والغصب (8677).‬

‫(5/8853)‬




                                                                  ‫أال بذكر اهلل تطمئن القلوب‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                              ‫الدعاء والذكر‬
                                                                    ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫جامع العليا‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضل الذكر في الكتاب والسنة. 7- مراتب الذكر. 3- فوائد الذكر. 4- اغتنام األوقات في‬
                                                                             ‫ذكر اهلل تعالى.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل, اتقوا اهلل, وأكثروا من ذكره, فإن ذكره سبحانه قوت قلوب الذاكرين, وهو قرة‬
     ‫عيون الموحدين, وهو عدتهم الكبرى, وسالحهم الذي ال يبلى, وهو دواء أسقامهم, الذي متى‬
                                           ‫تركوه أصيبت منهم المقاتل, فانتكسوا على أعقابهم خاسرين.‬
                                                ‫إذا مرضنا تداوينا بذكركم…ونترك الذكر أحيانًا فننتكس‬
 ‫فبالذكر يستدفع الذاكرون اآلفات, ويستكشفون الكربات, وتهون عليهم المصيبات, فإليه الملجأ إذا‬
‫ل‬
‫ادلهمت الخطوب, وإليه المفزع عند توالي الكوارث والكروب, به تنقشع الظلمات واألكدار, وتح ّ‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                                                             ‫األفراح والمس ّات.‬
              ‫ُر الل ذ ْر ر‬                 ‫َيه َّذ من‬
             ‫وقد أمر اهلل تعالى به المؤمنين فقال تعالى: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا اذْك ُوا َّهَ ِك ًا كَثِي ًا‬
                          ‫ُ ُ و ُر ل و فر‬                       ‫ُر ن‬
‫[األحزاب:54]، وقال تعالى: فَاذْك ُو ِي أَذْكرْكمْ َاشْك ُوا ِي َال تَكْ ُ ُونِ [البقرة:715]. وقد أثنى‬
      ‫اهلل سبحانه وتعالى في كتابه على الذاكرين فقال تعالى: إ َّ الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْ َا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ‬
      ‫ِن م لم ن و م لم ت و م من ن‬
        ‫و م م ت و نت ن و ن ت َالص ِق ن َالص ِ ت َالص بر ن َالص ب ت و شع ن‬
        ‫َالْ ُؤْ ِنَا ِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِتَا ِ و َّاد ِي َ و َّادقَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّا ِرا ِ َالْخَا ِ ِي َ‬
   ‫َّا ِ ِي َ والص ئم ت و ظ َ فر ج ُ و ح ظ ت‬
   ‫َّا ِ َا ِ َالْحَافِ ِين ُ ُو َهمْ َالْ َافِ َا ِ‬           ‫و ش ت و م َدق ن و م َ ّ ت‬
                                                     ‫َالْخَا ِعَا ِ َالْ ُتَص ّ ِي َ َالْ ُتَصدقَا ِ والص ئم ن‬
                                   ‫َد الله ه م ِ ة و ْر ظ‬                       ‫ر و ك‬              ‫و ِر الل‬
                 ‫َالذاك ِينَ َّهَ كَثِي ًا َالذا ِراتِ أَع َّ َّ ُ لَ ُم َّغْفرَ ً َأَج ًا عَ ِيمًا [األحزاب:13].‬
                             ‫د‬
  ‫وأما األخبار عن النبي فقد دلت األدلة على أن أفضل ما شغل العب ُ به نفسه في الجملة ذكر اهلل‬
‫تعالى, فمن ذلك ما رواه أحمد وغيره عن أبي الدرداء رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((أال‬
     ‫أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب‬
                                                                                     ‫َ‬
‫والورِق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم, فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى، قال:‬
                                                ‫ض‬
     ‫((ذكر اهلل تعالى))(5)[5]. ومن ذلك أي ًا ما رواه اإلمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‬
              ‫ج‬
 ‫رضي اهلل عنه قال: كان رسول اهلل يسير في طريق مكة, فمر على جبل يقال له ُمْدان, فقال :‬
                                                               ‫((سيروا هذا ُمْدان, سبق المفر‬
  ‫ِّدون))، قالوا: وما المفردون يا رسول اهلل؟ قال: ((الذاكرون اهلل‬              ‫ج‬
                                                                                                         ‫ر‬
                                                                                     ‫كثي ًا والذاكرات))(7)[7].‬
‫ومما يظهر فضل الذكر وعلوَ مرتبته ما أخرجه الترمذي عن عبد اهلل بن بسر رضي اهلل عنه أن‬
                                  ‫علي‬
‫رجالً قال: يا رسول اهلل، إن شرائع اإلسالم قد كثرت َّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: ((ال‬
                                                                           ‫ب‬
     ‫يزال لسانك رط ًا من ذكر اهلل))(3)[3]. ومما يدل على ذلك أن اهلل تعالى أمر المؤمنين بأن‬
     ‫َقع د‬          ‫ِذ ض ُم الص َ ُر الل َ ق‬                                          ‫د‬
    ‫يذكروه قيامًا وقعو ًا وعلى جنوبهم, فقال تعالى: فَإ َا قَ َيْت ُ َّالة فَاذْك ُوا َّه ِيَامًا و ُ ُو ًا‬
                                                                             ‫وعل جن ب ُ‬
‫َ ََى ُ ُو ِكمْ [النساء:305]. وهكذا كان النبي فعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: كان النبي يذكر‬
                                                                                    ‫اهلل على كل أحيانه(4)[4].‬
   ‫أيها المؤمنون, اعلموا أن أعلى مراتب الذكر الذي أمر اهلل به هو ما تواطأ فيه القلب واللسان,‬
  ‫واعلموا أن هذا الفضل العظيم واألجر الكثير ليس معلقًا على ذكر الشفة واللسان فحسب, بل ال‬
 ‫يثبت هذا األجر الموعود إال على ذكر يتواطأ فيه القلب واللسان, فذكر اهلل إن لم يخفق به القلب,‬
  ‫ب‬
 ‫وإن لم تعش به النفس, وإن لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والمحبة هلل تعالى, فلن يكون سب ًا‬
                                                                              ‫لتحصيل هذه المزايا والفضائل.‬
  ‫وقد يسأل المرء: ما سر تفضيل الذكر على سائر أنواع وأعمال البر, مع أنه خفيف على اللسان‬
                                                                ‫وال يحصل به تعب على األبدان؟‬
‫فالجواب: إن سر هذا التفضيل هو أن الذكر يورث يقظة القلب وحياته وصالحه, ولذلك قال النبي‬
      ‫: ((مثل الذي يذكر ربه والذي ال يذكر ربه مثل الحي والميت))(1)[1]. فالذكر حياة القلوب‬
   ‫وصالحها, والذكر للقلب كالماء للزرع, بل كالماء للسمك, ال حياة له إال به. فإذا حييت القلوب‬
  ‫صل‬     ‫ص‬                                                                     ‫ص‬
