موسوعة خطب المنبر 053 by italiano.egy

VIEWS: 65 PAGES: 239

									                   ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
             ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                              ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                  ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                              ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
        ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
        ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
   ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                       ‫معين.‬


                                                 ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                         ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                           ‫نصائح للزوجين‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                      ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                      ‫النكاح, قضايا األسرة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                     ‫صالح بن محمد البدير‬
                                                                            ‫المدينة المنورة‬
                                                                                 ‫55/1/1715‬
                                                                             ‫المسجد النبوي‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- فطرة الميل إلى السكون واالستقرار. 7- عظم الرابطة الزوجية. 3- أهمية األسرة في‬
‫المجتمع. 1- أسباب المشكالت األسرية. 1- نصائح للزوجين. 6- كلمات للزوجة المسلمة. 2-‬
     ‫كلمات للزوج المسلم. 8- التحذير من المعاصي والمخالفات في البيوت. 9- نصائح للمعد‬
 ‫ِّدين.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                       ‫س‬                ‫فإن‬                 ‫ت‬               ‫ي‬             ‫م‬
    ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها المسلمون، ا ّقوا اهلل وأطيعوه، َّ تقواه أفضل مكت َب، وطاعته أعلى نسب،‬
   ‫ك ا‬          ‫ِ ه جه و َث م هم ر‬                         ‫ُ م نس ِ ة‬                   ‫َي الن س اتق َبكم َّذ‬
   ‫ياأُّهَا َّا ُ َّ ُواْ ر َّ ُ ُ ال ِى خَلَقَكمْ ّن َّفْ ٍ واحدَ ٍ وَخَلَقَ منْ َا زَوْ َ َا َب َّ ِنْ ُ َا ِجَاالً َثِيرً‬
                                    ‫َ ُ ْ رق‬            ‫س ل به و َ ح ِن الل‬                   ‫ونس َاتق الل َّ‬
                    ‫َ ِ َاء و َّ ُواْ َّهَ الذِى تَ َاءُونَ ِ ِ َاألرْ َامَ إ َّ َّهَ كَانَ علَيْكم َ ِيباً [النساء:5].‬
         ‫ِ ت‬             ‫ل‬               ‫دع‬          ‫ت‬     ‫ف‬                 ‫إن‬             ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلمون، َّ اهلل تعالى بلطي ِ حكم ِه وما أو َ َه في إبداع العاَم من عجائب قدر ِه خلق‬
                                  ‫لخ‬         ‫بع‬                  ‫سك‬
   ‫اإلنسانَ مجبوالً إلى ال ّ َن واالستقرار، وط َ َه في أص ِ ِلقته على الحاجة لذلك واالضطرار،‬
         ‫س ي‬                                                ‫س‬              ‫ل‬     ‫ت‬          ‫ويس‬
  ‫َّر له برحم ِه وفضِه زوجًا من نف ِه ليسكنَ إليها ويرتبطَ بها؛ إذِ اإلنسان لجن ِه أم َل وعليه‬
   ‫ل كن إ وج َ ب ك م َدة َر م إ َّ ف‬                                    ‫ك م أ فس ُ َ‬                        ‫ت‬         ‫وم‬
  ‫أقبل، َ ِنْ ءايَا ِهِ أَنْ خَلَقَ لَ ُم ّنْ َن ُ ِكمْ أزْواجاً ّتَسْ ُ ُواْ ِلَيْهَا َ َعلَ َيْنَ ُم َّو َّ ً و َحْ َةً ِن ِى‬
                                                                                            ‫ي ل ي َّر‬
                                                                             ‫ذَلِكَ آل َاتٍ ّقَوْمٍ َتَفَك ُونَ [الروم:57].‬
           ‫د‬           ‫ة ت‬          ‫ع‬            ‫ة‬       ‫ي‬           ‫ر‬                ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلمون، ال ّابطة الزوج ّة رابط ٌ عظمى، صدرت َن رغب ٍ واخ ِيار، وانعق َت عن خِبرة‬
                 ‫ب‬        ‫ة‬                       ‫س‬              ‫رب‬         ‫د‬
  ‫وسؤال وإيثار، عق ُها مأمو ٌ ِه شرعًا، مستح َن وضعًا وطبعًا، واألسر ُ هي الل ِنة األولى لبناء‬
 ‫المجتمعات، وبصال ِها تصلح األوضاع، وبفسا ِها تفسد األخال ُ وال ّباع، ركناها وقائداها زو ٌ‬
 ‫ج‬                        ‫ق ط‬                   ‫د‬                       ‫ح‬
   ‫ب ح‬           ‫ت‬                              ‫د‬           ‫ء‬             ‫م‬      ‫ج‬
 ‫وزو َة، يج َع بينهما وال ٌ ووفاء ومو ّة وصفاء وتعاطف وتالطف ووفاق واّفاق وآدا ٌ و ُسن‬
               ‫ن‬                    ‫ي‬              ‫ي‬                   ‫ف‬
     ‫أخالق، تحت سق ٍ واحد، في عِيشة هن ّة ومعاشرة مرض ّة. وفي كتاب اهلل وس ّة رسوله من‬
         ‫َر‬                  ‫ك‬       ‫ل‬                            ‫م يؤي‬               ‫م‬
       ‫اإلصالح التا ّ والعدل العا ّ ما ِّد قواعدَ هذه الرابطة فال تنثِم، ويؤ ّد عقائدَها فال تنخ ِم.‬
               ‫ش‬      ‫ز‬                       ‫ق‬                     ‫إن ب‬                ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلمون، َّ سب َ كثرةِ المشكالت وتفا ُم الخالفات وظهور المنا َعات و ُيوع الطالق‬
        ‫ي‬                                                          ‫ن‬                   ‫ف‬
   ‫وال ِراق ألسبابٍ تافهة إّما هو التقصير في معرفة األحكام الشرعية وآداب الحياة الزوج ّة وما‬
                         ‫ز‬                                          ‫ي‬        ‫ي‬
   ‫تقتضِيه المسؤول ّة األسر ّة؛ إذ كيف تكون األسرَة في هناءٍ وصفاء وال ّوج ذو بذاءٍ وجفاء، إذا‬
  ‫كف ب‬           ‫ر‬        ‫ر م‬
 ‫غ ِب نفخ ونَفَث، واكفه ّ وازمج ّ، فيه ح ّ األنى وال ّات، خي ُه ُقفَل وش ُه مرسل، ٌّ يا ِس‬
                                     ‫ذ‬           ‫ب‬        ‫ر‬       ‫ر‬                    ‫ض‬
             ‫ع‬         ‫ع‬      ‫م‬                 ‫ت ر‬         ‫ل‬
     ‫ووجه عابس، ومعاملة فاسدة وأقوا ٌ سافلة، ُو ِث كَلْمًا ال يند ِل وصد ًا ال ينش ِب، وتترك‬
            ‫نم‬        ‫ق‬                            ‫ب‬       ‫ُر‬                     ‫ة‬
   ‫المرأةَ حسير ً كسيرة، حائرةً بين م َّين: طل ِ تطليقها أو الصبرِ على تعلي ِها. وإ ّ َن األزواج‬
  ‫ب‬                    ‫ع حق‬                       ‫م‬       ‫َر‬       ‫َد‬      ‫كد‬                    ‫م‬
‫َن إذا أبغضَ المرأةَ َّها وه َّها، وكه َها وظل َها، وأكلَ مالَها ومن َها َّها، وقطع نفقتَها، ورّما‬
                   ‫ُر‬                                  ‫ت‬         ‫ت‬                       ‫خ‬
    ‫أ َذ ولدَها وهو تحتَ حضان ِها ورعاي ِها، وتركها أسيرةَ األحزان، تعاني ك َب األشجان، فأين‬
                                                                                           ‫ن‬
                                                                          ‫اإلحسان؟! أين اإلحسا ُ يا أهلَ القرآن؟!‬
   ‫طع‬       ‫ةم‬            ‫ر‬     ‫ال‬     ‫ز‬           ‫ء‬                                   ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، وكيف يكون لألسرةِ هنا ٌ وصفاء وال ّوجة و ّجة خ ّاجة، ثرثار ٌ ِهذارة، َّانة‬
                  ‫ال‬     ‫ب‬        ‫تئن‬        ‫ض ع‬                         ‫ت‬        ‫ع‬
‫ل ّانة، ال ُجيب إلى إنصاف، وال تر َى ب َيش كفاف، ُّ عند طل ِها كس ً تمارضًا، وال ترضى‬
   ‫ِّرة ِّطة، ومسرفة مفرِطة، كثيرة ال ّوم والّوم، َرهاء ملداء، ال كح ٌ‬
   ‫ل‬                  ‫ل م‬         ‫ن‬                                           ‫م‬
                                                               ‫ألمرِها ُعارضًا، مقص مفر‬
                ‫ت ث‬              ‫ت‬                       ‫وال حّاء، شَوهاء فَوهاء، تب ِل الحق‬
       ‫َّ بالبكاء، تنسى الفضلَ وُنكر الجميل، وُك ِر على ذلك‬    ‫ط‬                      ‫ن‬
               ‫ل‬                                          ‫اط ت‬                        ‫ت‬         ‫ت‬
‫ال ّعليل وال ّدليل، يقول النبي : (( َّلع ُ في النار فإذا أكثر أهلها النساء))، فقيل: ِم يا رسول اهلل؟‬
    ‫د ر ّ‬                                      ‫ف‬                              ‫ف‬
‫قال: ((يك ُرن العشير ـ يعني: الزوج ـ ويك ُرن اإلحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهن ال ّه َ ثم رأت‬
                                                               ‫ر ط‬           ‫ت‬               ‫ئ‬      ‫م‬
                                        ‫ِنك شي ًا قالت: ما رأي ُ منك خي ًا ق ّ)) أخرجه البخاري(5)[5].‬
 ‫ق‬         ‫ع‬         ‫تدم‬               ‫ي ُال‬             ‫ت‬                ‫ات‬               ‫ي ز‬
‫أ ّها ال ّوجان الكريمان، َّقيا اهلل في حيا ِكما الزوج ّة، ب َّها بالحقوق، وال ِّراها بال ُقوق، ولي ُم‬
      ‫ن‬                                ‫م‬                                              ‫ل‬
    ‫ك ّ واحدٍ منكما بما أوجبَ اهلل عليه تِجاه رفيق ع ُره وشريك حياته، واخضعا لنصوص ال ّقل‬
     ‫م ن كف‬              ‫َ‬                              ‫ش‬         ‫َّ‬                  ‫مط‬
   ‫و َنْ ِق العقل قبل أن يستبد بكما ال ّقاق ويحصلَ الطالق والفراق ويأكل أحدكما ِن ال ّدم َّيه‬
    ‫و ُن م ْل َّذ‬           ‫ل‬                 ‫ك‬                      ‫ُد ر‬                 ‫ويعض‬
   ‫َّ على يديه ويق َّ شع َه ويمضغَ شفتَيه، واحت ِما لقول المولى ج ّ وعال: َلَه َّ ِث ُ ال ِى‬
            ‫م‬                ‫َلَيْه َّ بِالْ َع ُو ِ َِل ّ َا ِ َلَيْه َّ درَ َ ٌ [البقرة:877]، وقولِ النبي‬
    ‫ِّ : ((أال إن لكم ِن نسائكم‬                        ‫ع ِن م ْر ف ول رج ل ع ِن َ جة‬
                                                                          ‫حق‬                  ‫حق‬
                                                  ‫ًّا، ولنسائكم عليكم ًّا)) أخرجه الترمذي(7)[7].‬
  ‫ر م ِز‬               ‫زال‬        ‫م‬                               ‫ك‬            ‫إن‬             ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، َّ من رام شري ًا للحياة بريئًا من الهفوات سلي ًا من ال ّ ّت فقد رام أم ًا ُعو ًا،‬
                    ‫خ‬                      ‫ن‬                 ‫ي‬             ‫ِز‬     ‫ف‬
‫وطلب وص ًا معج ًا، يقول النب ّ : ((ال يفرك مؤم ٌ مؤمنةً، إن كرِه منها ُلقًا رضيَ منها آخر))‬
         ‫ج‬                  ‫ي‬
‫أخرجه مسلم(3)[3]، ويقول عليه أفضل الصالة وأزكى السالم: ((أّما امرأةٍ سألت زو َها الطالق‬
                                                                            ‫م‬
                                      ‫من غير بأسٍ فحرا ٌ عليها رائحة الجنة)) أخرجه أحمد(1)[1].‬
    ‫م د ك‬                              ‫ض‬                           ‫ز‬                       ‫ي‬
‫أ ّتها المرأة المسلمة وال ّوجة المؤمنة، كوني لبعلك أر ًا يكن لكِ سماء، وكوني له ِها ًا ي ُن لك‬
       ‫م ن‬                                ‫م‬            ‫ع د تعه‬           ‫م‬              ‫د‬
 ‫عما ًا، وكوني له أ َة يكن لك َب ًا، َّدي وقتَ طعا ِه، والزَمي الهدوءَ عند منا ِه، فإ ّ مرارة‬
           ‫ط‬       ‫س‬      ‫ح‬                              ‫ضب‬                     ‫هب‬
   ‫الجوع مل َ َة، وتنغيصَ النوم مغ َ َة، اصحبيه بالقناعة، وعاشريه ب ُسن ال ّمع وال ّاعة، وال‬
                ‫ت‬                                            ‫ر‬                  ‫سر‬       ‫ت‬
       ‫ُفشي له ًّا، وال تعصي له أم ًا، واحذري أنواعَ التقصير، واجتنبي أسبابَ ال ّكدير، وال‬
 ‫ن‬            ‫ن‬                    ‫ت‬                        ‫ال‬        ‫ج‬     ‫م وع‬
‫تصومي صيا َ تط ّ ٍ وزو ُك شاهد إ ّ بإذنه، وال تأذني في بي ِه لمن يكرَه إال بإذ ِه، واعلمي أ ّك‬
            ‫د‬                        ‫ح‬          ‫م‬                 ‫د‬                         ‫د‬
       ‫أش ّ ما تكونين له إعظامًا أش ّ ما يكون لك إكرا ًا، وال تل ِفي به فيقالك، وال تتباع ِي عنه‬
  ‫ي‬                        ‫ك‬       ‫ن‬
 ‫فينساك، واجتهدي على نفسك بما هو أدعى لرغبته وأمأل لعي ِه، ولي ُن ذلك وفقَ القيود الشرع ّة‬
                                                   ‫ت فحق‬                  ‫ي‬
   ‫واآلداب المرع ّة، وإذا دعاك لحاج ِه ِّقي رغبتَه وأجيبي دعوتَه، يقول رسول الهدى : ((إذا‬
           ‫ت‬                                                              ‫ت‬
   ‫دعا الرجل امرأ َه إلى فراشه فأبت أن تجيبَ فبات غضبانَ عليها لعنتها المالئكة ح ّى تصبح))‬
                                                                                       ‫متفق عليه(1)[1].‬
        ‫ت‬                  ‫ء ب‬           ‫مود‬                ‫ن‬           ‫ٍ‬     ‫ت‬
‫قومي بخدم ِه بنفس راضية؛ فإ ّ في خدمته تقويةَ َّة وإرسا َ مح ّة، ولتكن أسماء بن ُ أبي بكر‬
        ‫تزو‬                           ‫ة‬            ‫ِ‬                            ‫ّد‬
     ‫الص ّيق رضي اهلل عنها وعن أبيها لك في ذلك أسو ٌ وقدوة، تقول رضي اهلل عنها: َّجني‬
   ‫ف‬                     ‫ح‬
   ‫الزبير وما له في األرض من مال وال مملوك وال شيء غير ناض ٍ وغير فرسه، فكنت أعل ُ‬
                                  ‫س‬                    ‫غ ب‬        ‫ء‬              ‫س‬
  ‫فر َه وأستقي الما َ وأخرز َر َه، وأعجن ولم أكن أح ِن أخبز، فكان يخبز لي جارات لي من‬
                                              ‫ن‬                         ‫وكن‬
     ‫األنصار، َّ نسوةَ صدق، وكنت أنقل ال ّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول اهلل على‬
                                                                              ‫ن‬
                                        ‫رأسي، وهي م ّي على ثلثَي فرسخ. أخرجه البخاري(6)[6].‬
             ‫ت‬
   ‫ويقول علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه في وصفِ ما قامت به زوجه فاطمة بن ُ رسول اهلل‬
                 ‫ت ث‬                              ‫ث‬         ‫ر‬      ‫ن ر‬
     ‫ورضي عنها: إّها ج ّت بال ّحى حتى أ ّرت بيدها، واستقت بالقربة ح ّى أ ّرت في نحرها،‬
                                ‫ب‬       ‫ت ك‬        ‫ق‬                    ‫ر‬      ‫ت‬           ‫م‬
       ‫وق ّت البيتَ ح ّى اغب ّت ثيابها، وأوقدت ال ِدر ح ّى د ِنت ثيا ُها. أخرجه أبو داود(2)[2].‬
              ‫ج‬                   ‫ي‬                  ‫ل ص‬        ‫ر‬      ‫ة ب‬          ‫ب‬
  ‫وحس ُ المرأ ِ طو َى وبش َى قو ُ ال ّادق المصدوق : ((أ ّما امرأةٍ ماتت وزو ُها راضٍ عنها‬
     ‫ل‬                                                                     ‫ن‬
    ‫دخلت الج ّة)) أخرجه الترمذي(8)[8]، وقوله عليه أفضل الصالة وأزكى السالم: ((إذا صّت‬
    ‫ي‬                              ‫ج‬             ‫ج‬            ‫ر‬            ‫س‬
    ‫المرأة خم َها وصامت شه َها وحفظت فر َها وأطاعت زو َها قيل لها: ادخلي الجنةَ من أ ّ‬
                                                                                     ‫ن ت‬
                                                             ‫أبواب الج ّة شئ ِ)) أخرجه ابن حبان(9)[9].‬
         ‫ف‬        ‫الض‬       ‫ع‬                   ‫تكل‬                  ‫ت‬                  ‫ي‬
  ‫أ ّها الزوج الكريم، اّق اهلل في زوجك، ال ِّفها ما ال تطيق، وأ ِنها عند ِّيق، وأش ِق عليها‬
   ‫ش‬         ‫ز‬                        ‫ل‬               ‫ع‬        ‫ر‬                  ‫ع‬
‫إذا ت ِبت، ودارِها إذا م ِضت، ورا ِها عندَ ظرفِ حمِها ونفاسها ورضاعها، وأج ِل لها ال ّكر،‬
                                              ‫ر‬                      ‫أن‬           ‫ق ببر ب‬
   ‫وتل ّاها ٍّ و ِشر، واعلَم َّ قوامتَك ال تعني القه َ والغلبةَ واالستبداد واالحتقار، بل هي قوامة‬
                       ‫جل هم‬                              ‫م‬
       ‫تحفَظ لها كرامتَها، وتستوجب تعلي َها وتأديبها وإعفافها، وال يكن َّ ِّك مراقبة أخطائها‬
 ‫ذ‬                 ‫عم ُخل د‬                    ‫ب‬        ‫ظن‬                         ‫ُ ال‬
‫وإحصاء ز ّتها، وال تبالِغ في إساءة ٍّ بال ري َة، وال تتغاضَ َّا ي ُّ بال ّين والمروءة، واح َر‬
 ‫ة‬                ‫غ‬                    ‫يحب‬                     ‫ي‬             ‫شك ت وظن ِّر‬
 ‫ًّا قا ِالً ًّا مدم ًا، يقول النب ّ : ((غَيرتان: إحداهما ُّها اهلل، واألخرى يب ِضها اهلل. الغير ُ‬
                                                                                  ‫ب‬      ‫ر‬
                        ‫في ال ّيبة يحّها اهلل، والغيرة في غيره يبغضها اهلل)) أخرجه أحمد(05)[05].‬
       ‫ل‬     ‫رد‬                        ‫ض‬           ‫ن‬                         ‫ي‬           ‫ج‬        ‫ي‬
     ‫أ ّها الزو ُ الكريم، إ ّاك والمعاتبةَ الكثيرة، فإّها تورث ال ّغينة، وال تمنَع أهلَك ِف َك فيمّوا‬
             ‫يضي‬    ‫م‬                                        ‫ط‬                  ‫ر‬       ‫ب‬
  ‫قر َك، ويك َهوا حياتَك، ويستب ِئوا وفاتَك، يقول النبي: ((كفى بالمرء إث ًا أن ِّع من يقوت))‬
                                                                                   ‫أخرجه أبو داود(55)[55].‬
            ‫سر‬         ‫س‬                   ‫د‬     ‫ع‬                  ‫م‬            ‫د‬      ‫ك‬
 ‫ُن جوا ًا كريمًا، ف َن جاد ساد، ومن أض َف از َاد، وال خيرَ في ال ّرف، وال َ َف في الخير،‬
              ‫ن كن ُن م ح ث س ت م و ْدك و‬                             ‫ن‬
           ‫وعاشروهن بالمعروف، أطعموه ّ واكسوه ّ، أَسْ ِ ُوه َّ ِنْ َيْ ُ َكَن ُم ّن ُج ِ ُمْ َالَ‬
  ‫ِم‬        ‫لي ف ذ سعة م سعت وم ُ ِ ع ِ ِ ْق ُ ي‬                                   ‫ت َار ُن لتضيق ع ِن‬
 ‫ُض ُّوه َّ ِ ُ َ ّ ُواْ َلَيْه َّ [الطالق:6]، ِ ُن ِقْ ُو َ َ ٍ ّن َ َ ِهِ َ َن قدرَ َلَيْه رز ُه فَلْ ُنفِقْ م َّا‬
                            ‫سي َل الله ب ْد ع ْ ي ْر‬                  ‫ِال‬          ‫ه الله ي ّف الله‬
‫ءاتَا ُ َّ ُ الَ ُكَل ُ َّ ُ نَفْساً إ َّ مَا ءاتَاهَا َ َجْع ُ َّ ُ َع َ ُسرٍ ُس ًا [الطالق:2]، يقول رسول اهلل‬
         ‫ن‬                  ‫: (( َّقوا اهللَ في الّساء، فإّكم أخذتموه ّ بأمانةِ اهلل، واستحللتم فروجهن‬
   ‫َّ بكلمةِ اهلل، وله ّ عليكم‬                             ‫ن‬           ‫ن‬       ‫ن‬               ‫ات‬
  ‫رزقه ّ وكس َته ّ بالمعروف)) أخرجه مسلم(75)[75]، ويقول عليه الصالة والسالم: ((إذا أنف َ‬
  ‫ق‬                                                                     ‫و ن‬       ‫ن‬
                                                                    ‫ب‬      ‫ة‬
                                 ‫الرجل على أهله نفق ً يحتس ُها فهي له صدقة)) متفق عليه(35)[35].‬
           ‫ب‬                                                        ‫ّد‬                       ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، لقد كان سي ُ األنام عليه أفضل الصالة والسالم جميلَ العشرة، دائمَ ال ِشر مع أهله،‬
                                  ‫م‬                   ‫ن‬         ‫ن‬          ‫ن‬      ‫يتلط‬
 ‫َّف معه ّ، ويضاحكه ّ ويداعبه ّ، ويقول بأبي هو وأ ّي صلوات اهلل وسالمه عليه: ((خيركم‬
        ‫ن خق‬           ‫ن‬               ‫ل‬                                                    ‫ر‬
      ‫خي ُكم ألهله، وأنا خيركم ألهلي))(15)[15]، ويقول : ((أكم ُ المؤمنين إيما ًا أحس ُهم ُلَ ًا،‬
    ‫ر‬      ‫حاث‬                                                             ‫ر‬
  ‫وخياركم خيا ُكم لنسائهم)) أخرجه البخاري(15)[15]، ويقول عليه الصالة والسالم ًّا وآم ًا:‬
                                                                            ‫ر‬       ‫ن‬
                                                  ‫((استوصوا بالّساء خي ًا)) أخرجه البخاري(65)[65].‬
     ‫ر‬                       ‫أ ّها األزواج، ال تتجا َزوا ما ش َع اهلل لكم من ال ّرب غيرِ المبر‬
    ‫ِّح حالَ النشوز إلى ما ح ّم‬           ‫ض‬                 ‫ر‬         ‫و‬                    ‫ي‬
                       ‫ب‬      ‫ّ‬     ‫عليكم من ال ّرب المفظع واالعتداءِ الموجِع وال َلد المرو‬
        ‫ِّع، فإن عواق َه وخيمة وأضراره‬      ‫ج‬                                 ‫ض‬
                                     ‫ت‬                            ‫جسيمة، وفي البخار ّ أ ّ النبي‬
      ‫َّ قال: ((ال يجلِد أحدكم امرأ َه جلدَ العبد، ثم يجامعها في آخر‬    ‫ي ن‬
                                                                                              ‫اليوم))(25)[25].‬
            ‫ب‬                       ‫ل‬       ‫ن‬                    ‫د‬        ‫ل‬      ‫و‬
         ‫لقد تجا َز رجا ٌ على عه ِ رسول اهلل ، فطاف الّساء بآ ِ رسول اهلل يشتكين الضر َ من‬
                      ‫م‬                  ‫ّد‬                                    ‫ن‬
  ‫أزواجه ّ، فقال رسول اهلل : ((لقد طاف بآل محم ٍ نساء كثير يشتكين ِن أزواجهن، ليس أولئك‬
                 ‫َّ‬
  ‫بخياركم)) أخرجه أبو داود(85)[85]، وعن معاوية بن حيدة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال:‬
  ‫ص‬                                                          ‫تقب‬    ‫ه‬
  ‫((وال تضربِ الوج َ وال ِّح)) أخرجه أحمد(95)[95]، فويل للظالم، ويل للظالم يوم اقتصا ِ‬
                                                                                                                       ‫المظالم.‬
      ‫ز‬         ‫ينغ‬                                      ‫م‬      ‫ر‬      ‫إن‬            ‫ي‬
   ‫أ ّها األزواج، َّ السه َ والس َر خارجَ المنزل من مثيرات القلق واألرق، ِّص على ال ّوجة‬
        ‫ت‬                         ‫ة‬                      ‫ي‬
       ‫حياتَها، ويزعزع ويزلزل استقرارَها، و َضيع بسببه األوالد فلذ ُ األكباد وثمرة الفؤاد، ح ّى‬
                           ‫ر‬                      ‫ز‬        ‫ن‬
      ‫يصيروا فريسةً لوحوش الظالم وفت ِ هذا ال ّمان، فاحذروا هذا السه َ واجتنبوه وال تقربوه.‬
                                                                       ‫ن‬               ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلمون، إ ّ ظهورَ المعاصي والمخالفات وانتشارَ المنكرات في كثير من البيوتات من‬
‫ك‬                                 ‫ر‬                ‫دب ش‬                    ‫ب‬
‫أعظم أسباب خرا ِها ودمارها، ولقد َّ ال ّقاء والشقاق وثا َت ثائرة الغيرة واشتعلت نيران الش ّ‬
                     ‫ر‬       ‫د‬                      ‫ب‬
    ‫والحيرة بين كثير من األزواج بسبب ط َق القنوات الخطرِ المح ِق والش ّ المطبق، فحين رأى‬
                  ‫م ُم َّه و ك فس ُ لم‬                           ‫و‬                  ‫ر غ‬
           ‫غيرَها ورأت غي َه ر ِب عنها وزهدت فيه، َمَا ظَلَ َه ُ الل ُ َلَا ِنْ أَن ُ َهمْ يَظِْ ُونَ [آل‬
                                              ‫يقر‬               ‫ي‬
                                  ‫عمران:255]، نعوذ باهلل من الخز ِ والعار ومن فعل ِّب إلى النار.‬
    ‫ق ِن الل ي ِل م‬                                       ‫م‬             ‫فا ّقوا اهلل عبادَ اهلل، وطه‬
   ‫ِّروا بيوتكم م ّا يستوجب اللعنةَ والطرد واإلبعاد، ُل إ َّ َّهَ ُض ُّ َن‬                      ‫ت‬
                                                                                                  ‫إ هم‬           ‫ي وي‬
                                                                            ‫َشَاء َ َهْدِى ِلَيْ ِ َنْ أَنَابَ [الرعد:27].‬
    ‫هب‬                     ‫س‬                ‫برق‬      ‫َ‬     ‫ة‬                               ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلمون، أال فلتذهبِ المرأ ُ مربية أجيال ِّة طَبع ولطافة ح ّ وذكاءِ عاطفة، وليذ َ ِ‬
                                                                      ‫د وة‬               ‫و‬
 ‫الرجل ق ّامًا وقائ ًا بق ّ ِ بأس وجاللة فِكر وسالمة تقدير وتدبير، وليذهبِ االثنان إلى حياةٍ كريمة‬
                                                                               ‫ظل س‬
‫في ِّ تم ّك بالدين وفعلٍ للواجبات واجتنابٍ للمحرمات وتعاونٍ على البر والتقوى، و((رحم اهلل‬
          ‫ح‬                                  ‫ل‬               ‫ل م‬
    ‫رجالً قام من الليل فصّى، ث ّ أيقظ امرأته فصّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ور ِم اهلل‬
                                        ‫ل‬               ‫م‬     ‫ل‬                 ‫ة‬
                 ‫امرأ ً قامت من الليل فصّت، ث ّ أيقظت زوجها فصّى، فإن أبى نضحت في وجهه‬
                                                                                                         ‫الماء))(07)[07].‬
      ‫ُل‬          ‫ُ م ع مل ه م‬                  ‫ب ِ ذ ّي ُ و‬                        ‫و َّذ ن من َاتبع ه ُ ّيته بإ‬
      ‫َال ِي َ ءا َ ُواْ و َّ َ َتْ ُمْ ذرَّ ُ ُم ِِيمَانٍ أَلْحَقْنَا ِهمْ ُر َّتَهمْ َمَا أَلَتْنَاهمْ ّنْ َ َِ ِم ّن شَىْء ك ُّ‬
                                                                                           ‫ب س َ ره ن‬            ‫ْ‬
                                                                               ‫امرِىء ِمَا كَ َب َ َي ٌ [الطور:57].‬
                                                           ‫ن‬
      ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن والس ّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من اآليات والحكمة، أقول ما‬
 ‫تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه هو الغفور‬
                                                                                                                       ‫الرحيم.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
                                                           ‫أن َّد‬
    ‫تعظيمًا لشأنه، وأشهد َّ محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                                 ‫ر‬              ‫وسل‬
                                                                               ‫وصحبه وإخوانه، َّم تسليمًا كثي ًا.‬
    ‫َي َّذ ن من اتق الل‬                                                        ‫ت‬              ‫ي‬
  ‫أما بعد: فيا أ ّها المسلمون ا ّقوا اهلل وراقبوه، وأطيعوه وال تعصوه، يَاأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ‬
                                                                                                  ‫وك ن م الص دق‬
                                                                                 ‫َ ُو ُواْ َعَ َّا ِ ِينَ [التوبة:955].‬
       ‫أ ّها المسلمون، العد ُ يدعو إلى األلفَة ويب َث على ال ّاعة، وبالعدل واإلنصاف يدوم الح ّ‬
       ‫ب‬                               ‫ط‬         ‫ع‬                      ‫ل‬                  ‫ي‬
                                                             ‫تم‬
                                                    ‫واالئتالف، وليس للجائر جار، ولن ُع َر له دار.‬
‫ة‬      ‫ن‬        ‫ن‬
‫أ ّها الم ِّدون، اتقوا اهلل واعدلوا بين أزواجكم، اع ِلوا بينه ّ في مسكنه ّ وملبسه ّ ومأكله ّ ونفق ٍ‬
                         ‫ن‬          ‫ن‬         ‫د‬                                        ‫عد‬       ‫ي‬
                                      ‫ن‬            ‫ر‬         ‫ذ‬      ‫ن‬               ‫ن‬
‫عليه ّ والمبيتِ عنده ّ، واح َروا الجو َ والحيف، فإ ّه من أسباب العذاب وموجبات العقاب، يقول‬
                   ‫وشق‬            ‫َ‬           ‫د‬                                        ‫ي‬
     ‫النب ّ : ((إذا كانت عندَ الرجل امرأتان فلم يع ِل بينهما جاء يوم القيامة ُّه ساقط)) أخرجه‬
               ‫م‬        ‫ن‬         ‫ئ‬               ‫ر‬
     ‫أحمد(57)[5]، وكان رسول اهلل إذا أراد سف ًا أقرع بين نسا ِه، فأيته ّ خرج سه ُها خرج بها‬
                  ‫اللهم‬                 ‫د‬                ‫س‬
    ‫معه. متفق عليه(77)[7]. وكان يق ِم بين نسائه ويع ِل بينهن، ويقول : (( َّ هذا قسمي فيما‬
                                                                                 ‫ل‬
                      ‫أملك، فال تُمني فيما تملك وال أملك)) يعني القلب، أخرجه أبو داود(37)[3].‬
                                                                                     ‫د‬
  ‫اع ِلوا بينهن، وراعوا ما يحصل بينهن من الغيرة التي ال يقدرن على دفعها، وال سبيل لهن إلى‬
                             ‫ل‬           ‫ي‬             ‫ب‬       ‫ة ي‬
  ‫رفعها ومنعها، غير ٌ تغ ّر القل َ والطبع، وته ّج الغضب وتقِب الوضع، فعن جسرةَ عن عائشة‬
                   ‫ً‬                                         ‫ت‬
     ‫رضي اهلل عنها قالت: ما رأي ُ صانعةَ طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي إناء فيه طعام، فما‬
                           ‫ء‬                                             ‫ت‬             ‫ت‬
      ‫ملك ُ نفسي أن كسر ُه، فقلت: يا رسول اهلل، ما كفارته؟ قال: ((إنا ٌ كإناء، وطعام كطعام))‬
                               ‫ص‬              ‫إن‬
‫أخرجه أحمد(17)، وعن عائشة مرفوعًا: (( َّ الغيرى ال تب ِر أسفلَ الوادي من أعاله)) أخرجه‬
                                                                                                 ‫أبو يعلى(17).‬
     ‫وت ب إل الله‬                                                ‫ذ‬         ‫ح‬
     ‫فتعاملوا بالعقل وال ِكمة، واح َروا قالةَ السوء وصاحبَ السوء وعملَ السوء، َ ُو ُواْ َِى َّ ِ‬
                                                                       ‫َل ُ ت ح‬            ‫جم َي م من‬
                                                        ‫َ ِيعاً أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُونَ [النور:53].‬
         ‫ي‬          ‫ل‬            ‫ب‬                ‫ن‬                   ‫ر‬                ‫ن‬
       ‫واعلموا أ ّ اهلل أمركم بأم ٍ بدأ فيه بنفسه، وث ّى بمالئكته المس ّحة بقدسه، وثّث بكم ـ أ ّها‬
   ‫المؤمنون ـ من ج ّه وإنسه، فقال قوالً كريمًا: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ‬
   ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن‬                                                   ‫ن‬
                                                                      ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫من‬
                                                   ‫ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيماً [األحزاب: 61].‬
                                      ‫اللهم‬      ‫م‬                     ‫اللهم صل وسل‬
               ‫َّ ِّ ِّم على عبدك ورسولك مح ّد، وارضَ َّ عن الخلفاء الراشدين...‬


                                                                                               ‫__________‬
‫(5) صحيح البخاري: كتاب اإليمان (97) من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما بنحوه، وأخرجه‬
                                                                          ‫أيضا مسلم في الكسوف (209).‬
 ‫(7) سنن الترمذي: كتاب الرضاع (3655) من حديث عمرو بن األحوص رضي اهلل عنه، وقال‬
‫الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه أيضا النسائي في الكبرى (9659)، وابن ماجه في‬
                       ‫النكاح (5185)، وحسنه األلباني في صحيح سنن الترمذي (979، 1617).‬
  ‫(3) صحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب: الوصية بالنساء (9615) من حديث أبي هريرة رضي‬
                                                                                                          ‫اهلل عنه.‬
  ‫(1) مسند أحمد (1/227، 387) عن ثوبان رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا أبو داود في الطالق‬
 ‫(6777)، والترمذي في الطالق (2855)، وابن ماجه في الطالق (1107)، وقال الترمذي: "هذا‬
   ‫حديث حسن"، وصححه ابن الجارود (812)، وابن خزيمة كما في الفتح (9/051)، وابن حبان‬
                                             ‫(1851)، وانظر تخريجه في اإلرواء (1307).‬
 ‫(1) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق (2373)، صحيح مسلم: كتاب النكاح (6315) من حديث‬
                                                                ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
         ‫(6) صحيح البخاري: كتاب النكاح (1771)، وأخرجه أيضا مسلم في السالم (7857).‬
   ‫(2) سنن أبي داود: كتاب األدب (7601)، وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية (5/02، 7/51)،‬
                                         ‫وأورده األلباني في ضعيف سنن أبي داود (1205).‬
  ‫(8) سنن الترمذي: كتاب الرضاع، باب: ما جاء في حق الزوج على المرأة (5655)، وأخرجه‬
         ‫أيضا ابن ماجه في النكاح، باب: حق الزوج على المرأة (1185)، وأبو يعلى (3066)،‬
 ‫والطبراني في الكبير (37/123)، والحاكم (1/325) من طريق مساور الحميري عن أمه عن أم‬
                                                  ‫م‬
   ‫سلمة رضي اهلل عنها، ومساور هذا وأ ّه مجهوالن، قال الذهبي في الميزان (1/19): "مساور‬
‫الحميري عن أمه عن أم سلمة فيه جهالة، والخبر منكر"، ولذا ضعفه األلباني في السلسلة الضعيفة‬
                                                                                ‫(6715).‬
  ‫(9) صحيح ابن حبان (3651) من طريق هدبة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي‬
‫هريرة رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في األوسط (8911)، وقال ابن حبان: "تفرد بهذا‬
  ‫الحديث عبد الملك بن عمير من حديث أبي سلمة، وما رواه عن عبد الملك إال هدبة بن المنهال‬
       ‫وهو شيخ أهوازي". وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، أخرجه أحمد (5/595)،‬
‫والطبراني في األوسط (1088)، قال المنذري في الترغيب (7/526): "رواته رواة الصحيح خال‬
‫ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات". وفي الباب عن أنس عند أبي نعيم في الحليلة (6/803)،‬
      ‫و عن عبد الرحمن بن حسنة عزاه الهيثمي في المجمع (1/603) إلى الطبراني، وقد حسنه‬
                                                       ‫األلباني في آداب الرفاف (ص687).‬
 ‫(05) 05] مسند أحمد (1/115) من حديث عقبة بن عامر رضي اهلل عنه، وأخرجه أيضا معمر‬
    ‫في جامعه (05/901 ـ المصنف ـ)، والروياني (685)، والطبراني في الكبير (25/013)،‬
   ‫وصححه ابن خزيمة (8217)، والحاكم (1715)، وقال الهيثمي في المجمع (1/973): "رجاله‬
                        ‫ثقات"، وأعله األلباني في السلسلة الضعيفة (7693) بجهالة أحد رواته.‬
 ‫(55) 55] سنن أبي داود: كتاب الزكاة (7965) من حديث عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما،‬
     ‫وأخرجه أيضا أحمد (7/065، 395، 195، 195)، والنسائي في الكبرى (2259)، والبزار‬
     ‫(1517)، والطبراني في األوسط (1131، 1151)، والبيهقي في الكبرى (2/261، 9/17)،‬
‫وصححه ابن حبان (0171)، والحاكم (1515)، والنووي في رياض الصالحين (ص19)، وانظر‬
‫تخريجه في اإلرواء (989). وهو عند مسلم في الزكاة (699) بلفظ: ((كفى بالمرء إثما أن يحبس‬
                                                                                 ‫م ل‬
                                                                        ‫ع ّن يمِك قوته)).‬
‫(75) 75] صحيح مسلم: كتاب الحج (8575) من حديث جابر رضي اهلل عنه في صفة حج النبي‬
                                                                                        ‫.‬
‫(35) 35] صحيح البخاري: كتاب اإليمان (11)، صحيح مسلم: كتاب الزكاة (7005) من حديث‬
                                                               ‫أبي مسعود رضي اهلل عنه.‬
 ‫(15) 15] أخرجه الترمذي في المناقب، باب: فضل أزواج النبي (1983)، والدارمي في النكاح‬
  ‫(0637) دون الشطر الثاني، والبيهقي في السنن الكبرى (2/861) من حديث عائشة رضي اهلل‬
  ‫عنها، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه ابن حبان (2251)،‬
                                 ‫وله شواهد، وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة (187).‬
   ‫(15) 15] أخرجه أحمد (7/017)، والترمذي في الرضاع، باب: ما جاء في حق المرأة على‬
   ‫زوجها (7655)، وأبو داود في السنة، باب: الدليل على زيادة اإليمان ونقصانه (7861) دون‬
      ‫الشطر األخير من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"،‬
     ‫وصححه ابن حبان (6251)، والحاكم (5/3)، واأللباني في السلسلة الصحيحة (187). ولم‬
                                                              ‫يخرجه البخاري بهذا السياق.‬
       ‫(65) 65] صحيح البخاري: كتاب النكاح (6851) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه،‬
                                           ‫وأخرجه أيضا مسلم في كتاب الرضاع (8615).‬
 ‫(25) 25] صحيح البخاري: كتاب النكاح (1071) من حديث عبد اهلل بن زمعة رضي اهلل عنه،‬
                                        ‫وأخرجه أيضا مسلم في كتاب الجنة (1187) بنحوه.‬
    ‫(85) 85] سنن أبي داود: كتاب النكاح (6157) من حديث إياس بن عبد اهلل رضي اهلل عنه،‬
‫وأخرجه أيضا النسائي في الكبرى (2659)، وابن ماجه في النكاح (1895)، والدارمي في النكاح‬
‫(9577)، والبيهقي في الكبرى (2/103، 103)، وصححه ابن حبان (9851)، والحاكم (1627)،‬
    ‫وقال الحافظ في الفتح (9/303-103): "له شاهد من حديث ابن عباس في صحيح بن حبان،‬
‫وآخر مرسل من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي"، وأورده األلباني في صحيح سنن أبي‬
                                                                           ‫داود (9285).‬
    ‫(95) 95] مسند أحمد (1/211)، ووأخرجه أيضا أبو داود في النكاح، باب: حق المرأة على‬
     ‫زوجها، وابن ماجه في النكاح (0185)، والنسائي في الكبرى (5259)، وصححه ابن حبان‬
     ‫(1251)، والحاكم (7/285-885)، والدارقطني كما في التلخيص الحبير (1/2)، وصححه‬
                                                             ‫األلباني في اإلرواء (3307).‬
‫(07) 07] أخرجه أحمد (7/017)، وأبو داود في الصالة، باب: قيام الليل (3555)، والنسائي في‬
    ‫قيام الليل وتطوع النهار، باب: الترغيب في قيام الليل (7915)، وابن ماجه في إقامة الصالة‬
   ‫والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل (6735) من حديث أبي هريرة رضي اهلل‬
 ‫عنه، وصححه ابن خزيمة (3/385-8155)، وابن حبان (6/203-2613)، والحاكم (5/903)،‬
                                                   ‫وهو في صحيح سنن أبي داود (2875).‬
  ‫(57) مسند أحمد (7/213، 521)، وأخرجه أيضا أبو داود في النكاح (3357)، والترمذي في‬
 ‫النكاح (5155)، والنسائي في عشرة النساء (7193)، وابن ماجه في النكاح (9695) من حديث‬
       ‫أبي هريرة رضي اهلل عنه، وصححه ابن الجارود (772)، وابن حبان (2071)، والحاكم‬
  ‫(7/685)، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في البلوغ (1805): "إسناده صحيح"، وهو في صحيح‬
                                                                   ‫سنن الترمذي (759).‬
   ‫(77) صحيح البخاري: كتاب الهبة (1917)، صحيح مسلم: كتاب التوبة (0227) عن عائشة‬
                                                                        ‫رضي اهلل عنها.‬
   ‫(37) سنن أبي داود: كتاب النكاح (1357) من حديث عائشة رضي اهلل عنها، وأخرجه أيضا‬
 ‫أحمد (6/115)، والترمذي في النكاح (0155)، والنسائي في عشرة النساء (3193)، وابن ماجه‬
 ‫في النكاح (5295)، وقد اختلف في إرساله ووصله، ورجح الترمذي وغيره من الحفاظ إرساله،‬
  ‫وصحح الموصول ابن حبان (1071)، والحاكم (5627)، وقال ابن كثير في تفسيره (3/701):‬
            ‫"إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات"، وانظر تخريجه في اإلرواء (8507، 1707).‬
   ‫(17) مسند أحمد (6/815)، وأخرجه أيضا أبو داود في البيوع (8613)، والنسائي في عشرة‬
‫النساء (2193)، والبيهقي في الكبرى (6/69)، كلهم من طريق فليت عن جسرة عن عائشة، قال‬
      ‫البيهقي: "فليت العامري وجسرة بنت دجاجة فيهما نظر"، أما الحفظ فحسن إسناده في الفتح‬
                                    ‫(1/175)، وأورده األلباني في ضعيف أبي داود (762).‬
 ‫(17) مسند أبي يعلى (0261)، قال الحافظ في الفتح (9/173): "سنده ال بأس به"، وقال الهيثمي‬
 ‫في المجمع (1/773): "فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وسلمة بن الفضل وقد وثقه جماعة ابن‬
 ‫معين وابن حبان وأبو حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح"، وبهاتين العلتين أعله‬
                                                    ‫األلباني في السلسلة الضعيفة (1897).‬

‫(5/1587)‬




                                                               ‫التعاون على تيسير الزواج‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                   ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                   ‫النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                         ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                ‫الرياض‬
                                                                                                              ‫1/1/1715‬
                                                                                      ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- خلق التعاون بين المسلمين. 7- حاجة المجتمع المسلم إلى تيسير أمر الزواج. 3- خطأ‬
     ‫اشتراط الغِنى في الخاطب. 1- خطأ المغاالة في المهور. 1- المعيار الصحيح في الخاطب‬
 ‫والمخطوبة. 6- السنة النبوية في المهر. 2- مشروعية وليمة الزواج. 8- خطأ التباهي بالوالئم‬
                                                                                             ‫واإلسراف والتبذير فيها.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                  ‫حق‬               ‫ت‬     ‫ي ن‬
                                                          ‫أما بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
               ‫خل‬                          ‫ر‬                            ‫ب ل‬                  ‫د‬
      ‫عبا ّ اهلل، يقول ر ّنا ج ّ جالله وهو أصدق القائلين آم ًا عبادًه المؤمنين بهذا ال ُُق الكريم:‬
      ‫ب‬          ‫ون عل إل ْم و ُ و ن َاتق الل ِن الل د د‬                                  ‫ر َالت و و‬          ‫و ون عل‬
      ‫َتَعَا َ ُواْ ََى الْب ِ و َّقْ َى َالَ تَعَا َ ُواْ ََى ا ِث ِ َالْعدْ َا ِ و َّ ُواْ َّهَ إ َّ َّهَ شَ ِي ُ آلْعِقَا ِ‬
  ‫ن‬                           ‫ر‬                        ‫ن‬              ‫ر ب ل‬
 ‫[المائدة:7]. فيأم ُنا ر ّنا ج ّ جالله أن نكو َ جميعًا أعوانًا على الب ّ، أعوانًا على التقوى، أعوا ًا‬
                ‫كل‬                                                    ‫ب ب‬          ‫كل‬
 ‫على ِّ أمر يح ّه رّنا ويرضاه، ونهانا أن نتعاونَ على اإلثم والعدوان، عن ِّ أمر يبغضه اهلل‬
                                                 ‫َاتق الل ِن الل َد د‬                      ‫م‬       ‫شر ص‬
                         ‫من ٍّ خا ّ أو عا ّ، ثم يقول: و َّ ُواْ َّهَ إ َّ َّهَ ش ِي ُ آلْعِقَابِ [المائدة:7].‬
                     ‫ل‬                      ‫ت‬           ‫ل‬               ‫ي‬
‫هذه اآلية ـ أ ّها اإلخوة ـ أص ٌ عظيم في الّعاون بين المسلمين، أص ٌ عظيم في وجوب التعاون‬
  ‫ر‬                                              ‫ل‬                                 ‫م‬
  ‫بين أ ّةِ اإلسالم على الخير والهدى، وأص ٌ عظيم في تحذيرهم من أن يكونوا أعوانًا على الش ّ‬
                                                                                                                   ‫والبالء.‬
               ‫د‬       ‫ُ‬                                 ‫ر‬                  ‫إن م‬           ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، َّ ِن التعاون على الب ّ والتقوى أن يتعاونَ المجتمع المسلم في ال ّعوة إلى تسهيل‬
                                                                    ‫ِّ‬
     ‫أمر الزواج، وإلى بث روح التعاون بين الجميع في إظهار شعيرةِ الزواج بالتعاون على ذلك‬
                                                                                    ‫ت‬                            ‫لنسه‬
                                                                                 ‫ِّل أمرَ الزواج ألبنائنا وبنا ِنا.‬
                   ‫د‬          ‫م‬                         ‫ج‬       ‫ن‬        ‫كل‬                  ‫ي‬
‫أ ّها اإلخوة الكرام، ُّ مسلمٍ مّا محتا ٌ إلى هذا األمر العظيم، ف َن له أوال ٌ يحتاج إلى تزويجهم،‬
         ‫ذ‬               ‫ة‬                   ‫ذ‬            ‫ج‬       ‫ن ن‬                      ‫م‬
      ‫و َن له بنات فهو يتم ّى له ّ الزوا َ والعفاف، إ ًا فهي مصلحة مشتركَ ٌ بين الجميع لل ّكور‬
‫واإلناث، والمجتمع المسلم إذا تعاون في تيسير أمرِ الزواج وتعاونَ الجميع في تذليل العقبات التي‬
         ‫ُزب‬       ‫ذ‬                             ‫ض‬                                   ‫ر‬
 ‫تعوق كثي ًا من أبنائنا عن الزواج، أو تعوق أي ًا بناتنا عن الزواج، فيبقى ال ّكور ع َّ ًا، وتبقى‬
                    ‫ر‬
 ‫الفتيات عوانسَ في البيوت، ليس هذا من مصلحةِ الجميع، ليس هذا من الب ّ وال من التقوى، ليس‬
                           ‫ز‬             ‫َ‬                 ‫ب ن‬                    ‫ل‬
     ‫هذا من الخُق الكريم، المطْلو ُ م ّا جميعًا أن نتعاون في إفشاء ال ّواج، في إشاعته وتكثيره‬
                                                    ‫ال‬                     ‫ل كل الص‬
                                                   ‫وتيسير أمورِه وتذلي ِ ِّ ِّعاب ما وجدنا لذلك سبي ً.‬
       ‫ن‬       ‫أ‬        ‫ن‬          ‫ت‬            ‫ض س‬                                          ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلم، هذا األمر ال تستطيع أن تفر َه ال ّلطة، وال أن ُلزم به ال ّاس، فلو ُلزم ال ّاس‬
                       ‫ع‬                    ‫ز‬       ‫كل‬           ‫ل‬                 ‫ح‬     ‫الت‬
‫َّخذوا ِيَالً ووسائلَ يتخّصون بها من ِّ ما أل ِموا به، لكن إذا انب َث األمر من قلوب المجتمع‬
                                    ‫م‬       ‫ن‬             ‫ن‬               ‫ر‬
           ‫المسلم، انبعث األم ُ من روح التعاو ِ والتساعد فإ ّ هذا م ّا يعين على الخير والتقوى.‬
‫م‬               ‫ن‬          ‫ز‬                                          ‫ت‬                       ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، هناك عقبا ٌ كأداء تحول بين شبابنا وبين فتياتنا من ال ّواج، لو أ ّ المجتمع المسل َ‬
                                                           ‫ر ر‬                         ‫ل‬
                                         ‫تعاون في حّها وتذليلها لصار خي ًا كثي ًا لمجتمعنا المسلم.‬
      ‫ن‬                          ‫د‬      ‫م‬        ‫م‬                 ‫ال ر‬                     ‫م‬
 ‫ِن تلكم العقبات أو ً: نظ ُ بعض اآلباء واأل ّهات إلى َن يتق ّم لخطبة الفتات، فنرى أحيا ًا خطأ‬
‫من أ ّهات الفتيات، يتم ّل هذا الخطأ الذي تقع فيه ُّ أحيا ًا من أ ّها تنظر إلى خطيبِ ابنها بنظ ٍ‬
‫ر‬                            ‫ن‬       ‫ن‬      ‫األم‬                       ‫ث‬                 ‫م‬
                  ‫ت‬                    ‫ض د‬                       ‫ت ية‬                   ‫ص‬
 ‫خا ّ، وتريد مواصفا ٍ معّن ً، واألمر في ذلك أي ًا ما ّي، فهي ال تريد لفتا ِها إال من يكون ذا‬
       ‫ن‬      ‫م أ‬        ‫م‬
  ‫كذا وذا كذا، ذا مال أو ذا جاه أو ذا عملٍ كبير أو إلى غير ذلك، فهناك ِن األ ّ خطٌ في أ ّها ال‬
  ‫ة‬                   ‫أن ر م‬              ‫حق‬   ‫ك‬        ‫ي‬                ‫ت‬
  ‫ترغَب في زواج فتا ِها إال بأمور مع ّنة لو ف ّرت ًّا لرأت َّ كثي ًا م ّا تريد ليس من مصلح ِ‬
   ‫إ يك ن ْ ف َر‬          ‫ل‬                                                ‫ر‬
 ‫الفتات في مستقبلها، فاألم ُ بيد اهلل، والفقر والغنى بيد اهلل، ويقول اهلل ج ّ وعال: ِن َ ُو ُوا ُق َاء‬
          ‫ي‬                 ‫م‬                ‫ب‬       ‫ك ن‬                      ‫ل‬      ‫ي نهم الله م‬
 ‫ُغْ ِ ِ ُ َّ ُ ِن فَضِْهِ [النور:73]. ال ش ّ أ ّه مطلو ٌ من الزوج القيا ُ بالنفقة، لكن ال ُجعل الغنى‬
                                  ‫س‬               ‫ن ي‬
                         ‫وحدَه أو كثرة المال وحده هي الوسيلة، وإّما ُسلَك األمر الو َط في ذلك.‬
‫قد يخطئ األب أحيانًا إذا ُ ِبت منه فتاته، فإ ّا أن يطل َ مه ًا زائ ًا وتكلفاتٍ هائلة قد تثقل كاه َ‬
‫ل‬                             ‫ب ر د‬                 ‫م‬                 ‫خط‬
                                                             ‫م‬                          ‫ب‬
                                               ‫ذلك الشا ّ الخاطب، تثقل كاهلَه، وتح ّله ما ال يطيق.‬
                              ‫م‬                            ‫ت‬         ‫ء‬       ‫ن‬             ‫ي‬
       ‫أ ّها اإلخوة، إ ّ اآلبا َ واألمها ِ مسؤولون جميعًا عن هذه المه ّة الكبرى، والمطلوب منهم‬
                                                                                     ‫ر‬
                                                                            ‫التعاون على الب ّ والتقوى.‬
                        ‫َد ت ِن‬          ‫ت ن‬                   ‫ب‬                       ‫ن‬               ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلمون، إ ّ صداقَ المرأة أمر مطلو ٌ شرعًا، وَءا ُواْ ال ّسَاء ص ُقَا ِه َّ نِحْلَةً [النساء:1]،‬
                                                              ‫ي‬               ‫ك‬
         ‫هذا أمر ال ش ّ فيه، ولكن ـ أ ّها األخ المسلم ـ ماذا تريد من صداقٍ تثقل به كاهلَ ذلك‬
     ‫ي‬            ‫متعد‬                           ‫م‬               ‫ر‬
 ‫الخاطب؟! وقد ال يجد كثي ًا منه، وقد يتح ّل ديونًا ويأخذ قروضًا بفوائد ِّدة، يشتري س ّارات‬
                                                      ‫ك‬       ‫أو غيرها، ويحم ذمت ر‬
    ‫ِّل َّ َه أم ًا لو ف ّر فيه لرأى صعوبةَ األمر وعسرَه عليه، ومتى يقضي ذلك‬
                   ‫م وغم‬             ‫ع‬      ‫ل‬           ‫هم م ث الد‬                    ‫د‬
            ‫ال ّين، فيعيش في ٍّ وغ ّ و ُقلِ َّين الذين يقِق مضج َه ويجعله في ه ّ ٍّ مالزم.‬
                    ‫ل‬        ‫د وال م‬                  ‫ب‬              ‫د‬         ‫ن‬                  ‫ي‬
       ‫أ ّها األب الكريم، إ ّه إذا تق ّم لفتاتِك خاط ٌ فانظر ال ّينَ أ ّ ً، ث ّ انظر عقَه ورجاحة فكره‬
       ‫ن ن‬       ‫م‬                                ‫ر‬             ‫س‬                        ‫ي‬
‫وأهل ّته لتلك الفتات، فإذا تو ّمتَ فيه الخي َ واستخرتَ اهلل واستشَرت غيرَك م ّن تظ ّ أ ّه يشيرك‬
                             ‫د‬                ‫ي‬                            ‫ترد‬     ‫ي‬
   ‫بالخير، فإّاك أن َّ ذلك الزوجَ ألجل مطامعَ ماد ّة، ال تجعل الما ّةَ هي المعيار في القبول أو‬
       ‫تكل‬           ‫م‬                        ‫ت ر‬                                    ‫د‬
  ‫الر ّ، ولكن اجعل األخالق والعقل وحسنَ الّص ّف هي الغاية المقصودة. أ ّا المهر فال ِّفه ما‬
                                            ‫ٍ‬                      ‫ي‬
          ‫ال يطيق، ال تطلب ما ال ُستطاع، فما أوتيت من مهر فسيجعل اهلل فيه بركة، فأنفقه قدرَ‬
                                        ‫ري ر‬                                ‫س‬
                                      ‫استطاعتك، واهلل سيي ّر األمور، وسيجعل اهلل بعدَ عس ٍ ُس ًا.‬
     ‫ي‬                             ‫ف‬                                               ‫م‬        ‫ي‬
    ‫أ ّتها األ ّ الكريمة، أعيني فتاتك على الزواج، وإذا كانت تر ُض الزواجَ ألجل المطامع الماد ّة‬
            ‫ن‬                                  ‫أن‬                               ‫ع‬
   ‫فكوني خيرَ َون في إقناعها وتوجيهها وتبيينِ َّ هذا المطلبَ ليس مطلبًا شريفًا، وإّما المطلب‬
    ‫ال ّريف دي ُ ذلك ال ّجل، خل ُه ورجاحة عقله، أهلي ُه لتسّم تلك األمانة، فهي ـ واهلل ـ الغاي ُ‬
    ‫ة‬                                   ‫ل‬     ‫ت‬                    ‫ق‬       ‫ر‬        ‫ن‬       ‫ش‬
                              ‫العظيمة التي يسعى لها العقالء ذوو العقول الراجحة واآلراء السديدة.‬
        ‫ط‬             ‫ع‬                     ‫َ‬      ‫ن‬            ‫ر‬           ‫ن توس‬              ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلمون، إ ّ ُّعنا في كثي ٍ من مهور ال ّساء أثقلَ كواهلَ شبابنا وأت َبَهم وفتح لل ّامعين‬
                                                                ‫م‬                  ‫ط‬
   ‫أبوابَ ال ّمع المختلِفة، فتح ّلوا ديونًا أثقلت كواهلَهم، وعجزوا عن تسديدها، وأصبحوا في قلقٍ‬
                                                                                             ‫م‬
                                                                      ‫وه ّ من تلك الديون العظيمة.‬
                                   ‫ن‬                                   ‫ن ن ي‬                   ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، إ ّ س ّةَ نبّنا كانت تيسيرَ أمر الزواج، وكانت س ّته تهوينَ أمر الزواج وعدم المبالغة‬
‫ة‬                                   ‫ر ن‬                         ‫ن‬           ‫ن‬
‫في ذلك، فكانت س ّته في مهور ِسائه التي يدفعها مهو ًا له ّ أو قبوله مهورَ بناته، كانت في غاي ِ‬
           ‫ن‬                                                            ‫ي‬
  ‫التواضع ليكون مثالً ُقتَدى به، وإن يكن ذلك األمر قد ال يكون يتطابِق مع الوضع، لك ّه بالنسبة‬
 ‫ق‬                                  ‫ت‬                       ‫ر‬           ‫ر‬          ‫ن‬
 ‫إلى زما ِه كان يسي ًا، وكان مض َب المثل في التيسير وال ّسهيل، فما دفع المرأةٍ من نسائه فو َ‬
        ‫ن‬        ‫ّ‬                                    ‫ر‬
   ‫أربعة مائة درهم، وما قبل لبناته أكث َ من أربعة مائة درهم(5)[5]، هذا بال شك في زما ِه كان‬
              ‫ب‬        ‫تكل‬      ‫م‬                 ‫تقي‬                                  ‫ر‬
        ‫مض َبَ المثل في التواضع، وأنا ال أقول: َّد بهذا، لكن المه ّ أن ال ِّف الخاط َ ما ال‬
                               ‫ج‬                              ‫تحم‬             ‫ق‬
‫يستطيع، ال تث ِل كاهلَه، وال ِّله ما ال يطيق، وال تجعل الزوا َ وقفًا على ذلك المهر الزائد، بل‬
‫ة‬                                          ‫ي‬        ‫تكل‬        ‫ز‬         ‫ع‬             ‫يس‬
‫ِّر األمور، وأ ِن على ال ّواج، وال ِّف ما ال ُطاق، وسيجعل اهلل في األمر إن شاء اهلل برك ً‬
                                                                            ‫في الحاضر والمستقبل.‬
                                             ‫وحث‬                         ‫ي‬               ‫ي‬
‫أ ّها المسلمون، نبّنا شرع لنا وليمةَ الزواج، َّنا عليها، فقال لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو‬
            ‫ي‬                ‫غ َ‬               ‫ث‬                 ‫ث‬
 ‫بشاة))(7)[7]. فح ّ على الوليمة، وح ّ على حضورها، ور ّب في ذلك، لكن ـ أّها اإلخوة ـ‬
                                          ‫ر ر‬                          ‫ش ن‬
    ‫لألسف ال ّديد أ ّ هذه الوالئم أخذت مسا ًا غي َ صحيح، وسلكت مسلكًا غيرَ مناسب، وتباهى‬
                                   ‫كل ي د‬
  ‫المجتمع في حفالت الزواج تباهيًا عظيمًا، وأصبح ٌّ ُح ِث لنفسه نوعًا من المباهاة، عسى أن‬
                   ‫يك ن‬                          ‫ّدم‬                            ‫ق‬
  ‫يكون ساب ًا لغيره، وعسى أن يكونَ متق ِّ ًا على غيره، وعسى أن ُذ َر بأ ّ حفالت الزواج عند‬
      ‫ر‬              ‫ت‬                                          ‫أف‬
    ‫فالن بلغت كيت وكيت، وُن ِق عليها من األموال ما أنفق عليها، فأصبح الّباهي بذلك مظه ًا،‬
                                                                ‫ك‬            ‫ر‬
                                                               ‫وهذا المظهر مظه ٌ خاطئ بال ش ّ.‬
             ‫ل‬                                      ‫ن ن‬                             ‫ن‬             ‫ي‬
      ‫أ ّها اإلخوة، إ ّ نعمَ اهلل عظيمة علينا، وإ ّ الّعم ال تدوم إال بشكر اهلل عليها واستعماِها فيما‬
                                                                               ‫وإن‬         ‫ي‬
    ‫ُرضي اهلل، َّ إضاعةَ المال في كثير من الوالئم العظيمة التي ينفَق عليها في الليلة الواحدة‬
                                        ‫وإن‬      ‫ر‬                  ‫ك أن‬             ‫ت‬
  ‫مئا ُ اآلالف ال ش ّ َّ هذا خطأ عظيم وخط ٌ كبير، َّ المسلمَ ينبغي أن يحافظَ على نعم اهلل،‬
         ‫ر‬                                                                 ‫يتمن‬        ‫ك‬
     ‫ويتذ ّر أقوامًا َّون لقمةَ العيش فال يصلون إليها. فلنحمدِ اهلل على نعمه، ولنعرف قد َ هذه‬
                                                 ‫َّ‬                  ‫م حق‬       ‫ق بحق‬
                                           ‫النعمة، ولن ُم ِّها، و ِن ِّها أن ال نجاوزَ الحد فيها.‬
  ‫ر‬                                                                                ‫إن‬
 ‫َّ بعضَ حفالتِ زواجنا ولألسف خرجت من دور اإلسراف إلى دورِ التبذير واإلنفاق فيما ح ّم‬
       ‫اهلل، فهناك اإلسراف عند بعضنا تكثي ُ المباحات، وهناك التبذير واإلنفاق في األمور المحر‬
‫َّمة التي‬                                               ‫ر‬
‫َّمها ال ّرع، فالواجب على المسلمين تقوى اهلل والتعاو ُ على الب ّ والتقوى فيما بينهم والتناص ُ‬
‫ح‬                            ‫ر‬         ‫ن‬                                           ‫ش‬       ‫حر‬
        ‫ر‬                                                 ‫ل‬      ‫ء‬            ‫ن‬
  ‫فيما بينهم؛ أل ّ هذه األشيا َ ال يحّها وال يقضي عليها إال التعاون بين المسلمين وتذكي ُ بعضهم‬
                            ‫س ر‬                       ‫َ‬           ‫ع‬
                    ‫بعضًا، عسى أن يفهمَ المجتم ُ تلك األخطاء فيبتعد عنها، ويتي ّر أم ُ الزواج.‬
                  ‫يسب‬             ‫د‬                             ‫ل‬           ‫ر‬       ‫ن ب‬
      ‫إ ّ شبا َنا ذكو ًا وإناثًا كّهم محتاجون إلى الزواج، فال ب ّ من عملٍ عظيم ِّب تسهيلَ هذه‬
  ‫ر‬                             ‫ع‬                                                        ‫م‬
‫المه ّات؛ التعاون بين المجتمع المسلم على الخير والتقوى، وتشجي ُ من رأينَا منه تعاونًا وتيسي ًا،‬
       ‫م‬                                   ‫س‬
  ‫حتى يكون الناس يقتدي بعضهم ببعض، ويتأ ّى بعضهم ببعض، ويعين بعضهم بعضًا. أ ّا إذا‬
                       ‫ن‬                                                          ‫غ‬
      ‫كان أهل ال ِنى والثراء ينفقون األموالَ الطائلة في الحفالت، وغيرهم يتم ّى أن يكونَ مثلَهم‬
‫ويحاول االقتداء بهم ولو َّل من الديون ما ال طاقة له به فهذا هو الخطأ، فالقدوة الصالح ُ خي ٌ‬
‫ة ر‬                                                              ‫تحم‬        ‫َ‬
                             ‫ر‬       ‫ن‬                  ‫ر‬              ‫ل‬
                    ‫للمجتمع المسلم، وك ّ من سعى في خي ٍ وأعان على خير فإ ّ له أج ًا عظيمًا.‬
                                  ‫ع‬                                                     ‫ت‬
 ‫فا ّقوا اهلل في أنفسكم، وقوموا بما أوجب اهلل عليكم، وابت ِدوا عن مظاهر اإلسراف، وعن التبذير‬
                    ‫ي‬              ‫ل‬                                       ‫ر‬
 ‫في اإلنفاق في المح ّمات، أسأل اهلل أن يعينَنا جميعًا على ك ّ خير، وأن يهد َنا سبلَ السالم، وأن‬
                                            ‫ل‬        ‫ن‬            ‫ر‬
                                  ‫يرزقَ الجميعَ التعاون على الب ّ والتقوى، إ ّه على ك ّ شيء قدير.‬
  ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه‬
                                                                                         ‫ن‬
                                                                      ‫وتوبوا إليه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                            ‫ب ب‬                      ‫د ر ب‬
  ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يح ّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
 ‫م ر‬                                                            ‫أن َّد‬
‫شريك له، وأشهد َّ محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                             ‫إلى يوم الدين.‬
                                                           ‫ق‬                 ‫ت‬     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                   ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تعالى ح ّ التقوى.‬
       ‫ت‬                                                        ‫ن‬                    ‫ح‬
   ‫عبادَ اهلل، ر ِم اهلل امرأً فتح لل ّاس أبوابَ الخير، رحم اهلل امرأً كان قدوةً لمجتمعه في ال ّعاون‬
‫ة‬          ‫د‬                                                        ‫د‬
‫على الخير، رحم اهلل عب ًا كان أسوةً حسنة في االقتصاد في هذه األمور، رحم اهلل عب ًا كان أسو ً‬
                                                                                     ‫ب‬
                                               ‫حسنة في ال ُعد عن مظاهرِ اإلسراف وبعدٍ عن التبذير.‬
      ‫ل‬              ‫ت‬                                               ‫ة‬                ‫ي‬
‫أ ّها اإلخوة، وليم ُ الزواج مطلوبة، ولكن هل المطلوب أن أدعوَ المئا ِ من الناس، وأكّف نفسي‬
                                                                    ‫ة‬
                                           ‫بما ال أستطيع، أم المطلوب وليم ٌ قدرَ العائلة وأهل البيت؟‬
            ‫ي‬                                 ‫ر ي ي ض‬                                      ‫إن‬
     ‫َّ هذه الوالئمَ اليومَ أصبحت مظه ًا سّئًا، ُو َح فيها من أنواعِ المأكوالت ما ال ُؤكل وال‬
                             ‫ن‬                       ‫ن َم‬                ‫ي‬      ‫ر‬          ‫ع‬
      ‫ُشره، وكثي ٌ منها ُلقى في المزابل. ِع ٌ عظيمة وخيرات كثيرة ال ّاس ال يتناولون منها إال‬
                                                                     ‫ل‬                             ‫ء‬
                                                      ‫جز ًا، ومعظم أجزائها فإلى المزاب ِ والعياذ باهلل.‬
          ‫هذا ـ يا إخواني ـ مظه ُ سوء، الواجب على المسلمين التعاو ُ على الخير، والتبص‬
  ‫ُّر في هذه‬                ‫ن‬                                 ‫ر‬
                     ‫ُم ت ُن م ِ ع النع‬                                     ‫ل‬                             ‫ن‬
‫ال ّعم، ومعرفة قدرها، وأن اهلل ج ّ وعال سائلنا عنها: ث َّ لَ ُسْئَل َّ يَوْ َئذٍ َنِ َّ ِيمِ [التكاثر:8]، اهلل‬
                                                               ‫أي‬       ‫ن‬
  ‫سائلنا عن هذه ال ّعم، في ِّ شيء استعملناها؟ هل هذه النعم التي توضَع تؤكَل وتستهلك أم ال؟‬
    ‫س‬                     ‫د‬                                 ‫ة‬           ‫طل‬          ‫ض‬
  ‫بع ُ أولئك لو ُِب منه إعان ٌ لفقير ومحتاج لما بذل درهمًا واح ًا، ولكن عند مظاهر ال ّرف‬
                                                                                    ‫ت‬
      ‫وال ّباهي تجود األيدي باألموال الطائلة في أمور هو يرتكِب فيها الخطأ من حيث ال يشعر.‬
                                                                           ‫ع‬
    ‫فلنكن جمي ًا أعوانًا على الخير، ولنتعاون في القضاء على مظاهر اإلسراف والتبذير ووضع‬
    ‫ع‬                      ‫ن‬                          ‫ج‬        ‫د‬
    ‫الوالئم التي ال داعي لها، فال ب ّ من عال ِها بين المجتمع المسلم؛ أل ّ المجتمع المسلمَ مجتم ٌ‬
                                                            ‫يجب أن يتعاونَ على الخير بقدر ما يمكن.‬
               ‫ت‬                   ‫م‬                                    ‫ي‬
    ‫أسأل اهلل أن يرزقنا وإ ّاكم العملَ بما علمنا، وأن يجعلَنا م ّن يستمعون القول في ّبعون أحسنه،‬
                                                       ‫أولئك الذين هداهم اهلل، وأولئك هم ألو األلباب.‬
          ‫ر‬                                                  ‫ن‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أ ّ أحسن الحديث كتاب اهلل، وخيرَ الهدي هدي محمد ، وش ّ األمور‬
  ‫ذ ذ‬                              ‫ن‬                                        ‫ل‬
  ‫محدثاتها، وك ّ بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإ ّ يد اهلل على الجماعة، ومن ش ّ ش ّ‬
                                                                                                    ‫في النار.‬
   ‫ِن الله وم ئ ه ي َل ن‬                         ‫ب‬                  ‫م‬                         ‫ل‬
   ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على مح ّد كما أمركم بذلك رّكم قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّو َ‬
                                           ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫عل النبى َي َّذ ن من‬
                         ‫ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                                                   ‫م‬                           ‫اللهم صل وسل‬
                                               ‫َّ ِّ ِّم وبارك على عبدك ورسولك مح ّد...‬
                                                                                           ‫__________‬
   ‫(5) أخرج أحمد (5/01-51، 81)، وأبو داود في كتاب النكاح (6057)، والترمذي في كتاب‬
  ‫النكاح (1555)، والنسائي في كتاب النكاح (9133)، وابن ماجه في كتاب النكاح (2885) عن‬
   ‫عمر رضي اهلل عنه قال: أال ال تغالوا بصدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى‬
 ‫عند اهلل لكان أوالكم بها النبي ، ما أصدق رسول اهلل امرأةً من نسائه وال أصدقت امرأة من بناته‬
‫أكثر من ثنتي عشرة أوقية. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (0761 ـ‬
   ‫اإلحسان ـ)، والحاكم (7/125-625)، وصححه األلباني في صحيح سنن أبي داود (7185).‬
       ‫قال الترمذي: "األوقية عند أهل العلم أربعون درهما، وثنتا عشرة أوقية أربع مائة وثمانون‬
                                                                                                     ‫درهما".‬
‫(7) أخرجه البخاري في النكاح (7201، 3151، 1151، 2651)، ومسلم في النكاح (2715) من‬
                                                                              ‫حديث أنس رضي اهلل عنه.‬

‫(5/1587)‬




                                                                                  ‫ا‬
                                                                                  ‫استوصوا بالشباب خيرً‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                                       ‫األبناء‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                        ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                                       ‫القدس‬
                                                                                ‫55/1/1715‬
                                                                             ‫المسجد األقصى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- دعوة الغتنام األوقات واألعمال. 7- الوصاة بالشباب وحسن الرفق بهم. 3- مجد اإلسالم‬
   ‫الذي ضاع بقدر ما ضيعنا من ديننا. 1- التضييق على المسلمين ومنع كثيرين من الصالة في‬
                                                               ‫األقصى. 1- الهدنة مع اليهود.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، يقول صلى اهلل عليه وسلم: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك،‬
        ‫وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))(5)[5].‬
 ‫أيها المؤمنون، إن بناء المجتمعات ال يمكن أن يرتفع له لواء، إال إذا سارت وراء الهدي النبوي،‬
         ‫وخير من يوصى به ألهميته في البناء، الشباب الذي قال فيه النبي صلى اهلل عليه وسلم:‬
      ‫((استوصوا بالشباب خيرا، فإنهم أرق أفئدة))، الشباب الذي ال يجد له في هذه األيام مرشداً‬
                                                      ‫ا‬     ‫ً‬          ‫ا‬     ‫ا‬          ‫ا‬
   ‫كريمً، وال موجهً عظيمً، وال مربيا رفيعً، وال أباً رحيماً إال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم،‬
    ‫فقد جاء شاب إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقال: (ائذن لي بالزنا يا رسول اهلل)، كلمة‬
‫خطيرة تكاد السموات يتفطرن منها، وتنشق األرض، وتخر الجبال هداً، إلى من يوجه هذا الكالم؟‬
  ‫ب‬
 ‫إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وقد كان يجلس حول الرسول عليه الصالة والسالم أصحا ُه‬
                            ‫ع‬
                         ‫الكرام، يحيطون به كما تحيط النجوم بالقمر، وكما تحيط الجنود بال َلم.‬
   ‫فثار الصحابة رضي اهلل عنهم، وثارت دماء الغضب في عروقهم، ولكنه عليه الصالة والسالم‬
    ‫كما عهدناه بحلمه ووقاره وجالله وسكينته وأدبه وأخالقه، يجلس في هدوء يرسل الحكمة كما‬
                                                                        ‫يرسل القمر أضواءه.‬
‫أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم أصحابه أن يهدؤوا، ثم دعا الشاب إليه، فجلس أمام النبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم، وفي هدوء األستاذ مع التلميذ، وبحكمة الطبيب مع المريض، قال للشاب: ماذا تريد يا‬
                                                       ‫فتى، قال: ائذن لي بالزنا يا رسول اهلل.‬
   ‫وإذا بالنبي صلى اهلل عليه وسلم يرسل هذه الحكمة الرفيعة: ((يا فتى أفترضاه ألمك؟))(7)[7]،‬
   ‫كان عليه الصالة والسالم يداوي الجراح الدامية بتنسم الروحانيات الصافية، ونزلت هذه الكلمة‬
                    ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫باستفهامها على سمع الفتى، ثم أخذت طريقها إلى قلبه، فصادفت مكانً خاليً، فتمكنت منه، فقال:‬
                                                                             ‫ال يا رسول اهلل.‬
      ‫ويكرر الرسول صلى اهلل عليه وسلم السؤال: ((أفترضاه ألختك؟ أفترضاه لعمتك؟ أفترضاه‬
  ‫لخالتك؟)) وإذا بالشاب يجلس أمام الرسول صلى اهلل عليه وسلم وينتفض ويقول: ادع اهلل لي يا‬
‫رسول اهلل، وإذا بالنبي صلى اهلل عليه وسلم يدعو لهذا الفتى، فقال، الدعوة األولى: ((اللهم حصن‬
                  ‫فرجه))، ثم قال في الثانية: ((وطهر قلبه))، ثم قال في الثالثة: ((واغفر ذنبه)).‬
   ‫يقول هذا الشاب: فخرجت من عند رسول صلى اهلل عليه وسلم، وليس على وجه األرض أحد‬
                                ‫أحب إلي من رسول اهلل، هكذا يكون الدواء وهكذا يكون العالج.‬
  ‫إ َّ ر مة‬          ‫وم َ س‬
  ‫وصدق اهلل تبارك وتعالى وهو يخاطب نبينا صلى اهلل عليه وسلم بقوله: َ َا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َ ً‬
                                                                                             ‫ل م‬
                                                                          ‫ّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205].‬
                                                            ‫ل‬
   ‫الشباب والصحة نعمتان من أج ّ نعم اهلل تبارك وتعالى، إن الرسول عليه الصالة والسالم كان‬
‫يداوي بالحكمة والموعظة الحسنة، لذلك ربى جيالً لم تعرف البشرية له مثيالً، اسمعوا إلى ما قاله‬
   ‫عمر رضي اهلل عنه، وعمر أحد الذين دخلوا اإلسالم في سن الشباب، كان عمره يوم أسلم ستً‬
   ‫ا‬
       ‫وعشرين سنة، كان اسمه في سجل المسلمين رقم أربعين، عمر عندما دخل اإلسالم ونطق‬
  ‫بالشهادتين كان أول كلمة قالها لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: عالم نخفي ديننا يا رسول اهلل؟‬
 ‫إن اإلسالم واإليمان قد تمكنا من قلبه، إن اإلسالم قد رسخ في فؤاده، عالم نخفي ديننا يا رسول‬
   ‫اهلل؟ لم ال تصدع بما تأمر؟ فقال صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل لم يأمرني بذلك))(3)[3]، وإذا‬
 ‫بالوحي يتنزل على قلب وفؤاد النبي صلى اهلل عليه وسلم بقوله: فَاص َعْ ِمَا ُؤْم ُ َأَعرضْ َ ِ‬
 ‫ْد ب ت َر و ْ ِ عن‬
                                                                                         ‫م ْرك‬
                      ‫الْ ُش ِ ِينَ [الحجر:19]، فقال له جميع الجالسين: ال إله إال اهلل، واهلل أكبر.‬
‫كل شيء إلى تغير وفناء، كل شيء إلى زوال، وال يبقى إال ذو العزة والجبروت، فبادروا يا عباد‬
‫اهلل بالرجوع إلى اهلل، بادروا بالصلح مع اهلل تبارك وتعالى، ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها،‬
           ‫كان من دعاء الحبيب صلى اهلل عليه وسلم: ((اللهم بارك ألمتي في بكورها))(1)[1].‬
‫والرسول صلى اهلل عليه وسلم مر بالسيدة فاطمة رضي اهلل عنها بعد صالة الفجر فرآها قد نامت‬
  ‫بعد ما صلت، فقال لها: ((يا فاطمة قومي فاشهدي هذه الساعة التي يقسم اهلل فيها األرزاق على‬
                                                                                    ‫العباد))(1)[1].‬
‫عباد اهلل، أمتنا اإلسالمية أمة عظيمة، وال نظير لها، كانت تسيطر على البحر األبيض كله وعلى‬
        ‫ثلثي البحر األحمر، كانت تنام على بحر من البترول فماذا حدث؟، سلبتهم الدنيا أمالكهم،‬
      ‫فالمقاطعات اإلسالمية استولى على كثير منها المعسكر الشرقي، وضاعت األندلس وظاعت‬
 ‫صقلية وضاعت فلسطين، وسلبت الجوالن واحتل بيت المقدس والضفة الغربية، لماذا؟ ألن الدنيا‬
                              ‫فتحت علينا، فنسينا اهلل تبارك وتعالى، نسينا أحكامه، ونسينا كتابه.‬
    ‫كانت الغنائم تأتي لبيت مال المسلمين من المشارق والمغارب في زمن عمر رضي اهلل عنه،‬
                                              ‫ا‬
   ‫جاءت الغنائم من بالد فارس، فبكى بكاءً شديدً، فيقول له ابن مسعود رضي اهلل عنه: أتبكي يا‬
 ‫أمير المؤمنين في يوم النصر؟ فيقول أمير المؤمنين: أخشى على المسلمين أن تفتنهم الدنيا، عمر‬
                                                              ‫يخشى من فتة الدنيا على المسلمين.‬
                                         ‫صدقت يا أمير المؤمنين تعال وانظر اليوم إلى أحوال المسلمين.‬
     ‫أمتنا أمة عظيمة، عندما أسلمنا وآمنا، عندما قرأنا القرآن واتخذناه منهجاً وسلوكاً ونظام حياة،‬
       ‫عندما عشنا مع القرآن في نومنا وفي يقظتنا وفي أكلنا وشربنا وحياتنا، كانت حياتنا كلها مع‬
                                        ‫ا‬             ‫ا‬      ‫ً‬
         ‫القرآن، إذا أصبح مجتمعنا مجتمعا قرآنيً منهجاً وسلوكً، فسوف نقود العالم كله إلى شاطئ‬
    ‫األمان، وبغير ذلك كله لن نفلح أبداً، فأخلصوا قلوبكم هلل يا عباد اهلل وافتحوا قلوبكم، واستعينوا‬
‫باهلل واصبروا، ال تنسوا اهلل تبارك وتعالى وأحسنوا صلتكم باهلل، اجعلوا أيامكم كلها هلل، قيل لإلمام‬
     ‫الحسن البصري رضي اهلل عنه أي األيام عندك عيد يا إمام؟ فقال: كل يوم ال أعصي اهلل فيه،‬
                                                                                                      ‫فهو يوم عيد.‬
   ‫عباد اهلل، أمر اهلل تعالى المؤمنين باالنضباط، فما هو االنضباط في اإلسالم كما ورد في شريعة‬
                                                                                                         ‫خير األنام؟‬
  ‫االنضباط في قول اهلل تبارك وتعالى: َأ َّ َاذَا ِرا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َالَ تَّ ِ ُواْ ُّبل َتَف َّ َ‬
  ‫وَن ه ص ط م ق م َاتبع ه و َتبع الس ُ َ ف َرق‬
                                                   ‫ب ُ ع سب ل ل ُ َص ُ ب َلك َتق‬
 ‫ِكمْ َن َ ِيِهِ ذاِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّ ُمْ ت َّ ُونَ [األنعام:315]، االنضباط الذي أمر به الرسول صلى‬
                                              ‫ِ م أِ‬
‫اهلل عليه وسلم عندما قال له ربه: فَاسْتَقمْ كَ َا ُمرْتَ [هود:755]، فإذا أردنا أن نطبق االنضباط في‬
  ‫مجتمعاتنا ال بد ان نأخذ جانبين: جانب الوقاية وجانب العالج، أما الوقاية فهي إزالة الموانع التي‬
    ‫تؤدي بنا إلى غضب اهلل وارتكاب المعاصي، أيكون هناك انضباط وأبواب الخمارات مفتوحة؟‬
     ‫أيكون هناك انضباط والنساء كاسيات عاريات؟ أيكون هناك انضباط ومعامالتنا كلها معامالت‬
              ‫ربوية؟ أيكون هناك انضباط والنفوس مشحونة بالحقد والحسد والشحناء وسفك الدماء؟‬
                                                    ‫ً‬    ‫ا‬
       ‫عباد اهلل، اإلسالم ليس صالة وصيامً وحجا فقط، اإلسالم استسالم هلل تبارك وتعالى وتطبيق‬
                                                                                   ‫لمنهجه في كل نواحي الحياة.‬
                                                                   ‫ا‬
  ‫عباد اهلل، اعلموا جيدً أنه ال يجوز بحال من األحوال أن يمنع المصلون من الدخول إلى المسجد‬
  ‫َم ِم م ع مس ِ الل أ ُ َر‬
  ‫األقصى المبارك، وذلك لقول اهلل عز وجل في كتابه العزيز: أَظْل ُ م َّن َّنَ َ َ َاجدَ َّهِ َن يذْك َ‬
 ‫ي خل ِال ئف ُ ْ ف الد ِ ْى ول ُ ْ ف‬                          ‫ُ‬             ‫ف ه مه وسع ف َر به أ ك‬
‫ِي َا اسْ ُ ُ َ َ َى ِى خ َا ِ َا ُوْلَئِ َ مَا كَانَ لَهمْ أَن َدْ ُُوهَا إ َّ خَا ِ ِينَ لَهم ِى ُّنْيَا خز ٌ ََهم ِى‬
                                                                        ‫ِ َ بع م‬
  ‫اآلخرَةِ عذَا ٌ َظِي ٌ [البقرة:155]، فالمساجد هي بيوت اهلل ويأتي المصلون إليها ألداء الصلوات‬
              ‫تطبيقاً لمنهج اهلل تبارك وتعالى في األرض، ومن تجرأ على منع المصلين من الدخول‬
                               ‫ا‬                        ‫ج ا‬           ‫ا‬
         ‫إلىالمساجد فقد ارتكب إثمً عظيماً و ُرمً كبيراً سيحاسب عليه حسابً كبيراً من اهلل الواحد‬
                                                                                                              ‫الجبار.‬
                                                      ‫أ‬
  ‫وتذكروا أيها المؤمنون أن من يتجرُ على بيوت اهلل ويمنع المصلين من أداء الصلوات فهو عدو‬
                                                                 ‫هلل ومحارب هلل، وسوف ينتقم اهلل تعالى منه.‬
          ‫ا‬
 ‫وفي نفس الوقت يجب على المسلمين أن يحافظوا على مسجدهم، وأن يكون إيمانهم قويً باهلل عز‬
                                                                                                                ‫وجل.‬
                              ‫َم ِم م مس ِ الل‬                  ‫وم‬
‫وانظروا أيها اإلخوة إلى قوله تعالى: َ َنْ أَظْل ُ م َّن َّنَعَ َ َاجدَ َّهِ، معناه أنه ال يوجد أحد أظلم‬
       ‫من الذي يمنع مساجد اهلل أن يذكر فيها اسمه، أي أن هذا الظلم هو الظلم العظيم، ويختم اهلل‬
                     ‫م‬       ‫ِ َ ب‬            ‫ُ ْ ف الد ي خ ْى و ُ ْ ف‬
  ‫سبحانه وتعالى اآلية بقوله: لَهم ِى ُّنْ َا ِز ٌ َلَهم ِى اآلخرَةِ عذَا ٌ عَظِي ٌ، أي لن يتركهم اهلل‬
   ‫تبارك وتعالى في الدنيا وال في اآلخرة بل يصيبهم في الدنيا خزي، وهذا مظهر غيرة اهلل على‬
                   ‫ا‬
 ‫بيوته، أما في اآلخرة فلهم عذاب عظيم، فهل سمعتم على مر الزمان أن قومً من األقوام يمنعون‬
 ‫الناس من أداء العبادات والشعائر الدينية، وهذا الفعل بذاته مخالف لكل األعراف الدولية، وصدق‬
                                 ‫َّذ ي ه ع ِ َل‬                     ‫َر‬
‫اهلل تبارك وتعالى وهو يقول: أ َأَيْتَ ال ِى َنْ َى َبْداً إذَا صَّى [العلق:9، 05]، فقد ذكر المفسرون‬
 ‫أن هذه اآلية نزلت في أبي جهل عليه لعنة اهلل، والعبرة كما تعلمون بالعموم، وليس بالخصوص،‬
               ‫فاتقوا اهلل يا عباد اهلل، وحافظوا على مسجدكم، فهو رمز مجدكم وعزكم وكرامتكم.‬
  ‫اللهم حرر المسجد األقصى، وطهره من رجس الكافرين، واجعلنا فيه من عبادك المرابطين إلى‬
                                ‫يوم الدين، اللهم اجعله عامراً باإلسالم والمسلمين يا رب العالمين.‬
  ‫عباد اهلل، ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال قال النبي صلى اهلل عليه‬
     ‫ا‬     ‫ً‬                          ‫ا‬
  ‫وسلم: ((بادروا باألعمال سبعاً هل تنتظرون إال غنىً مطغيًَ، أو فقراً منسياً، أو مرضا مفسدً أو‬
                                                                        ‫ا‬              ‫ا‬
               ‫هرمً مفنداً أو موتً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى‬
                                                                                     ‫وأمر))(6)[6].‬
                                                    ‫عباد اهلل، توجهوا إلى اهلل تبارك وتعالى بالدعاء‬
                              ‫وادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة فيا فوز المستغفرين، استغفروا اهلل‬


