موسوعة خطب المنبر 012

Document Sample
موسوعة خطب المنبر 012 Powered By Docstoc
					                    ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
               ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                               ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                    ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                                ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
          ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
         ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
     ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                        ‫معين.‬


                                                  ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                          ‫أحمد عبداهلل السني.‬

                                                                                    ‫العين حق‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                  ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫أمراض القلوب‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                   ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                  ‫مكة المكرمة‬
                                                                              ‫المسجد الحرام‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- ذم الحسد والعين. 7- األثر العظيم للعين. 3- هل العين حق؟ 4- حديث مع المنكرين للعين.‬
   ‫1- شركية تعليق التمائم والودع لدفع العين. 6- أنواع الرقى في دفع العين. 2- االحتراز من‬
                                                   ‫العين قبل وقوعها. 8- العالج من العين.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
     ‫فاتقوا اهلل أيها الناس، اتقوا ربكم وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى اهلل ـ عز وجل ـ تصلح‬
                                               ‫األمور، وتتالشى الشرور ويصلح للناس أمر الدنيا واآلخرة.‬
‫أيها الناس، الحسد والتحاسد مجمع اآلفات، ومستنقع الشرور والرذائل؛ إذ ما دخل الحسد في شيء‬
  ‫إال شانه، وال نزع من شيء إال زانه، وإن انتشار مثل هذه الملوثة المذمومة، في أوساط الناس،‬
‫ألمر مؤذن بعواقب وخيمة، وأضرار جسيمة، ولو لم يكن من ذلك إال التباغض والتدابر، واإلحن‬
                                                                    ‫والتناحر بله الغيبة والنميمة واألشر والبطر.‬
        ‫وإن من سهام الناس القاتلة التي تمزق من رمية الحسد هي اإلصابة بالعين، وما أدراكم ما‬
‫اإلصابة بالعين؟! إنها نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر،‬
                    ‫يقال: أصابت فالنا عين، إذا نظر إليه عدو أو حسود، فأثرت فيه فمرض بسببها.‬
  ‫بذلكم ـ عباد اهلل ـ بين أهل العلم حقيقة العين، وبها تعلمون أن العين، إنما هي جمرة مضرمة‬
      ‫من حطب الحسد، ابتلي بها الكثيرون على حين غفلة من األوراد الشرعية، التي هي حروز‬
    ‫أمنية، وحصون مكينة، فتناثرت جثث وهام، وتردت نفوس، وتهالكت أجساد من جرائها، ولقد‬
        ‫صدق رسول اهلل إذ يقول: ((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء اهلل وقدره بالعين)) [رواه‬
                                       ‫البخاري في تاريخه والبزار في مسنده(5)[5]، وهو حديث حسن].‬
 ‫عباد اهلل، العين حق ال مماراة فيها، ثابتة بالكتاب والسنة وبواقع األمم المتكررة، يقول اهلل ـ جل‬
   ‫ب ص ه َم سمع ذ ر و ق ل ِنه م ن ن‬                                          ‫ر ُ لق‬                ‫وإ ي د َّذ‬
   ‫وعال ـ لنبيه َِن َكَا ُ ال ِينَ كَفَ ُواْ لَيزِْ ُونَكَ ِأَبْ َارِ ِمْ ل َّا َ ِ ُواْ ال ِكْ َ َيَ ُوُونَ إ َّ ُ لَ َجْ ُو ٌ‬
                                                                     ‫ن‬
  ‫[القلم:51]. أي يعي ُونك بأبصارهم، قال ابن كثير ـ رحمه اهلل ـ: وفي هذه اآلية دليل على أن‬
 ‫العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اهلل ـ عز وجل ـ. ثم اعلموا عباد اهلل أن اللقع(7)[7] بالعين،‬
‫كان في بني إسرائيل، وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان أحدا، يجوع ثالثة أيام ثم يعتانه.‬
                       ‫ولقد قال الحسن البصري رحمه اهلل: دواء من أصابته العين أن يقرأ هذه اآلية.‬
 ‫ُ ع ذ ِرب ف ق م‬
‫ومما يدل على أن العين حق ـ عباد اهلل ـ قول الخالق ـ جال وعال ـ: قلْ أَ ُو ُ ب َ ّ الْ َلَ ِ ِن‬
         ‫ف ع َ وم ر ح ِ ِ ح َ‬                      ‫وم َر س ِ َ ب وم َر َّف‬                             ‫َر م‬
 ‫ش ّ َا خَلَقَ َ ِن ش ّ غَا ِقٍ إذَا وقَ َ َ ِن ش ّ الن َّاثَاتِ ِى الْ ُقدِ َ ِن شَ ّ َاسدٍ إذَا َسدَ [سورة‬
  ‫الفلق]. قال قتادة: أي من شرعينه ونفسه، وقال ابن القيم ـ رحمه اهلل ـ: كل عائن حاسد، ولما‬
   ‫كان الحاسد أعم من العائن، كانت االستعاذة منه، استعاذة من العائن، وقال ابن عطية: إن عين‬
 ‫الحاسد في الغالب القفة. نعوذ باهلل ـ عز وجل ـ من شرها. ومن لطائف هذه اآلية ـ عباد اهلل‬
      ‫ـ، أن بعض العامة يقولون للحاسد إذا نظر إليهم: الخمس على عينيك، ويشيرون باألصابع‬
              ‫الخمسة، وهذا غلط بين؛ إذ المراد بالخمس هي آيات سورة الفلق إذ كلها خمس آيات.‬
   ‫لقد جاءت السنة مؤكدة للقرآن ومفسرة له، ولقد قال المصطفى في ذلك: ((العين حق، ولو كان‬
  ‫شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)) [رواه مسلم](3)[3]. والمعنى: إن طلب‬
     ‫من أحدكم أن يغتسل لمن أصابه بالعين فليجب. وقال : ((استعيذوا باهلل من العين؛ فإن العين‬
                                                                           ‫حق)) [رواه الحاكم وابن ماجه](4)[4].‬
  ‫وقد صح عند أحمد في مسنده عن النبي أنه قال: ((إن العين لتولع بالرجل بإذن اهلل حتى يصعد‬
                              ‫حالقا فيتردى منه)) (1)[1]، ومعنى يصعد حالقا: أي يصعد مكانا مرتفعا.‬
      ‫وقال مرة ألسماء بنت عميس: ((مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة – أي نحيفة – تصيبهم‬
         ‫الحادة؟؟)) قالت: ال، ولكن العين تسرع إليهم. قال: ((ارقيهم)) قالت: فعرضت عليه فقال:‬
                                                                                     ‫((ارقيهم)) [رواه مسلم](6)[6].‬
 ‫ثم اعلموا عباد اهلل أن العين عينان: عين إنسية وعين جنية، وقد كان النبي يتعوذ من عين الجان‬
 ‫ثم من أعين اإلنس، فلما نزلت المعوذتان واإلنسان قد يعين نفسه إذا رأى منه ما يعجبه، واستقى‬
 ‫الله ُو ِال ِالله‬                        ‫َن َ ق‬               ‫و ِ‬
 ‫بعض أهل العلم ذلك من قوله ـ تعالى ـ: َلَوْال إذْ دَخَلْتَ ج َّتَك ُلْتَ مَا شَاء َّ ُ الَ ق َّةَ إ َّ ب َّ ِ‬
                                                                                                            ‫[الكهف:33].‬
  ‫ولقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم اهلل ـ، أن من عرف بالعين، فإن اإلمام يحبسه، ويجري له ما ينفق‬
                               ‫عليه إلى الموت، قال ابن القيم ـ رحمه اهلل ـ: وهذا هو الصواب قطعا.‬
  ‫وما ذاك ـ يا عباد اهلل ـ، إال لعظم هذا األمر، وخطورته في المجتمع وإهالك األنفس به وهدم‬
                     ‫األسر والبيوتات، مما يدل بالتأكيد على أن العين حق؟ فكفى اهلل المسلمين شرها.‬
‫أيها الناس، في حضارتنا المعاصرة، كثر المثقفون، وشاعت المعارف الذكية، في حين إن البعض‬
    ‫منها، مقطوع الصلة باهلل وبشرعه، واإلنسان مهما قوي فهو ضعيف، ومهما اتسع تعلمه فعلمه‬
  ‫قاصر، وحاجته إلى شريعة ربه والوقوف بالتسليم لنصوصه، أشد من حاجته إلى الماء والهواء،‬
                                                                                  ‫م‬
‫فما أعظ َ نعمةَ الدين الصحيح والعقل الصريح! فال دين بال عقل؛ إذ ال تكليف حينئذ، وال عقل بال‬
                                     ‫دين؛ إذ إنها ال تعمى األبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.‬
       ‫ولقد برزت طائفة من المعنيين بالطب وفنونه ممن قل نصيبهم من نصوص الشارع الحكيم،‬
     ‫فأبطلت أمر العين، وادعت كاذبة أنها ال تعدو كونها أوهاما، وأطياف خيال ال حقيقة لها، وال‬
     ‫غرو أيها المسلمون أن يضل أمثال هؤالء، وقد قال ربنا ـ جل وعال ـ: فَ َنِ َّبَعَ ه َاى فَ َ‬
     ‫م ات ُد َ ال‬
  ‫َ َق و ي َن ك ذب ن‬                     ‫و َ ْ َن َّذ ن م ل ِ ْ ي َن الله َّذ‬                                 ‫ي ِل و ي ق‬
  ‫َض ُّ َالَ َشْ َى [طه:375]. َلَقد فَت َّا ال ِي َ ِن قَبِْهم فَلَ َعْلَم َّ َّ ُ ال ِينَ صد ُواْ َلَ َعْلَم َّ الْ َا ِ ِي َ‬
                                                                                                           ‫[العنكبوت:3].‬
 ‫أيها المسلمون، إن أمر العين غير خافٍ على كل ذي لب متجرد، وهذه حال غير مستنكرة ألبتة،‬
   ‫وإنما المستنكر ـ عباد اهلل ـ أن يكون المتفاعل معها كالمستسمن غير سمن، وكالمستبعد غير‬
 ‫غرب؛ إذ ظن بعض السذج أن ليس للعين سبيل إليهم بمجرد أن يعلق تميمة أو ودعة أو نابا، أو‬
   ‫تعاويذ ورقى ملفقة، ينسجها لهم أدعياء الكهانة والشعوذة، يخدعون بها الرعاع أو يدعو أن لهم‬
  ‫خصوصية في نفع رقاهم وتعاويذهم ألخذهم العهود على شيوخ، أو أصحاب طرق أو نحو ذلك‬
  ‫مما ال أصل له في الدين؛ بل هو بدعة وضالل مبين، وقد قال رسول اهلل : ((إن الرقى والتمائم‬
                                                                  ‫والتولة شرك)) [رواه أحمد وأبو داود](2)[2].‬
        ‫والتمائم شيء يعلق على األوالد من العين. وقال : ((من تعلق شيئا وكل إليه)) [رواه أحمد‬
‫والترمذي](8)[8]. والتعلق يكون تارة بالقلب كاالعتقاد في قراءة الشيخ الفالني، أو التعلق بها من‬
‫دون اهلل وأنها شافية أو نحو ذلك، ويكون تارة بالفعل، كمن يعلق تميمة أو خيطا أو نحوهما، لدفع‬
                                         ‫العين أو الضر، ويكون تارة بهما جميعا؛ أي بالقلب والفعل.‬
    ‫فمن تعلق باهلل وأنزل حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إلى ربه كفاه وهداه وقرب إليه كل‬
‫بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله وتميمته ودوائه وكله اهلل إلى‬
  ‫ضيعة، فما ظنكم ـ عباد اهلل ـ بمن تعلق بغير اهلل؟ بل ما ظنكم بمن وكله اهلل إلى نفسه أو إلى‬
 ‫ه ْ َم ي ش ويا‬                        ‫م ي ش مكب عل‬
 ‫غيره من المخلوقين؟ أترونه ناجيا أم هالكا؟! أَفَ َن َمْ ِى ُ ِ ّاً ََى وَجْ ِهِ أَهدَى أ َّن َمْ ِى سَ ِ ًّ‬
                                                                                        ‫عل ص ط م ق‬
                                                                         ‫ََى ِرا ٍ ُّسْتَ ِيمٍ [الملك:77].‬
   ‫وم‬              ‫وم ي و َّ عل الل ِ ه ح به‬
  ‫واهلل ـ سبحانه ـ هو الذي تعلق عليه اآلمال َ َن َتَ َكلْ ََى َّه فَ ُوَ َسْ ُ ُ [الطالق:3]. َ َا‬
                                                                    ‫َال و َّ عل الله َ َ َد سب‬
                                                 ‫لَنَا أ َّ نَتَ َكلَ ََى َّ ِ وقدْ ه َانَا ُ ُلَنَا [إبراهيم:75].‬
‫إن العجب كل العجب، في أولئك المصابين بالعين، حين يستبدلون الرقى والعزائم الشركية بالرقى‬
    ‫والعزائم الشرعية، جاهلين أو متجاهلين، خطورة هذا المسلك والهوة السحيقة التي تقذفهم إليها‬
       ‫تبعاته. قال القرافي في فروقه عن ألفاظ الرقى: "وهذه األلفاظ منها ما هو مشروع كالفاتحة‬
  ‫والمعوذتين، ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهم، وربما كان كفرا؛ ولذلك‬
                                 ‫نهى مالك وغيره عن الرقى العجمية الحتمال أن يكون فيه محرم".‬
‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيميه ـ رحمه اهلل ـ: "نهى علماء اإلسالم عن الرقى التي ال يفقه معناها؛‬
     ‫ألنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك"، فعن عوف بن مالك األشجعي قال: كنا‬
  ‫نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول اهلل كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اعرضوا علي رقاكم، ال بأس‬
                                                    ‫بالرقى مالم يكن فيه شرك )) [رواه مسلم](3)[3].‬
 ‫كل اسم مجهول، ال يجوز ألحد أن يرقي به فضال عن أن يدعو به، وأما جعل األلفاظ األعجمية‬
         ‫أو الحروف المقطعة شعارا للرقى، فليس من دين اإلسالم، كقول أرباب الدجل في رقاهم‬
       ‫وتعاويذهم: "كركدن دهده، شراهيا جلجلوات" وأمثالها مما هو دجل فوق دجل وخرافة فوق‬
                                                           ‫خرافة، مما ليس من دين اإلسالم في شيء.‬
     ‫بيد أن كثيرا من الناس في هذا العصر، قد كبا كبوة مثيرة، وزل زلة خطيرة، فجمهورهم قد‬
 ‫أصابهم لوثات هذه العلل، قد أسلموا عقولهم أليادي الهدم، التي لبست قفاز التدين واستطاعت من‬
     ‫وراء هذا القفاز، أن تصافح كثيراً من ضعاف النفوس بسبب تخلفهم، وإبان غفلة من علمائهم‬
‫وأولي األمر منهم فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولسان حالهم يقول: (وداوني بالتي كانت‬
       ‫هي الداء). فزادوهم مرضا إلى مرضهم، واقتلعوا أطناب حياتهم الهانئة، فخر عليهم سقف‬
  ‫السعادة من فوقهم وما خذل أمثال هؤالء إال حينما لجؤوا إلى ذئاب الظالم، وركنوا إلى هرائهم‬
   ‫وأهازيجهم، ناسين شرعة اهلل وصبغته َ َنْ أَض ُّ م َّنْ َّبَع هَ َا ُ ِغَي ِ ه ًى ّنَ َّهِ إ َّ َّهَ َ‬
   ‫َل ِم ات َ و ه ب ْر ُد م الل ِن الل ال‬                         ‫وم‬
                                                                                   ‫ْ الظ لم‬         ‫ي ْد‬
                                                                    ‫َه ِى الْقَومَ َّاِ ِينَ [القصص:01].‬
‫فإذا عباد اهلل يستخلص من ذلك أن الرقى تكون مشروعة إذا تحقق فيها شروط ثالثة: أولها: أن ال‬
 ‫يكون فيها شرك وال معصية؛ كدعاء غير اهلل أو اإلقسام بغير اهلل. وثانيها: أن تكون بالعربية وما‬
                                                        ‫يعرف معناه. وثالثها: أن ال يعتقد كونها مؤثرة بنفسها.‬
   ‫قال ابن أبي العز الحنفي: "اتفقوا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم فيه شرك باهلل، فإنه ال يجوز‬
                                                                            ‫التكلم به، وإن أطاعته الجن أو غيرهم".‬
                              ‫ا‬                                                     ‫د‬
    ‫وبع ُ ـ عباد اهلل ـ، فإن كون العين حق، أمر ثابت شرعا وواقعً وعقال، وحينما تظهر أمامنا‬
        ‫هذه الحقيقة جلية، فإن من األخطاء الشائعة، والباليا المعقدة أن يصبح المرض بالعين شبحا‬
 ‫مروعا أو هاجسا متدليا إلى الذهن عند كل وخزة ألم، أو نكسة نفس، حتى يصل األمر بذلك إلى‬
 ‫درجة الوهم لدى الناس، فإذا ما عطس امرؤ قالوا: هذه عين، وإذا أخذته سعلة قالوا: إنها العين،‬
‫وإذا ما أصيب أو ابتلي قالوا: يالها من عين! حتى لقد أخذ الوهم من البعض مأخذه، يمشي وأمامه‬
                                                 ‫ع‬
                 ‫العين، وينام كذلك ويصبح كذلك، وهذا هو الداء ال ُضَال؛ إذ ال يزيد الوهم إال وهنا.‬
       ‫فاتقوا اهلل ـ عباد اهلل ـ وبادروا بالرقى واألذكار الشرعية إصابات العين، وليتق اهلل العائن‬
 ‫وليذهب من قلبه الحسد إن وجد، وإال فليطفئ نار إعجابه بالشيء بذكر اهلل ـ سبحانه ـ، وليدفع‬
 ‫شر عينه بقوله: (اللهم بارك عليه) كما قال النبي لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: ((أال‬
                                                                    ‫بركت))(05)[05]؛ أي قلت: اللهم بارك عليه.‬
 ‫أعاذنا اهلل وإياكم بكلماته التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين المة، بارك اهلل لي ولكم في‬
                                                                                                              ‫القرآن العظيم.‬


                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
 ‫تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه،‬
                                                                                               ‫ومن تبعهم إلى يوم الدين.‬
                                                                                                                       ‫أما بعد:‬
         ‫فاتقوا اهلل معاشر المسلمين واعلموا أنه ال بأس على المرء، في أن يتحرز من العين، بستر‬
      ‫محاسن من يخاف عليه العين، بما يقيه منها، أو أن يعوذه منها بالتعويذ الشرعي، فلقد قال ـ‬
 ‫خل م ب ب و ِد و خل م أ و ب‬                           ‫ب ِى‬         ‫َ‬
 ‫سبحانه ـ عن يعقوب ـ عليه السالم ـ: وقَالَ ي َن َّ الَ تَدْ ُُواْ ِن َا ٍ َاح ٍ َادْ ُُواْ ِنْ َبْ َا ٍ‬
  ‫َك ت وع ِ ي و َّل متوكل ن‬                               ‫إ ح ْم ِال لل ع‬                 ‫م َ ّ و أ ن ع ك م الل م‬
  ‫ُّتَفرقَةٍ َمَا ُغْ ِى َن ُمْ ّنَ َّهِ ِن شَىْء ِنِ الْ ُك ُ إ َّ َّهِ َلَيْهِ تَو َّلْ ُ َ َلَيْه فَلْ َتَ َك ِ الْ ُ َ َ ُّو َ‬
‫[يوسف:26]. قال ابن عباس وغيره: (إنه خشي عليهم العين)؛ وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة‬
   ‫حسنة، فإن العين حق، تستنزل الفارس عن فرسه، وهذا االحتراز ال يرد قدر اهلل وقضاءه؛ فإن‬
                  ‫و أ ن ع ك م الل م‬
           ‫اهلل إذا أراد شيئا ال يخالف وال يمانع؛ ولذا قال يعقوب: َمَا ُغْ ِى َن ُمْ ّنَ َّهِ ِن شَىْء‬
                                                                                  ‫[يوسف:26].‬
‫وكان رسول اهلل يعوذ الحسن والحسين يقول: ((أعيذكم بكلمات اهلل التامة، من كل شيطان وهامة،‬
 ‫ومن كل عين المة )) ويقول: ((هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ـ عليهما السالم ـ))‬
                                                      ‫[رواه البخاري وأصحاب السنن](55)[5].‬
   ‫وبعد ـ عباد اهلل ـ، فإن العين داء عضال، ونار آكلة لم يهمل الشارع الحكيم جانبها، بل بينها‬
‫ووضحها، وأبدى للناس عالجها، وإن من أعظم ما يزيل العين والسحر بأمر اهلل: الرقية الشرعية‬
                        ‫م‬
    ‫من الكتاب والسنة، يقول أبو محمد بن حزم: "جربنا من كان يرقي الد ّل(75)[7] الحاد القوي‬
‫الظهور في أول ظهوره، فيبدأ من يومه ذلك بالذبول ويتم يبسه في اليوم الثالث، جربنا من ذلك ما‬
   ‫ال نحصيه، وكانت امرأة ترقي أحد دملين قد دفعا في إنسان واحد، وال ترقي الثاني فيبس الذي‬
    ‫رقت ويتم ظهور الذي لم ترق، وشاهدنا من كان يرقي الورم المعروف بالخنازير، فيندمل ما‬
                                                            ‫يفتح منها، ويذبح مالم ينفتح ويبرأ".‬
       ‫والرقية ـ عباد اهلل ـ تكون بآيات القرآن، كالفاتحة وآية الكرسي واإلخالص والمعوذتين،‬
‫وغيرهما من آيات القرآن الذي أنزله اهلل هدى وشفاء، وكذا باألدعية النبوية الثابتة عن المصطفى‬
‫كتعويذه للحسن والحسين، وكرقية جبريل له بقوله: ((بسم اهلل أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر‬
                      ‫كل نفس أو عين حاسد، اهلل يشفيك باسم اهلل أرقيك)) [رواه مسلم](35)[3].‬
      ‫ومن أدوية العين الناجعة، ما ذكرت عائشة ـ رضي اهلل عنها ـ بقولها: (كان يؤمر العائن‬
                                        ‫فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين) [رواه أبو داود](45)[4].‬
 ‫كما أن من العالج ـ عباد اهلل ـ، عسل النحل بشتى أنواعه لثبوت ذلك في الكتاب والسنة، وكذا‬
        ‫ماء زمزم، فهو لما شرب له، وهو طعام طعم وشفاء سقم كما صح الخبر بذلك عن النبي‬
                                                                                      ‫(15)[1].‬


                                                                                ‫__________‬
‫(5) التاريخ الكبير للبخاري (4/063)، وعزاه ابن حجر في فتح الباري (05/407) للبزار بإسناد‬
                                                                                         ‫حسن.‬
                                                                     ‫ع ٌ ا‬
                          ‫(7) يقال: لَقَ َ فالن فالنً بعينه، أي: أصابه بها (القاموس ، مادة لقع).‬
                ‫(3) صحيح مسلم ح (8857)، وأخرج البخاري الجملة األولى منه ح (0421).‬
      ‫(4) صحيح، مسند ابن ماجه (8013)، مستدرك الحاكم (4/157) وصححه ووافقه الذهبي.‬
                                                             ‫(1) صحيح مسند أحمد (1/645).‬
                                                                 ‫(6) صحيح مسلم ح (8357).‬
                                ‫(2) صحيح، مسند أحمد (5/583)، سنن أبي داود ح (3883).‬
                                  ‫(8) حسن، مسند أحمد (4/053)، سنن الترمذي ح (7207).‬
                                                           ‫(3) صحيح مسلم ح (0077).‬
                              ‫(05) 05] أخرجه مالك في الموطأ (7/833) وإسناده صحيح.‬
   ‫(55) صحيح البخاري ح (5233)، سنن أبي داود (2324)، سنن الترمذي ح (0607) وقال:‬
                                          ‫حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه ح (1713).‬
                                                                              ‫خ‬
                                                                          ‫(75) ال ُراج.‬
                                                          ‫(35) صحيح مسلم ح (6857).‬
                                          ‫(45) سنن أبي داود ح (0883) وإسناده صحيح.‬
  ‫(15) أخرج اإلمام أحمد في المسند (3/213) وابن ماجه في سننه (7603) عن جابر أن النبي‬
                                                             ‫ش‬
                                       ‫قال: ((ماء زمزم لما ُرب له)) وهو حديث صحيح.‬
  ‫وأخرج مسلم ح (3247) عن أبي ذر رضي اهلل عنه في حديث إسالمه وهو طويل، أن رسول‬
                         ‫ط‬
                    ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال عن زمزم: ((إنها مباركة، إنها طعام ُعم)).‬
 ‫وأخرج البزار عن أبي ذر رضي اهلل عنه أنه قال: قال رسول اهلل : ((زمزم طعام طعم، وشفاء‬
                   ‫سقم)). قال المنذري في الترغيب ح (4125): رواه البزار بإسناد صحيح.‬

‫(5/402)‬




                                                                              ‫لماذا السفر‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                        ‫موضوعات عامة‬
                                                                         ‫السياحة والسفر‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                 ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                            ‫مكة المكرمة‬
                                                                          ‫المسجد الحرام‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- نداء لحجاج باالستقامة على الطاعة. 7- السفر الممدوح والمذموم. 3- سهولة السفر وتعدد‬
     ‫وسائله نعمة تستحق الشكر. 4- فوائد السفر. 1- الوقوع في شرك الربوبية. 6- من سمت‬
                                     ‫المسلم الفأل وعدم التطير. 2- ذكر بعض آداب السفر.‬
                                                              ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                    ‫أما بعد:‬
        ‫فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل حق التقوى، واالستمساك من اإلسالم بالعروة‬
   ‫الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار ال تقوى، فاتقوا اهلل واعبدوه واشكروا له إليه‬
                                                                                                  ‫ترجعون.‬
‫حجاجَ بيت اهلل، يا من أديتم مناسككم فوقفتم بعرفات، وانحدر بكم الشوق إلى المزدلفة فسكبتم عند‬
‫المشعر الحرام العبرات، فلله كم من خائف منكم أزعجه الخوف من اهلل وأقلقه، وراج أحسن الظن‬
             ‫بوعد اهلل فصدقه؟ وكم من مستوجب للنار أنقذه اهلل وأعتقه، وبلغ األماني عشية عرفة؟‬
‫حجاج بيت اهلل الحرام، ليس السابق اليوم من سبقت به راحلته، إنما السابق من غفر له ذنبه وقبل‬
   ‫عمله، فأخلصوا هلل حجكم، واتبعوا سنة نبيكم تفلحوا، ومن قصر في جنب اهلل فليرجع إلى جهاد‬
  ‫النفس، فهو الجهاد األكبر، وحذار حذار، أن تحلقوا رؤوس أعمالكم بالذنوب؛ فإن الذنوب حالقة‬
                                      ‫م ب ْ ِ ُو‬         ‫و ك ن َالت ض َ‬
 ‫الدين، ليست الشعر َالَ تَ ُو ُواْ ك َّ ِى نَقَ َتْ غزْلَهَا ِن َعد ق َّةٍ أَنكَاثًا [النحل:73]. فلله ما أحسن‬
   ‫الحسنة تتبعها الحسنة! وما أقبح السيئة بعد الحسنة! فالحذر الحذر ـ عباد اهلل ـ من العمى بعد‬
                                                                           ‫الهدى ومن الحور بعد الكور.‬
  ‫عباد اهلل، إن الحج المتكرر في كل عام، منذ أن أذن إبراهيم ـ عليه السالم ـ في الناس بالحج،‬
 ‫وهم يغدون إلى بيت اهلل العتيق من كل فج عميق، رجاال وعلى كل ضامر، لهو أمر دال باللزوم‬
                          ‫على أن السفر وقطع الفيافي والقفار، أمر ذو بال في واقع كل امرئ حي.‬
 ‫وما أكثر ما يسافر الناس لشؤون حياتهم! مادية أو معنوية، ولقد سافر رسول اهلل مرات ومرات،‬
                                                                                             ‫ب‬
                               ‫إ ّان شبابه قبل البعثة، وبعد نبوته ما بين حج وعمرة، وجهاد وتجارة.‬
                                                                            ‫ً‬
 ‫والسفر غالبا يعري اإلنسان من األقنعة التي كانت تحجب طبيعته، وما سمي السفر سفرا إال ألنه‬
‫يسفر عن أخالق الرجال، ولذا فإن السياحة في األرض, والتأمل في عجائب المخلوقات، مما يزيد‬
     ‫العبد معرفة بربه ـ عز وجل ـ، ويقينا بأن لهذا الكون مدبرا، ال رب غيره وال معبود بحق‬
                                                                                                      ‫سواه.‬
    ‫ُ الل‬
  ‫فالمسافر يتأمل ثم يتدبر ثم يخشى، كل ذلك حينما يرى عجيب صنع اهلل وعظيم قدرته صنْعَ َّهِ‬
                                                        ‫ِنه ب ر ب عل‬                      ‫ُل‬               ‫َّ‬
‫الذِى أَتْقَنَ ك َّ شَىْء إ َّ ُ خَ ِي ٌ ِمَا تَفْ َُونَ [النمل:88]. ولقد أنكر اهلل ـ سبحانه ـ على من فقد هذا‬
                ‫ُ ع‬            ‫و ي م ي ٍ ف الس ت و ْ ي ُر ع‬
           ‫اإلحساس المرهف بقوله َكَأَ ّن ِن ءا َة ِى َّمَاوا ِ َاألرضِ َم ُّونَ َلَيْهَا وَهمْ َنْهَا‬
                                                                                               ‫م رض‬
                                                                                ‫ُعْ ِ ُونَ [يوسف:105].‬
 ‫السفر عباد اهلل معترى بحالتين اثنتين: حالة مدح وحالة ذم؛ فالخروج من الملل والسآمة والضيق‬
‫والكآبة من الناس والمكان للتأمل في خلق اهلل، أو طلب علم نافع، أو صلة قريب أو أخ في اهلل هو‬
 ‫سمة السفر الممدوح، وهو مذموم أيضا، من جهة كونه محال للمشاق والمتاعب؛ ألن القلب يكون‬
   ‫مشوشا والفكر مشغوال من أجل فراق األهل واألحباب؛ ولذا قال فيه النبي : ((السفر قطعة من‬
   ‫العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله)) [رواه البخاري‬
                                                                                                                ‫ومسلم](5)[5].‬
‫والمراد بالعذاب ـ عباد اهلل ـ، األلم الناشئ عن المشقة، لما يحصل في الركوب والسير من ترك‬
  ‫المألوف .ولقد ذهب بعض أهل العلم كالخطابي وغيره، إلى أن تغريب الزاني، إنما هو من باب‬
     ‫األمر بتعذيبه ـ والسفر من جملة العذاب ـ ولقد سئل إمام الحرمين: لم كان السفر قطعة من‬
                                                              ‫العذاب؟ فأجاب على الفور: ألن فيه فرقة األحباب.‬
     ‫أال فاعلموا ـ عباد اهلل ـ، أن السفر في هذه اآلونة، يختلف عن السفر في قرون مضت، فقد‬
  ‫مهدت الطرق، وجرت عليها العربات اآللية بشتى أنواعها المبدعة، فهي تسير بهم على األرض‬
                                                                           ‫ل‬
‫إن شاءوا أو تقّهم الطائرات السابحة في الهواء إن رغبوا، أو تحملهم الفلك المواخر في البحر إن‬
     ‫أرادوا، كما أن األزمنة قد تقاصرت، فما كان يتم في شهور بشق األنفس، أضحى يتم في أيام‬
     ‫قصيرة بل ساعات قليلة، وبجهود محدودة بل وربما عطس رجل في المشرق فشمته آخر في‬
  ‫المغرب، وهذا مصداق حديث النبي من أن تقارب الزمان من عالمات الساعة كما عند البخاري‬
                                                                                                         ‫في صحيحه(7)[7].‬
‫ومع هذه الراحة الميسرة فإن األخطار المبثوثة هنا وهناك لم تنعدم، ففي الجو يركب المرء طائرة‬
      ‫يمتطي بها ثبج الهواء، معلقا بين السماء واألرض، بين مساومة الموت ومداعبة الهالك فوق‬
   ‫صفيحة مائجة، قد يكون مصيره معلقا بأمر اهلل في خلخلة مسمار أو إعطاب محرك، مما يؤكد‬
    ‫االحتماء باهلل وارتقاب لطفه المترجم بلزوم آداب السفر، والبعد عن معصية اهلل في هوائه بين‬
 ‫سمائه وأرضه، والمستلزمة وجوبا، إقصاء المنكرات من الطائرات، والتزام المالحين والمالحات‬
   ‫بالحشمة والعفاف والبعد عما يثير اللحظ أو يستدعي إرسال الطرف، وإن تعجب ـ أيها المسلم‬
   ‫ِذ ركب ْ ف ف ك د و‬
 ‫ـ، فعجب ما يفعله مشركو زمان النبي من اللجوء إلى اهلل في الضراء فَإ َا َ ِ ُوا ِى الْ ُلْ ِ َعَ ُاْ‬
                                    ‫الل م لص ه د َ َم َج ُ إل َر ِذ ُ ي رك‬
 ‫َّهَ ُخِْ ِينَ لَ ُ ال ّين فَل َّا ن َّاهمْ َِى الْب ّ إ َا همْ ُشْ ِ ُونَ [العنكبوت:16]. وبعض عصاة زماننا‬
‫سراؤهم وضراؤهم على حد سواء، فقبح اهلل أقواما؛ مشركو زمان النبي أعلم بال إله إال اهلل منهم.‬
 ‫أيها المسلمون، إن التقارب في الزمان والمكان بما هيأ اهلل من أسباب السرعة، لهو نعمة عظيمة‬
                                                                                 ‫ُل‬
‫ورحمة جَّى(3)[3]، تستوجبان الشكر للخالق والفرار إليه، في مقابل التذكر، فيما فعله اهلل ـ جل‬
 ‫وعال ـ بقوم سبأ الذين كانوا في نعمة وغبطة، من تواصل القرى، بحيث إن مسافرهم ال يحتاج‬
   ‫ِ ة َق َّ ف ه الس ْر‬            ‫ُ الت ر ف ه ُر‬                         ‫وجع ب ُ وب‬
   ‫إلى حمل زاد وال ماء َ َ َلْنَا َيْنَهمْ َ َيْنَ الْقرَى َّ ِى بَا َكْنَا ِي َا ق ًى ظَاهرَ ً و َدرْنَا ِي َا َّي َ‬
                                                                ‫ر ف ه لى وَي ا من‬
      ‫سِي ُواْ ِي َا لَيَاِ َ َأ َّامً ءا ِ ِينَ [سبأ:85]. ولكن لما بطروا نعمة اهلل ومالت نفوسهم إلى ضد‬
           ‫م فسه ْ جع ُ ح د وم َّ ُ ُل م َزق‬                                             ‫فر‬            ‫ِ ب‬         ‫ل ْ َب‬
           ‫حالهم فَقَاُوا رَّنَا بَاعدْ َيْنَ أَسْ َا ِنَا وَظَلَ ُواْ أَن ُ َ ُم فَ َ َلْنَاهمْ أَ َا ِيثَ َ َزقْنَاهمْ ك َّ ُم َّ ٍ‬
 ‫[سبأ:35]. ففرق اهلل شملهم بعد االجتماع، وباعد بينهم بعد التقارب، حتى صاروا مضرب المثل؛‬
                                                      ‫ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ.‬
                                                                                        ‫د‬
      ‫وبع ُ ـ عباد اهلل ـ، فإن من أعظم فوائد السفر، وأكثرها تعلقا باهلل، معرفةَ عظمته وقدرته،‬
       ‫بالنظر إلى ما ابتدعه ـ جل وعال ـ، خلقا جميال عجيبا، من حيوان وموات، وساكن وذي‬
 ‫حركات، وماذرأ فيه من مختلف الصور التي أسكنها أخاديد األرض، وخروق فجاجها، ورواسي‬
     ‫أعالمها، من أوتاد ووهاد، فصار فيها جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن‬
                             ‫ع ة لم ي ش‬                    ‫إ َّ ف‬
‫ذوات أجنحة مختلفة، وهيئات متباينة ِن ِى ذَلِكَ لَ ِبْرَ ً ّ َن َخْ َى [النازعات:67]. كونها بعد أن‬
       ‫لم تكن في عجائب صور ظاهرة، ونسقها على اختالفها بلطيف قدرته ودقيق صنعه، فمنها‬
   ‫طو‬
  ‫مغموس في قالب لون ال يشوبه غير لون ما غمس فيه، ومنها مغموس في لون صبغ، قد ِّق‬
   ‫ش الل م عب ده‬                ‫وم الن س َالدو ب و ع م م لف نه َ ل ِن‬
   ‫بخالف ما صبغ به َ ِنَ َّا ِ و َّ َا ّ َاالْنْ َا ِ ُخْتَِ ٌ أَلْوا ُ ُ كذَِكَ إ َّمَا يَخْ َى َّهَ ِنْ ِ َا ِ ِ‬
                                                                                                                ‫ع‬
                                                                                               ‫الْ ُلَمَاء [فاطر:87].‬
 ‫فسبحان من أقام من شواهد البينات على عظمته وقدرته! ما انقادت له العقول معترفة به ومسلمة‬
                                                                ‫له، فبان لها أن فاطر النملة هو فاطر النخلة.‬
 ‫فالويل كل الويل لمن جحد المقدر وأنكر المدبر، زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، وال الختالف‬
      ‫صورهم صانع، وغاب عن عقولهم المختلة، وأذهانهم المعتلة، من عقله أكبر من حضارتهم‬
    ‫بعبارات ثرة على أعرابيته وبداوته: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج‬
‫ِن الل َ ق‬
‫وأثر يدل على المسير، وبعرة تدل على البعير، أال يدل ذلك كله على اللطيف الخبير. إ َّ َّه فَالِ ُ‬
       ‫حب َالنو ي رج َى م مي وم رج مي من حى ل ُم الل ُ َن ت ك َ ق‬
       ‫الْ َ ّ و َّ َى ُخْ ِ ُ الْح َّ ِنَ الْ َ ّتِ َ ُخْ ِ ُ الْ َّتِ ِ َ الْ َ ّ ذاِك ُ َّه فَأ َّى ُؤْفَ ُون فَالِ ُ‬
                          ‫ك ْ ر َز ع‬                          ‫جع ال ْ س ا َالش س و م ح ب‬                        ‫إل ب‬
   ‫ا ِصْ َاحِ وَ َ َلَ َّيلَ َكَنً و َّمْ َ َالْقَ َرَ ُسْ َاناً ذالِ َ تَقدِي ُ الْع ِيزِ الْ َلِيمِ [األنعام:13، 63].‬
 ‫أيها الناس، لربما رفع أحد منا عقيرته فقال: إن مثل هذا الحديث، داخل في توحيد الربوبية الذي‬
 ‫لم ينازع في إثباته حتى مشركو زمان النبي ، أفيخص بالحديث ؟ فالجواب: نعم، بيد أن اإلشراك‬
  ‫في توحيد الربوبية، قد داخل فئاما من الناس في القديم وفي الحديث، ففي الصحيحين من حديث‬
   ‫زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول اهلل صالة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من‬
  ‫الليل، فلما انصرف أقبل على الناس قال: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟))، قالوا: اهلل ورسوله أعلم،‬
 ‫قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل اهلل ورحمته، فذلكم مؤمن‬
 ‫بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب))(4)[4].‬
     ‫فانظروا ـ يا رعاكم اهلل ـ، أليس هذا حديثا عن توحيد الربوبية؟ بلى وربي، ومع ذلك حذر‬
     ‫النبي من الوقوع في الشرك فيه، بل لقد وقع ثلة من الناس في براثن هذا الشرك في عصرنا‬
  ‫الحاضر قصدوا أو لم يقصدوا، فأخذوا يلجؤون إلى المشعوذين والدجاجلة األفاكين، بقايا مسيلمة‬
 ‫الكذاب وابن صياد من مدعي علم الغيب بالكهانة والتنجيم وقراءة األكف والفناجين والذين يوحي‬
 ‫إليهم أولياؤهم من الشياطين، ومسترقي السمع من السماء، فيقرقرونها في آذانهم كقرقرة الدجاج،‬
 ‫فيخلطون مع ما يصدقون فيه مائة كذبة، ومما يزيد القرح، ويشعل المد أن لهم رواجا في أوساط‬
‫الناس، في بقاع شتى من هذه البسيطة، وفي جانب عظيم من جوانب توحيد الربوبية، أال وهو علم‬
     ‫الغيب، الذي استأثر اهلل بعلمه فال يطلع عليه نبي مرسل وال ملك مقرب، إال بما يوحي إليهم‬
                                                                                       ‫ربهم.‬
 ‫بل لقد امتد القصور في توحيد الربوبية على غرار ما جاء في حديث زيد بن خالد اآلنف الذكر،‬
        ‫إلى ما يطلعه العالم في حياته اليومية، عبر األثير المسموع والمرئي، في تفسير الظواهر‬
 ‫المتكررة من زالزل وفيضانات ومنخفضات جوية ومرتفعات ورياح وبراكين، تفسيرا ماديا بحتا‬
  ‫مبتوت الصلة باهلل ومشيئته، مستقى من فلسفات يونانية وأخرى إغريقية قررها مالحدة، والقت‬
                               ‫رجع الصدى من قبل بعض المسلمين المعجبين بما عند الغرب.‬
   ‫بل لقد جاوز األمر قنطرته بمطالعات الصحافات المتكررة في أقطار شتى عما يسمى: مستقبل‬
 ‫األبراج، وما لها من آثار مكملة في شرخ توحيد الربوبية وربط المسلم باألسباب المادية الجافة،‬
‫أو التعبير من قبل بعض ضعاف النفوس، في االهتياج بما يفرحه بقوله: "من حسن الطالع أن كاد‬
                                        ‫األمر كذا" وبما يسوئه بقوله: "من سوء الطالع كذا…".‬
‫فأصبحوا يتناوشون الطوالع واألبراج، يبحثون عن سعادتهم في برج الميزان، وينأون بأنفسهم عن‬
   ‫أن يكونوا من أهل برج العقرب، وهكذا تحيا الخرافة، ويتجدد مذهب مسيلمة وابن صياد، فاهلل‬
   ‫المستعان، ولقد ذكر شيخ اإلسالم ابن تيميه ـ رحمه اهلل ـ أن علي بن أبي طالب عندما أراد‬
       ‫المسير لقتال الخوارج عرض له منجم فقال له: يا أمير المؤمنين، ال تسافر، فإن القمر في‬
 ‫العقرب، وإنك إذا سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك، فقال : ((بل نسافر ثقة باهلل وتوكال‬
                      ‫على اهلل وتكذيبا لك))، فسافر فبورك له في ذلك حتى قتل عامة الخوارج.‬
   ‫ومثل ذلك، ما فعله المنجمون األفاكون مع الخليفة المعتصم، حينما أراد فتح عمورية، استجابة‬
  ‫لصرخة امرأة مسلمة، فنهوه أن يغزوهم قبل أن ينضج التين والعنب، فرد قولهم وسافر، فأكذب‬
   ‫اهلل المنجمين وأعز المسلمين وسار بتسعين ألفا كآساد الشرى، نضجت أعمارهم قبل أن ينضج‬
                                                                               ‫التين والعنب.‬
                  ‫ولذا فقد كان المسلم مأمورا بالفأل ونبذ التطير، في سائر شؤونه ومنها السفر.‬
‫ولقد ذكرت الطيرة عند رسول اهلل فقال: ((أحسنها الفأل، وال ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره‬
    ‫فليقل: اللهم ال يأتي بالحسنات إال أنت، وال يدفع السيئات إال أنت، وال حول وال قوة إال بك))‬
                                                                      ‫[رواه أبو داود](1)[1].‬
  ‫وألحمد من حديث ابن عمروا قال :قال رسول اهلل : ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك))‬
                                                                                     ‫(6)[6].‬
    ‫فانظروا ـ عباد اهلل ـ كيف وقع بعض الناس أسارى في هذا الشرك فوطئتهم هوته بكلكلها،‬
  ‫وتمعكت عليهم بكواهلها، فأصبحت نفوسهم بذلك ساجية مقهورة وفي حكمة الذل منقادة أسيرة،‬
                               ‫مس‬
 ‫حتى صيروا أنفسهم في حوزة خشناء، يغلظ كالمها، ويخشن ُّها، ويكثر العثار فيها، فال جرم‬
   ‫أن المتخلص منها بعد اإلدمان فيها كراكب الصعبة من اإلبل إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها‬
    ‫تقحم، فيمنى لعمر اهلل بخلط وخبط، حتى ال يرى في عينه إال القذى(2)[2] وليس في حلقه إال‬
                      ‫الشجا(8)[8]، إال بعون من اهلل ورضوان، فمن وفق للتوحيد رزق التسديد.‬
          ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم.‬
   ‫قد قلت ما قلت إن صوابا فمن اهلل، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان واستغفروا اهلل إن اهلل غفور‬
                                                                                         ‫رحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
       ‫شهادة نرجو بها النجاة من عصيانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه،‬
                                        ‫صلوات ربي وسالمه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
                                        ‫عني‬
     ‫فاتقوا اهلل معاشر المسلمين، واعلموا أن اإلسالم قد ُ ِ َ بالسفر عناية فائقة؛ فجعل له أحكاما‬
   ‫تخصه من سنن وآداب وواجبات، ومحرمات ومكروهات ينبغي أال يغفل عنها كل مسافر. كما‬
    ‫يؤكد على إحياء السنن المندثرة عند السفر، من ذكر الوداع بقوله لمن يودعهم: أستودعكم اهلل‬
   ‫الذي ال تضيع ودائعه(3)[5]، وكذا دعاء الركوب على الدابة(05)[7]، والتكبير على كل شرف‬
  ‫والتسبيح إذا هبط واديا(55)[3]، وذكر إقبال الليل أثناء السفر بأن يقول: ((يا أرض ربي وربك‬
  ‫اهلل، أعوذ باهلل من شرك، ومن شر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ باهلل‬
           ‫من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد))(75)[4].‬
  ‫وأن يقول إذا نزل منزال: ((أعوذ بكلمات اهلل التامات من شر ما خلق))(35)[1]، فإنه ال يضره‬
                                                             ‫شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.‬
‫وقد قال القرطبي ـ رحمه اهلل ـ: هذا خبر صحيح علمنا صدقه دليال وتجربة، منذ سمعته عملت‬
                 ‫به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة فتفكرت فإذا بي نسيته.‬
   ‫كما يستحب للمسافر ـ عباد اهلل ـ، إذا بدا له الفجر وهو في السفر أن يقول ما ثبت عن النبي‬
‫أنه قال حينما بدا له الفجر: ((سمع سامع بحمد اهلل وحسن بالئه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا،‬
                                                    ‫عائذا باهلل من النار)) [رواه مسلم](45)[6].‬
‫وغير ذلك من السنن كثير وكثير يطول المقام بذكره، غير أنا نوجه بأن وصايا النبي بآداب السفر‬
    ‫من ذكر وتكبير وتسبيح كأنه يعني بالتعريض أن القافلة المسافرة كلها في صالة، وما هي إال‬
‫صور تجعل من تمجيد اهلل شغل قافلة السفر، ومن ذكره والثناء عليه، السمو الذي تطمئن به قلوب‬
             ‫ذاكريه، ومن ثم يشعر المسافر، باختصار السفر وسهولته فينجو من وعثائه وكآبته.‬
                                                                          ‫__________‬
                                 ‫(5) صحيح البخاري ح (4085)، صحيح مسلم ح (2735).‬
                                                         ‫(7) صحيح البخاري ح (5752).‬
                                      ‫جل‬                   ‫جل‬                   ‫ُل‬
                                   ‫(3) الجَّى : األمر العظيم ، َُل. (القاموس ، مادة ََل).‬
                                           ‫(4) أخرجه البخاري ح (148)، ومسلم ح (52).‬
‫(1) سنن أبي داود ح (3533). قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (1/323): عروة ـ هذا‬
  ‫ـ قيل فيه: القرشي، كما تقدم، وقيل فيه: الجهني، حكاهما البخاري، وقال أبو القاسم الدمشقي:‬
    ‫وال صحبة له تصح. وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس، فعلى هذا يكون الحديث‬
                                                                                   ‫ال‬
                                                              ‫مرس ً. انتهى كالم المنذري.‬
                                                        ‫(6) صحيح، مسند أحمد (7/077).‬
                       ‫(2) القذى: ما يسقط في العين والشراب (مختار الصحاح ، مادة قذى).‬
                   ‫(8) الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه (القاموس ، مادة شجو).‬
‫(3) صحيح، أخرجه أحمد (7/2)، وأبو داود ح (0067 ـ 5067)، والترمذي ح (7443) وقال:‬
                                                     ‫حديث غريب. وابن ماجه ح (6787).‬
                                                 ‫(05) صحيح مسلم ح (7435 ـ 3435).‬
                                              ‫(55) صحيح البخاري ح (4337 ـ 1337).‬
  ‫(75) أخرجه أحمد (7/735) وأبو داود ح (3067). وفي إسناده: الزبير بن الوليد الراوي عن‬
                     ‫ر‬
  ‫ابن عمر رضي اهلل عنهما. قال الذهبي في ميزان االعتدال (7/86): تف ّد عنه شريح بن عبيد.‬
               ‫يعني أنه مجهول. واهلل أعلم. انظر صحيح ابن خزيمة (7217) بتعليق األلباني.‬
                                                           ‫(35) أخرجه مسلم ح (8027).‬
                                                        ‫(45) المصدر السابق ح (8527).‬

‫(5/102)‬




                                                                     ‫حقوق اإلنسان الزائفة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                     ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                          ‫محاسن الشريعة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                  ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                                                        ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                      ‫المسجد الحرام‬
                                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
‫5- أحكام اهلل كلها عدل وحكمة ونصفة. 7- تكريم اهلل لإلنسان. 3- مبادئ حقوق اإلنسان الوافدة‬
        ‫من الغرب. 4- الشعار األجوف: الحرية - المساواة – اإلخاء. 1- في أمتنا سماعون لهم‬
                             ‫مرددون لباطهم. 6- مناقشة لمعنى الحرية. 2- مناقشة لمعنى المساواة.‬
                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                               ‫أما بعد:‬
                                                               ‫د‬
   ‫فمهما يكن من شيء بع ُ، فوصيتي لكم ونفسي بتقوى اهلل ـ سبحانه ـ؛ فهي عماد المؤمن في‬
  ‫الدنيا، وأنيسه في قبره، وسلوانه في وحشته، ودليله في األخرى يوم يلقى اهلل ـ سبحانه ـ إلى‬
                                                                                                        ‫جنات النعيم.‬
 ‫عباد اهلل، إننا لنعلم بالضرورة أنه ال يجوز للناس أن يتخذوا غير اهلل ربا أو حكما، وأن من فعل‬
   ‫ذلك أو هم به فهو جاحد للحق خائن للنعمة، وكذا من اتبع غير ما شرعه اهلل، أو حكم بغير ما‬
‫أنزل اهلل، إنما هو مهمل للتشريع اإللهي، ومعتنق للقوانين البشرية، في عبث شائن وجاهلية منكرة‬
                                            ‫َ َ إ كم ك م َص‬                      ‫ه َّ‬           ‫َ ْ الل غ ح‬
                          ‫أفَغَيرَ َّهِ أَبْتَ ِى َكَماً وَ ُوَ الذِى أَنزلَ ِلَيْ ُ ُ الْ ِتَابَ ُف َّالً [األنعام:455].‬
                              ‫و‬
      ‫إنها لم تترك أحكام اهلل إال ببواعث الهوى، غير أنه منظم ومز ّق(5)[5]، كأنه منطق العقل‬
       ‫الشديد، وهدي المصلحة الزائفة، التي ال تتصل بحنايا القلوب الْح ُّ ِن َّّك فَالَ تَ ُون َّ ِ َ‬
       ‫ك َن من‬             ‫َق م رب َ‬
                 ‫و ه ح ْم وإ ه ُ جع‬                           ‫إ ح ْم ِال لل‬                      ‫م ر‬
  ‫الْ ُمْتَ ِينَ [يونس:43]. ِنِ الْ ُك ُ إ َّ َّهِ [يوسف:04]. َلَ ُ الْ ُك ُ َِلَيْ ِ ترْ َ ُونَ [القصص:02].‬
  ‫إن الشريعة اإلسالمية ضمان للصالح العام، وهي مبنية على الرحمة والعدل، والخير الذي يأمر‬
  ‫اهلل عباده به ـ وما يأمر إال بخير ـ تعود غايته إلسعاد الناس في عاجلهم وآجلهم، والشر الذي‬
   ‫نهاهم عنه ـ وما ينهى إال عن شر ـ ليس إال وقاية لهم، من أذى قريب أو بعيد، أو من سوء‬
‫مغبة جلية أو خفية؛ ولذا سما اإلسالم باإلنسان روحا وجسدا، وعقال وقلبا، لم يضع في عنقه غال،‬
    ‫وال في رجله قيدا، ولم يحرم عليه طيبا، كما أنه لم يدعه كالكرة تتخطفها مضارب الالعبين،‬
    ‫َّذ‬       ‫َ‬      ‫َر برب‬           ‫َي إل ن‬
   ‫فتتهادى في كل اتجاه، بل خاطبه ربه خطابا صريحا ياأُّهَا ا ِنسَا ُ مَا غ َّكَ ِ َ ّكَ الْكرِيمِ ال ِى‬
   ‫دح إل‬        ‫َي إل ن ِن‬                                  ‫َك‬         ‫َد َ ف ى ص ر م‬                ‫َ َو‬
  ‫خَلَقَك فَس َّاكَ فَع َلَك ِى أَ ّ ُو َةٍ َّا شَاء ر َّبَكَ [االنفطار:6-8]. ياأُّهَا ا ِنسَا ُ إ َّكَ كَا ِ ٌ َِى‬
                                                                                                 ‫ر بك َ ً م ق‬
                                                                                ‫َ ّ َ كدْحا فَ ُلَا ِيهِ [االنشقاق:6].‬
  ‫يقول ابن القيم ـ رحمه اهلل ـ: "اعلم أن اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ اختص نوع اإلنسان من بين‬
‫خلقه، بأن كرمه وفضله وشرفه، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، فلإلنسان شأن ليس‬
                                                                                          ‫لسائر المخلوقات|".‬
      ‫ومن ثم ـ عباد اهلل ـ، فإن الناس في هذه القضية طرفان، فالماديون التحرريون قالوا: إن‬
     ‫اإلنسان يعيش لنفسه ومتاع الدنيا، فإذا كان األحمق منهم يعيش ليأكل، فإن العاقل منهم يأكل‬
                                                                                                          ‫ليعيش.‬
  ‫َ حس ُ‬
‫وأما المؤمنون الموحدون فقالوا: إنما يعيش اإلنسان لربه األعلى، ولحياته الباقية األخرى أفَ َ ِبْتمْ‬
                                                          ‫ُ جع‬               ‫ك عب ا وَنك إ‬                      ‫َن‬
                                       ‫أ َّمَا خَلَقْنَا ُمْ َ َثً َأ َّ ُمْ ِلَيْنَا الَ ترْ َ ُونَ [المؤمنون:155].‬
   ‫بيد أن أهل الكفر ـ عباد اهلل ـ قد بذلوا غاية وسعهم في الدعوة إلى قضية كبيرة، وراءها ما‬
       ‫وراءها من الخطورة على الفكر، والدعوة في المسلك، أال وهي ما أسموها: "مبادئ حقوق‬
 ‫اإلنسان"، وجعل الحريات حسب مفهومهم العلماني، الرافض للفطرة السليمة التي فطر اهلل الناس‬
     ‫عليها سببا يبيحون به تدمير األخالق، ويشيعون به فوضى الغرائز في ديارهم، والبالد التي‬
‫تشبهها أو تقتدي بها، حتى تلتبس بلباس العلمانية، المخيط من جراء التحرر وتنحيته عن واقع من‬
                           ‫بابته ؛ حيث إن حلوها مر، وسهلها صعب، ودماثتها دميمة من الدين.‬
                                    ‫ُت‬
    ‫ولقد صدقوا ظنهم، فاتبعهم أغرار ولهازم، من مفكرين وك َّاب، في العلوم بأنه مخالف الحياة.‬
   ‫وهم يزعمون أنها مبادئ الحضارة والتقدم والرقي، من خالفها وكابر فيها رموه بمبادئ حقوق‬
‫اإلنسان، وليست من الحق في ورد وال صدر، وال هي من السياسية واالقتصادية والقانونية، وعلم‬
  ‫االجتماع، وأخذوا في الدعوة إلى حقوق اإلنسان على ما يريده الغرب، ومن عامة الناس أشياع‬
                                                                  ‫لد ت‬
  ‫لهذه الدعوات وِ َا ٌ، ويتنكرون ألصول دينهم، إبان سنة من ذوي اإلصالح والتوجيه، ويظنون‬
 ‫في مبادئ حقوق اإلنسان، النضج والخروج من المأزق، وأن ما يأتي من ديار اإلسالم قديم بال،‬
‫حتى وقعت مواقع بين الطرفين، وكان سالحها من أولئك قذائف الزندقة والكفر، ومن أوالء دروع‬
                                                                ‫االستكانة والتخاذل عن القيام بالواجب.‬
       ‫هذه المبادئ التي أرادوها بشعار الحرية والمساواة واإلخاء، وياهلل! إلى أي مدى بلغت هذه‬
  ‫المبادئ من تضليل الشعوب، بيد أن الجميع غير قادرين على أن يصلوا إلى نقطة ارتكاز ينبثق‬
   ‫منها هذا المبدأ المزعوم، فماذا تعني عندهم كلمة الحرية والمساواة واإلخاء، أهي في الفكر؟ أم‬
                                                                ‫االقتصاد؟ أم الصحافة؟ أم االجتماع؟!.‬
  ‫وإذا سلمنا جدال أنها تعني هذه المعايير كلها، فمن الذي يحدد نسب هذه الحريات وحدودها؟ أهو‬
                                                             ‫السلطان؟ أم الشعوب؟ أم الشعار نفسه؟!.‬
    ‫الواقع المشاهد ـ عباد اهلل ـ، أن منشئ معاني هذه المبادئ لم يصلوا إلى تحديد الوجهة، وال‬
‫زالوا يعانون من مشكالت هذه األطروحة، والحق أن من كان خصب الحدس واسعه، علم أن هذا‬
‫كله كان ألفاظا ورسوما لمقررات اليهود وحكمائهم، التي أخذ العميان يرددونها في كل مكان دون‬
                                                                                     ‫َ َو‬
   ‫تر ٍّ، بل إنها جلبت لنا أعوانا من جميع أنحاء الدنيا، والحق ـ عباد اهلل ـ أنه مخطئ من ظن‬
                                                                                         ‫يومًا أن للثعلب دينا.‬
   ‫أيها المسلمون، إن الكثيرين يسمعون ويشاهدون في صحف العالم تارة، وفي المنتديات المقنعة‬
  ‫تارات، لغطا جهوال، مصحوبا بقلم متعثر، وفكر في كل واد منه شعبة، حول قسوة القيود، التي‬
‫جاء بها الشارع الحكيم، ورميها بأحد العبارات المسفهة، ودهماء الناس مشغولون بالجدل والحوار‬
      ‫حول ما يثيرونه، ويتوهمون أنها مشكالت حقيقية، البد لها من حلول، فيقدمون في التشريع،‬
 ‫ويهوشون في الحدود، ويفتحون ملف المرأة على أنها مهضومة الحق، أسيرة الكبت، وال قدم لها‬
‫في المنتدبات أو الدوائر المكشوفة، وأنها متى رغبت في أخذ حقها المزعوم، أو التعبير عن رأيها‬
             ‫الفاضح، فليس لها إال أن تتسلل لواذاً على تخوف ال يزيله إال تقادم األيام ومر الليالي.‬
     ‫ونظن أن خطورة مثل هذه القضية قد تبدت خطوطها، وال يظن بالطبع أن ما بقي من ألوانها‬
 ‫ورسومها بمعجزنا أن نتخيله، فمواقعوها صنف من الناس يتمددون بالحرية، وينكمشون باإلسالم‬
    ‫ـ وكفاكم من شر سماعه ـ وتلكم ـ شماله نعيذكم باهلل ـ من غائلتها، يشوشون حق المرأة،‬
     ‫ويطلبون إنصافها، فطلبوا بذلك زكاما، في حين أنهم ما أحدثوا إال جذاما، وحللوا بزعم منهم‬
                                                                               ‫عقدا، وبالذي وضعوه زادت العقد.‬
 ‫وال غرو أن يحصل هذا ـ عباد اهلل ـ، إذا نطقت الرويبضة، وال جرم أن ال يصل العطاش إلى‬
       ‫ارتواء إذا استقت البحار من الركايا، ومن يثني األصاغر عن مرادهم إذا جلس أكابرهم في‬
                                                                                                               ‫الزوايا؟!.‬
‫إني أسائلكم ـ عباد اهلل ـ ما هذه الحرية التي يطبلون لها ويزمرون، ويجعلون االعتداء عليها أو‬
‫التطرق لنقدها كفرا بها وبالديمقراطية، ما هذا كله ؟ أهي حرية المرأة في أن تخلع جلباب حيائها،‬
                        ‫ر‬
     ‫وتكشف من جسدها ما تريد ؟ أو هي حرية الفسوق والعصيان اللذين ك ّههما اهلل إلى السلف‬
‫ال م الله ون مة َالله ع م‬                  ‫ِد‬     ‫هم‬          ‫أ‬        ‫و َر إ كم ك ر و فس و ع‬
‫الصالح َك َّهَ ِلَيْ ُ ُ الْ ُفْ َ َالْ ُ ُوقَ َالْ ِصْيَانَ ُوْلَئِكَ ُ ُ الرش ُونَ فَضْ ً ّنَ َّ ِ َ ِعْ َ ً و َّ ُ َلِي ٌ‬
                                                                                                             ‫ح م‬
                                                                                             ‫َكِي ٌ [الحجرات:2، 8].‬
         ‫إنهم بين أمرين ال ثالث لهما: إما انهم يهرفون بما ال يفقهون، وإما انهم يتسترون باأللقاب‬
  ‫والمسميات الخالبة، من حرية وإخاء، وفكاك من إصر وأغالل، واهلل أعلم بما يوعدون، والمثل‬
 ‫السائد: "تحت الرغوة اللبن الصريح"، وإال فأي أمة تصنع هذا الصنيع، وهي تريد أن تكون ممن‬
 ‫يرد حوض نبينا ؟ أتريد أن تكون بدعا من األمم، تأخذ من كل أمة شر ما عندها، وتدعو إلى أن‬
       ‫تبدأ حياتها االستقاللية بهذه األخالط من الشرور، المركبة تركيبا مزجيا يمنعها من الصرف‬
                                                   ‫والعدل، إنه واهلل طريق الموت الحاضر ال طريق الحياة.‬
  ‫قال رسول اهلل : ((كل أمتي يدخل الجنة إال من أبى)) قالوا: من يأبى يا رسول اهلل؟ قال: ((من‬
                                    ‫أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) [رواه البخاري](7)[7].‬
‫ولكن من مبلغ عنا الرعاع من بني قومنا، أن دعاة حقوق اإلنسان وأبواقهم قد رأوا الناس يدخلون‬
 ‫في دين اهلل أفواجا، وخافوا بذلك أن تفوتهم حظوظ من الدنيا، بانقطاع لذائذهم، وانتشال عالئقهم،‬
            ‫فتقدموا حاقدين، ضامرين الغدر ناسين أن اهلل سميع بصير، وأنه خير حافظا وهو أرحم‬
 ‫الراحمين، كما أنه كتب على نفسه أنه سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى ال يدع بيت مدر‬
                                                          ‫وال وبر إال أدخله هذا الدين، ولمثل هذا فليبك الباكي.‬
   ‫قال رسول اهلل : ((والذي نفس محمد بيده ال يسمع بي أحد من هذه األمة؛ يهودي، وال نصراني‬
                ‫ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إال كان من أصحاب النار)) [رواه مسلم](3)[3].‬
   ‫ومن هنا برزت لنا حقوق اإلنسان على ما أراده الشارع الحكيم، في مثل خطاب النبي في حجة‬
       ‫الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في‬
     ‫حد‬
  ‫بلدكم هذا))(4)[4]، وقد ترجم البخاري في صحيحيه بابا يقول: ظهر المؤمن حمى إال من ٍّ أو‬
‫حق(1)[1]، وتفسير هذه القاعدة يتمثل في أن حقوقه محمية إال إذا ارتكب ما يوجب العقوبة عليه،‬
 ‫كما أنها تعني كذلك: وجوب تطبيق الحدود، والغيرة على حرمات اهلل، لقول عائشة ـ رضي اهلل‬
‫عنها ـ: (واهلل ما انتقم رسول اهلل لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات اهلل فينتقم هلل)‬
                                                                                                 ‫[رواه البخاري](6)[6].‬
           ‫ومن معاني القاعدة أيضا: المساواة أمام العقوبات بين الشريف والوضيع ؛ ألن الغاية هي‬
      ‫المحافظة على حقوق الجميع، عمال بقوله : ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد‬
     ‫على الوضيع ويتركونه على الشريف، والذي نفسي بيده لوأن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها))‬
                                                                                                 ‫[رواه البخاري](2)[2].‬
          ‫كما أن من معاني تلكم القاعدة العظمى: المحافظة على حقوق أهل الذمة، وهم الكفار الذين‬
       ‫يدخلون في ذمة المسلمين، فإن دخلوا تحت أحكامهم حفظوا لهم حقوقهم ما داموا في ذمة اهلل‬
‫ورسوله ، وأقاموا عليهم الحدود، فيما يعتقدون تحريمه؛ كالزنا ونحوه، فعن البراء بن عازب قال:‬
                                                                                       ‫ر‬
  ‫م ّ على يهودي محمما مجلودا، فدعاهم النبي فقال: ((هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم)) قالوا:‬
‫نعم، فدعا رجال من علمائهم فقال: ((أنشدك باهلل الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد‬
        ‫الزاني في كتابكم؟)) قال: ال، ولوال أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في‬
   ‫أشرافنا فقلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع‬
  ‫على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلناه التحميم والجلد مكان الرجم، وقال رسول اهلل :‬
    ‫زك‬            ‫َي الرس ل‬
    ‫((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه))، فأمر به فرجم، فأنزل اهلل: ياأُّهَا َّ ُو ُ الَ يَحْ ُن َ‬
             ‫َن َ ه ِ وَ ت م قل به وم َّذ ن ه د‬                               ‫َّذ يس رع َ ف ك ْر م َّذ َ ل‬
          ‫ال ِينَ ُ َا ِ ُون ِى الْ ُف ِ ِنَ ال ِين قَاُواْ ءام َّا بِأفْوا ِهمْ َلمْ ُؤْ ِن ُُو ُ ُمْ َ ِنَ ال ِي َ ِا ُواْ‬
   ‫ضعه ق ل إ أ ت ُ‬                     ‫ِْ م ب‬          ‫َر َ ي ت ي َ ّف‬               ‫َم ع ل َذ َم ع ل ْ‬
 ‫س َّا ُونَ ِلْك ِبِ س َّا ُونَ ِقَومٍ ءاخ ِينَ لمْ َأْ ُوكَ ُحر ُونَ الكَلمَ ِن َعْدِ مَوا ِ ِ ِ يَ ُوُونَ ِنْ ُو ِيتمْ‬
‫ا أ ئ َّذ َ ُ ِد‬                    ‫ه م الل‬                    ‫ُذ ه وإ َّ ت ُ ْ َر وم ُ ِ الل ُ ف ُ‬                            ‫ه‬
‫َاذَا فَخ ُو ُ َِن لمْ ُؤْتَوْه فَاحذ ُواْ َ َن يردِ َّه ِتْنَتَه فَلَن تَمْلِكَ لَ ُ ِنَ َّهِ شَيْئً ُوْلَ ِكَ ال ِينَ لمْ ير ِ‬
                              ‫ِ ة َ بع م‬              ‫الله أ ي ّ َ قل به ُ ْ ف الد ي خ ْى و ُ ْ ف‬
          ‫َّ ُ َن ُطَهر ُُو َ ُمْ لَهم ِى ُّنْ َا ِز ٌ َلَهم ِى اآلخرَ ِ عذَا ٌ َظِي ٌ [المائدة:54]. [رواه‬
                                                                                                              ‫مسلم](8)[8].‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل حمدا كثيرا طيبا كما أمر، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، إرغاما لمن جحد‬
 ‫به وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد البشر الشافع المشفع في المحشر، صلى اهلل عليه‬
                                                                                      ‫وعلى آله السادة الغرر.‬
                                                                                                         ‫أما بعد:‬
      ‫فإننا ـ عباد اهلل ـ من هذا المقام، لنذكر المصلحين من أمتنا، بوجوب الدفاع عن الشريعة‬
  ‫اإلسالمية، من منطلق عقدي صحيح، وبيان مقاصد الشريعة في حدودها، وما تنطوي عليه من‬
         ‫حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، كل حسب طاقته وسعته، مع كشف الجوانب‬
        ‫المظلمة، التي تضمنتها مبادئ حقوق اإلنسان، والرد على من أسموا أنفسهم بالمفكرين أو‬
‫المتنورين، الذين انخدعوا بتلك الشعارات، وخدعوا األمة اإلسالمية بها، وما طرحنا لهذه القضية،‬
                                                             ‫إال كنفثة مصدور، والبد للمصدور أن ينفث.‬
    ‫والمشاهد ـ عباد اهلل ـ أن الكأس تفيض عند امتالئها، كما أنه ينبغي التنبه إلى أمر مهم، قد‬
   ‫يخفى على البعض منا، وهو أن من مستلزمات األخذ بمبادئ حقوق اإلنسان هو الجلوس على‬
‫موائد أهل الكفر المستديرة في ندواتهم ومقرراتهم، التي مفادها هدم ركن ركين، وأصل للمؤمنين،‬
  ‫والبراء من الكافرين، الذي هو من لوازم كلمة التوحيد: (ال إله إال اهلل محمد رسول اهلل)، وذلك‬
‫الالزم المؤكد في مثل قوله ـ تعالى ـ: ال يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين [آل‬
‫عمران:87]. وفي مثل قول المصطفى لجرير بن عبد اهلل البجلي لما بايعه على اإلسالم حين قال‬
                                    ‫له: ((أن تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر)) [رواه أحمد](3)[5].‬
    ‫قال شيخ اإلسالم محمد بن عبد الوهاب، العالم المجدد لما اندرس من معالم اإلسالم في القرن‬
  ‫الثاني عشر: "فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطالن عبادة غير اهلل، وتتركها وتبغضها،‬
                                                                                      ‫وتكفر أهلها، وتعاديهم".‬
      ‫وذكر ـ رحمه اهلل ـ من نواقض اإلسالم: "من لم يكفر المشركين، أو يشك في كفرهم، أو‬
 ‫يصحح مذهبهم كفر". قال ـ رحمه اهلل ـ: "ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين كفر،‬
                      ‫الظ لم‬              ‫َْ‬       ‫وم ي َل ُ م ُ ْ ِنه م ه ِن الل‬
    ‫والدليل قوله تعالى: َ َن َتَوَّهمْ ّنكم فَإ َّ ُ ِنْ ُمْ إ َّ َّهَ الَ يهدِى الْقَوْمَ َّاِ ِينَ [المائدة:51]".‬


                                                                                               ‫__________‬
                                                                                                       ‫م ي‬
                                                                                                     ‫(5) ُز ّن.‬
                                                                          ‫(7) صحيح البخاري ح (5186).‬
                                                                                ‫(3) صحيح مسلم ح (315).‬
                                                      ‫(4) أخرجه البخاري ح (26)، ومسلم ح (3265).‬
                                             ‫(1) كتاب الحدود ـ الباب رقم (3) [فتح الباري 75/18].‬
                                          ‫ض‬
                          ‫(6) صحيح البخاري ح (0613). وأخرجه أي ًا مسلم ح (2737).‬
                                          ‫ض‬
                          ‫(2) صحيح البخاري ح (8826)، وأخرجه أي ًا مسلم ح (8865).‬
                                                             ‫(8) صحيح مسلم ح (0025).‬
                     ‫(3) مسند أحمد (4/813) وأصله عند البخاري ح (21)، ومسلم ح (61).‬

‫(5/602)‬




                                                                          ‫من يرد الحوض‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                         ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                          ‫البدع والمحدثات‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                              ‫مكة المكرمة‬
                                                                            ‫المسجد الحرام‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- نفس جهنم في الصيف والشتاء. 7- ظمأ يوم القيامة. 3- حوض النبي . 4- الذين يذادون‬
‫عن حوض النبي. 1- سقوط اإلعالم وغرابة ما يتصدر عنه. 6- أصناف ثالثة عارضت الشرع‬
                                           ‫بعقولها القاصرة ، وهذه ألصناف ال ترد الحوض.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                  ‫أما بعد:‬
‫فإن الوصية المبذولة لي ولكم عباد اهلل، هي تقوى اهلل ـ سبحانه ـ، في السر والعلن، في الرغبة‬
 ‫والرهبة، في الغضب والرضا، إنما يتقبل اهلل من المتقين، الذين تدفعهم تقواهم إلى تقديم مرضاة‬
                                                            ‫ربهم على رضاء خلقه وعبيده.‬
                                                                      ‫ن‬
  ‫أيها الناس، لقد م ّ اهلل ـ سبحانه وتعالى ـ على عباده بفصول أربعة، يتقلب فيها الزمن، على‬
  ‫حر صيف، ويبس خريف، وبرد شتاء، وحسن ربيع، وجعل لكل فصل من هذه الفصول حكمة،‬
                                                                  ‫ك‬
                                                  ‫يرعوي إليها من به اد ّار فهل من مدكر؟!‬
‫في الصحيحين أن النبي قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لها‬
  ‫بنفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم، وأشد ما‬
                                                            ‫تجدون من البرد من زمهرير جهنم))(5)[5].‬
      ‫ولقد جعل اهلل ـ سبحانه ـ أشياء كثيرة تذكر بالنار ولهيبها، كاألزمنة المفرطة في الحر أو‬
     ‫البرد، فبردها يقرقف(7)[7]، ويذكر بزمهرير جهنم، وحرها يأخذ باألنفاس ويذكر بحر جهنم‬
‫وسمومها، قال الحسن البصري: "كل برد أهلك شيئا فهو من نفس جهنم، وكل حر أهلك شيئا فهو‬
    ‫من نفس جهنم"، وقال قتادة في معرض هذا: هل لكم بذلك يدان أم لكم عليه صبر ؟ طاعة اهلل‬
                                                     ‫ورسوله أهون عليكم يا قوم، فأطيعوا اهلل ورسوله .‬
                                ‫أنسيت لظى عند ارتكابك للهوى ……وأنت توقى حر شمس الهواجر‬
       ‫أيها المسلمون، إن اهلل ـ جل وعال ـ سيحشر األموات جميعا، من قبورهم بعد البعث إلى‬
                 ‫ح َ ُْ َ ن ِ م ُ ح‬
  ‫الموقف حفاة عراة غرال، كما بدأ أول خلق يعيده وَ َشرْنَاهم فَلمْ ُغَادرْ ِنْهمْ أَ َداً [الكهف:24].‬
   ‫يجمع الناس في عرصات القيامة، أولهم وآخرهم على صعيد واحد، فيموج بعضهم في بعض،‬
      ‫وتدنو الشمس منهم حتى تكون كمقدار ميل، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما ال يطيقون وال‬
               ‫يحتملون، فمنهم من يبلغ به العرق إلى كعبيه، ومنهم من إلى ركبتيه، ومنهم من إلى‬
                                                                                    ‫و‬
  ‫حَقْ َيْه(3)[3]، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، فيكون الناس أحوج ما يكونون إلى ما يروون به‬
       ‫غليلهم، ويشفون عليلهم، أحوج ما يكونون إلى ما يقطعون به ظمأ الهاجرة، وغصة الحشر‬
    ‫ِن‬
   ‫المهول، إنهم ـ يا رعاكم اهلل ـ يطمعون في ورود حوض نبيهم، بسم اهلل الرحمن الرحيم: إ َّا‬
                                      ‫َر‬          ‫َل لربك و َ ِن ن ك ه‬                     ‫َ‬
  ‫أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثرَ فَص ّ ِ َ ّ َ َانْحرْ إ َّ شَا ِئَ َ ُوَ األَبْت ُ [سورة الكوثر]. قال رسول اهلل : ((هل‬
   ‫تدرون ما الكوثر؟)) قالوا: اهلل ورسوله أعلم، قال: ((هو نهر أعطانيه ربي ـ عز وجل ـ في‬
              ‫الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة..)) الحديث.. [رواه أحمد](4)[4].‬
‫إننا بحاجة ماسة ـ عباد اهلل ـ إلى أن نلبث مليا حول هذه النعمة المسداة المنصوبة في عرصات‬
     ‫القيامة، لنأخذ منها دروسا وعبرا، علها أن توقظ غافلنا، وأن تبصر جاهلنا، بأنه ال عيش إال‬
   ‫عيش أهل اآلخرة، إنا لنعمى مرات والعيون ناظرة، فاهلل موالنا ونعم المولى، وقل لمن يعصيه‬
                                    ‫أولى أولى، ما هو إال عفوه وحلمه، سبحان من ال حكم إال حكمه.‬
  ‫جاء عند مسلم في صحيحه :أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة(1)[1]. الحوض ـ عباد‬
   ‫اهلل ـ قبل الصراط، عند وجود الناس في المحشر، يرده المؤمنون ويذاد عنه الكافرون، طوله‬
 ‫شهر، وعرضه شهر، كما بين المدينة وصنعاء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك،‬
‫وكيزانه(6)[6] كنجوم السماء في عددها ونورها ولمعانها، وهو أبرد من الثلج، وأحلى من العسل،‬
         ‫و‬
 ‫من شرب منه ال يظمأ بعدها أبدا، يصب فيه نهر الكوثر الذي حافتاه قباب الدر المج ّف، وطينه‬
                ‫مسك أذفر، وهو موجود اآلن لقوله : ((وإني واهلل ألنظر إلى حوضي اآلن)) [رواه‬
                                                                                             ‫البخاري](2)[2].‬
  ‫كل هذه الصفات ـ عباد اهلل ـ صح بها الخبر عن الصادق المصدوق في الصحيحين وغيرهما‬
        ‫مما يوجب اإليمان به والطمع في وروده، بيد أن ثمة قضية تحتاج إلى إمعان النظر فيها،‬
‫والصدق مع اهلل في طرحها، واألخذ بأسباب التوقي من أن يكون مسلم ما في عداد الملتاثين فيها،‬
‫أال وهي ما يقع يوم القيامة من المفاجآت في أناس يطمعون أن يكونوا ممن يرد حوض نبيهم، فإذا‬
    ‫هم يذادون عنه ويحرمون النهل منه، بل إنهم بذلك يفقدون مفتاح الجنة، وهو الشرب من هذا‬
                                                         ‫َر‬
      ‫الحوض، قال رسول اهلل : ((إني ف َط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني واهلل ما أخاف عليكم أن‬
                      ‫تشركوا بعدي، لكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)) [رواه البخاري](8)[8].‬
  ‫والنكتة اللطيفة ـ عباد اهلل ـ أنه ذكر الحوض قبل التحذير الذي بعده، ليشير إلى التخويف من‬
                                                         ‫فعل ما يقتضي اإلبعاد عن الحوض.‬
‫وجاء عن البخاري في صحيحه أن رسول اهلل قال: ((إني على الحوض، حتى أنظر من يرد علي‬
  ‫منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟‬
  ‫واهلل ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) وكان ابن أبي مليكة راوي الحديث يقول: اللهم إنا نعوذ‬
                                            ‫بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن في ديننا(3)[3].‬
      ‫وجاء عند مسلم في صحيحه أنه قال: ((إني ألذود عن حوضي رجاال كما تذاد الغريبة عن‬
         ‫اإلبل))(05)[05]، والمعنى ـ عباد اهلل ـ أنه يطرد من ال يستحق الشرب من الحوض.‬
‫أيها المسلمون، إن األمة اإلسالمية لهي في أشد الحاجة إلى أن ترد حوض نبيها، وإن هذه األجيال‬
‫المتأخرة ليخشى عليها من ظلمات ال يجد فيها الحاذق بصيص نور يهتدي به إلى سواء الصراط،‬
  ‫أو يخلص به من ضالله، وإن اإلحداث والتغيير الذي دب في صفوف المسلمين، لهو خير شاهد‬
‫على هذه القضية، ونحن اليوم ـ معاشر المسلمين ـ نعيش معركة حامية مع االزدواجية في كثير‬
‫من أجوائنا الحياتية ـ إال من رحم اهلل ـ يجمع بين الحق والباطل، والصحيح والضعيف، والزين‬
                                                                                    ‫والشين.‬
 ‫ولعل االزدواجية الصحافية في مثل هذه األيام هي مقبض الرحى في كثير من األقطار اإلسالمية‬
    ‫والعربية، والتي اندلعت نارها وطار في كثير من أرض اإلسالم شرارها، لقد أهمل كثير من‬
                                                                         ‫خ‬
  ‫األقالم، فلم تس ّر لإلسالم، بل ما فتئ بعضها يلهو ويلعب ويسخر، وكأنه مدافع األعياد، تتفجر‬
  ‫بالبارود الكاذب، وسط مجتمعات مقرومة مجعومة، يتيه فيها اللبيب، وإن تعجبوا ـ عباد اهلل ـ‬
 ‫فعجب أن يكون االسم مسلما، وما يخطه البنان غريبا كل الصحفي الغرابة عنه! أين تلك األقالم؛‬
 ‫لتدل الناس على ما يحفظ لهم دينهم ويحصي كيانهم، وتحذرهم من شرور الكفرة الحاقدين، وتقيم‬
                  ‫لهم الميزان العادل، فيرجعون عقالء مميزين، يعرفون ما يأخذون وما يذرون.‬
   ‫واخجلتاه!! من أقالم محسوبة على المسلمين يموت فيهم العالم، وتبلى األمة بباليا ورزايا ثم ال‬
      ‫تكتب فيها حرفا، بل هذا زاهد في حق هذا، وهذا فيه أزهد منه فيه. لقد شغلها عنها شواغل‬
   ‫الصبيان في األوحال، ومباهج أحالم شبابهم، وملذات الغرام التي يسمونها حتى في حال الوفاة‬
           ‫((أسطورية)) أيا كان هذا المتوفى رجال أو امرأة، كافرا أو ملحدا، بغيا أو خبيث الطبع.‬
‫إن مثل هذه المشاعر الصحفية في تضخيم وفاة شخص ما، نفسها أو أحر منها، موجودة عند رواد‬
 ‫الصحافة، وعشاق الورق في بالد اإلسالم ولألسف، وهي مشاعر يأباها الدين جملة وتفصيال، ما‬
‫دامت توهن إيمان المرء باهلل وترده إلى غيره من األحياء أو األموات، وياهلل! كم يحزننا أن يكون‬
                                          ‫قلب امرئ ما فارغا من اهلل، مملوءا بغيره ـ بقوا أو هلكوا ـ؟‬
 ‫إن االنسياق مع مثل هذا جرم، وإحسان الحديث عنه زور، وإذا حكم ذوقهم على المرء بأنه حلو‬
                           ‫ت جب‬
   ‫أو بالعكس فهو مدلس مخوف، هو وأمثاله كشجرة ((الدلفى)) ُعْ ِ ُ من رآها وتقتل من أكلها،‬
   ‫وما محبوهم إال أنوف أزكمها الغبار فاستوت عندها الروائح، أو جسوم تندت ولم ينزع مبلولها‬
                                                                                      ‫فما هي إال الحمى ما منها بد.‬
        ‫عن جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه،‬
  ‫فغضب وقال: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ال تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو‬
     ‫بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إال أن يتبعني )) [رواه‬
                                                                                   ‫أحمد وابن أبي شيبة](55)[55].‬
‫فالعجب ـ عباد اهلل ـ ممن يعلم خطورة الركون إلى غير اإلسالم، أو ميل القلب أو العاطفة، مع‬
        ‫أحياء غير المسلمين أو أمواتهم ـ مهما كانت الظروف التي تحيط بهم، ودوافع الرغبة أو‬
     ‫الرهبة، التي تنبعث من قبلهم ـ؛ فإن ذلك كله ال يسو تحبير األقالم فيهم، وال خلع الجلباب‬
      ‫الساتر، واالنتماء الزائف، مهما نعق الناعقون، بأن لهذه الشخصية أعماال خيرة، بل وإن بلغ‬
       ‫التجرؤ ببعضهم من وصف مثل هذه الشخصية بأنها طبقت اإلسالم وإن لم تكن مسلمة، في‬
                                                                                         ‫صحافة المسلمين المتنوعة.‬
                                                                   ‫م ج له ُرك‬
     ‫وما علم َنْ َهُْ ُ م َ َّب أن عمال ما بال إسالم مهما كان خيرا، فلن ينفع صاحبه في أخراه،‬
   ‫يقول اهلل ـ جل وعال ـ في حق الكافرين: وق ِمْنَا ِلَى مَا َ ُِواْ ِنْ َ َل فَ َ َلْنَا ُ َ َاء َّن ُورً‬
   ‫عمل م عم ٍ جع ه هب م ث ا‬                             ‫َ َد إ‬
‫ل ُ رم د َد ب الر ُ ف ْ ع ص ال ْدر ن‬                                     ‫م َل َّذ ن ر ِرب ِ‬
‫[الفرقان:37]، َّث ُ ال ِي َ كَفَ ُواْ ب َّهمْ أَعْمَاُهمْ كَ َ َا ٍ اشْت َّتْ ِهِ ِّيح ِي يَومٍ َا ِفٍ َّ يَق ِ ُو َ‬
 ‫م َّا كَ َ ُواْ ََى شَىْء ذالِ َ ُوَ َّالَ ُ الْ َ ِي ُ [إبراهيم:85]. َال ِينَ كَف ُواْ أَعْمَاُهمْ كَس َا ٍ ِ ِي َ ٍ‬
 ‫ل ُ َر ب بق عة‬                   ‫َر‬       ‫و َّذ‬               ‫ك ه الض ل بع د‬                       ‫ِم سب عل‬
 ‫يَحْ َ ُ ُ َّمْا ُ مَاء ح َّى إ َا َاء ُ لمْ يَجدْ ُ شَيْئاً وَوَجدَ َّهَ ِندَ ُ فَو َّا ُ ِ َا َ ُ و َّ ُ س ِي ُ الْ ِ َا ِ‬
 ‫َ الل ع ه َف ه حس به َالله َر ع حس ب‬                                    ‫َت ِذ ج ه َ ِ ه‬                   ‫سبه الظ ن‬
                                                                                                             ‫[النور:33].‬
‫قدم أبو سفيان المدينة قبل أن يسلم، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي ، فلما ذهب ليجلس على‬
   ‫فراش رسول اهلل طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به‬
                             ‫عني؟ قالت: بل هو فراش رسول اهلل وأنت رجل مشرك نجس(75)[75].‬
‫هكذا فعلت أم المؤمنين في أبيها بكلمة حق، خرقت بها مثال عربيا: كل فتاة بأبيها معجبة . ما دام‬
                                               ‫أن اإليمان لم يخامر قلبه، وكلمة التوحيد لم ينطق بها لسانه.‬
‫أال فاعلموا ـ رحمكم اهلل ـ أن رسالة المصطفى كفراشه، فمن أجلس عليه من ليس من دينه فلن‬
    ‫ن‬         ‫ي من ن ِالله و ْ خر ي َاد ن م َاد الله َرس ه و‬                                  ‫ال ِد‬
 ‫يرد حوض النبي َّ تَج ُ قَوْماً ُؤْ ِ ُو َ ب َّ ِ َالْيَومِ اآل ِ ِ ُو ُّو َ َنْ ح َّ َّ َ و َ ُولَ ُ َلَوْ كَا ُواْ‬
      ‫ءا َاءهمْ أَوْ أَبْنَاء ُمْ أَوْ ِخْوانَهمْ أَوْ َ ِي َتَهمْ ُوْلَ ِكَ كَتَبَ ِى ُُو ِ ِ ُ اإليمَا َ َأ َّدَهمْ ِ ُو ٍ ّنْ ُ‬
      ‫ن وَي ُ بر ح م ه‬                  ‫ف قل بهم‬              ‫عش ر ُ أ ئ‬                 ‫ُ‬      ‫إ‬        ‫ه‬                 ‫ب ُ‬
 ‫ه ر لد َ ف رض الله ع ُ ورض ع ه أ ئك ِ ب‬                                      ‫ته‬        ‫و ُ خل ُ َن ت ْر م‬
 ‫َيدْ ُِهمْ ج َّا ٍ تَج ِى ِن تَحْ ِ َا األَنْ َا ُ خَاِ ِين ِيهَا َ ِىَ َّ ُ َنْهمْ َ َ ُواْ َنْ ُ ُوْلَ ِ َ حزْ ُ‬
                                                                                ‫الل ُم م ح‬               ‫ِن ِ‬           ‫الل‬
                                                              ‫َّهِ أَالَ إ َّ حزْبَ َّهِ ه ُ الْ ُفْلِ ُونَ [المجادلة:77].‬
       ‫اللهم ارزقنا شفاعة نبيك ، وأوردنا حوضه، واسقنا منه شربة ال نظمأ بعدها أبدا يا رحمن.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                                                                                 ‫له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.‬
                                                                                                                       ‫أما بعد:‬
         ‫فاتقوا اهلل معاشر المسلمين، ثم اعلموا أن بعض أهل البدع أنكر حوض النبي ممن عرفوا‬
‫بالمكابرة بعقولهم أمام نصوص الشارع الحكيم، فجعلوا آراءهم مقدمة عليها، فما وافق العقل منها‬
    ‫قبلوه، وما ال فال، وهذه بلية كبرى اتسع نطاقها في بقاع شتى من أراضي المسلمين، يعرفون‬
‫باسم أهل الفكر المستنير، أو العقالنيين الذين يخضعون نصوص الشريعة لعقولهم ال العكس، وقد‬
   ‫أشار ابن القيم ـ رحمه اهلل ـ إلى جملة ممن خالفوا الوحي بآرائهم وعقولهم، فكان من أهمهم‬
                                                                                                              ‫ثالثة أصناف:‬
   ‫صنف عارضوا الوحي واألخبار بعقولهم، فقالوا ألهل الشريعة: لنا العقل ولكم الشرع، فجعلوا‬
                                              ‫َي ً‬
       ‫أهل األرض اثنين، ذا عقل بال دين، وآخر دِّنا ال عقل له، وعلى هذا ثلة ممن اغترفوا من‬
            ‫حضارة الغرب وفلسفاتها، ورضعوا من أثدائها حتى أنشزت عظامهم وأنبتت لحومهم.‬
   ‫والصنف الثاني: قالوا: لكم الشريعة، ولنا الحقيقة واألذواق، وهؤالء هم أهل التصوف الذين ال‬
                                                                                       ‫يعتمدون على الوحي الصحيح.‬
     ‫وصنف ثالث: خالفوا الوحي بسياساتهم، فقالوا ألصحاب الشريعة: لكم الشريعة ولنا السياسة،‬
‫والتي يعبر عنها آخرون بفصل الدين عن الدولة، أو دع ما هلل هلل، وما لقيصر لقيصر، أو بعبارة‬
                                                                                     ‫أخرى: الدين هلل والوطن للجميع.‬
‫فهذه األصناف ـ عباد اهلل ـ كلها، ممن لن يرد حوض نبينا ، ليس له إال الحميم الغساق، وآخر‬
      ‫من شكله أزواج، إال أن يتداركهم اهلل برحمة منه وفضل، ويكونوا من المؤمنين المصلحين،‬
    ‫البعيدين كل البعد عن الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب ذي الرأي برأيه؛ استجابة لقول‬
 ‫النبي : ((إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا اهلل ورسوله على الحوض)) [رواه‬
                                                                                                         ‫البخاري](35)[5].‬
                                                                          ‫__________‬
                                   ‫(5) صحيح البخاري ح (231)، صحيح مسلم ح (256).‬
                                                ‫(7) قرقف: أرعد (القاموس ، مادة قرقف).‬
                                                                     ‫ح‬              ‫ح‬
                               ‫(3) َقويه: تثنية ( َقْو) بمعنى الكشح (القاموس ، مادة حقو).‬
                              ‫(4) صحيح، مسند أحمد (3/705)، وأخرجه مسلم ح (004).‬
                                                            ‫(1) صحيح مسلم ح (0037).‬
                                             ‫(6) كيزان: جمع كوز (القاموس ، مادة كوز).‬
                                                         ‫(2) صحيح البخاري ح (0316).‬
                                                        ‫(8) المرجع السابق، الحديث نفسه.‬
                                                         ‫(3) صحيح البخاري ح (3316).‬
                   ‫(05) 05] صحيح مسلم ح (7037)، وأخرجه أيضًا البخاري ح (2637).‬
                   ‫(55) 55] حسن، مسند أحمد (3/833)، مصنف ابن أبي شيبة (6/ 877).‬
  ‫(75) 75] أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/32) بسنده إلى الزهري. وفي إسناده محمد‬
‫بن عمر الواقدي شيخ محمد بن سعد. قال ابن حجر في الواقدي: متروك مع سعة علمه. التقريب‬
                                                                                ‫(1576).‬
                ‫وفيه انقطاع أيضًا فالزهري لم يدرك أبا سفيان وال أم حبيبة رضي اهلل عنهما.‬
                       ‫(35) صحيح البخاري ح (2453). وأخرجه أيضًا مسلم ح (3105).‬