 ‫و َلَحت صلحت الجوارح واستقامت, قال النبي : ((أال وإن في الجسد مضغة, إذا َلَحت ََح‬
                      ‫الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, أال وهي القلب)) متفق عليه(6)[6].‬
    ‫فعليكم ـ عباد اهلل ـ باإلكثار من ذكره سبحانه, وعمارةِ األوقات واألزمان باألذكار واألوراد‬
‫المطلقة والمقيدة, كقول: ال إله إال اهلل, فإنها من خير األقوال وأحبها إلى اهلل, أو قول: سبحان اهلل,‬
  ‫والحمد هلل, وال إله إال اهلل, واهلل أكبر, فإنها خير مما طلعت عليه الشمس, وغير ذلك من األقوال‬
                                                                         ‫تنم‬
‫التي َّى بها الحسنات, وترفع بها الدرجات, وتوضع السيئات. فإن قصرت همتك وضعفت قوتك‬
 ‫عن تلك المنازل الكبار فال أقل من أن تحافظ على األذكار المؤقتة والمقيدة, قال شيخ اإلسالم ابن‬
  ‫تيمية رحمه اهلل: "وأقل ذلك ـ أي: ما ينبغي على العبد المحافظة عليه من األذكار ـ أن يالزم‬
    ‫العبد األذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين , كاألذكار المؤقتة في أول النهار وآخره,‬
   ‫وعند أخذ المضجع, وعند االستيقاظ من المنام, وأدبار الصلوات. واألذكار المقيدة مثل ما يقال‬
  ‫عند األكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخالء والخروج من ذلك وعند‬
 ‫المطر والرعد وغير ذلك". وقد صنفت في ذلك بعض الكتيبات, فما عليك ـ أيها المبارك ـ إال‬
                                                                           ‫د‬
                         ‫أن تقتني واح ًا من تلك المصنفات, وتواظب على المسابقة في الخيرات.‬
‫ومما يشحذ همتك ويلهب حماسك ويجذبك إلى ذكر موالك أن تعلم أن للذكر فوائد كثيرة وعواقب‬
                                      ‫حميدة لمن حافظ عليه وأكثر منه, وإليك بعض هذه الفوائد:‬
‫فمن فوائد الذكر الكبار: أنه يورث محبة اهلل سبحانه وتعالى, فالذكر باب المحبة وشارعها األعظم‬
                                                      ‫ر‬
     ‫وصراطها األقوم, فكلما ازداد العبد هلل ذك ًا ازداد له حبًا, فمن أراد أن يفوز وينال محبة اهلل‬
                                                                              ‫تعالى فليلهج بذكره.‬
‫ومن فوائد ذكر اهلل تعالى: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره, ويزيل الهم والغم والحزن, ويجلب‬
     ‫للقلب الفرح والسرور والبسط, ففي الترمذي وأبي داود والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال‬
‫رسول اهلل : ((إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم اهلل، توكلت على اهلل، ال حول وال قوة إال باهلل،‬
‫يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل‬
                                                                      ‫هدي وكفي ووقي))(2)[2].‬
   ‫وقد ثبت أن الشيطان يهرب من األذان, ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن‬
                                    ‫ض‬
  ‫رسول اهلل قال: ((إذا نودي للصالة أدبر الشيطان وله ُراط, حتى ال يسمع التأذين, فإذا قضى‬
                ‫ي ط‬                                                ‫ُو‬
     ‫النداء أقبل, حتى إذا ث ِّب بالصالة أدبر, حتى إذا قضى التثويب أقبل, حتى َخْ ِر بين المرء‬
               ‫ونفسه, يقول: اذكر كذا, اذكر كذا, لما لم يكن يذكر, حتى يظل الرجل ال يدري كم‬
                                                                                      ‫صلى))(8)[8].‬
‫ومنها: أنه يكسو الذاكر المهابة والحالوة والنضرة, ويمده بالقوة في قلبه وبدنه, حتى إنه ليفعل مع‬
  ‫الذكر ما ال يفعله بدونه, ولذلك علم النبي ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب رضي اهلل عنهما أن‬
‫يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثالثًا وثالثين, ويحمدا ثالثًا وثالثين, ويكبرا أربعًا وثالثين, لما‬
                                ‫سألته أن يعطيها خادمًا, وقال: ((فهو خير لكما من خادم))(8)[8].‬
    ‫كر ن َ ك ُ و كر ل و‬
  ‫ومنها: أن الذكر يورث ذكر اهلل تعالى للعبد, قال اهلل تعالى: فَاذْ ُ ُو ِي أذْ ُرْكمْ َاشْ ُ ُوا ِي َال‬
                                                                                  ‫ُر‬
 ‫تَكْف ُونِ [البقرة:715]. وفي الحديث القدسي قال تعالى: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي,‬
                                         ‫وإن ذكرني في مأل ذكرته في مأل خير منهم))(05)[05].‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
 ‫ر‬
‫الحمد هلل الذي أمر بذكره, ورتب على ذلك عظيم أجره, والصالة والسالم على أعظم الناس ذك ًا‬
                                         ‫لربه, نبينا محمد وعلى آله وصحبه, ومن سار على دربه.‬
       ‫أما بعد: فاعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن من فوائد الذكر أن اهلل عز وجل يباهي بالذاكرين‬
    ‫مالئكته, كما في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي قال لجماعة اجتمعوا يذكرون اهلل: ((أتاني‬
                                              ‫جبريل فأخبرني أن اهلل يباهي بكم مالئكته))(55)[5].‬
    ‫ومن فوائد الذكر: أنه سبب لنزول الرحمة والسكينة, كما قال : ((وما اجتمع قوم في بيت من‬
 ‫بيوت اهلل, يتلون كتاب اهلل ويتدارسونه بينهم, إال نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم‬
                                                        ‫المالئكة, وذكرهم اهلل فيمن عنده))(75)[7].‬
                                                        ‫ي‬
         ‫ومن فوائده: أنه يورث المراقبة, حتى ُدخل العبد في باب اإلحسان, فيعبد اهلل كأنه يراه.‬
   ‫ومن فوائد الذكر: أنه يورث اإلنابة, وهي الرجوع إلى اهلل تعالى, فإنه متى أكثر العبد الرجوع‬
   ‫إلى اهلل تعالى بذكره أورثه ذلك رجوعه إلى اهلل تعالى بقلبه في كل األحوال, فيصير اهلل تعالى‬
                          ‫مفزعه وملجأه, ومالذه ومعاذه, وقبلة قلبه, ومهربه عند النوازل والباليا.‬
‫ومن فوائده: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى, فإن الغافل بينه وبين اهلل حجاب‬
                                                                 ‫كثيف, ووحشة ال تزول إال بالذكر.‬
 ‫ومن فوائده: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة, والكذب والفحش والباطل, فإن العبد ال‬
 ‫بد له من أن يتكلم, فإن لم يتكلم بذكر اهلل تعالى تكلم بهذه المحرمات, وال سبيل إلى السالمة منها‬
 ‫ألبتة إال بذكر اهلل تعالى, والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك, فمن عود لسانه ذكر اهلل صان لسانه‬
‫عن الباطل واللغو, ومن يبس لسانه عن ذكر اهلل تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش، وال حول‬
                               ‫وال قوة إال باهلل, ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل وال بد.‬
