Docstoc

موسوعة خطب المنبر 035

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 035 Powered By Docstoc
					                  ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
             ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                             ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                  ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                              ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
        ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
       ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
   ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                       ‫معين.‬


                                                ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                        ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                  ‫حق الجار‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                    ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                 ‫حمد بن إبراهيم الحريقي‬
                                                                                   ‫الرياض‬
                                                                                ‫27/4/2545‬
                                                                                   ‫البساتين‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- وصية اهلل ورسوله بالجار. 7- حقوق الجار على جاره. 2- التعوذ من جار السوء والصبر‬
                                                      ‫عليه. 4- التجاوز عن خطأ الجار.‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
              ‫َيه َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
       ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل‬
       ‫عمران: 705] واعملوا أن حق الجار على جاره مؤكد باآليات واألحاديث قال جل وعال:‬
   ‫وبالوالدين إحسانًا .. والجار الجنب ويقول : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه‬
                                                                                                ‫سيورثه )) متفق عليه.‬
    ‫معاشر المسلمين: كان العرب في الجاهلية واإلسالم يحمون الذمار ويتفاخرون بحسن الجوار‬
                                                                                ‫وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار.‬
                                     ‫ص‬           ‫ر‬
                                     ‫يلومونني أن بعت بالرخص منزلي…ولم يعلموا جا ًا هناك ينغ ُ‬
                                                ‫ص‬      ‫ر‬
                                                ‫فقلت لهم كفوا المالم فإنما…بجيرانها تغلو الديا ُ وترخ ُ‬
     ‫واإلسالم يأمر بحسن المجاورة مع كل إنسان وشر الناس من تركه الناس اتقاء شره، وأسوأ‬
‫الجيران من يتتبع العثرات ويتطلع إلى العورات في سره وجهره وليس بمأمون على دين وال نفس‬
                                                                                                      ‫وال أهل وال مال.‬
                                                                                                                  ‫عباد اهلل:‬
‫والمسلم يعترف بما للجار على جاره من حقوق وآداب يجب على كل من المتجاورين بذلها لجاره‬
                                                                                                   ‫وإعطاؤها له كاملة:‬
                                                                                       ‫ال‬
  ‫أو ً: عدم أذيته بقول أو فعل، من الجار أو من أوالده أو من أهله لقوله : ((من كان يؤمن باهلل‬
                                                                     ‫واليوم اآلخر فال يؤذ جاره)) [متفق عليه].‬
   ‫وقال عليه الصالة والسالم: ((واهلل ال يؤمن، واهلل ال يؤمن، واهلل ال يؤمن)) قيل: من يا رسول‬
  ‫اهلل؟ قال: ((الذي ال يأمن جاره بوائقه)) [متفق عليه]. والبوائق هي الدواهي والغوائل والشرور.‬
 ‫ثانيًا: من الحقوق اإلحسان إلى الجار وذلك بأن ينصره إذا استنصره، ويعينه إذا استعانه، ويعوده‬
      ‫إذا مرض، ويهنئه إذا فرح، ويعزيه إذا أصيب، ويساعده إذا احتاج، يبدؤه بالسالم ويلين له‬
  ‫الكالم، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويرعى جانبه ويحمي حماه ويصفح عن زالته، وال‬
 ‫يتطلع إلى عوراته، وال يضايقه في بناء وال ممر، وال يؤذيه بقذر أو وسخ يلقيه أمام منزله، فكل‬
                                                        ‫هذا من اإلحسان إلى الجار الذي أمرنا اهلل تعالى به.‬
     ‫ثالثًا: إكرامه بإسداء المعروف والخير إليه قال صلى اهلل عليه وسلم: ((يا نساء المسلمات ال‬
      ‫تحقرن جارة جارتها ولو فرسن شاة)) [متفق عليه والفرس من الظلف. ولقوله عليه الصالة‬
                      ‫والسالم ألبي ذر: ((يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)).‬
  ‫رابعًا: تقديره فال يمنعه أن يضع خشبة في جداره، وال يبيع أو يؤجر ما يتصل به أو يقرب منه‬
   ‫حتى يعرض ذلك عليه ويستشيره. قال عليه الصالة والسالم: ((ال يمنعن أحدكم جاره أن يضع‬
                                                                                                      ‫خشبة في داره)).‬
     ‫أيها المسلمون: والمسلم يعرف نفسه إذا كان قد أحسن إلى جيرانه أو أساء إليهم ففي الحديث‬
 ‫الصحيح عن ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: قال رجل لرسول اهلل كيف لي أن أعلم إذا أحسنت‬
      ‫وإذا أسأت؟ فقال النبي : ((إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت وإذا سمعتهم‬
                                                                       ‫يقولون: قد أسأت، فقد أسأت)).‬
                                                                                                     ‫عباد اهلل:‬
  ‫وإذا ابتلي المسلم بجار سوء فليصبر عليه، فإن صبره سيكون سبب خالصه منه فقد جاء رجل‬
    ‫إلى النبي يشكو جاره فقال له: ((اصبر)) ثم قال له في الثالثة أو الرابعة: ((اطرح متاعك في‬
 ‫الطريق فطرحه فجعل الناس يمرون به ويقولون ما لك؟ فيقول: آذاني جاري فيلعنون جاره حتى‬
                       ‫جاءه وقال له: رد متاعك إلى منزلك، فإني واهلل ال أعود)) [رواه أبو داود].‬
    ‫وفي الحديث اآلخر قال عليه الصالة والسالم: ((تعوذوا باهلل من جار السوء في دار المقام ـ‬
                         ‫يعني الحضر ـ فإن جار البادي ـ أي الذي في السفر ـ يتحول عنك)).‬
‫جعلني اهلل وإياكم من خيار خلقه وبارك لي ولكم في الطيبات من رزقه، وأجارني وإياكم من أذية‬
‫ْ بغ ر‬          ‫لم الن س وي غ ف‬                  ‫ِنم السب ل عل َّذ‬
‫الجار والتهاون بحقه قال سبحانه: إ َّ َا َّ ِي ُ ََى ال ِينَ يَظِْ ُونَ َّا َ َ َبْ ُونَ ِى األرضِ ِ َيْ ِ‬
                                                                            ‫قأ ئ ُ َ ب م‬
                                                                            ‫الْحَ ّ ُوْلَ ِكَ لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ‬

‫(5/1445)‬




                                                                                                 ‫مناهي هامة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                         ‫أحاديث مشروحة‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                              ‫حمد بن إبراهيم الحريقي‬
                                                                                                      ‫الرياض‬
                                                                                                      ‫البساتين‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- وحدة المسلمين وإلفة قلوبهم مقصد من مقاصد الدين. 7- حديث : ((إياكم والظن)). 2-‬
  ‫حسن الظن بالمسلم. 4- النهي عن التحسس والتجسس. 1- التحذير والنهي التحاسد والتباغض‬
             ‫والتناجش والتدابر. 6- التحذير من الظلم والخذالن واالحتقار. 2- النهي عن الكبر.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                     ‫أما بعد:‬
   ‫َي َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم ن و صم بح ْ الل جم ا‬
   ‫ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُو َ َاعْتَ ِ ُواْ ِ َبلِ َّهِ َ ِيعً‬
                                                                                                       ‫و َرق‬
                                                                              ‫َالَ تَف َّ ُواْ [آل عمران: 705، 205].‬
                                                                                                                    ‫عباد اهلل:‬
                                                             ‫د‬
 ‫لقد أرسل اهلل تعالى نبيه محم ًا صلى اهلل عليه وسلم رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين ليجمع‬
 ‫على اإليمان قلوب المؤمنين ويزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء ويطهر نفوسهم من كل أسباب‬
   ‫البغضاء ليكونوا إخوانًا متحابين، وهذا واضح في سنته عليه الصالة والسالم، من أوامره عليه‬
            ‫الصالة والسالم، وكذلك من نواهيه، فمنها ما أخرجه البخاري ومسلم عليهما رحمة اهلل،‬
 ‫صحيحيهما عن النبي أنه قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، وال تحسسوا وال تجسسوا‬
‫وال تحاسدوا وال تناجشوا وال تباغضوا وال تدابروا وكونوا عباد اهلل إخوانًا، المسلم أخو المسلم ال‬
‫يظلمه وال يخذله وال يحقره، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثالث مرات ـ بحسب امرئ من‬
‫الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، إن اهلل ال ينظر إلى‬
                            ‫صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) رواه البخاري ومسلم.‬
                                       ‫ي‬
  ‫أيها المسلمون: لقد تضمنت هذه األحاديث أحد عشر نه ًا يؤدي العمل بها إلى االئتالف والصفاء‬
                                    ‫بين قلوب المسلمين وإلى البعد عن االختالف والشحناء بين المؤمنين.‬
                                        ‫ر‬
                                        ‫احرص على حفظ القلوب من األسى…فرجوعها بعد التنافر يعس ُ‬
                                                     ‫إن القلوب إذا تنافر ودها…مثل الزجاجة كسرها ال يجبر‬
     ‫قول النبي : ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)) المقصود بالظن هنا هو التهمة التي ال‬
               ‫ِن ب ْ الظن إ م‬
     ‫سبب لها، وهو الظن السيئ فإنه من اإلثم والباطل قال تعالى: إ َّ َعضَ َّ ّ ِثْ ٌ [الحجرات:‬
                                             ‫ق‬         ‫َن َّن ي ن م‬
‫75]، وقال عز وجل: إ َّ الظ َّ الَ ُغْ ِى ِنَ الْحَ ّ شَيْئًا [يونس: 62] فعلى المسلم أن يحذر من ظن‬
                          ‫ال‬
   ‫السوء وأن يحمل أخاه على أحسن الوجوه ما وجد إلى ذلك سبي ً، قال عمر بن الخطاب رضي‬
     ‫ال‬                           ‫ر‬
   ‫اهلل عنه: (وال تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إال خي ًا وأنت تجد لها في الخير محم ً)،‬
                                           ‫ي‬
‫وقال سعيد بن المسيب رحمه اهلل: (كتب إل ّ بعض إخواني أن ضع أمر أخيك على األحسن ما لم‬
                                                                                                                      ‫تغلب).‬
                       ‫وقوله: ((فإن الظن أكذب الحديث)) أي ما ينشأ عن الظن مما ال يطابق الواقع.‬
‫وقوله عليه الصالة والسالم: ((وال تحسسوا وال تجسسوا)) قال العلماء: التحسس االستماع لحديث‬
 ‫القوم، والتجسس: البحث عن العورات، وقيل: هو التفتيش عن بواطن األمور وأكثر ما يقال ذلك‬
                  ‫في الشر قال الخطابي رحمه اهلل: "معناه: ال تبحثوا عن عيوب الناس وال تتبعوها".‬
 ‫وقوله: ((ال تحاسدوا)) أي ال يحسد بعضكم بعضًا، والحسد هو تمني زوال النعمة عمن لديه تلك‬
    ‫ُد ن‬         ‫َ‬
    ‫النعمة، وهو سخط على اهلل في فضله ونعمته واعتراض على قسمته قال سبحانه: أمْ يَحْس ُو َ‬
                                                          ‫ل‬      ‫ُم الله م‬        ‫الن عل م‬
    ‫َّاسَ ََى َا ءاتَاه ُ َّ ُ ِن فَضِْهِ [النساء: 41]، وإن الحاسد حينما يرى نعمة على غيره قد‬
    ‫ظهرت أو منقبة شكرت فإنه يغتم ويهتم ويتمنى النقمة لصاحب النعمة، ويفرح بالمصيبة عليه‬
                                                                                                 ‫ذ‬
                                                                                         ‫عيا ًا باهلل.‬
 ‫وكل ذي نعمة فهو محسود قال عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه: (ما كانت نعمة هلل على أحد إال‬
                ‫ز‬                                                        ‫د‬
‫وجدت لها حاس ًا ولو كان الرجل أقوم من القدح ـ وهو السهم ـ لما عدم غام ًا) إال ما ذكر عن‬
       ‫التواضع فإنه قل من يحسد من يتصف به، قال المبرد: النعمة التي ال يحسد صاحبها عليها‬
  ‫التواضع، والبالء الذي ال يرحم صاحبه العجب. ولعل السبب في كون المتواضع ال يحسد على‬
              ‫تواضعه ألن التواضع في نظر المستكبر ذلة وصغار وهو في الحقيقة عزة وإكبار.‬
                                                                                    ‫أيها المسلمون:‬
‫إن الحسد داء يضر بالجسد وسبب لهبوط منزلة الحاسد فال يمكنه الحصول على بغيته فالحسود ال‬
  ‫يسود ولن يبلغ المقصود، بل ربما يكون حسد الحاسد منبهًا إلى فضل المحسود ونقص الحسود.‬
                                        ‫وإذا أراد اهلل نشر فضيلة……طويت أتاح لها لسان حسود‬
                             ‫لوال اشتعال النار فيما جاورت……ما كان يعرف طيب عرفِ العو ِ‬
                             ‫د‬
    ‫وأما قوله عليه الصالة والسالم: ((وال تناجشوا)) والنجش هو أن يزيد الرجل في قيمة السلعة‬
   ‫وهو ال يريد شراءها وإنما قصده نفع البائع على حساب المشتري أو مضرة المشتري المحتاج‬
‫وهو من أسباب البغضاء ومن اإلعانة على أكل المال بالباطل ومن الغش للمسلمين، فال يجوز لك‬
 ‫أيها المسلم أن تزيد في ثمن سلعة ما عند المزايدة إال إذا كنت تريد شراءها حقيقة لك أو لغيرك.‬
    ‫وقوله: ((وال تباغضوا)) أي ال تفعلوا أسباب البغضاء فيما بينكم من السب والسخرية والغيبة‬
‫والنميمة، وإن من شرار الناس المشائين بالنميمة المتبعين ألهوائهم، ولتحذر أيها المسلم أن تبغض‬
  ‫أخاك من أجل أمره لك بمعروف أو نهيك عن منكر فتبغضه من أجل أن وعظه ال يوافق هواك‬
                                    ‫فتكون ممن اتبع هواه بغير هدى من اهلل فتصبح من الضالين.‬
       ‫وأما قوله عليه الصالة والسالم: ((وال تدابروا)) والتدابر هو التهاجر والتقاطع فإن كال من‬
 ‫المتقاطعين يولي صاحبه دبره ويعرض عنه وال يسلم عليه وال يرد عليه السالم قال النبي : ((ال‬
 ‫يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثالث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ‬
                                                                           ‫بالسالم)) أخرجه مسلم.‬
   ‫قال ابن عبد البر رحمه اهلل: قيل لإلعراض مدابرة ألن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولى‬
                                                                           ‫دبره، والمحب بالعكس.‬
  ‫وقوله: ((وال يبع بعضكم على بيع بعض)) معنى ذلك أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار‬
    ‫افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأقل أو أجود منه بثمنه فليتق اهلل المسلم وليقنع بما آتاه اهلل وال‬
                                                          ‫يحسد الناس على ما آتاهم اهلل من فضله.‬
         ‫نسأل اهلل الكريم من فضله ونشكره على نعمه. أقول ما تسمعون وأستغفر اهلل لي ولكم...‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
      ‫ر‬
    ‫الحمد هلل وكفى والصالة والسالم على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثي ًا.‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
  ‫اتقوا اهلل عباد اهلل وكونوا عباد اهلل إخوانًا، أي تعاملوا وتعاشروا معاملة اإلخوان ومعاشرتهم في‬
   ‫المودة والرفق والشفقة والمالطفة والتعاون على الخير مع صفاء القلوب والنصيحة لكل إنسان‬
‫وبكل حال، قال عليه الصالة والسالم: ((المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يخذله وال يحقره)) فقوله‬
    ‫ال يظلمه أي ال يجوز له ظلمه بقول أو فعل أو ترك بل يسعى في نصحه وإعطائه حقه وعدم‬
‫االعتداء عليه، وقوله: ((وال يخذله)) أي ال يترك نصرته وإعانته إذا استعان به في دفع الظلم عنه‬
                                                                           ‫وهو يقدر على ذلك.‬
‫وقوله: ((وال يحقره)) أي يستصغر شأنه من أجل أنه أقل منه في علمه أو سنه أو في دنياه أو في‬
          ‫مركزه ومنصبه أو في جاهه ونسبه أو في قبيلته أو عشيرته، فإن االحتقار منشؤه الكبر‬
  ‫واالستكبار واهلل ال يحب المستكبرين. وقد توعد عليه الصالة والسالم من كان في قلبه كبر بعدم‬
‫دخوله الجنة؛ حيث قال: ((ال يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) فقيل له إن الرجل‬
                                                      ‫ن‬           ‫ن‬
‫يحب أن يكون ثوبه حس ًا ونعله حس ًا فقال: ((إن اهلل جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط‬
                                                                            ‫الناس)) رواه مسلم.‬
     ‫ومعنى قوله: ((بطر الحق)) أي رده ودفعه إلى قائله، وقوله: ((وغمط الناس)) أي احتقارهم‬
                                                           ‫ر‬
  ‫وازدراؤهم وكفى باالحتقار ش ًا قوله عليه السالم بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.‬
  ‫وقول النبي : ((التقوى هاهنا)) ويشير إلى صدره ثالث مرات، يدل على أن نظر اهلل تعالى إنما‬
‫هو إلى القلوب واألعمال ال إلى الصور واألموال، وكما يحرم عليك ذم أخيك المسلم وماله فكذلك‬
                                                             ‫يحرم عليك عرضه بسب أو سلب.‬
 ‫قال بعض السلف: ليكن حظ أخيك المؤمن منك ثالث: إن لم تنفعه فال تضره، وإن لم تفرحه فال‬
                                                                   ‫تغمه، وإن لم تمدحه ال تذمه.‬
      ‫أيها المسلمون: إن أعداء اإلسالم يفرحون بتفرق المسلمين واختالفهم وتباغضهم وتحاسدهم‬
‫ليتمكنوا من الدخول عن طريق خلل الصفوف فكونوا رحمكم اهلل ـ متحابين متالحمين وال تدعوا‬
     ‫ن‬
    ‫فرجات لشياطين اإلنس والجن بل اجتمعوا لطردهم واتحدوا لدحضهم وكونوا عباد اهلل إخوا ًا‬
      ‫لعلهم يموتون بغيظهم فيكفيكم اهلل شرهم ومكرهم وكيدهم، وما كيد الكافرين إال في ضالل.‬
                                                   ‫عباد اهلل صلوا وسلموا على خير خلق اهلل....‬

‫(5/4445)‬
                                                                              ‫آداب المزاح‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                     ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                      ‫جدة‬
                                                                        ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- اتهام اإلسالم بالكبت والقسوة. 7- مزاح النبي مع أصحابه. 2- ضوابط المزاح. 4-‬
                                                               ‫االستهزاء بالدين وأهله كفر.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
                           ‫ً‬
  ‫عباد اهلل، إن من عظمة هذا الدين وشموليته وسعته أنه ما ترك شيئا في حياة المسلم إال ونظمه‬
   ‫ورتبه، وجعل له قواعد وضوابط يسير عليها ويلتزم بها، وذلك كله بأمر اهلل جل وعال وهدي‬
  ‫ا‬
  ‫رسوله صلى اهلل عليه وسلم، وإن مما يشتهر عند غير المسلمين وبعض المسلمين لألسف أيضً‬
   ‫أن دين اإلسالم دين كبت وحبس للنفس، فال ضحك وال مزاح، وال لهو وال متعة. ولئن اشتهر‬
‫هذا عند غير المسلمين فإنه قد يعذر الكثير منهم في تصوره هذا الذي قد يكون بسبب جهله لديننا‬
  ‫اإلسالمي العظيم أو بسبب التشويه المتعمد من قبل وسائل اإلعالم الكافرة التي ما فتئت تصور‬
                                                          ‫اإلسالم والمسلمين بأبشع الصور.‬
    ‫لكن المصيبة كل المصيبة أن توجد مثل هذه المفاهيم والتصورات عند بعض أفراد المسلمين.‬
‫أيها المسلمون، لقد جاءت سنة النبي صلى اهلل عليه وسلم مبينة وموضحة لهذه القضية. لقد كانت‬
                                                    ‫ً‬
 ‫سيرة النبي صلى اهلل عليه وسلم نموذجا لحياة المسلم، لمن أراد أن يحيا حياة على وفق ما شرع‬
 ‫اهلل، وفي هذه القضية لو رجعنا إلى سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لوجدنا أنه عليه الصالة‬
                            ‫ال‬
‫والسالم كان يمازح أصحابه. فقد روى أبو داود والترمذي أن رج ً جاء إلى النبي صلى اهلل عليه‬
   ‫وسلم فقال: احملني يا رسول اهلل( يعني أعطني دابة أركب عليها وتحملني) فقال له رسول اهلل‬
      ‫صلى اهلل عليه وسلم: ((إنا حاملوك على ولد الناقة)) فقال الرجل: وما أفعل بولد الناقة؟!ـ‬
                 ‫مستغرباًـ فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((وهل تلد اإلبل إال النوق؟)).‬
  ‫وعن أنس رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال له: ((يا ذا األذنين)). قال أبو‬
                                              ‫أسامة: يعني يمازحه. [رواه أبو داود والترمذي].‬
‫وروى الطبراني في األوسط أن امرأة عجوز دخلت في بيت النبي صلى اهلل عليه وسلم فقالت: يا‬
‫رسول اهلل ادع اهلل لي أن يدخلني الجنة فقال: ((إن الجنة ال تدخلها عجوز)). ثم ذهب للصالة فلما‬
    ‫رجع قالت له أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها: لقد وجدت العجوز من كالمك شدة ومشقة،‬
                                                                ‫ا‬
                                                             ‫فقال: ((إن اهلل يرجعهن أبكارً)).‬
       ‫وكذلك روى البخاري في األدب المفرد أن أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كانوا‬
                                              ‫يتبادحون بالبطيخ فإذا جد الجد كانوا هم الرجال.‬
‫ولقد كان صلى اهلل عليه وسلم ذا خلق رفيع حتى أنه كان يمازح األطفال ويداعبهم. ففي البخاري‬
 ‫ومسلم عن أنس قال: إن كان النبي صلى اهلل عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول ألخ لي صغير: ((يا‬
                                                                    ‫أبا عمير ما فعل النغير)).‬
‫ولذلك استغرب الصحابة من مزاح النبي صلى اهلل عليه وسلم فقالوا له: يا رسول اهلل إنك تداعبنا؟‬
                                             ‫ا‬
         ‫فقال عليه الصالة والسالم: ((إني ال أقول إال حقً)) [األدب المفرد للبخاري، والترمذي].‬
   ‫عباد اهلل، إن هذا الذي ذكر هو بعض ما ورد من مداعبة النبي صلى اهلل عليه وسلم ألصحابه.‬
     ‫ولم نرد التفصيل واإلطالة ألن ذلك كله كان تمهيداً لموضوع أصلي أردنا الحديث عنه وهو‬
                                                                   ‫ضوابط المزاح والمداعبة.‬
  ‫إخوة اإليمان، كما سمعتم فإن ديننا ال يحرم المزاح والمداعبة، وإنما يجعل له ضوابط تجعله ال‬
  ‫يخرج من المتعة إلى اإلفساد. وقطع الصالت وحصول اآلثام. ومن ضوابط المزاح التي علمنا‬
                                                         ‫إياها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
 ‫5- أن المزاح ال يكون إال بالحق. ولذلك إذا تأملت األحاديث التي ذكرناها في مزاح النبي صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم مع أصحابه تجد كل ما كان يمزح به النبي صلى اهلل عليه وسلم كلمات ليس فيها‬
     ‫كذب. كقوله: ((إنا حاملوك على ولد الناقة)) وما ولد الناقة: إنه الجمل. وقوله ألنس: ((يا ذا‬
                                                  ‫األذنين)). فأنس له أذنان، وكل الناس كذلك.‬
       ‫وهكذا يكون المزاح بغير كذب أو افتراء. وكم يحدث اليوم من الكذب في اختراع قصص‬
  ‫وحكايات ال أصل لها وال صحة لها ألجل إضحاك الناس، وقد صح الحديث بالتهديد للذي يفعل‬
  ‫ذلك عن النبي حيث ورد عند أبي داود والترمذي أن رسول اهلل قال: ((ويل للذي يحدث فيكذب‬
                                                         ‫ليضحك به القوم، ويل له، ويل له)).‬
        ‫7- كذلك من ضوابط المزاح الشرعية أن ال يكون فيما يتعلق بالدين كالمزاح باآليات أو‬
                                      ‫األحاديث أو الثوابت الشرعية التي ال يجوز المساس بها.‬
   ‫وهذا لألسف قد حصل من بعض الناس هداهم اهلل. فقد وجد في أيامنا هذه ما تسمى بالنكات أو‬
‫الطرف حول المالئكة واألنبياء أو القرآن واألحاديث. وهذا عباد اهلل من أخطر ما يكون، حيث إن‬
   ‫هذا الفعل كفر مخرج من الملة عياذاً باهلل. يقول الشيخ محمد بن عثيمين حفظه اهلل: "ومن هزل‬
‫باهلل أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله فهو كافر، ألن منافاة االستهزاء لإليمان منافاة عظيمة.‬
    ‫كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟ فالمؤمن بالشيء ال بد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من‬
          ‫تعظيمه ما يليق به. والكفر كفران: كفر إعراض وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر‬
                        ‫ا‬
         ‫معارضة، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط، وهذه المسألة خطيرة جدً ورب كلمة أوقعت‬
    ‫بصاحبها البالء بل والهالك وهو ال يشعر فقد يتكلم اإلنسان بالكلمة من سخط اهلل عز وجل ال‬
                                                                                ‫ال‬
 ‫يلقي لها با ً يهوي بها في النار، فمن استهزأ بالصالة ولو مازحاً أو بالصوم أو بالزكاة أو بالحج‬
                    ‫ال‬
   ‫فهو كافر بإجماع المسلمين. كذلك من استهزأ باآليات الكونية بأن قال مث ً: إن وجود الحر في‬
     ‫أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه. فهذا كفر مخرج من الملة ألن‬
                                                      ‫الرب عز وجل كل أفعاله مبنية على الحكمة". انتهى.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي ال تنفد مع كثرة اإلنفاق خزائنه. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له يؤازره،‬
    ‫وال نظير له يعاونه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى الناس كافة، فقد فاز متابعه ومعاونه،‬
                            ‫جم‬                                               ‫د‬
     ‫وخسر مضا ّه ومباينه. صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه الذين ُ ِعت لهم غرر الدين القويم‬
                                                                                                                ‫ومحاسنه.‬
                                                                                                                  ‫أما بعد:‬
   ‫فقد حصل في زمن النبي صلى اهلل عليه وسلم في غزوة تبوك عندما كان رسول اهلل صلى اهلل‬
   ‫ا‬
   ‫عليه وسلم سائراً للقتال تكلم بعض المنافقين بكالم زعموا أنه لعب ومزاح فأنزل اهلل فيهم قرآنً‬
   ‫ز ن‬              ‫ته َرس له ك ُ‬             ‫ُ ِالله‬
   ‫يتلى. قال ابن كثير رحمه اهلل في تفسير قوله تعالى: قلْ أَب َّ ِ وَءايَا ِ ِ و َ ُوِ ِ ُنتمْ تَسْتَهْ ِءو َ‬
     ‫[التوبة:16]. قال أبو معشر المديني: عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من‬
                                                ‫ا‬
 ‫المنافقين: ما أرى قراءنا هؤالء إال أرغبنا بطونً وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فجاء إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته‬
   ‫فقال: يا رسول اهلل إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: قلْ أَب َّ ِ وَءا َا ِهِ و َ ُوِ ِ ُنتمْ تَسْتَه ِءونَ َ‬
   ‫ال‬    ‫ْز‬          ‫ُ ِالله ي ت َرس له ك ُ‬
             ‫َن ُ ن م رم‬                           ‫م ُ ن َذ‬               ‫َ ِر ْ َ َ ُ ب ْ إ نك إ ن ْف ع‬
          ‫تَعْتذ ُوا قدْ كَفرْتمْ َعدَ ِيمَا ِ ُمْ ِن َّع ُ َن طَائِفَةٍ ّنْكمْ ُع ّبْ طَائِفَةً بِأَّهمْ كَا ُواْ ُجْ ِ ِينَ‬
    ‫[التوبة:61-66]. وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                          ‫وهو متعلق بنسعة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
   ‫وقال عبد اهلل بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد اهلل بن عمر قال: قال‬
   ‫رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤالء أرغب بطوناً وال أكذب ألسنة وال‬
   ‫أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق ألخبرن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
      ‫وسلم، فبلغ ذلك رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ونزل القرآن فقال عبد اهلل بن عمر أنا رأيته‬
                                                                                      ‫ا‬
‫متعلقً بحقب ناقة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول اهلل إنما كنا‬
   ‫نخوض ونلعب، ورسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول: أَب َّ ِ وَءايَا ِ ِ و َ ُوِ ِ ُنتمْ تَسْتَهْ ِءو َ‬
   ‫ز ن‬              ‫ته َرس له ك ُ‬             ‫ِالله‬
                                                                                                         ‫اآلية. ا.هـ.‬
                                        ‫وهكذا يتبين أن المزاح واالستهزاء بشرع اهلل كفر ال يجوز فعله.‬
 ‫عباد اهلل، وعند الكالم على المزاح يجب الكالم على مسألة من أخطر المسائل، وقد صار البعض‬
 ‫يتساهل فيها إما بعلم وإما جهلًا، أال وهي المزاح فيما يتعلق بدين اهلل تعالى وشرعه، حيث أصبح‬
‫بعض الناس هداهم اهلل يبتكرون الطرف وهي ما يسمى بالنكات حول أمور من الدين، بل وأصبح‬
                                          ‫ا‬
‫يفعل ذلك بعض الكتاب في الصحف ويفعلونه أحيانً من خالل الرسوم التي يسمونها بالكاريكاتير.‬
‫وهذا األمر كما سبق وذكرت كفر ال يجوز فعله. لما سبق من تفسير قوله تعالى: قلْ أَب َّ ِ وَءا َا ِ ِ‬
‫ُ ِالله ي ته‬
                                       ‫ُ بْ إ منُ‬                ‫َذر ْ َ‬               ‫ْز‬          ‫َرس له ك ُ‬
   ‫و َ ُوِ ِ ُنتمْ تَسْتَه ِءونَ الَ تَعْت ِ ُوا قدْ كَفَرْتمْ َعدَ ِي َا ِكمْ. فلنحذر عباد اهلل من المساس بجناب‬
    ‫الدين فإنه أمر خطير عظيم العاقبة. ولنتذكر حديث رسول اهلل الذي قال فيه: ((إن العبد ليتكلم‬
                                                       ‫ال‬
‫بالكلمة من رضوان اهلل ال يلقي لها با ً، يرفعه اهلل بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط‬
  ‫اهلل ال يلقي لها باال، يهوي بها في جهنم)) [رواه البخاري]. وعند مسلم: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة‬
                                       ‫ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)).‬
   ‫ا‬                ‫ء‬
  ‫2- ومن ضوابط المزاح في اإلسالم أال يكون فيه إيذاء للغير سواء كان إيذا ً بدنياً أو شعوريً.‬
   ‫م لظن ِن ب ْ الظن إ م و َسس و ي ت‬                                       ‫َي َّذ ن من ْ نب‬
  ‫قال تعالى: ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َُوا اجْتَ ِ ُواْ كَثِيراً ّنَ ا َّ ّ إ َّ َعضَ َّ ّ ِثْ ٌ َالَ تَج َّ ُواْ َالَ َغْ َب‬
                                                                                 ‫ب ضك ب‬
    ‫َّعْ ُ ُم َعْضاً [الحجرات:75]. فهذه األمور فيها إيذاء شعوري للمؤمنين وقد يصل إلى اإليذاء‬
                                                                                   ‫البدني، فحرمها اهلل منعاً لذلك.‬
   ‫واليوم تكثر التجاوزات في هذا الجانب بحجة المزاح، فتجد البعض ما إن يعلم أن أخاه يغضب‬
  ‫من شيء معين حتى يكثر المزاح معه فيما يغضبه قاصداً إغضابه. وهذا كما سمعتم أمر محرم‬
                                                                                                           ‫وال يجوز.‬
      ‫4- وكذلك من ضوابط المزاح الشرعية أال يكثر منه اإلنسان. فإن اإلكثار من المزاح يسقط‬
‫الهيبة ويوقع في الخطأ و البد. والمتأمل لسيرة رسول اهلل يجد أنه كان يمزح أحياناً وال يكثر منه.‬
                                                 ‫فال ينبغي لإلنسان أن يكثر منه المزاح حتى يعرف بذلك.‬

‫(5/0145)‬
                                                                                ‫استقبال رمضان‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                ‫الصوم, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                 ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                             ‫جدة‬
                                                                             ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- شوق المؤمن للقاء اهلل. 7- لماذا نكره الموت؟ 2- رمضان منحة اهلل للمذنبين. 4- الفرق‬
‫بين أحوالنا وأحوال السلف في رمضان. 1- فضل العبادات في رمضان. 6- التسويف والشيطان‬
                                                     ‫يصدان المؤمن عن التوبة. استقبال رمضان‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
                                                                    ‫ا‬
  ‫هاهي األيام تطوى يومً بعد يوم، وأسبوعاً تلو أسبوع، وشهراً يعقبه شهر. تمر بنا من أعمارنا‬
  ‫ونفرح بمرورها وهي تقربنا من آجالنا وتنقص من أعمارنا، والكثير منا في سهو ولهو وغفلة.‬
   ‫أيها المؤمنون، هذه األيام مطيتنا إلى اهلل والدار اآلخرة تحملنا وتسوقنا إلى لقاء اهلل ويا له من‬
                                                                                            ‫لقاء.‬
 ‫لقاء األحبة ـ عباد اهلل ـ لقاء مشوق تشتاق إليه نفس المؤمن وتفرح به، وعلى العكس من ذلك‬
 ‫حال المنافق والكافر والفاجر الفاسق، وقد أخبرنا صلى اهلل عليه وسلم بذلك: ((من أحب لقاء اهلل‬
   ‫أحب اهلل لقاءه، ومن كره لقاء اهلل كره اهلل لقاءه)) قالت فقلت: يا نبي اهلل أكراهية الموت؟ فكلنا‬
‫نكره الموت. فقال: ((ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة اهلل ورضوانه وجنته أحب لقاء اهلل‬
           ‫فأحب اهلل لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب اهلل وسخطه كره لقاء اهلل وكره اهلل لقاءه)).‬
  ‫أيها الموحدون: والكثير منا اليوم يكره الموت ال كما قالت عائشة، فإن كراهية الموت التي هي‬
   ‫من الطبيعة أمر خارج عن اإلرادة، لكن الكثير يكره الموت ألنه لم يستعد للقاء اهلل، ولم يعمل‬
                                                                                 ‫ال‬
‫عم ً يقدم به على اهلل وهو فرح مستبشر. الكثير منا مفرط مقصر في الفرائض قبل النوافل وفي‬
                                        ‫الواجبات قبل المستحبات، لذا فإننا غير مستعدين للموت.‬
  ‫وقد أشار إلى هذا المعنى بعض السلف رحمه اهلل عندما سئل: ما بالنا نكره الموت؟ فقال رحمه‬
‫اهلل: ألنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فكرهتم االنتقال من العمران إلى الخراب. نعم، إنه واهلل‬
                                                                                         ‫السبب الرئيس لكراهيتنا للموت.‬
    ‫ولكن بشراكم أيها المؤمنون، فإن هلل جل وعال منح وعطايا يحبو بها عباده في كل حين، وهذه‬
             ‫ا‬
   ‫هي حال الكريم مع عباده الفقراء المحتاجون إليه، وكل يوم هو في شأن. يستر ذنبً، ويعفو عن‬
                                                                      ‫زلة، ويمحو سيئة، ويقبل توبة، ويرفع درجة.‬
  ‫وحال العباد واهلل المستعان ما بين لهو وغفلة وانشغال بدنيا يموت ويفارقها ويرثها من بعده قوم‬
                                                                                                                          ‫آخرون.‬
        ‫ومن هذه المنح التي طالما امتن اهلل بها على عباده هذا الشهر الكريم العظيم الذي أنزل فيه‬
   ‫القرآن. هذا الشهر الذي فيه ليلة واحدة هي خير من ألف شهر. أنزل اهلل فيها سورة كاملة. قال‬
        ‫تعالى: إ َّا أَن َلْنَاه ِى لَيْلَةِ الْقَد ِ َمَا أد َا َ مَا لَيْلَ ُ الْقدرِ لَيْلَ ُ الْقدرِ خَي ٌ ّنْ أَلفِ شَه ٍ تَ َز ُ‬
        ‫ْر ن َّل‬        ‫ة َ ْ ة َ ْ ْر م ْ‬                                  ‫ْر و َ ْر ك‬                     ‫ِن ز ُ ف‬
                         ‫ْ‬            ‫م ئ ة َالر ح ف ِ ِ ربه م كل ْر سل م هى َت م‬
‫الْ َلَا ِكَ ُ و ُّو ُ ِيهَا بِإذْن َّ ِم ّن ُ ّ أَم ٍ ََا ٌ ِ َ حَّى َطْلَعِ الْفَجرِ [سورة القدر]. وقال صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم: ((أتاكم رمضان، شهر مبارك فرض اهلل عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب‬
   ‫السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، هلل فيه ليلة خير من ألف شهر، من‬
   ‫حرم خيرها فقد حرم)) [رواه النسائي]. وعند ابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة رضي‬
        ‫اهلل عنه: أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت‬
  ‫الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا‬
                                                 ‫باغي الشر أقصر، وهلل عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة)).‬
     ‫هذه أيها المؤمنون واحدة من المنح التي يمنحنا اهلل إياها لكي ننال بها جنة عرضها السماوات‬
 ‫واألرض، فيها ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب بشر. ومع ذلك يمر رمضان‬
            ‫ال‬
        ‫على بعض المسلمين هداهم اهلل كغيره من الشهور بل إنه ولألسف قد يكون أسوأ حا ً عند‬
 ‫البعض، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
     ‫وسلم: ((رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم‬
                 ‫انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخاله الجنة)).‬
‫فيا أمة محمد صلى اهلل عليه وسلم هذا موسمكم قد حل، وضيفكم قد أطل، فأين كرم الضيافة وأنتم‬
                                                   ‫أهل الكرم؟ وأين البشاشة والفرح وضيفكم خير الضيوف؟.‬
    ‫عباد اهلل: إن من بلغه اهلل رمضان منا لفي نعمة عظيمة عليه شكرها، وشكر هذه النعمة يكون‬
                                                                                    ‫بفعل الطاعات واجتناب المحرمات.‬
                                                 ‫ه‬
         ‫إن هذا الشهر الكريم قد مر بأقوام عباد ز ّاد من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
     ‫ورضي اهلل عن الصحابة أجمعين ثم مر من بعدهم على التابعين فرأى منهم ما يشبه ذلك من‬
        ‫العبادة والطاعة، لكنه اليوم يشكو إلى اهلل حالنا. صالة قليلة الخشوع، قليلة القراءة، قصيرة‬
 ‫الوقت، قليلة الركعات، وفوق ذلك كله ال يقوم بها إال القليل، والكثرة الكاثرة قد حبسهم العذر عن‬
     ‫حضور منازل الرحمة وبيوت الغفران. وليت شعري ماهو العذر الذي حبس الكثير عن قيام‬
‫رمضان؟! فهم ما بين.. مشغول بدنياه، محبوس في متجره، فهذه فرصة العام ليجمع من المال ما‬
 ‫ال يجمعه طوال العام، ويسوق من البضائع ما تكدس عنده طوال األشهر الماضية. أو العب اله‬
 ‫مشغول بلعبه، وال يحلو عمل المباريات لكثير من الشباب في رمضان إال وقت صالة التراويح.‬
       ‫أو ما بين مسلسل عند جهاز التلفزيون سلسلته المسلسالت واألفالم، وكبلته بالقيود واآلثام،‬
                  ‫والبرامج التي تكثر وتتنوع في رمضان صداً عن ذكر اهلل وإلهاءً عن الصالة.‬
      ‫أما الصنف الرابع ففي األسواق يتجول ال يحلو له التسوق والتبضع إال في ليالي هذا الشهر‬
  ‫المبارك، هذا إن لم يكن هناك من ال يريد التبضع بل يبحث عن شيء آخر.. ولم كل هذا؟! من‬
    ‫أجل العيد.. يضيع شهر رمضان كله في األسواق المكتظة بالنساء والشباب، نظرات محرمة،‬
 ‫وفتن وباليا، وكل ذلك من أجل العيد، فلله كم ربح الشيطان في هذه الصفقة من أمة محمد صلى‬
                                                                                ‫اهلل عليه وسلم؟‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
             ‫ظ‬                             ‫ظ‬                        ‫ل‬
 ‫الحمد هلل الذي خّص قلوب عباده المتقين من ُلْم الشهوات، وأخلص عقولهم عن ُلَم الشبهات.‬
    ‫أحمده حمد من رأى آيات قدرته الباهرة، وبراهين عظمته القاهرة، وأشكره شكر من اعترف‬
                                               ‫بمجده وكماله، واغترف من بحر جوده وأفضاله.‬
    ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل فاطر األرضين والسماوات، شهادة تقود قائلها إلى الجنات، وأشهد أن‬
    ‫سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، والمبعوث إلى كافة البريات، باآليات المعجزات،‬
 ‫والمنعوت بأشرف الخالل الزاكيات. صلى اهلل عليه، وعلى آله األئمة الهداة، وأصحابه الفضالء‬
                                              ‫ا‬     ‫ا‬
                                             ‫الثقات، وعلى أتباعهم بإحسان، وسلم تسليمً كثيرً.‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
‫معاشر المؤمنين: إن البركات تتنزل في هذا الشهر الكريم. فهل من راغب؟ والرحمات تتنزل في‬
        ‫هذا الشهر فهل من تائب؟ هذه أنهار الخير وبحاره تتدفق في ليالي هذا الشهر الكريم فأين‬
                             ‫ل‬
       ‫الجادون؟ هل من مشمر للطاعة، باذل لمهر الحور العين. ليا ٍ تمر وتمضي كلمح البصر،‬
‫ويذهب الجهد والتعب وتبقى حالوة الطاعة. فهذا الثمن يا خاطب الحور، ومن يخطب الحسناء لم‬
 ‫يغله المهر. صيام وقيام وصدقة وتالوة قرآن ومجالس ذكر وغير ذلك من أعمال البر والطاعة.‬
                             ‫ا‬
    ‫والثمن الجنة إن شاء اهلل. يقول : ((من قام رمضان إيماناً واحتسابً غفر له ما تقدم من ذنبه))‬
                                            ‫ا‬
   ‫[رواه الشيخان]. ويقول : ((من صام رمضان إيمانً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) [رواه‬
                                                   ‫ا‬
‫الشيخان]. ويقول : ((من قام ليلة القدر إيمانً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) [رواه الشيخان].‬
‫فماذا تريد بعد ذلك يا عبد اهلل؟ هل هناك فرصة أعظم من هذه الفرصة؟ هل هناك عرض أفضل‬
 ‫من هذا العرض؟ إنها الخسارة واهلل كل الخسارة، والغبن كل الغبن أن يفوت المرء هذه الفرصة‬
‫على نفسه ويحرم نفسه هذا الخير العظيم، وهو ال يدري هل يجد فرصة ثانية مثل هذه الفرصة أو‬
   ‫ال يجد. فال إله إال اهلل كم من مغبون قد حرم الخير في هذا الشهر المبارك. وكم من خاسر قد‬
                  ‫ضيع فرصة هذا الشهر، وال يخسر على اهلل إال هالك. نعوذ باهلل من الخسران.‬
   ‫معاشر االخوة الكرام: لماذا نعرض ونحن المحتاجون؟ لماذا نرفض ونحن الغارمون؟ إنه واهلل‬
                           ‫ِن الل ف ٌ ر م‬
 ‫الشيطان الذي سول للكثير منا. فمرة يقول لنا: إ َّ َّهَ غَ ُور َّحِي ٌ [البقرة:225]. وهي كلمة حق‬
         ‫َر ب من‬
         ‫أريد بها باطل. يريد منا الشيطان أال نعمل ثم نؤمل في رحمة اهلل، واهلل يقول: ق ِي ٌ ّ َ‬
                                                                                  ‫م سن‬
  ‫الْ ُحْ ِ ِينَ [األعراف:61]. ومرة يقول لنا: ال زال في العمر متسع لنؤخر التوبة، ونحن نعلم أن‬
                                                         ‫ا‬         ‫ا‬
  ‫الموت ال يعرف صغيرً وال كبيرً. فسبحان اهلل كيف انتصر علينا مع علمنا بحيله ومكره، وقد‬
  ‫بينها اهلل لنا في كتابه الكريم. ولكن هاهو الشيطان يصفد في هذا الشهر الكريم، فأين من يستغل‬
 ‫هذه الفرصة ليبقى العدو الثاني، الذي هو النفس التي بين جنبينا، فلنستغل الفرصة ولنكرهها على‬
                                                   ‫طاعة اهلل حتى تصبح لها ديدناً ال تنفك عنه.‬

‫(5/5145)‬




                                                                       ‫التحذير الشديد من القتل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                        ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                       ‫الرياض‬
                                                                                  ‫ذات النطاقين‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- القتل من السبع الموبقات. 7- عظم جريمة القتل. 2- عقوبة القتل في الدنيا واآلخرة. 4-‬
 ‫األسباب التي تؤدي إلى القتل. 1-تربية األبناء على التروي واحترام اآلخرين وحقهم في الحياة.‬
                                                          ‫6- االنتحار وما جاء في الوعيد منه.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
    ‫سنتحدث اليوم عن أمر هام، بل عظيم وأي عظم، عن جريمة شنعاء توجب اللعنة، وتطرد من‬
           ‫الرحمة، جريمة بالرغم من عظمها إال أنها تتوالى عبر العصور، وتتكرر بتكرر األجيال،‬
                                                                                ‫د‬
             ‫والشيطان أش ُ ما يكون حرصاً عليها، ألنه يضمن بها اللعنة للقاتل، وسخط اهلل وغضبه.‬
       ‫جريمة... وأي جريمة، هي وهج الفتن، ووقود الدمار، ومعول الهدم، نعم إنها جريمة القتل.‬
                          ‫جريمة إزهاق النفس التي حرم، جريمة توجب سخط اهلل والنار والعذاب األليم.‬
  ‫أيها الناس: لبيان عظم هذه الجريمة وهولها فقد قرن اهلل سبحانه وجل القتل بالشرك فقال تعالى:‬
                   ‫ق‬         ‫َر و تل الن الت ح َّ الله ِال‬                            ‫َ ع ن الل‬               ‫و َّذ‬
‫َال ِينَ الَ يدْ ُو َ مَعَ َّهِ الها ءاخ َ َالَ يَقْ ُُونَ َّفْسَ َّ ِى َرمَ َّ ُ إ َّ بِالْحَ ّ [الفرقان:16]. وقال‬
   ‫ل دك‬          ‫ا و تل‬              ‫و ِد إ‬                    ‫ل م َر َ َبك ع ُ َال ت رك به‬                                        ‫ق‬
 ‫تعالى: ُلْ تَعَالَوْاْ أَتْ ُ َا ح َّم ر ُّ ُمْ َلَيْكمْ أ َّ ُشْ ِ ُواْ ِ ِ شَيْئاً َبِالْوال َيْنِ ِحْسَانً َالَ تَقْ ُُواْ أَوَْا َ ُمْ‬
    ‫ن و تل الن الت‬                        ‫م َ مه و‬                         ‫ن ن َ ْ ُق ُ وِي ُ و ْرب‬                          ‫م‬
   ‫ّنْ إمْلَاقٍ َّحْ ُ نرز ُكمْ َإ َّاهمْ َالَ تَق َ ُواْ الْفَواحِشَ َا ظَهرَ ِنْ َا َمَا بَطَ َ َالَ تَقْ ُُواْ َّفْسَ َّ ِى‬
     ‫ع‬                                          ‫ق لك َص ُ ب َلك قل‬                               ‫ح َّ الله ِال‬
   ‫َرمَ َّ ُ إ َّ بِالْحَ ّ ذاِ ُمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّ ُمْ تَعْ ُِونَ [األنعام:515]. وفي الحديث المتفق عليه َنْ‬
    ‫أَ ِي ه َي َةَ َنْ َّ ِي قَالَ: ((اجْتَ ِ ُوا َّبْعَ الْ ُو ِقَات قَاُوا: يَا َ ُولَ َّهِ َ َا ه َّ؟ قَالَ: الشرْ ُ‬
    ‫ِّ ك‬            ‫رس الل وم ُن‬                 ‫نب الس م ب ِ ل‬                                ‫ب ُر ْر ع النب ِّ‬
‫َق و ل الر و ْل م ي م َالت َل ْ الز ْف‬                               ‫ِالله َالس ْر و ْل الن الت ح َّ الله ِل‬
‫ب َّ ِ و ِّح ُ َقَت ُ َّفْسِ َّ ِي َرمَ َّ ُ إَّا بِالْح ِّ َأَكْ ُ ِّبَا َأَك ُ َالِ الْ َتِي ِ و َّوِّي يَومَ َّح ِ‬
                                                                                         ‫م م ت غف‬                     ‫َ َ ْف م ص‬
                                                                                  ‫وقذ ُ الْ ُحْ َنَاتِ الْ ُؤْ ِنَا ِ الْ َا ِلَات)).‬
‫َز م م ُ ف ف حة‬                         ‫رس ل الل‬                ‫عم َ رض الله ع هم‬               ‫ع‬
‫وعند البخاري َنْ ابْنِ ُ َر َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ َا قَالَ: قَالَ َ ُو ُ َّهِ : ((لَنْ ي َالَ الْ ُؤْ ِن ِي ُسْ َ ٍ‬
 ‫ع ر ع النب ِّ ق ل‬            ‫ع ع ْ الل‬                                ‫م د نه َ يص دم حر‬
‫ِنْ ِي ِ ِ مَا لمْ ُ ِبْ َ ًا َ َامًا))، وعند الترمذي والنسائي َنْ َبدِ َّهِ بْنِ َمْ ٍو َنْ َّ ِي َا َ:‬
                                                                    ‫ون ع الل م ْ ِ ج م ِم‬                           ‫َ و ل الد‬
                                                                 ‫((لزَ َا ُ ُّنْيَا أَهْ َ ُ ِنْدَ َّهِ ِنْ قَتل رَ ُلٍ ُسْل ٍ)).‬
   ‫عباد اهلل: من أجل حرمة النفس وتحريمها رتب اهلل على قتلها عقوبات في اآلخرة وعقوبات في‬
                                                                                                                                  ‫الدنيا.‬
      ‫وم ي ُ م م ا م عم ً َز ؤه جه َّم ل ف ه و ض الله‬
      ‫أما عقوبات اآلخرة فقال تعالى: َ َن َقْتلْ ُؤْ ِنً ُّتَ َ ّدا فَج َا ُ ُ َ َن ُ خَاِداً ِي َا َغَ ِبَ َّ ُ‬
                                                                ‫ظ‬          ‫ع ه و ع ه و َد ه َ‬
    ‫َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَاباً عَ ِيماً [النساء:24]. انظر رحمك اهلل إلى ما ينتظر القاتل من عذاب‬
  ‫وعقوبة، أربع عقوبات عظيمة كل واحدة منها توجل القلب وتفزع النفس وتزلزل الكيان وترعب‬
                                                                                                                                ‫الجنان.‬
                                                                         ‫ً‬
   ‫األولى: جهنم خالدا فيها فياويله ما أصبره على نار جهنم وقد فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة‬
                                                                               ‫ء‬
 ‫وستين جز ً، نار جهنم التي يستعيذ منها محمد الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ... جهنم‬
     ‫... نعم أال يعلم القاتل أي دار هي جهنم ... أال يعلم القاتل أي دار ستستقبله ... إنها دار الذلِ‬
                                                             ‫ن ر‬             ‫ب‬         ‫ن‬
     ‫والهوا ِ، والعذا ِ والخذال ِ، دا ُ الشهيق والزفرات، واألنين والعبرات، نعم ... القاتل استحق‬
                                                                                    ‫ٍ‬
‫سكنى دار أهلها أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء، األغالل تجمع بين أيديهم وأعناقهم، والنار‬
                                        ‫ي‬
 ‫تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، شرابهم من حميم ُصهر به ما في بطونهم والجلود، وأكلهم شجر‬
  ‫الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يدعون على أنفسهم بالموت فال يجابون، ويسألون‬
     ‫ربهم الخروج منها فال يكلمون، كيف لو أبصرهم القاتل ـ الذي سعى إلزهاق نفس مسلمة ـ‬
‫وهم يسحبون فيها على وجوههم وهم ال يبصرون، أم كيف لو سمع القاتل صراخهم وعويلهم وهم‬
                                                                                              ‫ال يسمعون.‬
             ‫و ض الله ع ه‬
 ‫العقوبة العظيمة الثانية التي تنتظر القاتل: غضب اهلل ... نعم َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ وبئس ما حصل‬
                                                                   ‫لنفسه من غضب الرب العظيم عليه.‬
                                                 ‫وعه‬
‫العقوبة الثالثة، ويالها من عقوبة: اللعن َلَ َنَ ُ ... أال يدري القاتل ماهو اللعن؟ أال يدري ما معنى‬
                                                                                             ‫وعه‬
                                                     ‫َلَ َنَ ُ؟ ... لعنه أي طرده اهلل وأبعده عن رحمته.‬
 ‫وأ َد‬
 ‫هل يكفيه هذا .. هل تعتقدون أن هناك بعد هذا من عقاب ... نعم ... إنها العقوبة الرابعة: ََع َّ‬
                                                                                 ‫ظ ا‬           ‫ه َ‬
    ‫لَ ُ عذَاباً عَ ِيمً. اهلل أكبر ... اهلل أكبر ... ويل ... ثم ويل للقاتل المتعمد ... ويل له من هذه‬
                            ‫العقوبات ... النار ... وغضب الجبار ... واللعنة ... والعذاب العظيم.‬
      ‫إن النفس أمرها عظيم، وسفك الدم جرم عظيم، ولذلك جعل اهلل لها الصدارة يوم القيامة في‬
  ‫القضاء في الحقوق، فكما للصالة الصدارة في القضاء في أمور العبادة يوم القيامة ، فالدماء لها‬
‫الصدارة يوم القيامة في القضاء في الحقوق قال النبي : ((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في‬
                                                                                                  ‫الدماء)).‬
         ‫ا‬
 ‫عباد اهلل: إن مشاهد يوم القيامة مهولة مرعبة، وهاكم مشهداً مليئاً بالرعب والرهبة، مليئً بالنكال‬
                  ‫ً‬
 ‫وعالمات الخزي، يقول ابن عباس سمعت نبيكم : ((يقول يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه،‬
‫متلبباً قاتله باليد األخرى، تشخب أوداجه دماً حتى يأتي به إلى العرش فيقول المقتول: يا رب هذا‬
                          ‫قتلني، فيقول للقاتل: تعست - أي هلكت - ويذهب به إلى النار))(5)[5].‬
 ‫َ ْض َرك ف‬                 ‫َن ْ السم ء و‬                     ‫رس الل ِ‬            ‫ُر‬
‫وعند الترمذي عن أبي ه َيْرَةَ أن َ ُولِ َّه قَال: ((لَوْ أ َّ أَهلَ َّ َا ِ َأَهْلَ الْأر ِ اشْت َ ُوا ِي‬
                                                                     ‫َ م م َب ُ الل ُ ف الن ر‬
                                           ‫دمِ ُؤْ ِنٍ لَأَكَّهمْ َّه ِي َّا ِ)) كل هذا لحرمة دم المسلم.‬
 ‫أيها الناس يا أهل العقول الرشيدة: ليس هذا كل شيء وإنما مشاهد الخزي لم تنتهِ للقاتل، فكما أن‬
   ‫اآلخرة ينتظره فيها ما سمعتم من ويل وخزي، فإن في الدنيا قبل ذلك كله ينتظره خسران وذل‬
                                                      ‫... وذلك مصير من عصى ربه وتعدى حدوده.‬
           ‫َلك َتق ن‬                       ‫و ُ ْ ف قص ص ة أ ل‬
           ‫إن عقوبة القاتل في الدنيا القصاص: َلَكم ِي الْ ِ َا ِ حيا ٌ يُوِي االلْبَابِ لَعَّ ُمْ ت َّ ُو َ‬
                                                      ‫ا‬
 ‫[البقرة:425]. النفس بالنفس جزاءً وفاقً، كما أعدم أخاه المؤمن وأفقده حياته فجزاؤه أن يفعل به‬
                           ‫ً‬                     ‫ً‬
   ‫كما فعل، ولقد جعل اهلل لولي المقتول سلطانا شرعياً وسلطاناً قدريا أي قدرة في شرع اهلل وفي‬
 ‫ي ْر‬       ‫ل م َ جع ولي س ً‬                              ‫وم قت‬
‫قضائه وقدرة على قتل القاتل كما قال تعالى: َ َن ُ ِلَ مَظُْو ًا فَقدْ َ َلْنَا لِ َِ ّهِ ُلْطَانا فَالَ ُس ِف‬
                                                                    ‫ْ ِنه ن م ص ر‬                   ‫ف‬
     ‫ّى الْقَتلِ إ َّ ُ كَا َ َنْ ُو ًا [اإلسراء:22]. فهذه اآلية كما تدل على أن اهلل جعل لولي المقتول‬
  ‫ا‬               ‫ا‬             ‫ا‬                                               ‫ً‬     ‫ً‬
  ‫سلطانا شرعيا في قتل القاتل فقد يفهم منها أن اهلل جعل له أيضً سلطاناً قدريً بحيث يكون قادرً‬
‫على إدراك القاتل وقتله فيهيئ اهلل من األسباب ما يتمكن به من إدراكه، واهلل على كل شيء قدير‬
                                                                                       ‫وبكل شيء محيط.‬
‫ولك أن تتصور يا عبد اهلل العاقل كيف هي ذلة القاتل وهو يقاد إلى ساحة العدل والقصاص، كيف‬
‫هو هوانه وخزيه وهو يجر إلى الموت جراً، يجر لقطع رقبته وإزهاق روحة لما تعدى من حدود‬
    ‫اهلل وأزهق روح مؤمن بغير حق شرعي، لك أن تتصور كيف هي مشاعره، وكيف هي حاله،‬
‫وأظن أن لسان حاله تردد بالخزي والذلة لما هو فيه من حال وخسران، وليت هذا في الدنيا فقط،‬
                                           ‫وإنما هي ضربة بالسيف لتستقبله أهوال القيامة وخسران المآل.‬
    ‫أيها المسلمون: إن العوامل المؤدية إلى القتل - في أيامنا هذه- كثيرة، ومثيرات الفتن متعددة،‬
    ‫وأسلحة إبليس في إذكاء نار الفتنة والزيادة في وهجها ال تحصى، ولكنني سأعرض لكم بعضً‬
    ‫ا‬
                  ‫منها مما تلمست خطره في هذا المجتمع من خالل ما أسمع وأرى من قضايا القتل.‬
      ‫فمن األسباب التي توقع في سخط الرب سبحانه وتعالى وتهون قتل النفس، تربية األبناء على‬
 ‫الخصومات واعتبارها من البطوالت، وأن عليه أن يأخذ حقه بيده قبل أن يأخذه له غيره، فتنتشر‬
    ‫المضاربات، وتتحفز العداوات، وتتوطن من القلب األحقاد حتى تصل إلى القتل وإزهاق النفس‬
                                                                                   ‫المؤمنة على شئ أتفه من التافه.‬
                             ‫ا‬
 ‫ولعل مما يذكي نار الفتنة أن البعض يحمل معه في جيبه سكينً صغيرة ويسميها سكينة األزمات‬
            ‫ـ بل الويالت ـ وربما رأيت في سيارته المشعاب أو العصى، وربما المسدس بل ربما‬
      ‫الكالشنكوف، ال لشيء سوى أنه يبرزه عند المضاربات والمخاصمات لينتصر على الخصم،‬
 ‫والشيطان أحرص ما يكون في أن تشتعل نار الفتنة ويشتد وهج العداوة حتى تضغط األنملة على‬
     ‫زناد الخسران والندامة، زناد سخط اهلل واللعنة، زناد الهوان والذل في الدنيا واآلخرة، لتنطلق‬
‫قذيفة تتعدى حدود اهلل لتردي مسلماً قتيالً على األرض فتزهق روحه، ويزهق معها حرمة القاتل،‬
                                                            ‫وتحل مكانها الندامة والخسران في الدنيا واآلخرة.‬
    ‫أي بطولة هذه تزهق النفس فيها من أجل كلمات غير مسؤولة، من شخص ال يبالي بالعواقب؟‬
                                                                   ‫ا‬       ‫ت‬
             ‫أي بطولة هذه ُزهق نفسً من أجل رياالت معدودة، بل ولو مئات األلوف بل الماليين؟‬
                 ‫أي بطولة هذه يستحق صاحبها بعدها اللعن والطرد من رحمة اهلل، والعذاب األليم ؟‬
     ‫وم ي ُ‬                                                                            ‫ي‬
   ‫بل أ ُ بطولة هذه يكون بها تعد حدود اهلل فيستحق صاحبها البطل!!! قول اهلل تعالى: َ َن َقْتلْ‬
                 ‫ظ‬          ‫م م م عم َز ؤه جه َّم ل ً ف و ض الله ع ه و ع ه و َد ه َ‬
‫ُؤْ ِناً ُّتَ َ ّداً فَج َا ُ ُ َ َن ُ خَاِدا ِيهَا َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَاباً عَ ِيماً [النساء:24].‬
                                                   ‫ُك‬          ‫ت‬
‫إنك يا عبد اهلل أن ُضرب بل وت َّسر خير لك من أن يكون بجيبك سكين أو في سيارتك عصى أو‬
                                        ‫ر‬
        ‫سالح يغويك الشيطان في استخدامها إلزهاق نفس ضا ِبك، إنه لخير لك أن تعود إلى أهلك‬
                                                                                 ‫ً‬
   ‫مضروبا فهو أولى من أن تتلطخ يدك بدم مسلم تستحق به قصاصاً في الدنيا وهواناً في اآلخرة‬
                                                          ‫ا‬     ‫ا‬
                                                         ‫وال تزال في فسحه من دينك ما لم تصب دمً حرامً.‬
   ‫نعم، أن تدافع عن عرضك ونفسك فال بأس في كل ذلك، لكن أن ينساق المسلم مع عدوه األول‬
                                               ‫إبليس حتى يقع في مستنقع المعصية واللعن ذاك هو الخطر.‬
                ‫ال‬
               ‫وإنها لبطولة حقاً أن يملك اإلنسان نفسه عند الغضب، فال يعطي الشيطان عليه سبي ً.‬
   ‫ولعلكم تتفقون معي يا عباد اهلل في أن لألسرة وتربيتها سبب رئيس في كل ذلك، فإنك تعلم علم‬
                                                                 ‫ً‬
 ‫اليقين عندما تشهد شابا يظن البطوالت في المضاربات والمخاصمات فيما بينه وبين أقرانه، وكل‬
   ‫ذلك تحت تشجيع األسرة ورضاها ـ أقول ـ تعلم يقيناً أن األسرة قد ضلت طريقها في إرشاد‬
  ‫ذلك الشاب، ولسوف يندم األب وتندم األم واألسرة بأسرها عندما يقاد ابنهم إلى ساحة القصاص‬
                                                                   ‫ا‬                    ‫ا‬     ‫ال‬
                                            ‫ذلي ً كسيرً، يدفع إلى الموت دفعً، في ذل وهوان، وصغار!!.‬
                                                                                            ‫ل‬
                     ‫ِم؟ ... من أجل بطوالت زائفة؟ وعداوات باطلة؟ وسقط من متاع الدنيا الزائل؟.‬
        ‫أيها المسلمون: لنزرع في قلوبنا وقلوب أبنائنا وجوب االنقياد ألمر اهلل وتعظيم ما عظم اهلل‬
     ‫والوقوف عند حدود اهلل، فنعظم النفس التي حرم اهلل والتي هي أشد حرمة من حرمة بيت اهلل‬
                          ‫ا‬
                ‫الحرام، ونقف عند أمر اهلل ونهيه فال نزهق نفساً حرمها اهلل وال نتعدى حدً حده اهلل.‬
‫يجب أن نعلم أنفسنا وأبناءنا أن البطوالت ليست في المضاربات والخصومات وتوجيه السالح إلى‬
          ‫المؤمن، ولكن البطوالت تكمن في االلتزام بأمر اهلل والوقوف عند حدوده ومقاتلة أعدائه.‬
      ‫ُف ر‬         ‫جع ب‬                ‫ُ ف َج َد ع‬                   ‫َن النب َّ‬      ‫ع َ‬
     ‫في الحديث المتفق عليه َنْ جرِيرٍ أ َّ َّ ِي قَالَ لَه ِي ح َّةِ الْو َا ِ: ((لَا تَرْ ِ ُوا َعْدِي ك َّا ًا‬
                                                                                            ‫ي رب ب ض ُ ْ ِ ب ب‬
                                                                                      ‫َضْ ِ ُ َعْ ُكم رقَا َ َعْض)).‬
                                                                                                     ‫أقول ما تسمعون...‬


                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أيها المسلمون: إن من أشد ما يتعد العبد لحدود اهلل في هذا الباب قتل نفسه، وإذا كان قتل نفس‬
      ‫الغير محرماً، فقتل القاتل نفسه أشد حرمة، ألنك يا عبد اهلل ال تملك التصرف في نفسك، إنما‬
                    ‫َد ج دب‬                 ‫ع حس‬
   ‫أمرها إلى اهلل وليس إليك، في الحديث المتفق َنْ الْ َ َنِ قال ح َّثَنَا ُنْ َ ٌ - رضي اهلل عنه -‬
    ‫ب ُ جر ٌ فق َل‬                     ‫ف ي ذ ج دب عل النب ِّ‬                   ‫ف َذ م ِ م س وم‬
    ‫ِي ه َا الْ َسْجدِ فَ َا نَ ِينَا َ َا نَخَا ُ أَنْ َكْ ِبَ ُنْ َ ٌ ََى َّ ِي قَالَ: ((كَانَ ِرَجلٍ ِ َاح َ َت َ‬
                                                        ‫َن‬            ‫الله َدرن ع ْد ب سه َر ت ع‬                        ‫سه‬
                                                    ‫نَفْ َ ُ فَقَالَ َّ ُ: ب َ َ ِي َب ِي ِنَفْ ِ ِ ح َّمْ ُ َلَيْهِ الْج َّة)).‬
      ‫ال ي نق سه ي نقه ف الن ر و َّذ‬                        ‫الن ِي‬       ‫ع ب ُر ْ ع ُ َ‬
     ‫وعند البخاري َنْ أَ ِي ه َيرَةَ َنْه قَال قَالَ َّب ُّ : (( َّذِي َخْ ُ ُ نَفْ َ ُ َخْ ُ ُ َا ِي َّا ِ َال ِي‬
                                                                                                 ‫عنه ف الن‬            ‫ي عن‬
                                                                                            ‫َطْ ُُهَا يَطْ ُ ُ َا ِي َّار)).‬
  ‫س ُ فه َ ف‬              ‫م َ َد م ج َ ٍ‬               ‫ع ب هر ْ ع النب ِّ‬
 ‫وفي الحديث المتفق عليه َنْ أَ ِي ُ َيرَةَ َنْ َّ ِي قَالَ: (( َنْ تر َّى ِنْ َبل فَقَتَلَ نَفْ َه َ ُو ِي‬
    ‫ِد م َّد ف ه َد وم َس ُم َ س ُ ُم ُ ف يد ي َس ُ ف‬                                                 ‫ن جه َّ ي َ َد ف‬
   ‫َارِ َ َنمَ َتر َّى ِيهِ خَال ًا ُخَل ًا ِي َا أَب ًا، َ َنْ تَح َّى س ًّا فَقَتلَ نَفْ َه فَس ُّه ِي َ ِهِ َتَح َّاه ِي‬
   ‫نِ ف ن ر‬         ‫ن جه َّ ِد م َّد ف ه َد وم َ سه حد د ٍ َد دت ُ ف َ ه جأ به ف‬
   ‫َارِ َ َنمَ خَال ًا ُخَل ًا ِي َا أَب ًا، َ َنْ قَتلَ نَفْ َ ُ بِ َ ِي َة فَح ِي َ ُه ِي يدِ ِ يَ َُ ِ َا ِي بَطْ ِه ِي َا ِ‬
                                                                                             ‫جه َّ ِد م َّد ف ه َد‬
                                                                                         ‫َ َنمَ خَال ًا ُخَل ًا ِي َا أَب ًا)).‬
                     ‫َّ ج َر سه بم َ ٍ َ ي َل ع الن ِي‬                                 ‫سُ‬        ‫ب‬       ‫ع‬
                   ‫وعند أحمد َنْ جَا ِرِ بْنِ َمرَةَ أَن رَ ُلًا نَح َ نَفْ َ ُ ِ ِشْقص فَلمْ ُص ِّ َلَيْهِ َّب ُّ .‬
    ‫َّذ ي عن سه ِنم ي عنه ف الن ، و َّ ي َحم‬                                ‫ع ب ُر ر ع الن ِي‬
    ‫وعند أحمد َنْ أَ ِي ه َيْ َةَ َنْ َّب ِّ : ((ال ِي َطْ َ ُ نَفْ َ ُ إ َّ َا َطْ َُ َا ِي َّار ِ َالذِي َتَق َّ ُ‬
                                                      ‫نق سه ي نقه ف الن ر‬                      ‫ف ه ي َح ُ ف الن و َّ‬
                                                   ‫ِي َا َتَق َّم ِي َّار، َالذِي يَخْ ُ ُ نَفْ َ ُ َخْ ُ ُ َا ِي َّا ِ)).‬
 ‫سه ه ي َس ُ ف‬                         ‫م ر ُم‬                 ‫رس ل الل‬               ‫ع ب هر ْ َ‬
‫وعند ابن ماجه َنْ أَ ِي ُ َيرَة قَالَ: قَالَ َ ُو ُ َّهِ : (( َنْ شَ ِبَ س ًّا فَقَتَلَ نَفْ َ ُ فَ ُوَ َتَح َّاه ِي‬
                                                                                       ‫ن جه َّ ِد م َّد ف ه َد‬
                                                                                   ‫َارِ َ َنمَ خَال ًا ُخَل ًا ِي َا أَب ًا)).‬
                                                    ‫أال وصلوا وسلموا على خير خلق اهلل...‬
                                                                           ‫__________‬
‫(5) ورد ذكره في فتح الباري عند شرح حديث ( أول ما يقضى بين الناس في الدماء )، والحديث‬
                                                     ‫من رواية نافع بن جبير عن ابن عباس.‬

‫(5/7145)‬




                                                                                    ‫السحر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫التوحيد‬
                                                                           ‫نواقض اإلسالم‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                    ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                  ‫الرياض‬
                                                                              ‫ذات النطاقين‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- األثر الخبيث والسيئ للسحر. 7- تحذير القرآن من السحر. 2- الساحر يعمل أعمال الكفر.‬
‫4- الساحر كافر. 1- حد الساحر. 6- السحر أذى للمؤمنين. 2- حكم الذهاب للسحرة للشفاء أو‬
     ‫غيرها. 1- عالمات يعرف بها الساحر. 4- سحر يهودي النبي . 05- الوقاية من السحر.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
 ‫سنتحدث هذا اليوم عن أمر عظيم، عن ذنب كبير وشر مستطير، سنتحدث عن مفرق الجماعات،‬
‫وهادم األسر، فكم من أسرة فرق شملها، وكم من صحيح أعل صحته، وكم من سعيد سلب الفرحة‬
 ‫من قلبه، وكم من شفة أزال البسمة عنها، إنه كهف مظلم بظالم آثاره، ومستنقع قذر بقذارة أهله،‬
                                ‫إنه دهليز مرعب ممتلئ بكل أصناف الرعب، إنه شيء مهول.‬
                                                          ‫أتدرون عما نتحدث؟ وماذا نقصد؟‬
                   ‫ي‬
   ‫إنه السحر. تلك العزائم والرقى، والعقد التي تؤثر في األبدان والقلوب، ف ُمرض ويقتل، ويفرق‬
                  ‫بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن اآلخر، وحسبنا اهلل ونعم الوكيل.‬
            ‫ب‬
   ‫أيها المسلمون: إن السحر عالم عجيب، ظاهره فاتن خالب، وباطنه قذر عفن، لقد عّد الشيطان‬
       ‫ب‬                     ‫ق‬
    ‫السحر والسحرة وأتباعهم للشمس والقمر، والنجوم واألوثان، بل تر ّى به الحال إلى أن تع ّدهم‬
        ‫لنفسه الخبيثة، لقد كان السحر وال يزال منزلقاً لم يجن البشر من ورائه إال ثمرات مرة، إنه‬
   ‫صورة مشوهة، وأيد ملطخة بدماء األبرياء، لقد سلب الفرحة من قلوب كثير من الناس، وأزال‬
                                         ‫البسمة عن شفاههم، إنه تاريخ مظلم بظالم آثاره، وضالل أتباعه.‬
‫لقد أعاب اهلل تبارك وتعالى على فريق من الذين أوتوا الكتاب أنهم نبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم،‬
 ‫اتبع م ل الش ط ن عل‬
‫وتركوا ما فيه، واتجهوا إلى ما يضاده، أال وهو السحر، قال تعالى: َّ َ ُواْ َا تَتُْواْ َّيَا ِي ُ ََى‬
 ‫س ْ و أ ِ عل ملك ن‬                     ‫و َر س ن و ِن الش ط ن َر يعلم الن‬                                        ‫م س‬
 ‫ُلْكِ ُلَيْمَانَ َمَا كَف َ ُلَيْمَا ُ َلَاك َّ َّيْا ِي َ كَف ُواْ ُ َّ ُونَ َّاسَ ال ّحرَ َمَا ُنزلَ ََى الْ ََ َيْ ِ‬
                       ‫ُ‬           ‫ُف ٌ‬            ‫بب ِ ه ر و ر و يعل ن م ح َت ق ِن‬
       ‫ِ َابلَ َا ُوتَ َمَا ُوتَ َمَا ُ َّمَا ِ ِنْ أَ َدٍ ح َّى يَ ُوالَ إَّمَا نَحْن ِتْنَة فَالَ تَكْفرْ [البقرة:705].‬
     ‫لقد انتشر السحر في طول الدنيا وعرضها، لم يدع أمة من األمم إال كان فيها، واستخدم لتعبيد‬
       ‫الناس لغير رب العالمين، بل لقد كان أداة فاعلة في حرب الرسل والرساالت، وتهمة جاهزة‬
                                                               ‫تلصق بكل نبي يدعو إلى عبادة اهلل ونبذ الشرك.‬
  ‫وفي زماننا هذا انتشر السحر والسحرة وتوجه لهم أهل الفسق وبغاة الباطل طلباً للشفاء من دون‬
‫اهلل، أو سعياً لتفريق شمل أسرة، أو لهثاً لالنتقام من مخالف، وهم بذلك باعوا دينهم بدنياهم، باعوا‬
                                                                                                   ‫رضوان اهلل بسخطه.‬
    ‫أيها المسلمون: إن السحرة جنس من البشر وقعوا في سخط اهلل وغضبه وأوقعوا كل من يأتيهم‬
     ‫لقضاء حاجته في نفس ذلك المصير؛ إذ أن السحرة عندما يسحرون ويقومون بأعمالهم الخبيثة‬
‫فإنه البد لهم من طريقة معينة يسلكونها، ونظام ثابت يتبعونه ليبلغ درجة الكفر باهلل، فهم يدهسون‬
 ‫المصحف في أقدامهم ويدخلون به الخالء، أو يكتبون آيات اهلل بالقذارة أو بدم الحيض، ويذبحون‬
      ‫لغير اهلل، ومنهم من يأتي أمه أو ابنته، ومنهم من يسجد للكواكب، إن هذه الفعال الكفرية التي‬
                             ‫يفعلها الساحر هي دليل صدقه في التعلم، وعنوان صداقته إلبليس لعنه اهلل.‬
  ‫تنب‬                ‫ع ب ُر ع النب ِّ‬
‫ولذلك كان السحر من المهلكات، في الحديث المتفق عليه َنْ أَ ِي ه َيْرَةَ َنْ َّ ِي قَالَ: ((اجْ َ ِ ُوا‬
 ‫ِّ ك ِالله َالس ْر َ ْل الن الت ح َّ الله‬                   ‫ِ ل ي رس الله و ُن‬                      ‫الس م‬
 ‫َّبْعَ الْ ُوبِقَات قَاُوا: َا َ ُولَ َّ ِ َمَا ه َّ؟ قَالَ الشرْ ُ ب َّ ِ و ِّح ُ وقَت ُ َّفْسِ َّ ِي َرمَ َّ ُ‬
   ‫غف ت‬               ‫م م‬            ‫َق و ل الر و ْل م ي م َالت َل ْ الز ف َ َ ْف م ص‬                                      ‫ِل‬
‫إَّا بِالْح ِّ َأَكْ ُ ِّبَا َأَك ُ َالِ الْ َتِي ِ و َّوِّي يَومَ َّحْ ِ وقذ ُ الْ ُحْ َنَاتِ الْ ُؤْ ِنَاتِ الْ َا ِلَا ِ)).‬
                                                              ‫ا‬
‫ولما كان الساحر أشد كفرً كان الشيطان أكثر طاعة وأسرع في تنفيذ أمره، لقد خرج هذا الساحر‬
  ‫إلى حيث أراد إبليس، خرج إلى حيث غضب اهلل وسخطه، ولذلك من يعمل هذه األعمال استحق‬
   ‫و يعلم ن م‬
 ‫أن يوصف بأنه كافر، وقد اتفق األئمة العلماء على ذلك واستدلوا بقول اهلل تعالى: َمَا ُ َّ َا ِ ِنْ‬
                                                                         ‫ُ‬           ‫نف ٌ‬             ‫َ َت يق ِن‬
                                                         ‫أَحدٍ ح َّى َ ُوالَ إَّمَا نَحْ ُ ِتْنَة فَالَ تَكْفرْ [البقرة:705].‬
 ‫م َ ع ُم َ ف ه َ س َر‬                              ‫رس ل الله‬                    ‫ب ُر ْ‬
‫وعند النسائي من رواية أَ ِي ه َيرَةَ قَالَ: قَالَ َ ُو ُ َّ ِ : (( َنْ عَقدَ ُقْدَةً ث َّ نَفَث ِي َا فَقدْ َح َ،‬
                                                               ‫ئ وِ إ ه‬               ‫وم َل‬            ‫ََ َ ْ‬           ‫وم‬
                                                            ‫َ َنْ سَحر فَقدْ أَشرَك،َ َ َنْ تَعَّقَ شَيْ ًا ُكلَ ِلَيْ ِ)).‬
‫وحد الساحر القتل، ألنه من أهل السعي في األرض بالفساد، لتعلمه السحر، واستدعائه الناس إليه،‬
     ‫رس ل الل‬               ‫جد ٍ‬
 ‫وإفساده إياهم، مع ما صار إليه من الكفر عند الترمذي من حديث ُنْ ُب قَالَ: قَالَ َ ُو ُ َّهِ :‬
                                                                                 ‫َد الس ح ض بة ِالس ف‬
                                                                              ‫((ح ُّ َّا ِرِ َرْ َ ٌ ب َّيْ ِ)).‬
                                                             ‫ب‬
  ‫ولألسف إن السحرة قد ل ّسوا على ضعاف العقل والبصيرة من الناس بتلبسهم لباس الطاعة في‬
    ‫ا‬
    ‫الظاهر حتى أن بعضهم تلقب بالشيخ، نعم إنه شيخ ضاللة، وربما تجده يصلي بالناس أحيانً‬
                                               ‫ي‬                                           ‫ليلب‬
                               ‫ِّس على الناس، وربما ادعى إنه يصوم النوافل ف ُخدع به المغفلون.‬
 ‫أيها المسلمون: أن هذه البضاعة منتشرة مشهورة في بالد المسلمين، وأصبح روادها كثر، دون‬
 ‫خوف من اهلل، أو علم بأن لقيا المسحور المغلوب على أمره ستكون مع من سعى في سحره في‬
‫يوم العدل، يوم القيامة فيشكو إلى اهلل ما وقع عليه من ضرر بسبب هذا الساحر وذلك الذي سعى‬
                                                                                      ‫عنده إلضرار المسحور.‬
                                 ‫ي‬
‫نعم، هذا هو حال الذين يذهبون إلى هناك، نعم هناك حيث ُطفأ نور اإليمان، حيث المعصية، لقد‬
‫اشتعلت قلوب بعضهم بفتيل الحسد، فسهروا الليل وكابدوا النهار، فساروا بخطوات سريعة، دون‬
‫إحساس بمبلغ الجرم الذي يسعون فيه، وبدون مباالة بأن هذا الطريق إيذاء للمسلم، فيدخل أحدهم‬
 ‫على الساحر ويتحدث معه بحديث الغدر والخيانة، ثم ما يلبث أن يسمع كلمات الطمأنينة من هذا‬
                                                ‫الساحر المفسد بأن كل شيء سوف يسير لما يخططون.‬
                                                            ‫يعد ُ ويمن ِ و يعد ُ الش ن ِال ُر‬
                                          ‫َ ِ ُهمْ َ ُ َّيهمْ َمَا َ ِ ُهمْ َّيْطَا ُ إ َّ غ ُوراً [النساء:075].‬
‫ثم ما هو إال وقت يسير حتى يشعر ذلك المسكين المبتلى بأن نفسه ليست تلك األولى، وأن حياته‬
                                                         ‫قد طرأ عليها ما غير مسارها إلى حيث ال يريد.‬
 ‫ا‬
‫قال الفضيل بن عياض: واهلل ما يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق فكيف تؤذي مسلمً.‬
   ‫كم أثرت تلك الصفقات المعقودة في جنح الظالم على حياة أسر، فكم من نساء قد طلقن، ومن‬
‫أطفال قد شردوا، وكم من أبرياء قد ماتوا، وكم من تجارة قد كسدت، وصحة قد ذبلت، فال حول‬
                                                                                                ‫وال قوة إال باهلل.‬
‫أال وإن من السحر العلم بالنجوم وتأثيراتها النفسية، والتنبؤ عن طريقها بالمستقبل وما جرى وما‬
     ‫ش بة م‬                 ‫ع م م النج‬                  ‫م‬        ‫َ رس ل الل‬            ‫َب ٍ‬           ‫ع‬
   ‫سيجري، َنْ ابْنِ ع َّاس قَالَ: قَال َ ُو ُ َّهِ : (( َنْ اقْتَبَسَ ِلْ ًا ِنْ ُّ ُومِ اقْتَبَسَ ُعْ َ ً ِنْ‬
                                                                         ‫الس ْ ِ ز م ز د‬
‫ِّحر َادَ َا َا َ)). ومن ذلك تعلق قلوب الكثير من الناس بالتنجيم واألبراج التي تكاد ال تخلو‬
                                                                                         ‫منها مجلة أو صحيفة.‬
‫عباد اهلل: لقد ابتلي بعض الناس في أيامنا هذه بضعف اإليمان، والركون إلى الشيطان ووساوسه‬
   ‫واتباعه، حتى أصبح الفرد يبحث عن ضالته ومبتغاه وإن كان فيها سخط اهلل وعذابه غير آبه‬
                                                                                                    ‫بجنة أو نار.‬
 ‫فمن الناس من إذا ابتلي بمرض لفترة طويلة ولم يجد معه العالج أصيب باليأس والقنوط، الذي‬
   ‫يفتح للشيطان عليه باباً يزين له من خالله الذهاب إلى السحرة عله أن يعرف دواء لعلته تلك،‬
   ‫َ ِل‬                    ‫م من ِن ْ ه ُله ْر و‬                                ‫ج‬
  ‫ونسي قول رسولنا الذي عند مسلم: ((عَ َبًا لِأَمْرِ الْ ُؤْ ِ ِ إ َّ أَمرَ ُ كَّ ُ خَي ٌ، َلَيْسَ ذَاكَ لِأَحدٍ إَّا‬
                  ‫ْر‬            ‫ب ه َر ء صب َ‬              ‫ْر ه وإ‬                   ‫ب ه َر ء َ‬                ‫لم م إ‬
          ‫ِلْ ُؤْ ِن، ِنْ أَصَا َتْ ُ س َّا ُ شَكرَ فَكَانَ خَي ًا لَ ُ، َِنْ أَصَا َتْ ُ ض َّا ُ َ َر فَكَانَ خَي ًا لَه)).‬
 ‫ع ج بر‬
 ‫نسي أن اهلل سبحانه لم يجعل شفاء فيما حرم، عند أبي داود والحديث صححه األلباني، َنْ َا ِ ِ‬
 ‫حس الن ْر‬                 ‫هو م ع َ الش ن‬                     ‫س ِ َ رس ل الل ع الن ْ ِ‬         ‫ع ْ الل ِ‬
‫بْنِ َبدِ َّه قَالَ ُئل َ ُو ُ َّهِ َنْ ُّشرَة فَقَالَ: (( ُ َ ِنْ َملِ َّيْطَا ِ)). َقَالَ الْ َ َن: ُّش َة‬
                                                                                                                    ‫م الس‬
                                                                                                                ‫ِنْ ِّحْر.‬
 ‫ِ ل جء‬           ‫مل‬              ‫ن بل‬            ‫م الشي ط‬          ‫م مل عل‬            ‫َله‬        ‫َد‬
 ‫قال في فَتْح الْو ُود: لَعَّ ُ كَانَ ُشْتَ ًِا ََى أَسْ َاء َّ َا ِين أَوْ كَا َ ِِسَانٍ غَيْر َعُْوم، فَلذَِكَ َا َ‬
                                                         ‫ب ب‬             ‫الد و ك‬          ‫ت‬            ‫ُمي ن‬
                                                       ‫إنه سِحْر، س ِّ َ ُشْرَة لِانْ ِشَارِ َّاء َانْ ِشَاف الْ َلَاء ِه.‬
  ‫هِي ي لج ب وي قد َ ف ه وَم‬                                            ‫َ م الن َّ‬                ‫هو م عم الش‬
 ‫(( ُ َ ِنْ َ َل َّيْطَان)): أيْ ِنْ َّوْع الذِي كَانَ أَهْل الْجَا ِل َّة ُعَاِ ُونَ ِهِ َ َعْتَ ِ ُون ِي ِ, َأ َّا‬
        ‫ب‬              ‫م ث ر الن ِي‬             ‫َّب ِي َالد و‬             ‫ُ ِي و م َالص‬                    ‫نم ي‬
    ‫مَا كَا َ ِنْ الْآ َات الْقرْآن َّة َالْأَسْ َاء و ِّفَات الر َّان َّة و َّعَ َات الْ َأْ ُو َة َّبَو َّة فَلَا بَأْس ِهِ .‬
   ‫ومن النساء من تذهب إلى الساحر أو الساحرة بزعم أنها ال تريد زوجها أن يتزوج عليها، وإن‬
‫تزوج فلعله يميل إليها ويطلق الثانية . وهي بذلك ضاربة عرض الحائط بسخط اهلل، وهي بذلك أو‬
    ‫و الض ل‬               ‫أ ئ َّذ‬
  ‫أهلها الذين سعوا معها قد اشتروا الفلس والخسران وباعوا الغفران ُوْلَا ِكَ ال ِينَ اشْتَرَ ُاْ َّلَاَةَ‬
                                                                   ‫ن م َد‬             ‫ُد م ر ح تج رت ُ و‬
                                                   ‫بِالْه َى فَ َا َبِ َت ِّ َا َُهمْ َمَا كَا ُواْ ُهْت ِينَ [البقرة:65].‬
                                      ‫ا‬     ‫ال‬
 ‫أولم تعلم هذه الفئة من الناس أنها قد أتت فع ً شنيعً، روى اإلمام مسلم في صحيحه، قال: ((من‬
                                     ‫ا‬                                        ‫ا‬
 ‫أتى عرافً فسأله عن شيء لم تقبل له صالة أربعين يومً))، وهذا الوعيد عن سؤاله فقط، أما من‬
      ‫يسألهم ويصدقهم فقد قال : ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)).‬
       ‫وفي الحديث الذي حسنه األلباني: ((ال يدخل الجنة مدمن خمر، وال مؤمن بسحر، وال قاطع‬
                                                                                                                     ‫رحم)).‬
       ‫ا‬            ‫ا‬
    ‫أال وإن من العالمات التي يعرف به الساحر، الذي يكون الذهاب إليه حرامً وتصديقه كفرً ما‬
                                                                                                                         ‫يلي:‬
         ‫تجده يسأل المريض عن اسمه واسم أمه، أو يأخذ أثرً من آثار المريض، أو يطلب حيوانً‬
         ‫ا‬                              ‫ا‬
‫بصفات معينة ليذبحه وال يذكر اسم اهلل عليه، وربما لطخ بدمه أماكن األلم من المريض، أو يكتب‬
    ‫الطالسم التي ال يعرف من أحد قراءتها أو تالوة العزائم والطالسم، ويأمر المريض أن يعتزل‬
     ‫الناس فترة معينة في غرفة ال تدخلها الشمس، وربما طلب من المريض أن ال يمس الماء مدة‬
  ‫معينة، وقد يعطيه أوراقاً يحرقها ويتبخر بها، وقد يخبر المريض باسمه واسم بلده ومشكلته التي‬
                                                                                                           ‫جاء من أجلها.‬
  ‫س ِر‬                                     ‫ي َز‬
  ‫أيها المسلمون: من ابتلي بشيء من السحر فل َتَع َّ بالنبي ، عند البخاري عن عائشة قالت: ُح َ‬
      ‫م وه ع د د الل‬                           ‫ي َل الش و ع ه َت ِذ‬                            ‫ي َّل إ‬          ‫الن ِي َت‬
    ‫َّب ُّ ح َّى إنه لَ ُخَي ُ ِلَيْهِ إنه َفْع ُ َّيْءَ َمَا فَ َلَ ُ ح َّى إ َا كَانَ ذَاتَ يَوْ ٍ َ ُوَ ِنْ ِي َعَا َّهَ‬
‫ئ ة َن الل َ َ َ ن ف م ْ ت ُ ف ِ ق ت و ذ ي رس الله‬                                           ‫ع ت‬                 ‫َد ه ث َّ‬
‫و َعَا ُ ُم قَالَ: ((أَشَ َرْ ِ يَا عَا ِشَ ُ أ َّ َّه قدْ أفْتَا ِي ِي َا استَفْتَيْ ُه ِيه ُلْ ُ: َمَا َاكَ َا َ ُولَ َّ ِ‬
     ‫حده لص حب ِ م‬                  ‫ءن ج ِ ج س َدهم ع ْ َ ر س و َر ع ْ َ َي ث َّ‬
    ‫. قَال: جَا َ ِي رَ ُلَان فَ َلَ َ أَح ُ ُ َا ِند َأْ ِي َالْآخ ُ ِند رِجْل َّ ُم قَالَ أَ َ ُ ُمَا ِ َا ِ ِه: َا‬
    ‫َ يه ِي م بن ُر ٍ ق ل‬                        ‫بد ن‬                 ‫وم َبه‬              ‫م ب ب‬            ‫ع الر ُل‬
   ‫وَجَ ُ َّج ِ؟ قَالَ: َطْ ُو ٌ. قَال: َ َنْ ط َّ ُ؟ قَالَ: لَ ِي ُ بْ ُ الْأَعْصمِ الْ َ ُود ُّ ِنْ َ ِي ز َيْق َا َ:‬
     ‫ف بْ ذ َ و ن‬                ‫ن هو‬                   ‫ُف ع ك‬                       ‫ف م وم‬                  ‫ف م‬
    ‫ِي َاذَا؟ قَال: ِي ُشْطٍ َ ُشَاطَةٍ، وَج ِّ طَلْ َةٍ ذَ َر.ٍ قَالَ: فَأَيْ َ ُ َ؟ قَال:َ ِي ِئرِ ِي أرْ َا َ،‬
    ‫إل ع ئشة‬            ‫ُم‬                 ‫إ وع‬                      ‫ح ب إل ب‬                ‫م‬      ‫َ ه النب ُّ ف أ‬
    ‫قَالَ: فذَ َبَ َّ ِي ِي ُنَاسٍ ِنْ أَصْ َا ِهِ َِى الْ ِئْر، فَنَظَرَ ِلَيْهَا َ َلَيْهَا نَخْل، ث َّ رَجَعَ َِى َا ِ َ َ‬
               ‫َالل َن م ه ن عة ِن و َن ه رء س الش ط ِ ق ت ي رس الل‬
             ‫فَقَالَ: و َّهِ لَكَأ َّ َاءَ َا ُقَا َ ُ الْح َّاء، َلَكَأ َّ نَخْلَ َا ُ ُو ُ َّيَا ِين ُلْ ُ: َا َ ُولَ َّهِ‬
 ‫ش ت أ ِّ عل الن م ه َر وأ َر به‬                        ‫ع ن الله و ن‬                          ‫َم‬                      ‫َ ْ‬
‫أفَأَخرَجْتَه؟ قَالَ: لَا أ َّا أَنَا فَقَدْ َافَا ِيَ َّ ُ َشَفَا ِي وَخَ ِي ُ أَنْ ُثَورَ ََى َّاسِ ِنْ ُ ش ًّا ََم َ ِ َا‬
                                                                                                                               ‫َ ُف‬
                                                                                                                        ‫فد ِنَتْ)).‬
                                                        ‫هذا ورسول األمة قد أصيب بالسحر فكيف بمن دونه.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                      ‫أال ولنعلم أن عالج السحر ال يكون بالسحر وإنما يكون بالطرق الشرعية وهي:‬
                                 ‫إل‬      ‫َر مة ل م من‬                   ‫م ه‬        ‫ون َ ّل م ق‬               ‫ال‬
                        ‫أو ً: القرآن: َُنز ُ ِنَ الْ ُرْءانِ َا ُوَ شِفَاء و َحْ َ ٌ ّلْ ُؤْ ِ ِينَ [ا ٍسراء:71].‬
                                                                                                  ‫ا‬
                                            ‫ثانيً: استخراج السحر وإبطاله فهذا أبلغ ما يعالج به المسحور.‬
            ‫ج ُ‬             ‫َبك ع ن‬                ‫َ‬                                                     ‫ا‬
          ‫ثالثً: كثرة دعاء اهلل والتضرع إليه واالفتقار إليه سبحإنه: وقَالَ ر ُّ ُمْ ادْ ُو ِى أَسْتَ ِبْ لَكمْ‬
                                                                                                                    ‫[غافر:06].‬
        ‫وال يشترط أن تكون الرقية من أناس بأعيانهم، إذ يمكن أن يرقي المسلم نفسه أو زوجته أو‬
                                                                ‫أوالده، فإنه أفضل متى ما صاحب ذلك التقوى.‬
     ‫رابعً: قراءة سورة البقرة، فإن قراءتها بركة، وال تستطيعها السحرة،عند مسلم عن أبي ُ َا َ َ‬
     ‫أم مة‬                                                                              ‫ا‬
   ‫ِ ِن ْ بر ة و َ ه ح ْرة و‬                                  ‫ْ ء س‬            ‫سم ت رس الل ق ل‬                   ‫هل ُّ‬
‫الْبَا ِِي قَالَ َ ِعْ ُ َ ُولَ َّهِ يَ ُو ُ: ((...اقرَ ُوا ُورَةَ الْبَقَرَة فَإ َّ أَخذَهَا َ َكَ ٌ َترْكَ َا َس َ ٌ َلَا‬
                                                     ‫الس َ ة‬             ‫م وية ب ن َن‬                      ‫ة‬              ‫طع‬
                                                    ‫تَسْتَ ِي ُهَا الْبَطَلَ ُ)) قَالَ ُعَا ِ َ ُ: َلَغَ ِي أ َّ الْبَطَلَةَ َّحرَ ُ.‬
  ‫أيها المسلمون: ليعلم كل واحد منا إنه يستطيع أن يمنع نفسه من السحرة واألشرار الذين يسعون‬
                                                                                                       ‫إليهم، وذلك بما يلي:‬
                                                                                ‫ال‬
‫أو ً: أن يحافظ على أذكار الصباح والمساء، وقراءة آية الكرسي والمعوذات، فإنها حصن حصين‬
                                                                                                                          ‫للمسلم.‬
‫ثانيا: أكل سبع تمرات عجوة لقوله في الحديث المتفق عليه عن سعد بن أبي وقاص: ((من تصبح‬
                                                      ‫سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم وال سحر)).‬
‫ثالثً: التسمية على كل شيء، لقوله في الحديث المتفق عليه: ((إ َا اسْتَجْنَحَ َّي ُ أَو قَالَ ُنْ ُ َّي ِ‬
‫ج ح الل ْل‬        ‫الل ْل ْ‬               ‫ِذ‬                                                      ‫ا‬
         ‫ب‬             ‫ِر ح ئ ٍ ِذ ه س عة م ع ِ َل ُ و‬                                     ‫ُف ص ي ُ ِن الش ط‬
       ‫فَك ُّوا ِبْ َانَكمْ، فَإ َّ َّيَا ِينَ تَنْتَش ُ ِينَ ِذ فَإ َا ذَ َبَ َا َ ٌ ِنْ الْ ِشَاء فَخُّوهمْ َأَغْلِقْ بَا َك،‬
     ‫الله ِّ إ ءك‬                  ‫ك و ُ‬            ‫الله و ك‬             ‫و ُ ْ الله و ف م ب ك و ُ‬
    ‫َاذْكرْ اسمَ َّ ِ َأَطْ ِئْ ِصْ َاحَ َ، َاذْكرْ اسْمَ َّ ِ َأَوْ ِ سِقَاءَ َ، َاذْكرْ اسْمَ َّ ِ وَخَمرْ ِنَا َ َ،‬
                                                                                            ‫و ُ ْ الله و ْ ُض ع‬
                                                                           ‫َاذْكرْ اسمَ َّ ِ َلَوْ تَعر ُ َلَيْهِ شَيْئًا)).‬
 ‫وهذا من رحمة اهلل بعباده وشفقة نبينا بأمته في أن ال يصيبهم مكروه، فإن فرطوا فاهلل المستعان.‬