‫(5/202)‬




                                                                                  ‫ِر‬
                                                                            ‫لكل ش ّة فترة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                          ‫أمراض القلوب‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                  ‫سعود بن إبراهيم الشريم‬
                                                                             ‫مكة المكرمة‬
                                                                           ‫المسجد الحرام‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- أوبة المسلمين في رمضان وغفلتهم بعده. 7- مجاهدة النفس وحسن تربيتها. 3- خير‬
‫األعمال أدومها وإن قل. 4- التحذير من رذيلتي اإلفراط والتفريط. 1- تقلب القلوب والثبات إنما‬
  ‫يكون من اهلل. 6- دعوة للثبات على الطاعة بعد رمضان. 2- تحذير من أكور بعد الكور. 8-‬
                                                                                 ‫حالة الفتور عن العمل الصالح.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                              ‫أما بعد:‬
     ‫فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى اهلل سبحانه، فإنها الزمام والقوام، فتمسكوا بوثائقها،‬
  ‫واعتصموا بحقائقها، ثم اعلموا إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تتناضل فيه المنايا، مع كل جرعة‬
                  ‫م‬
  ‫شرق، وفي كل أكلة غصص، ال تنالون منها نعمة إال بفراق أخرى، وال يع ّر معمر منكم يوما‬
       ‫من عمره، إال بهدم آخر من أجله، وال يحيا له أثر إال مات له أثر، وقد مضت أصول نحن‬
 ‫فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله؟! أال فال يستوحشن أحد في طريق الهدى لقلة أهله، فإن‬
‫الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل، ومن سلك الطريق الواضح دون فتور‬
                                                                ‫أو ملل ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه.‬
  ‫أيها الناس، إن شعور المسلم باالستبشار والغبطة حينما يرى إقبال الناس على اهلل في رمضان،‬
                                                                                 ‫ل‬
  ‫وما يقّبه من بصره هنا وهناك تجاه أوجه البر واإلحسان لدى الكثيرين من أهل اإلسالم، ليأخذ‬
‫العجب بلبه كل مأخذ، ولربما غلب السرور مآقي المترقب، فهتن دمع الفرح واإلعجاب، لما يرى‬
  ‫ويشاهد، إال أن العيد وما يعقبه ليصدق ذلك الظن أو يكذبه، ومن ثم ينكص المعجب، وتشخص‬
  ‫أحداقه، لما يرى من مظاهر التراجع والكسل والفتور، ومن ثم يوقن، أنه إنما مستسمنا ذا ورم.‬
 ‫وما يشاهده المرء في األعياد في أقطار شتى، من الفرح غير المشروع، وتجاوز حدود االعتدال‬
  ‫فيه، على هيئة وصورة تنفيان كونهم من الخائفين على رد األعمال الصالحة، أو من الشاكرين،‬
‫لبلو هذا العيد الذي أكرمهم اهلل به، ومن ثم فإن الحال على ما ذكر كالتي نقضت عزلها من بعد‬
    ‫ِن‬
    ‫قوة أنكاثا؛ ألن النفس البشرية لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه إ َّ‬
               ‫َي ُم ُد الش ن َّ ُ و ل ُ‬                                        ‫َد عل َ ب ه م ب‬                     ‫َّذ‬
  ‫ال ِينَ ارْت ُّواْ ََى أدْ َارِ ِمْ ّن َعْدِ مَا تَب َّنَ لَه ُ الْه َى َّيْطَا ُ سَولَ لَهمْ َأَمَْى لَهمْ [محمد:17].‬
 ‫ولو أنهم أحبوا الطاعة، لما تخلوا عنها طرفة عين وقديما قيل: من عشق طريق اليمن، لم يلتفت‬
                                                                                                           ‫إلى الشام.‬
    ‫أال فاعلموا – يا رعاكم اهلل – أن من قارب الفتور والكسل، بعد عنه النصب واالجتهاد، ومن‬
                                                                                     ‫د‬
      ‫ا ّعى الترويح أو التسلية وكل إلى نفسه، وإن من أحق األشياء بالضبط والقهر واألطر على‬
                                                       ‫العبادة واالستقامة أطرا؛ هي نفسك التي بين جنبيك.‬
 ‫فإياك إياك ـ أيها المسلم ـ وأن تغتر بعزمك على ترك الهوى في رمضان، مقاربة الفتنة بعده،‬
  ‫فإن الهوى مكايد، فكم من صنديد في غبار الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر‬
                              ‫إليه، واذكر ـ حفظك اهلل ـ حمزة مع وحشي رضي اهلل عنهما.‬
   ‫من تعود الفتور والكسل، أو مال إلى الدعة والراحة، فقدْ فقدَ الراحة، وقد قيل في الحكمة: إن‬
‫أردت أال تتعب، فاتعب لئال تتعب، وال أدل على ذلك من وصية الباري جل وعال لنبيه ومصطفاه‬
                                                                  ‫ِ َر َ ص‬
    ‫فَإذَا ف َغْت فَان َبْ [الشرح:2]، ألن من كسل لم يؤد حقا، ومن ضجر لم يصبر على الحق،‬
      ‫والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل‬
                                                                                   ‫األماني.‬
‫وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم، وإال ونت وأبت؛ ألن فساد األمر في التردد،‬
  ‫والنفس ـ عباد اهلل ـ من أعجب األشياء مجاهدة؛ ألن أقواما أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما‬
    ‫د‬
    ‫كرهوا، وآخرين بالغوا في خالفها حتى منعوها حقها، وإنما الحازم من تعلمت منه نفسه الج ّ‬
 ‫وحفظ األصول، فإذا ما أفسح لها في مباح، لم تتجاسر أن تتعداه، ألن تفقد النفس حياة، وإغفالها‬
                                                                 ‫لون من ألوان القتل صبرا.‬
                       ‫والنفس كالطفل إن تهمله شب على……حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم‬
  ‫إن الحياة الدنيا ال تخلو من عقوبة، ومن عاش لم يخل من المصيبة، وقل ما ينفعك عن عجيبة،‬
      ‫ر‬
      ‫وإن من أعظم العقوبات ـ عباد اهلل ـ عدم إحساس المعاقب بها، بل وأدهى من ذلك وأم ّ‬
‫السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام، أو التمكن من الذنوب بعد اإلقالع عنها، ومن‬
              ‫ي‬                                        ‫غش‬
      ‫هذه حاله ال يفوز بطاعة، ولو َّى نفسه بعبادات موسمية ذات خداج، لوجد خف ّ العقوبة‬
‫الرئيس، وهو سلب حالوة النجاة، أو لذة التعبد، إال رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، من عباد رب‬
‫الشهور كلها، بواطنهم كظواهرهم، شوالهم كرمضانهم، الناس في غفالتهم، وهم في قطع فالتهم،‬
 ‫فأخلق بمدمن القرع منهم لألبواب أن يلج؛ ألنهم تغلبوا على طباعهم ذات الجواذب الكثيرة، ولذا‬
                                             ‫ي‬
                                         ‫فليس العجب أن يغلب الطبع، وإنما العجب أن ُغلب.‬
    ‫لقد خلق اإلنسان في كبد، والمرء كادح إلى ربه كدحا فمالقيه، وإن من أعظم ما يعين النفس‬
   ‫المسلمة على دوام الطاعة أال تحمل من األمر ما ال تطيق، بل البد لها من التلطف، فإن قاطع‬
  ‫مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف، والطريق الشاق ينبغي أن يقطع بألطف ممكن، وال شك أن‬
‫الرواحل إذا تعبت نهض الحادي ينشدها، ولذا فإن أخذ الراحة للجد جد، وغوص البحار في طلب‬
    ‫الدر صعود، ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس، فليداوم النظر في سيرة النبي ، وليستمع إلى‬
                                    ‫ّ‬
 ‫قوله: ((إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت ال أرضاً قطع وال ظهراً أبقى)) رواه‬
‫أحمد(5)[5]، وعند البخاري في صحيحه: أن النبي قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إال‬
                                                                             ‫غلبه))(7)[7].‬
        ‫كثيرون هم أولئك الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد والتكاليف، وهم كذلك‬
‫يتساقطون إعياء خلف صفوف الجادين من عباد اهلل، يتخللونها، ضعافا مسترخين، يخذلون أنفسهم‬
                                    ‫الد و ِ ة ْر و ق‬                             ‫ب ت ِر‬
                  ‫في ساعات الشدة َلْ ُؤْث ُونَ الْحياةَ ُّنْيَا َاألَخرَ ُ خَي ٌ َأَبْ َى [األعلى:65، 25].‬
‫نعم إن هناك ضعفاً في البشر، وال يملك الناس أن يتخلصوا منه، وليس مطلوباً منهم أن يتجاوزوا‬
    ‫حدود بشريتهم، ولكن المطلوب أن يستمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى اهلل في كل حين،‬
 ‫وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم ثقافة وأسرة وإعالما من الثوابت التي ال تتغير،‬
        ‫وال تخدع بها النفس في موسم ما دون غيره، كما أنها تمنعهم في الوقت نفسه بإذن اهلل من‬
                                                      ‫ر‬
 ‫التساقط، وتحرسهم من الفترة بعد الش ّة مهما قلت، ما دامت على الدوام، فرسول اهلل يقول: ((يا‬
 ‫أيها الناس، خذوا من األعمال ما تطيقون؛ فإن اهلل ال يمل حتى تملوا، وإن أحب األعمال إلى اهلل‬
                                                            ‫ما دام وإن قل)) رواه البخاري ومسلم(3)[3].‬
      ‫وال جرم أن نشير هاهنا إلى أن التحرر من الغلو والتشدد ال يعني الترك واإلهمال، بل يعني‬
   ‫التوسط واالعتدال، مع محافظة المرء على ما اعتاده من عمل، أو التزام في السلوك العام، قال‬
    ‫عبد اهلل بن عمرو بن العاص رضي اهلل عنهما: قال لي رسول اهلل : ((يا عبد اهلل، ال تكن مثل‬
                                              ‫فالن، كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) متفق عليه(4)[4].‬
              ‫ا‬
  ‫إن االنهماك المستمر في العبادة، واإلغالق على حقوق النفس واألهلين يعد إفراطً مذموماً ليس‬
‫من هدي سيد المرسلين، وأعبد الناس لرب العالمين، بله كونه سببا في التراجع والنكوص، كما أن‬
  ‫األمر في الوقت نفسه إن كان تقاصراً عن العبادة، أو انشغاالً عنها، أو تركاً للحبل على الغارب‬
 ‫مجانبة للتصحيح، أو االرتقاء بالحال على ما يريده اهلل ورسوله يعد تفريطاً ممقوتاً، وكال طرفي‬
 ‫قصد األمور ذميم، ويمثل ذلك تضييع المجتمعات المسلمة، بين إفراط وتفريط، ناشئين عن جهل‬
                                     ‫م‬       ‫مف‬               ‫ي‬
 ‫وضالل، كما قال علي : (ال ُرى الجاهل إال ُ َرطا أو ُفْرطا)، ولفظ اإلفراط والتفريط ـ عباد‬
 ‫اهلل ـ لم يأت في القرآن على سبيل المدح إال في نفيه عن كل صالح أو مصلح يقول سبحانه عن‬
                                ‫ي رط‬          ‫ت َف ه رسل ُ‬                     ‫َت ِذ ج حدكم‬
  ‫المالئكة ح َّى إ َا َاء أَ َ َ ُ ُ الْمَوْ ُ تَو َّتْ ُ ُ ُُنَا وَهمْ الَ ُفَ ّ ُونَ [األنعام:56]. وقال عن موسى‬
     ‫أ ق ل‬                              ‫غ‬       ‫أ‬             ‫فأ ر ع‬                   ‫َ َب ِن‬
     ‫وهارون: قَاال رَّنَا إ َّنَا نَخَا ُ َن يَفْ ُطَ َلَيْنَا أَوْ َن يَطْ َى [طه:14]. ويقول سبحانه: َن تَ ُو َ‬
      ‫ل‬                                             ‫ٌ ح رت عل م َر ُ ف ج الل‬
   ‫نَفْس يا َسْ َ َى ََى َا ف َّطَت ِى َنبِ َّهِ [الزمر:61]. وقال جل وعال عن أهل النار: قَاُواْ‬
       ‫به ع ِ ْر‬                      ‫و ت م‬                                     ‫ح ر عل م َر ف ه‬
    ‫يا َسْ َتَنَا ََى َا ف َّطْنَا ِي َا [األنعام:53]. وقال جل شأنه: َالَ ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َن ذك ِنَا‬
                                                                                ‫ْر ُ فر‬         ‫َات و ه و‬
                                                                 ‫و َّبَعَ هَ َا ُ َكَانَ أَم ُه ُ ُطًا [الكهف:87].‬
‫والمراد هنا ـ عباد اهلل ـ: أن يتماسك المرء المسلم والمجتمعات المسلمة، فيكون لهم من صالبة‬
  ‫عودهم اإلسالمي وحسه ما يحول بينهم وبين الفتور والضعف، أو التراجع عن الدين أو التخاذل‬
‫عنه، وإذا ما بدت هفوة أو غفلة، سارعوا بالتيقظ ومعاودة التمسك، واالستجابة لكل ناصح مشفق،‬
                           ‫وهذا هو التوسط المحمود الذي اختصت به هذه األمة من بين سائر األمم.‬
                                  ‫فال هو في الدنيا مضيع نصيبه …وال عرض الدنيا عن الدين شاغله‬
                           ‫ِنه بم مل بص ر‬                              ‫وم ب م ك و‬             ‫أم‬          ‫ق‬
‫فَاسْتَ ِمْ كَمَا ُ ِرْتَ َ َن تَا َ َعَ َ َالَ تَطْغَوْاْ إ َّ ُ ِ َا تَعْ َُونَ َ ِي ٌ [هود:755]. والطغيان هنا هو‬
                                                                         ‫ما تجاوز الحد في األخذ أو الترك.‬
    ‫أيها المسلمون، كثيرا ما يناجي المرء نفسه، ماذا وكم عملت، وقليال ما يسائل نفسه، ويبلوها،‬
  ‫كيف كان عملي وما مدى قربه أو بعده من اهلل؟ وما درجة المداومة عليه وعدم الفتور عنه، أو‬
     ‫اإلعياء بحمله؟ وما ذاك ـ عباد اهلل ـ إال من جهل المرء بنفسه، وتقصيره في معرفة حقيقة‬
                               ‫قن‬           ‫و ُ َبك َت تي‬
     ‫العبادة التي يريد اهلل منه في قوله: َاعْبدْ ر َّ َ ح َّى يَأْ ِ َكَ الْيَ ِي ُ [الحجر:33]. إن البقاء على‬
 ‫الطاعة في كل حين، أو التهاون عنها كرات ومرات ليعودان في المرد بإذن اهلل إلى القلب، وهو‬
 ‫أكثر الجوارح تقلبا في األحوال، حتى قال فيه المصطفى : ((إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل‬
                ‫القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً على بطن)) رواه أحمد(1)[1].‬
‫وألجل ذا كان من دعائه : ((يا مقلب القلوب ؛ ثبت قلبي على دينك))، وسئل عن ذلك فقال: ((إنه‬
       ‫ليس آدمي إال وقلبه بين أصبعين من أصابع اهلل، فمن شاء أقام ومن شاء أزا )) رواه أحمد‬
                                                                                                          ‫والترمذي(6)[6].‬
                                                      ‫وما سمي اإلنسان إال لنسيه ……وال القلب إال أنه يتقلب‬
 ‫إن استدامة الطاعة والمداومة على األعمال الصالحة لهي في الحقيقة من عوامل الثبات على دين‬
                  ‫ْف ع ِ و ُ زن‬                             ‫م‬          ‫ِن َّذ َ ل َب الله ُم‬
 ‫اهلل وشرعه إ َّ ال ِين قَاُواْ رُّنَا َّ ُ ث َّ اسْتَقَا ُواْ فَالَ خَو ٌ َلَيْهمْ َالَ همْ يَحْ َ ُونَ [األحقاف:35].‬
      ‫أال وإن ترك المحرمات، والعمل بما يوعظ به المرء من قبل خالقه ومواله، ألمر يحتاج إلى‬
   ‫ع ِ أن‬                  ‫و َن‬
   ‫ترويض ومجاهدة من أجل الحصول على العاقبة الحميدة، وحسن المغبة َلَوْ أ َّا كَتَبْنَا َلَيْهمْ َ ِ‬
   ‫اقْ ُُواْ أَن ُ َكمْ أَو اخ ُ ُواْ ِن ِ َا ِ ُمْ َّا فَ َُو ُ ِال قَلِي ٌ ّنْهمْ َلَوْ أَّهمْ فَ َُواْ مَا ُو َ ُونَ ِهِ َكَا َ‬
   ‫ي عظ ب ل ن‬                  ‫تل فس ُ ِ ْرج م دي رك م عل ه إ َّ ل م ُ و َن ُ عل‬
                  ‫ظ ا و َد ه ص ا م ق‬                              ‫ُ م َّ ُن‬                 ‫له و َد ب ا وإ‬
  ‫خَيْراً َّ ُمْ َأَش َّ تَثْ ِيتً َِذاً الَتَيْنَاهمْ ّن لد َّا أَجْراً عَ ِيمً َلَه َيْنَا ُمْ ِراطً ُّسْتَ ِيماً [النساء:66-‬
                                                                                                                           ‫86].‬
‫والتثبيت ـ عباد اهلل ـ يكون في الحياة الدنيا على الخير والعمل الصالح، وفي اآلخرة يكون تثبيتا‬
‫ِ وي ِل‬          ‫الد َف‬                ‫ْ الث ب ِ ف‬            ‫ي بت الله َّذ ن من‬
‫في البرزخ وعند السؤال ُثَّ ُ َّ ُ ال ِي َ ءا َ ُواْ بِالْقَولِ َّا ِت ِى الْحياةِ ُّنْيَا و ِى اآلخرَةِ َُض ُّ‬
                                                                   ‫الله الظ لم ن و عل الله ي‬
 ‫َّ ُ َّاِ ِي َ َيَفْ َ ُ َّ ُ مَا َشَاء [إبراهيم:27]. اللهم إنا نسألك الثبات قبل الممات، واإلرشاد إلى‬
                                     ‫استدراك الهفوات من قبل الفوات، وإلهامنا أخذ العدة للوفاة والموافاة.‬


                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل حمد من يشكر النعمة، ويخشى النقمة، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له‬
    ‫الفضل والمنة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله معلمنا الكتاب والحكمة، صلوات ربي وسالمه‬
                                                                    ‫عليه وعلى آله وصحبه أولي النجابة والفطنة.‬
                                                                                                                       ‫أما بعد:‬
 ‫فاتقوا اهلل ـ معاشر المسلمين ـ وتوبوا إلى ربكم تفلحوا، تمسكوا بسنة المصطفى وعضوا عليها‬
                             ‫بالنواجذ، وإياكم ومحدثات األمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة.‬
  ‫قال الحسن البصري رحمه اهلل: (السنة ـ والذي ال إله إال هو ـ بين الغالي والجافي، فاصبروا‬
    ‫عليها ـ رحمكم اهلل ـ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي،‬
 ‫الذين لم يذهبوا مع أهل اإلتراف في إترافهم، وال مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم‬
                                                            ‫حتى لقوا ربهم، فكذلك ـ إن شاء اهلل ـ فكونوا).‬
     ‫فيا أهل التوبة، استيقظوا، وال ترجعوا بعد رمضان إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام،‬
    ‫فالرضاع إنما يصلح للطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ال للرجال، وعليكم بالصبر‬
‫على مرارة الفطام، لتعتاضوا عن لذة الهوى بحالوة اإليمان في قلوبكم، ومن ترك شيئا هلل عوضه‬
 ‫ي تُ خ ا‬                 ‫ْ إ ي َ الل ُ ف قل ب ُ‬             ‫َي النب ُّ ق لم ف ْد ك م‬
 ‫اهلل خيرا منه يَاأُّهَا َّ ِى ُل ّ َن ِى أَي ِي ُم ّنَ االْسرَى ِن َعْلمِ َّه ِي ُُو ِكمْ خَيْراً ُؤْ ِكمْ َيْرً‬
                                                                  ‫ّم أ ِ م ُ وي ف ُ َالله ف ٌ ر م‬
                                                    ‫م َّا ُخذَ ِنكمْ َ َغْ ِرْ لَكمْ و َّ ُ غَ ُور َّحِي ٌ [األنفال:02].‬
 ‫ذنب واحد بعد التوبة، أقبح من كذا ذنب قبلها، النكسة أصعب من المرض، وربما أهلكت، فسلوا‬
 ‫اهلل الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا باهلل من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور، فما‬
                            ‫أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة! وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة!‬
     ‫ذكر عند النبي قوم يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا، فقال: ((تلك ضرورة اإلسالم وشرته،‬
 ‫ولكل عمل شرة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد فنعما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فأولئك‬
                                                                    ‫هم الهالكون)) رواه أحمد والطبراني(2)[5].‬
                                      ‫ة‬     ‫ة‬
‫ومعنى الحديث ـ عباد اهلل ـ: أن لكل عمل قو ً وشد ً، يتبعها فتور وكسل، ولكن الناس يختلفون‬
    ‫في هذا الفتور، فمنهم من يبقى على السنة والمحافظة عليها ولو كانت قليلة، ومنهم من يدعها‬
  ‫ويتجاوزها إلى ما يغضب اهلل، وبنحو هذا يقول ابن القيم رحمه اهلل: تخلل الفترات للعباد أمر ال‬
 ‫بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم، رجي‬
      ‫م عب د م ُ ِم ل سه وم ه‬                                          ‫َّذ‬       ‫ُم ْر ك‬
    ‫له أن يعود خيرا مما كان ث َّ أَو َثْنَا الْ ِتَابَ ال ِينَ اصْطَفَيْنَا ِنْ ِ َا ِنَا فَ ِنْهمْ ظَال ٌ ّنَفْ ِ ِ َ ِنْ ُمْ‬
                              ‫ر‬          ‫ل‬           ‫ه‬          ‫ت ِذ الل‬                 ‫ق‬         ‫م صد وم ُ‬
    ‫ُّقْتَ ِ ٌ َ ِنْهمْ سَابِ ٌ بِالْخَيْرا ِ بِإ ُنِ َّهِ ذَلِكَ ُوَ الْفَضْ ُ الْكَبِي ُ [فاطر:73]. يقول المصطفى :‬
   ‫((إذا أراد اهلل بعبد خيرا استعمله قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه))‬
                                                                                                 ‫رواه الترمذي(8)[7].‬
 ‫ولقد بكى ابن مسعود عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: إنما أبكي، ألنه أصابني في حال فترة ولم‬
                                                                                              ‫يصبني في حال اجتهاد.‬
                          ‫اللهم أحسن عاقبتنا في األمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب اآلخرة.‬


                                                                                                         ‫__________‬
                          ‫ت‬
‫(5) مسند أحمد (3/335)، قد أخرجه دون قوله: ((... فإن المنب ّ...)). والحديث حسن دون هذه‬
    ‫الزيادة. انظر السلسلة الضعيفة (5/57) وصحيح الجامع (6477) وضعيف الجامع (0707).‬
                                                                                     ‫(7) صحيح البخاري ح (33).‬
                                            ‫ض‬
                             ‫(3) صحيح البخاري ح (0235). وأخرجه أي ًا مسلم ح (782).‬
                      ‫(4) صحيح البخاري ح (7155)، صحيح مسلم: كتاب الصيام ح (185).‬
                                                          ‫(1) صحيح، مسند أحمد (4/804).‬
                ‫(6) صحيح، مسند أحمد (6/703)، سنن الترمذي (7713) وقال: حديث حسن.‬
   ‫(2) مسند أحمد (7/165)، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (7/317) للطبراني وأحمد، قال:‬
            ‫ورجال أحمد ثقات. قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (3316): إسناده صحيح.‬
                   ‫ض‬
    ‫(8) صحيح، سنن الترمذي ح (7457) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أي ًا أحمد (3/605).‬

‫(5/802)‬




                                                                    ‫سر التوحيد وحقيقته (45)‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫األسرة والمجتمع, التوحيد‬
                                                                ‫شروط التوحيد, قضايا األسرة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                ‫27/3/3045‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
‫كالم وهب بن منبه لمن قال له : أليس ال إله إال اهلل مفتاح الجنة , وداللة كالمه - أسنان مفتاح "‬
‫ال إله إال اهلل " أداء الفرائض والواجبات واستيفاء الشرائط واجتناب النواقض - اجتناب المعاصي‬
 ‫والمحرمات من أسباب سالمة القلب - ليس المراد بال إله إال اهلل مجرد التلفظ بها واألحاديث في‬
‫البشارة مقيدة باألحاديث األخرى في استيفاء شروطها وانتفاء نواقضها دور الماسونيين في تحديد‬
                                    ‫نسل المسلمين - الدعوة إلى التكاثر من سنة سيد المرسلين‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                ‫د‬
  ‫أما بعد:من مات على التوحيد دخل الجنة ألن شهادة أن ال إله إال اهلل وأن محم ًا رسول اهلل هي‬
                                                                   ‫مفتاح الجنة. ما معنى ذلك ؟‬
                                                               ‫ق‬
    ‫روى البخاري في صحيحه تعلي ًا عن وهب بن منبه رحمه اهلل أنه قيل له: أليس ال إله إال اهلل‬
               ‫ف‬
  ‫مفتاح الجنة ؟ قال: بلى ولكن ليس مفتاح إال له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان ُتح لك وإال لم‬
                                                                                       ‫يفتح لك.‬
                                  ‫ت‬
  ‫مقصوده رحمه اهلل أن شهادة ال إله إال اهلل ليست مجرد كلمة ُقال باللسان فينجو بها قائلها حتى‬
    ‫ولو لم يؤد فرائضها ويستوف شرائطها ويسلم من نواقضها ومفسداتها. حتى ولو لم يسلم من‬
   ‫نواقضها ومبطالتها هي المفتاح والمفتاح ال يعمل إال بأسنان. وأسنان هذا المفتاح ال إله إال اهلل‬
   ‫هي أداء الفرائض والواجبات واستيفاء الشروط واجتناب النواقض والمفسدات ثم بعد ذلك كلما‬
     ‫استزاد المسلم من األعمال الصالحات كانت أسنان مفتاحه أجود، وكلما ابتعد عن المحرمات‬
                                                              ‫والمنكرات كان ذلك أسلم لمفتاحه.‬
                                         ‫م‬
     ‫ولذلك قال الحسن البصري رحمه اهلل لما قيل له إن قو ًا يقولون: من قال ال إله إال اهلل دخل‬
 ‫الجنة. قال الحسن رحمه اهلل: من قال ال إله إال اهلل وأدى حقها وفرضها دخل الجنة، وروي عنه‬
      ‫طن‬                                                                                 ‫ض‬
     ‫أي ًا أنه قال لرجل ذكر شهادة أن ال إله إال اهلل فقال له الحسن: هذا هو العمود فأين ال ُُب‬
‫ومراده رحمه اهلل أن شهادة أن ال إله إال اهلل هي عمود فسطاط اإلسالم خيمة اإلسالم، عمودها ال‬
    ‫إله إال اهلل وكما أن الفسطاط ال يقوم إال على العمود فإنه ال يثبت إال بالطنب والطنب هنا هي‬
        ‫ت‬
   ‫الفرائض فرائض ال إله إال اهلل. وهى التي يجب أن تستوفي والمحرمات التي يجب أن ُجتنب،‬
‫فإن اجتناب المحرمات ضروري لسالمة هذا العمود. لذلك قال الحسن رحمه اهلل للفرزدق الشاعر‬
‫المشهور الذي كان يشبب بالنساء في شعره ويذكرهن في شعره وكان أحيانا يباهى في شعره بفعل‬
                                ‫ط‬
 ‫الفواحش قال له الحسن رحمة اهلل: إن لال إله إال اهلل شرو ًا فإياك يا فرزدق وقذف المحصنات.‬
‫إياك يا فرزدق وقذف المحصنات. لم يرد الحسن رحمه اهلل أن قذف المحصنة بخصوصه يفسد ال‬
   ‫إله إال اهلل أو ينقض ال إله إال اهلل لكنه ضربه مثاالً على أن اجتناب المعاصي والمحرمات من‬
‫حيث المبدأ من الشروط لسالمة العمود عمود فسطاط اإلسالم ال إله إال اهلل ، وقد يبقى هذا العمود‬
    ‫على الرغم من ارتكاب بعض المعاصي والمنكرات لكن ارتكاب تلك المعاصي يضعفه ويشتد‬
  ‫ضعف هذا العمود كلما أمعن المسلم في ارتكاب المعاصي والمنكرات. حتى يكاد ينهدم بل ربما‬
  ‫انهدم يطمس القلب والعياذ باهلل. فإن اهلل عز وجل قد يعاقب المستخف للحرمات والمنكرات، قد‬
 ‫يعاقب المستخف للمحرمات المرتكب للمعاصي والمنكرات يعاقبه بطمس قلبه فيفسد حينئذ إيمانه‬
                                                                          ‫ويضرب عليه النفاق.‬
    ‫أردنا بهذا التنبيه على أن مقولة إن شهادة ال إله إال اهلل هي مفتاح الجنة ليس معناها أن قائلها‬
                                                  ‫بمجرد التلفظ بها ينجو من النار ويدخل الجنة.‬
    ‫فقد أجمع العلماء على أن من نطق بالشهادة على أن من تلفظ بالشهادة ثم سجد لصنم أو أهان‬
                                                                                ‫د‬
                                         ‫المصحف متعم ًا أنه كافر خارج من ملة ال إله إال اهلل.‬
      ‫كما أنهم أجمعوا على أن من تلفظ بالشهادة لكنه لم يعتقد معناها لم يؤمن بمعناها أو شك في‬
           ‫معناها أو سخر من مضمونها بأنه كافر خارج من ملة ال إله إال اهلل محمد رسول اهلل.‬
  ‫إذن فليست هذه مجرد كلمة. ليس المراد هو مجرد التلفظ بها بل المطلوب مع التلفظ بها التلبس‬
    ‫بحالة مخصوصة من أداء فرائضها وحقوقها واستيفاء شروطها واجتناب نواقضها ومفسداتها.‬
 ‫وسيدنا محمد في إجماله البشارة بالجنة ألهل ال إله إال اهلل له تفصيل بينه في أحاديث أخرى وفي‬
  ‫مناسبات أخرى، بين قبل ذلك فرائض ال إله إال اهلل وشرائط ال إله إال اهلل وحقوق ال إله إال اهلل‬
  ‫فإن البشارة للجنة على وجه اإلجمال ألهل ال إله إال اهلل كان في الغالب من أواخر كالمه حديث‬
‫البشارة حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه الذي أمره فيه النبي بأن يبشر كل من يشهد أن ال إله إال‬
   ‫اهلل مستيقنًا بها قلبه أن يبشره بالجنة(5)[5] هو من أواخر كالمه فإن أبا هريرة رضي اهلل عنه‬
‫أسلم في آخر حياة النبي أبو هريرة راوي حديث البشارة هذا أسلم في أواخر حياة النبي فإذن كان‬
 ‫النبي قد بين قبل ذلك فرائض ال إله إال اهلل وشرائطها وحقوقها ونواقضها ومفسداتها فلما اطمأن‬
   ‫إلى أن أصحابه رضي اهلل عنهم قد فقهوا عنه ذلك أجمل لهم البشارة بالجنة على ال إله إال اهلل‬
                                                                               ‫د‬
‫معتم ًا على فهمهم لشرائطها وفرائضها وحقوقها وسوف نبين هذه المسألة بمزيد من التفصيل في‬
  ‫ى‬                                                                                        ‫ج‬
  ‫ال ُمع القادمة إن شاء اهلل تعالى أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إل ّ‬
‫أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين ال يؤتون الزكاة وهم باآلخرة‬
                                                                   ‫هم كافرون [فصلت: 6-2].‬
    ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني اهلل وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول‬
                               ‫قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا‬
                                                               ‫ل‬
     ‫عبده ورسوله اللهم ص ّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد. هتف هاتف‬
   ‫الشياطين ونادى منادي الماسونيين أال تتكاثروا يا معشر المسلمين، حددوا نسلكم وقللوا عددكم،‬
     ‫وراق هذا النداء الماسوني الخبيث راق بعض الحكام من الظلمة الجائرين الذين تسلطوا على‬
‫شعوبهم، فنهبوا خيراتها وضيعوا حقوقها وبددوا ثرواتها، حتى إذا فاحت روائح الظلم والفساد ولم‬
     ‫تجد تلك الشعوب ما تستر به عوراتها وتسد به حاجاتها ذهب أولئك الطغاة الظلمة الجائرون‬
                       ‫يوارون فسادهم وظلمهم بهذه الدعوة الماسونية الخبيثة دعوة تحديد النسل.‬
          ‫أما أنت يا مسلم فإمامك وقائدك وحبيبك ونبيك سيدنا محمد يدعوك بعكس ما دعاك إليه‬
                                                                ‫الماسونيون وأذناب الماسونيين.‬
   ‫يدعوكم يا مسلمون إلى التكاثر كثروا نسلكم كثروا عددكم فالحبيب يقول لكم: ((تزوجوا الودود‬
         ‫الولود فإني مكاثر بكم األنبياء يوم القيامة(7)[5]. وفي رواية مكاثر بكم األمم))(3)[7].‬
‫وعن معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي فقال له: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال ولكنها‬
    ‫ال تلد أفأتزوجها؟ فقال : ال فأتاه الثانية فنهاه فأتاه الثالثة فقال : ((تزوجوا الودود الولود فإني‬
                                                                               ‫مكاثر بكم))(4)[3].‬
                                          ‫ق‬
     ‫يا مسلم ال تظن باهلل الظنون، تظن أن اهلل يخلق خل ًا وال يرزقهم، إن كل خلق يخلقه اهلل جل‬
                                                                               ‫ي‬
 ‫جالله ُكتب رزقه معه وهو في بطن أمه ويكتب شقي هو أم سعيد، أما اليهود وأذناب اليهود أما‬
          ‫الماسونيون وأذناب الماسونيين فيقولون لكم أيها المسلمون حددوا نسلكم لتنظيم أحوالكم‬
                                  ‫االقتصادية. حددوا نسلكم إلنعاش وإصالح أحوالكم االقتصادية.‬
   ‫إنهم يريدون إضعافنا فهم يعلمون أن من أهم أسباب القوة والمنعة والعزة في األمم هي الثروة‬
 ‫البشرية هي الكثرة، كثرة العدد هي من أهم أسباب القوة والمنعة وخاصة إذا كان مع هذه الكثرة‬
           ‫عدل وحرص على العدل من الرعاة والرعية فإنها حينئذ تكون قوة ومنعة لتلك األمة.‬
                         ‫يا مسلم اعلم أن الذرية والولد خير لك إن عاشوا بعدك وإن ماتوا قبلك.‬
  ‫إن عاشوا بعدك فخير لك يلحقك بعد موتك باستغفارهم ودعائهم لك إن كنت قد أحسنت تربيتهم‬
                                                                                     ‫وعلمتهم ذلك.‬
                                          ‫ي‬
    ‫فعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي قال: (( ُرفع للعبد في درجته فيقول: أي رب أنى لي‬
                                               ‫هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك من بعدك))(1)[4].‬
    ‫ي‬
‫وثبت عن النبي أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إال من ثالث: صدقة جارية ، وعلم ُنتفع‬
                                                               ‫به ، وولد صالح يدعو له))(6)[1].‬
  ‫وأحسن ما يكون لإلنسان من النفع والخير والثواب من الذرية البنات إذا أحسن تربيتهن وأحسن‬
    ‫إعالتهن فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال : قال رسول اهلل :‬
  ‫((من عال جاريتين - أي من قام على بنتين أو أختين بالتربية - حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا‬
                                                               ‫وهو هكذا وضم أصبعيه ))(2)[6].‬
‫وفي رواية: ((ما يكون ألحد ثالث بنات أو بنتان أو أختان فيتقي اهلل فيهن ويحسن إليهن إال دخل‬
                                                                                    ‫الجنة))(8)[2].‬
    ‫وأما عن نفع الولد والذرية لك إذا ماتوا قبلك فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي حسان قال:‬
‫توفي لي ابنان. فقال لي أبو هريرة سمعت حديثًا عن رسول اهلل يطيب أنفسنا عن موتانا. فقال أبو‬
 ‫هريرة رضي اهلل عنه: نعم صغارهم - أي صغار المسلمين - دعاميص أهل الجنة إذا لقي الولد‬
‫أباه أو أبويه أخذ بطرف ثوبه أو يده فال يفارقه حتى يدخله اهلل وأباه الجنة(3)[8]، فهذا نفع عظيم‬
 ‫وخير عظيم يشفع لك ولدك الذين ماتوا من قبلك حتى يدخلك الجنة ويدعو لك ولدك الذين عاشوا‬
                                            ‫من بعدك ويستغفرون لك فيرفع اهلل لك درجتك بذلك.‬
           ‫فاحرص يا مسلم على المكاثرة بالذرية والولد كما دعاك إلى ذلك الحبيب المصطفى .‬
   ‫أما بعد:فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة‬
                                                                       ‫وكل ضاللة في النار.‬
                ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار.‬
    ‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين‬
                                                                                           ‫ت‬
                                                                                       ‫ُدان.‬
 ‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين سيدنا محمد فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال‬
  ‫م‬
 ‫جل من قائل : إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلي ًا‬
                                                                            ‫[األحزاب: 61].‬
 ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
  ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
  ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫ى‬
  ‫عثمان وأبي السبطين عل ّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن زوجاته أمهات المؤمنين‬
 ‫وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                         ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                            ‫__________‬
                                      ‫(5) صحيح مسلم (53) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                           ‫(7) مسند أحمد (3/815، 147) عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه.‬
                                ‫(3) سنن أبي داود(0707) عن معقل بن يسار رضي اهلل عنه.‬
                                                                 ‫(4) سنن النسائي (2773).‬
           ‫(1) مسند أحمد (7/301) ، سنن ابن ماجة (0663) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
           ‫(6) سنن الترمذي (6235) ، سنن النسائي (5163) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                 ‫(2) صحيح مسلم (5367) عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه.‬
 ‫(8) مسند أحمد (3/74)، سنن أبي داود (2451) سنن الترمذي (7535) عن أبي سعيد الخدري‬
                                                                             ‫رضي اهلل عنه.‬
                                   ‫(3) صحيح مسلم (1367) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/302)‬
                                            ‫توقير سنته صلى اهلل عليه وسلم والتحذير من ردها‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                           ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                       ‫االتباع‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                ‫2/05/3045‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫مدار الدين على أصلين : ( اعبدوني ) وهذا هلل وحده , و ( فاتبعوني ) وهذا لرسوله صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم – تجريد المتابعة للرسول صلى اهلل عليه وسلم يتضمن تجريد المتابعة هلل - أهم معالم‬
‫تجريد المتابعة له صلى اهلل عليه وسلم إجالل سنته صلى اهلل عليه وسلم , وحال السلف في ذلك –‬
                                             ‫َ َد‬
 ‫خطورة مخالفة أمره صلى اهلل عليه وسلم , ور ِّ حديثه الثابت الصحيح بالعقل والهوى , وأن هذا‬
                                                                     ‫مسلك الزنادقة والمنافقين‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: فإن تجريد المتابعة لسيدنا رسول اهلل تضمن تجريد المتابعة هلل واهلل عز وجل قد أمرنا أن‬
        ‫نعبده فقال: وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم [يس:56]. ثم بين سبحانه على لسان رسوله‬
‫ومصطفاه كيف نعبده وأمر نبينا أن يقول لنا: إن كنتم تحبون اهلل فاتبعوني [آل عمران:53]. فمدار‬
                  ‫الدين كله على هذين (اعبدوني) وهذا هلل وحده، (واتبعوني) وهذا لرسول اهلل .‬
‫فما لم تحقق هذين األصلين العظيمين وتنقاد لهذين النصين الكريمين، إذا لم تفعل ذلك يا مسلم فال‬
                                    ‫أدري ما حظك ونصيبك من ال إله إال اهلل محمد رسول اهلل.‬
      ‫اعبد اهلل على مراد اهلل وليس على مرادك أنت، اعبد اهلل كما شرع اهلل وليس كما تشاء أنت‬
                                    ‫م‬
    ‫وتشتهي، إن من شهد مقام عبوديته هلل عز وجل فإنه يكون دائ ًا متنبهًا ومستيقظًا لما يأمره به‬
    ‫سيده ومواله جل جالله فحينئذ هو يرى بعينين ويبصر ببصيرتين، بإحداهما يرى المعبود جل‬
  ‫جالله وباألخرى يرى أمره وال يمكن أن يرى المعبود وال يرى أمره إال بمتابعة نبيه ومصطفاه‬
  ‫ألن علم ما يرى به ويأمرك به سيدك وموالك جل جالله هو عند نبيه عنده وحده ال عند غيره.‬
  ‫ثم اعلم أيها المسلم أن من أهم معالم تجريد المتابعة للنبي المصطفى أن يكون لكالمه إذا سمعته‬
        ‫ولسنته إذا علمت بها هيبة في صدرك كما أن ألمر اهلل عز وجل ولكالمه هيبة ورهبة في‬
     ‫صدرك. إذا سمعت قول رسول اهلل وبلغتك سنته أوالً إذا سمعت قوله جل جالله وبلغك أمره‬
   ‫فاستحضر مقامك بين يديه عز وجل كأنك واقف أنت العبد المملوك في حضرة سيدك وموالك‬
                                                                                   ‫جل جالله.‬
     ‫هل تجرؤ على معاندته هل تجرؤ على معارضته هل تجرؤ على رد أمره وقوله، وكذلك إذا‬
      ‫سمعت أمر رسول اهلل وبلغتك سنته فاستحضر مقامك معه كأنك واقف بين يديه وهو إمامك‬
                                                                               ‫وقدوتك ونبيك.‬
 ‫هل تجرؤ على إساءة األدب بين يديه هل تجرؤ على معارضته ورد أمره. وعلى معارضة قوله.‬
    ‫استحضر مقامك معه إذا سمعت قوله وسنته ال تتردد إذا سمعت أمر رسول اهلل في قبوله على‬
                                                                                ‫الرأس والعين.‬
       ‫وإذا بلغتك سنته فال تتلجلج وال تتردد في االنقياد لها وفي االمتثال والطاعة أما إذا ترددت‬
   ‫وتلجلجت وعارضت سنته وعارضت أمره بعقلك ورأيك وهواك، أما إذا فعلت ذلك فأنت على‬
                    ‫خطر عظيم توشك أن تحل بك قارعة أن تصيبك فتنة أو يصيبك عذاب أليم.‬
              ‫فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور:36].‬
                                      ‫خ ر‬                      ‫ض‬
   ‫عاد سيدنا رسول اهلل مري ًا وكان المريض شي ًا كبي ًا في السن فرأى رسول اهلل عليه الحمى‬
                                                       ‫فقال له: ((ال بأس طهور إن شاء اهلل)).‬
      ‫فقال الشيخ المريض: بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور فقال النبي فنعم إذن فمات‬
 ‫الرجل من ساعته(5)[5]. انظر كيف عوقب ذلك الشيخ البائس بمجرد مخالفة لفظية لكالم رسول‬
  ‫اهلل ما أراد ذلك الشيخ البائس أن يرد كالم رسول اهلل وال أن يعانده في دعائه لكنه أساء األدب.‬
                ‫ر‬
  ‫أساء في الجواب على سيدنا رسول اهلل وهو يدعو له بالشفاء والمغفرة فعوقب فو ًا بهذه العقوبة‬
              ‫بعد أن صدق النبي كالمه ولفظه فقال فنعم إذن سيصيبك ما قلت فمات من ساعته.‬
    ‫فكيف يكون حال من يسمع كالم رسول اهلل وتبلغه سنته ومع ذلك يردها ويعاندها يردها بعقله‬
                                           ‫ال‬    ‫ال‬            ‫ال‬    ‫ال‬
‫وعمله، يردها قو ً وعم ً ويعاندها قو ً وعم ً لقد كان أصحاب رسول اهلل إذا سمعوا أمر رسول‬
                                     ‫د‬                    ‫د‬
‫اهلل أو علموا سنته ال يجاوزونها أب ًا، ال يتجاوزونها أب ًا بل يطرحون آراءهم ويتهمون عقولهم إذا‬
  ‫هي عارضت أمر رسول اهلل يطرحون آراءهم وعقولهم وينقادون إلى سنة المصطفى كان لسنة‬
‫المصطفى وألمره هيبة ورهبة في صدورهم وما أعظم حرصهم على متابعته وعلى طاعته، روى‬
‫أبو داود رضي اهلل عنه في سننه أن عمر بن الخطاب استفتاه رجل في مسألة فأفتاه عمر باجتهاده‬
  ‫لم يكن بلغه فيها شيء عن رسول اهلل فأفتاه باجتهاده فقال الرجل: سألت رسول اهلل فأفتاني بغير‬
                                      ‫د‬
 ‫ما قلت فقام عمر على الرجل بالضرة يضربه ضربًا شدي ًا يقول له: لم تستفتِ في أمر أفتاك فيه‬
                                                                                  ‫رسول اهلل .‬
                                             ‫د د‬
      ‫أفتاك رسول اهلل فكفاك ال تسأل عنه بعده أح ًا أب ًا بل تمتثل وتنقاد ألمره فأي قول يمكن أن‬
                                                                      ‫يعارض قول رسول اهلل .‬
    ‫وكان أصحاب محمد وقافين عند كتاب اهلل وعند سنة رسول اهلل ال يتكلفون ما ال يعلمون، إذا‬
    ‫علموا شيئًا عملوا به، وإذا خفي عليهم معنى شيء من كتاب اهلل أو من سنة رسول اهلل سمعوا‬
‫وأطاعوا وانقادوا وقالوا آمنا به كل من عند ربنا ال يتكلفون وال يتنطعون وال يعارضون كالم اهلل‬
                                                          ‫وال كالم رسوله بعقولهم وال بآرائهم.‬
 ‫هذا أبو بكر الصديق لما خفي عليه معنى األب في قوله تعالى: وفاكهة وأبًا قال أي سماء تظلني‬
                                                    ‫وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأيي.‬
                       ‫فاتق اهلل يا مسلم وأحسن متابعتك لرسول اهلل فإنه ال يصلح دينك إال بذلك.‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول هذا‬
                                         ‫واستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                                                            ‫…‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا‬
                 ‫عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.‬
                                                           ‫ح‬
     ‫إذا سمعتم الرجل يرد حديثًا صحي ًا ثابتًا عن رسول اهلل وهو يعلم ثبوته وصحته، يرده بعقله‬
‫ورأيه فاتهموه في دينه فإنه المفر من الذي جرد المتابعة لسيدنا رسول اهلل ال يمكن أن ينصب من‬
‫عقله القاصر الناقص حكمًا على سنة رسول اهلل . بل يتخذ كتاب اهلل وسنة رسوله حكمًا على عقله‬
             ‫ر‬
    ‫ورأيه وهواه وفي هذا العصر كثر الجهال كثرت رؤوس الجهال الذين اتخذهم كثي ٌ من الناس‬
            ‫س‬
  ‫رؤوسا في العلم وهم قليلو البضاعة في العلم، قليلو البضاعة في سنة رسول اهلل فإذا ُئلوا أفتوا‬
    ‫بغير علم وقالوا برأيهم ونطقوا عن عقولهم فضلوا وأضلوا وفي اآلونة األخيرة تكلم رجل من‬
                                         ‫ر‬          ‫ر‬            ‫ر‬
 ‫المعممين المشهورين كثي ًا، تكلم كثي ًا ورد كثي ًا من سنة المصطفى حتى قال معلقًا على حديث‬
                      ‫يحر‬             ‫أ‬
      ‫أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها كان فيما ُنزل عشر رضعات ِّمن فنسخن إلى خمس‬
 ‫رضعات(7)[5] قال ذلك المعمم الجاهل المشهور: هذا حديث باطل كيف يثبت التحريم بمجرد أن‬
     ‫يرضع الطفل خمس مرات فلما قيل له: ويلك هذا حديث ثابت صحيح. رواه اإلمام مسلم في‬
   ‫صحيحه قال هذا حديث باطل ولو رواه اإلمام مسلم في صحيحه فإني أرده ألن عقلي ال يقبله،‬
     ‫ونطق بغير ذلك من الكالم الخطير الذي يجترئ فيه على سنن المصطفى فيحاكمها إلى عقله‬
                                                                    ‫ويخضعها إلى رأيه وعقله.‬
  ‫ومع ذلك وجد من ينوه به وينشر كالمه في الجرائد والمجالت ويكرمه ويعطيه الجوائز دون أن‬
                        ‫يشعر بهذه الجريمة المنكرة التي غرق فيها هذا الجاهل المعمم إلى أذنيه.‬
 ‫م‬
‫جريمته أنه يرد سنن المصطفى ويخصصها إلى عقله ورأيه جعل من عقله الناقص المشوش حك ًا‬
                                                                         ‫على سنة المصطفى .‬
  ‫وبكالمه هذا على هذا الحديث وغيره يكرس هذا المعمم الجاهل قاعدة تخريبية عظيمة الخطورة‬
   ‫والضرر فإذا كان لكل أحد أن يرد سنة من سنن رسول اهلل أو حديثًا من حديث رسول اهلل ألن‬
 ‫عقله لم يقبله ولم يقتنع به فماذا يبقى من سنن المصطفى وماذا يبقى من شرائع اإلسالم. كل أمر‬
  ‫يمكن أن يبطل سنة أو يبطل شريعة بحجة أن عقله يأباه وال يقبله ولم يقتنع به. مع ما في كالمه‬
   ‫على حديث أم المؤمنين عائشة من مغمز خطير لراوية الحديث نفسها الصديقة بنت الصديق أم‬
    ‫المؤمنين عائشة، ومع ما فيه من جرح خطير إلمام عظيم من أئمة المسلمين الثقات هو اإلمام‬
                                                                        ‫مسلم صاحب الصحيح.‬
   ‫وهذا الغمز وهذا الجرح شنشنة نعرفها من بعض الزنادقة والملحدين من الباطنيين، فالباطنيون‬
 ‫هذا شأنهم يغمزون أصحاب رسول اهلل ويطعنون في أئمة المسلمين فال ندري أيدري ذلك المعمم‬
    ‫الجاهل بأن هذه النغمة نغمة باطنية، إن كان ال يدري فتلك مصيبة، وإن كان يدري فالمصيبة‬
‫أعظم، فاتق اهلل يا مسلم وإياك إياك من أمثال هؤالء ال تغتر بهم وإن روجوا لكالمهم في الصحف‬
       ‫والمجالت وفي سائر المجالت واألجهزة اإلعالمية ال تغتر بمثل هؤالء ولو كانوا معممين‬
                                  ‫ي‬
 ‫مشهورين. العبرة في سنة المصطفى فكل من يخالفها ُضرب برأيه وعقله وقوله عرض الحائط.‬
‫ولقد حذرنا سيدنا وقدوتنا وإمامنا وحبيبنا محمد من أمثال هؤالء في قوله: ((إن اهلل ال يقبض العلم‬
‫انتزاعًا من صدور العلماء ولكنه ينتزعه بقبض العلماء فإذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤو ًا جها ً‬
‫ال‬     ‫س‬
                        ‫س‬                                                                ‫س‬
      ‫ف ُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))(3)[7] وفي بعض الروايات: ((ف ُئلوا فقالوا برأيهم‬
                                                                       ‫فضلوا وأضلوا))(4)[3].‬
   ‫وقد حذر منهم أيضًا أصحاب رسول اهلل أشد التحذير فقال الفاروق عن بن الخطاب : (إن أهل‬
  ‫الرأي أعداء السنن) أي الذين يتكلمون برأيهم وعقولهم بغير علم وال بصيرة من سنة رسول اهلل‬
                                                                              ‫وال من كالم اهلل.‬
                 ‫س‬
  ‫إن أهل الرأي أعداء السنن قد أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها فإذا ُئلوا استحيوا أن‬
‫يقولوا ال نعلم قالوا برأيهم فضلوا وأضلوا فإياكم وإياهم وقال (السنة ما سنه اهلل وسنه رسول اهلل ،‬
‫ال تجعلوا خطاء الرأي سنة لألمة) فرضى اهلل عن الفاروق عمر كأنما يرى بنظرة الثاقب عصرنا‬
       ‫هذا وما فيه من الباليا هؤالء الرؤوس الجهال الذين يتكلمون بغير علم ويصادمون بعقولهم‬
                                                             ‫المشوشة الناقصة سنة المصطفى .‬
‫ال أدري ماذا كان يفعل الفاروق عمر بهذا المعمم الجاهل لو سمعه يجترئ على حديث رسول اهلل‬
     ‫بمثل هذا األسلوب ماذا كان يفعل به ال شك عندي أنه كان سيعاقبه كما عاقب صبيغ السلمي‬
      ‫بضربه بعراجين النخل على رأسه حتى يدمى ثم ينفيه ويمنع الناس من محادثته حتى يصير‬
                                                                                  ‫ذ‬
     ‫منبو ًا كاألجرب ال شك عندي أن الفاروق عمر سيفعل بهذا المعمم الجاهل هذه العقوبة التي‬
                           ‫أنزلها بصبيغ األسلمي الذي كان يناقش الناس بمثل هذه المتشابهات.‬
   ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدى هدى محمد وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة‬
  ‫وكل ضاللة في النار وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في‬
                    ‫النار واعلموا أن الجماعة في التمسك بالكتاب والسنة ولو كنا قلة على ذلك.‬
     ‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين‬
                                                                                           ‫ت‬
                                                                                       ‫ُدان.‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
 ‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [األحزاب:61].‬
                                        ‫ر‬                            ‫ى‬
                                    ‫وقال : ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًا)).‬
 ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
   ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
   ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫ى‬
 ‫عثمان وأبي السبطين عل ّ وعن آل بيتك الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن‬
   ‫الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك‬
                                                                 ‫وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                            ‫__________‬
                               ‫(5) صحيح البخاري (7661) عن ابن عباس رضي اهلل عنهما.‬
                                                                  ‫(7) صحيح مسلم (7145)‬
   ‫(3) صحيح البخاري (005)، صحيح مسلم (3267) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬
                        ‫(4) صحيح البخاري (2032) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬

‫(5/052)‬




                                                                                    ‫اإلحسان‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                             ‫اآلداب والحقوق العامة, المساجد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                        ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫65/6/8545‬
                                                                                  ‫جامع السالم‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                       ‫5- فضل اإلحسان. 7- مجاالت اإلحسان. 3- دور المسجد في اإلسالم.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
   ‫فيا إخوة اإليمان، الحديث النبوي المنبعث من مشكاة النبوة يحمل النفس المؤمنة على أن تعرف‬
                                                  ‫أسراره وتستضيء بأنواره وتستهدي بهديه...‬
     ‫روى عمر الفاروق قال: (بينما نحن جلوس عند رسول اهلل ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض‬
 ‫الثياب، شديد سواد الشعر، ال ُيرى عليه أثر السفر، وال يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ، فأسند‬
 ‫ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن اإلسالم. فقال ـ عليه‬
                              ‫د‬
    ‫الصالة والسالم ـ: ((اإلسالم أن تشهد أن ال إله إال اهلل وأن محم ًا رسول اهلل، وتقيم الصالة،‬
                          ‫ال‬
   ‫وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبي ً)). قال: صدقت فعجبنا له‬
  ‫يسأله ويصدقه، قال : فأخبرني عن اإليمان. قال: ((أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم‬
     ‫اآلخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)). قال: صدقت، فأخبرني عن اإلحسان. قال: ((أن تعبد اهلل‬
   ‫كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). قال : فأخبرني عن الساعة. قال: ((ما المسؤول عنها‬
                            ‫م‬
     ‫بأعلم من السائل)). قال: فأخبرني عن أماراتها. قال : ((أن تلد األَ َة ربتها، وأن ترى الحفاة‬
                                                                               ‫ر‬
‫العراة العالة ِعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) ثم انطلق، فلبثت مليًا، ثم قال: يا عمر، أتدري من‬
 ‫السائل قال: اهلل ورسوله أعلم. قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم))) رواه مسلم(5)[5].‬
                                                                                 ‫إخوة اإليمان:‬
 ‫تنشئة النفس المؤمنة وتربيتها على البر والتقوى، والعفة واألمانة، والخوف والمراقبة هي وحدها‬
                   ‫الطريقة العملية الممكنة لمعالجة الشر واالنحراف لدى الفرد والمجتمع المسلم.‬
    ‫ر‬     ‫ر‬                                ‫عه‬
   ‫يشب الطفل على الخلق الكريم والنهج القويم إذا ما ُ ِدَ بالتوجيه والتقويم، وينشأ شري ًا خط ًا‬
  ‫على نفسه وعلى المجتمع إذا أهمل أمره وترك، وأعظم ما ينشأ اإلنسان ويربى عليه هو مراقبة‬
    ‫اهلل والخوف منه، وذلك هو اإلحسان (أن تعبد اهلل كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، إنه‬
                                     ‫تعبير عجيب يحمل في اختصاره حقيقة هائلة وخلة مذهلة.‬
                                                                                    ‫عباد اهلل :‬
‫اإلسالم دين إحسان وإكرام وتكاتف وترابط وتعاون على البر والتقوى، بل وتجاوز وتسامح ما لم‬
‫تنتهك حرمات اهلل، وقد أمر اهلل باإلحسان في غير ما آية من كتاب اهلل تعالى وفي سنة رسول اهلل‬
  ‫و س م س الله‬                                         ‫و سن ِن الل ي ِب م سن‬
  ‫: يقول جل وعال: َأَحْ ِ ُواْ إ َّ َّهَ ُح ُّ الْ ُحْ ِ ِينَ [البقرة: 135] ويقول: َأَحْ ِن كَ َا أَحْ َنَ َّ ُ‬
                                                 ‫ِن الل ُر َ ل و‬                                                ‫إ‬
                         ‫ِلَيْكَ [القصص: 22]، ويقول تعالى: إ َّ َّهَ يَأْم ُ بِالْعدْ ِ َاإلْحْسَانِ [النحل: 03].‬
‫وروى مسلم عن رسول اهلل أنه قال: ((إن اهلل كتب اإلحسان على كل شيء)) (7)[7] ويرغب جل‬
        ‫وعال في اإلحسان ويبين آثاره وجزاءه وعظم مردوده في أهله في اآلجل والعاجل، لتتسارع‬
     ‫النفوس الخيرة إليه، وتتسابق في طلب ما وعد اهلل به أهله في اآلخرة، من درجات عالية ولذة‬
   ‫سن ح ن‬                   ‫لَّذ‬
  ‫دائمة ونعيم سرمدي، مع حفظ اهلل لهم ونصره على من ناوأهم أو خالفهم، ّل ِينَ أَحْ َ ُواْ الْ ُسْ َى‬
                     ‫ِد‬         ‫ح ب ج َّ ه ف‬                     ‫َزي دة و َ ق وج ه ُ َر و ِلة أ‬
 ‫و ِ َا َ ٌ َالَ يرْهَ ُ ُ ُو َهمْ قَت ٌ َالَ ذَّ ٌ ُوْلَئِكَ أَصْ َا ُ الْ َنةِ ُمْ ِيهَا خَال ُونَ [يونس:67]. وقال:‬
                                                                           ‫َّذ ات و َّذ ه م سن‬                          ‫ِن الل‬
                                                           ‫إ َّ َّهَ مَعَ ال ِينَ َّقَواْ َّال ِينَ ُم ُّحْ ِ ُونَ [النحل:875].‬
‫اإلحسان ـ عباد اهلل ـ قاعدة عظيمة يقيم عليها اإلسالم بناءه، وهو أن تعبد اهلل كأنك تراه فإن لم‬
 ‫تكن تراه فإنه يراك، قاعدة يقيم عليها اإلسالم نظمه كلها وتشريعاته وتوجيهاته، العابد في عبادته‬
                                ‫ت‬
     ‫من صالة وصيام وصدقة ونسك، بل القضاة في قضائهم، وال ُجار في اقتصادهم، والساسة في‬
  ‫سياستهم، واآلباء واألولياء في أسرهم، فنظام المجتمعات بأسرها والحياة كلها، أن تعبد اهلل كأنك‬
‫تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، تعبد اهلل بكل جارحة وكل خلجة بالظاهر والباطن بالسر والعلن،‬
                                                                ‫تعبد اهلل الذي يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور .‬
‫والمسلم إذا عبد اهلل في عمله كأنه يراه، فإنه يستحضر قرب اهلل منه، ويوجب له الخشية والخوف‬
  ‫منه والهيبة والتعظيم له، وذلك أفضل اإليمان، قال ـ عليه الصالة والسالم ـ: ((أفضل اإليمان‬
                                                            ‫أن تعلم أن اهلل معك حيث كنت)) رواه الطبراني(3)[3].‬
                                                                                                                        ‫أيها المسلمون:‬
   ‫اإلحسان الذي أمر اهلل به، هو ترك المنهيات خوف عقاب اهلل، وفعل ما يستطاع من المأمورات‬
                                                                                                ‫رجاء ثواب اهلل، خوف ورجاء.‬
        ‫مقام اإلحسان أن تعبد اهلل كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واإلحسان الذي أمر اهلل به‬
        ‫إحسان المسلم إلى نفسه بتزكية النفس بطاعة اهلل، وتصفية وتنقية عقيدتها من شوائب الشرك‬
                        ‫والبدع والمحدثات، بل وحفظها وحمايتها مما قد يعرضها لسخط اهلل وأليم عقابه.‬
          ‫اإلحسان الذي أمر اهلل به اإلحسان إلى عباد اهلل كافة، سيما ذوي الضعف والفاقة والمسكنة‬
    ‫والحاجة واليتم من المسلمين وفي مقدمة ذلك اإلحسان إلى الوالدين وذوي القربى: َقَ َى رُّ َ‬
    ‫و ض َبك‬
 ‫ق له ُف وال‬                  ‫ك هم‬             ‫كب َده‬                 ‫ِم ي ل َن ع‬                 ‫َال ُد ِال ِي ه و ِد ن‬
 ‫أ َّ تَعْب ُواْ إ َّ إ َّا ُ َبِالْوال َيْ ِ إِحْسَاناً إ َّا َبُْغ َّ ِندَكَ الْ ِ َرَ أَح ُ ُمَا أَوْ ِالَ ُ َا فَالَ تَ ُل َّ ُمَا أ ّ َ َ‬
 ‫ُّل م الر مة َق رب ح هم م َبي ن‬                                ‫هم ج‬        ‫ر و ِ‬                     ‫َ ه َق له‬
‫تَنْهرْ ُمَا و ُل َّ ُمَا قَوْالً كَ ِيمًا َاخْفضْ لَ ُ َا َنَاحَ الذ ّ ِنَ َّحْ َ ِ و ُل َّ ّ ارْ َمْ ُ َا كَ َا ر َّ َا ِى‬
     ‫بد ِال الله‬                      ‫بن إ‬         ‫م‬             ‫وِ‬                                   ‫ص ر‬
     ‫َغِي ًا [االسراء:37، 47]. ويقول جل وعال: َإذْ أَخَذْنَا ِيثَاقَ َ ِى ِسْرءيلَ الَ تَعْ ُ ُونَ إ َّ َّ َ‬
                                   ‫َذ ُ ب و ي م و م ك ن َق ل ِلن ح ن‬                                         ‫و ِد إ‬
                     ‫َبِالْوال َيْنِ ِحْسَانًا و ِى الْقرْ َى َالْ َتَا َى َالْ َسَا ِي ِ و ُوُواْ ل َّاسِ ُسْ ًا [البقرة:38].‬
    ‫من اإلحسان: اإلحسان إلى كل ذي كبد رطبة، من حيوان وطير وغير ذلك، قال عليه الصالة‬
   ‫والسالم: ((دخلت النار امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، ال هي أطعمتها وسقتها، وال تركتها‬
                                 ‫تأكل من خشاش األرض)) رواه مسلم(4)[4]، وغفر اهلل لبغي‬
  ‫ٍّ من بني إسرائيل؛ ألنها سقت كلبا‬
                        ‫كاد يقتله العطش، كما قاله عليه الصالة والسالم فيما رواه مسلم(1)[1].‬
                                         ‫وال‬
     ‫وإن من أعظم آثار اإلحسان نفعا ،اإلحسان إلى من َّك اهلل أمره بسياستهم بكتاب اهلل وسنة‬
    ‫رسوله ، مع البعد عن كل ما فيه حرج وعنت وإيغار للصدور وإهمال وظلم، وبهذا اإلحسان‬
                                                ‫يتحقق الخير والترابط والثناء والمحبة والوالء .‬
                                   ‫أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد اإلنسانَ إحسا ُ‬
                                   ‫ن‬
             ‫إن اإلحسان كما فسره ينبغي أن يتجلى في األمة بعامة، وفي كل شأن من شؤونها .‬
   ‫فالعابد في عبادته هلل وصالته في محرابه، يلتزم باإلحسان، فال يعبد اهلل في العلن ويعصيه في‬
                                                                                         ‫السر.‬
                                          ‫وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان‬
                                     ‫فَاسْتَحْي من نظر اإلله وقل لها إن الذي خلق الظالم يراني‬
   ‫والعالم المسلم هو أولى الناس باإلحسان، وأقرب الناس إلى اإلحسان، وأكثر الناس دعوة إليه،‬
                                                 ‫م‬
      ‫فالعالم الرباني هو من تحقق فيه ذلك، فج ّل علمه بالعمل به، وطلب علمه رغبة بثواب اهلل‬
             ‫ُض‬                                                                    ‫ع‬
 ‫ودرجاته ال ُالَ والقرب منه، والزلفى لديه، قال سفيان الثوري رحمه اهلل : " إنما ف ِّل العلم ألنه‬
                                                                                              ‫ي‬
                                                         ‫ُتقى به اهلل وإال كان كسائر األشياء ".‬
    ‫وهكذا إحسان التاجر المسلم في تجارته واقتصاده، بالبعد عن المعامالت المحرمة وعن الغش‬
                                                           ‫والخديعة، ونشر السماحة والصدق .‬
‫اإلحسان هو التزام الموظف في وظيفته بوقتها، وبحسن االستقبال، وأداء الواجب على أكمل وجه.‬
‫اإلحسان هو عدل الحاكم في حكومته، ونزاهة القاضي في محكمته، وهو البعد عن الظلم والجور.‬
                                  ‫اإلحسان هو معاملة الناس بالحسنى وااللتزام بالخلق الفاضل.‬
‫اإلحسان هو أن يعاشر الزوجان بعضهما بالمعروف، ويحملها اإلحسان على أن يصون كل منهما‬
                                                                       ‫عرض اآلخر في غيبته.‬
  ‫اإلحسان تربية يغرسها اإلسالم في أفراده ويوجهنا إلى غرسها فيمن حولنا ليبني كل واحد منهم‬
      ‫حياته بنفسه، فيقوم بما أوجبه اهلل عليه ويترك ما نهاه اهلل عنه، غير معتمد على مدح الناس‬
                                        ‫لعبادته ولطاعته أو على ذمهم عليه إلفراطه ومعصيته.‬
                                                                  ‫فاإلحسان هو التربية الذاتية .‬
  ‫إن اإلحسان كتبه اهلل عز وجل في كل شيء، وجميع العلوم والمعارف ترجع إليه وتدخل تحته،‬
 ‫يقول عليه الصالة والسالم: ((إن اهلل كتب اإلحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا‬
                                              ‫ي‬                 ‫ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد‬
                 ‫َّ أحدكم شفرته، ولُْرحْ ذبيحته)) رواه مسلم(6)[6].‬
 ‫فاتقوا اهلل أيها المسلمون وراقبوا ربكم، وتخلقوا باإلحسان تفلحوا، وتفوزوا بوعد اهلل لكم، أحسنوا‬
 ‫في نفوسكم وفي أمتكم وفيمن تحت أيديكم وفيمن ائتمنتم عليه، إحسانًا متوجهًا به إلى اهلل سبحانه‬
                                              ‫ب‬                  ‫د‬
  ‫ومتبعًا فيه رسول اهلل ومبتع ًا فيه وبه عما يشو ُه أو يبطله من المن واألذى أو السمعة والرياء.‬
      ‫ه ْ َب ُ ِن ُ ك ن‬                ‫خذ ن‬         ‫ِن ُتق َ ف َن ت وعي‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إ َّ الْم َّ ِين ِى ج َّا ٍ َ ُ ُونٍ ءا ِ ِي َ مَا ءاتَا ُم رُّهمْ إ َّهمْ َا ُواْ‬
                                                                                           ‫ْ ك م سن‬
                                                                      ‫قَبلَ ذَلِ َ ُحْ ِ ِينَ [الذاريات:15-65].‬
                                                                   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم . .‬


                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                         ‫أما بعد:‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون، المساجد هي بيوت اهلل عز وجل التي يرتادها الناس للصالة خمس مرات‬
     ‫في اليوم والليلة مقبلين على اهلل، رغبة في ثوابه وخوفًا من عقابه، ولذلك يتوجب على أئمتها‬
‫العناية والحرص على فائدة الناس فيها، وذلك من خالل إقامة الدروس المفيدة والنافعة فيها، حيث‬
        ‫وردنا تعميم وزارة األوقاف وإدارة المساجد حاثًا أئمة المساجد على إقامة الدروس النافعة‬
 ‫،وضرورة دعوة أهل العلم وطلبته لتذكير الناس ونفعهم، ولذلك نوصى أئمة المساجد باالستمرار‬
 ‫على ما تميزت به هذه البالد وهلل الحمد من عادة حميدة بالحديث بعد صالة العصر وقبل العشاء‬
    ‫اآلخر بقراءة بعض الكتب المفيدة في الحديث النبوي وتفسير آيات اهلل عز وجل وكتب العقيدة‬
     ‫والفقه المبسطة والسيرة وأشباهها من الكتب المفيدة، وأن نحافظ على ما يساعد الناس ويقوي‬
                          ‫دينهم في نفوسهم عبر هذه البرامج والدروس الدعوية المقامة في المساجد.‬
                                          ‫نسأل اهلل جل وعال أن يوفق المسلمين لما فيه نفعهم وخيرهم.‬
                              ‫وصلوا وسلموا يا عباد اهلل على من أمركم اهلل بالصالة والسالم عليه...‬
                                                                                                ‫__________‬
                               ‫(5) صحيح مسلم ح (8) ، وأخرجه أيضاً البخاري مختصراً ح (01).‬
                                                                              ‫(7) صحيح مسلم ح (1135).‬
‫(3) لم أجده في المطبوع ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/06) : رواه الطبراني في األوسط‬
                                      ‫ر‬                               ‫ر‬
         ‫والكبير ، وقال : تف ّد به عثمان بن كثير. قلت: ولم أ َ من ذكره بثقة وال جرح)) ا هـ.‬
                                   ‫(4) صحيح مسلم ح (403) ، وأخرجه أيضاً البخاري ح (7843).‬
                                 ‫(1) صحيح مسلم ح (1477) ، وأخرجه أيضاً البخاري ح (2643).‬
                                                                                       ‫ا‬
                                                                                      ‫(6) تقدم تخريجه قريبً.‬

