موسوعة خطب المنبر 015

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 015 Powered By Docstoc
					                ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
          ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                            ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
               ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                           ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
     ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
     ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                     ‫معين.‬


                                               ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                       ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                    ‫اليقين‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫التوحيد‬
                                                                          ‫شروط التوحيد‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                   ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                    ‫بريدة‬
                                                                               ‫77/1/2515‬
                                                                           ‫جامع الجردان‬
                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
‫5- اليقين من أعظم نعم اهلل على العبد 7- فوائد اليقين وأثره في حياة المسلم وبعد موته 3-‬
                              ‫أعمال القلوب ومن أعظمها اليقين 1- درجات اليقين الثالث‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
   ‫عباد اهلل: عليكم بتقوى اهلل في السر والعلن، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا‬
                    ‫ا‬
 ‫اتقوا اهلل حق تقاته وال تموتن إال وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل اهلل جميعً وال تفرقوا واذكروا‬
                                                               ‫ء‬
  ‫نعمة اهلل عليكم إذ كنتم أعدا ً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من‬
                                       ‫النار فأنقذكم منها كذلك يبين اهلل لكم آياته لعلكم تهتدون .‬
  ‫أيها المسلمون: إن نعمة اإليمان واليقين ال تعدلها نعمة ألن الذي من اهلل عليه باليقين فإنه يذوق‬
‫حالوة اإليمان ويلتذ بالطاعة ويأنس بذكر اهلل ويبتعد عن المعصية ويكرهها ويستغل حياته برضاء‬
 ‫واطمئنان وسكينة وانشراح ألنه قد نزل اليقين في قلبه بالرضا واالطمئنان بقضاء اهلل وقدره فإن‬
   ‫أصابته ضراء ومصيبة وفقر وهم صبر واحتسب وعلم أن ذلك من عند اهلل وإن أصابته سراء‬
‫وصحة وعافية شكر وحمد اهلل واستعمل النعمة في طاعة اهلل واستيقن أن كل ما به من نعمة فهي‬
 ‫من اهلل، عباد اهلل المؤمن المستيقن هو الذي نظر إلى هذه الدنيا نظرة صحيحة فهو يعلم أنها دار‬
 ‫الغرور والزوال ودار األكدار والهموم والفراق ودار الفتن واإلبتالءات وهي مع ذلك دار الزرع‬
                                             ‫ُص‬
‫والعمل ودار الجد والكفاح والجهاد وحيث ي َِِّر المستيقنون أنفسهم على الطاعات ويكفون أنفسهم‬
 ‫عن المحرمات يريدون الوصول إلى رضوان اهلل وجنته، نعم إن المؤمن المستيقن ينظر إلى هذه‬
    ‫الدنيا نظرة احتقار وزهادة النظرة نهم فيها وطلب فلم يرضها اهلل لنبيه حيث قال رسول اهلل:‬
                          ‫((مالي وللدنيا ما أنا إال كمسافر قال تحت ظل شجرة ثم قام وتركها)).‬
  ‫أيها المسلمون: إن اليقين عبادة عظيمة وعمل من أجل أعمال القلوب التي هي األساس وأعمال‬
‫الجوارح لها تبع لقول النبي : ((إنما األعمال بالنيات)) والقلب هو ملك الجوارح وهي له تبع فإن‬
      ‫صلح صلحت سائر الجوارح وإن فسد فسدت، والعناية بأعمال القلوب مهمة وعظيمة، فإذا‬
    ‫صلحت القلوب صلح الحال وحصل الصدق مع اهلل فيكتب اهلل لعباده النصر والتوفيق وتصلح‬
     ‫كذلك أخوة المسلمين مع بعضهم فتسلم الصدور ويغاث الملهوف ويطعم الجائع، ومن أعمال‬
‫القلوب حسن الظن باهلل والخشوع واإلخالص والصدق والخوف والرجاء والمحبة واليقين واإلنابة‬
 ‫واالستعاذة واالستغاثة والشكر والرضا والصبر وغير ذلك، وحديثنا اليوم إن شاء اهلل عن اليقين،‬
   ‫فاليقين هو ضد الشك وهو كمال اإليمان وهو من اإليمان بمنزلة الرأس من الجسد فبه تفاضل‬
  ‫العارفون وتنافس المتنافسون وإليه شمر العاملون، وإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما حصول‬
‫اإلمامة في الدين قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون قال‬
                                                  ‫سفيان: بالصبر واليقين تنال اإلمامة في الدين.‬
 ‫أيها المسلمون: وقد خص اهلل أهل اليقين بخصائص عظيمة فهم الذين ينتفعون باآليات والبراهين‬
    ‫لقوله تعالى: وفي األرض آيات للموقنين وهم المفلحون المهتدون من بين العالمين قال تعالى:‬
   ‫والذين يؤمنون بما أًنزل إليك وما أنزل من قبلك وباآلخرة هم يوقنون واليقين هو روح أعمال‬
      ‫القلوب وهي أرواح أعمال الجوارح واليقين هو حقيقة الصديقية، عباد اهلل وحقيقة اليقين هو‬
 ‫ظهور الشيء للقلب كأنه يراه عياناً فيكون المخبر به من قبل الشرع للقلب كالمرئي للعين بحيث‬
 ‫تتجلى حقائق اإليمان للصبر كأنه يراها رأي العين مثل الجنة والنار والصراط والميزان وموقف‬
 ‫القيامة والحوض وانصراف المتقين إلى الجنة وانصراف الفجار إلى النار وعذاب القبر ونعيمه،‬
  ‫فتتضح تلك الحقائق وتتجلى للموقن فتعيش معه في حله وترحاله يصاحبه همها فتدعوه وتسوقه‬
‫وتشحذ همته إلى عمل الصالحات والمسابقة إلى الخيرات فيزداد شوقه وحنينه ولهفه وحبه العظيم‬
      ‫إلى الجنان هناك حيث رؤية وجه اهلل الكريم المنان حيث الحور والولدان واألنهار والجمال‬
     ‫والكمال هناك حيث النعيم األبدي الذي اليلحقه الزوال وال األكدار حيث القصور والتفكه في‬
   ‫صنوف ضيافة الرحمن الرحيم فال موت وال مرض وفيها ما تشتهيه األنفس وتلذ األعين وأنتم‬
                                                                                ‫فيها خالدون .‬
 ‫أيها المسلمون والموقن هو الذي يعيش كذلك خوف غضب اهلل ووعيده بالنار الحامية ألهل الكفر‬
   ‫والعصيان فيشهد بقلبه النار التي تلظى بسالسلها وأغاللها وقيودها حيث اإلهانة والعذاب األليم‬
 ‫والذل والخزي والعار فيعمل المؤمن الموقن في هذه الدنيا العمل المتواصل الجاد على البعد منها‬
 ‫والحذر من معصية ربه والخوف من غضب اهلل حتى اليكون من الذين غضب اهلل عليهم ولعنهم‬
              ‫ومقتهم فيكبهم في النار واليبالي، اللهم انفعنا بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الذي أكرم أولياءه بطاعته والصدق في معاملته وأنزل في قلوبهم اإليمان وأيدهم بروح‬
 ‫منه وعمر أوقاتهم بالبذل لخدمة الدين وإعزاز المؤمنين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده الشريك له‬
‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، عباد اهلل إن الموقن إذا نزل اليقين في قلبه بالجنة والنار والوقوف‬
‫بين يدي اهلل وعلم أنه محاسب ومجزي بأعماله قال تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فال‬
                                                                           ‫ا‬
‫تعلم نفس شيئً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين إن المؤمن إذا عاش بهذا‬
   ‫ة‬
   ‫التصور واليقظة والتذكر ازدادت رغبته فيما عنداهلل وازداد بعداً عن المعاصي وازداد محاسب ً‬
                                                 ‫ً‬     ‫ا‬
        ‫لنفسه وردعاً لها وازداد إخالصً وصدقا فأصبحت عالنيته وسره سواء وتعلق بربه تعلق‬
   ‫المضطر المخبت المنيب الراجي لعفو مواله والشاعر بالفاقة والضرورة إلى رحمة اهلل ويزداد‬
‫الموقن احتقاراً لنفسه وإزدراء لها فتذهب عظمة النفس وغرورها وإعجابها بذاتها ويذهب التعالي‬
     ‫على الناس وظلمهم وتذهب الرغبة في مديح النفس وثنائها، والموقن يضمحل من نفسه وقلبه‬
                                ‫ت‬
‫التهالك والركض وراء هذه الدنيا الدنية بزينتها وشهواتها وُمحى من نفس الموقن المنيب إلى ربه‬
     ‫نغمة الجاه والحسب والنسب والمال والسلطان وطغيان الصحة والعافية واالغترار بالمواهب‬
                               ‫ذ‬
  ‫واألعوان قال تعالى: فإذا نفخ في الصور فال أنساب بينهم يومئ ٍ واليتساءلون والمستيقن المؤمن‬
    ‫يزول عنه نتن الجاهليات والعصبيات وداء الحسد وفساد ذات البين - وبالجملة ياعباد اهلل فإن‬
‫الموقن بوعد اهلل هو الذي يترقب الموت كل لحظة ومع كل نفس فيصدق مع ربه في كل نية وكل‬
   ‫قول وكل عمل أمره كله هلل وحينئذٍ يحبه ربه ويرقيه ويمن عليه بالتوفيق والقبول والكرامة قال‬
     ‫النبي : قال اهلل عزل وجل: ((واليزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت‬
    ‫سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن‬
                                            ‫سألني ألعطينه ولئن استعاذني ألعذنه)) [البخاري].‬
    ‫أيها اإلخوة واليقين درجات ثالث، األولى: علم اليقين وهو قبول ما ظهر من اهلل ورسوله من‬
         ‫األوامر والنواهي واألخبار وقبول ما غاب عنا من أمور المعاد وتفصيله ومشاهد القيامة‬
   ‫وأوصاف الجنة والنار وقبول ما قام باهلل سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله وهو علم التوحيد‬
 ‫وأما الدرجة الثانية فهي: عين اليقين وهو المغني عن الخبر بالعيان المشاهد بالعين، وأما الدرجة‬
   ‫الثالثة فهي: حق اليقين وهو إسفار صبح الكشف وهذه الدرجة ال تنال في هذه الدنيا إال للرسل‬
 ‫عليهم الصالة والسالم فإن نبينا محمد رأى الجنة والنار بعينه وموسى سمع كالم اهلل منه إليه بال‬
  ‫واسطه، قال ابن القيم رحمه اهلل: (نعم يحصل لنا حق اليقين وهي ذوق ما أخبر به الرسول من‬
   ‫حقائق اإليمان المتعلقة بأعمال القلوب فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق اليقين‬
‫مثل التلذذ بذكر اهلل وحصول حالوة اإليمان واألنس بمناجاة اهلل ودعائه وتالوة كتابه كما قال شيخ‬
      ‫اإلسالم ابن تيميه رحمه اهلل: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها ال يدخل جنة اآلخرة) عباد اهلل‬
‫وانظروا لمن حضر عنده اليقين وعاين سوق الشهادة في سبيل اهلل وهو في الدنيا كما قال الرسول‬
‫للصحابة: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات واألرض)) فبينما الصحابي الجليل الموقن عمير بن‬
 ‫الحمام قاعد يأكل تمراته على حاجة وفاقة وجوع ألقى تمراته من يده وقال: إنها لحياة طويلة إن‬
 ‫بقيت حتى آكل هذه التمرات فألقاها من يده وقاتل حتى قتل، وهكذا كانت حال الصحابة فإنهم قد‬
‫شغفهم حب اهلل تعالى وحب مراده عن حب ماسواه، فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى‬
                                          ‫أحوالهم كنسبة ما يرشح من القربة إلى ما في داخلها.‬
  ‫أيها اإلخوة: هذا هو اليقين الذي يسوق النفوس واألرواح والقلوب لتنيب إلى اهلل وتخبت إليه فما‬
     ‫هو نصيبنا من اليقين فهل حضر عندنا اليقين في الصالة عمود الدين التي تنهى عن الفحشاء‬
‫والمنكر والتي هي صلة بين العبد وربه؟ وهل حضر عندنا اليقين في القرآن الكريم كالم ربنا في‬
      ‫تدبره واستشعار عظمته وكبير أثره ففيه الهدى والشفاء والموعظة والرحمة؟ فهو كالم رب‬
  ‫العالمين الذي اليأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه قال تعالى: فمن اتبع هداي فال يضل وال‬
     ‫يشقى قال ابن عباس: تكفل اهلل لمن قرأ القرآن وعمل به أن ال يضل في الدنيا وال يشقى في‬
    ‫اآلخرة، وهل حضر عندنا اليقين في بر الوالدين واستشعرنا التعبد هلل ببرهما وإدخال السرور‬
  ‫عليهما وتقديم أمرهما والحذر من التأفف منهما أو عصيانهما؟ وهل حضر عندنا اليقين في فعل‬
  ‫المعصية ولو كانت واحدة؟ فهل تيقن العاصي أنه يسخط رب العالمين بمعصيته وأنه ربما مات‬
   ‫وهو مقيم على ذنبه فيلقى ربه بتلك المعصية؟ وأنها سبب لقسوة القلب وطاعة الشيطان؟ وأنها‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫ربما كانت بابً تجر مثيالتها؟ وأنها سبب للغفلة والحجب عن الصالحات؟ وأنها تنافي الصدق‬
   ‫واإلخالص ألن الصادق يسعى في طلب رضا محبوبه، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: يا أيها‬
    ‫الناس إن وعد اهلل حق فال تغرنكم الحياة الدنيا وال يغرنكم باهلل الغرور، إن الشيطان لكم عدو‬
                                   ‫فاتخذوه عدو إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .‬

‫(5/979)‬




                                                                              ‫تحقيق العبودية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫التوحيد‬
                                                                                     ‫األلوهية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                        ‫بريدة‬
                                                                                 ‫8/8/9515‬
                                                                               ‫جامع الجردان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                                                                                ‫ع‬
‫5- ِظم فضل ونعمة اهلل تعالى على اإلنسان 7- تعريف العبادة وأنها تقوم على أصلين عظيمين‬
‫3- الحكمة من مشروعية العبادات 1- العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة 1- كالم ابن القيم‬
       ‫رحمه اهلل في منازل العبودية 6- الدالئل والعالمات للعبادة الصحيحة التي يتأثر بها القلب‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫عباد اهلل: أوصي نفسي وإياكم بتقوى اهلل عز وجل وخوفه ورجائه ومحبته بقلوبكم وجوارحكم‬
  ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما‬
                                          ‫أريد أن يطعمون إن اهلل هو الرزاق ذو القوة المتين .‬
      ‫أيها اإلخوة: إن حق اهلل علينا عظيم وكبير، فمن الذي خلقك وسواك؟ ومن الذي أنعم عليك‬
  ‫وأعطاك؟ ومن الذي وهب لك العيون واألرجل واأليدي ومتعك بالعافية وأعطى السمع والعقل؟‬
  ‫ومن الذي أجرى فيك الدم وسخر لك الخاليا والعروق واألعصاب واألنسجة؟ ومن الذي شفاك‬
‫بعد المرض وأحياك بعد الموت؟ ومن الذي ترجوه أن ينجيك من النار ويهب لك الجنة فتسعد بها‬
                                                                   ‫ا‬
‫سعادة ال تشقى بعدها أبدً؟ وإن تعدوا نعمة اهلل التحصوها إن اهلل غفور رحيم قال ابن القيم رحمه‬
‫اهلل: فإن من لم ير نعمة اهلل عليه إال في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له‬
     ‫نصيب من هذا النور البته، فنعمة اهلل باإلسالم واإليمان وجذب عبده إلى اإلقبال عليه والتنعم‬
       ‫بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم، وكذلك النظر إلى أهل البالء وهم أهل الغفلة عن اهلل‬
 ‫واالبتداع في الدين فإذا رأيتهم وعلمت ماهم عليه عظمت نعمة اهلل عليك في قلبك وعرفت قدرها‬
 ‫حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب نعم أيها المسلم من الذي‬
‫هداك وجعلك من الموحدين المصلين الصائمين الشاكرين الذاكرين؟ إن العبادة هي كل ما يحبه اهلل‬
    ‫ويرضاه من األقوال واألعمال الظاهرة والباطنة وتقوم العبادة على أصلين عظيمين هما غاية‬
   ‫الحب هلل وغاية الذل هلل فال يكفي أحدهما في عبادة اهلل بل البد من اجتماعهما حتى يحقق العبد‬
  ‫العبودية هلل ألنه بالمحبة والذل يحصل اإلنقياد التام واإلستسالم ألمر اهلل ومحبة ما عند اهلل حتى‬
    ‫تنبعث الهمة في البحث والمسارعة والمسابقة إلى كل ما يرضي اهلل، فأنت إذا تعلقت بشخص‬
  ‫فأعجبك وأحببته فإنك تكون دائم الذكر له تحب لقاءه واألنس بحديثه وتتشرف بخدمته وال يمكن‬
                                                                      ‫ا‬
‫أن تعصي له أمرً أو تعمل ما يكرهه ويؤذيه، هذا العمل مع عبد مربوب فقير مثلك اليستطيع لك‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫نفعً وال ضراً فالبد من أن يكون اهلل ربك وخالقك ورازقك ومحبك وهاديك ومعطيك والبد أن‬
  ‫يكون هلل سبحانه أعظم القدر في نفسك وأشد التعلق في قلبك فتصرف له الحب كله والسعي كله‬
  ‫واالمتثال ألمره واالبتعاد عن نهيه قال تعالى: قل إن كنتم تحبون اهلل فاتبعوني يحببكم اهلل ويغفر‬
        ‫لكم ذنوبكم ومن عرف اهلل وأحبه وأطاعه قرت عينه بطاعة اهلل وفرح بذلك ووجد الراحة‬
 ‫والطمأنينة في عبادة ربه أيها العبد العابد يامن تريد النجاة من النار ويامن تقصد بعملك وجه اهلل‬
                                                                                  ‫ا‬
 ‫تفطن جيدً واعلم بأن اهلل شرع العبادات كلها ال لنؤديها فقط بأجسامنا وجوارحنا بحركة آلية ليس‬
  ‫لها معنى وال حكمة بل إن اهلل شرع العبادات لتحيا القلوب بذكر اهلل وتنشرح الصدور لمحبة اهلل‬
‫وتنكف النفوس عن معصية اهلل وتستسلم الجوارح وتتوجه النفس والروح تريد رضوان اهلل وجنته‬
  ‫الغالية هناك في النعيم المقيم في دار الكرامة في مقعد الصدق السالمة من الزوال واآلفات، أيها‬
   ‫األخ الكريم لقد شرع اهلل الصيام من أجل حصول التقوى هلل وشرعت الصالة لتكون ناهية عن‬
 ‫الفحشاء والمنكر وشرعت الزكاة لتكون طهارة للمال والنفس وشرع الذكر لتطمئن القلوب وشرع‬
‫الحج إلقامة ذكر اهلل والتنقل بين المشاعر ليعمل القلب بين مواطن الرحمة عند البيت وفي عرفات‬
                                                                             ‫وعند رمي الجمار.‬
  ‫أيها اإلخوة وهكذا فإن كل عبادة شرعها اهلل لنا من أجل أن تحيا القلوب لتعظيم اهلل وتقديره حق‬
    ‫قدره وعلى قدر معرفة العبد بربه يكون تعلق القلب به وعلى قدر جهل العبد بربه تكون غفلته‬
   ‫وإعراضه قال العابد ابراهيم بن أدهم: واهلل لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم‬
 ‫لجالدونا عليه بالسيوف، ويقصد بالنعيم هو ما يجده العابد من لذة العبادة والتلذذ بذكر اهلل وحالوة‬
   ‫مناجاته ومحبته لربه واإلقبال عليه والفرح بطاعته، وقال رسول اهلل : ((وجعلت قرة عيني في‬
  ‫الصالة)) وقال تعالى: أفمن شرح اهلل صدره لإلسالم فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم‬
                                                                                 ‫من ذكر اهلل .‬
   ‫أيها اإلخوة: والعبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية التي هي‬
 ‫منقمسة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل واحدة منها عبودية خاصة واألحكام لكل واحدة‬
          ‫خمسة أحكام واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان‬
                     ‫والجوارح، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك على كل شيء قدير.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد اهلل على إحسانه والشكر له على تفضله وامتنانه وأوحده وأستغفره وأثني عليه تعظيماً لشانه‬
  ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه،‬
  ‫قال ابن القيم رحمه اهلل: فأول منازل العبودية هي اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة اإلنتباه من‬
  ‫رقدة الغافلين واهلل ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وما أشد غايتها على السلوك فمن أحس‬
     ‫بها فقد أحس واهلل بالفالح وإال فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر هلل بهمته إلى السفر إلى‬
  ‫منازله األولى وأوطانه التي سبي منها فحي على جنات عدن فإنها منازلك األولى وفيها المخيم،‬
 ‫ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم، وثاني منازل العبودية هو العزم الجازم إلى‬
  ‫المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وثالث منازل العبودية هي الفكرة‬
     ‫وهي نظر القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له ورابعة المنازل هي البصيرة وهي نور في‬
      ‫القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد اهلل في هذه ألوليائه وفي هذه ألعدائه‬
  ‫فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقدنزلت مالئكة السموات فأحاطت‬
‫بهم وقد جاء اهلل جل جالله وقد نصب كرسيه للفصل والقضاء وقد أشرقت األرض بنوره ووضع‬
 ‫الكتاب وجيئ بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق‬
   ‫كل غريم بغريمه والح الحوض وأكوابه وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الصراط على متن‬
                     ‫ا‬
      ‫جهنم للعبور عليه وقسمت األنوار دون ظلمته والنار يحطم بعضها بعضً والمتساقطون في‬
  ‫الجحيم أضعاف أضعاف الناجين فينفتح في قلب العابدين عين يرى بها شاهد من شواهد اآلخرة‬
                                                    ‫يرى دوامها ويرى الدنيا وسرعة انقضائها.‬
  ‫أيها اإلخوة: ومن كان ذا بصيرة انكف عن هذه الدنيا وزخارفها وزينتها وشهواتها وويالتها فلم‬
     ‫يمأل بها قلبه ولم يشغل بها نفسه ولم يقض بها وقته وحتى تدخل محبة اهلل في القلب البد من‬
    ‫إخالء القلب من الطمع في هذه الدنيا ألن الدنيا واآلخرة طرفان اليجتمعان على حد سواء في‬
 ‫القلب فمن قرب أحدهما بعد اآلخر والبد وعلى قدر محبتك لربك ونزول اليقين في قلبك باآلخرة‬
 ‫على قدر ذلك يكون بعدك عن الدنيا والتعلق بها، وكان السلف رضي اهلل عنهم يملكون أشياء من‬
    ‫الدنيا ويبيعون ويشترون ولكن الدنيا بين أيدهم واآلخرة في قلوبهم وهذا على خالف كثير منا‬
‫اليوم الذين مألو قلوبهم بأعراض هذه الحياة ومشاكلها وشهواتها وأطماعها فأصبح هم اآلخرة في‬
                                         ‫ا‬                              ‫ا‬
 ‫قلوبهم ضعيفً وأثر العبادات على سلوكهم ضعيفً وأصبحت محبة اهلل في القلوب ضعيفة وجعلوا‬
      ‫هلل فضول األوقات واالهتمامات واألموال قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا التلهكم أموالكم وال‬
    ‫أوالدكم عن ذكر اهلل ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون أيها المسلم حاسب نفسك وتدبر في‬
  ‫تعبدك لربك وإليك هذه الدالئل والمعلومات للعبادة الصحيحة التي يتأثر بها القلب فمنها الخشوع‬
  ‫في كل عبادة بالتدبر لما تقول وقوة التعظيم له ومنها الحرص على كل سانحة من سوانح الخير‬
 ‫والمسابقة والمسارعة إليها ومنها أن تستشعر النقص في عبادتك لتسارع إلى بذل المزيد إلكمالها‬
    ‫بالنوافل ومجاهدة النفس على رعايتها وإحضار القلب فيها والخوف من نقصانها وردها ومنها‬
    ‫اإللحاح في سؤال اهلل قبول العبادة إنما يتقبل اهلل من المتقين ومنها المحافظة على اإلزدياد من‬
   ‫النوافل التي تجبر نقص الفرائض وتسبب محبة اهلل لعبده وتسبب حفظ اهلل لعبده وإجابته لدعائه‬
     ‫ومنها إستحضار الصدق واإلخالص له ومحاذرة الرياء والسمعة والعجب ومنها شدة العناية‬
   ‫بالتأسي بالمصطفى في كل قول وعمل أيها اإلخوة ومن العالمات على صحة العبادة أن تكون‬
   ‫العبادة ناهية لصاحبها عن الفحشاء والمنكر ومطهرة له ومنها وقوع الخوف في قلب العبد من‬
‫ربه فيخاف العبد من انصراف قلبه عن ربه ويخاف من خاتمته ويخاف من عدم قبول اهلل لعبادته‬
 ‫ويخاف من مروره على الصراط المنصوب على متن جهنم ويخاف العبد من ذنوبه أن يعذبه اهلل‬
  ‫بها واليتوب عليه ويخاف العبد من الرياء والسمعة ومن العالمات على صحة العبادة وجود لذة‬
       ‫العبادة في القلب وانشراح الصدر لها والرغبة في المزيد ومنها والفرح باألعمال الصالحة‬
                                           ‫والسرور بها والندم والكراهية للسيئات والتوبة منها.‬
                                                                         ‫ا‬
  ‫أيها اإلخوة وختامً فاستمعوا إلى ما يعين على تحقيق العبودية هلل ويقوي اإليمان في القلب فمن‬
                                           ‫ا‬     ‫ا‬
          ‫ذلك اإلقبال على القرآن الكريم تالوة وتدبرً وحفظً وكذلك اإلكثار من ذكر اهلل ودعائه‬
  ‫واالستغفار وكذلك الصبر على العبادة وتحمل المشقة ومجاهدة النفس على ذلك ألن النفس تريد‬
        ‫الكسل والنوم والتسويف قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال تعالى: فاعبده‬
 ‫واصطبر لعبادته وكذلك االجتهاد في طلب العلم الشرعي النافع وتعظيم أوامر اهلل ونواهيه وعدم‬
                                     ‫ا‬        ‫ا‬
    ‫التساهل في شيء منها سواء كان كبيرً أو صغيرً وكان أحد الصالحين يحرص على صغائر‬
      ‫العبادة ورقائقها وال يدع منها شيئاً ويقول: أخشى أن يزيغ قلبي ألن اهلل يقول: فليحذر الذين‬
‫يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ومن الوسائل المعينة على تحقيق العباده‬
‫الحرص على الخلوة باهلل عز وجل واالنكسار بين يديه والبكاء من خشيته قال ابن مسعود: (اطلب‬
 ‫قلبك في ثالث مواطن عند قراءة القرآن وعند مجالس الذكر وفي ساعة الخلوة فإن لم تجده فسل‬
‫اهلل أن يمن عليك بقلب فإنه القلب لك) وإن من أعظم الحرمان أن يحرم العبد لذة المناجاة والتمتع‬
    ‫بالعبادة فقد يقول عاصي: إني أعصي اهلل ولم أر عقوبة عاجلة؟ والجواب: كفى بحرمانك لذة‬
   ‫المناجاة واألنس باهلل والتلذذ بذكره والفرح بطاعته كفاك بهذا عقوبة وأي عقوبة ألن لذة العبادة‬
   ‫ا‬    ‫ة‬
   ‫هي أعظم اللذات أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيش ً ضنكً‬
                                                                 ‫ونحشره يوم القيامة أعمى .‬
                                                              ‫عباد اهلل: ثم صلوا وسلموا . .‬

‫(5/039)‬




                                                                          ‫تعظيم قدر الصالة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫فقه‬
                                                                                     ‫الصالة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                      ‫بريدة‬
                                                                                ‫3/2/9515‬
                                                                             ‫جامع الجردان‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- منزلة الصالة ومكانتها في اإلسالم 7- فضل الصالة على غيرها من العبادات 3- ما ينبغي‬
                         ‫للعبد أن يستحضره وهو في صالته , والحث على الخشوع في الصالة‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
  ‫أيها الناس اتقوا ربكم وأطيعوه وادعوه واستغفروه وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها‬
‫السموات واألرض أعدت للمتقين قبل فوات األوان وقبل أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت‬
  ‫في جنب اهلل وإن كنت لمن الساخرين حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل‬
                                                                                 ‫ً‬
 ‫صالحا فيما تركت، أيها اإلخوة إن من أعظم ما أمر اهلل ورسوله به ورغب فيه هي الصالة التي‬
‫هي عمود الدين ورأس مال المسلم التي هي نور للعبد في دنياه وأخراه وحياة للقلب بها يجد العابد‬
     ‫قرة العين وانشراح الصدر وصرف الهموم واألحزان واإلعانة على نوائب الزمان وبالصالة‬
 ‫يناجي العبد ربه ومواله يستغفره ويناجيه ويدعوه ويتلوا كتابه فهو بين الركوع والسجود قائم بين‬
              ‫ا‬                    ‫ا‬
   ‫يدي ربه وقوف الذليل المستجدي والراجي لرحمة اهلل متأدبً بأدب العبودية وساجدً معفراً أعز‬
                                          ‫ا‬
‫أعضائه وهو وجهه بالتراب مستصغراً لنفسه شاكيً حاله وفقره وضعفه وقلة حيلته للغني الحميد،‬
‫فللصالة أيها اإلخوة المنزلة العالية والدرجة الرفيعة التي إن صلحت صلح سائر العمل وإن فسدت‬
  ‫فسد العمل كله ومن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، خمس‬
‫صلوات بأجر خمسين صالة، قد أفلح المؤمنون الذين هم في صالتهم خاشعون وهي الحد الفاصل‬
  ‫بين الكفر واإلسالم قال النبي : ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))‬
   ‫أيها اإلخوة وألهمية الصالة وتعظيم قدرها عند اهلل أن جعل اهلل جميع الفرائض تجب في وقت‬
   ‫دون األوقات وليست الزمة في كل األوقات كالزكاة والحج والصيام إال الصالة فهي الزمة في‬
     ‫كل حال في اليوم خمس مرات، في حال الصحة والمرض والسفر واإلقامة والخوف واألمن‬
‫والحرب والسلم قال اإلمام محمد المروزي رحمه اهلل: فاعقلوا ما عظم اهلل قدرها لشدة ايجابه إياها‬
   ‫وإلزامها عباده في كل األحوال إال لتعظموها إذ عظمها اهلل ولتجزعوا أن تضيعوها وتنقصوها‬
      ‫ولتؤدوها بإحضار العقول وخشوع األطراف ثم قال رحمه اهلل: ثم جعل جميع الطاعات من‬
   ‫الفرض والنفل متقبلة بغير طهارة وال ينتقضها األحداث وال يفسدها إال الصالة وحدها إليجاب‬
  ‫حقها وإعظام قدرها (إال الطواف بالبيت ألنه صالة) عن ابن عمر أن رسول اهلل قال: ((إذا كان‬
‫أحدكم يصلي فال يبصق قبل وجهة فإن اهلل قبل وجهه إذا صلى)) خ،م فكيف يجوز لمن صدق بأن‬
    ‫اهلل مقبل عليه بوجهه أن يلتفت أو يغيب أو يتفكر أو يتحرك بغير ما يحب المقبل عليه بوجهه‬
       ‫ومن تشاغل في صالته فهو معرض عمن أقبل عليه الذي يعلم ويرى إعراضه بقلبه وبكل‬
  ‫جوارحه قال أبو هريرة: (الصالة قربان إنما مثل الصالة كمثل رجل أراد من إمام حاجة فأهدى‬
 ‫له هدية إذا قام الرجل إلى الصالة فإنه في مقام عظيم واقف فيه على اهلل يناجيه ويسترضيه قائمً‬
 ‫ا‬
  ‫بين يدي الرحمن يسمع لقيله ويرى عمله ويعلم ما توسوس به نفسه فليقبل على اهلل بقلبه وجسده‬
                             ‫ا‬
 ‫ثم ليرم ببصره قصد وجهه أو ليخفضه وال يلتفت وال يحرك شيئً بيديه وال برجليه وال شيء من‬
 ‫جوارحه حتى يفرغ من صالته وليبشر من فعل هذا والقوة إال باهلل)، وكان أبو فاطمة األزدي قد‬
    ‫أسودت جبينه وركبتاه من كثرة السجود فقال لنا ذات يوم: قال لي رسول اهلل : ((يا أبا فاطمة‬
 ‫أكثر السجود فإنه ليس من عبد مسلم يسجد سجدة إال رفعه اهلل بها درجة ))، ورأى ابن عمر فتى‬
   ‫قد أطال الصالة وأطنب فقال: أيكم يعرف هذا؟ فقال: رجل أنا أعرفه، فقال: أما إني لو عرفته‬
 ‫ألمرته بكثرة الركوع والسجود فإن سمعت رسول اهلل يقول: ((إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه‬
 ‫كلها فوضعت على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه))، وقد سئل النبي أي الصالة أفضل؟‬
  ‫فقال: ((طول القيام)) وقال النبي : ((إذا قرأ ابن أدم فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: ويل له‬
 ‫أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار)) صحيح، وقال النبي :‬
 ‫((إنما حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصالة)) وقال عدي بن حاتم: ما‬
    ‫دخل وقت الصالة قط حتى أشتاق إليها، وعن ربيعة األسلمي قال: ((كنت أبيت مع رسول اهلل‬
  ‫فأتيته بوضوئه وحاجتة فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت:‬
 ‫هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)) م، وفي رواية عند أحمد أن النبي قال له: ((من‬
   ‫أمرك بهذا؟)) فقلت: واهلل ما أمرني به أحد ولكني نظرت في أمري فرأيت أن الدنيا زائلة من‬
  ‫أهلها فأحببت أن آخذ آلخرتي، اللهم اجعلنا من المفلحين الذين هم في صالتهم خاشعون واجعلنا‬
       ‫من المخلصين المقبولين الذين أحسنوا صالتهم فنهتهم عن الفحشاء والمنكر، اللهم أذقنا لذة‬
  ‫المناجاة وحالوة اإليمان واشرح صدورنا لطاعتك ونور بصائرنا باإليمان والقرآن، اللهم صلي‬
                                                             ‫على محمد وآله وصحبه أجمعين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل على إحسانه وأشكره على تفضله وامتنانه وأذكره وأسبحه وأعظمه وأدعوه وأستغفره‬
‫تعظيماً لشانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال أبو‬
  ‫عبداهلل المزوري رحمه اهلل: فال عمل بعد توحيد اهلل أفضل من الصالة هلل ألنه افتتحها بالتوحيد‬
 ‫والتعظيم هلل بالتكبير ثم الثناء على اهلل وهي قراءة فاتحة الكتاب وهي حمد هلل وثناء عليه وتمجيد‬
‫له ودعاء وكذلك التسبيح في الركوع والسجود والتكبيرات عند كل خفض ورفع كل ذلك توحيد هلل‬
  ‫ا‬
 ‫وتعظيم هلل وختمها بالشهادة له بالتوحيد ولرسوله بالرسالة وركوع وسجود خشوعاً له وتواضعً،‬
                                       ‫ا‬
‫ورفع اليدين عند اإلفتتاح والركوع ورفع الرأس تعظيمً هلل وإجالالً له ووضع اليمين على الشمال‬
                                                                          ‫ال‬
     ‫باإلنتصاب هلل تذل ً وإذعاناً بالعبودية، قال عبداهلل بن مسعود سألت رسول اهلل : ((أي العمل‬
  ‫أفضل؟ فقال: الصالة لميقاتها)) م، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إن أول ما‬
‫يحاسب به العبد صالته فإن أتمها وإال نظر هل من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من‬
 ‫تطوعه ثم ترفع سائر األعمال على ذلك)) أيها اإلخوة وكان النبي يفزع عند الشدائد إلى الصالة‬
                                                              ‫ا‬
 ‫فإذا رأى بأهله شدة أو ضيقً أمرهم بالصالة وتال هذه اآلية: وأمر أهلك بالصالة واصطبر عليها‬
     ‫ال نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ولما كسفت الشمس فزع النبي إلى الصالة ولما‬
    ‫تحزبت األحزاب من كل جانب على رسول اهلل وأحاطوا بالمدينة وخانه اليهود وتحالف معهم‬
  ‫المشركون قال حذيفة: رجعت إلى النبي ليلة األحزاب، وهو مشتمل في شملة يصلي وفزع يوم‬
   ‫غزوة بدر قال علي رضي اهلل عنه: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إال نائم غير رسول اهلل يصلي‬
‫ويدعو حتى أصبح، وهكذا أيها اإلخوة فالصالة مفزع لكل ذي نائبة وملجأ للمستجيرين والمرضى‬
‫والفقراء والمنكوبين والحيارى والمظلومين والمهمومين بالصالة يناجون ربهم ويفيضون إليه وهم‬
             ‫ا‬
  ‫ساجدون بشكواهم وذلهم وفقرهم ومسكنتهم ويسجد العبد لربه عند تجدد النعم شكرً هلل حتى أن‬
 ‫المالئكة في السموات السبع إذا رعبوا فأصابهم هول اعتصموا بالسجود، قالت عائشة رضي اهلل‬
‫عنها: كان النبي إذا صلى قام حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: يا رسول اهلل أتصنع هذا وقد غفر‬
                    ‫ا‬
    ‫اهلل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((يا عائشة أفال أكون عبداً شكورً)) أحمد، قال ابن‬
     ‫الجوزي رحمه اهلل: ينبغي للمصلي أن يحضر قلبه عند كل شيء من الصالة فإذا سمع نداء‬
‫المؤذن فليمثل النداء يوم القيامة ويشمر لإلجابة فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي ال يطلع‬
‫عليها إال الخالق ويكفرها الندم والخوف والحياء فإذا استعذت فاعلم أن اإلستعاذة هي ملجأ إلى اهلل‬
                                                  ‫ا‬
       ‫سبحانه فإذا لم تلجأ بقلبك كان كالمك لغوً، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: الحمد هلل رب‬
       ‫العالمين واستحضر لطفه عند قولك: الرحمن الرحيم وعظمته عند قولك: مالك يوم الدين،‬
  ‫واستشعر في ركوعك التواضع وفي سجودك الذل ألنك وضعت النفس موضعها ورددت الفرع‬
‫إلى أصله بالسجود على التراب الذي خلقت منه، واعلم أن أداء الصالة بهذه الشروط سبب لجالء‬
 ‫القلب من الصدأ وحصول األنوار التي تتلمح بها عظمة المعبود سبحانه أيها المسلم إذا أردت أن‬
‫تعرف قدرك عند اهلل فانظر إلى قدر الصالة عندك، أيها اإلخوة فما بالنا غافلين عن روح الصالة‬
  ‫وحقيقتها نؤديها بجوارحنا مع ذهول القلب وغفلته ثم النجد للصالة لذة وسكينة وال فرحً وإقبا ً‬
  ‫ال‬      ‫ا‬
   ‫عليها ثم أصبحت غير معدلة لسلوكنا فلم تنهانا عن الفحشاء والمنكر وأين الفرح بالصالة وأين‬
      ‫العناية بها والتبكير إليها وأين حرارتها في القلوب؟ أيها اإلخوة البد من محاسبة ألنفسنا في‬
‫موضوع الصالة التي هي عمود الدين فإذا سقط العمود ضاع دين المسلم وخسر الدنيا واآلخرة إن‬
    ‫الصالة رأس مال المسلم وغنيمته الحاضرة التي يستطيع بعد توفيق اهلل أن يغنم بها رضا اهلل‬
‫والجنة وأن ينجو بها من سخط اهلل والنار فبالصالة يرفع اهلل قدرك ويطهر جوارحك وقلبك وتكفر‬
‫سيئاتك وتفتح أبواب الخير في وجهك وتجد شرح الصدر والفرح بعبادة ربك وبالصالة يحميك اهلل‬
      ‫من الباليا والشرور والترفع عن دار الغرور وتنال في دنياك وأخراك الفرح والسرور، إن‬
  ‫الصالة أمل األحياء ورجاؤهم فهم في قبورهم يحاسبون وال يعملون ويندمون وال يتوبون فكيف‬
 ‫تنام العين وهي قريرة وليس تدري بأي المكانين تنزل؟ وكيف تتوق النفس للجهل والهوى وكيف‬
‫تغر العبد دنيا ترحل؟ وكيف نقضي العمر باللهو والمنى وعما قليل سوف نغد ونرحل؟ وما المرء‬
                                                           ‫ا‬
 ‫في دنياه إال مسافر يعيش أيامً ثم يقضي فيحمل، وكيف القرار والعيش في القبر؟ إنه هو الحفرة‬
    ‫الظلماء نار تهول ولكن هو الروح واإليمان والهناء لمن كان ذا قلب سليم يهلل، كان علي بن‬
‫الحسين إذا توضأ اصفر لونه فقيل: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من‬
 ‫أريد أن أقوم؟ وقال حذيفة: إياكم وخشوع النفاق قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن نرى الجسد‬
                                                                               ‫ا‬
    ‫خاشعً والقلب ليس بخاشع، وختاماً أيها األخ اعتن بوضوئك وأسبغه وبكر إلى المسجد وصل‬
‫صالة المودع الذي اليدري هل يصلي صالة بعدها أم ال، واستشعر عظمة اهلل عند تكبيرة اإلحرام‬
 ‫فإنك واقف بين يديه واهلل قبل وجهك فاستحي منه وحافظ على صالة الجماعة وحاسب نفسك بعد‬
   ‫الصالة هل خشعت فيها وتدبرت ما تقول؟ وحافظ على النوافل فإنها سبب لمحبة اهلل للعبد وبها‬
  ‫تكمل الصالة ومن ألح على ربه بكثرة الدعاء في السجود فهو حري باإلجابة واهلل ال يخيب من‬
                                                                    ‫رجاه وال من سأله ودعاه.‬

‫(5/539)‬
                                                   ‫في األطوار التي مر بها المسجد األقصى‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب, سيرة وتاريخ, فقه‬
                                          ‫المساجد, فضائل األزمنة واألمكنة, معارك وأحداث‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                  ‫محمد بن صالح العثيمين‬
                                                                                    ‫عنيزة‬
                                                                             ‫الجامع الكبير‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- احتالل اليهود المسجد األقصى وإظهار شعائر الكفر فيه. 7-مكانة المسجد األقصى وفضله.‬
  ‫3- قصة بني إسرائيل وخروجهم مع نبي اهلل يعقوب من األرض المقدسة إلى مصر ثم عودتهم‬
‫مع نبي اهلل موسى. 1- خروجهم ثانية من األرض المقدسة على يد ملوك الفرس والروم. 1- فتح‬
   ‫المسلمين لألرض المقدسة في عهد عمر. 6- استيالء الصليبين على المسجد وتطهره منهم في‬
   ‫عهد صالح الدين. 2- استيالء اليهود والصليبين على المسجد مرة أخرى في العصر الحديث.‬
                                          ‫6- السبيل إلى تحرير المسجد األقصى من اليهود.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
‫أيها الناس: فلقد مضى على احتالل اليهود للمسجد األقصى أكثر من ثماني سنوات وهم يعيثون به‬
                                                                     ‫ا‬
     ‫فسادا وبأهله عذابً وفي هذه األيام أصدرت محكمة يهودية حكما بجواز تعبد اليهود في نفس‬
   ‫المسجد األقصى ومعنى هذا الحكم الطاغوتي إظهار شعائر الكفر في مسجد من أعظم المساجد‬
  ‫اإلسالمية حرمة. إنه المسجد الذي أسري برسول اهلل إليه ليعرج من هناك إلى السماوات العلى‬
 ‫إلى اهلل جل وتقدس وعال. إنه لثاني مسجد وضع في األرض لعبادة اهلل وتوحيده ففي الصحيحين‬
   ‫عن أبي ذر قال: ((قلت: يا رسول اهلل أي مسجد وضع في األرض أول؟ قال: المسجد الحرام‬
     ‫قلت: ثم أي؟ قال: المسجد األقصى قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة)). إنه لثالث المساجد‬
‫المعظمة في اإلسالم التي تشد الرحال إليها لطاعة اهلل وطلب المزيد من فضله وكرمه قال النبي :‬
   ‫((ال تشد الرحال إال إلى ثالثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد األقصى)). إنه‬
   ‫المسجد الذي يقع في األرض المقدسة المباركة مقر أبي األنبياء إبراهيم وابنيه سوى إسماعيل،‬
‫مقر إسحاق ويعقوب إلى أن خرج وبنيه إلى يوسف في أرض مصر فبقوا هنالك حتى صاروا أمة‬
      ‫بجانب األقباط الذين يسومونهم سوء العذاب حتى خرج بهم موسى فرارا منهم وقد ذكر اهلل‬
    ‫سبحانه وتعالى بني إسرائيل بهذه النعمة الكبيرة وذكرهم موسى نعم اهلل عليهم بذلك وبغيره إذ‬
      ‫جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت أحد من العالمين في وقتهم وأمرهم بجهاد‬
   ‫الجبابرة الذين استولوا على األرض المقدسة وبشرهم بالنصر حيث قال: يا قوم ادخلوا األرض‬
  ‫المقدسة التي كتب اهلل لكم وإنما كتبها اهلل لهم ألنهم في ذلك الوقت أحق الناس بها حيث هم أهل‬
 ‫اإليمان والصالح والشريعة القائمة: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن األرض يرثها عبادي‬
  ‫الصالحون إن في هذا لبالغا لقوم عابدين ، ولكنهم نكلوا عن الجهاد: قالوا إن فيها قوما جبارين‬
   ‫وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها وقالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت‬
   ‫وربك فقاتال إنا ههنا قاعدون ولنكولهم عن الجهاد ومواجهتهم نبيهم بهذا الكالم النافر حرم اهلل‬
‫عليهم األرض المقدسة فتاهوا في األرض ما بين مصر والشام أربعين سنة ال يهتدون سبيال حتى‬
‫مات أكثرهم أو كلهم إال من ولدوا في التيه فمات هارون وموسى عليهما الصالة والسالم وخلفهما‬
 ‫يوشع فيمن بقي من بني إسرائيل من النشء الجديد وفتح اهلل عليهم األرض المقدسة وكان يعقوب‬
     ‫قد بناه قبل ذلك. ولما عتا بنو إسرائيل عن أمر ربهم وعصوا رسله سلط اهلل عليهم ملكا من‬
     ‫الفرس يقال له بختنصر فدمر بالدهم وبددهم قتال وأسرا وتشريدا وخرب بيت المقدس للمرة‬
‫األولى ثم اقتضت حكمة اهلل عز وجل بعد انتقامه من بني إسرائيل أن يعودوا إلى األرض المقدسة‬
   ‫وينشأوا نشأً جديدا وأمدهم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا فنسوا ما جرى عليهم وكفروا باهلل‬
‫ورسوله: كلما جاءهم رسول بما ال تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون فسلط اهلل عليهم بعض‬
  ‫ملوك الفرس والروم مرة ثانية واحتلوا بالدهم وأذاقوهم العذاب وخربوا بيت المقدس وتبروا ما‬
‫علوا تتبيرا. كل هذا بسبب ما وقعوا فيه من المعاصي والكفر باهلل عز وجل ورسله عليهم الصالة‬
       ‫والسالم: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ثم بقي المسجد األقصى بيد‬
‫النصارى من الروم من قبل بعثة النبي بنحو ثلثمائة سنة حتى أنقذه اهلل من أيديهم بالفتح اإلسالمي‬
     ‫على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في السنة الخامسة عشرة من الهجرة فصار المسجد‬
     ‫األقصى بيد أهله ووارثيه بحق وهم المسلمون: وعد اهلل الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات‬
‫ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم‬
 ‫من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ال يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون . وبقي‬
      ‫في أيدي المسلمين حتى استولى عليه النصارى من الفرنج أيام الحروب الصلبية في الثالث‬
 ‫والعشرين من شعبان سنة 791هـ فدخلوا القدس في نحو مليون مقاتل وقتلوا من المسلمين نحو‬
‫ستين ألفا ودخلوا المسجد واستولوا على ما فيه من ذهب وفضة وكان يوما عصيبا على المسلمين‬
‫أظهر النصارى شعائرهم في المسجد األقصى فنصبوا الصليب وضربوا الناقوس وحلت فيه عقيدة‬
    ‫إن اهلل ثالث ثالثة – أن اهلل هو المسيح بن مريم والمسيح ابن اهلل – وهذا واهلل من أكبر الفتن‬
 ‫وأعظم المحن وبقي النصارى في احتالل المسجد األقصى أكثر من تسعين سنة حتى استنقذه اهلل‬
‫من أيديهم على يد صالح الدين األيوبي يوسف بن أيوب رحمه اهلل في 27 رجب سنة 381 هـ،‬
‫وكان فتحا مبينا ويوما عظيما مشهودا أعاد اهلل فيه إلى المسجد األقصى كرامته وكسرت الصلبان‬
  ‫ونودي فيه باألذان وأعلنت فيه عبادة الواحد الديان ثم إن النصارى أعادوا الكرة على المسلمين‬
      ‫وضيقوا على الملك الكامل ابن أخي صالح الدين فصالحهم على أن يعيد إليهم بيت المقدس‬
  ‫ويخلوا بينه وبين البالد األخرى وذلك في ربيع اآلخر سنة 676هـ، فعادت دولة الصليب على‬
   ‫المسجد األقصى مرة أخرى وكان أمر اهلل مفعوال واستمرت أيدي النصارى عليه حتى استنقذه‬
   ‫الملك الصالح أيوب ابن أخي الكامل سنة 716 هـ، وبقي في أيدي المسلمين وفي ربيع األول‬
    ‫سنة 2835هـ، احتله اليهود أعداء اهلل ورسوله بمعونة أوليائهم من النصارى وال يزال تحت‬
     ‫سيطرتهم ولن يتخلوا عنه وقد قالت رئيسة وزرائهم فيما بلغنا إن كان من الجائز أن تتنازل‬
‫إسرائيل عن تل أبيب فليس من الجائز أن تتنازل عن أورشليم القدس نعم لن تتنازل إسرائيل عن‬
 ‫القدس إال بالقوة وال قوة إال بنصر من اهلل عز وجل وال نصر من اهلل إال بعد أن ننصره: يا أيها‬
      ‫الذين آمنوا إن تنصروا اهلل ينصركم ويثبت أقدامكم وإن نصرنا هلل ال يكون باألقوال البراقة‬
  ‫والخطب الرنانة التي تحول القضية إلى قضية سياسية وهزيمة مادية ومشكلة إقليمية وإنها واهلل‬
     ‫لمشكلة دينية إسالمية للعالم اإلسالمي كله. إن نصر اهلل عز وجل ال يكون إال باإلخالص له‬
    ‫والتمسك بدينه ظاهرا وباطنا واالستعانة به وإعداد القوة المعنوية والحسية بكل ما نستطيع ثم‬
                                ‫القتال لتكون كلمة اهلل هي العليا وتطهر بيوته من رجس أعدائه.‬
‫أما أن نحاول طرد أعدائنا من بالدنا ثم نسكنهم قلوبنا بالميل إلى منحرف أفكارهم والتلطخ بسافل‬
 ‫أخالقهم أما أن نحاول طردهم من بالدنا ثم يالحقهم رجال مستقبل أمتنا يتجرعون أو يستمرئون‬
 ‫صديد أفكارهم ثم يرجعون يتقيؤنه بيننا. أما أن نحاول طردهم من بالدنا ثم نستقبل ما يرد منهم‬
   ‫من أفالم فاتنة وصحف مضلة. أما أن نحاول طردهم من بالدنا مع ممارسة هذه األمور فذلك‬
 ‫التناقض البين والمسلك غير السليم والفجوة السحيقة بيننا وبين النصر: ولينصرن اهلل من ينصره‬
   ‫إن اهلل لقوي عزيز الذين إن مكناهم في األرض أقاموا الصالة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف‬
  ‫ونهوا عن المنكر وهلل عاقبة األمور ، نعم أقاموا الصالة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا‬
 ‫عن المنكر ال كما قال بعض المذيعين أيام الحرب مع اليهود في عام 28 هـ غدا تغني أم كلثوم‬
‫في قلب تل أبيب. صلى اهلل على رسوله وسلم لقد صلى غداة فتح مكة ثماني ركعات إما شكرا هلل‬
     ‫تعالى على الفتح خاصة أو تعبدا بصالة الضحى والعبادة من الشكر وهكذا حال الفاتحين في‬
  ‫اإلسالم يعقبون الفتح بالشكر والتقوى فاتقوا اهلل أيها المسلمون وأنيبوا إلى ربكم وأقيموا شريعته‬
                                                         ‫وأطيعوا اهلل ورسوله إن كنتم مؤمنين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬

‫(5/739)‬




                                                                       ‫واجبنا نحو القرآن الكريم‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                          ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                ‫القرآن والتفسير‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                            ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫جامع الفرقان‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫مكانة القرآن الكريم والواجب نحوه – خطورة اإلعراض عن القرآن , ووصف المعرضين فضل‬
                                                            ‫التالوة والتدبر , وخطورة هجر ذلك‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل: أنزل اهلل إلينا هذا الكتاب العظيم الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه تنزيل‬
  ‫ا‬      ‫ا‬
  ‫من حكيم حميد الذي قال اهلل فيه سبحانه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعً متصدعً‬
    ‫من خشية اهلل وتلك األمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون وقال فيه جل شأنه: اهلل نزل أحسن‬
                                                                    ‫ا‬
‫الحديث كتابا متشابهً مثاني تقشعر من جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر‬
  ‫اهلل ، وأمرنا فيه ونهانا ما من خير إال وهو في العمل به وال من شر إال والزجر عنه وارد فيه‬
 ‫ضرب لنا فيه األمثال: وتلك األمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون إن اهلل ال يستحيي أن يضرب‬
    ‫مثال ما بعوضة فما فوقها ورغب فيه وأمر بتدبره وحذر من اإلعراض عنه وهجرانه: وقال‬
   ‫الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فال‬
‫يضل وال يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب‬
     ‫لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها – أي فتركت العمل بها –‬
 ‫وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب اآلخرة أشد وأبقى فمما‬
 ‫ورد في هذا الكتاب مما هو جدير بالتدبر والوقوف عنده وصفه سبحانه حال المعرض عنه الذي‬
‫لم يرفع به رأسه ولم يكترث بما ورد فيه وصفه سبحانه لمن هذا حاله بأوصاف عدة منها أنه شر‬
‫الدواب قال جل شأنه: إن شر الدواب عند اهلل الصم البكم الذين ال يعقلون ثم بين مراده بهم بقوله:‬
 ‫إن شر الدواب عند اهلل الذين كفروا فهم ال يؤمنون فهم في ميزان اهلل وميزان كل مؤمن شر دابة‬
 ‫تدب على وجه األرض شر من القردة والخنازير والكالب وغيرها وما ذاك إال بسبب إعراضهم‬
     ‫عن هذا الكتاب العظيم وهبهم اهلل العقول فلم يتدبروه بها واألسماع فلم ينصتوا إليه بها: وقال‬
  ‫الذين كفروا ال تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون واأللسنة فلم ينطقوا باإليمان به كلمة‬
    ‫واألعين فلم ينظروا في ملكوت السماوات واألرض فيؤمنوا بمن تكلم به سبحانه فهم صم بكم‬
 ‫ا‬
 ‫عمي فهم ال يعقلون ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه – أي فيما لم نمكنكم فيه – وجعلنا لهم سمعً‬
                                                                                ‫ا‬
‫وأبصارً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم وال أبصارهم وال أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات‬
      ‫اهلل وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ولقد ذرأنا لجهمنم كثيرا من الجن واإلنس لهم قلوب ال‬
     ‫يفقهون بها ولهم أعين ال يبصرون بها ولهم آذان ال يسمعون بها أولئك كاألنعام بل هم أضل‬
  ‫أولئك هم الغافلون توعد اهلل الكافر به ناراً تلظى ومن يكفر به من األحزاب فالنار موعده وشبه‬
   ‫المعرض عنه بالحمار في قوله جل شأنه: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار‬
‫يحمل أسفارا ومثله من أعرض عن القرآن، قال صلى اهلل عليه وسلم:(( يؤتى بالرجل يوم القيامة‬
   ‫فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيقال يا فالن ألم تكن تأمرنا بالمعروف‬
 ‫وتنهانا عن المنكر فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف وال آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ))(5)[5]‬
    ‫فهو كالحمار من حمر النار وقال سبحانه: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه‬
 ‫الشيطان فكان من الغاويين ولو شئنا لرفعناه بها – أي باآليات التي في صدره - ولكنه أخلد إلى‬
   ‫األرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين‬
   ‫كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثال القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا‬
  ‫يظلمون نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من‬
                                                     ‫كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
‫ا‬     ‫ا‬
‫وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمً كثيرً‬
‫أما بعد فيا عباد اهلل أعيذ نفسي وإياكم أجمعين أن نكون ممن أعرض عن هذا الكتاب العظيم الذي‬
‫بعث اهلل به محمد صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم ليخرجنا به من الظلمات إلى النور وقد بين النبي‬
‫صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم أن المؤمن مع هذا الكتاب لن يعدم خيرا: (( مثل المؤمن الذي يقرأ‬
 ‫القرآن كمثل األترجة ريحها طيب وطعمها حلو ومثل المؤمن الذي ال يقرأ القرآن كمثل التمرة ال‬
 ‫ريح لها وطعمها حلو ))(7)[5] فهو في كال الحالين لن يعدم خيرا إما أن يكون ممن يعملون بهذا‬
    ‫الكتاب العظيم يمتثلون آمره ويحذرون زاجره ويصدقون خبره وال يكون ممن يجيد أو يعرف‬
    ‫التالوة أي القراءة لكنه عامل به مصدق لخبره ممتثل ألمره مجتنب عن زجره فهذا على خير‬
‫عظيم وخير منه ذلكم التالي آليات اهلل يقرؤها ويتدبرها ويعمل بها أما من أعرض عن هذا الكتاب‬
      ‫وهو يدعي اإلسالم فقد قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ومثل المنافق الذي ال يقرأ القرآن كمثل‬
‫الحنظلة ال ريح لها وطعمها مر))(3)[7] فنعوذ باهلل من الخذالن يا عباد اهلل علينا جميعا بتدبر هذا‬
  ‫الكتاب العظيم فإن اهلل أنزله إلينا ليخرجنا به من الظلمات إلى النور ولن يعدم المسلم من التالوة‬
‫خيرا عظيما فقد صح عنه صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة‬
 ‫والحسنة بعشر أمثالها ال أقوال ألم حرف ولكن ألف حرف والم حرف وميم حرف))(1)[3] فهذه‬
       ‫ثالثون حسنة تحصلها بتالوة هذه الكلمة فأين نحن يا عباد اهلل عن هذا الخير العظيم نقرؤه‬
 ‫ونتدبره ونعمل بما جاء فيه حتى ال نشابه الصم البكم الذين ال يعقلون علينا يا عباد اهلل أن ال نمل‬
‫الموعظة بتدبر هذا القرآن فإن هذا القرآن فيه فالحنا ونجاحنا وليحاسب كل امرئ منا نفسه كم له‬
‫من صلة بالقرآن هل يتلوه كل يوم أو يتلوه كل أسبوع أو ينظر فيه ولو مرة في الشهر إن بعضنا‬
  ‫قد تمر الشهور بل قد يمر العام وال عهد له بكتاب اهلل إال في رمضان: وقال الرسول يا رب إن‬
                                                             ‫قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا .‬
 ‫أسأل اهلل العلي العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من قوم يتدبرون القرآن ويعملون به.‬


                                                                               ‫__________‬
                                                                    ‫(5) صحيح مسلم (9897).‬
                                            ‫(7) صحيح البخاري (2711) صحيح مسلم (292).‬
                                                                       ‫(3) المصدران السابقان.‬
                                                                   ‫(1) سنن الترمذي (0597).‬

‫(5/339)‬




                                                                           ‫هوان الدنيا على اهلل‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                 ‫الزهد والورع‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫جامع الفرقان‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫قوله تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء األرض ذهباً ) دل على‬
  ‫: هوان الدنيا وعِظَم شأن اإليمان كما دل عليه القرآن والسنة – الفوز الحق والنجاة الحقيقية في‬
  ‫دخول الجنة والزحزحة عن النار – اآلثار في عِظَم ثواب المؤمنين في الجنة وهوان نعيم الدنيا‬
    ‫في مقابلها – خطورة مخالطة الكفار والسفر إلى بالدهم على اإليمان – اآلثار في بيان حقيقة‬
                                                                         ‫الدنيا وهوانها على اهلل‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل: يقول اهلل جل وعال: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملئ األرض‬
                                                                           ‫ذهبا ولو افتدى به .‬
‫إن هذه اآلية يا عباد اهلل: تصور لنا هوان الدنيا وزخرفها على اهلل وعظيم شأن اإليمان في ميزان‬
‫اهلل إن فاقد اإليمان ال يقبل منه فداء ملئ األرض ذهبا ومن الذي يملك هذا حتى يفتدي به األرض‬
 ‫بمساحتها الواسعة وأبعادها الشاسعة بمائها ويابسها مملوءة ذهبا ثم تقدم فداء لكافر من النار فإنها‬
‫ال تفكه إنما يفكه اإليمان ولكنه لم يؤمن فما هم بخارجين من النار إن أحدا من أهل الدنيا لو ملك‬
‫ملئ األرض خشباً ال ذهبا لعددناه فينا أعظم األثرياء فكيف بمالك ملئها ذهبا إن كالم اهلل يجل عن‬
  ‫الخلق بل هو حق كما قال اهلل لن يقبل من أحدهم ملئ األرض ذهبا أي ملئها ذهبا ولو افتدى به‬
       ‫وما ذاك إال لكونه كافرا مات على الكفر فليعي هذا جيدا من يهونون من شأن اإليمان واهلل‬
     ‫سبحانه يقول في محكم ما أنزل: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون . ويقول‬
 ‫سبحانه: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في األرض أم نجعل المتقين كالفجار‬
     ‫ويقول جل وعال: ال يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون . أما‬
 ‫أصحاب النار فهم الخاسرون: أال إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة أال ذلك‬
 ‫هو الخسران المبين . فالفوز حقا هو النجاة من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز‬
   ‫ومثقال ذرة من إيمان خير من ملئ األرض ذهبا ألنه ينجي صاحبه من النار وأدنى أهل الجنة‬
‫منزال رجل له مثل ملك الدنيا عشر مرات صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق(5)[5] الذي ال‬
    ‫يخرج من فمه إال الحق وقال فيه ربه: وما ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى وموضع‬
   ‫سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها(7)[7] ولنصيف إحداهن خير من الدنيا وما فيها‬
     ‫يعني نساء الجنة(3)[3] ولو كانت الدنيا تزن عند اهلل جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة‬
‫ماء(1)[1] ولكننا نراهم يشربون ويأكلون: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل األنعام والنار‬
‫مثوى لهم فدل ذلك أن الدنيا ال تزن عنده جل وعال وال جناح بعوضة والعمل الصالح الذي يؤدي‬
   ‫إلى الفوز في اآلخرة خير من كل متاع الدنيا: قل بفضل اهلل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير‬
‫مما يجمعون ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ‬
       ‫بعضهم بعض سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون أي واهلل فضل اهلل ورحمته خير مما‬
  ‫يجمعون مهما بلغ جمعهم ألم تر أن النبي صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه قال: ((ركعتا الفجر‬
  ‫خير من الدنيا وما فيها))(1)[1]. وهما من النوافل والفرض أحب إلى اهلل منهما كما قال سبحانه‬
‫في الحديث القدسي: ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه))(6)[6] ومع ذلك‬
‫فهذا شأن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها فيا أهل العقول الراجحة كيف نسوي بين المصلين‬
       ‫وغيرهم أم كيف نسوي بين المؤمنين وغيرهم يا من هان شأن اإليمان في قلوبهم من كثرة‬
   ‫مخالطتهم للكفار وغشيانهم أماكنهم وبلدانهم انتبهوا إلى هذه المعاني وتدبروها وأسلموا لها وال‬
    ‫تنكروها واعملوا لها أعماال فذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه أقول‬
   ‫قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
       ‫تعظيما لشأنه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى غفرانه صلى اهلل عليه وعلى آله‬
  ‫وصحبه وإخوانه أما بعد فيا عباد اهلل يقول اهلل جل وعال: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من‬
 ‫السماء فاختلط به نبات األرض مما يأكل الناس واألنعام حتى إذا أخذت األرض زخرفها وازينت‬
‫وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليال أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن باألمس كذلك‬
     ‫نفصل اآليات لقوم يتفكرون ويقول اهلل سبحانه: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء‬
             ‫ا‬
       ‫فاختلط به نبات األرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان اهلل على كل شيء مقتدرً المال‬
‫والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أمالً . ويقول جل شأنه:‬
   ‫اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في األموال واألوالد كمثل غيث‬
‫أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي اآلخرة عذاب شديد ومغفرة من اهلل‬
‫ورضوان وما الحياة الدنيا إال متاع الغرور ويقول جل وعال: ولكن أكثر الناس ال يعلمون يعلمون‬
                                                                                         ‫ا‬
     ‫ظاهرً من الحياة الدنيا وهم عن اآلخرة هم غافلون . فالبدار البدار يا عباد اهلل للعمل لآلخرة‬
‫واالستعداد ليوم اللقاء ((من فاتته صالة العصر فقد حبط عمله))(2)[5]، ((من فاتته صالة العصر‬
‫فكأنما وتر أهله وماله))(8)[7] فيا من اشتغل بالمال واألهل والولد اشتغل بذلك عن االستعداد ليوم‬
                               ‫الرحيل أدرك نفسك فالموت حق وال يدري أحدنا متى يبلغ أجله.‬


                                                                             ‫__________‬
                                         ‫(5) صحيح البخاري (5216)، صحيح مسلم (685).‬
                                                              ‫(7) صحيح البخاري (7987).‬
                                                              ‫(3) صحيح البخاري (6927).‬
                                                                 ‫(1) سنن الترمذي (0737).‬
                                                                   ‫(1) صحيح مسلم (172).‬
                                                              ‫(6) صحيح البخاري (7016).‬
                                                                  ‫(2) سنن ابن ماجة (196).‬
                                         ‫(8) صحيح البخاري (7063)، صحيح مسلم (676).‬

‫(5/139)‬




                                                                             ‫تحكيم شرع اهلل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫فقه‬
                                                                                     ‫الحدود‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                          ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                ‫مكة المكرمة‬
                                                                               ‫جامع الفرقان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
    ‫فضل العمل بالحدود , ووجوب التحاكم إلى شرعه – كذب أدعياء حقوق اإلنسان وأذنابهم في‬
      ‫االعتراض على الحدود – أثر تطبيق الشرع والحدود في إشاعة األمن والطمأنينة – ارتفاع‬
 ‫معدالت الجريمة في الدول المسماة متقدمة وسبب ذلك – شروط القصاص وضوابطه , وضوابط‬
                           ‫ا‬
 ‫تطبيق الحدود – ارتباط تحكيم الشرع باإليمان باهلل والرضا به ربً – الرد على شبهات المنكرين‬
 ‫تطبيق الحدود – اآليات الدالة على وجوب الحكم بشرع اهلل , وكون ذلك من العبادة – المنكرون‬
                                            ‫لتطبيق شرع اهلل والمجادلون فيه من أولياء الشيطان‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
  ‫عباد اهلل: ما تقولون في مطر يرسله اهلل على العباد والبالد فيسقي أرضهم وينبت اهلل به زرعهم‬
‫ويدر به ضرعهم ويلطف به هواءهم ويكثر ماؤهم وتنشرح باخضرار األرض صدورهم وتقضى‬
  ‫لهم حوائجهم فهم في رغد وسعد ونعمة ما بها نقمة ثم يدوم ذلك بهم أربعون صباحا إنها النعمة‬
                                        ‫ا‬
  ‫الكبرى تستحق من العباد إجمال الشكر هلل إن حدً واحدا يعمل به في األرض خير من ذلك كله‬
 ‫روى اإلمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى‬
            ‫اهلل عليه وسلم: ((حد يعمل به في األرض خير ألهل األرض من أن يمطروا أربعين‬
  ‫صباحا))(5)[5] إن كل ما يمكن تصوره من رخاء وسعة عيش ورغد كل ذلك ال يعدل في نظر‬
  ‫المؤمن الحق تطبيق حد من حدود اهلل تطبيق حدود اهلل في أرض اهلل والحكم بشرع اهلل في عباد‬
‫اهلل الخلق خلقه واألرض أرضه والملك ملكه والحكم حكمه والشرع شرعه فعباد اهلل في أرض اهلل‬
  ‫يجب أن يحكموا بشرع اهلل مهما شغب المشاغبون أو لبس الملبسون إن اهلل هو الذي خلقنا وهو‬
  ‫الذي يعلم ما يصلحنا ويصلح لنا: أال يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، قل أءنتم أعلم أم اهلل ،‬
‫واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون لقد كذب دعاة حقوق اإلنسان بل وتناقضوا كذبوا حين زعموا أن أحكام‬
‫اهلل في القتل والزنا والسرقة وحشية إنها العدل والرحمة والقسطاس أنزله اهلل بين العباد إنها الخير‬
 ‫والبركة تعم البالد والعباد إن كالم النبي صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم يجل عن الخلف إنه حق‬
     ‫وصدق فحد يعمل به في األرض خير ألهل األرض من أن يمطروا أربعين صباحا وما هذا‬
  ‫بمبالغة إنما هو الحق والوحي: وما ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى صح عنه صلى اهلل‬
‫عليه وعلى آله وسلم: ((أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إال الحق))(7)[7] وأشار إلى لسانه‬
    ‫إن األمن والطمأنينة والسعادة في الدنيا قبل اآلخرة لن تكون إال بتطبيق شرع اهلل في عباد اهلل‬
 ‫وإال فهو الشقاء والنكد والفوضى والسلب والنهب والهرج والمرج ولنعتبر ذلك حتى بالدول التي‬
     ‫تسمى اليوم متقدمة فكم معدالت الجريمة فيها من قتل وسلب ونهب وسرقة وزنا وغيرها إن‬
   ‫الوحشية حقا هي في ترك الحبل على الغارب للمجرمين يعيثون في األرض فسادا أو في إيقاع‬
‫عقوبة مخالفة لما شرعه اهلل من الحدود أو القصاص إن الحياة حقا في إقامة القصاص على القتلة:‬
 ‫ولكم في القصاص حياة يا أولي األلباب لعلكم تتقون وللقصاص شروط وضوابط يستوفيها الحاكم‬
 ‫الشرعي على نور من اهلل يرجو ثواب اهلل فال انحياز وال ظلم فمتى استوفيت الشروط والضوابط‬
 ‫وانتفت الموانع التي بينها الشرع كان الحكم بما شرع اهلل: كتب عليكم القصاص في القتلى ومثله‬
  ‫الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد الحرابة للمفسدين في األرض بالقتل أو السلب وقطع الطريق‬
   ‫ونحوها إن األمن قرين اإليمان في دعائه صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم عند رؤية الهالل فهو‬
 ‫يدعو بهما رأس كل شهر يقول: ((اللهم أهله علينا باألمن واإليمان))(3)[3] وإن األمن لن يتحقق‬
   ‫إال بتطبيق شرع اهلل مع اإليمان والرضا بحكمه في كل شؤوننا: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم‬
‫بظلم أولئك لهم األمن وهم مهتدون أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك بل آمنوا باهلل إيمانا مطلقا فرضوا‬
‫بكل ما جاء منه قبلوا حكمه ورضوا شرعه في كل شؤون حياتهم كما أمرهم بذلك ربهم بقوله: يا‬
    ‫أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة وقوله: قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب‬
   ‫العالمين ال شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين فماذا ينقم دعاة حقوق اإلنسان على شرع‬
 ‫اهلل وماذا يعيبون عليه أيعيبون عليه قتل نفس بنفس أم يعيبون عليه قطع يد سارقة كما قال سلفهم‬
                                                                            ‫الزائغ معترضا:‬
‫يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فرد عليه أحد علماء اإلسالم في قوله:‬
‫عز األمانة أغالها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري نعم إن الذي جعل دية اليد نصف دية‬
 ‫اإلنسان كامال حين كانت أمينة وفية هو الذي أرخصها حين خانت فسرقت فجعلها تقطع في ربع‬
   ‫دينار فصاعدا أال فليعلم دعاة حقوق اإلنسان أن مائة إنسان يقتلون في عام كامل فيستتب األمن‬
‫بقتلهم ويحصل خير كثير للبالد والعباد خير بما ال يقاس من الفوضى الناجمة عن تنحية شرع اهلل‬
  ‫في كثير من البالد فأين هم من التباكي على حقوق اإلنسان المهدرة في أنحاء شتى من بالد اهلل‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اهلل حكما لقوم يوقنون .‬
  ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب‬
                                                            ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
  ‫وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فيا‬
‫عباد اهلل إن اآليات في وجوب الحكم بشرع اهلل والزجر عن تركه وتنحيته كثيرة جدا في كتاب اهلل‬
     ‫فمن ذلك قول اهلل سبحانه: أفغير اهلل أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصال والذين‬
     ‫آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فال تكونن من الممترين وقوله جل شأنه: إن‬
   ‫الحكم إال هلل أمر أال تعبدوا إال إياه . فتطبيق شرعه وتنفيذ حكمه عباده ال يجوز صرفها لغيره‬
      ‫ومنها: إن الحكم إال هلل عليه توكلت وقوله جل شأنه: إن الحكم إال هلل يقص الحق وهو خير‬
  ‫الفاصلين وقوله سبحانه: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى اهلل وقوله جل شأنه: ذلكم بأنه إذا‬
 ‫دعي اهلل وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم هلل العلي الكبير وقوله سبحانه: كل شيء هالك‬
   ‫إال وجهه له الحكم وإليه ترجعون وقوله سبحانه: له الحمد في األولى واآلخرة وله الحكم وإليه‬
     ‫ترجعون ونهى سبحانه عن الشرك به في الحكم كما نهى عن الشرك به في عبادته فقال جل‬
 ‫شأنه: وال تشرك في حكمه أحدا وفي القراءة األخرى: وال يشرك في حكمه أحدا ونعى على قوم‬
‫يزعمون أنهم آمنوا يزعمون اإليمان وهم يتحاكمون إلى الطاغوت فقال سبحانه: ألم تر إلى الذين‬
    ‫يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد‬
   ‫أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضالال بعيدا وأنكر على من يتبع شرائع لم يأذن‬
 ‫بها اهلل بقوله سبحانه: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اهلل وقوله: قل أرءيتم ما‬
 ‫أنزل اهلل لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحالال قل ءآهلل أذن لكم أم على اهلل تفترون وقوله: وال‬
   ‫تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حالل وهذا حرام لتفتروا على اهلل الكذب إن الذين يفترون‬
‫على اهلل الكذب ال يفلحون وبين لنا سبحانه أن كل من يجادل في أحقية شرع اهلل وحدوده وأحكامه‬
‫أنه من أولياء الشيطان وأن جداله بوحي من الشيطان وأننا إن أطعناهم في ترك شرع اهلل والرضا‬
‫بفرائض البشر وقعنا في الشرك حتى قال اهلل سبحانه في ذلك: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم‬
                                                     ‫ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون .‬
                                                                              ‫__________‬
                        ‫ا‬
          ‫(5) مسند أحمد (7/701)، سنن النسائي (1091) وعنده (ثالثين صباحً) سنن ابن ماجة‬
                                                                                    ‫(8317).‬
                     ‫(7) مسند أحمد (7/765)، سنن أبي داود (6163)، سنن الدارمي (181).‬
                                                           ‫(3) سنن الدارمي (2865-8865).‬

‫(5/139)‬




                                                                                  ‫أهمية الوقت‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫اغتنام األوقات‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫جامع الفرقان‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
   ‫قيمة الوقت وأهميته وإقسام اهلل به في عدة آيات – صفة المغبونين وتضييعهم العمر – صفات‬
     ‫أهل اآلخرة وأولياء اهلل واغتنامهم العمر – كيفية استغالل الشباب واألوالد لإلجازة فيما ينفع‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
                                                                                           ‫أما بعد:‬
   ‫عباد اهلل: الوقت هو الحياة أقسم به اهلل في غير ما آية من كتابه فقال جل وعال: والعصر وقال‬
     ‫سبحانه: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وقال جل شأنه: والضحى والليل إذا سجى وقال:‬
    ‫والفجر وليال عشر وأهل العلم يقولون إن القسم بالشيء يدل على تعظيم المقسم به فوقتك هو‬
   ‫حياتك ووقتك هو نهارك وليلك وإمساؤك وإصباحك وإظهارك: فسبحان اهلل حين تمسون وحين‬
‫تصبحون وله الحمد في السماوات واألرض وعشيا وحين تظهرون ووقتك هو عمرك وكل شمس‬
‫تغرب عليك فهو يوم ينقص من عمرك فرصيدك من العمر ما بقي من أيام حياتك فما مضى فات‬
       ‫والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها العاقل من تدارك عمره فيما يقربه إلى اهلل زلفى‬
        ‫والمغبون من ضيع ساعات عمره فيما ال يعود عليه بالنفع في اآلخرة واألولى سهر على‬
 ‫المحرمات ونوم عن الصلوات المفروضات وغفلة عن رب األرض والسماوات وتضييع للحقوق‬
   ‫والواجبات وتفريط في تحصيل األجور والحسنات هم أحدهم قتل الوقت وما درى المسكين أنه‬
    ‫يقتل نفسه: فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون، أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما‬
 ‫كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ، أولم ينظروا في ملكوت السماوات واألرض وما‬
 ‫خلق اهلل من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ، من يضلل اهلل‬
‫فال هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون وفي األثر: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت‬
‫والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل األماني))(5)[5]، لقد شمر أقوام إلى اآلخرة فتلمسوا‬
‫قربات فغشوها والبسوها وعرفوا المحارم والمنهيات فحذروا ولم يقارفوها واستمتعوا بما أحل اهلل‬
     ‫من الطيبات فلم يجاوزوها قولهم طيب وعملهم طيب وطعامهم طيب وشرابهم طيب: يا أيها‬
      ‫الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، يا أيها الذين آمنوا كلوا من‬
    ‫طيبات ما رزقناكم واشكروا هلل إن كنتم إياه تعبدون ، وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى‬
 ‫صراط الحميد ، قل من حرم زينة اهلل التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا‬
 ‫في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، نقاء في قلوبهم وصفاء في سرائرهم وبساطة في مظاهرهم‬
     ‫أبعد ما يكونون عن التكلف: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين هاديهم القرآن‬
 ‫وقدوتهم سيد ولد عدنان وأولياؤهم أهل الصالح واإليمان وأعداؤهم هم حزب الشيطان أحبوا في‬
    ‫اهلل وأبغضوا في اهلل ووالوا في اهلل وعادوا في اهلل وأعطوا هلل ومنعوا هلل فنالوا بذلك والية اهلل‬
    ‫فكان اهلل سمعهم فعصمهم عن سماع ما يسخطه وكان بصرهم فعصمهم عن رؤية ما يسخطه‬
 ‫وأيديهم فعصمهم عن البطش بها فيما حرم وأرجلهم فعصمهم عن السعي بها إلى ما حرم قال اهلل‬
    ‫سبحانه في الحديث القدسي: ((وال يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت‬
    ‫سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن‬
     ‫استعاذني ألعيذنه ولئن سألني ألعطينه))(7)[7]، فهنيئا لمن كان هذا شأنه يغدو في رضا اهلل‬
  ‫ويروح في رضا اهلل يفرح لعز اإلسالم ونصرة المسلمين ويأسى ألسى يصيب إخوانه المسلمين‬
   ‫إن شبع حمد اهلل على نعمه وتذكر إخوانه الجوعى من المسلمين وإن أعجبه طعام أو شراب أو‬
        ‫مسكن أو لباس ذكر نعيم الجنة وقوله سبحانه في الحديث القدسي عنها: ((أعددت لعبادي‬
  ‫الصالحين ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب بشر)) قال صلى اهلل عليه وسلم:‬
   ‫((واقرءوا إن شئتم: فال تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ))(3)[3]‬
       ‫فاجتهد أن يكون منهم وإن أصابه نفح سموم ذكر حر جهنم وقوله صلى اهلل عليه وسلم في‬
‫وصفها: ((ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزء من نار جهنم)) قالوا: يا رسول اهلل إن‬
‫كانت لكافيه قال: ((فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزء كلهن مثل حرها))(1)[1]، فاجتهد أال‬
    ‫يصيبه حرها بالعمل الصالح والفرار من الوقوع في المحرمات فكل موقف وكل حدث يذكره‬
  ‫بوعد اهلل وموعوده وجزائه ووعيده فهو من الدنيا في خير ومن العمر في كسب ومن الوقت في‬
‫تحصيل لألجور والحسنات فصدق فيه قوله صلى اهلل عليه وسلم: ((خيركم من طال عمره وحسن‬
                                                                             ‫عمله))(1)[1].‬
      ‫اللهم اجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.‬
    ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                    ‫الرحيم.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل حق حمده والصالة والسالم على من ال نبي من بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
 ‫شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم‬
                                                                              ‫تسليما كثيرا.‬
  ‫أما بعد: فيا عباد اهلل تلكم هي صفة الفريقين صفة من سعى في قتل الوقت فقتل نفسه حيث قتل‬
 ‫وقته ألن وقته هو حياته وصفة من سعى في استغالل أيام عمره وأوقاته فيما يقربه إلى اهلل زلفى‬
‫والعاقل الحصيف من اختار خير الطريقين فإن اهلل جل وعال خلقنا ولم يتركنا همال بل أرسل إلينا‬
      ‫رسال يدلوننا على طريق الجنة فالعاقل من سلك سبيل المرسلين وتلمس سننهم وتتبع آثارهم‬
      ‫وعمل بأوامرهم وحذر ما عنه نهوا صلى اهلل عليهم جميعا وسلم لذلك يا عباد اهلل ينبغي أن‬
 ‫نحرص الحرص كله على استغالل هذه اإلجازة خير استغالل فيما يقربنا إلى اهلل زلفى في تالوة‬
  ‫كتاب اهلل وتدبر معانيه والعمل بما أمر اهلل به في كتابه سبحانه في تربية أبنائنا التربية الصالحة‬
  ‫في تنشئة نسائنا وأوالدنا وكل من له حق علينا تنشئة صالحة ترضي عنا ربنا جل وعال نستغل‬
    ‫هذا الوقت ونستغل هذا الفراغ ونستغل هذه اإلجازة في كل ما يقربنا إلى اهلل زلفى إن الشباب‬
    ‫والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة فليحرص المرء على تحويل هذا الشباب وتحويل هذا‬
  ‫الفراغ الذي وجد عند كثير من الشباب اليوم يحرص على تحويله ليكون مصلحة لهم في دنياهم‬
‫وأخراهم يعلمهم ما يرضي ربهم عنهم ويرفههم الترفيه الذي ال يصل بهم إلى سخط اهلل عز وجل‬
  ‫عنهم يعلمهم أن اهلل عز وجل ما حرم شيئا إال وجعل في الحالل ما يغني عنه فكل شيء حرمه‬
‫اهلل جل وعال فالخير كل الخير في المنع منه وفي تحريمه وكل شيء أمر اهلل عز وجل به فالخير‬
‫كل الخير في العمل به والتمسك به أقول هذا القول وأسأل اهلل العلي العظيم رب العرش الكريم أن‬
                                             ‫يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين وال مضلين.‬
           ‫اللهم أعنا على تربية أنفسنا اللهم أعنا على تربية أنفسنا وذوينا وكل من له حق علينا.‬
                                     ‫اللهم أعنا على تربية كل من وليتنا رعايته يا رب العالمين.‬
                                                  ‫اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.‬
                                            ‫اللهم إنا نسألك علما نافعا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا.‬
 ‫اللهم إنا نعوذ بك من علم ال ينفع ومن قلب ال يخشع ومن عين ال تدمع ومن دعوة ال تسمع اللهم‬
                                                                  ‫إنا نعوذ بك من هؤالء األربع.‬
‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك المجاهدين في سبيلك يا رب‬
                                                                                       ‫العالمين.‬
‫اللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الشر والشرك والفساد وانشر رحمتك على العباد يا رب العالمين.‬
‫اللهم أصلح والة أمور المسلمين كافة ووفقهم للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫اللهم أبرم لهذه األمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف‬
                                                          ‫وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.‬
 ‫اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك‬
                          ‫رب العزة عما يصفون وسالم على المرسلين والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                                                ‫__________‬
                    ‫(5) مسند أحمد (1/175)، سنن الترمذي (9117)، سنن ابن ماجة (0671).‬
                                                                 ‫(7) صحيح البخاري (7016).‬
                                         ‫(3) صحيح البخاري (1173)، صحيح مسلم (1787).‬
                                         ‫(1) صحيح البخاري (1673)، صحيح مسلم (3187).‬
                                             ‫(1) مسند أحمد (1/885)، سنن الترمذي (9737).‬
‫(5/639)‬