‫ومن فوائد الذكر: أنه من أكبر العون على طاعته سبحانه, فإنه يحبب الطاعة إلى العبد ويسهلها‬
         ‫عليه، يجعلها قرة عينه, فال يجد في الطاعة من الكلفة والمشقة والعناء ما يجده الغافل.‬
                   ‫ذك‬
 ‫ومن فوائده: أنه يسهل المصاعب, وييسر العسير, ويخفف المشاق, فما ُ ِر اهلل على صعب إال‬
   ‫هان, وال على عسير إال تيسر, وال على شاق إال خف, وال على شدة إال زالت, وال كربة إال‬
 ‫انفرجت, وذلك ألن الذكر يذهب عن القلب المخاوف كلها, وله تأثير عجيب في حصول األمن,‬
‫فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر اهلل عز وجل, إذ بحسب ذكره يجد األمن ويزول‬
                                          ‫م ِن قل ب‬              ‫أ ِذ ْ الل‬
                              ‫الخوف, قال اهلل تعالى: َال ب ِكرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ [الرعد:87].‬
         ‫م‬                         ‫س‬
  ‫ومن أعظم فوائد الذكر: أنه ينبه القلب من نومه, ويوقظه من ِنَته, والقلب إذا كان نائ ًا فاتته‬
 ‫األرباح والمتاجر, وكان الغالب عليه الخسران, فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر,‬
                               ‫وأحيا بقية عمره, واستدرك ما فاته, وال تحصل يقظته إال بذكر.‬
   ‫أيها المؤمنون, هذه بعض فوائد الذكر الذي هو من أسهل األعمال وأيسرها, وأقلها كلفة, فهال‬
‫عمرنا به األوقات, وشغلنا به المشاهد والخلوات, عسى أن ندرك بعض هذه المناقب والخيرات,‬
  ‫ت‬
 ‫فإنه واهلل وباهلل من أعظم الحرمان ومن أشد الخذالن أن يمضي الواحد منا الساعات إما صام ًا‬
    ‫ساكتًا, أو متكلمًا فيما ال يعود عليه بنفع ال في الدنيا وال في يوم المعاد, بل إنه قد أصبح من‬
 ‫غرائب المشاهدات عند أكثر الناس أن يروا من يحرك شفتيه بالذكر في المجامع والخلوات, فما‬
                                                                    ‫شيئ‬
‫إن يروا من ذلك ًَّا إال رمقه الناس بأبصارهم, وتابعوه بأنظارهم, وقد يسيء به بعضهم الظن,‬
                    ‫فينسبه إلى قلة العقل, أو غير ذلك من األمراض, فإنا هلل وإنا إليه راجعون.‬


                                                                                   ‫__________‬
                                           ‫(5) أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء (35207).‬
                             ‫(7) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (4384).‬
                                                    ‫(3) أخرجه الترمذي في الدعوات (2873).‬
                                                           ‫(4) أخرجه مسلم في الحيض (811).‬
                                               ‫(1) أخرجه مسلم في صالة المسافرين (8875).‬
                          ‫(6) أخرجه البخاري في اإليمان (01), ومسلم في المساقاة (6887).‬
                    ‫(2) أخرجه الترمذي في الدعوات (8433), وأبو داود في األدب (5344).‬
                            ‫(8) أخرجه البخاري في األذان (321), ومسلم في الصالة (781).‬
       ‫(8) أخرجه البخاري في المناقب (8743), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                          ‫(6084).‬
 ‫(05) 05] أخرجه البخاري في التوحيد (6186), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                          ‫(7384).‬
                                ‫(55) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (8684).‬
                                ‫(75) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (2684).‬

‫(5/8853)‬




                                                                               ‫أال بذكر اهلل تطمئن القلوب‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                              ‫الدعاء والذكر‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                       ‫عنيزة‬
                                                                                                 ‫جامع العليا‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضل الذكر في الكتاب والسنة. 7- مراتب الذكر. 3- فوائد الذكر. 4- اغتنام األوقات في‬
                                                                                            ‫ذكر اهلل تعالى.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: عباد اهلل, اتقوا اهلل, وأكثروا من ذكره, فإن ذكره سبحانه قوت قلوب الذاكرين, وهو قرة‬
     ‫عيون الموحدين, وهو عدتهم الكبرى, وسالحهم الذي ال يبلى, وهو دواء أسقامهم, الذي متى‬
                                        ‫تركوه أصيبت منهم المقاتل, فانتكسوا على أعقابهم خاسرين.‬
                                             ‫إذا مرضنا تداوينا بذكركم…ونترك الذكر أحيانًا فننتكس‬
 ‫فبالذكر يستدفع الذاكرون اآلفات, ويستكشفون الكربات, وتهون عليهم المصيبات, فإليه الملجأ إذا‬
‫ل‬
‫ادلهمت الخطوب, وإليه المفزع عند توالي الكوارث والكروب, به تنقشع الظلمات واألكدار, وتح ّ‬
                                                                                          ‫ر‬
                                                                                       ‫األفراح والمس ّات.‬
             ‫ُر الل ذ ْر ر‬                 ‫َيه َّذ من‬
            ‫وقد أمر اهلل تعالى به المؤمنين فقال تعالى: يَا أ ُّ َا ال ِينَ آ َُوا اذْك ُوا َّهَ ِك ًا كَثِي ًا‬
                          ‫ُ ُ و ُر ل و فر‬                       ‫ُر ن‬
‫[األحزاب:54]، وقال تعالى: فَاذْك ُو ِي أَذْكرْكمْ َاشْك ُوا ِي َال تَكْ ُ ُونِ [البقرة:715]. وقد أثنى‬
      ‫ِن م لم ن و م لم ت و م من ن‬
      ‫اهلل سبحانه وتعالى في كتابه على الذاكرين فقال تعالى: إ َّ الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْ َا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ‬
        ‫و م م ت و نت ن و ن ت َالص ِق ن َالص ِ ت َالص بر ن َالص ب ت و شع ن‬
        ‫َالْ ُؤْ ِنَا ِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِتَا ِ و َّاد ِي َ و َّادقَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّا ِرا ِ َالْخَا ِ ِي َ‬
    ‫َّا ِ ِي َ والص ئم ت و ظ َ فر ج ُ و ح ظ ت‬
    ‫َّا ِ َا ِ َالْحَافِ ِين ُ ُو َهمْ َالْ َافِ َا ِ‬           ‫و ش ت و م َدق ن و م َ ّ ت‬
                                                      ‫َالْخَا ِعَا ِ َالْ ُتَص ّ ِي َ َالْ ُتَصدقَا ِ والص ئم ن‬
                                   ‫َد الله ه م ِ ة و ْر ظ‬                       ‫ر و ك‬              ‫و ِر الل‬