‫(5/552)‬
                                                                  ‫السحر والسحرة (5) والمرأة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫األسرة والمجتمع, التوحيد‬
                                                       ‫الشرك ووسائله, المرأة, نواقض اإلسالم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                  ‫7/1/0545‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
                                 ‫شع‬
 ‫السحر , أثره , وصوره وحكمه في القرآن والسنة – من ُ َب السحر االستعانة بالنجوم لمعرفة‬
            ‫عر‬                                                                          ‫م‬
  ‫ال ُغَيبات ... – من لوازم اإليمان اللجوء إلى اهلل وحده – حكم من أتى كاهناً أو َّافاً - فضل‬
                 ‫ت‬
‫المعوذتين وأثرها – خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ووصفها , واألسباب التي ُنكح المرأة ألجلها‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                       ‫ب‬
     ‫أما بعد: قال اهلل تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصي ًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت‬
 ‫ويقولون للذين كفروا هؤالء أهدى من الذين آمنوا سبيالً أولئك الذين لعنهم اهلل ومن يلعن اهلل فلن‬
                                                                               ‫ر‬
                                                              ‫تجد له نصي ًا [النساء:51-71].‬
   ‫قال عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه: (الجبت هو السحر والطاغوت هو الشيطان) وقال جابر‬
                                                      ‫كه‬
‫رضي اهلل عنه: (الطواغيت ُ ّان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد) - أي في كل حي‬
  ‫من أحياء العرب واحد من هؤالء الكهان - وقال سبحانه وتعالى: ولقد علموا لمن اشتراه ما له‬
  ‫في اآلخرة من خالق [البقرة:705]. أي لقد علمت اليهود الذين استبدلوا السحر بمتابعة الرسول‬
                    ‫فضلوا اتباع الوسائل الشيطانية كالسحر على متابعة المصطفى واإليمان به.‬
  ‫لقد علموا أن من فعل ذلك ما له في اآلخرة من خالق أي ما له في اآلخرة من نصيب وقد ثبت‬
    ‫في القرآن أن السحر علم يتعلمه من ال خالق له في اآلخرة فيكفر بتعلمه وتطبيقه واستعماله،‬
     ‫ويؤثر في اإلنسان المسحور، إما بالتفريق بينه وبين زوجه، أو بقتله أو بإلحاق غير ذلك من‬
    ‫أنواع األذى به، وال يستطيعون أن يفعلوا ذلك إال بإذن اهلل، إال إذا كان اهلل قد كتب ذلك على‬
‫اإلنسان المسحور وقدره، قال تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان‬
                                        ‫أ‬
  ‫ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما ُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما‬
      ‫يعلمان من أحد حتى يقوال إنما نحن فتنة فال تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء‬
                                ‫وزوجه وما هم بضارين به من أحد إال بإذن اهلل [البقرة:705].‬
‫فدلت هذه اآلية على أن تعلم السحر واستعماله كفر، وهذا هو مذهب أكثر األئمة ولهذا فإن عقوبة‬
 ‫الساحر أو الكاهن عندهم هو القتل وهذا هو مذهب الصحابة. فقد ثبت عن جندب رضي اهلل عنه‬
   ‫أنه قال، حد الساحر ضربة بالسيف. وثبت عن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه أنه كتب إلى‬
‫والته وأمرائه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وقد قتلوا الصحابة ما وجدوا من السحرة والساحرات‬
                                               ‫ثبت ذلك من فعلهم رضوان اهلل عليهم أجمعين.‬
‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال قال رسول اهلل : ((اجتنبوا السبع الموبقات -‬
 ‫أي السبع المهلكات - الشرك باهلل والسحر وقتل النفس التي حرم اهلل إال بالحق وأكل الربا وأكل‬
                  ‫مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافالت المؤمنات))(5)[5].‬
   ‫فالسحر من السبع الموبقات وقد أورده رسول اهلل في هذا الحديث بعد الشرك باهلل ومن السحر‬
 ‫العيافة وهو زجر الطير، ومن السحر الطرق وهو الضرب على الرمل أو الحصى أو الخبط في‬
                                                                                    ‫األرض.‬
 ‫ومن بعض شعب السحر االستعانة بالنجوم لمعرفة المغيبات أو التأثيرات على الناس، وعن أبي‬
‫هريرة رضي اهلل عنه قال قال رسول اهلل : ((من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد‬
                                                                      ‫و‬
                                                      ‫أشرك من تعلق شيئًا ُكل إليه))(7)[7].‬
     ‫يا أيها المؤمن الموحد تعلم أن من لوازم اإليمان وواجبات التوحيد أن يكون لجوؤك دائمًا هلل‬
                                        ‫وحده، تستعيذ به وبكلماته التامات حتى إذا مسك ضر.‬
     ‫أما ما يصفه الجهال من اللجوء إلى السحرة والكهان والعرافين فهذا مثل صنيع اليهود الذين‬
‫يؤمنون بالجبت والطاغوت، وقد علمنا أن الجبت هو السحر والطاغوت هو الكاهن والساحر، بل‬
  ‫كل من زعم أنه يخبر بالمغيبات بمقدمات ووسائل يتخذها كل من عقد عقدة فنفث فيها، كل من‬
                                                                       ‫ط‬
  ‫خط خ ًا في األرض أو ضرب على الرمل أو الحصى، كل من زعم أنه يرشد عن السارق أو‬
                                                                        ‫عن مكان المسروق.‬
                          ‫وكل من استعان بالنجوم على معرفة المغيبات والتأثيرات وزعم ذلك.‬
   ‫وكل من استعان بالجن والشياطين على شيء من ذلك كل هؤالء طواغيت سحرة وكهان ومن‬
                               ‫م‬
‫أتاهم من المسلمين ولجأ إليهم وصدقهم بما يقول فقد أتى جر ًا عظيمًا، عن أبي هريرة رضي اهلل‬
                    ‫أ‬
        ‫عنه قال قال رسول اهلل : ((من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما ُنزل على محمد‬
                                                                                  ‫))(3)[3].‬
    ‫ف‬
 ‫وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي وهي حفصة أن النبي قال: ((من أتى عرا ًا -‬
    ‫والعراف هو الساحر أو الكاهن أو المنجم أو الذي يضرب على الرمل أو يخط في األرض -‬
                                        ‫فصدقه بما يقول لم تقبل له صالة أربعين يومًا))(4)[4].‬
‫لماذا يلجأ بعض الناس إلى الكهان والسحرة، لماذا ينسون ربهم ويلجأون إلى الطواغيت وقد أنزل‬
‫الرحيم الرحمن لهم الشفاء والدواء من مسه ضر فليس هناك من شفاء أحسن ودواء أفضل من أن‬
                 ‫يقرأ المعوذتين: قل أعوذ برب الفلق [الفلق:5]. قل أعوذ برب الناس [الناس:5].‬
   ‫بأن يقرأ المعوذتين ثالثًا ثم ينفخ في كفيه ثم يمسح بهما جسده أو يقرأ على نفسه الفاتحة أو آية‬
   ‫الكرسي أو يرقيه بهما غيره، أو يقرأ غير ذلك من آيات القرآن الكريم فالقرآن كله شفاء أو ما‬
                                                                    ‫ثبت من أدعية المصطفى .‬
‫المؤمن الموحد إذا مسه ضر يلجأ إلى ربه عز وجل يستعيذ به وبكلماته التامات بقرآنه الذي أنزله‬
                                                                 ‫شفاءً وهدى ورحمة للمؤمنين.‬
 ‫ن‬
‫المؤمن الموحد يتيقن من أن أولئك السحرة والكهنة ال يستطيعوا أن يضروا إنسانًا أو ينفعوا إنسا ًا‬
   ‫إال بإذن اهلل فإذا كان اهلل قد كتب ذلك لإلنسان أو كتبه عليه ال يستطيع الكهنة بسحرهم وعقدهم‬
 ‫ونفثهم ونفخهم أن يضروا إنسانًا بشيء إال أن يكون اهلل تعالى قد كتبه عليه: وما هم بضارين به‬
              ‫من أحد [البقرة:705] أي ما هم بضارين بسحرهم أحدا: إال بإذن اهلل [البقرة:705].‬
‫فالمؤمن الموحد إذا مسه ضر يلجأ إلى من بيده النفع والضر: وإن يمسسك اهلل بضر فال كاشف له‬
                                                                           ‫إال هو [األنعام:25].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم فاستغفروه‬
                                                                         ‫إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا‬
                             ‫عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه أجمعين.‬
‫قال الرسول : ((الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)) رواه مسلم(1)[5] وروى أحمد في‬
  ‫مسنده أنه : ((من سعادة بن آدم المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقوة‬
                                        ‫بن آدم المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء)).‬
‫فيا أيها المسلم يا أيها الشاب المسلم اغتنم هذه النعمة العظمى وابحث عن هذه المتعة الكبرى خير‬
    ‫متاع الدنيا مصدر سعادتك كما أخبرك بذلك الصادق األمين المبلغ عن رب العالمين الرءوف‬
                                                                                 ‫الرحيم بأمته .‬
   ‫المرأة الصالحة وأوصافها إنها التي إذا نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها‬
                                                                  ‫حفظتك في نفسها وفي مالك.‬
                                                       ‫ر‬
‫وليس معنى قوله: (إذا نظرت إليها س ّتك) أنها من أجمل النساء ال يلزم ذلك وإنما معناه أنها من‬
                                             ‫م‬
  ‫فقهها ومعرفتها بحق الزوج تتجمل وتتزين له دائ ًا فال يقع نظره إليها دائمًا إال وهي في أحسن‬
‫هيئة، حتى ولو كانت قليلة الحظ من الجمال فاغتنم أيها الشاب المسلم المرأة الصالحة اظفر بذات‬
                                                                           ‫الدين تربت يداك.‬
     ‫كما أمرك بذلك سيدنا ونبينا محمد حينما قال: ((تنكح المرأة ألربع: لمالها ولحسبها ولجمالها‬
     ‫ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك))(6)[7] فذات الدين المرأة الصالحة التي تعلمت دينها‬
   ‫وعرفت حقوق ربها وعرفت حق زوجها هذه خير متاع الدنيا هذه مصدر السعادة، هذه المرأة‬
       ‫الصالحة ذات الدين قدرها عند اهلل عظيم، مكانتها عند اهلل عظيمة وأجرها عند اهلل عظيم.‬
     ‫فعن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول اهلل : ((إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها‬
                      ‫ت‬
 ‫وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئ ِ))(2)[3]. فهذه المرأة‬
      ‫الصالحة اظفر بها أيها الشاب المسلم وابحث عنها وأنتِ أيتها المسلمة اقبلي بصاحب الدين‬
‫واألمانة والخلق الحسن فإن أمر النبي المصطفى حينما قال فاظفر بذات الدين تربت يداك يشملك‬
                                                                                  ‫ض‬
   ‫أنت أي ًا فإذا تقدم ذو الدين صاحب الديانة واألمانة والخلق الحسن فاقبلي به واظفري به وال‬
   ‫تغتري بصاحب المال والثراء وال الحسب والنسب وال الجاه والوسامة إذا كان ضعيف الديانة‬
                                                   ‫د‬
 ‫واألمانة خبيث األخالق ال تغتري به أب ًا فإنه ليس لك إنه خراب ودمار وفساد وإفساد، إنه ليس‬
                                                         ‫ت‬        ‫د‬                 ‫د‬
‫لك أب ًا ال يصلح لكِ أب ًا إن كن ِ طيبةً وصاحبة دين وطاعة للرحمن الرحيم، فالخبيثات للخبيثين‬
                                    ‫والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.‬
    ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة‬
                                                ‫بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                 ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار.‬
     ‫واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة األخيار رضوان اهلل عليهم‬
                                                                                    ‫أجمعين.‬
     ‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين‬
                                                                                           ‫ت‬
                                                                                       ‫ُدان.‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [األحزاب:61].‬
                                        ‫ر‬                            ‫ى‬
                              ‫وقال : ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًاْ))(8)[4]‬
‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
  ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
   ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫على‬
 ‫عثمان وأبي السبطين َّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين،‬
    ‫وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                    ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                      ‫__________‬
            ‫(5) صحيح البخاري (2627) ، صحيح مسلم (38) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                            ‫(7) سنن النسائي (3204).‬
                                                             ‫(3) مسند أحمد (7/374).‬
                                                            ‫(4) صحيح مسلم (0377).‬
                         ‫(1) صحيح مسلم (2645) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما.‬
          ‫(6) صحيح البخاري (0301) ، صحيح مسلم (6645) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
                                                             ‫(2) مسند أحمد(5/535).‬
                                  ‫(8) صحيح مسلم (804) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/752)‬




                                                                     ‫كوسوفا الجريحة‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                 ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                   ‫المسلمون في العالم‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                    ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                ‫عنيزة‬
                                                                       ‫37/75/3545‬
                                                                          ‫جامع السالم‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- كوسوفا بينت عظيم حقد النصارى على المسلمين. 7- تعريف بإقليم كوسوفا. 3- كوسوفا‬
‫تحت جحيم الشيوعية ثم النصرانية. 4- حرمة دم المسلم عند اهلل. 1- صور من العدوان الهمجي‬
                      ‫الصربي. 6- مأساة الجئي كوسوفا. 2- دعوة لمساندة مسلمي كوسوفا.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                       ‫أما بعد :‬
                                                     ‫فيا عباد اهلل اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه .‬
                                                                  ‫ا‬
                                           ‫أحل الكفر باإلسالم ضيمً يطول عليه للدين النحيب‬
                                             ‫فحق ضائع وحمى مباح وسيف قاطع ودم صبيب‬
                                                                               ‫ل‬
                                                   ‫وكم من مسٍم أمسى سليبًا ومسلمة لها حرم‬
                                       ‫وكم من مسجد جعلوه ديرا على محرابه نصب الصليب‬
                                             ‫ً‬
                                        ‫أتسبى المسلمات بكل وثغر وعيش المسلمين إذا يطيب‬
 ‫في مرور األيام وتعاقب األعوام وتراكم األحداث يزداد سجل التاريخ صفحات إثر صفحات وهنا‬
   ‫يحسن التأمل ويلزم التدبر وتتكاثر نكبات األمة ، وتتوالى عليها األحداث والغير ، وتتفتق فيها‬
 ‫الجروح ، ولعمر الحق إنه لمظهر من مظاهر الهوان في كثير من أجزائها وأرجائها ، وال تزال‬
                                                       ‫ن‬
  ‫األمة تبتلى بأحداث وقضايا حتى ي ُسى آخرها أولها ، ويغطي حديثها على قديمها ، وأذل العدو‬
                                                                              ‫ه‬       ‫م‬
    ‫َّنا جبا ًا وتالشى من راحتينا الحديد، فإلى صفحات مكلومة نستذكر فيها كوسوفا الجريحة ،‬
‫كوسوفا التي فضحت النصرانية وحقد أهلها ومقدار ما استودعوا من وحشية وهمجية في عصرنا‬
                                 ‫ُر‬       ‫ت‬
     ‫الحديث ، كوسوفا التي بكت أهلها من هاجر أو ق ُل أو ش َّد ، كوسوفا التي بينت ضعف أمة‬
‫اإلسالم وكيف باع المسلمون بدولهم وأنظمتهم وثراوتهم أذالء ال يستطيعون نصرة إخوانهم أو مد‬
                                                              ‫يد العون إال بعد أن يؤذن لهم .‬
                                                                       ‫ض‬
   ‫كوسوفا التي و ّحت لنا كم تغلي قلوب األعداء حقدا علينا وكم يعضون األنامل غيظا يريدون‬
 ‫قطع دابر ديننا كي تغور القوى ، ويتبع الهوى ، وتعم البلوى ، يريدون أال يعز إسالم وال يقوى‬
      ‫يقين وأال يتم تمكين ، يصرون بحربهم أو قصفهم على تمزيق أهل اإلسالم قطعانا في بقاع‬
‫األرض ال مرعى يجود ، وال راع يذود ، وال دولة تؤوي ، كوسوفا التي أبانت عوار منظمات ما‬
      ‫يسمى بحقوق اإلنسان حيث يعامل أهلها كما يعامل األرقاء ، وال ينالون حقوقهم إال بطريق‬
                                      ‫االستجداء ، وال يظهرون إال بصورة التشريد واإليذاء .‬
                               ‫إنها كوسوفا الجريحة التي تأثرت بكل ذلك والزالت تتأثر . . .‬
                                                                                      ‫عباد اهلل :‬
 ‫إقليم كوسوفا بمساحته التي تزيد عن عشرة آالف كيلو متر مربع، يسكنه أكثر من مليوني إنسان‬
      ‫نسبة المسلمين منهم ثالثة وتسعين بالمائة، ويشتمل على عدد من الثروات المهمة مما جعله‬
 ‫مطمعا للغاصبين ، وسكانه من األلبان القدماء في هذه المنطقة ،أما الصرب فهم ممن استقدم إلى‬
                                                                                ‫أوربا الشرقية .‬
  ‫وقد حصلت في كوسوفا معركة شهيرة عام ألف وثالثمائة وتسعة وثمانين ميالدية بين المسلمين‬
              ‫ل‬
‫العثمانيين وبين النصارى الصرب انتصر فيها المسلمون انتصارا حاسما، وخّصت هذه المعركة‬
  ‫األلبان من حكم الصرب ، وال زال الصرب يتذكرون هذه المعركة حيث أحيوا قبل عشر سنين‬
  ‫ذكراها بأن أعلن رئيس الصرب بهذه المناسبة إلغاء الحكم الذاتي لمسلمي كوسوفا، وقال كلمته‬
      ‫المشهورة "معركة كوسوفا بدأت قبل ستة قرون وانتهت اليوم ونحن مستعدون بأن نضحي‬
   ‫بثالثمائة ألف مقاتل وصربي الستئصال اإلسالم من سراييفوا إلى مكة" ومنذ ذلك الوقت بدأت‬
 ‫األزمة حتى اشتد أوارها في أيامنا الحالية بالرغم من النداءات التي كان يوجهها مسلمو كوسوفا‬
   ‫إلى إخوانهم المسلمين إبان حرب البوسنة والهرسك بأن الدائرة ستدور عليهم فلم يع المسلمون‬
                                                               ‫ذلك إال بعد اشتداد األزمة .‬
                                                                            ‫إخوة اإليمان :‬
      ‫لم يكتف الصرب أخزاهم اهلل بما القاه المسلمون خالل ثمانين عاما من الحكم الشيوعي في‬
      ‫يوغسالفيا من اضطهاد للحريات وسلب للكرامات وإلغاء لكل معالم الدين فقاموا بعد سقوط‬
  ‫شيوعيتهم بإحياء دور الكنيسة في حربهم ضد المسلمين يدعمهم بذلك رهبان كنسائهم بجعل هذه‬
      ‫الحرب حربا عقائدية وتطهيرية ونشرا لدينهم الفاسد فقامت حرب اإلبادة في كوسوفا بشتى‬
   ‫صورها وإليكم بعضا منها حسب آخر التقارير التي نقلتها عدد من المنظمات اإلسالمية القليلة‬
                                                                  ‫التي بدأت العمل هناك .‬
                                                                     ‫أيها األخوة المؤمنون:‬
‫يقول رسول اهلل : ((ألن تهدم الكعبة حجرا حجرا أهون على هلل من أن يراق دم امرئ مسلم )) .‬
 ‫وفي رواية ((لزوال الدنيا أهون على اهلل من قتل رجل مسلم)) . رواه الترمذي والنسائي وحسنه‬
  ‫األلباني. بالرغم من غالء دم المسلم فإن المجازر باتت تقام للمسلمين في كل مكان وأصبح الدم‬
‫المسلم رخيصا ال يقام إلراقته وزن، وتفيد آخر التقارير من داخل كوسوفا أن القتلى من المسلمين‬
   ‫ن‬             ‫م‬
   ‫باآلالف وأن االنتهاكات اإلنسانية على أشدها داخل المدن المحاصرة، فهناك ِن المسلمين م َ‬
  ‫يحرقون أحياء أمام ذويهم كما حصل ذلك منذ أسبوع في مدينة بيجا، ويشتد الوضع سوءا حيث‬
‫أعدم بصورة بشعة ثالثون مسلما في محافظة سوهارت، كما تم إعدام عشرين أستاذا أمام طالبهم‬
    ‫في قرية جودن على الحدود بين ألبانيا وكوسوفا كما تم جمع عشرين ألفا من الرجال والنساء‬
                                                        ‫ووضع‬
  ‫واألطفال من قرية قيرز َ ُ ِ ُوا في معسكر كامل محاصر من الدبابات والميليشيات الصربية‬
   ‫حيث ال طعام وال دواء وال كساء أما بقية القرى والمدن فهي تعيش تحت وابل جيكوفا التي ال‬
  ‫يستطيع أحد دخولها، يذكر شهود العيان الخارجين من حجيمها أن الجثث متناثرة في الشوارع،‬
‫أما المساجد فقد تم تدمير عدد منها من خالل المدن المذكورة هذا عدا عن االغتصاب للنساء الذي‬
 ‫أصبح سمة للصرب في تعاملهم مع نساء المسلمين وال حول وال قوة إال باهلل ويكفي أيها األخوة‬
    ‫المؤمنون أن نتذكر ما كان للمسلمين في البوسنة حتى نتخيل ما يمكن حدوثه لمسلمي كوسوفا‬
                                             ‫ولنسائهم الحرائر كل ذلك بسبب أنهم مسلمون .‬
                                     ‫ا‬
                                    ‫وطفلة ما رأتها الشمس إذ برزت كأنما هي ياقوت ومرجُن‬
                                     ‫ن‬                                          ‫عج‬
                                     ‫يقودها ال َلْ ُ للمكروه كارهة ً والعين دامعة والقلب حيرا ُ‬
                                 ‫ن‬
                                 ‫لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسالم وإيما ُ‬
       ‫أما الفتيات الالتي يقبعن في معسكرات االعتقال فقد تجازون األلف في عدد من معسكرات‬
 ‫االعتقال الصربية التي تشتمل كذلك على عدد من الرجال واألسر من المسلمين ويجعلون كدروع‬
       ‫بشرية أمام القذائف عدا ما يتعرضون له من جوع وهالك حتى بان ذلك في أجسامهم وهم‬
‫يعيشون مآساة دامية ونكبة فاجعة حلت بهم، وهم أقوام عزل حرموا في كل شيئ حتى الدفاع عن‬
   ‫أنفسهم ،إنها مأساة رفع فيها الظلم واالضطهاد أعالمه وراجت فيها سوق المجازر الجماعية ،‬
‫حدثوني عن أتباع دين أهينوا مثل هذه اإلهانات حدثوني عن أمة ترى وتسمع ذلك ثم ال نرى منها‬
   ‫سوى التنديد المتأخر ، حدثوني عن القوى الهائلة والثروات المعطلة والقنوات الفضائية العربية‬
 ‫التي أصبحت جميعها مسخرة للرياضة والفن ومحجوبة أو مشوهة في عرض أحوال المسلمين ،‬
           ‫إن أحد خلفاء المسلمين هب ومعه جيش عرمرم لنصرة امرأة صرخت وا معتصماه :‬
                                          ‫لِ‬
                                          ‫ت‬
                                         ‫ولكن رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اُي َّم‬
                                               ‫المست أسماعهم لكنها لم تالمس نخوة المعتصم‬
                                                                               ‫أيها المسلمون :‬
 ‫صفحتنا األخرى عن كوسوفا الجريحة تتعلق بمظهر آخر من مظاهر األزمة ووجه كالح أسفرت‬
   ‫عنه األزمة وهو تهجير النساء واألطفال والشيوخ بالقوة من ديارهم ومنازلهم وبسرعة عظيمة‬
  ‫حتى قاربوا المليون الجئ خالل أسبوعين ، وال شك أن صعوبة عودة هؤالء إلى ديارهم تتضح‬
  ‫لنا حين نرى ما حل بالجئي البوسنة الذين لم يعد أكثرهم إلى مواقعهم األصلية حتى اليوم ، إن‬
   ‫مصيبة بالجئي كوسوفا هي بحد ذاتها عظيمة بل قد يكون وضعهم ومصيرهم أسوأ حاال وأشد‬
       ‫ضررا مما هو في داخل كوسوفا ، وكأنه التهجير أصبح هدفا يسعى إليه النصارى بغربهم‬
                  ‫ود‬
‫وشرقهم لتفريق هذه الجموع المسلمة في أوربا يقول تعالى ال يألونكم خباال ُّوا ما عنتم، قد بدت‬
                            ‫البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر .[آل عمران: 855]‬
     ‫إن هؤالء الالجئين من مسلمي كوسوفا الذين تعرضوا لكل بالء على أيدي الصرب قد وقعوا‬
   ‫ضحايا للجوع والعطش ، وفريسة لألمراض التي ال تجد لها رفعا وال دفعا ، فال مأوى يأوون‬
 ‫إليه فيتقون به البرد القارس ، يهيمون في كل واد ينتظرون الموت، عزل من كل شيء فراشهم،‬
‫أرض مألى بالثلوج ولحافهم السماء ، فإلى اهلل نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس‬
   ‫، كيف أصبح اللجوء واليتم سمة للمسلمين تميزهم عن غيرهم في بقاع العالم ، تراهم يقتسمون‬
‫أرغفة الخبز جوعى ، تستقبلهم منظمات كافرة ترحلهم إلى بلدانها لتغريبهم وتغيير دينهم أو تقليله‬
                                                                                  ‫في نفوسهم .‬
                                             ‫تمزقهم نيوب الجوع حتى يكاد الشيخ يعثر بالعيال‬
                                           ‫يشدون البطون على ضواء ويقتسمون أرغفة الخيال‬
                                       ‫وناموا في العراء بال غطاء وساروا في العراء بال فعال‬
                                                ‫كأن البيد تلفظهم فتجري بهم بيد إلى بيد خوالي‬
                                       ‫وليت جراحهم في الجسم لكن جراح النفس أفتك بالرجال‬
                                            ‫وقبل الجوع تنهشهم أياد من األفرنج دامية النصال‬
   ‫أين أنتم إخوتي من صورة األطفال الذي يحملون من معسكرات الالجئين على وجوههم الحيرة‬
      ‫وفي أعينهم الذهول بعد أن فقدوا أو أضاعوا آباءهم ، صورة ترجف بالفؤاد ، وتفت األكباد‬
   ‫صورة رأيناها لذلك األب المسلم والدمع يتقار من عينيه وهو يحيل الدمع عن محاجرها ، يقبل‬
 ‫أطفاله قبالت الوداع ، أما إلى أين سيذهبون ، متى سيلتقون وماذا سيواجهون ، فهذا ما ال نعلمه‬
   ‫وال يعلمه هو ، ترى أطفالهم خلف زجاج الحافالت منقولين إلى بلدان ال يعرفون فيها إسالمهم‬
       ‫الذي ولدوا عليه، بل يعيش بعضهم في مراكز التنصير والكنائس حيث يودعون فيها دينهم‬
                                                                 ‫وإسالمهم الذي نشأوا عليه .‬
                                       ‫فلو تراهم حيارى ال دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان‬
                                    ‫ولو رأيت بكاهم عند جمعهم لهالك األمر واستهوتك أحزان‬
                                           ‫يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان‬
                                                                                ‫أيها األخوة :‬
‫هذه هي القضية ، وذلكم هو وضعها وأخواتها مثلها ، إن القضية ليست غامضة وال ملتوية ، وما‬
    ‫هي بالمستعصية الفهم أو الشائكة ، لكنها تحتاج إلى شيء من الفهم القرآني ، واإللمام بطبائع‬
                                        ‫األشياء واستعراض النواميس اإلالهية والسنن األزلية .‬
  ‫إن إزالة أسباب الخذالن والهوان أهم وأولى من إزالة آثار العدوان ، وهذا الطغيان لن يوقفه إال‬
                                   ‫ي‬                                         ‫م‬
    ‫اإلسالم، وان َيْل الميزان ال يعدله إال القرآن ، الحل ب ّن والحق واضح ، إنه صراع عقائد ،‬
     ‫ومعركة مع من كفر باهلل واتخذ له صاحبة وولدا تعلى اهلل عما يقولون علوا كبيرا ، إنه حكم‬
‫قرآني ال تشوبه شهوات وال شبهات ، حقائق اليقين من رب العالمين ولن ترضى عنك اليهود وال‬
    ‫النصارى حتى تتبع ملتهم .[البقرة: 075] خطاب قرآني يخاطب المسلم في وجدانه وعقله وال‬
‫يزالون يقاتلونكم حتى يرودكم عن دينكم إن استطاعوا معهم ومع يهود معركة حياة ومصير يتقرر‬
 ‫بها وجود أو عدم انتصار أو اندثار يقول عن معركتنا جل وعال كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها‬
                                                               ‫ا‬
  ‫اهلل ويسعون في األرض فسادً واهلل ال يحب المفسدين ،[المائدة: 46] ولنستيقن إخوتي أن كل ما‬
 ‫نراه من مصاعب تحل بعالمنا اإلسالمي إنماهي بإذن اهلل إرهاصات لنمو إسالمي متكامل، يشمل‬
‫الحياة كلها وأال يدخل اليأس في قلوبنا، فوعد اهلل عز وجل بالنصر والتمكين متحقق بإذن اهلل بعز‬
   ‫عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز اهلل به اإلسالم وأهله وذال يذل اهلل به الشرك وأهله ونسأل اهلل جل‬
                                        ‫وعال أن يعجل بالنصر إلخواننا المسلمين في كوسوفا .‬
         ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم ولينصرن اهلل من ينصره إن اهلل لقوي عزيز .[الحج:04]‬
                                                                       ‫بارك اهلل لي ولكم . . .‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده ، والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                                                          ‫له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .‬
                                                                                     ‫أما بعد :‬
 ‫فيا عباد اهلل : اتقوا اهلل تعالى واعلموا أن مشاركتنا إلخواننا المسلمين في كوسوفا مطلوبة ومهمة‬
                                                                                     ‫ء‬
                          ‫وآدا ً لواجب النصرة ، إنها مشاركة مبعثها االهتمام بأمور المسلمين.‬
     ‫والشعور باألخوة اإليمانية المبنية على لحمة الدين واإلسالم، المتجاوزة حدود اللون والجنس‬
 ‫والوطن ، إننا نطالب كل مسلم بالمشاركة الوجدانية ، ومشاركتهم مشاعره وعواطفه إنك مطالب‬
   ‫، أخي المؤمن ، أن تشعر بالجسد الواحد ، أن تحس بجوعهم وهم جوعى ، وبفقرهم وهم حفاة‬
 ‫عراة ، يفترشون األرض ويلتحفون السماء ، فياليت شعري هل رأيت المرأة العجوز وهي تسعى‬
   ‫الهثة هربا من القذائف الصربية حتى تصل إلى الحدود وإذا بها بدال من أن تلتقط أنفاسها تلفظ‬
  ‫آخر أنفاسها ، بعد أن بلغت رسالتها للمسلمين الغافلين عن قضيتها غير عابئين بصرختها ألنهم‬
    ‫الهثون خلف كرة يشجعونها أو فن رخيص يطربون له ،ترى هل تتذكر المرأة المسلمة وهي‬
      ‫تعيش في كنف زوج وتهنأ بالسعادة والراحة ، هل تذكرت كم من امرأة توالت عليها المحن‬
                              ‫ح‬
    ‫وفقدت عشيرتها بعد أن كانت تحت كنف زوج عطوف بل تَضْ َي بيد الكافر رهينة وقد هتك‬
                                                                         ‫بالرغم عنها سترها .‬
‫وأنت أخي المؤمن ، حين تنظر إلى أطفالك تذكر أطفالهم فكم من يتيم ينشد عطف األبوة الحانية ،‬
                             ‫ويلتمس حنان األم الرؤم ، يرنوا إلى من يمسح رأسه ويخفف بؤسه‬
                                      ‫كيف لو أبصرت طفال لم يذق منذ رأى دنياه طعما للحنان‬
   ‫لم يذق إال األسى المر ولم يسمع سوى ، صوت الطعان يا ابنتي قولي معي : أيها العالم سحقا‬
                                                                    ‫م ْد‬
                                                            ‫حينما تغدو حياة الناس َي ُان رهِان‬
                                                                      ‫حينما يفتقد الطفل الحنان‬
                         ‫ض‬
  ‫نريد الشعور بالجسد الواحد الذي أخبر عنه الذي إذا اشتكى منه ع ٌو تداعى له سائر األعضاء‬
  ‫بالسهر والحمى ، إن دمعة من عينيك ، وزفرة من صدرك لهي دليل صدق االنتساب لهذا الدين‬
 ‫بل هي عبادة تؤجر عليها ، ثم إكماال لذلك يتحول هذا الهم وهذه المشاعر إلى بذل المستطاع في‬
  ‫نصرتهم والوقوف معهم يقول عليه الصالة والسالم ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا‬
   ‫نفس اهلل عنه كربة من كرب يوم القيامة )) ، رواه مسلم وقال : ((أحب الناس إلى اهلل أنفعهم ،‬
  ‫وأحب األعمال إلى اهلل عز وجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه‬
  ‫َدْينا ، أو تطرد عنه جوعا ، وألن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في‬
  ‫المسجد شهرا ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها له أثبت اهلل تعالى قدمه يوم تزل‬
   ‫األقدام )) رواه الطبراني وصححه األلباني ، فهال مددنا أيدينا إخوتي بالدعم المادي والمعنوي‬
 ‫إلخواننا المسلمين في كوسوفا حيث يستقبل مكتب هيئة اإلغاثْة اإلسالمية التبرعات لهم، كما أننا‬
‫ندعوكم هذا اليوم لبذل اليد بالمال إلخوانكم في مسلمي كوسوفا ونستقبل تبرعاتكم لهم بعد الصالة‬
‫على يد بعض إخوانكم وستصل هذه التبرعات إليهم عبر شباب من هذا البلد في أسرع وقت بإذن‬
   ‫اهلل ، وعليكم بالدعاء واالبتهال إلى اهلل برفع البالء وكشف الألواء عنهم ، اللهم أنت المستعان‬
    ‫وبك المستغاث وعليكم التكالف وال حول وال قوة إال بك ، اللهم يا كاشف الخطوب ويا مفرج‬
    ‫الكروب ويا من يجب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء نسألك إلخواننا في كوسوفا النصر‬
‫واإلعانة ، اللهم كن لهم ناصرا يوم قل الناصر ، ربنا من يسمع بكاء األطفال إال أنت ومن يجيب‬
     ‫نداء النساء إال أنت ، اللهم اجعل لهم مما هم فيه مخرجا وفرجا ، اللهم نفس كربهم ، ويسر‬
‫أمرهم ، وفرج همهم واخذل عداءهم إنك سميع مجيب اللهم اجعل بذل المسلمين اليوم درعا ووقاء‬
 ‫لهم من عذاب جهنم واجعله نصرة إلخواننا المسلمين ورفعة لهم وكشفا لكربتهم بفضلك يا أرحم‬
                                                                            ‫الراحمين استغاثة.‬
           ‫سبحانك ربك رب العزة عما يصفون وسالم على المرسلين والحمد هلل رب العالمين.‬

‫(5/352)‬




                                                ‫السحر والسحرة (7) وبشارات للمرأة الصالحة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫األسرة والمجتمع, التوحيد‬
                                                       ‫الشرك ووسائله, المرأة, نواقض اإلسالم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                               ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                  ‫3/1/0545‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
  ‫وجوب تعلق قلب المؤمن باهلل وحده – اإلنسان يتعلق قلبه بالسحرة والكهنة وأمثالهم عند ضعف‬
 ‫إيمانه – حقيقة السحرة والدجالين , ومن السحر المذموم ما يفعله أرباب البالغة والبيان من قلب‬
                                                         ‫الهد‬
  ‫الباطل حقاً , من أصحاب األدب َّام واإلعالم الخبيث – سبيل النجاة من الدجالين وأمثالهم –‬
       ‫بشارتان للمرأة الصالحة : 5- أسباب دخول المرأة الجنة كما في الحديث 7- جهاد المرأة‬
                                   ‫وشهادتها , وقيامها بتربية أوالدها ورعاية بيتها وفضل ذلك‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد: قال اهلل تعالى: أليس اهلل بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل اهلل فما له من‬
                 ‫هاد ومن يهد اهلل فما له من مضل أليس اهلل بعزيز ذي انتقام [الزمر: 63-23].‬
                                                           ‫م‬
   ‫إن المؤمن الموحد يكون قلبه دائ ًا متعلقًا باهلل ربه وإلهه وسيده ومواله الذي هو رب كل شيء‬
‫ومليكه وألجل ذلك فإنه سبحانه وتعالى يكفيه ويحفظه ويتواله، فمن تواله اهلل هل يخاف من دونه،‬
    ‫من تواله اهلل اإلله العظيم القادر الذي بيده تصريف األمور بيده كل شيء وهو على كل شيء‬
    ‫قدير. من تواله اهلل هل يخاف ممن دونه، أال يكفيه أن اهلل عز وجل يحميه ويرعاه: "أليس اهلل‬
  ‫بكاف عبده" ولكن اإلنسان إذا ضعف إيمانه وانطمست بصيرته فإنه يتوجه قلبه ويتعلق قلبه بمن‬
                                                                                   ‫دون اهلل.‬
  ‫يتعلق قلبه بالسحرة والكهنة والمنجمين لما يرى من جريان بعض األمور على أيديهم مما يظنه‬
‫من الخوارق، وحقيقة أمر هؤالء أنهم يستعينون بشياطين الجن فيتراكب هؤالء أي يركب بعضهم‬
                         ‫ر‬
    ‫على كتف بعض حتى يسترقوا السمع من السماء فإذا سمع الشيطان خب ًا من السماء ألقاه إلى‬
 ‫الكاهن فيضيف إليه الكاهن مائة كذبة ولكن الناس يصدقونه بسبب ذلك الخبر وال يكذبونه بالمائة‬
                                                                                      ‫كذبة.‬
‫ولقد كان هذا األمر مستفحالً في الجاهلية. كان في كل حي من أحياء العرب كاهن كما أخبر بذلك‬
                                                                        ‫جابر رضي اهلل عنه.‬
                                     ‫د‬              ‫م‬           ‫ح‬
   ‫ثم ببعثة خاتم النبيين محمد ُرست السماء ُلئت حرسًا شدي ًا وشهبًا تكريمًا لبعثة رسول اهلل ،‬
     ‫فبعد ذلك قل من يسترق السمع من شياطين الجن، وإذا استرقوا السمع فقل من يسلم منه من‬
                                                                             ‫الشهاب الثاقب.‬
   ‫لكن قد يسلم بعضهم فيلقي بالخبر إلى الكاهن ولذلك ال نزال نجد اليوم كهنة وسحرة ومنجمين‬
    ‫يخبرون ببعض المغيبات ولكن المؤمن مأمور بأال يصدقهم فيما يخبرون وال يعول عليهم فيما‬
                                                ‫يقولون إنهم إذا صدقوا مرة يكذبون مائة مرة.‬
     ‫كما أخبر بذلك الصادق األمين فكيف يصدقهم بعد ذلك مؤمن موحد كيف يعول على أقوالهم‬
      ‫وأخبارهم ونصائحهم وبعض أرباب البالغة والبيان مثل هؤالء السحرة والكهنة والمنجمين.‬
                      ‫ر‬
   ‫عن ابن عمر رضي اهلل عنه قال: قال رسول اهلل : ((إن من البيان لسح ًا))(5)[5] هذا ذم من‬
 ‫ق‬           ‫ال‬
‫النبي لبعض أنواع البيان. هذا البعض الذي تزيف فيه األمور ويقلب فيه الحق باط ً والباطل ح ًا‬
                                                       ‫ليس هذا مدحًا كما تخيله بعض الناس.‬
‫كيف يكون مدحًا وقد شبهه الرسول بشيء محرم مذموم شبهه بالسحر والسحر أمر محرم مذموم،‬
                                                                      ‫والمشبه تبع للمشبه به.‬
‫ثم إن سبب هذا الحديث أن رجلين من المشركين من أهل المشرق قدما إلى النبي فوقف كل منهما‬
    ‫بين يديه خطيبًا يخطب بين يدي النبي فإذا خطب مشرك ماذا سيصدر منه إال الفخر والخيالء‬
                                                                                   ‫والباطل.‬
                 ‫ر‬                                                                ‫أ‬
‫ولكن ُعجب السامعون بفصاحتهما فقال النبي قولته هذه: ((إن من البيان لسح ًا)) فهل يكون بذلك‬
                                               ‫قد مدح الباطل الذي صدر من هذين المشركين.‬
                                                                             ‫ال‬       ‫ال‬
 ‫ك ّ وألف ك ّ إنما أراد النبي أن ينبه السامعين الذين أعجبوا بفصاحة هذين الشاعرين المشركين‬
        ‫إلى أن هذا البيان هو من أنواع البيان الذي يشبه السحر في قلبه للحقائق وتزييفه لألمور.‬
   ‫السحر يزيف األمور ويقلب الحقائق ولكنه ال يغيرها هو أعجز من أن يغير حقائق األشياء إنما‬
‫يخيل للناس أنها تغيرت، يخيل إليهم الشيء الذي ال حقيقة له ويخيل إليهم تغيير حقيقة الشيء وهو‬
   ‫لم يتغير، فسحرة فرعون حبالهم وعصيهم لم تنقلب إلى أفاعي وثعابين تسعى لم تتغير حقائقها‬
                                                                      ‫ي‬     ‫ال‬
 ‫بقيت حبا ً وعص ًا ولكن خيل للناس الحاضرين يومئذ ومنهم موسى عليه السالم أنها كذلك، أثر‬
   ‫السحرة في أعينهم وفي مخيالتهم. قال تعالى: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها‬
‫تسعى [طه:66] "يخيل إليه" أي إلى موسى فكيف بغيره، يخيل إليه أنها تسعى وليس كذلك هذا هو‬
 ‫معنى قول "يخيل إليه" أي أن حقائق تلك األشياء لم تتغير بفعل سحر السحرة فإن الساحر ال يفلح‬
                                                                                  ‫حيث أتى.‬
 ‫كذلك بعض أنواع البيان الذي يعني أصحابه بتنميقه وتذويقه وترتيبه وزخرفته يزيفون به األمور‬
                                               ‫ويحاولون قلب الحقائق والتأثير على السامعين.‬
‫ماذا يصنع األدب الهدام في عصرنا الحديث غير هذا، القصص الهدامة وقد امتألت بها األشواق،‬
‫الشعر الهدام وقد زودت به صفحات الجرائد والمجالت والدواوين ماذا يفعل األدب الهدام الحديث‬
   ‫غير هذا، ماذا يفعل اإلعالم في العصر الحديث غير هذا. كثير من الناس يستمعون إلى بعض‬
      ‫اإلذاعات األجنبية ويصدقونها ويصدقون أخبارها ويعجبون ببرامجها ألنها صدقت مرة، أو‬
‫صدقت في بعض المرات يصدقونها من أجل ذلك ويعقلون عن المائة كذبة بل عن مئات األكاذيب‬
                                                           ‫التي تدسها تلك اإلذاعات األجنبية.‬
      ‫فدسها بمهارة وإتقان ومكر وخبث للتأثير على السامعين لتزييف األمور وقلب الحقائق على‬
       ‫السامعين. بعض اإلذاعات األجنبية ال تسمي المجاهدين في أفغانستان مجاهدين، إن أعدائنا‬
  ‫يحرصون على أن ينسى المسلمون حتى اسم الجهاد واسم المجاهدين فلذلك تحرص تلك اإلذاعة‬
                   ‫األجنبية على أن تسمي المجاهدين في أفغانستان المناوئين للحكومة األفغانية.‬
 ‫وفي هذا الوصف ما فيه من اإليحاءات الخفية إنه نفث كنفث الكهنة والسحرة والمنجمين، فيه ما‬
       ‫فيه من اإليحاءات الخبيثة التي يريدون أن يدسوها في نفوس السامعين يؤثرون على نفوس‬
                                                   ‫السامعين بمثل هذه األساليب الماكرة الخبيثة.‬
‫فيا أيها المؤمن الموحد ليكن إيمانك عاصمًا لك من الوقوع في شباك هؤالء وأولئك اقرأ كتاب اهلل‬
     ‫عز وجل وافهم معانيه وتعلم سنن المصطفى وتفقه في أمور دينك يحميك اهلل ويكفيك من كل‬
‫هؤالء الطواغيت طواغيت الكهان وطواغيت البيان، سماسرة األدب الهدام ودهاقنة اإلعالم الهدام‬
                                          ‫ال تصدق طواغيت الكهان وال تصدق طواغيت البيان.‬
                                           ‫كيف تصدقهم وهم إن صدقوا مرة يكذبون مائة مرة.‬
‫كيف تصدقهم وهم أعداؤك، أعداء اإليمان الذي في قلبك أعداء هذا الدين الذي جاء به نبيك سيدنا‬
                                                                                       ‫محمد .‬
                       ‫و‬
   ‫إنهم أعداء المصطفى يقول الرب عز وجل: وكذلك جعلنا لكل نبي عد ًا شياطين اإلنس والجن‬
                                              ‫ر‬
       ‫يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرو ًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون‬
                                                                                ‫[األنعام:755].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول هذا‬
                                         ‫وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا‬
                       ‫عبده ورسوله اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
  ‫أما بعد: فقد ذكرنا في الجمعة الماضية البشارة للمسلمات الصالحات بشارة النبي وهي قوله فيما‬
    ‫رواه عبد الرحمن بن عوف رضي اهلل عنه قال : ((إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها‬
                                    ‫ت‬
                ‫وحفظت فرجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئ ِ))(7)[5] صدق النبي .‬
   ‫فهذه األمور األربعة إذا أفلحت المرأة المسلمة في المحافظة عليها وأفلحت في أدائها أفلحت في‬
   ‫جميع أمورها وسائر حياتها لم يذكر النبي من الفرائض إال هاتين الفريضتين الصلوات الخمس‬
  ‫وصيام شهر رمضان وليس معنى ذلك أن باقي الفرائض ال تدخل في ذلك إنما نص النبي على‬
   ‫الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان ألن هاتين الفريضتين تجبان على جميع النساء يشترك‬
‫فيهما سائر النساء مع الرجال بخالف الزكاة مثالً فهي إن كانت مفروضة على الرجل والمرأة إال‬
                                                        ‫ال‬
                            ‫أنها ال تجب إال على من ملكت ما ً بلغ النصاب وحال عليه الحول.‬
     ‫والحج والعمرة وإن كانا واجبين إال أنهما ال يلزمان المرأة إال إذا قدرت على نفقتها ووجدت‬
     ‫محرمًا يسافر معها. ولذلك اكتفى الرسول بذكر تلك الفريضتين الواجبتين على سائر النساء.‬
   ‫فإذا أدت المرأة المسلمة الصلوات الخمس ولم تضيعهن وصامت شهر رمضان ولم تضيع هذه‬
 ‫الفريضة، وإذا بالغت في أسباب العفاف وصانت نفسها ليس عن الزنا والفواحش فحسب بل حتى‬
  ‫عن أسبابها ودواعيها المؤدية إليها وإذا قامت بحق زوجها حق القيام وإذا رعت حياته الزوجية‬
‫أحسن الرعاية فإنها من أهل الجنة ببشارة النبي وال شك أن كل من وفقت إلى هذه األمور األربعة‬
                                                           ‫فإنها ستوفق إلى باقي خصال الخير.‬
‫وإليك أيتها المسلمة الصالحة البشارة الثانية من النبي فإن المرأة المسلمة الصالحة إذا كان اإلسالم‬
   ‫لم يتح لها ما أتاح للرجل من فضل الجهاد والقتال في سبيل اهلل عز وجل، بل منعها عن ارتياد‬
 ‫كثير من المجاالت التي شرعها للرجل فإنه اعتبرها وهي في مجالها الرئيسي إذا قامت به أحسن‬
                ‫القيام إذا قامت به خير قيام مثل ذلك الرجل المجاهد المرابط في األجر والثواب.‬
‫فعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنه أن النبي قال: ((إن المرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها‬
‫كالمرابط في سبيل اهلل فإن ماتت فيما بين ذلك فلها أجر الشهيد)). وقد ورد في حديث آخر: ((أن‬
                                                    ‫التي ماتت في النفاس من الشهداء))(3)[7].‬
‫هذه هي البشارة األخرى من النبي للمرأة المسلمة الصالحة في مجالها األساسي مجال بناء األسرة‬
   ‫ورعاية النشء والصغار. وهي تكابد ما تكابد وخاصة في هذه الفترة التي نص عليها الرسول‬
   ‫تكابد فيها من المشاق والتعب والنصب إذا أحسنت نيتها في ذلك واتقت اهلل عز وجل وأحسنت‬
 ‫القيام بمهامها التي من أجلها خلقها الرب عز وجل، فما الفرق بينها وبين ذلك الرجل المجاهد في‬
                              ‫سبيل اهلل المرابط في مجاله وميدانه على ثغرة من ثغور المسلمين.‬
                   ‫ض‬                                               ‫د‬
  ‫إذا كان هذا الرجل مجاه ًا في سبيل اهلل مرابطًا على ثغرة فهذه المرأة أي ًا مرابطة على ثغرة‬
‫كالهما مرابط مجاهد في ثغرته وفي جبهته، إذا أحسن النية واتقى اهلل في القيام بمهمته فهما سواء‬
                                                                            ‫في األجر والثواب.‬
      ‫فيا أيتها األخت المسلمة الصالحة إنك وأنت تؤدين مهمتك هذه في حملك وفي وضعك وفي‬
        ‫فصالك وفي رعايتك ألسرتك في بنائك ألسرتك في رعايتك لنشئك الصغار أنت في ذلك‬
      ‫كالمجاهد في سبيل اهلل في أفغانستان، وفي فلسطين أو في الفلبين أو في غير ذلك من ثغور‬
     ‫المسلمين، أنت في ذلك كالمجاهد في سبيل اهلل في األجر والثواب سواء. هذا هو معنى كالم‬
                                                                             ‫المصطفى النبي .‬
     ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة‬
                                                  ‫بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                 ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار.‬
     ‫واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة األخيار رضوان اهلل عليهم‬
                                                                                      ‫أجمعين.‬
     ‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين‬
                                                                                           ‫ت‬
                                                                                       ‫ُدان.‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
 ‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [األحزاب:61].‬
                                        ‫ر‬                            ‫ى‬
                              ‫وقال : ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًاْ))(4)[3]‬
 ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
   ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
   ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫على‬
 ‫عثمان وأبي السبطين َّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين،‬
     ‫وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                         ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                            ‫__________‬
                                                               ‫(5) صحيح البخاري (6451)‬
                                                                  ‫(7) مسند أحمد (5/535).‬
                              ‫(3) مسند أحمد (4/507) عن عبادة بن الصامت رضي اهلل عنه.‬
                                     ‫(4) صحيح مسلم (804) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/452)‬




                                                                                      ‫التوكل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                           ‫التوحيد, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫أعمال القلوب, األلوهية‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                      ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫3/2/3545‬
                                                                                ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
‫5- الكل يبحث عن رزقه ، والواجب أن يطلبه في الحالل. 7- البعض يرتع في الحرام بحثاً عن‬
     ‫رزق اهلل. 3- المخرج هو التوكل على اهلل الرزاق. 4- معنى التوكل. 1- اهلل يطلب منا أن‬
       ‫نتوكل عليه وهو حسبنا. 6- التوكل على اهلل عالمة إيماننا به وتصديقنا بصفاته وعظمته.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
                                                       ‫فيا عباد اهلل اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
                                                                                 ‫أيها المسلمون:‬
     ‫طلب الرزق غريزة عند األحياء وما أن تبدوا بوادر الصباح حتى ترى الناس بكافة أعمالهم‬
     ‫وأعمارهم يستعدون للبدء في كدح طويل كي يحرز كل امرئ منهم قوته وقوت عياله، وهذا‬
  ‫الكدح الطويل والسعي الحثيث امتحان لألخالق والمسالك والثبات واليقين والطمأنينة والرضى،‬
‫خ ْل‬                                        ‫د‬
‫فاللهف على تأمين العيش واللهاث من أجل س ّ أفواه الصغار قد يضعف بعض النفوس إلى ال َت ِ‬
       ‫والتلويه والكذب والحيف والتدليس والغش وربما وجد ضعاف يتملقون أقوياء على حساب‬
         ‫األبرياء، وربما رأيت أذالء يذوبون في أعتاب كبراء، وغير ذلك من مخالفات وأخطاء.‬
     ‫إن دين اإلسالم يأبى أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقة إلى هذا اآلثام كلها، وينهى أن يلجأ‬
  ‫المسلم أبدا إلى عش أو ذل أو ضيم ليجتلب به ما يشاء من حطام، وصدق رسول اهلل : ((أال ال‬
                                    ‫ي‬
‫يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية اهلل فإن اهلل ال ُنال ما عنده إال بطاعته)) رواه الحاكم‬
                                                                                   ‫في مستدركه.‬
   ‫والحل وسط هذه الحال والمخرج من تلك اآلثام هو التوكل على اهلل روى الترمذي وابن ماجة‬
   ‫والحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول اهلل يقول: ((لو أنكم تتوكلون‬
                     ‫على اهلل حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)).‬
  ‫ويقول ابن مسعود : إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط اهلل، وأن تحمدهم على رزق‬
                             ‫ي ُر ِ ْص‬
  ‫اهلل، وأن تطعمهم ما لم يؤتك اهلل، إن رزق اهلل ال َج ّه حر ُ حريص وال ترده كراهية كاره،‬
       ‫وإن اهلل تقسطه عدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك‬
                                                                                        ‫والسخط.‬
   ‫التوكل هو حال المؤمن القوي الذي يجب أن يكون وثيق العزم، مجتمع النية على إدراك هدفه‬
     ‫بالوسائل الصحيحة التي تقربه إلى اهلل وباذال قصارى جهده في بلو مأربه، وليس بالتفريط‬
     ‫المعيب والتخاذل الذميم عن عوف بن مالك قال: قضى رسول اهلل بين رجلين فلما أدبرا قال‬
     ‫المقضي عليه حسبي اهلل ونعم والوكيل فقال : ((إن اهلل يلوم على العجز ولكن عليك بالكَيْس‬
  ‫غ‬            ‫ً‬
‫(العقل والفطانة) فإذا غلبك أمر فقل: حسبي اهلل ونعم الوكيل)) رواه أبو داود، إذا فالمرء إذا ُلب‬
 ‫على أمره في أى مشاكلة من أي نوع بعد استفرا جهده كان ركونه إلى اهلل عندئذ معاذا يعتصم‬
                          ‫به من غوائل االنكسار فهو على الحالين قوي بعمله أوال وبتوكله ثانيا.‬
     ‫أيها األخوة المؤمنون: التوكل على اهلل شعور ويقين بعظمة اهلل وربوبيته وهيمنته على الحياة‬
                              ‫والوجوه واألفالك واألكوان فكل ذلك محكوم بحوله وقوته سبحانه.‬
   ‫التوكل قطع القلب عن العالئق إن ورفض التعلق بالخالئق واعالن االفتقار إلى محول األحوال‬
    ‫ومقدر األقدار ال إله إال هو إنه صدق اعتماد القلب على اهلل عز وجل في استجالب المصالح‬
  ‫ودفع المضار منه أمور الدنيا واآلخرة، فال مانع لما أعطى وال معطي لما منع وال ينفع ذا الجد‬
                                                                                     ‫منه الجد.‬
‫التوكل صدق وإيمان وسكينة واطمئنان، ثقة باهلل وفي اهلل وأمل يصحب العمل وعزيمة ال ينطفيء‬
                                                                 ‫وهجها مهما ترادفت المتاعب.‬
  ‫بالتوكل ترفع كبوات البؤس وتزجر نزوات الطمع، فال يكبح شره األغنياء وال يرفع ذل الفقراء‬
 ‫سوى التوكل الصادق على الحي الذي ال يموت، يقول سعيد بن جبير رحمه اهلل: التوكل على اهلل‬
                                                                                 ‫جماع اإليمان.‬
   ‫المتوكل على اهلل ذو يقظة فكرية عالية ونفس مؤمنة موقنة قال بعض الصالحين: متى رضيت‬
                                                          ‫باهلل وكيال وجدت إلى كل خير سبيال.‬
                                  ‫ح‬
                    ‫وقال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم قلبك ُسن توكلك عليه.‬
  ‫والتوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد المسائل المشروعة في عالم الشهادة، تسليم هلل بعد أداء كل ما‬
                                                         ‫يرتبط بالنفس من مطلوبات وواجبات.‬
 ‫التوكل الذي يقوى اإلنسان به ضرب من الثقة باهلل، ينعش اإلنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة،‬
                                                          ‫ويلتفت حوله فال يرى عونا وال أمال.‬
      ‫التوكل غذاء الكفاح الطويل الذي قاوم به النبيون وأتباعهم ودعاة دينهم مظالم الطغاة وبغي‬
                                                                              ‫ي‬
  ‫المستبدين كما ب ّنه اهلل تبارك وتعالى: وما لنا أال نتوكل على اهلل وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على‬
                                         ‫ما آذيتمونا وعلى اهلل فليتوكل المتوكلون [إبراهيم:75].‬
‫التوكل الحق قرين الجهد المضيء واإلرادة المصممة وليس العجز والكسل، ولم ينفرد التوكل عن‬
   ‫القوة والحزم إلى الضعف والتواكل إال في العصور التي مسخ فيها اإلسالم وأصبح بين أتباعه‬
                                                                                    ‫لهوا ولعبا.‬
                                                                                      ‫عباد اهلل:‬
    ‫إن أول بواعث التوكل ومصادره توحيد اهلل وإفراده بالعبادة فالرب المعبود سبحانه له األسماء‬
‫الحسنى والصفات العال: وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه‬
                                                       ‫هو السميع العليم [الشعراء 257-077].‬
  ‫والتوكل أجمع أنواع العبادات وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها وما ذلك إال لما ينشأ عنه‬
 ‫من األعمال الصالحة والرضى العميق واليقين الثابت، ولقد جاء األمر به في كتاب اهلل في أوجه‬
 ‫مختلفة وسياقات متعددة بل لقد جعله شرطا لإلسالم واإليمان يقول سبحانه وتعالى: إن كنتم آمنتم‬
     ‫باهلل فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين قال أهل العلم، فدل ذلك على انتفاء اإلسالم وكذلك اإليمان‬
             ‫بانتفاء التوكل، ويقول لنبيه محمد : وتوكل على اهلل وكفى باهلل وكيالً [األحزاب:3].‬
‫ويقول لصحابته رضوان اهلل عليهم: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم‬
                                                                                       ‫ا‬
                                         ‫إيمانً وقالوا حسبنا اهلل ونعم الوكيل [آل عمران:325].‬
  ‫ويقول جل وعال في جزاء المتوكلين: ومن يتوكل على اهلل فهو حسبه إن اهلل بالغ أمره قد جعل‬
                                                                          ‫اهلل لكل شيء قدراً .‬
‫هذا هو التوكل في حقيقته وأثره وجزائه وصفات أهله لكنه ما كان أبدا توكال وال اتكالية وما كان‬
      ‫ضياعا وال إهماال للسنن واألسباب، أيها المسلمون إن تحقيق التوكل ال ينافي العمل واألخذ‬
    ‫باألسباب البينة فالسعي في األسباب بالجوارح طاعة هلل، والتوكل على اهلل بالغيب إيمان باهلل،‬
‫فالمتوكلون في كتاب اهلل هو العاملون، وإمام المتوكلين نبينا محمد رأينا في سيرته األخذ باألسباب‬
                                                ‫ََ‬
 ‫فقد اختفى في الغار عن الكفار، وظاهر في بعض غزواته بين درعين، وتعاطي الدواء وقال من‬
  ‫يحرسنا الليلة، وأمر بغلق الباب، وإطفاء النار عند المبيت، وقال لصاحب الناقة (اعقلها وتوكل)‬
  ‫وقال سبحانه وتعالى لنبيه لوط: فأسر بأهلك بقطع الليل [هود:58]. ونادى نادى أهل األيمان: يا‬
                                                     ‫أيها الذين آمنوا خذوا حذركم [النساء:52].‬
 ‫فليس التوكل بإهمال العواقب واطراح التحفظ بل ذلك عند العقالء والعلماء عجز وتفريط يستحق‬
       ‫صاحبه التوبيخ واالستهجان وجاء أمر اهلل بالتوكل بعد التحرر واستفرا الوسع حين قال:‬
 ‫وشاورهم في األمر فإذا عزمت فتوكل على اهلل إن اهلل يحب المتوكلين المؤمن هو من يجمع بين‬
   ‫فعل األسباب واالعتصام بالتوكل فال يجعل عجزه توكال وال توكله عجزا إن تعسر عليه شيء‬
                                                 ‫فبتقدير اهلل وإن تيسر له كل شيء فبتيسير اهلل.‬
                                    ‫َ‬
   ‫المسلم المتوكل يخرج من بيته متوجها إلى عمله ومهنته تزْدلف قدمه من عتبة بابه وهو يقول:‬
   ‫أ‬      ‫أزل أ‬
 ‫((باسم اهلل توكلت على اهلل ال حول وال قوة إال باهلل، اللهم إني أعوذ بك أن َّ أو ُزل أو َضل‬
                                                                       ‫أ‬              ‫أض‬
                                            ‫أو ُ َل أو أَظلم أو ُظلم أو أَجهل أو يجهل علي)).‬
‫أخي المؤمن : ثمة موطن من موطن العمل ال يكون على وجهه وال تتحقق غايته إال حينما يكون‬
                                                                           ‫التوكل هلل وعموده.‬
  ‫إنه موطن الصبر والحق والثبات على المواقف وعدم التنازل عنها وهو الذي يحمل عبئه أنبياء‬
 ‫اهلل عليهم السالم ومن اقتفى أثرهم من أهل العلم والدعوة واإليمان والصالح واإلصالح فهم حين‬
  ‫يتعرضون لمخاوف مزعجة ال يثبتون على الروع والغبن إال ألملهم في اهلل واستنادهم عليه، ال‬
  ‫يثبتون إال بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات حاضرهم ويعينهم على مواجهة األخطار بعزم وثقة‬
                                      ‫ر‬
          ‫واطمئنان، وما نراه من صبر وثقة باهلل لدى بعضهم أم ٌ قد يستغربه الضعفاء الواهنون‬
 ‫ويستنكرونه ولذلك حين قال موسى وهارون عليهما السالم بعد أمر اهلل لهما بدعوة فرعون: قاال‬
     ‫ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى [طه:14]. فأجابهما جل وعال: قال ال تخافا إنني‬
‫معكما أسمع وأرى [طه:64]. إنه الشعور الكبير والعميق بسمعية اهلل وعنايته ذلكم هو المؤنس في‬
 ‫الموحشات والمشجع في الرهبات، وهذا هو أبو بكر الصديق يقول نظرت أقدام المشركين ونحن‬
‫في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا رسول اهلل لو أن أحدهم نظر تحت قدميه ألبصرنا، فقال عليه‬
   ‫الصالة والسالم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما وقال اهلل عنهم: إذ هما في الغار إذ يقول‬
  ‫لصاحبها ال تحزن إن اهلل معنا وحينما قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن‬
                                         ‫يو‬
   ‫في ملتنا، هذه المقولة التي تتردد عبر التاريخ و ُ َاجه بها أهل الدعوة المخلصين في كل زمان‬
   ‫ومكان، وقد جاء الجواب على لسان خطيب األنبياء شعيب عليه السالم بقوله تعالى: قد افترينا‬
  ‫على اهلل كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اهلل منها وما يكون لنا أن نعود فيها إال أن يشاء اهلل‬
‫ربنا وسع ربنا كل شيء علماً على اهلل توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين‬
                                                                                                  ‫.‬
                            ‫هذا هو المجد الشامخ والذي ال يخطه إال نفر من المؤمنين المتوكلين.‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضالل‬
                                                                                            ‫مبين .‬
                 ‫اللهم بك آمنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت أرحم الراحمين.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
                                                   ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر. اتقوا اهلل تعالى.‬
                                                                                   ‫أيها المسلمون :‬
     ‫من كان باهلل وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، ومن لم يكن كذلك فهو يظن من‬
                                  ‫ضالله أن حظوظا عميا هي التي تقرر مصائر الحياة واألحياء.‬
‫إن المقطوعين عن اهلل هم عبيد الحظوظ الشاردة واألسباب المبتورة، إن التوكل على اهلل ال يعرفه‬
   ‫العاطلون الباطلون،ال يعرفه ضعيف التوكل ال هو عند الوجوه يشكر رتبته، وال هو عند العدم‬
      ‫يرضى حالته، و إن من الجهل باهلل وصفاته وضعف اإليمان بوعده ووعيده ، لن يتوقع أحد‬
   ‫الخذالن والضياع وهو مرتبط بربه معتمد عليه واهلل يقول :(( أليس اهلل بكاف عبده ويخوفونك‬
  ‫بالذين من دونه ومن يضلل اهلل فماله من هاد، ومن يهد اهلل فماله من مضل أليس اهلل بعزيز ذي‬
     ‫انتقام)) ويقول جل وعال: ومن يتوكل على اهلل فإن اهلل عزيز حكيم ، إن المحروم إخوتي لن‬
 ‫يدرك مهما ألح وطلب، والمرزوق سوف يأتيه رزقه مهما قعد، أال فاتقوا اهلل رحمكم اهلل وأجملوا‬
                                              ‫في الطلب وتوكلوا على اهلل فإن اهلل يحب المتوكلين.‬
                                                     ‫وصلوا وسلموا يا عباد اهلل على من أمر. . .‬
‫(5/152)‬




                                                                              ‫اتباع ال ابتداع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                          ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                            ‫البدع والمحدثات‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                      ‫عنيزة‬
                                                                               ‫27/1/3545‬
                                                                                ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- ابن مسعود ينهى عن االبتداع في الدين. 7- أحدايث في ذم االبتداع. 3- دعوة للتمسك‬
                                         ‫بالكتاب والسنة. 4- التحذير من مخالفة هدي النبي .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
       ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل ـ تعالى ـ وتوبوا إليه، أخرج الدارمي بسند صحيح أن أبا موسى‬
‫األشعري قال البن مسعود ـ رضي اهلل عنهما ـ: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد قوما‬
       ‫حلقا جلوسا ينتظرون الصالة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة‬
     ‫فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: أفال‬
‫أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن ال يضيع من حسناتهم شيء، ثم أتى حلقة من تلك الحلق‬
  ‫فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير‬
     ‫والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن ال يضيع من حسناتكم شيء،‬
‫ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤالء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، والذي نفسي‬
       ‫بيده أنتم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضاللة، قالوا: واهلل يا أبا عبد‬
                             ‫الرحمن ما أردنا إال الخير، قال: وكم مريد للخير لم يصبه(5)[5].‬
‫أيها المؤمنون، العبادات في اإلسالم تتوقف على أصلين مهمين: األول: اإلخالص هلل ـ تعالى ـ‬
‫في أي عبادة يقوم بها العبد والثاني المتابعة في هذه العبادة لرسول اهلل باتباعه فيها وعدم االبتداع‬
‫بها، وقد سبق لنا الحديث في الخطبة الماضية عن اإلخالص ونحن نتحدث اليوم عن االتباع وعدم‬
                                                                                                                  ‫االبتداع.‬
  ‫عباد اهلل، لقد أكمل اهلل لألمة هذا الدين ورضيه وأتم به نعمته، وكتاب اهلل وسنة رسوله محمد لم‬
 ‫يتركا في سبيل اهلل الهداية قوال لقائل، ولم يدعا مجاال لمتشرع، العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك‬
         ‫ْ م ت ك د ك و م ت ع ك ن مت‬
        ‫بالعروة الوثقى، ظافر بخيري الدنيا واآلخرة، الْيَومَ أَكْ َلْ ُ لَ ُمْ ِينَ ُمْ َأَتْ َمْ ُ َلَيْ ُمْ ِعْ َ ِى‬
                                                                                              ‫َ د‬         ‫َرض ت ُم‬
                                                                             ‫و َ ِي ُ لَك ُ األسْالمَ ِيناً [المائدة:3].‬
 ‫عن النبي أنه قال: ((ما تركت شيئا يقربكم اهلل إال وقد أمرتكم به، وما تركت شيئا يبعدكم عن اهلل‬
                                                  ‫إال وقد نهيتكم عنه)) رواه الطبراني بإسناد صحيح(7)[7].‬
    ‫كل عبادات المتعبدين يجب أن تكون محكومة بحكم الشرع في أمره ونهيه، جارية على نهجه‬
   ‫موافقة لطريقته، وما سوى ذلك فمردود على صاحبه، عن عائشة ـ رضي اهلل عنها ـ قالت:‬
                      ‫قال رسول اهلل : ((من عمل عمال ليس عليه أمرنا فهو رد)) متفق عليه(3)[3].‬
‫الشرع الحكيم رسم للعبادات والتكاليف طرقا خاصة على وجوه خاصة زمانا ومكانا، هيئة وعددا،‬
 ‫وقصرا لخلق عليها أمرا ونهيا، وعدا ووعيدا، وأخبر أن الخير فيها والشر في تجاوزها وتعديها،‬
                                      ‫ع‬
 ‫قال أهل العلم: من زعم أن ثمة طرقا أخرى للعبادات و َبَد اهلل بمستحسنات العقول، فقد قدح في‬
     ‫كمال هذا الدين وخالف ما جاء به المصطفى األمين، وكأنه يستدرك على الشريعة نقائص لم‬
 ‫يفطن إليها الشارع، قال مالك ـ رحمه اهلل ـ: "من ابتدع في اإلسالم بدعة يراها حسنة فقد زعم‬
                                 ‫مت ُ د ك‬
 ‫أن محمدا خان الرسالة ألن اهلل تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْ َلْ ُ لَكمْ ِينَ ُمْ [المائدة:3]. فما لم يكن يومئذ‬
                                                   ‫دينا، فال يكون اليوم دينا " أ. هـ كالمه ـ رحمه اهلل ـ.‬
  ‫إن االبتداع وتلمس المسالك والطرق التي لم تشرع معاندة للشرع ومشاقة له، وهو محض اتباع‬
 ‫الهوى: فَِن لمْ َسْتَ ِي ُواْ لَ َ فَاعْلمْ أ َّمَا يَّ ِ ُونَ أَهْ َاءهمْ َ َنْ أَض ُّ م َّنْ َّبَ َ هَ َا ُ ِغَيرِ ه ًى ّ َ‬
 ‫َل ِم ات ع و ه ب ْ ُد من‬                       ‫و ُ وم‬             ‫إ َّ ي ج ب ك َ َن َتبع‬
                                                                          ‫الظ لم‬              ‫يْ‬       ‫الل ِن الل‬
                                                           ‫َّهِ إ َّ َّهَ الَ َهدِى الْقَوْمَ َّاِ ِينَ [القصص:01].‬
   ‫ولئن قصد صاحب البدعة ببدعته التقرب إلى اهلل والمبالغة في التعبد، فليعلم أن في هذا مداخل‬
                                  ‫وإن‬
    ‫للشيطان عريضة في مسالك ملتوية ووسوسات مميلة، َّ قصداً في سنة خير من اجتهاد في‬
                                                                                                                      ‫بدعة.‬
 ‫أيها األخوة المؤمنون، ال شك أن من معاني الخير العظيمة المعجزة في هذا الدين أن بقي رونق‬
     ‫اإلسالم زاهيا ونوره مشرقا، بالرغم مما مر عليه طوال هذه السنين من حروب ومكائد خفية‬
  ‫وظاهرة، وكم هي كثيرة تلك األديان والعقائد التي لم تصمد أمام التاريخ فحرفت وتغيرت، لكن‬
       ‫اإلسالم ـ ما زال بحماية اهلل ـ نقيا صافيا، رغم دسائس األعداء من داخله وخارجه الذين‬
‫يريدون القضاء عليه بشتى الوسائل والمحاوالت، وإن من هذه الدسائس ما هو للقضاء على الدين‬
‫باسم الدين، وذلكم بأن تحدث أمور تزاد في الدين وهي ليست منه فهذه هي البدعة التي حذرنا اهلل‬
    ‫وَن ه ذ ص ط م ق م َاتبع ه و َتبع الس ُ َر بك ع سب له‬
    ‫منها وبين خطرها، َأ َّ َا َا ِرا ِي ُسْتَ ِي ًا ف َّ ِ ُو ُ َالَ تَّ ِ ُواْ ُّبلَ فَتَف َّقَ ِ ُمْ َن َ ِيِ ِ‬
   ‫ِم ت َنك من ُ فم‬                                                        ‫ل ُ َص ك ب َل ُ َتق‬
  ‫ذاِكمْ و َّا ُمْ ِهِ لَعَّكمْ تَّ ُونَ [األنعام:315]. ويقول ـ جل وعال ـ: فَإ َّا يَأْ ِيَّ ُم ّ ّى هدًى َ َن‬
                                                               ‫ْف ع ِ و ُ ْزن‬                           ‫ب ُد‬
                                               ‫تَ ِعَ ه َايَ فَالَ خَو ٌ َلَيْهمْ َالَ همْ يَح َ ُونَ [البقرة:83].‬
   ‫ويقول : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اهلل وسنتي))(4)[4]، ويقول محذرا‬
       ‫وموصيا: ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختالفا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين‬
    ‫المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات األمور فإن كل محدثة‬
                                                                         ‫بدعة، وكل بدعة ضاللة))(1)[1].‬
‫يقول عمر بن عبد العزيز: "سن رسول اهلل ووالة األمور من بعده ـ أي الخلفاء الراشدين ـ سننا‬
  ‫األخذ بها تصديق لكتاب اهلل واستعمال لطاعة اهلل وقوة على دين اهلل، ليس ألحد تغيير فيها، وال‬
 ‫النظر في رأي يخالفها، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين واله اهلل‬
                               ‫ما تولى، وأصاله جهنم وساءت مصيرا"ا.هـ كالمه ـ رحمه اهلل ـ.‬
                                       ‫ر‬
      ‫إخوة اإليمان، حين نتأمل هذه النصوص العظيمة وغي َها، نجد األمر واضحا باتباع الكتاب‬
    ‫والسنة والنهي ملزما االبتعاد عن االبتداع والمبتدعين، فالبدعة إذاً هي كل ما أحدث في الدين‬
          ‫وهو ليس منه وليس له دليل من كتاب اهلل وسنة رسوله أو خلفائه الراشدين وهي خاصة‬
‫بالعبادات، أما بالنسبة للعادات الدنيوية على اختالف أنواعها فهي مباحة؛ ألن األصل في العادات‬
 ‫والمنافع الحل إال ما ترتب عليه ضرر واستخدم في محرم أو جاء دليل على تحريمه، كما يجب‬
 ‫أن نعلم أن اإلحداث في الدين بدعة ولو مالت القلوب وأحبتها. ولقد ضلت أمم كثيرة ألنها فتحت‬
‫باب الهوى لنفسها في الدين لما رأى عمر بن الخطاب عن بعض الرهبان من النصارى وتزهدهم‬
  ‫وج ه‬
  ‫ورهبنتهم بكى، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكر ـ قوله تعالى ـ: ُ ُو ٌ‬
                                                          ‫ي م ِذ شعة ع م ة ن صبة ل ن ا ح مي‬
                                          ‫َوْ َئ ٍ خَا ِ َ ٌ َا ِلَ ٌ َّا ِ َ ٌ تَصَْى َارً َا ِ َةً [الغاشية7-4].‬
    ‫سك‬         ‫َه‬              ‫َ م زي ه س عمل ِ َ ه حس ً ِن الل ي ِل م ي وي ْد م ي‬
    ‫أفَ َن ُ ّنَ لَ ُ ُوء َ َِه فرَءا ُ َ َنا فَإ َّ َّهَ ُض ُّ َن َشَاء َ َه ِى َن َشَاء فَالَ تذْ َبْ نَفْ ُ َ‬
                                                                ‫ِن الل ع م ب ي ع‬                  ‫ع ِ حس‬
                                                    ‫َلَيْهمْ َ َراتٍ إ َّ َّهَ َلِي ٌ ِمَا َصْنَ ُون [فاطر:8].‬
‫إن غير سبيل المؤمنين نزعات وأهواء وضالل عن الجادة وشق لعصا الطاعة ومفارقة للجماعة.‬
‫فاتقوا هلل ـ عباد اهلل ـ واعلموا أن في ظهور البدع انطماسا لسنن، فالسعيد من عض على السنة‬
 ‫بالنواجذ فأحياها ودعا إليها واطمأن بها قلبه فرد اهلل به مبتدعا، وهدى به زائغا، وأنقذ به حائرا.‬
‫كتب عمر بن عبد العزيز ـ رحمه اهلل ـ إلى عدي بن أرطاة بشأن بعض القدرية فقال: "أوصيك‬
  ‫بتقوى اهلل واالقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت به سنة،‬
    ‫فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خالفها من الخطأ والزلل والحمق‬
   ‫والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم ألنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا،‬
    ‫وهم كانوا على كشف األمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى، فهم السابقون، تكلموا بما يكفي‬
                              ‫ص‬
      ‫ووصفوا ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد ق ّر فيهم قوم فجفوا، وتجاوز‬
                      ‫آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم" ا.هـ كالمه ـ رحمه اهلل ـ.‬
 ‫و َّذ ال‬               ‫ْ ِ َاتب ه و َت‬               ‫عل ر ع م‬               ‫ُم جع‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ث َّ َ َلْنَاكَ ََى شَ ِي َةٍ ّنَ األَمر ف َّ ِعْ َا َالَ تَّبِعْ أَهْ َاء ال ِينَ َ‬
    ‫ا وِن الظ لم ب ضه لي ب ْض َالله وِى ُتق ن‬                                   ‫ي ن ع ك م الل‬              ‫ي م ِن ُ‬
    ‫َعْلَ ُونَ إَّهمْ لَن ُغْ ُواْ َن َ ِنَ َّهِ شَيْئً َإ َّ َّاِ ِينَ َعْ ُ ُمْ أَوِْ َاء َع ٍ و َّ ُ َل ُّ الْم َّ ِي َ‬
                                                                                                  ‫[الجاثية:85، 35].‬
                                                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم..‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫الحمد هلل وحده والصالة والسالم على من ال نبي بعده.‬
                                                                                                                ‫أما بعد:‬
      ‫فاتقوا اهلل ـ عباد اهلل ـ واعلموا أن أحسن الحديث كتاب اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر‬
                                        ‫ة‬               ‫ة‬
‫األمور محدثاتها، وكل محدثة بدع ٌ وكل بدعة ضالل ٌ وكل ضاللة في النار، فاتبعوا ـ رحكم اهلل‬
 ‫ـ ما جاء في كتاب اهلل وسنة رسوله وال تبتدعوا فقد كفيتم، قال حذيفة بن اليمان : "كل عبادة لم‬
                                             ‫يد‬
                              ‫يتعبدها أصحاب رسول اهلل فال تتعبدوها فإن األول لم َ َع لآلخر مقاال".‬
     ‫وإننا حين نتحدث عن البدعة ونستعرض هذه النصوص وغيرها مما هو في كتاب اهلل وسنة‬
   ‫رسوله، لننظر بعين األسف والحسرة للحالة التي وصل إليها كثير من طوائف المسلمين، حيث‬
         ‫انتشرت البدعة فيهم، وأصبح لها أنصار وأتباع، بل ومع األسف علماء يسوغون ضاللها‬
                                                                                ‫ي و‬
  ‫و ُر ّجون لها تعصبا وعمى عن حقيقة هذا الدين وجوهره، فانتشرت البدعة لدى المسلمين فنتج‬
  ‫عنها تفرق المسلمين وشتات دينهم في نفوسهم حيث تحلقوا ببدع عليها يوالون ويعادون، ولذلك‬
‫فإنه يجب علينا أن نحذر ونحذر دائما من الوقوع في شرك االبتداع كما ضل كثير من الناس وأن‬
  ‫ال تأخذنا العاطفة في تقويم البدعة والحكم عليها، وأن يكون عالجنا لها مبنيا على حكمة وحسن‬
                                                                                                                 ‫توجيه.‬
                         ‫أ‬
    ‫جاء رجل إلى اإلمام مالك بن أنس ـ رحمه اهلل ـ فقال: من أين ُحرم للحج؟ قال: من حيث‬
    ‫أحرم رسول اهلل ، قال الرجل: فإن أحرمت قبل ذلك؟ قال: فال تفعل فقال الرجل: ما تكره من‬
  ‫ذلك؟ قال: أكره عليك الفتنة قال الرجل: وأي فتنة في أميال، أزيد بها من الخير فقال مالك: فإن‬
              ‫ْ َّذ ي لف ع ْر أ تص ب ُ ف ة يص ب ُ َ ب ل‬
            ‫اهلل تعالى يقول: فَلْيَحذَرِ ال ِينَ ُخَاِ ُونَ َنْ أَم ِهِ َن ُ ِي َهمْ ِتْنَ ٌ أَوْ ُ ِي َهمْ عذَا ٌ أَِيم‬
                          ‫ي‬            ‫خص‬
‫[النور:36]. وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك ُ ِصْت بفضل لم ُخص به رسول اهلل أو ترى أنه‬
                                                                                                         ‫قد قصر فيه.‬
            ‫فاتقوا اهلل ـ يرحمكم اهلل ـ وخذوا بالنهج األول وعليكم باالتباع وابتعدوا عن االبتداع.‬
                                                                                    ‫وصلوا وسلموا يا عباد اهلل...‬
                                                                           ‫__________‬
   ‫(5) سنن الدارمي ح (407) وذكر الحديث، وفي آخره قال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك‬
                                                                                      ‫ح‬
                                                 ‫ال ِلق، يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.‬
                          ‫ر‬
‫(7) المعجم الكبير للطبراني ح (2465)، ولفظه: ((ما بقي شيء يق ّب من الجنة ويباعد من النار‬
                                                                             ‫بي‬
                                       ‫إال وقد ُ ّن لكم)). وانظر السلسلة الصحيحة (3085).‬
‫(3) أخرجه مسلم ح (8525) بهذا اللفظ . ولفظ البخاري (2367): ((من أحدث في أمرنا هذا ما‬
                                                                           ‫د‬
                                                                        ‫ليس منه فهو ر ّ)).‬
                                                  ‫(4) صحيح، أخرجه الترمذي ح (8823).‬
‫(1) صحيح، أخرجه أحمد (4/675-275)، وأبو داود ح (2064)، والترمذي ح (6267) وقال:‬
                                                          ‫حسن صحيح، والدارمي ح (13).‬