                                                                                   ‫الهجرة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                             ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                            ‫السيرة النبوية‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                             ‫مكة المكرمة‬
                                                                             ‫جامع الفرقان‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
 ‫من دروس الهجرة : 5- الناس حزبان : حزب اهلل وحزب الشيطان والغلبة لحزب اهلل – صفات‬
 ‫حزب اهلل , وحزب الشيطان 7- استمرار الصراع بين الحزبين 3- ضعف أنصار الحق وقلتهم‬
    ‫في بعض األحيان من سنن اهلل 1- شدة خصومة حزب الشيطان لحزب اهلل 1- طريقة حزب‬
  ‫الشيطان في مواجهة الحق عند عجز حيلتهم 6- إنفاق حزب الشيطان ماله للصد عن سبيل اهلل‬
 ‫2- وسائل حزب الشيطان للقضاء على أولياء اهلل 8- مكر اهلل بأعدائه وانتصاره ألوليائه شروط‬
                                     ‫نصر اهلل في الصبر والتقوى واليقين وإخالص العبادة هلل‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                           ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫عباد اهلل: ونحن نستهل اليوم عامً هجريً جديدً يحسن بنا أن نستلهم من حديث هجرته صلى اهلل‬
  ‫عليه وعلى آله وسلم بعض الدروس والعبر نستنير بها في حياتنا, وإن لنا يا عباد اهلل في سياق‬
                                                  ‫قصة الهجرة في كتاب اهلل لدروس وعبر:‬
 ‫أولها: أن اهلل جل وعال بين في كتابه أن الناس حزبان وهما قوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم‬
   ‫ذكر اهلل وقال عنهم أولئك حزب الشيطان ثم بين مآل أمرهم وعاقبة مكرهم بقوله أال إن حزب‬
                      ‫الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون اهلل ورسوله أولئك في األذلين .‬
   ‫وثانيهما ذكره جل وعال وذكر عاقبة أمرهم في قوله: كتب اهلل ألغلبن أنا ورسلي إن اهلل قوي‬
         ‫ا‬                                                           ‫ا‬
  ‫عزيز ثم ذكر شيئً من صفات أتباع الرسل الذين هم حزبه جل شأنه بقوله ال تجد قومً يؤمنون‬
‫باهلل واليوم اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم‬
  ‫أولئك كتب في قلوبهم اإليمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها األنهار خالدين‬
              ‫فيها رضي اهلل عنهم ورضوا عنه أولئك حزب اهلل أال إن حزب اهلل هم المفلحون .‬
 ‫فأولئك حزب الشيطان وهؤالء حزب اهلل, أولئك خاسرون وهؤالء مفلحون, أولئك استحوذ عليهم‬
 ‫الشيطان فأنساهم ذكر اهلل, وهؤالء تجردوا من جميع حدود النفس لربهم جل شأنه فلم يقدموا على‬
                                                                                ‫ا‬
                                                       ‫مرضاته شيئً من محبوباتهم ومألوفاتهم.‬
                                             ‫ا‬
   ‫الثانية: أن الصراع بين الحزبين ما يزال دائرً منذ أخرج اهلل عز وجل إبليس من الجنة وأهبط‬
‫منها آدم عليه الصالة والسالم بعضكم لبعض عدو , فإبليس وجنده حزب وأدم ومن تبعه حزب ألم‬
   ‫أعهد إليكم يا بني أدم أن ال تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم‬
                                                                           ‫ال‬
                                              ‫ولقد أضل منكم جب ً كثيراً أ فلم تكونوا تعقلون .‬
                                                         ‫ا‬
        ‫الثالثة: أن الحق قد يعتريه أحيانً مراحل وأوقات يضعف فيها أنصاره , ويقل فيها أتباعه‬
   ‫ويشردوا ويطردوا قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم ال يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اهلل‬
   ‫يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا وال مبدل‬
‫لكلمات اهلل ولقد جاءك من نبأ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقً‬
‫ا‬
       ‫في األرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء اهلل لجمعهم على الهدى فال تكونن من‬
  ‫الجاهلين واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في األرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم‬
   ‫بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون فهذه سنة اهلل في الصراع بين الحق والباطل يبتلي‬
     ‫أولياءه بأعدائه ليميز اهلل الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعً‬
     ‫ا‬
                                                         ‫فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون.‬
 ‫الرابعة: أن أولياء الشيطان وحزبه قد يشتدون في خصومتهم لحزب اهلل وأوليائه لدرجة تخرجهم‬
  ‫حتى عما يقتضيه العقل السليم مما يصور تخبط الشيطان بهم وتالعبه بعقولهم وإذ قالوا اللهم إن‬
    ‫كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو آتنا بعذاب أليم وكان مقتضى‬
                           ‫العقل السليم أن يقولوا اللهم إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا إليه .‬
  ‫الخامسة: إن حزب الشيطان حين تعييهم الحيلة في طمس نور اهلل الذي يحمله أولياء اهلل وحزبه‬
    ‫يلجؤن إلى أساليب التشويش على أولياء اهلل والحيلولة دون أن يصل صوتهم إلى عامة الناس‬
 ‫وقال الذين كفروا ال تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وما كان صالتهم عند البيت إال‬
                                            ‫مكاء وتصدية والمكاء التصفير والتصدية التصفيق.‬
  ‫السادسة: أن حزب الشيطان ينفقون األموال الطائلة للصد عن سبيل اهلل ولكنها في النهاية تكون‬
     ‫حسرة وندامة عليهم وسبباً في هزيمتهم إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اهلل‬
‫فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز اهلل الخبيث من‬
  ‫الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون .‬
‫السابعة: أن حزب الشيطان ال يتورعون عن أي وسيلة للقضاء على أولياء اهلل وحزبه سواء كانت‬
‫هي السجن أو القتل أو إخراج من البالد وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أي ليسجنوك ويوثقوك‬
    ‫أو يقتلوك أو يخرجوك وقد تدارسوا هذه األساليب الثالثة أيها أنفع لهم في القضاء على النبي‬
    ‫صلى اهلل عليه وسلم ودعوته ليلة الهجرة فاستقر رأيهم على قتله صلى اهلل عليه وسلم كما هو‬
           ‫معلوم في أحاديث الهجرة ولكن اهلل عصمه منهم وأنجاه وأتم نوره ولو كره الكافرون.‬
       ‫الثامنة: أن حزب الشيطان يمكرون واهلل جل وعال يمكر ألوليائه والعاقبة للمتقين والنصر‬
 ‫للمؤمنين ويمكرون ويمكر اهلل واهلل خير الماكرين كتب اهلل ألغلبن أنا ورسلي إن اهلل قوى عزيز‬
   ‫إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم األشهاد يوم ال ينفع الظالمين معذرتهم‬
                                                                  ‫ولهم اللعنة ولهم سوء الدار .‬
    ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                        ‫الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل معز من أطاعه ووااله ومذل من خالف أمره وعصاه. أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه‬
                                                                           ‫الخير كله وأستغفره.‬
 ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه‬
                                                                            ‫وعلى آله أجمعين.‬
                                                                           ‫أما بعد فيا عباد اهلل:‬
   ‫التاسعة: من الفوائد والدروس والعبر من سياق الهجرة في كتاب اهلل جل وعال, أن ذلك النصر‬
      ‫والتمكين الذي كتبه اهلل ألوليائه ووعدهم به له شروط البد من توفرها منها الصبر والتقوى‬
   ‫واليقين فالبد أن يتحلى أولياء اهلل وحزبه بالصبر وأن يتحلوا بالتقوى واليقين وقد اجتمعت هذه‬
   ‫كلها على أكمل الوجوه في النبي صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم فنصره على أعداء اهلل وأولياء‬
        ‫ا‬
   ‫الشيطان قال جل وعال في سورة آل عمران: وإن تصبروا وتتقوا ال يضركم كيدهم شيئً وقال‬
         ‫ا‬
 ‫قبلها في سورة البقرة: وال يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا وشيئً نكرة في‬
‫سياق النفي فتعم أي تعم كل نوع من أنواع الضرر, وقال سبحانه: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا‬
     ‫لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فلما تحلوا بالصبر واليقين نالوا اإلمامة في الدين, كما سئل‬
‫سفيان بن عيينة رضي اهلل عنه: بما تنال اإلمامة في الدين؟ فقال بالصبر واليقين. وقال جل شأنه:‬
  ‫واستعينوا بالصبر والصالة وإنها لكبيرة إال على الخاشعين . ومنها إخالص العبادة هلل جل شأنه‬
  ‫وحده وعدم إرادة غيره بشيء منها , قال جل شأنه وعد اهلل الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات‬
‫ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم‬
                         ‫ً‬                                             ‫ا‬
  ‫من بعد خوفهم أمنً ثم ذكر الشرط بقوله يعبدونني ال يشركون بي شيئا فمن كفر بعد ذلك فأولئك‬
                                                                                 ‫هم الكافرون .‬

‫(5/239)‬




                                                                                     ‫قصة نوح‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                      ‫القصص‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                            ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                                  ‫جامع الفرقان‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
   ‫القصص القرآني وما فيها من عبر – نوح عليه السالم وفضله , وقصته مع قومه وما فيها من‬
    ‫عبر : حجة قوم نوح في اإلعراض عن دعوته : أنه بشر , وأن أتباعه هم األراذل والضعفاء‬
                       ‫وأنه ال فضل له عليهم - في نظرهم - جواب نوح على شبههم ودحضها‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
‫فيا عباد اهلل القصص في القرآن كثير وأشرفها قصص األنبياء وفي جميعها عبرة لمن اعتبر, وإن‬
  ‫من أولي العزم من الرسل أبو البشر الثاني الذي أفنى اهلل جميع البشر فلم يبق إال ذريته كما قال‬
‫جل شأنه وجعلنا ذريته هم الباقين أي ال غيرهم , وما من نبي بعده إال وهو من ذريته إلى إبراهيم‬
                                                                         ‫ا‬
   ‫الخليل عليهم جميعً وعلى نبينا الصالة والسالم , ثم ما من نبي بعد إبراهيم إال وهو من ذريته‬
‫كما قال سبحانه ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب , ذكر اهلل قصة نوح‬
     ‫في كتابه في مواضع كثيرة إشادة به وثناء عليه وإن لنا فيها يا عباد اهلل لعبرة , فمنها صبره‬
 ‫الطويل على دعوة قومه ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إال خمسين عاماً , قضى‬
                                           ‫ا‬             ‫ا‬
   ‫كل هذه المدة كلها داعياً مجاهداً صابرً محتسباً مبشرً ونذيراً قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن‬
‫اعبدوا اهلل واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل اهلل إذا جاء ال‬
 ‫يؤخر لو كنتم تعلمون ولكن المأل وهم السادة والكبراء كما يقول ابن كثير رحمة اهلل عليه تصدوا‬
    ‫لدعوته يريدون ليطفئوا نور اهلل بأفواههم واهلل متم نوره ولو كره الكافرون , فقال المأل الذين‬
‫كفروا من قومه ما نراك إال بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إال الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى‬
 ‫لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين , فهذه ثالث حجج ودالئل تنصلوا بها وتبينوا بها كذب نوح‬
‫عليه السالم في زعمهم الباطل, أول حججهم الداحضة وأدلتهم الخاسرة على كذب نوح في نظرهم‬
                      ‫ا‬
     ‫أنه بشر وكان الواجب على اهلل في زعمهم الباطل أن يبعث ملكاً ال بشرً وما منع الناس أن‬
                                  ‫ال‬    ‫ً‬
       ‫يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إال أن قالوا أبعث اهلل بشرا رسو ً واهلل عز وجل أعلم حيث يجعل‬
 ‫رسالته, وقالوا لوال أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي األمر أي ألخذناهم بالعذاب ألن الملك‬
                                   ‫ال‬
  ‫إذا نزل نزل به ثم ال ينظرون ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رج ً وللبسنا عليهم ما يلبسون , أي بقى‬
                                          ‫ً‬              ‫ال‬
‫اللبس قائماً عندهم ألنهم يرونه رج ً وال يرونه ملكا في صورته , وقد قال اهلل جل وعال اهلل أعلم‬
       ‫حيث يجعل رسالته , أما حجتهم الثانية أن أتباعه عليه الصالة والسالم هم األراذل وليسوا‬
  ‫الرؤساء والشرفاء, ثم هؤالء الذين اتبعوه من األراذل لم يكن اتباعهم له عن تروي وال فكر بل‬
 ‫بمجرد ما دعاهم أجابوه وذلك دليل على سفههم في نظرهم و ما نراك اتبعك إال الذين هم أراذلنا‬
    ‫بادي الرأي أي اتبعوك ألول وهلة ولم يتدبروا األمر, أما حجتهم الثالثة فهو قولهم واستداللهم‬
   ‫على تكذيب نوح بقولهم وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين أي ما رأينا لك يا نوح‬
                                                  ‫خ‬
  ‫أنت وال اتباعك علينا فضيلة في خلق و ُلق وال رزق وال مال وال حال بل أنتم أقل منا في كل‬
   ‫ذلك, وهكذا عادة أعداء الرسل يستدلون بأحقية ما هم عليه بالكثرة في المال واألوالد وغيرهما‬
     ‫ال‬
     ‫من مظاهر الحياة الدنيا كما قال جل وعز عن اتباعهم من المشركين وقالوا نحن أكثر أموا ً‬
 ‫وأوالداً وما نحن بمعذبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس ال يعلمون‬
    ‫وما أموالكم وال أوالدكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إال من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء‬
      ‫الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون . وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما‬
      ‫سبقونا إليه أي لو كان في اتباع الرسل خير ما سبقنا إليه هؤالء الضعفاء وهذا هو استدالل‬
    ‫المفسدين في األرض في كل زمان ومكان, كما قال شيخهم فرعون ما أريكم إال ما أرى وما‬
                                                                     ‫أهديكم إال سبيل الرشاد .‬
    ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                      ‫الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
                       ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله أجمعين.‬
   ‫أما بعد: فيا عباد اهلل تلكم هي حجة المفسدين في األرض على عهد نوح عليه الصالة والسالم,‬
 ‫فماذا كان جواب أبي البشر وأبي األنبياء الثاني عليه الصالة والسالم: قال يا قوم أرأيتم إن كنت‬
  ‫على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون , هذا هو‬
 ‫رده على حجتهم األولى قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي فهم يطلبون أن يرسل إليهم‬
 ‫من اهلل ملكاً وهو يقول وما يضيركم أن يكون بشراً إذا كان هذا البشر قد جاءكم بالحق الواضح,‬
 ‫إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده والرحمة هي النبوة التي فيها رحمة له ولهم ,‬
    ‫كما قال جل وعال في سورة أخرى أهم يقسمون رحمة ربك أي النبوة وآتاني رحمة من عنده‬
‫فعميت عليكم فعميت أي طمست عليكم فلم تستطيعوا رؤية الحق رغم جالئه أنلزمكموها وأنتم لها‬
 ‫كارهون والجواب ال نستطيع إلزامكم بها فلسنا عليكم بمصيطرين كما قال جل وعال أفأنت تكره‬
   ‫الناس حتى يكونوا مؤمنين , وقال سبحانه: لست عليهم بمصيطر ، ليس عليك هداهم ولكن اهلل‬
      ‫يهدى من يشاء ، إنك ال تهدى من أحببت , فما وظيفة األنبياء وأتباعهم إال البالغ واإلرشاد‬
                                                                                       ‫والنصح.‬
‫أما شبهتهم الثانية فقد رد عليها بقوله عليه الصالة والسالم: ويا قوم ال أسألكم عليه ماالً إن أجري‬
                     ‫ا‬
   ‫إال على اهلل وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم مالقوا ربهم ولكني أراكم قومً تجهلون ويا قوم من‬
‫ينصرني من اهلل إن طردتهم أفال تذكرون هذا جوابه على كون اتباعه أراذل , فبدأ بقوله ال أسألكم‬
                                           ‫ال‬
      ‫عليه ماالً وهكذا جميع األنبياء ال يسألون أتباعهم ما ً كما قال اهلل جل وعال مخاطباً نبيه أم‬
‫تسألهم خرجاً فخراج ربك خير وهو خير الرازقين , فليس األنبياء وال أتباعهم المخلصين يسألون‬
  ‫أتباعهم ماالً على هدايتهم وبيانهم وإرشادهم كال إنما يفعلون ذلك ابتغاء وجه اهلل. ثم قال وما أنا‬
       ‫بطارد الذين آمنوا إنهم مالقوا ربهم هؤالء المؤمنون الذين تطالبونني بطردهم وإبعادهم لن‬
   ‫ا‬
  ‫أطردهم ألنهم آمنوا فهم األشراف وإن ازدريتموهم , وأنتم األراذل ولو كنتم عند أنفسكم أشرافً,‬
  ‫وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم مالقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون ويا قوم من ينصرني من‬
     ‫اهلل إن طردتهم أفال تذكرون أي إن طردتهم على الرغم من إيمانهم , يقول اهلل جل وعال وال‬
    ‫تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وال تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة‬
  ‫الدنيا , يقول اهلل جل وعال وال تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك‬
     ‫من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين , ويقول‬
  ‫سبحانه واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وال تعد عيناك عنهم‬
   ‫تريد زينة الحياة الدنيا وال تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً , ويقول‬
      ‫جل شأنه كال إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ْ .‬
  ‫أما شبهتهم الثالثة فقد أجاب عليها نوح بقوله وال أقول لكم عندي خزائن اهلل وال أعلم الغيب وال‬
  ‫أقول إني ملك وال أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم اهلل خيراً اهلل أعلم بما في أنفسهم إني إذاً‬
     ‫لمن الظالمين هذه هي سيرة األنبياء وهكذا كان األولياء والصالحون من أتباع األنبياء عليهم‬
   ‫جميعاً الصالة والسالم, فلنقتدِ بهم ولنسلك سبيلهم ولندرس سيرهم أولئك الذين هدى اهلل فبهداهم‬
                                                                                       ‫اقتده .‬
‫ثم اعلموا يا عباد اهلل أن اهلل عز وجل أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بمالئكته المسبحة بقدسه‬
   ‫وثلث بكم أيها المؤمنون فقال عز وجل: إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا‬
                                                                   ‫صلوا عليه وسلموا تسليماً .‬

‫(5/839)‬




                                                                                 ‫ميزان العقيدة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                         ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                               ‫القرآن والتفسير‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫جامع الفرقان‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫من دروس سورة الكهف تصحيح ميزان التفاضل بين الناس واألحاديث في تأكيد هذا المفهوم -‬
    ‫األمة التي ال تزن القيم واألشياء واألشخاص بميزان العقيدة مكانها التبعية ال الريادة استحقاق‬
 ‫األمة التي تتخلى عن سبيل عزتها وسر قوتها لعقاب اهلل – ضرورة التحرك بالعقيدة ومن خاللها‬
 ‫في كل األمور – مأساة المسلمين في بقاع كثيرة , وعدم إحساسنا بها – التمسك بالكتاب والسنة ,‬
                                                    ‫وتحقيق مفهوم العبادة الشامل أساس النصر‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
      ‫عباد اهلل: ذكرنا في خطبة مضت أن مما تعلمناه في سورة الكهف تصحيح القيم بميزان هذه‬
                                                          ‫ا‬
   ‫العقيدة فنرفع من كان رفيعً بالميزان العقدي ونخفض من كان وضيعاً ونعز من كان بمقتضى‬
                                                       ‫ال‬
  ‫عقيدتنا عزيزاً ونذل من كان ذلي ً واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون‬
  ‫وجهه وال تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا وال تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه‬
                                                                       ‫ا‬
 ‫وكان أمره فرطً وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وإذا جاءك الذين يؤمنون‬
                    ‫ء‬
   ‫بآياتنا فقل سالم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سو ً بجهالة ثم تاب من‬
 ‫بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل اآليات ولتستبين سبيل المجرمين فال تعجبك أموالهم‬
    ‫وال أوالدهم إنما يريد اهلل ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون , صح عنه‬
‫صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم: ((رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع باألبواب لو أقسم على اهلل‬
    ‫ألبره))(5)[5], وصح عنه صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم: ((يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم‬
  ‫القيامة ال يزن عند اهلل جناح بعوضة))(7)[7] أي بسبب كفره, وصح عنه صلى اهلل عليه وعلى‬
                           ‫ا‬
    ‫آله وسلم: ((لو كانت الدنيا تزن عند اهلل جناح بعوضة ما سقى كافرً منها شربة ماء))(3)[3],‬
‫وصح عنه صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم: ((إن اهلل ال ينظر إلى صوركم وال إلى أجسامكم ولكن‬
 ‫ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(1)[1], واآليات واألحاديث في كتاب اهلل وفي سنة رسوله صلى اهلل‬
    ‫عليه وعلى آله وسلم في هذا المعنى ال تكاد تحصى, وفي سورة الكهف يقول ربنا جل وعال:‬
  ‫المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أمالً وفيها يقول‬
 ‫اهلل جل وعال في خاتمتها قل هل ننبئكم باألخسرين أعماالً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم‬
                                                                 ‫ا‬
  ‫يحسبون أنهم يحسنون صنعً أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فال نقيم لهم‬
                                                                              ‫ا‬
  ‫يوم القيامة وزنً وإن األمة يا عباد اهلل التي ال تزن القيم واألشياء واألشخاص وال تقوم األحداث‬
   ‫بميزان العقيدة لهي أمة ال تستحق الصدارة والريادة ألهل األرض بل مكانها التبعية وموضعها‬
                                    ‫ا‬
    ‫الدون, إن اهلل تعالى نظر إلى أهل األرض فمقتهم جميعً عربهم وعجمهم إال بقايا ممن عضوا‬
‫بالنواجذ على كتاب ربهم واتبعوا سبيل المرسلين فلوال كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون‬
                                                               ‫ً‬
 ‫عن الفساد في األرض إال قليال ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين‬
    ‫وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون وإن أمة يا عباد اهلل تخلت عن سر عظمتها‬
  ‫وسبب فالحها ونجاحها والسبيل الوحيد لعزها لهي أمة لتستحق من اهلل العقوبة لوال وجود البقايا‬
               ‫ا‬
‫من الذين ينهون عن الفساد في األرض قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابً من فوقكم أو من‬
                                                       ‫ا‬
 ‫تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف اآليات لعلهم يفقهون‬
   ‫وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون , عباد اهلل إن‬
  ‫وجود العلة في البدن لهو أمر خطير وأخطر منه عدم إحساس المريض بعلته فهو يغدو ويروح‬
   ‫فرحاً مرحاً ال يدرى أن مرضه سيسلمه للموت عما قريب وإن األمة حين تفقد ميزانها الذي ال‬
  ‫يخطئ وإحساسها الذي ال يضل, أعنى ميزان العقيدة لتقوم به كل ما حولها, إنها حين تفقده تأتى‬
  ‫باألعاجيب فتضحك حين يجب البكاء وتهزل حين يجب الجد وتحب حين يجب البغض وتبغض‬
     ‫ا‬                                ‫ا‬           ‫ا‬            ‫ا‬
‫حين يجب الحب وتعد عدوً من كان صديقً, وتعد صديقً من هو في حقيقة األمر عدواً لدودً وتعد‬
                                                                                 ‫ا‬
‫نصرً ما هو في حقيقة األمر خذالن وتبعية وهكذا دواليك من الموازين المنكوسة حين تتخلى عن‬
                                                  ‫الميزان الثابت الذي ال يتأرجح ميزان العقيدة.‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فال يضل وال يشقى ومن‬
   ‫أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى‬
   ‫وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم‬
                                                   ‫يؤمن بآيات ربه ولعذاب اآلخرة أشد وأبقى .‬
 ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه, أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب‬
                                                               ‫فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل القائل: قل بفضل اهلل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون , والصالة والسالم‬
   ‫على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد اهلل صلى اهلل عليه وعلى آله أجمعين, وأشهد أن ال‬
   ‫إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه‬
                                                                              ‫ا‬     ‫ا‬
                                                                             ‫وسلم تسليمً كثيرً.‬
 ‫أما بعد فيا عباد اهلل إن الموازين في هذه األيام قد انتكست إال عند من رحم اهلل وقليل ما هم وإننا‬
       ‫ً‬     ‫ء‬
    ‫يا عباد اهلل يجب أن نرتبط بعقيدتنا كل االرتباط في حياتنا كلها ال نستثنى منها جز ً كبيرا أو‬
                                                                              ‫ً‬
   ‫صغيرا قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين ال شريك له وبذلك أمرت وأنا‬
‫أول المسلمين وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون وعلينا يا عباد اهلل أن ننطلق من عقيدتنا في كل‬
                                ‫ء‬
‫أمورنا وأن نكون مرتبطين بديننا وال يجوز أن نتصور أن جز ً صغيراً أو كبيراً من حياتنا يمكن‬
 ‫أن يتحلل من رباط العقيدة يا عباد اهلل, فعلينا أن نتوب إلى اهلل ونعود إليه ونرجع كل شئوننا إليه‬
  ‫فال نفرح في وقت يجب أن نحزن, على ما الفرح أ نفرح يا عباد اهلل على أخوان لنا يقتلون في‬
  ‫اليمن بسبب جرائم غيرهم وليس لهم من ذنب يقتلون عليه؟ أنفرح على الصبيان والنساء يقتلون‬
‫ويهجرون في الصومال بسبب الصراع على السلطة؟ أنفرح على أخوان لنا تهدم بيوتهم ومنازلهم‬
 ‫في أفغانستان وفي غيرها بسبب الصراع علي السلطة؟ أنفرح على المسلمين يشردون ويهجرون‬
‫ويحتضنهم النصارى أعداء اهلل عباد الصليب في البوسنة والهرسك وفي غيرها من بقاع األرض؟‬
                                       ‫ا‬
     ‫إن زماننا هذا حق علينا فيه أن نحزن حزناً عظيمً ونضج وال نهزل إنه لقول فصل وما هو‬
‫بالهزل, والكفار يكيدون لهذا الدين كيداً عظيماً وينظرون إلينا ونحن في ركابهم ونحن نسير ضمن‬
  ‫مخططهم, ينظرون إلينا ساخرين, إننا ال يمكن أن نسترد صدارتنا التي كنا عليها في قيادة األمم‬
    ‫كلها إال بالعودة إلى كتاب ربنا واتباع سنة نبينا صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم وعد اهلل الذين‬
   ‫آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم‬
                                          ‫ا‬
‫دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنً يعبدونني ال يشركون بي شيئاً فهل حققنا هذا‬
  ‫الشرط يا عباد اهلل, يعبدونني ال يشركون بي شيئاً , إن معنى العبادة معنى عظيم هي اسم جامع‬
  ‫لكل ما يحبه اهلل ويرضاه من األقوال واألعمال الظاهرة والباطنة, فإن حققنا ذلك فلنبشر يا عباد‬
                                                          ‫اهلل بالعز والتمكين والنصر والسؤدد.‬
                                                                              ‫__________‬
                                       ‫(5) صحيح مسلم ( 7767) ، سنن الترمذي ( 1183 ).‬
                                   ‫(7) صحيح البخاري ( 9721 ) ، صحيح مسلم ( 1827 ).‬
                                                                 ‫(3) سنن الترمذي ( 0737).‬
                                                                  ‫(1) صحيح مسلم( 1617 ).‬

‫(5/939)‬




                                                                ‫حال المسلم بين السعة والضيق‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫الزهد والورع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                 ‫مكة المكرمة‬
                                                                                 ‫جامع الفرقان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫حقيقة النعمة وعدم داللتها على محبة اهلل أو عدمها – استدراج الكفار بالنعم , وقصة قارون وما‬
      ‫فيها من عبرة – نظر األنبياء واألولياء إلى النعمة – اإليمان شرط قبول العمل حقارة الدنيا‬
                                                                               ‫وسرعة زوالها‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫عباد اهلل: قضية عظيمة ومسألة كبيرة طالما أسيء فهمها واحتج ببعض أدلتها على غير وجوهها.‬
  ‫تلكم القضية هي هل ما نحن فيه من هذه النعمة التي نتقلب فيها بالغدو واآلصال دليل على حب‬
                                                                                 ‫اهلل تعالى لنا؟‬
   ‫بهذا يقول كثير من الناس فيغترون بما هم فيه من التمكين من المال والبنين. أما أولياء اهلل فقد‬
                       ‫تنبهوا لذلك فلم يركنوا إلى ما فتح اهلل عليهم وعلموا أنه ابتالء واستدراج.‬
‫وقد ذم اهلل عز وجل اإلنسان المستدل بالنعمة على محبة اهلل له وإكرامه إياه والمستدل بسلبها على‬
‫إهانة اهلل له بقوله جل وعال: فأما اإلنسان إذا ما ابتاله ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما‬
    ‫إذا ما ابتاله فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن فيتسخط ويتذمر لما يعتقد من أن اهلل جل وعال‬
                                                                                           ‫أهانه.‬
                          ‫ا‬
  ‫ونعى جل وعال أقوام من المشركين قولهم: نحن أكثر أمواالً وأوالدً وما نحن بمعذبين ، أي إن‬
 ‫كان اهلل قد وسع علينا األرزاق من األموال واألوالد في هذه الدار فال يمكن أن يعذبنا في اآلخرة‬
                                 ‫ألنه ما وسع علينا في الدنيا إال لمحبته إيانا فال يمكن أن يعذبنا.‬
 ‫قال جل وعال: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر يقول رداً عليهم يوسع الرزق لمن يشاء‬
‫فال يخص رزقه المؤمنين وال يضيق رزقه على الكافرين، بل يعطي هؤالء وهؤالء ويمنع هؤالء‬
                 ‫ا‬                                                    ‫ال‬
‫وهؤالء: ك ً نمد هؤالء وهؤالء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورً ، قل إن ربي يبسط‬
                                          ‫الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس ال يعلمون .‬
       ‫وما أموالكم وال أوالدكم بالتي تقربكم عندنا زلفى يقول اهلل جل وعال ليس األموال واألوالد‬
  ‫وكثرتها دليالً على حبي لكم وقربكم مني، بل الدليل هو الطاعة واإليمان والعمل الصالح إال من‬
     ‫آمن وعمل صالحاً فذلك هو الدليل على المحبة فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في‬
        ‫الغرفات آمنون ، وقال جل وعال: أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في‬
                      ‫الخيرات بل ال يشعرون إنما هو استدراج لهم وليس دليالً على محبتنا لهم.‬
 ‫إنما يقول ذلك المشركون، كما قال قارون: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وأتيناه من‬
   ‫الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه ال تفرح إن اهلل ال يحب الفرحين‬
‫وابتغ فيما آتاك اهلل الدار اآلخرة وال تنسى نصيبك من الدنيا وال تبغي الفساد في األرض إن اهلل ال‬
 ‫يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أي إنما أعطاني اهلل هذا الخير الكثير ألن اهلل على‬
‫علم أني أستحقه وأهل له، وألنه يحبني، هذا على أصح قول المفسرين. أو لم يعلم أن اهلل قد أهلك‬
                                   ‫ا‬
 ‫من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر منه جمعً وال يسأل عن ذنوبهم المجرمون ، ذكر‬
          ‫ا‬      ‫ال‬            ‫ا‬
    ‫اهلل كالم أحد المشركين وقيل أنه الوليد ذرني ومن خلقت وحيدً وجعلت له ما ً ممدودً وبنين‬
     ‫ا‬                          ‫ا‬                                     ‫ا‬               ‫ا‬
     ‫شهودً ومهدت له تمهيدً ثم يطمع أن أزيد يظن أن اآلخرة له أيضً: كال إنه كان آلياتنا عنيدً‬
                              ‫ا‬                    ‫ا‬                         ‫ً‬
  ‫سأرهقه صعودا فلن أزيده في اآلخرة نعيمً، سنعذبه ونرهقه صعودً ذلك ألنه لم يقابل نعمة اهلل‬
     ‫بالشكران ولكن قابلها بالجحود والكفران واستدل بها على حب اهلل إياه مع تمرده على نظامه‬
                                                                                          ‫وأمره.‬
  ‫أما نبي اهلل سليمان، عليه وعلى نبينا السالم فحكى اهلل جل وعال قوله لما جاءه بالعرش لما رآه‬
 ‫مستقراً عنده لم يقل هذا من عظمتي وقوتي وبسط ملكي بل قال: قال هذا من فضل ربي ليبلوني‬
  ‫أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم . فلننظر عباد اهلل في‬
       ‫ح‬
 ‫أي الفريقين نحن، أفي فريق أهل الجنة، أم من الذين يقولون بسط النعم علينا دليل على ُب اهلل‬
                                                                      ‫ا‬       ‫ا‬
                                                                     ‫لنا فيزيدون بغيً وعدوانً.‬
    ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                      ‫الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                               ‫ا‬             ‫ا‬
                        ‫الحمد هلل حمدً كثيراً مباركً فيه والصالة والسالم على نبينه ومصطفاه.‬
‫أما بعد: فيا عباد اهلل قال اهلل في كتابه: من كان يريد حرث اآلخرة نزد له في حرثه أي من عمل‬
    ‫ا‬                                                                         ‫ً‬     ‫ال‬
   ‫عم ً صالحا زدنا له فيه وضاعفنا له حسناته وجعلنا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفً:‬
   ‫ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في اآلخرة من نصيب بسبب إعراضه عن حرث‬
                                                                ‫اآلخرة واشتغاله بحرث الدنيا.‬
  ‫واعلموا يا عباد اهلل أن ذلك ليس على إطالقه، بل قد يعمل اإلنسان لحرث الدنيا وال يؤت منها‬
‫كما بين ذلك ربنا جل وعال: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد أما من لم يرد‬
  ‫أن يعجل اهلل له الجزاء، فيكون ممن خسر الدنيا واآلخرة، ذلك هو الخسران المبين ثم جعلنا له‬
                                                                 ‫ا‬
‫جهنم يصالها مذمومً مدحوراً ومن أراد اآلخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم‬
                                                                               ‫ً‬
‫مشكورا فقوله جل وعال وهو مؤمن يدل على أنه من أراد اآلخرة وإن كان مخلصاً في إرادته إذا‬
  ‫كان على غير إيمان باهلل وبرسوله صلى اهلل عليه وسلم فعمله حابط باطل كمن يفعلون األعمال‬
‫الخيرية بغير إيمان بالرسول عليه الصالة والسالم، قال اهلل عز وجل وهو مؤمن . بل إن اهلل جل‬
 ‫وعال قال في كتابه فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا‬
   ‫أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد هلل رب العالمين فلو استدل‬
‫بهذه اآلية لكان أقرب ألن االستدالل بالنعم على أنها استدراج أقرب من االستدالل بها على محبة‬
                                                                           ‫اهلل جل وعال إيانا.‬
 ‫ومن ذلك قوله: فال تعجبك أموالهم وال أوالدهم إنما يريد اهلل ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق‬
  ‫أنفسهم وهم كافرون ، وقال في كتابه: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من‬
 ‫السماء واألرض فالبركة تكون حتى في الشيء القليل، فرب قليل بين يديك يطرح اهلل فيه البركة‬
  ‫ويمأل قلبك به قناعة، ورب ماليين تكون عند المرء ال يقنع بها ما لم يمأل اهلل قلبه من القناعة:‬
‫ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو أمن‬
                                               ‫أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون .‬
       ‫وقد صح عنه صلى اهلل عليه وسلم: ((أن اهلل ال ينظر إلى صوركم وأجسامكم, وفي رواية‬
                                 ‫وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) رواه مسلم(5)[5].‬
  ‫وكذلك يبين اهلل جل وعال حقارة الدنيا في سورة الزخرف ولوال أن يكون الناس أمة واحدة أي‬
              ‫ا‬                                            ‫ا‬
    ‫على الكفر فيكفرون جميعاً افتتانً بالنعيم لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفً من فضة أي‬
                     ‫ا‬
 ‫جعلنا أسقف بيوت الكفار من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابً وسرراً عليها يتكئون‬
  ‫أي من فضة، وزخرفاً أي من ذهب وكل ذلك لما متاع الحياة الدنيا واآلخرة عند ربك للمتقين .‬
                                                                  ‫ف‬
 ‫وقال جل وعال: ما عندكم ين ّذ وما عند اهلل باق فلنفقه أقوال اهلل جل وعال وآياته نسعد ونفلح في‬
                                                                                   ‫الدنيا واآلخرة.‬
    ‫ثم اعلموا يا عباد اهلل أن اهلل أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وبالمالئكة المسبحة بقدسه فقال: إن اهلل‬
                      ‫ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً .‬


                                                                                 ‫__________‬
                                                                      ‫(5) صحيح مسلم (1617).‬

‫(5/019)‬




                                                                                         ‫المنافقون‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫اإليمان‬
                                                                                  ‫نواقض اإليمان‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس‬
                                                                                     ‫مكة المكرمة‬
                                                                                    ‫جامع الفرقان‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
 ‫داء النفاق وخطورته على األمة وسبب ذلك , والتحذير منه – موقف النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫مع المنافقين – العاصم من حبائل المنافقين – فضح المنافقين وهتك أستارهم – صفات المنافقين‬
                                               ‫في القرآن – وجوب الحذر من االتصاف بصفاتهم‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
‫فيا عباد اهلل: داء خطير وبالء مستطير وشر خطير متى دب في أمة أماتها وأهلكها ما لم يتداركها‬
 ‫اهلل برحمته ذلكم هو داء النفاق الذي قال اهلل في المتصفين به: إن المنافقين في الدرك األسفل من‬
                                                                       ‫ا‬
 ‫النار ولن تجد لهم نصيرً ، وقال تعالى: إن اهلل جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً , وإنما‬
 ‫عظم خطره وكبر شره بسبب عظيم نكايته في األمة المسلمة فهو عليها أشد من عدوها الخارجي‬
   ‫ألن العدو الخارجي من الكفار صرحاء ال تنطلي حيلهم على السذج من الناس، بينما المنافقون‬
   ‫يغتر بكالمهم الكثير من العامة بل وبعض الخاصة، قال تعالى في صحابة رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وعلى آله وسلم: وفيكم سماعون لهم أي قد يصدق بعض ما يقولون وينخدع به، بل إن النبي‬
 ‫صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم كان يقبل منهم ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى اهلل فاستغلوا ذلك في‬
 ‫أذيته والوقيعة به وبدينه صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم: ويقولون هو أذن أي يصدق كل ما يقال‬
   ‫له ولذلك نفعل ما نشاء ثم نقول له من الكالم الذي يرضيه وينتهي األمر ولم يغيروا من أمرهم‬
                                                                                      ‫ا‬
‫شيئً، فأنزل اهلل فيهم: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، ولذلك فالعاصم من الوقوع في‬
   ‫حبائل المنافقين هو الصلة القوية بكتاب اهلل الذي هتك أستارهم: ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما‬
  ‫نزل اهلل سنطيعكم في بعض األمر واهلل يعلم إسرارهم فقد كانوا يقولون ألعداء اهلل سنطيعكم في‬
                                       ‫ا‬
   ‫بعض األمر أي ليس في كل األمر وإال لكانوا كفارً صرحاء فهم يطيعون رسول اهلل صلى اهلل‬
   ‫عليه وعلى آله وسلم في بعض األمر ويطيعون الذين كرهوا ما أنزل اهلل في بعض األمر، قال‬
‫تعالى: واهلل يعلم إسرارهم ، كما قال في اآلية األخرى عنهم: ويقولون طاعة أي يظهرون طاعتهم‬
‫لرسول اهلل صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم ماداموا عنده: فإذا برزوا من عندك (أي خرجوا والتقوا‬
  ‫بالذين كرهوا ما أنزل اهلل) بيت طائفة منهم غير الذي تقول أي يضمرون تنفيذ غير ما قالوه لك‬
  ‫وغير ما التزموا لك به من الطاعة, قال تعالى: واهلل يكتب ما يبيتون أي يعلم إسرارهم حيث ال‬
                        ‫ً‬
    ‫تخفى عليه منهم خافية, فأعرض عنهم وتوكل على اهلل وكفى باهلل وكيال أي ال تنخدع بكالمهم‬
 ‫ووعودهم وكن مفوضاً أمرك إلى ربك وسيكفيك أمرك كله. ثم هددهم جل وعال بقوله: أم حسب‬
         ‫الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج اهلل أضغانهم ولو نشاء ألريناكهم فلعرفتهم بسيماهم‬
‫ولتعرفنهم في لحن القول واهلل يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم الصابرين منكم والمجاهدين ونبلوا‬
    ‫أخباركم , قال ابن كثير رحمة اهلل عليه في تفسير هذه اآليات يقول تعالى: أم حسب الذين في‬
       ‫قلوبهم مرض أن لن يخرج اهلل أضغانهم أي أيعتقد المنافقون أن اهلل ال يكشف أمرهم لعباده‬
   ‫المؤمنين بل سيوضح أمرهم حتى يفهمهم ذوو البصائر وقد أنزل اهلل في ذلك سورة براءة فبين‬
      ‫فيها فضائحهم وما يعتمدونه من األفعال الدالة على نفاقهم ولذلك كانت تسمى الفاضحة، قال‬
 ‫واألضغان جمع ضغن وهو ما في النفس من الحسد والحقد لإلسالم والقائمين على نصره, وقوله‬
   ‫تعالى: ولو نشاء ألريناكهم فلعرفتهم بسيماهم يقول تعالى ولو نشاء يا محمد ألريناك أشخاصهم‬
    ‫فعرفتهم عيانً، ولكن لم يرض يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترً منه على خلقه وحم ً‬
    ‫ال‬                 ‫ا‬                                     ‫َ‬            ‫ا‬
 ‫لألمور على ظاهر السالمة ورداً للسرائر إلى عالمها, ولتعرفنهم في لحن القول أي فيما يبدو من‬
   ‫كالمهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كالمه وفحواه وهو المراد‬
   ‫من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اهلل عنه: (ما أسر أحد سريرة إال‬
   ‫أبداها اهلل على صفحات وجهه وفلتات لسانه)، وفي الحديث: ((ما أسر أحد سريرة إال كساه اهلل‬
                                                                        ‫ا‬
                             ‫جلبابها إن خير فخيرً وإن شراً فشر))(5)[5], انتهى كالم ابن كثير.‬
    ‫اللهم استرنا وال تفضحنا. اللهم إنا نعوذ بك من النفاق كله جميعه وقليله. اللهم إنا نسألك العلم‬
                                                                           ‫النافع والعمل الصالح.‬
                                            ‫ا‬     ‫ً‬      ‫ا‬
  ‫اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعً ولسانا ذاكرً. اللهم إنا نعوذ بك من علم ال ينفع ومن قلب‬
                                                 ‫ال يخشع ومن عين ال تدمع ومن دعوة ال تسمع.‬
     ‫أقول قولي هذا واستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور‬
                                                                                          ‫الرحيم.‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
      ‫ا‬     ‫ا‬
     ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صلى وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمً كثيرً.‬
                                           ‫ال‬
      ‫أما بعد: فيا عباد اهلل إن اهلل جل وعال لم يتركنا هم ً بل بين لنا في هذا األمر الجليل ما به‬
       ‫تنكشف عنا الغمة وقد تولى اهلل جل وعال ذكر جميع صفات المنافقين في كتابه ولذلك كان‬
   ‫الصحابة يسمون سورة براءة التي فضح اهلل بها المنافقين يسمونها الفاضحة المدمدمة المقشقشة‬
    ‫المخزية إلى غير ذلك من األسماء التي تجاوزت عشرة أسماء وكلها في المنافقين، وأنزل اهلل‬
    ‫آيات كثيرة في كتابه منها آيات سورة المنافقين التي فضحت أسرارهم ومنها ما جاء أيضاً في‬
                       ‫ا‬
 ‫سورة النساء وال نستطيع حصر صفات المنافقين كلها ولكننا نذكر طرفً منها حتى يتبصر المسلم‬
   ‫ويحذر أن ينطبق عليه شيء من أوصافهم، فمن ذلك ما جاء في سورة المنافقين التي أنزلها اهلل‬
   ‫عز وجل في شأن عبد اهلل بن أبي الكافر الذي كان رأس حربة علي رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
       ‫وسلم ومع ذلك كان يصلى الجمعة خلف رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ثم يقوم بعد صالة‬
‫الجمعة ليعظ الناس ويذكرهم ويقول لهم دونكم رسول اهلل صلى اهلل وسلم فتابعوه والتزموا بأوامره‬
‫فوالذي ال إله إال هو إنه لرسول اهلل حقاً هكذا كان يقول عبد اهلل بن أبي كما ذكره بعض المفسرين‬
                                ‫ا‬
  ‫في سورة المنافقين، ويحلف باهلل إن رسول اهلل لهو رسول حقً بل ويعظ الناس ويأمرهم باتباعه‬
‫وهو من حطب جهنم وهو رأس المنافقين، ولذلك قال اهلل عز وجل في فضحه اتخذوا أيمانهم جنة‬
    ‫فصدوا عن سبيل اهلل يقول ابن كثير في تفسيرها أي اتقوا الناس باأليمان الكاذبة ليصدقوا فيما‬
  ‫يقولون فاغتر بهم من لم يعرف جلية أمرهم فاعتقدوا أنهم مسلمون فربما اقتدى بهم فيما يفعلون‬
       ‫ال‬
  ‫وصدقهم فيما يقولون وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن ال يألون اإلسالم وأهله خبا ً فحصل‬
     ‫بهذا القدر ضرر كثير على الناس, ولهذا قال تعالى: فصدوا عن سبيل اهلل إنهم ساء ما كانوا‬
                                                                                     ‫يعملون .‬
‫و من صفاتهم ما ذكره جل وعال في السورة نفسها بقوله: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا‬
     ‫تسمع لقولهم يقول ابن كثير في تفسيرها أي وكانوا أشكاالً حسنة وذوي فصاحة وألسنة وإذا‬
‫سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لفصاحتهم وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجبن‬
‫, ولهذا قال تعالى: يحسبون كل صيحة عليهم أي كلما وقع أمر أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل‬
‫بهم، كما قال تعالى: أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى‬
  ‫عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط‬
  ‫اهلل أعمالهم وكان ذلك على اهلل يسيراً فهم صور بال معاني ولهذا قال تعالى: هم العدو فاحذرهم‬
           ‫ا‬
  ‫قاتلهم اهلل أنى يؤفكون أي كيف يصرفون من الهدى إلى الضالل، وصفاتهم كثيرة جدً ومنها ما‬
   ‫ذكره اهلل جل وعال في سورة النور بقوله: ويقولون آمنا باهلل وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق‬
    ‫منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى اهلل ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم‬
     ‫معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن‬
‫يحيف اهلل عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون . وذكر بعض صفاتهم في النساء بقوله: وإذا قيل‬
                  ‫ً‬
 ‫لهم تعالوا إلى ما أنزل اهلل وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم‬
‫مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون باهلل إن أردنا إال إحساناً وتوفيقاً , واآليات في وصفهم‬
                                   ‫ا‬
  ‫كثيرة فلنتقِ اهلل يا عباد اهلل أن نقع في شيء منها فإن كثيرً من الناس تجده يأمر ولده بأمور بل‬
              ‫ال‬
     ‫وربما زجره عن بعض األشياء السيئة وتجده يخالف ما يقول، فبعض الناس مث ً يعظم شأن‬
       ‫ال‬
    ‫العلماء في عيني ولده ويبين لولده فتاوى العلماء في تحريم الدخان ثم تجده هو يشربه مث ً أو‬
     ‫يخالف فتاواهم في أمور أخرى. فلنتق اهلل يا عباد اهلل ولنكن مطيعين لكالم اهلل وكالم رسوله‬
                                                       ‫ولنحذر أن نتشبه بالمنافقين في صفاتهم.‬
                                                                              ‫__________‬
                                                         ‫(5) المعجم الكبير للطبراني (7025).‬

‫(5/519)‬




                                                                      ‫المنجيات في يوم القيامة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                               ‫فضائل األعمال‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                            ‫بريدة‬
                                                                                      ‫6/7/0715‬
                                                                                   ‫جامع الجردان‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
‫5- شيء من أهوال يوم القيامة وذِكر بعض أسماء هذا اليوم 7- حشر الخالئق يوم القيامة وحال‬
        ‫م‬                    ‫ي‬
‫الناس في ذلك اليوم وطلبِهم لمن يشفع لهم عند رب العالمين ل َقضي بينهم 3- بعض ال ُنجيات من‬
                                                                                 ‫أهوال ذلك اليوم‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
  ‫عباد اهلل فاتقوا اهلل حق تقاته واخشوا يوماً ال يجزي والد عن ولده وال مولود هو جاز عن والده‬
‫شيئاً إن وعد اهلل حق فال تغرنكم الحياة الدنيا وال يغرنكم باهلل الغرور، يا أيها الناس اتقوا ربكم إن‬
‫زلزلة الساعة شيئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها‬
      ‫وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب اهلل شديد أيها المسلمون غداً يهرع األوالد‬
  ‫مبكرين خائفين ألداء اإلختبارات مستعدين ومعتنين بهذه المهمة الكبيرة التي ألجلها بذلوا السهر‬
  ‫والعناء والكد والتردد على المدرسة طوال العام الدراسي وبذل األهل ألبنائهم كل ما يستطيعون‬
  ‫إلعداد الولد والحرص عليه وهيؤه لإلختبارات لتحقيق النجاح وهذا عمل طيب وجهود مشكورة‬
   ‫إن شاء اهلل إذا صلحت النية وصارت العناية باألوالد ليست خاصة في أمر الدراسة فحسب بل‬
      ‫استشعر األبوان تربية أبنائهم تربية صالحة على األخالق الحسنة والمحافظة على حقوق اهلل‬
  ‫ورسوله والبعد عن سيئ األعمال واألقوال وجلساء السوء ألن اهلل عز وجل سائل كل راع عما‬
‫استرعاه حفظ أم ضيع وقال النبي : ((ما من عبد يسترعيه اهلل رعية يموت يوم يموت وهو غاش‬
    ‫لرعيته إال حرم اهلل عليه الجنة)) خ، أيها اإلخوة وأمام الجموع المحتشدة غداً التي ستكرم عند‬
     ‫اإلمتحان أو تهان لنا وقفة اعتبار وادكار ولنا موقف محاسبة مع النفس عن اليوم العظيم يوم‬
     ‫القيامة الشديد وأهواله وشدائده وكرباته الذي أكثر اهلل من ذكره ونوع من أسمائه لعظيم شأنه‬
          ‫ا‬
  ‫وطول وقوفه الذي فيه سيصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرً يره ومن‬
                                                                         ‫ا‬
  ‫يعمل مثقال ذرة شرً يره ثم يصير الناس بعده إما إلى الجنة أو إلى النار يوم نحشر المتقين إلى‬
                                               ‫ا‬
‫الرحمن وفود ونسوق المجرمين إلى جهنم وردً، يوم الوقوف بين يدي اهلل وأنذرهم يوم اآلزفة إذ‬
 ‫القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم وال شفيع يطاع يعلم خائنة األعين وما تخفي‬
 ‫الصدور فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم‬
   ‫يومئذ شأن يغنيه قال النبي : ((من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقر إذا الشمس كورت، وإذا‬
 ‫السماء انفطرت وإذا السماء انشقت)) وإنشقاق السماء هو إنفطارها وتناثر نجومها وتكور الشمس‬
  ‫أن تجمع ثم يمحى ضوؤها ثم يرمى بها وإذا الجبال سيرت أي حولت من الحجارة لتكون كثيبً‬
  ‫ا‬
                                                                   ‫ا‬
‫مهيالً كالعهن وتكون سرابً وإذا العشار عطلت اإلبل الحوامل يعطلها أهلها فال يحلبونها ألنهم إذا‬
    ‫قاموا من قبورهم رأوا الوحوش والدواب محشورة لم يهتموا بها ألنهم مشغولون بأنفسهم وإذا‬
                                                  ‫ا‬
‫البحار سجرت أي أوقدت وصارت نارً وإذا النفوس زوجت أي تلحق كل شيعة بشيعتها وأتباعها‬
   ‫ا‬
   ‫فيتبع اليهود باليهود والنصارى بالنصارى والمجوس بالمجوس وكل من يعبد من دون اهلل شيئً‬
     ‫يلحق ببعضهم البعض والمنافقون بالمنافقين والمؤمنون بالمؤمنين، ويقرن الغاوي بمن أغواه‬
   ‫ويقرن المؤمنون بالحور العين والكافرون بالشياطين وإذا الصحف نشرت للحساب وإذا الجحيم‬
                             ‫سعرت أي أوقدت وإذا الجنة أزلفت أي قربت ألهلها ودنت إليهم.‬
                              ‫وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت ……لفتى على طول البالد جسور‬
                                   ‫وإذا الجنين بأمه متعلق ……يخشى القصاص وقلبه مذعور‬
                               ‫هذا بال ذنب يخاف جناية ……كيف المصر على الذنوب دهور‬
                                 ‫وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ……فلها على أهل الذنوب زفير‬
‫يوم القيامة يوم الصاخة والقارعة والطامة يوم الزلزلة واآلزفة والحاقة يوم يخرجون من األجداث‬
   ‫سراعاً يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم الكرب واألهوال يوم الشدائد واألعمال يوم يقول كل‬
‫واحد: نفسي نفسي قال المحاسبي رحمه اهلل: حتى إذ تكاملت عودة الموتى وخلت األرض والسماء‬
 ‫من سكانها لم يفجأ روحك إال نداء المنادي لكل الخالئق للعرض على اهلل بعظمته وجالله فتسمع‬
                                               ‫ا‬
  ‫بانفراج األرض على رأسك فوثبت مغبرً من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك شاخصاً ببصرك إلى‬
   ‫النداء وجميع الخالئق معك مغبرون من غبار األرض فتصور نفسك ومذلتك وانفرادك بخوفك‬
     ‫وأحزانك وهمومك في زحمة الخالئق عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة‬
‫والرهبة وقد نزع الملك من ملوك األرض ولزمتهم الذلة والصغار ثم أقبلت الوحوش من البراري‬
‫وذرى الجبال منكسة رؤسها لذل يوم القيامة وأقبلت السباع بعد ضراوتها منكسة رؤسها ذليلة يوم‬
 ‫القيامة وأقبلت الشياطين بعد تمردها خاشعة لذل العرض على اهلل سبحانه الذي جمعهم بعد طول‬
                                             ‫ً‬
 ‫البالء واختالف الطبائع فإذا استووا جميعا في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من‬
  ‫فوقهم وطمست الشمس والقمر وأظلمت األرض بخمود سراجها وإطفاء نورها ثم انشقت السماء‬
      ‫وبغلظها البالغ خمسمائة عام ثم تمزقت وانفطرت والمالئكة قيام على أرجائها حافون بها ثم‬
‫كسيت الشمس بحر عشر سنين وأدنيت من رؤوس الخالئق على مقدار ميل وال ظل ألحد إال ظل‬
  ‫عرش رب العالمين ثم ازدحمت األمم وتدافعت وتضايقت فاختلفت األقدام وانقطعت األعناق من‬
  ‫العطش ففاض العرق منهم سائالً على وجه األرض ثم على األبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم‬
  ‫عند اهلل بالسعادة والشقاوة فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه ومنهم إلى حقويه ومنهم إلى شحمة‬
                                                         ‫ً‬
    ‫أذنيه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما قال الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا هلل على أقدامهم خمسين‬
‫ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش واحترقت‬
    ‫أجوافهم من الجوع صرفوا إلى النار فسقوا من عين آنية قد اشتد حرها واشتد لفحها فلما بلغ‬
                                        ‫ً‬
‫المجهود منهم ما الطاقة لهم به كلم بعضهم بعضا في طلب من يكرم على مواله أن يشفع لهم في‬
‫الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو النار من وقوفهم ففزعوا إلى آدم ونوح ثم إلى‬
   ‫ابراهيم وموسى وعيسى عليهم الصالة والسالم وكلهم يقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم‬
     ‫يغضب قبله مثله وال يغضب بعده مثله، وكلهم يقول: نفسي نفسي حتى إذا يئس الخالئق من‬
    ‫شفاعتهم أتوا إلى النبي محمد فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها ثم قام إلى ربه عز وجل‬
 ‫واستأذن عليه فأذن له ثم خر لربه ساجداً ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله حتى‬
 ‫أجابه ربه عز وجل إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم لفصل القضاء بينهم، أعوذ باهلل من‬
 ‫الشيطان الرجيم: وجاء ربك والملك صفاً صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر اإلنسان وأنى له‬
  ‫الذكرى ، يوم يتذكر اإلنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا‬
 ‫فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى .‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
   ‫الحمد هلل العفو الكريم الرحمن الرحيم مالك يوم الدين جعل الحياة الدنيا داراً لإلبتالء واإلختبار‬
       ‫وداراً للعمل واالتعاظ واإلنتفاع بشرعه وجعل اآلخرة دارين داراً ألهل كرامته وقربه دار‬
                                                          ‫ً‬
   ‫المكرمين األتقياء األبرار ودارا ألهل غضبه وسخطه دار الجحيم للكفار والفجار الذين تكبروا‬
‫وفجروا وأغرتهم شهواتهم وقرناؤهم فقادوهم إلى النار وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
                                       ‫ا‬
    ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أيها اإلخوة سمعنا شيئً عن خبر اليوم العظيم يوم المعاد يوم‬
‫يجمع اهلل الرسل والخالئق ليقضي اهلل سبحانه بينهم بالحق والعدل يوم تجد كل نفس ما عملت من‬
                             ‫ا‬
‫خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدً ويحذركم اهلل نفسه واهلل رؤوف‬
                                                             ‫ا‬
   ‫بالعباد، وإليكم أيها اإلخوة شيئً من األعمال الصالحة التي تكون سبباً في النجاة من أهوال ذلك‬
‫اليوم العظيم وسبباً في الفوز برضوان اهلل وجنته والنجاة من غضبه وناره فمن ذلك تفريج الكرب‬
    ‫عن المكروبين قال النبي : ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج اهلل عنه كربة من‬
‫كرب يوم القيامة)) م، ومن األعمال بر الوالدين قال النبي في حديث الرؤيا: ((إني رأيت البارحة‬
                                                                                 ‫ا‬
  ‫عجبً، رأيت رجالً من أمتي جاء ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد عنه)) ومنها‬
  ‫ذكر اهلل ((ورأيت رجالً من أمتي قد احتوشته الشياطين وأحاطوا به فجاءه ذكر اهلل مخلصه من‬
                                                        ‫ال‬
‫بينهم)) ومنها الصالة ((رأيت رج ً من أمتي قد احتوشته مالئكة العذاب فجاءته صالته فاستنقذته‬
                       ‫ا‬                  ‫ال‬
 ‫من أيديهم)) ومنها االغتسال من الجنابة ((رأيت رج ً والنبيون قعود حلقً حلقا كلما دنا من حلقة‬
    ‫ال‬
 ‫طردوه فجاء اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده بجنبي)) ومنها صلة الرحم ((ورأيت رج ً من‬
‫أمتي يكلم المؤمنين فال يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه فكلموه)) ومن‬
                                                        ‫ال‬
‫األعمال الصدقة ((ورأيت رج ً من أمتي يتقي شرر النار ووهجها بيده عن وجهه فجاءته صدقته‬
  ‫ا‬
  ‫فصارت ستراً على وجهه وظالً على رأسه)) ومنها حسن الخلق ((ورأيت رجالً من أمتي جاثيً‬
  ‫على ركبتيه بينه وبين اهلل حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله اهلل)) ومنها الخوف من اهلل‬
                                                                       ‫ال‬
‫((ورأيت رج ً من أمتي قد هوت صحيفة من قبل شماله فجاءه خوفه من اهلل تعالى فأخذ صحيفته‬
                                     ‫ال‬
  ‫فجعلها في يمينه)) ومنها موت األطفال ((ورأيت رج ً من أمتي قد خف ميزانه فجاءته أفراطه‬
                                   ‫ال‬
 ‫فثقلوا ميزانه)) ومنها البكاء من خشية اهلل ((ورأيت رج ً من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه‬
   ‫ال‬
   ‫التي بكى من خشية اهلل في الدنيا فاستخرجته من النار)) ومنها حسن الظن باهلل ((ورأيت رج ً‬
 ‫من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه باهلل فسكن رعده ومضى))‬
      ‫ومنها الصالة على النبي ((ورأيت رج ً من أمتي على الصراط يزحف أحياناً ويحبو أحيانً‬
      ‫ا‬                                            ‫ال‬
  ‫فجاءته صالته علي فأخذت بيده ومضى على الصراط)) ومنها شهادة أن ال إله إال اهلل ((ورأيت‬
                                                                                       ‫ال‬
‫رج ً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت األبواب دونه فجاءته شهادة أن ال إله إال اهلل ففتحت‬
                ‫ال‬
     ‫له األبواب وأدخلته)) ومنها األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ((ورأيت رج ً من أمتي قد‬
‫أخذته الزبانية (مالئكة العذاب) من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من‬
    ‫أيديهم وأدخله مع مالئكة الرحمة)) ومنها التجاوز عن المعسر وإنظاره قال النبي : ((حوسب‬
         ‫ً‬
    ‫رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إال أنه كان يخالط الناس وكان موسرا فكان‬
    ‫يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال: قال اهلل عز وجل: أنا أحق بذلك منه تجاوزوا عن‬
 ‫عبدي)) رواه مسلم ومن األعمال عمل السبعة الذين يظلهم اهلل تحت ظله يوم ال ظل إال ظله وهم‬
     ‫((اإلمام العادل وشاب نشأ في عبادة اهلل ورجل قلبه معلق في المساجد ورجالن تحابا في اهلل‬
     ‫اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اهلل ورجل‬
                  ‫ً‬
 ‫تصدق بصدقة فأخفاها حتى ال تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر اهلل خاليا ففاضت عيناه)) م،‬
    ‫ا‬
    ‫ومن األعمال إشباع الجائع وكسوة العريان وإيواء المسافر قال رسول اهلل : ((من أشبع جائعً‬
                                                                                 ‫ا‬
     ‫وكسا عريانً وآوى مسافراً أعاذه اهلل من أهوال يوم القيامة)) أيها اإلخوة وبالجملة فكل عمل‬
                                           ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫صالح شرعه اهلل ورسوله يفعله المسلم صادقً مخلصً يبتغي به وجه اهلل ال يريد بذلك رياء وال‬
                                                                   ‫ا‬        ‫ال‬
  ‫سمعة وال ما ً وال جاهً وال منزلة عند الناس فإن هذا العمل هو سبب يرجو به العبد النجاة من‬
 ‫النار وأهوال يوم القيامة ويرجوا رحمة ربه وجنته قال تعالى: إنا ال نضيع أجر من أحسن عم ً‬
 ‫ال‬
                   ‫ال‬
    ‫وقال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نز ً خالدين فيها ال‬
      ‫يبغون عنها حوالً أيها اإلخوة فالبدار البدار قبل الممات والحساب الحساب قبل يوم الحساب‬
                      ‫ا‬
‫والزرع الزرع قبل يوم الحصاد يوم تجزى كل نفس ما كسبت واتقوا يومً ترجعون فيه إلى اهلل .‬
‫(5/719)‬




                                                                   ‫األمر باإلحسان إلى الخلق‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫أخالق عامة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                       ‫بريدة‬
                                                                                 ‫9/1/1515‬
                                                                              ‫جامع الجردان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- اإلحسان ثالثة أنواع وبيانها 7- اإلحسان إلى الخلق وفضله وأثره على المجتمع 3- كيف‬
                                                                  ‫يكون اإلحسان إلى الخلق ؟‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل: اتقوا اهلل جل جالله وتقدست أسماؤه وخافوه وراقبوه وسارعوا إلى بذل اإلحسان ابتغاء‬
  ‫مرضاته لتنالوا الثواب العظيم واألجر الكبير واعلموا أن اهلل يحب المحسنين وأنه مع المحسنين‬
  ‫وأنه يجزي المحسن باإلحسان إليه ويجزي المحسنين بالحسنى قال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى‬
   ‫وزيادة وال يرهق وجوههم قتر وال ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، وأنه سبحانه ال‬
                                                ‫ال‬
    ‫يضيع أجر المحسنين وال أجر من أحسن عم ً، واإلحسان أيها المسلمون ثالثة أنواع، األول:‬
 ‫إحسان العمل وهو إتقانه وإتمامه، والثاني: اإلحسان فيما بين العبد وبين ربه في عبادته إياه وهو‬
    ‫أعلى مراتب الدين وقد فسره النبي بأن تعبد اهلل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومعنى‬
‫ذلك أن العبد يعبد اهلل تعالى على استحضار قربه منه وأنه بين يديه كأنه يراه وذلك يوجب الخشية‬
‫والتعظيم ويوجب النصح في العبادة وإحسانها، الثالث: اإلحسان إلى الغير وهو بمعنى اإلنعام عليه‬
‫وهذا هو موضوع الخطبة اليوم، فلقد أمر اهلل باإلحسان إلى الخلق تارة أمر وجوب كاإلحسان إلى‬
 ‫الوالدين واألقارب بمقدار ما يحصل البر والصلة واإلحسان إلى الجار والضيف وملك اليمين قال‬
                                                                  ‫ا‬
      ‫تعالى: وبالوالدين إحسانً وبذي القربى واليتمى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب‬
  ‫والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم وتارة أخرى أمر اهلل باإلحسان إلى الخلق أمر‬
 ‫استحباب وندب فإن بذل المعروف وتقديم البر والخير إلى الناس هو صفة أصحاب القلوب الحية‬
       ‫الرحيمة التي تتجاوب مع حاجات المسلمين وتعيش همومهم وتقلق لمصابهم، إن الذي يقدم‬
‫اإلحسان إلى إخوانه ويسعى في قضاء حوائجهم وتفريج كروبهم وتنفيس ضوائقهم هو ذلك الرجل‬
 ‫الشهم األبي الذي ال يعيش لنفسه فقط وال يحقق مصالحه فقط وهو بهذا البذل والجود واإلخالص‬
                             ‫ال‬                      ‫ا‬         ‫ء‬
     ‫والتفاني ال يريد من أحد جزا ً وال شكورً وال يريد مدحاً وال ما ً وال منزلة في قلوب الناس‬
 ‫ولكنه يريد الثواب من اهلل ويريد موعود اهلل ويريد محبة اهلل ومعيته، إن اهلل مع الذين اتقو والذين‬
      ‫هم محسنون، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره يريد المحسن تفريج كرباته يوم القيامة، ويريد‬
‫الفالح والفوز بالجنة ويريد الخيرية في الدنيا واآلخرة ألن خير الناس أنفعهم للناس، وافعلوا الخير‬
‫لعلكم تفلحون عن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: قال رسول اهلل : ((المسلم أخو المسلم ال يظلمه‬
‫وال يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان اهلل في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج اهلل عنه بها‬
  ‫كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره اهلل يوم القيامة)) متفق عليه، وعن أبي هريرة‬
  ‫رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((ومن يسر على معسر يسر اهلل عليه في الدنيا واآلخرة ومن ستر‬
     ‫مسلماً ستره اهلل في الدنيا واآلخرة واهلل في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه))مسلم، أيها‬
  ‫المسلمون إن اإلحسان إلى الخلق أمر واسع األبواب وقربة إلى اهلل من أعظم القربات فهو يقوي‬
 ‫روابط المسلمين ويشعرهم بالوحدة والمحبة والحنان والصلة ويبني روابط األخوة ويزيل ضغائن‬
      ‫القلوب ويقوي صفاءها فتنشرح النفوس ويشعر المنصور والمظلوم والفقير وصاحب الحاجة‬
                               ‫ال‬
 ‫والكربة والضائقة يشعر أنه ليس غريباً بين إخوانه وال مهم ً بين المسلمين وأن مصابه مصابهم‬
    ‫وقضيته تعنيهم فعند ذلك تتحقق األخوة في اإلسالم وتزداد الرحمة بين الناس واإلحسان يكون‬
        ‫بالكلمة الطيبة قال تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ويكون بتقديم الخدمة وقضاء‬
   ‫الحاجة، عن أبي موسى عن النبي قال: ((على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل‬
‫بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يستطيع أو لم يفعل؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا:‬
    ‫فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالمعروف، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر فإنه صدقة))‬
‫خ،م ويكون اإلحسان بالصدقة، فعن عدي بن حاتم رضي اهلل عنه قال: ذكر النبي النار فتعوذ منها‬
‫وأشاح بوجه ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه قال شعبة: أما مرتين فال أشك ثم قال: ((اتقوا‬
 ‫النار ولو بشق تمرة فإن لم يكن فبكلمة طيبة))خ، ويكون اإلحسان بالرفق والمعاملة الحسنة ولين‬
 ‫الكالم وخفض الجناح عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: ((دخل رهط من اليهود على رسول‬
‫اهلل فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، فقالت: فقال رسول اهلل:‬
                                                                                        ‫ال‬
    ‫مه ً يا عائشة إن اهلل يحب الرفق في األمر كله فقلت: يا رسول اهلل أو لم تسمع ما قالوا؟ قال‬
    ‫رسول اهلل: قد قلت وعليكم))خ، وعنها رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل : ((إن اهلل رفيق‬
  ‫يحب الرفق ويعطي على الرفق ما ال يعطي على العنف)) مسلم، وله عنها: ((أن الرفق اليكون‬
     ‫في شيء إال زانه وال ينزع من شيء إال شانه))، وقال عبد اهلل بن عمرو لم يكن رسول اهلل‬
                              ‫ا‬                                        ‫ا‬          ‫ا‬
 ‫فاحشً وال متفحشً وإنه كان يقول: ((إن خياركم أحسنكم أخالقً))خ، ومن اإلحسان إلى المسلمين‬
  ‫التعاون فيما بينهم على الحق فعن أبي موسى عن النبي : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه‬
                                                                                 ‫ا‬
‫بعضً ثم شبك بين أصابعه)) خ، ومن اإلحسان الشفاعة ألخيك المسلم قال تعالى: من يشفع شفاعة‬
     ‫حسنة يكن له نصيب منها وعن أبي موسى عن النبي : ((إنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب‬
      ‫الحاجة قال: اشفعو فلتؤجروا وليقض اهلل على لسان رسوله ما شاء)) ويكون اإلحسان كذلك‬
                                   ‫ا‬         ‫ا‬
‫بالنصرة والمؤازرة قال : ((انصر أخاك ظالمً أو مظلومً)) ويكون اإلحسان بحسن العهد والوفاء‬
‫والمروءة وحفظ السر والصبر على األذى واحتمال الزلة وصيانة اللسان عما يكره أخوك وإدخال‬
     ‫السرور على قلبه وإبعاد ما يسؤه، أيها المسلم امسح دموع اليتيم واعطف على المسكين وقم‬
 ‫بحاجة أخيك وفرج هم المهموم ونفس كرب المكروب واعلم أن من يقدم الخير يحصد الخير في‬
        ‫الدنيا واآلخرة، عن صفوان بن سليم يرفعه إلى النبي : ((الساعي على األرملة والمسكين‬
     ‫كالمجاهد في سبيل اهلل أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)) خ، وقال : ((أنا وكافل اليتيم في‬
    ‫الجنة هكذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى)) خ، إن الرحمة ال تنزع إال من شقي وإن رحمة‬
    ‫المسلم إلخوانه وإطالة فكره وهمه في مصائبهم تدل على رحمته وصفاء قلبه وسالمته، قال :‬
 ‫ا‬
 ‫((من ال يرحم ال يرحم))خ، وعن أنس رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((ما من مسلم غرس غرسً‬
     ‫فأكل منه إنسان أو دابة إال كان له صدقة)) خ، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول اهلل :‬
‫((مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر‬
‫الجسد بالسهر والحمى)) خ، اللهم اجعلنا من المحسنين المتراحمين المتعاطفين الذي يقدمون الخير‬
   ‫للناس ويؤثرون على أنفسهم، اللهم تقبل منا ياحي ياقيوم واجعل أقوالنا وأعمالنا ونياتنا خالصة‬
                                          ‫لوجهك الكريم، يا رؤوف يا رحيم يا غفور يا شكور.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل على توفيقه وامتنانه والشكر على نعمه وإحسانه الذي يحب المحسنين ويرحمهم فهو‬
             ‫ا‬
   ‫سبحانه رحيم يحب الرحماء ومحسن يحب المحسنين، عباد اهلل لقد كان بينكم محسنً يجود غاية‬
    ‫الجود بنفسه وماله ووقته يبذل ما يحتاج إليه الناس مؤثراً لهم على نفسه فلقد كان أجود الناس‬
    ‫يعطف على الفقير ويواسي المحتاج ويرحم الصغير ويوقر الكبير ويدل الضال على الصراط‬
                                                   ‫ا‬
  ‫المستقيم، ولقد كان نبي اهلل موسى محسنً من المحسنين حين سعى للمرأتين الضعيفتين اللتين ال‬
 ‫تستطيعان سقيا حتى ينتهي الناس فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال: رب إني لما أنزلت إلي من‬
                                ‫ا‬
‫خير فقير ولقد كان نبي اهلل يوسف عليه الصالة والسالم محسنً وكريم الطبع نبيل الخلق ذا مروءة‬
     ‫عظيمة فلقد فعل فيه إخوته ما فعلوا وعمي أبوه يعقوب عليه السالم من شدة المصيبة ولوعة‬
  ‫الفراق وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ثم يأتي إليه إخوته معترفين بذنبهم وجنايتهم قائلين:‬
  ‫تاهلل لقد آثرك اهلل علينا وإن كنا لخاطئين فرد عليهم بعد كل الذي جرى قائالً لهم وصافحاً عنهم‬
‫بلسانه الصادق وقلبه الكبير الممتلئ محبة وإحساناً وطهارة وسالمة ال تثريب عليكم اليوم يغفر اهلل‬
     ‫لكم وهو أرحم الراحمين اهلل أكبر ما أعظم هذا البر وما أجمله حين نتحلى به لتصفو النفوس‬
‫وتتحلى به القلوب وتشرف به األعمال أيها المسلمون وإليكم هذا المشهد من رجل ال كالرجال من‬
     ‫رجال هذه األمة من الصديق أبي بكر خليفة رسول اهلل فقد أخرج أن عساكر عن أبي صالح‬
‫الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض ضواحي المدينة من الليل‬
   ‫فيسقي لها ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت فجاءها غير‬
‫مرة فوجد أنه يسبق إليها فأراد أن يعرف من هذا الذي يسبقه فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الذي‬
‫يأتيها وهو يومئذ خليفة فقال عمر: أنت هو لعمري، واسمعوا أيها اإلخوة عظيم األجر من اهلل لمن‬
  ‫أحسن إلى الناس وقام بحوائجهم قال : ((أحب الناس إلى اهلل تعالى أنفعهم للناس وأحب األعمال‬
       ‫ا‬                ‫ا‬
  ‫إلى اهلل سرور تدخله على مسلم أو تكشف له كربة أو تقضي عنه دينً أو تطرد عنه جوعً ولئن‬
‫أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً ومن كف غضبه ستر اهلل‬
                                                                   ‫ا‬
  ‫عورته ومن كظم غيظً ولو شاء أن يمضيه أمضاه مأل اهلل قلبه رجاء يوم القيامة ومن مشى مع‬
 ‫أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت اهلل قدمه يوم تزول األقدام))، عباد اهلل وإحسان المحسن وأجره‬
  ‫ال تقف فقط عند اإلحسان إلى الناس بل يتعدى كذلك حتى للحيوان البهيم، فعن عبداهلل بن جعفر‬
 ‫أن النبي : ((دخل حائطاً لرجل من األنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه فأتاه‬
‫رسول اهلل فمسح ذفراه وهما الموضع الذي يعرف من قفاه، فسكت فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن‬
‫هذا الجمل؟ فجاء فتى من األنصار فقال: لي يا رسول اهلل ، فقال له: أفال تتقي اهلل في هذه البهيمة‬
   ‫التي ملكك اهلل إياها فإنه شكا لي أنك تجيعه وتدئبه (أي تتعبه بكثرة استعماله))) وأخبر النبي :‬
‫((أن امرأة عذبت في هرة ربطتها لم تطعمها ولم تسقها ولم تتركها تأكل من خشاش األرض حتى‬
                                                                                ‫ال‬
 ‫ماتت هز ً)) مسلم، وقال النبي : ((بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغية من‬
     ‫بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (خفها) فاستقت له به فسقته إياه فغفر لها به))خ،م، هكذا إن‬
  ‫فضل اهلل واسع وأجره كبير لمن صدق مع ربه وأخلص له في عالنيته وسره وبيت محبة الخير‬
      ‫للناس ونفعهم ورحمتهم فإن اهلل يعلي درجته ويرحمه، عن عبد اهلل بن عمرو بن العاص أن‬
  ‫رسول اهلل قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في األرض يرحمكم من في السماء))‬
             ‫ا‬           ‫ا‬
‫ت، وقال : ((سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره، من علم علمً أو كرى نهرً (أي حفره) أو‬
                           ‫ا‬                         ‫ا‬            ‫ال‬
‫حفر بئراً أو غرس نخ ً أو بنى مسجدً أو ورث مصحفاً أو ترك ولدً يستغفر له بعد موته))، أيها‬
        ‫المسلمون نعم تلك أعمال المحسنين وغيرها كثير مماهو في معناها التي ينبغي للمسلم أن‬
        ‫يستشعرها وأن يتذوق حالوة التعبد هلل بها وهذا بخالف حال الذين ال تهمهم إال مصالحهم‬
           ‫ً‬                      ‫ا‬
       ‫واليسعون ألحد إال بمقدار ما يستفيدون منه وال يريدون إال نفعً مادياً أو عرضاً دنيويا فلم‬
‫يحتسبوا هلل بتقديم معونة وال بسد خله وال برحمة صغير أو توقير كبير قد قست قلوبهم عن رحمة‬
  ‫المظلومين ومواساة المحتاجين وإغاثة الملهوفين فحلت في القلوب الشحناء والتنافر محل المحبة‬
 ‫والصفح والوداد وحل الشح والبخل ومن الناس من يأخذ حقوق اآلخرين وينكرها ويخون األمانة‬
  ‫ويعتدى على الحرمات وينتهك الحرمات ويعتدي على ما حرم اهلل فأين هذا وحال الذين يتعبون‬
 ‫ليستريح الناس ويجوعون ليشبع الناس؟ كم الفرق بين المحتسبين والظلمة واألشقياء الذين يبدلون‬
  ‫الجود والكرم والسماحة محل الكبر والتعاظم فتباً للقلوب القاسية المتحجرة التي ال تترقب فضل‬
   ‫اهلل وجوده وإحسانه وال تتأثر لجراح المسلمين وبكاء أطفالهم وأنين شيوخهم وحسرات الثكالى‬
   ‫وزفرات المقهورين وخيبة وخسراناً لألناني الذي ال يعيش إال لنفسه وال يفكر إال في مصلحته‬
 ‫الشخصية وهواه غير مهتم بأمر المسلمين فلم يذرف على مصابهم دمعة ولم يقدم لحاجتهم معونة‬
  ‫ولم تتحرك في قلبه عاطفة بل قد تجد من الناس من اليحسن إليهم وال يريد ألحد أن يحسن وال‬
  ‫يريد أن ينتفع المسلمون أو تسكن لهم عبره أو يسد لهم رمق وفاقة فتجده يأمر بالبشر والقطيعة‬
       ‫وينهي عن الرحمة واإلحسان والمودة فحاله كحال المنافقين الذي قال اهلل عنهم: المنافقون‬
   ‫والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا اهلل‬
                                                         ‫فنسيهم، إن المنافقين هم الفاسقون .‬

‫(5/319)‬




                                                                   ‫السعادة الحقيقية وأسبابها‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫اإليمان‬
                                                                             ‫فضائل اإليمان‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                     ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                      ‫بريدة‬
                                                                                ‫1/3/0715‬
                                                                             ‫جامع الجردان‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
                                                                 ‫ل‬
 ‫5- الدنيا دار بالء وتَقّب فهي ال تكاد تصفو ألحد 7- مطلب الناس هو السعادة وأن الكل يطلبها‬
 ‫ولكن اختلفت طرقهم في طلبها 3- السعادة الحقيقية هي في طاعة اهلل ليست في حطام الدنيا 1-‬
                                                                               ‫أسباب السعادة‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫أيها الناس اتقوا اهلل بفعل أوامره واجتناب نواهيه تسعدوا في دنياكم وأخراكم فيشرح اهلل صدوركم‬
‫ويذيقكم حالوة اإليمان وتقنعوا برزق اهلل وترضوا بقضائه وقدره، أيها اإلخوة إن جميع الناس في‬
‫هذه الحياة يتعبون ويكدون ويهتمون وكل قد أهمته هذه الحياة وكابد فيها قال اهلل تعالى: لقد خلقنا‬
     ‫اإلنسان في كبد أي في عناءومشقة وهم ومكابدة، فإن المصائب واآلالم وإن الفقر واألحزان‬
 ‫والغربة عن األوطان وإن العقوق واألذى وإن هموم هذه الحياة هم المعيشة وهم األوالد والسكن‬
 ‫والوظيفة وموت األقرباء واألعزاء، كل هذه المصائب وغيرها أمور مالزمة لإلنسان ناهيك عن‬
    ‫عذاب المعاصي وآالم الشفاء في أوحال مجون المخدرات والمسكرات وعذاب الحب والغرام‬
 ‫وشقاء الشهوات المحرمة وضيق الصدر ووحشة األيام مع تضييع الصلوات والتفريط في حقوق‬
  ‫اهلل وانتهاك محارمه قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ، ومن يعش عن‬
    ‫ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وقال: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اهلل أولئك في‬
                                                                               ‫ضالل مبين .‬
  ‫أيها اإلخوة والناس كل الناس يبحثون عن السعادة التي بها يرتاحون ويجدون األنس والطمأنينة‬
 ‫وراحة القلب والشعور بالغبطة واألريحية السعادة التي تتحقق بها خيرية الذات والحياة والمصير‬
‫ولكن السعادة. أيها اإلخوة لها أوهام وكثيرون هم الذين يضلون طريقها فمن الناس من يبحث عن‬
    ‫السعادة والراحة في المال وجمع الثروات والعقار والقصور فيتوهم أنه إن حصل على المال‬
‫ارتاح وتألق وصار اآلمر والناهي الذي يحقق ما تريده نفسه والصحيح أن المال اليجلب السعادة‬
‫فإن المال يصاحبه هم في جمعه وهم في حفظه وهم وقلق وخوف من ضياعه وخسارته وكم من‬
   ‫إنسان يملك المليارات ولكنه قلق خائف ألنه ال يملك األمان على بقاء هذا المال بين يديه وألن‬
   ‫المال ال يمنع عنه المرض وال الموت وال المشاكل وال يمنع عنه عذاب اهلل إذا كان من الكفرة‬
‫والفجرة المعذبين يوم القيام، قال تعالى عن الكافر أمية بن خلف: ما أغنى عني ماليه ومن الناس‬
 ‫من يطلب السعادة ويظن أنها في الشهرة والمركز وكثرة األعوان والمشجعين مثل أهل الرياضة‬
    ‫والغناء والمسارح، وكل هذا وبال على أصحابه فإنهم يعيشون الحسرة والضيق في صدورهم‬
 ‫ويجدون إعراض الناس عنهم عند أول إخفاق بل ويجدون الذم والتنكير من الناس عندما يخفقون‬
 ‫وتنزل مستوياتهم ويجدون النسيان عندما يموتون وربما وجدوا اللعن والبراءة من الذين أضلوهم‬
‫ودعوهم إلى الفسق والفجور، ومن الناس من يطلب السعادة في الشهادة والمؤهالت العلمية وهذه‬
  ‫سعادة وهمية ربما أودت بصاحبها إلى الضرر والتكبر والظلم واحتقار اآلخرين وربما صارت‬
                                                                            ‫ا‬
      ‫علومً منحرفة صرفت صاحبها عن هدي ربه واتباع سنة نبيه، ومن أوضح األدلة على أن‬
  ‫األعراض الخارجية من الغنى والسلطان والمظاهر الالمعة ليست هي عنوان السعادة فإن أغنى‬
   ‫الدول األوروبية وهي الدول اإلسكندنافية تمثل أعلى نسب اإلنتحار وأغنى دول من حيث دخل‬
  ‫الفرد وهي دول السويد ولكنها أعلى دولة في نسب اإلنتحار في العالم، وليس من أسباب الشقاوة‬
‫والبعد عن السعادة الفقر وال المرض والقلة األعوان بل إن الشقاوة في الدنيا واآلخرة يجمعها قول‬
                                     ‫ا‬
         ‫اهلل تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكً ونحشره يوم القيامة أعمى ومن‬
  ‫اإلعراض عن اهلل وذكره ما يلي: فمن ذلك الكفر والمعاصي واآلثام والجرائم والحسد واإلعتداء‬
 ‫والظلم والحقد والغل والغضب والطغيان والغرور والكبرياء وكذلك الخوف من غير اهلل كالخوف‬
 ‫من المخلوقين والشياطين والتشاؤم وسوء الظن واتهام اآلخرين وقسوة القلب وعدم الرحمة وأكل‬
    ‫الحرام وتعلق القلب بغير اهلل والمسكرات والمخدرات، أيها اإلخوة والواقع الماضي والحاضر‬
  ‫دليل أكيد وبرهان قاطع على أن من ابتعد عن ربه وأنزل الدنيا في قلبه وركض وراء أطماعها‬
‫وشهواتها ووشبهاتها وسعى في جمع حطامها من الحرام فإنه حليف الشقاء مع فقدان نعمة اإليمان‬
     ‫وراحة القلب ألن الدنيا واآلخرة ضرتان فمن قرب إحداهما أبعد األخرى، قال النبي : ((من‬
   ‫أصبح واآلخرة أكبر همه جعل اهلل غناه في قلبه وجمع اهلل عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة،‬
   ‫ومن أصبح والدنيا أكبر همه جعل اهلل فقره بين عينيه وفرق اهلل شمله ولم يأته من الدنيا إال ما‬
                   ‫كتب له)) اللهم التجعل الدنيا أكبر همنا وال مبلغ علمنا وال إلى النار مصيرنا.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل على كل حال أحمده وأستعينه وأستغفره وهو ذو الجالل شديد المحال الكبير المتعال‬
   ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده الشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أيها اإلخوة إن الناس‬
       ‫يطلبون السعادة في كل باب من أبواب هذه الدنيا ويسعون لجمع حطامها الرخيص ولكنهم‬
  ‫اليجدون السعادة إال في طاعة اهلل والسعي في طلب رضاه، قال اهلل تعالى: من عمل صالحاً من‬
‫ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقال النبي‬
      ‫: ((شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس)) فطاعة اهلل من صالة وذكر وقرآن‬
‫وصدقة وصيام وحج وتوحيد وإيمان يجد المؤمن بها الراحة والطمأنينة قال النبي : ((أرحنا بها يا‬
  ‫بالل)) إذا أديت العبادة بخشوع وإخالص، وتدبر واتباع، قال أبو سليمان الداراني أهل الليل في‬
  ‫ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، أيها اإلخوة وتكون السعادة باإلقبال على اهلل ومناجاته والتلذذ‬
 ‫بذكره والشكوى إليه وإنزال الحوائج فيه قال : ((احفظ اهلل يحفظك تعرف إليه في الرخاء يعرفك‬
  ‫في الشدة إذا سألت فاسأل اهلل وإذا استعنت فاستعن باهلل)) وإذا أقبل العبد على ربه وتضرع إليه‬
 ‫فإن اهلل ينزل في قلبه الطمأنينة والراحة القلبية فيجد نعيم الروح وشرح الصدر وقرة العين وأنس‬
  ‫الخاطر فإن القلب فيه شعث ال يلمه إال اإلقبال على اهلل وفيه داء ال يشفيه إال اهلل عز وجل وفيه‬
    ‫فاقة ال يسدها شيء سوى اإلقبال على اهلل فإن القلب فقير بالذات إلى اهلل من وجهين من جهة‬
   ‫العبادة ومن جهة اإلستعانة فإن القلب ال يسكن وال يلتذ وال يطيب إال بعبادة ربه واإلقبال عليه‬
   ‫ولو توفرت له ملذات الدنيا جميعها ومن جهة اإلستعانة فإن اهلل إذا لم يعن العبد ويوفقه ويهديه‬
                                                      ‫ا‬
   ‫فلن يستطيع المسكين أن يجلب لنفسه خيرً وال يدفع عن نفسه شراً إال باإلستعانة باهلل والركون‬
‫إليه والتوكل عليه فال ينفعه عقله وال علمه وال ماله وال جاهه ومن يهد اهلل فهو المهتد ومن يضلل‬
                                                                              ‫ا‬
    ‫فلن تجد له وليً مرشداً أيها اإلخوة ومن أسباب السعادة اإلحسان إلى الناس وتقديم الخير إليهم‬
 ‫وتفريج كروبهم مادياً أو معنوياً ألن من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج اهلل عنه كربة‬
 ‫من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره اهلل في الدنيا واآلخرة، وألن اهلل مع المحسنين ويحب‬
‫المحسنين والجزاء من جنس العمل فأحسن إلى الناس يحسن اهلل إليك وارحم الناس واعطف عليهم‬
     ‫وتألم لمصائبهم يرحمك اهلل ((ارحموا من في األرض يرحمكم من في السماء))، ومن أسباب‬
    ‫السعادة أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من أساء إليك فإن العفو والصفح‬
‫ينقي القلب من الغيظ والحقد والعداوة والصفح والتجاوز يطهر القلب ويجلب له السعادة والمسرات‬
                                                        ‫ا‬
 ‫فال يسر اإلنسان وقلبه ممتلئ غيظً وحقداً ومن أسباب السعادة الرضى بقضاء اهلل وقدره فيطمئن‬
‫العبد على كل ما يصيبه ويرضى بما قسم اهلل له ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم‬
‫يكن ليصيبه ومن يؤمن باهلل يهد قلبه قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اهلل‬
  ‫فيرضى ويسلم ومن أسباب السعادة أن يتذكر المؤمن ويستيقن بالوعد الكريم من الرحمن الرحيم‬
   ‫من نعيم الجنان دار األفراح والمسرات ودار الكرامة والنعيم المقيم فيها ما تشتهيه األنفس وتلذ‬
  ‫األعين وأنتم فيها خالدون، وإذا استشعر المؤمن الموقن أن المآل إلى الجنان الزاهيات بكل خير‬
‫ونعمة وقرة عين ومنة التي يعيش أهلها هناك ال يموتون وال يمرضون وال يتغوطون وال يبولون‬
‫في خلود وال موت فال تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانو يعملون فإذا تذكر هذا‬
  ‫النعيم وعرفه هانت عليه هذه الدنيا واستشعر حقارتها وقصرت في عينه فلم تكن الدنيا أمله وال‬
                                                                             ‫ي‬
 ‫غايته ولم ُعن نفسه من أجلها ولم يشق خاطره في سبيلها فنظر إليها على أنها طريق العبور إلى‬
    ‫الجنة وهذه الحياة دار الفتن واإلبتالءات فيعيش عيشة السعداء الذين طلقوا الدنيا وارتاحوا من‬
   ‫همومها وأكدارها، ومن أسباب السعادة أن تعلم أن اهلل معك يحفظك وينصرك ويمدك بالمعونة‬
‫والنصر والتأييد والحفظ فكن مع اهلل بحفظ أوامره والبعد عن نواهيه وال تتعد حدوده يكن اهلل معك‬
      ‫بالنصر والتوفيق احفظ اهلل يحفظك، ومن أسباب السعادة كثرة ذكر اهلل بيقين وتدبر وخشوع‬
  ‫وخضوع أال بذكر اهلل تطمئن القلوب ، وعليك بكثرة دعاء اهلل فإن الدعاء يصل قلب العبد بربه‬
 ‫ويهيجه إلى الشكوى لخالقه فيجد المريض والمكروب والمظلوم وصاحب الحاجة يجد بث الهموم‬
     ‫والفرج والتنفيس بالدعاء ويجد الفرح والسكينة وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ، ويامن تريد‬
  ‫السعادة احذر كل الحذر من الذنوب صغيرها وكبيرها فإن الذنوب هي سموم القلوب التي تجلب‬
   ‫الكمد وضيق الصدر والحياة النكدة والمعيشة الضنك فإن اهلل أبى إال أن يذل من يعصيه فيكون‬
                                                                               ‫ً‬
‫شقياً متحسرا في دنياه ومعرضاً لوعيد اهلل بناره الحامية في أخراه رأيت الذنوب تميت القلوب وقد‬
                         ‫يورث الذل إدمانها، وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها.‬
 ‫ا‬
 ‫فيامن تريد السعادة ال تستسلم للذل والمهانة وال لكيد النفس والشيطان وأعوان السوء فإن لك ربً‬
 ‫يحميك ويرفعك ويؤيدك ويغفر ذنبك ويهديك فال تعن الشيطان على نفسك وال تبرر لنفسك رديئ‬
 ‫أعمالها إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم األشهاد فمن الذي أخرج يونس‬
                         ‫ا‬
‫من بطن الحوت وظلمات البحار ومن الذي جعل البحر لموسى أرضً يابسة ومن الذي جعل النار‬
                                                                                 ‫ا‬
 ‫بردً وسالماً على إبراهيم ومن الذي شفى أيوب بعد ثمانية عشر عاماً بعدما سقط لحمه ورفضه‬
‫القريب والبعيد ومن الذي لطف بمحمد ونجاه من كيد المشركين وهو في الغار مع رفيقه الصديق‬
     ‫وقال له: ال تحزن إن اهلل معنا ومن الذي أنطق عيسى في المهد لما اتهم الظلمة مريم عليها‬
    ‫السالم ومن الذي رد يوسف إلى أبويه بعد الفراق والعذاب ومن الذي نصر القلة المؤمنة من‬
   ‫الصحابة األطهار وهم الجياع والفقراء على أعدائهم من المشركين والمنافقين وعلى األكاسرة‬
 ‫والقياصرة ومن الذي يجري الدماء في عروقك والنفس في رئتيك والمخ في دماغك واألعصاب‬
  ‫في مفاصلك ومن الذي يشفيك بعد المرض ويعطيك بعد الفقر ويشبعك بعد الجوع ويجمع شملك‬
  ‫بأهلك بعد الفراق ومن الذي ينعم عليك بكل مامعك من سمع وبصر ونفس وعقل وحياة وإيمان‬
    ‫وإن تعدوا نعمة اهلل التحصوها فيامن تريد السعادة في الدنيا واآلخرة اطلبها من اهلل واسع في‬
 ‫مرضاته ثم أبشر بالفوز والغفران والسعادة في الدنيا واآلخرة وتفطن بأن الحياة قصيرة والموت‬
                                                             ‫قريب فال تقصر الحياة باألكدار.‬