                 ‫َالذاك ِينَ َّهَ كَثِي ًا َالذا ِراتِ أَع َّ َّ ُ لَ ُم َّغْفرَ ً َأَج ًا عَ ِيمًا [األحزاب:13].‬
                             ‫د‬
  ‫وأما األخبار عن النبي فقد دلت األدلة على أن أفضل ما شغل العب ُ به نفسه في الجملة ذكر اهلل‬
‫تعالى, فمن ذلك ما رواه أحمد وغيره عن أبي الدرداء رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((أال‬
     ‫أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب‬
                                                                                     ‫َ‬
‫والورِق, وخير لكم من أن تلقوا عدوكم, فتضربوا أعناقهم, ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى، قال:‬
                                                 ‫ض‬
      ‫((ذكر اهلل تعالى))(5)[5]. ومن ذلك أي ًا ما رواه اإلمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‬
              ‫ج‬
 ‫رضي اهلل عنه قال: كان رسول اهلل يسير في طريق مكة, فمر على جبل يقال له ُمْدان, فقال :‬
                                                              ‫((سيروا هذا ُمْدان, سبق المفر‬
 ‫ِّدون))، قالوا: وما المفردون يا رسول اهلل؟ قال: ((الذاكرون اهلل‬              ‫ج‬
                                                                                                         ‫ر‬
                                                                                     ‫كثي ًا والذاكرات))(7)[7].‬
‫ومما يظهر فضل الذكر وعلوَ مرتبته ما أخرجه الترمذي عن عبد اهلل بن بسر رضي اهلل عنه أن‬
                                  ‫علي‬
‫رجالً قال: يا رسول اهلل، إن شرائع اإلسالم قد كثرت َّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: ((ال‬
                                                                            ‫ب‬
      ‫يزال لسانك رط ًا من ذكر اهلل))(3)[3]. ومما يدل على ذلك أن اهلل تعالى أمر المؤمنين بأن‬
     ‫َقع د‬          ‫ِذ ض ُم الص َ ُر الل َ ق‬                                          ‫د‬
    ‫يذكروه قيامًا وقعو ًا وعلى جنوبهم, فقال تعالى: فَإ َا قَ َيْت ُ َّالة فَاذْك ُوا َّه ِيَامًا و ُ ُو ًا‬
                                                                             ‫وعل جن ب ُ‬
‫َ ََى ُ ُو ِكمْ [النساء:305]. وهكذا كان النبي فعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: كان النبي يذكر‬
                                                                                    ‫اهلل على كل أحيانه(4)[4].‬
   ‫أيها المؤمنون, اعلموا أن أعلى مراتب الذكر الذي أمر اهلل به هو ما تواطأ فيه القلب واللسان,‬
  ‫واعلموا أن هذا الفضل العظيم واألجر الكثير ليس معلقًا على ذكر الشفة واللسان فحسب, بل ال‬
 ‫يثبت هذا األجر الموعود إال على ذكر يتواطأ فيه القلب واللسان, فذكر اهلل إن لم يخفق به القلب,‬
  ‫ب‬
 ‫وإن لم تعش به النفس, وإن لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والمحبة هلل تعالى, فلن يكون سب ًا‬
                                                                              ‫لتحصيل هذه المزايا والفضائل.‬
 ‫وقد يسأل المرء: ما سر تفضيل الذكر على سائر أنواع وأعمال البر, مع أنه خفيف على اللسان‬
                                                                            ‫وال يحصل به تعب على األبدان؟‬
‫فالجواب: إن سر هذا التفضيل هو أن الذكر يورث يقظة القلب وحياته وصالحه, ولذلك قال النبي‬
     ‫: ((مثل الذي يذكر ربه والذي ال يذكر ربه مثل الحي والميت))(1)[1]. فالذكر حياة القلوب‬
   ‫وصالحها, والذكر للقلب كالماء للزرع, بل كالماء للسمك, ال حياة له إال به. فإذا حييت القلوب‬
 ‫صل‬     ‫ص‬                                                                     ‫ص‬
‫و َلَحت صلحت الجوارح واستقامت, قال النبي : ((أال وإن في الجسد مضغة, إذا َلَحت ََح‬
                         ‫الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, أال وهي القلب)) متفق عليه(6)[6].‬
   ‫فعليكم ـ عباد اهلل ـ باإلكثار من ذكره سبحانه, وعمارةِ األوقات واألزمان باألذكار واألوراد‬
‫المطلقة والمقيدة, كقول: ال إله إال اهلل, فإنها من خير األقوال وأحبها إلى اهلل, أو قول: سبحان اهلل,‬
  ‫والحمد هلل, وال إله إال اهلل, واهلل أكبر, فإنها خير مما طلعت عليه الشمس, وغير ذلك من األقوال‬
                                                                         ‫تنم‬
‫التي َّى بها الحسنات, وترفع بها الدرجات, وتوضع السيئات. فإن قصرت همتك وضعفت قوتك‬
 ‫عن تلك المنازل الكبار فال أقل من أن تحافظ على األذكار المؤقتة والمقيدة, قال شيخ اإلسالم ابن‬
  ‫تيمية رحمه اهلل: "وأقل ذلك ـ أي: ما ينبغي على العبد المحافظة عليه من األذكار ـ أن يالزم‬
    ‫العبد األذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين , كاألذكار المؤقتة في أول النهار وآخره,‬
   ‫وعند أخذ المضجع, وعند االستيقاظ من المنام, وأدبار الصلوات. واألذكار المقيدة مثل ما يقال‬
  ‫عند األكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخالء والخروج من ذلك وعند‬
 ‫المطر والرعد وغير ذلك". وقد صنفت في ذلك بعض الكتيبات, فما عليك ـ أيها المبارك ـ إال‬
                                                                           ‫د‬
                         ‫أن تقتني واح ًا من تلك المصنفات, وتواظب على المسابقة في الخيرات.‬
‫ومما يشحذ همتك ويلهب حماسك ويجذبك إلى ذكر موالك أن تعلم أن للذكر فوائد كثيرة وعواقب‬
                                       ‫حميدة لمن حافظ عليه وأكثر منه, وإليك بعض هذه الفوائد:‬
‫فمن فوائد الذكر الكبار: أنه يورث محبة اهلل سبحانه وتعالى, فالذكر باب المحبة وشارعها األعظم‬
                                                      ‫ر‬
     ‫وصراطها األقوم, فكلما ازداد العبد هلل ذك ًا ازداد له حبًا, فمن أراد أن يفوز وينال محبة اهلل‬
                                                                                 ‫تعالى فليلهج بذكره.‬
‫ومن فوائد ذكر اهلل تعالى: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره, ويزيل الهم والغم والحزن, ويجلب‬
     ‫للقلب الفرح والسرور والبسط, ففي الترمذي وأبي داود والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال‬
‫رسول اهلل : ((إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم اهلل، توكلت على اهلل، ال حول وال قوة إال باهلل،‬
‫يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل‬
                                                                         ‫هدي وكفي ووقي))(2)[2].‬
   ‫وقد ثبت أن الشيطان يهرب من األذان, ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن‬
                                    ‫ض‬