‫(5/2145)‬
                                                               ‫الصديق والصاحب والجليس‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                     ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                    ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                               ‫ذات النطاقين‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أهمية الصحبة وأثرها. 7- أثر الصحبة السيئة. 2- المرء على دين خليله. 4- التحذير من‬
                                          ‫صحبة األشرار. 1- العزلة خير من جليس السوء.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
  ‫سنتعرض في هذا اليوم لموضوع مهم بالغ األهمية؛ مهم ألن به فالح الدنيا وكذا اآلخرة، ومهم‬
‫ألنه متعلق بالدرجة األولى بعماد الشعوب ومصدر قوة األمم، متعلق بلبنات البناء ودعائم الرسل،‬
                                     ‫متعلق بالشباب. مهم ألنه يطرح في وقت ممتلئ بالفراغ.‬
                                                          ‫ً‬
   ‫هذا األمر هو بالغ األهمية نظرا الهتمام اإلسالم به، إنه موضوع الصحبة الذي أطرحه اليوم،‬
                ‫وفي يوم من أيام اإلجازة الصيفية. نطرحه لكثرة األصحاب وقلة الصالح منهم.‬
                                               ‫ن‬
     ‫أيها المؤمنون: إن الصحبة والصداقة لها معا ٍ سامية وفضائل عالية تتميز بالسجايا الكريمة‬
‫والصفات النبيلة. فالصديق ما سمي صديقاً إال لصدقه في المحبة، والخليل ما سمي خليالً إال ألن‬
                                              ‫محبته تتخلل القلب فال تدع فيه خلالً إال مألته.‬
  ‫ولكن هل كل من يدعي أنه صديق فهو صديق؟ وهل الجليس والصاحب والصديق يمكن إيجاده‬
                                                                               ‫بكل سهولة؟!‬
‫أيها األحبة: إن الجليس والصاحب له أثر كبير، بل ومباشر على جليسه ومصاحبه، ولذلك اعتنى‬
 ‫اإلسالم بجانب اختيار المجالس والمصاحب الصالح، ووجه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى‬
‫أن الجليس المصاحب أثره ظاهر على المرء ونتائجه سريعة الظهور. فما من صديق تجالسه إال‬
‫وتكتسب منه حسبما يمتلئ به إناؤه. ففي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى األشعري رضي اهلل‬
‫عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل‬
       ‫ً‬
 ‫المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة،‬
                                        ‫ا‬
                               ‫ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحً خبيثة)).‬
  ‫أيها الناس: ال نكاد نرى اليوم شاباً إال وله الجلساء الذين يؤثرون في خلقه وسلوكه بل ومظهره‬
   ‫بل وحتى عالقته بوالديه وإخوته وأخواته في البيت، فإن كانوا جلساء خير وصالح الشك أنك‬
                                            ‫ا‬             ‫ا‬
      ‫ستلحظ على الشاب سلوكاً سويً وخلقاً متميزً، وإن كان الجلساء من جلساء صكات الورقة‬
  ‫وجلسات األرصفة وسهر الليالي الطوال وإضاعة الصلوات فال شك أن الشاب سيظهر عليه كل‬
                                                               ‫سلوك سيئ وكل خلق منحط.‬
    ‫ولكم أيها اإلخوة أن تسألوا أهل السجون كيف وصلوا إلى قضبان الحديد، وكيف وضعت في‬
                                  ‫أيديهم وأرجلهم القيود، إنهم بال شك بواسطة أصدقاء السوء.‬
                                  ‫اسألوا أهل الدخان والحشيش والهروين كيف وقعوا في ذلك؟‬
                 ‫ا‬
‫أيها الشاب: إن صديق السوء لو لم تجني منه إال السمعة السيئة لكفاك سوءً. وصديق الصالح لو‬
                                                      ‫لم يصلك منه إال السمعة الحسنة لكفاك.‬
   ‫ولذلك روى أبو داود والنسائي عن أنس رضي اهلل عنه: ((مثل الجليس الصالح كمثل صاحب‬
‫المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك منه ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم‬
                                                       ‫يصبك من سواده أصابك من دخانه)).‬
 ‫أيها المسلمون: ما من صاحب إال وهو من جنس من يصحب، وعلى األقل في أعين الناس. من‬
  ‫يصاحب األخيار اعتبر منهم، ومن يصاحب أهل المخدرات فهو منهم ومن يصاحب أهل الفسق‬
‫فهو منهم، ولذلك روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم قال: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)). ورويا كذلك عن أبي سعيد‬
                           ‫ا‬
‫الخدري عن رسول اهلل صلى اهلل وسلم قال: ((ال تصاحب إال مؤمنً، وال يأكل طعامك إال تقي)).‬
                     ‫إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم…وال تصاحب األردي فتردى مع الردي‬
                               ‫عن المرء ال تسأل وسأل عن قرينه…فكل قرين بالمقارن يقتدي‬
‫أيها الشباب: يجب عليكم اختيار الصديق من الناس كما تختارون الجميل من المظاهر، واللذيذ من‬
                    ‫ا‬
‫الطعام، والسائغ من الشراب، فإن أهل الشر والدناءة ال يدخرون لكم إال شرً ودناءة، واعلموا أنه‬
  ‫ليس كل من كان جميل اللسان عذب الكالم دائم االبتسامة بصديق، فلربما أعجبك ملمس الثعبان‬
                               ‫ولكنه ربما لدغك، فكم من شاب قاده صديق السوء إلى السجن.‬
                             ‫ب‬       ‫ح‬
                             ‫واحذر مؤاخاة الدنيء ألنه……يعدي كما يعدي الصحي َ األجر ُ‬
                                                        ‫ا‬
                            ‫واختر صديقك واصطفيه تفاخرً……إن القرين إلى المقارن ينسب‬
  ‫معاشر المسلمين: يظن بالمرء ما يظن بقرينه، وما من شئ أدل على شئ وال حتى الدخان على‬
     ‫النار من الصاحب على الصاحب. فما دام األمر كذلك فعلينا أن نعلم أبناءنا صفات الصديق‬
        ‫الصالح ونسعى إلى عونهم في البحث عنهم، فإنهم عون لهم في الدنيا وخير لهم في اآلخرة.‬
   ‫َق ل‬
   ‫فالقرين والصاحب إما دال إلى الجنة وإما سائق إلى النار، واسمعوا إن شئتم قوله سبحانه: و َا َ‬
      ‫َر نه ه ذ م َ َى عت د ق ف جه َّم ُل َف عن َّن ل ْر م َد ُّر الذ ج َ م الل‬
    ‫ق ِي ُ ُ َا َا َا لد َّ َ ِي ٌ أَلْ ِيَا ِى َ َن َ ك َّ ك َّارٍ َ ِيدٍ م َّاعٍ ّلْخَي ِ ُعْت ٍ م ِيبٍ َّ ِى َعلَ َعَ َّهِ‬
     ‫الهاً ءاخَر فَأَلْ ِ َاه ِى الْعذَا ِ الش ِيد قَالَ ق ِي ُ ُ ر َّنَا َا أَطْغَيْت ُ َلَا ِن كَان ِى َلَا ٍ َ ِيد قَالَ َ‬
     ‫ال‬      ‫َ ف ض ل بع ٍ‬          ‫ُه و ك‬              ‫ر نه َب م‬                ‫َ ب َّد ِ‬          ‫َ قي ُ ف‬
‫ق ل جه َّم َل‬                ‫َل ل عب د‬                     ‫صم َ َى َ َ ْ َد ت إ ك وع د م يب َّل ل َ َى و‬
‫تَخْتَ ِ ُواْ لد َّ وقد ق َّمْ ُ ِلَيْ ُم بِالْ َ ِي ِ َا ُ َد ُ الْقَوْ ُ لد َّ َمَا أَنَاْ بِظَّامٍ ّلْ َ ِي ِ يَوْمَ نَ ُو ُ لِ َ َن َ ه ِ‬
                                                                                           ‫ت و ق ل َ م َّز د‬
                                                                                ‫امْتَالَ ِ َتَ ُو ُ هلْ ِن م ِي ٍ [ق:27-02].‬
     ‫أيها المسلمون: الصاحبَ الصاحبَ الصديقَ الصديقَ ، ال تهمل ابنك ومن والك اهلل أمره فيتخذ‬
                                                                           ‫ا‬
 ‫األشرار أصحابً، فواهلل إن مآله الهالك في األخرة أما في الدنيا فسجون وضياع أعمار بل وربما‬
                                                                                                           ‫سيف يقع على الرقاب.‬
                                        ‫ولك أن تنظر إلى الشوارع في آخر الليالي لترى أثر أصحاب السوء.‬
                                                        ‫ا‬
           ‫ولنعلم أن الوحدة والعيش منفردً خير من صحبة شرير يضحكك ساعة ويجعلك تبكي بقية‬
                                                                                           ‫عمرك، تبكي في غياهب السجون.‬
                                           ‫ي‬                                  ‫ال ً‬
                                    ‫إذا لم أجد خ ً تقيا في وحدتي……فوحدتي ألذ وأشهى من غو ّ أعاشره‬
                                                                                 ‫ا‬
                                                       ‫وأجلس وحدي للعبادة آمنً……أقر بعيني من جليس أحاذره‬
                                                    ‫يقول عمر بن الخطاب: (وحدة المرء خير من جليس السوء).‬
                                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                                  ‫لم ترد.‬

‫(5/4145)‬




                                                                                                                                   ‫الطالق‬
                                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                                              ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                                                             ‫الطالق, قضايا األسرة‬
                                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                                           ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                                                                 ‫الرياض‬
                                                                                                                          ‫ذات النطاقين‬
                                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- اهتمام اإلسالم ببناء األسرة. 7- الطالق يهدم األسرة. 2- تحريم طلب الطالق من غير سبب‬
‫والذع. 4- كيف نحمي أسرنا من الطالق. 1- معالجة المشاكل العائلية. 6- أسباب الطالق. 2-‬
                                                                                                ‫كيفية الوقاية من الطالق.‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                       ‫أما بعد:‬
      ‫إن األسرة مما اهتم به اإلسالم، اهتم بإنشائها على أسس ثابتة راسخة وأمر بالمحافظة عليها‬
‫وعلى استقرارها ومنع كل ما من شأنه خلخلة كيانها وزلزلة أركانها. وما ذاك إال ألن األسرة هي‬
      ‫النواة األولى للمجتمع اإلسالمي، وهي مصنع الرجال وحصانة المجتمع، وهي منتجة أمهات‬
 ‫خ لك‬             ‫وم ي ت‬
‫األجيال، وأبطال األمة. ولقد امتن اهلل على عباده بهذه األسرة فقال تعالى: َ ِنْ ءا َا ِهِ أَنْ َلَقَ َ ُم‬
        ‫ي ل ي َّر ن‬                         ‫ل كن إ ه وج َ ب ك م َدة َر م إ َّ ف‬                                  ‫م فسك َ‬
        ‫ّنْ أَن ُ ِ ُمْ أزْواجاً ّتَسْ ُ ُواْ ِلَيْ َا َ َعلَ َيْنَ ُم َّو َّ ً و َحْ َةً ِن ِى ذَلِكَ ال َاتٍ ّقَوْمٍ َتَفَك ُو َ‬
                                                                                                                 ‫[الروم:57].‬
 ‫أيها المسلمون: إن بناء األسرة أمر عظيم، ولعظمته اهتم به اإلسالم وحرص على توجيه المؤمن‬
     ‫بما يكون سبباً لبنائها بناءً حصيفاً غير قابل للهدم أو للتصدع، فأمر باختيار الزوجة الصالحة‬
‫والزوج الصالح، واهتم بشأن المولود منذ ساعته األولى فشرع األذان في أذنه اليمنى واإلقامة في‬
 ‫أذنه اليسرى وتسميته بأحسن األسماء وتربيته بأحسن أساليب التربية ألن صالح النشأ هو صالح‬
           ‫األسرة، وصالح األسرة بذاتها هو في الحقيقة صالح للمجتمع كله وفالح لألمة بأسرها.‬
        ‫أال إن من أهم ما يدمر قواعد األسرة ويشتت شملها ويصدع جمعها ويمزق كيانها وينسف‬
 ‫جذورها الطالق. الطالق .. وما أدراك ما الطالق .. وما يخلفه من دمار وتشريد، وما ينتج عنه‬
                                                                                                                 ‫من سلبيات.‬
‫ا‬
‫ونظراً لما للطالق من أثر مباشر على األسرة وتدمير بنياتها وتمزيق كيانها فقد حدد اهلل له حدودً‬
                                                                            ‫ا‬
   ‫وأوجد له ضوابطً ،ولم يتركه لعبث العابثين ولهو الالهين، بل إنه سبحانه الحكيم شدد فيه أيما‬
    ‫ز جه طل ق‬                   ‫َي ْر‬                ‫َّ رس الل ِ‬                ‫ع‬
   ‫تشديد أخرج أبو داود والترمذي َنْ ثَوْبَانَ أَن َ ُولَ َّه قَالَ: ((أُّمَا ام َأَةٍ سَأَلَتْ َوْ َ َا ََا ًا‬
                                                                                    ‫م ْر ب ٍ َر م ع ه ر حة‬
                                                                                 ‫ِنْ غَي ِ َأْس فَح َا ٌ َلَيْ َا َائِ َ ُ)).‬
        ‫َض إ م‬                    ‫َل الله‬               ‫َ رس ل الل‬            ‫ع مح ر ٍ‬
      ‫وأخرج أبو داود بسند َنْ ُ َا ِب قَالَ: قَال َ ُو ُ َّهِ : ((مَا أَح َّ َّ ُ شَيْئًا أَبْغ َ ِلَيْهِ ِنْ‬
                                                                                                                            ‫الط‬
                                                                                                                     ‫َّلَاق)).‬
  ‫ولست أقف أمامكم ألستعرض أحكام الطالق وحدوده وضوابطه، ولكنني أعرض معكم الجوانب‬
                                                            ‫التربوية واآلثار السلبية واألسباب المباشرة للطالق.‬
    ‫أيها المؤمنون: حتى ال نقع في أزمة الطالق وسلبياته البد أن نتخير الزوجة الصالحة المناسبة‬
    ‫الزوجة ذات الدين، الزوجة التي تعرف حق ربها عليها وحق زوجها عليها وحق أبنائها عليها‬
     ‫وحقوقها هي على اآلخرين، وحتى تستمر الحياة ويغلق باب الطالق البد من االعتناء باختيار‬
‫ا‬
‫الزوجة، فليس الجمال وحده ميزان التناسب، وليس النسب وحده سبب المالئمة، ولكن ابحث دائمً‬
    ‫ع‬
  ‫عن ذات الدين لتسر عينك ويطمئن فؤادك وتعيش أسرتك في هناء، في الحديث المتفق عليه َنْ‬
   ‫ت ح َ ة َ ع لم ل ولحسب وجم ل ولد نه‬                                               ‫ب ُر ْر رض الله ع ه ع النب ِّ‬
 ‫أَ ِي ه َي َةَ َ ِيَ َّ ُ َنْ ُ َنْ َّ ِي قَالَ: (( ُنْكَ ُ الْمرْأَ ُ لِأرْبَ ٍ: ِ َاِهَا َِ َ َ ِهَا َ َ َاِهَا َِ ِي ِ َا،‬
                                                                                          ‫الد رب َد ك‬                ‫َ ِ‬
                                                                                       ‫فَاظْفرْ بذَاتِ ِّينِ تَ ِ َتْ ي َا َ)).‬
‫وكما أن الدين في المرأة مطلوب فكذا في الزوج. والعناية بذلك في الزوج أشد، إذ أن عقدة النكاح‬
  ‫في يده، ومن المعلوم أن من أسباب الطالق ذلك الشاب غير ذي الدين الذي هدفه المتعة واللذة،‬
                                                             ‫والمرأة عنده سلعة متى استغنى عنها أبدلها بغيرها.‬
‫ومع أهمية نقطة الدين في الزواج إال أننا نرى أن بعض األباء يزوج ابنته لغير ذي دين فما يجنى‬
‫من وراء ذلك إال الخسران. وقد حذر رسول اهلل من ترك هذا المقياس، في الحديث الذي عند ابن‬
 ‫ماجه والترمذي َنْ أَ ِي ه َيرَةَ: ((إ َا أَتَاكمْ َنْ تَرْضَوْ َ خُقَ ُ َ ِينَه فَز ِّ ُوه، إَّا تَفْ َُوا تَ ُن ِتْ َ ٌ‬
 ‫ن ُل ه ود ُ َوج ِل عل ك ْ ف نة‬                                       ‫ِذ ُ م‬                 ‫ع ب ُر ْ‬
     ‫خل و َ غب‬           ‫د‬              ‫َ إ َ ت َوج م‬                            ‫ف َ ْض َ س د عر‬
   ‫ِي الْأر ِ وفَ َا ٌ َ ِيض)). قال السندي: أيْ ِنْ لمْ ُز ِّ ُوا َنْ تَرْضَوْنَ ِينه وَ ُُقه َترْ َ ُوا‬
 ‫ل إل ف و س ع و ل‬                                     ‫َن حس و م‬                     ‫ك ف َ‬                  ‫حس و‬            ‫ف‬
‫ِي ذِي الْ َ َب َالْمَال تَ ُنْ ِتْنَة وفَسَاد، لِأ َّ الْ َ َب َالْ َال يَجُْبَانِ َِى الْ ِتْنَة َالْفَ َاد َادَة، َقِي َ:‬
  ‫ي ق ا ُ الرج َالن ب َ َو ي ث الز وي ح ع‬                                          ‫و‬          ‫ِذ َ ت إل ص ح‬
‫إ َا نَظرْ ُمْ َِى َا ِب الْمَال َالْجَاه َبْ َى ُكْثرْ ِّ َال و ِّسَاء ِلَا تز ُّج فَ َكْ ُر ِّنَا، َ َلْ َق الْ َار‬
      ‫عل‬       ‫و م وإ‬                ‫ِن ظ‬
     ‫َالْغَي َة بِالْأَوِْ َاء فَيَقَع الْقَتْل َتَهِيج الْ ِتْ َة، َ ُمْ ِن أَنْ ُقَال: إ َّ تَعْ ِيم الْجَاه َالْ َال َِيثَاره ََى‬
                                                      ‫ي‬       ‫ف ن وي ك‬                  ‫و‬                  ‫لي ِ‬            ‫و ْر‬
                                                                                                        ‫الد ي َد إل ف‬
                                                                                            ‫ِّين ُؤ ِّي َِى الْ ِتْنَة(5)[5].‬
                                                            ‫ال‬
    ‫وسبب العناية بالدين هو أن ك ً من الزوجين يراعي حقوق اآلخر ديانة، ورغبة فيما عند اهلل،‬
                                                       ‫فتستمر الحياة األسرية ويعيش الجميع في سعادة والتئام.‬
 ‫ا‬
‫إذن من أسباب الطالق الزوج أو الزوجة التي لم يراع الواحد منهما ربه ولم يعلم أن له عليه حقً،‬
                                                                                           ‫حينئذ تنقلب الحياة إلى جحيم.‬
‫أيها المسلمون: أال وإن من أسباب الطالق أيضاً عدم تفهم الزوج لزوجته وطباعها وأخالقها وظنه‬
        ‫أنه بمجرد الزواج سيجد امرأة على مقاييسه ومواصفاته، فإذا لم تكن كذلك فكر في الطالق‬
  ‫واالستبدال، وربما لم يجتمعا في األسرة إال خالل مدة قصيرة، ومن ذلك عدم مراعاة كل منهما‬
      ‫رس ل‬                ‫ع ب هر ْر َ‬
    ‫لآلخر حال غضبه أو تعبه أو همه وغمه، عند مسلم وأحمد َنْ أَ ِي ُ َي َة قَالَ: قَالَ َ ُو ُ :‬
                                                  ‫ك م من م م إ َ ه م ه خلق رضي م خ‬
                                              ‫((لَا يَفْرَ ُ ُؤْ ِ ٌ ُؤْ ِنَة،ً ِنْ كرِ َ ِنْ َا ُُ ًا َ ِ َ ِنْهَا آ َر)).‬
  ‫أال إن من أسباب الطالق األهل، نعم األهل، سواء أهل الزوج أو أهل الزوجة، إذ أن الكثير من‬
‫األزواج أو الزوجات يسمح ألهله بالتدخل في حياته الزوجية، وهذا خطأ فادح، ومكمن مزلة أقدام‬
                                                        ‫ط‬
‫ليس بالهين. فكم من زوجة ُلقت بسبب تحكم أهل الزوج، وتدخلهم في خصوصيات ال عالقة لهم‬
                                        ‫م‬
      ‫بها، وكم من زوجة طلقت بسبب تدخل أهلها، وخاصة أ ِها أو إخوانها وأخواتها، وما يملونه‬
                                                                                ‫عليها من إمالءات كان فيها خسرانها.‬
 ‫ا‬
 ‫والواجب على الزوج والزوجة أال يخرجوا ما في البيت إلى خارجه، وأن ال يمكنوا أي أحد كائنً‬
‫من كان من التدخل في الحياة الزوجية. وعلى ذوي الزوجين أن يتقوا اهلل في أبنائهم ويكفوا أيدهم‬
  ‫عنهم، ويتركونهم يعيشون في سعادة. ولكن المصيبة أن الكثير من أهالي الزوجين لهم تصرفات‬
                                                                          ‫تدمر كيان الزوجين. فاهلل المستعان.‬
      ‫من األسباب أيضاً المهور الغالية والتكاليف الباهظة التي تنقلب معها الحياة إلى بؤس وسداد‬
‫ديون، فيحس الزوج أن زوجته هذه كانت سبب بؤسه ومكمن إفالسه فتسوء المعاشرة وتقل البركة‬
      ‫ع ع ئ ع النب ِّ ق‬
   ‫وتكثر المشاكل. والبركة إنما تكون مع قلة المهر والكلفة، عند أحمد َنْ َا ِشَةَ َنْ َّ ِي َال:‬
                                                                          ‫َر ُن مئ ة‬               ‫َم النس بر‬
                                                                       ‫((أَعْظ ُ ِّ َاءِ َ َكَةً أَيْس ُه َّ َ ُونَ ً)).‬
                                                          ‫َ مْ‬  ‫ر‬
 ‫والناس في المهر بين مف ّط و ُفرِط. بين من يقول: مهر ابنتي ريال، ومن يقول مهر ابنتي مائة‬
  ‫ألف ريال. فاألول أهمل ابنته وسهل اللعب بها وبأمرها وخاصة عندما ال يكون الزوج صاحب‬
   ‫تقوى وخوف من اهلل يثمن العواقب، والثاني دمر حياة ابنته وجعلها تعيش مع زوجها في بؤس‬
‫وديون وضيق حال . فينظر الزوج إلى زوجته في كل حين أنها سبب إفالسه ومكمن فقره، ومنشأ‬
                                              ‫همه وغمه، فربما ال يجد حالً لذلك وعقوبة لها إال طالقها.‬
 ‫أيها الناس: أال وإن من أعظم أسباب الطالق الزوجة الثانية. نعم الزوجة الثانية. ولست أتعرض‬
   ‫ك م ن م وثل ث‬                                  ‫ح‬
   ‫لحكم التعداد فإن رب العزة والجالل قد حكم أمره فَانكِ ُواْ مَا طَابَ لَ ُمْ ّنَ الّسَاء َثْنَى َ َُا َ‬
                                                                                          ‫َر‬
   ‫و ُبَاعَ [النساء:2]. ولكنني أقصد ما يفعله بعض الرجال، إذا تزوج الثانية نسي األولى وأبناءها‬
       ‫وجميل صنيعها معه وكأنه لم يتزوج قط، فهو راغ وزاغ مع الثانية حتى أصبح العدل ليس‬
                                                                                      ‫ً‬
   ‫معروفا في قاموسه، فالدالل والحب والنزه والرعاية والبسمة والوجه المتهلل للثانية أما األولى‬
 ‫فليس لها إال الوجه العبوس واإلهمال والتهميش ثم الطالق وربما التشريد لها ولألبناء. تذكر فقط‬
‫فَانكِ ُواْ مَا طَابَ لَ ُمْ ّنَ الّسَاء ونسي فَِنْ ِفْتمْ أ َّ تَع ُِوا َواحدَةً [النساء:2] نسي. فَالَ تَ ِيُواْ ك َّ‬
‫م ل ُل‬                                   ‫إ خ ُ َال ْدل ْ ف ِ‬                      ‫ك م ن‬                       ‫ح‬
                                                                                         ‫م ْ ِ َ ر ه م َل‬
                                                                       ‫الْ َيل فَتذَ ُو َا كَالْ ُعَّقَةِ [النساء:475].‬
      ‫أيها المسلمون: األسباب كثيرة .. كثيرة .. ولكن أهم ما يطرح في موضوع الطالق هو من‬
                                           ‫الضحية؟ من الخاسر؟ من الذي تقع عليه كل سلبيات الطالق؟‬
   ‫إذا أردتم اإلجابة فادخلوا دور األحداث. المجرمين الصغار واسألوهم كيف أصبحتم مجرمين؟؟‬
                                                            ‫اسألوه: أين والدك؟ وأين والدتك؟ ألم يربيانك؟.‬
‫إذا أردتم اإلجابة اسألوا األرصفة، اسألوا أصدقاء السوء كيف يجدون فرائسهم؟ اسألوا دور رعاية‬
‫األيتام، اسألوا المستشفيات النفسية، اسألوا الراسبين في الدراسة والراسبات، اسألوا مرتادي الليالي‬
      ‫المظلمة، اسألوا مستنقعات المخدرات وغياهب السجون، اسألوا التشرد والضياع والهم والغم‬
           ‫والفاقة والحاجة والقلق، كلهم سيقولون: إن الخاسر الوحيد في عملية الطالق هم األبناء.‬
‫إذا رأيتم طفالً مهموماً ال يملك إال إخفاء حزنه بكفه ليضعه على خده فاعلموا أن األب جنى عليه‬
 ‫بكلمة الطالق . إذا رأيتم طفالً أخذ يبحث عن الحنان والعطف بين أحضان أصدقاء السوء وأهل‬
‫اللهو والفجور فاعلموا أن األب جنى عليه بكلمة الطالق.إذا رأيتم طفالً ملت منه كراسي الدراسة‬
                    ‫ا‬
 ‫لبالدة ذهنه وعدم فهمه فاعلموا أن والده جنى عليه بالطالق. إذا رأيتم شابً ضاع هدفه وتاه أمله‬
                                                                             ‫با‬
          ‫ولم يجد ُدً من الهرب من واقعه إال بالمخدرات فاعلموا أن والده جنى عليه بالطالق.‬
‫لست أقول: إن الشاب إذا وقع في المخدرات والضياع والفشل الدراسي والتشرد ال سبب لذلك إال‬
                           ‫الطالق، ولكني أقول: إن من األسباب الرئيسة لكل ذلك هو الطالق.‬
 ‫األب هو الجاني نعم: ألن العصمة بيده والعقدة بيده. لم يصبر واختار سعادته على سعادة أبنائه،‬
‫م‬
‫واختار راحته على راحة أبنائه، واختار فراق األم في ساعةٍ األبناء أحوج ما يكونون فيها إلى ل ّ‬
 ‫شمل األسرة، أصبح الطفل في هذه األسرة الممزقة غريباً مهموماً شريداً، إذا دخل المنزل جالت‬
                    ‫ا‬                                            ‫ا‬
‫عيناه في أرجاء البيت بحثً عن أمه، وتلكأت كلماته لنداء أمه، فلم يجد بدً من السماح لدموعه أن‬
                          ‫تعبر عن ألم نفسه. أال فاتقوا اهلل في األبناء، أال فاتقوا اهلل في األبناء.‬
 ‫نحن في مجتمع تحيط به السلبيات من جانب فكيف هي حال من تدمرت أسرته وانهارت أركانها‬
  ‫وتدمرت مراكز الحصانة والحماية لديه. ال أعتقد إال أنه سيكون واحداً ممن يغوص في غياهب‬
                                       ‫ظلمة ومستنقعات الضياع والرذيلة، والسبب هو الطالق.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
                                  ‫إليك أخي المسلم الطرق التي تبعدك عن الوقوع في الطالق:‬
            ‫- أخرج من المنزل عند اشتداد الخالف وال تترك للشيطان فرصة للوصول لمبتغاه.‬
                                   ‫- ال تتصلب في رأيك وال تعتقد أن الرجولة تظهر في ذلك.‬
      ‫- ال تستثر من الزوجة عند طلبها للطالق وال تمكن أهل السوء والغباء وأهل الجهل وعدم‬
                                                  ‫الحكمة من أهل الزوجة أن يستثيروك فتطلق.‬
‫- احترم والدتك ووالدك، وبرهما، وتذلل لهما، ولكن ال تسمح لهما أو لغيرهما أن يدمروا حياتك‬
                                                        ‫الزوجية بالتدخالت في الحياة الخاصة .‬
                 ‫- إذا قررت الطالق فال تنفذ وقت القرار بل أرجئ التنفيذ إلى أسبوع أو أكثر.‬
                                                               ‫- استشر أهل الصالح والحكمة .‬
                                                                              ‫ا‬
    ‫- وأخيرً تذكر األطفال، تذكر األبناء، ما مصيرهم، تذكر غربتهم في بيتك وغربتهم في بيت‬
                                                                      ‫أمهم، تذكر عدم استقرارهم‬
                   ‫- اعلم أن حالة اليتيم النفسية أخف بكثير من حال من افترق والداه بالطالق.‬
                                        ‫ا‬
‫- اعلم أن الضحية الوحيدة هم األبناء، ربما تجد خيرً منها وتجد هي خيراً منك، ولكن األبناء لن‬
                                                                                      ‫بجدوا....!!‬
                                                                                               ‫__________‬
‫و حد َ رجه‬                          ‫ء ف الد‬            ‫ِنه ُر ع‬          ‫ُج ل ل عل ج ه‬
‫(5) في الحديث ح َّة ِمَاِك ََى الْ ُمْ ُور فَإ َّ ُ ي َا ِي الْكَفَا َة ِي ِّين فَقَطْ، َالْ َ ِيث قدْ أَخْ َ َ ُ‬
                     ‫حس‬       ‫ت ُز ِي َ ف‬                 ‫ُم ْ جه م حد ب‬                       ‫ِّ ِذي َ َج ِ‬
                   ‫الترْم ِ ّ ور َّحَ إرْسَاله ث َّ أَخرَ َ ُ ِنْ َ ِيث أَ ِي حَا ِم الْم َن ِّ وقَالَ ِيهِ : َ َن.‬

‫(5/1145)‬




                                                                                                             ‫الظلم‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                             ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                                         ‫الرياض‬
                                                                                                   ‫ذات النطاقين‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- شيوع الظلم وكثرة المظالم. 7- التحذير من الظلم قليله وكثيره. 2- الظلم يأكل الحسنات.‬
                                                                                ‫4- عقوبة الظالم يوم القيامة.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                         ‫أما بعد:‬
     ‫أعرض اليوم موضوعاً له أهميته الكبيرة لكثرة ولوج الناس في ظلماته، بعلم منهم وبال علم،‬
   ‫وأهميته تنبع من كون اإلنسان إذا مرت أيام حياته وهو يتقلب فيما سنتحدث عنه، وإذا به يقف‬
          ‫ا‬                                 ‫ا‬
   ‫عند نهاية العمر ضامناً لسخط العزيز الجبار يائسً من النجاة من هلكته الخسران متيقنً بنتيجة‬
                                                                               ‫ا‬
                                                                        ‫سوداء مظلمة وحسرة دائمً مضنية.‬
‫أيها الناس: موضوعي لكم اليوم هو مشكلة اجتماعية تنامت أطرافها وتوسع خطرها وكثر الحديث‬
     ‫ا‬
     ‫عنها في مجالس القضاء وقاعات المحاكمات، وربما انساق في أدراجها كثير من الناس سعيً‬
                                                           ‫لكسب المال وربما الجاه وربما لمآرب أخرى.‬
      ‫إنه الظلم الذي حرمه اهلل على نفسه وجعله بين عباده محرماً، إنه الظلم الذي يؤهل المعتدي‬
‫لالستيالء على حقوق اآلخرين، إنه الظلم الذي يقلب الحقائق، ويغير النتائج، إنه الظلم الذي توعد‬
 ‫ق أ ل ئك‬               ‫ْض ب‬      ‫لم الن س وي غ َ ف‬               ‫ِن الس ل عل َّذ‬
 ‫اهلل عليه أشد الوعيد إَّمَا َّبِي ُ ََى ال ِينَ يَظِْ ُونَ َّا َ َ َبْ ُون ِى األر ِ ِغَيْرِ الْحَ ّ ُوَْ ِ َ‬
                                                                                         ‫ُ َ ب م‬
                                                                            ‫لَهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [الشورى:74].‬
   ‫أيها المؤمنون: يسعى اإلنسان في هذه الدنيا طلباً لكسب رزقه وقوته وقوت عياله فيضرب في‬
‫األرض يرجو من اهلل أن يرزقه، وما هي إال أيام وليالي إذا بنهاية العمر أتت، وأشد ما يلقاه العبد‬
                                                                 ‫في دنياه من عناء الظلم ووحشة الظالم.‬
 ‫أيها المسلمون: لقد حرم اهلل علينا ظلم الناس وانتهاك حقوقهم وأكل أموالهم والقدح في أعراضهم‬
  ‫فإن تلك كلها أصناف للظلم، في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((من كانت ألخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم‬
   ‫قبل أن يؤخذ منه يوم ال دينار وال درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر عمل مظلمته،‬
                                                   ‫وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئاته فحملت عليه)).‬
                  ‫ء‬
     ‫أيها الناس: إن ظلم اإلنسان ألخيه اإلنسان بأي شكل من أصناف الظلم - سوا ً بأكل ماله أو‬
  ‫انتهاك عرضه أو االستطالة عليه لضعفه - أمر عظيم ونتيجة وخيمة، ولربما سعى اإلنسان في‬
  ‫الدنيا لكسب الرزق وجمع المال، فيقع في ظلم عباد اهلل من أجل تحقيق مصلحته وبلوغ مآربه،‬
  ‫وإن الظلم عظيم عظيم، وإن كان في أمر يسير فقد ثبت في الصحيحين أن رسول اهلل صلى اهلل‬
    ‫عليه وسلم قال: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اهلل له النار وحرم عليه الجنة،‬
                                    ‫ا‬                   ‫ا‬
                         ‫قيل: يا رسول اهلل وإن كان شيئاً يسيرً؛ قال: وإن كان قضيبً من أراك)).‬
                                                       ‫ا‬            ‫ا‬
     ‫اهلل أكبر، وإن كان قضيبً من أراك، إذً ظلم العبد فيه كان سبباً في تحريم الجنة على الظالم‬
     ‫وإيجاب النار له. فكيف بغيره. كيف باألراضي ذات المساحات الكبيرة التي تدخل إلى جعبة‬
‫الظالم بالحيل والخداع واأليمان الفاجرة؟ كيف برواتب العمال التي ربما بلغت اآلالف التي تذهب‬
    ‫مع مهب الرياح؟، كيف بعرق العامل الذي يسكب بال مقابل؟ كيف بالمعاملة السيئة واالحتقار‬
 ‫لعباد اهلل واالستطالة عليهم بالشتم والسب واالستهزاء وربما بالضرب ألنهم ضعفاء، اهلل أكبر إن‬
                                                                                      ‫الظلم كبيرة عظيمة .‬
                                             ‫أما واهلل إن الظلم شؤم……وما زال المسيء هو المظلوم‬
                                                 ‫ستعلم يا ظلوم إذا التقينا …غداً عند المليك من الملوم‬
   ‫إن الظلم مذهب لبركة العمر، مضيع لجهد اإلنسان ممحق للكسب، بل إن الظلم إفالس من كل‬
   ‫مكسب في الدنيا واآلخرة. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال:‬
   ‫((أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من ال درهم له وال دينار وال متاع قال: المفلس من أمتي‬
     ‫الذي يأتي يوم القيامة بصالته وزكاته وصيامه ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا‬
 ‫وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته و هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن‬
                               ‫يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار)).‬
    ‫أيها الناس: إن البعض من الناس يظلم الناس ويأكل أموالهم ويحرمهم من ثمرة جهدهم وربما‬
    ‫يعتدي عليهم ليوفر ألبنائه حياة بذخ سعيدة مرفهة فيحلف على أرض فالن حتى تؤخذ ألبنائه‬
‫ميراثاً طائالً ويأكل أجور العمال والموظفين يجمع ألبنائه أمواالً طائلة ويعتدي على الناس بالسب‬
  ‫والشتم واالستهانة بهم ليكسب نفسه وأبناءه هيبة ووجاهة وسلطة، وما علم المسكين أنه سيدخل‬
‫حفرة مظلمة المال فيها وال ولد، وإنما حساب ورغب ما علم المسكين أنه وإن كثر عياله وزادت‬
  ‫أمواله وكثرت عمائره وارتفعت سيارته، وأصبح الناس يخشونه لظلمه وجبروته وأصبح له في‬
‫المجتمع صولة وجولة ومهابة، ما علم أن ذلك إنما هو إمالء له ليلقى مغبة ذلك عند رب ال يظلم‬
                                                                                                                      ‫مثقال ذرة.‬
 ‫في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى األشعري قال قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن‬
‫ْ ُ ربك‬         ‫وك‬
‫اهلل تعالى يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم َ َذالِكَ أَخذ َّ َ‬
                                                               ‫ِذ َ ُر هى لمة ِن ْ ه م د د‬
                                                  ‫إ َا أَخذَ الْق َى وَ ِ َ ظَاِ َ ٌ إ َّ أَخذَ ُ أَلِي ٌ شَ ِي ٌ [هود:705])).‬
‫وعند مسلم من حديث جابر رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((اتقوا الظلم،‬
  ‫فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا‬
                                                                                           ‫دماءهم واستحلوا محارمهم)).‬
   ‫ِن َ ِلظ لم ن ر ح ب ِ ُر ِقه‬
  ‫أيها الظالم أبشر -واهلل- بما أعده اهلل لك يوم القيامة إ َّا أَعْتدْنَا ل َّاِ ِينَ َا ًا أَ َاطَ ِهمْ س َاد ُ َا‬
                     ‫ُ ق‬             ‫َّر ب و‬        ‫ج هب‬             ‫م ي‬             ‫وإ ي غ ث ي ث بم‬
        ‫َِن َسْتَ ِي ُواْ ُغَا ُواْ ِ َاء كَالْ ُهْلِ َشْوِى الْو ُو َ ِئْسَ الش َا ُ َسَاءتْ مرْتَفَ ًا [الكهف:47].‬
‫نعم أبشر – واهلل- بعد سعادتك بظلم الناس وفرحتك بأكل أموالهم وانتهاك حقوقهم أبشر بمال كله‬
                          ‫ظلمة، كله حزن، كله حسرة، كله ندم وسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون.‬
        ‫ه َ ب م‬                       ‫قأ‬          ‫ب ْ‬           ‫ِن الس ل عل َّذ ن لم الن س وي غ َ ف‬
        ‫إ َّمَا َّبِي ُ ََى ال ِي َ يَظِْ ُونَ َّا َ َ َبْ ُون ِى األرْضِ ِغَيرِ الْحَ ّ ُوْلَئِكَ لَ ُمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ‬
                                                                                                                ‫[الشورى:74].‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
     ‫إن شعور اإلنسان بالقوة والغلبة والقهر يدفعه إلى ظلم عباد اهلل والتسلط عليهم وأكل أموالهم‬
      ‫وانتهاك حقوقهم، ذلك ألنه قوي وهم ضعفاء، ذلك ألنه سيد وهم مسودون، ذلك ألنه ذو جاه‬
‫وسلطان وهم ضعفة، ولكن الحق أن ذلك الظالم مسكين ألنه مهما جمع المال واألراضي والبيوت‬
 ‫واألبناء ومهما طالت به سطوته وامتد به عمره فهو مقبل إلى رب ال يظلم رب عادل إ َّ َّهَ َ‬
 ‫ِن الل ال‬
                                    ‫ظ‬            ‫َرة وإ ك حس ي ع وي ت م َّد ه‬                                  ‫ِم م‬
                   ‫يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّ ٍ َِن تَ ُ َ َنَةً ُضَا ِفْهَا َ ُؤْ ِ ِن ل ُنْ ُ أَجْراً عَ ِيماً [النساء:04].‬
                    ‫ر ِال‬             ‫ي ِر صغ ة و‬                 ‫له ذ ك‬
         ‫سيأتي اليوم الذي يقول الظالم فيه مَا ِ َا َا الْ ِتَابِ الَ ُغَاد ُ َ ِيرَ ً َالَ كَبِي َةً إ َّ أَحْصَاهَا‬
                                                                                                                  ‫[الكهف:44].‬
    ‫به‬              ‫ْد‬      ‫َبة م‬           ‫ت َم س ا وإ ن م‬                          ‫ز ق ل ْم ق م‬                             ‫و ع‬
   ‫َنَضَ ُ الْمَوا ِينَ الْ ِسْطَ ِيَو ِ الْ ِيَا َةِ فَالَ ُظْل ُ نَفْ ٌ شَيْئً َِن كَا َ ِثْقَالَ ح َّ ٍ ّنْ خَر َلٍ أَتَيْنَا ِ َا‬
                                                                                                           ‫سب‬         ‫ب‬      ‫و‬
                                                                                         ‫َكَفَى ِنَا حَا ِ ِينَ [األنبياء:24].‬
                                                            ‫ا‬
                               ‫ال تظلمن إذا ما كنت مقتدرً……فالظلم مصدره يفضي إلى الندم‬
                                    ‫تنام عيناك والمظلوم منتبه……يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
      ‫تذكر يا من ظلمت أن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، فإذا دعتك‬
                                                  ‫قدرتك على ظلم الناس فاذكر قدرة اهلل عليك.‬
                                         ‫وتذكر أن من ظلم عباد اهلل كان له خصمه دون عباده.‬
‫يقول سفيان الثوري: إن لقيت اهلل تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبين اهلل أهون عليك أن تلقاه بذنب‬
                                                                   ‫واحد فيما بينك وبين العباد.‬

‫(5/6145)‬




                                                                         ‫وقفات مع االمتحانات‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                         ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                              ‫التربية والتزكية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫خميس بن سعد الغامدي‬
                                                                                      ‫الرياض‬
                                                                                 ‫ذات النطاقين‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- حالة طوارئ في البيوت بسبب االختبارات المدرسية. 7- امتحان الدنيا يذكرنا باالمتحان‬
 ‫األكبر. 2- وقفات مع هذا االمتحان ونتائجه. 4- على اآلباء أن يهتموا بدين أبنائهم كما يهتمون‬
       ‫بدنياهم. 1- التحذير من الغش في االختبارات. 6- أهمية التوكل على اهلل في االمتحانات.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫غداً ... وما أدراك ما غداً ... يوم يكرم فيه المرء أو يهان ... يوم يعلم المجتهد فيه نتيجة جهده‬
                   ‫... كما يعلم الكسول فيه نتيجة كسله ... فمن جد وجد ... ومن زرع حصد.‬
   ‫أيها المسلمون: كل عام يتكرر هذا الموفق، وهذا المشهد، مشهد دخول الطالب والطالبات إلى‬
       ‫قاعات االمتحانات ... هذا المشهد البد من الوقوف معه وقفات تربوية، علها تحث على بذل‬
                                                               ‫الجهد، وتشجع على التحصيل، وتثمر عند الحصاد.‬
‫ا‬        ‫ي‬                                                       ‫ا‬
‫الوقفة األولى: أبناؤنا غدً تفتح لهم أبواب قاعات االمتحانات ... ويجلس الواحد منهم ُسأل وحيدً‬
                                                                                   ‫م‬                ‫ً‬
                                       ‫فريدا ال معين له وال ُسدد إال اهلل ثم ما بذله من جهد في االستذكار.‬
                                                                ‫ي‬
 ‫غداً االمتحانات ... ُسأل فيه التلميذ عما حصله في عامه الدراسي، وحاله في وجل واضطراب،‬
       ‫عما تخفيه له ورقة النتيجة من مفاجئات ربما لم يكن متوقعاً لها، يخاف من عدم النجاح، من‬
  ‫الفضيحة بين أقاربه وأهله، يخاف من العقوبة لو لم ينجح في االمتحان، يخاف من ذل الخسارة،‬
  ‫وليس بمالم في كل ذلك ... ولكنني أبشر كل طالب اجتهد وثابر، ترك الراحة والكسل والهجوع‬
‫من أجل النجاح أبشره بالفوز، أبشره بالسرور في يوم إعالن النتائج، واستالم صحائف الدرجات.‬
       ‫أيها المسلمون: ما أشبه اليوم بغدٍ ... أتدرون أي غدٍ أعني ... إنه يوم االمتحان األكبر، يوم‬
‫السؤال عن الصغيرة والكبيرة، السائل رب العزة والجالل، والمسؤول هو أنت، ومحل السؤال كل‬
                                               ‫ما عملته في حياتك، من صغيرة أو كبيرة، يا له من امتحان!!.‬
‫َ رس ل‬             ‫ع َ ِي ح ِ ٍ‬
‫ويا له من سؤال!! وياله من يوم يجعل الولدان شيباً، عند مسلم َنْ عد ِّ بْنِ َاتم قَالَ: قَال َ ُو ُ‬
     ‫م ك م َ ِل سي َلمه الله س ب ه وب ه ُ ج ن ي ُر من م ُ َ ِل م‬                                                                    ‫الل‬
    ‫َّهِ : ((مَا ِنْ ُمْ ِنْ أَحدٍ إَّا َ ُكِّ ُ ُ َّ ُ لَيْ َ َيْنَ ُ َ َيْنَ ُ ترْ ُمَا ٌ فَ َنْظ ُ أَيْ َ َ ِنْه فَلَا يرَى إَّا َا‬
       ‫َد وي ظر َم م ُ ي ِل م ق َّ وي ُر ب ن َد ِ َ ِل الن ر ت ء و ه َاتق‬
     ‫ق َّم،َ َ َنْ ُ ُ أَشْأ َ ِنْه فَلَا َرَى إَّا َا َدمَ، َ َنْظ ُ َيْ َ ي َيْه فَلَا يرَى إَّا َّا َ ِلْقَا َ َجْ ِه، ف َّ ُوا‬
                                                                                                          ‫الن ر و ب ِق ْ ة‬
                                                                                                       ‫َّا َ َلَوْ ِش ِّ تَمرَ ٍ)).‬
‫ع ْ الل ن‬
‫نعم إنه امتحان مهول يدخله كل الخلق في يوم مهول، عند مسلم من حديث طويل عن َبدَ َّهِ بْ َ‬
   ‫َم ٍو قال: قال رسول اهلل : ((... ُن ِ ُ َّ ُ مَط ًا كَأ َّ ُ َّل أي يوم القيامة ـ .... فَتَنْ ُ ُ ِنْ ُ‬
   ‫بت م ه‬                                  ‫ي ْزل الله َر َنه الط‬                                      ‫ع ْر‬
    ‫س د الن ُم ي خ ف أ ْر ِذ ُ قي م ي ُر ن ُم ي ل َي الن س هُم إل َب ُ َقف ُ‬
  ‫أَجْ َا ُ َّاسِ ث َّ ُنْفَ ُ ِيهِ ُخ َى فَإ َا همْ ِ َا ٌ َنْظ ُو َ ث َّ ُقَا ُ يَا أ ُّهَا َّا ُ َل َّ َِى ر ِّكمْ و ِ ُوهمْ‬
 ‫م ُل أ ْف‬          ‫ي‬           ‫ج ب الن ِ ي ل م‬                    ‫ُم ي ل‬                             ‫ِن ُ م ئ ل‬
 ‫إ َّهمْ َّسْ ُوُونَ [الصافات:47]. قَالَ ث َّ ُقَا ُ: أَخْرِ ُوا َعْثَ َّار فَ ُقَا ُ ِنْ كَم؟ فَ ُقَال: ِنْ ك ِّ َل ٍ‬
  ‫َ ك ي ْ ي َف ع‬                         ‫ش‬       ‫ْ ي َل و‬              ‫َذ‬          ‫ت ع م وت ع وت ع ن‬
 ‫ِسْ َ ِائَةٍ َ ِسْ َةً َ ِسْ ِي َ، قَالَ: ف َاكَ يَومَ َجْع ُ الْ ِلْدانَ ِيباً [المزمل:25]. وذَلِ َ َومَ ُكْش ُ َن‬
                                                                                                                               ‫س‬
                                                                                                              ‫َاقٍ [القلم:74])).‬
  ‫عباد اهلل: تذكروا وأبناؤكم في قاعات االمتحانات الفسيحة، تذكروا عرصات يوم القيامة، والناس‬
    ‫ِن‬
    ‫قيام شاخصة أبصارهم، ألجمهم العرق من هول يوم السؤال، ورعب يوم الحساب يقول : ((إ َّ‬
                      ‫إ‬         ‫وِنه ي لغ إل َ و الن‬                         ‫ْ ق م َ ه ُ ف َ ْ سع‬                             ‫َ‬
                   ‫الْعرَقَ يَومَ الْ ِيَا َةِ لَيذْ َب ِي الْأرضِ َبْ ِينَ بَاعًا، َإ َّ ُ لَ َبُْ ُ َِى أفْ َاهِ َّاسِ أَوْ ِلَى‬
                                                                                                                          ‫ن فه ْ‬
                                                                                                                 ‫آ َا ِ ِم))(5)[5].‬
      ‫ِذ‬
     ‫تذكروا .. عند إلقاء السؤال في االمتحان بسؤال الملكين في تلك الحفرة المظلمة .. تذكروا إ َا‬
                 ‫به َت ِنه ي ُ َ ع ن ل ِ‬                          ‫ف ْ ه وت ُلي َ ه‬                             ‫و‬
        ‫ُضِعَ ـ الواحد منا ـ ِي قَبرِ ِ َ ُوِّ َ وذَ َبَ أَصْحَا ُ ُ حَّى إ َّ ُ لَ َسْمَع قرْ َ ِعَاِهمْ ـ وجاء‬
    ‫ق ُ ف َذ‬          ‫هم ك‬            ‫َد ه يق‬                  ‫م‬                ‫ح‬                        ‫ح‬
   ‫الممت ِنون، وما أدراك ما الممت ِنون .. هما ـ (( َلَكَانِ يَقْع َا ُ فَ َ ُولَانِ لَ ُ َا ُنْتَ تَ ُول ِي ه َا‬
 ‫َد َنه ع ْد الله َرس له ي ل ُ إ م َ ك م الن ْد الله به‬                                            ‫يق ل‬          ‫الر ُ مح َّ‬
 ‫َّجلِ ُ َمدٍ ؟ فَ َ ُو ُ: أَشْه ُ أ َّ ُ َب ُ َّ ِ و َ ُوُ ُ، فَ ُقَا ُ: انْظرْ ِلَى َقْعدِ َ ِنْ َّارِ أَب َلَكَ َّ ُ ِ ِ‬
           ‫ق‬                                                                        ‫م َد م جن‬
    ‫َقْع ًا ِنْ الْ َ َّة)) ـ ِهذه حال الفائز الناجح، أما الراسب الذي لم يتعد لالمتحان ـ ((فَيَ ُول: لَا‬
 ‫ُم ي رب ب ْ َ ة م َد د َ بة‬                           ‫در و‬                ‫َ ْر ك ت َق ل ق ل الن س ي‬
 ‫أد ِي، ُنْ ُ أ ُو ُ مَا يَ ُو ُ َّا ُ، فَ ُقَال:ُ لَا َ َيْتَ َلَا تَلَيْتَ ث َّ ُضْ َ ُ ِمِطرقَ ٍ ِنْ ح ِي ٍ ضرْ َ ً‬
                                                                 ‫يص ح ص حة ي مع م يل ِل الث‬                            ‫ب ُذ‬
                                                 ‫َيْنَ أ ُنَيْهِ، فَ َ ِي ُ َيْ َ ً َسْ َ ُهَا َنْ َِيهِ إَّا َّقَلَيْن))(7)[7].‬
      ‫تذكر يا عبد اهلل .. عند إلقاء السؤال في قاعة االمتحان بسؤال اهلل يوم القيامة يوم يدنيك رب‬
                                                        ‫َ‬        ‫ْ ِف‬
                                           ‫العزة فيقررك بذنوبك يقول سبحانه: ((تَعر ُ ذَنْبَ كذَا؟))(2)[2].‬
‫تذكر يا عبد اهلل ... يوم توزيع الشهادات على الطالب، ذلك اليوم العظيم الذي توزع فيه الصحف‬
    ‫فَأ َّا َنْ ُو ِىَ ِتَا َ ُ ِ َ ِي ِه فَيَ ُو ُ هَاؤ ُ اقرَ ُاْ ِتَاب َهْ ِ ّى ظَنَن ُ أَ ّى ُلَا ٍ ِ َا ِ َهْ فَ ُ َ ِى ِي َ ٍ‬
    ‫ت ن م ق حس بي هو ف ع شة‬                           ‫َم م أ ت ك به بيم ن ِ ق ل ُم ْ ؤ ك ي إن‬
‫لية وَم َ أ تى‬                   ‫ُ ْ ف ْي‬               ‫ر ضي ٍ ف َن لي ٍ قط ف د نية كل و ْرب هن ب‬
‫َّا ِ َة ِى ج َّةٍ عَاِ َة ُ ُو ُهَا َا ِ َ ٌ ُُواْ َاش َ ُواْ َ ِيئَاً ِمَا أَسْلَفْتم ِى االَّامِ الْخَاِ َ ِ َأ َّا منْ ُو ِ َ‬
  ‫ن عن‬              ‫ضي‬                  ‫ه‬            ‫أ ك بي وَ َ ْر م حس بي‬                      ‫ك به بش ل ِ يق ل ن‬
 ‫ِتَا َ ُ ِ ِمَاِه فَ َ ُو ُ يالَيْتَ ِى لَمْ ُوتَ ِتَا ِ َهْ َلمْ أد ِ َا ِ َا ِ َهْ يالَيْتَ َا كَانَتِ الْقَا ِ َةَ مَا أَغْ َى َ ّى‬
               ‫َل ه ُم ف س س َ ع س ع ِر‬                          ‫لي ه عن س ني ُذ ُ ُل ه ُم ح‬
           ‫مَاِ َهْ َلَكَ َ ّى ُلْطَا ِ َهْ خ ُوه فَغُّو ُ ث َّ الْجَ ِيمَ صُّو ُ ث َّ ِى ِلْ ِلَةٍ ذرْ ُهَا َبْ ُونَ ذ َاعاً‬
                                                                                                                   ‫لك ه‬
                                                                                                    ‫فَاْسُْ ُو ُ[الحاقة:15-72].‬
                                          ‫ن‬
     ‫الوقفة الثانية: سؤال مهم .. لماذا ندرس؟ ... ولماذا ُمتحن؟ .. لماذا كل هذا العناء؟ .. أليس‬
 ‫الذي جعل الشوارع نزهته، واألرصفة مسمره، والطرب منتهى أحالمه، أليس في راحة، وهدوء‬
                                ‫بال؟!. إذن فلم كل هذا العناء؟. دراسة وجهد وسهر ثم امتحان ثم ماذا؟؟.‬
                                          ‫هل الهدف من الدراسة هي مجرد تلك الشهادة لتعلق على الجدار؟‬
                                                                   ‫أم أن الهدف أن يفتخر المرء بأنه درس وتفوق؟‬
                                                                    ‫أم أن األمر مجرد ملء للفراغ، وإشغال للوقت؟‬
                                                                         ‫و‬
                                                                 ‫أم أن الهدف وظيفة مرموقة، وكرسي د ّار وثير؟‬
                                   ‫أم أنه منصب نسعى له، فنلبس العباءة المزركشة بالذهب ، ونشر‬
                         ‫ِّف الحفالت؟‬
                                                                                                        ‫يا ترى ما هو الهدف؟‬
‫إنني ألتساءل .. يا ترى ما هي األهداف التي نبتغيها من دراسة أبنائنا وتفوقهم ؟، والتي نزرعها‬
                                                                                      ‫في أفئدتهم طيلة سنواتهم الدراسية.‬
     ‫أيها المسلمون: إن الواجب على كل أب أن يزرع في ابنه حب التفوق ألنه لبنة بناء في مجد‬
      ‫األمة، ألنه مصدر إنتاج في الوطن اإلسالمي، ألنه مشعل تستضيء به األمة في هذا الظالم‬
                                                                                     ‫الدامس الذي انتابها في هذه العهود.‬
       ‫نعم، كيف نبني؟ وكيف نصنع؟ وكيف نعلم ونطبب ونهندس؟ وكيف نخطط وننتج؟ بل كيف‬
          ‫نستغني عن االستعانة بالخبير األجنبي الذي ليس همه إسالم وال أمة بل همه تدمير األمة‬
 ‫ورجاالتها. إذا لم يتربى أبناؤنا على حمل هم المجتمع، بل األمة كلها، منذ نعومة أظافرهم، حتى‬
                                                                               ‫حملهم للشهادة التي يبتغي هم و أسرهم.‬
‫نعم، علينا أن نحيي في نفوس أبنائنا أنهم بناة المجد، وهامة العلو، والقوة التي ننتظرها، والحصن‬
                                                                                          ‫الحصين الذي تتحصن به األمة.‬
    ‫ليس الهدف مجرد شهادة ووظيفة وراتب عالٍ ومنصب، بل الهدف أشد رفعة من سمو الجبال‬
                                                                                                                    ‫الراسخة.‬
                             ‫بن‬
  ‫إذن ندرس من أجل اإلنتاج، ندرس من أجل أن يكون الواحد منا َّاء لمجد أمة اإلسالم، ال يكن‬
     ‫هم الواحد منا من اآلباء والطالب مجرد تحصيل الدنيا ونيل أجرها ونعيمها، فإن اهلل قد تكفل‬
‫خ ة َمه ج َ الله‬                      ‫م‬        ‫َ رس ل الل‬            ‫لٍ‬                  ‫ع‬
‫بالرزق، عند الترمذي َنْ أَنَسِ بْنِ مَاِك قَالَ: قَال َ ُو ُ َّهِ : (( َنْ كَانَتْ الْآ ِرَ ُ ه َّ ُ َعلَ َّ ُ‬
   ‫الد ي َمه ج َ الل ُ ْره ب ن‬                     ‫غ ُ ف به وج ه ه و ه الد ه َ ر غمة وم‬
   ‫ِنَاه ِي قَلْ ِ ِ َ َمَعَ لَ ُ شَمْلَ ُ َأَتَتْ ُ ُّنْيَا وَ ِي َا ِ َ ٌ، َ َنْ كَانَتْ ُّنْ َا ه َّ ُ َعلَ َّه فَق َ ُ َيْ َ‬
                                                   ‫ه وَ ت م الد ي ِل م ق ِّ ه‬                                 ‫ع ه َ َر ع‬
                                          ‫َيْنَيْ ِ وف َّقَ َلَيْهِ شَمْلَ ُ َلمْ يَأْ ِهِ ِنْ ُّنْ َا إَّا َا ُدرَ لَ ُ))(4)[4].‬
           ‫م َش س ِن‬                                 ‫ع ب ُر ْر َّ رس الل ِ‬
 ‫الوقفة الثالثة: عند مسلم َنْ أَ ِي ه َي َةَ أَن َ ُولَ َّه قَالَ: ((.... َ َنْ غ َّنَا فَلَيْ َ م َّا )) ويقول‬
                                                     ‫ابن عباس رضي اهلل عنهما: (من خادع اهلل يخدعه اهلل).‬
                                         ‫خل‬
 ‫نعم إن الغش في االمتحان تزوير ممقوت، و ُُق سمج، وتطبع إجرامي، بل إن الغش جريمة في‬
    ‫و‬                ‫و‬                        ‫ا‬
 ‫حق المجتمع، ألننا نخرج طالباً زوراً وبهتانً، وألننا سنخرج أطباء مز َرين ومهندسين مز َرين‬
                                                                         ‫و‬
  ‫بل ومعلمين مز َرين، فيموت اإلبداع في كل مجال، ويولى األمر إلى غير أهله، فتشيع الخيانة،‬
                                      ‫ن‬                     ‫ي‬
       ‫وينتشر الضعف في كل مجال، ف ُعلى علينا وال نعلو، وُهزم وال ننتصر، ألن مراكز العلو،‬
                                                               ‫و‬
                                 ‫ومراكز اإلنتاج قد توالها غشاشون مز َرون ال كفاءة لديهم، وال إبداع.‬
      ‫َد‬
‫نعم، هذا هو مآل التزوير والغش في االمتحان، ال تحسبوه هينا يا عباد اهلل، فإنه عظيم ج ُ عظيم،‬
                                ‫م‬                                       ‫ً‬
       ‫وإن من يكشف غاشا في قاعة االمتحان، أحسبه أنجد األمة من ِعْوَل هدم سيهدم بناءها في‬
                                                ‫المستقبل القريب، بجهله وكسله وتفريطه، ثم بغشه وتزويره.‬
    ‫الوقفة الرابعة: نقف فيها مع ذلك األب الرحيم، وتلك األم الرحيمة، الذي أجهد كل واحد منهما‬
                                           ‫ي‬
   ‫نفسه، وأثقل وزره من أجل ابنه، فكأنه هو الذي س ُمتحن غداً ليس ابنه، فال يرتاح له بال حتى‬
     ‫يغادر ابنه إلى قاعة االمتحان، ويا للهول لو نام االبن عن االمتحان. مصيبة عظيمة وذنب ال‬
                                                                 ‫ال‬
      ‫يمكن اغتفاره، وهو فع ً كذلك ... ولكن السؤال هنا هل عملت مع ولدك المتحان اآلخرة ما‬
                                                                                       ‫تعمله اآلن معه المتحان الدنيا؟‬
    ‫هل سعيت إلنقاذه من فشل امتحان اآلخرة، كما تسعى اآلن إلنقاذه من فشل امتحان الدنيا؟ هل‬
  ‫بذلت جهدك المتواصل في تعليمه وتفهيمه ما يعينه على امتحان اآلخرة، كما تفعل ذلك المتحان‬
                                                                                                                         ‫الدنيا؟‬
 ‫اسأل نفسك ... هل توقظ ابنك لصالة الفجر وهو شاب بالغ عاقل، بنفس الحرص الذي توقظه به‬
                                                                                                       ‫لحضور االمتحان؟‬
    ‫هل تعتني بتوجيهه وإرشاده إذا أخطأ في أمر شرعي، كما تعتني بتوجيهه وتصحيح خطئه في‬
                                                                                                                    ‫مذاكرته؟‬
‫بل اسأل نفسك ... هل أنت حريص على أن ينال ابنك الفوز في اآلخرة، بنفس الحرص والحماس‬
                                              ‫الذي تسعى له في نجاح ابنك في االمتحانات الدراسية بتفوق؟‬
‫عبد اهلل: تذكر أنك مسؤول عن هؤالء األبناء ليس فقط من أجل نجاحهم في امتحان الدنيا، بل أنت‬
 ‫ع َ َ رض الله‬          ‫ع الل‬
 ‫مسؤول حتى عن نجاحهم في اآلخرة، في الحديث المتفق عليه عن َبْدِ َّهِ ابْنِ ُمر َ ِيَ َّ ُ‬
       ‫ع‬      ‫ع ه َّ رس الل ق ل ُل ُ ْ ر ع و ُل ُ م ل ع ْ ر ِيت إم ُ ر وم‬
     ‫َنْ ُمَا أَن َ ُولَ َّهِ َ ُا ُ: ((كُّكم َا ٍ، َكُّكمْ َسْؤو ٌ َن َع َّ ِهِ، الِْ َام َاعٍ َ َسْؤول َنْ‬
      ‫ع ْ ر ِيت ، و َ ُ ر عي ٌ ف ب ِ ز ج وم‬                      ‫له ه م‬            ‫ر ِيته َالر ُ ُ ر ٍ ف‬
 ‫َع َّ ِ ِ، و َّجل َاع ِي أَهِْ ِ وَ ُوَ َسْؤول َن َع َّ ِه ِ َالْمرْأَة َا ِ َة ِي َيْت َوْ ِهَا َ َسْؤول‬
 ‫َالر ُل‬        ‫وحس ت ْ َ ْ‬              ‫ع ْ ر ِيت و ِ ُ ر ف م ل س ِّد وم ل ع ر ِيته‬
 ‫َن َع َّ ِهَا، َالْخَادم َاعٍ ِي َا ِ َي ِهِ َ َسْؤو ٌ َنْ َع َّ ِ ِ، قَالَ: َ َ ِبْ ُ أَن قد قَالَ: و َّج ُ‬
                              ‫ع ْ ر ِيت و ُل ُ ْ ر وم ل ع ْ ر ِيته‬                 ‫ر ٍف م ب م‬
                           ‫َاع ِي َالِ أَ ِيهِ و َسْؤول َن َع َّ ِهِ، َكُّكم َاعٍ َ َسْؤو ٌ َن َعَّ ِ ِ)).‬
      ‫قة‬               ‫ُل‬
      ‫اعلم أن الفوز الحقيقي الذي تبحث عنه البنك هو فوز اآلخرة، فاحرص عليه ك ُّ نَفْسٍ ذَائِ َ ُ‬
   ‫ة‬          ‫ت وِن ت َف أج ر ُ ْ ق م ِ م ز ْز ع الن ر وُ خ جن َ ْ ف و‬
   ‫الْمَوْ ِ َإَّمَا ُو َّوْنَ ُ ُو َكمْ يَومَ الْ ِيَا َة فَ َن ُح ِحَ َنِ َّا ِ َأدْ ِلَ الْ َ َّة فَقَد َازَ َما الْحيا ُ‬
                                                                                         ‫الد ِال م ع غر‬
                                                                      ‫ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْ ُ ُورِ [آل عمران:115].‬


                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
     ‫أيها الطالب: الوصية بتقوى اهلل عز وجل، فمن اتقى اهلل جعل له من كل هم فرجًا، ومن كل‬
       ‫ر ر‬                ‫ر‬                   ‫ر‬
     ‫ضيق مخرجًا، ومن اتقى اهلل جعل له من أمره يس ًا، وجعل العسير يسي ًا وآتاه خي ًا كثي ًا.‬
 ‫ا‬
 ‫خذوا بأسباب النجاح وأسباب الصالح والتوفيق والفالح، استذكروا واجتهدوا فإن تعبتم اليوم فغدً‬
  ‫راحة كبيرة عندما يحزن الكسالء لكسلهم، ويفرح حينها الفائزون بفوزهم، عندها وكأنه لم يكن‬
                                                                                               ‫هناك تعب وال نصب.‬
‫أال واعلموا ... أن أفضل أسباب النجاح وأجمعها وأصلحها: أن تعلموا علم اليقين أنه ال حول وال‬
 ‫قوة للعبد إال باهلل رب العالمين، ثم التوكل على اهلل وتفويض األمور كلها له سبحانه، فال تعتمدوا‬
   ‫على الذكاء والحفظ وال على النبوغ والفهم فقط، بل فوضوا مع ذلك أموركم هلل، والتجئوا إليه،‬
  ‫واعلموا أن الذكي ال غنى له عن ربه، وأن الذكاء وحده ليس سبباً للنجاح بل إرادة اهلل وتوفيقه‬
                                                                                                                      ‫ال‬
                                                                                                                     ‫أو ً.‬
    ‫ن كل‬        ‫ل ل‬         ‫غ‬           ‫ي حي َي ِر م‬
   ‫ولقد أوصى النبي ابنته فاطمة أن تقول: (( َا َ ّ يَا ق ُّوم ب َحْ َتِك أَسْتَ ِيث أَصِْحْ ِي شَأْ ِي ُّه‬
                                                                                  ‫و ك ن إل س َ ْف ع‬
                                                                      ‫َلَا تَ ِلْ ِي َِى نَفْ ِي طر َة َيْن))(1)[5].‬
                                                       ‫ض‬
 ‫إذا أراد اهلل بعبده التوفيق جعله مفو ًا األمور إليه وفقه وسدده لكي يعتمد على حول اهلل وقوته،‬
                                           ‫ل‬
                        ‫ال على حوله وقوته، وإذا وكل اهلل العبد إلى نفسه وكَه إلى الضعف والخور.‬
                                                                                                        ‫أال وصلوا. . .‬
                                                                                                                        ‫…‬


                                                                                                       ‫__________‬
                                              ‫(5) حديث متفق عليه، من رواية أبي هريرة واللفظ لمسلم .‬
                                                             ‫(7) حديث متفق عليه من رواية أنس بن مالك .‬
                                                             ‫(2) حديث متفق عليه من رواية عن ابن عمر .‬
                                                          ‫(4) حسنه األلباني في السلسلة الصحيحة 7/226.‬
   ‫(1) أخرجه النسائي والبزار من حديث أنس بن مالك. وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة‬
                                                                                                              ‫5/444.‬

‫(5/2145)‬




                                                                                                                 ‫التوكل‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                        ‫أعمال القلوب‬
                                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                    ‫جدة‬
                                                                                                ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- األمر بالتوكل كما ذكرته النصوص. 7- منزلة التوكل في الدين. 2- تعريف التوكل. 4-‬
                                 ‫درجات التوكل. 1- دعاء االستخارة. 6- ترك العمل باألسباب خرق.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                               ‫أما بعد:‬
     ‫وم‬                               ‫وع الل ِ َكل إ ك ت م من ن‬
    ‫عباد اهلل يقول تعالى: َ َلَى َّه فَتَو َُّواْ ِن ُن ُم ُّؤْ ِ ِي َ [المائدة:27]. ويقول جل وعال: َ َن‬
      ‫وإ ك‬                     ‫َّب ع ك َك وإ‬                                              ‫ي و َّ عل الل ِ ه ح به‬
      ‫َتَ َكلْ ََى َّه فَ ُوَ َسْ ُ ُ [الطالق:2]. وقال عن أوليائه ر َّنَا َلَيْ َ تَو َّلْنَا َِلَيْكَ أَنَبْنَا َِلَيْ َ‬
 ‫الْ َ ِي ُ [الممتحنة:4]. وقال لرسوله صلى اهلل عليه وسلم: فَتَ َكلْ ََى َّهِ إ َّكَ ََى الْحَ ّ الْ ُ ِي ِ‬
 ‫ق مب ن‬              ‫و َّ عل الل ِن عل‬                                                          ‫مص ر‬
                          ‫و َّ عل الل ِن الل ي ِب م وكل‬                       ‫ِذ عز‬
   ‫[النمل:42]. وقال: فَإ َا َ َمْتَ فَتَ َكلْ ََى َّهِ إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُتَ َ ِّينَ [آل عمران:415]. قال‬
                                             ‫ِالل وك‬         ‫و و َّ عل الله و‬
   ‫جل في عاله: َتَ َكلْ ََى َّ ِ َكَفَى ب َّهِ َ ِيالً [النساء:51]. وقال عن أصحاب نبيه رضوان‬
   ‫ُ ْ َز ُ إ م ا َ ل ح بن الله‬                           ‫ُم الن س ِن الن َ َ جمع ك‬                     ‫َّذ َ‬
   ‫اهلل عليهم ال ِين قَالَ لَه ُ َّا ُ إ َّ َّاس قدْ َ َ ُواْ لَ ُمْ فَاخْشَوْهم ف َادَهمْ ِي َانً وقَاُواْ َسْ ُ َا َّ ُ‬
                                                                           ‫ون ْ و ل‬
‫َ ِعمَ الْ َكِي ُ [آل عمران:225]. وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير‬
               ‫حساب ((هم الذين ال يسترقون وال يتطيرون وال يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)).‬
      ‫وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: ((حسبنا اهلل ونعم الوكيل. قالها‬
 ‫إبراهيم صلى اهلل عليه وسلم حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى اهلل عليه وسلم حين قالوا له‬
                                                 ‫ا‬
                ‫إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانً وقالوا حسبنا اهلل ونعم الوكيل)).‬
                                   ‫ا‬
    ‫وعند الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه مرفوعً: ((لو أنكم تتوكلون على اهلل حق‬
                              ‫ا‬           ‫ا‬
  ‫توكله لزرقكم كما يرزق الطير تغدو خماصً وتروح بطانً)) وفي السنن من حديث أنس رضي‬
 ‫اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم من قال حين يخرج من بيته: ((بسم اهلل توكلت‬
  ‫على اهلل وال حول وال قوة إال باهلل.يقال له: هديت ووقيت وكفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر:‬
                                                     ‫كيف لك برجل قد هدي ووقي وكفي؟)).‬
 ‫أيها الموحدون، هذا كالم اهلل وكالم رسوله صلى اهلل عليه وسلم في التوكل. وما ذكرناه قليل من‬
                                         ‫كثير من اآليات واألحاديث في فضل التوكل وأهميته.‬
‫التوكل عباد اهلل عبادة عظيمة القدر قد ضل عنه كثير من المسلمين ما بين جهل بماهية التوكل أو‬
    ‫عجز وتفريط في هذه العبادة، قال أهل العلم: التوكل نصف الدين والنصف الثاني اإلنابة. فإن‬
                  ‫الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو االستعانة ـ أي باهلل ـ واإلنابة هي العبادة.‬
‫ومصداق ذلك في قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين ومعناها: نحن ال نعبد إال أنت يا اهلل، وبك‬
                                               ‫نستعين على عبادتك، فإنه ال معين لنا إال أنت.‬
 ‫ويقول سهل بن عبد اهلل التستري: العلم كله باب من التعبد، والتعبد كله باب من الورع، والورع‬
                                              ‫كله باب من الزهد، والزهد كله باب من التوكل.‬
     ‫والمتوكلون على اهلل أنواع وأقسام، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في اإليمان ونصرة دينه‬
       ‫وإعالء كلمته وجهاد أعدائه، وأقل من هؤالء مرتبة من يتوكل عليه في استقامته في نفسه‬
  ‫وإصالحها، وأقل من هؤالء مرتبة من يتوكل على اهلل في أمر يناله منه، من رزق أو عافية أو‬
‫نصر على عدو أو زوجة أو ولد، وأفضل التوكل التوكل في الواجب، وهو واجب الخلق وواجب‬
‫النفس، وأوسع التوكل وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو رفع مفسدة دينية،‬
                         ‫وهو توكل األنبياء في إقامة دين اهلل ودفع فساد المفسدين في األرض.‬
    ‫ثم الناس بعد ذلك في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكل على اهلل في حصول‬
      ‫الملك، ومن متوكل على اهلل في الحصول على رغيف خبز. ومن صدق توكله على اهلل في‬
 ‫ا‬                                            ‫ا‬         ‫ا‬
 ‫حصول شيء ناله. فإن كان محبوبً هلل مرضيً كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطً‬
                                               ‫مبغوضاً كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه.‬
 ‫واعلم هداني اهلل وإياك للصواب أن التوكل من أعمال القلوب ال من أعمال الجوارح، قال اإلمام‬
       ‫أحمد رحمه اهلل: التوكل:عمل القلب. معنى ذلك أنه عمل قلبي، ليس بقول اللسان وال عمل‬
                                                                                   ‫الجوارح.‬
     ‫وأما تعريف التوكل فقد قال بعض أهل العلم التوكل: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد. وقال‬
‫غيره: هو انطراح القلب بين يدي الرب، وهو ترك االختيار واالسترسال مع مجاري القدر. وقال‬
                                                                  ‫غيره: هو الرضا بالمقدور.‬
        ‫والتوكل عباد اهلل درجات منها الدرجة األولى معرفة بالرب وصفاته من قدرة اهلل وكفايته‬
  ‫وقيوميته وانتهاء األمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة هي أول درجة‬
   ‫يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل. فكل من كان باهلل أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى.‬
   ‫الدرجة الثانية من درجات التوكل: إثبات األسباب والمسببات. وإن من جهل بعض الناس أنهم‬
     ‫تركوا األخذ باألسباب وظنوا أن هذا هو التوكل وأنهم ينتظرون من اهلل أن يرزقهم ويطعمهم‬
        ‫ويسقيهم وهم نائمون على فرشهم دون عمل وال ضرب في األرض للحصول على ذلك.‬
    ‫وهذا عباد اهلل هو العجز الذي نهى عنه صلى اهلل عليه وسلم ففي صحيح مسلم من حديث أبي‬
‫هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك واستعن‬
   ‫باهلل وال تعجز، وإن أصابك شيء فال تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اهلل‬
 ‫وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) ولكن ليعلم المتوكل أنه يأخذ باألسباب وال يتعلق قلبه‬
     ‫بها إنما القلب متعلق باهلل. فأنت تطلب الوظيفة ولكن ال يتعلق قلبك بها، وتجمع ماال تغني به‬
                                     ‫ورثتك من أهل وأبناء ولكن يبقى تعلقك باهلل ال بهذا المال.‬
   ‫واألخذ باألسباب من سنة المصطفى عليه أفضل الصالة والسالم فقد لبس درعين يوم أحد ولم‬
                                                              ‫ا‬
 ‫يترك لبس الدروع محتجً بأنه متوكل على اهلل. وقد كان يدخر ألهله قوت سنة -كما في صحيح‬
                                                               ‫البخاري- وهو سيد المتوكلين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وكفى، وصالة وسالماً على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ممن وفى، ومن اتبع‬
                                                                 ‫هداهم واستن بسنتهم واقتفى.‬
                                                                                        ‫وبعد:‬
‫الدرجة الثالثة من درجات التوكل: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل. فإنه ال يستقيم توكل العبد‬
                       ‫ا‬                             ‫ال‬
‫حتى يصح له توحيده. فكيف يكون متوك ً من يعتقد أن الولي الفالني حيً كان أو ميتاً ينفع ويضر‬
                                   ‫من دون اهلل. بل هذا قد أفسد توكله على اهلل وأفسد دينه كله.‬
   ‫الدرجة الرابعة من درجات التوكل: اعتماد القلب على اهلل واستناده إليه وسكونه إليه. بحيث ال‬
    ‫يبقى فيه اضطراب من تشويش األسباب أو السكون إليها. فبعض الناس ال يطمئن قلبه إال إذا‬
‫عمل باألسباب، وإذا قدر اهلل عليه عدم الحصول على األسباب لم يهدأ له بال، فهذا توكله ناقص،‬
 ‫وعالمة التوكل الحق أن ال يبالي اإلنسان بوجود األسباب وعدمها ألنه يعلم أن األمر كله هلل وأن‬
                                                            ‫األمر بيده يقول للشيء كن فيكون.‬
      ‫الدرجة الخامسة: التفويض، وهو روح التوكل ولبه وحقيقته وهو جعل أمورك كلها إلى اهلل‬
                                                     ‫ا‬                 ‫ا‬
 ‫وإنزالها به طلبً واختياراً ال كرهً واضطراراً بل كتفويض االبن العاجز الضعيف المغلوب على‬
‫أمره كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته به وتمام كفايته وحسن واليته وتدبيره له، فهو‬
    ‫يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيام أبيه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو‬
     ‫بمصالح نفسه وتوليه لها. وقد جاء التفويض في القرآن فيما حكاه ربنا عن مؤمن آل فرعون‬
                                                             ‫وُ وض ْر إل الل‬
‫وقوله: َأفَ ّ ُ أَم ِى َِى َّهِ [غافر:44]. والمفوض يفوض أمره إلى اهلل وهو يعلم أن ما يقضيه‬
                                       ‫ا‬
 ‫له اهلل خير ولو كان قضاء اهلل بخالف ما يظنه خيرً أو يظهر له أنه ليس بخير، فهو يرضى به،‬
                                          ‫ألنه يعلم أنه خير ولو خفيت عليه جهة المصلحة فيه.‬
   ‫والدرجة السادسة: الرضا وهي ثمرة للتفويض وثمرة للتوكل ولذلك فسر بعض العلماء التوكل‬
                                                               ‫بأنه الرضا بما يقضيه اهلل للعبد.‬
 ‫وكان بعض العلماء يقول المقدور يحيط به أمران: التوكل قبله والرضا بعده. فمن توكل على اهلل‬
  ‫قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية. وهذا هو معنى قول النبي صلى اهلل‬
     ‫عليه وسلم في دعاء االستخارة: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من‬
   ‫فضلك العظيم)) فهذا توكل وتفويض ثم قال: ((فإنك تعلم وال أعلم، وتقدر وال أقدر وأنت عالم‬
‫الغيوب)) فهذا تبرؤ إلى اهلل من العلم والحول والقوة ثم توسل إليه بأسمائه وصفاته ثم سؤال له أن‬
                                                                    ‫يقضي له الخير ويقدره له.‬
    ‫وهكذا عباد اهلل يعلمنا رسول اهلل التوكل من خالل دعاء االستخارة. فأين المتوكلون؟ الذين قد‬
  ‫تعلقت قلوبهم باهلل فال يرجون إال اهلل وال يدعون إال اهلل، الذين يعملون األسباب وتعلقهم بمسبب‬
‫األسباب. يعاملون الخلق واعتمادهم على الخالق. فطوبى لهم ويا فوزهم، وهم يأوون إلى من بيده‬
             ‫ا‬        ‫ا‬                      ‫ا‬
            ‫مقاليد السماوات واألرض. وغيرهم يرجو مخلوقً مثله ال يملك لنفسه ضرً وال نفعً.‬
‫معاشر المؤمنين، إن المتوكل على اهلل ال يطلب رزق اهلل بمعصيته، وال يخاف في هذه المسألة إال‬
  ‫اهلل. يعلم أن رزقه بيد اهلل ال بيد فالن، يعلم أن رزقه قد كتب له وهو في بطن أمه يقول كما في‬
                                   ‫ا‬
 ‫الصحيحين: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومً وأربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم‬
   ‫يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم‬
   ‫سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ال يكون بينها وبينه إال ذراع‬
‫فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما‬
                 ‫يكن بينها وبينه إال ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)).‬
         ‫فإذا كان الرزق قد كتب لك، وهو آت إليك وإن لم تأته، فلماذا الخوف ولماذا الوقوع في‬
                                                 ‫المشتبهات والمحرمات من أجل كسب الرزق.‬
  ‫عباد اهلل، في الحديث عن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
   ‫وسلم: ((أيها الناس اتقوا اهلل وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن‬
       ‫أبطأ عنها، فاتقوا اهلل وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم)) [رواه بن ماجه].‬
      ‫ا‬
  ‫أيها المؤمنون، خرق للتوكل أن يترك العبد العمل باألسباب كما أن التعلق باألسباب أيضً خرق‬
                                                ‫ا‬
‫للتوكل. فبعض الناس يترك العمل باألسباب زعمً منه أنه متوكل على اهلل، وقد ذم اهلل قوماً تركوا‬
    ‫العمل باألسباب وزعموا أنهم متوكلون. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي اهلل‬
‫عنهما قال: (كان أهل اليمن يحجون وال يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا‬
                                             ‫و َّد ْ ِن ْ الز الت‬
                         ‫الناس فأنزل اهلل تعالى: َتَزَو ُوا فَإ َّ خَيرَ َّادِ َّقْوَى [البقرة:245]).‬
  ‫ا‬
  ‫فاألخذ باألسباب من التوكل على اهلل، لكن المهم أن يبقى قلب العبد بعد أن يعمل باألسباب معلقً‬
                                 ‫باهلل تعالى ألنه سبحانه مسبب األسباب والقادر على كل شيء.‬