‫(5/652)‬




                                                                               ‫تربية األبناء‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                           ‫األسرة والمجتمع‬
                                                                                     ‫األبناء‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                       ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                     ‫عنيزة‬
                                                                             ‫37/05/1545‬
                                                                               ‫جامع السالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- مداعبة رسول اهلل للعيال. 7- العدل بين األوالء. 3- الصدق في وعد األبناء. 4- رحمته‬
  ‫باألطفال وتقبيله لهم. 1- األمر بتربية األبناء. 6- جواز ضرب األبناء والموالي لتربيتهم. 2-‬
          ‫بيان عظيم مسئولية الوالدين في تربية أبنائهما. 8- خطر اإلعالم وقنواته على أبنائنا.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد :‬
                                                     ‫أيها الناس : اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه .‬
    ‫إخوة اإليمان ، لعلنا نقف بكم اليوم على مواقف من رسولنا الكريم وسلفنا الصالح ، في تربية‬
    ‫أبنائهم وشبابهم ، أولئك األبناء الذين مافتئوا بعد أن كبروا- بل وهم صغار- أن ظهرت ثمار‬
 ‫صالحهم في فتح الفتوحات وتدريس العلم وتدوينه وتسطير المواقف العظيمة في سجالت التاريخ‬
 ‫والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتْناهم من عملهم من شيء كل امرئ‬
                                                                 ‫بما كسب رهين .[الطور:57]‬
‫السلف رضوان اهلل عليهم وعلى رأسهم رسولنا هم قدوتنا في كل شيء ، ومنها التربية ، وقد ثبت‬
     ‫يقينا أنهم قد نجحوا في تربية أبنائهم ، وهذا ما رأيناه في أصحاب رسول اهلل من الفتيان من‬
   ‫عجائب وغرائب يقف لها التاريخ شاهدا على صدقها ، شباب ذللوا سبل المعالي ، عبد اهلل ابن‬
  ‫عمر، وعبد اهلل بن عباس، وعبد اهلل بن الزبير، وأسامة بن زيد كلهم من تربية مدرسة محمد ،‬
‫روى مسلم عن أنس قال : ((ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول اهلل ))، وعن أنس قال :‬
  ‫((كان رسول اهلل من أفكه الناس مع الصبي ))، وقد حث على العدل، حين قال : ((إن اهلل يحب‬
                    ‫أن تعدلوا بين أوالدكم كما يحب أن تعدلوا بين أنفسكم )). رواه الدارقطني .‬
     ‫ولقد اهتم اإلسالم بأن يكون األب في موضع القدوة من ابنه ، فالتميز الخلقي المتمثل بالقدوة‬
‫الصالحة هو من أكبر العوامل في التأثير على القلوب والنفوس ، وما أجدر الجيل اإلسالمي اليوم‬
     ‫، برجاله ، ونسائه ، وكباره ، وصغاره ، أن يفهموا هذه الحقيقة ، وأن يعطوا لغيرهم القدوة‬
 ‫الصالحة ليكونوا أقمار هداية وشموس إصالح ، ودعاة خير وحق ، وأسباب نشر وامتداد لرسالة‬
    ‫اإلسالم الخالدة ، ومن هنا كان حرص النبي على أن يظهر المربي أمام من يقوم على تربيته‬
 ‫بمظهر القدوة الصالحة في كل شيء حتى يتطبع الولد منذ نشأته على الخير ، ويتخلق منذ نعومة‬
                                                        ‫أظفاره على الصفات الفاضلة النبيلة .‬
‫روى أبو داود والبيهقي عن عبد اهلل بن عامر قال : ((دعتني أمي يوما ورسول اهلل قاعد في بيتنا‬
 ‫فقالت : يا عبد اهلل تعال حتى أعطيك ، فقال لها رسول اهلل :ما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أردت‬
‫أن أعطيه تمرا ، فقال : أما أنكِ لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة )) وعنه عليه الصالة والسالم‬
‫فيما رواه أحمد وغيره : ((من قال لصبي تعال هاك – أي خذ- ثم لم يعطه ، فهي كذبة))، تربية‬
‫على الصدق وعدم الكذب للطفل منذ صغره ، وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي‬
 ‫اهلل عنهما، أن أباه أتى به إلى رسول اهلل فقال : ((إني نحلت ابني هذا- أي أعطيته – غالما كان‬
 ‫لي ، فقال رسول اهلل : أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال : ال ، فقال رسول اهلل : فأرجعه ))، وفي‬
   ‫رواية ، فقال : (( اتقوا اهلل واعدلوا بين أوالدكم ؛ فرجع أبي فرد تلك الصدقة )) ، وفي رواية‬
   ‫أخرى قال رسول اهلل : ((يا بشير ألك ولد سوى هذا ، فقال :نعم ، أكلهم وهبت له مثل ذلك ،‬
                     ‫ه‬                                         ‫َ‬
                                                               ‫ن‬
 ‫فقال : ال ، قال : فال تشهد ّ إذن، إني ال أشهد على جور ، أو قال : أشَ ِْد على هذا غيري ، ثم‬
                        ‫قال : أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال :بلى ، قال: فال إذن )).‬
 ‫هذا هديه في غرس العدل في قلوب اآلباء من حوله ، ألن الظلم دائما وخصوصا من األب سبب‬
      ‫للخصومات ، ووجود الحقد مما يكون ثمرته ضياع األبناء ولو استحضرت في ذهنك صور‬
    ‫الخصومات والحقد بين اإلخوة لرأيته ثمرة لعدم العدل ، ولقد نبه عن طريق صنيعه بضرورة‬
  ‫الرحمة باألبناء وعدم القسوة وذلك فيما روي في الصحيحين عن عائشة رضي اهلل عنها قالت :‬
                                                                                 ‫ب‬
  ‫((ق ّل رسول اهلل الحسن والحسين ابني علي رضي اهلل عنهم ، وعنده األقرع بن حابس التميمي‬
‫فقال األقرع : إن لي عشرة من األوالد ما قبلت منهم أحدا قط ، فنظر إليه رسول اهلل ثم قال : من‬
 ‫ال يرحم ال يرحم )) وفي الصحيحين كذلك عن عائشة رضي اهلل عنها قالت : ((جاء أعرابي إلى‬
      ‫رسول اهلل فقال : إنكم تقبلون الصبيان ، وما نقبلهم ، فقال رسول اهلل : أو أملك أن نزع اهلل‬
 ‫الرحمة من قلبك )) ومتى نزعت- إخوة اإليمان- الرحمة من قلب المرء أبا أو أما أو قريبا فهل‬
   ‫تنفع التربية مع الولد ؟ أو التلميذ ؟ هل يتقبل منه موعظة أو نصحا ؟ وما نصح أحد من راحم‬
                                                            ‫بمن ضل أو أوشك على الضالل .‬
‫لقد كان مثال مجسدا للرحمة باألبناء ، روى الترمذي وغيره عن عبدا هلل بن بريدة عن أبيه رضي‬
 ‫اهلل عنهما قال : رأيت رسول اهلل وهو يخطب فجاء الحسن والحسين رضي اهلل عنهما ، وعليهما‬
       ‫قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل النبي ، فحملهما ووضعها بين يديه ثم قال إنما‬
‫أموالكم وأوالدكم فتنة ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي‬
                                                                                   ‫ورفعتهما .‬
 ‫وروى النسائي والحاكم : (( بينما كان رسول اهلل يصلي بالناس ، إذ جاءه الحسين ، فركب عنقه‬
  ‫وهو ساجد فأطال السجود بالناس ، حتى ظنوا أنه قد حدث أمر ، فلما قضى صالته ، قالوا : قد‬
  ‫أطلت السجود يا رسول اهلل ، حتى ظننا أنه حدث أمر ، فقال : إن ابني قد ارتحلني – أي صعد‬
      ‫على ظهري ، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ))، وجاء في اإلصابة أنه كان يداعب‬
‫الحسن والحسين رضي اهلل عنهما فيمشي على يديه وركبتيه ويتعلقان به من الجانبين فيمشي بهما‬
‫، ويقول : (( نعم الجمل جملكما ، ونعم العدالن أنتما )) وفي الصحيحين عن أنس أن النبي قال :‬
      ‫(( إني ألدخل في الصالة وأنا أريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صالتي – أي‬
                                                         ‫م‬
‫أختصر – مما أعلم من وَجْد أ ِه من بكائه )) وكان كما ورد في الصحيحين إذا مر على الصبيان‬
                                                                        ‫يسلم عليهم ويحادثهم .‬
     ‫هذه نماذج من رحمة النبي باألوالد والصبيان ، كان عليه الصالة والسالم يفعلهما ولم تشغله‬
 ‫مشاغله الكثيرة ، وأعباء الدعوة وهمومها عن كل ذلك ، فأي رحمة أعظم من هذه الرحمة فعلها‬
‫عليه الصالة والسالم وهو يعلم أثرها في تربية الولد ومحبته ، ولكنه مع هذه الرحمة العظيمة بهم‬
  ‫فقد أمر بتأديب الولد وحضه على حسن الخلق ، فقد روى الترمذي أن رسول هلل صلى هلل عليه‬
 ‫وسلم قال: ألن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع أي حينما تؤدبه في وقت ما أفضل‬
 ‫من تصدقك بصاع في ذلك الوقت ، ويقول : (( من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه )) إذا فتأديب‬
 ‫األطفال مطلوب ، وحضهم على فعل الخير مرغوب ، وإبعادهم عن مواطن الشر هو الحصن له‬
 ‫من الضياع والفساد ، روى اإلمام أحمد في مسنده عن عم أبي رافع بن عمرو يقول عن نفسه :‬
   ‫(( كنت وأنا غالم أرمي نخال لألنصار فأتي النبي فقيل له إن ها هنا غالما فأتي بي إلى النبي‬
                                                                         ‫ِم‬
‫فقال : يا غالم ل َ ترم النخل ؟ قال : قلت آكل ، قال : ال ترمي النخل، وكل مما يسقط في أسافلها‬
  ‫ثم مسح رأسي ، وقال اللهم أشبع بطنه ))، إذا فوقوع األطفال الصغار في الخطأ غير المقصود‬
  ‫وارد ، ولذلك فيجب عالجه وعدم إهماله ، ومع األسف أننا نرى كثير من اآلباء والمربين اليوم‬
    ‫إما أن يتشددوا على الطفل عند وقوعه في الخطأ فيخرجهم عن التربية الشرعية ، أو يهملون‬
‫الصغير إذا أخطأ ولو كان خطؤه مؤذيا ، وهذا فيه إفساد ألخالق الصبي فإن التأديب للصغير ولو‬
 ‫كان بالضرب غير المبرح مؤثر على الصغير وال ينساه فقد قال : (( اضربوهم عليها وهم أبناء‬
    ‫عشر ))، أي على من تخلف عن الصالة ، ويقول فيما رواه أحمد في مسنده : (( وأنفق على‬
                            ‫ُه‬  ‫خ‬
‫عيالك من طولك – أي من قدرتك – وال ترفع عصاك أدبا وأ ِفْ ُم في اهلل )) وروى البخاري في‬
‫األدب عن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل أمر بتعليق السوط في البيت ، وروى الحاكم‬
    ‫أن رسول اهلل خرج في عمرة وكان معه أبو بكر وبعض من الصحابة وكان أبو بكر قد كلف‬
‫غالما له بزاملة رسول اهلل فنزل رسول اهلل في مكان في الطريق ومعه هؤالء الصحابة وقد تأخر‬
 ‫الغالم ثم حينما ظهر إذا به لوحده ، فقام إليه أبو بكر وكان محرما ، فقال له : أين البعير ؟ فقال‬
 ‫: أضلني يا أبا بكر ، فأخذ أبو بكر يضرب الغالم والرسول ينظر ، ويقول : (( انظروا إلى هذا‬
                                                                                      ‫م‬
                                  ‫ال ُحْرم يؤدب غالمه وكان ينظر مبتسما )) وهذا منه إقرار .‬
     ‫إخوة اإليمان: وإذا نظرنا إلى هدي النبي وصحابته الكرام في تربيتهم للبنات ، نجد أنهم أشد‬
      ‫اهتماما في إعدادهن كأمهات مربيات صالحات ، في تعويدهن على الحياء ، وعدم مخالطة‬
 ‫الرجال وحرصهن على العلم والذكر ، ويكفي أن نقلب السير لما كانت عليه الحال لنساء المدينة‬
   ‫وقت النبي والصحابة الكرام من بعده ، حتى نتعرف مدى ما كن عليه من تقوى وورع وحياء‬
 ‫وتربية لألوالد بل وللرجال ، انظروا مثال إلى سيرة فاطمة رضي اهلل عنها بنت رسول اهلل حتى‬
    ‫تروا تربيته عليه الصالة والسالم لها ، وكذلك أسماء بنت أبي بكر، وأمامة بنت أبي العاص،‬
  ‫وغيرهن من الصحابيات رضوان اهلل عليهن ، نقول هذا لمن أهمل بناته أو أساء معاملتهن حتى‬
                                                              ‫ينتبهوا ألعراضهن من خاللهن .‬
              ‫م‬                                ‫وهي مسئولية على عاتق كل أب أو أم أو مرب‬
       ‫ٍّ أو مربية ، بل هو تكليف رباني ح ّله اهلل‬
    ‫للمسؤول عن األبناء والبنات ، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم‬
 ‫وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها مالئكة غالظ شداد ال يعصون اهلل ما أمرهم ويفعلون‬
                                                                      ‫ما يؤمرون .[التحريم:6]‬
           ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم.‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                                                                        ‫الحمد هلل على إحسانه …‬
‫أما بعد : أيها اإلخوة المسلمون : اتقوا اهلل تعالى ، واعلموا أن هذه النماذج السابقة من تربية النبي‬
   ‫وصحابته الكرام لألوالد إنما تبين المسؤولية العظمى التي تقع على اآلباء والمربين في التربية‬
  ‫ل‬
‫والتعليم ألبنائهم وبناتهم ، إن المتطلع إلى مجتمعنا اليوم ليرى أحواال ألوالدنا ما كنا نعرفها قب ُ ،‬
  ‫وال توافق ما قرأناه من نماذج رائعة ، الميوعة الزائدة والتفنن بأنواع المالبس وتزيين السيارات‬
 ‫أصبحت طابعا وهما لبعض الشباب ، وكذلك بناتنا الالتي أصبحن سيعنين وتعلقهن باألسواق وما‬
 ‫ينزل فيها من موضات وتسريحات أو ما هبط في المجالت ، وأما ما تميز به بعض الشباب فهو‬
                                           ‫اإليذاء لآلخرين والسهر حتى الفجر وضياع األوقات .‬
‫إن كل هذه األحوال والمظاهر لدى أبنائنا وبناتنا مع األسف في هذا المجتمع المسلم ، وال يستطيع‬
  ‫أحد إنكارها ال ألقي بالالئمة وحدها على األب والمربي في اتجاه كثير من أبنائنا وبناتنا إلى تلك‬
 ‫المظاهر ، ولكنني أوجه اللوم أيضا إلى بعض وسائل اإلعالم ، كالقنوات الفضائية ، تلك القنوات‬
                                ‫التي نوفرها في بيوتنا وبأموالنا ثم تشترك معنا في تربية أوالدنا.‬
  ‫إن نظرة واحدة لبرامج هذه القنوات ، وما يعرض فيها من تضييع لألخالق ، وتعليم للمساوئ ،‬
                                          ‫ف‬
  ‫وتعويد على أخالق وعادات الغير ، كل ذلك كا ٍ حتى نعلم مدى الخطر الكبير الذي يؤثر على‬
     ‫الجميع ، لقد أصبح اإلعالم وبتلك القنوات اليوم يشترك مع اآلباء والمربين في التربية وهكذا‬
 ‫ضاع توجيه األب واألم ونصح المدرس المربي ، بل ويضيع مع ذلك الدين بالجلسات بالساعات‬
                                         ‫الطويلة أمام هذه المقتنيات اإلعالمية والقنوات الفضائية.‬
       ‫إن المقلب لهموم الشباب واألوالد اليوم ليجدها بعيدة كل البعد عن هموم صحابة رسول اهلل‬
                                   ‫ت ي‬
‫وأبنائهم ، كما رأينا تربيتهم فهم شبابنا، إما في ملبسه و َز ُنه، أو في الكرة ونواديها التي أصبحت‬
   ‫تأخذ كل أوقاتهم أو غير ذلك من الملهيات ، إن المسؤولية العظيمة تقع عليك أيها األب في كل‬
      ‫ذلك ولو قلبت في أحوالك وأمورك لوجدت أنك مقصر كثيرا تجاه بيتك وأسرتك ، أليس من‬
‫العيب مثال أن ترى بعض اآلباء يسهرون إلى أواخر الليل كل يوم في حوش أو مجلس أمام ورقة‬
    ‫يقتلون فيها الوقت ، أو جلسة قيل وقال ، واألطم من ذلك أمام هذه الصحون الفضائية المسماة‬
 ‫بالدش ، ثم أليس من العيب والخطر أن ترى بعض اآلباء يهملون تربية أوالدهم ومحاسبتهم على‬
   ‫الخطر ولو عرفوه، كل ذلك بدافع عدم تخويف الولد وتعقيد نفسيته ، ثم يستفحل األمر بعد ذلك‬
    ‫والت حين مندم ، أليس من الخطأ إخوة اإليمان أن نرى أبناءنا وبناتنا يصاحبون كل من هب‬
                                                                     ‫ودب ، وال ننبههم إلى ذلك .‬
   ‫إن كثيرا من المشاكل التي يقع فيها أوالدنا يجد المتأمل فيها أن صديق السوء أو صديقة السوء‬
 ‫خلفها ، إن األب إذا لم يقم على مراقبة أهليه وأوالده وتربيتهم تربية صالحة فمن الذي يقوم عيها‬
      ‫؟ هل يقوم عليها أباعد الناس ، أو يترك هؤالء األوالد واألغصان الغضة تعصف بها رياح‬
  ‫األفكار المضللة واالتجاهات المنحرفة واألخالق الهدامة فينشأ من هؤالء جيل فاسد ال يرعى هلل‬
 ‫وال للناس حرمة ، وال حقوقا ، جيل فوضوي متهور ال يعرف معروفا وال ينكر منكرا ، متحرر‬
‫من كل رق إال من رق الشيطان ، منطلق من كل قيد إال قيد الشهوة والطغيان ، نعم البد أن تكون‬
                                              ‫هذه هي النتيجة إال أن يشاء اهلل ويرعى ذلك الولد .‬
‫إن بعض الناس يقول معتذرا أنا ال أستطيع تربية أوالدي إنهم كبروا أو تمردوا علي ولو سلمنا له‬
 ‫بهذا ، ولو سلمنا له جدال أو حقيقة واقعة ثم فكرنا لوجدنا أنك أنت أيها األب والمربي السبب في‬
   ‫سقوط هيبتك في نفوسهم ، ألنك أضعت أمر اهلل فيهم في أول أمرهم ، فتركتهم يتصرفون كما‬
‫يشاءون ال تسألهم عن أحوالهم وال تأنس باالجتماع إليهم ، ال تجتمع معهم على طعام أو غير ذلك‬
‫، فتقع الجفوة بينك وبين أوالدك فينفروا منك وتنفر منهم ، فكيف تطمع بعد ذلك أن ينقادوا لك أو‬
  ‫يأخذوا بتوجيهاتك بل إلى من يلجئوا حينما يقعون في مشكلة وقعوا فيها أو مصيبة جروا إليها ،‬
 ‫لو أن اآلباء اتقوا اهلل في أول أمرهم وقاموا بتربية أبنائهم وبناتهم على الوجه الذي يرضي اهلل ،‬
  ‫ا‬
  ‫ألصلح اهلل لك أمر الدنيا واآلخرة ، يقول تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل وقولوا قوالً سديدً‬
               ‫يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اهلل ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً .‬

‫(5/252)‬




                                                                        ‫وقفات مع غزوة األحزاب‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                           ‫غزوات‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                             ‫عنيزة‬
                                                                                     ‫75/8/1545‬
                                                                                      ‫جامع السالم‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- بين يدي غزوة األحزاب. 7- بشارة اهلل أثناء حفر الخندق بفتح بالد الروم والفرس. 3-‬
    ‫ظهور خور المنافقين. 4- مؤامرة اليهود وقبائل العرب ضد المسلمين. 1- قصة حذيفة يوم‬
 ‫الخندق. 6- المالئكة والمسلمون يتوجهون لغزو بني قريظة. 2- مكر اليهود السيء يحيق بهم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد :‬
                                                                                  ‫أيها الناس :‬
                                                                              ‫اتقوا اهلل تعالى :‬
                                 ‫ضم اإلله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد‬
                                 ‫نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل واألوثان في األرض تعبد‬
                                       ‫م‬
‫هناك عظماء كثيرون يقرأ الناس قصص حياتهم ليتعل ّوا من عناصر القوة والنبو فيها وليتابعوا‬
  ‫بإعجاب مسالكها في الحياة ومواقفها إزاء ما يعرض لها من مشكالت وصعاب فكيف إذا كانت‬
    ‫هذه المواقف شرعا منزال من اهلل سبحانه وتعالى إنها سيرة محمد التي نقف عليها وإن أطلنا‬
   ‫الوقوف حتى نستلهم منها العبر ونأخذ الدروس ونقف اليوم مع غزوة األحزاب التي وقعت في‬
      ‫شوال من السنة الخامسة للهجرة وحصلت هذه الغزوة بعد أن أيقنت طوائف الكفار أنها لن‬
  ‫تستطيع مغالبة اإلسالم إذا حاربته كل طائفة لوحدها وأنها ربما تبلغ أملها إذا رمت اإلسالم عن‬
‫قوس واحدة، وسعت يهود وخططت فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان‬
                                                                                 ‫ُر‬
                                                                         ‫وبنجد وم ّة وأشجع.‬
    ‫ولما سمع بهم رسول اهلل اجتمع مع المسلمين للتشاور وكل أشار برأي إال أن سلمان الفارسي‬
                                                ‫أشار بحفر خندق حول سهل المدينة يصد‬
‫ُّ عنها كل مغير عليها وضرب الخندق على المدينة فعمل‬
    ‫فيه رسول اهلل ترغيبا للمسلمين في األجر وعمل معه المسلمين فشهدت المدينة منظرا عجبا،‬
                  ‫ر‬
       ‫وجوها ناصعة تتألف منها فرق شتى تضرب بالفؤوس وتحمل التراب وتتع ّى من لباسها‬
‫وزينتها، لتلبس حلال من نسج الغبار المتراكم والعرق واللغوب، قال البراء بن عازب في الحديث‬
                      ‫اغب‬
      ‫الذي أخرجه الشيخان كان رسول اهلل ينقل التراب يوم الخندق حتى َّر بطنه وهو يقول:‬
                                                ‫واهلل لوال اهلل ما اهتدينا وال تصدقنا وال صلينا‬
                                                 ‫فأنزلن اهلل سكينة علينا وثبت األقدام إن القينا‬
                                                     ‫إن األولى بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا‬
 ‫يقول البراء ولقد وارى عنا التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر وكان الفصل شتاء والجو باردا‬
‫وهناك أزمة في األقوات تعانيها المدينة التي توشك أن تتعرض لحصار عنيف ، وعاقت المسلمين‬
                                                        ‫م‬      ‫ر‬
     ‫في حفرهم الخندق صخ ٌة عظي ٌة كسرت معاولهم فجاء النبي وأخذ من الصحابة المعول ثم‬
                   ‫و‬
  ‫ضرب الصخرة ضربة صدعتها وتطاير منها شرر أضاء خاللها هذا الج ّ الداكن وكبر رسول‬
‫اهلل وكبر المسلمون معه ثم ضربها الثانية فكبر ثم الثالثة كذلك ونظر النبي إلى صحبه وقد أشرق‬
    ‫في نفسه الكبيرة شعاع من األشعة الغامرة واألمل الحلو، فقال: لقد أضاءت لي األولى قصور‬
  ‫الحيرة ومدائن كسرى وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وفي الثانية أضاءت لي القصور‬
      ‫الحمر من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها وأضاءت لي الثالثة قصور‬
              ‫د‬
       ‫صنعاء وأمتي ظاهرة عليها فأبشروا، واستبشر المسلمون وقالوا الحمد هلل موعو ٌ صادق .‬
 ‫ولما فر رسول اهلل من الخندق أقبلت األحزاب في جمع كبر قريش في عشرة آالف من رجالها‬
  ‫ومن تبعهم من كنانة وتهامة وغطفان في طليعة قبائل نجد وبرز المسلمون بعدما جعلوا نساءهم‬
   ‫وذراريهم فوق اآلطام الحصينة ثم انتشروا على حدود مدينتهم مسندين ظهورهم إلى جبل سلع‬
‫وبلغت عدتهم في هذه المعركة نحو ثالثة آالف مقاتل ولما انسابت األحزاب حول المدينة وضيقوا‬
  ‫عليها الخناق لم تظهر نفوس المسلمين شعاعا بل جابهوا واقعهم وهم وطدوا األمل في غد كريم‬
  ‫ولما رأى المؤمنون األحزاب قالوا هذا ما وعدنا اهلل ورسوله وصدق اهلل ورسوله وما زادهم إال‬
                                                                         ‫ا‬
     ‫إيماناً وتسليمً وهنا وفي ظل مثل هذه األزمات يبدأ الواهنون المرتابون والمخذلون ومرضى‬
                                                                    ‫د‬
 ‫القلوب بالعمل فلقد تن ّروا بأحاديث الفتح وظنوها أماني المغرورين وقالوا عن رسول اهلل يخبركم‬
       ‫أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنتم تحفرون الخندق ال تستطيعون أن‬
‫تبرزوا، وفيهم قال اهلل تعالى : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا اهلل ورسوله‬
                       ‫ا‬
‫إال غروراً .[األحزاب: 75] وهؤالء أيضا هم الذين كانوا يتسللون لواذً من العمل في حفر الخندق‬
                                                                   ‫ويذهبون بغير إذن من النبي‬
       ‫إخوة الدين والعقيدة: إن معركة األحزاب ليست معركة خسائر فقتلى الفريقين من المؤمنين‬
                                                                            ‫د‬
‫والكفار يع ّون على األصابع ومع هذه الحقيقة فهي من أهم المعارك في تاريخ اإلسالم فلقد أمسى‬
 ‫المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليال أو نهارا وكان‬
  ‫المشركون يدورون حول المدينة غضبا من هذه المكيدة ويقفون عليها قائلين واهلل إن هذه لمكيدة‬
  ‫ما كانت العرب تكيدها وعرف المسلمون ما يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا أن يرابطوا‬
  ‫في مكانهم ويتحملوا ألواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والخيل وتتسع ثغورها يوما بعد يوم،‬
     ‫وهم كما وصف اهلل تعالى إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت األبصار وبلغت‬
   ‫القلوب الحناجر، وتظنون باهلل الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزاالً شديداً .[األحزاب:‬
                              ‫متفر‬
       ‫05/55] وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة ِّجين فخرج عمرو بن عبد ود‬
      ‫وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وتيمموا مكانا ضيقا من الخندق وضربوا خيلهم‬
                               ‫علي‬                   ‫د‬
      ‫فاقتحمته فأسرع فرسان المسلمين يس ّون هذه الثغرة وقاتل ٌّ عمرو بن عبد ود فقتله بعد‬
      ‫مبارزة شديدة بينهما ولما واجهوا ذلك فر الباقون عائدين إلى خارج المدينة وفي هذه اآلونة‬
       ‫العصيبة جاءت األخبار أن بنى قريظة نقضوا معاهدتهم مع رسول اهلل وانضموا إلى كتاب‬
                    ‫ي‬                                ‫ح‬
   ‫األحزاب التي تحدق بالمدينة أن ُيي بن أخطب جاء إلى كعب بن أسد س ّد قريظة وقرع عليه‬
    ‫بابه فرفض أن يفتح له كعب فصرخ به حيي ويحك افتح لى فقال له كعب إنك امرؤ مشؤوم،‬
 ‫وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه وفاء وصدقا قال له حيي بعد أن‬
    ‫فتح له: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام قال : وما ذاك ؟ قال : جئتك بقريش على‬
 ‫سادتها وقادتها وبغطفان وقد عاقدوني وعاهدوني على أن ال يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن‬
    ‫معه فقال له كعب: جئتني واهلل بذل الدهر وبجهام قد هرق ماءه فهو يرعد ويبرق وليس مني‬
                       ‫ح‬
‫شيء، دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إال وفاء وصدقا، ولكن ُييا لم يزل بهم يزين لهم‬
   ‫الغدر في هذه الساعة الحرجة حتى مزقوا الوثيقة التي بينهم وبين النبي ولما بعث لهم سعد بن‬
 ‫معاذ ليستطلع األمر قالوا له : من رسول اهلل ؟ ال عهد بيننا وبين محمد وحاول سعد أن يذكرهم‬
 ‫بعقدهم فتصاموا عنه فلما خوفهم عقبى الغدر وذكر لهم مصير بني النضير شتموه بأقبح الشتائم،‬
       ‫ووجم المسلمون حين عادت رسلهم تحمل هذه األنباء المقلقة وأحاط المشركون بالمسلمين‬
       ‫ن‬
    ‫وحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، ولما اشتد البالء نافق ناس كثير وأتى العدو المسلمي َ من‬
    ‫فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال‬
‫معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن ننال كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم ال يأمن على نفسه أن‬
‫يذهب إلى الغائط وحتى قال أوس بن قيظي : يا رسول اهلل إن بيوتنا عورة من العدو فائذن لنا أن‬
   ‫نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة ولما رأى رسول اهلل ما بالناس من البالء والكرب‬
    ‫جعل يبشرهم ويقول : (( والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وإني ألرجو أن‬
   ‫أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع اهلل إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن اهلل كسرى وقيصر ولتنفقن‬
                                            ‫كنوزهما في سبيل اهلل )) أخرجه البخاري ومسلم.‬
      ‫وتشجع صحابة رسول اهلل للمقاومة وهكذا تختلف طبائع النفوس وتتفاوت تفاوتا كبيرا لدى‬
      ‫األزمات والتضيقات منها الهش الذي سرعان ما يذوب ويحمله التيار معه كما هي ويصاب‬
  ‫بالفتور ويضع أمامه العوائق الوهمية تحمله المياه الغثاء واألوصال ومنها الصلب الذي تمر به‬
 ‫العواصف المجتاحة فتنكر حدتها على متنه وتتحول زبدا، أجل، من الناس من يهجم على الشدائد‬
                                                                  ‫وعلى لسانه قول الشاعر :‬
                                      ‫تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما‬
                                                   ‫لب ل‬
‫ومنهم من إذا مسه الفزع طاش ُّه فوّى األدبار باألعذار وأوغل في الفرار ويزرع الشك والسب‬
                                                                     ‫إعذارا لموقعه الدنيء .‬
‫إخوة اإليمان وأقام رسول اهلل وأصحابه فيما وصف اهلل من الخوف والشدة وأصيب سعد بن معاذ‬
                                    ‫ليمر‬
 ‫بسهم قطع منه عرق األكحل، ونقل إلى خيمة بالمسجد َّض، قال حذيفة ابن اليمان رأيتنا ليلة‬
‫األحزاب ونحن قعود وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت‬
   ‫َُ‬
   ‫جن‬
  ‫علينا ليلة قط أشد ظلمة وال أشد ريحا منها ما يستطيع أحدنا أن يرى إصبعه ولم يكن معي َ ّة‬
                  ‫م‬
 ‫من العدو وال من البرد إال مرط المرأتي ال يجاوز ركبتي فقال رسول اهلل َنْ رجل يقوم فينظر‬
  ‫ما فعل القوم ثم يرجع ؟ أسأل اهلل تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ؟ فما قام رجل من القوم من‬
      ‫شدة الخوف والجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول اهلل فلم يكن لي بد من القيام حين‬
       ‫دعاني وقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ؟ فذهب فدخلت في القوم‬
     ‫والريح وجنود اهلل تفعل بهم ما تفعل ال تقر لهم قدرا وال نارا وال بناء فقام أبو سفيان فقال يا‬
    ‫معشر قريش إنكم واهلل ما أصبحتم بدار مقام قد هلك الكراع والخف وأخلتنا بنو قريظة وبلغنا‬
  ‫عنهم الذي نكره فارتحلوا فإني مرتحل، وكان نعيم بن مسعود من عطفان قد أسلم أثناء الحصار‬
  ‫وجاء إلى النبي فأوصاه النبي أن يكتم إسالمه وأن يذهب إلى المشركين وبني قريظة لينخل فيما‬
  ‫ف ْم‬
  ‫بينهم واستطاع بذكائه أن يفعل بهم األفاعيل وعرف له ذلك اليوم وهكذا أفلح المسلمون في َص ِ‬
                                                                                 ‫ع‬
    ‫ُرى التحالف بين األحزاب المجتمعة حتى دب القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين وطلع‬
                ‫النهار وظاهر المدينة خالء وارتحلت األحزاب وانفك الحصار وعاد األمن وأهم‬
      ‫ُّ من ذلك أن‬
  ‫اإليمان الصادق نجح في هذه المحنة وهتف رسول اهلل ال إله إال اهلل وحده، صدق وعده، ونصر‬
      ‫عبده ،وأعز جنده وهزم األحزاب وحده، وقال : كذلك اآلن نغزوهم وال يغزوننا ولما عادت‬
‫حشود األحزاب تحمل معها الفشل والخيبة بقي اليهود وبقيت معهم غدرتهم التي فضحت طواياهم‬
   ‫وكانت مشاعر الغيظ والبغض في أفئدة المسلمين نحو أولئك اليهود قد بلغت ذروتها، ولما كان‬
‫الظهر أتى جبريل رسول اهلل فقال : أوقد وضعت السالح يا رسول اهلل ؟ قال : نعم . فقال جبريل‬
‫: فما وضعت المالئكة بعد إن اهلل عز وجل يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فأذن بالناس من كان‬
                                                                  ‫سامعا مطيعا فال يصلين‬
         ‫َّ العصر إال ببني قريظة، وأتى رسول اهلل بني قريظة، ونزل عند‬
      ‫حصونهم وتالحق به الناس وحاصرهم رسول اهلل خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار‬
‫وقذف اهلل في قلوبهم الرعب، وعرض كعب بن أسد سيدهم عليهم ثالثة حلول فقال يا معشر يهود‬
   ‫قد نزل بكم من األمر ما ترون وإني أعرض عليكم أن نتابع هذا الرجل ونصدقه فواهلل لقد تبين‬
        ‫لكم إنه لنبي مرسل وإنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم‬
                             ‫م‬
‫ونسائكم ، قالوا : ال نفارق حكم التوراة أبدا، قال إذا أبيتم علي فهل ّ نقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج‬
 ‫إلى محمد وأصحابه فنقاتلهم ال نخشى شيئا وراءنا قالوا فما خير العيش بعد أبناءنا ونسائنا قال :‬
 ‫فإن أبيتم فإن الليلة سبت وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا منها فانزلوا لعلنا نصيب منهم‬
  ‫غرة قالوا : نفد سبتنا فقال لهم : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما، وحاول‬
‫بنو قريظة أن يظفروا بالصلح بيد أن المسلمين أبو عليهم إال أن يسلموا دون قيد أو شرط لجرمهم‬
                                     ‫وغدرهم الشائن ثم قرروا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.‬
   ‫ولم ينس سعد حينذاك كيف نقضت قريظة عهدها واستقبلته باأللفاظ البذيئة عندما ذهب يناشدهم‬
   ‫الوفاء وحكم سعد أن يقتل الرجال المقاتلين وتسبى الذرية وتقسم األموال فقال له رسول اهلل لقد‬
‫حكمت فيهم بحكم اهلل من فوق سبع سماوات ونفذ فيهم الحكم أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ورد‬
            ‫ا‬                                               ‫ا‬
‫اهلل الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرً وكفى اهلل المؤمنين القتال وكان اهلل قوياً عزيزً وأنزل الذين‬
   ‫ا‬
   ‫ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقً‬
            ‫ا‬
 ‫وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها وكان اهلل على كل شيء قديرً .[األحزاب:‬
                                                                                       ‫27:17]‬
‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات و الذكر الحكيم أقول قولي‬
                                   ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
 ‫الحمد هلل أمرنا بطاعته واتباع رسوله،ونهانا عن اتباع أهوائنا والقول عليه بال علم، وأشهد أن ال‬
‫إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل (( إياكم ومحدثات األمور فإن‬
    ‫كل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة )) صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .‬
                                                                                      ‫أما بعد :‬
         ‫أيها اإلخوة المؤمنون : اتقوا اهلل تعالى واعلموا أن غزوة األحزاب التي مرت على النبي‬
‫وصحابته الكرام كانت أزمة مرت بهم لم يمر بهم أشد منها في المدينة حتى بلغت القلوب الحناجر‬
    ‫كما وصف اهلل تعالى ولذلك فإنه في مثل هذه األزمات يظهر النفاق وجهه الحقيقي في مجابهة‬
     ‫الدعوة إلى اهلل ومقاومة أهلها وأوليائها وأما الصحابة المخلصون فقد ثبتهم اهلل تعالى في هذا‬
                                                    ‫الموقف العصيب الذي مر بهم في المدينة .‬
‫أما اليهود فإن تاريخ اإلسالم حافل بكل ما هو شر وحقد على اإلسالم وأهله فانظروا إخوة اإليمان‬
 ‫ماذا فعلوا بالنبي في أحلك الظروف وأشدها تأزما هذه خالل اليهود، يسفهون إذا وجلوا ليستفيدوا‬
      ‫منها وحدهم ال لشيء آخر أما العهود فهي آخر شيء في الحياة يقفون عنده أو تحقق لهم ما‬
       ‫أرادوا من نيات خبيثة بالرسول وصحابته، كان ألوف المسلمين هلكى تحت أقدام األحزاب‬
 ‫المنسابة من كل ناحية، يحرضهم ويؤازرهم أولئك اليهود ولكن اهلل سلم ولقد كان مجمع األحزاب‬
 ‫حول المدينة أصال بسعي حثيث من زعماء اليهود حيي بن أخطب وسالم بن أبي الحقيق، ذهبوا‬
     ‫إلى مكة وشجعوهم على غزو المدينة وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله وقالت لهم‬
                      ‫ن‬
 ‫قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب األول والعمل بما بيننا وبين محمد أفديُنَا خير أم دينه قالوا‬
 ‫بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا فاجتمعوا لذلك‬
  ‫وقالوا مثل ذلك لغطفان فشجعوهم على حرب النبي وفيهم يقول اهلل تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا‬
                                                                                 ‫ا‬
 ‫نصيبً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤالء أهدى من الذين ءامنوا‬
                                                                                          ‫ال‬
      ‫سبي ً أولئك الذين لعنهم اهلل ومن يلعن اهلل فلن تجد له نصيراً .[النساء:51/71] إن اليهود ال‬
                                                                               ‫خس‬
   ‫يدعون َّتهم أبدا وال يرعون المواثيق إال إذا كانت متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم فإذا ذهب‬
                                    ‫ومد‬
                          ‫ذلك نبذوا تلك العهود وغدروا بالمسلمين وبمن وثق بهم َّ لهم يده .‬
                                            ‫هذا وصلوا وسلموا يا عباد اهلل على من أمركم اهلل .‬
‫(5/852)‬




                                                                         ‫الصالة وعظم مكانتها‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                                            ‫فقه‬
                                                                                        ‫الصالة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                                ‫المدينة المنورة‬
                                                                                           ‫قباء‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
      ‫أعظم شعب اإليمان بعد التوحيد : الصالة – آخر وصاياه صلى اهلل عليه وسلم الصالة وكذا‬
                                     ‫ح‬
      ‫أوصى بها عمر رضي اهلل عنه وهو ينازع الموت – ِكَم الصالة وأسرارها - ذنب إبليس‬
                                        ‫ح‬
          ‫عصيان األمر بالسجود ومشابهة تارك الصالة له – ُكم تارك الصالة واألدلة على ذلك‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                        ‫ر‬
   ‫أما بعد: فإن اهلل تعالى لم يفرض من شعب اإليمان وشرائع اإلسالم أم ًا أعظم بعد التوحيد من‬
‫الصالة، فالصالة هي أعظم شعب اإليمان وأركان اإلسالم بعد التوحيد وهى عمود الدين كما أخبر‬
                                          ‫ن‬
  ‫بذلك سيدنا رسول اهلل ، وقد سماها اهلل في كتابه إيما ًا فقال سبحانه وتعالى: وما كان اهلل ليضيع‬
                                                                          ‫إيمانكم [البقرة:345].‬
    ‫وسبب نزول هذه اآلية أنه لما نزلت آية القبلة على سيدنا رسول اهلل وكانت قد حضرته صالة‬
    ‫العصر فصلى صالة العصر إلى الكعبة في مسجده النبوي ولم تبلغ آية القبلة أهل قباء في هذا‬
     ‫المسجد إال في اليوم التالي فبلغتهم وهم في صالة الصبح فتحولوا إلى الكعبة وهم في الصالة‬
‫وأشكل على أصحاب رسول اهلل أمر المصلين الذين صلوا قبل أن تبلغهم هذه اآلية وأمر المصلين‬
‫الذين ماتوا قبل أن تنزل هذه اآلية آية القبلة ما حكم صالتهم، فأنزل(5)[5] اهلل عز وجل هذه اآلية‬
                     ‫ليبين حكم صالتهم: وما كان اهلل ليضيع إيمانكم [البقرة:345]. أي صالتكم.‬
   ‫وقد ثبت عن أنس(7)[7] رضي اهلل عنه أنه قال كان آخر وصية أوصى بها النبي وهو يغرغر‬
       ‫بها في صدره وال يكاد يفيض بها لسانه ((الصالة الصالة واتقوا اهلل فيما ملكت أيمانكم)).‬
                        ‫ط‬
     ‫وثبت عن عبد اهلل(3)[3] بن عباس رضي اهلل عنهما أنه قال: لما ُعن عمر رضي اهلل عنه‬
   ‫احتملته أنا ونفر من األنصار فأدخلناه في منزله فلم يزل في غشية واحدة حتى أسفر "أي طلع‬
                                                         ‫الصبح" فقلنا الصالة يا أمير المؤمنين.‬
  ‫ففتح عينيه ثم قال: أصلى الناس؟ قلنا:- نعم. قال:- أما إنه الحظ في اإلسالم لمن ترك الصالة‬
                                                      ‫فصلى رضي اهلل عنه وجرحه يثعب دمًا.‬
   ‫فهذا سيدنا رسول اهلل وهو في أشد حاالت النزع واالحتضار يوصي أمته بالصالة، وهذا أمير‬
       ‫المؤمنين الفاروق عمر وهو مطعون وهو في تلك الحالة من شدة االحتضار وكرب النزع‬
                               ‫واالحتضار وهو يسأل عن صالة الناس ويوصي الناس بالصالة.‬
 ‫وهكذا عادة جميع أصحاب رسول اهلل تعظيم شأن الصالة، كانوا يعظمون شأن الصالة ويعدونها‬
     ‫عمود الدين فال دين عندهم بال صالة، هي عمود الدين كما أخبرهم بذلك سيدنا رسول اهلل .‬
  ‫وكيف ال تكون هذه األهمية لهذه الفريضة العظيمة وهى الصلة بين العبد وبين ربه إذا قام العبد‬
  ‫للصالة فقد قام بين يدي ربه عز وجل، إذا استقبل القبلة فإن اهلل تعالى تجاهه، العبد في الصالة‬
  ‫واقف بين يدي ربه يناجيه، يناجي ربه بتسبيحه وتحميده والقيام بين يديه والركوع له والسجود‬
       ‫وذكره سبحانه وتعالى، فالصالة هي الصلة بين العبد وربه، هي أيضًا عالمة على التسليم‬
 ‫واالنقياد للرب عز وجل، الصالة بحركاتها وأفعالها وأذكارها عالمة بارزة على التسليم واالنقياد‬
                                                                                  ‫هلل عز وجل.‬
    ‫الصالة بما فيها من قيام بين يدي الملك العالم وما فيها من ركوع وسجود وتسبيح له وتحميد‬
     ‫وقراءة للقرآن عالمة بارزة على التسليم واالنقياد هلل سبحانه وتعالى، فمن عصى ربه بترك‬
   ‫الصالة فقد أبى التسليم واالنقياد هلل عز وجل وال إسالم وال إيمان بال انقياد وال تسليم، قال عز‬
     ‫وجل: فمن يسلم وجهه إلى اهلل وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى [لقمان:77]. وقال :‬
                                                            ‫((اإلسالم أن تسلم قلبك هلل))(4)[4].‬
 ‫وهذا إبليس لعنه اهلل ما الذي أخرجه من رحمة اهلل وسبب له الطرد من رحمة اهلل واللعنة األبدية‬
                                                                               ‫إلى يوم يبعثون؟‬
  ‫لقد أبى التسليم واالنقياد ألمر اهلل عز وجل عندما رفض أن ينفذ. أمره عز وجل بالسجود آلدم.‬
 ‫عندما رفض أن يسجد آلدم وإال فإقرار إبليس بربوبية اهلل وألوهيته ما اعتراه نقص وال شك وال‬
 ‫تردد لكنه مع توحيده هلل ومع معرفته باهلل عز وجل أبى التسليم واالنقياد ألمره، ورفض السجود‬
  ‫آلدم امتثاالً هلل عز وجل، رفض االمتثال ألمر اهلل عز وجل بالسجود آلدم فكفر بذلك وأبلس أي‬
                                                                                        ‫ط‬
                                                  ‫ُرد من رحمة اهلل عز وجل إلى يوم يبعثون.‬
                       ‫ال‬
  ‫ومن عصى ربه بترك الصالة فقد أبى السجود هلل فهو ليس أحسن حا ً من إبليس، بل هو أسوأ‬
                                                                                 ‫ال‬
‫حا ً من إبليس فإبليس كفر برفضه السجود آلدم، وهذا الذي ترك الصالة رفض بتركه السجود هلل‬
                           ‫ال‬
‫رب آدم رفض السجود هلل عز وجل رب آدم ولذلك فهو أسوأ حا ً من إبليس ولذلك فإن الصحابة‬
                            ‫ر‬
           ‫رضوان اهلل عليهم أجمعين، كانوا ال يعدون شيئًا من المعاصي كف ًا إال ترك الصالة.‬
  ‫ثبت عن(1)[1] عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه أنهم سألوه فقالوا: نجد في القرآن اإلكثار من‬
             ‫ذكر الصالة الذين هم على صالتهم دائمون [المعارج:37]. على صالتهم يحافظون‬
                                                                           ‫[المعارج:43].‬
                                        ‫فقال: ذلك أي على مواقيتها، يحافظون على مواقيتها.‬
  ‫فقالوا: إنما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن على تركها - أي يحافظون عليها بفعلها وعدم تركها-.‬
                                         ‫فقال عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه: تركها كفر.‬
    ‫ئ‬
‫وثبت عن عبد اهلل(6)[6] بن شقيق رضي اهلل عنه أنه قال: كان أصحاب محمد ال يعدون شي ًا من‬
                                                           ‫األعمال تركه كفر غير الصالة.‬
                                             ‫ر‬
                                           ‫أي كان أصحاب محمد يعدون ترك الصالة كف ًا.‬
 ‫وجاء الخبر يصدقهم على هذا الفهم، جاء الخبر عن رسول اهلل يصدقهم على هذا الفهم، فقد ثبت‬
                ‫عنه أنه قال: ((أنه ليس بين الرجل وبين الشرك أو الكفر غير الصالة))(2)[2].‬
           ‫وثبت عنه قوله : ((العهد الذي بيننا وبينهم - أي المشركين - الصالة فمن تركها فقد‬
                                                                            ‫كفر))(8)[8].‬
                      ‫و‬                                       ‫و‬
 ‫وهذا الكفر الذي ُصف به ترك الصالة هو ليس مثل الكفر الذي ُصفت به بعض المعاصي في‬
                                       ‫مثل قوله : ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))(3)[3].‬
                                           ‫ومثل قوله : ((المراء في القرآن كفر))(05)[05].‬
                               ‫أو مثل قوله : ((من كفر مسلمًا فقد باء به أحدهما))(55)[55].‬
                                            ‫ض‬
                        ‫أو مثل قوله إن صح عنه ذلك: ((من أتى حائ ًا فقد كفر))(75)[75].‬
                             ‫و‬                                        ‫و‬
   ‫الكفر الذي ُصف به ترك الصالة ليس مثل هذا الكفر الذي ُصفت به هذه المعاصي فإن هذا‬
                                                                         ‫و‬
              ‫الكفر الذي ُصفت به هذه المعاصي هو كفر دون الكفر األكبر المخرج من الملة.‬
                                                                      ‫م‬
    ‫فإن من قاتل مسل ًا أو من كفر مسلمًا أو من جادل في بعض مسائل القرآن أو أتى حائضًا ال‬
    ‫يخرج من الملة وإن عصى ربه عز وجل وأتى ذنبًا عظيمًا يدل على عظم هذا الذنب وصف‬
                                                                          ‫النبي له بالكفر.‬
‫لكنه كفر ال يخرج من الملة بخالف ترك الصالة فإنه كفر أكبر يخرج من الملة يدل على ذلك فهم‬
                                                                ‫أصحاب سيدنا رسول اهلل .‬
                                         ‫أ‬
 ‫فإنهم مع أنهم لم يفهموا من وصف الكفر الذي ُطلق على تلك المعاصي أنه كفر أكبر يخرج من‬
       ‫الملة فهموا من وصف الكفر الذي أطلق على ترك الصالة أنه كفر أكبر يخرج من الملة.‬
  ‫ويدل على صحة فهمهم هذا كتاب اهلل عز وجل فإننا نجد فيه أنه جعل إقام الصالة وإيتاء الزكاة‬
‫عالمتين على صحة اإلسالم وصحة التوبة لقوله عز وجل: فإن تابوا وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة‬
                                                                ‫فإخوانكم في الدين [التوبة:55].‬
‫معنى ذلك أن من أقام الصالة وآتى الزكاة، دلت إقامته للصالة وإيتاؤه للزكاة على صحة إسالمه‬
                  ‫وصحة توبته. أما إذا لم يفعل ذلك فإسالمه غير صحيح وتوبته غير صحيحة.‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                                     ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من‬
                                                 ‫يهد اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادى له.‬
                                  ‫د‬
 ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا عبده ورسوله، من يطع اهلل ورسوله‬
‫فقد رشد ومن يعص اهلل ورسوله فقد غوى، ومن يعص اهلل ورسوله فال يضر إال نفسه وال يضر‬
                                                                                      ‫اهلل شيئًا.‬
‫أما بعد فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة بدعة‬
‫وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة‬
                                                                         ‫ومن شذ شذ في النار.‬
‫يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل حق تقاته وال تموتن إال وأنتم مسلمون [آل عمران:705] يا أيها الذين‬
                                                           ‫ال د‬
‫آمنوا اتقوا اهلل وقولوا قو ً سدي ًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اهلل ورسوله فقد‬
                                                                            ‫م‬      ‫ز‬
                                                          ‫فاز فو ًا عظي ًا [األحزاب:02-52].‬
 ‫وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [األحزاب:61].‬
                                        ‫ر‬                            ‫ى‬
                             ‫وقال : ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًاْ))(35)[5]‬
‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
  ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
  ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫على‬
 ‫عثمان وأبي السبطين َّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين،‬
     ‫وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                           ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                               ‫__________‬
      ‫(5) أخرجه البخاري في صحيحه في اإليمان باب الصالة من اإليمان (5/37) رقم (04).‬
           ‫(7) أخرجه أحمد (3/255) وابن سعد في الطبقات (7/317) وابن ماجة (2367).‬
                         ‫(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات (3/013) وغيره وسنده صحيح.‬
                                                   ‫(4) مسند أحمد (4/455)، (1/3).‬
   ‫(1) أخرجه الاللكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (7315-4315) وابن عبد‬
                                                            ‫البر في التمهيد (4/37).‬
                         ‫(6) أخرجه الترمذي (1/45) برقم (7767) وغيره وسنده صحيح.‬
                                        ‫(2) أخرجه مسلم في صحيحه (13) برقم (78).‬
     ‫(8) أخرجه أحمد (1/643)، والترمذي (1/45) برقم (5767) وغيرهما والحديث صحيح.‬
                                   ‫(3) أخرجه البخاري في صحيحه (5/27) برقم (84).‬
  ‫(05) 05] أخرجه أحمد (7/687و003و824) وأبو داود (3064) والنسائي (855) وابن حبان‬
                                             ‫(4645) والحاكم (7/347) برقم (3887).‬
           ‫(55) 55] أخرجه البخاري في صحيحه (1/3677و4677) برقم (3056-4056).‬
      ‫(75) 75] أخرجه الترمذي برقم (135) وأبو داود (4033) وابن ماجة (336) وغيرهم.‬
                                  ‫(35) أخرجه مسلم في صحيحه (5/603) رقم (804).‬

‫(5/352)‬




                                                               ‫دروس من غزوة أحد‬
                                                ‫-----------------------‬
                                                                       ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                           ‫غزوات‬
                                                ‫-----------------------‬
                                                 ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                             ‫عنيزة‬
                                                                     ‫65/05/1545‬
                                                                       ‫جامع السالم‬
                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                              ‫-------------------------‬
                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                          ‫أما بعد :‬
      ‫أيها اإلخوة المؤمنون ما أجمل أن نداوي الجراح المكلومة الغائرة بالسيرة العطرة المعطرة‬
            ‫ص‬
  ‫لرسولنا الكريم صلوات اهلل وسالمه عليه،فسيرته بلسم للجراح ومالذ للخائف وح ٌن للراجي ،‬
                                                        ‫والعوذ عندما تدلهم المصائب واألزمات.‬
                                                                                      ‫بكَ‬
                                   ‫ف َ ّي رسول اهلل يا عين عبرة وال أعرفنك الدهر ودمعك يجمد‬
                                          ‫وما فقد الماضون مثل محمد وال مثله حتى القيامة يفقد‬
                                    ‫تناهت وصاة المسلمين بكفه فال العلم محبوس وال الرأي يفند‬
                                     ‫أقول وال يلقى لقولي عائب من الناس إال عازب العقل مبعد‬
‫في الخامس عشر من شهر شوال أي في مثل هذه األيام من السنة الثالثة من الهجرة وقعت معركة‬
                              ‫ودب‬
       ‫أحد بين المسلمين الموحدين ومشركي قريش ومهما أعدت ِّجت الرسائل فلن تعطي هذا‬
 ‫الحديث ماله من حق في الدروس والعبر التي استفادها المسلمون من زمن الصحابة وحتى يومنا‬
                                                            ‫د‬
‫هذه وكأن اهلل عز وجل حينما ق ّر أن الدائرة تدور على المسلمين في نهاية المعركة أراد بذلك أن‬
‫يعطي الصحابة دروسا في بداية جهادهم ضد المشركين دروسا مؤثرة بالغة ترسخ في أذهانهم فال‬
         ‫ينسوها وتخلد في حياتهم فال يجهلوها، وكذلك أن تصبح دروسا لألمة جمعاء في حياتها‬
   ‫ومعامالتها ولعل دروس النكبات والهزائم أعظم أثرا من غيرها في كل وقت وحين إلى الجسد‬
‫المسلم بل والمتداهي، وهم بذلك يشوهون صورة اإلسالم حينما يعرضون كل ذلك بالعلم ومحاربة‬
 ‫البدعة ومنهج السلف هذه مواقف اإلرجاف والنفاق من لدن نبينا محمد - صلى اهلل عليه وسلم -‬
  ‫وحتى اآلن ، فعبد اهلل بن أبي إنما أراد بذلك العمل أن يضعف المعنويات وأن تخور القوى لدى‬
 ‫الصحابة حينما يهزهم هو ومن معه من المنافقين والمرجفين في المدينة بهذا الموقف، فهي طعنة‬
    ‫في الظهر ولذلك فقد عاتبهم اهلل جل وعال بقوله وليعلم الذين نافقوا، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في‬
          ‫سبيل اهلل أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتاال ال تبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم لإليمان [آل‬
‫عمران:265] وهو عمل ينطوي على غدر باإلسالم في أحرج الظروف وتلك أبرز خسائر النفاق‬
 ‫واإلرجاف، ولكن اهلل الذي صان هذه الدعوة وحماها أراد بمثل هذه المواقف المرجفة أن تصاب‬
    ‫األمة بمثل ذلك لكي تعزل الخبث عنها ما كان اهلل ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز‬
   ‫الخبيث من الطيب وما كان اهلل ليطلعكم على الغيب [آل عمران:325] درس ال بد من الوقوف‬
        ‫عليه ونحن نطالع هذه الغزوة إخوة اإليمان، واستعد المشركون بثالثة آالف مقاتل بعد أن‬
     ‫اصطحبوا نساءهم وعبيدهم وجواريهم وكان المسلمون حينذاك سبعمائة مقاتل مع رسول اهلل‬
                                                                         ‫شَ‬
 ‫وعسكروا بال ّعْب جاعلين ظهورهم إلى الجبل ووزع النبي الرماة على أماكنهم وأمر عليهم عبد‬
   ‫اهلل بن جبير في خطة محكمة رائعة، وكانوا خمسين رجال وأمرهم بأن ال يغيروا أماكنهم مهما‬
   ‫ظهر لهم النصر وظاهر هو نفسه بين درعين وتخير من األقوياء من يكونوا في مقدمة الجيش‬
 ‫،روى ثابت عن النبي وممن قتل من الصحابة حنظلة بن أبي عامر الغسيل حيث قال عنه رسول‬
  ‫اهلل إن صاحبكم لتغسله المالئكة فلما سألوا أهله ما شأنه قالت : إنه خرج وهو جنب ليلة عرسه‬
 ‫حين سمع نداء الجهاد ، اهلل أكبر إخوة اإليمان إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم وجهادهم‬
    ‫ويوجهون زمامه بعزماتهم هم الذين صلوا هذه الحرب وبهذه التضحيات وبها وحدها وحفظوا‬
    ‫مصير اإلسالم في األرض وممن قتل عمرو بن الجموح الذي كان أعرجا ولكنه أقسم أن يطأ‬
   ‫بعرجته هذه في الجنة فلبى اهلل قسمه، وحينما رأى الرماة هذا النصر مالوا إلى المعسكر وخلوا‬
                         ‫ر‬                  ‫و َ‬
                                            ‫ص‬
  ‫ظهور العدو فكان يوم بالء وتمحيص حتى ُ ِل إلى رسول اهلل ف ُمي بالحجارة حتى وقع شقه‬
 ‫فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وجرحت شفته ودخلت حلقات المغفر في وجهه فأكب عليه أبو‬
   ‫عبيدة ينزعها بفمه فما أخرجها إال وقد سقطت ثنيتاه ونزف الدم بغزارة وجعل الدم يسيل على‬
‫وجه النبي وجعل يمسح الدم وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم،‬
                                                                                      ‫ر‬
     ‫ويم ّ ابن النضر بالمسلمين أثناء القتال فيقولون له مات رسول اهلل فيقول فما تصنعون بعدة،‬
‫قوموا فموتوا على ما مات عليه، وبرزت حينئذ بطولة الصحابة رضوان اهلل عليهم فاجتمعوا حول‬
   ‫رسول اهلل ينافحون عنه فترس أبو دجانة نفسه عن الرسول اهلل صلوات اهلل وسالمه عليه فأخذ‬
  ‫النبل ويقع في ظهره وهومنحن عليه حتى كثر فيه النبل ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول‬
      ‫اهلل قال سعد فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول : ارم فداك أبي وأمي ولما عرف المسلمون‬
‫رسول اهلل نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن‬
 ‫أبي طالب والزبير بن العوام والحارث بن الضيمة وطلحة بن عبيد اهلل، وطلحة قد أبلى بالء يوم‬
  ‫أحد حتى عرف ذلك اليوم به فكان يرفع النبي ثم يقاتل المشركين ثم يأتيه فيرفعه ثم يعود للقتال‬
  ‫حتى سمي طلحة الشهيد الحي وقال عنه حينما رأى ما صنع أوجب طلحة، أي وجبت له الجنة،‬
        ‫َ‬        ‫و‬                            ‫أبي‬
   ‫ولما أسند رسول اهلل في الشعب أدركه ُّ بن خلف وهو يقول محمد ال نج ُت إن نجوت فقال‬
 ‫رسول اهلل للقوم : دعوه فلما دنا تناول رسول اهلل الجربة فلما أخذها فهزها فانتهض الصحابة من‬
   ‫حوله وتطايروا تطاير الشعراء أي الذباب عن ظهر البعير إذا انتفض بها ثم استقبله فطعنه في‬
     ‫عنقه طعنه تدحرج منها عن فرسه مرارا، وبعد نهاية المعركة وقفت هند بنت عتبة والنسوة‬
                                                       ‫ب‬
  ‫الالتي معها يمثلن في القتلة و ُقرت كبد حمزة ومثل بالصحابة، وخرج رسول اهلل يلتمس حمزة‬
   ‫فوجده بهذه الصورة ممثال به في بطن الوادي فحزن لذلك أشد الحزن وأمر به فسجي ببردة ثم‬
 ‫صلى عليه وكانوا يأتون بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه‬
                                                                      ‫اثنتين وسبعين صالة .‬
‫وقال رسول اهلل من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع فقال رجل من األنصار أنا فذهب يبحث عنه‬
   ‫فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، فقال له إن رسول اهلل يسأل عنك فقال سعد أنا في األموات‬
 ‫فأبلغ رسول اهلل عني السالم وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك اهلل عنا خير ما جزى نبيا‬
  ‫عن أمته وأبلغ قولي لألنصار السالم وقل لهم إنه ال عذر لكم عند اهلل إن خلص إلى نبيكم وفيكم‬
    ‫عين تطرف ثم لم يبرح أن مات فأخبر النبي بالخبر فاستغفر له وقال رسول اهلل حينما أشرف‬
 ‫على القتلى يوم أحد أنا شهيد على هؤالء أنه ما من جريح يجرح في سبيل اهلل إال ويبعثه اهلل يوم‬
                                         ‫القيامة يرقى جرحه اللون لون الدم والريح ريح مسك.‬
   ‫ثم انصرف رسول اهلل راجعا إلى المدينة بعد أن أمر عليا بأن يلحق بالمشركين وكان مهموما‬
‫حزينا وحينما مر ببيوت األنصار سمع حزن نسائهم فتأثر وقال : ولكن حمزة ال بواكي له فبكت‬
                                                       ‫نساء األنصار يومئذ حمزة عزاء للنبي .‬
 ‫ومر رسول اهلل بامرأة من بني دينار أثناء رجوعه ، فقالوا لها : قد مات أخوك ، فقالت لهم: ما‬
‫فعل رسول اهلل ؛ فقالوا لها : مات أبوك ؛ فقالت لهم: ما فعل رسول اهلل ، فقالوا لها: مات زوجك‬
  ‫؛ قالت : ما فعل رسول اهلل ؛ قالوا : خيرا يا أم فالن بحمد اهلل كما تحبين، قالت : أروني حتى‬
       ‫أنظر إليه ، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل تريد أنها صغيرة .‬
 ‫صورة قوية قارعة للبطولة والتضحية اصطدم بها الكفر في أول المعركة و آخرها فماذا أمامها‬
 ‫واضطربت من تحت أقدامه األرض فما ربح شيئا في بداية القتال وال انتفع بما ربح آخره وهذا‬
  ‫اللون من البطولة مسطر في التاريخ ينتظر من يلقى عليه الضوء ولن يقوم لإلسالم صرح وال‬
‫ينكشف عنه طغيان إال بهذه القوى المذخورة المضغوطة في أفئدة الصديقين والشهداء ، أعوذ باهلل‬
   ‫من الشيطان الرجيم وال تهنوا وال تحزنوا وأنتم األعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد‬
‫مس القوم قرح مثله، وتلك األيام نداولها بين الناس وليعلم اهلل الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء واهلل‬
  ‫ال يحب الظالمين وليمحص اهلل الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يعلم‬
                                ‫اهلل الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [آل عمران:335-745]‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                       ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .‬
                                                                                              ‫.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                      ‫الحمد هلل على إحسانه …‬
     ‫أيها المسلمون : اتقوا اهلل تعالى واعلموا أن معركة أحد قد تركت آثارا غائرة في نفس النبي‬
   ‫تالزمه حتى آخر حياته ولما حانت وفاته جعل آخر عهده بذكريات البطولة أن يودع قتلى أحد‬
     ‫وأن يدعوا اهلل لهم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول اهلل على قتلى أحد بعد ثمان سنوات‬
‫كالمودع لألحياء واألموات ثم طلع المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم‬
‫الحوض وإني ألنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم‬
      ‫الدنيا أن تنافسوها قال عقبة فكان آخر نظرة نظرتها إلى الرسول أخرجه البخاري ومسلم .‬
‫وهكذا كانت فائدة الصحابة عظيمة من هذه الغزوة بالرغم من مصابهم فيها ولذلك فإنه يجب على‬
    ‫األمة أن تعلم أن اإليمان بهذا الدين يحب أن يصاحبه يقين تام بنصر اهلل جل وعال لهذا الدين‬
   ‫وتمكينه ، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم األشهاد [غافر:51] والوعد‬
   ‫الصادق من رسول اهلل ال تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ال يضرهم من خذلهم حتى‬
  ‫يأتي أمر اهلل وهم على ذلك فهذه، الطائفة ظاهرة ال يضرها شيء فقد تخذلهم فئام من الناس وقد‬
 ‫يخذلهم المرجفون والخلوف الذين يقفون بين الصفين فإن كان لكم فتح من اهلل قالوا ألم نكن معكم‬
‫وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم نمنعكم من المؤمنين كل هؤالء لن يضروا الدين‬
‫مهما فعلوا وإن هذا الوعد الصادق ينبغي أن يكون يقيننا به كيقيننا بهذا الدين الذي نعتقده، ونحتاج‬
                  ‫هذا اليقين أكثر في ساعات الشدة وأوقات الكرب يوم تدلهم الخطوب وتكفهر‬
 ‫ُّ األحداث، نوقظ في‬
     ‫النفوس صدق هذا الموعود واليقين به، ولذا كان نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه أشد ما يكون‬
      ‫تفاؤال في ساعات الشدة وأوقات الكرب يأتي إليه خباب بن األرت وقد أمضه األلم من إيذاء‬
                                                            ‫ر‬
      ‫المشركين ورسول اهلل محاَ َبْ من المشركين ويلقى المسلمون من المشركين الشدة يطردون‬
   ‫ويؤذون في شعاب مكة فيقول يا رسول اهلل أال تدعو لنا؟ أال تستنصر؟ لنا فماذا أجابه الرسول‬
 ‫الكريم (( واهلل لينصرن اهلل هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يعز اهلل به اإلسالم وذال يذل‬
 ‫به الشرك وليتمن اهلل هذا الجدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ال يخشى إال اهلل‬
 ‫والذئب على غنمه)) يقوله في حين أن المسلم ذلك الوقت ال يأمن أن يسير في فجاج مكة آمنا ثم‬
     ‫كب وكب‬
    ‫انظر إلى رسول اهلل وللمسلمين معه يوم األحزاب حينما أحاط به المشركون حينما َّر َّر‬
‫المسلمون معه، وقال لهم لقد أضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل أن أمتي‬
 ‫ظاهرة عليها ورأيت القصور الحمر في أرض الروم وأمتي ظاهرة عليها ورأيت قصور صنعاء‬
‫وأمتي ظاهرة عليها فاستبشر المسلمون حينذاك، وكلما تكالبت على المسلمين الخطوب والكوارث‬
 ‫واشتد عليهم الخطب يجب أن يفزعوا إلى يقينهم بصدق موعود اهلل عز وجل وأن هذا الدين له و‬
                                         ‫هو الذي تكفل بنصره والتمكين له في أرضه وسمائه .‬
                                                                                ‫ق‬
  ‫حقيٌة ينبغي أال تغيب مهما غامت الرؤى أو غبشت األجواء ولم يرتبط نصر هذا الدين مصيره‬
        ‫بالدول أو بالجماعات أو باألفراد ولو كانوا األنبياء قد قتلوا ومع ذلك لم يمتنع أتباعهم عن‬
‫مواصلة الدعوة والعمل بل لقد عاتب اهلل أصحاب نبيه في يوم أحد عندما سرى فيهم الوهن عندما‬
 ‫أشيع بين ظهرانيهم أن النبي قد قتل فقال لهم وما محمد إال رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن‬
‫مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اهلل شيئا وسيجزي اهلل الشاكرين‬
                                                                             ‫[آل عمران:445]‬

‫(5/072)‬




                                                                                        ‫األمانة‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                            ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                        ‫مكارم األخالق‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                                   ‫عنيزة‬
                                                                                          ‫65/4/2545‬
                                                                                           ‫جامع السالم‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5- ضياع األمانة من عالمات الساعة. 7- األمانة : قيام المرء بمسؤولية في كل ما يوكل إليه.‬
‫3- تحذير رسول اهلل من ضياع األمانة. 4-اإلمارة أمانة ، وال ينبغي أن تعطى لغير مستحقيها.‬
‫1- تحذير العمال من الغلول وأخذ األعطيات. 6- ما يقال في المجالس أمانة. 2- عقوبة الغادر‬
                                                                                            ‫يوم القيامة.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                ‫أما بعد:‬
                                                                        ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل تعالى.‬
‫في مجلس من المجالس الطيبة العطرة بحضور النبي في المدينة ذات يوم يروي لنا أبو هريرة :‬
                                                    ‫يحد‬
   ‫أنه بينما كان رسول اهلل في مجلسه ِّث القوم جاءه أعرابي فقال يا رسول اهلل متى الساعة؟‬
     ‫فمضى رسول اهلل يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم‬
  ‫يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: ((أين السائل عن الساعة؟)) قال: ها أنا يا رسول اهلل، قال:‬
                    ‫وَ‬
                    ‫س‬
‫((فإذا ضيعت األمانة فانتظر الساعة))، قال، كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا ُ ّد األمر إلى غير أهله‬
                                                            ‫فانتظر الساعة)) رواه البخاري(5)[5].‬
              ‫ن‬                                          ‫ي‬
‫رسل اهلل عليهم الصالة والسالم ُختارون من أشرف الناس طباعًا، وأزكاهم معاد ًا. والنفس التي‬
 ‫تظل محافظة على الفضيلة مع شدة الفقر ووحشة الغربة، هي نفس رجل قوي أمين. والمحافظة‬
                                                      ‫خل‬
       ‫على حقوق اهلل وحقوق العباد تتطلب ُُقا ال يتغير بتغير األيام، وذلك هو جوهر األمانة.‬
  ‫وكان رسول اهلل قبل البعثة يلقب بين قومه باألمين، وكذلك شوهدت مخايل األمانة على موسى‬
‫إ ْد هم أبت‬
‫عليه السالم حين سقى البنتي الصالح ورفق بهما، وكان معهما عفيفًا شريفًا: قَالَتْ ِح َا ُ َا ياَ َ ِ‬
                                                 ‫ِى م ن‬                 ‫ج‬         ‫م‬        ‫ِ ه ِن‬
                                     ‫اسْتَجرْ ُ إ َّ خَيْرَ َنِ اسْتَ َرْتَ الْقَو ُّ اال ِي ُ [القصص:67].‬
   ‫إخوة اإليمان، اإلسالم يرقب من معتنقه أن يكون ذا ضمير حي، تصان به حقوق اهلل وحقوق‬
                                              ‫الناس، ومن ثم أوجب على المسلم أن يكون أمينًا.‬
‫األمانة في نظر الشرع صفة واسعة الداللة، وهي تدل على معان شتى، هي بإيجاز: شعور المرء‬
                                                              ‫بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه.‬
  ‫وبعض الناس يقصرون فهم األمانة في أضيق معانيها، وهو حفظ الودائع، وحقيقتها في دين اهلل‬
                                                                                  ‫أضخم وأجل.‬
 ‫إن األمانة هي الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون باهلل على حفظها، كما ورد‬
                       ‫في الدعاء للمسافر: ((استودع اهلل دينك وأمانتك وخواتم عملك)) (7)[7].‬
    ‫وعن أنس قال: ما خطبنا رسول اهلل إال قال: ((ال إيمان لمن ال أمانة له، وال دين لمن ال عهد‬
                                                                         ‫له)) رواه أحمد(3)[3].‬
 ‫بل كان عليه الصالة والسالم يستعيذ من ضياعها، كما روى أبو داود أنه كان يقول: ((اللهم إني‬
     ‫أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)) (4)[4].‬
                                     ‫تلكم أهمية األمانة، فتعالوا إخوتي نتأمل بعضًا من معانيها.‬
  ‫فمن معاني األمانة وضع الشيء في المكان الجدير به والالئق له، فال يسند منصب إال لصاحبه‬
           ‫الحقيق به، وال تمأل وظيفة إال بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، فال اعتبار للمجامالت‬
   ‫والمحسوبيات، حتى الصحبة ال ينظر إليها انظروا إلى أبي ذر حين قال في الحديث الذي رواه‬
  ‫مسلم: قلت: يا رسول اهلل، أال تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر إنك‬
 ‫ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إال من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها))‬
                                                                                        ‫(1)[1].‬
      ‫إن الكفاية العلمية والعملية ليست الزمة لصالح المرء لحمل األمانة، فقد يكون الرجل حسن‬
    ‫السيرة حسن اإليمان، لكنه ليس أهالً للمنصب أال ترون إلى يوسف الصديق عليه السالم حين‬
 ‫ع ن عل َز ئن‬
 ‫رشح نفسه إلدارة المال، لم يذكر نبوته وتقواه، بل طلبها بحفظه وعلمه قَالَ اجْ َلْ ِى ََى خ َا ِ ِ‬
                                                                     ‫ْ إن حف ظ ع م‬
 ‫األرضِ ِ ّى َ ِي ٌ َلِي ٌ [يوسف:11] فاألمانة تعني أن نختار لألعمال أحسن الناس قيامًا بها فإذا‬
                                                                       ‫ل ى‬                   ‫م‬
‫ِلنا عنه إلى غيره ِهو ً أو رشوة أو قرابة، فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة.‬
 ‫إن األمة التي ال أمانة فيها هي من تعبث فيها الشفاعات بالمصالح وتطيش بأقدار الرجال األكفاء‬
                                                                      ‫لتهملهم، وتقدم من دونهم.‬
 ‫ومن معاني األمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كامالً في العمل المنوط به وأن يحسن فيه‬
                                                                                  ‫تمام اإلحسان.‬
                               ‫ي‬
    ‫إنها األمانة التي يمجدها اإلسالم بأن يخلص الرجل لعمله و ُعنى بإجادته، ويسهر على حقوق‬
  ‫الناس التي وضعت بين يديه. واستهانة الفرد بما كلف به هو من استشراء الفساد في كيان األمة‬
                                                                                 ‫وسبب لتداعيه.‬
                                                   ‫ر‬      ‫م‬
‫وخيانة الواجبات تتفاوت إث ًا ونك ًا وأشدها شناعة ما أصاب الدين وجمهور المسلمين وتعرضت‬
                                                                                                                      ‫البالد ألذاه،‬
 ‫قال عليه الصالة والسالم: ((إذا جمع اهلل بين األولين واآلخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء‬
‫يعرف به فيقال: هذه غدرة فالن)) (6)[8] وفي رواية ((لكل غادر لواء يرفع له بقدر غدرته، أال‬
                                                          ‫والغادر أعظم من أمير عامة)) رواه البخاري(2)[3].‬
        ‫أي ليس أعظم خيانة وال أسوأ عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها .‬
     ‫ومن معاني األمانة أيضًا أن يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منفعة إلى شخصية أو‬
           ‫ق‬
  ‫قرابته، فإن التشبع من المال العام جريمة قال :((من استعملناه على عمل فرزقناه رز ًا فما أخذ‬
                                                                        ‫بعد ذلك فهو غلول)) رواه أبو داود(8)[05].‬
     ‫أما الذي يلتزم حدود اهلل في وظيفته، ويأنف من خيانة الواجب الذي طوقه، فهو عند اهلل من‬
                             ‫تم‬
‫المجاهدين لنصرة دينه وإعالء كلمته قال : ((العامل إذا اسْ ُعْ ِل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل‬
                                    ‫كالمجاهد في سبيل اهلل حتى يرجع إلى بيته)) رواه الطبراني(3)[55].‬
‫وقد شدد اإلسالم في ضرورة التعفف عن استغالل المنصب وشدد في رفض المكاسب المشبوهة،‬
   ‫ط‬
  ‫فعن عدي بن عمير قال سمعت رسول اهلل يقول: ((من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخي ًا‬
                                                                                       ‫ال‬
                                              ‫فما فوق كان غلو ً يأتي به يوم القيامة)) رواه مسلم(05)[75].‬
            ‫إلي‬   ‫أ‬                                                    ‫ال‬
      ‫واستعمل النبي رج ً من األزد على الصدقة فلما قدم بها قال: هذا لكم وهذا ُهدي َّ. فقام‬
    ‫رسول اهلل فحمد اهلل وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما‬
 ‫والني اهلل، فيأتي فيقول: هديته، إن كان صادقا واهلل ال يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إال لقي اهلل‬
                                                             ‫د‬
‫يحمله يوم القيامة، فال أعرفن أح ًا منكم لقي اهلل يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة‬
            ‫تعير)) ثم رفع عليه الصالة والسالم يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: ((اللهم بلغت))‬
                                                                                                                       ‫(55)[35].‬
                                   ‫اهلل أكبر! إنها األمانة في أسمى معانيها التي ينبغي تحقيقها يا عباد اهلل.‬
   ‫ومن معاني األمانة أيضًا أن يتأمل المؤمن ما حباه اهلل من مواهب خصه بها، أو أموال وأوالد‬
                                                                                       ‫ر‬
‫ُزقها، ويدرك أنها ودائع اهلل الغالية عنده، فيجب تسخيرها في قرباته، واستخدامها في مرضاته،‬
   ‫َي َّذ ن من‬                                                 ‫ن‬
‫وإن ابتلي بنقص شيء منها فال يستخف ّه الجزع، فإن هلل ما أخذ وله ما أعطى، ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ‬
  ‫الَ تَ ُو ُواْ َّ َ و َّ ُولَ َتَ ُو ُواْ أَمَانَا ِكمْ َأَنتمْ تَعْلَ ُونَ َاعلَ ُواْ أ َّ َا أَمْواُكمْ َأَوْلَا ُكمْ ِتْنَ ٌ َأ َّ‬
  ‫ل ُ و د ُ ف ة وَن‬                       ‫ت ُ و ُ م و ْ م َنم‬                                    ‫خ ن الله َالرس و خ ن‬
                                                                                                 ‫الل ع ه ْر ع م‬
                                                                               ‫َّهَ ِندَ ُ أَج ٌ َظِي ٌ [األنفال:27، 87].‬
    ‫ومن معاني األمانة: أن تحفظ حقوق المجالس التي تحضرها، فال تدع لسانك يفشي أسرارها،‬
‫وينشر أخبارها، فكم من حبال تقطعت ومصالح تعطلت الستهانة بعض الناس بأمانة المجلس، قال‬
    ‫عليه الصالة والسالم فيما رواه أبو داود عن جابر بن عبد اهلل: ((إذا حدث الرجل بالحديث ثم‬
                                                                                              ‫التفت فهي أمانة))(75)[45].‬
  ‫إن حرمات المجالس تصان، مالم يكن ما فيها محرمًا، حتى العالقات الزوجية في نظر اإلسالم‬
‫مجالسها تصان، فما يحوي البيت من شؤون العشرة بين الرجل وامرأته يجب أن يطوى في أستار‬
 ‫مسبلة، ال يطلع عليها أحد مهما قرب، روى أحمد في مسنده عن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند‬
  ‫رسول اهلل والرجال والنساء قعود عنده فقال: ((لعل رجالً يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر‬
                                                ‫جل‬
  ‫بما فعلت مع زوجها))، فأرم القوم أي سكتوا وَ ِِيْن فقلت: إي واهلل يا رسول اهلل، إنهم ليفعلون،‬
    ‫وإنهن ليفعلن، قال: ((فال تفعلوا، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس‬
      ‫ينظرون))(35)[15]. وقال عليه الصالة والسالم: ((إن من أعظم األمانة عند اهلل يوم القيامة‬
                                      ‫الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) (45)[65].‬
     ‫إخوة الدين والعقيدة، وإن من األمانة أن يحفظ اإلنسان الودائع التي توضع عنده، ويردها إلى‬
   ‫ذويها إذا طلبوها. انظروا إلى رسول اهلل كيف استخلف ابن عمه علي بن أبي طالب ليسلم إلى‬
           ‫ز‬
‫المشركين الودائع التي حفظوها عنده(15)[25]، مع أنهم كانوا من األمة التي استف ّته من األرض‬
                   ‫ي َد‬
     ‫واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته، قال ميمون بن مهران: "ثالثة ُؤ ِّين إلى األمانة‬
                                                                                  ‫والعقد وصلة الرحم" رواه أحمد.‬
                                              ‫ي‬
  ‫وعن عبد اهلل بن مسعود قال: "القتل في سبيل اهلل ُكفر الذنوب كلها إال األمانة، يؤتى بالعبد يوم‬
                                                      ‫د‬
    ‫القيامة وإن قتل في سبيل اهلل فيقال: أ ّ أمانتك، فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال:‬
  ‫انطلقوا به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها‬
  ‫حتى يدركها فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها‬
  ‫أبد اآلبدين، ثم قال: الصالة أمانة، والوضوء أمانة، والكيل أمانة، وأشد ذلك الودائع؛ قال راوي‬
‫الحديث فأتيت البراء بن عازب فقلت: أال ترى ما قال ابن مسعود؟! قال البراء: صدق أما سمعت‬
   ‫َ ْل‬         ‫كم‬        ‫ل وإذ ح ت ب الن أ‬                       ‫إل‬                ‫ُؤد‬        ‫ِن الل ي مر ُ‬
   ‫اهلل يقول: إ َّ َّهَ َأْ ُ ُكمْ أَن ت ُّواْ االمَانَاتِ َِى أَهِْهَا َِ َا َكَمْ ُمْ َيْنَ َّاسِ َن تَحْ ُ ُواْ بِالْعد ِ‬
                                                                                                           ‫[النساء:81].‬
      ‫ومن معاني األمانة أنها تدعو إلى رعاية الحقوق وتعظيم النفس عن الدنايا، وال تكون إال إذا‬
‫استقرت في وجدان المرء وحافظ عليها، روى مسلم عن حذيفة بن اليمان عن رسول اهلل أنه قال:‬
           ‫((إن األمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من‬
  ‫السنة))(65)[85] فاألمانة إذاً هي تمثل الكتاب والسنة في عمل اإلنسان صاحب الضمير الحق،‬
      ‫فإذا ذهب إيمانه انتزعت األمانة، فما يغنيه ترديد اآليات وال دراسة السنن، وأدعياء اإلسالم‬
‫يزعمون للناس وألنفسهم أنهم أمناء على األمة، ولكن هيهات أن تستقر األمانة في قلب تنكر للحق‬
                                                                                                                   ‫وأهله.‬
‫ويقول حذيفة: "ينام الرجل النومة فتنقبض األمانة من قلبهـ فيظل أثرها مثل الوكت(25)[35]، ثم‬
 ‫ينام الرجل النومة فتنقبض األمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل(85)[07]، أي أقل ثم قال‬
       ‫ا‬
 ‫فيصبح الناس يتبايعون ال يكاد أحد يؤدي األمانة، حتى يقال: إن في بني فالن رجالً أمينً، وحتى‬
     ‫يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان...".‬
‫إن األمانة ـ إخوة اإليمان ـ فضيلة ضخمة، ال يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب اهلل‬
‫المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود كله، فال ينبغي لإلنسان أن يستهين بها أو يفرط في‬
      ‫ِن‬
     ‫حقها ومع كل ذلك فقد تحمل اإلنسان األمانة بظلمه وجهله أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إ َّا‬
  ‫ع َضْنَا االْ َانَةَ ََى َّمَاوا ِ َاألرْ ِ َالْ ِ َا ِ فَأ َيْنَ َن َحْ ِلْنَهَا َأَشْفَقْ َ ِنْهَا وَ َ َلَهَا ا ِنْ َا ُ‬
  ‫حم إل س ن‬                   ‫م عل الس ت و ض و جب ل ب أ ي م و ن م‬                                                         ‫َر‬
                                                                                              ‫ِنه ن ل ا جه‬
                                                                            ‫إ َّ ُ كَا َ ظَُومً َ ُوالً [األحزاب:72].‬


            ‫ع‬
  ‫(35)[6] مستدرك الحاكم (4/73-33) وصححه ، وفي إسناده حسين بن قيس، ض ّفه المنذري‬
                                                                                          ‫في "الترغيب" ح (8673).‬
‫(07)[2] مستدرك الحاكم (4/33).وصححه وفي إسناده بكر بن خنيس نقل الذهبي عن الدارقطني‬
                                                                                                  ‫أنه قال فيه: متروك.‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                                   ‫لم ترد.‬
                                                                                                        ‫__________‬
                                                                                     ‫(5) صحيح البخاري ح (31).‬
    ‫(7) صحيح ، أخرجه أحمد (7/2) ، وأبو داود ح (0067-5067) ، والترمذي ح (7443) ،‬
                                                                 ‫وقال : حديث غريب. وابن ماجه ح (6787).‬
                                                                              ‫(3) صحيح ، مسند أحمد (3/415).‬
        ‫(4) حسن ، سنن أبي داود ح (2415) ، وأخرجه أيضاً النسائي ح (8641) وابن ماجه ح‬
                                                                                                                ‫(4133).‬
                                                                                     ‫(1) صحيح مسلم ح (1785).‬
                                                                                     ‫(6) أخرجه مسلم ح (1325).‬
           ‫(2) أخرجه البخاري ح (8853) دون قوله: ((أال وال غادر...)) واللفظ ألحمد (3/64).‬
                                                                  ‫(8) 05] صحيح ، سنن أبي داود ح(3437).‬
                          ‫(3) 55] ضعيف ، المعجم الكبير للطبراني ح (587). وانظر كالم المحقق.‬
                                                                             ‫(05) 75] صحيح مسلم ح (3385).‬
                                                 ‫(55) 35] أخرجه البخاري ح (2317) ، ومسلم (7385).‬
                              ‫ً‬
    ‫(75) 45] حسن ، سنن أبي داود ح (8684) ، وأخرجه أيضا أحمد (3/083) ، والترمذي ح‬
                                                                                   ‫(3135) ، وقال : حديث حسن.‬
‫(35) 15] مسند أحمد (6/614-214) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/437) : وفيه شهر بن‬
  ‫حوشب ، وحديثه حسن ، وفيه ضعف. وله شواهد يتقوى بها ، انظر إرواء الغليل لأللباني رقم‬
                                                                                  ‫(5507).‬
 ‫(45) 65] أخرجه أحمد (3/36) ، ومسلم (2345) بمعناه ، وفي إسناده: عمر بن حمزة العمري‬
‫. قال ابن حجر في التقريب (8534) : ضعيف. وضعف هذا الحديث الذهبي في ميزان االعتدال‬
                                        ‫(3/735). وانظر آداب الزفاف لأللباني ص (745).‬
   ‫(15) 25] ذكره ابن إسحاق بدون سند (سيرة ابن هشام (7/184) وانظر : السيرة النبوية في‬
                                  ‫ضوء المصادر األصلية ، مهدي رزق اهلل أحمد (ص867).‬
                                                         ‫(65) 85] صحيح مسلم ح (345).‬
‫(25) 35] الوكت: جمع وكتة بمعنى األثر في الشيء كالنقطة من غير لونه. (بتصرف من النهاية‬
                                                            ‫في غريب الحديث، مادة وكت).‬
                                       ‫ج‬           ‫ال‬     ‫ج‬          ‫ج‬
 ‫(85) 07] يقال: مَ َلت يده تم ُل مجْ ً، ومجلت تم َل مجَال، إذا ثخن جلدها وتعجر وظهر فيها‬
                                                       ‫ُ‬
                                                       ‫ص‬
     ‫ما يشبه البثر من العمل باألشياء ال ّلبة الخشنة. (النهاية، مادة مجل). وفي مادة (مجل) في‬
    ‫القاموس: مجلت يده..: نفطت من العمل فمرنت.. أو المجْل: أن يكون بين الجلد واللحم ماء.‬