‫(5/119)‬




                                                                             ‫الفرج بعد الشدة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب, سيرة وتاريخ‬
                                                                              ‫الفتن, القصص‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                       ‫بريدة‬
                                                                              ‫جامع الجردان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                                     ‫َر‬        ‫َر‬                          ‫تقل‬
    ‫5- ُّب أحوال الدنيا بأهلها من س ّاء إلى ض ّاء ومن ضراء إلى سراء 7- بعض القصص‬
 ‫الدالة على الفرج بعد الشدة ومنها قصة أيوب ويونس عليهما السالم 3- عالج المحن والمصائب‬
                                                                       ‫1- بعض ثمرات البالء‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه وخوف اهلل ورجائه‬
                                                             ‫ومحبته وكثرة ذكره واإلنابة إليه.‬
  ‫أيها اإلخوة: إن اإلنسان في هذه الحياة متقلب بين الصحة والمرض، والسعادة والحزن، والغنى‬
  ‫والفقر، والسفر واإلقامة، والخوف واألمن، والجوع والشبع، وبين الخير والشر، والنفع والضر،‬
 ‫والمسلم الحق هو الذي يميز بين ما ينفعه وما يضره في دنيا وآخراه، ومن تلك المراحل حصول‬
   ‫الشك والضيق والمحنة والبالء التي يقابلها المؤمن بالصبر والدعاء والرضا بقضاء اهلل وقدره،‬
            ‫ا‬
‫وقد جعل اهلل حكمته البالغة وتدبيره الحكيم، فمن حكمة اهلل أن جعل بعد العسر يسرً، وبعد الكرب‬
  ‫والضيق الفرج والتنفيس قال تعالى: ومن يتق اهلل يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث ال يحتسب‬
     ‫ومن يتوكل على اهلل فهو حسبه وهذا نبي اهلل أيوب عليه الصالة والسالم حصل له من البالء‬
  ‫واألسقام والفقر وموت األوالد ثم فرج اهلل عنه فعافاه اهلل وشفاه، ورزقه ورد عليه المال والولد،‬
 ‫قال تعالى: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له وكشفنا ما به‬
        ‫ال‬
   ‫من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين وقد كان أيوب رج ً كثير‬
‫المال من سائر صنوفه: من األنعام والعبيد والمواشي واألراضي المتسعة، وكان له أوالد وأهلون،‬
    ‫فسلب منه ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع البالء من األمراض، ولم يبق منه عضو سليم‬
 ‫سوى قلبه ولسانه يذكر اهلل عز وجل في ليله ونهاره في صباحه ومسائه، عن أنس أن النبي قال:‬
   ‫((إن نبي اهلل أيوب لبث ببالئه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إال رجلين من إخوانه‬
 ‫كانا يغدوان إليه ويروحانه فقال أحدهما لصحابه ذات يوم: تعلم واهلل لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه‬
 ‫أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اهلل فيكشف ما‬
‫به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له قال أيوب: ال أدري ما تقوالن غير أن‬
‫اهلل تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران اهلل فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية‬
 ‫أن يذكر اهلل إال في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته إمرأته بيده حتى‬
       ‫يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحي إلى أيوب أن أركض برجلك هذا مغتسل بارد‬
‫وشراب، فأستبطأته فتلقته تنظر وقد اقبل عليها وقد أذهب اهلل ما به من البالء وهو أحسن ما كان،‬
   ‫فلما رأته قالت: أي بارك اهلل فيك هل رأيت نبي اهلل هذا المبتلى، واهلل على ذلك ما رأيت أشبه‬
                                                                         ‫ا‬
 ‫منك إذ كان صحيحً، فقال: إني أنا هو. وكان له أندران (بيدران) أندر للقمم وأندر للسفر، فبعث‬
  ‫اهلل سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر الفم أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت األخرى‬
  ‫في أندر السفر الورق حتى فاض)) وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((بينما أيوب يغتسل‬
‫عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب فجعل يحث في ثوبه فنادى ربه: أيوب ألم أكن أغنيتك عما‬
  ‫ترى؟ قال: بلى يارب ولكن الغنى لي عن بركتك)) قال تعالى: وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة‬
   ‫من عندنا وذكرى للعابدين قال ابن عباس: رد اهلل عليه ذريته بأعيانهم، وقيل عوضه اهلل عنهم‬
     ‫فحملت زوجته وولدت له عدد الذرية األولى رحمة من عندنا أي فعلنا به ذلك رحمة من اهلل‬
     ‫وذكرى للعابدين، وجعلناه في ذلك قدوة لئال يظن أهل البالء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا‬
    ‫وليتأسوا به في الصبر على مقدورات اهلل وإبتالئه لعباده بما يشاء اهلل، وهلل الحكمة البالغة قال‬
   ‫النبي : ((أشد الناس بالءً األنبياء ثم الصالحون ثم األمثل فاألمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه،‬
                                                       ‫فإن كان في دينه صالبة زيد في بالئه)).‬
   ‫أيها اإلخوة: ومن ذلك ما قصه اهلل علينا من قصة يونس نبي اهلل، فقد بعث اهلل يونس صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم إلى أهل قرية من أرض الموصل بالعراق، فدعاهم إلى اهلل تعالى فأبوا عليه وتمادوا‬
‫على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم ووعدهم بالعذاب بعد ثالث، فلما تحققوا منه ذلك‬
‫وعلموا أن النبي ال يكذب خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم وفرقوا بين األمهات‬
      ‫وأوالدها ثم تضرعوا إلى اهلل عز وجل وجأروا اهلل ورغت اإلبل وفصالنها، وخارت البقر‬
 ‫وأوالدها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع اهلل عنهم العذاب، وأما يونس عليه السالم فإنه ذهب فركب‬
  ‫مع قوم في سفينة فلججت بهم، فخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون‬
 ‫منه، فوقعت القرعة على يونس عليه السالم فأبوا أن يلقوه ثم أعادوها فوقعت عليه ثالث مرات،‬
        ‫فقام يونس عليه السالم يجر ثيابه ثم ألقى نفسه في البحر وقد أرسل اهلل سبحانه من البحر‬
‫األخضر حوتاً يشق البحار حتى جاء فألتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى اهلل إلى ذلك‬
                         ‫ا‬                     ‫ا‬
     ‫الحوت أن التأكل له لحماً والتهشم له عظمً، فإن يونس ليس لك رزقً، وإنما بطنك تكون له‬
                                                                                      ‫ا‬
 ‫سجنً، فانتهى به الحوت إلى أسفل البحر فسمع يونس حساً فقال: ما هذا؟ فأوحى اهلل إليه: إن هذا‬
 ‫تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت المالئكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع‬
                                                                    ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫صوتً ضعيفً بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته بطن الحوت في البحر،‬
     ‫قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال:‬
 ‫فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، فنبذ بالعراء وهو سقيم، وقد دعا يونس وهو‬
    ‫في بطن الحوت فقال: ال إله إال أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت هذه الدعوة تحت‬
    ‫العرش فقالت المالئكة: صوت ضعيف معروف من بالد غريبة فقال: أما تعرفون ذاك قالوا:‬
‫يارب ومن هو؟ قال: عبدي، يونس. قالوا: أعبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة‬
‫مجابة. قالوا: يارب أوال ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البالء؟ قال: بلى فأمر الحوت‬
  ‫فطرح في العراء، قال النبي : ((دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ال إله إال أنت سبحانك‬
   ‫إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إال استجاب له)) نفعني اهلل وإياكم‬
  ‫بهدي كتابه وإتباع سنة نبيه، أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور‬
                                                                                     ‫الرحيم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل على إحسانه والشكر على تفضله وإمتنانه، المتفضل الشكور الغني الحميد المولي الرحيم‬
     ‫اللطيف الودود السميع المجيب يجيب دعاء المضطرين ويكشف هم المكروبين وينفس ضيق‬
     ‫المهمومين، وأشهد أن إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الشاكر‬
‫الصابر على البالء واألذى والهم واألسى قال تعالى: فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً عن‬
                                            ‫ا‬    ‫ا‬      ‫ا‬
    ‫الحسن قال خرج النبي يومً مسرورً فرحً وهو يضحك ويقول: ((لن يغلب عسر يسرين، لن‬
                                 ‫ا‬                ‫ا‬
      ‫يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرً، إن مع السر يسرً)) رواه ابن جرير، وجاء مالك‬
 ‫األبخص إلى رسول اهلل فقال له: أسر ابني عوف فقال له رسول اهلل: ((أرسل إليه أن رسول اهلل‬
    ‫يأمرك بأن تكثر من قول: ال حول وال قوة إال باهلل)) وكانوا قد قد شدوه بالقد فسقط القد عنه،‬
   ‫فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فأتبع‬
 ‫أولها آخرها فلم يفجأ أبويه إال ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة. فقالت أمه: اسوأتاه،‬
     ‫ال‬
    ‫وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد؟ فأستبقا الباب والخادم فإذا هو عوف قد مأل الفناء إب ً،‬
   ‫فقص على أبيه أمره وأمر األبل، فقال أبوه: حتى آتي رسول اهلل فأسأله عنها فأتى رسول اهلل،‬
     ‫ا‬
     ‫فأخبره بخبر عوف وخبر اإلبل فقال له رسول اهلل : ((اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعً‬
 ‫بمالك)) ونزل قوله تعالى: ومن يتق اهلل يجعل له مخرجاً وروى ابن عساكر عن رجل اسمه أبو‬
 ‫بكر محمد بن داود قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب‬
 ‫معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق فقال لي: خذ هذه الطريق فإنها أقرب، فقلت: ال‬
  ‫خبرة لي فيها؟ فقال: بل هي أقرب فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثير‬
                ‫ا‬
   ‫فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل ووشمر وجمع ثيابه وسل سكينً معه، وقصدني،‬
   ‫ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته اهلل، وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي، وإنما أريد‬
‫قتلك، فخوفته اهلل والعقوبة، وقلت: إن رأيت إن تتركني حتى أصلي ركعتين. فقال: وعجل. فقمت‬
   ‫أصلي فارتج علي القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيه‬
   ‫أفرغ، فأجرى اهلل على لساني قوله تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء فإذا أنا‬
    ‫ا‬
   ‫بفارس قد أقبل من فم الوادي وفي يده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت قلبه، فخر صريعً،‬
    ‫فتعلقت بالفارس وقلت: باهلل من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف‬
 ‫السوء، قال تعالى: أليس اهلل بكاف عبده وقال النبي : ((وأعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع‬
                                                                 ‫ا‬
                                                  ‫الكرب، وأن مع العسر يسرً)) [رواه أحمد].‬
‫أيها اإلخوة: ومن لطائف أسرار إقتران الفرج بالكرب أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وحصل‬
          ‫للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين تعلق قلبه باهلل وحده، وهذا هو حقيقة التوكل.‬
  ‫ومن عالمات المحن والمصائب اإلسترجاع بأن تقول إنا اهلل وإنا إليه راجعون، وأن تعلم إن ما‬
    ‫أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن نظر المصاب إلى نعم اهلل، وأن اهلل‬
   ‫أعطاه أعظم وأكثر مما أصابه به، وأن تعلم أن الجزع ال يزيل المصيبة وال يبردها، وأن الذي‬
      ‫يبردها الصبر واالحتساب، فتحصل السكينة القلبية والرضى، وقد كان رسول اهلل يقول عند‬
       ‫الكرب: ((ال إله إال اهلل العظيم الحليم، ال اله إال اهلل رب العرش العظيم، ال إله إال اهلل رب‬
       ‫السموات واألرض ورب العرش الكريم))، وقال : ((دعوات الكروب: اللهم رحمتك أرجو‬
                         ‫فالتكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، ال إله إال أنت)).‬
    ‫ومن عالج المصائب التوبة النصوح، فإنه ما أنزل بالء إال بذنب، وما رفع إال بتوبة، ومنها:‬
‫اإلحسان إلى الناس وقضاء حوائجهم ورحمة صغيرهم وكبيرهم، فإن من أحسن إلى الناس أحسن‬
    ‫اهلل إليه، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج اهلل عنه كربة من كرب يوم القيامة،‬
     ‫ومنها: اإلكثار من قراءة القرآن وذكر اهلل مما يسبب تعلق القلب باهلل وكثرة دعائه ومناجاته‬
  ‫والضراعة بين يديه، ومن ذلك: أن تقول في دعائك: ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث، وأن يتذكر‬
       ‫العبد أن اهلل عز وجل يبتلي العبد وهو يحبه، وقد يطيل اهلل عليه البالء ليسمع اهلل تضرعه‬
   ‫وإلحاحه وزيادة طلبه من ربه، ليستخرج اهلل منه حقيقة العبودية، وهي الذل واإلنكسار وإظهار‬
‫المسكنة والضعف بين يدي اهلل واإلدبار عن المخلوقين بيحث اليسألهم وال يرجوهم، وليتذكر العبد‬
   ‫الفقير المحتاج الغريب المصاب أنه ربما كانت النعمة والصحة واألنس سبب لنسيان اهلل وسبب‬
    ‫للفسوق والعصيان واألشر والبطر والمحن وتأديب من اهلل واألدب ال يدوم، فطوبى لمن صبر‬
 ‫على التأدب، وليتذكر المصاب بأن فرج اهلل قريب وإنها سحابة عما قريب، تزول، وما بعد الشدة‬
                                                                      ‫والضيقة إال الفرج القريب.‬

‫(5/119)‬




                                                                                   ‫القضاء والقدر‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫اإليمان‬
                                                                                   ‫القضاء والقدر‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                           ‫عبد اهلل بن فهد السلوم‬
                                                                                            ‫بريدة‬
                                                                                 ‫8/3/2515‬
                                                                               ‫جامع الجردان‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
        ‫م‬                                                                            ‫ذ‬
   ‫5- ِكر أركان اإليمان ومعنى اإليمان بالقدر 7- اهلل تعالى هو الذي خلق األسباب وال ُسببات‬
                                                                    ‫ل‬
 ‫وأن على اإلنسان التعّق بخالق األسباب ال باألسباب 3- أثر اإليمان بالقدر على أهل البالء 1-‬
                                 ‫أركان القضاء والقدر األربعة ومعناها 1- فوائد اإليمان بالقدر‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
‫فإن خير الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة،‬
                                                     ‫وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
                  ‫عباد اهلل: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل والحذر من سخطه وأليم عقابه.‬
   ‫أيها المسلمون: اعلموا أن أصول اإليمان ستة وهي أركانه التي اليتم إيمان العبد إال بها، ومن‬
‫جحد واحداً منها فهو مشرك كافر، وهذه األركان هي أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم‬
                                                            ‫اآلخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.‬
  ‫وحديثنا اليوم عن اإليمان بالقضاء والقدر، وهو أن تعلم أن اهلل خلق كل شيء بقدر، وأن ما من‬
    ‫شيء إال قدره اهلل وكتبه في اللوح المحفوظ وفق حكمته ومشيئته النافذة وإرادته سبحانه وقال‬
‫تعالى: إنا كل شئ خلقناه بقدر وقد كتب اهلل مقادير الخالئق قبل خلق السموات واألرض بخمسين‬
‫ألف سنة، فما يصيب العباد والبالد والكون والنفوس والحيوان والشجر والجمادات وكل شيء في‬
  ‫هذا الوجود وما سوف يصيبها إال بعد تقدير اهلل وقضائه، فما أصابك لم يكن ليخطئك ولوحماك‬
                                                   ‫ا‬
    ‫سكان السموات واألرض كلهم جميعً، وما أخطأك اليمكن أن يصيبك ولو اجتمع عليك جميع‬
   ‫الخلق ألن قدر اهلل ال مفر منه مهما كانت األسباب قال الرسول البن عباس، والخطاب لجميع‬
  ‫األمة ((واعلم أن األمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء ال ينفعوك إال بشيء قد كتبه اهلل لك،‬
        ‫ولو اجتمعوا على أن يضروك ال يضرونك إال بشئ قد كتبه اهلل عليك)) [رواه الترمذي].‬
   ‫أيها المسلم: كن على بصيرة من دينك، وأعظم البصيرة ماكان في أمر عقيدتك، واعلم أن من‬
‫حكمة اهلل أن جعل األسباب والمسببات وقرن األشياء بنتائجها، فالمال سببه السعي والكد، فاهلل عز‬
 ‫وجل هو الذي هيأ األسباب وقضاها ليسلكها العباد حتى تحصل لهم المسببات والنتائج، وفي هذا‬
 ‫حكمة عظيمة هلل لتكون األسباب موصلة إلى النتائج، ففيها العبرة، وفيها الدليل على نعمة اهلل بما‬
   ‫يسره من أسباب إلدراك المطلوب وسلوك السبل الشرعية والسبل المتاحة النافعة لتحقيق أمور‬
                                                                                 ‫الدنيا واآلخرة.‬
  ‫ويجب على المسلم أن يتفطن ألمر مهم غفل عنه كثير من المسلمين أال وهو وجوب التعلق باهلل‬
  ‫وقطع النظر عمن سواه وعدم التعلق باألسباب مع وجوب استعمالها واألخذ بها، فاهلل عز وجل‬
  ‫بيده كل شيء فهو مقدر األسباب والمسببات، فال راد لحكمه وال معقب ألمره، فإن العالج سبب‬
 ‫للشفاء فال تعلق قلبك بالطبيب وال بالدواء، ولكن علق قلبك باهلل، فهو سبحانه الذي إذا أراد شفاك‬
‫بسبب عالج يسره لك، أو أراد شفاك بدون عالج، فإنه قادر، قال تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين‬
   ‫وإذا فاتك شيء من رزق أو شيء تتمناه فلم تحصل عليه فال تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا،‬
   ‫فإنه لم يقدره اهلل، فلو قدره اهلل لحصل لك والبد, وكلمة: لو تفتح عمل الشيطان قال الرسول :‬
 ‫((المؤمن القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك‬
   ‫وال تعجز، وإذا أصابك شيء فال تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اهلل وما‬
                                                 ‫شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) [مسلم].‬
      ‫أيها المسلمون: وإذا أصيب العبد بمصيبة في جسمه بمرض أو مال أو ولد أو موت قريب،‬
‫فليحمد اهلل وليصبر وليحتسب وليرجع إلى ربه، فإن اهلل هو الذي قدرها وشاءها فيجب على العبد‬
      ‫ا‬
 ‫الصبر، فحينئذ ينشرح صدر المصاب ويطمئن ويسكن قلبه، وهو مع ذلك يؤجر أجراً كبيرً، قال‬
  ‫تعالى: ما أصاب من مصيبة إال بإذن اهلل ومن يؤمن باهلل يهد قلبه قال علقمة: هو الرجل تصيبه‬
  ‫المصيبة فيعلم أنها من عند اهلل فيرضى ويسلم ، وقال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير‬
 ‫حساب ، وإذا لم يصبر المصاب على المصيبة فإنه يتحسر ويشقى وتزداد مصيبته ويخشى عليه‬
‫أن يتسخط على القدر ويعترض على تقدير اهلل فيقع في محذور عظيم، في المسند والسنن عن ابن‬
 ‫الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل اهلل يذهبه‬
                                                        ‫ا‬
  ‫من قلبي فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبً ما قبله اهلل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم‬
          ‫يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار.‬
  ‫اللهم اشرح صدورنا لإلسالم، ونور قلوبنا باإليمان واجعلنا من الراشدين ومن الراضين بقدرك‬
                        ‫حلوه ومره خيره وشره، وثبت قلوبنا على دينك، وصرفها على طاعتك.‬
          ‫عباد اهلل: واستغفروا اهلل واذكروه وادعوه يذكركم ويستجيب لكم إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد اهلل الحكيم العليم الذي بيده األمر كله الذي يقول للشيء: كن فيكون، وأشهد أن ال إله إال اهلل‬
      ‫ا‬
      ‫وحده ال شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ((رضيت باهلل رباً وباإلسالم دينً‬
                                                                            ‫ال‬     ‫ا‬
                                                                         ‫وبمحمد نبيً ورسو ً)).‬
       ‫أيها اإلخوة: وال بد في باب القضاء والقدر أن تؤمنوا بأركانه األربعة، وهي العلم والكتاب‬
                                                                              ‫والمشيئة والخلق.‬
    ‫والمقصود بالعلم أن تؤمنوا أن اهلل بكل شيء عليم فال يخفى على اهلل مثقال ذرة في السموات‬
   ‫واألرض، فيعلم سبحانه ماذا عمل العباد وماذا سيعملون، ويعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.‬
       ‫والمقصود بالكتاب أن اهلل كتب في اللوح المحفوظ عنده مقادير الخالئق قبل خلق السموات‬
  ‫واألرض، فأول ما خلق اهلل القلم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى‬
                                                   ‫في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة.‬
 ‫والمقصود بالمشيئة أن تؤمن بمشيئة اهلل العامة وإرادته الكاملة فما شاءه اهلل كان والبد ومالم يشأ‬
                                                                     ‫ا‬
    ‫اهلل فال يكون أبدً واليحدث شيء كبير والصغير إال بمشيئة اهلل وإراداته تحت سمعه وبصره‬
                    ‫وقدرته فييسر أسبابه قال تعالى: وما تشاءون إال أن يشاء اهلل رب العالمين .‬
  ‫والمقصود بالخلق، أن تؤمن بأن اهلل خالق كل شيء ومليكه وأن كالً ميسر لما خلق له، وأن اهلل‬
    ‫خالق العباد وأعمالهم قال تعالى: واهلل خلقكم وما تعملون ، وأن اهلل خالق األسباب والمسببات‬
 ‫وقرن النتائج بأسبابها وجعلها نتيجة لها، وعلم عباده تلك األسباب ليتوصلوا إلى نتائجها فيدركوا‬
                                                            ‫مطلوبهم وليتذكروا نعمة اهلل عليهم.‬
 ‫أيها المسلمون: ومن فوائد اإليمان بالقضاء والقدر أن اإليمان به هو من اإليمان باهلل والرضا به‬
          ‫رباً سبحانه، ألن توحيد الربوبية هو توحيد اهلل بأفعاله، ومقادير الخالئق من أفعال اهلل.‬
 ‫ومن الفوائد أن الرضا بالقضاء والقدر يوجب صدق اإلعتماد على اهلل عز وجل بأن يتوكل العبد‬
‫على ربه ويعلم أن األمر من عند اهلل، وكله بقضائه وقدره فال يتعلق بالمخلوقين وال يرجوهم وال‬
 ‫يخافهم وال يسترزقهم والخليل عليه السالم يقول: فابتغوا عند اهلل الرزق، وفي السماء رزقكم وما‬
       ‫توعدون فإذا صح إيمان العبد فال يكذب وال يغضب ربه من أجل المال أو متاع هذه الدنيا‬
 ‫الرخيص الفاني، وإذا صدق العبد في توكله على ربه لم يخف من المخلوقين ألنهم ال يملكون له‬
                                                                     ‫ا‬        ‫ا‬        ‫ا‬
                                     ‫خيرً وال نفعً وال قوتً وال حياة، قال علي بن أبي طالب :‬
                                             ‫أي يومي من الموت أفر …يوم ال يقدر أم يوم قدر‬
                                            ‫يوم ال قدر ال أرهبه …ومن المقدور ال ينجو الحذر‬
‫عباد اهلل: ومن فوائد اإليمان بالقضاء والقدر دخول الطمأنينة والسكينة في القلب وانشراح الصدر‬
 ‫باستقبال ما أصابك، فكله من اهلل، فحينئذ ال تكدر المؤمن الهموم واألحزان والحسرات والشكوى‬
                                             ‫ا‬
‫للمخلوقين، فيظل المؤمن مرتبط القلب بربه راضيً بقضائه وقدره مستيقناً أن اختيار اهلل له أفضل‬
 ‫مما أختاره لنفسه، فيرضى المؤمن بالمصائب دون المعائب، فالمعاصي والفسوق ال يرضاها بل‬
 ‫يجب محاربتها واإلبتعاد عنها قال تعالى: إن اهلل يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى‬
                                            ‫عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون .‬
‫ومن الفوائد أن العبد ال يعجب بعمله الصالح والبما يقوم به من طاعات وقربات فال ينسب الفضل‬
 ‫لنفسه، ويتعاظم ويحتقر من هو دونه، بل ينسب الفضل كله هلل، فإن اهلل سبحانه هو الموفق لذلك،‬
        ‫وهو المعين، فكل ما صدر من العبد، فهو من اهلل قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن اهلل .‬
 ‫ومن الفوائد أن يبشر المؤمن بالخير والحياة الرضية الطيبة في الدنيا واآلخرة إذا صدق مع ربه‬
 ‫في نياته وأقواله وأفعاله، وليطمئن أنه سيجد أمامه ما قدمت يداه، وأن اهلل اليظلم مثقال ذرة وأنه‬
 ‫يجازي على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن اهلل يقبل توبة من‬
                                                                   ‫ً‬
‫تاب وأناب إليه صادقا في توبته يريد رضاء ربه والوصول إلى جنته، قال تعالى: للذين استجابوا‬
                             ‫ا‬
  ‫لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم مافي األرض جميعً ومثله معه الفتدوا به أولئك‬
                                                ‫لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد .‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: قل لن يصيبنا إال ما كتب اهلل لنا هو موالنا وعلى اهلل فليتوكل‬
‫المؤمنون ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ربنا ال تزغ قلوبنا‬
                                       ‫بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.‬

‫(5/619)‬




                                                                         ‫الحكمة ضالة المؤمن‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                        ‫تراجم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                          ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                        ‫عنيزة‬
                                                                                  ‫7/8/2515‬
                                                                                  ‫جامع السالم‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- الرجل الضعيف هو الذي تهزمه العادات والتقاليد السيئة. 7- القوي هو الباحث في الحقيقة‬
‫المذعن لها. 3- سلمان الفارسي الباحث عن الحقيقة وتفاصيل هجرته في فارس إلى المدينة. 1-‬
‫عالمات النبوة كما رآها سلمان. 1- سلمان نموذج لألخوة اإلسالمية. 6- قصة سلمان نموذج في‬
                                                                                   ‫طلب العلم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
                                                      ‫فيا عباد اهلل: اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
                   ‫ح‬
 ‫إخوة اإليمان: يقول نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه فيما رواه الترمذي وص ّحه: ((ال يكن أحدكم‬
                 ‫ط‬
    ‫إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، لكن و ّنوا أنفسكم إن‬
  ‫أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم..)) الرجل الضعيف هو الذي يستعبده‬
                    ‫ر‬
   ‫العرف الغالب، وتتحكم في أعماله التقاليد السائدة، حتى ولو كانت خطا يج ّ معه متاعب الدنيا‬
‫واآلخرة، أما اإلنسان القوي الطموح فهو معين ال ينضب للنشاط الموصول، والحماسة المذخورة،‬
 ‫واحتمال الصعاب، ومواجهة األخطار، بل لديه الدوافع الحثيثة للبحث عن الحقيقة، ولو دفعه ذلك‬
                                                               ‫لصراع األعداء أو لقاء الموت.‬
  ‫إخوة الدين والعقيدة: من الحكمة أن نسعى ونطمح إلى كل خير يوصلنا إلى عبادة اهلل الصحيحة‬
                       ‫ل‬
‫من الخطأ، السليمة من الشرك، الخالية من التقصير واألهواء المضّة، سواء كان ذلك عن طريق‬
 ‫العلم النافع أو العمل الصالح أو الخلق القويم، والحكمة ضالة المؤمن يقبلها أنى وجدها فهو أحق‬
                                                                                             ‫بها.‬
‫وحين نبحث عن الحكمة ونطمح نراها في العلم النافع والحق المبين، في كتاب رب العالمين وسنة‬
       ‫سيد األنبياء المرسلين، قال : ((لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب اهلل‬
                                     ‫ي‬
 ‫وسنتي..))، إن تلك المعاني نراها متحققة واضحة جل ّة في قصة سلمان، ولم يكن سلمان قرشيا،‬
                                   ‫وكما لم يكن عربيا، بل سلمان ابن اإلسالم سلمان الفارسي .‬
 ‫روى اإلمام أحمد بسند صحيح في مسنده وابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي اهلل عنهما‬
  ‫قال: حدثنا سلمان الفارسي ذات مرة فقال: ((كنت رجال من أصبهان، وكان أبي دهقان أرضه،‬
    ‫أي راهبهم، وكنت من أحب عباد اهلل إليه، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار التي‬
‫توقد، وال تخبو، وكان ألبي ضيقة أرسلني إليها يوما، فمررت بكنيسة للنصارى فسمعتهم يصلون،‬
 ‫فأعجبتني صالتهم فقلت: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه، فما برحتهم حتى غابت الشمس، فما‬
‫رجعت حتى أرسل إلي أبي في أثري، وسألت النصارى عن أصل دينهم، فقالوا: في الشام، وقلت‬
                           ‫ا‬                          ‫أ‬
        ‫ألبي حين عدت إليه ما رأيت وُعجبت به، فجعل في رجلي حديدً وحبسني، فأرسلت إلى‬
   ‫النصارى أني قد دخلت في دينهم، وأن يبحثوا لي عن ركب إلى الشام ألرحل معهم، وقد فعلوا‬
     ‫فحطمت الحديد، وخرجت، وانطلقت إلى الشام فسألت عن عالمهم فقالوا لي: األسقف. فأتيته‬
  ‫وأخبرته خبري، فأقمت معه أخدم وأصلي وأتعلم، وكان رجل سوء في دينه يجمع الصدقات من‬
                                                                               ‫ز‬
‫الناس ليو ّعها ثم يكتنزها لنفسه، ثم مات، فجاءوا بآخر جعلوه مكانه، فما رأيت رجالً على دينهم‬
                                                       ‫ز‬                                ‫ا‬
‫خيرً منه، وال أعظم رغبة في اآلخرة و ُهدا في الدنيا ودأبا على العبادة. وأحببته حبا عظيما فلما‬
          ‫ا‬
 ‫حضره قدره، قلت له: بم تأمرني وإلى من توصي بي؟ فقال: أي بني، ما أعرف أحدً من الناس‬
      ‫على مثل ما أنا عليه إال رجال بالموصل، فلما توفي أتيت صاحب الموصل فأخبرته الخبر،‬
  ‫وأقمت معه ما شاء اهلل أن أقيم ثم حضرته الوفارة فسألته فدلني على عابد في نصيبين، ثم أتيته‬
‫وأخبرته وأقمت معه ما شاء اهلل أن أقيم، فلما حضرته الوفارة أمرني أن الحق برجل في عمورية‬
 ‫من بالد الروم، فرحلت إليه وأقمت معه واصطنعت لمعاشي بقرات وغنيمات، ثم حضرته الوفاة‬
 ‫فقلت له: إلى من توصي به؟ فقال: يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه أوصيك به، لكنه‬
                ‫ر‬
        ‫قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفا يهاجر إلى أرض ذات نخل بين ح ّتين، فإن‬
   ‫استطعت أن تخلص إليه فافعل وإن له آيات ال تخفى، فهو ال يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وإن‬
                                                         ‫بين كتفيه خاتم النبوة إذا رأيته عرفته.‬
    ‫ومر بي ركب ذات يوم فسألتهم عن بالدهم فعلمت أنهم من جزيرة العرب فقلت لهم: أعطيكم‬
    ‫بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم؟ قالوا: نعم، واصطحبوني معهم حتى‬
  ‫قدموا بي وادي القرى، فظلموني وباعوني إلى رجل من اليهود، ورأيت نخال كثيرا فطمعت أن‬
                                                                     ‫ص‬
   ‫تكون هي ما أق ّ من مهاجر النبي المنتظر، وأقمت عند الرجل الذي اشتراني حتى قدم عليه‬
  ‫يوما رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة، فواهلل ما هو إال‬
                                              ‫و‬
 ‫أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد الذي ُصف لي، وأقمت معه أعمل له في نخله حتى بعث رسول‬
  ‫اهلل ، وقدم المدينة وإني لفي رأس نخلة يوما وصاحبي جالس تحتها إذ أقبل رجل من يهود، من‬
                                                                                   ‫م‬
 ‫بني ع ّه، فقال: يخاطبه قاتل اهلل بني قيلة إنهم ليتقاصفون على رجل بقباء قادم من مكة يزعمون‬
     ‫أنه نبي، فواهلل ما هو إال أن قالها حتى أخذتني العرواء فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق‬
    ‫صاحبي ثم نزلت سريعاً أقول: ماذا تقول؟ ما الخبر؟ فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة، ثم‬
                                         ‫قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، فأقبلت على عملي.‬
‫ر‬
‫ولما أحسست جمعت ما كان عندي، ثم خرجت حتى جئت رسول اهلل بقباء فدخلت عليه ومعه نف ٌ‬
 ‫من أصحابه، فقلت له: إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي‬
   ‫مكانكم رأيتكم أحق الناس به ثم وضعته، فقال الرسول ألصحابه: كلوا باسم اهلل وأمسك هو فلم‬
  ‫يأكل، فقلت لنفسي: هذه واهلل واحدة، إنه ال يأكل الصدقة، ثم رجعت وعدت إليه عليه السالم في‬
                                                                  ‫ا‬
‫الغداة، أحمل طعامً، وقلت: إني رأيتك ال تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به‬
      ‫هدية، ووضعته بين يديه، فقال ألصحابه: كلوا باسم اهلل، وأكل معهم، قلت لنفسي: هذه واهلل‬
    ‫الثانية: إنه يأكل الهدية، ثم رجعت فمكثت ما شاء اهلل، ثم أتيته فوجدته في البقيع قد تبع جنازة‬
   ‫وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة فسلمت عليه ثم عدلت ألنظر إلى ظهره، فعرف‬
 ‫أني أريد ذلك، فألقى بردته عن كاهله فإذا العالمة بين كتفيه، خاتم النبوة كما وصفه لي صاحبي،‬
               ‫د‬                                                          ‫ب‬
 ‫فأكببت عليه أق ّله وأبكي، ثم دعاني عليه الصالة والسالم فجلست بين يديه، وح ّثته بحديثي وهو‬
                                                                      ‫يحب أن يسمعه أصحابه.‬
                                                                     ‫ر‬
‫ثم أسلمت وحال ال ّق بيني وبين شهود بدر وأحد وذات يوم قال لي رسول اهلل : ((كاتب يا سلمان‬
‫فكاتبت صاحبي على ثالثمائة نخلة أغرسها وأربعين أوقية ثم دعا الرسول الصحابة ليعينوني حتى‬
   ‫اجتمعت لي ثالثمائة نخلة، فلما صفرت لها جاء عليه الصالة والسالم فجعل يضع النخل بيده،‬
                                                                          ‫س‬
  ‫فوالذي نف ُ سلمان بيده ما مات منها نخلة واحدة، وأعطيتهم الباقي فعتقت، وشهدت مع رسول‬
                                                        ‫اهلل الخندق ثم لم يفتني معه مشهد)).‬
   ‫إخوة اإليمان: إن هذه القصة تحمل المعاني والمواقف العظيمة والتضحيات الجسيمة في كل ما‬
     ‫يملك اإلنسان من أجله الدين الحق الذي هو أغلى وأعز من كل شيء، فأي إنسان شامخ كان‬
               ‫ال‬                     ‫ل‬
         ‫سلمان الفارسي، أي توفيق عظيم أحرزته روحه المتطّعة، وفرضته إرادته الغ ّبة على‬
         ‫ا‬                                 ‫ال‬
  ‫المصاعب فقهرها، وعلى المستحيل فجعلته ذلو ً؟ أي والء للحقيقة أخرج صاحبه طائعً مختارا‬
  ‫من ضياع أبينه وثرائه ونعمائه، إلى المجهول بكل مشاقه وأعبائه، ينتقل من أرضٍ إلى أرض،‬
                                                ‫ل‬      ‫ا‬     ‫ً‬     ‫ا‬
‫ومن بلد إلى بلد، ناصبً كادحا عابدً، ويظ ّ في إصراره العظيم وراء الحق، وتضحياته النبيلة من‬
           ‫ا‬                                                      ‫ا‬
  ‫أجل الهدى حتى يباع رقيقً، فيجمعه اهلل بعد ذلك بالحق، ويالقيه برسوله مؤمنا مسلمً، ثم يشهد‬
                         ‫ال‬    ‫ا‬
                        ‫بعينيه رايات اهلل تخفق في كل مكان في األرض هدى وعمرانً وعد ً.‬
 ‫إن عبرا عظيمة ينبغي الوقوف عليها في قصة سلمان الفارسي، فلقد رأينا فيها تحكيم العقل الذي‬
 ‫هو أساس كل فضيلة، وهو طريق الحق فما أن تبين أن دينا خيرا من دينه حتى بادر باإلستجابة‬
     ‫إليه، والسؤال عن أصل هذاالدين نابذا األهواء والضالالت التي يعيشها قومه من كبر وجهل‬
 ‫وعصبية، كما نرى فيها توجيه الدعوة ألبيه بترك ما هم فيه من ضالل وخرافة بعبادتهم لنار ال‬
                                                                           ‫تلبث أن تنطفئ.‬
                                     ‫ب‬
‫رأينا في قصة سلمان الخير، وهذا كان لقبه ورأينا ح ّه للعلم الموصل للحق بسؤاله عن أصل هذا‬
 ‫الدين وإصراره للوصول إليه وحين نتحدث عن سلمان الفارسي نتحدث عن الشخصية التي بذلت‬
    ‫كل شيء في سبيل امتالك اليقين وحيازة الحقيقة، نتحدث عن رجل هجر الخرافة واألسطورة‬
‫واالرتحال في كل فج، وإلى كل صقع، طلبا للعلم الذي يتحقق فيه الصعود في الدنيا والسرور في‬
                                                                                   ‫اآلخرة.‬
‫نرى كذلك في قصة سلمان الفارسي تضحيته بنفسه وأهله وبلده وماله وقومه وما يدينون به، فلقد‬
                                         ‫ل‬                                            ‫ح‬
  ‫ض ّى بحياة القصور التي تعيشها عائلته إلى حياة كّفته إنفاق صدر شبابه في رحلة اليقين، كما‬
‫ضحى بحريته فقبل عبودية الجسد ليظفر بحرية المعتقد، قبل عبودية الشكل ليذوق حالوة العبودية‬
    ‫هلل، كل ذلك ألنه وجد أن الحق هو الرباط الوحيد الذي يجمعه ال رباط النسب وال الجنس وال‬
  ‫العرق وال اللون أو غيرها ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت‬
                                      ‫ل‬
  ‫أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عم ٌ غير صالح فال تسألن ما ليس لك به علم‬
                                                          ‫إني أعظم أن تكون من الجاهلين .‬
    ‫رأينا في قصة سلمان الفارسي الهمة الكبيرة والعزم القوي للوصول إلى ما ينفعه في دينه من‬
             ‫م‬
    ‫العلم، فحين نتحدث عن سلمان نتحدث عمن طلب الراحة على جسر المتاعب، وع ّن أراد أن‬
  ‫يعيش لذة البحث الدائمة عن الكمال نتحدث عن الشخصية التي رأت كمالها في بحثها الدائم عن‬
     ‫الكمال فلم ترض بحضور منقوص وجناح مقصوص وال بعلم يضيء الدنيا ويضيع اآلخرة،‬
                                                                   ‫و‬             ‫و‬
                                                      ‫والعقيدة تس ّق الواقع وتس ّغه وال تنقذه.‬
 ‫رأينا في قصة سلمان الفارسي تجشم المتاعب وعدم يأسه وتحمله مشاق التنقل من بلد إلى بلد في‬
 ‫سبيل االستزادة من العلم حتى خدم العلماء من أجل ذلك، بل صبر على الغدر والخيانة والضرب‬
     ‫واإلهانة كل هذا في سبيل الوصول إلى الحياة العزيزة الشريفة، نرى في قصة سلمان فرحة‬
 ‫الشديد عند لقائه برسول اهلل حتى أنه بكى من شدة الفرح كالظمآن حين يقع على نبع الماء، وذلك‬
                                            ‫عندما يتيقن من صدق نبوته عليه الصالة والسالم.‬
                                               ‫ي‬
‫ومن فضل اهلل سبحانه ورحمته أنه ال يخ ّب جهاد عبد تعب في الوصول إلى الحقيقة ويكرمه بعد‬
 ‫ن‬
‫ذلك حتى وصل إلى مكانة عظيمة عند رسول اهلل عليه الصالة والسالم حتى قال عنه: (سلمان م ّا‬
‫آل البيت)، وهكذا كان حرص الصحابة رضوان اهلل عليهم على الحق والرجوع إليه والبحث عنه‬
      ‫وما زادهم تواضعهم للحق إال رفعة، فمن تواضع هلل رفعه فالحق ضالتهم أنى وجدوه قبلوه‬
                ‫وتمسكوا به دون تردد، عن صغير أو كبير من غني أو فقير من رجل أو امرأة.‬
 ‫أما حال كثير من الناس مع األسف فهو عدم المباالة فيما ينفعهم في أمر دينهم، فهؤالء ال يكلفون‬
        ‫أنفسهم أدنى تكلفة في سبيل البحث عن العلم الحق الذي يحيي القلب بذكر اهلل ويحميه من‬
                                  ‫ا ن‬
   ‫األمراض وينجيه من عذاب يوم القيامة، بل تجد بعضً م ّا مع األسف يأتي الحق عليه ويطرق‬
                                                                   ‫ر‬
    ‫مسامعه ممن يتب ّع بإيصاله وذكره ونشره، لكننا نعرض عنه حتى ال ينغص ملذاتنا، وبعض‬
        ‫ا‬                  ‫ال‬
       ‫الناس ال يكتفون بهذا بل يقفون ضد الحق ويجادلون بالباطل، إما جه ً أو نفاقا أو تبريرً،‬
      ‫مخادعين ألنفسهم وغيرهم، معطلين تحكيم النقل والعقل، حتى انقلبت كثير من المفاهيم لدى‬
                                                             ‫ب ب‬
       ‫الناس، فمشاهدة ما ه ّ ود ّ من المحرمات في القنوات الفضائية وغيرها يسمونه انفتاحا‬
   ‫ا‬                                                                               ‫م‬
  ‫ويس ّون الربا فوائد، والرشوة هدية، واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة وشدة وتضييقً،‬
                               ‫و‬
 ‫وغير ذلك من المفاهيم المخادعة التي تقف ضد الحق وتش ّههه، فأين ذلك من قصة الباحث عن‬
   ‫الحقيقة المضحي ألجلها سلمان الفارسي الذي إذا تحدثنا عنه فإننا نسقط أصنام الفلسفة اليونانية‬
     ‫ا‬                                ‫س‬                                             ‫ي‬
     ‫التي ُجلها البعض، كما نسقط الفلسفة الحديثة الذين أ ّسوا الدنيا بمعزل عن الدين، وخالصً‬
                                                             ‫ر‬
                                       ‫لألجساد دون نجاة لألرواح وف ّوا من الشرك إلى الكفر.‬
  ‫تلكم قصة سلمان الفارسي فهل نعتبر بها وبمثيالتها من القصص والعبر التي مألت كتب السير‬
 ‫والتراجم نسأل اهلل أن يديم علينا نعمة اإلسالم وأن يزيدنا من فضله ورحمته إيمانا به وطاعة له.‬
       ‫ً‬                                 ‫ا‬                                  ‫ل‬
       ‫نسأل اهلل جّت قدرته أن يجعلنا ممن يرون الحق حقً ويرزقنا اتباعه ويرون الباطل باطال‬
                       ‫ويجتنبونه وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد.‬
‫(5/219)‬




                                                                                 ‫قوة وعزيمة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫اإليمان‬
                                                                               ‫فضائل اإليمان‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                      ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                        ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫جامع السالم‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- القوة قوة اإليمان والقلب. 7- التردد سمة من سمات الضعف والخور وضعف اليقين. 3-‬
 ‫األمر بجدية التعامل مع دين اهلل وشريعته. 1- ذم تقليد الناس ومسايرتهم في باطلهم. 1- صور‬
 ‫لقوة اإليمان. 6- أثر قوة اإليمان في غرس هيبة األمة في صدور أعدائها. 2- التمني واستعادة‬
                            ‫األحزان والتحسر من مظاهر الضعف وقد استعاذ منها رسول اهلل.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
                                                   ‫فيا عباد اهلل: اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
    ‫أيها األخوة المؤمنون: أخرج اإلمام مسلم رحمه اهلل من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال:‬
 ‫((المؤمن القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك‬
‫واستعن باهلل وال تعجز، وإن أصابك شيء فال تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر اهلل‬
                                                ‫وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)).‬
      ‫العقيدة المكينة معين ال يتضب للنشاط الموصول، والحماسة المذخورة، واحتمال الصعاب،‬
    ‫ومواجهة األخطار، بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الصعاب واألهوال دونما تهيب، وتلك‬
  ‫طبيعة اإليمان إذا تغلغل واستمكن، إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم‬
                   ‫ً‬                                                           ‫ا‬
          ‫كان واثقً من قوله، وإذا اشتغل كان راسخاً في عمله، وإذا اتجه كان واضحا في هدفه.‬
‫ال‬                  ‫ل‬
‫وما دام مطمئنا إلى الفكرة التي تمأل عقله، وإلى العاطفة التي تعمر قلبه، فقّما يعرف التردد سبي ً‬
                                                                          ‫ل‬
   ‫إلى نفسه، وقّما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، لسان حاله قوله تعالى: اعملوا على ما‬
                ‫مكانتكم إني عامل فسوق تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه وتحل عليه عذاب مقيم .‬
  ‫حديثنا إخوتي عن المؤمن القوي الذي يسير في الحياة كرجل ذي مبدأ متميز، فهو يعاشر الناس‬
    ‫على بصيرة من أمره، إن رآهم على الصواب تعاون معهم، وإن وجدتهم مخطئين نأى بنفسه.‬
‫أخي المؤمن: إن صدق العقيدة وصحتها يضفي على صاحبها قوة تظهر في أعماله كلها، فإذا تكلم‬
                  ‫ا‬           ‫ك‬                              ‫ا‬
  ‫كان واثقا، وإذا عمل كان ثابتً، وإذا جادل كان واضحا، وإذا ف ّر كان مطمئنً، ال يعرف التردد‬
   ‫وال تميله الرياح، يأخذ تعاليم دينه بقوة ال وهن معها خذوا ما آتيناكم بقوة ويقول جل وعال: يا‬
   ‫يحي خذ الكتاب بقوة المؤمن يأخذ أمره بعزيمة ال رخاوة معها، ال قبول ألنصاف الحلول، وال‬
                                                                           ‫هزال وال استهزاء.‬
                           ‫هذا هو عهد اهلل مع أنبيائه والمؤمنين، جد وحق، وصراحة وصرامة.‬
     ‫أما الرجل الضعيف فهو الذي يستعبده العرف الغالب، وتتحكم في أعماله التقاليد السائدة، ولو‬
                                                  ‫كانت خطأ يجر"ّ معه متاعب الدنيا واآلخرة.‬
 ‫إن المؤمن الحق مستنير الدرب يعاشر الناس على بصيرة من أمره، إذا رآهم على الحق أعانهم،‬
   ‫وإن رآهم على الخطأ جانبهم، متمثالً قوله : ((ال تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا،‬
                                                                ‫ط‬
     ‫وإن ظلموا ظلمنا، ولكن و ّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فال تظلموا))‬
                                                                              ‫[رواه الترمذي].‬
   ‫المؤمن القوي يثق بما يوقن به، ويستخف بما يلقاه من سخرية واستنكار عندما يشذ عن عرف‬
                                                                             ‫ط‬        ‫ه‬
       ‫الج ّال، ويخ ّ لنفسه نهجا يلتمس به مثوبة اهلل عز وجل، ولئن كان اإليمان باألوهام يغري‬
    ‫البعض بأن يسخر ويتهكم فإن اإليمان باإلسالم الحق يجب أن يجعل أصحابه أقوياء راسخين.‬
     ‫وإذا رأوك إن يتخذونك إال هزواً أهذا الذي بعث اهلل رسوال إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لوال أن‬
                                ‫ال‬
                               ‫صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبي ً.‬
‫المؤمن القوي يجب أن يكون وثيق العزم، مجتمع النية، على إدراك هدفه بالوسائل الصحيحة التي‬
                                                                                        ‫ر‬
                                                ‫تق ّبه منه، باذالً قصارى جهده في بلوغ مأربه.‬
       ‫واإلسالم يكره للمسلم أن يكون متردداً في أموره يحار في اختيار أصوبها وأسلمها، ويكثر‬
                                  ‫ج‬
  ‫الهواجس في رأسه فتخلق أمامه جواً من الريبة والتو ّس، فال يدري كيف يفعل أو يتصرف إن‬
                                              ‫هذا الضعف واالضطراب ال يليق بالمؤمن القوي.‬
 ‫اإليمان القوي هو القوة في الحق، والقوة في المصارحة فيه، وذلك حين يبتعد المؤمن القوي عن‬
    ‫المداهن والمجاملة المذمومة، فتراه يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ واضحة، ال يصانع على‬
  ‫حساب الحق، ومن يحيا بالحق ال يتاجر باألباطيل، المؤمن القوي غني عن التستر بستار الدخل‬
                          ‫واالستغالل، سيرته مبنية عل ركائز ثابتة من القوة والفضيلة والكمال.‬
     ‫ومن أجل هذا، فإن الصدع باألمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبثق من هذا السمو النفسي‬
  ‫والقوة اإليمانية، وقوة االستمساك بالحق والرضا به ولو كره الكارهون، وال تكون قوة بصدق،‬
   ‫خالصة بحق إال حين تبتعد عن مشاعر الشماتة، وحب األذى، وقصد التشهير ومن االستعجال‬
                                                                                    ‫واالنتقام.‬
    ‫ومن قوة اإليمان القوة في ضبط النفس والتحكم في اإلرادة التي تنشأ من كمال السجايا وحميد‬
                    ‫ً‬                       ‫و‬
‫الخصال، كإباء الضيم، وعزة النفس والتعفف، وعل ّا الهمة، وإنك لترى فقيرا قليل ذات اليد ولكنه‬
            ‫ذو إرادة قوية، ونفس عازمة، شريف الطبع، نزيه المسلك، بعيد عن الطمع والتذلل.‬
   ‫إن القوة في ضبط النفس آخذة بصاحبها بالسير في مسالك الطهر ودروب النزاهة، واالستقامة‬
    ‫على الجادة، أما الرجل الخرب الذمة، ومن سقطت مروءته فال قوة له ولو لبس جلود السباع‬
    ‫ومشى في ركاب األقوياء، وقد قال هود عليه السالم لقومه آمراً إياهم باالستغفار، والبعد عن‬
              ‫ا‬
   ‫مزالق الخاطئين: ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارً ويزدكم قوة‬
                                                              ‫إلى قوتكم وال تتولوا مجرمين .‬
                          ‫ي‬
     ‫عباد اهلل: إن قوة اإليمان هي التي تحفظ اإلسالم وأهل اإلسالم، فال ُصَدون عن دين اهلل وال‬
  ‫يفتنون، قوة ترهب أعداء اهلل، فعلى ديار اإلسالم ال يعتدون، قوة ترهب أعداء اهلل فال يقفون في‬
  ‫وجه دعوة اإلسالم وأوليائها، وهي قوة كذلك من أجل االستنصار للمستضعفين وللمغلوبين على‬
   ‫أمرهم، ليظهر أمر اهلل ويحق الحق ويبطل الباطل: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط‬
                 ‫الخيل ترهبون به عدو اهلل وعدوكم وآخرين من دونهم ال تعلمونهم اهلل يعلمهم .‬
     ‫أيها األخوة المؤمنون: من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اهلل، والتوكل الذي يقوى‬
                                                                        ‫ب‬
  ‫اإلنسان به ضر ٌ من الثقة باهلل، ينعش اإلنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة، ويلتفت حوله فال‬
    ‫ا‬                ‫د‬                                                               ‫ا‬
    ‫يرى عونً وال أمالً إال توكله على اهلل الذي يأوي به إلى ركن شديد، ويستم ّ هذا التوكل ثباتً‬
    ‫ورباطاً على منهجه ومبدئه، وفي جميع مجاالت القوة يكون الخير والمحبة اإللهية: ((المؤمن‬
                                            ‫القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف)).‬
                     ‫ث‬
   ‫وحين قال عليه الصالة والسالم: ((استعن باهلل وال تعجز))، فهو يم ّل صورة أخرى من صور‬
‫قوة اإليمان إنها قوة العزم واألخذ باألسباب على وجهها، يستجمع المؤمن في ذلك كل ما يستطيع‬
                                                ‫في سبيل تحقيق غاياته، غير مستسلم للحظوظ.‬
                                                                             ‫ل‬
     ‫إن المرء مكّف بتعبئة قواه وطاقاته، لمغالبة مشكالته إلى أن تنزاح عن طريقه فإذا استطاع‬
  ‫تذليلها فذلك هو المراد، ثم بعد ذلك يكل أمره إلى ربه ومواله، أما التردد واالستسالم للهواجس‬
                                                ‫ج‬
               ‫والوساوس، وتغليب جوانب الريب والتو ّس فهذا مجانب للقوة، وصدق العزيمة.‬
       ‫فالقوة في الجزم، والحزم واألخذ بكل العزم، ولهذا كان من أعظم المصائب الهدامة العجز‬
   ‫ي‬
 ‫والكسل، والجبن، والبخل، فهي صور من صور الضعف والخور، وقد استعاذ منها جميعها نب ّكم‬
  ‫محمد في دعاء رفعة إلى مواله، قائال: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل،‬
      ‫وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين قهر، وقهر الرجال)) [متفق عليه].‬
                                                                             ‫ل‬
                         ‫إنها كّها أمراض تصب في مصاب الضعف، واالنهزام النفس والعملي.‬
                                              ‫م‬
  ‫إن الصبر والرجاء هما عدة اليوم والغد، يتح ّل المرء في ظلهما المصائب الفادحة فال يذل، بل‬
‫يظل محصنا من نواحيه كلها، عالياً على األحداث والفتن، ألنه مؤمن، فالمؤمن ال يضرع إال هلل.‬
    ‫س‬                                       ‫ل‬
‫إن استعادة األحزان، والتحسر على فات، والتعّق بالماضي وتكرار التمني بـ "ليت" والتح ّر في‬
‫الزفرات بـ"لو" فليس من خلق المؤمن القوي، فإن لو تفتح عمل الشيطان، وما عمله إال الهواجس‬
                                                             ‫ن‬
      ‫والوساوس، فهو الوسواس الخ ّاس، فال التفات إلى الماضي إال بقدر ما ينفع الحاضر ويفيد‬
   ‫المستقبل، فاتقوا اهلل – رحمكم اهلل – واستمسكوا بعرى دينكم وخذوا أمركم ودينكم بقوة حكمة،‬
      ‫وسيروا في درب الحق بعزيمة متوكلين على ربكم، معتصمين بحبله، تكونوا من الراشدين.‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: وكتبنا له في األلواح من كل شيء موعظة وتفصيالً لكل شيء‬
                                 ‫فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين .‬
                                                          ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                    ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده. اتقوا اهلل وتوبوا إليه.‬
                                                           ‫س‬
 ‫أيها األخوة المؤمنون: ومما ير ُم لنا حديث نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه من جوانب القوة إلى‬
        ‫جانب قوة األخذ باألسباب وشد العزائم، قوة اليقين المتمثلة في عقيدة المسلم أمام األحداث‬
                          ‫والمتغيرات ((وإن أصابك شيء فال تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا)).‬
     ‫إنها ثقة باهلل واعتماد عليه حين تتوالى الظروف المحرجة، وتنعقد األجواء المدلهمة، ويلتفت‬
                                                 ‫أ‬        ‫ال‬       ‫ا‬
 ‫المرء يمنة ويسرة فال يرى عونً وال أم ً وال ملجً وال مالذا إال إلى اهلل، وباهلل، وعلى اهلل، ذلكم‬
    ‫هو مسلك النبيين والمرسلين والصالحين من بعدهم: ومالنا أال نتوكل على اهلل وقد هدانا سبلنا‬
                                       ‫ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى اهلل فليتوكل المتوكلون .‬
   ‫إن جماع ذلك إخوتي أن القوة هي عزيمة النفس، وإقدامها على الحق في أمور الدنيا واآلخرة،‬
  ‫إنها إقدام على العدو في الجهاد، وشد عزم في األمر بالعروف والنهي عن المنكر، وصبر على‬
‫األذى في الدعوة إلى اهلل، واحتمال المشاق في ذات اهلل، واصطبار على إقام الصالة وإيتاء الزكاة‬
                        ‫وسائر المفروضات، ونشاط، ودأب في طلب الخيرات والمحافظة عليها.‬
‫فاتقوا اهلل رحمكم اهلل وخذوا بعزائم األمور، واعتصموا بحبل اهلل وتوكلوا عليه، وصلوا وسلموا .‬
                                                                                             ‫..‬

‫(5/819)‬
                                   ‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من االختالط‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                            ‫األسرة والمجتمع, اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                          ‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر, خصال اإليمان, قضايا المجتمع‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫حسين بن شعيب بن محفوظ‬
                                                                                    ‫صنعاء‬
                                                                              ‫03/1/0715‬
                                                                                 ‫غير محدد‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وجوب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7- منزلة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
 ‫في اإلسالم. 3- فضل األمر بالمعروف والنهي عن المنكر . 1- مراتب النهي عن المنكر. 1-‬
                                      ‫ض‬
  ‫مفاسد االختالط بين الجنسين في المدارس. 6- ح ّ المسلمين على إنكار االختالط. 2- عظم‬
                                  ‫المسؤولية على الوالدين. 8- مكر أعداء اإلسالم بالمسلمين.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
‫فإن اهلل سبحانه وتعالى قد أوجب على المسلمين القيام بواجب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
     ‫فقال: ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم‬
‫المفلحون [آل عمران:105]، فأوجب اهلل سبحانه وتعالى أن ينتصب من هذه األمة طائفة تقوم بهذا‬
 ‫الواجب العظيم، وجعل اهلل من شروط حيازة الخيرية لهذه األمة قيامها باألمر بالمعروف والنهي‬
     ‫عن المنكر فقال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر‬
  ‫وتؤمنون باهلل [آل عمران:055]، فأساس التشريع اإلسالمي مبني على األمر بالمعروف والنهي‬
  ‫عن المنكر، بل الدين كله أمر بمعروف ونهي عن المنكر فالتوحيد أمر بعبادة اهلل وحده الشريك‬
     ‫له ونهى عن الشرك قال تعالى: واعبدوا اهلل وال تشركوا به شيئاً [النساء:63] والصالة تأمر‬
    ‫بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر قال تعالى: وأقم الصالة إن الصالة تنهى عن الفحشاء‬
 ‫والمنكر ولذكر اهلل أكبر واهلل يعلم ما تصنعون [العنكبوت:11]، والزكاة أمر بمعروف ونهي عن‬
   ‫منكر قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليه إن صالتك سكناً لهم‬
   ‫[التوبة:305] تطهرهم من دنس البخل والشح والهلع واألثرة واألنانية وتمنيهم عند اهلل سبحانه‬
  ‫وتعالى بالمثوبة واألجر والدرجات العلى والصوم كذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال‬
   ‫رسول اهلل : ((فاذا كان يوم صوم أحدكم فال يرفث وال يصخب وال يجهل))(5)، والحج كذلك‬
‫شرع لألمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: فمن فرض فيهن الحج فال رفث وال فسوق‬
                                                           ‫وال جدال في الحج [البقرة:295] .‬
‫…فيا عباد اهلل إن القيام بواجب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص األمة المحمدية‬
  ‫فقال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‬
   ‫ويقيمون الصالة ويؤتون الزكاة ويطيعون اهلل ورسوله أولئك سيرحمهم اهلل إن اهلل عزيز حكيم‬
 ‫[التوبة:52]، وهو سبب من أسباب التمكين للمؤمنين في األرض قال اهلل تعالى: الذين إن مكناهم‬
   ‫في األرض أقاموا الصالة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهلل عاقبة األمور‬
                                                                                ‫[الحج:51] .‬
 ‫وهكذا نجد كل أركان اإلسالم إنما جاءت لتؤكد على األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك‬
‫يدل على أهمية القيام به في اإلسالم، ولما كانت المنكرات قد فشت وعمت وطمت فإن المسئولية‬
 ‫تقع على كاهل الجميع في تغيير المنكرات وقد جعل الرسول مراتب التغيير ثالثاً فعن أبي سعيد‬
                     ‫ً‬
 ‫الخدري رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم‬
     ‫يستطع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف اإليمان))(7) فكل مسلم قادر على تغيير‬
  ‫المنكر وجب عليه أن يغيره بيده فيما له قدرة عليه أو مسئولية، فإن لم يستطيع فاإلنكار باللسان‬
       ‫واجب، وذلك بالنصيحة والتوحيد واإلرشاد، وإن أدى الى نوع تغليظ وتعنيف إن إقتضت‬
      ‫المصلحة ذلك، فإن لم يتمكن من هذا وذاك فالواجب على المسلم إنكار المنكر بالقلب وذلك‬
‫أضعف اإليمان، أي آخر مراتب اإليمان وحدوده، فعن عبداهلل بن مسعود أن رسول اهلل قال: ((ما‬
   ‫من نبي بعثه اهلل في أمة قبلي إال كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون‬
 ‫بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما ال يفعلون ويفعلون ماال يؤمرون، فمن جاهدهم‬
‫بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك‬
‫من اإليمان حبة خردل))(3)، (فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه اهلل، لم يكن فيه من‬
 ‫اإليمان الذي يستحق به الثواب وقوله ((من اإليمان)) أي: من هذا اإليمان وهو اإليمان المطلق،‬
      ‫أي: ليس وراء هذه الثالث ماهو من اإليمان، والقدر حبة خردل، والمعنى: هذا آخر حدود‬
     ‫اإليمان، ما بقي بعد هذا من اإليمان شيء، ليس مراده: إنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من‬
   ‫اإليمان شيء، بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى األول)(1)، فيا عباد اهلل إن المنكرات بين‬
     ‫المسلمين كثيرة وفي إزدياد، والسيئات يتفاقم أمرها بين الفينة واألخرى، ومن هذه المنكرات‬
    ‫فرض اإلختالط بين الجنسين في المدارس، وهو أمر إن تم ال قدر اهلل فسينذر بكارثة وسوف‬
 ‫يحصل ماال تحمد عواقبه، فإن الميل الفطري بين الجنسين عميق في التكوين الحيوي، فاالختالط‬
   ‫بين الجنسين يؤدي إلى شيوع الفساد وإنتشار الزنا وتحلل األخالق وفسادها وكثرة أوالد الزنا‬
    ‫وذهاب الحياء وظهور السفور والتبرج وحصول هذه األمور بعضها أو كلها إيذان بفتح باب‬
   ‫ا‬
   ‫الفتنة، فعن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي اهلل عنها أن النبي دخل عليها فزعً‬
                                                           ‫ل‬
  ‫يقول: ((ال إله إال اهلل وي ٌ للعرب من شرق قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل‬
  ‫هذه)) وحلق بأصبعه اإلبهام والتي تليها فقلت: يا رسول اهلل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم‬
 ‫إذا كثر الخبث))(1)، وقد فسر بعض أهل العلم الخبث بالفجور والفسوق، وذهب بعضهم الى أن‬
‫الخبث هو الزنى خاصة، وقيل: أوالد الزنى، وفي هذا الحديث دليل على شؤم المعصية والواجب‬
   ‫تحريض المسلمين على إنكارها وتغييرها، فيا أيها المسلمون: الواجب عليكم أن ال تسكتوا عن‬
   ‫هذا المنكر، فلوسكتم عنه كما سكتم عن غيره وعن ماهو أعظم منه عم العذاب والبالء ونزلت‬
     ‫الفتن والمصائب واإلبتالءات كما قال تعالى: وأتقوا فتنة ال تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة‬
‫وأعلموا أن اهلل شديد العقاب [األنفال:17]، فاذا حصل اإلختالط بين الجنسين القدر اهلل، فالواجب‬
    ‫على كل أب أن يمنع إبنته من الذهاب الى المدارس المختلطة والتعلم فيها، فأجلسها في البيت‬
   ‫وعلمها كتاب ربها وسنة نبيها وأدبها بأدب اإلسالم تكن لك ذخراً عند اهلل، وأما اذا أطلقت لها‬
 ‫العنان وشجعتها على الدراسة في المدارس المختلطة فال تلومن اال نفسك إن جاءت لك بفضيحة‬
     ‫أو حملت معها العار والشنار، وحينها والعياذ باهلل ستندم والت ساعة مندم، ربنا هب لنا من‬
                                            ‫أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وأجعلنا للمتقين إماماً .‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
      ‫فإن المسئولية على البنات تقع على كاهل الجميع فكل أب مسؤول عن أوالده وكذلك المرأة‬
  ‫مسؤولة عن تربية أوالدها وبناتها وقد قال : ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فاإلمام راع‬
 ‫وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت‬
  ‫زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته أال فكلكم‬
‫راع وكلكم مسؤول عن رعيته))(6)، فكل إنسان سيسأل يوم القيامة عن ما إسترعاه اهلل حفظ ذلك‬
                                                                                     ‫أم ضيع.‬
   ‫فيا عباد اهلل: إن اإلختالط شره مستطير، وخطره عظيم وكبير فمامن أمة عرفت اإلختالط اال‬
                                                                              ‫وذهبت أخالقها‬
                                                                 ‫وإنما األمم األخالق ما بقيت‬
                                                                ‫فإن همو ذهبت أخالقهم ذهبوا‬
 ‫وأعداء اإلسالم من اليهود والنصارى والعلمانيين أدركوا أن الوسيلة السهلة إلفساد المسلمين إنما‬
          ‫يكون بإشاعة الفاحشة بينهم ومن أهم الطرق المؤدية الى ذلك اإلختالط بين الجنسين .‬
‫ولما أعدت فرنسا حملتها الحتالل الشام ومصر كان برفقه الجيش الفرنسي المحتل جيش آخر من‬
  ‫النساء الغانيات الفاتنات الجميالت فقال أحد الجنود لقائده: إن مهمتنا معروفة ولكن ماهي مهمة‬
                                           ‫ا‬
‫هذا الجيش من النساء، فقال له: يا أحمق أن كاسً وغانية يفعالن في شباب محمد - - ما ال يفعله‬
                                                                         ‫ألف مدفع أو دبابة.‬
  ‫إن الواجب على المسلم أن يحافظ على بناته ويؤدبهن بأدب اإلسالم وديننا الحنيف وضع للمرأة‬
  ‫المسلمة القيود التي تحصنها وتحافظ على كرامتها وتصون عفتها فقال تعالى: وقرن في بيوتكن‬
  ‫وال تبرجن تبرج الجاهلية األولى وأقمن الصالة وآتين الزكاة [األحزاب:33]، وقال تعالى: وإذا‬
                                                                       ‫ا‬
  ‫سألتموهن متاعً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن [األحزاب:31]، فياعباد‬
 ‫اهلل إن الواجب عليكم أن تحافظوا على بناتكم وتمنعوهن من التبرج والسفور واإلختالط، فأجعلوا‬
  ‫البنت تقر في بيتها وال تشجعوها على اإلختالط بالرجال في المدارس والجامعات وأمتثلوا لدين‬
                                                                 ‫اهلل وأمره تفلحوا وترشدوا.‬


                                                                           ‫__________‬
                                  ‫(5) 5 - متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه .‬
                                                                      ‫(7) 7 - رواه مسلم .‬
                                                                      ‫(3) 3 - رواه مسلم .‬
                             ‫(1) 1 - أنظر مجموع الفتاوي 7152 – شيخ اإلسالم بن تيمية .‬
                                                                      ‫(1) 1 - متفق عليه .‬
                            ‫(6) 6 - متفق عليه من حديث عبداهلل بن عمر رضي اهلل عنهما .‬

‫(5/919)‬




                                                                          ‫النهي عن الرشوة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                          ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫حسين بن شعيب بن محفوظ‬
                                                                                    ‫صنعاء‬
                                                                              ‫57/6/0715‬
                                                                                      ‫غير محدد‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
‫5- النهي عن أكل أموال الناس بالباطل. 7- حرمة مال المسلم. 3- بيان انتشار داء الرشوة. 1-‬
       ‫الرشوة سحت. 1- الرشوة توجب اللعنة. 6- صور من الرشوة. 2- حكم هدايا الموظفين‬
                                                            ‫والعمال. 8- آثار أكل المال الحرام.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
    ‫ا‬
 ‫يقول اهلل سبحانه وتعالى: وال تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقً من‬
   ‫أموال الناس باإلثم وأنتم تعلمون [البقرة:885]، ففي هذه اآلية الكريمة ينهى اهلل سبحانه وتعالى‬
  ‫عن أكل أموال الناس بالباطل، وذلك بالطرق غير الشرعية فإن الواجب على المسلم أن ال يأكل‬
    ‫المال اال بالطرق المشروعة، و يأمره أن ال يستحل أموال الناس باإلثم والحرام. قال علي بن‬
 ‫طلحة عن إبن عباس: هذا في الرجل يكون عليه ماله وليس عليه فيه بينة، فيجمد المال ويخاصم‬
‫الى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام. وكذا روي عن مجاهد وسعيد‬
   ‫إبن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنهم‬
 ‫قالوا: ال تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم(5)، قال قتادة: أعلم يا إبن آدم أن قضاء القاضي اليحل لك‬
                                                                                ‫ا‬
  ‫حرامً وال يحق لك باطالً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر‬
‫يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع اهلل بينهما يوم‬
‫القيامة، فيقضي على المبطل للحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا)(7)، فأموال‬
        ‫المسلمين حرام ال يجوز إستحاللها إال بحقها أو بطيبة من أنفسهم وقد حرم اإلسالم أموال‬
    ‫المسلمين فقد قال رسول اهلل في حجة الوداع: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام‬
    ‫كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، أال فال‬
                                                               ‫ا‬
‫ترجعوا بعدي كفارً يضرب بعضكم رقاب بعض))(3) وإن من وسائل أكل أموال الناس بالباطل،‬
  ‫الرشوة التي انتشرت في هذا الزمان، وفي بالدنا على وجه الخصوص حتى صارت ديدن كثير‬
  ‫من المسلمين، يأخذونها وال يخافون من أكل الحرام، وال يتحرجون من أكل األموال باإلثم، فقل‬
                                                                              ‫ً‬
    ‫أن تجده موظفا أو قاضياً أو عامالً إال وهو يمد يديه ألخذ الرشوة من دون حياء من اهلل، وال‬
     ‫خجل من الناس، فاعلموا يا عباد اهلل أن هذا المال الذي يؤخذ بطريق الرشوة حرام وسحت،‬
                                                                ‫ا‬     ‫ال‬
      ‫وآخذه متعاط ما ً حرامً وقد وصف اهلل تعالى اليهود بأنهم سماعون للكذب آكالون للسحت‬
 ‫[المائدة:71]. وقد حكى ابن رسالن في شرح السنن عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما فسرا قوله‬
‫تعالى: أكالون للسحت بالرشوة، وحكى عن مسروق عن إبن مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو‬
     ‫الرشوة؟ قال: ال ومن لم يحكم بما أنزل اهلل فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون، ولكن‬
  ‫السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك، فإن أهدى لك فال تقبل. وقال أبو وائل شقيق‬
‫بن سلمة - أحد أئمة التابعين -: القاضي اذا أخذ الهدية فقد أكل السحت واذا أخذ الرشوة بلغت به‬
                                                                                      ‫الكفر(1).‬
    ‫أيها المسلمون: إن اإلسالم قد نهى عن الرشوة ألنها سحت، ومال حرام وهي من أكبر الكبائر‬
   ‫والذنوب وصاحبها معرض للوعيد فقد لعن رسول اهلل المرتشين، فعن أبي هريرة – رضي اهلل‬
 ‫عنه – قال: قال رسول اهلل : ((لعنة اهلل على الراشي والمرتشي في الحكم))(1)، وعن عبداهلل بن‬
‫عمرو قال: قال رسول اهلل ((الراشي والمرتشي والرائش))(6) يعني الذي يمشي بينهما، والراشي‬
‫هو دافع الرشوة، والمرتشي هو آخذها وقابضها، والرائش الوسيط بين الراشي والمرتشي، فهؤالء‬
‫جميعاً ملعونون من اهلل وعلى لسان رسوله أولئك الذين لعنهم اهلل ومن يلعن اهلل فلن تجد له نصيرً‬
‫ا‬
                                                                                   ‫[النساء:71].‬
‫فيا عباد اهلل: إعلموا أن اللعن هو الطرد واإلبعاد عن رحمة اهلل عز وجل، والملعون اليفلح أبداً إال‬
   ‫إن تاب من ذنبه وتاب اهلل عليه، وما استحق الراشي والمرتشي والرائش اللعن إال لعظم الذنب‬
 ‫والجرم الذي إقترفه، فالحذر الحذر من التساهل في الرشوة وتعاطيها وقبضها وأخذها وتوبوا إلى‬
                                                         ‫اهلل جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫إن مما يدل على مسمى الرشوة وإطالقها ما يدفعه الناس إلى القضاة والحكام، وكذلك ما يأخذه‬
  ‫العمال على أخذ الصدقات، وما يأخذه الموظفون والعمال وأرباب المهن من الناس في الوظائف‬
  ‫الحكومية العامة التي يتقاضون منها أجوراً شهرية، فما يأخذونه من الناس نظير ما يقدمونه من‬
                    ‫ا‬
     ‫األعمال التي هي من صميم ما أوكل اليهم مما يتقاضون به أجراً هو أيضً من الرشوة، وهو‬
 ‫حرام باإلجماع، فيا عباد اهلل إنه قد عم في هذه األيام بين المسلمين قبض الرشوة ودفعها وتهاون‬
  ‫المسلمون في ذلك نتيجة الفساد اإلداري المالي الذي يضرب بأطنابه في جذور المجتمع، فقل أن‬
                    ‫ا‬
     ‫تجد من يتحرز عن هذه األموال التي يأكلها أكثر الناس سحتاً يكسبونه حرامً، فالمال الحرام‬
                                                                             ‫ا‬
           ‫اليأتي بخير أبدً وصاحبه ال يبارك اهلل له في أهله وماله، وعاقبة المال الحرام وخيمة.‬
    ‫وأعلموا أن الهدايا التي تقدم لعمال الصدقة والموظفين حرام، وهي من الرشوة ودليله عن أبي‬
                     ‫ال‬
   ‫حميد عبدالرحمن بن سعد الساعدي رضي اهلل عنه قال: استعمل النبي رج ً من األزد يقال له:‬
  ‫إبن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي الي. فقام رسول اهلل على المنبر فحمد‬
      ‫اهلل وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما والني اهلل، فيأتي‬
       ‫ا‬
‫فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي أفال جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقً، واهلل‬
 ‫اليأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إال لقي اهلل تعالى يحمله يوم القيامة فال أعرفن أحداً منكم لقي اهلل‬
   ‫يحمل بعيراً له رغاء أوبقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رؤي عفرة إبطيه فقال:‬
                                                                  ‫ا‬
                ‫اللهم هل بلغت (ثالثً)))(2)، والرغاء هو صوت األبل والخوار هو صوت البقر.‬
 ‫أيها المسلمون إن المصائب التي تتوالى علينا بين حين وآخر وتفاقم المشكالت وتعاظم المنكرات‬
 ‫وإنعدام األمن وشيوع الفساد وتتابع المحن واإلبتالءات كلها بسبب ذنوبنا ومعاصينا ونحن نضج‬
  ‫ونشكو وندعو اهلل وال يستجاب لنا، إذ كيف يستجاب لإلنسان وهو يأكل المال الحرام، فعن أبي‬
                                        ‫ا‬
       ‫هريرة أن رسول اهلل قال: ((إن اهلل طيب اليقبل إال طيبً وإن اهلل أمر المؤمنين بما أمر به‬
‫المرسلين فقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم [البقرة:725] اآلية، ثم ذكر الرجل‬
     ‫يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه الى السماء، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام‬
                       ‫وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك))(8)، أي كيف يستجاب لمن هذه حاله.‬
‫إن المال الحرام كما أنه سبب من أسباب شقاء اإلنسان فهو من أسباب حجب إجابة الدعاء هذا في‬
 ‫الدنيا أما في اآلخرة فإن آكل أموال الناس بالباطل معرض للوعيد فعن أبي هريرة أن رسول اهلل‬
 ‫قال: ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من الدرهم له وال متاع، فقال: إن المفلس من أمتي‬
‫من يأتي يوم القيامة بصالة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك‬
‫دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي‬
          ‫ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار))(9)، فيامن يأكلون الرشوة‬
  ‫ويستحبونها أحذروا من أكل أموال الناس بالباطل، واعلموا أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وردوا‬
 ‫المظالم إلى أهلها وتوبوا إلى اهلل قبل أن يأتي يوم ال ينفع فيه مال وال بنون إال من أتى اهلل بقلب‬
                                                                                            ‫سليم.‬


                                                                                 ‫__________‬
                                                              ‫(5) 5 - تفسير إبن كثير 17755 .‬
                                                              ‫(7) 7 - تفسير إبن كثير 17755 .‬
                      ‫(3) 3 - متفق عليه من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي اهلل عنه .‬
                                                                 ‫(1) 1 - نيل األوطار 72551 .‬
                                                      ‫(1) 1 - رواه أحمد وأبو داود والترمذي .‬
                                                                     ‫(6) 6 - رواه اإلمام أحمد .‬
                                                                           ‫(2) 2 - متفق عليه .‬
                                                                           ‫(8) 8 - رواه مسلم .‬
                                                                           ‫(9) 9 - رواه مسلم .‬
‫(5/019)‬




                                                                       ‫مفهوم السعادة في اإلسالم‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                                          ‫اإليمان‬
                                                                                  ‫فضائل اإليمان‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                     ‫حسين بن شعيب بن محفوظ‬
                                                                                          ‫صنعاء‬
                                                                                     ‫2/6/0715‬
                                                                                      ‫غير محدد‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- اختالف الناس في الطريق إلى السعادة. 7- حقيقة السعادة في االستقامة على الدين. 3-‬
                                                         ‫و‬        ‫ب‬
     ‫المرء مع من أح ّ. 1- مق ّمات السعادة. 1- كلمات لبعض السعداء الصالحين. 6- صفات‬
                                                                             ‫األشقاء ومصيرهم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
‫فإن السعادة كلمة خفيفة على اللسان، حبيبة الى قلب كل إنسان، وما من إنسان اال وهو يسعى الى‬
   ‫السعادة وتحقيقها في حياته، فأكثر الناس يظن أن السعادة في المال والثراء الفاحش، ومنهم من‬
    ‫يتصور أن السعادة في أن يكون له بيت فاخر وسيارة فارهة، ومنهم من يعتقد أن السعادة في‬
    ‫المال واألوالد، ويعتقد البعض أن السعادة في أن تكون له وجاهة في المجتمع، أو يتبوأ أعلى‬
 ‫المناسب القيادية في البلد، ومنطق بعض الناس أن السعادة تكون في السلطة والملك، ومن الناس‬
   ‫من يقول أن السعادة في أن يتزوج إمرأة حسناء ويظفر بذات الحسب والنسب والمال والجمال‬
    ‫وذات الدالل، وللناس فيما يعشقون مذاهب وقليل من الناس هم الذين عرفوا حقيقة السعادة في‬
  ‫الدنيا فعلموا أن السعادة إنما تكون باإلستقامة على دين اهلل قال تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا‬
   ‫وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها اليبخسون، أولئك الذين ليس لهم في اآلخرة إال النار‬
   ‫وحبط ماصنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون [هود:15-65] وقال تعالى:من كان يريد العاجلة‬
                             ‫ا‬
     ‫عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصالها مذمومً مدحوراً ومن أراد اآلخرة‬
                              ‫ا ال‬
 ‫وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورً ك ً نمد هؤالء وهؤالء من عطاء ربك‬
‫وما كان عطاء ربك محظوراً، أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ولآلخرة أكبر درجات وأكبر‬
                                              ‫ا‬                ‫ا‬
 ‫تفضيالً ال تجعل مع اهلل إلهً آخر فتقعد مذمومً مخذوالً [اإلسراء-06] وقال تعالى: من كان يريد‬
‫حرث اآلخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في اآلخرة من نصيب‬
‫[الشورى:07] فالسعيد هو من سعد في الدارين والمؤمن لما كان مستقيماً على طاعة اهلل ورسوله‬
   ‫فله السعادة في الدنيا واآلخرة، ففي الدنيا أنعم اهلل عليه بأن وفقه الى السير على طريقة النبيين‬
 ‫والصديقين والشهداء والصالحين غير صراط المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى ، فهو‬
  ‫كما أنه مع أولياء اهلل فسيحشر معهم، فإن المرء مع من أحب كما جاء في الحديث الصحيح عن‬
                 ‫أبي موسى األشعري رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((المرء مع من أحب))(5).‬
    ‫فيا أيها المسلمون إن للسعادة مقومات، ومن أهمها وحدانية اهلل سبحانه وتعالى وطاعته وإتباع‬
  ‫رسوله وذلك بالعمل بسنته القولية والعملية واإلبتعاد عن اإلحداث في الدين ولذلك نجد أن أسعد‬
     ‫الناس هم الموحدون هلل الذابون عن سنة رسول اهلل ، فالصالحون من عباد اهلل ولو كانوا في‬
‫شظف من العيش تجدهم من أسعد الناس وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك‬
‫ما نحن فيه لجادلونا عليه بالسيوف، وقال اآلخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب‬
‫ما فيها، قيل وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة اهلل تعالى ومعرفته وذكره أو نحو هذا. وقال آخر: إن‬
                                                      ‫ا‬
 ‫لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربً. وقال آخر: إنه لتمربي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في‬
                                                              ‫مثل هذا إنهم لفي عيش طيب(7).‬
   ‫ويحكي إبن القيم رحمه اهلل عن شيخ اإلسالم فيقول: (وسمعت شيخ اإلسالم إبن تيمية قدس اهلل‬
‫روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها ال يدخل جنة اآلخرة وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي‬
‫بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري إني رحت فهي معي ال تفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة‬
   ‫وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما‬
‫عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخيرونحو هذا وكان‬
  ‫يقول في سجوده وهو محبوس: ألهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ماشاء اهلل وقال‬
 ‫لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه. ولما دخل الى القلعة‬
  ‫وصار داخل سورها نظر اليه وقال فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من‬
                                          ‫ا‬         ‫ا‬
     ‫قبله عذاب وعلم اهلل ما رأيت أحدً أطيب عيشً منه مع ما كان فيه من ضيق العيش وخالف‬
‫الرفاهية والنعيم بل ضدها ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد واإلرهاق وهو مع ذلك من أطيب‬
                                     ‫ا‬           ‫ا‬            ‫ا‬            ‫ا‬
  ‫الناس عيشً وأشرحهم صدرً وأقواهم قلبً وأسرهم نفسً تلوح نضرة النعيم على وجهه(3)، فهذه‬
  ‫هي السعادة الحقيقة ال ينالها إال من تذوقها وال يتذوقها اال من إنشراح صدره لإلسالم وأطمأنت‬
                              ‫قلبه باإليمان أقول ما تسمعون وصلى اهلل على محمد آله وصحبه.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫إن السعيد من سعد بطاعة اهلل، والشقي من شقي بمعصيته هلل إن في ذلك آلية لمن خاف عذاب‬
  ‫اآلخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إال ألجل معدود يوم يأتي التكلم‬
   ‫نفس إال بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقور ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها‬
    ‫مادامت السماوات واألرض اال ماشاء اهلل إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة‬
                         ‫ً‬
 ‫خالدين فيها مادامت السموات واألرض إال ما شاء اهلل ربك عطاء غير مجذوذ [هود:305-805]‬
    ‫فالسعداء هم أولياء اهلل المتقون الذين يعيشون في ظالل الكتاب والسنة تطمئن قلوبهم بذكر اهلل‬
   ‫الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اهلل أال بذكر اهلل تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات‬
       ‫طوبى لهم وحسن مئاب [الرعد:87-97] وأما األشقياء فإنهم معرضون عن اهلل وعن دينه‬
 ‫وشرعه، مكذبون برسله وباليوم اآلخر، ناقضون العهد وميثاقه، فسوف يعيشون عيشة ضنكاً كما‬
                                     ‫ا‬
  ‫قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكً ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لم‬
‫حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى [طه:175-675]‬
   ‫ويوم القيامة يوم تدنو الشمس من رؤوس الخالئق فال يكون بينها وبين رؤوسهم اال مقدار ميل‬
      ‫فيبلغ بهم الرشح الى أنصاف آذانهم، في ذلك اليوم الذي يفر فيه المرء من آخيه وأمه وأبيه‬
‫وصاحبته وبنيه لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، في ذلك اليوم يسعد فيه السعداء سعادة ال شقاوة‬
                                                         ‫ء‬                     ‫ا‬
 ‫بعدها أبدً، ويشقى األشقياء شقا ً ما بعدها شقاء، في ذلك اليوم يعطى الناس صحائفهم واليدرون‬
‫ما اهلل فاعل بهم فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم أقرأوا كتابيه إني ظننت أني مالق حسابيه‬
 ‫فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في األيام الخالية‬
 ‫[الحاقة:95-17] هذا هو حال السعداء في ذلك اليوم الذي تنشر فيه صحائف األعمال وتهتك فيه‬
‫السرائر وأما األشقياء فما هو حالهم إسمعوا الى قول اهلل تعالى: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول‬
    ‫ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغني عني ماليه هلك عني‬
                        ‫ا‬
   ‫سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعً فأسلكوه لماذا كل هذا‬
‫العذاب عليه يارب إنه كان اليؤمن باهلل العظيم وال يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا‬
‫حميم وال طعام اال من غسلين ال يأكله اال الخاطئون [الحاقة:17-23]. فهنيئاً للسعداء الفائزين في‬
 ‫الدارين، وبئس األشقياء الذين آثروا الحياة الدنيا على اآلخرة واستحبوا العاجلة على الحياة الباقية‬
  ‫الدائمة، فيا أيها المسلمون إعملوا آلخرتكم قبل مماتكم وخذوا من دنياكم ما ينفعكم يوم الدين يوم‬
         ‫الحسرة والندامة يوم الينفع مال وال بنون اال من أتى اهلل بقلب سليم [الشعراء:88-98].‬
   ‫فاذا أردتم السعادة فإنها في طاعة اهلل وفي اإلستقامة على منهج اهلل في التمسك بسنة رسول اهلل‬
     ‫في المواالة في اهلل وفي العبادات ألجل اهلل ، السعادة تكون في تحقيق التوحيد والمتابعة قوالً‬
                                                                    ‫ا‬
  ‫وعمالً وظاهراً وباطنً، فمن تحقق فيه ذلك فهو السعيد في الدنيا، وهو الذي سيسعد في اآلخرة،‬
 ‫وأما من عصى اهلل ورسوله وكذب بآياته وعادى أولياءه ووالى أعداءه وأشرك مع اهلل غيره ولم‬
‫يتبع رسوله فهو من األشقياء في الدنيا واآلخرة وسيصلى ناراً حامية ويسقى من عين آنية ، نعوذ‬
                   ‫باهلل من النار ومن حال األشقياء ونسأله الجنة وأن يحشرنا مع السعداء آمين.‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                       ‫(5) 5 – متفق عليه .‬
      ‫(7) 7 – أنظر الوابل الصيب من الكلم الطيب إلبن قيم الجوزية ص 526 ضمن مجموعة‬
                                                                                   ‫الحديث .‬
                                              ‫(3) 3 – المصدر السسبق بعد / 026 – 526 .‬