                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل العزيز الوهاب، أنزل على عبده الكتاب هدى وذكرى ألولي األلباب، ونشهد أن ال إله‬
    ‫إال اهلل، أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا - وهلل الحمد -خير أمة أخرجت للناس،‬
‫وبعث فينا رسوالً منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، فالصالة والسالم على سيد‬
‫األحباب، النبي األمي المبعوث بالحق والصواب، الشافع المشفع يوم الحساب، وعلى آله وصحابته‬
                                                                ‫ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب.‬
    ‫أما بعد: أيها المسلمون، إن الحدث األبرز على الساحة الفلسطينية هو إعالن الهدنة من جانب‬
   ‫الفلسطينيين المغلوبين على أمرهم فيما يسمى وقف إطالق النار مع الجانب اإلسرائيلي، وأسئلة‬
     ‫عدة تفرض نفسها على الحدث، ألنه يتعلق بصميم وواقع شعبنا الفلسطيني المسلم الذي أعقب‬
    ‫اندالع انتفاضة األقصى، فالحديث يشمل الفترة الزمنية الحالية من المعاناة، ناهيك عن المأساة‬
  ‫المتواصلة على امتداد نصف قرن من الزمان، منذ سقوط فلسطين المسلمة في يد المحتلين، فهل‬
  ‫يصمد وقف إطالق النار الحالي؟ هل تؤدي هذه الهدنة إلى إعادة الهدوء واالستقرار والحياة إلى‬
     ‫شعبنا المسلم؟ هل ستزول الحواجز ونقاط التفتيش، حواجز اإلهانة واالضطهاد واإلذالل؟ هل‬
     ‫ستوقف إسرائيل عن تصفية المسلمين على امتداد الوطن؟ هل سيتم انسحاب إسرائيل الكامل‬
    ‫وتفكيك جميع المستوطنات؟ هل ستعود مدينة القدس المسلمة لعصمة المسلمين وسيادتهم؟ هل‬
‫سيعود المهجرون والنازحون والمبعدون إلى ديارهم ووطنهم وأهلهم؟ هل سيتم إطالق سراح أبناء‬
   ‫شعبنا الفلسطيني المسلم من زنازين االحتالل وأقبية المعتقالت والسجون دون تمييز بينهم؟ هل‬
                              ‫ستتوقف إسرائيل عن استفزازاتها تجاه المسجد األقصى المبارك؟‬
         ‫ا‬      ‫ا‬
    ‫أيها المسلمون، إن المتابع للتجارب المريرة التي خاضها ويخوضها شعبنا قديمً وحديثً وعلى‬
           ‫امتداد عمر المأساة، يجد أن إسرائيل تضرب عرض الحائط بكل المواثيق واألعراف‬
                                                                               ‫والمعاهدات.‬
   ‫ولقد أثبتت التجارب واأليام أنه ال يكاد حبر أي اتفاق يجف، حتى تنقض إسرائيل هذا االتفاق،‬
          ‫ومسلسل األحداث منذ اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو وشرم الشيخ والعقبة تدل على ذلك.‬
  ‫كانت هناك وعود منذ العام 3995م بإقامة دولة فلسطينية، وانسحاب إسرائيلي كامل، ولكن ماذا‬
      ‫حدث؟ انسحبت إسرائيل فترة زمنية قصيرة من بعض المناطق بعد تقسيمها، ثم ما لبثت أن‬
                                                       ‫أعادت احتاللها بعد انتفاضة األقصى.‬
‫إن حجم التضحيات الجسام التي بذلها ويبذلها شعبنا في المال والبنين، تفوق ما قدمه أي شعب من‬
               ‫أجل حريته، ثم تأتي الضغوط من القريب والبعيد للقبول، بما يسمى األمر الواقع.‬
                                                                   ‫ا‬
 ‫إن ما يزيد األمور تعقيدً هو ما يعلنه األمريكيون إثر زياراتهم للمنطقة واجتماعهم مع زعمائها،‬
      ‫من أن وقف إطالق النار يجب أن يعقبه تفكيك الجماعات المسلحة قبل تفكيك المستوطنات،‬
    ‫ويتحدث األمريكيون أن الفلسطينيين هم عقبة في طريق السالم، وبعكس إسرائيل، فإنها دولة‬
                                                     ‫محبة للسالم، غير أنها محاطة باألعداء.‬
        ‫وأنتم يا أهلنا في أرض فلسطين المباركة، أنتم في رباط إلى يوم القيامة، أنتم أهل الصبر‬
 ‫والمصابرة والمرابطة، اجعلوا ثقتكم باهلل تنكشف األمور وتزول الغمة، وال نريد أن نقول ما قال‬
                                                                                   ‫الشاعر:‬
                                                                       ‫ل‬
                        ‫صبرنا إلى أن م ّ من صبرنا الصبر …وقلنا غداً أو بعده ينجلي األمر‬
                                                                        ‫ا‬
                          ‫فكان غد شهرً ولو ومد حبله …فقد ينطوي في جوف هذا الغد العمر‬
                              ‫م‬
                         ‫وقلنا عسى أن يدرك الحق أهله …فصاحت عافاني اهلل وال طع ُها مر‬
                      ‫سالم على الدنيا سالم على الورى …إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر‬
                                                                                ‫أيها المسلم:‬
                                     ‫دع المقادير تجري من أعنتها …وال تبيتن إال خالي البال‬
                                   ‫ما بين غمضة عين وانتباهتها …يغير اهلل من حال إلى حال‬
                                                                            ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 603)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه األلباني في‬
 ‫صحيح الترغيب [1133]، وأخرجه ابن المبارك في الزهد، ومن طريقه البغوي في شرح السنة‬
            ‫[7701] عن عمرو بن ميمون مرسالً، وصحح سنده الحافظ في الفتح (55/137).‬
                                                          ‫(7) أخرجه أحمد (1/617).‬
                               ‫(3) أخرجه ابن خثيمة القرشي (ص 875) في جزئه بنحوه.‬
   ‫(1) رواه الترمذي في البيوع (7575)، وأبو داود في الجهاد (6067)، وابن ماجه (6377)،‬
       ‫وأحمد (5/315)، وصححه ابن حبان (1121). واأللباني في صحيح أبي داود (0277).‬
                                             ‫(1) في البيهقي وغيره (فاشهدي أضحيتك).‬
    ‫(6) رواه الترمذي في الزهد (6037). وقال حسن غريب ال نعرفه إال من هذا الوجه. وضع‬
  ‫َّفه‬
                                                        ‫األلباني في الضعيفة (6665).‬

‫(5/6587)‬




                                                                                 ‫ل‬
                                                                        ‫خُق اإلصالح‬
                                                 ‫-----------------------‬
                                                                      ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                        ‫قضايا المجتمع‬
                                                 ‫-----------------------‬
                                                       ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                              ‫الرياض‬
                                                                         ‫55/1/1715‬
                                                         ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
                                                    ‫ث‬                        ‫ب‬
 ‫5- ح ّ الخير للمسلمين. 7- الح ّ على اإلصالح بين الناس. 3- االختالف من طبيعة البشر.‬
     ‫1- النجوى المحمودة. 1- فضل اإلصالح بين المتنازعين. 6- إعطاء الزكاة للغارم ألجل‬
   ‫اإلصالح. 2- اإلصالح بين الزوجين وبين األقارب وبين المسلمين. 8- جواز الكذب لغرض‬
                                                                   ‫ث‬
       ‫اإلصالح. 9- ح ّ القضاة على اإلصالح. 05- اإلصالح بين المتخاصمين يوم القيامة.‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                                  ‫حق‬               ‫ت‬     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                          ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
           ‫ح‬                                    ‫ن‬             ‫حب‬         ‫إن م خل‬
     ‫عبادَ اهلل، َّ ِن ُُق المسلم َّ الخير إلخوا ِه المسلمين؛ لذا تراه يسعى في اإلصال ِ بينهم‬
                  ‫ي‬         ‫ن‬               ‫ي‬                     ‫ق هو‬
   ‫والتوفيق فيما بينهم وتضيي ِ ُ ّةِ النزاع واالختالف، ُمليه عليه إيما ُه الحقيق ّ الذي يدعوه ألن‬
                                                                       ‫َّ إلخوا ِه المؤمنين ما يحب‬
                                      ‫ُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه.‬               ‫ن‬       ‫يحب‬
        ‫يحب‬                 ‫الت‬                    ‫خل‬                                 ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلم، فاإلصالح بين المسلمين ُُق كريم، يسعى فيه ذوو ُّقى والمروءة الذين ُّون‬
                                                     ‫ب‬           ‫الخيرَ، ويصبرون على فع ِ الخير، ويتقر‬
                                                  ‫َّبون بذلك لرّهم.‬           ‫ل‬
     ‫ب نُ وط ع‬                  ‫َاتق الله و ح‬                           ‫ل‬        ‫ع‬                              ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، لقد أمرنا اهلل جمي ًا بأن نصِحَ بين إخواننا: ف َّ ُواْ َّ َ َأَصْلِ ُواْ ذَاتَ ِيْ ِكمْ َأَ ِي ُواْ‬
               ‫نوف‬       ‫ن‬                    ‫رب‬                        ‫الله َرس ه إ ك ت م من‬
‫َّ َ و َ ُولَ ُ ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِينَ [األنفال:5]، فأمرنا ُّنا أن نصلحَ ذاتَ بي ِنا، وأن ِّقَ بين إخواننا،‬
                                                              ‫ال‬                    ‫ص‬      ‫ر‬
                                                             ‫وأن نسعى في َأب ال ّدع ما وجدنا لذلك سبي ً.‬
      ‫ف‬                                                ‫م‬                                 ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، ال يخلو المجتمع المسل ُ من اختالفٍ في وجهة النظر، سواء كان هذا االختال ُ بين‬
     ‫األفراد كنزاعٍ بين رجل وأبيه، وبينه وبين أخيه، وبينه وبين جاره، وبينه وبين زوجته، وبينه‬
       ‫وبين شريكه، وبينَه وبين ِّ فر ٍ من أفراد األ ّة المسلمة، أو كان هذا االختال ُ بين جماع ِ‬
       ‫ة‬          ‫ف‬                              ‫م‬              ‫أي د‬
                       ‫ص ن‬         ‫م‬                              ‫ف‬       ‫ذ‬
      ‫المسلمين عمومًا. إ ًا فموق ُ المسلم من هذا االختالفِ العا ّ والخا ّ أ ّه يسعى في اإلصالح‬
                                                               ‫ال‬                    ‫ت‬
   ‫وال ّوفيق ما وجد لذلك سبي ً، فيصلح بين األفراد إن استطاع، وبين الجماعةِ إن قدر على ذلك،‬
    ‫َاتق الله و ح ذ ت‬                                        ‫ي‬              ‫م‬           ‫ِّي ب‬          ‫م‬
    ‫المه ّ أن يؤد َ واج َه، وأن يقو َ بهذه المسؤول ّة، امتثاالً لقوله تعالى: ف َّ ُواْ َّ َ َأَصْلِ ُواْ َا َ‬
                                                                                                                       ‫ب نُ‬
                                                                                                                    ‫ِيْ ِكمْ.‬
                                               ‫ت‬                         ‫خل‬                  ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلم، هذا ال ُُق الكريم يسعى فيه ذوو ال ّقى والمروءة واألخالق الكريمة الذين يبتغون‬
 ‫بسعيِهم مرضاةَ اهلل، فهم يخِصون هلل في هذا العمل؛ لذا قال اهلل: َّ خَيْر ِى كَ ِيرٍ ّن َّجْ َاهمْ ِ َّ‬
 ‫ال َ ف ث م ن و ُ إال‬                                                      ‫ل‬
      ‫ف‬        ‫الل ِ‬      ‫َ‬                    ‫إ ح ب الن س وم ي َ‬                     ‫م ْر‬          ‫م َر ب َ َ‬
      ‫َنْ أَم َ ِصدقَةٍ أَوْ َع ُوفٍ أَوْ ِصْلَا ٍ َيْنَ َّا ِ َ َن َفْعلْ ذالِكَ ابْتَغَاء مرْضَاتِ َّه فَسَوْ َ‬
                                                                                                   ‫ْر ظ‬           ‫ن ت‬
                                                                                 ‫ُؤْ ِيهِ أَج ًا عَ ِيمًا [النساء:155].‬
‫كل‬                            ‫َّ‬                       ‫تأمال‬                ‫تأم‬
‫أخي المسلم، َّل معي هذه اآليةَ ُّ ً صحيحًا، فقد أخبر اهلل أن نجوى العباد فيما بينهم ليس ُّ‬
                                                      ‫ن‬                          ‫ر‬
         ‫نجوى خي ًا، فال خيرَ في كثير من ال ّجوى إال نجوى من يأمر في نجواه بالصدقة أو يأمر‬
      ‫ر‬            ‫ت ر‬                      ‫ت‬        ‫ع‬
     ‫بالمعروف أو يسعى في اإلصالح بين المتناز َين، فال ّناجي إذا كان حقيق ُه أم ًا بصدقة، أم ًا‬
       ‫ال ت‬                    ‫ن‬               ‫ن‬
   ‫بمعروف، سعيًا في اإلصالح بين الناس، فذلك ال ّجوى النافعة والّجوى المباركة، وإ ّ فال ّناجي‬
       ‫إل م‬                          ‫َي َّذ ن من ِذ ج ُ ْ‬                                          ‫ل‬
       ‫على اإلثم والعدوان عم ٌ مذموم، قال تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ إ َا تَنَا َيْتم فَالَ تَتَنَاجَوْاْ بِا ِثْ ِ‬
 ‫ذ‬                    ‫بر َالت و َاتق َّ َّذ إ ت َر‬                                        ‫و ُ و وم صي الرس ل و‬
‫َالْعدْ َانِ َ َعْ ِ َةِ َّ ُو ِ َتَنَاجَوْاْ بِالْ ِ ّ و َّقْ َى و َّ ُواْ اللهَ ال ِى ِلَيْهِ ُحْش ُونَ [المجادلة:9]. إ ًا‬
                                                        ‫ف‬                                    ‫ت‬
       ‫فال ّناجي بين االثنين أو أكثر إذا كان هد ُ هذا التناجي أن يأمرَ بالصدقة واإلحسان لعباد اهلل‬
      ‫ل‬                       ‫ن‬                   ‫ح‬                               ‫ر‬
‫ويأم َ بمعروفٍ وينهى عن منكر أو إصال ٍ بين الناس فذاك ال ّجوى المباركة، ثم قال ج ّ وعال:‬
                               ‫م ض الل ِ ْ ن ت ْر ظ م‬                                              ‫وم ي َ‬
  ‫َ َن َفْعلْ ذالِكَ ابْتَغَاء َرْ َاتِ َّه فَسَوفَ ُؤْ ِيهِ أَج ًا عَ ِيمًا، َن يفعل هذه األعمالَ يبتغي بها‬
                     ‫ن‬              ‫ي‬                                    ‫ه‬
        ‫وجهَ اهلل ال يريد بها جا ًا في الدنيا ومكانًا في المجتمع، وأن ُنظَرَ إليه بأ ّه رجل اإلصالح‬
     ‫ن ت ْر ظ م‬                              ‫ل‬                           ‫ن‬      ‫ن‬
   ‫والتوفيق، ال يريد ثناءَ ال ّاس، إ ّما يبتغي بعمله وجهَ اهلل ج ّ جالله، فَسَوْفَ ُؤْ ِيهِ أَج ًا عَ ِي ًا.‬
       ‫كل س‬        ‫ي‬                       ‫ةم‬        ‫ع‬              ‫ح‬                ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، إصال ُك بين المتناز َين صدق ٌ ِنك على نفسك، يقول : (( ُصبح على ِّ ُالمى‬
  ‫م‬       ‫ب‬       ‫َ‬        ‫ت‬                   ‫د‬                        ‫ل‬
‫من الناس صدقة ك ّ يوم تطلع فيه الشمس، تع ِل بين اثنين صدقة، وُعين الرجل في دا ّته فتح ِله‬
 ‫ذ‬                         ‫ي‬                  ‫ر‬      ‫ة‬      ‫ع‬
‫عليها أو ترفع له عليها متا َه صدق ٌ، وأم ٌ بمعروف صدقة، ونه ٌ عن منكر صدقة))(5)[5]. إ ًا‬
                                         ‫وف‬        ‫ر‬                   ‫ة‬       ‫ن‬         ‫ح‬
                           ‫فإصال ُك بين ال ّاس صدق ٌ منك على نفسك، فاح ِص عليها َّقك اهلل للخير.‬
                             ‫ن‬                   ‫د‬                   ‫ن‬                       ‫ي‬
     ‫أ ّها المسلم، كما سبق فال ّزاع يقع بين األفرا ِ وبين الجماعة، وال ّزاع بين الجماعة يسعى ذوو‬
  ‫ح ب هم إ بغ‬                       ‫ل ْ‬           ‫ئ ن من م من‬                   ‫وإ‬                                    ‫ت‬
‫ال ّقى في اإلصالح بينهم، ولذا قال اهلل: َِن طَا ِفَتَا ِ ِ َ الْ ُؤْ ِ ِينَ اقْتَتَُوا فَأَصْلِ ُواْ َيْنَ ُ َا فَِن َ َتْ‬
 ‫لح ب ه ب َ ل‬                      ‫ْ‬      ‫تل الت غ َت ف إل ْ الل ِ إ‬                                  ‫ْد ه عل أل ْ‬
 ‫إِح َا ُمَا ََى ا ُخرَى فَقَا ُِواْ َّ ِى تَبْ ِى ح َّى تَ ِىء َِى أَمرِ َّه فَِن فَاءت فَأَصِْ ُواْ َيْنَ ُمَا ِالْعدْ ِ‬
          ‫و ُ َاتق الل َل ُ‬                     ‫ح ب‬             ‫ٌ‬          ‫وَ ط ِن الل ي ِب م ط ِنم م من‬
        ‫َأقْسِ ُواْ إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُقْسِ ِينَ إَّ َا الْ ُؤْ ِ ُونَ إِخْوَة فَأَصْلِ ُواْ َيْنَ أَخَ َيْكمْ و َّ ُواْ َّهَ لَعَّكمْ‬
     ‫ن‬                                                 ‫هلل‬                          ‫ُ حم‬
     ‫ترْ َ ُونَ [الحجرات:9، 05]، فأمر ا ُ باإلصالح بين جماعة المسلمين، وأرشدنا إلى أن يكو َ‬
                             ‫َ‬         ‫ح‬                          ‫م‬                   ‫ح‬
      ‫صل ُنا صلحَ عدلٍ ال ظل َ وال جور، فال يقصِد المصل ُ بصلحه نفع فئة واإلضرارَ باألخرى،‬
                        ‫ب والت‬                ‫ن‬                ‫فيوف‬                 ‫ن‬
        ‫وإ ّما يعدل في إصالحه، ِّق بينَ وجهات ال ّظر، ويحاول التقري َ َّسديد ما وجد لذلك‬
       ‫ج ء‬     ‫ي‬                       ‫م د‬         ‫تحم‬      ‫ي‬
   ‫سبيال، وألجل هذا جازَ أن ُعطى من َّل في ذ ّته ُيونًا ألجل اإلصالح، أن ُعطى ُز ًا من‬
                   ‫و رم‬                              ‫ال ّكاة، ففي تفسير قول اهلل ج ّ وعال في المستحق‬
                ‫ِّين لها ـ أي: الزكاة ـ: َالْغَا ِ ِينَ‬              ‫ل‬                          ‫ز‬
       ‫ن‬      ‫تحم‬                    ‫م‬
      ‫[التوبة:06]، قال العلماء: "الغارمون على قسمين: غار ٌ لمصلحة نفسه، وهو من َّل ديو ًا‬
                 ‫م تحم‬      ‫ي‬                   ‫ي‬       ‫ي‬                          ‫ة‬
         ‫لمصلح ِ نفسه، فعجز عن تسديدها، ف ُباح أن ُعطى من الزكاة، ثان ًا: غار ٌ َّل لمصلحة‬
‫ة‬          ‫غني ن‬              ‫م‬       ‫ر‬       ‫م ز‬         ‫ي‬
‫اآلخرين، لإلصالح بين اآلخرين، ف ُعطَى ِن ال ّكاة قد َ ما تح ّل ولو كان ًّا؛ أل ّ تلك مصلح ٌ‬
   ‫ِّدة، فإذا َّل َمَالة في ذ ّته جاز أن يأخ َ‬
   ‫ذ‬              ‫م‬           ‫تحم ح‬                                    ‫ح‬                   ‫م‬
                                            ‫عا ّة للمسلمين، أن يصل َ بين القبائل والفئات المتعد‬
                                                                       ‫ت‬                          ‫َ‬
                                                                  ‫من الزكاة مقدار ما دفع ألجلِ اإلصالح وال ّوفيق.‬
   ‫م ب له نش ز‬            ‫وإ ْر ة خ‬                       ‫ز‬        ‫ن ح‬        ‫ب‬                      ‫ي‬
  ‫أ ّها المسلم، وقد أمرنا رّنا أن ُصل َ بين ال ّوجين إذا تنازعا: َِنِ ام َأَ ٌ َافَتْ ِن َعِْ َا ُ ُو ًا‬
        ‫وإ‬                     ‫َالص ح ْر‬           ‫ب ه ص‬               ‫ج ع هم أ ي‬                     ‫إ ْر ض‬
      ‫أَوْ ِع َا ًا فَالَ ُنَاْحَ َلَيْ ِ َا َن ُصْلِحَا َيْنَ ُمَا ُلْحًا و ُّلْ ُ خَي ٌ [النساء:875]، وقال: َِنْ‬
          ‫يوف الله ب هم‬                  ‫ت ش ب نهم عث ح م ل ح م ل إ ُر د إ‬
         ‫خِفْ ُمْ ِقَاقَ َيْ ِ ِ َا فَابْ َ ُواْ َكَمًا ّنْ أَهِْهِ وَ َكَمًا ّنْ أَهِْهَا ِن ي ِي َا ِصْلَاحًا ُ َ ّقِ َّ ُ َيْنَ ُ َا‬
                 ‫ل ر‬               ‫ل‬                                ‫ح‬          ‫ذ‬
    ‫[النساء:13]. إ ًا فاإلصال ُ بين الزوجين يقوم به األهلون أه ُ المرأة وأه ُ ال ّجل، يسعَون في‬
                           ‫ع‬         ‫ن‬
    ‫اإلصالح بين الزوجين، وينظرون في أسباب الخالف وال ّزاع، فيس َون في اإلصالح بينهما ما‬
                      ‫ُ‬         ‫ي‬       ‫ص‬               ‫كل‬          ‫ر‬
       ‫أمكن ذلك، فهو خي ٌ من وقوفِ ٍّ مع صاحبه، وتع ّبه لرأ ِه، هذا غير مطلوب، المطلوب‬
                                             ‫ة‬                                    ‫ح‬
  ‫اإلصال ُ بين الزوجين والتوفيق بينهما ومحاول ُ إزالةِ أسباب النزاع ووعظهما، وتذكيرهما حتى‬
                                                                                                     ‫ق‬
                                                                                  ‫يرجعا إلى الح ّ ويعودا إلى الصواب.‬
         ‫ب‬                       ‫د‬              ‫أ ّها المسلم، نزا ٌ يقع أحيا ًا بين َّحم، إذا استمر‬
       ‫َّ ذلك النزاع أ ّى إلى قطيعةِ األرحام و ُعد‬           ‫الر‬     ‫ن‬          ‫ع‬               ‫ي‬
            ‫ر‬                 ‫ن‬                          ‫ص‬
‫بعضهم عن بعض، والشيطان حري ٌ على هذا األمر العظيم؛ أل ّ قطيعةَ الرحم أم ٌ يسخطه اهلل،‬
       ‫َّذ ع ُم الل ُ َمه‬                            ‫ت ِد ْ ف َ ْ وت طع َ م ُ‬                        ‫َ عس ُ إ َل ُ‬
     ‫فَهلْ َ َيْتمْ ِن تَوَّيْتمْ أَن ُفْس ُوا ِى األرضِ َ ُقَ ّ ُواْ أرْحَا َكمْ أَوْلَئِكَ ال ِينَ لَ َنَه ُ َّه فَأَص َّ ُمْ‬
                                                                                                       ‫و م ص ه‬
                                                                                      ‫َأَعْ َى أَبْ َارَ ُمْ [محمد:77، 37].‬
  ‫ر ويوف‬                   ‫ش‬        ‫ة ن‬                      ‫ر‬                    ‫م‬         ‫ذ‬
 ‫إ ًا فالمسل ُ يسعى بين أفرادِ ال ّحم عندها يبدو ظاهر ُ ال ّزاع وال ّقاق، فيصلح بين ال ّحم، ِّق‬
          ‫ّحم‬       ‫ص‬                                                 ‫ر‬            ‫بينهم، ويذك‬
    ‫ِّرهم صلةَ ال ّحم وما لها عند اهلل من الثواب، ويأمر الجميعَ بال ّبر والت ُّل وعدم‬
                ‫ر‬                ‫فيحذ‬          ‫د‬                  ‫ي‬         ‫ن‬          ‫ل‬
       ‫الّجوج في ال ّزاع وال سّما في األمور الما ّية التافهة، ِّرهم من قطيعة ال ّحم، ويسعى‬
                                                   ‫ال‬                          ‫بالتوفيق، ويقر‬
                                                  ‫ِّب بينهم ما استطاع لذلك سبي ً.‬
                                                       ‫ق‬
     ‫أخي المسلم، فقد يكون بين اإلخوة أش ّاء أو نحوه نزاع، وقد يكون بين األب وأبنائه إلى غير‬
         ‫ي‬                          ‫ذلك، فذو الّقى يصلح ِّق ويرش ُ إلى ِلة الرحم، ويحذ‬
    ‫ِّر من القطيعة ونتائجها الس ّئة في‬            ‫ص‬     ‫ِد‬      ‫ويوف‬      ‫ت‬
                                                                                  ‫الدنيا واآلخرة.‬
                  ‫و‬                                                                      ‫ي‬
‫أ ّها المسلم، واألخوان المسلمان قد يختصمان ولو كانا بعيدَي الرحم، لكن أخ ّة اإلسالم تجمعهما،‬
              ‫ل‬         ‫ي‬           ‫لق‬       ‫ن‬
‫فالمسلم يسعى في اإلصالح ما استطاع لذلك، فإ ّ هذا خُ ٌ حميد، ونب ّنا كان يصِح بين الجماعات‬
                                            ‫ُّ ًّ على الخير والصبر والتحم‬
                                          ‫ُّل.‬                      ‫وبين األفراد، ويحث كال‬
   ‫ل‬     ‫ة‬            ‫خل‬         ‫ي‬         ‫م‬                             ‫إن‬           ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، َّ سعيك في اإلصالح بين المتخاص َين وال س ّما الرحم ُُق كريم وصدق ٌ وعم ٌ‬
         ‫ص‬                                  ‫أنب‬                 ‫د‬
      ‫صالح، في حديث أبي ال ّرداء يقول : ((أال ِّئكم بما هو أفضل من درجة الصوم وال ّدقة‬
               ‫ب‬               ‫ّ‬               ‫ح‬                                            ‫ص‬
 ‫وال ّالة؟)) قالوا: بلى يا رسول اهلل، قال: ((إصال ُ ذاتِ البين، فإن فسادَ ذاتِ ال َين هي الحالقة،‬
      ‫ة‬                                ‫ذ‬
      ‫ال أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين))(7)[7]. إ ًا فالساعون في اإلصالح هم في صدق ٍ‬
                                                       ‫ل‬                               ‫م‬
              ‫وع َل صالح في أقوالهم وأعمالهم إن عِم اهلل منهم حسنَ النية وإخالصَ العمل هلل.‬
                   ‫أ ّها المسلم، ول ّا كان اإلصالح عمالً صالحًا يح ّه اهلل أباح لنا نبّنا أن نتوس‬
      ‫َّل بالكذب ألجل‬        ‫ي‬                  ‫ب‬                              ‫م‬              ‫ي‬
      ‫ر‬     ‫م‬                  ‫ي‬      ‫ذب‬                  ‫صح‬
  ‫اإلصالحِ بين الناس، فيقول فيما َّ عنه: ((ليس الك ّا ُ الذي ُصلح بين الناس فين ِي خي ًا أو‬
             ‫ع‬                                   ‫ك‬           ‫ذ‬
  ‫يقول خيرا))(3)[3]، فليس هذا بك ّاب إذا كذب ِذبةً يريد بها اإلصالحَ بين المتناز َين وال سيما‬
                        ‫ي‬       ‫ن‬                                      ‫حب‬               ‫ر‬
‫ال ّحم، ويذكر لهذا َّ هذا له ومواالته له، وكراهيته لذلك ال ّزاع، و ُلقي على اآلخر كذلك، فتلك‬
              ‫ي‬             ‫ظ‬                ‫ُ‬             ‫ل ي‬           ‫ة‬            ‫ك‬
    ‫ِذبة في مصلح ٍ وألجل عم ٍ طّب، فأبيح الكذب في ذلك، وفي لف ٍ تقول الصحاب ّة: لم أسمع‬
‫َّ ِّص في شيء م ّا يقوله ال ّاس إال في ثالث ٍ: في الحرب، واإلصالح بين الناس، وحدي ِ‬
‫ث‬                                     ‫ة‬               ‫ن‬           ‫م‬           ‫النبي يرخ‬
         ‫لم ش‬                                        ‫ذ‬            ‫ج‬
 ‫الرجل امرأتَه والمرأة زو َها(1)[1]. إ ًا ـ أخي ـ فلو كذبتَ لمصلحةٍ تريد بها َّ ال ّعث، تريد‬
       ‫ل‬             ‫ذ‬        ‫ح‬      ‫ن‬        ‫د ن‬                                    ‫ب‬
       ‫بها تقري َ وجهة النظر، تريد بها استئصالَ َاء ال ّزاع، فإ ّه مبا ٌ لك الك ِب في ذلك ألج ِ‬
                                                     ‫ب‬
                          ‫الوصول إلى الغاية وهي إصالح ذات ال َين والتوفيق بين المتخاصمين.‬
‫ء‬                          ‫ي‬                   ‫أخي المسلم، إن شريعةَ اإلسالم جاءت بالحث‬
‫ِّ على اإلصالح وال س ّما في جانب القضاء، فالقضا ُ‬                        ‫ّ‬
                      ‫م‬                               ‫بين ذوي ال ّحم َسلك فيه القاضي الموف‬
  ‫َّق الطريقةَ السليمة، فيجعل الرح َ متواصلين وال يجعلهم‬                  ‫ر ي‬
                     ‫ص‬                                        ‫متقاطعين، يجعلهم متحاب‬
      ‫ِّين وال يجعلهم متباغضين، يسعى في رأبِ ال ّدع، يسعى في جمع‬
                          ‫ال‬                    ‫ت‬             ‫ف‬
  ‫الكلِمة، يسعى في وحدةِ الص ّ، يسعى في ال ّوفيق ما وجد لذلك سبي ً، ولذا كتب أمير المؤمنين‬
                       ‫ج‬              ‫ي‬
    ‫عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه إلى أبي موسى األشعر ّ يقول له: (أر ِئوا فصلَ النزاع بين‬
             ‫ب‬                                                          ‫ّ‬
  ‫المتخاصمَين؛ فإن فصلَ القضاء يوجب الضغائنَ بينهما)(1)[1]، فإذا حكمتَ لقري ٍ على قريبه،‬
         ‫ء‬                  ‫ر‬                                ‫ات‬      ‫ب‬        ‫ج‬           ‫د‬
         ‫وأ َنتَ هذا ور ّحتَ جان َ هذا، َّخذ موقفًا قاسيًا من أخيه، واستم ّت العداوة والبغضا ُ‬
               ‫م ن‬                 ‫ر‬         ‫ر‬
‫والقطيعة، لكن إذا أرجأتَ الفصلَ بينهما وحاولتَ م ّةً بعد م ّة عسى أن يسأ َا ال ّزاع، ويعودا إلى‬
                                            ‫م‬                    ‫د‬              ‫ب‬         ‫ر‬
                                          ‫ال ّشد والمح ّة، فذاك المقص ُ األسمى من هذه المه ّة.‬
          ‫س وكل‬        ‫وكل ي‬          ‫ن‬      ‫ق‬                    ‫ج‬                  ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، فال تع َز عن اإلصالح، وال ت ُل: ال ّاس وشأنهم، ٌّ ُصلح نف َه، ٌّ يدافع عن‬
      ‫ل‬                                     ‫د ض‬                                       ‫ق‬
     ‫ح ّه. ال، بل المؤمن للمؤمن كالبنيان يش ّ بع ُهم إزرَ بعض، ويواسي بعضهم بعضًا، ويتأّم‬
                                                                             ‫بعضهم أللم البعض.‬
                   ‫ه‬          ‫ي مم ُف‬                               ‫ب‬
   ‫أسأل اهلل أن يصلحَ القلو َ واألعمال، وأن يجعلنا وإ ّاكم َّن و ِّق للخير و ُدي سبيلَ الرشاد.‬
  ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه‬
                                                              ‫وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                            ‫ب ب‬                      ‫د ر يب‬
  ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا مباركًا فيه كما يح ّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
 ‫م ر‬            ‫ل‬                                               ‫ن ّد‬
‫شريك له، وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                   ‫إلى يوم الدين.‬
                                                     ‫حق‬               ‫ت‬           ‫ي‬             ‫م‬
                                             ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها الناس، اّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
  ‫م‬                         ‫رب‬                      ‫ة‬        ‫ن‬
 ‫عباد اهلل، في يومِ القيامة تكو ُ الخصوم ُ بين الغرماء بين يدَي ِّ العالمين، في الحديث: (( َن‬
                      ‫د‬                                       ‫كان ل ُ عند أخيه مظلمة فليتحل‬
  ‫َّل منه اليومَ قبل أن ال يكونَ دينار وال ِرهم، إن يكن له حسنات‬                    ‫ه‬
           ‫م‬           ‫ط‬          ‫ي م‬          ‫ٌ خ‬                       ‫ت‬
   ‫أخِذ من حسنا ِه، وإن لم يكن له حسنات أ ِذ من س ّئات َن ظلمه، ف ُرحت عليه ث ّ طرِح في‬
                                                                                              ‫ن‬
                                                                                   ‫ال ّار))(6)[5].‬
                          ‫م‬              ‫ل‬          ‫ن‬            ‫ل‬      ‫ك رب‬         ‫م‬
   ‫و ِن كمال َرم ِّنا وفضِه وإحسانه أ ّه تعالى يصِح بين المتخاص َين في ذلك اليوم العظيم،‬
                                          ‫د‬            ‫ر‬            ‫و‬      ‫م ت‬
                                        ‫فيرضي المظلو َ ح ّى يعف َ عن ظالمه ك َمًا منه وجو ًا.‬
                                                        ‫ح‬                 ‫ي س‬
‫بينما النب ّ جال ٌ بين أصحابه إذ ض ِك، فسأله عمر عن ذلك، فقال: ((في يومِ القيامةِ يجثو اثنان‬
       ‫ظ‬            ‫ل‬              ‫م‬      ‫رب خ‬                            ‫م‬
‫بين يدَي اهلل: ظال ٌ ومظلوم، فيقول المظلوم: يا ِّ، ُذ مظل َتي من هذا الظاِم، فيقول ال ّالم: يا‬
        ‫د‬                                                                            ‫رب‬
     ‫ِّ، وأين هو وقد ذهبت الدنيا بأسرها؟! ـ أين أعطيه؟ ليس عندي ما أرضيه اليوم، ال ّنيا‬
  ‫س‬                                          ‫ُصر‬
‫انقضت ونحن في ذلك الموقف العظيم ـ، في ُّ المظلوم على طلبه، فيقول اهلل له: ارفع رأ َك،‬
     ‫ل‬                        ‫ب‬                       ‫ه موش‬      ‫ر‬           ‫س‬
    ‫فيرفع رأ َه، فإذا قص ٌ من ذ َب َّح باللؤلؤ، فيقول: يا ر ّ، لمن هذا القصر؟ قال: تمِك‬
    ‫خ‬           ‫خ‬           ‫ت‬         ‫ب‬                                  ‫ن‬               ‫ن‬
  ‫ثم َه، قال: وما ثم ُه؟ قال: تعفو عن ظالمِك، قال: يا ر ّ، قد عفو ُ عنه، قال: ُذ بيده فاد ُال‬
                                                                    ‫ب‬                     ‫ن‬
                                                          ‫الج ّة))(2)[7]، فضالً من رّنا وكرمًا.‬
‫إ ًا فيا أخي، اسعَ في اإلصالح، ويا أ ّها المسلم، ِن في يدِ إخوا ِك، وتداركِ األمور، وال تستق ِ‬
‫ص‬                            ‫ن‬              ‫ل‬           ‫ي‬                                  ‫ذ‬
                                        ‫ح م‬            ‫َف‬                               ‫كل‬
    ‫َّ األشياء، ففي اإلصالحِ خير، وك ٌّ للنزاع، و َس ٌ الستمرار القطيعة بين المسلمين، هكذا‬
                                                                                 ‫فليكن المسلمون.‬
                                                   ‫ب‬       ‫لكل‬
                                     ‫أسأل اهلل للجميع التوفيق والسدادَ ِّ ما يح ّه اهلل ويرضاه.‬
         ‫ر‬       ‫م‬                                           ‫ن‬
  ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أ ّ أحسنَ الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي مح ّد ، وش ّ األمور‬
  ‫محدثاتها، وك ّ بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإ ّ يد اهلل على الجماعة، ومن ش ّ ش ّ‬
  ‫ذ ذ‬                              ‫ن‬                                        ‫ل‬
                                                                                                   ‫في النار.‬
  ‫ِن الله وم ئ ه يصل ن‬                           ‫ب‬                  ‫م‬                         ‫ل‬
  ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على مح ّد كما أمركم بذلك رّكم قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُ َُّو َ‬
                                          ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫عل النبى َي َّذ ن من‬
                        ‫ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
               ‫ر‬              ‫م‬              ‫م‬                           ‫اللهم صل وسل‬
       ‫َّ ِّ ِّم وبارك على عبدك ورسولك مح ّد، وارضَ الله ّ عن خلفائه ال ّاشدين...‬


                                                                                          ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه البخاري في الجهاد (5987، 9897)، ومسلم في الزكاة (9005) من حديث أبي‬
                            ‫ي‬                  ‫ر‬
 ‫هريرة رضي اهلل عنه وليس فيه ((وأم ٌ بمعروف صدقة، ونه ٌ عن منكر صدقة))، وهذا الجزء‬
                   ‫أخرجه مسلم في صالة المسافرين (072) من حديث أبي ذر رضي اهلل عنه.‬
       ‫(7) أخرجه أحمد (6/111)، وأبو داود في األدب، باب: في إصالح ذات البين (9591)،‬
      ‫والترمذي في صفة القيامة (9017) من حديث أبي الدرداء رضي اهلل عنه، وقال الترمذي:‬
    ‫"حديث صحيح"، وصححه ابن حبان (7901)، والبزار كما في نصب الراية (1/113)، وابن‬
 ‫حجر كما في فيض القدير (3/605)، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه األلباني على شرط‬
                                                                 ‫الشيخين، انظر: غاية المرام (151).‬
‫(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (7967)، ومسلم‬
‫في كتاب البر والصلة واآلداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه (1067) من حديث أم كلثوم‬
                                                                              ‫بنت عقبة رضي اهلل عنها.‬
 ‫(1) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة واآلداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه (1067)‬
                                                              ‫عن أم كلثوم بنت عقبة رضي اهلل عنها.‬
 ‫(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/303)، وابن أبي شيبة (1/131) بلفظ: (ردوا الخصوم‬
                                        ‫حتى يصطلحوا)، وضعفه ابن حزم في المحلى (8/165).‬
           ‫(6) أخرجه البخاري في المظالم (9117) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه بنحوه.‬
    ‫(2) أخرجه الحاكم (8528) من حديث أنس رضي اهلل عنه بنحوه، وقال: "هذا حديث صحيح‬
      ‫اإلسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "عباد ضعيف، وشيخه ال يعرف"، وضعفه األلباني في‬
                                                                ‫ضعيف الترغيب والترهيب (9615).‬

‫(5/2587)‬
                                                                                 ‫دعوة للتواضع‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫مكارم األخالق‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                        ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                   ‫85/1/1715‬
                                                                                 ‫المسجد الحرام‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
                                                     ‫ر‬
   ‫5- الحياة المادية اجتالت كثي ًا من األخالق. 7- ضرورة التواضع. 3- فضل التواضع. 1-‬
 ‫آفات الكبر. 1- تواضع النبي وأصحابه. 6- حسن اللباس ليس في الكبر. 2- التواضع المحمود‬
                                                                             ‫والتواضع المذموم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
     ‫ِّرة بر َت وبصورةٍ جل ّة آليا ٌ مستجد‬
    ‫َّة‬    ‫ت‬       ‫ي‬             ‫ز‬                         ‫خ َم‬        ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                        ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، في ِض ِّ هذه العصورِ المتأخ‬
     ‫ن‬                     ‫ي‬                                             ‫يت د‬
    ‫وإحداث ّا ٌ خ َمت معظمَ بقاع األرض في تغطيةِ حاجياتها وتحسينّاتها، حتى أصبحت طوفا ًا‬
                            ‫ف‬       ‫ي‬                  ‫ن فج‬       ‫فوه‬      ‫ِر‬               ‫د‬
  ‫ما ّيًا جارفًا منحد ًا من َّ َة بركا ٍ َّرته الحضارة الماد ّة الجا ّة، والتي اجتالت على حسابها‬
                          ‫د‬                     ‫ت‬        ‫أن‬      ‫ة‬                     ‫ر‬
 ‫كثي ًا من المعايير الفاضل ِ، كما َّ حمأة الّنافس على اكتساب مستج ّات هذه الحياة ال ينبغي أن‬
                ‫م حق‬                              ‫ي‬                                 ‫ز‬
    ‫تكونَ حاج ًا مانعًا عن بقاء المبادئ اإلنسان ّة الشريفة، والتي رعاها اإلسال ُ َّ رعايتها، بل‬
                              ‫د‬               ‫ات‬           ‫ل ن‬
                ‫وطالب بها ودعا إليها في ك ّ حي ٍ وآن، مهما َّسع الناس في ما ّيتهم أو ضاقوا.‬
     ‫ي ي ُ فرط‬                           ‫ن ر‬                       ‫م‬                  ‫أشد ض‬
   ‫ما َّه م َضًا ما تعانيه األ ّة المسلمة اليوم، إ ّ كثي ًا من موروثاتها الروح ّة ل َذهب ُ ُ ًا،‬
          ‫ي‬         ‫ن‬                     ‫م‬         ‫ن‬               ‫ن‬                      ‫ن‬
     ‫وإ ّ الغفلة قد بلغت من ال ّاس مبلغَ من يظ ّ أنه مسر َد في هذه الحياة، وكأ ّ رحى األ ّام لن‬
    ‫ةم‬             ‫ر‬
   ‫تدورَ عليه يومًا ما، مما أبرز الصدرَ الوحر واللسانَ المذِق، والذي على إث ِه تندرس جمل ٌ ِن‬
        ‫ص‬              ‫د‬          ‫ي‬                        ‫ي‬         ‫ش‬
  ‫معاني األخالق ال ّريفة كما ُدرَس وشْي الثوب، حتى ال ُدرى ما زه ٌ وال رحمة وال ِلة وال‬
                       ‫ت‬                  ‫ّذ‬                  ‫ح‬
        ‫تواضع وال لين، بل لقد أصب َت مفاهيم بعضِ الس َّج من الناس تجاه الّعامل مع اآلخرين‬
     ‫تعش‬      ‫تتغد‬               ‫ي‬                            ‫ب‬
‫ومعاشرتهم: إن لم تكن ذئ ًا أكلتك الذئاب، وإن لم تجهل ُجهل عليك، وإن لم َّ بزيدٍ َّى بك.‬
                        ‫ة‬                                  ‫ي‬                  ‫ن‬       ‫ثم َ ز‬
  ‫ُ ّة َعموا أ ّ الفلسفةَ األخالق ّة العظمى عندهم هي في انطالق النظر ِ لآلخَرين من زاوية: كم‬
       ‫ي‬                              ‫س‬                        ‫ن ّ‬         ‫ز‬
      ‫تملك؟ وما مرك ُك؟ ويرو َ أن في ذلك غنية وضمانًا لل ّالم والرخاء، وعِوضًا عن الترب ّة‬
    ‫ع‬            ‫ر‬       ‫الس‬              ‫خ‬                       ‫ي ن‬               ‫ت‬
   ‫وال ّهذيب الروح ّ، وأ ّ ما عداها فهي سجايَا و ِصال أكلت عليها ِّنون وش ِبت، هكذا يز ُم‬
  ‫ر‬                   ‫َر م‬               ‫ي‬                      ‫أث‬
‫جفاة األخالقِ الحميدة الذين َّرت فيهم المعاني النفس ّة التي تعلو بع َض ِن الدنيا وتهبِط بع َض،‬
                                  ‫ب‬           ‫يرم‬      ‫ي ن‬                             ‫وأن أي‬
         ‫َّ َّ خللٍ في الحياة االعتياد ّة فإ ّ المال ِّمها، والحس َ والجاه يرأب الصدعَ فيها.‬
             ‫ن‬                 ‫َ‬                        ‫ل أن و حق‬                  ‫ن‬
   ‫أما إ ّه لو أدرك المسِم َّ أ ّل ٍّ عليه للمسلمين هو أن يحمل في نفسه معنى ال ّاس ال معنى‬
         ‫َ س‬                                ‫ي‬                                    ‫ت ع ن‬
        ‫ذا ِه لَ ِلم أ ّ من فاق الناس بنفسه الكبيرة دونَ تم ّز كانت عظمته حقيقةً في أن يفوق نف َه‬
              ‫ر‬             ‫ب‬                                               ‫الكبيرة، متخط‬
  ‫ِّيًا ما فيها من طمع وجشعٍ وكبرياء، وبمثل هذا يص ِح الناس أحرا ًا متى حكمتهم‬
                                             ‫ظل‬              ‫معاني َّع ِ وال ّواضع والتواد‬
                             ‫ِّ والتعاطف تحت ِّ اإلسالم الوارف.‬          ‫الد ة ت‬
        ‫ر‬                               ‫ن‬      ‫ض‬                                     ‫م‬
    ‫وأ ّا المركز والمال والجاه فإنما هي عوار ُ سرعا َ ما تزول بعد ما كانت رسمًا ظاه ًا ال‬
               ‫ْ‬     ‫َم الز َ ُ ي هب ج وَم ي ع الن َ ي ك ُ ف‬                                        ‫يمس‬
 ‫ُّ بواطن القلوب, فَأ َّا َّبد فَ َذْ َ ُ ُفَاء َأ َّا مَا َنفَ ُ َّاس فَ َمْ ُث ِى األرضِ [الرعد:25].‬
              ‫ف‬                                ‫ن‬                          ‫ب‬       ‫ب‬
     ‫كتب وه ُ بن من ّه إلى مكحول: "أما بعد: فإ ّك قد أصبتَ بظاهرك عندَ الناس شر ًا ومنزلة،‬
                                         ‫ّ‬            ‫ز‬
     ‫فاطلب بباطن عملِك عند اهلل منزلةً و ُلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تنازع األخرى"(5)[5].‬
       ‫ت ل‬             ‫ي‬                  ‫س‬                     ‫يت‬                ‫كل‬
       ‫بمثلِ هذا ِّه ـ عباد اهلل ـ َّصل ما بين العظيم وال ّوقة، وما بين الغن ّ والفقير، اّصا َ‬
                                  ‫ح‬      ‫د‬         ‫د‬              ‫د‬          ‫ل‬
  ‫التواضع في ك ّ شيء، بعي ًا عن معاني ال ّينار وال ّرهم و ِماهما، حتى يكونوا كالجسد الواحد،‬
                                        ‫م‬        ‫س‬                         ‫و‬
                                      ‫إذا اشتكى منه عض ٌ تداعى له سائر الجسد بال ّهر والح ّى.‬
       ‫ِ‬
       ‫م‬                      ‫أس‬      ‫أ ّها المسلمون، التواض ُ بين المسلمين خصل ٌ مرجو‬
    ‫َّة، هي ٌّ في خلقِ المجتمعات، و ِقبض‬   ‫ة‬                  ‫ع‬                    ‫ي‬
                      ‫م‬         ‫ف‬        ‫د‬                 ‫مواد‬             ‫ت‬       ‫ح‬
  ‫رحى ُسنِ االّصال بينهم، لها ٌّ من الحكمة وأضدا ٌ من خال ِها، بتما ِها وصفائها يميز اهلل‬
                                          ‫ِّ المجخ‬
                              ‫ِّي كما الكوز.‬                                ‫ي‬
                                                ‫الخبيثَ من الطّب، واألبيض من األسود المرباد‬
                                       ‫إ ّه ال ب ّ أن يكونَ للتواضع بين ظهرانينا محل ي‬
‫ٌّ طر ّ لين، لم تستحكمه الشهوات وال المصانعات،‬                             ‫د‬       ‫ن‬
                    ‫تفر‬                                  ‫ل ح‬        ‫يش‬            ‫ٌّ ي َش‬
‫محل ُه ُّ أمامه و ُبَ ّ، مح ّ يو ِي إلى المجتمع أنهم ليسوا غرباء ولو َّقت نواحيهم، وإال كان‬
                 ‫تواض ًا مفقو ًا في تيهِ العقل الما ّي الذي اكتسى فاق ُه ثياب كبر مد ّر ً، ال يهش‬
   ‫ُّ له الناظر، بل‬      ‫م ة‬         ‫َ‬     ‫د‬                 ‫د‬                     ‫د‬       ‫ع‬
     ‫ر‬       ‫ش‬                          ‫ض‬        ‫ي‬                                   ‫تغض‬
     ‫ُّ منه العيون، وتنبو عنه األفئدة الح ّة، وينف ّ الناس من حوله، وحينئذ يك ِف مضما ُ‬
                                                                  ‫د‬
  ‫المجتمع عن الستار المس َل في صراع األخالق المحموم بين طغيان األنَفَة وطوفان اإلعوازِ إلى‬
                                                                                             ‫التواضع.‬
         ‫س‬                                                                ‫د‬               ‫ن‬
        ‫إ ّه ال ينبغي ألح ٍ من المسلمين أن يمتنعَ عن التواضع أو يجبنَ عن تحقيقه؛ إذ به تكت َب‬
                                                                  ‫ي‬            ‫ر‬
    ‫السالمة، وتو َث األلفة، و ُرفَع الحِقد، ويشعر الجميع بحقوقِهم تجاهَ غيرهم، والعكس بالعكس.‬
                                    ‫ن‬         ‫ف‬       ‫ٌ‬                            ‫ن‬
 ‫أال فإ ّ تواضعَ الشريفِ إنما هو زيادة في شر ِه، كما أ ّ تكبر الوضيع إنما هو زيادة في ضعته،‬
                           ‫يزك‬                                     ‫يكل‬
          ‫كالعائل المستكبر الذي ال ِّمه اهلل يوم القيامة وال ينظر إليه وال ِّيه وله عذاب أليم.‬
                  ‫ً ذ‬            ‫ر‬        ‫ذ‬             ‫خ‬
    ‫فيا سبحانَ اهلل، كيف ال يتواضَع من ُلق من نطفة م ِرة، وآخ ُه يعود جيفة ق ِرة، وهو بينهما‬
                                                                                     ‫ذ َ أجل‬
                                                                            ‫يحمل الع ِرة َّكم اهلل؟!‬
    ‫ة‬          ‫د‬        ‫كل‬
    ‫إ ّه لو لم يكن في ال ّواضع خصلة ُحمد إال أ ّ المر َ َّما ك ُر تواضعه َّما ازدا َ بذلك رفع ً‬
                                   ‫ء كل ث‬          ‫ن‬          ‫ت‬          ‫ت‬                  ‫ن‬
                                                        ‫يتزي‬      ‫ن‬        ‫ل‬        ‫ج‬
                                                ‫لكان الوا ِب على ك ّ واحد م ّا أن ال َّى بغيره.‬
                      ‫ح‬                                           ‫ّ‬               ‫َر‬
‫وال ج َم عباد اهلل، فإن رسول اهلل يقول: ((ما من امرئ إال وفي رأسه َكَمة ـ يعني كاللجام ـ،‬
       ‫ع‬              ‫َ‬                  ‫حم‬                        ‫ض‬            ‫دم‬         ‫ح‬
       ‫وال َكَمة بي ِ َلَك، إن توا َع قيل للملك: ارفع ال َكَ َة، وإن أراد أن يرفع قيل للملك: ض ِ‬
                                                        ‫ي ز‬                         ‫ح‬
 ‫ال َكَمة)) رواه الطبران ّ والب ّار بسند حسن(7)[7]، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي اهلل‬
                                                  ‫ّ‬       ‫ض د‬                             ‫ن‬
                               ‫عنه أ ّ رسول اهلل قال: ((ما توا َع أح ٌ هلل إال رفعه اهلل))(3)[3].‬
     ‫د‬                 ‫ب‬                                                                ‫د‬
‫فاق ُ التواضع ـ عبادَ اهلل ـ إنما هو امرؤ استعبده الكبر القاتل والعج ُ الغالب، فهو عني ٌ صلت،‬
                                                                      ‫به يخبو قبسه ويكبو فرسه.‬
   ‫م‬                 ‫ن‬                                   ‫ن ع‬                       ‫د ت‬
   ‫فاق ُ ال ّواضع عقله محصود؛ أل ّه ب ُجبه وأنَفَته يرفع الخسيس ويخفِض ال ّفيس، كالبحر الخض ّ‬
        ‫الكف‬                                         ‫ق‬           ‫ر‬
    ‫تسهل فيه الجواهر والد ّ، ويطفو فو َه الخشَاش والحشاش، أو هو كالميزان يرفع إلى َّة ما‬
                                                                                   ‫ف‬
                                                                                 ‫يميل إلى الخِ ّة.‬
  ‫ر‬                    ‫شقي يت‬                                                     ‫د‬
  ‫فاق ُ التواضع ـ عبادَ اهلل ـ عديم اإلحساس بعيد المشاعر، ٌّ ال َّعظ بغيره، غير مستحض ٍ‬
                                                   ‫وأن م‬               ‫ط ل‬                 ‫ن‬
                                ‫أ ّ موطِئه قد و ِئه قبَه آالف األقدام، َّ َن بعده في االنتظار.‬
                 ‫ذل‬                                     ‫أال وإ ّه ما ُئي أ َ ٌ ترك ال ّواضعَ وترف‬
  ‫َّع على من هو دونه إال ابتاله اهلل بال ّّة لمن فوقه، ومن‬        ‫ت‬        ‫ر حد‬          ‫ن‬
                                                                 ‫َن‬
                                                   ‫استطالَ على اإلخوان فال يثق َّ منهم بالصفاء.‬
                                                                                   ‫تكب‬
                                   ‫من َّر فلم يتواضع فقد رمى بثِقله في ثالث خصال مذمومة:‬
                                                     ‫يج‬                ‫ب‬                ‫و‬
                  ‫أ ّلها: أنه ال يتك ّر على أحد حتى ُع َب بنفسه، ويرى لها الفضلَ على غيرها.‬
    ‫ق‬                       ‫ب‬                           ‫ن‬           ‫م‬
   ‫وثانيها: ازدراؤه بالناس ِن حوله، أل ّ من لم يستحقر الناس لم يتك ّر عليهم، وكفى بالمستحْ ِر‬
       ‫ر‬                         ‫س‬                          ‫وأن‬
    ‫لمن أكرمه اهلل باإليمان طغيانًا، َّى للمستكبر أن يستعبد النا َ وقد ولدتهم أمهاتهم أحرا ًا؟!‬
                 ‫د‬        ‫م‬                                  ‫ل‬
    ‫وثالث الخصال: منازعة اهلل ج ّ وعال في صفاته، إذ الكبرياء والعظ َة له وح َه ال شريك له،‬
          ‫د‬                                                 ‫ي‬
   ‫يقول سبحانه في الحديث القدس ّ: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واح ًا منهما‬
                                                                                 ‫ن‬        ‫ت‬
                                                             ‫ألقي ُه في جه ّم)) رواه مسلم(1)[1].‬
                               ‫ع‬                                ‫م‬                ‫ش‬
 ‫أال فليتَ ِعري، ما الذي يح ِل الكثيرين على أن يركنوا إلى ال ُجب واألنفة، وينأَوا بأنفسهم عن‬
          ‫ال ّواضع وخفض الجناح؟! أفيكون السبب في ذلك فِطر ً ُفطر عليها المتكب فيد ج ِل‬
      ‫ِّر، َّعي ِبِّيتها‬           ‫ةي‬                                             ‫ت‬
   ‫خ‬                      ‫إلي‬          ‫ن‬             ‫ن‬           ‫ال‬
  ‫وصعوبةَ الخالص منها؟! ك ّ واهلل، فالّبي يقول: ((إ ّ اهلل أوحي َّ أن تواضعوا حتى ال يف َر‬
                                                                     ‫َ‬
                                      ‫أحد على أحد، وال يبغي أحد على أحد)) رواه مسلم(1)[1].‬
       ‫س‬                        ‫ع ب‬           ‫ُم يسد ث‬                         ‫ة‬          ‫ن‬
‫أم أ ّ ذلك نقيص ٌ يجدها المرء في نفسه، ث َّةَ ُّ ُلمتَها ب ُجْ ٍ وفخر يحتال بهما على نف ِه، ربما‬
                           ‫ت‬                        ‫ش‬
     ‫يكون مثل هذا، ولكن لمن جهل حقيقةَ ال ّرف والرفعة، وأنها في ال ّواضع ال في الفرار منه،‬
                                                          ‫ط‬                     ‫ج سد‬
       ‫بح ّة ِّ النقيصة أو قضاء الو َر، يقول الصديق رضي اهلل تعالى عنه: (وجدنا الكرمَ في‬
                                                             ‫ش‬
                                       ‫التقوى، والغنى في اليقين، وال ّرفَ في التواضع)(6)[6].‬
     ‫ف‬                                     ‫م‬                             ‫ر‬                ‫م‬
    ‫ث ّ إن لم يكن األم ُ ال هذا وال ذاك، فما الذي يح ِل المرءَ على ذلك؟! هل هو الحسد والتش ّي‬
    ‫و‬                               ‫كل‬             ‫ة‬              ‫ة‬                  ‫ب‬
   ‫وح ّ الذات، أم هو سور ٌ كسَورة الخمر ِ تأخذ شاربها َّ مأخذ حتى ينتشي، فإذا انتشى عا َد‬
                                                       ‫خ‬                        ‫م‬
                                         ‫حتى يصير مد ِنًا، فيستوي عنده حال ال ُمار واإلفاقة؟!‬
     ‫د‬                 ‫ٌ‬    ‫ة‬                        ‫س‬                   ‫ن‬             ‫وأي‬
‫ًّا كان ذلك فإ ّ النأيَ عن التواضع ِمة مرذولة وخَصلة مستهجن ٌ ووسم تعلق به نار الح ّادين؛‬
                                                                       ‫ج‬          ‫ّ‬
    ‫ألن عين المع َب بنفسه تنظر من زاوية داكنة، فهي تعمى عن الفضائل، حتى يكون أسرعَ ما‬
                                                      ‫َّب اإليمان من امرئٍ هذه حاله كما يتسر‬
                           ‫َّب السائل من اإلناء المثلوم.‬                                  ‫يتسر‬
              ‫س‬                  ‫م‬          ‫سي‬            ‫ل‬              ‫َ‬     ‫ج‬
     ‫ويا هلل الع َب، كيف ال ينظر أمثا ُ هؤالء إلى ِ َر األسالف ِن قبلهم؟! وعلى رأ ِهم إمامنا‬
        ‫س‬                                                                         ‫ت ي‬
    ‫وقدوُنا س ّد ولد آدم ذو النسب الرفيع والجاهِ الوسيع، فها هو قد نام على الحصير، وابت َم في‬
                        ‫ر‬                                                       ‫هم‬
     ‫وج ِ َن أوجعه، ووقَف إلى جانب امرأةٍ في الطريق تشكو إليه، وش ِب مع أصحابه في إناء‬
                               ‫ك‬            ‫ف‬                         ‫ر ش‬
   ‫واحد وكان آخ َهم ُربًا، كما أكل مع أهل الص ّة، ثم دخل م ّة في الفتح متواضعًا، ومشى في‬
        ‫م‬                         ‫ر‬
 ‫األسواق والناس من حوله، يأكل مما يأكلون منه، ويش َب مما يشربون، بأبي هو وأ ّي صلوات‬
                                                                                           ‫اهلل وسالمه عليه.‬
                 ‫ب‬               ‫وهذا خليف ُه الص ّيق رضي اهلل تعالى عنه كان يحِب ألهل الحي‬
     ‫ِّ أغنامهم، فلما ُويع بالخالفة‬         ‫ل‬                            ‫د‬      ‫ت‬
              ‫قالت جاري ٌ منهم: اآلن ال يحِب لنا منائ َ(2)[2] دارنا، فس ِعها فقال: (بلى، ألحلبن‬
  ‫َّها لكم، وإني‬                    ‫م‬                 ‫ح‬           ‫ل‬                 ‫ة‬
                                                                             ‫ت‬           ‫يغي‬
                                                                 ‫ألرجو أال ِّرني ما دخل ُ فيه)(8)[8].‬
    ‫أ ع‬      ‫د‬         ‫ن‬                   ‫ت‬          ‫ب‬                                      ‫ُّم‬
 ‫ث َّةَ الفاروق، وما أدراكم ما الفاروق، خط َ بعد خالف ِه فقال: (اعلَموا أ ّ تلك الش ّة قد ُض ِفت،‬
                               ‫م ل‬                       ‫ولكّها إنما تكون على أهل الظلم والتعد‬
   ‫ِّي على المسلمين، فأ ّا أه ُ السالمة والدين والقَصد فأنا‬                               ‫ن‬
                               ‫خد‬           ‫شد‬       ‫ن‬            ‫ض‬
   ‫ألين لهم من بع ِهم لبعض، وإ ّني بعد َّتي تلك أضع ِّي على األرض ألهل العفاف وأهل‬
         ‫يترد‬  ‫ف‬                                   ‫ة‬
  ‫الكفاف)(9)[9]، فال إله إال اهلل، أحقيق ٌ ما نسمع أم هو نسج من الخيال؟! أهو ُتون َّد أم هي‬
                                                                   ‫د‬                 ‫ب‬
                                                     ‫حقيقة اكتنفتها قلو ُ من يعرفون ما ال ّنيا وما اهلل؟!‬
            ‫ت‬                    ‫في الت‬                  ‫ن‬        ‫ن‬
    ‫عند الترمذي والحاكم أ ّ جبير ب َ مطعم قال: تقولون: َّ ِّيه(05)[05]، وقد ركب ُ الحمار،‬
                 ‫م‬               ‫ع‬                                                    ‫ت‬
          ‫ولبس ُ الشملة، وقد حلبت الشاة، وقد قال رسول اهلل : ((من ف َل هذا فليس فيه ِن الكبر‬
                                                                                           ‫شيء))(55)[55].‬
                                           ‫ه‬                 ‫ج‬                      ‫أال فليتنب‬
‫َّه لذلك المغرورون المع َبون بأنفسِهم وجا ِهم في حينِ إنهم بادو الكبرياء كالحو الوجوه،‬
                             ‫ت‬                   ‫ن‬                 ‫يغتر ن‬                 ‫م‬
 ‫و َن هذه حاله فال َّ بكو ِه يملك ألفًا، فإ ّ عليه من الحقوق والّبعات ما قد يزيد على األلفين.‬
 ‫ِ س‬                    ‫ن‬      ‫يؤخ‬            ‫يقد‬                           ‫نح‬
 ‫أال وإ ّ ُسنَ الصورة وجمالَ المظهر ال ِّم في ذلك وال ِّر، فإ ّ جمال الوجه في قبح نف ٍ‬
                                                                                  ‫كقنديلٍ على قبر مجوسي.‬
                                               ‫ر‬                            ‫ن ن‬
                                         ‫وهل ينفع الفتيا َ حس ُ وجوههم إذا كانت أخالقهم غي َ حِسان‬
‫س‬                ‫ِل‬                                     ‫ن‬       ‫تبي‬                    ‫ي‬
‫ومن قا َس بين الجمال والفعال َّن له أ ّ المالحة بالقباحة ال تفي بالمقصود، فلَّه ماذا يعني لبا ُ‬
  ‫س تُ‬         ‫بن َ َ َ ز ع ك ل س ي‬
‫المظهر إذا كان المخبر عاريًا باديةً للناس سوأته؟! يَا َ ِى آدم قدْ أَن َلْنَا َلَيْ ُمْ ِبَا ًا ُوارِى َوْء ِكمْ‬
                                                                       ‫ْر‬            ‫َر ش ولب س الت و‬
                                                         ‫و ِي ًا َِ َا ُ َّقْ َى ذالِكَ خَي ٌ [األعراف:67].‬
  ‫ي‬                               ‫َّ َن س َّ بأنَفَته فليعلمْ أ ّ الجمل ُّ كب ًا منه، بل وأشد‬
  ‫ُّ منه ذلكم الطاووس الذي يمشي مش َ‬            ‫أشد ر‬         ‫ن‬                    ‫إن م ُر‬
       ‫ح فأي‬                                   ‫ق‬               ‫الم ِح المختال، يتصف ب‬
   ‫َّح ذنَ َه وجناحيه فيقه ِه ضاحكًا لجمال سرباله وأصابيغ وشا ِه، ُّ فخر‬        ‫ر‬
                                                         ‫متقد‬                          ‫ٍ‬    ‫ي‬
                                                ‫وأ ّ سرور فيما تكون فيه صورة البهائم ِّمة عليه؟!‬
                                                  ‫سن‬              ‫م‬
  ‫فينبغي للعاقل إذا رأى َن هو أكبر منه ًّا تواضعَ له وقال: سبقني إلى اإلسالم، وإذا رأى من‬
‫ِرن‬                 ‫عد خ‬                            ‫ت ذ‬
‫هو أصغر منه تواضَع له وقال: سبق ُه بال ّنوب، وإذا رأى من هو مثله َّه أ ًا قريبًا، فال يحق َّ‬
                                       ‫فحك‬    ‫تف‬                                          ‫د‬
‫أح ًا من المسلمين، فكم من عودٍ منبوذ ربما ان ُ ِع به َّ الرجل به أذنَه، وقد قال ابن عيينة: "لو‬
                                                                                        ‫ر‬
                                                ‫قيل: أخ ِجوا خيار هذه القرية ألخرجوا من ال نعرف".‬
   ‫لمن‬          ‫و ِ ج‬                   ‫مح َّ ٌ رس ل الله و َّذ معه ِد عل ُف ِ رح ب ُ‬
   ‫ُّ َمد َّ ُو ُ َّ ِ َال ِينَ َ َ ُ أَش َّاء ََى الْك َّار ُ َمَاء َيْنَهمْ [الفتح:97]، َاخْفضْ َنَاحَكَ ِ َ ِ‬
                                                                                        ‫اتب ك م م من‬
                                                                      ‫َّ َعَ َ ِنَ الْ ُؤْ ِ ِينَ [الشعراء:157].‬
                    ‫ذ‬                           ‫ي‬
  ‫بارَك اهلل لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإ ّاكم بما فيها من اآليات وال ّكر الحكيم، أقول ما‬
  ‫ر‬          ‫ن‬                         ‫ل‬
‫تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إ ّه كان غفا ًا.‬


                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫ق‬               ‫ش‬                     ‫د‬
‫الحم ُ هلل على إحسانه، وال ّكر له على توفي ِه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
             ‫وسل‬      ‫ل‬                                  ‫ن ّد‬              ‫ن‬
  ‫تعظيمًا لشأ ِه، وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صّى اهلل َّم عليه وعلى‬
                                                                                       ‫ن‬
                                                                                     ‫آله وأصحابه وإخوا ِه.‬
                ‫تكل‬                     ‫ن‬        ‫نؤك ن ت‬                        ‫ي‬             ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها الناس، ال زلنا ِّد بأ ّ ال ّواضع شأ ُه عظيم وأمره جسيم، قد َّم فيه أهل العلم‬
                           ‫ل‬                        ‫جل مبي‬
      ‫والحكمة، وأجلبوا عليه بخيلهم ور ِِهم، ِّنين ما له وما عليه باألدّة الشرعية، فجعلوا منه‬
                                                                             ‫ع‬
                                                                    ‫التواضعَ المحمود والتواض َ المذموم.‬
       ‫َ‬               ‫ف‬                                                         ‫ت‬
  ‫فكان من ال ّواضع المحمود أن يتركَ المرء التطاولَ على عباد اهلل والتر ّع عليهم واإلزراء بهم،‬
                     ‫عز‬            ‫د‬
‫حتى مع وقوع الخطأ عليه، فقد قال النبي : ((ما زاد اهلل عب ًا بعفوٍ إال ًّا)) رواه مسلم(75)[5].‬
                                                                ‫ع د‬                      ‫م‬
   ‫و ِن ذلك أيضًا التواض ُ لل ّين واالستسالم لشرعِ اهلل بحيث ال تعارضه ـ أيها المرء المسلم ـ‬
                                                        ‫تت د‬            ‫و‬               ‫ل‬
‫بمعقو ٍ وال رأي وال ه ًى، وال َّهم لل ّين دليالً صحيحًا، وأن تنقادَ لما جاء به خاتم الرسل ، وأن‬
                                                                                          ‫ُ‬
  ‫تعبدَ اهلل وفقَ ما أمرَك به، وأن ال يكونَ الباعث على ذلك داعي العادة، وأن ال ترى لنفسِك على‬
      ‫ن‬               ‫ن‬      ‫ب‬                       ‫ن‬                                 ‫حق‬
     ‫اهلل ًّا ألجل عملٍ عملتَه، وإنما تعلم أ ّك ترجو رحمته وتخشى عذا َه، وأ ّك لن تدخلَ الج ّة‬
                                                                                       ‫ت‬
                                                                                  ‫بعملك، وإنما برحم ِه لك.‬
                     ‫ي‬          ‫ذ‬                                                         ‫ن‬
       ‫كما أ ّ من التواضع المحمود أيضًا أن تتركَ الشهوات المباحة والمل ّات الكمال ّة احتسابًا هلل‬
                 ‫ح‬                    ‫ص‬                                   ‫وتواضعًا بعد التمك‬
‫ُّن منها واالقتدار عليها، دونَ أن تو َف ببخل أو طمعٍ أو ش ّ، فقد قال النبي :‬
                                                      ‫د‬             ‫ع‬
     ‫((من ترك اللباس تواض ًا هلل وهو يق ِر عليه دعاه اهلل يوم القيامة على رؤوس الخالئق حتى‬
                                                                               ‫يح‬         ‫ي‬
                             ‫يخ ّره من أ ّ ُلل اإليمان شاء يلبسها)) رواه أحمد والترمذي(35)[7].‬
            ‫د‬          ‫ة‬      ‫ع‬         ‫ن‬                          ‫ن‬                       ‫م‬
 ‫وم ّا يزيد األمرَ وضوحًا أ ّ فاقدَ الشيء ال يعطيه، وأ ّ المتواض َ حقيق ً هو المقت ِر على الشيء‬
                           ‫ت‬                                                   ‫ز‬
    ‫ال العاج ُ عن تحصيله، فلقد قال رسول اهلل : ((يا عائشة، لو شئ ُ لسارتْ معي جبال الذهب،‬
        ‫نبي لك‬             ‫نبي د‬                                     ‫ّ رب‬
      ‫جاءَني ملك فقال: إن َّك يقرأ عليك السالم ويقول: إن شئتَ ًّا عب ًا، وإن شئت ًّا مِ ًا،‬
                         ‫ت نبي د‬           ‫س‬           ‫إلي‬                            ‫ت‬
        ‫فنظر ُ إلى جبريل عليه السالم فأشار َّ أن ضعْ نف َك، فقل ُ: ًّا عب ًا)) رواه أبو يعلى‬
                                                                                                  ‫ي‬
                                                                                 ‫والطبران ّ بسند حسن(15)[3].‬
  ‫يسب‬                           ‫ن‬           ‫ت‬                   ‫ر‬                       ‫م‬
 ‫أ ّا التواضع المذموم ـ يا َعاكم اهلل ـ فهو ال ّواضع أمامَ ُصرة دينِ اهلل سبحانه، والذي ِّب‬
  ‫التخاذلَ وهجرَ الّصيحة وهجر األم ِ بالمعروف والّهيِ عن المنكر والخنوعَ أمام الباطل والبع َ‬
  ‫د‬                                         ‫ن‬             ‫ر‬               ‫ن‬
                              ‫عن نصرة الظالم والمظلوم، حتى يكون َن هذه حاله كالكوز مجخ‬
 ‫ِّيًا، ال يعرف معروفًا وال ينكر‬                   ‫م‬
                                                                                                                 ‫ر‬
                                                                                                               ‫منك ًا.‬
                                                                          ‫أن م ت‬
     ‫كما َّ ِن ال ّواضع المذموم تواضعَ المرء لصاحب الدنيا والجاه والنسب رغبةً في شيء مما‬
                                                                                                ‫ي‬
                                                             ‫عنده حتى ُصبح عالةً أمام المغريات فيفتَن بها.‬
   ‫ّ‬                       ‫ف‬                   ‫ت‬               ‫ت‬        ‫ن‬
‫وعلى رأسِ الفِتن ال ّاقضة لل ّواضع المحمود ا ّباع الهوى واالنحرا ُ عن المنهج القويم والغلو في‬
                                     ‫د‬       ‫ث‬                ‫د‬        ‫ل‬        ‫و‬
‫الدين أو الغل ّ في التفّت من ال ّين، وكذا اإلحدا ُ في ال ّين واالعتداء على الحرمات أو االستهانة‬
                                   ‫د‬                        ‫ن‬             ‫د‬
‫بها كحرمةِ ال ّين والمال والّفس والعرض والعقل، والبع ُ عن طاعة اهلل ورسوله وأولي األمر من‬
  ‫ي َيه‬                                                      ‫ُ رد‬
 ‫المسلمين فيما هو طاعة هلل وعدم ِّ األمور إلى اهلل والرسول عند التنازع كما قال تعالى: َاأُّ َا‬
  ‫ُد ه إل الل‬             ‫م ُْ إ ن ز ُ ف‬                     ‫َّذ ن من ط ع الله و ط ع الرس وأ ل‬
‫ال ِي َ ءا َ ُواْ أَ ِي ُواْ َّ َ َأَ ِي ُواْ َّ ُولَ َُوِْى األمْرِ ِنْكم فَِن تَ َا َعْتمْ ِى شَىْء فَر ُّو ُ َِى َّهِ‬
                               ‫ك ْر و ْسن و‬                   ‫ِ‬      ‫َالرس إ ك ت ت من ن ِالله و ْ‬
   ‫و َّ ُولِ ِن ُن ُمْ ُؤْ ِ ُو َ ب َّ ِ َالْيَومِ اآلخرِ ذالِ َ خَي ٌ َأَح َ ُ تَأْ ِيالً [النساء:91]، إضافةً إلى‬
                                              ‫ر‬            ‫ب ي‬
‫االستهانةِ بعلماءِ المسلمين الر ّان ّين وعدمِ ال ّجوع إليهم، وذلك من خالل االستقالل بالرأي دونهم‬
                               ‫م‬                          ‫د‬
‫أو اإلحساس بالكمَال الزائف ال ّاعي إلى االستغناء عنهم وع ّا يحملونه من نور وهدايةٍ وإخالص‬
                                                                                            ‫ي‬
                         ‫ووسط ّة، يقودون من خاللها سفينةَ المجتمع إلى مرفأ األمان والفَالح المبين.‬
                                  ‫م يتخل‬       ‫م‬     ‫ن ت‬                           ‫ل‬
      ‫وحاص ُ األمر ـ عبادَ اهلل ـ أ ّ ال ّواضع ِن أعظ ِ ما َّق به المرء، فهو جامع األخالق‬
                           ‫به‬                  ‫ت‬                     ‫م خل‬           ‫وأس‬
 ‫ُّها، بل ما ِن ُُق في اإلسالم إال ولل ّواضع منه نصيب، ف ِ ِ يزول الكبر، وينشرح الصدر،‬
                                  ‫م جر‬            ‫ب‬     ‫ف‬        ‫ي‬          ‫و‬                     ‫ويعم‬
                                ‫ُّ اإليثار، وتزول القس َة واألنان ّة والتش ّي وح ّ الذات، وهل ّ ًّا.‬
  ‫ر‬       ‫م‬                       ‫ل‬                 ‫م ن‬          ‫س‬      ‫ل‬                 ‫م ن‬
  ‫الله ّ إ ّا نعوذ بك من الغ ّ والح َد، الله ّ إ ّا نعوذ بك من الغ ّ والحسد، ونعوذ بك الله ّ أن نج ّ‬
                                                                                         ‫ء‬
                                                                 ‫بهما على مسلمٍ سو ًا يا ذا الجالل واإلكرام.‬
                            ‫م‬                                                  ‫ل‬
‫هذا وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على خير البرية وأزكى البشرية مح ّد بن عبد اهلل بن عبد المطلب،‬
 ‫ي‬             ‫ب‬                ‫ن‬                   ‫ر‬
‫صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم اهلل بأم ٍ بدأ فيه بنفسه، وث ّى بمالئكته المس ّحة بقدسه، وأ ّه‬
     ‫لم‬          ‫َل ع ه وسلم‬              ‫َيه َّذ ن من‬                           ‫ز‬
    ‫بكم ـ أيها المسلمون ـ فقال ع ّ من قائل عليم: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْي ًا‬
                                                                                                     ‫[األحزاب:61].‬
           ‫ن‬                                  ‫ل‬        ‫م‬             ‫م‬        ‫اللهم صل‬
     ‫َّ ِّ على مح ّد وعلى آل مح ّد، كما صّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إ ّك حميد‬
                                                                                                              ‫مجيد...‬


                                                                                                    ‫__________‬
                                                  ‫(5) أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/11، 1/825) بنحوه.‬
     ‫(7) أخرجه الطبراني في الكبير (75/857) من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما، وحسن‬
   ‫إسناده المنذري في الترغيب (3/713)، والهيثمي في المجمع (8/78)، والسيوطي في الجامع‬
  ‫الصغير، والمناوي في الفيض (1/261)، وله شواهد ولذا حسنه األلباني في السلسلة الصحيحة‬
                                                                                ‫(831).‬
                                                     ‫(3) أخرجه مسلم في البر (8817).‬
  ‫(1) أخرجه مسلم في البر (0767) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي اهلل عنهما‬
                                                                                 ‫بنحوه.‬
           ‫(1) أخرجه مسلم في كتاب الجنة (1687) من حديث عياض بن حمار رضي اهلل عنه.‬
                                                  ‫(6) انظر: إحياء علوم الدين (3/313).‬
                                      ‫(2) جمع منيحة وهي الناقة أو الشاة المعارة للمنفعة.‬
                                               ‫(8) أخرجه الطبري في تاريخه (7/113).‬
 ‫(9) أخرجه البيهقي في االعتقاد (ص063-563) من طريق سعيد بن المسيب عن عمر بنحوه.‬
                                                          ‫(05) 05] أي: يتهمونه بالكبر.‬
‫(55) 55] أخرجه الترمذي في البر (5007)، والبيهقي في الشعب (1958)، وقال الترمذي: "هذا‬
‫حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الحاكم (3232)، وهو في صحيح سنن الترمذي (2765).‬
                    ‫(75) أخرجه مسلم في البر (8817) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
  ‫(35) أخرجه أحمد (3/831، 931)، والترمذي في صفة القيامة (5817)، وأبو يعلى (1815،‬
    ‫9915)، والطبراني في الكبير (07/085، 885)، والبيهقي في الشعب (1/015، 515) من‬
    ‫حديث معاذ بن أنس رضي اهلل عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه الحاكم (607،‬
                                             ‫7232)، وهو في السلسلة الصحيحة (852).‬
  ‫(15) أخرجه ابن سعد في الطبقات (5/583)، وأبو يعلى في المسند (0791) من حديث عائشة‬
‫رضي اهلل عنها، ومن طريقه الذهبي في السير (7/195) وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وعزاه‬
                                             ‫س‬
        ‫الهيثمي في المجمع (9/95) ألبي يعلى وح ّن إسناده، وهو مخرج في السلسلة الضعيفة‬
                                                                               ‫(1107).‬