‫(5/572)‬




                                                                                    ‫تذكروا‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                             ‫أمراض القلوب, الموت والحشر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                     ‫عنيزة‬
                                                                             ‫37/75/6545‬
                                                                               ‫جامع السالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- بيان الغفلة التي تغلب على الناس. 7- ذكر هادم اللذات. 3- التحذير من نسيان الموت. 4-‬
                         ‫عظم الموقف بين يدي اهلل يوم القيامة ، وبعض صوره. 1- موعظة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                        ‫أما بعد :‬
 ‫فيا أيها الناس : اتقوا اهلل حق التقوى … عباد اهلل ، نقل ابن ماجة بسند صحيح عن النبي أنه قال‬
 ‫: (( من كانت همه اآلخرة جمع اهلل شمله وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا راغمة ، ومن كانت‬
                          ‫همه الدنيا فرق اهلل عليه أمره ولم يأته من الدنيا إال ما كتب اهلل له )).‬
     ‫إخوة اإليمان .. هذه الدنيا نسير فيها سير الواثق ، نلهث خلف سرابها الزائل ، نحث الخطى‬
 ‫مسرعين نحو لذائذها الفانية ، وننسى في غمرة ذلك السعي الحثيث لحطامها أن نوجه أنفسنا إلى‬
‫الخير فيقف بها على جادة التأمل في الحال ومراجعة الحساب .. ويسير بنا الحال وكأننا في سباق‬
‫محموم مع الزمن وملذاته التي نخشى فواتها … إنه باختصار وصف لحالنا وحال نفوسنا في هذه‬
‫الدنيا ، وتعالوا بنا إلى وقفة نتأمل فيها الحال ونذكر فيها النفوس في خضم الحياة وسدرة الغفلة ،‬
                                      ‫وما أحوج القلوب الراكدة ، والنفوس الغافلة إلى التذكير .‬
‫عباد اهلل : من خاف الوعيد وقصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف علمه ، وإن ربكم لم يخلقكم‬
   ‫عبثا ، ولن يترككم سدى ، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غدا ، فاألجل مستودع ،‬
                                                                                 ‫واألمل خادع .‬
  ‫تمر بنا الجنائز في مشاهد يومية نرى تجهيزها ويصلي الناس عليها، ويسيرون خلفها ، نشيعها‬
‫محمولة إلى مثواها األخير فترى من يلقي عليها نظرات عابرة وربما طاف بهم طائف من الحزن‬
    ‫يسير ، أو أظلهم ظالل من الكآبة خفيف ، ثم سرعان ما يغلب على الناس نشوة الحياة وغفلة‬
       ‫المعاش … فيا أهل الغفلة كيف ترجى اآلخرة بغير عمل، أم كيف ترجى التوبة مع الغفلة‬
           ‫والتقصير وطول األمل ، ويل ألهل الغفلة إن أعطوا لم يشبعوا وإن منعوا لم يقنعوا .‬
  ‫يا أهل الغفلة : هذه الدنيا كم من واثق فيها فجعته ، وكم مطمئن إليها صرعته ، وكم من محتال‬
 ‫ر‬
 ‫فيها خدعته ، وكم من مختال أصبح حقيرا وذوي نخوة أردته ذليال ، سلطانها دول ، وحلوها م ّ‬
                                                               ‫ٌ‬
                 ‫، وعذبها أجاج .. أحوالها إما نعم زائلة ، وإما باليا نازلة ، وإما منايا قاضية .‬
   ‫يا أهل الغفلة : أكثروا من ذكر الموت، بهذا أوصى نبينا محمد فقال : (( أكثروا من ذكر هادم‬
    ‫اللذات )) ، فما ذكره أحد في ضيق من العيش إال وسعه، وال في سعة إال ضيقها ، ومن ذكر‬
           ‫ن‬
  ‫الموت وما بعده حق الذكر حاسب نفسه في عمله وأمانيه ، وأيم اهلل ليوشكن الباقي م ّا أن يبلى‬
  ‫،والحي منا ومنكم أن يموت وأن تزال األرض منا كما أزلنا منها فتأكل لحومنا وتشرب دماءنا‬
 ‫كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمارها ثم نكون كما قال اهلل : ونفخ في الصور فصعق من في‬
 ‫السماوات ومن في األرض إال من شاء اهلل، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ،[الزمر:86]‬
                                        ‫بل‬
 ‫وقف رسول اهلل ذات مرة على شفير قبر فبكى حتى َّ الثرى ، ثم قال : (( يا إخواني لمثل هذا‬
 ‫فأعدوا ))، ويسأله عليه الصالة والسالم رجل فيقول : من أكيس الناس يا رسول اهلل ؟ فقال : ((‬
  ‫أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعداد له ، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ))، ومن‬
 ‫أكثر ذكر الموت أكرمه اهلل بثالث : تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة … ومن نسي‬
  ‫ابتلي بثالث : تسويف التوبة ، وترك الرضا بالكفاف ، والتكاسل بالصالة ، كفى بالموت للذات‬
 ‫هادما، وللجماعات مفرقا، ولألماني مقطعا، … واستبدل األموات بظهر األرض بطنا ، وبالسعة‬
 ‫ضيقا ، وباألهل مساكنهم ، والتراب أكفانهم ، والرفاة جيرانهم ، ال يجيبون داعيا ، وال يسمعون‬
   ‫مناديا ، كانوا أطول منا أعمارا وأكثر آثارا ، فما أغنى عنهم ذلكم من شيء لما جاء أمر ربك‬
    ‫فأصبحت بيوتهم قبورا ، صارت أموالهم للوارثين ، حل بهم ريب المنون ، وجاءهم ما كانوا‬
   ‫يوعدون : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ال ترجعون ،[المؤمنون: 155] فهل تفكرت يا‬
    ‫عبد اهلل بيوم المصرع الذي ليس لدفعه حيلة وال ينفع عند نزوله الندم ؟ هل حملنا هم اآلخرة‬
‫والحساب والعقاب الجزاء والثواب ؟ هل استعددنا لمواقف يوم القيامة ، وما أشدها على النفوس ؟‬
‫هل نتذكر حين يقف اإلنسان بضعفه وعجزه ، يقف العبد بفقره وذله ، يقف العبد بذنبه وخطيئته ،‬
         ‫يقف أمام جبار السماوات واألرض ، أمام القوي القهار العزيز الجبار ، من له العز كله‬
   ‫والجبروت كله والعظمة والقهر … يقف العبد أمام رب ال يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات‬
‫وال في األرض وال أصغر من ذلك وال أكبر ، يقف العبد أمام التواب جل جالله ، وقد زالت عن‬
   ‫غ‬
 ‫هذا العبد كل مظاهر القوة الزائفة ، فذهب عن الَِملك ُملكه ، وعن السلطان سلطانه ، وعن ال َني‬
                                                                        ‫و‬
‫عْناه ، وعن الق َي قواه ، لم يبق معه إال ضعفه وذلته وفقره إلى عفو ربه يقول جل وعال : ولقد‬
            ‫جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ،[األنعام:43]‬
‫دخل الخليفة المهدي مسجد رسول اهلل فقام له كل من في المسجد إال العالم الرباني ابن أبي ذئب ،‬
                                                                          ‫م‬
  ‫فقد بقي مطرقا فل ّا مر به المهدي قال له أحد حاشيته :لمْ تقم ألمير المؤمنين ، فقال : " ذكرت‬
‫قول اهلل : يوم يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي : كفى فوا اهلل لقد وقفت في بدني كل شعرة‬
‫"، إنه الموقف الذي تنفع فيه الصالت وتفلس فيه العالقات ، وتخذل فيه اإلمعات ، وأعوان الطغاة‬
 ‫الذين كانوا في الدنيا يمسكون بذيول المتكبرين والمتجبرين يبيعونهم دينهم بدنياهم ويطيعونهم في‬
 ‫معصية ربهم ويعلمون حينذاك بأي حبل ضعيف تعلقوا .. وبرزوا هلل جميعا فقال الضعفاء للذين‬
  ‫استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب اهلل من شيء قالوا لو هدانا اهلل لهديناكم‬
  ‫سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ،[إبراهيم:57] إنه الموقف الذي تنكشف فيه كل‬
                                                         ‫ي‬
    ‫حيلة ، ويظهر فيه كل زيف ، و ُخذل المنافقون الذين يصلون مع المسلمين وليس الصالة وال‬
  ‫الموعظة مرادهم ، وحدث النبي فقال : (( يلقى ربكم العبد فيقول: أي فالن ألم أكرمك وأسودك‬
‫وأزوجك وأسخر لك الخيل واألبل وأذرك ترأس وتربع فيقول : بلي يا رب ، فيقول :أفظننت أنك‬
   ‫مالقي ، فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما‬
 ‫استطاع ، فيقول اهلل الذي ال تخفى عليه خافية: هاهنا إذا : اآلن نبعث شاهدنا عليك ، فيتفكر في‬
 ‫نفسه من ذا الذي يشهد عليه ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فينطق ليعذر‬
  ‫من نفسه وذلك الذي يسخط اهلل عليه )) ، إنه موقف العرض على اهلل حين : خشعت األصوات‬
    ‫ا‬
    ‫للرحمن فال تسمع إال همسا ،[طه: 805] وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمً‬
                                                                     ‫ع‬
 ‫،[طه: 555] و ًرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل‬
‫لكم موعداً ، إنه موقف عظيم تبدد فيه األموال والقوي ، يقف فيه أمام اهلل ليسأله عن ماله من أين‬
                               ‫ح‬
   ‫اكتسبه وفيم أنفقه ؟.. قال : (( يجاء بابن آدم يوم القيامة كالَ َمل الضعيف فيوقف بين يدي اهلل‬
‫جل جالله فيقول اهلل تعالى : أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت ، فيقول يا رب جمعته‬
‫وثمرته وتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به ، فيقول اهلل : أرني ما قدمت ،فيقول معيدا : يا رب‬
                                                                               ‫وثم‬
   ‫جمعته َّرته وتركته أكثر ما كان ، فارجعني آتك به ، فإذا عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى‬
      ‫النار )) إنها مواقف القيامة حين المساءلة مع اهلل عز وجل … أما من عاشوا في هذه الدنيا‬
            ‫يتذكرون تلك المواقف ، يتذكرون ويقولون : إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً‬
 ‫،[اإلنسان:05] فإن اهلل يذكرهم وال ينساهم … روي في الحديث عن النبي أنه قال (( يؤتى بالعبد‬
 ‫فيوقف بين يدي ربه فيضفي عليه المولى جل جالله كنفه أي ستره ال يفضحه ، فيكلمه ربه وهو‬
     ‫أعلم به ، يا عبدي عملت يوم كذا وكذا ؟! عملت يوم كذا وكذا ؟! يقرره بذنوبه في اآلخرة ،‬
 ‫يقول : بلى يا رب ال ينكر من ذلك شيئا حتى إذا ظن أنه هالك ، قال له الرب الرحيم : فإنني قد‬
   ‫سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم ))، وروى أبو ذر عن النبي أنه قال : (( إن عبدا‬
  ‫يوقف بين يدي اهلل فيقول اهلل : اعرضوا عليه صغار ذنوبه واطووا عنه كبارها ، فتعرض عليه‬
 ‫ذنوبه الصغار ذنبا ذنبا يقرر بها ، ويقول : بلى يا رب ال ينكر منها شيئا وهو خائف أن تعرض‬
 ‫عليه كبارها ، فيقول اهلل له : فإني قد غفرتها لك اليوم وأبدلتها كل سيئة بحسنة ، فيقول : يا رب‬
              ‫إن لي ذنوبا ما أراها هنا )) ، قالوا أبو ذر: فضحك رسول اهلل حتى بدت نواجذه .‬
  ‫إخوة الدين والعقيدة ... من منا تفكر في تلك المواقف عند الموت وبعده ، حين ترتعد الفرائض‬
                                                 ‫ال‬
‫وتبلغ القلوب الحناجر ، وتجثو األمم على ُّركَب ، وأيقن المذنبون بالهالك والعطب في ذلك اليوم‬
 ‫العظيم حين يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه حين تتطاير الكتب فممسك كتابه بيمينه وآخر بشماله‬
  ‫حين تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم‬
‫بسكارى ولكن عذاب اهلل شديد ، فما ظنكم بنا إخوة اإليمان في ذلك اليوم ترى ما حالنا حينذاك إن‬
                                                                    ‫لم يتداركنا اهلل برحمته ؟!.‬
    ‫بأي حال نالقي اهلل ونحن من بارزه بالخطايا واستكثرنا من الذنوب ؟! بأي لسان ننطق ونحن‬
   ‫نرى عِظَمَ الموقف ؟! كيف الجواب لرب العزة الذي يخاطب بال حجاب ؟ ينظر العبد يوم ذاك‬
‫عن يمينه فال يرى إال ما قدم وعن شماله فال يرى إال ما قدم وينظر تلقاء وجهه فال يرى إال النار‬
  ‫، يسأل كل منا عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أباله ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه‬
       ‫وعن عمله ماذا عمل به … إننا نخسر ونخسر وقبل أن يدركك الشيطان .. عن أبي سعيد‬
  ‫الخدري عن النبي قال : (( إن الشيطان قال : وعزتك يا رب ، ال أبرح أغوي عبادك ما دامت‬
          ‫أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب عز وجل : وعزتي وجاللي ، ال أزال أغفر لهم ما‬
                           ‫استغفروني )) أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي .‬
                                       ‫التوبة .. التوبة يا عباد اهلل قبل أن يصل إليكم الموت …‬
                                         ‫يا أيها الباني الناسي منيته ال تأمنن فإن الموت مكتوب‬
                          ‫على الخالئق إن ُسروا وإن فرحوا فالموت حتف لذي اآلمال منصوب‬
                                     ‫ال تبنين ديارا لست تسكنها وراجع النسك فيما يغفر الحوب‬
 ‫فيا أيها العاصي وكنا ذاك ، هال خرجت وقد عزمت على التوبة ، يا من سود كتابه بالسيئات قد‬
 ‫آن لك بالتوبة أن تمحوا ، يا سكران القلب بالشهوات أما آن لفؤادك أن يصحو … إنها دعوة إلى‬
 ‫التوبة ، توبة من كل معصية يقارفها العبد في كل شؤون حياته ، في نفسه ودينه وماله وشهواته‬
                                                                        ‫ومنصبه ، فيا رب …‬
                                                                              ‫أ‬
                                      ‫أسأت ولم ُحسن وجئتك تائبا وأنى لعبد من مواليه مهرب‬
                                    ‫يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه فما أحد منه على األرض أخيب‬
   ‫اللهم اختم لنا بخاتمة الصالحين التائبين ، اللهم واجعلنا يوم الفزع آمنين ، واجعلنا ممن يؤتون‬
                                                           ‫م‬        ‫ي‬
  ‫كتابهم باليمين ، وممن ُرفع مقا ُهم في عليين .. أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم : قل يا عبادي‬
    ‫الذين أسرفوا على أنفسهم ال تقنطوا من رحمة اهلل إن اهلل يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور‬
  ‫الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم ال تنصرون واتبعوا أحسن ما‬
    ‫ت‬
   ‫أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ال تشعرون أن تقول نفس يا حسر َى‬
 ‫على ما فرطت في جنب اهلل وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن اهلل هداني لكنت من المتقين‬
                                                   ‫ر‬
   ‫أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي ك ّة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها‬
                                               ‫واستكبرت وكنت من الكافرين .[الزمر31-31]‬
                                         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم …‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                             ‫الحمد هلل على إحسانه …أما بعد :‬
  ‫فيا عباد اهلل : اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب اهلل وإن شر األمور‬
          ‫محدثاتها وكل محدثة بدعة، إن اهلل أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه إن اهلل ومالئكته يصلون .‬

‫(5/772)‬




                                                                                         ‫التوبة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                                            ‫التوبة‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                      ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                                            ‫عنيزة‬
                                                                                                    ‫جامع السالم‬
                                                       ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                 ‫ملخص الخطبة‬
       ‫5- توبة اهلل على الصحابة جزاء اتباعهم ألمر نبيه في غزوة تبوك. 7- األمر بالتوبة بعد‬
‫االنتهاء من بعض الطاعات. 3- اهلل يطلب من عباده أن يتوبوا إليه. 4- اهلل أرحم بعباده من األم‬
                               ‫بولدها. 1- توبة قاتل المائة. 6- بعض صور المعاصي في مجتمعنا.‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                         ‫أما بعد:‬
   ‫فاتقوا اهلل ـ يا أيها المسلمون ـ اتقوا اهلل عاد المسلمون من غزوة تبوك بعد سفر بعيد وجهاد‬
‫الغب، ومسافة طويلة، وشقة بعيدة، وأرض مترامية، حرارة الفحة، عادوا من غزوة العمرة التي‬
 ‫كانت آخر غزوة غزاها النبي ، وسبقتها غزوات كثيرة وحروب مريرة. وبعد أن عاد المسلمون‬
   ‫من وعثاء السفر، وطول البعد، والعطش الشديد، وقلة ذات اليد، وقلة الظهر والزاد .. بعد هذا‬
 ‫كله تلقاهم اهلل ـ جل جالله ـ بالترحاب والبشرى، وأنزل في سفرهم آيات تتلى، تحيى صبرهم‬
 ‫الكبير، ومشوارهم الطويل: لَقدْ تَابَ اهلل ََى َّ ِ ّ َالْ ُ َاج ِي َ َاالْنصَارِ ال ِينَ َّ َ ُوه ِى َا َ ِ‬
 ‫َّذ اتبع ُ ف س عة‬                    ‫عل النبى و مه ِر ن و‬                      ‫َ‬
               ‫ع ِ ِنه به ْ ر ف رح م‬                    ‫يز غ قل ُ َر ق م ُ ُم‬                    ‫ع ْ ة م ب ْد‬
 ‫الْ ُسرَ ِ ِن َع ِ مَا كَادَ َ ِي ُ ُُوب ف ِي ٍ ّنْهمْ ث َّ تَابَ َلَيْهمْ إ َّ ُ ِ ِم َءو ٌ َّ ِي ٌ [التوبة 255]،‬
‫إنها التوبة يا عباد اهلل ـ وإن هذا لمن أعظم ما يبين قدر التوبة وفضلها عند اهلل ـ عز وجل ـ.‬
 ‫التوبة كمال للمؤمن، وقد أعطى المولى ـ جل جالله ـ للرسول والصحابة معه هذا الكمال بعد‬
 ‫آخر الغزوات، بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم، وتركوا هلل ـ عز وجل ـ ديارهم،‬
    ‫فكانت مكافأتهم من اهلل بأن تاب عليهم، فكانت نعم الغاية ونعم المكافأة ،إنها التوبة يا عباد اهلل‬
‫التي ال تنال شيئا إال برحمة اهلل ـ عز وجل ـ، وتوفيق للعبد، ولن يستطيع أحد أن ينال شيئا إال‬
                            ‫ر‬                          ‫ن‬
  ‫برحمته ـ جل وعال ـ، حتى أ ّ أفضل خلقه وأشرف خلقه وأب ّهم وأكرمهم وأتقاهم وأخشاهم‬
                                     ‫م‬
    ‫يقول: ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله وال أنا إال أن يتغ ّدني اهلل برحمته))(5)[5]، لذلك فقد‬
‫كانت مكافأة اهلل ـ عز وجل ـ للرسول وصحابته عظيمة جليلة، بأن تاب عليهم بعد آخر غزوة.‬
                    ‫ي‬
    ‫وانظروا كذلك أيها اإلخوة المؤمنون، إلى رسول اهلل لما أتم أعظم عمل ُعمل، وأضخم إنجاز‬
                                                                              ‫ل‬             ‫ي‬
 ‫ُنجز، بعد أن بّغ رساالت اهلل، وفتح مكة بلد اهلل األمين، فدخل الناس في دين اهلل أفواجا، ودانت‬
                              ‫سب ح ِ ربك و ِ ه ِنه ن‬
            ‫له أرض الجزيرة، يأمره اهلل قائال: فَ َ ّحْ بِ َمْد َ ّ َ َاسْتَغْفرْ ُ إ َّ ُ كَا َ تَوبَا [النصر:3].‬
                ‫ي‬
     ‫إنها التوبة واالستغفار بعد هذا العمل الصالح المبرور، وبعد الجهاد الطويل الذي ُختم بالتوبة‬
                                            ‫واالستغفار والبشري بتوبة اهلل ـ عز وجل ـ إنه كان توابا.‬
           ‫إخوة اإليمان، نتذكر ذلك ونحن نستقبل شهرا عظيما هو رمضان بما فيه من أيام كريمة‬
 ‫ومناسبات عظمية، وإن أعظم ما يختم به ذلك وما يبدأ به شهر رمضان، توبة صادقة مخلصة هلل‬
     ‫ـ عز وجل ـ، يعيد منها اإلنسان تنظيم نفسه، فيعرف عيوبها وآفاقها، ويتخلص من الهنات.‬
                                                                                   ‫ت‬
    ‫التي ُزري بنفسه أمام بارئها، أال ترون أن النفس تستحق بعد كل مرحلة تعطفها من الحياة أن‬
                                                       ‫غ‬      ‫غ‬
 ‫تعيد النظر فيما أصابها من ُرم أو ُنم، أال تستحق نفوسنا أن نتعهد شؤونها بين الحين والحين،‬
   ‫لنرى ما عراها من اضطراب فنزيله، وما لحقها من إثم فننفيه، وبدون هذه المراجعة فإن القلب‬
               ‫ْر ُ فر‬         ‫به ع ذ ر َات و ه و‬                                    ‫و ت م‬
‫يغفل وينفرط األمر، َالَ ُطِعْ َنْ أَغْفَلْنَا قَلْ َ ُ َن ِكْ ِنَا و َّبَعَ هَ َا ُ َكَانَ أَم ُه ُ ُطًا [الكهف:87]،‬
     ‫فكان تفريط األمر، تفريط األمر واتباع الهوى لمن غفل قلبه، وإن خير فرصة لهذه المراجعة‬
   ‫والمحاسبة والبداية بحياة جديدة ورحلة جادة في الطريق إلى اهلل ـ عز وجل ـ والدار اآلخرة.‬
    ‫رمضان، إنه فرصه للتوبة النصوح التي تنقلنا من مرارة المعصية إلى لذة الطاعة، وتنقلنا من‬
                               ‫وحشة الغفلة إلى أنس الذكر، تنقلنا من وهدة الخطيئة إلى عزة اإليمان.‬
    ‫وليست التوبة فترة قصيرة يعود بعدها اإلنسان إلى ما ألف من فوضى وإسفاف. إن التوبة هي‬
  ‫العودة الظافرة التي ينتصر بها اإلنسان على أسباب الضعف والخمول. إنها التوبة التي يقول اهلل‬
                                    ‫ا ُم َ‬               ‫وإن َف ر لم ب و من وع ِ‬
      ‫عنها: وإني َِ ّى لَغ َّا ٌ ّ َن تَا َ َا َ َ َ َملَ صَالِحًَ ث َّ اهْتدَى [طه:78]. هذا هو أثرها فبعد‬
‫ة‬                                         ‫ا ُم َد‬
‫التوبة واإليمان وعمل الصالحات قال: الِحًَ ث َّ اهْت َى، وهي إشارة إلى حياة تجددت بعد لى، ونقل ٍ‬
                                                                                            ‫غيرت معالم النفس.‬
       ‫أيها األخوة المؤمنون، إن علينا أن نسارع بالتوبة وانتهاز اليوم، وإن انتهاز اليوم أفضل من‬
 ‫انتظار الغد، وانتهز الصباح أولى من انتظار المساء، وأما تعليق التوبة على أمنية في الغيب فهو‬
                                                                 ‫ر‬
         ‫إرجاء ال يعود بخير، وحذا ِ من أن نفهم أن التوبة ال تحدث فقط إال بعد فاحشة ترتكب أو‬
    ‫معصية كبيرة، ولنتذكر أن التوبة وظيفة العمر، وأن أفضل التوبة التي تأتي بعد طاعة وصفاء‬
    ‫قلب وأنس باهلل ـ عز وجل ـ، ولذا ختم الصحابة جهادهم بتوبة اهلل عليهم، وختم النبي بالغه‬
     ‫ن ْ ل ال م‬
    ‫لرسالة اهلل باستغفار اهلل إنه كان توبا، ويقول اهلل ـ جل وعال ـ واصفا عباده: كَا ُوا قَِي ً ّن‬
                                                     ‫ح ر ُ ي ِر‬                  ‫ي جع ن و‬           ‫ال ْ‬
 ‫َّيلِ مَا َهْ َ ُو َ َبِاألَسْ َا ِ همْ َسْتَغْف ُونَ [الذاريات:25، 85]، ويأمرنا رسول اهلل بعد كل صالة‬
                 ‫أن نستغفر اهلل ثالثا(7)[7]، إذاً إنها التوبة التي تأتي بعد الطاعة فهي أفضل التوبة.‬
‫فالعزم كل العزم والحزم كل الحزم، بأن نجعل رمضان بداية حياة جديدة وبداية لتعديل المسار في‬
                                            ‫رب و‬
      ‫الحياة. وتذكروا حينما نتوب أننا نتوب إلى ٍّ ت ّاب، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،‬
      ‫ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، وينادينا نحن المذنبين‬
 ‫ط م ر م الل ِن الل ي ِر‬                             ‫ْ َف عل فس ِ‬              ‫ق عب ِ َّذ‬
 ‫المخطئين المسرفين، ُلْ يا ِ َادىَ ال ِينَ أَسر ُواْ ََى أَن ُ ِهمْ الَ تَقْنَ ُواْ ِن َّحْ َةِ َّهِ إ َّ َّهَ َغْف ُ‬
                              ‫ف ر الر م و ن ب إ رب ُ و لم ه‬                                ‫الذن ب جم ِنه ه‬
      ‫ُّ ُو َ َ ِيعاً إ َّ ُ ُوَ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ َأَ ِي ُواْ ِلَى َّكمْ َأَسِْ ُواْ لَ ُ [الزمر:31، 41]، ولنتذكر‬
    ‫حينما نتوب أن اهلل يفرح بتوبة العبد، روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اهلل : ((هلل‬
‫أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فالة، فانفلتت منه وعليها‬
‫طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ‬
    ‫هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من‬
 ‫شدة الفرح))(3)[3]، وإننا حين نتوب ونستغفره، فإننا ندعو ونستغفر ربا غفارا ينادي عباده: ((يا‬
‫عبادي، إنكم تذنبون بالليل والنهار وال يغفر الذنوب إال أنا فاستغفروني أغفر لكم))(4)[4]، وينادي‬
  ‫وهو الغني عن عباده: ((يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك وال‬
     ‫أبالي. يا ابن آدم، لو لقيتني بقراب األرض خطايا، ثم لقيتني ال تشرك بي شيئا، لقيتك بقرابها‬
        ‫مغفرة..))(1)[1]، إنه الرب الرحيم الرحمن الذي كتب في كتاب عنده: ((إن رحمتي سبقت‬
  ‫غضبي))(6)[6]، وهو الذي قسم الرحمة مائة جزء أنزل منها على خلقه جزءا واحدا يتراحم به‬
      ‫الخلق كلهم، وأبقى تسعة وتسعين جزءا يرحم بها عباده(2)[2]. قدم على النبي بسبي فإذا في‬
‫السبي امرأة تطوف بين السبي، قد زا بصرها، وشعث رأسها، وهي في حالة ذهول، تبحث عن‬
   ‫فلذة كبدها، تبحث عن ولدها، وكان هذا التطواف منها بمرأى النبي فما هو إال أن وجدت ولدها‬
    ‫ذاك فالتزمته، وألصقته بصدرها، وألقمته ثديها تطعمه وضانا، فنظر النبي إلى عاطفة األمومة‬
  ‫ورحمة األم، وتعجب الصحابة من ذلك فسألهم أترون هذه المرأة ملقية ولدها في النار. قالوا: ال‬
       ‫يا رسول اهلل. فقال: ((هلل أرحم بعباده من هذه بولدها)) رواه البخاري ومسلم(8)[8]، وروى‬
      ‫البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجل قتل‬
                                         ‫د‬
‫تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل األرض ف ُل على راهب، فأتاه فأخبره وهل له من توبة ؟‬
  ‫فقال: ال، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل األرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل‬
‫مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا‬
   ‫فإن بها أناسا يعبدون اهلل ـ تعالى ـ فاعبد اهلل معهم، وال ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء،‬
‫فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه مالئكة الرحمة ومالئكة العذاب، فقالت‬
‫مالئكة الرحمة جاء تائبا مقبال بقلبه إلى اهلل ـ تعالى ـ، وقالت مالئكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا‬
    ‫قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكما، فقال: قيسوا ما بين األرضين فإلى أيتهما‬
‫كان أدنى فهو له، فأوحى اهلل تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي، فقاسوا فوجدوه أدنى‬
                                       ‫إلى األرض التي أراد فقبضته مالئكة الرحمة وغفر له))(3)[3].‬
                    ‫و‬
    ‫هذه هي رحمة اهلل ـ جل وعال ـ يا إخوة اإليمان، فهل ننجز التوبة، فال نس ّفها، فال نخلفها،‬
     ‫ونجعل من رمضان بداية تغيير المسار إلى األفضل، وتقويم السير في الطريق إلى اهلل ـ عز‬
                                                                                                          ‫وجل ـ.‬
  ‫نسأل اهلل ـ جل جالله ـ أن يعيننا على التوبة وييسرها لنا، وأن يتقبل منا األعمال. اللهم وفقنا‬
        ‫للتوبة وتقبلها منا وأعنا عليها إنك أنت التواب الرحيم، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصل‬
  ‫ِّ اللهم‬
                                                                                      ‫وسل‬
                                          ‫ِّم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.‬


                                                            ‫-------------------------‬
                                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                              ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه.‬
                                                                                                    ‫أما بعد:‬
 ‫فيا أيها اإلخوة المؤمنون، ونحن نودع قافلة من قوافل الزمن ومرحلة من مراحل التاريخ، نودع‬
‫عاما ونتلقى عاما، ودعنا عاما حصلت فيه أحداث لألمة، حفرت أخاديد في وجه التاريخ. وإن من‬
    ‫أعظم أنواع الغفلة، أن تمر هذه األعوام واألحداث، ثم ال نرى بعد في الواقع أثرا، وال تأثرا،‬
   ‫فنعوذ باهلل أن نكون ممن قال اهلل فيهم: أوال يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم ال‬
                                                                                 ‫يتوبون وال هم يذكرون.‬
   ‫انظروا إلى أحداث أمتنا اإلسالمية في العام الماضي، مصائب وكوارث، قتل وحرق ألفرادها،‬
 ‫هتك لألعراض، وتشريد لألطفال، وتجهيل األمة وإخراجها منها، وال أبالغ حين أقول إنه لم يمر‬
    ‫يوم من أيام السنة الماضية، إال وكانت لألمة اإلسالمية فيه حدث مؤلم أو إهانة تعرضت لها،‬
‫حتى كأن وسائل اإلعالم اإلخبارية تخصصت في ذكر مصائب المسلمين، ولم آت ألعدد مصائب‬
  ‫المسلمين وكوارثهم وأحزانهم، فهذا ما ال أستطيعه في هذه العجالة، ومما ال يتسع المقام لذكره.‬
      ‫إخوة اإليمان، جاءت هذه األحداث لألمة، لتبين أننا أحوج ما نكون إلى الوضوح ن وتلمس‬
    ‫األخطاء ومعالجة العوار، والعودة إلى الدين، ولكن من األسف ال زالت األمة تجد وقتا فارغا‬
   ‫وأمواال مبذولة وآذانا سامعة، للتسلية المحرمة وإفساد المجتمع بجميع فئاته، عن طريق بعض‬
‫القنوات اإلذاعية الجديدة التي نذرت نفسها طوال ساعات اليوم للبث واإلفساد. باألمس القريب كنا‬
  ‫نشكو من القنوات الفضائية عبر الدشوش التي عمت وطمت ووجهت اإلفساد إلى هذا المجتمع،‬
  ‫واليوم نرى هذه القنوات اإلذاعية التي خصصت للموسيقى واألغاني المائعة الماجنة، وليس هذا‬
      ‫فقط بل وتبادل المكالمات الهاتفية، النساء مع الرجال والعكس بالعكس، وتبادل الضحكات..‬
‫ومناقشة بعض األفكار التي ما كنا نسمعها تذاع من قبل أو يتجرأ أحد على طرقها، ولم يكفهم هذا‬
     ‫بل راحوا يعلنون عنها في كل مكان بوسائل مغرية حتى شوارعنا ملؤوها باإلعالن عن هذه‬
‫الترهات، وبأن الحال ستبدل بها دعوة لألمة للتلهي عن قضاياها المصيرية، وتغريرا بفتيان األمة‬
‫وفتياتها وتضييع اهتماماتهم، إن هذا كله إضاعة لتميز هذه األمة وإضاعة لعقيدتها، نحن خير أمة‬
               ‫و ن َ م ر وت من ِالل‬                            ‫ُر ن م ْر‬
         ‫أخرجت للناس، بم كان ذلك: تَأْم ُو َ بِالْ َع ُوفِ َتَنْهَوْ َ عنِ الْ ُنْكَ ِ َُؤْ ِ ُونَ ب َّهِ [آل‬
 ‫عمران:055]، فهل اشتغلنا بهذا، وهل رسخنا هذه القضية في قلوبنا وقلوب من حولنا، هل جعلنا‬
                                                    ‫هذا همنا وهويتنا؟! أسئلة أدع إجاباتها لعقولكم.‬
 ‫إننا أمة ما تميزت بالفن حتى نفتخر بذلك، إننا أمة ما تميزت بالرياضة التي شغلت عقولنا وأفئدة‬
    ‫شبابنا، إننا في هذه الجزيرة لنا ما يميزنا، ولنا الرسالة التي نحملها للدنيا، ولنا ما ندعو العالم‬
                                                                                   ‫ي‬
‫إليه، ولنا ما نب ّنه للعالم فنقول ها نحن، وهذه بضاعتنا، إننا أتينا لنقول للعالم إن اهلل ابتعثنا لنخرج‬
‫العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا واآلخرة، ومن جور‬
‫األديان إلى عدل اإلسالم، نقول للعالم أتينا لنحرر العقل من الخرافة، ولنحرر اإلنسان من العبودية‬
   ‫إال هلل، ولنضع الناس على طريق أوله في أيديهم وآخره في الجنة، هذه رسالتنا، هذه مفاخرنا،‬
                                                                                     ‫وهذه بضاعتنا.‬
                                                 ‫نحن يا فنان ما عاد لنا ……أذن تهفو وللحن تحن‬
                                              ‫كل ما فينا جراح ودم ……نازف من كبد حري تئن‬
                                                ‫أنغني للهوى في مأتم ……ولنا من دمنا كأس ودن‬
                                             ‫وسيوف ال نصقلها……وسيوف الرقص للرقص تسن‬
                                             ‫أمتي يحميك نار ولظى ……ليس يحميك أغاريد وفن‬
       ‫نداء إلى أمة أن تعرف هدفها وغايتها لتسعى من أجلها وتنبذ ما يرديها في مهاوي السقوط‬
                                                                                             ‫والغفلة.‬
  ‫أسأل اهلل ـ جل وعال ـ أن يرد ضال المسلمين إليه ردا جميال، وأن يحسن عاقبتنا، وأن يجعل‬
 ‫مآل األمة خيرا، وصلوا وسلموا ـ يا عباد اهلل ـ على من أمركم اهلل بالصالة والسالم عليه، إن‬
                                                   ‫اهلل ومالئكته يصلون على النبي [األحزاب:61].‬
                                                                                         ‫صل‬
                                                                                  ‫اللهم ِّ وسلم..‬
                                                                                    ‫__________‬
                                              ‫(5) أخرجه البخاري ح (3646) ، ومسلم (6587).‬
                                                                          ‫(7) أخرجه مسلم (533).‬
                                                                        ‫(3) صحيح مسلم (2427).‬
                                                ‫(4) قطعة من حديث قدسي أخرجه مسلم (4264).‬
  ‫(1) صحيح ، قطعة من حديث قدسي أخرجه أحمد (1/415) والترمذي (0413) وقال : حديث‬
                                                                                             ‫غريب.‬
                                              ‫(6) أخرجه البخاري (7287) ، ومسلم ح (3334).‬
                                                                        ‫(2) أخرجه مسلم (7187).‬
                                          ‫(8) صحيح البخاري (3331) ، صحيح مسلم (4127).‬
                   ‫(3) صحيح البخاري (0247) ، صحيح مسلم (6627) ، مسند أحمد (3/72).‬
‫(5/372)‬




                                                    ‫وقفات مع أبي بكر الصديق رضي اهلل عنه‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                       ‫تراجم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                         ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                       ‫عنيزة‬
                                                                                  ‫8/3/6545‬
                                                                                 ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- فضل الصديق األكبر رضي اهلل عنه. 7- جوانب من عظمة أبي بكر وتضحياته في مهد‬
 ‫اإلسالم. 3- مكانة الصديق عند رسول اهلل . 4- عظمة الصديق في خالفته نموذج ألولياء أمور‬
                                                                                   ‫المسلمين.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫أما بعد، فاتقوا اهلل ـ إخوة اإليمان رحمكم اهلل ـ. أيها المسلمون، األمم والشعوب كما تحقق العز‬
 ‫والمجد يمسها الضعف والهوان، وتاريخ اإلسالم ليس مجرد أحداث مدونة ووقائع مسجلة، ولكنه‬
‫عقيدة األمة ودينها ومقياسها وميزانها وعظتها واستكبارها والتاريخ هو الكنز الذي يحفظ مدخرات‬
 ‫األمة في الفكر والثقافة والعلم والتجربة، وهو الذي يمدها ـ بإذن اهلل ـ بالحكم التي تحتاجها في‬
                                                                        ‫ل‬
     ‫مسيرة الزمن وتقّبِ األحداث. واألمة التي ال تحسن فقه تأريخها، وال تحفظ حق رجالها أمة‬
                                                         ‫ضعيفة هزيلة مضيعة لمعالم طريقها.‬
  ‫إخوة اإليمان، نقف اليوم بكم مع رجل ال كالرجال, وفذ ال كاألفذاذ, يكفيه أنه صاحب رسول اهلل‬
                                                                                    ‫المقد‬
‫َّم، إنه عظيم القدر رفيع المنزلة، نصر الرسول يوم خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس،‬
                                                                  ‫َ‬
                                                                  ‫ج‬
      ‫وصدقه يوم كذبه الناس، ِهل فعله الكثير من أبناء المسلمين، ولم يقدره قدره بعض أجيالنا‬
                                       ‫مغن‬
 ‫ورجالنا ومثقفينا وكتابنا, يعرفون عن مغنية أو ًّ أو ال عب رياضي أو ساقط أو ساقطة، أكثر‬
                                                                  ‫ع‬
         ‫مما يعرفون عن هذا ال َلمَ، إنه أفضل الصحابة، ما طلعت الشمس وال غربت بعد النبيين‬
                  ‫ي‬                                       ‫و‬
                                                          ‫ُ‬
  ‫والمرسلين على خير منه، إنه من ِزن إيمانه بإيمان األمة فرجح إيمانه، لم ُؤْثر عنه أنه شرب‬
                       ‫ي‬                                                  ‫ي‬
‫خمرا قط، ولم ُْؤثر عنه أنه سجد لصنم قط، ولم يتعامل بربا قط، ولم ُؤْثر عنه كذب قط، إنه من‬
      ‫ال يخفى،فهو أبو بكر الصديق وأرضاه، ولعن اهلل من أبغضه وعاداه من الرافضة والباطنية‬
   ‫والضالل، نقف بكم اليوم على شيء من خبره وفيض من سيره، في وقت نحن أحوج ما نكون‬
      ‫فيه إلى سير أمثال هؤالء، والحال في الغالب قد تسر العدو وتحزن الصديق، ولنعلم أنه يوم‬
      ‫تدارى أمثال هذا الرجل ظهر الفساد، وتطاول األقزام، ونطق الرويبضة، وضيعت األمانة.‬
‫روى ابن كثير في سيرته: عن عائشة ـ رضي اهلل عنها ـ قالت: (لما اجتمع أصحاب رسول اهلل‬
    ‫ألح أبو بكر على رسول اهلل في الظهور وعدم االختفاء، فقال : يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو‬
‫بكر يلح حتى وافقه على ذلك، وظهر رسول اهلل والمسلمون، وتفرقوا في نواحي المسجد وقام أبو‬
 ‫بكر خطيبا في الناس فكان أول خطيب دعا إلى اهلل، وثار عليه المشركون وثاروا على المسلمين‬
  ‫معه، وضربوا أبا بكر ضربا شديدا حتى أن عتبة بن ربيعة دنا منه فجعل يضرب وجهه بنعلين‬
 ‫مخصوفتين، ثم ينزو على بطنه حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم قوم أبي بكر وأجلوا‬
‫عنه المشركين، وقالوا: لئن مات لنقتلن عتبة ثأرا ألبي بكر، وأبو بكر مغمى عليه ال يتكلم بكلمة،‬
   ‫رجع إليه قومه ليكلموه، فما تكلم إال آخر النهار، فماذا قال ؟ لقد قال: ما فعل رسول اهلل ؟ هذا‬
   ‫همه الذي يشغله حتى عن نفسه وراحت أمه تلح عليه أن يطعم شيئا وهو يقول: ما فعل رسول‬
‫اهلل ، فتقول: واهلل يا بني ما لي علم بصاحبك، فيقول لها: اذهبي إلى أم جميل فاطمة بنت الخطاب‬
    ‫فسليها، فخرجت إليها: فقالت: إن ابني يسأل عن محمد، فقالت لها أم جميل: أتحبين أن أذهب‬
 ‫معك إلى ابنك، تريد سرية األمر، فقالت: نعم، فمضت إلى أبي بكر فوجدته صريعا، فقالت: واهلل‬
‫إن قوما نالوا هذا منك ألهل فسق وكفر، وإني ألرجو أن ينتقم اهلل لك منهم، فيقول أبو بكر مرددا:‬
 ‫ما فعل رسول اهلل ، فقالت: إنه سالم صالح، فقال: أين هو ؟ فقالت: في دار ابن األرقم، قال: فإن‬
      ‫هلل علي أن ال أذوق طعاما وال شرابا، حتى آتي رسول اهلل ، فانتظروا حتى سكن الناس، ثم‬
 ‫خرجت أمه وأم جميل يتكأ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول اهلل ، فلما رآه عليه الصالة والسالم‬
 ‫قبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول اهلل رقة شديدة لما يرى منه، فقال أبو بكر: بأبي أنت‬
  ‫وأمي ليس بي من بأس إال ما نال الفاسق من وجهي، ثم قال:يا رسول اهلل هذه أمي برة بولدها،‬
 ‫وأنت مبارك فادع اهلل لها وادعها إلى اهلل، فدعاها ودعا لها رسول اهلل ، فشهدت أن ال إله إال اهلل‬
                                         ‫وأن محمدا رسول اهلل)(5)[5]، وهذا من أعظم البر.. .‬
      ‫هذا موقفه، وهذه تضحيته في سبيل اهلل، الذي به عال شأنه، وارتفعت مكانته، وأبو بكر كان‬
‫السبب في دخول الكثير في اإلسالم منهم ستة من العشرة المبشرين: عثمان وطلحة والزبير وسعد‬
                                           ‫وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة رضي اهلل عنهم.‬
   ‫وهو من أعتق عشرين من الصحابة من ربقة العبودية، الذين كانوا يعذبون بأشد أنواع العذاب‬
  ‫وأقساه، وأنفق في ذلك أربعين ألف دينار، هي كل تجارته، ليحقق معنى الجسد الواحد، الذي إذا‬
                                       ‫اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.‬
                                                 ‫س‬
   ‫ثم إلى وقفة أخرى مع الصديق حينما أ ُري وعرج بالنبي في حادثة ومعجزة غريبة لم يعتدها‬
                           ‫َذ‬          ‫ُ‬
                                       ‫و‬
‫مشركو قريش، بل لقد تأثر بعض ضعاف المسلمين ِفتن بأن ك َّب باإلسراء والمعراج، وحصوله‬
    ‫في ليلة واحدة، فيذهب بعضهم إلى أبي بكر يريدون زعزعة عقيدته وإيمانه، فيخبرونه الخبر‬
‫فوقف أمامهم ثابتا، وهو يقول: (إن كان قال فقد صدق اآلن..) (7)[7]، واستحق أبو بكر أن يلقب‬
                                                                                     ‫بالصديق.‬
     ‫أما حديثه في الهجرة فهو الحديث الذي ال ينقضي منه العجب، هل أحدثكم عن رغبته الملحة‬
  ‫بمرافقة النبي ، وإعداده لهذه الرحلة وتربية أوالده لخدمة الدعوة في هذه الرحلة، أم أحدثكم عن‬
   ‫فرحته العارمة حينما أذن اهلل لنبيه بالهجرة، وصحبته معه حتى أن فرحته هذه أبكته، كما تقول‬
‫عائشة رضي اهلل عنها في حديث البخاري: (ما علمت الرجل يبكي من شدة الفرح إال يومئذ حينما‬
‫رأيت أبي يبكي من شدة الفرح) (3)[3]، ترى هل كان فرحه لمرافقة النبي لنزهة صيفية؟، ال إنها‬
    ‫رحلة إلى عمق األخطار، حيث قريش تبذل مائة ناقة لمن يأتي برأس أحدهما، أم أخبركم عن‬
  ‫محافظته على النبي في هذه الرحلة حين كان يمشي أمامه تارة ثم يرجع خلفه ثم يذهب يمينا ثم‬
       ‫شماال، فيسائله رسول اهلل عن ذلك فيقول: يا رسول اهلل بأبي أنت وأمي إذا تذكرت الرصد‬
 ‫تقدمت، وإذا تذكرت الطلب تأخرت، فدعا له النبي بخير وقبل دخول الغار، يدخل أبو بكر ليتفقد‬
          ‫الغار من الحشرات الضارة ويسد خروق الغار، بيديه ورجله حفاظا على النبي (4)[4].‬
    ‫إنها التضحية والفداء في سبيل نماء هذه الدعوة، وظهورها، فبذل أبو بكر والصحابة معه كل‬
‫قدراتهم في سبيل ذلك فأين نحن من هذا ؟! أين دورنا مع الدعوة إلى اهلل ؟! أين دفاعنا عن الدعاة‬
                                                             ‫والعلماء والذب عن أعراضهم ؟!.‬
  ‫أيها اإلخوة المؤمنون، أما وقفتنا التالية مع أبي بكر الصديق - رضي اهلل عنهم - فهي تبين لنا‬
‫مكانته عند النبي ، أخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: (كنت جالسا عند رسول اهلل ، إذ أقبل أبو‬
                                                                              ‫ذ‬
  ‫بكر آخ ًا بطرف ثوبه حتى أبدى ركبته، فلما رآه قال: أما صاحبكم فقد غامر، أي وقع في هول‬
     ‫وخطر، فأقبل حتى سلم على رسول اهلل ثم قال: يا رسول اهلل: إنه كان بيني وبين عمر شيء‬
‫فأسرعت إليه – أي أخطأت عليه – ثم إني ندمت على ماكان مني فسألته أن يغفر لي، فأبى علي،‬
 ‫فتبعته البقيع كله حتى تحرز بداره مني، وأقبلت إليك يا رسول اهلل ؛ فيقول : ((يغفر اهلل لك يا أبا‬
    ‫بكر يغفر اهلل لك يا أبا بكر))، ثم ندم عمر حين سأله أن يغفر له فلم يصفح عنه فخرج يبحث‬
                                                      ‫ثم‬
     ‫عنه، حتى أتى منزل أبي بكر، فسأل هل َّ أبو بكر، فقالوا: ال نعلم، فعلم أنه عند رسول اهلل‬
     ‫فأقبل إلى رسول اهلل ، حتى إذا سلم فجعل وجه النبي يتمعر حتى أشفق أبو بكر أن يكون من‬
     ‫ت‬         ‫ت‬
     ‫رسول اهلل إلى عمر ما يكره فجثا أبو بكر على ركبتيه، وقال: يا رسول اهلل، كن ُ أظلم كن ُ‬
‫أظلم، فيقول - مبينا مكانة أبي بكر – ((إن اهلل بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت،‬
   ‫وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟! فهل أنتم تاركون لي صاحبي ؟! )) فما‬
                                                               ‫أوذي الصديق بعدها أبدا(1)[1].‬
    ‫أما بذل الصديق وعطاؤه، فيصفه لنا عمر بن الخطاب فيقول: كما روى الترمذي بسند حسن:‬
 ‫(ندب النبي وسلم للصدقة ذات يوم فوافق ذلك ماال عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر ولم أكن أسبقه‬
 ‫في شيء طول الدهر، فجئت بنصف مالي فتصدقت به، فقال : ما أبقيت ألهلك، قال عمر: أبقيت‬
 ‫لهم مثله، ويأتي أبو بكر بكل ماله لم يبق قليال وال كثيرا، فيقول له رسول اهلل : ما أبقيت ألهلك،‬
   ‫قال: أبقيت لهم اهلل ورسوله !! فيقول عمر: فقلت في نفسي واهلل ال أسابقك إلى شيء بعد اليوم‬
                                                                                  ‫أبدا) (6)[6].‬
    ‫وروى اإلمام أحمد أن النبي قال: ((أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه‬
        ‫أمتي))، فقال أبو بكر وددت يا رسول اهلل أني معك حتى أنظر إليه، فقال له عليه الصالة‬
                          ‫والسالم: ((أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)) (2)[2].‬
     ‫هذه مواقف أبي بكر، هذه تضحياته، هذا فضله. أما حاله حين ولي الخالفة، حين ولي مقاليد‬
 ‫األمة، فهو الحال الذي تفتقده أمة اإلسالم اليوم في والتها وحكامها، وجدير بكل من ولي من أمر‬
            ‫المسلمين شيئا أن يتأمل سيرته وحاله في واليته، أرأيتم خطبته حين تولى فماذا قال؟!‬
         ‫فقو‬
    ‫(أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت ِّموني،‬
  ‫الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى‬
   ‫آخذ الحق منه، ال يدع قوم الجهاد إال خذلهم اهلل بالذل، وال تشيع الفاحشة في قوم إال عمهم اهلل‬
      ‫بالبالء، أطيعوني ما أطعت اهلل ورسوله، فإذا عصيتهما فال طاعة لي عليكم)(8)[8] هذا هو‬
  ‫دستور أبي بكر في خالفته وواليته، فهل كانت هذه خطبة رنانة، وأقواال فضفاضة، كالتي تنشر‬
   ‫على شعوب اإلسالم اليوم وال يطبق حرف؟ هل كان قوله هذا غشا أو تجارة أو دعوة النتخابه‬
                                                            ‫فقط؟ ال؛ إنه أبو بكر، إنه الصديق.‬
       ‫أول ما عمل أن سير جيش أسامة الذي ندبه النبي فأرهب به الروم والعرب، ثم قام بحرب‬
 ‫المرتدين، وما تهاون معهم بل قال: (واهلل ألقاتلن من فرق بين الصالة والزكاة ؟ واهلل لو منعوني‬
  ‫عقال بعير كانوا يؤدونه للنبي لقاتلتهم عليه)(3)[3]، روي في السير عن عمر بن الخطاب قال:‬
    ‫(كنت أفتقد أبا بكر أيام خالفته ما بين فترة وأخرى، فلحقته يوما فإذا هو بظاهر المدينة – أي‬
 ‫خارجها – قد خرج متسلال، فأدركته وقد دخل بيتا حقيرا في ضواحي المدينة، فمكث هناك مدة،‬
‫ثم خرج وعاد إلى المدينة، فقلت ألدخلن هذا البيت فدخلت فإذا امرأة عجوز عمياء، وحولها صبية‬
    ‫صغار، فقلت: يرحمك اهلل يا أمة اهلل من هذا الرجل الذي خرج منكم اآلن؟ فقالت: أنه ليتردد‬
      ‫علينا حينا، واهلل إني ال أعرفه، فقلت: فما يفعل ؟ فقالت: إنه يأتي إلينا فيكنس دارنا، ويطبخ‬
‫عشاءنا، وينظف قدورنا، ويجلب لنا الماء، ثم يذهب، فبكى عمر حينذاك، وقال: اهلل أكبر واهلل لقد‬
                                                           ‫أتعبت من بعدك يا أبكر) (05)[05].‬
‫إننا إخوة اإليمان، تحت ضغط الحياة المادية نعتبر هذا الكالم نسج خيال، ولكنه اإليمان الذي وقر‬
    ‫في قلوب أصحاب النبي فحولوه من أقوال إلى أعمال ومن آيات تتلى وتحفظ إلى أحكام تطبق‬
                                                                                                   ‫ويعمل بها.‬
 ‫هذه جهود أبي بكر في اإلسالم وهذا عمله، وهذه واليته، ولذلك فقد استحق عن جدارة قول النبي‬
 ‫فيما رواه الترمذي: ((ما من صاحب يد إال وقد كافأناه عليها إال أبا بكر فإن له عند اهلل يدا يكافئه‬
  ‫بها يوم القيامة ))(55)[55]، وختم حياته أبا بكر عنه بالمسك بأن ولي عمر بن الخطاب الخالفة‬
                                                                     ‫ز‬
   ‫بعده فكانت خالفته ع ًا وقوة لإلسالم، وأوصى أبو بكر في حال موته، فقال: "أما قد ولينا أمر‬
                                                   ‫ل‬
   ‫المسلمين فلم نأكل درهما، وال دينارا، وُكْنا خشن طعامهم في بطوننا، ولبسنا خشن ثيابهم على‬
   ‫ظهورنا، وليس عندنا شيء من فيء المسلمين، فانظروا ما زاد من مالي فابعثوا به إلى الخليفة‬
                                                                     ‫رت‬
‫من بعدي "، فما تَ ِك ُه يا ترى؟ ما تركة من كانت ميزانية األمة تحت يديه ؟ لقد خلف عبدا حبشيا‬
  ‫وبعيرا كان يسقي عليه وعباءة ال تساوي خمسة دراهم، فلما بعثوا بها إلى عمر بكى حين رآها‬
                        ‫حتى سالت دموعه، وقال: (رحم اهلل أبا بكر لقد أتعب من بعده) (75)[75].‬
                                                  ‫ي‬
  ‫نعم رحم اهلل أبا بكر وعمر وعثمان وعل ًا وسائر صحابة رسول اهلل لقد ودع الصديق األمة بعد‬
                         ‫أن جعل من نفسه مثال للداعية والمجاهد والعابد والزاهد والخليفة والوالي.‬
     ‫حد ي َر‬               ‫بم‬            ‫َ ف صص ِ ع ة ال ل‬                ‫َ‬
    ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: لَقدْ كَان ِى قَ َ ِهمْ ِبْرَ ٌ ّوِْى االلْبَا ِ َا كَانَ َ ِيثًا ُفْت َى‬
                  ‫ُد َ م ْم ي من ن‬                          ‫ُل‬           ‫د َّ ب َد ه و‬                    ‫و ك‬
       ‫َلَا ِن تَصْ ِيقَ الذِى َيْنَ ي َيْ ِ َتَفْصِيلَ ك ّ شَىْء وَه ًى ورَحْ َةً لْقَو ٍ ُؤْ ِ ُو َ.[يوسف:555]‬


                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                                       ‫لم ترد.‬
                                                                                             ‫__________‬
                                                         ‫(5) البداية والنهاية البن كثير (3/37 ـ 03).‬
                         ‫(7) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/76 ـ 36) وصححه ووافقه الذهبي.‬
    ‫(3) هذه اللفظة ليست في حديث البخاري، وانظر القصة في صحيح البخاري (6033)، وقول‬
          ‫عائشة هذا أخرجه ابن إسحاق في سيرته (سيرة ابن هشام 7/184)، وراجع فتح الباري‬
                                                                                                   ‫(2/137).‬
    ‫(4) أخرجه الحاكم (3/6) وقال: صحيح على شرط الشيخين لوال إرسال فيه. ووافقه الذهبي.‬
                                                                           ‫(1) صحيح البخاري (5663).‬
                                                       ‫(6) سنن الترمذي (1263) وقال: حسن صحيح.‬
    ‫(2) لم أجده في مسند أحمد، وأخرجه أبو داود (7164)، قال األلباني: إسناده ضعيف. مشكاة‬
                                                                                         ‫المصابيح (4706).‬
                                                            ‫(8) سيرة ابن هشام (4/566).‬
                                                ‫(3) أخرجه البخاري (0045) ومسلم (07).‬
      ‫(05) 05] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، كما ذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء‬
                                                                          ‫(5/82) بنحوه.‬
              ‫(55) 55] سنن الترمذي (5663)، وصححه األلباني. صحيح الترمذي (4387).‬
                                           ‫(75) 75] انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي (5/82).‬

‫(5/472)‬




                                                                     ‫الصبر على المصائب‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                           ‫مكارم األخالق‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                      ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                   ‫عنيزة‬
                                                                           ‫45/55/1545‬
                                                                             ‫جامع السالم‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- منزلة الصابر عند اهلل. 7- وسائل تحصيل الصبر. 3- ما يقوله المصاب. 4- المصيبة‬
   ‫األعظم وفاة النبي . 1- المصائب مقدرة ومكتوبة ، ولعل ذنوبنا هي سبب بعضها. 6- فوائد‬
                    ‫الصبر على البالء. 2- أمور تعين اإلنسان على الصبر. 8- أقسام الصبر.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                 ‫أما بعد:‬
 ‫فاتقوا اهلل تعالى أيها الناس، روى أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي اهلل عنهما أنه‬
     ‫في يوم من األيام في المدينة، جاء ناس من األنصار إلى النبي يسألونه المال فأعطاهم عليه‬
 ‫السالم، ثم سألوه فأعطاهم، ومازال يعطيهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده:‬
   ‫((ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه اهلل، ومن يستغن يغنه اهلل، ومن‬
                                       ‫ع‬       ‫ء ر‬        ‫د‬                     ‫ب‬      ‫يتصب‬
           ‫َّر يتص ّره اهلل، وما أعطي أح ٌ عطا ً خي ًا وأوس َ من الصبر)). هذا الحديث متفق‬
   ‫عليه(5)[5]، نعم إخوة اإليمان إنه الصبر، هذا مقام األنبياء والمرسلين، ومنازل المتقين، وحلية‬
      ‫أولياء اهلل المخلصين، وهو أهم ما نحتاج إليه نحن في هذا العصر الذي كثرت فيه المصائب‬
                                                                           ‫ل‬
  ‫وتعددت، وق ّ معها صبر الناس على ما أصابهم به اهلل تعالى من المصيبة، ولو يعلم المصابون‬
‫ما ينالون من األجر الكبير إن هم صبروا، لتمنوا أن مصيبتهم أشد بالء، وأعظم نكاء. واعلموا يا‬
   ‫عباد اهلل أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فال إيمان لمن ال صبر له، ومن يتصبر‬
       ‫يصبره اهلل، والصبر ضياء، بالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن‬
       ‫ُ ْ ب ص َر‬                  ‫أ كي‬
    ‫والضعف والخور، والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: ُوْلَئِ َ ُجْزَوْنَ الْغرفَةَ ِمَا َب ُواْ‬
  ‫سل م ع ك ب صب ُ فن م‬                                                              ‫ِية وس‬           ‫ويَق َ ف‬
  ‫َ ُل َّوْن ِيهَا تَح َّ ً َ َلَاماً [الفرقان:12]، وقال تعالى عن أهل الجنة: ََا ٌ َلَيْ ُم ِمَا َ َرْتمْ َ ِعْ َ‬
                                                                                   ‫ع ب الد‬
       ‫ُقْ َى َّارِ [الرعد:47]، هذا هو الصبر، وتلك منزلته، وما أجمل إخوة اإليمان أن نعلم هذه‬
                                                  ‫ب‬
    ‫المنزلة، وأن نقدرها حق قدرها، وأن نص ّر أنفسنا ومن حولنا عندما تقع المصيبة، وما أسرع‬
   ‫ا‬
   ‫الجزع والسخط إلى نفوسنا عندما تقع المصائب علينا، أو على من حولنا، بل إننا أصبحنا عونً‬
 ‫لإلنسان على أن يتسخط وأن ال يرضى بقضاء اهلل، في بكاؤنا وطريقة عزائنا، وما أجمل الصبر‬
      ‫وما أروعه، عندما يكون عند الصدمة األولى، فذلك هو االختيار الحقيقي، والمحك الرئيسي،‬
                                                           ‫لصدق العبد في صبره، واحتسابه مصيبته عند اهلل.‬
                                                   ‫و‬
          ‫إخوة اإليمان إن للصبر وسائل يجب أن نع ّد أنفسنا عليها وأول هذه الوسائل للصبر على‬
               ‫ر‬
    ‫المصيبة: التأمل، والتدبر، والنظر في كتاب اهلل جل وعال وسنة نبيه ، ففيها ما تق ّ به األعين،‬
       ‫وتسكن به القلوب، وتطمئن إليه النفوس، ولو قارن المصاب بين ما أخذ منه وما أعطي فال‬
       ‫مقارنة فإنه سيجد أن ما أعطي من األجر، والثواب، أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف‬
                                                                           ‫ف‬
       ‫مضاعفة، وقِ ُوا مع آية عظيمة في كتاب اهلل كفى بها واعظة ومسلية، عند وقوع المصائب:‬
‫و ل و فس َالثم ت وب ّ الص ِر ن َّذ ن‬                         ‫م‬       ‫و ج و‬                  ‫م‬      ‫و ل َنك ب‬
‫َلَنَبُْو َّ ُم ِشَيْء ّنَ الْخَوفْ َالْ ُوعِ َنَقْصٍ ّنَ االْمَ َا ِ َاالْن ُ ِ و َّ َرا ِ َ َشرِ َّاب ِي َ ال ِي َ‬
  ‫إ َا أَصَا َتْ ُم ُّ ِي َة قَاُواْ إَّا لَّ ِ َإ َّا ِلَيْهِ را ِعونَ ُولَئِ َ َلَيْهمْ صال ٌ ّن َّبْ ِمْ و َحْ َ ٌ َُوَ ِ َ‬
  ‫ت م ر ه َر مة وأ لئك‬                   ‫أ كع ِ‬              ‫ج‬          ‫ب ه مص ب ٌ ل ِن ِله وِن إ‬                          ‫ِذ‬
                                                                                ‫ُم م َد‬
‫ه ُ الْ ُهْت ُونَ [البقرة:115-215]، (إنا هلل وإنا إليه راجعون) عالج ناجع من اهلل عز وجل لكل من‬
      ‫أصيب بمصيبة دقيقة أو جليلة ومصير العبد ومرجعه إلى اهلل مواله الحق، البد أن يخلف في‬
  ‫الدنيا يوما ما وراء ظهره، ويأتي ربه فردا كما خلقه أول مرة بال أهل وال عشيرة وال حول وال‬
‫قوة ولكن بالحسنات والسيئات، فهل يا ترى يعلم هذا المصاب بمصيبة ما روى مسلم عن أم سلمة‬
   ‫رضي اهلل عنها قالت: (سمعت رسول اهلل يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا هلل وإنا‬
      ‫إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إال آجره اهلل في مصيبة وأخلفه‬
     ‫خيرا منها))، قالت: ولما توفي أبو سلمة؛ قلت: ومن خير من أبي سلمة صاحب رسول اهلل ثم‬
   ‫عزم اهلل علي فقلتها – فما الخلف؟ - قالت: فتزوجت رسول اهلل )(7)[7]. وفي الصحيحين عن‬
  ‫أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((ما يصيب المؤمن من نصب‬
                               ‫ف‬
 ‫وال وصب وال هم وال حزن وال أذى حتى الشوكة يشاكها إال ك ّر اهلل بها من خطاياه ))(3)[3].‬
‫والثاني من الوسائل المعينة على الصبر: تذكر المصيبة العظيمة بموت الرسول وكل مصيبة دون‬
     ‫مصيبتنا بموته تهون، فبموته عليه الصالة والسالم انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة،‬
                                                                   ‫و‬
‫وبموته انقطعت النب ّات، وبموته ظهر الفساد في البر والبحر، وتذكر ذلك تسلية وعزاء للمصائب‬
           ‫يقول في الحديث الصحيح: ((إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم‬
  ‫المصائب))(4)[4]، ويقول فيما صح عنه في سنن ابن ماجه: ((يا أيها الناس أيما أحد من الناس‬
                                                   ‫ز‬
  ‫أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتع ّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدا‬
‫من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي))(1)[1]، نعم إن تذكر النبي وما حل بنا‬
                                                                                          ‫بفقده هو أعظم مصيبة..‬
                                                                         ‫د‬
                                               ‫فاصبر لكل مصيبة وتجل ِ……واعلم بأن المرء غير مخلد‬
                                            ‫د‬       ‫تش‬         ‫ب‬
                                            ‫واصبر كما صبر الكرام فإنها……نو ُ اليوم ُك َف في غ ِ‬
                                          ‫من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟…هذا سبيل لستَ عنه بأوحد‬
                                           ‫فإذا ذكرت مصيبة ومصابها……فاذكر مصابك بالنبي محمد‬
   ‫ْض و َ ف‬       ‫م مص ب ٍ ف‬                ‫ن‬
  ‫ومن الوسائل للصبر: أن يعلم المصاب علم اليقين أ ّ مَا أَصَابَ ِن ُّ ِي َة ِى األَر ِ َال ِى‬
     ‫أَن ُ ِكمْ ِال ِى ِتَا ٍ ّن قَبْ ِ َن َّب َأَهَا إ َّ ذَِكَ ََى َّهِ َسِي ٌ ّكَيْالَ تَأْسَوْاْ ََى مَا فَاتَكمْ و َ‬
     ‫ُ َال‬             ‫عل‬                   ‫فس ُ إ َّ ف ك ب م ل أ ن ْر ِن ل عل الل ي ر ل‬
                                                      ‫ُ َالله ي ِب ُل م ٍ خ‬                          ‫ْرح ب‬
                                  ‫تَف َ ُواْ ِمَا ءاتَاكمْ و َّ ُ الَ ُح ُّ ك َّ ُخْتَال فَ ُورٍ [الحديد:77، 37].‬
   ‫فيا أيها المصاب، المصيبة واقعة، فوطن نفسك على أن كل مصيبة تأتي إنما هي بإذن اهلل عز‬
   ‫وجل وقضائه وقدره فإن األمر له، فإنه كتب مقادير الخالئق قبل أن يخلق السماوات واألرض‬
 ‫بخمسين ألف سنة، واعلم أن األمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك أو يضروك فلن‬
                                                             ‫يحصل ذلك إال بشيء قد كتبه اهلل لك أو عليك.‬
‫إخوة اإليمان، ومن الوسائل المعينة على الصبر: االستعانة باهلل، واالتكال عليه، والرضا بقضائه،‬
     ‫روى اإلمام أحمد من حديث أنس بن مالك قال: أال أحدثكم بحديث ال يحدثكم به أحد غيري؟‬
 ‫قالوا: بلى، قال: كنا عند النبي جلوسا فضحك، ثم قال: أتدرون مما ضحكت؟ قالوا: اهلل ورسوله‬
‫أعلم، فقال عليه الصالة والسالم: ((عجبت للمؤمن أن اهلل عز وجل ال يقضي عليه قضاء إال كان‬
                                      ‫ظ‬
    ‫خيرا له))(6)[6]، فليعلم من أصيب بمصيبة أن ح ّه من المصيبة ما يحدث له من رضا فمن‬
                                                                  ‫رضي فله الرضا، ومن تسخط فله السخط.‬
   ‫وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي اهلل عنهما: ((أال أريك امرأة من أهل‬
            ‫ش‬
‫الجنة؟ فقلت: بلى؛ قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي فقالت: إني أصرع وإني أتك ّف، فادع اهلل‬
   ‫تعالى لي؟ قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت اهلل تعالى أن يعافيك، فقالت :بل‬
                                            ‫أتك‬                 ‫ش‬
 ‫أصبر، فقالت: إني أتك ّف فادع اهلل أن ال َّشف فدعا لها)) متفق عليه(2)[2]. وعن أبي يحيى‬
    ‫صهيب بن سنان قال: قال رسول اهلل : ((عجبا ألمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك‬
 ‫ألحد إال للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له))‬
                                                                             ‫رواه مسلم(8)[8].‬
   ‫والوسيلة الخامسة مما يعين على الصبر: العلم بأن الجزع من المصيبة ال يردها بل يضاعفها،‬
                               ‫د‬
  ‫فهو إذا جزع فجزعه مصيبة ويغضب ربه، ويحبط أجره، ح ّث أنس أن النبي مر بامرأة تبكي‬
               ‫ي‬
   ‫عند قبر، فقال: ((اتقي اهلل واصبري))، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبت َ، ولم تعرفه،‬
  ‫فقيل لها: إنه النبي فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك وسوف اصبر يا نبي‬
                            ‫اهلل فقال لها: ((إنما الصبر عند الصدمة األولى)) متفق عليه(3)[3].‬
     ‫ومن الوسائل المعينة على الصبر: العلم بأن النعم زائرة وأنها ال محالة زائلة، وأنها ال تفرح‬
                                                                       ‫تع‬
 ‫بإقبالها فرحا حتى ُتْ ِبَ بفراقها ترحًا، وما فرح به اليوم حزن عليه غدا، سنة اهلل ولن تجد لسنة‬
                                                                                     ‫اهلل تبديال.‬
   ‫ومما يعين على الصبر: العلم بتفاوت المصائب في الدنيا، ومن حصل له األدنى من المصائب‬
 ‫يتسلى باألعلى واألعظم من المصائب التي أصيب بها غيره، من فقد للدين وإهمال وتقصير فيه،‬
  ‫فهذا أعظم المصيبة، ويجب أن تعلم أيها المصاب أن هذا هو حال الدنيا إن أضحكت قليال أبكت‬
                         ‫كثيرا، وإن سرت يوما أحزنت شهورا، وإن متعت يسيرا قنعت طويال.‬
    ‫ومما يعين على الصبر كذلك، أن يتذكر المصاب ما في مصابه من فوائد ولطائف منجية له،‬
                                            ‫َر ّ‬
   ‫فربما كان على ذنب عظيم أوجب سخط اهلل ف َق قلبه بعد مصابه وتاب وأناب إلى اهلل، ورجع‬
‫إلى نفسه فعالج تقصيرها في ذات اهلل، وربما لم يتحقق له ذلك إال بوقوعه في المصيبة، نسأل اهلل‬
                                          ‫لنا ولكم العافية، وكم رأينا من شواهد الواقع ما يؤيده.‬
  ‫ومن الوسائل المعينة على الصبر، حسن التعزية للمصاب، فإن الكلمة الطيبة للمصاب يثبت بها‬
‫بإذن اهلل ويعان، ويعود الصبر عليه سهال يسيرا، والمؤمن قليل بنفسه كثير بإخوانه، فإذا وجد هذا‬
‫يعزيه، وهذا يسليه، سهلت عليه األمور العظام، وكشف ما به من مصيبة، وفي الحديث الحسن أن‬
         ‫النبي قال: ((ما من مؤمن يعزي أخاه بما به إال كساه اهلل من حلل الكرامة يوم القيامة))‬
      ‫(05)[05]، والبد من أن تكون التعزية في محلها مناسبة، فإن من الناس من إذا عزى ذكر‬
       ‫باللوعة والمصيبة، من وفاة أو مرض ونحوهما، وما أروع الهدي النبوي واألدعية النبوية‬
      ‫الكريمة في العزاء للمصيبة، أما كثرة األسئلة عن المصيبة فمما يؤجج األحزان ويؤدي إلى‬
  ‫الشكوى إلى الخلق، وهم عاجزون عن تقديم الشفاء، فعليك أيها المصاب بكثرة األدعية واللجوء‬
                                                                   ‫إلى اهلل تعالى في كل حالك.‬
                                 ‫فإذا ابتليت بمحنة فاصبر لها………صبر الكريم فإن ذلك أسلم‬
                                ‫وإذا ابتليت بكربة فالبس لها………ثوب السكوت فإن ذلك أسلم‬
                                                                               ‫ن‬
                               ‫ال تشكو ّ إلى العباد فإنما………تشكو الرحيم إلى الذي ال يرحم‬
‫أخي يا من أصابته المصيبة هذه آيات اهلل وأحاديث نبيك تحثك على الصبر، وتسليك في مصابك،‬
  ‫فاحمد اهلل، وأحسن نيتك، واحتسب مصيبتك وارض بما قدر اهلل لك، فلعل لك عند اهلل منزلة ال‬
     ‫تبلغها بعمل، فما يزال اهلل يبتليك بحكمته بما تكره ويصبرك على ما يبتليك به حتى تبلغ تلك‬
     ‫المنزلة العالية من اهلل، فاحمد اهلل وكن من الصابرين؛ أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َ َ ّ ِ‬
     ‫وبشر‬
     ‫و ِم‬           ‫ب ُ و مق م‬                  ‫م بت َّذ ِذ ذ ِ الله ج ْ قل ب ُ َالص بر عل‬
    ‫الْ ُخْ ِ ِينَ ال ِينَ إ َا ُكرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ و َّا ِ ِينَ ََى مَا أَصَا َهمْ َالْ ُ ِي ِى الصالةِ َم َّا‬
                                                                                              ‫َ َ ُ ي فق‬
                                                                             ‫رزقْنَاهمْ ُن ِ ُونَ [الحج 43-13].‬
         ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم …‬


                                                                  ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، وأثاب الشاكرين على النعم بدوامها واالزدياد،‬
      ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له من غير شك وال ارتياب، وأشهد أن محمدا عبده‬
 ‫ورسوله، سيد الرسل، وخالصة العباد، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان‬
                                                                                   ‫إلى يوم المآب وسلم تسليما.‬
  ‫أما بعد، فاتقوا اهلل تعالى أيها الناس واعلموا أن للصبر أقساما ذكرها العلماء، وهي ثالثة: صبر‬
‫على طاعة اهلل، وصبر عن محارم اهلل، وصبر على أقدار اهلل، التي يجريها إما مما ال قدرة للعباد‬
  ‫فيه، وإما مما يجريه اهلل على أيدي بعض العباد من اإليذاء، واالعتداء. والصبر على طاعة اهلل‬
                                                    ‫د‬
‫أن يحبس اإلنسان نفسه على العبادة، ويؤ ّبها كما أمره اهلل تعالى وأن ال يتضجر منها، أو يتهاون‬
  ‫بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هالكه وشقائه، ومتى علم العبد ثواب اهلل على هذه الطاعة، هان‬
    ‫عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة وهلل الحمد إذا أخلص اإلنسان فيها هلل واتبع رسوله، كانت بعشر‬
                                                 ‫ي ع‬
     ‫أمثالها إلى سبعمائة ضعف، واهلل ُضا ِف لمن يشاء، أما الصبر عن معصية اهلل فأن يحبس‬
‫اإلنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم اهلل عليه، مما يتعلق بحق اهلل أو حقوق عباده، ومتى علم العبد‬
‫ما ينتظر العاصي من العقاب الدنيوي واألخروي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره،‬
  ‫فإن الذنوب عقوباتها قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم فمتى ما علم الفاعل ما يلقى من جزاء‬
      ‫الذنوب، وجب عليه أن يدعها خوفا من عالم الغيوب، وأما الصبر على أقدار اهلل فمعناه أن‬
  ‫يستسلم اإلنسان لما يقع عليه من البالء والهموم واألمراض واألسقام، وإذا وقعت به مصيبة فال‬
   ‫يقابلها بالتسخط والتضجر، وأن يعلم أن هذا البالء لنزوله أسباب وحكم، ال يعلمها إال اهلل، وأن‬
‫يعلم أن لدفعه ورفعه أسبابا، من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مواله، فهذه األمراض التي‬
‫أرسلها اهلل تعالى على عباده، إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده‬
                ‫ر‬        ‫و ص ب ُ م مص ب ٍ ب سب د ُ وي ف ع‬
                ‫كما يشاء، يقول تعالى: َمَا أَ َا َكمْ ّن ُّ ِي َة فَ ِمَا كَ َ َتْ أَيْ ِيكمْ َ َعْ ُواْ َن كَثِي ٍ‬
  ‫[الشورى:03]. هذه أقسام الصبر، ـ إخوة اإليمان ـ فمن حقق مقام الصبر ومقام الشكر، كمل‬
  ‫بذلك إيمانه ونجا، ولذلك قال النبي : ((عجبا ألمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك ألحد‬
       ‫إال للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له))‬
                                                                                ‫(55)[5].‬


                                                                          ‫__________‬
                                      ‫(5) صحيح البخاري (3645)، صحيح مسلم (3105).‬
                                                                 ‫(7) صحيح مسلم (853).‬
                             ‫(3) صحيح البخاري (5461)، صحيح مسلم (7217 ـ 3217).‬
                                             ‫(4) صحيح أخرجه الدارمي في سننه (5/31).‬
                                                              ‫(1) سنن ابن ماجه (3315).‬
                   ‫(6) مسند أحمد (3/485)، وصححه األلباني في السلسلة الصحيحة (845).‬
                                      ‫(2) صحيح البخاري (7161)، صحيح مسلم (6217).‬
                                                               ‫(8) صحيح مسلم (3337).‬
                                        ‫(3) صحيح البخاري (3875)، صحيح مسلم (673).‬
‫(05) 05] أخرجه ابن ماجه (5065) وفي إسناده: قيس أبو عمارة مولى األنصار. قال البخاري:‬
                         ‫فيه نظر. انظر مصباح الزجاجة، والسلسلة الضعيفة لأللباني (056).‬
                                                                   ‫ب‬
                                                                 ‫(55) تقدم تخريجه قري ًا.‬

‫(5/172)‬




                                                                            ‫الدعاء وفوائده‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                            ‫الدعاء والذكر‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                      ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                    ‫عنيزة‬
                                                                            ‫55/4/1545‬
                                                                             ‫جامع السالم‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
                                             ‫5- فضل الدعاء. 7- فوائد الدعاء. 3- موانع قبول الدعاء.‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                             ‫أما بعد :‬
  ‫فاتقوا اهلل تعالى أيها الناس واعلموا أن الدعاء أعظم أنواع العبادة، فعن النعمان بن بشير رضي‬
    ‫ج ُ ِن‬                 ‫َبك ع ن‬                ‫َ‬
    ‫اهلل عنهما، عن النبي قال: ((الدعاء هو العبادة ))، ثم قرأ: وقَالَ ر ُّ ُمْ ادْ ُو ِى أَسْتَ ِبْ لَكمْ إ َّ‬
                                           ‫ِر‬      ‫َّذ ي ِر ع عب دت سي خل ج َن‬
‫ال ِينَ َسْتَكْب ُونَ َنْ ِ َا َ ِى َ َدْ ُُونَ َه َّمَ داخ ِينَ [سورة غافر:06]. رواه أبو داود والترمذي،‬
  ‫وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم(5)[5]، وقد أمر اهلل بدعائه في آيات كثيرة، ووعد‬
‫ت و َ ع ر ا وره ا‬                       ‫ِن ُ ن ي رع َ ف‬
‫باإلجابة وأثنى على أنبياءه ورسله، فقال: إَّهمْ كَا ُواْ ُسَا ِ ُون ِى الْخَيْرا ِ َيدْ ُونَنَا َغَبً َ َ َبً‬
                                                                                              ‫شع‬              ‫و ن‬
                                                                       ‫َكَا ُواْ لَنَا خا ِ ِينَ [سورة األنبياء:03].‬
    ‫وِذ س عب د‬
   ‫وأخبر سبحانه، أنه قريب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فقال سبحانه لنبيه : َإ َا َأَلَكَ ِ َا ِي‬
                                                              ‫عن إن ر ب أج ب د و الد ِذ د‬
                                     ‫َ ّي فَِ ّي قَ ِي ٌ ُ ِي ُ َعْ َةَ َّاعِ إ َا َعَانِ [سورة البقرة :685].‬
        ‫وأمر سبحانه بدعائه، والتضرع إليه، ال سيما عند الشدائد ،والكربات، وأخبر أنه ال يجيب‬
           ‫َم يج ب م َر ِذ د ه وي ِف الس‬
   ‫المضطر، وال يكشف الضر إال هو، فقال: أ َّن ُ ِي ُ الْ ُضْط َّ إ َا َعَا ُ َ َكْش ُ ُّوء [سورة‬
                                                                                                         ‫النمل: 76].‬
       ‫وم‬
      ‫وذم الذين يعرضون عن دعائه عند نزول المصائب، وحدوث البأساء، والضراء، فقال: َ َا‬
                      ‫ب س و َّر َل ُ ي َّرع‬                                   ‫َ س ف َ ية م ن ِى إ َ‬
‫أرْ َلْنَا ِى قرْ َ ٍ ّن َّب ٍّ ِال أَخذْنَا أَهْلَهَا بِالْ َأْ َاء َالض َّاء لَعَّهمْ َض َّ ُونَ [سورة األعراف:43].‬
           ‫وقال تعالى : َلَقدْ أرْ َلنَا َِى ُممٍ ّن قَبْلِك فَأَخذْنَاهمْ بِالْبَأْسَاء َالض َّاء لَعَّ ُمْ َتَض َّ ُو َ‬
           ‫و َّر َله ي َرع ن‬                                ‫َ َ ُ‬                ‫و َ َ س إل أ َ م‬