‫(5/1145)‬




                                                                                             ‫الصالة‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫فقه‬
                                                                                             ‫الصالة‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                   ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                 ‫جدة‬
                                                                                ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- أهمية الصالة. 7-التحذير من ترك الصالة أو التهاون فيها. 2-التفريط في صالة الجماعة.‬
   ‫4- التفريط في حث األبناء واألهل على الصالة. 1- التفريط في صالتي الفجر والعصر. 6-‬
                                                                          ‫التفريط في هيئة الصالة.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                                            ‫أما بعد:‬
‫عباد اهلل، كلنا يعلم ما للصالة من مكانة عظيمة في هذا الدين. فهي عمود الدين وثاني أركانه بعد‬
‫الشهادتين، وآخر ما يذهب من هذا الدين، وآخر وصية رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قبل موته،‬
 ‫وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي قرة عين رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ومفزعه عند‬
                                                                          ‫الشدائد وراحته من العناء والمشاق.‬
   ‫ح ظ‬                          ‫شع‬          ‫رة ِال عل‬            ‫ة وِنه‬        ‫و ع ن ِالص ْر و‬
‫قال تعالى: َاسْتَ ِي ُواْ ب َّب ِ َالصال ِ َإَّ َا لَكَبِي َ ٌ إ َّ ََى الْخَا ِ ِينَ [البقرة:14]. وقال: َافِ ُواْ‬
  ‫ََى الصال ِ والصالةِ الْ ُسْطَى و ُو ُواْ لَّه قَا ِ ِينَ [البقرة:127]. وقال تعالى: أقمِ الصالةَ ل ُُو ِ‬
  ‫ِدل ك‬             ‫َِ‬                              ‫َق م ِل ِ نت‬                ‫و‬              ‫ت‬        ‫عل‬
                        ‫م ه د إل‬             ‫ْر‬             ‫ْ إ َّ ُ‬            ‫إل س ال ْل َق‬            ‫الش‬
   ‫َّمْسِ َِى غَ َقِ َّي ِ و ُرْءانَ الْفَجرِ ِن قرْءانَ الْفَج ِ كَانَ َشْ ُو ًا [ا ٍسراء:12]. وقال تعالى:‬
                    ‫ل َ ِ ا ن ن َ ْ ُقك و ع قبة ِلت‬                       ‫ِ ع ه‬           ‫ةو‬          ‫ك‬          ‫وُ‬
‫َأْمرْ أَهْلَ َ بِالصال ِ َاصْطَبرْ َلَيْ َا الَ نَسْأَُك رزْقً َّحْ ُ نرز ُ َ َالْ َا ِ َ ُ ل َّقْوَى [طه:725]. وقال‬
       ‫و ْل ل مصل َّذ ن ُ ع ص ت ِ ه ن‬
       ‫تعالى مهدداً للمتهاونين بالصالة والتاركين لها: فَ َي ٌ ّلْ ُ َّينَ ال ِي َ همْ َن َلَا ِهمْ سَا ُو َ‬
 ‫ة‬        ‫دع ُ وِ م إل‬                   ‫ِن م ق ن ي دع الله وه‬
 ‫[الماعون:4-1]. وقال عز وجل: إ َّ الْ ُنَافِ ِي َ ُخَا ِ ُونَ َّ َ َ ُوَ خَا ِ ُهمْ َإذَا قَا ُواْ َِى الصال ِ‬
    ‫قَا ُواْ ُسَالَى ي َاءونَ َّا َ َالَ َذْك ُونَ َّهَ ِال قَِيالً [النساء:745]. وقال عز من قائل: فَ َل َ‬
    ‫خَف‬                                        ‫الن س و ي ُر الل إ َّ ل‬                ‫ُر‬        ‫م ك‬
                             ‫ي‬       ‫س ْ يق‬              ‫َاتبع الش‬                 ‫ع‬       ‫م ب ْ ه ْف‬
  ‫ِن َعدِ ِمْ خَل ٌ أَضَا ُواْ الصالةَ و َّ َ ُواْ َّهَواتِ فَ َوفَ َلْ ُونَ غَ ّاً [مريم:41]. وقال صلى اهلل‬
                        ‫ً‬
 ‫عليه وسلم: ((بني اإلسالم على خمس شهادة أن ال إله إال اهلل وأن محمدا رسول اهلل وإقام الصالة‬
                      ‫ال‬
 ‫وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت اهلل الحرام لمن استطاع إليه سبي ً)) وقال صلى اهلل عليه‬
                       ‫ا‬
     ‫وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصالة، فمن تركها فقد كفر)) وقال أيضً: ((بين الرجل وبين‬
    ‫الشرك والكفر ترك الصالة)) وقال عبد اهلل بن مسعود: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إال منافق‬
                                                                                                   ‫معلوم النفاق).‬
   ‫عباد اهلل، وذكر اآليات واألحاديث واألقوال الواردة في الصالة وشأنها وأهميتها يطول ويطول،‬
                                                                                      ‫وفيما ذكرنا إشارة للبيب.‬
   ‫أيها المصلون، إن ما ذكر ال يكاد يجهله أحد من المسلمين فهو من كتاب اهلل الموجود بين أيدينا‬
‫ومن سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المسطورة في كتب الحديث، فما بال مساجدنا خالية من‬
 ‫الشباب إال النزر اليسير، ما بال جمعتنا وجماعاتنا ال يحضرها إال العدد القليل من الجمع الكثير،‬
   ‫أيعاف أغنياؤنا المترفون حضور المساجد والوقوف بين يدي رب العباد المعطي والمانع؟ أم قد‬
            ‫انشغلوا بدنياهم؟ وما بال فقراءنا؟ أشغلهم طلب الرزق عن عبادة ربهم؟! أيطلبون رزقه‬
   ‫بمعصيته؟!!. ما بال شبابنا ال يحضرون إال القليل؟ هل استكثروا تلك الدقائق التي يقضونها في‬
  ‫بيوت اهلل أن تصرف هلل؟ أم أن شبابهم وحيويتهم أملتهم وجعلتهم يتركون الصالة لشيخوختهم..؟‬
                                                                               ‫وهل هم يوقنون بطول آجالهم؟‬
  ‫عباد اهلل، اعلموا أنكم ميتون وأنكم إلى ربكم ترجعون، فانظروا إذا سألكم ما أنتم مجيبون؟! إنكم‬
                                                 ‫موقوفون ومسؤولون، وأول ما تسألون عنه هو الصالة.‬
 ‫أيها المسلمون، لقد خف ميزان الصالة في أيامنا هذه عند كثير من الناس، وإن تعظيم هذه العبادة‬
    ‫لهو من تعظيم اهلل عز وجل. لقد تهاون كثير من المسلمين بهذا الركن من أركان اإلسالم حتى‬
   ‫عادت الصالة ال يحافظ عليها إال قلة من الناس. يؤذن للصالة والبيوت مألى بالرجال والشباب‬
        ‫وال يحضر منهم إال القليل. والعجب كل العجب في هذا أنك ترى األب يحضر للصالة إلى‬
     ‫ا‬
  ‫المسجد وقد ترك أبناءه خلفه في بيته ال يشهدون الصالة مع الجماعة بل ربما ال يصلون أبدً أو‬
‫ربما صلوا كل جمعة كما يفعل النصارى فال يصلون إال كل يوم أحد، وربما خرج الرجل للصالة‬
    ‫وحافظ عليها، وزوجته وابنته بل وبناته ال يصلين، فال يسأل عنهن وال يحاسبهن وال يأمرهن‬
 ‫بالصالة. ثم يؤاكلهم جميعاً ويشاربهم ويضاحكهم بل ويوفر لهم كل ما يحتاجونه وكل ما يطلبونه‬
       ‫بال تردد، فيشتري للولد السيارة ويعطيه األموال وال يرفض له طلباً ويشتري للبنت الذهب‬
    ‫والمالبس ويعطيها المصروف وإذا قلت له: إن أبناءك ال يصلون!؟ قال لك: لقد حاولت معهم‬
                                                                          ‫وتعبت وأسأل اهلل لهم الهداية.‬
 ‫فيا أولياء األمور من آباء وأمهات اتقوا اهلل تعالى في هذه الذرية التي ستسألون عنها يوم القيامة،‬
‫إنك إن كنت غير قادر على إجبارهم على الصالة فال أقل من حرمان هذا التارك للصالة من هذه‬
‫األمور، عقوبة له على ترك الصالة، وحرمان البنات كذلك حتى يلتزم الجميع بأمر اهلل، فإنك بهذه‬
   ‫الطريقة تعينهم على معصية اهلل، وواهلل لو عاملناهم بذلك لتغير حال الكثير. لكنها سوء التربية‬
                                          ‫واإلفراط في التدليل حتى نفسد أبناءنا وبناتنا بهذه الطريقة.‬
‫ويا أيها الزوج اتق اهلل في زوجتك التي ال تصلي، واعلم أنها كافرة، فمرها بالصالة فإن لم تصل‬
  ‫ح م ْر ت‬                     ‫و‬
  ‫فكيف تبقى مع كافرة وأنت مسلم وهي ال تحل لك؟ واهلل عز وجل يقول: َالَ تَنْكِ ُواْ الْ ُش ِكَا ِ‬
                                                                             ‫َت ي ِن‬
‫ح َّى ُؤْم َّ [البقرة:577]. والرسول صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر‬
 ‫ترك الصالة)) [رواه مسلم]. وهذا يعم الرجل والمرأة. فهذا من الخلل الذي حصل في هذه العبادة‬
                                                                                                 ‫العظيمة.‬
       ‫ومن الخلل كذلك ما حصل من بعض المصلين هداهم اهلل من أنهم يصلون بعض الفروض‬
  ‫و ْل ل مصل َّذ ُ ع‬
 ‫ويتركون بعضها فال يصلونها، وهؤالء يندرجون تحت قوله تعالى: فَ َي ٌ ّلْ ُ َّينَ ال ِينَ همْ َن‬
      ‫َاتبع‬               ‫ع‬       ‫َ م َ ِ ف‬                                                 ‫ص تِ ه‬
   ‫َلَا ِهمْ سَا ُونَ [الماعون:4-1]. وقوله تعالى: فَخَلفَ ِن بعْدِهمْ خَلْ ٌ أَضَا ُواْ الصالةَ و َّ َ ُواْ‬
                                                            ‫ي‬       ‫يق‬                   ‫الش‬
  ‫َّهَواتِ فَسَوْفَ َلْ ُونَ غَ ّاً [مريم:41]. وهذا الصنف على خطر عظيم ويجب عليهم التوبة من‬
                                                                ‫ذلك بالمحافظة على الصلوات الخمس.‬
                                         ‫ا‬
    ‫ومن الخلل الذي حصل في هذه العبادة أيضاً أن كثيرً من المسلمين اليوم يصليها في بيته وال‬
     ‫يأتي إلى المسجد إال فيما ندر، وحضور جماعة المسجد واجب على الرجال. عن أبي هريرة‬
  ‫رضي اهلل عنه قال: أتى النبي صلى اهلل عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول اهلل إنه ليس لي‬
     ‫قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته‬
     ‫فرخص له فلما ولى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصالة؟ فقال: نعم. قال: فأجب)). [رواه‬
                                                                                                   ‫مسلم].‬
       ‫فأين أنت يا أيها التارك لصالة الجماعة من هذا الرجل األعمى الذي جاء في رواية أخرى‬
‫للحديث في سنن بن ماجه أنه قال: إني كبير ضرير شاسع الدار وليس لي قائد يالومني، فهل تجد‬
                        ‫من رخصة قال: ((هل تسمع النداء؟ قلت: نعم. قال: ما أجد لك رخصة)).‬
             ‫ا‬      ‫ا‬
‫أيها المسلم، هذا رجل كبير السن، أعمى، بعيد الدار عن المسجد، ال يجد قائدً مناسبً له يقوده إلى‬
‫المسجد، في مدينة كثيرة الهوام، ومع ذلك كله يقول له رسول اهلل الرؤوف الرحيم بأمته: ((ال أجد‬
  ‫لك رخصة)). لماذا؟ وماذا تراك أخي في اهلل تفهم من هذا الحديث؟ هل تفهم أن صالة الجماعة‬
                                                    ‫سنة أم واجبة؟ وللعاقل بعد ذلك أن يحكم.‬
   ‫فيا من فقدناه في صالة الجماعة إلى متى؟ هل تراك تظل على هذا الحال حتى يفجؤك الموت؟‬
               ‫وماذا يكون الجواب عند رب األرباب؟ فالتوبة التوبة قبل أن تتمناها فال تستطيع.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى اهلل وسلم على نبيه الداعي إلى‬
                                                        ‫رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
    ‫فمن الخلل الذي يقع من الكثير من المصلين في المساجد أنهم يفوتون صالتي الفجر والعصر‬
    ‫حيث ينامون عنهما، فيقل عدد المصلين في هاتين الصالتين عن بقية الصلوات. واسمع أخي‬
 ‫الحبيب يا من تفوته هاتين الصالتين إلى ما ورد فيهما من األحاديث. عن أبي هريرة رضي اهلل‬
   ‫عنه قال: قال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((ليس صالة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء،‬
‫ولو يعلمون ما فيهما ألتوهما ولو حبوا لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجالً يؤم الناس ثم‬
                                                                              ‫ال‬
                 ‫آخذ شع ً من نار فأحرق على من ال يخرج إلى الصالة بعد)) [رواه البخاري].‬
‫ولينتبه لهذا الحديث أيضاً من ال يصلون الصلوات الخمس في الجماعة كذلك. وأما صالة العصر‬
     ‫فعن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((الذي تفوته صالة‬
     ‫العصر كأنما وتر أهله وماله)) [رواه البخاري ومسلم]. وكذلك ورد في صحيح البخاري من‬
‫حديث بريدة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((من ترك صالة العصر فقد‬
                                                                               ‫حبط عمله)).‬
‫باإلضافة إلى تلك المالحظات هناك خلل يقع فيه كثير من المصلين أنهم يصلون دون معرفة صفة‬
‫الصالة الصحيحة فتجد أحدهم قد يخطئ خطأً يفسد صالته وهو ال يدري، وهذه مسؤولية كل منا،‬
                                                                            ‫سيسأله اهلل عنها.‬
 ‫واستمع إلى هذا الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي اهلل عنه: أن رسول اهلل صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى اهلل عليه وسلم فرد وقال:‬
    ‫((ارجع فصل، فإنك لم تصل، فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى اهلل عليه‬
                                             ‫ا‬
      ‫وسلم فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل - ثالثً - فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره،‬
  ‫فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصالة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن‬
         ‫ا‬
   ‫راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالسً وافعل‬
                                                                    ‫ذلك في صالتك كلها)).‬
   ‫فهذا رجل قد صلى ثالث مرات يكبر ويقرأ ويركع ويسجد، كل ذلك والنبي يقول له: ((ارجع‬
    ‫فصل فإنك لم تصل)) لماذا؟ ألنه لم يصل كما أمره الشارع فلم يعتبرها الشارع صالة وأمره‬
                                                    ‫ا‬
 ‫بإعادتها. فكيف لو رأى رسول اهلل كثيرً ممن يصلي في أيامنا هذه وهو ينقر الصالة نقرا ال يتم‬
                    ‫ركوعها وال سجودها وال قيامها وال جلوسها، فاهلل المستعان وعليه التكالن.‬
‫وأخيراً، عباد اهلل أذكركم جميعاً بأنه يجب أن نعلم أن تارك الصالة ال يجوز أن نزوجه ألنه كافر‬
     ‫بنص حديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فاتقوا اهلل أيها اآلباء واألمهات في بناتكم، وال‬
 ‫تزوجوهن ممن ال يصلي، فهذه أمانة في أعناقكم تحملون إثمها إن فرطتم فيها. ويجب على آباء‬
 ‫هؤالء الشباب الذين ال يصلون أن ال يزوجوهم من بنات المسلمين. ومن فعل ذلك فإن هذا غش‬
                                                      ‫للمسلمين ومعاونة على اإلثم والعدوان.‬

‫(5/4145)‬




                                                                              ‫العشر األخير‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                            ‫الصوم, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                       ‫جدة‬
                                                                        ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- للخير مواسم منها العشر األخير من رمضان. 7- انشغال الناس باستقبال العيد عن العشر‬
  ‫األخير. 2- اجتهاد النبي في العبادة في هذا العشر. 4- فضل ليلة القدر. 1- خصائص العشر‬
                                                                                    ‫األخير.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
        ‫ا‬
‫إخوة اإليمان: لقد من اهلل علينا بمنن كثيرة ال تعد وال تحصى وأعظمها شأناً وأجلها قدرً وأعالها‬
   ‫منزلة هذا الدين العظيم، فأي نعمة فوق أن اختارنا اهلل لنكون من خير أمة أخرجت للناس. وال‬
                                                  ‫ت ص‬         ‫وإ ُد ن م الل‬
                                ‫زالت نعمه سبحانه تترى َِن تَع ُّواْ ِعْ َةَ َّهِ الَ ُحْ ُوهَا [إبراهيم:42].‬
‫أيها المؤمنون، ومن نعم اهلل علينا أن جعل لنا مواسم خير وعطاء، نستجلب فيها رحمته ومغفرته،‬
    ‫ونتخفف فيها من أحمال من الذنوب، وأثقال من األوزار قد أثقلت الكواهل وأقضت المضاجع،‬
                                                   ‫ا‬
‫ونعود بعدها إن نحن أحسنا استغاللها صفرً من الذنوب كما وعدنا ربنا وأعلمنا بذلك نبينا . وتلك‬
                           ‫أيها المؤمنون واحدة من النعم العظيمة التي ما قدرها الكثير منا حق قدرها.‬
  ‫ومن هذه النعم والمنن شهر رمضان وخير ما في هذا الشهر العشر األواخر منه لوجود ليلة فيه‬
 ‫َ ْر وم‬               ‫ِن ز ُ ف‬
‫هي خير من ألف شهر كما أخبر اهلل تعالى بذلك في كتابه قال تعالى: إ َّا أَن َلْنَاه ِى لَيْلَةِ الْقد ِ َ َا‬
   ‫ن َّل م ئ ة َالر ُ ف ه إ ربه م ُل‬                               ‫ر م ْف‬             ‫ة َْ ة َْ‬                              ‫َ ْر‬
   ‫أد َاكَ مَا لَيْلَ ُ الْقدرِ لَيْلَ ُ الْقدرِ خَيْ ٌ ّنْ أَل ِ شَهْرٍ تَ َز ُ الْ َلَا ِكَ ُ و ُّوح ِي َا بِِذْنِ َّ ِم ّن ك ّ‬
                                                                                   ‫ْ‬                ‫ْ سل م ه َت‬
                                                                   ‫أَمرٍ ََا ٌ ِىَ ح َّى مَطْلَعِ الْفَجرِ [سورة القدر].‬
    ‫عباد اهلل، ظاهرة مؤسفة يتألم لها المؤمن ويحترق لها قلبه حسرة أن تحدث في مثل هذه األيام‬
‫المباركة والليالي الشريفة، وال يعرف لها سبب وتفسير إال الغفلة التي قد اشتدت واستحكمت حتى‬
       ‫أعمت صاحبها عن رؤية الشمس في وضح النهار... وهذه الظاهرة أيها المؤمنون قد غدت‬
‫واضحة ال تخفى على أحد ممن له أدنى تأمل ومالحظة، حيث نرى جميعاً أن اإلقبال على العبادة‬
  ‫والطاعة يقل في العشر األواخر من رمضان وتأمل عدد المصلين في األيام األولى من رمضان‬
                               ‫ا‬
  ‫وعددهم في األيام األخيرة من رمضان يظهر لك الفرق جليً. نقص كبير في عدد الذين يصلون‬
                                                                 ‫التراويح وأقل منهم الذين يصلون القيام اآلخر!!‬
‫فأين تلك األعداد الكبيرة التي كانت تمأل المساجد حتى ال يجد البعض مكاناً داخل المسجد فيصلي‬
                                                            ‫ا‬
      ‫خارجه. إنه قد يفهم المرء سببً لهذا النقص فيما لو حدث بعد انتهاء رمضان، وقد يجد لذلك‬
                                                                                                                        ‫ا‬
                                                                                                                       ‫تفسيرً.‬
               ‫ا‬
   ‫لكن المشكلة أن هذا النقص يحدث في شهر رمضان نفسه والشهر ال زال جاريً!! بل وفي أي‬
  ‫وقت من رمضان. في أفضل ليالي الشهر، في العشر األواخر التي فيها ليلة القدر التي قال فيها‬
                                                       ‫ر م ْف‬             ‫ة ْ‬
            ‫ربنا تبارك وتعالى: لَيْلَ ُ الْقَدرِ خَيْ ٌ ّنْ أَل ِ شَهْرٍ [القدر:2]. وقال صلى اهلل عليه وسلم:‬
   ‫((التمسوها في العشر األواخر من رمضان)) [رواه البخاري ومسلم]. في هذه الليالي التي كان‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يجتهد فيها (العشر األواخر) ما ال يجتهد في غيره كما روت ذلك‬
 ‫أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها وكذلك قالت رضي اهلل عنها: (كان رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) [رواه مسلم]، كل ذلك تحرياً لليلة‬
                             ‫ا‬
  ‫القدر التي قال فيها صلى اهلل عليه وسلم: ((من قام ليلة القدر إيمانً واحتسابا غفر له ما تقدم من‬
                                                                                                  ‫ذنبه)) [رواه البخاري].‬
‫ا‬
‫لكن الحسرة والخسارة أن تمر علينا ليالي العشر وندرك هذه الليلة العظيمة دون أن يغفر لنا عياذً‬
 ‫باهلل من ذلك. وإن ما يزيد األسى والحزن أن تقضى هذه الليالي في التنقل بين األسواق بحثاً عن‬
 ‫أثاث أو ثياب أو غير ذلك، فتهجر المساجد وتعمر األسواق. تهجر المساجد التي قال فيها رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أحب البالد إلى اهلل مساجدها)) وتعمر األماكن التي قال فيها صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم: ((أبغض البالد إلى اهلل أسواقها)) [رواه مسلم]. وفي أي الليالي؟في أعظم ليالي السنة‬
 ‫وأفضلها، وفي أي ساعة؟ في الساعة التي ينزل فيها ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليعطي‬
    ‫السائلين ويغفر للمذنبين في الثلث األخير من الليل الذي قال فيه رسولنا صلى اهلل عليه وسلم:‬
‫((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل اآلخر يقول: من يدعوني‬
                        ‫فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) [متفق عليه].‬
  ‫فال إله إال اهلل كيف انتصر الشيطان على كثير من أمة محمد صلى اهلل عليه وسلم فصرفهم عن‬
‫مثل هذه الفرصة العظيمة. إنه واهلل لو لم يكن للشيطان مع أولئك إال هذا الموقف الذي حرمهم فيه‬
‫هذه األجور العظيمة لكان ذلك غبناً لهم ومكسباً للشيطان...فكيف وهو قد أوقعهم مع ذلك في كثير‬
    ‫من المعاصي ثم صرفهم عن الفرصة التي يمكنهم فيها طلب العفو والحصول على عفو شامل‬
                  ‫ا‬
 ‫لتلك الذنوب التي أوقعهم فيها، بحرمانهم من قيام تلك الليلة التي من قامها إيمانً واحتساباً غفر له‬
                                                                                 ‫ما تقدم من ذنبه.‬
     ‫فاهلل اهلل أيها المؤمنون ال تفوتنكم هذه الفرصة العظيمة، فواهلل ال يدري أحدنا هل يدركها مرة‬
   ‫أخرى؟ أم يكون ساعتها تحت األرض مرهون بما قدم لنفسه؟ وهي ليالي معدودة تمر سريعة،‬
                     ‫فالموفق من وفقه اهلل الغتنامها، جعلنا اهلل وإياكم ممن وفقوا لقيام ليلة القدر.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل الذي خلق اإلنسان من تراب، وفاوت بين الناس في األخالق واآلداب، كما فضل بعض‬
       ‫األزمنة على بعض بحكمته، ووفق من شاء لطاعته برحمته. أحمده سبحانه على كل حال،‬
‫وأشكره على دوام اإلنعام واإلفضال، وأشهد أن ال إله إال اهلل المتفرد بالجالل والكمال، له األسماء‬
     ‫الحسنى والصفات العلى، يعلم ما في السماوات وما في األرض وما بينهما وما تحت الثرى.‬
 ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، بلغ البالغ المبين، صلى اهلل عليه وعلى‬
    ‫خلفائه الراشدين، وآل بيته الطيبين، وصحابته الكرام الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم‬
                                                                        ‫ا‬
                                                                       ‫الدين، وسلم تسليما كثيرً.‬
 ‫أما بعد، معاشر المؤمنين فإن لهذه العشر فضائل وخصائص تجعل المؤمن الحريص على آخرته‬
                                          ‫ال يفرط في دقائقها قبل ساعاتها، فمن هذه الخصائص:‬
                                                                                    ‫ال‬
   ‫أو ً: اجتهاد النبي فيها فوق ما كان يجتهد في غيرها، كما روت أم المؤمنين عائشة رضي اهلل‬
 ‫عنها قالت: (وكان رسول اهلل يجتهد في العشر األواخر ما ال يجتهد في غيره) [رواه مسلم]. وما‬
                         ‫ا‬
 ‫أشرنا إليه كذلك من شد المئزر منه عليه الصالة والسالم كذلك اجتهادً منه في طاعة ربه، فلنقتد‬
                                                                                                  ‫به ولنتأس به .‬
                                                                                  ‫ا‬
     ‫ثانيً: ومن خصائص هذه العشر أن فيها ليلة القدر كما ذكرن وهذه الليلة لها خصائص كثيرة‬
                                                                                                              ‫منها:‬
    ‫ِن ز ُ ف‬                                   ‫ْر‬                 ‫ِن ز ُ ف‬
   ‫أنه نزل فيها القرآن، قال تعالى: إ َّا أَن َلْنَاه ِى لَيْلَةِ الْقَد ِ [القدر:5]. وقال تعالى: إ َّا أَن َلْنَاه ِى‬
                                                                                   ‫م ر‬
‫لَيْلَةٍ ُّبَا َكَةٍ [الدخان:2]. قال ابن عباس رضي اهلل عنهما: (أنزل اهلل القرآن جملة واحدة من اللوح‬
 ‫المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصالً بحسب الوقائع في ثالث وعشرين سنة‬
                                                                                               ‫على رسول اهلل ).‬
            ‫ْ‬     ‫ة َ ْ ْر م ْ‬
          ‫وصفت هذه الليلة بأنها خير من ألف شهر في قوله تعالى: لَيْلَ ُ الْقدرِ خَي ٌ ّنْ أَلفِ شَهرٍ‬
                                            ‫ا‬
                               ‫[القدر:2]. وهذا كما قال أهل العلم يعني أنها تعدل بضعً وثمانين سنة.‬
                        ‫ة مب ر‬            ‫ِن ز ُ ف‬
   ‫وصف اهلل هذه الليلة بأنها مباركة كما قال تعالى: إ َّا أَن َلْنَاه ِى لَيْلَ ٍ ُّ َا َكَةٍ [الدخان:2]. تنزل‬
‫فيها المالئكة والروح، وهو جبريل عليه السالم، فتنزل المالئكة في هذه الليلة بكثرة، والمالئكة ال‬
                                                                         ‫تنزل إال مع نزول الرحمة والبركة.‬
                        ‫ا‬
   ‫وصفها بأنها سالم، يعني سالمة ال يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءً أو يعمل فيها أذى كما‬
   ‫قال أهل العلم. وتكثر فيها السالمة من العقاب والعذاب لما يقوم به العبد من الطاعة والقربة هلل‬
                                                                                                             ‫تعالى.‬
                                    ‫ف ي ق ُل ْر ح‬
  ‫ومن خصائصها قول اهلل تعالى فيها: ِيهَا ُفْرَ ُ ك ُّ أَم ٍ َكِيمٍ [الدخان:4]. أي يفصل من اللوح‬
 ‫المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من اآلجال و األرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها.‬
 ‫كل أمر محكم ال يبدل وال يغير، وكل ذلك مما سبق علم اهلل به وكتابته له، ولكن يظهر للمالئكة‬
                                                        ‫ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم.‬
                                                                          ‫ا‬
‫من قامها إيمانً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقد ذكرنا الحديث الوارد في ذلك في -----‬
                                                                            ‫--------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى.‬
                                                                             ‫ا‬
    ‫ثالثً: من خصائص العشر كذلك اختصاص االعتكاف فيها بزيادة الفضل على غيرها من أيام‬
     ‫السنة. وقد اعتكفها رسول اهلل كما روت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها قالت: (كان‬
 ‫النبي يعتكف العشر األواخر من رمضان حتى توفاه اهلل تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده) متفق‬
                                                                                                              ‫عليه.‬
  ‫هذه أيها المؤمنون بعض خصائص هذه العشر، والسعيد من وفقه اهلل للطاعة وتقبل منه والشقي‬
                                                     ‫من ضيع هذه الليالي في معصية اهلل أو بال قربة هلل.‬

‫(5/0645)‬
                                                                                     ‫المرأة بين الجاهلية واإلسالم‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                                   ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                                                 ‫المرأة‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                   ‫جدة‬
                                                                                                ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- الغزو الفكري بديل عن الغزو العسكري. 7- اتهام اإلسالم بظلم المرأة هو سباب هلل عز‬
                   ‫وجل. 2- أحوال المرأة في الجاهلية. 4- تكريم اإلسالم المرأة زوجة وأما وابنة.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                          ‫ثم أما بعد:‬
 ‫فقد تحدثنا فيما سبق عما يريده أعداء هذا الدين من كيد لإلسالم والمسلمين وأنهم لما عجزوا عن‬
    ‫مواجهة هذا الدين بالسالح، واجهوه بالغزو الفكري الثقافي يشوهون بذلك صورة اإلسالم عند‬
                                                                 ‫غير المسلمين ويشككون المسلمين في دينهم.‬
‫وذكرنا أن من أكبر وسائلهم التي حاولوا ضرب المسلمين من خاللها هي المرأة. فأشاعوا ونشروا‬
                                                          ‫حول مكانة المرأة في اإلسالم األباطيل والشبهات.‬
 ‫ومن أكبر أباطيلهم التي حاولوا نشرها والترويج لها بين المسلمين مقولتهم الباطلة بأن اإلسالم قد‬
‫ظلم المرأة وأهانها. فنقف مع هذه التهمة الباطلة و المقولة اآلثمة لنتبين بطالنها ونرد على قائليها‬
                         ‫ا‬       ‫ا‬       ‫ال‬
      ‫ومروجيها من أعداء اهلل وأعداء رسوله رداً إجماليا أو ً، ثم ردً تفصيليً بعد ذلك بعون اهلل.‬
                                                                                      ‫ال‬
  ‫أو ً: يقولون قد ظلم اإلسالم المرأة وأهانها. فنقول محذرين ومنبهين أن هذه المقولة كفر ويجب‬
     ‫الحذر منها، وذلك ألن اإلسالم هو دين اهلل عز وجل، وهو الذي أنزله وشرعه لنا قال تعالى:‬
                              ‫َ د‬         ‫ْ م ت ُ د ُ و م ت ع ُ ن مت ورض ت ُم‬
‫الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْكمْ ِعْ َ ِى َ َ ِي ُ لَك ُ األسْالمَ ِيناً [المائدة:2]. ومن هنا نقول‬
    ‫بأن من قال بأن اإلسالم قد ظلم المرأة أو أهانها فإنه إنما يقول أن اهلل عز وجل قد ظلم المرأة‬
  ‫ِ ُ َب َد‬              ‫و‬                   ‫ً‬
 ‫وأهانها, تعالى اهلل عما يقول الجاهلون الظالمون علواً كبيرا, يقول اهلل تعالى: َالَ يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا‬
  ‫ِم‬            ‫ِن الل‬                             ‫َر‬          ‫ِم م‬            ‫ِن الل‬
  ‫[الكهف:44]. وقال تعالى: إ َّ َّهَ الَ يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّةٍ [النساء:04]. وقال تعالى: إ َّ َّهَ الَ يَظْل ُ‬
                                                                                                        ‫الن‬
                                                                                  ‫َّاسَ شَيْئًا [يونس:44].‬
       ‫فالقول بأن اهلل قد ظلم المرأة بعد ذلك هو تكذيب للقرآن وتكذيب القرآن كفر. هذا هو الرد‬
  ‫اإلجمالي الذي يجب على كل مسلم أن يفهمه ويعيه ويفهمه للعالم كله.. هو أننا مؤمنون بأن اهلل‬
                                                                                    ‫ا‬
                                                                                   ‫عز وجل ال يظلم أحدً.‬
‫ثم تعال أخي المؤمن الموحد ننظر في حال المرأة قبل اإلسالم ثم في حالها بعد اإلسالم لنرى هل‬
                                                    ‫ظلم اإلسالم المرأة أو أهانها؟ وهو الرد التفصيلي.‬
‫كان العرب في الجاهلية قبل اإلسالم ينظرون إلى المرأة على أنها متاع من األمتعة التي يمتلكونها‬
    ‫مثل األموال والبهائم ويتصرفون فيها كيفما شاءوا. وكان العرب ال يورثون المرأة ويرون أن‬
            ‫ليس لها حق في اإلرث وكانوا يقولون: ال يرثنا إال من يحمل السيف ويحمي البيضة.‬
‫وكذلك لم يكن للمرأة على زوجها أي حق، وليس للطالق عدد محدود، وليس لتعدد الزوجات عدد‬
                                                                                                       ‫معين.‬
 ‫وكان العرب إذا مات الرجل وله زوجة وأوالد من غيرها كان الولد األكبر أحق بزوجة أبيه من‬
                                                                   ‫ا‬
   ‫غيره, فهو يعتبرها إرثً كبقية أموال أبيه. فعن ابن عباس رضي اهلل عنه قال: (كان الرجل إذا‬
  ‫مات أبوه أو حموه, فهو أحق بامرأته إن شاء أمسكها, أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها أو تموت‬
                                                                                             ‫فيذهب بمالها).‬
      ‫وقد كانت العدة للمرأة إذا مات زوجها سنة كاملة. وكانت المرأة تحد على زوجها أشد حداد‬
 ‫وأقبحه, فتلبس شر مالبسها وتسكن شر الغرف، وتترك الزينة والطيب والطهارة، فال تمس ماء،‬
                                                             ‫ا‬              ‫ا‬
‫وال تقلم ظفرً، وال تزيل شعرً، وال تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر‬
                                                                                              ‫وأنتن رائحة.‬
   ‫وكان عند العرب أنواع من الزيجات الفاسدة. منها اشتراك مجموعة من الرجال بالدخول على‬
   ‫امرأة واحدة ثم إعطاءها حق الولد تلحقه بمن شاءت منهم. فتقول: إذا ولدت هو ولدك يا فالن،‬
                                                                                    ‫فيلحق به ويكون ولده.‬
  ‫ومنها نكاح االستبضاع، وهو أن يرسل الرجل زوجته لرجل آخر من كبار القوم لكي تأتي بولد‬
                                                               ‫منه يتصف بصفات ذلك الكبير في قومه.‬
                                                                         ‫ومنها نكاح المتعة وهو المؤقت.‬
‫ومنها نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته أو موليته لرجل آخر على أن يزوجه هو‬
            ‫موليته بدون مهر، وذلك ألنهم يتعاملون على أن المرأة يمتلكونها كما يمتلكون السلعة.‬
  ‫كما كان العرب يكرهون البنات فيدفنونهن أحياء خشية العار كما يزعمون، وقد ذمهم اهلل وأنكر‬
                                                       ‫قت‬        ‫َى‬        ‫ة سئ‬               ‫وِذ‬
                                    ‫عليهم فقال: َإ َا الْمَوْءودَ ُ ُ ِلَتْ بِأ ّ ذَنبٍ ُ ِلَتْ [التكوير:1-4].‬
     ‫هكذا كان حال المرأة في الجاهلية قبل اإلسالم عند العرب وكان حالها مثله عند غير العرب‬
    ‫كذلك. فكان اليهود مثالً إذا حاضت المرأة ال يؤاكلونها وال يجالسونها، وينصبون لها خيمة في‬
                                                                               ‫وسط البيت، وكأنها نجاسة أو قذارة.‬
                                                                           ‫وكذلك كان حالها عند الشعوب األخرى.‬
 ‫ولما جاء اإلسالم ونزل القرآن رفع اهلل مكانة المرأة وأعزها وأكرمها، يقول أمير المؤمنين عمر‬
                                ‫ا‬
‫ابن الخطاب رضي اهلل عنه: (كنا في الجاهلية ال نعد النساء شيئً، فلما جاء اإلسالم, وذكرهن اهلل،‬
                                                                                               ‫ا‬
                                                                                             ‫رأينا لهن بذلك علينا حقً).‬
       ‫وتأمل يا عبد اهلل، لما جاء اإلسالم لم يعتبر اإلسالم المرأة مكروهة أو مهانة، كما كانت في‬
   ‫الجاهلية، ولكنه قرر حقيقة تزيل عنها هذا الهوان، وهي أن المرأة قسيمة الرجل، لها ما له من‬
      ‫الحقوق، وعليها أيضاً من الواجبات ما يالئم تكوينها وفطرتها. وعلى الرجل أن يكون وليها،‬
                                                              ‫يحوطها ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسبه.‬
     ‫ومن مظاهر تكريم المرأة في اإلسالم أن ساواها بالرجل في أهلية الوجوب األداء، وأثبت لها‬
                  ‫حقها في التصرف ومباشرة جميع الحقوق، كحق البيع والشراء والتملك وغير ذلك.‬
   ‫ولقد كرم اهلل المرأة حينما أخبر أنه خلقنا من ذكر وأنثى، وجعل ميزان التفاضل بيننا هو تقوى‬
  ‫ك م َر وأ وجع ْ ُ شع ا َ ب ِ ل ع رف ِن أ ْرم ُ‬                                          ‫َي الن س ِن‬
‫اهلل قال تعالى: ياأُّهَا َّا ُ إ َّا خَلَقْنَا ُم ّن ذَك ٍ َُنْثَى َ َ َلنَاكمْ ُ ُوبً وقَ َائلَ ِتَ َا َ ُواْ إ َّ َك َ َكمْ‬
   ‫ِن‬                                                       ‫ك ِن الل ع م ب ر‬                       ‫ع الل‬
   ‫َندَ َّهِ أَتْقَا ُمْ إ َّ َّهَ َلِي ٌ خَ ِي ٌ [الحجرات:25]. وكذلك ذكرها اهلل مع الرجل فقال تعالى: إ َّ‬
‫م لم ن و م ل ت و م من ن و م م ت و نت ن و ن ت َالص دق ن َالص د ت َالص ِر ن‬
‫الْ ُسِْ ِي َ َالْ ُسِْمَا ِ َالْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَا ِ َالْقَا ِ ِي َ َالْقَا ِتَا ِ و َّا ِ ِي َ و َّا ِقَا ِ و َّاب ِي َ‬
 ‫َّا ِ ِي َ والص ئم ت و ح فظ ن‬
 ‫َّا ِ َا ِ َالْ َا ِ ِي َ‬           ‫َالص ب ت و شع ن و شع ت و م َدق ن و م َ ّ ت‬
                           ‫و َّا ِرا ِ َالْخَا ِ ِي َ َالْخَا ِ َا ِ َالْ ُتَص ّ ِي َ َالْ ُتَصدقَا ِ والص ئم ن‬
                 ‫عظ ا‬          ‫َد الله ه م ِ ة و‬                 ‫و ك‬               ‫ُر جه و ح ف ت و كر الل‬
                 ‫ف ُو َ ُمْ َالْ َا ِظَا ِ َالذ ِ ِينَ َّهَ كَثِيراً َالذ ِراتِ أَع َّ َّ ُ لَ ُم َّغْفرَ ً َأَجْراً َ ِيمً‬
                                                                                                           ‫[األحزاب:12].‬
    ‫ومن مظاهر تكريم اإلسالم للمرأة أن اعتنى بشؤونها، ونبه على أمرها في القرآن واألحاديث،‬
‫وقد أنزل اهلل سورة كاملة من السور الطوال باسم النساء (وهي سورة النساء) وقد تحدثت السورة‬
                                                     ‫عن أمور هامة تتعلق بالمرأة واألسرة والدولة والمجتمع.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                            ‫ً‬
    ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد. والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                                         ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                                                        ‫وبعد:‬
    ‫و ُد الل‬
  ‫فكذلك من مظاهر التكريم للمرأة تكريم األم، فقد عظم اإلسالم شأن األم قال تعالى: َاعْب ُواْ َّهَ‬
  ‫َالَ ُشْ ِ ُواْ ِهِ شَيْئاً َبِالْوال َيْنِ إِحْسَاناً [النساء:62]. وقال تعالى: َقَ َى رُّكَ أ َّ تَعْ ُ ُواْ إ َّ إ َّا ُ‬
  ‫و ض َب َال بد ِال ِي ه‬                                                             ‫و ِد‬                  ‫و ت رك ب‬
                                                                                                           ‫و ِد إ‬
                                                                                     ‫َبِالْوال َيْنِ ِحْسَاناً [اإلسراء:27].‬
‫وسئل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: ((أمك. قال ثم من؟‬
                                    ‫قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أبوك)).‬
 ‫ومن مظاهر تكريم اإلسالم للمرأة عنايته بحقوق الزوجات، فلقد كان ما قاله في خطبته في حجة‬
       ‫الوداع: ((فاتقوا اهلل في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اهلل واستحللتم فروجهن بكلمة اهلل)).‬
 ‫باإلضافة إلى تلك المظاهر إعطاها الحرية في اختيار الزوج بالقيود الشرعية. فعن عائشة رضي‬
‫اهلل عنها قالت سألت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها ـ يعني يزوجونها‬
  ‫ـ أتستأمر أم ال؟ ـ يعني: هل تستأذن ـ فقال: ((نعم تستأمر، قالت فقلت له: إنها تستحي فقال‬
                                              ‫صلى اهلل عليه وسلم: فذلك إذنها إذا هي سكتت)).‬
      ‫ومن مظاهر تكريم المرأة في اإلسالم أن اإلسالم حث على تربية البنات ورتب عليها أجرً‬
      ‫ا‬
                                                                                  ‫ا‬
 ‫عظيمً. قال صلى اهلل عليه وسلم: ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم‬
                                                                         ‫أصابعه)) [رواه مسلم].‬
                                         ‫ولم يرد مثل هذا الحديث في تربية الذكور من األوالد.‬
 ‫عباد اهلل، ولو أردنا تتبع مظاهر تكريم المرأة في اإلسالم لطال بنا المقام، ولكن فيما ذكر كفاية،‬
      ‫ولعل من أراد االستزادة أن يرجع إلى كثير من الكتب التي ألفت في هذا الباب ليرى بعين‬
                                      ‫بصيرته مدى التكريم الذي وصلت إليه المرأة في اإلسالم.‬
‫وهنا إخوتي ال بد من وقفة وهي: أننا مع األسف أصبحنا اليوم في وضع المدافع، ندافع عن ديننا،‬
  ‫نريد أن ندفع عنه التهم التي يلصقها به أعداؤه، وهذا واهلل ضعف وخور حدث في األمة بسبب‬
    ‫ترك ما أمر اهلل به وهو الدعوة إلى اهلل. ولو أننا قمنا بواجب الدعوة إلى اهلل، وغزونا هؤالء‬
                                                           ‫ن‬
   ‫الكفار في عقر دارهم بدعوتنا وبيّا محاسن ديننا. وقمنا كذلك ببيان فساد دينهم الذي هم عليه.‬
    ‫وأنهم قد ظلموا المرأة والرجل والطفل في تعاملهم، لو قمنا إخوة اإليمان بذلك، لما احتجنا أن‬
 ‫ندافع عن ديننا ألننا أصحاب حق وصاحب الحق قوي بحقه. ولكن نحن اليوم بحاجة إلى إصالح‬
                     ‫داخلي في ذواتنا وأنفسنا قبل أن نقوم باإلصالح في الخارج واهلل المستعان.‬

‫(5/5645)‬




                                                                             ‫حرب األعداء (7)‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                               ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                          ‫المرأة, قضايا المجتمع‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                 ‫جدة‬
                                                                                ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- تعدد الزوجات شريعة معروفة عند األمم قبل اإلسالم. 7- اإلسالم يقر هذه الشريعة ويضع‬
                                                                     ‫إل‬
     ‫ضوابطها. 2- ا ٍسالم راعى فطرة اإلنسان وحاجته فأباح التعدد. 4- تعدد الزوجات عالج‬
   ‫لظاهرة العنوسة. 1- صور أخرى من مؤامرة األعداء على المرأة. 6- رفض تعدد الزوجات‬
                                                                 ‫ومناقشة أنوع من الحرب مع اهلل.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                                                            ‫أما بعد:‬
‫معاشر المؤمنين: إن أعداء اإلسالم قد شككوا في دين اهلل عز وجل من خالل بعض قضايا المرأة‬
                                          ‫وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق ونشير اليوم إلى بقيتها.‬
    ‫اعلموا وفقكم اهلل أن مما أثاره أعداء ديننا من كفار ومنافقين قضية تعدد الزوجات. ولقد وجد‬
 ‫التعدد في الشرائع السابقة وفي المجتمعات البشرية القديمة، فكان في اليهود والنصارى كما وجد‬
   ‫عند الصينيين والبابليين واآلشوريين والهنود وغيرهم كما كان عند العرب قبل اإلسالم إال أنه‬
                                                                            ‫كانت تبرز فيه ناحيتان:‬
                                                                              ‫األولى: أنه ال حد له.‬
                                                               ‫الثانية: أن المرأة تتعرض فيه للظلم.‬
‫ولما جاء اإلسالم وأباح التعدد حدده بأربع ورفع الظلم عن المرأة. ويجب أن نعلم عباد اهلل أن اهلل‬
‫عز وجل عندما أباح التعدد حرم الظلم، أما اليوم فقد اقترن التعدد بالظلم، وهل هذا عيب في ديننا‬
‫أم أنه عيب في المسلمين الذين أخطئوا في تطبيق شرع اهلل. إنه عيب في التطبيق يالم فيه المعدد‬
   ‫الظالم، ال عيب في التشريع. إن الذين يتزوجون الثانية والثالثة والرابعة ثم يظلمون ال يطبقون‬
                                                                                            ‫أمر اهلل.‬
   ‫إننا يجب أن نعلم ونوقن أن اهلل عز وجل حكيم خبير، وقد ذكر اهلل ذلك في مواضع كثيرة من‬
     ‫القرآن. إن المؤمن منا ال يقبل أن يناقش في قضية التعدد من حيث ثبوتها ألنها قد ثبتت في‬
   ‫القرآن وال من حيث صالحيتها للمجتمع ونفعها ألن الذي شرعها هو الحكيم الخبير. فهل يشك‬
  ‫مسلم مؤمن في حكمة اهلل؟ ... كال إنه كفر. إذاً فكيف يرضى مسلم أن يناقش هذه القضية وأن‬
 ‫توضع كما يقال على مائدة البحث للنظر في صالحيتها؟! كيف يكون ذلك واهلل عز وجل قد قرر‬
      ‫ح م ب ُ م نس م ن‬                                             ‫ً‬
     ‫ذلك منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا في كتابه فقال: فَانكِ ُواْ َا طَا َ لَكمْ ّنَ ال ّ َاء َثْ َى‬
                                                                                ‫وث ور‬
 ‫َ ُلَاثَ َ ُبَاعَ [النساء:2]. إنها واهلل قضية من أخطر القضايا أن نجر من حيث نشعر أو ال نشعر‬
                                                                               ‫إلى نقاش ال يحق لنا الخوض فيه.‬
         ‫ً‬
  ‫هناك ضرورات من جانب الرجال قد تدعوهم إلى التعدد كأن يجد الرجل زوجته عقيما فهل إن‬
 ‫تزوج طلباً للولد يكون خائنً، ال شك أن هذا ال يقوله عاقل. أو قد تكون المرأة مريضة أو ناشزً‬
 ‫ا‬                                                             ‫ا‬
    ‫أو أن تكون غير كافية لقضاء وطره، فهل األفضل لمثل هؤالء الزوجات أن يتزوج أزواجهن‬
  ‫بزوجات ثانية أم يطلقونهن ثم يتزوجون غيرهن؟ وهل إذا أراد الرجل إشباع الرغبة التي فطره‬
                                      ‫اهلل عليها بزوجة ثانية بطريق حالل أحله اهلل له، يعاب عليه ذلك؟!‬
   ‫كما أن هناك حاجة وضرورة من جانب النساء، فالمالحظ أن عدد النساء يفوق بصورة مطردة‬
            ‫عدد الرجال في أكثر المجتمعات، ولكي تحفظ للمرأة كرامتها وعفتها فال بد من التعدد.‬
    ‫إن المجتمع اليوم يمتلئ بالشابات العوانس الالتي تجاوزن سن الزواج، وكثير منهن يعتصرها‬
  ‫األلم ويلفها الحزن وهي ترى عقارب الزمن تمضي دون أن يتقدم إليها من يطلب خطبتها. وإذا‬
     ‫كانت هناك بعض الفتيات يرددن ببالهة ما تنعب به غربان السوء في مضار التعدد وهن في‬
    ‫أعماقهن يتقن إلى الزواج ألنه حاجة فطرية فإن هناك الكثير من الفتيات يتمنين نصف الزوج‬
                                                                                     ‫وربع الزوج إن صح التعبير.‬
‫ولو فكرنا قليالً لرأينا كم يمثل تكدس البنات في البيوت بال زواج من خطر ال يعلمه إال اهلل. وأما‬
‫قضية الظلم الذي يحدث من المعددين للزوجات فليس ذلك ذنب اإلسالم ألن اإلسالم قد حرم الظلم‬
‫بل وهدد من ظلم في هذه القضية أن يأتي يوم القيامة وشقه مائل. عن أبي هريرة رضي اهلل عنه‬
  ‫عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((من كان له امرأتان يميل إلحداهما على األخرى جاء يوم‬
                                                           ‫القيامة أحد شقيه مائل)) [رواه أبو داود والنسائي].‬
 ‫ومن القضايا التي يطرحها أعداء اإلسالم قضية الحجاب وهذه القضية قد أقلقت راحتهم وأقضت‬
                              ‫مضاجعهم فتراهم ال يهدأ لهم بال وال يفترون عن الكالم عنها ذماً وقدما.‬
    ‫يصفون الحجاب بأنه.. حبس للمرأة ..وأنه تخلف ورجعية.. وأنه داللة على عدم صفاء قلوب‬
     ‫الذين يطالبون به، ويقولون بأن المرأة العفيفة ال تحتاج إلى الحجاب وأن حجابها هو حياؤها.‬
‫وهذا من أعجب العجب!! وهل يبقى للمرأة حياء إذا خرجت متكشفة متبرجة أمام الرجال؟ هذا ما‬
   ‫ال يقبله العقل، لكن أعداء اهلل يكذبون ويخادعون لكي يصلوا إلى ما يريدون وهو إفساد المرأة،‬
     ‫َيه‬
    ‫ولو أنهم آمنوا باهلل وبرسوله لعلموا أنه أمر اهلل الذي أمر به المرأة المسلمة فقال تعالى: ياأُّ َا‬
    ‫ي ْ َ َ ال‬       ‫َن‬           ‫م من ي ن ع ِن م ج ب ب ِن‬                               ‫النب ُّ ق ِ ج وب تك ون‬
    ‫َّ ِى ُل الزْوا ِكَ َ َنَا ِ َ َ ِسَاء الْ ُؤْ ِ ِينَ ُدْ ِينَ َلَيْه َّ ِن َلَا ِي ِه َّ ذالِكَ أدْ َى أَن ُعرفْن فَ َ‬
                                                                ‫ي ْ و الله ف ً رح‬
‫ُؤذَيْنَ َكَانَ َّ ُ غَ ُورا َّ ِيماً [األحزاب:41]. إنه أمر اهلل وليس أمر أحد من البشر فهل يصدقهم‬
      ‫ا‬
      ‫بعد ذلك مؤمن. ثم بعد ذلك ينادون باالختالط. لكن أعداء اإلسالم أذكياء فهم يخططون شيئً‬
                                                         ‫ال‬                    ‫ا‬
  ‫فشيئً، طلبوا من المرأة أو ً نزع الحجاب ثم الخروج مع الرجال ومخالطتهم وتلك هي خطوات‬
  ‫ِنه ل ُ‬          ‫الش‬    ‫و َتبع خط‬
‫الشيطان، وقد حذرنا اهلل منها في غير موضع من كتابه فقال: َالَ تَّ ِ ُواْ ُ ُواتِ َّيْطَانِ إ َّ ُ َكمْ‬
                                                                                                       ‫َ ُو مب ن‬
                                                                                         ‫عد ٌّ ُّ ِي ٌ [البقرة:165].‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
            ‫ي‬                          ‫ل‬
‫الحمد هلل الذي اهتدى بهديه ورحمته المهتدون، وض ّ بعدله وحكمته الضالون، ال ُسأل عما يفعل‬
      ‫ل‬                                                                               ‫ي‬
     ‫وهم ُسألون. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بّغ‬
             ‫ج‬                        ‫ق‬                   ‫م‬                    ‫د‬
   ‫الرسالة، وأ ّى األمانة، ونصح األ ّة، وجاهد في اهلل ح ّ جهاده، وتركنا على المح ّة البيضاء،‬
  ‫ا‬       ‫ل‬                                                                            ‫ل‬
  ‫ليُها كنهارها، ال يزيغ عنها إال هالك. صلى اهلل عليه، وعلى آله وصحبه وأتباعه، وسّم تسليمً‬
                                                                                              ‫كثيراً إلى يوم الدين.‬
                                                                                                             ‫أما بعد:‬
                                         ‫ي‬                ‫ق‬
  ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى ح ّ التقوى، فهي وص ّة اهلل لكم في محكم كتابه، حيث قال جل من‬
                   ‫َي َّذ ن من اتق الل َق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
‫قائل عليم: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّهَ ح َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
‫وبعد عباد اهلل فهذه بعض القضايا التي أثارها أعداء اإلسالم من كفار ومنافقين وهناك غيرها من‬
    ‫القضايا ال نريد اإلطالة بذكرها كقضية الطالق وقضية الميراث وكذلك دية المرأة وغيرها من‬
                                                                                                             ‫القضايا.‬
   ‫لكننا نقول: إننا مؤمنون بأن اهلل عز وجل الذي شرع هذه األمور لنا، وهو الحكيم الخبير العليم‬
                                                         ‫ق َّ ه‬          ‫ُل‬
‫اللطيف قال تعالى: وَخَلَقَ ك َّ شَىْء فَ َدرَ ُ تَقْدِيراً [الفرقان:7]. يعلم سبحانه وتعالى ما يصلح عباده‬
                                  ‫وه اللط ف ب ر‬                     ‫ي َم م‬
     ‫وما يفسدهم قال تعالى: أَالَ َعْل ُ َنْ خَلَقَ َ ُوَ َّ ِي ُ الْخَ ِي ُ [الملك:45]. هو الحكيم سبحانه‬
               ‫فيختار لهم بحكمته ما فيه خيرهم وصالحهم وال يمكن أن يشرع لهم أمراً فيه ضرر.‬
‫أيها المؤمنون إن إيماننا بذلك يقطع الطريق على أولئك المشككين من أعداء هذا الدين، وال يمكن‬
       ‫أن يصلوا إلى ما يريدون من تشكيكنا في كتاب ربنا ما دمنا مؤمنين موقنين بحكمته سبحانه‬
    ‫وتعالى. والحكيم هو الذي ال يقول وال يفعل إال الصواب. قال ابن كثير رحمه اهلل: "الحكيم في‬
                                           ‫أقواله وأفعاله فيضع األشياء في محالها بحكمته وعدله".ا.هـ.‬
 ‫أيها المسلمون، إن الذين يرضون بأن يناقش كتاب اهلل وما فيه من أوامر وأحكام صادرة من اهلل‬
  ‫عز وجل لم يفقهوا ذلك، وقد وقعوا في خلل كبير من حيث يشعرون أو ال يشعرون. إن المؤمن‬
           ‫الحق يرفض ذلك.. نعم، فمن ذا الذي يتجرأ على البحث في قضية التعدد مثالً من حيث‬
  ‫صالحيتها أو عدم صالحيتها وهي قضية قد حكم فيها ربنا من فوق سبع سماوات وأباحها لخلقه‬
          ‫ق‬                           ‫ك م نس م ن وث ورب‬                                      ‫ح‬
  ‫وقال: فَانكِ ُواْ مَا طَابَ لَ ُمْ ّنَ ال ّ َاء َثْ َى َ ُلَاثَ َ ُ َاعَ [النساء:2]. وعلى ذلك ف ِس، كل من‬
 ‫يريد مناقشة قضايا قد قررها اهلل عز وجل ورسوله صلى اهلل عليه وسلم. فماذا يقول لربه تبارك‬
                                                                       ‫وتعالى يوم القيامة إذا أوقف بين يديه؟!‬
                                                               ‫هل شك في عدل اهلل أم في رحمة اهلل بعباده؟‬
‫عباد اهلل، يجب أن نفهم وأن نعي جيداً أن القضية ليست قضية ميراث وال حجاب وال تعدد، وإنما‬
        ‫هي حرب بين اإليمان والكفر، وأنهم ال يريدون منا أن نقف عند هذا الحد بل يطمعون في‬
   ‫إخراجنا من ديننا بالكلية. نعم هذا ما يسعون لتحقيقه. إنها حرب على اإلسالم وأهله، وإننا واهلل‬
‫وإن وافقناهم في كثير مما يقولون فلن يرضوا بذلك منا ولن يكفيهم إال أن نكون مثلهم عياذاً باهلل.‬
             ‫ً‬                   ‫يه د و النص ر َت َت ع ِل ُ‬                       ‫ض ع‬        ‫ول‬
   ‫قال تعالى: ََن تَرْ َى َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّ َا َى ح َّى تَّبِ َ مَّتَهمْ [البقرة:075]. إذا فلو تركنا‬
 ‫التعدد ولو جعلنا النساء يخرجن متبرجات، ولو فعلنا ما فعلنا فلن يهدأ لهم بال ولن يطمئنوا حتى‬
                               ‫و‬       ‫ر ْ ك ن‬                     ‫ُر‬              ‫َد‬
 ‫نصبح مثلهم قال تعالى: و ُّواْ لَوْ تَكْف ُونَ كَمَا كَفَ ُوا فَتَ ُو ُونَ سَ َاء [النساء:41]. هكذا يجلي ربنا‬
                                                   ‫القضية بكل وضوح ليتبين لنا ما يريده منا أعداؤنا.‬
 ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين. اللهم أعز اإلسالم والمسلمين. اللهم أعز اإلسالم والمسلمين. وأذل‬
  ‫الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وأهلك الزنادقة والملحدين وآمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا‬
 ‫ووالة أمورنا واجعلهم هداة مهتدين واجعل اللهم واليتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم‬
    ‫الراحمين. اللهم أصلح حال المسلمين. اللهم أصلح حال المسلمين. اللهم أصلح حال المسلمين.‬
                                       ‫ال‬
          ‫اللهم اجمع كلمتهم على الحق وردهم إلى دينك رداً جمي ً. اللهم ارفع علم الجهاد وانصر‬
 ‫المجاهدين. اللهم ارفع علم الجهاد وانصر المجاهدين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في‬
                              ‫وقو‬
   ‫سبيلك وإلعالء كلمتك، اللهم ثبت أقدامهم واربط على قلوبهم ِّ شوكتهم وأنزل السكينة عليهم‬
 ‫وانصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير. اللهم أبرم لهذه األمة أمر رشد يعز فيه‬
‫أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم من أرادنا‬
                ‫وأراد اإلسالم والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.‬

‫(5/7645)‬




                                                                                         ‫تأمالت في حديث‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                          ‫أحاديث مشروحة‬
                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                          ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                        ‫جدة‬
                                                                                       ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كثرة الغثاء بين الناس. 7- حديث الناس كإبل مائة. 2- قلة من الناس من يعتمد عليه ومن‬
                          ‫يقوم بالواجب على الصورة المثلى. 4- صور الغثاء والكثرة الضائعة.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
                                       ‫ا‬
     ‫عباد اهلل: فلقد أعطى اهلل تبارك وتعالى رسوله محمدً صلى اهلل عليه وسلم آيات داالت على‬
 ‫صدق نبوته، ومن هذه اآليات أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم كما صح‬
 ‫عند مسلم وغيره أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((أعطيت جوامع الكلم)) وهو أن يقول‬
               ‫الكلمة أو الكلمات القليالت التي تحتوي معاني عظيمة جليلة وفوائد كثيرة متنوعة.‬
      ‫وبين أيدينا اليوم حديث من أحاديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قليلة كلماته كثيرة عبره‬
      ‫وفوائده نسأل اهلل أن ينفعنا وإياكم بما فيه من العلم. ويروي لنا الحديث عبد اهلل بن عمر بن‬
      ‫الخطاب رضي اهلل عنهما يقول: سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((إنما الناس‬
                                   ‫كاإلبل المائة ال تكاد تجد فيها راحلة)) [رواه البخاري ومسلم].‬
    ‫وهذا الحديث إخوة اإليمان وصف من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لحال الناس في الفضل‬
   ‫والكمال واالتصاف بالصفات الحسنة يبين فيه عليه الصالة والسالم أن أكثر الناس أهل نقص،‬
                                                          ‫ا‬
     ‫وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدً، والرسول هنا في هذا الحديث يشبه الناس بمائة من اإلبل‬
 ‫يبحث فيها صاحبها عن واحد ليتخذه للركوب، وهي الراحلة. قال ابن قتيبة: هي النجيبة المختارة‬
‫من اإلبل للركوب، وقال غيره: المعنى أن المرضي من أحوال الناس الكامل األوصاف قليل كقلة‬
             ‫الراحلة في اإلبل، وقال غيره: إن المعنى أن الناس كثير، ولكن المرضي منهم قليل.‬
   ‫ولهذا الحديث إخوتي الكرام تطبيقات كثيرة في حياتنا اليومية حيث يمكن تنزيله على كثير من‬
                                    ‫أحوالنا وتعامالتنا ليتضح لنا معناه ونستفيد من عبره وفوائده.‬
 ‫فخذ مثالً حال كثير من المسلمين في استقامتهم على دينهم والتزامهم بأمر اهلل وطاعة رسوله تجد‬
  ‫أنهم كإبل مائة ال تكاد تجد فيها راحلة، فكم من المسلمين اليوم قام بحق ال إله إال اهلل هذه الكلمة‬
   ‫التي يقولها المسلم في يومه وليلته عدة مرات. وكم من المسلمين اليوم الذين نقضوا هذه الكلمة‬
         ‫فأفعال شركية تناقض أصل هذه الكلمة وتنقضها من أصلها، فال يبقى لها أثر إال تمتمات‬
                                        ‫ا‬
     ‫وهمهمات تخرج من بين الشفاه ال تفيد صاحبها شيئً، وقد اجتثت من أصلها بدعاء أموات ال‬
                                                          ‫ا‬        ‫ا‬
  ‫يملكون ألنفسهم ضرً وال نفعً وطواف حول قبور أناس يزعمونهم من األولياء ولو كانوا كذلك‬
  ‫أيضاً لم يجز الطواف حول قبورهم وذبح القرابين لهم ووضع النذور لهم وغير ذلك من مظاهر‬
                    ‫الشرك التي انتشرت في كثير من بالد المسلمين نسأل اهلل أن يصلح أحوالهم.‬
‫ولذلك ترى اليوم أن عدد الموحدين الذين سلموا من هذه األفعال الشركية وغيرها قليل بالنسبة إلى‬
                                 ‫الكثرة الكاثرة التي قد خاضت مع الخائضين من القبوريين الضالين.‬
‫وهكذا ترى أخي الكريم كيف أن حديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مطبق في واقعنا اليوم مع‬
                           ‫الموحدين فتجد الناس في التوحيد اليوم كإبل مائة ال تكاد تجد فيها راحلة.‬
‫وإذا تأملت بعد ذلك حال المسلمين اليوم في هذا الوصف النبوي مع البعد عن البدع وتطبيق السنة‬
 ‫والمحافظة عليها وجدتهم كإبل مائة ال تكاد تجد فيها راحلة. وتأمل حال السنة اليوم كيف هجرت‬
  ‫وحل محلها كثير من البدع التي ما أنزل اهلل بها من سلطان وال حجة ألصحابها إال أنهم وجدوا‬
   ‫من قبلهم يفعلها، ففعلوا مثلهم وتلك حجة داحضة قد رد اهلل على المشركين مثلها عندما احتجوا‬
      ‫ئ و ي د ن‬                  ‫ي قل‬         ‫ن ؤُ‬               ‫و‬
      ‫على شركهم بما وجدوا عليه آباءهم فقال لهم: أَ َلَوْ كَا َ ءابَا ُهمْ الَ َعْ ُِونَ شَيْ ًا َالَ َهْتَ ُو َ‬
    ‫[البقرة:025]. فهذه إذاً حجة غير مقبولة عند اهلل، فلينظر المؤمن لنفسه حجة يلقى اهلل بها يوم‬
                                                                              ‫القيامة على ما يقول ويعمل.‬
‫عباد اهلل، إن البدع اليوم قد انتشرت عند كثير من المسلمين وأصبح عدها وحصرها مما يطول به‬
  ‫المقام، ولكن هناك كلمات يسيرات من كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم هي الميزان‬
  ‫َ ج ق‬              ‫م‬                ‫ال‬
‫لمن أراد العمل على بصيرة ونور من اهلل تكون له هداية ودلي ً يقول تعالى: فَ َن كَانَ يرْ ُو لِ َاء‬
      ‫عم ص ل‬                                ‫ا و ي ْر بعب رب َد‬                            ‫رب ِ ي َ عم‬
‫َ ّه فَلْ َعْملْ َ َالً صَالِحً َالَ ُش ِكْ ِ ِ َادَةِ َ ّهِ أَح َا [الكهف:055]. قال العلماء: َ َالً َاِحاً أي‬
  ‫ا‬                     ‫و ي ْر بعب رب َد‬
  ‫موافقاً لسنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم َالَ ُش ِكْ ِ ِ َادَةِ َ ّهِ أَح َا أي: يجعل العمل خالصً‬
                                                                                                   ‫لوجه اهلل.‬
                                   ‫كم الرس ُ ُذ ه و ه ُ ع ُ ه‬                             ‫وم‬
   ‫وقال تعالى: َ َا ءاتَا ُ ُ َّ ُول فَخ ُو ُ َمَا نَ َاكمْ َنْه فَانتَ ُواْ [الحشر:2]. ومن سنة رسول اهلل‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم يقول عليه الصالة والسالم: ((من عمل عمالً ليس عليه أمرنا فهو رد)) أي‬
                                                                                       ‫مردود [متفق عليه].‬
                                   ‫وهناك الكثير من اآليات واألحاديث، وفيما ذكر كفاية إن شاء اهلل.‬
 ‫ثم بعد ذلك تأمل أخي الكريم حال السنة والبدعة اليوم لتعلم أن الناس اليوم في تطبيق السنة كإبل‬
   ‫مائة ال تكاد تجد فيها راحلة، أقوام قد ألفوا البدع وتربوا عليها، إذا أنكر عليهم منكر ونصحهم‬
     ‫ناصح أبغضوه وقلوه، وبأنواع التهم رموه، كل ذلك أنه خالفهم فيما ألفوه، يرون البدعة سنة،‬
                                                                   ‫ا‬
  ‫والسنة بدعة أو تشددً، قائدهم الهوى ودليلهم على غير هدى، يحبون من وافقهم على ما هم فيه‬
                          ‫ا‬
 ‫ولو كان فيه ما فيه، ويبغضون من خالفهم وأنكر عليهم ولو كان إمامً من األئمة. تقول لهم: قال‬
‫اهلل وقال رسوله، فيردون: قال فالن وقال فالن، وهكذا حال أصحاب البدع هداهم اهلل وردهم إلى‬
                                                                                             ‫ا ال‬
                                                                                            ‫دينه ردً جمي ً.‬
        ‫ثم تأمل أخي الكريم حال كثير من المسلمين اليوم في أخوتهم ومودتهم وصداقتهم لبعضهم‬
     ‫البعض، تجدهم في صدق األخوة كإبل مائة، ال تكاد تجد فيها راحلة، فكم من إنسان نزلت به‬
     ‫نازلة و حلت به ضائقة فإذا فكر وفكر فيمن ُن ِ ُ به هذه الضائقة من إخوانه ليكون له عونً‬
     ‫ا‬                                      ‫ي ْزل‬
                                          ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫وسندً بعد اهلل ويعينه على فك ضيقته لم يجد أحدً من إخوانه يفك له ضيقته على كثرتهم وسعة ما‬
   ‫بسط لهم في رزقهم لكن أين األخ الصديق الذي ال يبخل على أخيه بشيء، مثل هذا ال يكاد أن‬
  ‫يكون موجوداً اليوم إال ما رحم ربي، لقد أصبحنا اليوم نعيش وضعاً أشبه ما يكون بحال الناس‬
  ‫يوم القيامة كل يقول: نفسي نفسي. أنانية مفرطة، وحب للذات، ال يهم الكثير منا إال نفسه، يقدم‬
       ‫مصلحته على كل أحد، وليس مستعداً أن يضحي بشيء من حطام الدنيا ولو من أجل أخيه‬
                                     ‫الشقيق، فكيف بإنسان بعيد ال تربطه به إال أخوة اإلسالم.‬
‫ولذلك تأمل إنفاق كثير من المسلمين اليوم على حاجاتهم الخاصة وشهواتهم وقارن ذلك بإنفاق من‬
‫أنفق منهم في الصدقات على إخوانه المسلمين المنكوبين في مشارق األرض ومغاربها أو ممن هم‬
                            ‫حوله ترى الفرق الكبير والبون الشاسع بين النفقتين واهلل المستعان.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى اهلل وسلم على نبيه الداعي إلى‬
                                                       ‫رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.‬
                                                                                       ‫وبعد:‬
‫وتأمل أيضاً أخي المسلم حال المصلين اليوم على ضوء هذا الحديث تجدهم كإبل مائة ال تكاد تجد‬
                                                                                 ‫فيها راحلة.‬
       ‫كم هم اليوم المحافظين على الصلوات الخمس من بين هذا العدد الهائل الذين ينتسبون إلى‬
   ‫اإلسالم. وكم عدد الذين يصلون صالة شرعية على وفق ما أمرنا الشارع حيث قال : ((صلوا‬
‫كما رأيتموني أصلي)). وكم عدد الذين يخشعون في صالتهم من بين أولئك الذين يصلون الصالة‬
‫على صفة صالة رسول اهلل . تجد أنك في نهاية األمر قد تخرج من المجموع الكلي للمسلمين بما‬
                     ‫قاله عليه الصالة والسالم أن ((الناس كإبل مائة ال تكاد تجد فيها راحلة)).‬
  ‫وتخيل بعد ذلك ماذا يكون حال المسلمين إذا كان حالهم كذلك مع ركن اإلسالم الثاني وعموده.‬
                                                                              ‫فاهلل المستعان.‬
    ‫وتصور بعد ذلك حال الكثير مع بقية العبادات كالصوم والحج والزكاة وغيرها من العبادات.‬
‫وكذلك معاشر المؤمنين لو تأملنا حال الناس مع الخلق اإلسالمي الرفيع الذي أمرنا به ديننا وحثنا‬
  ‫عليه تحت ضوء هذا الحديث لوجدنا الناس حقاً ((كإبل مائة ال تكاد تجد فيها راحلة)). فالصدق‬
‫واألمانة والرحمة والوفاء بالوعد وحفظ العهد وغيرها من األخالق التي هي من صميم هذا الدين،‬
 ‫ففي الحديث عن عائشة أم المؤمنين رضي اهلل عنها قالت سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
                  ‫يقول: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) [رواه أبو داود].‬
  ‫فتأمل رحمك اهلل كيف أنك قد تدرك مرتبة عبد يصوم النهار ويقوم الليل دون أن تفعل كما فعل‬
   ‫من االجتهاد بأمر هين وهو حسن الخلق. بل إن حسن الخلق له وزن عظيم عند اهلل، فعن أبي‬
‫الدرداء عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من‬
                                  ‫خلق حسن، وإن اهلل ليبغض الفاحش البذيء)) [رواه الترمذي].‬
                                                                   ‫ي‬
     ‫وإن من أفضل ما ُعطاه المؤمن حسن الخلق سئل : يا رسول اهلل ما أفضل ما أعطي المرء‬
               ‫المسلم؟ قال: ((حسن الخلق)) [رواه بن حبان]. وما هو حسن الخلق إخوة اإليمان؟‬
    ‫روى الترمذي رحمه اهلل أن ابن المبارك رحمه اهلل وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه‬
                                    ‫وبذل المعروف وكف األذى. فهذا عباد اهلل هو حسن الخلق.‬
      ‫وتأمل كذلك في حال الناس مع صلة الرحم تجدهم كما أخبر : ((كإبل مائة ال تكاد تجد فيها‬
       ‫راحلة)). فيا هلل كم تشتكي الرحم اليوم إلى ربها من القطيعة والهجر. وكم بكت أعين آباء‬
    ‫وأمهات من عقوق أبنائهم. وقطعهم لبرهم لهم. وذلك بعد أن كبر األبناء واستغنوا عن رعاية‬
   ‫والديهم، وكبر اآلباء واحتاجوا إلى رعاية أبنائهم. أفيحسب هؤالء أن اهلل غافل عما يعملون أو‬
   ‫راض بما يفعلون؟ كال واهلل .. ولكنهم قوم ال يفقهون. فكن على ثقة أيها القاطع لرحمك العاق‬
    ‫لوالديك بتعجيل العقوبة في الدنيا قبل اآلخرة. والجزاء من جنس العمل. يقول : ((ما من ذنب‬
‫أجدر أن يعجل اهلل تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في اآلخرة مثل البغي وقطيعة‬
                                                        ‫الرحم)) [أبو داود والترمذي وبن ماجه].‬
 ‫ولو ذهبنا نتتبع حالنا مع هذا الحديث لطال بنا المقام وفيما ذكر كفاية.واهلل أسأل أن يجعلنا وإياكم‬
‫ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم أصلح القلوب واألعمال وأصلح ما ظهر منا وما بطن،‬
    ‫واجعلنا من عبادك المخلصين. اللهم إنا نعوذ بك من الغواية والضاللة، اللهم ثبتنا على دينك،‬
‫اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح األئمة ووالة األمور، اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى،‬
‫وزينا برحمتك بالبر والتقوى، واجعلنا من عبادك المهتدين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك‬
                                                              ‫محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬

‫(5/2645)‬




                                                                                     ‫داء العصر‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                               ‫أمراض القلوب, المرضى والطب‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                 ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                            ‫جدة‬
                                                                             ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- انتشار األمراض النفسية. 7- سبب ذلك ضعف اإليمان. 2- أسباب انشراح الصدر. 4-‬
                        ‫أهمية الدعاء في ذهاب الغموم. 1- جزاء اإلعراض عن ذكر اهلل ودعائه.‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                ‫أما بعد:‬
‫إن هذه الحياة على سعتها وكبرها تصبح ال تسع اإلنسان وال تكفيه إذا ضاق صدره واهتم واغتم.‬
‫نعم هذه األرض برحابتها وسعتها ال تكفي من ضاق صدره فتجده تائها حائراً ال يدري ما يصنع،‬
                                                  ‫ولوال بقية باقية من إيمان لقتل ذلك اإلنسان نفسه.‬
 ‫ولتعلم مدى صدق هذا الكالم تأمل في أحوال الدول الكافرة اليوم، فكم سمعنا عن قتلهم ألنفسهم،‬
    ‫بل وسمعنا عن مؤسسات متخصصة في طرق قتل النفس بعدة أشكال، وذلك ألنهم قد ضاقت‬
                               ‫صدورهم وكثرت همومهم وحاصرتهم فما عاد للحياة معنى عندهم.‬
        ‫ا‬
   ‫وهكذا إذا ضاق صدر اإلنسان لم يعد للحياة أي معنى أو قيمة عنده بل تصبح الحياة همً يريد‬
   ‫التخلص منه بالموت. وهم يفعلون ذلك ألنه ليس عندهم اإليمان الذي يردعهم عن ذلك، وليس‬
  ‫َ ه لإل ل م وم‬          ‫م ُ ِ الله أ ي ديه ي ْر‬
 ‫عندهم اإليمان الذي يدفعهم للصبر قال تعالى: فَ َن يردِ َّ ُ َن َهْ ِ َ ُ َش َحْ صدْرَ ُ ِ ِسَْا ِ َ َن‬
 ‫َفم‬                                  ‫َن َص َّ ُ ف الس‬           ‫ُ ِ أ ي ِله ع َ ْ ه ضي ا َ‬
‫يردْ َن ُضَّ ُ يَجْ َلْ صدرَ ُ َّقً حرَجاً كَأَّمَا ي َّعد ِى َّمَاء [األنعام:175]. وقال تعالى: أ َ َن‬
                                                    ‫َر الله َ ه إل ل ه عل ن ر م رب‬
                                      ‫ش َحَ َّ ُ صدْرَ ُ لِ ِسَْامِ فَ ُوَ ََى ُو ٍ ّن َّ ّهِ [الزمر:77].‬
      ‫وإن هذا البالء عباد اهلل قد انتشر اليوم عند بعض المسلمين حيث أصبح البعض يشتكي من‬
 ‫الضيق والهم والشعور بالقلق وعدم الطمأنينة. حتى أنشئت العيادات النفسية التي لم تكن معروفة‬
                                               ‫ا‬
                                 ‫من قبل، وكثرت وأصبح االزدحام عليها ملحوظً. فما سبب ذلك؟‬
   ‫إن السبب عباد اهلل هو ضعف اإليمان والبعد عن منهج اهلل وترك ما أمر اهلل به، وفعل ما نهى‬
     ‫عنه. نعم.. لقد ترك كثير من الناس ما أمرهم اهلل به من صالة وصيام وحج وعمرة وطاعة‬
 ‫للوالدين وحب الخير للمسلمين…. تركوا ذلك فضاقت صدورهم، وما عرفوا أن ذلك هو السبب،‬
   ‫فذهبوا يبحثون عما يشرح لهم صدورهم بعيداً عن كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫فضلوا. ذهبوا يبحثون عن ذلك في النظر إلى ما حرم اهلل وسماع الغناء والذهاب إلى دول الكفر‬
                       ‫ا‬                   ‫ا‬
       ‫بحجة النزهة والترفيه عن النفس، فزادوا األمر سوءً ولم يزدادوا إال همً وغماً وضيقاً في‬
                                                                                       ‫ا‬
                                                                                      ‫الصدور وحرجً.‬
     ‫ولو عادوا إلى المنهج الصحيح والمنهل األصيل لوجدوا فيه شفاء صدورهم وذهاب همومهم‬
 ‫وغمومهم. لو عادوا إلى كتاب اهلل وسنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لوجدوا الدواء والعالج.‬
  ‫ولما كثر اليوم هذا المرض وهذا البالء الذي لم يكن يعرفه المسلمون من قبل صار هناك حاجة‬
                          ‫للحديث عن بعض األسباب التي تسبب انشراح الصدر وارتياح النفس.‬
    ‫فاعلم إذاً أخي المبارك أن من أعظم أسباب انشراح الصدر التوحيد وعلى حسب كماله وقوته‬
 ‫فه‬             ‫وم ي ْ ِالل ِ َن َر م السم‬
 ‫وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه قال تعالى: َ َن ُشرِكْ ب َّه فَكَأَّمَا خ َّ ِنَ َّ َاء فَتَخْطَ ُ ُ‬
                                                          ‫ح‬         ‫و ب ر ُف م‬                   ‫الط ْر‬
                                            ‫َّي ُ أَوْ تَهْ ِى ِهِ ال ّيح ِى َكَانٍ سَ ِيقٍ [الحج:52].‬
‫فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر والشرك والضالل من أعظم أسباب ضيق الصدر‬
‫وانحراجه، ومنها النور الذي يقذفه اهلل في قلب العبد وهو نور اإليمان فإنه يشرح الصدر ويوسعه‬
‫ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصعبه قال‬
‫صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح. قالوا: وما عالمة ذلك يا رسول اهلل؟‬
    ‫قال: اإلنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، واالستعداد للموت قبل نزوله)) [رواه‬
                                                                       ‫الحاكم والبيهقي في الشعب].‬
     ‫ومن أسباب انشراح الصدور العلم، فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا،‬
  ‫والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع وليس هذا‬
‫لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى اهلل عليه وسلم وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس‬
                                             ‫ا‬            ‫ا‬              ‫ا‬             ‫ا‬
                                            ‫صدرً وأوسعهم قلوبً وأحسنهم أخالقً وأطيبهم عيشً.‬
‫ومن األسباب التي تشرح الصدر: اإلنابة إلى اهلل سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب واإلقبال عليه‬
                    ‫ا‬
  ‫والتنعم بعبادته، فال شيء أشرح لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقول أحيانً: إن كان أهل الجنة‬
‫في مثل هذه الحالة إنهم لفي عيش طيب، وذلك مما يلقاه من سعادة وراحة ولذة يجدها في قلبه ال‬
     ‫توصف، وال يمكن للكلمات أن تعبر عن مداها. ولمحبة اهلل تأثير عجيب في انشراح الصدر‬
           ‫وطيب النفس ونعيم القلب، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح.‬
  ‫ومن أعظم أسباب ضيق الصدر: اإلعراض عن اهلل تعالى وتعلق القلب بغيره والغفلة عن ذكره‬
              ‫ومحبة سواه، فإن من أحب شيئاً غير اهلل عذب به وسجن قلبه في محبة ذلك الغير.‬
  ‫فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس ولذة القلب ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها بل‬
  ‫حياتها وقرة عينها، وهي محبة اهلل وحده بكل القلب وانجذاب قوى الميل واإلرادة والمحبة كلها‬
                                                                                         ‫إليه سبحانه.‬
 ‫والمحبة الثانية هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر وهي سبب األلم والنكد‬
   ‫والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه كمحبة المال أو األهل واألوالد أو الجاه والمنصب أو غير‬
                                                                                ‫ذلك من أمور الدنيا.‬
 ‫ومن أسباب انشراح الصدور اإلحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكن من المال والجاه والنفع بالبدن‬
       ‫ا‬            ‫ا‬            ‫ا‬
      ‫وجميع أنواع اإلحسان. فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرً وأطيبهم نفسً وأنعمهم قلبً.‬
           ‫ا‬    ‫ا‬           ‫ا‬            ‫ا‬
          ‫والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرً وأنكدهم عيشً وأعظمهم همً وغمً.‬
‫ومن أسباب انشراح الصدر بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب‬
 ‫ضيقه وعذابه وتحول بينه وبين حصول البرء. فإن اإلنسان إذا قام باألسباب التي تشرح الصدر‬
  ‫ولم يخرج تلك األوصاف المذمومة من قلبه مثل الحسد والغل والغش وغيرها من دغل القلوب‬
                                                      ‫فإنه ال يحصل لصدره انشراح وال سعة.‬
       ‫كذلك من األسباب التي تساعد على انشراح الصدر ترك فضول النظر والكالم واالستماع‬
          ‫والمخالطة واألكل والنوم فإن اإلكثار من هذه األمور يجلب الهموم والغموم إلى القلب.‬
 ‫وأخيراً عباد اهلل، هذه بعض أهم أسباب انشراح الصدور واتساعها، مرجعنا فيها كتاب اهلل وسنة‬
‫رسوله صلى اهلل عليه وسلم، هما المنهل والمورد الذي دلنا عليه رسولنا عليه أفضل الصالة وأتم‬
                 ‫التسليم فقال: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب اهلل وسنتي)).‬
‫لكن بعض المسلمين يبحث عن حل مشكالته في كل مكان ناسياً أو متناسياً هذين المصدرين. إننا‬
  ‫واهلل بحاجة إلى معرفة ما الذي يصلح مرجعاً لنا عند الشدائد والملمات وكذلك في الرخاء، فلقد‬
 ‫ضاع ذلك منا وال سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة. وأصبح الكثير من الناس ال يؤمن‬
  ‫إال بالمحسوس وال يرى إال الموجود. فإن كلمته عما وراء المادة كما يقولون تشكك وتردد، وال‬
                                                                        ‫حول وال قوة إال باهلل.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل ذي القوة المتين، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد أال إله إال اهلل‬
  ‫وحده ال شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الصادق األمين.‬
                               ‫وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
  ‫معاشر المؤمنين ومن أسباب انشراح الصدر وذهاب الهم والغم الدعاء. ذلك السالح الذي غفلنا‬
 ‫عنه وأهملناه وتركناه. فواهلل الذي ال إله إال هو ال يصيب المؤمن هم فيرفع يديه صادقاً إلى ربه‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫طالبً منه إزالة الهم وتفريج الكرب إال زال همه وجاءه الفرج. وخاصة عندما يتحرى المؤمن‬
                                          ‫ال‬
   ‫بعض األدعية الواردة في مثل هذه الحاالت. فمث ً مما يروى عن النبي في هذا األمر ما رواه‬
‫عنه ابن مسعود رضي اهلل عنه أنه قال: (ما قال عبد قط، إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك‬
‫ابن عبدك ابن أَمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك،‬
                                       ‫ا‬
   ‫سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب‬
   ‫عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجالء حزني، وذهاب همي، إال أذهب اهلل‬
                                                                  ‫ا‬
   ‫همه وأبدله مكان حزنه فرحً. قالوا: يا رسول اهلل ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: أجل،‬
                                             ‫ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن) [رواه ابن حبان].‬
  ‫فكم من المسلمين اليوم يعرف هذا الدعاء؟ وكم هم أولئك الذين يعملون به ممن يعرفونه؟ وتلك‬
  ‫إخوة اإليمان مشكلة ثانية وهي أننا نجهل العالج الشرعي لبعض مشاكلنا، وحينما نعلم ال نعمل.‬
  ‫وفي سنن الترمذي قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن‬
  ‫الحوت: ال إله إال أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط‬
                                                                                 ‫إال استجاب اهلل له)).‬
                                                                     ‫فهل دعونا اهلل يوماً بهذا الدعاء؟‬
       ‫عباد اهلل، إن اهلل تبارك وتعالى يستجيب للمشركين إذا دعوه مخلصين. فكيف إذا دعاه عبده‬
 ‫ِ ركب ْ ف ف د و الل م لص له‬
 ‫المؤمن الذي هو أحب خلقه إليه سبحانه. يقول تعالى: فَإذَا َ ِ ُوا ِى الْ ُلْكِ َعَ ُاْ َّهَ ُخِْ ِينَ َ ُ‬
                                                     ‫د َ َم َج ه إل َر ِذ ُ ي ْرك‬
  ‫ال ّين فَل َّا ن َّا ُمْ َِى الْب ّ إ َا همْ ُش ِ ُونَ [العنكبوت:16]. هذا حاله مع المشركين يقصه علينا.‬
   ‫فلندع اهلل ولنتجه إلى اهلل وسوف نأنس بقربه. ونسعد بذكره. وتتسع صدورنا، وتذهب همومنا.‬
  ‫وأما اإلعراض فجزاؤه ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى‬
                                 ‫وم ْ َ ع ذ ْ‬
   ‫قال ابن كثير رحمه اهلل في تفسيره: َ َنْ أَعرضَ َن ِكرِى [طه:475]. أي خالف أمري وما‬
                 ‫ِن ه مع ة ض‬
‫أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه فَإ َّ لَ ُ َ ِيشَ ً َنكاً [طه:475]. أي‬
     ‫ضنكاً في الدنيا, فال طمأنينة له وال انشرح لصدره, بل صدره ضيق حرج لضالله, وإن تنعم‬
‫ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء, فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو‬
                           ‫في قلق وحيرة وشك, فال يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.‬
                                       ‫ِن ه مع ة ض‬
‫قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَإ َّ لَ ُ َ ِيشَ ً َنكاً [طه:475]. قال: الشقاء. وقال العوفي‬
                                                            ‫ِن ه مع ض‬
‫عن ابن عباس: فَإ َّ لَ ُ َ ِيشَةً َنكاً [طه:475]. قال: كلما أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر، ال‬
                     ‫ا‬        ‫ا‬
    ‫يتقيني فيه، فال خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وقال أيضً: إن قومً ضالالً أعرضوا عن‬
   ‫الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن اهلل‬
 ‫ليس مخلفاً لهم معايشهم من سوء ظنهم باهلل والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب باهلل ويسيء الظن به‬
 ‫والثقة به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث,‬
                                                                   ‫وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار.‬

‫(5/4645)‬




                                                                             ‫دروس من محنة فلسطين‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                    ‫أديان وفرق ومذاهب, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                           ‫أديان, الفتن‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                            ‫جدة‬
                                                                            ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- المنحة تولد من رحم المحنة. 7- الجوانب اإليمانية لالبتالء. 2- تكاتف المسلمين في وجه‬
             ‫اليهود. 4- حقيقة اليهود كما بينها القرآن. 1- السكوت العالمي على جرائم اليهود.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
  ‫فإنه من الطبيعي أن اإلنسان إذا أصابته مصيبة تألم واهتم واغتم وتنغصت عليه حياته وتكدرت‬
  ‫عليه معيشته وأخذ يتأمل ويتألم ..نعم عباد اهلل هذا حال كثير من الناس، لكنه ليس حال المؤمن‬
  ‫الكيس الفطن المطمئن بقضاء اهلل وقدره. يقول صلى اهلل عليه وسلم كما يروي اإلمام مسلم في‬
    ‫صحيحه: ((عجباً ألمر المؤمن إن أمره كله خير له، وليس ذاك ألحد إال للمؤمن، إن أصابته‬
    ‫سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) هذا هو حال المؤمن كما‬
                                    ‫يصفه لنا الصادق المصدوق عليه أفضل الصلوات والتسليم.‬
    ‫ا‬
 ‫بل وإن المؤمن ليصل إلى درجة أعلى من ذلك حيث ليس يرى أن ما كتبه اهلل عليه شر أبدً. و‬
‫يؤمن بأن كل ما يكتبه اهلل لعبده خير، واهلل ال يقدر شراً أبداً، وقد علمنا ذلك نبينا محمد صلى اهلل‬
     ‫عليه وسلم، فقد ورد في صحيح مسلم كذلك أنه كان إذا قام للصالة قال في دعاء االستفتاح:‬
   ‫((لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)) فنفى النبي صلى اهلل عليه وسلم نسبة‬
             ‫الشر إلى اهلل جل وعال. لذلك فإن المؤمن يعلم أن كل ما يصيبه بقدر اهلل فهو خير.‬
                                                             ‫ً‬
‫وإننا عباد اهلل نعيش اليوم أحداثا مؤلمة من تسلط اليهود على إخواننا وأبنائنا في فلسطين -فك اهلل‬
  ‫أسرها من قيد اليهود- جعلت كثيراً من المؤمنين يتألمون ويحزنون ويشكون إلى اهلل هذا البالء‬
                                  ‫ويسألونه رفعه، فنسأل اهلل أن يرفع البالء عن جميع المسلمين.‬
   ‫لكننا نريد إخوة اإليمان أن نتأمل في هذه األحداث لنرى ما فيها من الخير والجوانب اإليجابية‬
   ‫التي قد يغفل عنها كثير من المسلمين اليوم في خضم هذه المعركة الدائرة بين اإلسالم والكفر.‬
 ‫وإننا نعلم يقينا أن اهلل قد أراد لنا وبنا خيراً حين قضى ذلك وقدره على هذه األمة، فكم من منحة‬
    ‫كانت في طي محنة، وكم من نقمة كانت حقيقتها نعمة، لكن األمر يحتاج إلى تأمل النصوص‬
             ‫الشرعية والواقع الذي نعيشه ليظهر لنا ما أراده اهلل من خير لهذه األمة بهذا البالء.‬
                                                             ‫فمن الجوانب اإليجابية لهذا البالء:‬
 ‫ل‬       ‫و ض إل بن إ‬                                                                        ‫ال‬
 ‫أو ً: اإليمان بالقضاء والقدر وتصديق ما أخبر به ربنا تبارك وتعالى: َقَ َيْنَا َِى َ ِى ِسْراءي َ‬
                                            ‫َر ن و ُن علو ب‬                      ‫ْ‬     ‫ت ِد َّ ف‬         ‫ف ك‬
  ‫ِى الْ ِتَابِ لَ ُفْس ُن ِى األرضِ م َّتَيْ ِ َلَتَعْل َّ ُُ ّاً كَ ِيراً [اإلسراء:4]. اهلل أكبر.. هذا هو الخبر‬
                ‫ا‬
   ‫القرآني، وهاهو الواقع يشهد بذلك ويصدقه، وهاأنتم ترون اليهود كيف علو علوً كبيراً، وكيف‬
  ‫أفسدوا في األرض. فال إله إال اهلل ما أعظم هذا الكتاب وما أصدق أخباره، ولكن..أين المتأملون‬
                                                                                                    ‫وأين المتدبرون؟؟‬
                   ‫و ْ َ ك ب ل وبن ن وجع ُ َر ر‬                                               ‫ا‬
‫ويقول تعالى مخاطبً بني إسرائيل َأَمددْنَا ُم ِأَمْوا ٍ َ َ ِي َ َ َ َلْنَاكمْ أَكْث َ نَفِي ًا [اإلسراء:6]. هكذا‬
‫يخبرنا اهلل ويخبر بني إسرائيل أنهم سيتمكنون في فترة من الفترات وزمن من األزمنة ويتسلطون‬
     ‫وج ه ك‬        ‫ِذ ج و ْد ِ ليس‬
   ‫على عباد اهلل وعلى المسجد األقصى لكنه تعالى يقول: فَإ َا َاء َع ُ اآلخرَةِ ِ َ ُوءواْ ُ ُو َ ُمْ‬
                                      ‫ر‬               ‫ع‬        ‫ل ه َّ َرة ولي ّر‬                     ‫ول َ خل م ِد‬
     ‫َِيدْ ُُواْ الْ َسْج َ كَمَا دَخَُو ُ أَولَ م َّ ٍ َِ ُتَب ُواْ مَا َلَوْاْ تَتْبِي ًا [اإلسراء:2]. نعم.. هذا خبر اهلل‬
‫وكما تحققت األولى وتمكن اليهود وتسلطوا على المؤمنين وآذوهم، ستتحقق الثانية وندخل المسجد‬
     ‫كما دخلناه أول مرة. إن إيماننا بالقضاء والقدر يجعلنا نصبر ونؤمن بأنه سيأتي الفرج وأن ما‬
                                            ‫قدره اهلل وكتبه البد صائر وكائن، وأنه ال ينجي حذر من قدر.‬
                                                                                       ‫ا‬
      ‫ثانيً: ومما يظهر لنا من الجوانب اإليجابية الناتجة عن األحداث ظهور األخوة اإلسالمية بين‬
    ‫المسلمين وإن اختلفت ألوانهم وأشكالهم وبالدهم وإن أبناء هذا الدين وهذه العقيدة يغار بعضهم‬
      ‫على بعض ويتألم بعضهم لبعض، وفوق ذلك كله يهب بعضهم لنجدة بعض بكل ما يملك من‬
                                   ‫ِن م من إ ة‬
     ‫الوسائل المتاحة له. تحقيقاً لقوله تعالى: إ َّمَا الْ ُؤْ ِ ُونَ ِخْوَ ٌ [الحجرات:05]. ولقوله صلى اهلل‬
    ‫عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه‬
 ‫ا‬
 ‫عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، وقوله صلى اهلل عليه وسلم في الصحيحين أيضً‬
      ‫من حديث عبد اهلل بن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                           ‫وسلم: ((المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يسلمه)).‬
  ‫ولقد ظهر هذا وهلل الحمد واضحاً جلياً في تعاطف المسلمين في كل بالد اإلسالم مع إخوانهم في‬
 ‫فلسطين وفي بالدنا هذه خاصة حيث جمعت التبرعات إلخواننا وسخت النفوس المؤمنة إلخوانها‬
     ‫ِن ه ذه ُمت ُ ُمة و ِ ة و َب ُ ْ ُد ن‬
     ‫في تلك البالد، ليعلم أعداء ديننا أننا كما قال اهلل: إ َّ َا ِ ِ أ َُّكمْ أ َّ ً َاحدَ ً َأَنَاْ رُّكم فَاعْب ُو ِ‬
                                                                                                         ‫[األنبياء:74].‬
                                                            ‫ً‬     ‫ا‬
                                             ‫نعم ..أمة واحدة ذات دين واحد تعبد ربً واحدا ال إله إال هو.‬
   ‫وليعلم أعداء اإلسالم أن أخوة الدين تجمعنا وتربطنا مهما أثاروا بيننا الفتن وحاولوا زرع الحقد‬
                                            ‫في النفوس، سنبقى إخوة متحابين في اهلل ينصر بعضنا بعضاَ.‬
                                                                                   ‫ا‬
‫ثالثً: من فوائد ومنافع هذا البالء ظهور حقيقة اليهود، وأنهم شعب مجرم فاجر أهل غدر وخيانة،‬
   ‫قتلة األنبياء ليس لهم عهد وال ذمة، إن ضعفوا ذلوا وقبلوا األيادين وإن تمكنوا تجبروا وطغوا،‬
                           ‫شعب متكبر يرى أنه أفضل خلق اهلل، وأن بقية الشعوب إنما خلقت لخدمته.‬
‫ُر َ عل ِم‬
‫قد أخبرنا اهلل في كتابه عن خسة أمة اليهود، واستمع لما يقوله تبارك وتعالى عنهم: ض ِبتْ ََيْه ُ‬
   ‫َن ُ ن ي فر ب ي الله و تل النبي بغ ر‬                                            ‫ب ضب م الل‬         ‫ّلة و م ة وب‬
   ‫الذَّ ُ َالْ َسْكَنَ ُ َ َاءوا ِغَ َ ٍ ّنَ َّهِ ذالِكَ بِأَّهمْ كَا ُواْ َكْ ُ ُونَ ِآ َاتِ َّ ِ َيَقْ ُُونَ َّ ِّينَ ِ َيْ ِ‬
                                                            ‫و ن ي َد‬               ‫ب ع‬           ‫ق‬
  ‫الْحَ ّ ذالِكَ ِمَا َصَواْ َّكَا ُواْ َعْت ُونَ [البقرة:56]. ويظهر كذلك عباد اهلل ما يخفيه بنو يهود في‬
  ‫عن ُّ ْ َ َد ب ض‬                 ‫ال َد‬          ‫ل ُ‬
‫صدورهم من الحقد والبغض لمسلمين يقول تعالى: الَ يَأُْونَكمْ خَبَا ً و ُّواْ مَا َ ِتم قدْ ب َتِ الْ َغْ َاء‬
                          ‫ُد ر ُ َ ُ َ بَّن ُم ي ت إ ك ُ قل‬                              ‫م َ هه و ت ف‬
       ‫ِنْ أفْوا ِ ِمْ َمَا ُخْ ِى ص ُو ُهمْ أَكْبر قدْ َي َّا لَك ُ االْ َا ِ ِنْ ُنتمْ تَعْ ُِونَ [آل عمران:155].‬
   ‫ولتعلم إجرامهم حينما يتمكنون من المسلمين اقرأ قوله تعالى: الَ ير ُ ُون ِى ُؤْ ِنٍ إ ًّ َالَ ذ َّ ً‬
   ‫َ ْقب َ ف م م ِال و ِمة‬
   ‫َد ة لَّذ ن من‬             ‫ِ َن َد الن‬
‫[التوبة:05]. ولتعلم شدة عداوتهم للمؤمنين إليك قوله تعالى: لَتَجد َّ أَش َّ َّاسِ ع َاوَ ً ّل ِي َ ءا َ ُواْ‬
  ‫ن ي فر ب ي الل‬                                                                           ‫ْرك‬        ‫يه د و َّذ‬
‫الْ َ ُو َ َال ِينَ أَش َ ُواْ [المائدة:71]. إنهم قتلة األنبياء كما أخبر اهلل بأنهم كَا ُواْ َكْ ُ ُونَ ِئَا َاتِ َّهِ‬
                                                                  ‫بي ب ْر حق‬                 ‫وي تل‬
    ‫َ َقْ ُُونَ االْنْ ِ َاء ِغَي ِ َ ّ [آل عمران:755]. ولقد حاولوا قتل نبينا محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                ‫ا‬
      ‫أكثر من مرة. حيث أرادوا أن يرموا حجرً من فوق جدار على النبي صلى اهلل عليه وسلم،‬
                                ‫وحاولوا قتله بإطعامه شاة مسمومة، وفي كل مرة ينجيه اهلل من غدرهم.‬
‫فماذا نريد بعد ذلك عباد اهلل؟ لقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه عداوة اليهود في آيات كثيرة‬
    ‫وأخبرنا بالحل الوحيد الذي يريدونه منا لتنتهي هذه العداوة هي كفرنا ودخولنا في ملتهم، فقال‬
                                  ‫يه د و النص ر َت َت ع ِل ُ‬                        ‫ض ع‬        ‫ول‬
    ‫تعالى: ََن تَرْ َى َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّ َا َى ح َّى ت َّبِ َ مَّتَهمْ [البقرة:075]. وقال جل وعال:‬
                                                         ‫و‬       ‫ر ك ن‬                     ‫ُر ن‬               ‫َد‬
     ‫و ُّواْ لَوْ تَكْف ُو َ كَمَا كَفَ ُواْ فَتَ ُو ُونَ سَ َاء [النساء:41]. نعم هذا ما يريده منا اليهود، إنهم ال‬
                                            ‫ا‬                           ‫ال‬       ‫ا‬
                       ‫يريدون أرضً وال ما ً، وإنما يريدون أن نصبح كفارً مثلهم حتى يرضوا عنا.‬
                       ‫ا‬
    ‫أيها المؤمنون: هذه حقيقة يهود، وهي في كتاب اهلل منذ أربعة عشر قرنً، وتأتي هذه األحداث‬
                                                                                            ‫لتظهرها لنا واضحة جلية.‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                          ‫ي‬
      ‫الحمد هلل الواحد بال شريك، والقو ّ بال نصير، والعزيز بال ظهير. أحمده سبحانه حمداً يليق‬
‫بجالل وجهه وعظيم سلطانه، فهو األول واآلخر، والظاهر والباطن، ليس كمثله شيء وهو السميع‬
          ‫ل‬
‫البصير. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بّغ الرسالة،‬
                        ‫ج‬                        ‫ق‬                   ‫م‬                    ‫د‬
        ‫وأ ّى األمانة، ونصح األ ّة، وجاهد في اهلل ح ّ جهاده، وتركنا على المح ّة البيضاء، ليلها‬
‫كنهارها، ال يزيغ عنها إال هالك. صلى اهلل وسلم عليه، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله‬
                                             ‫وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                                                                                                                        ‫وبعد:‬
         ‫ورابع ما نستفيده أيضاً خالل هذه األحداث ظهور حقيقة بقية ملل الكفر ودوله حيث يظهر‬
    ‫تعاطفهم وتواطؤهم مع اليهود في قتل المسلمين األبرياء من شباب وشيوخ وأطفال ونساء. فال‬
 ‫يتدخل منهم أحد لوقف ما يحدث للمسلمين من قتل وتشريد، ويظهر للمسلمين أن الكفر ملة واحدة‬
    ‫وإن اختلفت أشكاله وألوانه، كما ظهرت حقيقة تلك المنظمات والهيئات الكافرة التي تزعم أنها‬
  ‫تعنى بشئون اإلنسان وحقوقه، وكيف أنها هاجمت بالدنا ورمتها بالتهم، ال لشيء إال ألنها تطبق‬
  ‫شريعة اهلل، بينما نراها اليوم صامتة خرساء ال تنتقد ما يحدث للمسلمين. أتراها أصيبت بالصمم‬
                                    ‫ا‬
    ‫أم أنها عميت؟!. لكنه أمر معلوم فإذا كان الضحية مسلمً من المسلمين فإن األمر عندهم سهل‬
                                           ‫هين، وال يستحق الكالم أو النظر فيه. وهو كما قيل:‬
                          ‫قتل علج كافر جريمة ال تغتفر ……وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر‬
                                                                                   ‫ا‬
  ‫خامسً: ولعل من أهم ما يستفاد من هذا اإلبتالء هو اللجوء إلى اهلل عز وجل بالدعاء والتضرع‬
‫إليه سبحانه بأن يعز اإلسالم وينصر أهله وأن يدمر اليهود ومن عاونهم وناصرهم، فإن من أعظم‬
    ‫تقصيرنا في حق إخواننا تقصيرنا في الدعاء لهم والكثير منا يغفل عن أهمية الدعاء، وقد كان‬
 ‫أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يقول: إني ال أحمل هم اإلجابة، ولكنني أحمل هم‬
                                                                                       ‫الدعاء.‬
‫اللهم أرنا في اليهود بأسك الذي ال يرد عن القوم المجرمين، أنزل عليهم عذابًا من فوقهم، وزلزل‬
                           ‫ورم‬         ‫يت‬
‫األرض من تحتهم وائتهم من حيث ال يحتسبون، ِّم أطفالهم ِّل نساءهم، وخرب بيوتهم، ودمر‬
             ‫ر‬       ‫ر‬
      ‫اقتصادهم، وعطل أسلحتهم، إنك أنت القوي العزيز، اللهم اجعلها عليهم نا ًا ودما ًا، وشدة‬
                                                                                   ‫ر‬
    ‫وحسا ًا، اللهم وأيقظ في نفوس المسلمين الحمية لقتالهم، واجمع كلمة المسلمين على جهادهم،‬
 ‫اللهم أفشل خطط المنافقين، ودمر النصارى والمشركين الذين يؤازرون اليهود المالعين، شردهم‬
                        ‫وشرد بهم من خلفهم، إنك يا جبار على كل شيء قدير، وباإلجابة جدير.‬
                             ‫د‬
     ‫اللهم آمنا في أوطاننا وسائر المسلمين يا رب العالمين، واجعلنا مد ًا للجهاد والمجاهدين، وال‬
                                                               ‫تحرمنا الشهادة بفضلك يا كريم.‬