  ‫رسول اهلل قال: ((إذا نودي للصالة أدبر الشيطان وله ُراط, حتى ال يسمع التأذين, فإذا قضى‬
                ‫ي ط‬                                                ‫ُو‬
     ‫النداء أقبل, حتى إذا ث ِّب بالصالة أدبر, حتى إذا قضى التثويب أقبل, حتى َخْ ِر بين المرء‬
               ‫ونفسه, يقول: اذكر كذا, اذكر كذا, لما لم يكن يذكر, حتى يظل الرجل ال يدري كم‬
                                                                                      ‫صلى))(8)[8].‬
‫ومنها: أنه يكسو الذاكر المهابة والحالوة والنضرة, ويمده بالقوة في قلبه وبدنه, حتى إنه ليفعل مع‬
   ‫الذكر ما ال يفعله بدونه, ولذلك علم النبي ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب رضي اهلل عنهما أن‬
‫يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثالثًا وثالثين, ويحمدا ثالثًا وثالثين, ويكبرا أربعًا وثالثين, لما‬
                                ‫سألته أن يعطيها خادمًا, وقال: ((فهو خير لكما من خادم))(8)[8].‬
    ‫ُر ن َ ك ُ و كر ل و‬
  ‫ومنها: أن الذكر يورث ذكر اهلل تعالى للعبد, قال اهلل تعالى: فَاذْك ُو ِي أذْ ُرْكمْ َاشْ ُ ُوا ِي َال‬
                                                                                   ‫ُر‬
  ‫تَكْف ُونِ [البقرة:715]. وفي الحديث القدسي قال تعالى: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي,‬
                                         ‫وإن ذكرني في مأل ذكرته في مأل خير منهم))(05)[05].‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
 ‫ر‬
‫الحمد هلل الذي أمر بذكره, ورتب على ذلك عظيم أجره, والصالة والسالم على أعظم الناس ذك ًا‬
                                     ‫لربه, نبينا محمد وعلى آله وصحبه, ومن سار على دربه.‬
       ‫أما بعد: فاعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن من فوائد الذكر أن اهلل عز وجل يباهي بالذاكرين‬
   ‫مالئكته, كما في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي قال لجماعة اجتمعوا يذكرون اهلل: ((أتاني‬
                                           ‫جبريل فأخبرني أن اهلل يباهي بكم مالئكته))(55)[5].‬
    ‫ومن فوائد الذكر: أنه سبب لنزول الرحمة والسكينة, كما قال : ((وما اجتمع قوم في بيت من‬
 ‫بيوت اهلل, يتلون كتاب اهلل ويتدارسونه بينهم, إال نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم‬
                                                      ‫المالئكة, وذكرهم اهلل فيمن عنده))(75)[7].‬
                                                       ‫ي‬
        ‫ومن فوائده: أنه يورث المراقبة, حتى ُدخل العبد في باب اإلحسان, فيعبد اهلل كأنه يراه.‬
  ‫ومن فوائد الذكر: أنه يورث اإلنابة, وهي الرجوع إلى اهلل تعالى, فإنه متى أكثر العبد الرجوع‬
   ‫إلى اهلل تعالى بذكره أورثه ذلك رجوعه إلى اهلل تعالى بقلبه في كل األحوال, فيصير اهلل تعالى‬
                       ‫مفزعه وملجأه, ومالذه ومعاذه, وقبلة قلبه, ومهربه عند النوازل والباليا.‬
‫ومن فوائده: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى, فإن الغافل بينه وبين اهلل حجاب‬
                                                               ‫كثيف, ووحشة ال تزول إال بالذكر.‬
 ‫ومن فوائده: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة, والكذب والفحش والباطل, فإن العبد ال‬
 ‫بد له من أن يتكلم, فإن لم يتكلم بذكر اهلل تعالى تكلم بهذه المحرمات, وال سبيل إلى السالمة منها‬
 ‫ألبتة إال بذكر اهلل تعالى, والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك, فمن عود لسانه ذكر اهلل صان لسانه‬
‫عن الباطل واللغو, ومن يبس لسانه عن ذكر اهلل تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش، وال حول‬
                            ‫وال قوة إال باهلل, ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل وال بد.‬
 ‫ومن فوائد الذكر: أنه من أكبر العون على طاعته سبحانه, فإنه يحبب الطاعة إلى العبد ويسهلها‬
          ‫عليه، يجعلها قرة عينه, فال يجد في الطاعة من الكلفة والمشقة والعناء ما يجده الغافل.‬
                    ‫ذك‬
  ‫ومن فوائده: أنه يسهل المصاعب, وييسر العسير, ويخفف المشاق, فما ُ ِر اهلل على صعب إال‬
    ‫هان, وال على عسير إال تيسر, وال على شاق إال خف, وال على شدة إال زالت, وال كربة إال‬
  ‫انفرجت, وذلك ألن الذكر يذهب عن القلب المخاوف كلها, وله تأثير عجيب في حصول األمن,‬
 ‫فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر اهلل عز وجل, إذ بحسب ذكره يجد األمن ويزول‬
                                           ‫م ِن قل ب‬              ‫أ ِذ ْ الل‬
                               ‫الخوف, قال اهلل تعالى: َال ب ِكرِ َّهِ تَطْ َئ ُّ الْ ُُو ُ [الرعد:87].‬
          ‫م‬                         ‫س‬
   ‫ومن أعظم فوائد الذكر: أنه ينبه القلب من نومه, ويوقظه من ِنَته, والقلب إذا كان نائ ًا فاتته‬
  ‫األرباح والمتاجر, وكان الغالب عليه الخسران, فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر,‬
                                ‫وأحيا بقية عمره, واستدرك ما فاته, وال تحصل يقظته إال بذكر.‬
    ‫أيها المؤمنون, هذه بعض فوائد الذكر الذي هو من أسهل األعمال وأيسرها, وأقلها كلفة, فهال‬
  ‫عمرنا به األوقات, وشغلنا به المشاهد والخلوات, عسى أن ندرك بعض هذه المناقب والخيرات,‬
   ‫ت‬
  ‫فإنه واهلل وباهلل من أعظم الحرمان ومن أشد الخذالن أن يمضي الواحد منا الساعات إما صام ًا‬
     ‫ساكتًا, أو متكلمًا فيما ال يعود عليه بنفع ال في الدنيا وال في يوم المعاد, بل إنه قد أصبح من‬
  ‫غرائب المشاهدات عند أكثر الناس أن يروا من يحرك شفتيه بالذكر في المجامع والخلوات, فما‬
                                                                     ‫شيئ‬
 ‫إن يروا من ذلك ًَّا إال رمقه الناس بأبصارهم, وتابعوه بأنظارهم, وقد يسيء به بعضهم الظن,‬
                     ‫فينسبه إلى قلة العقل, أو غير ذلك من األمراض, فإنا هلل وإنا إليه راجعون.‬


                                                                                ‫__________‬
                                            ‫(5) أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء (35207).‬
                              ‫(7) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (4384).‬
                                                    ‫(3) أخرجه الترمذي في الدعوات (2873).‬
                                                          ‫(4) أخرجه مسلم في الحيض (811).‬
                                               ‫(1) أخرجه مسلم في صالة المسافرين (8875).‬
                           ‫(6) أخرجه البخاري في اإليمان (01), ومسلم في المساقاة (6887).‬