‫(5/519)‬




                                                                    ‫مظاهر مواالة المشركين‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫اإليمان‬
                                                                              ‫الوالء والبراء‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                 ‫حسين بن شعيب بن محفوظ‬
                                                                                     ‫صنعاء‬
                                                                                 ‫6/2/0715‬
                                                                                  ‫غير محدد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وجوب المواالة في اهلل والمعاداة في اهلل. 7- أهم مظاهر مواالة المشركين: أ- اتباع سننهم.‬
  ‫ب- تعليم القوانين الوضعية. ج-التشبه بهم. د- االحتفال بأعيادهم. 3- مفاسد تقليد الكفار. 1-‬
                                         ‫من مواقف السلف. 1- عزة المسلم في التمسك بدينه.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
   ‫فإن من أصول الدين الحنيف المواالة في اهلل والمعاداة في اهلل والحب في اهلل والبغض في اهلل،‬
    ‫وذلك من أوثق عرى اإليمان، فالواجب على المؤمن الموحد أن يوالي اهلل ورسوله والمؤمنين‬
                                                              ‫ويتبرأ من الشرك والكفر وأهلهما.‬
‫وهو دين إبراهيم عليه السالم والذين آمنوا معه وجعلهم اهلل سبحانه وتعالى قدوة لنا قال تعالى: قد‬
   ‫كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآءوا منكم ومما تعبدون من‬
    ‫دون اهلل كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا باهلل وحده [الممتحنة].‬
  ‫وهو دين رسول اهلل الذي أمره اهلل هو وكل المؤمنين أن ال تتخذوا الكفار أولياء فقال تعالى: يا‬
   ‫أيها الذين آمنوا ال تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من‬
                                                                             ‫الحق [الممتحنة:7].‬
‫فهذا في حق الكفار عامة أما في حق أهل الكتاب خاصة قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا‬
   ‫اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن اهلل ال يهدي القوم‬
                                                                              ‫الظالمين [المائدة].‬
    ‫وقد قطع اإلسالم صلة النسب بين المؤمن وآبائه وإخوانه وأبنائه وأزواجه وعشيرته إن كانوا‬
  ‫استحبوا الكفر على اإليمان فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن‬
    ‫استحبوا الكفر على اإليمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم‬
   ‫وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها‬
   ‫أحب إليكم من اهلل ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اهلل بأمره واهلل ال يهدي القوم‬
                                                                               ‫الفاسقين [التوبة].‬
      ‫فكما أن اهلل سبحانه وتعالى قطع المواالة بين المسلمين والكافرين، أمر بمواالة اهلل ورسوله‬
     ‫والمؤمنين وذلك من لوازم التوحيد قال اهلل تعالى: إنما وليكم اهلل ورسوله والذين آمنوا الذين‬
   ‫يقيمون الصالة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول اهلل ورسوله فإن حزب اهلل هم الغالبون‬
   ‫[المائدة]. وقال تعالى: ال تجد قوما يؤمنون باهلل واليوم اآلخر يوادون من حاد اهلل ورسوله ولو‬
 ‫كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم اإليمان وأيدهم بروح منه‬
        ‫ويدخلهم جنات تجري من تحتها األنهار خالدين فيها أولئك حزب اهلل أال إن حزب اهلل هم‬
                                                                            ‫المفلحون [المجادلة].‬
    ‫فيا عباد اهلل: هذه النصوص من كتاب اهلل تعالى توجب على جميع المسلمين أن يوالوا في اهلل‬
                                                               ‫ا‬
  ‫ويعادوا في اهلل، ولكن كثيرً من المسلمين جهلوا هذه الحقيقة التي تعتبر من أوثق عرى اإليمان‬
      ‫فوقعوا في بعض مظاهر مواالة المشركين، وهذه المظاهر مع أنها في حياة المسلمين كثيرة‬
                                                                  ‫ولألسف فإننا نشير إلى أهمها:‬
      ‫فمن مظاهر مواالة المشركين اتباع سنن اليهود والنصارى كما أخبر عنه رسول اهلل بقوله:‬
‫((لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) قالوا يا رسول اهلل:‬
                                                  ‫اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن))؟ متفق عليه.‬
   ‫وأيم اهلل لقد اتبع كثير من الملسمين سنن وطرق اليهود والنصارى وهذا الحديث علم من أعالم‬
  ‫النبوة، فكثير من المسلمين اليوم اتبعوا اليهود والنصارى في العقائد والعبادات والمعامالت وفي‬
                                                                               ‫العادات والتقاليد.‬
       ‫ففي مجال االعتقاد تشبه بعض المسلمين باليهود والنصارى، ففعلوا مثل فعلهم في أنبيائهم‬
       ‫وصالحيهم فعظموهم إلى درجة أن أعطوهم خصائص الربوبية والعياذ باهلل، فبينت القباب‬
                   ‫ا‬
    ‫والمشاهد على أضرحة وقبور الصالحين واتخذوها مزارات ومساجد وأعيادً، ورسول اهلل قد‬
     ‫حذرنا من ذلك وهو في سكرات الموت كان يشتد نكيره على من فعل ذلك، فعن أم المؤمنين‬
   ‫عائشة رضي اهلل عنها أن رسول اهلل قال في مرض موته: ((لعن اهلل اليهود والنصارى اتخذوا‬
  ‫ا‬
‫قبور أنبياءهم مساجد، قالت: يحذر ما صنعوا، ولو ال ذلك أبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدً))‬
    ‫متفق عليه. وقد وقع ما أخبر عنه رسول اهلل ، فأقام بعض المسلمين المزارات لألولياء وبنوا‬
 ‫عليها القباب والمشاهد والمساجد واتخذوها أماكن عبادة، وكل هذا من مظاهر مواالة المشركين.‬
  ‫ومن مظاهر مواالة المشركين تنحية شرع اهلل وتحكيم القانون الوضعي اللعين والدستور الكفري‬
 ‫المستبين اقتداء باليهود والنصارى والمشركين واهلل سبحانه وتعالى يقول: ومن لم يحكم بما أنزل‬
                                                               ‫اهلل فأولئك هم الكافرون [المائدة].‬
‫ومن مظاهر مواالة المشركين أيضاً االعجاب بالكفار وتقليدهم في الملبس والمظهر والتزين بزيهم‬
    ‫ورسوله اهلل يقول: ((ومن تشبه بقوم فهو منهم)) رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي‬
                                                                                        ‫هريرة .‬
                                                          ‫ا‬
  ‫ومن مظاهر مواالة المشركين أيضً: االحتفال بأعيادهم، والعيد مظهر ديني كما قال تعالى: لكل‬
                                                           ‫ا‬
         ‫أمة جعلنا منسكاً [الحج]. أي عيدً، فنحن معشر المسلمين ال عيد لنا إال عيد الفطر وعيد‬
 ‫األضحى، أما األعياد التي تسمى بأعياد الثورة واألعياد الوطنية ونحوها فكلها من مظاهر التشبه‬
    ‫بالكفار، وال يجوز االحتفال بتلك األعياد، وقد وصف اهلل سبحانه وتعالى عباد الرحمن بقوله:‬
                                 ‫والذين ال يشهدون الزور إذا مروا باللغو مروا كراماً [الفرقان].‬
 ‫قال مجاهد وقتادة (ال يشهدون الزور) أي ال يحضرون أعياد الكفار. وذلك أن األحتفال بأعيادهم‬
  ‫من مظاهر مواالتهم، وهو يخدش في أصول الدين والتوحيد واإليمان، والمحتفلون بأعياد الكفار‬
  ‫معجبون بهم، وقد نهى اهلل سبحانه وتعالى عن اإلعجاب بالكفار فقال تعالى: وال تعجبك أموالهم‬
       ‫وال أوالدهم إنما يريد اهلل ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة].‬
  ‫فالواجب على المسلم أن يحذر ذلك ويتعاهد إيمانه ويجرد التوحيد هلل ويوالي في اهلل ويعادي في‬
                                                              ‫اهلل ويحب في اهلل ويبغض في اهلل.‬
‫أسأل اهلل سبحانه وتعالى أن يحفظنا في ديننا ويجنبنا الزيغ والزلل والضالل وادعوا اهلل استغفروه‬
                                                                          ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
‫إن اتباع اليهود والنصارى واالقتداء بهم في العادات والتقاليد أمر شائع بين المسلمين، وهو مظهر‬
      ‫من مظاهر مواالتهم التي نهينا عنها، فنرى اليهود موجة عارمة من مظاهر االقتداء باليهود‬
    ‫والنصارى في في األكل والمشرب وفي الملبس والمظهر، وهذا يهدد شخصية المسلم بالمسخ‬
   ‫ويجعلها معجبة بالكفار، وهذا اإلعجاب يؤدي بالمسلمين إلى الميل إليهم ظاهرً. والميل ظاهرً‬
   ‫ا‬             ‫ا‬
                                                        ‫ا‬
    ‫سيؤول بالمسلمين إلى الميل إليهم باطنً، وهذا أمر معلوم لمن وفقه اهلل لذلك الفهم، ولكن أكثر‬
                                                                                ‫الناس ال يعلمون.‬
    ‫أيها المسلمون: شتان بيننا وبين أصحاب رسول اهلل الذين اعتزوا بهذا الدين وحده فلم يتشبهوا‬
   ‫باليهود والنصارى، ال في النقير وال في القطمير، بل كانوا يخالفونهم تديناً كما كان رسول اهلل‬
                                          ‫ا‬
 ‫يعجبه مخالفتهم في كل شيء قطعاً لذريعة الفساد وحسمً لمادة الشر، وبهذه التربية اإليمانية التي‬
     ‫تلقوها عن رسول اهلل تشبعوا بروح العزة اإليمانية فلم يعجبوا بالكفار بل كانوا ينظرون إليهم‬
  ‫نظرة احتقار وازدراء ال نظرة إعجاب وإجالل ممتثلين قوله تعالى: وال تهنوا وال تحزنوا وأنتم‬
                                                           ‫األعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران].‬
                                                                           ‫ا‬
  ‫ولنأخذ موقفً من تلك المواقف المشرفة التي سجلها لنا التاريخ اإلسالم بأحرف من نور. موقف‬
  ‫ربعي بن عامر مع قائد الجيش الفارسي رستم، لما قال رستم لربعي: ما الذي دعاكم إلى حربنا‬
    ‫والولوغ بديارنا قال ربعي: اهلل اتبعثنا لنخرج من يشاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،‬
         ‫ا‬
   ‫ومن جور األديان إلى عدل اإلسالم. ثم التفت إلى يمين رستم وإلى شماله فرأى جيشً مصطفا‬
                                                                          ‫ً‬     ‫ال‬
  ‫راكعاً خاعاً ذلي ً مهانا فقال: لقد كانت تبلغنا عنكم األحالم، وما أرى واهلل قوماً أسفه منكم، إننا‬
  ‫معاشر المسلمين ال يستعبد بعضنا بعضاً، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم‬
‫أرباب لبعض. فالتفت الدهماء إلى بعضهم البعض يتهامسون وهم يقولون: صدق واهلل العربي. أما‬
‫القادة والرؤساء فقد وجدوا في كالم ربعي هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته حتى قال‬
                     ‫أحد أفراد بالط رستم: لقد رمى هذا العربي بكالم ال تزال عبيدنا تنزع إليه.‬
                                                               ‫إنها عزة اإلسالم وكرامة اإليمان.‬
                                                                 ‫هذا هو الفارق بيننا وبين أولئك.‬
                                       ‫أولئك آبائي فجئني بمثلهم …إذا جمعتنا يا جرير المحارب‬
     ‫إن الواجب على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم ويتمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم ويوالوا في اهلل‬
 ‫ويعادوا فيه ويحبوا في اهلل ويبغضوا فيه، وال يعجبوا بالكفار وال يقتدوا بهم، فإن ذلك مما يناقض‬
                                                                                ‫التوحيد واإليمان.‬
 ‫واألمة اإلسالمية ما ذلت وال هانت إال حين اتبعت أبناء القردة والخنازير وتشبهت بهم في الهدي‬
                        ‫ا‬
   ‫الظاهر والباطن، حتى أصبح المسلم ضعيف اإلرادة ذليالً مهاناً محتقرً من علوج الروم وأبناء‬
                                                    ‫المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى.‬
   ‫فيا عباد اهلل: ال عزلنا إال باإلسالم، وال كرامة لنا إال بهذا الدين، فإن عزنا وكرامتنا إنما يكون‬
 ‫باإلسالم ال بغيره، فنقول كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (نحن قوم أعزنا اهلل باإلسالم،‬
                                                    ‫فإذا ابتغينا العزة بغير ما أعزنا اهلل أذلنا اهلل)،‬
 ‫فالحذر الحذر من مشابهة اليهود والنصارى وإياك إياك أن تتشبه بهم في ما يسمى بالموضة وفي‬
 ‫العادات والتقاليد واستمسك بدين اهلل الذي فيه الخير والهداية لك، واعلم بأن الواجب علينا التأسي‬
‫برسول اهلل واالقتداء به وبسنته القولية والعملية ثم التأسي بسيرة السلف الصالح صحابة رسول اهلل‬
  ‫واتباعهم وتابعيهم وأئمة الهدى في الدين ممن أنعم اهلل عليهم في الدارين من قال تعالى: لقد كان‬
      ‫لكم في رسول اهلل أسوة حسنة لمن كان يرجوا اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كثيراً [األحزاب].‬
                                         ‫فتشبهوا ام إن لم تكونوا مثلهم …إن التشبه بالكرام فالح‬
   ‫جعلنا اهلل من المتمسكين بدين الحق والمتبعين صراط اهلل المستقيم المعرضين عن منهج اليهود‬
                                                                                   ‫والنصارى آمين.‬

‫(5/719)‬




                                                               ‫حرمة قتل النفس المسلمة بغير حق‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                         ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                  ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                       ‫حسين بن شعيب بن محفوظ‬
                                                                                              ‫صنعاء‬
                                                                                       ‫37/1/0715‬
                                                                                          ‫غير محدد‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
            ‫د‬
‫5- حفظ اإلسالم للضروريات الخمس. 7- القتل بغير حق من كبائر الذنوب. 3- س ّ الذرائع إلى‬
‫القتل. 1- ظاهرة التفجيرات في األماكن العمومية. 1- التحذير من التهاون في حمل السالح. 6-‬
                                             ‫ج‬
     ‫وجوب الدية والكفارة في قتل الخطأ. 2- بيان ُرم الذين يثبتون التفجيرات. 8- بيان حقيقة‬
                                                                                              ‫الجهاد.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
      ‫فإن اإلسالم حافظ على الكليات الخمس الضرورية وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل‬
  ‫والمال ووضع الحدود والقيود التي تحافظ على هذه الضروريات الخمسة، ففي سبيل حفظ الدين‬
    ‫تزهق األنفس المسلمة في الجهاد في سبيل اهلل، ألن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس والنسل‬
‫والعقل والمال، وألجل الحفاظ على النفس حرم قتل النفس المسلمة بغير حق، وأمر بالقصاص في‬
‫القتل فقال تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي األلباب لعلكم تفلحون [البقرة:925] وعن عبداهلل‬
      ‫ً‬
 ‫بن مسعود أن رسول اهلل قال: ((ال يحل دم امرئ مسلم يشهد أن ال اله اال اهلل وأن محمدا رسول‬
      ‫اهلل إال بإحدى ثالث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة))(5)، فدم‬
 ‫المسلم حرام وماله حرام وعرضه حرام، وقد صان اإلسالم الدماء واألموال والفروج، وال يجوز‬
‫استحاللها اال فيما أحله اهلل فيه، وأباحه، وقتل المسلم بغير حق من كبائر الذنوب، والقاتل معرض‬
  ‫للوعيد، وقد نهى اهلل سبحانه وتعالى عن قتل النفس بغير حق فقال تعالى: وال تقتلوا النفس التي‬
                                                             ‫حرم اهلل إال بالحق [األسراء:33].‬
 ‫وحفاظاً على النفس المسلمة البريئة من إزهاقها وقتلها بغير حق نهى رسول اهلل عن اإلشارة الى‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫مسلم بسالح ولو كان مزاحً سداً للذريعة، وحسماً لمادة الشر التي قد تفضي إلى القتل، فعن أبي‬
‫هريرة أن رسول اهلل قال: ((ال يشير أحدكم الى أخيه بالسالح فإنه اليدري لعل الشيطان ينزع في‬
   ‫يده فيقع في حفرة من النار))(7)، وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم : ((من أشار الى أخيه‬
   ‫بحديدة فإن المالئكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه ألبيه وأمه))، فاذا كان مجرد اإلشارة الى‬
                ‫ا‬
 ‫مسلم بالسالح نهى عنه رسول اهلل ، وحذر منه ولو كان المشير بالسالح مازحً، ولو كان يمازح‬
 ‫أخاه من أبيه وأمه، ألنه قد يقع المحذور والت حين مندم، فكيف بمن يقتل األنفس البريئة ويروع‬
    ‫المسلمين بتفجير المحالت واألسواق العامة، ويستهدف أرواح األبرياء، فيقتل األنفس المسلمة‬
 ‫بغير حق، فيالها من جريمة نكراء، ويالها من بشاعة تقشعر منها األبدان، ولقد شاعت في اآلونة‬
     ‫األخيرة حوادث القتل والتفجيرات بشكل مخيف، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى‬
    ‫القسوة والغلظة التي تمأل قلوب هؤالء القتلة المجرمين، يقتلون المسلم وألتفه األسباب، فقست‬
  ‫قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فأعلموا عباد اهلل أن المسلم دمه معصوم وماله‬
   ‫معصوم، وال يجوز استباحة دماء المسلمين وأموالهم اال بحقها، بل اليجوز اإلشارة الى المسلم‬
                                           ‫ً‬
     ‫بالسالح، ألن الشيطان قد ينزع في يده فيقتل نفسا بخير حق، فيتحمل الوزر عند اهلل، ومعنى‬
                                                                  ‫ينزع أي يرمي فيقع الفساد.‬
                                                                ‫ا‬
‫فاإلشارة بالسالح ولو مزاحً قد يقع من وراءه القتل والفساد فكيف بمن يتعمد قتل المسلم بغير حق‬
     ‫فإن من فعل ذلك كان معرضاً ألشد العذاب والعقاب والوعيد قال اهلل تعالى: ومن يقتل مؤمنً‬
     ‫ا‬
                          ‫ا‬                                       ‫ً‬
   ‫متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب اهلل عليه ولعنه وأعد له عذابً عظيماً [النساء:39]. إن‬
     ‫اإلسالم قد شدد على المسلم في هذا األمر لخطورته فالناس قد يتهاونون في السالح من غير‬
‫مباالة فيقع المحذور، وكم من حوادث قتل حصلت بسبب إشارة الناس بالسالح بعضهم الى بعض،‬
  ‫أو تعاطيهم السالح مسلوالً غير مغمود في غمده، فالحذر الحذر يا عباد اهلل من التهاون في مثل‬
‫هذه األمور فإنها قد جرت للمسلمين الويالت والمصائب وأعلموا أن رسول اهلل ((نهى أن يتعاطى‬
                                         ‫م‬                               ‫ال‬
   ‫السيف مسلو ً))(3)، فتعاطى السالح دون أن يؤ ّن، والتهاون في اإلشارة بالسالح عن طريق‬
    ‫المزاح أقل أحواله أنه يؤدي الى جرح المسلم هذا اذا لم يؤدي الى قتله، فاتقوا اهلل يا عباد اهلل‬
                                                   ‫وامتثلوا ألمر ربكم وتوجيهات نبيكم ترشدوا.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫إن تعظيم اإلسالم النفس المسلمة والتشديد في النهي عن قتلها ال يقف عن حدود النهي عن قتل‬
 ‫المسلم بغير حق، بل إن اإلسالم أوجب الدية والكفارة على قاتل النفس المسلمة خطأ، فقتل الخطأ‬
                              ‫ً‬
     ‫شرع فيه اإلسالم الكفارة والدية، وهو خطأ غير مقصود، تعظيما لحرمة النفس المسلمة التي‬
‫صانها اإلسالم، ووضع لها القيود للحفاظ عليها، قال اهلل تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إال‬
 ‫خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقة مؤمنة ودية مسلمة الى أهله إال أن يصدقوا، فإن كان من‬
‫قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى‬
 ‫أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من اهلل وكان اهلل عليمً حكيمً‬
 ‫ا‬     ‫ا‬
                                                                                  ‫[النساء:79] .‬
 ‫قتل المسلم خطأ يدل على التشديد في حرمة النفس المسلمة فإذا كان اإلسالم قد وضع هذه القيود‬
                            ‫ً‬
‫على من قتل مسلماً خطأ فكيف بمن يزهق األرواح البريئة متعمدا قتل األنفس المسلمة بغير حق،‬
  ‫كيف بمن يزرع القنابل واأللغام والمتفجرات فيستهدف األرواح المسلمة البريئة، فيقتل العشرات‬
 ‫ويجرح المئات ويروع اآلالف من المسلمين، كيف بمن يقتل الصغير والمرأة والشيخ العجوز من‬
 ‫غير جريرة اقترفوها إنما أشباعاً لنزواته الشيطانية، واألعجب من ذلك أن ترى من ال ضمير له‬
  ‫ومن نزعت الرحمة من قلبه يتبنى مثل هذه األعمال اإلجرامية والوحشية البشعة، فما من حادثة‬
   ‫تفجير تقع اال وهو يعلن مسئوليته عنها مع أن هذه الحوادث كلها إنما أستهدفت أرواح األبرياء‬
    ‫من المسلمين، إن من يعلن تبنيه لمثل هذه األعمال اإلجرامية إما أن يكون خارجياً يرى رأي‬
                 ‫ا‬
‫الخوارج في إستباحة دماء المسلمين وأموالهم، وإما أن يكون رجالً أحمق ساذجً مغفالً يعتبر تلك‬
                                                                                  ‫ا‬
                                                                       ‫الجرائم نوعً من الجهاد.‬
‫فأعلموا يا عباد اهلل أن معركتنا مع اليهود والنصارى والمشركين والمرتدين. فالمسلم الغيور على‬
                                  ‫أ‬
   ‫دينه هو الذي يرى أن العصمة لمال الكافر الحربي ودمه، وُمر المسلم بمقاتلة المشركين كافة‬
       ‫لقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [التوبة:63]، فاذا وجدت القدرة عند‬
     ‫المسلمين واستكملوا اإلعداد وكانت بيدهم الشوكة التي تمكنهم من الجهاد في سبيل اهلل أمروا‬
   ‫بمقاتلة من ال يدين بدين اإلسالم من الكفار المحاربين ممن يلونهم من المنافقين والمرتدين، قال‬
‫اهلل تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة وأعلموا أن اهلل مع‬
 ‫المتقين [التوبة:375]، وال يستثنى من ذلك من الكفار إال الذمى والمعاهد ومن أعطى له الجوار.‬
 ‫أما أن يجعل اإلنسان هدفه المسلمين فيستبيح دماءهم وأموالهم وهم يشهدون أن ال اله اال اهلل وأن‬
‫محمداً رسول اهلل ويصلون ويصومون ويحجون فذلك مما تبرأ منه اإلسالم، ونحن براء من ذلك،‬
‫وقد أثبتت األحداث والوقائع المؤسفة التي حصلت أن بعض السذج ممن صرح أو أعلن مسئوليته‬
‫عن تلك الحوادث المؤسفة أنه ليس هو وراءها!! فالعجب أن يعلن إنسان مسئوليته عن قتل األنفس‬
  ‫المسلمة، وهو ليس من تدبيره فأي سذاجة وحماقة أعظم من هذا فأمثال هؤالء - لست أدري -‬
‫أيحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فإن كان ذلك كذلك فتلك مصيبة، أم أنهم يتشبعون بما لم يعطوا،‬
   ‫فإن كان األمر على ما وصفنا فليعلموا أن رسول اهلل يقول: ((المتشبع بما لم يعط كالبس ثوبي‬
                                          ‫ا‬
‫زور)) فالمصيبة إذاً أعظم، ثم يعتبرون ذلك نوعً من الجهاد وهم قد جمعوا في جرائمهم تلك بين‬
     ‫قتل األنفس الزكية المسلمة بغير الحق وبين ترويع المسلمين وإيذائهم وهو منهي عنه قال اهلل‬
          ‫تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما أكتسبوا فقد إحتملوا بهتانً وإثماً مبينً‬
          ‫ا‬            ‫ا‬
        ‫[األحزاب:81] وعن عبداهلل بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اهلل : ((المسلم من سلم‬
 ‫المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر مانهى اهلل عنه))(1)، اللهم إنا نشهدك أننا براء من‬
                                                             ‫هذه األفعال والجرائم ومن أصحابها.‬


                                                                                 ‫__________‬
                                                                           ‫(5) 5 - متفق عليه .‬
                                                                           ‫(7) 7 - متفق عليه .‬
               ‫(3) 3 - رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن – عن جابر رضي اهلل عنه .‬
                                                                           ‫(1) 1 - متفق عليه .‬

‫(5/319)‬




                                                                                    ‫ذكر اهلل تعالى‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                        ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                    ‫الدعاء والذكر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫هشام بن عبد القادر عقدة‬
                                                                                   ‫دمنهور‬
                                                                             ‫خالد بن الوليد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5 – فائدة ذكر اهلل ودوره في طمأنينة النفس 7 – اإلعراض عن ذكر اهلل 3 – ثناء اهلل ورسوله‬
   ‫على عبادة الذكر 1 – صور في تقصيرنا في عبادة ربنا 1 – حسن عبادة النبي صلى اهلل عليه‬
                                                                                      ‫وسلم‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                            ‫إخوة اإلسالم :‬
‫روى اإلمام أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل أن رسول اهلل قال له : ((يا‬
    ‫معاذ واهلل إني ألحبك، أوصيك يا معاذ ال تدعن في دبر كل صالة أن تقول : اللهم أعني على‬
                                                           ‫ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)).‬
     ‫وصية عظيمة أوصي بها رسوله معاذ بن جبل وسببها والدافع إليها حبه له، فأراد أن يكرمه‬
  ‫بشيء جامع لخير الدنيا واآلخرة فقال له : ((يا معاذ واهلل إني ألحبك، أوصيك يا معاذ ال تدعن‬
                 ‫في دبر كل صالة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)).‬
  ‫ثالثة أمور عظام ال يستقيم بها حال العبد إال بها، مالزمة الذكر، والمداومة على الشكر، وحسن‬
                                                                                    ‫التعبد.‬
    ‫فضل ذكر اهلل تعالى وأثره على النفس البشرية، وأثر الغفلة والبعد عن ذكر اهلل يكون واضحا‬
                            ‫بظهور الملل على الشخص والضيق، والحاالت النفسية والعصبية.‬
     ‫فإن العبد إذا الزم الذكر اطمأن قلبه، وإذا داوم على الشكر رضيت نفسه، وإذا أحسن العبادة‬
                                                     ‫سعدت روحه ووجد لذلك لذة وانشراحا.‬
                                                                             ‫إخوة اإلسالم:‬
 ‫أحيانا يهيأ لإلنسان أن سيكون في غاية السعادة لو حصل له كذا وكذا أو لو تمكن من فعل كذا أو‬
  ‫امتالك كذا، وقد تكون بعض هذه األشياء التي تمناها ليجد السعادة أشياء ال بأس بها، وقد يكون‬
 ‫منها أمور مستحبة وربما أمور واجبة فقد يرجو أن يكون عالما باشرع اهلل وداعيا إلى اهلل وآمرا‬
 ‫بالمعروف وناهيا عن المنكر، ثم إذا بجميع ما كان يرجوه قد تحقق له، ولكن المفاجأة أنه لم يجد‬
  ‫القدر الذي كان يتوقعه من السعادة ويشعر أن في النفس ال يزال بها حاجة ألمر آخر، ربما كان‬
 ‫غير مدرك ما الذي ينقصه ولماذا لم يجد السعادة التي توقعها رغم حصول كثير مما كان يرجوه‬
                                                                                              ‫له .‬
  ‫وإنما السبب في عدم اكتمال السعادة في تلك األحوال أن في النفس جوعة ألمور ال يسد غيرها‬
 ‫مسدها، وفيها فراغ سببه الغفلة عن الذكر، إهمال الشكر، والتقصير في العبادة، هذه األمور التي‬
 ‫استقام حال اإلنسان فيها لوجد في النفس الشعور بالقرب من اهلل، هذا الشعور بالقرب من اهلل هو‬
‫سر سعادة النفس واطمئنانها وانشراحها، وحين تفتقد النفس هذا الشعور بالقرب من اهلل عز وجل،‬
‫فإنها تصاب بالضيق والملل والكآبة وعدم االستقرار، إلى غير ذلك من هذه األعراض التي تزول‬
                                     ‫باألمور التي أوصى بها رسول اهلل معاذا أن يدعو اهلل بها.‬
     ‫((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) فمن منا يذكر اهلل في كل أحيانه كما كان‬
‫يفعل، من منا حريص على اغتنام كل وقت في الذكر مضطجعا أو جاثيا أو ماشيا، ومن منا يلهج‬
 ‫من كل وقت من تلك األوقات بذكر اهلل بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، يغرس له بكل كلمة‬
 ‫شجرة في الجنة، كما قال المصطفى : ((لقيت إبراهيم عليه السالم ليلة أسري بي فقال: يا محمد،‬
     ‫أقرئ أمتك مني السالم، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان أي مستوية‬
            ‫خالية من الشجر، وأن غراسها: سبحان اهلل، والحمد هلل، وال إله إال اهلل، واهلل أكبر)).‬
 ‫من منا يحمل قلبا شاكرا يستشعر عظيم نعم اهلل عليه في كل حال ويشكر هذه النعم، وقد سبق أن‬
                                                ‫تحدثنا حديثا خاصا االعتراف بنعم اهلل وشكرها.‬
  ‫من منا يحسن عبادة ربه باإلكثار منها وبالخشوع والتدبر فيها، ويحرص على تقوية صلته بربه‬
 ‫ومناجاته كما وصف اهلل عباده المحسنين بقوله: إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليالً من الليل‬
   ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫ما يهجعون وباألسحار هم يستغفرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفً وطمعً‬
                                 ‫ومما رزقناهم ينفقون . بل ما هو أدنى من ذلك لم نحافظ عليه.‬
    ‫فمنا من يقصر في صالة الجماعة نفسها حث اعتاد التباطؤ والتثاقل والتأخر فال يأتيها إال وقد‬
‫فاتته، وليس بينه وبين متعمد تفويتها كبير فرق، ومنا من أدمن ترك صالة الفجر في الجماعة وال‬
‫يكاد يشعر أن في حياته خطأ ما، ومنا من ترك الوتر أو ال يوتر إال بعد دخول وقت الفجر، ومنا‬
  ‫عوفي من كل ذلك ولكنه ال يصلي شيئا من الليل وال يعرف االستغفار بالسحر والدعاء فيه، مع‬
    ‫أننا نكثر من الكالم والثرثرة فيها، فنقول إن زاد الداعية قيام الليل، وأن اهلل أعد رسوله لحمل‬
                                     ‫ال‬
                                     ‫الرسالة بقيام الليل فقال له: يا أيها المزمل قم الليل إال قلي ً‬

‫(5/119)‬
                                                                             ‫النصيحة وآدابها‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫هشام بن عبد القادر عقدة‬
                                                                                      ‫دمنهور‬
                                                                               ‫خالد بن الوليد‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫5 – تحديد مفهوم النصيحة 7 – معنى النصيحة لعوام المسلمين 3 – حال الدعاة مع المنصوحين‬
                                                                       ‫1 – صفات الناصحين‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
‫فكثيراً ما نردد جميعاً أنه ينبغي علينا أن ننطلق في مواقفنا ومناهجنا من الكتاب والسنة مستعينين‬
‫على فهمهما بأقوال وكلمات سلفنا الصالح، ولكن عند التطبيق ال ننفذ ذلك بدقة . . وقد تأملت في‬
‫حديث جرير بن عبد اهلل رضي اهلل عنه الذي يقول فيه : ( بايعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
  ‫على إقام الصالة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ) وفي حديث تميم بن أوس الداري رضي اهلل‬
                ‫ا‬
‫عنه الذي يقول فيه: إن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة)) –ثالثً- قال: قلنا: لمن‬
        ‫يا رسول اهلل؟ قال: ((هلل عز وجل ولكتابه ولرسوله صلى اهلل عليه وسلم وألئمة المسلمين‬
                                                                                  ‫وعامتهم)).‬
    ‫ثم نظرت إلى كالم علماء سلفنا بدقة وإمعان في معنى النصيحة لعامة المسلمين، فوجدت فيها‬
                                    ‫الدور المطلوب ومنهج التعامل المنشود مع جهود األمة . .‬
   ‫نعم إنه مسلك النصيحة لعامة المسلمين، ووجدت أن مسلك النصيحة لعامة المسلمين كما فسره‬
                         ‫ال‬      ‫ا‬
‫سلفنا يختلف عن المسالك السابقة التي أشرت إليها، ويقدم منهجً متكام ً ناجعاً في التعامل والدور‬
                                                        ‫الذي ينبغي لكل منا مع جمهور األمة.‬
     ‫فالنصيحة أوالً ليست مرادفة إلنكار المنكر، وإن كانت ال تتعارض معه، وإنما إنكار المنكر‬
                                      ‫وتقويم خطأ المخطئ ركن من أركان النصيحة للمسلمين.‬
   ‫والنصيحة أيضاً ليست مرادفة لمسلك إضمار الخير للمسلمين والشفقة عليهم فحسب، وإنما تلك‬
   ‫الشفقة على المسلمين ركن من أركان النصيحة لهم، والنصيحة للمسلمين ليست مرادفة لمسلك‬
   ‫إرشادهم إلى مصالح دنياهم وقضائها لهم، وإنما إرشاد المسلمين لمصالح دنياهم وقضائها لهم‬
                               ‫ركن من أركان النصيحة، وال يحقق النصيحة الكاملة للمسلمين.‬
  ‫إذن فالنصيحة للمسلمين كما بين معناها سلفنا تجمع ثالثة أمور: تقويم المخطئين والشفقة عليهم‬
         ‫وقضاء حوائجهم، باجتماع هذه األمور واألركان في النصيحة تزول السلبيات المختلفة.‬
     ‫فمع وجود الشفقة على المسلمين وقضاء مصالحهم ال يصبح اإلنكار على خطئهم سبب فتنة‬
 ‫ا ا‬         ‫ال‬
‫وانقباض لهم، ومع تقويم أخطائهم وتعليم جهالئهم ال يغدو قضاؤك لمصالحهم عم ً سياسيً بحتً،‬
               ‫ا‬
‫ومع تقويم خطلهم وقضاء مصالحهم ال يصير إضمارك للخير لهم والشفقة بهم شيئً سلبياً ال قيمة‬
                                                                       ‫له من الناحية العملية.‬
  ‫وسأذكر لكم كالم أهل العلم السالفين بحروفه في معنى النصيحة حتى تعلموا أن مشكلتنا أننا ال‬
                                           ‫ا‬
‫نأخذ بجميع ما أمرنا اهلل، وأن القوم متى نسوا شيئً مما ذكرهم اهلل به اختلفوا واضطربوا كما قال‬
                                                                       ‫ا‬
                         ‫جل وعال: فنسوا حظً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء .‬
                                                                                   ‫ال‬
 ‫فأو ً: قالوا في النصيحة: إنها كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة‬
                                                                                     ‫ال‬
                                         ‫وعم ً. هذا ما قاله أبو عمرو ابن الصالح رحمه اهلل.‬
 ‫وقال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جماع تفسير النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له‬
                                                                                      ‫ا‬
                                                                              ‫كائنً من كان.‬
‫وقال الخطابي رحمه اهلل: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وأصل‬
                         ‫النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع.‬
                       ‫فهذا كالمهم في معنى النصيحة عامة – كما ذكره ابن جب رحمه اهلل -.‬
‫وأما كالمهم في معنى النصيحة لعامة المسلمين، فيقول ابن رجب رحمه اهلل: ومن أنواع نصحهم‬
‫دفع األذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو‬
  ‫عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحبة‬
‫إزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه كما قال بعض السلف: وددت أن هذا الخلق أطاعوا‬
                                                            ‫اهلل وأن لحمي قرض بالمقاريض.‬
   ‫وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يا ليتني عملت فيكم بكتاب اهلل وعملتم به، فكلما عملت فيكم‬
                                ‫بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي.‬
   ‫وقال الحسن: إنك لن تبلغ حق نصيحتك ألخيك حتى تأمره بما يعجز عنه. وهذا تأكيد على أن‬
                                      ‫النصيحة ال تتم إال باألمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‬
 ‫وكالم ابن رجب وما نقله ظاهر في أنه يدور حول األركان الثالثة التي يشملها النصح للمسلمين‬
                                ‫من العطاء الديني لهم والعطاء الدنيوي والعطاء النفسي القلبي.‬
     ‫ونحوه أيضاً كالم أبي عمرو ابن الصالح حيث قال: النصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى‬
     ‫مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خالتهم ونصرتهم على أعدائهم‬
  ‫والذب عنهم، ومجانبة الفسق والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه‬
                                                                                   ‫وما شابه ذلك.‬
‫وكذا يقول محمد بن نصر رحمه اهلل: أما النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره‬
        ‫لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم ويفرح‬
     ‫لفرحهم، وإن أضر ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما بيع من‬
                                                                                          ‫تجارته.‬
‫وكذلك يكره جميع ما يضرهم عامة، ويحب ما يصلحهم ويفرح لدوام النعم عليهم، ونصرهم على‬
                                                             ‫عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم.‬
     ‫ال‬
  ‫فمن منا يلتزم مع عامة المسلمين بهذه المعاني للنصيحة، وهل التحم الدعاة والملتزمون فع ً مع‬
                                        ‫ال‬
                        ‫األمة بهذه الصورة . . بل هل التحموا مع بعضهم أو ً بهذه الصورة . .‬
   ‫وتأمل قول محمد بن نصر رحمه اهلل: ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم، وإن ضر ذلك في دنياه‬
                           ‫كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما بيع من تجارته . .‬
         ‫إننا في ما بين يوم وآخر نسمع شكوى لشخص ذهب إلى من يفترض فيه تمام النصح له‬
    ‫ا‬
    ‫واإلحسان في سلعة يريد شراءها أو صنعة يريد إتمامها أو نحو ذلك وسلم نفسه له تماماً آمنً‬
                                                                                      ‫ا‬
                                                                  ‫مطمئنً ثم صدم وخاب ظنه . .‬
    ‫فتوبوا إلى اهلل جميعاً أيها المسلمون وتعلموا كيف يعامل كل منكم سائر المسلمين، وكيف يقوم‬
                                                                                   ‫بدوره نحوهم.‬
 ‫قال الفضيل بن عياض رحمه اهلل: ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصيام والصالة، وإنما أدرك‬
     ‫عندنا بسخاء األنفس وسالمة الصدور والنصح لألمة، وقال أبو بكر المزني: ما فاق أبو بكر‬
 ‫رضي اهلل عنه أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم بصوم وال صالة، ولكن بشيء كان في قلبه،‬
                            ‫قال ابن علية: الذي كان في قلبه الحب هلل عز وجل والنصيحة لخلقه.‬
                            ‫وقال معمر رحمه اهلل: كان يقال: أنصح الناس لك من خاف اهلل فيك.‬
  ‫وقال الحسن: قال بعض أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن شئتم ألقسمن‬
‫لكم باهلل: إن أحب عباد اهلل إلى اهلل الذين يحببون اهلل إلى عباده ويحببون عباد اهلل إلى اهلل ويسعون‬
                                                                           ‫في األرض بالنصيحة.‬
                                                                     ‫ا‬
   ‫وقد كان الرسل جميعً ناصحين ألقوامهم من كل قلوبهم باذلين ما بوسعهم لنفعهم وهدايتهم . .‬
         ‫ولذا قال نوح لقومه: وأنصح لكم . وقال هود لقومه: وأنا لكم ناصح أمين . وقال صالح:‬
‫ونصحت لكم ولكن ال تحبون الناصحين . وقال شعيب لقومه بعدما هلكوا: لقد أبلغتكم رسالة ربي‬
                                                     ‫ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين .‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                        ‫لم ترد.‬

‫(5/119)‬




                                              ‫الفرق بين عبادة الرحمن وعبادة الهوى والشيطان‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                         ‫التوحيد‬
                                                                                  ‫أهمية التوحيد‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                  ‫محمد الداه بن أحمد الشنقيطي‬
                                                                                       ‫نواكشوط‬
                                                                   ‫جامع الشرفاء (جامع القرآن)‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- الحث على لزوم التوحيد والحرص عليه. 7- فضل التوحيد. 3- أمور تقدح في التوحيد. 1-‬
                                                    ‫الحذر من الشرك وجهل كثير من الناس به.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل: عليكم بلزوم التوحيد وإخالصه وتجريد العبادة هلل وحده قال اهلل تعالى: وما خلقت الجن‬
‫ال‬                           ‫ا‬
‫واإلنس إال ليعبدون ، وقال تعالى: واعبدوا اهلل والتشركوا به شيئً ، ولقد بعثنا في كل أمة رسو ً‬
      ‫أن اعبدوا اهلل واجتنبوا الطاغوت ، قل تعالوا أتلوا ماحرم ربكم عليكم أال تشركوا به شيئاً .‬
  ‫وعن معاذ بن جبل رضي اهلل عنه قال: كنت رديف النبي على حمار فقال لي: ((يا معاذ أتدري‬
 ‫ماحق اهلل على العباد وما حق العباد على اهلل؟ فقلت: اهلل ورسوله أعلم، قال: حق اهلل على العباد‬
                                                                ‫ا‬
    ‫أن يعبدوه واليشركوا به شيئً، وحق العباد على اهلل أن اليعذب من اليشرك به شيئاً، فقلت: يا‬
                                      ‫رسول اهلل أفال أبشر الناس؟ قال: ال تبشرهم فيتكلوا))(5).‬
‫عباداهلل: إن توحيد اهلل تعالى نجاة لصاحبه في الدنيا واآلخرة: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‬
‫أولئك لهم األمن وهم مهتدون ، وإن الظلم في اآلية هو الشرك باهلل: يابني التشرك باهلل إن الشرك‬
                                                                                   ‫لظلم عظيم .‬
  ‫نعم، إن الشرك من أكبر الكبائر، إن اهلل اليغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ، عن‬
       ‫عبادة بن الصامت رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((من شهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
 ‫الشريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد اهلل ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح‬
   ‫منه والجنة حق والنار حق أدخله اهلل الجنة على ما كان من العمل))(7)، وللترمذي بسند حسن‬
     ‫عن أنس رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: قال اهلل تعالى: ((يا ابن آدم لو أتيتني‬
                       ‫بقراب األرض خطايا ثم لقيتني التشرك بي شيئاً ألتيتك بقرابها مغفرة)).‬
    ‫انظر يا عبداهلل إلى هذه النصوص وتفهمها وحقق التوحيد تكن من الناجين في الدنيا واآلخرة‬
 ‫تنجوا في الدنيا من التذبذب واالضطراب وتكون ثابت القلب مطمئن الفؤاد منشرح الصدر رابط‬
  ‫الجأش، تحب في اهلل وتبغض في اهلل، قد عرفت ميزان األمور الصائب: فاعلم أنه ال إله إال اهلل‬
  ‫ا‬
  ‫واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، إن أكرمكم عنداهلل اتقاكم ، ((ومن مات اليشرك باهلل شيئً‬
                                                                               ‫دخل الجنة )).‬
                            ‫هل حقق التوحيد من استغاث بغير اهلل تعالى فيما يقدر عليه إال اهلل؟‬
                             ‫هل كمل إيمان من تطير بالمخلوقات أو اعتقد الخير أو الشر فيها؟‬
                                                             ‫هل أخلص هلل من رأى خلق اهلل؟‬
                                    ‫هل جرد التوحيد من تعلق قلبه بالعبيد دون العزيز الحميد؟‬
 ‫هل توكل على اهلل من تعاطى الرقية الشركية أو ذهب إلى من يتعاطى السحر والكهانة والعرافة‬
                                                                                   ‫والشعوذة؟‬
                                               ‫أيذهب المسلم إلى دجال ليذهب عنه دينه وماله؟‬
‫أتذهب تطلب الدواء والشفاء عند من يلحد في أسماء اهلل تعالى واليحافظ على أوامر الشرع؟ وأي‬
                                                                                  ‫دواء عنده؟‬
                      ‫أتدعي اإليمان وتعبد الدينار والدرهم؟ وهل العبادة الركوع والسجود فقط؟‬
    ‫إن من ينهمك في جمع الدنيا ويعطيها كليته ويضحي في سبيلها بدينه وعرضه قد عظمت في‬
‫نفسه واستولت على قلبه واستحوذت على عقله، هل رأيتم من يصلي ركعات لكومة من الرياالت؟‬
  ‫أو الدوالرات؟ ولكن إذا جمعها من أي وجه وكنزها عن كل وجه، فتلك طاعتها وعبادتها، أخي‬
                                              ‫التكن من عبادها لئال تصيبك دعوة المصطفى .‬
      ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((تعس عبد الدينار وعبدالدرهم وعبد‬
      ‫الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ،تعس وانتكس واذا شيك فال انتقش..))(3)،‬
                                           ‫وجعلوا له من عباده جزء إن اإلنسان لكفور مبين .‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
  ‫عباد اهلل: هل فهمتم أن التوحيد نعمة عظيمة يجب حمدها ورعايتها؟ هل علمتم ما يكفر التوحيد‬
   ‫من الذنوب وينقذ من النار والهلكة في الدنيا واآلخرة؟ هل رأيتم ما يؤدي إليه من جمع الكلمة‬
     ‫ووحدة الصف وقوة الجانب؟ هل تعلمون أن من حققه خرج عن دائرة إن الذين فرقوا دينهم‬
   ‫وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ، إذا علمتم ذلك فاعلموا أن الخوف من الشرك وسوء العاقبة‬
‫والخاتمة هو ديدن األنبياء والصالحين: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ألن أشركت ليحبطن‬
‫عملك ولتكونن من الخاسرين ، وهذا خليل اهلل عليه السالم يدعوا: واجنبني وبني أن نعبد األصنام‬
                                                                                            ‫.‬
                                                                    ‫ال‬
‫وهذا نبينا يخاطبنا قائ ً: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك)) قال اهلل تعالى: وما يؤمن أكثرهم باهلل‬
‫ا‬
‫إال وهم مشركون ومع ذلك فإن بعض الناس اليريد أن يبين للناس ماهو التوحيد وماهو ضده ظنً‬
     ‫منه أن التوحيد قد استقر وأن الشرك قد اندحر، نعم قد حصل ذلك في عهد النبي في جزيرة‬
 ‫العرب، ولما رآه الشيطان: أيس أن يعبد في هذه الجزيرة، ولكن هذا يأس حصل له لما رأى من‬
‫إقبال الدين وإندحار الكفر، ولكن اهلل تعالى لم يؤيسه حتى نضمن ألنفسنا بذلك السالمة من حبائله‬
 ‫وشركه بل ارتد كثير من الناس عندما سمعوا بموت النبي قال: ((ال تقوم الساعة حتى يلحق حي‬
  ‫من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئات من أمتي األوثان)) وفي لفظه وحتى تعبد قبائل من أمتي‬
   ‫األوثان بل جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((ال تقوم الساعة‬
    ‫حتى تضطرب إليات لنساء دوس على ذي الخلصة)) وذو الخلصة بيت كان فيه صنم الدوس‬
‫يسمى الخلصة، أراد أال تقوم الساعة حتى ترجع دوس عن اإلسالم فتطوف نساؤهم بذي الخلصة‬
   ‫وتضطرب أعجازهن في طوافهن كما كن ينعلن في الجاهلية، ثم أين أنتم من حديث مسلم عن‬
                    ‫عائشة رضي اهلل عنها: ((اليذهب الليل والنهار حتى تعبد الالت والعزى)).‬
    ‫عباد اهلل: ومع ذلك النخاف من الشرك والنخوف الناس منه، ونحن نرى الناس في كثير من‬
‫البالد يقولون بلسان مقالهم وحالهم مقالة أبي سفيان في جاهليته: أعل هبل، أي أظهر دينك وماهو‬
                                                          ‫ال‬
  ‫هبل وما دينه الذي يظهره، إن هب ً صنم أملت أهواء الجاهلية عبادته وحماية اإلعتقاد فيه، وما‬
  ‫ظنك بمعبود أملى الهوى عبادته؟ هل يكون معبود خير أم معبود شر؟ وأي خير فيه إذا لم يكن‬
                     ‫ا‬
     ‫موافقاً للكتاب والسنة؟ إن الهوى ماذكره اهلل في كتابه إال ليذمه وإن كثيرً من الناس يعبدون‬
 ‫أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اهلل ، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم‬
                            ‫فمن يهدي من أضل اهلل .. ، والتتبع الهوى فيضلك عن سبيل اهلل .‬
                                                                  ‫أرأيت من اتخذ إلهه هواه .‬
                                                                             ‫__________‬
                                                                       ‫(5) 5 - متفق عليه .‬
                                                                       ‫(7) 7 - متفق عليه .‬
                                                                    ‫(3) 3 - رواه البخاري .‬
‫(5/619)‬




                                                              ‫عظيم ثواب اإلصالح بين الناس‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                               ‫فضائل األعمال‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                 ‫محمد الداه بن أحمد الشنقيطي‬
                                                                                     ‫نواكشوط‬
                                                                 ‫جامع الشرفاء (جامع القرآن)‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- فضل اإلصالح بين الناس وعظيم األجر في ذلك. 7- أن اهلل تعالى يصلح بين المؤمنين يوم‬
‫القيامة. 3- مسؤولية أهل العلم والعقل والمكانة في اإلصالح بين الناس. 1- الشروط التي ينبغي‬
   ‫توفرها فيمن يتصدى لإلصالح بين الناس. 1- فوائد فض النزاع باإلصالح على فضه بالحكم‬
                                      ‫القضائي. 6- إباحة الكذب من أجل اإلصالح بين الناس.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫فأوصيكم عباد اهلل ونفسي بتقوى اهلل العظيم واجتناب اإلثم ما ظهر منها وما بطن وال تنسوا أنكم‬
   ‫مسافرون وعن هذه الدار راحلون، فالدنيا دار معبر، واآلخرة دار مقر، فإما إلى النعيم أو إلى‬
‫الجحيم، قال تعالى: فريق في الجنة وفريق في السعير ، وما أدراك ما سقر التبقي وال تذر ، فمن‬
                                                        ‫أراد أن يتزود فإن خير الزاد التقوى .‬
  ‫ومن التقوى المناصرة مع اهلل باإلصالح بين الناس قال اهلل تعالى: ال خير في كثير من نجواهم‬
  ‫إال من أمر بصدقة أو معروف أو إصالح بين الناس ومن يفعل ذلك إبتغاء مرضات اهلل فسوف‬
           ‫ا‬             ‫ا‬
  ‫نؤتيه أجراً عظيماً ، وقال تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمً من أهله وحكمً من أهلها‬
   ‫إن يريدا إصالحاً يوفق اهلل بينهما إن اهلل كان عليماً خبيراً ، وقال تعالى: وإن امرأة خافت من‬
                         ‫ا‬                                   ‫ً‬
‫بعلها نشوزاً أو إعراضا فالجناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحً والصلح خير وأحضرت األنفس‬
                                      ‫الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن اهلل كان بما تعملون خبيراً .‬
   ‫وقال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على األخرى‬
 ‫فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر اهلل فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن اهلل يحب‬
                 ‫المقسطين إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا اهلل لعلكم ترحمون .‬
                       ‫وقال تعالى: وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا اهلل ورسوله إن كنتم مؤمنين .‬
   ‫هذا كتاب اهلل يحثكم بالترغيب والترهيب في اإلصالح بين الناس، فتارة يرغب في الصلح بين‬
                                        ‫ا‬
  ‫الناس إبتغاءً لمرضاته بأنه سوف يؤتيه أجراً عظيمً، وتارة يخوف المتنازعين والمصلحين بأنه‬
                                           ‫ا‬
        ‫يراقبهم ويعلم سرهم ونجواهم إن اهلل كان عليماً خبيرً ، فإن اهلل كان بما تعملون خبيراً .‬
     ‫عباد اهلل: إن اهلل تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة، فعن أنس رضي اهلل عنه قال: بينما‬
  ‫رسول اهلل جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ناباه فقال عمر ما أضحكك يا رسول اهلل بأبي أنت‬
 ‫وأمي؟ فقال : ((رجالن من أمتي جيئا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى فقال أحدهما: يارب خذ‬
‫لي مظلمة من أخي، قال اهلل تعالى أعط أخاك مظلمته، قال: يارب لم يبق من حسناتي شيء، قال:‬
  ‫رب فليحمل عن أوزاري، قال: ففاضت عينا رسول اهلل بالبكاء ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم يوم‬
     ‫يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم أوزارهم، فقال اهلل تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في‬
                               ‫ا‬
  ‫الجنان، فرفع رأسه فقال: يارب أرى مدائن من فضة وقصورً من ذهب مكللة بالؤلؤ، ألي نبي‬
   ‫هذا؟ ألي صديق هذا؟ ألي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال: يارب ومن يملك ثمنه؟‬
‫قال: أنت تملك ثمنه، قال: ماذا يارب؟ قال: تعفوا عن أخيك؟ قال: يارب فإني قد عفوت عنه، قال‬
 ‫اهلل تعالى: خذ بيد أخيك فأدخال الجنة))، ثم قال رسول اهلل : (( فاتقوا اهلل وأصلحوا ذات بينكم ،‬
  ‫فإن اهلل تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ))(5)، وروى البزار عن أنس رضي اهلل عنه أن‬
 ‫النبي قال ألبي أيوب األنصاري رضي اهلل عنه: ((أال أدلك على تجارة؟ قال: بلى يا رسول اهلل:‬
                     ‫قال: تسعى في إصالح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا)).‬
‫يقول اإلمام النووي رحمه اهلل: أعلم أن اإلختالط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي‬
    ‫كان عليه رسول اهلل وسائر األنبياء صلوات اهلل وسالمه عليهم وكذلك الخلفاء الراشدون ومن‬
       ‫بعدهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وخيارهم، وهو مذهب أكثر‬
‫التابعين، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء رضي اهلل عنهم أجمعين، قال اهلل تعالى: وتعاونوا‬
    ‫على البر والتقوى نعم: إن فضل اإلختالط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير‬
‫ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وإرشاد جاهلهم وغير‬
 ‫ذلك من مصالحهم لمن قدر على األمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن اإليذاء أمر‬
‫عظيم وأجره جزيل، فوطنوا أنفسكم رحمكم اهلل على مناهج األنبياء والعلماء والصالحين واحذروا‬
           ‫غيرها من المناهج فإنها من مزالق الشيطان التي تؤدي إلى ذل الدنيا وخزي اآلخرة.‬
 ‫فيامن يريد األجر العظيم من اهلل مالك التصلح بين جيرانك؟ ويا من يطلب الرحمة من اهلل مالك‬
      ‫التوفق بين إخوانك؟ ويا من كان يؤمن باهلل وثوابه واليوم اآلخر وأهواله مالك التعمل على‬
                                                                  ‫إصالح ذات بين المسلمين؟.‬
   ‫أيسكت أهل العلم والوجاهة عن التنازعات بين الجيران واإلخوان حتى تشتد الخصومة؟ أتترك‬
‫الخالفات العائلية حتى تكون من المسائل القضائية؟ إن مسؤلية أهل العلم والوجاهة في جلب األلفة‬
           ‫ا‬     ‫ا‬
‫ودفع الفرقة مسئولية عظيمة عليهم أن يتحملوها، وإال فليعلموا أنهم ضيعوا جزءً كبيرً من األمانة‬
   ‫التي تحملوها، فكم من زوجة نفرت من زوجها وعشها ألتفه األسباب؟ وكم من أخ قطع رحمه‬
   ‫من إخوانه وجيرانه لعرض من الدنيا زائل ؟، وكم من جماعة أو قبيلة شغلت القضاة والمحاكم‬
  ‫والدولة بأمور عادية، كل ذلك سببه غياب أهل اإلخالص والنباهة عن مكانتهم، وترك أهل العلم‬
                                                                          ‫والحجة لمسئولياتهم.‬
        ‫إنه البد للمصلح بين الناس أن تتوفر فيه شروط عامة وأخرى خاصة لتخوله السفارة بين‬
  ‫المتنازعين أو التوفيق بين المتخاصمين وإعادة المودة والرحمة بين الزوجين، من هذه الشروط:‬
                                                   ‫5 – أن يقوم باإلصالح إبتغاء مرضات اهلل.‬
                            ‫7 – وأن يكون اإلخالص هلل وطلب الحق هو باعثه على اإلصالح.‬
                                  ‫3 – وأن يكون له مكانة كبيرة عند المتنازعين لعلمه وورعه.‬
                                                                   ‫1 – نصافة ورجاحة عقله.‬
         ‫عباد اهلل: إن الصلح يثمر ماال يثمر الحكم القضائي، إنه يثمر إحالل األلفة مكان التفرقة،‬
  ‫ويستأصل داء المنازعات قبل أن تستفحل المنازعات والخصومات، إنه يوفر األموال التي تنفق‬
     ‫في المحامات بالحق أو بالباطل، إنه يترك سوق شهادة الزور والرشاوي كاسدة، ويعين على‬
     ‫التفرغ للمصالح العامة والخاصة، هذا على مافيه من األجر العظيم للمصلحين والمتصالحين،‬
                                                    ‫وصدق اهلل العظيم اذ يقول: والصلح خير .‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل جعل المسلمين كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
   ‫ا‬
 ‫الشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضً))‬
                                                 ‫اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد .‬
‫عباد اهلل: إن ثمرات اإلصالح بين الناس عظيمة، وعاقبة تركه وخيمة، ولذا كان المصطفى يبادر‬
    ‫إلى حسم النزاعات باإلصالح العادل، فأصلح بين الزوجين وسوى بين الفردين حتى استوضع‬
                                                                 ‫ا‬
  ‫للدائن من المدين صلحً، وأصلح بين الفئتين وسار على ذلك خلفاءه وصحابته والتابعون، وكتب‬
           ‫الفقهاء والمحدثون للصلح في كتبهم، واغتنى به القضاة والدارسون لشئون المجتمعات‬
   ‫والمجاهدون وغيرهم، وإن القاضي الناجح اليصدر حكمه القضائي إال إذا أعياه الصلح العادل،‬
  ‫ولعظيم فوائد الصلح رخص الشارع فيه الكذب من أجله، عن أم كلثوم بنت عقبه ابنة أبي معيط‬
 ‫ا‬
 ‫رضي اهلل عنها قالت: سمعت رسول اهلل يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرً‬
                                                                              ‫ا‬
                                                                        ‫ويقول خيرً))(7).‬
  ‫وخرج بنفسه الشريفة لإلصالح بين بني عوف، فعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي‬
 ‫اهلل عنه أن رسول اهلل بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر فخرج رسول اهلل يصلح بينهم‬
    ‫في أناس معه .. (الحديث) وما ذلك إال عافية من الفضل العظيم إنه أفضل من درجة الصيام‬
                                                                        ‫والصالة والصدقة.‬
    ‫فعن أبي الدرداء رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إال أخبركم بأفضل من درجة الصيام‬
      ‫والصالة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصالح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة))،‬
                       ‫وفسرها بقوله: ((هي الحالقة، ال أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)).‬
          ‫نعم، إن الخالفات والمشاحنات تحلق الدين لما يترتب عليها من الدخول فيما اليجوز من‬
    ‫التعصبات وحب االنتصار على الخصوم ولو بالزور والكذب، فهل يترك المسلمون الخالفات‬
      ‫تشتتهم؟ أو يترك أهل اإلصالح المنازعات تمزق مجتمعهم؟ أال يتأسون برسول اهلل وسلفهم‬
                                                    ‫الصالح في القضاء على ما يفرق الكلمة.‬


                                                                          ‫__________‬
                                        ‫(5) 5 - رواه الحافظ ابو يعلي الموصلي في مسنده .‬
                                                                       ‫(7) 7 - متفق عليه‬
                                                                                       ‫&‬

‫(5/219)‬




                                                                         ‫عورات المسلمين‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                        ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                              ‫محمد الداه بن أحمد الشنقيطي‬
                                                                                ‫نواكشوط‬
                                                              ‫جامع الشرفاء (جامع القرآن)‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫5- التحذير من التهير بالناس ونشر عوراتهم. 7- فضل الستر على المسلم وكف الضر عنه. 3-‬
                                                     ‫التحذير من المعاصي ومن المجاهرة بها.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
  ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل وراقبوه، فإنه يعلم السر وأخفى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن‬
                                                          ‫هو مستخف بالليل وسارب بالنهار .‬
 ‫عباد اهلل: إن ربكم كريم ستير يحب الستر على عباده ليتوبوا إليه ويرجعوا عن زالتهم وهم غير‬
‫مفضوحين بين الناس، ولذلك قال النبي : ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) وقال :‬
‫((أقيلوا ذوي الهيئات زالتهم)) أي استروهم وال تفضحوهم والتتعرضوا بهم، فإن في الستر عليهم‬
           ‫في الزالت العابرة النادرة فوائد كثيرة تعود عليهم في أنفسهم وتعود على مجتمعاتهم.‬
   ‫عباد اهلل: إن التشهير بالناس ونشر عوراتهم من صفات أهل النفاق والفساق المتشبهين باليهود‬
‫المغرمين باشاعة الفاحشة، ومن كانت فيه صفة من صفات هؤالء فليبادر بتركها والتوبة منها لئال‬
   ‫يلقى اهلل بها فيعذبه عليها: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب آليم في‬
  ‫الدنيا واآلخرة واهلل يعلم وأنتم التعلمون ، والتقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد‬
                                                              ‫ال‬
‫كل أولئك كان عنه مسئو ً ، والتجسسوا واليغتب بعضكم بعضاً ، ويحذرنا نبينا من هذه الصفات‬
  ‫في أحاديث عديدة وبأساليب منفرة من تلكم الخصال الذميمة عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن‬
‫النبي قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث والتجسسوا والتحسسوا، والتحاسدوا والتدابروا‬
                                                     ‫ا‬
 ‫والتباغضوا وكونوا عباداهلل إخوانً)) وفي حديث ابن عباس رضي اهلل عنهما عن النبي : ((ومن‬
 ‫استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في آذنيه اآلنك)) و في حديث أبي هريرة رضي اهلل‬
  ‫عنه قال: قال رسول اهلل : ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه))(5).‬
 ‫إن أعراض المسلمين مصانة وعوراتهم مستورة، فمن خالف ذلك وتتبع عوراتهم تتبع اهلل عورته‬
   ‫حتى يفضحه في عقر داره، ومن تجسس على الناس كان من المفسدين الذين لم يباشر اإليمان‬
 ‫قلوبهم، فعن معاوية رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إنك إن اتبعت عورات الناس‬
  ‫أفسدتهم أو كدت تفسدهم))(7)، ومن حديث أبي برزة قال: قال رسول اهلل : ((يا معشر من آمن‬
    ‫بلسانه ولم يدخل اإليمان قلبه التغتابوا المسلمين وال تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه‬
                              ‫المؤمن يتبع اهلل عورته، ومن يتبع اهلل عورته يفضحه في بيته)).‬
   ‫فلماذا يرضى بعض المسلمين لنفسه بتتبع عورات الناس واغتيابهم وهمزهم ونبزهم وتعييرهم‬
     ‫والتشنيع عليهم، فهل الترفع بنفسه عن هذه الدرجة الخسيسة وربى نفسه على معالي األمور‬
       ‫وتجنب سفاسفها الذي اليجني من ورائه إال البغض بين العباد في الدنيا والخزي واإلثم في‬
‫اآلخرة، أال فاسمعوا إلى ما أعده اهلل لمن ستر مسلماً أو ترفع عن جلب الضرر له أو أحب الثواب‬
  ‫الجزيل فعمل على إسعاد الناس، عن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن رسول اهلل قال: ((من نفس‬
  ‫عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اهلل عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر‬
    ‫يسر اهلل عليه في الدنيا واآلخرة، ومن ستر مسلماً ستره اهلل في الدنيا واآلخرة، واهلل في عون‬
                                              ‫ا‬
    ‫العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقً يلتمس فيه علماً سهل اهلل له به طريقاً إلى‬
    ‫الجنة، وما جلس قوم في بيت من بيوت اهلل يتلون كتاب اهلل ويتدارسونه بينهم إال نزلت عليهم‬
 ‫السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم المالئكة وذكرهم اهلل فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به‬
          ‫نسبه))(3)، حديث جامع نافع يحفظه الكثير منا ونؤمن بما فيه ولكن من يعمل به منا؟.‬
  ‫عباد اهلل: اعلموا أن الستر على المستتر بمعصيته واجب، وفيه أجر عظيم، ويحرم تتبع عورته‬
 ‫وإستكشاف أمره كما يدل له حديث اإلمام أحمد في المسند عن دخين كاتب عقبة بن عامر رضي‬
                                                      ‫ا‬
  ‫اهلل عنه قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانً يشربون الخمر، وإنا داع لهم الشرطة فيأخذوهم فقال: ال‬
  ‫تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه دخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا‬
  ‫وأنا داع لهم الشرط، فقال عقبة: ويحك ال تفعل فإني سمعت رسول اهلل يقول: ((من ستر عورة‬
                                                         ‫مؤمن فكأنما استحيا موؤدة من قبرها)).‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل العالم بما في الصدور مبعثر مافي القبور المجازي للناس يوم البعث والنشور، وأشهد أن‬
                                 ‫ال إله إال اهلل وحده الشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
       ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل وفروا من اهلل إلى اهلل واستتروا بستر اهلل والتبارزوا الجبار بالمعاصي،‬
                                                 ‫ا‬
   ‫والتجاهروا بها بين الناس، والتكونوا أيضً من الذين ذمهم اهلل وعيرهم بهذه األوصاف، إذ كل‬
‫ذلك يدل على قلة اإليمان وذهاب الحياء من كان هذا حاله فهالكه محقق إن لم يتب إلى اهلل تعالى،‬
  ‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((كل أمتي معافى إال المجاهرين،‬
                                                ‫ال‬
     ‫وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عم ً، ثم يصبح وقد ستره اهلل عليه، فيقول: يافالن‬
              ‫عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر اهلل عليه))(1).‬
    ‫ومن حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكم له من حكم: (إنا كنا نعرفكم إذ رسول اهلل بين‬
  ‫أظهرنا وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا من أخباركم، أال وإن رسول اهلل قد انطلق به وانقطع الوحي،‬
                            ‫ا‬
    ‫وإنما نعرفكم بما نخبركم أال من أظهر منكم لنا خيراً ظننا به خيرً وأحببناه عليه، ومن أظهر‬
                                                                ‫ا‬           ‫ا‬
    ‫منكم شرً ظننا به شرً وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى) موقف واضح ممن‬
  ‫يرتكب حرمات اهلل ويقول: اإليمان في القلب أو يستخفي من الناس واليستحي من اهلل: وماكنتم‬
   ‫تستترون أن يشهد عليكم سمعكم وال أبصاركم والجلودكم ولكن ظننتم أن اهلل اليعلم كثيراً مما‬
 ‫تعلمون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم الخاسرين ، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق‬
   ‫ا‬     ‫ا‬                              ‫ا‬
   ‫لتحكم بين الناس بما أراك اهلل والتكن للخائنين خصيمً واستغفر اهلل إن اهلل كان غفورً رحيمً‬
     ‫والتجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن اهلل اليحب من كان خواناً أثيماً يستخفون من الناس‬
    ‫ا‬
    ‫واليستخفون من اهلل وهو معهم إذ يبيتون ما اليرضى من القول وكان اهلل بما يعملون محيطً‬
    ‫هأنتم هؤالء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل اهلل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم‬
       ‫ً‬                    ‫ً‬                                          ‫ا‬             ‫ال‬
 ‫وكي ً ومن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اهلل يجد اهلل غفورا رحيماً ومن يكسب إثما فإنما‬
                                                             ‫ا‬
   ‫يكسبه على نفسه وكان اهلل عليمً حكيماً ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل‬
                                                                             ‫ا‬            ‫ا‬
                                                                           ‫بهتانً وإثماً مبينً .‬


                                                                             ‫__________‬
                                                                  ‫(5) 5 - أخرجه الشيخان .‬
                                             ‫(7) 7 - رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه .‬
                                                                ‫(3) 3 - رواه مسلم وغيره .‬
                                                                       ‫(1) 1 - متفق عليه .‬

‫(5/819)‬




                                                                              ‫من حكم الصوم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫فقه‬
                                                                                        ‫الصوم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                ‫محمد الداه بن أحمد الشنقيطي‬
                                                                                     ‫نواكشوط‬
                                                                 ‫جامع الشرفاء (جامع القرآن)‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- من حكم األمر بالصوم تحقيق التقوى ، وتذكر نعم اهلل في المأكل والمشرب والملبس وغيرها‬
      ‫، والتذكير بالفقراء والمحتاجين من المسلمين ، والتعود على امتثال أمر اهلل تعالى. 7- حكم‬
            ‫الزكاة وفضلها وثواب أدائها. 3- الحكمة من مشروعية زكاة الفطر وبعض أحكامها.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
 ‫فإن لشرائع اإلسالم حكم بالغة ظاهرة وخفية مذكورة في النص أو ملتمسة، وإن من حكم الصوم‬
   ‫التي نص عليها القرآن الكريم مراقبة اهلل جل وعال، والصائم يمسك عن الطعام والشراب وكل‬
                                                 ‫ً‬                                 ‫ا‬
‫شهواته طائعً ممتثالً أمر ربه فرحاً بذلك مسرورا قاصداً التزام أوامر اهلل وإجتناب نواهيه، يا أيها‬
                      ‫الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون .‬
‫فالصوم وقاية للمسلم من المعاصي ومدرسة للنفس تتعلم فيها السمو والصفاء والصوم قوة للروح،‬
‫وعون لها على التغلب على شهوات البدن والجموح بها إلى الحيوانية، فمن تسامى بغرائزه وعمل‬
  ‫على تزكية نفسه وتطهيرها فقد أفلح وفاز ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من‬
                                                                   ‫زكاها وقد خاب من دساها .‬
   ‫والصوم يقوي العزيمة ويربي اإلرادة كما في الحديث: ((الصوم نصف الصبر)) وفي الحديث:‬
 ‫((الصبر نصف اإليمان)) فالصائم يصبر طاعة هلل على الجوع والعطش وكبت الغرائز وشهواته‬
                                                     ‫ا ال‬
‫عن الحالل الذي بين يديه يومً كام ً طيلة شهر كامل، فال شك أنه بذلك يتمرس على قوة اإلرادة‬
   ‫وصالبة العزيمة، كذلك من حكم الصوم اإلحساس والشعور بنعم اهلل التي التحصى من المطعم‬
 ‫والمشرب والمنكح والتي أحلها اهلل وأمد عباده بها، حتى أنهم ألفوها وركنوا إليها ونسوا أن الذي‬
                                        ‫ا‬
     ‫أمدهم بها قادر على سلبها منهم، فإذا فطموا عنها شهرً من العام تنبهوا عند فقدانها وشكروا‬
   ‫مسديها وعرفوا له قيمتها فالتجؤا إليه في كل أمورهم، فال يعرف قيمة الشبع من لم يذق مرارة‬
  ‫الجوع، ولم يعرف قيمة الري إال عند معاناة حرارة العطش، وهكذا بضدها تتميز األشياء، ومن‬
   ‫حكم الصوم كذلك أن الغني الشبعان يشارك الفقير في الجوع في شهر رمضان فيحس عند ذلك‬
    ‫بألم الجوع ومرارة الحرمان، فيلين قلبه وتتحرك عاطفته نحو إخوانه، فيبادر بمد يد المساعدة‬
    ‫لهم، فيطعم الجائع ويكسوا العاري، ويتفاعل مع المحتاجين والبأساء والمحرومين، فينال بذلك‬
                        ‫ً‬
    ‫الثواب العظيم والجزاء الجزيل من رب العالمين، والصيام أوالً وآخيرا فيه حكمة التعود على‬
  ‫امتثال أوامر اهلل وطاعته فيما أمر، واإلنتهاء عما نهى عنه وزجر، وكفى بها من حكمة بليغة يا‬
‫أيها الذين آمنوا استجيبوا هلل وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن اهلل يحول بين المرء وقلبه‬
                                                                           ‫وأنه إليه تحشرون .‬
           ‫ا‬
       ‫هذا هو الصوم، شرعه اهلل تربية لإلرادة وتهذيباً النفس وتعويداً على الصبر، وتدريبً على‬
      ‫التحمل، وتذكير للغني بأخيه الفقير، وترغيباً في المواساة والتعاون والتراحم، فهل حقق لك‬
                                                ‫صومك هذه المعاني السامية واألخالق العالية؟‬
     ‫هنيئاً لك إن كنت لمست هذه الثمار المباركة وأحسست بها في محيط حياتك، وإال فإن بعض‬
      ‫الناس هداهم اهلل في هذه األيام ال يعنيهم من رمضان إال المظهر دون المخبر، والشكل دون‬
      ‫المضمون، جعله اهلل للنفس والروح والحلم والصبر والسكينة والوقار والجد والعبادة والقيام‬
 ‫والطاعة، فجعلوه للبطن والمعدة والسباب والشجار، والسهر واللهو والتسلية، أال فقد خاب هؤالء‬
      ‫وخسروا إن لم يتقوا ويتداركوا قبل أن يحل بهم ما حل بأسالفهم من أهل الترف واإلسراف‬
                                                                                   ‫والمجون.‬
     ‫فهل يستيقظ وجدان هؤالء ويدركوا حكمة الصيام وأن اهلل جعله موسماً للجهاد ونشر اإلسالم‬
      ‫والجد واإلجتهاد والعطف على األرامل واأليتام، ومواساة الفقراء والمحتاجين وسائر األنام.‬
‫وتعاونوا على البر والتقوى وال تعاونوا على اإلثم والعدوان ، عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال:‬
    ‫قال رسول اهلل : ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس اهلل عنه كربة من كرب يوم‬
    ‫القيامة، ومن يسر على معسر يسر اهلل عليه في الدنيا واآلخرة، ومن ستر مسلماً ستره اهلل في‬
                 ‫الدنيا واآلخرة، واهلل في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)) [أخرجه مسلم].‬
    ‫فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ، ونضع الموازين بالقسط ليوم‬
                                                                 ‫ا‬
           ‫القيامة فال تظلم نفس شيئً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل رب العالمين فرض الزكاة في مال األغنياء للفقراء والمساكين ((صدقة تؤخذ من‬
    ‫أغنيائهم فترد في في فقرائهم))، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له يجازي المحسنين،‬
                                                     ‫ي‬
      ‫وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، ب ّن عن ربه وبلغ البالغ المبين صلى اهلل عليه وسلم.‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
     ‫اعلموا رحمني اهلل وإياكم أن الزكاة واجبة بالكتاب والسنة وإجماع األئمة، جاءت في القرآن‬
 ‫الكريم مقرونة بالصالة التي هي عماد الدين فقال تعالى: وأقيموا الصالة وآتوا الزكاة ، وقال اهلل‬
  ‫تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وأداؤها على وجهها كاملة من أهم أسباب‬
   ‫دخول الجنة، وهي نماء وبركة للمال وصاحبه، ومن منعها حل دمه يقاتل حتى يؤديها، إذ هي‬
                      ‫الركن الثالث من أركان اإلسالم، وقد قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة.‬
                                                        ‫ال‬
     ‫عن أبي أيوب رضي اهلل عنه أن رج ً قال للنبي أخبرني بعمل يدخلي الجنة قال: ((تعبد اهلل‬
                                                                         ‫ا‬
                     ‫والتشرك به شيئً وتقيم الصالة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم)) [متفق عليه].‬
          ‫ولعظم شأنها تولى اهلل بيان مصارفها في كتابه العزيز فقال تعالى: إنما الصدقات ... .‬
                                   ‫وال تحل الصدقة لغني وال لذي مرة سوي، كما في الحديث.‬
‫أما من أغواه الشيطان واتبع الشح والهدى فمنع الزكاة أو تحايل عليها فليستمع إلى ما أعده اهلل له‬
      ‫من العذاب والنكال قال اهلل تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة وال ينفقونها في سبيل اهلل‬
                                                                          ‫فبشرهم بعذاب أليم .‬
  ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((ما من صاحب ذهب وال فضة ال يؤدي‬
  ‫منها حقها إال إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى‬
‫بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي‬
                                            ‫بين العباد فيرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار.‬
  ‫قيل: يا رسول اهلل فاإلبل؟ قال: وال صاحب إبل اليؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها‬
                     ‫ال‬
‫إال إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت ال يفقد منها فصي ً واحداً تطؤه بأخفافها‬
‫وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أوالها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى‬
                                           ‫يقضي بين العباد فيرى أما إلى الجنة وأما إلى النار.‬
                                                                 ‫قيل يارسول اهلل فالبقر والغنم؟‬
 ‫قال: والصاحب بقر وال غنم اليؤدي منها حقها إال إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر اليفقد‬
 ‫منها شيئاً ليس فيها عقصاء وال جلحاء وال عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه باظالفها كلما مر عليه‬
   ‫أوالها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي اهلل بين العباد، فيرى‬
                                      ‫سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار)) [الحديث متفق عليه].‬
 ‫فهل أحد يقدر على هذا العذاب األليم؟ بادروا رحمكم اهلل بإخراج زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم،‬
‫وإن في المال حقاً سوى الزكاة، وهذه هيئة اإلغاثة تنوب عنكم في إيصال ما تقدمونه ألنفسكم إلى‬
        ‫إخوانكم، فتنافسوا في دعمها ومساعدتها على القيام بواجبها وواجبكم الذي تقوم به عنكم.‬
 ‫عباد اهلل: إن دين اإلسالم دين التعاطف والتراحم، ويوم العيد هو يوم فرحة وسرور، لذا حرص‬
                ‫ا‬
‫اإلسالم أن يمسح البؤس عن الفقراء في يوم فرحة المسلمين ليكون السرور عامً شامالً ألجل ذلك‬
                                                                             ‫شرع زكاة الفطر.‬
 ‫عن ابن عمر رضي اهلل عنهما قال: ((فرض رسول اهلل زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر‬
  ‫أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر واألنثى والصغير والكبير من المسلمين)) [أخرجه‬
                                                                              ‫البخاري ومسلم].‬
      ‫فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أواها قبل صالة العيد فهي زكاة‬
  ‫مقبولة، ومن أداها بعد الصالة فهي صدقة من الصدقات، وتجب زكاة الفطر بعد غروب شمس‬
                      ‫آخر يوم من رمضان، ويجوز باإلتفاق إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.‬
  ‫وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات واألرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في‬
                   ‫السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واهلل يحب المحسنين .‬
‫(5/919)‬




                                                                      ‫الدعوة إلى طلب العلم (5)‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                           ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                   ‫العلم الشرعي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                            ‫عبد العزيز الغراوي‬
                                                                                   ‫الدار البيضاء‬
                                                                                      ‫غير محدد‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
                              ‫ل‬      ‫ة‬                                               ‫ن‬
  ‫5- إ ّ أول آية نزلت على النبي صلى اهلل عليه وسلم آمر ٌ بالتعّم والقراءة والتربية 7- مكانة‬
      ‫العلم في اإلسالم وفضله وفضل أهله لم تكن في دين قبله 3- الحث على إدخال األبناء في‬
      ‫ر‬                                                                 ‫ل‬
     ‫المدارس الشرعية َِِّما لذلك من اآلثار الحسنة لهم ولمجتمعاتهم في الدنيا واألخرى 1- تج ّد‬
                                 ‫م‬                                                 ‫ي‬
                    ‫طالب العلم ن ّته هلل ال للجاه وال للمال وال للرياء والسمعة وال ِراء والمجادلة‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
    ‫أيها اإلخوة واألخوات: إن طبيعة اإلسالم تفرض على األمة التي تعتنقه أن تكون أمة متعلمة‬
                                                                   ‫ل‬
  ‫ترتفع فيها نسبة المتعّمين وتهبط أو تنعدم نسبة الجاهلين، ذلك ألن حقائق هذا الدين من أصول‬
                                                                        ‫ات‬
                   ‫وفروع ليست طقوسً ُنقل بالوراثة أو تعاويذ تشيع باإليحاء وتنتشر باإليهام.‬
  ‫كال إنها حقائق تستخرج من كتاب اهلل الكتاب الحكيم ومن سنة واعية , من سنة الرسول الكريم‬
 ‫ولقد كان أول مانزل من القرآن الكريم على رسولنا محمد اقرأ باسم ربك الذي خلق ولم يقل اهلل‬
   ‫سبحانه وتعالى: إقرأ بإسم اهلل ذلك, ألنه جل وعال أراد منذ البدء أن يشير إلى أن هذا الدستور‬
       ‫اإللهي النازل من السماء إنما هو تربية، إنه نزل باسم المربي، ومادامت هذه التربية إلهية‬
                                                        ‫م كل‬        ‫ة‬
                                ‫المصدر, فهي إذن محكم ٌ اإلحكا َ َّه كاملة في جميع جوانبها.‬
   ‫عباد اهلل كانت ((اقرأ)) دعوة آمرةً إلى الثقافة, إلى العلم, إلى الفكر, إلى البحث المستفيض في‬
 ‫السماء وفي األرض وفي الجبال والبحار، وفي كل ماخلق اهلل تعالى من كائنات صغيرة كانت أم‬
           ‫ي‬
 ‫كبيرة, كانت أول صيحة تسمو بقدر القلم، وتفيض بقيمة العلم, وتعلن الحرب على األم ّة الغافلة,‬
         ‫ن‬                         ‫يل‬                                            ‫لب‬
  ‫وتجعل الّ ِنَة األولى في بناء كل رجل عظيم أن يقرأ وأن َعَم، ولم يسبقِ اإلسالمَ دي ٌ وقف من‬
‫العلم كموقف اإلسالم من الدعوة إليه واإلشادة بفضله, والنصوص في هذا الباب كثيرة قال تعالى:‬
                        ‫ق‬
                 ‫ن والقلم وما يسطرون وقال جل وعال: والطور وكتاب مسطور في رَ ٍ منشور.‬
                                                  ‫ي‬
 ‫ومن المعلوم أن أداة العلم قلم يكتب ومداد ُوضح، ومادة يكتب عليها، وقد أقسم اهلل بهذه األدوات‬
     ‫كلها، ومن أمعن النظر في كتاب اهلل الكريم وجد أن اهلل سبحانه إنما يقسم بكثير من مخلوقاته‬
                                                                                             ‫ا‬
                                                           ‫تنويهً بشأنها ولفتاً ألنظار الناس إليها.‬
    ‫أيها المسلمون: إن الميزة األولى التي ينفرد بها اإلنسان هي استعداده للعلم, ومن أجلها استحق‬
   ‫الخالفة في األرض والسيطرة عليها، واستحق أن تخضع له أكرم مخلوقات اهلل, وهم المالئكة,‬
‫فأمرهم اهلل بالسجود آلدم بعد أن أظهر عليهم ميزته بالعلم, بعدما كانوا تعجبوا كيف يجعل اهلل في‬
                                                               ‫ن‬
    ‫األرض خليفة ممن شأ ُه سفك الدماء واإلفساد في األرض ومما جاء في الحديث الشريف عن‬
     ‫فضل العلم قول الرسول : ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إال من ثالث: صدقة جارية أو علم‬
                                                            ‫يتنفع به أو ولد صالح يدعو له))(5).‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون: ومن اإلشادة بالعلم اإلشادة بالعلماء، ففي القرآن الكريم والسنة المطهرة من‬
‫اإلشادة بفضلهم مايلفت األنظار إلى سمو مكانة العلماء في نظر اإلسالم قال تعالى: يرفع اهلل الذين‬
‫آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال سبحانه: إنما يخشى اهلل من عباده العلماء وفي الحديث‬
                ‫ا‬
             ‫الشريف قال رسول اهلل : ((العلماء ورثة األنبياء))(7)، وقال : ((إنما بعثت معلمً)).‬
    ‫والشك أن المعلمين والمربين داخلين تحت مسمى العلماء وإال ما طلب منهم تعليم غيرهم مما‬
    ‫حصلوا عليه من علوم ومعارف في مجاالت مختلفة من شؤون الحياة ومطالبها ومنافعها، كما‬
  ‫يلحق بهؤالء األطباء والمهندسون والخبراء وغيرهم إذا اقترنت علومهم ومعارفهم باإليمان باهلل‬
   ‫واإلحسان إلى الناس، ألن اإلسالم يدعوا إلى كل علم يرفع الجهل وينفع المرء في دينه ودنياه،‬
 ‫لهذا جاء األمر بتعلم العلم واعتبر فريضة واجبة فقال رسول اهلل : ((طلب العلم فريضة على كل‬
‫مسلم))(3)، وقد حث اإلسالم أبناءه على الرحلة في طلب العلم فقد صح عن الرسول : ((من سلك‬
                                                                                          ‫ا‬
                                    ‫طريقً يلتمس فيه علماً سهل اهلل له به طريقاً إلى الجنة))(1).‬
  ‫أيها المسلمون: إذا كانت هذه منزلة العلم والعلماء فطالب العلم الشرعي وعلماؤه هم أكثر الناس‬
    ‫حظاً للحصول على هذا األجر إذا هم طلبوا العلم إبتغاء مرضات اهلل، ألن اهلل أراد بهم الخيرة‬
                              ‫فجعلهم أئمة الهدى ودعاة الخير وخلفاء األنبياء في الدعوة إلى اهلل.‬
  ‫عباد اهلل أيها المؤمنون: البد لنا من دفع مجموعة من أبنائنا إلى طلب العلم الشرعي ليتفقهوا في‬
                                                        ‫ً‬              ‫ي‬
       ‫دين اهلل تعالى, ألن من ُرد اهلل به خيرا يفقهه في الدين إذا تركنا هذا الباب وقع اإلثم على‬
   ‫الجميع, فاتقوا اهلل تعالى واطلبوا العلم الشرعي, فإن هذا العلم رفعة في الدنيا واآلخرة، واطلبوا‬
                                                                          ‫ص‬    ‫ل‬
   ‫العلم يكن لكم َِِّسان ِدق في اآلخرين، فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله, فالعلماء الربانيون لم‬
                      ‫ا‬             ‫ا‬
 ‫تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكورً وذكرهم مرفوعً, إن ذكروا في المجالس‬
‫امتألت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم, وإن ذكروا في األعمال الصالحة واآلداب العالية كانوا‬
                              ‫تعل‬
 ‫قدوة الناس فيها، فتعلموا العلم عباد اهلل لتنالوا بركته وتجنوا ثماره َّموا العلم للعلم لتعملوا به ال‬
                                                                           ‫ت‬
   ‫لتجادلوا به وُماروا به, فإن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء فقد عرض‬
‫نفسه لعقوبة اهلل ونزل بها إلى الهدف األسفل، ال تطلبوا العلم للمال فإن العلم أشرف من أن يكون‬
   ‫وسيلة إلى المال, وإن المال أحق أن يكون وسيلة للعلم ألن المال يفني والعلم يبقى ورضي اهلل‬
‫ال‬
‫عن مصعب بن الزبير الذي قال البنه: ((يا بني تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك العلم جما ً‬
                                                           ‫ال‬
                                         ‫وإن لم يكن لك مال كان لك العلم ما ً)) وهلل در من قال:‬
                                ‫ال‬
                               ‫…ما الفخر إال ألهل العلم إنهم ……على الهدى لمن استهدى أد ّء‬
                              ‫……وقدر كل أمرئ ماكان يجنيه……والجاهلون ألهل العلم أعداء‬
                                                                                              ‫وقال:‬
                                                          ‫ا‬
                                ‫…تعلم فليس المرء يولد عالمً……وليس أخو علم كمن هو جاهل‬
                              ‫……وإن كبير القوم العلم عنده……صغير إذا التفت عليه المحافل‬