‫(5/1645)‬




                                                                         ‫صور من حياة تابعي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                        ‫تراجم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                               ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                          ‫جدة‬
                                                                           ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- غياب القدوات في حياة المسلمين. 7- ثناء ابن مسعود على التابعي الربيع بن خثيم. 2-‬
                                                                    ‫مقتطفات من حياة الربيع.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
  ‫فإن أمة اإلسالم أمة عظيمة قد أمدها اهلل عز وجل بكل مقومات القوة والعزة والسيادة، وإن من‬
  ‫مقومات الثبات وأسباب القوة التي منحها اهلل ألمة محمد صلى اهلل عليه وسلم وجود قدوات حية‬
‫تشاهدها األمة وترقب تصرفاتها أو قدوات قد ماتوا لكن ظلت سيرتهم وآثارهم منارات ألبناء هذه‬
                     ‫األمة من بعدهم يسيرون بها في ظلمات القرون على نور وبصيرة من اهلل.‬
     ‫إن أزمة القدوات التي نعيشها اليوم أزمة مفتعلة.وإن القدوات التي نصبت للمسلمين اليوم من‬
 ‫التافهين أو المنحرفين بل حتى بعض الكافرين الذين يقتدي بهم بعض شباب األمة ونسائها ليسوا‬
                                                                                   ‫أهالً لذلك.‬
     ‫وإن أمة اإلسالم ليست مفلسة من القدوات الحقيقية حتى يؤتى لنا بقدوات مستوردة أو قدوات‬
                                                            ‫ا‬    ‫ا‬
‫معلبة. إننا نملك رصيدً ضخمً من القدوات من األحياء واألموات، لكن أعداء اإلسالم مع قلة من‬
        ‫المنافقين والجهلة يصرون على عرض تلك النماذج التي ترونها على الساحة من الفاسقين‬
 ‫والفاسقات على أنهم منارات هدى وأعالم صالح. هذه األمة تمتلك عدداً هائ ً من القدوات أحيا ً‬
 ‫ء‬                 ‫ال‬
                                                                                      ‫ا‬
‫وأمواتً، لكن األموات منها حبيسة الكتب، واألحياء منها حبيسة المنازل أو المكاتب ال يعلم بهم إال‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                          ‫اهلل وكفى به حسيبً.‬
 ‫وها نحن اليوم نعرض قدوة من القدوات من التابعين رضي اهلل عنهم أجمعين، والتابعي هو الذي‬
                              ‫أدرك زمن الصحابة ورآهم ولم ير الرسول صلى اهلل عليه وسلم.‬
  ‫لكننا لن نذكر سيرته كاملة بل سنلقى الضوء على بعض منها ونقف معها لنهتدي بها في حياتنا‬
               ‫وتعاملنا مع ربنا ومع الناس. ونسأل اهلل أن ينفعنا وإياكم بما في سيرته من الخير.‬
‫معاشر المؤمنين، شخصية هذه الخطبة هو الربيع بن خثيم رحمه اهلل تعالى تلميذ الصحابي الجليل‬
‫عبد اهلل بن مسعود وأورع أصحابه، قال له ابن مسعود: (يا أبا يزيد، لو رآك رسول اهلل صلى اهلل‬
        ‫عليه وسلم ألحبك، وما رأيتك إال ذكرت المخبتين) وكان إذا رآه بن مسعود يقول: (وبشر‬
                                                                                   ‫المخبتين).‬
                                                                     ‫وقفة مع حفظه للجوارح.‬
     ‫إخوتي الكرام، ألن الجوارح هي بريد القلب كان السلف رحمهم اهلل أشد حرصاً على حفظها‬
                                                     ‫ا‬
‫وتربية أنفسهم من خالل مراقبتها خوفً من تأثيرها على قلوبهم، وهكذا كان الربيع رضي اهلل عنه‬
   ‫حريصاً على حفظ جوارحه، فقد دخل المسجد نساء فلم يطرف الربيع حتى خرجن. هكذا يبالغ‬
‫بالغض حتى يصون الحالة اإليمانية التي اكتسبها من خالل تهذيبه لنفسه ولكي ال يدخل على نفسه‬
   ‫صورة تزاحم صور وقيم اآلخرة، فأين شبابنا اليوم من هذه الخصلة التي هي غض البصر عن‬
    ‫نساء المسلمين. أين الذين ينظرون إلى النساء المتبرجات في جهاز التلفاز وفي المجالت وفي‬
  ‫الطرقات واألسواق. إذا رأى أحدهم امرأة الحت من بعيد فإذا به يتبعها بنظره حتى تغيب بالبعد‬
        ‫ً‬
   ‫أو يواريها بيت. وهؤالء تراهم يجلسون في األسواق حيناً أو على جوانب الطرقات حينا آخر.‬
 ‫وصنف آخر يستخفون من الناس وال يستخفون من اهلل وهو معهم إذ يسترقون النظرات إلى نساء‬
            ‫المسلمين أو إلى المتبرجات من المسلمات والكافرات على صفحات المجالت وغيرها.‬
 ‫واعلم أن الكثير من الناس ال تعلم عن عيوبهم حتى تخالطهم وتصحبهم وتسافر معهم، وال بد من‬
 ‫استدراك بعض النواقص والعيوب عليهم، هذا إن كان في سفر ال يتعدى األسابيع وال يتجاوز في‬
  ‫أقصى حاالته بضعة من الشهور، ولكننا عندما نسمع عن هذا العلم من أعالم التابعين أن أحدهم‬
                                                   ‫ا‬                           ‫ا‬
    ‫صاحبه عددً من السنين فال يسمع منه شيئً يعاب فهذا حقاً ما يبعث على الدهشة واإلكبار فقد‬
                           ‫ا‬
 ‫روى التيمي " قال أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عامً ما سمع منه كلمة تعاب" فأي‬
   ‫تربية هذه التي كان ينتهجها الربيع مع نفسه حتى كانت هذه السيطرة على لسانه فال يسمع منه‬
  ‫كلمة تعاب مع طول مدة الصحبة. ومع ذلك لم يكن من النوع الذي تخفى عليه عيوب نفسه التي‬
 ‫ال يراها اآلخرون، فيقول رحمه اهلل: إن الذنوب ذنوب السرائر الالتي يخفين على الناس وهن هلل‬
                                                                                                               ‫بواد.‬
‫ثم هذه وقفة أخرى مع تزكيته لنفسه: لقد انشغل الربيع بتزكيته لنفسه عن مالحظة عيوب اآلخرين‬
                            ‫وصدق قول القائل: (لو نظر الناس إلى عيوبهم لما عاب أحد على أحد).‬
‫وهكذا كان الربيع رحمه اهلل. قيل له: يا أبا يزيد أال تذم الناس؟ فقال: واهلل ما أنا عن نفسي براض‬
      ‫فأذم الناس, إن الناس خافوا اهلل على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم. ولقد كان يستشعر أن‬
  ‫القرآن يخاطبه مباشرة وبهذا الشعور كان يقرأ القرآن كان يتهجد في سواد الليل مرة، فمر بقوله‬
         ‫و‬       ‫ن ع ُ َالذ ن من وعمل الص ح‬                                 ‫َرح السي‬            ‫َ حس َّذ‬
       ‫تعالى: أمْ َ ِبَ ال ِينَ اجْت َ ُواْ َّ ّئَاتِ أَن َّجْ َلَهمْ ك َّ ِي َ ءا َ ُواْ َ َ ُِواْ َّالِ َاتِ سَ َاء‬
                                                               ‫ي كم‬          ‫م ُ ومم ته س‬
   ‫َّحْيَاهمْ َ َ َا ُ ُمْ َاء مَا َحْ ُ ُونَ [الجاثية:57]. فلم يزل يرددها ليله كله حتى أصبح ال يتجاوز‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                          ‫اآلية إلى غيرها ويبكي بكاء شديدً.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                          ‫ي‬
      ‫الحمد هلل الواحد بال شريك، والقو ّ بال نصير، والعزيز بال ظهير. أحمده سبحانه حمداً يليق‬
‫ُ السم ع‬              ‫مل‬
‫بجالل وجهه وعظيم سلطانه، فهو األول واآلخر، والظاهر والباطن، لَيْسَ كَ ِثِْهِ شَىْء وَهوَ َّ ِي ُ‬
                                                                                                      ‫بص ر‬
                                                                                         ‫الْ َ ِي ُ [الشورى:55].‬
    ‫د‬              ‫ل‬
   ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بّغ الرسالة، وأ ّى‬
                             ‫ج‬                        ‫ق‬                   ‫م‬
 ‫األمانة، ونصح األ ّة، وجاهد في اهلل ح ّ جهاده، وتركنا على المح ّة البيضاء، ليلها كنهارها، ال‬
    ‫يزيغ عنها إال هالك. صلى اهلل عليه وسلم، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه‬
                                           ‫الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                                                                                          ‫وبعد:‬
                                                                                   ‫ا‬
                                         ‫فنقف أيضً وقفة مع تربيته لنفسه على عدم الثأر للنفس.‬
  ‫هكذا هي قواعد التربية عند سلفنا الصالح دائماً ال يتجاوزونها قيد أنملة فال غضب إال هلل تعالى‬
    ‫ألنهم قد جردوا النفوس التي بين الضلوع، فما كان لغير اهلل أخرجوه منها ولم يبق إال ما كان‬
                                                                                 ‫ا‬
 ‫خالصً لوجهه الكريم. ونفوس كهذه النفوس ال يوجد فيها غضب لذاتها عندما تهان، فمما جاء في‬
   ‫سيرته رحمه اهلل أنه كان في المسجد ورجل خلفه، فلما قاموا إلى الصالة جعل الرجل يقول له:‬
 ‫تقدم وال يجد الربيع مكاناً أمامه فرفع الرجل يده، فوجئ بها في عنق الربيع، وال يعرف أن الذي‬
‫أمامه هو الربيع بن خثيم، فالتفت الربيع إليه فقال له: رحمك اهلل..رحمك اهلل، فأرسل الرجل عينيه‬
                                                                       ‫فبكى حين عرف الربيع.‬
  ‫ولعل نفس الربيع في تلك اللحظات تدعوه لالنتقام أمام هذه اإلهانة أمام الناس وبدون سبب وهو‬
 ‫المشهور بين الناس، ولكنه يدوس على هذه النوازع ويقابلها بعكس ما تريد، فيدعو للمعتدي عليه‬
                                ‫بالرحمة مرتين مما جعل المعتدي يفجأ بهذا الخلق العظيم فيبكى.‬
  ‫وسرق له فرس، والفرس يعد في ذلك الزمان الدابة المفضلة الغالية الثمن فقال له بعض الناس:‬
       ‫ا‬
‫ادع اهلل عز وجل عليه، فقال:بل أدعو اهلل له، اللهم إن كان غنياً فأقبل بقلبه، وإن كان فقيرً فأغنه.‬
                                                                                          ‫ا‬
                                                                        ‫عجبً واهلل لحسن الخلق.‬
   ‫وتأمل رحمني اهلل وإياك موقف أحد الناس حين سرق حذاؤه من المسجد. فتصور ماذا قال. لقد‬
             ‫ا‬                                      ‫ا‬
      ‫أخذ يلعن من سرق حذاءه. يلعن مسلمً من أجل حذاء، وعندما قلت له:أتلعن مسلمً من أجل‬
                                                                               ‫حذاء؟! قال: نعم.‬
   ‫ثم قارن بين حال أسالفنا رحمة اهلل عليهم أجمعين وحالنا اليوم. لقد كان هؤالء ال يشغل قلوبهم‬
 ‫هم أو ألم أو غم سوى ما يتصل بأمور اآلخرة، وألنها هي التي غلبت على نفوسهم فكل ما دونها‬
                               ‫ً‬               ‫ا‬
   ‫هين في أعينهم ليس له اعتبار مادام دنيويً. وهذا كان واضحا في رد الربيع عندما يسأل:كيف‬
                                   ‫أصبحتم؟ فيقول: ضعفاء مذنبون، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.‬
   ‫هي نفوس متعلقة باآلخرة، وال وقت لها إلضاعته في غير ذلك، ومما يرويه أبو حيان عن أبيه‬
  ‫ا‬                                                  ‫ا‬
 ‫قال: ما سمعت الربيع بن خثيم ذكر شيئً من أمر الدنيا إال أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدً.‬
                             ‫هذه هي المرة الوحيدة التي سمعه فيها هذا الرجل يتكلم بأمور الدنيا.‬
                                                                     ‫وقفة مع شدة خوفه من اهلل.‬
‫لقد كانت أمه ترق له عندما كان غالماً لم يبلغ الحلم بعد، وقد انشغل بكثرة قيام الليل فتقول له: يا‬
     ‫ربيع أال تنام, فيقول: يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف السيئات حق له أال ينام. فلما بلغ‬
                            ‫ال‬
  ‫ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتي ً؟ قال: نعم يا أماه قد قتلت‬
                                                                                     ‫ال‬
  ‫قتي ً. قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفروك (يسامحوك) واهلل لو يعلمون‬
   ‫ما تلقى من السهر والبكاء بعد لرحموك، فقال: يا أماه هي نفسي (أي قتلت نفسي بالمعاصي).‬
   ‫وهكذا هم طالب اآلخرة في صراع دائم مع أنفسهم التي تدعوهم إلى السوء ويدعونها للصالح‬
‫تجذبهم بقوة خارج الصراط ويجذبونها بقوة نحو الصراط، فهو في ممارسة دائمة لقتل هذه النفس‬
 ‫التي تأمره بالسوء أو تحويلها إلى نفس ذات خصائص أخرى تدعوه إلى الخير. ولم يخف بكاؤه‬
 ‫على أهل بيته حتى أن ابنته الحظت ما الحظته أمه من قبل فقالت له مشفقة عليه: يا أبتاه الناس‬
                                    ‫ينامون وال أراك تنام. قال: يا بنية إن أباك يخاف السيئات.‬
                                                                     ‫وقفة مع محاسبته لنفسه.‬
‫إنه عندما يصل المرء إلى هذا المستوى في التقرب إلى اهلل، وهذه الحالة اإليمانية لكثرة االتصال‬
  ‫والصفاء، قد تحثه نفسه على العجب لما وصل إليه، واحتقار ما يقدم اآلخرون والشعور بالتميز‬
  ‫عنهم لما وفقه اهلل من ذلك الخير ولكن الربيع ينتبه إلى هذا األمر الدقيق وال يترك لنفسه مجا ً‬
  ‫ال‬
   ‫لتحرق ما قدم وتبطل ما عمل وتهدم ما بنى، فلقد كان وهو يبكي والدموع تبل لحيته يقول: لقد‬
                                                          ‫ا‬                   ‫ا‬
                                                         ‫أدركنا قومً كنا في جنوبهم لصوصً.‬
  ‫هذه المحاسبة الدقيقة إنما هي نتاج ذلك الخوف من اهلل تعالى، خوف يبعثه على التحري الدقيق‬
                                 ‫لكل ما يقول وكل ما يفعل إن كان خالصاً هلل أم كان غير ذلك.‬
        ‫ا‬
 ‫وتأتي ابنته الصغيرة وهو مجتمع بأصحابه تستأذنه باللعب فيرد عليها "اذهبي فقولي خيرً، فتعيد‬
 ‫عليه وهو يعيد كالمه فلما أكثرت عليه قال له بعض القوم: اتركها تذهب تلعب. قال: ال أحب أن‬
                      ‫ا‬
    ‫يكتب علي اليوم أني أمرت باللعب. ولقد كان ال يترخص مع نفسه خوفً من التجرؤ عليه في‬
                                                                                ‫أمور أخرى.‬
 ‫وكان يلتزم العزم في األمور ليقوى على نفسه من غير غلو أو خروج عما أمر اهلل به أو جاءت‬
‫به السنة. فقد أصابه في آخر حياته الفالج (الشلل) فكان يحمل إلى الصالة، فقيل له: إنه قد رخص‬
    ‫لك، قال: قد علمت، ولكني أسمع النداء بالفالح. فال يرضى أن يسمع األذان وهو مشلول، فال‬
                                                                                      ‫يجيب.‬
‫فأين شبابنا وأقوياءنا الذين تركوا الصالة في المساجد ويصلون في بيوتهم وقد رزقهم اهلل الصحة‬
                                       ‫ال‬
     ‫والعافية؟ أين الذين إذا بعد المسجد عن بيوتهم قلي ً تركوا الصالة فيه وأصبحوا يصلون في‬
                                         ‫بيوتهم؟! ال أخالهم اآلن يجدون جواباً لهذه التساؤالت.‬
‫وبعد معاشر المؤمنين ماذا عسى الواحد فينا يقول لنفسه حين يسمع سيرة هؤالء عليهم رحمة اهلل؟‬
 ‫وكيف يكون حال الواحد منا وهو يرى الواحد من السلف قد عمل الصالحات وهو خائف مشفق.‬
                                               ‫ونحن نسيء ونقصر، ونحن في أمن واطمئنان.‬
 ‫إنه عباد اهلل الغرور بتسويالت الشيطان واالغترار بقلة من الطاعات الواجبة التي يؤديها المرء،‬
                   ‫وهو يرى أنه يستحق الجنة على ما فعل. فنسأل اهلل أن يعاملنا بعفوه وكرمه.‬
  ‫اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا. اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. وصل اللهم‬
                                                    ‫على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.‬

‫(5/6645)‬




                                                                                  ‫عام جديد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫أعمال القلوب‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                             ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                       ‫جدة‬
                                                                         ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- انصرام العام موسم للمحاسبة عند التجار وغيرهم. 7- المسلم أولى بمحاسبة نفسه. 2- كل‬
                        ‫يوم يمضي يقربنا من اآلخرة. 4- المالئكة تحصي ما نصنع وما نقول.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
        ‫أيها المؤمنون: في هذه األيام أو مثلها يقوم كثير من أصحاب األموال واألعمال بمحاسبة‬
    ‫ومراجعة لكل ما كان في العام بأكمله.. ما دخل وما خرج.. ما زاد وما نقص.. وما بيع وما‬
     ‫اشتري لينظروا هل هم رابحون فيتابعوا تجارتهم بحثاً عن المال. أم أنهم خاسرون فيستأنفوا‬
‫عملهم ليبحثوا عن سبب الخسارة. ويستدركوا ما فاتهم ويحاولوا معرفة أسباب الخسارة فيجتنبوها.‬
  ‫وذلك هو مقتضى العقل. إنه ال بد لكل من مر عليه زمن أن يعرف ماله وما عليه لكي ال يفاجأ‬
                ‫بالخسارة دون أن يشعر بذلك فيصيبه الغبن. لكن.. ما عالقتنا نحن بهذا األمر؟!‬
   ‫عباد اهلل، إننا أحق من أصحاب األموال واألعمال بهذه الوقفة للمحاسبة والمراجعة، نحن كذلك‬
 ‫تجار نتاجر مع اهلل، رؤوس أموالنا أعمارنا هذه األيام التي نعدها والشهور التي نقضيها والسنين‬
 ‫التي نعيشها. نتاجر مع اهلل بأعمارنا، واألعمال الصالحة مكاسبنا وأرباحنا، والسيئات والمعاصي‬
        ‫هي خسائرنا. الحسيب علينا في هذه التجارة ال يفوته شيء وال يعزب عنه مثقال ذرة في‬
 ‫السماوات وال في األرض يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور. يكتب كل ما نعمله من خير أو‬
  ‫شر في صحائف ثم يعرضها علينا مع الشهود من أنفسنا، فتشهد يد اإلنسان عليه ورجله وعينه‬
        ‫ْم َد ع ِ‬                                         ‫ا‬
      ‫وأذنه ولسانه حتى ال يستطيع أن ينكر شيئً مما عمل. قال اهلل -جل اهلل-: يَو َ تَشْه ُ َلَيْهمْ‬
                                                        ‫س ته و د ِ وَ جل ُ بم ن ي مل‬
                                         ‫أَلْ ِنَ ُ ُمْ َأَيْ ِيهمْ َأرْ ُُهمْ ِ َا كَا ُواْ َعْ َُونَ [النور:47].‬
   ‫ألسنا بعد هذا أحق من تجار الدنيا بالمراجعة والمحاسبة! فما لنا إذاً عن هذا غافلون وفي اللهو‬
                                      ‫غارقون وفي الغي سادرون، وكأننا نسينا ما سوف يكون.‬
  ‫إخوة اإليمان، وقفات المحاسبة هنا تهون علينا وقفتنا للمحاسبة هناك. من حاسب نفسه في الدنيا‬
                                                                                   ‫خف في القيامة حسابه.‬
      ‫إن الحساب اليوم لالستدراك واإلصالح، وحساب الغد للجزاء وفصل القضاء، إنها نظرات‬
‫وتأمالت في أيام ماضيات طويناها وقدمناها إلى اآلخرة.. فماذا يا تراها تكون العاقبة؟! ومن أراد‬
                                                                               ‫الجواب.. فعليه بالحساب.‬
     ‫جد وعمل, لهو ولعب, غدو ورواح, نوم ويقظة.. أكان ذلك هلل أم للنفس وشهواتها؟! معاشر‬
        ‫ا‬                        ‫ا‬
‫المؤمنين لقد كان شقاء من شقي أنهم كانوا ال يرجون حسابً، وكذبوا بآيات ربهم كذابً وكل شيء‬
                                         ‫ا‬
                                        ‫أحصاه اهلل كتاباً ثم قال لهم: ذوقوا فلن نزيدكم إال عذابً.‬
    ‫أيها الموحدون إننا في كل شهر نتطلع إلى آخره ونستبطئ مرور أيامه للحصول على دراهم‬
   ‫معدودة ونتطلع إلى نهاية السنة لنحصل على زيادة سنوية ونسينا أنها أعمارنا نهدمها، وآجالنا‬
  ‫نقترب منها. هذه األيام التي تمر هي نحن، ونحن هذه األيام. قال الحسن البصري ـ رحمه اهلل‬
                                          ‫ـ (ابن آدم إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك).‬
  ‫أيها المؤمنون، من الشباب من غره شبابه فنسي فقد األقران وغفل عن سرعة المفاجآت وتعلق‬
  ‫باآلمال واألماني، وما هي واهلل إال أوهام الكسالى وأفكار الالهين وما االعتماد عليها إال بضائع‬
               ‫الحمقى، ورؤوس أموال المفاليس والتمني والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل.‬
         ‫ال‬
  ‫وفي أهل الدنيا من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات، وأشد هؤالء من كسب ما ً فأدخله‬
   ‫النار وورثه من بعده قوم صالحون عملوا فيه بطاعة اهلل فأدخلهم الجنة. ليس أعظم حمقاً ممن‬
                     ‫ضيع ماله وأصلح مال غيره، وقد علم أن ماله ما قدم ومال غيره ما خلف.‬
    ‫أال ينظر هؤالء وهؤالء؟ لقد ابيض الشعر ووهن العظم ورحل األقران، ولم يبق إال الرحيل.‬
       ‫فمتى يتعظ الساهي؟ ومتى يستيقظ الغافل؟ وإذا لم يكن ذلك اليوم فمتى يكون؟.. أيكون بعد‬
  ‫الموت؟ فما بعد الموت من عمل إنما هو الجزاء والحساب. فيا سائراً في غيه معرضاً عن ربه‬
    ‫ناس ليوم حشره إنك تساق إلى الموت سوقاً وتدفع إلى الحساب دفعاً فماذا أعددت لذلك اليوم؟‬
                                                            ‫يا غافالً عن العمل …وغره طول األمل‬
                                                                        ‫الموت يأتي فجأة …والقبر صندوق العمل‬
    ‫سبحان اهلل ألم يأن ألهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار؟ أما علموا أن حياتها عناء، ونعيمها‬
 ‫ابتالء، حاللها حساب، وحرامها عقاب، جديدها يبلى، وملكها يفنى، ودها ينقطع، وخيرها ينتزع،‬
                                ‫المتعلقون بها على وجل إما في نعم زائلة أو باليا نازلة أو منايا قاضية.‬
                                   ‫ة الد م ع وِن ِ ه د ر ر‬                                    ‫ْ ِنم ه ذ‬
  ‫ياقَومِ إ َّ َا َا ِهِ الْحيا ُ ُّنْيَا َتَا ٌ َإ َّ االْخرَةَ ِىَ َا ُ الْقَ َارِ [غافر:42]. العمر قصير، والخطر‬
   ‫المحدق كبير. وإذا كان األمر كذلك فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من هذه الدنيا ليغتنمها‬
       ‫قبل الفوات. ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه ما بينه وبين الناس، ومن صدق في سريرته‬
    ‫حسنت عالنيته، ومن عمل آلخرته كفاه اهلل أمر دنياه. ولكن هذا للموقنين،…… وأين الموقنين‬
                                                                                                                      ‫اليوم؟!‬
                                    ‫ال‬
‫واعلموا عباد اهلل أن المحاسبة الصادقة هي ما أورثت عم ً، فعليك يا عبد اهلل أن تستدرك ما فات‬
‫بما بقي، فتعيش ساعتك ويومك، وال تشتغل بالندم والتحسر من غير عمل. واعلم أن من أصلح ما‬
        ‫بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي.. واألعمال بخواتيمها.‬
                                   ‫ة‬                ‫ُل‬
 ‫الموت يأتيك بغتة وال مفر منه .. قال تعالى: ك ُّ نَفْسٍ ذَائِقَ ُ الْمَوْتِ [آل عمران:115]. فأعط كل‬
 ‫لحظة حقها وكل نَفَس قيمته، فاأليام مطايا، واألنفاس خطوات، والصالحات هي رؤوس األموال،‬
              ‫والربح جنات عدن، والخسارة نار تلظى، ال يصالها إال األشقى، وأنت حسيب نفسك.‬
                  ‫ع يم ن وع ش ِ ع د‬
    ‫قرأ الحسن البصري ـ رحمه اهلل ـ قوله تعالى: َنِ الْ َ ِي ِ َ َنِ ال ّمَال قَ ِي ٌ [ق:25]. فقال:‬
‫بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك واآلخر عن شمالك فصاحب اليمين يكتب‬
          ‫الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر، فإذا مت طويت‬
 ‫ْم ع حس ب‬                       ‫ب‬       ‫ك‬           ‫ْر‬
‫صحيفتك وجعلت في عنقك فتخرج يوم القيامة فيقال لك: اق َأْ كَتَابَ َ كَفَى ِنَفْسِكَ الْيَو َ َلَيْكَ َ ِي ًا‬
‫و ذ ُ ْ ْ ِفة‬
‫[اإلسراء:45]. قال رحمه اهلل: عدل واهلل من جعلك حسيب نفسك. قال تعالى: َأَن ِرْهمْ يَومَ االز َ ِ‬
       ‫ين وم‬              ‫ِلظ لم ن م حم م و ف ع ي ع ي َم ئ‬                               ‫ح ِر ظم‬                ‫ِ قل ب َ‬
      ‫إذِ الْ ُُو ُ لدَى الْ َنَاج ِ كَا ِ ِينَ مَا ل َّاِ ِي َ ِنْ َ ِي ٍ َالَ شَ ِي ٍ ُطَا ُ َعْل ُ خَا ِنَةَ االْعْ ُ ِ َ َا‬
   ‫ِن الل ه السم ع‬            ‫يض نب‬            ‫ق و َّذ َ ع م د ن‬                    ‫ُّد ر َالله ي ض‬        ‫ت ف‬
   ‫ُخْ ِى الص ُو ُ و َّ ُ َقْ ِى بِالْحَ ّ َال ِينَ يدْ ُونَ ِن ُو ِهِ الَ َقْ ُو َ ِشَىْء إ َّ َّهَ ُوَ َّ ِي ُ‬
                                                                                                            ‫بص ر‬
                                                                                              ‫الْ َ ِي ُ [غافر:15-07].‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                            ‫ً‬
    ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                                        ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                                                       ‫وبعد:‬
      ‫عجبا لك يا ابن آدم وقد أراك اهلل آيات قدرته وآيات عظمته في نفسك وفي كل ما حولك من‬
                                                                                                     ‫الكائنات ثم تعصيه.‬
                                                          ‫فيا عجبا كيف يعصى اإلله …أم كيف يجحده الجاحد‬
                                                                    ‫وفي كل شيء له آية …تدل على أنه واحد‬
      ‫ابن آدم لو عرفت نفسك وقدرها لعلمت مدى ظلمك حين تؤمر فال تفعل، وتنهى فتفعل. فهل‬
‫ظننت أن اهلل غافل عنك فال يعلم ما تفعل؟ أم ظننت أن اهلل غير قادر عليك فيمنعك مما تفعل؟ إلى‬
             ‫متى تظل سادراً في غيك؟ بعيداً عن ربك؟ ناس ليوم حشرك؟ غافالً عن ساعة قبرك؟‬
          ‫نسي‬
  ‫علمت أن اهلل يحصي عليك عملك وما توقيت الحساب. نسيت معاصيك فظننت أنها ُ ِ َت، واهلل‬
                     ‫ص ه الله و س ه‬             ‫ي عث ُم الله جم ي بئ ُ ب عمل‬
       ‫قد كتبها وأحصاها يَوْمَ َبْ َ ُه ُ َّ ُ َ ِيعاً فَ ُنَ ُّهمْ ِمَا َ ُِواْ أَحْ َا ُ َّ ُ َنَ ُو ُ [المجادلة:6].‬
  ‫َد َن‬              ‫ِد كل س م عم م ْر م َر و عم م س‬
  ‫أنسيت يوم المعاد؟ يَوْمَ تَج ُ ُ ُّ نَفْ ٍ َّا َ ِلَتْ ِنْ خَي ٍ ُّحْض ًا َمَا َ ِلَتْ ِن ُوء تَو ُّ لَوْ أ َّ‬
                                                                                         ‫ب ه وب ه َد بع د‬
                                                                         ‫َيْنَ َا َ َيْنَ ُ أَم َا َ ِي ًا [آل عمران:02].‬
       ‫َل‬       ‫َ رب جع عل‬
       ‫ابن آدم ويحك تركت العمل الصالح حتى إذا أتاك أجلك قلت: قَال َ ّ ارْ ِ ُونِ لَ َّى أَعْم ُ‬
              ‫ي‬
      ‫صَالِحاً [المؤمنون:44-005]. فها أنت فيها، أفال تعمل، قبل أن تطلب الرجوع فال ُقبل. أما‬
                         ‫َب ْر م ه إ ُ ْ ِن لم‬
      ‫سمعت قول الخاسرين يوم القيامة رَّنَا أَخ ِجْنَا ِنْ َا فَِنْ عدنَا فَإَّا ظَاِ ُونَ [المؤمنون:205].‬
                      ‫سئ ف ه و ت لم ن‬
‫أوما سمعت الجواب عليهم بعد طول انتظار قَالَ اخْ َ ُواْ ِي َا َالَ ُكَّ ُو ِ [المؤمنون:105]. فاحذر‬
                                              ‫من ذلك اليوم وتوق الحساب، فمن نوقش الحساب فقد عذب.‬
      ‫فيا أيها المؤمنون متى التوبة؟ ومتى األوبة؟ ال زال فينا من تلبس بأنواع من الشرك صغيره‬
          ‫وكبيره، وال زال فينا المتهاون بالصالة، وال زال فينا المانع للزكاة والمفرط في إعطائها‬
‫لمستحقيها، وال زال فينا المفطر في شهر الصوم، وال زال فينا القاطع لرحمه، وال زال فينا الظالم‬
         ‫لنفسه، اآلكل ألموال الناس بالباطل، وغير ذلك في قائمة طويلة من اإلسراف على النفس‬
                                                                                              ‫والتفريط في جنب اهلل.‬
   ‫ط م ر مة‬                      ‫ْ َف عل فس ِ‬              ‫ُ عب ِ َّذ‬
   ‫فهذا عباد اهلل عرض من رب العباد قلْ يا ِ َادىَ ال ِينَ أَسر ُواْ ََى أَن ُ ِهمْ الَ تَقْنَ ُواْ ِن َّحْ َ ِ‬
     ‫ف ر الر م و ن ب إ رب ُ و لم ه م ْ أ‬                                     ‫الل ِن الل ي ِر الذن جم ِنه ه‬
    ‫َّهِ إ َّ َّهَ َغْف ُ ُّ ُوبَ َ ِيعاً إ َّ ُ ُوَ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ َأَ ِي ُواْ ِلَى َّكمْ َأَسِْ ُواْ لَ ُ ِن قَبلِ َن‬
    ‫َي َّذ ن من ت ب إل‬                                                     ‫تيكم َ ب ُم ت صر‬
   ‫يَأْ ِ َ ُ ُ الْعذَا ُ ث َّ الَ ُن َ ُونَ [الزمر:21-41]. ويقول جل وعال: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ُو ُواْ َِى‬
      ‫هر‬          ‫ته‬        ‫ْر م‬        ‫عس َبك أ ي ّ ع ُ سي ت ُ وي خ ُ َن‬                             ‫الل ب نص‬
      ‫َّهِ تَوْ َةً َّ ُوحاً َ َى رُّ ُمْ َن ُكَفرَ َنكمْ َّئَا ِكمْ َ ُدْ ِلَكمْ ج َّاتٍ تَج ِى ِن تَحْ ِ َا األنْ َا ُ‬
 ‫[التحريم:1]. وغيرها من اآليات يدعونا فيها ربنا لنعود إليه ويعدنا بقبول التوبة وغفران الذنوب‬
                                                                                                      ‫فهلموا عباد اهلل.‬

‫(5/2645)‬




                                                                                                 ‫عزة األمة اإلسالمية‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                               ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                               ‫المسلمون في العالم‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                   ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                               ‫جدة‬
                                                                               ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- تشريف اهلل لألمة اإلسالمية. 7- الدور التاريخي العظيم لألمة المسلمة. 2- اإليمان والعمل‬
                            ‫الصالح سببان للتمكين في األرض. 1- المستغربون في أمة اإلسالم.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                                                             ‫وبعد:‬
‫لقد كتب اهلل عز وجل لهذه األمة البقاء إلى أن تقوم الساعة، وأعني بذلك أمة محمد صلى اهلل عليه‬
‫وسلم، كيف ال يكون ذلك وهي أفضل األمم على اإلطالق بال منازع وال منافس. وذلك بشهادة اهلل‬
                   ‫ُم أ ْرج ِلن‬                  ‫كت‬
            ‫عز وجل لها من فوق سبع سماوات، قال جل شأنه: ُن ُمْ خَيْرَ أ َّةٍ ُخ ِ َتْ ل َّاسِ [آل‬
  ‫عمران:055]. إذاً فلقد اختار اهلل تعالى هذه األمة لتكون لها القيادة والسيادة لهذه الدنيا. إنه عباد‬
    ‫اهلل تكليف وتشريف. فهو تشريف من اهلل تعالى حيث اختار هذه األمة من دون األمم األخرى‬
 ‫لتقود العالم أجمع. وذلك ال شك لوجود مقومات ومؤهالت وجدت في هذه األمة المرحومة أهلتها‬
                ‫لذلك، واهلل جل شأنه اختارها لعلمه بذلك. فأي شرف بعد هذا؟ وأي عز بعد ذاك؟‬
      ‫وهو كذلك تكليف…ألنها مسؤولية عظيمة ومهمة جسيمة تحتاج إلى بذل وعطاء…وتضحية‬
   ‫بسخاء.. لكي تؤدي هذه األمة ما أسند إليها من تلك المهمة. فيا لعلو المكانة.. ويا لثقل األمانة.‬
    ‫فهذا هو الشرف الذي حظيتم به أنتم أيها المؤمنون الموحدون من دون سائر الناس. وتلك هي‬
      ‫المسؤولية التي ترتبت على ذلك التشريف. فيا ترى هل قامت هذه األمة بما ترتب على هذا‬
                                                     ‫التشريف؟ أم أنها تخاذلت وقصرت في ذلك.‬
 ‫إن الجواب على هذا السؤال ال يكون بالكلمات فإن الكلمات لن تستوعبه. لكن ليرفع كل واحد منا‬
   ‫رأسه وليخرق حجب التاريخ ثم لينظر ويتأمل فيما فعله آباؤنا وأجدادنا في سابق العصور وما‬
  ‫قدموا لهذه الدنيا على مر الدهور. ولنقرأ التاريخ لكي ننبهر ونندهش مما قدم أولئك األفذاذ لهذه‬
‫الدنيا. نعم… لقد أخرجوا الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد. وهل بعد هذا الفضل‬
‫من فضل؟ لقد نشروا دين اهلل فتحوا البالد وقلوب العباد. أخضعوا الدنيا لحكم اهلل وأمر اهلل، قدموا‬
      ‫دماءهم رخيصة في سبيل نشر دين اهلل في أنحاء المعمورة. وهل هو كذلك فقط؟ كال.. فلقد‬
   ‫نشروا العدل بين الناس قبل أن يدخلوا بالدهم. وليس ذلك فقط، بل لقد نشروا العلم وفاقوا الدنيا‬
     ‫في علومهم حتى تعلمت كل الحضارات منهم وأصبحت تنهل من علومهم. وهكذا تقدمت تلك‬
  ‫األمة. أعني أمة ـ محمد صلى اهلل عليه وسلم ـ تقدمت على كل األمم في كل مجاالت الحياة.‬
     ‫ولقد ضحوا في سبيل ذلك بكل شيء.. نعم بكل شيء. وهل وجدت أعظم من روح يجود بها‬
                                                      ‫ا‬      ‫ا‬          ‫ا‬      ‫ً‬
                      ‫صاحبها راضيا مطمئنً... بل فرحً مسرورً. يقول محمد إقبال الشاعر المسلم:‬
                                   ‫من ذا الذي رفع السيوف ……ليرفع اسمك فوق هامات النجوم فخارا‬
                                             ‫كنا جباالً في الجبال وربما ……سرنا على موج البحار بحارا‬
                                              ‫لم نخش طاغوتا يحاربنا ……ولو نصب المنايا حولنا أسوارا‬
                                                ‫ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا ……نرجو ثوابك مغنماً وجوارا‬
                                            ‫ندعو جهارا ال إله سوى الذي ……خلق الوجود وقدر األقدارا‬
                                               ‫كنا نرى األصنام من ذهب ……فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا‬
                                             ‫لو كان غير المسلمين لحازها……ذهبا وصاغ الحلي والدينارا‬
                                          ‫وكأن ظل السيف ظل حديقة ……خضراء تنبت حولها األزهارا‬
    ‫هذا ـ عباد اهلل ـ هو وصف لتلك األمة جادت به قريحة شاعر يعتز بأمته، وإننا جميعاً يجب‬
                                                                           ‫علينا أن نعتز بهذه األمة وأن نفرح بها.‬
   ‫إن وجود هذا الشعور واجب على كل مسلم وخاصة في مثل هذه األيام التي أصيبت فيها األمة‬
                                                                                                        ‫بالضعف والخور.‬
‫إن الذين ينسبون هذا الضعف والخور إلى تمسك المسلمين بدينهم وعقيدتهم هم كفرة خونة أو أنهم‬
   ‫جهلة يقولون ما ال يعلمون، ويهرفون بما ال يعرفون. إن الذي يتهم دين اهلل بأنه هو السبب في‬
  ‫تخلف المسلمين قد وقع في الكفر، وهذا ما يريد أعداء اهلل أن يوحوا به إلينا. يريدون أن ينشروا‬
  ‫بيننا أن تمسكنا بديننا سبب لتأخرنا وأننا لو تركنا هذا الدين أو حرفنا فيه ـ ونعوذ باهلل من ذلك‬
‫ـ فإننا سوف نتقدم ونلحق بركب الحضارة. لكن المسلم الحق المعتز بدينه يقول: إن كان ذلك هو‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                               ‫ثمن الحضارة فال مرحبً بالحضارة.‬
   ‫والحقيقة عباد اهلل أن هذه مغالطة كبيرة. يظهر كذبها للمتأمل في تاريخ األمة اإلسالمية. ونحن‬
 ‫المسلمين يمكن أن نحصل على الحضارة مع تمسكنا بديننا وعقيدتنا، لكن أعداء اإلسالم يحاولون‬
‫دائماً التركيز على أن سبب التأخر هو التمسك بالدين وتعاليمه. وهذا كالم مرذول مردود بالكتاب‬
 ‫ْ كم‬        ‫َن ُ ْ ف‬       ‫و َ الله َّذ ن من م ك وعمل الص ح ي‬
‫والسنة يقول جل وعال: َعدَ َّ ُ ال ِي َ ءا َ ُواْ ِنْ ُمْ َ َ ُِواْ َّالِ َاتِ لَ َسْتَخْلِفَّهم ِى األرضِ َ َا‬
         ‫ً‬        ‫ض ُ و ي َدَن ُ م ب ْد ف ِ‬                        ‫َ َّذ ن م ل ِ و يمك َن ُ د ُم َّ‬
         ‫اسْتَخْلفَ ال ِي َ ِن قَبِْهمْ َلَ ُ َ ّن َّ لَهمْ ِينَه ُ الذِى ارْتَ َى لَهمْ َلَ ُب ّلَّهمْ ّن َع ِ خَوْ ِهمْ أَمْنا‬
                                 ‫َ أ ك ُم سق‬                          ‫وم َر ب‬               ‫ي رك ن ب‬          ‫ي ُد ن‬
                  ‫َعْب ُونَ ِى الَ ُشْ ِ ُو َ ِى شَيْئاً َ َن كَف َ َعْدَ ذالِك فَُوْلَئِ َ ه ُ الْفَا ِ ُونَ [النور:11].‬
   ‫فهذا كالم اهلل جل وعال يبين أن اإليمان والعمل الصالح هما سبب التمكين في األرض. وأولئك‬
  ‫يقولون: إن سبب تأخر المسلمين هو تمسكهم بدينهم. وال شك أن هذا القول مغالطة مكشوفة لكل‬
 ‫من تأمل التاريخ، حيث إنه من خالل معرفة تاريخ المسلمين في الماضي والحاضر يرى المتأمل‬
   ‫أن المسلمين كانوا أهل الحضارة وقادوا الدنيا في األزمان السابقة. وتلك هي األزمنة التي كان‬
                                                ‫المسلمون فيها متمسكون بدينهم كأحسن ما يكون.‬
‫لكن عندما قصر المسلمون ـ إال من رحم اهلل ـ في االلتزام بدين اهلل وشرعه حدث لهم ما حدث‬
     ‫من التأخر عن الحضارات. وإنما يحاول أعداء اإلسالم أن ينشروا ذلك المفهوم المغلوط بين‬
             ‫المسلمين لكي يبعدوهم عن تمسكهم بدينهم لكي يتأخروا عن الناس ويظلوا أمة تابعة.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي ال تنفد مع كثرة اإلنفاق خزائنه. وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له يؤازره،‬
    ‫وال نظير له يعاونه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى الناس كافة، فقد فاز متابعه ومعاونه،‬
                           ‫جم‬                                                ‫د‬
    ‫وخسر مضا ّه ومباينه. صلى اهلل عليه، وعلى آله وصحبه الذين ُ ِعت لهم غرر الدين القويم‬
                                                                                        ‫ومحاسنه.‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
  ‫فإن اهلل سبحانه ببالغ حكمته، وسابغ نعمته، شرف دين اإلسالم وطهره من األدناس، وجعل أهله‬
   ‫خير أمة أخرجت للناس، فاإلسالم الدين القويم الذي اصطفاه اهلل من األديان لنفسه، وجعله دين‬
‫أنبيائه ورسله ومالئكة قدسه، فارتضاه واختاره، وجعل خير عباده وخاصته هم أولياؤه وأنصاره،‬
   ‫يحافظون على حدوده ويثابرون، ويدعون إليه ويذكرون، ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما‬
    ‫يؤمرون، فهم بآيات ربهم يؤمنون، وإلى مرضاته يسارعون، ولمن خرج عن دينه يجاهدون،‬
        ‫ولعباده بجهدهم ينصحون، وعلى طاعته يثابرون، وعلى صلواتهم يحافظون، وعلى ربهم‬
                 ‫يتوكلون، وباآلخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون.‬
     ‫فإذا علم ذلك يا عبد اهلل فليعلم أن هذا الكالم ليس المقصود منه التفاخر المجرد بما كان عليه‬
                                                                                  ‫اآلباء واألجداد.‬
                     ‫كال… ولكن لكي يعرف المسلم حقيقة هذا الدين العظيم وتلك األمة العظيمة.‬
‫إننا اليوم في هذه األزمة التي تمر بها األمة نشاهد من تنكر لدينه وأمته وولى وجهه قبل المشرق‬
                                                                  ‫ا‬
    ‫أو قبل المغرب و ذلك بحثً عن العز والمجد كما يظن، ولكن ليكن معلوماً لهؤالء أن العزة هلل‬
    ‫ولرسوله وللمؤمنين، ولكن أولئك المدبرين ال يعلمون. ينادون ويطالبون أن نتبع القوم في كل‬
          ‫ا‬
  ‫صغيرة وكبيرة وأعني بالقوم علوج الغرب. يطالبوننا بأن ننسى التراث ونتخذه ظهريً. ويعنون‬
   ‫بالتراث ديننا. دينهم الشك، وديدنهم التشكيك. قلوبهم مريضة، وعقولهم مستعبدة. قد أضلهم اهلل‬
                                             ‫هم ه‬             ‫وم ي ِ الل ُ‬
   ‫فطلبوا الهدى من غيره َ َن ُضْللِ َّه فَمَا لَ ُ ِنْ َادٍ [الزمر:27]. ينعون علينا تمسكنا بديننا،‬
   ‫ويشنعون علينا أن خالفناهم في منهجهم. وليتهم بعد ذلك حققوا ما يأملون. فال هم صاروا مثل‬
 ‫القوم وال بقوا مع المسلمين، وإنما غدوا بين الفئتين مذبذبين. فاللهم ثبتنا على اإلسالم واحفظنا به‬
                                                                   ‫قائمين وقاعدين وراقدين، يا أرحم الراحمين.‬
  ‫معاشر المؤمنين، وليكن معلوماً أيضاً أن هذا الكالم ليس للتسلية عما نحن فيه من المصائب، بل‬
‫لدفع اليأس من النفوس والرد على أعداء اإلسالم المشككين فيه والطاعنين في المتمسكين به. و ال‬
   ‫يظنن ظان أن اهلل سيترك هذه األمة لتهلك بيد أعدائه، كال … فإن هذه األمة تمرض، ولكنها ال‬
                       ‫تموت، وتغفو ولكنها ال تنام، إنها باختصار… وجدت لتبقى ولو كره الكافرون.‬
  ‫إن المتأمل لحال المسلمين اليوم يرى أن أمم الكفر قد تداعت علينا من كل حدب وصوب يقتلون‬
‫ويدمرون ويحرقون ويغتصبون ويفعلون كل ما يستطيعون ليبيدوا أهل هذا الدين تماماً كما وصف‬
   ‫لنا رسولنا ، ففي سنن أبي داود من حديث ثوبان رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((يوشك‬
  ‫األمم أن تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى قصعتها)) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل‬
       ‫أنتم يومئذ كثير، و لكنكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعن اهلل من صدور عدوكم المهابة منكم،‬
  ‫وليقذفن اهلل في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول اهلل، وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا و كراهية‬
                                                                                                                  ‫الموت)).‬
     ‫ولكن مع هذا كله استمع إلى ما ورد في صحيح مسلم من حديث ثوبان قال: قال رسول اهلل :‬
  ‫((إن اهلل زوى لي األرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها،‬
    ‫وأعطيت الكنزين األحمر و األبيض، وإني سألت ربي ألمتي أن ال يهلكها بسنة عامة، وأن ال‬
    ‫يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت‬
  ‫قضاء فإنه ال يرد، و إني أعطيتك ألمتك أن ال أهلكهم بسنة عامة، وأن ال أسلط عليهم عدواً من‬
    ‫سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال: من بين أقطارها، حتى‬
                                                              ‫ا‬
                                                           ‫يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضً)).‬
 ‫فيا أيها اليائس، استمع إلى هذا الحديث وغيره كثير يخبرنا فيه رسولنا أن هذه األمة خلقت ليكون‬
  ‫لها البقاء وتكون لها السيادة والريادة. ولكن علينا العمل والسعي لذلك. وأول ما نعمله هو التوبة‬
             ‫النصوح والعودة إلى اهلل، وسيأتي النصر من عند اهلل، وعد اهلل، واهلل ال يخلف الميعاد.‬
   ‫اللهم ردنا إليك رداً جميالً اللهم أعز اإلسالم وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر‬
‫أعداء الدين من يهود ونصارى ومن مجوس وحداثيين وعلمانيين. اللهم أحصهم عددً واقتلهم بددً‬
‫ا‬            ‫ا‬
                                                                                                   ‫ا‬
                                                                                                  ‫وال تغادر منهم أحدُ.‬
       ‫و م رو ب‬                          ‫ُ ب وي ه ع‬                    ‫ن وإ‬          ‫ِن الل ُر َ ل و‬
    ‫عباد اهلل، إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلْحْسَا ِ َِيتَآء ذِى الْقرْ َى َ َنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَ ِ َالْ َغْى‬
                                                                          ‫ي ظك َلك َكر‬
‫َعِ ُ ُمْ لَعَّ ُمْ تَذ َّ ُونَ [النحل:04]. فاذكروا اهلل العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم،‬
                                                                           ‫ولذكر اهلل أكبر، واهلل يعلم ما تصنعون.‬

‫(5/1645)‬
                                                                                                      ‫غربة اإلسالم‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                                      ‫الفرقة الناجية‬
                                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                  ‫جدة‬
                                                                                               ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- صفات الغرباء كما ذكرها رسول اهلل. 7- صور للغربة في مجتمعات المسلمين. 2- عظم‬
                                                                                                       ‫أجر الغرباء.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                             ‫أما بعد:‬
       ‫إخوة اإليمان، إننا في أيامنا هذه نرى أن المتمسك بدينه المحافظ على أوامر اهلل المتبع لسنة‬
                                  ‫ا‬
  ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يبدو بين الناس شاذاً غريبً، والكثير من الناس يتعجب من حاله‬
       ‫ومقاله، بل إن البعض منهم يلومه ويذمه ويرى أنه على غير الصراط المستقيم وأنه متنطع‬
                                                                                                              ‫متشدد.‬
‫وهذا وضع يتألم له المؤمن ويحزن، لكن … ليعلم أن هذه سنة من سنن اهلل جعلها ابتالء للمؤمنين‬
                                                                             ‫ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.‬
       ‫أيها الموحد، إنك بتمسكك بسنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم واتباعك لهديه عليه الصالة‬
  ‫والسالم ستبتلى وتواجه بعض الصعوبات، لكنك إن صبرت كانت العاقبة خيراً عظيماً في الدنيا‬
                                                                                                            ‫واآلخرة.‬
 ‫ْ ِال‬        ‫سِف‬           ‫ع‬         ‫م ُر ن م ل ُ أ ل ب ِي ي‬
 ‫عباد اهلل يقول تعالى: فَلَوْالَ كَانَ ِنَ الْق ُو ِ ِن قَبِْكمْ ُوُْواْ َق َّةٍ َنْهَوْنَ َنِ الْفَ َاد ِى األرضِ إ َّ‬
                                                                      ‫ل ال ّم ج م ه‬
   ‫قَِي ً م َّنْ أَن َيْنَا ِنْ ُمْ [هود:655]. إنها دعوة من اهلل للناس أن يكون منهم من يأمر بالمعروف‬
     ‫وينهى عن المنكر عند فساد الناس، وأصحاب هذه الصفة هم الناجون من عذاب اهلل في الدنيا‬
   ‫واآلخرة. ومن هم يا ترى أهل هذه الصفة! إنهم أولئك الغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس.‬
      ‫ا‬
     ‫ومن هؤالء؟ إنهم الذين أشار إليهم النبي صلى اهلل عليه وسلم في قوله: ((بدأ اإلسالم غريبً،‬
                                                                             ‫ا‬
 ‫وسيعود غريبً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول اهلل؟ قال: الذين يصلحون إذا‬
                                                                      ‫فسد الناس)) [رواه أحمد].‬
   ‫وفي الحديث اآلخر من حديث عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل‬
                                                           ‫ا‬
 ‫عليه وسلم: ((إن اإلسالم بدأ غريبً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا‬
                                   ‫رسول اهلل؟ قال: النزاع من القبائل)) [رواه أحمد وابن ماجه].‬
    ‫وفي حديث عبد اهلل بن عمرو قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده:‬
   ‫((طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول اهلل؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير، من‬
                                                      ‫يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) [رواه أحمد].‬
                 ‫ا‬             ‫ا‬
  ‫وفي حديث آخر قال صلى اهلل عليه وسلم: ((بدأ اإلسالم غريبً، وسيعود غريبً كما بدأ، فطوبى‬
            ‫للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول اهلل؟ قال: الذين يحيون سنني ويعلمونها الناس)).‬
    ‫فكم من الناس اليوم يتصف بصفات الغرباء التي ذكرها النبي صلى اهلل عليه وسلم في أحاديثه‬
     ‫المتعددة؟! كم من الناس اليوم قد أصلح نفسه عند فساد الكثير؟ وكم من الناس اليوم يصلح ما‬
    ‫أفسده الناس؟ وكم من الناس اليوم يحيي سنة النبي صلى اهلل عليه وسلم؟ وكم من الناس اليوم‬
                                            ‫ينشر سنة النبي صلى اهلل عليه وسلم ويعلمها للناس؟‬
            ‫م‬
  ‫إخوتي الكرام: هؤالء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً س ّوا (غرباء)‬
‫فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات. فالمسلمون في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل اإلسالم‬
                                               ‫ا‬
‫غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء أيضً، وأهل السنة في هؤالء غرباء. والداعون إلى السنة‬
  ‫الصابرون على أذى المخالفين هم أشد غربة في هؤالء. ولكن هؤالء هم أهل اهلل حقاً فال غربة‬
 ‫ي ِل ع‬             ‫َر م ف‬           ‫وإ ت‬
‫عليهم. وإنما غربتهم بين األكثرين الذين قال اهلل فيهم: َِن ُطِعْ أَكْث َ َن ِى األرْضِ ُضُّوكَ َن‬
                                                                                        ‫سب الل‬
                                                                       ‫َ ِيلِ َّهِ [األنعام:655].‬
      ‫لكن هذه الغربة ال وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، فوليه اهلل‬
   ‫ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفاه. قال الحسن: "المؤمن في الدنيا كالغريب ال‬
 ‫يجزع من ذلها، وال ينافس في عزها، للناس حال، وله حال، الناس منه في راحة، وهو من نفسه‬
                                                                                      ‫في تعب".‬
     ‫ومن صفات هؤالء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى اهلل عليه وسلم التمسك بالسنة إذا رغب‬
    ‫الناس عنها. وترك ما أحدثوا. وإن كان هو المعروف عندهم. وتحقيق التوحيد وإن أنكر أكثر‬
        ‫الناس ذلك. وترك االنتساب إلى أحد غير اهلل ورسوله بل هؤالء الغرباء منتسبون إلى اهلل‬
 ‫ا‬
 ‫بالعبودية له وحده وإلى رسوله باالتباع لما جاء به وحده. وهؤالء هم القابضون على الجمر حقً‬
  ‫وأكثر الناس الئم لهم. فغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة لمعظم الناس.‬
   ‫نعم هم غرباء وكيف ال تكون فرقة واحدة قليلة جداً غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة. وقد أخبر‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم أن اليهود انقسمت إلى إحدى وسبعين فرقة والنصارى انقسمت إلى اثنتين‬
              ‫وسبعين فرقة، وتنقسم هذه األمة إلى ثالث وسبعين فرقة كلها في النار إال واحدة.‬
 ‫ولهذا جعل للمسلم الصادق المتمسك بالسنة في هذا الوقت أجر خمسين من الصحابة في الحديث‬
  ‫من حديث أبي ثعلبة الخشني: ((إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر‬
                                                          ‫ال‬
 ‫للعامل فيهن أجر خمسين رج ً يعملون مثل عمله)) قلت: يا رسول اهلل أجر خمسين منهم؟ قال:‬
                                                  ‫((أجر خمسين رجالً منكم)) [رواه الترمذي].‬
                   ‫ه‬
  ‫فإذا أراد المؤمن الموفق من عند اهلل أن يسلك هذا الطريق فليستعد لقدح الج ّال فيه وأهل البدع‬
‫وطعنهم عليه واستهزائهم به وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم‬
   ‫غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم. غريب في صالته‬
    ‫لسوء صالتهم، غريب في طريقه لضالل وفساد طرقهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه‬
                                            ‫ا‬
  ‫وآخرته. ال يجد من العامة مساعداً وال معينً، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع،‬
      ‫داع إلى اهلل ورسوله بين دعاة إلى األهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم‬
                                                      ‫المعروف لديهم منكر، والمنكر معروف.‬
  ‫واعلم رحمك اهلل أن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست بدار مقام لهم، وال هي الدار‬
 ‫التي خلقوا لها، وقد قال صلى اهلل عليه وسلم لعبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما: ((كن في الدنيا‬
                                                    ‫كأنك غريب أو عابر سبيل)) [متفق عليه].‬
 ‫أما اإلسالم فقد عادت غربته اليوم كما أخبر المصطفى ويالها من غربة، إنها غربة وكربة، بعد‬
                                                                     ‫وانفالت، تهاون وتفريط.‬
   ‫ا‬                       ‫ا‬     ‫ا‬                               ‫ال‬
   ‫دين مأل األرض عد ً ورحمة وسعادة … يصبح اليوم غريبً طريدً. نشهد أنه رسول اهلل حقً‬
                                                                 ‫ا‬                      ‫ا‬
                                                      ‫وصدقً، ونزداد إيماناً ويقينً في كل يوم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل ذي القوة المتين، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد أال إله إال اهلل‬
  ‫وحده ال شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الصادق األمين.‬
                               ‫وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
‫معاشر المسلمين: إن غربة الدين تظهر اليوم في جهل كثير من المسلمين بأهم وأبسط أمور دينهم‬
                                                                        ‫ال‬
   ‫كالصالة مث ً. وتظهر في إنكار بعض الناس لسنة رسول اهلل . وتظهر في انصهار الكثير من‬
    ‫المجتمعات اإلسالمية في مجتمعات غربية كافرة انصهاراً تذوب فيه المبادئ واألخالق والقيم‬
‫والعادات والتقاليد. وتظهر في انتشار المخالفات الشرعية ومجاهرة بعض المسلمين بها دون حياء‬
‫من اهلل. وتظهر في إعجاب كثير من المسلمين بأعداء اهلل من الكافرين وتقليدهم لهم وتعلقهم بهم.‬
‫وتظهر في تقديم أمر الدنيا على أمر اآلخرة عند الكثير من المسلمين غير مبالين بما يترتب على‬
                                           ‫ذلك من سخط اهلل وعقوبته. وغير ذلك الكثير من مظاهر الغربة.‬
‫وإذا أردت أن تعرف مدى األسى واأللم الذي يعتصر قلب مؤمن يرى غربة دينه وغربته هو في‬
 ‫وسط أهله، فاسأل غريباً حال غربته قد فارق أهله وأحبابه وهجر وطنه وأصحابه. وجاء إلى بلد‬
                                                                  ‫ا‬
 ‫ال يعرف فيه أحدً فأخذ ماله وضرب ظهره وأهين واحتقر، ولم يجد من ينصره أو ينصفه، كيف‬
                                                                                               ‫يكون شعوره وما هو حاله؟‬
                                           ‫أتراه يهجع والناس نيام؟ أتراه يكف عن البكاء والناس يضحكون؟‬
                         ‫فليتك تراه وهو يشكو إلى اهلل وعيناه مغرورقة بالدموع. يشكو غربته وكربته.‬
 ‫يشكو ضعفه وقلة حيلته. يشكو عجزه وهوانه على الناس. شارد الذهن، تائه الفكر. ال يدري ماذا‬
                                                                    ‫يفعل. ليس له أحد ينصره إال اهلل جل في عاله.‬
   ‫هذه هي حال الغريب، واسأل مجرباً إن شئت لتسمع وصفاً تتفطر له القلوب وتتفتت له األكباد.‬
                                                                          ‫هذا في غريب الدنيا فكيف بغريب الدين؟!!‬
    ‫أخي الغريب يبعث إليك هذه الكلمات غريب مثلك يعاني ما تعاني، ويقاسي ما تقاسي. واهلل إن‬
    ‫القلب ليتفطر عندما يرى حال أمة اإلسالم في هذه األيام. يكاد يشك في نفسه، يكاد يجن.. مما‬
‫يرى من تمادي الباطل وانتشار الفساد إال في قلة ممن حفظ اهلل. ويكاد اليأس يدب في القلوب لوال‬
 ‫َد ة و عشى ُر د ن و هه وال‬                    ‫َّذ ن َ ع َ َبه‬               ‫و ب س‬
 ‫أنه يتذكر قول اهلل تعالى: َاصْ ِرْ نَفْ َكَ مَعَ ال ِي َ يدْ ُون ر َّ ُم بِالْغ َا ِ َالْ َ ِ ّ ي ِي ُو َ َجْ َ ُ َ َ‬
 ‫به ع ذ ر َات ع و ه و أ ْره‬                                        ‫الد ي و ت م‬                        ‫ع ه تر د ز‬              ‫دع‬
 ‫تَعْ ُ َيْنَاكَ َنْ ُمْ ُ ِي ُ ِينَةَ الْحياةِ ُّنْ َا َالَ ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َن ِكْ ِنَا و َّبَ َ هَ َا ُ َكَانَ َم ُ ُ‬
                                                                                      ‫ُر‬
   ‫ف ُطًا [الكهف:17]. ويشرق في أفق األمل حديث رسول اهلل الذي رواه المقداد بن األسود: ((ال‬
  ‫يبقى على األرض بيت مدر وال وبر إال أدخله اهلل اإلسالم، بعز عزيز أو بذل ذليل)) [رواه ابن‬
                                                                       ‫ل‬
                                    ‫حبان]. ووعد اهلل آت واهلل مع ٍ كلمته وناصر دينه ولو كره الكافرون.‬
   ‫اللهم ردنا إليك رداً جميالً اللهم أعز اإلسالم وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر‬
‫ا‬            ‫ا‬
‫أعداء الدين من يهود ونصارى ومن مجوس وحداثيين وعلمانيين، اللهم أحصهم عددً واقتلهم بددً‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                                                                        ‫وال تغادر منهم أحدُ.‬
       ‫و م رو ب‬                          ‫ُ ب وي ه ع‬                    ‫ن وإ‬          ‫ِن الل ُر َ ل و‬
    ‫عباد اهلل: إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلْحْسَا ِ َِيتَآء ذِى الْقرْ َى َ َنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَ ِ َالْ َغْى‬
                                                                          ‫ي ظك َلك َّر‬
‫َعِ ُ ُمْ لَعَّ ُمْ تَذَك ُونَ [النحل:04]. فاذكروا اهلل العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم،‬
                                                                               ‫ولذكر اهلل أكبر، واهلل يعلم ما تصنعون.‬

‫(5/4645)‬




                                                                                                                        ‫فقد الهوية‬
                                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                                           ‫قضايا دعوية‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                       ‫جدة‬
                                                                                                   ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- معنى انتسابنا لإلسالم. 7- ضياع الهوية اإلسالمية عند كثير من المسلمين. 2- الوقوع في‬
  ‫قبضة التغريب نوع من ضياع الهوية. 4- المرأة المسلمة أيضاً تضيع هويتها بنزعها للحجاب‬
‫والحياء. 1- اإلسالم دعوة للحياء والعفة. 6- التقارب بين األديان صورة من صور فقد الهوية.‬
                                    ‫2- دور فريضة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اإلصالح.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                 ‫أما بعد:‬
                                 ‫عباد اهلل، سؤال قد يتعجب الكثير من طرحه، والسؤال هو: ما هويتك؟‬
                                                                                                      ‫بمعنى: من أنت؟‬
                                                                                ‫ً‬
 ‫ولعل مجيبا يقول: أنا فالن بن فالن، وآخر يقول: أنا المهندس أو الطبيب أو المعلم أو الشيخ أو‬
                                                                                    ‫ا‬
                                                      ‫التاجر. ولعل متعمقً يقول: أنا عربي من بالد العرب.‬
    ‫ولكن…. ما هذا الذي أردت. وإنما أردت إجابة واحدة مكونة من كلمة واحدة هي: أنا مسلم.‬
‫ذلك هو الجواب لمن وفق للصواب. ومع ذلك نقول: إنه ال يكفي أن تقول: أنا مسلم، وإنما المهم‬
                                                                       ‫بعد ذلك أن تعرف ماذا تعني هذه الكلمة؟‬
‫أخي الحبيب: أنا مسلم تعني انتماء لدين اهلل الذي أنزله من فوق سبع سماوات على أفضل أنبيائه‬
                                                                                                           ‫وخاتم رسله.‬
    ‫الل الت‬            ‫ل د حن ً‬             ‫َِ ْ و‬
   ‫أنا مسلم تعني موافقة الفطرة التي فطر اهلل الناس عليها فَأقم َجْهَكَ ِل ّينِ َ ِيفا فِطْرَةَ َّهِ َّ ِى‬
               ‫ي م ن‬             ‫د ن ّم و ِن َ الن‬                             ‫الل‬      ‫ل‬                      ‫َ الن ع‬
   ‫فَطرَ َّاسَ َلَيْهَا الَ تَبْدِيلَ ِخَلْقِ َّهِ ذَلِكَ ال ّي ُ الْقَي ُ َلَاك َّ أَكْثرَ َّاسِ الَ َعْلَ ُو َ [الروم:02].‬
                               ‫أنا مسلم تعني طريقة تفكير وأسلوب عمل ونمط تصرفات ومنهج حياة.‬
                                             ‫أنا مسلم تعني اصطفاء واجتباء، طهارة ونقاء، سمو وارتقاء.‬
                                         ‫ك ُ ْ ُم أ ْرج ِلن‬
‫أنا مسلم ممن قال اهلل فيهم ُنتمْ خَيرَ أ َّةٍ ُخ ِ َتْ ل َّاسِ [آل عمران:055]. أنا مسلم ممن قال اهلل‬
           ‫ل ك ن ش َد عل الن ويك الرس ل ع ُ ه د‬                                ‫جع ُ ُم و‬                  ‫وك‬
          ‫فيهم: َ َذالِكَ َ َلْنَاكمْ أ َّةً َسَطًا ّتَ ُو ُواْ ُه َاء ََى َّاسِ َ َ ُونَ َّ ُو ُ َلَيْكمْ شَ ِي ًا‬
 ‫ْ م ت ُ د ُ و م ت ع ُ ن مت َرض ت‬
 ‫[البقرة:245]. أنا مسلم ممن قال اهلل فيهم: الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَكمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْكمْ ِعْ َ ِى و َ ِي ُ‬
                                                                                                   ‫َ د‬         ‫ُم‬
                                                                                  ‫لَك ُ األسْالمَ ِيناً [المائدة:2].‬
 ‫أنا صاحب الدين الذي قال اهلل فيه: َ َن َبْتَغِ غَيْرَ اإلسَْامِ ِي ًا فََن ُقْبلَ ِنْ ُ َ ُو ِى اآلخ َةِ ِ َ‬
 ‫ِر من‬         ‫ل د ن ل ي َ م ه وه َ ف‬                                ‫وم ي‬
                                                                                                    ‫ِر‬
                                                                                  ‫الْخَاس ِينَ [آل عمران:11].‬
    ‫أنت مسلم … نعم …. تلك هي هويتك يا من شهدت أن ال إله إال اهلل، وأن محمداً رسول اهلل.‬
              ‫هويتك اإلسالم ودينك اإلسالم، به تحيا، وفي سبيله تجاهد، وعليه تموت إن شاء اهلل.‬
                  ‫ولكن … ترى هل هذه هي هوية ألف مليون أو يزيدون ممن ينتسبون لهذا الدين؟‬
                                ‫هل استشعر هذا العدد الضخم كل تلك المعاني في انتمائهم لهذا الدين؟‬
 ‫هل ال زالت هذه الهوية منظورة مشهودة على أرض الواقع للمنتسبين لهذا الدين؟ إنها المأساة -‬
‫عباد اهلل - حين تبحث عن جواب لهذه التساؤالت. إنها مأساة حينما تنظر إلى كثير من المسلمين‬
 ‫اليوم، فتجد أن هويتهم قد انمحت أو طمست. تنظر وتتأمل فترى، هذا مشرق وذاك مغرب، وال‬
                                                                ‫تكاد ترى من أفراد األمة الوسط إال القليل.‬
                   ‫أيها المسلمون يعرف المسلم بمنظره ومخبره، بهيئته وسلوكه، بتعامله مع الناس.‬
                                                      ‫فهل إذا تفحصنا أحوال األمة وجدنا المسلم الحق؟!!‬
 ‫إنني أتساءل… أين هي األخالق اإلسالمية، أين الصدق، األمانة، اإلخالص، الوفاء بالوعد، حب‬
                                         ‫الخير للناس، اإليثار، الكرم، الشجاعة.. وغيرها من األخالق.‬
                                           ‫هل ال زالت حية على أرض الواقع أم أنها بليت واندثرت؟!!‬
     ‫أما أصبح الكثير منا اليوم إذا أراد أن يؤكد وعده يقول: (وعد انجليزي)، ألم تسمع كثيراً من‬
    ‫أصحاب المؤسسات واألعمال يقول بأن العامل الكافر يعمل بإخالص أكثر من العامل المسلم.‬
‫أليس الكثير منا إذا أراد أال يفي بوعده يقول لك: أفعل إن شاء اهلل، حتى أصبح بعض الناس يقول‬
  ‫لك: ال تقل: إن شاء اهلل، أكد كالمك. لماذا هذا؟ ألن التعليق بمشيئة اهلل أصبح سمة للتهرب من‬
                                                                                                  ‫الوفاء بالوعد.‬
                                                                                           ‫ترى عالم يدل هذا؟‬
                                                                                             ‫أذلك هو المسلم؟!!‬
                  ‫أخي المسلم، تلك هي األخالق اإلسالمية السائدة اليوم عند الكثير إال من رحم اهلل.‬
     ‫وأما إذا تحدثنا عن الهيئة والمظهر فحدث وال حرج عن رجال المسلمين ونسائهم في لباسهم‬
                                                    ‫وأثاث بيوتهم وطريقة أكلهم وشربهم.. وما إلى ذلك.‬
    ‫مالبس غربية وبيوت غربية وطريقة أكل غربية إال من رحم اهلل. بل وبلغ الحد ببعض شبابنا‬
        ‫ورجالنا أن قلدوهم في قصات شعورهم ومشيتهم وجلستهم. حتى ظهر عندنا شباب أطالوا‬
        ‫ال‬
‫شعورهم وربطوها كما تفعل النساء، يفعلها بعض الشباب تقليداً لكافر رآه. ورأينا رج ً قد ابيض‬
   ‫ا‬
   ‫بعض شعر رأسه يمشي بسروال قصير قد كشف عن بعض فخذيه، يفعل ذلك هو اآلخر تقليدً‬
                                                                                              ‫لكافر رآه.‬
    ‫وأعجب من ذلك أن ظهرت في اآلونة األخيرة محالت لقص الشعر وصبغه وعمل ما يسمى‬
 ‫باالستشوار. تظنون ذلك لمن؟ للنساء … كال إنها للرجال، ويالها من مصيبة أن يفعل ذلك شباب‬
                                          ‫أمة يفترض فيها أن تقود العالم إلى اهلل بدعوتها وجهادها.‬
     ‫إنه عباد اهلل فقد الهوية وضياع الهوية حتى أصبح المسلم يبحث عن هوية بدالً عن تلك التي‬
               ‫ا‬
              ‫أضاعها وأضاع معها تميزه الذي حباه اهلل إياه. وهكذا تفقد الهوية شكالً ومضمونً.‬
    ‫إخوة اإليمان، إن قضية التغريب والحرب على الهوية اإلسالمية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم‬
     ‫الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى المسلمون عن المظهر بحجة أن الجوهر كاف. وهذه‬
  ‫دعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب، وقد انطلت على كثير من المسلمين حتى قبلوها‬
  ‫دون إدراك لمخاطرها. لقد جعلت الشريعة الحنيفية تميز األمة المسلمة في مظهرها عمن عداها‬
  ‫ا‬
  ‫من األمم مقصداً أساسياً لها، بل إن أهل كل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبرً‬
  ‫عن هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز واالختصاص بهوية‬
   ‫تميزهم عن غيرهم وترمز إلى عقيدتهم. وهذا أوضح ما يكون في عامة اليهود الذين يتميزون‬
       ‫بصرامة، بطاقياتهم، ولحاهم، وأزيائهم التقليدية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون‬
 ‫الصليب في أعناقهم، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم. أليس هذا كله تميز صادر عن عقيدة ومعبر‬
‫عن االعتزاز بالهوية. وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان، فكيف ال نتمسك نحن بصبغة‬
        ‫الرحمن التي حبانا اهلل عز وجل: ِبْغَةَ َّ ِ َ َنْ أَحْ َ ُ ِنَ َّهِ ِبْغَةً َنَحْ ُ لَ ُ عَا ِدو َ‬
        ‫سن م الل ص و ن ه ب ن‬                               ‫ص الله وم‬
                                                                                          ‫[البقرة:125].‬
‫إخوة اإليمان، وننتقل إلى البحث عن الهوية عند المرأة المسلمة فتجد أنها هي األخرى قد أضاعت‬
       ‫هويتها ولنتأمل في ميزتين وسمتين من أبرز مميزات وسمات الهوية اإلسالمية عند المرأة‬
                                                                                                ‫المسلمة.‬
 ‫أوالهما: الحجاب، فهاهو الحجاب قد حورب من قبل أعداء اإلسالم وسلطت عليه رماح الشبهات‬
                                                           ‫ال‬
     ‫وسهام الشهوات حتى تردى قتي ً أو كاد. نعم إخوة العقيدة لقد ذبح الحجاب بغير سكين حتى‬
 ‫تالشى في كثير من بالد المسلمين، وما عاد يرى إال عند قليل من المتمسكين بشريعة اهلل. وعند‬
‫بعض من تمسكوا به بدأ بعض النساء بالتساهل في الحجاب وإظهار بعض المفاتن كاليدين والوجه‬
 ‫والساعدين والقدمين والساقين. بل ولقد تعدى األمر إلى أن بعض اللواتي يكشفن وجوههن يزدن‬
                                                   ‫فوق كشفه وضع المساحيق التي تسمى بالماكياج.‬
     ‫وثاني سمات الهوية التي فقدت: الحياء، وسل كذلك عن هذه السمة الرئيسة للهوية اإلسالمية‬
         ‫للمرأة ليأتيك الجواب: رحم اهلل الحياء، فقد كان خير خصال المرأة المسلمة بعد اإليمان.‬
‫إي واهلل، لقد مات الحياء عند كثير من النساء اليوم. وإن أردت البينة فقل لي بربك: أي حياء عند‬
   ‫امرأة تخرج لألسواق تزاحم الرجال في مجامعهم، تتكلم مع هذا وتضحك مع ذاك. تصافح هذا‬
                                                                                                            ‫وتخلو بذاك.‬
   ‫ويقال لك بعد هذا كله: إن الحياء ليس في حجاب أو غيره فقط، إنما الحياء في القلب، والقلوب‬
      ‫نظيفة فال تظنن أن الشيطان يوسوس لهذا أو تلك بأي خاطر سوء، كال فالقلوب نقية طاهرة‬
                                                                                          ‫خاصة في عصرنا هذا!!!‬
    ‫عباد اهلل يقول تعالى: يا ِ َاء َّ ِ ّ لَسْت َّ كَأَحدٍ ّنَ ال ّ َاء ِنِ َّقَيْ ُن فَالَ تَخْ َعْ َ بِالْقَوْل فَ َطْ َ َ‬
    ‫ِ ي مع‬                ‫ضن‬               ‫نس النبى ُن َ م نس إ ات ت َّ‬
        ‫هِية ل‬                  ‫م ر ا َ َ َ ف بي ت ُن و َر ن َر‬                              ‫َّذ ف ب َرض َق َ‬
       ‫ال ِى ِى قَلْ ِهِ م َ ٌ و ُلْن قَوْالً َّعْ ُوفً وقرْن ِى ُ ُو ِك َّ َالَ تَب َّجْ َ تَب ُّجَ الْجَا ِل َّ ِ االْوَى‬
 ‫[األحزاب:72-22]. هذا عباد اهلل يقال لنساء النبي ، ألمهات المؤمنين!! يقال أيها المسلم لعائشة‬
  ‫الصديقة بنت الصديق ولحفصة بنت عمر بن الخطاب وألم سلمة ولميمونة ولزينب بنت جحش‬
                                                          ‫ا‬
                                                 ‫وبقية أمهات المؤمنين رضي اهلل عنهن جميعً وأرضاهن.‬
  ‫تنهى أمهات المؤمنين عن الخضوع في القول بأمر من اهلل ثم يرى بعض الناس في هذا العصر‬
                                                     ‫ا‬
    ‫أن هذا ال بأس به ما دام القلب نظيفً والنفس طاهرة - زعموا -. أيها المغرور أطهر القلوب‬
                  ‫إطالقاً هي قلوب أصحاب محمد ورضي اهلل عنهم بشهادة اهلل لهم وبشهادة النبي .‬
   ‫يا من يدعي جواز ذلك إذا كانت القلوب طاهرة كما يزعم يقول : ((ال يخلون رجل بامرأة وال‬
        ‫تسافرن امرأة إال ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول اهلل اكتتبت في غزوة كذا وكذا،‬
 ‫وخرجت امرأتي حاجة قال: اذهب فحج مع امرأتك)) [رواه البخاري]. ويقول فيما رواه الترمذي‬
           ‫من حديث عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه: ((أال ال يخلون رجل بامرأة إال كان ثالثهما‬
‫الشيطان)) ويقول كما عند البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد: ((ما تركت بعدي فتنة أضر‬
                                             ‫على الرجال من النساء)) فياليت شعري أي عصر يراد بهذا.‬
‫ولو قلت أن ما يحدث من هذه األمور هو أمر منكر، وال يجوز فأنت متهم بأنك سيء الظن أسود‬
                                                                                       ‫القلب مدخول النية والطوية.‬
                ‫أيها المؤمنون، كالمنا عن الحياء كسمة من سمات الهوية اإلسالمية للمرأة المسلمة.‬
     ‫أيها العقالء إنها عملية اغتيال لشخصية المرأة المسلمة وهوية المرأة المسلمة عن طريق قتل‬
                                                                                                          ‫الحياء عندها.‬
‫واعلموا رحمكم اهلل أن المرأة إذا فقدت حياءها فقدت الكثير بعد ذلك. وصدق رسول اهلل في قوله:‬
     ‫((إن مما أدرك الناس من كالم النبوة األولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) [رواه البخاري].‬
  ‫إخوة العقيدة، هذه بعض جوانب الهوية اإلسالمية التي فقدت من حيث المظهر والمخبر، فتعالوا‬
   ‫بنا إخوتي لننظر في مجال آخر من مجاالت هويتنا التي فقدت أال وهو مجال الفكر أو المجال‬
                                                    ‫ا غر‬
    ‫الفكري. لقد حوربت الهوية أيضً و ُ ّبت من قبل أعداء اإلسالم وظهرت آثار فقد الهوية في‬
     ‫أفكار ومناهج تنادي بالتقريب بين األديان وحوار األديان وخصوصاً األديان الثالثة: اإلسالم‬
 ‫والنصرانية واليهودية. أقيمت مؤتمرات للتقريب بين التوحيد والشرك، للتقريب بين من يقول: ال‬
    ‫ُ ه الله َد الله الص َد َ‬
  ‫إله إال اهلل، ومن يقول: إن اهلل ثالث ثالثة، للتقريب بين من يقول: قلْ ُوَ َّ ُ أَح ٌ َّ ُ َّم ُ لمْ‬
                                                                               ‫يِ وَ ي َ‬
  ‫َلدْ َلمْ ُولدْ [اإلخالص:5-2]. ومن يقول: المسيح ابن اهلل، وعزير ابن اهلل. تلك هي أفكار قوم‬
                                                                  ‫فقدوا هويتهم وباعوا دينهم.‬
    ‫ومن هذا الباب أيضا ظهرت أفكار تنادي بتبني الحضارة الغربية واآلراء الغربية والنظريات‬
‫الغربية وأخذها كاملة كما هي بعجرها وبجرها، وحلوها ومرها، حتى نصل -كما يزعمون- إلى‬
  ‫ما وصل إليه القوم من التقدم والرقي، نادى بذلك -إخوة اإليمان- أقوام ينتسبون إلى هذا الدين،‬
‫يطالبون األمة أن تنصهر في بوتقة غربية لتخرج بعد ذلك وقد فقدت دينها وهويتها وأخالقها وكل‬
                       ‫ً‬
 ‫ما تتميز به. هكذا يريدون لهذه األمة أن تكون أمة بال هوية وتلبس ثوبا غير ثوبها وتتزيى بغير‬
                                                                                       ‫زيها.‬
                                                                            ‫وما الذي حدث؟‬
   ‫حاول بعضهم فعل ذلك ولم يحصلوا على التقدم وال النهضة المزعومة وفقدوا هويتهم فلم يبقوا‬
     ‫على هويتهم وال حصلوا على مطلوبهم فكانوا كالمنبت ال أرضاً قطع وال ظهراً أبقى، وكان‬
                                                                              ‫الضياع والتيه.‬
                                          ‫ال‬
    ‫يقول أحد رجاالت هذه الدعوة وتلك األفكار مسج ً تراجعه واعترافه بفساد هذه الدعوة وتلك‬
                                     ‫ا‬
‫األفكار، وهو محمد حسين هيكل : ولقد خيل إلي زمنً -كما ال يزال يخيل إلى أصحابي- أن نقل‬
‫حياة الغرب العقلية والروحية، سبيلنا إلى هذا النهوض… ولكنني أدركت بعد ألي أنني أضع البذر‬
           ‫و‬
  ‫في غير منبته، فإذا األرض تهضمه ثم ال تتمخض عنه، وال تبعث الحياة فيه… ور ّأت، فرأيت‬
                                       ‫أن تاريخنا اإلسالمي وحده، هو البذر الذي ينبت ويثمر.‬
‫وحوربت الهوية كذلك بحرب اللغة العربية، ونادى أقوام باستخدام اللهجات العامية في كل مجال،‬
                                 ‫وهجر اللغة العربية لتفقد األمة صلتها بالقرآن ويزداد تمزقها.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
    ‫أمة اإلسالم: قد كانت تلك بعض معالم فقدان الهوية عند فئة من هذه األمة. وإننا إذ نذكر هذه‬
 ‫المعالم لتلك الفئة لنعلم علم اليقين أن ذلك كائن وحاصل في هذه األمة ال محالة وذلك قبل ظهور‬
                                     ‫هذه المعالم، فقد أخبرنا بذلك رسول اهلل أتدرون كيف هذا؟‬
     ‫روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه عن النبي‬
                     ‫ا‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعً بذراع حتى لو دخلوا‬
  ‫جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول اهلل اليهود والنصارى؟ قال فمن)) وفي رواية للبخاري ((ال‬
     ‫تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع فقيل: يا رسول اهلل‬
                                                ‫كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إال أولئك)).‬
  ‫ا‬
  ‫هذا الحديث أيها المؤمنون ينبئنا عن فقد هذه الفئة لهويتها اإلسالمية. ولقد حدث كما نرى جميعً‬
                                                ‫ا‬
   ‫ما أخبر به المصطفى وظهر واضحاً جليً وجود أمتين في أمة، ومجتمعين مختلفين في مجتمع‬
‫واحد، أحدهما متمسك بشريعة اهلل وسنة المصطفى ، واآلخر تخلى عن هويته وبحث عن غيرها.‬
     ‫ولكن … ليس يصح أن نقول: إن هذا أمر قد قدره اهلل على هذه األمة وكتبه عليها ثم نستسلم‬
  ‫ونخضع للواقع، كال .. بل الواجب علينا أن نسعى إلصالح حالنا والنصح إلخواننا الذين ضلوا‬
   ‫الطريق. ليس صحيحاً أن يهتم المسلم بإصالح نفسه فقط دون إصالح من حوله من أفراد أمته‬
                                                 ‫ء‬                                     ‫ء‬
‫بد ً بأهل بيته ثم جيرانه وأهل حيه وانتها ً بإخوانه المسلمين في أقاصي هذه المعمورة ما استطاع‬
                                     ‫ي ّف الله س ِال و عه‬                             ‫ً‬
                      ‫إلى ذلك سبيالً سالكا في ذلك طريق الَ ُكَل ُ َّ ُ نَفْ ًا إ َّ ُسْ َ َا [البقرة:617].‬
                                                                                    ‫ا‬
     ‫إننا جميعً يا أفراد هذه األمة نتحمل المسئولية أمام اهلل جل وعال مسئولية اإلصالح، وإال فإن‬
     ‫و ك م ُ ُمة‬                          ‫ً‬
     ‫مغبة هذا البعد عن المنهج الرباني الرشيد ستقع علينا جميعا يقول جل وعال: َلْتَ ُن ّنْكمْ أ َّ ٌ‬
                        ‫ع م َر وأ ئ ُم م ح‬                                ‫ْ وي مر ن م ر ف وي‬                        ‫َ ع إل‬
                 ‫يدْ ُونَ َِى الْخَيرِ َ َأْ ُ ُو َ بِالْ َعْ ُو ِ َ َنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْك ِ َُوْلَ ِكَ ه ُ الْ ُفْلِ ُونَ [آل‬
   ‫عمران:405]. فأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر واجب شرعي ال نعذر بتركه. يقول تعالى:‬
  ‫ْ إ َّ ل ال ّم ج م ُ‬                      ‫سِف‬           ‫ع‬         ‫ن م ُر ن م ل ُ أ ل ب ِي ي‬
‫فَلَوْالَ كَا َ ِنَ الْق ُو ِ ِن قَبِْكمْ ُوُْواْ َق َّةٍ َنْهَوْنَ َنِ الْفَ َاد ِى األرضِ ِال قَِي ً م َّنْ أَن َيْنَا ِنْهمْ‬
              ‫أ ْ ِف ف و ن م ْرم وم َ َب لي ل ُر ظ ْم و ل‬                                               ‫َات َّذ ن م‬
           ‫و َّبَعَ ال ِي َ ظَلَ ُواْ مَا ُتر ُواْ ِيهِ َكَا ُواْ ُج ِ ِينَ َ َا كَان ر ُّكَ ِ ُهِْكَ الْق َى بِ ُل ٍ َأَهُْهَا‬
                                                                              ‫م ح‬
 ‫ُصْلِ ُونَ [هود:655-255]. فما دام في األمة مصلحون فهم صمام األمان لها من نزول العذاب‬
‫العام، وأما إذا كنا صالحين في أنفسنا فقط دون إصالح فإن األمر كما قال لعائشة رضي اهلل عنها‬
 ‫لما قالت: يا رسول اهلل إن اهلل إذا أنزل سطوته بأهل األرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهالكهم؟‬
‫فقال: ((يا عائشة إن اهلل إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، فيصابون معهم ثم يبعثون‬
                                                                        ‫على نياتهم و أعمالهم)) [رواه ابن حبان].‬
    ‫وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل : ((يغزو جيش‬
       ‫الكعبة فإذا كانوا ببيداء من األرض يخسف بأولهم وآخرهم)) قالت: قلت يا رسول اهلل كيف‬
  ‫يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: ((يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون‬
                                          ‫على نياتهم)). فإما اإلصالح وإما العذاب العام عافانا اهلل وإياكم.‬
       ‫ه َّ َ َ رس له‬
       ‫ولكن لنعلم عباد اهلل أن النصر من عند اهلل قادم ال محالة قال تعالى: ُوَ الذِى أرْسلَ َ ُوَ ُ‬
                                  ‫ُد ود ن ق لي ِ ه عل د كله و َ م ْرك‬
‫بِالْه َى َ ِي ِ الْحَ ّ ِ ُظْهرَ ُ ََى ال ّينِ ُّ ِ َلَوْ كرِهَ الْ ُش ِ ُونَ [الصف:4]. واعلموا أن هذا معلوم‬
                                                                                            ‫حتى لدى أعداء هذا الدين.‬
‫واسمع إلى ما ذكره األستاذ يوسف العظم قال: لقي وزير الحرب اليهودي موشي دايان في إحدى‬
                                                                  ‫ً‬     ‫ً‬
‫جوالته شابا مؤمنا في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث‬
 ‫يهودي، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال: أنتم أعداء أمتنا تحتلون أرضنا وتسلبون‬
  ‫حريتنا، ولكن يوم الخالص منكم البد آت بإذن اهلل، لتتحقق نبوءة الرسول : ((لتقاتلن اليهود أنتم‬
‫شرقي النهر وهم غربيه))، فابتسم دايان الماكر وقال: حقاً سيأتي يوم نخرج فيه من هذه األرض،‬
               ‫ال‬                                          ‫ال‬
 ‫وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أص ً.. ولكن متى؟. ثم استطرد اليهودي الخبيث قائ ً: إذا قام فيكم‬
‫شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه ويقدر قيمه الحضارية.. وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر‬
                                         ‫لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل.‬
                             ‫فهذا اليهودي أيها المؤمنون يشير إلى استعادة الهوية التي فقدناها.‬
  ‫اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا ووالة أمورنا واجعل اللهم واليتنا فيمن خافك واتقاك واتبع‬
  ‫رضاك يا أرحم الراحمين. اللهم وأبرم لهذه األمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل‬
    ‫معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم رحمة من عندك اهد بها قلوبنا،‬
                                                                         ‫ل‬
                                           ‫واجمع بها شملنا، وُم بها شعثنا ورد بها الفتن عنا.‬