                     ‫(2) أخرجه الترمذي في الدعوات (8433), وأبو داود في األدب (5344).‬
                             ‫(8) أخرجه البخاري في األذان (321), ومسلم في الصالة (781).‬
        ‫(8) أخرجه البخاري في المناقب (8743), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                      ‫(6084).‬
  ‫(05) 05] أخرجه البخاري في التوحيد (6186), ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار‬
                                                                                      ‫(7384).‬
                             ‫(55) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (8684).‬
                             ‫(75) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار (2684).‬

‫(5/0853)‬




                                                                              ‫اإلخالص وفوائده‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                            ‫أعمال القلوب‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫خالد بن عبد اهلل المصلح‬
                                                                                                                      ‫عنيزة‬
                                                                                                               ‫جامع العليا‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
                         ‫5- منزلة اإلخالص في اإلسالم. 7- أسباب اإلخالص. 3- فوائد اإلخالص.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اهلل, وخير الهدي هدي محمد , وشر األمور محدثاتها, وكل‬
                                                                                    ‫محدثة بدعة, وكل بدعة ضاللة.‬
    ‫َي الن س اتق َب ُم ال خلق ُ‬
  ‫أيها الناس, اتقوا اهلل وأطيعوه, فإنه تعالى أمركم بذلك فقال: يَا أ ُّهَا َّا ُ َّ ُوا رَّك ُ َّذِي ََ َكمْ‬
    ‫ِنْ نَفْ ٍ َاح َ ٍ وَخَلَقَ ِنْهَا زَوْ َهَا َب َّ ِنْ ُ َا رِجَاالً كَ ِي ًا َ ِ َا ً و َّ ُوا َّهَ الذِي تَ َا َُو َ ِ ِ‬
    ‫س ءل ن به‬          ‫ث ر ونس ء َاتق الل َّ‬                        ‫ج و َث م هم‬                  ‫م‬          ‫م س و ِدة‬
                                                                                   ‫ع ُ َق‬               ‫و َ ح ِن الل‬
                                                                   ‫َاألرْ َامَ إ َّ َّهَ كَانَ َلَيْكمْ ر ِيبًا [النساء:5].‬
     ‫أيها اإلخوة الكرام, إن اهلل تعالى خلق الخلق لعبادته, وبعث الرسل إلى الناس ليعبدوه وحده ال‬
 ‫وم‬                               ‫و أ ِر إ لي ُد الل م لص ه الد‬
‫شريك له, قال تعالى: َمَا ُم ُوا ِال ِ َعْب ُوا َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ِّينَ [البينة:1]، وقال جل ذكره: َ َا‬
                                  ‫ُد‬               ‫َ س م ْ ك م ْ رس إ ن ح إ َن ُ إ إ‬
    ‫أرْ َلْنَا ِن قَبْلِ َ ِن َ ُولٍ ِال ُو ِي ِلَيْهِ أ َّه ال ِلَهَ ِال أَنَا فَاعْب ُونِ [األنبياء:17]، وقال تعالى:‬
                                          ‫ُد الله و نب الط غ‬                        ‫و َ بع ف ُل ُم ٍ رس‬
                           ‫َلَقدْ َ َثْنَا ِي ك ِّ أ َّة َ ُوالً أَنِ اعْب ُوا َّ َ َاجْتَ ِ ُوا َّا ُوتَ [النحل:63].‬
       ‫وعبادة اهلل سبحانه وتعالى ال تقوم إال باإلخالص له, فاإلخالص هو حقيقة الدين ولب العبادة‬
       ‫وشرط في قبول العمل, وهو بمنزلة األساس للبنيان, وبمنزلة الروح للجسد, ولذلك لما كانت‬
  ‫َ َد إل م‬                    ‫ر‬      ‫ء‬
 ‫أعمال الكفار ال توحيد فيها وال إخالص, جعلها اهلل تعالى هبا ً منثو ًا, قال تعالى: وق ِمْنَا َِى َا‬
                                                         ‫عمل م ع َ ٍ جع ه هب م ث ر‬
      ‫َ ُِوا ِنْ َمل فَ َ َلْنَا ُ َ َاءً َنْ ُو ًا [الفرقان:37]. وهذا اإلبطال واإلحباط نصيب كل من لم‬
       ‫م ن ُر د ح الد َز ه ن َف ِل ِ‬
     ‫يخلص العمل هلل تعالى وقصد غيره, قال تعالى: َنْ كَا َ ي ِي ُ الْ َيَاةَ ُّنْيَا و ِينَتَ َا ُو ِّ إَيْهمْ‬
  ‫صع فه‬                ‫ِ إ الن ر ح‬              ‫ه ف‬                ‫ي س أ ئ َّذ‬                    ‫ُْ ف ه هْ ف‬
 ‫أَعْمَالَهم ِي َا وَ ُم ِيهَا ال ُبْخَ ُون ُولَ ِكَ ال ِينَ لَيْسَ لَ ُمْ ِي اآلخرَةِ ِال َّا ُ وَ َبِطَ مَا َنَ ُوا ِي َا‬
                                                                                           ‫ن ي مل‬             ‫وب ِل‬
                                                                          ‫َ َاط ٌ مَا كَا ُوا َعْ َُونَ [هود:15، 65].‬
                                   ‫ر‬
    ‫فيا خيبة من جاء بأعمال مثل الجبال, يجعلها اهلل هباء منثو ًا, ويكبه على وجهه في النار, فعن‬
    ‫أ‬
  ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه مرفوعًا: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد, فُتي‬
                                                       ‫م‬
 ‫به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما ع ِلتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت, قال: كذبت, ولكنك‬
   ‫قاتلت ألن يقال: جريء, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم‬
                                                                                   ‫ل‬
   ‫العلم وعّمه, وقرأ القرآن, فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم‬
                                                                                       ‫ل‬
‫وعّمته, وقرأت فيك القرآن, قال: كذبت, ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم, وقرأت القرآن ليقال: هو‬
                     ‫س‬
  ‫قارئ, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل و ّع اهلل عليه, وأعطاه‬
‫من أصناف المال كله, فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل‬
                                                                                        ‫ب‬
  ‫تح ّ أن ينفق فيها إال أنفقت فيها لك, قال: كذبت, ولكنك فعلت ليقال: هو جواد, فقد قيل, ثم أمر‬
                              ‫به فسحب على وجهه, ثم ألقي في النار))(5)[5] نعوذ باهلل من الخذالن.‬
 ‫ل‬
‫فسبحان من ال تخفى عليه خافية, بل يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور, فإن المرء مهما ضّل‬
‫الناس وخدعهم ظاهره وصورته، فإن هذه الظواهر والصور وهذا التزييف والتضليل ال يغني عنه‬
                ‫ِن م ق ن ي دع الله هو دعه‬                                                                     ‫شيئ‬