‫(5/672)‬




                                                                                                     ‫صاحب الرسالة‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                           ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                                     ‫السيرة النبوية, قضايا دعوية‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                          ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                                                 ‫عنيزة‬
                                                                                    ‫7/1/1545‬
                                                                                   ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- حال البشرية عند بعثة النبي. 7- حفظ اهلل رسوله من أدران الشرك وقاذورات الجاهلية. 3-‬
  ‫الرؤيا الصادقة أول أنواع الوحي إلى محمد . 4- نزول جبريل في غار حراء. 1- بدء الدعوة‬
    ‫في مكة واستنكار قريش لها. 6- تعذيب الصحابة وتكذيب قريش لها. 2- رسول اهلل يعرض‬
      ‫نفسه على قبائل العرب. 8- رسول اهلل يدعو في الطائف. 3- دروس وعبر للدعاة إلى اهلل‬
                                                                                          ‫تعالى.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                            ‫أما بعد: فاتقوا اهلل تعالى عباد اهلل.‬
      ‫إن سيرة النبي الكريم هي الشفاء لما فسد من القلوب، وهي المالذ عند األزمات والفتن التي‬
 ‫تعصف باألمة، لما جاء القرن السادس لميالد عيسى عليه السالم كانت منارات الهدى قد انطفأت‬
 ‫في مشارق األرض ومغاربها، وكان الشيطان يزرع األقطار الفيح فيرى ما غرس من أشواك قد‬
     ‫نما وامتد، فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الغاشي في الهند والصين وبالد العرب‬
      ‫وسائر المجاهل، والنصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرز مآثرها من خرافات الهنود‬
‫والمصريين القدامى، فهي تجعل هلل صاحبة وولدا، وتغري أتباعها في روما ومصر والقسطنطينية‬
  ‫بلون من اإلشراك أشد من شرك عباد النيران واألوثان، والظالم الذي ران على األفئدة والعقول‬
 ‫في غيبة أنوار التوحيد طوى في سواده أيضا تقاليد الجماعة وأنظمة الحكم، فكانت األرض مذأبة‬
 ‫يسودها الفتك واالغتيال، ويفقد فيها الضعاف نعمة األمن والسكينة، وأي خير يرجى في أحضان‬
‫وثنية كفرت بالعقل ونسيت اهلل والنت في أيدي الدجالين؟! ال غرابة إذا رفع اهلل يده عنهم كما جاء‬
‫في الحديث الذي رواه مسلم: ((إن اهلل نظر إلى أهل األرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إال بقايا من‬
         ‫أهل الكتاب))(5)[5]، لقد شملت الدنيا قبل مبعث محمد حيرة وبؤس ناءت بهما الكواهل.‬
                                ‫أتيت والناس فوضى ال تمر بهم…إال على صنم قد هام في صنم‬
                               ‫عم‬
                               ‫فعاهل الروم يطغى في رعيته…وعاهل الفرس من كبر أصم َ ِ‬
                                                                     ‫ن‬
 ‫فتأذن اهلل عندئذ ليحسم ّ هذه اآلثار، وليسوقن هدايته الكبرى إلى األنام، فأرسل إلى األمة محمدا‬
  ‫عليه الصالة والسالم برسالة عامة ودائمة لجميع الناس وكل العصور، وأنزل معه القرآن ليدعو‬
                                                       ‫الناس إلى عبادة اهلل وحده ال شريك له.‬
 ‫كان رسول اهلل يتيما تواله اهلل برعايته، وحفظه بعنايته، يقول عليه الصالة والسالم: ((أدبني ربي‬
                                                              ‫ّ‬
  ‫فأحسن تأديبي))(7)[7]، وشب رسول اهلل واهلل تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية‬
       ‫لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجال أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا‬
      ‫وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا وأعظمهم حلما وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة وأبعدهم عن‬
     ‫الفحش واألخالق التي تدنس الرجال، حتى ما لبث أن صار اسمه في قومه: الصادق األمين.‬
                                        ‫كفاك بالعلم في األمي معجزة…في الجاهلية والتأديب في اليتم‬
                                                         ‫ذ‬
     ‫وبعد هذه التهيئة لهذا األمر العظيم تأ ّن اهلل لهذا النبي الكريم بالرسالة، عن عائشة رضي اهلل‬
‫عنها قالت: أول ما بدئ به رسول اهلل من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان ال يرى رؤيا إال‬
  ‫جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخالء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه ـ وهو التعبد‬
   ‫ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها،‬
         ‫حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاء الملك، فقال: اقرأ، قال: ((ما أنا بقارئ))، قال:‬
‫((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني‬
 ‫الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم‬
              ‫ْ َم‬       ‫إل ن م ع ْر َ َب‬                                  ‫ْر ْ رب َّ‬
   ‫أرسلني، فقال: اق َأْ بِاسمِ َّكَ الذِى خَلَقَ خَلَقَ ا ِنسَا َ ِنْ َلَقٍ اق َأْ ور ُّكَ األَكر ُ [العلق: 5-‬
    ‫4]))، فرجع بها رسول اهلل يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اهلل عنها فقال:‬
  ‫((زملوني زملوني))، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد خشيت‬
‫على نفسي))؛ فقالت خديجة: كال واهلل، ما يخزيك اهلل أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب‬
‫المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل‬
                                                            ‫ر‬
    ‫ـ ابن عم خديجة ـ وكان ام ًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، وكان شيخا‬
                                                 ‫م‬
‫كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن ع ّ، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا‬
                    ‫ز‬
 ‫ترى؟ فأخبره رسول اهلل خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي ن ّل اهلل على موسى، يا‬
             ‫ِي‬     ‫و‬
 ‫ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اهلل : ((أ َمخرج َّ هم؟!)) قال:‬
           ‫مؤز‬
  ‫نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إال عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا َّرا، ثم لم‬
                                             ‫ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. رواه البخاري(3)[3].‬
‫تقلصت ظالل الحيرة، وثبتت أعالم الحقيقة، وعرف محمد معرفة اليقين أنه أضحى نبيا هلل الكبير‬
        ‫المتعال، وأن ما جاءه هو سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء، جاء جبريل للمرة الثانية بعد‬
       ‫انقطاع، قال جابر بن عبد اهلل: سمعت رسول اهلل يتحدث عن فترة الوحي: ((فبينا أنا أمشي‬
‫سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني في حراء جالس على كرسي بين‬
         ‫السماء واألرض، ففزعت منه حتى هويت على األرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني‬
 ‫ِ و َب َ ّ وث ب َ ّ َالر ْز‬                         ‫ُد ّ ُ ُ‬       ‫ي َي‬
 ‫زملوني، فدثروني فأنزل اهلل عز وجل: َا أُّهَا الْم َّثر قمْ فَأَنذرْ َر َّك فَكَبرْ َ ِيَا َك فَطَهرْ و ُّج َ‬
                                                                                             ‫ُ‬
                                                      ‫فَاهْجرْ [المدثر: 5-1])) أخرجه البخاري(4)[4].‬
  ‫وهكذا كانت هذه األوامر المتتابعة القاطعة إيذانا للرسول بإنذار قومه، ونزل القرآن الكريم على‬
   ‫النبي آية آية، وشرع محمد يكلم الناس في اإلسالم ويعرض عليهم األخذ بهذا الدين الذي أرسله‬
     ‫اهلل به، وسور القرآن الذي نزل بمكة تبين العقائد واألعمال التي كلف اهلل بها عباده، وأوصى‬
        ‫بعي‬
‫رسوله أن يتعهد قيامها ونماءها، وأخذت الدعاية لإلسالم تنتشر في مكة، ومن الط َ ِ ّ أن يعرض‬
                                                            ‫ص‬
    ‫الرسول أوال اإلسالم على ألْ َقِ الناس به من آل بيته وأصدقائه، آمنت زوجته خديجة ومواله‬
 ‫زيد بن حارثة وابن عمه علي بن أبي طالب وصديقه الحميم أبو بكر الذي نشط في نشر الدعوة،‬
  ‫فأدخل في اإلسالم أهل ثقته ومودته: عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد اهلل وسعد بن أبي وقاص،‬
    ‫وبدأ اإلسالم غريبا ولكنه سرعان ما انتشر في الفترة السرية للدعوة حتى نزل قول اهلل تعالى:‬
 ‫ّم‬     ‫ُ إن بر‬             ‫لم اتب ك م م من َ إ ع‬                           ‫َ ْرب ن و ِ ج‬             ‫و ِ ع ر‬
‫َأَنذرْ َشِي َتَكَ األق َ ِي َ َاخْفضْ َنَاحَكَ ِ َنِ َّ َعَ َ ِنَ الْ ُؤْ ِ ِين فَِنْ َصَوْكَ فَقلْ ِّى َ ِىء م َّا‬
                                                                                  ‫مل‬
     ‫تَعْ َُونَ [الشعراء: 457-657]، فصدع رسول اهلل بالدعوة إلى اإلسالم، وأنكر على قريش ما‬
       ‫تشرك به مع اهلل، ودعاهم إلى كلمة التوحيد: "ال إله إال اهلل"، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه‬
  ‫وأجمعوا خالفه وعداوته إال من عصم اهلل تعالى منهم باإلسالم وهم قليل مستخفون، وحدب على‬
‫رسول اهلل عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، فلما رأت قريش أن رسول اهلل لم يعبأ بها واستمر في‬
 ‫تسفيه آلهتهم ذهبوا إلى عمه أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنا واهلل ال نصبر على ابن أخيك وقد‬
       ‫شتم آباءنا وسفه أحالمنا وعاب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد‬
‫الفريقين، فبعث أبو طالب إلى رسول اهلل فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا‬
                                                        ‫م‬
  ‫وكذا، فأبق علي وعلى نفسك وال تح ّلني من األمر ما ال أطيق، فظن رسول اهلل أنه قد بدا لعمه‬
                                     ‫م‬
     ‫فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، فقال له رسول اهلل : ((يا ع ّ، واهلل ولو وضعوا الشمس في يميني‬
  ‫والقمر في يساري على أن أترك هذا األمر ما تركته حتى يظهره اهلل أو أهلك دونه ما تركته))،‬
  ‫ثم استمر رسول اهلل فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي، فقال له: قل‬
                                                     ‫ما أحببت فواهلل ال أسلمك لشيء أبدا(1)[1]، ثم أنشد:‬
                                                                ‫س‬
                                               ‫واهلل لن يصلوا إليك بجمعهم…حتى أو ّد في التراب دفينا‬
                                          ‫ّ‬
 ‫وهكذا بدأت قريش بالترغيب والترهيب، تريد صد رسول اهلل وصحابته عن هذا الدين، فما فتئت‬
                                                                                     ‫ذ‬
    ‫تع ّب صحابته بوسائل تعذيب لم يعهد لها التاريخ مثيال، فعذب أبو جهل عمار بن ياسر ووالده‬
                     ‫عذَ‬
      ‫ياسر ووالدته سمية فقتلهما، وعذب أمية بن خلف بالال الحبشي، وممن ُ ّب عامر بن فهيرة‬
                          ‫وخباب بن األرت وصهيب الرومي وغيرهم من الصحابة رضي اهلل عنهم.‬
       ‫ثم إن قريشا اشتد أمرهم فأغروا برسول اهلل سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر‬
‫والكهانة والجنون، ورسول اهلل مظهر ألمر اهلل ال يستخفي به، قال عبد اهلل بن عمرو بن العاص:‬
  ‫حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فظهر عليهم رسول اهلل ، فأقبل يمشي حتى استلم‬
  ‫الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه النبي ،‬
     ‫ثم مر بهم الثالثة فغمزوه فوقف ثم قال: ((أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد‬
                                                        ‫ت‬
   ‫جئتكم بالذبح))، فأخذت القوم كلم ُه حتى ما منهم رجل إال كأنما على رأسه طير واقع، حتى إن‬
 ‫أشدهم أذية له قام يالطفه، ويقول: انصرف يا أبا القاسم، فواهلل ما كنت جهوال، فانصرف رسول‬
 ‫اهلل حتى إذا كان من الغد طلع عليهم رسول اهلل فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون:‬
   ‫أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول اهلل : ((نعم، أنا‬
    ‫الذي أقول ذلك))، قال: فلقد رأيت منهم رجال أخذ بمجمع ردائه فقام أبو بكر دونه وهو يبكي‬
                            ‫ويقول: أتقتلون رجال أن يقول: ربي اهلل؟! ثم انصرفوا عنه(6)[6].‬
‫واستمر أذى قريش للنبي حتى قرروا قرارا رهيبا وهو محاصرته عليه الصالة والسالم ومن تبعه‬
  ‫في شعب أبي طالب، وقرروا أن ال يناكحوهم وال يبيعوهم وال تأخذهم بهم رأفة، وتحالفوا على‬
 ‫هذا القرار، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، وكان الذي كتبها بغيض بن عامر بن‬
 ‫هاشم، فدعا عليه رسول اهلل ، فشلت يده، وانحاز بعد ذلك بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب إال‬
  ‫أبا لهب، وقطعت عنهم الميرة والمادة، ومنع التجار من مبايعتهم، فجهد القوم حتى أكلوا أوراق‬
 ‫الشجر والجلود، وواصلوا الضر والفاقة حتى سمعت أصوات النساء والصبيان يتضاغون جوعا،‬
   ‫ولم يكن يصل إليهم شيء إال سرا، وكان رسول اهلل على رغم كل ذلك مستمرا في دعوته إلى‬
                    ‫ل‬
‫اهلل، وال سيما أيام الحج حينما كانت القبائل العربية تفد إلى مكة من ك ّ صوب، عن جابر بن عبد‬
    ‫اهلل قال: كان رسول اهلل يعرض نفسه في الموقف، فيقول: ((أال رجل يحملني إلى قومه، فإن‬
  ‫قريشا منعوني أن أبلغ كالم ربي))(2)[2]. واستمر الحصار في الشعب ثالث سنوات حتى أنهاه‬
  ‫بعض عقالء قريش، فوجدوا أن الصحيفة التي كتبوها قد أكلتها األرضة إال "باسمك اللهم"، كما‬
                                                        ‫أخبرهم قبل ذلك رسول اهلل (8)[8].‬
                                                           ‫م‬
  ‫وبعد وفاة أبي طالب ع ّ الرسول وزوجته خديجه عظم الخطب على رسول اهلل ، واغتم وحزن‬
‫الرسول ، فخرج إلى الطائف يطلب النصرة والمنعة ماشيا على قدميه ومعه مواله زيد بن حارثة،‬
‫فدعا أشرافهم ورؤساءهم إلى اإلسالم، فردوا عليه ذلك، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما تهيأ‬
  ‫للخروج بعد عشرة أيام وقفوا له صفين وأخذوا يسبونه ويشتمونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا‬
‫عقبيه وقدميه ، وحتى اختضب نعاله بالدم وزيد بن حارثة يقيه بنفسه ويدافع عنه، فأصابه شجاج‬
  ‫في رأسه، واستمر هذا األذى برسول اهلل حتى وصل إلى حائط في ضواحي الطائف، فدخل به‬
   ‫واحتمى منهم، وقد أثر في نفسه ما القاه منهم فقال يدعو ربه: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي‬
  ‫وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من‬
‫تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك علي غضب فال أبالي، ولكن‬
‫عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا واآلخرة من‬
        ‫أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى وال حول وال قوة إال‬
‫بك))(3)[3]، ثم خرج رسول اهلل من الحائط وتقدم إلى مكة وهو حزين مهموم، حتى إذا بلغ قرن‬
  ‫المنازل أظلته سحابة فيها جبريل ومعه ملك الجبال، فرفع رأسه فناداه جبريل: إن اهلل بعث إليك‬
 ‫ملك الجبال لتأمره بما شئت ثم سلم ملك الجبال، وقال: يا محمد، ذلك فما شئت، إن شئت أطبقت‬
‫عليهم األخشبين وهما جبال مكة، فقال : ((بل أرجو أن يخرج اهلل من أصالبهم من يعبد اهلل وحده‬
                                                                                    ‫ال يشرك به شيئا))(05)[05].‬
 ‫ثم قدم عليه الصالة والسالم مكة ودخلها بجوار المطعم بن عدي حماية له من أهل مكة، وحصل‬
         ‫اإلسراء والمعراج بعد ذلك للنبي ، فزاد أذى المشركين له وأصحابه حتى أذن رسول اهلل‬
‫لصحابته بالهجرة إلى المدينة هروبا من بطش المشركين وأذاهم، وكل ذلك كان لكي يكتب للدعوة‬
‫واإلسالم االنتشار في األرض عن طريق ذلك البلد الذي آمن أهله وصدقوا برسول اهلل ، وتجرأت‬
 ‫قريش بعد ذلك على فكرة قتل النبي ، فأتتهم فكرة أن يأخذوا من كل قبيلة شابا من أنشط شبابها،‬
 ‫فيجتمعون حول بيت رسول اهلل ، فإذا خرج ضربوه بالسيف ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في‬
‫القبائل، فبينما هم يمكرون أذن اهلل تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة بعد ثالث عشرة سنة قضاها‬
   ‫في مكة مهبط الوحي بصنوف األذى والعذاب، ولكن اهلل الذي أنزل هذه الرسالة حماها وتكفل‬
                                                ‫بها، وهاجر رسول اهلل إلى المدينة حتى وصلها منصورا.‬
         ‫ي رج ك‬             ‫تل‬              ‫َّذ ن ر لي بت‬                    ‫وِ ي ُر‬
         ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، َإذْ َمْك ُ بِكَ ال ِي َ كَفَ ُواْ ِ ُثْ ِ ُوكَ أَوْ يَقْ ُُوكَ أَوْ ُخْ ِ ُو َ‬
                                                                    ‫وي كر وي ُر الله َالله ْر م ِر‬
                                                   ‫َ َمْ ُ ُونَ َ َمْك ُ َّ ُ و َّ ُ خَي ُ الْ َاك ِينَ [األنفال:07].‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم، أقول قولي‬
         ‫هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو التواب الرحيم.‬


                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                        ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل وحده، والصالة والسالم على من ال نبي بعده، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
             ‫له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.‬
    ‫أما بعد: فيقول اهلل تعالى: ياأ ُّ َا َّب ُّ إ َّا أرْ َلْنَاكَ شَاه ًا َ ُ َش ًا َنذِي ًا و َا ِيًا َِى َّهِ بِإذْ ِ ِ‬
    ‫ِد ومب ّر و َ ر َد ع إل الل ِ نه‬                               ‫َيه الن ِى ِن َ س‬
                                                                                                         ‫و ِر م ر‬
                                                                                                       ‫َس َاجًا ُّنِي ًا.‬
 ‫حياة النبي مملوءة بكل معاني الخير التي يجب أن تتوفر في الدعاة إلى اهلل، كما أنها مملوءة بما‬
‫يجب أن يتعلمه المسلمون من منهج حياته، وإننا مهما حاولنا استخالص العبر فيها وأخذ الدروس‬
‫من وقائعها لن ننتهي من ذلك، وإن تعددت المصنفات والخطب والمواعظ فالسيرة النبوية الكريمة‬
                                   ‫كالبحر، كلما تعمقت في قاعه ظفرت بأجود أنواع اللؤلؤ والمرجان.‬
                          ‫ر‬
  ‫وإن فيما أخذناه اليوم من سيرة رسول اهلل وما لقي من أذى قومه عب ًا عظيمة ينبغي لدعاة اهلل‬
          ‫م‬
‫وأوليائه أن يراجعوها ويقرؤوها في كل ما يالقيهم من صنوف األذى، بل إن هذا الج ّ الغفير من‬
   ‫أنبياء اهلل ورسله الذين بلغ عددهم ثالثمائة وبضعة عشر كما في بعض األحاديث الحسنة كلهم‬
     ‫رفعوا راية اإلصالح في وسط مجتمعات سيطر عليها الفساد بكل صوره وألوانه، ولم يكتفوا‬
    ‫بمجرد صالح أنفسهم، فلم يكن من بينهم قط واحد رضي بأن يعيش بين قوم ضالين منحرفين‬
‫وهو مخالف لهم إال أن يصدع بدعوة الحق والتوحيد بين أظهرهم، فهل لقوا التكريم من أقوامهم؟!‬
 ‫لقد سمعنا في حديث النبي أن النبي يأتي يوم القيامة ومعه واحد، والنبي يأتي ومعه اثنان، ويأتي‬
                       ‫النبي وليس معه أحد(55)[5]، هذا عدا من قتل وأوذي من أنبياء اهلل ورسله.‬
                                                                                         ‫ذ‬
   ‫إ ًا فاألذى هو سمة أهل الدعوة إلى اهلل، ولقد كان اهلل تعالى قادرا على نصر أوليائه في مكة،‬
    ‫ولكنه أراد تربيتهم وتعويدهم على الصبر، فصبروا ثالث عشرة سنة، وأخرجوا وأوذوا حتى‬
 ‫صفت نفوسهم وقوي إيمانهم. عن أبي عبد اهلل خباب بن األرت قال: شكونا إلى رسول اهلل وهو‬
  ‫متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: أال تستنصر لنا؟! أال تدعو لنا؟! فقال: ((قد كان من قبلكم‬
   ‫يؤخذ الرجل فيحفر له في األرض، فيجعل فيها، ثم يؤتي بالمنشار، فيوضع إلى رأسه، فيجعل‬
         ‫ن‬
‫نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، واهلل ليتم ّ اهلل هذا‬
 ‫األمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ال يخاف إال اهلل والذئب على غنمه، ولكنكم‬
‫تستعجلون)) رواه البخاري(75)[7]، فأراد النبي أن يربي صحابته بهذا الحديث العظيم الذي يبين‬
                                  ‫ذ د‬
   ‫نصرة اإلسالم والحق برغم القهر واألذى من أعداء اهلل. إ ًا فلل ّعاة إلى اهلل وألوليائه قدوة بما‬
                                ‫ل‬
    ‫حصل بإذن اهلل لهم وإن طال الزمان أو قصره، نسأل اهلل جّت قدرته أن يعلي كلمتَه وينصر‬
                                                                                         ‫أولياءه، إنه سميع مجيب.‬
                                                                             ‫ل‬
   ‫هذا وصلوا وسّموا على نبيكم الكريم، فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين، فقال جل من قائل‬
             ‫ل‬        ‫َل ع ه وسلم‬              ‫ِن الله وم ئ ه ي َل عل النبى َي َّذ ن من‬
         ‫عليما: إ َّ َّ َ َ َلَا ِكَتَ ُ ُصُّونَ ََى َّ ِ ّ ياأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ صُّواْ َلَيْ ِ َ َّ ُواْ تَسِْيمًا‬
                                                                                                   ‫[األحزاب:61]...‬


                                                                                                     ‫__________‬
                                                                                         ‫(5) رواه مسلم (1687).‬
       ‫(7) ذكره أبو سعيد السمعاني في أدب اإلمالء (ص5)، والسيوطي في األحاديث المشتهرة‬
  ‫وغيرهما. قال شيخ اإلسالم ابن تيمية في مجموع الفتاوى (85/123): "المعني صحيح، لكن ال‬
                                                                                                  ‫ي‬
                                                  ‫ُعرف له إسناد ثابت". وانظر: السلسلة الضعيفة (72).‬
                                                                                        ‫(3) صحيح البخاري (3).‬
                                                                                        ‫(4) صحيح البخاري (4).‬
  ‫(1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (سيرة ابن هشام 5/667). وإسناده ضعيف النقطاعه، حيث‬
                      ‫حد‬
     ‫قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن األخنس أنه ُ ّث. وانظر: السلسلة‬
                                                                                                    ‫الضعيفة (303).‬
          ‫ر‬
     ‫(6) أخرجه أحمد (7/857)، قال الهيثمي في المجمع (6/65): "رواه أحمد، وقد ص ّح ابن‬
‫إسحاق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح"، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (6302):‬
                                                                      ‫"إسناده صحيح، وبعضعه في البخاري".‬
  ‫(2) أخرجه الترمذي (1737) وقال: "غريب صحيح"، وأبو داود (4324)، وابن ماجه (507)،‬
                                                       ‫وهو في صحيح الترمذي (1337).‬
‫(8) أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 5/013-513، 423-623) بدون إسناد، وانظر: السيرة‬
                  ‫النبوية في ضوء المصادر األصلية لمهدي رزق اهلل أحمد (ص257-357).‬
   ‫(3) أخرج هذه القصة ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 7/354) بسند صحيح عن محمد بن كعب‬
 ‫القرطبي مرسالً، أما الدعاء فقد ذكره بدون سند، (المصدر السابق 7/074). وانظر: فقه السيرة‬
                                                 ‫للغزالي بتعليق األلباني (ص175-675).‬
                                     ‫(05) 05] أخرجه البخاري (5373)، ومسلم (1325).‬
                                                              ‫(55) أخرجه مسلم (077).‬
                                                         ‫(75) صحيح البخاري (3436).‬

‫(5/272)‬




                                                                  ‫دروس من غزوة تبوك‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                           ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                                ‫غزوات‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                     ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                 ‫عنيزة‬
                                                                            ‫4/5/1545‬
                                                                            ‫جامع السالم‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- تجهز الصحابة لغزوة تبوك. 7- اعتذار المنافقين وتذرعهم بالذرائع الواهية. 3- انفاق‬
 ‫عثمان &. 4- البكاءون لما حرموا في الخروج إلى الجهاد. 1- علي على والية المدية. 6- أبو‬
 ‫قتادة يحفظ النبي حال تعبه وسفره. 2- أبو ذر يلحق بالرسول إلى تبوك. 8- دفن ذي البجادين.‬
                                                                  ‫3- المجاهدون بنياتهم.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                       ‫أما بعد:‬
       ‫فيا عباد اهلل، اتقوا اهلل ـ تعالى ـ، واعلموا علم اليقين أن حكمة اهلل اقتضت أن يكون الحق‬
 ‫والباطل في خالف دائم، وصراع مستمر إلى أن يرث اهلل األرض ومن عليها، كل ذلك ليميز اهلل‬
  ‫الخبيث من الطيب، فمذ بز هذا الدين وأعداؤه من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين يحاولون‬
      ‫ُر د لي فئ ن الل َ ه ِ َالله م ِم ن ه و َره‬
      ‫القضاء عليه، بكل ما يستطيعون، ي ِي ُونَ ِ ُطْ ِ ُواْ ُورَ َّهِ بِأفْوا ِهمْ و َّ ُ ُت ُّ ُورِ ِ َلَوْ ك ِ َ‬
                                                                                  ‫ك ِر‬
      ‫الْ َاف ُونَ [الصف:8]، والتاريخ في ماضيه وحاضره يشهد بذلك أنى لهم أن يفلحوا ما تمسكنا‬
                                                                                   ‫بكتابنا وسنة نبينا محمد .‬
                                         ‫كل العدا قد جندوا طاقاتهم …ضدا الهدى والنور، ضد الرفعة‬
                                         ‫إسالمنا هو درعنا وسالحنا …ومنارنا عبر الدجى في الظلمة‬
                                                 ‫هو بالعقيدة رافع أعالمه …فامشي بظل لوائها يا أمتي‬
                                                ‫ال العرب يقصد عزنا كال وال…شرق التحلل إنه كالحية‬
                                                     ‫الكل يقصد ذلنا وهواننا …أفغير ربي منقذ من شدة‬
   ‫إخوة اإليمان، يوم يقلب المرء صفحات الماضي المجيد، ويتدبر القرآن الكريم، ثم ينظر لواقعنا‬
  ‫ويقارنه بذلك الماضي، يتحسر يوم يجد البون شاسعا والفرق عظيما، يتحسر يوم يرى تلك األمة‬
       ‫التي كانت قائدة، وقد أصبحت تابعة حينما ابتعدت عن شرع ربها ونهج نبيها، فعودا والعود‬
     ‫أحمد، عودا سريعا إلى الماضي المجيد، لنستلهم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر،‬
      ‫عودا لسيرة من لم يطرق العالم دعوة كدعوته، ولم يؤرخ التاريخ عن مصلح أعظم منه، ولم‬
 ‫تسمع أذن عن داعية أكرم منه، وما أحرانا ونحن في األيام العصيبة أن تتجاوز المدة الزمنية كي‬
‫نعيش يوما من أيام محمد ، لنأخذ العبر والدروس، نعود بكم إلى شهر رجبَ في السنة التاسعة من‬
   ‫الهجرة لنعيش وإياكم أحداث غزوة العسرة التي تساقط فيها المنافقون وثبت فيها المؤمنون وذل‬
                                                                       ‫فيها الكافرون وعز فيها الصادقون.‬
  ‫إخوة اإليمان، بلغ النبي أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد الدولة اإلسالمية في ذلك الوقت، يريدون‬
         ‫مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم، فعند ذلك أعلن النبي ألول مرة عن مقصده وعن تجهيز‬
     ‫الجيش، فتجهز أقوام وأبطأ آخرون، تجهز ثالثون ألف مقاتل، باعوا أنفسهم إلى اهلل نصرة هلل‬
  ‫ورسوله، وتساقط المنافقون فها هو أحدهم يقول له رسول اهلل كما روى ابن هشام: ((هل لك في‬
                            ‫نَ‬
 ‫جالد بني األصفر أي الروم؛ فيقول: يا رسول اهلل ائذن لي وال تَفْت ّى، فو اهلل لقد عرف قومي أنه‬
        ‫ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني األصفر أن ال أصبر،‬
   ‫وم ُ م ق ل ْذ ل و تن أ‬
 ‫فأعرض عنه ))، ولكن اهلل ـ جل وعال ـ فضحه وأذله، َ ِنْهمْ َّن يَ ُو ُ ائ َن ّي َالَ تَفْ ِ ّى َال‬
                                                  ‫ط وِن جه َّ مح ة ك ِر‬                                ‫ف ف‬
‫ِى الْ ِتْنَةِ سَقَ ُواْ َإ َّ َ َنمَ لَ ُ ِيطَ ٌ بِالْ َاف ِينَ [التوبة:34](5)[5]، وتحدثت اآليات في القرآن عمن‬
    ‫نكص كذلك من هذه المعركة وتحجج بحجج واهية، حين آثروا ظل القعود في بيوتهم وحقولهم‬
         ‫ر م َلف بم َ ه خ َ رس الل‬
       ‫على حر الصحراء ووعثاء السفر، مقابل الجالء، فَ ِحَ الْ ُخَّ ُونَ ِ َقْعدِ ِمْ ِلَاف َ ُولِ َّهِ‬
   ‫َ ّ ُ ن ر جه َّ أ َد‬         ‫ت ِر ْ ف‬         ‫و َره أ ي ِد ب له و فسه ْ ف س الله َ ل‬
   ‫َك ِ ُواْ َن ُجَاه ُواْ ِأَمْواِ ِمْ َأَنْ ُ ِ ِم ِى َبِيلِ َّ ِ وقَاُواْ الَ َنف ُوا ِى الْحر قلْ َا ُ َ َنمَ َش ُّ‬
                                                                    ‫ه ن‬           ‫َر ل ن‬
‫ح ّا َّوْ كَاُوا يَفْقَ ُو َ، وتجلت في اإلعداد لهذا الجيش طوايا النفوس، ومقدار ما استودعت من قبل‬
         ‫من إخالص وسماحة ونشاط، فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم ليجهزوا الجيش من الرواحل‬
  ‫والسالح والخيل، منهم عثمان ابن عفان، سبق في بذله سبقا بعيدا حتى إن رسول اهلل عجب من‬
   ‫كثرة ما أنفق وقال: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)) رواه الحاكم وصححه األلباني(7)[7].‬
   ‫ومنهم الفقراء الذين لم يجدوا زادا وال راحلة، فأتوا رسول اهلل يقولون يا رسول اهلل ال زاد وال‬
  ‫راحلة، فيبحث لهم عن زاد وراحلة فال يجد ما يحملهم عليه، فيرجعوا وأعينهم تفيض من الدمع‬
    ‫حزنا أال يجدوا ما ينفقون، إنهم بكاؤون لم يبكوا على فقد متاع أو فقد دنيا، بل يبكون على فقد‬
‫جهاد وقتال في ساعةٍ عسيرة، قد تذهب أرواحهم فدا لهذا الدين الذي آمنوا به، روى عن علبة بن‬
   ‫زيد: أنه قام من الليل يصلي فتهجد ما شاء اهلل ثم بكى وقال: "اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت‬
‫فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ولم تجعل في يدي رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على‬
‫كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أوحد أو عرض"، وأصبح الرجل على عادته مع الناس‬
    ‫فقال رسول اهلل: ((أين المتصدق هذه الليلة))، فلم يقم أحد، ثم قال: ((أين المتصدق هذه الليلة؟‬
 ‫فليقم فقام إليه فأخبره، فقال له رسول اهلل: أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة))،‬
                                                                        ‫حديث صحيح صححه األلباني(3)[3].‬
       ‫ويخرج ويستخلف على المدينة عليا ويخيم في ثنية الوداع ومعه ثالثون ألفا ويأتي المنافقون‬
      ‫الخلوف الذين اليتركون دسائسهم وإرجافهم على مر األيام، يالحقون أهل الخير واالستقامة،‬
‫يلمزون ويهمزون ويتندرون ويسخرون، ـ سخر اهلل منهم ـ، ويستهزئون به، واهلل يستهزئ بهم،‬
     ‫يأتون إلى علي ويقولون له ماخلفك رسول اهلل إال استثقاال لك، فتأثر بذلك ولبس درعه وشهر‬
 ‫سيفه يريد الجهاد في سبيل اهلل ويصل إلى النبي ويقول له زعمهم فيجيبهم يقول: ((كذبوا يا علي‬
   ‫أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إال أنه النبي بعدي))، وعاد رضي اهلل عنه‬
                                                                                       ‫إلى المدينة راضيا(4)[4].‬
      ‫ويتوجه إلى تبوك فيمر بديار ثمود، ديار غضب اهلل على أهلها، فتلك بيوتهم خاوية وآبارهم‬
  ‫معطلة وأشجارهم مقطعة، فيدخلها وقد غطى وجهه وهو يبكي، ويقول لجيشه: ((ال تدخلوها إال‬
                                                         ‫باكين أو متباكين لئال يصيبكم ما أصابهم))(1)[1].‬
      ‫انظروا يا عباد اهلل كيف فعل اهلل بهذه األرض وأهلها التي سكنها الظلمة، فكيف بمن يجالس‬
 ‫الظَلَمة، ويؤيد الظَلَمة، ويركن إلى الظلمة، ويكون لهم أنيسا ولسانا وصاحبا، فكيف تكون حاله ؟‬
          ‫ن إل َّذ ن ُ‬                     ‫و‬
       ‫أال يخاف غضب اهلل عليه ونقمته حين يأخذه أخذ عزيز مقتدر، َالَ تَرْكَ ُواْ َِى ال ِي َ ظَلَمواْ‬
                                                                           ‫َس ُم الن ر‬
  ‫فَتَم َّك ُ َّا ُ [هود:355]، حتى الماء في هذه األرض نهى المسلمين عنه حينما استقوا منه فقال‬
  ‫لهم: ((ال تشربوا من مائها وال تتوضئوا منه للصالة وما عجنتم من عجين بمائها فأعطوه اإلبل‬
      ‫وال تأخذوا منه شيئا))(6)[6] واستمر في طريقه إلى تبوك، وقد بلغ به الجوع والتعب مبلغا‬
                                                                    ‫السح‬
‫عظيما، ومع َّ َر ينام من التعب على دابته حتى يكاد يسقط، كما في صحيح مسلم، فيقرب منه‬
   ‫أبو قتادة فيدعمه بيده، حتى يعتدل، ثم يميل أخرى فيدعمه، أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل ميلة‬
  ‫أخرى أشد حتى كاد يسقط فيدعمه أبو قتادة بيده، فيرفع رأسه ، ويقول من هذا قال أنا أبو قتادة‬
  ‫فقال له: ((حفظك اهلل بما حفظت نبي اهلل يا أبا قتادة))(2)[2] يقول المؤرخون فما زال أبو قتادة‬
 ‫محفوظا بحفظ اهلل في أهله، وذريته، ما أصابهم سوء حتى ماتوا. درس لمن حفظ أولياء اهلل فإن‬
                                 ‫اهلل يحفظه، و((صنائع المعروف تقي مصارع السوء))(8)[8].‬
       ‫عن عبد اهلل بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة؟ فقال عمر:‬
   ‫"خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزال، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع،‬
   ‫حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر‬
    ‫الصديق: يا رسول اهلل إن اهلل عودك في الدعاء خيرا فادع اهلل لنا ؟ فقال: أو تحب ذلك؟ قال:‬
  ‫نعم، فرفع رسول اهلل يديه إلى السماء فلم يرجعهما حتى أذنت السماء بالمطر، فأطلت ثم سكبت‬
          ‫فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت المعسكر"، حسن هذا األلباني(3)[3].‬
 ‫ويتأخر عن الجيش أبو ذر ببعيره الهزيل، فماذا فعل يا ترى؟ لقد ترك بعيره وأخذ متاعه وحمله‬
‫على ظهره، وينزل في أحد المنازل على الطريق، وينظر أحد المسلمين ويقول يا رسول اهلل رجل‬
  ‫يمشي إلى الطريق وحده، متاعه على ظهره، فقال ـ عليه الصالة والسالم ـ: ((كن أبا ذر كن‬
     ‫أبا ذر فإذا هو أبو ذر؛ فأخبروا النبي بذلك، فقال: رحم اهلل أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده‬
                                                                    ‫ويبعث وحده))(05)[05].‬
   ‫وتمضي األيام واألعوام ونفي أبو ذر إلى الربذة ويحضره الموت هناك، وليس معه إال امرأته‬
 ‫وغالمه، وقبل موته أوصاهما أن يغساله، ويكفناه، ويضعاه على الطريق، وأن يقوال ألول ركب‬
                                                                                     ‫ر‬
‫يم ّ بهم هذا أبو ذر صاحب رسول اهلل فأعينونا على دفنه ،فيفعالن ذلك ويأتي عبد اهلل بن مسعود‬
  ‫ومعه رهط مسافرون فما رءاهم إال الجنازة على قارعة الطريق فأخبرهم غالمه فاندفع عبد اهلل‬
              ‫بن مسعود باكيا يقول صدق رسول اهلل: ((تمشي وحدك وتموت وحدك)) ثم دفنوه.‬
   ‫إخوة اإليمان، وينتهي المسير برسول اهلل إلى تبوك، ويقيم بها بضع عشرة ليلة، فلم يجدوا بها‬
   ‫كيدا أو يواجهوا عدوا ولكنهم بذلك أرهبوا الروم وحلفاءهم، وفرضوا عليهم الجزية، وحصلت‬
 ‫األحداث أثناء بقائه ـ عليه الصالة والسالم ـ فيها، منها أنه لما نام ليلة في تبوك أتاه جبريل ـ‬
    ‫عليه السالم وقال ـ: (يا رسول اهلل قم صل صالة الغائب على معاوية بن معاوية الليثي، فقد‬
‫توفي بالمدينة)، أما معاوية هذا، إخوة اإليمان، فهو صالح عابد يذكر اهلل قائما وقاعدا، وسأل عنه‬
 ‫النبي فأخبر أنه كان يقرأ (قل هو اهلل أحد) قائما، وقاعدا وعلى جنب ، بالليل والنهار، وقد صلي‬
                            ‫ف‬                       ‫صف‬
      ‫عليه بالمدينة وشهد الصالة عليه َّان من المالئكة في كل ص ٍ سبعون ألف ملك .. فقام‬
                                                                       ‫وصلى عليه(55)[55].‬
    ‫وحدث عبد اهلل بن مسعود فقال: نمنا ليلة متعبين في تبوك وانتبهت في وسط الليل، فالتفت إلى‬
  ‫فراش النبي فلم أجده، والى فراش أبي بكر وعمر فلم أجدهما، وإذا بنار وسط الليل تضيء آخر‬
    ‫المعسكر، فذهبت أتبعهما فإذا رسول اهلل حفر قبرا، ومعه أبو بكر وعمر، وعنده سراج بيده قد‬
        ‫نزل وسط القبر فقلت: يا رسول اهلل من الميت؟ قال هذا أخوك عبد هلل ذو البجادين. إنه أحد‬
                                                 ‫م‬
‫الصحابة أسلم، وكان تاجرا، فأخذ أهله وقو ُه مالَه كله حتى لباسه فذهب فما وجد لباسا غير شملة‬
            ‫ك‬
        ‫قطعها إلى بجادين وفر بدينه يريد اهلل والدار اآلخرة، وأخبر بخبره، فقال: ((تركتَ مال َ هلل‬
   ‫ولرسوله، أبدلك اهلل ببجاديك إزارا ورداء في الجنة أنت ذو البجادين))(75)[75]، فلقب بذلك ..‬
‫يقول عبد اهلل بن مسعود وأنزله إلى القبر فوالذي ال إله إال هو مانسيت قوله وهو في القبر وقد مد‬
                                        ‫إل‬
     ‫ذراعيه لذي البجادين وهو يقول ألبي بكر وعمر أدنيا َّي أخاكما، فدلياه في القبر، وهو يبكي‬
  ‫ودموعه تتساقط على الكفن، ثم وقف ـ عليه الصالة والسالم ـ لما وضعه في القبر رافعا يديه‬
      ‫مستقبال القبلة، وهو يقول: ((اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه‬
   ‫راضيا فارض عنه)) يقول ابن مسعود فواهلل ما تمنيت إال أن أكون صاحب الحفرة ألنال دعاءه‬
     ‫(35)[35]، وغزوة تبوك مشابهة لغزوة األحزاب، فإن بالء المسلمين أولها كان شديد ثم جال‬
       ‫ختامها طمأنينة وعزا. وقفل النبي عائدا إلى المدينة موفورا منصورا، حتى قدم إلى المدينة،‬
                                          ‫أ‬
 ‫والحت له معالمها من بعيد فقال هذه طابة، وهذا ُحد يحبنا ونحبه، وتسامع الناس بمقدمه، وفرح‬
                                                                                          ‫النساء والصبيان وهم يقولون:‬
                                                                               ‫طلع البدر علينا ……من ثنيات الوداع‬
                                                                               ‫وجب الشكر علينا ……ما دعا هلل داع‬
  ‫وقوبل جيش العسرة بحفاوة بالغة، ولم ينس النبي في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة الذين‬
   ‫صعب عليهم أن يجاهدوا معه فتخلفوا راغمين والعبرات تمأل عيونهم، روى البخاري عن أنس‬
     ‫ابن مالك : أن رسول اهلل رجع من عزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: ((إن في المدينة أقواما‬
    ‫ماسرتم مسيرا وال قطعتم واديا إال كانوا معكم ؛ فقالوا: يا رسول اهلل وهم بالمدينة؟! قال: وهم‬
                                                                                     ‫بالمدينة حبسهم العذر))(45)[45].‬
‫بهذه المواساة الرقيقة كرم النبي الرجال الذين شيعوه بقلوبهم، وهو ينطلق إلى الروم فأصلح بالهم،‬
‫ل ُم‬          ‫ُ ِ‬            ‫َي َّذ ن من‬
‫وأراح هما ثقيال عن أفئدتهم، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: ياأُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ مَا لَكمْ إذَا قِيلَ َك ُ‬
 ‫م ع ح الد ي ف‬                     ‫خ ِ‬        ‫الد ي م‬               ‫ْ َرض ت‬          ‫ِر ْ ف سب الل اث ُ إل‬
‫انف ُوا ِى َ ِيلِ َّهِ َّاقَلْتمْ َِى األرضِ أ َ ِي ُم بِالْحياةِ ُّنْ َا ِنَ اآل ِرَة فَمَا َتَا ُ الْ َيَاةِ ُّنْ َا ِى‬
‫و له عل ُل‬              ‫ُر ه‬         ‫رُ و‬                ‫ل وي ِ ْ‬                  ‫ِ إ َّ ل ِال ِر ي َذ ك َ‬
‫اآلخرَةِ ِال قَلِي ٌ إ َّ تَنف ُواْ ُع ّبْ ُمْ عذَابًا أَِيمًا َ َسْتَبْدل قَوْمًا غَيْ َكمْ َالَ تَض ُّو ُ شَيْئًا َالَّ ُ ََى ك ّ‬
                                                                                                             ‫َد ر‬
                                                                                            ‫شَىْء ق ِي ٌ [التوبة:83، 33].‬
            ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم…‬


                                                                          ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                                ‫الحمد هلل على إحسانه والشكر له على توفيقه.‬
                                                                                                                    ‫أما بعد:‬
    ‫فيا أيها اإلخوة المؤمنون، ها قد عشتم بعض أحداث غزوة تبوك التي انتهت بنصر المؤمنين،‬
   ‫ولئن انتهت فما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة، وفي كل قصة‬
    ‫عبرة وعظة، وحذار أن يكون نصيبنا منها تغنياً بالماضي، وسرد الحديث الغابر، فإن هذا ال‬
                                       ‫يجدي شيئا، وقد آلت األمة إلى ما آلت إليه وتداعى األكلة إليها.‬
  ‫وأول هذه الدروس: أن هذه األمة أمة جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة، وحتى ما تركت الجهاد‬
                             ‫ً‬
    ‫ضربت عليها الذلة والمسكنة، ولذلك فقد رأينا حياة النبي جهادا في جهاد، فإذا فر من جهاد‬
                                             ‫المشركين رجع إلى جهاد ومقاومة المنافقين ثم جهاد الروم.‬
‫وثاني هذه الدروس: أن اهلل كتب العزة والقوة لهذه األمة، متى ما صدقت وأخلصت، فها هي دولة‬
     ‫و ي ُ َن الله م‬
    ‫اإلسالم الناشئة تقف في وجه الكفر كله بقواه المادية فتهزمه وتنصره عليه َلَ َنصر َّ َّ ُ َن‬
                                                                                                               ‫ي ُره‬
                                                                                                    ‫َنص ُ ُ [الحج:04].‬
‫ومن هذه الدروس أن العدو ما تسلل سبعا وال خفا إال من خالل صفوف المنافقين والمرجفين، ولم‬
    ‫ل‬
  ‫يكن الضعف والتفرقة في هذه األمة إال من قبل أصحاب المسالك الملتوية والقلوب السوداء، َوْ‬
             ‫ضع خ ك ي غ ُم ف َف ُ َم ع ه‬                                              ‫َ ج ف ك م ز د ك ِال ال‬
           ‫خرَ ُواْ ِي ُم َّا َا ُو ُمْ إ َّ خَبَا ً والَوْ َ ُواْ ِلَالَ ُمْ َبْ ُونَك ُ الْ ِتْنَةَ و ِيكمْ س َّا ُونَ لَ ُمْ‬
                                                                                                              ‫[التوبة:24].‬
           ‫ي ِد‬
  ‫ومن الدروس أن مواجهة األعداء ال يشترط فيها تكافؤ القوة ثم يكفي المؤمنين أن ُع ُّوا أنفسهم‬
  ‫بما استطاعوا من قوة ثم يتقوا اهلل ويتعلقوا به، ويصبروا وعندها ينصرون، فها هو عبد اهلل بن‬
  ‫رواحة يقول: "واهلل ما نقاتل الناس بعدد وال عدة وما نقاتلهم إال بهذا الدين الذي أكرمنا اهلل به".‬
              ‫ومنها أن الحق ال بد له من قوة تحرسه وترهب أعداءه حتى ال يكفي حق بال قوة.‬
                                                            ‫يج‬
                                 ‫دعا المصطفى دهرا بمكة لم ُ َبْ ……وقد الن منه جانب وخطاب‬
                                     ‫فلما دعا والسيف بالكف مسلطة ……له أسلموا واستسلموا وأنابوا‬
    ‫ومن الدروس العظيمة من هذه الغزوة أن تمكن العقيدة في قلوب رجال اإلسالم أقوى من كل‬
 ‫سالح وعتاد، وقضى اهلل أن األمة متى ما حادث عن عقيدتها وتعلقت بغيرها، إال تقلبت في ثنايا‬
                                ‫اإلهانات والنكبات والنكسات، حتى ترجع إلى كتاب ربها وسنة نبيها.‬
                             ‫هذه تبوك غزوة العسرة وهذه دروسها فاعتبروا بها عباد اهلل وتدبروها.‬
                                                                                                         ‫__________‬
                                                ‫ال‬
                                               ‫(5) أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 4/651) مرس ً.‬
‫(7) أخرجه الحاكم (3/705) وصححه ووافقه الذهبي ، وانظر فقه السيرة للغزالي بتعليق األلباني‬
                                                                                                               ‫(ص104).‬
‫(3) أخرجه الطبراني كما ذكر ذلك الحافظ في ((اإلصابة)) (2/74-44) في ترجمة علبة بن زيد‬
    ‫رضي اهلل عنه ولم أجده في المطبوع من المعجم الكبير ، وذكر غيرها من الروايات. وانظر‬
                   ‫سيرة ابن هشام (4/851) ، وفقه السيرة للغزالي بتعليق األلباني (ص104).‬
 ‫(4) أخرجه البخاري (6544) ، ومسلم (4047) ، دون ذكر قول المنافقين ، وأخرجه تاماً ، ابن‬
                                           ‫إسحاق كما في سيرة ابن هشام (4/351، 071).‬
   ‫(1) أخرجه البخاري (334، 0833) ، ومسلم (0837) دون قوله : ((متباكين)) ، ودون ذكر‬
                                                                                 ‫بكائه .‬
  ‫(6) أخرجه الطبراني في األوسط (3/563) بنحوه ، قال الهيثمي في المجمع (6/335) : وفيع‬
                                            ‫عبد الرحمن بن بشير الدمشقي ضعفه أبو حاتم.‬
                                                                ‫(2) صحيح مسلم (586).‬
    ‫(8) أخرجه الطبراني في الكبير (4508) ، قال المجمع (3/155) : إسناده حسن ، وصححه‬
                                                          ‫األلباني في الصحيحة (8035).‬
‫(3) أخرجه البزار في مسنده (5/533) وقال : وهذا الحديث ال نعلمه يروى عن النبي بهذا اللفظ‬
      ‫إال عن عمر بهذا اإلسناد. وأخرجه أيضاً الطبراني في األوسط (7/373). قال الهيثمي في‬
‫المجمع (6/135) : رواه البزار والطبراني في األوسط ، ورجال البزار ثقات. وانظر فقه السيرة‬
                                                       ‫للغزالي بتعليق األلباني (ص204).‬
                  ‫(05) 05] أخرجه الحاكم (3/01، 51) وصححه ، قال الذهبي : فيه إرسال.‬
 ‫(55) 55] أخرجه الطبراني في الكبير (8/655) واألوسط (4/365) ، والبيهقي في دالئل النبوة‬
    ‫(1/647) ، وضعفه ابن حبان في المجروحين (7/585) ، وقال ابن عبد البر في االستيعاب‬
                                             ‫ي‬
                                           ‫(05/615) : أسانيد هذه األحاديث ليست بالقو ّة.‬
     ‫(75) 75] لم أجده بهذا اللفظ في جميع مصادر من ترجموا الذي البجادين رضي اهلل عنه ،‬
    ‫وروى ابن إسحاق سبب تسميته بذي البجادين ، كما ذكر هنا (سيرة ابن هشام 4/871) وفي‬
                                               ‫إسناده انقطاعن ، وانظر اإلصابة (6/345).‬
‫(35) 35] أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 4/271) ، قال ابن حجر في اإلصابة (6/345) :‬
                                                      ‫ا‬
 ‫وإسناده ثقات ، إال أن فيه انقطاعً. وأخرجه البزار في مسنده (1/775-375) ، قال الهيثمي في‬
              ‫المجمع (3/363) : رواه البزار عن شيخه عباد بن أحمد المرزحي وهو متروك.‬
                                    ‫(45) 45] أخرجه البخاري (3744) ، ومسلم (5535).‬

‫(5/872)‬
                                                                                ‫سالمة الصدر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                                ‫أعمال القلوب‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                         ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                        ‫عنيزة‬
                                                                                 ‫1/55/2545‬
                                                                                  ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- الحث على سالمة الصدر على المؤمنين. 7- القرآن يدعو لإلصالح حرصاً على سالمة‬
  ‫الصدر. 3- السنة تعظم أمر اإلصالح بين المتخاصمين. 4- النهي عن التدابر والتباغض. 1-‬
  ‫األمر بقبول عذر المخاصم. 6- تحريم اإلسالم لكل ما يوغر الصدر كالغيبة. 2- قصة المبشر‬
                                                                        ‫بالجنة لسالمة الصدر.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد :‬
   ‫فيا عباد اهلل : اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه روى ابن ماجة فيما صححه األلباني عن عبد اهلل بن‬
‫عمرو رضي اهلل عنهما قال : قال رسول اهلل : (( خير الناس ذو القلب المخمول واللسان الصادق‬
 ‫قيل ما القلب المحموم ؟ قال هو التقي النقي الذي ال إثم فيه وال بغي وال حسد ، قيل : فمن على‬
‫أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب اآلخرة ،قيل : فمن على أثره ؟ قال : مؤمن في خلق حسن )).‬
   ‫ليس أروح للمرء وال أطرد لهمومه وال أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب ومبرأ من وساوس‬
‫الضغينة وثوران األحقاد إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد - رضي اهلل عنهم - بها وأحسن فضل اهلل‬
   ‫فيها وفقر عباده إليها وذكر قوله اللهم ما أصبح بي من نعمة أو أحد من خلقك فمنك وحدك ال‬
    ‫شريك لك فلك الحمد ولك الشكر وإذا رأى أذى يلحق مسلما رثى له ورجا اهلل أن يفرج كربه‬
  ‫ويغفر ذنبه وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة مستريح القلب والنفس من نزغات الحقد األعمى،‬
‫فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء وما أسرع أن يتسرب اإليمان من القلب المغشوش كما يتسرب‬
  ‫الماء من اإلناء المثلوم، والقلب األسود يفسد األعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها،‬
‫أما القلب المشرق فإن اهلل يبارك في قليله، ومن ثم كانت الجماعة المسلمة حقاً هي التي تقوم على‬
 ‫عواطف الحب المشترك والود الشائف التعانق والمتبادل والمجاملة الرقيقة، ال مكان فيها للفردية‬
‫المتسلطة بل هي كما وصف القرآن والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا وإلخواننا الذين‬
        ‫سبقونا باإليمان وال تجعل في قلوبنا غال للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم [الحشر:05]‬
   ‫إن سالمة الصدر وصالح ذات البين أمر من لوازم التقوى ولهذا قرن اهلل عز وجل بينهما في‬
‫قوله : فاتقوا اهلل وأصلحوا ذات بينكم [األنفال:5] وسالمة الصدر نعمة من النعم التي توهب ألهل‬
  ‫الجنة حينما يدخلونها قال تعالى : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين .‬
  ‫إخوة اإليمان : إن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها وتفرعت أشواكها شلت زهرات اإليمان‬
  ‫الغض وأذوت ما يوحي به من حنان وسالم، وعندئذ ال يكون في أداء العبادات المفروضة خير‬
   ‫وال تستفيد النفس منها عصمة وكثيرا ما تطيش الخصومة بألباب ذويها فتتدلى بهم إلى اقتراف‬
 ‫الصغائر المسقطة للمرؤة والكبائر الموجبة للعنة وعين السخط تنظر دائما من زاوية مظلمة فهي‬
‫تعمى عن الضال وتضخم الرذائل، وقد يذهبها الحقد إلى التخيل وافتراض األكاذيب وذلك كله مما‬
 ‫يسخطه اإلسالم ويحاذر وقوعه ويرى منه أفضل القربات قال رسول اهلل أال أخبركم بأفضل من‬
      ‫درجة الصيام والصالة والصدقة قالوا بلى قال : إصالح ذات البين فإن فساد ذات البين هي‬
                                 ‫الحالقة ال أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين رواه الترمذي .‬
 ‫إذا كان الشيطان وعجز أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم فلن يعجز عن المباعدة بينه وبين‬
 ‫ربه حتى يجهل حقوقه أشد مما يجهلها الوثني المشرك وهو إنما يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة‬
 ‫في القلوب فإذا اشتعلت استمتع بها الشيطان وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم وتلتهم عالئقهم‬
 ‫وفضائلهم قال : (( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه لم ييأس في‬
                                                               ‫التحريش بينهم )) رواه مسلم .‬
 ‫إن الشر إذا تمكن من األفئدة فتنافر ودها وانكسرت زجاجتها ارتد الناس إلى حال القسوة والعناد‬
    ‫واإلعراض، وإن المتأمل لحال هذه األمة اآلن يرى فيها كثرة االختالف والتفرق حتى أصبح‬
 ‫بأسها الذي كان من الواجب أن يكون على أعدائها أصبح بينها في أفرادها وجماعتها حتى بدأت‬
‫تسمع من يكيل السب والشتم للخيرين والعلماء، وأصبحنا كما وصف ابن عبد البر رحمه اهلل أهل‬
‫زمانه حين قال : " واهلل لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم فلم يقنعوا بذم العامة دون الخاصة‬
                                                          ‫وال بذم الجهال دون العلماء " أ.هـ.‬
         ‫إن المصيبة تكبر حينما يكون هذا صادر من بعض من ينتسبون إلى الدين اسما وبلدا .‬
                             ‫وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند‬
                                          ‫م ْذن‬
                                   ‫وهذا واهلل منذر بسبيل عذاب، قد انعقد غمامه و ُؤ ِ ٌ بليل :‬
                                                       ‫بالء قدادلهم ظالمه إخوة الدين والعقيدة‬
  ‫إن انتصار هذا الدين وظهوره على الدين كله أمر تهفو إليه النفوس المؤمنة وتتطلع إليه وتتمناه‬
‫وترجوه ولكن ال سبيل إلى ذلك إال بتألف القلوب وسالمة الصدور من كل ما يعكر صفاء األخوة‬
       ‫وصدق المحبة بين المؤمنين ألن من صفات أهل اإليمان أنهم كما قال عز وجل أذلة على‬
       ‫المؤمنين أعزة على الكافرين ولذلك فقد يقظ اإلسالم لبوادر الجفاء فالحقها بالعالج قبل أن‬
‫تستفحل وتستطيل إلى عداوة فاجرة ولذلك شرع اإلسالم من المبادئ ما يرد عن المسلمين عوادي‬
 ‫االنتقام والفتنة وما يحك القلوب على مشاعر الوالء والمودة فنهى عن التقاطع والتدابر يقول : ((‬
     ‫ال تقاطعوا وال تدابروا وال تباغضوا وال تحاسدوا وكونوا عباد اهلل إخوانا وال يحل لمسلم أن‬
                                                     ‫يهجر أخاه فوق ثالث )) رواه البخاري .‬
 ‫بهذا اإلرشاد المبين يحول المؤمن إلى مستوى رفيع من الصداقات المتبادلة أو المعامالت العادلة‬
    ‫واإلسالم يعبر من دالئل الصفاء أن يرسب الغل في أعماق النفوس فال يخرج منها وكثير من‬
  ‫أولئك الذين يحتبس الغل في أفئدتهم يتمسكون متنفسا له في وجوه من يعف معهم ال يستريحون‬
 ‫إال إذا أرغوا وأزبدوا وآذوا وأفسدوا، روي عن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل قال :‬
     ‫(( أال أنبئكم بشراركم ؟ قالوا: بلى ، قال : إن شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع‬
     ‫رقده، أفال أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا بلى ، قال: من يبغض الناس ويبغضونه، ثم قال : أفال‬
‫أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا بلى ، قال : الذين ال يقبلون عشرة وال يقبلون معذرة، وال يغفرون ذنبا‬
  ‫، قال : أفال أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا بلى ، قال : من ال يرجى خيره وال يؤمن شره )) رواه‬
‫الطبراني إنها أطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته وقد أحس الناس به من قديم حتى‬
                                                           ‫في جاهليتهم حين قال عنه عنترة :‬
                             ‫ال يحمل الحقد من تعلو به الرتب وال ينال العال من طبعه الغضب‬
 ‫لقد حذر اإلسالم من رذائل مصدرها الحقد، فاالفتراء على األبرياء سيما الخيرين جريمة ال يدفع‬
   ‫إليها إال الكره الشديد ولما كان أثرها شديدا في تشويه الحقائق وجرح المستورين عدها اإلسالم‬
 ‫من أقبح الزور روى أبو يعلى عن عائشة رضي اهلل عنها ان رسول اهلل - صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫- قال ألصحابه: (( أتدرون أربى الربا عند اهلل . قالوا :اهلل ورسوله أعلم ، قال :فإن أربى الربا‬
     ‫عند اهلل استحالل عرض امرئ مسلم )) ثم قرأ : والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما‬
   ‫اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا إن تلمس العيوب للناس وإلصاقها بهم عن تعمد يدل على‬
                          ‫ا‬
   ‫خبث ودناءة حذر منها اإلسالم حين قال رسول اهلل : ((من ذكر امرً بشيء ليس فيه ليعيبه به‬
    ‫حبسه اهلل في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه )) رواه الطبراني إن سالمة الصدر تفرض‬
      ‫على المؤمن أن يتمنى الخير للناس إن عجز من سوقه إليهم بيده أما من ال يجد بالناس شرا‬
 ‫فيرميهم به ويزوره عليهم تزويرا فهو أفاك أثيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا‬
   ‫لهم عذاب أليم في الدنيا واآلخرة، واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [النور:35] إن من فضل اهلل على‬
 ‫العباد أنه استحب ستر عيوب الخلق ولو صدق اتصافهم بها، وما يجوز لمسلم أن يفضح العيوب‬
   ‫فصاحب الصدر السليم يأسى آلالم العباد ويشتهي لهم العافية أما التلهي بسرد الفضائح وكشف‬
     ‫الستور وإبداء العورات فليس ملك المسلم الحق ولذلك حرم اإلسالم الغيبة إذ هي متنفس حقد‬
                                                    ‫مكظوم وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء.‬
 ‫عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال : (( أتدرون ما الغيبة قالوا اهلل ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك‬
 ‫بما يكره، قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن ما‬
                                                               ‫تقول فقد بهته )) رواه مسلم .‬
‫ومن آداب اإلسالم التي شرعها لحفظ الموراث واتقاء الفرقة تحريم النميمة ألنها ذريعة إلى تكدير‬
 ‫الصفو وتغيير القلوب، لقد كان النبي ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه حين قال عليه الصالة‬
 ‫والسالم : (( ال يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم‬
                                                                   ‫الصدر )) رواه أبو داود .‬
  ‫أيها األحبة : سالمة الصدر تجعل المسلم ال يربط بين حظه من الحياة ومشاعره مع الناس ذلك‬
    ‫أنه ربما فشل حيث نجح غيرها وربما تخلف حيث سبق آخرون فمن الحسد والحقد أن يتمنى‬
‫الخسارة لكل إنسان والتخلق ال لشيء إال ألنه هو يربح ولذلك كان دخول الجنة ثمنا غاليا يستحق‬
 ‫من انطوى قلبه على حب الناس وتمنى الخير لهم ونبذ الضغينة عنهم عن أنس بن مالك قال كنا‬
     ‫جلوسا عند النبي فقال : (( يطلع اآلن عليكم رجل من أهل الجنة )) فطلع رجل من األنصار‬
  ‫تندف لحيته من وضوئه، فلما كان من الغد قال عليه الصالة والسالم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل‬
    ‫مثل المرة األولى، فلما كان اليوم الثالث قال عليه الصالة والسالم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك‬
  ‫الرجل على مثل حاله األول فلما قام الرجل تبعه عبد اهلل بن عمرو فقال له إني ال حيت أبي -‬
‫أي خاصمته - فأقسمت أال أدخل عليه ثالثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال نعم‬
‫قال أنس فكان عبد اهلل يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثالث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه‬
  ‫إذا تقلب في فراشه ذكر اهلل عز وجل حتى ينهض لصالة الفجر قال عبد اهلل غير أني لم أسمعه‬
‫يقول إال خيرا فلما مضت الليالي الثالث وكدت أحتقر عمله قلت يا عبد اهلل لم يكن بيني وبين أبي‬
 ‫غضب وال هجرة ولكني سمعت رسول اهلل يقول لك ثالث مرات يطلع عليكم اآلن رجل من أهل‬
   ‫الجنة فطلعت أنت ثالث مرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فأقتدي بك فلم أرك عملت‬
     ‫كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول اهلل ؟قال ماهو إال ما رأيت قال عبد اهلل فلما وليت‬
               ‫ش‬
‫دعاني فقال ما هو إال ما رأيت غير أني ال أجد في نفسي ألحد من المسلمين غ ًا وال أحسد أحدا‬
   ‫على خير أعطاه اهلل إياه وفي رواية لم أبت ضاغنا على مسلم فقال عبد اهلل هذه التي بلغت بك‬
                                                           ‫وهي التي ال نطيق ، رواه أحمد .‬
     ‫إخوة اإليمان: ومما قاله ابن القيم رحمه اهلل : " القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل‬
‫والحقد والحسد والشح، والكبر وحب الدنيا والرئاسة فسلم من كل آفة تبعده عن اهلل، وسلم من كل‬
‫شبهة تعارض خيره ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده وسلم من كل‬
                                                                       ‫قاطع يقطع عن اهلل ".‬
        ‫إن سالمة القلب والصدر ليست السذاجة والضعف ليست القلب الذي يسهل غشه وخداعه‬
  ‫والضحك عليه وال يعرف الخير من الشر ، إن سالمة القلب كما قال ابن تيمية رحمه اهلل القلب‬
     ‫السليم المحمود هو الذي يريد الخير ال الشر، ومآل ذلك بأن يعرف الخير والشر فأما من ال‬
                                                    ‫يعرف الشر فذاك نقص فيه ال يمدح به.‬
‫تلك هي سالمة الصدر بما كانت عليه من فضل وعاقبة غفل عنها الكثيرون، فبتنا لفقد نرى أسبابا‬
     ‫للتشاحن والتباغض تنخر في جسد األمة المنهك لتنكأ جراحه وتبري عظامه فتزيد من آالمه‬
                                                                                  ‫وفرقته .‬
 ‫نسأله جل وعال أن يجمع شتات األمة يصلح قلوبنا ويطهرها من الشرك والنفاق والرياء والشقاق‬
    ‫وسوء األخالق، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم : وال تخزني يوم يبعثون يوم ال ينفع مال وال‬
                                          ‫بنون إال من أتى اهلل بقلب سليم [الشعراء:28-38]‬
                                                   ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ،،،‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد.‬

‫(5/372)‬




                                                       ‫دروس من سورة يوسف عليه السالم‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                   ‫العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة‬
                                                         ‫الرؤى والمنامات, القرآن والتفسير‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                           ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                            ‫المدينة المنورة‬
                                                                             ‫15/4/5545‬
                                                                                       ‫قباء‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
‫مقدمة السورة وداللتها – مكانة يوسف عند أبيه ورؤيته التي رآها , وتأويلها – حسد اخوة يوسف‬
‫له وموقف يعقوب من ذلك – هديه صلى اهلل عليه وسلم فيمن رأى رؤيا في منامه - وقوع رؤيته‬
‫صلى اهلل عليه وسلم كفلق الصبح , ومعنى قوله صلى اله عليه وسلم : " الرؤيا الصادقة جزء من‬
                                                                            ‫ا‬
                                                                ‫ستة وأربعين جزءً من النبوة "‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
    ‫جاء القرآن بأفضل القصص وجاء بعلوم وأحكام وآداب وأخبار لم يكن سيدنا محمد صلى اهلل‬
                                                   ‫عليه وسلم يعلمها بل كان خالي الذهن منها.‬
   ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم: آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن‬
           ‫نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين‬
    ‫[يوسف:5-4]. بعد هذه المقدمة المحكمة بدأت القصة. بدأت القصة الكريمة الجليلة إنها قصة‬
   ‫يوسف االبن الثاني عشر ليعقوب بن إسحاق بن يعقوب وهو في بداية القصة صبي صغير في‬
  ‫سن يخاف عليه أبوه فيها أن يأكله الذئب إذن هو في سن ال يستطيع فيها أن يحمي نفسه ويرى‬
   ‫أبوه فيه من المخايل الكريمة منذ صغره يرى أبوه فيه من المخايل والصفات الكريمة ما جعله‬
 ‫يحبه أكثر من باقي إخوته ويفضله عليهم ثم جاءت هذه الرؤيا العظيمة الجليلة لتنبه األب يعقوب‬
 ‫عليه السالم إلى أن هذا الصبي الصغير الكريم هو حلقة تلك السلسلة الكريمة االصطفائية األبوية‬
 ‫من ذرية إبراهيم عليه السالم لتنبهه إلى أن هذا الصبي الصغير الكريم سيكون له شأن عظيم في‬
‫النبوة والظهور والسلطان. أال ترون أن األب فسر الرؤيا بمجرد أن سمعها من ابنه يوسف بقوله:‬
‫وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل األحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على‬
  ‫أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق [يوسف:6]. فما هي النعمة التي أتمها اهلل على إبراهيم وإسحاق‬
 ‫إنها النبوة والرسالة واالصطفاء للنبوة والرسالة ولذلك ختم قوله ذلك بقوله : إن ربك عليم حكيم‬
   ‫عليم بمن يختارهم ويصطفيهم للنبوة والرسالة حكيم باختيارهم واصطفائهم على حد قوله تعالى‬
‫في اآلية األخرى : اهلل أعلم حيث يجعل رسالته [األنعام:475]. ها هي ذي الرؤيا العظيمة الجليلة‬
 ‫تؤذن بما لهذا الصبي الصغير الكريم من شأن عظيم إنه من ساللة النبوة حفيد أبي األنبياء خليل‬
   ‫اهلل ورسوله إبراهيم عليه السالم إنه حفيد إبراهيم عليه السالم وها هي ذي هذه الرؤيا العظيمة‬
                                                                     ‫تؤذن وتنبئ بذلك وتعلنه.‬
 ‫رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رآهم ساجدين له وتلك عادة الناس في تلك األزمنة تحيتهم‬
‫للملوك والعظماء السجود ونسخ ذلك في شريعتنا فال سجود إال هلل رب العالمين ولكن السجود في‬
 ‫الرؤيا له دالله أخرى إن معناه أن إخوة يوسف سيخضعون له ومن شدة خضوعهم له وتعظيمهم‬
    ‫إياه تعظيما زائدا سيخرون له ساجدين إجالال وإكراما واحتراما وقد فهم األب كل ذلك، األب‬
 ‫يعقوب عليه السالم مدرك لطبيعة البشر ومتنبه لحال أبنائه ومتنبه لحال بنيه وما بينهم من تنافس‬
  ‫وتغاير وتحاسد كما هو شأن األخوة غالبا ومتنبه إلى تميز ابنه الصغير هذا يوسف تميزه عليهم‬
‫في مخايله وصفاته الكريمة وربما أجج التنافس بين أولئك األخوة أنهم مختلفون في األم فقد روي‬
  ‫أن أم يوسف هي غير أم باقي إخوته إال واحدا منهم وال شك أن هذا مما يزيد التنافس والتحاسد‬
 ‫بين اإلخوة كما هو مشاهد في حال الناس. كان األب متنبها لكل ذلك فأوصى ابنه يوسف الصبي‬
‫الصغير الكريم بعد أن سمع منه تلك الرؤيا العظيمة العجيبة الجليلة أوصاه أال يقصها على إخوته‬
   ‫أي يخفيها عنهم فإنهم إذا سمعوا أدركوا ما ينتظر هذا األخ الصبي الصغير من مستقبل عظيم‬
  ‫وشأن كريم وأدركوا أن اهلل سيفضله عليهم أو فضله عليهم وحين إذن ربما تتفجر كوامن الغيرة‬
‫والحسد في نفوسهم وربما انقلب الحسد إلى كيد مدمر مهلك يا بني ال تقصص رؤياك على إخوتك‬
     ‫فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان لإلنسان عدو مبين [يوسف:1]. تأملوا إسلوب القرآن تأملوا هذا‬
‫اإلسلوب العجيب المعجز هذا البيان المعجز كيف صورت اآلية وصية هذا األب الكريم لهذا االبن‬
 ‫الصغير الكريم كيف عبر األب عن خوفه بلغة أبوية بلغة شفوقة حانية كيف عبر عن خوفه وقد‬
    ‫كان خوفه في محله فيكيدوا لك كيدا لم يكتف في اإلسلوب بذكر الفعل وال بذكر متعلقه الجار‬
   ‫والمجرور وقد كان كافيا في إفادة المعنى لو قال: فيكيدوا لك هذا كاف إلفادة المعنى ولكنه مع‬
  ‫ذلك أكد بذكر المفعول فيكيدوا لك كيدا مبالغة في تصوير خوف ذلك األب الكريم على ابنه ذلك‬
‫الصبي الصغير الكريم ما أعجبه من موقف يصوره القرآن الكريم فهذه اآليات الثالث التي افتتحنا‬
‫بها من حسن بالغتها وقوة بيانها تكاد تصور هذا الموقف بين هذا األب الكريم وهذا االبن الصبي‬
     ‫الصغير الكريم تكاد تصوره تصويرا حسيا تراه األعين لكنها صورة بيانية متكاملة تشاهدها‬
  ‫البصائر وإن لم تشاهدها األبصار هذا األب الكريم مع ابنه الصغير الذي هو أحب أبناءه االثني‬
   ‫عشر وأكرمهم عنده وكلهم كرام فقد نشؤوا في بيت النبوة كلهم كرام أال ترى الرؤيا صورتهم‬
                          ‫بصورة الكواكب وهذه كلها صور مدح وتكريم يقول الشاعر العربي:‬
                                                                 ‫كأنك شمس والملوك كواكب‬
                                                                ‫إذا طلعت لم يبد منهن كوكب‬
       ‫فهذا االبن الصغير الصبي الكريم يروي ألبيه تلك الرؤيا العظيمة الجليلة أحد عشر كوكبا‬
  ‫والشمس والقمر رآهم جميعا ساجدين له فجاءت هذه الرؤيا تؤكد ليعقوب إضافة إلى ما البد أنه‬
 ‫لمسه من مخايل عظيمة وكريمة ما لمسه ورآه من مخايل النبوة على ابنه يوسف منذ صغره فإن‬
    ‫مخايل النبوة تظهر على كل نبي منذ صغره فإضافة إلى ذلك جاءت هذه الرؤيا العظيمة تؤكد‬
‫ليعقوب أن ابنه هذا حلقة تلك السلسلة الكريمة العظيمة النبوية من ذرية إبراهيم عليه السالم وهذه‬
  ‫هي بداية القصة هذه هي بداية هذه القصة الكريمة التي يقصها ربنا عز وجل على سيدنا محمد‬
   ‫صلى اهلل عليه وسلم وعلى أمته من بعده نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا‬
‫القرآن [يوسف:3]. بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر‬
                  ‫الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وال عدوان إال على الظالمين واشهد أن ال إله إال اهلل وحده‬
     ‫ال شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه‬
                                                                              ‫أجمعين. أما بعد:‬
‫فقد قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا رأى أحدكم ما يحب – أي إذا رأى أحدكم في نومه‬
‫– فليحدث به وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه اآلخر وليتفل عن يساره ثالثا وليستعذ باهلل من‬
    ‫الشيطان الرجيم وال يحدث بها أحدا فإنها لن تضره))(5)[5] أو كما قال صلى اهلل عليه وسلم:‬
       ‫((الرؤيا من اهلل والحلم من الشيطان))(7)[7] الرؤيا الصالحة الصادقة من اهلل وأما األحالم‬
                                                ‫أضغاث األحالم فمن الشيطان وسوسة الشيطان.‬
 ‫الرؤيا الصالحة الصادقة مقام شريف ومنزلة رفيعة وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة‬
   ‫كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى اهلل عليه وسلم ولذلك كانت أول ما بدئ به رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة كانت أول ما بدئ رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
      ‫قبل أن يفجأه الوحي في غار حراء وكان يرى الرؤيا فتجيء مثل فلق الصبح كما روت أم‬
‫المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها(3)[3] فالرؤيا إذن جزء من النبوة الرؤيا الصالحة الصادقة جزء‬
   ‫من ستة وأربعين جزءا من النبوة ولكن ليس معنى هذا أن كل من رأى رؤيا صادقة فقد أوتي‬
                                                                                     ‫ء‬
 ‫جز ً من ستة وأربعين جزءا من النبوة(4)[4] فالرؤيا الصادقة قد يراها المؤمن والكافر والموحد‬
 ‫والمشرك والصالح والفاسد كل هؤالء يمكن أن يروا رؤيا صادقة وفي قصة يوسف عليه السالم‬
     ‫ستأتينا رؤيا الفتيين في السجن وقد كانا مشركين وستأتينا رؤيا الملك ولقد كان كافرا فالرؤيا‬
‫الصادقة قد يراها الكافر وال تضاف حينئذ إلى النبوة الخبر الذي يخبر به الكاهن من أخبار الغيب‬
    ‫فربما صدق فيه فخبر من أخبار الغيب، إذا صدق فيه الكاهن ال يعتبر هذا الخبر من النبوة ال‬
   ‫يعتبر خبر الغيب الذي صدق فيه الكاهن من النبوة بل هذا نادر وقليل ال يثبت به هذا الوصف‬
 ‫والرؤيا الصادقة من بقايا المبشرات الغالب فيها أنها تبشر المؤمن بشارة للمؤمن ولكنها قد تكون‬
‫بشارة وتنبيها فقد رأى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قبيل غزوة أحد رأى ثلمة في سيفه أو رأى‬
‫سيفه انقطع ورأى بقرا تذبح ففسر ذلك صلى اهلل عليه وسلم بأنه رجل من أهل بيته يقتل ونفر من‬
  ‫أصحابه يقتلون(1)[1] وفي نفس الرؤيا رأى نفسه وقد أدخل يده الشريفة في درع حصينة أولها‬
    ‫المدينة(6)[6] وإنما حكى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هذه الرؤيا ألصحابه مع أن فيها ما‬
 ‫يحزنه وما يسوءه فيها ما ال يحبه صلى اهلل عليه وسلم وهو قتل رجل من أهل بيته وقتل نفر من‬
‫أصحابه إنما اضطر ألن يذكر هذه الرؤيا ألصحابه تنبيها لهم إلى ما هو أفضل إلى الحل األفضل‬
  ‫الذي كان ينبغي أن يلجؤوا إليه في تلك الحالة وهي أن يتحصنوا بالمدينة وقد كانوا اختاروا أن‬
     ‫يخرجوا خارج المدينة لمالقاة عدوهم وإال فقد نهى صلى اهلل عليه وسلم كما سمعتم إذا رأى‬
 ‫المؤمن رؤيا ال يحبها نهاه أن يحدث بها وسن لنا في مثل هذه الحالة إذا رأى أحدنا رؤيا يكرهها‬
   ‫وساءته وأخافته أن يتحول إلى الجنب اآلخر وهو في فراشه وأن يتفل عن يساره ثالثا ويستعيذ‬
 ‫باهلل من الشيطان الرجيم وال يحدث بهذه الرؤيا أحدا فقد روي عنه صلى اهلل عليه وسلم ثبت عنه‬
‫صلى اهلل عليه وسلم قوله: ((إن الرؤيا في رجل طائر فإذا ما حدثت بها وقعت))(2)[2] فال تحدث‬
‫بها إال أخا ناصحا محبا وهذه سنة أخرى إذا رأيت رؤيا سواء أعجبتك وأحببت ما فيها أو كرهتها‬
     ‫وخفت مما فيها فال تحدث بها إال أخا ناصحا محبا تثق به وهذه هي وصية يعقوب يا بني ال‬
                                                     ‫تقصص رؤياك على إخوتك [يوسف:1].‬
 ‫فإذا كنت ال تثق بأحد فال تحدثه بما ترى من رؤى تحبها أو ال تحبها إال أخا تثق به ناصحا أمينا‬
    ‫محبا فإذا رأيت رؤيا ال تحبها فال تحدث بها والسنة أن تفعل كما أرشدك رسول اهلل صلى اهلل‬
                                                                                 ‫عليه وسلم.‬
     ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم وشر األمور‬
    ‫محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على‬
 ‫الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة‬
                                                          ‫الكرام رضوان اهلل عليهم أجمعين .‬
‫يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
  ‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى اهلل‬
    ‫عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى اهلل عليه بها عشرا))(8)[8] اللهم صل وبارك على‬
 ‫محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد‬
     ‫مجيد وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
   ‫عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين‬
‫وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                         ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                             ‫__________‬
                                                            ‫(5) مسلم:ك:الرؤيا رقم (7677).‬
                                                           ‫(7) مسلم: ك:الرؤيا رقم (5677).‬
                                                                ‫(3) البخاري:ك: الوحي (3).‬
                                                           ‫(4) البخاري:ك: التعبير (7816).‬
                                                           ‫(1) البخاري:ك: المناقب(1743).‬
                                                                        ‫(6) أحمد (5/527).‬
                                                    ‫(2) ابن ماجة: في تعبير الرؤيا (4533).‬
                                     ‫(8) صحيح مسلم (804) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/032)‬




                                                                   ‫الراحمون يرحمهم الرحمن‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                       ‫اآلداب والحقوق العامة, مكارم األخالق‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                          ‫عنيزة‬
                                                                                  ‫35/6/2545‬
                                                                                   ‫جامع السالم‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- الراحمون يرحمهم الرحمن. 7- وصية القرآن والسنة بالرحمة. 3- جوانب الرحمة. 4-‬
‫أحق الناس بالرحمة الوالدين ثم األوالد واألرحام والقرابات ثم العمال والخدم. 1- نصيحة للكفالء‬
‫بحسن معاملة المكفولين وتحذير من القسوة عليهم وأكل أموالهم بالباطل. 6- الرحم بالحيوان. 2-‬
                                                         ‫الرحمة مع المرضى وذوي العاهات.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
                                                                                       ‫أما بعد :‬
                                                                 ‫فيا عباد اهلل : اتقوا اهلل تعالى‬
  ‫إخوة اإليمان: عن عمر بن الخطاب : قدم على رسول اهلل بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى قد‬
‫تحلب ثديها تبحث عن طفلها حتى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال‬
   ‫رسول اهلل : (( أترون هذه المرأة طارحة وليدها في النار، قلنا : ال واهلل وهي تقدر على أن ال‬
                                     ‫تطرحه ، قال : فاهلل تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها )).‬
‫اإلسالم رسالة خير وسالم وعطف على البشرية وكانت رسالة رسول اهلل رحمة لها لهذه البشرية‬
‫وما أرسلناك إال رحمة للعالمين وسور القرآن الكريم مفتتحة كلها بـ { بسم اهلل الرحمن الرحيم }‬
‫والرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق آلالم الخلق ويسعى إلزالتها ويأسى ألخطائهم فيتمنى‬
                                                                                  ‫لهم الهدى .‬
   ‫الرحمة صفة للمولى تباركت أسماؤه، ورحمته شملت الوجوه وعمت الملكوت ربنا وسعت كل‬
‫شيء رحمة وعلماً [غافر:2] وكثير من أسماء اهلل الحسنى ينبع من معاني الرحمة والكرم والفضل‬
  ‫والعفو، وفي الحديث القدسي: (( إن رحمتي تغلب غضبي )) أي أن عفوه عن المخطئين يسبق‬
 ‫اقتصاصه منهم وبذلك كان جل وعال أفضل الرحماء وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين‬
                                                                           ‫.[ المؤمنون 855 ]‬
     ‫عباد اهلل إن ما نراه في األرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة اهلل التي أودع‬
                                                       ‫جزءا منها في قلوب الخالئق، فأرق‬
 ‫ُّ الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا‬
 ‫بحياة الضعفاء، أما غالظ األكباد من الجبارين والمستكبرين فهم أبعد الناس عن اهلل وفي الحديث‬
                                             ‫: (( إن أبعد الناس من اهلل تعالى القاسي القلب )).‬
                                                                        ‫يعد‬
  ‫وكان رسول اهلل ُّ جمود العين واستغالق القلب من الشقاء وحين أراد اهلل أن يمتن على العالم‬
     ‫برجل يمسح آالمه ويخفف أحزانه ويرثي لخطاياه ويستميت في هدايته من الشرك والضالل‬
‫وياخذ ويناصر الضعيف ويقاتل دونه ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانا سليم الفطرة ال يضر‬
     ‫وال يطغى أرسل محمدا عليه الصالة والسالم وسكب في قلبه العلم والحلم وفي خلقه اإليناس‬
    ‫والبر وفي طبعه السهولة والرفق وفي يده السخاوة والندى وجعلها أزكى عباد اهلل رحمة فبما‬
                                                                       ‫ل‬
       ‫رحمة من اهلل ِنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب ال نفضوا من حولك [ آل عمران 135]‬
                                 ‫ي‬
    ‫في غزوة أحد حاول المشركون اغتياله وألجئوه إلى حفرة ل ُكَبَ فيها ونظر إلى أعز أصحابه‬
‫فوجدهم مضرجين بدمائهم على الثرى وشق خده وسقطت رباعيته، فقيل له مع هذه األزمات ادع‬
   ‫على المشركين لكن رحمته غلبت وجعلت نفسه العالية تتيح العذر ألعدائه فكان دعاؤه (( اللهم‬
                                  ‫ل‬
  ‫اهد قومي فإنهم ال يعلمون)) وتلك هي القلوب الكبيرة، التي قّما تستجيش دوافع القوة لكنها أبدا‬
    ‫تنزع إلى الصفح والحنان فهي إليه أقرب ، إن القسوة في خلق اإلنسان دليل نقص كبير وفي‬
                                            ‫ن‬
‫تاريخ أمة دليل فساد خطير ولذلك حذر منها القرآ ُ المسلمين ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم‬
    ‫لذكر اهلل وما نزل من الحق وال يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم األمد فقست‬
                                                       ‫قلوبهم وكثير منهم فاسقون [الحديد:65]‬
     ‫إخوة الدين والعقيدة اإلسالم أمر بالتراحم العام يقول عليه الصالة والسالم (( لن تؤمنوا حتى‬
                                                                                        ‫ت‬
  ‫ُرحموا، قالوا يا رسول اهلل كلنا رحيم قال : إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة‬
                                                                           ‫)) رواه الطبراني .‬
    ‫إن الرجل قد يهش ألصدقائه حين يلقاهم ، وقد يرق ألوالده حين يراهم ، لكن المفروض في‬
    ‫المؤمن أن تكون رحمته أوسع ، فيظهر بشاشته ويبدي مودته لعامة من يلقى ، على ذلك حث‬
     ‫رسول اهلل (( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذل في نفسه من غير مسألة وأنفق ماال‬
‫جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، وخالط أهل الفقر والحكمة )) رواه البخاري‬
                                                                                          ‫.‬
   ‫ي‬
‫قال عليه الصالة والسالم : (( من ال يرحم الناس ال يرحمه اهلل )) وزاد في رواية (( من ال َغفر‬
                                                                                       ‫ي‬
                                                                             ‫ال ُغفر له )).‬
 ‫إن الرحمة كذلك ال تعني الضعف والتهاون ال تعني التساهل مع المخطئ فقد تأخذ الرحمة طابع‬
‫القسوة وليس كذلك، ألسنا نسوق األطفال إلى المدارس كارهين ،ثم نأمرهم أنيحفظوا الدرس زجرا‬
                                                                     ‫،وكل ذلك رحمة لهم :‬
                                                                 ‫ُ‬
                                  ‫فقسى ليزدجروا ومن يك راحما فليقس أحيانا على من يرحم‬
‫فليست الرحمة حنانا ال عقل معه ،فهناك من ال تشمله الرحمة في بعض صورها ،كالقاتل الذي ال‬
  ‫ينبغي أن تمنعنا الرحمة من إقامة الحد عليه ،ألن قتله حياة للمجتمع: ولكم في القصاص حياة يا‬
‫أولي األلباب لعلكم تتقون [البقرة:325] إن الرحمة أثر اإلسالم في طبائع أهله، هذا األثر يحدوهم‬
 ‫إلى البر ، ويهب عليهم في األزمات الخانقة ريحا ترطب الحياة وتنعش الصدور يقول فيما رواه‬
 ‫البخاري (( جعل اهلل الرحمة مائة جزء وأنزل في األرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم‬
                              ‫الخالئق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه )).‬
       ‫أيها اإلخوة المؤمنون : بعد أن عرفنا الرحمة يجب أن نعلم أن اإلسالم نبه أن هناك أقواما‬
                ‫وأصنافا مخصوصين ينبغي أن يحظوا بأضعاف مضاعفة من الرحمة والرعاية.‬
 ‫من هؤالء ذوو األرحام أي األقرباء قال رسول اهلل فيما رواه الترمذي (( الراحمون يرحمهم اهلل‬
 ‫تعالى ارحموا من في األرض يرحمكم من في السماء ، الرحم شجنة – أي قريبة – من الرحمن‬
                                              ‫من وصلها وصله اهلل ومن قطعها قطعه اهلل )).‬
‫وعلى المسلم أن يؤدي حقوق أقربائه وأن يقوي بالمودة الدائمة، صالت الدم القائمة وأجدر الناس‬
  ‫بجميل بره وآثار رحمته عليه وأوالهم به وهم والداه قال اهلل تعالى واخفض لهما جناح الذل من‬
                                  ‫الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً [اإلسراء 47]‬
                                                        ‫د‬
‫وكذلك جدير برحمة األب أوال ُه من بعد أبويه، يحرص على تنشئتهم على الطاعة وتربيتهم على‬
       ‫الخير واإلنفاق عليهم والحزن لمصيبتهم عن أنس قال : (( دخلنا مع رسول اهلل على ولده‬
‫إلبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعده وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اهلل تذرفان فقال ابن‬
   ‫عوف وأنت يا رسول اهلل كأنه استغرب بكاءه فقال : القلب يخشع وال نقول إال ما يرضي ربنا‬
                                             ‫وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون )) رواه مسلم .‬
                                                              ‫َ‬
                                                              ‫ب‬
‫وعن أبي هريرة قال (( قَّل رسول اهلل الحسن والحسين وعنده األقرع بن حابس فقال األقرع: إن‬
    ‫لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا قط فنظر إليه رسول اهلل وقال أَوَ أملك لك أن نزع اهلل‬
                     ‫الرحمة من قلبك )) وفي رواية ((من ال يرحم ال يرحم )) رواه البخاري .‬
     ‫وال يجوز للمسلم أن يوصد قلبه وبيته دون أقاربه وأن يقطع عالقته بهم فيحيا بعيدا عنهم ال‬
   ‫يواسيهم في ألم ، وال يسدي إليهم عونا وهذا ما نراه منتشرا مع األسف في عصورنا المتأخرة‬
                 ‫وت َّ ُ‬
  ‫حيث األب ال يصله األبناء أو يتأخرون عن صلته ، حيث األم تترك مهملة َ ُقدمَ عليها الزوجة‬
‫في البر والصلة والشراء، لقد بتنا نرى األخ ال يسأل عن أخيه واألقرباء ال يتعارفون والجيران ال‬
     ‫يتزاورون، قبل عهد قريب زرت دارا لرعاية المسنين حدثني القائمون عليها ما يندي الجبين‬
‫خجال من إهمال األبناء آلبائهم واألقرباء ألقاربهم فأين الرحمة ؟ هل نزعت من القلوب هل أثرت‬
      ‫المادة إلى حد قطع الصالة والقرابات إن هذه القطيعة تحرم اإلنسان من بركة اهلل وتعرضه‬
 ‫لسخطه .. عن أبي هريرة قال سمعت رسول اهلل يقول: ((الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب‬
                                        ‫ظ‬             ‫إل‬    ‫أ‬               ‫ق‬
 ‫إني ُطعت، يا رب إني ُسيء َّي، يا رب إني ُلمت، يا رب فيجبيها: أال ترضين أن أصل من‬
                                                                ‫وصلك وأقطع من قطعك )).‬
        ‫إخوة اإليمان وممن تجب لهم الرحمة اليتامى فإن اإلحسان إليهم والبر بهم وكفالة عيشهم‬
 ‫ومستقبلهم من أزكى القربات ومن الدواعي التي تساعد على تزكية الرحمة في القلب روى أحمد‬
‫عن أبي هريرة أن رجال شكا إلى رسول اهلل قسوة قلبه فقال : ((امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين‬
                                                                                         ‫)) .‬
   ‫فهل يا ترى نهتم باليتيم والمسكين وما أكثرهم اليوم هل نعطيهم جزءا من رعايتنا ونصيبا من‬
                                                               ‫كفالتنا ورحمة وعطفا وحنانا .‬
 ‫ومن مواطن الرحمة أيها اإلخوة أن نحسن معاملة الخدم والعمال وأن نرفق معهم فيما نكلفهم من‬
                                  ‫س‬
    ‫أعمال وأن نتجاوز عن هفواتهم غير المقصودة وأال نح ّس سوء التصرف فيهم وملك الكفالة‬
                                                      ‫م‬
    ‫عليهم من عبث بتسخيرهم، فإن اهلل إذا ّلك أحدا شيئا فاستبد به وأساء، سلبه ما ملكه وأعد له‬
   ‫سوء المنقلب ، عن أبي مسعود البدري قال كنت أضرب غالما لي بالسوط فسمعت صوتا من‬
                                                                                        ‫خلفي‬
 ‫: اعلم أبا مسعود. فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول اهلل فإذا هو يقول ((‬
   ‫اعلم أبا مسعود أن اهلل أقدر منك على هذا الغالم. فقلت: يا رسول اهلل هو حر لوجه اهلل تعالى.‬
                                            ‫فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار ))، رواه مسلم .‬
     ‫إن هناك رجاال ونساء ينتهزون فرصة ضعف العمال والخدم والخادمات فيوقعون بهم ألوان‬
   ‫األذى، واإلسالم يرهب من هذا ويتوعد عليه قال (( من ضرب ظلما اقتص منه يوم القيامة ))‬
   ‫فأين الكفالء الذين يؤذون العمال بسياط الضرائب الشهرية من أموالهم وكدهم بدون مقابل، أين‬
      ‫الكفالء وأصحاب المؤسسات من سياط تأخير الرواتب على هؤالء الضعفة الذين جاءوا من‬
 ‫أقاصي الدنيا لجمع مال يقتاتون به هم وأسرهم، أال نتذكر كيف كان أجدادنا في الماضي يعملون‬
 ‫ويتعبون في بلدانهم فهل كنا نرضى لهم هذا الظلم؟ إن من الرحمة أن نرحم هؤالء العمال الخدم‬
                                                                              ‫ونشفق عليهم .‬
  ‫إخوة اإليمان: إن عظمة اإلسالم في الرحمة عظمت حتى شمل األمر بالرحمة أن يرحم اإلنسان‬
    ‫الحيوان، فتلك رحمة مطلوبة، قال رجل يا رسول اهلل إني ألرحم الشاة أن أذبحها فقال: (( إن‬
                                            ‫رحمتها رحمك اهلل )) رواه الحاكم في مستدركه .‬
‫ويؤاخذ اإلسالم من تقسو قلوبهم على الحيوان ويستمتعون بآالمه واإلنسان على عظيم قدره يدخل‬
‫الناس في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء ، روى البخاري في صحيحه أن رسول اهلل قال (( دخلت‬
                  ‫امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش األرض ))‬
   ‫وكما أن تلك القسوة أدخلت النار فإن كبائر الذنوب تمحوها نزعة رحمة تغمر القلب ولو بإزاء‬
  ‫كلب قال : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها حتى شرب ثم‬
  ‫خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان‬
‫بلغ مني فنزل البئر فمأل خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر اهلل له فغفر اهلل له،‬
‫قالوا : يا رسول اهلل وإن لنا في البهائم ألجرا . قال : في كل كبد رطبة أجر )) وفي رواية (( أن‬
    ‫امرأة بغيا من بني إسرائيل رأت كلبا في يوم حار يطيف قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له‬
                                                      ‫خفها فسقته فغفر لها به )) رواه مسلم .‬
 ‫أيها اإلخوة المؤمنون: لئن كانت الرحمة بكلب ألجل اهلل تغفر ذنوب البغايا فإن الرحمة إذا تصنع‬
  ‫العجائب، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم محمد رسول اهلل والذين معه أشداء على الكفار رحماء‬
                                                                              ‫بينهم [الفتح:37]‬
                                                      ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم …‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                            ‫الحمد هلل على إحسانه ..أما بعد :‬
                                                         ‫فيا عباد اهلل : اتقوا اهلل حق التقوى .‬
   ‫إخوة اإليمان: الرحمة صفة عظيمة شاملة، وممن تشملهم الرحمة وتجل معهم المرضى وذوي‬
         ‫العاهات المصابون الذين يستقبلون الحياة بنقص، بعجزهم عن السير في الحياة الطبيعية‬
 ‫،فالمريض شخص قيدته العلة ونغصه حر الداء ومر الدواء، وإذا صبر على أوجاعه فهو قريب‬
     ‫من اهلل حقيق برحمته وإذا كان مس الشوكة يكفر من سيئات المؤمن فما بالك بمن برحت به‬
    ‫األوصاب وأذاقته أشد العذاب، ولذلك نحذر من اإلساءة إلى المرضى واالستهانة براحتهم فإن‬
       ‫القسوة معهم جرم غليظ، ولذلك كان فضال عظيما يلحق المؤمن بزيارته المريض وتعزيته‬
  ‫بمصابه ودائه، وهذا ما ينبغي أن نحرص عليه لنقوم من حقوق المسلم، واهتماما بالمرضى فقد‬
  ‫حرصت بعض الفئات ممن حداهم الخير إلى إنشاء لجنة خاصة بالمرضى وهي ما تسمي بلجنة‬
       ‫أصدقاء المرضى والتي وجدت في عدد من مناطقنا في المستشفيات، وتسعى لجنة أصدقاء‬
     ‫المرضى الخيرية للعناية بالمرضى فترعى منهم المريض المحتاج ، فتسد عوزه، وتنظر إلى‬
 ‫حاجة بعض المرضى ألجهزة تعينهم بعد اهلل على تخفيف آالمهم فتوفرها لهم ، وتنظر كذلك إلى‬
  ‫حاجة المستشفى لبعض الخدمات فتسعى إليجادها، ومن ضمن الخير المكنوز في هذه المنطقة.‬
      ‫وهذا المجتمع أن انتشرت هذه اللجنة في مستشفياتها بسعي من أهل الخير والمهتمين بحال‬
                                                ‫المريض بل والمحتاج الفقير المريض أيضا .‬
   ‫وهذا دعوة يا عباد اهلل نتواصى فيها على رحمة هذه الصنف من الناس الذين قعد بهم المرض‬
 ‫عن طريق لجنة أصدقاء المرضى والتي صرح لها بالعمل في هذا المجال وهي تستقبل تبرعاتكم‬
      ‫المالية ودعمكم الخير بأنواعه في حساباتهم الموجودة والمعلنة وهم بأشد الحاجة لهذا الدعم‬
‫والتبرع الذي سيكون له كبير األثر على المرضى وأقاربهم وفي إعانتهم على تحمل آالم المرض‬
     ‫بعد عون اهلل جل وعال وشفائه لهم بإذن اهلل، نسأل اهلل أن يتقبل صدقاتكم ويجعلها في ميزان‬
                                                                                 ‫حسناتكم .‬