‫(5/0245)‬




                                                                                 ‫قدوات األمة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                       ‫تراجم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                         ‫جدة‬
                                                                          ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نبذة عن الحسن البصري. 7- الحسن البصري العالم العامل. 2- خوف الحسن وخشيته. 4-‬
‫تواضع الحسن. 1- وفاة الحسن وبعض ما قال العلماء فيه. 6- أزمة األمة اليوم هي قلة القدوات‬
                                                                       ‫الصالحة وكثرة الغثاء.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
   ‫معاشر المسلمين إن النظر في سيرة العظماء يثير في النفس كوامن محبة التشبه بهم واالقتداء‬
‫بسيرتهم. ولقد ذكر اهلل لنا في كتابه سير من سبقنا منهم لنهتدي بهديهم ونقتدي بسيرتهم، فكم ذكر‬
    ‫اهلل في كتابه من سيرة نبي كريم وقوم صالحين تسلية لنبيه وللمؤمنين وتربية لنا جميعاً لنتشبه‬
         ‫ً‬    ‫ا‬
      ‫بالقوم ونخطو على خطاهم. وهذه األمة عباد اهلل تملك من رجالها ونسائها رصيدً ضخما قد‬
     ‫امتألت به كتب السير. ولكن أين الذين يقرؤون؟ وإذا وجدنا الذين يقرؤون فأين الذين يقتدون‬
                    ‫ويعملون؟ واليوم إخوة اإليمان نتحدث عن سيد من سادات التابعين وكلهم سادة..‬
                              ‫من تلق منهم تقل القيت سيدهم ……مثل النجوم التي يهتدي بها الساري‬
‫اليوم معاشر المؤمنين نقف مع رجل منهم قال عنه اإلمام الذهبي رحمه اهلل: "كان سيد أهل زمانه‬
                                                                                              ‫ال‬    ‫ا‬
                                                                    ‫علمً وعم ً" فمن هو هذا الجبل يا ترى؟‬
        ‫ا‬
 ‫إنه الحسن البصري رحمه اهلل. كنيته أبو سعيد. واسمه الحسن بن يسار. كان أبوه عبدً من سبي‬
 ‫ميسان بالعراق. وكان أبوه مولى لزيد بن ثابت األنصاري رضي اهلل عنه. فأبوه عبد من العبيد،‬
  ‫واالبن سيد من سادات التابعين. إنه دين اهلل ، كتاب اهلل ، سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم،‬
       ‫ذلك الذي يرفع اهلل به مكانة الرجل أو يضعها. تلك هي المعايير التي كان يقيس بها أسالفنا‬
        ‫َ ْ الله َّذ ن من م ك‬
      ‫رحمهم اهلل. ال النسب وال الحسب وال المال وال الجاه. إنه الدين يرفَعِ َّ ُ ال ِي َ ءا َ ُواْ ِن ُمْ‬
                                                                                     ‫و َّذ أ ت ع ْم َ ج‬
                                                                   ‫َال ِينَ ُو ُواْ الْ ِل َ درَ َاتٍ [المجادلة:55].‬
                                                                         ‫فمن هو الحسن البصري؟ وما شأنه؟‬
      ‫ا‬
      ‫لنرجع إخوتي إلى كلمة اإلمام الذهبي رحمه اهلل في الحسن وقوله "كان سيد أهل زمانه علمً‬
‫ا‬                                                                                     ‫ال‬
‫وعم ً" ونتأمل قليالً لنعلم أن سيادة الحسن رحمه اهلل لم تكن بسبب علمه فقط. بل ألنه كان عالمً‬
‫عامالً لقد كانت حياته تطبيقاً عملياً لما يقول وينصح به الناس. إن الذي رفع قدر الحسن هو عمله‬
                                                                                          ‫بعلمه وليس علمه فقط.‬
‫عد‬             ‫ُ‬      ‫عل‬           ‫َيه َّذ ن من ِ ق ل ن م‬
‫لقد علم سلفنا الصالح وفقهوا قوله تعالى: ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ لمَ تَ ُوُو َ َا الَ تَفْ َُونَ كَبرَ مَقْتاً ِن َ‬
        ‫ال‬                                                       ‫عل‬           ‫الل أ ق ل م‬
    ‫َّهِ َن تَ ُوُواْ َا الَ تَفْ َُونَ [الصف:7-2]. قال الذهبي عنه: كان كثير الجهاد وكان رج ً تام‬
                                                                          ‫ا‬
                                              ‫الشكل مليح الصورة بهيً، وكان من الشجعان الموصوفين.‬
                                                  ‫ً‬
‫إذاً فإن الحسن رحمه اهلل لم يكن عالماً مدرسا فقط، بل كان مقاتالً شجاعاً، وتلك منقبة من مناقبه.‬
        ‫قال جعفر بن سليمان: كان الحسن من أشد الناس، وكان المهلب إذا قاتل المشركين يقدمه.‬
 ‫ولما جمع هذه الصفات كان أقرب الناس شبهاً بالصحابة رضي اهلل عنهم، فعن أبي بردة قال: ما‬
                                               ‫رأيت أحداً أشبه بأصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم منه.‬
‫وأما عن خوفه من اهلل وتقواه فقال عنه مطر الوراق: لما ظهر الحسن، جاء كأنما كان في اآلخرة‬
             ‫ا‬
‫فهو يخبر عما عاين. وقال إبراهيم بن عيسى البشكري: ما رأيت أحداً أطول حزنً من الحسن، ما‬
 ‫رأيته إال حسبته حديث عهد بمصيبة. وقال عنه كذلك علقم بن مرشد: وأما الحسن فما رأينا أحدً‬
 ‫ا‬
                                                                                           ‫ا‬
                                                      ‫أطول حزنً منه ما كنا نراه إال حديث عهد بمصيبة.‬
‫وتأمل أيها الموحد ما وصفه به هؤالء الذي رأوه، ثم اسمع إلى بعض كالمه لتعلم أن الرجل كان‬
  ‫يعيش ما يقوله للناس وينصحهم به، ولم تكن كلماته مجرد كلمات جوفاء. كان الحسن رحمه اهلل‬
 ‫يقول: نضحك وال ندري لعل اهلل اطلع على بعض أعمالنا وقال: ال أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن‬
                                         ‫ا‬
‫آدم هل بمحاربة اهلل ـ قوةـ واهلل لقد رأيت أقوامً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت‬
                                 ‫ا‬                                ‫ا‬
 ‫قدميه. ولقد رأيت أقوامً يمسي أحدهم وال يجد عنده إال قوتً، فيقول: ال أجعل هذا كله في بطني‬
                                        ‫فيتصدق ببعضه، ولعله أجوع إليه ممن يتصدق به عليه.‬
    ‫وكذلك من أقواله رحمه اهلل أنه قال: يا ابن آدم، واهلل إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في‬
                               ‫الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.‬
 ‫هذا عباد اهلل هو قوله، وذاك الذي سبق ذكره عنه حاله وعمله، فانظروا رحمني اهلل وإياكم كيف‬
                                                                           ‫تطابق القول والعمل.‬
      ‫ولقد كان رحمه اهلل رجالً مهيباً يهابه من رآه وجالسه، قال أيوب السخيتاني رحمه اهلل: كان‬
      ‫الرجل يجلس إلى الحسن ثالث حجج ـ يعني ثالث سنين ـ ما يسأله عن المسألة هيبة له.‬
 ‫أما حاله مع الدنيا متمثلة في المال فكان يقول: واهلل ما أعز أحد الدرهم إال أذله اهلل. وقال بعض‬
         ‫السلف: سمعت الحسن يقول: بئس الرفيقان: الدينار و الدرهم، ال ينفعانك حتى يفارقاك.‬
  ‫عباد اهلل، وهذا هو الفقه والعقل والنظر السليم، فالمال ال ينفع اإلنسان إال إذا فارقه فذهب في يد‬
   ‫فقير محتاج ال يجد ما يسد به رمقه ورمق عياله، أو ما ذهب ليد صاحب عيال يسكن في بيت‬
   ‫مستأجر ال يجد قيمة اإليجار يهدده صاحب البيت في كل حين بالطرد والسجن، أو ما ذهب ليد‬
  ‫مدين معسر قد أثقلت الديون كاهله ال يستطيع سداد ما عليه، فال يدري أين يذهب. أو لبناء بيت‬
     ‫من بيوت اهلل. أو كفالة طالب علم يطلب علم الشريعة ويصبح من علماء األمة، فينفع اهلل به‬
   ‫الكثير ويهدي على يديه الكثير، أو لكفالة مدرس تحفيظ وحافظ للقرآن، أو لكفالة داعية إلى اهلل‬
 ‫يسيح في بالد اهلل الواسعة يدعو إلى اهلل ويبلغ دينه، فذلك المال أيها المؤمنون الذي ينفع صاحبه.‬
                       ‫وما سوى ذلك فيموت صاحبه ويخلفه لورثة اهلل أعلم بما هم فيه عاملون.‬
                                                         ‫ا‬
 ‫وكان الحسن رحمه اهلل فصيحً. قال أبو عمرو بن العالء: ما رأيت أفصح من الحسن والحجاج.‬
   ‫وأما عن تواضعه رحمه اهلل: قال إياس بن أبي تميمة شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على‬
   ‫بغلة، والفرزدق إلى جنبه على بعير فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس يقولون: خير الناس،‬
   ‫وشر الناس، قال: يا أبا فراس كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني، وكم من شيخ مشرك‬
     ‫ا‬
    ‫أنت خير منه، ما أعددتَ للموت؟ قال: شهادة أن ال إله إال اهلل. قال الحسن: إن معها شروطً،‬
                                   ‫فإياك وقذف المحصنة. قال الفرزدق: هل من توبة؟ قال: نعم.‬
‫فانظر رحمك اهلل كيف بين رحمه اهلل للفرزدق الشاعر الذي ظن أن الناس إذا رأوه بجانب الحسن‬
‫فسوف يقولون هذا شر الناس -يعني الفرزدق- وهذا خير الناس -يعني الحسن-، فبين له الحسن‬
                                            ‫أنه ال يعلم من هو خير الناس من شر الناس إال اهلل.‬
                                     ‫ا‬
 ‫ولقد كان الحسن رحمه اهلل تسيل الحكمة من فمه سيالنً. وقد كان إذا ذكر الحسن عند أبي جعفر‬
                                                ‫الباقر يقول: ذاك الذي يشبه كالمه كالم األنبياء.‬
                                                                       ‫ومن أقواله رحمه اهلل:‬
                                          ‫ـ ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك.‬
                                                 ‫ا‬
                                                ‫ـ فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحً.‬
                                                             ‫ـ ضحك المؤمن غفلة من قلبه.‬
  ‫موته رحمه اهلل: لما مات الحسن رحمه اهلل جاء رجل إلى محمد بن سيرين فقال: مات الحسن،‬
‫فترحم عليه محمد، وتغير لونه وتوقف عن الكالم، فما تكلم حتى غربت الشمس. قال الذهبي: وما‬
  ‫عاش ابن سيرين بعد الحسن إال مائة يوم. قال الذهبي مات أول رجب وكانت جنازته مشهودة،‬
 ‫صلوا عليه عقيب الجمعة فشيعه الخلق وازدحموا عليه حتى إن صالة العصر لم تقم في الجامع.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى اهلل وسلم على نبيه الداعي إلى‬
                                                        ‫رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.‬
                                                                                       ‫وبعد:‬
        ‫أيها الموحدون: هذه سيرة رجل من رجاالت هذه األمة وما أكثرهم، وإمام من أئمتها وما‬
                        ‫ا‬
   ‫أعظمهم. جبل من جبالها، ومنارة من مناراتها أضاءت به الدنيا حينً، وارتوت من معين علمه‬
   ‫وخلقه ودينه. فلله كم لهذه األمة من قمم شامخة فأين المقتدون؟ وهلل كم لهذه األمة من منارات‬
                                                                        ‫هدى فأين المهتدون؟‬
 ‫لكن البالء معاشر المؤمنين أننا ما عدنا نعرف القدوة الصالحة من القدوة السيئة، وما عدنا نفرق‬
                                                                       ‫بين البطولة والبطالة.‬
‫إننا اليوم عباد اهلل نعيش أزمة قدوات، لكنها واهلل أزمة مفتعلة، ننظر إلى قدوات ما هي إال سراب‬
                                           ‫ا‬
    ‫بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئً. أما القدوات الحقيقية التي تستحق النظر‬
 ‫والتأسي فهي حبيسة التعتيم والتجهيل. وأما تلك القدوات السيئة فإنها تفرض على هذه األمة على‬
       ‫أنها القدوة التي تستحق التقدير واإلجالل من فنان أو العب كرة أو مغن، وهكذا من قائمة‬
                                                 ‫الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.‬
    ‫نعم، تلك هي قدوات شبابنا اليوم، وليت األمر وقف عند قائمة من المسلمين بل لقد تعدى ذلك‬
                                                    ‫لتصبح القدوة من بالد الكفرة أعداء الدين.‬
     ‫لماذا أيها المسلمون يعرف اليوم شبابنا الكثير عن سيرة العبي الكرة من المسلمين وغيرهم،‬
     ‫والكثير عن سيرة من يسمون بالفنانين من المسلمين وغيرهم، والكثير عن سيرة المغنين من‬
     ‫المسلمين وغيرهم، يحدث ذلك بينما تراهم يجهلون الكثير من رجاالت هذه األمة من العلماء‬
 ‫العاملين والدعاة الناصحين، بل ومن الصحابة والتابعين، يجهلون سيرتهم وبطوالتهم، وما قدموه‬
 ‫لهذا الدين من تضحيات، بل ويجهلون أسماء الكثير منهم. إن هذا الفصام النكد الذي تعيشه األمة‬
  ‫بين ماضيها وحاضرها، وبين رجال األمس ورجال اليوم، سبب كبير ضمن أسباب أخرى أدت‬
                                   ‫إلى ضعف األمة اإلسالمية، وضياع مجدها وعزها السابق.‬

‫(5/5245)‬




                                                                                   ‫قصة الهجرة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                  ‫السيرة النبوية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                               ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                            ‫جدة‬
                                                                            ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- الهجرة النبوية نقطة تحول في حياة األمة المسلمة. 7- قصة وأحداث الهجرة . 2- دروس‬
                                                                      ‫دعوية من قصة الهجرة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫ثم أما بعد:‬
    ‫عباد اهلل: هاهي األيام تنقضي، واألعوام تنصرم، واألعمار تنقص، واألجل يقترب، فباألمس‬
                                                               ‫ا‬
  ‫القريب كنا نستقبل عاماً جديدً واليوم نودعه، قدمنا فيه ما قدمنا من األعمال واألقوال وامتألت‬
                                                           ‫الصحائف بما كتبه الكرام الكاتبون.‬
 ‫وهانحن اليوم بخروج عام ودخول عام نتذكر والذكرى تنفع المؤمنين. هذه الحدث العظيمة التي‬
‫جرى عليها التأريخ الهجري، أال وهي هجرة المصطفى صلى اهلل عليه وسلم وخروجه من بلد اهلل‬
  ‫الحرام إلى طيبة الطيبة. ذلك االنتقال الذي غير مجرى التاريخ وحول شأن العالم من شأن إلى‬
   ‫ا‬
   ‫شأن.. وما أدراك ما ذاك التحول؟.. سمو بعد انحطاط، ورفعة بعد هبوط، وعزة بعد ذل، عزً‬
                                  ‫أعز اهلل به أمة اإلسالم، وذالً أذل اهلل به أمة الكفر واإللحاد.‬
      ‫ونحن اليوم ونحن نعيش وضعاً ال نحسد عليه بحاجة إلى الوقوف مع هذه المناسبة وأمثالها‬
         ‫ا‬
‫لنستلهم الدروس والعبر من هذه المناسبة ونستفيد منها في حياتنا العملية التطبيقية دروسً تعود بنا‬
                               ‫ا‬
 ‫إلى عز سابق ومجد دارس قد فقدناه في حاضرنا وتخبطنا كثيرً نبحث عنه وهو بين أيدينا وأمام‬
                                                                                         ‫أعيننا.‬
    ‫أيها الموحدون: لقد غفلت األمة غفلة عظيمة عندما توجهت إلى كل حدب وصوب تبحث عن‬
       ‫العزة والمجد والرفعة والسؤدد، وأبعدت تبحث عن ذلك كله في غير نبعها الرباني الصافي‬
 ‫ومنهلها النبوي األصيل القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد نبهنا عليه الصالة والسالم وبين لنا أننا‬
  ‫إن تمسكنا بهذين األصلين الكريمين العظيمين فلن نضل أبداً فقال صلى اهلل عليه وسلم: ((تركت‬
                           ‫فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب اهلل وسنتي)) [رواه مالك].‬
  ‫ولما ولت هذه األمة وجهها قبل المشرق والمغرب إال قلة قليلة ما زالت متمسكة بالكتاب والسنة‬
    ‫وهلل الحمد تقول بهما وتدعو إليهما، أقول لما ولى أولئك وجوههم قبل المشرق والمغرب تاهوا‬
                                                                      ‫وضلوا واستضعفوا وذلوا.‬
                                                                        ‫ا‬
   ‫ونحن اليوم وقوفً منا على وصية رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بالتمسك بالكتاب والسنة نقف‬
                                                ‫ا‬
 ‫وقفة تأمل مع حادثة الهجرة لنستفيد منها عبرً وعظات لعل اهلل أن ينفع بها هذه األمة ويرفع بها‬
                                                                                      ‫هذه الذلة.‬
‫عباد اهلل: لقد مكث صلى اهلل عليه وسلم يدعو أهل مكة إلى التوحيد ثالث عشرة سنة يدعوهم إليها‬
                                                                ‫ً‬           ‫ً‬
‫ليالً ونهارا سراً وجهارا فما استجاب من القوم إال القليل حتى حاول الخروج بدعوته وخرج عليه‬
    ‫الصالة والسالم فعالً إلى الطائف في محاولة لنشر الدعوة لكن أهل الطائف خذلوه وردوه ولم‬
      ‫يقبلوا منه بل سلطوا عليه سفهاءهم يرمونه عليه الصالة والسالم بالحجارة حتى أدموا قدميه‬
   ‫الشريفتين، فعاد إلى مكة حزيناً منكسر البال ثم جاء األمر بعد بالهجرة إلى طيبة الطيبة، وأخذ‬
  ‫معه رفيقه وصاحبه أبا بكر الصديق رضي اهلل عنه وأرضاه، وكان أبو بكر قد استعد لذلك ولما‬
  ‫علم بأن الرسول سيأخذه معه في رحلة الهجرة بكى رضي اهلل عنه من شدة الفرح حتى تقول أم‬
                                   ‫ا‬
  ‫المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها: ما كنت أعرف أن أحدً يبكي من الفرح حتى رأيت أبي يبكي،‬
      ‫عندما أخبره رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بأنه سيكون رفيقه في هجرته. وخرج الرفيقان‬
    ‫واختبئا في الغار ثالثة أيام حتى يهدأ الطلب والبحث عنهما وكانت قريش تحاول منع الرسول‬
                                       ‫ال‬
                                      ‫صلى اهلل عليه وسلم من الهجرة ولكن كان أمر اهلل مفعو ً.‬
                                    ‫د‬
     ‫وخرج الكفار يبحثون عن الرجلين وحاولوا وبحثوا وج ّوا حتى وقفوا على رأس الغار الذي‬
 ‫يختبئ فيه الرسول صلى اهلل عليه وسلم وأبو بكر حتى خاف أبو بكر رضي اهلل عنه، ولكنه كان‬
  ‫يخاف على رسول اهلل ال على نفسه حتى قال: (واهلل يا رسول اهلل لو أن أحدهم نظر إلى موضع‬
 ‫قدمه لرآنا)، فيقول الرسول صلى اهلل عليه وسلم ألبي بكر: ((يا أبا بكر ال تحزن إن اهلل معنا، يا‬
     ‫أبا بكر ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما)) ثم يعود الكفار أدراجهم ويضعوا جائزة عظيمة لمن يأتي‬
                                               ‫ا‬       ‫ا‬
  ‫برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حيً أو ميتً. ويخرج الناس يبحثون وبالفعل يلحق به سراقة بن‬
‫مالك ويقترب منه لكن قوائم فرسه تسيخ في الرمال ثم يحاول مرة أخرى ثم يحاول مرة ثالثة فال‬
‫يستطيع الوصول إليه، يقول سراقة رضي اهلل عنه فعلمت أنه ممنوع مني أي محفوظ بحفظ اهلل ال‬
 ‫يستطيع الوصول إليه. ثم يعده رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بسواري كسرى إن هو عاد وكتم‬
                                                                                                                   ‫األمر.‬
 ‫ويعود سراقة ويكمل الرسول مسيرته إلى طيبة ويصل هناك ليستقبله المسلمون بحفاوة وترحيب‬
   ‫وفرح وحب، وليؤسس صلى اهلل عليه وسلم دولة اإلسالم ويعز اهلل دينه ويعلي كلمته ولو كره‬
                                                                                    ‫الكافرون ولو كره المشركون.‬
‫هذه أيها المؤمنون هي قصة تلك الرحلة العظيمة رحلة الهجرة. رحلة االنتقال من بلد الشرك إلى‬
     ‫بلد اإلسالم. رحلة خروج الداعية من بلده إلى أرض اهلل الواسعة ليمارس شعائر دينه وينشر‬
     ‫دعوته على الناس فيعم الخير. رحلة المفارقة لقوم السوء الذين ال ينشرون الخير وال يعينون‬
                                                                                                                    ‫عليه.‬
                                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد. والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                                     ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                                                    ‫وبعد:‬
                               ‫ا‬           ‫ا‬
‫أيها الموحدون: ومن قصة الهجرة نستفيد دروسً كثيرة وعبرً عظيمة نذكر بعضها ونسأل اهلل أن‬
                                                                                    ‫ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع.‬
   ‫أولها: أن المسلم مأمور بعبادة اهلل وأداء ما عليه مما افترضه اهلل عليه، فلو فرض أنه منع من‬
 ‫ذلك في مكان ما وجب عليه الخروج منه إلى أرض اهلل الواسعة ليعبد ربه وال حجة له في البقاء‬
  ‫في بالد ال يستطيع أن يعبد اهلل فيها. ولو كانت بلده الذي ولد فيه، ولو كان أهله في هذه البالد،‬
     ‫َف هم م ئ ة لم‬                      ‫ِن َّذ‬
    ‫واهلل عز وجل يقول في كتابه الكريم مبيناً أن هؤالء قد فرطوا إ َّ ال ِينَ تَو َّا ُ ُ الْ َلَ ِكَ ُ ظَاِ ِى‬
     ‫َ ك ْض الله سعة ت ِر‬                                 ‫ْ ِ‬    ‫ف َف‬          ‫ك ُ ْ ل ُن م‬                  ‫فس ِ ْ ل‬
  ‫أَن ُ ِهم قَاُواْ فِيمَ ُنتم قَاُواْ ك َّا ُسْتَضْعَ ِين ِى األرض قَالْواْ أَلمْ تَ ُنْ أَر ُ َّ ِ وا ِ َ ً فَ ُهَاج ُواْ‬
                                                                        ‫م‬     ‫ف ه أ ك و ُ جه َّم وس‬
                                                     ‫ِي َا فَُوْلَئِ َ مَأْ َاهمْ َ َن ُ َ َاءتْ َصِيراً [النساء:24].‬
‫واستثنى اهلل عز وجل الذين ال يستطيعون الخروج من النساء واألطفال فقال: إ َّ الْ ُسْتَضْ َ ِي َ ِ َ‬
‫عف ن من‬          ‫ِال م‬
     ‫عس الله أ ي ف ع ُ‬                 ‫ي ط ع ح ة و ي َد ن سب ً أ‬                                ‫رج ل و نس و و‬
   ‫ال ّ َا ِ َال ّ َاء َالْ ِلْدانِ الَ َسْتَ ِي ُونَ ِيلَ ً َالَ َهْت ُو َ َ ِيال فَُوْلَئِكَ َ َى َّ ُ َن َعْ ُوَ َنْهمْ‬
                                                                                           ‫و الله فو ف‬
                                                                       ‫َكَانَ َّ ُ عَ ُ ّاً غَ ُوراً [النساء:14-44].‬
‫وهاهو رسول اهلل يخرج من بلده مكة وهو يحبها وهي أحب البالد إلى اهلل، فعن عبد اهلل بن عدي‬
   ‫بن حمراء رضي اهلل عنه قال رأيت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم واقفاً على الحزورة فقال:‬
 ‫((واهلل إنك لخير أرض اهلل وأحب أرض اهلل إلى اهلل ولوال أني أخرجت منك ما خرجت)) [رواه‬
                                                                                               ‫الترمذي وابن ماجه].‬
   ‫ثاني هذه الدروس: ثقة المؤمن باهلل عند الشدائد. فلقد وقف الكفار عند الغار الذي كان الرسول‬
 ‫يختبئ فيه مع أبي بكر رضي اهلل عنه ومع ذلك لم تتزعزع ثقة رسول اهلل في ربه وأنه سيحميه‬
 ‫من أعدائه وسينصره عليهم. في ذلك الموقف الذي خاف فيه الصديق رضي اهلل عنه بقي رسول‬
                                                                      ‫ا‬
   ‫اهلل رابط الجأش واثقً بربه. إنه اليقين الذي نحتاجه اليوم لنجتاز الكثير من المصاعب والمحن‬
                                              ‫التي نمر بها ويظن الكثير منا أال أمل في الخالص منها.‬
      ‫ثالثها: حفظ اهلل لرسوله ونصرته لدينه وإعالء كلمته مع محاولة الكفار قتله ومنع الدين من‬
  ‫االنتشار. لقد حاول أعداء اإلسالم كما ترون منذ بدء دعوة هذا الدين منعه وحربه، بل وحاولوا‬
                                                  ‫ا‬
    ‫قتل الداعية األول محمد ، ولكن أراد اهلل شيئً وأراد أعداؤه شيئاً، وتمت مشيئة اهلل والكافرون‬
  ‫كارهون. وهذا ما يحدث اليوم ويتكرر مع المسلمين، حيث يحاول أعداء هذا الدين القضاء على‬
    ‫اإلسالم وقتل المسلمين أو إخراجهم من دينهم ويبذلون الجهود وينفقون األموال ولكن كما قال‬
                                                      ‫ُم ك ن ع ِ ح ْ ة ُم ي ب‬                         ‫سي فق‬
                                     ‫تعالى: فَ َ ُن ِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْهمْ َسرَ ً ث َّ ُغْلَ ُونَ [األنفال:62].‬
     ‫رابعها: حب أبي بكر للرسول صلى اهلل عليه وسلم. فقد ورد في روايات الهجرة أن أبا بكر‬
     ‫الصديق رضي اهلل عنه كان يمشي تارة أمام الرسول وتارة خلفه وتارة عن يمينه وتارة عن‬
                                                                    ‫ا‬
‫شماله، كل ذلك خوفً من أن يأتيه مكروه سواء من أمامه أو من خلفه أو عن يمينه أو عن شماله.‬
 ‫يفديه بنفسه رضي اهلل عنه وأرضاه. وهكذا كان بقية أصحاب رسول اهلل ، كانوا يفدونه بأموالهم‬
                                                                                                 ‫وأبنائهم وأنفسهم.‬
‫ولكن الحب األعظم الذي كان الصحابة يمارسونه هو متابعته فيما يأمرهم به والمبادرة إلى طاعته‬
   ‫ا‬
   ‫وعدم تقديم أي أمر على أمره مهما كان هذا األمر. وتلك هي المحبة الحقيقية يقول تعالى آمرً‬
             ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ِ ُ ذن بك‬
       ‫نبيه أن يقول ألصحابه: قلْ ِن ُنتمْ ُح ُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ [آل‬
  ‫عمران:52]. فمن ادعى المحبة فليثبت هذه الدعوى بدليلها، وإال فالكل يدعي محبة رسول اهلل .‬

‫(5/7245)‬




                                                                                            ‫ال تقنط من رحمة اهلل‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                                ‫التوبة‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                               ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                   ‫جدة‬
                                                                                                   ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- كل بني آدم خطاء. 7- الشيطان يريدنا إن نكون أسرى خطايانا. 2- رحمة اهلل أكبر من‬
 ‫ذنوبنا. 4- دعوة القرآن المتكررة للعصاة إلى التوبة. 1- فرح اهلل بتوبة عبده العاصي إذا تاب.‬
                                                                         ‫6- معاودة الذنب ال تحجب عن التوبة.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                 ‫أما بعد:‬
     ‫أيها الموحدون يحيط بابن آدم أعداء كثر من شياطين اإلنس والجن. يحسنون القبيح ويقبحون‬
 ‫الحسن، ينضم إليهم النفس األمارة بالسوء والشيطان والهوى يدعونه إلى الشهوات ويقودونه إلى‬
         ‫مهاوي الردى وينحدر في موبقات الذنوب صغائرها وكبائرها وينساق في مغريات الحياة‬
 ‫وداعيات الهوى، يصاحب ذلك ضيق وحرج وشعور بالذنب والخطيئة حتى تكاد أن تنغلق أمامه‬
    ‫أبواب األمل ويدخل في دائرة اليأس من روح اهلل والقنوط من رحمة اهلل. وهذا غاية ما يريده‬
 ‫الشيطان من العبد... وهو أن يصل إلى هذه المرحلة من اليأس. فيترك التوبة واألعمال الصالحة‬
                                     ‫ا‬
‫وينغمس في الذنوب والمعاصي ألنه يرى نفسه مجرمً ال يصلح للخير وليس من أهله، يرى نفسه‬
                                                                                         ‫ً‬
                                 ‫مخادعا ال يتوب توبة صادقة فيفرح الشيطان بذلك ويشعر بلذة النصر.‬
  ‫لكن أخي المؤمن اعلم وفقني اهلل وإياك لكل خير أن اهلل العليم الحكيم الرؤوف الرحيم الذي يعلم‬
‫من خلق وهو اللطيف الخبير فتح لعباده أبواب التوبة ودلهم على االستغفار وجعل لهم من أعمالهم‬
 ‫َالله ُر د أ‬
‫الصالحة كفارات وفي ابتالئهم مكفرات بل إنه بفضله وكرمه يبدل سيئاتهم حسنات: و َّ ُ ي ِي ُ َن‬
  ‫أ م ل م ال ظ ا ُر د الله أ ي ّ ع ُ وخ ق‬                               ‫يت ع ُ وير د َّذ ن َتبع الش‬
  ‫َ ُوبَ َلَيْكمْ َ ُ ِي ُ ال ِي َ يَّ ِ ُونَ َّهَواتِ َن تَ ِيُواْ َيْ ً عَ ِيمً ي ِي ُ َّ ُ َن ُخَففَ َنْكمْ َ ُلِ َ‬
                                                                                                     ‫إل ن ضع‬
                                                                                 ‫ا ِنسَا ُ َ ِيفاً [النساء:27-17].‬
 ‫فلماذا أيها االخوة نجعل للشيطان بعد ذلك علينا سبي ً؟ لقد جعل اهلل في التوبة مالذً مكينً وملجً‬
 ‫أ‬     ‫ا‬     ‫ا‬                             ‫ال‬
  ‫حصيناً يدخله المذنب معترفاً بذنبه مؤمالً في ربه نادماً على فعله غير مصر على ذنبه. يحتمي‬
                             ‫بحمى االستغفار، يتبع السيئة الحسنة فيكفر اهلل عنه سيئاته ويرفع درجاته.‬
       ‫ُ ع ِ َّذ ن‬
       ‫فيامن وقعت في الذنوب صغيرها وكبيرها عظيمها وحقيرها نداء اهلل لك: قلْ يا ِبَادىَ ال ِي َ‬
   ‫ط م ر م الل ِن الل ي فر الذن جم ِنه هو ف ر الر م‬                                                   ‫ْ َف عل فس ِ‬
   ‫أَسر ُواْ ََى أَن ُ ِهمْ الَ تَقْنَ ُواْ ِن َّحْ َةِ َّهِ إ َّ َّهَ َغْ ِ ُ ُّ ُوبَ َ ِيعاً إ َّ ُ ُ َ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ‬
                                        ‫ي فر الذن جم ا‬
‫[الزمر:21]. هل تأملت قوله تعالى: َغْ ِ ُ ُّ ُوبَ َ ِيعً إنه تعميم لجميع الذنوب بال استثناء، ولو‬
 ‫كانت تلك الذنوب كلها كبائر من حيث النوع ولو مألت عنان السماء وبلغت عدد رمال الدنيا من‬
                                                                 ‫جم‬
‫حيث الكم هذا معنى َ ِيعاً فكيف يتسلل اليأس بعد هذه اآلية إلى نفس مؤمن قد أسرف على نفسه‬
             ‫في المعاصي يتلو هذه اآلية ويسمع أحاديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في التوبة.‬
 ‫ق لَّذ ن‬
 ‫عباد اهلل: التوبة الصادقة تمحو الخطايا مهما كانت حتى الكفر والشرك ... يقول تعالى: ُل ِل ِي َ‬
                                                                ‫ر إ ي ه ي َ ه م َ سَ‬
     ‫كَفَ ُواْ ِن َنتَ ُواْ ُغْفرْ لَ ُمْ َّا قدْ َلفَ [األنفال:12]. وتأمل إلى قتلة األنبياء ممن قالوا: إن اهلل‬
                ‫ا‬
‫ثالث ثالثة، وقالوا: إن اهلل هو المسيح ابن مريم، تعالى اهلل عما يقولون علواً كبيرً. ناداهم اهلل جل‬
                               ‫َ يت ب إل الله وي فر ه َالله ف ٌ رح م‬
      ‫وعال بقوله: أفَالَ َ ُو ُونَ َِى َّ ِ َ َسْتَغْ ِ ُونَ ُ و َّ ُ غَ ُور َّ ِي ٌ [المائدة:42]. وإلى أصحاب‬
‫األخدود الذين قتلوا عباد اهلل المؤمنين بغير ذنب إال أنهم آمنوا باهلل ربهم، ينبههم اهلل عز وجل إلى‬
    ‫ُم َ يت ب ْ فل ُ‬           ‫ِن َّذ َ ن م من ن و م م‬
  ‫أنهم لو تابوا لتاب عليهم وقبلهم قال تعالى: إ َّ ال ِين فَتَ ُواْ الْ ُؤْ ِ ِي َ َالْ ُؤْ ِنَاتِ ث َّ لمْ َ ُو ُوا ََهمْ‬
                                                               ‫َ ب جه َّم و ه َ ب َر‬
 ‫عذَا ُ َ َن َ َلَ ُمْ عذَا ُ الْح ِيقِ [البروج:05]. قال الحسن البصري في هذه اآلية: (قتلوا أولياءه‬
                                                                                       ‫وهو يعرض عليهم التوبة).‬
       ‫إخوة اإليمان: فتح ربنا أبوابه لكل التائبين، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده‬
   ‫بالنهار ليتوب مسيء الليل. وقال في الحديث القدسي: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار،‬
   ‫وم ي َ س أ‬                                                          ‫ا‬
 ‫وأنا أغفر الذنوب جميعً، فاستغفروني أغفر لكم)) [رواه مسلم]. وقال تعالى: َ َن َعْملْ ُوءاً َوْ‬
               ‫ً‬                                ‫ِ سه ُم ي ِ الل ي ِ الل ف ً رح‬
‫يَظْلمْ نَفْ َ ُ ث َّ َسْتَغْفرِ َّهَ َجدِ َّهَ غَ ُورا َّ ِيماً [النساء:055]. ومن ظن أن ذنبا ال يتسع له عفو‬
                         ‫فمن‬
 ‫اهلل فقد ظن بربه ظن السوء. كم من عبد كان من إخوان الشياطين َّ اهلل عليه بتوبة محت عنه‬
                                                               ‫ا اَ‬
                ‫ما سلف فصار صواماً قوامً قانتً هلل ساجداً وقائماً يحذر اآلخرة ويرجو رحمة ربه.‬
     ‫أيها المؤمنون: من تدنس بشيء من قذر المعاصي ـ وكلنا ذاك الرجل ـ فليبادر بغسله بماء‬
   ‫التوبة واالستغفار فإن اهلل يحب التوابين ويحب المتطهرين بل قد ورد في الحديث أن اهلل يفرح‬
‫كثيراً بتوبة العبد وتأمل ما رواه مسلم من حديث البراء بن عازب رضي اهلل عنه قال: قال رسول‬
  ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر‬
  ‫ليس بها طعام وال شراب وعليها له طعام وشراب، فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة‬
 ‫فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به. قلنا: شديداً يا رسول اهلل، فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
  ‫أما واهلل هلل أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته)) اهلل أكبر رب يفرح هذا الفرح بتوبة عبد‬
                            ‫فما أرحمه من رب وما أعظمه وما أحلمه!. فماذا يريد العاصي بعد ذلك؟!‬
   ‫أيها العاصي: ماذا تراك فعلت؟؟ سرقت.. زنيت.. قتلت.. أم أكلت الربا.. والرشوة.. أم فعلت‬
             ‫و مت وسع ُل‬
       ‫وفعلت..، كل ذلك يصغر في جنب رحمة اهلل، أليس اهلل قد قال: َرَحْ َ ِى َ ِ َتْ ك َّ شَىْء‬
                                             ‫ً‬                 ‫ا‬
                     ‫[األعراف:165]. أوليست ذنوبك شيئً؟! بلى واهلل.. إذا فأبشر فرحمة اهلل تسعها.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وكفى، وصالة وسالماً على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ممن وفى، ومن اتبع‬
                                                                                     ‫هداهم واستن بسنتهم واقتفى.‬
                                                                                                                  ‫وبعد:‬
  ‫عباد اهلل: إن الشيطان ليفرح ويحس بالنصر على من يئس من نفسه أن يتوب وترك التوبة، إنه‬
                               ‫ا‬              ‫ا‬
                 ‫خطأ عظيم يرتكبه العبد عندما يترك التوبة يأسً من نفسه وقنوطً من رحمة اهلل.‬
  ‫إنه الشيطان الذي يجعل المذنب يشعر بأنه رجل غير صالح وأنه صاحب معاصي، وهذا خطأ،‬
     ‫ألننا جميعاً أصحاب معاصي قال صلى اهلل عليه وسلم: ((كل بني آدم خطاء وخير الخطائين‬
                                                         ‫التوابون)) [رواه الترمذي وابن ماجه].‬
                 ‫فهل يخرج من هذا العموم أحد؟؟ كال.. فكلنا ذوو خطأ، وعلينا جميعاً أن نتوب.‬
     ‫إخوة اإليمان: إن من أسباب قنوط بعض الناس من رحمة اهلل - هداهم اهلل - أنهم يتوبون ثم‬
‫يقعون ثم يتوبون ثم يقعون مرة أخرى، ويتكرر ذلك عليهم حتى يرى الواحد منهم أنه غير صادق‬
                                                      ‫في توبته، وأن توبته غير مقبولة عند اهلل.‬
    ‫والحق أن هذه الخواطر إنما يلقيها الشيطان في روح العبد حتى إذا وقع في ذنب ال يتوب منه‬
            ‫ا‬
    ‫وهذا ما يريده عدو اهلل. ألن توبة العاصي بعد ذنبه تذهب تعب الشيطان هباء منثورً، فهو ال‬
                   ‫يريدك أن تتوب، ولذلك يبث اليأس في نفس ذلك العبد. وتأمل هذين الحديثين.‬
       ‫أولهما: عن أبي هريرة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم فيما يحكي، عن ربه عز وجل قال:‬
   ‫((أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم! اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أنه له‬
                                                                                      ‫ا‬
‫ربً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى:‬
                                                           ‫ا‬                ‫ا‬
 ‫عبدي أذنب ذنبً، فعلم أنه له ربً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر‬
                               ‫ا‬                ‫ا‬
‫لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبً، فعلم أنه له ربً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل‬
                                                      ‫ما شئت فقد غفرت لك)) [رواه الشيخان].‬
‫وثانيهما: عن عقبة بن عامر الجهني أن رجالً أتى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال: يا رسول‬
 ‫اهلل، أحدنا يذنب. قال: ((يكتب عليه)). قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: ((يغفر له ويتاب عليه.‬
                                                        ‫وال يمل اهلل حتى تملوا)) [رواه الحاكم].‬
‫فإياك إذاً أن تيأس من رحمة اهلل وتقع في ما هو أكبر من ذنبك. فاليأس من رحمة اهلل والقنوط من‬
‫رحمته كفر ال يجوز لمؤمن الوقوع فيه. فالمستفيد الوحيد من هذا اليأس هو الشيطان الرجيم حيث‬
                                                               ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫يكسب إلى صفه فردً جديدً يريحه من عناء إغوائه ودفعه إلى الوقوع في المنكرات، فإن اليائس‬
 ‫ال يحتاج إلى كبير جهد ليقع فيما حرم اهلل حيث أنه يرى أنه ال خالص له من النار، ولذلك فعليه‬
                           ‫ا‬
 ‫أن يتمتع كما يظن في هذه الدنيا بكل أنواع الملذات ولو كانت حرامً. وهو ال يدري أنه ال يزداد‬
                                                            ‫بذلك إال شقاء في الدنيا قبل اآلخرة.‬
   ‫يقول ابن القيم رحمه اهلل: (العبد ال يريد بمعصيته مخالفة سيده وال الجرأة على محارمه، ولكن‬
    ‫غلبات الطبع، وتزيين النفس والشيطان، وقهر الهوى، والثقة بالعفو، ورجاء المغفرة، هذا من‬
   ‫جانب العبد. وأما من جانب الربوبية فجريان الحكم، وإظهار عز الربوبية وذل العبودية وكمال‬
     ‫ا‬
    ‫االحتياج، وظهور آثار األسماء الحسنى كالعفو والغفور والتواب والحليم، لمن جاء تائباً نادمً،‬
‫والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر ولزم المعرة. فهو سبحانه يريد أن يري عبده تفرده‬
 ‫بالكمال، ونقص العبد وحاجته إليه. ويشهده كمال قدرته وعزته، وكمال مغفرته وعفوه ورحمته،‬
 ‫وكمال بره وستره، وحلمه وتجاوزه وصفحه، وأن رحمته به إحسان إليه ال معاوضة، وأنه إن لم‬
‫يتغمده برحمته وفضله فهو هالك ال محالة. فلله كم في تقدير الذنب من حكمة، وكم فيه مع تحقيق‬
                                                     ‫التوبة للعبد من مصلحة ورحمة) ا.هـ.‬

‫(5/2245)‬




                                                            ‫ما ورد اللعن عليه من المعاصي‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                           ‫الكبائر والمعاصي, اللباس والزينة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                        ‫جدة‬
                                                                        ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- معنى الكبائر والصغائر. 7- معنى اللعن. 2- القرآن يلعن أصحاب المعاصي. 4- لعن‬
                                                             ‫بعض العصاة في السنة النبوية.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
‫فإن أصدق الحديث كتاب اهلل وخير الهدي، هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها وكل محدثة بدعة‬
                                                     ‫وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                                                                                 ‫ثم أما بعد:‬
 ‫فقد قسم العلماء الذنوب إلى صغائر وكبائر، والفرق بين الصغائر والكبائر أن الكبائر ورد عليها‬
   ‫التهديد بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب, كما أن الكبائر ال يكفرها إال التوبة وال تكفرها مجرد‬
 ‫األعمال الصالحة كما هو الحال مع الصغائر، فقد ورد أن الصغائر تكفرها الصالة إلى الصالة،‬
   ‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((الصلوات الخمس،‬
  ‫والجمعة إلى الجمعة و رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) [رواه مسلم‬
                                                                                                  ‫وغيره].‬
     ‫ثم اعلم أخي المسلم وفقك اهلل أن اللعن الذي ذكر على بعض الذنوب في القرآن أو في السنة‬
                                                              ‫يجعل هذه الذنوب تعد من كبائر الذنوب.‬
‫واللعن هو: الطرد واإلبعاد عن رحمة اهلل. وال يكون ذلك إال هلل وحده، فهو حقه سبحانه أن يطرد‬
      ‫من يشاء من رحمته أو يدخل من يشاء في رحمته، وال يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولكنه‬
                                            ‫سبحانه لم يلعن إال من يستحق اللعن والطرد من رحمته.‬
 ‫وقد لعن اهلل في كتابه بعض مرتكبي المعاصي فمن ذلك مثالً قوله تعالى فيمن قتل مؤمناً متعمدً‬
 ‫ا‬
                                          ‫ظ‬          ‫و ض الله ع ه و ع ه و َد ه َ‬
 ‫بغير حق: َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَاباً عَ ِيماً [النساء:24]. وقال تعالى في الظالمين:‬
   ‫ِن الل ع ك ِر ن وَ َد ل ُ‬                                                        ‫ل ة الل عل الظ لم‬
 ‫َّعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [األعراف:44]. وقال تعالى في الكافرين: إ َّ َّهَ لَ َنَ الْ َاف ِي َ َأع َّ َهمْ‬
                                                                                                  ‫س‬
                                                            ‫َعِيراً [األحزاب:46]. وغيرها من اآليات.‬
      ‫وأما في السنة المطهرة فقد ورد اللعن لكثير من المعاصي التي تعد من كبائر الذنوب، فلعن‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أصحابها ليعلم هؤالء قبح ما عملوا وشناعة ما صنعوا حتى يرجع‬
        ‫أصحاب تلك المعاصي إلى اهلل ويتوبوا إليه قبل أن يريد أحدهم التوبة فال يتمكن من ذلك.‬
  ‫وأذكر لكم جملة من األحاديث الواردة في اللعن على بعض الذنوب أي لعن مرتكبيها وهي كما‬
                                                       ‫أشرنا تعد من كبائر الذنوب ويجب التوبة منها.‬
                                                                                   ‫ال‬
‫أو ً: لعن زائرات القبور من النساء، فعن ابن عباس رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم: "لعن زائرات القبور" وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم: "لعن‬
                                                                                         ‫زوارات القبور".‬
  ‫وزيارة القبور اليوم عند كثير من النساء على أنها من المنكرات فإنه يحصل فيها من المنكرات‬
       ‫التي تضاف إلى نفس الزيارة الشيء الكثير. فمن ذلك مثالً دعاء صاحب القبر وطلب الولد‬
      ‫والرزق، والطواف والذبح وغير ذلك كثير واهلل المستعان. وكل تلك األمور التي ذكرت من‬
                                                                                       ‫الشرك باهلل تعالى.‬
                                                                                      ‫ا‬
 ‫ثانيً: لعن المتخذين القبور مساجد، فقد لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المتخذين على القبور‬
‫المساجد، وقد تواتر عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة‬
      ‫وزيد بن ثابت وأبي عبيدة ابن الجراح وأسامة بن زيد. ومعنى اتخاذ القبور مساجد له ثالثة‬
                                                                                                    ‫أشكال:‬
                                                         ‫5- الصالة على القبور بمعنى السجود عليها.‬
                                                         ‫7- السجود إليها واستقبالها بالصالة والدعاء.‬
                                                           ‫2- بناء المساجد عليها وقصد الصالة فيها.‬
 ‫وهذه األمور كلها محرمة بل هي من كبائر الذنوب، وأهلها قد وصفهم رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
  ‫وسلم بأنهم شرار الخلق كما في حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل صلى‬
      ‫اهلل عليه وسلم يقول: ((إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور‬
                                                                                      ‫مساجد)).‬
     ‫وانظر اليوم إلى كثير من بلدان العالم اإلسالمي، كم من المساجد قد بنيت على قبر. وكم من‬
        ‫المساجد دفن فيها أموات. وأدى هذا إلى عودة المظاهر الشركية التي حذر منها رسولنا .‬
                                                                                ‫ا‬
‫ثالثً: كذلك ورد لعن من ذبح لغير اهلل، فعن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه قال حدثني رسول‬
‫اهلل بكلمات أربع وذكر منها: ((ولعن اهلل من ذبح لغير اهلل)) [رواه مسلم]. وكم من المسلمين اليوم‬
 ‫يذبحون لألموات. وكم منهم يذبحون للجن بأمر السحرة الذين يذهبون إليهم. فيقول الساحر: اذبح‬
                                                                                            ‫ا‬
  ‫تيسً وال تسم اهلل عليه، أو اذبح ديكاً لونه كذا وال تسم اهلل عليه. وهذا أيها الموحدون ذبح للجن.‬
                                                                                ‫ا‬
   ‫رابعً: ورد لعن من لعن والديه، ففي حديث علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه: ((لعن اهلل من‬
 ‫لعن والديه)) وقد تعجب أصحاب الفطر السليمة أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ورضي‬
‫اهلل عنهم تعجبوا وقالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ واستنكروا هذا أشد االستنكار فبين لهم رسول‬
      ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن الرجل قد يكون سبباً في لعن والديه فقال عليه الصالة والسالم:‬
      ‫((يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه)) فيكون بذلك متسبباً في لعن والديه فهو‬
                                                                                        ‫ملعون.‬
   ‫وأما نحن فنقول كيف لو رأى أصحاب رسول اهلل صلى عليه وسلم كيف لو رأوا بعض الناس‬
                         ‫اليوم ممن يلعنون والديهم ويسبونهم مباشرة ماذا تراهم كانوا سيقولون؟!‬
‫عباد اهلل: لقد وجد بعض الناس في أيامنا هذه ممن يسبون والديهم بل وربما سمع البعض منا عمن‬
                                                                 ‫ضرب والديه نسأل اهلل العافية.‬
 ‫وليبشر هؤالء بالجزاء من لدن رب العالمين الذي ال يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات وال في‬
     ‫األرض. وذلك أن رسول اهلل قد أخبر أن عقوبة العقوق ال تؤجل ليوم القيامة، بل إنها عقوبة‬
              ‫ا‬
‫تعجل لصاحبها في الدنيا قبل أن يلقى اهلل، ثم إذا كان يوم القيامة لقي جزاءه أيضً، فعن أبي بكرة‬
‫قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل اهلل تعالى لصاحبه العقوبة‬
                ‫في الدنيا مع ما يدخر له في اآلخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)) [رواه أبو داود].‬
                                                                                ‫ا‬
‫خامسً: لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، فعن ابن عباس رضي‬
 ‫اهلل عنهما قال: ((لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات‬
                                                          ‫من النساء بالرجال)) [رواه البخاري].‬
   ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: ((لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الرجل يلبس لبسة‬
  ‫المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)) وجاء في بعض الروايات تسمية المتشبه من الرجال بالنساء‬
‫بـ(المخنث) فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: ((لعن النبي صلى اهلل عليه وسلم المخنثين من‬
                         ‫الرجال والمترجالت من النساء. وقال: أخرجوهم من بيوتكم...)) الحديث.‬
  ‫وتأمل أخي الكريم وفقك اهلل حال األمة أجمع في أيامنا هذه وما وصل إليه الكثير من شبابنا في‬
‫تشبههم بالنساء، فلبس بعضهم لبسة النساء، ومشى بعضهم مشية النساء، بل ووجد من الشباب من‬
                                                            ‫ا‬
         ‫يضع المساحيق على وجهه تمامً مثل النساء. وكذلك وجد من يهتم بشعره كاهتمام النساء‬
‫بشعورهن، فأصبح شعره هو شغله الشاغل، ينام وهو يصففه، ويصحو ليصففه. وحدث كذلك عن‬
           ‫ال‬
‫النساء وال حرج. فقد تشبه الكثير من نساء المسلمين بالرجال في لبسهن، وتأمل مث ً مدى انتشار‬
                                    ‫ال‬
 ‫لبس ما يسمى بـ (البنطلون أو البنطال) الذي هو أص ً من لبس الرجال، مع انتشار الفتوى من‬
‫العلماء بعدم جواز لبسه للنساء ألنه تشبه بالرجال، ولكن ال حياة لمن تنادي. وتأمل كذلك ما يفعله‬
      ‫كثير من النساء بشعورهن، فقد قامت كثير من النساء بقص شعرها مثل الرجال وإزالة تلك‬
‫الخصيصة التي خصها بها اهلل وفرق بها بينها وبين الرجال. ولكن ال الرجال رضوا بما قسم اهلل‬
                                             ‫لهم، وال النساء رضين بما قسم اهلل لهن، واهلل المستعان.‬
                                                                                                   ‫أما بعد:‬
‫فإن أصدق الحديث كتاب اهلل وخير الهدي، هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها وكل محدثة بدعة‬
                                                               ‫وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                                                                                                ‫ثم أما بعد:‬
 ‫فقد قسم العلماء الذنوب إلى صغائر وكبائر، والفرق بين الصغائر والكبائر أن الكبائر ورد عليها‬
   ‫التهديد بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب, كما أن الكبائر ال يكفرها إال التوبة وال تكفرها مجرد‬
 ‫األعمال الصالحة كما هو الحال مع الصغائر، فقد ورد أن الصغائر تكفرها الصالة إلى الصالة،‬
   ‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((الصلوات الخمس،‬
 ‫والجمعة إلى الجمعة و رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) [رواه مسلم‬
                                                                                                  ‫وغيره].‬
     ‫ثم اعلم أخي المسلم وفقك اهلل أن اللعن الذي ذكر على بعض الذنوب في القرآن أو في السنة‬
                                                              ‫يجعل هذه الذنوب تعد من كبائر الذنوب.‬
‫واللعن هو: الطرد واإلبعاد عن رحمة اهلل. وال يكون ذلك إال هلل وحده، فهو حقه سبحانه أن يطرد‬
      ‫من يشاء من رحمته أو يدخل من يشاء في رحمته، وال يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولكنه‬
                                            ‫سبحانه لم يلعن إال من يستحق اللعن والطرد من رحمته.‬
 ‫وقد لعن اهلل في كتابه بعض مرتكبي المعاصي فمن ذلك مثالً قوله تعالى فيمن قتل مؤمناً متعمدً‬
 ‫ا‬
                                          ‫ظ‬          ‫و ض الله ع ه و ع ه و َد ه َ‬
 ‫بغير حق: َغَ ِبَ َّ ُ َلَيْ ِ َلَ َنَ ُ َأَع َّ لَ ُ عذَاباً عَ ِيماً [النساء:24]. وقال تعالى في الظالمين:‬
   ‫ِن الل ع ك ِر ن وَ َد ل ُ‬                                                        ‫ل ة الل عل الظ لم‬
 ‫َّعْنَ ُ َّهِ ََى َّاِ ِينَ [األعراف:44]. وقال تعالى في الكافرين: إ َّ َّهَ لَ َنَ الْ َاف ِي َ َأع َّ َهمْ‬
                                                                                                  ‫س‬
                                                            ‫َعِيراً [األحزاب:46]. وغيرها من اآليات.‬
      ‫وأما في السنة المطهرة فقد ورد اللعن لكثير من المعاصي التي تعد من كبائر الذنوب، فلعن‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أصحابها ليعلم هؤالء قبح ما عملوا وشناعة ما صنعوا حتى يرجع‬
        ‫أصحاب تلك المعاصي إلى اهلل ويتوبوا إليه قبل أن يريد أحدهم التوبة فال يتمكن من ذلك.‬
  ‫وأذكر لكم جملة من األحاديث الواردة في اللعن على بعض الذنوب أي لعن مرتكبيها وهي كما‬
                                                 ‫أشرنا تعد من كبائر الذنوب ويجب التوبة منها.‬
                                                                                   ‫ال‬
‫أو ً: لعن زائرات القبور من النساء، فعن ابن عباس رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم: "لعن زائرات القبور" وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم: "لعن‬
                                                                               ‫زوارات القبور".‬
  ‫وزيارة القبور اليوم عند كثير من النساء على أنها من المنكرات فإنه يحصل فيها من المنكرات‬
      ‫التي تضاف إلى نفس الزيارة الشيء الكثير. فمن ذلك مثالً دعاء صاحب القبر وطلب الولد‬
     ‫والرزق، والطواف والذبح وغير ذلك كثير واهلل المستعان. وكل تلك األمور التي ذكرت من‬
                                                                              ‫الشرك باهلل تعالى.‬
                                                                                      ‫ا‬
 ‫ثانيً: لعن المتخذين القبور مساجد، فقد لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المتخذين على القبور‬
‫المساجد، وقد تواتر عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة‬
      ‫وزيد بن ثابت وأبي عبيدة ابن الجراح وأسامة بن زيد. ومعنى اتخاذ القبور مساجد له ثالثة‬
                                                                                         ‫أشكال:‬
                                                   ‫5- الصالة على القبور بمعنى السجود عليها.‬
                                                   ‫7- السجود إليها واستقبالها بالصالة والدعاء.‬
                                                     ‫2- بناء المساجد عليها وقصد الصالة فيها.‬
 ‫وهذه األمور كلها محرمة بل هي من كبائر الذنوب، وأهلها قد وصفهم رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
  ‫وسلم بأنهم شرار الخلق كما في حديث ابن مسعود رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل صلى‬
      ‫اهلل عليه وسلم يقول: ((إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور‬
                                                                                      ‫مساجد)).‬
     ‫وانظر اليوم إلى كثير من بلدان العالم اإلسالمي، كم من المساجد قد بنيت على قبر. وكم من‬
        ‫المساجد دفن فيها أموات. وأدى هذا إلى عودة المظاهر الشركية التي حذر منها رسولنا .‬
                                                                                ‫ا‬
‫ثالثً: كذلك ورد لعن من ذبح لغير اهلل، فعن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه قال حدثني رسول‬
‫اهلل بكلمات أربع وذكر منها: ((ولعن اهلل من ذبح لغير اهلل)) [رواه مسلم]. وكم من المسلمين اليوم‬
 ‫يذبحون لألموات. وكم منهم يذبحون للجن بأمر السحرة الذين يذهبون إليهم. فيقول الساحر: اذبح‬
                                                                                            ‫ا‬
  ‫تيسً وال تسم اهلل عليه، أو اذبح ديكاً لونه كذا وال تسم اهلل عليه. وهذا أيها الموحدون ذبح للجن.‬
                                                                                ‫ا‬
   ‫رابعً: ورد لعن من لعن والديه، ففي حديث علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه: ((لعن اهلل من‬
‫لعن والديه)) وقد تعجب أصحاب الفطر السليمة أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ورضي‬
‫اهلل عنهم تعجبوا وقالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ واستنكروا هذا أشد االستنكار فبين لهم رسول‬
      ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن الرجل قد يكون سبباً في لعن والديه فقال عليه الصالة والسالم:‬
      ‫((يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه)) فيكون بذلك متسبباً في لعن والديه فهو‬
                                                                                      ‫ملعون.‬
   ‫وأما نحن فنقول كيف لو رأى أصحاب رسول اهلل صلى عليه وسلم كيف لو رأوا بعض الناس‬
                        ‫اليوم ممن يلعنون والديهم ويسبونهم مباشرة ماذا تراهم كانوا سيقولون؟!‬
‫عباد اهلل: لقد وجد بعض الناس في أيامنا هذه ممن يسبون والديهم بل وربما سمع البعض منا عمن‬
                                                               ‫ضرب والديه نسأل اهلل العافية.‬
 ‫وليبشر هؤالء بالجزاء من لدن رب العالمين الذي ال يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات وال في‬
     ‫األرض. وذلك أن رسول اهلل قد أخبر أن عقوبة العقوق ال تؤجل ليوم القيامة، بل إنها عقوبة‬
              ‫ا‬
‫تعجل لصاحبها في الدنيا قبل أن يلقى اهلل، ثم إذا كان يوم القيامة لقي جزاءه أيضً، فعن أبي بكرة‬
‫قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل اهلل تعالى لصاحبه العقوبة‬
                ‫في الدنيا مع ما يدخر له في اآلخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)) [رواه أبو داود].‬
                                                                                ‫ا‬
‫خامسً: لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، فعن ابن عباس رضي‬
 ‫اهلل عنهما قال: ((لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات‬
                                                        ‫من النساء بالرجال)) [رواه البخاري].‬
   ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: ((لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الرجل يلبس لبسة‬
  ‫المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)) وجاء في بعض الروايات تسمية المتشبه من الرجال بالنساء‬
‫بـ(المخنث) فعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: ((لعن النبي صلى اهلل عليه وسلم المخنثين من‬
                     ‫الرجال والمترجالت من النساء. وقال: أخرجوهم من بيوتكم...)) الحديث.‬
  ‫وتأمل أخي الكريم وفقك اهلل حال األمة أجمع في أيامنا هذه وما وصل إليه الكثير من شبابنا في‬
‫تشبههم بالنساء، فلبس بعضهم لبسة النساء، ومشى بعضهم مشية النساء، بل ووجد من الشباب من‬
                                                           ‫ا‬
        ‫يضع المساحيق على وجهه تمامً مثل النساء. وكذلك وجد من يهتم بشعره كاهتمام النساء‬
‫بشعورهن، فأصبح شعره هو شغله الشاغل، ينام وهو يصففه، ويصحو ليصففه. وحدث كذلك عن‬
           ‫ال‬
‫النساء وال حرج. فقد تشبه الكثير من نساء المسلمين بالرجال في لبسهن، وتأمل مث ً مدى انتشار‬
                                    ‫ال‬
 ‫لبس ما يسمى بـ (البنطلون أو البنطال) الذي هو أص ً من لبس الرجال، مع انتشار الفتوى من‬
‫العلماء بعدم جواز لبسه للنساء ألنه تشبه بالرجال، ولكن ال حياة لمن تنادي. وتأمل كذلك ما يفعله‬
      ‫كثير من النساء بشعورهن، فقد قامت كثير من النساء بقص شعرها مثل الرجال وإزالة تلك‬
 ‫الخصيصة التي خصها بها اهلل وفرق بها بينها وبين الرجال. ولكن ال الرجال رضوا بما قسم اهلل‬
                                       ‫لهم، وال النساء رضين بما قسم اهلل لهن، واهلل المستعان.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل على إحسانه. والشكر له على توفيقه وامتنانه. وصلى اهلل وسلم على نبيه الداعي إلى‬
                                                              ‫رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.‬
                                                                                                ‫وبعد:‬
                                          ‫فمما ورد فيه اللعن كذلك من المعاصي عافانا اهلل وإياكم:‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫سادسً: لعن المغيرات لخلق اهلل, ويدخل تحت هذا الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة‬
      ‫والنامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن، والواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر ليبدو‬
                                                                     ‫ال‬
      ‫طويالً أو جمي ً, والمستوصلة التي تطلب من يصل لها شعرها. ويدخل في ذلك لبس الشعر‬
   ‫الصناعي الذي يسمى بـ(الباروكة)، والواشمة هي التي تضع الوشم في يديها أو في وجهها أو‬
     ‫غير ذلك، والوشم هو أن يضرب الجلد بإبرة أو نحوها حتى يخرج الدم ثم يوضع عليه أشياء‬
     ‫تلونه فيبقى وال يزول أبداً إال بعمليات جراحية ويكون على أشكال رسومية أو كتابات معينة.‬
                        ‫ا‬
                       ‫والمستوشمة هي التي تطلب ذلك من غيرها، أي تطلب من يضع لها وشمً.‬
‫والنامصة هي التي تزيل الشعر من وجهها أو تخففه كشعر الحاجبين، وهذا يحدث كثيراً في أيامنا‬
    ‫هذه خصوصاً عند ما يسمى بالكوافيرات. فالفاعالت لهذا ملعونات والتي يفعل لها هذا ملعونة‬
   ‫كذلك بنص األحاديث الواردة عن رسول اهلل، ولو كان ذلك من أجل التزين للزوج، فهو حرام،‬
  ‫وال يجوز فعله، ولتتزين المرأة لزوجها بما هو حالل. والمتنمصة التي تطلب من يفعل لها ذلك.‬
‫والمتفلجات للحسن أي التي تتفلج من أجل الجمال، والتفلج هو جعل فروقات بين األسنان من أجل‬
‫التزين، واسألوا عيادات األسنان عن كثرة ذلك. عن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: (لعن‬
  ‫اهلل الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق اهلل، فبلغ ذلك امرأة‬
  ‫من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: ومالي ال‬
                                                                         ‫ل‬
      ‫ألعن من لعن رسو ُ اهلل صلى اهلل عليه وسلم ومن هو في كتاب اهلل فقالت: لقد قرأت ما بين‬
 ‫ُم الرس ل‬           ‫و‬
 ‫اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟ قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت َمَا ءاتَاك ُ َّ ُو ُ‬
                                                                  ‫ُذ ه وم ه ُ ع ُ ه‬
‫فَخ ُو ُ َ َا نَ َاكمْ َنْه فَانتَ ُواْ [الحشر:2]. قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه قالت: فإني أرى أهلك‬
                                      ‫ر‬
‫يفعلونه!! قال: فاذهبي، فانظري، فذهبت فنظرت، فلم ت َ من حاجتها شيئاً فقال: لو كانت كذلك ما‬
                                                                                             ‫ت‬
                                                                          ‫جامعُها) [رواه البخاري].‬
     ‫أسأل اهلل أن ينفعني وإياكم بما نقول ونسمع وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.‬

‫(5/4245)‬




                                                                 ‫ما ورد فيه اللعن من المعاصي (7)‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                              ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                              ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                ‫جدة‬
                                                                                             ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
‫5- لعن الخمر وأصحابها. 7- تحريم المسكرات. 2-معاصي أخرى ورد اللعن على أصحابها.‬
                                                                       ‫4- حرمة الربا وذكر بعض صوره.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                              ‫وبعد:‬
                                            ‫ا‬
 ‫عباد اهلل: فقد ذكرنا في الخطبة السابقة بعضً من المعاصي التي ورد اللعن على مرتكبيها على‬
  ‫لسان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وقد ذكرنا أن اللعن معناه الطرد واإلبعاد عن رحمة اهلل‬
‫أعاذنا اهلل وإياكم من ذلك. ونتم اليوم بعون اهلل ما بقي مما اخترناه من أحاديث هذا الباب، ونسأل‬
                           ‫اهلل جل وعال أن يجنبنا وإياكم مساخطه ومواقع غضبه إنه سميع مجيب.‬
                                                                                                       ‫ثم أما بعد:‬
  ‫فمما ورد اللعن عليه كذلك.. شرب الخمر، بل إنه قد لعن في الخمر عشرة فعن أنس بن مالك‬
        ‫رضي اهلل عنه قال: ((لعن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها،‬
 ‫ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها،‬
                                                                             ‫والمشتراة له)) [رواه الترمذي].‬
    ‫َي َّذ ن من‬
 ‫والخمر عباد اهلل محرمة في دين اإلسالم بالقرآن والسنة واإلجماع قال تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ آ َ ُواْ‬
        ‫إ َّمَا الْخَم ُ َالْ َيْ ِ ُ َاالْن َا ُ َاالزْالم ِجْ ٌ ّنْ َم ِ َّيْطَان فَاجْتَ ِ ُو ُ لَعَّكمْ ُفِْ ُو َ‬
        ‫نب ه َل ُ ت لح ن‬                  ‫ْر و م سر و ص ب و ْ َ ُ ر س م ع َل الش ِ‬                               ‫ِن‬
                                                                                                     ‫[المائدة:04].‬
   ‫وقد أجمع علماء األمة على تحريم الخمر، وهي أم الخبائث وسبب كثير من المصائب يشربها‬
‫الرجل فيقع على أمه وأخته والعياذ باهلل، ويصبح كالبهيمة بل البهيمة خير منه. ويرتكب الجرائم‬
  ‫والفظائع وهو فاقد العقل. ومع ذلك وقع بعض المسلمين في شربها هداهم اهلل. وكم ضيعت من‬
  ‫شباب، وهدمت من بيوت، وشتت من أسر، وشردت من أطفال، ورملت من نساء. فأين عقول‬
 ‫أولئك الذين يشربونها إن كانت تفقدهم عقولهم بعد شربها، فأين عقولهم قبل شربها، أما رأوا أو‬
    ‫سمعوا ما تفعله بمن يشربها؟ لكن قلة الوازع الديني وضعف اإليمان هو السبب، فإليك يا من‬
    ‫تجرأت على شرب الخمر عقوبة شاربها يوم القيامة مع هذا الخزي الذي يحدث له في الدنيا،‬
‫يقول جابر بن عبد اهلل - رضي اهلل عنه وعن أبيه-: قدم رجل من جيشان، وهي منطقة من اليمن‬
‫فسأل النبي صلى اهلل عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟ فقال النبي‬
     ‫صلى اهلل عليه وسلم: ((أومسكر هو؟)) قال: نعم. قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((كل‬
                                                           ‫ا‬
  ‫مسكر حرام، إن على اهلل عهدً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)). قالوا: يارسول‬
‫اهلل وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار أو عصارة أهل النار)) [رواه مسلم]. وقال صلى اهلل‬
   ‫عليه وسلم: ((ثالثة ال يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى))‬
                                                                               ‫[رواه النسائي].‬
 ‫ومما ورد من سخط على من يشربونها في الدنيا كذلك ما رواه البخاري أن النبي صلى اهلل عليه‬
                                           ‫ر‬
‫وسلم قال: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الح َ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى‬
      ‫ا‬
     ‫جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم ـ يعني الفقير ـ لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدً،‬
                        ‫فيبيتهم اهلل ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)).‬
  ‫واليوم عباد اهلل أصبح بعض المسلمين هداهم اهلل يسمون الخمر المشروبات الروحية وغير ذلك‬
     ‫من األسماء التي يحسنونها بها، وقد أخبر صلى اهلل عليه وسلم بذلك، فعن أبي أمامة الباهلي‬
  ‫رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ال تذهب الليالي واأليام حتى تشرب‬
                                ‫طائفة من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها)) [رواه ابن ماجه].‬
      ‫ا‬
     ‫أال فليعلم المتحايلون على أنفسهم أن تغيير المسميات ال يغير الحقائق، وستبقى الخمر خمرً،‬
                     ‫ال‬                                             ‫ا‬
                    ‫وسيبقى شاربها ملعونً، وله العذاب المذكور في األحاديث ولو سماها عس ً.‬
  ‫ومما ورد عليه اللعن كذلك لعن من أشار إلى أخيه بحديدة، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال‬
   ‫قال أبو القاسم صلى اهلل عليه وسلم: ((من أشار إلى أخيه بحديدة فإن المالئكة تلعنه، حتى وإن‬
                                                           ‫كان أخاه ألبيه وأمه)) [رواه مسلم].‬
    ‫ومما ورد عليه اللعن أكل الربا. فقد لعن رسول اهلل آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال:‬
                                                                                ‫((هم سواء)).‬
 ‫وهذا البالء عباد اهلل قد عم وانتشر التعامل به بين كثير من المسلمين تحايالً حيناً، وصراحة حينً‬
 ‫ا‬
  ‫آخر. وقد ظهرت أنواع من المعامالت كلها ربوية قد أفتى فيها أهل العلم وبينوا أنها من أشكال‬
                                                       ‫ال‬
     ‫الربا إما حيلة أو صراحة.ومن ذلك مث ً ما انتشر في اآلونة األخيرة من أن اإلنسان إذا أراد‬
          ‫ً‬
 ‫شراء شيء ما من بيت أو سيارة أو غير ذلك ذهب إلى تاجر ال يملك هذه السلعة أصال فيشتريها‬
   ‫التاجر كي يبيعها مقسطة بزيادة على سعرها األصلي. وقد أفتى فضيلة الشيخ محمد بن صالح‬
  ‫العثيمين -رحمه اهلل- أكثر من مرة بحرمة هذه المعاملة وأنها ما هي إال حيلة على الربا، وقال‬
‫رحمه اهلل: إن الصورة الصحيحة أن تذهب إلى صاحب السلعة المالك لها فيشتريها منه إما نقداً أو‬
      ‫مقسطة على أقساط شهرية، أما أن يذهب إلى شخص ال يملك السلعة فيشتريها من مالكها ثم‬
  ‫يبيعها لك، فكأنما أعطاك ثمنها واشتريت السلعة ثم قسطت له هذا المال بزيادة، وهذا هو الربا.‬
            ‫وكذلك من صور التعامل بالربا التي فشت وانتشرت استخدام بطاقات سحب األموال أو‬
 ‫المشتروات، ولو لم يكن لصاحبها رصيد على أن يسدد خالل أيام معينة، فإن لم يسدد خالل هذه‬
‫المدة المحددة بدؤوا بحساب زيادة بنسبة معينة عن كل يوم يتأخر فيه عن السداد أو عن كل شهر‬
      ‫مثل ما يسمى ببطاقة الماستر كارد أو الفيزا كارد أو غيرها مما هو مثلها في التعامل، وهذه‬
 ‫بالتحديد قد صدرت فيها فتوى من هيئة كبار العلماء تبين أن هذا ربا، وأنه ال يجوز التعامل بها.‬
 ‫ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن بعض المسلمين هداهم اهلل يتعاملون بهذه البطاقات ويقولون: نحن‬
  ‫نسدد قبل حلول الموعد وال ندفع الزيادة. فنقول لهؤالء وفقهم اهلل للخير: إن مجرد توقيعك على‬
   ‫العقد مع أصحاب هذه البطاقة وموافقتك على شروطها هو رضا منك بالتعامل الربوي، ولو لم‬
                                                 ‫تقع فيه، وهذا محرم، ألنه عقد على معاملة ربوية محرمة.‬
    ‫ومن المعامالت الربوية المنتشرة اليوم استبدال الذهب القديم بذهب جديد مع دفع الفرق. وهذا‬
 ‫غير جائز، وهو من الربا، ألن الذهب من األصناف الربوية التي يجب فيها التساوي عند التبادل‬
 ‫مع القبض في نفس المجلس. وذلك يعني أن تكون الكميتان اللتان يجري فيهما التبادل متساويتان‬
                                                                                         ‫ا‬
   ‫وزنً، وأن يتم التبادل يداً بيد في نفس الوقت، فال يجوز أن يستلم منه الذهب اآلن مثالً ويقول:‬
‫أحضر الذهب بعد ساعة. ودليل ذلك قوله فيما رواه أبو بكرة رضي اهلل عنه قال رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم: ((ال تبيعوا الذهب بالذهب إال سواء بسواء والفضة بالفضة إال سواء بسواء وبيعوا‬
 ‫الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم)) [رواه البخاري]. وعن أبي سعيد الخدري رضي اهلل‬
 ‫عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ال تبيعوا الذهب بالذهب إال مثالً بمثل، وال تشفوا‬
                                     ‫ال‬
    ‫بعضها على بعض، وال تبيعوا الورق بالورق إال مث ً بمثل وال تشفوا بعضها على بعض وال‬
                                                              ‫تبيعوا منها غائباً بناجز)) [رواه البخاري ومسلم].‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                        ‫وبعد:‬
    ‫عباد اهلل: إن الربا من عظائم الذنوب وكبائرها التي توعد اهلل صاحبه أشد الوعيد بل قال شيخ‬
     ‫اإلسالم ابن تيمية: لم يرد تهديد أو وعيد على ذنب أشد مما توعد اهلل به صاحب الربا. يقول‬
     ‫س ك بَنه‬                 ‫يق م َّذ ي َبطه الش ن م‬                    ‫ق م ِال‬                   ‫ر‬       ‫َّذ ن ي كل‬
   ‫تعالى: ال ِي َ َأْ ُُونَ ال ّبَوااْ الَ يَ ُو ُونَ إ َّ كَمَا َ ُو ُ ال ِى َتَخ َّ ُ ُ َّيْطَا ُ ِنَ الْمَ ّ ذَلِ َ ِأ َّ ُمْ‬
                                             ‫ل ِنم ب ع م ْل ر و َل الله ب ح َّ ر‬
   ‫قَاُواْ إ َّ َا الْ َيْ ُ ِث ُ ال ّبَوااْ َأَح َّ َّ ُ الْ َيْعَ وَ َرمَ ال ّبَوااْ [البقرة:127]. وقد توعد اهلل بمحاربة‬
       ‫قى م ر إ ك ُ‬                        ‫َيه َّذ ن من اتق الله َ َر‬
     ‫الذي يتعامل بالربا قال تعالى: ياأُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ َّ ُواْ َّ َ وذ ُواْ مَا بَ ِ َ ِنَ ال ّبَوااْ ِن ُنتمْ‬
‫لم ن وال‬             ‫لك‬        ‫م من َ إ َّ عل ْ ْ ن ح ب م الله َرس له وإ ت ُ ْ ك ْ ر س‬
‫ُّؤْ ِ ِين فَِن لمْ تَفْ َُوا فَأذَ ُواْ بِ َرْ ٍ ّنَ َّ ِ و َ ُوِ ِ َِن ُبتم فَلَ ُم ُءو ُ أَمْواِ ُمْ الَ تَظِْ ُو َ َ َ‬
  ‫ر ل ُ إ ك ُ م ن َاتق ي م‬                             ‫َدق‬         ‫ذ ع ْرة ِرة إل م َ ة و‬                    ‫ت م ن وإ‬
 ‫ُظْلَ ُو َ َِن كَانَ ُو ُس َ ٍ فَنَظ َ ٌ َِى َيْسرَ ٍ َأَن تَص َّ ُواْ خَيْ ٌ َّكمْ ِن ُنتمْ تَعْلَ ُو َ و َّ ُواْ َوْ ًا‬
                                ‫ي م‬           ‫ُ جع ف إل الل ُم ت َف ُل س م سب ه‬
      ‫ترْ َ ُونَ ِيهِ َِى َّهِ ث َّ ُو َّى ك ُّ نَفْ ٍ َّا كَ َ َتْ وَ ُمْ الَ ُظْلَ ُونَ [البقرة:127-517]. وقال‬
   ‫ة َاتق الل َل ُ ت ح ن َاتق الن ر‬                            ‫ع م‬              ‫كل ر‬                   ‫َي َّذ ن من‬
   ‫تعالى: يَاأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ تَأْ ُُواْ ال ّبَا أَضْ َافاً ُّضَاعَفَ ً و َّ ُواْ َّهَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُو َ و َّ ُواْ َّا َ‬
                                                                                             ‫الت أ ِد ل ك ِر‬
                                                                      ‫َّ ِى ُع َّتْ ِلْ َاف ِينَ [آل عمران:025-525].‬
 ‫فتأمل أيها العبد عفا اهلل عنك ما ذكره اهلل من وعيد شديد آلكل الربا يظهر لك قبح هذه المعصية‬
‫وعظيم فحشها وما يترتب عليها من العقوبات، وقد توعد اهلل المتعاملين بهذه المعاملة المحرمة أن‬
‫ال يبارك لهم في أموالهم وأن يمحق بركتها، وقد لمس ذلك واهلل كل من تعامل بالربا، قال تعالى:‬
                                                                ‫َّ َ‬  ‫ي ق الله ْر و ُ ب‬
     ‫َمْحَ ُ َّ ُ ال ّبَوااْ َيرْ ِى الصدقَاتِ [البقرة:627]. وسل المتعاملين بالربا عن بركة المال أين‬
                                                                       ‫ال‬
                                                                      ‫ذهبت؟ إنه قول اهلل، ومن أصدق من اهلل قي ً.‬
 ‫ثم تأمل أيها الموحد بعض ما ورد من أحاديث المصطفى صلى اهلل عليه وسلم عن هذه المعصية‬
   ‫العظيمة الملعون صاحبها. فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال:‬
 ‫((أهون الربا كالذي ينكح أمه، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه)) [رواه أبو الشيخ‬
                                                                                            ‫في (التوبيخ) صحيح الجامع].‬
 ‫وعن عبد اهلل بن حنظلة قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((درهم ربا يأكله الرجل وهو‬
 ‫يعلم أشد من ست وثالثين زنية)) [رواه أحمد والطبراني]. وعن سمرة بن جندب رضي اهلل عنه‬
     ‫قال قال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة‬
 ‫فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل‬
    ‫الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان،‬
 ‫فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في‬
                                                                                      ‫النهر آكل الربا)) [رواه البخاري].‬
   ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات‬
  ‫قالوا:يا رسول اهلل وما هن؟ قال: الشرك باهلل والسحر وقتل النفس التي حرم اهلل إال بالحق وأكل‬
           ‫الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافالت)) [رواه‬
                                                                                                                        ‫البخاري].‬
   ‫فال حول وال قوة إال باهلل كيف استهان اليوم الكثير من المسلمين بهذه الكبيرة وأصبحوا يأكلون‬
‫المال وال يبالون من أين يجمعونه، وصدق رسول اهلل إذ يقول: ((ليأتين على الناس زمان ال يبالي‬
                                               ‫المرء بما أخذ المال أمن حالل أم من حرام)) [رواه البخاري].‬
                                   ‫ً‬      ‫ال ا‬
                              ‫فاللهم اغننا بحاللك عن حرامك. اللهم ارزقنا رزقا حال ً طيبً مباركا فيه.‬

‫(5/1245)‬
                                                                                  ‫مفاهيم خاطئة وموازين مقلوبة‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                        ‫أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد, قضايا في االعتقاد‬
                                                                                    ‫أديان, األولياء, العلم الشرعي‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                    ‫جدة‬
                                                                                                ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
              ‫ال‬
    ‫5- القرآن الكريم والسنة النبوية منهاج حياة للمسلم. 7- تحكيم الهوى والعقل بد ً من القرآن‬
     ‫والسنة. 2- لقلة العلم ضاعت بعض المفاهيم اإلسالمية وانتكس معناها. 4- مفهوم الولي –‬
                                                             ‫مفهوم األمر بالمعروف – مفهوم التشدد والغلو.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                               ‫أما بعد:‬
‫عباد اهلل: أنزل اهلل هذا الكتاب هدى ورحمة للمؤمنين. وفصله لنا أحسن تفصيل وبينه أحسن بيان،‬
   ‫وجعله جل وعال ميزان حق، وحكم عدل ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه، يأمرنا فيه‬
   ‫بما فيه صالحنا، وينهانا عما فيه ضررنا وفسادنا. بال اختالف وال تعارض وال تناقض، فأمره‬
                                                                                                    ‫حق، ونهيه حق.‬
 ‫في هذا الكتاب شؤون ديننا صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها. وفيه كذلك شئون حياتنا في دنيانا،‬
 ‫يهدينا للخير ويدلنا عليه، وينهانا عن الشر ويحذرنا منه، ميزان قسط وعدل من لدن حكيم خبير،‬
 ‫من حكم به فقد عدل، ومن أمر به فقد نصح، ومن دل عليه فقد هدى، ومن قام به فقد نجا، ومن‬
                                                                                                 ‫وزن به فقد أقسط.‬
   ‫أيها الموحدون: إن اهلل جل وعال قد أنزل لنا هذا الكتاب ليكون منهج حياة وحكم عدل وميزان‬
  ‫قسط. لذا فإن الواجب على كل مسلم أن يزن األمور بهذا الميزان وأن يرضى به ميزاناً لشئون‬
   ‫حياته كلها. ذلك بالطبع مع األخذ بسنة المصطفى صلى اهلل عليه وسلم مع هذا الكتاب ألن سنة‬
  ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الصحيحة هي المصدر الثاني للتشريع، وهي حكم اهلل كذلك قال‬
     ‫َ ب ُ ُم جد ْ ف فس ِ ح ا ّم‬                                   ‫ي من ن َت يحكم ف‬                    ‫ورب‬
    ‫تعالى: فَالَ َ َ ّكَ الَ ُؤْ ِ ُو َ ح َّى ُ َ ّ ُوكَ ِيمَا شَجرَ َيْنَهمْ ث َّ الَ يَ ِ ُوا ِى أَن ُ ِهمْ َرَجً م َّا‬
                                                                                            ‫ل‬        ‫ض ويسلم‬
                                                                           ‫قَ َيْتَ َ ُ َّ ُواْ تَسِْيماً [النساء:16].‬
   ‫واعلموا رحمكم اهلل أن من رحمة اهلل بنا أن أنزل لنا هذا الميزان الحق وهذا الحكم العدل لكي‬
  ‫نزن به أمورنا وشئون حياتنا ونحكم به فيما اختلفنا فيه، ولو ترك لنا هذا األمر لتخبطنا في كل‬
‫واد ولتقاذفتنا األهواء والفتن، ولما استطاع أحد من البشر أن يضع منهجاً أو قوانين تناسب الناس‬
     ‫كلهم في عصورهم كلها. وإن أردت الدليل على ذلك فتأمل حال دول الكفر اليوم، وهم الذين‬
   ‫يحكمون بقوانين من وضع البشر كيف تاهوا وضلوا وشقوا أيما شقاء بتلك القوانين، وهم فوق‬
       ‫ذلك بحاجة إلعادة النظر والتغيير في هذه األنظمة والقوانين لما يحصل فيها من االختالف‬
 ‫َد ْ ف ِ تل ا‬             ‫ن م ع ْ الل‬                 ‫و‬
 ‫والتناقض مع متغيرات الزمن وصدق اهلل إذ يقول: َلَوْ كَا َ ِنْ ِندِ غَيرِ َّهِ لَوَج ُوا ِيه اخْ َِافً‬
                                                                                 ‫كَثِيراً [النساء:71].‬
  ‫إخوة اإليمان: نقول هذا ونحن نعيش اليوم عصراً انعكست فيه المفاهيم وانقلبت الموازين وحكم‬
  ‫كثير من الناس أهواءهم في شئون حياتهم، بل وحتى في كثير من شئون دينهم التي كانت أولى‬
  ‫بالبعد عن تحكيم الهوى فيها، أصبحت المفاهيم دنيوية محضة ولم يبق ممن يزن بميزان اهلل إال‬
                         ‫ا‬
     ‫القليل، أصبحت عقول الناس تحكم في كل شيء وأصبح من نال قسطً من تعليم دنيوي ونال‬
 ‫شهادة عالية يخول لنفسه ويفوضها للخوض في مسائل الدين كلها دقيقها وجليلها وللحكم فيها بما‬
                                                                   ‫ا‬
       ‫يراه عقله وفكره ظنً منه أن حصوله على الشهادات العليا في التخصصات الدنيوية يؤهله‬
                                   ‫ا‬
‫للخوض في مثل هذه المسائل، بل والحكم فيها والجدال أيضً. وقد نسي أمثال هؤالء أو تناسوا أنه‬
    ‫كما أن لعلم الطب رجاله ولعلم الهندسة رجاله فلعلم الشريعة رجاله من أهل العلم الموثوقين.‬
 ‫وليت أن األمر وقف عند هذا الحد بل إن األمر قد تعدى إلى درجة أنه لو جلس عوام الناس في‬
‫مجلس وطرحت مسألة شرعية في ذلك المجلس قام كل واحد من الجالسين يدلي بدلوه في المسألة‬
   ‫ويفتي، ولو كان ذلك بغير علم مسبق من سماع أو اطالع، بل كل ذلك يتم وبضاعتهم في ذلك‬
     ‫النقاش هي (أظن وأرى وأعتقد) وليس عندهم من قول اهلل وال قول رسوله شيء يدعمون به‬
                                                                                             ‫أقوالهم.‬
     ‫وتكبر المصيبة وتعظم عندما يكون النقاش مبنياً على فهم خاطئ لمعنى آية أو حديث، ويرى‬
 ‫المتحدث حينها أنه قد حكم في المسألة بحكم اهلل وحكم رسوله صلى اهلل عليه وسلم. في حين أنه‬
   ‫لم يقرأ معنى تلك اآلية وتفسيرها في كتاب من كتب التفسير ولم يقرأ شرحاً لذلك الحديث الذي‬
   ‫يحتج به في كتاب من كتب الحديث. وإنما بنى حكمه وعلمه على فهمه الخاص وعقله المجرد‬
                               ‫دون الرجوع لعلماء اإلسالم وأقوالهم في معاني اآليات واألحاديث.‬
  ‫وكم سمعنا ونسمع من احتجاج بآيات وأحاديث صحيحة مبنية على فهم خاطئ ألنه لم يؤخذ من‬
                                                                                ‫أهل العلم أو كتبهم.‬
                                                      ‫إخوة اإليمان: بناءاً على تلك المقدمتين وهما:‬
                   ‫5- عدم الوزن بميزان الشرع واالحتكام إلى العقل المجرد عن العلم الشرعي.‬
      ‫7- الفهم الخاطئ لنصوص الشرع المبني أيضاً على العقل المجرد من نور العلم الشرعي.‬
  ‫أقول بناءاً على هاتين المقدمتين انتشرت مفاهيم خاطئة وموازين مقلوبة عند كثير من المسلمين‬
                    ‫ا‬
‫كانت سبباً للبالء والشقاء الذي حل بالمسلمين عموماً وبهذه الفئة خصوصً. وإن نظرة سريعة إلى‬
      ‫بعض المفاهيم الخاطئة والموازين المقلوبة الموجودة اليوم عند المسلمين لكافية لالقتناع بأننا‬
                         ‫بحاجة إلى تصحيح هذه المفاهيم والرجوع إلى ميزان الحق والعدل الشرعي.‬
      ‫وتأمل مثالً اليوم في حال المسلمين في كثير من البالد اإلسالمية مع مفهوم الوالية. فمن هو‬
  ‫الولي؟ وماذا للولي عند اهلل؟ وابحث في كتاب اهلل عن إجابة لهذا السؤال ثم انظر في حال كثير‬
                                                                                     ‫من المسلمين لترى جوابهم.‬
                      ‫ْف ع ِ و ه ْزن‬                        ‫أ ِن ل الل‬
    ‫أما في كتاب اهلل فيقول اهلل: َال إ َّ أَوِْيَاء َّهِ الَ خَو ٌ َلَيْهمْ َالَ ُمْ يَح َ ُونَ [يونس:76]. إذا‬
                 ‫المؤمن التقي هو الولي. وأما ماله عند اهلل فله األمن والفرح يوم القيامة وفي الدنيا.‬
    ‫وأما عند القبوريين فالولي هو الذي يشفع وينفع ويعطي ويمنع، يسألونه الرزق والولد وكشف‬
‫الضر، ويخافونه كخوفهم من اهلل بل أشد عند بعضهم، يرون أنه يملك التصرف في الكون وينزل‬
‫المطر وينبت الزرع وغير ذلك كثير نعوذ باهلل من الشرك والضالل. ولو سألتهم من أين لكم هذا؟‬
 ‫قالوا لك: قد ذكر اهلل األولياء في كتابه. فنقول: لقد ذكر أنه ال خوف عليهم وال هم يحزنون. فمن‬
‫قال بأنهم يملكون النفع والضر والتصرف في الكون وغير ذلك؟ إنه ال حجة لهم إال عقول مسخها‬
                                                                 ‫الشيطان أو أهواء تقذف بصاحبها في النار.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                                                                             ‫أما بعد:‬
   ‫فهذا مثال آخر مما انقلبت فيه الموازين وانعكست فيه المفاهيم حول أمر عظيم قد ذكره اهلل في‬
   ‫كُ‬
 ‫كتابه وجعل خيرية هذه األمة بسببه أال وهو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ُنتمْ‬
                  ‫ع م َ وت من ِالل‬                           ‫مر فو‬               ‫ْ ُم أ ْرج ِلن س مر‬
‫خَيرَ أ َّةٍ ُخ ِ َتْ ل َّا ِ تَأْ ُ ُونَ بِالْ َعْ ُو ِ َتَنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْكرِ َ ُؤْ ِ ُونَ ب َّهِ [آل عمران:055].‬
‫هذا هو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن. إنه سبب الخيرية والفالح إنه القطب الذي‬
         ‫دارت حوله كل الرساالت السماوية فما من شريعة إال جاءت باألمر بالتوحيد وهو أعرف‬
    ‫وَ‬
  ‫المعروف، وما من شريعة إال وجاءت بالنهي عن الشرك وهو أعظم المنكرات قال تعالى: َلَقدْ‬
                                        ‫ُد الله و نب ْط غ‬                              ‫بع ف كل ُم ٍ رس‬
      ‫َ َثْنَا ِى ُ ّ أ َّة َّ ُوالً أَنِ اعْب ُواْ َّ َ َاجْتَ ِ ُواْ ال َّا ُوتَ [النحل:62]. هذا هو مفهوم األمر‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب اهلل، وأما في سنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم فيقول عليه‬
    ‫الصالة والسالم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اهلل أن‬
                                                                                    ‫ا‬
                                          ‫يبعث عليكم عقابً منه ثم تدعونه فال يستجاب لكم)) [الترمذي].‬
  ‫ثم ما هو مفهوم األمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند كثير من الناس اليوم؟ إنه كما يقولون:‬
 ‫تدخل فيما ال يعنيك، وحجر على الحريات الشخصية، وتشكيك في الناس، وإيذاء لهم. وغير ذلك‬
     ‫في قائمة طويلة من األوصاف السيئة لهذه الشعيرة العظيمة والعبادة الجليلة من قبل كثير من‬
             ‫ا‬
      ‫المسلمين هداهم اهلل، وكل ذلك احتجاجاً ببعض األخطاء القليلة التي تحصل أحيانً من بعض‬
 ‫األفراد، فتضخم وتكبر وتهمل المنافع واإليجابيات الكثيرة لهذه العبادة مقابل تلك األخطاء التي ال‬
                                                                                             ‫يسلم منها بشر.‬
‫وكذلك لو نظرت إلى مفهوم التشدد والذي سماه النبي صلى اهلل عليه وسلم (الغلو) وهذا هو االسم‬
  ‫الشرعي للخروج عن تعاليم الدين. فما هو الغلو في الدين؟ وما هو الغلو (التشدد) عند كثير من‬
                                                                                             ‫المسلمين اليوم؟‬
   ‫يقول جل وعال في سورة المائدة: يأَهلَ الْ ِتَابِ الَ تَغُْواْ ِى ِي ِكمْ َالَ تَ ُوُواْ ََى َّهِ إ َّ الْح َّ‬
   ‫ل ف د ن ُ و ق ل عل الل ِال َق‬                                     ‫ْ ك‬
   ‫[النساء:525]. قال ابن كثيررحمه اهلل في تفسيرها: أي ال تجاوزوا الحد في اتباع الحق. انتهى‬
‫كالمه رحمه اهلل. وهذا يعني أن التشدد الذي هو الغلو هو الخروج عن الحق وليس التمسك بالحق‬
   ‫بقوة. روى النسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: قال لي‬
   ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: ((القط لي حصى، فلقطت له سبع‬
   ‫حصيات هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤالء فارموا ثم قال: يا أيها‬
                            ‫الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)).‬
‫فبالتأمل في الحديث يفهم أن الغلو والذي يسميه الناس اليوم التشدد والتزمت هو الخروج عن هدي‬
                                                                                ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم.‬
   ‫ثم تأمل مفهوم التشدد عند كثير من المسلمين اليوم، تجد أنهم يرمون كل من تمسك بسنة النبي‬
  ‫ا‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم وطبقها وحافظ عليها وحرص على معرفتها والعمل بها بأنه متشدد، خالفً‬
   ‫لمفهوم كتاب اهلل وسنة رسوله عليه الصالة والسالم. فمن ترك الربا والتعامل مع البنوك سموه‬
                                                                           ‫ا‬
       ‫متشددً. ومن رفض االختالط الحاصل اليوم بين األسر من دخول على زوجة األخ وأخت‬
                                     ‫ا‬
‫الزوجة وبنت العم وبنت الخال وغير ذلك سموه متشددً. ومن ترك استماع الغناء المحرم والنظر‬
          ‫ا‬
‫إلى النساء الكاسيات العاريات في أجهزة التلفاز أو على أغلفة المجالت سموه متشددً. ومن أطلق‬
 ‫لحيته ألنه يرى وجوب إطالقها سموه متشددً، وهم يقولون بأنها سنة ويسمون من أطلقها متشددً‬
 ‫ا‬                                             ‫ا‬
                                                                                                ‫فيا للعجب!!.‬
  ‫وأخيراً إخوتي في اهلل، هذه نظرات سريعة لمفاهيم خاطئة عند كثير من المسلمين اليوم أخذناها‬
         ‫ال‬                                 ‫ا‬
 ‫مثاالً فقط. وحصر ذلك يطول، فاللهم أرنا الحق حقً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باط ً وارزقنا‬
                                                                                                      ‫اجتنابه.‬