                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                            ‫لم ترد.‬
                                                                                   ‫__________‬
                                       ‫(5) 5 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                                  ‫(7) 7 - رواه أحمد وأبو داود .‬
                                                                           ‫(3) 3 - رواه البيهقي .‬
                                                       ‫(1) 1 - رواه مسلم وأبو داود والترمذي .‬

‫(5/069)‬




                                                                       ‫اإلجازة وسبل االستفادة منها‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                          ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                     ‫اغتنام األوقات‬
                                                            ‫-----------------------‬
                                                                    ‫محمد بن عبد اهلل الهبدان‬
                                                                                    ‫الرياض‬
                                                                   ‫جامع العز بن عبد السالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- خطر الصحة والفراغ 7- مخالطة الكفار والتشبه بهم 3- التحذير من السفر لبالد الكفار 1-‬
                     ‫َِِّتعل‬
  ‫صور من إضاعتنا للوقت 1- حرص السلف على أوقاتهم 6- دعوة ل ُّم القرآن وحفظه خالل‬
                                                                                     ‫اإلجازة‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫أيها المسلمون: سنن اهلل في هذا الكون ال تتغير وال تتبدل، ومن تلك السنن تعاقب الزمان، وتقلب‬
‫الليل والنهار، باألمس كنا في بداية العام الدراسي وفي لمحة بصر أو طرفة عين نصل إلى نهاية‬
                                ‫المطاف والناس على أحر من الجمر في انتظار نتائج أبناءهم.‬
 ‫أيها األحبة في اهلل: يحسن بنا ونحن على أبواب اإلجازة الكالم هذه الفترة الحرجة التي يمر بها‬
‫الشباب من الجنسين، والتي تعتبر مفرق طرق، ونقطة تحول في انحراف الكثير من الشباب، فهم‬
‫يتمتعون بقوة في أبدانهم، وصحة في أجسادهم، ونضوج في غرائزهم، تجتمع هذه كلها مع فراغ‬
    ‫قاتل، وفكر هائم، يقول عليه الصالة والسالم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة‬
                                              ‫والفراغ)) رواه البخاري من حديث ابن عباس .‬
‫أيها المسلمون: إن الشباب المسلم أحوج أهل األرض إلى مربين أمناء، يدركون استغالل قوته في‬
                                   ‫الخير، وتهذيب غرائزه فيما أباح اهلل، بال تمرد وال انزالق.‬
                    ‫ا‬
 ‫وإن لم تجد هذه القوى وتلك الطاقات إن لم تجد عناية من المربين وتوجيهً من الناصحين، فإنها‬
   ‫ستكون عامل هدم، ومعول فساد في المجتمع، بحيث اليؤيهم إال الطرق والممرات، فيزعجون‬
     ‫ويضايقون، وتكون لهم الطرق مدارس شيطانية تعلمهم كل بذئ من القول وقبيح من الفعل.‬
    ‫ويزداد األمر علة، والطين بلة إذا اجتمعت تلك الطاقات مع المثيرات للغرائز ،الموقظة للفتنة‬
   ‫النائمة، المهيجة لها عبر أفالم ماجنة، ومجالت فاسدة ودعايات مضللة، وتعظم البلية أيضاً إذا‬
    ‫صاحب ذلك سفر إلى بالد الكفار ليتلقفهم أهل الكفر بقضهم وقضيضهم فيفقدوهم خصائصهم‬
   ‫اإلسالمية، التي بها قوامهم ، ومن ثم يميلون إلى جلب أسوأ ما عند غيرهم ممن يخالطونه في‬
‫بالد الكفار، أو في بالد تشبهها، ويتوهمون أن كل ما عند غيرهم من أهل اللهو والغفلة، خير مما‬
 ‫عندهم، قال رسول اهلل : ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول اهلل‬
                                                  ‫ولم؟ قال ال ترايا نارهما)) [رواه الترمذي].‬
 ‫ولست بحاجة واهلل يا مسلمون أن أفصل لكم أحوال تلك المصائف التي يقصدون، فما ظنك ببالد‬
                                                                                            ‫ت‬
   ‫ُعد الفاحشة فيها هي األصل، والعفة شذوذ وتخلف، وما بالك ببالد إذا لم تتخذ الفتاة عشيقاً لها‬
    ‫بعد البلوغ فهي مريضة، وبحاجة إلى عرضها على طبيب األمراض النفسية يدعوها إلى بذل‬
    ‫عرضها ألول عابر سبيل تصادفه، لتنعم بالشقاء بعد ذلك ،أما حانات الخمور ففي كل شارع،‬
                                                                              ‫وناصية طريق.‬
 ‫وقد بلغت مصروفات الذين سافروا إلى عواصم العالم ومنتجعاته في عام 2515هـ (67) مليار‬
                              ‫ريال، فأين تصرف تلك األموال؟ ومن المستفيد من هذه األموال؟‬
      ‫أيها المسلمون: إن مرحلة الشباب من أخطر المراحل في حياة الناس، ألنها مرحلة قوة بين‬
  ‫ضعفين، ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، ولما كان الشباب من العمر وسيسأل اإلنسان عن‬
    ‫عمره، فإن رسول اهلل خص الشباب في قوله: ((ال تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن‬
                               ‫خمس))، وذكر منها: ((وعن شبابه فيما أباله)) [رواه الترمذي].‬
    ‫ولذا على الشباب أن يدركوا أن حياة اإلنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تحدد،‬
 ‫والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بل الوقت هو الحياة، وكثيرا ما نسمع المثل المادي السائر،‬
  ‫الوقت من ذهب ..خابوا وخسروا بل هو أغلى من الذهب ومن كل جوهر نفيس أو حجر كريم،‬
       ‫إن المرء يفتدى وقته بكل غال ونفيس، ألن الوقت هو حياته وعمره، فمن يفرط في حياته‬
                                                                                    ‫وعمره!؟‬
                             ‫ا‬
‫إن من أكبر عالمات المقت إضاعة الوقت، إن من أمضى يومً من أيام عمره في غير حق قضاه،‬
                 ‫أو فرض أداه، أو علم اكتسبه، أو فعل محمود صنعه فقد عق يومه وظلم نفسه.‬
                                     ‫ل‬
      ‫حرام واهلل حرام أن يعيش شباب في عمر الزهور عيشة اّالمبالي بوقته، فهو يقطعه باللهو‬
                                                                      ‫الباطل، واألمر الحقير.‬
 ‫حرام واهلل حرام أن يألف شباب األمة وهم أصحاء أقوياء النوم حتى الضحى أو ما بعد الضحى،‬
    ‫تطلع عليهم الشمس وتتوسط في كبد السماء، وهم يغطون في نوم عميق، قد بال الشيطان في‬
 ‫آذانهم، إذا قام أحدهم فإذا هو هزيل القوى، ثقيل الخطى، ضيق النفس كسالن 0 على حين تطلع‬
‫الشمس على قوم آخرين من غير أهل اإلسالم وهم منهمكون في وسائل معاشهم، وتدبير شئونهم،‬
     ‫إن سنن اهلل يا مسلمون في كونه تأبى إال أن يعطى كل امرئ حسب استعداده وجده وعمله.‬
‫فهل يليق هذا بأمة يا مسلمون خلقت لقيادة البشرية بأسرها! ووجدت لتكون شاهدة على الناس يوم‬
  ‫يقوم الناس لربهم؟ هل يليق ذلك بأمة شرفت بحمل أعظم رسالة! وحملت أثقل أمانة! وأنيط بها‬
                                                              ‫أضخم مسؤولية، وأكبر تكليف!؟‬
      ‫ألستم يا شباب أبناء قوم كانوا على أوقاتهم أشد حرصا منهم على الدنيار والدرهم، هذا ابن‬
  ‫مسعود يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد‬
                                                                            ‫ن‬
   ‫فيه عملي) و ُقل عن عامر بن عبد قيس أحد التابعين الزهاد: أن رجال قال له كلمني، فقال له:‬
‫عامر بن عبد قيس: أمسك الشمس. يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك، فإن‬
                                                                    ‫الزمن متحرك دائب المضي.‬
             ‫والذم ء‬                  ‫ي‬
   ‫وهذا اإلمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم ُباحث وهو في النزع ِّ َا ِ(5)[5] بعض‬
                                                                                       ‫ُو‬
  ‫ع َّاده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم، وال يخلي اللحظة األخيرة من لحظات‬
                    ‫ي‬
     ‫حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة .لقد كان أسالفنا األوائل ُسابقون الساعات،‬
                 ‫ا‬                                            ‫ا‬
  ‫ويبادرون اللحظات، ضنً منهم بالوقت، وحرصاً على أن ال يذهب منهم هدرً. ولقد أورث ذلك‬
    ‫نتائج أشبه بالمعجزات، وإذا باإلنجازات قريبة من الخيال، فحسبك منها حركة الفتوحات التي‬
   ‫كانت على قدم وساق وخيول المسلمين التي أزكم أنوفها غبار المعارك وأعلى صهيلها الكر و‬
         ‫الفر، فضالً عن خطوات في تربية وإعداد النشء الجديد ناهيك عن وثبة بعيدة المدى في‬
  ‫التصنيف والتأليف واالبتكار هكذا كانت أحوالهم يوم عرفوا قيمة الزمن، وهكذا كانت إنجازاتهم‬
                                                          ‫يوم اتسعت مداركهم ونضجت عقولهم.‬
                                                            ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم.‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
 ‫أيها األحبة في اهلل: إذا كان هذا تاريخ أسالفنا األوائل وهكذا كانوا ..فإننا مطالبون باإلقتداء بهم،‬
  ‫وذلك باستثمار كل دقيقة وثانية من عمر الزمن نتقرب فيها إلى اهلل جل جالله ونسابق إلى جنته‬
      ‫وموعوده من خالل تربية ذواتنا، وإعداد اآلخرين حتى تكون قادرة على العطاء بال حدود.‬
 ‫آال إن البدائل متاحة، والمجاالت مفتوحة الستثمار الوقت، وشغل الفراغ، فإليك أيها المبارك هذه‬
                    ‫الخيارات المتنوعة، والبدائل المتعددة لتختار لنفسك منها ما يناسبك ويالئمك.‬
                                                                                    ‫ال‬
 ‫أو ً: المراكز الصيفية التي تعتبر مراكز هامة الحتوى الشباب وتصريف طاقاته فيما يخدم األمة‬
   ‫وينفعها في مستقبلها الجديد ففيها يتلقى الدروس التربوية، ويتعلم الشاب كيف يكون إيجابيا في‬
     ‫خدمة أمته ومجتمعه، فضال عن البرامج المفيدة لصقل المواهب وإنمائها، واستغالل القدرات‬
   ‫وتوجيهها، ناهيك عن الرحالت التربوية، حيث الترويح البريء والمتعة المباحة فاحرص على‬
                                                   ‫المشاركة في برامجها الهادفة معلما أو متعلما.‬
                                                                                    ‫ا‬
‫ثانيً: حلق تحفيظ القرآن الكريم التي تعتبر مشعل هداية، ومحضن تربية، ومائدة من موائد القرآن‬
‫التي ينهل منها الناهلون اآلداب الفاضلة، واألخالق الحميدة، والصفات العالية ،وإن خير ما اشتغل‬
‫به المشتغلون من أعمال القرب كتاب اهلل تعلما وتعليما، وذلك مصداقا لقول المصطفى : ((خيركم‬
     ‫من تعلم القرآن وعلمه) [رواه البخاري]. وقال : ((أهل القرآن هم أهل اهلل وخاصته)) [رواه‬
                                                                                           ‫أحمد].‬
‫ومن نعم اهلل تعالى على هذه البالد كثرة حلق القرآن الكريم فاحرص يا رعاك اهلل على المشاركة‬
                                                               ‫فيها وإلحاق أبنائك في صفوفها.‬
                                                                                      ‫ا‬
 ‫ثالثً: حلق الذكر ومجالسة العلماء، تلك المجالس التي تبحث عنها المالئكة الكرام ..تلك المجالس‬
 ‫التي تحفها المالئكة، وتغشاها الرحمة، وتنزل عليها السكينة، ويذكر اهلل أهلها فيما عنده، وهذا ال‬
     ‫يتعارض مع اإلجازة، فقد كانت سياحة أسالفنا رحمهم اهلل في طلب العلم ومجالسة أهله فهذا‬
     ‫اإلمام الخطيب البغدادي رحمه اهلل يؤلف كتابا كامال سماه (الرحلة في طلب الحديث) ويزداد‬
  ‫عجبك حينما تعلم أن هذا الكتاب لم يضمنه مؤلفه إال من رحل من أجل حديث واحد فحسب ،فيا‬
   ‫لسعادتنا واهلل حين ترتفع همم شبابنا إلى تلك الهمم، فتذهب تلك التصورات التي تعتبر اإلجازة‬
                      ‫للهو وللهو فقط، وهذا خطأ فادح بكل المقاييس، ووهم خطير بكل المعايير.‬
                                                                              ‫ا‬
‫رابعً: اصطحاب األهل في بعض األحيان في نزهة برية، أو رحلة في ربوع هذه البالد أو عمرة‬
‫إلى بيت اهلل مع االستفادة بقدر الجهد والطاقة من هذه الرحالت بالتوجيه السليم والمسابقات النافعة‬
 ‫والتفكر في أرض اهلل وسمائه ومخلوقاته وعجائب صنعه سبحانه قال تعالى: ويتفكرون في خلق‬
     ‫السموات واألرض ربنا ما خلقت هذا باطالً سبحانك وإن المؤسف واهلل ما نشاهده من بعض‬
   ‫األسر في أماكن المنتزهات والسياحة من تبرج وسفور أمام مرأى ومسمع من أعين الناس بال‬
 ‫حياء وحشمة وال وقار وعفة، وعلى أرباب األسر ممارسة حق القوامة على أهلهم وبناتهم بالتي‬
   ‫هي أحسن ومنعهم من ذلك بالتي هي ألين، وقاية لهم من النار، وحفظا لهم من أعين األشرار،‬
                                              ‫واستجابة لنداء وال تبرجن تبرج الجاهلية األولى.‬
                                      ‫هذا وصلوا رحمكم اهلل على النبي الكريم والمرشد العظيم.‬
                                                                              ‫__________‬
                                                              ‫(5) ـ النفس األخير من الحياة .‬

‫(5/569)‬




                                                            ‫رابطة العقيده وأثرها على المجتمع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫اإليمان‬
                                                                                ‫الوالء والبراء‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                      ‫محمد بن عبد اهلل الهبدان‬
                                                                                      ‫الرياض‬
                                                                                  ‫9/1/2515‬
                                                                     ‫جامع العز بن عبد السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
‫5- نشأة المجتمع المسلم في ظل رابطة العقيدة 7- المؤاخاة بين األوس والخزرج 3- قصة نوح‬
 ‫مع ابنه 1- التمييز العنصري في الغرب 1- رابطة العقيدة اإلسالمية تصهر القوميات المختلفة‬
                                                                           ‫في المجتمع المسلم‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                          ‫أ‬
   ‫أيها المسلمون: بدأت الدعوة في مكة دعوة سرية، وكان أنذاك قد ُمر الرسول صلى اهلل عليه‬
‫وسلم بدعوة األقربين من قومه وعشيرته، حتى تجمع حول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قرابة‬
                                                                               ‫ال‬
‫األربعين رج ً، وكانوا قد استخفوا عن أعين الناس في دار األرقم بن أبي األرقم لعبادة اهلل تعالى‬
  ‫سراً من قومهم، وكلهم قد توجهوا الوجهة الجديدة التي تدعو إليها شهادة التوحيد، التي شهد بها‬
‫قلبه ولسانه وكل جوارحه، ولذا فقد هجر كل واحد منهم من حوله، وأدار له ظهره، وقطع صلته‬
  ‫بقرابة الدم وصداقات القوم، وأصبحت شهادة التوحيد منذ شهد بها هي المالذ والمعتصم، وهي‬
                                                        ‫مفرق الطريق بينه وبين أهل الجاهلية.‬
 ‫وحين التقى أولئك النفر برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقد التقوا بكيانهم كله، والتحمت قلوبهم‬
                                ‫برباط جديد لم يألفوه من قبل، إنه رباط العقيدة واإلخاء في اهلل.‬
    ‫أيها األحبة في اهلل: إن الناس تقوم بينهم روابط وصالت، وصحبة وصداقات، ولكن على أي‬
                     ‫شيء يلتقي الناس، وعلى أي شيء تقوم هذه الصالت؟ وما سبب وجودها؟‬
                                                                  ‫والجواب أيها األحبة في اهلل:‬
   ‫إنها إما قرابة الدم، أو اللقاء على الشهوات والملذات، أو المصالح الدنيوية المشتركة، ومن ثم‬
‫فإنها مهما تقاربت القلوب وتالصقت تلك الروابط، فإنها التصل إلى حد أن تكون كالقلب الواحد،‬
     ‫والسبب في ذلك أن هذه الصالت يقوم بينها حاجز يفصل بين القلب والقلب، أال وهو حاجز‬
 ‫األنانية ، فكل إنسان يقيم سياجا معينا لنفسه، فإذا أاقترب من ذلك السياج أكثر من الالزم حصل‬
                                                         ‫التنافر والتناكر، وبدأ بينها االحتكاك.‬
  ‫ولكن أحبتي في اهلل نوع واحد، وواحد فقط من الرباط اليحدث فيه ذلك التنافر، ألنه يذيب ذلك‬
‫السياج الزائف الذي ينصبه اإلنسان حول نفسه، ومن ثم تظل القلوب تقترب وتقترب حتى تصبح‬
‫كالقلب الواحد .. ذلك هو رباط العقيدة، الذي الينشأ بين إنسان وإنسان من أجل مصالح مشتركة،‬
                                                    ‫د‬         ‫د‬
‫كال، ولكنه رباط في اهلل بين عب ٍ هلل وعب ٍ هلل، خال قلباهما من ذلك الكبر الظاهر أو الخفي، الذي‬
 ‫يحجز القلوب عن التقارب والتالصق ، وقد مأل ه بشئ آخر غير مشاغل الدنيا، ومشاغل الحس‬
                                                                                     ‫القريبة.‬
‫ذلك الرباط هو الذي وحد تلك القلوب حول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حين حدث اللقاء بينها‬
      ‫في اهلل، وهلل فقط، فتحابت، فالتحمت فتآخت ذلك اإلخاء العجيب الذي يتحدث عنه التاريخ!!‬
‫كان الصحابة رضوان اهلل عليهم يسير االثنان منهم في الطريق، فتفصل بينهما أثناء المسير شجرة‬
   ‫فيعودان، فيسلم أحدهما على اآلخر شوقاً إليه من تلك اللحظة التي فصلت بينهما في الطريق!!‬
                                                                   ‫ا‬
   ‫وبكى أحد الصحابة حزنً!! لماذا لماذا؟ ألنه فكر في فراق رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في‬
 ‫الدار اآلخرة، وهو اليطيق فراقه في الدنيا فأنزل اهلل قوله فيه ومن يطع اهلل والرسول فأولئك مع‬
‫الذين أنعم اهلل عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء:96].‬
   ‫ولما هاجر الرسول صلى اهلل عليه وسلم إلى المدينة آخى بين األوس والخزرج فذاب ما بينهما‬
 ‫من نزاع وصراع استمر ذلك المدى من الزمن الذي اليعلمه إال اهلل، وصار بينهم التآلف واإلخاء‬
                                                                                      ‫من‬
   ‫الذي َّ اهلل به عليهم بقوله: واذكروا نعمة اهلل عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم‬
                                                             ‫بنعمته إخواناً [آل عمران:305].‬
    ‫ثم آخى بين المهاجرين واألنصار تلك المؤخاة العجيبة الفريدة في التاريخ حيث كان األنصار‬
‫يتنازلون عن شطر ما يملكون للمهاجرين عن طيب خاطر ،ونفس رضية، ومن غير إلزام من اهلل‬
                                                                                 ‫وال رسوله.‬
   ‫أيها المسلمون: إن هذه الصلة، وهذه الرابطة هي المعتبرة في كتاب اهلل عز وجل، وأما غيرها‬
     ‫من الروابط والصالت فهي التغني من اهلل شيئا، إذا خلت من رابطة الدين والعقيدة، وقد نبه‬
      ‫القرآن في أكثر من موضع أن رابطة العقيدة هي المعتبرة والمعول عليها، وهي التي تفصم‬
                                                    ‫الروابط اآلخرى كلها وتبقى هي التنفصم.‬
    ‫ففي قصة نوح عليه السالم جاء قوله تعالى: ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن‬
 ‫وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فال تسألني‬
 ‫ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي‬
                             ‫به علم وإال تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [هود:11-21].‬
  ‫فقد وعد نوح من قبل أن ينجو أهله من الطوفان إال من سبق عليه القول حتى إذا فار التنور قلنا‬
  ‫احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إال من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إال قليل‬
                                                                                  ‫[هود:01].‬
  ‫ولقد دعا نوح ابنه وكان في معزل ليركب في السفينة الناجية فأبى فأدركه الطوفان وهي تجري‬
   ‫بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا وال تكن مع الكافرين‬
 ‫قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال ال عاصم اليوم من أمر اهلل إال من رحم وحال بينهما‬
                                                     ‫الموج فكان من المغرقين [هود:71-31].‬
    ‫فلما قضي األمر واستوت السفينة على األرض وقد نجا من نجا وهلك من هلك مألت الحسرة‬
    ‫قلب نوح على ولده الهالك، وراح يسأل ربه كيف غرق وهو من أهله، وقد وعده اهلل أن ينجو‬
  ‫أهله، ووعد اهلل حق الريب فيه، هنا ينبهه اهلل تعالى إلى أن الوشيجة الحقيقة ليست وشيجة الدم،‬
      ‫إنما هي وشيجة العقيدة يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وقد انفصمت وشيجة‬
   ‫العقيدة حين أبى االبن أن يؤمن، فانفصمت لها كل الوشائج اآلخرى، ولم يعد ابن نوح من أهله‬
‫مع أنه ابنه كما يؤكد القرآن باللفظ الصريح ونادى نوح ابنه إذن تنفصم كل العالئق واألواصر إذا‬
     ‫انفصمت رابطة الدين والعقيدة فال االبن يبقى ابنا وال األخ أخا إذا ارتكب أمرا مخال بعقيدته‬
‫ودينه كترك الصالة بالكلية مثال، أو االستهزاء بشيء من معالم الدين أو نحوا من هاتيك القضايا.‬
      ‫أيها المسلمون: إن من يظن أنه يمكن أن يحدث رباط أقوى من رباط العقيدة وأبلغ أثرا منه‬
  ‫فليوازن بين مجتمع ذلك الجيل الفريد الذي طبق تلك الحقيقة الغائبة وبين المجتمعات الكبرى في‬
   ‫التاريخ، خذ مثالً المجتمع األميركي فيكفينا من سوآته ومخازيه موقف البيض هناك من السود،‬
 ‫وهم إخوان لهم في الوطن والدين، ومع ذلك كله توجد الفتات في المطاعم ودور السينما مكتوب‬
‫عليها بكل وقاحة (ممنوع دخول السود والكالب) وتتكرر هذا الوقاحة بصورة أخرى مجموعة من‬
   ‫البيض قد تجمهروا حول واحد من الزنوج يضربونه ويطرحونه أرضاً ويركلونه بأقدامهم حتى‬
       ‫تزهق روحه، والشرطي األبيض قد أدار لهم ظهره حتى ينتهوا من "جهادهم المقدس" فيقيد‬
  ‫الحادث ضد مجهول!! هذا مع أن الدين واحد، واللغة واحدة والجنس واحد والوطن واحد يحدث‬
                     ‫بينهم ما قد علمت .فهل بعد ذلك شك وارتياب ولكن وما يعقلها إال العالمون.‬
   ‫أما ذلك الجيل الفريد جيل الصحابة رضي اهلل عنهم فقد انبثقت عالقاتهم من رابطة العقيدة التي‬
   ‫صهرت كل فوارق الجنس واللون واللغة ،بالل الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي مع‬
  ‫أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر الصحابة رضوان اهلل عليهم، بل قال رسول اهلل صلى اهلل‬
    ‫عليه وسلم: ((سلمان منا آل البيت))(5)[5] وقال عمر العربي القرشي عن بالل العبد الحبشي‬
‫"سيدنا بالل" وقد كان نبي اهلل يربي أصحابه على هذا المبدأ فعندما قال أبو ذر لبالل األسود يا ابن‬
‫السوداء! قال له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((عيرته بأمه !! أنت أمرؤ فيك جاهلية)) فيذهب‬
                            ‫أبو ذر لبالل، ويضع خده على األرض ويقول له: طأ خدي بقدمك!!‬
    ‫أيها المسلمون: إن هذه األمة لن يصلح حالها، ويستقيم أمرها إال بنصبها بين عينيها تلك القمم‬
     ‫السامقة، والقدوات العالية، حتى تكون لها نبراساً يضيء لها الطريق، فتحذي حذوها، وتسير‬
                         ‫بسيرها، عند ذلك سعيود لألمة عزها التليد وتعود لها كرامتها من جديد.‬
    ‫أيها األحبة في اهلل: البد إن أردنا العزة والكرامة والحياة الكريمة أن تكون عالقاتنا وتصرفاتنا‬
          ‫م‬
  ‫وشؤوننا كلها منبعها هذه العقيدة التي بين جنبينا ،إي ورب الكعبة لو كانت تصرفاتنا ُنبعثة من‬
     ‫عقيدة راسخة في قلوبنا لتحقق فينا ذلك التكافل الذي أدى بأصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم أن يتنازلوا عن شطر أموالهم إلخوانهم، فقد كفل األنصار المهاجرين كفالة غير معهودة في‬
 ‫التاريخ، تكافل اليقتصر على حدود األسرة وروابط الدم، إنما يتسع حتى يسع المجتمع اإلسالمي‬
           ‫ا‬
   ‫كله، واليقتصر على حدود الزكاة المفروضة فحسب بل يتسع حتى يصبح إنفاقا عامً في سبيل‬
                                                                                        ‫اهلل.‬
‫لو تحققت فينا تلك العقيدة لتغيرت أحوالنا، وتبدلت أوضاعنا، تبدلت تلك القلوب التي امتلئت حسدا‬
                                        ‫أ‬                               ‫ا‬
‫وحقدا، وغيظً وكمدا ،وتغيرت تلك النفوس التي ُشربت على حب الدنيا وكراهية الموت، ولزالت‬
    ‫تلك القطيعة والتدابر التي فشت بين األنام، وألحسن االبن إلى والدية غاية اإلحسان، وألصبح‬
      ‫الواحد منا يحرص على كرامة أخيه ومشاعره أكثر من حرصه على نفسه التي بين جنبيه.‬
    ‫إنه باختصار شديد زوال الشرور من النفوس وانقطاع اإلجرام بين األنام، وفشو اإلحسان بين‬
  ‫الناس، وانتشار المحبة واإلخاء الذي به تصفو الحياة وتطيب الخواطر وتستريح الضمائر ويهدأ‬
                                              ‫القلب وتسكن النفس .فهل يعي ذلك أبناء قومي؟‬
     ‫فاتقوا اهلل يا مسلمون وليبدأ كل واحد منا بنفسه ويسعى إلصالحها ويروضها على هذا المبدأ‬
    ‫العظيم، والينظر إلى كثرة الهالكين، فإن هذه سنة رب العالمين وما أكثر الناس ولو حرصت‬
           ‫بمؤمنين وكما قيل التنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا.‬
                                                                               ‫بارك اهلل . .‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد.‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                  ‫(5) رواه الحاكم (3/891)‬

‫(5/769)‬




                                                                                ‫خلق المسلم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫مكارم األخالق‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                     ‫علي بن محمد التمديتي‬
                                                                                     ‫تطوان‬
                                                                   ‫جامع اإلمام مالك بن أنس‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
‫5- من أعظم مقاصد الرسالة المحمدية غرس األخالق الحسنة وإتمامها وكمالها. 7- من عالمات‬
     ‫الخير وقبول الطاعات التخلق باآلداب اإلسالمية إذ هي ثمرة العلم والعمل به. 3- نماذج من‬
 ‫مظاهر الخيرية في حياة المسلم كالتورع عن الشبهات وغض البصر عن المحارم وصون اللسان‬
     ‫والحلم والصبر. 1- نصوص من الوحي في األمر بالتزام األخالق الحسنة وما أعده اهلل من‬
                                                   ‫عظيم الجزاء الحسن على األخالق واآلداب.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
                                                                                ‫أيها المؤمنون:‬
    ‫أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى في كل وقت وحين، واسألوه العون على الطاعة واالستقامة،‬
                                                       ‫والتمسك بالدين، فإنه سبحانه هو المعين.‬
‫أيها األحبة في اهلل، نعلم جميعاً أن الخلق الكريم هو الهدف األساسي لرسالة اإلسالم، لما يعبر عنه‬
                    ‫الرسول في حديثه: ((إنما بعثت ألتمم مكارم األخالق)) [رواه أحمد وغيره].‬
   ‫وكما تؤكده اآليات الكثيرة منها قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب‬
      ‫ولكن البر من آمن باهلل واليوم اآلخر والمالئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي‬
         ‫القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصالة وأتى الزكاة‬
   ‫والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا‬
                                                                           ‫وأولئك هم المتقون.‬
    ‫واعلم أخ اإليمان: إن الخلق الكريم هو دليل اإليمان وثمرته، وال قيمة لإليمان من غير خلق،‬
       ‫وإلى هذا المعنى يشير النبي بقوله: ((ليس اإليمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه‬
                                                                                    ‫العمل))؟.‬
              ‫وسئل الرسول ما الدين قال: ((حسن الخلق)) وسئل ما الشؤم قال: ((سوء الخلق)).‬
   ‫وحسن الخلق أثقل ما في ميزان العبد يوم القيامة، فمن فسد خلقه وساء عمله لم يسرع به نسبه‬
                        ‫قال : ((ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق)).‬
   ‫والخلق الكريم هو محصلة العبادات في اإلسالم، وبدونه تبقى طقوس وحركات ال قيمة لها وال‬
‫فائدة فقد ورد في الصالة مثالً قوله تعالى: إن الصالة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقوله : ((من لم‬
                                       ‫ا‬
                                    ‫تنهه صالته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اهلل إال بعدً)).‬
    ‫ً‬
 ‫لذا أخي المؤمن: هذه بعض الصفات األخالقية التي ينبغي أن يتمتع بها اإلنسان ليكون مسلما في‬
                                                                                        ‫أخالقه:‬
       ‫ي‬
     ‫5- التورع من الشبهات: أن يتورع عن الحرام ويحتاط من الشبهات لقوله : ((الحالل ب ّن،‬
                                                                               ‫ي‬
 ‫والحرام ب ّن، وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه‬
                     ‫وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي..)) [متفق عليه].‬
 ‫7- غض البصر: إن يغض بصره عن محارم اهلل، فإن النظر يورث الشهوة، ويستدرج صاحبه‬
                                                                    ‫للوقوع في اإلثم والعصيان.‬
                            ‫قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم.‬
    ‫3- صون اللسان: من فضول الكالم وفحشاء الحديث وعن عموم اللغو والغيبة والنميمة. وقد‬
‫وردت أحاديث كثيرة عن الرسول في هذا الباب منها: ((وهل يكب الناس في النار على وجوههم‬
                                                                          ‫إال حصائد ألسنتهم)).‬
    ‫1- الحلم والصبر: إن من أبرز الصفات التي يجب أن تتوفر في المسلم صفة الصبر والحلم،‬
    ‫فالعمل لإلسالم يمتلئ بالمكاره وطريق الدعوة محفوف بالمصاعب، فااليذاء واالتهام والتعيير‬
                                            ‫والسخرية كلها من العقبات التي تثبط همم المؤمنين.‬
     ‫لهذا وجب على المسلم أن يصبر على العالم، والجاهل، والعاقل، والمنفعل، وهذا بحاجة إلى‬
                                                                                 ‫الصبر والحلم.‬
                  ‫ولذا يقول سبحانه: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم األمور [الشورى:31].‬
                                                ‫يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.‬
 ‫ا‬
‫ويقول: وليعفو وليصفحوا أال تحبون أن يغفر اهلل لكم. وقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سالمً.‬
                                          ‫وقال : ((إن العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم)).‬
                                                                    ‫ر‬
    ‫وقال : ((أال أنبئكم بما يش ّف اهلل به البنيان ويرفع به الدرجات قالوا: نعم يا رسول اهلل، قال:‬
        ‫تحلم على من جهل عليك، وتعفوا عمن ظلمك، وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك)).‬
    ‫قال : ((إذا جمع اهلل الخالئق نادى مناد أين أهل الفضل. قال: فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون‬
   ‫سراعاً إلى الجنة، فتتلقاهم المالئكة فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظلمنا صبرنا، وإذا‬
                                 ‫أسيء إلينا حلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين)).‬
                                                   ‫فاللهم اجعلنا من أهل الفضل يا رب العالمين.‬
                                                  ‫اللهم اجعلنا من اللذين يتحلون بالصبر والحلم.‬
                                                                  ‫آمين والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن إله إال اهلل وحده ال شريك له في ربوبيته وألوهيته‬
                                                                              ‫وأسمائه وصفاته.‬
   ‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين ألمته طريق النجاة، وحذر من طريق الغي والهالك،‬
                                        ‫صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
                                                                         ‫أيها اإلخوة المؤمنون:‬
‫ا‬     ‫لً‬
‫إن اهلل أمر المسلمين أن يكونوا مسلمين في كل وقت وحين، من يوم ولد إلى أن صار مكّفا راشدً‬
                                                               ‫إلى أن يلقى اهلل وهو راض عنه.‬
‫إال أنه هناك بعض المسلمين الذين يقسمون حياتهم على أهوائهم، فتراهم مسلمين في رمضان وفي‬
  ‫موسم الحج، ويغفلون عنه أو يتنكرون له في هذا الموسم الذي هو موسم إعالن الحرب مع اهلل،‬
      ‫هذا الموسم الذي يتساهل المسلمون فيه عن كثير من إسالمهم لما يحدث في هذا الموسم من‬
   ‫مناكر، كالعري واالنحالل والتفسخ على الشواطئ، أو االختالط والمناكر في مناسبات األفراح‬
  ‫وما يحدث فيها من منكر، لذا أيها المؤمنون اتقوا اهلل واعلموا أن رب رمضان والحج هو نفسه‬
                 ‫رب هذه الشهور، فالحالل حالل في كل الشهور، والحرام حرام في كل الشهور.‬
                                                                              ‫ا‬
          ‫فاللهم رد بنا ردً جميالً، اللهم خذ بناصيتنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم اجعلنا من عبادك‬
                                                                                     ‫المؤمنين.‬
 ‫وابتغ فيما ءاتاك اهلل الدار اآلخرة وال تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن اهلل إليك وال تبغ‬
                                                    ‫الفساد في األرض إن اهلل ال يحب المفسدين.‬

‫(5/369)‬




                                                                   ‫كيف أكون مسلماً في عبادتي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                      ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫فضائل األعمال‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                         ‫علي بن محمد التمديتي‬
                                                                                        ‫تطوان‬
                                                                      ‫جامع اإلمام مالك بن أنس‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- العبادات في اإلسالم شاملة لكل عمل صالح نافع. 7- المحافظة على إقام الصالة بخشوع‬
    ‫وحضور قلب. 3- اإلكثار من النوافل لما جاء في ذلك من الترغيب. 1- المحافظة على قيام‬
‫الليل لما فيه من الفوائد واالتباع. 1- المحافظة على ورد دائماً من القرآن الكريم. 6- التوجه إلى‬
                                                                       ‫اهلل تعالى بالدعاء الدائم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
‫أيها الناس: اتقوا اهلل تعالى واستحضروا عظمته وقدرته في كل وقت وحين، وكونوا عباداً هلل وال‬
                                                                         ‫تكونوا عباداً للشيطان.‬
 ‫ا‬
 ‫أيها األخوة المؤمنون: كنا تناولنا في الخطبة السابقة أن المؤمن ال يكون مؤمناً إال إذا كان مؤمنً‬
                      ‫في عقيدته كإيمان الرسول وإيمان السلف الصالح، بدون زيادة أو نقصان.‬
                                       ‫وسأتناول اليوم أيها األحبة كيف أكون مسلماً في عبادتي.‬
                           ‫العبادة في اإلسالم هي نهاية الخضوع، وقمة الشعور لعظمة المعبود.‬
     ‫وهي مدارج الصلة بين المخلوق والخالق، كما أنها ذات آثار عميقة في التعامل مع خلق اهلل‬
    ‫وتستوي في ذلك أركان اإلسالم: من صالة وصوم وكاة وحج وسائر األعمال التي يبتغي بها‬
                                                                              ‫اإلنسان وجه اهلل.‬
  ‫ومنطق اإلسالم يقضي أن تكون الحياة كلها عبادة وكلها طاعة. وهذا هو معنى قوله تعالى: وما‬
  ‫خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن اهلل هو الرزاق‬
                                                                               ‫ذو القوة المتين.‬
                                ‫وقوله: قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين.‬
                                                             ‫ا‬
                             ‫وعلى هذا حتى أكون مسلمً في عبادتي يجب أن استحضر ما يلي:‬
‫- أن تكون عبادتي حية متصلة بالمبعود، وهذه درة اإلحسان في العبادة. فقد سئل رسول اهلل عن‬
              ‫اإلحسان فقال: ((إن تعبد اهلل كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) [متفق عليه].‬
                           ‫- أن تكون عبادة خاشعة استشعر فيها حرارة الوصال ولذة الخشوع.‬
  ‫قالت عائشة رضي اهلل عنها كان رسول اهلل يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصالة كأنه لم يعرفنا‬
                                                                  ‫ولم نعرفه) [أخرجه األزدي].‬
‫وإلى هذا يشير الرسول بقوله: ((كم من قائم حظه من صالته التعب والنصب))، وقوله: ((كم من‬
                                    ‫صائم حظه من صومه الجوع والعطش)) ]أحمد في المسند].‬
                                                     ‫م‬
   ‫- أن أكون في عبادتي حاضر القلب ُنخلعا عما حولي من مشاغل الدنيا وهمومها، لذا قيل إن‬
‫الصلة من اآلخرة فإذا دخلت فيها خرجت في الدنيا، وروي أحمد في المسند الحسن أنه قال: ((كل‬
                                                                                ‫ي‬
                                          ‫صالة ال ُحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع)).‬
                                                          ‫ً‬
          ‫- أن أكون في العبادة مكثرا ال أشبع منها، أحرص على المفروض، وأستزيد وأتقرب.‬
 ‫- وأتقرب إلى اهلل بالنوافل استجابة اهلل تعالى في الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته‬
  ‫بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما أفترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي‬
                                                                       ‫ب‬
    ‫بالنوافل حتى أح ّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي‬
‫يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني ألعطينه، ولئن استعاذني ألعيذنه، وما ترددت عن‬
               ‫شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)).‬
    ‫- أن أحرص على قيام الليل، وأروض نفسي على ذلك، حتى تعتاده، فإن قيام الليل من أقوى‬
        ‫ال‬         ‫ا‬
  ‫المولدات اإليمانية، وصدق اهلل تعالى حيث يقول: إن ناشئة الليل هي أشد وطئً وأقوم قي ً، ولقد‬
                                               ‫ال‬
‫وصف اهلل عباده المؤمنين بقوله: كانوا قلي ً من الليل ما يهجعون وباألسحار هم يستغفرون وقوله‬
                                      ‫ا‬
          ‫تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون.‬
                                                                       ‫الحمد هلل رب العالمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
      ‫الحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له في ربوبيته‬
   ‫وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين ألمته طريق النجاة وحذر‬
             ‫من طريق الغي والهالك، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
                                           ‫ا‬
‫أيها اإلخوة المؤمنون: إن للعبادة روحاً وأثرً، فروحها هي أن تكون على وفق ما شرع الرسول ،‬
 ‫وأثرها هي أن تغير نفس وسلوك من يقوم بها، ومنه يتوصل إلى النموذج الذي صنعه الرسول ،‬
‫وهم محابته الكرام، وكل من صار على نهج الرسول سوف يصل إلى هذا النموذج الذي افتقد في‬
                                  ‫هذا الزمان. عندما بعدنا عن روح اإلسالم وتعاليمه العظيمة.‬
   ‫أخي المؤمن: للوصول إلى هذا النوع يجب على المؤمن أن يكون له مع القرآن الكريم جلسات‬
‫وتأمالت، وخاصة عند الفجر، لقوله تعالى: إن قرآن الفجر كان مشهوداً اقرأ القرآن أخي المؤمن‬
                                        ‫ا‬
    ‫بتدبر وتفكير، وخشوع وحزن، فسوف ترى من نفسك عجبً، إيماناً بقوله تعالى: لو أنزلنا هذا‬
                                                      ‫ا‬      ‫ا‬
                                        ‫القرآن على جبل لرأيته خاشعً متصدعً من خشية اهلل.‬
                                                 ‫ولحديث: ((أفضل عبادة أمتي تالوة القرآن)).‬
        ‫وفي حديث عبد اهلل بن مسعود عن النبي قال: ((إن هذا القرآن مأدبة اهلل فاقبلوا مأدبته ما‬
  ‫استطعتم، إن هذا القرآن حبل اهلل والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن‬
                                                     ‫و‬        ‫ي‬          ‫ي‬
‫اتبعه، ال يزيغ ف ُستعتب وال ُعوج فيق ّم، وال تنقضي عجائبه، وال يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن‬
   ‫اهلل يأجركم على تالوته كل حرف عشر حسنات، أما إني ال أقول لكم (ألم) حرف، ولكن ألف،‬
                                                                               ‫والم، وميم)).‬
   ‫وفي وصيته ألبي ذر: ((عليك بتالوة القرآن فإنه نور لك في األرض وذخر لك في السماء)).‬
‫وأخيراً أن يكون الدعاء معراجى إلى اهلل في كل شأن من شؤوني، فالدعاء مخ العبادة وصدق اهلل‬
‫حيث يقول: ادعوني استجب لكم. وهناك أدعية مأثورة يجب على المسلم أن يحرص عليها، وهي‬
                                                                 ‫موجودة في كتب األذكار.‬
                                                                   ‫فاللهم اجعلنا من عبادك.‬

‫(5/169)‬




                                                              ‫كيف أكون مسلماً في عقيدتي‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                   ‫اإليمان‬
                                                                            ‫خصال اإليمان‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                    ‫علي بن محمد التمديتي‬
                                                                                    ‫تطوان‬
                                                                 ‫جامع اإلمام مالك بن أنس‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- بعض الناس إسالمه تقليدي ألنه ولد في بيئة مسلمة. 7- البد من التعرف على الدين وأصوله‬
‫د‬
‫وشروطه وهذا هو الذي يحصل به اإليمان واليقين واالتزام (فال يكون الدين في واد وأنت في وا ِ‬
 ‫آخر). 3- سرد أركان اإليمان وشيء من أدلتها. 1- معرفة الحكمة من خلق اهلل تعالى لإلنسان‬
                                              ‫والجن. 1- وجوب محبة اهلل تعالى ورسوله .‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
  ‫أيها المؤمنون: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى في كل وقت وحين، واسأله العون على الطاعة‬
                                          ‫واالستقامة والتمسك بالدين فإنه سبحانه هو المعين.‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫أيها المؤمنون: إن كثيرً من الناس مسلمون بالهوية، أو مسلمون ألنهم ولدوا من أبوين مسلمين،‬
                                                 ‫أو مسلمون بالمظهر الخارجي أي باللباس.‬
    ‫فهؤالء ال يدركون في الحقيقة معنى أنهم مسلمون، وال يعرفون مستلزمات هذا االنتماء، لذلك‬
                                                          ‫تراهم في واد، واإلسالم في واد آخر.‬
    ‫اعلموا أيها األحبة أن االنتماء إلى اإلسالم هو التزام به، وتكيف به في كل جوانب الحياة. هو‬
   ‫اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي‬
          ‫هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصالة وآتوا الزكاة‬
                                          ‫واعتصموا باهلل هو موالكم فنعم المولى ونعم النصير.‬
  ‫واعلموا أيها اإلخوة: أن االنتماء إلى أي شيء يوجب معرفته وتصوره وما فيه من مبادئ حتى‬
                                                                 ‫تقتنع بها وتعمل على تطبيقها.‬
   ‫لذا أخي المؤمن: إن أول شرط من شروط االنتماء إلى اإلسالم واالنتساب إليه أن تكون عقيدة‬
‫المسلم سليمة صحيحة متوافقة مع ما جاء في كتاب وفي سنة رسوله . يؤمن بما آمن به المسلمون‬
   ‫األوائل سلفنا الصالح وأئمة الدين المشهود لهم بالخير والبر والتقوى والفهم السليم لدين اهلل عز‬
                                                                                         ‫وجل.‬
                          ‫وعليه أخي حتى أكون مسلما في عقيدتي فإن ذلك يوجب علي ما يلي:‬
                                  ‫5- أن أكون مؤمنا بأن خالق الكون إله حكيم قدير عليم قيوم.‬
   ‫بدليل أن هذا الكون من االتقان واإلحسان والتناسق بحيث يستحيل عليه البقاء واالستمرار بغير‬
‫قدرة اهلل تعالى: لو كان فيهما ءالهة إال اهلل لفسدتا فسبحان اهلل رب العرش عما يصفون [األنبياء].‬
                               ‫ا‬
  ‫7- أن أكون مؤمنا بأن الخالق جل شأنه لم يخلق هذا الكون عبثً وال سدى أفحسبتم أنما خلقناكم‬
             ‫عبثا وأنكم إلينا ال ترجعون فتعالى اهلل الملك الحق ال إله إال هو رب العرش الكريم.‬
‫3- أن أكون مؤمنا بأن اهلل سبحانه قد أرسل الرسل، وأنزل الكتب لتعريف الناس به وبغاية خلقهم‬
  ‫ومنشئهم ومعادهم، وكان آخر أولئك الرسل الكرام محمد الذي أيده اهلل بالقران الكريم والمعجزة‬
 ‫الخالدة: ولقد بعثنا في كل أمة رسوالً أن اعبدوا اهلل واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى اهلل ومنهم‬
                                                                       ‫من حقت عليه الضاللة.‬
‫1- أن أكون مؤمنا بأن الغاية من الوجود اإلنساني هي عبادة اهلل وطاعته وما خلقت الجن واإلنس‬
      ‫إال ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن اهلل هو الرزاق ذو القوة المتين‬
  ‫وأؤمن بأن جزاء المؤمن المطيع هو الجنة، وأن جزاء الكافر العاصي هو النار فريق في الجنة‬
                                                                            ‫وفريق في السعير.‬
      ‫1- أن أؤمن بأن التشريع حق اهلل وحده ال يجوز تعديه أو تعطيله وما اختلفتم فيه من شيء‬
                                           ‫فحكمه إلى اهلل ذلكم اهلل ربي عليه توكلت وإليه أنيب.‬
                                                        ‫ا‬
‫6- أن أعبد اهلل ال أشرك به شيئً، وأن أخشاه وال أخشى غيره إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم‬
                                                                            ‫مغفرة وأجر كبير.‬
                                                                              ‫أ‬
  ‫وأن أذكره وُديم ذكره بأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اهلل‬
                                                                   ‫أال بذكر اهلل تطمئن القلوب.‬
                ‫د‬                       ‫ً‬                            ‫ش‬
  ‫ويقول: ومن يع ُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليص ّونهم عن السبيل‬
                                                                       ‫ويحسبون أنهم مهتدون.‬
     ‫فاللهم اجعلنا من عبادك الصادقين المؤمنين بك يا رب العالمين، أقول قولي هذا واستغفر اهلل‬
                                                                                   ‫فاستغفروه.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
      ‫الحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له في ربوبيته‬
  ‫وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين ألمته طريق النجاة، وحذر‬
              ‫من طريق الغي والهالك صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
‫أيها المؤمنون: اعلموا أن اإلنسان مفتقر إلى اهلل فهو عبد ضعيف ال حول له وال قوة، فالبد له من‬
                             ‫حام يحتمي به، ومن قوة يتوكل عليها أال وهو اهلل سبحانه وتعالى.‬
                                  ‫واعلم أن أعظم طريق للوصول إلى اهلل هي الطاعة والمحبة.‬
                            ‫ا‬                               ‫ا‬
‫فالمؤمن يجب عليه أن يحب اهلل حبً يجعل قلبه مشغوفاً بجالله متعلقً به. مما يحفزه إلى االستزادة‬
                                                                             ‫ا‬
   ‫من الخير دائمً وإلى التضحية والجهاد في سبيله أبداً ال يمنعه عن ذلك حطام الدنيا وال وشيجة‬
     ‫قربى امتثاالً لقوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال‬
     ‫اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من اهلل ورسوله وجهاد في‬
                                                                                    ‫ب‬
                   ‫سبيله فترّصوا حتى يأتي اهلل بأمره واهلل ال يهدي القوم الفاسقين [التوبة:17].‬
 ‫وطمعا في حالوة اإليمان التي أشار إليها الرسول بقوله: ((ثالث من كن فيه وجد حالوة اإليمان:‬
 ‫أن يكون اهلل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء ال يحبه إال هلل، وأن يكره أن يعود‬
                                            ‫في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)) [البخاري].‬
                                                                               ‫ا‬
‫وأخيرً من صفات المؤمن التوكل على اهلل في كل شأنه: ومن يتوكل على اهلل فهو حسبه، ((احفظ‬
     ‫اهلل يحفظك، احفظ اهلل تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اهلل، وإذا استعنت فاستعن باهلل، واعلم أن‬
     ‫األمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إال بشيء قد كتبه اهلل لك، ولو اجتمعوا على أن‬
  ‫يضروك بشيء لم يضروك إال بشيء قد كتبه اهلل عليك، رفعت األقالم وجفت الصحف)) [رواه‬
                                                                                    ‫الترمذي].‬
    ‫ومما يحرص عليه العبد المؤمن الشكر هلل واالستغفار ومراقبته سبحانه في السر والعلن وبهذا‬
                                    ‫يكون المؤمن قد اكتمل إيمانه وصفت عقيدته إن التزم بهذا.‬
                                                                    ‫فاللهم اجعلنا من المؤمنين.‬
‫(5/169)‬




                                                               ‫مكائد إبليس: اإلفراط والتفريط‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫اإليمان‬
                                                                             ‫الجن والشياطين‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                ‫محمد بو سنه‬
                                                                                  ‫عين النعجة‬
                                                                                ‫مبارك الميلي‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                             ‫و‬
     ‫5- عداوة إبليس لبني آدم. 7- تزيين الشيطان. 3- الشيطان يخ ّفنا أولياءه. 1- إبليس في‬
 ‫صورة الناصح األمين. 1- اللباس الحسي واللباس والمعنوي. 6-التحذير من اإلفراط والتفريط.‬
                                                      ‫2- السنة بين الغالي فيها والجافي عنها.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫قال اهلل تعالى إخباراً عن عدوه إبليس حين سأله عن امتناعه عن السجود آلدم وأنه احتج لذلك‬
‫بأنه خير منه، سأله إبليس أن ينظره إلى يوم القيامة فأنظره ثم قال عدو اهلل: فبما أغويتني ألقعدن‬
  ‫لهم صراطك المستقيم ثم آلتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وال تجد‬
                                                                             ‫أكثرهم شاكرين.‬
  ‫اعلم يا عبد اهلل أن عدوك الشيطان قد أقسم ألبيك آدم وأمك حواء أنه لهما لمن الناصحين، وقد‬
  ‫علمت كذبه وغشه، ورأيت فعله بهما، وأما أنت فقد أقسم أن يغويك كما قال: فبعزتك ألغوينهم‬
   ‫أجمعين فالعجب ممن يصدق عداوته، ويتبع غوايته وال يحذر من مكايده، واعلم أنه قد قعد لك‬
  ‫على كل طريق وسبيل تسلكه، فإنك تارة تأخذ على جهة يمينك وتارة على شمالك وتارة أمامك‬
  ‫وتارة ترجع خلفك، فأي سبيل سلكته من هذه وجدت الشيطان عليها يترصد لك، فإن سلكتها في‬
 ‫طاعة اهلل، وجدته عليها يثبطك ويشغلك عنها، ويبطئك حتى تتركها، وإن سلكتها في معصية اهلل‬
                                                                           ‫ا‬
‫وجدته عليها خادمً ومعيناً ومزينا لها، ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه: وقيضنا لهم قرناء فزينوا‬
 ‫لهم ما بين أيديهم وما خلفهم أي ألزمناهم قرناء من الشياطين فزينوا لهم الدنيا حتى آثروها على‬
                                        ‫اآلخرة ودعوهم إلى التكذيب باآلخرة واإلعراض عنها.‬
‫فزينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم فلم يتوبوا منها وزينوا لهم ما يستقبلون من أعمالهم الباطلة‬
     ‫وما يعزمون عليه فال ينوون تركه. وهكذا يفعل عدو اهلل ويلبس على الناس ويكيد لهم حتى‬
                                                             ‫يجعلهم في حزبه أصحاب السعير.‬
    ‫ولكي تحذره يا عبد اهلل عليك أن تعرف مكايده وحيله التي يصل بها إلى تحقيق غايته، وهي‬
                                                        ‫إضالل الناس وغوايتهم وإدخالهم النار.‬
‫فمن كيد عدو اهلل أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فال يجاهدونهم وال يأمرونهم بالمعروف‬
 ‫وال ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل اإليمان، وقد أخبرنا اهلل تعالى عنه فقال: إنما‬
‫ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فال تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين فكلما قوي إيمان العبد زال من‬
                               ‫قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم.‬
  ‫ومن مكايد عدو اهلل أنه يسحر العقل دائما حتى يتغلب عليه وال يسلم من سحره هذا إال من شاء‬
 ‫اهلل، فتراه يزين ويحسن له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع األشياء، وتراه يقبح له‬
    ‫الفعل الذي ينفعه حتى يخيل إليه أنه يضره. فكم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حيل به بين‬
   ‫القلب وبين اإلسالم، وكم أظهر الباطل في صورة حسنة، وأخرج الحق في صورة قبيحة، فهو‬
 ‫الذي سحر العقول حتى ألقى أصحابها في البدع والخرافات، بل زين لهم عبادة األصنام والقبور‬
‫وقطع األرحام ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان، فهو صاحب قابيل حين قتل‬
 ‫أخاه، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم. وصاحب قوم صالح‬
   ‫حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب قوم لوط حين خسف بهم، وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب‬
                              ‫ب‬
     ‫فرعون وقومه حين أخذوا فأغرقوا، وصاحب بني إسرائيل ع ّاد العجل حين جرى عليهم ما‬
   ‫جرى، وصاحب قريش حين أخرجهم اهلل يوم بدر، وهكذا ال يزال عدوا اهلل يصاحب كل هالك‬
                                                                      ‫ومفتون إلى قيام الساعة.‬
                                              ‫ي‬
     ‫وأول مكره وكيده لعنه اهلل أنه كاد آدم وحواء باألّمان الكاذبة أنه ناصح لهما، بأنه إنما يريد‬
  ‫خلودهما في الجنة قال تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما‬
   ‫وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إال أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني‬
‫لكما لمن الناصحين فدالهما بغرور. فعلم عدو اهلل أنهما إذا أكال من الشجرة بدت لهما عوراتهما،‬
   ‫وهذه معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين اهلل وبين العبد، فلما عصيا انتهك ذلك الستر فبدت‬
                                                                                ‫لهما عوراتهما.‬
 ‫فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي في منامه الزناة والزواني عراة بادية‬
      ‫ٍ ل‬
  ‫سوآتهم، ومن هذه الرؤيا قيل إنه إذا رأى الرجل أو المرأة في منامه أنه مكشوف عار د ّ ذلك‬
             ‫ا‬
 ‫على فساد في دينه ينبغي عليه أن يراجع نفسه، فإن اهلل سبحانه أنزل لباسين: لباسً ظاهراً يستر‬
                                                        ‫م‬              ‫ا‬
    ‫العورة ولباساً باطنً من التقوى يج ّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته‬
                                       ‫الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة إذا نزع ما يسترها.‬
‫ولما أحس عدو اهلل من آدم وحواء أنهما يريدان الخلود في تلك الدار في النعيم المقيم دخل عليهما‬
     ‫من هذا الباب فإنه باب كيده األعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، وعلم إخوانه وأولياءه من‬
   ‫اإلنس أنهم إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من الصالحين أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه‬
                                                                                      ‫ويهوونه.‬
                                      ‫ر‬
   ‫ثم أقسم لهما كاذباً أنه يريد لهما النصح والخير، فغ ّهما وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة التي‬
                                              ‫حذرهما اهلل من أن يأكال منها سماها شجرة الخلد.‬
               ‫س‬
  ‫وهكذا يسمي أتباعه األمور المحرمة باألسماء التي تحبها النفوس وتقبلها حتى ت ّموا الخمر بأم‬
                       ‫م‬                                   ‫م‬
     ‫األفراح أو بالمشروبات الكحولية، وس ّوا الميسر والقمار بلقمة الراحة، وس ّوا الربا بالفائدة،‬
                                                ‫ب‬                                   ‫م‬
   ‫وس ّوا الغناء والرقص بالثقافة، وهكذا يلّس عدو اهلل على الخلق ويزين لهم الباطل في صورة‬
  ‫الحق حتى يطيعوه فيكونوا من أوليائه، نعوذ باهلل منه ومن مكره وكيده وتلبيسه. والحمد هلل رب‬
                                                                                      ‫العالمين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                   ‫و‬
‫ومن كيد عدو اهلل العجيب أنه يتتبع النفس حتى يعلم أي الق ّتين تغلب عليها، قوة الشجاعة، أم قوة‬
                  ‫ق‬
    ‫الضعف والمهانة، فإن رأى الغالب على النفس الضعف زاد في إضعافها وث ّلها عن الواجب،‬
     ‫حتى تتركه كله أو تقصر فيه وتتهاون به، وإن رأى الغالب عليها قوة الشجاعة واإلقدام على‬
‫الخير قال له: إن الذي تفعله من الخير قليل، وال يكفيك، فتحتاج إلى مبالغة وزيادة حتى يوقعه في‬
  ‫البدعة والغلو، وألجل ذلك قال بعض السلف: ما أمر اهلل تعالى بأمر إال وللشيطان فيه نزغتان:‬
                      ‫إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو وتعدٍ على الحد المشروع.‬
  ‫وأكثر الناس قد أخذوا في هذين الواديين وادي التقصير ووادي التعدي والمجاوزة، والقليل منهم‬
                                ‫جداً من ثبت على الصراط الذي كان عليه رسول اهلل وأصحابه.‬
                                                                                 ‫ص‬
    ‫فقوم ق ّر بهم الشيطان، فلم يأتوا بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم فيها إلى حد الوسوسة،‬
                                                                             ‫ص‬
  ‫وقوم ق ّر بهم عن إخراج الزكاة حتى بخلوا بأموالهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما‬
                                       ‫في أيديهم وقعدوا يسألون الناس ويطمعون في ما بأيديهم.‬
                    ‫ر‬                                                          ‫ص‬
‫وقم ق ّر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من طعام وشراب ولباس حتى أض ّوا بأبدانهم وقلوبهم،‬
                             ‫وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.‬
                                                                               ‫ص‬
‫وقوم ق ّر بهم في حق األنبياء والعلماء حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى غلبوا فيهم وعبدوهم.‬
 ‫وقصر بقوم في مخالطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات، فال يأتون المساجد إال في الجمعات‬
                      ‫أو األعياد، وتجاوز بقوم حتى خالطوا الناس في الظلم والمعاصي واآلثام.‬
‫وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكلها، وتجاوز بآخرين حتى اعتدوا على دماء‬
                                                                           ‫الناس المعصومة.‬
 ‫وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من االشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم‬
                                                                    ‫هو غايتهم دون العمل به.‬
  ‫وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة رسول اهلل من الزواج، فرغبوا عنه، وتجاوز بآخرين حتى‬
                   ‫ذ‬
  ‫ارتكبوا الفاحشة، وكذلك قصر باليهود في المسيح عيسى عليه السالم حتى ك ّبوه ورموا أمه بما‬
                                                                                          ‫ر‬
          ‫ب ّأها اهلل تعالى منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن اهلل وجعلوه إلها يعبد مع اهلل.‬
 ‫وقصر بقوم حتى عبدوا اهلل بالنجاسات وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بآخرين حتى أدت بهم‬
                                                 ‫الوسوسة إلى درجة التشدد وهم أشباه اليهود.‬
   ‫وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من األعمال والعبادات، حتى يمدحونهم، وتجاوز‬
                                ‫ا‬
                               ‫بقوم حتى أظهروا القبائح وتجاهروا بالفسق دوما حياء أو خوفً.‬
 ‫وقصر بقوم حتى أهملوا قلوبهم وغفلوا عنها، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم على‬
                                                       ‫القلوب ولم يلتفتوا إلى أعمال الجوارح.‬
                     ‫د‬                                                ‫ا‬
 ‫وهذا الباب واسع جدً يدخل منه الشيطان ليمكر ويكيد باإلنسان، ولكي تس ّه عليه وتمنعه الدخول‬
 ‫منه عليك أن تتبع الطريق الوسط الذي كان عليه رسول اهلل وأصحابه رضوان اهلل عليهم في كل‬
 ‫األمور، فإن خير الهدي هدي محمد الذي قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،‬
                                            ‫عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات األمور)).‬
                                                          ‫ص‬                  ‫ذ‬
                      ‫فاللهم أع ّنا من الشيطان، وب ّرنا بمكره وكيده، واجعلنا في حصن منه.‬
    ‫وللحديث بقية كالم في خطب الحقة إن شاء اهلل، سبحان اهلل وبحمدك، أشهد أن ال إله إال أنت‬
                                                                       ‫أستغفرك وأتوب إليك.‬

‫(5/669)‬




                                                                                  ‫فتنة القبور‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫التوحيد, قضايا في االعتقاد‬
                                                            ‫البدع والمحدثات, نواقض اإلسالم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                ‫محمد بو سنه‬
                                                                                  ‫عين النعجة‬
                                                                                   ‫مبارك الميلي‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- فتنة القبور. 7- بداية الشرك. 3- شرك القبور في هذه األمة. 1- سد أبواب الشرك. 1-‬
 ‫الزيارة البدعية والشركية. 6-األنبياء والصالجون يكرهون ما يفعله القبوريون عن قبورهم. 2-‬
                               ‫ا‬
    ‫التحذير من اتخاذ القبور أعيادا. 8- مفاسد التخاذ القبور أعيادً. 9- المنكرات التي تفعل عند‬
                                                                                         ‫القبور.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                   ‫ي‬
‫فمن أعظم مكايد عدو اهلل التي كاد وال يزال ُكاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إال من لم يرد اهلل‬
   ‫تعالى فتنته ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه وأتباعه أن فتنهم بالقبور وبتعظيمها حتى‬
                                                                ‫ع‬
    ‫وصل األمر فيها إلى أن ُبد أصحابها من دون اهلل، وعبدت قبورهم، وبنيت عليها القباب، ثم‬
                                                                         ‫ي‬
               ‫جعلت أصناما ُلجأ إليها في الشدائد ويطلب منها قضاء الحاجات ودفع المضرات.‬
          ‫وكان أول من عرف بالشرك قوم نوح عليه السالم: وأول من وقع فيه منهم: القبوريون‬
‫المنصرفون بقلوبهم إلى الموتى من صلحائهم، فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي‬
                  ‫د‬
      ‫اهلل عنهما قال: (صارت األوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد و ّ وسواع ويغوث‬
     ‫ويعوق ونسر، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن‬
                                              ‫ا‬
‫انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك‬
  ‫أولئك، وذهب العلم، عبدت من دون اهلل). وفي لفظ آخر: (كان في قوم نوح قوم صالحون، فلما‬
                                                              ‫و‬
                     ‫ماتوا عكفوا على قبورهم ثم ص ّروا تماثيلهم ثم طال عليهم األمد فعبدوهم).‬
‫فهؤالء القوم جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول‬
      ‫اهلل في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي اهلل عنها: أن أم سلمة رضي اهلل عنها‬
‫ذكرت لرسول اهلل كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور‬
      ‫فقال رسول اهلل : ((أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره‬
                                                                                 ‫ا‬
     ‫مسجدً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اهلل تعالى)). فجمع النبي في هذا‬
                                       ‫ا‬
                     ‫الحديث بين الصور أو التماثيل، والقبور، وهذا كان سببً في عبادة األصنام.‬
  ‫فقد رأيتم عباد اهلل أن سبب عبادة أولئك الصالحين من قوم نوح، وعبادة الالت والعزى في قوم‬
  ‫النبي إنما كان من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها الصور والتماثيل وعبدوها، وهذا السبب – أي‬
  ‫تعظيم القبور واتخاذ الصور والتماثيل الذي ألجله نهى النبي عن اتخاذ المساجد على القبور هو‬
                                                                         ‫ا‬
‫الذي أوقع كثيرً من الناس في الشرك األكبر، إذ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإن‬
   ‫الشرك بقبر الرجل الصالح أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، وقد سمعنا من أناس‬
 ‫يذهبون إلى قبور رجال يعتقدون أنهم صالحون، فيتضرعون عندها ويخشعون ويعبدونهم بقلوبهم‬
 ‫عبادة ال يفعلونها في بيوت اهلل، بل منهم من يسجد لها ويرجون من بركة الصالة عندها والدعاء‬
‫ما ال يرجون في المساجد، ويقولون: لقد جربنا أن نذرنا عند القبر الفالني فقضيت حاجاتنا، ومنهم‬
       ‫من يقول: الدعاء عند القبر الفالني مستجاب، ومعنى ذلك أنهم دعوا هنا لك مرة فرأوا أثر‬
               ‫اإلجابة، هذه شبههم التي لبسها عليهم عدو اهلل إبليس فأطاعوه وزينها لهم فاتبعوه.‬
     ‫وألجل هذه المفسدة العظيمة وهي الشرك األكبر حسم النبي كل ما يؤدي إليها حتى نهى عن‬
‫الصالة في المقبرة وإن لم يقصد المصلي بركة المكان بصالته كما يقصد بصالته بركة المساجد،‬
    ‫كما نهى عن الصالة وقت طلوع الشمس وغروبها ألنها أوقات يقصد المشركون الصالة فيها‬
          ‫للشمس، فنهى أمته عن الصالة حينئذ حتى وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون.‬
     ‫وأما إذا قصد الرجل بالصالة عند القبور حصول البركة بالصالة في ذلك المكان، فهذا قصد‬
 ‫مخالف لدين اهلل، واتباع دين لم يأذن به اهلل تعالى، فإن المسلمين قد علموا من دين رسول اهلل أن‬
‫الصالة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك‬
 ‫الصالة عند القبور وبناء المساجد والقباب عليها، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد اهلل البجلي‬
  ‫قال: سمعت رسول اهلل قبل أن يموت بخمس وهو يوصي أمته: ((..أال وإن من كان قبلكم كانوا‬
               ‫يتخذون قبور أنبيائهم مساجد أال فال تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)).‬
     ‫لكن الكثير من الناس قد أغفل هذه الوصية وعمل بخالفها حتى بلغ الشيطان بهم إلى الشرك‬
   ‫العظيم، فاعتقد بعضهم أن زيارة القبور التي عليها القباب والمشاهد إما قبر نبي أو شيخ أفضل‬
  ‫من حج بيت اهلل الحرام، ويسمون زيارتها الحج األكبر، ومنهم من يرى زيارة قبر النبي أفضل‬
             ‫ر‬
      ‫من حج البيت، يفعلون ذلك ألنهم يعتقدون أن ذلك المسجد المبني على القبر الذي ح ّمه اهلل‬
   ‫ورسوله أعظم عند القبوريين من حرمة بيوت اهلل التي أذن اهلل أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد‬
    ‫أسست على تقوى من اهلل ورضوان، فهم يظنون أن زيارة القبور إنما هو ألجل الدعاء عندها‬
  ‫والتبرك بها وسؤال الميت ودعائه. يدعون الميت ويسألونه كما يسألون ربهم فيقولون: اغفر لي‬
                                                                                   ‫وارحمني.‬
‫ومنهم من تتمثل له صورة الشيخ الذي يستغيث به ويدعوه فإنما هي صورة شيطان قد خاطبه كما‬
                                                                 ‫تفعل الشياطين بعبدة األوثان.‬
        ‫واعلم يا عبد اهلل أن المقبورين المدفونين من األنبياء والصالحين يكرهون ما يفعله هؤالء‬
    ‫القبوريون عندهم كل الكرامة، كما يكره المسيح عيسى عليه السالم ما يفعله النصارى به، فال‬
   ‫يحسب المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأوثاناً فيه تنقص من كرامة أصحابها. بل هو‬
                                         ‫ت‬
    ‫من باب إكرامهم، وأن من تمام إكرامهم وحبهم أن نّبع ما دعوا إليه من العمل الصالح ليكثر‬
   ‫أجرهم بكثرة أجور من تبعهم. كما قال : ((من دعا إلى هدى كان له من األجر مثل أجور من‬
                                                  ‫تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء)).‬
    ‫وفقني اهلل وإياكم التباع هدي النبي وجنبنا الشرك، بجميع مظاهره إنه ولي ذلك والقادر عليه،‬
                                                                       ‫والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫ومما افتتن به الناس أن اتخذوا القبور أعياداً كما كان يفعل المشركون في الجاهلية، وقد جاء اهلل‬
     ‫باإلسالم فأبطلها، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ال‬
                                               ‫ا‬                     ‫ا‬
  ‫تجعلوا بيوتكم قبورً، وال تجعلوا قبري عيدً، وصلوا علي فإن صالتكم تبلغني حيث كنتم)) فإذا‬
  ‫كان قبر رسول اهلل وهو أفضل قبر على وجه األرض قد نهى عن اتخاذه عيداً فقبر غيره أولى‬
         ‫ا‬                          ‫ا‬
 ‫بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن النهي عن اتخاذ القبر عيدً: ((وال تتخذوا بيوتكم قبورً)) أي ال‬
 ‫تعطلوها من الصالة فيها والدعاء والقراءة، فتكون شبيهة بالقبور، فأمر بصالة النافلة في البيوت‬
    ‫ونهى عن العبادة عند القبور، ثم إنه عقد النهي عن اتخاذ قبره عيداً بقوله: ((وصلوا علي فإن‬
 ‫صالتكم تبلغني حيث كنتم))، يشير عليه الصالة والسالم بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصالة‬
      ‫ا‬
     ‫والسالم يحصل سواء كنتم قريبين من قبري أو بعيدين عنه، فال حاجة بكم إلى اتخاذه عيدً.‬
      ‫ثم إن في اتخاذ القبور أعياداً ومزارات من المفاسد العظيمة التي ال يعلمها إال اهلل تعالى ما‬
                ‫يغضب ألجله كل من في قلبه خوف من اهلل وغيرة على التوحيد وتقبيح للشرك.‬
    ‫فمن أعظم مفاسد اتخاذ القبور أعياداً ومزارات: الصالة إليها والطواف بها وتقبيلها واستالمها‬
‫والتمسح بترابها وعبادة أصحابها وسؤالتهم النصر والرزق وقضاء الديون وتفريج الكربات وغير‬
    ‫ب‬
 ‫ذلك من أنواع الطلبات، حتى أنهم إذا رأوا هذه القبور من مكان بعيد وضعوا لها جباههم، وق ّلوا‬
‫األرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم، وتباكوا واستغاثوا بمن ال يضر وال ينفع، حتى إذا‬
   ‫اقتربوا منها صلوا عند القبر ركعتين، وظنوا أنهم قد نالوا من األجر، ما لم ينله من صلى إلى‬
                        ‫ا‬
 ‫القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضالً من الميت ورضوانً، فلغير اهلل بل للشيطان‬
     ‫أسالوا الدموع ورفعوا األصوات، وطلبوا من الميت الحاجات وسألوه تفريج الكربات، فكانت‬
                                             ‫صالتهم ودعاؤهم وسؤالهم لغير اهلل رب العالمين.‬
‫إن الناظر في أحوال الناس اليوم عند القبور يرى أكثرهم مضاداً لما أمر به النبي ونهى عنه وما‬
  ‫كان عليه أصحابه. فنهى رسول اهلل عن الصالة إلى القبور، وهؤالء يصلون عندها، ونهى عن‬
 ‫اتخاذها مساجد وهؤالء يبنون عليها مساجد، ويسمونها مشاهد تشبيها ببيوت اهلل، ونهى عن إيقاد‬
‫النار عليها وهؤالء يشعلون القناديل والشموع عليها، ونهى أن تتخذ عيدً وهؤالء يتخذونها أعيادً‬
‫ا‬                      ‫ا‬
                                                ‫ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.‬
  ‫وأمر بتسويتها وعدم رفعها عن األرض وهؤالء يبالغون فيرفعونها عن األرض كالبيت ويبنون‬
  ‫عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه والكتابة عليه، وهؤالء ينفقون األموال من‬
‫أجل زخرفتها، ويتخذون عليها األلواح من رخام وغيره، ويكتبون عليها القرآن وغيره، والرسول‬
    ‫: ((نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه))، وهؤالء الناس يزيدون عليه اآلجر‬
                                                                          ‫ص‬
                                                                         ‫واألحجار والج ّ.‬
   ‫فهؤالء الناس المعظمون للقبور المتخذوها أعياداً، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مخالفون‬
                                                                         ‫ألمر اهلل ورسوله .‬
 ‫ومن أعظم تلك المخالفات الذبح عند القبر فقد كانوا إذا مات لهم الميت ذبحوا على قبره وقد نهى‬
    ‫النبي عن ذلك فقال: ((ال عقر في اإلسالم)) كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. ويدخل في‬
     ‫معنى هذا النهي ما يتصدق به أهل الميت من خبز وتمر ونحوه من أنواع الطعام عند القبر.‬
 ‫فعلى العاقل بعد ما عرف هذه المخالفات أن يتقي اهلل تعالى فال يقع في شيء من ذلك، وعليه أن‬
    ‫ينصح غيره، وأن ينكر هذا المنكر العظيم. وفقني اهلل وإياكم لما فيه صالح المسلمين، وجنبنا‬
                                  ‫وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن والحمد هلل رب العالمين.‬

‫(5/269)‬




                                                                         ‫مكائد إبليس: الرياء‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                             ‫اإليمان, التوحيد‬
                                                            ‫الجن والشياطين, الشرك ووسائله‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                               ‫محمد بو سنه‬
                                                                                 ‫عين النعجة‬
                                                                               ‫مبارك الميلي‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- اإلخالص شرط في جميع العبادات. 7- معنى اإلخالص. 3- فضل اإلخالص. 1- آفة‬
       ‫الرياء. 1- كيفية القضاء على الرياء. 6- أمثلة للرياء. 2- محاسبة النفس. 8- من فوائد‬
                                                                                  ‫اإلخالص.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                 ‫ف‬
 ‫اعلم و ّقني اهلل وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن إخالص العمل هلل وحده ال شريك له‬
                                                                               ‫ش‬
‫ُرط في قبول جميع أنواع الطاعات، فاإلخالص ضد الشرك، اإلخالص أن تريد بطاعتك التقرب‬
                                                      ‫ن‬
 ‫إلى اهلل دون أي شيء آخر من تص ّع لمخلوق أو اكتساب مال أو محمدة أو جاه أو محبة أو مدح‬
                                                                                  ‫من مخلوق.‬
    ‫اإلخالص أن تكون حركتك وسكونك في سرك وعالنيتك هلل وحده كما قال جل وعال: قل إن‬
‫صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين ال شريك له وقال سبحانه: وما أمروا إال ليعبدوا‬
‫اهلل مخلصين له الدين حنفاء وقال تعالى: فادعوا اهلل مخلصين له الدين، وقال جل شأنه: فمن كان‬
                                ‫ا‬                        ‫ا‬     ‫ال‬
                               ‫يرجو لقاء ربه فليعمل عم ً صالحً وال يشرك بعبادة ربه أحدً.‬
 ‫وعن أبي هريرة قال قلت: يا رسول اهلل من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: ((من قال ال‬
                                                         ‫إله إال اهلل خالصاً من قلبه أو نفسه)).‬
  ‫وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول اهلل : ((من قال ال إله إال اهلل مخلصاً دخل الجنة)) قيل: وما‬
                        ‫م‬
           ‫إخالصها قال: ((أن تحجزه عن محارم اهلل)) وفي رواية: ((أن تمنعه ع ّا حرم اهلل)).‬
   ‫وعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ما قال عبد ال إله إال اهلل مخلصاً إال فتحت لها أبواب‬
                                         ‫السماء حتى تفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر)).‬
   ‫وعن أنس بن مالك عن رسول اهلل قال: ((من فارق الدنيا على اإلخالص هلل وحده ال شريك له‬
                                              ‫ض‬
                                           ‫وأقام الصالة وآتى الزكاة فارقها واهلل عنه را ٍ)).‬
      ‫وعن أبي الدرداء عن النبي قال: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إال ما ابتغي به وجه اهلل)).‬
                               ‫و‬
 ‫إذا فهمتم عباد اهلل أهمية اإلخالص في العمل، فاعلموا أن عد ّكم الشيطان يسعى جاهداً أن يدخل‬
‫عليكم من هذا الباب ليشوش على إخالصكم، فتبطل بذلك أعمالكم، وإن من أظهر تلكم المشوشات‬
                                                                        ‫على اإلخالص الرياء.‬
   ‫فالشيطان يدخل اآلفة على المصلي مهما كان مخلصاً في صالته. إذا كان حوله أناس ينظرون‬
                                ‫س‬
‫إليه أو دخل عليه داخل وهو يصلي فيقول له الشيطان: ح ّن صالتك وزد فيها حتى ينظروا إليك‬
     ‫بعين االحترام والتعظيم والصالح. فتخشع جوارحك وتحسن صالتك ال ألجل اهلل، ولكن من‬
                                                              ‫أجلهم، وهذا هو الرياء الظاهر.‬
                                                                           ‫د‬
‫وحتى تس ّ عليه هذا الباب وتقطع عليه هذه اآلفة ينبغي أن تجعل صالتك في خلوتك مثل صالتك‬
                        ‫ً‬
      ‫أمام الناس وتستحي من ربك أن تخشع نفسك عند مشاهدة الناس خشوعا زائداً على عادته.‬
                      ‫ل‬               ‫ً‬
‫فاإلخالص أن تكون صالتك عند الناس مثل صالتك منفردا وهذه اآلفات ق ّ من يتنبه لها فال يسلم‬
                                                           ‫سع‬
                               ‫من الشيطان إال من دقق النظر و َ ِد بحفظ اهلل وتوفيقه وهدايته.‬
  ‫وإال فالشيطان مالزم للمجتهدين في عبادة اهلل واإلخالص له، ال يغفل عنهم لحظة من اللحظات‬
                                      ‫حتى يحملهم على الرياء في كل حركة إن قدر على ذلك.‬
                                                                        ‫ر‬
  ‫وال يسلم من ش ّه وغروره وحيله، ومكره وخداعه إال العالم البصير بدقائق آفات األعمال حتى‬
                                                                                            ‫ل‬
                                                                                   ‫يخّصها منها.‬
   ‫قال أبو الدرداء: "إن من فقه العبد أن يعلم نزعات الشيطان" أي يعلم متى يأتيه ومن أين يأتيه.‬
‫وصدق رحمه اهلل، إذا فقه العبد عن اهلل عز وجل أنه ال يقبل من العمل إال ما خلص وصفا لوجهه‬
        ‫َذ‬                                                 ‫و‬
 ‫الكريم دون خلقه، فإن نفسه وعد ّه إبليس لعنه اهلل يدعوانه إلى ما يحبط عمله خاف وح ِر، فعلم‬
                                             ‫حينئذ أن نزغة الشيطان تأتيه من قبل الرياء وغيره.‬
   ‫وقال الحسن البصري رحمه اهلل: ال يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله، فليس للعبد‬
 ‫غنىً عن معرفة ما أمرنا باجتنابه من الرياء وغيره، وال سيما الرياء الذي وصفه رسول اهلل بأنه‬
                                                               ‫شرك خفي أخفى من دبيب النمل.‬
‫فالرياء عباد اهلل ال يكون إال من رجل قصرٍ نظره وضعف إيمانه، فإنه هو الذي يتصور أن الناس‬
‫إذا رأوه يصلي كثيراً أو رأوه يطيل الصالة أو يصوم النوافل أو يحج ويعتمر دائماً أو يتصدق أو‬
‫نحو ذلك من أفعال الخير، يتصور أنهم يحسنون به الظن ويعاملونه معاملة خاصة تتركه في دنياه‬
                                                                                   ‫ا‬    ‫ً‬
                                                                                  ‫مسرورا فرحً.‬
‫وأما العاقل البعيد النظر الصادق في إيمانه فإنه يعلم علماً يقيناً أن األمر كله دنيا وأخرى هلل وحده‬
                                                                 ‫ل‬
‫ال شريك له، وأن العالم كّه جنه وإنسه أعجز من أن يدفع أجالً أو يكثر رزقاً أو يكشف ميبة، كما‬
    ‫جاء فذلك في حديث ابن عباس قوله : ((واعلم أن األمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم‬
 ‫ينفعوك إال بشيء قد كتبه اهلل لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إال بشيء قد‬
                                                                                ‫كتبه اهلل عليك)).‬
    ‫فإذا كان الخلوق بهذا الضعف فال يلتفت العبد بعمله له إال إذا كان ضعيف الدين قاصر العقل.‬
                                                      ‫ً‬
   ‫روي عن ابن مسعود أنه سمع رجال يقول: قرأت البارحة سورة البقرة فقال: ذلك حظك منها.‬
 ‫فاللهم ارزقنا اإلخالص في القول والعمل، وهب لنا إخالص التوكل عليك واالستغناء عن خلقك،‬
                                                                        ‫والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫عباد اهلل أخلصوا في أعمالكم كلها، ال فرق بين عمل وعمل، سواء أكنتم تعملون هلل عز وجل أم‬
‫كنتم تعملون لخلق اهلل، وسواء أكنتم بين الخلق أم كنتم في محل خفي ال يراكم فيه إال اهلل. وسواء‬
                                                       ‫أكنتم في سراء وقت العمل أم في ضراء.‬
                                     ‫ء‬
 ‫ذلك اإلخالص هو أن تعمل العمل الصالح ال تريد جزا ً عليه إال من اهلل، يكون ذلك قصدك قبل‬
‫العمل، وأثناء العمل، وبعد الفراغ منه، ال تذكره بلسانك إال من باب التحدث بنعم اهلل، أو من باب‬
                                                                  ‫أن يقتدي بك غافل متبع لهواه.‬
                                              ‫ي‬
    ‫فعلى المسلم المخلص أن يحذر كل الحذر أن ُخلط عمله بشيء من أنواع الرياء مثل ما يفعله‬
   ‫كثير من الناس، تراهم يخرجون زكاة أموالهم خوفاً من ذم الناس لهم بقولهم: هذا ما زكى ماله‬
                                                                                          ‫هلل.‬
      ‫أو يدخل وقت صالة مفروضة وفيه أناس يستحي منهم أن يترك الصالة، ولو كان وحده ما‬
    ‫صلى، ومثل ذلك الصيام لو كان مع أناس أهل دين وطاعة صام، ولو كان وحده أفطر، ومثل‬
     ‫ذلك حضور الجمعة ولو ال خوف الذم لما حضرها، ومثله صلة الرحم وبر الوالدين إذا كان‬
                                                           ‫ء‬
‫يصلهم خوفا من الناس أو رجا ً منهم، ال يفعل ذلك ابتغاء وجه اهلل، فكم من أعمال يتعب الشخص‬
                                   ‫ً‬
 ‫فيها نفسه، ويظن أنها خالصة لوجه اهلل، بل يكون فيها مغرورا ألنه ال يخاف عليها أتقبل عند اهلل‬
   ‫أم ال؟ فبالخوف والحذر يتفقد العبد أعماله، ويحرسها من الرياء ومن كل ما يبطلها حتى تكون‬
 ‫خالصة مقبولة عند اهلل، وإن من الفوائد التي يجنيها المخلص بعمله أن صدره ينشرح لإلنفاق في‬
                                 ‫وجوه البر، فتجده يؤثرها بجانب من ماله ولو كانت به حاجة.‬
                                                               ‫يل‬
   ‫ومن فوائد اإلخالص أنه ُعّم صاحبه الزهد في الدنيا فال يمنعه عرض من الدنيا قدم له من أن‬
                             ‫يقول الحق أو ينكر على باطل ولو أعطي الشيء الكثير من المال.‬
                                                    ‫ل‬
  ‫ومن فوائد اإلخالص أنه يحمل المعّم أن يبذل جهده إليضاح ما خفي على التلميذ، وأن يحرص‬
              ‫على اتباع طريقة في التدريس تجدد نشاط الطالب وتشجعهم على المزيد من العلم.‬
‫ومن فوائد اإلخالص أنه يمنع التاجر من الخيانة، فال يغش في البضاعة أو في قيمتها، ومن فوائد‬
                ‫ال‬                                         ‫ي‬
               ‫اإلخالص اإلتقان في العمل، َحْمل صاحبه على أن يحسن العمل ويأتي به كام ً.‬
             ‫ا‬
   ‫ومن فوائد اإلخالص أنه يحمل صاحبه على االبتعاد عن الرشوة. ومن فوائده أيضً: أنه يحمل‬
             ‫ال‬       ‫ك‬
‫المسؤول مهما كانت مسؤوليته، أن يختار لألعمال األتقى واألرضى واأل ُفاء، عم ً بقوله : ((من‬
   ‫استعمل رجالً على عصابة – أي جماعة – وفيهم من هو أرضى هلل منه فقد خان اهلل ورسوله‬
                                                                                ‫والمؤمنين)).‬
   ‫ومن فوائد اإلخالص أن العمل الخالص القليل منه يجزي كما قال النبي لمعاذ بن جبل لما بعثه‬
                                               ‫إلى اليمن: ((أخلص دينك يكفيك العمل القليل)).‬
   ‫ومن أعظم فوائد اإلخالص أن العبد ال ينجو من الشيطان وكيده ومكره إال باإلخالص كما قال‬
                                            ‫ز‬
‫تعالى إخباراً عما قاله إبليس لعنه اهلل: قال فبع ّتك ألغوينهم أجمعين إال عبادك منهم المخلصين .‬
 ‫ومن فوائد اإلخالص أنه يميز العمل من العيوب كتميز اللبن من الفرث والدم، فأخلصوا أعمالكم‬
‫أيها الناس، فإن اهلل تبارك وتعالى ال يقبل من األعمال إال من خلص له، واحذروا أن يدخل عليكم‬
    ‫الشيطان من باب الرياء، فيفسد عليكم أعمالكم ويوقعكم في اإلشراك بربكم واستعينوا في ذلك‬
 ‫بدعاء اهلل واالستعاذة به من نزغات الشيطان ومكره وخداعه، فإنه سبحانه أرشدنا إلى االعتصام‬
‫به من الشيطان باالستعاذة فقال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باهلل إنه هو السميع العليم.‬