‫ًَّا. أما عند اهلل تعالى فقد قال في كتابه: إ َّ الْ ُنَافِ ِي َ ُخَا ِ ُونَ َّ َ وَ ُ َ خَا ِ ُ ُمْ [النساء:745]،‬
                    ‫وقد قال النبي : ((إن اهلل ال ينظر إلى صوركم وأموالكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم‬
                                                                                            ‫وأعمالكم))(7)[7].‬
 ‫أما الناس فسرعان ما ينكشف الستار, وتبدو الحقيقة لألنظار, إما في الدنيا أو في دار القرار, قال‬
       ‫ي ك ُ ف َ ْض َ ك ي رب الله‬                  ‫َم الز َد َ هب ج ء وَم ي ع الن‬
       ‫اهلل تعالى: فَأ َّا َّب ُ فَيذْ َ ُ ُفَا ً َأ َّا مَا َنْفَ ُ َّاسَ فَ َمْ ُث ِي األر ِ كذَلِ َ َضْ ِ ُ َّ ُ‬
                                                                                          ‫األَمْثَالَ [الرعد:25].‬
                                            ‫ل‬
  ‫أيها المسلمون, اعلموا أن من أعظم أسباب تخّف اإلخالص وغيابه في األعمال هو طلب الدنيا,‬
      ‫أو محبة المدح والثناء, قال ابن القيم رحمه اهلل: "ال يجتمع اإلخالص في القلب ومحبة المدح‬
    ‫والثناء والطمع فيما عند الناس إال كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت"، وقال رحمه اهلل:‬
                                    ‫ً‬
‫"فإذا حدثتك نفسك بطلب اإلخالص, فأقبل على الطمع أوال فاذبحه بسكين اليأس, وأقبل على المدح‬
      ‫والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في اآلخرة, فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء‬
        ‫والمدح سهل عليك اإلخالص, فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء‬
‫والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك يقينك أنه ليس شيء يطمع فيه إال هو بيد اهلل وحده, ال‬
  ‫يملكه غيره, وال يؤتي العبد منه شيئًَّا سواه. وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه‬
 ‫ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إال اهلل وحده, فازهد في مدح من ال يزينك مدحه,‬
        ‫وفي ذم من ال يشينك ذمه, وارغب في مدح من كل الزين في مدحه, وكل الشين في ذمه".‬
  ‫فإذا جاهد العبد نفسه حتى زهد في الدنيا, وفي مدح الناس وثنائهم, وقصد اهلل في عمله, كان من‬
 ‫ر‬
‫أهل اإلخالص الذين أعمالهم كلها هلل تعالى, وأقوالهم هلل, وحبهم هلل, وبغضهم هلل, فمعاملتهم ظاه ًا‬
                                ‫ر‬         ‫ء‬                                             ‫ن‬
  ‫وباط ًا لوجه اهلل وحده, اليريدون بذلك من الناس جزا ً وال شكو ًا, وال ابتغاء الجاه عندهم, وال‬
                                                  ‫ب‬
  ‫طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم, وال هر ًا من ذمهم, وبهذا تكون أقوى الناس, ألن وليك حينئذ‬
             ‫هو موالك القوي المتين, وبهذا تكون من أهل الكرامة في هذه الدار, وفي دار الجزاء.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
  ‫أما بعد: أيها المسلمون, إن إلخالص العمل هلل تعالى فوائد كثيرة, أذكر بعضها, عسى أن تكون‬
    ‫حافزة لنا إلى مزيد من االجتهاد, والعمل في تحقيق اإلخالص هلل تعالى في األقوال واألعمال.‬
                     ‫ح‬
‫اعلموا أن من فوائد اإلخالص: أن األقوال و األعمال ال تقبل إال إذا صا َبها اإلخالص, فاألعمال‬
  ‫ع‬
‫مهما حسن أداؤها إذا لم يصاحبها إخالص هلل تعالى فهي مردودة حابطة, فعن أبي أمامة مرفو ًا:‬
 ‫((إن اهلل ال يقبل من العمل إال ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه))(3)[5]. وكذلك األقوال, قال‬
              ‫النبي في وصف أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة: ((من قال: ال إله إال اهلل خالصًا من‬
                                                                                                           ‫قلبه))(4)[7].‬
‫ومنها: أن اإلخالص سبب لقوة القلب, ورباطة الجأش, وتحمل أعباء العبادة وتكاليف الدعوة, ولو‬
‫تأمل الواحد منا حال بعض المخلصين الصادقين لتبين له ذلك, فمن ذلك رباطة جأش النبي وقوته,‬
                ‫ْز ِن الل مع‬
             ‫مع توافر أسباب الهالك عليه, حيث قال لصاحبه وهو في الغار: ال تَح َنْ إ َّ َّهَ َ َنَا‬
                                                                                                             ‫[التوبة:04].‬
  ‫فاإلخالص والصدق مع اهلل تعالى يعين على النهوض بالحق ومجابهة الباطل, مهما عظمت قوة‬
‫الباطل, فهذا نبي اهلل هود لم تكن له آية بارزة كما كان لغيره من األنبياء, دعا قومه إلى عبادة اهلل‬
 ‫ل ي ه د‬
 ‫وحده, وترك عبادة ما سواه, فجادله قومه, وقالوا كما قص اهلل علينا نبأهم في كتابه: قَاُوا َا ُو ُ‬
 ‫مَا ِئْتَنَا ِبِّنَةٍ َمَا نَحْ ُ ِ َا ِ ِي آِ َ ِنَا َن قَوِْكَ َمَا نَحْ ُ لَكَ ِ ُؤْ ِنِين ِنْ نَ ُو ُ ِال اعْت َاكَ َع ُ‬
 ‫َر ب ْض‬          ‫ن بم م إ ق ل إ‬                           ‫ن بت رك لهت ع ْ ل و‬                        ‫ج ب َي و‬
      ‫ِن أ هد الله و هد َن بر ء ِم ت ْ ِك م د ن ك د ن جم ُم‬                                              ‫لهت بس ٍ‬
   ‫آِ َ ِنَا ِ ُوء قَالَ إ ِّي ُشْ ِ ُ َّ َ َاشْ َ ُوا أ ِّي َ ِي ٌ م َّا ُشر ُون ِنْ ُو ِهِ فَ ِي ُو ِي َ ِيعًا ث َّ ال‬
                                                                                                             ‫ت ِر‬
                                                                                             ‫ُنْظ ُونِ [هود:31-11].‬
           ‫ر‬
 ‫ومنها: أن من فوائد اإلخالص التخلص من كيد الشيطان وتسلطه, قال اهلل تعالى إخبا ًا عما قاله‬
                                   ‫إ عب د م هم م ص‬                            ‫ب‬
                    ‫إبليس لما طلب أن ينظره ر ّ العالمين: ِال ِ َا َكَ ِنْ ُ ُ الْ ُخْلَ ِينَ [الحجر:04].‬
        ‫و َم به َم به‬
‫ومنها: أنه سبب لصرف السوء والفحشاء, قال تعالى في قصة يوسف: َلَقَدْ ه َّتْ ِ ِ وَه َّ ِ َا لَوْال‬
                ‫ِنه م ع د م ص‬                                ‫َبه َ ل ْ ِ ع ه الس ء و‬                     ‫ْر ُ‬
  ‫أَن َأى برْهَانَ ر ِّ ِ كذَلِكَ ِنَصرفَ َنْ ُ ُّو َ َالْفَحْشَاءَ إ َّ ُ ِنْ ِبَا ِنَا الْ ُخْلَ ِينَ [يوسف:47].‬
 ‫ومنها: أن العمل القليل مع اإلخالص سبب للفوز برضا اهلل تعالى, ومن أمثلة ذلك قوله : ((اتقوا‬
    ‫النار ولو بشق تمرة))(1)[3], فشق التمرة مع اإلخالص يقي النار بمنة الكريم المنان, وأطنان‬
 ‫م الن ر َل جد‬                        ‫ِن من فق َ ف َّ‬
 ‫التمر مع الرياء تولج أسفل النيران, قال تعالى: إ َّ الْ ُ َا ِ ِين ِي الدرْكِ األَسْفَلِ ِنَ َّا ِ وَنْ تَ ِ َ‬
                                                                                                          ‫ر‬         ‫ُ‬