‫(5/6245)‬
                                                                     ‫مقدمة خطب عن المرأة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                     ‫األسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                       ‫القتال والجهاد, المرأة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                              ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                         ‫جدة‬
                                                                         ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
                                                ‫ً‬
‫5- عجز األعداء عن هزيمتنا عسكريا فهزمونا بالغزو الفكري. 7- الحرب موجهة لكل أصناف‬
‫المجتمع المسلم. 2- البد لألمة المسلمة من أن تنهض من كبوتها وتستيقظ من غفلتها. 4- اهتمام‬
                                                              ‫األعداء بحرب المرأة المسلمة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
  ‫فمنذ أن بعث اهلل نبي هذه األمة محمداً صلى اهلل عليه وسلم للعالمين قامت طائفة من المناوئين‬
   ‫لدعوة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بمحاربة هذا الدين, بداية بكفار قريش وعلى رأسهم أبو‬
     ‫جهل وأبو لهب وأمية بن خلف وغيرهم، ومروراً بعد ذلك بالمنافقين الذين أظهروا اإلسالم‬
‫وأبطنوا الكفر والنفاق، وكذلك كل من لم يكرمه اهلل بإتباع هذا النبي الكريم صلى اهلل عليه وسلم،‬
  ‫كل أولئك قد نذروا أوقاتهم وجهدهم ومالهم لمحاربة هذا النبي صلى اهلل عليه وسلم وهذا الدين‬
‫الذي جاء به. ودارت المعارك الكثيرة ونصر اهلل دينه وأعز جنده وأعلى كلمته، وهزم أعداء اهلل‬
                                 ‫ا‬
                                ‫وأعداء رسوله وظهر دين اهلل ودخل الناس في دين اهلل أفواجً.‬
 ‫وعرف أعداء هذا الدين أنهم غير قادرين على مواجهة هذا الدين مواجهة عسكرية وال محاربته‬
   ‫بالسيف والرمح فلجؤوا إلى الحرب الفكرية العقائدية، وذلك عن طريق نشر األفكار المنحرفة‬
      ‫والعقائد الفاسدة بين المسلمين حتى يفسدوا على المسلمين دينهم. فأخذوا ينشرون الفتن بين‬
      ‫المسلمين ويؤلفون األحاديث المكذوبة على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فكانت الحرب‬
   ‫ً‬          ‫ا‬                                       ‫ا‬
‫العسكرية بالسيف والرمح أقل خطرً، وكانت الحرب الفكرية العقائدية أشد خطرً وأعظم أثرا في‬
                                                                                  ‫المسلمين.‬
  ‫وحصل أعداء الدين على بعض ما كانوا يريدون من خالل الحرب الفكرية، وذلك ما لم يحلموا‬
                                                                                ‫بالحصول عليه من خالل السيف.‬
   ‫نعم عباد اهلل، إن أعداء الدين اليوم يعلمون ذلك تماماً ويعونه، بل ويعملون على استمرار تلك‬
    ‫الحرب وتطويرها، حيث أصبحت اليوم مدروسة مبحوثة يخطط لها وتبذل من أجلها األموال‬
    ‫الطائلة، كل ذلك حرباً لهذا الدين الذي جاء به رسول الهدى صلى اهلل عليه وسلم. وقد جعلوا‬
   ‫نصيباً لكل مسلم من هذه الحرب، فهناك خطط موجهة لكل فرد في المجتمع المسلم فهناك مث ً‬
   ‫ال‬
                                                                                                          ‫حرب موجهة:‬
                                                                                                    ‫5- للشاب المسلم.‬
                                                                                                     ‫7- للطفل المسلم.‬
                                                                                                   ‫2- للمسلم المثقف.‬
                                                                                   ‫4- للمسلم العامي غير المتعلم.‬
                                                                                                   ‫1- للمرأة المسلمة.‬
                                                                                                   ‫6- للمسلم العربي.‬
                                                                                             ‫2- للمسلم غير العربي.‬
                                                                                                     ‫1- للمسلم الغني.‬
                                                                                                     ‫4- للمسلم الفقير.‬
 ‫فلم يتركوا طبقة من طبقات المجتمع إال وكان لها نصيب من هذه الحرب الفكرية. وقد استخدموا‬
                                                           ‫في هذه الحرب كل الوسائل المتوفرة، فاستخدموا:‬
                                                                                                ‫5- الوسيلة المقروءة.‬
                                                                                              ‫7- الوسيلة المسموعة.‬
                                                                                                  ‫2- الوسيلة المرئية.‬
                                                                          ‫ً‬
  ‫وأنفقوا أمواال ال تعد وال تحصى من أجل حرب هذا الدين، ومع علمنا بأن أعداء اهلل قد نجحوا‬
    ‫في بعض األمور التي يريدونها إال أننا نؤمن أنهم لن ينالوا ما يحلمون به، وهو القضاء على‬
 ‫اإلسالم والمسلمين، ونؤمن يقيناً أن اهلل ناصر دينه ومعل كلمته، وأن الدائرة ستكون على أعداء‬
                                          ‫ا‬
   ‫هذا الدين، وهذا ما أخبرنا به ربنا وال نشك فيه أبدً، وأن هذه األموال التي ينفقونها للصد عن‬
      ‫َُ‬          ‫َر ي فق‬            ‫ِن َّذ‬
    ‫سبيل اهلل ستضيع ويخسرونها وتكون هباء منثوراً قال تعالى: إ َّ ال ِينَ كَف ُواْ ُن ِ ُونَ أَمْوالهمْ‬
       ‫َر إ جه َّ َ‬           ‫ُم ي ب ن و َّذ‬              ‫ُم ك ن ع ه ح‬                   ‫لي ُد ع س الل ِ سي فق‬
       ‫ِ َص ُّواْ َن َبِيلِ َّه فَ َ ُن ِ ُونَهَا ث َّ تَ ُو ُ َلَيْ ِمْ َسْرَةً ث َّ ُغْلَ ُو َ َال ِينَ كَف ُواْ ِلَى َ َنم‬
                                                                                                               ‫ي ر‬
                                                                                              ‫ُحْشَ ُونَ [األنفال:62].‬
 ‫نعم هكذا يخبرنا ربنا تبارك وتعالى أنهم سينفقون األموال للصد عن سبيل اهلل والتشكيك في دين‬
‫اهلل وقلب المفاهيم والطعن في األحكام، لكن النتيجة لن تكون كما يريد أعداء اهلل، بل ستكون هذه‬
‫األموال عليهم حسرة ألنهم أنفقوها بال فائدة بل وسيغلبون ويهزمون ثم يحشرهم اهلل عز وجل إلى‬
                                                                                                ‫ا‬
                                                                                               ‫جهنم وساءت مصيرً.‬
‫فليعلم أعداء هذا الدين أنهم ال يحاربون طائفة من الناس أو فكرة من األفكار البشرية بل يحاربون‬
                                                                               ‫ا‬
     ‫ديناً سماويً نزل به األمين جبريل عليه السالم على خير البشر صلى اهلل عليه وسلم. وأن أمة‬
     ‫اإلسالم تمرض وتضعف لكنها ال تموت. وليعلموا أنهم يحاربون رب السماوات واألرض وما‬
   ‫بينهما، الذي ال يعجزه شيء في األرض وال في السماء. وليعلم المسلمون أن حفظ هذا الدين قد‬
   ‫ِن ن َز ذ ْر وِن ه ح ظ ن‬
   ‫أوكله اهلل إلى نفسه ولم يكله إلى أحد من البشر قال تعالى: إ َّا نَحْ ُ ن َّلْنَا ال ّك َ َإ َّا لَ ُ لَ َافِ ُو َ‬
    ‫[الحجر:4]. ولو كان حفظ هذا الدين موكوالً إلى غير اهلل لضاع منذ زمن طويل، لكنه لما كان‬
‫الحافظ له هو اهلل ال زال حتى يومنا هذا صامداً أمام الهجمات الشرسة من أعداء الدين مع ضعف‬
 ‫أهله وقلة حيلتهم، وذلك أن اهلل عز وجل قد تكفل بحفظه. وذلك ليطمئن كل مسلم غيور على دينه‬
 ‫وال يقنط من رحمة اهلل وال يظنن أن النصر ألعداء اهلل، فإن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى‬
                                                                                                                     ‫قيام الساعة.‬
       ‫وإن مما ينبغي أن يعلم مع علمنا بأن النصر لهذا الدين، أنه ال بد من أن يقوم أهل هذا الدين‬
  ‫بالدفاع عنه قياماً باألسباب وال يتكلوا على ما ذكرنا من حفظ اهلل لدينه ونصرته لعباده المؤمنين،‬
       ‫فإن النصرة ال تكون إال لمن قام بأسبابها، وإن لم نقم بأسبابها فإن اهلل قادر على اإلتيان بقوم‬
 ‫ُم ك ب و ح ْم َالن ُو َ إ‬                       ‫َّذ ن‬           ‫أ‬
‫آخرين يؤمنون بذلك ويعملون لتحقيقه قال تعالى: ُوْلَائكَ ال ِي َ ءاتَيْنَاه ُ الْ ِتَا َ َالْ ُك َ و ُّب َّة فَِن‬
           ‫َي َّذ‬                                      ‫ل س ب بك ِر‬                     ‫َك به‬                   ‫ي ُ به ؤ‬
        ‫َكْفرْ ِ َا هَ ُالء فَقَدْ و َّلْنَا ِ َا قَوْماً َّيْ ُواْ ِهَا ِ َاف ِينَ [األنعام:41]. وقال تعالى: ياأ ُّهَا ال ِينَ‬
‫ِرة‬        ‫الد م‬                 ‫ْ َرض ت‬          ‫ُم ِر ْ ف س الل اث ُ إل‬                             ‫ك ِ‬             ‫من‬
‫ءا َ ُواْ مَا لَ ُمْ إذَا قِيلَ لَك ُ انف ُوا ِى َبِيلِ َّهِ َّاقَلْتمْ َِى األرضِ أ َ ِي ُم بِالْحياةِ ُّنْيَا ِنَ اآلخ َ ِ‬
    ‫م ْر ُ وال‬             ‫ِ إ َّ ل ِال ت ِر يعذ ُ َ ب ل م وي ْد‬                                     ‫م ع ح الد ي ف‬
    ‫فَمَا َتَا ُ الْ َيَاةِ ُّنْ َا ِى اآلخرَةِ ِال قَلِي ٌ إ َّ َنف ُواْ ُ َ ّبْكمْ عذَا ًا أَِي ًا َ َسْتَب ِلْ قَوْ ًا غَي َكمْ َ َ‬
     ‫َ ه الله ِ ْ جه َّذ ن َر ث ني‬                        ‫َد ر ِال صر ه َ‬                  ‫َالله عل ُل‬            ‫ُر ه‬
     ‫تَض ُّو ُ شَيْئًا و َّ ُ ََى ك ّ شَىْء ق ِي ٌ إ َّ تَن ُ ُو ُ فَقدْ نَصرَ ُ َّ ُ إذْ أَخرَ َ ُ ال ِي َ كَف ُواْ َا ِ َ‬
 ‫َ الله سك ه ع ه و َّ ه بجن د‬                          ‫ْز ِن الل مع‬                ‫ِ ق ل ل حب‬                     ‫ِ هم ف‬
 ‫اثْنَيْنِ إذْ ُ َا ِى الْغَارِ إذْ يَ ُو ُ ِصَا ِ ِهِ الَ تَح َنْ إ َّ َّهَ َ َنَا فَأَنزلَ َّ ُ َ ِينَتَ ُ َلَيْ ِ َأَيدَ ُ ِ ُ ُو ٍ‬
                ‫َّ َ ه وج َ لم َّذ ن ر الس و لمة الل ه ع َالله َ ز ح م‬
‫لمْ ترَوْ َا َ َعلَ كَِ َةَ ال ِي َ كَفَ ُواْ ُّفْلَى َكَِ َ ُ َّهِ ِىَ الْ ُلْيَا و َّ ُ عزِي ٌ َكِي ٌ [التوبة:12-04].‬
               ‫وهكذا نعلم أننا مطالبون بنصرة دين اهلل والعمل به وال يجوز لنا التواكل وترك العمل.‬
                                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والحمد هلل على ما قدره‬
 ‫بحكمته من دقيق األمر وجله، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له له الملك كله، وله الحمد‬
    ‫كله، وبيده الخير كله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه ومن‬
                                                                                                 ‫ا‬
                                                                                                ‫تبعهم بإحسان وسلم تسليمً.‬
  ‫عباد اهلل: إن أعداء هذا الدين قد جعلوا من أهدافهم الرئيسة لحرب هذا الدين المرأة المسلمة، وقد‬
   ‫علموا أن المرأة لها دور كبير وتأثير عظيم على المجتمع, فبصالحها يصلح المجتمع، وبفسادها‬
         ‫يفسد المجتمع، فهي مربية األجيال وصانعة الرجال ومهد الحضارات. فصبوا الهجمات تلو‬
     ‫الهجمات على اإلسالم من جانب المرأة فقالوا: إن اإلسالم قد ظلم المرأة في كثير من حقوقها،‬
    ‫وقالوا: إن اإلسالم قد حبس المرأة وسلط الرجل عليها، وقالوا: إن اإلسالم ينظر للمرأة نظرة‬
    ‫احتقار, وقالوا: إن المرأة والرجل متساويان، واإلسالم قد فضل الرجل على المرأة. وحاربوا‬
  ‫حجاب المرأة المسلمة وشككوا فيه، كما حاربوا تعدد الزوجات وشككوا فيه. وشككوا في أحكام‬
   ‫المواريث بالنسبة للمرأة، والدية، وغير تلك الشبه الكثيرة التي أثاروها حول قضايا المرأة في‬
                                                                                     ‫اإلسالم.‬
 ‫وهذه الخطبة عباد اهلل مقدمة للحديث عن المرأة في اإلسالم وبيان مكانتها والرد على تلك الشبه‬
  ‫التي يثيرها أعداء اهلل من الكافرين والمنافقين الذين يظهرون اإلسالم ويبطنون الكفر ويحاربون‬
‫اهلل ورسوله ويستهزئون ويلمزون. وإننا إن شاء اهلل سنتحدث عن قضايا المرأة وكيف أن اإلسالم‬
 ‫كرمها وأعزها وحفظها من كل ما يشينها أو يسيء إليها، وكيف أن أعداء اإلسالم استطاعوا أن‬
                                                 ‫ا‬
   ‫يقلبوا مفاهيم بعض النساء بل والرجال أيضً ويجعلوهم يقولون مثلهم بأن اإلسالم قد قيد حرية‬
                                                                                      ‫المرأة.‬
    ‫وستكون سلسلة خطب إن شاء اهلل عامة، وليس معنى أنها عن المرأة يعني أنها ال تصلح إال‬
                                                   ‫ال‬
    ‫للنساء بل ربما نقول أن المعني بها أو ً هو الرجل ألنه هو المسؤول عن تغيير تلك المفاهيم‬
 ‫وإصالح النساء من بنات وزوجات وأخوات. لذلك فمن المهم جداً أن نفهم ذلك وأن نعلم نساءنا،‬
                ‫فإننا مسؤولون عنهن أمام اهلل عز وجل. وفقنا اهلل وإياكم لما فيه الخير والسداد.‬

‫(5/2245)‬




                                                                    ‫مكانة الخشوع في الصالة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫فقه‬
                                                                                      ‫الصالة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                              ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                         ‫جدة‬
                                                                          ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- اإليمان بالرسل من أركان اإليمان. 7- رسولنا يخبر عن صفة الصالة التي يريدها اهلل من‬
     ‫المسلم. 2- دور الصالة في تقويم السلوك الشخصي للمسلم. 4- منزلة الصالة وفضلها. 1-‬
                                                                                       ‫فضل الخشوع في الصالة.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                               ‫أما بعد:‬
                                                                                                   ‫معاشر المؤمنين:‬
  ‫إن من أركان اإليمان الستة اإليمان بكتب اهلل المنزلة الذي كان آخرها وخاتمها والمهيمن عليها‬
                         ‫ال‬
  ‫القرآن الكريم واإليمان بالقرآن يعني التصديق بما فيه جملة وتفصي ً مع العمل بما وجب العمل‬
  ‫به في القرآن. وكذلك من أركان اإليمان الستة اإليمان بالرسل الذين كان خاتمهم وآخرهم محمد‬
    ‫صلى اهلل عليه وسلم. واإليمان بهذا الرسول الكريم يعني طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر‬
                                                                                    ‫واجتناب ما نهى عنه وزجر.‬
                                         ‫وقد جاءنا القرآن وجاءتنا السنة بأخبار كثيرة كلها صدق وحق.‬
   ‫لكن عباد اهلل قد ال تبدو بعض األمور واضحة جلية عند بعض الناس ممن لم يحصل قدراً من‬
  ‫اإليمان يحصنه من الوقوع في براثن الشيطان فتكون الحصيلة شكاً أو تكذيباً في بعض األخبار‬
                  ‫ا‬
‫القرآنية أو األحاديث النبوية فيقع صاحب ذلك اإليمان المزعزع في الكفر عياذً باهلل مكذباً ببعض‬
                                                                                     ‫ا‬
                                                                               ‫تلك األخبار أو شاكاً مشككً فيها.‬
‫أما المؤمنون الموحدون الذين يصدقون ويؤمنون بكل ما جاء في كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل‬
                                            ‫َن ب ُل م ع رب‬
    ‫عليه وسلم فإنهم يقولون: ءام َّا ِهِ ك ٌّ ّنْ ِندِ َ ّنَا [آل عمران:2]. يؤمنون بأخباره ويعملون‬
             ‫ا‬                                                      ‫ا‬
            ‫بأحكامه ويسلموا تسليمً. ال شك وال اعتراض بل يقين وتسليم أولئك هم المؤمنون حقً.‬
‫وبعد إخوة اإليمان فهذا خبر من أخبار الكتاب الكريم يقول اهلل تعالى فيه كما في سورة العنكبوت:‬
‫و م َر وَذ ْر الل أ َر‬                        ‫ه ع‬               ‫ِن‬             ‫ْل م أ ح إ ك م ك ب وَ ِ‬
‫ات ُ َا ُوْ ِىَ ِلَيْ َ ِنَ الْ ِتَا ِ َأقمِ الصالةَ إ َّ الصالةَ تَنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْك ِ َل ِك ُ َّهِ َكْب ُ‬
                                                                                          ‫ع‬            ‫َالله ي َم‬
                                                                        ‫و َّ ُ َعْل ُ مَا تَصْنَ ُونَ [العنكبوت:14].‬
                        ‫ي ه‬
   ‫أيها المصلون: تنزيل هذه اآلية على حال كثير من المصلين اليوم ُظْ ِر لنا العجب العجاب ..‬
                                                                                          ‫والحال يغني عن المقال.‬
                             ‫ا‬
       ‫وعندها يطرح السؤال نفسه بين أيدينا: لماذا لم تنه الصالة كثيرً من المصلين عن الفحشاء‬
                                                                                ‫والمنكر؟! أليس هذا قول ربنا؟!!‬
 ‫فكيف إذا وجد مصل يقع في أمور شركية تنقض التوحيد؟ وكيف ترى مصل يفعل البدع ويروج‬
 ‫لها ويحارب من حارب البدع؟ وكيف وجد مصل يكذب ويغش ويخادع؟ وكيف وجد مصل يأكل‬
  ‫الربى ويرابي؟ وكيف وجد مصل يمشي بالنميمة بين الناس؟ وكيف وجد مصل يغتاب المسلمين‬
   ‫وينهش في أعراضهم ويأكل لحومهم؟ وكيف وجد مصل يأكل أموال الناس بالباطل وال يعطي‬
    ‫أصحاب الحقوق حقوقهم؟ وكيف وجد مصل ينظر إلى ما حرم اهلل من نساء كاسيات عاريات‬
 ‫مائالت مميالت؟ وكيف وجد مصل يؤذي نساء المسلمين في األسواق وغيرها؟ وكيف.. وكيف.‬
          ‫كم هائل من المنكرات التي يصعب حصرها قد وقع فيها بعض من هم من أهل الصالة.‬
                    ‫و م‬                  ‫ه ع‬               ‫ِن‬
‫إنه السؤال العظيم: كيف حدث هذا واهلل يقول: إ َّ الصالةَ تَنْ َى َنِ الْفَحْشَاء َالْ ُنْكَرِ فلماذا لم تنه‬
                                          ‫ً‬
  ‫هؤالء صالتهم عن هذه المنكرات؟! ونحن نؤمن إيمانا يقينياً ال يخالطه شك أن ما قاله ربنا عز‬
                                                 ‫وجل حق ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه.‬
‫أيها المصلون: إن الجواب على هذا قد ذكره علماؤنا وبينوا رحمهم اهلل كل شيء. قال أهل العلم:‬
     ‫الصالة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر إذا أداها العبد كما أمر اهلل وكما أرشد رسول اهلل‬
     ‫صلى اهلل عليه وسلم، ففعل الصالة على حقيقتها وأداؤها بواجباتها وأركانها وسننها وحضور‬
        ‫القلب فيها يجعل العبد يشعر بمعناها وأنها صلة بينه وبين اهلل فيرجع بعدها مرتفع اإليمان‬
 ‫مستحضراً لنظر اهلل إليه واطالعه على سره وجهره، فيطهر العبد عند ذلك ظاهره وباطنه حياء‬
  ‫من اهلل أن يطلع على شيء ال يرضاه منه. يستشعر العبد أنه يلتقي ربه في كل يوم وليلة خمس‬
   ‫مرات على أقل تقدير، يقوم بين يديه يخاطبه ويناجيه. إنه اهلل العظيم الكريم، يجالسه ذلك العبد‬
‫الفقير الذليل ويخاطبه ويسأله كل ما يريد من حوائج دنياه وآخرته. فيستحي بعد ذلك أن يعصي له‬
                                                         ‫ا‬                              ‫ا‬
‫أمرً. يقول صلى اهلل عليه وسلم منكرً ومنبهاً للمصلين: ((إذا قام أحدكم في صالته يقبل اهلل عليه‬
                                            ‫بوجهه فال يبزقن أحدكم في قبلته وال يبزقن عن يمينه)).‬
 ‫إن استشعار هذا اللقاء العظيم وهذا الموقف الجليل له ما له في نفس المؤمن. فإنه يكون له رادع‬
‫وزاجر عن كثير من المنكرات، كلما همت نفسه بشيء منها تذكر اللقاء القادم مع اهلل فاستحيا من‬
    ‫ربه. ولذلك ورد في المسند وغيره من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قيل لرسول اهلل‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم: إن فالناً يقوم الليل وإذا أصبح سرق فقال عليه الصالة والسالم: ((ستنهاه‬
                                                                                               ‫صالته)).‬
                        ‫ا‬                                                           ‫ا‬
 ‫إذً فالصالة تنهى صاحبها عن فعل المنكرات، ولو وقع ذلك منه أحيانً. الصالة ترد صاحبها إلى‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫الحق ولو زاغ عنه أحيانً. فما بال كثير من المسلمين اليوم لم تردهم صالتهم إلى الحق بعد أن‬
 ‫زاغوا عنه؟! ما بال كثير من المسلمين اليوم يخرج من بيت اهلل بعد أن صلى ينوي فعل ما حرم‬
                                                                  ‫اهلل وقد عزم على ذلك قبل الصالة؟!‬
     ‫أيها المصلون: إن هذه العبادة العظيمة لها جاللة ومكانة عند اهلل، فقد فرضت من دون سائر‬
      ‫الفرائض في السماء. في أعلى مكان وصل إليه بشر منذ أن خلق اهلل آدم. ومن حب اهلل لها‬
                    ‫فرضها أوالً خمسين صالة ثم خفف األمر إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.‬
 ‫واعلم أيها المسلم أن للعبد من اإلسالم بقدر ما له من الصالة. يقول اإلمام أحمد رحمه اهلل: "إنما‬
       ‫حظهم من اإلسالم على قدر حظهم من الصالة، ورغبتهم في اإلسالم على قدر رغبتهم في‬
   ‫الصالة". فاعرف نفسك ياعبداهلل، احذر أن تلقى اهلل عز وجل وال قدر لإلسالم عندك، فإن قدر‬
                                                              ‫اإلسالم في قلبك كقدر الصالة في قلبك.‬
 ‫وقال أيضاً رحمه اهلل: "واعلموا أنه لو أن رجال أحسن الصالة، فأتمها وأحكمها، ثم نظر إلى من‬
 ‫أساء في صالته وضيعها، وسبق اإلمام فيها، فسكت عنه، ولم يعلمه إساءته في صالته ومسابقته‬
    ‫اإلمام فيها، ولم ينهه عن ذلك، ولم ينصحه، شاركه في وزرها وعارها. فالمحسن في صالته،‬
                                      ‫شريك المسيء في إساءته، إذا لم ينهه ولم ينصحه". واهلل المستعان.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                                     ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد…‬
                                                                                                                      ‫وبعد:‬
    ‫معاشر المصلين اعلموا أن الصالة بمنزلة الهدية التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم،‬
    ‫فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فزينه وحسنه ما استطاع، ثم تقرب به إلى من يرجوه‬
  ‫ويخافه، كمن عمد إلى أسقط ما عنده وأهون ما عنده، فيستريح منه، ويبعثه إلى من ال يقع عنده‬
                                                                               ‫ا‬
    ‫موقعاً حسنً. وليس من كانت الصالة ربيعاً لقلبه وحياة له، وراحة وقرة لعينه، وجالء لحزنه،‬
 ‫وذهاباً لغمه وهمه، ومفزعاً له في نوائبه ونوازله، كمن هي سحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف‬
 ‫له، وثقل عليه، فهي كبيرة على هذا النوع من الناس، وقرة عين وراحة للنوع األول. قال تعالى:‬
  ‫َّذ ن ُن َنه مل ق ربه وَن ُ‬                         ‫شع‬          ‫رة ِال عل‬            ‫ة وِنه‬         ‫و ع ن ِالص ْر و‬
‫َاسْتَ ِي ُواْ ب َّب ِ َالصال ِ َإ َّ َا لَكَبِي َ ٌ إ َّ ََى الْخَا ِ ِينَ ‪ s‬ال ِي َ يَظُّونَ أَّ ُم َُّا ُوا َ ّ ِمْ َأَّهمْ‬
                                                                                 ‫جع‬           ‫إ‬
    ‫ِلَيْهِ را ِ ُونَ [البقرة:14-64]. فإنما كبرت الصالة على أناس لخلو قلوبهم من محبة اهلل تعالى‬
‫وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه، فإن حضور العبد في الصالة وخشوعه فيها، وتكميله لها،‬
                                              ‫واستفراغ وسعه في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في اهلل.‬
       ‫وقد كانت الصالة قرة عين رسول اهلل . عن أنس قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
                ‫((حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصالة)) [رواه النسائي].‬
‫عباد اهلل: هكذا كانت حال النبي مع الصالة، وكذلك كانت حال الصحابة رضي اهلل عنهم والتابعين‬
                                         ‫رحمهم اهلل، فأين نحن من هؤالء؟ ترى ما هو قدر الصالة عندنا؟‬
‫إن اإلجابة عن هذا السؤال تجعلنا نعرف السبب الذي جعل أثر الصالة - الذي ذكره اهلل في كتابه‬
                                                                                          ‫- ال يظهر على الكثير منا.‬
  ‫اسأل نفسك يا عبد اهلل كم من صالتك تخشع فيه؟ أنصفها؟ أو ربعها؟ أو خمسها؟ أو سدسها؟ أو‬
                                                                                                     ‫سبعها؟ أو عشرها؟‬
      ‫عن عمار بن ياسر رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه و سلم يقول: ((إن‬
‫الرجل ليصلي، و لعله أال يكون له من صالته إال عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها حتى انتهى‬
                                                                     ‫إلى آخر العدد)) [رواه النسائي وابن حبان].‬
     ‫وقد كانت الصالة راحة باله ، حتى لقد كان يقول لبالل رضي اهلل عنه: ((يا بالل أقم الصالة‬
                                                                 ‫أرحنا بها)) [رواه أبو داود].‬
   ‫وكذلك كان السلف والتابعون لهم بإحسان يتمتعون بالصالة وذكر اهلل كما يتمتع اليوم أصحاب‬
‫األموال بأموالهم وكما يتمتع أصحاب الملذات بملذاتهم بل إن متعة أصحاب الذكر أعظم بكثير من‬
 ‫متعة أصحاب الدنيا. ورد عن معاذ بن جبل رضي اهلل عنه أنه بكى عند موته وقال: (إنما أبكي‬
  ‫على ظمأ الهواجر -يعني الصيام- وقيام الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر). وقال‬
 ‫أحد السلف رحمه اهلل: "مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب‬
                                                      ‫ما فيها؟ قال: محبة اهلل ومعرفته وذكره".‬
 ‫عباد اهلل: إن الصالة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر وتقوده إلى اهلل وترفعه وتنفعه في‬
‫الدنيا واآلخرة، هي تلك الصالة التي أشار إليها رسول اهلل في األحاديث السابقة، والتي أشار إليها‬
                                                  ‫السلف ومن بعدهم في أقوالهم السابقة الذكر.‬
   ‫ثم استمع بعد ذلك إلى هذه الكلمات في وصف تلك الصالة من ابن القيم رحمه اهلل وهو يقول:‬
  ‫"فإذا حضر وقت الصالة بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف األول من المسجد فأدى فريضته‬
         ‫كما أمر، مكمالً لها بشرائطها وأركانها، وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة‬
 ‫والحضور بين يدي اهلل، فينصرف من الصالة وقد أثرت في قلبه وبدنه وجوارحه وسائر أحواله‬
‫آثاراً تبدو على وجهه ولسانه وجوارحه ويجد ثمرتها في قلبه من اإلنابة إلى دار الخلود والتجافي‬
      ‫عن دار الغرور، وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صالته عن الفحشاء‬
  ‫والمنكر، وحببت إليه لقاء اهلل، ونفرته عن كل قاطع يقطعه عن اهلل، فهو مهموم مغموم كأنه في‬
  ‫سجن حتى تحضر الصالة، فإذا حضرت الصالة قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه،‬
                           ‫فهو ال تطيب له الحياة إال بالصالة وهذا دأبه في كل فريضة" ا.هـ.‬
    ‫فتأمل حالك يا عبد اهلل وقارن حتى تعرف مكانك وموقعك من هذا الوصف. رزقنا اهلل وإياك‬
                                                ‫الخشوع في الصالة إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬

‫(5/1245)‬




                                                                                ‫مكانة العلماء‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                ‫العلم الشرعي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                               ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                                   ‫جدة‬
                                                                                               ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- العلم قدم ابن عباس على كبار الصحابة. 7- منزلة العلماء في األمة ودورهم في وراثة‬
   ‫النبوة. 2- العلماء شهود اهلل في األرض. 4- العلم يرفع الوضيع والفقير. 1- كلمة في فضل‬
                                                                                               ‫العلم وشرف العالم.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                              ‫أما بعد:‬
    ‫روى اإلمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن‬
   ‫بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله فقال عمر: إنه من حيث علمتم‬
  ‫فدعاه ذات يوم، فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إال ليريهم قال: ما تقولون في قول اهلل‬
                                                           ‫ْر الله و ح‬             ‫ِذ ج‬
 ‫تعالى: إ َا َاء نَص ُ َّ ِ َالْفَتْ ُ [النصر:5]. فقال بعضهم: أمرنا نحمد اهلل ونستغفره إذا نصرنا‬
                                                     ‫ً‬
          ‫وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: ال.‬
 ‫قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أعلمه له، قال: فإذا جاء نصر اهلل‬
                              ‫ً‬
‫والفتح وذلك عالمة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا فقال عمر: ما أعلم منها إال ما‬
                                                                                                                ‫تقول.‬
 ‫وهذا الحديث عباد اهلل يحكي قصة هذا الشاب من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهو‬
   ‫ابن عباس رضي اهلل عنهما ابن عم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وقد كان عمر رضي اهلل‬
  ‫عنه وهو خليفة على المسلمين يدخله مع كبار الصحابة للمشاورة وأخذ الرأي رغم صغر سنه،‬
    ‫والقوم من أهل بدر أي من الذين حضروا معركة بدر وقاتلوا فيها، وقد كان ألهل بدر مكانة‬
  ‫خاصة فقد قال صلى اهلل عليه وسلم لعمر رضي اهلل عنه: ((لعل اهلل اطلع على أهل بدر فقال:‬
                   ‫اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم)) [رواه البخاري ومسلم].‬
 ‫لذلك فقد كان الصحابة كلهم يعظمون أهل بدر فلما رأى أهل بدر أن عمر رضي اهلل عنه يدخل‬
    ‫معهم هذا الشاب الصغير في السن قالوا: إن لنا أبناء مثل هذا الشاب فلماذا ال يدخلهم معنا؟!‬
 ‫ا‬
 ‫فأراد عمر رضي اهلل عنه أن يريهم لماذا كان يدخل ابن عباس رضي اهلل عنهما فاستدعاه يومً‬
‫واستدعاهم فلما حضروا وجلسوا سألهم عن تفسير سورة النصر وهي قوله تعالى: إذَا َاء َص ُ‬
‫ِ ج ن ْر‬
     ‫ت ب‬        ‫الله و ح َر الن ي خل َ ف د الل َ ً سب بح ْ ربك و ف ه ِنه‬
    ‫َّ ِ َالْفَتْ ُ و َأَيْتَ َّاسَ َدْ ُُون ِى ِينِ َّهِ أفْواجا فَ َّحْ ِ َمدِ َ ّ َ َاسْتَغْ ِرْ ُ إ َّ ُ كَانَ َو َا‬
‫[سورة النصر]. فبعضهم قال: إن اهلل يأمرنا إذا نصرنا اهلل وفتح علينا أن نسبحه ونحمده. وسكت‬
 ‫بعضهم عن الكالم. وليعلموا عند ذلك مكانة ابن عباس رضي اهلل عنه وجه عمر رضي اهلل عنه‬
     ‫السؤال نفسه إلى ابن عباس رضي اهلل عنهما، فقال ابن عباس: هذه السورة هي التي أخبرت‬
  ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم باقتراب أجله حيث جعل اهلل عالمة أجل الرسول صلى اهلل عليه‬
   ‫وسلم فتح مكة وأمره باإلكثار من التسبيح واالستغفار ألن أجله قد اقترب. فقال عند ذلك عمر:‬
                                                                    ‫وأنا ما أعلم من هذه السورة إال ما تعلم.‬
         ‫ه‬
 ‫عندها تبينت مكانة ابن عباس وعرفها القوم فسكتوا ولم يعترضوا لعلمهم بأن الذي أ ّله لحضور‬
 ‫هذا المجلس الذي ال يحضره إال كبار القوم هو العلم، وهذا هو سر إدخال عمر له مع أشياخ بدر‬
                                                                                                 ‫في هذا المجلس.‬
       ‫معاشر المؤمنين: هذا الحديث يبين لنا فضل العلم الشرعي وشرفه ومكانة العلماء وقدرهم.‬
     ‫إن للعلم الشرعي في هذا الدين مكانة عظيمة ودرجة عالية. فهو ميراث النبوة فإن األنبياء لم‬
                                                                       ‫ا‬         ‫ا‬
         ‫يورثوا دينارً وال درهمً وإنما ورثوا هذا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر. ولوال العلم‬
  ‫الشرعي ألصبح الناس كالبهائم ولكن اهلل بعث إليهم الرسل بالعلم الشرعي وكرمهم ورفعهم عن‬
  ‫َم وحم ُ ف َر و ْر َ َ َ ُ م الطيب ت‬                               ‫و َ َر بن‬
  ‫بقية مخلوقاته قال تعالى: َلَقدْ ك َّمْنَا َ ِى ءاد َ َ َ َلْنَاهمْ ِى الْب ّ َالْبَح ِ ورزقْنَاهمْ ّنَ َّ ّ َا ِ‬
                                                            ‫إل‬       ‫ض‬                  ‫َ َض ُ عل ث ّم‬
                                                   ‫وف َّلْنَاهمْ ََى كَ ِيرٍ م َّنْ خَلَقْنَا تَفْ ِيالً [ا ٍسراء:02].‬
     ‫والعلماء هم ورثة األنبياء لذلك كانت لهم تلك المكانة العالية في النفوس والمنزلة الرفيعة في‬
                                                                                                              ‫الحياة.‬
       ‫العلماء أيها المؤمنون هم الهداة للبشرية الذين يوجهونها لخيري الدنيا واآلخرة. العلماء أيها‬
                                                                         ‫الموحدون أنفع من اآلباء واألمهات.‬
   ‫فاآلباء واألمهات نفعهم محصور على أبنائهم، أما العلماء فنفعهم لألمة كلها بل للعالم أجمع. قد‬
  ‫يستغرب البعض هذا الكالم لكنه الحقيقة فالوالدان يربيان أبناءهما والعلماء يربون األمة بأكملها.‬
   ‫ُ َ‬                                  ‫ي‬
 ‫عباد اهلل: قد فرق اهلل في كتابه بين العلماء وغيرهم وب ّن أنهم ليسوا سواسية فقال تعالى: قلْ هلْ‬
                                             ‫َّذ ن ي م ن و َّذ ن ي م ِنم ي َ َكر أ ل‬                                ‫ي‬
   ‫َسْتَوِى ال ِي َ َعْلَ ُو َ َال ِي َ الَ َعْلَ ُونَ إَّ َا َتذ َّ ُ ُوُْو االْلْبَابِ [الزمر:4]. نعم ال يستوي الذي‬
 ‫يعلم والذي ال يعلم كما ال يستوي الحي والميت والسميع واألصم والبصير واألعمى. أليس هناك‬
 ‫فرق؟! العلم نور يهتدي به اإلنسان ويخرج به من الظلمات إلى النور، يرفع اهلل به من يشاء من‬
‫عباده درجات، وسيلة العبد لعبادة اهلل على بصيرة وطريقه إلى كسب رضوان ربه، كل ما يكتسبه‬
   ‫اإلنسان في هذه الحياة يفنى إال العلم فإنه يبقى بعده إلى أن يرث اهلل األرض ومن عليها إال أن‬
                                                                                                          ‫يشاء اهلل.‬
 ‫تأمل رعاك اهلل حال أبي هريرة رضي اهلل عنه كان فقيراً يجوع حتى يغشى عليه من الجوع، كم‬
‫يجري ذكره اليوم بين المسلمين، وكم من مترحم عليه مترض عليه. رضي اهلل عنه وأرضاه، وما‬
                      ‫ذلك إال ألنه حفظ أحاديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهي العلم الشرعي.‬
   ‫ِال ه‬         ‫ه الله َن ُ‬
 ‫استشهد اهلل أهل العلم على وحدانيته سبحانه وتعالى بعد مالئكته فقال: شَ ِدَ َّ ُ أ َّه ال اله إ َّ ُوَ‬
                                                              ‫و م ئ ة وأ ل ع ْ ِ ئ ا ب ق‬
       ‫َالْ َلَا ِكَ ُ َُوُْواْ الْ ِلم قَا ِمًَ ِالْ ِسْطِ [آل عمران:15]. ولم يقل: وأولو المال! وال قال وأولو‬
                                               ‫وأ ل ع ْم‬
                                              ‫الشرف! وال قال وأولو السلطان! بل قال: َُوُْواْ الْ ِل ِ.‬
                             ‫ً‬
   ‫من أراد اهلل به خيراً رزقه هذا العلم يقول : ((من يرد اهلل به خيرا يفقهه في الدين)) [البخاري‬
                                                                                                    ‫ومسلم].‬
    ‫هو مقياس محبة اهلل لعباده وليست الدنيا واألموال واألوالد هي المقياس، فاهلل يعطي الدنيا من‬
  ‫يحب ومن ال يحب، وال يعطي الدين إال من أحب. ليس ألحد أن يغبط أحداً على شيء إال على‬
          ‫ً‬
‫العلم والعمل به قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ال حسد إال في اثنتين: رجل آتاه اهلل ماال فسلطه على‬
         ‫هلكته في الحق، ورجل آتاه اهلل حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) [رواه البخاري ومسلم].‬
‫ا‬
‫العلم الشرعي- إخوتي في اهلل- طريق الجنة المأمون قال صلى اهلل عليه وسلم: ((من سلك طريقً‬
                                                                             ‫ه‬
 ‫يلتمس فيه علماً س ّل اهلل له به طريقاً إلى الجنة)) [رواه مسلم]. ولذلك كله فقد كان للعلماء مكانة‬
‫عظيمة عند المسلمين، ويجب أن تبقى إن كنا نريد النصر والعزة والرفعة في الدنيا واآلخرة، ولقد‬
                                                ‫كان سلفنا رحمة اهلل عليهم يعظمون العلماء ويجلونهم.‬
 ‫دخل الخليفة عبدالملك بن مروان المسجد الحرام يطوف بالبيت هو وابنيه ثم جاء ليسأل عالم مكة‬
‫وهو عطاء بن أبي رباح، فجلس بين يديه يسأله وهو يجيب. ثم لما انصرف الخليفة قال لولديه: يا‬
                             ‫بني تعلموا العلم، فواهلل ال أنسى جلوسي بين يدي عطاء بن أبي رباح.‬
                            ‫ا‬
   ‫وعطاء رحمه اهلل كان عبداً أسود أفطس مفلفل الشعر، كان أبوه عبدً من العبيد، ولكن رفع اهلل‬
     ‫عطاء بهذا العلم حتى صار الخليفة يأتي إليه ويجلس بين يديه يستفتيه. وهكذا يرفع اهلل بالعلم‬
                                                                                     ‫أقواماً ويضع آخرين.‬
       ‫معاشر المؤمنين: إن األمة اليوم مطالبة أكثر من ذي قبل بالرجوع إلى علمائها المخلصين‬
  ‫الصادقين وسؤالهم وأخذ رأيهم والوقوف عند أقوالهم وعدم مخالفتها ما دامت مستندة إلى األدلة‬
                                           ‫الشرعية من كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم.‬
                                                                             ‫ا‬
    ‫إن علينا جميعً كأفراد الرجوع إلى علمائنا وسؤالهم عن ما يشكل علينا في أمور ديننا ودنيانا‬
 ‫واالستنارة بآرائهم في شئوننا الدنيوية فإنهم ينظرون بنور اهلل، فال عجب أن تكون أقوالهم موفقة‬
                                                          ‫في أمور الدنيا التي يستطيعون الخوض فيها.‬
                                       ‫إن علينا أن نقدمهم حيث قدمهم اهلل ونرفعهم حيث رفعهم اهلل.‬
  ‫ومما يجب علينا كذلك عدم التعرض لهم بقدح أو غيبة أو استهزاء كما يفعل بعض السفهاء. بل‬
‫الواجب علينا الذب عن أعراضهم والدفاع عنهم والرد على من ينتقصهم أو يغتابهم، فغيبتهم أعظم‬
                                                                       ‫من غيبة غيرهم من عوام الناس.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                          ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                                  ‫أما بعد:‬
     ‫معاشر اإلخوة الكرام، إخوة اإليمان: يقول ابن الجوزي رحمه اهلل: (من أراد أن يعرف رتبة‬
      ‫العلماء على الزهاد، فلينظر في رتبة جبريل وميكائيل، ومن خص من المالئكة بوالية تتعلق‬
                                ‫بالخلق، وباقي المالئكة قيام للتعبد في مراتب الرهبان في الصوامع.‬
     ‫وقد حظي أولئك بالتقريب على مقادير علمهم باهلل تعالى. فإذا مر أحدهم بالوحي انزعج أهل‬
            ‫َق‬         ‫َ َب ُ ْ ل‬          ‫َت ِ ُز ع قل ب ِ ل م‬
  ‫السماء، حتى يخبرهم بالخبر ح َّى إذَا ف ّعَ َن ُُو ِهمْ قَاُواْ َاذَا قَال رُّكم قَاُواْ الْح َّ [سبأ:27].‬
                            ‫كما إذا انزعج الزاهد من حديث يسمعه سأل العلماء عن صحته ومعناه.‬
   ‫فسبحان من خص فريقاً بخصائص قد شرفوا بها على جنسهم. وال خصيصة أشرف من العلم.‬
                                   ‫بزيادته صار آدم مسجوداً له، وبنقصانه صارت المالئكة ساجدة.‬
   ‫فأقرب الخلق من اهلل العلماء، وليس العلم بمجرد صورته هو النافع، بل معناه، وإنما ينال معناه‬
  ‫من تعلمه للعمل به. فكلما دله على فضل اجتهد في نيله، وكلما نهاه عن نقص بالغ في مباعدته.‬
‫فحينئذ يكشف العلم له سره، ويسهل عليه طريقه، فيصير كمجتذب يحث الجاذب، فإذا حركه عجل‬
      ‫في سيره. والذي ال يعمل بالعلم ال يطلعه العلم على غروره، وال يكشف له عن سره)ا.هـ.‬
   ‫فهذا عباد اهلل: مقام العلماء عند ربهم. فيجب عندئذ أن نعطيهم حقهم من التبجيل والتوقير. وأن‬
‫نجعلهم أئمة لنا ليقودونا إلى بر األمان بإذن اهلل. وأن نلتف حولهم وتجتمع كلمتنا عليهم وال نصدر‬
                                                               ‫إال عن رأيهم، وال نعمل إال بمشورتهم.‬
  ‫معاشر المؤمنين: وينبغي أن يعلم أن كالمنا هذا مقيد بطاعة العلماء في طاعة اهلل، فإنه ال طاعة‬
           ‫م ُ‬            ‫ط ع الله و ط ع الرس وأ ل‬
         ‫لمخلوق في معصية الخالق. يقول تعالى: أَ ِي ُواْ َّ َ َأَ ِي ُواْ َّ ُولَ َُوِْى االْمْرِ ِنْكمْ‬
                                      ‫[النساء:41]. قال المفسرون: أولي األمر هم األمراء والعلماء.‬
   ‫فعلى هذا تكون طاعتهم طاعة هلل وقربة هلل. نسأل اهلل أن يرزقنا العلماء العاملين الناصحين إنه‬
                                                                                 ‫ولي ذلك والقادر عليه.‬

‫(5/4245)‬




                                                                            ‫من أشراط الساعة الصغرى‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                                                                   ‫اإليمان‬
                                                                                           ‫أشراط الساعة‬
                                                                ‫-----------------------‬
                                                              ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                        ‫جدة‬
                                                                         ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- ذكر بعض أشراط الساعة التي أخبر عنها رسولنا . 7- استفاضة المال. 2- ظهور الفتن.‬
                                                  ‫4- ظهور مدعي النبوة. 1- ضياع األمانة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
 ‫عباد اهلل الحديث عن أشراط الساعة ال يقصد به المتعة والتسلية وإنما المراد منه العبرة والعظة،‬
     ‫والحذر في الوقوع في ما يسخط اهلل ويغضبه ومعرفة مآل من فعل ذلك. ونحن اليوم سنذكر‬
                                                                                  ‫ا‬
                    ‫بعضً من أشراط الساعة الصغرى. فنسأل اهلل أن يعصمنا وإياكم من الفتن.‬
‫أحبتي في اهلل، من أشراط الساعة الصغرى.. استفاضة المال وكثرته واالستغناء عن الصدقة، وقد‬
  ‫روى أبو هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ال تقوم الساعة حتى‬
   ‫يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقته ويدعى إليه الرجل فيقول: ال‬
                                                              ‫أرب لي فيه)) [رواه البخاري].‬
‫وعن عدي بن حاتم رضي اهلل عنه قال: بينما أنا عند رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إذ أتاه رجل‬
   ‫فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال: ((يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم‬
 ‫أرها وقد أنبئت عنها)). قال: ((فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف‬
 ‫بالكعبة ال تخاف أحداً إال اهلل)). قال عدي: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين ذعار طيء الذين قد‬
      ‫سعروا البالد؟ قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت:‬
‫كسرى بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملئ كفه من‬
                                             ‫ا‬
 ‫ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فال يجد أحدً يقبله منه)) قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من‬
     ‫الحيرة حتى تطوف بالكعبة ال تخاف إال اهلل وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن‬
             ‫طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى اهلل عليه وسلم يخرج ملئ كفه.‬
       ‫وقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى اهلل عليه وسلم فكثر المال في عهد‬
 ‫الصحابة رضي اهلل عنهم بسبب ما وقع من الفتوح واقتسموا أموال الفرس والروم ثم فاض المال‬
    ‫في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه اهلل فكان الرجل يعرض المال للصدقة فال يجد من يقبله.‬
   ‫وسيكثر المال في آخر الزمان حتى يعرض الرجل ماله فيقول الذي يعرض عليه: ال حاجة لي‬
                                                                                         ‫فيه.‬
 ‫وكذلك من أشراط الساعة ظهور الفتن: والفتن هي جمع فتنة، وهي االبتالء واالمتحان واالختبار‬
     ‫ثم كثر استعمالها فيما أخرجه االختبار للمكروه ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كاإلثم‬
                                     ‫والكفر والقتل والتحريف وغير ذلك من األمور المكروهة.‬
 ‫وقد أخبر صلى اهلل عليه وسلم أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق‬
                             ‫ا‬
 ‫بالباطل، فتزلزل اإليمان حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافرً، كلما ظهرت فتنة قال المؤمن:‬
  ‫هذه مهلكتي، ثم تنكشف ويظهر غيرها فيقول: هذه هذه، وال تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن‬
                                                                                ‫تقوم الساعة.‬
‫وقد روى اإلمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((بادروا باألعمال‬
                                                                                       ‫ا‬
‫فتنً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه‬
‫بعرض من الدنيا)) وعن عبد اهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما قال: نادى منادي رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم: الصالة جامعة، فاجتمعنا فقال رسول اهلل: ((إنه لم يكن نبي قبلي إال كان‬
    ‫حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل‬
    ‫ا‬
   ‫عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بالء وأمور تنكرونها، وتجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضً،‬
 ‫وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته‬
                                                  ‫وهو يؤمن باهلل واليوم اآلخر)) [رواه مسلم].‬
                                                                    ‫ا‬
  ‫وأحاديث الفتن كثيرة جدً، وقد حذر النبي صلى اهلل عليه وسلم أمته من الفتن وأمر بالتعوذ منها‬
   ‫وأخبر أن آخر هذه األمة سيصيبها بالء وفتن عظيمة، وليس هناك عاصم منها إال اإليمان باهلل‬
                                    ‫ل‬
 ‫واليوم اآلخر ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة وإن قّوا، واالبتعاد عن الفتن والتعوذ منها‬
    ‫فقد قال عليه الصالة والسالم: ((تعوذوا باهلل من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) [رواه مسلم].‬
   ‫وهانحن نرى الفتنة تلو الفتنة تحل باألمة، واألمة تقع فيها واحدة تلو األخرى إال من رحم اهلل،‬
                                   ‫وكلما جاءت فتنة جديدة رأينا أن التي كانت قبلها أهون منها.‬
    ‫واعلموا رحمني اهلل وإياكم أن من أكابر الفتن التي حذر منها النبي صلى اهلل عليه وسلم اتباع‬
                                           ‫ل‬
‫سنن األمم الماضية وهم اليهود والنصارى، وقد قّد بعض المسلمين في أيامنا هذه الكفار وتشبهوا‬
                                                                                ‫ل‬
    ‫بهم وتخّقوا بأخالقهم وأعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى اهلل عليه وسلم ففي‬
 ‫الحديث عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((ال تقوم الساعة‬
                                        ‫ا‬           ‫ا‬
‫حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرً بشبر وذراعً بذراع. فقيل: يا رسول اهلل كفارس والروم؟‬
  ‫فقال: "ومن الناس إال أولئك)) [رواه البخاري]. وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول‬
                                ‫اهلل! اليهود والنصارى، قال: ((فمن؟!)) [رواه البخاري ومسلم].‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد. والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد،‬
                                                                 ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
  ‫ومن عالمات الساعة الصغرى كذلك ظهور من يدعي النبوة من الكذابين وهم قريب من ثالثين‬
                                                                                ‫ا‬
      ‫كذابً، وقد خرج بعضهم في زمن النبي صلى اهلل عليه وسلم وفي عهد الصحابة وال يزالون‬
‫يظهرون ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ال‬
    ‫تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثالثين، كلهم يزعم أنه رسول اهلل))، وليس‬
                              ‫ً‬
   ‫التحديد في األحاديث بثالثين مراداً به كل من ادعى النبوة مطلقا فإنهم كثير ال يحصون، وإنما‬
 ‫المراد من قامت له شوكة وكثر أتباعه واشتهر بين الناس وممن ظهر من هؤالء الثالثين مسيلمة‬
                                          ‫الكذاب واألسود العنسي والمختار بن أبي عبيد الثقفي.‬
  ‫وظهر في العصر الحديث مرزا أحمد القادياني بالهند وادعى النبوة، وأنه المسيح المنتظر، وأن‬
‫عيسى ليس بحي في السماء إلى غير ذلك من االدعاءات الباطلة وصار له أتباع وأنصار وانبرى‬
   ‫له كثير من العلماء فردوا عليه وبينوا أنه أحد الدجالين، وال يزال خروج هؤالء الكذابين واحدً‬
   ‫ا‬
  ‫بعد اآلخر حتى يظهر آخرهم األعور الدجال فقد روى اإلمام أحمد عن سمرة بن جندب رضي‬
 ‫اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: ((وإنه‬
                          ‫واهلل ال تقوم الساعة حتى يخرج ثالثون كذاباً آخرهم األعور الدجال)).‬
     ‫وكذلك من عالمات الساعة الصغرى ضياع األمانة فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا ضيعت األمانة فانتظر الساعة، قال كيف إضاعتها يا رسول‬
                                       ‫اهلل؟ قال: إذا أسند األمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).‬
                                                                                        ‫ي‬
    ‫وب ّن النبي صلى اهلل عليه وسلم كيف ترفع األمانة من القلوب وأنه ال يبقى منها في القلب إال‬
      ‫أثرها. روى حذيفة رضي اهلل عنه قال: حدثنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حديثين رأيت‬
  ‫أحدهما وأنا أنتظر اآلخر: حدثنا أن األمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم‬
‫علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها قال: ((ينام الرجل النومة فتقبض األمانة من قلبه، فيظل أثرها‬
    ‫مثل أثر الوكت -الوكت: األثر في الشيء كالنقطة من غير لونه- ثم ينام النومة فتقبض فيبقى‬
   ‫أثرها مثل المجل -الخشونة التي تصيب الكف- كجمر دحرجته على رجلك فنفط -أثر الحرق‬
                                         ‫ا‬          ‫ا‬
  ‫الذي ينتفخ ويمتلئ ماء- فتراه منتبرً -أي متورمً- وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون فال‬
                                   ‫ا‬
  ‫يكاد أحدهم يؤدي األمانة فيقال: إن في بني فالن رجالً أمينً. ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه‬
‫وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولقد أتى علي زمان و ما أبالي أيكم بايعت لئن‬
    ‫كان مسلماً رده اإلسالم، وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إال فالنً‬
    ‫ا‬
                                                                                        ‫ا‬
                                                                      ‫وفالنً)) [رواه البخاري].‬
    ‫ا‬
   ‫ففي هذا الحديث بيان أن األمانة سترفع من القلوب حتى يصير الرجل خائناً بعد أن كان أمينً،‬
            ‫ا‬
           ‫وهذا إنما يقع لمن ذهب خوفه من اهلل وضعف إيمانه وخالط أهل الخيانة فيصير خائنً.‬
    ‫ومع األسف كثر الغش والخيانة عند بعض المسلمين هداهم اهلل، ففي التجارة مثالً ظهر الغش‬
‫والخيانة، وفي الصناعة، والزراعة، وتعامل الناس مع بعضهم البعض إال من رحم اهلل. نسأل اهلل‬
                                                                   ‫تعالى أن يصلح الحال.‬

‫(5/0145)‬




                                                                               ‫بدع رجب‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                        ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                         ‫البدع والمحدثات‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                            ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                     ‫جدة‬
                                                                       ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- مواسم الخير كثيرة وقنوعة. 7- من مواسم الخير يوم عرفة ورمضان. 2- ال يجوز عبادة‬
            ‫اهلل إال بما شرع. 4- النية الحسنة ال تسوغ االبتداع في الدين. 1- بدع شهر رجب.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                 ‫أما بعد:‬
     ‫فإن هلل تبارك وتعالى منح وعطايا ومواهب يمنحها لعباده ويهبها لهم في كل حين. يمحو بها‬
 ‫الخطايا ويكفر بها السيئات ويرفع الدرجات ويقيل العثرات. فقد شرع لنا جل وعال شهراً نصوم‬
                                                          ‫ا‬              ‫ا‬
‫فيه، وشهرً نحج فيه، ويومً أو يومين من بعض الشهور نصومها, وشرع كذلك قيام الليل وصالة‬
 ‫الوتر واألضحية والعقيقة وغير ذلك من أنواع العبادات المختلفة المتنوعة كل ذلك منه جل وعال‬
‫تنويعاً لسبل الخير والطاعات وتنشيطاً للنفس عندما تنتقل من نوع من الطاعات إلى نوع آخر فال‬
   ‫يمل اإلنسان وال يكل من طاعة اهلل، وتلك نعمة من نعم اهلل علينا وذلك فضله سبحانه وتعالى.‬
 ‫فمن ذلك أنه شرع لنا صيام رمضان وقيامه ووعدنا بالمغفرة واألجر العظيم فقال صلى اهلل عليه‬
                                                                   ‫ا‬
                   ‫وسلم: ((من صام رمضان إيمانً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) [متفق عليه].‬
       ‫وشرع لنا الحج في أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة، ووعد من حج كما أمره اهلل‬
   ‫بالمغفرة والجنة فقال صلى اهلل عليه وسلم: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم‬
   ‫ولدته أمه)) [رواه مسلم]. وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((الحج المبرور ليس له جزاء إال الجنة))‬
                                                                                                            ‫[متفق عليه].‬
                             ‫ا‬            ‫ً‬
   ‫وشرع صوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء ويوما قبله أو يومً بعده وقال: ((صوم يوم عرفة‬
 ‫أحتسب على اهلل أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصوم يوم عاشوراء أحتسب على اهلل‬
                                                                          ‫أن يكفر السنة التي قبله)) [رواه مسلم].‬
 ‫وشرع األضحية في يوم النحر، وقد وردت األحاديث أنه ضحى عن نفسه وعن فقراء أمته وعن‬
 ‫نسائه في البخاري ومسلم والسنن. وشرع العقيقة وهي التي تذبح عن المولود، عن الذكر شاتان،‬
‫وعن األنثى شاة، وقد وردت أحاديثها في السنن أنه صلى اهلل عليه وسلم سئل عن العقيقة فأخبرنا‬
                                                                                                                        ‫بها.‬
  ‫وهكذا عباد اهلل تجدون أنه ما من عبادة تقرب من اهلل إال وقد أخبرنا اهلل بها في كتابه أو أخبرنا‬
                                                                           ‫بها نبينا صلى اهلل عليه وسلم في سنته.‬
‫لكن الخطأ أن بعض المسلمين يريد التقرب إلى اهلل عز وجل ويريد األجر والثواب فيذهب للبحث‬
     ‫عن ذلك في غير كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم. ومن هنا يحدث االنحراف عن‬
                                                                                                            ‫المنهج الحق.‬
  ‫ولقد ذم اهلل تعالى في كتابه الكريم العرب الجاهليين عندما تدخلوا في شرع اهلل وأخذوا يحرمون‬
                                               ‫ال‬
‫ويحللون ويستحبون ما لم يأذن به اهلل. فمث ً كان العرب يتالعبون باألشهر الحرم ويستطيلون مدة‬
          ‫ِنم‬                                                 ‫ا‬
         ‫ثالثة أشهر حرم متتالية، فأخروا واحدً منها وغيروا مكانه، فذمهم اهلل تعالى في قوله: إ َّ َا‬
                           ‫النس زي ٌ ف ك ْر ي َل ب َّذ ن ر ي ِل ه ع م وي َرم ه ع‬
  ‫َّ ِىء ِ َادَة ِى الْ ُف ِ ُض ُّ ِهِ ال ِي َ كَفَ ُواْ ُحُّونَ ُ َا ًا َ ُح ّ ُونَ ُ َامًا [التوبة:22]. قال ابن‬
‫كثير رحمه اهلل: "هذا مما ذم اهلل به المشركين من تصرفهم في شرع اهلل بآرائهم الفاسدة وتغييرهم‬
                                  ‫أحكام اهلل بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم اهلل وتحريمهم ما أحل اهلل".‬
 ‫م جعل‬
 ‫وكذلك ذم اهلل المشركين الجاهليين عندما حرموا من اإلبل ما لم يأذن به اهلل فقال تعالى: َا َ َ َ‬
  ‫ر عل الل َذب وأ ثر ُ‬                       ‫ر‬         ‫ئبة و وص ة و ح م و ِن َّذ‬                          ‫الله م ح ة و‬
‫َّ ُ ِن بَ ِيرَ ٍ َالَ سَآ ِ َ ٍ َالَ َ ِيلَ ٍ َالَ َا ٍ َلَاك َّ ال ِينَ كَفَ ُواْ يَفْتَ ُونَ ََى َّهِ الْك ِ َ ََكْ َ ُهمْ‬
                                                                                 ‫ي قل‬
   ‫الَ َعْ ُِونَ [المائدة:205]. وقد كان العرب قد حرموا ذبح أنواع من اإلبل وحرموا ركوب أنواع‬
                             ‫من اإلبل بقوانين وضعوها من عند أنفسهم لم يشرعها لهم اهلل فذمهم بذلك.‬
   ‫ومن هنا أيها الموحد تعلم أن عبادة اهلل أمر ال يجوز إال بما شرعه اهلل لك أو شرعه لك رسوله‬
    ‫صلى اهلل عليه وسلم، ومن أراد أن يتقرب إلى اهلل وينال ثوابه وحبه ورضاه بغير ذلك فسوف‬
           ‫يحصل له عكس مقصوده وخالف مراده، فإن اهلل ال يرضى إال بما شرعه من العبادات.‬
     ‫أيها األخوة الكرام: وفي هذا الشهر شهر رجب الذي هو أحد األشهر الحرم يحصل من بعض‬
 ‫المسلمين هداهم اهلل بعض المخالفات حيث يريد هؤالء التقرب إلى اهلل ومغفرة الذنوب وحب اهلل‬
                     ‫ا‬
   ‫ورضاه بعبادات لم يشرعها اهلل لهم ولم يأذن بها، هم يريدون الخير طبعً ولكن...كم من مريد‬
                                                                           ‫للخير لم يدركه؟‬
      ‫ا‬
‫والعبرة عباد اهلل ليست فقط بالنية الحسنة بل يجب مع النية الحسنة أن يكون العمل مشروعً، وإال‬
   ‫فإن العمل مردود على صاحبه غير مقبول منه. ولكن من هذا الذي يجرؤ أن يقول: إن العمل‬
   ‫غير مقبول عند اهلل؟ ومن يدريه أن العمل غير مقبول؟ نقول: إن الذي أخبر بهذا هو الصادق‬
   ‫المصدوق صلى اهلل عليه وسلم ففي الحديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد))‬
‫[متفق عليه]. وفي رواية لمسلم: ((من عمل عمالً ليس عليه أمرنا فهو رد)) فكل عمل ليس بأمر‬
                                            ‫الشارع فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه.‬
  ‫ومما يفعل في شهر رجب الذبائح، وقد كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمونها العتيرة، وقال‬
 ‫أهل العلم: إن اإلسالم قد أبطلها لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                ‫قال: ((ال فرع وال عتيرة)).‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                          ‫ً‬
   ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد‬
                                                              ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
                                                                       ‫أ د َ‬
    ‫فكذلك مما ُحْ ِث في رجب الصالة التي لم يأذن بها اهلل وال رسوله، وهي ما يسمونه بصالة‬
‫الرغائب، قال العلماء: لم يصح في شهر رجب صالة مخصوصة تختص به. واألحاديث المروية‬
           ‫أ ْد‬
   ‫في فضل صالة الرغائب كذب وباطل ال تصح. وقال بعض أهل العلم: إنها صالة ُح ِثَتْ بعد‬
                 ‫المائة الرابعة ولم تعرف قبل ذلك. كذلك لم يتكلم عنها علماء القرون المفضلة.‬
‫وكذلك مما يخص به بعض الناس شهر رجب دون غيره الصيام، ولم يصح في صوم شهر رجب‬
‫بخصوصه حديث، ولكن من كان له عادة صوم يصومها فليفعل. بل لم يكن صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                         ‫ا‬
 ‫يصوم شهرً كامالً سوى رمضان كما روت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها قالت: (كان‬
   ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يصوم حتى نقول: ال يفطر، ويفطر حتى نقول: ال يصوم، فما‬
‫رأيت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم استكمل صيام شهر إال رمضان وما رأيته أكثر صياماً منه‬
‫في شعبان) [متفق عليه]. وروي عن عمر رضي اهلل عنه أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم‬
                                   ‫ً‬
   ‫رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب؟ إن رجبا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان‬
                                         ‫ُن‬
‫اإلسالم ترك. وفي رواية كره أن يكون صيامه س َّة. وعن أبي بكرة رضي اهلل عنه أنه رأى أهله‬
                                              ‫ا‬
           ‫يتهيئون لصيام رجب فقال لهم: أجعلتم رجبً كرمضان، وألقى السالل وكسر الكيزان.‬
                           ‫ا‬
 ‫وكذلك مما أحدث في رجب العمرة، ويسمونها الرجبية، وهذا أيضً من الخطأ فإنه لم يرد حديث‬
‫في فضل العمرة في شهر من الشهور إال في شهر رمضان، فقد ورد في الصحيح أن ((عمرة في‬
    ‫ا‬
    ‫رمضان تعدل حجة)) وفي رواية: ((حجة معي)) ولذلك فإن من اعتمر في هذا الشهر قاصدً‬
                     ‫ا‬
   ‫ألشهر فقد أخطأ، ورسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لم يعتمر في رجب أبدً مع أنه اعتمر أربع‬
                                                                                                  ‫مرات.‬
‫وبعد عباد اهلل: فإن المسلم الطالب للخير والثواب يبحث عنه في كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم الصحيحة، ففي صحيح مسلم أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال في حجة الوداع:‬
       ‫وم‬                                     ‫ا‬
      ‫((وإني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدً كتاب اهلل)) وفي القرآن قوله تعالى: َ َا‬
                                                      ‫ُ ع ُ ه‬                   ‫ُم الرس ل ُذ ه و‬
                                        ‫ءاتَاك ُ َّ ُو ُ فَخ ُو ُ َمَا نَهَاكمْ َنْه فَانتَ ُواْ [الحشر:2].‬
  ‫وليعلم العبد المسلم أنه واهلل لو أراد الخير والتمسك بالطاعات فإنها كثيرة فال داعي للزيادة على‬
‫ما علمنا إياه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ولنقم بما أمرنا به ومن فعل ذلك فقد ضمن له الفوز‬
 ‫والفالح في الدنيا واآلخرة يقول ابن مسعود: (اتبعوا وال تبتدعوا فقد كفيتم عليكم باألمر العتيق).‬
     ‫فعلينا إذا أال نزيد في دين اهلل ما ليس منه، وعلينا أن نتمسك بسنة رسول اهلل قال بعض أهل‬
                        ‫العلم: السنة سفينة نوح من تمسك بها نجا. فماذا يريد المسلم إال النجاة؟.‬

‫(5/5145)‬




                                                                    ‫من صور حرب األعداء لإلسالم‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                         ‫السيرة النبوية, قضايا دعوية‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                     ‫سعيد بن عبد الباري بن عوض‬
                                                                                                      ‫جدة‬
                                                                                    ‫سعد بن أبي وقاص‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- قريش تشوه سمعة النبي لتصد الناس عن دينه. 7- اليوم الحرب الدعائية تشن على دعاة‬
                              ‫اإلسالم. 2- صور أخرى من حرب قريش ودعاتها ضد الرسول.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                           ‫وبعد:‬
        ‫عباد اهلل: إن دين اإلسالم اليوم يحارب بكل شدة وعنف من قبل أعدائه من الكافرين. وهم‬
  ‫يستخدمون كل وسيلة في سبيل الصد عن سبيل اهلل وعن دين اهلل, فيستخدمون الوسائل المقروءة‬
                                                                           ‫والمسموعة والمرئية.‬
‫ولكن اعلم وفقني اهلل وإياك أن هذا األمر قد بدأ منذ بدأت الدعوة األولى لهذا الدين على يد رسول‬
   ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وقد حاول كفار قريش منذ تلك األيام منع انتشار اإلسالم والصد عن‬
      ‫سبيل اهلل كما يفعله اليوم الكافرون والمنافقون تماماً، إال أن كفار اليوم والمنافقين يستخدمون‬
   ‫ا‬
   ‫وسائل حديثة ألساليب قديمة. وتأمل في سيرة رسول اهلل صلى هلل عليه وسلم تجد ذلك واضحً‬
                                                                                           ‫ا‬
                                                                         ‫بينً. وخذ بعض األمثلة.‬
                                                            ‫ا‬                         ‫ال‬
 ‫أو ً: استخدم أعداء الدين قديمً وسيلة التشويه، فحاولوا تشويه صورة النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫عند العرب لكيال يقبل دعوته أحد، واستمع إلى ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية يقول:عن ابن‬
     ‫عباس رضي اهلل عنهما أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد‬
 ‫حضر الموسم -يعني موسم الحج- فقال: إن وفود العرب سوف تقدم عليكم فيه، وقد علموا بأمر‬
                    ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫صاحبكم هذاـ يعني رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فأجمعوا فيه رأيً واحدً، وال تختلفوا فيه‬
                                  ‫ا‬                                       ‫ا‬
                         ‫فيكذب بعضكم بعضً، فقيل: يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيً نقول به.‬
  ‫فقال: بل أنتم فقولوا، وأنا اسمع، فقالوا: نقول: كاهن، فقال: ما هو بكاهن، رأيت الكهان فما هو‬
   ‫بزمزة الكهان، فقالوا: نقول: مجنون، فقال: ماهو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو‬
      ‫بخنقه وال تخالجه وال وسوسته. فقالوا: نقول: شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر‬
  ‫برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: نقول: ساحر، قال: ما هو‬
                                      ‫بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه وال عقده.‬
 ‫قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: واهلل إن لقوله لحالوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجني،‬
                                                                     ‫ا‬
        ‫فما أنتم بقائلين شيئً من هذا إال عرف أنه باطل. وإن أقرب القول أن تقولوا: هذا ساحر،‬
 ‫فتقولون: هو ساحر، يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء‬
                                                                    ‫وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك.‬
   ‫فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم فال يمر بهم أحد إال حذروه إياه وذكروا لهم أمره ـ‬
                                                        ‫يعني يقولون لهم: احذروا هذا الساحرـ.‬
           ‫هذه صورة واحدة من صور كثيرة قد ذكرت في كتب السيرة ال نريد اإلطالة بذكرها.‬
 ‫أيها الموحدون: هذا وما يلقاه اإلسالم اليوم من حرب دعائية من خصومه بحيث تسلطت األجهزة‬
       ‫اليهودية والصليبية والشيوعية والمنافقين، كل أجهزتهم ووسائلهم اإلعالمية لتشويه اإلسالم‬
                                                             ‫ا‬
                       ‫وتصويره ديناً وثنياً أو إرهابيً أو متخلفاً يمثل حضارة الجمل والصحراء.‬
        ‫وهذا دليل على استمرار هذا الخط الدعائي ضد اإلسالم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى‬
       ‫يصورون المسلمين بأنهم متخلفون ألنهم متمسكون بإسالمهم ويحملون اإلسالم كل التخلف‬
‫الحضاري الموجود عند المسلمين، ويمثلون الصحوة اإلسالمية المعاصرة بأنها يقودها األصوليون‬
      ‫والمتطرفون الذين يريدون تدمير كل منتجات الحضارة البشرية المعاصرة ويريدون العودة‬
                                                ‫بالبشرية إلى القرون الوسطى وعهود التخلف.‬
   ‫وال شك أن تلك مغالطة مكشوفة ودسيسة معروفة يردها العاقل اللبيب ويرفضها كل ذي فطرة‬
                                                                                       ‫سليمة.‬
                                    ‫ً‬
 ‫ولعلنا أن نتحدث عنها في خطبة أخرى بتوسع، حيث كثيرا ما يربط أعداء المسلمين بين اإلسالم‬
 ‫وبين ما عليه المسلمون اليوم من تخلف، ويعزون ذلك إلى التمسك باإلسالم حتى اشتبه ذلك على‬
                                                 ‫قليلي الدين والعلم من المسلمين وقالوا بقولهم.‬
 ‫ونقف إخوة اإليمان مع هذا الموقف العجيب ألعداء اإلسالم من كفار قريش حيث نتأمل كلماتهم.‬
    ‫الوقفة األولى: اجتماعهم قبل موسم الحج لعلمهم بأن الحجاج قادمون، وسيسمعون كالم محمد‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم. ولعلمهم بقوة تأثير كالمه عليه الصالة والسالم وقوة القرآن الذي يدعو به‬
    ‫الناس خافوا أن يقبل منه أناس كثير ويدخلوا في دينه. فاجتمعوا ألجل ضرب الدعوة في هذا‬
 ‫الموسم العظيم حتى ال تكبر و يصبح لها أتباع. وذلك هو الذكاء الشيطاني الذي أوحى إلى أولئك‬
                                                         ‫بهذا االجتماع في ذلك الوقت بالذات.‬
  ‫الوقفة الثانية: رد الوليد بن المغيرة لكل االقتراحات التي اقترحوها ليقولوا بأن رسول اهلل صلى‬
                         ‫اهلل عليه وسلم شاعر أو مجنون أو كاهن. لعدم جدواها وبيان بطالنها.‬
    ‫فهو يعرف أن للناس عقوالً تفكر بها وليس لمجرد أن يقال لهم هذا الرجل كاهن أو شاعر أو‬
   ‫مجنون سيصدقون بل إذا نظروا في أمره صلى اهلل عليه وسلم فسرعان ما تنكشف عندهم تلك‬
  ‫الدعاوى الكاذبة. وفي هذا عبرة لكل مسلم بل لكل عاقل أن ال يتأثر بالدعاوى الباطلة، بل عليه‬
   ‫أن ينظر في األمور ويتأمل ليعلم صدقها من كذبها، فقد يسمع إنسان منا عن التمسك بالدين أنه‬
‫تشدد وأنه تنطع، وأنه يجب على من تمسك بدينه أن ال يضحك وال يرفه عن نفسه بأي شيء. بل‬
 ‫عليه أن يمكث في بيته أو عمله فقط وال يخرج وال يذهب وغير ذلك مما ينتشر حول من يتمسك‬
‫بدينه. فتأمل بعقلك وانظر بعينك وال تسلم عقلك ألحد ليفعل فيه ما شاء أو يمأله بما شاء، فإن لك‬
                                                                                         ‫ال‬
                                                                                 ‫عق ً كما له.‬
   ‫ومثل هذه األمور ينبغي أن ال تؤخذ مسلمات من أي أحد، بل ينظر العاقل فيها ويعلم الحق من‬
   ‫الباطل. روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي اهلل عنه قال: قدم ضماد مكة وهو رجل‬
‫من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح ـ يعني الجنون ومس الجن ـ، فسمع سفهاء من أهل‬
   ‫مكة يقولون: إن محمداً مجنون، فقال: أين هذا الرجل لعل اهلل أن يشفيه على يدي؟ قال: فلقيت‬
‫محمداً فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن اهلل يشفي على يدي من شاء، فهلم. فقال محمد صلى‬
‫اهلل عليه وسلم: ((إن الحمد هلل نحمده ونستعينه من يهده اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادي له،‬
        ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل ال شريك له)) ثالث مرات. فقال الرجل: أعد علي كلماتك هؤالء،‬
   ‫فأعادهن عليه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ثالث مرات. فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول‬
‫السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤالء ولقد بلغن قاموس البحر. ثم قال: هات يدك‬
   ‫أبايعك على اإلسالم. قال: فبايعه فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وعلى قومك، قال وعلى‬
                                                                                           ‫قومي.‬
   ‫فتأمل في حال السفهاء كيف يشوهون صورة الداعية األول محمد صلى اهلل عليه وسلم. وتأمل‬
    ‫حال ذلك الرجل العاقل عندما سمع كالم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كيف عرف أنه حق،‬
  ‫وأنه رسول وأسلم على يديه. وتأمل لو أنه سمع كالم أولئك الذين شوهوا صورة رسول اهلل ولم‬
 ‫يسمع من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وذهب إلى قومه بتلك الصورة المشوهة عن رسول اهلل‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم ماذا كان سيحدث؟ هل كان سيصبح من المسلمين؟! ال شك أنه لم يكن ليسلم‬
    ‫لو صدق سفهاء قريش وذهب دون أن يسمع من رسول اهلل . ولكن العاقل كما يقولون خصيم‬
                                                                                            ‫نفسه.‬
                           ‫ً‬      ‫ا‬
             ‫فهذه وسيلة من الوسائل التي استخدمها أعداء هذا الدين قديمً وحديثا لحرب اإلسالم.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫ً‬
    ‫الحمد هلل حمدا ال ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، والصالة والسالم على أشرف األنبياء محمد‬
                                                                    ‫وعلى آله وصحبه ومن تعبد.‬
                                                                                            ‫وبعد:‬
                                                           ‫ا‬
  ‫واستخدم أعداء اإلسالم قديمً وسيلة أخرى وهي وسيلة الترغيب واإلغراء بعرض الدنيا الزائل‬
    ‫بغية صرف الرسول عن دينه والعمل به والدعوة إليه. قال ابن كثير في البداية والنهاية: "قال‬
   ‫اإلمام عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد اهلل قال: (اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا‬
     ‫أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب‬
 ‫ديننا، فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا‬
     ‫الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبداهلل؟ فسكت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫فقال: أنت خير أم عبدالمطلب؟ فسكت رسول اهلل . فإن كنت تزعم أن هؤالء خير منك، فقد عبدوا‬
  ‫اآللهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك. إنا واهلل ما رأينا سخلة‬
 ‫قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى‬
                                     ‫ا‬                  ‫ا‬
‫لقد طار فيهم، أن في قريش ساحرً، وأن في قريش كاهنً، واهلل ما ننتظر إال مثل صيحة الحبلى،‬
                                                 ‫أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى.‬
        ‫ال‬
   ‫أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أغنى قريش رج ً، وإن‬
           ‫ا‬
‫كان إنما بك الباه - يعني حب النساء - فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرً. فقال رسول‬
‫الر م‬          ‫ل م الر‬
‫اهلل : ((فرغت؟ قال: نعم. فقال رسول اهلل بسم اهلل الرحمن الرحيم: حم تَنزِي ٌ ّنَ َّحْمَانِ َّحِي ِ‬
 ‫ِتَا ٌ ُ ّلَتْ ءايَا ُه ُرْءاناً ع َ ِ ّاً ّقَو ٍ َعْلَ ُونَ إلى أن بلغ فَِنْ أَع َ ُواْ فَقلْ أَنذَرْ ُ ُمْ صَاع َ ً ّث َ‬
 ‫ِقة م ْل‬        ‫تك‬            ‫إ ْرض ُ‬                            ‫َربي ل ْم ي م‬                   ‫تُ ق‬           ‫ك ب فص‬
                                                                       ‫وم‬
    ‫صَاعِقَةِ عَادٍ َثَ ُودَ [فصلت:25]. فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: ال. فرجع عتبة‬
                                                                                      ‫خائباً إلى بقية كفار قريش)).‬
                  ‫ال‬
     ‫وفي رواية ابن إسحاق أنهم قالوا له : فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب ما ً، جمعنا لك من‬
                                                            ‫ال‬
   ‫أموالنا حتى تكون أكثرنا ما ً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد‬
                                              ‫ا‬
    ‫ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيً من الجن تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في‬
                                                                     ‫طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.‬
       ‫فقال رسول اهلل : ((ما بي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم، وال الشرف فيكم، وال الملك‬
       ‫ا‬      ‫ا‬                         ‫ا‬                ‫ال‬
      ‫عليكم، ولكن اهلل بعثني إليكم رسو ً، وأنزل علي كتابً، وأمرني أن أكون لكم بشيرً ونذيرً،‬
‫فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا واآلخرة، وإن‬
                                                ‫تردوه علي أصبر ألمر اهلل حتى يحكم اهلل بيننا وبينكم..)).‬
   ‫وهكذا أيها المؤمنون جاءت اإلغراءات المادية والمساومات لرسول اهلل لكي يترك الدعوة التي‬
‫ا‬                   ‫ا‬
‫جاء بها. وذلك لم يحدث من قريش إال بعد أن استخدمت وسائل أخرى وطرقً كثيرة فلم تجدِ شيئً‬
‫في حرب هذا الدين. فأقبلت بفتنة المال والجاه والشهوات تعرضها على الداعية األول عليه أفضل‬
    ‫الصالة والسالم. وهذه طريقة تستخدم اليوم مع المسلمين لصرفهم عن دينهم كذلك. والتنصير‬
‫الذي ينتشر في كثير من بالد المسلمين اليوم خير شاهد على ذلك. وما هذه الفتن التي تعرض في‬
                                        ‫وسائل اإلعالم إال نوع من فتنة اإلغراء بالشهوات إلفساد المسلم.‬
‫ولكن ليعلم كل مسلم أن اهلل ناصر هذا الدين، وستعلو كلمة اهلل، وأن المستقبل لهذا الدين كما أخبر‬
    ‫رسولنا ، فعن المقداد بن األسود يقول سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((ال يبقى‬
‫على األرض بيت مدر وال وبر إال أدخله اهلل اإلسالم، بعز عزيز أو بذل ذليل)) [رواه ابن حبان].‬