‫(5/532)‬




                                                                           ‫أهمية شكر النعم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                            ‫فضائل األعمال‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                     ‫عنيزة‬
                                                                              ‫05/6/6545‬
                                                                               ‫جامع السالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- شكر المنعم جل جالله. 7- التفكر في ما نحن فيه من نعم وآالء. 3- االعتبار بمن زالت‬
 ‫عنهم النعم بسبب عدم القيام بشكرها. 4- إن اهلل جميل يحب الجمال (فضل اللباس والزينة). 1-‬
 ‫ذلك مقيد بعدم اإلسراف والخيالء. 6- الحذر من التشبه بالكفار في مالبسهم وزجر التجار الذين‬
                                                                        ‫يجلبون ذلك لبالدنا.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
                                                               ‫فيا أيها الناس: اتقوا اهلل تعالى‬
  ‫كان المعتمد بن عباد أمير أشبيلية في األندلس يعيش حياة مترفة غاية في التنعم، واللذة، طيبات‬
 ‫الدنيا تجلب له. وفي ذات يوم اشتهت زوجته أن تخوض في الطين كعادة المترفين، ونفذ رغبتها‬
 ‫لقد أمر بسحق الطين ثم نثر في ساحة القصر حتى غطاها ثم عجنه بماء الورد حتى تخوض فيه‬
                            ‫زوجه، وحياتها كانت حياة لذة ومعة وأنس وبهجة، فهل دامت لهم؟‬
   ‫دارت الدائرة عليه فاجتاحته، قوات المرابطين، فإذا أميرهم يوسف بن تاشفين، يصفد باألغالل‬
                                                 ‫ت‬
   ‫يديه ورجليه ،فإذا به يفرد في السجن واس ُذل بنوه وبناته، وعاد مرحوما بعد أن كان محسودا.‬
    ‫وفي يوم من أيام سجنه دخلت عليه بناته في يوم العيد، وهن في أطمار رثة، ومعهن المغازل‬
                                        ‫يغزلن بها للناس حتى يحصلن على بعض القوت فقال:‬
                              ‫فيما مضى كنت باألعياد مسرورا فسائك العيد في أغمات مأسورا‬
                                    ‫من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات باألحالل مغرورا‬
                                       ‫يطأن بالطين واألقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا‬
 ‫كم من أمة، وكم من شعب، ودولة، كان مساؤها نعيما، وترفا، ولذة، وحديا الهيا، وغنى مطغيا،‬
               ‫ً‬
‫ثم كان صبحها عذابا، وتشريدا، وفتكا .. وآيات الكتاب شاهدة : وضرب اهلل مثال قرية كانت آمنة‬
                                                                  ‫ا‬
   ‫مطمئنة يأتيها رزقها رغدً من كل مكان فكفرت بأنعم اهلل فأذاقها اهلل لباس الجوع والخوف بما‬
  ‫كانوا يصنعون [النحل:755]. ويقول تعالى: كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه‬
                                                                       ‫أليم شديد [هود:705].‬
‫وال تزال حوادث التاريخ منذ بدأ الخليقة إلى زماننا هذا تصب في سمع الدنيا من أبناء القرى التي‬
‫فتحت عليها النعم فما رعوها حق رعايتها فقطفت في يناع زهوها واستكمال بهجتها أتاها أمر اهلل‬
  ‫لتذهب عنها النعم، وهذه األمم أشد ما تكون وثوقا بها وافتتانا بزهرتها، وكل شيء لهم على بال‬
                                                            ‫إال أن تزول هذه النعم أو تتحول:‬
                                  ‫حسنت ظنك باأليام إذ حسنت وغاب عنك الذي يأتي به القدر‬
                                 ‫وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر‬
‫وتستمر آيات القرآن واعظةً الالهين السادرين الذين ركنوا إلى نعم الحياة وقوة سلطانها وجبروت‬
‫ملكهم: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة‬
  ‫طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط‬
  ‫وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إال الكفور [سبأ 65-25]. ورد‬
 ‫في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أنه سمع النبي يقول: ((إن ثالثة من بني إسرائيل‬
‫أبرص وأقرع وأعمى، أراد اهلل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى األبرص، فقال: أي شيء أحب‬
‫إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسه فذهب عنه قذره‬
 ‫وأعطي لونا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك قال اإلبل، فأعطي ناقة عشراء، وقال له بارك اهلل‬
   ‫لك فيها، فأتى األقرع فقال أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني‬
   ‫الناس؛ فمسحه فذهب عنه وأعطى شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي‬
‫ي‬
‫بقرة حامال وقال بارك اهلل لك فيها؛ فأتى األعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال أن يرد اهلل ال ّ‬
 ‫بصري فابصر الناس، فمسحه فرد اهلل إليه بصره قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي‬
     ‫شاة والدا، فانتج هذان وولد هذا ،فكان لهذا واد من اإلبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من‬
      ‫الغنم، ثم إنه أتى األبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحال في‬
 ‫سفري فال بال لي اليوم إال باهلل ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال‬
 ‫بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس،‬
‫فقيرا فأعطاك اهلل . فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك اهلل‬
‫إلى ما كنت، وأتى األقرع في صورته وهيئته، فقال له: مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل مارد هذا‬
‫فقال : إن كنت كاذبا فصيرك اهلل إلى ما كنت، ثم أتى األعمى في صورته وهيئته فقال له مثل ما‬
    ‫قال لصاحبيه، فرد عليه قائال: قد كنت أعمى فرد اهلل الي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت،‬
                                                        ‫تل ت‬
                  ‫فقال له: أمسك مالك فإنما ابُِي ُم، قد رضي اهلل عنك، وسخط على صاحبيك)).‬
‫نعم يا عباد اهلل إنه جزاء من شكر النعم، وذلك جزاء من جحد بها، ولم يقدم شكرها بل نسبها إلى‬
                                                                                         ‫نفسه.‬
   ‫إخوة اإليمان ونحن ممن قد حبانا اهلل بنعم عظيمة، وآالء جزيلة، أحوج ما نكون إلى أن نحافظ‬
                                          ‫ن‬
‫عليها بالشكر، لمن رزقنا إياها فإلى متى نتعامى عن ال ّذر واآليات التي أصاب بها اهلل أقواماً أنعم‬
‫عليهم، فكفرت بأنعمه وجحدت فضله، فألبسهم اهلل ثوب الجوع والخوف والنقص، إن هذه الدنيا ال‬
                                                   ‫يغتر بها إال غافل وال يركن إليها إال جاهل .‬
   ‫فكم ذكر الناصحون السادرين فما تذكروا وكم توالت على أهلها النذر فلم يتنبهوا ثم أفاقوا على‬
  ‫أمر جاء بال نذر سابقة وال دالئل منذرة فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عيهم أبواب كل شيء حتى‬
    ‫إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، وأفاقوا على نعمهم فإذا هي ذكرى، وعلى‬
   ‫بهجتهم فإذا هي أماني … ولو سألنا حوادث التاريخ ألثبتت ذلك سلوا بغداد كيف كان أهلها في‬
‫رغد من العيش، فماذا فعل بهم التتار، سلوا دمشق وسلوا األندلس، ونعيمها وبهجتها سلوا الكويت‬
    ‫قبل سنوات قريبة، وستنطق لكم األيام بأفصح لسان وحوادثها بأبلغ بيان لتخبركم أن الحوادث‬
 ‫جاءت عندما نسوا شكر الرب المتفضل بالنعم. ويزداد البالء ويتعمق الجرح حين تجد من تعمى‬
      ‫أبصارهم عن حقيقة هذا البالء فيتعلقون بأسباب مادية منها يبدأون وبها لمصيرهم خصالهم‬
  ‫يؤولون وإليها يعودون. إن الواجب علينا أن نعتبر قبل أن نكون عبرة، وأن نتذكر قبل أن نكون‬
   ‫ذكرى، والحوادث من حولنا تترى، تقول لنا إن من نسى اهلل وفضله نسيه اهلل، ومن عصى اهلل‬
    ‫وهو يعرفه سلط اهلل عليه من ال يعرفه، ومن أولي النعمة فلم يشكرها سلبها اهلل منه: إن الذين‬
  ‫حقت عليهم كلمة ربك ال يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب األليم [يونس:63-23].‬
         ‫إخوة اإليمان إننا أمام كل حادثة من حوادث التاريخ، أمام كل حادثة من حوادث العصر‬
 ‫وقوارعه، والناس يتخطفون من حولنا ونحن قد حبانا اهلل بنعم عظيمة، لم تتوفر لغيرنا، أمام كل‬
‫ذلك ال بد لنا أن نفيق من سبات طالما استغرقنا فيه، أن نستفيق من لهو طالما سهونا فيه، ومن لم‬
‫توقظه هذه القوارع فمتى يستفيق، ومن لم توجعه هذه الحوادث، إنه ليس بيننا وبين اهلل نسب حتى‬
   ‫يكون العذاب وسلب النعم لغيرنا ونحن السالمون، فمتى نرجع أما نخشى اهلل ونحن نقرأ واتقوا‬
  ‫فتنة ال تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [األنفال:17]. إن دفع هذا البالء مرهون بصدق العودة‬
  ‫إلى اهلل وشكر نعمه وتحقيق اإليمان به فلوال كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إال قوم يونس لما‬
 ‫ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلي حين [يونس:83]. إن خير وسيلة‬
    ‫لتحقيق ذلك اإليمان هو اللجوء إلى اهلل بالدعاء والتضرع والشكر يقول تعالى فلوال إذ جاءهم‬
‫بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ، إن شكر اهلل على نعمه ال‬
‫يكفي باألقوال فقط، وإنما نلوذ باهلل موقنين وأن ندعوه واثقين وأن تكون ثقتنا بربنا أعظم من ثقتنا‬
‫بكل قوة، ويقيننا باهلل أعظم من يقيننا بكل يقين، وشكرنا هلل وحده وليس لغيره كائنا من كان، وإننا‬
 ‫حينما نتعلق بغير اهلل فإنا نخسر، وال نربح، وقد تكون الخسارة في شيء ال يعوض، والت حين‬
‫مندم، إن اعتمادنا على اهلل وحده يكفينا شر المغرضين، والحاقدين، والمرجفين، الذين يسعون بكل‬
 ‫ما أوتوا من قوة لنشر إرجافهم، وحقدهم، في مجتمعنا المسلم حاسدين ما أوتينا من نعمة ومكانة،‬
 ‫ولكن يجب أن نكون أعظم وعيا وأشد إيمانا وأفضل شكرا لهذه النعم التي نتبوأها ونتلمس غرها‬
‫إننا بذلك وحده نستطيع الحفاظ على هذه النعم وتسخيرها في خدمة ديننا وأمتنا وعلماءنا الصادقين‬
                                                                           ‫وأوليائنا الناصحين.‬
‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم أولم يروا أنا جعلنا حرما آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل‬
                                                                 ‫يؤمنون وبنعمة اهلل يكفرون .‬
‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم. أقول قولي‬
                       ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫إن الحمد هلل نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ،ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا، ومن سيئات‬
    ‫أعمالنا، من يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
 ‫شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
 ‫فيا أيها اإلخوة المؤمنون: روى قيس بن بشر التغلبي حديث أبي الدرداء أن سهل بن حنظلة: مر‬
     ‫يوما بأبي الدرداء في دمشق، فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا وال تضرنا، فقال سهل: سمعت‬
 ‫رسول اهلل يقول: ((إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا‬
    ‫كأنكم شامة في الناس – أي عالمة – فإن اهلل ال يحب الفحش وال المتفحش))، رواه أبو داود‬
                                                                                ‫بإسناد حسن.‬
 ‫اللباس إخوة اإليمان، زينة يتزين بها الخلق، ونعمة من اهلل، أنعم بها على عباده يقول تعالى : يا‬
                                        ‫ا‬
‫بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ًيواري سوءاتكم وريشً ولباس التقوى ذلك خير اآلية[األعراف 67]،‬
‫ويقول جل وعال : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم [النحل 58]والسرابيل هي‬
                                                                                   ‫القمصان.‬
     ‫وتزين اإلنسان باللباس والظهور بالمظهر الحسن الالئق أمر حث عليه اإلسالم مالم يكن فيه‬
‫مدعاة إلى الكبر، روى مسلم في صحيحه عن عبد اله بن مسعود عن النبي قال: ((ال يدخل الجنة‬
    ‫من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ؛ فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله‬
      ‫حسنة؛ قال: إن اهلل جميل يحب الجمال – أي ليس ذلك من الكبر – الكبر بطر الحق وغمط‬
                                                                                    ‫الناس)).‬
 ‫إخوة اإليمان مع هذه المشروعية العظيمة في اللباس إال أنا نرى في زماننا هذا مبالغة كبيرة في‬
        ‫التزين باللباس، مع نسيان الضوابط الشرعية فيه لدى كثير من الناس، وخصوصا النساء‬
          ‫والشباب، فبتنا نرى مظاهر من اللباس في أسواقنا عبر منتديات نسائية، وأماكن تجمع‬
                                                                    ‫م‬
      ‫الشباب،وهي ال ت ُت إلى مجتمعنا بصلة، ومع كل أسف فإنك ترى أن هذه األلبسة تباع في‬
        ‫األسواق ويشتريها نساء وشباب هذا المجتمع المؤمن الذي قام بإيمانه وليس بعادات غيره‬
      ‫وتقاليدهم، والمؤسف أننا نرى كثيرا من األولياء واآلباء ال يهتمون بمراعاة هذا الجانب في‬
‫أوالدهم ونسائهم، ونظرة واحدة منك إلى السوق ترى العجب، وكأن أسواقنا في هذا الجانب ليست‬
  ‫في مجتمعات إسالمية، وحينما ترى ألبسة النساء أو الشباب المعروضة في غالب هذه المحالت‬
     ‫تجدها بعيدة عن ضوابط الشرع للباس المرأة المسلمة، وفيها تقليد لعادات الغرب ومجتمعاته‬
 ‫وموضاته، فأين رقابة هؤالء الناس لمحالتهم ؟ وأين خوفهم على مجتمعاتهم من انتشار مثل هذه‬
     ‫الظواهر الغربية ؟ وأين تقديمهم لموعود اهلل على كسب هذه الدنيا الذي ال يغني اإلنسان في‬
                                                                              ‫آخرته ومعاده؟‬
                                                             ‫ك‬
  ‫إن جهدنا يجب أن يكون مر ّزا على توعية الجميع ألن هذا مظهرنا الذي نظهر به أمام الناس،‬
 ‫وهو أثر من آثار نعمة اهلل علينا فيجب أن نكون على مستوى هذه النعمة شكرا وحسن استعمال،‬
                                   ‫واألب والولي مسؤول أمام اهلل عن متابعة بيته في مثل ذلك.‬
‫وكذلك أصحاب المحالت هم مسؤولون عن جلب ذلك إلى مجتمعنا، وأنتم يا عباد اهلل عليكم القيام‬
‫بجانب النصح والتوعية وإخبار الرقابات التجارية وهيئة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن‬
    ‫كل ما هو غريب وضار على ديننا ومجتمعنا، ونصح صاحبه، أسأل اهلل جل وعال أن يحمي‬
                                     ‫مجتمعنا من كل سوء وأن يقيه شر األشرار وكيد الفجار.‬
    ‫إخوة اإليمان: اإلسالم يوحي باالعتدال في ارتداء المالبس، ويكره للرجل أن يباهي أو يختال‬
                                                            ‫ز‬
     ‫فيها، وال يعتبر حسن الب ّة من عناصر الرجولة، أو مقومات الخلق العظيم، ورب امرئ ال‬
‫تساوي ثيابه درهما، ترجح نفسه بقناطير الذهب والفضة، قال رسول اهلل : ((رب أشعث أغبر ذي‬
‫طمرين لو أقسم على اهلل ألبره)) من المؤسف أن ترى شبابا يقضون الساعات الطوال في البيوت‬
     ‫ليس لهم عمل إال استكمال وجاهتهم، واإلطمئنان إلى أناقتهم، ولو أنهم كلفوا ببذل هذا الوقت‬
‫للتزيد من علم أو التفقه في دين، لنفروا ونكصوا، ويحسبون اتساق المالبس شهادة للكمال، وظنوا‬
     ‫المغاالت في اللباس تستر نقصهم وهيهات، روى البخاري عن أبي بريدة قال: ((دخلت على‬
  ‫عائشة رضي اهلل عنها فأخرجت لنا كساء ملبدا أي مرقعا وإزارا مما يصنع في اليمن وأقسمت‬
                                                 ‫باهلل لقد قبض رسول اهلل في هذين الثوبين)).‬
 ‫إن االستغناء عن الفضول، واالكتفاء بالضرورات من آيات االكتمال في الخلق، ذكر الفتى عمره‬
                                                 ‫الثاني، وحاجته مافاته وفضول العيش أسفر.‬
 ‫والدين ال يحب المالبس المزرية، أو يرحب بالهيئات المستكرهة، سأل رجل عبد اهلل بن عمر ما‬
                    ‫ألبس من الثياب؟ قال: " ما ال يزدريك فيه السفهاء وال يعيبك به الحكماء ".‬

‫(5/732)‬




                                                        ‫أحكام وسنن وعبر في الشتاء والربيع‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫اغتنام األوقات‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                        ‫عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي‬
                                                                                     ‫عنيزة‬
                                                                                ‫6/8/6545‬
                                                                               ‫جامع السالم‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- اغتنام ليل الشتاء للقيام (لطوله) ونهار الشتاء للصيام (لقصره). 7- تيسير اهلل ورخصه في‬
 ‫الشتاء وغيره (المسح على الخفين – المسح على الجبيرة). 3- فقه المسح على الخفين. 4- تحل‬
‫البركة باألرض في الشتاء فتخضر وتنبت العشب والكأل. 1- فصول السنة األربع تذكر باآلخرة.‬
                                                ‫6- الحث على اغتنام شهر شعبان في الطاعات.‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                ‫أما بعد: فيا عباد اهلل, اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
    ‫أيها اإلخوة المؤمنون, الدهور واألعوام الليالي واأليام سنن اهلل تتعاقب في هذه الدنيا ولن تجد‬
                                                                         ‫ال‬
    ‫لسنة اهلل تبدي ً، وبتعاقبها وسيرها تتعاقب الفصول على الناس، فهذا فصل للصيف وذا للشتاء‬
    ‫و‬
   ‫وذاك للخريف وذا للربيع، ومن نعمه أن خص كل موسم بما يناسبه من الزروع والثمار ون ّع‬
  ‫األعمال، ودفع السآمة عن اإلنسان, والمؤمن الحق من وقف مع هذه النعمة وتدبرها حق التدبر‬
                                                               ‫ال‬    ‫ال‬
‫وشكر اهلل ألجلها قو ً وعم ً، وألننا في فصل الشتاء فإننا نقف بكم اليوم إخوة اإليمان على شيء‬
  ‫مما ورد فيه، وكذلك غيض مما يحتاجه المسلم من األحكام، وما شرع له من السنن فيه، أخرج‬
                                                               ‫ن‬
   ‫اإلمام أحمد في حديثٍ حس ٍ عن أبي سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ((الشتاء ربيع المؤمن))‬
‫أخرجه البيهقي، وزاد فيه: ((طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه)) وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن‬
  ‫ألنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض األعمال‬
  ‫الميسرة فيه، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة، وال كلفة تحل به من‬
                                                        ‫جوع أو عطش، فال يحس بمشقة الصيام.‬
 ‫ففي المسند والترمذي عن النبي : ((الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة))، وكان أبو هريرة رضي‬
  ‫اهلل تعالى عنه يقول: (أال أدلكم على الغنيمة الباردة) قالوا: بلى, فيقول: (الصيام في الشتاء وقيام‬
                                                             ‫ليل الشتاء) نسأل اهلل أن يوفقنا لذلك.‬
  ‫يكون يسيراً لطول الليل فيه, يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم بعد ذلك إلى الصالة.‬
 ‫وروي عن ابن مسعود قال: (مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة, ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه‬
    ‫النهار للصيام)، وعن الحسن قال: "ونعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير‬
                                                                                           ‫يصومه".‬
  ‫قال ابن رجب رحمه اهلل : "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف ولهذا بكى معاذ عند موته،‬
  ‫وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركاب عند حلق الذكر".‬
                                         ‫ُذك‬
    ‫انتهي كالمه رحمه اهلل، ومن فضائل الشتاء أنه ي ِّر بزمهرير جهنم، ويوجب االستعاذة منها,‬
  ‫ذكر ابن رجب في حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((إذا كان يوم‬
‫شديد البرد فإذا قال العبد ال إله إال اهلل ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال‬
 ‫اهلل تعالى لجهنم إن عبداً من عبادي استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته)) قالوا‬
‫وما زمهرير جهنم. قال: ((بيت يلقى فيه الكفار فيتميز من شدة برده))، وفي الحديث عند الشيخين‬
‫وغيرهما عن النبي أنه قال: ((إن لجهنم نفسين نفساً في الشتاء ونفساً في الصيف، فأشد ما تجدون‬
   ‫من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سمومها))، وروي عن ابن عباس قال:‬
  ‫(يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر ويستغيثون‬
                                                                                              ‫بحر جهنم).‬
                                     ‫كم يكون الشتاء ثم المصيف ……وربيع يمضي ويأتي الخريف‬
                                                         ‫د‬
                                    ‫وارتحال من الحرور إلى البر …… ِ وسيف الردى عليك منيف‬
                                        ‫عجبا المرئ يذل لذي الدنـ ……ـيا ويكفيه كل يوم رغيف‬
   ‫أيها اإلخوة المؤمنون, ومما يحتاجه المؤمن كثيراً في الشتاء وغيره كذلك، المسح على الخفين،‬
                    ‫ا‬
   ‫وإن من تيسير اهلل علينا في هذا الدين العظيم، أن أجاز اهلل لعباده عددً من الرخص يترخصون‬
 ‫بها، وفيها المسح على الخفين بدالً من غسل الرجلين، ويلزم اإلنسان عند لبس الخفين أو الشراب‬
 ‫ا‬                                            ‫ا‬
 ‫ـ الجورب ـ ونحوه أن يكون طاهراً متوضئً، ويمسح عليهما عند الوضوء، إن كان مقيماً يومً‬
  ‫وليلة، وإن كان مسافراً ثالثة أيام بلياليهن، وتبدأ مدة المسح على الخفين من أول مسحة عليهما,‬
   ‫فإن لبس اإلنسان خفيه عند صالة الفجر ومسح عليهما في صالة الظهر فابتداء المدة من الوقت‬
    ‫الذي مسح فيه عند صالة الظهر، فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد، وإذا تمت المدة،‬
   ‫وهو على طهارته، فطهارته باقية حتى ينتقض وضوؤه، وإذا انتقض بعد تمام المدة وجب عليه‬
  ‫غسل رجليه إذا توضأ، ثم يلبس من جديد، ومن تمت مدته فنسي ومسح بعد تمام المدة فعليه أن‬
 ‫يعيد الصالة التي صالها بذلك المسح، ومن لبس الكنادر فله أن يمسح عليها وإن شاء مسح على‬
                                                                           ‫مس‬
       ‫الشراب, إذا ُ ِح أحدهما أول مرة تعلق الحكم به، فإذا قدر أن يمسح الكنادر فليستمر على‬
    ‫مسحها وال يخلعهما حتى تتم المدة، فإن خلعهما قبل تمام المدة لنوم أو لغيره فإنه ال يعيدها إذا‬
 ‫توضأ حتى يغسل رجليه ألن الممسوح إذا خلع ال يعود المسح عليه إال بعد غسل الرجلين أما إذا‬
    ‫تعلق المسح بالشراب فال يضر خلع الكنادر، وكيفية المسح أن يبل يديه بالماء ثم يمرهما على‬
   ‫ظهر الخفين من أطرافه مما يلي األصابع إلى الساق مرة واحدة، ومن رحمة اهلل بالعباد أن من‬
        ‫احتاج إلى ربط شيء على كسر أو جرح بجبيرة فإنه يمسح عليها كلها بدالً من غسلها في‬
‫الوضوء والغسلِ حتى تبرأ, ويقوم مسحها مقام غسلها تيسيراً من اهلل تسهيالً على عباده وهلل الحمد‬
                                                                                                    ‫والمنة.‬
   ‫إخوة اإليمان, وكذلك مما يرد على اإلنسان في الشتاء كثرة األمطار، وهي نعمة اهلل عز وجل،‬
     ‫وخير للبالد والعباد، تستحق منا الشكر، ووقت نزول المطر هو من أوقات االستجابة للدعاء،‬
‫ومما ورد من األذكار واألدعية عند نزول المطر أن يقول المسلم: ((مطرنا بفضل اهلل ورحمته))،‬
                                               ‫ا ا‬
   ‫وكذلك أن يقول: ((اللهم اجعله صيبً نافعً))، وغير ذلك من األدعية والسنن، وإن في تصريف‬
       ‫األمطار في بعض األمصار وحبسها عن بعض الديار لعبرة ألولي األبصار وعظة للعصاة‬
‫طه ا‬          ‫وه َّ َ َ ري ب ْر ب ن َ َ ْ ر مته و ز م السم‬
‫الفجار، قال تعالى: َ ُوَ الذِى أرْسلَ ال ّ َاحَ ُش َى َيْ َ يدى َحْ َ ِ ِ َأَن َلْنَا ِنَ َّ َاء مَاء َ ُورً‬
    ‫ا و َ ص َّ ه ب ُ لي َّكر ب أ َر‬                               ‫ع ا و ِى‬                        ‫لن يى ب ب ْد م ون قيه ِم‬
    ‫ّ ُحْ ِ َ ِهِ َل َةً َّيْتاً َ ُسْ ِ َ ِ م َّا خَلَقْنَا أَنْ َامً َأَنَاس َّ كَثِيرً َلَقدْ َرفْنَا ُ َيْنَهمْ ِ َذ َّ ُواْ فَأَ َى َكْث ُ‬
                                                                                                               ‫الن ِال كف‬
                                                                                          ‫َّاسِ إ َّ ُ ُوراً [الفرقان:84-01].‬
   ‫وفي نهاية الشتاء تخضر األرض، وتخرج بركاتها بفضل اهلل ومنته، أخرج البخاري ومسلم من‬
                  ‫ي رج‬
‫حديث أبي سعيد الخدري عن النبي قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم ما ُخ ِ ُ اهلل لكم من بركات‬
       ‫األرض، قيل : ومابركات األرض؟ قال: زهرة الدنيا، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟‬
                                                                ‫ي‬
     ‫فصمت النبي حتى ظننا أنه ُنزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال أين السائل ؟ قال: أنا،‬
    ‫حب ا‬
 ‫قال: ال يأتي الخير إال بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل َ َطً أو‬
       ‫ُل ُّ ـ أي يشبع ـ إال آكلةَ الخَض َةِ أكلتْ حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت الشمس فاجتر‬
     ‫َّتْ‬                                                ‫ِر‬                            ‫يِم‬
‫وثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم‬
                                                                                     ‫ة‬
     ‫المعون ُ هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل وال يشبع)). عباد اهلل, كل ما في الدنيا فهو‬
                                                                                   ‫مذك‬
     ‫ِّر باآلخرة، ودليل عليه، فإنبات األرض واخضرارها في الربيع بعد يبسها، يدل على بعث‬
  ‫الموتى من األرض، وذكر اهلل ذلك في مواضع كثيرة من كتابه فهو يقول: َت َى األرضَ َام َ ً‬
  ‫ْ ه ِدة‬         ‫و َر‬
 ‫ك َن الل ه حق وَنه ي ى‬                           ‫َز َرب و ب م ك ّ ز َه‬                                       ‫ِذ ز ع‬
 ‫فَإ َا أَن َلْنَا َلَيْهَا الْمَاء اهْت َّتْ و َ َتْ َأَن َتَتْ ِن ُل َوْجٍ ب ِيجٍ ذالِ َ بِأ َّ َّهَ ُوَ الْ َ ُّ َأ َّ ُ ُحْ ِ‬
      ‫َ ر وَن الس ع تية ال ر َ ف ه وَن الل ي عث م ف قب ر‬                                    ‫وَنه عل ُل‬
      ‫الْمَوْتَى َأ َّ ُ ََى ك ّ شَىْء قدِي ٌ َأ َّ َّا َةَ ءا ِ َ ٌ َّ َيْب ِي َا َأ َّ َّهَ َبْ َ ُ َن ِى الْ ُ ُو ِ‬
       ‫َب حص د‬              ‫و َز م الس م مب ر ً ب ب َن‬
       ‫[الحج:1-2]. ويقول جل وعال: َن َّلْنَا ِنَ َّمَاء َاء ُّ َا َكا فَأَن َتْنَا ِهِ ج َّاتٍ وَح َّ الْ َ ِي ِ‬
                  ‫ُر ج‬            ‫له ع نض ٌ ّ ل عب د و ي به ب ْد َّ ا ك‬                                      ‫َالن ْ س‬
‫و َّخلَ بَا ِقَاتٍ َّ َا طَلْ ٌ َّ ِيد رزْقاً ّلْ ِ َا ِ َأَحْ َيْنَا ِ ِ َل َةً ميْتً َذالِكَ الْخ ُو ُ [ق:3-55]. قال أبو‬
    ‫م ال‬
   ‫رزين للنبي : كيف يحيي اهلل الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: ((أما مررت بواد أهْلِكَ َحْ ً,‬
                ‫ال‬                                    ‫ض‬
     ‫قال: بلى, قال: أما مررت به يهتز خَ ِراً قال: قلت بلى، قال: ثم مررت به مح ً, قال: بلى,‬
                                     ‫قال: فكذلك يحيي اهلل الموتى, وذلك آيته في خلقه)) خرجه اإلمام أحمد.‬
                                                      ‫تفكر في نبات األرض وانظر ……إلى آثار ما صنع المليك‬
                                                           ‫عيون من لجين ناظرات ……بأحداق هي الذهب السبيك‬
                                                          ‫على قضب الزبرجد شاهدات ……بأن اهلل ليس له شريك‬
                       ‫بحر‬
  ‫إخوة اإليمان, فصول السنة تذكر باآلخرة, فشدة حر الصيف يذكر ِّ جهنم، وهو من سمومها،‬
  ‫وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم، وهو من نفسها، والخريف يكمل فيه اجتناء الثمرات التي‬
‫تبقى وتدخر في البيوت، فهو منبه على اجتناء ثمرات األعمال في اآلخرة، وأما الربيع فهو أطيب‬
 ‫فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة، وطيب عيشها, فهذه التنقالت توجب للعاقل الدهش والتعجب‬
                                                                                  ‫من صنع صانعه وقدرة خالقه جل وعال.‬
                                                                                            ‫ً‬
                                                    ‫فوا عجبا كيف يعصى اإللـ ……ـه أم كيف يجحده الجاحد‬
                                                                                   ‫ا‬
                                                                              ‫وهلل في كل تحريكة ……وتسكينة أبدً شاهد‬
                                                                           ‫وفي كل شيء له آية ……تدل على أنه واحد‬
               ‫ْر به ب ُل‬                          ‫َ م السم‬           ‫وه َّ‬
         ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َ ُوَ الذِى أَنزلَ ِنَ َّ َاء مَاء فَأَخ َجْنَا ِ ِ نَ َاتَ ك ّ شَىْء‬
‫ع ق ن د نية َن م أ ن ب‬                             ‫م ه ض ا ن رج م ه حبا م َر ك وم الن ْل م‬                           ‫ْ‬
‫فَأَخرَجْنَا ِنْ ُ خَ ِرً ُّخْ ِ ُ ِنْ ُ َ ًّ ُّت َا ِباً َ ِنَ َّخ ِ ِن طَلْ ِهَا ِنْوا ٌ َا ِ َ ٌ وَج َّاتٍ ّنْ َعْ َا ٍ‬
 ‫و َّيْ ُو َ َالر َّا َ ُشْتَ ِهً َغَيرَ ُتَشَا ِهٍ انْظ ُواْ ِِى ثَ َرِهِ إ َا أَثْم َ َ َنْ ِهِ ِن ِى ذاِ ُمْ ألَ َاتٍ ّقَوْ ٍ‬
 ‫ُر إل م ِذ َر وي ع إ َّ ف لك ي ل م‬                                             ‫َالز ت ن و ُّم ن م ب ا و ْ م ب‬
                                                                                                                 ‫ي من‬
                                                                                           ‫ُؤْ ِ ُونَ [سورة األنعام:33].‬
                                                                       ‫بارك اهلل لي ولكم في الفرقان العظيم . . .‬
                                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل حق حمده والصالة والسالم على من ال نبي بعده وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك‬
                                                                              ‫له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله...‬
                                                               ‫أما بعد, فيا عباد اهلل, اتقوا اهلل تعالى وتوبوا إليه.‬
     ‫خرج اإلمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال: (كان رسول اهلل يصوم األيام يسرد‬
 ‫حتى نقول ال يفطر, ويفطر األيام حتى ال يكاد يصوم, ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من‬
  ‫شعبان؛ فقلت: يا رسول اهلل إنك تصوم ال تكاد تفطر, وتفطر ال تكاد تصوم, إال يومين إن دخال‬
  ‫في صيامك وإال صمتهما؟ قال : ((أي يومين؟)) قال: يوم االثنين والخميس؛ قال: ((ذاك يومان‬
    ‫تعرض فيهما األعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) قلت: ولم أرك‬
   ‫تصوم من الشهور ما تصوم شعبان؟ قال: ((ذاك شهر ترفع فيه األعمال إلى رب العالمين عز‬
‫وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))، وفي الصحيحين عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: ((ما‬
            ‫ا‬
     ‫رأيت رسول اهلل استكمل صيام شهر قط إال رمضان وما رأيته في شهر أكثر صيامً منه في‬
‫شعبان)) وفي رواية للنسائي عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: (كان أحب الشهور إلى رسول اهلل‬
                                                                            ‫أن يصوم شعبان كان يصله برمضان).‬
  ‫إخوة اإليمان, ها أنتم في شهر شعبان الذي أدرككم، فاستغلوه بالصيام وفعل الخيرات، كما ورد‬
    ‫ذلك عن نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه، وهو من مواسم الخير التي ينبغي لإلنسان استغاللها،‬
     ‫ويجب على من فاته شيء من رمضان الماضي فأفطره لعذر، أن يتدارك نفسه ويصومه قبل‬
‫مجيء شهر الخير واإلحسان شهر رمضان، قال ابن رجب رحمه اهلل: "ولما كان شعبان كالمقدمة‬
‫لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن..... لتلقي رمضان وترتاض‬
     ‫النفوس بذلك على طاعة الرحمن فيا من فرط في األوقات الشريفة وضيعها وأودعها األعمال‬
                                                                                           ‫السيئة وبئس ما استودعها".‬
                                               ‫مضى رجب وما أحسنت فيه ……وهذا شهر شعبان المبارك‬
                                               ‫فيا من ضيع األوقات جهال ……بحرمتها أفق واحذر بوارك‬
                                              ‫فسوف تفارق اللذات قهرا ……يخلي الموت كرها منك دارك‬
                                         ‫تدارك ما استطعت من الخطايا ……بتوبة مخلص واجعل مدارك‬
                                         ‫على كسب السالمة من جحيم ……فخير ذوي الجرائم من تدارك‬
‫واعلموا يا عباد اهلل, أن تخصيص صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته بدعة لم يرد فيه شيء‬
 ‫عن النبي ، أما من مر عليه النصف في صيامه فال بأس، فتنبهوا لذلك ونبهوا غيركم وخصوصا‬
 ‫من العمالة الوافدة التي تنتشر هذه البدعة في بالدهم, وقد تكلم أهل العلم عنها فلهم من اهلل األجر‬
                                                                                      ‫والمثوبة.‬
    ‫واتقوا اهلل يا عباد اهلل, وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم وما كان عليه السلف الصالح وصلوا‬
                                                                          ‫وسلموا يا عباد اهلل...‬

‫(5/332)‬




                                                           ‫دروس من سورة يوسف عليه السالم‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب, سيرة وتاريخ‬
                                                                   ‫القصص, الكبائر والمعاصي‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                                 ‫المدينة المنورة‬
                                                                                            ‫قباء‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                      ‫-------------------------‬
   ‫ملخص الخطبة"اعتراف امرأة العزيز – خطر النفس – أصل الشر والفساد – خصائص النفس‬
 ‫الزكية خطبة 7 : " إذا تبايعتم بالعينة " – خطر الربا وترك الجهاد – واقع المسلمين اليوم عقوبة‬
                                                                                               ‫"‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
    ‫أما بعد فلقد قال اهلل تعالى ولقد همت به وهم بها لوال أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه‬
                                        ‫السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف:47].‬
 ‫لقد وصلنا إلى هذا الموقف من مواقف تلك القصة القرآنية العظيمة قصة نبي اهلل ورسوله يوسف‬
‫عليه السالم, هذا الموقف الذي لما راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت األبواب وقالت هيت‬
   ‫لك قال معاذ اهلل إنه ربي أحسن مثواي انه ال يفلح الظالمون [يوسف:37]. وفي هذه اآلية قال:‬
  ‫ولقد همت به وهم بها لوال أن رأى برهان ربه فقد يفهم من ظاهر هذه اآلية أن يوسف الصديق‬
  ‫عليه السالم هم بأن يفعل بتلك المرأة من السوء والفحشاء مثلما همت هي أن تفعل ولكن القرآن‬
 ‫العظيم بين لنا شهادة خمسة على براءته من ذلك وهم يوسف الصديق نفسه وامرأة العزيز نفسها‬
                                        ‫وزوجها والنسوة الالتي قطعن أيديهن والشاهد من أهلها.‬
 ‫أما يوسف الصديق نفسه فقد جزم ببراءة نفسه وثبت على نقائه وطهارته فقال: هي راودتني عن‬
‫نفسي [يوسف:67]. وقال لما هددته امرأة العزيز بالسجن إن لم يستجب لها رب السجن أحب إل ّ‬
‫ي‬
                                                                                   ‫[يوسف:33].‬
        ‫وأما امرأة العزيز فاعترفت وأقرت ببراءة يوسف فقالت ولقد راودته عن نفسه فاستعصم‬
  ‫[يوسف:73]. وقالت في موقف أخر أمام الملك: اآلن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه‬
                                                                     ‫لمن الصادقين [يوسف:51].‬
  ‫أما النسوة الالتي قطعن أيديهن فقلن عن يوسف: حاشا هلل ما علمنا عليه من سوء [يوسف:51].‬
    ‫وأما زوج المرأة فقال مخاطباً امرأته إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا‬
   ‫واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [يوسف:87-37]. فبين بكالمه هذا براءة يوسف وأن‬
                                                      ‫اللوث والتهمة والكيد والخطيئة في امرأته.‬
‫وأما الشاهد من أهلها فقال: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه‬
‫قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين [يوسف:67]. فوجدوا قميص يوسف قد من دبر أي شق من‬
   ‫خلفه وذلك أنهما لما استبقا الباب يوسف وامرأة العزيز, يوسف يفر بنفسه من السوء والفحشاء‬
    ‫وامرأة العزيز مصممة على السوء والفحشاء أمسكت بقميصه من خلفه فشقته فوجدوا قميص‬
 ‫يوسف شق من دبر فكان ذلك من األدلة على براءته عليه السالم, ثم شهد اهلل جل وعال من فوق‬
        ‫سبع سماوات ببراءة عبده ونبيه ورسوله يوسف الصديق فقال: كذلك لنصرف عنه السوء‬
   ‫والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين قال المفسرون في هذه اآلية شهادة من اهلل عز وجل ببراءة‬
   ‫يوسف الصديق أربع مرات أولها في قوله: لنصرف عنه السوء فالالم للتوكيد والمبالغة وثانيها‬
 ‫قوله: والفحشاء أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء وثالثها في قوله: إنه من عبادنا وقد وصف اهلل‬
  ‫عباده بقوله: وعباد الرحمن الذين يمشون على األرض هونً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سالمً‬
  ‫ا‬                                ‫ا‬
   ‫ا‬
   ‫[الفرقان:36]. ومن أوصافهم أنهم ال يقتلون النفس التي حرم اهلل إال بالحق وال يزنون, ورابعً‬
       ‫قوله: المخلصين أي المصطفين المجتبين المطهرين األخيار فيوسف من هؤالء وفي قراءة‬
   ‫المخلصين بكسر الالم ومعناه الذين أخلصوا عبوديتهم وعبادتهم هلل تعالى, وعلى كلتا القراءتين‬
                               ‫ا‬     ‫ا ا‬
 ‫فهذا اللفظ من أدل األلفاظ على كون يوسف منزهً نقيً طاهرً وبهذا نعلم أن ما ذكر ببعض كتب‬
‫التفسير من أن يوسف عليه السالم هم بفعل الفاحشة بل تهيأ لفعلها فجلس بين شعبها وفك سراويله‬
 ‫ولم يمنعه من ذلك إال أنه رأى صورة والده يعقوب علي الجدار أو ظهر له جبريل فاستحيى منه‬
  ‫كل هذه األخبار وأمثالها أقل ما يقال فيها أنها أكاذيب إسرائيلية فيها من قلة األدب مع أنبياء اهلل‬
      ‫ورسله ما ال يليق إال أن يصدر من اليهود, فهذه عادة يهودية, اليهود الذين يقتلون أنبياء اهلل‬
  ‫ويسبونهم ويرمونهم بالعظائم وفعل الفواحش, هذه عادة يهودية قتل األنبياء وسب األنبياء وسب‬
  ‫أتباع األنبياء وأصحاب األنبياء فاالفتراء علي يوسف الصديق نبي اهلل ورسوله ليس غريباً منهم‬
    ‫فقد افتروا علي سائر أنبياء اهلل ورسله في التوراة المحرفة, نسبوا إلى نبي اهلل لوط أنه شرب‬
        ‫الخمر وزنا بابنتيه وليس العجب من صنيع اليهود هذا من افترائهم على أنبياء اهلل ورسله‬
     ‫وتحريفهم لكتبه ولكن العجب ممن سود تلك الصحائف صحائف التفاسير بمثل هذه األكاذيب‬
  ‫اإلسرائيلية, فيوسف عليه السالم بريء من هذه التهمة فإذا قيل فما معنى قوله: وهم بها لوال أن‬
      ‫رأى برهان ربه قلنا إن ذلك له معنيان صحيحان الئقان بمقام يوسف الصديق عليه السالم.‬
     ‫أولهما: أن الهم لم يقع منه أصالً عليه السالم لوجود المانع وهو البرهان من ربه فاآلية تنفي‬
‫وقوع الهم من يوسف لوجود البرهان وهذا أسلوب عربي قرآني معروف ونظيره قوله تعالى: إن‬
‫كادت لتبدي به لوال أن ربطنا على قلبها [القصص:05]. في قصة أم موسى عليه السالم لما قذفت‬
                                    ‫ا‬     ‫ا‬
  ‫وليدها في اليم والتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوً وحزنً ثم رقق اهلل قلب امرأة فرعون وقالت‬
‫لفرعون قرة عين لي ولك [القصص:3]. ثم حرم اهلل عليه المراضع ثم جاءت أخته فاقترحت على‬
‫آل فرعون أن تأتيهم بامرأة ترضعه فجاءت بأمه فلما تناولته لترضعه من شدة شفقتها وشوقها إلى‬
 ‫ابنها ورضيعها كادت تكشف أمرها وأنها أمه إن كادت لتبدي به لوال أن ربطنا على قلبها أي لم‬
                                                  ‫يحصل اإلبداء منها لوجود الربط على قلبها.‬
  ‫والمعنى الثاني أن الهم وقع من يوسف عليه السالم ولكن معناه الخاطر الذي يقع في النفس ولقد‬
    ‫بادر يوسف عليه السالم بطرده من نفسه لعلو درجته في مقام اإلحسان ألم يصفه ربه بأنه من‬
                                    ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫المحسنين حين قال: ولما بلغ أشده آتيناه حكمً وعلمً وكذلك نجزي المحسنين [القصص:45].‬
    ‫والمحسن هو الذي يستحضر في قلبه دائماً عظمة اهلل جل وعال وأنه يراه ويراقبه ويعلم سره‬
   ‫ونجواه, فيوسف الصديق عليه السالم خطر في نفسه الخاطر بحكم بشريته وغريزته ولكن هذا‬
 ‫الخاطر لم يتحول إلى فعل وال إلى بدايات الفعل وال حتى إلى التهيؤ للفعل فإن المقام العظيم مقام‬
     ‫المشاهدة والمراقبة الذي كان هو مقام يوسف عليه السالم منعه من ذلك فاستعصم من السوء‬
     ‫والفحشاء, منعه هذا المقام من ذلك ومن أبسط ما نقل في وصف هذا الحال حال يوسف عليه‬
   ‫السالم في هذا المقام ما ذكره اإلمام القرطبي أن إماماً من األئمة السابقين ذكر في حلقة درسه‬
   ‫يوماً قصة يوسف وذكر تبرئة يوسف مما نسب إليه من المكروه فقام رجل من أخر الحلقة من‬
 ‫عوام الناس فقال : يا شيخ فإذن يوسف هم وما تم. قال الشيخ: نعم ألن العناية كانت ثم. أي وقع‬
  ‫الهم منه والخاطر ولكن لم يتم أي لم يتحول إلى فعل وال إلى شروع للفعل لماذا؟ ألن عناية اهلل‬
     ‫ورعايته وحمايته لعبده هذا المخلص المصطفى المجتبى المطهر يوسف الصديق عليه السالم‬
     ‫كانت حاضرة وحمت يوسف من الوقوع في السوء والفحشاء واإلنسان ال يؤاخذ على خاطر‬
‫النفس وال على حديث النفس قال سيدنا رسول اهلل محمد صلى اهلل عليه وسلم: ((لقد عفا اهلل ألمتي‬
                                             ‫عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها))(5)[5].‬
   ‫وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة))(7)[7] ويوسف الصديق‬
    ‫عليه السالم منقبته العظمى وفضله المبين في هذا المقام وفي هذا الموقف هو أنه استعصم من‬
  ‫السوء والفحشاء مع وجود الدواعي وتوافرها لديه فهو بشر وهو شاب جميل بل لقد أوتي شطر‬
                                                           ‫ً‬
 ‫الحسن كما ذكرنا سابقا أي أن الحسن والجمال قسم نصفين فنصف لسائر الخلق ونصف ليوسف‬
 ‫عليه السالم والغريزة فيه قوية وهو مع ذلك شاب أعزب لم يتزوج بعد وهو مع ذلك في الظاهر‬
       ‫عبد مملوك والعادة في الناس أن العبد يستبيح فعل ما ال يستبيحه الحر وإن كان يوسف في‬
                                                                            ‫ا‬
  ‫الحقيقة حرً ولكنه كان في الظاهر عبداً مملوكاً للعزيز وهو مع ذلك غريب بعيد عن أهله وعن‬
‫عشيرته والعادة في الناس أن اإلنسان يستحيي وهو بين أهله وعشيرته أن يفعل ما يفعله وهو بعيد‬
                                                                     ‫ا‬
  ‫عنهم ومع ذلك أيضً كانت هي الطالبة الساعية حتى أنها هيأت كل األسباب لتغريه وتفتنه حتى‬
      ‫غلقت األبواب وما غلقت األبواب إال وقد هيأت قبل ذلك كل ما يلزم في ظنها اآلثم إلغراء‬
     ‫يوسف بفعل الفحشاء ومع هذا كله استعصم ذلك الشاب الجميل الممتلئ حيوية وقوة وغريزة‬
‫وترفع بنفسه أن يقع في مستنقع المعصية اآلثم وعاذ بجناب ربه فأعاذه ربه وحماه واصطفاه كافأه‬
 ‫على ذلك فهو أهل لما كافأه به ربه, كافأه ربه على ذلك بالتمكين في األرض, جعله على خزائن‬
   ‫األرض وملكه تلك الناحية وجعل له الحكم والعلم وجمعه بأحبته بأبويه واخوته وفوق ذلك كله‬
  ‫أنعم عليه بالنبوة والرسالة, كل ذلك جزاء على إحسانه واستعصامه وتعففه ولجوئه إلى ربه عز‬
                                                                                         ‫وجل.‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                                     ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال اله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمدا‬
                        ‫عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
 ‫أما بعد فقد روي عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه: ((كان إذا أتاه أمر يسره قال الحمد هلل الذي‬
    ‫بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه أمر يسوؤه قال الحمد هلل على كل حال))(3)[5], الصبر حقيقته‬
 ‫الرضا باهلل تعالى بكل ما يفعله سبحانه, الرضا بقضائه وقدره والرضا بأوامره ونواهيه وشرعه,‬
‫والرضا وإن كان من أعمال القلوب فإن كماله الحمد على السراء والضراء, روي في الحديث أن‬
 ‫أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون اهلل على السراء والضراء(4)[7] وسيدنا محمد‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم هو سيد الحمادين حامل لواء الحمد يوم القيامة وأمته هم في مقدمة الحمادين‬
‫ولذلك هم أول من يدخل الجنة يحمدون ربهم على السراء والضراء وللحمد مشهدان المشهد األول‬
 ‫أن يعلم العبد أن اهلل تبارك وتعالى مستوجب مستحق للحمد لذاته ولنفسه فقد خلق سبحانه وتعالى‬
‫كل شيء فأحسن خلقه وصنع كل شيء فأتقن صنعه فهو الحكيم في أفعاله العليم بعباده العليم بكل‬
   ‫شيء والمشهد الثاني أن يعلم العبد أن اختيار اهلل تعالى له هو خير له من اختياره لنفسه ولذلك‬
       ‫ثبت في الصحيح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده ما يقضي اهلل‬
   ‫للمؤمن قضاء إال كان خيراً له فإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر‬
     ‫فكان خيراً له))(1)[3], فعليكم أيها المسلمون بالصبر على السراء والضراء ونحن اليوم نمر‬
     ‫بمحنة وفتن جسام ومحنة عظيمة أحاطت بالمسلمين والمؤمنين هذه الفتنة التي تسبب بها هذا‬
   ‫الطاغية العراقي البعثي الكافر الملحد الذي انتهك حرمات المسلمين وسفك دمائهم وشغلهم عن‬
   ‫عدوهم الصهيوني وشق صفوفهم وقدم خدمة جلى ألعداء اإلسالم والمسلمين ما كانوا يحلمون‬
        ‫بها, واهلل ال ينبغي أن يشك متبصر أن هذا الطاغية وأمثاله إنما هم أذناب ألعداء اإلسالم‬
    ‫والمسلمين ينفذون مخططاتهم لشق صفوف المسلمين وإضعاف شوكتهم واشغالهم عن عدوهم‬
 ‫الحقيقي العدو الصهيوني الذي استباح المسجد األقصى واألرض المباركة حوله ولكن من أعجب‬
‫ا‬
‫ما نشاهد اليوم من هذه الفتنة أن هذا البعثي الملحد العلماني الكافر يريد أن يستخدم اإلسالم سالحً‬
 ‫لمحاربة اإلسالم والمسلمين وهذا واهلل بالء عظيم, هذا من الضراء فاهلل تعالى من سننه أنه يبتلي‬
       ‫عباده المؤمنين بالضراء كما يبتليهم بالسراء لعلهم يتضرعون ويرجعون إليه بعد أن كانوا‬
    ‫معرضين, بعد أن غرقوا في المعاصي والذنوب فإن من رحمة اهلل بعباده إذا رآهم معرضين‬
        ‫غافلين غارقين في المعاصي والذنوب أنه ينبههم ويبتليهم بالشدائد والمحن واألعداء لعلهم‬
  ‫يتضرعون ولذلك فإن من أوجب الواجبات علينا في مثل هذه المحن أن نلح في الدعاء ونلج في‬
    ‫الرجاء ونتضرع بين يديه سبحانه ونتوب إليه من ذنوبنا ومعاصينا فإن الخوف واهلل علينا من‬
   ‫معاصينا ال من عدونا, ولقد كان من عادة سلف هذه األمة أنهم دائماً يلجؤون إلى اهلل، وهم في‬
‫الشدائد والمحن أكثر لجوءً إليه سبحانه واستغاثة به وتضرعاً إليه, هذا سيدنا محمد صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم وهو خير الخلق وأكرم الخلق وإمام المرسلين حبيب الرحمن وخليله ومع ذلك فعندما التقى‬
 ‫الفريقان المؤمنون أصحابه والمشركون من قريش عندما التقى الفريقان في بدر قام سيدنا رسول‬
           ‫ال‬
  ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم رافعاً يديه يلح بالدعاء ويلج بالرجاء والتضرع إلى اهلل قائ ً: ((يا رب‬
     ‫أنجز وعدك الذي وعدتني يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في األرض))(6)[4] يشفق‬
   ‫رسول اهلل ويخاف علي تلك الثلة المؤمنة خير هذه األمة بعد رسولها من أن تهلك فماذا نصنع‬
      ‫نحن وكيف ال نلجأ لربنا؟ كيف ال نتوب إليه ونحن غارقون في المعاصي والذنوب والغفلة‬
‫واإلعراض عن ربنا؟ الجؤوا إلى ربكم أيها المسلمون وتضرعوا بين يديه وتوبوا إليه فإذا صدقتم‬
                                                               ‫ا‬
                        ‫في ذلك فال تخشوا أحداً أبدً من الخلق ولو اجتمع الخلق عليكم أجمعين.‬
  ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هديه صلى اهلل عليه وسلم وشر األمور محدثاتها‬
                                    ‫وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار .‬
       ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن‬
        ‫الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم أجمعين.‬
‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل:‬
 ‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [األحزاب:61].‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى اهلل بها عليه عشرا))(2)[1]، اللهم صل‬
 ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬
     ‫مجيد وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي‬
   ‫النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات‬
‫المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك‬
                                                 ‫وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                            ‫__________‬
                                                           ‫(5) البخاري في الطالق (8634).‬
                                                          ‫(7) البخاري: ك: الرقاق (6756).‬
                                                             ‫(3) الحاكم (5/334) وصححه.‬
                                        ‫(4) مسند أحمد (4/434)، وسنن الدارمي (1، 2، 8).‬
                                                                  ‫(1) مسلم: الزهد (3337).‬
                                           ‫(6) أخرجه البخاري بنحوه: ك: المغازي (2323).‬
                                                                  ‫(2) صحيح مسلم ((804).‬

‫(5/432)‬




                                               ‫حماية النبي صلى اهلل عليه وسلم جناب التوحيد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫التوحيد‬
                                                                               ‫أهمية التوحيد‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                              ‫المدينة المنورة‬
                                                                                         ‫قباء‬
                                               ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                       ‫-------------------------‬
    ‫ملخص الخطبة"الغاية من الرسالة – حرص الرسول على جناب التوحيد – وسائله في حماية‬
     ‫التوحيد : 5- النهي عن إطرائه 7- إظهار العبودية هلل 3- اجتناب المدح – المدح الشرعي‬
                                                                                        ‫للرسول "‬
                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
                                                  ‫د‬
‫فقد قال اهلل تبارك وتعالى: فال تجعلوا هلل أندا ًا وأنتم تعلمون [البقرة:77] األنداد جمع ند والند هو‬
                                                                                   ‫المثل والنظير.‬
                                             ‫ئ‬                        ‫د‬
                                ‫ومعنى أن تجعل هلل أندا ًا أن تصرف العبادة أو شي ًا منها لغيره.‬
 ‫قال عبد اهلل بن عباس رضي اهلل عنهما في تفسير هذه اآلية: أي ال تشركوا باهلل شيئًا من األنداد‬
‫التي ال تنفع وال تضر وأنتم تعلمون أن ربكم ال يرزقكم غيره، وأن الذي يدعوكم إليه رسوله من‬
    ‫ال‬       ‫ر‬
    ‫توحيده هو الحق الذي ال شك فيه وزاد بن عباس رضي اهلل عنهما هذه اآلية تفسي ًا وتفصي ً‬
‫فقال: األنداد هو الشرك أخفى من دبيب النملة على الصفاء السوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول‬
                                                                   ‫واهلل وحياتك يا فالنة وحياتي.‬
                 ‫أو تقول: لوال كليبة هذا ألتانا اللصوص أو لوال البط في الدار ألتانا اللصوص.‬
 ‫أو هو كقول الرجل لصاحبه ما شاء اهلل وشاء فالن. ولوال اهلل وفالن ال تجعل فيها فالنًا هذا كله‬
                                                          ‫به شرك. انتهى كالمه رضي اهلل عنه.‬
    ‫كما رواه بن أبي حاتم ودل هذا الكالم من ابن عباس رضي اهلل عنهما أنه يجب على المؤمن‬
‫الموحد أن يحتاط ويحترز في عباراته وكالمه الذي يتكلم به خشية من الوقوع في الشرك وهو ال‬
                                                                                           ‫يدري.‬
‫دل كالم ابن عباس رضي اهلل عنهما على أن كل مؤمن موحد أن يحترز ويحتاط في كالمه خشية‬
  ‫من الوقوع في الشرك، الشرك ليس هو فقط ما يفعله عباد األصنام واألوثان من صرف العبادة‬
  ‫إلى أوثانهم وأصنامهم ذلك هو الشرك األكبر ذلك أن الشرك أنواع ومراتب ودرجات أكثر من‬
      ‫هذه المراتب وهذا النوع وهذه الدرجة تخفى على الناس بل هو أخفى من دبيب النملة على‬
  ‫الصخرة الصماء في ظلمات الليل كما عبر ابن عباس رضي اهلل عنهما وإنما أراد بهذا التعبير‬
‫تصوير شدة خفاء الشرك على الناس فإن الشرك أخفى من دبيب النملة على الصخرة السوداء في‬
                                                                                      ‫ظلمة الليل.‬
   ‫والتوحيد جوهره أن تؤمن بأن الربوبية واأللوهية هلل وحده فتوحده سبحانه بجميع أنواع العبادة‬
                                                 ‫ومن أعظم أنواع العبادة تعظيم الرب جل وعال.‬
 ‫ومن أهم أساليب التعظيم القسم والحلف ولذلك ال يجوز لك أن تحلف إال باهلل ال يحل لك أن تقسم‬
                                                       ‫ن‬
‫إال باهلل فإذا أقسمت بغيره كائ ًا من كان فقد وقعت في الشرك. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي‬
   ‫اهلل عنهما: من حلف بغير اهلل فقد كفر أو أشرك، وقال عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه :ألن‬
                                                                    ‫أحلف باهلل كاذبًا أحب ى‬
                                           ‫ُّ إل ّ من أن أحلف بغيره صادقًا.‬
                         ‫م‬
‫ومعنى كالمه هذا أن الحلف باهلل كذبًا كبيرة من الكبائر يأثم مرتكبها إث ًا عظيمًا، أما الحلف بغيره‬
                                               ‫ب‬                          ‫ق‬
      ‫ولو كان صاد ًا فإنه شرك والشرك أعظم ذن ًا من الكبيرة ولو كان شركًا أصغر فإن الحلف‬
                                                     ‫ر‬
        ‫واألقسام بغير اهلل شرك أصغر أو كف ٌ أصغر ال يخرج المؤمن بارتكابه من ملة التوحيد.‬
  ‫ر‬
 ‫ال يخرج بالحلف بغير اهلل من ملة التوحيد فقول عمر فقد كفر أو أشرك أي شركًا أصغر أو كف ًا‬
                             ‫م‬      ‫ب‬
‫أصغر لكن المؤمن بارتكابه ذلك الشرك يكون قد اقترف ذن ًا عظي ًا هو أعظم عند اهلل من الكبائر‬
 ‫وهكذا في مجال المشيئة والقدرة، المؤمن الموحد يعلم أن المشيئة والقدرة كلها بيد اهلل وحده وأما‬
   ‫المخلوق فهو وإن كانت له مشيئة خاصة الئقة به وقدرة خاصة الئقة به إال أن مشيئة المخلوق‬
    ‫وقدرته هي تحت مشيئة وقدرة الخالق سبحانه وتعالى، ال يستطيع المخلوق أن يستقل بمشيئته‬
‫وقدرته ولذلك فعلى المؤمن الموحد أن يحترز في التعبير في هذا المقام فيستخدم لفظة ثم يقول ما‬
        ‫م‬      ‫ح‬
       ‫شاء اهلل ثم شاء فالن، أو لوال اهلل ثم فالن. فيكون بذلك قد رتب األمر ترتيبًا صحي ًا سلي ًا‬
                                                   ‫ال‬              ‫ال‬                ‫م‬
‫مستقي ًا فمشيئة اهلل أو ً وقدرة اهلل أو ً ثم تأتي مشيئة المخلوق وقدرة المخلوق تحت ظالل مشيئة‬
                                                                     ‫اهلل وقدرته سبحانه وتعالى.‬
        ‫و‬
  ‫أما لو استخدمت الواو فقلت ما شاء اهلل وفالن أو لوال اهلل وفالن فإنك بذلك تكون قد س ّيت بين‬
 ‫ب‬
‫الخالق والمخلوق ألن حرف الواو بخالف ثم، ثم تفيد الترتيب واألولوية وأما الواو فال تفيد ترتي ًا‬
                                  ‫تفيد مطلق الجمع فتكون بذلك قد سويت بين الخالق والمخلوق.‬
                                                    ‫و‬                                ‫و‬
‫س ّيت بين مشيئة الخالق والمخلوق، س ّيت بين قدرة الخالق وقدرة المخلوق هذا في ظاهر العبارة‬
                            ‫وإن كنت ال تقصد ذلك ومع ذلك تقع في الشرك وإن كنت ال تقصده.‬
                  ‫د‬
      ‫ولذلك فإن النبي لما قال له الرجل: "ما شاء اهلل وشئت" قال : ((أجعلتني هلل ن ًا)) تسوي بين‬
   ‫مشيئتي وبين مشيئة الرب تبارك وتعالى، تجعلني مثيله ونظيره، مثله في المشيئة والقدرة. قل:‬
                                                       ‫((ما شاء اهلل وحده أو كما قال ))(5)[5].‬
 ‫وقال في مقام آخر: ((ال تقولوا ما شاء اهلل وفالن، ولكن قولوا ما شاء اهلل ثم شاء فالن))(7)[7].‬
                                                                           ‫ر‬
 ‫وهكذا فإن كثي ًا من الناس يقع في ألفاظ ال يتنبهون لها، يقعون في عبارات ال يتنبهون لها وهي‬
                                                                                     ‫فيهم شرك.‬
 ‫فقد يقول القائل لوال جهود رجال األمن لكثرت الجرائم وانقطعت السبل أو يقول القائل لوال فالن‬
    ‫لفسدت األحوال وألصابنا العنت والحرج أو نجوز لك من العبارات التي توهم في ظاهرها أن‬
    ‫المخلوق يستقل في الفعل والتأثير، أو توهم في ظاهرها إسناد الفعل للمخلوق بينما حقه إسناده‬
                                                             ‫وإضافته إلى الخالق تبارك وتعالى.‬
  ‫فعلى المؤمن الموحد أن يحترز في كالمه يحتاط في عباراته فيقول: لوال اهلل عز وجل ثم رجال‬
 ‫األمن، أو يقول لوال أن اهلل وفق رجال األمن أو لوال أن اهلل سخر فالنًا لفسدت األحوال وأصابنا‬
       ‫الحرج والعنت فيسلم بذلك من غائلة الوقوع في الشرك الذي هو أخفى من دبيب النملة في‬
   ‫الصخرة السوداء في الليلة الظلماء. كما عبر بذلك عبد اهلل بن عباس حبر هذه األمة رضي اهلل‬
                                                                                           ‫عنهما.‬
                   ‫د‬
 ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل وقولوا قوالً سدي ًا يصلح لكم أعمالكم‬
                                        ‫ز‬
               ‫ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اهلل ورسوله فقد فاز فو ًا عظيمًا [األحزاب:02-52].‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                               ‫هذا وأستغفر اله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
 ‫د‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محم ًا‬
                         ‫عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.‬
 ‫أما بعد: عن أسماء رضي اهلل عنها أن امرأةً سألت النبي فقال: إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمزق‬
 ‫شعرها وإني زوجتها أفأصل فيه. فقال : ((لعن اهلل الواصلة والمستوصلة)) رواه البخاري(3)[5]‬
                                                                                   ‫ومسلم(4)[7].‬
         ‫وعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل : ((لعن اهلل الواصلة والمستوصلة‬
                                                      ‫والواشمة والمستوشمة)) متفق عليه(1)[3].‬
   ‫وعن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه فقال: ((لعن اهلل الواشمات والمستوشمات والمتنمصات‬
                                                         ‫والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اهلل)).‬
   ‫فقال امرأة له في ذلك: أي سألته عن سبب لعنه هؤالء فقال رضي اهلل عنه: ومالي ال ألعن من‬
                                                                          ‫لعنه رسول اهلل (6)[4].‬
              ‫ي‬
      ‫أما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بشعر غيرها والمستوصلة التي تطلب ذلك و ُفعل لها.‬
  ‫ومن ذلك ما يسمونه اليوم بالباروكة وأما الواشمة فهي التي تغرز اإلبرة في يدها أو في وجهها‬
      ‫ي‬           ‫ي‬
   ‫وتحشو مكانها بالكحل أو المواد أو نحوه، والمستوشمة هي التي تطلب ذلك ف ُفعل لها أو ُعمل‬
          ‫ي‬
 ‫فيها، والنامصة التي تنتف الشعر من حاجبيها لترققهما، والمتنمصة من تطلب ذلك و ُعمل فيها،‬
                   ‫والمتفلجات للحسن اللواتي يفرقن ما بين أسنانهن بالبرد يبتغين في ذلك الزينة.‬
  ‫كل هؤالء، كل من فعلت شيئًا من هذه األمور وهي من أمور الزينة وأنواعها فهي ملعونة على‬
                                                                                ‫لسان رسول اهلل .‬
   ‫ومن الحكمة في تحريم هذه األنواع من أنواع الزينة ما فيها من التزوير والتفليس وما فيها من‬
                                    ‫التشويه والتغيير للخلقة الطبيعة التي خلقها الرب عز وجل.‬
     ‫فالمرأة المسلمة وإن كان مطلوب منها شرعًا أن تتزين لزوجها فإن عليها أن تتزين باألنواع‬
         ‫المباحة المشروعة من الزينة وأن تحذر من هذه األمور التي لعن رسول اهلل من تفعلها.‬
   ‫أن تحذر من هذه األمور التي لعن رسول اهلل النساء التي يفعلنها فالمرأة المسلمة نعم عليها أن‬
 ‫تتزين لزوجها ال لغيره كما تفعله بعض النساء إذا خرجن من البيوت خرجن في أكمل زينة وإذا‬
                                               ‫كن في البيوت عند أزواجهن كن في أسوأ حال.‬
 ‫على المرأة المسلمة أن تتزين لزوجها وأن تتجنب الزينة عند خروجها لكن عليها أن تجتنب هذه‬
                                                               ‫األمور التي ذكرها رسول اهلل .‬
 ‫والدليل على أن من حكمة تحريم هذه األمور هو ما فيها من التزوير والتدليس ما رواه البخاري‬
 ‫ومسلم عن سعيد بن المسيب رحمه اهلل قال: (قدم معاوية رضي اهلل عنه المدينة فخطبنا وفي يده‬
                                                        ‫د‬
           ‫كبة من شعر فقال: ما كنت أظن أن أح ًا يفعل هذا إال اليهود وقد بلغ رسول اهلل فسماه‬
                                                                               ‫الزور)(2)[1].‬
  ‫وفي رواية لهما أنه قال رضي اهلل عنه: "إن هذا إنما أحدثتم من سيئ الزينة من سيئ الزي وقد‬
‫نهى عن الزور - أي عن الكذب والتدليس -"(8)[6] والنمص كما ذكرنا وبينا هو نتف الشعر من‬
      ‫الحاجبين لترقيقهما وال يدخل فيه نتف المرأة للشعر الذي ينبت في وجهها أو في جسدها في‬
   ‫المواضع غير المعتادة كأن ينبت شعر في خديها أو في شاربها أو ذقنها أو في ساعديها أو في‬
                                                          ‫ساقيها فلها أن تنتفه وال حرج عليها.‬
                              ‫ي‬
‫والتحريم في الحديث هو مقصور على األنواع المذكورة فيه ال ُقاس عليه غيره، فليس لقائل يقول‬
  ‫ال يحل للمرأة أن ترسم جفنيها بالقلم أو تظلل فوق عينيها باأللوان أو تحمر خديها قياسًا على ما‬
                   ‫ر‬                                                                 ‫ذ‬
‫ُكر في الحديث بل المحرم هو المذكور في الحديث فحسب ال تزيد عليه أم ًا آخر إال بدليل آخر‬
                                                              ‫ألن األصل في األشياء اإلباحة.‬
 ‫والمقصود أن النبي المصطفى يوجه النساء المؤمنات المسلمات إلى التزين ألزواجهن ولكن قدر‬
 ‫إمكانهم بما أباح اهلل ورسوله لهن وعليهن أن يجتنبن الزور والتزوير والتدليس والتغيير لخلق اهلل‬
                                       ‫فيجتنبن النمص ويجتنبن الوصل والوشم والتفلج للحسن.‬
     ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هدي محمد وشر األمور محدثاتها وكل محدثة‬
                                                 ‫بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
                 ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار.‬
    ‫ت‬
‫يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين ُدان.‬
 ‫وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل:‬
‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [األحزاب: 61].‬
                                         ‫ر‬                            ‫ى‬
                              ‫وقال : ((من صلى عل ّ واحدة صلى اهلل عليه بها عش ًاْ))(3)[2].‬
 ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‬
  ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.‬
  ‫وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين‬
                                                             ‫على‬
 ‫عثمان وأبي السبطين َّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين،‬
    ‫وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك‬
                                                     ‫وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                       ‫__________‬
                                                  ‫(5) مسند أحمد (5/457، 387، 243).‬
                          ‫(7) مسند أحمد (1/483، 433، 833) ، سنن أبي داود (0834).‬
                                                          ‫(3) صحيح البخاري (5431).‬
                                                             ‫(4) صحيح مسلم (7757).‬
                                    ‫(1) صحيح البخاري (7431)، صحيح مسلم (4757).‬
                                    ‫(6) صحيح البخاري (3431)، صحيح مسلم (1757).‬
                                    ‫(2) صحيح البخاري (8331)، صحيح مسلم (2757).‬
                            ‫(8) هذا اللفظ ليس في البخاري ، وإنما عند مسلم فقط (2757).‬
                                                                     ‫(3) مسلم (804).‬