‫(5/869)‬
                                                                   ‫الزهد في الدنيا ومحبة اهلل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                               ‫الزهد والورع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                               ‫محمد بو سنه‬
                                                                                 ‫عين النعجة‬
                                                                               ‫مبارك الميلي‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- محبة اهلل للعبد. 7- مفهوم الزهد في الدين. 3- مفاهيم خاطئة للزهد. 1- الدين ال ينافي‬
   ‫الحضارة. 1- حقيقة الدنيا. 2- أسباب محبة اهلل للعبد. 8- كيف يحبك الناس. 9- حب الناس‬
                                                              ‫نعمة من نعم اهلل إذا كان بحق.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫وبعد فعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اهلل دلني على عمل إذا‬
   ‫عملته أحبني اهلل وأحبني الناس فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك اهلل، وازهد فيما عند الناس يحبك‬
                                           ‫الناس)) [رواه ابن ماجة وغيره، والحديث صحيح].‬
     ‫عباد اهلل إن محبة اهلل للعبد من أعظم ما يوفق إليه اإلنسان، فمن أحبه اهلل أكرمه، ووضع له‬
  ‫القبول في األرض، ومن أبغضه وضع له البغضاء في األرض، ولقد بين عليه الصالة والسالم‬
    ‫في هذا الحديث سبب محبة اهلل لعبده وسبب محبة الناس له، ومعلوم أن اإلنسان يشعر بسعادة‬
          ‫عظيمة إذا كان يحيى في مجتمع يحبه، ومن أحبه الناس آلفوه وعايشوه وتعاملوا معه.‬
                                                                                       ‫م‬
    ‫ف ِن تلكم األسباب التي تحقق هذه المحبة، والتي جاء ذكرها في هذا الحديث الزهد في الدنيا.‬
    ‫والزهد عباد اهلل هو االنصراف عن كل ما ال ينفع في اآلخرة، بأن تخرج يا عبد اهلل من قلبك‬
‫حب الدنيا والحرص عليها والرغبة إليها فتصبح الدنيا في يدك. وحب اهلل واآلخرة في قلبك وليس‬
‫معنى الزهد رفض الدنيا بالكلية واالبتعاد عنها، فقد كان نبينا إمام الزاهدين وله تسع نسوة، وكان‬
     ‫سليمان وداود عليهما السالم من أزهد أهل زمانهما، ولهما من الملك والمال والنساء مالهما،‬
‫وكذلك الصحابة رضي اهلل عنهم كانوا من الزهاد مع ما كان لهم من األموال والنساء والبنين، ما‬
                                                 ‫ر‬
 ‫هو معروف، فليس الزهد في الدنيا بأن تح ّم على نفسك ما أحله اهلل لك من الطيبات، إذ الحالل‬
  ‫نعمة من اهلل على عبده، واهلل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فشكره على نعمته واالستعانة‬
‫بها على طاعته واتخاذها طريقاً إلى جنته أفضل من الزهد فيها، والتخلي عنها، ألن الزهد في نعم‬
   ‫اهلل زهد مخالف لهدي النبي وسنته، ال خير فيه، يظلم القلوب ويعميها ويشوه جمال الدين الذي‬
  ‫اختاره اهلل لعباده، وينفر العباد من دين اهلل عز وجل ويهدم الحضارة، ويمكن أعداء اهلل من أمة‬
                                                                          ‫اإلسالم وينشر الجهل.‬
‫ومعلوم أن كل الحضارات ال تقوم إال على العلم والكسب والزواج، وحضارة اإلسالم ما قامت إال‬
        ‫ا‬
  ‫على هذا، أمرت بالكسب حيث قال عليه الصالة والسالم: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيرً من أن‬
     ‫يأكل من عمل يده، وإن نبي اهلل داود عليه السالم كان يأكل من عمل يده)) [رواه البخاري].‬
‫وأمر بالزواج فقال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..)). بل جعل النبي الزهد‬
  ‫في الزواج مخالفاً لهديه وسنته فقال: ((وإني أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).‬
‫وأمر بالعلم الديني والدنيوي فقال عليه الصالة والسالم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) هذا‬
                                                                         ‫من حديث العلم الديني.‬
      ‫أما العلم الدنيوي فال يختلف اثنان في ضرورة طلب علوم الدنيا من طب وصناعة وزراعة‬
                                                 ‫وغيرها مما ال غنى للعباد عنه في هذا الزمان.‬
       ‫وما ضعفت شوكة المسلمين وتدهورت أحوالهم إال بسبب تقصييرهم في طلب العلم الديني‬
             ‫ا‬
     ‫والدنيوي، واكتفوا بأخذ القشور من علوم الدنيا من أعدائهم بينما أخذوا عنهم كثيرً من أمور‬
                             ‫زائفة زائلة أدت بأهلها إلى الهالك وضياع الدين والخلق والفضيلة.‬
   ‫ولكي تزهد يا عبد اهلل في هذه الدنيا زهد األتقياء والصالحين البد أن تعرف شأن الدنيا وقيمتها‬
 ‫فقد جاءت نصوص كثيرة في كتاب اهلل وفي سنة رسول اهلل تزهد في الدنيا وتبين حقارتها وقلتها‬
                                                                   ‫غ‬
     ‫وسرعة زوالها، وتر ّب في نعم اآلخرة الدائمة التي ال تنقطع، فمن تلكم النصوص قوله جل‬
  ‫وعال: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في األموال واألوالد كمثل‬
                              ‫ا‬
  ‫غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطامً وفي اآلخرة عذاب شديد ومغفرة‬
  ‫من اهلل ورضوان وما الحياة الدنيا إال متاع الغرور فالدنيا منقطعة زائلة فانية فال ينبغي للعبد أن‬
 ‫يشتغل بالفاني الزائل عن الباقي الدائم. كما دلت اآلية على أن الحياة الدنيا غرور وباطل ولعب،‬
   ‫وحقيقة اللعب ما ال ينتفع به. واللهو ما يلهي اإلنسان عن اآلخرة، ودلت اآليات على أنها زينة‬
 ‫تصرف المفتون بها عن اآلخرة. وأنها تفاخر بين الناس يفخر بعضهم على بعض بنعيمها الزائل‬
      ‫من مال وولد وجاه وغيره، ثم شبه ربنا سبحانه سرعة زوال الدنيا بالمطر الذي ينزل على‬
  ‫األرض فتهتز به وتخضر، ثم سرعان ما تعود إلى ما كانت عليه من جفاف واصفرار وموات،‬
                                               ‫فكذلك حال نعيم الدنيا سرعان ما يزول وينقضي.‬
  ‫وأما من السنة فما رواه جابر بن عبد اهلل أن رسول اهلل مر بالسوق بجدي ميت – أي ولد المعز‬
 ‫ا‬
 ‫– فتناوله فأخذه بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن يشتري هذا بدرهم؟ قالوا: واهلل لو كان حياً كان عيبً‬
 ‫فيه ألنه أسك – أي صغير األذنين – فكيف وهو ميت فقال: ((فواهلل للدنيا أهون على اهلل من هذا‬
                                                                          ‫عليكم)) [رواه مسلم].‬
 ‫وكما جاء في الصحيح أيضاً أن النبي قال: ((ما الدنيا في اآلخرة إال كما يجعل أحدكم أصبعه في‬
                                                                       ‫اليم فلينظر بما يرجع)).‬
      ‫ومما ينبغي عليك أن تعلمه يا عبد اهلل أن الذي يحمل العبد على الزهد في الدنيا قوة إيمانه،‬
    ‫واستحضاره عظمة ربه، ووقوفه بين يديه واستحضار أهوال يوم القيامة، فإن ذلك يجعل حب‬
                        ‫الدنيا ونعيمها يضعف في قلبه، فينصرف عن لذائذها ويقتنع بالقليل منها.‬
                                                                             ‫ا‬
 ‫ومنها أيضً شعوره بأن الدنيا تشغل القلوب عن التعلق باهلل وتؤخر اإلنسان عن اللحوق بدرجات‬
             ‫اآلخرة، وأن اإلنسان سوف يسأل عن نعيمها قال تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم.‬
  ‫ومما يعينك أيضاً يا عبد اهلل على الزهد في الدنيا علمك بتحقير القرآن لشأن الدنيا ونعميها وأنها‬
                                          ‫ا‬
   ‫لو كانت تساوي عند اهلل جناح بعوضة ما سقى كافرً منها شربة ماء. فشعور العبد النير القلب‬
      ‫بهذا يجعله يزهد في الدنيا ويقبل على ما هو خير وأبقى قال تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا‬
                                                                           ‫واآلخرة خير وأبقى.‬
            ‫وفقني اهلل وإياكم للزهد في الدنيا واإلقبال على اآلخرة حتى ننال محبة اهلل عز وجل.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
  ‫علمت يا عبد اهلل أن الزهد في الدنيا طريق من طرق محبة اهلل جل وعال لعبده، إذ من أحبه اهلل‬
      ‫وفقه لما يحب وأغدق عليه نعمه الظاهرة والباطنة، أال فلتعلم أن محبة اهلل لها طرق أخرى‬
                         ‫وأسباب كثيرة توصلك إلى محبة اهلل لك، وترفع مقامك عنده نذكر منها:‬
  ‫- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه حتى يتمكن اإلنسان من عبادة ربه حق العبادة التي تكون‬
                                                                ‫سبباً للتقرب إلى اهلل ومحبة اهلل.‬
‫- التقرب إلى اهلل بالنوافل بعد الفرائض، وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل‬
  ‫: يقول اهلل تعالى: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي‬
             ‫ما اقترضته عليه، وال يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) [رواه البخاري].‬
‫- ومن الطرق الموصلة لمحبة اهلل لعبده متابعة الرسول واالقتداء به بتصديقه فيما أخبر، وطاعته‬
     ‫فيما أمر، واالبتعاد عما نهى عنه وزجر، فإن اهلل تعالى قال: قل إن كنتم تحبون اهلل فاتبعوني‬
                                                 ‫يحببكم اهلل ويغفر لكم ذنوبكم واهلل غفور رحيم.‬
‫إن هذه اآلية تدل على صدق محبة العبد لربه، إذ ال يتم له ذلك بمجرد دعوة قلبه أو لسانه فكم من‬
  ‫أناس يدعون محبة اهلل بقلوبهم وألسنتهم: وأحوالهم تكذب دعواهم، فعالمة حب العبد لربه وحب‬
                                                                    ‫اهلل لعبده طاعة رسول اهلل .‬
 ‫والقرآن والسنة مملوآن بذكر من يحبه اهلل سبحانه من عباده المؤمنين وذكر ما يحبه من أعمالهم‬
  ‫وأقوالهم وأخالقهم، فاإلحسان إلى الخلق سبب المحبة قال تعالى: واهلل يحب المحسنين، والصبر‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫طريق المحبة أيضً: واهلل يحب الصابرين، والتقوى كذلك فإن اهلل يحب المتقين. وبالجملة فإن‬
                               ‫طريق محبة اهلل طاعة أوامره واجتناب نواهيه بصدق وإخالص.‬
 ‫وأما طريق محبة الناس فإن النبي علمنا كيف الوصول إليها فقال: ((وازهد فيما عند الناس يحبك‬
 ‫الناس)). وال يتم ذلك إال بالتعفف عما في أيدي الناس من حطام الدنيا الفانية، واإلنسان عباد اهلل‬
    ‫بحاجة إلى محبة الناس إليه ألنه يشعر بسعادة وانشراح عندما يعيش بين أظهر ناس يحبونه،‬
‫ويشعر بضيق وانقباض عندما يحيى بين قوم يكرهونه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي‬
                          ‫ً‬
      ‫قال: ((إذا أحب اهلل تعالى العبد نادى جبريل: إن اهلل تعالى يحب فالنا فأحبه، فيحبه جبريل،‬
                                              ‫ً ب‬
    ‫فينادي في أهل السماء: إن اهلل يحب فالنا فأحّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في‬
                                                                                   ‫األرض)).‬
 ‫ولكن عليك أن تعلم أنه ال ينبغي أن تكون محبة الناس لك على حساب الحق والعدل، فإن هذا ال‬
‫يجوز في دين اهلل عز وجل قال : ((من أرضى الناس بسخط اهلل وكله اهلل إلى الناس، ومن أسخط‬
                                                      ‫الناس برضا اهلل كفاه اهلل مؤونة الناس)).‬

‫(5/969)‬




                                                                    ‫المنكرات أسباب العقوبات‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫آثار الذنوب والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫مصطفى بن سعيد إيتيم‬
                                                                                  ‫بني مسوس‬
                                                                                    ‫غير محدد‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- االعتبار باآليات الكونية. 7- الحكمة من الكوارث الكونية. 3- ما يقوله المغفلون عن‬
     ‫الكوارث الكونية. 1- اهلل جل جالله عزيز ذو انتقام. 1- المعاصي والمنكرات سبب العذاب‬
                 ‫ل م‬
‫والعقوبات. 6- دعوة إلى التوبة. 2- التذكير بالموت. 8- العذاب إذا ح ّ ع ّ. 9- االستمرار في‬
                                                                                         ‫الدعوة.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أيها الناس:‬
‫إن في المشاهدة والمعاينة لعبرة لمعتبرين، وذكرى للذاكرين، إن مشاهدة ومعاينة آيات اهلل الكونية‬
     ‫العظيمة المخيفة لتغني عن وعظ الواعظين وتذكير المذكرين، ونصح الناصحين، إنها ألكبر‬
                                                            ‫زاجر، وأبلغ واعظ، وأفصح ناصح.‬
                        ‫ذ‬
     ‫إن هذه اآليات الكونية العظيمة المهيلة رسول من رب العالمين، يح ّر الناس من غضب اهلل‬
  ‫تعالى، وينذرهم بسخطه، إنها تنبيء بغضب الرب، وتنادي بسخطه، نسأل اهلل السالمة والعافية.‬
‫إن هذه الزالزل المخيفة التي تصيب بالدنا وديارنا من حين آلخر في هذه السنوات األخيرة لتدعو‬
 ‫كل مؤمن صادق في إيمانه أن يقف وقفة طويلة، يحاسب فيها نفسه، ويراجع فيها أعماله، ويدقق‬
                       ‫فيها النظر فيما بينه وبين اهلل تعالى، وفي الذين بينه وبين عباد اهلل تعالى.‬
  ‫وال تحسبوا – يا عباد اهلل – أن هذه الفتن والزالزل، وهذه البالبل والقالقل، ال تحسبوا أنها تقع‬
                                 ‫ف‬                 ‫ي‬
    ‫سدى، وال تظنوا أنها ظواهر طبيعية عاد ّة كما يقوله المغ ّلون المغرورون المخدوعون الذين‬
                                                                                     ‫لب‬
 ‫ُ ّس عليهم بظاهر من العلوم وهم عن اآلخرة غافلون، الذين أمنوا مكر اهلل، وزعموا رضاه، ألم‬
                      ‫ا‬                                               ‫ب‬
 ‫يسمعوا إلى قول الج ّار عز وجل: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتً وهم نائمون أوأمن أهل‬
 ‫القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر اهلل فال يأمن مكر اهلل إال القوم الخاسرون،‬
‫أولم يسمعوا إلى قوله سبحانه: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم األرض فإذا هي تمور أم أمنتم‬
                                                    ‫ً‬
 ‫من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان‬
                                                                                          ‫نكير .‬
                                                                    ‫ر‬           ‫لب‬
  ‫فلؤلئك الذين ُّس عليهم وغ ّر بهم نقول: اتقوا اهلل تعالى حق التقوى، اتقوا اهلل وأسلموا له. وال‬
                                               ‫تنصبوا العداء والحرب بينكم وبين اهلل عز وجل.‬
                                                                ‫فإن اهلل سبحانه عزيز ذو انتقام.‬
                                                                         ‫إنه سبحانه قوي عزيز.‬
                                            ‫إنه سبحانه فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير.‬
                                                                       ‫إنه سبحانه شديد المحال.‬
                               ‫إنه ال يعجزه شيء في األرض وال في السماء وهو السميع العليم.‬
                                                                 ‫إنه هو الرزاق ذو القوة المتين.‬
     ‫إنه سبحانه وتعالى: أهلك عادا األولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم‬
                                                      ‫ش‬
                               ‫وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غ ّى فبأي آالء ربك تتمارى.‬
‫هذا هو ربكم وإلهكم الذي تريدون أن تناصبوه العداء، وهو سبحانه أرحم بكم من األم بولدها، فكم‬
                 ‫م‬
 ‫من حكمة منه لم تعها قلوبكم؟ وكم من موعظة منه عميت عنها أعينكم وص ّت آذانكم؟ وكم من‬
                           ‫خ‬
‫نعمة منه لم تشكرها ألسنتكم وال أفئدتكم؟ أال فاعلموا أن اهلل لن يؤ ّر عنكم العقوبة والعذاب، وقد‬
                                                        ‫ن‬                                 ‫ج‬
                              ‫ع ِلتم إليه بالذنوب والمعاصي، أم تظ ّون أن لكم براءةً في الزبر.‬
      ‫كيف يرضى اهلل على قوم جاهروا بالسوء والفجور، وتفاخروا بشرب المسكرات والخمور،‬
                                                                   ‫ر‬
     ‫وتنافسوا في التب ّج والسفور، والصادق المصدوق يقول: ((إن أمتي يشربون الخمر في آخر‬
       ‫الزمان، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، والمغنيات، يخسف اهلل بهم‬
   ‫األرض، ويجعل منهم القردة والخنازير))، وقال عليه الصالة والسالم: ((ليكونن في هذه األمة‬
          ‫خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف)).‬
                                                         ‫ن‬
 ‫كيف يرضى اهلل على قوم تركوا س ّة نبيه، وسنة أمهات المؤمنين، واتبعوا سنن أعداء الدين، من‬
 ‫اليهود والنصارى والمشركين، اتبعوها ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وحذو القذة بالقذة، حتى وجد‬
                                         ‫ي‬                    ‫ف‬
‫في شباب المسلمين اليوم من يو ّر لحيته على صورة مع ّنة، ال ألمر، إال ألن فالناً من المغنين أو‬
                                         ‫ف‬
        ‫الممثلين أو الالعبين ممن ال خالق لهم في اآلخرة و ّرها على ذلك الشكل، فيا للهوان ويا‬
                                                                                        ‫لالنهزام.‬
 ‫كيف يرضى اهلل على قوم إذا ذكرت الخرافات البالية قالوا: هذه ثقافة شعبنا، وإذا ذكرت العادات‬
              ‫د‬      ‫ض‬
    ‫الفاسدة قالوا: هذه تقاليد مجتمعنا، وإذا ذكرت األفكار الوافدة قالوا: هذه تح ّر وتق ّم أسيادنا،‬
                                                            ‫ا‬
     ‫يعظمون التقاليد وإن كانت شركً، والعادات وإن كانت فسقاً، وما عليه الكفار وإن كان جهال‬
                                                                                          ‫ا‬
                                                                                         ‫وسخفً.‬
                      ‫ل‬                                                          ‫ل‬
        ‫وأما إذا تعّق األمر بالشعائر الدينية الشرعية، والسنن النبوية السنية، سّوا سيوف الجدال‬
    ‫د‬
   ‫واللجاج، وأطلقوا األلسنة الحداد، فقالوا: دعونا من التشدد والتنطح، وذرونا نساير ركب التق ّم‬
                                                                                          ‫ض‬
   ‫والتح ّر، فإنا هلل وإنا إليه راجعون، إنا هلل وإنا إليه راجعون، وال حول وال قوة إال باهلل العلي‬
                                                                                         ‫العظيم.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫أيها المسلمون:‬
‫أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل، اتقوا اهلل وتوبوا إليه، أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن‬
                                                            ‫يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ال تشعرون.‬
 ‫شباب اإلسالم: ارجعوا إلى ربكم، واعتصموا بحبله المتين، وتوبوا إليه توبة نصوحا، فإن أبواب‬
      ‫التوبة مفتوحة، وإن اهلل يفرح بتوبة عبده، وعودته إلى طاعته، خاطبوا عقولكم، انظروا في‬
      ‫أمركم، تفكروا في مآلكم، فكمن من شباب مات وهو طري؟ وكم من شاب باغته الموت في‬
                              ‫شبابه، فذهب إلى ربه بال زاد وال متاع، أسأل اهلل لي ولكم العافية.‬
                              ‫ت‬
‫فاعتبروا يا أولي األبصار، اعتبروا يا أولي األلباب، ومن لم يّعظ بالموت فال واعظ له، واعلموا‬
    ‫أن الدنيا دار بالء وفناء، وأن اآلخرة دار جزاء وبقاء، وأن اهلل تعالى لن يجمع لعبد أمنين وال‬
                                                                ‫م‬
‫خوفين، فمن خافه في الدنيا أ ّنه في اآلخرة، ومن أمنه في الدنيا أخافه في اآلخرة نسأل اهلل تعالى‬
                                                                             ‫األمن التام والهداية.‬
                                                            ‫ر‬
 ‫عباد اهلل: ارجعوا إلى دينكم، تع ّفوا على اهلل في الرخاء يعرفكم في الشدة، اصدقوا اهلل يصدقكم،‬
                                ‫ق ف‬              ‫د‬
          ‫واذكروه يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأ ّوا إليه ح ّه يو ّيكم حقكم فإن اهلل أكرم‬
                                                  ‫األكرمين، وأرحم الراحمين، وأجود األجودين.‬
   ‫ألم تسمعوا إلى قول اهلل تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء‬
    ‫واألرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، أو لم تسمعوا إلى خبر اهلل عز وجل: والبلد‬
                      ‫ر‬          ‫ا‬
 ‫الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث ال يخرج إال نكدً، كذلك نص ّف اآليات لقوم يشكرون.‬
                                                                        ‫ا‬
                                                                       ‫ومن أصدق من اهلل حديثً.‬
                                           ‫م‬        ‫ل‬
‫واعلموا يا عباد اهلل: أن عذاب اهلل إذا ح ّ بقوم ع ّهم فهو ال يصيب ناساً دون آخرين، قال : ((إذا‬
                       ‫أراد اهلل بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)).‬
       ‫وسألته عائشة رضي اهلل عنها: يا رسول اهلل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا ظهر‬
                                                                                        ‫الخبث)).‬
 ‫فيا أيها اآلباء، ويا أيتها األمهات، ويا من له سلطان على غيره، مروا أبناءكم وبناتكم، وإخوانكم،‬
 ‫وأخواتكم، وأصدقائكم وصديقاتكم، مروهم بطاعة اهلل، وانهوهم عن معصيته مروهم بالصالة، ال‬
‫أقول: مروهم بالصالة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وإنما أقول: مروهم بالصالة فقد آن األوان.‬
  ‫أما أنتم أيها الدعاة إلى اهلل، أيها الشباب الملتزم بدين اهلل، أيها المرشدون، أيها المصلحون، أيها‬
                                                                                   ‫ب‬
‫المر ّون ال تقنطوا من رحمة اهلل، ال يحملنكم انتشار الفساد على ترك الدعوة والنصح واإلصالح،‬
    ‫ادعوا إلى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة، وال تيأسوا، وأحسنوا الظن باهلل، فإنه ناصر‬
    ‫دينه ولو كره المشركون، اجتهدوا في جبر ما انكسر، وتقويه ما ضعف، وإصالح ما فسد من‬
    ‫عقائد الناس وعباداتهم وأخالقهم وعاداتهم، فإن ذلك من أحسن األقوال وأفضل األعمال، ومن‬
                                                  ‫ا‬                           ‫ال‬
‫أحسن قو ً ممن دعا إلى اهلل وعمل صالحً وقال إنني من المسلمين وال تستوي الحسنة وال السيئة‬
 ‫ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إال الذين صبروا وما‬
                                                                         ‫يلقاها إال ذو حظ عظيم.‬

‫(5/029)‬
                                                                                 ‫إفشاء السالم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                       ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                           ‫رضا عبد السالمي‬
                                                                                   ‫ابن عكنون‬
                                                                                 ‫عباد الرحمن‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- السالم أول ما بدأ به النبي في المدينة. 7- معنى إفشاء السالم. 3- السالم حق من حقوق‬
                                                                                  ‫و‬
 ‫األخ ّة. 1- السالم أمر اهلل به ورسوله. 1- اإلسالم من خير اإلسالم. 6- السالم سبب المحبة،‬
 ‫وطريق الجنة ، وتحية أهل الجنة. 2- السالم من أسباب المغفرة. 8- السالم اسم من أسماء اهلل‬
      ‫تعالى. 9- حسد اليهود للمسلمين على السالم. 05- آداب السالم. 55- اإلسالم سبيل بناء‬
                                                                              ‫المجتمع المسلم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫أيها المسلمون: لقد كتب اهلل عز وجل على نبيه الهجرة من مكة إلى المدينة حفظا له من بطش‬
    ‫الكافرين، فلما قدم النبي المدينة كان أول شيء قاله للناس ما حدث به عبد اهلل ابن سالم قال:‬
                                                          ‫ق‬
‫لما قدم النبي المدينة انجفل الناس ِبله، وقيل: قد قدم رسول اهلل، قد قدم رسول اهلل، قد قدم رسول‬
                ‫ذ‬
‫اهلل. فجئت في الناس ألنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه ك ّاب، فكان أول شيء‬
 ‫سمعته تكلم به أن قال: ((يا أيها الناس أفشوا بالسالم، وأطعموا الطعام، وصلوا األرحام، وصلوا‬
                                                     ‫بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسالم)).‬
  ‫فانظروا يا عباد اهلل، كيف أن النبي أصل وأسس وبنى ذلك المجتمع الذي كان يصبوا إليه على‬
                                                                        ‫ب‬
                                                                      ‫التقوى واأللفة والمح ّة.‬
                                                                                   ‫ج‬
  ‫فو ّه عليه الصالة والسالم نداء إلى جميع الناس، وخاطبهم بكالم جامع مفهوم، يفهمه الصغير‬
    ‫والكبير، والرجل والمرأة، والعالم والجاهل، وهكذا كان هديه يخاطب الناس بما يفقهونه وبما‬
                           ‫ر‬                                                ‫م‬
     ‫يفهمونه، كال ٌ قليل يحمل معاني كثيرة، وكذلك ينبغي للشيوخ المد ّسين واألئمة الخطباء أن‬
    ‫يكونوا، فكما أن النبي رسول إلى جميع الناس، فكذلك يجب على اإلمام أن يكون إماما لجميع‬
                                                                                ‫لجميع الناس.‬
                                    ‫ق‬
 ‫قال عبد اهلل بن سالم : لما قدم النبي المدينة انجفل الناس ِبله، أي خرجوا ونفروا إليه قبل مجيئه‬
                                       ‫ا‬
    ‫النتظاره، فلما أن أشرف على المدينة صاح الناس فرحً: قدم رسول اهلل، قدم رسول اهلل، قدم‬
                                ‫ي‬
   ‫رسول اهلل. قال عبد اهلل: فجئت في الناس ألنظر فلما تب ّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه‬
                                                                                         ‫كذاب.‬
                                               ‫ي‬
                                           ‫اهلل أكبر، ما أصدق فراسته، يقول هذا وهو لما ٌسلم.‬
                                                                    ‫ر‬
   ‫يقول هذا الكالم بمج ّد أن رأى وجهه األبهر وجبينه األنور، رأى فيه الصدق باديا، والتواضع‬
                                                                     ‫س‬
 ‫ظاهرا، والزهد مرت ِما، ورأى غير ذلك من األخالق الفاضلة واآلداب الكريمة التي ال تكون إال‬
                                                                                  ‫في الصادقين.‬
                 ‫ثم قال : فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: ((يا أيها الناس أفشوا السالم)).‬
   ‫أمرنا في هذا الحديث بأمر عظيم، ولعظمته بدأ به، وألهميته بادر إليه، أال وهو إفشاء السالم.‬
                                                             ‫ل‬
 ‫إفشاء السالم يا عباد اهلل هو أن يسّم على أخيه المسلم إذا لقيه، وأن تسلم المسلمة إذا لقيتها: وما‬
                                  ‫م‬                                ‫حل‬
‫أجمل السالم إذا ُّي بابتسامة، وزين بطالقة وجه، وك ّل بالمصافحة، وقارن ذلك كله اإلخالص‬
                                                                                ‫لوجه اهلل تعالى.‬
    ‫السالم أيها المسلمون، حق من حقوق المسلم على أخيه فعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل :‬
                                     ‫ل‬
                            ‫((حق المسلم على المسلم ست – وذكر منها – إذا لقيته فسّم عليه)).‬
                      ‫ً‬
   ‫السالم أيها المسلمون: أمر اهلل ورسوله به قال اهلل تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم،‬
                          ‫وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول اهلل بسبع وذكر إفشاء السالم.‬
  ‫السالم أيها المسلمون: من خير األعمال عند اهلل، فعن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما قال:‬
 ‫سأل رجل رسول اهلل فقال: أي اإلسالم خير؟ فقال: ((تطعم الطعام وتقرأ السالم على من عرفت‬
                                                                               ‫ومن لم تعرف)).‬
   ‫السالم عباد اهلل من أعظم أسباب األلفة والمحبة، وهو طريق إلى الجنة، وهو تحية أهل الجنة،‬
      ‫ب‬
   ‫فعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((ال تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، وال تؤمنوا حتى تحا ّوا،‬
‫أوال أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السالم بينكم))، وقال اهلل تعالى: تحيتهم يوم يلقونه‬
                                                                                          ‫سالم.‬
                                           ‫السالم أيها المسلمون من أسباب مغفرة اهلل عز وجل.‬
   ‫عن هانيء بن يزيد قال: قال رسول اهلل : ((إن موجبات المغفرة بذل السالم، وحسن الكالم)).‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
   ‫عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((إن السالم اسم من أسماء اهلل تعالى وضع في األرض،‬
                                                                          ‫فأفشوا السالم بينكم)).‬
                    ‫ك‬                                          ‫م‬
 ‫فيا له من مغنم وفير، وخير ج ّ كثير أن يذكر المسلم اسم اهلل تعلى وأن يذ ّر به الناس، فيذكرهم‬
 ‫باهلل تعالى الذي بذكره تطمئن القلوب وتنشرح الصدور، عن عبد اهلل بن مسعود قال: قال رسول‬
  ‫ر‬
  ‫اهلل : ((السالم اسم من أسماء اهلل وضعه اهلل في األرض، فأفشوا بينكم فإن الرجل المسلم إذا م ّ‬
  ‫بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السالم، فإن لم يردوا عليه‬
                                                          ‫رد عليه من هو خير منهم وأطيب)).‬
‫فلتفخروا أيها المسلمون بهذه الشعيرة العظيمة، ولتعتزوا بها، فإن اليهود يحسدونكم عليها عن أنس‬
  ‫بن مالك قال: قال رسول اهلل : ((إن اليهود ليحسدونكم على السالم والتأمين)) وفي رواية: ((ما‬
                                  ‫حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السالم والتأمين)).‬
                                                            ‫ا‬
                                                           ‫واعلموا يا عباد اهلل أن للسالم آدابً.‬
 ‫منها أنه ينبغي أن يكون هو أول ما يبدأ به، عن عبد اهلل بن عمر قال: قال رسول اهلل : ((السالم‬
  ‫قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السالم فال تجيبوه)). وقال: ((من بدأ بالكالم قبل السالم فال‬
                                                                                      ‫تجيبوه)).‬
  ‫ومنها ما حدث به أبو هريرة رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((يسلم الراكب على الماشي،‬
    ‫والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير)) فإذا كانا متقاربين في السن‬
  ‫فالذي يسبق اآلخر بالسالم أكثرهما أجراً، عن أبي أمامة قال: قال رسول اهلل : ((إن أولى الناس‬
                 ‫ل‬            ‫ر‬
         ‫باهلل من بدأكم بالسالم)) وقد كان لتواضعه ورحمته ورأفته إذا م ّ بالصبيان يسّم عليهم.‬
      ‫ومن آداب اإلسالم إتباعه بالمصافحة، فعن البراء بن عازب قال: قال رسول اهلل : ((ما من‬
 ‫مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه، ويأخذ بيده، ال يأخذ بيده إال هلل فال يفترقان حتى يغفر‬
                                                                                        ‫لهما)).‬
    ‫ومن آداب السالم أن يكون بأحسن األلفاظ وأكملها: السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته، ويكون‬
 ‫الجواب كذلك بمثله أو بأحسن منه قال اهلل تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها،‬
             ‫أما التحية بصباح الخير ومساء الخير، فهذا ال بأس به إذا كان بعد السالم الشرعي.‬
 ‫وبعد عباد اهلل: فهذا أول ما بدأ به النبي عند قدومه المدينة، حث الناس على إفشاء السالم، وعلى‬
                                                                     ‫ل‬
      ‫اإلحسان إلى األنام، ليدّنا على أهمية ذلك في بناء المجتمع المسلم المتماسك الذي ال تخترقه‬
                   ‫ر‬
      ‫العواصف وال تزلزله الفتن، وقد حقق ذلك في الواقع، فأسس مجتمعاً كان غ ّة في التاريخ،‬
                                                                    ‫ا‬
     ‫ومضربا لألمثال. مجتمعً تسوده األخالق الفاضلة والمحبة واأللفة واإلحسان واإليثار والبذل‬
                                                          ‫والعطاء. حتى قال أحد المستشرقين.‬
      ‫"لقد كانت تلك المرحلة الزمنية مرحلةً ال نظير لها في التاريخ، بل لم يعرف التاريخ مرحلة‬
                                                           ‫مثلها". والحق ما شهدت به األعداء.‬
‫فكم هو جميل يا عباد اهلل، كم هو جميل أن نقتدي بخير خلق اهلل، نبي اهلل وصحابته الكرام، فنكون‬
                            ‫على قلب رجل الصادقين، األخالق الفاضلة النبيلة والخالل الحميدة.‬
                                              ‫ل‬         ‫ه‬                            ‫ل‬
                    ‫ونتخّى من النفاق والمداهنة، ونتط ّر من الغ ّ والحسد والشحناء والبغضاء.‬
‫(5/529)‬




                                                                           ‫أهمية تربية األبناء‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                             ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                       ‫األبناء‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                ‫ن‬      ‫د‬
                                                                              ‫ص ّوق الوّاس‬
                                                                                 ‫برج الكيفان‬
                                                                               ‫الرحمة العتيق‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
                                                         ‫م ي‬
‫5- بيان انتشار الفساد في صور ُز ّنة. 7- األبناء أمانة على أعناق اآلباء. 3- قال تعالى : قوا‬
   ‫أنفسكم وأهليكم نارا . 1- حاجة األبناء إلى التربية الحسنة. 1- تدريب الصبيان على الصالة.‬
  ‫6- تدريب الصبيان على الصيام. 2- الرفق في تربية األبناء. 8- مراقبة األبناء والنظر فيمن‬
‫يصحبون. 9- أهمية التربية بالقدوة الحسنة. 05- التحذير من التناقض بين األقوال وبين األفعال‬
                                                                                  ‫لدى اآلباء.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
 ‫لقد انتشر الفاسد واالنحراف في أوساط المسلمين، انتشار النار في الهشيم، ومأل بيوتنا ومدارسنا‬
            ‫د‬
 ‫وشوارعنا وأسواقنا، فأقبل أوالدنا على الحرام، شأن البهائم واألنعام، فال إيمان ير ّهم، وال عقل‬
                                                        ‫ن‬
       ‫يردعهم، وال قوة تمنعهم، بل ج ّدت طاقات وقوى عظيمة، ووسائل خبيثة تدعو إلى الفساد‬
                                                                                  ‫ي‬
    ‫وتزّنه، تدعو إلى الكفر واإللحاد، واالنحراف والشذوذ، والدعارة والمخدرات والخمور تحت‬
     ‫أسماء كاذبة وشعارات جذابة، فيرى الشباب على شاشة التلفزيون النساء الكاسيات العاريات‬
   ‫يرقصن ويغنين باسم الفن، ويرون األفالم الجنسية في أقبح وأخبث الصور تحت غطاء الحب،‬
                                                                    ‫ل‬
  ‫ويرون األفالم التي تعّم القتل واإلجرام، ويرون أيضاً الفكاهيات [التي تميت القلب] تحت غطاء‬
‫الترفيه والتسلية، وهذه أدنى أضرارها تضييع الوقت وتضييع الصالة والغفلة عن ذكر اهلل تعالى،‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                          ‫وكفى بذلك ضررً.‬
 ‫ومن هذه الوسائل التي تحث على الفساد وتصرف عن طاعة اهلل قاعات اللعب التي ال يخلو منها‬
                                                                                    ‫ي‬
‫ح ّ من األحياء، فإنها تستقطب الصبيان والشباب، فيجتمعون فيها اجتماع الذباب على النجاسات،‬
      ‫ر‬                                           ‫م‬
‫إلى غير ذلك من الوسائل المفسدة المد ّرة، فكان نتيجة ذلك ما نراه من فساد عريض وش ّ عظيم،‬
                                          ‫ق‬
           ‫ينبئ وينذر بمصائب عظيمة وأخطار جسيمة، ال ِبل لنا بها كالخسف والمسخ والقذف‬
                                  ‫والفيضانات واألعاصير والمجاعات واألوبئة وتسليط األعداء.‬
                                        ‫م ي‬
‫أيها اآلباء: ما أعظم األمانة والمسؤولية التي ح ّلكم إ ّاها الرب سبحانه وتعالى، وما أغلظ العقوبة‬
                                                                           ‫ي‬
 ‫التي تلحقكم إذا ضّعتم هذه األمانة وأهملتم هذا الواجب الكبير، قال عليه الصالة والسالم: ((كلكم‬
                                                          ‫ي‬
  ‫راع، وكلكم مسؤول عن رع ّته، فاإلمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله،‬
‫وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعي في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع‬
                                                                  ‫ي‬
‫راع في مال س ّده، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته،‬
       ‫فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) [متفق عليه من حديث ابن عمر رضي اهلل عنهما].‬
                                                    ‫د‬
‫فسوف تسألون أيها اآلباء عن أوالدكم، فأع ّوا لهذا السؤال الجواب، فاألوالد فتنة واختبار من اهلل‬
                                           ‫ي‬
  ‫تعالى لعباده ليرى من يتقي اهلل فيهم ومن يهملهم ويضّعهم إنما أموالكم وأوالدكم فتنة واهلل عنده‬
                                                                                   ‫أجر عظيم.‬
    ‫وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها مالئكة‬
  ‫غالظ شداد ال يعصون اهلل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أي: مروهم بالمعروف وانهوهم عن‬
                                             ‫المنكر، وال تدعوهم همال فتأكلهم النار يوم القيامة.‬
                                      ‫ل‬
 ‫قال علي في قوله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا: عّموا أهليكم الخير. [أخرجه الحاكم وصححه‬
                                                                 ‫األلباني في صحيح الترغيب].‬
            ‫د‬
       ‫وقال مجاهد رحمه اهلل قوا أنفسكم وأهليكم ناراً أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى اهلل وأ ّبوهم.‬
                                                                       ‫[أخرجه البخاري معلقا].‬
     ‫فعليكم أن تحفظوا وتنقذوا أنفسكم وأهليكم من النار بالعمل بطاعة اهلل وبدعوة األهل إلى ذلك‬
                                                                    ‫ا‬       ‫ا‬
                                                                   ‫وبحملهم عليه تعليمً وتأديبً.‬
                                                       ‫ا‬
‫أرأيت أخي المسلم لو أن نارً أوشكت أن تحرق بيتك وأهلك وولدك ماذا كنت تفعل. سوف تسعى‬
     ‫حتما بكل جهد ووسيلة إلنقاذهم، فهال بذلت قصارى جهدك ووسعك إلنقاذهم من نار اآلخر؟‬
        ‫ل‬                               ‫د‬
 ‫قال عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما لرجل: (أ ّب ابنك، فإنك مسؤول عن ولدك ما عّمته وهو‬
                                                                             ‫ر‬
                                                                ‫مسؤول عن ب ّك وطاعته لك).‬
  ‫فيجب على الوالدين االعتناء باألوالد وتربيتهم، فال يقتصر على توفير المطالب الدنية من غذاء‬
‫وكساء ودواء كما يفعل كثير من اآلباء، بل حق األوالد في التعليم والتربية على األخالق الفاضلة‬
                                                        ‫أعظم وأوكد من حاجتهم إلى غير ذلك.‬
   ‫فإذا صرخ الصبي من الجوع طلبا للطعام، فصراخ قلبه وعقله طلبا لألدب والعلم أشد وأعظم،‬
                                                    ‫م‬                ‫ي س‬
                                                   ‫ولكن أني يسمعه أو ُح ّ به الغافل األص ّ.‬
     ‫وإذا أمر النبي بإزالة شعر المولود، وأخبر عنه أنه أذى فقال: ((أميطوا عنه األذى)). فأذى‬
                                      ‫األخالق الرذيلة واألفكار الرديئة أولى باإلماطة واإلزالة.‬
                                                                                       ‫ل‬
  ‫عّموا أوالدكم أصول اإليمان وهي: اإليمان باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم اآلخر والقضاء‬
                                                                                       ‫والقدر.‬
                            ‫ً‬                                                          ‫ل‬
   ‫وعّموهم أركان اإلسالم وهي: شهادة أن ال إله إال اهلل، وأن محمدا رسول اهلل. وإقام الصالة،‬
                                           ‫وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج إلى بيت اهلل الحرام.‬
    ‫علموهم الحياء والعفة والصدق وسائر األخالق الفاضلة، وجنبوهم الرذائل والفواحش وجميع‬
                                                                                    ‫المنكرات.‬
                         ‫ذ‬                         ‫ي‬                                  ‫ي‬
                ‫بّنوا لهم الحق ومنافعه ومروهم به، وبّنوا لهم الباطل ومضاره وح ّروهم منه.‬
‫قال النبي : ((مروا أوالدكم بالصالة وهم أبناء سبع نين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين،‬
                                                                                         ‫ر‬
 ‫وف ّقوا بينهم في المضاجع)) ومعناه: إذا بلغ أوالدكم سبعا فأمروهم بأداء الصالة ليعتادوا عليها،‬
                                         ‫ويأنسوا بها، فإذا بلغوا عشرا فاضربوهم على تركها.‬
  ‫فأمر النبي اآلباء أن يعلموا أوالدهم الصالة، وما تحتاج إليه من شروط وأركان، وأن يأمروهم‬
                                                                            ‫بفعلها بعد التعليم.‬
                                                      ‫ر‬                            ‫ر‬
  ‫((وف ّقوا بينهم في المضاجع)) أي ف ًقوا بين أوالدكم في مضاجعهم التي ينامون فيها حذراً من‬
                                                                          ‫د‬
                                                           ‫غوائل الشهوة، وس ّا لباب الفاحشة.‬
      ‫وفي هذا تربية األوالد على الصالة، وتعويدهم عليها، وتربيتهم كذلك على الطهر والعفاف‬
                                                              ‫بإبعادهم عن الفواحش وأسبابها.‬
                                                                   ‫و‬         ‫ري‬
‫عن ال ّب ّع بنت مع ّذ رضي اهلل عنها قالت: أرسل النبي غداة عاشوراء إلى قرى األنصار: ((من‬
     ‫و‬                 ‫ن‬                   ‫ً‬
    ‫أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم))، قالت: فك ّا نصومه بعد، ونص ّم‬
‫صبياننا – زاد مسلم: ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على‬
                                                  ‫الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند اإلفطار.‬
 ‫ففي الحديث مشروعية تمرين الصبيان على الصيام، وتعويدهم على صالة الجماعة في المسجد.‬
                                                     ‫ب‬
                    ‫قال عمر للذي أفطر في رمضان مو ّخا له: (كيف تفطر وصبياننا صيام؟).‬
  ‫وعن عكرمة رحمه اهلل قال: كان ابن عباس رضي اهلل عنهما يجعل الكبل في رجلي على تعليم‬
                                                      ‫القرآن والفقه. والكبل: هو القيد الضخم.‬
                                  ‫ل‬
    ‫ثم ينبغي أن تكونوا حكماء في تعليم وتأديب أوالدكم وأن تتحّوا باللين والرحمة والشفقة بهم.‬
‫وعليكم أن تراقبوهم في حركاتهم وسكناتهم، في ذهابهم ورجوعهم، في أصحابهم وأخالئهم، فإنهم‬
                            ‫ل‬                    ‫و‬
          ‫في مجتمع عظم فيه الفساد، وكثرت وتن ّعت وسائله وطرقه، وق ّ المعلمون والمربون‬
 ‫الناصحون، فال يؤمن عليهم في الشوارع، وال في المدارس، وال حتى في البيوت، وال حول وال‬
                                                                                   ‫قوة إال باهلل.‬
 ‫وعليكم أن تستعينوا باهلل، وتتضرعوا إليه وتدعوه بصدق وإلحاح أن يصلح أوالدنا، قال اهلل تعلى‬
                    ‫ر‬        ‫ر‬
      ‫في وصف عباد الرحمن والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذ ّياتنا ق ّة أعين واجعلنا‬
                                                                                   ‫ا‬
                                                                                  ‫للمتقين إمامً.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫اعلموا أيها اآلباء أن التربية القدوة من أهم وأنجح طرق التربية، فقد غرز في فطرة الصبي الميل‬
                                                                  ‫إلى االقتداء بالكبار وتقليدهم.‬
‫فالطفل في سنواته األولى يعتقد أن كل ما يفعله الكبار صحيح، وأن آباءهم أكمل الناس وأفضلهم،‬
                                                                                ‫ل‬
    ‫لهذا فهم يقّدونهم ويقتدون بهم، فالطفل يأخذ عن أبيه أقواله، وأخالقه، ومعامالته مع األقارب‬
                                             ‫والجيران وعموم الناس دون أن يشعر األب بذلك.‬
  ‫فعلى اآلباء أن يربوا أوالدهم بالتوجيهات القولية، وبالترجمة الواقعية لذلك، المتمثلة في السلوك‬
                                                     ‫اإلسالمي الصحيح في جميع شؤون الحياة.‬
       ‫فإذا أمرنا أوالدنا بشيء فالبد أن نسبق إليه، وإذا نهيناهم عن شيء فلنتركه قبل ذلك. وإذا‬
      ‫وعدناهم بشيء فعلينا أن نفي به، فاألوالد يتأثرون بأفعالنا المشاهدة أكثر من تأثرهم بأقوالنا‬
                                                                                         ‫ر‬
                                                                                      ‫المج ّدة.‬
                                                           ‫ن‬
                          ‫قال عبد اهلل بن مسعود : (ال يعد ّ الرجل صبيه شيئا ثم ال ينجزه له).‬
                  ‫وقال أبو هريرة : (من قال لصبي تعال هاك تمرا ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة).‬
    ‫وقد ذم اهلل تعالى ومقت الذي يخالف أعمالهم أقوالهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ال‬
                                               ‫تفعلون كبر مقتا عند اهلل أن تقولوا ما ال تفعلون.‬
‫وقال عليه الصالة والسالم: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور‬
      ‫بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فالن ما لك؟ ألم تكن تأمر‬
   ‫بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت أمر بالمعروف وال آتيه، وأنهى عن المنكر‬
                                                                                           ‫ت‬
                                                                          ‫وأ ِيه)) [رواه مسلم].‬
                ‫بعض اآلباء مثال يدخنون أو يشاهدون األفالم الخليعة، وينهون أوالدهم عن ذلك.‬
‫ومن اآلثار السلبية لهذا الصنيع أن يسقط هذا األب من عين ابنه، وتزول تلك الهيبة وذلك التوقير،‬
                         ‫ومن ثم تصبح أوامر هذا األب ال قيمة لها فال يطاع فيها وال يسمع لها.‬
                                                           ‫ر‬
   ‫يقول البنه: ال تدخن فإنه مض ّ بالصحة، ثم هو يدخن يقول له: إذا رآه مهمال لدروسه مشتغال‬
‫باللهو واللعب: ال تضيع وقتك واحرص على الدراسة، ثم هو يضيع وقته ويقضيه في اللغو واللهو‬
   ‫واللعب، وفي لعب الورق والدامة والدومينو(5)[5] وغيرها، من المالهي. وال يحرص على ما‬
                                                                                          ‫ينفعه.‬
     ‫فاتقوا اهلل أيها اآلباء، واحرصوا على أن تطابق أقوالكم أفعالكم حتى تتيسر لكم تربية أبناءكم‬
                                           ‫التربية الصالحة الصحيحة. والحمد هلل رب العالمين.‬


                                                                              ‫__________‬
                                                              ‫(5) الدومينو: هي لعبة األحجار.‬

‫(5/729)‬




                                                                                 ‫د‬
                                                                    ‫لقد استع ّ رمضان للرحيل‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫فقه‬
                                                                                       ‫الصوم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫ن‬      ‫د‬
                                                                               ‫ص ّوق الوّاس‬
                                                                                  ‫برج الكيفان‬
                                                                                ‫الرحمة العتيق‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
           ‫ص‬
   ‫5- بشرى لمن أحسن في هذا الشهر (شهر رمضان). 7- دعوة إلى التوبة لمن ق ّر في هذا‬
   ‫الشهر. 3- ختم صيام رمضان باالستغفار. 1- ختم صيام رمضان بعتق الرقاب. 1- التوحيد‬
                                                                                ‫ر‬
                                                                        ‫واالستغفار س ّ النجاة.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
   ‫إن الذين اتقوا وأحسنوا في هذا الشهر فصاموا عن الطعام والحرام، وقاموا بالليل والناس منهم‬
                                                                         ‫ب‬
  ‫نيام، ومنهم المكّون على الشهوات كاألنعام، وهؤالء الصالحون أطعموا الطعام، وأالنوا الكالم،‬
‫قد فازوا بالرحمة واإلحسان، من اهلل ذي الجالل واإلكرام، قال اهلل تعالى: إن رحمة اهلل قريب من‬
 ‫المحسنين، وقال: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون، وقال: هل جزاء اإلحسان إال‬
                                                                                     ‫اإلحسان.‬
                                                                             ‫د‬
 ‫لقد أع ّ اهلل لهم عظيم األجر، ما ال عين رأت، وال أذن سمعت، وال خطر على قلب بشر، جزاء‬
   ‫على إحسان العبادة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه اهلل‬
                                              ‫ن‬
                                      ‫تعالى، رزقنا اهلل وإياكم لذة النظر إلى وجهه لم ّه وكرمه.‬
        ‫أما نحن فقد أثقلتنا األوزار، وارتكبنا الذنوب الكبار التي توجب النار، وكبلتنا خطايانا عن‬
         ‫الطاعات، ودفعتنا إلى الزالت، وجلبت علينا الويالت، فماذا نصنع حتى نتدارك ما فات؟‬
                                                                                 ‫ي‬
                                         ‫ورمضان قد ته ّأ للرحيل فلم يبق منه إال ليلة أو ليلتان.‬
     ‫علينا – يا عباد اهلل – باالعتراف بذنوبنا، وبالتوبة الصادقة النصوح، وبالتوجه إلى اهلل تعالى‬
                                                              ‫بالدعاء بالمغفرة والعتق من النار.‬
                                              ‫ب‬                                 ‫ب‬
    ‫فاغفر لنا يا ر ّنا وأعتقنا من النار، ألم تقل يا رّنا: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ال‬
 ‫تقنطوا من رحمة اهلل إن اهلل يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ألم تقل يا ربنا: وإن ربك‬
                                                                  ‫لذو مغفرة للناس على ظلمهم.‬
                                                      ‫يا رب عبدك قد أتاك …وقد أساء وقد هفا‬
                                                     ‫يكفيه منك حياؤه…… من سوء ما قد أسلفا‬
                                                  ‫حمل الذنوب على الذنوب …الموبقات وأسرفا‬
                                                    ‫وقد استجار بذيل عفوك …من عقابك ملحفا‬
                                                         ‫رب اعف وعافه…فألنت أولى من عفا‬
                                                           ‫ه‬
‫وأما من استغفر بلسانه وقلب ُ على المعصية معقود، وهو عازم بعد الشهر إلى المعاصي أن يعود،‬
      ‫فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود، كيف ال؟ وقد قابل نداء اهلل: ((يا عبادي..))‬
                                                                          ‫باإلعراض والصدود.‬
                                      ‫ظ‬                                  ‫ظ‬
                ‫فكم بين من ح ّه في رمضان القبول والغفران، ومن ح ّه فيه الخيبة والخسران.‬
                                          ‫ل‬
‫أيها المسلمون: إن االستغفار هو ختام األعمال كّها. فيختم به في الصالة كما في صحيح مسلم أن‬
                                           ‫رسول اهلل كان إذا فرغ من الصالة يستغفر اهلل ثالثا.‬
 ‫ويختم به في الحج، قال اهلل تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا اهلل إن اهلل غفور‬
‫رحيم، بعد هذه الشعيرة العظيمة وهي الوقوف بعرفة والحج عرفة، ينطلق الحاج إلى مزدلفة وهو‬
                                                                              ‫يستغفر اهلل تعالى.‬
    ‫ويختم به قيام الليل، يمدح اهلل تعالى عباده المتقين ويصفهم فيقول: الذين يقولون ربنا إننا آمنا‬
‫فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين باألسحار،‬
                                       ‫وقال تعالى كذلك في وصفهم: وباألسحار هم يستغفرون.‬
  ‫قال الحسن رحمه اهلل: قاموا الليل إلى وقت السحر ثم جلسوا يستغفرون، وكان ابن عمر رضي‬
    ‫اهلل عنهما يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر.؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء‬
                                                                        ‫واالستغفار حتى يصبح.‬
            ‫ف‬
    ‫ويختم به كذلك في المجالس، فإن كانت ذكراً كان كالطابع لها، وإن كانت لغوا كان ك ّارة لها.‬
                                             ‫وكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان باالستغفار.‬
                                                                        ‫ط‬
 ‫فمن أحب منكم أن يح ّ اهلل عنه األوزار، ويعتقه من النار، فليكثر من االستغفار بالليل والنهار،‬
                                                                  ‫ال سيما في وقت األسحار.‬
                                          ‫ومما يستحسن ختم هذا الشهر به أيضاً عتق الرقاب.‬
       ‫فقد كان أبو قالبة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجوا بعتقها العتق من النار.‬
 ‫وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن‬
  ‫سعيد بن مرجانة صاحب علي ابن الحسن قال: قال أبو هريرة : قال النبي : ((أيما رجل أعتق‬
‫امرأ مسلما استنقذ اهلل بكل عضو منه عضوا منه من اللنار)). قال سعيد من مرجانة: فانطلقت به‬
‫إلى علي بن الحسين، فعمد علي بن الحسين رضي اهلل عنهما إلى عبد له قد أعطاه به عبد اهلل بن‬
                                               ‫جعفر عشرة آالف درهم أو ألف دينار فأعتقه .‬
          ‫ومن فاته عتق الرقاق النعدامها فليكثر من شهادة التوحيد فإنها تقوم مقام عتق الرقاب.‬
  ‫قال : ((من قال: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‬
                          ‫عشراص كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل)) [أخرجه البخاري].‬
  ‫وقال: ((من قال: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‬
‫في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت‬
       ‫د م‬                  ‫م‬                                                   ‫ا‬
 ‫له حرزً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل م ّا جاء به إال أح ٌ ع ِل أكثر‬
                                                ‫من ذلك)) [متفق عليه من حديث أبي هريرة].‬
  ‫واعلموا عباد اهلل أن الجمع بين شهادة التوحيد واالستغفار من أعظم أسباب المغفرة والنجاة من‬
  ‫النار، وكشف الكربات قضاء الحاجات. لهذا جمع اهلل تعالى بينهما في قوله: فاعلم أنه ال إله إال‬
                  ‫اهلل واستغفر لذنبك. وفي قوله: ال إله إال أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.‬
 ‫فأكثر أخي المسلم من طاعة اهلل ال سيما من قول: ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله‬
                                                             ‫الحمد وهو على كل شيء قدير.‬
‫وأكثر من االستغفار وغيرها من األذكار واألعمال الصالحة قبل فوات هذه الفرصة العظيمة، فإنه‬
                                                 ‫إن لم يغفر لك في هذا الشهر فمتى يغفر لك؟‬
              ‫قال قتادة رحمه اهلل: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه.‬
   ‫غفر اهلل لنا ولكم في هذا الشهر العظيم. وجعلنا من عباده الصالحين، والحمد هلل رب العالمين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬

‫(5/329)‬
                                                                          ‫الحقوق الزوجية‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                 ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                      ‫اآلداب والحقوق العامة, قضايا األسرة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                           ‫إحسان بن محمد شرف الحلواني‬
                                                                                  ‫الطائف‬
                                                                                  ‫ابن باز‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- المفهوم الخاطئ للعالقة الزوجية عند بعض األزواج. 7- العالقة الزوجية تقوم على المودة‬
‫والرحمة. 3- أسباب المشاكل العائلية. 1- معنى القوامة والشراكة في العالقة الزوجية. 1- بدعة‬
                                                                            ‫المولد النبوي.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                           ‫أيها المؤمنون:‬
  ‫فإنه على قدر صالح األسرة يكون صالح الفرد، وما يحدث من مشاكل وكوارث ومصائب في‬
    ‫األسر إنما هو نتيجة عدم علم كل من الزوج والزوجة بالحقوق والواجبات، بالحقوق المترتبة‬
 ‫عليهما لقاء عقد الزوجية المبرم بينهما، هناك حقوق وهناك واجبات يرتبها اإلسالم بموجب العقد‬
                                                                                ‫الشرعي.‬
   ‫مما يؤسف له أن الكثير من المسلمين من الرجال أو النساء ال يدركون هذه الحقوق واليعرفون‬
‫هذه الواجبات والمسؤوليات، وكل الذي يفهمونه من الحياة الزوجية أنه لقاء جنسي يقضي اإلنسان‬
     ‫وطره من زوجته، وتقضي المرأة وطرها من زوجها ثم اليعود لهما بعد ذلك أي اهتمام بما‬
                                                         ‫يترتب على هذا العقد من الحقوق.‬
  ‫وأدى هذا الفهم المغلوط إلى وجود االنفصام واالنفصال وعدم وجود التربية اإلسالمية الصالحة‬
       ‫في البيوت فإن البيت إذا امتأل بالشحناء والبغضاء والمشاكل والمخاصمات والسب والشتم‬
 ‫والقطيعة، انعكست كل هذه األخالق على النشء، ووجد جيل خامل جيل فاشل، ألنه اكتسب هذه‬
                                                      ‫األخالق كلها من األبوين األم واألب.‬
        ‫الحياة الزوجية في نظر اإلسالم شركة فيها طرفين: الزوج والزوجة، على الزوج حقوق‬
 ‫وواجبات، وعلى الزوجة حقوق وواجبات، وقد جعل اهلل عز وجل الحياة الزوجية آية من اآليات‬
‫الدالة عليه فقال جل من قائل: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم‬
                                                 ‫مودة ورحمة إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون.‬
 ‫هذه الشركة قائمة على عنصرين األول: المودة، والثاني: الرحمة، وإذا لم يتوفر هذان العنصران‬
  ‫في الحياة الزوجية تحولت إلى حياة بهيمية، يلتقي فيها الرجل والمرأة كما يلتقي البهيم بالبهيمة،‬
‫وال عالقة والمودة والرحمة والتقدير وال احترام، وإنما مشاكل على مشاكل حتى تصبح حياة كل‬
‫من الرجل والمرأة معقدة، ويترتب على ذلك كراهية اإلنسان حتى لنفسه، وكل هذا نتيجة عدم علم‬
          ‫كل من المرأة والرجل بالواجب والمسؤولية الملقاة على عاتقهما تجاه بعضهما البعض.‬
     ‫والذي ينظر في حال مجتمعنا اليوم فإنه يجد باإلضافة إلى نسبة الطالق المرتفعة، والذي هو‬
                   ‫ا‬      ‫ال‬                    ‫ا‬
  ‫أبغض الحالل إلى اهلل، يجد أيضاً أن كثيرً من البيوت تعيش مشاك ً وهمومً مستعصية ألنها ال‬
   ‫تقوم على المودة والرحمة، بل تقوم على السباب واإلهانة واالحتقار والشتم والتسلط والسخرية‬
 ‫والكراهية، وحتى تتضح األمور ويعرف كل إنسان ماله وما عليه، وكيف يمكن أن يحقق السعادة‬
    ‫مع زوجته ومع أوالده فإننا نبدأ بذكر بعض الحقوق والواجبات التي فرضها الشرع اإلسالمي‬
    ‫على الرجل تجاه امرأته: فاهلل فرض للمرأة من الحقوق مثل مافرض للرجل من الحقوق فقال‬
       ‫تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف فللمرأة من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات‬
  ‫وللرجال عليهن درجة، والدرجة هي المسؤولية والقوامة، باعتبار أن الحياة الزوجية شركة البد‬
  ‫لها من مسؤول واحد فقط، إذ لو كان فيها مسؤوالن اثنان فإن الشركة تتخبط وتفشل، ولم نسمع‬
‫في العالم كله أن هناك شركة لها مديران لهما نفس الصالحيات والمسؤوليات، ولم نسمع في العالم‬
     ‫كله أن هناك دولة مستقرة يديرها ملكين أو رئيسين، فوجود أكثر من مسؤول في مكان واحد‬
         ‫يؤدي إلى تضارب في التوجيهات واألعمال، والحياة الزوجية شبيهة بالشركة أو الدولة،‬
   ‫فالمسؤول األول فيها هو الزوج، ونائب الرئيس هي الزوجة، وبقية أعضاء الشركة هم األبناء‬
      ‫ا‬
      ‫وأفراد األسرة، فإذا انطبع هذا الشعور في ذهن الزوج إنه المسؤول األول لكنه ليس مستبدً‬
 ‫وليست الكلمة األولى واآلخيرة دائماً له، إنما يستشير ويطلب الرأي ويطلب النصح ويتقبله، فهذا‬
    ‫رب شركة زوجية صالحة، وأما إن ظن أن المسؤولية استبداد وعدم أخذ للرأي وتسلط وعدم‬
‫إقامة وزن ألحد ما أريكم إال ما أرى وما أهديكم إال سبيل الرشاد فإن فعل ذلك فإن رئاسته فاشلة‬
                              ‫وسيأتي يوم من األيام يدير فيه هذه األسرة لوحده ليس فيها غيره.‬
             ‫ا‬
  ‫فال أحد معصوم إال رسول اهلل وليس معنى قوامة الزوج أن يكون معه الحق دائمً، وليس معنى‬
                  ‫ا‬
                 ‫قوامته أن اليقول له أحد: أنت مخطئ، وليس معنى قوامته أن ال يستشير أحدً.‬
‫إن الزوج له واجبات وعليه واجبات، وإن من الناس – لألسف- من يرى أن زوجته ملك عنده أو‬
‫خادمة عنده، فهي طوع أمره ورهن إشارته، ومن الرجال من يخالف زوجته ولو كانت على حق،‬
  ‫فمعنى القوامة عنده أنه إذا قالت: شرق. قال: غرب. وإن قالت: شمال. قال: جنوب وإن قالت:‬
  ‫نعم. قال: ال. وإن قالت: ال، قال: نعم، فيعاكسها ويخالفها في كل شيء، فإن قلت له لماذا تفعل‬
‫ذلك؟ قال: ألظهر سلطتي وقدرتي، إني أنا الرجل، إني صاحب القرار، صاحب الكلمة إنني األول‬
‫واألخير في األسرة، وإن األسرة ال رأي لها، سبحان اهلل ومن قال لك يا هذا أن هذا هو اإلسالم؟‬
                                                                            ‫ومن أخبرك بهذا؟‬
    ‫إن أجل نعمة أنعمها اهلل على المسلمين هي نعم الحرية، حرية الرأي وحرية الكلمة فال يجوز‬
                                          ‫ألحد أن يمنعها ظاناً أن ذلك من اإلسالم ومن مبادئه.‬
   ‫أيها الزوج: أنت صاحب القرار، لكن البد لك من أخذ رأي الرعية، ثم حاول أن تكون آراؤك‬
‫متوافقة ومنسجمة مع آراء من يعيشون معك ليل نهار في الحق، خذ رأي زوجتك وأبنائك لكن إن‬
  ‫كان مخالفاً للشرع فالواجب عليكم جميعاً رفضه، أما إن جاء الحق مع زوجتك، ورأيت أنه من‬
  ‫العيب أن تأخذ الحق من لسانها فهي امرأة وأنت رجل فتقول: ال إنها إمرأة واهلل ال نأخذ برأيها،‬
                                          ‫وتأتي بالباطل من رأسك فتفرضه فهذا منتهى الفساد.‬
  ‫في عمرة الحديبية أمر الرسول الصحابة أن يحلوا بعد عقد صلح الحديبية على أن يرجعوا تلك‬
      ‫السنة ويعودوا في العام المقبل، فصعب ذلك على الصحابة، وكانت كل بنود اإلتفاقية صعبة‬
     ‫عليهم، ولكن اهلل أمره بذلك، فلما لم يحلوا من عمرتهم خاف عليهم الرسول من العذاب لعدم‬
 ‫تنفيذهم أمر اهلل، فدخل مغضباً على زوجه أم سلمة وقال: هلك قومك، قالت: لماذا يا رسول اهلل؟‬
    ‫قال: آمر فال أطاع، قالت: يارسول اهلل أدع بحالق واحلق شعرك، فما أعظم عقلها وحكمتها،‬
   ‫قالت: فإنهم سيقتدون بك وينتبهون من ذهولهم بمجرد أن يروا فعلك، وهذا ما حدث فما إن بدأ‬
‫الحالق بشقه األيمن حتى تهاوى الصحابة بعضهم على بعض يحلقون ويتحللون، والرسول هنا لم‬
    ‫يرفض رأي أم سلمة ألنها امرأة، بل إن للمرأة رأيها واحترامها ومكانتها ورأيها مقبول مادام‬
 ‫موافقاً لشرع اهلل تعالى، وأما إن كان رأيها مخالفاً للشرع فإنه مردود ال ألنه صادر من امرأة بل‬
                        ‫ألنه مخالف للشرع، والباطل مردود من أي مصدر جاء رجل أو امرأة.‬
    ‫إن على الرجل والمرأة على السواء أن يعلموا أن الحياة الزوجية عهدة ومسؤولية، اهلل سائلهم‬
                                                          ‫عنها يوم القيامة، يوم الوقوف عليه.‬
      ‫أنت أيها الرجل مسؤول عن زوجتك وستسأل عنها يوم القيامة، فهي أمانة في عنقك، يقول‬
 ‫الرسول : ((فاتقوا اهلل في النساء، فإنهن عوان عندكم)) أي أسيرات عندكم، مسكينة زوجتك أيها‬
 ‫الرجل، سلمها لك أبوها لتكون في حمايتك ورعايتك وإكرامك، وال يدري أبوها ماذا تصنع بها؟‬
    ‫وال تدري أمها ماذا تصنع بها؟ وال يدري أخوها وال أقاربها، تعذبها في البيت فال تخبر أهلها‬
‫حتى تعيش معك وحتى اليضيع األوالد، وتهينها وتسبها ال يدري أهلها عنها، لكن اهلل يعلم ويرى‬
                                                                    ‫ويطلع على حالك وحالها.‬
  ‫إنها أسيرة يقول الرسول : ((إنهن عوان عندكم أخذتموهن بكلمة اهلل، واستحللتم فروجهن بكلمة‬
   ‫اهلل))، وكان يقول: ((خيركم خيركم ألهله وأنا خيركم ألهلي)) أفضلكم عند اهلل منزلة من كان‬
‫أفضلكم وأحسنكم عند أهله، فأهله يحبونه ويحترمونه لمعاملته الحسنة واهلل يحبه من أجل ذلك، إن‬
                          ‫الذي ليس فيه خير ألهله ليس فيه خير لنفسه أو للناس خارج األسرة.‬
    ‫هذا هو معنى القوامة الحقيقي، وسنذكر إن شاء اهلل في األسبوع القادم حقوق المرأة التي على‬
‫الرجل، نسأل اهلل أن يجعلنا بارين مقسطين مؤدين لحقوقنا وواجباتنا حتى تتحقق السعادة والرضى‬
                  ‫في أنفسنا وبيوتنا وأسرنا ومجتمعاتنا، أقول ما تسمعون وأستغفر اهلل لي ولكم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد اهلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وال عدوان إال على الظالمين، وأصلي وأسلم على محمد‬
‫بن عبداهلل وعلى آله وصحبه ومن وااله ومن سار على دربه ونهج طريقه واقتفى إلى يوم الدين.‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
‫فإن من عالمات حب اهلل وحب رسوله اتباع أمر رسوله وعدم مخالفتها، ففي ذلك الفالح والنجاح‬
 ‫في الدنيا واآلخرة، وأما أن يخالف المسلم أوامر اهلل وأوامر رسوله، ثم يعتقد أنه بإحتفاله بذكرى‬
      ‫مولد رسول اهلل ، يعتقد بذلك أن سيغفر له وأنه بذلك قد وجبت شفاعة الرسول له فهذا غير‬
 ‫صحيح ومخالف لسنة اهلل الكونية، فإن لكل مجتهد نصيب، فمن فعل األمور التي بينها رسول اهلل‬
  ‫وجبت له شفاعته ((من تمسك بسنتي عند فساد أمتي وجبت له شفاعتي)) أما أن يقارف اإلنسان‬
 ‫المعاصي والشهوات والمالذ ثم يرجو أن يدخل في عداد الصديقين والنبيين بالعمل وال إخالص‬
                                                                      ‫وال توحيد، فهذا ال يكون.‬
    ‫ولنعلم عباد اهلل أن اهلل اليعبد إال بما شرع، فلم يشرع اهلل وال رسوله االحتفال بمولده والفعله‬
   ‫الصحابة وال التابعون وال تابعوا التابعين. ثم ابتدع هذا األمر بعد ذلك، وأما إقامة أعياد سوى‬
        ‫عيدي المسلمين المعروفة: الفطر واألضحى فهذا ليس من اإلسالم في شيء، بل هو تقليد‬
   ‫نصراني، إذ هم يحتفلون بعيد الميالد وعيد األم وعيد األب وعيد الكذب وعيد رأس السنة (أي‬
  ‫عيد ميالد المسيح) إلى آخر أعيادهم التي التنتهي والتي يجعل فيها من الفجور وشرب الخمور‬
‫والرقص والغناء فال يرض عنه ال المسيح وال محمد رسول اهلل ، ولن يرض اهلل وال رسوله عن‬
  ‫أعياد يقيمها المسلمون وترتكب فيها المعاصي والموبقات والمخالفات الشرعية سواء كانت باسم‬
                                                         ‫الرسول أو باسم األم أو األب أو االبن.‬
                                         ‫ا‬
                     ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل وأعلموا أننا نتشرف أن نكون عبيدً هلل مطيعين ألوامره.‬
                                                            ‫ا‬
                                    ‫…ومما زادني شرف وتيهً……وكدت بأخمصي أطأ الثريا‬
                                  ‫ا‬
                                  ‫…دخولي تحت قولك يا عبادي……وأن صيرت أحمد لي نبيً‬
  ‫نسأل اهلل أن نكون من عباده الصالحين المطيعين المخبتين المنيبين المتبعين ال المبتدعين، اللهم‬
‫اجعلنا هداة مهتدين، اللهم إنا نحمدك حمداً يوافي محامد خلقك كفضلك على سائر خلقك إذ فضلتنا‬
                                                                 ‫ال‬
                                                                ‫على كثير من خلقك تفضي ً.‬

‫(5/129)‬




                                                                 ‫صيحة.. حذار من التنصير‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                 ‫أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                             ‫اإلعالم, مذاهب فكرية معاصرة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                      ‫علي بن محمد الباروم‬
                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                                ‫3/6/5715‬
                                                                               ‫منار اإلسالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- سؤال في بالد الحرم عن الكتاب المقدس. 7- القنوات الفضائية والعمل التنصيري. 3-‬
‫الدعوة إلى تقارب األديان ووحدتها ، ونداءات العولمة النصيرية. 1- حزب الشيطان يتكاتف ضد‬
    ‫أمة اإلسالم. 1- حكم النظر في كتب النصارى الدينية. 6- دعوة إلخراج صحون االستقبال‬
                                                        ‫للقنوات الفضائية في بيوت المسلمين.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫عباد اهلل: أحدثكم اليوم عن نبأ وأي نبأ، وخبر وأي خبر، إنه حديث عن أمر جلل وحدث حصل،‬
‫كثير من الناس عنه متغافلون أو غافلون، بل ربما بعض أهل الغيرة عنه معرضون، ما كنت أظن‬
   ‫وقوعه أو أحسب حدوثه في مهبط الوحي ومنبع التوحيد – الحرم-، وما كنت أتصور الحديث‬
  ‫عنه يليق بمثل هذا المقام حتى أدهشني سماعه وأزعجني نداؤه، إنه التنصير ألهل الحرام، نعم،‬
          ‫ي‬            ‫ي‬
‫إنه التنصير في الحرم، نعم عباد اهلل إنه التنصير ألهل الحرم، قول ال ُسمع وأمر ال ُعهد، ولكنه‬
      ‫د‬                 ‫ال‬
   ‫حصل، وذلك عندما سألني بعض المصلين ال الملحدين في الحرم سؤا ً، أجبته بسؤال ور ّدته‬
                                                                                   ‫بجواب.‬
                                                     ‫قال يا شيخ: ما رأيك في الكتاب المقدس؟‬
                                                                              ‫قلت: ماذا تقول؟‬
                                                                           ‫ا‬        ‫د‬
                           ‫فر ّدها مرارً: ما رأيك في الكتاب المقدس؟ فقلت له: هل هو عندك؟‬
                                                                          ‫ا‬     ‫ً‬
                                                                         ‫فنفى ذلك نفيا قاطعً.‬
                                                                           ‫قلت: وماذا يعنيك؟‬
                                                 ‫قال: رآه بعض جيراني في القنوات الفضائية.‬
                               ‫نعم ومن هنا نبدأ في بعض القنوات الفضائية، القنوات الفضائية.‬
   ‫ً‬
‫سؤال يطرح نفسه: هل يمكن أن يتنصر أهل الحرم؟ وهل يمكن للتنصير أن يجد مرتعاً خصبا في‬
                                                                                       ‫الحرم؟‬
    ‫نعم عباد اهلل يمكن أن يتنصر الناس، بل يمكن أن يتنصر أهل الحرم عند غفلة أهل الحق عن‬
   ‫الحق، ألن األمر كما قال األولون: ال قيام ألهل الباطل إال في غفلة الحق –، نعم ال قيام ألهل‬
                                                                    ‫الباطل إال في غفلة الحق.‬
  ‫قد تستغرب قولي، وحق لك التكذيب ألنه غريب، نعم إنه غريب، ولكن رحمك اهلل تلمس بفطنة‬
‫وذكاء وعقل يقظ ونفس حاضرة، تلمس أحوال من حولك من الناس نعم أخي الكريم تلمس أحوال‬
‫من هو لك من الناس جماعات وأفراداً تعرف الحقيقة غاية المعرفة، وبرهانها قول النبي صلى اهلل‬
    ‫عليه وعلى آله وسلم: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب‬
   ‫لدخلتموه، قال يا رسول اهلل: اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس إذن)) أو كما قال صلوات اهلل‬
                                                                                ‫وسالمه عليه.‬
                                                             ‫ا‬
          ‫عباد اهلل: األمر خطير جدً، خطير فالبد من صيحة نذير، نعم صيحة نذير، وأي نذير.‬
                                            ‫حذار حذار من التنصير، حذار حذار من التنصير.‬
‫واعلموا يقيناً أن اهلل عز وجل قرر في محكم كتابه بخبر ثابت ونبأ حقيق ولن ترضى عنك اليهود‬
                                      ‫وال النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى اهلل هو الهدى.‬
‫نعم عباد اهلل إن الصراع قائم، نعم الصراع قائم بين العقائد ال الحضارات أو الترهات التي يمليها‬
                                             ‫على أسماع المسلمين المستسلمون أو المتأسلمون.‬
   ‫ولكن األمر كما قال اهلل عز وجل: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً فال تتخذوا منهم‬
                                                                                ‫ً‬
‫أولياء إذا فال مجال لحوار األديان المزيف المزعوم وال التقارب المنكوب المزكوم الذي تنادي به‬
‫شخصيات ولألسف متأسلمة، كما ينعق بذلك مفتي الفضائيات، من أمرض قلوب الناس بأمراضه،‬
                                                              ‫ومنظمات ليت شعري مستسلمة.‬
  ‫عباد اهلل: اتقوا اهلل عز وجل في أنفسكم، واسمعوا نداء اهلل عز وجل لكم: يا أيها الذين آمنوا إن‬
                                                                              ‫ا‬
 ‫تطيعوا فريقً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم‬
   ‫آيات اهلل وفيكم رسوله ومن يعتصم باهلل فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل عمران:005-505].‬
    ‫يقولون: عولمة، نعم إنها عولمة التنصير في مسوح التبشير، فهال جعلناها عولمة دعوة النذير‬
    ‫البشير والسراج المنير صلوات اهلل وسالمه عليه تحت لواء عالٍ شامخ واضح أبلج قل يا أهل‬
‫ا‬                   ‫ا‬
‫الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أال نعبد إال اهلل وال نشرك به شيئً وال يتخذ بعضنا بعضً‬
                                                                                         ‫ا‬
   ‫أربابً من دون اهلل فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا‬
                                                          ‫عنهم سيئاتهم وألدخلناهم جنات النعيم.‬
                  ‫أقول هذا القول وأسأل اهلل عز وجل لي ولكم الصيانة من الضالالت والترهات.‬
   ‫اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن‬
                                                               ‫نغتال أو نذل أو نضل من تحتنا.‬
      ‫اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف أمره وعصاه، والحمد هلل قاصر ظهور القياصرة‬
 ‫وكاسر شوكة األكاسرة، مذل الكافرين الملحدين الزائغين المضلين، والصالة والسالم على النذير‬
    ‫البشير والسراج المنير الداعي إلى دعوة الحق: ال إله إال اهلل، محمد رسول اهلل، دعوة اإلسالم‬
 ‫التي ال يقبل دين سواها وال يقبل من العمل إال ما كان متمثالً به، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله‬
                      ‫وصحبه ومن سار على نهجه بإحسان واقتفى واهتدى بهديه إلى يوم الدين.‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
     ‫معاشر المؤمنين فاتقوا اهلل تعالى حق التقوى وعظموا شعائر المولى وتمسكوا بالعروة الوثقى‬
                                                                            ‫ا‬
                                                  ‫وكونوا عبادً مخلصين داعين للحق مصلحين.‬
     ‫أمة اإلسالم ال عجب في نصرة النصارى لدينهم، وال عجب في تكالبهم على اإلسالم كتكالب‬
  ‫األكلة على قصعتهما، وال عجب في تشويههم اإلسالم ومنهج اإلسالم وهم يعرفونه كما يعرفون‬
       ‫أبناءهم، وال عجب في صدهم عن سبيل اهلل وهم يعلمون أنه الحق من ربهم فال تكونن من‬
                                                                                     ‫الممترين.‬
  ‫وال عجب في مضايقتهم لقنوات الخير وإجالبهم عليها بخيلهم ورجلهم، وال عجب في مشاركتهم‬
     ‫بعض المسلمين في إجالبهم على المسلمين بخيلهم ورجلهم، ومشاركتهم المسلمين في أنفسهم‬
  ‫وأموالهم وفي إمالئهم المسلمين وتذييقهم وتضليلهم وتعطيلهم، وما ذلك كله - أعني عدم العجب‬
   ‫– إال لكونه كيداً للشيطان وقد قال اهلل عز وجل: إن كيد الشيطان كان ضعيفاً وقال اهلل سبحانه‬
                                                  ‫وتعالى: أال إن حزب الشيطان هم الخاسرون.‬
‫وتأذن اهلل عز وجل بنصرة دينه وتأييده ولو كره المجرمون، ولو كره الكافرون المشركون، ولكن‬
       ‫إن تعجب فعجب تخاذل بعض المسلمين عن نصرة دينهم، وإن تعجب فعجب حجب بعض‬
     ‫المتأسلمين الناس عن دينهم، وإن تعجب فعجب سد أبواب رد هجمة المنصرين الشرسة وإن‬
        ‫تعجب فعجب تضليل المتأسلمين للمسلمين بعبارات باردة وأفكار خبيثة ماردة كدعوى أن‬
   ‫النصارى على دين حق، وأنهم إخوانهم في الدين، وال بأس في مشاركة النصارى في أعيادهم‬
  ‫وتهنئتهم والصلة بهم إلى غير ذلك من الدعاوى المغرضة واألقوال المناوئة للدين التي يتزعمها‬
                                                    ‫ويدفع لواءها ولواء أقرانها مفتي الفضائيات.‬
   ‫فمن األمور التي تبث بين الناس وال يكاد يفقه تلبيسها كثير من األكياس ما يزعم بالتقارب بين‬
     ‫الحضارات ودعوى اندماج الديانات فكل من اليهود والنصارى – كما قالوا- على دين حق،‬
                                                  ‫ً‬
    ‫ونحن نقول: ومن يبتغ غير اإلسالم دينا فلن يقبل منه وهو في اآلخرة من الخاسرين كل هذه‬
  ‫دعاوى فاجرة وأفكار ماكرة ال تقبل في الدين، بل هي مردودة مصفوع بها وجه قائلها ولو كان‬
                                                          ‫من كان، في أي مكان كان أو أي قائل.‬
                                                       ‫كان ينبغي أن يرد قوله وأال تقبل بهرجته.‬
 ‫عباد اهلل: ال يجوز لإلنسان أن يقارب بين اإلسالم والكفر، وبين التوحيد والشرك، بين االستقامة،‬
                  ‫واإللحاد، وبين سبيل اهلل بين صراط اهلل المستقيم، وصراط المالحدة الشياطين.‬
                                                       ‫ً‬
      ‫ال يجوز ذلك وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه وال تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم‬
                                                                          ‫وصاكم به لعلكم تتقون.‬
‫ومما هو قريب من ذلك ما يلوكه بعض المثقفين، واألصح المسقفين الذي تسقفوا باألسقف الغربية‬
    ‫التي ال أساس لها في الدين وال قرار، وإنما هي محض إفتراءات وهذرمة ال تقوم على قرار.‬
‫ما يقوله أولئك الملحدون أو العقالنيون أو المثقفون المغفلون أو ضعاف النفوس من المتأسلمين ما‬
  ‫يقوله أال حرج على اإلنسان أن ينظر في ضالالت النصارى وأن يأخذ ما عندهم من الحق وأن‬
                                                                               ‫يرد ما سوى ذلك.‬
‫نقول ذلك إلحاد ال يعرف في دين اهلل وإنما هو معصية كبرى وأمر خطير، وباب من أبواب جهنم‬
‫يفتحه أولئك المغفلون أو المستغفلون لعموم الناس، واسمعوا رحمكم اهلل إلى الحديث الصحيح الذي‬
    ‫فيه أن عمر رضي اهلل عنه أتى رسول اهلل بشيء من أخبار بني إسرائيل في التوراة المحرفة‬
    ‫فجاء بها إلى رسول اهلل ليسترشده ويسأله وليأخذ ما فيها من خير فقال النبي : ((واهلل لو كان‬
            ‫موسى بين أظهركم عليه الصالة والسالم ما وسعه إال اتباعي)) ما وسعه إال اتباعي.‬
    ‫فال يجوز لإلنسان أن ينظر في أديان أولئك الملحدين بل يكفي اإلنسان أن يتأمل في هذا الدين‬
‫الحنيفي القويم وأن يأخذ به بأصوله وفروعه، بلبه ولبابه، بأصوله وتلبابه، أن يأخذ بذلك كله وأن‬
                                                                          ‫ا‬
    ‫يجعله منهاجً يسير عليه، يسير على الصراط المستقيم لينجو بنفسه من المهاوي والضالالت.‬
                                                ‫ا‬                ‫ي‬
  ‫عباد اهلل: فمن هنا أنادي بملء ف ّ نداءً علياً شجيً، نداءً يوقظ النائمين وينبه الغافلين، أنادي من‬
‫الحرم أنادي كل مسلم ومسلمة، أنادي ندائي، أنادي نداء من الحرم إلى كل مسلم ومسلمة، إلى كل‬
    ‫من رفع للدين راية، إلى كل من له على الخاص والعام والية، أناديهم بتقوى اهلل عز جل وأن‬
                                                             ‫يغاروا على دين اهلل سبحانه وتعالى.‬
   ‫أناديهم وأسألهم بين يدي اهلل عز وجل عن هذا النداء أن يتقوا اهلل عز وجل في أنفسهم وأهليهم‬
     ‫عباد اهلل يا كل من يسمعني: أخرجوا الدشوش من بيوتكم قبل أن يذهب عليكم دينكم، قبل أن‬
                                    ‫ترجعوا إلى أهليكم وقد تنصروا بالمقال أو الحال أو الفعال.‬
   ‫اتقوا اهلل عز وجل في أنفسكم فإن اهلل موقفكم وسائلكم عن رعيتكم هل نصحتم فيها؟ ماذا فعلتم‬
                              ‫ً‬
     ‫معها؟ هل نصحتم أم غششتم؟ ((ومن ولي من أمر المسلمين أمرا فغشهم فإنه ال يريح رائحة‬
                                                                                      ‫الجنة)).‬
             ‫سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسالم على المرسلين والحمد هلل رب العالمين.‬