‫(5/8587)‬




                                                                         ‫ض‬
                                                                       ‫النهي عن ال ّرر‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                         ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                             ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                          ‫الرياض‬
                                                                                                    ‫85/1/1715‬
                                                                                ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- من مقتضيات األخوة اإليمانية. 7- النهي عن اإلضرار. 3- التحذير من اإلضرار في‬
 ‫الوصية. 1- النهي عن اإلضرار بالزوجة. 1- النهي عن اإلضرار بالمعسرين. 6- التحذير من‬
 ‫اإلضرار في البيوع والمعامالت. 2- النهي عن اإلضرار بالجيران. 8- النهي عن اإلضرار في‬
    ‫الشهادة والكتابة. 9- النهي عن اإلضرار بالبنين والبنات. 05- النهي عن اإلضرار بأصحاب‬
  ‫الحقوق. 55- النهي عن اإلضرار بذوي الحاجات. 75- النهي عن اإلضرار في أنواع العبادة.‬
                          ‫35- النهي عن اإلضرار بالنفس. 15- التحذير من التستر على المجرمين.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                               ‫حق‬               ‫ت‬     ‫ي ن‬                  ‫م‬
                                                       ‫أ ّا بعد: فيا أ ّها ال ّاس، اّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
‫َّ ألخيه الخيرَ ويكره له الش ّ، يح ّ له ما يح ّ‬
‫ب‬          ‫ر ب‬                                               ‫ض م‬              ‫أخوة‬
                                             ‫عبادَ اهلل، َّ ُ اإليمان تقت ِي ِن المؤمنِ أن يحب‬
       ‫ع‬         ‫ن‬                ‫ض‬                       ‫ذ‬
‫لنفسه، يكره له ما يكره لنفسه. إ ًا فما يسعى في إلحاق ال ّرر به، ال في بد ِه وال في ِرضه وال‬
‫ن ق‬                    ‫و‬          ‫ّر‬                   ‫د كل‬             ‫د‬            ‫ل‬
‫في ماِه وال في ول ِه، بل هو بعي ٌ َّ البعد عن إلحاق الض َر بجميع ص َره وأشكاله، فإ ّ إلحا َ‬
‫الض َر بالمسلم نوع من األذى واهلل يقول: َال ِينَ ُؤ ُونَ الْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَاتِ ِغَي ِ مَا اكْ َ َ ُوا فَق ِ‬
‫تسب ْ َد‬              ‫م من ن و م م ب ْر‬                        ‫و َّذ ي ْذ‬                                      ‫ّر‬
                       ‫ض‬     ‫َر‬                ‫ي‬                       ‫وإ مب‬                ‫مل ب‬
       ‫احْتَ َُواْ ُهْتَانًا َِثْمًا ُّ ِينًا [األحزاب:81]، ونب ّنا يقول: ((ال ضر َ وال ِرار))(5)[5]، وفي‬
                ‫ذ‬                      ‫ق ق‬                   ‫ر ر‬
    ‫حديث آخر يقول : ((من ضا ّ ضا ّ اهلل به، ومن شا ّ ش ّ اهلل عليه))(7)[7]. إ ًا فالجزاء من‬
 ‫يس‬       ‫م‬     ‫رب‬          ‫ر‬
‫ِنس العمل، ف َن سعى في الخير ف ّج كر َ مكروب َّ مهموم ف ّج اهلل ك َ َه وه ّه، ومن َّر‬
                                      ‫وهم‬      ‫ب‬     ‫ر‬                 ‫م‬            ‫ج‬
                                                             ‫م‬               ‫مس س‬
 ‫على ُع ِر ي ّر اهلل عليه، و َن كان في حاجة أخيه كان اهلل في حاجته، وعكس ذاك والعياذ باهلل‬
        ‫ل‬                    ‫ض‬                   ‫ر‬             ‫مك‬                    ‫ك‬
  ‫من م َر بإخوانه المسلمين ُ ِر به، ومن ضا ّهم ألحق اهلل به ال ّرر، ومن أساء إليهم سّط اهلل‬
                                                                  ‫َل ل عب‬            ‫وم َب‬            ‫ء‬
                                                    ‫عليه جزا ً وفاقًا، َ َا رُّكَ بِظَّامٍ ّلْ َ ِيدِ [فصلت:61].‬
                          ‫ر‬            ‫ت‬                     ‫ب للض‬                    ‫ي‬
 ‫أ ّها المسلم، فكن مجتن ًا َّرر، سواء في نفسك بأن ُلحقَ بها ضر ًا أو بزوجتك أو بأوالدك أو‬
   ‫و‬          ‫ل‬      ‫ض‬
 ‫بجيرانك أو ب َن تعامله أو ب َن لك عليه ُلطة تنفيذ ّة، فكن بعي ًا عن ال ّرر بك ّ معناه وص َره‬
                              ‫د‬           ‫ي‬          ‫س‬          ‫م‬              ‫م‬
                                                                                         ‫حق‬             ‫ن‬
                                                                                       ‫لتكو َ من المؤمنين ًّا.‬
 ‫ي‬                       ‫م‬                           ‫ض‬                   ‫ي‬
‫واهلل جل وعال قد ب ّن لنا أنوعًا من ال ّرر نهانا عن الوقوع فيها، ف ِن ذلكم اإلضرار في الوص ّة‬
           ‫ْر م ر و ِية م الله َالله ع م ح م‬                      ‫م ب ْ و ِي ي ص به د‬
           ‫قال تعالى: ِن َعدِ َص َّةٍ ُو َى ِ َا أَوْ َيْنٍ غَي َ ُضَا ّ َص َّ ً ّنَ َّ ِ و َّ ُ َلِي ٌ َلِي ٌ‬
                                                                                                           ‫[النساء:75].‬
     ‫ق‬            ‫ق‬             ‫ث‬      ‫ي‬         ‫م‬                      ‫ي‬
 ‫اإلضرار في الوص ّة يكون بأحدِ أمرين: إ ّا أن يوص َ لوار ٍ بشيء فوقَ ح ّه الذي يستح ّه من‬
    ‫ًّا ببق ّة الورثة، ولذا قال ال ّسول : ((إ ّ اهلل قد أعطى َّ ذي ح ّ‬
    ‫ق‬      ‫كل‬              ‫ن‬          ‫ر‬                      ‫الميراث، فيكون بذلك مضار ي‬
 ‫ي‬                               ‫ي ر‬                                           ‫ي‬          ‫حق‬
‫َّه، فال وص ّة لوارث))(3)[3]. ومنها ثانيًا: أن يوص َ بأكث َ من الثلث لغير الوارثين، والوص ّة‬
      ‫َر‬       ‫ن‬                                 ‫ي‬
      ‫بأكثر من الثلث ال تجوز إال بموافقةِ الورثة، ونبّنا يقول: ((الثلث، والثلث كثير، إ ّك أن تذ َ‬
             ‫د‬         ‫ن‬                        ‫ن‬       ‫يتكف‬       ‫ر‬
  ‫ورثتَك أغنياءَ خير من تذ َهم عالةً َّفون ال ّاس))(1)[1]، ويقول : ((إ ّ اهلل تص ّق عليكم عند‬
            ‫ث‬              ‫ي‬                ‫ذ‬
 ‫موتكم بثلث أموالكم زيادةً في حسناتِكم))(1)[1]. إ ًا فال تجوز الوص ّة بأكثر من ال ّلث، فإن فعل‬
 ‫ح ب ُ ْ إ ْ عل ِن‬                          ‫إم‬              ‫م م صج‬             ‫م‬                           ‫كان مضار‬
 ‫ًّا بذلك، ولهذا قال اهلل: فَ َنْ خَافَ ِن ُّو ٍ َنَفًا أَوْ ِثْ ًا فَأَصْلَ َ َيْنَهم فَالَ ِثمَ ََيْهِ إ َّ‬
                               ‫ن‬            ‫ي‬                                ‫الل ف ٌ ر م‬
 ‫َّهَ غَ ُور َّحِي ٌ [البقرة:785]، وفي الحديث المرو ّ عنه : ((وإ ّ العبدَ ليعمل بطاعة اهلل سبعين‬
                                     ‫ن‬       ‫ن‬            ‫ي‬                           ‫ة‬
 ‫سن ً، فيحضره الموت، فيجور في وصّته فيدخل ال ّار، وإ ّ العبدَ ليعمل بمعصية اهلل سبعين سنة،‬
   ‫ي‬               ‫ل‬        ‫ن‬                               ‫ي‬        ‫د‬
  ‫فيحضره الموت، فيع ِل في وص ّته فيدخل الجنة))(6)[6]، وذلك أ ّ اهلل ج ّ وعال جعل الوص ّة‬
  ‫مشروط ً بعدم ال ّرر، واإلضرا ُ في الوص ّة من كبائر ال ّنوب كما قال ابن ع ّاس(2)[2] أل ّ‬
  ‫ن‬            ‫ب‬                  ‫ذ‬              ‫ي‬         ‫ر‬            ‫ض‬         ‫ة‬
   ‫َر ِد َ ف ه‬               ‫ت‬       ‫ت ُد د الل وم يط الله َرس ه ي خ ه َن ٍ ْر م‬
  ‫اهلل قال: ِلْكَ ح ُو ُ َّهِ َ َن ُ ِعِ َّ َ و َ ُولَ ُ ُدْ ِلْ ُ ج َّات تَج ِى ِن تَحْ ِهَا األنْه ُ خَال ِين ِي َا‬
 ‫و ك ْز ظ م وم ي ْ الله َرس ه وي َد ُد ه ي خ ه ن ر ِد ف و ه َ ب مه ن‬
 ‫َذالِ َ الْفَو ُ الْعَ ِي ُ َ َن َعصِ َّ َ و َ ُولَ ُ َ َتَع َّ ح ُودَ ُ ُدْ ِلْ ُ َا ًا خَال ًا ِيهَا َلَ ُ عذَا ٌ ُّ ِي ٌ‬
                                                                                                     ‫[النساء:35، 15].‬
 ‫ب‬                    ‫ت‬         ‫ض ن يح ض‬                                   ‫ض‬      ‫ض‬           ‫م‬
‫و ِن أنواع ال ّرر ال ّرر بالمرأة أحيانًا، فبع ُ ال ّاس ُل ِق ال ّرر بامرأ ِه، إذا لم يكن في قل ِه‬
                                         ‫ّ‬     ‫ل‬    ‫ب‬           ‫ض‬              ‫ب‬        ‫بة‬
‫مح ّ ٌ لها أح ّ أن يلحِقَ ال ّرر بها، فر ّما طّقها ثم راجعها ألجل اإلضرار واإلساءة، قال تعالى:‬
 ‫َرح ُن بم ر ف و ت سك ُن ِر ر‬                           ‫ج ه َّ سك ُن بم ْر‬                     ‫وِ َل تم نس ب‬
‫َإذَا طَّقْ ُ ُ ال ّ َاء فَ َلَغْنَ أَ َلَ ُن فَأَمْ ِ ُوه َّ ِ َع ُوفٍ أَوْ س ّ ُوه َّ ِ َعْ ُو ٍ َالَ ُمْ ِ ُوه َّ ض َا ًا‬
     ‫ض‬                   ‫د‬                        ‫يطل‬                                   ‫ل د‬
   ‫ّتَعْتَ ُواْ [البقرة:537]. كانوا في الجاهلية ِّق فإذا قارب انقضاءَ الع ّة راجعها إللحاق ال ّرر‬
              ‫ي‬                                                         ‫د‬
      ‫بها، فجاء اإلسالم وح ّد الطالق بثالث، ثم أيضًا مع هذا أرشد المسلمَ إذا أراد أن ُراجع بعد‬
                                                          ‫م ي ب‬
     ‫الطالق فليراجع مراجعةَ َن ُح ّ القيام بالواجب والمعاشرة بالمعروف، ال مراجعة من يريد‬
                       ‫إ َر د إ‬                ‫وبع ت ُن َق ِ َد ِن ف‬                                ‫ر‬
 ‫اإلضرا َ واإلساءة، قال تعالى: َ ُ ُولَُه َّ أَح ُّ بر ّه َّ ِي ذالِكَ ِنْ أ َا ُواْ ِصْلَاحًا [البقرة:877].‬
                                   ‫َ‬                 ‫ي ر‬                       ‫ض‬           ‫م‬
  ‫و ِن أنواع ال ّرر بالمرأةِ أيضًا أن ُضا ّ بها ألجل أن تفتدي منه وتدفعَ له ما دفع لها ولم يكن‬
                 ‫ض‬                  ‫ة‬           ‫س‬                   ‫ر‬
 ‫من المرأة خطأ وال تقصي ٌ في واجب، لكن ما ق َم اهلل محب ً بينهما، فيلحق ال ّرر بها أو بأهلها‬
                ‫د‬      ‫ة خس‬                                   ‫ي‬              ‫ي‬           ‫ف‬
 ‫أو بشر ِها ألجل أن ُعطَى ما دفع ف ُمسِك عن القيل والقال، وهذا غاي ُ ال ِ ّة وال ّناءة، ولهذا قال‬
        ‫ل‬                      ‫تم ُن ِال ي ت ن ح‬                            ‫و ضل ُن ل َ هب بب ْض‬
 ‫اهلل: َالَ تَعْ ُُوه َّ ِتذْ َ ُواْ ِ َع ِ مَا ءاتَيُْ ُوه َّ إ َّ أَن َأْ ِي َ بِفَا ِشَةٍ [النساء:95]، فعض ُ المرأة‬
           ‫ض‬       ‫ع‬                      ‫ر‬
        ‫واإلساءة إليها ألجل أن تفتديَ بنفسها منه من غي ِ نقصٍ حصل منها هذا نو ٌ من ال ّرر.‬
                                       ‫ر‬               ‫د‬           ‫ض‬              ‫م ض‬
   ‫و ِن ال ّرر بالمرأة أي ًا أن ال يع ِل بينها وبين ض ّتها، وأن يميل مع [واحدة] دون األخرى،‬
                                                                      ‫ن‬        ‫فهذا من ال ّرر المنهي‬
                                        ‫ِّ عنه أل ّه خالف العدل المأمور به شرعًا.‬       ‫ض‬
                         ‫د ص‬                      ‫ي خ‬       ‫ز‬                  ‫ض‬
     ‫ومن أنواع ال ّرر بالمرأة أو بال ّوج أن ُؤ َذ من المرأة أوال ُها ال ّغار ألجل إلحاق األذى‬
    ‫م لم َر أ ي ِم الرض عة‬                              ‫ُن ح‬                ‫و ل تي ض‬                            ‫ض‬
    ‫وال ّرر بها، قال تعالى: َالْواِدا ُ ُرْ ِعْنَ أَوْلَادَه َّ َوْلَيْنِ كَا ِلَيْنِ ِ َنْ أ َادَ َن ُت َّ َّ َا َ َ‬
‫ت َّف س ِال و عه ت َار ِ ة َلده وال‬                                ‫ل ُ ِ ْق ُن وك وت ُن م ْر‬                         ‫و ل‬
‫َعَى الْمَوُْودِ لَه رز ُه َّ َ ِسْ َُه َّ بِالْ َع ُوفِ الَ ُكَل ُ نَفْ ٌ إ َّ ُسْ َ َا الَ ُض َّ والدَ ٌ بِوَ ِ َا َ َ‬
                                                        ‫ر‬                           ‫ل د له وَ‬
‫مَوُْو ٌ َّ ُ بِ َلدِهِ [البقرة:337]، فال يضا ّ الرجل المرأةَ بأخذ ولدِها الصغار إلفجاعها وإلحاقِ األذى‬
  ‫بها، كما ال تضا ّ المرأة الرجلَ الذي فارقها بعدم القيا ِ بح ّ األوالد ألجل أن تضط ّه إلى أمو ٍ‬
  ‫ر‬          ‫ر‬                     ‫م ق‬                                         ‫ر‬
           ‫ع‬                                 ‫ض‬                      ‫ر‬       ‫فكل‬
   ‫يعجز عنها. ٌّ من ال ّجل والمرأة ال يلحق ال ّررَ بصاحبه، والنتيجة عند ذلك ضيا ُ األوالد‬
                                               ‫ج‬                     ‫ي ن‬
                         ‫وإصابتهم باألزمات النفس ّة، فإ ّ نزاع الزوجين النتائ ُ السيئة تلحق باألوالد.‬
 ‫ذ ع ْرة‬          ‫وإ‬            ‫ن‬
 ‫و ِن أنواع ال ّرر أي ًا ال ّرر بالمع ِر العاجز عن ال ّسديد، فإ ّ اهلل يقول: َِن كَانَ ُو ُس َ ٍ‬
                                          ‫ت‬               ‫س‬         ‫ض ض‬          ‫ض‬           ‫م‬
                                       ‫ر لُ إ ك ُ م ن‬                       ‫َدق‬         ‫ِرة إل م َ ة و‬
      ‫فَنَظ َ ٌ َِى َيْسرَ ٍ َأَن تَص َّ ُواْ خَيْ ٌ َّكمْ ِن ُنتمْ تَعْلَ ُو َ [البقرة:087]. فإذا عجز الغريم عن‬
     ‫ن‬                         ‫تح ض‬                       ‫ت‬                      ‫ز‬             ‫الد‬
    ‫َّين وعلمتَ عج َه عن الوفاء وعدمَ قدر ِه على الوفاء فال ُل ِق ال ّررَ به قوالً أو فعالً أل ّه‬
                                                               ‫ر‬        ‫ر‬
                                                  ‫عاجز عن الوفاء، وعليك االنتظا ُ حتى يف ّج اهلل األمر.‬
          ‫ج‬        ‫ر‬                             ‫ن‬            ‫ك‬         ‫ّر ض‬               ‫م‬
     ‫و ِن أنواع الض َر أي ًا ما يتح ّم به بعض ال ّاس في البيع، فإذا أتاه المضط ّ المحتا ُ وعلم‬
                             ‫ِ‬     ‫ق‬
   ‫ضررَه وحاجتَه ضاعف عليه القيمةَ أضعافًا كثيرة، فما يستح ّه بألف ريال ال يعطيه تقسيطًا إال‬
   ‫ة‬                          ‫ت‬             ‫ر‬                           ‫ك‬
   ‫بألفين أو أكثر، يتح ّم في مصير هذا العاجز المضط ّ، والبيع بال ّقسيط واألجل جائز، والزياد ُ‬
     ‫مل‬         ‫ت‬       ‫ت‬      ‫ل‬          ‫ق‬                    ‫ر‬
 ‫ألجل التأجيل جائزة، لكن بال ّفق وعدمِ إلحاق المش ّة واستغال ِ ضرور ِه وحاج ِه، أن تح َّه من‬
                       ‫ي‬          ‫م‬               ‫ف‬                ‫م‬
       ‫الديون ما يعجز عن وفائه، فإ ّا أن تعينَه وتر ُق به، وإال فعد ُ إعطائك إ ّاه أولى من إلحاق‬
                                                                                                                ‫ض‬
                                                                                                          ‫ال ّرر به.‬
      ‫ن‬                                                    ‫ر‬         ‫ض‬           ‫م‬             ‫ي‬
      ‫أ ّها المسلم، و ِن أنواع ال ّرر احتكا ُ األشياء وعدم بيعها إال عندما يحتاج الناس إليها، فإ ّ‬
                                                                                        ‫المحتكر خا ِئ ومتوع‬
                                                                          ‫َّد بوعيدٍ شديد.‬     ‫ط‬
                ‫س‬              ‫ك‬                ‫و ِن أنواع ال ّرر الذي ُن َى المسلم عنه الغش‬
    ‫ُّ في المعامالت و ِتمان عيوبِ ال ِلَع والتدليس‬               ‫يه‬          ‫ض‬           ‫م‬
         ‫ر‬                         ‫ض‬                                          ‫م‬
  ‫والكذب وعد ُ الوضوح في البيع والشراء، هذا من إلحاق ال ّرر بالمسلم، والمسلم مأمو ٌ بالبعد‬
                                                                                         ‫ن‬          ‫ش‬
                                                                                       ‫عنه، ومن غ ّنا فليس م ّا.‬
                        ‫ر‬       ‫ُرو س‬                                   ‫ي‬      ‫ض‬           ‫م‬
        ‫و ِن أنواع ال ّرر ـ أّها المسلم ـ أن يكونَ اإلنسان م ِّجًا ل ِلَع تض ّ بالناس في دينهم‬
                  ‫م‬                    ‫ث‬                            ‫د‬        ‫ودنياهم، فمرو‬
  ‫ِّجو المخ ّرات والمسكرات والساعون في ب ّها في المجتمع المسل ِ هؤالء قد ألحقوا‬
                                   ‫ي‬                ‫ن‬                         ‫ع‬      ‫م‬       ‫ر‬
   ‫ضر ًا باأل ّة، وس َوا في إفسادها وتدمير كيا ِها والقضاء في ق َمها وأخالقها، أعاذنا اهلل وإياكم‬
                                                                                                             ‫من ذلك.‬
    ‫ض‬       ‫م‬                        ‫ض‬                      ‫ض‬             ‫ن‬              ‫ي‬
   ‫أ ّها المسلم، وإ ّ من أنواع ال ّرر أن تلحقَ األذى وال ّرر بجارك، فتسيء إليه، إ ّا أن ت َع‬
        ‫ت‬         ‫ض‬                    ‫ض‬                              ‫في بيتك أمو ًا تضر‬
        ‫ُّ به وتسيء إليه بجميع أنواع ال ّرر، سواء كان هذا ال ّرر بأصوا ٍ‬   ‫ر‬
     ‫ن‬                               ‫ض‬       ‫ت‬                 ‫َ ب ط‬
    ‫مزعجة أو بفَتح نوافذ رّما ت ّلع منها على عورا ِه أو ت َع في بيتك ما يقلِقه ويضجره، فإ ّك‬
  ‫ر‬                                   ‫م‬             ‫ض‬              ‫ي‬
 ‫مأمور بإكرام الجار، ومنه ّ عن إلحاقِ ال ّرر بالجار، و َن كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فليك ِم‬
                                                    ‫جاره، ومن كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فال يؤذِ جاره.‬
   ‫وال‬                                         ‫ض‬        ‫أ ّها المسلم، و ِن أنواع ال ّرر المنهي‬
   ‫ِّ عنه ال ّرر في الشهادة وكتابةِ العقود، قال تعالى: َ َ‬       ‫ض‬           ‫م‬             ‫ي‬
                             ‫يع‬        ‫ر‬           ‫ش‬                   ‫ي َار تب و ه د‬
   ‫ُض َّ كَا ِ ٌ َالَ شَ ِي ٌ [البقرة:787]. فال ّاهد ال يضا ّ، وال ُد َى إلى الشهادة في وقت هو ال‬
                    ‫يكل‬                 ‫ن‬                    ‫يكل‬
‫يستطيع الحضورَ [فيه]، أو َّف ما ال يطيق، كما أ ّ الكاتبَ أيضًا ال َّف بما ال يطيق، وكذلك‬
             ‫الكاتب وال ّاهد ال يضا ّان في كتابتهما وشهادتهما، فشاه ُ ال ّور ُعتب َ مضار م‬
  ‫ًّا ب َن شهد عليه،‬ ‫د ز ي ر‬                                      ‫ر‬           ‫ش‬
        ‫م‬             ‫أل ّ شهادتَه ظلم وعدوان، وكاتب العقود بغير ما أ ِر بكتابته يكون مضار‬
  ‫ًّا بما كتب، و َن عنده‬                 ‫م‬                                            ‫ن‬
     ‫َال‬            ‫ن‬                ‫شهادة َّف حصول الح ّ عليها إذا كت َها كان مضار م‬
     ‫ًّا ب َن له الحقوق؛ أل ّ اهلل يقول: و َ‬      ‫م‬              ‫ق‬           ‫يتوق‬
                                                       ‫وم ي ت ه ِنه ِ ٌ به‬                           ‫تم الش‬
                                         ‫تَكْ ُ ُواْ َّهَادَةَ َ َن َكْ ُمْ َا فَإ َّ ُ ءاثم قَلْ ُ ُ [البقرة:387].‬
                     ‫ض‬               ‫يحذ‬                                       ‫ي‬
  ‫هكذا أّها المسلم، دين اإلسالم يدعوك إلى الخير، ِّرك من إلحاق ال ّرر بإخوانك المسلمين‬
                                                                                           ‫م‬       ‫ل‬
                                                                         ‫بك ّ ما تح ِله الكلمة من معنى.‬
                          ‫حق‬                  ‫ن‬                    ‫ف‬                        ‫فلنت‬
                        ‫َّق اهلل في أنفسنا، ولنتر ّع عن اإلضرارِ بإخوا ِنا، لنكونَ مؤمنين ًّا.‬
                    ‫ذ‬                          ‫ي‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات وال ّكر والحكيم، أقول‬
                       ‫ل‬
 ‫قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من ك ّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا‬
                                                                                                 ‫ن‬
                                                                              ‫إليه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                            ‫ب ب‬                      ‫د ر يب‬
  ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا ط ّ ًا مباركًا فيه كما يح ّ رّنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
 ‫م ر‬            ‫ل‬                                               ‫ن ّد‬
‫شريك له، وأشهد أ ّ محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه، وسّم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                               ‫إلى يوم الدين.‬
                                                          ‫حق‬               ‫ت‬      ‫ي ن‬              ‫م‬
                                                  ‫أ ّا بعد: أ ّها ال ّاس، ا ّقوا اهلل تعالى َّ التقوى.‬
          ‫ض‬              ‫ي‬                          ‫ن‬      ‫م‬        ‫ن‬              ‫ي‬
   ‫واعلم ـ أ ّها المسلم ـ أ ّ أوالدك ِن بني َ وبنات أمانة في عنقِك، فإ ّاك وإلحاقَ ال ّرر بهم.‬
 ‫إ ّ ِن إلحاق ال ّرر بالفتاة أن تمنَعها من كفءٍ أراد الزوا َ بها وتعلم أهل ّ َه لذلك، فتمنع زوا َ‬
 ‫ج‬                  ‫يت‬                ‫ج‬                                         ‫ض‬           ‫نم‬
   ‫ص‬                      ‫ج‬         ‫ع‬          ‫كل‬   ‫ت ٌ ب‬                  ‫ة‬
 ‫الفتاة لمصلح ٍ ترجوها منها، مرّب تق ِضه َّ شهر، تمن ُها الزوا َ مراعاةً لمصالحك الخا ّة،‬
                                 ‫ض‬        ‫ل‬                                           ‫ال‬
                              ‫متجاه ً منفعةَ الفتاة ومصلحتَها في المستقبل، هذا كّه من ال ّرر.‬
‫ب‬                           ‫ج‬                          ‫وج ال‬                      ‫م ض‬
‫و ِن ال ّرر أيضًا أن ال تز ّ َها إ ّ أن تعاوَض عن زواجها بزوا ٍ لك أو ألحدِ أبنائك، فترتك ُ‬
                                                                                       ‫ش‬
                                                          ‫نكاحَ ال ّغار الذي نهى عنه محمد (8)[5].‬
                                ‫ش‬                                 ‫ِ‬          ‫م ض‬
            ‫و ِن ال ّرر باألوالد تفضيل بعضهم على بعض حتى تكون ال ّحناء والعداوة بينهم.‬
              ‫م‬                             ‫ل‬            ‫ن‬                   ‫ض‬          ‫م‬
‫و ِن أعظم ال ّرر باألوالد من بني َ وبنات إهما ُ تربيتهم وإهمال توجيهِهم وعد ُ النظر في ذلك،‬
            ‫ت‬       ‫ه‬                                   ‫ت‬                ‫ٌ حق‬          ‫ن‬
‫فإ ّ هذا نقص في ِّك، فالواجب أن ت ّقيَ اهلل في أوالدك بتربيتهم وتوجيه ِم ودعو ِهم إلى الخير‬
                                                                                                ‫وترغيبهم فيه.‬
                         ‫ط‬         ‫حق ق‬                           ‫ي‬      ‫ض‬           ‫م‬
   ‫و ِن أنواع ال ّرر ـ أّها المسلم ـ أن تعرفَ لذي ٍّ ح ّه فال تع ِي أهلَ الحقوق حقوقَهم،‬
        ‫ل ي م ي ل ض‬                         ‫ي‬                    ‫م‬                  ‫ب‬
       ‫الواج ُ أن تقضيَ ما في ذ ّتك من الحقوق، والنب ّ يقول: ((مط ُ الغن ّ ظل ٌ، ُح ّ عر َه‬
                                                                                                  ‫وعقوبتَه))(9)[7].‬
     ‫ة‬                        ‫ن‬            ‫ت ل‬          ‫س‬                  ‫ض‬           ‫م‬
     ‫و ِن أنواع ال ّرر أن تعاملَ النا َ بدرجا ٍ مختِفة، فبعض ال ّاس إذا كان ذا عمل ومصلح ٍ‬
    ‫ه‬                      ‫س‬                                  ‫ن‬        ‫ر‬         ‫م‬     ‫م‬
    ‫وم ّن يؤ ّه الجمهو ُ يراجعو َه ويبحثون عن معامالتهم، فبعضهم نف ُه دنيئة، إن رأى ذا جا ٍ‬
  ‫ل‬             ‫ز‬      ‫ر‬                   ‫ر‬         ‫ص‬               ‫ت‬
  ‫ومكانة أنجز معامل َه وسعى في تخلي ِها في أس َع وقت، وإن رأى فقي ًا عاج ًا ضعيفَ القو ِ‬
                            ‫ن‬             ‫م‬        ‫ب‬       ‫ب‬           ‫ء‬
   ‫قليلَ الحيلة ماطل في قضا ِ حاجته، ور ّما أتع َه األيا َ والشهور؛ أل ّه ال يرجو منه منفعةً، فهو‬
                  ‫إ ّما ين ِز معاملةَ من يرجو المنفعةَ منه، أ ّا من ال يرجو منه منفعة وال يحص‬
        ‫ِّل من ورائه‬                            ‫م‬                                  ‫ن ج‬
                                         ‫ة‬                          ‫ق‬
   ‫مصلحة فهو يماطل بحقو ِه ويتهاون بذلك، وتلك خيان ٌ لألمانة التي اؤتمنتَ عليها، وهي إنجاز‬
     ‫له‬       ‫إل‬                ‫ُؤد‬        ‫ب ِن الله ْمر ُ‬                          ‫ق خ‬
    ‫األعمال والقيام بح ّ ال َلق كما أمرك بذلك ر ّك: إ َّ َّ َ يَأ ُ ُكمْ أَن ت ُّواْ األمَانَاتِ َِى أَهِْ َا‬
                                                                                                         ‫[النساء:81].‬
   ‫ط‬                               ‫ن‬                       ‫س‬           ‫ر‬            ‫ض‬           ‫م‬
   ‫و ِن أنواع ال ّرر ما قد يض ّ العبد بنف ِه في أنواع العبادة، فإ ّ العبادةَ التي أمر اهلل بها وس ٌ‬
    ‫م م‬                                          ‫ي‬                                    ‫و‬
‫بين غل ّ الغالين وجفاءِ الجافين، ولهذا النب ّ أنكر على عبد اهلل بن عمرو بن العاص ل ّا تع ّق في‬
   ‫ن‬                                                                 ‫م‬
   ‫العبادة، فجعل ليلَه قيا ًا ونهاره صيامًا وأعرض عن أهله، فقال له: ((يا عبد اهلل بن عمرو، إ ّ‬
     ‫كل‬         ‫م‬                         ‫حق‬               ‫حق‬               ‫حق‬       ‫ب‬
  ‫لر ّك عليك ًّا، وألهلك عليك ًّا، ولنفسك عليك ًّا))(05)[3]، فأمره أن يقو َ بالحقوق ِّها،‬
                ‫ن‬      ‫ض‬                                           ‫ض‬       ‫رَ‬
‫وأن ال يف ّط في بع ِها على حسابِ البعض اآلخر، فهذا من أنواع ال ّرر أل ّ تعطيلَ جانبٍ من‬
                  ‫المتبت‬                           ‫ر‬        ‫ب‬      ‫ب‬
‫جوانب الخير [بسب ِ] جان ٍ آخر يض ّ بالجانب اآلخر، وفي الحديث: (( ِّل ال أرضًا قطع وال‬
                                                                                                             ‫ر‬
                                                                                             ‫ظه ًا أبقى))(55)[1].‬
        ‫ذ‬                                    ‫س‬       ‫ض‬               ‫ض‬           ‫م‬             ‫ي‬
‫أ ّها المسلم، و ِن أنواع ال ّرر أن تلحقَ ال ّرر بنف ِك بإزهاق نفسِك والعياذ باهلل، وقد ح ّرنا اهلل‬
     ‫ْف‬       ‫ظم‬              ‫ُ‬          ‫و تل أ فس ُ ِن الل ن ب ُ ح م وم ع‬
     ‫من ذلك فقال: َالَ تَقْ ُُواْ َن ُ َكمْ إ َّ َّهَ كَا َ ِكمْ رَ ِي ًا َ َن يَفْ َلْ ذالِكَ عدْوانًا وَ ُلْ ًا فَسَو َ‬
       ‫ي ع‬                 ‫ض‬                             ‫عل الل ي ر‬                  ‫ن ل نر و‬
   ‫ُصِْيهِ َا ًا َكَانَ ذالِكَ ََى َّهِ َسِي ًا [النساء:97، 03]. فإلحاق ال ّرر بنفسِك بأ ّ [نو ٍ] من‬
   ‫ر‬       ‫ب ص‬               ‫ل‬         ‫ر‬        ‫ل‬                       ‫م‬       ‫ض‬
 ‫أنواع ال ّرر أعظ ُه القتل وما دون ذلك، ك ّ هذا مح ّم عليك فعُه، بل الواج ُ ال ّبر وال ّضا‬
                                                                                                  ‫د‬
                                                                                                ‫بما قضى اهلل وق ّر.‬
    ‫د‬                                                             ‫و ِن أنواع ال ّرر التست‬
  ‫ُّر على المجرمين واآلثمين وأربابِ الفساد والساعين في األرض فسا ًا،‬      ‫ض‬           ‫م‬
                ‫ن‬       ‫م‬          ‫ن حق ض ر‬                 ‫عر‬                               ‫ت‬
   ‫فمن تس ّر عليهم أو آواهم أو أقامَ ال ُذ َ لهم فإ ّه مل ِ ٌ ال ّر َ بنفسه وأ ّته؛ أل ّ المؤمنَ يسعى‬
                                          ‫ال‬                           ‫كف ر‬          ‫د‬
                                         ‫في الخير جاه ًا وفي ِّ الش ّ واألذى ما استطاعَ لذلك سبي ً.‬
                              ‫م‬                                      ‫ي‬      ‫يوف‬
  ‫أسأل اهلل أن ِّقني وإّاكم لصالح القول والعمل، وأن يجعلَنا م ّن يسعى في الخير جهدَه ويبتعد‬
                                                                            ‫ل‬        ‫ن‬            ‫ض‬
                                                                  ‫عن ال ّرر جهدَه، إ ّه على ك ّ شيء قدير.‬
          ‫ر‬       ‫م‬                                          ‫ن‬
   ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أ ّ أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي مح ّد ، وش ّ األمور‬
   ‫ذ ذ‬                              ‫ن‬                                        ‫ل‬
   ‫محدثاتها، وك ّ بدعة ضاللة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإ ّ يد اهلل على الجماعة، ومن ش ّ ش ّ‬
                                                                                                             ‫في النار.‬
    ‫ِن الله وم ئكته‬                        ‫ب‬                   ‫م‬      ‫ي‬                         ‫ل‬
    ‫وصّوا ـ رحمكم اهلل ـ على نب ّكم مح ّد كما أمركم بذلك ر ّكم، قال تعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِ َ َ ُ‬
                                 ‫ل‬        ‫َل ع وسلم‬                ‫ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
               ‫ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61].‬
                             ‫م‬              ‫م‬                            ‫م صل وسل‬
       ‫الله ّ ِّ ِّم وبارك على عبدِك ورسولك مح ّد، وارضَ الله ّ عن خلفائه الراشدين...‬


                                                                                           ‫__________‬
 ‫(5) روي هذا المتن عن عدد من الصحابة، منهم: أبو سعيد الخدري أخرجه الدارقطني (3/22)،‬
     ‫والبيهقي (6/96)، وصححه الحاكم (1137)، وحسنه النووي في األربعين، ورواه مالك في‬
   ‫الموطأ من هذا الوجه مرسال (5615)، قال ابن عبد البر في التمهيد (07/815): "ال يسند من‬
  ‫وجه صحيح". وعن عبادة بن الصامت عند ابن ماجه في األحكام (0137)، وعبد اهلل في زوائد‬
       ‫المسند (1/673)، والبيهقي (6/615، 05/335)، وهو منقطع. وعن ابن عباس عند أحمد‬
         ‫(5/353)، وابن ماجه في األحكام (5137)، وأبي يعلى (0717)، والطبراني في الكبير‬
    ‫(55/703)، وسنده ضعيف. وعن عائشة عند الطبراني في األوسط (3305)، وسنده ضعيف‬
   ‫أيضا. وعن جابر عند الطبراني في األوسط (3951)، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم‬
    ‫(ص103): "إسناده متقارب، وهو غريب، ورواه أبو داود في المراسيل مرسال، وهو أصح".‬
‫وعن أبي هريرة عند الدارقطني، قال ابن رجب: "إسناده فيه شك". وعن عمرو بن عوف المزني،‬
 ‫قال ابن عبد البر (07/215): "إسناده غير صحيح". وعن ثعلبة بن أبي مالك عند ابن أبي عاصم‬
    ‫في اآلحاد والمثاني (0077)، والطبراني في الكبير (7/68). فال تخلو طرق هذا الحديث من‬
 ‫مقال، لكن كما قال النووي: "إن بعض طرقه تقوي بعضا"، قال ابن رجب: "وهو كما قال... وقد‬
‫استدل اإلمام أحمد بهذا الحديث... وقال أبو عمرو بن الصالح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من‬
   ‫وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به، وقول أبي‬
‫داود: إنه من األحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف واهلل أعلم". وانظر: إرواء‬
                                                                                            ‫الغليل (698).‬
‫(7) أخرجه أحمد (3/311)، وأبو داود في األقضية (1363)، والترمذي في البر (0195)، وابن‬
    ‫ماجه في األحكام (7137) من حديث أبي صرمة رضي اهلل عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث‬
    ‫حسن غريب"، وحسنه األلباني في صحيح سنن أبي داود (5903). وفي الباب عن أبي سعيد‬
‫الخدري رضي اهلل عنه أخرجه الدارقطني (3/22)، والبيهقي (6/96)، وصححه الحاكم (1137).‬
‫(3) أخرجه أحمد (1/267)، وأبو داود في الوصايا (0287) وفي البيوع (1613)، والترمذي في‬
  ‫الوصايا (0757)، وابن ماجه في الوصايا (3527) من حديث أبي أمامة رضي اهلل عنه، وقال‬
 ‫الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه ابن الجارود (919)، قال الحافظ في الفتح (1/723):‬
                  ‫م‬                 ‫ش ي‬               ‫و‬          ‫ي‬
       ‫"في إسناده إسماعيل بن ع ّاش, وقد ق ّى حديثه عن ال ّامّين جماعة من األئ ّة منهم أحمد‬
      ‫ت‬                ‫ر‬         ‫ي‬                                           ‫ي‬
  ‫والبخار ّ, وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شام ّ ثقة, وص ّح في روايته بال ّحديث‬
                                                                     ‫ت ي‬
 ‫عند ال ّرمذ ّ"، وصححه األلباني في صحيح سنن أبي داود (1917). وله شاهد من حديث عمرو‬
        ‫ن ّ‬                          ‫ت ي‬
     ‫بن خارجة عند أحمد (1/685، 285، 837)، وال ّرمذ ّ في الوصايا (5757)، وال ّسائي في‬
   ‫الوصايا (5163، 3163)، وقال الترمذي: "حسن صحيح". وشاهد ثان من حديث أنس عند ابن‬
 ‫ماجه في الوصايا (1527)، والدرقطني (1/02)، والبيهقي (6/167)، وصححه الضياء المقدسي‬
‫(1157، 1157، 6157)، وقال البوصيري في المصباح (3/115): "إسناد صحيح، رجاله ثقات".‬
     ‫وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ج ّه عند ال ّارقطن ّ (1/89). وعن جابر عند ال ّارقطن ّ‬
     ‫ي‬      ‫د‬                         ‫ي‬      ‫د‬         ‫د‬
                                                             ‫ص‬
  ‫(1/29) أيضا وقال: "ال ّواب مرسل". وعن آخرين قال الحافظ في الفتح (1/723): "وال يخلو‬
      ‫م‬        ‫ش ي‬                           ‫ن‬                                   ‫ل‬
  ‫إسناد ك ّ منها عن مقال, لكن مجموعها يقتضي أ ّ للحديث أصال, بل جنح ال ّافع ّ في األ ّ إلى‬
                                                                                       ‫ن‬
  ‫أ ّ هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش‬
           ‫م‬                     ‫ي‬                        ‫ن ني‬
‫وغيرهم ال يختلفون في أ ّ ال ّب ّ قال عام الفتح: ((ال وص ّة لوارث))، ويؤثرون ع ّن حفظوه عنه‬
                                              ‫ف‬        ‫ف‬                                 ‫م‬
                     ‫م ّن لقوه من أهل العلم, فكان نقل كا ّة عن كا ّة, فهو أقوى من نقل واحد".‬
  ‫(1) أخرجه البخاري في الجنائز (6975)، ومسلم في الوصية (8765) من حديث سعد بن أبي‬
                                                                      ‫وقاص رضي اهلل عنه.‬
     ‫(1) ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة، منهم: أبو هريرة أخرجه ابن ماجه في الوصايا‬
  ‫(9027) وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك، قال البزار كما في نصب الراية (1/001):‬
  ‫"ال نعلم رواه عن عطاء إال طلحة بن عمرو، وهو وإن روى عنه جماعة فليس بالقوي". ومنهم‬
‫أبو الدرداء أخرجه أحمد (6/011)، والطبراني في مسند الشاميين (1815)، وأبو نعيم (6/105)،‬
       ‫قال البزار كما في نصب الراية: "قد روي هذا الحديث من غير وجه، وأعلى من رواه أبو‬
         ‫الدرداء، وال نعلم له عن أبي الدرداء غير هذه الطريق، وأبو بكر بن أبي مريم وضمرة‬
        ‫معروفان، وقد احتمل حديثهما"، وقال الهيثمي في المجمع (1/757): "رواه أحمد والبزار‬
      ‫والطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط". ومنهم معاذ بن جبل أخرجه الدارقطني‬
 ‫(1/015)، والطبراني في الكبير (07/11)، قال الحافظ في التلخيص (3/59): "فيه إسماعيل بن‬
 ‫عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان"، وقال الهيثمي: "فيه عتبة بن حميد الضبي وثقه ابن‬
  ‫حبان وغيره وضعفه أحمد"، وأخرجه ابن أبي شيبة (6/677) عن معاذ موقوفا. ومنهم خالد بن‬
   ‫عبيد السلمي أخرجه الطبراني (1/895)، قال الحافظ في التلخيص: "خالد مختلف في صحبته،‬
        ‫رواه عنه ابه الحارث وهو مجهول". ومنهم أبو بكر الصديق أخرجه العقيلي في الضعفاء‬
  ‫(5/127)، وابن عدي في الكامل (7/683) وفيه حفص بن عمر العدني قال ابن عدي: "أحاديثه‬
              ‫و‬
  ‫كلها منكرة المتن والسند". والحاصل أن طرق الحديث كلها ضعيفة، لكن قد يق ّي بعضها بعضا‬
                                                   ‫س‬
               ‫كما قال الحافظ في بلوغ المرام، وقد ح ّن الحديث األلباني في اإلرواء (5165).‬
  ‫(6) أخرجه أحمد (7/827)، وأبو داود في الوصايا (2687)، والترمذي في الوصايا (2557)،‬
     ‫وابن ماجه في الوصايا (1027) من طريق شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي اهلل عنه‬
   ‫بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وقال المنذري كما في تحفة األحوذي‬
  ‫(6/117): "شهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من األئمة، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن‬
                           ‫معين"، والحديث ضعفه األلباني في ضعيف سنن أبي داود (156).‬
    ‫(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9/88)، وابن منصور في سننه (817، 917، 067)،‬
   ‫وابن أبي شيبة في المصنف (6/277، 877)، والنسائي في الكبرى (6/073)، وابن جرير في‬
‫تفسيره (1/887، 987)، والبيهقي في الكبرى (6/527)، وروي مرفوعا وصحح وقفه غير واحد‬
‫من الحفاظ، قال ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (5/681): "وهو صحيح عن ابن عباس من‬
                                               ‫قوله"، وصححه الحافظ في الفتح (1/913).‬
 ‫(8) أخرجه البخاري في النكاح (7551)، ومسلم في النكاح (1515) من حديث ابن عمر رضي‬
                                                                             ‫اهلل عنهما.‬
                                                                   ‫مرك‬
       ‫(9) هذا النص َّب من حديثين: األول قوله : ((مطل الغني ظلم)) أخرجه البخاري في‬
  ‫الحواالت (2877)، ومسلم في المساقاة (1615) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه. والثاني‬
  ‫ق‬                                                          ‫ِل‬          ‫لي‬
  ‫قوله : (( ُّ الواجد يح ّ عرضه وعقوبته)) علقه البخاري في االستقراض، باب: لصاحب الح ّ‬
   ‫مقال، ووصله أحمد (1/983)، وأبو داود في األقضية (8763)، والنسائي في البيوع (9861،‬
  ‫0961)، وابن ماجه في األحكام (2717) من حديث الشريد بن سويد رضي اهلل عنه، وصححه‬
       ‫ابن حبان (9801)، والحاكم (1/705)، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح (1/76)،‬
                                                           ‫واأللباني في اإلرواء (1315).‬
    ‫(05) أخرجه البخاري في الصوم (1295، 1295، 2295)، ومسلم في الصيام (9155) من‬
                                          ‫حديث عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما بنحوه.‬
  ‫(55) أخرجه ابن المبارك في الزهد (9255)، والبزار كما في مجمع الزوائد (5/76)، والحاكم‬
 ‫في معرفة علوم الحديث (ص19)، والقضاعي في مسند الشهاب (2155، 8155)، والبيهقي في‬
                              ‫ت‬
 ‫الكبرى (3/85) من حديث جابر رضي اهلل عنهما بلفظ: ((المنب ّ))، قال الهيثمي: "فيه يحيى بن‬
        ‫المتوكل أبو عقيل وهو كذاب"، وفي سنده اختالف بينه البيهقي، وقال المناوي في الفيض‬
   ‫(7/111): "روي موصوال ومرسال ومرفوعا وموقوفا، واضطرب في الصحابي أهو جابر أو‬
       ‫عائشة أو عمرو، ورجح البخاري في التاريخ إرساله"، وانظر: السلسلة الضعيفة (5/57)،‬
                                                               ‫وضعيف الجامع (0707).‬

‫(5/9587)‬




                                                                             ‫محبة النبي‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                     ‫العلم والدعوة والجهاد, قضايا في االعتقاد‬
                                                                     ‫أحاديث مشروحة, االتباع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                            ‫محمد أحمد حسين‬
                                                                                        ‫القدس‬
                                                                                 ‫85/1/1715‬
                                                                              ‫المسجد األقصى‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                                                             ‫ن‬
    ‫5- حديث: ((ثالث من ك ّ فيه)). 7- دليل محبة النبي اتباعه. 3- صور من محبة الصحابة‬
                                  ‫للنبي . 1- قصة عبد اهلل بن حذافة السهمي مع قيصر الروم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
  ‫أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، يا أحباب رسول اهلل، في‬
  ‫رحاب المسجد األقصى الذي يدعوكم دائماً لاللتفاف حوله وللصالة فيه وشد الرحال إليه، ليبقى‬
                                  ‫عامراً باإلسالم والمسلمين، فأنتم أهله، وأنتم حراسه األوفياء.‬
  ‫أيها المؤمنون، إن اإليمان الذي ترتبط به سعادة الدنيا واآلخرة، ويتميز به المؤمن عن سواه من‬
   ‫الناس، له عالمات وطعم ومذاق، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه‬
 ‫قال، قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ثالث من كن فيه وجد بهن حالوة اإليمان: أن يكون‬
 ‫اهلل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء ال يحبه إال هلل، وأن يكره أن يعود في الكفر‬
                                     ‫بعد أن أنقذه اهلل منه، كما يكره أن يلقى في النار))(5)[5].‬
  ‫أيها المسلمون، يا أحباب المصطفى صلى اهلل عليه وسلم، بنيان واضح، وميزان حق ال يخالطه‬
 ‫باطل، وصراط مستقيم ال يعتريه خلل، يذكره رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليتم للمؤمن إيمانه،‬
‫ويزن أعماله، ثم ليجد مذاق هذا اإليمان وحالوته وطعمه في قلبه ونفسه وعمله، فمن اعتقد وشهد‬
    ‫باأللوهية والربوبية والوحدانية هلل وحده، وأظهر مقتضيات هذا االعتقاد على جوارحه بالعمل‬
              ‫الصالح، فقد أدى حق الشهادة التي هي أول مراتب اإليمان، وال يصح عمل دونها.‬
    ‫وتحقيق هذا اإليمان والشهادة كما ذكر العلماء هو العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك،‬
   ‫واإلخالص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة لمنافية للبغض، واالنقياد المنافي‬
‫لالمتناع، والقبول المنافي للرفض، فمن تحقق به هذه الصفات والتزم بهذه الشروط، كان ممن ذاق‬
         ‫حالوة اإليمان، وأدرك حقائق اإلسالم واإلحسان، والتحق بركب أهل السعادة من النبيين‬
                                                                               ‫والصديقين والشهداء والصالحين.‬
  ‫و م من ن و م من ت‬
  ‫وقد أثنى اهلل على المؤمنين في كثير من آيات القرآن الكريم فقال تعالى: َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِ َا ِ‬
      ‫ة‬          ‫وي ت‬               ‫ع م َ ويق م‬                     ‫وي‬     ‫م ْر‬          ‫ب ض ُ لي ب ْض ي ُر‬
      ‫َعْ ُهمْ أَوِْ َاء َع ٍ َأْم ُونَ بِالْ َع ُوفِ َ َنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْكرِ َ ُ ِي ُونَ الصالةَ َ ُؤْ ُونَ الزكا َ‬
                                                                                         ‫ويط ع الله َرس ه‬
                                                                            ‫َ ُ ِي ُونَ َّ َ و َ ُولَ ُ [التوبة:52].‬
      ‫ونقرأ في هذا الكتاب العزيز رضوان اهلل عن األولين من المهاجرين واألنصار، ومن تبعهم‬
           ‫ر و َّذ‬         ‫ْول ِ م جر ن و‬                      ‫َالس بق‬
        ‫بإحسان إلى يوم الدين في قوله تعالى: و َّا ِ ُونَ اال َُّونَ منَ الْ ُهَا ِ ِي َ َاالنْصَا ِ َال ِينَ‬
  ‫ه ر ِد َ ف ه‬                        ‫رض الله ع ُ َرض ع ه و َد ُ َن ت ْر‬                                     ‫اتبع ه ب‬
 ‫َّ َ ُو ُم ِإِحْسَانٍ َّ ِىَ َّ ُ َنْهمْ و َ ُواْ َنْ ُ َأَع َّ لَهمْ ج َّا ٍ تَج ِي تَحْتَهَا االنْ َا ُ خَال ِين ِي َا‬
                                                                                        ‫م‬          ‫ْز‬                 ‫ب‬
                                                                          ‫أَ َداً ذالِكَ الْفَو ُ الْعَظِي ُ [التوبة:005].‬
 ‫أيها المسلمون، يا إخوة اإليمان في كل مكان، من مقتضيات محبة الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
  ‫طاعته واتباعه فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعظم المؤمن‬
‫أمره ونهيه، فال يقدم عليه قول أحد من الناس، فكل يؤخذ من قوله ويرد إال صاحب الرسالة عليه‬
                                                                                                    ‫الصالة والسالم.‬
  ‫إ ك ت ت ِب الله‬
  ‫لقد جعل اهلل اتباعه عالمة على محبة اهلل وسبباً لمغفرة الذنوب، قال تعالى: ِن ُن ُمْ ُح ُّونَ َّ َ‬
                                          ‫َاتبع ن ي ب كم الله وي ِ ُ ذن ب ُ َالله ف ٌ ر م‬
                           ‫ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْ ُ ُ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ و َّ ُ غَ ُور َّحِي ٌ [آل عمران:53].‬
    ‫فال يكتمل إيمان المؤمن حتى يكون الرسول صلى اهلل عليه وسلم أحب الناس إليه، لقوله عليه‬
‫الصالة والسالم: ((ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))(7)[7].‬
‫فمحبته عليه الصالة والسالم بعد انتقاله إلى الرفيق األعلى تكون باتباع هديه وسنته، يقول اإلمام‬
                                 ‫سن‬
‫الشافعي رحمه اهلل: أجمع العلماء على أن من استبانت له َّة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لم‬
                                                                                      ‫يكن له أن يدعها لقول أحد.‬
  ‫وقد سجلت كتب السنن محبة الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم للرسول صلى اهلل عليه وسلم،‬
  ‫في مواقف إيمانية ال تصدر إال عمن ذاق حالوة اإليمان، واطمأنت نفسه لهدي المصطفى عليه‬
                                                                                                    ‫الصالة والسالم.‬
‫من ذلك مبيت علي كرم اهلل وجهه في فراش النبي عليه الصالة والسالم ليلة الهجرة، وعلي يعلم‬
                                                                               ‫ا‬
‫أن قريشً تتربص بالنبي عليه الصالة والسالم لتنال منه، وبذلك كان علي كرم اهلل وجهه أول من‬
                                                                                      ‫قدم نفسه فدائياً في اإلسالم.‬
                                           ‫ج‬
‫ويضع الصديق رضي اهلل عنه رجله في فم ُحر في غار ثور في طريق الهجرة الشريفة، حينما‬
                    ‫لم يجد ما يغلق به فم الجحر، حرصاً على النبي صلى اهلل عليه وسلم من األذى.‬
                                              ‫ج‬
    ‫ويلدغ أبو بكر رضي اهلل عنه بأفعى ذاك ال ُحر، وينزل دمعه على وجه النبي صلى اهلل عليه‬
                               ‫وسلم من األلم الذي كتمه، مخافة أن يزعج النبي عليه السالم في نومه.‬
    ‫وكان أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم يجعلون من أجسادهم تروساً تقي النبي عليه الصالة‬
  ‫والسالم من سهام المشركين ورماحهم، وهذا خبيب بن عدي رضي اهلل عنه، خرج به أهل مكة‬
   ‫لقتله خارج الحرم، وقد نصبوا خشبة صلبه، وراحوا يمثلون به وهو حي، ويقطعون من جسده،‬
   ‫القطعة تلو القطعة، وهم يقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك، وأنت ناج في أهلك؟ فاسمعوا‬
     ‫جواب المؤمن يا مسلمون، ما هو جواب المؤمن الذي تغلغل اإليمان في قلبه، وتمكن حب اهلل‬
               ‫ا‬                        ‫ً‬     ‫ا‬
          ‫ورسوله من فؤاده؟ (واهلل ما أحب أن أكون آمنً وادعا في أهلي وولدي، وأن محمدً يشاك‬
                                                       ‫ال‬
                                                      ‫بشوكة). إنه اإليمان يصنع الرجال.ويرتجز خبيب قائ ً:‬
                                      ‫ولست أبالي حين أقتل مسلماً …على أي جنب كان في اهلل مصرعي‬
                                                                              ‫ً‬
    ‫ويترك درسا ألهل اإليمان بالصبر والثبات والتضحية من أجل العقيدة والدين، فرضي اهلل عنه‬
‫وعن أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وجعلنا ممن يسير على نهجهم، ويقتفي أثرهم، إنه‬
                                                                                              ‫نعم المولى ونعم النصير.‬
      ‫جاء في الحديث الشريف أن أنس رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
                                          ‫يقول: ((ال يؤمن أحدكم حتى يجب ألخيه ما يحب لنفسه))(3)[3].‬
                                    ‫فيا فوز المستغفرين، استغفروا اهلل، وادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
          ‫الحمد هلل الهادي إلى الصراط المستقيم، والصالة والسالم على سيدنا محمد المبعوث رحمة‬
    ‫للعالمين، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى واقتفى بهداه إلى يوم الدين.‬
‫وبعد: أيها المسلمون، لقد أظهر سلفكم الصالح رضوان اهلل عليهم من خالل مواقفهم اإليمانية حب‬
                                                                             ‫ا‬
‫بعضهم بعضً، وحبهم هلل، وفي اهلل، وقد وصفهم القرآن الكريم بذلك وقال بحق السابقين ومن جاء‬
 ‫ن م ل ِ ي ِب ن م ه َ إ ِ و ِد َ ف‬                               ‫و َّذ ن َو الد ر و‬
‫بعدهم من المؤمنين: َال ِي َ تَب َّءوا َّا َ َاإليمَا َ ِن قَبِْهمْ ُح ُّو َ َنْ َاجرَ ِلَيْهمْ َالَ يَج ُون ِى‬
       ‫ُح سه‬            ‫ِه ص صة وم ي‬                     ‫ُد ِ ح جة ّم أ ت وي ِر عل أ فس ِ و‬
       ‫ص ُورِهمْ َا َ ً م َّا ُو ُواْ َ ُؤْث ُونَ ََى َن ُ ِهمْ َلَوْ كَانَ ب ِمْ خَ َا َ ٌ َ َن ُوقَ ش َّ نَفْ ِ ِ‬
‫فَُوْلَئِ َ ه ُ الْ ُفْلِ ُو َ َال ِي َ جَاءوا ِن َعدِهمْ َ ُوُون رَّنَا اغْفرْ لَنَا َإلِخْوا ِنَا ال ِي َ َبَ ُونَا ِا َي َا ِ‬
‫ن َّذ ن س ق ب إل م ن‬                     ‫و‬         ‫ِ‬       ‫م ب ْ ِ يق ل َ َب‬             ‫أ ك ُم م ح ن و َّذ ن‬
                                         ‫فر م‬             ‫َ ْ ف قل ب ِال لَّذ ن من َب ِن‬                            ‫و‬
                          ‫َالَ تَجْعل ِى ُُو ِنَا غ ًّ ّل ِي َ ءا َ ُواْ ر َّنَا إ َّكَ رَءو ٌ َّحِي ٌ [الحشر:9، 05].‬
                            ‫ش‬
 ‫أيها المسلمون، ما هي مواقف المسلمين اليوم من الالجئين الذين ُردوا من ديارهم، إن الالجئين‬
                                              ‫في العراق يستغيثون بكل شعوب العالم لتخليصهم من محنتهم.‬
‫أيها المسلمون، أما مواقف المؤمنين في كراهيتهم للعودة إلى الكفر بعد أن أنقذهم اهلل منه فال تكاد‬
      ‫تحصى، فبعد أن ذاقوا حالوة اإليمان وخالطت بشاشته قلوبهم ومألت جوانحهم، قضى الكثير‬
                                                                               ‫ً‬
         ‫منهم شهيدا في سبيل هذا الموقف، وامتحن الكثير منهم، فصبر للمحن، وثبت أمام الترهيب‬
                                                  ‫والترغيب، اعتزازاً باإليمان، ودفاعاً عن الحق الذي يمثله.‬
   ‫راجع موقف أبي بكر رضي اهلل عنه يوم الردة، وانظر كيف انتصر اإلمام أحمد لعقيدة اإليمان‬
                               ‫يوم المحنة والفتنة التي تمثلت بالقول الباطل بخلق القرآن الكريم وحدوثه.‬
 ‫وهذا صحابي جليل (عبد اهلل بن حذافة السهمي) يقع أسيراً في أيدي الروم، ويساومه ملكهم على‬
  ‫إطالق سراحه إن هو استجاب له، فعرض عليه التنصر، فماذا كان جواب األسير ؟ لقد قال في‬
‫أنفة وحزم المؤمن: (إن الموت ألحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه)، فقال: له قيصر إني ألراك‬
 ‫رجالً فهماً، فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك أشركتك في أمري، وقاسمتك سلطاني، فرد األسير‬
   ‫المكبل بقيده: (واهلل لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين‬
‫محمد طرفة عين ما فعلت)، قال: إذاً أقتلك؟ قال األسير: اصنع ما تريد، ثم أمر به القيصر، وأمر‬
      ‫برميه من يديه ورجليه بالسهام، وهو يعرض عليه مفارقة اإلسالم فأبى، وأتي بأحد أسرى‬
                               ‫المسلمين أمام زميله األسير وأمر بحرقه في قدر يغلي بالزيت.‬
‫وبقى األسير على ثباته وإيمانه، ليعرض عليه قيصر تقبيل رأسه مقابل إخالء سبيله، فقال األسير‬
‫ـ وهو وفي هذا الموقف، حيث يحرص اإلنسان على الحياة والنجاة ـ، فقال: وعن جميع أسرى‬
‫المسلمين؟ فقال قيصر: وعن جميع أسرى المسلمين، عندها قال عبد اهلل في نفسه: عدو من أعداء‬
                                                                            ‫ب‬
            ‫اهلل أق ّل رأسه ويخلي عني وعن أسرى المسلمين، ال أرى أنه يجوز ترك ذلك علي.‬
 ‫ثم دنا منه وقبل رأسه، وانطلق مع أسرى المسلمين، قادماً إلى المدينة، حيث الفاروق عمر خليفة‬
    ‫يقب‬                    ‫ال‬
   ‫المسلمين، فأخبره بما جرى له، فنظر الفاروق إلى األسرى قائ ً: (حق على كل مسلم أن ِّل‬
                                         ‫ب‬
                            ‫رأس عبد اهلل بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك)، ثم قام وق ّل رأسه(1)[5].‬
 ‫فهل كثير ـ أيها المسئولون في هذا الزمان ـ أن تولى قضية األسرى المسلمين، أسرى الحرية‬
                                                                                ‫ا‬
‫مزيدً من االهتمام بإطالق سراحهم وعودتهم إلى أهلهم، فهم بحق يستحقون من كل مسلم أن يقبل‬
                                                                                  ‫رؤوسهم.‬
     ‫إنها مواقف اإليمان، مواقف من ذاقوا حالوة اإليمان وتهيؤوا لنصرة اإلسالم، فهل ذاق طعم‬
      ‫اإليمان من يتآمر على المسلمين وديارهم؟ أو هل عرف حالوة اإليمان من والى المشركين‬
 ‫وحالفهم، وخان جماعة المسلمين وطعنهم في الصميم؟ وهل ذاق طعم اإليمان من يتاجر بأخالق‬
  ‫شباب المسلمين بترويج المخدرات وشرب المسكرات؟ وهل ذاق طعم اإليمان من فرط بأرضه‬
                                                                         ‫وعرضه وكرامته؟‬
    ‫أسئلة كثيرة تجد جوابها في واقع المسلمين اليوم، فهل من مدكر؟ وهل من معتبر فاعتبروا يا‬
                                                                             ‫أولي األبصار.‬


                                                                            ‫__________‬
‫(5) البخاري في اإليمان، باب حالوة اإليمان عن أنس (15)، ومسلم في اإليمان، باب خصال من‬
                                                                     ‫اتصف بهن وجد (06).‬
     ‫(7) البخاري في اإليمان، باب حب الرسول من حديث أنس (15)، ومسلم في اإليمان، باب‬
                                                              ‫وجوب محبة رسول اهلل (76).‬
 ‫(3) البخاري في اإليمان، باب من اإليمان أن يحب ألخيه (75)، ومسلم في اإليمان، باب الدليل‬
                                                                                     ‫على خصال اإليمان (16).‬
 ‫(1) القصة أخرجها ابن عساكر في تاريخه (انظر تفسير ابن كثير 7/981)، وذكرها الذهبي في‬
                                                                                     ‫سير أعالم النبالء (7/15).‬

‫(5/0787)‬




                                                                                                     ‫الدين النصيحة‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                   ‫أحاديث مشروحة, اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫علي بن عبد الرحمن الحذيفي‬
                                                                                                     ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                       ‫85/1/1715‬
                                                                                                     ‫المسجد النبوي‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- فضل كالم اهلل وكالم رسوله . 7- من جوامع كلمه . 3- منزلة النصيحة في اإلسالم. 1-‬
  ‫تعريف النصيحة. 1- النصح من صفات األنبياء والمؤمنين. 6- معنى النصيحة هلل تعالى. 2-‬
     ‫معنى النصيحة لكتاب اهلل تعالى. 8- معنى النصيحة لرسول اهلل . 9- معنى النصيحة ألئمة‬
                         ‫المسلمين. 05- معنى النصيحة لعامة المسلمين. 55- تذكير باليوم اآلخر.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                  ‫م ئ‬                  ‫له و َت‬        ‫ي‬                      ‫ت‬          ‫م‬
                              ‫أ ّا بعد: فا ّقوا اهلل واخشَوه، ومن َخْش الّ َ َي َّقه فأولئك ه ُ الْفا ِزون.‬
                        ‫تم‬         ‫ن‬         ‫ُذ‬                  ‫إن ر و‬                   ‫ي‬
    ‫أ ّها المسلمون، َّ خي َ ما ُعِظت به القلوب وه ِّبت به ال ّفوس آيا ٌ ِن كتاب اهلل تعالى أو‬
    ‫ه َّ بع َ ف ألمي رس ال م ُ ي ل عل ِ‬
  ‫أحاديث من كالم رسول اهلل ، قال اهلل تعالى: ُوَ الذِى َ َث ِى ا ُ ّ ّينَ َ ُو ً ّنْهمْ َتُْو ََيْهمْ‬
                        ‫ي ت و ُزك ه ويعلمهم ك ب و ح م وإ ن م ْل ف ضَل مب‬
         ‫ءا َا ِهِ َي َ ّي ِمْ َ ُ َّ ُ ُ ُ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ َِن كَا ُواْ ِن قَب ُ لَ ِى َل ٍ ُّ ِينٍ [الجمعة:7].‬
        ‫م‬           ‫ي‬            ‫ت‬                    ‫ك‬                       ‫ع‬
‫فألقوا األسما َ، وافتَحوا القلوب، وتف ّروا بالعقول في كلما ٍ معدودات لس ّد البشر مح ّد ، جمعت‬
                    ‫ال م‬          ‫م‬         ‫د‬                             ‫ي كل‬            ‫د‬
‫ال ّينَ اإلسالم ّ َّه، واستوعبت مصالحَ الدين وال ّنيا، فما ِن خير إ ّ تض ّنته هذه الكلمات، وال‬
      ‫ة‬                  ‫ر‬       ‫م‬
      ‫ٍّ إال ح ّرت منه؛ أل ّ نب ّنا أوتيَ جوامعَ الكِم واخُصر له الكال ُ اختصا ًا، فألفاظه القليل ُ‬
                                              ‫ت‬     ‫ل‬                   ‫ن ي‬              ‫ذ‬       ‫شر‬
    ‫كل‬                      ‫جمعت المعانيَ ال ّافعة العظيمةَ الكثيرة، وقد تكون الكلمة الواحد ُ متضم‬
 ‫ِّنةً اإلسالمَ بتعاليمه ِّها،‬   ‫ة‬                                              ‫ن‬
                                                     ‫ن‬
   ‫كقوله : ((اإلحسان أن تعبدَ اهلل كأّك تراه)) رواه مسلم من حديث عمر رضي اهلل عنه(5)[5]،‬
         ‫د‬       ‫ن‬                                 ‫ن‬         ‫ن‬          ‫ن‬        ‫ر‬
     ‫وقوله : ((الب ّ ما اطمأّت إليه ال ّفس واطمأ ّ إليه القلب، واإلثم ما حاك في ال ّفس وتر ّد في‬
                                       ‫ن‬                ‫ن‬            ‫ط‬        ‫ر‬      ‫ص‬
   ‫ال ّدر وك ِهت أن ي ّلعَ عليه ال ّاس وإن أفتاك ال ّاس)) رواه أحمد وروى مسلم بعضه(7)[7].‬
                 ‫د‬               ‫د‬               ‫د‬                          ‫لم ن‬              ‫م‬
    ‫و ِن جوامع كِ ِه ال ّافعة المباركة قوله : ((ال ّين النصيحة، ال ّين النصيحة، ال ّين النصيحة))،‬
                      ‫قلنا: لمن يا رسول اهلل؟ قال: ((هلل ولكتابه ولرسوله وألئ ّة المسلمين وعام‬
   ‫َّتِهم)) رواه مسلم من‬             ‫م‬
                                                                ‫حديث تميم الداري رضي اهلل عنه(3)[3].‬
                              ‫ن‬                   ‫ر‬                ‫ي‬
        ‫وهذا الكالم النبو ّ المبارك فيه حص ٌ وفيه قصر، بمعنى أ ّ الدين محصور ومقصور في‬
                                  ‫ح‬       ‫ن كل‬       ‫ر‬            ‫ن‬      ‫ت‬            ‫ن‬
‫ال ّصيحة، فمن ا ّصف بالّصيحة فقد أح َز الدي َ َّه، ومن ُرم النصيحةَ فقد فاته من الدين بقدر‬
                                                                                                      ‫ح‬
                                                                                        ‫ما ُرم من النصيحة.‬
     ‫ق‬                              ‫ب‬                         ‫م‬              ‫ن‬
‫وتفسير الّصيحة هي القيا ُ بحقوق المنصوح له مع المحّة الصادقةِ للمنصوح له، والحقو ُ تكون‬
    ‫ل‬                  ‫ن‬
   ‫باألقوال وتكون باألفعال وإراداتِ القلب، قال األصمعي رحمه اهلل: "ال ّاصح الخالص من الغ ّ،‬
                     ‫ل‬        ‫ن‬          ‫ي‬                      ‫ص‬        ‫ل‬      ‫ل‬
     ‫وك ّ شيء خُص فقد ن َح"(1)[1]، وقال الخطاب ّ: "وأصل الّصح في الّغة الخلوص، يقال:‬
                                                                        ‫ش‬         ‫ل‬             ‫ت‬
                                                              ‫نصح ُ العسلَ إذا خّصه من ال ّمع"(1)[1].‬
                 ‫د‬                     ‫ش‬                                               ‫ن‬
      ‫وال ّصح من صفاتِ األنبياء والمرسلين والمؤمنين، والغ ّ والخداع والمكر وفسا ُ النوايا من‬
       ‫رب‬         ‫أبلغ ُ ر‬                                                              ‫ف‬
      ‫صفات الك ّار والمنافقين، قال اهلل تعالى عن نوحٍ عليه الصالة والسالم: ُ َّ ُكمْ ِسَاالتِ َ ّى‬
  ‫أبلغك‬                                                    ‫م‬             ‫و صح ُ و َم م الل م‬
‫َأَن َ ُ لَكمْ َأَعْل ُ ِنَ َّهِ َا الَ تَعْلَ ُونَ [األعراف:76]، وقال تعالى عن هود عليه السالم: ُ َّ ُ ُمْ‬
         ‫َ‬                                                 ‫رب و ك صح م ن‬                              ‫ر‬
       ‫ِسَاالتِ َ ّى َأَنَاْ لَ ُمْ نَا ِ ٌ أَ ِي ٌ [األعراف:86]، وقال تعالى عن صالح عليه السالم: لَقدْ‬
                                    ‫ت ُ ْ ر َ رب و ص ت ُ و ك ال ت ِب الن صح‬
     ‫أَبْلَغُْكم ِسَالَة َ ّى َنَ َحْ ُ لَكمْ َلَ ِن َّ ُحُّونَ َّا ِ ِينَ [األعراف:92]، وقال تعالى عن‬
   ‫ك فر ن‬              ‫س ع‬       ‫ِ رب و ص ت ك ْ ْ‬                  ‫تُ ر‬                    ‫ْ‬
   ‫شعيب عليه السالم: ياقَومِ لَقَدْ أَبْلَغُْكمْ ِسَالَات َ ّى َنَ َحْ ُ لَ ُم فَكَيفَ ءا َى َلَى قَوْمٍ َا ِ ِي َ‬
  ‫ِد ن م‬            ‫َ ض و عل َّذ‬             ‫ل عل الضع و عل‬
 ‫[األعراف:39]، وقال تعالى: َّيْسَ ََى ُّ َفَاء َالَ ََى الْمرْ َى َالَ ََى ال ِينَ الَ يَج ُو َ َا‬
                                ‫ي ق ن حرج ِذ صح ِله َرس له عل م سن م سب‬
    ‫ُنفِ ُو َ َ َ ٌ إ َا نَ َ ُواْ لَّ ِ و َ ُوِ ِ مَا ََى الْ ُحْ ِ ِينَ ِن َ ِيلٍ [التوبة:59]، وعن جرير بن‬
                                                     ‫عبد اهلل رضي اهلل عنه قال: بايع ُ النبي‬
‫َّ على إقام الصالة وإيتاء الزكاة والنصحِ لكل مسلم. رواه‬    ‫ت‬
                  ‫ق‬          ‫ي‬
‫البخاري ومسلم(6)[6]. وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النب ّ قال: ((ح ّ المسلم على المسلم‬
                             ‫ص‬      ‫ح‬                ‫ج‬                     ‫ل‬               ‫ت‬
    ‫س ّ: إذا لقيتَه فسّم عليه، وإذا دعاك فأ ِبه، وإذا استنصَ َك فان َح له، وإذا عطس فحمِد اهلل‬
    ‫ن ي‬                                              ‫ب‬                 ‫ع‬                ‫فشم‬
    ‫ِّته، وإذا مرِض ف ُده، وإذا مات فات َعه)) رواه مسلم(2)[2]. وعن جبير بن مطعم أ ّ النب ّ‬
                                         ‫ص‬                           ‫ل‬       ‫ث‬
   ‫قال: ((ثال ٌ ال يغ ّ عليهن قلب امرئ مسلم: إخال ُ العمل هلل، ومناصحة والةِ األمر، ولزوم‬
                          ‫ن‬
   ‫جماعة المسلمين)) رواه أحمد وابن حبان(8)[8]. ومعنى الحديث أ ّ هذه الخالل الثالث تصلح‬
                                                                      ‫ل‬                    ‫ه‬
                                                            ‫القلوبَ وتط ّرها من الخيانة والغ ّ والخبائث.‬
      ‫م‬               ‫م‬                                           ‫ت‬        ‫م‬         ‫ص ء‬
  ‫و ُلحا ُ هذه األ ّة هم المّصفون بالنصيحة هلل ولكتاب اهلل ولرسوله وألئ ّة المسلمين وعا ّتهم،‬
                  ‫َ‬                                                ‫ي‬
   ‫قال أبو بكر المزن ّ رضي اهلل عنه: "ما فاق أبو بكر رضي اهلل عنه أصحاب رسول اهلل بصوم‬
             ‫ل‬           ‫ب‬                               ‫ب‬                      ‫ة‬
 ‫وال بصال ٍ، ولكن بشيء كان في قل ِه"، قال: "الذي كان في قلبه الح ّ هلل عز وج ّ والنصيحة في‬
            ‫ص‬                 ‫م‬
         ‫خلقه"(9)[9]، وقال الفضيل بن عياض رحمه اهلل: "ما أدرك عندنا َن أدرك بكثرةِ ال ّالة‬
                     ‫م‬       ‫ن‬                                               ‫ن‬       ‫ص‬
 ‫وال ّيام، وإّما أدرك عندنا بسخاوةِ األنفس وسالمةِ الصدر وال ّصح لأل ّة"(05)[05]، وسئل ابن‬
                                            ‫ن‬                        ‫ي‬
       ‫المبارك رحمه اهلل: أ ّ األعمال أفضل؟ قال: "ال ّصح هلل"(55)[55]، وقال معمر: كان يقال:‬
                                                                                ‫ح‬
‫"أنص ُ الناس لك من خاف اهلل فيك"(75)[75]، وقال بعض السلف: "من وعظ أخاه فيما بينه وبينه‬
                                             ‫ب‬          ‫ن‬
                                 ‫فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوسِ ال ّاس فإنما وّخه"(35)[35].‬
        ‫ي‬                     ‫ص‬                   ‫د‬     ‫ت‬                       ‫ن‬
‫ومعنى الّصيحة هلل تعالى هي عباد ُه وح َه ال شريك له بإخال ٍ ومتابعة للهدي النبو ّ مع كمال‬
               ‫ن‬                                     ‫م‬                  ‫ب‬               ‫ل‬
‫الذ ّ والخضوع والمح ّة هلل عز وجل، وعد ُ اإلشراك به في الدعاء أو الذبح أو ال ّذر أو االستعانة‬
                       ‫ي‬         ‫ر‬          ‫ر‬          ‫ر‬        ‫ت ك‬
  ‫أو االستعاذة أو االستغاثة أو ال ّو ّل أو ال ّجاء أو ال ّغبة أو ال ّهبة أو أ ّ نوع من أنواع العبادة‬
 ‫لقول اهلل تعالى: َاعْ ُ ُواْ َّ َ َالَ ُش ِ ُواْ ِ ِ شَيْئًا [النساء:63]، وقال تعالى: َأ َّ الْ َسَاجدَ لَّه فَ َ‬
 ‫وَن م ِ ِل ِ ال‬                                              ‫و بد الله و ت ْرك به‬
                                                                                         ‫الل َد‬             ‫َع‬
                                                                             ‫تدْ ُواْ مَعَ َّهِ أَح ًا [الجن:85].‬
                       ‫س‬                      ‫ت ل‬                                  ‫ن‬
  ‫وال ّصيحة هلل تعالى هي اإليمان بصفا ِه ج ّ وعال التي وصف بها نف َه أو وصفه بها رسوله ،‬
                                          ‫ه ز ل م‬                                        ‫ت كل‬
    ‫وإثباُها ِّها هلل إثباتًا بال تمثيل، وتنزي ُه ع ّ وج ّ ع ّا ال يليق به تنزيهًا بال تعطيل للصفات،‬
                           ‫د‬                         ‫ت‬                     ‫واعتقا ُ ُّده وتفر‬
  ‫ُّده سبحانه بالخلق وال ّدبير وتصريف الكونِ في ال ّنيا واآلخرة، لقوله تعالى:‬     ‫د توح‬
‫ْر‬       ‫م‬                                             ‫م‬          ‫ه ق و ْر ب ر الل ُ َب‬
‫أَالَ لَ ُ الْخَلْ ُ َاألم ُ تَ َا َكَ َّه ر ُّ الْعَالَ ِينَ [األعراف:11]، ولقوله عز وجل: لَيْسَ لَكَ ِنَ األم ِ‬
       ‫شَىْء أَوْ َُو َ َلَيْهمْ أَوْ ُ َ ّ َهم فَإ َّهمْ ظَاِ ُونَ [آل عمران:875]، والتق ّ ُ إليه بك ّ فريض ٍ‬
       ‫ة‬      ‫ل‬         ‫رب‬                           ‫يعذب ُ ْ ِن ُ لم‬                  ‫يت ب ع ِ‬
                                        ‫ب‬                     ‫م‬        ‫ونافلة، ومجانبة محر‬
      ‫َّماته، ف َن قام بهذه الحقوق لر ّه فقد نصح لخالقه، وفي مراسيل الحسن‬
       ‫د‬                        ‫د‬                              ‫ت‬             ‫ي‬         ‫ي‬
 ‫البصر ّ عن النب ّ قال: ((أرأي ُم لو كان ألحدكم عبدان فكان أح ُهما يطيعه إذا أمره، ويؤ ّي إليه‬
       ‫ش‬         ‫م‬                    ‫َ‬                                               ‫من‬
  ‫إذا ائت َ َه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان اآلخر يعصيه إذا أمرَه، ويخونه إذا ائت َنَه، ويغ ّه إذا‬
                    ‫ز ل‬
     ‫غاب عنه، أيكونان سواء؟)) قالوا: ال، قال: ((فكذلكم أنتم عندَ اهلل ع ّ وج ّ)) خرجه ابن أبي‬
    ‫الدنيا(15)[15]، وعن أبي أمامة رضي اهلل عنه عن النب ّ قال: ((قال اهلل تعالى: أحب تعب‬
 ‫ُّ ما َّدني‬                       ‫ي‬
                                                                                      ‫ح‬
                                                              ‫به عبدي النص ُ لي)) رواه أحمد(15)[15].‬
                     ‫ض‬                                     ‫ب‬        ‫ب‬                ‫م ن‬
 ‫و ِن الّصح هلل تعالى مح ّة ما يح ّ اهلل تعالى من األقوال واألفعال، وبغ ُ ما يبغضه اهلل تعالى‬
                                                                                         ‫من األقوال واألفعال.‬
                  ‫م‬                   ‫ي‬            ‫ن‬         ‫ع‬
    ‫قال بعض أهل العلم: "جما ُ تفسير الّصيحة هو عنا َة القلب للمنصوح له َن كان، وهي على‬
           ‫ن‬                ‫شد‬                     ‫ن‬
 ‫وجهين: أحدهما فرض، واآلخر نافلة. فال ّصيحة المفترضة هلل هي َّة العناية من ال ّاصح باتباع‬
      ‫محب‬                                 ‫م‬      ‫ر‬      ‫ة‬                               ‫ب‬
‫مح ّة اهلل في أداء ما افترض ومجانب ِ ما ح ّم. وأ ّا النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار َّته على‬
       ‫مح ّة نفسه، وذلك أن يَع ِض أمران: أحدهما لنفسه واآلخر لر ّه، فيبدأ بما كان ِّه ويؤخ‬
   ‫ِّر ما‬    ‫لرب‬                ‫ب‬                                ‫ر‬                    ‫ب‬
                                                                                                   ‫س‬
                                                                                        ‫كان لنف ِه"(65)[65].‬
     ‫ة بتدب‬                  ‫د ر‬         ‫م‬        ‫دة حب‬                          ‫ن‬         ‫م‬
   ‫وأ ّا معنى الّصيحة لكتاب اهلل تعالى فش ّ ُ ِّه وتعظي ُه وش ّة ال ّغبة في فهمه والعناي ُ ُّره‬
        ‫خل‬                                       ‫يوف‬
‫واالهتمام بحفظه بقدر االستطاعة وبقدر ما ِّق اهلل تعالى ويعين ومداومة تالوته والت ُّق بآدابه‬
                                                                     ‫تعل‬                 ‫ن‬                   ‫ت‬
                                                        ‫وال ّحاكم إليه ودعوة ال ّاس إلى العناية به ُّمًا وتعليمًا.‬
                                    ‫ي‬                 ‫ة‬                     ‫ن‬         ‫م‬
   ‫وأ ّا معنى الّصيحة لرسول اهلل فطاع ُ أمره واجتناب نه ِه وتصديق أخباره وعبادة اهلل بشرعه‬
    ‫ن‬       ‫ر‬                      ‫ن‬             ‫ب‬               ‫تعل‬                  ‫ن‬     ‫ن‬
   ‫و ُصرة سّته، والعناية بهديه ُّما وتعليمًا، و ُغض من يكرَه سّتَه، واالقتداء به ظاه ًا وباط ًا‬
             ‫ل‬                            ‫ومحب ُه أكثرَ من النفس والمال واألهل والولد، والرد‬
    ‫ُّ من العلماء على األهواء المضّة بالكتاب‬                                          ‫ت‬
                                                                                                ‫ن‬      ‫والس ّة والذب‬
                                                                                   ‫ُّ عن س ّة رسول اهلل .‬     ‫ن‬
‫ُّ عدلهم ورشدهم وحب‬
‫ُّ‬                          ‫ومعنى الّصيحة ألئ ّة المسلمين الدعا ُ لهم بال ّالح وحب‬
                 ‫ُّ صالحهم وحب‬     ‫ص‬         ‫ء‬                 ‫م‬         ‫ن‬
     ‫ة‬                     ‫ت‬                   ‫ب‬               ‫ة‬
     ‫اجتماع الكلمة عليهم ومحب ُ نشر حسناتهم و ُغض ذكر مثالبهم وطاعُهم في طاعة اهلل ومحب ُ‬
    ‫ت‬                               ‫ب‬                                    ‫م‬
  ‫إعزازهم وعد ُ الخروج عليهم باألقوال أو األفعال و ُغض من يرى الخروجَ عليهم ومناصح ُهم‬
       ‫م‬                                  ‫ر‬                              ‫م‬
‫فيما يعود على األ ّة بالخير في دينهم ودنياهم بال ّفق والحكمة واإلخالص هلل تعالى وعد ُ الدعاء‬
                                                                                                                          ‫عليهم.‬
                                    ‫ب‬           ‫وأ ّا معنى الّصيحة لعا ّة المسلمين فأن يحب‬
‫َّ لهم ما يح ّ لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويرحم‬                ‫م‬         ‫ن‬         ‫م‬
                            ‫ر‬       ‫م‬       ‫ق‬           ‫ت‬               ‫ق‬
‫الصغير منهم ويو ّر الكبير ومعاونُهم على الح ّ وتعلي ُهم وأم ُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر‬
                                    ‫م‬       ‫تهد‬              ‫ه‬
        ‫وأن يدفعَ عنهم األذى والمكرو َ واألخطار التي ِّدهم، و ِن أعظم األخطار الكبيرة وأكبر‬
                                 ‫ل‬      ‫ي‬         ‫ي‬       ‫ل‬                 ‫م‬
    ‫الشرور النازلة باأل ّة ما وقع من أعما ٍ تخريب ّة وإرهاب ّة استحّت الدمَ الحرام والمالَ الحرام‬
               ‫ّ‬     ‫َّعت اآلمنين واستهدفت األم َ واالستقرار، نبعت من فكر تكفيري‬
 ‫ٍّ خارجي عاثَ في األرض‬                             ‫ن‬                         ‫ورو‬
  ‫ر‬       ‫ي‬                   ‫ث‬                 ‫م‬              ‫أشد م م‬               ‫د ذم‬
  ‫فسا ًا، َّه الرسول َّ الذ ّ، ف ِن النصيحة لعا ّة المسلمين اجتثا ُ هذا الفكر التكفير ّ وتحذي ُ‬
   ‫المسلمين منه ورف ُ من ُِم عنه اإلعداد لهذا التخريب واإلفساد لل ّلطات ليلقى جزا َه، وليكف‬
   ‫َّ‬      ‫ء‬               ‫س‬                                       ‫عل‬    ‫ع‬
           ‫ن ح‬                 ‫َّه عن ال ّماء المعصومة واألموال المح ّمة، وال يجوز التست‬
  ‫ُّر عليه بحال. والّص ُ للمسلمين‬                ‫ر‬                           ‫د‬        ‫شر‬
                    ‫دن د‬             ‫ج س‬                                           ‫ل‬        ‫ت‬
                ‫حماي ُهم من ك ّ ضرر في عقيدتهم ودينهم ودنياهم، والخوار ُ يف ِدون ال ّي َ وال ّنيا.‬
    ‫ج ب ِله وِلرس ِذ د ك ل ي ي ُ و لم‬                                      ‫َي َّذ ن من‬
 ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ اسْتَ ِي ُواْ لَّ ِ َل َّ ُولِ إ َا َعَا ُمْ ِمَا ُحْ ِيكمْ َاعَْ ُواْ‬
 ‫أ َّ َّهَ يَ ُو ُ َيْنَ الْ َرْء وقَلْ ِ ِ َأ َّ ُ ِلَيْهِ ُحْش ُو َ َا َّ ُواْ ِتْنَةً َّ ُ ِيب َّ ال ِي َ ظَلَ ُواْ ِنكمْ خ َّ ً‬
 ‫َن الل ح ل ب م َ به وَنه إ ت َر ن و تق ف ال تص َن َّذ ن م م ُ َاصة‬
                                                                                         ‫و م َن الل َد د ع‬
                                                                  ‫َاعْلَ ُواْ أ َّ َّهَ ش ِي ُ الْ ِقَابِ [األنفال:17، 17].‬
                                                ‫ي‬
     ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، ونفعنا‬
                                                                                    ‫ي‬
  ‫بهدي س ّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر‬
                                                                        ‫ن‬                  ‫ل‬
                                                     ‫المسلمين من ك ّ ذنب فاستغفروه، إ ّه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
      ‫ق‬                                                            ‫ي‬                ‫ب‬
      ‫الحمد هلل ر ّ العالمين، القو ّ المتين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له الملك الح ّ‬
       ‫م صل وسل‬                                       ‫ّد‬       ‫أن نبي وسي‬
‫المبين، وأشهد َّ َّنا ِّدنا محم ًا عبده ورسوله الصادق الوعد األمين، الله ّ ِّ ِّم وبارك‬
                                                                                 ‫م‬
                                                        ‫على عبدك ورسولك مح ّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
   ‫س‬      ‫إ الل ثم َف كل س‬                 ‫ي م ت ع‬                        ‫ي‬                    ‫م‬
 ‫أ ّا بعد: فاتقوا اهلل أّها المسلمون، واخشوا َو ًا ُرج ُون فيهِ ِلى َّه َّ تو َّى ُّ نف ٍ ما ك َبت‬
                                                                                                                        ‫ي‬
                                                                                                                  ‫وهم ال ُظلمون.‬
  ‫ة‬        ‫ب‬                      ‫ات‬             ‫م‬                              ‫ي سي‬
  ‫وتمسكوا بوص ّة ٍِّد البشر لمعاذ رضي اهلل عنه ل ّا قال له: (( َّق اهلل حيثما كنت، وأت ِع السيئ َ‬
                                                                                    ‫ن‬             ‫ح‬
                                                              ‫الحسنةَ تم ُها، وخالق ال ّاس بخلقٍ حسن))(25)[5].‬
                ‫ي‬    ‫م‬           ‫ل‬
  ‫فإ ّ لك ّ حسن ٍ ثوابًا، ولك ّ س ّئة عقابًا، فر ّكم قائ ٌ على ك ّ نفس بما ع ِلت، ُحصي على الخلقِ‬
                                         ‫م‬       ‫ب‬              ‫ل ي‬               ‫ة‬     ‫ن ل‬
                          ‫د ن‬                                                   ‫م‬
 ‫أعمالَهم، ث ّ يدينهم عليها، ويقول في الحديث القدسي: ((يا عبا ِي، إّما هي أعمالكم أحصيها لكم،‬
                      ‫ثم أو ِّيكم إ ّاها، فمن وج َ خي ًا فليحمدِ اهلل، ومن وجد غيرَ ذلك فال يلومن‬
   ‫َّ إال نفسه))(85)[7].‬                                        ‫د ر‬               ‫َف ي‬
    ‫ز ه ئر ُ ف‬                     ‫و ُل إ‬                          ‫ذ‬             ‫ذ‬       ‫ب‬          ‫ن‬      ‫ل‬
   ‫وك ّ إنسا ٍ يلقى كتا َه، فآخ ٌ بيمينه، وآخ ٌ بشماله، قال اهلل تعالى: َك َّ ِنْسَانٍ أَلْ َمْنَا ُ طَ ِ َه ِى‬
               ‫ع ك حس‬                        ‫ب‬         ‫عنق ون رج ه ْ ق مة ك ي ه م ش ر ْر ب‬
           ‫ُ ُ ِهِ َ ُخْ ِ ُ لَ ُ يَومَ الْ ِيَا َ ِ ِتَابًا َلْقَا ُ َنْ ُو ًا اق َأْ كَتَا َكَ كَفَى ِنَفْسِكَ الْيَوْمَ َلَيْ َ َ ِيبًا‬
                                          ‫س‬         ‫وقد‬              ‫فأعد‬
         ‫[اإلسراء:35، 15]، ُّوا لهذا اليوم، ِّموا ألنف ِكم أفضلَ ما تقدرون عليه من العمل.‬
     ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل‬                                                       ‫ر‬         ‫ن‬
    ‫عبادَ اهلل، إ ّ اهلل أم َكم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال تبارك وتعالى: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى‬
   ‫علي‬                                     ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫النبى َيه َّذ ن من‬
   ‫َّ ِ ّ ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا [األحزاب:61]، وقد قال : ((من صلى َّ‬
                                                                                  ‫ر‬                   ‫ل‬
                                                                              ‫صالةً واحدة صّى اهلل عليه بها عش ًا)).‬
                                                                               ‫ي و‬               ‫ل وسل‬
                                                   ‫فصّوا ِّموا على س ّد األ ّلين واآلخرين وإمام المرسلين.‬
           ‫ن‬                                           ‫م‬             ‫م‬        ‫م صل‬
     ‫الله ّ ِّ على مح ّد وعلى آل مح ّد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إ ّك حميد‬
       ‫ن‬                                            ‫م‬             ‫م‬
 ‫مجيد، وبارك على مح ّد وعلى آل مح ّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إ ّك حميد‬
                                                                                                      ‫ر‬              ‫وسل‬
                                                                                                    ‫مجيد، ِّم تسليمًا كثي ًا.‬
                                                                                                              ‫اللهم‬
                                                                                   ‫َّ وارضَ عن الصحابة أجمعين...‬