‫(5/7145)‬




                                                                                                   ‫رسائل في اإلجازة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب, موضوعات عامة‬
                                                                                ‫اغتنام األوقات, الترفيه والرياضة‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                        ‫محمد بن حامد القرني‬
                                                                                                                     ‫خميس مشيط‬
                                                                                                                 ‫جامع ابن مثيب‬
                                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- ثناء القرآن الكريم على األمة اإلسالمية. 7- لعن اليهود على لسان األنبياء بسبب تركهم‬
           ‫ا‬
     ‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 2- من الواجب علينا االهتمام بهذه الفريضة دومً ومنها‬
           ‫موسم اإلجازات. 4- اإلجازة موسم للمنافسة والتسابق إلى الخيرات. 1- أقسام الناس في‬
  ‫اإلجازة. 6- رسائل إلى المجتمع بمناسبة اإلجازة. 2- أخذ العظة والعبرة من الدنيا وانصرامها‬
                                                                                                                           ‫وزوالها.‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                          ‫أما بعد :‬
               ‫ال ا‬                                    ‫ا‬               ‫ا‬
    ‫أيها المؤمنون باهلل ربً، وباإلسالم دينً، وبمحمد عليه الصالة والسالم رسو ً ونبيً، يقول ربكم‬
‫ع م َ ِ وأ لئك‬                  ‫وي‬     ‫م ْر‬          ‫وي ُر‬               ‫و ك م ُ ُمة َ ع إل‬
‫تبارك وتعالى: َلْتَ ُن ّنْكمْ أ َّ ٌ يدْ ُونَ َِى الْخَيْرِ َ َأْم ُونَ بِالْ َع ُوفِ َ َنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْكر َُوَْ ِ َ‬
                ‫مر‬          ‫ك ُ ْ ُم أ رج ِلن‬                                                  ‫ُم م لح‬
             ‫ه ُ الْ ُفِْ ُونَ [آل عمران:405]. ويقول عز وجل: ُنتمْ خَيرَ أ َّةٍ ُخْ ِ َتْ ل َّاسِ تَأْ ُ ُونَ‬
‫له م ُم م من ن‬                       ‫ن‬            ‫م ْل ك‬                 ‫ع م َر وت من ن ِالله و‬                         ‫و‬    ‫م ْر‬
‫بِالْ َع ُوفِ َتَنْهَوْنَ َنِ الْ ُنْك ِ َ ُؤْ ِ ُو َ ب َّ ِ َلَوْ ءا َنَ أَه ُ الْ ِتَابِ لَكَا َ خَيْراً َّ ُمْ ّنْه ُ الْ ُؤْ ِ ُو َ‬
                                                                                                      ‫ق‬          ‫و ر ُم‬
                                                                                   ‫َأَكْثَ ُه ُ الْفَاسِ ُونَ [آل عمران:055].‬
‫هذا المدح، وهذا الثناء ألمة محمد عليه الصالة والسالم، ألنها أمة ربانية، أمة خالدة، تحب الخير‬
    ‫وتدعو إليه، وتبغض الشر وتنهى عنه، أما أن تعيش األمة هائمة عمياء، ال أمر بمعروف، وال‬
                    ‫ا‬
    ‫نهي عن منكر، فحينئذٍ تنقلب الموازين، وتختلف المقاييس، فينقلب المدح قدحً، وتنقلب الخيرية‬
     ‫عل لس‬           ‫َر م بن إ‬             ‫لع الذ‬
  ‫إلى لعنة من اهلل، كما حصل ذلك في بني إسرائيل ُ ِنَ َّ ِينَ كَف ُواْ ِن َ ِى ِسْراءيلَ ََى ِ َانِ‬
  ‫ل بم‬                                          ‫و ن ي د‬                 ‫ب ع‬             ‫د و د وع س ن م َ‬
 ‫َا ُو َ َ ِي َى ابْ ِ َرْيمَ ذالِكَ ِمَا َصَوْا َّكَا ُواْ َعْتَ ُونَ [المائدة:12]. لماذا هذه اللعنة؟؟ ذاِكَ ِ َا‬
           ‫ع م َر عل ُ‬                  ‫ي‬        ‫ن‬                                    ‫و ن ي َد ن‬                ‫ع‬
           ‫َصَوْا َّكَا ُواْ َعْت ُو َ هل هذا هو سبب اللعنة فقط؟!! ال كَا ُواْ الَ َتَنَاهَوْنَ َن ُّنك ٍ فَ َُوه‬
  ‫[المائدة:42]. عطلوا وظيفة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يرى أحدهم صاحبه في المنكر‬
                                                                            ‫فال ينهاه، وال يرشده، وحينئذٍ تقع لعنة اهلل.‬
       ‫قال ابن عباس رضي اهلل عنهما: (لعنوا في التوراة واإلنجيل والزبور وفي الفرقان) - يعني‬
                                 ‫ً‬
    ‫القرآن- فال إله إال اهلل، ما أشد تلك اللعنة، على من رأى منكرا فلم ينكره، أو ينه عنه، ويحذر‬
                                                                                                                                 ‫منه.‬
            ‫روى اإلمام أحمد قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((لما وقعت بنو إسرائيل في‬
 ‫المعاصي؛ نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم ،وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب اهلل‬
            ‫و ن‬          ‫بم ع‬
         ‫قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذالِكَ ِ َا َصَوْا َّكَا ُواْ‬
                                                                                                    ‫ي َد ن‬
                                                                                                 ‫َعْت ُو َ)).‬
   ‫وروى أبو داود عن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن أول ما‬
   ‫دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق اهلل ودع ما تصنع،‬
 ‫فإنه ال يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فال يمنعه ذلك، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك‬
     ‫دو د‬         ‫عل ل‬          ‫َر م بن إ‬             ‫لع َّذ‬
     ‫ضرب اهلل قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ُ ِنَ ال ِينَ كَف ُواْ ِن َ ِى ِسْراءيلَ ََى ِسَانِ َا ُو َ‬
                                                    ‫و ن ي َد‬               ‫وع س ن م َ ك بم ع‬
                                   ‫َ ِي َى ابْ ِ َرْيمَ ذالِ َ ِ َا َصَوْا َّكَا ُواْ َعْت ُونَ [المائدة:12].‬
    ‫ثم قال: كال واهلل، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه‬
                                                      ‫ا‬                       ‫ا‬
                                                   ‫على الحق أطرً، أو تقصرنه عن الحق قصرً)).‬
  ‫واألحاديث في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، منها قوله عليه الصالة والسالم:‬
    ‫((والذي نفسي بيده، لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اهلل أن يبعث عليكم‬
                                                                                            ‫ا‬
                                                      ‫عقابً من عنده، ثم لتدعنه، فال يستجاب لكم)).‬
                                                                                              ‫أيها األحبة :‬
                                                          ‫ا‬
      ‫ومن منطلق هذه األحاديث، وهروبً من ذاك الوعيد، كان لزاماً علينا، أن نأتمر بالمعروف،‬
   ‫ونتناهى عن المنكر، كل بحسب حاله، أال وإن من مواسم المنكرات، كما هي مواسم للطاعات،‬
       ‫مواسم اإلجازات، فها نحن نطرق األبواب إلجازة الربيع، ومنها أوجه الرسالة التالية بهذه‬
                                                                                                  ‫المناسبة:‬
                                                                                               ‫أيها األحبة:‬
     ‫كم هو مبهج أن يرتاح اإلنسان بعد كد، وأن يتنفس بعد عناء، ولكن المؤمن الصادق مع ربه‬
‫يعرف كيف يرتاح ومتى يتنفس، بعمق المؤمن الحق ليس له راحة في هذه الدنيا، حتى يطأ بقدميه‬
  ‫و ُ‬
‫جنة عرضها السماوات واألرض، أما ما دام في هذه الدنيا، فهو في ابتالء وامتحان، شعاره َاعْبدْ‬
                                                                     ‫َبك َت تي يق ن‬
   ‫ر َّ َ ح َّى يَأْ ِ َكَ الْ َ ِي ُ [الحجر:44]. اعبده مخلصاً في عبادته، اعبده صادقاً في عبادته ،اعبده‬
      ‫طالباً لجنته، اعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وواهلل لو عبدت اهلل ألف سنة ما‬
 ‫عصيته فيها طرفة عين، ما أديت شكر نعمة واحدة من نعم اهلل عليك، كيف بك لو علمت بأن هلل‬
                                                                         ‫ا‬
     ‫مالئكة ركعاً سجدً، يعبدون اهلل في كل ثانية، ويدعونه، ومن دعائهم قولهم: سبحانك ربنا ما‬
                                                                                    ‫عبدناك حق عبادتك.‬
 ‫قال عليه الصالة والسالم: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع، إال عليه‬
         ‫ملك واضع جبهته ساجداً هلل تعالى)) فال بد من التنافس في الطاعات فاستبقوا الخيرات .‬
    ‫لكن ال بأس من التزود بحالل الدنيا ليساعد على التزود لآلخرة، وهذه هي نظرة المؤمن لهذه‬
                                        ‫اإلجازة، ولذلك فالناس في هذه األيام منقسمون إلى قسمين:‬
‫قسم عرف أن هذه إجازة وضعت بعد عناء فصل دراسي فأخذ أبناءه إلى رحلة لطيفة مباحة بعيدة‬
  ‫عن الشبهات والمعاصي أو أخذ أبناءه إلى بيت اهلل الحرام أو إلى مسجد الحبيب صلى اهلل عليه‬
‫وسلم واستغل إجازته في طاعة اهلل وتقرب إلى اهلل، فنعم القوم هم، وبارك اهلل في ابن تذكر والده‬
    ‫أو والدته فزارها في هذه اإلجازة، أو قريب تذكر رحمه في هذه األيام فوصلها، فكسب بذلك‬
                         ‫الحسنى ((من أحب أن يبسط له في رزقه و ينسأ له في أثره فليصل رحمه)).‬
     ‫وقسم آخر عرف أن هذه إجازة أيام وتنقضي، فنكس حساباته، وأعمى بصيرته ،فقضاها في‬
 ‫الحرام، ضياع ولهو وفجور، وعن ذكر اهلل سهو، خرج إلى حيث اختالطات البشرية، وانكشاف‬
 ‫محارم الناس، أضاع دنياه وأخراه، أو ذهب إلى فضائل األعمال، وقد عق والديه، وقطع رحمه،‬
‫وأفسد أهله وعشيرته، فمثل هذا، أنقل له بشرى من هذا المكان الطاهر، بلعنة اهلل الماحقة ألعماله‬
     ‫َّذ ع ُم الله َمه‬                              ‫ْ وت طع َ م ُ‬                  ‫ت ِد ْ ف‬         ‫َ عس ُ إ َل ُ‬
   ‫فَهلْ َ َيْتمْ ِن تَوَّيْتمْ أَن ُفْس ُوا ِى األرضِ َ ُقَ ّ ُواْ أرْحَا َكمْ أَوْلَئِكَ ال ِينَ لَ َنَه ُ َّ ُ فَأَص َّ ُمْ‬
                                                                                                    ‫و م ص ه‬
                                                                                    ‫َأَعْ َى أَبْ َارَ ُمْ [محمد:77-27].‬
‫أصمهم وأعمى أبصارهم، فيسمعون المواعظ، وال يتعظون، والزواجر فال ينزجرون، كأن الكالم‬
   ‫ال يعنيهم، وكأن الموت ال يأتيهم، تاهلل وواهلل إنهم لفي ظلمات يعمهون، وفي ضاللة يسيرون،‬
  ‫دعاؤهم ال يستجاب، وبرهم ال يرفع، وقلوبهم ال تخشع، كأنما أشربت قلوبهم الدنيا فصارت لهم‬
     ‫ْم ح ُّ م ش‬                     ‫ا‬                                                   ‫ا‬
   ‫زاداً وشرابً، وكأنما نسوا المرجع إلى اهلل، فكانوا ال يرجون حسابً، ذَلِكَ الْيَو ُ الْ َق فَ َن َاء‬
    ‫ْم ي ُر َ م َدم َد ه و ق ل ِر َ تن‬                                       ‫ُ َ ً َر‬                  ‫ات َ إ ربه م ِن‬
   ‫َّخذَ ِلَى َ ّ ِ َئَاباً إ َّا أَنذَرْنَاكمْ عذَابا ق ِيباً يَو َ َنظ ُ الْمرْء َا ق َّ َتْ ي َا ُ َيَ ُو ُ الْكَاف ُ يَاليْ َ ِى‬
                                                                                                                    ‫كتت‬
                                                                                                ‫ُن ُ ُراباً [النبأ:42-04].‬
                                                                                                          ‫فيا أيها المؤمنون :‬
   ‫أيام العمر قليلة، وأقل منها أيام اإلجازة، وواهلل إنها لشاهدة لكم أو عليكم فاعمروها بالطاعات،‬
                 ‫س‬
  ‫قبل أن تهدمكم بالسيئات، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اهلل، ثم توفى كل نف ٍ ما كسبت وهم ال‬
                                                                                                                        ‫يظلمون.‬
                                                           ‫كأن المنايا قد قصدن إليك يردنك فانظر ما لهن لديك‬
                                                       ‫سيأتيك يوم لست فيه بمكرم بأكثر من حثو التراب عليك‬
                                                                                                               ‫الرسالة الثانية:‬
‫إلى عصب األمة وشريانها النابض، إلى من يؤمل فيهم كل خير، ويرجى منهم كل نفع ،إليك أيها‬
                                                                                                                          ‫الشاب.‬
      ‫أخي الشاب :ما نسبك، ومن قدوتك، وما هدفك، وكيف السبيل إليه ؟؟ أسئلة إن لم تتردد في‬
                                                                    ‫ذهنك، فإني أخشى عليك عقاباً ال تصبر عليه.‬
  ‫أما نسبك فأنت ابن خالد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وحنظلة، وسعد، والفاروق، وعلي بن أبي‬
      ‫ا‬     ‫ا‬
      ‫طالب، هؤالء هم آباؤك وأجدادك، واسأل التأريخ يخبرك بصدق قولي، فال تكن ابنً مشوهً‬
                               ‫ً‬
           ‫لصورة أجداده، فإن التأريخ ينتظر منك عمالً تثبت به أنك ابناً بارا رافعاً لرؤوس آبائه.‬
 ‫اسمح لي أخي أن أخاطب فيك عقلك الواعي وقلبك الحافظ، كل منا أنا أو أنت وغيري وغيرك،‬
‫قد جعل لنفسه قدوة على اختالف النظرات، فمنا من جعل قدوته حبيب القلوب محمد عليه الصالة‬
   ‫والسالم، ومنا جعل قدوته مطرباً أو العباً أو الهياً أو غير ذلك، فهل قدوتك في ذهنك سينفعك‬
  ‫بعد موتك ؟؟! هل سيشفع لك عند اهلل ويجادل عنك حتى يدخلك الجنة؟؟ أم أنك ستعجب به اآلن‬
   ‫وتستمتع لغنائه، وتعجب بحركاته وسكناته، ثم يوم القيامة، يلعن بعضكم بعضاً، وتتسابون بين‬
                        ‫يدي اهلل .. إني أدع اإلجابة لك ألني متيقن بأن اهلل سيهديك للصواب...‬
‫أخي الشاب: ال تضيع وقتك خالل اإلجازة في قيل وقال، وفي لهو ولعب، فأمتك تنتظر منك أعلى‬
   ‫من ذلك، إخوانك في بالد اإلسالم يقتلون، ويذبحون، ويرفعون شعار اإلسالم ،فكن معهم على‬
                                                                             ‫األقل بقلبك ودعائك.‬
    ‫و‬
  ‫أيها المؤمنون: رسالة عامة إلى كل مسلم حدث منه تعلق بالدنيا، وانغرار بزخرفها الزائل، َما‬
                                                                 ‫ة الد ِال م ع غر‬
                                              ‫الْحيا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْ ُ ُورِ [آل عمران:115].‬
                              ‫نصحتك فاستمع قولي ونصحي ……فمثلك قد يدل إلى الصواب‬
                                   ‫خلقنا للممات ولو تركنا ……لضاق بنا الفسيح من الرحاب‬
                                         ‫ينادي في صبيحة كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب‬
 ‫فيا من غرته الدنيا وزخرفها .. تفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته ..‬
 ‫ا‬
 ‫فيا للموت من وعد حق ما أصدقه .. ومن حاكم ما أعدله .. كفى بالموت مقرحاً للقلوب، ومبكيً‬
                            ‫للعيون .. ومفرقاً للجماعات .. وهادماً للذات..وقاطعاً لألمنيات ..‬
    ‫اسمع لنداءات صادقة من أخ لك يحب لك الخير، إنه أبو الدرداء رضي اهلل عنه، إنها نداءات‬
                                                                ‫ا‬
 ‫تقرع قلب المؤمن قرعً، ينادي عند احتضاره، ويقول: (أال رجل يعمل لمثل مصرعي هذا !! أال‬
                             ‫رجل يعمل لمثل ساعتي هذه !! أال رجل يعمل لمثل يومي هذا)!!‬
                                                                                        ‫أيها األخ :‬
                                                                    ‫ا‬
     ‫لو أنك أخلفت موعدً مع مخلوق الستحيت من مقابلته، فكيف تعصي اهلل وتقابله ،وقد أخلفت‬
                                                                                 ‫موعده وعصيته.‬
                                                                                          ‫إخواني :‬
      ‫كيف األمن والراحة واالغترار بالدنيا، وهذا الفاروق يقول: (لو أن لي طالع األرض ذهبً‬
      ‫ا‬
    ‫وفضة، الفتديت بها، ولما طعن رضي اهلل عنه، قال البنه: ضع يدي على خدي على التراب‬
‫فوضعه، فبكى، حتى لصق الطين بعينيه وجعل يقول: .. ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي..).‬
‫فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا انتقلت من سعة إلى ضيق،‬
      ‫وخانك الصاحب والرفيق وهجرك األخ والصديق .. وأخذت من فراشك وغطائك إلى قبر،‬
   ‫ال‬
   ‫وغطوك بعد لين بتراب وقذر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان، ليس لك واهلل من مال إ ّ‬
                                                                                         ‫األكفان ..‬
                                      ‫ا‬                  ‫ً‬        ‫ا‬
                                      ‫مثل وقوفك يوم العرض عريانً …مستوحشا قلق األحشاء حيرانً‬
                               ‫ا‬
                               ‫النار تلهب من غيض ومن حنق …على العصاة ورب العرش غضبانً‬
                                    ‫اقرأ كتابك يا نفس،ي على مهل …فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا‬
                                           ‫ا‬
                                           ‫لما قرأت ولم تنكر قراءته …إقرار من عرف األشياء عرفانً‬
                                  ‫ا‬
                                  ‫نادى الجليل: خذوه يا مالئكتي …وامضوا بعبد عصى للنار عطشانً‬
                                         ‫ا‬
                                         ‫المشركون غداً في النار يلتهبوا …والمؤمنون بدار الخلد سكانً‬
                     ‫اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار .... أقول قولي هذا وأستغفر اهلل ....‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                    ‫ال‬                                ‫ال‬
  ‫الحمد هلل ولي الصالحين، وال عدوان إ ّ على الظالمين، وأشهد أن ال إله إ ّ اهلل وحده ال شريك‬
                          ‫ا‬
   ‫له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيرً وداعيا إلى اهللً بإذنه‬
                                                                              ‫ا‬
 ‫وسراجً منيراً، اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه، واستن بسنته إلى‬
                                                                                   ‫ا‬     ‫ا‬
                                                                                 ‫يوم الدين وسلم تسليمً كثيرً .‬
                                                                                                            ‫أما بعد :‬
 ‫فاعلموا عباد اهلل أنكم تقطعون بأيامكم هذه مراحل إلى المستقر األخير، وواهلل ليس بعد الدنيا من‬
                                                                                     ‫ال‬
 ‫دار إ ّ الجنة أو النار، كم كانت النفوس متشوقة لهذه اإلجازة، فها هي تعيشها اآلن، مرت األيام،‬
                                                                                                   ‫وما تزال تمر :‬
                                                 ‫إنا لنفرح باأليام نقطعها وكل يوم مضى يدني من األجل‬
‫قال أبو الدرداء رضي اهلل عنه: يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما مضى منك يوم مضى منك بعضك.‬
     ‫فاحرصوا عباد اهلل على استغالل أوقات العمر وسويعاته، فالمرء بين يدي اهلل يسأل عن هذا‬
  ‫الوقت، فيم قضاه، كيف استغله، قال عليه الصالة والسالم: ((لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى‬
     ‫يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أباله، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما‬
                                                                             ‫أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به)).‬
 ‫والشباب جزء من الوقت، لكن لما كان الشباب زمن القوة والنشاط، زمن الحيوية والعمل، خص‬
                                                            ‫بالسؤال في الحديث: ((وعن شبابه فيما أباله)).‬
     ‫إذا كان األمر كذلك، فلنقدم لنا عمالً نلقاه عند اهلل شافعاً لنا، وويل ثم ويل لمن أهدر وقته في‬
        ‫َب‬
     ‫الملهيات والضياع واللهو، فأضاع دنياه وآخرته، ثم يوم القيامة يكون مع الذين يقولون: ر َّنَا‬
     ‫وَ نعم ُ م ي َّر ف م‬                                        ‫ْ َّ ُن َل‬                           ‫م‬             ‫ْ‬
    ‫أَخرِجْنَا نَعْ َلْ صَالِحاً غَيرَ الذِى ك َّا نَعْم ُ [فاطر:22]. قال اهلل: أَ َلمْ ُ َ ّرْكمْ َّا َتَذَك ُ ِيهِ َن‬
                                                        ‫ِلظ لم ن م ن‬               ‫َ َكر ج ُم الن ُ َذ ق‬
                                        ‫تذ َّ َ وَ َاءك ُ َّذِير ف ُو ُواْ فَمَا ل َّاِ ِي َ ِن َّصِيرٍ [فاطر:22].‬
                                                                                                          ‫عباد اهلل :‬
  ‫إياكم واالغترار بالدنيا فإنها ظل زائل، تضحك مرة، وتبكي مرات، تفرح مرة، وتحزن مرات،‬
   ‫به نب ت‬                  ‫ز ه م السم‬                        ‫الد‬         ‫ِنم م َل‬
   ‫وهي سجن المؤمن، وجنة الكافر، إَّ َا َث ُ الْحياةِ ُّنْيَا كَمَاء أَن َلْنَا ُ ِنَ َّ َاء فَاخْتَلَطَ ِ ِ َ َا ُ‬
‫األرضِ م َّا يَأْ ُ ُ َّا ُ َاالْنْعَا ُ ح َّى إ َا أَخذَتِ االر ُ ُخرفَهَا َازَّنَتْ وَظ َّ أَهُْ َا أ َّهم َا ِ ُو َ‬
‫َن له َن ُ ْ ق در ن‬                  ‫ْ ْض ز ْ ُ و َّي‬          ‫م َت ِذ َ‬                 ‫ِم كل الن س و‬            ‫ْ‬
      ‫َلَيْهَا أَتَاهَا أَم ُنَا لَيْالً أَوْ نَ َا ًا فَ َ َلْنَاهَا َ ِي ًا كََن لمْ تَغْنَ بِاالْمْ ِ َذالِكَ ُفَ ّ ُ اآليَاتِ لقَو ٍ‬
      ‫ِ ْم‬            ‫ن صل‬          ‫سك‬                    ‫حص د أ َّ‬              ‫ه ر جع‬                          ‫ْر‬                    ‫ع‬
                                                                                                                       ‫ي َكر‬
                                                                                                         ‫َتَف َّ ُونَ [يونس:47].‬
      ‫حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فاليوم عمل وال حساب،‬
                                                                                                       ‫وغداً حساب وال عمل.‬
   ‫اشغلوا أنفسكم في هذه اإلجازة بخير، عليكم بحلق القرآن والذكر، عليكم بمطالعة الكتب النافعة،‬
     ‫عليكم ببر الوالدين وصلة األرحام وأعمال البر، فإنها خير ما تعمر به األوقات واإلجازات ..‬
 ‫ِن الل وم ئ ه ي َل عل‬
‫هذا وصلوا وسلموا على من أمركم اهلل بالصالة والسالم عليه بقوله: إ َّ َّهَ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى‬
                                                            ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫النبى َيه َّذ ن من‬
                                          ‫َّ ِ ّ ياأ ُّ َا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيماً [األحزاب:61].‬

‫(5/2145)‬




                                                                                            ‫الجليس الصالح والجليس السوء‬
                                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                        ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                                         ‫عمر بن محمد السبيل‬
                                                                                                                      ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                                     ‫27/1/7745‬
                                                                                                                   ‫المسجد الحرام‬
                                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
                                                  ‫ا‬      ‫ً‬
      ‫5- اإلنسان يتأثر بجليسه خيرا أو شرً. 7- أحاديث في اختيار الجليس الصالح. 2- صفات‬
‫الجليس الصالح. 4- صفات جليس السوء. 1- كل صداقة مآلها ندامة إال صداقة المتقين. 6- من‬
                ‫أعظم أسباب االنحراف رفيق السوء. 2- ما هو دور الدعاة والمصلحين تجاه الفساد؟‬
                                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                 ‫أما بعد:‬
   ‫فيا أيها المسلمون: اتقوا اهلل حق تقاته، واستقيموا على طاعته ومرضاته، فلقد نادى سبحانه من‬
‫ِن َّذ َ ل ْ َب الله ُم ق م ال‬
‫أناب إليه واستقام بأكرم نداء وأحسن مقال، فقال عز شأنه: إ َّ ال ِين قَاُوا ر ُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَ َا ُواْ فَ َ‬
             ‫خَو ٌ َلَيْهمْ َالَ همْ يَحْ َ ُونَ ُوْلَئِكَ أَصْ َا ُ الْج َّةِ خَاِ ِين ِي َا ج َاء ِمَا كَا ُواْ َعْ َُو َ‬
             ‫ن ي مل ن‬              ‫ح ب َن لد َ ف ه َز ب‬                               ‫ْف ع ِ و ُ زن أ‬
                                                                                                     ‫[البقرة:12-42].‬
    ‫أال وإن أعظم ما يعين المسلم - يا عباد اهلل - على تحقيق التقوى، واالستقامة على نهج الحق‬
         ‫والهدى، مصاحبة األخيار، ومصافاة األبرار، والبعد عن قرناء السوء ومخالطة األشرار.‬
‫ألن اإلنسان بحكم طبعه البشري يتأثر بصفيه وجليسه، وتكتسب من أخالق قرينه وخليله، والمرء‬
    ‫إنما توزن أخالقه، وتعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه، كما قال عليه الصالة والسالم: ((الرجل‬
        ‫على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) [رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح](5)[5].‬
    ‫وقال ابن مسعود رضي اهلل عنه: (ما من شيء أدل على شيء؛ من الصاحب على الصاحب)،‬
                                             ‫ومن كالم بعض أهل الحكمة: (يظن بالمرء ما يظن بقرينه).‬
 ‫فال غرو حينئذٍ أن يعنى اإلسالم بشأن الصحبة والمجالسة أيما عناية، ويوليها بالغ الرعاية، حيث‬
          ‫وجه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كل فرد من أفراد األمة إلى العناية باختيار الجلساء‬
    ‫الصالحين، واصطفاء الرفقاء المتقين، فقال عليه الصالة والسالم: ((ال تصاحب إال مؤمنًا، وال‬
                                ‫يأكل طعامك إال تقي)) [رواه أبو داود والترمذي بإسناد حسن] (7)[7].‬
       ‫كما ضرب صلى اهلل عليه وسلم لألمة مثل الجليس الصالح والجليس السوء بشيء محسوس‬
                                                 ‫وظاهر، كل يدرك أثره وعاقبته، ومقدار نفعه أو ضرره.‬
  ‫فقد أخرج الشيخان عن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال:‬
      ‫((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن‬
‫يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن‬
                                                                                   ‫تجد منه ريحًا خبيثة)) (2)[2].‬
  ‫قال اإلمام ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث: (فيه النهي عن مجالسة من يتأذى من مجالسته في‬
                                          ‫الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما).‬
‫لذا .. فإن من الحزم والرشاد ، ورجاحة العقل وحصافة الرأي، أال يجالس المرء إال من يرى في‬
‫مجالسته ومؤاخاته النفع له في أمر دينه ودنياه، وإن خير األصحاب لصاحبه، وأنفع الجلساء على‬
                                                                ‫بر‬
  ‫جليسه من كان ذا ٍّ وتقى، ومروءة ونهى، ومكارم أخالق، ومحاسن آداب، وجميل عوائد، مع‬
                                                           ‫م‬
       ‫صفاء سريرة، ونفس أبية، وه ّة عالية، وتكمل صفاته ويجل قدره حين يكون من أهل العلم‬
                                                                                           ‫واألدب، والفقه والحكمة.‬
                                                                  ‫م‬
  ‫إذاً .. هذه صفات الك ّل من األنام الذين يأنس بهم الجليس، ويسعد بهم الصديق؛ إلخالصهم في‬
‫المودة، وإعانتهم على النائبة، وأمن جانبهم من كل غائلة، فمن وفق لصحبة من كانت هذه صفات‬
     ‫وأخالقه، وتلك شمائله وآدابه، فذلك عنوان سعادته، وأمارة توفيقه، فليستمسك بغرزه، وليعض‬
     ‫عليه بالنواجذ، وليرع له حق الصحبة بالوفاء والصدق معه، وتوقيره وإجالله، ومؤانسته حال‬
        ‫سروره، ومواساته حال مصيبته، وإعانته عند ضائقته، والتغاضي عن هفواته، والتغافل عن‬
                       ‫ال‬
‫زالته، إذ السالمة من ذلك أمر متعذر في طبع البشر، وحسب المرء فض ً أن تعد مثالبه ومعائبه.‬
                                           ‫ر‬
 ‫وإن شر األصحاب على صاحبه، وأسوأهم أث ًا على جليسه، من ضعفت ديانته وأخالقه، وخبثت‬
                                                         ‫م‬
     ‫سريرته، ولم تحمد سيرته، من ال ه ّ له إال في تحقيق مآربه وأهوائه، ونيل شهواته ورغباته،‬
        ‫ن‬
  ‫وإن كان على حساب دينه ومروءته، ولربما بلغ الحال في بعض هؤالء أال يقيم للدين وز ًا، وال‬
                                                                           ‫ر‬
    ‫للمروءة اعتبا ًا، وال يرى للصداقة حقًا، فمؤاخاة هذا وأمثاله ضرب من األنا، وسبيل من سبل‬
 ‫الشقا؛ لما قد يجلبه على صاحبه وجليسه من شر وبالء بصده عن ذكر اهلل وطاعته، وتثبيطه عن‬
  ‫مكارم األخالق ومقتضيات المروءة، وتعويده على بذاءة اللسان والفحش في الكالم، وحمله على‬
  ‫ارتكاب أنواع من الفسق والفجور واألخذ به في سبيل اللهو واللعب، وضياع األوقات فيما يضر‬
                  ‫وال ينفع من أنواع الملهيات والمغريات، وتبذير األموال في صنوف من المحرمات.‬
 ‫وليتأمل يا عباد اهلل في حال من ابتلوا بإدمان المسكرات، وتعاطي المخدرات، واقتراف الفواحش‬
     ‫والمنكرات، واكتساب األموال المحرمة من ربا ورشوة وغيرها من المكاسب الخبيثة، وما هم‬
              ‫عليه من سوء الحال في أنفسهم وأهليهم، وما كان لهم من أسوأ األثر على من يخالطهم‬
                                                                                                                   ‫ويصافيهم.‬
‫فمن شقاء المرء أن يجالس أمثال هؤالء الذين ليس في صحبته سوى الحسرة والندامة؛ ألنهم ربما‬
  ‫أفسدوا عليه دينه وأخالقه، حتى يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين، والغبن الفاحش‬
   ‫و ي َض الظ ِم عل َد ه ق ل ن ات ت الرس سب ال‬
   ‫يوم الدين، كما قال سبحانه: َيَوْمَ َع ُّ َّال ُ ََى ي َيْ ِ يَ ُو ُ يالَيْتَ ِى َّخَذْ ُ مَعَ َّ ُولِ َ ِي ً‬
‫ن و الش ن لإل ن َذ ال‬                        ‫َلن ع ذ ْ ب ِ‬                    ‫ل ل‬              ‫ن َ َتخ ْ ف‬                    ‫و‬
‫يا َيْلَتَا لَيْتَ ِى لمْ أ َّ ِذ ُالَناً خَِيالً َّقَدْ أَضَّ ِى َنِ ال ّكرِ َعْدَ إذْ جَاء ِى َكَانَ َّيْطَا ُ ِ ِنْسَا ِ خ ُو ً‬
                                                                                                         ‫[الفرقان:27-47].‬
‫فتلكم يا عباد اهلل بعض صفات من تحسن صحبتهم من أهل البر والتقى، واأللباب والنهى، وبعض‬
                                                                                      ‫ت‬
                          ‫صفا ٍ من يجب الحذر من مجالستهم من قرناء السوء وذوي الفسق والفجور.‬
                                                                                        ‫والناس بين ذلك على مراتب ..‬
         ‫فمنهم من إلى الخير والفضل أرجى، وآخرون إلى الشر والسوء أدنى، والحازم يزن الناس‬
                ‫ال‬
       ‫بميزان الشرع والعقل، فمن غلب خيره على شره، ونفعه على ضره، اتخذه خلي ً، واصطفاه‬
                                                                                                 ‫جليسًا، والعكس بالعكس.‬
  ‫ومن تحرى صحبة الصالحين وحرص على مجالسة المتقين، وفق لذلك على قدر نيته واجتهاده.‬
                    ‫ال‬
      ‫وليتذكر يا عباد اهلل أن كل صحبة وخلة فمآلها إلى العداوة والبغضاء، إن عاج ً أو آجالً، إال‬
                                           ‫مؤاخاة المتقين، فإنها الباقية الدائمة ألصحابها في الدنيا واآلخرة.‬
       ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل .. واسلكوا سبيل الراشدين، وانهجوا نهج المهتدين في مؤاخاة الصالحين،‬
  ‫ي م ِذ ب ض ُ‬
‫ومجالسة المتقين، والحذر من مجالسة الفاسقين والظالمين، فقد قال سبحانه: االْخِالء َوْ َئ ٍ َعْ ُهمْ‬
                                                                                          ‫َ ُو ِال ُتق‬             ‫لب‬
                                                                          ‫ِ َعْضٍ عد ٌّ إ َّ الْم َّ ِينَ [الزخرف:26].‬
                                                   ‫نفعني اهلل وإياكم بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين ..‬
     ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                                 ‫الرحيم.‬


                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                                 ‫د ر ب‬
‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على ما أنعم‬
 ‫د‬                      ‫ي‬
‫وأولى، وأكرم وأعطى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له العل ّ األعلى، وأشهد أن محم ًا‬
     ‫عبده ورسوله نبيه المصطفى، وخليله المجتبى، صلى اهلل عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أئمة‬
                                                      ‫الهدى، وبدور الدجى، ومن سار على هديهم واقتفى ..‬
                                                                                                                ‫أما بعد :‬
                                      ‫اتق الل حق ت ته و م ُن ِال و ت م لم‬
                   ‫فيا عباد اهلل .. َّ ُواْ َّهَ َ َّ ُقَا ِ ِ َالَ تَ ُوت َّ إ َّ َأَن ُم ُّسِْ ُونَ [آل عمران:705].‬
‫ولتتأملوا -رحمكم اهلل- حال كثير من الناس اليوم -وال سيما الناشئة- وما هم عليهم من انحراف‬
    ‫في العقائد واألخالق، وفساد في السلوك واآلداب، لتروا أن مرد ذلك ومنشأه في الغالب صحبة‬
          ‫األشرار وقرناء السوء، من دعاة الباطل واألهواء الذي أجلبوا بخيلهم ورجلهم عبر وسائل‬
           ‫متنوعة، وقنوات مختلفة، يبثون الشرور، وينشرون السموم؛ حتى انحرف كثير من ناشئة‬
   ‫المسلمين عن جادة الحق والرشاد، وطريق الفضيلة والصالح، وسلكوا مسالك الضاللة، ونهجوا‬
  ‫ل‬
  ‫دروب الغواية، رغم تحذير الحق عز وجل من طاعة أهل الباطل وذوي األهواء، حيث قال ج ّ‬
                                ‫ْر ُ فر‬         ‫به ع ذ ْر َاتب و ه و‬                                 ‫و ت م‬
                 ‫وعال: َالَ ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َن ِك ِنَا و َّ َعَ هَ َا ُ َكَانَ أَم ُه ُ ُطًا [الكهف:17].‬
                                       ‫ي‬
 ‫وإن هذا النذير شؤم وبالء على أمة اإلسالم، إن لم ُتدارك من المصلحين الغيورين على اإلسالم‬
          ‫وأهله، من العلماء والدعاة وأرباب الفكر وحملة األقالم، ورجال التربية واإلعالم في بالد‬
        ‫اإلسالم، ببذل الجهود وحشد الطاقات، واستغالل الوسائل النافعة المعينة على صالح الناشئة‬
                  ‫وتهذيب أخالقهم، وتقويم سلوكهم، والحيلولة دون تأثير دعاة السوء وأهل األهواء..‬
       ‫وإن المسئولية لتقع في الدرجة األولى على عاتق اآلباء واألمهات في العناية بفلذات األكباد،‬
  ‫وتنشئتهم على آداب الدين وتعاليم اإلسالم، وحفظهم من قرناء السوء ومخالطة األشرار ووسائل‬
    ‫الشر والفساد سعيًا في إصالحهم، وتحقيق ما يسعدهم في اآلجل والعاجل، وقيامًا بما أوجب اهلل‬
                                                                                     ‫تعالى لهم من رعاية وعناية..‬
    ‫فتلكم مسئولية األداء، ولترعوها حق الرعاية، امتثاالً لتوجيه اهلل عز وجل إذ يقول: ياأ ُّ َا ال ِي َ‬
    ‫َيه َّذ ن‬
 ‫ة ع ْ م ئ ة غ ظ ِد د ال ي ص الل م‬                              ‫ا َق ده الن س و‬           ‫من ْ ق أ فس ُ و ل ك‬
‫ءا َ ُوا ُواْ َن ُ َكمْ َأَهِْي ُمْ نَارً و ُو ُ َا َّا ُ َالْحِجَارَ ُ َلَيهَا َلَ ِكَ ٌ ِالَ ٌ ش َا ٌ َّ َعْ ُونَ َّهَ َا‬
                                                                                  ‫َ ُ وي عل ن ي َر‬
                                                                  ‫أَمرَهمْ َ َفْ َُو َ مَا ُؤْم ُونَ [التحريم:6].‬
  ‫ِن الله‬
  ‫أال وصلوا عباد اهلل على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم بذلك المولى جل وعال بقوله: إ َّ َّ َ‬
                         ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
       ‫َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيماً [األحزاب:61].‬
                                                                                                ‫__________‬
‫(5) سنن أبي داود : كتاب األدب – باب من يؤمر أن يجالس ، حديث (2214) ، سنن الترمذي :‬
       ‫كتاب الزهد – باب ما جاء في أخذ المال بحقه ، حديث (1227) ، وقال : حسن غريب.‬
   ‫(7) سنن أبي داود : كتاب األدب – باب يؤمر أن يجالس ، حديث (7214) ، سنن الترمذي :‬
‫كتاب الزهد – باب ما جاء في صحبة المؤمن ، حديث (1427) وقال : هذا حديث إنما نعرفه من‬
                                                                                                      ‫هذا الوجه.‬
  ‫(2) صحيح البخاري : كتاب الذبائح والصيد – باب المسك ، حديث (4211) ، صحيح مسلم :‬
                     ‫كتاب البر والصلة – باب استحباب مجالسة الصالحين . . . حديث (1767).‬

‫(5/4145)‬




                                                                                             ‫األمن نعمة عظمى‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                        ‫األسرة والمجتمع, موضوعات عامة‬
                                                                             ‫جرائم وحوادث, قضايا المجتمع‬
                                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                ‫علي بن عبد الرحمن الحذيفي‬
                                                                                                  ‫المدينة المنورة‬
                                                                                                   ‫27/1/7745‬
                                                                                                  ‫المسجد النبوي‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- نعمة األمن. 7- التفجيرات التي قام بها بعض البريطانيين في المملكة. 2- من حفظ اهلل‬
                                                                                                       ‫حفظه اهلل.‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                   ‫أما بعد:‬
        ‫وإ ُد ن م الل ال‬
        ‫فإن نعم اهلل على الخلق كثيرة ال تعد وال تحصى كما قال اهلل تعالى: َِن تَع ُّواْ ِعْ َةَ َّهِ َ‬
                                                                               ‫ل م َف ر‬                    ‫ت ص ِن‬
                                                                 ‫ُحْ ُوهَا إ َّ اإلنْسَانَ لَظَُو ٌ ك َّا ٌ [إبراهيم:42].‬
        ‫وأعظم النعم بعد اإليمان العافية واألمن، فاألمن ضد الخوف، األمن طمأنينة القلب وسكينته‬
‫وراحته وهدوؤه، فال يخاف اإلنسان مع األمن على الدين، وال على النفس، وال على العرض، وال‬
                                                                                       ‫على المال، وال على الحقوق.‬
            ‫فاألمن أصل من أصول الحياة البشرية، ال تزدهر الحياة وال تنمو وال تخلو بغير األمن.‬
  ‫ما قيمة المال إذا فقد األمن؟! ما طيب العيش إذا انعدم األمن ؟! كيف تنتعش مناشط الحياة بدون‬
                                                                                                                   ‫األمن؟!.‬
 ‫األمن تنبسط معه اآلمال، وتطمئن معه النفوس على عواقب السعي والعمل، وتتعدد أنشطة البشر‬
   ‫النافعة مع األمن، ويتبادلون المصالح والمنافع، وتكثر األعمال المتنوعة التي يحتاج إليها الناس‬
    ‫ت‬
 ‫في حياتهم مع األمن، وتدر الخيرات والبركات مع األمن، وتأمن السبل، وتتسع التجارات، و ُشيد‬
       ‫المصانع، ويزيد الحرث والنسل، وتحقن الدماء، وتحفظ األموال والحقوق، وتتيسر األرزاق،‬
                                      ‫ويعظم العمران، وتسعد وتبتهج الحياة في جميع مجاالتها مع األمن.‬
                                          ‫ن‬            ‫ك‬                                ‫ن‬
        ‫وقد امت ّ اهلل على الخلق بنعمة األمن، وذ ّرهم بهذه المّة، ليشكروا اهلل عليها، وليعبدوه في‬
‫ّ م َّ ُن ول ِن‬                ‫َر ت ُل‬            ‫وَ نمك له حر ا م ا ي ب إ‬
‫ظاللها، قال اهلل تعالى: أَ َلمْ ُ َ ّن َّ ُمْ َ َمً ءا ِنً ُجْ َى ِلَيْهِ ثَم َا ُ ك ّ شَىْء رزْقاً ّن لد َّا ََاك َّ‬
   ‫أَكْثرَ ُمْ الَ َعْلَ ُونَ [القصص:21]. وقال تعالى: فَلْ َعْ ُ ُواْ ر َّ َا َا الْ َيْتِ الذِى أَطْ َ َ ُم ّن ُو ٍ‬
   ‫عمه م ج ع‬              ‫ي بد َب ه ذ ب َّ‬                                                   ‫َ ه ي م‬
                                                                                                ‫ْ‬    ‫مه م‬
                                                                                   ‫وَءا َنَ ُم ّنْ خوفٍ [قريش2-4].‬
     ‫وعن عبيد اهلل بن محسن األنصاري رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
                                                      ‫ً‬
        ‫((من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا‬
                                                   ‫بحذافيرها)) [رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن"](5)[5].‬
            ‫واإلسالم عني أشد العناية باستتباب األمن في مجتمعه، فشرع األوامر، ونهى عن الفساد‬
    ‫ر َالت و و تع ون‬                ‫و ون عل‬
 ‫والشرور، وشرع الحدود والزواجر الرادعة، قال تعالى: َتَعَا َ ُواْ ََى الْب ِ و َّقْ َى َالَ َ َا َ ُواْ‬
                                                                                                     ‫عل إل ْم و ُ و‬
                                                                                     ‫ََى ا ِث ِ َالْعدْ َانِ [المائدة:7].‬
      ‫وأخبرنا اهلل تعالى أن األمن لمن عمل الصالحات، واستقام على سنن الهدى، وابتعد عن سبل‬
     ‫ُم ن ه م َد ن‬                            ‫َّذ ن من وَ ي بس إ م ُ ظ ْ أ‬
     ‫الفساد والردى، قال تعالى: ال ِي َ ءا َ ُواْ َلمْ َلْ ِ ُواْ ِي َانَهمْ بِ ُلمٍ ُوْلَئِكَ لَه ُ االْمْ ُ وَ ُمْ ُّهْت ُو َ‬
                                                                                                             ‫[األنعام:71].‬
                                ‫ل‬
        ‫وقد كان النبي صلى اهلل عليه وسلم إذا رأى الهالل قال: ((اللهم أهّه علينا باألمن واإليمان،‬
                                          ‫والسالمة واإلسالم، هالل خير ورشد، ربي وربك اهلل)) (7)[7].‬
                                                                  ‫ن‬
 ‫فاألمن نعمة كبرى، وم ّة من اهلل عظمى، إذا اختلفت نعمة األمن، أو فقدت فسدت الحياة، وشقيت‬
   ‫األمم، وساءت األحوال، وتغيرت النعم بأضدادها، فصار الخوف بدل األمن، والجوع بدل رغد‬
     ‫العيش، والفوضى بدل اجتماع الكلمة، والظلم والعدوان بدل العدل والرحمة.. عافانا اهلل بمنه‬
                                                                                                        ‫وكرمه..‬
  ‫فاشكروا اهلل واحمدوه على نعمة األمن، وعلى النعم الظاهرة والباطنة التي أسبغها عليكم، وذلك‬
                                ‫ن‬              ‫ن‬
     ‫بالدوام على الطاعات، والبعد عن المحرمات، فإ ّ اهلل تعالى م ّ على هذه البالد بنعمة األمن‬
 ‫وغيرها حتى صارت والحمد هلل مضرب األمثال بين الدول في هذا العصر في األمن واالستقرار‬
    ‫ومحاربة الجريمة، ألن الشريعة اإلسالمية، تحكم هذه البالد، ودستور هذه المملكة حرسها اهلل‬
                                                              ‫كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم.‬
                                                          ‫يزي‬              ‫تسو‬
  ‫أال ومن ِّل له نفسه، ومن ِّن له الشيطان العبث بأمن هذه البالد واستقرارها، ومن يقترف‬
 ‫وال‬
 ‫جريمة التخريب والتفجير واإلرهاب واإلفساد في األرض فقد وقع في هاوية المكر والخيانة، َ َ‬
                             ‫د‬           ‫م‬                        ‫ح ق م ْر السي ِال ل‬
  ‫يَ ِي ُ الْ َك ُ َّ ّىء إ َّ بِأَهِْهِ [فاطر:24]. واكتسب جر ًا يخزيه أب ًا، وسيلقى جزاءه األليم الذي‬
                                                    ‫م‬      ‫ر‬                              ‫د‬
    ‫ق ّره اهلل له، سواء كان هذا المخ ّب مسل ًا أو غير مسلم، ألن هذا التخريب والتفجير واإلفساد‬
       ‫م‬                                                    ‫ر‬
    ‫يقتل ويصيب نفوسًا معصومة مح ّمة الدم والمال من المسلمين، أو غير المسلمين الذين أ ّنهم‬
                                                                                              ‫ُو‬
                                                                      ‫اإلمام أو ن َّابه على نفوسهم وأموالهم.‬
 ‫واإلسالم يأخذ على يد الظالم والمفسد والمعتدي على النفوس، واألموال المعصومة بما يمنعه من‬
     ‫ارتكاب الجرائم، ويزجره وأمثاله عن البغي والعدوان، ألن اإلسالم دين العدل، ودين الرحمة‬
                           ‫شر‬      ‫ال م‬                              ‫ال‬
                     ‫والخير، فال يأمر أتباعه إ ّ بما فيه الخير، وال ينهاهم إ ّ ع ّا فيه ٌّ وضرر.‬
      ‫ط‬
      ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون تكونوا من المفلحين، واعتصموا بحبل اهلل جميعًا يهدكم إلى صرا ٍ‬
                                                                      ‫د‬
       ‫مستقيم، وكونوا ي ًا واحدة على كل مجرم أثيم، يريد أن يزعزع أمنكم واستقراركم، ويعبث‬
 ‫بمنجزاتكم، وينشر الفوضى في مجتمعكم، قال اهلل تعالى: َ َن َكْ ِبْ ِثْما فَإَّمَا َكْ ِ ُ ُ ََى نَفْ ِ ِ‬
 ‫وم ي س إ ً ِن ي سبه عل سه‬
   ‫ل س م ني ُ و م نى ْ ك ب م ي َ‬                                                             ‫و الله عل حك‬
 ‫َكَانَ َّ ُ َِيماً َ ِيماً [النساء:555]. وقال تعالى: َّيْ َ بِأَ َا ِّكمْ َال أَ َا ِ ّ أَهلِ الْ ِتَا ِ َن َعْملْ‬
                                                          ‫س ي ْز به و ِ ه م د الله وليا و‬
                                ‫ُوءا ُج َ ِ ِ َالَ يَجدْ لَ ُ ِن ُونِ َّ ِ َِ ًّ َالَ نَصِيراً [النساء:275].‬
                                                ‫ي‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإ ّاكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي‬
                                                                                  ‫سيد المرسلين وقوله القويم.‬
         ‫ن‬
     ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إ ّه هو‬
                                                                                                 ‫الغفور الرحيم.‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                      ‫أما بعد: -‬
                                                              ‫ن‬
               ‫فاتقوا اهلل معشر المسلمين، فإ ّ التقوى خير زادكم، وهي فوزكم في دنياكم ومعادكم.‬
        ‫ن‬                                                                ‫ن‬
   ‫واعلموا عباد اهلل أ ّ نعم اهلل عليكم كثيرة، وآالءه لديكم عظمت، وخيراته عليكم تمت، وإ ّ لنعم‬
     ‫اهلل وفضله أعداءً يحسدون عليها، وإن اهلل تعالى أمركم بالشكر، ووعدكم المزيد، فقال تعالى:‬
                                                                 ‫ُر ن َ ك ُ و كر ل و فر‬
                                                ‫فَاذْك ُو ِى أذْ ُرْكمْ َاشْ ُ ُواْ ِي َالَ تَكْ ُ ُونِ [البقرة:715].‬
                    ‫َ ُ ز َن ُ و ئ َ ُ ِن َ ب َد د‬                              ‫وإ َذ َب ُ ئ‬
       ‫وقال تعالى: َِذْ تَأ َّنَ رُّكمْ لَ ِن شَكرْتمْ ال ِيدَّكمْ َلَ ِن كَفرْتمْ إ َّ عذَا ِى لَش ِي ٌ [إبراهيم:2].‬
 ‫وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((احفظ اهلل يحفظك،‬
                 ‫ن‬
‫احفظ اهلل تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اهلل، وإذا استعنت فاستعن باهلل، واعلم أ ّ األمة لو اجتمعوا‬
      ‫على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إال بشيء قد كتبه اهلل لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك‬
          ‫بشيء لم يضروك إال بشيء قد كتبه اهلل عليك،، رفعت األقالم، وجفت الصحف)) [رواه‬
                                                                                                    ‫الترمذي](2)[5].‬
‫وحفظ العبد هلل تعالى هو حفظ فرائض اهلل وأوامره، بأن يفعلها ويؤديها ويقوم بها، وحفظ النواهي‬
       ‫والمحرمات فال يقربها، وال يواقعها، فإذا حفظ العبد ربه، حفظه اهلل، فأسبغ عليه من النعم،‬
                                                                                  ‫وصرف عنه النقم، ودافع عنه.‬
                                                                    ‫د‬                              ‫حق‬       ‫فوف‬
                                                                  ‫ُّوا هلل َّه دائمًا ينجز لكم ما وعدكم أب ًا.‬
       ‫ل ا‬         ‫َل ع وسلم‬                ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
       ‫عباد اهلل: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْهِ َ َّ ُواْ تَسِْيمً‬
                                                                                                      ‫[األحزاب:61].‬
            ‫ر‬                                 ‫ل علي‬
 ‫وقد قال صلى اهلل عليه وسلم: ((من صّى َّ صالة واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًا)) (4)[7].‬
                                                                               ‫ي‬                ‫فصل‬
                                          ‫ُّوا وسلموا على س ّد األولين واآلخرين وإمام المرسلين ...‬


                                                                                                     ‫__________‬
     ‫(5) حسن ، سنن الترمذي : كتاب الزهد – باب في التوكل على اهلل ، حديث رقم (6427) ،‬
                       ‫وأخرجه أيضاً ابن ماجه : كتاب الزهد – باب القناعة ، حديث رقم (5454).‬
   ‫(7) صحيح ، أخرجه أحمد (5/765) ، والترمذي : كتاب الدعوات – باب ما يقول عند رؤية‬
                                                                                      ‫الهالل حديث رقم (5142).‬
   ‫(2) صحيح ، سنن الترمذي : كتاب صفة القيامة – تابع لباب ما جاء في صفة أواني الحوض‬
                                                                    ‫ً‬
                                                      ‫حديث رقم (6517), وأخرجه أيضا أحمد (5/202).‬
‫(4) أخرجه مسلم : كتاب الصالة – باب استحباب القول مثل قول المؤذن . . حديث رقم (412).‬

‫(5/1145)‬




                                                                                            ‫السبيل إلى شكر الجليل‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                        ‫فضائل األعمال‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                      ‫عبد العزيز بن عبد اهلل آل الشيخ‬
                                                                                                ‫الرياض‬
                                                                                          ‫27/1/7745‬
                                                                         ‫جامع اإلمام تركي بن عبد اهلل‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نعم اهلل ال تحصى. 7- أسباب شكر النعم. 2- لماذا يشكر اإلنسان ربه. 4- من نعم اهلل على‬
                                                                  ‫العبد. 1- من أعظم الناس شكر هلل.‬
                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                  ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
                                                 ‫م‬           ‫ك‬
 ‫عباد اهلل، إن اهلل جل وعال يذ ّر عباده نع َه وآالءه وإحسانه عليهم، يذكرهم ليدعوهم إلى شكرها‬
  ‫َن الل س َّ ل ُ‬              ‫َ‬
‫والقيام بحقها، يعرفهم نعمه عليهم ليقوموا بحق هذه النعمة، يقول تعالى: أَلمْ تَرَوْاْ أ َّ َّهَ َخرَ َكمْ‬
                               ‫ع ُ نعمه ِر وب ط‬                         ‫ْض و‬      ‫وم ف‬          ‫م ف الس‬
‫َّا ِى َّمَاواتِ َ َا ِى األر ِ َأَسْبَغَ َلَيْكمْ ِ َ َ ُ ظَاه َةً َ َا ِنَةً [لقمان:07]، ويقول جل وعال:‬
                                                                    ‫وم بك م ن م ٍ م الل‬
        ‫َ َا ِ ُم ّن ّعْ َة فَ ِنَ َّهِ [النحل:21]، ويخبرهم تعالى أن نعمه عظيمة، ال يستطيع العباد‬
                            ‫ت ص‬         ‫وإ ُد ن م الل‬
      ‫إحصاءها وال عدها مهما بذلوا السبب: َِن تَع ُّواْ ِعْ َةَ َّهِ الَ ُحْ ُوهَا [إبراهيم:42]. كيف‬
         ‫تحصى النعم؟! وما من لحظة من لحظاتك إال وهلل عليك نعم، في نومك ويقظتك، وفي كل‬
                                                      ‫د‬
   ‫حركاتك، فلله عليك نعم ال تستطيع ع ّها وال إحصائها، ولذا كان المطلوب منا أن نشكره تعالى‬
                                 ‫م‬          ‫ح ْد لل رب‬
                 ‫ونحمده على نعمه في كل آن وحين أن نقول: الْ َم ُ َّهِ َ ّ الْعَالَ ِينَ [الفاتحة:5].‬
‫أيها المسلمون، والعبد إذا فكر في نعم اهلل عليه وتدبرها حق التدبر، دعاه إلى شكرها ومعرفة قدر‬
                                                       ‫ع‬
‫من أنعم بها، ثم القيام بحق ذلك المن ِم، واستعمال تلك النعم فيما يقرب إليه زلفى، وإن من أسباب‬
‫شكرك لنعم ربك أن تنظر إلى من هو دونك، وأن ال تنظر إلى من هو فوقك، فنظرك إلى من هو‬
                                                                           ‫عر‬
     ‫دونك ي ِّفك قدر نعم اهلل عليك، ويدعوك إلى شكرها، ونظرك إلى من هو فوقك يدعوك إلى‬
   ‫ازدراء النعم وعدم معرفتها على الحقيقة، ولذا جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي اهلل عنه‬
 ‫أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((انظروا إلى من هو دونكم، وال تنظروا إلى من فوقكم،‬
    ‫فهو أحرى أن ال تزدروا نعمة اهلل عليكم))(5)[5]. إنها لوصية نافعة شافية كافية، كلمة جامعة‬
                                                                      ‫قالها محمد صلى اهلل عليه وسلم.‬
                     ‫ب‬
 ‫ذلكم ـ يا عباد اهلل ـ أن شكر النعمة رأس العبادة وأصل كل خير وأوج ُه، أن يعرف العبد نعم‬
 ‫وَم‬
‫اهلل، ويعرف من أنعم بها عليه، هو ربنا جل وعال، ويتحدث بهذه النعم من باب شكر منعمها َأ َّا‬
                                                                                            ‫بن مة رب َ حد‬
                                                                              ‫ِ ِعْ َ ِ َ ّك فَ َ ّثْ [الضحى:55].‬
             ‫ن‬       ‫ال‬
      ‫فما بالعباد من نعم ظاهرة وال باطنة وال خاصة وال عامة إال من اهلل فض ً وإحسا ًا، وليس‬
                                     ‫مرجعها لقوة اإلنسان وذكائه، ولكنها محض فضل ربي وإحسانه.‬
   ‫فالواجب على المسلم أن يقابل هذه النعم بالشكر، قال اهلل عن سليمان عليه السالم لما رأى نعم‬
      ‫َ ضه‬                ‫َ‬         ‫ُر ن م الت ع عَى وع و ِ َى و‬                                    ‫رب ْز ن‬
      ‫اهلل: َ ّ أَو ِعْ ِى أَنْ أَشْك َ ِعْ َتَكَ َّ ِى أَنْ َمْتَ َل َّ َ َلَى َالد َّ َأَنْ أَعْملَ صَالِحاً ترْ َا ُ‬
                                                                      ‫وَ خ ن ب مت َ ف ع د الص ح‬
                                                       ‫َأدْ ِلْ ِى ِرَحْ َ ِك ِى ِبَا ِكَ َّالِ ِينَ [النمل:45].‬
                                                                       ‫ب‬
‫أيها المسلم، تد ّر حال الخلق، سترى ما بينهم من التفاوت في العقول واألخالق واألرزاق، وربك‬
                       ‫ال‬
 ‫حكيم عليم، ترى من هو دونك في العقل، ومن هو دونك نسبًا وما ً، ومن هو دونك في أصناف‬
 ‫النعم، إذن فإذا نظرت إلى ذلك، ثم تفكرت في حالك، ورأيت من هو دونك مراتب عديدة، دعاك‬
                                                                                        ‫إلى شكر نعمة اهلل عليك.‬
                               ‫ن‬
    ‫أخي المسلم، أنت وأنت تتمتع بعقل رزين بعقل راجح، قد م ّ اهلل عليك بسالمة عقلك وحسن‬
  ‫نظرك، فاعلم أنها نعمة من نعم اهلل عليك، وإذا نظرت إلى من أصيبوا في عقولهم فال يحسنون‬
                                                      ‫س‬
  ‫شيئًا، وال يستطيعون التصرف، قد ُلبت عقولهم منهم فهم معك باألبدان، ولكن عقولهم غائبة،‬
‫ِن الس ع و ب َر و ف ُل أ ئك‬
‫وهلل حكمة في ذلك، فاشكر اهلل على سالمة عقلك وانتظامه، إ َّ َّمْ َ َالْ َص َ َالْ ُؤَادَ ك ُّ ُوال ِ َ‬
                                                                         ‫عهم ؤ‬
  ‫كَانَ َنْ ُ َسْ ُوالً [اإلسراء:62]. شخص ال يعقل أموره، وال يدبر حاله، وأنت في سالمة عقلك‬
                                                                ‫ورجاحته، فاشكر اهلل وسخ‬
‫ِّر هذا العقل لتعقل به عن اهلل ما يعود عليك بالخير في عاجلك وآجلك.‬
                  ‫د‬                    ‫أ‬                   ‫أ‬
      ‫أيها المسلم، كم ترى من ُناس أو تسمع من حال ُناس ليس عندهم قوت م ّخر، وال مسكن‬
                                                                                  ‫ي‬
‫ُؤويهم، وأنت في مسكن يؤويك، ورزق وخير عندك متتابع، فاعرف قدر هذه النعمة، واشكر اهلل‬
                                           ‫ف‬
    ‫على هذا الفضل، ((من أصبح آمنًا في سربه، معا ًى في بدنه، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما‬
                                                                           ‫حيزت له الدنيا بحذافيرها))(7)[7].‬
   ‫أيها المسلم، وأنت تتمتع بصحة وعافية في كل أعضائك، ال تشكو ألمًا، وال يقلقك مرض، وال‬
    ‫يقض مضجعك ألم، بل أنت في صحة في سمعك، في بصرك، في سائر قواك، تتمتع بصحة‬
                                                        ‫وعافية. إذن، فيا لها من نعمة لمن عقلها وتدبرها.‬
                                                                         ‫ر‬
   ‫ثم التفت يمينًا ويسا ًا، لترى أقوامًا قد ابتلوا بأنواع األمراض واألسقام المختلفة، كل يوم وهو‬
    ‫يبحث عن مستشفى ومستوصف، وكل يوم وهو أمام صيدليات الدواء، هذا مرض الكلى، وذا‬
‫مرض القلب، وذا وذا.. أمراض متعددة، وأسقام متنوعة، وأنت تتمتع في صحة وسالمة وعافية.‬
‫فانظر إلى من هو دونك، ال تنظر إلى من هو فوقك، انظر لمن دونك قد ابتلي بأنواع األمراض،‬
 ‫غسيل الكلى في اليوم ساعات، كل أسبوع أو نحو ذلك، ووجع القلب، ومن أصيب بالسكر، ومن‬
  ‫أصيب بكذا وبكذا.. وأنت في سالمة وعافية وصحة، فاعرف لهذه الصحة قدرها، واعرف لها‬
                                                        ‫فضلها، وقل: الحمد هلل على هذه النعمة.‬
                                                                   ‫م‬
  ‫أيها المسلم، تشاهد أقوا ًا قد ابتلوا بالهموم واألحزان، واستولت عليهم الهموم، وأصبحوا في هم‬
    ‫وضجر، وقلق في حياتهم، وأنت في راحة بال، وطمأنينة نفس، وقرة عين، تضع رأسك على‬
    ‫الوسادة فيأتيك النوم، وتستيقظ وأنت في عافية وراحة، فاشكر اهلل على هذه النعمة، واحمد اهلل‬
                                                                               ‫على هذا الفضل.‬
                                  ‫كل‬
   ‫أيها المسلم، كم من أقوام أثقلتهم الديون، وحقوق الخلق، ٌّ يطلب حقه، وهو يستدين اليوم بعد‬
                     ‫َّ‬
   ‫اليوم، قد أثقلت الديون كاهله، وأصبح مرتهنًا بحقوق الناس، إن أصبح اهتم بطلباتهم، وإن جاء‬
 ‫الليل اهتم كيف يقضيها، إنه في حسرة، وأنت قد عافاك اهلل من حقوق الخلق، ورزقك من العيش‬
                              ‫ما [هو كافٍ لك]، فاحمد اهلل على هذه النعمة، واشكره على فضله.‬
                                                                    ‫م‬
    ‫أيها المسلم، قد تشاهد أقوا ًا قد ابتلوا بسوء األخالق، والحماقة الزائدة، ال يمكن أن يعيشوا مع‬
‫الناس، إن خوطبوا قابلوا الخطاب بسوء الخلق، والكلمات البذيئة، ال يمكن أن يعاشرهم أحد لسوء‬
   ‫أخالقهم، بل حتى زوجاتهم وأوالدهم في ضجر من سوء أخالقهم، وقلة حلمهم، ونفاد صبرهم،‬
                                                                                 ‫ن‬
   ‫وقد م ّ اهلل عليك بأناءة وحلم وطمأنينة، أنت وزوجتك وأوالدك في سعادة ونعمة، فاعرف لهذه‬
                                                                            ‫النعمة حقها وقدرها.‬
     ‫ض‬                                                                      ‫ن‬
 ‫أخي المسلم، م ّ اهلل عليك فمأل قلبك قناعة بما قسم اهلل لك وما منحك من الخير، فأنت را ٍ بما‬
     ‫أعطاك اهلل، مطمئن النفس بذلك، لكونك في منزلك ورزقك فيه كفاية، وانظر إلى أقوام ابتلوا‬
 ‫بسؤال الناس وهم في غنىً في أنفسهم، لكن اهلل أفقر قلوبهم فال يملؤها شيء، عندهم من المال ما‬
‫عندهم، ولكنهم ال تطمئن نفوسهم إال بسؤال الناس، يسأل هذا، ويشحذ هذا، ويستجدي هذا، واهلل قد‬
                          ‫ر‬
‫أعطاه من الخير، لكن كل هذا الخير ال يراه شيئًا؛ ألن قلبه قد امتأل فق ًا ـ والعياذ باهلل ـ والغنى‬
     ‫غنى النفس، ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس))(2)[2]، فاحمد اهلل أن‬
                    ‫ر‬
‫صان وجهك، ومأل قلبك، وجعلك تعيش في طمأنينة، إنما ترفع طرْفك هلل شاك ًا ومثنيًا، ولم يتعلق‬
                                                                  ‫قلبك بما عند الخلق وما لديهم.‬
                                                 ‫بار‬                       ‫ن‬
       ‫أيها المسلم، م ّ اهلل عليك فجعلك بأبويك ًّا، وجعلك ألبويك محسنًا، تحسن إليهم، تبدؤهم‬
     ‫بالسالم، تخدمهم، تقوم بواجبهم، تؤدي الحق قدر ما تستطيع لهم، وانظر إلى من ابتلوا بقسوة‬
   ‫القلب، فعقوا اآلباء واألمهات، بل بعضهم أخرج أمه من بيته وألقاها في قارعة الطريق، سآم ً‬
   ‫ة‬
                                                                ‫ر‬                          ‫ر‬
‫وضج ًا منها والعياذ باهلل، فمن ُزق بر الوالدين واإلحسان إليهما فليعلم أنها نعمة ساقها اهلل إليه،‬
                                              ‫ق‬
‫فليحمد اهلل على هذه النعمة، وليفكر في حال العا ّين القاسية قلوبهم، وكيف أنهم يعيشون هذه الحياة‬
                                                                                  ‫التعسة الشقية.‬
            ‫ب‬                                                      ‫ن‬
     ‫أيها المسلم، وقد م ّ اهلل عليك فقبلت اإلسالم، وانشرح صدرك لإلسالم، عرفت ر ّك، عرفت‬
    ‫نبيك، عرفت دين اإلسالم، آمنت بأركان اإلسالم، فأديت الصلوات، وأخرجت الزكاة، وصمت‬
 ‫رمضان، وحججت البيت، والتزمت األخالق واآلداب اإلسالمية، فانظر إلى من ابتلوا باالنحراف‬
     ‫عن اإلسالم والوقوع في الرذائل، وأنت في عافية منها، أو من معظمها، فاحمد اهلل على هذه‬
                                                              ‫ن‬
                                                   ‫النعمة، واشكره أن هداك لإلسالم وم ّ عليك بذلك.‬
    ‫أخي المسلم، وحيال تلك النعم التي تشاهدها في نفسك، وحيال تلك الباليا التي تراها ممن هو‬
                       ‫علي‬                                                        ‫ن‬
‫دونك، إ ّ موقفك دائمًا شكر اهلل والثناء عليه: الحمد هلل الذي أنعم َّ بنعمه، وفضلني على كثير‬
                                                                                        ‫ال‬
                                                                                       ‫ممن خلق تفضي ً.‬
                 ‫َ ت َز َن ُ‬           ‫وِ َذن َب ُ ئ‬
  ‫إن شكر النعمة يسبب تتابعها وبقاءها ونموها، َإذْ تَأ َّ َ ر ُّكمْ لَ ِن شَكرْ ُمْ أل ِيد َّكمْ [إبراهيم:2]،‬
     ‫وإن كفرها وجحودها واالزدراء بها لكونك تنظر إلى من هو فوقك يسبب رحيل النعم عنك،‬
                                                             ‫د‬                         ‫ن‬
                                 ‫وتتابع ال ّقم عليك، وتعيش حسرةً وكم ًا، وال تغير من الواقع شيئًا.‬
 ‫إن الرضا بقسْم اهلل والرضا بقضاء اهلل يمأل القلب قناعة والنفس طمأنينة، حتى يكون ذلك القنوع‬
     ‫يساوي األغنياء، بل في قلبه من الخير ما فاق به األغنياء في أموالهم؛ بسبب قناعته ورضاه‬
                                                                               ‫وطمأنينته بما قسم اهلل له.‬
                 ‫ن د ُ كل‬                                   ‫ذ‬
 ‫أيها المسلمون، ولذا أمر النبي معا ًا قائالً له: ((إني ألحبك، فال تدع ّ ُبرَ ِّ فريضةٍ أن تقول:‬
                                          ‫ِّي على ذكرك، وأعن‬
                 ‫ِّي على حسن عبادتك))(4)[4].‬                              ‫ن‬
                                                          ‫اللهم أع ّي على شكرك، وأعن‬
              ‫ء‬                       ‫ر‬
   ‫وسيد األولين واآلخرين وإمام المتقين أعظم الخلق هلل شك ًا، وأعظم الخلق هلل ثنا ً، كان يقول:‬
                 ‫مم‬                          ‫ذك ر‬                    ‫شك ر‬
   ‫((اللهم اجعلني لك َّا ًا، اللهم اجعلني لك َّا ًا))(1)[1]، ((اللهم اجعلني َّن يشكرك، اللهم‬
                                                                           ‫مم‬
   ‫اجعلني َّن يحفظ وصيتك ويقبل نصيحتك))(6)[6]، صلوات اهلل وسالمه عليه، قام الليل حتى‬
 ‫تفطرت قدماه، فتقول له أم المؤمنين: ما هذا وقد غفر اهلل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال:‬
                                                                                ‫ر‬      ‫د‬
                                                                    ‫((أال أكون عب ًا شكو ًا؟!))(2)[2].‬
 ‫نعم اهلل عليه عظيمة، اختاره اهلل ألن يكون سيد األنبياء والمرسلين وأفضل الخلق أجمعين، فكان‬
              ‫د م‬                                       ‫ر‬
     ‫أعظم الخلق طاعة هلل، وأعظم الخلق شك ًا هلل، فصلوات اهلل وسالمه عليه أب ًا دائ ًا إلى يوم‬
                   ‫الدين، وهو القائل: ((ال أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))(1)[1].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                                   ‫الرحيم.‬


                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                     ‫د ر ب‬
   ‫الحمد هلل حم ًا كثي ًا طي ًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
  ‫م ر‬                                                           ‫د‬
 ‫شريك له، وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلي ًا كثي ًا‬
                                                                                            ‫إلى يوم الدين.‬
                                                  ‫أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا اهلل تعالى حق التقوى.‬
                                        ‫فض‬
‫عباد اهلل، إذا نظرت إلى من هو فوقك، وإلى من ُ ّل عليك بأنواع الفضائل، فإن ذلك يمأل قلبك‬
   ‫د‬                                         ‫ُف‬
 ‫همًا وحزنًا، ويجعلك تزدري نعم اهلل عليك، فك ّ عن هذا، وانظر إلى من هو دونك دائمًا وأب ًا،‬
     ‫حتى تعرف قدر نعم اهلل عليك، واعلم أن اهلل أحكم وأعدل فيما يقضي ويقدر، فهو جل وعال‬
    ‫يعطي لحكمة، ويمنع لحكمة، يوسع على هذا، ويضيق على هذا، وكل األمر بيده؛ ألنه الحكيم‬
                                       ‫ي َل َم ي َل ُ ي ل ن‬
                        ‫العليم فيما يقضي ويقدر، الَ ُسْأ ُ ع َّا َفْع ُ وَهمْ ُسْئَُو َ [األنبياء:27].‬
‫فاشكر اهلل على عموم نعمه عليك، وآالئه عليك، ليكون ذلك سببًا في رضا اهلل عنك، وتكون ممن‬
                                                                  ‫عرفت النعم وقدرها حق قدرها.‬
                             ‫جعلني اهلل وإياكم من الشاكرين الذاكرين، إنه على كل شيء قدير.‬
  ‫واعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن أحسن الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه‬
                                                                                             ‫وسلم...‬
                                                                                    ‫__________‬
    ‫(5) أخرجه البخاري في الرقاق (0446)، ومسلم في الزهد والرقائق (2647) واللفظ له من‬
                                                                ‫حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
      ‫(7) أخرجه البخاري في األدب المفرد (002)، والترمذي في الزهد، باب: التوكل على اهلل‬
  ‫(6427)، وابن ماجه في الزهد، باب: القناعة (5454)، والحميدي في مسنده (424) من حديث‬
  ‫عبيد اهلل بن محصن األنصاري. قال الترمذي: "حديث حسن غريب". وله شواهد من حديث أبي‬
                 ‫الدرداء وابن عمر وعلي رضي اهلل عنهم. انظر: الصحيحة لأللباني (1527).‬
    ‫(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: الغنى غنى النفس حديث (6446)، ومسلم في الزكاة،‬
             ‫باب: ليس الغنى عن كثرة العرض (5105) من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
‫(4) أخرجه أحمد (1/247)، وأبو داود في كتاب الصالة، باب: في االستغفار (7715)، والنسائي‬
  ‫في كتاب السهو، باب: نوع آخر من الدعاء (2025) من حديث معاذ رضي اهلل عنه، وصححه‬
   ‫ابن خزيمة (512) وابن حبان (0707) والحاكم (5/204)، وقال النووي في الخالصة كما في‬
               ‫نصب الراية (7/127): "إسناده صحيح"، وصححه الحافظ في الفتح (55/225).‬
‫(1) جزء من حديث أخرجه أحمد (5/277)، وأبو داود في الصالة (0515)، والترمذي في كتاب‬
‫الدعوات، باب: في دعاء النبي صلى اهلل عليه وسلم (5112)، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب:‬
    ‫دعاء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم (0212) من حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما، وقال‬
         ‫الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (244، 144) والحاكم (5/502).‬
‫(6) أخرجه أحمد (7/552، 224)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب: من أدعية النبي صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم (2642) من حديث أبي هريرة بنحوه، وقال: "هذا حديث غريب"، في سنده الفرج بن‬
                                                      ‫فضالة التنوخي ضعيف. التقريب (1541).‬
     ‫(2) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ليغفر اهلل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‬
 ‫(2214)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: إكثار األعمال واالجتهاد في العبادة‬
                                                                        ‫(0717) من حديث عائشة رضي اهلل عنها.‬
 ‫(1) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب الصالة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (614)‬
                                                                                              ‫عن عائشة رضي اهلل عنها.‬

‫(5/6145)‬




                                                                                                                    ‫أفشوا السالم‬
                                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                     ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                                       ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                                             ‫الدمام‬
                                                                                                              ‫أبو بكر الصديق‬
                                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- السالم اسم من أسماء اهلل الحسنى. 7- صيغ السالم المشروعة. 2- معاني لفظة السالم في‬
  ‫القرآن. 4- آداب السالم. 1- فضل السالم. 6- آداب أخرى متعلقة بالسالم. 2- فوائد السالم.‬
                                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                          ‫أما بعد:‬
      ‫ِم ب والشه ه الر ن الر م ه الله َّذ‬                                ‫ِال ه‬             ‫ه الله َّ‬
 ‫قال تعالى: ُوَ َّ ُ الذِى الَ اله إ َّ ُوَ عَال ُ الْغَيْ ِ َ َّ َادَةِ ُوَ َّحْمَا ُ َّحِي ُ ُوَ َّ ُ ال ِى الَ‬
 ‫الل َم ي رك ن‬                ‫ِال ه م ك ُد س السل م م من مه من َز ز َب ر م بر س‬
 ‫اله إ َّ ُوَ الْ َلِ ُ الْق ُّو ُ ََّا ُ الْ ُؤْ ِ ُ الْ ُ َيْ ِ ُ الْع ِي ُ الْج َّا ُ الْ ُتَكَ ّ ُ ُبْحَانَ َّهِ ع َّا ُشْ ِ ُو َ‬
    ‫ُوَ َّ ُ الْخَالِ ُ الْ َا ِىء الْ ُصَو ُ لَ ُ االْسْ َاء الْ ُسْنَى ُ َ ّ ُ لَ ُ َا ِى َّ َاوا ِ َاألر ِ َ ُ َ‬
    ‫يسبح ه م ف السم ت و ْض وهو‬                      ‫م ح‬              ‫م ّر ه‬            ‫ق بر‬                ‫ه الله‬
                                                                                                      ‫َ ز ح م‬
                                                                                       ‫الْعزِي ُ الْ َكِي ُ [الحشر:77-47].‬
    ‫قال ابن حجر رحمه اهلل (السالم من أسماء اهلل تعالى فقد جاء في حديث التشهد: ((فإن اهلل هو‬
  ‫السالم)) وكذا في اآليات السابقة، ومعنى السالم: سالم من النقائص، وقيل: المسلم لعباده، وقيل‬
                                                                                                          ‫المسلم على أوليائه.‬
 ‫قال ابن منظور: والسالم اهلل عز وجل، اسم من أسمائه لسالمته من النقص والفناء، وقيل معناه:‬
  ‫أنه سلم مما يلحق الغير من آفات الغير الفناء، وأنه الباقي الدائم الذي تفنى الخلق وال يفنى وهو‬
                                                                                ‫على كل شيء قدير.‬
   ‫أيها المسلمون: فإن موضوعنا اليوم هو إفشاء السالم شعار أهل اإلسالم، قال ابن حجر رحمه‬
                                                ‫ا‬       ‫ا‬
 ‫اهلل: "إفشاء السالم المراد نشره سرً أو جهرً وهو: نشر السالم بين الناس ليحيوا سنته صلى اهلل‬
                                                                                         ‫عليه وسلم".‬
         ‫صيغ السالم: هي أن يقال: السالم عليكم، وسالم عليكم، هذا إذا كان السالم لمن لقيك من‬
  ‫المسلمين، فإن كان المرء مسلماً على األموات فليقل: السالم على أهل الديار من المؤمنين، فإذا‬
          ‫كان السالم موجهاً إلى من يرجى إسالمه، فإن صيغته هي: السالم على من اتبع الهدى.‬
                                                                    ‫فائدة (السالم في القرآن الكريم):‬
                                      ‫ذكر بعض المفسرين أن السالم في القرآن الكريم على أوجه:‬
     ‫م ك ُد س السل م‬
     ‫أحدها: اسم من أسماء اهلل عز وجل ومنه قوله تعالى في سورة الحشر: الْ َلِ ُ الْق ُّو ُ ََّا ُ‬
                                                                                        ‫[الحشر:27].‬
                                   ‫سلم عل فس ُ‬
                     ‫والثاني: التحية المعروفة، ومنه قوله تعالى: فَ َّ ُواْ ََى أَن ُ ِكمْ [النور:56].‬
   ‫يم ن‬          ‫ح‬        ‫سل م لك م‬
   ‫الثالث: السالمة من كل شر، ومنه قوله تعالى في سورة الواقعة: فَ ََا ٌ َّ َ ِنْ أَصْ َابِ الْ َ ِي ِ‬
                                                                                      ‫[المعارج:54].‬
                                        ‫س م ه َت‬
 ‫والرابع: الخير، ومنه قوله تعالى في سورة القدر: َلَا ٌ ِىَ ح َّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1]. قال ابن‬
                                                                                     ‫قتيبة: خير هي.‬
                             ‫سل م عل إ‬
     ‫والخامس :الثناء الجميل، ومنه قوله تعالى في الصافات: ََا ٌ ََى ِبْراهِيمَ [الصافات:405].‬
                                         ‫ُ د ر السل ع رب ِ‬
                        ‫السادس: الجنة، ومنه قوله تعالى: لَهمْ َا ُ ََّامِ ِندَ َّهمْ [األنعام:275].‬
‫وتأملوا - أيها األخوة األعزاء- دينكم الحق، تأملوا هذه األحاديث النبوية العظيمة التي تحث على‬
    ‫إفشاء السالم، جعلنا اهلل وإياكم من أتباعه صلى اهلل عليه وسلم ومن المعظمين لسنته إنه جواد‬
                                                                                                ‫كريم.‬
     ‫عن جابر بن سليم رضي اهلل عنه قال: رأيت رجالً يصدر الناس عن رأيه وال يقول شيئاً إال‬
   ‫صدروا عنه، قلت: من هذا ؟ قالوا: هذا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، قلت: عليك السالم يا‬
    ‫رسول اهلل – مرتين-، قال: ((ال تقل: عليك السالم، فإن عليك السالم تحية الميت، قل: السالم‬
  ‫عليك، قلت: أنت رسول اهلل ؟ قال: أنا رسول اهلل الذي إذا أصابك ضر دعوته كشفه عنك، وإن‬
‫أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء، أو فالة، فضلت راحلتك فدعوته ردها‬
                                                                                               ‫عليك.‬
                 ‫ا‬         ‫ا‬                                ‫ا‬
 ‫قلت: اعهد إلي، قال: ال تسبن أحدً قال: فما سببت بعده حراً وال عبدً وال بعيرً وال شاة قال: ال‬
     ‫تحقرن من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال‬
‫اإلزار فإنها من المخيلة وإن اهلل ال يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فال تعيره‬
                   ‫بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه)) [أخرجه أبو داود وقال األلباني: صحيح].‬
‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا انتهى أحدكم إلى‬
‫المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست األولى بأحق من اآلخرة)) [رواه أبو داود واللفظ‬
                                                   ‫له والترمذي وقال األلباني: حسن صحيح].‬
  ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا لقي أحدكم أخاه‬
 ‫فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه)) [رواه أبو داود وقال‬
                                                                           ‫األلباني: صحيح].‬
    ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أعجز الناس من‬
 ‫عجز في الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسالم)) [رواه الطبراني في األوسط وقال المنذري في‬
                                                                 ‫الترغيب: إسناده جيد قوي].‬
      ‫عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا سلم عليكم أهل‬
                                              ‫الكتاب فقولوا: وعليكم)) [رواه البخاري ومسلم].‬
  ‫وعن البراء بن عازب رضي اهلل عنه قال: (أمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بسبع: بعيادة‬
  ‫المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السالم،‬
   ‫وإبرار المقسم. ونهى عن الشرب في الفضة ونهى عن تختم الذهب، وعن ركوب المياثر وعن‬
                              ‫لبس الحرير والديباج والقسي واإلستبرق) [رواه البخاري ومسلم].‬
 ‫المياثر: هي أغشية الروح تتخذ من حرير، القسي: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، وهو‬
                                                                    ‫موضع من بالد مصر...‬
  ‫وعن أبي أمامة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن أولى الناس باهلل‬
  ‫من بدأهم بالسالم))، عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما أن رجالً سأل رسول اهلل صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم: أي اإلسالم خير؟ قال: ((تطعم الطعام وتقرأ السالم على من عرفت ومن لم تعرف))‬
                                                                                ‫[متفق عليه].‬
‫استمع يا عبد اهلل إلى هذا الفضل العظيم من فيض الكريم المنان يسوقه لك رسول الهدى صلى اهلل‬
     ‫عليه وسلم، عن حذيفة بن اليمان رضي اهلل عنهما عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((إن‬
 ‫المؤمن إذا لقي المؤمن سلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)).‬
  ‫عن ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي صلى اهلل عليه وسلم وهو في‬
   ‫بيت فقال: ألج؟ فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم لخادمه: ((اخرج إلى هذا فعلمه االستئذان، فقل‬
‫له: قل: السالم عليكم أأدخل؟)) فسمعه الرجل فقال: السالم عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي صلى اهلل‬
                                      ‫عليه وسلم فدخل. [رواه أبو داود وقال األلباني صحيح].‬
     ‫وعن عبداهلل بن مسعود رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((السالم اسم من‬
‫أسماء اهلل تعالى وضعه فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم، فردوا عليه كان‬
  ‫له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم فإن لم يرد عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب)) [رواه‬
                                             ‫الطبراني والبزار بأسانيد رجالها رجال الصحيح].‬
 ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ال تدخلوا الجنة حتى‬
 ‫تؤمنوا، وال تؤمنوا حتى تحابوا، أوال أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السالم بينكم ))‬
                                                                                 ‫[رواه مسلم].‬
‫عن أنس رضي اهلل أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: (كان النبي صلى اهلل عليه وسلم يفعله)‬
                                                                       ‫[رواه البخاري ومسلم].‬
‫وعن أبي أيوب رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ال يحل لمسلم أن يهجر أخاه‬
        ‫فوق ثالث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسالم)) [البخاري ومسلم].‬
‫عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال لي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((يا بني إذا دخلت‬
‫على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك، فصلوات ربي وسالمه عليك ما ترك خيراً إال‬
                                                                                  ‫دلنا عليه)).‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                          ‫أيها المسلمون: ومن اآلداب والفوائد المتعلقة بالسالم.‬
      ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((يسلم الراكب على‬
                         ‫الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير)) [البخاري ومسلم].‬
‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((يسلم الصغير على الكبير،‬
                                    ‫والمار على القاعد، والقليل على الكثير)) [البخاري ومسلم].‬
   ‫عن قتادة رضي اهلل عنه قال: قلت ألنس: (أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى اهلل عليه‬
                                                                             ‫وسلم؟ قال: نعم).‬
   ‫وعن البراء رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما من مسلمين يلتقيان‬
                     ‫فيتصافحان إال غفر لهما قبل أن يفترقا)) [أبو داود وقال األلباني: صحيح].‬
 ‫وعن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رجل: يا رسول اهلل الرجل من يلقى أخاه أو صديقه‬
     ‫أينحني له؟ قال: ((ال، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: ال، قال: أيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال: نعم))‬
                                                           ‫[رواه الترمذي وقال: حديث حسن].‬
    ‫فائدة عظيمة: عن عمران بن حصين رضي اهلل عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم فقال: السالم عليكم، فرد عليه السالم، ثم جلس فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((عشر، ثم‬
    ‫جاء آخر فقال: السالم عليكم ورحمة اهلل، فرد عليه فجلس فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال:‬
    ‫السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته، فرد عليه السالم فجلس فقال: ثالثون)) [أبو داود والترمذي‬
                                                                       ‫وقال األلباني: صحيح].‬
     ‫انظر رحمك اهلل إلى تعظيم السلف للسنة ومسارعتهم لتطبيقها رحمهم اهلل، أولئك أتباع النبي‬
                                                   ‫وحزبه ولو ال هم ما كان في األرض مسلم.‬
  ‫عن سيار قال: كنت مع ثابت البناني فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدث ثابت، أنه كان يمشي مع‬
‫أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدث أنس أنه كان يمشي مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فمر‬
                                                        ‫بصبيان فسلم عليهم. [البخاري ومسلم].‬
  ‫وتأمل في هذا المشهد للصديق األكبر أبو بكر رضي اهلل عنه: عن األغر أغر مزينة قال: كان‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أمر لي بجزء من ثمر عند رجل من األنصار، فمطلني به فكلمت‬
  ‫فيه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((اغد معه يا أبا بكر‬
                                                                               ‫فخذ له ثمره)).‬
    ‫فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلينا الصبح، فوجدته حيث وعدني فانطلقنا: فكلما رأى أبا بكر‬
 ‫رجل من بعيد سلم عليه، فقال أبو بكر: أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل ال يسبقك إلى‬
 ‫السالم أحد، فكنا إذا طلع الرجل بادرناه بالسالم قبل أن يسلم علينا. [قال الهيثمي: رواه الطبراني‬
                                                          ‫في الكبير، ورجاله رجال الصحيح].‬
     ‫قال عمر رضي اهلل عنه: ثالث يصفين لك ود أخيك: (أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في‬
                                                          ‫المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه).‬
       ‫ومن الفوائد المتعلقة بالسالم: عن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه أنه قال: (يجزي عن‬
   ‫الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم). وهو أثر صحيح عن‬
     ‫علي رضي اهلل عنه، ومثله ال يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعاً إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                                      ‫س‬
                                                        ‫وح ّن إسناده الحافظ ابن حجر بطرقه.‬
 ‫عن أنس رضي اهلل عنه قال: (كان أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم إذا تالقوا تصافحوا، وإذا‬
      ‫قدموا من سفر تعانقوا) [رواه الطبراني في األوسط وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح].‬
                                                   ‫وبعد أيها المسلمون يفهم مما مضى ما يأتي:‬
                              ‫السالم من أسماء اهلل تعالى وهو المسلم لعباده المسلم على أوليائه.‬
                                                ‫والجنة دار السالم فهي دار السالمة من اآلفات.‬
   ‫والسالم أمان اهلل في األرض، وهو تحية المؤمنين في الجنة وتحية أهل اإلسالم في الدنيا وهو‬
                                                        ‫طريق المحبة والتعارف بين المسلمين.‬
     ‫والبخل بالسالم أشد من البخل بالمال وفي المداومة عليه تمييز للمسلمين وكيد ألعداء الدين.‬
  ‫السالم كما مر معنا يزيل العداوة وينهي الخصومة ويسل سخيمة الصدور، وكلما زادت كلمات‬
            ‫السالم زادت حسناته، وقد انتهى ما علمنا صلى اهلل عليه وسلم في كلمات السالم إلى‬
‫((وبركاته))، إنك لتعجب من غفلة بعض المسلمين من هذه الفضائل العظيمة إذ يبدؤون فيما بينهم‬
                                                        ‫ا‬
‫بغير السالم كمساء الخير، أهالً ومرحبً ونحو ذلك، وهذه كلها ال بأس بها بعد السالم فاهلل اهلل في‬
                          ‫قل‬              ‫لك وم ي ّ ع ِ الل ِ ِنه م‬
            ‫تعظيم شعائر اإلسالم ذاِ َ َ َن ُعَظمْ شَ َائرَ َّه فَإ َّ َا ِن تَقْوَى الْ ُُوبِ [الحج:72].‬
‫وليعلم يا عبد اهلل أن من أشراط الساعة التي أخبرنا بها نبينا صلى اهلل عليه وسلم أن يكون السالم‬
   ‫للمعرفة فقط، وهذا خالف ما أمرنا به نبينا صلى اهلل عليه وسلم، ففي الحديث عن ابن مسعود‬
 ‫قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل ال‬
   ‫يسلم عليه إال للمعرفة)) [رواه أحمد وقال العالمة أحمد شاكر: إسناده صحيح]. وفي رواية له:‬
                                                             ‫((إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة)).‬
  ‫وهذا أمر مشاهد في هذا الزمن، فكثير من الناس ال يسلمون إال على من يعرفون، وهذا خالف‬
  ‫السنة، فإن النبي صلى اهلل عليه وسلم حث على إفشاء السالم على من عرفت ومن لمن تعرف.‬
                                                                                       ‫واهلل المستعان.‬
                                                                                    ‫ً‬
 ‫وأخيرا فال تنس كثرة السالم على نبيك الكريم صلوات اهلل وسالمه عليه ما تعاقب الليل والنهار،‬
 ‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ما من أحد يسلم علي ّ‬
‫إال رد اهلل علي ّ روحي حتى أرد عليه السالم)) [رواه أبو داود واللفظ له، وأحمد في المسند وقال‬
                                                                              ‫األلباني: حديث حسن].‬
                                                 ‫فاللهم صل وسلم عليه تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.‬
                                                              ‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين ........‬

‫(5/2145)‬




                                                                                                 ‫االتباع‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                                 ‫االتباع‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                  ‫الدمام‬
                                                                                      ‫أبو بكر الصديق‬
                                                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
                                                              ‫ا‬
 ‫5- معنى "شهادة أن محمدً رسول اهلل". 7- االتباع دليل اإليمان والمحبة. 2- النصوص تدعوا‬
  ‫إلى االتباع وتحذر من االبتداع. 4- حب الصحابة النبي واتباعهم له. 1- أهمية عودة المسلمين‬
                                                                              ‫إلى نهج النبي .‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
 ‫أيها األحبة: لقد قضينا معكم قرابة الشهرين ونحن وهلل الحمد والفضل والمن في خطب متواصلة‬
  ‫عن بعض المكارم والخصائص التي اختص اهلل بها نبينا محمد صلى اهلل عليه وسلم وفضله بها‬
‫على العالمين، وكذلك بعض دالئل وآيات نبوته صلى اهلل عليه وسلم التي أيده اهلل تعالى بها والتي‬
                                                         ‫ا‬
    ‫تزيد المسلم إيماناً وتصديقاً وحبً مخلصاً للرسول الكريم صلوات ربي وسالمه عليهاليوم أيها‬
                        ‫ً‬
‫األحبة: سيتركز الحديث إن شاء اهلل تعالى على معنى شهادة أن محمدا رسول اهلل؟ فما معنى هذه‬
                                ‫الشهادة التي هي شطر الركن األول من أركان اإلسالم الخمسة.‬
‫هذه الشهادة العظيمة التي سيسأل عنها العبد في قبره فيأتيه ملكان فيسأالنه: من ربك؟ ومن نبيك؟‬
                                                                                   ‫وما دينك؟.‬
    ‫هي أيضاً سيسأل عنها العبد يوم القيامة يقول ابن القيم رحمه اهلل: "كلمتان يسأل عنها األولون‬
 ‫واآلخرون (ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟)"، سؤال الشطر األول هو تحقيق شهادة أن‬
                                       ‫ا‬
                            ‫ال إله إال اهلل وجواب الشطر الثاني هو تحقيق أن محمدً رسول اهلل.‬
‫وقد فسر اإلمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه اهلل هذه الشهادة بقول جامع فقال: "هي تصديقه‬
 ‫فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن ال يعبد اهلل إال بما شرع" وتأمل‬
                                                                     ‫ال ا‬
                                                                    ‫في هذه العبارة تأم ً جيدً.‬
      ‫((تصديقه فيما أخبر)) أي تصديقه صلى اهلل عليه وسلم في كل ما أخبر به من الغيوب كما‬
      ‫مضى، ومما سيأتي مما يكون في اآلخرة ومما يكون في هذه الدنيا من المالحم والفتن ومن‬
 ‫أشراط الساعة ومن نصر هذا الدين وأهله المتمسكين به وغير ذلك، فكل ما أخبر به النبي صلى‬
   ‫اهلل عليه وسلم فالبد من تصديقه واإليمان به. واالعتقاد الجازم بأن ما قاله عليه الصالة والسلم‬
                                                                                 ‫حق وصدق.‬
  ‫((وطاعته فيما أمر)) كل ما أمر به المصطفى صلى اهلل عليه وسلم فإنه واجب التفيذ، وإذا كان‬
                       ‫ا‬
‫األمر باالستحباب فهو مشروع. فيجب على المسلم أن ينفذ ما كان واجبً وأن ينفذ أمر النبي صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم ويستجيب له أن يعمل ما أمر به النبي صلى اهلل عليه وسلم على وجه االستحباب.‬
‫((واجتناب ما نهى عنه وزجر)): اجتناب المحرمات والمكروهات التي نهى عنها النبي صلى اهلل‬
                                                                                   ‫عليه وسلم.‬
  ‫((وأن ال يعبد اهلل إال بما شرع)): فال يخترع اإلنسان عبادات يتقرب بها إلى اهلل تبارك وتعالى،‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫وهي لم ينزل اهلل بها سلطانً ولم يأت بها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ولم يفعلها مع أنه عليه‬
                                                                             ‫الصالة والسالم كان قادراً على ذلك.‬
                                              ‫ً‬
      ‫أيها األخوة: إن من أعظم معاني شهادة أن محمدا رسول اهلل اتباع سنته صلى اهلل عليه وسلم‬
                      ‫َاتبع ه َل ُ َد‬
    ‫وعدم التقدم عليه بقول أي إنسان كان، قال اهلل تعالى: و َّ ِ ُو ُ لَعَّكمْ تَهْت ُونَ [األعراف:115].‬
     ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ف ُ ذن بك َالله ف ٌ رح م‬
 ‫وقال تعالى: قلْ ِن ُنتمْ ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ و َّ ُ غَ ُور َّ ِي ٌ [آل‬
      ‫عمران:52]. ولذلك أطلقت على هذه اآلية الكريمة آية المحبة يقول أبو سليمان الداراني: لما‬
                             ‫ا‬
          ‫ادعت القلوب محبة اهلل عز وجل أنزل اهلل هذه اآلية محنة (أي اختبارً وامتحاناً للقلوب).‬
     ‫وهذه اآلية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة اهلل وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه‬
  ‫كاذب في نفس األمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، والمراد‬
    ‫بـ يحبكم اهلل أنه يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهذا أعظم من‬
                                                              ‫ح‬                   ‫ت‬
                                                            ‫األول إذ ليس الشأن أن ُحب إنما الشأن أن ت َب.‬
      ‫وقال تعالى: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ ُقَ ّ ُواْ َيْنَ ي َىِ َّ ِ و َ ُوِ ِ و َّ ُواْ َّهَ إ َّ َّهَ َ ِي ٌ َِي ٌ‬
      ‫ت دم ب َد الله َرس له َاتق الل ِن الل سم ع عل م‬                                    ‫َي َّذ ن من‬
       ‫ا‬                           ‫ال‬
‫[الحجرات:5]. فيقف المسلم عند السنة إذا بلغته وال يقدم قو ً وال رأياً وال هوى وال مذهبً وال أي‬
  ‫قول كان من أي قائل مهما جل قدره ومهما ارتفعت منزلته على قول رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
        ‫وسلم، قال عليه الصالة والسالم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي‬
 ‫تمسكوا وعضوا عليها بالنواجذ…)) الحديث. فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صديق األماني،‬
                       ‫عن قريب ستندم فقد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة تنتظر أو نار تضرم.‬
                                       ‫وبالسنة الغراء كن متمسكا……هي العروة الوثقى التي ليس تفصم‬
                                              ‫تمسك بها مسك البخيل بماله……وعض عليها بالنواجذ تسلم‬
                                    ‫ودع عنك ما قد أحدث الناس بعدها……فمرتع هاتيك الحوادث أوخم‬
‫قال اإلمام أحمد رحمه اهلل تعالى عن االتباع: هو أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى اهلل عليه‬
                                                                                                  ‫وسلم وعن أصحابه.‬
   ‫أيها اإلخوة: إذا أردت أن تعرف قدر الرجل، فانظر أين همته من االتباع ومجانبة االبتداع، فال‬
          ‫يعد الرجل رجالً إال إذا خالط حب القرآن والسنة والعمل بهما لحمه ودمه وآثرها على ما‬
                                                                                                                 ‫سواهما.‬
 ‫فقد بعث قيوم السماوات واألرضين رسوله صلى اهلل عليه وسلم بالكتاب المبين والنور لألرواح.‬
 ‫تأمل يا أخي الحبيب هذه النصوص الواردة في االتباع: عن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه أنه‬
   ‫أتي النبي صلى اهلل عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه (أي قرئ عليه) النبي‬
                                            ‫ي‬
   ‫صلى اهلل عليه وسلم فغضب فقال: ((أمتهوكون ف ّ يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم‬
   ‫بها بيضاء نقية، ال تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي‬
                                                                               ‫ا‬
                                                      ‫نفسي بيده لو أن موسى حيً ما وسعه إال أن يتبعني)).‬
          ‫ا‬
  ‫عن عبداهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: خط لنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم خطً ثم قال:‬
                       ‫((هذا سبيل اهلل)) ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: ((هذه سبل)).‬
         ‫وَن ه ص ط م ق م‬
        ‫قال يزيد: متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: َأ َّ َاذَا ِرا ِي ُسْتَ ِي ًا‬
                         ‫َاتبع ه و َتبع الس ُ َر ب ُ ع سب ل ل ُ َص ُ ب َلك َتق‬
 ‫ف َّ ِ ُو ُ َالَ تَّ ِ ُواْ ُّبلَ فَتَف َّقَ ِكمْ َن َ ِيِهِ ذاِكمْ و َّاكمْ ِهِ لَعَّ ُمْ ت َّ ُونَ [األنعام:215]. (رواه‬
                                                                                          ‫أحمد وهو حديث صحيح).‬
‫عن مالك بن الحويرث رضي اهلل عنه قال: أتينا النبي صلى اهلل عليه وسلم ونحن شببة متقاربون،‬
     ‫فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه وكان‬
                                                                             ‫ا‬
   ‫رقيقاً رحيمً. فقال: ((ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا‬
                               ‫حضرت الصالة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم)) [البخاري ومسلم].‬
‫عن أبي الدرداء رضي اهلل عنه قال: خرج علينا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ونحن نذكر الفقر‬
      ‫ونتخوفه فقال: ((آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى ال يزيغ قلب‬
        ‫أحدكم إزاغة إال هيه، وأيم اهلل لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)). قال أبو‬
‫الدرداء: صدق واهلل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: تركنا واهلل على مثل البيضاء، ليلها ونهارها‬
                                                          ‫سواء. [رواه ابن ماجه وقال األلباني: حديث حسن].‬
    ‫عن جابر بن عبداهلل رضي اهلل عنهما قال: رأيت النبي صلىاهلل عليه وسلم يرمي على راحلته‬
‫يوم النحر ويقول: ((لتأخذوا مناسككم فإني ال أدري لعلي ال أصبح بعد حجتي هذه)) [رواه مسلم].‬
‫وعن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح‬
‫من أعاله، وقد رأيت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يمسح على ظاهر خفه) [رواه أبو داود وقال‬
                                                                                                ‫الحافظ: إسناده حسن].‬
‫عن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي صلى اهلل عليه‬
   ‫وسلم. وفد بني تميم أشار أحدهما باألقرع بن حابس التميمي الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار‬
         ‫اآلخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خالفي. فقال عمر ما أردت خالفك، فارتفعت‬
       ‫أصواتهما عند النبي صلى اهلل عليه وسلم فنزلت ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ الَ ترْفَ ُواْ أَصْواتَكم فَوْ َ‬
       ‫ُْ ق‬                 ‫َ ع‬            ‫َي َّذ ن من‬
  ‫ُر ِن‬                 ‫لُ و ُ‬                      ‫أ‬     ‫ج ب ضك لب‬                       ‫َر ه ب‬               ‫ص النبى و‬
  ‫َوْتِ َّ ِ ّ َالَ تَجْه ُواْ لَ ُ ِالْقَوْلِ كَ َهْرِ َعْ ِ ُمْ ِ َعْضٍ َن تَحْبَطَ أَعْمَاُكمْ َأَنتمْ الَ تَشْع ُونَ إ َّ‬
    ‫ه م ِ ة و ْر‬                ‫ح الل ُ قل ب ُ ِلت‬             ‫َّذ‬          ‫ه ع د رس الل أ‬                     ‫َّذ ي ُض‬
    ‫ال ِينَ َغ ُّونَ أَصْواتَ ُمْ ِن َ َ ُولِ َّهِ ُوْلَئِكَ ال ِينَ امْتَ َنَ َّه ُُو َهمْ ل َّقْوَى لَ ُم َّغْفرَ ٌ َأَج ٌ‬
                                                                                                            ‫م‬
                                                                                            ‫عَظِي ٌ [الحجرات:7-2]).‬
   ‫قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: (فكان عمر بعد إذا حدث النبي صلى اهلل عليه وسلم بحديث‬
                                                    ‫حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه) [البخاري].‬
‫أيها األحبة: إن المسلمين اليوم مطالبون بجعل محمد صلى اهلل عليه وسلم قدوتهم إذا كانوا يريدون‬
 ‫أن يعودوا إلى سابق مجدهم وعليائهم التي كان عليها أسالفهم فنسأل اهلل أن يردنا والمسلمين إليه‬
                                                                                                             ‫ال‬
                                                                                                            ‫رداً جمي ً…‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
   ‫أيها المسلمون: كيف نتلقى خبر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم؟ نتلقاه بالتعظيم مع الطاعة مع‬
 ‫الحب، بالتعظيم فال يستهان به، وبالطاعة فال يعصى، وبالحب فال يكره مؤمن ما جاء به رسول‬
                                                                     ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
  ‫أيها األحبة: إليكم نماذج من الحب والتعظيم ألمره صلى اهلل عليه وسلم: يقول عروة بن مسعود‬
    ‫رضي اهلل عنه قبل إسالمه: أي قوم واهلل قد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى‬
 ‫والنجاشي، واهلل ما رأيت مليكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
  ‫محمداً ..... إلى أن قال: إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا‬
                                 ‫تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له.‬
                    ‫ا‬
 ‫عن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: اتخذ النبي صلى اهلل عليه وسلم خاتمً من ذهب فاتخذ الناس‬
                         ‫ا‬
    ‫خواتيم من ذهب فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((إني اتخذت خاتمً من ذهب)) فنبذه وقال:‬
                                                                          ‫ا‬
                                   ‫((إني لن ألبسه أبدً)) فنبذ الناس خواتيمهم. [رواه البخاري].‬
 ‫عن عبداهلل بن مغفل رضي اهلل عنهما: أنه رأى رجالً يخذف. فقال له: ال تخذف فإن رسول اهلل‬
                                    ‫صلى اهلل عليه وسلم نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف.‬
            ‫وقال: ((إنه ال يصاد به صيد، وال ينكأ به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين)).‬
‫ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: (أحدثك عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أنه نهى عن الخذف‬
                            ‫أو كره الخذف وأنت تخذف، ال أكلمك كذا وكذا) [البخاري ومسلم].‬
                  ‫ً‬
‫عن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: (من سره أن يلقى اهلل غداً مسلما فليحافظ على هؤالء‬
 ‫الصلوات حيث ينادى بهن. فإن اهلل شرع لنبيكم صلى اهلل عليه وسلم سنن الهدى، إنهن من سنن‬
 ‫الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذه المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم‬
 ‫سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إال‬
  ‫كتب اهلل له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما‬
  ‫يتخلف عنها إال منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في‬
                                                                                     ‫الصف).‬
  ‫رحماك يا إلهي فما أكثر المتخلفين عن صالة الجماعة، وهذا ميزان الصحابة بوصف المتخلف‬
                                                                      ‫أنه منافق معلوم النفاق.‬
                                       ‫ً‬
    ‫قال عبداهلل بن مسعود رضي اهلل عنه: (من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي ال تؤمن‬
 ‫ا‬             ‫ا‬             ‫ا‬
‫عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه األمة: أبرها قلوبً، وأعمقها علمً، وأقلها تكلفً.‬
  ‫اختارهم اهلل لصحبة نبيه وإلقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم‬
                                                                  ‫كانوا على الهدى المستقيم).‬
 ‫قال الحسن البصري رحمه اهلل تعالى: السنة، والذي ال إله إال هو بين الغالي والجافي، فاصبروا‬
  ‫عليها رحمكم اهلل، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي: الذين لم‬
‫يذهبوا مع أهل اإلتراف في إترافهم، وال مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سننهم حتى لقوا‬
                                                                               ‫ربهم، فكذلك إن شاء اهلل فكونوا.‬
 ‫قال الزهري رحمه اهلل: كان من مضى من علمائنا يقولون: االعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض‬
                                                                                             ‫ا‬
                                ‫قبضً، فعيش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.‬
                  ‫وإ تط ع ه َد‬
   ‫فعلى كل مسلم استشعار الهداية في اتباعه صلى اهلل عليه وسلم َِن ُ ِي ُو ُ تَهْت ُواْ [النور:41].‬
 ‫ْ َّذ ي ف ن ع أ ْر أ‬
‫وإن الضالل والشقاوة والفتنة في مخالفته صلى اهلل عليه وسلم فَلْيَحذَرِ ال ِينَ ُخَالِ ُو َ َنْ َم ِهِ َن‬
                                                          ‫تص ب ُ ف ة يص ب ُ َ ب م‬
‫ُ ِي َهمْ ِتْنَ ٌ أَوْ ُ ِي َهمْ عذَا ٌ أَلِي ٌ [النور:26]. من ابتغى الدواء والشفاء من غيره صلى اهلل عليه‬
                                 ‫ى َد ب ْ ه ي من‬
 ‫وسلم فهذا ميؤوس من دوائه وعالجه فَبِأَ ّ ح ِيثٍ َعدَ ُ ُؤْ ِ ُونَ [المرسالت:01]. كل ما جاء عنه‬
                               ‫صلى اهلل فمحله في قلوبنا التعظيم والتوقير والحفاوة والخضوع والحب.‬
            ‫ا‬
     ‫إن ما تعانيه األمة اليوم من الذلة والضعف والهوان على األمم هو جزاؤها جزاء وفاقً. حينما‬
 ‫استهانت بهديه صلى اهلل عليه وسلم إما بمعصيته أو االستنكاف عن طاعته صلى اهلل عليه وسلم،‬
    ‫ولذا تسهل أن يقودها شياطين األرض إلى الطرق الضالة، فوقعت في مضالت الفتن وما ربك‬
                                                                                                       ‫بظالم للعبيد.‬
‫َ َا كَانَ ِ ُؤْ ِ ٍ َالَ ُؤْ ِنَةٍ إذَا قَ َى َّ ُ و َ ُوُ ُ أَمْراً َن ي ُونَ لَه ُ الْ ِيرَ ُ ِنْ أَم ِهمْ َ َن َع ِ‬
‫ُم خ َ ة م ْر ِ وم ي ْص‬                    ‫أ َك‬           ‫لم من و م م ِ ض الله َرس له‬                               ‫وم‬
                                                                            ‫الله َرس ُ َ َل ض ال مب‬
                                                          ‫َّ َ و َ ُولَه فَقدْ ض َّ َلَا ً ُّ ِيناً [األحزاب:62].‬
                                        ‫إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا……كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا‬
                                                         ‫ال‬
                                    ‫وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجده……دلي ً كفانا نور وجهك حاديا‬