‫(5/129)‬




                                                                                ‫أحكام الوصية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                           ‫فقه‬
                                                                            ‫الفرائض والوصايا‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                        ‫الخبر‬
                                                                                 ‫75/7/2515‬
                                                                                         ‫النور‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- الوصية باب من الخير يلجه اإلنسان بعد موته. 7- اختالف حكم الوصية بحسب حال‬
‫الموصي وما عليه من حقوق. 3- حكم تنفيذ الوصية إذا أمرت ببدعة أو حرام. 1- أحكام متفرقة‬
                                                  ‫متعلقة بالوصية. 1- صيغة مقترحة للوصية.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫ما زلنا أيها األحبة في موضوعنا الذي بدأناه قبل شهر، في األحكام المتعلقة بانتقال العبد عن دار‬
 ‫الفناء إلى دار البقاء. ولعلها تكون آخر حلقات السلسلة حول األحكام المتعلقة بالوصية. فكلنا يعلم‬
  ‫بأن اإلنسان يتنقل من مرحلة إلى أخرى ومن طور إلى طور في هذه الحياة، بل تمر به أحوال‬
       ‫من العسر واليسر، والفقر والغنى والحزن والسرور والصحة والمرض والقوة والضعف،‬
‫واإلنسان في الغالب له حقوق على نفسه، ولغيره حقوق عليه، ومثل تقلبات هذه األحوال قد ينسى‬
 ‫اإلنسان مثل هذه الحقوق، من ديون وودائع وأمانات أو ذوي فقر وحاجات أو حتى فرصته لفتح‬
  ‫اإلنسان على نفسه باب أجر، يجمع له بعد موته، لكل هذا ولغيره شرع اهلل بلطفه ومنه وكرمه‬
  ‫لهذا العبد الضعيف شرع له هذا الباب، باب الوصية فسحة وأمل، شرع له ميدان حسنات حال‬
   ‫الحياة وبعد الممات. قال اهلل تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية‬
 ‫للوالدين واألقربين بالمعروف حقاً على المتقين، وقال تعالى: من بعد وصية يوصي بها أو دين،‬
          ‫وقال النبي : ((إن اهلل تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم)).‬
                                                                             ‫أيها المسلمون:‬
   ‫الوصية سميت بهذا االسم ألنها تصل ما كان في الحياة بما بعد الممات، وألن الذي يوصي قد‬
 ‫وصل بعض التصرف الجائز في حياته ليستمر بعد موته. فأول أحكام الوصية، أن هناك وصية‬
                                                                    ‫واجبة ووصية مستحبة.‬
 ‫أما الواجبة: فذلك حين يكون على اإلنسان حقوق لغيره، فهذه يجب عليه إثباتها لئال تضيع على‬
   ‫أصحابها قال رسول اهلل صلى في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي اهلل عنهما: ((ما حق‬
     ‫امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين – وفي رواية – ثالث ليال إال ووصيته مكتوبة‬
‫عنده)) قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول اهلل صلى قال ذلك إال وعندي وصيتي،‬
                                                                                 ‫متفق عليه.‬
                   ‫قال اإلمام الشافعي رحمه اهلل: من صواب األمر للمرء أن ال تفارقه وصيته.‬
 ‫فيا أيها المسلمون من لزمته حقوق شرعية هلل، أو لعباد اهلل من زكوات وكفارات وديون وودائع‬
  ‫فليسارع في أدائها وليبادر في قضائها مادام قادرا على األداء، متمكنا من القضاء، وإال فليوص‬
 ‫بذلك وصية واضحة في لفظها ومعناها، مجودة في كتابتها، عادلة في شهودها، ألنها حقوق أيها‬
 ‫األحبة، وسيتعلق برقبتك أصحابها يوم القيامة، وألجل أن تحمد سيرتك وال يبقى أهلك من بعدك‬
  ‫في منازعات، ولكي تلقى اهلل عز وجل وقد أديت ما عليك، وأبرأت ذمتك، وابيضت صحيفتك،‬
                                                   ‫ف‬
 ‫وحسنت بإذن اهلل خاتمتك، وخ ّ في اآلخرة حسابك، ومن قصر تعرض لحرمان الثواب، أهمل‬
                                                             ‫براءة الذمة فليعد للسؤال جوابا.‬
     ‫أما الوصية المستحبة: فهو لمن لم تكن عليه حقوق ولم تلزمه واجبات، فهذا يستحب له بأن‬
   ‫يوصي بشيء من ماله يصرف في سبيل البر واإلحسان ليصل إليه ثوابه بعد وفاته، وهذا من‬
  ‫لطف اهلل بعباده لتكثير األعمال الصالحة لهم، وهذا باب واسع من الوصايا ال تنحصر، فلك أن‬
  ‫توصي بشيء من مالك في عمارة المساجد وخدمتها، أو بناء األربطة والمساكن للمحتاجين، أو‬
  ‫في قضاء ديون المعسرين، أو في الصدقة على المحاويج أو في اإلنفاق على طلبة العلم وتعليم‬
   ‫القرآن، أو تعبيد طرق المسلمين، أو طبع الكتب النافعة ونشرها، أو الوصية بالحج واألضاحي‬
                        ‫عن نفسك أو غيرك أو غيرها وغيرها من أبواب البر والخير اإلحسان.‬
    ‫لكن هذه الوصية لمن له مال كثير، وورثته غير محتاجين لقوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر‬
          ‫أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية والخير هو المال الكثير – وإنه لحب الخير لشديد.‬
 ‫فيقول أهل العلم بأن الوصية تكره من رجل ماله قليل ووارثه محتاج، وذريته ضعفاء فاألولى أن‬
 ‫يبدأ بهم وال يقدم عليهم وصيته ألنهم أحق بماله وأولى بمعروفه، وأعظم في ثوابه وليخش الذين‬
                    ‫ا‬                                             ‫ا‬
  ‫لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافً خافوا عليهم فليتقوا اهلل وليقولوا قوالً سديدً وقد قال رسول اهلل‬
  ‫صلى لسعد بن أبى وقاص رضي اهلل عنه: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة‬
  ‫يتكففون الناس)) متفق عليه. وقال الشعبي رحمه اهلل – ما من أعظم أجرا من مال يتركه الرجل‬
           ‫لولده ويغنيهم به عن الناس، وقد مات كثير من صحابة رسول اهلل صلى ولم يوصوا.‬
      ‫ومن أحكام الوصية: إنها ال تصح في األمور المبتدعة والمسائل المحرمة كالوصية للكنائس‬
  ‫ومعابد الكفرة والمشركين، أو الوصية لعمارة األضرحة وإسراجها أو الوصية بالنياحة والتبذير‬
   ‫والبناء على القبور والتكفين بالحرير والدفن في مسجد أو في بيت خاص، كل هذا من الوصايا‬
       ‫التي ال يجوز تنفيذها. قال شيخ اإلسالم ابن تيمية: لو حبس الذمي من مال نفسه شيئا على‬
 ‫معابدهم لم يجز للمسلمين الحكم بصحته، ألنه ال يجوز لهم لحكم إال بما أنزل اهلل، ومما أنزل اهلل‬
  ‫أن ال يتعاونوا على شيء من الكفر والفسوق والعصيان، فكيف يعاونون بالحبس على المواضع‬
                                                                               ‫التي يكفر فيها.‬
                                                          ‫ال‬
   ‫ومن أحكام الوصية أنها تجوز إ ّ في حدود ثلث المال فأقل، وال تجوز بأكثر من الثلث لمن له‬
  ‫ورثه، ألن ما زاد على الثلث حق لهم. لكن تجوز الوصية بأكثر من الثلث بل بكل المال لمن ال‬
‫وارث له، ألن المال اآلن لم يتعلق به حق وارث وال غريم، فأشبه ما لو تصدق بكل ماله في حال‬
                    ‫صحته. قال ابن القيم: فمن ال وارث له ال يعترض عليه فيما صنع في ماله.‬
   ‫ومن أحكامها أنها ال تصح ألحد من الورثة، بمعنى أنك ال توصي لشخص له حق في الميراث‬
                       ‫لقول النبي : ((ال وصية لوارث)) رواه اإلمام أحمد وأبو داود والترمذي.‬
  ‫ومن أحكام الوصية: أن الموصى له ال تنتقل له الوصية، وال يملكها إال بعد موت الموصي ألنه‬
‫قد يغير رأيه، ولهذا فمن أحكامها: أنه يجوز للموصي الرجوع في وصيته ونقضها أو الرجوع في‬
    ‫بعضها، وهذا متفق عليه بين أهل العلم كأن يقول: رجعت في وصيتي أو أبطلتها ونحو ذلك.‬
       ‫ومن أحكامها: أنه قبل تنفيذ الوصية يخرج الواجب في تركة الميت من الديون والواجبات‬
   ‫الشرعية أوالً لقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين فيبدأ بالدين ثم الوصية ثم اإلرث.‬
‫ومن أحكام الوصية أن الوصية تصح لكل شخص يصح تملكه، بمعنى أنه يصح الوصية من مسلم‬
‫لكافر، ألنها من باب الصدقة، والصدقة تجوز دفعها للكافر، وقد كسا عمر بن الخطاب رضي اهلل‬
‫عنه أخاً له وهو مشرك، وصفية أم المؤمنين أوصت بثلثها ألخ لها يهودي، وقد قال اهلل تعالى: ال‬
‫ينهاكم اهلل عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن‬
                                                                         ‫اهلل يحب المقسطين.‬
    ‫ومن األحكام: أنها تصح الوصية للحمل الذي في البطن إذا تحقق وجوده، وال تصح الوصية‬
  ‫لحمل غير موجود، كما لو قال: أوصيت لمن ستحمل به هذه المرأة السنة القادمة. ألنها وصية‬
                                                                                     ‫لمعدوم.‬
‫ومن األحكام: عدم صحة الوصية لمن ال يصح تمليكه كمن يوصى لشخص ميت، أو كمن يوصى‬
 ‫بعض ماله لبهيمة أو حيوان، كما نسمع أحيانا مما يصلنا من تفاهات الغرب وزبالة معتقداتهم أن‬
                ‫وصى أحدهم بعدة ماليين لكلب له أو لقطة، فهذا غير جائز في شريعة اإلسالم.‬
 ‫ومن أحكام الوصية: أنه لو أوصى بثلث ماله، فاستحدث ماال بعد الوصية، دخل في الوصية ألن‬
   ‫الثلث إنما يعتبر عند الموت في المال الموجود حينه، وألوضح بمثال: رجل يملك مليون ريال‬
      ‫فأوصى بثلثها في مجال الخير، وقبل وفاته صارت المليون خمسة ماليين فالثلث يكون من‬
                                                                      ‫الخمسة ال من المليون.‬
‫ومن األحكام: أنه لو أوصى لشخص بشيء معين من ماله، مزرعة معينة، ثم قبل موت الموصى‬
  ‫أو بعده تلفت المزرعة، بطلت الوصية، وليس له حق بالمطالبة بقيمتها أو مثلها من باقي ماله،‬
                                                           ‫لزوال حقه بتلف ما أوصي له به.‬
‫هذه بعض أحكام الوصية، نسأل اهلل جل وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي‬
                             ‫ذلك والقادر عليه، نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه واتباع سنة نبيه .‬
                                                                ‫أقول هذا القول واستغفر. . .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
    ‫اعلموا أيها المسلمون: أنه يستحب للعبد أن يكتب وصية عامة، يوصى المسلم بها بنيه وأهله‬
                                                                       ‫ط‬
   ‫وأقاربه ومن سي ّلع على وصيته يوصيهم بتقوى اهلل تعالى، وطيب العمل يذكر فيها معتقده ثم‬
  ‫يوصى من بعده من أوالد وبنات وزوجة بشرائع اإلسالم وكليات العقيدة وخصال الخير العامة‬
                                                                        ‫ويحذرهم من ضدها.‬
      ‫وليس هناك صيغة ثابتة تكتب بها الوصايا، لكن من جملة ما وصى به بعض أئمة اإلسالم‬
                                   ‫وكتبوه، وذكرت في بعض الكتب أنه يوصي الرجل فيقول.‬
                                               ‫أوصى فالن بن فالن، وهو يشهد ………….‬
   ‫يشهد أال إله إال اهلل وحده ال شريك له. إلها واحدا. فردا صمدا. لم يتخذ صاحبة وال ولدا. ولم‬
  ‫يشرك في حكمه أحدا. ويشهد أن محمدا عبده ورسوله. أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على‬
‫الدين كله ولو كره المشركون، ويشهد أن عيسى عبد اهلل ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح‬
    ‫منه، والجنة حق وما أعده اهلل ألوليائه، والنار حق، وما أعده اهلل ألعدائه، وهو قد رضي باهلل‬
   ‫ربا، وباإلسالم دينا، وبمحمد صلى اهلل عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، على ذلك يحيى، وعليه‬
 ‫يموت إن شاء اهلل، ويشهد أن المالئكة حق، والنبيين حق، وأن الساعة آتية ال ريب فيها، وان اهلل‬
                                                                            ‫يبعث من في القبور.‬
    ‫فيا أيها األوالد، ويا أيها البنات وأنت أيتها الزوجة، وأنتم أيها األقارب واألرحام: إن اهلل كتب‬
                                                    ‫ي‬
  ‫الموت على بني آدم فهم ميتون، فأك َسهم أطوعهم لربه وأعملهم ليوم معاده، وهذه وصية مودع‬
 ‫ونصيحة مشفق، حسبي وحسبكم اهلل الذي لم يخلق الخلق همال، ولكن ليبلوكم أيكم أحسن عمال يا‬
‫بني إن اهلل اصطفى لكم الدين فال تموتن إال وأنتم مسلمون [البقرة:735]. يا بنى ال تشرك باهلل إن‬
 ‫الشرك لظلم عظيم [لقمان:35]. يا بني أقم الصلوة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على‬
 ‫ما أصابك إن ذلك من عزم األمور وال تصعر خدك للناس وال تمش في األرض مرحاً إن اهلل ال‬
     ‫يحب كل مختال فخور [لقمان:25-85]. أعظم فرائض اهلل بعد التوحيد: الصالة، اهلل اهلل في‬
   ‫الصالة، فإنها خاصة الملة، وأم العبادة، والزكاة أختها المالزمة، والصوم عبادة السر لمن يعلم‬
    ‫السر وأخفى، والحج مع االستطاعة ركن واجب، هذه عمد اإلسالم وفروضه، فحافظوا عليها‬
  ‫تعيشوا مبرورين وعلى من يناوئكم ظاهرين. وتلقوا ربكم غير مبدلين وال مغيرين. واسلكوا في‬
   ‫االعتقاد مسلك السلف الصالح وأئمة الدين، وال تخوضوا فيما كره السلف الخوض فيه، وعليكم‬
     ‫بالعلم النافع، فالعلم وسيلة النفوس الشريفة، وشريطة اإلخالص والخشية هلل مع الخيفة وخير‬
 ‫العلوم علوم الشريعة، اجتنبوا الفتن وأسبابها، وال تدخلوا في الخالف، والزموا الصدق فإنه شعار‬
   ‫المؤمنين، والكذب عورة ال توارى، وحافظوا على الحشمة والصيانة، فيها أيتها البنات والنساء‬
      ‫حافظوا خصوصا في هذا الزمان فإنه زمان قلة حياء ورقة دين وانتشار للمنكرات، وأوفوا‬
‫بالعهد، وابذلوا النصح، وال تبخسوا الناس أشياءهم، وال تطغوا في النعم، وال تنسوا الفضل بينكم،‬
     ‫وال تتنافسوا في الحظوظ السخيفة، وإذا أسديتم معروفا فال تذكروه، وإذا برز قبيح فاستروه،‬
     ‫وأصلحوا ذات بينكم، واحذروا الظلم، وصلوا األرحام، وأحسنوا إلى الجيران، واعرفوا حق‬
‫األكابر، وارحموا األصاغر، واحذروا التباغض والتحاسد، واعلموا أن جماع األمر تقوى اهلل كان‬
  ‫اهلل خليفتي عليكم في كل حال، وموعد االلتقاء دار البقاء، والسالم عليكم من حبيب مودع، واهلل‬
‫يجمع إذا شاء هذا الشمل المتصدع، ثم اعلموا بأن خير الحديث كتاب اهلل وخير الهدي هدي محمد‬
                                                   ‫وشر األمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. . .‬

‫(5/629)‬
                                                                     ‫النصارى وعام 0007م‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                        ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                       ‫أديان‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                      ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                      ‫الخبر‬
                                                                               ‫77/9/0715‬
                                                                                       ‫النور‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- االهتمام العالمي بدخول القرن الحادي والعشرين. 7- تغيير النصارى دين عيسى عليه السالم‬
                                               ‫ب‬
 ‫إلى الكفر. 3- تناقض النصارى واختالفاتهم و ُعد عقائدهم عن العقل والفكر السليم. 1- وعد اهلل‬
                                                              ‫ألمة اإلسالم بالنصر والتمكين.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
‫ستحتفل أمة النصارى هذه الليلة بعيد رأس السنة الميالدية، وسيكون لهذا العيد مذاق خاص عندهم‬
      ‫ألنه يوافق حد زعمهم نهاية األلفية الثانية. وقد سبق أن تحدثنا في عدد من الخطب عن هذه‬
                     ‫ذ‬
     ‫المناسبة وعن بعدها الديني والسياسي لدى كل من اليهود والنصارى، و ُكر بأنه عيد شركي‬
                                                                            ‫وض‬
‫باطل، و ُ ّح حكم مشاركة المسلم لهذه االحتفاالت بأي نوع من أنواع المشاركة، وأنه حرام وال‬
   ‫يجوز إضافة إلى ما يترتب على ذلك من تنازالت عقدية تمس معتقد المسلم. وفي معظم أنحاء‬
                       ‫ن‬
 ‫العالم سعت كثير من الدول إلعداد احتفاالت صاخبة لهذه المناسبة، وُصبت الساعات الرقمية في‬
     ‫أماكن بارزة ومرتفعة للعد التنازلي باليوم والساعة والدقيقة ليوافق منتصف الليل في الحادي‬
                    ‫والثالثين من ديسمبر عام 99م لتبدأ الدقيقة األولى من العام الجديد 0007م.‬
                       ‫ن‬     ‫ن‬
  ‫والمقصود أن العالم كله هذه الليلة إال من رحم ربي سيكونون في ح ّة ور ّة لهذه األلفية ما بين‬
                    ‫ض‬                       ‫ل‬
  ‫استعداد محموم لالحتفال وما بين تخوف من عّتها الحاسوبية والتي أق ّت مضاجع الحاسوبيين‬
 ‫بأسرهم ومن وراءهم ممن يتوكلون على األسباب وينسون رب األرباب ومسبب األسباب سبحانه‬
     ‫وتعالى. وهذا العيد وهذه االحتفاالت مع كونها تقوم على أسس باطلة شركية فسيكون فيه من‬
                                     ‫المنكرات والفواحش وشرب الخمر والزنا ما اهلل به عليم.‬
   ‫أيها المسلمون: من المسلمات أن ما كان أساسه باطل منحرف فهو باطل منحرف، فما هو دين‬
              ‫ا‬
       ‫النصارى الحالي الذي يعتقدون؟ وبماذا يؤمنون؟ سأذكر لكم في هذه العجالة طرفً من دين‬
     ‫النصارى لندرك بطالن وكفر هذا العيد وهذه االحتفاالت ألنه يقوم على معتقد شركي باطل.‬
               ‫حر‬
    ‫بعث اهلل عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم فجدد للنصارى الدين بعدما ُ ّف، وبين لهم‬
 ‫معالمه ودعاهم إلى عبادة اهلل وحده والتبري من تلك اآلراء الباطلة، فعاداه اليهود وكذبوه ورموه‬
     ‫وأمه بالعظائم وراموا قتله، فنجاه اهلل منهم ورفعه إليه فلم يصلوا إليه بسوء. وأقام اهلل تعالى‬
        ‫للمسيح أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه ودخل فيه الملوك‬
‫وانتشرت دعوته واستقام األمر على السداد بعده نحو ثالثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل‬
               ‫ا‬       ‫ك‬
   ‫والتغيير حتى تناسخ واضمحل ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء بل ر ّبوا دينً من المسيحية‬
                           ‫ي‬
       ‫ودين الفالسفة عباد األصنام، وراموا بذلك أن يتلطفوا لألمم حتى ُدخلوهم في النصرانية.‬
   ‫ومع هذا التغيير الذي حصل في دين النصرانية الصحيح الذي أنزله اهلل بقي مع أمة النصارى‬
  ‫بقايا من دين المسيح كالختان واالغتسال من الجنابة وتعظيم السبت وتحريم الخنزير وتحريم ما‬
    ‫حرمته التوراة ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا عنه يوم‬
   ‫األحد وتركوا الختان واالغتسال وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا هم إلى المشرق،‬
 ‫ولم يعظم المسيح عليه السالم صليباً قط فعظموا هم الصليب وعبدوه، فغير بذلك النصارى دينهم‬
      ‫وبدلوه، وأدخلوا في معتقداته أشياء وأمور فاسدة وألزموا كل نصراني أن يعتقدها من ذلك:‬
   ‫أن اهلل نزل من العرش عن كرسي عظمته ودخل في فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط‬
 ‫ا‬
 ‫بين البول والدم واألذى وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن ثم خرج من حيث دخل رضيعً‬
   ‫ي‬                                                       ‫ُف‬              ‫ا‬
‫صغيرً يمص الثدي، ول ّ في القمط وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط و ُحمل‬
   ‫على األيدي ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه‬
                                  ‫ر‬                   ‫م‬             ‫ال‬
‫وصلبوه وألبسوه إكلي ً من الشوك وس ّروا يديه ورجليه وج ّعوه أعظم اآلالم، هذا هو اإلله الذي‬
‫يعبده النصارى سبحانه وتعالى عما يقوله النصارى الضالون علواً كبيرا. ولعمر اهلل إن هذه مسبة‬
     ‫هلل سبحانه وتعالى ما سبه أحد من البشر قبلهم وال بعدهم تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق‬
                                                             ‫د‬
   ‫األرض وتخر الجبال ه ّاً روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال: قال‬
        ‫ذ‬
 ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((قال اهلل تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وك ّبني ابن‬
                                        ‫ا‬
 ‫آدم وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله اتخذ اهلل ولدً، وأنا األحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد‬
                                                       ‫ي‬
    ‫ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذيبه إ ّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون‬
                                                                                  ‫ي‬
‫عل ّ من إعادته)) قال عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه في النصارى: "أهينوهم وال تظلموهم، فلقد‬
                                           ‫سبوا اهلل عز وجل مسبة ما سبه إياها أحد من البشر".‬
    ‫وأما اعتقاد النصارى في األنبياء فإنهم يعتقدون أن أرواح األنبياء كانت في الجحيم في سجن‬
‫إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح، فكان إبراهيم وموسى ونوح وصالح وهود معذبين مسجونين‬
 ‫في النار بسبب خطيئة آدم عليه السالم وأكله من الشجرة وكان كلما مات واحد من بني آدم أخذه‬
                                                               ‫إبليس وسجنه في النار بذنب أبيه.‬
  ‫ومن المتناقضات أن النصارى أنفسهم متفرقون في اعتقاداتهم وليسوا على دين واحد، فلو سألت‬
  ‫أهل البيت الواحد عن ربهم ألجابك الرجل بجواب وامرأته بجواب وابنه بجواب والخادم بجواب‬
            ‫فما ظنك بمن في عصرنا هذا وهم نخالة الماضين وزبالة الغابرين ونفاية المتحيرين.‬
 ‫إنه لمن العجب أنك تجد بعض النصارى قد بلغ في العلوم الدنيوية حداً عظيماً فقد يكون من كبار‬
                                                ‫ا‬
 ‫األطباء أو المهندسين أو مستشاراً أو خبيرً وقد جمع من العلوم والشهادات كل مجمع، ولو سألته‬
 ‫عن ربه واعتقاده لوجدته أجهل من حمار أهله. فتتعجب ممن هذا عقله كيف ال يتأمل في دينه أو‬
  ‫يفكر في معتقده وكيف يمكن أن يقبل بأن ربه الذي يعبده قد دخل في فرج امرأة بعد ما كان في‬
  ‫السماء ثم ولد من جديد فأي عقول هذه؟ المصيبة أن هذه العقول هي التي تمسك بسياسات العالم‬
   ‫اليوم، وأن من يحمل هذه االعتقادات الممجوجة هم الذين يوجهون الدول في الغالب وهم الذين‬
                                 ‫يديرون الدفة وقراراتهم هي التي تنفذ وخططهم هي التي تطبق.‬
‫ال نقاش بأن هذه العقول بهذه التصورات الحقيرة واالعتقادات الباطلة غير مؤهلة لكي تقود نفسها‬
‫فضالً عن أن تقود غيرها، وما نكد البشرية وشقائها اليوم إال لتغلب أمثال هذه العقول على األمور‬
    ‫لسبب أو آلخر. نعم إذا غاب االسالم الحقيقي عن الساحة فال عجب وال غرابة أن يحل محله‬
‫نفايات األذهان وخرافات العقول وزباالت األفكار، إذا تخلى المسلمون عن دورهم في نشر العقيدة‬
  ‫الصحيحة الصافية في كل األرض فمن الطبيعي أن يحل محله العقائد الباطلة، إلى أن يقيض اهلل‬
   ‫لهذه األمة من يعيد لها مكانتها وقيادتها للبشرية وهذا حاصل بإذن اهلل، فإن المستقبل لهذا الدين‬
   ‫والمستقبل لالسالم كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى اهلل عليه وسلم في غير ما حديث‬
  ‫((ليبلغن هذا األمر ما بلغ الليل والنهار وال يترك اهلل بيت مدر وال وبر إال أدخله اهلل هذا الدين،‬
 ‫بعز عزيز وذل ذليل، عزاً يعز اهلل به اإلسالم وأهله، وذالً يذل اهلل به الكفر وأهله)) وفي صحيح‬
 ‫مسلم يقول صلى اهلل عليه وسلم: ((إن اهلل زوى لي األرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي‬
 ‫سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)) قال اهلل تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره‬
     ‫على الدين كله ولو كره المشركون تبشرنا هذه اآلية بأن المستقبل لالسالم بسيطرته وظهوره‬
 ‫وحكمه على األديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى اهلل عليه وسلم‬
  ‫وعهد خلفاءه الراشدين والملوك الصالحين وليس األمر كذلك فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا‬
  ‫الوعد الصادق كما أشار إلى ذلك النبي صلى اهلل عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم في صحيحه:‬
 ‫((ال يذهب الليل والنهار حتى تعبد الالت والعزى فقالت عائشة رضي اهلل عنها: يا رسول اهلل إن‬
  ‫كنت ألظن حين أنزل اهلل هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو‬
                                                                 ‫ا‬
‫كره المشركون أن ذلك تامً فقال صلى اهلل عليه وسلم: إنه سيكون من ذلك ما شاء اهلل)). فالجولة‬
                                               ‫األخيرة سيكون لالسالم وأهله بإذن اهلل عز وجل.‬
   ‫أيها المسلمون: هذا طرف مما تعتقد األمة النصرانية اليوم وعلى هذا المعتقد وغيره سيحتفلون‬
   ‫هذه الليلة أخزاهم اهلل. وإننا في هذه األيام المباركة من أيام رمضان بل وفي أفضل لياليه وهي‬
‫ليالي العشر فإنني أذكر نفسي وأذكر إخواني بأن ال ننشغل بهذه التفاهات كما انشغل به غيرنا وأن‬
   ‫ال نضيع دقيقة من الليل في متابعة هذه األحداث التي ال تهمنا ال من قريب وال بعيد. فنحن في‬
                                   ‫أيام فاضلة وإضاعتها في غير تكثيف العبادة سفه وخسران.‬
                       ‫نفعني اهلل وإياكم بهدي كتابه واتباع سنة نبينا محمد صلى اهلل عليه وسلم.‬
                                                               ‫أقول هذا القول وأستغفر اهلل. .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫قال ابن القيم رحمه اهلل وهو يحاور النصارى ويناقشهم في اعتقادهم في اهلل عز وجل ويوجه لهم‬
        ‫بعض األسئلة التي ال يمكن لهم االجابة عنها إال بالتخلي عن اعتقادهم فيقول رحمه اهلل :‬
                                                                        ‫نريد جوابه ممن وعاه‬
                                                                         ‫أماتوه فما هذا اإلله؟‬
                                                                     ‫فبشراهم إذا نالوا رضاه؟‬
                                                                                         ‫و‬
                                                                       ‫فق ّتهم إذا أوهت قواه؟‬
                                                                    ‫سميع يستجيب لمن دعاه؟‬
                                                                 ‫ثوى تحت التراب وقد عاله؟‬
                                                                              ‫س‬
                                                                     ‫يدبرها وقد ُمرت يداه؟‬
                                                                                    ‫م‬
                                                                    ‫بنصره ُ وقد سمعوا بكاه؟‬
                                                                               ‫ُد‬
                                                                     ‫اإلله الحق ش ّ على قفاه؟‬
                                                                                    ‫ي‬
                                                                          ‫يخالطه و َلحقه أذاه؟‬
                                                                 ‫وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟‬
                                                                      ‫أم المحي له رب سواه؟‬
                                                                            ‫ن‬
                                                                   ‫وأعجب منه بط ٌ قد حواه؟‬
                                                                     ‫َ‬
                                                                 ‫لدى الظلمات من حيضٍ غذَاه‬
                                                                                         ‫ً‬
                                                                        ‫ضعيفا فاتحاً للثدي فاه‬
                                                                       ‫بالزم ذاك هل هذا إله؟‬
                                                                                           ‫ي‬
                                                                       ‫س ُسأل كلهمْ عما افتراه‬
                                                                                ‫يب‬       ‫يظ‬
                                                                      ‫ُع ّم أو ُق ّح من رماه؟‬
                                                                       ‫وإحراقٍ له ولمن بغاه؟‬
            ‫ر‬        ‫شد‬
       ‫وقد ُ ّت لتسمي ٍ يداه‬
                ‫د ُ ب ه‬
        ‫ف ُسْه ال ت ُس ُ إذ تراه‬
           ‫م ع‬
        ‫وتعبده فإنك ِن ِداه‬
   ‫حوى رب العباد وقد عاله‬
           ‫ال ك س‬
        ‫له شك ً تذ ّرنا َناه‬
       ‫ح‬     ‫ب‬
   ‫لضم القبر ر َك في َشاه؟‬
         ‫بدايته وهذا منتهاه..‬
                        ‫ب‬
      ‫أع ّاد المسيح لنا سؤال‬
     ‫إذا مات اإلله بصنع قوم‬
    ‫وهل أرضاه ما نالوه منه‬
   ‫وإن سخط الذي فعلوه فيه‬
     ‫وهل بقي الوجود بال إله‬
  ‫وهل خلت الطباق السبع لما‬
    ‫وهل خلت العوالم من إله‬
                ‫ل‬
   ‫وكيف تخّت األمالك عنه‬
 ‫وكيف أطاقت الخشبات حمل‬
   ‫وكيف دنا الحديد إليه حتى‬
       ‫ع‬
    ‫وكيف تمكنت أيدي ِداه‬
   ‫وهل عاد المسيح إلى حياة‬
      ‫ّ ا‬
      ‫ويا عجباً لقبرٍ ضم ربً‬
   ‫ر‬
   ‫أقام هناك تسعاً من شهو ٍ‬
  ‫وشق الفر َ مولوداً صغيرً‬
  ‫ا‬             ‫ج‬
      ‫ويأكل ويشرب ثم يأتي‬
 ‫تعالى اهلل عن إفك النصارى‬
    ‫ي ى‬                 ‫ب‬
    ‫أع ّاد الصليب أل ّ معن ّ‬
‫وهل تقضي العقول بغير كس ٍ‬
‫ر‬
    ‫ا‬
    ‫إذا ركب اإلله عليه كرهً‬
   ‫ا‬
   ‫فذاك المركب الملعون حقً‬
   ‫يهان عليه ر ُّ الخلق ُرً‬
   ‫ط ا‬       ‫َب‬
                   ‫ظ‬
   ‫فإن ع ّمته من أجل أن قد‬
                      ‫ف‬
   ‫وقد ُقد الصليب فإن رأينا‬
                                                                   ‫ج ط ا‬               ‫ال‬
                                                                   ‫فه ّ للقبور سَ َدْتَ ُرً‬
                                                                   ‫فيا عبد المسيح أفق فهذا‬

‫(5/229)‬




                                                                        ‫هكذا كان الصحابة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                        ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                  ‫الصحابة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                   ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                     ‫الخبر‬
                                                                               ‫7/6/8515‬
                                                                                     ‫النور‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫5- سمى الصحابة ببذلهم وإخالصهم هلل. 7- بذل صهيب الرومي. 3- بذل الصحابة في الخندق‬
  ‫، وعظيم استجابتهم في بدر. 1- محبة زيد بن الدثنة لرسول اهلل. 1- تضحية خبيب بن عدي.‬
    ‫6- امرأة من بني دنار تفقد زوجها وأباها وأخاها ثم تقدم محبة رسول اهلل على ذلك كله. 2-‬
          ‫تآخي المهاجرين واألنصار. 8- حقد الرافضة على الصحابة طعن في أصول اإلسالم.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
   ‫الصحابة رضي اهلل عنهم، هم صدارة هذه البشرية بعد األنبياء والرسل، تحقق فيهم رضي اهلل‬
‫عنهم ما لم يتحقق في غيرهم من بدء الخليقة، ولن يتحقق في غيرهم حتى قيام الساعة. إن عوامل‬
 ‫الخير تجمعت فيهم ما لم يتجمع في جيل قبلهم ولن يتجمع في جيل بعدهم، فهم بحق كما وصفهم‬
                           ‫صاحب الظالل رحمة اهلل تعالى عليه في معالمه، جيل قرآني فريد.‬
  ‫كان لهم من الشرف والكرامة عند اهلل جل وعال ما ليس لغيرهم، لماذا هذا الشرف؟ ولماذا هذه‬
  ‫الكرامة؟ هل تدرون لماذا أيها األحبة: ألنهم أخلصوا دينهم هلل، وجردوا متابعتهم لرسوله صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم على التمام والكمال ودافعوا عنه في جميع األحوال، لقد هان عليهم في سبيل هذا‬
‫الدين األموال واألرواح والدماء، غادروا األوطان وهي عزيزة عليهم، راضين مختارين، تاركين‬
‫ورائهم كل شيء، والعجيب في تضحية أولئك الرجال، أن مغادرتهم وذهابهم كان إلى أراضيٍ ال‬
‫عهد لهم بها، ال يعرفون شيئاً عن تلك البالد التي ذهبوا إليها، ذهبوا إلى أمم ال نسب لهم بها، وال‬
     ‫ألفة بينهم وبين أهلها ومكثوا وراء البحر في بالد الحبشة، سنين وأعواماً حتى أعز اهلل دينه،‬
 ‫ونصر جنده، وأعلى كلمته خرجوا من مكة مهاجرين إلى المدينة، كل على قدر حاله وقوته، إما‬
                                                                    ‫ا‬           ‫ا‬
  ‫سرً وإما إعالنً، وكان من جملة المهاجرين من مكة صهيب الرومي رضي اهلل عنه، تبعه نفر‬
     ‫من قريش فقالوا له: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا، فبلغت ما بلغت ثم تنطلق بنفسك‬
   ‫ومالك؟ واهلل ال يكون ذلك. فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد‬
                                                              ‫ال‬
   ‫علمتم أني من أرماكم رج ً، وأيم اهلل ال تصلون إلى حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم‬
  ‫أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم‬
‫سبيلي قالوا: نعم، ففعل، فلما قدم على النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ربح البيع أبا يحيى، ربح‬
‫البيع)) فنزل قول اهلل تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اهلل واهلل رؤوف بالعباد.‬
             ‫هكذا كانوا رضي اهلل عنهم إذا طمع غيرهم في المال والمتاع، جعلوه فداءً لعقيدتهم.‬
‫وأما دفاعهم وذبهم رضي اهلل عنهم، عن نبيهم، واسترخاصهم كل شيء في سبيل ذلك فقد نوه اهلل‬
   ‫عز وجل بذلك، وسجله لهم في كتابه العزيز بقوله: ولما رأى المؤمنون األحزاب قالوا هذا ما‬
        ‫ل‬                 ‫ا‬
  ‫وعدنا اهلل ورسوله وصدق اهلل ورسوله وما زادهم إال إيماناً وتسليمً من المؤمنين رجا ٌ صدقوا‬
                     ‫ال‬
                    ‫ما عاهدوا اهلل عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبدي ً.‬
    ‫لقد حفظت لنا كتب السيرة والتواريخ ما أجاب به المهاجرون واألنصار النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم، من القول الدال على عظيم استجابتهم هلل ولرسوله في غزوة بدر لما القوا العدو على غير‬
        ‫ي‬                   ‫ً‬
   ‫ميعاد وغير استعداد، قام فيهم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم خطيبا فقال: ((أشيروا عل ّ أيها‬
‫الناس، فقام الصديق فقال وأحسن القول، ثم قام عمر فقال وأحسن القول، ثم قام المقداد بن عمرو‬
      ‫فقال: يا رسول اهلل: امض لما أراك اهلل فنحن معك، واهلل ال نقول لك كما قالت بنو اسرائيل‬
       ‫لموسى: اذهب أنت وربك فقاتال إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتال، إنا معكما‬
‫مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لوسرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه ثم قام سعد‬
  ‫بن معاذ، فقال، واهلل لكأنك تريدنا يا رسول اهلل؟ قال: "أجل" قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا‬
   ‫أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا‬
       ‫رسول اهلل لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته‬
‫لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب،‬
    ‫صدق في اللقاء، ولعل اهلل يريك منا ما تقر به عينك، فسِر بنا على بركة اهلل، فسر رسول اهلل‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم ثم قال: سيروا وأبشروا فإن اهلل تعالى وعدني إحدى الطائفتين، واهلل لكأني‬
                                                                 ‫أنظر إلى مصارع القوم)).‬
  ‫وإذا تأمل اإلنسان مساومة قريش لزيد بن الدثنة، عندما أخرجته قريش من مكة لتقتله في الحل،‬
  ‫بعد أن أسر هو وخبيب بن عدي يوم الرجيع، أي رأى صالبة الصحابة في الدين، وحبهم للنبي‬
                                                 ‫ل‬               ‫ل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم، ولتمّكه العجب كما تمّك أبا سفيان بن حرب، فإنه قال لزيد بن الدثنة عندما‬
                                                                                      ‫ُد‬
‫ق ّم ليقتل: أنشدك اهلل يا زيد أتحب أن محمداً عندنا اآلن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟‬
  ‫قال: واهلل ما أحب أن محمداً اآلن في مكانه الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في‬
           ‫ا‬                               ‫ا‬
          ‫أهلي، قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمدً.‬
                 ‫ا‬
‫أما خبيب بن عدي رضي اهلل عنه ، فعندما أراد مشركو مكة قتله، سطر أبيانً تكتب بماء الذهب،‬
                                  ‫ال‬
                                 ‫طلب منهم أن يصلي ركعتين، فعندما صلى التفت إليهم قائ ً:‬
                                                                      ‫واستجمعوا كل ُجم ِ‬
                                                                      ‫م ع‬
                                                                                   ‫ى‬
                                                               ‫عل ّ ألني في وصالٍ بمضبع‬
                                                                                   ‫ق‬
                                                               ‫و ُربت من جذع طويل ممنع‬
                                                      ‫وما أرصد األحزاب لي عند مصرعي‬
                                                         ‫فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي‬
                                                          ‫وقد هملت عيناني من غير مجزع‬
                                                                ‫ولكن حذاري جسم نار ملفح‬
                                                         ‫على أي جنب كان في اهلل مصرعي‬
                                                               ‫يبارك لي أوصال شلو ممزع‬
                                                             ‫وال جزعاً إني إلى اهلل مرجعي‬
                                                       ‫لقد جمع األحزاب حولي وألبوا قبائلهم‬
                                                                  ‫د‬
                                                                  ‫وكلهم مبدي العداوة جاه ٌ‬
                                                                 ‫وقد جمعوا أبنائهم ونسائهم‬
                                                             ‫إلى اهلل أشكو غربتي ثم كربتي‬
                                                            ‫فيارب صبرني على ما يراد بي‬
                                                            ‫وقد خيروني الكفر والموت دونه‬
                                                             ‫وما بي حذار الموت إني لميت‬
                                                               ‫ا‬
                                                               ‫ولست أبالي حين أقتل مسلمً‬
                                                                ‫وذلك في ذات اإلله وإن يشأ‬
                                                                   ‫ا‬
                                                                   ‫ولست بمبد للعدو تخشعً‬
    ‫أيها األحبة: وليس هذا التفاني واإلخالص أحرزه الرجال دون النساء، بل كانوا جميعاً سواء،‬
   ‫يتسابقون في مرضاة اهلل ورسوله، ويتهافتون على حياض الموت في سبيل اهلل، وما قصة تلك‬
  ‫المرأة من بني دينار التي أصيب زوجها وأخوها وأبوها في غزوة أحد، فلما جاءها نعيهم، ماذا‬
      ‫فعلت، وماذا قالت؟ قالت: ما فعل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، إنه ال يهمها زوجها وال‬
‫أخوها وال أبوها، إنها ال تسأل إال عن رسولها صلى اهلل عليه وسلم. فطلبت أن تراه لكي تطمئن،‬
 ‫فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، أي ال شيء. أي بشر كان هؤالء، أنهم وال شك بشر لكن‬
                                                                                          ‫ب‬
                                                                                ‫عج ٌ من البشر.‬
   ‫وأما بذلهم للمال والمتاع، فواهلل الذي ال إله إال هو لم تشهد األرض في مسيرة بني آدم الطويلة‬
      ‫عليها أن توارث قوم فيما بينهم من غير قرابة وال رابطة دم، وعن طواعية واختيار إال في‬
‫أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، ولم تتفجر ينابيع السخاء والكرم في أمة من األمم، كما‬
‫تفجرت في جيل الصحابة، ولذلك استحقوا ثناء اهلل عز وجل عليهم، الذي تتلوه األلسنة على الدوام‬
     ‫وعلى مر السنين واألعوام: والذين تبوأو الدار واإليمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم وال‬
‫يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح‬
                                                                      ‫نفسه فأولئك هم المفلحون.‬
  ‫إن الصحابة رضي اهلل عنهم هم أعالم الفضيلة، ودعاة الهداية، هم الذين حملوا نور اإلسالم في‬
     ‫أنحاء المعمورة، بهم أنقذ اهلل البشرية من أغالل الوثنية، أرسوا قواعد الحق والخير والعدل،‬
 ‫نشروا كلمة اهلل حتى علت في األرض، ورفرف علم اإلسالم في اآلفاق. لقد بذلوا في سبيل ذلك‬
                                  ‫ال‬
‫قصارى جهدهم، سهروا من أجل تبليغ كلمة اهلل، ونشرها لي ً ونهاراً، دون ملل أو كلل، بل كانوا‬
                                  ‫ض‬
  ‫كما أخبر اهلل عنهم: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اهلل وما َعفوا وما استكانوا. لم يميلوا إلى‬
        ‫دعة وال أخلدوا إلى راحة، ولم تغرهم الحياة الدنيا بزخارفها، وبهرجها، ضحوا بكل غال‬
                              ‫ورخيص لكي يخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.‬
‫هؤالء هم الصحابة أيها األحبة، بشر كما قلت لكن عجب من البشر، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا‬
‫االجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آالء اهلل، واستقر دينه، ووضحت‬
    ‫أعالمه، فأذل اهلل بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، حتى صارت كلمة اهلل هي العليا‬
   ‫وكلمة الذين كفروا السفلى، فرضوان اهلل ورحمته على تلك النفوس الزكية، واألرواح الطاهرة‬
  ‫العالية، فقد كانوا في الحياة هلل أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد اهلل نصحاء، رحلوا‬
                                ‫إلى اآلخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها.‬
                                    ‫ً‬
     ‫يقول عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب‬
                     ‫ا‬             ‫ا‬
  ‫محمد صلى اهلل عليه وسلم ، كانوا خير هذه األمة، أبرها قلوبً، وأعمقها علمً، وأقلها تكلفا، قوم‬
     ‫اختارهم اهلل لصحبة نبيه صلى اهلل عليه وسلم. ونقل دينه، فتشبهوا بأخالقهم وطرائقهم، منهم‬
                                ‫أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم. وكانوا على الهدى المستقيم.‬
                               ‫اللهم صل على محمد، وارضى اهلل عن خلفائه األربعة أبو بكر. .‬
                                                                  ‫وعن سائر الصحابة والتابعين.‬
                                                                           ‫أقول هذا القول. .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
     ‫الصحابة هم علماء األمة، وهم أعلم الناس، بل إن من جاء بعدهم من علماء األمة تالميذهم،‬
 ‫فهؤالء األئمة األربعة الذين طبق علمهم األرض شرقاً وغرباً هم تالميذ تالميذهم، ألنهم حرصوا‬
 ‫على مالزمة النبي صلى اهلل عليه وسلم حتى أخذوا عنه الكتاب والسنة، ثم بلغوهما إلى من جاء‬
   ‫بعدهم، من غير زيادة وال نقصان، إذاً هم الواسطة بين الرسول صلى اهلل عليه وسلم وبين كل‬
 ‫األمة ممن جاء بعدهم. فمن قدح في تلك الواسطة فقد قدح في الدين، إذ القدح في الناقل قدح في‬
 ‫المنقول، ما بالكم إذا تعدى األمر إلى السب والتفسيق بل والتكفير يقول عليه الصالة والسالم كما‬
‫ُد‬
‫في البخاري: ((ال تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك م ّ‬
  ‫أحدهم وال نصيفه)) ثم يأتي من دينهم سب الصحابة، وعقيدتهم الطعن في الصحابة، وملتهم أن‬
  ‫يجعلوا الصحابة غرضاً لمطاعنهم القبيحة، فامتألت قلوبهم بالغل والكراهية والحقد لهم، وترتب‬
  ‫على هذا أنهم لم يقبلوا أي شيء جاء عن طريقهم، فتكون النتيجة الطبيعية أن يخترعوا ألنفسهم‬
                                                                                  ‫ا‬
     ‫ديناً جديدً من عقولهم، بعيداً كل البعد عن اإلسالم الذي أنزله اهلل على محمد صلى اهلل عليه‬
                                                                                       ‫وسلم.‬
                                                                                   ‫ب‬
‫عج ٌ واهلل، كيف يطعن في أناس اختارهم اهلل أن يكونوا هم جلساء الرسول صلى اهلل عليه وسلم.‬
                       ‫وهم ثلته وجماعته. الذين يرافقونه في سفره وإقامته، وفي ذهابه ومجيئه.‬
       ‫إن هؤالء القوم وصل بهم القبح والوقاحة والبعد عن اإلسالم أنهم طعنوا حتى في زوجته.‬
‫هل تدرون أيها األحبة ما يعني هذا؟ إنه طعن في الرسالة نفسها، وطعن ومسبة للرسول صلى اهلل‬
                                                                            ‫عليه وسلم نفسه.‬
          ‫ولنا عودة إلى هذا الموضوع، وإلى هذه الطائفة بشيء من التفصيل من تاريخهم األسود،‬
                                                         ‫ومواقفهم السفيهة ومعتقداتهم الباطلة.‬
                           ‫اللهم ارض عن الصحابة أجمعين، وباألخص منهم أبو بكر وعمر. .‬

‫(5/829)‬




                                                                   ‫وقفات مع استقبال الدراسة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                            ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                      ‫األبناء‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                     ‫ناصر بن محمد األحمد‬
                                                                                      ‫الخبر‬
                                                                              ‫35/1/9515‬
                                                                                       ‫النور‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- صور في ضياع األبناء وتقصير اآلباء في اإلجازة. 7- صور أخرى ألبناء أقبلوا على اهلل‬
 ‫خالل إجازة الصيف. 3- تقديم البعض الدراسة على فروض اهلل. 1-منكرات يجب تداركها في‬
                                                                 ‫بداية العام الدراسي الجديد.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
‫تعيش قطاعات كبيرة من مجتمعنا هذه األيام حالة استنفار ملحوظة حيث يستقبل الناس العودة الى‬
  ‫المدارس والكليات والمعاهد والجامعات، وهذه الظاهرة تتكرر كل عام، وال بد لنا أن نقف معها‬
                                                                                    ‫وقفات:‬
                           ‫الوقفة األولى: ماذا حدث في اإلجازة؟ وكيف قضاها أبناؤنا وبناتنا؟‬
                                                             ‫سج‬
   ‫اعلم أيها المسلم أنه قد ُ ّل في صحائف أعمالك نتائج المسؤلية الملقاة على عاتقك من خالل‬
  ‫ي‬
  ‫حديث النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) فتأمل أيها المسلم أ ّ‬
   ‫رصيد من الخير جنته رعيتك؟ أم أن األمر خالف ذلك كما حدث مع األسف الشديد حيث كان‬
‫يعيش كثير من الشباب والشابات في اإلجازة حياة بائسة، سهر في الليل وال ينامون إال بعد طلوع‬
    ‫الشمس، وياليته سهر على مباح، ولكنه سهر على القنوات الفضائية التي تفسد القلوب وتلوث‬
                                         ‫ة‬
‫األخالق. كان نتاجه على مستوى الشباب مجموع ً من االنحرافات األخالقية والسلوكية، كقصات‬
  ‫الشعر القبيحة، التخفيف من األطراف السفلية، والتكثيف من األعلى، ولبس بعض األشياء التي‬
                                            ‫ا‬
    ‫يستحي المسلم من وصفها، مقلدين في ذلك أقوامً من الكفرة الذين اليحسنون إال خداع هؤالء‬
                                              ‫ً‬
                            ‫الشباب المساكين الذين رضوا بأن يكونوا أذنابا ألولئك المنتكسين.‬
                                                       ‫م‬
‫وأما على مستوى البنات فاله ّ أعظم، والخطب أخطر، حيث صارت كثير من البنات اليفكرن إال‬
  ‫في تقليد الكافرات والعاهرات والممثالت والراقصات، وواهلل لوال أن مجتمعنا فيه بقية من حياء‬
                                                              ‫لرأينا ما يجعل الحليم حيرانا.‬
               ‫ي‬
  ‫وإن نظرة واحدة على البضائع النسائية في سوق األلبسة يعلمك أيها المسلم أ ّ مدى وصل إليه‬
    ‫نساؤنا وبناتنا، فأكثر السلع اآلن في األسواق هي من القصير الذي ربما لم يصل إلى الركبة،‬
 ‫وبعضها أسفل الركبة بقليل، وصارت الفتحات ذات اليمين وذات الشمال في أكثر الملبوسات، أما‬
‫البنطلونات للنساء فحدث وال حرج مما يتعجب منه المسلم ويستغرب حدوثه في مثل هذا المجتمع،‬
    ‫واألغرب منه هو رضى كثير من أولياء األمور الطيبين الصالحين المصلين من لبس نسائهم‬
                                                                          ‫وبناتهم البنطلونات.‬
   ‫وأما العباءات التي هي أصالً للستر صار الباعة يتفننون في تطريزها واختراع الموديل الجديد‬
                                                                        ‫ي‬
   ‫لها، فأي ستر ُبحث من وراء عباءات الكتف وغيرها، التي ربما زادت المرأة فتنة على فتنة،‬
    ‫واألمر قد يزيد خطره ما دام أولياء األمور مشغولين بل أقول ممسوخين ألنهم اليعرفون عن‬
                                       ‫بناتهم شيئاً إال أنها تخرج مع السائق وإلى اهلل المشتكى.‬
     ‫سج‬                           ‫ا‬
   ‫أيها المسلمون: هنيئاً لكل أب وأم ممن رزقهم اهلل أوالدً صالحين وبنات صالحات، فقد ُ ّلت‬
‫الحسنات في صحيفة كل والدين إن شاء اهلل تعالى كان ولدهما ممن يثني ركبتيه في حلقات العلم،‬
 ‫السيما الدروس العلمية التي أشرف عليها مركز الدعوة واالرشاد مشكورةً، فكان مجموعات من‬
  ‫الشباب المقبل على اهلل يتزاحمون على أبواب المساجد راغبين في العلم واألجر، مهدين ألهليهم‬
  ‫ووالديهم مثل أجورهم، فشكر اهلل لهؤالء الشباب صنيعهم. وشكر اهلل للمشايخ المشاركين جهدهم‬
                                                                                     ‫وعنائهم.‬
                         ‫ذ‬                    ‫ا‬
     ‫ويا خسارة كل أب وأم ممن رزقهم اهلل أوالدً وبناتاً على عكس ما ُكر، فقد يكون قد سجلت‬
  ‫السيئات في صحيفة كل والدين ممن كان أوالدهم ممن يسهرون حتى الصباح، ومعظم ليلهم في‬
                                                      ‫م‬
                               ‫المطاعم واألسواق وأماكن الفساد، مح ّلين أهليهم مثل أوزارهم.‬
  ‫أيها األخوة في اهلل: قد ال ينفع اآلن التحسر على ما مضى من اإلجازة، والمقصود لنا جميعاً أن‬
    ‫يحاسب كل واحد منا نفسه ماذا صنع في اإلجازة؟ وماذا صنع أهله وأوالده؟ وليس المراد هو‬
   ‫مجرد المحاسبة، ولكن المراد هو االستفادة من األخطاء وتدارك المستقبل وتصحيح األوضاع.‬
‫الوقفة الثانية: مع صبيحة أول يوم من الدراسة تزدحم الشوارع بالسيارات التي يقودها في الغالب‬
 ‫السائقون، وربما قادها ولي األمر نفسه، وسيحدث استنفار عام في المملكة غداً صباحاً، ويتساءل‬
                                                  ‫المسلم كيف استيقظ هؤالء؟ ومن أجل ماذا ؟‬
                                                 ‫ا‬                    ‫ال‬
    ‫نعم: لقد استيقظوا رجا ً ونساءً، شيباً وشبابً وأطفاالً من أجل الدراسة. وهذا في حد ذاته أمر‬
‫حسن، ولكن أين هؤالء الشباب والرجال عن حضور الصلوات، لقد كان كثير من اآلباء واألمهات‬
            ‫ال‬
    ‫إلى هذا اليوم، وهو آخر يوم من االجازة، يشتكون من أوالدهم أنهم اليستيقظون إ ّ - وبدون‬
                            ‫ا‬
        ‫مبالغة - قرب العصر أو بعد العصر أحياناً، فكيف سيستيقظون غدً؟ وماذا سيفعل اآلباء‬
                                                       ‫واألمهات؟ سيتغير الحال في يوم وليلة.‬
      ‫د‬
     ‫فما هو السر؟ إنه ليس سر، وليس هناك أسرار، إنه الحرص والحرص على الدنيا، لقد ق ّس‬
    ‫بعض المسلمين الدراسة أكثر من تقديسهم للصالة، التي هي فرض بإجماع المسلمين، هذا هو‬
                                                                                 ‫ي‬
 ‫السر. أ ّ معنى أيها المسلم لإلسالم الذي تدعيه وأنت لم تتكدر طوال اإلجازة عندما كان أوالدك‬
‫البالغين ينامون عن صالة الفجر ويتخلفون عن غيرها عن المساجد، وأنت أنت بنفسك غداً ستعمل‬
                                                     ‫المستحيل حتى توقظهم من أجل المدرسة.‬
 ‫نقولها أيها األخوة بكل صراحة ووضوح وال أحد يزعل: أن الدراسة أصبحت عند من هذا حاله‬
   ‫مقدمة على طاعة اهلل جل جالله. لكن الذي قد يخفى على البعض، هل تدرون ما حكم هذا في‬
 ‫الشرع؟ حكمه: أن الدراسة إذا قدمت على طاعة اهلل واحتلت المرتبة األولى في اهتمام المسلمين‬
       ‫ذ‬
 ‫على حساب أعظم شيء من األعمال، وهو الصالة كما هو واقع اليوم، فإن الدراسة حين ٍ ستكون‬
                                                                                       ‫ا‬
                                                                     ‫طاغوتً يعبد من دون اهلل.‬
      ‫إن األمر أيها األحبة يحتاج منا إلى تفكر وتأمل، فإن اهلل يمهل وال يهمل، والعاقل من وعظ‬
   ‫بغيره، فلماذا ال نحرص على الدين وعلى طاعة اهلل وعلى إصالح أبنائنا كما نحرص من أجل‬
‫الدراسة؟ ولماذا يتغير وجه ولي األمر إذا جاءه الخبر أن أحد أوالده قد رسب في أحد المواد، وال‬
                       ‫ال‬
 ‫يتغير وجهه بل وال يهمه أن يرى أبناءه يشاهدون فلماً خليعاً أو مسلس ً ماجناً أو حتى يشاهدون‬
   ‫مباراة لكرة القدم، فيؤذن المؤذن للصالة ويصلي المسلمون، بل ربما خرج الوالد بنفسه وصلى‬
 ‫مع الناس، ويخرجون من المسجد وأوالده كاألصنام لم يتحركوا؟ لماذا لم يتغير الوجه هنا وتغير‬
    ‫هناك؟ الجواب أتركه لك أيها الوالد الكريم. لكن أنا متأكد أني أتفق أنا وأنت بأن هذا األمر ال‬
 ‫يرضى به إال من ضعف يقينه باهلل، واستهان بمحارم اهلل، كما أتفق معك بأن باب التوبة مفتوح،‬
                             ‫وأن التوبة تلغي ما قبلها من السيئات. إن الحسنات يذهبن السيئات.‬
             ‫ا‬             ‫ً‬
            ‫أيها المسلمون: يجب علينا تدارك المنكرات اآلتية: ونحن نستقبل عاما دراسياً جديدً:‬
                                                                                  ‫ال‬
  ‫أو ً: عدم االستيقاظ لصالة الفجر والتفريط في ذلك من قبل بعض الطالب والطالبات، وقد ورد‬
     ‫من الوعيد للذي يترك صالة الفجر في وقتها ما تقشعر منه األبدان، وتخافه القلوب المؤمنة.‬
                                                                                   ‫ا‬
  ‫ثانيً: يجب على أولياء األمور أن يتابعوا أوالدهم في أثناء الدراسة وأن يحرصوا على الصحبة‬
  ‫الطيبة ألوالدهم وبناتهم، فمن اإلهمال الذي يأثم صاحبه أن ال يسأل األب وال األم أوالدهما عن‬
                                                            ‫أسماء أصحابهم ومع من يجلسون.‬
                                                                                     ‫ا‬
       ‫ثالثً: من المنكرات التي يجب على المسلمين اإلقالع عنها ركوب الفتاة الطالبة مع السائق‬
 ‫لوحدها، وقد ثبت عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((ما خال رجل بامرأة إال كان الشيطان‬
                ‫ثالثهما)) فيجب على المسلم أن يتقي اهلل ما استطاع، ومن استعان باهلل أعانه اهلل.‬
                                                                                    ‫ا‬
     ‫رابعً: من المنكرات وهذا يجب أن يشدد فيها اآلباء بل ويتأكد منه بنفسه عدم خروج الطالبة‬
        ‫متعطرة إلى المدرسة، وهذا أمر قد شاع وانتشر وال حول وال قوة إال باهلل، مع علمنا بأن‬
  ‫المتعطرة إذا خرجت وشمها ولو رجل واحد فإن الرسول صلى اهلل عليه وسلم عدها زانية نسأل‬
                                           ‫اهلل العافية، واألحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة.‬
                                                                              ‫ا‬
‫خامسً: من المنكرات المتكررة تسكع بعض البطالين من الشباب المشكوك في رجولتهم، يتسكعون‬
 ‫عند مدارس البنات، وهذه الظاهرة تدل على تخلف المجتمع، وعلى غياب الرقابة، وعلى ضعف‬
  ‫الدين والخلق، وعلى الفراغ الذي يعيشه هؤالء الشباب إما لعدم الدراسة أو عدم الوظيفة. فيجب‬
‫علينا جميعاً التعاون في إزالتها بنصح هؤالء الجهلة وبحفظ بناتنا من التبرج وتحذيرهن باستمرار‬
                 ‫من هؤالء، باإلضافة إلى التعاون مع رجال الهيئة وفقهم اهلل إلزالة هذا المنكر.‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف‬
‫وينهون عن المنكر ويقيمون الصالة ويؤتون الزكاة ويطيعون اهلل ورسوله أولئك سيرحمهم اهلل ان‬
                                                                                ‫اهلل عزيز حكيم.‬
                                                                            ‫بارك اهلل لي ولكم. .‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل القائل في كتابه: وما تنفقوا من خير فان اهلل به عليم وأشهد أن الاله اال اهلل وحده‬
  ‫الشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ((المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا))‬
                       ‫ا‬     ‫ا‬
                      ‫صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وسلم تسليمً كثيرً.‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
  ‫الوقفة الثالثة: ومع استقبال عام دراسي جديد، فإن قرطاسية جامع النور، هذا المشروع الخيري‬
     ‫الذي بدأناه قبل سنتين، وها نحن وهلل الحمد ندخل عامنا الثالث، خالصة المشروع هو تأمين‬
                                              ‫ي‬
                                             ‫حاجيات الطالب المدرسية لألسر الفقيرة في الح ّ.‬
‫ال يخفى على أحد األوضاع االقتصادية الحالية، وهناك عشرات األسر في كل حي وبعضها مئات‬
  ‫ال يجدون الحاجات األساسية، فماذا يفعل األب الذي راتبه ثالثة آالف هذا إذا كان يحصل على‬
    ‫ثالثة آالف ولديه ثالثة أو أربعة من األبناء في المدارس، وال أظن يخفاكم أسعار قرطاسيات‬
                                                          ‫الطالب. بدأ المشروع من هذه النقطة.‬
                                                               ‫ي‬
 ‫ولو أن كل إمام في ح ّه أو حتى بعض الطيبين اعتنى بهذا الجانب واستحث الموسرين في الحي‬
      ‫وسدوا النقص عند الفقير فإن هذا عمل نبيل، وقد تعاون معنا أغنياء الحي والموسرين منهم‬
     ‫مشكورين، وأنا أعلم أنهم ال يريدون الشكر من أحد، وإنما ساهموا معنا إحتساباً عند اهلل عز‬
‫وجل، أسأل اهلل جل جالله أن ال يحرمهم األجر والمثوبة. وسنحاول إن شاء اهلل تعالى أن نصرف‬
       ‫اللوازم المدرسية من الغد إن شاء اهلل تعالى، ومن أراد المشاركة والمساهمة فالباب مفتوح‬
                                                                                         ‫للجميع.‬

‫(5/929)‬
                                                                             ‫حقيقة الخسارة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                      ‫الفتن‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                           ‫ناصر الزهراني‬
                                                                               ‫مكة المكرمة‬
                                                                             ‫الشيخ ابن باز‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
                      ‫5- خسارة الدنيا. 7- الخاسرون في اآلخرة كما وصفهم القرآن الكريم.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
   ‫الخسارة لفظ مزعج، وكلمة ممقوته، وعبارة بغيضة، ومصير مؤلم، الكل يتحاشاها، والجميع‬
 ‫يتفاداها، ال يحبها أحد، وال يتمناها بشر، مربكة للعقول، قاصمة للظهور، مدمرة للبيوت. تسهر‬
‫األعين لتسلم الخسارة، وتكد األذهان وتتعب األبدان لتنجو من الخسارة، ومع ذلك فمن الناس من‬
                      ‫ك‬
 ‫يقع في شراكها، ويتردى في أوديتها؛ فالخاسر عينه ساهرة، وطرفه با ٍ، وحياته كئيبة، وعيشه‬
                                                                      ‫جحيم، وحياته عذاب.‬
   ‫هذا بالنسبة للخسارة الدنيوية التي تعارف عليها البشر، ولكن هنالك خسارة ال يعدلها خسارة،‬
                                                                ‫وحرمان ال يوازيه حرمان.‬
    ‫وقد تكون خسارة اإلنسان في الدنيا سبباً لفوزه في اآلخرة، وقد يكون فوز اإلنسان في الدنيا‬
       ‫خسارة له في اآلخرة، قال تعالى: والعصر إن اإلنسان لفي خسر إال الذين آمنوا وعملوا‬
                                   ‫الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر:3].‬
                                                                         ‫من هم الخاسرون؟‬
   ‫5- الكفر باهلل: الذين آمنوا بالباطل وكفروا باهلل أولئك هم الخاسرون [العنكبوت:71]. والذين‬
                                           ‫كفروا بآيات اهلل أولئك هم الخاسرون [الزمر:36].‬
  ‫7- الشرك باهلل: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من‬
                                      ‫الخاسرين بل اهلل فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر:16].‬
‫ا‬                          ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫3- اتخاذ الشيطان وليً من دون اهلل تعالى: ومن يتخذ الشيطان وليً من دون اهلل فقد خسر خسرانً‬
 ‫مبيناً [النساء:955]. يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إال غروراً [النساء:075]. استحوذ عليهم‬
             ‫الشيطان فأنساهم ذكر اهلل أولئك حزب الشيطان أال إن حزب الشيطان هم الخاسرون‬
                                                                              ‫[المجادلة:95].‬
    ‫1- الصد عن سبيل اهلل: الذي يصدون عن سبيل اهلل ويبغونها عوجاً وهم باآلخرة هم كافرون‬
‫أولئك لم يكونوا معجزين في األرض وما كان لهم من دون اهلل من أولياء يضاعف لهم العذاب ما‬
     ‫كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا‬
                                     ‫يفترون ال جرم أنهم في اآلخرة هم الخاسرون [هود:95].‬
 ‫1- طاعة الكفار والركون إليهم: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم‬
                                                         ‫فتنقلبوا خاسرون [آل عمران:915].‬
‫6- عبادة اهلل على حرف، وطاعته على حسب المصلحة: ومن الناس من يعبد اهلل على حرف فإن‬
  ‫أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا واآلخرة ذلك هو الخسران‬
                                                                          ‫المبين [الحج:55].‬
 ‫2- االشتغال باألهل واألموال واألوالد عن طاعة اهلل وحسن عبادته: يا أيها الذين آمنوا ال تلهكم‬
  ‫أموالكم وال أوالدكم عن ذكر اهلل ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [ المنافقون:9]. قال نوح‬
                        ‫رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إال خساراً [نوح:57].‬
  ‫8- من خسر نفسه وأهله يوم القيامة: قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة‬
      ‫أال ذلك هو الخسران المبين [الزمر:15]. لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك‬
                     ‫ي‬
‫يخوف اهلل به عباده يا عباد فاتقون [الزمر:65]. وقال تعالى: وتراهم ُعرضون عليها خاشعين من‬
   ‫الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم‬
                                         ‫القيامة أال إن الظالمين في عذاب مقيم [الشورى:11].‬
     ‫9- التكذيب بلقاء اهلل: حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم‬
 ‫يحملون أوزارهم على ظهورهم أال ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إال لعب ولهو وللدار اآلخرة‬
      ‫خير للذين يتقون أفال تعقلون [األنعام:73]. ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إال ساعة من النهار‬
 ‫يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء اهلل وما كانوا مهتدين [يونس:11]. إن الذين ال يؤمنون‬
‫باآلخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في اآلخرة هم األخسرون‬
  ‫[النمل:1]. قل هل ننبئكم باألخسرين أعماالً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم‬
‫ا‬                                                                               ‫ا‬
‫يحسنون صنعً أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فال نقيم لهم يوم القيامة وزنً‬
                                                                              ‫[الكهف:105].‬
     ‫05- من خفت موازينه فجاء بأعمال ناقصة، وعبادات باهتة: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت‬
     ‫موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا‬
      ‫يظلمون [األعراف:8]. فإذا نفخ في الصور فال أنساب بينهم يومئذ وال يتساءلون فمن ثقلت‬
  ‫موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون‬
                                      ‫تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون [المؤمنون:505].‬
                                                         ‫ر‬
‫55- من لم يسلم المسلمون من ش ّه، ولم ينج المؤمنون من أذاه: قال : ((أتدرون من المفلس؟))،‬
   ‫قالوا: المفلس فينا من ال درهم له وال متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة‬
‫بصالة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا،‬
          ‫أ‬
     ‫فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ُخذ من‬
                                    ‫خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) [رواه مسلم].‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد.‬

‫(5/089)‬




                                                                  ‫عالم المالئكة األبرار (3)‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫اإليمان‬
                                                                                   ‫المالئكة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                             ‫محمد الحكمي‬
                                                                                    ‫الطائف‬
                                                                              ‫75/6/1515‬
                                                                              ‫جامع الجفالي‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
     ‫د‬
  ‫5- ذكر الشيخ بعض وظائف المالئكة الكرام كنصر المؤمنين وحماية مكة والمدينة من ال ّجال‬
                     ‫ذ‬                                                         ‫ب‬
 ‫7- ثم ن ّه إلى األسباب التي تمنع دخول المالئكة إلى البيوت 3- ثم ح ّر من الوقوع في أسباب‬
                                                                    ‫ب‬
                                   ‫لعن المالئكة 1- ثم ن ّه إلى بعض ثمرات اإليمان بالمالئكة‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
        ‫عباد اهلل: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل ومحاسبة النفس قبل وضع الميزان ونصب‬
  ‫الصراط وتطاير الصحف واشتداد الكرب يوم ال ينفع مال وال بنون إال من أتى اهلل بقلب سليم .‬
                                                                                ‫أيها المؤمنون:‬
    ‫وتتنزل المالئكة بإذن ربها لتقاتل مع الصحابة رضي اهلل عنهم في بدر وتلك هي البشرى وما‬
          ‫جعله اهلل إال بشرى ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إال من عند اهلل إن اهلل عزيز حكيم .‬
                                              ‫ا‬
  ‫ولقد قامت بتثبيت المؤمنين في بدر كما كانوا مددً يوم األحزاب يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة‬
      ‫اهلل عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها أي المالئكة عليهم السالم.‬
      ‫فما إن رجع النبي صلى اهلل عليه وسلم من األحزاب وكان يغتسل إال وجبريل عليه الصالة‬
                                                                                 ‫م‬
  ‫والسالم قاد ٌ على ثناياه النقع [الغبار] فقال للنبي صلوات اهلل وسالمه عليه: ((أوضعتم أسلحتكم؟‬
                   ‫فإنا لم نضع سالحنا بعد [أي المالئكة] فقال إلى أين؟ فأشار إلى بني قريظة)).‬
                                             ‫و‬
    ‫أال فليزهوا أعداء اهلل من اليهود والنصارى بق ّاتهم وليفاخروا بأسلحتهم وليرهبوا بها ضعاف‬
    ‫اإليمان، أما المؤمنون الصادقون فإنهم بعد توكلهم على اهلل واستمطارهم لنصره وأخذهم العدة‬
    ‫وبذلهم لألسباب من قوة ورباط للخيل يعلمون ويوقنون بأن اهلل هو القائل سبحانه إذ تستغيثون‬
                                                              ‫د‬
    ‫ربكم فاستجاب لكم أني مم ّكم بألف من المالئكة مردفين وفي سورة آل عمران ألن يكفيكم أن‬
      ‫يمدكم ربكم بثالثة آالف من المالئكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا‬
                                                   ‫و‬
                                              ‫يمددكم ربكم بخمسة آالف من المالئكة مس ّمين .‬
     ‫بينما رجل من المسلمين يومئذ [اي يوم بدر] يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع‬
  ‫ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم [اسم فرس الملك] فنظر الصحابي رضي‬
                                                             ‫ر‬
    ‫اهلل عنه إلى المشرك أمامه فخ ّ مستلقيا فنظر إليه فإذا بالملك قد خطم أنفه وشق وجهه فأخبر‬
                       ‫بذلك النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال: صدقت ذلك مدد من السماء الثالثة.‬
  ‫ولقد كان على الزبير بن العوام رضي اهلل عنه يومها عمامة صفراء معتجر بها فنزلت المالئكة‬
                                                                           ‫عليهم عمائم صفر.‬
  ‫فعن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما قال: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي،‬
‫وينهونني والنبي صلى اهلل عليه وسلم ال ينهاني فجعلت عمتي فاطمة تبكي فقال النبي عليه الصالة‬
                ‫والسالم: ((تبكين أو ال تبكين، ما زالت المالئكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه)).‬
                                                                                 ‫أخي المؤمن:‬
    ‫وللبقاع المقدسة حرمتها وحمايتها فقد أخبر المصطفى صلى اهلل عليه وسلم أنه: ((على أنقاب‬
                                              ‫المدينة مالئكة، ال يدخلها الطاعون وال الدجال)).‬
      ‫وفي رواية: ((ليس من بلد إال سيطؤه الدجال إال مكة والمدينة، ليس من نقابها نقب إال عليه‬
‫المالئكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثالث رجفات فيخرج اهلل كل كافر ومنافق)).‬
                                                     ‫ا‬
‫أخي يا رعاك اهلل، هل ساءلت نفسك يومُ هل بيتك من البيوت التي ال تدخلها المالئكة أم ال؟ إذن‬
                                             ‫خ‬
    ‫فلتتأمل معي األسباب المانعة من ذلك مل ّصة من أحاديث عدة عن المصطفى صلى اهلل عليه‬
‫وسلم وهي: البيت الذي فيه كلب أو صورة أو تمثال لذي روح أو تسمع فيه األغاني ألنها مزامير‬
                 ‫م‬
   ‫الشياطين، واعلم أن المالئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم فكيف ببيت قد ع ّت أرجاءه رائحة‬
                                                         ‫ر‬
   ‫الدخان أو الشيشة أو غيرهما مما ح ّم اهلل، وهي كذلك ال تدخل بيتا به بول منتقع أكرمكم اهلل‬
                                                        ‫ق‬
                                                        ‫ّ‬
 ‫لقوله صلى اهلل عليه وسلم: ((ال ين ّع بول في طست في البيت فإن المالئكة ال تدخل بيتا فيه بول‬
  ‫منتقع)) وهي كذلك ال تصحب رفقة معها جرس وال بيت به جرس وبعد السؤال علم أن المراد‬
   ‫بالجرس ما كان على هيئة نغمة الموسيقى أو مشابها لصوت نواقيس الكنائس، فلنحذر من ذلك‬
                     ‫كله ومما فيه معصية هلل تعالى إذ البيت الذي ال تدخله المالئكة ال خير فيه.‬
                       ‫م‬
 ‫قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ثالثة ال تقربهم المالئكة: السكران والمتض ّخ بالزعفران والجنب إال‬
                                                                                 ‫أن يتوضأ)).‬
   ‫وللمالئكة مع الكفرة والفسقة شأن آخر فهي تنزل بهم العقوبة فمن ذلك إهالكهم لقوم لوط عليه‬
 ‫الصالة والسالم، وهي في الوقت نفسه تلعنهم إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة‬
                                                               ‫اهلل والمالئكة والناس أجمعين .‬
‫وليس بخافٍ أن تعلم أخي الكريم أن هذا اللعن قد يقع على بعض عصاة المؤمنين فها هو الحبيب‬
                                                           ‫ذ ا‬
‫صلى اهلل عليه وسلم يقول مح ّرً: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبانا لعنتها‬
  ‫المالئكة حتى تصبح))، فاحرص يرحمك اهلل أال تبيت يوما على زوجتك غاضباً حتى ال تتسبب‬
                   ‫في لعن المالئكة لها وفي المقابل ال تغضب المرأة زوجها فتمتنع عن فراشه.‬
                                                              ‫ي‬
 ‫وممن تلعنه المالئكة الذي ُشير إلى أخيه بحديدة أو سالح قال صلى اهلل عليه وسلم: ((من أشار‬
‫إلى أخيه بحديدة فإن المالئكة تلعنه وإن كان أخاه ألبيه وأمه))، وما ذاك إال ألن فيه ترويع ألخيه‬
                                ‫ً‬          ‫ا‬
      ‫المسلم، وألن الشيطان قد يوقعه مازحاً أو عامدً أو مستهينا في قتل نفس مؤمنة وقد وقعت‬
            ‫ال‬
           ‫حوادث كثيرة تدل على ذلك لذا نهى صلى اهلل عليه وسلم عن تعاطي السيف مسلو ً.‬
                                                       ‫و‬
‫فكيف بمن يمزحون بالسيارات أو ير ّعون بها أما زمالءهم وإما اآلمنين من المارة والمشاة، أما‬
                                                             ‫يكفيهم رادعا هذا الحديث وغيره.‬
 ‫وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((ال يشر أحدكم على أخيه بالسالح فإنه ال يدري لعل الشيطان ينزع‬
                                                            ‫في يده فيقع في حفرة من النار)).‬
‫وهنا سؤال حول قوله عليه الصالة والسالم: ((إذا أشار رجل على أخيه بالسالح فهما على جرف‬
                                                            ‫جهنم فإذا قتله وقعا فيه جميعاً )).‬
     ‫فما ذنب المقتول مع العلم أنه لم يشهر على أخيه السالح إذ لم يكن معه سالح وإنما كان مع‬
                      ‫ذ‬                              ‫ك‬
   ‫اآلخر؟ والسبب واهلل أعلم أنه لم يذ ّر أخاه بصرف السالح عنه ولم يح ّره مكيدة الشيطان بل‬
                                                                                       ‫د‬
                                 ‫لربما تح ّاه أو كلمة نحوها فإن قتله كانا في النار والعياذ باهلل.‬
    ‫وكذا تلعن المالئكة من أخبر عنهم المصطفى بقوله صلى اهلل عليه وسلم: ((من سب أصحابي‬
                                                     ‫فعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس أجمعين)).‬
                                                                                  ‫ا‬
   ‫فيا عجبً ألقوام جعلوا سب أصحاب الرسول عليه الصالة والسالم ديناً لهم يتقربون به إلى اهلل‬
 ‫فمن ذلك قولهم في الدعاء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما‬
  ‫وطاغوتيهما وابنتيهما يقصدون أبا بكر وعمر رضي اهلل عنهما وحفصة وعائشة ابنتيهما أمهات‬
                                                               ‫المؤمنين رضي اهلل عنهم جميعا.‬
    ‫بل ويكفرون الصحابة جميعهم إال خمسة وهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان وعمار، ومن لم‬
   ‫يكفرهم فهو عندهم كافر، أتدرون من هؤالء عباد اهلل؟ إنهم الرافضة الشيعة الذين لم ندرك بعد‬
  ‫عظيم خطرهم ولم نتفطن كما ينبغي لفساد نياتهم وغور حقدهم الدفين على أهل السنة والجماعة‬
                                                                               ‫ا‬
 ‫إن لهم دورً مجوسيا منتظراً يحيون به سنن أجدادهم القرامطة والعبيديين الفاطميين الذين سفكوا‬
             ‫و‬
   ‫الدماء في الطواف حتى أحمر ماء زمزم وخلعوا الحجر األسود وسرقوا الكسوة ور ّعوا العباد‬
                        ‫والبالد قاتلهم اهلل. فاللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.‬
                                                                                  ‫أخي المبارك:‬
‫وممن تلعنهم المالئكة الذين يحولون دون تنفيذ شرع اهلل تعالى فقد قال صلى اهلل عليه وسلم: ((من‬
   ‫قتل عمداً فقود يديه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس أجمعين)) وكذلك من‬
                        ‫أحدث حدثا أوآوى محدثا، ويزيد اإلثم فيما لو كان ذلك بمكة أو المدينة.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الكريم المنان والصالة والسالم على المبعوث رحمة لألنام القائل عليه الصالة والسالم‬
          ‫ً‬                   ‫ا‬
  ‫لذلك الرجل - الذي قال بعد رفعه من الركوع: ربنا ولك الحمد حمدً كثيراً طيباً مباركا فيه كما‬
                                                   ‫ا‬
  ‫يحب ربنا ويرضى. فقال : ((من المتكلم آنفً))؟ فقال الرجل: أنا يا رسول اهلل فقال عليه الصالة‬
                             ‫ال‬                         ‫ا‬
                          ‫والسالم: ((لقد رأيت بضعة وثالثين ملكً يبتدرونها أيهم يكتبها أو ً)).‬
                   ‫صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.‬
                                                                                       ‫عباد اهلل:‬
   ‫ومن رحمة اهلل علينا أن العبد إذا صلى في الفالة إذا كان مسافراً أو خرج بعيداً عن البنيان أن‬
  ‫يناله من األجر ما أخبر به المصطفى صلى اهلل عليه وسلم بقوله: ((إذا كان الرجل بأرض فالة‬
   ‫[أي الصحراء] فحانت الصالة فليتوضأ فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن‬
                                        ‫أذن وأقام صلى خلفه من جنود اهلل ما ال يرى طرفاه)).‬
                           ‫زد على ذلك أنها كما في رواية أخرى تكتب صالته بخمسين درجة.‬
                                                              ‫ن‬
     ‫فأي إنعام وجود وكرم وم ّ وفضل وعطاء أوسع من هذا، فلك الحمد والثناء ربنا كما ينبغي‬
                                                                 ‫لجالل وجهك وعظيم سلطانك.‬
                                                                                  ‫أخي المؤمن:‬
‫ا‬
‫إذا صليت خلف إمام فقال: وال الضالين فال تعجل بقولك: آمين، واحرص أن يكون تأمينك موافقً‬
     ‫لتأمين اإلمام فتوافق تأمين المالئكة فقد قال صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا قال اإلمام: آمين فإن‬
 ‫المالئكة تقول في السماء: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين المالئكة غفر له ما تقدم من ذنبه)). وبال‬
                                                     ‫شك ما عدا الكبائر إذ البد فيها من التوبة.‬
                    ‫ا‬
 ‫أخي المزاور إلخوانه هلل وفي اهلل هل علمت أن اهلل ينزل على مدرجتك ملكُ يعلمك أن اهلل يحبك‬
     ‫كما أحببت فالناً فيه؟ فإذا ما أردت ملكاً يبيت في شعارك - أي ما بين جسدك وثيابك- فبت‬
 ‫طاهرا فإنه ال يزال يستغفر لك حتى تصبح ألنك نمت على طاهرة، بل وملك يحفظك إذا ختمت‬
                                          ‫يومك قبل نومك بآية الكرسي وال يقربك فيها شيطان.‬
                                                                                     ‫ً‬
                                       ‫وختاما فثمرات اإليمان بالمالئكة تطول ولكن يكفي منها:‬
    ‫5- العلم بعظمة اهلل تعالى وقوته وسلطانه فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق الكريم‬
                                                                                       ‫سبحانه.‬
      ‫7- شكر نعمة اهلل علينا لعنايته ببني آدم حيث أوكل بهم مالئكة يحفظونهم ويكتبون أعمالهم‬
                                                    ‫ويسعون في مصالحهم بل ويدعون اهلل لهم.‬
                             ‫3- محبتهم والتخلق بأخالقهم من كرم وحياء وبر وإحسان وعبادة.‬

‫(5/589)‬




                                                 ‫من ركائز اإليمان – عالم المالئكة األبرار (3)‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫اإليمان‬
                                                                                       ‫المالئكة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫محمد الحكمي‬
                                                                                       ‫الطائف‬
                                                                                  ‫27/1/1515‬
                                                                                  ‫جامع الجفالي‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أن اإليمان بالمالئكة من أركان اإليمان 7- ثم ذكر ركائز اإليمان بالمالئكة وهي : أ- اإليمان‬
                        ‫خل‬                        ‫ال‬
‫بوجودهم ب- اإليمان بأسمائهم جملة وتفصي ً ج- اإليمان بأوصافهم ال ُُقية والخَلقية د- اإليمان‬
                                                      ‫ض‬         ‫ي‬
                                                    ‫بأعمالهم الموكلة إليهم , وبّن ذلك وو ّحه‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫عباد اهلل: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل عز وجل واإليمان به وبمالئكته وكتبه ورسله وباليوم اآلخر‬
                                                               ‫وأن تؤمنوا بالقدر خيره وشره.‬
                                                                               ‫أيها المؤمنون:‬
 ‫عالم المالئكة األبرار أحد أركان اإليمان الستة والذي ال يصح إيمان العبد إال إذا استقر في فؤاده‬
     ‫اإليمان بوجودهم الكمن يقولون: هم قوى الخير الكامنة في اإلنسان وأن الشياطين قوى الشر‬
‫الكامنة في النفس البشرية منكرين بذلك وجودهم وحقيقتهم، وما أولئك بالمؤمنين ألن اهلل عز وجل‬
                                                                   ‫ا‬
     ‫قد نبأنا في كتابه طرفً من أخبارهم وحكى لنا رسوله الكريم شيئا من أعمالهم ووظائفهم آمن‬
 ‫الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسوله ال نفرق بين أحد‬
                                   ‫من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .‬
                                                     ‫أخي المبارك خلقه المطمئن باإليمان قلبه:‬
                                                             ‫م‬
       ‫إن لإليمان بالمالئكة متض ّنات أربعة هي في مجموعها ركائز ذلك اإليمان وهي اإليمان.‬
                      ‫خ‬                           ‫ال‬
    ‫5- بوجودهم. 7- وبأسمائهم جملة وتفصي ً. 3- وبأوصافهم الخلقية وال ُلقية. 1- وبأعمالهم‬
                                                                                ‫الموكلة إليهم.‬
                                                           ‫ال‬
                                   ‫وإليك تفصيل شيء من ذلك سائ ُ المولى اإلخالص والسداد.‬
        ‫فأما وجودهم فال يجادل في ذلك إال ملحد أومكابر لتوافر النصوص على خلقهم وللمشاهد‬
   ‫المحسوس في حياتنا، قال سبحانه ومن يكفر باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم اآلخر فقد ضل‬
                                                                                  ‫ا‬     ‫ال‬
                                                                                 ‫ضال ً بعيدُ.‬
 ‫ولنعلم أن المالئكة عليهم صلوات اهلل وسالمه خلق ال يحصون كثرة فها هو المصطفى صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم يسأل جبريل عليه السالم في حادثة اإلسراء والمعراج عن البيت المعمور والذي هو‬
   ‫في السماء والسابعة وهو بمحاذاة الكعبة لو خر لخر عليها فقال له: هذا البيت المعمور، يصلي‬
                          ‫فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.‬
 ‫فال إله إال اهلل كم عددهم؟؟ وما يعلم جنود ربك إال هو . وفي صحيح مسلم قال رسول اهلل صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك)) وعليه‬
   ‫فإن محصلة هؤالء فقط أربعة آالف وتسعمائة مليون ملك. وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((أطت‬
    ‫السماء وحق لها أن تئط والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إال وفيه جبهة ملك ساجد‬
                                                                          ‫يسبح اهلل بحمده )).‬
                   ‫هذا خلق اهلل فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضالل مبين .‬
     ‫أما عن اإليمان بأسمائهم فمنهم من قص اهلل علينا ومنهم من لم يقصص فمما صح وثبت من‬
‫أسمائهم جبريل عليه الصالة والسالم وهو الموكل بالوحي يتنزل به من عند اهلل على من يشاء من‬
  ‫عباده المصطفين نزل به الروح األمين على قلبك لتكون من المنذرين . وقد يقوم بغير ذلك من‬
                                                           ‫ل‬
   ‫األعمال تنفيذا ألمر اهلل، وهو أج ّ المالئكة وأشرفهم ثم ميكائيل عليه السالم وهو موكل بإنزال‬
                   ‫ر‬
 ‫القطر من السماء وإخراج النبات من األرض وله أعوان من المالئكة يص ّفون الرياح والسحاب‬
 ‫كما يشاء الرب جل في عاله فها هو الحبيب يبين لنا ذلك بقوله الرعد ملك من مالئكة اهلل موكل‬
                             ‫بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء اهلل .‬
‫ألم تر أن اهلل يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خالله وينزل من‬
                                                         ‫ٍ‬
    ‫السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكادسنا برقه يذهب‬
                            ‫باألبصار يقلب اهلل الليل والنهار إن في ذلك لعبرة ألولي األبصار .‬
  ‫ومن أسمائهم إسرافيل عليه الصالة والسالم وهو الموكل بنفخ الصور كان صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫إذا استيقظ من الليل استفتح بقوله : ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل أنت تحكم بين عبادك‬
     ‫فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط‬
                                                                                    ‫مستقيم)).‬
    ‫ومنهم كذلك مالك عليه السالم خازن النار ونادوا يا مالك ليقضِ علينا ربك قال إنكم ماكثون.‬
    ‫قال ابن عباس رضي اهلل عنهما: مكث ألف سنة ثم قال لهم: إنكم ماكثون، فما أشد البكاء وما‬
                                                                               ‫أطول النحيب.‬
 ‫ومالك عليه السالم لم يضحك قط منذ أن خلق اهلل النار، فقد رآه النبي عليه الصالة والسالم على‬
 ‫ا‬
 ‫صورة كريهة المرآة وإذا عنده نار يحثها ويسعى حولها فقال جبريل وميكائيل لنبينا عليهم جميعً‬
                   ‫الصالة والسالم لما سألهما عنه: إنه مالك خازن جهنم أجارنا اهلل وإياكم منها.‬
                                                                 ‫ومنهم رضوان خازن الجنة.‬
                                          ‫ومنهم منكر ونكير وهما اللذان يسأالن العبد في قبره.‬
                    ‫ر‬
    ‫أما غير هؤالء الذين سبق ذكرهم من المالئكة فلم يثبت فيهم شيء سوى آثا ٌ متفرقة ال يعتمد‬
                                                                                       ‫عليها.‬
   ‫كتسمية ملك الموت بعزرائيل وهذا لم يثبت وهاروت وماروت وأما رقيب وعتيد فالصحيح أن‬
‫هذا وصف لهما فهما حاضران شاهدان يسجالن أعمال العبد ما يلفظ من قول إال لديه رقيب عتيد‬
                                                                                            ‫.‬
                                                                                 ‫أخي الكريم:‬
  ‫أما عن أوصاف المالئكة عليهم الصالة والسالم الخلقية فيما يتعلق بخلقهم فقد أخبر النبي صلى‬
  ‫اهلل عليه وسلم بقوله : ((خلقت المالئكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما‬
                                                                               ‫وصف لكم)).‬
      ‫وقد أعظم اهلل خلقهم فهذا جبريل عليه الصالة والسالم يروى ابن مسعود رضي اهلل عنه أن‬
 ‫رسولنا صلى اهلل عليه وسلم رآه في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد األفق يسقط‬
                         ‫من جناحه التهاويل [أي األشياء المختلفة األلوان] من الدر واليواقيت .‬
                      ‫ا‬              ‫ا‬
      ‫وقد أخبر المصطفى صلى اهلل عليه وسلم أنه رآه منهبطً من السماء سادً عظم خلقه ما بين‬
 ‫السماء واألرض ، ولك أن تعلم أنه عليه الصالة والسالم أدخل طرف جناح من أجنحته الستمائة‬
  ‫تحت قرى قوم لوط الخمس فرفعها من تخوم األرض حتى أدناها من السماء بما فيها حتى سمع‬
  ‫أهل السماء نهيق حميرهم وصياح ديكتهم ، ولم تنكفيء لهم جرة ، ولم ينكسر لهم إناء ثم نكسوا‬
                                              ‫و‬
‫على رؤوسهم وأتبعوا الحجارة من سجيل مس ّمة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد. وهنا وقفة‬
                                                                                  ‫البد منها.‬
‫إننا عباد اهلل في زمان كثرت فيه المصائب وعمت فيه الفتن إال ما رحم اهلل والموفق فيه من وفق‬
 ‫لتربية أبنائه وحفظ بناته ، قبل أن يحل بنا ما حل بقوم لوط عليه الصالة والسالم من العقوبة فكم‬
    ‫من ألفاظ بذيئة بين الشباب تسمع وكم من حركات خبيثة تشاهد وكم من كتابات على الحيطان‬
   ‫والكتب تقرأ مما يشعر بعظم المصيبة وفداحة الخطب إن لم يتداركنا اهلل برحمته ونقوم بواجبنا‬
                                      ‫تجاه هؤالء الصبية والشباب وما هي من الظلمين ببعيد .‬
                                        ‫أوالدكم ال شيء أغلى منهم ال شيء يعدلهم من األشياء‬
                                       ‫ال تتركوهم للضياع فريسة ترك الشباب أساس كل الداء‬
                                       ‫كونوا لهم نعم المعين وراقبوا أعمالهم في مصبح ومساء‬
                                    ‫االبن إن يهمل يضع في عصرنا إذ ال مكان اليوم للضعفاء‬
                                                                                ‫أخي الكريم:‬
      ‫إذا كان جبريل عليه الصالة والسالم له ستمائة جناح الحمد فاطر السموات واألرض جاعل‬
                                                                          ‫ال‬
‫المالئكة رس ً أولي أجنحة مثنى وثالث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن اهلل على كل شيء قدير‬
                                                                                           ‫.‬
 ‫فكيف لو علمت أن أحد حملة العرش قال عنه صلى اهلل عليه وسلم: ((أذن لي أن أحدث عن أحد‬
‫حملة العرش رجاله في األرض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير‬
                                        ‫سبعمائة عام يقول: (أي الملك) سبحانك حيث كنت )).‬
  ‫فال إله إال اهلل إن عظم الخلق يدل على عظم الخالق وهنا ينبغي أن نعلم أن المالئكة عالم غيبي‬
   ‫نؤمن به كما ورد في كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم من غير تحريف وال تعطيل‬
    ‫وال تشبيه وال تكييف وال نظن أنهم كهيئاتنا ألنهم مخلوقون من نور ال يوصفون بالذكورة وال‬
                                          ‫ل‬
 ‫األنوثة ال يأكلون وال يشربون وال يتزاوجون وال يمّون وال يتعبون يسبحون له بالليل والنهار ال‬
          ‫يسأمون وقد جعلهم اهلل في أبهى صورة وكيف ال يكونون كذلك وهم مخلوقون من نور.‬
            ‫قال ابن عباس رضي اهلل عنهما عند قوله تعالى ذو مرة فاستوى أي ذو منظر حسن.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والصالة والسالم على الرسول المصطفى والنبي‬
                       ‫المجتبى صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم واقتفى.‬
                                                                             ‫أيها المؤمنون:‬
‫أما عن صفات المالئكة الخلقية فهم كما وصف اهلل بأيدي سفرة كرام بررة فهنيئاً لمن يقرأ القرآن‬
                                                             ‫وهو ماهر به فإنه يكون معهم .‬
 ‫ا‬
 ‫وهم محل للحياء فعن عائشة رضي اهلل عنها: أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كان مضطجعً‬
   ‫في بيتها كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ، ثم‬
   ‫استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                                 ‫و‬
  ‫وس ّى عليه ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة رضي اهلل عنها: دخل أبو بكر فلم تهتش‬
                ‫و‬
 ‫له ولم تباله ، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ، ثم دخل عثمان فجلست وس ّيت ثيابك فقال :‬
                                               ‫((أال استحيي من رجل تستحي منه المالئكة)).‬
 ‫فهل نستحي كما تستحي المالئكة لذا فهي تفارقه عند دخول الخالء وعند إتيان الرجل أهله وهذا‬
            ‫ال يعني أنها ال تحصي عليه أعماله فإن اهلل ال يغادر صغيرة وال كبيرة إال أحصاها.‬
                                                                       ‫م‬
  ‫والمالئكة منظ ّون حتى في صفوفهم وأعمالهم ، يقول صلى اهلل عليه وسلم : ((أال تصفون كما‬
   ‫تصف المالئكة عند ربها؟ قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: يكملون الصف األول فاألول‬
                                                                    ‫يتراصون في الصف)).‬