                                                                                                                  ‫__________‬
                                                                                  ‫(5) صحيح مسلم: كتاب اإليمان (8).‬
           ‫(7) أخرجه أحمد (1/277، 877)، وأبو يعلى (6815، 2815)، والطبراني في الكبير‬
  ‫(77/215، 815) من حديث وابصة بن معبد رضي اهلل عنه بنحوه، وحسن إسناده المنذري في‬
 ‫الترغيب (7/513)، وقال األلباني في صحيح الترغيب (1325): "حسن لغيره". ويشهد له حديث‬
                                     ‫مسلم في البر (3117) عن النواس بن سمعان رضي اهلل عنه بنحوه.‬
                                                                                ‫(3) صحيح مسلم: كتاب اإليمان (11).‬
                                                                                  ‫(1) انظر: تفسير القرطبي (2/137).‬
                                                                            ‫(1) انظر: جامع العلوم والحكم (ص92).‬
                                          ‫(6) أخرجه البخاري في اإليمان (21)، ومسلم في اإليمان (61).‬
                                                 ‫(2) صحيح مسلم: كتاب السالم (7657).‬
 ‫(8) أخرجه أحمد (1/08، 78)، وابن ماجه في المناسك (6103)، والبزار (2513)، وأبو يعلى‬
  ‫(3512)، والطبراني في الكبير (7/675، 275)، وصححه الحاكم (197، 197، 697)، وقال‬
  ‫الهيثمي في المجمع (5/935): "في إسناده ابن إسحق عن الزهري وهو مدلس، وله طريق عن‬
     ‫صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون". وهو في صحيح سنن ابن ماجه (0817).‬
‫وصححه ابن حبان (26، 086) من حديث زيد بن ثابت رضي اهلل عنه. قال الحاكم: "وفي الباب‬
   ‫عن جماعة من الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد اهلل بن مسعود ومعاذ بن جبل وابن‬
   ‫عمر وابن عباس وأبو هريرة وأنس رضي اهلل عنهم وغيرهم عدة"، ومنهم: أبو سعيد الخدري‬
 ‫وأبو الدرداء والنعمان بن بشير وأبوه بشير وأبو قرصافة وجابر رضي اهلل عنهم، انظر: مجمع‬
      ‫الزوائد (5/235-015). وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في األزهار المتناثرة في األخبار‬
                                                                             ‫المتواترة.‬
                                                ‫(9) انظر: جامع العلوم والحكم (ص58).‬
              ‫(05) 05] أخرجه أبو نعيم في الحلية (8/305)، والبيهقي في الشعب (2/931).‬
                                           ‫(55) 55] انظر: جامع العلوم والحكم (ص58).‬
                                      ‫(75) 75] انظر: جامع العلوم والحكم (ص58-78).‬
                                           ‫(35) 35] انظر: جامع العلوم والحكم (ص78).‬
                 ‫(15) 15] عزاه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص82) البن أبي الدنيا.‬
      ‫(15) 15] مسند أحمد (1/117)، وأخرجه أيضا الروياني (3955)، والطبراني في الكبير‬
‫(8/607)، وأبو نعيم في الحلية (8/125)، والبيهقي في الزهد الكبير (702)، وأشار المنذري في‬
   ‫الترغيب (7/763) إلى ضعفه، وقال الهيثمي في المجمع (5/28): "فيه عبيد اهلل بن زحر عن‬
               ‫علي بن يزيد وكالهما ضعيف"، وضعفه األلباني في السلسلة الضعيفة (7301).‬
                                  ‫(65) 65] انظر: تعظيم قدر الصالة للمروزي (7/596).‬
‫(25) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة (2895)، والدارمي في الرقاق (5927) من حديث‬
  ‫أبي ذر رضي اهلل عنه وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ثم أخرجه عن محمود بن غيالن‬
 ‫عن وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ به، وقال: "قال‬
     ‫محمود: والصحيح حديث أبي ذر". وهذا االختالف من سفيان الثوري، فقد أخرجه أحمد في‬
 ‫المسند (1/315) عن وكيع عن سفيان، وقال في آخره: "قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ،‬
            ‫ال‬
     ‫فوجدت في كتابي عن أبي ذر، وهو السماع األول". وروي من وجه آخر مرس ً، ورجحه‬
   ‫الدارقطني كما في جامع العلوم والحكم (5/193). ثم قال ابن رجب: "وقد حسن الترمذي هذا‬
  ‫الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه وقال: صحيح على‬
 ‫شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين" ثم ذكرهما رحمه اهلل. فالحديث حسن، وقد حسنه األلباني‬
                                              ‫في صحيح الترغيب والترهيب (1167، 0653).‬
  ‫(85) جزء من حديث أبي ذر القدسي الطويل في تحريم الظلم، أخرجه مسلم في البر (2217).‬

‫(5/5787)‬




                                                           ‫اإلجازة الصيفية والسفر إلى الخارج‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                        ‫أعمال القلوب, اآلداب والحقوق العامة, السياحة والسفر‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد الرحمن السديس إمام الحرم‬
                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫17/1/1715‬
                                                                                ‫المسجد الحرام‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- حب الناس للسفر في اإلجازة. 7- سفر المعصية وسفر الطاعة. 3- من سفر الطاعة التفكر‬
   ‫في صنع اهلل. 1- السفر للدعوة إلى اهلل. 1- نعمة اهلل على عباده في تذليل وسائل السفر. 6-‬
   ‫غياب الرقابة على بنات المسلمين في السفر. 2- السياحة في ربوع الوطن. 8- آداب السفر:‬
 ‫اإلخالص وسالمة المقصد - إذن الوالدين - التماس الوصية - توخي المرافق - الحرص على‬
                                                          ‫أدعية السفر - التفقه في أحكام السفر‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، خير الوصايا الوصية بتقوى اهلل رب البرايا، فتقواه سبحانه أنفع الذخائر‬
‫للمسلم وأبقاها، وآكد المطاب وأقواها، في قفوها منازل الحق والتوفيق، وفي التزامها االهتداء إلى‬
  ‫الرأي الثاقب الوثيق، فاتقوا اهلل ـ رحمكم اهلل ـ في كل أحوالكم، في حلكم وارتحالكم، وظعنكم‬
                                           ‫ا‬
       ‫وانتقالكم، ومن تنكب سواء التقوى انقلب خاسئً وهو حسير، فلبئس المولى وبئس العشير.‬
 ‫أيها المسلمون، في دوامة التنامي الحضاري السريع، وفي خضم التقدم التقني المذهل، في أعقاب‬
  ‫هذا العصر الوثاب، وما قابل ذلك من انحسار ملحوظ, بل وسريع في الجانب القيمي واألخالقي‬
                             ‫ا‬      ‫ا‬         ‫ا‬
       ‫والنفسي بِأَخَرة، أورث ذلك كله توسعاً مذمومً، وانفتاحً محمومً، في كثير من المجاالت،‬
    ‫واستحكام أنماط وعادات في الحياة المعاصرة، وحدوث ظواهر مستجدة لم تكن على قدر من‬
                                                               ‫حسبان سلفنا الصالح رحمهم اهلل.‬
  ‫ولتلك الموروثات المعاصرة في شريعتنا ـ بمقاصدها وأهدافها ـ ضوابطها وأحكامها وآدابها،‬
                                                     ‫ر‬
    ‫كما أسفرت هذه المدنية المادية عن تب ّم فئام من الناس من المكث في بلدانهم واالستقرار في‬
              ‫ج‬               ‫ط‬
    ‫أوطانهم، والتطلع بينهم إلى التنقل بين كثير من األقطار, وح ّ عصا الترحال ل َوْب عدد من‬
‫األصقاع واألمصار، كل بحسب مقصده ومراده وبغيته ومرامه، وما أن يأفل نجم العام الدراسي،‬
 ‫وينبلج صبح الفصل الصيفي، وتتوسط شمس اإلجازة كبد السماء، تسفح الوجوه بفيحها وأوارها,‬
                                                            ‫ر‬
 ‫وتشتد لفحات الهواجر، ويلتهب َأْد الضحى، حتى ينزع الناس إلى مواطن األفياء الظليلة الندية،‬
     ‫والمياه الشفافة الرقراقة، واألجواء المخملية النضرة، إجماماً للنفوس، وتطلباً لمتناهي سكونها‬
                                                                                       ‫وهدوئها.‬
                                         ‫د‬          ‫د‬
 ‫وفي غمرة هذه األوقات المحتدمة تتب ّى ظاهرة ج ّ مقلقلة، وتبرز قضية على غاية من األهمية،‬
  ‫جديرة بأن تسبر أغوارها، وتجلى مزاياها وعوارها، كيف، وقد غالى في فهمها أقوام ومعانيها،‬
  ‫وشطوا عن حقيقتها ومراميها، وأكبر الظن ـ يا رعاكم اهلل ـ أنها قد خالجت أذهانكم, ولم تعد‬
         ‫خافية على شريف علمكم، تلكم ـ دام توفيقكم ـ هي قضية السفر واالرتحال، والسياحة‬
                                                                                      ‫واالنتقال.‬
                                  ‫معاشر المسلمين، األصل في السفر اإلباحة، واألسفار قسمان:‬
                                                                 ‫ا‬
        ‫سفر للمعصية ـ عياذً باهلل ـ، وسفر للطاعة، وسفر الطاعة يتضمن الواجب كسفر الحج‬
‫وتحصيل الرزق عند انعدامه ونحو ذلك، ومنه ما هو مستحب كزيارة البقاع المقدسة، ومنه زيارة‬
       ‫ذوي القربى وصلة الرحم والحب في اهلل، والسفر لطلب العلم وزيارة أهله، وإغاثة الفقراء‬
                                                                                    ‫والمنكوبين.‬
‫وأما السفر المباح فما كان للتطبب, واالتجار والتسبب، وما كان للسياحة والنزهة وترويح النفوس‬
‫وتجرد عن نية الثواب والطاعة، فاألمور بمقاصدها، ولكل امرئ ما نوى، والنية إذا حسنت تحيل‬
                                                        ‫العادات إلى عبادات، وإذا عرفت فالزم.‬
                               ‫ح‬                        ‫ت‬
 ‫إخوة العقيدة، إن السفر الذي اح ُسب فيه األجر والثواب, و ُرص فيه على الطاعة وأنزه اآلداب‬
                   ‫ب‬                       ‫م‬
    ‫لهو بحق روضة للعقول, وبلوغ لألنس المأمول، وهو َجْالة للسأم والكالل، و ُعداً عن الرتابة‬
   ‫والنمطية واإلمالل، وفضاء رحب لالعتبار واالدكار، ُلْ سِي ُوا ِى األرْض َانظ ُواْ كَي َ ب ََ‬
   ‫ِ ف ُر ْف َدأ‬                ‫ر ْف‬        ‫ق‬
                                                                         ‫الْخَلْقَ [العنكبوت:07].‬
 ‫إبان السفر تتجلى عظمة الخالق البارئ سبحانه، فتخشع له القلوب أمام بديع السموات واألرض،‬
                                   ‫خ‬                      ‫ب‬
‫أمام بديع خلق الطبيعة الخالبة, وتس ّحه الروح لمفاتنها األ ّاذة الجذابة، أراض شاسعة فِيح، أنبتت‬
  ‫س‬           ‫م‬                                    ‫أن‬
  ‫أجمل زهو بأطيب ريح، رياض ُ ُف، وحدائق غلب، ونخيل باسقات، وواحات ُورقات، روا ٍ‬
                                                                                              ‫م‬
                                                  ‫ش ّاء، وأرض مدحية وسماء, وأنهار تجري بأعذب ماء.‬
 ‫لُ أ‬          ‫ب جة م‬                ‫ب به َد‬                ‫الس ت و ْض و َ ُ م السم م‬                             ‫َم‬
‫أ َّنْ خَلَقَ َّمَاوا ِ َاألر َ َأَنزلَ لَكمْ ّنَ َّ َاء َاء فَأَن َتْنَا ِ ِ ح َائِقَ ذَاتَ َهْ َ ٍ َّا كَانَ َكمْ َن‬
     ‫ا ج َ له‬                           ‫َ َر ا جع‬              ‫َم ج َ‬                 ‫م الل‬              ‫ت بت ج‬
    ‫ُن ِ ُواْ شَ َرَهَا أَاله َّعَ َّهِ [النمل:06]، أ َّن َعلَ األرْض ق َارً وَ َ َلَ خِالَلَهَا أَنْهَارً وَ َعلَ َ َا‬
                                                                 ‫هم‬            ‫ْر ن ج‬                 ‫و سى وج َ ب‬
                                             ‫رَ َا ِ َ َ َعلَ َيْنَ الْبَح َيْ ِ حَا ِزاً أَءال ٌ َّعَ اهللِ [النمل:56].‬
     ‫فسبحان اهلل ـ عباد اهلل ـ، مشاهد في الطبيعة ذائعة، ومخلوقات بديعة رائعة، تدهش األلباب،‬
                                       ‫ر‬
 ‫وفي إتقانها العجب العجاب، تفعم النفس والقلب مس ّة وابتهاجاً، لكن شريطة أن تكون على ممس‬
     ‫من القلب والروح والفكر، وسبحان اهلل، كم يغلب على كثير من الناس أن يمروا بهذه المناظر‬
          ‫ن‬               ‫ُ ْ قل ب ي قل ب‬           ‫ْ ِ ك‬         ‫َ َ يس ر ْ ف‬
          ‫وكأنهم إزاءها دون نواظر. أفَلمْ َ ِي ُوا ِى األرض فَتَ ُونَ لَهم ُُو ٌ َعْ ُِونَ ِهَا أَوْ ءاذَا ٌ‬
                            ‫ُّد‬    ‫ر و ك م قل ب الت ف‬                             ‫م‬             ‫ي مع به ِن‬
              ‫َسْ َ ُونَ ِ َا فَإَّهَا الَ تَعْ َى االْبْصَا ُ َلَا ِن تَعْ َى الْ ُُو ُ َّ ِى ِى الص ُورِ [الحج:61].‬
   ‫يقول اإلمام أبو الوفاء ابن عقيل رحمه اهلل: "فنعوذ باهلل من عيون شاخصة غير بصيرة، وقلوب‬
                                                                                               ‫ناظرة غير خبيرة".‬
                                                                     ‫ث‬
    ‫إخوة اإليمان، ومن الح ّ اللطيف على السفر النافع المفيد قول الثعالبي رحمه اهلل: "من فضائل‬
      ‫السفر: أن صاحبه يرى من عجائب األمصار, وبدائع األقطار, ومحاسن اآلثار ما يزيده علمً‬
      ‫ا‬
                                                                   ‫بقدرة اهلل تعالى, ويدعوه شكراً على نعمه".‬
                                                 ‫ن‬                                             ‫ع‬
                                              ‫إن ال ُال حدثتني وهي صادقة* فيما تحدث أن العز في ال ُقَل‬
                     ‫ذ‬
       ‫وهل بلغ الصحابة األجالء، والسلف النبالء، واألئمة الفقهاء، ما بلغوا من ُرا القمم, وقصب‬
                            ‫السبق بين األمم إال بالرحلة في طلب الحديث، وتحصيل العلوم والمعارف.‬
            ‫ر جع‬                                                    ‫ك‬
       ‫ومن المعروف أن ال ُحْل نوع من األحجار كالثرى يرمى على الطرق, فإذا تغ ّب ُ ِل بين‬
                                                                                                     ‫الجفن والحدق.‬
                                   ‫ج‬
‫أيها المصطافون، أيها المسافرون، يا من عزمتم على َوْب األمصار واألقطار، وركوب األجواء‬
                            ‫ا‬
 ‫والبحار، واقتحام الفيافي والقفار، وتحدي الشدائد واألخطار, تلبثوا مليً، وتريثوا فيما أنتم بسبيله،‬
         ‫وليكن في نواياكم أسوتكم ونبيكم ، حيث ارتحل من مكة إلى المدينة، حامالً النور والضياء‬
   ‫والهدى واإلصالح، وكذلك صحابته الكرام في أثره، حيث كانوا لنشر رسالتهم الربانية المشرقة‬
   ‫أجل السفراء، وسار في ركابهم جّة العلماء، فش ّوا األرض شقً، وذرعوها سفرً وتسيارً، طلبً‬
   ‫ا‬     ‫ا‬       ‫ا‬             ‫ا‬           ‫ق‬              ‫ل‬
                                               ‫عً‬
‫للعلم واإلفادة, والصالح والسعادة، وتص ّدا في واقي الطهر والنبل، كل ذلك على كثرة المخاوف،‬
           ‫ّ‬                            ‫ال‬                                           ‫ش‬
   ‫و ُح الموارد، وخشونة المراكب، وقلة المؤانس, فه ّ اعتبرنا بهم وشكرنا الباري جل في عاله‬
                                                                                                ‫على نعمه السوابغ.‬
  ‫وفي زمننا هذا المتضخم بالدعة والرفاه، وجدب النفوس من اآلمال الغوالي أصبح السفر والتنقل‬
                                 ‫ظاهرة جديرة باالهتمام والتذكير باآلداب الشرعية والضوابط المرعية.‬
       ‫كيف, وبعض الناس يمتطون هذه األيام متون الطائرات وأرفه المركبات، أإلى صلة األرحام‬
   ‫والقرابات؟ كال، أإلى طلب العلم واألخذ من العلماء؟ كال، أإلى األعمال الخيرية والدعوية؟ كال،‬
                                                      ‫ح‬
‫أإلى مواطن الطهر والفضيلة؟ بكل ال ُرقة: ال, وكال، بل إلى مستنقعات اآلثام والشرور, ومباءات‬
 ‫المعاصي والفجور, لمبارزة الملك الديان, بالذنوب والعصيان، حيث أملى لهم الشيطان, أن هاتيك‬
        ‫المنتجعات والشطآن, هي أدواء عالج الملل من الصيف الالفح، وأجواء الترفيه والسياحة‬
                                                                                                 ‫واالصطياف.‬
   ‫أي دين وقيم عند من يسافرون إلى مباءات األوبئة الفتاكة أجاركم اهلل؟! التي أسعرتها معطيات‬
   ‫الحضارة السافرة، وألهبتها الشبكات الخبيثة المذهلة، وأذكاها الجفاف الروحي، واليباب الفكري‬
   ‫والترف المادي الزائف، فكان هذا الفهم الخاطئ لمعنى السفر والسياحة، التي آضت عند بعض‬
   ‫المنهزمين صناعة للتفلت من القيم, والتنصل من المبادئ والثوابت، في الوقت الذي تحولت فيه‬
                                                        ‫ن‬
      ‫السياحة المعاصرة إلى استراتيجيات ب ّاءة تخدم المثل والمبادئ, وتنبني على الفضائل العليا‬
      ‫لتحقيق المصالح العظمى، مما كان سبباً في خلط األوراق لدى كثيرين, بين السياحة البريئة‬
                                          ‫والترويح المشروع وبين ضدها، وبضدها تتميز األشياء.‬
              ‫ُز ا‬
  ‫حتى صرفت فئام من األمة عن تأريخها وأصالتها وتراثها ولغتها، فأضحوا م َعً تائهين أسرى‬
                                                                                       ‫ي‬
      ‫الميل ّة والتقليد والتبعية، والتقاليد المستوردة النشاز, حين هبت أعاصير الشهوات والملذات،‬
     ‫وثارت لوثات الخلل الفكري واألخالقي واالنحرافات على جملة من السلوكيات في كثير من‬
                                                              ‫المجتمعات فتركتها في دياجير الظلمات.‬
        ‫وبنحو ذلك بعض الفتيات واألسر ممن حرموا متانة الدين وقوة األخالق, وعمق األصالة‬
    ‫واألعراق، حيث هتك بعضهن ـ هداهن اهلل ـ حجاب الطهر واالحتشام، ومما زاد الطين بلة‬
     ‫والداء علة، اصطحاب البنين والبنات من المراهقين والمراهقات الذين سرعان ما تنغرز في‬
                                                  ‫أفئدتهم تلك األوضاع الفاضحة والمشاهد المتهتكة.‬
                  ‫ط‬
‫فيا سبحان اهلل! كيف تقضي المرأة سحابة عامها كريمة معززة ثم تسافر لت ّرح خمارها وحياءها،‬
                                                                                                   ‫فاتنة مفتنة.‬
               ‫أتقضي الفتاة ربيع عامها في جو مصون محافظ ثم تسافر لتبدد حياءها وحشمتها؟!‬
              ‫هل نحن ـ رجاالً ونساءً ـ في شك من ديننا؟! أولسنا على ثقة من قيمنا وثوابتنا؟!‬
           ‫إذن لماذا هذا االنفصام في الشخصية, والتناقض واالزدواجية في قضايانا االجتماعية.‬
   ‫وإنكم لتأسفون أن يعلق كل هذا على مشجب الترويح والترفيه, زعموا، ومحل الصواب أن هذا‬
     ‫خ ن‬            ‫َي َّذ ن من‬
  ‫ضرب من خيانة األمانة في التربية والتنشأة واهلل عز وجل يقول: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ تَ ُو ُواْ‬
                                                         ‫الله َالرس و خ ن م ت ُ و ُ م‬
                                        ‫َّ َ و َّ ُولَ َتَ ُو ُواْ أَ َانَا ِكمْ َأَنتمْ تَعْلَ ُونَ [األنفال:27].‬
  ‫وهؤالء وأمثالهم في كل مكان ـ إال من رحم اهلل ـ كالغراب األعصم, ال يعودون من أسفارهم‬
              ‫ط‬
   ‫إال بكآبة المنظر, وسوء المنقلب, وندامة المعتقد الذي استعاذ منه المصطفى ، ل ّخوا أبصارهم‬
   ‫فيما حرم اهلل، حتى غار منها ماء الحياء وراؤه، وجمعوا إلى العصيان عقوق امتهان األوطان،‬
  ‫وهل أبرز صوراً من اإلرهاب واإلخالل بأمن المجتمع إال ضروب من األسفار, غير منضبطة‬
                                                                      ‫بما في الشريعة واألسفار.‬
 ‫ولألوطان في دم الشرفاء األحرار حقوق واجبة وديون مستحقة مما يعظم المسؤولية في رعايتها‬
                                               ‫حق رعايتها وتنشئة األجيال على أمنها وعنايتها.‬
                                              ‫خ‬                            ‫ن‬
 ‫أمة اإلسالم، وأ ّى تندمل جروحنا النازفة وشرو ُنا الراعفة وفي األمة من ال يبالي بدين وال قيم‬
    ‫وال أمن وال ذمم, فليت شعري! أبمثل هذا تبنى المجتمعات ويشاد صرح الحضارات؟! وليت‬
           ‫شعري! أبمثل هذا تعمر األوقات وتدوم الخيرات والبركات وتستجلب البهجة والسعادة‬
                                                                                  ‫والمسرات؟!.‬
                                       ‫لن‬
 ‫أيها المسافرون، إن النار حفت بالشهوات، فال يكِم ّ الشيطان دينكم بدعوى الترفيه واالصطياف‬
                                                                          ‫في بقاع وبيئة شائكة.‬
                                             ‫ويا بغاة الشر كفوا وأقصروا، وتذكروا وازدجروا.‬
‫وإلى الذين اضطروا إلى السفر وعزموا عليه اهلل اهلل من إقامة شعائر دينكم واالستمساك بأخالقكم‬
       ‫ذ‬
     ‫والوالء لعقيدتكم وأمتكم في عزة وإباء، وليكن منكم في السويداء أمن دينكم وقيمكم في ال ُرا‬
  ‫ال‬                                                ‫ال‬
 ‫جمالة وجالال، وفي القمة عزة وكما ً، فكونوا له خير سفراء وطبقوه خير منهاج وأحسن مثا ً.‬
                                                                       ‫ش‬
   ‫أيها األحبة في اهلل, ُكر النعم رباط تمنعنا من اإلباق, وإننا لنشكر المنعم المتفضل سبحانه أن‬
     ‫طهر ديار الحرمين من كثير من األدران, وبسط في أرجائها ظالل األمن واألمان, كما نلهج‬
  ‫بالشكر له جل جالله وهو أهل الشكر أن خص بالدنا المباركة بالجمال الخالب, والمناخ اآلسر‬
‫الجذاب, أحاط بذلك أمن وارف الظالل تفتقده كثير من األصقاع, فحبذا المروج الخضراء, والمقام‬
   ‫النشي والهواء, والمواقع المنمنمة الفيحاء, والجداول المنسابة بالري والماء, مما يحقق المقصد‬
 ‫المشروع من السفر والسياحة في أوفر أسباب الحشمة والعفاف, وفي سياج منيع للدين والفضيلة,‬
                                                                                       ‫ب‬
                                                     ‫وفي ُعد عن أسباب الشر والفساد والرذيلة.‬
‫أينما أرسلت رائد الطرف في هذا الثرى األفيح، وكيف بكم إذا كانت السياحة تعبدية في عرصات‬
 ‫ْل الل ي ت ه م‬
‫الحرمين الشريفين, إنها الطهر والنماء والرقي في معارج الخير والسناء ذَلِكَ فَض ُ َّهِ ُؤْ ِي ِ َن‬
                                                                                              ‫ي‬
                                                                              ‫َشَاء [الجمعة:1].‬
                                                                                  ‫ن‬
    ‫ولقد م ّ اهلل على بالد الحرمين الشريفين حرسها اهلل فجعلها واحة إيمان, ودوحة أمن وأمان،‬
   ‫حباها اهلل من مقومات السياحة الحسية والمعنوية ما ليس لغيرها, ويأتي في الذؤابة منها تحكيم‬
   ‫الشريعة التي فيها تحقيق مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد, ودرء المفاسد عنهم والحفاظ‬
    ‫على دينهم وأنفسهم وأموالهم وعقولهم وأعراضهم، ومجانبة مسالك العنف واإلرهاب، والقتل‬
‫واإلرعاب، وإراقة الدماء المعصومة بغير وجه حق، والتعرض للمسلمين والمعاهدين والمستأمنين‬
      ‫باعتداء أو إيذاء ونحو ذلك من صور اإلفساد في األرض، وبروز النسف والتفجير والعنف‬
       ‫والتدمير, ويزيد األمر خطورة حينما يصل اإلجرام ذروته، في أفضل البقاع مكة المكرمة‬
  ‫والمدينة النبوية التَيْن لهما من الحرمة والمكانة والقدسية ما ال يخفى على كل ذي بصيرة، ومما‬
                                                                         ‫ض‬
        ‫زاد األمر ِغثاً على إبالة، مصاحف مفخخة، ومساجد متحذة وكر للجريمة والتستر على‬
                                                                                ‫ا‬
                                                                         ‫أصحابها عياذً باهلل.‬
  ‫لكن اهلل بلطفه وكرمه، ثم بالجهود الموفقة المبذولة من والة األمر نصر اهلل بهم دينه، أحبط هذه‬
                               ‫المحاوالت اإلرهابية البائسة، وكشف عوارها ومن يقفوا وراءها.‬
  ‫أال فلتدومي سالمة يا أرض الحرمين الشريفين، ولتعيشي هانئة يا موئل العقيدة ومأرز اإليمان،‬
                               ‫ا‬           ‫ا‬                                       ‫فلقد أثبت‬
   ‫ِّ بفضل اهلل الخروج من األزمات أكثر تماسكً وأشد تالحمً بحمد اهلل، ولتبقي بإذن اهلل‬
                   ‫ا‬             ‫ي‬                        ‫ً‬
    ‫على مر الدهور, وكر العصور شامة في دنيا الواقع, ومثالً ُحتذى, وأنموذجً يقتفى في األمن‬
     ‫واألمان, وبذلك تتضح لك أخي السائح المبارك, والمسافر الكريم صورة االرتباط الوثيق بين‬
                                                              ‫األمة والسياحة والسفر واألمان.‬
           ‫د‬
  ‫أال شاهت وجوه األعداء المتربصين, وخسئت أعمال المعتدين المفسدين المجرمين, ور ّ اهلل كيد‬
   ‫الكائدين إلى نحورهم, وحفظ اهلل بالدنا وبالد المسلمين من شر األشرار, وكيد الفجار, إنه خير‬
                                                                      ‫مسؤول, وأكرم مأمول.‬
  ‫أقول قولي هذا, وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب‬
                            ‫والخطيئات، فاستغفروه, وتوبوا إليه, فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، هدانا إلى أقوم السنن واآلداب، وأشهد أن ال إله‬
    ‫إال اهلل وحده ال شريك له شهادة منيب أواب، وأشهد أن نبينا محمداً عبد اهلل ورسوله خير من‬
     ‫خشي ربه بالغيب وإليه أناب، صلى اهلل عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين سواقب األحساب،‬
                                               ‫ا‬
                         ‫وعلى الصفوة الخيرة من األصحاب, وسلم تسليمً كثيراً إلى يوم الدين.‬
    ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن شريعتنا الغراء قد أحاطت المسافر‬
            ‫بجملة من األحكام واآلداب ابتداء من العزم على السفر وإلى غاية اإلياب منه، منها:‬
                      ‫ا‬                                                             ‫ال‬
        ‫أو ً: اإلخالص هلل، وحسن المقصد وشرف الغاية ونبل الهدف، ومنها ثانيً: إذن الوالدين‬
‫ورضاهما، قال اإلمام الحافظ ابن حجر رحمه اهلل: "ويحرم السفر بغير إذنهما، ألن الجهاد إذا منع‬
                                                               ‫مع فضله فالسفر المباح أولى".‬
                                                                                ‫ا‬
‫ثالثً: التماس الوصية والدعاء من أهل الصالح والفضل، عن أنس بن مالك رضي اهلل عنهما قال:‬
    ‫جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اهلل، إني أريد سفراً فزودني، قال: ((زودك اهلل التقوى))،‬
     ‫قال: زدني، قال: ((وغفر ذنبك)) قال: زدني بأبي أنت وأمي، قال: ((ويسر لك الخير حيثما‬
                                 ‫كنت))(5)[5]، اهلل أكبر يا لها من وصية, ما أعظمها وأجمعها.‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫رابعً: توخي المرافق المطاوع الموافق الذي يدلك على اهلل مظهره, ويذكرك إن غفلت مخبره،‬
                     ‫وما سمي السفر سفراً إال ألنه يسفر عن أخالق الرجال ومعادنهم وطباعهم.‬
                                                                            ‫ا‬
 ‫خامسً: الحرص على أدعية السفر فهي حصن حصين وكافية واقية من كل سوء بإذن اهلل، فيسن‬
  ‫ه ذ و ُن ه م رن ن وِن إل‬                           ‫َّ‬   ‫َّذ‬         ‫س‬
 ‫للمسافر إذا استوى على راحلته أن يقول: ُبْحَانَ ال ِى سَخرَ لَنَا َا َا َمَا ك َّا لَ ُ ُقْ ِ ِي َ َإ َّا َِى‬
                                                                                          ‫رب م لب‬
                                                                      ‫َ ّنَا لَ ُنقَِ ُونَ [الزخرف:35، 15].‬
                                    ‫((اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى..)) الحديث(7)[7].‬
‫وبعامة فعلى المسافر أن يكثر من ذكر اهلل عز وجل ودعائه, يقول عليه الصالة والسالم فيما رواه‬
‫الترمذي عن أبي هريرة رضي اهلل عنه: ((ثالث دعوات مستجابات ال شك فيهن: دعوة المظلوم،‬
                                                     ‫ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده))(3)[3].‬
                                              ‫ويجتهد المسافر في تمثل أدعية السفر ومعرفة مواطنها.‬
                                                                                          ‫ا‬
        ‫سادسً: فقه أحكام السفر وآدابه تعلماً ومساءلة ألهل العلم, وقوفاً على أحكام السفر وآدابه,‬
       ‫كرخصة المسح على الخفين وقصر الصالة وجمعها ومدة ذلك وكيفيته ومعرفة اتجاه القبلة‬
                                                        ‫والمحافظة على الصالة في أوقاتها وغير ذلك.‬
      ‫أخي المسافر الكريم، وإذا قضيت نهمتك من سفرك فعجل بالرجوع إلى أهلك واسلك طريق‬
      ‫العودة غير متوانِ إلى ديارك، يقول : ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه‬
     ‫ونومه فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله))(1)[1] خرجه مسلم من حديث أبي هريرة.‬
       ‫أال فاتقوا اهلل عباد اهلل، واعلموا أن هذه األحكام واآلداب واألذكار ال تزال تحكم المسلم في‬
  ‫شريعته ودينه في السفر كما في الحضر رفعاً للمشقة واإلصر، وتذكيراً له بأنه موصول بخالقه‬
         ‫في كل زمان وعلى أية حال, واهلل المسؤول أن يسلم المسافرين في جوه وبره وبحره من‬
                                  ‫المسلمين, وأن يعيدهم إلى بالدهم سالمين غانمين, إنه جواد كريم.‬


                                                                                           ‫__________‬
   ‫(5) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب: ما يقول إذا ودع إنساناً (1113)، وقال حسن غريب،‬
                                         ‫وقال األلباني في صحيح الترمذي (9327): "حسن صحيح".‬
   ‫(7) أخرجه مسلم في الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (7135) من حديث‬
                                                                                                  ‫ابن عمر.‬
   ‫(3) أخرجه اإلمام أحمد (3739)، وأبو داود في الصالة، باب: الدعاء بظهر الغيب (6315)،‬
‫والترمذي في الدعوات، باب: ما ذكر في دعوة المسافر (8113)، وحسنه، وابن ماجه في الدعاء،‬
                        ‫باب: دعوة الوالد (7683)، وحسنه األلباني في صحيح ابن ماجه (1553).‬
‫(1) أخرجه البخاري في الحج، باب: السفر قطعة من العذاب (1085)، ومسلم في اإلمارة، باب:‬
                                                                       ‫السفر قطعة من العذاب (2795).‬

‫(5/7787)‬
                                                                                ‫التفكر في عظمة اهلل وقدرته‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                               ‫اإليمان, التوحيد, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                               ‫أعمال القلوب, األسماء والصفات, الربوبية, اهلل عز وجل‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                              ‫عبد الباري بن عوض الثبيتي‬
                                                                                                ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                 ‫17/1/1715‬
                                                                                                ‫المسجد النبوي‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- حاجة الناس في هذا الزمان إلى التفكر في عظمة اهلل تعالى. 7- اإليمان باهلل مبني على‬
     ‫التعظيم واإلجالل هلل تعالى. 3- إثبات الصفات هلل تعالى طريق التدبر. 1- نصوص في بيان‬
‫عظمة اهلل عز وجل وقدرته. 1- أكثر الناس معرفة باهلل أخشاهم له. 6- من التفكر في عظمة اهلل‬
                  ‫ر‬
      ‫النظر إلى مخلوقاته البديعة بعين التدبر. 2- ما عرف اهلل حق قدره من أص ّ على العصيان‬
                            ‫والفجور. 8- معرفة اهلل عز وجل تورث العبد الثقة المطلقة به وبقدرته.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫َي الذ ن من اتق الل َق ت ته و تم ُن‬
‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل، قال تعالى: ياأُّهَا َّ ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ َ ُوت َّ‬
                             ‫َّ َ ْ‬   ‫وم َر الل‬                                      ‫ِال و ت م لم‬
           ‫إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705]، قال تعالى: َ َا قَد ُواْ َّهَ حَق قدرِهِ [األنعام:59].‬
     ‫إخوة اإلسالم، خفَتَتْ عظمة اهلل في نفوس بعض المسلمين اليوم، وعظم في نفوسهم قدر قوى‬
                                                             ‫م‬
        ‫األرض البشرية، حين رأوا ُنجزات الحضارة المادية ونتاجها العلمي، من هندسة الصفات‬
                ‫ض‬
     ‫الوراثية, إلى االستنساخ, إلى الصواريخ العابرة للقارات, إلى حرب النجوم, و ُروب المدافع‬
                                                                                                       ‫والقنابل.‬
                           ‫ا‬
‫هذا التطور السريع والنمو الكبير في آليات التقدم المادي جعل فئامً من الخلق يصابون باالنبهار،‬
            ‫وتتسرب إلى دواخلهم الرهبة والهلع, وتضطرب نفوسهم, وتهزم عزائمهم، وهذا يحطم‬
          ‫المجتمعات, ويزلزل بنيانها, ويحولها إلى مجتمعات حزينة منكسرة يائسة ضائعة, وحري‬
          ‫ٌّ‬
‫بالمسلمين حين تهزهم عظمة البشر استحضار عظمة خالق البشر سبحانه، الذي يدبر أو الممالك,‬
     ‫يأمر وينهى، يخلق ويرزق، يميت ويحيي، يداول األيام بين الناس يقلب الدول فيسحب بدولة‬
                                                                                                         ‫ويأتي بأخرى.‬
 ‫إن تعظيم اهلل عز وجل من أجل العبادات القلبية, وأهم أعمال القلوب التي يتعين ترقيقها وتزكية‬
‫النفوس بها، ال سيما وأنه ظهر في زماننا ما يخالف تعظيم اهلل تعالى من االستخفاف واالستهزاء‬
 ‫ن‬
 ‫بشعائر اهلل، والتطاول على الثوابت, والتسفيه واالزدراء لدين اهلل، مع ما أصاب األمة من وه ٍ‬
                                            ‫ج ِله َق‬                  ‫م ك‬                        ‫ة‬       ‫ر‬
                              ‫وخو ٍ وهزيم ٍ نفسية، قال تعالى: َّا لَ ُمْ الَ تَرْ ُونَ لَّ ِ و َاراً [نوح:35].‬
  ‫د الس ت‬
  ‫إن اإليمان باهلل عباد اهلل، مبني على التعظيم واإلجالل له عز وجل، قال تعالى: تَكَا ُ َّمَاوا ُ‬
                                                                                  ‫ي َّ ن م ه‬
                           ‫َتَفَطرْ َ ِنْ ُ [مريم:09]، قال المفسرون: "يتشققن من عظمة اهلل عز وجل".‬
     ‫منزلة التعظيم تابعة للمعرفة, فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف‬
                                                      ‫ال‬      ‫ا‬
 ‫الناس به أشدهم لهم تعظيمً وإجال ً, وقد ذم اهلل تعالى من لم يعظمه حق عظمته, وال عرفه حق‬
                                ‫ج ِله َق‬                  ‫م ك‬
‫معرفته، وال وصفه حق صفته، فقال: َّا لَ ُمْ الَ تَرْ ُونَ لَّ ِ و َاراً [نوح:35]، قال المفسرون: "ما‬
                                                                                  ‫لكم ال تعظمون اهلل حق عظمته".‬
    ‫تعظيم اهلل وإجالله ـ عباد اهلل ـ ال يتحقق إال بإثبات الصفات له كما يليق به سبحانه، وروح‬
                                       ‫العبادة هو اإلجالل والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن اآلخر فسدت.‬
‫لقد كان نبينا يربي أمته على وجوب تعظيم اهلل، ففي حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: (جاء‬
       ‫حبر من األحبار إلى رسول اهلل فقال: يا محمد, إنا نجد أن اهلل يجعل السموات على إصبع،‬
      ‫واألرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على‬
‫إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر, ثم قرأ رسول اهلل :‬
  ‫َ َا قد ُواْ َّهَ حَق قدْرِ ِ َاالر ُ َ ِيعاً قَبْ َ ُ ُ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ و َّمَاوا ُ مَطْو َّا ٌ ِ َ ِي ِ ِ ُبْ َا َ ُ‬
  ‫ِي ت بيم نه س ح نه‬                ‫قي مة َالس ت‬                    ‫ضته‬            ‫َّ َ ه و ْ ْض جم‬          ‫وم َ َر الل‬
                                                                                           ‫و ل َم ي رك‬
                                                                     ‫َتَعَاَى ع َّا ُشْ ِ ُونَ [الزمر:26])(5)[5].‬
 ‫وورد من حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل : قرأ هذه اآلية ذات يوم على المنبر:‬
  ‫َ َا قد ُواْ َّهَ حَق قدْرِ ِ َاالر ُ َ ِيعاً قَبْ َ ُ ُ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ و َّمَاوا ُ مَطْو َّا ٌ ِ َ ِي ِهِ ُبْ َا َ ُ‬
  ‫ِي ت بيم ن س ح نه‬                 ‫قي مة َالس ت‬                    ‫ضته‬            ‫َّ َ ه و ْ ْض جم‬          ‫وم َ َر الل‬
                          ‫ل‬                                              ‫و ل َم ي رك‬
‫َتَعَاَى ع َّا ُشْ ِ ُونَ ورسول اهلل يقول: ((هكذا بيده ويحركها، يقب ُ بها ويدبر يمجد الرب نفسه:‬
  ‫أنا الجبار، أنا المتكبر، أما الملك, أنا العزيز، أنا الكريم))، فرجف برسول اهلل المنبر حتى قلنا:‬
                                                                                                     ‫ليخرن به(7)[7].‬
 ‫فاهلل تعالى ـ عباد اهلل ـ هو الكريم العظيم, الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء،‬
   ‫ع‬
‫أجل وأعلى، هو وحده الخالق لهذا العالم، ال يقع شيء في الكون من حركة أو سكون, أو رف ٍ أو‬
        ‫ي‬         ‫ي‬                                            ‫ء‬
   ‫خفض, أو عز أو ذل, أو عطا ٍ أو منع إال بإذنه سبحانه، يفعل ما يشاء, وال ُمانع وال ُغالب،‬
‫ولما قال األعرابي لرسول اهلل : فإنا نستشفع بك على اهلل، ونستشفع باهلل عليك، قال رسول اهلل :‬
                      ‫ع‬                                ‫ب‬
        ‫((ويحك! أتدري ما تقول؟!)) وس ّحَ رسول اهلل , فما زال يسبح حتى ُرف ذلك في وجوه‬
      ‫أصحابه, ثم قال: ((ويحك! أنه ال يستشفع باهلل على أحد من خلقه, شأن اهلل أعظم من ذلك))‬
                                                                                           ‫أخرجه أبو داود(3)[3].‬
      ‫عباد اهلل، على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم هلل‬
                                                                      ‫ال‬      ‫ا‬
‫تعظيمً وإجال ً، تأمل آيات اهلل وإعجازه في الكون، في كتاب مقروء، وصفحات مشرقة منظورة،‬
         ‫وإ ه ت جع ن‬             ‫َّ بي َ ك ت ُل‬                    ‫س‬                      ‫ال‬
         ‫ليمتلئ قلبك إجال ً وعظمة هلل سبحانه: فَ ُبْحَانَ الذِى ِ َدِهِ ملَ ُو ُ ك ّ شيء َِلَيْ ِ ُرْ َ ُو َ‬
                                                                                                            ‫[يس:38].‬
      ‫تجد أمامك نافذة واسعة سعة الكون كله، إعجاز باهر, وآيات كريمة قد كتبت بحروفٍ كبيرة‬
         ‫و ل له م ل د‬             ‫وه عل ُل‬          ‫الله ق ُل‬
         ‫واضحة على صفحات الكون كله، َّ ُ خَالِ ُ ك ّ شيء َ ُوَ ََى ك ّ شيء َكِي ٌ َّ ُ َقَاِي ُ‬
                                                                                           ‫الس ت و ْ‬
                                                                         ‫َّمَاوا ِ َاألرضِ [الزمر:76، 36].‬
      ‫انظر إلى الشمس والقمر يدوران، والليل والنهار يتقلبان, بل انظر إلى تكوين نفسك وتركيب‬
               ‫َف أ فس ُ َ ت ِر‬
            ‫جسمك، من ذا الذي جعله بهذا التركيب وهذا النظام العجيب و ِى َن ُ ِكمْ أفَالَ ُبْص ُونَ‬
                                                                                                     ‫[الذاريات:57].‬
        ‫فكر في النبات والشجر, والفاكهة والتمر، وفي البحر والنهر، إذا طاف عقلك في الكائنات,‬
‫ونظرك في األرض والسموات رأيت على صفحاتها قدرة اهلل, وامتلئ قلبك باإليمان باهلل، وانطلق‬
                                                    ‫لسانك بال إله إال اهلل، وخضعت مشاعرك لسلطان اهلل.‬
   ‫ر الل ي ت ُ‬               ‫ق مة م‬                 ‫ُ َر ُ إ جع الله ع ُم ال ْ س م إل‬
 ‫يقول عز وجل: قلْ أ َأَيْتمْ ِن َ َلَ َّ ُ َلَيْك ُ َّيلَ َرْ َداً َِى يَوْمِ الْ ِيَا َ ِ َنْ اله غَيْ ُ َّهِ َأْ ِيكمْ‬
   ‫َ ْر الل‬      ‫َ م إل ْ ق مة م‬                        ‫مع َ ُ َر ُ إ ج َ الله ع ُم الن‬                        ‫بضي َ‬
 ‫ِ ِ َاء أفَالَ تَسْ َ ُون قلْ أ َءيْتمْ ِن َعلَ َّ ُ َلَيْك ُ َّهَارَ سرْ َداً َِى يَومِ الْ ِيَا َ ِ َنْ اله غي ُ َّهِ‬
                                                               ‫كن ف أ ت صر ن‬                       ‫تك بْ‬
                                               ‫يَأْ ِي ُمْ ِلَيلٍ تَسْ ُ ُونَ ِيهِ َفالَ ُبْ ِ ُو َ [القصص:52، 72].‬
  ‫ماذا نفعل لو لم تطلع الشمس؟! ماذا نفعل إذا غاب القمر ولم يظهر؟! كيف نعيش! كيف نزرع!‬
                                                                      ‫كيف نأكل! بل كيف نتعلم ونعلم غيرنا؟!‬
‫ضي و َر ن ا َق َّ ه من ِ ل م َد سن ن و حس ب خ الله‬                                                ‫ه َّ ج َ الش‬
‫ُوَ الذِى َعلَ َّمْسَ ِ َاء َالْقَم َ ُورً و َدرَ ُ َ َازلَ ِتَعْلَ ُواْ ع َدَ ال ّ ِي َ َالْ ِ َا َ مَا َلَقَ َّ ُ‬
                                                                   ‫ْم ي م‬             ‫ِال حق ي صل ي‬
                                                      ‫ذالِكَ إ َّ بِالْ َ ّ ُفَ ّ ُ اآل َاتِ لِقَو ٍ َعْلَ ُونَ [يونس:1].‬
 ‫إن من تفكر في ذلك خاف اهلل تعالى ال محالة؛ ألن الفكر يوقعه على صفات جالل اهلل وكبريائه،‬
  ‫فهو سبحانه العزيز الكريم المتعال الواحد القهار، هو سبحانه القهار الذي قهر كل شيء وغلبه،‬
    ‫والذي ال يطاق انتقامه، مذل الجبابرة, قاسم ظهور الملوك واألكاسرة، هو سبحانه القوي الذي‬
                                      ‫تتصاغر كل قوة أمام قوته، ويتضاءل كل عظيم أمام ذكر عظمته.‬
 ‫إن هذا الجيل الذي صده عن السبيل االستكبار, وعاله الغرور, وأسكره الترف, وجعل كتاب ربه‬
                                ‫ا‬            ‫ا‬                              ‫ظ ا‬
      ‫وراءه ِهري ً بحاجة ماسة إلى أن يعرف ربه حقً، ويعظمه صدقً, بتدبر أسماء اهلل الحسنى،‬
  ‫التأمل في آياته، التفكر في إعجازه، فمن استيقن قلبه هذه المعاني ال يرهب غير اهلل، وال يخاف‬
                     ‫سواه، وال يرجو غيره، وال يتحاكم إال له، وال يذل إال لعظمته، وال يحب غيره.‬
‫أما الذين يهجرون القرآن, ويرتكبون المحرمات, ويفرطون في الطاعات، أما الذين يتحاكمون إلى‬
             ‫شرع غير اهلل، ما قدروا اهلل حق قدره، الذين يسخرون من الدين ويحاربون أولياء اهلل,‬
  ‫ويستهزئون بسنة سيد البشر, ما قدروا اهلل حق قدره، من شهد قلبه عظمة اهلل وكبرياءه علم شأن‬
                                            ‫وي َذ ُم الله سه‬
   ‫تحذيره جل وعال في قوله : َ ُح ّرْك ُ َّ ُ نَفْ َ ُ [آل عمران:87]، قال المفسرون: "أي: فخافوه‬
                                                                                                             ‫واخشوه".‬
  ‫وألجل شهود صفات عظمته سبحانه وجلت قلوب المؤمنين لمجرد ذكره تعالى كما قال سبحانه:‬
  ‫وب ّ م بت َّذ ن‬                                            ‫ِن م من َّذ ِذ ذ ِر الله ج ْ قل ب ُ‬
  ‫إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ال ِينَ إ َا ُك َ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ [األنفال:7]، ويقول سبحانه: َ َشرِ الْ ُخْ ِ ِينَ ال ِي َ‬
                                                                                    ‫ِذ ذ ِ الله ج ْ قل ب ُ‬
                                                                   ‫إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ [الحج:13، 13].‬
 ‫هذه ـ عباد اهلل ـ بعض عظمته سبحانه مما تتحمله العقول، وإال فعظمة اهلل وجالله أجل من أن‬
           ‫ا‬
       ‫يحيط بها عقل، فمن هذا بعض عظمته كيف يجعل في رتبته مخلوق ال يملك لنفسه نفعً وال‬
                                                                   ‫د‬                ‫ا‬
        ‫ضرً!! والذين ال يق ّرون اهلل حق قدره, وال يعظمونه حق عظمته, تصاب نفوسهم بالوهن,‬
    ‫وتمتلئ قلوبهم برهبة البشر، والهزيمة النفسية التي تظل تالحقهم مهما أوتوا من قوة ونالوا من‬
  ‫عدة وعدد، والهزيمة النفسية هي من أنكى الهزائم وأشدها خطراً على مستقبل األمة, قال تعالى:‬
                                                   ‫إ ك ت م من‬                     ‫زن و ُم‬               ‫و هن و‬
                                ‫َالَ تَ ِ ُوا َالَ تَحْ َ ُوا َأَنت ُ االْعْلَوْنَ ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِينَ [آل عمران:935].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم, أقول قولي‬
                                     ‫هذا, وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل وكفى, وصالة وسالماً على عباده الذين اصطفى, وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                                              ‫د‬
        ‫له العلي األعلى, وأشهد أن سيدنا ونبينا محم ًا عبده ورسوله, صاحب النهج السوي والخلق‬
                                                                   ‫األسمى, صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه.‬
                             ‫ل‬
     ‫أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل، إن امتالء القلب بعظمة اهلل يوّد ثقة مطلقة باهلل، ويجعل‬
  ‫ا‬
  ‫المسلم هادي البال ساكن النفس مهما ادلهمت الخطوب، إن استشعار عظمة اهلل تمأل القلب رضً‬
                                                               ‫ل‬
                                                               ‫ّ‬               ‫ال‬
  ‫وصبراً جمي ً، فال يحزننا تقّب الذين كفروا في البالد، فإنهم مهما علوا وتجبروا لن يصلوا إلى‬
    ‫مطامعهم، ولن يحققوا أهدافهم الدنيئة، فاهلل هو القوي الذي ال يغلب، لقد بلغ فرعون ما بلغ من‬
‫ُ وي ى‬                  ‫ة م ه ي بح‬                ‫عف‬        ‫شي ا ي‬              ‫ْض وج َ‬      ‫عَف‬           ‫إ َّ ِ‬
‫طغيان ِن فرْعَوْنَ َال ِى األر ِ َ َعلَ أَهْلَهَا ِ َعً َسْتَضْ ِ ُ طَائِفَ ً ّنْ ُمْ ُذَ ّ ُ أَبْنَاءهمْ َ َسْتَحْ ِ‬
        ‫ه جن ه ب ه ْ ف َم ه م م‬                                                                                ‫نس ُ‬
        ‫ِ َاءهمْ [القصص:1]، فماذا كانت نتيجة الطغيان فَأَخَذْنَا ُ وَ ُ ُودَ ُ فَنَ َذْنَا ُم ِى الْي ّ وَ ُوَ ُلِي ٌ‬
                                                                                                      ‫[الذاريات:01].‬
                                       ‫ي‬
 ‫إن معرفتنا بعظمة اهلل تورث القلب الشعور الحي بمعّته سبحانه، التي تفيض السكينة في المحن،‬
      ‫والبصيرة في الفتن، فعندما لجأ رسولنا إلى الغار, واقترب األعداء حتى كانوا قاب قوسين أو‬
 ‫أدنى, شاهرين سيوفهم، قال أبو بكر رضي اهلل عنه: يا رسول اهلل، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا،‬
                                  ‫فرد عليه رسولنا ـ بكل ثقة ـ: ((ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما))(1)[5].‬
 ‫إن استشعار عظمة اهلل ومعيته تبعث في النفس معنى الثبات والعزة, وتقوي العزائم حتى في أشد‬
          ‫حاالت الضنك، وقد كانت هذه الحقائق جلية عند الصحابة حتى مع الحصار االقتصادي‬
      ‫واالجتماعي في شعب أبي طالب، ولم تمض سوى أعوام حتى فتح اهلل على أبي بكر وعمر‬
                                                                         ‫وغيرهم أعظم انتصارات.‬
 ‫ومن قبل يقف موسى وجنوده عند شاطئ البحر فيقول بعضهم: إن فرعون من ورائنا والبحر من‬
                                      ‫ح ب م س ِن ُ رك ن‬
‫أمامنا, فأين الخالص؟! قَالَ أَصْ َا ُ ُو َى إ َّا لَمدْ َ ُو َ [الشعراء:56]، فيرد نبي اهلل موسى عليه‬
                          ‫ِن مع َ رب سي د‬
    ‫السالم استشعار لعظمة اهلل وثقة كاملةٍ بموعود اهلل إ َّ َ ِى َ ّى َ َهْ ِينِ [الشعراء:76]، فكان‬
                                                                            ‫بعدها النصر والتمكين.‬


                                                                                   ‫__________‬
        ‫ِن الل ي ك الس ت و ْض‬
      ‫(5) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: قول اهلل تعالى: إ َّ َّهَ ُمْسِ ُ َّمَاوا ِ َاألر َ..‬
‫(5112)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب: حدثنا احمد بن عبد اهلل بن يونس (6827).‬
                                          ‫ً‬
 ‫(7) أخرجه اإلمام أحمد (5931)، وبنحوه مختصرا أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار،‬
                                                           ‫باب: حدثنا سعيد بن منصور (8827).‬
 ‫(3) أخرجه أبو داود في السنة، باب في الجهمية (6721)، وضعفه األلباني في ضعيف أبي داود‬
                                                                                          ‫(2505).‬
‫(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر (3163)، ومسلم‬
                                ‫في فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق (5837).‬

‫(5/3787)‬




                                                                                      ‫أكاذيب زائفة‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                ‫معجزات وكرامات‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عكرمة بن سعيد صبري‬
                                                                                              ‫القدس‬
                                                                                      ‫17/1/1715‬
                                                                                   ‫المسجد األقصى‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أكذوبة تتناقلها وسائل اإلعالم. 7- الهدف من إثارة هذه األكذوبة. 3- أراجيف الكذبة عن‬
                                                     ‫النبي والرد عليها. 1- معاناة المسلمين في فلسطين.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
‫ُر د أ ي فئ ن الل َ ه ِ و ب الله ِال‬
‫أما بعد: فيقول اهلل عز وجل في سورة التوبة: ي ِي ُونَ َن ُطْ ِ ُواْ ُورَ َّهِ بِأفْوا ِهمْ َيَأْ َى َّ ُ إ َّ‬
   ‫ُر د ن‬                                                      ‫أ ي ِم ن ره و َر ك ِر‬
   ‫َن ُت َّ ُو َ ُ َلَوْ ك ِهَ الْ َاف ُونَ [التوبة:73]، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الصف: ي ِي ُو َ‬
                                    ‫هه َالله م ِم ن ره و َر ك ِر‬                               ‫لي فئ ن الل‬
      ‫ِ ُطْ ِ ُواْ ُورَ َّهِ بِأَفْوا ِ ِمْ و َّ ُ ُت ُّ ُو ِ ِ َلَوْ ك ِهَ الْ َاف ُونَ [الصف:8]، صدق اهلل العظيم.‬
     ‫أيها المسلمون، يا أحباب محمد عليه الصالة والسالم، تناقلت وسائل اإلعالم الدولية المعادية‬
 ‫لإلسالم تناقلت خالل هذا األسبوع أكذوبة كبيرة، مفادها "أي مفاد هذه األكذوبة" بأن اإلسالم نقل‬
                                                            ‫ا‬
 ‫حضارة أديان سابقة حرفيً، وتزعم هذه األكذوبة أن قصة اإلسراء والمعراج موجودة في نقوش‬
  ‫في المعابد الصينية، وهي رحلة ألحد عباد الديانات القديمة، ووسائل اإلعالم الحاقدة تكرر هذه‬
                                                                         ‫األكذوبة مراراً حتى يصدقها الناس.‬
    ‫أيها المسلمون، والسؤال ما السر عن سبب اإلعالن في هذا الوقت عن النقوش الصينية والتي‬
 ‫تتحدث حسب زعمهم حول قصة لإلسراء والمعراج منذ آالف السنين؟ ولماذا لم يتحدث أحد عن‬
                                                                                      ‫ذلك في األزمنة الماضية؟‬
 ‫أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، إن التشكيك والطعن بالدين اإلسالمي العظيم وبعقيدة‬
‫المسلمين هو هدف مشترك لجميع أعداء اإلسالم عبر التاريخ، وقد شهدت الحقب الزمنية الماضية‬
    ‫محاوالت للتشكيك باإلسالم وتكذيب القرآن الكريم، ولكن كل هذه المحاوالت لم تحقق أهدافها‬
      ‫الخبيثة في صرف المسلمين عن دينهم، فقد باءت ـ والحمد هلل ـ بالفشل الذريع، بل ازداد‬
                                     ‫ا‬                       ‫ا‬
          ‫المسلمون تمسكاً بدينهم واعتزازً به، كما ازدادوا التفافً حول المسجد األقصى المبارك.‬
  ‫أيها المسلمون، إن معجزة اإلسراء والمعراج التي يشك أعداء اإلسالم بها قد وردت في القرآن‬
    ‫م م ِ َر إل م جد ْ ص‬                                           ‫ْ بع‬          ‫س ح َّ‬
   ‫الكريم بقوله عز وجل: ُبْ َانَ الذِى أَسرَى ِ َبْدِهِ لَيْالً ّنَ الْ َسْجدِ الْح َامِ َِى الْ َسْ ِ ِ االقْ َى‬
                                          ‫ه لنريه م ي ت ِنه ه السم ع بص ر‬                                     ‫َّ ب ر‬
                             ‫الذِى َا َكْنَا حَوْلَ ُ ِ ُ ِ َ ُ ِنْ ءا َا ِنَا إ َّ ُ ُوَ َّ ِي ُ ال َ ِي ُ [اإلسراء:5].‬
    ‫إنها معجزة قطعية الداللة والثبوت، وإن الهدف من التشكيك بهذه المعجزة واضح في صرف‬
   ‫المسلمين عن االهتمام بالمسجد األقصى المبارك، ليقال بأن الصينيين قد سبقوا المسلمين بفكرة‬
     ‫اإلسراء والمعراج، وليقال بأن المسلمين قد نقلوا هذه الفكرة عن الصينيين، حاشا وكال، إنها‬
  ‫ألكذوبة وافتراء بحق اإلسالم والمسلمين، وإن الذين يروجون لهذه األكذوبة يريدون التقليل من‬
     ‫أهمية القرآن الكريم والطعن في عقيدة المسلمين وإلضعاف تعلق المسلمين بالمسجد األقصى‬
                                                                                                     ‫المبارك.‬
  ‫أيها المسلمون، إذا افترضنا أن النقوش الصينة حول اإلسراء والمعراج موجودة، فمعنى هذا أنه‬
    ‫حين وصل اإلسالم إلى الصين سجل الصينيون في وثائقهم قصة اإلسراء والمعراح، وأنهم قد‬
      ‫نقشوها على الحجارة ألهميتها، وليس كما يزعم أعداء اإلسالم بأن هذه النقوش ـ إن كانت‬
   ‫موجودة ـ أنها قد وجدت قبل اإلسالم، وأن المسلمين ال يمكن أن يكونوا قد نقلوا هذه المعجزة‬
 ‫عن الصينيين، ألن المسلمين يتلقون أوامرهم من اهلل رب العالمين، ثم هل نصدق كالم وتحليالت‬
   ‫ال ت ب ِل م‬
  ‫البشر الظنية الخاطئة ونكذب كالم رب العالمين، ونكذب القرآن الكريم الذي َّ يَأْ ِيهِ الْ َاط ُ ِن‬
                                                         ‫فه ز ل م ح حم‬                      ‫ب ن َد ه و م‬
                                           ‫َيْ ِ ي َيْ ِ َالَ ِنْ خَلْ ِ ِ تَن ِي ٌ ّنْ َكِيمٍ َ ِيدٍ [فصلت:71].‬
      ‫أيها المسلمون، ال تزال الحملة المسعورة الحاقدة ضد اإلسالم وضد نبي اإلسالم محمد عليه‬
      ‫الصالة والسالم وضد القرآن الكريم دستور المسلمين، أقول: ال تزال هذه الحملة قائمة غير‬
‫قاعدة، وإن هذه الحملة بل هذه الحمالت قد ازدادت في الفترة األخيرة بشكل ملحوظ، والمستهدف‬
         ‫هو نبي الهدى والرحمة، خاتم األنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصالة وأتم التسليم.‬
   ‫إن هؤالء المبشرين المتصهينين العدوانيين الذين ينشرون اإلشاعات واألكاذيب بحق هذا النبي‬
  ‫الكريم وبحق القرآن العظيم وبحق المسجد األقصى األسير، ال يدركون بأن اهلل رب العالمين قد‬
  ‫َ ََ ك‬
  ‫أكرم هذا النبي األمين بأن رفع ذكره في العالمين، بقوله عز وجل في سورة الشرح: ورفعْنَا لَ َ‬
                                                                                        ‫ذْ‬
  ‫ِكرَكَ [الشرح:1]، وأنه عليه الصالة والسالم قد أرسله اهلل رحمة مهدة للعالمين بقوله عز وجل‬
                                                 ‫إ َّ ر م ل م‬                  ‫و َ س‬
    ‫في سورة األنبياء: َمَا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َةً ّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205]، وأن اهلل سبحانه وتعالى قد‬
                                                                           ‫ا‬
  ‫اصطفى محمدً صلى اهلل عليه وسلم من بين خلقه ورسله، ليحمل هذه األمانة العظيمة والرسالة‬
                                                      ‫الخالدة إلى البشرية جمعاء في كل زمان ومكان.‬
            ‫أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، كيف يوصف نبينا العظيم بالقاتل والمعتدي‬
   ‫واإلرهابي؟ وهو الذي عفا عن أهل قريش يوم الفتح األعظم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة،‬
   ‫فقد سأل عليه الصالة والسالم أهل مكة: ((ما تظنون أني فاعل بكم))، قالوا: أخ كريم وابن أخ‬
  ‫كريم، فقال صاحب القلب الكبير قولته المشهورة ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))(5)[5]، فقد أعلن عليه‬
      ‫ا‬
     ‫الصالة والسالم العفو العام عن أهل قريش الذين عادوه وخاصموه مدة واحد وعشرين عامً،‬
                                ‫ا‬
 ‫فحين دخل مكة لم يقتل أحد، لم يعتقل، لم يبعد، لم يبني سجونً وال معتقالت، لم يعذب المواطنين‬
    ‫ا‬                                                           ‫ا‬
   ‫في الزنزانات، لم يهدم بيتً، لم يشرد أسرة، لم يقطع طريقاً، لم يقلع شجرة، ولم يصادر أرضً،‬
                                                                ‫ولم يمنع الناس من الوصول إلى الكعبة.‬
‫وإن السيرة النبوية المطهرة حافلة بآالف المواقف الرحيمة اإلنسانية غير العدوانية بعيداً عن الحقد‬
     ‫والغطرسة والتجبر والغرور، والسؤال: لماذا هذا النبي العظيم هو الذي يتعرض إلى حمالت‬
                                               ‫التشويش دون سائر األنبياء؟ إنها حملة صليبية حاقدة.‬
     ‫أيها المسلمون، إن الحركات التبشيرية الصليبيية المشبوهة تحاول أيضا محاكاة وتقليد القرآن‬
 ‫الكريم، وهيهات هيهات ألساليبهم الهابطة الحاقدة، فإن اهلل عز وجل قد تكفل بحفظ القرآن الكريم‬
                                 ‫ِن ن َز ذ ر وِن ه ح ظ‬
 ‫وبحفظ اللغة العربية بقوله: إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ال ّكْ َ َإ َّا لَ ُ لَ َافِ ُونَ [الحجر:9]، وإن القرآن الكريم‬
   ‫هو الكتاب الوحيد ـ في الكون كله ـ الذي سلم من الضياع والتغيير والتحريف، ومن الزيادة‬
 ‫ومن النقصان، من هنا جاء أعداء اإلسالم ليطعنوا في القرآن، ألنه الكتاب الوحيد في الكون كله‬
                                                 ‫لم يجري عليه تغيير أو تبديل إلى يوم القيامة إن شاء اهلل.‬
                                                                  ‫ا‬
‫وإن المحاوالت الفاشلة سابقً والحقاً بتقليد أسلوب القرآن الكريم لم تؤثر على القرآن كما لم تؤثر‬
   ‫على أهل القرآن، فإن أهل القرآن له حافظون ـ إن شاء اهلل ـ إلى أن يرث اهلل األرض ومن‬
 ‫عليها، وبالرغم من الضعف والفرقة واالختالف بين المسلمين في هذه المرحلة التاريخية، إال أن‬
     ‫القرآن الكريم قد سجل في هذه المرحلة الرقم القياسي إنتشارا في العالم، كيف ال وأن القرآن‬
                              ‫الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي محمد عليه أفضل الصالة وأتم التسليم.‬
‫كما أن عدد المقتنعين والمعتنقين لإلسالم في هذه األيام في تزايد بحمد اهلل وتوفيقه، وهذا ما حرك‬
             ‫ك‬              ‫َد ر م‬
   ‫ضغينة الحسد في قلوب أعداء اإلسالم، واهلل سبحانه وتعالى يقول: و َّ كَثِي ٌ ّنْ أَهْلِ الْ ِتَابِ لَوْ‬
                   ‫َي هم َق‬                    ‫َ ُد ك م ب إ ن ُ ُف ر ح َد م ع ْ فس ِ م ب ْد‬
     ‫ير ُّونَ ُم ِن َعْدِ ِيمَا ِكمْ ك َّا ًا َس ًا ّنْ ِندِ أَنْ ُ ِهمْ ِّن َع ِ مَا تَب َّنَ لَ ُ ُ الْح ُّ [البقرة:905]،‬
                                                                                                       ‫ويقول الشاعر:‬
                                               ‫وإذا أراد اهلل نشر فضيلة طويت ……أتاح لها لسان حسود‬
                                  ‫لوال اشتعال النار فيما جاورت ……ما كان يعرف طيب عرف العود‬
         ‫فنقول للحاقدين والمعتدين: إن محاوالت التقليد للقرآن الكريم، ونشر هذه المحاوالت عبر‬
     ‫اإلنترنت، هي محاوالت فاشلة زائفة لن تنال من القرآن وال من أهل القرآن، واهلل عز وجل‬
     ‫َ‬                                               ‫ك ِر‬          ‫َالله م ِم ن ه و َ‬
   ‫يقول: و َّ ُ ُت ُّ ُورِ ِ َلَوْ كرِهَ الْ َاف ُونَ [الصف:8]، ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: بلْ‬
                            ‫ف‬       ‫ب ِ ِ ي مغه ِذ ه َ ز ق و كم و ْل ِم‬                             ‫قع‬          ‫ْذف‬
 ‫نَق ِ ُ بِالْحَ ّ َلَى الْ َاطل فَ َدْ َ ُ ُ فَإ َا ُو َاهِ ٌ َلَ ُ ُ الْ َي ُ م َّا تَصِ ُونَ [األنبياء:85]، صدق اهلل‬
                                                                                                                 ‫العظيم.‬
                                                     ‫ادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة، فيا فوز المستغفرين.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل، له الحمد في الدنيا واآلخرة، له الحكم وإليه ترجعون، ونصلي ونسلم على المبعوث‬
    ‫رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صالة وسالم دائمين إلى يوم الدين، اللهم صل على سيدنا محمد‬
‫وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا‬
‫محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين‬
                                                                                                      ‫إنك حميد مجيد.‬
 ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، هناك ثالث نقاط مهمة تمس المسلمين في بيت‬
                                                         ‫المقدس أكناف بيت المقدس، وهي:‬
                                                                                     ‫ال‬
   ‫أو ً: المعتقلون في السجون اإلسرائيلية من أهل القدس، فقد تلقيت رسالة من هؤالء المعتقلين‬
 ‫يشكون وضعهم الحياتي والمعيشي، ويطالبون بإطالق سراهم، وهم يحتجون ألن موضوعهم لم‬
  ‫يبحث مع األسرى الفلسطينيين، ويطالبون ذوي الشأن أن يدرج موضوعهم مع سائر األسرى،‬
      ‫فقضية األسرى واحدة ال تتجزأ، ونضم صوتنا إلى مطلبهم العادل ونطالب بإطالق سراح‬
                                                                             ‫ا‬
                                                                ‫المعتقلين جميعً بال استثناء.‬
                                                                                     ‫ا‬
      ‫ثانيً: مكتب الداخلية في مدينة القدس، القصة الطويلة التي ال تنتهي، ال يخفى على أحد أن‬
   ‫الشكاوى تزداد من تصرفات بعض األشخاص الذي يقفون أمام مكتب الداخلية بشكل مستمر،‬
‫ويوجدون الفوضى ويعطلون مصالح المواطنين، والشرطة اإلسرائيلية تعرفهم معرفة تامة، ولكن‬
                                                                  ‫تغض النظر عنهم، لماذا؟‬
‫ولماذا ال توجد أزمة أمام مكتب الداخلية في القدس الغربية؟ هل صحيح أن السلطات اإلسرائيلية‬
   ‫المحتلة غير قادرة على حل األزمة اليومية أمام مكتب الداخلية، أم أن الهدف هو إذالل الناس‬
                                     ‫وابتزازهم، ودفع الرشاوى بطرق مباشرة وغير مباشرة.‬
  ‫واألنكى من ذلك أن الوزير المختص بالشؤون الداخلية يقول: إن ما يجري أمام مكتب الداخلية‬
                          ‫ا‬
     ‫منظر غير حضاري. نعم إنه مظهر غير حضاري وغير إنساني أيضً، فلماذا ال يعالج هذا‬
   ‫الوزير المختص الموضوع بشكل جذري ؟ إنه من واجبه أن يقوم بذلك، وإننا لمنتظرون، فقد‬
                                                                             ‫طال االنتظار.‬
                                                                   ‫ا‬
 ‫أيها المسلمون، ثالثً: عن المسجد األقصى المبارك في هذا اليوم، الجمعة ـ كما شاهدتم ـ فقد‬
    ‫منعت الشرطة اإلسرائيلية المصلين المسلمين ممن تقل أعمارهم عن أربعين سنة من دخول‬
    ‫المسجد األقصى المبارك لدواعي أمنية كما يقولون، أما إدخال اليهود المتطرفين إلى باحات‬
                                     ‫المسجد األقصى بحراسة الشرطة فال يؤثر على األمن!!‬
                        ‫فأين السياحة التي ستحصل، والمسلمون ممنوعون من دخول األقصى؟‬
 ‫إن منع المسلمين من الصالة في األقصى يتعارض مع حرية العبادة التي، أي هذه الحرية، هي‬
    ‫حق لكل إنسان، وسبق أن صدر بيان أول أمس عن الهيئة اإلسالمية العليا ومجلس األوقاف‬
‫والشؤون والمقدسات اإلسالمية في بيت المقدس، تضمن البيان تأكيداً على المواقف اإليمانية التي‬
    ‫تعتمد على القرار الرباني وعلى اآليات الكريمة واألحاديث النبوية الشريفة بأن األقصى هو‬
                                                                          ‫للمسلمين وحدهم.‬
      ‫وأوضح البيان أن وقف السياحة لغير المسلمين في هذه الظروف العصيبة، إنما يهدف إلى‬
 ‫المحافظة على حرمة المسجد األقصى، وتجنيب األقصى أي توتر محتمل، كما يهدف إلى حقن‬
    ‫الدماء وعدم االحتكاك، وسيبقى المسلمون ـ بإذن اهلل ـ السدنة والحراس األوفياء لمسجدهم‬
                                                       ‫ال‬         ‫ا‬
                                                      ‫المبارك، ليقضي اهلل أمرً كان مفعو ً.‬
                                                                                            ‫__________‬
‫(5) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (1/751) فقال: "حدثني بعض أهل العلم أن رسول‬
      ‫اهلل قام على باب الكعبة فقال: "فذكره في حديث طويل، وهذا سند معضل، وروي عن قتادة‬
                                                                      ‫ال‬
                   ‫السدوسي مرس ً، أخرجه الطبري في تاريخه (7/565) من طريق ابن إسحاق.‬

‫(5/1787)‬




                                                                           ‫الكسب الطيب والكسب الخبيث‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                       ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                              ‫البيوع, الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                         ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                                               ‫17/1/1715‬
                                                                            ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
                                           ‫ا‬
   ‫5- اهلل تعالى خلق الخلق وتكفل برزقهم جميعً. 7- من عرف أن الرزق بيد اهلل تعالى توكل‬
     ‫عليه في طلبه وحده. 3- الحكمة في تفضيل بعض الخلق على بعض في الرزق. 1- أهمية‬
 ‫القناعة للعبد المسلم. 1- اتخاذ األسباب المباحة المشروعة في طلب الرزق مأمور به. 6- على‬
   ‫المسلم الحذر من أنواع المكاسب الخبيثة. 2- من أنواع الكسب الطيب. 8- من أنواع الكسب‬
  ‫الخبيث. 9- أسباب تحصيل البركة في الرزق. 05- الحذر من التناجي باإلثم والعدوان. 55-‬
                                  ‫الحذر والتحذير ممن يظهرون خالف ما يبطنون من النوايا السيئة.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                    ‫أما بعد: فيا أيها الناس, اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
   ‫ت ِن و إل ِال لي ُد ن ُر د م ه م ّ وم‬                                     ‫وم‬
  ‫عباد اهلل، يقول اهلل جل جالله: َ َا خَلَقْ ُ الْج َّ َا ِنسَ إ َّ ِ َعْب ُو ِ مَا أ ِي ُ ِنْ ُم ّن رزْقٍ َ َا‬
                                          ‫ُر د أ ي عم ِن الل ه َّز ق ذ ُو مت ن‬
      ‫أ ِي ُ َن ُطْ ِ ُونِ إ َّ َّهَ ُوَ الر َّا ُ ُو الْق َّةِ الْ َ ِي ُ [الذاريات:61-81]، فأخبرنا تعالى أنه‬
       ‫الرزاق لعباده، المتكفل برزقهم، فرزق العباد جميعاً بيد ربهم تعالى وتقدس، ال بحولهم وال‬
  ‫ْ ِال عل الل ِ ِ ْقه‬        ‫و م َاب ٍ ف‬
 ‫بقوتهم، فهو جل وعال خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم: َمَا ِن د َّة ِي األرضِ إ َّ ََى َّه رز ُ َا‬
     ‫الله‬        ‫و ي م َاب ال ِ ُ ِ‬                         ‫وي َم م َر وم ْدعه ك ٌّ ف ك مب‬
     ‫َ َعْل ُ ُسْتَق َّهَا َ ُسْتَو َ َ َا ُل ِى ِتَابٍ ُّ ِينٍ [هود:6]، َكَأَ ّن ّن د َّةٍ َّ تَحْمل رزْقَهَا َّ ُ‬
                                                                                               ‫َ ْ ُقه وِي ُ‬
                                                                              ‫يرز ُ َا َإ َّاكمْ [العنكبوت:06].‬
               ‫غ ع الل ّ و بد ه و كر ه‬
               ‫وقد أمرنا تعالى أن نطلب الرزق منه، فَابْتَ ُواْ ِندَ َّهِ الرزْقَ َاعْ ُ ُو ُ َاشْ ُ ُواْ لَ ُ‬
                                                                                                ‫[العنكبوت:25].‬
                                                                                     ‫ل‬
    ‫والعبد يعّق باهلل أمله، وثقته فيما عند اهلل أعظم من ثقته فيما بيده، فهو ال يؤمل في المخلوق،‬
‫مهما علت منزلته، وعظمت قدرته، ال يعلق أمله بأحد من الخلق, وإنما يعلق أمله بربه، ويعلم أنه‬
                                                           ‫ال مانع لما أعطى اهلل، وال معطي لما منع اهلل.‬
   ‫ولذا في األثر عن ابن عباس: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط اهلل، وأن تحمدهم‬
‫على رزق اهلل، وأن تذمهم على ما لم يعطك اهلل، إن رزق اهلل ال يجره حرص حريص، وال يرده‬
                                                                                         ‫كراهية كاره)(5)[5].‬
                                                                                ‫د‬
  ‫فما ق ّر اهلل لك من الرزق فإنه حاصل لك، وما صرفه عنك فلن تناله، والخلق لو اجتمعوا على‬
                                                                   ‫ا‬
‫أن يوصلوا إليك نفعً ما أراد اهلل حصوله لك لم يمكن ذلك، ولو أرادوا أن يضروك بشيء ما قدر‬
                                                                           ‫ال‬
                                                                          ‫اهلل ذلك فلن يستطيعوا لذلك سبي ً.‬
‫َالل ُ ف َّل‬
‫أيها المسلم، تفكر في حكمة اهلل أن جعل البعض أغنياء والبعض فقراء، وما بين ذلك، و َّه َض َ‬
           ‫ُ ِن رب ي سط ّ لم ي و ْدر‬                                         ‫ّْ‬         ‫ب ض ُ عل ب‬
 ‫َعْ َكمْ ََى َعْضٍ في الرزْقِ [النحل:52]، قلْ إ َّ َ ّى َبْ ُ ُ الرزْقَ ِ َن َشَاء َيَق ِ ُ [سبأ:63].‬
 ‫وهذا من كمال حكمته جل وعال، فهو العليم بمصالح عباده، المقدر لهم كيفما شاء بكمال حكمته,‬
‫وكمال رحمته, وكمال عدله، فأي أمر صرف عنك فاعلم أن هلل حكمة في ذلك، وأي شيء قدر لك‬
                                                                                  ‫فاعلم أن هلل حكمة في ذلك.‬
‫أخي المسلم، فكن راضياً بما قسم اهلل لك، وال تكن جزعاً، والطامعاً فيما أيدي الناس، وإنما تكون‬
                                                          ‫ثقتك بربك جل وعال، وقناعتك بما أعطاك اهلل.‬
 ‫أخي المسلم، واهلل حكيم عليم في توسيع الرزق وتضييقه على بعض العباد، وفي األثر: ((إن من‬
              ‫عبادي من لو أغنيته ألفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لو أفقرته ألفسدت عليه‬
                                                                                                  ‫دينه))(7)[7].‬
               ‫َ ْض و ك ي َ ّل َد م ي‬                      ‫و بس الله ّ لعب ب‬
           ‫قال جل وعال: َلَوْ َ َطَ َّ ُ الرزْقَ ِ ِ َادِهِ لَ َغَوْاْ في األر ِ َلَا ِن ُنز ُ بِق َرٍ َّا َشَاء‬
                                                                                                 ‫[الشورى:27].‬
 ‫أخي المسلم، ليس المهم أن يكثر المال، ويرتفع الغنى، المهم أن يجعل اهلل في قلبك قناعة ورضا‬
     ‫بِقَسْم اهلل, وأن تطمئن نفسك بذلك، فكم من مال أشغل أهله عن ما يجب عليهم، وصدهم حتى‬
‫مصالح أنفسهم ومصالح أوالدهم، وكم من مال أشقى أهله، فحملهم على الطغيان واألشر والبطر،‬
        ‫وأفقدهم قوة اإليمان, وجعلهم يشتغلون بالحطام الفاني عما فيه خيرهم وصالحهم في دينهم‬
                                                                                                                           ‫ودنياهم.‬
                                     ‫َ‬
    ‫أيها المسلم، تأمل قول النبي : ((ليس الغنى عن كثرة العرَض إنما الغنى غنى النفس))(3)[3].‬
     ‫فمن أغنى اهلل قلبه, ورزقه الطمأنينة والرضا بما قسم اهلل له, وبذل األسباب النافعة فإنه يعيش‬
                                    ‫ّ‬                                             ‫ً‬
   ‫مطمئنا قرير العين مرتاح البال, ومن فقد ذلك عاش في هم وغم ولو اجتمعت له الدنيا بأسرها.‬
   ‫ا‬
   ‫أخي المسلم، ال تلهينك الدنيا بزخارفها، وال تشغلنك ملذاتها، وكن ـ يا أخي المسلم ـ متبصرً‬
     ‫في أمرك، ناظراً إلى من هو دونك في الرزق والعافية، فإن نظرك إلى من هو دونك، يعطيك‬
 ‫قناعة بقسْم اهلل، وإن نظرت إلى من هو أعلى منك ازدريت نعمة اهلل عليك، كما أخبر بذلك النبي‬
                                                                                                                            ‫(1)[1].‬
‫أخي المسلم، ليكن عندك ميزان صدق تعرف به الحالل من الحرام، وتميز به الخبيث من الطيب،‬
                 ‫فال يهولنك الحرام وإن كثر، ُل َّ يستوي الْخَ ِي ُ و َّّ ُ َلَوْ أَعْ َبَ َ كَث َ ُ الْخَ ِي ِ‬
                 ‫ج ك ْرة ب ث‬                       ‫ب ث َالطيب و‬               ‫ق ال‬
                                                                                                                  ‫[المائدة:005].‬
            ‫أخي المسلم، اهلل جل وعال أمرك بطلب الرزق, وأمرك باألخذ باألسباب التي تحصل لك‬
                                               ‫ش ْ ف م كبه وكل م ّ ْقه وإ النش ر‬
                                   ‫المقصود، فَامْ ُوا ِى َنَا ِ ِ َا َ ُُواْ ِن رز ِ ِ َِلَيْهِ ُّ ُو ُ [الملك:15].‬
       ‫ْ الله و ر ي تل َ‬                ‫َ ضي غ م‬                   ‫و َر ن ي رب‬
    ‫ويقول جل وعال: َءاخ ُو َ َضْ ِ ُونَ في األرْ ِ َبْتَ ُونَ ِن فَضلِ َّ ِ َءاخَ ُونَ ُقَا ُِون في‬
                                                                                                                    ‫سب الل‬
                                                                                                     ‫َ ِيلِ َّهِ [المزمل:07].‬
‫فقرن بين األمرين، بين الضاربين ابتغاء فضل اهلل، وبين الساعين في الجهاد في سبيل اهلل، فطلب‬
                                   ‫ن‬      ‫ا‬
       ‫الرزق وابتغاؤه واألخذ باألسباب أمر مطلوب شرعً، ولك ّ المسلم أسباب طلب الرزق عنده‬
       ‫بالطرق التي أباحها الشرع له، أما األسباب المحرمة فإنه يبتعد كل البعد عنها، المسلم يطلب‬
                                    ‫ا‬
                                   ‫الرزق لكن بالطرق المأذونة شرعاً، ويبتعد عن الطرق المحرمة شرعً.‬
 ‫أخي المسلم، من المكاسب المحرمة مكاسب الربا، فالمؤمن يتقي الربا بكل أحواله، وال يغرنه أن‬
   ‫َيه َّذ ن من‬
‫يكون الربا فيه المكاسب العظيمة، فهو يتقي اهلل قبل كل شيء, ويتذكر قول اهلل: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ‬
   ‫قى م ر إ ك ُ م من َ إ َّ عل ْ ن ح ب م الله َرس له‬                                                           ‫اتق الله َ َر‬
   ‫َّ ُواْ َّ َ وذ ُواْ مَا بَ ِ َ ِنَ ال ّبَوااْ ِن ُنتمْ ُّؤْ ِ ِين فَِن لمْ تَفْ َُوا فَأْذَ ُواْ بِ َرْ ٍ ّنَ َّ ِ و َ ُوِ ِ‬
                                                                                                          ‫[البقرة:827، 927].‬
     ‫أيها المسلم، المسلم يتقي المكاسب الخبيثة كأكل أموال الناس بالباطل من غش وتدليس وخداع‬
   ‫وأخذ مال بغير حق من سرقة بحقوق واجبة عليه مماطلة بالحق الواجب عليه أداؤه، ولذا يقول‬
    ‫ُك ل كل ْ ر م و الن ب ْم‬                                    ‫ُ ب ك ب ِ و ُ ل ب ه إل‬                               ‫و كل‬
    ‫اهلل: َالَ تَأْ ُُواْ أَمْوالَكمْ َيْنَ ُم بِالْ َاطلِ َتدُْواْ ِ َا َِى الْح َّامِ ِتَأْ ُُوا فَ ِيقًا ّنْ أَمْ َالِ َّاسِ ِاإلث ِ‬
                                                                                                                 ‫و ُ م‬
                                                                                                ‫َأَنتمْ تَعْلَ ُونَ [البقرة:885].‬
                                              ‫ُ ب ُ ب ِ‬                         ‫كل‬             ‫َي َّذ ن من‬
‫ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ تَأْ ُُواْ أَمْوالَكمْ َيْنَكمْ بِالْ َاطلِ [النساء:97]، ومن أكل الباطل أخذ الرشوة، وقد‬
                                                         ‫لعن رسول اهلل الراشي والمرتشي باذلها وآخذها(1)[1].‬
‫ومن أكل الحرام والمكاسب الخبيثة االتجار بالمحرمات التي حرمها الشارع, من خمور ومخدرات‬
    ‫وغير ذلك من كل ما حرم الشارع التعامل به، فالمسلم يتقي التجارة المحرمة، ويبتعد كل البعد‬
                                      ‫ا‬
    ‫عنها لتكون مكاسبه طيبة، ((إن اهلل طيب ال يقبل إال طيبً، وإن اهلل أمر المؤمنين بما أمر به‬
    ‫َي َّذ ن من‬                                     ‫َي الر ُل كل م الطيب‬
 ‫المرسلين فقال تعالى: ياأُّهَا ُّس ُ ُُواْ ِنَ َّّ َاتِ [المؤمنون:51]، وقال: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ‬
                                                               ‫كل م يب ت م َ َ ُ‬
   ‫ُُواْ ِن طَ ّ َا ِ َا رزقْنَاكمْ [البقرة:725]. ثم ذكر رسول اهلل الرجل يطيل السفر أشعث أغبر‬
    ‫رافع يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام, وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي‬
                                                              ‫بالحرام، فأنى يستجاب لذلك))(6)[6].‬
‫فاتق اهلل في مكاسبك, وابتعد عن كل مكسب خبيث، واسلك الطرق التي أذن اهلل لك فيها، واطلب‬
                                                              ‫الرزق من األبواب التي شرع اهلل لك.‬
‫ولهذا المكاسب الطيبة تتمثل في أمور, فمنها: عمل الرجل بيده، ولذا قال : ((أفضل الكسب عمل‬
                                 ‫و َل الله ب ع ح َّ ر‬
             ‫الرجل بيده، وكل بيع مبرور))(2)[2]، َأَح َّ َّ ُ الْ َيْ َ وَ َرمَ ال ّبَوااْ [البقرة:127].‬
   ‫فعمل اإلنسان وما يحصل له من خيرات من عمله بيده هو أفضل المكاسب وأعالها، ثم البيع‬
                                                 ‫المبرور الذي صدق فيه البائع فلم يكذب ولم يكتم.‬
                         ‫ثم أيها المسلم، عملك بيدك خير لك من سؤال الناس أعطوك أم منعوك.‬
                                                               ‫ا‬
‫ومن المكاسب الخبيثة أيضً: السؤال من غير حاجة فال تزال المسألة بالعبد حتى يلقى اهلل وليس‬
                                                                        ‫في وجهه مزعة لحم(8)[8].‬
  ‫فيا أخي المسلم، اسلك الطرق المشروعة والطرق النافعة والبعد عن المكاسب الخبيثة, واطلب‬
              ‫ًّ‬
              ‫كال‬
    ‫الرزق من أبوابه, وكن قانعاً بما كتب اهلل لك راضيا بذلك، واحذر أن تكون ً وعالة على‬
   ‫غيرك، وقد يسر اهلل لك األمر, وهيئ لك من قوة البدن والفكر ما تطلب به الرزق, فإن طلب‬
                         ‫الرزق عزة وكرامة، وسلوك الطريق المشروع عون لك على كل خير.‬
          ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم.‬
  ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا‬
                                                                          ‫إليه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                ‫ا‬
  ‫الحمد هلل حمدً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
‫ا‬                                                            ‫ا‬
‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله, صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرً‬
                                                                                       ‫إلى يوم الدين.‬
                                                ‫أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
 ‫عباد اهلل، بركة الرزق ليست بكثرته، ولكن بركة الرزق أمر يجعله اهلل في قلب العبد، فيرضى‬
                                                ‫ن‬
                               ‫بما قسم اهلل له، قد أفلح من أسلم, ورزق كفافا,ً وق ّعه اهلل بما آتاه.‬
‫أيها المسلم، جاء في الكتاب والسنة بيان أسباب بركة الرزق، فالرزق قد يبارك للعبد فيه، وقد ال‬
 ‫ي ق الله‬                                                      ‫ا‬
 ‫يبارك للعبد فيه، قد يعطى ماالً كثيرً، ولكن ينزع اهلل البركة منه، فال ينفعه وال يفيده، َمْحَ ُ َّ ُ‬
                                                                                                     ‫َّ َ‬  ‫ْر و ُ ب‬
                                                                                  ‫ال ّبَوااْ َيرْ ِى الصدقَاتِ [البقرة:627].‬
 ‫وم َت الل ي ع‬
‫أيها المسلم، إن من أسباب بركة الرزق: تقوى اهلل جل وعال في كل األحوال، َ َن ي َّقِ َّهَ َجْ َل‬
       ‫من َات فت‬                    ‫و َن ْ ُر‬                              ‫و َ ْ ُ ه م ح ث ي سب‬                  ‫له ْ‬
  ‫َّ ُ مَخرَجاً َيرزقْ ُ ِنْ َيْ ُ الَ َحْتَ ِ ُ [الطالق:7، 3]، َلَوْ أ َّ أَهلَ الْق َى ءا َ ُواْ و َّقَوْاْ لَ َ َحْنَا‬
    ‫رب‬                                                   ‫ع ه َر ت م الس و ْ‬
‫َلَيْ ِم ب َكَا ٍ ّنَ َّمَاء َاألرضِ [األعراف:69]، ويقول موسى عليه السالم في دعائه: َ ّ إني‬
                                                                                       ‫ل ز إَى م ْ ق ر‬
                                                                           ‫ِمَا أَن َلْتَ ِل َّ ِنْ خَيرٍ فَ ِي ٌ [القصص:17].‬
                         ‫ي‬
 ‫ومن أسباب بركة الرزق: صلة الرحم، ففي الحديث: ((من أحب أن ُنسأ في أثره، ويبسط له في‬
                                                                                           ‫رزقه فليصل ذا رحمه))(9)[5].‬
                  ‫م‬
        ‫ومن أسباب بركة الرزق: اإلنفاق في وجوه الخير والصدقة على المساكين وال ُعوزين، قال‬
                                                      ‫هو ي فه وه ْر الر ِق‬                       ‫و أ ت م‬
                                         ‫تعالى: َمَا َنفَقْ ُمْ ّن شَىْء فَ ُ َ ُخْلِ ُ ُ َ ُوَ خَي ُ َّاز ِينَ [سبأ:93].‬
                  ‫و سن ِن الل ي ِب م سن‬
 ‫وأحسن إلى عباد اهلل يحسن اهلل إليك، قال تعالى: َأَحْ ِ ُواْ إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُحْ ِ ِينَ [البقرة:195].‬
      ‫س‬                                                                         ‫ر‬
     ‫ومن ف ّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج اهلل عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ي ّر‬
                                                                          ‫على معسر يسر اهلل عليه في الدنيا واآلخرة.‬
‫فبركة الرزق في الدنيا أن يخلف اهلل عليك عوضه، وبركته في اآلخر ما ينالك من الثواب العظيم،‬
                                                                      ‫في يوم أنت أحوج فيه إلى مثقال ذرة من خير.‬
        ‫ا‬       ‫ا‬                                           ‫ذ‬
   ‫أيها المسلم، إن اهلل جل وعال ح ّر المسلمين من أن يكون نجواهم فيها بينهم ظلمً وعدوانً، قال‬
  ‫ب ِر‬               ‫إل م و ُ و وم صي الرس ل و‬                                          ‫جُ‬            ‫َي َّذ ن من ِ‬
  ‫تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ إذَا تَنَا َيْتمْ فَالَ تَتَنَاجَوْاْ بِا ِثْ ِ َالْعدْ َانِ َ َعْ ِ َةِ َّ ُو ِ َتَنَاجَوْاْ ِالْب ّ‬
         ‫و َّقْ َى و َّ ُواْ َّهَ الذِى ِلَيْهِ ُحْش ُونَ إَّمَا َّجْ َى ِنَ َّيْطَانِ ِيَح ُنَ ال ِي َ ءا َ ُواْ َلَيْ َ‬
         ‫ل ْز َّذ ن من و س‬                         ‫َالت و َاتق الل َّ إ ت َر ِن الن و م الش‬
                                                    ‫ِال بِ الله وعل الل ي و َّ م من‬                                 ‫بض ر ِ‬
                               ‫ِ َا ّهمْ شَيْئاً إ َّ ِإذْنِ َّ ِ َ ََى َّهِ فَلْ َتَ َكلِ الْ ُؤْ ِ ُونَ [المجادلة:9، 05].‬
                                                   ‫ا‬
   ‫أيها المسلم، فالمسلمون فيما بينهم سرً وعالنية أمرهم واضح ومنهجهم سليم وسرهم وعالنيتهم‬
                                            ‫ا‬      ‫ا‬     ‫ا‬
       ‫على وفق واحد, فإن إيمانهم صادقً ظاهرً وباطنً، وأخالقهم أخالق الصدق وأعمالهم أعمال‬
‫الحق، ترى أعمالهم واضحة, وترى أمورهم جلية، ال يظهر لك أمراً ويخفي عليك غير ذلك، ولذا‬
      ‫ا‬                                          ‫إل ْم و ُ و‬                            ‫ِذ ج ت ْ‬
      ‫قال اهلل لهم: إ َا تَنَا َيْ ُم فَالَ تَتَنَاجَوْاْ بِا ِث ِ َالْعدْ َانِ، ال تكن مناجاتكم وأحاديثكم وأموركم إثمً‬
                                                                                       ‫ا‬
   ‫وعدوانً, فإنكم إذا تناجيتم باإلثم والعدوان صرتم سبب شر وبالء, بل تكن لقاءاتكم دائماً لقاءات‬
                          ‫خير ولقاءات بر وتعاون على كل خير تسعد به األمة في حاضرها ومستقبلها.‬
                                       ‫ا‬
      ‫أما أولئك المندسون بين األمة الذين امتألت قلوبهم مرضً وحقداً على اإلسالم وأهله، فهؤالء‬
‫تراهم في الظاهر معك، ولكن في باطن أمورهم يتناجون باإلثم والعدوان, مناجاتهم فيما يخططونه‬
 ‫وفيما يبرمونه من مؤامرة ضد اإلسالم وأهله، إنهم إن لم ينبهوا فهم في غيهم وفي ضاللهم وفي‬
                                                                                                           ‫كيدهم لإلسالم وأهله.‬
    ‫فهم والعياذ باهلل قلوب مريضة ال تطمئن وال تهنأ إال بالمكيدة لإلسالم وأهله، الحقد مأل قلوبهم,‬
     ‫وطاعة األعداء حكمتهم ومدهم يد العون مع األعداء جعلتهم يعيشون في هذا المستنقع السيئ.‬
‫أيها المسلم، فال يليق بك أن تتآمر ضد أمة اإلسالم، وال أن تلغي لإلسالم وأهله الغوائل، وال يليق‬
                  ‫بك، أن تكون مجالسك الخاصة مجالس سوء ومجالس تعاون على اإلثم والعدوان.‬
 ‫أولئك الذين يختفون عن أنظار الناس، وإنما يطيب لهم ما يطيب لهم عندما يجتمعون فيما بينهم،‬
   ‫و ح ق م ْر السي ِال‬
   ‫فحدث عن مكرهم وخداعهم، ولكن اهلل بالمرصاد لمن أراد السوء، َالَ يَ ِي ُ الْ َك ُ َّ ّىء إ َّ‬
                                                                                       ‫ل‬
‫بِأَهِْهِ [فاطر:31]، فهؤالء ـ والعياذ باهلل ـ ال خير فيهم، ولكن اهلل يفضحهم ويهتك أستارهم؛ ألن‬
                                                                                     ‫أمرهم خطير وشرهم مستطير.‬
 ‫إذن فالمسلم ال يليق به أن يكون مع هؤالء، وال يصاحب هؤالء وال يجالس هؤالء وال يركن إلى‬
  ‫هؤالء الذين في قلوبهم حقد على اإلسالم وأهله، بل هو ينصح هلل, وإذا نتناجى ستعرف نجواهم‬
    ‫أمراً بخير. َّ خَيْر ِى كَ ِي ٍ ّن َّجْ َاهمْ إ َّ َنْ أَ َرَ ِ َدقَةٍ أَوْ َع ُوفٍ أَوْ ِصْلَا ٍ َيْنَ َّا ِ‬
    ‫إ ح ب الن س‬                  ‫م ْر‬          ‫ال َ ف ث ر م ن و ُ ِال م م بص َ‬
                                                                                                           ‫[النساء:155].‬
                                                               ‫ا‬
‫أما الذين تناجيهم أمرً بشر وتنظيم ضرر ومؤامرة دنيئة ومحاولة على ضرب اإلسالم وأهله فإن‬
  ‫هذه الملتقيات ملتقيات إثم وعدوان، المسلم يربأ بنفسه عن هؤالء وعن صحبة أولئك وعن إعانة‬
                                                                           ‫أولئك وعن السكوت والتغاضي عنهم.‬
 ‫هؤالء ال خير فيهم وليس عندهم خير وال صالح, ولكنهم قوم خدعوا وانخدعوا وضعف اإليمان‬
  ‫في قلوبهم, فأصبحوا آلة بأيدي أعدائهم في مكيدة اإلسالم وأهله، ولكن اهلل تعالى ال يصلح عمل‬
‫المفسدين، الذين يحاولون اإلفساد في األرض بأي أنواع الفساد، اهلل ال يصلح أعمالهم, وال يوفقهم‬
                    ‫ال‬
‫ألنهم أهل مكر وخداع وتناجٍ بالباطل، فأعمالهم يخفونها عن الناس؛ ألن ك ً يشذب أفعالهم, ويعلم‬
 ‫سوء نواياهم وقبح ما يريدون، فالمسلم موقفه من أولئك موقف يشذب كل هذه األحوال، ويكرهها‬
     ‫ويكره أهلها، وال يتستر على أحد منهم وال يرضى عن أحد منهم وإنما ينصح لهم النصيحة,‬
 ‫ويحذرهم من هذه المؤامرات الدنيئة، إن يكن في قلوبهم بقية من إيمان, وإال فإنه ال يتستر عليهم‬
   ‫وال يرضى بأحوالهم، إذ اإليمان يمنع المؤمن من الفساد وأهله، واهلل ذكر عن المنافقين بقوله:‬
      ‫َإذَا قِيلَ لَ ُمْ الَ ُفْس ُوا ِى االرض قَاُواْ إَّمَا نَحْ ُ ُصِْ ُونَ َال إ َّهمْ ه ُ الْ ُفْس ُو َ َلَا ِن َّ‬
      ‫ن م لح أ ِن ُ ُم م ِد ن و ك ال‬                               ‫ْ ِ ل ِن‬           ‫ه ت ِد ْ ف‬                     ‫وِ‬
                                                                                                              ‫ي عر‬
                                                                                          ‫َشْ ُ ُونَ [البقرة:55، 75].‬
     ‫أجل، إن هؤالء مفسدون في األرض تناجوا على اإلثم والعدوان, والتقت مجالسهم على الشر‬
    ‫والبالد والمكيدة لإلسالم وأهله، ولكن اهلل جل وعال حكيم عليم فيما قضى وقدر سلط اهلل على‬
‫أولئك من هتك أستارهم, وكشف عيوبهم, وأوضح باطلهم, وأخزاهم اهلل, واهلل على كل شيء قدير.‬
        ‫فيا أيها المسلم, كن واثقاً باهلل حريصاً على دينك قبل كل شيء, ثم حريصاً على أمن أمتك‬
                    ‫ذ‬
‫وسالمتها، وال تمكن للفساق واألراذل األمر، وال تعنهم على باطلهم، وح ّر أبناءك وإخوانك ومن‬
      ‫تتصل بهم من هذه األكاذيب واألباطيل، وهذه المكايد والخيانات التي ال يرضى بها المسلم.‬
                           ‫خ ن الله َالرس و خ ن م ت ُ و ُ م‬                                            ‫َي َّذ ن من‬
          ‫ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ تَ ُو ُواْ َّ َ و َّ ُولَ َتَ ُو ُواْ أَ َانَا ِكمْ َأَنتمْ تَعْلَ ُونَ [األنفال:27].‬
                                                                       ‫__________‬
                                  ‫ا‬
  ‫(5) لم أقف عليه من حديث ابن عباس، وأخرجه مرفوعً من حديث أبي سعيد الخدري البيهقي‬
                                                         ‫ل‬
‫في شعب اإليمان (5/577) وأعّه بمحمد بن مروان السدي، وأبو نعيم في الحلية (1/605) وقال:‬
      ‫غريب, وضعفه المناوي في فيض القدير (7/931)، وأخرجه بنحوه من حديث ابن مسعود‬
                                                                             ‫ا‬
                                ‫مرفوعً وموقوفاً البيهقي في شعب اإليمان (5/577-777).‬
‫(7) جزء من حديث قدسي، أخرجه من حديث أنس بن مالك ابن أبي الدنيا في األولياء (9)، وأبو‬
‫نعيم في حلية األولياء (8/853)، وقال: غريب من حديث أنس، وابن الجوزي في العلل المتناهية‬
                                                             ‫ل‬
 ‫(5/11) وضعفه، وأعّه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (913)، وأخرجه من حديث عمر بن‬
  ‫الخطاب الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (6/15)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (5/11)‬
                                                                              ‫وضعفه.‬
 ‫(3) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: الغنى غنى النفس (1691)، ومسلم في الزكاة، باب: ليس‬
                                   ‫الغنى عن كثرة العرض (5125) من حديث أبي هريرة.‬
     ‫(1) أخرجه مسلم في الزهد والرقاق، باب: حدثني زهير بن حرب (1671) من حديث أبي‬
                                                                               ‫هريرة.‬
   ‫(1) أخرجه اإلمام أحمد (6176)، وأبو داود في األقضية، باب: في كراهية الرشوة (9053)،‬
 ‫والترمذي في األحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي (2175)، وقال: حسن صحيح، وابن‬
                              ‫ماجه في األحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة (1037).‬
    ‫(6) أخرجه مسلم في الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب (6865) من حديث أبي هريرة.‬
 ‫(2) أخرجه اإلمام أحمد (62715), والطبراني في الكبير (77/295)، من حديث هانئ بن نيار،‬
                                    ‫ر‬
    ‫وصححه األلباني في صحيح الجامع (3305)، وقد ُوي هذا الحديث عن جملة من الصحابة‬
                                  ‫بألفاظ متقاربة، انظر: التلخيص الحبير (3/3) البن حجر.‬
  ‫(8) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: من سأل الناس تكثراً (5835)، ومسلم في الزكاة، باب:‬
                                       ‫كراهة المسألة للناس (1725) من حديث ابن عمر.‬
  ‫(9) أخرجه البخاري في األدب، باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (2711)، ومسلم في‬
                           ‫البر والصلة، باب: صلة الرحم (9361) من حديث أنس بن مالك.‬