‫(5/1145)‬




                                                                                                                ‫الحمد‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫الدعاء والذكر, فضائل األعمال‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                                ‫الدمام‬
                                                                                                     ‫45/05/4545‬
                                                                                                   ‫أبو بكر الصديق‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- عظمة اهلل وعظم نعمائه. 7- معنى الحمد واستحقاقه تعالى الحمد. 2- فضل عبادة الحمد.‬
              ‫4- أوقات يتعين فيها الحمد. 1- بعض صيغ الحمد المأثورة. 6- بعض فوائد الحمد.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                  ‫أما بعد:‬
                                                                                  ‫أيها المسلمون لنا مع الحمد وقفة:‬
                                           ‫وهو الحميد فكل حمد واقع ……أو كان مفروضاً مدى األزمان‬
                                              ‫مأل الوجود جميعه ونظيره ……من غير ما عد و ال حسبان‬
                                            ‫هو أهله سبحانه وبحمده ……كل المحامد وصف ذي اإلحسان‬
       ‫هو سبحانه أهل الثناء والمجد، له الخلق واألمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا واآلخرة، وله‬
   ‫النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، شملت قدرته‬
                        ‫ا‬
   ‫كل شيء ووسعت رحمته كل شيء، كل يوم هو في شأن، يرفع أقوامً ويخفض آخرين، ال ينام‬
       ‫وال ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل‬
      ‫النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه ألحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من‬
 ‫خلقه، قال صلى اهلل عليه وسلم: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إال‬
                                                                                                     ‫عليه ملك ساجد)).‬
  ‫((أطت السماء ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إال وفيه جبهة ملك‬
     ‫ساجد يسبح اهلل وبحمده)) لو أن أهل سماواته وأهل أرضه وأول خلقه وأخرهم وإنسهم وجنهم‬
                                     ‫ا‬
    ‫كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئً، ولو أن خلقه أولهم وآخرهم، إنسهم‬
                                     ‫ا‬
                                    ‫وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئً.‬
  ‫أخي: لو أن أشجار األرض كلها من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا أقالم والبحر وراءه سبعة‬
 ‫أبحر تمده من بعده مداد فكتب بتلك األقالم، وذلك المداد لفنيت األقالم ونفد المداد ولم تنفد كلمات‬
‫الخالق تبارك وتعالى: لَّهِ َا ِى َّمَاوا ِ َاألرْضَ إ َّ َّهَ ُوَ الْغَن ُّ الْ َ ِي ُ َلَوْ أ َّ َا ِى األر ِ‬
‫ْض‬      ‫ِى حم د و َنم ف‬                        ‫ِن الل ه‬           ‫ِل م ف الس ت و‬
          ‫ِن شَ َرَةٍ أقْال ٌ َالْبَح ُ َم ُّ ُ ِن َعْدِهِ َبْ َ ُ أَبْح ٍ َّا نَ ِ َتْ كَِ َا ُ َّهِ إ َّ َّهَ عزِي ٌ َكِي ٌ‬
          ‫م ج َ َم و ْر ي ُده م ب س عة ُر م فد لم ت الل ِن الل َ ز ح م‬
                                                                                                       ‫[لقمان:67-27].‬
       ‫هو األول الذي ليس قبله شيء واآلخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء،‬
  ‫والباطن الذي ليس دونه شيء، كل شيء هالك إال وجهه، وكل ملك زائل إال ملكه، لن يطاع إال‬
   ‫بإذنه ورحمته، ولن يعصى إال بعلمه وحكمته، يطاع فيشكر، ويعصى فيتجاوز ويغفر، كل نقمة‬
  ‫منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي،‬
 ‫وسجل اآلثار، وكتب اآلجال فالقلوب له مفضية، والسر عنده عالنية، عطاؤه كالم، وعذابه كالم‬
 ‫وإ ُ جع ن‬                 ‫ال ب َ ه م ك ت كل‬                ‫أ يق ه ك يك ُ س‬                            ‫ِن ْره ِذ َر‬
 ‫إ َّمَا أَم ُ ُ إ َا أ َادَ شَيْئاً َن َ ُولَ لَ ُ ُن فَ َ ُون فَ ُبْحَانَ َّذِى ِيدِ ِ َلَ ُو ُ ُ ّ شَىْء َِلَيْهِ ترْ َ ُو َ‬
                                                                                                           ‫[يس:71-21].‬
  ‫أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من‬
    ‫سئل، وأكرم من قصد، أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأعز من كل شيء سبحانه‬
                                                                                                                    ‫وبحمده.‬
                                                                                          ‫أنت الذي أطعمتني وسقيتني‬
                                                                                           ‫من غير كسب يد وال دكان‬
                                                                                            ‫أنت الذي آويتني وحبوتني‬
                                                                                            ‫وهديتني من حيرة الخذالن‬
             ‫قال ابن القيم رحمه اهلل: "الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجالله وتعظيمه".‬
 ‫معنى اسم اهلل الحميد: قال ابن القيم رحمه اهلل في ذكر أسماء األلوهية والربوبية والرحمة والملك‬
   ‫بعد الحمد: "ما يدل على إيتاء على مضمونها ومقتضاها أي أنه محمود في إالهيته، محمود في‬
‫ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، ورحمن محمود،‬
                                                         ‫وملك محمود، فله بذلك جميع أقسام الكمال والجالل".‬
  ‫اسمع يا رعاك اهلل إلى هذه النصوص النبوية الواردة في الحمد: عن سمرة بن جندب رضي اهلل‬
   ‫عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أحب الكالم إلى اهلل أربع: سبحان اهلل، والحمد‬
                             ‫اهلل، وال إله إال اهلل، واهلل أكبر، ال يضرك بأيهن بدأت ....)) [رواه مسلم].‬
  ‫وعن أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا مات‬
‫ولد العبد، قال اهلل لمالئكته: قبضتم ولد عبدي. فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده ،فيقولون:‬
     ‫نعم، فيقول: ماذا قال عبدي، فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول اهلل: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة‬
                                                                                                   ‫وسموه بيت الحمد)).‬
 ‫وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
‫((إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من اهلل، فليحمد اهلل عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك‬
       ‫مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ باهلل من شرها وال يذكرها ألحد فإنها ال تضره)).‬
‫وفي الصحيحين عن علي رضي اهلل عنه قال: إن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها وأتى‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم سبي، فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي صلى اهلل عليه وسلم إلينا وقد أخذنا‬
  ‫مضاجعنا فذهبنا نقوم، فقال: النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((على مكانكما ،فقعد بيننا حتى وجدت‬
                                               ‫ا‬
    ‫برد قدمه على صدري ثم قال: أال أعلمكم خيرً مما سألتماه؟ إذا أخذتما مضاجعكما: أن تكبرا‬
                                                                ‫ا‬                     ‫ا‬
‫أربعً وثالثين وتسبحاه ثالثُ وثالثين، وتحمداه ثالثاً وثالثين فهو خير لكما من خادم)) وفي صحيح‬
       ‫مسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل‬
 ‫ليرضى عن العبد أن يأكل األكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) وفي الصحيحين‬
   ‫من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل يحب‬
  ‫العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد اهلل، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما‬
 ‫التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرد ما استطاع، فإذا قال: هاء ضحك الشيطان)) وعند مسلم في‬
 ‫صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي اهلل عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
    ‫ا‬
   ‫وسلم فقال: ((علمني كالماً أقوله: قال: ((قل: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، اهلل أكبر كبيرً،‬
‫والحمد هلل كثيراً، سبحان اهلل رب العالمين، ال حول وال قوة إال باهلل العزيز الحكيم)) فهؤالء لربي‬
                                 ‫فمالي؟ قال: ((قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني)).‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الكبير المتعال الكريم المنان واسع الفضل والعطاء، الحمد هلل على جزيل العطاء، مسدي‬
    ‫النعماء وكاشف الضراء معطي السواء، الحمد هلل أبدً سرمدً وال نشرك معه أحدً تبارك فردً‬
    ‫ا‬          ‫ا‬                 ‫ا‬     ‫ا‬
                                      ‫ا‬                     ‫ا‬
                                     ‫صمداً، لم يتخذ صاحبة وال ولدً، وال شريك له وال عضدً.‬
                                                                                           ‫وبعد:‬
     ‫ال‬
     ‫فعن فضالة بن عبيد األوسي رضي اهلل عنه قال: سمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رج ً‬
 ‫يدعو في صالته لم يمجد اهلل ولم يصل على النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال رسول اهلل صلى اهلل‬
                   ‫عليه وسلم: ((عجلت أيها المصلي)) ثم علمه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
 ‫وسمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رجالً يصلي فمجد اهلل وحمده وصلى على النبي صلى اهلل‬
                    ‫عليه وسلم فقال: رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ادع تجب، وسل تعط)).‬
 ‫وعن سعد بن أبي وقاص رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((عجبت من‬
      ‫قضاء اهلل عز وجل للمؤمن، إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه‬
                            ‫ي‬
  ‫وصبر، المؤمن من يوجد في كل شيء حتى اللقمة يدفعها إلى ف ّ امرأته)). وروى البخاري في‬
     ‫صحيحه عن رفاعة بن رافع رضي اهلل عنه قال: كنا يوماً نصلي وراء النبي صلى اهلل عليه‬
   ‫ا‬
   ‫وسلم: فلما رفع رأسه من الركعة قال: ((سمع اهلل لمن حمده)) قال رجل: ربنا ولك الحمد حمدً‬
                                                                                 ‫ا‬
  ‫كثيراً طيبً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: ((من المتكلم)) قال: أنا، قال: ((رأيت بضعة وثالثين‬
                                                               ‫ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول)).‬
                 ‫ا‬
      ‫وعن أنس رضي اهلل عنه قال: كنت مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم جالسً، ورجل قائم‬
 ‫يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ال إله إال أنت‬
    ‫المنان بديع السماوات واألرض يا ذا الجالل واإلكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك ..فقال النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ألصحابه: تدرون بم دعا؟ قالوا: اهلل ورسوله أعلم: قال: ((والذي نفسي بيده‬
                       ‫لقد دعا اهلل باسمه األعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى)).‬
‫وعن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم‬
 ‫ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السالم: وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء‬
                    ‫وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان اهلل والحمد هلل وال إله إال اهلل واهلل أكبر)).‬
  ‫عن أنس رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما أنعم اهلل على عبد نعمة‬
                                        ‫فقال: الحمد اهلل، إال كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ)).‬
‫عن عمر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((من رأى صاحب بالء فقال:‬
                   ‫ال‬
  ‫الحمد اهلل الذي عافاني مما ابتالك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضي ً، إال عوفي من ذلك‬
                                                                   ‫البالء كائناً ما كان ما عاش)).‬
    ‫عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال:‬
      ‫((الحمد اهلل الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد اهلل على كل حال)).‬
                                                             ‫قال حسان بن ثابت رضي اهلل عنه:‬
                                      ‫أغر عليه من النبوة خاتم……من اهلل مشهود يلوح ويشهد‬
                           ‫وضم اإلله اسم النبي إلى اسمه……إذا قال في الخمس المؤذن أشهد‬
                                   ‫وشق له من اسمه ليجله……فذو العرش محمود وهذا محمد‬
  ‫وكان الحسن البصري رحمه اهلل إذا ابتدأ كالمه يقول: الحمد اهلل اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا‬
    ‫ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا، لك الحمد باإلسالم والقرآن ولك الحمد باألهل‬
                                                                ‫ت‬
   ‫والمال والمعافاة، كب ّ عدونا وبسطت رزقنا وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا وأحسنت معافاتنا،‬
                             ‫ا‬
‫ومن كل ماسألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمداً كثيرً ولك الحمد بكل نعمة أنعمت بها‬
‫علينا في قديم أو حديث أو سر أو عالنية أو خاصة أو عامة أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب،‬
                                                 ‫لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.‬
‫رأى بكر بن عبد اهلل المزني رحمه اهلل تعالى حماالً عليه حمله وهو يقول: الحمد هلل، أستغفر اهلل،‬
   ‫ا‬
   ‫قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ قال: بلى أحسن خيرً‬
                                                                                       ‫ا‬
      ‫كثيرً: أقرأ كتاب اهلل غير أن العبد بين نعمة وذنب، فأحمد اهلل على نعمة السابغة وأستغفره‬
                                                               ‫لذنوبي فقال: الحمال أفقه من بكر.‬
  ‫قال الفضيل بن عياض رحمه اهلل تعالى: من عرف نعمة اهلل بقلبه وحمده بلسانه لم يستقيم حتى‬
                                                   ‫ُ ز َن ُ‬             ‫ئ‬
                                    ‫يرى الزيادة لقوله تعالى: لَ ِن شَكَرْتمْ ال ِيدَّكمْ [إبراهيم:2].‬
‫قال الشافعي رحمه اهلل تعالى: أحب أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمد اهلل تعالى‬
                        ‫والثناء عليه سبحانه وتعالى والصالة على رسوله صلى اهلل عليه وسلم.‬
  ‫قال ابن زيد رحمه اهلل تعالى: "إنه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد اهلل عز وجل فيقضى‬
                                                                                     ‫لذلك المجلس حوائجهم كلهم".‬
         ‫والخاتمة رزقنا اهلل حسنها: أن الحمد من أعلى مقامات اإليمان ويوجب محبة اهلل عز وجل‬
    ‫ونصرته، وفي كثرة الحمد جلب النعم المفقودة والمحافظة على الموجودة، وفيه غفران الذنوب‬
     ‫وستر العيوب، وفي مجاورة الحمادين سعادة لمن جاورهم وجالسهم، وفي كثرة الحمد انشغال‬
 ‫بذكر اهلل عز وجل عن الغيبة والنميمة وعن كل ما يسخط اهلل عز وجل، وفيه قوة البدن وعافيته،‬
                                                     ‫ر‬
  ‫وهو أفضل من عتق الرقاب والصدقة بح ّ المال وكثرة الحمد تجعل العبد مطمئناً لقضاء اهلل بل‬
 ‫ويوصله لمقام الرضا والحمد الذي هو من أجل الصفات التي تحلى بها رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                                                             ‫وسلم وأوصى بها أمته.‬

‫(5/4145)‬




                                                                                                           ‫اهلل عز وجل‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                       ‫اإليمان, التوحيد‬
                                                                                  ‫األسماء والصفات, اهلل عز وجل‬
                                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                                    ‫الدمام‬
                                                                                                      ‫أبو بكر الصديق‬
                                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- محبة اهلل عز وجل. 7- لماذا نحب اهلل. 2- اهلل صاحب كل نعمة وخير. 4- صفات اهلل‬
                                           ‫العظيم وربوبيته على مخلوقاته. 1- بعض نعم اهلل على عباده.‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                 ‫أما بعد:‬
     ‫ت الله ب ْم ي ِبه وي ِب َه َ ِل‬                  ‫َي َّذ ن من م ي َد م ُ ع د ن ِ ْ‬
   ‫قال تعالى: ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َُواْ َن َرْت َّ ِنكمْ َن ِي ِه فَسَوفَ يَأْ ِى َّ ُ ِقَو ٍ ُح ُّ ُمْ َ ُح ُّون ُ أذَّةٍ‬
                    ‫م ئ‬              ‫ِز عل ك ِر ي هد َ ف س الله و خ ف‬                                    ‫عل م من‬
    ‫ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ أَع َّةٍ ََى الْ َاف ِينَ ُجَا ِ ُون ِى َبِيلِ َّ ِ َالَ يَ َا ُونَ لَوْ َةَ ال ِمٍ [المائدة:41].‬
  ‫وم الن س م َتخذ م د الل د د ي ِب ُ حب الله و َّذ ن من َد حب ِل‬
‫وقال تعالى: َ ِنَ َّا ِ َن ي َّ ِ ُ ِن ُونِ َّهِ أَن َا ًا ُحُّونَهمْ كَ ُ ّ َّ ِ َال ِي َ ءا َُواْ أَش ُّ ُ ّا لَّهِ‬
    ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ف ُ ذن بك َالله ف ر‬
    ‫[البقرة:165]. وقال: قلْ ِن ُنتمْ ُحُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُو َ ُمْ و َّ ُ غَ ُو ٌ‬
                                                                                        ‫ر م‬
  ‫َّحِي ٌ [آل عمران:52]. قال أبو سليمان الداراني: لما ادعت القلوب محبة اهلل، أنزل اهلل لها محنة‬
               ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل َ َاتبع ن ي ب ُم الله وي ِ ُ ذن ب ُ َالله ف ٌ رح م‬
‫قلْ ِن ُنتمْ ُح ُّونَ َّه ف َّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ و َّ ُ غَ ُور َّ ِي ٌ [آل عمران:52].‬
 ‫وشأن عظيم أن تحب موالك، وأعظم منه أن يحبك موالك وال يحصل هذا إال باالتباع، وذكر اهلل‬
 ‫َالل إ ُن ف ض مب ِ ن و ُ برب ع لم ن‬
 ‫حسرة أهل النار وقولهم آللهتهم قال تعالى: ت َّهِ ِن ك َّا لَ ِى َلَالٍ ُّ ِينٍ إذْ ُسَ ّيكمْ ِ َ ّ الْ َاَ ِي َ‬
       ‫[الشعراء:14]. ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق، وإنما سووهم به في المحبة‬
                   ‫ْم َّذ ن َر ِرب ِ ي ْدل‬
                ‫والتعظيم، وهذا أيضاً هو العدل المذكور في قوله تعالى: ث َّ ال ِي َ كَف ُواْ ب َّهمْ َع ُِونَ‬
                                     ‫[األنعام:5]. أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم.‬
  ‫ومن السنة قوله صلى اهلل عليه وسلم: ((ثالث من كن فيه وجد بهن حالوة اإليمان، أن يكون اهلل‬
 ‫ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء ال يحبه إال هلل، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد‬
                                                                   ‫أن أنقذه اهلل منه كما يكره أن يقذف في النار)).‬
   ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((إن اهلل إذا أحب عبدً‬
   ‫ا‬
                                               ‫دعا جبريل فقال ..........الحديث)) واألحاديث في هذا كثير.‬
    ‫وبعد هذا أيها األحبة نقول: إنه ال يحب لذاته إال اهلل تبارك وتعالى، وكل محبة وجدت فهي تبع‬
   ‫لمحبة اهلل ومن أجله سبحانه، أما هو سبحانه فيحب لذاته لما له من جمال الذات وجمال الصفات‬
         ‫وجمال األفعال، ولنعمه الباطنة والظاهرة والتي ال تنقطع بمعاصي خلقه، وإذا طلعت شمس‬
    ‫التوحيد وباشرت جوانبها األرواح، ونورها البصائر تجلت بها ظلمات النفس والطبع، وتحركت‬
   ‫بها األرواح في طلب من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فال تزال شواهد الصفات قائمة‬
  ‫بقلبه توقظه إذا رقد، وتذكره إذا غفل، وتحدو به إذا أساء، وتقيمه إذا قعد، إن قام بقلبه شاهد من‬
    ‫الربوبية والقيومية ما رأى منه أن مواله له الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع األمر كله،‬
  ‫و ي ْ َ ُ سل‬                         ‫الله ِلن م ر م ٍ م‬                        ‫م‬
  ‫ليس ألحد معه من األمر شيء َّا يَفْتَحِ َّ ُ ل َّاسِ ِن َّحْ َة فَالَ ُمْسِكَ لَهَا َمَا ُمْسِك فَال مرْ ِ َ‬
  ‫ر الل َ ْ ُق ُ‬               ‫ه م ب ْ ه ه َز ز ح م َي الن س كر ن م َّ ع ُ َ م‬
‫لَ ُ ِن َعدِ ِ وَ ُوَ الْع ِي ُ الْ َكِي ُ ياأ ُّهَا َّا ُ اذْ ُ ُواْ ِعْ َةَ اللهِ َلَيْكمْ هلْ ِنْ خَالِقٍ غَيْ ُ َّهِ يرز ُكمْ‬
                                                              ‫ِال ه َ َن ت ْ ك‬                 ‫م السم و ْ‬
                                               ‫ّنَ َّ َاء َاألرضِ الَ اله إ َّ ُو فَأ َّى ُؤفَ ُونَ [فاطر:7-2].‬
    ‫أيها األحبة: حين تستقر هذا الصورة التي تحملها هذه اآلية الكريمة في قلب بشر يتم فيه تحول‬
   ‫كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعها، إنها تقطعه عن‬
      ‫شبهة كل قوة في السماوات واألرض، وتصله بقوة، وال ضيق مع رحمة اهلل، إنما الضيق في‬
  ‫إمساكها دون سواه، ال ضيق لو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب، وال سعة‬
                ‫مع إمساكها ولو تقلب اإلنسان في أعطاف النعيم وفي مراتع الرخاء، إنها رحمة اهلل .‬
    ‫أخي، المال والولد والصحة والقوة والجاه والسلطان تصبح مصادر قلق ونكد وجهد إذا أمسكت‬
  ‫عنها رحمة اهلل، فإذا فتح اهلل أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة واالطمئنان، يبسط‬
   ‫اهلل الرزق – مع رحمته- فإذا هو متاع طيب ورخاء، وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى اآلخرة،‬
    ‫ويمسك رحمته فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان‬
   ‫ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار، ويمنح اهلل الذرية مع رحمته فإذا هو‬
 ‫زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة لألجر في اآلخرة بالخلف الصالح الذي يذكر‬
    ‫اهلل، ويمسك رحمته فإذا الذرية وباء ونكد وعنت وشقاء وسهر بالليل وتعب النهار، يعطيك اهلل‬
    ‫رحمته ويهب اهلل الصحة والقوة مع رحمته، فإذا هي نعمة وحياة طيبة والتذاذ بالحياة، ويمسك‬
  ‫رحمته فإذا الصحة والقوة بالء يسلطه اهلل على الصحيح القوي، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم‬
‫الجسد ويفسد الروح ويدخر السوء ليوم الحساب، ورحمة اهلل ال تعز على طالب في أي مكان، وال‬
    ‫في أي حال، وجدها إبراهيم عليه السالم في النار، ووجدها يوسف عليه السالم في الجب، كما‬
   ‫وجدها في السجن، وجدها يونس عليه السالم في بطن الحوت في ظلمات ثالث، وجدها موسى‬
 ‫عليه السالم في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة ،كما وجدها في قصر فرعون‬
        ‫وهو عدو له متربص به ويبحث عنه، وجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في‬
                 ‫ي ُ ُ َبك م ر مت‬                            ‫و إل‬
   ‫القصور والدور فقال بعضهم لبعض فَأْ ُواْ َِى الْكَهْفِ َنْشرْ لَكمْ ر ُّ ُم ّن َّحْ َ ِهِ [الكهف:65].‬
    ‫ووجدها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون اآلثار،‬
    ‫ضرب ب ه بس له‬
    ‫ووجدها شيخ اإلسالم ابن تيمية حين أدخل السجن فقال بعزة واستعالء فَ ُ ِ َ َيْنَ ُم ِ ُورٍ َّ ُ‬
   ‫ا‬                                         ‫ِره م قبل َ ب‬                  ‫ب ب طن ُ ف الر مة‬
‫بَا ٌ َا ِ ُه ِيهِ َّحْ َ ُ وَظَاه ُ ُ ِن ِ َِهِ الْعذَا ُ [الحديد:25]. ووجدها كل من آوى إليها يآئسً من‬
                   ‫ا‬
 ‫كل ما سواها، منقطعاً عن كل شبهة وقوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدً باب اهلل وحده دون‬
     ‫األبواب، فاللهم رحمتك يا أرحم الراحمين، وإذا عرجت يا أخي بوادي المحبة تلوح لك نعوت‬
       ‫الجمال لموالك، فتشاهد ببصائر اإليمان صفات الكمال لموالك، حتى كأنك تنظر إلى عرش‬
                                                                        ‫ا‬
  ‫الرحمن بارزً وإلى استوائه على عرشه، يدبر أمر الممالك يأمر وينهى، ويخلق ويرزق ويميت‬
  ‫سم ت و ْض‬                     ‫ِن َب ُم الله َّ‬
  ‫ويحيي ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار قال تعالى: إ َّ ر َّك ُ َّ ُ الذِى خَلَقَ ال َ َاوا ِ َاألر َ‬
        ‫َ ش ي ش ال ْ النه ر لبه حث َالش س و َر والنج م‬                                ‫عل‬          ‫ف ِت َي ُم‬
        ‫ِي س َّةِ أ َّامٍ ث َّ اسْتَوَى ََى الْعرْ ِ ُغْ ِى َّيلَ َّ َا َ يَطُْ ُ ُ َ ِيثًا و َّمْ َ َالْقَم َ َ ُّ ُو َ‬
  ‫ُس َّرا ٍ بِأَمْرِهِ أَالَ لَ ُ الْخَلْ ُ َاألم ُ تَبَارَكَ َّه ر ُّ الْعَالَ ِينَ [األعراف:41]. وقال تعالى: َ ُ َ‬
  ‫وهو‬                                ‫م‬          ‫الل ُ َب‬           ‫ه ق و ْر‬                                ‫م َخ ت‬
   ‫ق لم م‬                                ‫قل ن‬            ‫َّ ي ويم ت و ه ت ف ال ْل َالنه َ‬
  ‫الذِى ُحىِ َ ُ ِي ُ َلَ ُ اخْ ِلَا ُ َّي ِ و َّ َارِ أفَالَ تَعْ ُِو َ [المؤمنون:01]. وقال تعالى: ُل ّ َن َّا‬
‫ِى َّمَاوا ِ َاألرض ُل َّهِ كَتَبَ ََى نَفْ ِهِ َّحْ َةَ لَيَجْ َعَّكمْ َِى يَومِ الْ ِ َا َةِ الَ َيْب ِيهِ ال ِي َ‬
‫ر َ ف َّذ ن‬             ‫م َن ُ إل ْ قي م‬                      ‫عل س الر م‬                   ‫ف الس ت و ْ ِ ق لل‬
                                                                                       ‫ي من‬          ‫ِر أ فس ُ ُ‬
                                                                      ‫خَس ُواْ َن ُ َهمْ فَهمْ الَ ُؤْ ِ ُونَ [األنعام:75].‬
‫أحاط بكل شيء علماً، ال يعزب عنه مثقال ذرة في األرض وال في السماوات وال في قرار البحار‬
‫وال تحت أطباق الجبال، قال تعالى: َ ِندَ ُ مَفَا ِ ُ الْغَيْ ِ الَ َعْلَ ُهَا إ َّ ُوَ َ َعْل ُ َا ِى الْب ّ َالْ َحْ ِ‬
‫وع ه تح ب ي م ِال ه وي َم م ف َر و ب ر‬
     ‫ِال ف كت ب‬          ‫ْض و ر ب و ي‬                  ‫وم قط م َ َ ِال ي م و َب ٍ ف ظل‬
     ‫َ َا تَسْ ُ ُ ِن ورقَةٍ إ َّ َعْلَ ُهَا َالَ ح َّة ِى ُُمَاتِ األر ِ َالَ َطْ ٍ َالَ َابِسٍ إ َّ ِى ِ َا ٍ‬
   ‫الله ي َم م مل ُل أ وم غ ض ْ ح م و َ ْد ُ و ُل‬                                                            ‫مب‬
   ‫ُّ ِينٍ [األنعام:41]. وقال تعالى: َّ ُ َعْل ُ َا تَحْ ِ ُ ك ُّ ُنثَى َ َا تَ ِي ُ االرْ َا ُ َمَا تز َاد َك ُّ‬
    ‫شَىْء ِندَ ُ ِمِق َارٍ عَال ُ الْغَيْ ِ و َّ َا َةِ الْكَبِي ُ الْ ُتَعَا ِ سَ َاء ّنْكمْ َّنْ أَس َّ الْقَولَ َمنْ َه َ ِ ِ‬
    ‫ر م ل و م ُ م َر ْ و َ ج َر به‬                                             ‫ِم ب َالشه د‬                  ‫ع ه ب ْد‬
   ‫ي زب ع ه‬                      ‫ِ‬                                 ‫ِال ْ وس رب ِالنه‬               ‫و م هو م‬
   ‫َ َنْ ُ َ ُسْتَخْفٍ ب َّيلِ َ َا ِ ٌ ب َّ َارِ [الرعد:1-05]. وقال تعالى: عَالمِ الْغَيْبِ الَ َعْ ُ ُ َنْ ُ‬
         ‫َر م ك و َر إ َّ ف ك ب مب ن‬                             ‫ْض و‬      ‫م ل َر ٍ ف السم ت و ف‬
‫ِثْقَا ُ ذ َّة ِى َّ َاوا ِ َالَ ِى األر ِ َالَ أَصْغ ُ ِن ذَلِ َ َالَ أَكْب ُ ِال ِى ِتَا ٍ ُّ ِي ٍ [سبأ:2].‬
                                      ‫وهو العليم أحاط علماً بالذي……في الكون من سر ومن إعالن‬
                                                                      ‫ا‬
                                      ‫وكذاك يعلم ما يكون غدً وما……قد كان والموجود في ذا اآلن‬
                                                  ‫وكذاك علم لم يكن لو كان ……كيف يكون ذا إمكان‬
                                                            ‫ا‬
      ‫أحاط بكل شيء علمً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمة وحكمة، وسع سمعه‬
          ‫األصوات باختالف اللغات على تفنن الحاجات، ال تختلف عليه وال تشتبه عليه، بل يسمع‬
    ‫ضجيجها، ال يشغله سمع عن سمع، وال تغلطه كثرة المسائل وال يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات،‬
                        ‫َالله ي َم ت ِر و ت لن‬
     ‫وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به، و َّ ُ َعْل ُ مَا ُس ُّونَ َمَا ُعِْ ُونَ [النحل:45]. قال‬
                                               ‫ْ ِ ِنه ي َم ّر و ف‬                        ‫َ‬      ‫َإ‬
    ‫تعالى: وِن تَجْهرْ بِالْقَول فَإ َّ ُ َعْل ُ الس َّ َأَخْ َى [طه:2]. يعلم السر وأخفى من السر، فالسر ما‬
‫انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه ما لم يخطر بعد فيعلم أنه‬
     ‫سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا، تقول الصديقة عائشة أم المؤمنين رضي اهلل عنها:‬
    ‫تبارك الذي وسع سمعه األصوات كلها: إن امرأة تناجي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أسمع‬
        ‫َ س الل ُ ْ الت تج دل َ ف‬
       ‫بعض كالمها ويخفى علي بعض، إذا أنزل اهلل عز وجل: قدْ َمِعَ َّه قَولَ َّ ِى ُ َا ُِك ِى‬
                                                                                                  ‫ج‬
                                                     ‫زَوْ ِهَا [المجادلة:5]. وهلل در ابن القيم حين يقول:‬
                                  ‫وهو السميع يرى ويسمع كل ما……في الكون من سر ومن إعالن‬
                                         ‫ولكل صوت منه سمع حاضر……فالسر واإلعالن مستويان‬
                                      ‫والسمع منه واسع األصوات ……ال يخفى عليه بعيدها والداني‬
 ‫وأحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، يرى عروقها ومخها‬
                                          ‫ولحمها وحركتها يرى من البعوض حركتها في ظلمة الليل.‬
                                        ‫يا من يرى مد البعوض جناحها…في ظلمة الليل البهيم األليل‬
                                         ‫ويرى نياط عروقها في نحرها…والمخ في تلك العظام النحل‬
                                                         ‫ُّد ر‬     ‫ي و ت ف‬                   ‫ي َم ئ‬
‫َعْل ُ خَا ِنَةَ االْعْ ُنِ َمَا ُخْ ِى الص ُو ُ [غافر:45]. له الخلق واألمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا‬
      ‫واآلخرة وله النعمة والفضل وله الثناء الحسن، له الملك كله، وله الحمد كله وبيده الخير كله‬
                                                     ‫شملت قدرته كل شيء ووسعت رحمته كل شيء.‬
                                                     ‫ا‬
                                         ‫وهو الحميد فكل حمد واقع أو …كان مفروضً مدى األزمان‬
                                           ‫مأل الوجود جميعه ونظيره……من غير ما عم وال حسبان‬
                                        ‫هو أهله سبحانه وبحمده……كل المحامد وصف ذي اإلحسان‬
  ‫يرفع أقواماً ويخفض آخرين، ال ينام وال ينبغي له أن ينام يقول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم:‬
     ‫((إن اهلل ال ينام وال ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل‬
‫النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه ألحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه‬
‫بصره من خلقه)) قال صلى اهلل عليه وسلم: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع‬
    ‫أصابع إال عليه ملك ساجد))، ((أطت السماء ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها‬
   ‫موضع شبر إال وفيه جبهة ملك ساجد يسبح اهلل بحمده)) لو أن أهل سماواته وأهل أرضه وأول‬
          ‫ا‬
  ‫خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئً، ولو أن‬
    ‫ا‬
   ‫خلقه أولهم وآخرهم إنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئً.‬
 ‫أخي لو أن أشجار األرض كلها من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا أقالم، والبحر وراءه سبعة‬
     ‫أبحر تمده من بعده بالمداد، فكتب بتلك األقالم، وذلك المداد لفنيت األقالم ونفد المداد ولم تنفد‬
 ‫ِى حم د و َنم ف‬                       ‫ِل م ف السم ت و ْ ِن الل ه‬
‫كلمات الخالق تبارك وتعالى: لَّهِ َا ِى َّ َاوا ِ َاألرضَ إ َّ َّهَ ُوَ الْغَن ُّ الْ َ ِي ُ َلَوْ أَّ َا ِى‬
‫ْ م ج َ م و ْر ي ُده م ب ْ س عة ح م فد ل ت الل ِن الله َ ز حك م‬
‫األرضِ ِن شَ َرَةٍ أقْالَ ٌ َالْبَح ُ َم ُّ ُ ِن َعدِهِ َبْ َ ُ أَبْ ُرٍ َّا نَ ِ َتْ كَِمَا ُ َّهِ إ َّ َّ َ عزِي ٌ َ ِي ٌ‬
                                                                                                     ‫[لقمان:67-27].‬
‫هو األول ليس قبله شيء، واآلخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن‬
         ‫الذي ليس دونه شيء، كل شيء هالك إال وجهه، كل ملك زائل إال ملكه لن يطاع إال بإذنه‬
    ‫ورحمته، ولن يعصى إال بعلمه وحكمته، يطاع فيشكر، ويعصى فيتجاوز ويغفر، كل نقمة منه‬
‫عدل وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس وأخذ بالنواصي، وسجل‬
    ‫اآلثار وكتب اآلجال، فالقلوب له مفضية، عطاؤه كالم، وعذابه كالم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن‬
             ‫ذ‬
  ‫يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون أحق من ُكر، وأحق من‬
‫عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، أجود من سئل، وأكرم من قصد، أكبر‬
                               ‫من كل شيء، وأعظم من كل شيء وأعز من كل شيء سبحانه وبحمده.‬
‫اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك اللهم ال نحصي ثناء عليك،‬
                                                                                     ‫أنت كما أثنيت على نفسك....‬
                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                          ‫الخطبة الثانية‬
‫أما عن السبب الثاني الذي من أجله يحب المولى عز وجل وهي نعماؤه الواصلة إلى اإلنسان آناء‬
   ‫الليل وأطراف النهار، فتدبرها جيداً، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وال أحد أعظم‬
           ‫وإ ُد ن م الل‬                                                                    ‫ا‬
     ‫إحسانً من اهلل، فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة قال تعالى: َِن تَع ُّواْ ِعْ َةَ َّهِ الَ‬
       ‫ُحْ ُوهَا [إبراهيم:42]. يقول تعالى: َسْأَُ ُ َن ِى َّ َاوا ِ َاألرْضِ ك َّ يَومٍ ُوَ ِى شَأْ ٍ‬
       ‫ن‬       ‫ُل ْ ه ف‬                ‫ي له م ف السم ت و‬                                        ‫ت ص‬
  ‫ال‬                                                                ‫ا‬
 ‫[الرحمن:47]. يغفر ذنبً، ويفرج هماً، ويكشف كرباً ،ويجبر كسيراً، ويغني فقيراً، ويعلم جاه ً،‬
                                      ‫ا‬           ‫ا‬                          ‫ال‬
  ‫ويهدي ضا ً، ويرشد حيران، ويغيث لهفانً، ويفك عانيً، ويشبع جائعاً، ويشفي مريضاَ، ويعافي‬
                            ‫ا‬            ‫ا‬            ‫ا‬            ‫ا‬
    ‫مبتلى، ويقبل تائبً، ويجزي محسنً وينصر مظلومً، ويقصم جبارً ويقيل عثرة، ويستر عورة،‬
                                                       ‫ويؤمن روعة، هذا باب واسع، والمقام مقام اختصار.‬
‫لذا فإني أعرج سريعاً على رحمته بعباده وكرمه يقول صلى اهلل عليه وسلم: ((لو يعلم المؤمن ما‬
      ‫عند اهلل من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اهلل من الرحمة ما قنط من‬
                                                                                    ‫جنته أحد)) [رواه البخاري ومسلم].‬
        ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل تعالى خلق يوم خلق السماوات واألرض مائة‬
      ‫رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء واألرض، فجعل منها في األرض رحمة، فبها تعطف‬
                                   ‫ر‬
‫الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، وأخ ّ تسعاً وتسعين، فإذا كان يوم القيامة‬
  ‫أكملها بهذه الرحمة)) وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل تعالى لما خلق الخلق كتب‬
‫بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي)) وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل رحيم، حيي كريم‬
                                                     ‫ا‬
                                                  ‫يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم ال يضع فيهما خيرً)).‬
  ‫ْض‬             ‫وم ي ت َن‬
  ‫أما نعمة الظاهرة على خلقه فتأمل معي قول الحق تبارك وتعالى: َ ِنْ ءا َا ِهِ أ َّكَ تَرَى األر َ‬
‫ق ر‬          ‫م ت ِنه ع ُل‬                   ‫ي م‬                ‫َز ورب ِن َّ‬                ‫م‬            ‫شع ً ِذ ز ع‬
‫خَا ِ َة فَإ َا أَن َلْنَا َلَيْهَا الْ َاء اهْت َّتْ َ َ َتْ إ َّ الذِى أَحْ َاهَا لَ ُحْىِ الْ َوْ َى إ َّ ُ َلَى ك ّ شَىْء َدِي ٌ‬
‫َ ق ي رج‬            ‫َ‬         ‫َ َ َن الل ُ ج ح ا ُم ي لف ب ه ُم عله ر‬
‫[فصلت:42]. وقال: أَلمْ ترَ أ َّ َّهَ يزْ ِى سَ َابً ث َّ ُؤَّ ُ َيْنَ ُ ث َّ يَجْ َُ ُ ُكَاماً فَترَى الْودْ َ َخْ ُ ُ‬
     ‫له وي َ ّل م السم م جب ف ه م َ َ يص ب ب م ي وي ْ ِفه ع م يش‬                                       ‫م‬
   ‫ِنْ خِالَِ ِ َ ُنز ُ ِنَ َّ َاء ِن ِ َالٍ ِي َا ِن بردٍ فَ ُ ِي ُ ِهِ َن َشَاء َ َصر ُ ُ َن َّن َ َاء‬
‫ه َّ ُ سل ر ب ى ب َ َ ر مته‬                                                     ‫ص‬          ‫ي د س َ ْق َ هب‬
‫َكَا ُ َنَا بر ِهِ يذْ َ ُ بِاالْبْ َارِ [النور:24]. وقال: وَ ُوَ الذِى يرْ ِ ُ ال ّيَاحَ ُشْر ً َيْنَ يدىْ َحْ َ ِ ِ‬
     ‫[األعراف:21]. هذه النعمة التي ال تقدر معشر العطاش إلى رحمة ربكم، نعمة الري لألرض‬
‫واإلنسان،هذه األرض الظامئة إلى الماء إن جفت ينابيعه وغاصت آباره من يأتي بالماء سوى اهلل:‬
 ‫رب ن‬           ‫َّ‬         ‫َ َر ُم‬                ‫ً م ت ك بم مع ن‬                          ‫بح ؤ ُ‬            ‫ُ َ ُ إ‬
 ‫قلْ أرَءيْتمْ ِنْ أَصْ َ َ مَا ُكمْ غَوْرا فَ َن يَأْ ِي ُمْ ِ َاء َّ ِي ٍ [الملك:02]. أف َءيْت ُ الْمَاء الذِى تَشْ َ ُو َ‬
                   ‫ُر‬                ‫ج ع ه أج ً‬                       ‫ت ز تم ه م ُ َ ن م زل‬
   ‫أَءن ُمْ أَن َلُْ ُو ُ ِنَ الْمزْنِ أمْ نَحْ ُ الْ ُن ُِونَ لَوْ نَشَاء َ َلْنَا ُ ُ َاجا فَلَوْالَ تَشْك ُونَ [المعارج:16-‬
                                                                                                                             ‫02].‬
 ‫والذي نفسي بيده ما أدينا حق الشكر لموالنا على الماء الذي نشربه وتتوالى النعم التي ال تحصى‬
          ‫وإ ُد ن م الل ال‬
          ‫في سور القرآن في األنعام والنحل والنبأ والمرسالت ويس والروم َِن تَع ُّواْ ِعْ َةَ َّهِ َ‬
                                                                                                                      ‫ت ص‬
                                                                                                    ‫ُحْ ُوهَا [إبراهيم:42].‬
      ‫أخي: كيف ال تحب من أنست به قلوب العارفين، وولهت من محبته أفئدة المشتاقين، كيف ال‬
‫تحب من أنت به وبقاؤك منه، وتدبيرك بيده، ورجوعك إليه، وكل مستحسن في الوجود هو حسنه‬
                                                                                   ‫وصنعه وزينه وعطف النفوس إليه.‬
        ‫أخي: من أعجب األشياء أن تعرفه ثم ال تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن اإلجابة، وأن‬
 ‫تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف غدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق‬
‫ألم الوحشة في معصيته ثم ال تطلب األنس بطاعته، وأعجب من هذا علمك أن ال بد لك منه وأنك‬
     ‫أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب، فيا معرضاً عن حياته الدائمة،‬
                           ‫ا‬
  ‫ونعيمه المقيم ويا بائعاً سعادته العظمى بالعذاب المقيم، ويا مسخطً من حياته وراحته وفوزه في‬
                       ‫أ‬
 ‫رضاه، إنما هي لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها، ٌقبل على موالك - يا أخي‬
     ‫- يقبل اهلل عليك، فإن اهلل إذا أقبل على عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاته وتنورت ظلماته‬
  ‫وظهرت عليه آثار إقباله، وتوجه إليه المأل األعلى بالمحبة والمواالة فإنهم تبع لموالهم، وناهيك‬
 ‫بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجالل واإلكرام بمحبته ويقبل عليه بكرامته، فبادر طي صحيفتك‬
                                                                     ‫ا‬
  ‫واجعل الهم واحدً واجعله في اهلل، دع عنك غيره، واجعل نبضات قلبك وقفاً على موالك، ودع‬
                                               ‫عنك الكسل والتوان،ي واسأله اإلعانة والتوفيق.‬
                          ‫فحيا هال إن كنت ذا همة فقد……حدا بك حادي الشوق فاطو المراحال‬
                                           ‫ً‬
                                    ‫وقل للمنادي حبهم ورضاهم……إذا ما دعا لبيك ألفا كوامال‬
                                                                            ‫ا‬
                               ‫وخذ قبسً من نورهم ثم سر به……فنورهم يهديك ليس المشاعال‬
 ‫وإذا أردت باباً أقرب إلى اهلل وأوسع وال مزاحم فيه فادخل من باب الذل واالفتقار، فإن النكسار‬
 ‫القلب تأثير عجيب في المحبة ال يعبر عنه، الذل واالنكسار والخضوع واالفتقار للرب جل جالله‬
                                                             ‫م‬
   ‫غاية شمر إليها السالكون وأ ّها القاصدون كيف ال، والعبد يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة‬
 ‫والظاهرة ضرورة تامة، وافتقار تاماً إلى ربه ووليه ومن بيده صالحه وفالحه، وهداه وسعادته.‬
                                                                                  ‫أ‬
   ‫فما ٌقرب الجبر من هذا القلب المكسور، وما أدنى الرحمة والنصر والرزق منه، وما أنفع هذا‬
 ‫الذل له وأجداه عليه، وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى اهلل من طاعات أمثال الجبال من المدلين‬
       ‫ً‬
       ‫المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم، فلله ما أحلى قوله وهو يتملق ربه خاضعاً له ذليال‬
 ‫مستعطفاً له يقول: يا رب يا رب ارحم من ال راحم له سواك، وال ناصر له سواك، وله مأوى له‬
                ‫ا‬
‫سواك، وال مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك، ال ملجً وال منجا له منك‬
    ‫إلى إليك، فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده، ومن الوالدة بولدها، إذا فر عبده إليه‬
        ‫وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكياً بين يديه.‬

‫(5/0445)‬




                                                                                        ‫الورع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫الزهد والورع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                         ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                        ‫الدمام‬
                                                                              ‫أبو بكر الصديق‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- الورع من أعظم العبادات. 7- تعريف الورع. 2- بعض سير أهل الورع. 4- أقوال أهل‬
                                                    ‫العلم في الورع. 1- حديث أصل في باب الورع.‬
                                                             ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
          ‫ا‬
 ‫أيها المسلمون: فريضة طلب الحالل من بين سائر الفرائض، أعصاها على العقول فهمً، وأثقلها‬
           ‫ا‬                     ‫ال‬    ‫ا‬                          ‫ال‬
   ‫على الجوارح فع ً، ولذلك اندرست بالكلية علمً وعم ً، وصار غموض علمها سببً الندارس‬
      ‫مل ن ع م‬             ‫إن ب‬               ‫َيه الر ُل كل م الطيب ت و مل‬
      ‫العمل بها، قال تعالى: ياأ ُّ َا ُّس ُ ُُواْ ِنَ َّّ َا ِ َاعْ َُواْ صَالِحاً ِ ّى ِمَا تَعْ َُو َ َلِي ٌ‬
                                                  ‫[المؤمنون:51]. أمر باألكل من الطيبات قبل العمل.‬
 ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((كن ورعاً تكن أعبد‬
  ‫الناس)). وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير‬
‫دينكم الورع))، وعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: (إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة، هو الورع).‬
                      ‫وقال إبراهيم بن أدهم: ما أدرك من أدرك إال من كان يعقل ما يدخل جوفه.‬
 ‫وعن معاوية بن قرة: دخلت على الحسن وهو متكئ على سريره، فقلت: يأبا سعيد: أي األعمال‬
  ‫أحب إلى اهلل؟ قال: الصالة في جوف الليل والناس نيام. قلت: فأي الصوم أفضل؟ قال: في يوم‬
                         ‫ا‬
‫صائف. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال أنفسها عند أهلها وأغالها ثمنً. قلت: فما تقول في الورع؟‬
                                                                               ‫قال: ذاك رأس األمر كله.‬
 ‫إذا علم ذلك أيها األحبة، فما هو الورع الذي هو رأس األمر كله. قيل في تعريفه: هو النظر في‬
 ‫المطعم واللباس، وترك ما به بأس، وقيل: تجنب الشبهات ومراقبة الخطرات. وقيل: هو ترك ما‬
                                                                           ‫ال بأس به حذاراً مما به بأس.‬
                          ‫وقال ابن القيم رحمه اهلل: الورع: هو ترك ما يخشى ضرره في اآلخرة.‬
‫يا أهل اإليمان يا من تؤمنون باهلل وبلقائه استمعوا إلى هذا الحديث النبوي وفتش عن هذه الصفات‬
  ‫في نفسك وحاسب نفسك ….. عن عبداهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما: أن رسول اهلل صلى اهلل‬
     ‫عليه وسلم قال: ((أربع إذا كن فيك فال عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث،‬
   ‫وحسن خليقة، وعفة في طعمه))، فأبشر ثم أبشر يا من تتورع عن الشبهات والحرام، فواهلل ما‬
                       ‫م ن فس‬              ‫َف ل َ ي ن‬
     ‫فاتك ما يجمعون من الحرام، واهلل هو الموعد و ِى ذَِك فَلْ َتَ َافَسِ الْ ُتَ َا ِ ُونَ [المطففين:67].‬
 ‫عن الحسن بن علي رضي اهلل عنهما قال: حفظت من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((دع ما‬
                                  ‫يريبك إلى ما ال يريبك. فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)).‬
  ‫وهذه بشارة ثانية عظيمة جد عظيمة يعقلها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عن أبي‬
   ‫قتادة وأبي الدهماء رضي اهلل عنهما قاال: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من‬
                ‫ا‬                                       ‫ا‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم شيئً؟ قال: نعم سمعته يقول: ((إنك لن تدع شيئً هلل عز وجل. إال‬
  ‫أبدلك اهلل به ما هو خير لك منه)). وفي رواية: أخذ بيدي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فجعل‬
  ‫يعلمني مما علمه اهلل تبارك وتعالى وقال: ((إنك لن تدع شيئاً اتقاء هلل عز وجل، إال أعطاك اهلل‬
                                                                                                          ‫ا‬
                                                                                                   ‫خيرً منه)).‬
    ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((اشترى رجل من رجل‬
       ‫عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى‬
   ‫العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك األرض ولم ابتع منك الذهب، وقال الذي له األرض:‬
‫إنما بعتك األرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي‬
 ‫غالم، وقال اآلخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغالم الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا)).‬
   ‫أيها األخ المسلم: وتأمل يا رعاك اهلل وحفظك في العقوبة العظيمة لمن ترك الورع ويا لها من‬
   ‫عقوبة يستشعرها من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيالم. عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
                   ‫ا‬
     ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أيها الناس إن اهلل طيب ال يقبل إال طيبً، وإن اهلل أمر‬
      ‫ا إن بم‬             ‫َي الر ُل كل م الطيب ت و مل‬
     ‫المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ياأُّهَا ُّس ُ ُُواْ ِنَ َّّ َا ِ َاعْ َُواْ صَالِحً ِ ّى ِ َا‬
 ‫َي َّذ ن من كل م ي م َ َ ُ و ُر لله‬                                                             ‫مل ع م‬
 ‫تَعْ َُونَ َلِي ٌ [المؤمنون:51]. وقال: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ ُُواْ ِن طَّبَاتِ َا رزقْنَاكمْ َاشْك ُواْ َّ ِ‬
                                                                          ‫إ ك ُ ِي ه ُد‬
 ‫ِن ُنتمْ إ َّا ُ تَعْب ُونَ [البقرة:725]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء:‬
‫يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام و ملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟))‬
                                                                                         ‫أي كيف يستجاب له.‬
                ‫رحماك يا رب رحماك، اللهم اكفنا بحاللك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك.‬
‫وهذه بشارة عظيمة وكرامة نفيسة لمن صبروا قليالً واستراحوا طويالً رضي اهلل عنهم وأرضاهم‬
‫ولمن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. فاللهم اسلك بنا سبيلهم واحشرنا في زمرتهم.‬
 ‫عن عبداهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ذات‬
     ‫يوم ونحن عنده: ((طوبى للغرباء. فقيل: من الغرباء يا رسول اهلل؟ قال: أناس صالحون، في‬
                                                     ‫أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)).‬
   ‫قال: وكنا عند رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوماً آخر حين طلعت الشمس، فقال: رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم: ((سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس، قلنا من أولئك يا‬
  ‫رسول اهلل؟ فقال: فقراء المهاجرين، والذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره،‬
                                                                             ‫يحشرون من أقطار األرض)).‬
    ‫أيها المسلمون: وهلل در ذلك المسؤول الذي أحسبه -واهلل حسيبه- من أولئك الورعين الغرباء‬
   ‫الممدوحين المغبوطين على لسان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم. الذي ال يرضى من موظفيه‬
‫والعمال التابعين إلدارته أن يوصلوا الماء الحلو إلى بيته ذلك أنه ال يرضى أبدا باستخدام السيارة‬
                                                                                      ‫في غير العمل والدوام.‬
                        ‫ا‬
         ‫وعلى العموم فابك على الورع وأهله، فإننا نرى اليوم أمراً مهوالً مخيفً من شدة الجرأة،‬
                       ‫والحرص على الحرام واستمرائه، بل والشبع منه فويل لهم مما يكسبون.‬
                                       ‫ا‬
  ‫عن طريف أبي تميمة قال: شهدت صفوان وجندبً وأصحابه هو يوصيهم فقالوا: هل سمعت من‬
                                                         ‫ا‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم شيئً؟ قال سمعته يقول: ((من سمع سمع اهلل به يوم القيامة)) قال:‬
‫((ومن شاق شق اهلل عليه يوم القيامة)) فقالوا: أوصنا: فقال: ((إن أول ما ينتن من اإلنسان بطنه،‬
                                                                 ‫ً‬
                                                       ‫فمن استطاع أال يأكل إال طيبا فليفعل)).‬
‫وإليك نماذج سريعة تطبيقية من حال سيد الورعين صلى اهلل عليه وسلم ومن حياة صاحبيه رضي‬
                                                                                   ‫اهلل عنهما.‬
  ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن الحسن بن علي رضي اهلل عنهما: أخذ تمرة من تمر الصدقة‬
   ‫فجعلها في فيه، فقال له النبي صلى اهلل عليه وسلم بالفارسية: ((كخ كخ، أما تعرف أنا ال نأكل‬
                                                                                    ‫الصدقة)).‬
    ‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إني ألنقلب على أهلي‬
           ‫فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها آلكلها. ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)).‬
‫عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: (كان ألبي بكر غالم يخرج به الخراج، وكان أبو بكر يأكل من‬
 ‫خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال الغالم: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟‬
‫قال: كنت تكهنت إلنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إال أنني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي‬
  ‫أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه). اهلل أكبر .. اهلل أكبر .. اهلل أكبر .. إنه‬
                                                                               ‫الصديق وكفى.‬
     ‫وهذا عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه كان فرض للمهاجرين األولين أربعة آالف في أربعة،‬
     ‫وفرض البن عمر ثالثة آالف وخمسمائة. فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة‬
  ‫آالف؟ فقال: إنما هاجر به أبواه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه. فلله دره ورضي اهلل عن أبا‬
                                        ‫حفص وأرضاه وما كان أشد ورعه عن مال المسلمين.‬
         ‫ويحضرني ذلك الموقف العجيب عندما ما حمل لعمر الفاروق في المدينة إيوان كسرى.‬
                                    ‫فمن يجاري أبا حفص وسيرته…أمن يحاول للفاروق تشبيها‬
                         ‫إذا اشتهت زوجته الحلوى فقال لها …من أين لي ثمن الحلوى فأشريها‬
                                ‫ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به…أولى فقومي لبيت المال رديها‬
‫أقول ما سمعتم، واهلل أسأل لي ولكم الهدى والتقى والعفاف والغنى، إنه جواد كريم والحمد هلل رب‬
                                                                                     ‫العالمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
  ‫عباد اهلل: وهذه نماذج عطرة من كلمات وأفعال من أعلى اهلل منارهم ورفع ذكرهم ونشر علمهم‬
                                  ‫من حملة ميراث النبوة من علماء السلف الصادقين الورعين.‬
    ‫قال سفيان الثوري رحمه اهلل: عليك بالورع يخفف اهلل حسابك، ودع ما يريبك إلى ما يريبك،‬
                                                             ‫وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك.‬
                                             ‫وعن قتيبة بن سعيد قال: لوال سفيان لمات الورع.‬
     ‫قال حبيب: (يعني ابن أبي ثابت رحمه اهلل): ال يعجبكم كثرة صالة امرئ وال صيامه، ولكن‬
                 ‫ا‬
                ‫انظروا إلى ورعه، فإن كان ورعاً مع ‪l‬ما رزقه اهلل من العبادة فهو عبد هلل حقً.‬
                                  ‫ا‬
                      ‫وقال أبو حامد الغزالي: "لن يعدم المتورع عن الحرام فتوحً من الحالل".‬
  ‫وعن طاووس رحمه اهلل تعالى أنه قال: "مثل اإلسالم كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا‬
 ‫وكذا، وورقها كذا ـ ( شيء سماه ) وثمرها الورع، ال خير في شجرة ال ثمر لها، وال خير في‬
                                                                            ‫إنسان ال ورع له".‬
                                  ‫قال الحسن البصري رحمه اهلل: "أفضل العلم الورع والتوكل".‬
   ‫قال الحسن بن عرفة: "قال لي ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام. فذهبت على أن أرده،‬
             ‫فلما قدمت مرو، نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه".‬
‫قال أبو بكر المروزي: "سمعت أبا عبداهلل ـ أحمد بن حنبل ـ وذكر ورع ابن المبارك فقال: إنما‬
                                                                           ‫رفعه اهلل بمثل هذا".‬
    ‫فاهلل اهلل بالتمسك بأخالق هؤالء فإنما هي أيام قالئل فال تغتر بكثر الهالكين. فإنك اليوم تسمع‬
                                                                                ‫ً‬
     ‫أخبارا مؤلمة مخيفة عن ضياع األمانة وكثرة الخونة الذي يرتعون في أموال المسلمين دون‬
   ‫حسيب وال رقيب، فإلي اهلل وحده المشتكى، واهلل الموعد، وإذا ضيعت األمانة فانتظر الساعة،‬
              ‫وحسبك وصف القرآن والسنة لهؤالء بالخيانة والسرقة، وعند اهلل تجتمع الخصوم.‬
  ‫فعليك يا أخي الحبيب بالصبر والمصابرة وسؤال أهل العلم عما أشكل، وضع نصب عينيك هذا‬
                                               ‫الحديث العظيم الذي هو أصل من أصول الدين.‬
       ‫عن النعمان بن بشير رضي اهلل عنهما قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول:‬
                                                                 ‫ي‬            ‫ي‬
        ‫((الحالل ب ّن والحرام ب ّن، وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى‬
  ‫المشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول‬
    ‫الحمى يوشك أن يواقعه، أال وإن لكل ملك حمى، إال وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح‬
                                      ‫الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. أال وهي القلب)).‬
     ‫وعن جابر بن عبداهلل رضي اهلل عنهما أنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أيها‬
   ‫الناس: اتقوا اهلل وأجملوا في الطلب. فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها. وإن أبطأ عنها.‬
                                 ‫فاتقوا اهلل وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم)).‬

‫(5/5445)‬
                                                                                         ‫حاجة األمة إلى الدعاء‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                    ‫الدعاء والذكر‬
                                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                              ‫الدمام‬
                                                                                                     ‫05/4/7745‬
                                                                                                 ‫أبو بكر الصديق‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- القرآن والسنة يدعوان المسلم إلى دعاء ربه. 7- فضل الدعاء. 2- صور إجابة الدعاء. 4-‬
                                                                       ‫آداب الدعاء. 1- الدعاء فعل المتقين.‬
                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
   ‫اعلم يا أخي أن اهلل جعل من الدعاء عبادة وقربى، أمر عباده المؤمنين بالتوجه إليه لينالوا عنده‬
‫منزلة رفيعة وزلفى، أمر بالدعاء وجعله وسيلة الرجاء، فكل من خلقه يفزع في حاجته إليه ويعول‬
                                                                                ‫عند الحوادث والكوارث عليه.‬
  ‫عباد اهلل: شأن الدعاء عظيم وحقيقته إظهار االفتقار إلى الرب الجليل والتبرؤ من الحول والقوة،‬
‫وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على اهلل، وإضافة الجود والكرم إليه‬
   ‫قال عز وجل: وقَال رُّكمْ ادْ ُو ِى أَسْتَ ِبْ لَكمْ إ َّ ال ِي َ َسْتَكْب ُونَ َنْ ِبَا َ ِى َيدْ ُُونَ َ َن َ‬
   ‫ج ُ ِن َّذ ن ي ِر ع ع دت س َ خل جه َّم‬                                       ‫َ َ َب ُ ع ن‬
    ‫عن ِن َر ب أج ب د و الد ِذ دع‬                        ‫عب‬            ‫وِذ‬                            ‫ِر‬
 ‫داخ ِينَ [غافر:06]. وقال تعالى: َإ َا سَأَلَكَ ِ َادِي َ ّي فَإ ّي ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْ َةَ َّاعِ إ َا َ َانِ‬
                                                      ‫ي ج ب ل و ي من ب َل ُ َ شد‬
 ‫فَلْ َسْتَ ِي ُواْ ِى َلْ ُؤْ ِ ُواْ ِى لَعَّهمْ يرْ ُ ُونَ [البقرة:615]. أية رقة وأي انعطاف، وأية شفافية وأي‬
  ‫إيناس فوق هذا، ألفاظ رفافة شفافة تنير، آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة والود المؤنس‬
     ‫والرضا المطمئن والثقة واليقين، يعيش منها المؤمن في جناب رضى وقربى ندية ومالذ أمين‬
     ‫وقرار مكين وهو يدعو ملك الملوك الذي ال مثل له وال نظير، ولو لم يكن في الدعاء إال رقة‬
  ‫َرع و ك س ْ قل به و َي ُم الش ن م‬                                ‫ُ س‬              ‫ِ‬
 ‫القلب لكفى، قال تعالى: فَلَوْال إذْ جَاءهمْ بَأْ ُنَا تَض َّ ُواْ َلَا ِن قَ َت ُُو ُ ُمْ َز َّنَ لَه ُ َّيْطَا ُ َا‬
   ‫ال‬      ‫ق م ي ؤ ب ُ رب‬                                                                  ‫ن ا ي مل‬
   ‫كَا ُوّ َعْ َُونَ [األنعام:24]. ولو لم يكن في فضله إال هذه اآلية لكفى ُلْ َا َعْبَ ُا ِكمْ َ ّى لَوْ َ‬
                                                                                                   ‫د ؤُ‬
                                                                                   ‫ُعَا ُكمْ [الفرقان:22].‬
    ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أفضل العبادة الدعاء)) فالدعاء تذلل وخضوع وإخبات‬
 ‫وانطراح على سدة الكريم قال صلى اهلل عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة)) قال الخطابي: "معناه،‬
‫أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة" وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ليس شيء أكرم على‬
    ‫اهلل عز وجل من الدعاء)) وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((أعجز الناس من عجز عن‬
                                ‫ا‬
   ‫الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسالم)) فأضعف الناس رأيً وأدناهم همة وأعماهم بصيرة من‬
                                              ‫ا‬
    ‫عجز عن الدعاء، ذلك أن الدعاء ال يضره أبدً بل ينفعه، وبالدعاء تكبر النفس وتشرف وتعلو‬
       ‫الهمة وتتسامى، ذلك أن الداعي يأوي إلى ركن شديد، ينزل به حاجته ويستعين به في كافة‬
  ‫أموره، وبهذا يقطع الطمع مما في أيدي الخلق فيتخلص من أسرهم ويتحرر من رقهم ويسلم من‬
 ‫منتهم، فالمنة تصدع قناة العزة وتنال نيلها الهمة وبالدعاء يسلم من ذلك كله، فيظل مهيب الجناح‬
‫موفور الكرامة وهذا رأس الفالح وأس النجاح، قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه اهلل: "وكلما قوي‬
    ‫طمع العبد في فضل اهلل ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما‬
           ‫سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب عنى قلبه عنه".‬
       ‫وثمرة الدعاء مضمونه بإذن اهلل، فإذا أتى الداعي بشرائط اإلجابة فإنه سيحصل على الخير‬
                                                                   ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫وسينال نصيبً وافرً من ثمرات الدعاء وال بد، فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم قال: ((ما من مؤمن ينصب وجهه إلى اهلل يسأل مسألة إال أعطاه إياها، إما عجلها‬
 ‫له في الدنيا وإما يدخرها له في اآلخرة ما لم يعجل، قالوا: يا رسول اهلل وما عجلته؟ قال: يقول:‬
 ‫دعوت دعوت، وال أراه يستجاب لي)) قال ابن حجر رحمه اهلل:" كل داع يستجاب له لكن تتنوع‬
                                                    ‫اإلجابة فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعوضه "‬
                                                         ‫ال‬
                                 ‫وسارية لم تسر في األرض تبتغي…مح ً ولم يقطع بها البيد قاطع‬
                              ‫سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ…لورد ولم يقصر لها القيد مانع‬
                                            ‫تحل وراء الليل والليل ساقط…بأوراقه فيه سمير وهاجع‬
                                            ‫تفتح أبواب السماء ودونها…إذا قرع األبواب منهن قارع‬
                                          ‫إذا أوفدت لم يردد اهلل وفدها…على أهلها واهلل راء وسامع‬
                                       ‫وإني ألرجو اهلل حتى كأنني…أرى بجميل الظن ما اهلل صانع‬
 ‫عباد اهلل: ومن اآلداب المهمة في الدعاء الجزم فيه واليقين على اهلل باإلجابة لقوله صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم: ((ادعوا اهلل وأنتم موقنون باإلجابة، واعلموا أن اهلل ال يستجيب دعاء من قلب غافل اله)).‬
                               ‫قال يحيى بن معاذ رحمه اهلل: من جمع اهلل قلبه في الدعاء لم يرده .‬
   ‫قال ابن القيم رحمه اهلل: "قلت: إذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فال‬
‫يكاد يرد دعاؤه". وصدق رحمه اهلل أليس أرحم الراحمين هو القائل: أ َّن ُ ِي ُ الْ ُضْط َّ إ َا َعَا ُ‬
‫َم يج ب م َر ِذ د ه‬
                               ‫ه م الل ِ ل م َّر‬                       ‫ْ‬          ‫وي ِف الس و عل ُ ح‬
                ‫َ َكْش ُ ُّوء َيَجْ َُكمْ ُلَفَاء األرضِ أَءلَا ٌ َّعَ َّه قَِيالً َّا تَذَك ُونَ [النمل:76].‬
    ‫قال صلى اهلل عليه وسلم: ((إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما‬
                                             ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫صفرً خائبتين)) اهلل أكبر، فما نعدم واهلل خيرً من رب حيي كريم بل الخير كل بيديه ال تأتي ذرة‬
  ‫من الخير فما فوقها إال بإذنه وفضله وعلمه، وهو الذي بيده خزائن السماوات واألرض فسبحان‬
   ‫من عظم جوده وكرمه أن يحيط به الخالئق، فارفع يديك يا عبد اهلل آناء الليل وأطراف النهار،‬
‫والزم قرع باب الملك الوهاب، فما خاب واهلل من أمله، وما خاب من أنزل به حوائجه وصدق في‬
‫الطلب وألح في السؤال، وتمسكن بين يديه وأظهر فقرك وحاجتك إلى ربك، فباب الذل واالنكسار‬
 ‫أوسع األبواب، وال مزاحم فيه وهو ثمرة العبودية، فلله ما أحلى قول العبد وهو يناجي سيده بذل‬
   ‫وانكسار وحاجة وفقر: اللهم إني أسألك بعزك وذلي إليك إال رحمتني، يا من ال ملجأ وال منجا‬
 ‫منك إال إليك، هذه ناصيتي الخاطئة الكاذبة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك،‬
     ‫أدعوك دعاء الخائف الضرير، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، أدعوك دعاء من ذلت لك‬
 ‫رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه، اللهم ارحم من ال راحم له سواك، وال مؤوي له سواك،‬
                  ‫وال مغيث له سواك، فما الظن يا عباد اهلل بمن هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها.‬
    ‫إذا انكسر العبد بين يديه وبكى وتذلل وأشهد اهلل فقره إلى ربه في كل ذراته الظاهرة والباطنة‬
                                    ‫عندها فليبشر بنفحات ونفحات من فضل اهلل ورحمته وجوده وكرمه.‬
                                   ‫اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك إنك ربي سميع مجيب.‬
‫أيها الناس: الدعاء من صفات عباد اهلل المتقين قال جل شأنه عن أنبيائه عليهم السالم: فَاسْتَ َبْنَا َ ُ‬
‫ج له‬
      ‫ت وَ ع ر و ه ا‬                           ‫ه جه ِن ُ ن يس رع ف‬                                    ‫وه ه ي ي و‬
      ‫وَ َ َبْنَا لَ ُ َحْ َى َأَصْلَحْنَا لَ ُ زَوْ َ ُ إَّهمْ كَا ُواْ ُ َا ِ ُونَ ِى الْخَيْرا ِ َيدْ ُونَنَا َغَباً َرَ َبً‬
                                                                                                     ‫شع‬              ‫و ن‬
                                                                                   ‫َكَا ُواْ لَنَا خا ِ ِينَ [األنبياء:04].‬
    ‫م َ ج َذ ّي ت ُر ين‬                                  ‫و َّذ ن يق ل َ َب ه‬
    ‫وقال عن عباد الرحمن الصادقين: َال ِي َ َ ُوُون رَّنَا َبْ لَنَا ِنْ أزْوا ِنَا و ُر َّا ِنَا ق َّةَ أَعْ ُ ٍ‬
                                                                                                  ‫و ع ل ُتق إم‬
                                                                                ‫َاجْ َلْنَا ِلْمَّ ِينَ ِ َاماً [الفرقان:42].‬
                                        ‫وال تنس أخي المسلم أمرين مهمين هما من شروط إجابة الدعاء:‬
                                      ‫ِن ي َّل الله م ُتق‬
 ‫أولهما: إطابة المأكل، قال تعالى: إ َّمَا َتَقَب ُ َّ ُ ِنَ الْمَّ ِينَ [المائدة:27]. وكما في الحديث الذي‬
                         ‫ا‬
‫رواه مسلم قوله صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل طيب ال يقبل إال طيبً، ثم ذكر الرجل يطيل السفر‬
 ‫أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام،‬
                                                                              ‫وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)).‬
  ‫واألمر الثاني: هو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء ألنه‬
  ‫من أعظم األعمال الصالحة وألن تركه موجب لرد الدعاء وعدم اإلجابة، فعن حذيفة رضي اهلل‬
      ‫عنه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن ولتنهون عن المنكر أو‬
                                                                      ‫ا‬
                                        ‫ليوشكن اهلل أن يبعث عليكم عقابً منه فتدعونه فال يستجاب لكم)).‬
     ‫فيا للهول إنه بقدر حبك هلل وغيرتك على شرعه وغضبك لمحارمه إذا انتهكت بقدر قبوله لك‬
                                                                                      ‫ورضاه عنك وإجابته لدعوتك.‬
                      ‫أقول ما تسمعون وأسأل اهلل لي ولكم الهدى والسداد والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                         ‫ال‬
    ‫عباد اهلل: سمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رج ً يدعو في صالته لم يمجد اهلل تعالى ولم‬
       ‫يصل على النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال: رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((عجلت أيها‬
                                                  ‫المصلي)) ثم علمهم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫وسمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رجالً يصلي فمجد اهلل وحمده وصلى على النبي صلى اهلل‬
                        ‫عليه وسلم فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ادع تجب، وسل تعط)).‬
   ‫فمن اآلداب المهمة في الدعاء أن يبدأ بالثناء على اهلل وتمجيده ثم الصالة على النبي صلى اهلل‬
     ‫عليه وسلم داعياً ربك بأسمائه الحسنى فما أقرب اإلجابة ممن اتبع هذه اآلداب، عن عمر بن‬
 ‫الخطاب رضي اهلل عنه قال: (إن الدعاء موقوف بين السماء واألرض، ال يصعد منه شيء حتى‬
                                                                 ‫تصلي على نبيك صلى هلل عليه وسلم).‬
‫قال أبو سليمان الداراني رحمه اهلل: "من أراد أن يسأل اهلل حاجته فليبدأ بالصالة على النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصالة على النبي صلى اهلل عليه وسلم فإن اهلل عز وجل‬
                                                          ‫يقبل الصالتين وهو أكرم من أن يرد بينهما".‬
‫عباد اهلل: إن أمة اإلسالم اليوم في كرب شديد وضائقة عظيمة وشدة كبيرة تمر بأصعب مراحلها‬
        ‫وأشق أيامها تكالبت عليها األمم وتداعت عليها الدول وتآمر عليها األعداء، تزرع ألبنائها‬
 ‫الشهوات وتصدر لهم الشبهات وتقدم لهم المغريات، أجمعوا كيدهم وأمرهم عليها، إن الكرب في‬
    ‫ازدياد والخطر في اشتعال والمكر في اجتهاد، وليس لها من دون اهلل كاشفة، وإن من أمضى‬
                                                         ‫د‬
  ‫األسلحة وأقوى األسباب الدفاع وأح ّ السيوف الفتك هو الدعاء، فليس لنا ملجأ وال منجا منه إال‬
                 ‫إليه، فيجب علينا كثرة الدعاء واللجوء إلى اهلل تعالى مع البعد عن موانع اإلجابة.‬
    ‫ولنعلم أن اهلل مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وإذا كان اهلل معنا فلو اجتمعت أمم األرض‬
   ‫ل لُ‬            ‫إ ي ص ُم الل ُ‬
 ‫بأمضى أسلحتها وأحدث آالتها فإن النصر حليفنا والتوفيق نصيبنا ِن َن ُرْك ُ َّه فَالَ غَاِبَ َكمْ‬
                        ‫وإ ْذ ُ ْ م ذ َّ ي ُرك م ب ْ ه وعل الل ِ ي و َّ م من‬
     ‫َِن يَخ ُلْكم فَ َن َا الذِى َنص ُ ُم ّنْ َعدِ ِ َ ََى َّه فَلْ َتَ َكلِ الْ ُؤْ ِ ُونَ [آل عمران:065].‬
   ‫إن أمة اإلسالم اليوم في حالة االضطرار وال يجيب المضطر إال اهلل جل وعال ويا عجباً لهذه‬
         ‫األمة ألم يأن لها أن تخشع وتدع التنكر ألسباب نصرها وأسرار عزها ودروب مجدها!!‬
  ‫ا‬                  ‫ال‬
 ‫لقد جربت النصرة من عند غير اهلل واللجوء إلى سوى اهلل فلم تزدد إال ذ ً، ولم تقطف إال نكدً،‬
      ‫ولم تشرب إال علقماً، فهل آن لها أن تلجأ إلى حصن حصين وركن شديد فتجني ثمار العزة‬
‫وتتذوق حالوة النصر وتتربع على عرش الدنيا، فلن يصلح آخر هذه األمة إال بما صلح به أولها.‬
      ‫عباد اهلل: إذا علم ذلك فإن الدعاء سبب للثبات والنصر على األعداء قال تعالى عن طالوت‬
‫ْم‬        ‫ل َب َ ْر ع ص ْر و ب َ ْد م و ص عل‬
‫وجنوده لما برزوا لجالوت وجنوده قَاُواْ ر َّنَا أف ِغْ َلَيْنَا َب ًا َثَّتْ أق َا َنَا َان ُرْنَا ََى الْقَو ِ‬
                  ‫َزم ه ِ الله َ َ د و د ل‬                                                         ‫ك ِر‬
 ‫الْ َاف ِينَ [البقرة:017]. فماذا كانت النتيجة فَه َ ُو ُم بِإذْنِ َّ ِ وقَتلَ َا ُو ُ جَاُوتَ [البقرة:517].‬
        ‫واقرؤوا تاريخ األمة المجيد لتروا العجب العجاب من أثر الدعاء وأنه سبب رئيس للنصر‬
  ‫والتمكين، فعله صلى اهلل عليه وسلم ليلة معركة بدر، ترى ذلك في قيامه وتضرعه وابتهاله إلى‬
                                                                        ‫ربه، وهو أمر معروف مشهور.‬
      ‫وهذا العالء الحضرمي رضي اهلل عنه يدعو ربه فيسير بجيش المسلمين بأكمله على صفحة‬
   ‫الماء، ولما عطشوا ولم يجدوا ماءً لوضوئهم دعا ربه فهطلت السماء كأفواه القرب ثم دعا ربه‬
      ‫النصر للمسلمين وأن يخفي عليهم مكان قبره واستجاب اهلل لدعائه فرضي اهلل عنه وأرضاه.‬
‫وهذا البراء بن مالك يسأل ربه النصر للمسلمين ولنفسه الشهادة وكان مجاب الدعوة فيستجيب اهلل‬
‫له "لقي البراء المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له: يا براء إن رسول اهلل صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم قال: ((إنك لو أقسمت على اهلل ألبرك)) فأقسم على ربك، قال: أقسم عليك يا رب‬
                             ‫لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك، فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيداً ".‬
  ‫وفي يوم نهاوند قال النعمان بن مقرن رضي اهلل عنه: (اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح‬
         ‫م‬
‫يكون فيه عز اإلسالم وذل يذل به الكفار ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة قال: أ ّنوا رحمكم‬
                                                                                ‫م‬
                                                ‫اهلل قال جبير: فأ ّنا وبكينا ثم حمل فكان أول صريع).‬
  ‫فرحمك اهلل ورضي عنك من قائد جيش، وهذا باب يطول استقصاؤه. فما أشد حاجة األمة اليوم‬
  ‫إلى الدعاء خاصة للمجاهدين المرابطين على الثغور .... ففي فلسطين الجريحة وحول األقصى‬
                                                           ‫ً‬
  ‫السليب يواجه أبناء المسلمين عدوا شرساً حقوداً تمده حبائل الغرب الصليبي الحاقد بكل ما يريد‬
                                                                                         ‫من عتاد وسالح.‬
‫وفي األيام القادمة بالذات ربما والعلم عند اهلل أن تكون من أشد األوقات واأليام عليهم، فاهلل اهلل أن‬
     ‫تلحوا بالدعاء وتتحروا أوقات اإلجابة بالدعاء لهم والدعاء على عدوهم، فشأن الدعاء عجيب‬
  ‫وعظيم، وهذا أقل ما نقدمه إلخواننا أن نواسيهم بدعائنا، واهلل غالب على أمره ولكن أكثر الناس‬
                                                                                                ‫ال يعلمون.‬
     ‫كذلك إخوانكم المجاهدون في الشيشان يستعدون في األيام القادمة القريبة لعمل كبير تشفى به‬
 ‫صدور المؤمنين بإذن اهلل من عدو روسي حاقد، سام المستضعفين من المسلمين سوء العذاب في‬
    ‫بقاع شتى، فإخوانكم هناك في لحظات حاسمة وعصيبة وعلى أهبة االستعداد للنزال ومصاولة‬
    ‫أعداء اهلل، فاهلل اهلل أن نعيش همهم وندعو لهم بصدق وتضرع وانكسار وكذلك سائر المؤمنين‬
                                                       ‫المستضعفين في مشارق األرض ومغاربها.....‬

‫(5/7445)‬
                                                                            ‫علو الهمة في طلب الجنة‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                            ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                        ‫الجنة والنار, فضائل األعمال‬
                                                              ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫بندر بن خلف العتيبي‬
                                                                                                  ‫الدمام‬
                                                                                         ‫7/05/4545‬
                                                                                      ‫أبو بكر الصديق‬
                                                  ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- التنافس على الجنة. 7- نماذج من المسابقين إلى الجنة. 2- مقارنة بين نعيم الجنة وحقيقة‬
                                                    ‫الدنيا. 4- عودة إلى قصص السابقين إلى الجنة.‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                                                               ‫أما بعد:‬
                                                    ‫م ن فس‬                  ‫َ ي‬           ‫َف‬
   ‫قال تعالى: و ِى ذَلِك فَلْ َتَنَافَسِ الْ ُتَ َا ِ ُونَ [المطففين:67]. مطلب يستحق المنافسة، أفق تستحق‬
     ‫السباق، وغاية تستحق الغالب، الذين يتنافسون في شيء من أشياء األرض، مهما كبر وجل‬
   ‫وارتفع وعظم، إنما يتنافسون في شيء حقير فان قريب، والدنيا ال تزن عند اهلل جناح بعوضة‬
    ‫هزيلة زهيدة، فهون من شأنها وارفع نفسك عنها..... لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، ليس‬
    ‫السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا على الطوق، وتركوا‬
‫عالم اللهو واللعب لألطفال والصغار، فما السباق إلى ذلك األفق، وإلى ذلك الهدف، وإنما إلى ذلك‬
                                       ‫الملك العريض، إلى جنة عرضها كعرض السماء واألرض.‬
    ‫إن الحياة لألرض حياة تليق بالديدان والزواحف، والحشرات الهوام والوحوش واألنعام، وأما‬
   ‫الحياة اآلخرة فهي الحياة الالئقة بذلك اإلنسان الكريم على اهلل، الذي خلقه فسواه وأودع روحه‬
      ‫اإليمان الذي ينزع به إلى السماء، وإن استقرت على األرض قدماه، من شاء التفاوت الحق‬
   ‫والتفاضل الضخم فهناك في اآلخرة، هنالك في الرفعة الفسيحة، واآلماد المتطاولة التي ال يعلم‬
                  ‫حدودها إال اهلل، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ال في متاع الدنيا القليل الهزيل.‬
               ‫ا‬
‫اآلخرة ثقيلة في ميزان اهلل: التنافس في أمر اآلخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعً، بينما التنافس‬
     ‫إلى أمر الدنيا ينحط بهم جميعاً، التنافس في اآلخرة يرفع األرواح إلى آفاق أرفع وأطهر من‬
‫المستنقع اآلسن، إن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف، ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود، أين‬
                                                         ‫مجال من مجال، وأين غاية من غاية.‬
‫أال إن السباق هناك: فهلم إلى الدخول على اهلل ومجاورته في دار السالم، بال نصب وال تعب وال‬
  ‫عناد، بل من أقرب الطرق وأسهلها، ذلك أنك في وقت بين وقتين، هو في الحقيقة عمرك، وهو‬
    ‫وقتك الحاضر بين ماضي ومستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم، وهو عمل قلب، وما‬
            ‫يستقبل تصلحه بالعزم والتوبة، إن مفاوز الدنيا باألقدام ومفاوز اآلخرة تقطع بالقلوب.‬
 ‫أخي: إياك أن تكون ممن قال فيهم يحيى بن معاذ الرازي: عمل لسراب قلب من التقوى خراب،‬
  ‫وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب األتراب، هيهات، أنت سكران بغير شراب،‬
                                                          ‫ل‬
       ‫ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجّك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك يا هذا، لقد‬
                                                               ‫أعظمت المهر وأسأت الخطبة.‬
‫إنها الجنة، التي دندن حولها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأنبياء اهلل صلوات اهلل وسالمه عليهم‬
            ‫أجمعين. إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تتجلى عليها طلعة الرحمن الجلية البهية.‬
   ‫إخواني: وقد آثرت أن أذكر نماذج من علو همة السلف في طلب الجنة، إنها الجنة التي اشتاق‬
                                                                ‫إليها الصالحون من هذه األمة:‬
‫فهذا عمير بن الحمام: الصحابي الجليل، في يوم بدر يسمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول:‬
 ‫((قوموا إلى جنة عرضها السماوات واألرض! يقول عمير: يا رسول اهلل جنة عرضها السماوات‬
 ‫واألرض؟)) قال: نعم، قال: بخ بخ فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ما يحملك على قول:‬
   ‫بخ بخ؟)) قال: ال واهلل يا رسول اهلل إال رجاء أن أكون من أهلها قال: ((فإنك من أهلها))، قال:‬
  ‫فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة‬
                        ‫طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل رحمه اهلل.‬
                                                                 ‫ً‬
                                     ‫وذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول رضي اهلل عنه:‬
                                              ‫ركضاً إلى اهلل بغير زاد …إال التقى وعمل المعاد‬
‫هذا سيد بني سلمة -عمرو بن الجموح- رضي اهلل عنه لما كان يوم أحد قال رسول اهلل صلى اهلل‬
    ‫عليه وسلم: ((قوموا إلى الجنة عرضها السماوات واألرض أعدت للمتقين)) فقام وهو أعرج،‬
                                           ‫فقال: واهلل ألقحزن عليها في الجنة، فقاتل حتى قتل.‬
    ‫إنها الجنة: فسلوا عنها السيد الشهيد جعفر الطيار رضي اهلل عنه: الذي قال شوقاً إليها في يوم‬
                                                                                       ‫مؤتة:‬
                                               ‫يا حبذا الجنة واقترابها ……طيبة وبارد شرابها‬
    ‫إنها الجنة: التي غرس غراسها الرحمن بيده، فرحم اهلل أقواماً عظموا من غرسها وقدروا قدر‬
     ‫الغرس في الحديث الصحيح: ((قال: يا رب أخبرني بأعالهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت‬
 ‫وسوف أخبرك، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على‬
                                                 ‫قلب بشر))، فقد أخبر أنه غرس جنتهم بيده سبحانه.‬
‫إنها الجنة: التي ال يسأل بوجه اهلل العظيم غيرها لكرامتها على اهلل إنها الجنة، فسلوا عنها أنس بن‬
                 ‫النضر رضي اهلل عنه يقول لسعد بن معاذ: (واهاً لريح الجنة .. أجده دون أحد).‬
                                ‫أ‬
                            ‫في أسد الغابة: (أي سعد، هذه الجنة ورب أنس، أجد ريحها دون ُحد).‬
    ‫إيهٍ يا ابن النضر، طال شوقكم إلى الجنة، وطهرت منكم األقوال واألعمال واألجساد، فشممتم‬
       ‫ا‬
      ‫عبير الجنة، ونحن زكمت أنوفنا بالمعاصي واآلثام بجيف الدنيا فلم تجد الجنة فيها موضعً.‬
 ‫إنها الجنة: دار كرامة الرحمن، فهل من مشمر لها، إنها الجنة: فاعمل لها بقدر مقامك فيها، إنها‬
   ‫الجنة فاعمل لها بقدر شوقك إليها، يقول ابن القيم رحمه اهلل: لما علم الموفقون ما خلقوا له وما‬
    ‫أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم، فإذا علم الجنة قد رفع فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد‬
  ‫وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر‬
 ‫على قلب بشر، في أبد ال يزول وال ينفد بصبابة عيش، إنما هو كأضغاث أحالم: أو كطيف زار‬
                     ‫ا‬
 ‫في المنام، مشوب بأنغاص ممزوج بالغصص، إن أضحك قليالً أبكى كثيرً، وإن أسر يوماً أحزن‬
                                                                                 ‫ا‬
    ‫شهورً، آالمه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم،‬
  ‫ومعتوه في مسالخ عاقل، آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها األرض‬
  ‫والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من‬
                       ‫ا‬      ‫ا‬
         ‫تحتها األنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عربً أترابً كأنهن الياقوت‬
              ‫ا‬
   ‫والمرجان بقذرات دنسات سيئات األخالق مسافحات أو متخذات أخدان، وحورً مقصورات في‬
                                               ‫ا‬
‫الخيام بخبيثات سيبات بين األنام، وأنهارً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد‬
     ‫للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع‬
   ‫الخطاب من الرحمان بسماع المعازف والغناء واأللحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت‬
    ‫والزبرجد يوم المزيد بجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي: يا أهل‬
‫الجنة، إن لكم أن تنعموا فال تبأسوا: وتحيوا فال تموتوا، وتقيموا فال تظعنوا، و تشبوا وال تهرموا،‬
  ‫وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بايعه يوم الحسرة والندامة،‬
                                                     ‫ا‬
‫إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدً وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رؤوس‬
 ‫األشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن الرفقة ما أعد‬
  ‫اهلل لهم من اإلكرام وادخر لهم من الفضل واإلنعام ما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها‬
 ‫بصر وال سمعته أذن وال خطر على قلب بشر ليعلم أي بضاعة أضاع، وأنه ال خير له في حياته‬
    ‫وهو مغرور من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكاً كبيراً ال تعتريه اآلفات ال يلحقه‬
  ‫الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال، فهم في روضات الجنات يتقلبون، وعلى‬
    ‫أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون، وبالحور العين‬
                 ‫و ط ف ع ه غ ن ل ُ َن ُ ل لؤ م ن ن‬
     ‫يتنعمون، وبأنواع الثمار يتفكهون َيَ ُو ُ َلَيْ ِمْ ِلْمَا ٌ َّهمْ كَأَّهمْ ُؤُْ ٌ َّكْ ُو ٌ [الطور:47].‬
  ‫ِد ن‬          ‫ين و ُ ْ ف‬          ‫فس و َذ‬               ‫ه‬                ‫ي ف ع ِ ب ح ف م هب و ب َف‬
  ‫ُطَا ُ َلَيْهمْ ِصِ َا ٍ ّن ذَ َ ٍ َأَكْوا ٍ و ِيهَا مَا تَشْتَ ِيهِ االْنْ ُ ُ َتَل ُّ االْعْ ُ ُ َأَنتم ِيهَا خَال ُو َ‬
                                                                                                       ‫[الزخرف:52].‬
                                                          ‫ل‬
    ‫تاهلل لقد نودي عليها في الكساد، فما قّب وال استام إال أفراد من العباد، فوا عجباً لها كيف نام‬
   ‫طالبها؟ وكيف لم يسمع بمهرها خاطبها؟ وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها؟‬
‫وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها؟ وكيف قرت دونها أعين المشتاقين؟ وكيف صبرت‬
 ‫عنها أنفس الموقنين؟ وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين؟ وبأي شيء تعوضت عنها نفوس‬
‫المعرضين؟ قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، أال إن‬
                                                                       ‫سلعة اهلل غالية، أال إن سلعة اهلل الجنة().‬
    ‫وفي الصحيح أن اهلل عز وجل يقول آلدم عليه السالم: ((يا آدم اذهب فأخرج بعث ذريتك إلى‬
                                                       ‫النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)).‬
 ‫يا سلعة الرحمن، هل ينالك في عالك إال كل عالي الهمة غير مخلد إلى األرض والحطام الفاني:‬
                                          ‫يا سلعة الرحمن لست رخيصة……بل أنت غالية على الكسالن‬
                                                  ‫يا سلعة الرحمن ليس ينالها…في األلف إلى واحد ال اثنان‬
                                                   ‫يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها…إال أولو التقوى مع اإليمان‬
                                               ‫يا سلعة الرحمن سوقك كاسد……بين األراذل سفلة الحيوان‬
                                               ‫يا سلعة الرحمن أين المشتري…فلقد عرضت بأيسر األثمان‬
                                          ‫يا سلعة الرحمن هل من خاطب…فالمهر قبل الموت ذوو إمكان‬
                                          ‫يا سلعة الرحمن كيف تصبر……الخطاب عنك وهم ذوو إيمان‬