‫(5/789)‬




                                                                                ‫زينة المرأة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                  ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫اللباس والزينة, المرأة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                              ‫محمد الحكمي‬
                                                                                       ‫الطائف‬
                                                                                 ‫15/1/9515‬
                                                                                 ‫جامع الجفالي‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- صيانة اإلسالم للمرأة 7- حرص أهل الشر على إفساد المرأة 3- األضرار الصحية الناتجة‬
            ‫ي‬                                                     ‫ي‬
 ‫عن لبس المالبس الض ّقة 1- الشروط الشرعية للباس المرأة 1- بعض المظاهر الس ّئة المنتشرة‬
                                                                             ‫لبعض الملبوسات‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                ‫أيها المؤمنون:‬
 ‫لقد أحاط اإلسالم المرأة بالصيانة والستر، والعفاف والطهر، في لباسها وزينتها، وحرم عليها مع‬
‫الرجال خلوتها، وصانها عن اإلزراء بالقول واإلشارة وقاية لحيائها وأال تمس أو تخدش كرامتها،‬
  ‫وأمرها بالقرار في مملكتها أداء لواجبها ورعاية لزوجها وقياماً على تربية أبنائها كل ذلك لتبقى‬
                                                                                        ‫ر‬
   ‫د ّة مصونة، عزيزة كريمة ال تطمح فيها أعين الناظرين، وال تمد إليها أيد العابثين، وال يدنس‬
                                                     ‫عرضها وشرفها من ال خالق له وال دين.‬
      ‫وقد مرت أحاديث عن زينة المرأة حول ضوابط شرعية لزينتها ثم كان الحديث عن أدوات‬
    ‫التجميل ومساحيق التلوين وأحكام الشعر ونحو ذلك، وحديث اليوم عن حجاب المرأة ولباسها.‬
‫ولئن عدنا متأملين مكيدة الشيطان األولى بإغرائه أبوينا وتسويله لهما حتى أكال من الشجرة، لنجد‬
   ‫أنه بدأ أول ما بدأ بما ذكره اهلل في محكم تنزيله ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما وصدق‬
‫اهلل فها هو النزع متوارد متصل على تعاقب الدهور ومر األزمان بأساليب ماكرة وإغراءات فاتنة‬
‫ونظرة فاحصة لواقع البشرية اليوم تغنيك عن كثير من الشواهد فما واقع المالبس الرياضية لكثير‬
                                              ‫ب‬
 ‫من األلعاب بخاف علينا لمصارعين وس ّاحين والعبي كرة فكيف لو ملت بطرفك إلى ما خدعت‬
                                                                  ‫ب‬
  ‫به المرأة ول ّس عليها به فكم هي أزياء وموضات تحسر كل يوم وفي كل صرخة عن شيء من‬
             ‫ال‬
‫مفاتنها عبر مجالت البردة وعارضات األزياء ولقد قال أعداء اهلل " أكسبوا النساء أو ً والبقية تتلو‬
 ‫" وها هي إحدى الكافرات تقول: " ليس هناك طريق أقصر لهدم اإلسالم من إبعاد المرأة المسلمة‬
                                                    ‫والفتاة المسلمة عن آداب اإلسالم وشرائعه.‬
                                                                    ‫أخي الغيور على محارمه:‬
    ‫لقد تفنن أباطرة الشر واإلفساد في استحداث ألبسة نسائية إن لم تكن ضيقة فعارية وإن لم تكن‬
    ‫عارية فمشققة الجوانب لها فتحات جانبية وخلفية فإن لم تكن كذلك فمتشبه فيها بالكافرات وقد‬
                                             ‫يجمع ذلك كله فتنة وإغراء في كثير من األزياء.‬
 ‫لقد ذكر األطباء أن اللباس الضيق تعذيب لحرية الجسد، وضرر صحي محض لألنسجة والخاليا‬
          ‫د‬
  ‫واألجهزة الجسمية المختلفة وخاصة الجهاز التناسلي وجهاز الدوران والحركة، وقد أ ّى اللباس‬
                                                                              ‫ز‬
‫الضيق المح ّق عند كثير من النساء إلى العقم أو الوالدة المقعدية (غير الطبيعية) غير إصابة من‬
 ‫ترتديه وبشكل متكرر بتمزق في عنق الرحم ناهيك عن كونه يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم نتيجة‬
                                                                                    ‫ي‬
                                                                      ‫تض ّق مقطع العروق.‬
‫أما المالبس العارية فيحذر األطباء منها ألنها تكشف الجسد فال تغطي منه إال أجزاء يسيرة يفقدها‬
    ‫نضارتها ويصيبها بالشيخوخة المبكرة هذا غير توقع إصابتها بسرطان الجلد وقد أثبتت بعض‬
        ‫الدراسات في أوروبا أن النسبة الكبرى من النساء المصابات بسرطان الجلد كن يعرضن‬
                              ‫أجسادهن ألشعة الشمس من أجل الحصول على اللون البرونزي.‬
       ‫أما العلماء األجالء فقد سئل سماحة الشيخ محمد العيثمين وفقه اهلل عن حكم اللباس الضيق‬
 ‫والمفتوح فقال: "هذا اللباس لباس أهل النار" وذكر حديث مائالت مميالت وقال: "فالتي تلبس هذا‬
  ‫اللباس كاسية عارية ألن اللباس الضيق يصف حجم البدن ويبين مقاطعه وكذلك إذا كان مفتوحً‬
  ‫ا‬
       ‫فإنه يبين ما تحته ألنه ينفتح وأفتى أنه حتى بين محارمها من الرجال يجب عليها أن تستر‬
      ‫عورتها والضيق ال يجوز ال عند المحارم وال عند النساء إذا كان الضيق شديداً يبين مفاتن‬
                                                                                    ‫المرأة".‬
  ‫فكيف لو رأى الشيخ ما يلبسه النساء في مناسبات األفراح واألعياد ونحوها. وحجتهن أنهن بين‬
   ‫نساء قال عليه الصالة والسالم: ((إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من‬
                              ‫الثياب أو الصبغ)) أو قال: ((من الصيغة ما تكلف امرأة الغني)).‬
             ‫وهذا واقع في زماننا تباهيا ولفتا لألنظار وحيازة على اإلعجاب ورغبة في المديح.‬
                               ‫ع‬                              ‫ز‬
 ‫إن حياء المرأة هو منار ع ّها وموئل سؤددها فإذا ما تالشى ُدمت الحياة معناها، وتهاوت بعده‬
                                                                          ‫ع‬
                                                                       ‫القيم وانحلت ال ُرى.‬
               ‫د‬
   ‫كانت أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها تضع ثيابها إذا دخلت البيت الذي فيه ُفن رسول اهلل‬
                                                              ‫د‬
 ‫وأبوها رضي اهلل عنه فلما ُفن عمر رضي اهلل عنه بجوارهما قالت: "واهلل ما دخلته إال مشدودة‬
                                                   ‫علي ثيابي حياء من عمر رضي اهلل عنه".‬
                                                           ‫أخي القائم على أهله بما يصونهم:‬
‫وقد ذكر بعض أهل العلم شروطا للباس المرأة مستوحاة ومستفادة من القرآن وأحاديث المصطفى‬
                                                             ‫صلى اهلل عليه وسلم فمن ذلك :‬
                                                            ‫5- أن يكون ساترا لجميع البدن.‬
‫قال تعالى: يا أيها النبي قل ألزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جالبيبهن ذلك أدنى‬
                                                ‫أن يعرفن فال يؤذين وكان اهلل غفورا رحيما .‬
‫عن أم سلمة رضي اهلل عنها زوج النبي صلى اهلل عليه وسلم أنها قالت: حين ذكر اإلزار، فالمرأة‬
                                                             ‫ا‬
     ‫يا رسول اهلل قال: ((ترخي شبرً))، قال إذا ينكشف عنها قال: ((فذراعاً ال تزيد عليه)) وفي‬
        ‫ا‬                                                ‫خ‬
     ‫رواية: ((أن أمهات المؤمنين ر ّص لهن رسول اهلل عليه الصالة والسالم في الذيل شبرً ثم‬
                                     ‫ا‬
                                  ‫استزدنه فزادهن شبراً فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعً)).‬
                ‫ا‬
   ‫وانعكست اآلية وانقلبت الموازين وانتكست األفهام فأصبح الرجال يرخون شبرً والمرأة تحسر‬
                                       ‫ال‬
                                      ‫عن القدم وتلبس القصير إلى نصف الساق أو يزيد قلي ً.‬
                                                                     ‫ت‬
   ‫7- ومن الشروط أال ُظهر زينة ثيابها أمام غير المحارم والنساء مع لزوم الحشمة واالستتار.‬
                              ‫قال تعالى: وال يبدين زينتهن وال تبرجن تبرج الجاهلية األولى .‬
‫قال عليه الصالة والسالم: ((ال تمنعوا إماء اهلل مساجد اهلل وليخرجن إذا خرجن تفالت)) هذا وهي‬
‫خارجة للعبادة والمسجد فكيف الحال وهي ذاهبة إلى اإلسواق والمنتزهات قال ابن المبارك رحمه‬
‫اهلل: ((إن أبت المرأة إال أن تخرج فليأذن زوجها أن تخرج [أي إلى الصالة] في أطمارها الخلقان‬
                                                                                ‫وال تتزين)).‬
  ‫ومن الكبائر ما أخبر عنه المصطفى عليه الصالة والسالم بقوله: ((ثالثة ال تسأل عنهم)) وذكر‬
 ‫منهم: ((وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده )). وعدم التبرج مما كان‬
                                                 ‫يبايع عليه النبي عليه الصالة والسالم النساء.‬
 ‫3- أال يكون ضيقا يصف شيئا من جسمها أو رقيقا يبدي ما تحته. عن أسامة بن زيد رضي اهلل‬
                                        ‫ي‬
    ‫عنهما قال: كساني رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قبطّة كثيفة كانت مما أهداها دِحية الكلبي‬
        ‫رضي اهلل عن فكسوتها امرأتي فقال لي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((مالك لم تلبس‬
   ‫القبطية)) قلت: يا رسول اهلل كسوتها امرأتي فقال لي رسول اهلل : ((مرها فلتجعل تحتها غاللة‬
                                                        ‫إني أخاف أن تصف حجم عظامها)).‬
  ‫ودخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة رضي اهلل عنهم وعليها خمار رقيق فشقته عائشة‬
                                                          ‫ا‬
                                                         ‫رضي اهلل عنها وكستها خماراً كثيفً.‬
                                                                  ‫1- أال يشبه لباس الرجال.‬
        ‫ب‬
       ‫وقد مر ذكر النهي عن ذلك وعن لبس ثوب الشهرة وما فيه إسراف ومخيلة وما فيه تش ّه‬
                                                                                  ‫بالكافرات.‬
                                              ‫1- ورود النهي عن لبس جلود النمور والسباع.‬
   ‫سواء في االنتعال أو التدفيء بها أو لبس المعاطف المصنوعة منها قال عليه الصالة والسالم:‬
                                                                         ‫ز‬
                              ‫((ال تركبوا الخ ّ وال النمار)) أي جلود النمور وهي من السباع.‬
          ‫وتشمل السباع األسد والذئب والنمر والفهد أما الثعلب فال وإن كان له ناب فليس بسبع.‬
                                                                     ‫قال ابن األثر رحمه اهلل:‬
                             ‫ي‬                                                       ‫ن‬
                   ‫"إنما ُهي عن استعمالها لما فيها من الزينة والخيالء وألنه من ز ّ األعاجم".‬
                                ‫ذ‬
‫6- أال تلتزم المرأة لبس شيء بعينه في مناسبات معينة كما ُكر سابقا كلبس السواد حال الحداد.‬
                ‫قال الشيخ العثيمين وفقه اهلل: لبس السواد عند المصائب شعار باطل ال أصل له.‬
                                                                                  ‫أخي في اهلل:‬
                                          ‫وهنا قضايا البد من لفت النظر إليها والتعريج عليها:‬
 ‫5- انتشر في األونة األخرة لبس بعض النساء لحجاب يسمى الكاب وهو مفصل هيئة الثوب مما‬
‫تظهر معه مفاتن المرأة من تقاسيم جسدها ونحو ذلك وهذ مما ال ينبغي لها فالبد من لبسها للعباءة‬
                           ‫ا‬
  ‫من فوق الرأس فإن كان البد من لبسها الكاب فلتلبس من فوقه حجابً ينزل إلى ما يستر اليدين.‬
‫7- ومما يسوء ويؤلم ظاهرة لبس نسائنا البنطال أو البنطلون مما أفتى فيه العلماء بحرمته لما فيه‬
 ‫من تشبه بالرجال من وجه وبالكافرات من وجه آخر زدْ على ذلك أن غالبه ضيق وحتى لو كان‬
                                                                                       ‫ً‬
                                                   ‫واسعا فقد أفتى الشيخ العثيمين بعدم جوازه.‬
‫3- البراقع مظهر سيء إذ ترى من وراء فتحاته عينان كحيلتان وشيء من أطراف الوجه وهكذا‬
                                                                               ‫ً‬
                ‫يتسع رويدا رويدا إلى ما ال تحمد عقباه وقد حصل، فال يجوز كما أفتى العلماء.‬
      ‫ف‬     ‫ي‬
    ‫1- الصغيرات من بناتنا ال نتساهل في إبداء زينتهن وخروجهن بلباس قصير وض ّق وش ّاف‬
             ‫فإنهن ينشأن على ما عودن عليه فيكبرن على ذلك ويتطاول بها الزمن وهي كذلك.‬
       ‫1- ومما استهان به الناس حتى ذاع وتفشى فاصبحوا غير مكترثين به وال مبالين بإنكاره‬
‫ومقاطعته مع خطورته هو ما يلحظه الجميع من شعارات وكتابات وصور مطبوعة على كثير من‬
 ‫المالبس النسائية والرجالية ومالبس األطفال مما بعضه قادح في أصل العقيدة ومخل بها وبعضه‬
          ‫مفسد لألخالق آت على هدم الحشمة والحياء من القواعد، ناهيك عن تشبه فيه بالكفار.‬
                       ‫ي‬
   ‫واألدهى من ذلك واألمر أن كثيرا ممن يلبسون مثل هذه الملبوسات أو ُلبسونها ألسرهم قد ال‬
  ‫يعلمون ترجمة ما تحمله تلك العبارات وال من تمثلهم تلك الصور المحمولة على صدور ذويهم‬
                                                           ‫ال‬
                                                          ‫وأبنائهم وبناتهم غفلة منهم أو تغاف ً.‬
                                ‫فإن كنت ال تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم‬
                                                                                     ‫فمن ذلك:‬
    ‫ما عليه رسم الصليب وقد كان الحبيب عليه الصالة والسالم وهو اآلمر بطمسه يحكه وينبشه‬
                                             ‫وكيف ال يفعل ذلك وهو شعار النصرانية الثالوث.‬
                              ‫و‬
‫ومما يناقض ركن الغيب مثل (حب نسيم الجنة) أو عبارة (تذ ّق طعم الجنة)، ونحو ذلك زدْ على‬
                                                                      ‫ج‬
    ‫ذلك كلمات مم ّدة للكفرة المالحدة وصور أعالم بلدانهم يحملها البعض على صدورهم بزهو‬
                                                    ‫وإعجاب، مما يناقض ركن الوالء والبراء.‬
                                                                    ‫خ‬
  ‫أما العبارات والصور الم ّلة باألخالق الداعية إلى الرذيلة فمن مثل "انظر إلى هذه الجميلة ماذا‬
       ‫تفعل" وعبارة أخرى معناها "إلى الغرفة الحمراء" وعبارة "كيف تحصل على غاية الشهوة‬
                                                    ‫ا‬
     ‫ومنتهاها" وأخرى "الولد الشاذ جنسيً" وعبارة "هو يمارس الجنس" بضمير المتكلم، وبضمير‬
                                          ‫ال‬
‫المتكلم أيضا "قبلها أو المسها" وعبارة "أنا لست رج ً وال امرأة" وعبارة "طفل للبيع" وغيرها كثير‬
                                           ‫ا‬     ‫ا‬
                                          ‫فمن تتبع واستقرأ رأى ما يندى له الجبين حزنً وألمً.‬
  ‫أال إننا جميعاً من هذا المكان الطاهر وفي هذا اليوم الفضيل نبعثها رسالة نصح وتذكير إلى كل‬
‫تاجر أالْ يدخل ويستورد مثل هذه المخازي وفي الحالل غنية وإلى كل راع عن أسرته ومن يعول‬
                            ‫ق‬
‫أال فليتق اهلل أال يجعل من صدور أبنائه وبناته معارض دعائية متن ّلة ورسالة نبعثها قبل ذلك إلى‬
                                                    ‫م‬           ‫ال‬
     ‫القائمين على الجمارك ومن و ّهم اهلل تح ّل هذه المسؤوليات وغيرها أال يأذنوا بإدخالها وال‬
                          ‫السماح باستيرادها تعاوناً على البر والتقوى وتناهيا عن اإلثم والمنكر.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                       ‫لم ترد.‬

‫(5/389)‬




                                                                                 ‫مرض الغيبة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                  ‫آفات اللسان‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫خالد بن أحمد المسيطير‬
                                                                                      ‫الرياض‬
                                                                                  ‫جامع القدس‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- الغيبة تملئ المجالس 7- اعتياد بعض الناس غيبة اآلخرين حتى أصبح ذلك ديدنهم 3-‬
‫نصوص شرعية تحذر من الغيبة 1- دوافع الغيبة 1- الموقف من المغتاب عند سماعنا غيبته 6-‬
                                                                      ‫حاالت تجوز فيها الغيبة‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫الحمد هلل هادي القلوب، ومصلح النفوس ومهذب األرواح، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
‫ا‬                                              ‫م ن‬           ‫ر‬       ‫ز‬       ‫ر‬       ‫ي‬
‫له، القو ُ القدي ُ العزي ُ الجبا ُ الكري ُ الح ّان، يهدي من يشاء، ويكرم من يريد، وأشهد أن محمدً‬
          ‫ل‬                                                                ‫ل‬
   ‫عبده ورسوله، بّغ الرسالة، وأدى األمانة، وحافظ على دين اهلل والعبادة صلى اهلل وسّم وبارك‬
‫عليه وعلى آله وكافة الصحابة، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، أما بعد: فاتقوا‬
 ‫ش‬                                   ‫ث‬                          ‫ت‬
‫اهلل أيها المؤمنون لعلكم ُفلحون، معشر المسلمين، حدي ُنا في هذا اليوم عن مرضٍ خطير قد تف ّى‬
                                   ‫يع م‬
‫في هذا العصر ذلك هو داء الغيبة والسخرية الذي لم َ ُد ُقتصراً على فئة الرجال دون النساء أو‬
‫العكس، ولم يعد مقتصراً على طبقة العوام دون المتعلمين أو العكس، ولم يعد مقتصراً على الكبار‬
    ‫ل‬
    ‫دون الصغار أو العكس بل اشترك في اقترافه الجميع إال من رحم اهلل، فلو نظرت فيما يشغ ُ‬
                                ‫ي ع‬                                             ‫س‬
    ‫النا ُ به مجالسهم وقت فراغهم واستجمامهم لرأيت ما َرو ُ من لغو الحديث، غيبة وازدراء‬
                                                          ‫وسخرية ُّراً في الكالم وتشد ا‬
 ‫ُّقً به، من أجل التعالي أو استدرار المديح أو غيرهما، وهذا ليس‬                ‫وتقع‬
                  ‫ر‬
 ‫في كل المجالس، وإنما في بعضها، ففي الناس من يعيش صفيق الوجه، ش ِس الطبع، ال تحجزه‬
            ‫ا‬     ‫ض‬                    ‫ً‬    ‫م‬       ‫رَ‬          ‫ن‬
‫مروءة وال يردعه دي ٌ أو أدب ج ّد لسانه ِقراضا لألعراض، بكلمات تن ُح فحشً وألفاظ تنهش‬
                                            ‫ة‬                     ‫نهشا، يسرف في التجن‬
 ‫ِّي على عباد اهلل سخري ً ولمزاً، فهذا طويل وذاك قصير وهذا أحمق وذاك‬
                           ‫ُك‬       ‫ن‬                                                   ‫ج‬
 ‫َهول، وهذا ثقيل وذاك خفيف، وهذا كريم وذاك بخيل، وكأ ّه قد و ِّل إليه القدح والتجريح، وقد‬
                                                                                     ‫ف‬
‫غَ َل عن قوله سبحانه :سنكتب ما قالوا وعن قوله سبحانه: ما يلفظ من قول إال لديه رقيب عتيد ،‬
                                                     ‫م‬             ‫م ب‬               ‫د‬
‫ويزدا ُ األمر وتعظ ُ ال َلَية حين ترى َن عليه عالمات الوقار، ومالمح االحتشام، وسيما الوجاهة،‬
          ‫ٍ‬           ‫د‬                 ‫أ‬                ‫ي ِم‬                   ‫ي ف‬
    ‫ُس ِر عن بذاءة وثرثرة، َص ُ بالخوض بالباطل ُذني جليسه، وال ي َع ألصحاب فضل فضال،‬
       ‫يحمل عليهم الحمالت الشعواء أحياءً أو أمواتً من َّا ِ زلة لسانٍ أو سبْق قلم، فال تطمئن‬
    ‫ُّ له‬             ‫ِ‬             ‫جر ء ِ‬       ‫ا‬
                           ‫ف نه‬                               ‫يتكل‬
      ‫نفس، وال يهدأ له بال حتى َّم في فالن، أو يسخر بفالن، َديْد ُ ُ في المجالس الحديث في‬
       ‫ن‬                                                                     ‫با‬
‫اآلخرين سًّ وازدراء، وكذلك شأنه في مكتبه وفي سوقه وفي سائر اجتماعاته، فال يرى أ ّ الغيبة‬
           ‫ة‬      ‫م‬                                        ‫م ة‬
  ‫ممقوتة وال يرى أنها ُحبط ٌ لما لديه من عمل صالح، كان اكتسبه من صو ٍ وصال ٍ ونحوهما،‬
                           ‫ء‬
   ‫والغريب في األمر أنه مع ما هو فيه من نهش ألعراض األبرياء سوا ً كان الكالم فيهم حقاً أم‬
             ‫ر‬         ‫م‬        ‫ت‬                                  ‫نم‬
        ‫كذباَ، الغريب في ذلك أ ّ َن هذا شأنه، لو سمِع مقالة من آخر، ُفيد الذ ّ له الحم ّ وجهه‬
                                                           ‫ر‬
   ‫وانتفخت أوداجه، وتأبط الش ّ لمن تحدث فيه ونال منه، فال ندري حقيقة لما يغضب لنفسه من‬
     ‫ا‬           ‫كل‬       ‫م‬                                             ‫و‬             ‫ر‬
    ‫ج ّاءِ سهم واحد ُجه إليه، وهو الذي يوجه سهاماً عديدة في كل يو ٍ بل في ِّ ساعة أحيانً؟‬
                                                           ‫ت ن‬                 ‫د‬
 ‫أيعتق ُ من هذهِ شاكل ُه أ ّ عرضه يختلف عن أعراض غيره من المسلمين؟ أم يرى أن الوعيد في‬
                                                          ‫ه‬                ‫ل‬
  ‫الغيبة يشم ُ غيرَه وال يشمل ُ، فغيره مأخوذون ومحاسبون وهو لوحده قد سقطت عنه التكاليف،‬
                                                                    ‫ي‬         ‫س‬
     ‫فال يحا َب على ما ُصدره لسانه من سوء، فإلى كل من أرخى العِنان للسانه ليقول ما يشاء‬
                                          ‫يش‬          ‫د‬                           ‫ر‬
 ‫وليتح ّك كما يشاء فيكذب عندما يري ُ الكذب و َ ِي عندما يهوى الوشاية، ويسخر عندما تحلو له‬
                                             ‫ه‬
     ‫المجالس , إلى كل مسلم قد ابتلي بهذا الداء، أوج ُ إليه هذه اآليات واألحاديث الزاجرة لتكون‬
                ‫م‬                                       ‫ل‬
  ‫منقذةً له من موبقات اللسان يقول ج ّ وعال : يا أيها الذين آمنوا ال يسخر قو ٌ من قوم عسى أن‬
                                             ‫يكن‬               ‫ء‬              ‫ا‬
    ‫يكونوا خيرً منهم وال نسا ٌ من نساء عسى أن َّ خيراً منهن وال تلمزوا أنفسكم وال تنابزوا‬
     ‫باأللقاب بئس االسم الفسوق بعد اإليمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون يا أيها الذين آمنوا‬
                                      ‫س‬                     ‫ن‬
 ‫اجتنبوا كثيراً من الظن إ ّ بعض الظن إثم وال تج ّسوا وال يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن‬
                                                   ‫ن‬
                                    ‫يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا اهلل إ ّ اهلل تواب رحيم‬
‫وأما األحاديث فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: ((أتدرون‬
                            ‫م‬                                                         ‫م‬
     ‫من ال ُفلِس؟ قالوا: المفلس فينا من ال درهم له وال متاع فقال: ال ُفلس من أمتي من يأتي يوم‬
 ‫القيامة بصالة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب‬
        ‫أ‬                             ‫ني‬
   ‫هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فَ ِ َت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ُخذ من‬
                                                               ‫ط‬            ‫ط‬
                      ‫خطاياهم ف ُرحت عليه ثم ُرح في النار)) أخرجه اإلمام مسلم رحمه اهلل‬
                             ‫يقول ابن حجر الهيتمي عن الغيبة: إن فيها أعظ ُ العذاب وأشد ن‬
    ‫ُّ ال ّكال فقد صح فيها أنها أربى‬       ‫م‬          ‫ّ‬
                  ‫جي‬                             ‫ي‬                          ‫م‬
‫الربا وأنها لو ُزجت بماء البحر ألنتنته وغ ّرت ريحه وأن أهلها يأكلون ال ِ َف في النار وأن لهم‬
‫رائحة منتنة فيها وأنهم يعذبون في قبورهم ,وبعض هذه كافية في كون الغيبة من الكبائر فكيف إذا‬
      ‫ِ‬          ‫ت‬                                                       ‫وكل‬
  ‫اجتمعت ُّ هذا في األحاديث الصحيحة ويقول ابن حجر في تعريفها: وجد ُ بخط اإلمام تقي‬
‫الدين ابن دقيق العيد أنه روى بسنده إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ما كرهت أن تواجه به‬
   ‫أخاك فهو غيبة)) ولمعاذ بن أنس ال ُهني أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((من حمى مؤمنً‬
   ‫ا‬                                                  ‫ج‬
      ‫ا‬                                               ‫ً‬
 ‫من منافق يغتابه بعث اهلل إليه ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن رمى مؤمنً بشيء‬
                                                                              ‫ب‬
               ‫يريد س ّه حبسه اهلل على جسر جهنم حتى يخرج مما قال)) رواه أحمد في مسنده،‬
                                     ‫ذ‬                               ‫ة‬
‫ولقد ذكرت امرأ ٌ لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ُكرت بكثرة صالحها وصومها , ولكنها تؤذي‬
                                                       ‫جيرانها بلسانها فقال: ((هي في النار)).‬
     ‫قالت عائشة رضي اهلل عنها قلت للنبي صلى اهلل عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا قال‬
            ‫ُز‬
     ‫بعض الرواة: (تعني قصيرة) فقال صلوات اهلل وسالمه عليه:((لقد قلت كلمة لو م ِجت بماء‬
                                                       ‫ي‬
‫البحر لمزجته)) (أي ألنتنته وغ ّرت ريحه) وعن أبي بكر رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل‬
                                          ‫ن‬
‫عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: ((إ ّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة‬
                                       ‫يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا أال هل بلغت)).‬
                                                           ‫ر‬
      ‫فهذه اآليات واألحاديث وغي ُها كثير كلها تأتي محذرة عن الغيبة وعن الوقوع في أعراض‬
    ‫المسلمين والمسلمات ليعيش أفراد األمة المسلمة حياة تعلوها المحبة وتكسوها المودة وليكونوا‬
        ‫ً‬                                         ‫ل‬
     ‫إخوة تجمعهم رابطة األخوة في الدين يتحّون بحفظ ألسنتهم عن إخوانهم فكلما رأوا عيبا في‬
    ‫أحدهم دفنوه رهبة من اهلل ورغبة في أن يعيش كل فرد منهم حياة األنس والرخاء والطمأنينة‬
   ‫فاأللسن مشتغلة بذكر المحاسن عن المساوئ, شغلتهم عيوبهم عن عيوب غيرهم هكذا يريد منا‬
                                                          ‫اإلسالم، فهذا هو ديننا وهذه تعاليمه.‬
                                                                           ‫ّ ا‬
   ‫ولكن ناسً يأبون أن تسير األمة على هذا المنوال بأعراضٍ مصونة وبكرامة محفوظة وبعيوب‬
             ‫ك‬
 ‫مستورة، يأبون ذلك فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقد يتساءل المسلم عن ُنْهِ الدوافع‬
                                         ‫ن‬                            ‫أ‬
      ‫وماهية الدوافع للغيبة , فُلخصها جواباً لسؤاله بهذه ال ِقاط الموجزة: أولها: إشفاء الغيظ فقد‬
  ‫يغضب اإلنسان من أخيه لسوء تصرف صدر منه، فال يجد ذلك اإلنسان مجاالً لالنتقام أخصب‬
                                                                               ‫من مجال الغيبة.‬
                                                                     ‫ا‬
   ‫ومن الدوافع أيضً: قصد الرفعة واالستعالء على الغير ومحاولة الصعود على أكتاف اآلخرين‬
            ‫ا‬
     ‫فيرمي بالكلمة على فالن من الناس ليوهم من حوله بأنه على خالفها فتارة يتهم زيدً بالبخل‬
                               ‫يه‬            ‫ا‬          ‫ة‬
‫والشح ليعتقد من حوله أنه كريم وتار ً يتهم عمروً بالجهل ل ُف ِم من حوله أنه عالم أو طالب علم.‬
  ‫ومن المؤسف حقاً أن هذا الدافع له وجود عند بعض طالب العلم هداهم اهلل فتسمع في المجالس‬
                 ‫م‬                                           ‫ي‬                 ‫ي‬
     ‫أحياناً ممن ُنتظر منه الخير و ُؤمن منه الشر من ينتقد الخطيب الفالني أو ال ُحاضر الفالني‬
            ‫ي‬                                ‫يح‬                                         ‫ِم‬
        ‫ويس ُ ذاك بكذا واآلخر بكذا فالخطيب الفالني َلْ َن واآلخر أسلوبه ركيك والثالث ال ُشبِع‬
                    ‫ل‬
    ‫الموضوع والرابع فيه كذا وكأنه الرقيب عليهم بل ويعتقد أن ما يقوله داخ ٌ ضِمن إطار النقد‬
            ‫ق‬                        ‫ن‬                                    ‫ن‬      ‫والبن‬
   ‫الهادف َّاء وأ ّى له ذلك فالمقصود بالنقد الهادف والبّاء أن يكون في وجه المنت َد نفسه من‬
  ‫أجل أن يستفيد ويستقيم وأما في حالة غياب المنتقَد فإن هذا من باب الغيبة، والدافع له في أغلب‬
                                                                  ‫ن‬
     ‫األحيان إيهام من حوله بأ ّه هو الخطيب أو الداعية المثالي مع أن من هذا دأبه في الغالب ال‬
     ‫يستطيع أن يقف مجرد وقفة أمام الجموع فضالً عن حسن اختيار الموضوع وجميل طرحه.‬
                      ‫ّ‬
     ‫ومن الدوافع أيضاً الحسد على الغيْر فمن الناس من تثور ثائرته وتشمئز نفسه ويزداد صدره‬
           ‫م ف‬                                                        ‫صع‬                ‫ا‬
   ‫ضيقً حرجاً كأنما ي ّ ّد في السماء عند سماعه الثناء على أحد من الناس فال يجد ُتن ّساً لذلك‬
                                   ‫ب‬                                    ‫م‬
 ‫الضيق إال بالقدح فيه ُحاوالً أن يثنيهم عن المدح والثناء ح ّاً لزوال تلك النعمة من ذلك الممدوح‬
   ‫فإذا لم يجد قدحاً أورد كلمات للتشكيك في أمره فتارة يقول: ال تبالغوا في المدح , وتارة يقول:‬
                                                    ‫قت‬
 ‫اإلخالص صعب جداً وتارة يقول: ُل ُم فيه ما ال يستحق إلى غير ذلك من الكلمات والعجيب في‬
                             ‫ي‬                            ‫ه ه‬
‫األمر أنهم لو قدحوا فيه لما نَ َر ُم مع أنهم يأثمون في القدح و ُؤجرون في المدح إذا كان ذلك في‬
                                                                                ‫غياب الممدوح.‬
     ‫ً‬      ‫ُقل‬
  ‫ومن الدوافع أيضاً إرادة السخرية واالستهزاء به من باب إضحاك اآلخرين فأحياناً ي ِّد فالنا في‬
           ‫ا‬                                         ‫ا‬                  ‫ا‬
  ‫مشيته وأحيانً يقلد كالمه وأحيانً يأتي بكل حركة من الحركات المضحكة فيه طمعً في إضحاك‬
                                            ‫من حوله , دون مباالة بذلك العرض النفيس المهدر.‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون يقول ابن عباس رضي اهلل عنه: "إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر‬
                                            ‫يص‬
‫عيوبك" ويقول أبو هريرة رضي اهلل عنه: " ُب ِر أحدكم القذاة في عين أخيه وال يبصر الجذع في‬
                                                                                         ‫نفسه".‬
                                                                                        ‫ل‬
  ‫الّهم طهر ألسنتنا من الغيبة واجعلنا ممن يتبعون الصالح من القول والعمل , بارك اهلل لي ولكم‬
‫في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر اهلل لي‬
                                                           ‫ب‬
                           ‫ولكم ولسائر المسلمين من كل ذن ٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل يهدي إلى الطيب من القول ويهدي إلى صراط الحميد , نحمده سبحانه ونشكره ونشهد‬
                  ‫ده ه‬               ‫ا ه‬                  ‫د‬
   ‫أال إله إال اهلل وحده ال شريك له ونشه ُ أن سيدنا محمدً عبد ُ ورسوله أ ّب ُ رب ُ فأحسن تأديبه ,‬
                                         ‫ه‬
‫صلى اهلل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع ُم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فاتقوا اهلل‬
                   ‫أيها المسلمون واحفظوا جوارحكم وصونوا أنفسكم عن سفيه األقوال واألفعال،‬
                              ‫ل‬                                     ‫ف‬
 ‫أيها المسلمون ما هو موق ُنا تجاه الغيبة وأهلها , وإلى متى سنظ ّ تحت جحيمها، إننا إذا لم نتخذ‬
          ‫ق‬                           ‫ا‬                            ‫م‬            ‫ً‬     ‫ً ا‬
‫موقفا قويً صارما في وجوه ال ُغتابين , وقبل ذلك موقفاً قويً مع ألسنتنا نحن , إذا لم ن ُم بذلك فإن‬
              ‫ي‬             ‫ن‬
     ‫الخطر ال أقول علينا فقط بل وعلى أجيالنا من بعدنا , وإنني أرى أ ّ أقْوى موقفٍ ُتخَذ تجاه‬
            ‫م‬            ‫ٍ‬                                       ‫ّب‬
‫الغيبة في المجالس , الذ ُّ مباشرة عن أعراض الغائبين , والوقوف بقوة في وجوه ال ُغتابين , فإن‬
                                                                          ‫ل‬
  ‫لم تكن هذه فال أق ّ من الثانية , وهي مفارقة المجلس , امتثاالً ألمر رب العالمين حيث قال ربنا‬
  ‫م‬
 ‫سبحانه: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإ ّا‬
                                                                                        ‫ُنسين‬
                                        ‫ي َّك الشيطان فال قعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين .‬
                         ‫ت‬               ‫م‬                                   ‫لي‬
   ‫أخي المسلم َِِّ َكن لك في الذب عن أخيك معياران , ال ِعيار األول :أن ُقدر أن الذي فيه لو قيل‬
                              ‫ي‬                                    ‫ت ب‬
  ‫فيك ماذا كنت ُح ُ أن يقوله أخوك فيك؟ ألست تحب منه أن ُدافع عنك؟ فكذلك هو يعيش بهذا‬
                                                                                        ‫الشعور.‬
                              ‫ج‬                     ‫ر‬
  ‫المعيار الثاني :أن تتصور أنه حاض ٌ يسمع الكالم من وراء ِدار , أفال تحب أن يسمعك وأنت‬
             ‫ا‬                        ‫ذك خ‬                                ‫ت‬
  ‫تدافع عنه؟ أو ُثني عليه، قال بعض السلف: ما ُ ِر أ ٌ لي بغيب إال تصورته جالسً بيننا فقلت‬
                                                                ‫فيه ما يحب أن يسمعه لو حضر.‬
‫ا‬    ‫خ‬                                     ‫ة‬
‫وأخيراً، أيها اإلخوة في اهلل اعلموا أن الغيبة محرم ٌ في كتاب اهلل سواء كان الكالم في اآل َر حقً‬
                  ‫ل‬                                                  ‫ا‬
‫أم باطالً إال أن يكون مدحً وثناءً , وأما ذم المسلم أثناء غيابه فال يجوز بحا ٍ من األحوال إال في‬
                                                                             ‫هذه الحاالت اآلتية:‬
                                                                ‫َظن‬                     ‫ال‬
                                     ‫أو ً: المظلوم يشكوا لمن ي ُّ أن له قدرة على إزالة ظلمه.‬
                                                      ‫م َ‬                             ‫ا‬
   ‫ثانيً: االستعانة على تغيير منكر ُجَاهرٍ فيه ,وذلك بقصد التوصل إلى إزالة ذلك المنكر , كأن‬
                ‫م‬       ‫ل‬
   ‫تأتي إلى طالب علم تستعين به بعد اهلل ليذهب معك أو ليذهب وحده َِِّمناصحة ُرابٍ أو مجاهر‬
                                                                                          ‫بفسق.‬
                           ‫م‬                        ‫ن‬               ‫م‬                      ‫ا‬
‫ثالثً: االستفتاء، كقولك لل ُفتي: ظلمني فال ٌ بكذا مع أن األولى إبها ُ الظالم وعدم التصريح باالسم‬
                                                                  ‫, إال إذا كان في ذلك مصلحة.‬
             ‫د‬                           ‫ع د‬             ‫ق‬                      ‫ر‬       ‫ا‬
  ‫رابعً: تحذي ُ المسلم من الشر، كفاس ٍ أو مبتد ٍ يري ُ أن يخالط المسلمين في أمور ُنياهم أو أن‬
                                    ‫ً‬                ‫ت‬         ‫َّم‬             ‫ن‬
              ‫يتزوج منهم بل إ ّه أحياناً يتحت ُ عليك أن ُخبر بذلك , إنقاذا لألبرياء من المسلمين.‬
                                           ‫ض‬            ‫ب‬                         ‫ا‬
  ‫خامسً: إذا كان المسلم معروفاً ِلَقَب وقد ر ِي به فال بأس في ذلك كاألعرج واألعمش, بشرط‬
                                 ‫أن يكون ذلك من باب التعريف , وليس من باب الذم والتنقيص.‬
      ‫ُصل‬                                                                  ‫ل وسل‬
‫عباد اهلل صّوا ِّموا على خير عباد اهلل فقد أمركم اهلل بذلك فقال: إن اهلل ومالئكته ي ُّون على‬
                             ‫ل‬                    ‫وسل‬
  ‫النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ِّموا تسليماً اللهم ص ِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك‬
    ‫محمد: وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة‬
                                             ‫ه‬
 ‫أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ط ّر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا‬
                    ‫ت‬                        ‫ن‬
   ‫من الكذب والغيبة والنميمة وأعيننا من الخيانة إ ّك تعلم خائنة األعين وما ُخفي الصدور، اللهم‬
‫أصلح فساد قلوبنا, اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي‬
                                                          ‫وسل‬            ‫ح‬
          ‫يقربنا إلى ُبك، اللهم صل ِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم انصر إخواننا‬
   ‫المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين اللهم عليك بأعدائهم‬
                                                              ‫ت‬
‫اللهم فرق جمعهم وش ّت شملهم وأضعف شوكتهم واقذف الرعب في قلوبهم اللهم اجعل شأنهم في‬
                ‫ر‬
  ‫سِفال وأمرهم في وبال، اللهم ال ترفع لهم راية واجعلهم لمن خلفهم آية اللهم ف ّج هم المهمومين‬
                                                                                      ‫ونف‬
     ‫ِّس كرب المكروبين, عباد اهلل إن اهلل يأمر بالعدل واإلحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن‬
     ‫َز ك‬                                           ‫لعل تذك‬
    ‫الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم َّكم َّرون فاذكروا اهلل يذكركم واشكروه على نعمه ي ِد ُم‬
                                                                                        ‫ر‬
                                                        ‫ولَذك ُ اهلل أكبر واهلل يعلم ما تصنعون.‬

‫(5/189)‬




                                                                                ‫النكاح وعقباته‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                         ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                        ‫النكاح, قضايا المجتمع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                      ‫محمد بن صالح العثيمين‬
                                                                                         ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫الجامع الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                                                                   ‫ح‬
  ‫- فضل النكاح و ُكمه وفوائده – العقبات التي تحول دون الزواج : عزوف الشباب عنه بحجة‬
                                                     ‫الدراسة ,ظلم األولياء ,المغاالة في المهور‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
   ‫أيها الناس: اتقوا اهلل تعالى واشكروه أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم‬
                      ‫ن‬
   ‫مودة ورحمة إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون. إن الزواج نعمة عظيمة م ّ اهلل بها على عباده‬
‫ذكورهم وإناثهم أحله لهم بل أمرهم به ورغبهم فيه فقال سبحانه وتعالى: فانكحوا ما طاب لكم من‬
   ‫النساء مثنى وثالث ورباع فإن خفتم أال تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم . وقال النبي : ((يا‬
  ‫معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)). وقال النبي‬
   ‫في الرد على قوم قال أحدهم: أنا أصلي الليل أبدا وقال الثاني: أنا أصوم الدهر وال أفطر وقال‬
 ‫الثالث: أنا أعتزل النساء فال أتزوج فقال النبي : ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما واهلل إني ألخشاكم‬
      ‫هلل واتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس‬
‫مني)). وكما أن النكاح سنة خاتم النبيين فهو كذلك سنة المرسلين من قبل قال اهلل عز وجل: ولقد‬
 ‫أرسلنا رسال من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ففي النكاح امتثال أمر اهلل ورسوله وبامتثال أمر‬
   ‫اهلل ورسوله حصول الرحمة والفالح في الدنيا واآلخرة. وفي النكاح اتباع سنن المرسلين ومن‬
     ‫اتبع سنن المرسلين في الدنيا حشر معهم في اآلخرة، وفي النكاح قضاء الوطر وفرح النفس‬
 ‫وسرور القلب. وفي النكاح تحصين الفرج وحماية العرض وغض البصر والبعد عن الفتنة وفي‬
 ‫النكاح تكثير األمة اإلسالمية وبالكثرة تقوى األمة وتهاب بين األمم وتكتفي بذاتها عن غيرها إذا‬
                                                      ‫استعملت طاقاتها فيما وجهها إليها الشرع .‬
   ‫وفي النكاح تحقيق مباهاة النبي بأمته يوم القيامة فقد قال : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر‬
     ‫بكم يوم القيامة)). وفي النكاح تكوين األسر وتقريب الناس بعضهم لبعض فإن الصهر شقيق‬
  ‫النسب قال اهلل تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا وفي‬
‫النكاح حصول األجر والثواب بالقيام بحقوق الزوجة واألوالد واإلنفاق عليهم. والنكاح سبب للغنى‬
   ‫وكثرة الرزق ليس كما يتوهمه الماديون وضعاف التوكل يقول اهلل عز وجل: وأنكحوا األيامى‬
  ‫منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم اهلل من فضله واهلل واسع عليم وفي‬
 ‫الحديث عن النبي : ((ثالثة حق على اهلل عونهم:... - وذكر منهم - الناكح يريد العفاف)) وقال‬
   ‫أبو بكر : أطيعوا اهلل فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وقال ابن عباس‬
‫رضي اهلل عنهما: رغبهم اهلل تعالى في التزويج ووعدهم عليه الغنى فقال: إن يكونوا فقراء يغنهم‬
                                                                                 ‫اهلل من فضله .‬
    ‫فالنكاح صالح للفرد وصالح للمجتمع في الدين األخالق والحاضر والمستقبل وهو كذلك درء‬
   ‫للمفاسد الناتجة عن تركه وعدم المباالة فيما يحول دونه من عقبات. لقد كان ينبغي لنا أن نهتم‬
‫بدراسة العقبات التي تحول دونه لنتالفى النتائج السيئة التي تترتب على فقده وإن أهم هذه العقبات‬
                                                                                           ‫ثالث:‬
       ‫إحداها: عزوف كثير من الشباب ذكور وإناث عن الزواج أي أن كثيرا من الشباب الذكور‬
   ‫واإلناث ال يرغبون في الزواج بحجة أن الزواج يحول بينهم وبين دراستهم وهذه حجة داحضة‬
‫فإن النكاح ال يمنع من المضي في الدراسة والنجاح فيها والتحصيل بل ربما يكون عونا على ذلك‬
 ‫فإن الصالح إذا وفق زوجة صالحة وسادت بينهما روح المودة صار كل واحد منهما عونا لآلخر‬
 ‫على دراسته وعلى مشاكل حياته وأكثر الناس تتكلل زوجاتهم بالتوفيق وهلل الحمد وكم من شباب‬
                                                                             ‫ن‬
‫ذكور وإناث م ّ اهلل عليهم بالزواج فرأوا من الراحة وتفرغ الفكر النفس للدراسة ما كان عونا لهم‬
 ‫عليها فعلى الشباب الذين اغتروا بهذه الحجة أن يعيدوا النظر مرة بعد أخرى حتى يصححوا من‬
    ‫خطئهم وليسألوا زمالء لهم تزوجوا فرأوا الخير والطمأنينة من وراء الزواج وبهذا تتذلل هذه‬
   ‫العقبة. وماذا ينفع المرأة إذا أكملت دراسة ليست بحاجة إليها وفاتتها سعادة النكاح وعقمت من‬
      ‫األوالد وأصبحت رملى من األرامل هل تسعد في حياتها وال أوالد له يذكرونها بعد موتها.‬
‫العقبة الثانية التي تحول دون الزواج ومصالحه العظيمة احتكار بعض األولياء الظلمة لبناتهم ومن‬
‫لهم والية تزويجهن أولئك األولياء الذين ال يخافون اهلل وال يرعون أمانتهم وال يرحمون من تحت‬
    ‫أيديهم أولئك األولياء الذين اتخذوا من واليتهم على تلك المرأة الضعيفة موردا للكسب المحرم‬
 ‫وأكل المال بالباطل تجد الخاطب الكفؤ في دينه وخلقه يخطب منهم فيفكرون ويقدرون ثم يقولون‬
   ‫الكلمة األخيرة: البنت فائتة لغيرك، البنت صغيرة، شاورتها فأبت. أقواال كاذبة يفترونها ليردوا‬
‫ذلك الخاطب الكفؤ، إما لعقد نفسية تثقل عليهم اإلجابة وإما لطلب مال يحصلونه من وراء واليتهم‬
‫وإما لعداوة شخصية بينهم وبين الخاطب والوالية دين وأمانة يجب النظر فيها إلى مصلحة المولى‬
  ‫عليه ال إلى أغراض الولي. إن دفع الخاطب الكفؤ في دينه وخلقه بمثل هذه األقوال الكاذبة إنما‬
  ‫هو معصية هلل ورسوله وخيانة لألمانة وإضاعة لعمر المرأة التي تحت واليته وسوف يحاسبون‬
‫على ذلك يوم ال ينفع مال وال بنون إال من أتى اهلل بقلب سليم. أفال يكون عند هؤالء دين ورحمة؟‬
‫أفال يفكرون لو أن أحدا منعهم من الزواج مع رغبتهم فيه فماذا يكون رد الفعل منهم أفال يعتبرون‬
 ‫بذلك فيمن تحت أيديهم من النساء الراغبات في الزواج وهم يمنعوهن األكفاء خلقا ودينا. سبحان‬
 ‫اهلل ماذا جني هؤالء األولياء على أنفسهم وماذا جنوا على من تحت وال يتهم ولقد أوجد أهل العلم‬
  ‫تذليال لهذه العقبة حيث قالوا إن الولي إذا امتنع من تزويج موليته كفؤا ترضاه فإن واليته تزول‬
 ‫إلى من بعده فمثال لو امتنع أبو المرأة من تزويجها كفؤا في دينه وخلقه وقد رضيته ورغبت فيه‬
      ‫فإنه يزوجه أولى الناس بها بعده فيزوجها أولى الناس بها ممن يصلح للوالية من اخوتها أو‬
  ‫أعمامها أو بنيهم. نعم لو كان الخاطب غير كفؤ في دينه أو عفته فرضيته المرأة وأبى وليها فله‬
     ‫الحق في ذلك وال إثم عليه ولو بقيت لم تتزوج إلى الموت ألن إباءه لمصلحتها ومن مقتضى‬
                                                                                     ‫أمانته .‬
  ‫العقبة الثالثة التي تحول دون الزواج ومصالحه العظيمة: غالء المهور ونفقات الزواج وتزايدها‬
    ‫حتى صار الزواج من األمور المستحيلة أو الشاقة جدا لدى كثير من الراغبين في الزواج إال‬
‫بديون تشغل ذمته فتجعله أسيرا لدائنه. وإن تذليل هذه العقبة أن يفكر ذو الرأي من األولياء ما هو‬
‫المقصود بالنكاح وما هي مكانة المرأة التي جعلك اهلل وليا عليه هل المقصود بالنكاح المال؟ وهل‬
 ‫المرأة سلعة تباع؟ أو تمنع بحسب ما يبذل فيها من المال؟ كل هذا لم يكن فليس المقصود بالنكاح‬
      ‫المال وإنما المال وسيلة إليه. وليست المرأة سلعة بل هي أكرم من السلعة هي أمانة عظيمة‬
 ‫وجزء من أهله وإذا فكرنا هذا التفكير وبلغنا هذه النتيجة عرفنا أن المال ال قيمة له وأن المغاالة‬
‫في المهور ونفقات الزواج ال مبرر لها فلنرجع إلى ما كان عليه النبي وأصحابه فقد قال عمر بن‬
    ‫الخطاب : أال ال تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اهلل كان‬
 ‫أوالكم بها النبي ما أصدق رسول اهلل امرأة من نسائه وال أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي‬
 ‫عشرة أوقية وإن الرجل ليغلو في امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك‬
 ‫علق القربة. أي تكلفت دفع كل شيء عندي إليك حتى علق القربة وهو الحبل الذي تعلق به. فإذا‬
   ‫رجعنا إلى ما كان عليه السلف الصالح من تقليل المهور تيسرت أمور الزواج وعظمت بركاته‬
  ‫وانتفع بذلك الرجال والنساء. إن هذه المغاالة في المهور توجب تعطل كثير من الرجال والنساء‬
      ‫عن النكاح أو محاولة الزواج من الخارج الذي قد يسبب له مصاعب ومتاعب كثيرة وربما‬
                          ‫خ‬
 ‫يحصل به تغيير المجتمع في عاداته وأحواله وربما في عبادته ألن لل ُلطة تأثيرا كثيرا في تغيير‬
                                                                                  ‫هذه األمور.‬
   ‫أيها المسلمون: إن كثيرا من األولياء اآلباء وغيرهم يشترطون على الزوج الخاطب ماال يدفعه‬
     ‫إليهم وسيكون هذا المال بالتأكيد على حساب مهر المرأة وهذا أكل للمال بالباطل فالمهر كله‬
    ‫للزوجة قال اهلل تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فأضاف الصداق إليهن. وفي الحديث عن‬
   ‫النبي أنه قال: ((أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها وما‬
                                   ‫كان بعد عصمة النكاح - أي بعد عقده - فهو لمن أعطيه)).‬
 ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل ودعوا مهور النساء لهن وال تشترطوا ألنفسكم شيئا منه فإن ذلك اقتطاع بغير‬
‫حق وسبب للتالعب بوالية النكاح حيث يالحظ الولي هذا الشرط فيزوج من يعطيه أكثر ومنع من‬
  ‫ال يعطيه ضاربا بمصلحة موليته عرض الحائط وهذا إهدار لألمانة وخيانة للوالية فأدوا األمانة‬
    ‫واحفظوا الوالية: ال تخونوا اهلل والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم‬
                                                      ‫وأوالدكم فتنة وأن اهلل عنده أجر عظيم .‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
        ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                       ‫لم ترد.‬
‫(5/189)‬




                                                                                ‫الخمر وحكمها‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                            ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                      ‫محمد بن صالح العثيمين‬
                                                                                        ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫الجامع الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- األمر بتقوى اهلل وشكره علىما أنعم من الطيبات وكيفية ذلك. 7- ما حرم اهلل من المطاعم‬
‫والمشارب إال الضار. 3- الخمر تعريفها وحكمها وحكم من يستحل شربها. 1- حد شارب الخمر‬
                                       ‫وعقوبته في اآلخرة. 1- مضار الخمر وآثارها الدنيوية.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
  ‫اتقوا اهلل تعالى وتمتعوا بما أحل لكم من الطيبات واشكروه عليها بالقيام بطاعته فإن الشكر سبب‬
 ‫للمزيد: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا هلل إن كنتم إياه تعبدون واجتنبوا‬
  ‫ما حرم عليكم من المطاعم والمشارب لعلكم تفلحون فإن اهلل لم يحرمها عليكم إال لضررها ولو‬
‫كانت خيرا ما حرمها عليكم فإن اهلل ذو الفضل العظيم. فلم يحرم عليكم إال ما فيه ضرر في دينكم‬
‫أو دنياكم أو فيهما جميعا قال اهلل تعالى في وصف نبيكم : يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث‬
 ‫ويضع عنهم إصرهم واألغالل التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور‬
                                                          ‫الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .‬
 ‫أيها المسلمون أيها المؤمنون بمحمد إن من الخبائث التي حرم اهلل عليكم على لسان نبيكم بالوحي‬
  ‫الذي أوحى إليه ذلك الشراب الخبيث: الخمر، وهو كل شيء مسكر من مطعوم أو مشروب قال‬
      ‫النبي : ((كل مسكر خمر)) وقال عمر بن الخطاب على منبر رسول اهلل : (الخمر ما خامر‬
       ‫العقل) متفق عليهما، ومعنى خامر العقل غطاه بالسكر والذهول فالخمر ليس من نوع معين‬
                    ‫مخصوص بل هو كل ما أسكر وغطى العقل واختل به التمييز سكرا وتلذذا .‬
     ‫أيها المسلمون إن الخمر حرام بكتاب اهلل تعالى حرام بسنة رسول اهلل حرام بإجماع المسلمين‬
 ‫إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين اإلسالم ال خالف فيه وال نزاع وال إشكال وال لبس قال‬
   ‫اهلل تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر واألنصاب واألزالم رجس من عمل الشيطان‬
     ‫فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر‬
                                           ‫ويصدكم عن ذكر اهلل وعن الصالة فهل أنتم منتهون .‬
 ‫وقال النبي : ((كل خمر - وفي رواية: كل مسكر - حرام)) رواه مسلم. وأجمع علماء المسلمين‬
  ‫في مشارق األرض ومغاربها وقديم الزمان وحديثه على أن الخمر حرام إجماعا قطعيا ال ريب‬
   ‫فيه فمن قال: إنه حالل فهو كافر يستتاب فإن تاب وأقر بتحريمها ترك وإال قتل كافرا مرتدا ال‬
  ‫يغسل وال يكفن وال يصلى عليه وال يدفن في مقابر المسلمين وإنما يرمس بثيابه في حفرة بعيدة‬
  ‫لئال يتأذى المسلمون برائحته وأقاربه بمشاهدته وال يرث أقاربه من ماله وإنما يصرف ماله في‬
 ‫مصالح المسلمين وال يدعى له بالرحمة وال النجاة من النار ألنه كافر مخلد في نار جهنم: إن اهلل‬
  ‫لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا ال يجدون وليا وال نصيرا يوم تقلب وجوههم في‬
                                                 ‫النار يقولون يا ليتنا أطعنا اهلل وأطعنا الرسوال .‬
   ‫أيها المسلمون إن من اعتقد أن الخمر حالل فهو مضاد هلل مكذب لرسول اهلل خارج عن إجماع‬
 ‫المسلمين: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى‬
‫ونصله جهنم وساءت مصيرا . أما من شرب الخمر وهو يؤمن ويعتقد بأنها حرام ولكن سولت له‬
    ‫نفسه بها فشربها فهو عاص هلل فاسق عن طاعته مستحق للعقوبة عقوبته في الدنيا أن يجلد بما‬
  ‫يراه والة األمور رادعا له ولغيره بشرط أن ال ينقص عما جاء عن السلف الصالح. كان شارب‬
        ‫الخمر في عهد النبي يضرب نحو أربعين ولم يسنه بقدر معين بل كان الناس يقومون إليه‬
     ‫فيضربونه باأليدي والجريد واألردية والنعال فلما عثا الناس فيها وفسقوا جمع عمر الصحابة‬
   ‫رضي اهلل عنهم فاستشارهم في عقوبة تكون أردع للناس الفاسقين بشربها فقال عبد الرحمن بن‬
  ‫عوف : أخف الحدود ثمانين. فجعله عمر ثمانين فإذا تكرر من الشارب الشرب وهو يعاقب وال‬
‫يرتدع فقال ابن حزم: يقتل في الرابعة. وقال شيخ اإلسالم ابن تيميه: يقتل في الرابعة عند الحاجة‬
‫إليه، إذا لم ينته الناس بدون القتل. وهذا عين الفقه ألن الصائل على األموال إذا لم يندفع إال بالقتل‬
                                                                                  ‫ق‬
   ‫ُتل فما بالكم بالصائل على أخالق المجتمع وصالحه وفالحه ألن ضرر الخمر ال يقتصر على‬
                                                          ‫صاحبه بل يتعداه إلى نسله ومجتمعه .‬
  ‫هذه عقوبة شارب الخمر في الدنيا أما عقوبته في اآلخرة فقال أنس بن مالك : ((لعن رسول اهلل‬
  ‫في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل‬
‫ثمنها والمشتري لها والمشتراة له)) قال في الترغيب: رواته ثقات. وقال : ((من شرب الخمر في‬
     ‫الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في اآلخرة)) رواه مسلم. وقال: ((ثالثة ال يدخلون الجنة: مدمن‬
     ‫الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر)) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم. وقال :‬
‫((مدمن الخمر إن مات لقى اهلل كعابد وثن)) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح قاله في الترغيب.‬
‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون واجتنبوا الخمر لعلكم تفلحون فلقد وصفت الخمر بأقبح الصفات في كتاب‬
   ‫اهلل تعالى وفي سنة رسوله وصفها اهلل بأنها رجس من عمل الشيطان وقرنها بالميسر واألزالم‬
  ‫وعبادة األوثان: إنما الخمر والميسر واألنصاب واألزالم رجس من عمل الشيطان وقال النبي :‬
 ‫((اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر)) رواه الحاكم وقال: صحيح اإلسناد. وصدق رسول اهلل فإن‬
‫الخمر مفتاح كل شر وجماع اإلثم كله. إن شاربها يفقد عقله ويلتحق بالمجانين إنه ربما يقتل نفسه‬
   ‫وهو ال يشعر وربما يزني وهو ال يشعر وربما يعتدي على غيره وهو ال يشعر. روى البيهقي‬
   ‫بإسناد صحيح عن عثمان بن عفان أنه قال: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، كان رجل فيمن‬
   ‫خال قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فأحبته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فجاء‬
     ‫البيت ودخل معها فكانت كلما دخل بابا أغلقه دونه حتى وصل إلى امرأة وضيئة (أي حسناء‬
‫جميلة) جالسة عندها غالم وإناء خمر فقالت له إنها ما دعته لشهادة وإنما دعته ليقع عليها أو يقتل‬
  ‫الغالم أو يشرب الخمر فلما رأى أنه البد له من أحد هذه األمور تهاون بالخمر فشربه فسكر ثم‬
‫زنى بالمرأة وقتل الغالم) قال أمير المؤمنين عثمان: (فاجتنبوا الخمر فإنها ال تجتمع هي واإليمان‬
‫أبدا إال أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه) ومصداق ما قاله أمير المؤمنين قول النبي : ((ال يشرب‬
‫الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) متفق عليه. وللنسائي: ((فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة اإلسالم من‬
    ‫عنقه فإن تاب اهلل عليه)) وللحاكم: ((من زنى أو شرب الخمر نزع اهلل منه اإليمان كما يخلع‬
                                                                ‫اإلنسان القميص من رأسه)).‬
 ‫أيها المسلمون إن الخمر نقص في الدين وضرر في العقل والنفس والمجتمع؛ أما نقص الدين فقد‬
   ‫بان لكم من كتاب اهلل وسنة رسوله وخلفائه الراشدين ما فيه كفاية وأما ضررها في العقل فإنها‬
 ‫تمحوه حين شربها إذا سكر وتضعف العقل بعد الصحو وربما أدى شربها إلى الجنون الدائم كما‬
                                                              ‫هو معلوم من أقوال أهل الطب.‬
    ‫وأما ضرر الخمر في النفس فإن شارب الخمر تجده دائما في ضيق وغم وقلق نفس كل كلمة‬
 ‫تثيره وكل عمل يضجره ألن قلبه معلق بالخمر ال يسر إال بتناولها وال يفرح إال باالجتماع عليها‬
                                                               ‫فال يتقن عمال وال يثمر نتيجة.‬
    ‫وأما ضرر الخمر في المجتمع فهو إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس وقتل المعنويات العالية‬
      ‫واألخالق الفاضلة واإلغراء بالزنا واللواط وكبائر اإلثم والفواحش كما شهد بذلك الخبيرون‬
                                                                           ‫بالجرائم وأسبابها.‬
 ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل واسألوه العصمة من كبائر اإلثم والفواحش والتوبة من جميع اإلثم والمعاصي‬
                                             ‫وتعاونوا على البر والتقوى ومنع اإلثم والعدوان.‬
     ‫اللهم جنبنا منكرات األخالق واألعمال واألهواء واألدواء ووفقنا للتوبة النصوح واإلنابة إليك‬
                                           ‫واغفر لنا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد.‬

‫(5/689)‬




                                                                           ‫أهل السنة وأئمتهم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                         ‫أديان وفرق ومذاهب‬
                                                                                        ‫أديان‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد ... فإن السبيل المستقيم هو الذي جاء به سيد المرسلين وخاتم النبيين عبد اهلل ورسوله‬
‫محمد ، ال سبيل إلى الوصول إلى رضوان اهلل وإلى جناته إال بواسطة اتباع رسول اهلل محمد فمن‬
                        ‫اتبع ما جاء به هذا الرسول فقد نجا وظفر وفاز برضوان رب العالمين.‬
           ‫د‬
‫وإن انحرف عما جاء به هذا الرسول فقد هلك وخسر الخسران المبين ألن سيدنا محم ًا هو المبلغ‬
                              ‫أ‬
‫عن ربه المبين عن اهلل مراده قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما ُنزل إليك من ربك [المائدة: 26].‬
                                               ‫ن‬
                          ‫وقال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ُزل إليهم [النحل: 11].‬
 ‫وهو المعلم ألمته الكتاب والحكمة قال تعالى ممتنًا عليهم بذلك: لقد من اهلل على المؤمنين إذ بعث‬
                                                                               ‫ال‬
           ‫فيهم رسو ً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة [آل عمران: 165].‬
      ‫…وهو الذي يبين لهم الحالل والحرام قال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث‬
                                                                           ‫[األعراف: 215].‬
                                    ‫م‬                                              ‫ب‬
 ‫…وقد ُعث لهذه األمة قاضيًا بينهم في شئون حياتهم وحك ًا فيما شجر بينهم قال تعالى: وما كان‬
                                                ‫ر‬
    ‫لمؤمن وال مؤمنة إذا قضى اهلل ورسوله أم ًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [األحزاب: 63].‬
       ‫ج‬                                      ‫ُحك‬             ‫ُحك‬
   ‫…فال يصح إيمان أحد حتى ي ِّم نبي اهلل وي ِّم سنته ثم ال يجد في نفسه ضيقًا وال حر ًا من‬
                                                                          ‫ذلك بل يسلم لحكمه .‬
 ‫ج‬
‫…قال تعالى فال وربك ال يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ال يجدوا في صدورهم حر ًا‬
                                                      ‫مما قضيت ويسلموا تسليمًا [النساء: 16].‬
   ‫…ولقد بعثه اهلل بالشريعة السمحة والدين الخاتم ليحكم بذلك بين الناس قال تعالى إنا أنزلنا إليك‬
                                     ‫الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اهلل [النساء: 105].‬
   ‫…ولذلك لقد اختاره اهلل سبحانه وتعالى نموذجًا عمليًا وأسوة حسنة للمؤمنين قال تعالى لقد كان‬
                 ‫ر‬
 ‫لكم في رسول اهلل أسوة حسنة لمن كان يرجو اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كثي ًا [األحزاب: 57].‬
‫ولذلك أمرنا سبحانه وتعالى بأن نتبع هذا النبي الكريم فقال تعالى: فآمنوا باهلل ورسوله النبي األمي‬
                                ‫الذي يؤمن باهلل وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [األعراف: 815].‬
   ‫فسد كل الطرق فال طريق إلى اهلل سبحانه وال إلى محبته إال طريق اتباع هذا النبي الكريم قال‬
                            ‫تعالى: قل إن كنتم تحبون اهلل فاتبعوني يحببكم اهلل [آل عمران: 53].‬
‫ولذلك قرن سبحانه بين طاعته وطاعة رسوله وشد وثاق بعضهما إلى بعض فقال تعالى: وأطيعوا‬
           ‫اهلل ورسوله [األنفال: 61] وقال سبحانه: من يطع الرسول فقد أطاع اهلل [النساء: 08].‬
          ‫فكيف يتخيل مسلم بعد ذلك أن هناك طريقًا يمكن أن يوصل إلى اهلل غير طريق محمد .‬
     ‫وكيف يتوهم عاقل بعد ذلك أنه ال يحتاج إلى الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد وكيف يتخيل‬
                                                     ‫م‬
              ‫مؤمن بعد ذلك أنه يبقى مؤمنًا أو مسل ًا وهو يظن أنه ال حاجة به إلى سنة محمد .‬
 ‫إن اهلل عز وجل قد بين لنا أنه ال سبيل وال طريق إليه وال إلى جواره إال باتباع هذا النبي الكريم‬
                                                                                              ‫.‬
‫فمن انحرف عما جاء به سيدنا محمد فقد هلك وأخطأ الطريق، وقد حذر اهلل سبحانه وتعالى هؤالء‬
       ‫المارقين الذين انحرفوا عن أمره فقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو‬
                                                               ‫يصيبهم عذاب أليم [النور: 36].‬
 ‫وكما أن النبي هو الواسطة بيننا وبين ربنا عز وجل فهو المبلغ عن اهلل سبحانه وتعالى فإن هناك‬
‫واسطة بيننا وبين رسول اهلل وهي أصحابه الكرام رضوان اهلل عليهم، فكما أن اهلل تعالى اصطفى‬
                       ‫ب‬
    ‫نبيه من بين سائر البشر ليبلغ عن اهلل رساالته فقد اصطفى لنبيه أصحا ًا هم أفضل الناس بعد‬
                                                                              ‫ال‬
    ‫األنبياء عقو ً وأصفاهم نفوسًا وأنقاهم قلوبًا فحفظوا ما بلغهم به الصادق األمين من كالم رب‬
                                                                                      ‫العالمين.‬
                                                                ‫ال‬      ‫ال‬
    ‫…وحفظوا سنته أقوا ً وأفعا ً وسائر أحواله الخاصة منها والعامة ثم بلغوها إلى األمة وكانوا‬
 ‫أمناء على ذلك وكانوا علماء فقهاء في دين اهلل فحفظ اهلل بهم ما أنزل على رسوله من قرآن وما‬
                  ‫أوحي إليه من سنة فرضي اهلل عنهم وأرضاهم وجزاهم عن األمة خير الجزاء.‬
‫كيف يتخيل عاقل أو مسلم بعد ذلك أنه يمكن أن يستغني عن هذه الواسطة الكريمة أن يستغني عن‬
  ‫واسطة الصحابة الكرام ويصل إلى الدين بدونها ال سبيل إلى الوصول إلى دين اهلل وإلى شرعه‬
                                 ‫وإلى قرآنه الذي أنزله على رسوله إال بواسطة الصحابة الكرام.‬
                                                           ‫د‬
  ‫…لم يخطر على بال مسلم أب ًا أنه يمكن االستغناء عن واسطة الصحابة الكرام ولم يخطر على‬
                                                                         ‫د‬
 ‫بال مؤمن أب ًا التنقص من حق هؤالء الصحابة ومكانتهم وقدرهم إنما خطر ذلك على بال اليهود‬
        ‫والمجوس وفروخهم الذين اندسوا في صفوف األمة اإلسالمية منذ وقت مبكر بهدف الهدم‬
                                                                                        ‫والتخريب.‬
   ‫أما المؤمنون المسلمون فإنهم يعلمون ويؤمنون أنه ال سبيل إلى الوصول إلى شرع اهلل وال إلى‬
    ‫وحيه وقرآنه الذي أنزله إلى نبيه إال بواسطة هؤالء الصحابة الكرام ألنهم هم الذين نقلوا إلينا‬
                                             ‫كالم اهلل القرآن الكريم الذي نزل على سيدنا محمد .‬
  ‫وهم الذين نقلوا إلينا السنة النبوية وعلى هذين الركنين قام بناء الدين كله فكيف يستغني أحد عن‬
 ‫واسطة الصحابة الكرام إذن ينهدم الدين كله. كما بلغ الرسول عن ربه فأتم البالغ وأدى الرسالة‬
 ‫فهو الواسطة بين األمة وبين ربها عز وجل فقد بلغ الصحابة الكرام عن رسول اهلل فأتموا األداء‬
                 ‫وأحسنوا البالغ فرضي اهلل عنهم وأرضاهم وجزاهم عن هذه األمة خير الجزاء.‬
  ‫…فلهذا كله فإننا نعلنها صريحة واضحة ونعنون بالسبيل المستقيم بذلك العنوان الساطع كما قال‬
   ‫رسول اهلل : ((ما أنا عليه وأصحابي)) فرسول اهلل يخبر بأن سبيل اهلل المستقيم ويعول على أن‬
                              ‫سبيل اهلل المستقيم بهذه العبارة الواضحة ((ما أنا عليه وأصحابي)).‬
        ‫ت‬
  ‫وذلك في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه األئمة في كتبهم بأسانيد أكثر من أن ُحصي أن‬
   ‫رسول اهلل أخبر عن افتراق أمته من بعده إلى فرق وعن تكاثر هذه الفرق ثم دلهم على الفرقة‬
 ‫الناجية هو الرءوف بأمته الرحيم بهم فقال : ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت‬
     ‫النصارى على ثنتي وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثالث وسبعين فرقة كلها في النار إال‬
 ‫واحدة ففي الجنة)) قالوا: وما هي الناجية يا رسول اهلل؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) ثم سمى‬
   ‫رسول اهلل هذه الفرقة بالجماعة فقال: ((وهي الجماعة فمن أراد بحبحة الجنة فليزم الجماعة)).‬
      ‫أي ليلزم ما كان عليه رسول اهلل وما كان عليه أصحابه الكرام رضي اهلل عنهم وأرضاهم.‬
    ‫الحمد هلل الذي هدانا لإلسالم وما كنا لنهتدي لوال أن هدانا اهلل ربنا ال تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا‬
    ‫وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا اغفر لنا وللذين سبقونا باإليمان وال تجعل في‬
                                           ‫قلوبنا غالً للذين آمنا ربنا واغفر لنا إنك رءوف رحيم.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من‬
  ‫يهد اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد‬
                                                                            ‫د‬
    ‫أن محم ًا عبده ورسوله من يطع اهلل ورسوله فقد رشد ومن يعص اهلل ورسوله فقد غوى ومن‬
                                                                 ‫يعصهما فإنه ال يضر إال نفسه.‬
  ‫أما بعد ... فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة‬
                                                  ‫بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                  ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار.‬
‫يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل حق تقاته وال تموتن إال وأنتم مسلمون [آل عمران: 705] يا أيها الذين‬
                                                            ‫ال د‬
 ‫آمنوا اتقوا اهلل وقولوا قو ً سدي ًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اهلل ورسوله فقد‬
                                                                              ‫م‬      ‫ز‬
                                                           ‫فاز فو ًا عظي ًا [األحزاب: 52،02].‬
 ‫وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائإلن‬
                   ‫م‬
   ‫اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلي ًا [األحزاب: 61].‬
                                           ‫ر‬                            ‫ى‬
                                       ‫وقال ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًا)).‬
 ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
   ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬

‫(5/289)‬




                                                                            ‫آداب عيادة المريض‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                       ‫اآلداب والحقوق العامة, المرضى والطب‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                 ‫عبد الحميد بن جعفر داغستاني‬
                                                                                   ‫مكة المكرمة‬
                                                                                    ‫9/2/8015‬
                                                                                       ‫ابن حسن‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- حق المسلم على المسلم. 7- فضل زيادة المريض. 3- آداب زيارة المريض. 1- إهداء‬
                               ‫المريض. 1- رقية المريض. 6- دعاء المريض وفضل المرض.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
 ‫فاتقوا اهلل معشر المسلمين، واستعينوا بخالقكم فى كل أموركم واستنيروا بسنة نبيكم، فقد كان أنفع‬
 ‫الناس للناس وأكثرهم برا وصلة له وال سيما عندما يعتريهم أمر اهلل وقدره من موت أو مرض،‬
 ‫فقد كان يعود المريض مسلما أو يهوديا، وكذلك كل من تربطه به صله إذا مرض ال تمنعه كثرة‬
      ‫مشاغله عن هذا الواجب وال إدارة الدولة اإلسالمية عن ذلك، مع أنه كان كثير األهل عظيم‬
‫العشيرة محبوبا إن تكلم أو سكت، محاطا بالناس إذا قام أو قعد عظيم الذكر والعبادة واسع الخطو‬
                      ‫فى الغزو وفى الفتوح -بأبي هو وأمي وولدي ونفسي والناس أجمعين - .‬
        ‫بين لنا الرسول حق المسلم على المسلم فقال: ((حق المسلم على المسلم رد السالم وعيادة‬
                  ‫المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس))(5)، رواه الشيخان.‬
     ‫وال يلزم كما هو ظاهر من الحديث أن يكون المسلم من معارفه وإنما يكفى وصف اإلسالم:‬
  ‫((حق المسلم على المسلم)) لقيام هذه الحقوق إلخواننا المسلمين علينا، فإذا كانت صلة قرابة أو‬
                     ‫صلة جوار أو أخوة أو معرفة فإن ذلك الحق يعظم بمقدار عظم تلك الصلة.‬
  ‫وحديث آخر يرويه البراء بن عازب عن النبي يقول: ((أمرنا رسول اهلل بعيادة المريض واتباع‬
 ‫الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم ونصرة المظلوم وإجابة الداعى وإفشاء السالم))(7) رواه‬
                                                                                    ‫الشيخان.‬
‫إن زائر المريض يحظى ويتمتع بثمار الجنة حتى يرجع من زيارته قال الرسول : ((إن المسلم لم‬
     ‫يزل فى خرفة الجنة حتى يرجع قيل: يا رسول اهلل وما خرفة الجنة؟ قال: جناها))(3). رواه‬
                                                                                       ‫مسلم.‬
 ‫وفى فضل زيارة المريض يروي علي عن ابن عمه رسول اهلل قوله: ((ما من مسلم يعود مسلما‬
  ‫غدوة إال صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إال صلى عليه سبعون ألف‬
‫حتى يصبح وكان له خريف فى الجنة))(1) رواه الترمذي والخريف الثمر المخروف أي المجتنى.‬
        ‫ومن آداب زيارة المريض المسارعة إلى عيادته وهذا يفهم من قوله ((إذا مرض فعده)).‬
  ‫وهناك أحاديث تدل على أن زيارة المريض تكون بعد ثالثة أيام من مرضه لما رواه ابن ماجة‬
                                  ‫والبيهقى قال: ((كان النبى ال يعود مريضا إال بعد ثالث))(1)‬
  ‫فإذا لم يكن المرض خطير يخشى على المريض من جرائه الموت ولم يتأذى من الزيارة تكون‬
                                                                              ‫الزيارة مباشرة.‬
       ‫أما إذا كان المرض عاديا فتكون الزيارة بعد ثالث، و|ال يترك بحسب سعة حال المريض‬
                     ‫وبحسب ما تمليه الظروف من سرعة فى العيادة او تأخيرها بعد ثالث أيام.‬
‫ومن السنة تخفيف العيادة والسيما عند ضعف المريض أو عند كثرة الزوار أو عند ضيق المكان،‬
‫ويكون الدخول |لى المريض بحسب حالته واحتياجه لما روي عنه عند الحاكم أنه قال: ((زر غبا‬
                                                                             ‫تزدد حبا))(6).‬
   ‫ومن أعظم ما يهدى للمريض عند الدخول عليه الدعاء له، ال تهريب ما منعه األطباء منه من‬
                                      ‫شراب أو غذاء، السيما إن كان محرما كدخان أو نحوه.‬
‫ويفعل الزائر كما كان يفعل النبي يمسح يده اليمنى عليه ويقول: ((أذهب البأس رب الناس واشف‬
‫أنت الشافي، ال شفاء إال شفاؤك، شفاء ال يغادر سقما))(2) أو يقول سبعا: ((اسأل اهلل العظيم رب‬
‫العرش العظيم أن يشفيك)) عن ابن عباس عن النبى قال: (( من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال‬
           ‫عنده سبع مرار: أسأل اهلل العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إال عافاه اهلل من ذلك‬
                                                              ‫المرض))(8)، رواه أبو داود.‬
  ‫ومما يهدى إلى المريض تذكيره بوصية النبي في االستشفاء فقد جاء عثمان بن أبي العاص إلى‬
  ‫النبى يشكوه وجعا فى جسده فقال له: ((ضع يدك على الذى يألم من جسدك وقل: بسم اهلل ثالثا‬
                    ‫وقل سبع مرات أعوذ باهلل وقدرته من شر ما أجد وأحاذر))(9) رواه مسلم.‬
‫ومن الود واألدب أن يسأل المسلم أهل المريض عن حاله، فقد سأل الناس عليا لما خرج من عند‬
                                 ‫النبي في مرضه فأجابهم على بقوله: (يصبح بحمد اهلل بارئا).‬
   ‫قال رسول اهلل: ((إن اهلل عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يارب‬
 ‫كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فالنا مرض فلم تعده، أما علمت أنك‬
                                                      ‫عدته لوجدتني عنده))(05)رواه مسلم.‬
‫ويستحب قعود الزائر عند رأس المريض، ويستحب تطييب نفس المريض بالشفاء العاجل والعمر‬
‫الطويل: ((إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله (بطول العمر) فإن ذلك ال يرد شيئا ويطيب‬
                                                     ‫بنفسه))(55) رواه ابن ماجة والترمذي.‬
                                              ‫ويقال له: ((ال بأس طهور إن شاء اهلل تعالى)).‬
      ‫طلب الدعاء من المريض: ((إذا دخلت على مريض فمره أن يدعوا لك، فإن دعاءه كدعاء‬
                                                   ‫المالئكة))(75) رواه ابن ماجة والنسائي.‬
                                                       ‫تذكيره بال إله إال اهلل عند االحتضار.‬
                                                         ‫((لقنوا موتاكم ال إله إال اهلل))(35).‬
                                      ‫((من كان آخر كالمه: ال إله إال اهلل دخل الجنة))(15).‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد.‬
                                                                             ‫__________‬
   ‫(5) صحيح البخارى : كتاب الجنائز باب االمر باتباع الجنائز 7/02 ، وصحيح مسلم : كتاب‬
                                   ‫السالم ، باب من حق المسلم للمسلم رد السالم 15/315 .‬
‫(7) صحيح البخارى : كتاب الجنائز باب االمر باتباع الجنائز 7/02 صحيح مسلم : كتاب اللباس‬
                           ‫باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء 15/53 .‬
                  ‫(3) صحيح مسلم : كتاب البر والصلة باب فضل عيادة المريض 65/175 .‬
                  ‫(1) سنن الترمذي : كتاب الجنائز باب ما جاء فى عيادة المريض 3/503 .‬
                 ‫(1) سنن ابن ماجه : كتاب الجنائز باب ما جاء فى عيادة المريض 5/761 .‬
                                                                  ‫(6) المستدرك 3/213 .‬
‫(2) اخرجه البخارى فى صحيحه : كتاب المرضى باب دعاء العائد للمريض 2/55 . ومسلم فى‬
                               ‫صحيحه كتاب السالم باب استحباب رقية المريض 15/085 .‬
                 ‫(8) سنن ابى داود : كتاب الجنائز باب الدعاء للمريض عند العياده 3/285 .‬
 ‫(9) صحيح مسلم كتاب السالم باب استحباب وضع اليد على موضع االلم مع الدعاء 15/985 .‬
                  ‫(05) صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب فضل عيادة المريض 65/175 .‬
  ‫(55) سنن الترمذى كتاب الطب 1/751 ، وسنن ابن ماجه كتاب الجنائز باب ما جاء فى عيادة‬
                                                                                ‫5/561 .‬
                  ‫(75) سنن ابن ماجه كتاب الجنائز باب ما جاء فى عيادة المريض 5/361 .‬
                 ‫(35) اخرجه مسلم كتاب الجنائز باب تلقين الموتى (ال اله اال اهلل ) 6/957 .‬
                      ‫(15) اخرجه ابو داود فى سننه كتاب الجنائز باب فى التلقين 3/095 .‬

‫(5/889)‬




                                                                    ‫أثر القران في النفوس‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                     ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                          ‫القرآن والتفسير‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                           ‫المدينة المنورة‬
                                                                                      ‫قباء‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫ي‬
‫5- عظمة القرآن وهيبته يجدها المسلم والكافر 7- إسالم عمر والنجاشي بعد سماعهما لبعض آ ِ‬
                                                          ‫ي ر‬
   ‫القرآن 3- صناديد قريش َسْت ِقون السمع ليسمعوا القرآن 1- حجاب الغفلة وحب الدنيا يحول‬
                                                                      ‫بيننا وبين القرآن الكريم‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫فإن هذا القرآن العظيم الذي تكلم به رب العزة والجالل فسمعه جبريل ونزل به على قلب نبيه‬
                             ‫محمد صلى اهلل عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.‬
    ‫إن هذا القرآن العظيم له تأثير عظيم في النفوس وله هيبة عظيمة في القلوب ويتلذذ المؤمنون‬
‫بسماعه وتالوته وتدبره فيكون صفاء لصدورهم وهدى ورحمة عليهم, لكن هذا القرآن ال ينتفع به‬
              ‫ا‬
      ‫فريقان من الناس المتكبرون والغافلون, أما المتكبرون الذين كفروا بآيات اهلل عتوً وغروراً‬
                                                                             ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫وطغيانً وكبرً واتباع لألهواء وإيثاراً للشهوات فهؤالء وإن أحسوا بعظمة القرآن وهيبته وإن‬
 ‫استعذبوا تالوته فإنه ال يزيدهم إال عمى وخسارا وذلك للكبر الذي في قلوبهم , وأما الغافلون فقد‬
 ‫ران غشاء الغفلة على قلوبهم وغطاها فهي ال تبصر وال تعقل وال تعي ما تسمع وإذا تليت آيات‬
      ‫القرآن على هذه القلوب الغافلة فهي عمياء صماء والع