‫(5/1787)‬




                                      ‫منهاج اإلصالح النبوي في حديث: ((ال تحاسدوا...))‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                          ‫أحاديث مشروحة, أخالق عامة, مساوئ األخالق, مكارم األخالق‬
                                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                                   ‫3/6/1715‬
                                                                                                               ‫المسجد الحرام‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- كمال الشريعة اإلسالمية في جميع جوانبها. 7- إهمال الحضارة المادية المعاصرة لجانب‬
 ‫الروح اإلنسانية. 3- الحسد خطره وعاقبته وعالجه. 1- النجش ومفهومه العام. 1- الحث على‬
  ‫سالمة الصدور. 6- الحث على األخوة اإلسالمية. 2- التحذير من الظلم بشتى صوره. 8- ذم‬
                                          ‫الكبر والحث على التواضع. 9- حرمة دم ومال وعرض المسلم.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫َيه‬
 ‫وبعد: أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى، واستمسكوا من اإلسالم بالعروة الوثقى، ياأ ُّ َا‬
  ‫ش به وي ِ‬                ‫ن م ر م ت وي ع لك ن‬                          ‫َّذ ن من اتق الله من ِرس ل ي ت ُ‬
‫ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ وَءا ِ ُواْ ب َ ُوِهِ ُؤْ ِكمْ كِفْلَيْ ِ ِن َّحْ َ ِهِ َ َجْ َل َّ ُمْ ُوراً تَمْ ُونَ ِ ِ َ َغْفرْ‬
                                                                                                  ‫ُ َالله ف ر رح‬
                                                                                   ‫لَكمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ َّ ِيم [الحديد:87].‬
‫واعلموا أن أحسن الحديث كتاب اهلل, وخير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم، وشر األمور‬
    ‫محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار، أعاذنا اهلل وإياكم منها.‬
‫وبعد: أمة اإلسالم، إنه لم تأت شريعة أو نظام في قديم أو حديث أشمل وأكمل من شريعة اإلسالم‬
   ‫التي عالجت قضايا المادة والروح وأتت بصالح الدين والدنيا، في توازن عميق وشمول دقيق،‬
     ‫ذلك أن الشارع سبحانه خالق البشر وعالم بأحوالهم وما يصلحهم, وهذه الحضارة الحديثة مع‬
       ‫وصولها إلى ما لم يوصل إليه من قبل من جهة المادة، إال أنها أغفلت جانب الروح من بني‬
‫اإلنسان، وعجزت عن بناء المجتمع المثالي والفرد النبيل، بل أثبت الواقع المعاصر أن أبلغ الناس‬
   ‫ظهوراً في الحضارة المادية هم أحط وأرذل الناس في الحضارة األخالقية، بل واإلنسانية، وما‬
                                                                                            ‫ذاك إال لخوائهم من اإليمان.‬
    ‫أيها المسلمون، لقد نسيت هذه الحضارة أيضاً أن البشر ليسوا جمادات... مهما توفرت أسباب‬
          ‫المادة وترفها وتطورت االتصاالت والخدمات فإن البشر يبقون بشراً، لهم رغبات وأهواء‬
  ‫ونزعات وتطلعات, يحبون ويكرهون، يوالون ويعادون، يغارون وينافسون، جبلت النفوس على‬
    ‫حب الخير لذاتها، وجلب النفع لها، كما جبلت على حب التملك والسيطرة واالستحواذ على ما‬
                                                                                                                     ‫تشتهيه.‬
                                           ‫ذ‬
   ‫إال أن اإلسالم بشموله وكماله وجالله وجماله ه ّب هذه الطبائع وسما بالنفوس بأحكام وشرائع‬
 ‫جعلها على مستوى الكمال, فجاءت التوجيهات الربانية واإلرشادات النبوية بكل ما يهذب النفوس‬
    ‫واألخالق، ويهدي للتي هي أقوم وأحسن وأكمل وأفضل, فأمرنا اهلل تعالى بصلة األرحام وبر‬
 ‫الوالدين، والعطف على المسكين ومساعدة المحتاج وكف الظلم ودفع الضرر ورفعه وبذل الندى‬
  ‫وكف األذى، واألمر بالمعروف وإفشاء السالم ونشر المحبة بين المسلمين، كما نهانا عن الغش‬
          ‫والخديعة، والحسد والغيبة والنميمة واألخالق الرذيلة، والتعدي على اآلخرين من أنفسهم‬
                                                                      ‫وأموالهم، أو وأعراضهم أو دينهم وفكرهم.‬
    ‫وبالجملة، فقد أتى اإلسالم بكل ما يحفظ ترابط المجتمع ويكفل حقوق أفراده، إن اإلسالم ينشد‬
        ‫إقامة المجتمع المتماسك الطاهر من األثرة وحب الذات ليكونوا أمة فاضلة سليمة الصدور‬
      ‫والنفوس، مهذبة المشاعر، طاهرة القلوب كما كان الجيل األول, سالمة في المنهج والسيرة،‬
‫وطهارة في القلب والسريرة، وإليكم رعاكم اهلل كلمات يسيرة، من جوامع كلم النبي صلى اهلل عليه‬
                                                 ‫وسلم تصلح أن تكون منهاج أمة وإن كانت أحرفاً معدودة.‬
 ‫روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ال‬
 ‫تحاسدوا وال تناجشوا وال تباغضوا وال تدابروا وال يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اهلل‬
‫إخواناً، المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يخذله وال يكذبه وال يحقره، التقوى ها هنا ـ ويشير إلى‬
‫صدره ثالث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام،‬
                                                                         ‫دمه وماله وعرضه)) رواه مسلم(5)[5].‬
 ‫سبحان اهلل! كم جمعت هذه الكلمات اليسيرة من معانٍ عظيمة وتوجيهات كبيرة، فأولها النهي عن‬
  ‫الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن اآلخرين، وهو محرم ومذموم بالكتاب والسنة، وهو أول‬
  ‫ذنب عصي به اهلل حين حسد إبليس آدم، ولم يزل به حتى أخرجه من الجنة فبالحسد لعن إبليس‬
                                                                     ‫ا‬
  ‫وجعل شيطاناً رجيمً، الحسد خلق اليهود والمشركين، إذ عادوا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
                  ‫َد ر م ْ ك‬                                  ‫ا‬
        ‫وكفروا برسالته وهم يعلمون أنها الحق حسدً من عند أنفسهم، و َّ كَثِي ٌ ّنْ أَهلِ الْ ِتَابِ لَوْ‬
                   ‫َي هم َق‬                    ‫َ ُد ك م ب إ ن ُ ُف ر ح َد م ع ْ فس ِ م ب ْد‬
     ‫ير ُّونَ ُم ِن َعْدِ ِيمَا ِكمْ ك َّا ًا َس ًا ّنْ ِندِ أَنْ ُ ِهمْ ِّن َع ِ مَا تَب َّنَ لَ ُ ُ الْح ُّ [البقرة:905].‬
   ‫الحاسد معترض على قضاء اهلل وقدره حيث لم يرض بما قسمه اهلل له ولغيره، وهو دليل على‬
   ‫َ سد الن س‬                     ‫َ ُ ص ب م م ِ إ ال ي ت الن س‬
   ‫قبح النفس وسوء طبعها، أمْ لَهمْ نَ ِي ٌ ّنَ الْ ُلْك فَِذاً َّ ُؤْ ُونَ َّا َ نَقِيراً أمْ يَحْ ُ ُونَ َّا َ‬
        ‫ََى مَا ءاتَاه ُ َّ ُ ِن فَضِْه فَقدْ ءاتَيْنَا ءالَ ِبْراهِي َ الْ ِتَا َ َالْ ِكْ َةَ وَءاتَيْنَا ُمْ ُّلْكاً عَ ِيمً‬
        ‫ظ ا‬          ‫ه م‬                  ‫م ك بوحم‬                       ‫إ‬                  ‫لِ َ‬        ‫ُم الله م‬            ‫عل‬
                                                                                                       ‫[النساء:31، 11].‬
‫الحاسد في حسده في غم ال ينقطع ومصيبة ال يؤجر عليها ومذمة ال يحمد عليها، يسخط عليه ربه‬
                                                                                              ‫فيغلق عليه باب التوفيق.‬
                 ‫ا‬
‫أيها المسلمون، إن الغيرة مركوزة في طباع البشر, وال شك أن من رأى خيرً تمنى أن يكون ذلك‬
     ‫له، وإنما اللوم في البغي بالحسد، وهو كراهة النعمة الواصلة إلى المحسود أو تمني زوالها،‬
                           ‫ويعظم الذنب إذا قارن ذلك غيبة ونميمة ووشاية وسعي إلزالة هذه النعمة.‬
  ‫أيها المسلمون، الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، كما يأكل القلب أيضاً، وفي منثور‬
                                                                                ‫الحِكم: عقوبة الحاسد من نفسه.‬
‫ومن الناس من إذا رأى نعمة شكر اهلل تعالى بقلبه فذكره بلسانه وتبع السنة, ودعا بالبركة، وسأل‬
 ‫اهلل الكريم من فضله، فيهذب بهذا نفسه، ويصلح قلبه وطباعه، ويريح خاطره، فيأجره اهلل تعالى‬
                                                                                                            ‫ويرزقه.‬
  ‫ومن الناس من يخذله الشيطان حتى يتصف بصفته فيحرق نفسه ويموت بغيظه، ال أجراً حصل‬
                                                                                                       ‫ث‬
                                                                                                     ‫وال مجداً أ ّل.‬
‫للمبتلى بداء الحسد لماذا كل هذا؟ هل نسيت أنك مسلم تؤمن أن اهلل تعالى قسم األرزاق بين خلقه،‬
‫ا‬
‫فمنهم ذو السعة، ومنهم من قدر عليه رزقه، رفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضً‬
                                                                                                ‫ا‬
                                                                     ‫سخريً, ورحمة ربك خير مما يجمعون.‬
  ‫هذه سنة اهلل في خلقه، ومن أراد السالمة في دينه والطمأنينة في قلبه ورضا ربه فليالحظ نفسه‬
  ‫وليطهر قلبه وليقنع بما قسمه اهلل، وليسأل اهلل تعالى من فضله، فهو سبحانه الذي يعطي ويمنع،‬
                        ‫ويخفض ويرفع يعز من يشاء ويذل من يشاء، خزائن مألى، وعطاؤه واسع.‬
  ‫إخوة اإلسالم، وكما نهى النبي عن الحسد فقد نهى عن كل ما يوغر الصدور ويؤذي اآلخرين،‬
  ‫فنهى عن النجش بقوله: ((وال تناجشوا))، والنجش هو المزايدة على السلعة بقصد رفع ثمنها ال‬
  ‫لقصد الشراء, ألن في هذا غش وتغرير بالمشترين، ولكن معنى النجش أعم من ذلك فإن أصله‬
‫إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة, فيكون معناه: ال تخادعوا وال يختل بعضكم بعضاً بالمكر‬
 ‫واالحتيال، ألن في هذا ضرراً على المسلمين وغشاً لهم، وفي حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه‬
       ‫أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار)) رواه‬
                                                                                  ‫الطبراني بسند صحيح(7)[7].‬
 ‫ثم نهى النبي صلى اهلل عليه وسلم عن التباغض والتدابر, خصوصاً على أهواء النفوس؛ ألن اهلل‬
‫تعالى جعل المسلمين إخوة متحابين, وجعل المحبة دليل اإليمان، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، ال تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، وال تؤمنوا حتى تحابوا، أال‬
                                      ‫أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السالم بينكم))(3)[3].‬
  ‫لذلك حرم اإلسالم كل ما يوجب التنافر ويوقع العداوة والبغضاء, فحرم الخمر والميسر والغيبة‬
 ‫والنميمة والبيع على بيع المسلم والخطبة على خطبته, كما حرم الظلم والكذب واحتقار اآلخرين،‬
   ‫ب ت‬            ‫و ُر ن م الل ع ك ِ ك ت ْد َل ب َ قل ب ُ‬
  ‫وامتن اهلل تعالى عباده بقوله: َاذْك ُواْ ِعْ َةَ َّهِ َلَيْ ُمْ إذْ ُن ُم أَع َاء فَأَّفَ َيْن ُُو ِكمْ فَأَصْ َحْ ُم‬
        ‫َاتق الل َ‬                                    ‫غ‬                           ‫بن مت إ و‬
        ‫ِ ِعْ َ ِهِ ِخْ َاناً [آل عمران:305]. كما ر ّب سبحانه في صالح ذات البين فقال: ف َّ ُواْ َّه‬
  ‫ر م ن و ه ِال م َ ِ َ َقة‬                      ‫ال ْ ف‬                                 ‫ب نك‬             ‫و ح‬
  ‫َأَصْلِ ُواْ ذَاتَ ِيْ ِ ُمْ [األنفال:5]، وقال سبحانه: َّ خَيرَ ِى كَثِي ٍ ّن َّجْ َا ُمْ إ َّ َنْ أَمرَ بصد َ ٍ‬
  ‫أَوْ َع ُوفٍ أَوْ ِصْلَا ٍ َيْنَ َّاسِ َ َن َفْعلْ ذالِكَ ابْتَغَاء مرْ َاتِ َّه فَسَوفَ ُؤْ ِيهِ أَجْراً َ ِيمً‬
  ‫عظ ا‬              ‫َ ض الل ِ ْ ن ت‬                               ‫إ ح ب الن وم ي َ‬                       ‫م ْر‬
                                                                                                       ‫[النساء:155].‬
‫أيها المسلمون، الكراهية والبغضاء واألحقاد والضغائن مرض في القلب فاتك وداء مردي إذا فشا‬
                                       ‫ا‬
‫في األمة أفسدها، وأحال تعامل المجتمع قسوة وعنادً، يقطعون ما أمر اهلل به أن يوصل ويفسدون‬
‫في األرض، وقد تذكيها سياسات مقيتة أو تسلط وظلم أو طمع وجشع أو حسد نبت في ظل غياب‬
                      ‫اإليمان، وهو منافٍ لإلخوة التي جاء بها الدين وموافق لهوى الشيطان الرجيم.‬
 ‫عن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن الشيطان قد‬
         ‫أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب, ولكن في التحريش بينهم)) رواه مسلم(1)[1].‬
 ‫عباد اهلل، سالمة الصدور هدأة للنفس وهناء في العيش وراحة في البال، وطريق إلى الجنة، وقد‬
‫شهد النبي صلى اهلل عليه وسلم لرجل من األنصار ثالث مرات أنه من أهل الجنة، فلما سأله عبد‬
         ‫ا‬
     ‫اهلل بن عمرو قال: ما هو إال ما رأيت غير أني ال أجد في نفسي ألحد من المسلمين غشً وال‬
      ‫أحسد أحداً على خير أعطاه اهلل إياه، قال عبد اهلل: هذه التي بلغت بك(1)[1]. ولهذا كان من‬
      ‫و َّذ ن‬
      ‫صفات المؤمنين األبرار، الذين يخلفون المهاجرين واألنصار ما جاء في كتاب ربنا: َال ِي َ‬
  ‫جَاءوا ِن َعدِهمْ َ ُوُون رَّنَا اغْفرْ لَنَا َإلِخْوا ِنَا ال ِينَ َبَ ُونَا بِاإلَيمَا ِ َالَ تَجْعل ِى ُُو ِ َا غ ًّ‬
  ‫َ ْ ف قل بن ِال‬            ‫نو‬                 ‫ن َّذ س ق‬                 ‫و‬         ‫ِ‬       ‫م ب ْ ِ يق ل َ َب‬
                           ‫ا‬                           ‫ٌ رح م‬          ‫لَّذ ن من َب ِن‬
   ‫ّل ِي َ ءا َ ُواْ ر َّنَا إ َّكَ رَءوف َّ ِي ٌ [الحشر:05]. فكيف يكون مؤمنً من يحمل في قلبه العداوة‬
              ‫ه‬
‫والبغضاء إلخوانه المسلمين؟!، فضالً عن علمائهم وصالحيهم ودعاتهم ومصلحي ِم، أم كيف يكون‬
     ‫مؤمناً من يتعبد بكراهية خيار األمة وبغض أصحاب الرسول صلى اهلل عليه وسلم أو السلف‬
                                                                                                              ‫الكرام؟!‬
                    ‫ا‬
‫عباد اهلل، ثم قال النبي الكريم عليه الصالة والتسليم: ((وكونوا عباد اهلل إخوانً))، نعم، إن األمة ال‬
  ‫تكون أمة عزيزة منيعة حتى ترتبط بروابط الدين وتحقق معنى األخوة اإلسالمية التي ال تحققها‬
‫شعارات جاهلية, وال والءات حزبية وال مصالح زائلة، بل تحققها مبادئ اإلسالم السامية, اإلسالم‬
‫الذي آخى بين المسلمين على مختلف شعوبهم وقبائلهم ومراتبهم وجمع قلوبهم فعزوا بذلك وسمت‬
    ‫نفوسهم فوق مبادئ الطبقية وعلت هممهم على الفوارق األرضية، فأصبحت الموازين سماوية‬
  ‫علوية، فكان الوالء للدين والمحبة والنصرة لمن أسلم لرب العالمين، ذهب الشح وغلب اإليثار،‬
     ‫وأحب كل مسلم ألخيه ما يحب لنفسه فعامله بمقتضى ذلك، باألخوة اإلسالمية يشارك المسلم‬
 ‫إخوانه المسلمين في أقطار األرض أفراحهم وأتراحهم، ويقاسمهم آالمهم وآمالهم، باألخوة تجتمع‬
                                         ‫الكلمة ويتوحد الصف ويقوى التالحم فتظهر قوة األمة وعزتها.‬
‫وأمر النبي صلى اهلل عليه وسلم باألخوة أمر بأسبابها ومقتضياتها من أداء الحقوق للمسلمين كافة‬
   ‫ومنع األذى عنهم، ومن محاسن اإلسالم رد السالم وتشميت العاطس وعيادة المريض، وإجابة‬
         ‫الدعوة والمواساة، وحفظ الغيب والهدية ومساعدة المحتاج وتبسمك في وجه أخيك صدقة،‬
                                                   ‫واالنكفاف عن المحرمات كالغيبة والنميمة وسوء الظن.‬
          ‫و ُ َاتق الل َل ُ‬                     ‫ح ب‬             ‫ٌ‬          ‫ِنم م من‬
        ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إ َّ َا الْ ُؤْ ِ ُونَ إِخْوَة فَأَصْلِ ُواْ َيْنَ أَخَ َيْكمْ و َّ ُواْ َّهَ لَعَّكمْ‬
                                                                                                            ‫ُ حم‬
                                                                                           ‫ترْ َ ُونَ [الحجرات:05].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من اآليات والحكمة، أقول قولي‬
 ‫هذا، وأستغفر اهلل تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه,‬
                                                                                               ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
   ‫له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي األمين، صلى اهلل عليه وعلى آله‬
                                                                                                     ‫وصحبه أجمعين.‬
‫وبعد: ويمضي التوجيه النبوي الكريم في هذا الحديث الجامع العظيم نهياً عن رذائل األخالق, التي‬
     ‫توقع بين المسلمين الشقاق, وتنافي معاني األخوة فينهى النبي صلى اهلل عليه وسلم عن الظلم‬
     ‫والكذب واحتقار اآلخرين، فالظلم ظلمات يوم القيامة، حرم اهلل تعالى الظلم على نفسه وجعله‬
                                                                                ‫ا‬
  ‫محرمً بين عباده، وعد بإجابة دعوة المظلوم وتوعد بعقاب الظالم, وكم رأى الناس في مصارع‬
                                                                         ‫ا‬                    ‫ا‬
                                                                        ‫الظالمين عجبً! وفي مآل أمورهم عبرً!‬
      ‫وسواء كان الظلم من دول أو حكام أو مسؤولين أو بين عامة فليتق اهلل كل من واله اهلل أمر‬
   ‫ضعيف، من خادم أو عامل أو يتيم أو كانت له والية، فإن الجبار سبحانه يملي للظالم حتى إذا‬
                                                                                                          ‫أخذه لم يفلته.‬
      ‫إن الحيف والظلم وسلب الحقوق وإهدار الكرامات مبعث للشقاء ومثار للفتن, وإذا فشا الظلم‬
   ‫والتظالم في المجتمع كان بداية السقوط والزوال، أو أن يتسلط عليهم جبروت األمم فيذيقهم من‬
                                     ‫مرارة العبودية واإلذالل ما هو أشد من مرارة االنقراض والزوال.‬
               ‫ا‬
    ‫عباد اهلل، وفي حديث النبي العظيم النهي عن الكذب الذي من اتصف به كان حقيرً، وعند اهلل‬
   ‫َذ َّذ ن ي من ن‬                  ‫ِنم َر‬                                             ‫ا‬
   ‫والناس دنيئاً صغيرً, صفة يكرهها الرحمن وتنافي اإليمان، إ َّ َا يَفْت ِى الْك ِبَ ال ِي َ الَ ُؤْ ِ ُو َ‬
                                                                                                           ‫ي الل‬
                                                                                            ‫بِآ َاتِ َّهِ [النحل:105].‬
    ‫َي َّذ ن‬
    ‫أما المؤمن الصادق فهو كريم الطباع، مأمون الجناب، مرموق بالمحبة واإلجالل, يَاأُّهَا ال ِي َ‬
                                                          ‫الص ِق‬         ‫من اتق الله وك ن‬
      ‫ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ َ ُو ُواْ مَعَ َّاد ِينَ [التوبة:955], والصدق يهدي إلى البر والجنة, ويرفع‬
                                                       ‫صاحبه إلى مرتبة الصديقين مع األنبياء والصالحين.‬
     ‫أما احتقار المسلمين فدناءة في النفس وكبر في القلب، وفي صحيح مسلم: ((الكبر بطر الحق‬
  ‫س ْرف ع ي ت‬
 ‫وغمط الناس))(6)[5] أي احتقارهم, وهو صفة الشيطان ومانع من الهداية، َأَص ِ ُ َنْ ءا َا ِي‬
                       ‫ُل ي ال ي من به‬                     ‫ق وإ َ‬          ‫ب ْ‬         ‫َّذ ي َبر َ ف‬
‫ال ِينَ َتَك َّ ُون ِي األرض ِغَيرِ الْحَ ّ َِن يرَوْاْ ك َّ ءا َةٍ َّ ُؤْ ِ ُواْ ِ َا [األعراف:615]، وما من‬
                                                                           ‫خلق ذميم إال والكبر يدب إليه.‬
   ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وتواضعوا لخلق اهلل، فاهلل أعلم بمن اتقى، ورب ضعيف مستضعف أشعث‬
   ‫ا‬
  ‫أغبر، ذي طمرين مدفوع باألبواب لو أقسم على اهلل ألبره، فال تحقرن مسلماً ولو كان مقصرً.‬
‫وفي صحيح مسلم: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم))(2)[7]. ياأُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َ‬
‫َيه َّذ ن من ال‬
      ‫م ُن‬            ‫ا م ه و نس م ن عس أ ي ُن‬                            ‫ي ْ ْم م ْ عس أ يك ن‬
      ‫َسْخَر قَو ٌ ّن قَومٍ َ َى َن َ ُو ُواْ خَيْرً ّنْ ُمْ َالَ ِ َاء ّن ّسَاء َ َى َن َك َّ خَيْراً ّنْه َّ‬
              ‫ك‬           ‫ِن رم ُ ع الل‬
            ‫[الحجرات:55]، فالميزان عند اهلل والكرامة بالتقوى والديانة إ َّ أَكْ َ َكمْ َندَ َّهِ أَتْقَا ُمْ‬
                                                ‫ء‬
                                               ‫[الحجرات:35], فليست التقوى ادعاءً أو تصنعاً وريا ً.‬
‫وأشار النبي إلى صدره ثالث مرات وهو يقول: ((التقوى ها هنا))، وإذا وجدت التقوى في القلب‬
                                                                      ‫ظهر أثرها على العمل والجوارح.‬
     ‫ثم يختم الحديث بقاعدة عظمى من قواعد اإلسالم: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله‬
                                                                                                ‫وعرضه)).‬
   ‫وكفى بهذه العبارة بالغاً، إن حرمة المسلم عند اهلل عظيمة, وعاقبة التعدي عليه وخيمة، فمهما‬
                                                                           ‫ص‬
        ‫أخطأ أو ق ّر تعمد أو تأول ال يحل دمه وعرضه وماله فكل ذلك معصوم إال بكتاب اهلل،‬
      ‫والتساهل في ذلك أو االجتهاد فيه بال علم باب شر وفتنة وبالء ومصيبة، عافانا اهلل وإياكم.‬


                                                                                           ‫__________‬
                                ‫(5) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب: تحريم الظلم ... (1617).‬
           ‫(7) أخرجه ابن حبان في صحيحه (اإلحسان 261)، والطبراني في الكبير (05/835)،‬
    ‫والقضاعي في مسند الشهاب (113)، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات وفي عاصم بن بهدله كالم‬
                                                                          ‫لسوء حفظه"، المجمع (1/92).‬
                   ‫(3) أخرجه مسلم في اإليمان، باب: بيان أن ال يدخل الجنة إال المؤمنون (11).‬
            ‫(1) أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب: تحريش الشيطان... (7587).‬
                                                                     ‫(1) أخرجه اإلمام أحمد (68775).‬
                                       ‫(6) أخرجه مسلم في اإليمان، باب: تحريم الكبر وبيانه (59).‬
                      ‫(2) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله (1617).‬

‫(5/6787)‬
                                                                                             ‫دعوة إلى التوبة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                         ‫التوبة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                              ‫علي بن عبد الرحمن الحذيفي‬
                                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                  ‫3/6/1715‬
                                                                                               ‫المسجد النبوي‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                                                                                    ‫خ‬
‫5- ُلقَ اإلنسان معرضاً للذنوب والعصيان. 7- فتح اهلل تعالى لعباده أبواب كثيرة من الخيرات.‬
                                    ‫ل‬
‫3- تعريف التوبة النصوح وفضلها وشروطها. 1- من أج ّ نعم اهلل تعالى على عباده نعمة األمن‬
                                                                                                      ‫واألمان.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: فاتقوا اهلل ـ معشر المسلمين ـ حق التقوى، فتقوى اهلل تبارك وتعالى, تقوى اهلل الجليل‬
                                                        ‫جة‬                                  ‫ة‬
                                          ‫عد ٌ لكل شدة، وحصن أمين لمن دخله، و ُن ٌ من عذاب اهلل.‬
                        ‫ر‬                 ‫ر‬
‫واعلموا ـ عباد اهلل ـ أن ربكم خلق بني آدم مع ّضاً للخطيئات ومع ّضاً للتقصير في الواجبات،‬
     ‫حس ه ع ْر‬                       ‫م‬
     ‫فضاعف له الحسنات، ولم يضاعف عليه السيئات، قال اهلل تعالى: َن جَاء بِالْ َ َنَةِ فَلَ ُ َش ُ‬
                                    ‫ي م‬           ‫ُ‬          ‫ي ْ ِال م‬              ‫ِالسي‬        ‫ل وم‬
     ‫أَمْثَاِهَا َ َن جَاء ب َّ ّئَةِ فَالَ ُجزَى إ َّ ِثْلَهَا وَهمْ الَ ُظْلَ ُونَ [األنعام:065]، وعن ابن عباس‬
               ‫م‬
     ‫رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل كتب الحسنات والسيئات فمن ه ّ بحسنة فلم‬
 ‫يعملها كتبها اهلل عنده حسنة كاملة, فإن عملها كتبها اهلل عنده عشر حسنات, إلى سبعمائة ضعف,‬
                                                                       ‫م‬
‫إلى أضعاف كثيرة, فإن ه ّ بسيئة فلم يعملها كتبها اهلل حسنة كاملة, فإن عملها كتبها اهلل عنده سيئة‬
                                                                             ‫واحدة)) رواه البخاري(5)[5].‬
 ‫وشرع اهلل لكسب الحسنات طرقاً للخيرات, وفرائض مكفرات للسيئات, رافعة للدرجات، عن أبي‬
‫هريرة رضي اهلل عنه عن رسول اهلل قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى‬
                                                                                     ‫ف‬
                                  ‫رمضان مك ّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) رواه مسلم(7)[7].‬
     ‫وعن عبد اهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((أربعون خصلة‬
  ‫أعالها منيحة العنز, ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها, وتصديق موعودها إال أدخله‬
                                                                                ‫اهلل بها الجنة)) رواه البخاري(3)[3].‬
        ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((اإليمان بضع وسبعون ـ أو بضع‬
   ‫وستون ـ شعبة، فأفضلها قول: ال إله إال اهلل، وأدناها إماطة األذى عن الطريق، والحياء شعبة‬
                                                                        ‫من اإليمان)) رواه البخاري ومسلم(1)[1].‬
       ‫وعن أبي ذر رضي اهلل عنه قال: قلت يا رسول اهلل، أي العمل أفضل؟ قال: ((اإليمان باهلل،‬
              ‫ا‬
‫والجهاد في سبيله)) قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: ((أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنً)) قلت: فإن لم‬
           ‫ع‬                                                 ‫ع‬
  ‫أفعل؟ قال: ((تعين صان ًا، أو تصنع ألخرق)) قلت: يا رسول اهلل، أرأيت أن ض ُفت عن بعض‬
                                                               ‫ّ ر‬
‫العمل؟ قال: ((تكف ش ّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)) رواه البخاري ومسلم(1)[1].‬
                      ‫ا‬
     ‫وعنه رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ال تحقرن من المعروف شيئً ولو أن تلقى أخاك‬
                                                                                      ‫بوجه طليق)) رواه مسلم(6)[6].‬
‫وعن أنس رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن اهلل ليرضى عن العبد أن يأكل األكلة فيحمده‬
                                                   ‫عليها, أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) رواه مسلم(2)[2].‬
                                    ‫د‬
   ‫وكما شرع اهلل كثرة أبواب الخير وأسباب الحسنات س ّ أبواب الشر والمحرمات، وحرم وسائل‬
         ‫المعاصي والسيئات, ليثقل ميزان البر والخير، ويخف ميزان اإلثم والشر، فيكون العبد من‬
        ‫الفائزين المفلحين، قال اهلل تعالى: قلْ إ َّ َا َرمَ َ ّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَه َ ِنْهَا َمَا بَطَ َ َا ِث َ‬
        ‫ن و إل ْم‬         ‫َر م و‬                           ‫ُ ِنم ح َّ رب‬
      ‫م ن‬                   ‫و ب ى ب ْ حق و ت ْرك ِالل م َ ي َ ّ ب س ا وأ ق ل عل الل‬
      ‫َالْ َغْ َ ِغَيرِ الْ َ ّ َأَن ُش ِ ُواْ ب َّهِ َا لمْ ُنزلْ ِهِ ُلْطَانً ََن تَ ُوُواْ ََى َّهِ مَا الَ تَعْلَ ُو َ‬
                                                                                                            ‫[األعراف:33].‬
     ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما‬
                                             ‫أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) رواه البخاري ومسلم(8)[8].‬
   ‫وت ب إ الل جم ا‬
   ‫وجماع الخير ومِالك األمر وسبب السعادة التوبة إلى اهلل، قال عز وجل: َ ُو ُواْ ِلَى َّهِ َ ِيعً‬
                                                                      ‫َلك ت ح‬              ‫َي م من‬
 ‫أ ُّهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّ ُمْ ُفْلِ ُونَ [النور:53]، ومعنى التوبة: هي الرجوع إلى اهلل واإلنابة إليه من فعل‬
                     ‫المحرم واإلثم, أو من ترك واجب أو تقصير فيه, بصدق قلب, وندم على ما كان.‬
                            ‫ف‬
     ‫والتوبة النصوح يحفظ اهلل بها األعمال الصالحة التي فعلها العبد, ويك ّر اهلل تبارك وتعالى بها‬
     ‫ْ َ ية‬
     ‫المعاصي التي وقعت, ويدفع اهلل بها العقوبات النازلة واآلتية، قال اهلل تعالى: فَلَوْالَ كَانَت قرْ َ ٌ‬
  ‫الد و َت ه‬                     ‫ِْ ِف‬        ‫عه َ‬                   ‫م ْ ع إ م ن إ َّ ْم ي ن َم من‬
‫ءا َنَت فَنَفَ َهَا ِي َا ُهَا ِال قَو َ ُو ُسَ ل َّا ءا َ ُواْ كَشَفْنَا َنْ ُمْ عذَابَ الخزى ِى الْحياةَ ُّنْيَا َم َّعْنَا ُمْ‬
                                                                                 ‫إل ح ن‬
  ‫َِى ِي ٍ. روى ابن جرير رحمه اهلل في تفسير هذه اآلية عن قتادة قال: "لم ينفع قرية كفرت ثم‬
                                                             ‫ُر‬
  ‫آمنت حين حضرها العذاب فت ِكت إال قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنى منهم‬
‫قذف اهلل في قلوبهم التوبة, ولبسوا المسوح, وألهوا بين كل بهيمة وولدها ـ أي فرقوا بينهما ـ ثم‬
                                                                                       ‫ج‬
‫ع ّوا إلى اهلل أربعين ليلة، فلما عرف اهلل الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم‬
                                                                ‫كشف اهلل عنهم العذاب, بعد أن تدلى عليهم"اهـ.‬
  ‫ِر َب ُ ُم ت ب إ ه يمت ك م ع حس إل َل م َم وي ت ُل ذ‬                                                       ‫و‬
 ‫وقال تعالى: َأَنِ اسْتَغْف ُواْ ر َّكمْ ث َّ ُو ُواْ ِلَيْ ِ ُ َّعْ ُمْ َّتَا ًا َ َنًا َِى أَج ٍ ُّس ًّى َ ُؤْ ِ ك َّ ِي‬
                                                  ‫ب‬           ‫فع ُ َ ب‬                 ‫ه وإ َل ْ إن‬                  ‫ْ‬
                                      ‫فَضلٍ فَضْلَ ُ َِن تَوَّوْا فَِ ّي أَخَا ُ َلَيْكمْ عذَا َ يَوْمٍ كَ ِيرٍ [هود:3].‬
   ‫والتوبة واجبة على كل أحد من المسلمين, فالواقع في كبيرة تجب عليه التوبة لئال يبغته الموت‬
          ‫وهو على المعصية, فيندم حين ال ينفع الندم, والواقع في الصغيرة تجب عليه التوبة؛ ألن‬
‫اإلصرار على الصغائر يكون من كبائر الذنوب, والمؤدي للواجبات التارك للمحرمات تجب عليه‬
                                                                             ‫ا‬
‫التوبة أيضً, لما يلحق العمل من الشرور وانتفاء موانع قبوله, وما يخشى على العمل من الشوائب‬
‫المحذر منها كالرياء. عن األغر بن يسار المزني قال: قال رسول اهلل : ((يا أيها الناس توبوا إلى‬
                                 ‫اهلل واستغفروه, فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم(9)[9].‬
   ‫والتوبة باب عظيم تتحقق به الحسنات الكثيرة التي يحبها اهلل, ألن العبد إذا أحدث لكل ذنب يقع‬
  ‫َر وال‬           ‫الل‬        ‫َع‬           ‫و َّذ‬
  ‫فيه توبة كثرت حسناته ونقصت سيئاته، قال اهلل تعالى: َال ِينَ الَ يدْ ُونَ مَعَ َّهِ الها ءاخ َ َ َ‬
   ‫ا ي َ ه َذ ب‬                       ‫ي‬          ‫ي تل الن الت َر الله ِال حق و َ ن وم ي َ‬
   ‫َقْ ُُونَ َّفْسَ َّ ِى ح َّمَ َّ ُ إ َّ بِالْ َ ّ َالَ يزْ ُونَ َ َن َفْعلْ ذالِكَ َلْقَ أَثَامً ُضَاعفْ لَ ُ الْع َا ُ‬
         ‫ً أ ئ ي َ ّل الله سي ته‬                   ‫من وع ِ ع ال‬                 ‫ْ ق مة و ُ ْ ف ه م ِال م‬
       ‫يَومَ الْ ِيا َ ِ َيَخْلد ِي ِ ُهَاناً إ َّ َن تَابَ وَءا َ َ َ َملَ َمَ ً صَالِحا فَُوْلَ ِكَ ُبد ُ َّ ُ َ ّئَا ِ ِمْ‬
                                                                               ‫حس ت و الله ف ً رح‬
                                                          ‫َ َنَا ٍ َكَانَ َّ ُ غَ ُورا َّ ِيماً [الفرقان:86-02].‬
        ‫أيها المسرفون، تذكروا سعة رحمة اهلل وعظيم فضله وحلمه وجوده وكرمه حيث قبل توبة‬
    ‫التائبين, وأقال عثرة المذنبين, ورحم ضعف هذا اإلنسان المسكين, وأثابه على التوبة, وفتح له‬
  ‫أبواب الطهارة والخيرات، عن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن‬
     ‫اهلل تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)) رواه‬
                                                                                                        ‫مسلم(05)[05].‬
 ‫والتوبة من أعظم العبادات وأحبها إلى اهلل تعالى, من اتصف بها تحقق فالحه, وظهر في األمور‬
                 ‫نجاحه, قال تعالى: فَأ َّا َن تَا َ وَءا َ َ َ َملَ صَالِحاً فَ َ َى َن َ ُو َ ِنَ الْ ُفِْ ِي َ‬
                 ‫عس أ يك ن م م لح ن‬                             ‫َم م ب من وع ِ‬
                                                                                                         ‫[القصص:26].‬
                                        ‫ا‬                        ‫ً‬
‫وكفى بفضل التوبة شرفا فرح الرب بها فرحاً شديدً, عن أنس رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل‬
‫: ((هلل أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فالة)) رواه البخاري‬
                                                                                                      ‫ومسلم(55)[55].‬
   ‫والتوبة من صفات النبيين عليهم الصالة والسالم ومن صفات المؤمنين, قال اهلل تعالى: لَقدْ تَا َ‬
   ‫َ ب‬
   ‫د َز غ قل ب‬            ‫عل النبى و مه ِر ن و ص َّذ اتبع ُ ف س ع ع ْ ة م ب ْد‬
   ‫اهلل ََى َّ ِ ّ َالْ ُ َاج ِي َ َاالْن َارِ ال ِينَ َّ َ ُوه ِى َا َةِ الْ ُسرَ ِ ِن َع ِ مَا كَا َ ي ِي ُ ُُو ُ‬
                                             ‫ع ِ ِنه به ْ ر ف رح م‬                    ‫َر ق م ُ ُم‬
‫ف ِي ٍ ّنْهمْ ث َّ تَابَ َلَيْهمْ إ َّ ُ ِ ِم َءو ٌ َّ ِي ٌ [التوبة:255]، وقال تعالى عن موسى عليه الصالة‬
                                                 ‫س ح ت ت إ ك و َول م من‬
     ‫والسالم: ُبْ َانَكَ ُبْ ُ ِلَيْ َ َأَنَاْ أ َّ ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ [األعراف:315]، وقال عن داود عليه السالم:‬
      ‫مد ن‬             ‫ع ِد‬         ‫الت ئب‬                       ‫ِنه َو ب‬                 ‫و ُ ع ْد د و ذ‬
      ‫َاذْكرْ َب َنَا َا ُودَ َا االْيْدِ إ َّ ُ أ َّا ٌ [ص:25]، وقال عز وجل: َّا ِ ُونَ الْ َاب ُونَ الْحَا ِ ُو َ‬
      ‫ُد الل‬         ‫م ْر ف َالن ه ع م َر و ظ‬                              ‫ِر‬          ‫كع الس ج‬            ‫الس ح‬
    ‫َّائِ ُونَ الر ِ ُونَ َّا ِدونَ االْم ُونَ بِالْ َع ُو ِ و َّا ُونَ َنِ الْ ُنك ِ َالْحَافِ ُونَ لِح ُودِ َّهِ‬
                                                                                                       ‫وب ّ م من‬
                                                                                      ‫َ َشرِ الْ ُؤْ ِ ِينَ [التوبة:755].‬
                      ‫أال ما أجل صفة التوبة التي بدأ اهلل بها هذه الصفات المثلى من صفات اإليمان.‬
 ‫والتوبة عبادة هلل بالجوارح والقلب, واليوم الذي يتوب اهلل فيه على العبد خير أيام العمر، والساعة‬
 ‫التي يفتح اهلل فيها لعبده باب التوبة, ويرحمه بها هي أفضل ساعات الدهر؛ ألنه قد سعد سعادة ال‬
‫يشقى بعدها أبداً، عن كعب بن مالك رضي اهلل عنه في قصة توبة اهلل عليه حين تخلفه عن غزوة‬
    ‫تبوك أنه قال: فلما سلمت على رسول اهلل قال وهو يبرق وجهه من السرور: ((أبشر بخير يوم‬
                                                                                                    ‫ر‬
                                                   ‫م ّ عليك منذ ولدتك أمك)) رواه البخاري ومسلم(75)[75].‬
      ‫معشر المسلمين، إنها تحيط بكم أخطار عظيمة, وتنذركم خطوب جسيمة, وقد نزل من أعداء‬
 ‫اإلسالم بالمسلمين نوازل وزالزل, وأصابتهم الفتن والمحن, وإنه ال مخرج لهم من هذه المضائق‬
                                                                     ‫وهذه الكربات إال بالتوبة إلى اهلل واإلنابة إليه.‬
      ‫فالتوبة واجبة على كل مسلم على وجه األرض من الذنوب صغارها وكبارها ليرحمنا اهلل في‬
                          ‫الدنيا واآلخرة، ويكشف الشرور والكربات ويقينا عذابه األليم، وبطشه الشديد.‬
  ‫قال أهل العلم: إذا كانت المعصية بين العبد وبين ربه ال حق آلدمي فيها, فشروطها أن يقلع عن‬
                               ‫ا‬
   ‫المعصية, وأن يندم على فعلها، وأن يعزم أن ال يعود إليها أبدً, وإن كانت المعصية تتعلق بحق‬
                                                ‫ل‬
                                  ‫آدمي فال بد مع هذه الشروط أن يؤدي إليه حقه، أو يستحّها منه بالعفو.‬
  ‫والتوبة من جميع الذنوب واجبة، وإن تاب من بعض الذنوب صحت توبته من ذلك الذنب, وبقي‬
                                                                                                        ‫عليه ما لم يتب منه.‬
                                                           ‫ب‬
   ‫فتوبوا إلى اهلل أيها المسلمون، وأق ِلوا إلى رب كريم أسبغ عليكم نعمه الظاهرة والباطنة, وآتاكم‬
                    ‫ن‬                                                  ‫ّ‬
 ‫من كل ما سألتموه، ومد في آجالكم، وتذكروا قصص التائبين المنيبين الذين م ّ اهلل عليهم بالتوبة‬
   ‫النصوح بعد أن غرقوا في بحور الشهوات والشبهات, فانجلت غشاوة بصائرهم وحييت قلوبهم,‬
       ‫واستنارت نفوسهم, وأيقظهم اهلل من موت الغفلة, وبصرهم من عمل الغي وشقاوة المعاصي,‬
     ‫وأسعدهم من شقاء الموبقات، فصاروا مولودين من جديد، مستبشرين بنعمة من اهلل وفضل, لم‬
                                                     ‫يمسسهم سوء, واتبعوا رضوان اهلل، واهلل ذو فضل عظيم.‬
  ‫عس َب ُ أ ي ّ ع ك‬              ‫َي َّذ ن من ت ب إل الل ب نص‬
‫بسم اهلل الرحمن الرحيم: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ُو ُواْ َِى َّهِ تَوْ َةً َّ ُوحاً َ َى رُّكمْ َن ُكَفرَ َن ُمْ‬
  ‫ي ْ الله الن ِى و َّذ ن من م َه ن ر ُ‬                 ‫هر ْ‬               ‫ت‬       ‫م‬         ‫سي ت ُ و ُ خ ُ َن ت‬
‫َ ّئَا ِكمْ َيدْ ِلَكمْ ج َّا ٍ تَجْرِى ِن تَحْ ِهَا األَنْ َا ُ يَومَ الَ ُخزِى َّ ُ َّب َّ َال ِي َ ءا َ ُواْ َع ُ ُو ُهمْ‬
            ‫َد ر‬         ‫ِن ع ُل‬                 ‫ن ر و ِ‬               ‫د ه و م ن ِ يق ل َ َب ِ‬                              ‫ي ع ب‬
            ‫َسْ َى َيْنَ أَيْ ِي ِمْ َبِأَيْ َا ِهمْ َ ُوُون رَّنَا أَتْممْ لَنَا ُو َنَا َاغْفرْ لَنَا إ َّكَ َلَى ك ّ شَىْء ق ِي ٌ‬
                                                                                                                   ‫[التحريم:8].‬
      ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، ونفعنا‬
‫بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا, وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل‬
                                                                              ‫ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل العزيز الوهاب الذي خلق األسباب, وقدر المقادير فما شاء اهلل كان وما لم يشأ لم يكن, ال‬
‫إله إال هو سريع الحساب, أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه واستغفره، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
                                                                       ‫ر‬
‫ال شريك له شهادة مب ّأة من النفاق واالرتياب، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المنعم‬
                        ‫عليه بأفضل كتاب، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك واألصحاب.‬
‫أما بعد: فاتقوا اهلل تعالى وأطيعوه, فإن طاعته أقوم وأقوى, وتزودوا بهذه التقوى لداركم األخرى،‬
‫فإنها دار القرار، نعيمها أبدي, وعذابها سرمدي, واشكروا نعم اهلل عليكم بطلب رضوانه ومالزمة‬
                                                                             ‫طاعته والبعد عن معصيته.‬
  ‫وأعظم النعم نعمة اإلسالم واإليمان, وما أجل نعمة األمن واألمان، األمن تنتظم به مصالح الدنيا‬
 ‫والدين، وتصلح به الحياة في جميع جوانبها, وتندفع بوجوده الشرور والمخاوف عن الناس، وتدر‬
 ‫وَ نمك ل ُ حر ا م ي ب إل ه‬
 ‫معه الخيرات، وقد امتن اهلل به على أهل بيته العتيق بقوله: أَ َلمْ ُ َ ّن َّهمْ َ َمً ءا ِناً ُجْ َى َِيْ ِ‬
                                          ‫ّ ا م ل ُن و ِن َ ه ي م‬                               ‫َر ت ُل‬
                           ‫ثَم َا ُ ك ّ شيء رزْقً ّن َّد َّا َلَاك َّ أَكْثرَ ُمْ الَ َعْلَ ُونَ [القصص:21].‬
    ‫وبين النبي قدر نعمة األمن وفضلها بقوله: ((من أصبح منكم ءامناً في سربه, معافاً في جسده,‬
‫عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، من حديث‬
                                 ‫عبيد اهلل بن محصن األنصاري الخزرجي رضي اهلل عنه(35)[5].‬
‫وشكر هذه النعمة بالمحافظة على أسبابها والحذر من أسباب اختاللها، ومن أسباب المحافظة على‬
  ‫األمن األخذ على يد العابثين باألمن واالستقرار, من السفهاء والفساق والمجرمين الذين يهدمون‬
    ‫وال يبنون, ويفسدون وال يصلحون، ويفارقون جماعة المسلمين وإمامهم، قد زين لهم الشيطان‬
    ‫صنيعهم, ودفعهم إلى مزالق الشر أعداء بالدهم, الذين شوهوا صورة اإلسالم, وحققوا مكاسب‬
        ‫ألعداء اإلسالم بهذه األعمال التخريبية اإلجرامية اإلرهابية, التي تظهر بين آونة وأخرى.‬
    ‫وإن أمن بلدكم مسئولية الجميع، فمن علم منه التوجه لهذا المسلك الخبيث واإلعداد لإلفساد في‬
‫األرض، فيجب رفع أمره للسلطة, قبل أن يحدث شيء من الحدث الذي يحقق أهداف أعداء األمة،‬
                                                                             ‫ويحقق أهداف أعداء البالد.‬
  ‫وعلى الشباب الذين غرر بهم أن يبصروا مواقع أقدامهم، وأن يحذروا من كل فكر يخالف كتاب‬
 ‫اهلل وسنة رسوله ، وأال ينخدعوا لمن يدعو إلى هذا الفكر المنحرف، وإن زعم لنفسه ما زعم، أو‬
                                                                                  ‫ادعى له أحد ما ادعى.‬
‫معشر الشباب، خذوا العلم من كتاب اهلل ومن سنة رسوله على فهم السلف الصالح الذين جعلهم اهلل‬
                                                          ‫وسطاً بين األمم على يد الراسخين في العلم.‬


                                                                                          ‫__________‬
                                              ‫م‬
     ‫(5) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: من ه ّ بحسنة أو بسيئة (5916)، ومسلم في اإليمان،‬
                                                                      ‫باب: إذا هم العبد بحسنة (535).‬
                            ‫(7) أخرجه مسلم في الطهارة، باب: الصلوات الخمس.. (337).‬
                        ‫(3) أخرجه البخاري في الجنة وفضلها، باب: فضل المنيحة (5367).‬
   ‫(1) أخرجه البخاري في اإليمان، باب: أمور اإليمان (9)، ومسلم في اإليمان، باب: بيان عدد‬
                                                           ‫شعب اإليمان (13) واللفظ له.‬
 ‫(1) أخرجه البخاري في العتق، باب: أي الرقاب أفضل (8517)، ومسلم في اإليمان، باب: بيان‬
                                                   ‫كون اإليمان باهلل أفضل األعمال (18).‬
           ‫(6) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب: استحباب طالقة الوجه عند اللقاء (6767)،‬
‫(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب: استحباب حمد اهلل تعالى بعد األكل والشرب (1327).‬
    ‫(8) أخرجه البخاري في االعتصام بالكتاب والسنة، باب: االقتداء بسنن رسول اهلل (8872)،‬
                                 ‫ومسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر (2335).‬
                      ‫(9) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب: استحباب االستغفار (7027).‬
                    ‫(05) 05] أخرجه مسلم في التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب (9127).‬
‫(55) 55] أخرجه البخاري في الدعوات، باب: التوبة (9036) واللفظ له، ومسلم في التوبة، باب:‬
                                                       ‫من الحض على التوبة... (2127).‬
 ‫(75) 75] أخرجه بتمامه البخاري في المغازي، باب: حديث كعب بن مالك (8511)، ومسلم في‬
                                          ‫التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك (9627).‬
  ‫(35) أخرجه الترمذي في الزهد، باب في التوكل على اهلل (6137)، وقال: حسن غريب، وابن‬
                 ‫ماجه في الزهد، باب: القناعة (5151)، وصححه ابن حبان (اإلحسان 526).‬

‫(5/2787)‬




                                                                    ‫هل من عودة لديننا?‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                        ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                           ‫قضايا األسرة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                         ‫يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه‬
                                                                                 ‫القدس‬
                                                                            ‫3/6/1715‬
                                                                        ‫المسجد األقصى‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
‫5- بعدنا عن ديننا أساس ما يصيبنا من الشقاء والبالء. 7- خطوات اإلصالح بين الزوجين. 3-‬
        ‫الوصاة بالمرأة في اإلسالم. 1- قصة امرأة صالحة أدركتها الوفاة. 1- بعض بدع الجنائز‬
     ‫المنتشرة بين المسلمين. 6- أثر غياب الخالفة في ذلة المسلمين وهوانهم. 2- المؤامرة على‬
                                                                  ‫فلسطين وبعض صور معاناة شعبها المسلم.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
            ‫ا‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، ما من يوم يمر إال ويزداد اإلسالم عظمة على عظمة، ونورً على نور،‬
                                                         ‫كيف ال وهو دين اهلل تبارك وتعالى للناس أجمعين.‬
    ‫ولكن ولألسف الشديد ما نعانيه من الشقاء والمفاتن في هذه األيام هو بسبب بعدنا عن دين اهلل‬
                                                                                                    ‫وأخالق اإلسالم.‬
‫حياتنا الزوجية مشاكلها كثيرة، فهل كان عندنا إيمان باهلل تعالى واقتداء برسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                                    ‫وسلم، أيحدث مثل هذا في الحياة الزوجية؟‬
       ‫والجواب: ال، لماذا؟ ألن الزواج في اإلسالم عبارة عن شركة رأس مالها المودة والرحمة،‬
                         ‫ا‬                                ‫ا‬
  ‫واإلسالم جعل للزوجة حقوقً، وعليها واجبات، وجعل للزوج حقوقً، وعليه واجبات، وعلى كل‬
‫واحد منهما القيام بما عليه، واإلسالم يسوس األمور على طاعة اهلل ورضوانه، ويحيط األسرة من‬
                                                                                       ‫جميع جوانبها بسياج منيع.‬
   ‫اسمع أيها المسلم إلى قول اهلل تبارك وتعالى عندما يريد أن يعالج مشكالت المرأة، وال يعالجها‬
       ‫َالل ت خ ف ن نش ُن‬
       ‫بعد وقوعها، إنما يعالجها قبل أن تندلع المشكالت، قال اهلل تعالى: و َّا ِى تَ َا ُو َ ُ ُوزَه َّ‬
           ‫غ ع ِن سب ِن الل‬                          ‫ُْ‬           ‫ع و ْرب ه َّ إ‬         ‫عظ ُن و ُر ه َّ ف م‬
   ‫فَ ِ ُوه َّ َاهْج ُو ُن ِى الْ َضَاجِ ِ َاض ِ ُو ُن فَِنْ أَطَعْنَكم فَالَ تَبْ ُواْ َلَيْه َّ َ ِيالً إ َّ َّهَ كَانَ‬
                                                                                                                   ‫علي‬
                                                                                           ‫َِ ّاً كَبِيراً [النساء:13].‬
                                                          ‫ال‬
  ‫هذا هو العالج الرباني، وبد ً من الذهاب إلى المحاكم ونشر أسرار البيوت ورفع الدعاوى ضد‬
  ‫األزواج والحكم عليهم بالسجن، فباهلل عليكم كيف سيعيش الرجل مع زوجته بعد أن رفعت عليه‬
‫قضية في المحاكم اإلسرائيلية؟ ثم سجنته سنة أو أكثر من ذلك؟ كيف ستكون مصير األسرة؟ كيف‬
                                                                                  ‫سيكون مصير األوالد والبنات؟‬
   ‫عباد اهلل، أمتنا تحتاج إلى تربية إسالمية تقوم على تطبيق منهج اإلسالم، وإذا حصل خالف أو‬
  ‫خصام أو شجار يجب أن تحل المشكالت على أسس وأحكام إسالمية فقط، ويجب أن يتدخل من‬
       ‫ب نهم عث ح م له وح م‬                                            ‫ت‬        ‫وإ‬
     ‫يحكم بينهما لقول اهلل تبارك وتعالى: َِنْ خِفْ ُمْ شِقَاقَ َيْ ِ ِ َا فَابْ َ ُواْ َكَماً ّنْ أَهِْ ِ َ َكَماً ّنْ‬
                                                                                                                 ‫ل‬
                                                                                                 ‫أَهِْهَا [النساء:13].‬
 ‫ولقد وقعت أيام عمر رضي اهلل عنه خالفات بين زوجين، فأرسل حكمين، حكماً من أهل الزوج،‬
‫وحكماً من أهل الزوجة، وأمرهما أن يصلحا بين الزوجين، فعاد الحكمان فسألهما عمر رضي اهلل‬
‫عنه: هل أصلحتما؟ قاال: لم يصطلحا يا أمير المؤمنين، فضربهما عمر بعصاه، فقال الحكمان: ما‬
‫ذنبنا يا أمير المؤمنين؟ فقال الفاروق: لو كان في نيتكما أن تصلحا بينهما، ألصلح اهلل بينهما، أوما‬
         ‫قرأتما قول اهلل تبارك وتعالى: ِن ي ِي َا ِصْلَاحاً ُو ّقِ َّ ُ َيْنَ ُ َا إ َّ َّهَ كَانَ َِيماً خَبِيرً‬
         ‫ا‬           ‫عل‬         ‫ي َف الله ب هم ِن الل‬                  ‫إ ُر د إ‬
                                                                                       ‫ا‬
                                                                         ‫[النساء:13]، عليمً بنية الحكمين.‬
 ‫فهناك حكم إذا ذهب إلى الصلح دعا اهلل أن يوفقه على عدل وخير ومحبة ووفاق، وهناك حكم ـ‬
                                                                    ‫والعياذ باهلل ـ يزيد المشاكل ويعقدها.‬
  ‫عباد اهلل، إن من أسباب المشاكل الزوجية أن ال تلتزم المرأة المسلمة بواجبها، قد ال تصلي، وقد‬
   ‫تخرج متبرجة، اسمعوا أيها المؤمنون قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا صلت المرأة‬
   ‫خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها يوم القيامة: ادخلي الجنة‬
                                                                     ‫من أي أبوابها الثمانية شئت))(5)[5].‬
      ‫وأنتم أيها الرجال، اتقوا اهلل في النساء، واستمعوا لقول رسولنا األكرم صلى اهلل عليه وسلم:‬
                                                             ‫ا‬
   ‫((استوصوا بالنساء خيرً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعاله، فإن ذهبت‬
                                  ‫ا‬
                         ‫تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرً))(7)[7].‬
 ‫عباد اهلل، إذا التزمنا منهج اهلل واتبعنا سنة المصطفى، ترى هل يحل بنا هذا الشقاء الذي نحن فيه‬
                                                                                                          ‫اآلن؟‬
                                                      ‫ن‬
       ‫والجواب: ال، وألف ال، لماذا نخالف س ّة الرسول صلى اهلل عليه وسلم في أقوالنا وأعمالنا‬
       ‫ورسولنا األكرم صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((ومن أحيا سنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة‬
                                                                                               ‫شهيد))(3)[3].‬
     ‫تعالوا ـ أيها المؤمنون ـ لنعيش وإياكم مع امرأة مؤمنة صادقة عارفة باهلل، كانت ال تفوتها‬
  ‫صالة الجمعة في المسجد، وكرست حياتها هلل تعالى، كان أخوها من األولياء وكتب من ماله لها‬
                                                             ‫الشيء الكثير، كتبت وصيتها قبل أن تموت.‬
                                    ‫ا‬
      ‫اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ هذه الوصية: ال تقيموا مأتمً، وال تصرخوا علي، وال تولولوا،‬
                                         ‫مت‬
 ‫وتقيموا خريفاً وال أربعين، وال سنة، فإذا أنا ُّ ودخلت قبري، فال تسمحوا ألحد أن يدخل معي‬
                     ‫قبري حتى ال يمسني، وال يطلع علي، إنما الذي يقوم بدفني رجل محرم علي.‬
   ‫عباد اهلل، كيف ماتت هذه الفتاة المسلمة، حكمة بالغة في اليوم الذي دعي فيه الناس، ليحضروا‬
‫عقد قرانها، وقبل أن يحضر المأذون بقليل، دخلت لتتوضأ، وتصلي هلل تعالى ركعتي شكر، فماتت‬
                                        ‫بعد كمال وضوئها، وتحول المهنئون إلى معزين، سبحان اهلل.‬
                                                                                                   ‫أيها المسلم:‬
                                   ‫تزود من التقوى فإنك ال تدري …إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر‬
                             ‫وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا …وقد نسجت أكفانه وهو ال يدري‬
                           ‫وكم من صغار يرتجى طول عمرهم …وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر‬
                                  ‫وكم من عروس زينوها لزوجها …وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر‬
                                     ‫ال‬                                                ‫ال‬
       ‫وبد ً من أن تلبس الفتاة ثياب زفافها لبست أكفانها، وبد ً من أن تدخل الحمام لتغسل نفسها‬
                                                    ‫ال‬                       ‫ح‬
‫بنفسها، ُملت على خشبة عرجاء، وبد ً من أن تخلع ثيابها بيديها، نامت على خشبة الغسل لتخلع‬
 ‫ثيابها، أقسمت المغسلة التي غسلتها، أنها وهي تقعدها لتوضئها ـ فمن سنة غسل الميت الوضوء‬
                                                                             ‫غ‬
 ‫ـ أقسمت الم ّسلة وهي تغسلها، ابتسمت كأنها على قيد الحياة، كأنها تقول لها: لماذا توضئونني،‬
                                                    ‫وقد توضأت قبل الموت، وقد مت على الوضوء.‬
                                             ‫فلو كان النساء كمثل هذه …لفضلت النساء على الرجال‬
                                            ‫فما التأنيث السم الشمس عيب …وال التذكير فخر للهالل‬
  ‫وحملت على أعناق الرجال، وذهب بها إلى قبرها مدرجة في أكفانها، وجاء وقت الدفن، وجيئ‬
    ‫باألمانة، وفتح باب القبر، ال باب غرفة الزفاف، ونزل أبوها ـ تصوروا يا عباد اهلل ـ األب‬
  ‫بنفسه ينزل ويفك األربطة عن كفنها، ووضع الخد على التراب، وأنامها على شقها األيمن وقال‬
                                        ‫لها: سالم عليك، إلى اللقاء يوم يجمع اهلل األولين واآلخرين.‬
                                                                                  ‫س‬
      ‫هذه هي ُنة الدنيا ـ يا عباد اهلل ـ، ولما قرأوا وصيتها وجدوها أوصت بثلث مالها للفقراء‬
         ‫والمساكين، سألوا عن مصاغها وجواهرها، فعلموا أنها تصدقت بها جميعاً على زميالتها‬
                     ‫ا ا‬
‫الفقيرات، فسألوا عن مكتبتها كم تحوي من الكتب، لم يجدوا فيها كتابً تافهً من الكتب التي يحملها‬
   ‫ا‬
   ‫شباب اليوم، لم يجدوا فيها مجلة خليعة، لم يجدوا إال كتاب اهلل تبارك وتعالى، وجدوا فيها كتبً‬
                                                                                          ‫ا‬
                                                         ‫تفسيرً وسيرة للرسول صلى اهلل عليه وسلم.‬
       ‫هذه فتاة مسلمة، عرفت ربها، فإلى رضوان اهلل ورحمته وجنته سارت ـ كما نحسبها واهلل‬
‫َيت الن س م م ِنة جع إ رب ِ ر ضية‬
‫حسيبها ـ، خاطبتها المالئكة بقوله تبارك وتعالى: يأَُّهَا َّفْ ُ الْ ُطْ َئ َّ ُ ارْ ِ ِى ِلَى َ ّك َا ِ َ ً‬
                                                         ‫َّ ِي ً خل ف عب د و خل َنت‬
                                         ‫مرْض َّة فَادْ ُِى ِى ِ َا ِى َادْ ُِى ج َّ ِى [الفجر:27-03].‬
   ‫هذه الفتاة، أوصت أن ال يكون هناك ذكرى لألربعين، لماذا؟ ألن الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
‫يقول: ((ال عزاء بعد ثالثة أيام))، وكل ما يجري في موتنا وأفراحنا أو أكثره بدع ما أنزل اهلل بها‬
  ‫من سلطان، ذكرى الخميس لماذا؟ ال أصل له، ذكرى األربعين لماذا ؟ إذا سألتهم لماذا تحتفلون‬
    ‫بمرور أربعين يوماً على الميت فال تجد إجابة، إال أن بعض الجهلة يقولون لك: إن الدود يبدأ‬
          ‫م‬
    ‫بأكل أنف الميت بعد أربعين يوماً، أتحتفلون بأكل أنفه؟ لماذا ال تحتفلون بأكل لسانه ال ُر الذي‬
                                                         ‫سن‬
     ‫كان يسيل أذى، لماذا؟ إنها ليست ُ ّة من سنن اإلسالم، إنها بدعة من بدع الفراعنة القدامى،‬
            ‫ا‬
 ‫كانوا يحتفلون بذكرى األربعين، ويقولون بأن الروح بعد الموت تحاسب أربعين يومً في السماء،‬
 ‫ثم تنزل إلى الجسد بعد األربعين، هذا هو كالم الفراعنة الوثنيين، وليس من كالم سيد المرسلين.‬
‫فاتقوا اهلل، ـ يا عباد اهلل ـ وحافظوا على فروجكم، وحافظوا على نسائكم وبناتكم، علموهم أحكام‬
     ‫ص‬
  ‫اإلسالم، فهن بحاجة إلى العلم والمعرفة أكثر من الرجال، وذلك لغلبة الهوى عليهن في ال ِبى،‬
  ‫فإن الصبية في الغالب تنشئ في بيتها ال تلقن القرآن، وال تعرف الطهارة من الحيض، وال تعلم‬
                                                             ‫د‬
 ‫أركان الصالة، وال تح َث قبل الزواج بحقوق الزوج، وربما رأت أمها تؤخر الغسل من الحيض‬
     ‫إلى حين غسل الثياب، وتدخل الحمام بغير مئزر، وتقول: ما معي إال أختي، وتأخذ من مال‬
   ‫ا‬
  ‫الزوج بغير إذنه، وربما تعمل له عمل الشياطين، تبغي أن تعطفه عليها، وهذا كله حرام شرعً،‬
‫وتصلي ـ ربما مع القدرة على القيام ـ قاعدة، وتحتال في إخفاء الحمل إذا حملت، إلى غير ذلك‬
                                                                                              ‫من اآلثام.‬
        ‫وتذكروا ـ يا عباد اهلل ـ أن الزمان ال يخلو من الصالحات، واهلل سبحانه وتعالى يقول:‬
                                                ‫َالص ح ُ ن ت ح ت ل ب ب ف الله‬
                                   ‫ف َّالِ َات قَا ِتَا ٌ َفِظَا ٌ ّلْغَيْ ِ ِمَا حَ ِظَ َّ ُ [النساء:13].‬
‫اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا ونساءنا، واجعلهم في طاعتك يا رب العالمين، اللهم ارزقنا الصبر على‬
                                  ‫البالء، وارزقنا الرضا بالقضاء، وارزقنا الشكر عند العطاء.‬
                                   ‫عباد اهلل، توجهوا إلى اهلل تبارك وتعالى بالدعاء واالستغفار.‬
                         ‫وادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا اهلل.‬


                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
           ‫الحمد هلل الذي ال تدركه األبصار، وال تحويه األفكار، وال يكفيه الليل والنهار، ونشهد‬
 ‫ل‬
‫أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له في سلطانه، وال مناوئ له في علو شانه، العزيز الذي ال يظِم‬
       ‫ا‬             ‫ا‬             ‫ا‬
‫وال يذل، والقوي فكل ما سواه زائل مضمحل، يقبل تائبً، ويعطي محرومً، ويغيث ملهوفً، ويفقر‬
                                                             ‫ا‬                          ‫ا‬
                  ‫غنيً، ويغني فقيراً، ويقصم جبارً، ويهلك ظالماً، ويرفع أقواماً، ويهلك آخرين.‬
   ‫ونشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور محمد رسول اهلل، صالة ربي‬
                                               ‫ل‬
  ‫وتسليماته عليك أيها النبي األمي، الذي إذا عّم فهو أستاذ المعلمين، والذي بعث األمل في قلوب‬
                           ‫البائسين، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه إلى يوم الدين.‬
‫ا‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، إن تخبط العالم اإلسالمي اليوم وهوان األمة وتفرقها وضعفها يعود أساسً‬
             ‫إلى غياب دولة اإلسالم وغياب تطبيق منهج اهلل تبارك وتعالى كدستور ونظام حياة.‬
       ‫وبدأت عوامل الهزيمة والفرقة تسرى بعد المؤامرة االستعمارية الحاقدة على دولة الخالفة‬
‫وإسقاطها سنة 1795م، ومن المؤلم أن بعض العرب كانوا أول المساهمين في القضاء عليها، في‬
      ‫وقت كانت فيه الدول االستعمارية تتآمر فيما بينها القتسام عالمنا العربي، من خالل معاهدة‬
‫سايكس بيكو التي أطلقت كل من فرنسا وبريطانيا يديها الستعمار العالم العربي اإلسالمي، وأعقب‬
  ‫ذلك وفي غياب دولة اإلسالم البدأ في تنفيذ وعد بلفور المشؤوم، الذي أعطى ـ من ال يملك ـ‬
                                  ‫حق التصرف في أرض المسلمين، لمن ال يستحق هذا الحق.‬
     ‫وبدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين الستعمارها وإقامة الوجود الصهيوني، وفي غياب دولة‬
                                                                          ‫ا‬
      ‫اإلسالم أيضً طرح مشروع تقسيم دولة فلسطين، وكان طبيعياً أن يرفض شعبنا هذا التقسيم‬
  ‫الجائر الظالم، بل كان من الواجب رفض هذا التقسيم باعتبار فلسطين أرضاً إسالمية غير قابلة‬
                                                                             ‫للتقسيم والتجزئة.‬
     ‫واستمرت المؤامرة من خالل األنظمة العربية آنذاك، والتي رفعت شعارات القومية العربية،‬
                                                                                 ‫ل‬
    ‫وغّفتها بغالف ديني الستنهاض الهمم، ليس إال، وقامت تحت ذرائع تحرير فلسطين الثورات‬
                                                 ‫واالنقالبات العسكرية في أكثر من بلد عربي.‬
‫وتحت هذه الشعارات الرنانة والطنانة كانت الطامة الكبرى في سنة سبع وستين، حيث احتلت كل‬
                                                                ‫ض‬
                                                    ‫فلسطين، إضافة إلى أرا ٍ عربية أخرى.‬
 ‫واستمر العجز العربي يتفاقم في ظل غياب دولة اإلسالم، وأمام هذا الضعف بدأ اإلحساس الديني‬
‫يتنامى في األمة اإلسالمية، وبدأت الصحوة اإلسالمية تدعو إلى العودة إلى تعاليم اإلسالم، بعد أن‬
                                       ‫تأكد للجميع أن ال عزة إال باإلسالم وبقيام دولة اإلسالم.‬
 ‫وتنبه المستعمرون والمحتلون لهذه الصحوة، وتنبه دعاة العلمانية إلى أن عودة األمة لإلسالم هي‬
 ‫الخطر الحقيقي على مصالحهم ونفوذهم وسطوتهم، فكثف أعداء األمة نار حقدهم ضد الجماعات‬
                                                                    ‫ت‬
                                                         ‫اإلسالمية وألصقوا بهم ُهم اإلرهاب.‬
‫أيها المسلمون، إن المأساة الفلسطينية تندرج في إطار هذا التصور، فها هو شعبنا الفلسطيني الذي‬
                                                                            ‫ا‬
        ‫وقف وحيدً، يواجه أعتى وأقوى دولة، وأطول احتالل عرفه التاريخ البشري، فقدم آالف‬
          ‫الشهداء، وتم اعتقال اآلالف من خيرة أبنائه، وهدمت آالف المنازل وصودرت، وجر‬
        ‫ِّفت‬
                                                ‫ا‬
‫األراضي، ولم يحرك أحد من قادة األمة ساكنً، ولم تعد قضيتنا قضية إسالمية، وما التغني بأمجاد‬
                                                  ‫الماضي إال للبرهنة على العجز القائم اليوم.‬
‫أيها المسلمون، وإذ نشهد اليوم هدنة مصطنعة ومفروضة، فإن إسرائيل وعبر تاريخها االستيطاني‬
 ‫وسياستها التوسعية تستغل هذه الهدنة لتكريس احتاللها عبر تشكيل المستوطنات، حتى غدا سكان‬
   ‫المستوطنات ـ وحسب اإلحصاءات اإلسرائيلية ـ في الضفة وقطاع غزة يشكلون ثلثي سكان‬
                                                                                     ‫إسرائيل.‬
        ‫ج‬
   ‫وفي الوقت الذي ترفض فيه إسرائيل بحث قضية القدس وقضية الالجئين نجد أنها ت ُس نبض‬
 ‫المسلمين من خالل تسريب معلومات خاطئة، ومفادها أن ثمة اتفاقاً على ما يسمونه حرية العبادة‬
      ‫لسائر األديان في المسجد األقصى المبارك، وهذا بحد ذاته توطئة لتقسيم المسجد والنيل من‬
                                                                            ‫قدسيته ال قدر اهلل.‬
                         ‫ة‬
     ‫أيها المسلمون، لقد أصبحت ـ ولألسف الشديد ـ قضية فلسطين قضي ً جزئية، تتعلق بإزالة‬
‫الحواجز العسكرية، وأصبحت قضية فلسطين قضيةَ ما يسمى الجدار اآلمن، هل ستتوقف إسرائيل‬
                                                                  ‫عن بنائه أم ستواصل البناء؟‬
‫واليوم أصبحت قضية األسرى هي القضية األكثر احتداماً، ألن إسرائيل تريد أن تميز بينهم، ومن‬
 ‫هنا نشدد على أهمية ضرورة إطالق سراح األسرى جميعاً دون تمييز، ودون مساومة، فذلك من‬
                                                                                                      ‫حقهم.‬
  ‫ولكن إسرائيل تضرب عرض الحائط بكل المواثيق واألعراف التي تحافظ على حق السجين في‬
                                     ‫ال‬
     ‫حياة مطمئنة، فها هي تقوم بالتنكيل باألسرى، بد ً من إطالق سراحهم، وما جرى في سجن‬
        ‫عسقالن أكبر دليل على غطرستها وسياستها القمعية ضد شعبنا الفلسطيني داخل السجون‬
                                                                                                 ‫وخارجها.‬
  ‫ومن على هذا المنبر الشريف نستنكر هذه االعتداءات وهذه الممارسات الظالمة، ومن هنا نكرر‬
                                                            ‫ا‬
                                            ‫أيضاً مطالبتنا بإطالق سراحهم جميعً دون قيد أو شرط.‬
    ‫اللهم أطلق سراح جميع األسرى المسلمين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وتولَ أمرهم،‬
                                                                                       ‫ش‬
       ‫و ُد أزرهم، وكن معهم يا رب العالمين، اللهم أعدهم إلينا سالمين غانمين آمنين مطمئنين.‬
  ‫عباد اهلل، متى يدرك المسلمون أن قضيتنا هي قضية صراع عقدي بين الحق والباطل؟ وصدق‬
            ‫ع‬            ‫و َز ل ن ي تل ُ َت َ ُد ُ ع د ن ُ إ‬
         ‫اهلل تبارك وتعالى وهو يقول: َالَ ي َاُو َ ُقَا ُِونَكمْ ح َّى ير ُّوكمْ َن ِي ِكمْ ِنِ اسْتَطَا ُواْ‬
                                                                                             ‫[البقرة:257].‬
                                                                                      ‫م‬
   ‫و ِن هنا، فالواجب على أمتنا في كل مكان أن تعمل إلقامة دولة اإلسالم حتى تعود لها الكرمة‬
‫مل ْ س َ الله عم ُ ورس له‬                   ‫َُ‬
‫والعزة والمقدسات، وصدق اهلل تبارك وتعالى وهو يقول: وقلِ اعْ َُوا فَ َيرَى َّ ُ َ َلَكمْ َ َ ُوُ ُ‬
                                                                                                 ‫و م من‬
                                                                                ‫َالْ ُؤْ ِ ُونَ [التوبة:105].‬
                               ‫وفقنا اهلل وإياكم للعمل بكتابه وتطبيق سنة نبيه صلى اهلل على وسلم.‬
                                                                                          ‫__________‬
   ‫(5) أخرجه أحمد في مسنده برقم (1665)، وصححه األلباني في صحيح الجامع برقم (566).‬
‫(7) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في كتاب: أحاديث األنبياء، باب: خلق آدم صلوات اهلل‬
‫عليه وذريته (5333)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب: الوصية بالنساء (8615) واللفظ للبخاري.‬
   ‫(3) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير برقم (207)، وقال األلباني: ضعيف جداً، انظر: السلسلة‬
                                                                                         ‫الضعيفة (673).‬