                                                                                           ‫لَهمْ نَصِي ًا [النساء:145].‬
                                                                                              ‫قال ابن القيم رحمه اهلل:‬
                                                                      ‫س‬                             ‫هلل‬
                                                         ‫وا ُ ال يرضى بكثرة فعلنا…لكن بأح َنه مع اإليمان‬
                                                 ‫فالعارفون مرادهم إحسانه…والجاهلون عموا عن اإلحسان‬
   ‫بقي من الفوائد: أن العبد ينصر بإخالصه, قال النبي فيما أخرجه النسائي عن مصعب بن سعد‬
        ‫رأى سعد بن أبي وقاص أن له فضالً على من دونه: ((إنما ينصر اهلل هذه األمة بضعيفها؛‬
                                                    ‫بدعوتهم وصالتهم وإخالصهم))(6)[4].‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون, اعلموا ـ وفقكم اهلل ـ أن األعمال والطاعات ال تتفاضل بصورها وعددها,‬
 ‫وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب, فتكون صورة العملين واحدة, وبينهما من التفاضل كما بين‬
                                    ‫د‬
     ‫السماء واألرض, والرجالن يكون مقامهما في الصف واح ًا, وبين صالتيهما كما بين السماء‬
        ‫واألرض, فعن عمار بن ياسر رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إن الرجل‬
                              ‫س‬      ‫س‬             ‫ت‬          ‫ع‬
    ‫لينصرف وما كتب له إال ُشر صالته، ُسعها، ثمنها، ُبعها، ُدسها، خمسها، ربعها، ثلثها،‬
                        ‫نصفها))(2)[1]. فيا إخواني عليكم بتصحيح النيات واألعمال هلل تعالى.‬


                                                                          ‫__________‬
                                                     ‫(5) أخرجه مسلم في اإلمارة (2713).‬
                                                ‫(7) أخرجه مسلم في البر والصلة (5164).‬
                                                   ‫(3) أخرجه النسائي في الجهاد (8803).‬
                                                      ‫(4) أخرجه البخاري في العلم ( 28).‬
                                                  ‫(1) أخرجه البخاري في الزكاة (8735).‬
                                                   ‫(6) أخرجه النسائي في الجهاد (2753).‬
                                                   ‫(2) أخرجه أبو داود في الصالة (126).‬

‫(5/5853)‬




                                                                ‫الحنين إلى بيت اهلل الحرام‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫فقه‬
                                                                            ‫الحج والعمرة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                             ‫مراد وعمارة‬
                                                                              ‫باب الوادي‬
                                                                                   ‫التقوى‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
                   ‫5- حلول موسم الحج. 7- الشوق إلى بيت اهلل الحرام. 3- ميزة السفر للحج.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
            ‫ي‬                                                ‫كل‬                 ‫أي‬     ‫هب‬
 ‫َّت في َّامكم هذه على قلب ِّ مؤمن نسيم الشوق إلى اهلل تعالى، أما شعرتم ـ أ ُّها المسلمون‬
 ‫ٌ م َ َ َ ف ِن‬         ‫َج ُر م ل‬                                                      ‫أي‬      ‫أن‬
 ‫ـ َّكم في َّام مباركات ذكرها اهلل تعالى في كتابه فقال: الْح ُّ أَشْه ٌ َعُْومَات فَ َنْ فرض ِيه َّ‬
                                              ‫َج‬       ‫َ و فس و ِد َ ف‬                   ‫ح َّ‬
  ‫الْ َج فَال رفَثَ َال ُ ُوقَ َال ج َال ِي الْح ِّ [الحج:285]، فاألشهر المعلومات هي هذه األشهر‬
                                                                       ‫ج‬           ‫يه ُّ‬
                                                                      ‫الثالثة التي ُ َل فيها بالح ّ.‬
                                              ‫وال َّ َّ المؤمن في هذه َّام المباركة تتحر‬
 ‫َّك نفسه شوقًا إلى بيت اهلل الحرام، ألداء فريضة‬              ‫األي‬             ‫شك أن‬
                                                                                            ‫الحج‬
                                                          ‫ِّ والعمرة، استكماال لمباني اإلسالم.‬
       ‫رب‬                                ‫مك‬                ‫أن‬
 ‫يذكر عن بعض الصالحات َّها حين وصلت إلى َّة بقيت تقول لرفقائها: أروني بيت ِّي؟ أين‬
         ‫شد‬                                ‫اشتد‬     ‫فلم‬                       ‫رب‬
 ‫بيت ِّي؟ قيل لها: اآلن ترينه، َّا رأته َّت نحوه فالتزمته وفاضت عيناها من َّة الشوق،‬
                                                      ‫رب‬
       ‫وليس بها الشوق إلى البيت، ولكن إلى َّ البيت، فاستذكرتها رؤية بيت اهلل رؤيةَ اهلل يوم‬
                                                       ‫حت‬
                                    ‫القيامة، فلم تزل على تلك الحال َّى خرجت روحها فماتت.‬
          ‫كل‬       ‫مت‬                                              ‫إن نؤم‬              ‫أي‬
      ‫ُّها المسلمون، َّنا ُّ هذا البيت خمس مرات في اليوم، فال تزال قلوبنا َّصلة به َّ يوم‬
              ‫َّة قلب المؤمن إلى توقان نفسه للتوج‬
‫ُّه إلى بيت اهلل‬                               ‫باستمرار، فال غرو أن تدفع هذه الصلة المستمر‬
                                                                                      ‫حت‬
   ‫َّى يمتع بصره بالنظر إليه والطواف به والتماس الحجر األسود الذي هو بمنزلة يمين اهلل في‬
                                                                                          ‫األرض.‬
                               ‫حت‬                           ‫تحن‬
    ‫ولذا تجد قلوب الصالحين ُّ إليه، ال ينقطع شوقها إليه َّى تلتزمه وتطوف به، كما تطوف‬
                                                         ‫المالئكة حول البيت المعمور في السماء.‬
                                                                   ‫س‬                    ‫تتأه‬
     ‫َّب في هذه األيام نفو ٌ اكتملت لديها أسابب االستطاعة، للسفر إلى ب