‫(5/8787)‬




                                                                              ‫الحث على نوافل الصلوات‬
                                                                 ‫-----------------------‬
                                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                      ‫الصالة, فضائل األعمال‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                       ‫الرياض‬
                                                                                   ‫3/6/1715‬
                                                                ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                                  ‫ش‬                                         ‫تسل‬
‫5- ُّط الشيطان على العبد بإلهائه عن صالته. 7- ُرعت النوافل جبراً لنقص الفرائض. 3-‬
 ‫أهمية النوافل وفضلها. 1- الترغيب في أداء السنن الرواتب، وصالة الوتر، وركعتي الضحى.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                            ‫أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
‫عباد اهلل، إن من رحمة اهلل بنا, وإحسانه إلينا, وتفضله علينا أن شرع لنا نوافل من العبادة لتكون‬
                                                                        ‫ة‬
                                    ‫هذه النوافل جابر ً للنقص الحاصل علينا في أداء الفريضة.‬
    ‫أيها المسلم، ال يخلو واحد منا من تقصير في فرائض اإلسالم, تقصير في األداء, وخلل أثناء‬
                        ‫ّ‬
                        ‫ك‬                                      ‫ل‬
    ‫األداء, وعدو اهلل إبليس يتسّط على المسلم عند الدخول في الصالة, يذ ّره ما كان غائباً عنه‬
   ‫ويشغل قلبه بما ال خير له فيه, وال مصلحة له منه, ولكن ليضعف قلبه في صالته, وليضعف‬
  ‫مناجاته لربه، فإن موقف المصلي موقف عظيم يناجي فيه ربه, ويفضي بحاجته إلى ربه, فعد ّ‬
  ‫و‬
                                                                 ‫ا‬
‫اهلل يذكره ما كان غائبً, اذكر كذا اذكر كذا, حتى ربما انصرف الواحد منا من صالته ولو سألته‬
   ‫أسهى اإلمام؟ قال: ال أدري, وبأي شيء قرأ اإلمام؟ قال: ال أدري, فيركع ويسجد ويقوم وهو‬
                  ‫و‬
   ‫بالجسد فقط، والقلب في جوالت في الدنيا واألمور التي ال داعي لها, لكن عد ّ اهلل يفرح بهذا‬
                                                              ‫ليضعف شأن المسلم في صالته.‬
 ‫وألن المسلم ال يكتب له من صالته إال ما كان حاضر القلب أثناء األداء يقول ابن عباس رضي‬
‫اهلل عنهما: (ليس لك من صالتك إال ما عقلت)، ولهذا في حديث الوضوء: ((ثم صلي ركعتين ال‬
                                                    ‫يحدث فيهما نفسه إال غفر اهلل له))(5)[5].‬
‫فلما كان هذا الضابط مالزماً لنا في أداء الفرائض شرع رسول اهلل لنا نوافل من الصلوات ليجبر‬
                                  ‫بها نقص فرائضنا, ولتكمل بها فرائضنا يوم قدومنا على اهلل.‬
    ‫أيها المسلم، إن أول ما نحاسب عنه يوم القيامة من أعمالنا فيما بيننا وبين اهلل، هذه الصلوات‬
‫الخمس, فإن صلحت فقد أفلح المؤمن ونجح, وإن حصل فيها خلل قال اهلل: انظروا هل لعبدي من‬
                               ‫تطوع؟ فكملوا به نقص فريضته, وكذلك الزكاة والصوم والحج.‬
‫إذن أخي المسلم، فمحافظتك على نوافل الصلوات خير لك في أمورك كلها, جبر لنقص فريضتك,‬
                                        ‫د‬
‫وتكميل لها, وزيادة خير على خير, ربيعة السلمي ق ّم للنبي صلى اهلل عليه وسلم وضوءه فقال له‬
   ‫: ((سلني حاجتك))، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: ((أو غير ذاك يا ربيعة))، قال: هو‬
    ‫ذاك، قال : ((أعني على نفسك بكثرة السجود))(7)[7] فالمعنى أن كثرة السجود, كثرة النوافل‬
                                                ‫طاعة سبب لمرافقة محمد في دار كرامة اهلل.‬
‫أيها المسلم، إن محافظتك على نوافل الصالة سبب لمحبة اهلل لك وتوفيق اهلل لك في أعمالك كلها,‬
   ‫في الحديث القدسي، يقول : ((وال يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت‬
‫سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن‬
   ‫سألني ألعطينه, ولئن استعاذني ألعيذنه))(3)[3]، هذا الفضل العظيم سببه كثرة نوافل الصالة,‬
                                        ‫كثرة نوافل الطاعات من صالة وصدقه وصيام وحج.‬
 ‫أيها المسلم، إذن فعليك المحافظة على هذه النوافل والعناية بها حتى تكون من الفائزين برضوان‬
                         ‫اهلل إن شاء اهلل, حتى تفوز برضوان اهلل والمسابقين إلى فعل الخيرات.‬
  ‫أيها المسلم، إن نبينا شرع لنا رواتب قبل الفريضة ورواتب بعدها, فأخبرنا عبد اهلل بن عمر بن‬
     ‫الخطاب رضي اهلل عنهما أنه حفظ عن رسول اهلل ركعتين قبل الظهر, وركعتين بعد الظهر,‬
‫وركعتين بعد المغرب, وركعتين بعد العشاء, وركعتين قبل الفجر, وأخبر أن هذه الساعة ساعة ال‬
 ‫يدخل على النبي فيها, وأن أخته حفصة أم المؤمنين أخبرته أن النبي إذا طلع الفجر وأذن المؤذن‬
                                           ‫قام فصلى ركعتين قبل أن يخرج من منزله(1)[1].‬
 ‫فهذه عشر نوافل ويسميها العلماء نافلة ألنها محببة قبل الوقت وبعده, فقبل الظهر ركعتين وبعده‬
 ‫ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين, أما بعد العصر فال ألنه‬
                          ‫وقت نهي, وقبل العصر سنة مطلقة وكذلك ما قبل المغرب والعشاء.‬
  ‫وفي حديث أم حبيبة: ((من حافظ على ثنتي عشرة سجدة في يومه وليلته حرمه اهلل على النار,‬
    ‫أربعاً قبل الظهر, ركعتين بعد الظهر, ركعتين بعد المغرب, ركعتين بعد العشاء, ركعتين قبل‬
                                ‫ٍ‬                   ‫ا‬
 ‫الفجر))(1)[1]، وفي حديث اآلخر أيضً: ((من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها بنى اهلل‬
                                                              ‫له بهن بيتاً في الجنة))(6)[6].‬
  ‫أيها المسلم، هذه الفضائل العظيمة هي يسيرة على من يسرها اهلل عليه, هينة سهلة, وشاقة على‬
                                                                               ‫ُِ‬
 ‫من حرمَ التوفيق, وكم يشتغل اإلنسان بقيل وقال, ويأخذ بأطرف الحديث, ويحدث غيره, وتذهب‬
                                               ‫أوقاته دون أن يستغلها في هذا الفضل العظيم.‬
             ‫أ‬
     ‫أيها المسلم، وهناك نوافل شرعت لنا فقبل العصر يروى أنه قال: ((رحم اهلل امرً صلى قبل‬
                                                                         ‫ا‬
‫العصر أربعً))(2)[2]، وقبل المغرب يقول : ((صلوا قبل المغرب, صلوا قبل المغرب, صلوا قبل‬
                            ‫المغرب, ثم قال: لمن شاء))(8)[8]، كراهية أن يتخذها الناس سنة.‬
                                                                    ‫وقال: ((بين كل أذانين صالة)) (9)[9].‬
  ‫وشرع لنا نبينا أن نصلي الضحى ركعتين ففي حديث أبي هريرة: أوصاني خليلي بثالث: ((أن‬
   ‫أوتر قبل أن أنام، وأن أصلي ركعتي الضحى, وأن أصوم من كل شهر ثالثة أيام))(05)[05]،‬
 ‫وفي حديث أبي ذر لما ذكر النبي خلق اإلنسان واألعمال التي يشكر بها ربه قال: ((يصبح على‬
 ‫كل سالمى من الناس صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة, وتعين الرجل في‬
 ‫دابته فتحمله عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة،‬
                                             ‫ويجزئ من ذلك ركعتين تركعهما من الضحى))(55)[55].‬
   ‫فيا أخي هذه النوافل تقوي صلتك بربك, وتجعلك على ارتباط بربك, فحافظ عليها أخي المسلم،‬
                                 ‫وروض نفسك على مالزمتها فهي خير لك وعون لك على كل خير.‬
‫أخي المسلم، إن فعل النوافل في البيت نور للبيت, وخير يحل بالمنزل, ويقتدي بك غيرك, ويتأسى‬
  ‫بك زوجتك وأوالدك من ذكور وإناث، والبيت إذا عمر بالطاعة ابتعد عنه الشيطان، وإذا خرب‬
                                                                ‫و‬
           ‫من الخير امتأل فيه الشياطين، فن ّر بيتك بالنوافل، ولهذا النبي يقول: ((ال تجعلوا بيوتكم‬
‫قبورا))(75)[75] بمعنى صلوا فيها, وقال: ((خير صالة الرجل في بيته إال المكتوبة))(35)[35]،‬
  ‫فالفرائض محلها المساجد والنوافل محلها البيوت ليكون أقوى في اإلخالص وأعظم في الطاعة,‬
  ‫وتخبر عائشة: (أن النبي إذا صلى العشاء ال ينام حتى يصلي قبل أن ينام أربع ركعات أو ست‬
  ‫ركعات)(15)[15]، كل ذلك ليبتدأ يومه بالطاعة، ويختم يومه بالطاعة، فالطاعة في أول يومه،‬
    ‫والطاعة عند النوم كلها حفظ للعبد وحفظ لدينه, حفظ ألخالقه عون له على كل خير، فالصالة‬
                                                             ‫خير موضوع, فمن استقل أو شاء أن يستكثر.‬
  ‫فيا أخي المسلم، ال تهمل هذه النوافل وال تتالشاها, فيا له من يوم ستكون محتاجاً إلى مثقال ذرة‬
                                                                                   ‫من خير يرجح بها ميزانك.‬
   ‫يا أخي كم لنا من تقصير وكم لنا من نسيان وإهمال, فهذه النوافل تجبر نقص صلواتنا, وتكون‬
‫سبباً إلكمالها, وفوزنا برضاء اهلل يوم قدومنا عليه, إنها أعمال صالحة لن تضيع، هي مدخرة لك،‬
   ‫ومكتوبة لك، وسترى جزاءها يوم قدومك على اهلل ، يوم ال ينفع مال وال بنون إال من أتى اهلل‬
                                                                                                       ‫بقلب سليم.‬
‫حاول أن يكون هذا الجسد يستعمل في طاعة اهلل ويسخر في األعمال الصالحة، فال تستسهلها وال‬
    ‫تستقلها, كم مجالس تقضيها ساعات طوال في قيل وقال وما ال خير فيه في أمر الدنيا والدين,‬
      ‫وتتكاسل وتضعف عن نوافل تقدمها لك, تعمر بيتك بالخير, أعمره بالطاعة والعمل الصالح.‬
 ‫أسأل اهلل أن يعيننا وإياكم على كل خير, وأن يوفقنا الغتنام األوقات في صالح األعمال, إنه على‬
                                                                                                  ‫كل شيء قدير.‬
            ‫الس‬    ‫َ‬      ‫ق إل م ِ ة م رب ُ و َن َ ض‬
        ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: سَابِ ُواْ َِى َغْفرَ ٍ ّن َّّكمْ َج َّةٍ عرْ ُهَا كَعرْضِ َّمَاء‬
  ‫َاألرضِ ُع َّتْ ِل ِي َ ءا َ ُواْ ب َّ ِ و ُ ُِهِ ذَلِكَ فَض ُ َّ ِ ُؤ ِي ِ َن َشَاء و َّ ُ ُو الْفَضلِ الْعَ ِي ِ‬
  ‫ظم‬           ‫ْ‬       ‫َالله ذ‬      ‫ْل الله ي ْت ه م ي‬               ‫و َ ْ أ ِد لَّذ ن من ِالله َرسل‬
                                                                                   ‫[الحديد:57].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
  ‫هذا, وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه,‬
                                                                         ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫الحمد هلل حمدً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله, صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرً‬
  ‫ا‬                                                            ‫ا‬
                                                                                 ‫إلى يوم الدين.‬
                                            ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
            ‫ا‬        ‫ا‬
 ‫عباد اهلل، إن نبينا كان يحافظ على سنة الوتر وما كان يدع الوتر ال حضرً وال سفرً، وأخبرنا :‬
  ‫((أن اهلل أمدنا بصالة هي خير لنا من حمر النعم، الوتر ما بعد صالة العشاء إلى صالة الفجر))‬
   ‫(15)[5] وقال لنا : ((أوتروا يا أهل القرآن,فإن اهلل وتر يحب الوتر))(65)[7]، وقال: ((من لم‬
                                                                     ‫يوتر فليس منا))(25)[3].‬
   ‫وكان نبيكم يحافظ على الوتر,وشرع للمسلم أن يوتر آخر الليل إن وثق بنفسه في قيام الليل, أو‬
       ‫يوتر أول الليل إن لم يثق بنفسه من قيام آخر الليل فليوتر بعد صالة العشاء وسنتها، المهم‬
 ‫المحافظة عليه، وهذا الوتر أكثر ما نقل عنه أنه أوتر بثالثة عشر وأوتر إحدى عشر وربما أوتر‬
      ‫ا‬
‫بتسع ركعات متواصالت يجلس بعد الثامنة ثم يتابع ويقوم ويكمل التاسعة, وربما سرد سبعً وربما‬
                                                                                     ‫ا‬
                                                                                    ‫سرد خمسً.‬
‫والوتر أقله واحدة وأدنى كماله ثالثاً يوتر المسلم بها بعد العشاء وسنتها، فيصلي ثالثة ركعات إن‬
                             ‫ا‬             ‫ا‬
‫شاء فصل بينهما بثالث وإن شاء وصلهما ثالثً, وإن صلى خمسً أو سبعاً فذاك خير وأفضل, وإن‬
    ‫وفق للكمال فصلى إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة فذاك الكمال الذي هو‬
   ‫هدي نبيكم تقول عائشة رضي اهلل عنها: (ما كان نبيكم يزيد في رمضان وال غيره على إحدى‬
 ‫عشرة ركعة, يصلي أربعاً فال تسأل عن حسنهن وطولهن, ثم يصلي أربعاً فال تسأل عن حسنهن‬
                                                    ‫وطولهن, ثم يوتر من ذلك بثالث)(85)[1].‬
‫فحافظوا على الوتر رحمكم اهلل, وال تضيعوه, فإن السلف يشددون في أمره, ويرغبون فيه, ويرون‬
   ‫تاركه والمحافظة على تركه يرون ذلك نقصاً في حق اإلنسان, فحافظوا عليه رحمكم اهلل لعلكم‬
                                                                                       ‫تفلحون.‬
   ‫نبيكم إذا سافر في سفره قصر الصالة فلم يصل قبل الظهر وال بعدها وال بعد المغرب وال بعد‬
‫العشاء, لكن الركعتان قبل الفجر ما كان يدعهما مع الوتر ال في حضر وال في سفر، تقول عائشة‬
                            ‫ا‬
              ‫رضي اهلل عنها: (لم يكن محمد على شيء من النوافل أشد تعاهدً منه على ركعتي‬
             ‫الفجر)(95)[1]، وهو كان يقول: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))(07)[6].‬
                      ‫فيا إخواني هذه أعمال صالحة وقربات تقربوا بها إلى ربكم لعلكم تفلحون.‬
   ‫أسأل اهلل أن يوفقني وإياكم لصالح العمل, وأن يجعلنا وإياكم من المسارعين في الخيرات, وأن‬
        ‫يتقبل منا ومنكم أعمالنا, وأن يوفقنا لعمل يرضي ربنا قبل لقائه, إنه على كل شيء قدير.‬
      ‫و َّد ْ ِن ْ الز الت و‬
     ‫نسأله تعالى التوفيق لما يحبه ويرضاه والتزود بعمل صالح، َتَزَو ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْ َى‬
‫[البقرة:295]، فخير الناس من تزود من دنياه آلخرته, ومن حياته لمعاده, يتزود قبل أن يندم وقبل‬
                                                       ‫أن يتمنى فرصة عمل يتقرب بها إلى اهلل.‬
‫قال بعض السلف رؤي أحد السلف بعد موته في منامه فقال: أنتم تعلمون وال تعملون، ونحن نعلم‬
                        ‫وال نعمل، واهلل وركعتان في صحيفة أحدنا أحب إليه من الدنيا وما فيها.‬
  ‫إن األعمال الصالحة زاد لك يوم القيامة، إنها سبب لتهوين كرب السياق عليك، وإنها ألنس لك‬
                            ‫في لحدك, وإنها لشافعة لك يوم لقاء ربك, وإنها تثقل ميزان أعمالك.‬
                          ‫ال‬
‫فيا أخي المسلم، هذه الدنيا إنما يفرح بالحياة فيها المؤمن فيزداد عم ً صالح, ويتقرب إلى اهلل بما‬
           ‫يرضيه, فاحمد اهلل على صحة بدنك وسالمة أعضائك, فواصل الخير والعمل الصالح.‬
    ‫أتي بعض السلف في آخر كبر سنه فقيل: ما هذه النوافل وقد كبر السن وثقل؟ قال: هذا جسد‬
                                                               ‫أتعبه بالطاعة قبل أن يأكله الدود.‬
                                 ‫ً‬     ‫ال‬
     ‫إن المؤمن في هذه الحياة يفرح بيوم يزداد فيه عم ً صالحا, وحسنات تكتب له قبل أن تختم‬
    ‫أعماله, وتنقطع أعماله, وتطوى صحائفه بما عليه، أسأل اهلل لي ولكم الثبات والتوفيق والعون‬
                                                                                  ‫على كل خير.‬


                                                                                ‫__________‬
  ‫(5) أخرجه البخاري في الوضوء، باب: الوضوء ثالثاً (065)، ومسلم في الطهارة، باب: صفة‬
                                            ‫الوضوء وكماله (677) من حديث عثمان بن عفان.‬
                        ‫(7) أخرجه مسلم في الصالة، باب: فضل السجود والحث عليه (981).‬
               ‫(3) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (7016) من حديث أبي هريرة.‬
                          ‫(1) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: الركعتين قبل الظهر (5855).‬
 ‫(1) أخرجه مسلم في صالة المسافرين وقصرها، باب: فضل السنن الراتبة.. (872)، والترمذي‬
   ‫في الصالة، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة... (151)، وقال: حسن‬
                                                                               ‫صحيح واللفظ له.‬
       ‫(6) أخرجه أبو داود في الصالة، باب: األربع قبل الظهر وبعدها (9675)، والترمذي في‬
  ‫الصالة، باب منه آخر (871)، وقال: حسن صحيح غريب, والنسائي في المجتبى في قيام الليل‬
           ‫وتطوع النهار، باب: االختالف على إسماعيل بن خالد (6585) من حديث أم حبيبة.‬
   ‫(2) أخرجه اإلمام أحمد (1191)، وأبو داود في الصالة، باب: الصالة قبل العصر (5275)،‬
    ‫والترمذي في الصالة، باب: ما جاء في األربع قبل العصر (031)، وقال: غريب حسن. من‬
                                                                      ‫حديث ابن عمر.‬
     ‫(8) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: الصالة قبل المغرب (3855) من حديث عبد اهلل بن‬
                                                                               ‫مغفل.‬
        ‫(9) أخرجه البخاري في األذان، باب: كم بين األذان واإلقامة (176)، ومسلم في صالة‬
           ‫المسافرين وقصرها، باب: بين كل أذانين صالة (838) من حديث عبد اهلل بن مغفل.‬
‫(05) 05] أخرجه البخاري في الصوم، باب: صيام أيام البيض ثالث عشرة... (5895)، ومسلم‬
                             ‫في صالة المسافرين، باب: استحباب صالة الضحى... (572).‬
 ‫(55) 55] أخرجه اإلمام أحمد (16907)، وأبو داود في الصالة، باب: صالة الضحى (1875)‬
                                                                    ‫من حديث أبي ذر.‬
   ‫(75) 75] أخرجه اإلمام أحمد (6818)، وأبو داود في المناسك، باب: زيارة القبور (7117)،‬
   ‫من حديث أبي هريرة، وابن ماجه في إقامة الصالة والسنة فيها، باب: ما جاء في التطوع في‬
                                                      ‫البيت(2235) من حديث ابن عمر.‬
   ‫(35) 35] أخرجه البخاري في األدب، باب: ما يجوز من الغضب والشدة ألمر اهلل (3556)،‬
‫ومسلم في صالة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صالة النافلة في بيته (582) من حديث زيد‬
                                                                             ‫بن ثابت.‬
             ‫(15) 15] أخرجه بنحوه أبو داود في الصالة، باب: الصالة بعد العشاء (3035).‬
 ‫(15) أخرجه أبو داود في الصالة، باب استحباب الوتر (8515), والترمذي في الصالة, باب ما‬
   ‫جاء في فضل الوتر (711) وقال: غريب, وابن ماجه في إقامة الصالة, باب ما جاء في الوتر‬
                                                   ‫(8655), من حديث خارجة بن حذافة.‬
      ‫(65) أخرجه اإلمام أحمد (1675)، وأبو داود في الصالة، باب: استحباب الوتر (6515)،‬
    ‫والترمذي في الصالة، باب: ما جاء أن الوتر ليس بحتم (311)، وقال: حسن، وابن ماجه في‬
      ‫إقامة الصالة والسنة فيها، باب: ما جاء في الوتر (9655) من حديث علي بن أبي طالب.‬
  ‫(25) أخرجه اإلمام أحمد (1719) من حديث أبي هريرة، وأبو داود في الصالة، باب: فيمن لم‬
                                                         ‫يوتر (9515) من حديث بريدة.‬
 ‫(85) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: قيام النبي بالليل (2155)، ومسلم في صالة المسافرين‬
                                   ‫وقصرها، باب: صالة الليل وعدد ركعات النبي (832).‬
                    ‫(95) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: تعاهد ركعتي الفجر... (3655).‬
     ‫(07) أخرجه مسلم في صالة المسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي الفجر (172) من‬
                                                                                ‫حديث عائشة.‬

‫(5/9787)‬




                                                      ‫اتباع الهوى (صوره – خطره – عالجه)‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                         ‫الفتن‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫أسامة بن عبد اهلل خياط‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫05/6/1715‬
                                                                                ‫المسجد الحرام‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- خطورة اتباع الهوى. 7- من صور اتباع الهوى: القول على اهلل بغير علم، الغفلة، اإلخالد‬
   ‫إلى األرض، الظلم، سوء الظن، الحكم بغير ما أنزل اهلل، العجب، عدم العدل. 3- عالج اتباع‬
                                                                                       ‫الهوى.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل حق تقاته، فإن التقوى خير زاد يصحب المسلم في رحلته إلى اهلل‬
                           ‫والدار اآلخرة حيث ال ينفع مال وال بنون إال من أتى اهلل بقلب سليم.‬
      ‫أيها المسلمون، إن مجانبة الضالل والسالمة من الغواية والنأي عن فساد العمل منتهى أمل‬
  ‫المسلم، وغاية أمله وذروة مقصده، لذا ليس عجباً أن ينبعث له حس مرهف وشعور يقظ، وفكر‬
‫حي يحمله على تمام الحذر من كل ما يحول بينه وبين سلوك سبيل االستقامة، فإن الحوائل كثيرة،‬
                    ‫ا‬
 ‫وإن العوائق عديدة، غير أن من أظهر هذه الحوائل وأقوى هذه العوائق أثرً وأشدها خطراً اتباع‬
  ‫الهوى, على معنى أن يكون دليل المرء وقائده ومرشده ما تميل إليه نفسه, ويهواه قلبه, ويلتذ به‬
                                                  ‫حسه ال ما يأمره به وينهاه عنه اهلل ورسوله.‬
                                                                     ‫ا‬
         ‫ولما كان المسلم مأمورً بأن يجعل صالته ونسكه ومحياه ومماته هلل رب العالمين، كما قال‬
         ‫ت ونسك‬          ‫ق ِن‬
        ‫سبحانه مخاطباً أشرف خلقه وخاتم أنبيائه صلوات اهلل وسالمه عليه: ُلْ إ َّ صَالَ ِى َُ ُ ِى‬
                     ‫أم ت و َول م لم‬                         ‫ر ه وب‬                  ‫وم ت لل ِ رب ع م‬                    ‫وم‬
    ‫َ َحْيَاىَ َ َمَا ِى َّه َ ّ الْ َالَ ِينَ الَ شَ ِيكَ لَ ُ َ ِذالِكَ ُ ِرْ ُ َأَنَاْ أ َّ ُ الْ ُسِْ ِينَ [األنعام:765،‬
  ‫365]؛ كان اتباع الهوى عامالً خطيراً في النأي بحياة المسلم عن هذا األصل العظيم من أصول‬
‫ا‬                                                         ‫ذ‬
‫السعادة وأسباب النجاة، ولذا ح ّر سبحانه في حشد من آيات كتابه العزيز من اتباع الهوى مقرونً‬
         ‫بجملة من الصفات المقبوحة واألحوال المرذولة التي تعد مع ذلك من األسباب الباعثة عليه‬
                                                                                                                   ‫والمفضية إليه.‬
 ‫فمن ذلك عدم العلم باهلل وآياته وشرعه، ومنه القول على اهلل بغير علم، كمن يتصدى للفتوى دون‬
          ‫أن تجتمع فيه شروطها وآدابها، فيكون من نتيجة ذلك أن يفتي الناس بما تهوى األنفس, ال‬
‫بمقتضى الدليل من كتاب اهلل وسنة رسوله ، فيورد نفسه بذلك ويورد غيره موارد الهالك, ويكون‬
       ‫وِن ر لي ِل ن و ئه‬
      ‫وباالً على األمة وسبباً في االنحراف عن الحق كما قال سبحانه: َإ َّ كَثِي ًا َّ ُضُّو َ بِأَهْ َا ِ ِم‬
                                                                                                                      ‫ب ْ عْ‬
                                                                                                     ‫ِغَيرِ ِلمٍ [األنعام:955].‬
     ‫ومن ذلك الغفلة عن ذكر اهلل واإلعراض عن شرعه, فإنها تحمل المسلم على ترك ما أمر به,‬
                     ‫م‬
      ‫ونهي عنه, واالنصراف إلى شهوات النفس ولذات الحس وجعلها منتهى ه ّه, وغاية مقصده،‬
                                                         ‫ا‬
                                 ‫فالحظ في نفسه لغيرها، بل يكون حاله مشابهً لحال الدواب والعجماوات.‬
‫ويزداد عظم الخطر عندما ينصرف المرء عن شريعة ربه بالكلية مصماً أذنيه عن البينات والهدى‬
                                                                                  ‫ع‬
    ‫فتتش ّث عليه أموره, ويشيع االضطراب في حياته، ولذا حذر سبحانه المؤمنين من هذه العاقبة‬
                        ‫ر ُ ُر‬           ‫به ع ذ ْر َاتب و ه و‬                                 ‫و ت م‬
         ‫فقال سبحانه: َالَ ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َن ِك ِنَا و َّ َعَ هَ َا ُ َكَانَ أَمْ ُه ف ُطًا [الكهف:87].‬
     ‫ومنها اإلخالد إلى األرض، والركون إلى الدنيا والعمل لها والرضا بها، حتى تكون أكبر همه‬
‫ومبلغ علمه, لها يعمل, وإليها يقصد, وألجلها يناضل، وفيها يوالي ويعادي، حتى يقعد به ذلك عن‬
  ‫سمو الهدف ورفعة الغاية وشرف المقام الذي ينشده ألو األلباب بعملهم هلل والدار اآلخرة، فتكون‬
‫تنه‬          ‫و ل ع ِ ب َّذ‬                                                                ‫ا‬
‫عاقبة أمره خسرً وندامة ال تنتهي, وحسرة ال تنقطع, كما قال سبحانه: َاتْ ُ َلَيْهمْ نَ َأَ ال ِى ءا َيْ َا ُ‬
  ‫ْ‬     ‫و ن و ش َ َ ه ب و ِنه َد إل‬                                       ‫س م ه بعه الش ن ن م‬                                    ‫يت‬
‫ءا َا ِنَا فَانْ َلَخَ ِنْ َا فَأَتْ َ َ ُ َّيْطَا ُ فَكَا َ ِنَ الْغَا ِي َ َلَوْ ِئْنَا لرفَعْنَا ُ ِهَا َلَاك َّ ُ أَخْل َ َِى األرضِ‬
                                    ‫ره‬                ‫ِ ع ه يه‬               ‫إ‬           ‫َات و ُ م له م َل‬
          ‫و َّبَعَ هَ َاه فَ َثَُ ُ كَ َث ِ الْكَلْبِ ِن تَحْملْ َلَيْ ِ َلْ َثْ أَوْ تَتْ ُكْ ُ اآلية [األعراف:185، 685].‬
   ‫ومنها الظلم، والظلم يا عباد اهلل، تتسع أبعاده وتتنوع دروبه، فال يقتصر على ظلم اإلنسان نفسه‬
   ‫بالمعاصي حتى يوردها موارد الهالك، بل يتجاوز ذلك إلى ظلم غيره بألوان كثيرة تندرج كلها‬
‫تحت مفهوم التعدي عليهم في األنفس أو األموال أو األعراض فيورثه ذلك من ظلمات يوم القيامة‬
                         ‫و ه ب عْ‬                   ‫َ ات َّذ ن م‬
           ‫ما ال منجى له منها كما قال سبحانه: بلِ َّبَعَ ال ِي َ ظَلَ ُواْ أَهْ َاء ُمْ ِغَيْرِ ِلمٍ [الروم:97].‬
           ‫ومنها تزيين سوء العمل في نفس صاحبه، فإن المرء إذا زين له سوء عمله انعكست لديه‬
                    ‫ا‬             ‫ا‬             ‫ا‬            ‫ال‬
‫الموازين, فأصبح يرى الحق باط ً، والباطل حقً، والحسد قبيحً، والقبيح حسنً، وإنها لمحنة يا لها‬
   ‫و ه‬           ‫عل بي ة م ربه م زي ه س عمله َاتبع‬                                ‫َم‬
 ‫من محنة، كما قال سبحانه: أفَ َن كَانَ ََى َّنَ ٍ ّن َّ ّ ِ كَ َن ُ ّنَ لَ ُ ُوء َ َِ ِ و َّ َ ُواْ أَهْ َاء ُمْ‬
                                                                                                                   ‫[محمد:15].‬
    ‫وم ه به م ع ْ إ َتبع ِال‬                                     ‫ا‬
    ‫ومنها الظن، الذي ال يغني من الحق شيئً، كما قال سبحانه: َ َا لَ ُم ِ ِ ِنْ ِلمٍ ِن ي َّ ِ ُونَ إ َّ‬
    ‫إ َتبع ِال َّن وم‬                                                   ‫َّن وِن َّن ي ن من ق‬
   ‫الظ َّ َإ َّ الظ َّ الَ ُغْ ِى ِ َ الْحَ ّ شَيْئاً [النجم:87]، وكما قال سبحانه: ِن ي َّ ِ ُونَ إ َّ الظ َّ َ َا‬
                                                                        ‫ه م ربهم ُ‬                 ‫أل فس و َ‬
                                                         ‫تَهْوَى ا َن ُ ُ َلَقدْ جَاء ُم ّن َّ ّ ِ ُ الْهدَى [النجم:37].‬
 ‫ثم إن التباع الهوى في دنيا الواقع صوراً كثيرة ال يحدها حد, وال يستوعبها حصر، غير أن من‬
                                                                          ‫ا‬
   ‫أعظمها خطرً، وأشدها ضرراً، ما يكون من اتباع الهوى في ميدان الحكم بين الناس، والفصل‬
  ‫بينهم في الدماء واألموال واألعراض، ولذا أمر سبحانه نبيه داود عليه السالم بالحكم بين الناس‬
       ‫د و د ِن‬
      ‫بالحق, ونهاه عن اتباع الهوى ألن عاقبة ذلك الضالل عن سبيل اهلل, فقال تعالى: يا َا ُو ُ إَّا‬
             ‫و ي ِل ع سب الل‬                     ‫ق و َت‬                 ‫ُ ب الن‬           ‫ِ‬       ‫جع ك ل ً ف‬
     ‫َ َلْنَا َ خَِيفَة ِى األرْض فَاحْكمْ َيْنَ َّاسِ بِالْحَ ّ َالَ ت َّبِعِ الْهَ َى فَ ُضَّكَ َن َ ِيلِ َّهِ اآلية‬
                                                                                                                     ‫[ص:67].‬
     ‫وكذلك أمر سبحانه نبيه وأشرف خلقه وأعلمهم بربه محمداً صلى اهلل عليه وسلم أن يحكم بين‬
  ‫ك ب ُ بم َ الله‬                      ‫و‬
  ‫الناس بما أنزل اهلل، وحذره من اتباع األهواء فقال تبارك وتعالى: َأَنِ احْ ُم َيْنَهمْ ِ َا أَنزلَ َّ ُ‬
 ‫ز الله إ َ إ َل ْ َ َن ُر د الله‬                                  ‫و َتب و ُ و ْ َ ُ أ ي تن ع ب ْض‬
 ‫َالَ ت َّ ِعْ أَهْ َاءهمْ َاحذرْهمْ َن َفْ ِ ُوكَ َن َع ِ مَا أَن َلَ َّ ُ ِلَيْك فَِن تَوَّوْا فَاعْلمْ أَّمَا ي ِي ُ َّ ُ‬
                                                      ‫ق‬            ‫ا م الن‬        ‫ذن ب ِ وِن‬          ‫أ يص به بب‬
                                     ‫َن ُ ِي َ ُم ِ َعْضِ ُ ُو ِهمْ َإ َّ كَثِيرً ّنَ َّاسِ لَفَاسِ ُونَ [المائدة:91].‬
     ‫وبين له أن مآل اتباع أهواء الضالين مفضٍ به وهو رسول رب العالمين إلى الضالل والخيبة‬
   ‫ع م د الل ِ ُ ال َتبع و ُ ْ َ‬                         ‫ب َّذ‬              ‫ق إن نه ت‬
 ‫والخسران, فقال سبحانه: ُلْ ِ ّى ُ ِي ُ أَنْ أَعْ ُدَ ال ِينَ تَدْ ُونَ ِن ُونِ َّه قلْ َّ أ َّ ِ ُ أَهْ َاءكم قدْ‬
                                                                                        ‫م م د‬                   ‫ض ت إ وم‬
                                                                       ‫َلَلْ ُ ِذاً َ َا أَنَاْ ِنَ الْ ُهْتَ ِينَ [األنعام:61].‬
         ‫وال ريب يا عباد اهلل، أن هذا كله توجيه لألمة من بعده, وتحذير لها, وهدى وذكرى ألولي‬
                                                                                                                         ‫األلباب.‬
‫ومن صور اتباع الهوى أيضاً اعتداء المرء بنفسه وذهابه بها مذاهب العجب والغرور حتى يشمخ‬
  ‫بأنفه, ويستعلي على غيره, ويأنف من قبول الحق ومن اإلذعان للنصح متبعاً هواه، مضرباً عن‬
                                                                                       ‫كل ما سواه من البينات والهدى.‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫ومنه الحكم على اآلخر وفقً لما يمليه عليه هواه ولما يستقر في نفسه من آراء، فإذا بذلك يحمله‬
          ‫َيه َّذ ن من ك ن‬                                  ‫ا‬
       ‫على ترك العدل، والمسلم مأمور بالعدل مطلقً، حيث قال سبحانه: يَاأُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ ُو ُواْ‬
  ‫ً َالله ل‬            ‫ِد ن و ْ ْرب إ يك ني ْ‬                                 ‫َو م ن ق ط ش َد لله و عل فس ُ‬
 ‫ق َّا ِي َ بِالْ ِسْ ِ ُه َاء َّ ِ َلَوْ ََى أَن ُ ِكمْ أَوِ الْوال َيْ ِ َاالق َ ِينَ ِن َ ُنْ غَ ِ ّاً أَو فَقَيرا ف َّ ُ أَوَْى‬
                          ‫مل‬         ‫ب‬         ‫ت رض ْ ِن الل‬               ‫و أ دل وإ و‬                          ‫َتبع‬             ‫به‬
              ‫ِ ِمَا فَالَ تَّ ِ ُواْ الْهَ َى َن تَعْ ُِواْ َِن تَلْ ُواْ أَوْ ُعْ ِ ُوا فَإ َّ َّهَ كَانَ ِمَا تَعْ َُونَ خَبِيراً‬
                                                                                                                ‫[النساء:135].‬
‫ومن صور ذلك أيضاً أن تكون للرجل زوجات فال يقم بمقتضى العدل بينهن, بل يتبع هواه فيحمله‬
      ‫ذلك على الميل إلى إحداهن كل الميل، ويذر ما سواها كالمعلقة، بل إن األمر ليتمادى به إلى‬
    ‫ا‬                                               ‫ي‬            ‫ا‬
‫تعامله مع أبنائه أيضً, فإذا هو م ّال إلى بعضهم دون بعض، يرفعه ويهب له ويجعله محضيً بكل‬
                                         ‫ا‬     ‫ً‬      ‫ا‬
                                        ‫ألوان الرعاية والعناية، ويدع غيره من أبنائه مبعدً محروما منسيً.‬
     ‫ومن صور ذلك أيضاً أن يتبع المعلم هواه فال يقوم بما يجب عليه من العدل بين طالبه بجعل‬
 ‫المفاضلة بينهم قائمة على أسس من الجد واالجتهاد ورعاية حق العلم, بل يميل إلى طائفة أو فرد‬
                                                                                  ‫ا‬
        ‫منهم مقدمً من حقه التأخير, أو مؤخراً من حقه التقديم، اتباعاً للهوى وإعراضاً عن الحق.‬
     ‫وكم التباع الهوى في دنيا الواقع من صور, وكم لها من أضرار وآثار ال تقع تحت العد, وال‬
   ‫يستوعبها المجال، وحاصل ذلك أن اتباع الهوى واالنقياد له مفض إلى االنحراف عن الصراط‬
 ‫المستقيم, والحيدة عن طريق اهلل القويم, وإلى خسران الدنيا واآلخرة، وذلك هو الخسران المبين.‬
     ‫وعالج ذلك ـ يا عباد اهلل ـ أن يجعل المرء هواه تبعاً لما جاء به رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                              ‫ا‬
     ‫وسلم, وأن ال يقدم على أمر اهلل ورسوله شيئً مهما عظم شأنه وعال قدره, وأن يحتكم في كل‬
        ‫دقيق وجليل من أمور حياته إلى حكم اهلل, ويرضى به ويسلم, فتكون عاقبة ذلك أن يرضى‬
                                             ‫ويغضب هلل, وأن يحب ويبغض في اهلل، وأن يعطي ويمنع هلل.‬
‫فاعملوا ـ رحمكم اهلل ـ على مجانبة اتباع الهوى, وانأوا بأنفسكم عن سلوك كل سبيل يفضي إليه‬
  ‫َ َر م ات َ ه و ه و َله الله عل ع ْم وختم‬
  ‫تكونوا من المفلحين, وصدق اهلل إذ يقول: أف َأَيْتَ َنِ َّخذَ اله ُ هَ َا ُ َأَضَّ ُ َّ ُ ََى ِل ٍ َ َ َ َ‬
                     ‫م ي د ه م ب الل َ َ َكر‬                            ‫عل س عه َ ب جع عل ب َ غ‬
    ‫ََى َمْ ِ ِ وقَلْ ِهِ وَ َ َلَ ََى َصرِهِ ِشَاوَةً فَ َن َهْ ِي ِ ِن َعْدِ َّهِ أفَالَ تذ َّ ُونَ [الجاثية:37].‬
   ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم‬
                                         ‫ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل ولي المتقين, أحمده سبحانه يعز الطائعين ويذل العاصين، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
   ‫ال شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله, شفيع المؤمنين وقائد الغر المحجلين،‬
                                                              ‫اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
      ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، إن اتباع ما أنزل اهلل من البينات والهدى والعمل به والتسليم له عاصم‬
    ‫للمرء من اتباع األهواء وحافظ له من التردي في وهدتها, مورثه إياه سعادة جعلها اهلل خالصة‬
   ‫لمن اتبع شريعته واهتدى بهديه, وأعرض عن كل ما سوى ذلك، كما قال سبحانه مخاطباً عبده‬
    ‫عل‬        ‫ُم جع‬
   ‫ونبيه محمداً آمراً إياه باتباع شريعته، محذراً له من اتباع األهواء قال سبحانه: ث َّ َ َلْنَاكَ ََى‬
    ‫ش ِي َةٍ ّنَ األَمر ف َّ ِعْهَا َالَ تَّ ِعْ أَهْ َاء ال ِينَ الَ َعْلَ ُو َ إ َّهمْ لَن ُغْ ُواْ َن َ ِنَ َّهِ شَيْئً َإ َّ‬
    ‫ا وِن‬          ‫ي ن ع ك م الل‬              ‫ي م ن ِن ُ‬              ‫ْ ِ َاتب و َتب و َّذ‬                            ‫َر ع م‬
                                                           ‫الظ لم ن ب ض ُ ل ب ْض َالله وِى ُتق‬
                                      ‫َّاِ ِي َ َعْ ُهمْ أَوِْيَاء َع ٍ و َّ ُ َل ُّ الْمَّ ِينَ [الجاثية:85، 95].‬
     ‫فهذا ـ يا عباد اهلل ـ هو الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان اهلل والظفر بجناته، فالزموه‬
                           ‫واستمسكوا به ـ رحمكم اهلل ـ وحذار من اتباع الهوى فإنه الداء كل الداء.‬

‫(5/0387)‬
                                                                                     ‫التوكل على اهلل‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                       ‫أعمال القلوب‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد المحسن بن محمد القاسم‬
                                                                                     ‫المدينة المنورة‬
                                                                                       ‫05/6/1715‬
                                                                                      ‫المسجد النبوي‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- حاجة المرء إلى ربه. 7- فضل التوكل وعظمه. 3- الرسل أئمة المتوكلين. 1- الرزق‬
   ‫وعالقته بالتوكل. 1- قواعد في التوكل. 6- نماذج من توكل األنبياء عليهم السالم. 2- واجب‬
                                      ‫المسلم نحو المصائب والفتن. 8- أصناف الناس في التوكل.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فاتقوا اهلل ـ عباد اهلل ـ حق التقوى، فمن اتقى ربه عال، ومن أعرض عنه فله معيشة‬
                                                                                              ‫ضنكا.‬
‫أيها المسلمون، أسعد الخلق أعظمهم عبودية هلل, وكل ما كان العبد أذل هلل وأعظم افتقاراً إليه كان‬
                                      ‫ز‬
        ‫أقرب إليه وأعظم قدراً عنده وعند خلقه، والعبد عاج ٌ عن االستقالل بجلب مصالحه ودفع‬
‫ر‬                                                                             ‫ج‬
‫مضاره، محتا ٌ إلى االستعانة بخالقه، واهلل سبحانه هو الصمد الغني عما سواه, وكل ما سواه فقي ٌ‬
                                                                                                ‫إليه.‬
 ‫وذنوب العباد كثيرة وال نجاة لهم منها إال بمعونة اهلل وعفوه، وكثير من الكبائر القلبية من الرياء‬
‫والكفر والحسد وترك التوكل قد يقع فيها المرء وهو ال يشعر بها، وقد يتورع عن بعض الصغائر‬
                                                           ‫الظاهرة وهو في غفلة عن هذه العظائم.‬
  ‫واألسباب المجردة تخذل المرء عن تحقيق مناه، وقد يطرق باباً يظن أن فيه نفعه فإذا هو ضرر‬
   ‫محض، وال ينجي من ذلك إال التوكل على العزيز الرحيم؛ لذا عظم اهلل من شأن التوكل وجعله‬
                                  ‫ُ ه و و َّ ع‬
‫منزلة من منازل الدين, وقرنه بالعبادة في قوله: فَاعْبدْ ُ َتَ َكلْ َلَيْهِ [هود:375]، وجعله سبباً لنيل‬
    ‫وعل الله‬                                                   ‫ِن الل ي ِب م وكل‬
    ‫محبته إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُتَ َ ِّينَ [آل عمران:915]، وجعله شرطاً لحصول اإليمان به َ ََى َّ ِ‬
                                                                                            ‫َكل إ ك ت م من‬
                                                                           ‫فَتَو َُّواْ ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِينَ [المائدة:97].‬
           ‫مقام جليل القدر عظيم األثر، فريضة من رب العالمين، به رضا الرحمن, وفيه منعة من‬
   ‫الشيطان، منزلته أوسع المنازل وأجمعها، أقوى السبل عند اهلل وأحبها، أمر اهلل به رسوله عليه‬
                                             ‫و و َّ عل الله و ف ِالله وك‬
                            ‫الصالة والسالم في قوله: َتَ َكلْ ََى َّ ِ َكَ َى ب َّ ِ َ ِيالً [األحزاب:3].‬
     ‫والرسل أئمة المتوكلين وقدوتهم، قال تعالى عن نوحٍ عليه السالم أنه قال لقومه: ِن كَا َ َب َ‬
     ‫إ ن ك ُر‬
      ‫َّب‬                                     ‫ع ُ م م و ر ب ي الل ِ عل الل َك ت‬
   ‫َلَيْكمْ َّقَا ِى َتَذْكِي ِى ِآ َاتِ َّه فَ ََى َّهِ تَو َّلْ ُ [يونس:52]، وقال الخليل عليه السالم: رَّنَا‬
  ‫إن َك ت عل الل‬                      ‫د‬                       ‫م ر‬              ‫وإ‬                 ‫َك وإ‬                ‫ع‬
‫َلَيْكَ تَو َّلْنَا َِلَيْكَ أَنَبْنَا َِلَيْكَ الْ َصِي ُ [الممتحنة:1]، وقال هو ٌ عليه السالم: ِ ّى تَو َّلْ ُ ََى َّهِ‬
‫إ ح ْم ِال‬                                             ‫رب وربك م م َاب ِال ه خذ ب صيت‬
‫َ ّى َ َ ّ ُمْ َّا ِن د َّةٍ إ َّ ُوَ ءا ِ ٌ ِنَا ِ َ ِهَا [هود:61]، وقال يعقوب عليه السالم: ِنِ الْ ُك ُ إ َّ‬
 ‫َّهِ َلَيْهِ تَو َّلْ ُ َ َلَيْه فَلْ َتَ َكلِ الْ ُتَ َ ُّونَ [يوسف:26]، وقال شعي ٌ عليه السالم: َمَا تَو ِي ِى إ َّ‬
 ‫و ْف ق ِال‬                       ‫ب‬                        ‫َك ت وع ِ ي و َّ م وكل‬                               ‫لل ع‬
   ‫َال و َّ عل الله َ َ‬                ‫و‬                                   ‫َك ت وإ أن ب‬                     ‫ِالل ع‬
 ‫ب َّهِ َلَيْهِ تَو َّلْ ُ َِلَيْهِ ُ ِي ُ [هود:88]، وقال رسل اهلل ألقوامهم: َمَا لَنَا أ َّ نَتَ َكلَ ََى َّ ِ وقدْ‬
  ‫ه َانَا ُ ُلَنَا [إبراهيم:75]، وقال مؤمن آل فرعون: َأفَو ُ أَم ِى َِى َّهِ إ َّ َّهَ َ ِي ٌ ِالْ ِ َا ِ‬
  ‫وُ ّض ْر إل الل ِن الل بص ر ب عب د‬                                                          ‫َد سب‬
                                                                                                            ‫[غافر:11].‬
                      ‫ْ َم‬       ‫ْر َ َب‬                               ‫ر‬
‫وفي مطلع النبوة والتنزيل أم ٌ بالتوكل وأنه يفتح المغلق اق َأْ ور ُّكَ األَكر ُ [العلق:3]، وجعله اهلل‬
   ‫ِنم م من َّذ ِذ ذ ِ الله ج قل ب ُ وِذ‬
  ‫صفة ألهل اإليمان يتميزون به عمن سواهم إَّ َا الْ ُؤْ ُِونَ ال ِينَ إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَتْ ُُو ُهمْ َإ َا‬
                                                        ‫ت ُ ز د ه إ ا وع ربه ي َكل‬                            ‫تلي ع ِ‬
                                        ‫ُِ َتْ َلَيْهمْ ءايَا ُه َا َتْ ُمْ ِيمَانً َ َلَى َ ّ ِمْ َتَو َُّونَ [األنفال:7].‬
       ‫ه س ن عل َّذ‬                  ‫ِنه‬
    ‫والشيطان ال سلطان له على عباد اهلل المتوكلين, قال عز وجل: إ َّ ُ لَيْسَ لَ ُ ُلْطَا ٌ ََى ال ِينَ‬
                                                                                  ‫من وع رب ِ ي َكل ن‬
                                                                      ‫ءا َ ُواْ َ َلَى َّهمْ َتَو َُّو َ [النحل:99].‬
  ‫ح َ فم‬              ‫نى الله وم مع‬                 ‫ق َ ُ إ‬                                      ‫ع‬
 ‫والتوكل مان ٌ من عذاب اهلل كما قال سبحانه: ُلْ أرَءيْتمْ ِنْ أَهْلَكَ ِ َ َّ ُ َ َن َّ ِىَ أَوْ رَ ِمنَا َ َن‬
                                   ‫َك‬           ‫ل ٍ ُ ه الر ن َن ب وع‬                        ‫يج ر ك ِر م َ‬
              ‫ُ ِي ُ الْ َاف ِينَ ِنْ عذَابٍ أَِيم قلْ ُوَ َّحْمَا ُ ءام َّا ِهِ َ َلَيْهِ تَو َّلْنَا [الملك:87، 97].‬
     ‫َنة‬         ‫و َّذ ن من و َمل الص ح نبو ن ُ م‬
     ‫وموجب لدخول الجنات كما قال سبحانه: َال ِي َ ءا َ ُواْ َع ُِواْ َّالِ َاتِ لَ ُ َ ّئَ َّهمْ ّنَ الْج َّ ِ‬
  ‫غرفَاً تَج ِى ِن تَحْ ِهَا األنْ َا ُ خَال ِينَ ِيهَا ِعمَ أَجْ ُ الْ َا ِِينَ ال ِينَ َب ُواْ َ َلَى َ ّهمْ َتَو َُّو َ‬
  ‫ه ر ِد ف ن ْ ر ع مل َّذ ص َر وع رب ِ ي َكل ن‬                                                     ‫ت‬       ‫ُ َ ْر م‬
                                                                                               ‫[العنكبوت:81، 91].‬
                                                                       ‫ا‬
‫بل المتوكلون حقً يدخلون جنة ربهم بغير حساب, كما وصفهم نبيهم بذلك في قوله: ((هم الذين ال‬
                        ‫يسترقون وال يكتوون وال يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) متفق عليه(5)[5].‬
‫وأوصى النبي ابن عباس بالتوكل وهو غالم صغير لتأصيل العقيدة في نفسه في بكور حياته فقال‬
       ‫له: ((يا غالم، احفظ اهلل يحفظك، احفظ اهلل تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اهلل، وإذا استعنت‬
                                                                            ‫فاستعن باهلل)) رواه الترمذي(7)[7].‬
‫قال ابن القيم: "التوكل أصل لجميع مقامات اإليمان واإلحسان ولجميع أعمال اإلسالم، وإن منزلته‬
                                                                                    ‫منها منزلة الجسد من الرأس".‬
                                                           ‫ر‬
‫في التوكل راحة البال, واستقرا ٌ في الحال، ودفع كيد األشرار، ومن أقوى األسباب التي يدفع بها‬
                   ‫العبد ما ال يطيق من أذى الخلق وظلمهم, وبه قطع الطمع عما في أيدي الناس.‬
                      ‫سئل اإلمام أحمد عن التوكل فقال: "هو قطع االستشراف باليأس من الناس".‬
                                                        ‫ن‬
‫والتوكل على غير اهلل ظلم وامتها ٌ للنفس، وسؤال المخلوق للمخلوق سؤال من الفقير للفقير، قال‬
   ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((واعلم أن األمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إال‬
    ‫بشيء قد كتبه اهلل لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إال بشيء قد كتبه اهلل‬
                                                                              ‫عليك)) رواه الترمذي.‬
                ‫ال‬     ‫ال‬
    ‫ومتى التفت القلب إلى غير اهلل وكله اهلل إلى من التفت إليه، وصار ذلي ً مخذو ً، قال : ((من‬
                                                                                              ‫ل‬
                                                        ‫تعّق شيئاً وكل إليه)) رواه الترمذي(3)[3].‬
                                                  ‫ا‬
  ‫قال شيخ اإلسالم: "ما رجى أحداً مخلوقً أو توكل عليه إال خاب ظنه فيه"(1)[1], وكل من أحب‬
‫شيئاً لغير اهلل فال بد أن يضره, وهذا معلوم باالعتبار واالستقراء، وال يحملنك عدم رجاء المخلوق‬
 ‫على جفوة الناس وترك اإلحسان إليهم واحتمال األذى منهم, بل أحسن إليهم هلل ال لرجائهم, وكما‬
                       ‫أنك ال تخافهم فال ترجوهم وارجو اهلل في الناس, وال ترجوا الناس في اهلل.‬
                                                        ‫ال‬
  ‫أيها المسلمون، األرزاق بيد الخ ّق فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان لغيرك لم تنله‬
  ‫بقوتك، ورزق اهلل ال يسوقه إليك حرص حريص، وال يرده عنك كراهية كاره، والرزق مقسوم‬
      ‫ْ ِال عل الله‬         ‫و م َاب ٍ ف‬                        ‫ن‬
      ‫لكل أحد من برٍ وفاجر ومؤم ٍ وكافر، قال عز وجل: َمَا ِن د َّة ِي األرضِ إ َّ ََى َّ ِ‬
                                                                              ‫ِ ْق‬
  ‫رز ُهَا [هود:6]. والرزق يساق إلى الدواب مع ضعف كثيرٍ منها وعجزها عن السعي في طلب‬
                        ‫الله َ ْ ُق وِي ُ‬            ‫و ي م َاب ال ِ ُ ِ‬
   ‫الرزق، قال جل وعال: َكَأَّن ّن د َّةٍ َّ تَحْمل رزْقَهَا َّ ُ يرز ُهَا َإ َّاكمْ [العنكبوت:06]، وقد‬
                                                                  ‫ييسره اهلل لك بكسب وبغير كسب.‬
  ‫والناس يؤتون من قلة تحقيق التوكل, ومن وقوفهم مع األسباب الظاهرة لقلوبهم ومساكنتهم لها،‬
      ‫ولو حققوا التوكل على اهلل بقلوبهم لساق اهلل إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب, كما يسوق للطير‬
  ‫أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير، قال عليه الصالة‬
         ‫ا‬
   ‫والسالم: ((لو أنكم تتوكلون على اهلل حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصً وتروح‬
                                                                                             ‫ا‬
                                                                          ‫بطانً)) رواه أحمد(1)[1].‬
                            ‫ا‬                                  ‫ض‬
   ‫فال تضيع زمانك بهمك بما ُمن لك من الرزق، فما دام األجل باقيً كان الرزق آتياً، قال حام‬
                                        ‫األصم: "لما علمت أن رزقي لم يأكله غيري أطمئن قلبي".‬
                                                                            ‫ق‬
  ‫أيها المسلمون، و ّت اهلل لألمور أقدارها وهيئ للغايات أسبابها، واألمور الدنيا وزينتها قد يدرك‬
                          ‫منها المتواني ما يفوت المسافر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم.‬
          ‫وااللتفات لألسباب نقص في التوحيد, ومحو األسبابِ أن تكون أسباب نقص في العقيدة،‬
 ‫واإلعراض عن األسباب التي أمر بها قدح في الشرع، وعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على اهلل‬
                                                                                    ‫ال على األسباب.‬
  ‫ونبينا محمد صلى اهلل عليه وسلم أكمل المتوكلين، ولم يخل باألسباب فقد ظاهر بين درعين يوم‬
                                                                      ‫ال‬
                      ‫أحد، واستأجر دلي ً يدله على طريق الهجرة، وحفر الخندق غزوة األحزاب.‬
    ‫وحقيقة التوكل القيام باألسباب واالعتماد بالقلب على المسبب, واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منع‬
    ‫اقتضاءها, وإن شاء جعلها مقتضية بضد أحكامها, وإن شاء قام لها موانع وصوارف تعارض‬
                                                                                               ‫اقتضاءها وتدفعه.‬
‫والموحد المتوكل ال يطمئن إلى األسباب وال يرجوها، كما أنه ال يهملها أو يبطلها بكل يكون قائمً‬
‫ا‬
                                                        ‫ر‬
   ‫بها ناظراً إلى مسببها سبحانه ومج ِيها، وإذا قوى التوكل وعظم الرجاء أذن اهلل بالفرج، ترك‬
                                  ‫ا د‬
‫الخليل زوجته هاجر وابنها إسماعيل صغيراً رضيعً بوا ٍ ال حشيش فيه وال أنيس وال زرع حوله‬
                     ‫ر‬
‫وال ضرع توكالً على اهلل وامتثاالً ألمره، فأحاطهما اهلل بعنايته، فإذا الصغي ُ يكون نبياً وصفه اهلل‬
‫بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصالة واألمر بها، والماء المبارك زمزم ثمرة من‬
                                                                               ‫ثمار توكل الخليل عليه السالم.‬
     ‫قل‬
     ‫ولما عظم البالء ببني إسرائيل وتبعهم فرعون بجنوده, وأحاطوا بهم, وكان البحر أمامهم َا َ‬
  ‫َال ِن معى‬                                                           ‫ح ب م س ِن ُ ْرك‬
  ‫أَصْ َا ُ ُو َى إ َّا لَمد َ ُونَ [الشعراء:56], قال نبي اهلل موسى الواثق بنصر اهلل: ك َّ إ َّ َ ِ َ‬
 ‫َالط ْ ع م‬             ‫ا ا ك ُّ ف‬                                                   ‫رب سي د‬
 ‫َ ّى َ َهْ ِينِ [الشعراء:76], فأمره اهلل بضرب البحر فصار طريقً يبسً, ُل ِرْقٍ ك َّودِ الْ َظِي ِ‬
                                                                                                  ‫[ٍالشعراء:36].‬
     ‫ويونس التقمة حوت في لجج البحر وظلمائه فلجأ إلى مواله وألقى حاجته إليه َّ اله إ َّ أَن َ‬
     ‫ال ِال ت‬
                                                                ‫س ح إن ك ت م الظ لم‬
      ‫ُبْ َانَكَ ِ ّى ُن ُ ِنَ َّاِ ِينَ [األنبياء:28]، فنبذ وهو سقيم في العراء، ومضى مجرداً في‬
                                                                                                            ‫الخالء.‬
      ‫وأم موسى ألقت ولدها موسى في اليم ثقة باهلل امتثاالً ألمره, فإذا هو رسول من أولي العزم‬
                                                                                                         ‫المقربين.‬
   ‫ويعقوب قيل له إن ابنك أكله الذئب ففوض أمره إلى اهلل وناجاه, فرده عليه مع أخيه بعد طول‬
                                                                                                    ‫حزنٍ وفراق.‬
    ‫ولما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال من مريم عليها السالم عظم التوكل على ذي‬
    ‫َف‬      ‫ْ ن ّم م‬
   ‫العظمة والجالل, ولم يبق إال اإلخالص واالتكال, فأشارة إليه فقالوا لها: كَيفَ ُكَل ُ َن كَان ِى‬
          ‫الْ َه ِ َ ِ ّاً [مريم:97]، فعندها أنطقه اهلل فقال: ِ ّى َب ُ َّ ِ ءاتَا ِىَ الْ ِتَابَ وَ َ َلَ ِى نَ ِ ًّ‬
          ‫ج ع ن ب يا‬               ‫إن ع ْد الله ن ك‬                                                    ‫م ْد صبي‬
                                                                                                      ‫[مريم:03].‬
                        ‫ٍ ر‬                                             ‫د‬
       ‫ونبينا محم ٌ يتوارى مع صاحبه عن قومه في جبل أجرد في غار قف ٍ مخوف, فبلغ الروع‬
‫صاحبه, فقال: يا رسول اهلل، واهلل لو أن أحدهم نظر إلى قدميه ألبصرنا، فقال الرسول وهو واثق‬
   ‫بربه: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما))(6)[6]، فأنزل اهلل تأييده ونصره وأيده بجنودٍ ال‬
                                  ‫ترى، فسكن الجأش وحصل األمن وتمت الهجرة وانطلقت الرسالة.‬
                                   ‫ج‬
‫وإذا تكالبت عليك األيام وأحاطت بك دوائر االبتالء فال تر ُ إال اهلل، وارفع أكف الضراعة, وألقِ‬
    ‫كنفك بين يدي الخالق, وعلق رجاءك به, وفوض األمر للرحيم، واقطع العالئق عن الخالئق،‬
                                                                                    ‫ر‬
                                                  ‫ونادِ العظيم, وتح ّ أوقات اإلجابة كالسجود وآخر الليل.‬
      ‫َم يج ب م َر ِذ د ه‬                                                  ‫ج‬
      ‫وإذا قوي التوكل والرجاء و ُمع القلب في الدعاء لم يرد النداء أ َّن ُ ِي ُ الْ ُضْط َّ إ َا َعَا ُ‬
                                                                                                   ‫وي ِف الس‬
                                                                                     ‫َ َكْش ُ ُّوء [النمل:76].‬
                   ‫فسلم األمر لمالكه، واهلل عزيز ال يضل من استجار به, وال يضيع من الذ بجنابه.‬
   ‫وتفريج الكربات عند ثناء الكرب, واليسر مقترن بالعسر، وتعرف على ربك في الرخاء يعرفك‬
      ‫في الشدة، وحسبنا اهلل ونعم الوكيل قالها الخليالن في الشدائد، ومن صدق توكله على اهلل في‬
     ‫أصول شيء ناله ومن فوض أمره إليه كفاه ما أهمه، ومن حقق التوكل لم يكله إلى غيره, بل‬
                                           ‫وم ي َك عل الل ِ ه ح به‬
 ‫تواله بنفسه َ َن َتَو َّلْ ََى َّه فَ ُوَ َسْ ُ ُ [الطالق:3]، وعلى قدرك حسن ظنك بربك ورجائك‬
  ‫له يكون توكلك عليه, فجالس ربك وحده مرجع شكواك، قال الفضيل رحمه اهلل: "واهلل لو يئست‬
                                              ‫من الخلق حتى ال تريد منهم شيئاً ألعطاك موالك ما تريد".‬
    ‫وهو سبحانه القدير ال تتحرك ذرة إال بإذنه، وال يجري حادث إال بمشيئته، وال تسقط ورقة إال‬
                     ‫َّذ َر ح ن ق م و َل َ ف الس ِد‬                     ‫َز الر‬        ‫و َّ عل‬
    ‫بعلمه، َتَوكلْ ََى الْع ِيزِ َّحِيمِ ال ِى ي َاكَ ِي َ تَ ُو ُ َتَقُّبَك ِى َّاج ِينَ [الشعراء:257-‬
                                                                                                             ‫957].‬
                      ‫قال إبراهيم الخواص: "ما ينبغي للعبد بعد هذه اآلية أن يلجأ إلى أحدٍ غير اهلل".‬
                                                                                   ‫ل‬
   ‫ومن تعّق بغير اهلل أو سكن إلى علمه وعقله ودوائه وكماله, واعتمد على حوله وقوته وكله اهلل‬
              ‫إلى ذلك وخذله، قال في تيسير العزيز الحميد: "وهذا معروف بالنصوص والتجارب".‬
‫وأرجح المكاسب الثقة بكفاية اهلل وحسن الظن به، وليكن بما في يد اهلل أوثق منه بما في يده، ومن‬
    ‫ظن أنه ينال ما عند اهلل بمعصيته ومخالفته كما ينال بطاعته والتقرب إليه, أو ظن أنه إذا ترك‬
   ‫شيئاً من أجله لم يعوضه خيراً منه، أو ظن أن من فعل شيئاً ألجله لم يعطه أفضل منه، أو ظن‬
‫أنه إذا صدقه في التوكل عليه أنه يخيبه وال يعطيه ما سأله فقد ظن باهلل ظن السوء، وال يسلم من‬
                       ‫هذا إال من عرف اهلل, وعرف أسماءه وصفاته, وعرف موجب حكمته وحمده.‬
      ‫قال ابن القيم: "أكثر الخلق, بل كلهم إال من شاء اهلل يظنون باهلل غير الحق وظن السوء، فإن‬
       ‫غالب بني آدم يعتقد أنه يستحق فوق ما شاءه اهلل له، ومن فتش في نفسه وتغلغل في معرفة‬
                                                                   ‫ا‬
   ‫طواياها رأى ذلك فيها كامنً فليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى اهلل ويستغفره في كل‬
                                             ‫وقت من ظنه بربه ظن السوء, وليظن السوء بنفسه"(2)[2].‬
‫ِال‬            ‫ت َّب م ق و م ر‬                              ‫َ رب و ب َّ إ‬          ‫و ُ‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َاذْكرِ اسْم َّكَ َتَ َتلْ ِلَيْهِ تَبْ ِيالً ر ُّ الْ َشْرِ ِ َالْ َغْ ِبِ الَ اله إ َّ‬
                                                                                                ‫ه َ َات ِ ه وك‬
                                                                             ‫ُو ف َّخذْ ُ َ ِيالً [المزمل:8، 9].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني اهلل وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول‬
        ‫ما تسمعون وأستغفر اهلل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                            ‫الرحيم.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                      ‫له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه.‬
‫أما بعد: أيها المسلمون، ال يستقيم توكل العبد حتى يصح توحيده، وعلى قدر تجريده التوحيد يكون‬
‫صحة التوكل، ومتى التفت العبد إلى غير اهلل أخذ ذلك شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله بقدر‬
     ‫ذهاب تلك الشعبة، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم تسد فاقته، ومن سره أن يكون أقوى‬
   ‫الناس فليتوكل على اهلل، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اهلل أوثق منه بما في‬
                                                                                                    ‫يده.‬
‫والرضا والتوكل يكتنقان المقدور، فالتوكل قبل وقوعه والرضا بعد وقوعه، والرضا ثمرة التوكل,‬
    ‫وروح التوكل التفويض, وإلقاء أمورك كلها إلى اهلل، يقول داود بن سليمان رحمه اهلل: "يستدل‬
   ‫على تقوى المؤمن بثالث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر‬
 ‫فيما قد فات", وكلما كان العبد هلل أعرف كان توكله عليه أقوى، وقوة التوكل وضعفه بحسب قوة‬
                                                                                       ‫اإليمان وضعفه.‬
    ‫ومن توكل على اهلل فال يعجل بالفرج، فاهلل ذكر كفايته للمتوكل عليه, وربما أوهم ذلك تعجيل‬
                                         ‫ا‬
     ‫الكفاية وقت التوكل، فاهلل جعل لكل شيء قدراً ووقتً، فال يستعجل المتوكل, فيقول قد توكلت‬
                                 ‫َ‬       ‫ا ِن الل غ ْ ِ َ جع الله ل ُل‬
       ‫ودعوت فلم أرى شيئً, إ َّ َّهَ بَالِ ُ أَمرِه قدْ َ َلَ َّ ُ ِك ّ شَىْء قدْراً [الطالق:3]، واهلل هو‬
     ‫المتفرد باالختيار والتدبير وتدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه, وهو أرحم به منه بنفسه.‬
                                                                                       ‫__________‬
‫(5) أخرجه البخاري في الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره.. (1021)، من حديث ابن عباس‬
      ‫رضي اهلل عنهما. ومسلم في اإليمان (857)، من حديث عمران بن حصين رضي اهلل عنه.‬
     ‫(7) في صفة القيامة والرقائق والورع، باب: منه (6517)، وكذا أحمد (1/901-051) من‬
     ‫حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما. قال الترمذي : "حديث حسن صحيح". قال ابن رجب في‬
 ‫جامع العلوم والحكم (5/061-561): "روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة، وأصح‬
         ‫الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه األلباني في صحيح الترمذي (3107).‬
   ‫(3) في الطب، باب: ما جاء في كراهية التعليق (7203)، وكذا أحمد (1/053)، والبيهقي في‬
‫الكبرى (9/513)، والطبراني في الكبير (77/183)، من حديث عبد اهلل بن عكيم رضي اهلل عنه.‬
     ‫قال الترمذي: "وحديث عبد اهلل بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي‬
   ‫ليلى، وعبد اهلل بن عكيم لم يسمع من النبي صلى اهلل عليه وسلم وكان في زمن النبي صلى اهلل‬
                                                                                            ‫عليه وسلم".‬
                                                                     ‫(1) مجموع الفتاوى (05/217).‬
‫(1) في (5/03)، والترمذي في الزهد، باب: في التوكل على اهلل (1137)، وابن ماجه في الزهد،‬
 ‫باب: التوكل واليقين (1651). قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وصححه ابن حبان (032)،‬
‫والحاكم (1/853)، والضياء في المختارة (277، 877)، والحافظ في الفتح (55/603)، واأللباني‬
                                                                      ‫في الصحيحة (053).‬
    ‫(6) أخرجه البخاري في المناقب، باب: المهاجرين وفضلهم ومنهم أبو بكر (3163)، بنحوه،‬
               ‫ومسلم في فضائل الصحابة (5837)، بنحوه من حديث أبي بكر رضي اهلل عنه.‬
                                                   ‫(2) زاد المعاد (3/137) بتصرف يسير.‬

‫(5/5387)‬




                                                         ‫أحكام اليمين في الشريعة اإلسالمية‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫فقه‬
                                                                             ‫األيمان والنذور‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                               ‫05/6/1715‬
                                                              ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أهمية األيمان في توثيق العقود وخطرها. 7- التحذير من الكذب في اليمين. 3- الترهيب من‬
    ‫كثرة الحلف في البيع والشراء وغير ذلك. 1- النهي عن الحلف بغير اهلل. 1- ال تمنع اليمين‬
                 ‫صاحبها من فعل الخير إن بدا له ذلك. 6- اللغو في اليمين. 2- كفارة اليمين.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                          ‫أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
    ‫ا‬     ‫ع‬
    ‫عباد اهلل، اليمين باهلل طريق من طرق اإلثبات, إذ الدعوى والخصومة تكون بين مد ٍ ومدعً‬
‫عليه، ولهذا جاء عنه أنه قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم الدعى رجال دماء قوم وأموالهم, ولكن‬
                                                                ‫البينة على المدعي واليمين على المنكر))(5)[5].‬
                                                ‫ا‬
               ‫أيها المسلم، فاليمين على المنكر, وقد تكون أيضً من المدعي, فقد قضى النبي بالشاهد‬
 ‫واليمين(7)[7], هذه اليمين هي حلف باهلل جل وعال يحلف بها المسلم إما إلثبات حق له أو يحلف‬
                                                                                                     ‫د‬
                                                                                   ‫بها لنفي ماا ّعي عليه من الحقوق.‬
  ‫ولكن المؤمن حقاً الذي يخاف اهلل ويرجوه وهو على يقين بأن الخصومة ستعاد يوم القيامة, وأن‬
    ‫ُ إ ت ف م ف‬
   ‫اهلل جل وعال يعلم سر العبد ونجواه, يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور: قلْ ِن ُخْ ُواْ َا ِى‬
        ‫و م َن الل ي َم م ف فسك ْ ْ َر ه‬                                        ‫ت ْد ه ي ه الله‬               ‫ُد ر ُ‬
        ‫ص ُو ِكمْ أَوْ ُب ُو ُ َعْلَمْ ُ َّ ُ [آل عمران:97]، َاعْلَ ُواْ أ َّ َّهَ َعْل ُ َا ِى أَن ُ ِ ُم فَاحذ ُو ُ‬
                                                                                                              ‫[البقرة:137].‬
‫أيها المسلم، هذه اليمين هي تعظيم هلل وإجالل هلل, فال يليق بك أن تكذب فيها وأن توقعها على غير‬
            ‫موقعها, هذه اليمين يخبرها مؤمن يخاف اهلل ويتقيه, يمين مؤمن ال تخدعه زخارف الدنيا‬
‫وأطماعها, يمين مؤمن دينه أغال عنده من الدنيا بأسرها, يمين مؤمن يعلم أن اهلل سائله يوم القيامة‬
                                                                                                    ‫عنها, ومحاسبه عنها.‬
      ‫بينة المدعي قد تقصر وقد ال يحسن, ويمينك قد يصدقك بها صاحبك, ولكن إن تبعت بها دنيا‬
                                                                                              ‫ر‬
                                                  ‫فسوف تنض ّ بها آخرتك إن كنت كاذباً فيها ومجترماً فيها.‬
 ‫فليتق المسلم ربه عندما تطلب منه اليمين, عندما تكثر بينات المدعي, أو ال يجد من يشهد له ألن‬
  ‫بينته اإلثباتية من شهود أو غيرها مفقودة, فاتق اهلل في يمينك, وال تزل في يمينك, واعلم أنك إن‬
    ‫كذبت في يمينك للتتغلب بها على خصمك فاهلل خصمك يوم لقاه, فاتق اهلل واحذر اليمين الكاذبة‬
    ‫فإنها ممحقة للبركة في الدنيا, وقد يعجل لصاحبها العقوبة في الدنيا ويوم القيامة, فاألمر مهول,‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                                                                        ‫واألمر عظيم جدً.‬
‫يقول اهلل: إ َّ ال ِي َ َشْت ُو َ ِ َهدِ َّ ِ َأَيْمَا ِهمْ ثَ َ ًا قَِيًال ُوْلَئِكَ الَ خَلَاقَ لَهم ِى اآلخ َ ِ َ َ ُ َّ ُ ُ ُ‬
‫ِرة وال يكلمهم‬           ‫ُْ ف‬                       ‫ِن َّذ ن ي َر ن بع ْ الله و ن ِ من ل أ‬
                                           ‫قي مة و يزك ِ و ُ َ ب ل م‬                                 ‫الله و ي ظر إ ه‬
                            ‫َّ ُ َالَ َن ُ ُ ِلَيْ ِمْ يَوْمَ الْ ِ َا َ ِ َالَ ُ َ ّيهمْ َلَهمْ عذَا ٌ أَِي ٌ [آل عمران:22].‬
‫أترضى لنفسك أن تكون في جملة هؤالء، أترضى لنفسك أن تكون من هؤالء الذين ال خالق لهم,‬
        ‫ال نصيب لهم في اآلخرة, وال يكلمهم اهلل, وال ينظر إليهم, وال يزكيهم, ولهم عذاب أليم, من‬
 ‫يرضى لنفسه بهذا, إال خاسر الحظ والعياذ باهلل، قال أبو ذر من هم يا رسول اهلل, خابوا وخسروا‬
                                                ‫قال: ((المسبل والمنان والمنفق سلعته باليمين كاذب))(3)[3].‬
      ‫أيها المسلم، اليمين الكاذبة ذنبها عظيم ووزرها كبير ال تنفع فيها الكفارة, لعظيم شأنها وكبير‬
                                                         ‫خطرها, فاتق اهلل في نفسك, وراقب اهلل قبل كل شيء.‬
 ‫نبينا يقول: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي اهلل وهو عليه غضبان)) قالوا: يا رسول اهلل،‬
                                                                     ‫ولو يسيراً، قال: ((ولو قضيباً أراك))(1)[1].‬
         ‫إذ جاء رجالن إلى النبي في خصومه أحدهما من حضرموت واآلخر من كندة تخاصما في‬
         ‫أرض, قال الحضرمي: يا رسول اهلل، هي أرضي اغتصبني هذا، وقال اآلخر: هي أرضي‬
‫أزرعها ورثتها من أبي، فسأل النبي المدعي: ((ألك بينة؟)) قال: ال، قال: ((إذن يحلف صاحبك))‬
  ‫قال: يا رسول اهلل، إذن يحلف وال يبالي, هو فاجر ال يتورع عن شيء، فلما أراد أن يحلف قال‬
‫النبي: ((ألن حلف علي يمين كذب ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اهلل وهو عليه غضبان))، فعند‬
                                                                            ‫د‬
                                                      ‫ذلك اتعظ الرجل, ور ّ األمر إلى أهله(1)[1].‬
                   ‫هكذا اإليمان الصادق يحجز المسلم من أن يستمر على طغيانه وظلمه وعدوانه.‬
               ‫النبي عد الكبائر فقال: ((اإلشراك باهلل, وعقوق الوالدين, واليمين الغموس))(6)[6].‬
 ‫وأخبر أن من اقتطع بها مال امرئ مسلم أوجب له النار وحرم عليه الجنة, فاحذر أخي من ذلك,‬
‫احذر من ذلك غاية الحذر, وال توقع اليمين إال وأنت على ثقة من صدق نفسك, موقنا بذلك, وإياك‬
                                       ‫ال‬
‫أن تخدعك الدنيا أو يستحوذ عليك الشيطان قائ ً: ال تضعف أمام خصمك, احتفظ بقوة شخصيتك,‬
   ‫إلى غير ذلك. ال يا أخي، الدنيا منقضية وزائلة, واآلثام واألوزار تتحملها يوم قدومك على اهلل,‬
                                           ‫ت م‬                                    ‫ل‬
                       ‫فتخّص في حياتك قبل أن يؤخذ من حسناتك و ُح ّل سيئات وخطايا غيرك.‬
‫أيها المسلم، البعض من الناس ال يبالي باليمين في مصلحة يريدها, ال يبالي أن يكون في يمينه في‬
                  ‫موقف ما من المواقف يريد التخلص من هذا الموقف فيكذب في يمينه وال يبالي.‬
  ‫أخي المسلم، النبي جعل من الثالثة الذين ال يكلمهم اهلل, وال ينظر إليهم, وال يزكيهم يوم القيامة,‬
                                                            ‫ال‬
           ‫ولهم عذاب أليم، ذكر منهم: ((رج ً جعل اهلل بضاعته ال يبيع إال بيمينه وال يشتري إال‬
 ‫بيمينه(2)[2])), بمعنى أن تعظيمه هلل أمر هين في نفسه, فهو يحلف على البيع والشراء, إن أراد‬
 ‫أن يبيع قال: واهلل دفع لي في هذا كذا, وهو كاذب, ألن المشتري إذا حلف أمامه ظن صدقه فيما‬
                                              ‫قال فاشترى منه بما قال, واهلل يعلم أنه كذب وافتراء.‬
    ‫فإياك واليمين في بيعك أو اليمين في شرائك عظم اهلل, ووقر اهلل في اليمين, وال تحلف إال في‬
                                                     ‫ً‬
 ‫األمر الذي ال بد منه, أما أن تحلف دائما فيوشك أن تستخف باأليمان فال تبالي بها وال تهتم بها.‬
                                  ‫ا‬
  ‫أيها المسلم، وأما الحلف على األمور الماضية فهذا أيضً على حالين: فقد تحلف على أمر ماض‬
                         ‫ض‬
‫وأنت كاذب فيه فهذه هي اليمين الغموس, وقد تحلف على أمر ما ٍ وأنت صادق فيه فهذا ال شي‬
        ‫عليه, لكن على كل اليمين يجب أن تعظم, ويجب أن تحترم, وال ينبغي التساهل فيها كلها.‬
  ‫أيها المسلم, والحلف بغير اهلل نهينا عنه ألن من حلفنا به نعظمه, والتعظيم الحقيقي إنما هو لربنا‬
           ‫جل وعال, ولهذا نبينا نهانا عن الحلف بغير اهلل فقال : ((من حلف بغير اهلل فقد كفر أو‬
‫أشرك))(8)[8], يعني بذلك الشرك األصغر, اللهم إال أن يعظم من يحلف به بتعظيم اهلل فهذا شيء‬
                                                                                               ‫عظيم.‬
                                                       ‫ً‬
‫وقال : ((ال تحلفوا بآبائكم, من كان حالفا فليحلف باهلل أو ليسكت))(9)[9], فنهينا عن الحلف بآبائنا‬
  ‫أو الحلف بأي شخص حتى بمحمد وهو سيد الخلق وأفضلهم, ال يجوز لنا أن نحلف به, ألن هذا‬
                                            ‫أمر ممنوع إذ التعظيم المطلق إنما هو لربنا جل وعال.‬
                                 ‫و ظ م ك‬
‫أيها المسلم، ربك يقول مخاطباً عباده المؤمنين: َاحْفَ ُواْ أَيْ َانَ ُمْ [المائدة:98]، وحفظ اليمين يكون‬
   ‫كما سبق بالصدق فيها وعدم الكذب فيها, ويكون حفظها أيضاً أفضل بإعطاء كفارتها إذا كانت‬
      ‫هذه اليمين على أمور مستقبلة, حلفت أن ال تفعل أشياء ففعلت, أو حلفت أن ال تفعل األشياء‬
                                                           ‫ففعلت, وهذه هي اليمين التي تجري فيها الكفارة.‬
                     ‫ف‬
‫هدي نبينا أنه إذا حلف على أمر ال يفعله ثم رأى الخيرة والصالح فيه ك ّر عن يمينه وفعل, وإذا‬
                                            ‫ف‬
     ‫حلف على أمر سيفعله ورأى المصلحة في تركه ك ّر عن يمينه ولم يفعل, يقول : ((إني واهلل‬
    ‫ألحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إال أتيت الذي هو خير وتحللت منه))(05)[05]، أو‬
                                                                     ‫قال: ((إال كفرت عن يميني))(55)[55].‬
   ‫فإذا حلفت أيها المسلم على أمور تريد أال تفعلها من حماقة حصلت لك فقلت: واهلل ال أفعل هذا‬
 ‫الشيء, ال أدخل هذا المكان, أو ال أشتري هذه السلعة, أو ال أبيعها, ثم تبين لك أن المصلحة في‬
 ‫يؤ خذ ُم الله ِالل ِ ف م نك و ك يؤ خذك‬
‫خالف ذلك, إذن فكفر عن يمينك واحفظ يمينك, الَ ُ َا ِ ُك ُ َّ ُ ب َّغْو ِى أَيْ َا ِ ُمْ َلَا ِن ُ َا ِ ُ ُم‬
                                                                                                ‫ن‬          ‫بم َق ُّم‬
                                                                                   ‫ِ َا ع َّدت ُ األيْمَا َ[المائدة:98].‬
‫أما لغو اليمين ما يجري على اللسان من غير إرادة يمين فهذا عفو, ال واهلل ما فعلت كذا, واهلل ال‬
  ‫فعلت كذا, هذا لفظ يمين ال كفارة فيه, لكن إن حلفت يميناً أنك ال تفعل هذه األشياء أو يميناً أنك‬
                                   ‫ا‬
‫ستفعلها، فالمطلوب منك إما أن تلتزم بيمينك إن كان خيرً, وإن كان عدم االلتزام أولى فكفر عن‬
                                                                                    ‫يمينك وافعل الذي هو الخير.‬
   ‫أيها المسلم، وكل أمر يمكنك أن تبتعد عن اليمين فهو أحسن لك, وخير لك وأفضل لك فكم من‬
 ‫متسرع في األيمان على أوالده, على زوجاته, على أهل بيته فربما خالفوا مراده ولم يوفوا بحقه‬
                                   ‫ر‬                                        ‫ا‬
  ‫فيكون خاسرً بذلك, ولهذا جاء في حديث مسلم: ((وأن نب ّ المسلم))(75)[75], أن نبر يمين من‬
                                    ‫أقسم علينا إذا أقسم علينا بأمر يمكننا فعله أن نبر قسم أخينا المسلم.‬
‫أيها المسلم، فاحفظ يمينك وال تتساهل بها, الكذب ابتعد عنه بكل صوره, اليمين التي تريد أن تلزم‬
‫نفسك بفعل شيء ثم تبين لك أن عدم فعله هو األولى فكفر عن يمينك, األمر الذي حلفت أن تفعله‬
    ‫َي الن ِى ِم‬
    ‫ثم تبين أن فعله أولى وأردت فعله فكفر عن يمينك. وربنا جل وعال قال لنبيه : ياأُّهَا َّب ُّ ل َ‬
    ‫َ جك َالله ف ٌ رح ٌ َ ْ َ َ الله ُ ِل م نك‬                                   ‫غ َ‬              ‫َل الله‬         ‫ت َ ّم‬
  ‫ُحر ُ مَا أَح َّ َّ ُ لَكَ تَبْتَ ِى مرْضَاتَ أزْوا ِ َ و َّ ُ غَ ُور َّ ِيم قد فرضَ َّ ُ لَكمْ تَحَّةَ أَيْ َا ِ ُمْ‬
                                                                             ‫ُ وه ع م ح م‬                           ‫َالله‬
                                                             ‫و َّ ُ مَوْلَاكمْ َ ُوَ الْ َلِي ُ الْ َكِي ُ [التحريم:5، 7].‬
                                                                                   ‫حِف‬
 ‫َل ٌ من النبي إما أنه حلف على أنه ال يشرب ذلك العسل, أو حلف أن ال يطأ سريته فأمره اهلل‬
        ‫َل الله‬         ‫َيه الن ِى ِم ت َ ّم‬
   ‫أن يتحلل من يمينه بالكفارة؛ ألن ذلك هو األولى فقال اهلل: ياأُّ َا َّب ُّ ل َ ُحر ُ مَا أَح َّ َّ ُ لَكَ‬
                        ‫ك َالله ف ٌ ر ٌ َ ْ َ الله ُ ِل م ن ُ‬                               ‫غ م ض َ‬
‫تَبْتَ ِى َرْ َاتَ أزْواجِ َ و َّ ُ غَ ُور َّحِيم قد فَرضَ َّ ُ لَكمْ تَحَّةَ أَيْ َا ِكمْ [التحريم:5، 7]. أي أن‬
                               ‫تحلل اهلل بالكفارة التي أوجبها اهلل لتكون سبباً لحل االرتباط بهذا اليمين.‬
    ‫فلنتق اهلل في أيماننا, ولنحذر من الكذب فيها, ولنحذر من ترك الكفارة فيما نريد أن نمتنع, وال‬
    ‫نجعل اليمين باهلل حائلة بيننا وبين فعل الخير, قال اهلل تعالى في كتابه العزيز: َالَ تَجْ َُواْ َّ َ‬
    ‫عل الله‬            ‫و‬
                            ‫َر و َتق وت لح ب الن س َالله سم ع عل م‬                                ‫نُ‬           ‫ُ ض‬
              ‫عرْ َةً أليْمَا ِكمْ أَن تَب ُّواْ َت َّ ُواْ َُصِْ ُواْ َيْنَ َّا ِ و َّ ُ َ ِي ٌ َِي ٌ [البقرة:177].‬
‫فلو حلف أال يبر, أو أن ال يفعل خيراً فاألولى له أن يكفر ويفعل الخير, وال يجعل اليمين عائقاً له‬
                                                                                                           ‫من فعل الخير.‬
 ‫أقسم الصديق رضي اهلل عنه ليقطعن عن مسطح النفقة التي كان ينفق عليه لما حصل ما حصل‬
‫ي ت أ ل ق ب و م ك ن و م جر ن‬                                    ‫ْل م ُ َالسع‬             ‫و يَ أ ل‬
‫منه قال اهلل له: َالَ َأْتلِ ُوُْواْ الْفَض ِ ِنكمْ و َّ َةِ أَن ُؤْ ُواْ ُوِْى الْ ُرْ َى َالْ َسَا ِي َ َالْ ُهَا ِ ِي َ‬
                  ‫ت ِب أ ي ِ الله ُ َالله ف ر ر م‬                               ‫ف سب الله و ي ف و ي ح‬
  ‫ِى َ ِيلِ َّ ِ َلْ َعْ ُواْ َلْ َصْفَ ُواْ أَالَ ُح ُّونَ َن َغْفرَ َّ ُ لَكمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ َّحِي ٌ [النور:77]، فلو‬
 ‫استفزك الشيطان فقلت ألحد أوالدك: وهلل ال أكلمه, أو واهلل ال أنفق عليه, أو نحو ذلك، فكفر عن‬
       ‫يمينك وأرغم عدو اهلل وابذل المعروف, وابذل الخير فذاك خير لك من أن تلج في طغيانك,‬
 ‫وتعتمد على اليمين, فاليمين التي حلفتها لتمتنع منها من فعل الخير كفر عنها وافعل الخير, هكذا‬
                                                                                                                  ‫أمرك اهلل.‬
             ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم.‬
   ‫أقول قولي هذا, وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه‬
                                                                                  ‫وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫الحمد هلل حمدً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫ا‬                                                           ‫ا‬
  ‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرً‬
                                                                                                            ‫إلى يوم الدين.‬
                                                           ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
  ‫عباد اهلل، إن ربنا تعالى بين لنا في كتابه كفارة اليمين التي حلفناها على ترك األشياء أو فعلها,‬
    ‫َ َف رته ع م‬                       ‫ن ُ و ك يؤ خذك بم َّدتم‬                         ‫يؤ خذ ُم الله ِالل ِ ف‬
    ‫قال تعالى: الَ ُ َا ِ ُك ُ َّ ُ ب َّغْو ِى أَيْمَا ِكمْ َلَا ِن ُ َا ِ ُ ُم ِ َا عَق ُّ ُ االْيْمَان فَك َّا َ ُ ُ إِطْ َا ُ‬
 ‫َشرَةِ َسَا ِي َ ِنْ أَوْسَ ِ مَا ُطْ ِ ُونَ أَهِْيكمْ أَوْ ِسْ َُهمْ أَوْ تَحرِير َقَ َةٍ فَ َن لمْ يَجدْ فَ ِ َا ُ ََا َ ِ‬
 ‫ْ ُ ر ب م َّ ِ صي م ثل ثة‬                                ‫ك وت ُ‬         ‫ل ُ‬        ‫ط ت عم‬                 ‫ع َ م كنم‬
                                                                                                                          ‫َي‬
                                                                                                         ‫أ َّامٍ [المائدة:98].‬
                                         ‫ً‬           ‫ا‬
 ‫فجعل اهلل الكفارة على قسمين: أقسامً ثالثة مخيرا فيها؛ إما أن تطعم عشرة مساكين أو تكسوهم‬
 ‫أو تعتق رقبة, أنت في هذه األشياء مخير، وإن كان ظاهر القرآن تقديم اإلطعام, فإذا عدمت هذه‬
   ‫األشياء الثالثة, ال عتق ال كسوة التستطيع اإلطعام فانتقل إلى صيم ثالثة أيام, ويستحب تتابعها‬
       ‫الفتاء بعض الصحابة بذلك, هذه كفارة اليمين, واإلطعام، قال العلماء: نص اهلل على عشرة‬
    ‫مساكين وإطعام كل مسكين نصف صاع, أي كيلو ونصف من األرز أو الحب أو التمر ونحو‬
                                                                                          ‫ذلك, تعطى لعشرة مساكين.‬
  ‫هذه هي كفارة اليمين, وإن تعددت األيمان وتنوعت فلكل يمين كفارتها، فالمهم أن المسلم يحفظ‬
‫يمينه فال يكذب, وال يتهاون بالكفارة, وال يستخف باليمين, ويجعل اهلل نصب عينيه في يمينه حتى‬
                                                                                    ‫ال يقع في الهلكة.‬
‫أسأل اهلل أن يحفظنا وإياكم باإلسالم, وأن يجعلنا وإياكم من المستقيمين على طاعته, وأن ال يجعل‬
                                           ‫الدنيا أكبر همنا وال مبلغ علمنا, إنه على كل شيء قدير.‬
                                                                                      ‫__________‬
               ‫ِن َّذ ي َر ن بع الله و م نه‬
 ‫(5) أخرجه البخاري في تفسير القرآن، باب: إ َّ ال ِينَ َشْت ُو َ ِ َهْدِ َّ ِ َأَيْ َا ِ ِمْ ... (7111)،‬
             ‫ومسلم في األقضية، باب: اليمين على المدعى عليه (5525)، من حديث ابن عباس.‬
   ‫(7) أخرجه اإلمام أحمد (66835)، والترمذي في األحكام، باب: ما جاء في اليمين مع الشاهد‬
   ‫(1135)، وابن ماجه في األحكام، باب: القضاء بالشاهد واليمين (9637)، من حديث جابر بن‬
                               ‫ُر‬
     ‫عبد اهلل، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وعلي وس ّق، ومحمد بن علي بن الحسين.‬
                     ‫(3) أخرجه مسلم في اإليمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال اإلزار.. (605).‬
   ‫(1) أخرجه مسلم في اإليمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (235)، من‬
                                                                                    ‫حديث أبي أمامة.‬
    ‫(1) أخرجه مسلم في اإليمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (935) من‬
                                                                               ‫حديث وائل بن حجر.‬
  ‫(6) أخرجه البخاري في األيمان والنذور، باب: اليمين الغموس (1266) من حديث عبد اهلل بن‬
                                                                                               ‫عمرو.‬
‫(2) أخرجه الطبراني في الكبير (6/617)، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد‬
                                                                                              ‫1/82).‬
      ‫(8) أخرجه أحمد (2306)، وأبو داود في األيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف باآلباء‬
    ‫(5173)، والترمذي في النذور واأليمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير اهلل (1315)،‬
                                                            ‫وقال: حديث حسن من حديث ابن عمر.‬
‫(9) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: السؤال بأسماء اهلل تعالى، واالستعاذة بها (5012)، ومسلم‬
                       ‫في األيمان، باب: النهي عن الحلف بغير اهلل (6165) من حديث ابن عمر.‬
           ‫(05) 05] أخرجه البخاري في المغازي، باب: قدوم األشعريين وأهل اليمن (1831).‬
 ‫(55) 55] أخرجه اإلمام أحمد (16095). النسائي في األيمان والنذور، باب: الكفارة بعد الحنث‬
         ‫(8823)، وأبو داود في األيمان والنذور، باب: في الرجل يكفر قبل أن يحنث (6273).‬
  ‫(75) 75] أخرجه مسلم في اللباس والزينة, باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة (6607),‬
                                                                         ‫من حديث البراء بن عازب.‬

‫(5/7387)‬
                                                                        ‫قبل أن يهدم األقصى‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                    ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                          ‫محمد أحمد حسين‬
                                                                                      ‫القدس‬
                                                                               ‫05/6/1715‬
                                                                            ‫المسجد األقصى‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أرض فلسطين أرض الرباط. 7- مؤامرة يهودية جديدة للسيطرة على األقصى. 3- فضل‬
       ‫المسجد األقصى. 1- قانون يهودي جديد يحرم أهل فلسطين من أبسط حقوقهم اإلنسانية.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                          ‫ث‬
        ‫أيها المسلمون، ح ّنا على الرباط في هذه الديار بقوله عليه الصالة والسالم: ((أهل الشام‬
  ‫وأزواجهم وذرياتهم، وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة، مرابطون في سبيل اهلل، فمن احتل‬
                                 ‫ا‬
  ‫منهم مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغرً من الثغور فهو في جهاد))(5)[5]،‬
            ‫ً‬
 ‫فوطنوا أنفسكم أيها المؤمنون على الرباط في هذه الديار احتساباً لثواب اهلل وطمعا في مرضاته،‬
‫وكونوا أهالً لشرف حمل األمانة التي كلفكم اهلل بها، واستأمنكم عليها، عسى أن يصدق فيكم قول‬
    ‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم: ((ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، ال يضرهم من‬
 ‫خذلهم حتى يأتي أمر اهلل وهم كذلك، قيل: أين هم يا رسول اهلل؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت‬
                                                                           ‫المقدس))(7)[7].‬
  ‫أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكنافها، لقد اختصكم اهلل بهذا الشرف العظيم،‬
     ‫وحباكم الفضل الجزيل، بالرباط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، لتكونوا طليعة أمتكم‬
‫اإلسالمية في المحافظة عليها أرضاً إسالمية عامرة باإلسالم والمسلمين، تقوم فيها منارات الهدى‬
                             ‫والهداية التي تشع من رحاب مسجدها الطاهر وأرضها المباركة.‬
   ‫هذا المسجد العظيم وبيت اهلل الكريم الذي تشد إليه الرحال وتشرئب إلى رؤياه أعناق الرجال،‬
‫وقفت أمام عظمته وقدسيته مواكب األبطال من الفاتحين والمحررين من أبناء أمتكم الذين أكرمهم‬
 ‫اهلل بالجهاد والرباط في هذه الديار المباركة على امتداد التاريخ اإلسالمي المشرق بالعز والنصر‬
     ‫إلعالء كلمة اهلل ورفع راية الحق التي بعثكم اهلل إلعالئها يوم اختار أمتكم خيرَ أمة أخرجت‬
  ‫للناس، واصطفى نبيكم عليه الصالة والسالم خاتماً للرسل والرساالت، فصالة اهلل وسالمه على‬
                     ‫إ َّ ر م ل م‬                  ‫وم َ س‬
  ‫الهادي البشير والرحمة المهداة من الحق للخلق َ َا أرْ َلْنَاكَ ِال َحْ َةً ّلْعَالَ ِينَ [األنبياء:205].‬
  ‫أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، يوم أمس وأمس األول، شهدت مدينتكم المقدسة‬
     ‫ممارسات غريبة قام بها قطعان المستوطنين وجماعات المتطرفين من اليهود، الذين يحلمون‬
   ‫بقدس خالية من األغيار واألعداء على حد زعمهم، فقد أعلن مؤسس الكيان الصهيوني: "أنه ال‬
            ‫معنى إلسرائيل بدون القدس، وال معنى للقدس بدون انتزاع موقع الهيكل من العرب".‬
   ‫لقد جرت مسيرات المتطرفين في شوارع هذه المدينة المقدسة وحول بوابات مسجدها األقصى‬
  ‫المبارك، في الوقت الذي ضيقت فيه سلطات االحتالل الخناق على تحرك المواطنين في المدينة‬
 ‫المقدسة من خالل الحواجز العسكرية وإغالق الشوارع والطرقات أمام أبناء المدينة، تحت حجج‬
       ‫منع االحتكاك والتحسب من وقوع ما يخل باألمن على حد زعم هذه السلطات وأذرع أمتها‬
                                                                                               ‫المختلفة.‬
   ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، إن هذه الممارسات وغيرها ترنو إلى تحقيق‬
‫أهداف سلطات االحتالل في إظهار مدينتكم التي يزحف إليها التهويد في حملة مسعورة ومحمومة،‬
        ‫كأنها مدينة خالصة لهؤالء المستوطنين والثعابين، الذين ال يقصرون جهداً في زرع البؤر‬
      ‫االستيطانية في كل مكان من المدينة تصل إليه أيديهم وأيدي المنظمات اليهودية التي ترعى‬
  ‫االستيطان وتمده بكل المقومات المادية، وترعاه الحكومات اإلسرائيلية المتعاقبة وصوالً ألهداف‬
                                ‫ا ال‬
‫الصهيونية الداعية إلى تفريغ مدينتكم و أرضكم تفريغً كام ً من كل ما ال يمت للصهيونية بصلة.‬
       ‫ومن ذلك إغالق المؤسسات الخدماتية الفلسطينية في المدينة المقدسة كبيت الشرق والغرفة‬
 ‫ا‬
‫التجارية وغيرها من المؤسسات الفلسطينية التي أغلقت لمدد متفاوتة وأعيد تجديد إغالقها مؤخرً،‬
   ‫إن هذا اإلجراء يصب في سياق إفراغ المدينة من أهلها ومؤسساتها، هذه المؤسسات التي تعين‬
   ‫المواطن المقدسي والفلسطيني على الصمود والثبات في مدينة القدس التي يحاول االحتالل منذ‬
  ‫يومه األول صبغها بالصبغة اإلسرائيلية، والقضاء على ما بقي من مظاهر عروبتها وإسالميتها‬
 ‫لحساب أهدافه ومخططاته التي تهدف إلى عزل المدينة بالكامل عن محيطها الفلسطيني، ليس من‬
 ‫خالل أطواق العزل والحواجز فحسب، بل من خالل تفريغها من المؤسسات التي تساهم في إبقاء‬
                                     ‫الوجه العربي والهوية اإلسالمية لهذه المدينة وديارنا المباركة.‬
 ‫أيها المسلمون، يا أبناء ديار اإلسراء والمعراج، إنها القدس، القدس رمز عقيدتكم وعنوان عزتكم‬
 ‫ومسرى ومعراج نبيكم عليه الصالة والسالم إلى السماوات العال، فهي بوابة األرض إلى السماء‬
 ‫ودرة الشام وقلب فلسطين، ومسجدها األقصى المبارك، مقر األنبياء واجتماعهم في الصالة خلف‬
                                      ‫ً‬
     ‫نبيكم عليه وعليهم أفضل الصالة والتسليم ليلة إسرائه إيذانا بقيادته للبشرية، وقيامكم على هذا‬
                                                                       ‫اإلرث إلى يوم الدين، فماذا أنتم فاعلون؟‬
   ‫ومسجدكم المبارك ثاني مسجد في األرض بعد بيت اهلل الحرام، وهو أولى القبلتين وثالث مسجد‬
     ‫تشد إليه الرحال ويضاعف اهلل فيه ثواب األعمال، فقد ورد عن ميمونة رضي اهلل عنها موالة‬
       ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم قالت:" يا رسول اهلل أفتنا في بيت المقدس، قال: ((أرض المحشر‬
    ‫والمنشر، ائتوه، فصلوا فيه، ائتوه فصلوا فيه، فإن صالة فيه كألف صالة))، قلنا: يا رسول اهلل‬
                   ‫ا‬
  ‫فمن لم يستطع أن يتحمل إليه قال: ((من لم يستطع أن يأتيه فليهدي إليه زيتً يسرج فيه، فإن من‬
         ‫أهدى إليه زيتً كان كمن أتاه))(3)[3]، والمقصود في هذا إعمار هذا المسجد ماديً ومعنويً‬
         ‫ا‬       ‫ا‬                                                            ‫ا‬
                                                              ‫ونصرته من قبل جميع المسلمين في هذا العالم.‬
                                                          ‫ً‬
   ‫إنها القدس الطيبة المباركة، فهنيئا ألهلها ومن نزل مرابطاً في أكنافها وتمسك بإعمارها وحافظ‬
 ‫على عقاراتها وأرضها، ومنع تسريبها إلى السماسرة والمتاجرين بعزة األمة وكرامة الوطن لقاء‬
                                                ‫ة الد ِال م ع ُر‬                     ‫وم‬
                                ‫عرض زائل ومتاع قليل َ َا الْحيا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْغ ُورِ [الحديد:07].‬
  ‫جاء في الحديث الشريف عن سهل بن سعد رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
    ‫قال: ((رباط يوم في سبيل اهلل خير من الدنيا وما عليها، رباط يوم في سبيل اهلل خير من الدنيا‬
  ‫وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَوحة يروحها العبد في‬
                                        ‫سبيل اهلل أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها))(1)[1] أو كما قال.‬
                                   ‫فيا فوز المستغفرين، استغفروا اهلل وادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة.‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
         ‫الحمد هلل الهادي إلى الصراط المستقيم، والصالة والسالم على سيدنا محمد المبعوث رحمة‬
                                                       ‫للعالمين، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
                                                  ‫ا‬
‫وبعد: أيها المسلمون، اعلموا أن اهلل أمر أمرً، بدأ به بنفسه، وثنى بمالئكة قدسه، فقال تعالى، ولم‬
‫يزل قائالً عليمً: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ َسِْيمً‬
‫َل ع وسلم ت ل ا‬                     ‫ا ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
    ‫[األحزاب:61]، لبيك اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا‬
‫إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على‬
                                     ‫سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.‬
                            ‫وارض اللهم عن القرابة الصحابة التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
     ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، في جعجعة الحديث عن السالم وأوهامه أقر‬
‫البرلمان اإلسرائيلي ما يعرف بقانون الدخول إلى إسرائيل أو قانون الجنسية، كما اتخذت الحكومة‬
      ‫اإلسرائيلية قراراً بإطالق سراح بعض األسرى من السجون اإلسرائيلية ولبيان هذين الحدثين‬
 ‫أقول: إن هذا القانون الذي يستهدف أول ما يستهدف أبناء غزة والضفة الغربية، الذين يتزوجون‬
  ‫من أبناء شعبنا في القدس أو الداخل الفلسطيني، وذلك في تدخل مباشر وإجراء تعسفي سافر في‬
              ‫ا‬
‫حق من أبسط الحقوق اإلنسانية االجتماعية في اختيار شريك الحياة، وكأن جدارً من الفصل يشبه‬
  ‫جدار الفصل العنصري الذي تقيمه سلطات االحتالل لفصل أجزاء كبيرة من األرض الفلسطينية‬
 ‫عن بعضها البعض، تحاول في هذا السياق سلطات االحتالل إقامة جدار بين أبناء الشعب الواحد‬
       ‫واألسرة الواحدة في خطوة إضافية تضاف إلى الممارسات الهادفة إلى تشتيت أبناء الشعب‬
       ‫الفلسطيني وزيادة معاناتهم، فأين حقوق اإلنسان من هذا اإلجراء؟ وأين مدنية األلفية الثالثة‬
   ‫وحضارة القرن الحادي والعشرين التي يتغنى بها عالم المدنية الديمقراطية اليوم؟ أم أن إنساننا‬
                                                                             ‫غير هذا اإلنسان؟‬
       ‫أما إطالق سراح بعض األسرى ممن أنهوا أو شارفوا على إنهاء محكوميتهم من السجون‬
  ‫اإلسرائيلية فما هو إال ذر للرماد في العيون، وإيهام العالم بأن الحكومة اإلسرائيلية جادة بالسير‬
 ‫في طريق السالم وإطالق سراح األسرى الفلسطينيين الذين تحتل قضيتهم أولويات اهتمام شعبنا،‬
                                    ‫هذا الشعب الذي لم تعد تخفى عليه هذه الخدع والممارسات.‬
 ‫إن حق األسرى في الحرية وإطالق سراحهم حق شرعي وإنساني، ضمنته كل الشرائع السماوية‬
    ‫والمواثيق واألعراف الدولية، فعلى سلطات االحتالل أن تطلق سراح جميع األسرى وفق هذه‬
‫المعايير، التي تضمن كرامة اإلنسان وحقه في العيش حراً بين أهله وفوق تراب وطنه، إننا ونحن‬
‫نرحب باألخوة الذين تم إطالق سراحهم وعادوا للعيش بين أهلهم وذويهم وشعبهم، نسأل اهلل تعالى‬
   ‫أن يمن على كافة األسرى والمعتقلين بالخالص من قيد السجن والسجان، إنه نعم المولى ونعم‬
                                                                                      ‫المصير.‬
     ‫وأنتم يا أبناء أرض اإلسراء والمعراج، يا من اختصكم اهلل أن تكونوا حلقة في سلسلة الرباط‬
    ‫الممتدة في هذه الديار، كونوا على مستوى المسؤولية لتحمل األمانة في المحافظة على القدس‬
     ‫وأكنافها، وتخلقوا بأخالق سلفكم الصالح من الفاتحين والمحررين الذين سكنوا في هذه الديار‬
    ‫ال‬         ‫ا‬
   ‫وجاوروا مسجدها األقصى، وضم رفاتهم ترابها الطهور على أن يقضى اهلل أمرً كان مفعو ً،‬
                                                                               ‫وكما قال القائل:‬
                               ‫كونوا بني قومي جميعاً إذا ……اعترى خطب وال تتفرقوا آحادا‬
                                 ‫تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ……وإذا افترقن تكسرت آحادا‬
                  ‫ا‬
    ‫واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرً، ولن يغلب عسر‬
                                                                                       ‫يسرين.‬
                                                                               ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب، والربعي في فضائل الشام، وقد ضعفه األلباني،‬
                                      ‫فضائل الشام (2)،وضعيف الترغيب والترهيب (9085).‬
  ‫(7) رواه أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة (65857) قال الهيثمي: رواه عبداهلل وجادة عن‬
                                                ‫خط أبيه والطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد 2/887.‬
 ‫(3) أخرجه ابن ماجه في سننه (2015)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة: إسناد طريق ابن‬
                              ‫ماجه صحيح، رجاله ثقات. وضعفه األلباني، ضعيف ابن ماجه (897).‬
                     ‫(1) أخرجه البخاري (7987) في كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم .‬

‫(5/3387)‬




                                                                                            ‫معالم في عظمة اإلسالم‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                      ‫محاسن الشريعة‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                          ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                        ‫المسجد الحرام‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- حال البشرية قبل اإلسالم. 7- أجل نعمة على البشرية هي اإلسالم. 3- فضل الصحابة‬
‫وعلماء األمة في نشر الدعوة والمعرفة. 1- فشل محاوالت األعداء في طمس معالم اإلسالم. 1-‬
                                                                                           ‫شروط النصر والتمكين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                     ‫َيه َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
  ‫أما بعد: ياأُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705]،‬
                         ‫ن‬
   ‫اتقوا اهلل وتمسكوا بما شرع لكم من الدين القويم، واشكروه على ما م ّ به عليكم من ملة أبيكم‬
‫إبراهيم حين ضل عن الحق من األمة سواد عظيم، وتمسكوا بطاعة اهلل على منهاج رسوله ، فإن‬
 ‫في ذلك السالمة والنجاة والعز والرفعة والجاه، وإياكم ومعاصيه فإنها توجب أليم العقاب, ووبيل‬
                                                                                                                 ‫العذاب.‬
              ‫ي م‬           ‫َاتق ي ُ جع َ ف إل الل ُم ت َف ُل س م سب ه‬
           ‫فاتقوا اهلل, و َّ ُواْ َوْمًا ترْ َ ُون ِيهِ َِى َّهِ ث َّ ُو َّى ك ُّ نَفْ ٍ َّا كَ َ َتْ وَ ُمْ الَ ُظْلَ ُونَ‬
                                                                                              ‫[البقرة:587].‬
  ‫وبعد أيها المسلمون، إن أجل نعمة أنعم اهلل بها على أهل األرض عامة وعلى المسلمين خاصة‬
 ‫نعمة اإلسالم، وبعثة نبي الرحمة عليه الصالة والسالم، لقد كان أهل األرض قبل مجيء اإلسالم‬
                                                    ‫غب‬
‫في ظالم دامس، وضالل طامس، عدا ُ ّر من أهل الكتاب وبقايا ممن على الحنيفية ملة إبراهيم.‬
 ‫أما من سواهم من ورثة األديان السماوية، وصانع المعتقدات الوثنية األرضية، فقد اغتالوا زكى‬
      ‫النفوس وسليم الفطر فذبحوها على عتبات الوثنية, وغمسوها في لجج الجاهلية، فاستزرعوا‬
                                        ‫األصنام في جنبات الحرم, وغيبوا العقول في متاهات الظلم.‬
‫وهكذا انطمست أنوار الرسالة السماوية، وتالعب الشيطان ببني آدم، فاشتدت حاجة أهل األرض‬
       ‫إلى بعثة نبي رسول من عند اهلل، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأدركتهم رحمة أرحم‬
     ‫الراحمين، فكانت بعثة محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، فأشرقت به األرض بعد ظلماتها،‬
 ‫واجتمعت عليه األمة بعد شتاتها، وجاء اإلسالم العظيم يحمل للبشرية كل خير، ويزيح عنها كل‬
                                                                                                         ‫شر.‬
    ‫إنه الرسول النبي األمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة واإلنجيل, يأمرهم بالمعروف‬
  ‫وينهاهم عن المنكر, ويحل لهم الطيبات, ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم واألغالل‬
                                                                                          ‫التي كانت عليهم.‬
         ‫ا‬             ‫ا‬                                              ‫ا‬
 ‫واختار اهلل له أنصارً وأعواناً، هم صحابة رسول اهلل , أبر الناس قلوبً، وأغزرهم علمً، وأقلهم‬
                                                                                       ‫ا‬
  ‫تكلفً، فجاهدوا في اهلل حق جهاده، وحفظوا لنا الدين، ونقلوا إلينا الشريعة، ونشروا اإلسالم في‬
       ‫مشارق األرض ومغاربها، بالعدل والرحمة حتى أظهره اهلل على الدين كله، وأخمد به نار‬
                              ‫ط‬                                       ‫م‬
   ‫المجوس، ود ّر كبرياء اليهود، وكشف ضالل النصارى، وح ّم أصنام الوثنية، ومأل األرض‬
                                                            ‫ا‬             ‫ا‬             ‫ال‬
   ‫عد ً, والقلوب فقهً وخشية وإيمانً، وصنع قادة وسادة وأحباراً، فتحوا البالد بالجهاد، والقلوب‬
   ‫بالعلم والحكمة والقدوة والرحمة، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن‬
   ‫جور األديان إلى عدل اإلسالم، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا واآلخرة، وفجروا ينابيع العلم‬
   ‫حتى ملؤوا مدارس العالم ومكاتب الدنيا بعلومهم ومؤلفاتهم, مما لم يعرف العالم له نظيراً من‬
                                                                                                 ‫سائر الملل.‬
‫هذا هو دين اإلسالم الذي شهد اهلل تعالى به بالكمال فقال سبحانه: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ ََتْ َمْ ُ‬
‫ْ م ت ُ د ُ وأ م ت‬
                                                                   ‫َ د‬         ‫ع ُ ن مت ورض ت ُم‬
                                                  ‫َلَيْكمْ ِعْ َ ِى َ َ ِي ُ لَك ُ األسْالمَ ِيناً [المائدة:3].‬
   ‫أيها المسلمون، ولقد وقف الشيطان وحزبه من هذا الدين وال زالوا يقفون موقف العدو اللدود،‬
 ‫واستخدموا كل ما يملكون من الوسائل للقضاء عليه, أو للصد عنه، أو تشويهه, حاربوه فانتصر‬
‫ا‬
‫عليهم، حاولوا محاصرته في بلده ومنع انتشاره فاكتسح كل الحواجز والحدود، وامتد نوره ساطعً‬
 ‫في أرجاء المعمورة فاعتنقته القلوب السليمة والفطر المستقيمة؛ ألنه دين اهلل، دين الفطرة، الذي‬
  ‫يالئم كل زمان ومكان, حاولوا الدس فيه وإلقاء الشبه على تشريعاته وأحكامه، فارتدت سهامهم‬
                                                                  ‫ا‬    ‫ا‬
                                                        ‫في نحورهم, وبقي هذا الدين غضً طريً كما أنزل.‬
       ‫كما دخل على المسلمين منافقون خادعون فكشف اهلل سريرتهم, وأظهر للمسلمين عالماتهم،‬
                                                        ‫ليحذروهم إلى يوم الدين, ولتعرفنهم في لحن القول.‬
     ‫كما دخل أعداء الدين للفرقة بين المسلمين، إللقاء العداوة بينهم وتمزيقهم, فخرجت فرق شتى‬
  ‫فكان ذلك مصداق ما أخبر به النبي من افتراق أمته على ثالث وسبعين فرقة، كلها في النار إال‬
   ‫واحدة، وهذه الفرقة الواحدة هي الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، من كان على مثل ما كان‬
                                                                                     ‫عليه النبي وأصحابه(5)[5].‬
‫وال تزال بإذن اهلل موجودة إلى قيام الساعة، يقول النبي : ((ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على‬
‫الحق، ال يضرهم من خذلهم وال من خالفهم حتى يأتي أمر اهلل وهم على ذلك)) رواه مسلم(7)[7].‬
    ‫وبهذا يبقى دين اإلسالم منتصراً، ويبقى من تمسك به منصوراً، ومن خالف ذلك فال يضر إال‬
                                                                                        ‫ا‬
                                                                                       ‫نفسه، ولن يضر اهلل شيئً.‬
  ‫أمة اإلسالم، ومع اختالف الناس وتشعبهم في دينهم وانتشار الجهل والهوى في بعض األعصار‬
‫أو األمصار إال أن اهلل تعالى رحيم بأمته، قد جعل في هذه األمة الخير إلى قيام الساعة، فلم ينقطع‬
‫من العلماء الربانيين من يدعو األمة ويرشدها إلى العودة إلى دينها الصحيح الصافي من الشوائب‬
   ‫والعوائق، ويردها إلى المورد العذب األصيل، الكتاب والسنة، ليكون المجتمع على مثل ما كان‬
                                                               ‫عليه النبي وأصحابه، وهذه سنة اهلل الماضية.‬
      ‫ومع هذا فال يزال أيضاً أعداء اإلسالم من الكفار والمنافقين والعمالء والمدسوسين يواصلون‬
‫حربهم ضد اإلسالم الصحيح بكل ما يستطيعون من مكائد ودسائس وافتعال مواقف وتذليق منافقين‬
 ‫إال أن دين اهلل واضح وسنة المصطفى بينة, والمحجة بيضاء ناصعة, ليلها كنهارها ال يزيغ عنها‬
  ‫ا‬      ‫ا‬
  ‫إال هالك، وتعود السهام إلى صدور أصحابها خاسئة ذليلة, ويبقى اإلسالم طوداً شامخً, وحصنً‬
‫ير د أ ي فئ ن الل َ ه ِ وي ب الله ِال أ ي ِم ن ه و َره‬                                                           ‫ا‬
‫منيعً محفوظاً بحفظ اهلل، ُ ِي ُونَ َن ُطْ ِ ُواْ ُورَ َّهِ بِأفْوا ِهمْ َ َأْ َى َّ ُ إ َّ َن ُت َّ ُورَ ُ َلَوْ ك ِ َ‬
‫م رك ن‬             ‫ق لي ِره عل د كله و َ‬                          ‫َد‬     ‫ك ِر ن ه َّ َ َ رس ه ُ‬
‫الْ َاف ُو َ ‪ُ f‬وَ الذِي أرْسلَ َ ُولَ ُ بِالْهدَى و ِينِ الْحَ ّ ِ ُظْه َ ُ ََى ال ّينِ ُّ ِ َلَوْ كرِهَ الْ ُشْ ِ ُو َ‬
                                                                                                   ‫[التوبة:53,73].‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا‬
  ‫وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                        ‫ا‬
      ‫الحمد هلل كثيراً كما ينعم كثيراً، خلق كل شيء فقدره تقديرً، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
                                                                       ‫ا‬
                      ‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله شهادة تامة نرجو بها النجاة يوم لقاه.‬
    ‫وبعد: أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أن أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي‬
     ‫محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة, وكل ضاللة في النار.‬
    ‫ِن الل‬
  ‫أمة القرآن، أمة التوحيد واإليمان، إنه ال يشك مسلم في نصر اهلل ألوليائه، ودفاعه عنهم إ َّ َّهَ‬
               ‫َرسل ِن الل َ ِى َ ز‬                  ‫الله ل َن‬                            ‫ُد ع ع َّذ ن من‬
               ‫ي َافِ ُ َنِ ال ِي َ ءا َ ُواْ [الحج:83]، كَتَبَ َّ ُ ألَغِْب َّ أَنَاْ و ُ ُِى إ َّ َّه قَو ٌّ عزِي ٌ‬
                                                                                                    ‫[المجادلة:57].‬
                                                              ‫م من سب‬               ‫ول ي َ الله ل ك ِر ع‬
                                            ‫ََن َجْعلَ َّ ُ ِلْ َاف ِينَ َلَى الْ ُؤْ ِ ِينَ َ ِيالً [النساء:515].‬
‫ولكن هذا ال يكون لمن تخاذل وبدل دينه الصحيح, وحارب التوحيد والسنة، وحكم غير شرع اهلل،‬
 ‫وولغ في المعاصي وعادى أولياء اهلل، إنما الدفاع والنصر والتمكين لمن قبض على دينه، وعض‬
‫بالنواجذ على ما جاء في الوحيين, واطرح الهوى, واتبع الهدى, وأخلص قصده وعمله لربه، عند‬
   ‫َيه َّذ ن من إ صر الل ي ص ُ وي ب َ ْد مك و َّذ ن‬
   ‫ذلك يتحقق له وعد الكمال: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ ِن تَن ُ ُواْ َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثَّتْ أق َا َ ُمْ َال ِي َ‬
                       ‫و ي ُ َن الله م ي ُره‬                      ‫ل ُ و َل م ُ‬                       ‫ر ْ‬
            ‫كَفَ ُوا فَتَعْساً َّهمْ َأَض َّ أَعْ َالَهمْ [محمد:2، 8]، َلَ َنصر َّ َّ ُ َن َنص ُ ُ [الحج:01].‬
 ‫وأما الناعقون والمعتدون فسيكفيكهم اهلل وهو السميع العليم، وال يجوز لمسلم أن يتنازل عن دينه‬
        ‫ومعتقده, أو يساوم على مبادئه وثوابته, كما ال يجوز أن تكون أخطاء بعض المسلمين, أو‬
    ‫وال‬                                  ‫ً‬
    ‫المتحمسين لدينهم, أو المتهورين في تصرفاتهم سببا في ترك الحق الواجب علينا اتباعه. َ َ‬
                ‫الل ب ْ ِ أ ز إ ك و ع إ ربك و ك َن م م رك ن‬                                                 ‫يص ُّن ع‬
                ‫َ ُد َّكَ َنْ ءايَاتِ َّهِ َعدَ إذْ ُن ِلَتْ ِلَيْ َ َادْ ُ ِلَى َّ َ َالَ تَ ُون َّ ِنَ الْ ُشْ ِ ِي َ‬
                                                                                                    ‫[القصص:28].‬
     ‫اللهم أحينا على اإلسالم سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة األنبياء، وال‬
                                                                                 ‫تشمت بنا الحاسدين واألعداء.‬
                                                                                                   ‫__________‬
   ‫(5) أخرجه اإلمام أحمد (05127)، والترمذي في اإليمان، باب: ما جاء في افتراق هذه األمة‬
  ‫(0167) وقال: حسن صحيح، وأبو داود في السنة، باب: شرح السنة (6911)، وابن ماجه في‬
       ‫الفتن، باب: افتراق األمم (5993)، وأخرجه بزيادة ((من كان على مثل...)) الترمذي في‬
   ‫اإليمان، باب: ما جاء في افتراق هذه األمة (5167) من حديث عبد اهلل بن عمرو، وقال: هذا‬
                                                                            ‫ُفس‬
                                        ‫حديث حسن غريب م َّر ال نعرفه مثل هذا إال من هذا الوجه.‬
   ‫ا‬
‫(7) في اإلمارة، باب: قوله : ((ال تزال طائفة...)) (0795) من حديث ثوبان، وأخرجه أيضً من‬
    ‫حديث جابر بن عبد اهلل ومعاوية. وأخرجه البخاري في االعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول‬
                                   ‫النبي : ((ال تزال طائفة..)) (5532) من حديث المغيرة بن شعبة.‬

‫(5/1387)‬
                                                                                            ‫معالم في عظمة اإلسالم‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                      ‫محاسن الشريعة‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫صالح بن محمد آل طالب‬
                                                                                                          ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                          ‫25/6/1715‬
                                                                                                        ‫المسجد الحرام‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- حال البشرية قبل اإلسالم. 7- أجل نعمة على البشرية هي اإلسالم. 3- فضل الصحابة‬
‫وعلماء األمة في نشر الدعوة والمعرفة. 1- فشل محاوالت األعداء في طمس معالم اإلسالم. 1-‬
                                                                                           ‫شروط النصر والتمكين.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                     ‫َيه َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
  ‫أما بعد: ياأُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705]،‬
                         ‫ن‬
   ‫اتقوا اهلل وتمسكوا بما شرع لكم من الدين القويم، واشكروه على ما م ّ به عليكم من ملة أبيكم‬
‫إبراهيم حين ضل عن الحق من األمة سواد عظيم، وتمسكوا بطاعة اهلل على منهاج رسوله ، فإن‬
 ‫في ذلك السالمة والنجاة والعز والرفعة والجاه، وإياكم ومعاصيه فإنها توجب أليم العقاب, ووبيل‬
                                                                                                                 ‫العذاب.‬
              ‫ي م‬           ‫َاتق ي ُ جع َ ف إل الل ُم ت َف ُل س م سب ه‬
           ‫فاتقوا اهلل, و َّ ُواْ َوْمًا ترْ َ ُون ِيهِ َِى َّهِ ث َّ ُو َّى ك ُّ نَفْ ٍ َّا كَ َ َتْ وَ ُمْ الَ ُظْلَ ُونَ‬
                                                                                                         ‫[البقرة:587].‬
  ‫وبعد أيها المسلمون، إن أجل نعمة أنعم اهلل بها على أهل األرض عامة وعلى المسلمين خاصة‬
 ‫نعمة اإلسالم، وبعثة نبي الرحمة عليه الصالة والسالم، لقد كان أهل األرض قبل مجيء اإلسالم‬
                                                    ‫غب‬
‫في ظالم دامس، وضالل طامس، عدا ُ ّر من أهل الكتاب وبقايا ممن على الحنيفية ملة إبراهيم.‬
 ‫أما من سواهم من ورثة األديان السماوية، وصانع المعتقدات الوثنية األرضية، فقد اغتالوا زكى‬
       ‫النفوس وسليم الفطر فذبحوها على عتبات الوثنية, وغمسوها في لجج الجاهلية، فاستزرعوا‬
                                             ‫األصنام في جنبات الحرم, وغيبوا العقول في متاهات الظلم.‬
 ‫وهكذا انطمست أنوار الرسالة السماوية، وتالعب الشيطان ببني آدم، فاشتدت حاجة أهل األرض‬
        ‫إلى بعثة نبي رسول من عند اهلل، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأدركتهم رحمة أرحم‬
      ‫الراحمين، فكانت بعثة محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، فأشرقت به األرض بعد ظلماتها،‬
  ‫واجتمعت عليه األمة بعد شتاتها، وجاء اإلسالم العظيم يحمل للبشرية كل خير، ويزيح عنها كل‬
                                                                                                          ‫شر.‬
     ‫إنه الرسول النبي األمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة واإلنجيل, يأمرهم بالمعروف‬
  ‫وينهاهم عن المنكر, ويحل لهم الطيبات, ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم واألغالل‬
                                                                                           ‫التي كانت عليهم.‬
         ‫ا‬             ‫ا‬                                              ‫ا‬
 ‫واختار اهلل له أنصارً وأعواناً، هم صحابة رسول اهلل , أبر الناس قلوبً، وأغزرهم علمً، وأقلهم‬
                                                                                        ‫ا‬
   ‫تكلفً، فجاهدوا في اهلل حق جهاده، وحفظوا لنا الدين، ونقلوا إلينا الشريعة، ونشروا اإلسالم في‬
        ‫مشارق األرض ومغاربها، بالعدل والرحمة حتى أظهره اهلل على الدين كله، وأخمد به نار‬
                               ‫ط‬                                       ‫م‬
    ‫المجوس، ود ّر كبرياء اليهود، وكشف ضالل النصارى، وح ّم أصنام الوثنية، ومأل األرض‬
                                                             ‫ا‬             ‫ا‬              ‫ال‬
    ‫عد ً, والقلوب فقه ً وخشية وإيمانً، وصنع قادة وسادة وأحباراً، فتحوا البالد بالجهاد، والقلوب‬
    ‫بالعلم والحكمة والقدوة والرحمة، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن‬
    ‫جور األديان إلى عدل اإلسالم، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا واآلخرة، وفجروا ينابيع العلم‬
    ‫حتى ملؤوا مدارس العالم ومكاتب الدنيا بعلومهم ومؤلفاتهم, مما لم يعرف العالم له نظيراً من‬
                                                                                                  ‫سائر الملل.‬
 ‫ْ م ت ُ د ُ وأ م ت‬
 ‫هذا هو دين اإلسالم الذي شهد اهلل تعالى به بالكمال فقال سبحانه: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ ََتْ َمْ ُ‬
                                                                    ‫َم د‬        ‫ع ُ ن مت ورض ت ُم‬
                                                   ‫َلَيْكمْ ِعْ َ ِى َ َ ِي ُ لَك ُ األسْال َ ِيناً [المائدة:3].‬
    ‫أيها المسلمون، ولقد وقف الشيطان وحزبه من هذا الدين وال زالوا يقفون موقف العدو اللدود،‬
  ‫واستخدموا كل ما يملكون من الوسائل للقضاء عليه, أو للصد عنه، أو تشويهه, حاربوه فانتصر‬
‫ا‬
‫عليهم، حاولوا محاصرته في بلده ومنع انتشاره فاكتسح كل الحواجز والحدود، وامتد نوره ساطعً‬
  ‫في أرجاء المعمورة فاعتنقته القلوب السليمة والفطر المستقيمة؛ ألنه دين اهلل، دين الفطرة، الذي‬
   ‫يالئم كل زمان ومكان, حاولوا الدس فيه وإلقاء الشبه على تشريعاته وأحكامه، فارتدت سهامهم‬
                                                            ‫ا‬    ‫ا‬
                                                  ‫في نحورهم, وبقي هذا الدين غضً طريً كما أنزل.‬
       ‫كما دخل على المسلمين منافقون خادعون فكشف اهلل سريرتهم, وأظهر للمسلمين عالماتهم،‬
                                                   ‫ليحذروهم إلى يوم الدين, ولتعرفنهم في لحن القول.‬
     ‫كما دخل أعداء الدين للفرقة بين المسلمين، إللقاء العداوة بينهم وتمزيقهم, فخرجت فرق شتى‬
  ‫فكان ذلك مصداق ما أخبر به النبي من افتراق أمته على ثالث وسبعين فرقة، كلها في النار إال‬
   ‫واحدة، وهذه الفرقة الواحدة هي الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، من كان على مثل ما كان‬
                                                                              ‫عليه النبي وأصحابه(5)[5].‬
‫وال تزال بإذن اهلل موجودة إلى قيام الساعة، يقول النبي : ((ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على‬
‫الحق، ال يضرهم من خذلهم وال من خالفهم حتى يأتي أمر اهلل وهم على ذلك)) رواه مسلم(7)[7].‬
    ‫وبهذا يبقى دين اإلسالم منتصراً، ويبقى من تمسك به منصوراً، ومن خالف ذلك فال يضر إال‬
                                                                                        ‫ا‬
                                                                                       ‫نفسه، ولن يضر اهلل شيئً.‬
  ‫أمة اإلسالم، ومع اختالف الناس وتشعبهم في دينهم وانتشار الجهل والهوى في بعض األعصار‬
‫أو األمصار إال أن اهلل تعالى رحيم بأمته، قد جعل في هذه األمة الخير إلى قيام الساعة، فلم ينقطع‬
‫من العلماء الربانيين من يدعو األمة ويرشدها إلى العودة إلى دينها الصحيح الصافي من الشوائب‬
   ‫والعوائق، ويردها إلى المورد العذب األصيل، الكتاب والسنة، ليكون المجتمع على مثل ما كان‬
                                                               ‫عليه النبي وأصحابه، وهذه سنة اهلل الماضية.‬
      ‫ومع هذا فال يزال أيضاً أعداء اإلسالم من الكفار والمنافقين والعمالء والمدسوسين يواصلون‬
‫حربهم ضد اإلسالم الصحيح بكل ما يستطيعون من مكائد ودسائس وافتعال مواقف وتذليق منافقين‬
 ‫إال أن دين اهلل واضح وسنة المصطفى بينة, والمحجة بيضاء ناصعة, ليلها كنهارها ال يزيغ عنها‬
  ‫ا‬      ‫ا‬
  ‫إال هالك، وتعود السهام إلى صدور أصحابها خاسئة ذليلة, ويبقى اإلسالم طوداً شامخً, وحصنً‬
‫ير د أ ي فئ ن الل َ ِ ِ وي ب الله ِال أ ي ِم ن ه و َره‬                                                          ‫ا‬
‫منيعً محفوظاً بحفظ اهلل، ُ ِي ُونَ َن ُطْ ِ ُواْ ُورَ َّهِ بِأفْواههمْ َ َأْ َى َّ ُ إ َّ َن ُت َّ ُورَ ُ َلَوْ ك ِ َ‬
‫م رك ن‬             ‫ق لي ِره عل د كله و َ‬                          ‫َد‬     ‫ك ِر ن ه َّ َ َ رس ه ُ‬
‫الْ َاف ُو َ ‪ُ f‬وَ الذِي أرْسلَ َ ُولَ ُ بِالْهدَى و ِينِ الْحَ ّ ِ ُظْه َ ُ ََى ال ّينِ ُّ ِ َلَوْ كرِهَ الْ ُشْ ِ ُو َ‬
                                                                                                   ‫[التوبة:53,73].‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا‬
  ‫وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                        ‫ا‬
      ‫الحمد هلل كثيراً كما ينعم كثيراً، خلق كل شيء فقدره تقديرً، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
                                                                       ‫ا‬
                      ‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله شهادة تامة نرجو بها النجاة يوم لقاه.‬
    ‫وبعد: أيها المسلمون، اتقوا اهلل تعالى، واعلموا أن أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي‬
      ‫محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة, وكل ضاللة في النار.‬
    ‫ِن الل‬
  ‫أمة القرآن، أمة التوحيد واإليمان، إنه ال يشك مسلم في نصر اهلل ألوليائه، ودفاعه عنهم إ َّ َّهَ‬
                  ‫َرسل ِن الل َ ِى َ ز‬                  ‫الله ل َن‬                            ‫ُد ع ع َّذ ن من‬
                  ‫ي َافِ ُ َنِ ال ِي َ ءا َ ُواْ [الحج:83]، كَتَبَ َّ ُ ألَغِْب َّ أَنَاْ و ُ ُِى إ َّ َّه قَو ٌّ عزِي ٌ‬
                                                                                                     ‫[المجادلة:57].‬
                                                                ‫م من سب‬               ‫ول ي َ الله ل ك ِر ع‬
                                              ‫ََن َجْعلَ َّ ُ ِلْ َاف ِينَ َلَى الْ ُؤْ ِ ِينَ َ ِيالً [النساء:515].‬
‫ولكن هذا ال يكون لمن تخاذل وبدل دينه الصحيح, وحارب التوحيد والسنة، وحكم غير شرع اهلل،‬
 ‫وولغ في المعاصي وعادى أولياء اهلل، إنما الدفاع والنصر والتمكين لمن قبض على دينه، وعض‬
 ‫بالنواجذ على ما جاء في الوحيين, واطرح الهوى, واتبع الهدى, وأخلص قصده وعمله لربه، عند‬
   ‫َيه َّذ ن من إ صر الل ي ص ُ وي ب َ ْد مك و َّذ ن‬
   ‫ذلك يتحقق له وعد الكمال: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ ِن تَن ُ ُواْ َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثَّتْ أق َا َ ُمْ َال ِي َ‬
                       ‫و ي ُ َن الله م ي ُره‬                      ‫ل ُ و َل م ُ‬                       ‫ر ْ‬
            ‫كَفَ ُوا فَتَعْساً َّهمْ َأَض َّ أَعْ َالَهمْ [محمد:2، 8]، َلَ َنصر َّ َّ ُ َن َنص ُ ُ [الحج:01].‬
 ‫وأما الناعقون والمعتدون فسيكفيكهم اهلل وهو السميع العليم، وال يجوز لمسلم أن يتنازل عن دينه‬
        ‫ومعتقده, أو يساوم على مبادئه وثوابته, كما ال يجوز أن تكون أخطاء بعض المسلمين, أو‬
    ‫المتحمسين لدينهم, أو المتهورين في تصرفاتهم سببا في ترك الحق الواجب علينا اتباعه. َ َ‬
    ‫وال‬                                  ‫ً‬
                ‫الل ب ْ ِ أ ز إ ك و ع إ ربك و ك َن م م رك ن‬                                                 ‫يص ُّن ع‬
                ‫َ ُد َّكَ َنْ ءايَاتِ َّهِ َعدَ إذْ ُن ِلَتْ ِلَيْ َ َادْ ُ ِلَى َّ َ َالَ تَ ُون َّ ِنَ الْ ُشْ ِ ِي َ‬
                                                                                                    ‫[القصص:28].‬
    ‫اللهم أحينا على اإلسالم سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة األنبياء، وال‬
                                                                                 ‫تشمت بنا الحاسدين واألعداء.‬
                                                                                                   ‫__________‬
   ‫(5) أخرجه اإلمام أحمد (05127)، والترمذي في اإليمان، باب: ما جاء في افتراق هذه األمة‬
  ‫(0167) وقال: حسن صحيح، وأبو داود في السنة، باب: شرح السنة (6911)، وابن ماجه في‬
       ‫الفتن، باب: افتراق األمم (5993)، وأخرجه بزيادة ((من كان على مثل...)) الترمذي في‬
   ‫اإليمان، باب: ما جاء في افتراق هذه األمة (5167) من حديث عبد اهلل بن عمرو، وقال: هذا‬
                                                                            ‫ُفس‬
                                        ‫حديث حسن غريب م َّر ال نعرفه مثل هذا إال من هذا الوجه.‬
   ‫ا‬
‫(7) في اإلمارة، باب: قوله : ((ال تزال طائفة...)) (0795) من حديث ثوبان، وأخرجه أيضً من‬
    ‫حديث جابر بن عبد اهلل ومعاوية. وأخرجه البخاري في االعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول‬
                                   ‫النبي : ((ال تزال طائفة..)) (5532) من حديث المغيرة بن شعبة.‬

‫(5/1387)‬




                                                                                           ‫قل هو من عند أنفسكم‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                               ‫آثار الذنوب والمعاصي, المسلمون في العالم‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫عكرمة بن سعيد صبري‬
                                                                                                               ‫القدس‬
                                                                                                      ‫25/6/1715‬
                                                                                                   ‫المسجد األقصى‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- وعد اهلل المؤمنين بالنصر والظفر. 7- تحقيق هذا الوعد في تاريخ المسلمين. 3- أسباب‬
           ‫هزائم المسلمين في هذا العصر. 1- حول معاناة المسلمين في القدس. 1- المؤامرة على‬
                                                                                                                       ‫األقصى.‬
                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫ُر الل ي ُ ُ ويثب‬               ‫َي َّذ ن من إ‬
 ‫أما بعد: فيقول اهلل عز وجل في سورة محمد: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ِن تَنص ُواْ َّهَ َنصرْكمْ َ ُ َّتْ‬
        ‫لُ‬                   ‫َ الل ُ‬           ‫ُ ل بَن ُ َره‬                    ‫ل ُ و َل‬                ‫َ ْد م ُ و َّذ ن َر ْ‬
      ‫أق َا َكمْ َال ِي َ كَف ُوا فَتَعْساً َّهمْ َأَض َّ أَعْمَالَهمْ ذَِكَ ِأَّهمْ ك ِ ُواْ مَا أَنزلَ َّه فَأَحْبَطَ أَعْمَاَهمْ‬
        ‫مِ‬         ‫َ رس إ‬            ‫وَ َ س م‬
      ‫[محمد:2-9]. ويقول سبحانه وتعالى في سورة الروم: َلَقدْ أرْ َلْنَا ِن قَبْلِك ُ ُالً ِلَى قَوْ ِهمْ‬
                         ‫ر م م‬                   ‫ق ع‬           ‫ْرم و‬           ‫م َّذ‬                  ‫ج ه بي ِ‬
‫فَ َاءو ُم بِالْ َ ّنَات فَانتَقَمْنَا ِنَ ال ِينَ أَج َ ُواْ َكَانَ حَ ّاً َلَيْنَا نَصْ ُ الْ ُؤْ ِنينَ [الروم:21]، صدق اهلل‬
                                                                                                                         ‫العظيم.‬
  ‫أيها المسلمون، هاتان اآليتان الكريمتان توضح صورة لنا، ال لبس فيها وال غموض، أن اهلل عز‬
   ‫وجل قد ربط األسباب بالمسببات، فهو سبحانه يعطي وعداً على نفسه بأن ينصر المؤمنين، ألن‬
   ‫النصر من عنده وحده، ولن يخلف اهلل وعده، ولكن يا مسلمون متى يتحقق وعد اهلل؟ والجواب:‬
                                                                   ‫إذا نصرنا اهلل، وكيف يكون نصر المؤمنين هلل؟‬
                           ‫ج‬
   ‫أيها المسلمون، أقرأ على مسامعكم بعض فقرات من رسالة قيمة و ّهها أمير المؤمنين عمر بن‬
   ‫ا‬
   ‫الخطاب رضي اهلل عنه إلى الصحابي الجيل سعد بن أبي وقاص رضي اهلل عنه الذي كان قائدً‬
       ‫ا‬
‫للجيوش اإلسالمية في العراق، يقول عمر في هذه الرسالة التي كتبت قبل أربعة عشر قرنً: (فإني‬
       ‫آمرك ومن معك من األجناد بتقوى اهلل على كل حال، فإن تقوى اهلل أفضل العدة على العدو،‬
                                                                                             ‫وأقوى المكيدة في الحرب).‬
‫أيها المسلمون، إن أمير المسلمين عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يركز في رسالته أول ما يركز‬
    ‫على تقوى اهلل رب العالمين، فإن أول عامل من عوامل نصر المؤمنين هلل هو االتصاف بتقوى‬
           ‫اهلل في جميع األحوال، وتقوى اهلل هي أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب.‬
                                                ‫ا‬
      ‫أيها المسلمون، ويقول عمر في رسالته أيضً: (وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من‬
   ‫المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم)، فمن عوامل النصر ـ‬
‫يا مسلمون ـ االبتعاد عن المعاصي، ألن المعاصي واآلثام إذا اقترفها المسلمون تكون أشد خطرً‬
‫ا‬
                                                                                                         ‫عليهم من أعدائهم.‬
                                                                      ‫ا‬     ‫ا‬
‫واألشد خطرً وإثمً هو المجاهرة بالمعاصي، وهذا ما نشهده في أيامنا هذه، فإن ارتكاب المعاصي‬
                             ‫واآلثام والموبقات والمجاهرة بها من أسباب إلحاق الهزائم المتكررة باألمة.‬
        ‫أيها المسلمون، ويتابع عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه رسالته القيمة فيقول: (وإنما ينصر‬
 ‫المسلمون بمعصية عدوهم هلل، ولوال ذلك لم تكن لنا بهم قوة، ألن عددنا ليس كعددهم، وال عدتنا‬
   ‫كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة)، أي أن من أسباب نصر اهلل‬
‫للمؤمنين معاصي أعدائهم، ولوال ذلك لم تكن للمسلمين غلبة على أعدائهم، ألن عدد المسلمين أقل‬
                                                                                    ‫ا‬
        ‫عددً من األعداء، وألن عدة المسلمين لم تكن كعدتهم، وإن استوى الطرفان، أي المسلمون‬
                                  ‫واألعداء في المعصية، كانت الغلبة لألعداء كما نلحظ في أيامنا هذه.‬
      ‫أيها المسلمون، من المعلوم أن المسلمين عبر التاريخ لم يسبق لهم أن انتصروا على أعدائهم‬
 ‫بسبب زيادة في العدد أو العدة، فما من معركة انتصر بها المسلمون إال وكان األعداء أكثر منهم‬
    ‫عدداً وعدة، إنما انتصر المسلمون على األعداء بتقوى اهلل والتزام الشريعة اإلسالمية واالبتعاد‬
         ‫و َ صركم الله ب َ ر و ُ َ ِلة‬
     ‫عن المعاصي، واهلل رب العالمين يقول في معركة بدر: َلَقدْ نَ َ َ ُ ُ َّ ُ ِبدْ ٍ َأَنتمْ أذَّ ٌ [آل‬
‫عمران:375]، أي وأنتم ضعاف، وعددكم قليل، وهذا يؤكد بأن نصر المسلمين لم يكن في يوم من‬
                                                                                ‫ا‬
   ‫األيام مرتبطً بالقوة المادية، وال يعني هذا إهمال القوة المادية، ولكن ليست هي العامل األساس‬
‫في النصر، والدليل على ذلك ما حصل قبيل معركة اليرموك، فقد قال أحد الجند من المسلمين: ما‬
‫أكثر الروم وما أقل العرب! ألن الروم عددهم كثير، فأجابه قائدهم: ال بل قل: ما أكثر العرب وما‬
   ‫أقل الروم، فالعبرة يا مسلمون ليست بالعدد، بل بالكيف والنوع، وانتصر المسلمون على الروم‬
                                                                                           ‫رغم التفاوت في العدد.‬
 ‫أيها المسلمون، إن انتشار المعاصي بين المسلمين في هذا الوقت لمؤشر على الهزيمة المستمرة،‬
  ‫فال بد من العودة إلى اهلل رب العالمين، وبالدعاء والتضرع له مع إعداد العدة، ليحقق اهلل وعده،‬
                                                                                ‫ي‬
‫ول ُجري النصر للمؤمنين، فالنصر من اهلل رب العالمين لمن يستحق النصر، وأي شك في ذلك هو‬
                                                                               ‫شك باإليمان، وهو عين الهزيمة.‬
                                       ‫أيها المسلمون، والسؤال بالمقابل: كيف يكون نصر اهلل للمؤمنين؟‬
    ‫إن اهلل العلي القدير العزيز الجبار ال يعوزه أي أسلوب من األساليب، وال أي شكل من أشكال‬
  ‫وم ي َم جن رب ِال هو وم ه ِال‬
  ‫النصر للمؤمنين، فيقول اهلل عز وجل في سورة المدثر: َ َا َعْل ُ ُ ُودَ َ ّكَ إ َّ ُ َ َ َا ِىَ إ َّ‬
                                            ‫ا‬                                       ‫ذْ لب‬
      ‫ِكرَى ِلْ َشَرِ [المدثر:53]، ويتمثل جند اهلل أحيانً بالمالئكة كما حصل في معركة بدر، لقوله‬
   ‫سبحانه وتعالى في سورة األنفال: إذْ تَسْتَ ِي ُونَ ر َّ ُم فَاسْتَجَابَ لَكمْ أَ ّي ُم ُّكمْ بِأَل ٍ ّنَ الْ ََ ِ َ ِ‬
   ‫ُ ن م ِد ُ ْف م ملئكة‬                                      ‫َبك ْ‬      ‫غث‬            ‫ِ‬
 ‫َلئك أن‬          ‫ِ ي ح َب إل‬                                                                    ‫م ْ ِف‬
‫ُرد ِينَ [األنفال:9]، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً في سورة األنفال: إذْ ُو ِى ر ُّكَ َِى الْمَ ِ َةِ َ ّي‬
      ‫ق و ْرب‬                   ‫َّذ ن ر الر َ ْرب ْ‬                   ‫مع ُ بت َّذ ن من أ ق ف قل‬
   ‫َ َكمْ فَثَّ ُواْ ال ِي َ ءا َ ُواْ سَُلْ ِى ِي ُُوبِ ال ِي َ كَفَ ُواْ ُّعْب فَاض ِ ُوا فَوْقَ االعْنَا ِ َاض ِ ُواْ‬
                                                                                                         ‫م ه ُل ب‬
                                                                                      ‫ِنْ ُمْ ك َّ َنَانٍ [األنفال:75].‬
       ‫أيها المسلمون، قد يقول قائل: نحن اآلن في عصر الصواريخ واألقمار الصناعية والبوارج‬
    ‫البحرية، وهذه األساليب الحديثة المتطورة هي التي تقرر النتائج وتحسم الموضوع، فما عالقة‬
   ‫نصر اهلل وقدرته في هذا المجال؟ والجواب على هذا الطرح التشكيكي، أقول: إن قدرة اهلل رب‬
                           ‫ج‬
‫العالمين أزلية دائمة، وهي قائمة، سواء كان ذلك في عصر ال ِمال أم في عصر الصواريخ، وإن‬
‫حرب تشرين عام ثالثة وسبعين للميالد لتؤكد ذلك، حين انطلق الجند المؤمنون بهتاف: اهلل أكبر،‬
‫كانوا يشاهدون القتلى من األعداء قبل أن يصلوا إليهم، وكاد هؤالء الجند أن يقلبوا الموازين لوال‬
                                                                               ‫األوامر بالتوقف.‬
                                          ‫ال‬                       ‫ا‬
‫ثم إن هزيمة العراق مؤخرً جاءت نتيجة للخيانات أو ً، وثانياً ألن المسئولين في العراق وقتئذ لم‬
  ‫يطلبوا النصر من اهلل، ولم يكون متصلين باهلل، ولم يتقوا اهلل أصالً، فكيف سيأتيهم النصر، واهلل‬
                                 ‫ُر الل ي ص ُ وي ب َ ْد َ ُ‬                 ‫إ‬
       ‫سبحانه وتعالى يقول: ِن تَنص ُواْ َّهَ َن ُرْكمْ َ ُثَّتْ أق َامكمْ [محمد:2]، جاء في الحديث‬
  ‫الشريف: ((ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين ال يضرهم من خالفهم،‬
   ‫قيل: أين هم يا رسول اهلل؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس))(5)[5]. صدق رسول اهلل‬
                                                                           ‫صلى اهلل عليه وسلم.‬
                                          ‫ادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة، فيا فوز المستغفرين.‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل، له الحمد في الدنيا واآلخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، ونصلي ونسلم على المبعوث‬
                               ‫رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صالة وسالم دائمين إلى يوم الدين.‬
‫اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا‬
‫إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل‬
                                                    ‫سيدنا إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.‬
  ‫أيها المسلمون، يا أبناء أرض اإلسراء المعراج، هناك ثالث نقاط تهم المؤمنين في بيت المقدس‬
                                                                     ‫وأكناف بيت المقدس وهي:‬
                                                                                       ‫ال‬
      ‫أو ً: األسرى المعتقلون السياسيون في السجون اإلسرائيلية، لقد قام قبل أيام أهالي األسرى‬
‫المعتقلين السياسيين بمسيرات عدة يطالبون فيها باإلفراج عن أبنائهم، ويشرحون األوضاع السيئة‬
   ‫التي يعيشها أبناؤهم خلف القضبان، ونحن نضم صوتنا إلى مطالبهم العادلة، فالحرية والكرامة‬
                              ‫هما حق شرعي لكل إنسان، وما بعد الضيق إال الفرج إن شاء اهلل.‬
           ‫ق‬                                                                      ‫ا‬
         ‫ثانيً: مكتب الداخلية في مدينة القدس مرة أخرى، وسبق أن أشرنا إلى الشكاوى من ِبل‬
 ‫المواطنين الذين يعانون ما يعانونه أمام مكتب وزارة الداخلية في القدس، واليوم نشرت الصحف‬
     ‫المحلية عن اعتقال قائد حرس مكتب الداخلية وعن اعتقال عدد من اللذين يعملون في مكتب‬
     ‫الداخلية بتهمة الرشاوى وتهمة التحرش الجنسي، ونحن نقول: ليس هذا االعتقال هو العالج‬
  ‫الكافي، نحن نقول: ال بد من تسهيل المعامالت لدى المواطنين ورفع المعاناة والتعقيد واالبتزاز‬
        ‫وحماية الناس من المستغلين، فإن تسهيل المعامالت أصالً يمنع أي ابتزاز وأي رشاوى.‬
‫ونشكر الشباب الذين حاولوا فرض النظام والهدوء ومنع الفوضى والرشاوى من أهل القدس، هذا‬
                                ‫هو جهدهم، وبارك اهلل فيهم، وال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم.‬
                                                                  ‫ا‬
‫أيها المسلمون، ثالثً: المسجد األقصى المبارك، ويوم الخميس القادم تصادف ذكرى إحراقه، وفي‬
 ‫هذه األجواء وقبل أيام، يصرح ما يسمى بوزير األمن الداخلي اإلسرائيلي أنه سيسمح للزوار من‬
                                ‫ا‬
  ‫غير المسلمين بزيارة باحات المسجد األقصى المبارك اعتبارً من األسبوع القادم، سواء وافقت‬
                                                                           ‫األوقاف أم لم توافق، حسب قوله.‬
                             ‫ا‬           ‫ا‬
    ‫وينطبق على هذا الوزير المثل القائل: "سكت دهرًً، ونطق كفرً" فهل من صالحياته أن يقرر‬
     ‫إعادة برامج السياحة للمسجد األقصى المبارك؟ ونؤكد له ولغيره بأن األوقاف اإلسالمية هي‬
‫صاحبة الصالحية واالختصاص في اإلشراف على المسجد األقصى المبارك، وأن استئناف برامج‬
                              ‫ا‬
  ‫السياحة هو بيد األوقاف اإلسالمية في الوقت الذي تراه مناسبً، وإن األوقاف اإلسالمية ترفض‬
                                   ‫ا‬
       ‫التهديد، كما ترفض التدخل في شؤونها، فال يجوز شرعً أن يتدخل غير المسلم في شئون‬
        ‫َ الله ل ك ِر عل م من سب ال‬                          ‫ول‬
        ‫المسلمين عامة، واهلل سبحانه وتعالى يقول: ََن يَجْعلَ َّ ُ ِلْ َاف ِينَ ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ َ ِي ً‬
      ‫[النساء:515]، ويقول عز وجل: َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِ ِ َِلْ ُؤْ ِ ِي َ َلَاك َّ الْ ُ َا ِ ِينَ الَ َعْلَ ُو َ‬
      ‫ي م ن‬             ‫وِل ِزة وِرس له ول م من ن و ِن من فق‬
 ‫[المنافقون:8]، وسيبقى المسلمون والمرابطون ـ بإذن اهلل ـ السدنة والحراس األوفياء لمسجدهم‬
                                                                      ‫ال‬         ‫ا‬
                                                                     ‫المبارك، ليقضي اهلل أمرً كان مفعو ً.‬
                                                                                                 ‫__________‬
 ‫(5) رواه أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة (65857) قال الهيثمي: رواه عبد اهلل وجادة عن‬
                                             ‫خط أبيه والطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد 2/887.‬

‫(5/6387)‬




                                                                                         ‫فضل المدينة وحرمتها‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                       ‫فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫صالح بن محمد البدير‬
                                                                                                   ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                    ‫25/6/1715‬
                                                                                                   ‫المسجد النبوي‬
                                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- مكانة المدينة في اإلسالم.7- فضائل المدينة. 3- فضل سكنها. 1- فضل الصالة في‬
                                    ‫س‬
‫مسجدها. 1- فضل مسجد قباء. 6- فضل الصبر على ُكناها. 2- المدينة وآخر الزمان. 8- ما‬
                                                                                     ‫ينبغي أن يتحلى به ساكن المدينة.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫َيه َّذ ن‬
   ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل فإن تقواه أفضل مكتسب، وطاعته أعلى نسب يِاأ ُّ َا ال ِي َ‬
      ‫ءا َ ُواْ َن ت َّ ُواْ َّهَ يَجْ َل َّكم فرقَانًا َ ُكَ ّرْ َنكمْ َ ّئَا ِ ُمْ َ َغْ ِرْ لَكمْ و َّ ُ ُو الْفَضْ ِ الْعَظِي ِ‬
      ‫م‬          ‫ل‬          ‫من إ َتق الل ع ل ُ ْ ُ ْ وي ف ع ُ سي تك وي ف ُ َالله ذ‬
                                                                                                                 ‫[األنفال:97].‬
            ‫ا‬
     ‫أيها المسلمون، تتفاوت البلدان واألوطان شرفاً ومكانة وعلواً وحرمة ومجداً وتأريخً، وتأتي‬
        ‫المدينة النبوية بلد المصطفى أرض الهجرة ودار اإليمان، وموطد السنة في المكان األعلى‬
 ‫والموطن األسمى، هي بعد مكة سيدة البلدان, وثانيتها في الحرمة واإلكرام, والتعظيم واالحترام،‬
 ‫فيها قامت الدولة النبوية, والخالفة اإلسالمية، وبها ضربتا بعروقهما, وسمقتا بفروعهما، وصدق‬
                                 ‫ب‬
  ‫رسول اهلل إذ يقول: ((أمرت بقرية تأكل القرى, يقولون يثر ُ وهي المدينة)) متفق عليه(5)[5].‬
      ‫دارة المحاسن ودائرة الميامن, طيبة الغراء وطابت الفيحاء، توسع العين قرة والنفس مسرة،‬
     ‫الفضائل مجموعة فيها, واإليمان يأرز في نواحيها، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال‬
‫رسول اهلل : ((إن اإليمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) متفق عليه(7)[7]. وعن‬
   ‫ا‬            ‫ا‬
   ‫عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((إن اإلسالم بدأ غريبً وسيعود غريبً‬
     ‫كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين, كما تأرز الحية إلى جحرها)) أخرجه مسلم(3)[3]، وعند‬
      ‫الحاكم والبيهقي من حديث جابر رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((ليعودن كل إيمان إلى‬
                                                                    ‫المدينة حتى يكون كل إيمان بالمدينة))(1)[1].‬
                                                    ‫ة‬
    ‫متنفس الخواطر ومرتع النواظر، بلد ٌ معشوقة السكنى طيبة المثوى، سكنها مع اإليمان شرف‬
                                                           ‫ز‬
    ‫بالغ، واستيطانها مع التقوى ع ٌ شامخ، فعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي قال:‬
    ‫((من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل, فإني أشفع لمن مات بها)) أخرجه أحمد والترمذي‬
  ‫ا‬
  ‫وابن ماجه(1)[1]. وعند النسائي من حديث صميته: ((من مات بالمدينة كنت له شهيداً أو شفيعً‬
      ‫يوم القيامة))(6)[6]. وكان عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يقول: (اللهم ارزقني شهادة في‬
                                    ‫سبيلك, واجعل موتي في بلد رسولك محمد ) أخرجه البخاري(2)[2].‬
‫فيا هناء ساكنيها ويا سعادة قاطنيها، ويا فوز من لزم اإلقامة فيها, حتى جاءته المنية في أراضيها.‬
                                                                     ‫ج‬
‫في البعد عنها يهي ُ الشوق إليها, ويتضاعف الوجد عليها، وكان رسول اهلل إذا قدم من سفر ونظر‬
  ‫إلى جدراتها ودوحاتها ودرجاتها أوضع راحلته, وحركها واستحثها, وأسرع بها لحبه لها، فهي‬
       ‫حبيبة المحبوب , القائل: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)) متفق عليه(8)[8].‬
 ‫وال غرو فهي داره ومهاجره فيها نصب محرابه ورفع منبره وفيها مضجعه ومنها مبعثه، وفيها‬
                                                                                  ‫ل‬
    ‫أحد جب ٌ يحبنا ونحبه، بلده البديع ودرعه المنيع وحصنه الرفيع، يقول عليه الصالة والسالم:‬
                           ‫((رأيت أني في درعٍ حصينة فأولتها المدينة)) أخرجه أحمد(9)[9].‬
                           ‫ح‬                                                       ‫ة‬
‫بلد ٌ آمنة ومدينة ساكنة ال يهراق فيها دم, وال يحمل فيها سال ٌ لقتال. فعن سهل بن حنيف رضي‬
 ‫اهلل عنه قال: أهوى رسول اهلل بيده إلى المدينة فقال: ((إنها حرم آمن)) أخرجه مسلم(05)[05].‬
                             ‫م‬         ‫م‬
 ‫ال يكيد أهل المدينة أحد أو يريدهم بسوءٍ أو شر إال ا ّاع كما ي ّاع الملح في الماء، يقول رسول‬
                                                        ‫ا‬
    ‫الهدى : ((من أخاف أهل المدينة ظلمً أخافه اهلل عز وجل, وعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس‬
                                      ‫ال‬
     ‫أجمعين، ال يقبل اهلل منه يوم القيامة صرفاً وال عد ً)) أخرجه أحمد(55)[55]، ويقول عليه‬
‫الصالة والسالم: ((من أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين)) وأشار إلى ما بين جنبيه ـ بأبي هو‬
                          ‫وأمي صلوات اهلل وسالمه عليه ـ. أخرجه ابن أبي شيبة(75)[75].‬
    ‫ومن مناقبها المأثورة وفضائلها المشهورة أنها محفوظة مصونة محروسة محفوفة، ال يدخلها‬
 ‫رعب الدجال وال فزعه وال يردها وال تطؤها قدمه، محرم عليه أن يدخل نقابها أو يلج أبوابها،‬
  ‫يريدها فال يستطيعها، المالئكة على أنقابها وأبوابها وطرقها ومحاجها صافون بالسيوف صلتة,‬
    ‫يحرسونها ويذبونه عنها، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((على أنقاب‬
       ‫المدينة مالئكة ال يدخلها الطاعون وال الدجال)) متفق عليه(35)[35]، ويقول عليه الصالة‬
  ‫والسالم: ((يأتي المسيح من قبل المشرق همته المدينة حتى ينزل دبر أحد, ثم تصرف المالئكة‬
                                       ‫وجهه قبل الشام وهناك يهلك)) أخرجه مسلم(15)[15].‬
               ‫ب‬
  ‫يأتي الدجال سبخة الجرف عند مجتمع السيول عند الضريب األحمر فيضر ُ رواقه، وترجف‬
      ‫المدينة بأهلها ثالث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقه وكل كافر وكافرة وكل مشرك‬
                                                                               ‫ة‬
 ‫ومشرك ٍ، وصدق رسول اهلل : ((ال تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث‬
                                                            ‫الحديد)) أخرجه مسلم(15)[15].‬
                                 ‫ف‬
‫هي حرام ما بين البتيها وحرتيها وجبليها ومأزميها، ال ين ّر وال يصاد صيدها, وال يؤخذ طيرها,‬
‫وال يعضد شوكها, وال يخبط شجرها,وال يقطع عضاهها، وال يختلى خالها, وال تؤخذ لطعتها إال‬
‫لمن يعرفها، يقول رسول الهدى : ((إن إبراهيم حرم مكة, وإني حرمت المدينة ما بين البتيها, ال‬
                                  ‫يقطع عضاهها, وال يصاد صيدها)) أخرجه مسلم(65)[65].‬
 ‫ويقول أبو هريرة رضي اهلل عنه: لو رأيت الظباء في المدينة ما ذعرتها، قال رسول اهلل : ((ما‬
   ‫بين البتيها حرام)) متفق عليه(25)[25]. ويقول عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري رضي اهلل‬
                                                                      ‫د‬
          ‫عنه: (كان أبو سعي ٍ يجد أحدنا في يده الطير قد أخذه فيفكه من يده ثم يرسله) أخرجه‬
                                                                             ‫مسلم(85)[85].‬
                                         ‫ا‬
   ‫ومن أظهر فيها بدعةً أو حدثاً أو شركاً أو آوى زانيً أو مبتدعاً فقد عرض نفسه للوعيد الشديد‬
  ‫واللعن األكيد يقول رسول الهدى : ((المدينة حرم ما بين عير إلى ثور, فمن أحدث فيها حدثا أو‬
  ‫ال‬
‫آوى محدثاً فعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس أجمعين، ال يقبل اهلل منه يوم القيامة صرفاً وال عد ً))‬
                               ‫متفق عليه من حديث علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه(95)[95].‬
     ‫ومن اعتقد جواز الطواف بالقبور أو التبرك بتربتها أو االستشفاء بها أو التوسل بأصحابها أو‬
                                                          ‫ال‬
  ‫ندائها ودعاء أهلها فقد اعتقد باط ً، وأتى حادثاً منكراً، ومن اعتقد أن البركة إنما تحصل بمسح‬
                                                                          ‫د‬
  ‫جدارٍ أو عمو ٍ أو باب أو تقبيل منبرٍ ومحراب فقد جانب الصواب, وخالف السنة والكتاب فعليه‬
                                                            ‫الكف عن ذلك, والتوبة وعدم العودة.‬
 ‫أيها المسلمون، في سكنى المدينة النبوية من الفوائد الشرعية والعوائد األخروية والمصالح الدينية‬
                                     ‫د‬
 ‫والسعادة النفسية ما يستحقر دونها كل عيش واسع ورغ ٍ ورفاه في غيرها من البلدان واألوطان،‬
‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل قال: ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه‬
                                            ‫ر‬                         ‫م‬                ‫م‬
    ‫وقريبه هل ّ إلى الرقاءِ هل ّ إلى الرقاء, والمدينة خي ٌ لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده ال‬
                                                                            ‫ٌ‬
   ‫يخرج منهم أحد رغبة عنها إال أخلفه اهلل فيها خيراً منه)) أخرجه مسلم(07)[07]، ويقول عليه‬
                ‫ر‬                                          ‫س‬
   ‫الصالة والسالم: ((ليسمعن نا ٍ برخص من أسعار ورزق فيتبعونه, والمدينة خي ٌ لهم لو كانوا‬
                                            ‫يعلمون)) أخرجه البزار والحاكم وصححه(57)[57].‬
  ‫الصالة في مسجدها مضاعفة الجزاء فرضاً ونفالً في أصح قولي العلماء فعن أبي هريرة رضي‬
      ‫اهلل عنه أن النبي قال: ((صالة في مسجدي هذا أفضل من ألف صالة فيما سواه, إال المسجد‬
   ‫الحرام)) متفق عليه(77)[77]، ووجه ذلك أن قوله : ((صالة في مسجدي هذا)) نكرة في سياق‬
                                               ‫اإلثبات في معرض االمتنان فتعم الفرض والنافلة.‬
‫قال ابن النجار رحمه اهلل تعالى: "ومن صيغ العموم أيضاً النكرة في صياغ إثبات االمتنان". وقال‬
 ‫ابن حجر رحمه اهلل تعالى: "ويمكن أن يقال: ال مانع من إبقاء الحديث على عمومه" انتهى كالمه‬
                                                                                       ‫رحمه اهلل.‬
  ‫إال أن صالة النافلة في البيت أفضل من صالتها في مسجد رسول اهلل حتى ولو كانت مضاعفة،‬
        ‫لقوله عليه الصالة والسالم: ((صالة المرء في بيته أفضل من صالته في مسجدي هذا إال‬
  ‫المكتوبة)) أخرجه الشيخان وأبو داود واللفظ له(37)[37]، وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح عن‬
     ‫عبد اهلل بن سعد قال: سألت رسول اهلل : أيما أفضل الصالة في بيتي أو الصالة في المسجد؟‬
 ‫فقال: ((أال ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلئن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في‬
                                                  ‫المسجد إال أن تكون صالة مكتوبة))(17)[17].‬
‫وفي هذا المسجد المبارك بقعة هي روضة من رياض الجنة، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
  ‫قال رسول اهلل : ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي)) متفق‬
‫عليه(17)[17]. وعند أحمد: ((ومنبري هذا على ترعة من ترع الجنة))(67)[67]، وعند النسائي:‬
 ‫((إن قوائم منبري هذا رواسب في الجنة))(27)[27]، وعن جابر رضي اهلل عنه قال: قال رسول‬
  ‫اهلل : ((ال يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إال تبوأ مقعده من‬
                               ‫النار أو وجبت له النار)) أخرجه أبو داود وابن ماجه(87)[87].‬
 ‫وثبت الفضل في الصالة في مسجد قباء عن المبعوث في أم القرى فعن سهل بن حنيف قال: قال‬
      ‫رسول اهلل : ((من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صالة كان له كأجر عمرة))‬
      ‫أخرجه ابن ماجه(97)[97]، وال يقصد في أوقات النهي لكونها أوقاتاً ينهى عن التنفل فيها.‬
   ‫وال يزار في المدينة النبوية من المساجد سوى هذين المسجدين مسجد رسول اهلل ومسجد قباء.‬
 ‫أيها المسلمون، البركة في المدينة حالة في صاعها ومدها ومكيالها وثمرها وقليلها وكثيرها، دعا‬
             ‫لها النبي بالبركة وقال: ((اللهم اجعل في المدينة ضعفي ما بمكة من البركة)) متفق‬
                                                     ‫م‬
         ‫عليه(03)[03]، ((من تصبح كل يو ٍ سبع تمرات عجوةٍ لم يضره في ذلك اليوم سم وال‬
              ‫سحر))(53)[53]، ((وفي عجوة عالية شفاء أو إنها ترياق أول البكرة))(73)[73].‬
                                   ‫ة‬
‫قدم رسول اهلل المدينة وهي أرض وباء ومرض وبالء متغير ٌ الماء فاسدة الهواء قد كانت للغرباء‬
‫كثيرة األدواء زائرها محموم وقاطنها موعوك موحوم, أخذت الحمى فيها أبي بكر وبالل وعائشة‬
    ‫أم األفضال، فدعا رسول اهلل ربه أن يصححها وأن ينقل حماها إلى الجحفة, فاستجاب اهلل منه‬
 ‫الدعاء وحقق له النداء، ففي البخاري من حديث عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي قال:‬
   ‫((رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة, فأولت أن‬
                                                                            ‫ن‬
‫وباء المدينة ُقل إليها)) أخرجه البخاري(33)[33]. قال ابن حجر: "فعادت المدينة أصح البالد بعد‬
                                                                       ‫أن كانت بخالف ذلك".‬
‫من صبر على ألوائها وبلوائها وغمار شدتها وغلوائها نال السعود وتحققت له الفضل الموعود أال‬
 ‫وهو شفاعة صاحب المقام المحمود والحوض المورود ، فعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما‬
       ‫قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((من صبر على ألوائها وشدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم‬
 ‫القيامة)) أخرجه مسلم(13)[13]، وعن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيدٍ الخدري رضي‬
 ‫اهلل عنه ليالي الحرة فاستشاره في الجالء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله وأخبره أنه‬
   ‫ال صبر له على جهد المدينة وألوائها فقال له أبو سعيد: (ويحك! ال آمرك ال بذلك إني سمعت‬
  ‫رسول اهلل يقول: ((ال يصبر أحد على ألوائها فيموت إال كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا‬
                                                                               ‫ا‬
                                                         ‫كان مسلمً)) أخرجه مسلم(13)[13].‬
  ‫هذه هي المدينة فضائلها ال تحصى وبركاتها ال تستقصى, ومع ذلك كله فسيأتي عليها زمان في‬
‫آخر األزمان عند قيام الساعة يقول فيه النبي : ((يتركون المدينة على خير ما كانت ال يغشاها إال‬
    ‫العواف يريد عوافي السباع والطير, وآخر من يحشد راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان‬
   ‫بغنمهما فيجدانها وحوشا, حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما)) متفق عليه(63)[63].‬
                 ‫فاغتنموا ـ يا رعاكم اهلل ـ فيها األوقات واستكثروا من الصالحات والحسنات.‬
‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو‬
                                                                                             ‫الغفور الرحيم.‬


                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
    ‫َي َّذ ن من اتق الل‬
  ‫أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا اهلل وراقبوه وأطيعوه وال تعصوه, ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ‬
                                                              ‫َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
                                           ‫ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
                                             ‫ي‬
       ‫أيها المسلمون، ينبغي لساكن المدينة أن ُعرف بحسن سيرته وصالح سريرته وصفاء قلبه‬
                   ‫ا‬
     ‫وطهارته، وأمانته وعفته، وصدق لسانه وحديثه مجافياً مستقبح الفعال مجانبً فاحش األقوال،‬
‫وعلى ساكنيها أن يكونوا أوفياء لها أمناء عليها غيارى على حرمتها، فال يدنسوها بقذر المحرمات‬
‫ونتن القنوات والفضائيات ودنس المخالفات، وعلى المجترئين على حرمتها وقداستها ممن أتوا من‬
   ‫األخالق قبائحها وأظهروا من األفعال فضائحها انتهاكاً لحق الحرم ومكانته, واستخفافاً بعظمته‬
                                                                          ‫ر‬
  ‫وحرمته واغترا ًا بالمسامحة والتجاوز ورجاء العفو والمغفرة عليهم أن يتقوا اهلل عز وجل وأن‬
       ‫يرعووا ويقصروا ويتوبوا ويرجعوا، وأن يستشعروا أنهم في أرض درج عليها رسول اهلل‬
 ‫وصحابته الكرام وعاشوا فيها بالهدى والتقى، فاهلل, اهلل في اقتفاء آثارهم وسلوك منهاجهم والسير‬
                                                                                              ‫على طريقتهم.‬
           ‫ا‬
     ‫رزقنا اهلل جميعاً فيها حسن األدب، وغفر لنا جميعاً الخطأ والزلل، وتجاوز عنا جميعً بعفوه‬
                                                                                                    ‫ومغفرته.‬
                                                                                            ‫__________‬
‫(5) صحيح البخاري كتاب الحج، باب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس (5285)، ومسلم في الحج‬
                                                      ‫(7835)، من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
    ‫(7) صحيح البخاري كتاب الحج، باب: اإليمان يأرز إلى المدينة (6285)، ومسلم في اإليمان‬
                                                                                                     ‫(215).‬
                                                               ‫(3) صحيح مسلم كتاب اإليمان (615).‬
         ‫(1) مستدرك الحاكم (1/501) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة.‬
 ‫(1) مسند أحمد (7/105)، والترمذي في المناقب، باب: ما جاء في فضل المدينة (2593)، وابن‬
  ‫ماجه في المناسك، باب: فضل المدينة (7553)، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب من‬
                                                             ‫هذا الوجه"، وصححه ابن حبان (5123).‬
 ‫(6) سنن النسائي الكبرى (7/881), وأخرجه الطبراني في الكبير (6/127), وصححه ابن حبان‬
                                                                                                    ‫(9/81).‬
                 ‫(2) صحيح البخاري كتاب الحج، باب: كراهية النبي أن تعرى المدينة (0985).‬
 ‫(8) صحيح البخاري كتاب المرضى، باب: عيادة النساء الرجال (1161) واللفظ له، ومسلم في‬
                                        ‫الحج (6235)، من حديث عائشة رضي اهلل عنها.‬
     ‫(9) مسند أحمد (5/527) من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما، وكذا البيهقي في الكبرى‬
      ‫(2/51)، قال الهيثمي في المجمع (2/585): "وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو‬
   ‫ضعيف"، وقال ابن حجر في الفتح (35/513): "وهذا سند حسن"، وله شاهد من حديث جابر‬
    ‫رضي اهلل عنه. أخرجه الدارمي في الرؤيا، باب: في القمص والبئر واللبن والعسل والسمن‬
   ‫(9157)، والنسائي في الكبرى (1/983)، وابن أبي شيبة في المصنف (98103). وصححه‬
                                       ‫الحاكم (7/515)، وابن حجر في الفتح (35/513).‬
                                            ‫(05) 05] صحيح مسلم كتاب الحج (1235).‬
‫(55) 55] مسند أحمد (1/11)، والطبراني في الكبير (2/315)، والبيهقي في الكبرى (7/381)،‬
                     ‫قال الهيثمي في المجمع (3/603): "وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف".‬
  ‫(75) 75] مصنف ابن أبي شيبة (6/601) من حديث جابر رضي اهلل عنه، وكذا أخرجه أحمد‬
  ‫(3/113)، والطبراني في األوسط (9805)، قال المنذري في الترغيب (7/715): "رواه أحمد‬
                          ‫ورجاله رجال الصحيح". ومثله قال الهيثمي في المجمع (3/603).‬
  ‫(35) 35] صحيح البخاري كتاب: الحج، باب: ال يدخل الدجال المدينة (0885)، ومسلم كتاب‬
                                                                       ‫الحج (9235).‬
           ‫(15) 15] صحيح مسلم كتاب الحج (0835) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
           ‫(15) 15] صحيح مسلم كتاب الحج (5835) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                ‫(65) 65] صحيح مسلم كتاب الحج (7635) من حديث جابر رضي اهلل عنه.‬
‫(25) 25] صحيح البخاري كتاب الحج، باب: البتي المدينة (3285)، ومسلم في الحج (7235).‬
                                            ‫(85) 85] صحيح مسلم كتاب الحج (1235).‬
 ‫(95) 95] البخاري في الحج، باب: حرم المدينة (2685)، ومسلم في الحج (0235) واللفظ له.‬
                                                 ‫(07) 07] صحيح مسلم الحج (5835).‬
                                                   ‫(57) 57] مستدرك الحاكم (1/501).‬
‫(77) 77] البخاري في فضل الصالة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل الصالة في مسجد مكة‬
                                             ‫والمدينة (0955)، ومسلم في الحج (1935).‬
 ‫(37) 37] صحيح البخاري كتاب األذان، باب: صالة الليل (532)، ومسلم في صالة المسافرين‬
‫وقصرها (582)، وأبو داود في الصالة، باب: صالة الرجل التطوع في بينه (1105) من حديث‬
                                                           ‫زيد بن ثابت رضي اهلل عنه.‬
  ‫(17) 17] سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصالة والسعة فيها، باب: ما جاء في التطوع في البيت‬
      ‫(8235)، وأخرجه أحمد (1/713)، والبيهقي في الكبرى (7/551). وصححه ابن خزيمة‬
                                           ‫(7075)، والضياء المقدسي في المختارة (883).‬
‫(17) 17] صحيح البخاري كتاب فضل الصالة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر‬
                                               ‫والمنبر (6955)، ومسلم في الحج (5935).‬
                                                          ‫(67) 67] مسند أحمد (7/063).‬
                      ‫(27) 27] سنن النسائي كتاب المساجد، باب: فضل مسجد النبي (696).‬
  ‫(87) 87] سنن أبي داود كتاب األيمان والنذور، باب: ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي‬
‫(6173)، وابن ماجه في األحكام، باب: اليمين عند مقاطع الحقوق (1737). وأخرجه أيضاً مالك‬
 ‫في األقضية، باب: ما جاء في الحنث على منبر النبي (1315)، وأحمد (3/123)، وصححه ابن‬
                                          ‫الجارود في المنتقى (5/337)، والحاكم (1/973).‬
‫(97) 97] سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصالة، باب: ما جاء في الصالة في مسجد قباء (1515)،‬
     ‫وأخرجه أيضاً أحمد (3/281)، والنسائي في المساجد، باب: فضل مسجد قباء والصالة فيه‬
 ‫(996)، وصححه ابن حبان (2765)، والحاكم (3/75). قال الهيثمي في المجمع (1/55): "وفيه‬
       ‫موسى بن عبيدة وهو ضعيف". وصححه األلباني في صحيح الترغيب (0855، 5855).‬
      ‫(03) 03] صحيح البخاري في الحج، باب: المدينة تنفي الخبث (1885)، ومسلم في الحج‬
                                          ‫(9635) من حديث أنس بن مالك رضي اهلل عنه.‬
  ‫(53) 53] أخرجه البخاري في األطعمة، باب: الهجرة (1111)، ومسلم في األشربة (2107)،‬
                                                           ‫من حديث سعد رضي اهلل عنه .‬
                                             ‫(73) 73] أخرجه مسلم في األشربة (8107).‬
        ‫(33) 33] صحيح البخاري كتاب التعبير، باب: إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة ...‬
                                                                                ‫(8302).‬
                                              ‫(13) 13] صحيح مسلم كتاب الحج (2235).‬
                                              ‫(13) 13] صحيح مسلم كتاب الحج (1235).‬
 ‫(63) 63] صحيح البخاري كتاب: الحج، باب: من رغب عن المدينة (1285)، ومسلم في الحج‬
                                          ‫(9835)، من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنهما.‬

‫(5/2387)‬




                                  ‫أحكام الطالق في الشريعة اإلسالمية ـ اإلفساد في األرض‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                            ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                   ‫الطالق, الفتن, قضايا األسرة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                        ‫الرياض‬
                                                                                  ‫25/6/1715‬
                                                                 ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- بمعرفة كل من الزوجين الحق الواجب عليه تستقيم الحياة الزوجية. 7- مراحل تأديب المرأة.‬
‫3- الطالق أبغض الحالل إلى اهلل وإنما شرع للحاجة الملحة. 1- ضبط اإلسالم الطالق من حيث‬
      ‫زمن التطليق وعدد الطلقات. 1- فرح إبليس بالتفريق بين الزوجين. 6- يحرم على الرجل‬
   ‫إخراج الزوجة المطلقة من بيته حتى تنقضي عدتها. 2- حرص الشيطان على إغواء اإلنسان‬
 ‫بتزيينه للباطل. 8- بعض الناس يتخذون األمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لإلفساد في‬
                                                                                       ‫األرض.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                            ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
    ‫عباد اهلل، يقول اهلل جل وعال مبيناً حق كل من الزوجين على صاحبه: َلَه َّ ِث ُ َّذِى ََيْه َّ‬
    ‫و ُن م ْل ال عل ِن‬
   ‫ا‬                                ‫ا‬                                              ‫م ْر‬
   ‫بِالْ َع ُوفِ [البقرة:877]، فبين تعالى أن على الزوج واجبً نحو امرأته, وأن على المرأة واجبً‬
                                                                                   ‫نحو زوجها.‬
    ‫عندما يتصور كل من الزوجين هذه الواجبات أو هذا الواجب حق التصور, ويؤدي كل منهما‬
   ‫الواجب عليه نحو صاحبه, عند هذا تستقيم الحياة الزوجية, وينتظم البيت, وتعيش األسرة هناء‬
                                                                                   ‫ة‬
                                 ‫وطمأنين ً وسكينة, ويتفرغ كل منهما للقيام بالحق الواجب عليه.‬
  ‫فالرجل عندما يتصور حقاً أنه راعٍ على امرأته واهلل سائله عنها, أنها أمانة عنده واهلل سائله عن‬
                     ‫س‬
      ‫تلكم األمانة, أن المرأة بمنزلة األسير عنده, فهو مطالب بواجب النفقة ُكنى وكسوة وسائر‬
   ‫النفقات, ومطلوب منه أن يعاشرها ويعاملها بالمعروف, حسن خلق ولين جانب وتعامل حسن.‬
   ‫المرأة أيضاً تتصور هذا الواقع فتعلم أن بعقد النكاح أصبحت تبعاً لزوجها, وأن الواجب عليها‬
                 ‫القيام بحقه, السمع والطاعة له بالمعروف, عدم المخالفة, القيام بالحياة الزوجية.‬
‫فإذا عرف كل واجبه, وأدى كل واجب عليه فإن الحياة الزوجية تكون حياة طيبة مطمئنة, تسودها‬
  ‫المحبة والمودة والوئام, وينشأ النشئ في ظل ذلك التعاون المبارك, وإنما تصاب الحياة الزوجية‬
 ‫بما تصاب به عندما يضعف أداء كل من الواجب عليه, فيقصر الرجل في حق المرأة, يقصر في‬
  ‫كسوتها, في مسكنها, في النفقة عليها, يسيء عشرتها, يخاطبها بأسوأ خطاب, ال يتحمل خطأها,‬
                               ‫ال‬
‫يعاقب عند كل زلة, ويعاقب عند كل هفوة، فهو ال يعرف جمي ً, وال يحتفظ بأعمال طيبة, وعندما‬
    ‫يكون ذلك من المرأة فتسيء الخلق, وال تسمع, وال تطيع أو غير ذلك, تدخل األهلون من قبل‬
   ‫الزوج أو قبل الزوجة, فإن تدخلهما وإشعالهما نار الفتنة بين الزوجين مما يقوض سالمة البيت‬
                                                                                                               ‫وطمأنينته.‬
      ‫أيها المسلم، إن اإلسالم حريص على انتظام الحياة الزوجية واستمراريتها، ولذا أرشد الزوج‬
           ‫َالل ت خ ف ن نش ه َّ ظ ُن و ُر ُن ف‬
          ‫عندما يشعر من المرأة بتقصير لقوله: و َّا ِى تَ َا ُو َ ُ ُوزَ ُن فَعِ ُوه َّ َاهْج ُوه َّ ِى‬
                          ‫عليا‬          ‫غ ع ِن سب ِن الل‬                          ‫كْ‬            ‫ع و رب ه َّ إ‬           ‫م‬
    ‫الْ َضَاجِ ِ َاضْ ِ ُو ُن فَِنْ أَطَعْنَ ُم فَالَ تَبْ ُواْ َلَيْه َّ َ ِيالً إ َّ َّهَ كَانَ َِ ًّ كَبِيراً [النساء:13].‬
  ‫فأمر بالموعظة, والذكرى تنفع المؤمنين, يعظها ويذكرها اهلل, ويخوفها من عصيان زوجها, فإن‬
      ‫يكن فيها خير وإيمان ردعها إيمانها أن تستمر على الخطأ, وهجرها في الكالم, وهجرها في‬
    ‫المضجع, فعسى الهجر أن يذكرها ويأدبها, وإما بأدب الضرب بضرب غير بمرح, وإنما أدب‬
             ‫و‬
 ‫يكفي في ذلك. فإن تأزمت األمور شرع حكمان يأتيان من قبل المرأة والزوج ليق ّما الوضع بين‬
   ‫الزوجين وأسباب الخالف وهل يمكن تالفي ذلك الخالف أما ال؟ كل هذا حرص على استمرار‬
                                                                              ‫النكاح وعلى انتظام الحياة الزوجية.‬
      ‫أيها المسلم، إن الطالق في اإلسالم لم يأت الحل األول, وإنما جاء عندما تتعذر الحلول كلها,‬
                                                                    ‫ا‬
                      ‫وتبذل األسباب فال تغني شيئً, فعند ذلك شرع اهلل الطالق، أي: أذن للزوج فيه.‬
                                 ‫ا‬
     ‫والطالق يهدم البيت, ويشتت األسرة ويفرقها, فتبقى المرأة أيمً واألوالد من بنين وبنات ربما‬
                                                  ‫ضاعوا بين قسوة أب وعدم قدرة أم, وتلك البلية العظمى.‬
  ‫أيها المسلم, عندما أذن اهلل في الطالق إنما أذن وشرع للحاجة الملحة إلى ذلك, لم يشرعه محبة‬
 ‫له, ولكن ألن فيه مصلحة فشرع ذلك الطالق, وهذا الطالق من أبغض الحالل إلى اهلل كما قال :‬
                                                                       ‫((أبغض الحالل إلى اهلل الطالق))(5)[5].‬
  ‫وتوعد المرأة المسلمة حينما تطلب الطالق من زوجها بال سبب يقتضيه, فيروى أنه قال: ((أيما‬
                      ‫امرأة سألت زوجها الطالق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة))(7)[7].‬
‫ثم هذا الطالق أيها المسلم لم يأت فوضوي, ولم يجعل أمره لشهوة الرجل أو المرأة, بل جاء بنظام‬
‫ا‬
‫دقيق مؤثر نافع, فهو دواء, والدواء إنما يستعمل بقدره فقط، أال ترى الطبيب لو وصف لك أنواعً‬
 ‫من العالج مأكوالً أو مشروباً، هل تتناولها جرعة واحدة، وتقول: يكفي؟! ال، ال بد له من أوقات‬
                                                    ‫مناسبة، إذن فالطالق دواء إنما يستعمل في الحاجة إليه.‬
                                          ‫ً‬
    ‫ولقد كانوا في الجاهلية قبل اإلسالم يطلقون طالقا فوضوياً، فيطلق الرجل المرأة في أي وقت‬
   ‫شاء، فإذا قاربت العدة راجعها، وربما جمع لها مئات من الطلقات، فجاء اإلسالم وحد من هذه‬
                                                 ‫ا‬             ‫ا‬
  ‫الجاهلية, جعل للطالق عددً، وجعل له زمنً, كل ذلك للتأمل والتفكر والتذكر فعسى األمر يعود‬
                                                                                  ‫إلى مجاريه.‬
                                                           ‫ً‬                       ‫ال‬
  ‫فأو ً: الشارع جعل للطالق وقتا فلم يأذن للمسلم أن يطلق متى شاء، لكي يمنع أهل الحماقة من‬
                                  ‫حماقاتهم والذين ال يتفكرون في األمور أن يوقفهم عند حدهم.‬
 ‫فالطالق في الشريعة إنما هو في وقت مخصص، وهو أن يطلقها في طهر عقب الحيض، أي في‬
                           ‫ا‬
‫طهرٍ ما جامعها فيه، فإن طلقها في طهر وطئها فيه صار بذلك عاصيً هلل؛ ألنه يحتمل أنها حامل،‬
                                                           ‫ا‬
     ‫فتطول المدة عليها، وهو أيضً قد ال يرغبها، لطول المدة عليها، فيكون في ذلك ضرر عليه‬
                                             ‫وعليها، فحرم عليه أن يطلقها في طهر وطئها فيه.‬
     ‫وحرم عليه أن يطلقها وهي حائض؛ ألن الحيض يمنعه من االستمتاع، فربما انصرفت نفسه‬
                                                                             ‫ا‬
                                                          ‫عنها، وفيه أيضً تطويل المدة عليها.‬
 ‫ال‬
 ‫وحرم عليه أن يجمع ألفاظ الطالق بلفظ واحد، بأن يقول لها هي طالق بالثالث, سمع النبي رج ً‬
 ‫يقول المرأته: أنت طالق بالثالث, فغضب وقال: ((أيلعب بكتاب اهلل وأنا بين أظهركم)) حتى قام‬
                          ‫ا‬
                         ‫رجل فقال: أأقتله يا رسول اهلل؟(3)[3] دل على أنه ارتكب إثماً عظيمً.‬
  ‫ال‬
  ‫ثم إن النبي منع المسلم من أن يتساهل ويتالعب بالطالق, وجعل الطالق نافذاً سواء أكان هاز ً‬
                                                               ‫في أدائه, أو كان جاداً في أدائه.‬
                     ‫فيقول : ((ثالث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطالق والرجعة))(1)[1].‬
‫و َت ِذ ي ت‬
‫فال يحل لك أن تطلق من باب المزاح واللعب، فإن هذا حكم شرعي، واهلل يقول: َالَ تَّخ ُواْ آ َا ِ‬
                                                                                     ‫الل ُزو‬
                                                                      ‫َّهِ ه ُ ًا [البقرة:537].‬
  ‫ثم شرع له إذا طلقها الطلقة الواحدة أن يتركها حتى تنقضي عدتها, وال يجمع لها في الطهر بين‬
‫طلقتين، فإنه ال ينفعه ذلك، بل إذا طلقها وليس له فيها رغبة فبانقضاء عدتها تكون أجنبية عنه، ال‬
      ‫تعود إليه إال بعقد جديد برضاها؛ ألنها طلقة واحدة انقضت عدتها, كل هذا حتى ال يستغرق‬
     ‫المسلم ألفاظ الطالق, وال يقع في المشاكل, فإنه إن طلقها الطلقة الثالثة فال تحل له حتى تنكح‬
   ‫زوجاً غيره, نكاح رغبة ال نكاح تحليل, كل هذه أمور محافظة على البيت أن ينهدم على أيدي‬
                                                                                         ‫سفيه.‬
   ‫أيها المسلم، إن عدو اهلل إبليس يفرح بك في حال غضبك وحماقتك فيجعل الطالق نصب عينيه‬
       ‫ويلقيه على مسامعك, فإن اتقيت اهلل وتبصرت باألمور لم تطع عدو اهلل في مراده, جاء في‬
‫الحديث: ((أن الشيطان ينصب عرشه على الماء, ويبث جنوده فيأتيه الواحد ويقول: ما زلت بفالن‬
‫حتى فرقت بينه وبين أبيه أو بينه وبين أمه وأخيه, يقول: ما فعلت, يوشك أن يصالحه. ويأتيه آت‬
  ‫ويقول: ما زلت بفالن حتى فرقت بينه وبين امرأته, قال: فيدنيه ويضمه إليه ويقول: أنت وأنت‬
             ‫وأنت))(1)[1]. فعدو اهلل يفرح بالتفريق بين الزوجين يفرح بتشتيت األسرة وتفرقها.‬
                                         ‫أيها المسلم، كن حريصاً على استمرار الحياة الزوجية.‬
                                                        ‫ا‬
‫أيها الرجل، أنت أقوى وأشد ثباتً فإياك وإياك أن تعصف بك الريح فتطلق بال سبب يقتضيه, إياك‬
‫والضجر وقلة الصبر ونفاذ الحلم، تأمل في كالمك قبل أن تقوله, وتدبر عواقب األمور, وإذا غلب‬
‫الغضب عليك فاقعد من قيام, واضطجع من قعود, وتوضأ وتعوذ باهلل العظيم من الشيطان الرجيم،‬
                                       ‫واخرج عن المنزل فعسى الغضب أن يزول وتنقشع سحائبه.‬
                    ‫ا‬
  ‫أيها الرجل، أيها الرجل العاقل المسلم، أيها الرجل المسلم العاقل، ليس الئقً بك أن يكون الطالق‬
                                                                               ‫ا‬
 ‫دائمً بك على لسانك, ال تجعله حل المشاكل, فالمشاكل يمكن حلها بكل سبب, ال تجعل خصومتك‬
 ‫مع الناس وغلطك مع اآلخرين أن تكب غضبك على امرأتك, عندما ينجم منها تقصير في واجب‬
‫ا‬
‫أو عدم قيام بواجب فما أمكن أن تتالفاه فتالفاه, وما أمكن أن تتجاوزه فتجاوزه, ما دام الدين سليمً‬
                                                                         ‫ا‬
  ‫والعرض نزيهً والشرف محافظ عليه, فبقية األمور يمكن الصبر عليها, ويمكن تداركها, ويمكن‬
   ‫إصالحها, أما العجلة في أمر الطالق على أتفه األسباب وأحقر األسباب فهذا غير الئق بالرجل‬
                                                              ‫العاقل ذي العقل الرزين والرأي السليم.‬
  ‫أيها المسلم، ال بد من صبر وال بد من تحمل وال بد من تصور للمعاني بعد الطالق, أما إذا كان‬
  ‫اإلنسان ال يبالي, ضعف في اإليمان, قلة في الصبر، نفاذ في الحلم, فإن يهدم بيته في لحظة من‬
                                                                                              ‫اللحظات.‬
  ‫أيها المسلم، إن الطالق شرع لتخليص الرجل من عدم مالئمة المرأة أو تخليص المرأة من عدم‬
   ‫مالئمة الرجل, لكن ما أمكن تداركه والصبر عليه فالمطلوب من الزوجين السعي في لم الشعث‬
                                                                                      ‫وتدارك األخطاء.‬
                                                     ‫ا‬
 ‫ثم أهل الرجل وأهل المرأة عليهم أيضً واجب أن يبذاله حتى ال تقع المشاكل, فينصح أهل المرأة‬
  ‫المرأة, ويوصوها بالصبر وعدم الضجر, وينصح أهل الرجل الرجل فيوصونه بالصبر والثبات,‬
                 ‫فإذا تعاون الجميع على الخير أمكن استمرار الحياة الزوجية على أطيب األحوال.‬
‫أيها المسلم، بعض الرجال يمارس ضغوطاً على المرأة حتى يحصل الطالق لينتقم منها, فيتخذ من‬
                                                                       ‫ال‬
 ‫الضغوط, األوالد أو ً, ربما ال يمكنهم من رؤية أمهم, وربما يتركهم فال يراعاهم وال ينفق عليهم‬
  ‫فيضيعوا, إما أن يأخذهم عنده فيعاملون غير معاملة الرفق واللين, وإما أن يتركهم عند أمهم فال‬
 ‫يرعاهم وال ينفق عليهم, وقد تتأثم األم على زوجها فتنتقم منه فتمنع أوالده من الذهاب إلى أبيهم،‬
 ‫كل هذه األغالط واألخطاء ينبغي تالفيها وتداركها، وأن ال نتخذ من الطالق وسيلة انتقام وضغط‬
                                                                  ‫لآلخرين, وإلحاق الضرر باآلخرين.‬
‫فلنتفق اهلل في أنفسنا, ربنا جل وعال أمر الزوج إذا طلق أن يترك المرأة في المنزل مدة العدة لعل‬
                                                                   ‫ا‬
  ‫اهلل أن يحدث بعد ذلك أمرً، لعله أن يندم ولعلها أن تندم، جعل الطالق مراحل: أولى ثم ثانية ثم‬
                                                                                                   ‫ثالثة.‬
   ‫أولى فإن يكن من المرأة الخطأ ندمت أو من الرجل، ثم الثانية, فإذا طلقها الثالثة علم أن الحياة‬
                                                            ‫الزوجية ال يمكن استمرارها واستقرارها.‬
  ‫َ سه‬                  ‫وم ي َد ُد الل ِ‬
  ‫فعلى الجميع لزوم حدود اهلل، والوقوف عندها؛ ألن اهلل يقول: َ َن َتَع َّ ح ُودَ َّه فَقَدْ ظَلمَ نَفْ َ ُ‬
                                                                                                               ‫[الطالق:5].‬
   ‫فلنتق اهلل في طالقنا, ال من حيث الزمن, وال من حيث العدد, وال من حيث اإلقدام عليه إال بعد‬
                ‫تعذر كل وسيلة يمكن أن نستعملها حتى ال نلجأ إلى الطالق والنجعله الحل لمشاكلنا.‬
    ‫أسأل اهلل لي ولكم التوفيق والهداية، والعون على كل خير، أقول قولي هذا وأستغفر اهلل العظيم‬
                     ‫الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.‬
   ‫ِدة َاتق‬            ‫لق ُن ل ِدت ِن و ص‬                 ‫يأيه الن ِى ِ َل تم نس‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ُّ َا َّب ُّ إذَا طَّقْ ُ ُ ال ّ َاء فَطَّ ُوه َّ ِع َّ ِه َّ َأَحْ ُواْ الْع َّ َ و َّ ُواْ‬
    ‫ح مبي وت ك ُد د الله وم‬                          ‫ت ْرج ُن م بي ت ِن و ْر ِال أ ت‬                               ‫الل َ َب ُ‬
   ‫َّه ر َّكمْ الَ ُخ ِ ُوه َّ ِن ُ ُو ِه َّ َالَ يَخ ُجْنَ إ َّ َن يَأْ ِينَ بِفَا ِشَةٍ ُّ َّنَةٍ َ ِلْ َ ح ُو ُ َّ ِ َ َن‬
                                                    ‫َل الل ي دث ب‬            ‫ي َد حد الل ِ َ َ سه َ ْ‬
                     ‫َتَع َّ ُ ُودَ َّه فَقدْ ظَلمَ نَفْ َ ُ الَ تدرِى لَع َّ َّهَ ُحْ ِ ُ َعْدَ ذَلِكَ أَمْراً [الطالق:5].‬


                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫ا‬
    ‫الحمد هلل حمدً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرً‬
  ‫ا‬                                                            ‫ا‬
                                                                                                             ‫إلى يوم الدين.‬
   ‫َن ك م ح ث ش تم‬                      ‫و ج‬             ‫وي دم ك‬
  ‫وبعد: أيها المسلمون، يقول اهلل جل وعال: َ َئَا َ ُ اسْ ُنْ أَنتَ َزَوْ ُكَ الْج َّةَ فَ ُالَ ِنْ َيْ ُ ِئُْ َا‬
 ‫و ر ع هم م‬               ‫هم الش ن لي ْد ه‬                      ‫ك م الظ لم و‬                      ‫و ر ه ذ الش َ‬
‫َالَ تَقْ َبَا َا ِهِ َّجرَةَ فَتَ ُونَا ِنَ َّاِ ِينَ فَ َسْوَسَ لَ ُ َا َّيْطَا ُ ِ ُب ِيَ لَ ُمَا مَا ُو ِيَ َنْ ُ َا ِن‬
            ‫ِد‬          ‫ك م‬                     ‫تهم َ م ه كم َبك ع ه الشج إ أ ك م‬
         ‫سَوْء ِ ِ َا وقَالَ َا نَ َا ُ َا رُّ ُمَا َنْ َاذِهِ َّ َرَةِ ِال َن تَ ُونَا َلَكَيْنِ أَوْ تَ ُونَا ِنَ الْخَال ِينَ‬
                                                      ‫َ سمه إن ك م الن صح َ َ َل ه بغر‬
                                  ‫وقَا َ َ ُمَا ِ ّي لَ ُمَا لَ ِنَ َّا ِ ِين فدَّا ُمَا ِ ُ ُورٍ [األعراف:95-77].‬
‫أيها المسلم يبين لنا ربنا جل وعال أنه أسكن أبانا آدم وزوجته الجنة, وأباح لهما كل شيء فيها إال‬
‫شجرة واحدة عينها لهما ونهاهما عن قربانها, وال تأكال من هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، هذه‬
 ‫شجرة واحدة منع آدم وزوجته من األكل منها وسائر ثمار الجنة أبيحت آلدم وزوجته, ماذا عمل‬
 ‫عدو اهلل إبليس؟ وسوس لهما وقال لهما: إن ربكما ما نهاكما عن هذه الشجرة إال أن تكونا ملكين‬
                                 ‫ا‬
    ‫أو تكونا من الخالدين، فإذا أكلتما منها كنتما من الخالدين دائمً, وقاسمهما أقسم لهما أنه ناصح‬
                                                                                                           ‫فدالهما بغرور.‬
  ‫أيها اإلخوة، هكذا الشيطان يعمل مع بني آدم يظهر لهم الشر والفساد والبالء في قالب اإلصالح‬
             ‫ال‬                               ‫ا‬
‫والمصلحة, يزين لهم الباطل حتى يظنوه خيرً, ويقبح لهم الخير حتى يظنوه باط ً، وهكذا أعوان‬
                               ‫ا‬
‫الشياطين من شياطين اإلنس الذين يسعون في األرض فسادً, يغوون الجهال ويغرونهم ويصدوهم‬
  ‫عن طريق اهلل المستقيم, يرونهم الباطل في قالب الحق, والشر في قالب الخير, ليظن الجاهل أن‬
                                                                            ‫أولئك محقون, واهلل يعلم أنهم مفسدون.‬
 ‫أيها المسلم، كم من عدو متربص باألمة ساعٍ في األرض فساداً، لكنه يلبس لبوساً ألجل أغراضه‬
  ‫ومطامعه, فقد يكون في قلبه مرض ونفاق وحقد على اإلسالم وأهله، ال يروي غليله, وال يطفئ‬
        ‫ا‬                                                ‫ا‬
  ‫حقده إال أن يرى بين المسلمين شرً, فهو والعياذ هلل داعية ضالل وساعٍ في األرض فسادً, يأتي‬
   ‫لجاهل ولمراهق ولغمر ال يفهم, فيحسن له الباطل, يحسن له قتل األبرياء وسفك الدماء وإخالل‬
‫األمن, يقول هذا من باب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أقتل, ودمر, واختر من تقتله وأنت‬
 ‫آمر بمعروف أوناهٍ عن منكر، وقد يأتيه يوم ويقول له: هذا من كراهية أعداء اهلل ومواالة أولياء‬
 ‫اهلل, وقد يأتيه في صور شتى، لكن يعلم اهلل منه أن قصده الفساد واإلثم، يقول لهم: افعلوا وأقدموا‬
   ‫على إجرامكم فإنكم في الجنة؛ ألنكم قتلتم الكفار والمشركين, فأهل اإلسالم المصلين الصائمين‬
                                     ‫يراهم هذا الخبيث يراهم مجرمين يجب قتلهم واستئصالهم.‬
 ‫هكذا يحسن أعداء اإلسالم لمن ال بصيرة عنده, وال علم عنده يحسن له الشر كما حسن الشيطان‬
 ‫ألبينا آدم األكل من تلكم الشجرة حتى أهبطه اهلل إلى األرض, لكن اهلل تدارك أبينا آدم فتاب عليه‬
                                                                                    ‫وعفا عنه.‬
    ‫أيها الشاب المسلم، فاحذر دعاة السوء، احذر دعاة السوء ومجالس السوء وأرباب السوء مهما‬
  ‫أظهروا لك من الغيرة على الدين, ومهما قالوا لك من الدفاع عن الدين, إذا كانوا يأمرونك بقتل‬
    ‫المسلمين وسفك دمائهم وترويعهم واإلخالل بأمنهم فاعلم أنهم مجرمون ومفسدون, المصلح ال‬
                         ‫يدعو إلى فتنة, وال يؤيد الفتنة, وإنما يدعو إلى الخير بالطرق الشرعية.‬
         ‫ا‬
‫أما سفك الدماء وقتل األبرياء، سفك الدماء تدمير األمة, ارباكها، فليس هذا من الدين أبدً، هذا كله‬
      ‫من تزيين الشيطان, ال تطع أولئك, وال تنقد لهم, وال تطعهم فيما يقولون وما يبغضون, إنهم‬
 ‫أعداؤك وأعداء دينك وإن تظاهروا بما يتظاهرون به, فلو كان في القلب إيمان وإسالم الحترموا‬
  ‫الدماء واألموال واألعراض، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وروى في الحديث:‬
                                     ‫ا‬     ‫ا‬
                            ‫((ال يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمً حرامً))(6)[5].‬
                                     ‫ال‬
    ‫فيا أخي المسلم، كيف يستبيح إنسان قتل رجل أمن مث ً, هذا رجل يدافع عن دين ثم عن أمته‬
 ‫فلماذا تسفك دمه؟ لماذا؟ ألن هذا الذي خطط لهذا يرى أولئك كفاراً دماؤهم حالل, وقتلهم واجب,‬
‫ا‬
‫كل هذه من المغالطات كل هذه من دعاة الفتن, من دعاة الضالل, من أقوام امتألت قلوبهم مرضً‬
                                                                    ‫وحقداً على اإلسالم وأهله.‬
  ‫فاتقوا اهلل يا شباب اإلسالم، األمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى اهلل وإلى دينه أمر‬
                                                                             ‫ا‬
 ‫مطلوب شرعً, لكن بالطرق الشرعية المأذون بها, باألمر بالمعروف في حدوده, والدعوة إلى اهلل‬
‫بوسائلها, إما أن نتخذ من سفك الدماء وترويع اآلمنين أن نتخذها وسيلة وندعي أن هذا دعوة وأن‬
                                                         ‫ا‬
                 ‫هذا إصالح هذا ليس باإلصالح أبدً, وهذا مناف لإلصالح, وبعيد كل البعد عنه.‬
‫فلنتق اهلل في أنفسنا، ولنتق اهلل في أمننا وأمن مجتمعنا ولنحرص على التناصح والتعاون فيما بيننا‬
    ‫في سبيل ما يقلص هذه الجريمة, ويقطع دابرها, فكل منا مسؤول عن واجبه نحو أمته, والنبي‬
                                                          ‫ا‬
   ‫يقول لنا: ((لعن اهلل من آوى محدثً))(2)[7]. فالمحدث الفاجر الظالم ال يجوز إيواؤه وال يجوز‬
‫التستر عليه؛ ألنه والعياذ باهلل إذا ترك واستمر على إجرامه وفساده فضرره ليس على فئة معينة,‬
                                           ‫ضرره عليك وعلى فالن وعلى أهلك وعلى مجتمعك.‬
  ‫فلنتق اهلل في أنفسنا وال نطع أعداءنا وال نطع من في قلبه مرض على اإلسالم وأهله فأمننا نحن‬
‫جميعاً مسؤولون عنه, نرجوا اهلل أن يحفظنا من كل سوء, وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن ذنوبنا‬
‫أن ال تكون جنداً علينا, نسأل اهلل السالمة والثبات, وال شك أن ما أصاب العباد فبذنوبهم وما ربك‬
                                                                                    ‫بظالم للعبيد.‬


                                                                                 ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه أبو داود في الطالق، باب: في كراهية الطالق (8257)، وابن ماجه في الطالق،‬
  ‫باب: حدثنا سويد بن سعيد (8507) من حديث ابن عمر، وضعفه األلباني في ضعيف أبي داود‬
                                                                                          ‫(721).‬
  ‫(7) أخرجه اإلمام أحمد (12857)، وأبو داود في الطالق، باب: في الخلع (6777)، والترمذي‬
  ‫في الطالق، باب: ما جاء في المختلعات (2855)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه في الطالق،‬
           ‫باب: كراهية الخلع للمرأة (1107)، وصححه األلباني في صحيح ابن ماجه (7265).‬
 ‫(3) أخرجه النسائي في الطالق، باب: الثالث المجموعة وما فيه من التغليظ (5013) من حديث‬
  ‫محمود بن لبيد. قال ابن حجر: "رجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ولم يثبت له‬
                ‫من سماع وإن ذكره بعضهم من الصحابة فألجل الرؤية، فتح الباري (9/763).‬
 ‫(1) أخرجه أبو داود في الطالق، باب: في الطالق على الهزل (1957)، والترمذي في الطالق،‬
    ‫باب: ما جاء في الجد والهزل في الطالق (1855)، وقال: حسن غريب والعمل على هذا عند‬
         ‫أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم، وابن ماجه في الطالق، باب: من طلق أو نكح...‬
                                                                                        ‫(9307).‬
‫(1) أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس‬
                                                                       ‫(3587) من حديث جابر.‬
                  ‫وم ت م م ا م عم‬
     ‫(6) أخرجه البخاري في الديات، باب: قول اهلل تعالى: َ َن يَقْ ُلْ ُؤْ ِنً ُّتَ َ ّداً (7686) من‬
                                                                                 ‫حديث ابن عمر.‬
 ‫(2) أخرجه مسلم في األضاحي، باب: تحريم الذبح لغير اهلل... (8295) من حديث علي بن أبي‬
                                                                                           ‫طالب.‬

‫(5/8387)‬
                                                                     ‫حقيقة العطاء من اهلل تعالى‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫التوحيد‬
                                                                                        ‫الربوبية‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                        ‫أسامة بن عبد اهلل خياط‬
                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                   ‫17/6/1715‬
                                                                                  ‫المسجد الحرام‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كثير من الخلق يخطئون في معرفة حقيقة العطاء. 7- العطاء من اهلل تعالى لخلقه قد يكون‬
   ‫مط‬
  ‫عطاء بذل وقد يكون عطاء منع وحجب. 3- لكل عطاء من اهلل تعالى حكمة قد يعلمها ال ُع َى‬
                           ‫وقد تخفى عليه. 1- بيان المراد بالدنيا التي جاءت النصوص بذمها.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل حق التقوى، وراقبوه فإنه سبحانه يعلم السر‬
  ‫َّ وأخفى، وال تغرنكم‬
                                                          ‫الحياة الدنيا, وال يغرنكم باهلل الغرور.‬
‫أيها المسلمون، في غمرة السعي إلى إدراك المنى وبلوغ اآلمال والظفر بالرغائب يغفل أو يتغافل‬
                                     ‫م‬
   ‫فريق من الناس أن عاقبة هذا السعي لن تكون وفق ما يأ ُل على الدوام، ولذا فإنه حين يقع له‬
                                                      ‫ي‬               ‫ن‬
      ‫بعض حرما ٍ مما يحب، وحين ُحال بينه وبين ما يشتهي تضيق عليه األرض بما رحبت،‬
                                                        ‫ي‬             ‫ي‬
  ‫وتضيق عليه نفسه, و ُزايله رشده ف ُفضي به ذلك إلى التردي في وهدة الجحود لنعم اهلل السابغة‬
                                                      ‫ال‬
     ‫ومننه السالفة، فيصبح ويمسي مثق ً بالهموم, مضطرب النفس, ال يهنأ له عيش وال تطيب له‬
                                                                                           ‫حال.‬
‫وإن الباعث على هذا ـ أيها اإلخوة ـ هو الخطأ في معرفة حقيقة العطاء وحقيقة المنع, وتصور‬
                                                  ‫أنهما ضدان ال يجتمعان, ونقيضان ال يلتقيان.‬
   ‫من أجل ذلك كان للسلف رضوان اهلل عليهم في هذا الباب وقفات محكمات لبيان الحق والداللة‬
‫على الرشد والهداية إلى الصواب، فقد نقل اإلمام سفيان الثوري رحمه اهلل عن بعض السلف قوله:‬
                                                  ‫ُ‬
 ‫"إن منع اهلل عبده من بعض محبوباته هو عطاء منه له؛ ألن اهلل تعالى لم يمنعه منها بخال، وإنما‬
                  ‫ة‬                                                               ‫ا‬
 ‫منعه لطفً"، يريد بذلك أن ما يمن اهلل به على عبده من عطاء ال يكون في صور ٍ واحدةٍ دائمةٍ ال‬
                                    ‫ُ‬         ‫ي‬
  ‫تتبدل, وهي صورة اإلنعام بألوان النعم التي ُحبها ويدأب في طلبها، وإنما يكون عطاؤه سبحانه‬
   ‫إلى جانب ذلك أيضاً في صورة المنع والحجب لهذه المحبوبات؛ ألنه وهو الكريم الذي ال غاية‬
       ‫لكرمه وال منتهى لجوده وإحسانه, وهو الذي ال تعدل الدنيا عنده جناح بعوضة كما جاء في‬
    ‫الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسناد صحيح عن سهل بن سعد الساعدي رضي اهلل‬
     ‫عنه، عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح بعوضة ما‬
                                                                                                     ‫ً‬
                                                                              ‫سقى كافرا منها شربة ماء))(5)[5].‬
                                                      ‫ا‬            ‫ا‬
    ‫إنه سبحانه لم يكن ليمنع أحدً من خلقه شيئً من الدنيا إال لحكمةٍ بالغة وتقديرٍ عليم ومصالح قد‬
‫تخفى على أكثر الناس، يدل لذلك قوله صلى اهلل عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي في‬
     ‫جامعه وابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن قتادة بن النعمان رضي اهلل عنه، عن النبي‬
                                        ‫صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((إن اهلل إذا أحب ا‬
‫َّ عبدً حماه عن الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه‬
  ‫الماء))(7)[7]. وفي روايةٍ للحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه أن‬
                        ‫ي‬
        ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إن اهلل تعالى ليحمي عبده المؤمن وهو ُحبه, كما تَحْمون‬
                                                             ‫مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه))(3)[3].‬
           ‫حر‬                                                           ‫ا‬
‫ويشهد لهذا أيضً كما قال العالمة الحافظ ابن رجب رحمه اهلل: "أن اهلل عز وجل َّم على عباده‬
              ‫واد‬
  ‫أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه, َّخره لهم عنده‬
       ‫و أ يك الن س ُمة ِ لجع‬
  ‫في اآلخرة، وقد وقعت اإلشارة إلى هذا بقوله عز وجل: َلَوْالَ َن َ ُونَ َّا ُ أ َّ ً واحدَةً َّ َ َلْنَا‬
   ‫و ُر عل ه‬                  ‫لبي ت ِ سق م ِضة وم ر ع ه ي َر ن ولبي ته‬                                      ‫لم ي ُر ِالر‬
  ‫ِ َن َكْف ُ ب َّحْمَانِ ِ ُ ُو ِهمْ ُ ُفاً ّن ف َّ ٍ َ َعَا ِجَ َلَيْ َا َظْه ُو َ َِ ُ ُو ِ ِمْ أَبْواباً َس ُراً ََيْ َا‬
                   ‫الد ي و ِ ة ع رب ل ُتق‬                           ‫َتكئ ن وز ْر ا وإ ُل ل َم م ع‬
‫يَّ ِ ُو َ َ ُخ ُفً َِن ك ُّ ذَِكَ ل َّا َتَا ُ الْحياةِ ُّنْ َا َاألَخرَ ُ ِندَ َ ّكَ ِلْم َّ ِينَ [الزخرف:33-13].‬
 ‫وصح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في اآلخرة))‬
                                                                          ‫أخرجه الشيخان في صحيحهما(1)[1].‬
                                                                   ‫ا‬
   ‫وفي الصحيحين أيضً من حديث حذيفة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال:‬
‫((ال تلبسوا الحرير وال الديباج, وال تشربوا في آنية الذهب والفضة, وال تأكلوا في صحافها, فإنها‬
                                                                          ‫لهم في الدنيا ولكم في اآلخرة))(1)[1].‬
     ‫وأخرج الشيخان في صحيحهما من حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قال: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في اآلخرة))(6)[6]. هذا مع أنه شتان بين خم ٍ‬
‫ر‬
                                                ‫ي‬               ‫ي‬
 ‫لذةٍ للشاربين, ال ُصدعون عنها وال ُنزفون, وتلك هي خمر اآلخرة، وبين خمرةٍ هي ضغث من‬
  ‫عمل الشيطان يريد أن يوقع بها العداوة والبغضاء بين المؤمنين, ويصدهم بها عن ذكر اهلل وعن‬
                                                                                      ‫الصالة, وتلك هي خمر الدنيا.‬
  ‫وأخرج اإلمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه‬
            ‫ً‬     ‫عي‬                        ‫لي‬
      ‫أنه قال: (لو ال أن تنقص حسناتي لخالطتكم في ِّن عيشكم, لكني سمعت اهلل َّر قوما فقال:‬
                                                                  ‫ُ به‬              ‫يب تك ْ ف ح ت ُم الد ي و‬
                                                               ‫أذهبتم طَ ّ َا ِ ُم ِى َيَا ِك ُ ُّنْ َا َاسْتَمْتَعْتمْ ِ َا).‬
                                                            ‫ٍ‬
     ‫وإن الواقع الذي يعيشه كل امرئ في حياته ليقيم األدلة البينة والبراهين الواضحة على صحة‬
       ‫خ‬                                 ‫ل‬
   ‫وصدق هذا الذي نقله سفيان رحمه اهلل، فكم من مأم ٍ ما لو بلغ أمله لكانت عاقبة أمره ُسرا,‬
       ‫ة‬       ‫َر‬                      ‫ِ‬                          ‫ا‬     ‫ح ة‬
   ‫ونهاية سعيه َسْر ً وندمً، وكم من حريصٍ على ما لو ظفرَ بما أراد ألعقبه ظَف ُه هزيم ٍ يجر‬
             ‫ا ي‬
        ‫أذيالها, ويتجرع مرارتها, ولذا وجه سبحانه األنظار إلى حقيقة أن المرء كثيرً ما ُحب من‬
                   ‫ر‬         ‫ر‬                                    ‫ر‬
  ‫حضوض الدنيا ما هو ش ٌ له ووبال عليه, ويكره منها ما هو خي ٌ له وأجد ُ به فقال عز اسمه:‬
‫ُ ِبَ َلَيْك ُ الْ ِتَا ُ وَ ُوَ كرْ ٌ َّكمْ َ َ َى َن تَكرَ ُواْ شَيْئًا وَ ُوَ خَي ٌ َّكمْ َ َ َى أَن ُح ُّواْ َيْئًا َ ُ َ‬
‫ت ِب ش وهو‬                 ‫ه ْر ل ُ وعس‬                        ‫كت ع ُم ق ل ه ُ ه ل ُ وعس أ ْ ه‬
                                                                                ‫م‬              ‫َر ل ُ َالله ي َم و ُ‬
                                                               ‫ش ٌّ َّكمْ و َّ ُ َعْل ُ َأَنتمْ الَ تَعْلَ ُونَ [البقرة:657].‬
                             ‫م‬
   ‫ونهى سبحانه نبيه صلوات اهلل وسالمه عليه عن النظر إلى ما ُتع به المترفون ونظراؤهم من‬
‫النعيم مبيناً له أنه زهرة ذابلة, ومتعة ذاوية, امتحنهم بها وقليل منهم الشكور, فقال تبارك وتعالى:‬
     ‫َالَ تَ ُد َّ َيْنَيْكَ َِى َا م َّعْنَا ِهِ أزْواجاً ّنْ ُم زَه َةَ الْحياةِ ُّنْيَا ِنَفْ ِنَهم ِي ِ ورزْق َّكَ َي ٌ‬
     ‫الد ل ت ُ ْ ف ه َ ِ ُ رب خ ْر‬                       ‫م ه ْ ْر‬            ‫إل م َت ب َ‬                    ‫و م َّن ع‬
                                                                                                                   ‫و ق‬
                                                                                                        ‫َأَبْ َى [طه:535].‬
          ‫ء‬                                  ‫ع‬
  ‫وإذن فليس بدعاً ـ أيها اإلخوة ـ أن يكون من ُ اهلل اإلنسان من بعض محبوباته عطا ً منه له؛‬
                                              ‫ب ل‬         ‫ع‬                 ‫ة‬
                                    ‫ألنه منع حفظٍ وصيان ٍ وحماية, وليس من َ حجب أو ُخ ٍ أو حرمان.‬
  ‫وصدق اهلل إذ يقول: اعْلَ ُواْ أ َّ َا الْحيا ُ ُّنْ َا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ و ِينَ ٌ َتَفَاخ ٌ َيْنَكمْ َتَكَا ُر ِى األمْوا ِ‬
  ‫ة الد ي عب و و َز ة و ُر ب ُ و ث ٌ ف َ ل‬                                            ‫م َنم‬
‫ِ َذ ب‬           ‫ته ُم يه ج َر ه م َر ُم يك ن ح ا َف‬                               ‫ُف‬        ‫ج‬                 ‫م‬               ‫و‬
‫َاألَوْلْادِ كَ َثَلِ غَيْثٍ أَعْ َبَ الْك َّارَ نَبَا ُ ُ ث َّ َ ِي ُ فَت َا ُ ُصْف ّاً ث َّ َ ُو ُ ُطَامً و ِى اآلخرَةِ ع َا ٌ‬
                                       ‫ة الد ِال م ع ْ ُر‬                    ‫َد د وم ف ة م الله َر ن و‬
                       ‫ش ِي ٌ َ َغْ ِرَ ٌ ّنَ َّ ِ و ِضْوا ٌ َمَا الْحيا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الغ ُورِ [الحديد:07].‬
‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه صلى اهلل عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر اهلل العظيم‬
                                                     ‫ب‬
                    ‫الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذن ٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
    ‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من‬
       ‫يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له،‬
 ‫ا‬
‫وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرً.‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، لقد بين أهل العلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعاً إلى‬
 ‫تمامها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن اهلل جعلهما خلفةً لمن أراد أن يذكر‬
                                                                                                            ‫ا‬
                                                                                                           ‫أو أراد شكورً.‬
                                     ‫خ‬
              ‫وعن عيسى عليه السالم أنه قال: ((إن هذا الليل والنهار ِزانتان فانظروا ما تضعون‬
                                                                                                            ‫فيهما))(2)[5].‬
          ‫م ا‬                                                                 ‫ً‬
   ‫وليس الذم أيضا راجعاً إلى مكان الدنيا الذي هو األرض التي جعلها اهلل لبني آدم ِهادً وسكنا,‬
        ‫وال إلى ما أودعه اهلل فيها من الجبال والبحار واألنهار والمعادن, وال إلى ما أنبته فيها من‬
                                                                                    ‫الز‬
  ‫ُّروع واألشجار, وال إلى ما بث فيها من الحيوان وغير ذلك، فإن ذلك كله من نعمة اهلل على‬
   ‫عباده بما جعل لهم فيه من المنافع وما لهم به من اعتبار واستداللٍ على وحدانية خالقه وقدرته‬
                                                                                          ‫وعظمته.‬
 ‫وإنما الذم الوارد لها راجع إلى أفعال بني آدم فيها؛ ألن غالب هذه األفعال واقع على غير الوجه‬
                                                                                      ‫ت‬
                                                ‫الذي ُحمد عاقبته, وتؤمن مغبته, وترجى منفعته.‬
            ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل, وابتغوا فيما آتاكم اهلل الدار اآلخرة, وال تنسوا نصيبكم من الدنيا.‬


                                                                                   ‫__________‬
                                  ‫(5) في الزهد, باب ما جاء في هوان الدنيا على اهلل (0737).‬
       ‫(7) أخرجه الترمذي في الطب, باب ما جاء في الحمية (6307), وابن حبان في صحيحه‬
                                                                               ‫(اإلحسان:7/311).‬
                                                        ‫(3) المستدرك (1/537) وصحح إسناده.‬
   ‫(1) أخرجه البخاري في للباس, باب لبس الحرير...(7381), ومسلم في اللباس والزينة, باب‬
                                ‫تحريم استعمال إناء الذهب...(3207) من حديث أنس بن مالك.‬
     ‫(1) أخرجه البخاري في األطعمة, باب األكل في إناء مفضض (6711), ومسلم في اللباس‬
                                            ‫والزينة, باب تحريم استعمال إناء الذهب...(2607).‬
 ‫(6) أخرجه البخاري في األشربة, باب قوله تعالى: إنما الخمر والميسر... (1211), ومسلم في‬
                                                 ‫األشربة, باب عقوبة من شرب الخمر (3007).‬
                                                  ‫(2) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (7/197).‬

‫(5/9387)‬




                                                                     ‫عظم اإلخالص وخطر الرياء‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                     ‫أعمال القلوب‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                     ‫عبد المحسن بن محمد القاسم‬
                                                                                    ‫المدينة المنورة‬
                                                                                      ‫17/6/1715‬
                                                                                                 ‫المسجد النبوي‬
                                                    ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أهمية اإلخالص. 7- فوائد اإلخالص ومنافعه. 3- فضل النية الصالحة. 1- خطر الرياء‬
      ‫وعاقبته. 1- تصحيح بعض المفاهيم في باب اإلخالص. 6- أسباب حفظ العمل من الرياء‬
                                                        ‫والعجب. 2- من عالمات اإلخالص وإماراته.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
         ‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل حق التقوى، فالعز في طاعة المولى، والذل في اتباع الهوى.‬
 ‫أيها المسلمون، القلوب ال تطمئن إال باهلل، وغنى العبد بطاعة ربه واإلقبال عليه، ودين الحق هو‬
                                                                 ‫ا‬
   ‫تحقيق العبودية هلل، وكثيرً ما يخالف النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد تحقيق عبوديتها هلل،‬
    ‫وإخالص األعمال هلل أصل الدين، وبذلك أمر اهلل رسوله صلى اهلل عليه وسلم باإلخالص في‬
                                                                         ‫ُ الل م ل له د‬
                                                          ‫قوله: فَاعْبدِ َّهَ ُخِْصاً َّ ُ ال ّينِ [الزمر: 7].‬
 ‫ق إن أم ت‬
 ‫وأمر النبي صلى اهلل عليه وسلم أن يبين أن عبادته قائمة على اإلخالص فقال له: ُلْ ِ ّى ُ ِرْ ُ‬
                                                                             ‫ُ الل م ل له د‬
                                                              ‫أَنْ أَعْبدَ َّهَ ُخِْصاً َّ ُ ال ّينَ [الزمر:55].‬
            ‫وم أ ِر ِال لي بد الل م لص ه د ن ح‬
      ‫وبذلك أمرت جميع األمم قال جل وعال: َ َا ُم ُواْ إ َّ ِ َعْ ُ ُواْ َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ال ّي َ ُنَفَاء‬
                                                         ‫َ د ن يم‬                        ‫وي ت‬               ‫ويق م‬
                                           ‫َ ُ ِي ُواْ الصالةَ َ ُؤْ ُواْ الزكاةَ وذَلِكَ ِي ُ القَّ َةِ [البينة:1].‬
  ‫وأحق الناس بشفاعة النبي صلى اهلل عليه وسلم يوم القيامة من كان أخلصهم هلل, قال أبو هريرة‬
   ‫ا‬
‫رضي اهلل عنه : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول اهلل؟ قال: ((من قال ال إله إال اهلل خالصً من‬
                                                                                ‫قلبه)) رواه البخاري(5)[5].‬
             ‫ب ِز‬
‫واإلخالص مانع بإذن اهلل من تسلط الشيطان على العبد, قال سبحانه عن إبليس: فَ ِع َّتِكَ ألغوينهم‬
                                                                 ‫مع ِال ع ك م ُم م ص‬
                                                  ‫أَجْ َ ِينَ إ َّ ِبَادَ َ ِنْه ُ الْ ُخْلَ ِينَ [ص:78، 38].‬
 ‫ك لك‬
 ‫والمخلص محفوظ بحفظ اهلل من العصيان والمكاره، قال سبحانه عن يوسف عليه السالم: َذاِ َ‬
                                            ‫ِنه م عب د م ص‬                              ‫ل ْر ع ه الس و‬
                              ‫ِنَص ِفَ َنْ ُ ُّوء َالْفَحْشَاء إ َّ ُ ِنْ ِ َا ِنَا الْ ُخْلَ ِينَ [يوسف:17].‬
    ‫ت‬
 ‫به رفعة الدرجات وطرق أبواب الخيرات يقول المصطفى صلى اهلل عليه وسلم: ((إنك لن ُخلف‬
                                                                                ‫ال‬
                   ‫فتعمل عم ً تبتغي به وجه اهلل إال ازددت به درجة ورفعة)) متفق عليه(7)[7].‬
 ‫وإذا قوي اإلخالص هلل علت منزلة العبد عند ربه، يقول بكر المزني: "ما سبقنا أبو بكر الصديق‬
                                                                                   ‫ة‬
                                ‫بكثير صال ٍ وال صيام, ولكنه اإليمان وقر في قلبه والنصح لخلقه".‬
  ‫س ح ن إن‬             ‫ال ِال‬                                   ‫ّ‬                      ‫ب‬
 ‫وهو سب ٌ لتفريج الكروب, ولم ينج ذا النون سوى إخالصه لمعبوده: َّ اله إ َّ أَنتَ ُبْ َا َكَ ِ ّى‬
                                                                                            ‫ك ت م الظ لم‬
                                                                          ‫ُن ُ ِنَ َّاِ ِينَ [األنبياء:28].‬
  ‫المخلص لربه مجاب الدعوة, يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((انطلق ثالثة نفر مما كان قبلكم‬
‫حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه ال‬
    ‫ينجيكم من هذه الصخرة إال أن تدعوا اهلل بصالح أعمالكم، فقال كل واحد منهم متوسالً إلى اهلل‬
                            ‫ر‬
     ‫بصالح عمله وإخالصه: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فف ّج عنا ما نحن فيه من هذه‬
                                                     ‫الصخرة، فانفرجت فخرجوا يمشون)) متفق عليه(3)[3].‬
‫بتجريد اإلخالص تزول أحقاد القلوب وضغائن الصدور، يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((ثال ٌ‬
‫ث‬
    ‫ال يغل عليهن قلب مسلم: إخالص العمل هلل، ومناصحة والة األمر، ولزوم جماعة المسلمين))‬
                                                                                                        ‫رواه أحمد(1)[1].‬
  ‫َ م الن ر‬               ‫ِن من ق َ ف َّ‬                                               ‫ٌ‬
  ‫واإلخالص شرط في قبول توبة المنافق، قال عز وجل: إ َّ الْ ُ َافِ ِين ِى الدرْكِ االْسْفلِ ِنَ َّا ِ‬
      ‫له و ص د ُ لل ِ أ ك مع‬                               ‫ب و ح و صم‬                          ‫ِال َّذ‬              ‫ول ِ ُ‬
      ‫ََن تَجدَ لَهمْ نَصِيراً إ َّ ال ِينَ تَا ُواْ َأَصْلَ ُواْ َاعْتَ َ ُواْ بِالَّ ِ َأَخْلَ ُواْ ِينَهمْ َّه فَُوْلَئِ َ َ َ‬
                                                                                                              ‫م من‬
                                                                                        ‫الْ ُؤْ ِ ِينَ [النساء:115، 615].‬
                                                     ‫ر‬
     ‫في اإلخالص طمأنينة القلب وشعو ٌ بالسعادة وراحة من ذل الخلق، يقول الفضيل بن عياض‬
                                ‫رحمه اهلل: "من عرف الناس استراح" أي: أنهم ال ينفعونه وال يضرونه.‬
‫وكل عمل لم يقصد به وجه اهلل طاقة مهدرة وسراب يضمحل، وصاحبه ال للدنيا جمع وال لآلخرة‬
        ‫ا‬
‫ارتفع، يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل ال يقبل من العمل إال ما كان له خالصً, وابتغي‬
                                                                                      ‫به وجهه)) رواه النسائي(1)[1].‬
   ‫وإخالص العمل هلل وخلوص النية له وصوابه أصل في قبول الطاعات يقول ابن مسعود رضي‬
                                      ‫ل‬     ‫ل‬
      ‫اهلل عنه: (ال ينفع قول وعمل إال بنية، وال ينفع قو ٌ وعم ٌ ونية إال بما وافق السنة)(6)[6].‬
    ‫ا‬
‫واإلخالص أن تكون نيتك هلل ال تريد غير اهلل، ال سمعة وال رياء وال رفعة عند أحد وال تزلفً وال‬
  ‫تترقب من الناس مدحًا وال تخشى منهم قدحا، واهلل سبحانه غني حميد ال يرضى أن يشرك العبد‬
        ‫معه غيره، فإن أبى العبد إال ذلك رد اهلل عليه عمله، قال عليه الصالة والسالم في الحديث‬
‫القدسي، قال اهلل عز وجل: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عمالً أشرك معي فيه غيري‬
                                                                                  ‫تركته وشركه)) رواه مسلم(2)[2].‬
                                                  ‫ا‬
  ‫أيها المسلمون، العمل الصالح وإن كان كثيرً مع فساد النية يورد صاحبه المهالك، فقد أخبر اهلل‬
   ‫عز وجل عن المنافقين أنهم يصلون وينفقون ويقاتلون، وأخبر النبي صلى اهلل عليه وسلم عنهم‬
  ‫أنهم يتلون كتاب اهلل في قوله: ((ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها‬
                                                                                                 ‫مر)) متفق عليه(8)[8].‬
                  ‫َ م الن‬              ‫ِن م ق ف َّ‬                                                   ‫ف‬
 ‫ول ِقد صدقهم في إخالصهم قال اهلل عنهم: إ َّ الْ ُنَافِ ِينَ ِى الدرْكِ االْسْفلِ ِنَ َّارِ [النساء:115]،‬
     ‫((وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله, الذين لم تكن‬
                   ‫ن‬                        ‫ن‬
      ‫أعمالهم خالصة هلل، وإنما فعلوا ذلك ليقال فال ٌ قارئ، وفالن شجاع، وفال ٌ متصدق)) رواه‬
                                                                                                                ‫مسلم(9)[9].‬
                                                             ‫ا‬
      ‫والعمل وإن كان يسيرً يتضاعف بحسن النية والصدق واإلخالص، ويكون سبباً في دخول‬
‫الجنات, يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: واهلل‬
                                ‫ألنحين هذا عن المسلمين, ال يؤذيهم فأدخل الجنة)) رواه مسلم.‬
                                                                      ‫ً‬
    ‫((وامرأة بغي رأت كلبا يطيف ببئر كاد يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر اهلل لها)) متفق‬
                                                                                        ‫عليه(05)[05].‬
                          ‫ل‬                     ‫ر‬     ‫ل‬
  ‫يقول عبد اهلل بن المبارك: "رب عم ٍ صغي ٍ تعظمه النية، ورب عم ٍ كبيرٍ تصغره النية"، قال‬
                                         ‫الله ي ِف لم ي‬
    ‫ابن كثير رحمه اهلل في قوله: َّ ُ ُضَاع ُ ِ َن َشَاء [البقرة:567] "أي: بحسب إخالصه في‬
                                                                                                   ‫عمله".‬
                            ‫ب‬
‫والواجب على العبد كثرة الصالحات مع إخالص النيات، فكن س ّاقاً لكل عمل صالح، وال تحقرن‬
                                                                               ‫ل‬
‫أي عم ٍ تخلص نيتك فيه، فال تعلم أي عملٍ يكون سبباً لدخولك الجنات، وال تستخفن بأي معصية‬
     ‫فقد تكون سبباً في دخولك النار، كما قال عليه الصالة والسالم: ((دخلت امرأة النار في هر ٍ‬
     ‫ة‬
       ‫حبستها، ال هي أطعمتها وال هي تركتها تأكل من خشاش األرض)) متفق عليه(55)[55].‬
    ‫واهلل جل وعال متصف بالحمد والكرم، وإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيأ له أسباب العمل فإنه‬
                                     ‫ال‬            ‫ا‬
 ‫يؤجر على تلك النية وإن لم يعمل, كرمً من اهلل وفض ً، يقول عليه الصالة والسالم: ((من سأل‬
                                                                    ‫ل‬
 ‫اهلل الشهادة بصدق بّغه اهلل منازل الشهداء, وإن مات على فراشه)) رواه مسلم(75)[75]، ويقول‬
   ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم عن الرجل الذي ال مال عنده وينوي الصدقة: لو أن لي ماالً لعملت‬
                                       ‫بعمل فالن، قال: ((فهو بنيته)) رواه الترمذي(35)[35].‬
                                                                            ‫م‬
 ‫بل إن اله ّ بعمل صالح يؤجر عليه العبد وإن تخلف العمل، قال عليه الصالة والسالم: ((من هم‬
                           ‫بحسنة فلم يعملها كتبها اهلل عنده حسنة كاملة)) متفق عليه(15)[15].‬
 ‫والمسلم يجعل نيته صادقة في كل خير، يقول عمر رضي اهلل عنه: (أفضل األعمال صدق النية‬
    ‫ر‬
‫فيما عند اهلل, فإن صدق العمل النية فذاك، وإن حيل بين العمل والنية فلك ما نويت، ومن س ّه أن‬
           ‫يكمل له عمله فليحسن النية, فإن اهلل يؤجر العبد إذا حسنت نيته حتى بإطعام زوجته).‬
   ‫أيها المسلمون، إذا قوي اإلخالص وعظمت النية وأخفي العمل الصالح مما يشرع فيه اإلخفاء‬
‫قرب العبد من ربه وأظله تحت ظل عرشه، يقول المصطفى صلى اهلل عليه وسلم: ((سبعة يظلهم‬
‫اهلل في ظله يوم ال ظل إال ظله ـ وذكر منها ـ: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ال تعلم شماله‬
                                                             ‫ما تنفق يمينه)) رواه مسلم(15)[15].‬
    ‫َّد ِ ن ِم هى وإ‬              ‫إ ت ْد‬
   ‫وكلما أخفي العمل كان أقرب إلى اإلخالص، قال جل وعال: ِن ُب ُواْ الص َقَات فَ ِع َّا ِ َ َِن‬
                                                           ‫ت ف ه وت ت ه ف َر هو ْر ل ُ‬
                                           ‫ُخْ ُو َا َ ُؤْ ُو َا الْ ُق َاء فَ ُ َ خَي ٌ َّكمْ [البقرة:527].‬
                                                            ‫ت‬
                          ‫يقول بشر بن الحارث: "ال تعمل ل ُذكر، أكتم الحسنة كما تكتم السيئة".‬
                                                                                     ‫فض‬
     ‫و ُ ّلت نافلة الليل على نافلة النهار واستغفار السحر على غيره ألن ذلك أبلغ في اإلسرار،‬
                                                                               ‫وأقرب إلى اإلخالص.‬
‫وعلى العبد الصبر عن نقل الطاعة من ديوان السر إلى ديوان العالنية, وإذا أخلصت في العمل ثم‬
  ‫أثنى عليك الخلق وأنت غير متطلع إلى مدحهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياء أن تزين عملك‬
                                                                           ‫س‬
 ‫من أجلهم. ُئل النبي صلى اهلل عليه وسلم عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه،‬
                                      ‫فقال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) رواه مسلم(65)[65].‬
  ‫ومن كان يعمل صالحاً ثم اطلع الخلق على عمله فأحجم عن االستمرار في تلك الطاعة ظناً منه‬
  ‫أن فعله بحضرتهم رياء فذلك من حبائل الشيطان، فامضٍ على فعلك, يقول الفضيل ابن عياض:‬
‫"ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، واإلخالص أن يعافيك اهلل منهما".‬
 ‫وبعض الناس يظن أن اإلخالص مقصور على الصالة والصدقة والحج دون غيرها من األوامر،‬
         ‫ي‬
‫ومن رحمة اهلل ورأفته بعباده أن اإلخالص يستصحب في جميع العبادات والمعامالت، ل ُثاب العبد‬
  ‫على جميع حركاته وسكناته, فزيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين هي مع اإلخالص عبادة،‬
‫وفي جانب المعامالت من الصدق في البيع والشراء وحسن عشرة الزوجة واالحتساب في إحسان‬
                                                      ‫ي‬
    ‫تربية األبناء كل ذلك مع اإلخالص ُجازى عليه باإلحسان، يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم:‬
              ‫ي‬
‫((ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه اهلل إال أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في ف ّ امرأتك)) متفق‬
    ‫عليه(25)[25]، قال: شيخ اإلسالم: "من عبد اهلل وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق اهلل وحق‬
   ‫عباد اهلل في إخالص الدين له، ومن طلب من العباد العوض ثناءً أو دعاءً أو غير ذلك لم يكن‬
                                                                              ‫محسناً إليهم هلل".‬
                        ‫ا‬
   ‫أيها المسلمون، اإلخالص عزيز والناس يتفاضلون فيه تفاضالً كبيرً، ولدفع عوارضه من آفة‬
                                                   ‫ا‬
    ‫الرياء والعجب بالعمل إلجأ إلى اهلل دومً بالدعاء أن تكون من عباده المخلصين، فالقلوب بين‬
‫أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكأن أكثر دعاء عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه:‬
              ‫(اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، وال تجعل ألحد فيه شيئًا).‬
   ‫وأكثر من مطالعة أخبار أهل الصدق واإلخالص، واقرأ سير الصالحين األسالف، واحتقر كل‬
  ‫عمل صالحًا تقدمه، وكن خائفًا من عدم قبوله أو حبوطه، فليس الشأن اإلتيان بالطاعات فحسب,‬
                                                             ‫إنما الشأن في حفظها مما يبطلها.‬
‫ومن حفظ العمل عدم العجب وعدم الفخر به, فازهد في المدح والثناء فليس أحد ينفع مدحه وضر‬
 ‫ذمه إال اهلل, والموفق من ال يتأثر بثناء الناس وإذا سمع ثناءً لم يزده ذلك إال تواضعًا وخشية من‬
     ‫اهلل، وأيقن أن مدح الناس لك فتنة، فادع ربك أن ينجيك من تلك الفتنة، واستشعر عظمة اهلل‬
        ‫ر‬
‫وضعف المخلوقين وعجزهم وفقرهم، واستصحب دومًا أن الناس ال يملكون جنة وال نا ًا، وأنزل‬
    ‫الناس منزلة أصحاب القبور في عدم جلب النفع لك ودفع الضر عنك، والنفوس تصلح بتذكر‬
                                              ‫د‬
   ‫مصيرها، ومن أيقن أنه يوسد في اللحد فري ًا أدرك أنه لن ينفعه سوى إخالصه مع ربه, وكان‬
                                      ‫من دعاء السلف: "اللهم إنا نسألك العمل الصالح وحفظه".‬
‫أيها المسلمون، ثوب الرياء يشف ما تحته, يفسد الطاعة ويحبط الثواب، وهو من أقبح صفات أهل‬
      ‫ء‬                                          ‫الن س و َ ُر الل إ َّ ل‬                ‫ُر‬
‫النفاق ي َاءونَ َّا َ َالَ يذْك ُونَ َّهَ ِال قَِيالً [النساء:715], وهو من أشد األبواب خفا ً, وصفه‬
‫ابن عباس رضي اهلل عنهما بقوله: (أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل). قال‬
  ‫الطيبي رحمه اهلل: "وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها, يبتلى به المشمرون عن ساق‬
                                                                                 ‫الجد لسلوك طريق اآلخرة".‬
‫والنبي خافه على أمته وحذرهم منه قال عليه الصالة والسالم: ((أال أخبركم بما هو أخوف عليكم‬
   ‫عندي من المسيح الدجال)) قالوا: بلى يا رسول اهلل، قال: ((الشرك الخفي، يقوم الرجل يصلي‬
                                  ‫فيزين صالته لما يرى من نظر الرجل إليه)) رواه أحمد(85)[85].‬
                      ‫قال في تيسير العزيز الحميد: "الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال".‬
                                             ‫ي‬
  ‫المرائي مضطرب القلب مزعزع الفكر، ال ُخلص في عبوديته ومعاملته, يعمل لحظ نفسه تارة‬
     ‫ولطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة عند الخلق تارة، المرائي يفضحه اهلل ويهتك ستره‬
      ‫م‬
‫ويظهر خباياه، ضاعت آماله وخاب سعيه, وعومل بنقيض قصده, يقول النبي : ((من يس ّع يسمع‬
                                                ‫اهلل به، ومن يرائي يرائي اهلل به)) رواه مسلم(95)[95].‬
   ‫وإن أخفى المرائي كوامن نفسه وخفايا صدره أظهرها اهلل، يقول النبي : ((المتشبع بما لم يعط‬
                                                                ‫كالبس ثوبي زور)) متفق عليه(07)[07].‬
  ‫فاخشى على أعمالك من الخسران، فالميزان يوم الحشر بمثاقيل الذر، المن واألذى يبطل البذل،‬
                           ‫والرياء يحبط العمل، وإرادة الدنيا وثناء الخلق متوعد فاعله بدخول النار.‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: قلْ إَّمَا أَنَاْ َش ٌ ّثُْ ُمْ ُو َى ِل َّ أ َّمَا الهكمْ اله َا ِ ٌ فَ َن كَا َ‬
    ‫و حد م ن‬                 ‫ُ‬       ‫ب َر م لك ي ح إَى َن‬                     ‫ُ ِن‬
                                   ‫ا و ي ْر بع رب َد‬                          ‫رب ِ ي َ ع ال‬                  ‫َ ج‬
                     ‫يرْ ُو لِقَاء َ ّه فَلْ َعْملْ َمَ ً صَالِحً َالَ ُش ِكْ ِ ِبَادَةِ َ ّهِ أَح َا [الكهف:055].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني اهلل وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول‬
       ‫ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفره إنه هو الغفور‬
                                                                                                          ‫الرحيم.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫أيها المسلمون، ال أنفع للقلب من تجريد اإلخالص وال أضر عليه من عدمه، وكلما قوي إخالص‬
    ‫الدين هلل كملت العبودية، ومن عرف الناس أنزلهم منازلهم, ومن عرف اهلل أخلص له أعماله،‬
  ‫وكلما صحت العزيمة وعظمت الهمة طلب اإلنسان معالي األمور, ولم يلتفت إلى غير اهلل, ولم‬
‫ينظر إلى ما سواه، وليس من الرشد طلب اآلخرة بالرياء, وإياك أن تطلب بعملك محمدة الناس أو‬
                                                                                         ‫الطمع بما في أيديهم.‬
  ‫واإلخالص يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده، وآفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر‬
 ‫إلى نفسه بعين الرضا فقد أهلكها، وأمارة اإلخالص استواء المدح والذم، واهلل يحب من عبده أن‬
                 ‫يجعل لسانه ناطقًا بالصدق وقلبه مملوء باإلخالص وجوارحه مشغولة بالعبادة.‬
                                                                        ‫__________‬
                                            ‫(5) في العلم باب الحرص على الحديث (99).‬
       ‫(7) أخرجه البخاري في الجنائز باب رثاء النبي صلى اهلل عليه وسلم سعد بن أبي وقاص‬
                                  ‫(6975)، ومسلم في الوصية باب الوصية بالثلث (8765).‬
                                    ‫ر‬
 ‫(3) أخرجه البخاري في اإلجارة باب: من استأجر أجي ًا فترك األجير أجره... (7277)، ومسلم‬
               ‫في الذكر والدعاء والتوبة واالستغفار باب قصة أصحاب الغار الثالثة (3127).‬
‫(1) أخرجه اإلمام أحمد في المسند (1/ 385)، وصححه ابن حبان (اإلحسان 5/ 027) من حديث‬
                                                                          ‫زيد بن ثابت.‬
   ‫(1) في الجهاد باب من غزا يلتمس األجر والذكر (0153)، وجود إسناده ابن رجب في جامع‬
                                                                 ‫العلوم والحكم (5/ 65).‬
     ‫(6) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد ضعيف، انظر: جامع العلوم والحكم (5/ 35) البن رجب.‬
       ‫(2) في الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير اهلل (1897) من حديث أبي هريرة.‬
   ‫(8) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به (9101)،‬
     ‫ومسلم في صالة المسافرين وقصرها باب فضيلة حفظ القرآن (292) من حديث أبي موسى‬
                                                                              ‫األشعري.‬
      ‫(9) في اإلمارة باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (1095) من حديث أبي هريرة.‬
‫(05) 05] أخرجه البخاري في أحاديث األنبياء باب حديث الغار (2613)، ومسلم في السالم باب‬
                                         ‫فضل سقي البهائي (1177) من حديث أبي هريرة.‬
        ‫(55) 55] أخرجه البخاري في بدء الخلق باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم‬
        ‫(8533)، ومسلم في البر والصلة واآلداب باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان‬
                                                         ‫(9567)، من حديث أبي هريرة.‬
 ‫(75) 75] في اإلمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل اهلل تعالى (9095) من حديث سهل‬
                                                                             ‫بن حنيف.‬
   ‫(35) 35] في الزهد باب: ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر (1737) وقال: حسن صحيح، من‬
                                                             ‫حديث أبي كبشة األنصاري.‬
‫(15) 15] أخرجه البخاري في الرقاق باب: من هم بحسنة أو بسيئة (5916)، ومسلم في اإليمان،‬
                  ‫باب إذا هم العبد بحسنة كتبت ، وإذا هم بسيئة (535) من حديث ابن عباس.‬
     ‫(15) 15] أخرجه البخاري في الزكاة، باب الصدقة باليمين (3715)، ومسلم في الزكاة باب‬
                                        ‫فضل إخفاء الصدقة (5305) من حديث أبي هريرة.‬
  ‫(65) 65] في البر والصلة واآلداب، باب إذا أثنى على الصالح... (7167) من حديث أبي ذر.‬
   ‫(25) 25] أخرجه البخاري في الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء.... (7127) ومسلم في‬
                           ‫الوصية باب الوصية بالثلث (8765) من حديث سعد بن أبي وقاص.‬
  ‫(85) 85] أخرجه اإلمام أحمد في المسند (3/ 03)، وابن ماجه في الزهد باب الرياء والسمعة‬
   ‫(1071) واللفظ له، وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 237) من حديث أبي‬
                                                                                ‫سعيد الخدري.‬
     ‫(95) 95] في الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير اهلل (2897) من حديث جندب‬
                                                                                        ‫العلقي.‬
  ‫(07) 07] أخرجه البخاري في النكاح، باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار (9571)،‬
     ‫ومسلم في اللباس والزينة باب النهي عن التزوير في اللباس... (9757) من حديث عائشة.‬

‫(5/0187)‬




                                                                    ‫حقيقة العطاء من اهلل تعالى‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫التوحيد‬
                                                                                       ‫الربوبية‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                        ‫أسامة بن عبد اهلل خياط‬
                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫17/6/1715‬
                                                                                ‫المسجد الحرام‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كثير من الخلق يخطئون في معرفة حقيقة العطاء. 7- العطاء من اهلل تعالى لخلقه قد يكون‬
   ‫مط‬
  ‫عطاء بذل وقد يكون عطاء منع وحجب. 3- لكل عطاء من اهلل تعالى حكمة قد يعلمها ال ُع َى‬
                           ‫وقد تخفى عليه. 1- بيان المراد بالدنيا التي جاءت النصوص بذمها.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                    ‫أما بعد: فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل حق التقوى، وراقبوه فإنه سبحانه يعلم السر‬
  ‫َّ وأخفى، وال تغرنكم‬
                                                                            ‫الحياة الدنيا, وال يغرنكم باهلل الغرور.‬
‫أيها المسلمون، في غمرة السعي إلى إدراك المنى وبلوغ اآلمال والظفر بالرغائب يغفل أو يتغافل‬
                                      ‫م‬
    ‫فريق من الناس أن عاقبة هذا السعي لن تكون وفق ما يأ ُل على الدوام، ولذا فإنه حين يقع له‬
                                                        ‫ي‬               ‫ن‬
        ‫بعض حرما ٍ مما يحب، وحين ُحال بينه وبين ما يشتهي تضيق عليه األرض بما رحبت،‬
                                                        ‫ي‬             ‫ي‬
  ‫وتضيق عليه نفسه, و ُزايله رشده ف ُفضي به ذلك إلى التردي في وهدة الجحود لنعم اهلل السابغة‬
                                                       ‫ال‬
      ‫ومننه السالفة، فيصبح ويمسي مثق ً بالهموم, مضطرب النفس, ال يهنأ له عيش وال تطيب له‬
                                                                                                                     ‫حال.‬
‫وإن الباعث على هذا ـ أيها اإلخوة ـ هو الخطأ في معرفة حقيقة العطاء وحقيقة المنع, وتصور‬
                                                                 ‫أنهما ضدان ال يجتمعان, ونقيضان ال يلتقيان.‬
    ‫من أجل ذلك كان للسلف رضوان اهلل عليهم في هذا الباب وقفات محكمات لبيان الحق والداللة‬
‫على الرشد والهداية إلى الصواب، فقد نقل اإلمام سفيان الثوري رحمه اهلل عن بعض السلف قوله:‬
                                                   ‫ُ‬
  ‫"إن منع اهلل عبده من بعض محبوباته هو عطاء منه له؛ ألن اهلل تعالى لم يمنعه منها بخال، وإنما‬
                  ‫ة‬                                                               ‫ا‬
 ‫منعه لطفً"، يريد بذلك أن ما يمن اهلل به على عبده من عطاء ال يكون في صور ٍ واحدةٍ دائمةٍ ال‬
                                    ‫ُ‬         ‫ي‬
  ‫تتبدل, وهي صورة اإلنعام بألوان النعم التي ُحبها ويدأب في طلبها، وإنما يكون عطاؤه سبحانه‬
   ‫إلى جانب ذلك أيضاً في صورة المنع والحجب لهذه المحبوبات؛ ألنه وهو الكريم الذي ال غاية‬
       ‫لكرمه وال منتهى لجوده وإحسانه, وهو الذي ال تعدل الدنيا عنده جناح بعوضة كما جاء في‬
    ‫الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه بإسناد صحيح عن سهل بن سعد الساعدي رضي اهلل‬
     ‫عنه، عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح بعوضة ما‬
                                                                                                     ‫ً‬
                                                                              ‫سقى كافرا منها شربة ماء))(5)[5].‬
                                                      ‫ا‬            ‫ا‬
    ‫إنه سبحانه لم يكن ليمنع أحدً من خلقه شيئً من الدنيا إال لحكمةٍ بالغة وتقديرٍ عليم ومصالح قد‬
‫تخفى على أكثر الناس، يدل لذلك قوله صلى اهلل عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي في‬
     ‫جامعه وابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن قتادة بن النعمان رضي اهلل عنه، عن النبي‬
                                        ‫صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((إن اهلل إذا أحب ا‬
‫َّ عبدً حماه عن الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه‬
                                                            ‫ة‬
  ‫الماء))(7)[7]. وفي رواي ٍ للحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه أن‬
                        ‫ي‬
        ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إن اهلل تعالى ليحمي عبده المؤمن وهو ُحبه, كما تَحْمون‬
                                                             ‫مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه))(3)[3].‬
           ‫حر‬                                                           ‫ا‬
‫ويشهد لهذا أيضً كما قال العالمة الحافظ ابن رجب رحمه اهلل: "أن اهلل عز وجل َّم على عباده‬
              ‫واد‬
  ‫أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه, َّخره لهم عنده‬
       ‫و أ يك الن س ُمة ِ لجع‬
  ‫في اآلخرة، وقد وقعت اإلشارة إلى هذا بقوله عز وجل: َلَوْالَ َن َ ُونَ َّا ُ أ َّ ً واحدَةً َّ َ َلْنَا‬
   ‫و ُر عل ه‬                  ‫لبي ت ِ سق م ِضة وم ر ع ه ي َر ن ولبي ته‬                                      ‫لم ي ُر ِالر‬
  ‫ِ َن َكْف ُ ب َّحْمَانِ ِ ُ ُو ِهمْ ُ ُفاً ّن ف َّ ٍ َ َعَا ِجَ َلَيْ َا َظْه ُو َ َِ ُ ُو ِ ِمْ أَبْواباً َس ُراً ََيْ َا‬
                   ‫الد ي و ِ ة ع رب ل ُتق‬                           ‫َتكئ ن وز ْر ا وإ ُل ل َم م ع‬
‫يَّ ِ ُو َ َ ُخ ُفً َِن ك ُّ ذَِكَ ل َّا َتَا ُ الْحياةِ ُّنْ َا َاألَخرَ ُ ِندَ َ ّكَ ِلْم َّ ِينَ [الزخرف:33-13].‬
 ‫وصح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في اآلخرة))‬
                                                                              ‫أخرجه الشيخان في صحيحهما(1)[1].‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫وفي الصحيحين أيضً من حديث حذيفة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال:‬
‫((ال تلبسوا الحرير وال الديباج, وال تشربوا في آنية الذهب والفضة, وال تأكلوا في صحافها, فإنها‬
                                                                             ‫لهم في الدنيا ولكم في اآلخرة))(1)[1].‬
     ‫وأخرج الشيخان في صحيحهما من حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه‬
‫ر‬
‫وسلم قال: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في اآلخرة))(6)[6]. هذا مع أنه شتان بين خم ٍ‬
                                                ‫ي‬               ‫ي‬
 ‫لذةٍ للشاربين, ال ُصدعون عنها وال ُنزفون, وتلك هي خمر اآلخرة، وبين خمرةٍ هي ضغث من‬
 ‫عمل الشيطان يريد أن يوقع بها العداوة والبغضاء بين المؤمنين, ويصدهم بها عن ذكر اهلل وعن‬
                                                                                         ‫الصالة, وتلك هي خمر الدنيا.‬
  ‫وأخرج اإلمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه‬
            ‫ً‬     ‫عي‬                        ‫لي‬
      ‫أنه قال: (لو ال أن تنقص حسناتي لخالطتكم في ِّن عيشكم, لكني سمعت اهلل َّر قوما فقال:‬
                                                                     ‫ُ به‬              ‫يب تك ْ ف ح ت ُم الد ي و‬
                                                                  ‫أذهبتم طَ ّ َا ِ ُم ِى َيَا ِك ُ ُّنْ َا َاسْتَمْتَعْتمْ ِ َا).‬
                                                             ‫ٍ‬
      ‫وإن الواقع الذي يعيشه كل امرئ في حياته ليقيم األدلة البينة والبراهين الواضحة على صحة‬
        ‫خ‬                                 ‫ل‬
    ‫وصدق هذا الذي نقله سفيان رحمه اهلل، فكم من مأم ٍ ما لو بلغ أمله لكانت عاقبة أمره ُسرا,‬
       ‫ة‬       ‫َر‬                      ‫ِ‬                          ‫ا‬     ‫ح ة‬
   ‫ونهاية سعيه َسْر ً وندمً، وكم من حريصٍ على ما لو ظفرَ بما أراد ألعقبه ظَف ُه هزيم ٍ يجر‬
             ‫ا ي‬
        ‫أذيالها, ويتجرع مرارتها, ولذا وجه سبحانه األنظار إلى حقيقة أن المرء كثيرً ما ُحب من‬
                   ‫ر‬         ‫ر‬                                    ‫ر‬
  ‫حضوض الدنيا ما هو ش ٌ له ووبال عليه, ويكره منها ما هو خي ٌ له وأجد ُ به فقال عز اسمه:‬
‫ُ ِبَ َلَيْك ُ الْ ِتَا ُ وَ ُوَ كرْ ٌ َّكمْ َ َ َى َن تَكرَ ُواْ شَيْئًا وَ ُوَ خَي ٌ َّكمْ َ َ َى أَن ُح ُّواْ َيْئًا َ ُ َ‬
‫ت ِب ش وهو‬                 ‫ه ْر ل ُ وعس‬                        ‫كت ع ُم ق ل ه ُ ه ل ُ وعس أ ْ ه‬
                                                                                 ‫م‬              ‫َر ل ُ َالله ي َم و ُ‬
                                                                ‫ش ٌّ َّكمْ و َّ ُ َعْل ُ َأَنتمْ الَ تَعْلَ ُونَ [البقرة:657].‬
                             ‫م‬
   ‫ونهى سبحانه نبيه صلوات اهلل وسالمه عليه عن النظر إلى ما ُتع به المترفون ونظراؤهم من‬
‫النعيم مبيناً له أنه زهرة ذابلة, ومتعة ذاوية, امتحنهم بها وقليل منهم الشكور, فقال تبارك وتعالى:‬
      ‫َالَ تَ ُد َّ َيْنَيْكَ َِى َا م َّعْنَا ِهِ أزْواجاً ّنْ ُم زَه َةَ الْحياةِ ُّنْيَا ِنَفْ ِنَهم ِي ِ ورزْق َّكَ َيْ ٌ‬
      ‫الد ل ت ُ ْ ف ه َ ِ ُ رب خ ر‬                         ‫م ه ْ ْر‬            ‫إل م َت ب َ‬                    ‫و م َّن ع‬
                                                                                                                    ‫و ق‬
                                                                                                         ‫َأَبْ َى [طه:535].‬
           ‫ء‬                                  ‫ع‬
   ‫وإذن فليس بدعاً ـ أيها اإلخوة ـ أن يكون من ُ اهلل اإلنسان من بعض محبوباته عطا ً منه له؛‬
                                               ‫ب ل‬         ‫ع‬                 ‫ة‬
                                     ‫ألنه منع حفظٍ وصيان ٍ وحماية, وليس من َ حجب أو ُخ ٍ أو حرمان.‬
   ‫ة الد ي عب و و َز ة و ُر ب ُ و ث ٌ ف َ ل‬                                            ‫م َنم‬
   ‫وصدق اهلل إذ يقول: اعْلَ ُواْ أ َّ َا الْحيا ُ ُّنْ َا لَ ِ ٌ َلَهْ ٌ و ِينَ ٌ َتَفَاخ ٌ َيْنَكمْ َتَكَا ُر ِى األمْوا ِ‬
 ‫ِ َذ ب‬           ‫ته ُم يه ج َر ه م َر ُم يك ن ح ا َف‬                               ‫ُف‬        ‫ج‬                 ‫م‬               ‫و‬
 ‫َاألَوْلْادِ كَ َثَلِ غَيْثٍ أَعْ َبَ الْك َّارَ نَبَا ُ ُ ث َّ َ ِي ُ فَت َا ُ ُصْف ّاً ث َّ َ ُو ُ ُطَامً و ِى اآلخرَةِ ع َا ٌ‬
                                        ‫ة الد ِال م ع ْ ُر‬                    ‫َد د وم ف ة م الله َر ن و‬
                        ‫ش ِي ٌ َ َغْ ِرَ ٌ ّن