‫(5/132)‬




                                                                 ‫القرآن العظيم واإلنفاق‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                             ‫غير محدد‬
                                                                      ‫محمد بن منصور‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                           ‫برج أم نايل‬
                                                                          ‫57/3/3545‬
                                                                      ‫محمد بن منصور‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
 ‫عباد اهلل: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، والتمسك بكتابه فهو حبل اهلل المتين، من استمسك به‬
  ‫نجا ومن تركه ضل ولم تجد له وليا مرشدا قال اهلل تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن‬
                                                     ‫هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .‬
   ‫إن رمضان هو شهر القرآن، لقد أنزله اهلل تبارك وتعالى إيذانا بإنبثاق نور جديد للبشرية التي‬
‫عاشت ردحا من الزمان بعيدة عن عقيدة التوحيد وملة أبينا إبراهيم عليه الصالة والسالم، لقد كان‬
     ‫العربي قبل نزول القرآن كتل لحم تسير في الصحراء ال هم له إال شويهاته يعيش من أجلها‬
  ‫ويموت في سبيلها، لقد هانت عليه نفسه لدرجة أنه يصنع صنما من تمر يعبده من دون اهلل فإذا‬
                                                                                   ‫جاع أكله.‬
  ‫وفي الحديث عن عياض بن حمار : ((إن اهلل نظر إلى أهل األرض فمقتهم عربهم وعجمهم إال‬
  ‫بقايا من أهل الكتاب)) حينئذ نزل القرآن، ليهدي تلك القلوب التائهة، والعقول الحائرة، والنفوس‬
  ‫المريضة، لقد حول هذا القرآن أولئك األعراب من رعاة الغنم إلى قادة لألمم، فكم هي نعمة اهلل‬
                                                                 ‫ن‬
       ‫علينا سبحانه وتعالى: لقد م ّ اهلل على المؤمنين إذ بعث فيهم رسوال منهم يتلو عليهم آياته‬
 ‫ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ولفي ضالل مبين ، ألم ذلك الكتاب ال ريب‬
                                                                           ‫فيه هدى للمتقين .‬
    ‫وقد وصفه اهلل الذي أنزله على عباده بصفات التزكية والتعظيم، ونزهة عن كل نقص وعيب‬
  ‫فوصفه سبحانه بأنه نور وكتاب مبين يهدي به اهلل من اتبع رضوانه سبل السالم، وهو شفاء لما‬
‫في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، وهو تذكرة لمن يخشى اهلل، وبشارة ألولئك المؤمنين الذين‬
 ‫يعملون الصالحات أن لهم أجر كبيرا، والذين ما أن يستمعوا إلى كتاب ربهم وكالمه حتى تقشعر‬
 ‫له جلودهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اهلل، كما أنه مبارك وعجيب يهدي إلى الرشد، ولو‬
   ‫أنزل على الجبال الصم الصالب، لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية رب األرباب سبحانه إنه‬
‫كتاب ال يمكن أن يتطرق إليه الباطل وال يمكن لإلنس والجن فضال عن أن يكون أحدهما أن يأتي‬
                                                                            ‫بمثل هذا القرآن.‬
‫وإن كتابا يحمل كل هذه الصفات والنعوت لجدير أن يكون له من التأثير والنفاذ إلى القلوب ما ال‬
    ‫يملكه أي كتاب وال أي كالم حتى الذين كانوا يقعدون بكل صراط ويصدون عن سبيل اهلل لم‬
    ‫يستطيعوا إنكار إعجابهم بالقران الكريم روى ابن إسحاق في السيرة النبوية أن أبا سفيان قبل‬
   ‫إسالمه وأبا جهل بن هشام المخزومي، واألخنس بن شريق خرجوا ذات ليلة متفرقين إلى غير‬
   ‫موعد إلى حيث يستمعون من رسول اهلل وهو يتلو القرآن في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا‬
    ‫يستمع فيه، وال أحد منهم يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر، تفرقوا‬
   ‫فجمعهم الطريق فتالوموا وقال بعضهم لبعض، ال تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم ألوقعتم في‬
     ‫نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل منهم إلى مجلسه ال يدري بمكان‬
 ‫صاحبه فباتوا يستمعون للرسول حتى طلع الفجر، فتفرقوا، وجمعهم الطريق فتالوموا وانصرفوا‬
               ‫على أال يعودوا، لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة وباتوا يستمعون إلى القرآن.‬
                                  ‫لقد أدهشهم كالم اهلل ولم يستطيعوا أن يعتقوا أنفسهم من أسره.‬
    ‫أما الصحابة رضوان اهلل عليهم فلهم شأن آخر مع كتاب اهلل عز وجل، لقد تلقفوا القرآن تلقف‬
‫اإلبل إليهم يقرأونه ويتدبرونه ويعملون به، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس رضي اهلل عنهما‬
  ‫وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على‬
             ‫أبي بكر الصديق فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق : هكذا كنا.‬
 ‫وعن عمر بن الخطاب : أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سمعوا بكاءه‬
                                                                           ‫من وراء الصفوف.‬
   ‫إن الحياة مع القرآن وتدبره نعمة ال يعرفها إال أولئك الذين تذوقوها، نسأل اهلل أن يجعلنا منهم:‬
                                                         ‫إنها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.‬
        ‫إنك وأنت تتجول في كتاب اهلل الكريم من آية إلى آية ومن سورة إلى سورة تعيش مشاهد‬
 ‫وأحداثا، فتقرأ: إن اهلل سميع بصير وتقرأ: ما يكون من نجوى ثالثة إال هو رابعهم وال خمسة إال‬
‫هو سادهم وال أدنى من ذلك وال أكثر إال هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة وأنه‬
    ‫يعلم ما يلج في األرض وما يخرج منا وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، فإن المسلم وهو‬
‫يسمع هذه اآليات يصبح في قلبه حساسية تجاه رقابة اهلل ألعماله الظاهرة والباطنة، فيحرص على‬
                      ‫نظافة هذه األعمال والمشاعر ليراها اهلل نظيفة فيرضى عنها ويثيب عليها.‬
                       ‫وحيث يقرأ: هو الرزاق ذو القوة المتين ، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .‬
‫حينئذ لم يعد القلق على الرزق يشغلهم ولم يعد يحس حين يتعرض ألي أذى أو اضطهاد أن البشر‬
                                       ‫هم الذين يتصرفون في رزقه أو قوته أو أمنه أو راحته .‬
     ‫إننا نحن المسلمين أحوج إلى تدبر القرآن وتدارسه وتعليمه أبناءنا، إنك تفرح وأنت تسمع أن‬
‫أسرة من األسر في هذا البلد األب يحفظ القرآن، وثالث أبنائه يحفظون القرآن، وثالث من البنات‬
‫كذلك وبقية األوالد يحفظون الجزء ما بين الرابع والخامس عشر إن الكل يتمنى أن لو كان أبناؤه‬
  ‫بهذه المثابة وأسرته كهذه األسرة، خير من أسرة أمام الشاشة بالساعات الطوال حتى إذا ما جاء‬
        ‫القرآن رأيتهم يتأففون، وإذا ذكر اهلل وحده اشمأزت قلوب وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم‬
      ‫يستبشرون وقد يبلغ البعض هجر سماع القرآن الكريم وقراءته، أو هجر العمل به، أو هجر‬
             ‫تحكيمه أو التحاكم إليه أو هجر االستشفاء والتداوي به من أمراض القلوب وأدوائها.‬
 ‫وهذا كله داخل في شكوى الرسول من هجر القرآن الكريم: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذ‬
                                                                          ‫هذا القرآن مهجورا .‬
   ‫أخي: أيها المسافرة في هذه الحياة، لقد أدرك الكفار أن عزة المسلمين في التمسك بهذا القرآن،‬
  ‫فبدأوا ينفثون سمومهم ليجعلوا منه أثرا رجعيا متخلفا، أو لجعله رمزا فقط ال يعمل به، وال تنفذ‬
    ‫توجيهاته: يقول غالدستون رئيس وزراء بريطانيا سابقا: ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي‬
                                           ‫المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق.‬
   ‫ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر : إننا لن ننتصر على الجزائريين ماداموا يقرؤون القرآن،‬
‫ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم.‬
                 ‫اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا يا حي يا قيوم أقول قول هذا . .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .‬
‫القائل: ((ثالثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال : ما نقص مال عبد من صدقة، وال ظلم‬
      ‫عبد مظلمة فصبر عليها إال زاده اهلل عزا، وال فتح عبد باب مسألة إال فتح اهلل باب فقر ..‬
  ‫وأحدثكم ألربعة نفر: بعد رزقه اهلل ماال وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم هلل‬
‫فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اهلل علما ولم يرزقه ماال هو صادق النية يقول: لو أن‬
 ‫لي ماال لعملت بعمل فالن، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه اهلل ماال ولم يرزقه علما فهو‬
  ‫يخبط في ماله بغير علم ال يتقي فيه ربه وال يصل فيه رحمه، وال يعلم هلل فيه حقا، فهذا بأخبث‬
  ‫المنازل وعبد لم يرزقه اهلل ماال وال علما فهو يقول: لو أن لي ماال لعملت فيه بعمل فالن، فهو‬
                                                                     ‫بنيته، فوزرهما سواء)).‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
‫فإن اإلنفاق سبيل المؤمنين المحلفين بالقران وعدهم اهلل جنة عرضها السماوات واألرض كما قال‬
   ‫تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات واألرض أعدت للمتقين الذين‬
                                                                ‫ينفقون في السراء والضراء .‬
 ‫وعن أبي ذر قال : انتهيت إلى النبي وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: ((هم األخسرون‬
                                            ‫ء‬
‫ورب الكعبة قال : فجئت حتى جلست فلم اتقا ّ حتى قمت فقلت يا رسول اهلل: فداك أبي وأمي من‬
  ‫هم؟ قال هم األكثرين أمواال إال من قال: هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه‬
  ‫وعن شماله وقليل هم))، وجاء في الحديث أنه: ((ما من يوم يصبح فيه العباد إال ملكان ينزالن‬
                            ‫ا‬
                   ‫فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول األخر: اللهم أعط ممسكً تلفا)) .‬
‫والمسلم موعود بالخلف ممن إنه من رب العالمين قال تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وقال‬
                                                             ‫: ((ما نقصت صدقة من مال)).‬
      ‫وقال : ((إن اهلل عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف‬
      ‫أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فالن مرض فلم تعده، أما علمت أنك‬
       ‫لوعدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب‬
  ‫العالمين، قال استسقاك عبدي فالن فلم تسقه، أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)) رواه مسلم.‬
  ‫أخي الكريم: يا من علمناه باذال ماله في الخير، هل تذكرت معنى حديث السبعة الذين يظلهم اهلل‬
‫في ظله يوم ال ظل إال ظله وفيه: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ال تعلم شماله ما تنفق يمينه‬
 ‫))، أخي الكريم، لقد جنى الكفار أمواال طائلة لنشر دينهم ومبادئهم، وفي صحيح مسلم من حديث‬
     ‫أبي هريرة عن النبي قال: ((بيننا رجل بفالة من األرض فسمع صوتا في سحابة أسق حديقة‬
‫فالن، فتنحى ذلك السحاب فأفر ماءه في حرة (أو هي األرض التي بها حجارة سود كثيرة ) فإذا‬
   ‫شرجة من تلك الشراج (الشرجة : مسايل الماء في الحرار) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع‬
 ‫الماء، فإذا رجل قائم ي حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد اهلل، ما اسمك، قال : فالن،‬
  ‫لالسم الذي سمع في السحابة، فقال له، يا عبد اهلل لم تسألني عن اسمي، فقال إني سمعت صوتا‬
‫في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فالن السمك فما تصنع فيها، قال : أما إذا قلت هذا،‬
           ‫فإني نظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالي ثلثا، وأراد فيها ثلثه)).‬
                                                                        ‫ن‬
    ‫أخي الكريم: لقد ج ّد الكفار من اليهود والنصارى أمواال مذهلة لنشر دينهم ومبادئهم المخرفة‬
 ‫وأفكارهم عن طريق اإلذاعة والتلفزة والمراسالت وغير ذلك فقد أنفق النصارى اثنان وعشرون‬
   ‫مليون دوالر مع مدرسة تنصرية في بلد عربي، وانفق على مؤتمر للمنصرين واحدا أكثر من‬
‫واحد وعشرين مليون دوالر وجمع اليهود تبرعات تحت شعار (قاتلوا المسلمين) وذلك في فرنسا،‬
 ‫فجمعوا ألف مليون فرنك خالل أربعة أيام، وهذا وهم موعودون بالحسرة كما قال اهلل تعالى: إن‬
   ‫الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اهلل فسينفقونها فثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون‬
                                                           ‫والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .‬
‫فكيف بمن ينفق ماله في سبيل اهلل بل في خدمة كتاب اهلل، خصوصا ونحن نعلم أيها االخوة الكرام‬
‫أن الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالطائف تقوم بأنشطة خيرية كثيرة، وما من أحد منا ال‬
   ‫وقد انتفع من برامج هذه الجمعية أو ولده أو ابنته أو إحدى قريباته والعاملون فيها نحسبهم من‬
   ‫الثقات المخلصين واهلل حسيبهم وال نزكي على اهلل أحدا، وكثير ممن يعمل في هذه الجمعية من‬
    ‫المحتسبين، كما أن هذه الجمعية تقوم بأعمالها على نفقات المحسنين من أمثالكم الذين ما فتئتم‬
    ‫تقدمون كل دعم لها، وهاهم اليوم يلتمسون منكم دعما سخيا، تحتسبونه عند اهلل تعالى الذي ال‬
                  ‫يضيع أجر من أحسن عمال، وتترقبون أنتم دعاء الملك بالخلف أال وصلوا . .‬

‫(5/632)‬




                                                                               ‫شهر رمضان‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                            ‫الصوم, فضائل األزمنة واألمكنة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                             ‫المدينة المنورة‬
                                                                                        ‫قباء‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
    ‫ملخص الخطبة"رمضان موسم عظيم –العمر كله موسم – مضاعفة األجر في رمضان أعظم‬
                                    ‫األعمال : الصيام – القيام – القرآن – الصدقة – العمرة "‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد فقد قال اهلل تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى‬
‫والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد اهلل‬
       ‫بكم اليسر وال يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا اهلل على ما هداكم ولعلكم تشكرون‬
‫[البقرة:185]. هذا الشهر المبارك موسم عظيم للخير والبركة والعبادة والطاعة والمؤمن الصادق‬
       ‫كل الشهور عنده مواسم للعبادة والعمر كله عنده موسم للطاعة , ولكنه في شهر رمضان‬
‫تتضاعف همته للخير وينشط قلبه للعبادة أكثر ويقبل على ربه سبحانه وتعالى , وربنا الكريم من‬
‫جوده وكرمه تفضل علي المؤمنين الصائمين فضاعف لهم المثوبة في هذا الموقف الكريم واجزل‬
      ‫لهم العطاء والمكافئة على صالح األعمال , واعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أعظم‬
‫األعمال في هذا الشهر الكريم الصيام نفسه ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى‬
        ‫ا‬
        ‫اهلل عليه وسلم قال (( من صام يوماً في سبيل اهلل باعد اهلل وجهه عن النار سبعين خريفً‬
  ‫))(5)[5]. أي سبعين سنة , فإذا كان صيام يوم واحد يباعد العبد عن النار سبعين سنة فما بالك‬
       ‫بصيام شهر رمضان كله , والصيام طريق إلى الجنة وباب من أبوابها فعن سهل بن سعد‬
 ‫الساعدي رضى اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( إن للجنة باباً يقال له الريان يدخل‬
‫منه الصائمون وال يدخل منه أحد غيرهم ))(7)[7], والصيام مثل القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة‬
 ‫فعن عبد اهلل بن عمرو بن العاص رضى اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( الصيام‬
‫والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الشراب والطعام في النهار فشفعني‬
  ‫فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه, قال: صلى اهلل عليه وسلم يشفعان أي فيشفعان‬
                                                                                 ‫))(3)[3].‬
                                                      ‫ا‬
   ‫و صيام شهر رمضان خصوصً يمحو الذنوب ويكفر السيئات ففي الصحيحين من حديث أبي‬
     ‫ا‬
     ‫هريرة رضى اهلل عنه قال , قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم (( من صام رمضان إيمانً‬
             ‫ا‬
    ‫واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))(4)[4], وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضً أن النبي‬
       ‫صلى اهلل عليه وسلم قال (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان‬
    ‫مكفرات ما بينهن ما اجتنب الكبائر ))(1)[1] فدل هذا الحديث على أن المراد تكفير ما سوى‬
 ‫ا‬
 ‫الكبائر من الذنوب أما الكبائر فال يمحوها إال التوبة الصادقة, واعلموا أن من أجل األعمال أيضً‬
 ‫وأعظمها في هذا الموسم العظيم القيام أو صالة الليل سواء كان مع اإلمام في صالة التراويح أو‬
‫كان القيام في البيت منفرداً وحده في أخر الليل وهذه أفضل من تلك كما قال عمر الفاروق رضى‬
    ‫اهلل عنه: " والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون " , قال اهلل تعالى لنبيه ومصطفاه يأيها‬
  ‫المزمل قم الليل إال قليالً نصفه أو انقص منه قليالً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيالً [المزمل:5-‬
 ‫4], وقال سيدنا المصطفى صلى اهلل عليه وسلم أمراً أو نادباً أمته إلى قيام الليل (( يا أيها الناس‬
  ‫أفشوا السالم وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسالم ))(6)[6], وقال صلى اهلل‬
                 ‫ا‬
‫عليه وسلم في قيام شهر رمضان على وجه الخصوص (( من قام رمضان إيمانً واحتساباً غفر له‬
   ‫ما تقدم من ذنبه ))(2)[2], وقال عن القيام مع اإلمام في صالة التراويح على وجه الخصوص‬
      ‫أيضاً (( من قام مع اإلمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ))(8)[8] من قام مع اإلمام حتى‬
      ‫ينصرف أي ينتهي من صالته كتب له قيام ليلة كأنما قام تلك الليلة كلها في الفضل واألجر‬
‫والثواب , ولقد صلى سيدنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم صالة التراويح بأصحابه ولكنه لم يزد‬
  ‫علي إحدى عشر ركعة وصالها الصحابة بعده في عهد الصديق إحدى عشرة ركعة وكذلك في‬
  ‫أول عهد الفاروق عمر ثم صلوها إحدى وعشرين وفي رواية ثالث وعشرين فدل ذلك على أن‬
                                                                                        ‫ال‬
                                                         ‫ك ً سنة وعلى أن هذا األمر فيه سعة.‬
                        ‫ً‬
   ‫و اعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أجل األعمال وأعظمها أيضا في هذا الموسم الكريم‬
‫قراءة كتاب اهلل عز وجل وتالوته آناء الليل وأطراف النهار فهذا شهر القرآن شهر رمضان الذي‬
   ‫أنزل فيه القرآن , وكان سيدنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إذا دخل هذا الشهر الكريم شمر‬
‫وأيقظ أهله وكان يلتقي فيه بأمين وحي رب العالمين جبريل يدارسه القرآن ويعرض عليه القرآن‬
                                                  ‫ا‬
 ‫, وقال صلى اهلل عليه وسلم (( من قرأ حرفً من كتاب اهلل فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ال‬
  ‫أقول ألم حرف ولكن ألف حرف والم حرف وميم حرف ))(3)[3], والقرآن كما سبق أن ذكرنا‬
  ‫يشفع لصاحبه يوم القيامة في الصحيح أن النبي صلى اهلل عليه وسلم وصف البقرة وآل عمران‬
   ‫بالزهراوين وقال (( إنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يحاجان عن صاحبهما‬
                                          ‫ا‬
‫))(05)[05] أي عن الذي يحفظهما ويقرأ بهما دائمً يأتيان يذبان عنه ويدافعان ويحاجان عنه يوم‬
 ‫القيامة , وكذلك روي عنه صلى اهلل عليه وسلم أن سورة الملك: تبارك الذي بيده الملك تذب عن‬
 ‫صاحبها في القبر من يحفظها ويقرأ بها تذب عنه وتدافع عنه عذاب القبر(55)[55]. فعليكم بهذا‬
‫الكتاب العظيم اقرؤوا كتاب اهلل عز وجل واتلوه آناء الليل وأطراف النهار فإن من أراد أن يناجي‬
   ‫ربه فليقرأ هذا القرآن العظيم فإنه كالم اهلل ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر:73-‬
                                                                                         ‫04].‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول هذا‬
                                        ‫وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمدا‬
                      ‫عبده ورسوله اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .‬
                                                 ‫ا‬
        ‫أما بعد فاعلموا أن من أجل األعمال أيضً وأعظمها وخاصة في هذا الموسم العظيم البذل‬
  ‫واإلنفاق علي األهل والعيال واألرحام والصدقة علي الفقراء والمساكين والمحتاجين فهذا الشهر‬
      ‫شهر البذل واإلنفاق والجود والكرم وكان سيدنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أكرم الناس‬
                                            ‫ا‬       ‫ء‬      ‫ال‬
 ‫وأعظمهم جوداً وكرماً وبذ ً وسخا ً وإنفاقً يعطي عطاء من ال يخشى الفقر قط وقد أعطى رجل‬
     ‫من أصحابه ما بين جبلين من الماشية(75)[5] وكان صلى اهلل عليه وسلم إذا جاء هذا الشهر‬
                                                   ‫ا‬
   ‫الكريم يكون أعظم ما يكون جوداً وكرمً يصير مثل الريح المرسلة كما قال عبد اهلل بن عباس‬
   ‫رضى اهلل عنهما(35)[7] , والصدقة من أعظم أبواب البر قال سيدنا رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
    ‫وسلم (( والصدقة برهان ))(45)[3] أي دليل على صدق إيمان العبد ألنه بذلك يكون قد تغلب‬
        ‫علي الطبيعة المغروسة في اإلنسان وهي الشح: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون‬
   ‫[الحشر:3], وقد أمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم باإلكثار من الصدقة فقال: (( أيها الناس‬
 ‫تصدقوا )) وقال: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة )) وأمر النساء على وجه الخصوص باإلكثار من‬
                   ‫الصدقة فقال صلى اهلل عليه وسلم: (( تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار )).‬
   ‫واعلموا أيضاً أن من أعظم األعمال صدقة السر الصدقة التي تنفقها بيمينك فال تعلم شمالك ما‬
     ‫أنفقت يمينك مبالغة في السر بحيث تكون أبعد عن الرياء والسمعة هذه الصدقة تطفئ غضب‬
    ‫الرب كما أخبر بذلك المصطفى صلى اهلل عليه وسلم فقال: (( صنائع المعروف تقي مصارع‬
  ‫السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر )), أما الصدقة المعلنة في‬
       ‫الجرائد وأعمال الخير التي يطبلون لها ويزمرون مع وصف صاحبها بمختلف األوصاف "‬
     ‫المحسن الكبير " " صاحب أعمال الخير " فالن وفالن هذه صدقة الرياء والسمعة تذهب هباء‬
‫منثوراً ال تنفع صاحبها عند اهلل عز وجل, ال تطفئ غضب الرب بل ربما تزيد غضبه عز وجل.‬
‫و اعلموا أيها المؤمنون الصائمون أن من أعظم األعمال وأجلها في هذا الموسم الكريم العمرة إلي‬
    ‫بيت اهلل الحرام فإنها تعدل حجة مع النبي صلى اهلل عليه وسلم ففي الصحيحين عن ابن عباس‬
     ‫رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم: (( لما رجع من حجة الوداع قال المرأة من‬
  ‫األنصار يقال لها أم سنان : ما منعك أن تحجي معنا؟ فقالت: أبو فالن تعني زوجها أبو فالن له‬
  ‫ناضحان حج على أحدهما واألخر نسقي عليه. فقال لها صلى اهلل عليه وسلم: فإذا جاء رمضان‬
     ‫فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة معي ))(15)[4]. صدق رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫اللهم إنا نسألك أن تعيننا على صيام هذا الشهر الكريم وعلى قيام هذا الشهر الكريم وعلى الطاعة‬
   ‫والعبادة فيه . أن تعيننا فيه وفي غيره على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وعلى تالوة كالمك‬
               ‫العظيم آناء الليل وأطراف النهار ونسألك أن تتقبل منا ذلك كله يا كريم يا رحيم .‬
 ‫يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان‬
 ‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل‬
 ‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [األحزاب:61].‬
    ‫وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى اهلل بها عليه عشرا))(65)[1]. اللهم‬
 ‫صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك‬
   ‫حميد مجيد وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق و‬
‫ذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات‬
‫المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك‬
                                                 ‫وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                            ‫__________‬
                                        ‫(5) صحيح البخاري (0487) صحيح مسلم (3155).‬
                                        ‫(7) صحيح البخاري (6385) صحيح مسلم (7155).‬
                                                                  ‫(3) مسند أحمد (7/425).‬
         ‫(4) صحيح البخاري (5035) صحيح البخاري (062) من أبي هريرة رضي اهلل عنه .‬
                                                                   ‫(1) صحيح مسلم (337).‬
‫(6) سنن الترمذي (1847) وقال : حديث صحيح ، سنن ابن ماجة (4335) عن عبد اهلل بن سالم‬
                                                                             ‫رضي اهلل عنه.‬
            ‫(2) صحيح البخاري (3007) صحيح مسلم (312) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬
 ‫(8) سنن الترمذي (608) وقال : حسن صحيح ، سنن النسائي (1065) سنن ابن ماجة (2735)‬
                                                                 ‫عن أبي ذر رضي اهلل عنه.‬
‫(3) سنن الترمذي (0537) وقال : حسن صحيح غريب. عن عبد اهلل بن مسعود رضي اهلل عنه.‬
                         ‫(05) 05] صحيح مسلم (408) عن أبي أمامة الباهلي رضي اهلل عنه.‬
                ‫(55) 55] سنن الترمذي (0387) عن ابن عباس ، وقال : حديث حسن غريب.‬
                                ‫(75) صحيح مسلم (7537) عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه.‬
                                      ‫(35) صحيح البخاري (7035)، صحيح مسلم (8037).‬
                            ‫(45) صحيح مسلم (377) عن أبي مالك األشعري رضي اهلل عنه.‬
                                     ‫(15) صحيح البخاري (3685) ، صحيح مسلم (6175).‬
                                    ‫(65) صحيح مسلم (804) عن أبي هريرة رضي اهلل عنه.‬

‫(5/232)‬




                                                                            ‫احفظ اهلل يحفظك‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                           ‫أحاديث مشروحة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                            ‫منصور الغامدي‬
                                                                                     ‫الطائف‬
                                                                             ‫75/05/3545‬
                                                                            ‫أبو بكر الصديق‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
                                        ‫ن‬
 ‫5- حديث ((احفظ اهلل يحفظك)) وما فيه من معا ٍ وتوجيهات 7- معنى حفظ العبد هلل 3- معنى‬
                                                         ‫حفظ اهلل للعبد ، وأنواع ذلك وصوره‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
‫فأوصيكم إخوتي الكرام ونفسي بمراقبة اهلل سبحانه في الظاهر والباطن، ومحاسبة النفس في الدنيا‬
                                                              ‫قبل الحساب األكبر يوم القيامة.‬
  ‫أخرج اإلمام أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: كنت رديف النبي فقال: ((يا‬
 ‫غالم أو يا غليم، أال أعلمك كلمات ينفعك اهلل بهن؟ قلت: بلى، فقال: احفظ اهلل يحفظك، احفظ اهلل‬
   ‫تجده تجاهك، تعرف إلى اهلل في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل اهلل، وإذا استعنت‬
‫فاستعن باهلل، واعلم أن األمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إال بشيء كتبه اهلل لك،‬
 ‫وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إال بشيء كتبه اهلل عليك، رفعت األقالم وجفت‬
                      ‫الصحف)) وفي رواية: ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا)).‬
 ‫قال ابن الجوزي: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفى من الجهل بهذا الحديث،‬
                                                                            ‫وقلة التفهم لمعناه.‬
      ‫إن في هذا الحديث من معاني التوحيد والتعلق باهلل وحده وتسليم األمور له وحده والطمأنينة‬
   ‫بقضائه وقدره، ما يشعر المسلم معه بطمأنينة النفس وسكون الروح، وسمو المشاعر وانضباط‬
                                                                                     ‫الجوارح.‬
                                                     ‫ل‬
         ‫لقد علم النبي ابن عباس ذلك الغالم الفذ عّمه تلك الوصايا العظيمة الجامعة لسعادة الدنيا‬
     ‫واآلخرة، وفيه درس عظيم لنا في أن نعلم أبناءنا ونساءنا ما ينفعهم في الدنيا واآلخرة، وبث‬
         ‫النصح والتوجيه المستمر، وفي الوقت المناسب، لتكون مصابيح في طريقهم إلى الخير.‬
   ‫أما قول النبي : ((احفظ اهلل يحفظك))، في هذا يعني حفظ حدود اهلل بال تجاوز، وحفظ حقوقه،‬
  ‫وأوامره ونواهيه، وذلك باتباع أوامر اهلل سبحانه وتعالى واجتناب نواهيه، جاء في األثر: إن اهلل‬
                                                     ‫حر‬
             ‫فرض فرائض فال تضيعوها، وحرم ُ ُمات فال تنتهكوها، وحد حدودا فال تعتدوها.‬
‫وقد أثنى اهلل على من حفظ حدود اهلل قال تعالى: والحافظون لحدود اهلل [التوبة 755] وقال تعالى:‬
‫هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب [سورة ق 73-33]،‬
‫ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس، قال : ((من حافظ عليهن كن له نورا‬
                                                                  ‫وبرهانا ونجاة يوم القيامة)).‬
                                     ‫ومما أمر اهلل بحفظه الرأس وما وعى، والبطن وما حوى.‬
‫وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن اإلصرار على محرم، ويدخل فيه حفظ البطن من‬
 ‫إدخال الحرام إليه من المأكوالت والمشروبات وما يجب حفظه من المنهيات حفظ اللسان والفرج‬
                                 ‫قال : ((من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة)).‬
‫كما يشمل ما أمر اهلل به أن يحفظ العبد سمعه عن الحرام، وأن يحفظ بصره فال ينظر إلى الحرام،‬
  ‫فمن أدى ما أمر اهلل به حينئذ فليستبشر بحفظ اهلل له فإن الجزاء من جنس العمل كما قال تعالى:‬
 ‫وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [البقرة 04]. وكما قال تعالى: اذكروني أذكركم [البقرة 715]، وحفظ‬
                                                               ‫اهلل تعالى لعبده يتضمن نوعين:‬
  ‫أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، وكذلك كان يدعو بهذه‬
  ‫الدعوات حين يمسي وحين يصبح يقول: ((اللهم إني أسألك العافية في الدنيا واآلخرة، اللهم إني‬
‫أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي،‬
      ‫واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من‬
                                                                                      ‫تحتي)).‬
       ‫وقال علي : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه .‬
     ‫وحفظ اهلل وجده إبراهيم عليه السالم في النار، ووجده يوسف عليه السالم في الجب، ووجده‬
      ‫ي‬
 ‫يونس عليه السالم في بطن الحوت في ظلمات ثالث، كما وجده موسى عليه السالم في ال َم وهو‬
     ‫طفل مجرد من قوة ومن كل حراسة، كما وجده في قصر فرعون وهو عدو له متربص له.‬
   ‫ومن حفظ اهلل للعبد أن يحفظه في بدنه وقوته وعقله وماله، وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز‬
‫المائة وهو ممتع بعقله وقوته فوثب يوما من سفينة كان فيها إلى األرض وثبة شديدة، فعوتب على‬
                     ‫ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها اهلل علينا في الكبر .‬
  ‫وعكس هذا أن الجنيد رأى شيخا يسأل الناس فقال: إن هذا ضيع اهلل في صغره، فضيعه اهلل في‬
                                                                                      ‫كبره.‬
    ‫ا‬
    ‫وقد يحفظ اهلل العبد بصالحه في ولده وولد ولده كما قيل في قوله تعالى: وكان أبوهما صالحً‬
   ‫[الكهف 78] إنما حفظا بصالح أبيهما، وقال سعيد بن المسيب البنه: إني ألزيد في صالتي من‬
                                                                  ‫أجلك رجاء أن أحفظ فيك.‬
 ‫ومن أنواع حفظ اهلل لمن حفظه في دنياه أن يحفظه من شر كل من يريده بأذى من الجن واإلنس‬
      ‫كما قال تعالى: ومن يتق اهلل يجعل له مخرجاً [الطالق 7]. وقال الربيع بن خثيم : يجعل له‬
  ‫مخرجا من كل ما ضاق على الناس، وكتبت عائشة رضي اهلل عنها إلى معاوية : إن اتقيت اهلل‬
                                     ‫كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من اهلل شيئا.‬
    ‫ومن عجيب حفظ اهلل تعالى لمن حفظه أن يجعل حتى الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من‬
      ‫األذى، ساعية في مصالحه كما جرى لسفينة مولى النبي حيث كسر به المركب وخرج إلى‬
  ‫جزيرة فرأى السبع، فقال: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول اهلل ، فجعل يمشي حوله ويدله‬
                      ‫على الطريق حتى أوقفه عليه، ثم جعل يهمهم كأنه يودعه وانصرف عنه.‬
        ‫اللهم اجعلنا حافظين لحدودك، مؤتمرين بأمرك، منتهين عما نهيت عنه يا رب العالمين .‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل وكفى، والصالة والسالم على عباده الذين اصطفى، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما‬
                                                                                     ‫كثيرا.‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
   ‫فمن ضيع اهلل ضيعه اهلل بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر ممن كان يرجو أن ينفعه، ويصبح‬
‫أخص أهله به وأرفقهم به يؤذيه فتجد المال يؤذيه، والولد يؤذيه، وكذا المقربين من أصحابه. كما‬
‫قال بعضهم: إني ألعصي اهلل فأعرف ذلك في خلق خادمي وحماري، يعني أن خادمه يسوء خلقه‬
                                  ‫عليه وال يطيعه، وحماره يستعصي عليه فال يواتيه لركوبه .‬
  ‫والنوع الثاني من الحفظ وهو أشرفها وأفضلها: حفظ اهلل تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه‬
‫وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند‬
‫موته، فيتوفاه على اإلسالم فأي نعمة أعظم من هذه، وأي سعادة أعظم من هذه السعادة، في الوقت‬
     ‫الذي يتهاوى فيه كثير من الناس في الشهوات والشبهات، وقد ثبت في الصحيحين من حديث‬
       ‫البراء بن عازب أن النبي علم أن يقول عند منامه: ((اللهم إن قبضت نفسي فارحمها، وإن‬
                                               ‫أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)).‬
  ‫وكان النبي إذا ودع من يريد السفر يقول له: ((أستودع اهلل دينك وأمانتك وخواتيم عملك)) وفي‬
                                           ‫رواية وكان يقول: ((إن اهلل إذا استودع شيئا حفظه)).‬
 ‫ومن حفظ اهلل للعبد أن يحول بينه وبين الوقوع في المعصية كما حفظ يوسف عليه السالم: كذلك‬
    ‫لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف 47] وسمع عمر رجال يقول:‬
                                                   ‫ح‬
   ‫اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، ف ُل بيني وبين معاصيك، فأعجب عمر ودعا له بخير. وقال‬
            ‫الحسن عندما ذكر أهل المعاصي قال: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.‬
   ‫ومن أنواع حفظ اهلل لعبده في دينه أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدنيا من الواليات أو‬
‫التجارات أو غير ذلك، فيحول اهلل بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو ال يشعر‬
                                                                               ‫مع كراهيته لذلك.‬
                                                                   ‫م‬
      ‫قال ابن مسعود : إن العبد ليه ّ باألمر من التجارة أو اإلمارة فينظر اهلل إليه فيقول للمالئكة:‬
‫اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه اهلل عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فالن،‬
                                                    ‫دهاني فالن، وما هو إال فضل اهلل عز وجل.‬
  ‫وفي الجملة فمن أراد أن يتولى اهلل حفظه ورعايته في أموره كلها فليراع حقوق اهلل عليه، ومن‬
      ‫أراد أال يصيبه شيء مما يكره فال يأتي شيئا مما يكرهه اهلل، وكان بعض السلف يدور على‬
                                          ‫المجالس ويقول: من أحب أن تدوم له العافية فليتق اهلل.‬
    ‫وكان بعض الناس يطلب من العمري الزاهد الوصية له فيقول له: كما تحب أن يكون اهلل لك،‬
                                                                          ‫فهكذا كن هلل عز وجل.‬
             ‫وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : ال يرجون عبد إال ربه وال يخافن إال ذنبه.‬
                 ‫وقال مسروق: من راقب اهلل في خطرات قلبه عصمه اهلل في حركات جوارحه.‬
  ‫فتأمل في حفظ اهلل لعباده الصالحين، قد حفظهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم، ثم هو يحفظهم في‬
‫أعظم ما يحملون في دينهم، بل ويحفظهم من كل سوء لم يقدره عليهم، فهنيئا ألولئك الذين صبروا‬
  ‫على طاعة ربهم، وهنيئا لمن راقب اهلل في جوارحه ولسانه وأعمال قلبه، قد نالوا حفظ اهلل لهم،‬
                   ‫ومن يحفظه اهلل فال يمكن ألي قوة في األرض أن تخترق هذا الحجاب المنيع.‬
   ‫أما الذين ضيعوا أمر اهلل فوا أسفى على حياة ما تلذذوا بها، وعلى أيام حيل فيها بينهم وبين ما‬
                                                    ‫يشتهون، فانقلبت لذتهم حزنا وصفوهم كدرا.‬

‫(5/832)‬
                                                                              ‫وداع رمضان‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                    ‫الصوم, فضائل األعمال‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                             ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                             ‫المدينة المنورة‬
                                                                              ‫1/05/5545‬
                                                                                        ‫قباء‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
      ‫درس من وداع رمضان – دوام انفتاح أبواب الخير – أنواع من نوافل الصيام – القيام بعد‬
                                                            ‫رمضان – أهمية السنن الرواتب‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫أما بعد قال اهلل تعالى قل بفضل اهلل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس:81].‬
 ‫إن من أعظم نعم اهلل تعالى على عباده المؤمنين توفيقهم للطاعات وفعل الخيرات من صيام وقيام‬
     ‫وقراءة للقرآن وصدقة وغير ذلك ومن أعظم هذه النعم أن يبلغهم شهر رمضان ذلك الموسم‬
‫العظيم الحافل بالبركات والهدى والنور والفرقان, ذلك الموسم العظيم الذى تفتح فيه أبواب الجنان‬
     ‫وتغلق فيه أبواب النيران, وهلل فيه عتقاء من النيران نسأل اهلل أن يجعلنا منهم. كان أصحاب‬
    ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يسألون اهلل تعالى ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان, فإذا ما‬
               ‫بلغوه وصاموه وأحيوا ليله حتى أتموه سألوا اهلل تعالى ستة أشهر أن يتقبله منهم.‬
‫نسأل اهلل الكريم رب العرش العظيم أن يتقبل منا أجمعين ويتوب علينا أجمعين وأن يبلغنا رمضان‬
                                  ‫سنوات كثيرة عديدة عامرة بطاعته سبحانه مزدهرة بعبادته.‬
    ‫أيها المؤمنون: هذا هو رمضان ولى وانصرم كأنما هو طيف عابر مر ولم نشعر فيه بمضي‬
                                                                             ‫بكر‬
      ‫الزمان وال ِّ الليالى واأليام. هكذا العمر يمر بنا ونحن ال نشعر, يكون بعضنا غارقاً في‬
    ‫شهواته حتى يغزو الشيب مفرقيه نظير أجل محتوم قد يحل بساحته, قد يحل األجل والغافل لم‬
 ‫يستقر بعد للرحيل, فإذا حانت ساعة الميعاد, فالت حين مناص, يحمل الغافل على األعواد ويدس‬
   ‫بين اإللحاد والذنب كثير والعمل قليل وحينئذ ال ينفعه أي عض على أصبع الندم وال أن يهتف‬
 ‫وينادي يا ليتنى أرد فأعمل غير الذى كنت أعمل, فالعمر فرصة ال تمنح لإلنسان إال مرة واحدة,‬
                                           ‫فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت فهيهات أن تعود.‬
 ‫فاغتنم أيها المؤمن هذه الفرصة قبل أن تموت, فإن أبواب الخير مفتحه أمامك في رمضان وغير‬
         ‫رمضان, أبواب الخير والطاعات والعباده مفتحه أمامك في رمضان وفي غير رمضان.‬
  ‫فالصيام مثالً ليس قاصرا على شهر رمضان, فقد سن لنا سيدنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
    ‫صيام ست أيام من شوال فقال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر‬
    ‫كله))(5)[5] وسن لنا أيضا صيام ثالثة أيام من كل شهر: ((ثالث من كل شهر ورمضان إلى‬
                                           ‫رمضان فهذا صيام الدهر كله))(7)[7] رواه مسلم.‬
   ‫واألفضل أن يصوم األيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر‬
 ‫لحديث أبى ذر الغفاري رضي اهلل عنه عن أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال له: ((يا أبا ذر إذا‬
   ‫صمت ثالثة من كل شهر فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر))(3)[3] رواه أحمد‬
                                                                                 ‫والنسائي.‬
  ‫وسن لنا أيضا صيام يوم عرفة وأخبرنا بأنه يكفر السنة الماضية والباقية, وصيام يوم عاشوراء‬
   ‫وأخبرنا أنه يكفر السنة الماضية, وسن لنا صيام اإلثنين من كل أسبوع وقال إنه يوم ولدت فيه‬
                                                                           ‫وفيه أنزل علي.‬
       ‫وعن أبى هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم سئل عن أفضل الصيام بعد‬
  ‫رمضان فقال: ((أفضل صيام بعد رمضان صيام شهر اهلل المحرم))(4)[4] وفي الصحيحين عن‬
               ‫أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها أن النبي كان يتحرى صيام اإلثنين والخميس.‬
‫وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال: ((تعرض األعمال يوم اإلثنين‬
                                       ‫والخميس وأحب أن يعرض عملى وأنا صائم))(1)[1].‬
                  ‫ً‬
 ‫وعن أم المؤمنين عائشة رضى اهلل عنها قالت: ((ما أكمل رسول اهلل شهرا قط إال شهر رمضان‬
                                                                     ‫ا‬
‫وما رأيته أكثرصيامً منه في شعبان))(6)[6] فالحمد اهلل رب العالمين ذلك الصيام, وهو من أعظم‬
‫العبادات, أبوابه مفتحه مشروعة في كل الشهور طوال السنة, فاغتنم الفرصه أيها المؤمن, فإن من‬
     ‫صفات المؤمنين والمؤمنات أنهم صوامون قوامون قليال من الليل ما يهجعون وباألسحار هم‬
  ‫يستغفرون [الذاريات:25]. فصلتهم بربهم عز وجل الذى يحبهم ويحبونه, صلتهم ال تنقطع أبدا,‬
     ‫فهم دائما وفي كل حين يذكرونه سبحانه وتعالى ويناجونه أما ذلك الذي اليعرف ربه إال في‬
       ‫رمضان, فإذا ما خرج من رمضان, أعرض عن ربه ونسي ذكره, ذلك في حبه لربه شك‬
                ‫وارتياب, هذا ليس من شأن المحب أنه ال يذكر حبيبه إال شهرا واحدا في السنة.‬
      ‫فاتقوا اهلل أيها المؤمنون واعمروا أيامكم وشهوركم عمركم كله بذكر اهلل عز وجل ومناجاته‬
                                                                                  ‫وعبادته.‬
    ‫اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب رسولك وحب من يحب رسولك وحب عمل يقربنا‬
                                                                                         ‫إليك.‬
                 ‫اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ونعوذ بك من سخطك والنار.‬
   ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول هذا‬
                                        ‫وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمدا‬
 ‫عبده ورسوله، أما بعد فإن من بركات شهر رمضان قيام الليل ولكنه أيضا ليس خاصا برمضان,‬
  ‫فربنا عز وجل كما أخبرنا النبي ينزل في كل ليلة من ليالى السنة إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث‬
 ‫الليل اآلخر فيقول: ((هل من تائب فأتوب عليه, هل من مستغفر فأغفر له, هل من سائل فأعطيه‬
                ‫سؤله))(2)[5] ولذلك سن لنا النبي القيام والصالة في هذا الوقت الجليل المبارك.‬
‫وصالة الليل مثنى مثنى أي ركعتين ركعتين, يصلي المؤمن ما تيسر له, وبما تيسر له من القرآن‬
                                  ‫حتى إذا خشي أن يدركه الصبح صلى واحدة توتر له صالته.‬
   ‫لقد حثنا ربنا على التقرب إليه بهذه النافلة وبمثلها من النوافل صيام أو صالة أو صدقة أو غير‬
 ‫ذلك. فقال تعالى في الحديث القدسي: ((ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه))‬
‫أداء الفرائض أوال ثم قال: ((ومازال يتقرب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه)) الزال المؤمن يتزلف‬
   ‫إلى ربه بما تيسر له من نوافل من صيام وصالة وصدقة وقراءة للقرآن وغير ذلك حتى يحوز‬
 ‫على تلك الدرجة العظيمة أن يحبه اهلل عز وجل وهذه الدرجة معناها وميزتها النور, إن من أحبه‬
   ‫اهلل يمتأل نورا كما امتأل قلبه بنور اإليمان, فإن النور يفيض على جوارحه كلها: (( فإذا أحببته‬
‫كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى عليها,‬
                                         ‫ولئن سألنى ألعطينه, ولئن استعاذنى ألعيذنه))(8)[7].‬
   ‫وحثنا سيدنا رسول اهلل على صالة الليل على وجه الخصوص فقال: ((أيها الناس أفشوا السالم‬
   ‫وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسالم))(3)[3] ولكن من لم يقدر على صالة‬
‫الليل وقيامه فعليه أن يحافظ على هذه السنن الرواتب التابعة للفرائض وهي اثنتا عشرة ركعة, قبل‬
      ‫الظهر أربع وبعده ركعتان, وبعد المغرب ركعتان, وبعد العشاء ركعتان, وقبل صالة الفجر‬
     ‫ركعتان, قال الرسول : ((ما من مسلم يصلي هلل تعالى كل يوم اثنتا عشرة ركعة تطوعا غير‬
                                               ‫الفريضة إال بنى اهلل له بيتا في الجنة))(05)[4].‬
  ‫واعلموا أيها المؤمنون أن أداء النوافل, أداؤها في البيوت أفضل من المسجد وذلك ألنه بالصالة‬
‫وقراءة القرآن تعمر البيوت وتزدهر وتفر منها الشياطين وأما بدون ذلك فإن البيوت تظلم وتصبح‬
                                                                     ‫قبورا وتمتلئ بالشياطين.‬
 ‫قال صلى اهلل عليه وسلم: ((ال تجعلوا بيوتكم قبورا, صلوا في بيوتكم))(55)[1]، وقال: ((صالة‬
                       ‫المرء في بيته أفضل من صالته في مسجدي هذا إال المكتوبة))(75)[6].‬
               ‫فاتقوا اهلل أيها المؤمنون واغتنموا العمر, اعمروا أيامكم وعمركم كله بطاعة اهلل.‬
  ‫أما بعد: فإن خير الكالم كالم اهلل وخير الهدي هديه صلى اهلل عليه وسلم وشر األمور محدثاتها‬
                                    ‫وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضاللة وكل ضاللة في النار.‬
      ‫وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد اهلل على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن‬
        ‫الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم أجمعين.‬
‫يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مالقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان‬
‫ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم اهلل بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل:‬
‫إن اهلل ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [األحزاب:61].‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى اهلل بها عليه عشرا))(35)[2] اللهم صل‬
 ‫وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد‬
     ‫مجيد وارض اللهم عن األربعة الخلفاء األئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي‬
   ‫النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات‬
‫المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك‬
                                                 ‫وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.‬


                                                                             ‫__________‬
                                                           ‫(5) مسلم: كتاب الصيام (4655).‬
                                                           ‫(7) مسلم: كتاب الصيام (7655).‬
                                                         ‫(3) الترمذي: كتاب الصيام (562).‬
                                                           ‫(4) مسلم: كتاب الصيام (3655).‬
                                                           ‫(1) النسائي: في الصيام (8137).‬
                                              ‫(6) أخرجه النسائي بنحوه في الصيام (4137).‬
                                                              ‫(2) البخاري: التهجد (4305).‬
                                                              ‫(8) البخاري: الرقاق (6356).‬
                                                 ‫(3) ابن ماجة: أبواب إقامة الصالة (4335).‬
                                            ‫(05) رواه مسلم: كتاب صالة المسافرين (305).‬
                                                               ‫(55) أخرجه أحمد (7/263).‬
                                                                 ‫(75) أخرجه أبو داود في الصالة (4405).‬
                                                                                      ‫(35) صحيح مسلم (804).‬

‫(5/332)‬




                                                                                             ‫تتمة احفظ اهلل يحفظك‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                           ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                              ‫أحاديث مشروحة, مكارم األخالق‬
                                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                                    ‫منصور الغامدي‬
                                                                                                               ‫الطائف‬
                                                                                                      ‫47/05/3545‬
                                                                                                    ‫أبو بكر الصديق‬
                                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
      ‫ق‬
    ‫- عاقبة الصبر والصابرين , والتحذير من السخط على قضاء اهلل – أنواع الصبر الذي يع ُبه‬
        ‫ر‬
       ‫النصر : 5- صبر على جهاد العدو 7- صبر على جهاد النفس والهوى – استشعار الف َج‬
                                                                                  ‫وزوال الكروب , ونماذج لذلك‬
                                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                               ‫أما بعد:‬
 ‫فإن المسلم في حاجة إلى زاد عظيم في هذه الدنيا، يواجه به ما يلم به من مشكالت الحياة وجهل‬
       ‫الناس وأذى السفهاء، بل وأعظم من ذلك االنتصار، يجب أن يكون شامخا متمنطقا بالصبر‬
                                                                                                          ‫واالحتساب.‬
   ‫وأنى لي ولك ـ أخي الكريم ـ من الزاد إال ما علمناه قدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد اهلل ، الذي‬
       ‫أوصى ابن عباس ـ رضي اهلل عنهما ـ بقوله: ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا‬
‫كثيرا))(5)[5] فالصبر واجب وهو حتم البد منه، وفيه خير كثير، وقد أمر اهلل بالصبر ووعد عليه‬
   ‫تم‬        ‫أ ئ ع ه‬              ‫ج‬          ‫َّذ ِذ ص ب ه مص ب ٌ ل ِن ِله وِن إ‬
  ‫بجزيل األجر: ال ِينَ إ َا أَ َا َتْ ُم ُّ ِي َة قَاُواْ إ َّا لَّ ِ َإ َّا ِلَيْهِ را ِعونَ ُولَ ِكَ َلَيْ ِمْ صال ٌ ّن‬
                                                                            ‫ر ِ َر مة وأ ك ُم م َد ن‬
                                                                           ‫َّبْهمْ و َحْ َ ٌ َُولَئِ َ ه ُ الْ ُهْت ُو َ.‬
                     ‫بُ‬            ‫وب ّ م بت َّذ ِذ ذك الله ج ْ قل ب ُ َالص ِر عل‬
   ‫َ َشرِ الْ ُخْ ِ ِينَ ال ِينَ إ َا ُ ِرَ َّ ُ وَ ِلَت ُُو ُهمْ و َّاب ِينَ ََى مَا أَصَا َهمْ، وعلى المسلم أن‬
‫يرضى بكل قضاء قدره اهلل ـ عز وجل ـ، فإن الصبر على المكروه يوجب كف النفس واللسان‬
 ‫وحجبها عن التسخط مع وجود األلم على المكروه، أما الرضى، فيوجب انشراح القلب من روح‬
       ‫اليقين والمعرفة، وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة األولى كما صح ذلك عن النبي ،‬
‫فالرضى إنما يكون عند نزول البالء كما كان النبي يقول في دعائه: وأسألك الرضى بعد القضاء،‬
  ‫ألن المسلم قد يعزم في قرارة نفسه على الرضى بالقضاء، انفسخت تلك العزيمة، والصبر على‬
 ‫البالء واجب البد منه، وإنما ينال بقليل من التجلد والتحمل كما قال : ((ومن يتصبر يصبره اهلل،‬
                                                 ‫وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر))(7)[7].‬
    ‫ِنه م َت وي ِ‬
  ‫وإن الصبر في ذات اهلل وعلى كل مكروه عاقبته خير، كما حصل ليوسف: إ َّ ُ َن ي َّقِ َ ِصْبرْ‬
                                                                              ‫يض ع ْ م سن ن‬                     ‫ِن الل‬
                                                                             ‫فَإ َّ َّهَ الَ ُ ِي ُ أَجرَ الْ ُحْ ِ ِي َ.‬
     ‫مع إخوانه حينا أعلى اهلل شأنه وأحسن له العاقبة قال: قال عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر‬
      ‫وعبارات السلف في فضل الصبر كثيره بالصبر، وقال علي بن أبي طالب : إن الصبر من‬
  ‫اإليمان بمنزلة الرأس من الجسد، وال إيمان لمن ال صبر له، وصبر المسلم على الضر هو من‬
             ‫توفيق اهلل، قال الحسن : الصبر كنز من كنوز الجنة ال يعطيه اهلل إال لمن تكرم عليه.‬
  ‫وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد وهبه اهلل صبرا على األذى، وصبرا على البالء، وصبرا على‬
             ‫المصائب، إال وقد أوتي فضال ما أويته أحد بعد أحد بعد اإليمان باهلل ـ عز وجل ـ.‬
‫ولقد كان الصبر جلبابا يرتدونه عند نزول الباليا وشعارا عند حلول المصاب، قال بعض السلف:‬
 ‫إني ألصاب بالمصيبة فأحمد اهلل إذ رزقني الصبر عليها، إذا لم تكن أعظم مما هم وأحمد اهلل إذ‬
          ‫رزقني الصبر عليها، وأحمد اهلل إذ وفقني لالسترجاع، وأحمد اهلل إذ لم يجعلها في ديني.‬
                                                                ‫الوصية التالية: واعلم أن النصر مع الصبر.‬
                                                                           ‫والصبر الذي يعقبه النصر نوعان:‬
   ‫َي َّذ ن من ِذ ق ُ ف ً بت و ُر الل‬
 ‫صبر على لقاء العدو نظاهر كما قال تعالى: يَاأ ُّهَا ال ِي َ ءا َ ُواْ إ َا لَ ِيتمْ ِئَة فَاثْ ُ ُواْ َاذْك ُواْ َّهَ‬
  ‫ب ْ ف ة ر ِ الله َالله مع‬                            ‫ك م ف ٍ ل‬                          ‫ل َلك ت ح ن‬
  ‫كَثِيراً َّعَّ ُمْ ُفْلِ ُو َ. وكقوله ـ سبحانه ـ: َم ّن ِئَة قَِيلَةٍ غَلَ َت ِئَ ٍ كَثِي َةً بِإذْنِ َّ ِ و َّ ُ َ َ‬
                                                                                                            ‫الص ِر ن‬
                                                                                                           ‫َّاب ِي َ.‬
              ‫مقد‬
    ‫والنوع اآلخر: صبر على جهاد النفس والهوى، فجهادهما والصبر على ذلك َّم على جهاد‬
‫الكفار، قال عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما لما سئل عن الجهاد : ابدأ بنفسك التي بين جنبيك،‬
    ‫فكم مرة دعتك إلى المعصية، وكم مرة نازعتك إلى تغيير طبيعتك الخيرة، وكم مرة استجبت‬
‫لهواتف النفس والهوى التي تدعوك إلى النوم عن صالة الفجر وصالة العصر، وكم مرة زين لك‬
 ‫أكل الحرام وسرقة األموال، وفي كم موطن أعطتك نفسك فتوى جاهزة ومبررات مقبولة عندك‬
‫لتفعل ما ال يحل لك فعله، وتترك ما يجب عليك من معاقرة الخمر مثال والوقوع في الفاحشة ولذا‬
   ‫كانت وصية أبي بكر الصديق لعمر الفاروق حين استخلفه : إن أول ما أحذرك نفسك التي بين‬
  ‫جنبيك، وهذا من فقهه فإن من صبر على مجاهدة نفسه وهواها وشيطانه، انتصر عليهم، وعاش‬
‫عزيز النفس، يوجه نفسه، ال توجهه نفسه، ومن لم يصبر عاش أسيرا ذليال. والنفس بمنزلة الدابة‬
‫إن عرفت منك الجد جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.‬


                                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى اهلل وسلم وبارك على المبعوث‬
                                              ‫رحمة للعالمين، ودليال للسالكين، وحجة على الخلق أجمعين.‬
                                                                                                                   ‫أما بعد:‬
                                                                                        ‫أ‬
                                                                       ‫فالوصية الثالثة هي َن الفرج مع الكرب.‬
    ‫وهذه الوصية تمحو وتحجب اليأس، وتدعو إلى استشراف المستقبل بثقة واطمئنان، مذكرا أن‬
                                                                  ‫الليل كلما اشتد سواده كان مؤذنا بفجر جديد.‬
                                             ‫فاشدد يديك بحبل اهلل معتصما …فإنه الركن إن خانتك أركان‬
      ‫ولقد حصل للناس في عهد النبي كرب وضيق احتبس عنهم المطر، وجهد الناس، فسألوه أن‬
 ‫يستسقي ربه، فرفع النبي يديه فاستقى لهم فنشأ السحاب ومطروا إلى الجمعة األخرى حتى قاموا‬
        ‫ِذ ص ب ب م ي م عب د ِذ ُ‬
      ‫إليه وسألوه أن يستصحي لهم ففعل فأقلعت السماء: فَإ َا أَ َا َ ِهِ َن َشَاء ِنْ ِ َا ِهِ إ َا همْ‬
  ‫َسْتَبْ ِ ُو َ َِن كَا ُواْ ِن قَبلِ َن ُن َّلَ َلَيْ ِمْ ّن قَبِْهِ لَ ُبِْ ِين فَان ُرْ ِلَى ءا َارِ َحْ َةِ َّهِ َي َ‬
  ‫ث ر م الل ك ْف‬               ‫ي شر ن وإ ن م ْ أ ي َز ع ه م ل م لس َ ظ إ‬
                                               ‫ت‬                             ‫ْض ب ْ ت‬               ‫ي‬
                       ‫ُحْىِ األر َ َعدَ مَوْ ِهَا، وكثيرة تلك الوقائع التي ُظهر الفرج مقترنا بالكرب.‬
                                                  ‫عسى الكرب الذي أمسيت فيه …يكون وراءه فرج قريب‬
                                                    ‫عسى فرجا يأتي به اهلل إنه …له كل يوم في خليقته أمر‬
    ‫فهذا إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه الصالة والسالم ـ رأى في المنام أنه يذبح ابنه فلذة كبده،‬
                       ‫ش‬
‫يذبحه بيديه وهو سوف يرى ابنه بعد قليل يتشحط في دمه، إنها لحظات ِداد فجاء الفرج من اهلل:‬
                                                                                                    ‫م‬           ‫َ َد ه ِذ‬
                                                                                                   ‫وف َيْنَا ُ ب ِبْحٍ عَظِي ٍ.‬
‫وقصة عائشة بنت الصديق ـ رضي اهلل عنهما ـ عندما اتهمها المنافقون في حادثة اإلفك، ولبثت‬
      ‫ِن َّذ ج‬                                                              ‫م‬
  ‫شهرا، تعيش ه ّ هذه القرية اآلثمة، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات: إ َّ ال ِينَ َاءوا‬
     ‫بِاإلفْكِ ُصْ َ ٌ ّنْكمْ الَ تَحْ َ ُو ُ ش ّاً َّكمْ بلْ ُ َ خَيْ ٌ َّكمْ ِك ّ امْرِىء ّنْ ُمْ َّا اكْتَ َ َ ِنَ اإلث ِ‬
     ‫ْم‬       ‫م ه م سب م‬                      ‫سب ه َر ل ُ َ هو ر ل ُ ل ُل‬                             ‫ع بة م ُ‬
                                                          ‫َل ك ْره م ُ ه َ ب ع م‬                     ‫و َّ‬
                          ‫َالذِى تَوَّى ِب َ ُ ِنْهمْ لَ ُ عذَا ٌ َظِي ٌ والقصص في هذا المعنى كثيرة جدا.‬
   ‫الوصية الرابعة: ((إن مع العسر يسرا)) وهذه الوصية تأكيد للوصية السابعة قال ـ تعالى ـ:‬
                                                              ‫سي َل الله ب ْ ع ْر ي ا‬
   ‫َ َجْع ُ َّ ُ َعدَ ُس ٍ ُسْرً. وإن اهلل ال يجمع على عبده عسرين، فهي بشرى للمسلم أن تيسير‬
                                                                                               ‫أمره يكون بعد العسر.‬
   ‫وال شك أن غاية ما يرجوه إنسان هو اليسر، وإنها لنعمة عظيمة أن يرى المسلم أموره ميسرة‬
‫بعد العسر الذي ألم به، وقد جاء في األثر: لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل‬
 ‫عليه فيخرجه، ومتى وقع المسلم في العسر، فإنه ال بد له من الدعاء والتضرع وهذا في حد ذاته‬
                                                                               ‫نعمة عظيمة.‬
    ‫إن هذه الوصايا يا عباد اهلل التي أوصى بها نبي األمة ابن عباس، إنها درية األلفاظ، عسجدية‬
  ‫المعاني، مشرقة المعاني محكمة األلفاظ، قد تجافت عن مضاجع القلب، إنها تعيش في المشاعر،‬
       ‫وتتحرك في الجوارح، وهي زاد عظيم، وعلم جليل، يا غالم إني أعلمك كلمات: احفظ اهلل‬
 ‫يحفظك، احفظ اهلل تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اهلل وإذا استعنت فاستعن باهلل واعلم أن األمة لو‬
 ‫اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إال بشيء كتبه اهلل لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك‬
 ‫بشيء لم يضروك إلى بشيء كتبه اهلل عليك، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن‬
                                ‫النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.‬
                                       ‫اللهم ارزقنا العمل بوصية نبيك صلى اهلل عليه وسلم...‬
                                                                            ‫__________‬
‫(5) صحيح ، أخرجه أحمد (5/203) ، وانظر سنن الترمذي : كتاب صفة القيامة – تابع باب ما‬
                                                       ‫جاء في صفة أواني الحوض (0087).‬
    ‫(7) أخرجه البخاري : كتاب الزكاة – باب االستعفاف عن المسألة (3645) ، ومسلم : كتاب‬
                                                ‫الزكاة – باب فضل التعفف والصبر (3105).‬

‫(5/042)‬




                                                                                      ‫السحر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫التوحيد‬
                                                             ‫الشرك ووسائله, نواقض اإلسالم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                            ‫منصور الغامدي‬
                                                                                     ‫الطائف‬
                                                                               ‫37/8/3545‬
                                                                            ‫أبو بكر الصديق‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
     ‫ر‬        ‫ه‬
 ‫خطورة السحر وحقيقته – معنى السحر وصوره – حكم الساحر – التحذير من الك َنة والع ّافين‬
                                         ‫ت‬
       ‫وحكم من يأتيهم لمرض أو نحوه – ماذا يفعل من اب ُلي بالسحر – كيفية الوقاية من السحر‬
                                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                        ‫أما بعد:‬
             ‫ال‬    ‫ال‬
            ‫فيا إخواني، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل في الظاهر والباطن وبمتابعة النبي قو ً وعم ً.‬
  ‫أيها المؤمنون، بعد أن كانت األمة موئال للتوحيد ومالذا لإليمان وقلعة من قالع العقيدة، غزت‬
  ‫بعض تلك األمم أو قل كلها تيارات الشرك، وأناخت بركابها الشعوذة، فأمطرت سحبها وأزهر‬
                                                                                                    ‫سوقها، وطال ربيعها.‬
                       ‫ب‬
‫إن السحر عالم عجيب، ظاهره جميل خالب، وباطنه قذر عفن، لقد ع ّد الشيطان السحر والسحرة‬
                                                                              ‫س‬
  ‫وأتباعه للشم َ والقمر والنجوم واألوثان، بل ترقى به الحال إلى تعبدهم لنفسه الخبيثة، لقد كان‬
                             ‫ُر‬
‫السحر وال يزال منزلقا لم يجن البشر من ورائه إال ثمرات م َّة، إنه صورة مشوهة، وأيد ملطخة‬
‫بدماء األبرياء، لقد سلب الفرحة من قلوب كثير من الناس، وأزال البسمة عن شفاههم، إنه تاريخ‬
                                                                                    ‫مظلم بظالم آثاره وضالل أتباعه.‬
     ‫لقد نعى اهلل ـ تبارك وتعالى ـ على فريق من الذين أوتوا الكتاب أنهم نبذوا كتاب اهلل وراء‬
  ‫وَم ج ُ‬
‫ظهورهم، وتركوا ما فيه، واتجهوا إلى ما يضاده، أال وهو السحر، قال ـ تعالى ـ: َل َّا َاءهمْ‬
    ‫الله َر ظه ره‬            ‫ك‬      ‫رس ل م ع الل مصدق ل مع ُ َ َ َر ق م َّذ ن أ ت ك‬
  ‫َ ُو ٌ ّنْ ِندِ َّهِ ُ َ ّ ٌ ِّمَا َ َهمْ نَبذ ف ِي ٌ ّنَ ال ِي َ ُو ُواْ الْ ِتَابَ ِتَابَ َّ ِ و َاء ُ ُو ِ ِمْ‬
   ‫ل الشي ط ن ع م س ن و َر س ن و ِن الش ط ن‬                                                   ‫ي م ن َاتبع‬               ‫َن ُ‬
   ‫كَأَّهمْ الَ َعْلَ ُو َ و َّ َ ُواْ مَا تَتُْواْ َّ َا ِي ُ َلَى ُلْكِ ُلَيْمَا َ َمَا كَف َ ُلَيْمَا ُ َلَاك َّ َّيْا ِي َ‬
  ‫كَفَ ُواْ ُ َّ ُونَ َّاسَ ال ّح َ َ َا ُنزلَ ََى الْ َلَكَيْنِ ِ َابلَ َا ُوتَ َمَا ُوتَ َمَا ُ َّمَانِ ِنْ أَ َ ٍ‬
  ‫بب ِ ه ر و ر و يعل م حد‬                                     ‫س ْر وم أ ِ عل م‬                ‫ر يعلم الن‬
        ‫ُ ي َلم م هم ي ّق به ب م َ جه وم ه‬                                                      ‫ُف ٌ‬            ‫َت ق ِن‬
       ‫ح َّى يَ ُوالَ إ َّمَا نَحْن ِتْنَة فَالَ تَكْفرْ فَ َتَعَّ ُونَ ِنْ ُ َا مَا ُفَر ُونَ ِ ِ َيْنَ الْ َرْء وزَوْ ِ ِ َ َا ُم‬
  ‫ِ َا ّي َ ِهِ ِنْ أَحدٍ إ َّ بِإذْنِ َّهِ َ َتَعَّ ُونَ َا َض ُّ ُمْ َالَ َنفَ ُهمْ َلَقدْ َِ ُواْ لَ َنِ اشْت َا ُ مَا َ ُ‬
  ‫َر ه له‬             ‫بض ر ن ب م َ ِال ِ الل وي َلم م ي ُره و ي ع ُ و َ علم م‬
                                          ‫ن يْم ن‬                   ‫ب فس ُ‬                    ‫ق وبس‬               ‫ِ م‬         ‫ف‬
                                         ‫ِى اآلخرَةِ ِنْ خَلَا ٍ َلَ ِئْ َ مَا شَرَوْاْ ِهِ أَن ُ َهمْ لَوْ كَا ُواْ َعلَ ُو َ.‬
   ‫لقد انتشر السحر في طول الدنيا وعرضها، لم يدع أمة من األمم إال كان فيها، واستخدم لتعبيد‬
     ‫الناس لغير رب العالمين، بل لقد كان أداة فاعلة في حرب الرسل والرساالت، وتهمة جاهزة‬
                                                                ‫تلصق بكل نبي يدعو إلى عبادة اهلل ونبذ الشرك.‬
   ‫وقد جاء السحر بمعان متعددة، فمن معانيه اإلزالة والخداع، وإخراج الباطل في صورة الحق،‬
      ‫ويأتي بمعنى اإلفساد، أما معناه االصطالحي فقيل فيه: عزائم ورقى وعقد، تؤثر في األبدان‬
     ‫والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن اآلخر، والذي‬
  ‫يصنع هذه األمور هو الساحر أو الساحرة، ولكي يعملوا هذه األعمال الخبيثة فإنه ال بد لهم من‬
‫طريقة معينة يسلكونها، ونظام ثابت يتبعونه ليبلغ درجة الكفر باهلل، أرجو أن ال يقشعر بدنك، فهم‬
     ‫يرتدون المصحف في أقدامهم يدخلون به الخالء، أو يكتبون آيات اهلل بالقذارة أو بدم الحيض،‬
                           ‫ويذبحون لغير اهلل، ومنهم من يأتي أمه أو ابنته، ومنهم من يسجد للكواكب.‬
  ‫إن هذه الفعال الكفرية التي يفعلها الساحر هي دليل صدقه في التعلم، وعنوان صداقته إلبليس ـ‬
                       ‫يم ُ ف ه و ي ي‬               ‫َبه م ر ً ِن ه جه َّ‬                ‫ِنه م ي‬
‫لعنه اهلل ـ: إ َّ ُ َن َأْتِ ر َّ ُ ُجْ ِما فَإ َّ لَ ُ َ َنمَ الَ َ ُوت ِي َا َالَ َحْ َى، وكلما كان الساحر أشد‬
       ‫وم ي ْر ِالل ِ َن َر م السم‬                                                           ‫ا‬
     ‫كفرً كان الشيطان أكثر طاعة وأسرع في تنفيذ أمره، َ َن ُش ِكْ ب َّه فَكَأَّمَا خ َّ ِنَ َّ َاء‬
                                                              ‫و ب ر ُ ف م ن سح‬                      ‫فه الط ر‬
                                                         ‫فَتَخْطَ ُ ُ َّيْ ُ أَوْ تَهْ ِى ِهِ ال ّيح ِى َكَا ٍ َ ِيقٍ .‬
‫لقد خرج هذا الساحر إلى حيث أراد إبليس خرج إلى حيث غضب اهلل وسخطه، وقصده الذي قال:‬
    ‫عل ه‬       ‫ُ حس‬             ‫ُر ِم الله‬         ‫َت ِ َن م عب ك ص ا م ر ا ك‬
 ‫فيما حكاه اهلل عنه: ال َّخذ َّ ِنْ ِ َادِ َ نَ ِيبً َّفْ ُوضً، َذالِكَ ي ِيه ُ َّ ُ أَعْمَالَهمْ َ َراتٍ ََيْ ِمْ،‬
 ‫وم‬
‫ومن يعمل هذه األعمال فهو كافر. وقد اتفق األئمة العلماء على ذلك واستدلوا بقول اهلل تعالى: َ َا‬
                                                             ‫ُ‬           ‫نف ة‬              ‫يعل ن م َ َت ق ِن‬
                                                          ‫ُ َّمَا ِ ِنْ أَحدٍ ح َّى يَ ُوالَ إَّمَا نَحْ ُ ِتْنَ ٌ فَالَ تَكْفرْ.‬
 ‫وحد الساحر القتل، ألنه من أهل السعي في األرض بالفساد، لتعلمه السحر، واستدعائه الناس إليه‬
                                                                     ‫وإفساده إياهم، مع ما صار إليه من الكفر.‬
     ‫ومن كان هذا حكم اهلل فيه فقد ظهر خطره، لكنه ال يظهر أمام الناس بوجهه الكالح، بل يظهر‬
       ‫على أنه رجل معالج وربما أطلق عليه (السيد) أو (الشيخ) نعم إنه شيخ ضاللة، وربما تجده‬
                      ‫ي ْد‬
        ‫يصلي بالناس أحيانا ليلبس على الناس، وربما ادعى أنه يصوم النوافل ف ُخ َع به المغفلون.‬
         ‫وبعد كل ما يصنعه فإنك تجد ـ أخي الكريم ـ أن هذه البضاعة منتشرة مشهورة في بالد‬
                                                                     ‫ا‬
‫المسلمين، وأن لها روادً وعواداً، حتى عادت شيئا ال غرابة فيه ، وال أحد ينكره إال من رحم اهلل،‬
    ‫فأنت ربما تجد الساحر في وسائل اإلعالم يجعل الحيةَ حبال، ويخرج حيوانات كثيرة من قبعته‬
 ‫وغير ذلك باسم المهارة واأللعاب العجيبة، وربما تجرى معه المقابلة ويظهر الساحر بمظهر ذلك‬
 ‫اإلنسان الذي فتح قدرات ال يملكها غيره من الناس إمعانا في التلبيس وخداع البسطاء من الناس.‬
 ‫أخي الكريم، هل أتاك نبأ أولئك النفر الذين يذهبون إلى هناك، نعم هناك حيث يطفأ نور اإليمان،‬
      ‫حيث المعصية، لقد اشتعلت قلوب بعضهم بفتيل الحسد، فسهروا الليل وكابدوا النهار، فساروا‬
                                ‫بخطوات سريعة، متناسين هواتف النفس، بأن هذا الطريق إيذاء للمسلم.‬
 ‫لقد دخل على الساحر وتحدثا بحديث الغدر والخيانة، ثم ما لبث أن سمع كلمات الطمأنينة من هذا‬
 ‫م‬         ‫َن ُ م ع ث ل ْ‬                   ‫أ ُن أ‬
 ‫الساحر المفسد بأن كل شيء سوف يسير كما يخططون: َال يَظ ُّ ُوْلَئِكَ أَّهمْ َّبْ ُو ُونَ ِيَومٍ عَظِي ٍ‬
                  ‫م ن و ي م َن الل ي َم ي ِر و ي لن ن‬                                            ‫ْم يق م الن س ِرب‬
 ‫يَو َ َ ُو ُ َّا ُ ل َ ّ الْعَالَ ِي َ، أَ َالَ َعْلَ ُونَ أ َّ َّهَ َعْل ُ مَا ُس ُّونَ َمَا ُعِْ ُو َ ثم ما هو إال وقت‬
 ‫يسير حتى يشعر ذلك المسكين المبتلى بأن نفسه ليست تلك األولى، وأن حياته قد طرأ عليها أمر‬
   ‫ما غيره مسارها إلى حيث ال يريد، قال الفضيل بن عياض: "واهلل ما يحل لك أن تؤذي كلبا أو‬
‫خنزيرا بغير حق فكيف تؤذي مسلما". كم أثرت تلك الصفقات المعقودة في جنح الظالم على حياة‬
      ‫ُر‬                                                         ‫ط ن‬
     ‫أسر، فكم من نساء قد ُلقْ َ، كم من أبرياء قد ماتوا وكم من شركاء في التجارة وغيرها ف ِّق‬
                                                               ‫بينهم، فال حول وال قوة إال باهلل.‬
                                                                              ‫أقول قولي هذا...‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل إله األولين واآلخرين، وقيوم يوم الدين، والصالة والسالم على عبده ورسوله محمد وآله‬
                                                                                       ‫وصحبه.‬
                             ‫ي‬
 ‫أما بعد، عباد اهلل، وبعض الناس يبتلى بمرض لفترة طويلة ولم ُجْد معه العالج، فيصاب باليأس‬
 ‫والقنوط، فيزين له الشيطان الذهاب إلى الساحرة أو السيد، عله أن يعرف دواء لعلته تلك، ونسي‬
  ‫قول رسولنا : ((عجبا ألمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،‬
                  ‫وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك ألحد إال للمؤمن))(5)[5].‬
 ‫ومنهن من تذهب إلى الساحر أو الساحرة بزعم أنها ال تريد زوجها أن يتزوج عليها، وإن تزوج‬
            ‫ا‬
‫فلعله يميل إليها ويطلق الثانية، أولم تعلم هذه الفئة من الناس أنها قد أتت فعال شنيعً؟ روى اإلمام‬
                                                  ‫ا‬
‫مسلم في صحيحه، قال : ((من أتى عرافً فسأله عن شيء لم تقبل له صالة أربعين يوما))(7)[7]،‬
 ‫وهذا الوعيد عن سؤاله فقط، أما من يسألهم ويصدقهم فقد قال : ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول‬
     ‫فقد كفر بما أنزل على محمد))(3)[3] ومنهم من يدفعه القلق والهموم والحيرة إلى هذا الفعل‬
 ‫المحرم، وأصل ذلك كله ضعف اإليمان باهلل ـ تعالى ـ، واهلل ـ سبحانه ـ لم يجعل شفاء فيما‬
                                                                                    ‫حرم عليها.‬
         ‫ومن العالمات التي يعرف بها الساحر دون المعالج لينجلي أمره ويحذره الناس ما يلي:‬
       ‫ا‬                              ‫ا‬
       ‫تجده يسأل المريض عن اسمه واسم أمه، أو يأخذ أثرً من آثار المريض، أو يطلب حيوانً‬
‫بصفات معينة ليذبحه وال يذكر اسم اهلل عليه، وربما لطخ بدمه أماكن األلم من المريض، أو يكتب‬
 ‫الطالسم التي ال يعرف أحد قراءتها أو تالوة العزائم والطالسم، ويأمر المريض أن يعتزل الناس‬
   ‫فترة معينة في غرفة ال تدخلها الشمس، وربما طلب من المريض أن ال يمس الماء مدة معينة،‬
                                                                       ‫ا‬
 ‫وقد يعطيه أوراقً يحرقها ويبخر بها، وقد يخبر المريض باسمه واسم بلده ومشكلته التي جاء من‬
                                                                                         ‫أجلها.‬
  ‫ومن ابتلي بشيء من السحر فليتعز بالنبي ، فعن عائشة قالت: ((سحر النبي حتى أنه ليخيل إليه‬
   ‫أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا اهلل ودعاه ثم قال: أشعرت يا‬
 ‫عائشة أن اهلل قد أفتاني فيما استفيته فيه؟ قلت وما ذاك يا رسول اهلل، قال: جاءني رجالن فجلس‬
 ‫أحدهما عند رأسي، واآلخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل، قال: مطبوب،‬
           ‫م‬
  ‫قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن األعصم اليهودي من بني زريق، قال في ماذا؟ قال: ُشط ومشاطة‬
                                                                          ‫ُف عة‬
‫وج ِّ طَلْ َ ِ نخل ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان، فذهب النبي في أناس من أصحابه‬
         ‫إلى البئر، ثم رجع إلى عائشة فقال: واهلل لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس‬
   ‫الشياطين، فأمر بها فدفنت)) رواه البخاري(4)[4]، هذا ورسول األمة قد أصيب بالسحر فكيف‬
                                                                                                  ‫بمن دونه.‬
                                    ‫ثانيا: استخراج السحر وإبطاله فهذا أبلغ ما يعالج به المسحور.‬
  ‫ثالثا: الرقية الشرعية المشتملة على اآليات القرآنية واألحاديث النبوية الثابتة عن النبي : َ ُنز ُ‬
  ‫ون َ ّل‬
                                                          ‫و مة ل م من ن‬                   ‫م ُ ن هو‬
                                                         ‫ِنَ الْقرْءا ِ مَا ُ َ شِفَاء َرَحْ َ ٌ ّلْ ُؤْ ِ ِي َ.‬
   ‫ج لُ‬           ‫َ َ َب ُ ع ن‬
‫رابعا: كثرة دعاء اهلل والتضرع إليه واالفتقار إليه ـ سبحانه ـ: وقَال رُّكمْ ادْ ُو ِى أَسْتَ ِبْ َكمْ.‬
 ‫وال يشترط أن تكون الرقية من أناس بأعيانهم، يمكن أن يرقي المسلم نفسه أو زوجته أو أوالده،‬
                                                            ‫فإنه أفضل متى ما صاحب ذلك التقوى.‬
     ‫خامسا: قراءة سورة البقرة، فإن قراءتها بركة، وال تستطيعها السحرة، قال : ((اقرؤوا سورة‬
 ‫البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة واليستطيعها البطلة))(1)[1] أما كيف يقي المسلم نفسه من‬
                                                         ‫ال‬
   ‫السحر والمس وغيرها فعليه أو ً: أن يحافظ على أذكار الصباح والمساء، وقراءة آية الكرسي‬
                                                            ‫والمعوذات، فإنها حصن حصين للمسلم.‬
‫ثانيا: أكل سبع تمرات عجوة لقوله : ((من اصطبح كل يوم تمرات عجوة، لم يضره سم وال سحر‬
                                                 ‫ذلك اليوم إلى الليل))(6)[6]، تقيه من كل شيطان.‬
                       ‫ف‬
        ‫ثالثا: التسمية على كل شيء، لقوله : ((إذا كان جنح الليل، أو أمسيتم فك ّوا صبيانكم، فإن‬
‫الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم، فأغلقوا األبواب، واذكروا اسم اهلل، فإن‬
‫الشيطان ال يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم واذكروا اسم اهلل، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم اهلل، ولو‬
                              ‫أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم)) رواه البخاري(2)[2].‬
 ‫وهذا من رحمة اهلل بعباده وشفقة نبينا بأمته في أن ال يصيبهم مكروه، فإن فرطوا فاهلل المستعان.‬
                                                                                    ‫أال وصلوا وسلموا...‬


                                                                                           ‫__________‬
                            ‫(5) أخرجه مسلم كتاب الزهد – باب المؤمن أمره كله خير (3337).‬
                   ‫(7) المصدر السابق، كتاب السالم: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (0377).‬
     ‫(3) صحيح، أخرجه أحمد (7/374)، وأبو داود: كتاب الطب – باب في الكاهن، حديث رقم‬
    ‫(4033)، والترمذي: كتاب الطهارة – باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض حديث (135).‬
   ‫(4) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق – باب صفة إبليس وجنوده، حديث (8673)، وأخرجه‬
                                         ‫أيضاً مسلم: كتاب السالم – باب السحر، حديث (3857).‬
      ‫(1) أخرجه مسلم: كتاب صالة المسافرين – باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث‬
                                                                                                     ‫(408).‬
 ‫(6) أخرجه البخاري: كتاب الطب – باب الدواء بالعجوة للسحر، حديث (8621)، ومسلم: كتاب‬
                                                      ‫األشربة – باب فضل تمر المدينة، حديث (2407).‬
   ‫(2) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق – باب صفة إبليس وجنوده، حديث (0873)، وأخرجه‬
                           ‫أيضاً مسلم: كتاب األشربة – باب األمر بتغطية اإلناء... حديث (7507).‬

‫(5/542)‬




                                                                                ‫وفاة الشيخ ابن باز يرحمه اهلل‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ‬
                                                                                          ‫العلم الشرعي, تراجم‬
                                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                                ‫منصور الغامدي‬
                                                                                                           ‫الطائف‬
                                                                                                    ‫87/5/0745‬
                                                                                                ‫أبو بكر الصديق‬
                                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫ملخص الخطبة‬
  ‫- فضل العلم وأهله – حاجة الناس إلى العلماء – صفات علماء اآلخرة – مكانة الشيخ ابن باز‬
                           ‫رحمه اهلل وعلمه وزهده وعبادته ,وسيرته – وفاة الشيخ ابن باز رحمه اهلل‬
                                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                          ‫أما بعد:‬
     ‫فيا أيها اإلخوة الكرام، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل ـ تعالى ـ ومراقبته في الظاهر والباطن،‬
       ‫واعلموا أن أجسادكم على النار ال تقوى وأت ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى‬
                                                                                   ‫غيركم إليكم فخذوا حذركم.‬
   ‫أيها األحبة الكرام، إن العلم منار سبل أهل الجنة ومعلم الحالل والحرام، وهو حياة القلوب من‬
      ‫الجهل ومصابيح األبصار من الظلم، يرفع اهلل به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص‬
‫َ ْفع‬
‫آثارهم ويقتدى بأفعالهم وينهى إلى رأيهم، وقدأثنى على من أخذ حظا وافرا منه، قال تعالى: ير َ ِ‬
    ‫ِال ه‬         ‫ِ الله َنه‬                            ‫الله َّذ ن من م ُ و َّذ أ ت ع ْ د ج‬
  ‫َّ ُ ال ِي َ ءا َ ُواْ ِنكمْ َال ِينَ ُو ُواْ الْ ِلمَ َرَ َاتٍ وقال ـ سبحانه ـ: شَهدَ َّ ُ أ َّ ُ ال اله إ َّ ُوَ‬
                                                         ‫و م ئ ة وأ ل ع ْ ِ ئ ا ب ق ِ‬
   ‫َالْ َلَا ِكَ ُ َُوُْواْ الْ ِلم قَا ِمًَ ِالْ ِسْط فانظر كيف بدأ ـ سبحانه وتعالى ـ بنفسه وثنى بالمالئكة،‬
‫وثلث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا وفضال وقال : ((العلماء ورثة األنبياء))(5)[5] ومعلوم أنه ال‬
                                   ‫رتبة فوق رتبة النبوة، وال شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.‬
‫ولفضل العلم فضل اهلل ـ سبحانه ـ العلماء، ألنهم أخذوا بحظ وافر منه، فارتفعت منزلتهم، وعال‬
  ‫شأنهم، بل إن فضلهم وبرهم وإحسانهم يصل إلى كل المخلوقات، فلذا جاء عن النبي قوله: ((إن‬
  ‫اهلل ومالئكته وأهل السماوات واألرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون‬
     ‫على معلمي الناس الخير))(7)[7]، ألن العلماء يأمرون الناس باإلحسان إلى المخلوقات كلها،‬
                        ‫ر‬
        ‫فلذلك تستغفر لهم، وأيضا فإن العلم إذا ظهر في األرض وعمل به د ّت البركات، ونزلت‬
                       ‫األرزاق فيعيش أهل األرض كلهم حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركة.‬
  ‫ونجاة الناس منوطة بوجود العلماء فإن يقبض العلماء يهلكوا، عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل‬
     ‫عنهما قال: سمعت رسول اهلل يقول: ((إن اهلل ال يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن‬
    ‫يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهاال فسئلوا فأفتوا بغير‬
                                                                         ‫علم، فضلوا و أضلوا))(3)[3].‬
     ‫وليس يغني عن العلماء وجود الكتب حتى لو كانت سماوية، إذ لو أغنت تلك الكتب عن قوم‬
    ‫ألغنت عن بني إسرائيل الذين انحرفوا، عن أبي الدرداء قال كنا مع النبي فشخص بصره إلى‬
‫السماء ثم قال: ((هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى ال يقدروا منها على شيء))، فقال زياد‬
                     ‫نرن‬           ‫ْر‬
   ‫بن لبيد األنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوا اهلل لنَق َأَنه ولُق ِئ ّه أبناءنا ونساءنا،‬
       ‫فقال رسول اهلل : ((ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت ألعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة‬
                                          ‫واإلنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم))(4)[4].‬
    ‫والبشر أيضا محتاجون إلى العلماء حاجة عظيمة، قال : ((إنما مثل العلماء في األرض كمثل‬
       ‫النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل‬
          ‫الهداة))(1)[1] قال اإلمام أحمد ـ رحمه اهلل ـ: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام‬
   ‫والشراب، ألن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثالثا، والعلم يحتاج إليه في كل‬
                                                                                                     ‫وقت.‬
               ‫أيها االخوة الكرام :من هم العلماء، وكيف يعرفون مع الكم الهائل من أدعياء العلم؟‬
‫البحث األول من هم العلماء؟ العلماء هم العارفون بشرع اهلل، المتفقهون في دينه، العاملون بعلمهم‬
               ‫ْر ر‬             ‫ح مَ َ أ ت‬                ‫وم ي‬
             ‫على هدى وبصيرة، الذين وهبهم اهلل الحكمة َ َن ُؤْتَ الْ ِكْ َة فَقدْ ُو ِىَ خَي ًا كَثِي ًا.‬
      ‫والعلماء هم الذين جعل اهلل ـ عز وجل ـ عماد الناس عليهم في الفقه والعلم، وأمور الدين‬
                                                                                            ‫والدنيا(6)[6].‬
        ‫والعلماء هم: (فقهاء اإلسالم، ومن دار الفتيا على أقوالهم بين األنام الذين خصوا باستنباط‬
                                               ‫األحكام، وعنوا بضبط قواعد الحالل والحرام)(2)[2].‬
    ‫وجع م ه‬
  ‫والعلماء هم أئمة الدين، نالوا هذه المنزلة العظيمة باالجتهاد والصبر، وكما اليقين: َ َ َلْنَا ِنْ ُمْ‬
                                                           ‫ِمة ي د ب ر َم صبر و ن ب ي ت ي قن ن‬
                                                          ‫أَئ َّ ً َهْ ُونَ ِأَمْ ِنَا ل َّا َ َ ُواْ َكَا ُواْ ِئَا َا ِنَا ُو ِ ُو َ.‬
‫والعلماء هم ورثة األنبياء، ورثوا عنهم العلم، فهم يحملونه في صدورهم، وينطبع في الجملة على‬
                                                                                            ‫أعمالهم، ويدعون إليه الناس.‬
   ‫والعلماء هم الفرقة التي نفرت من هذه األمة لتتفقه في دين اهلل، ثم تقوم بواجب الدعوة، ومهمة‬
        ‫ة لي َقه ف د‬                       ‫َر م ك ّ ِ ْ م ُ‬                  ‫فً‬         ‫م من لي ِر‬                    ‫وم‬
     ‫اإلنذار: َ َا كَانَ الْ ُؤْ ِ ُونَ ِ َنف ُواْ كَا َّة فَلَوْالَ نَف َ ِن ُل فرقَةٍ ّنْهمْ طَائِفَ ٌ ّ َتَف َّ ُواْ ِى ال ّينِ‬
                                                                  ‫ولي ذر ْ م ُ ِذ جع إ ِ َل ُ ْ ر ن‬
                                                                 ‫َِ ُن ِ ُوا قَوْ َهمْ إ َا رَ َ ُواْ ِلَيْهمْ لَعَّهمْ يَحذَ ُو َ.‬
‫والعلماء هم هداة الناس الذين ال يخلو زمان منهم حتى يأتي أمر اهلل، فهم رأس الطائفة المنصورة‬
‫إلى قيام الساعة، يقول الرسول : (( ال تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اهلل، ال يضرهم من خذلهم‬
                                          ‫أو خالفهم حتى يأتي أمر اهلل وهم ظاهرون على الناس))(8)[8].‬
 ‫قال اإلمام النووي ـ رحمه اهلل ـ: "وأما هذه الطائفة فقال البخاري: (هم أهل العلم)، وقال أحمد‬
  ‫بن حنبل: (إن لم يكونوا أهل الحديث فال أدري من هم)، وقال القاضي عياض: (إنما أراد أحمد‬
 ‫أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث)، قلت ـ القائل النووي ـ: (ويحتمل أن هذه‬
  ‫الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان مقاتلون ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون‬
‫بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، فال يلزم أن يكونوا مجتمعين،‬
                                                                        ‫بل قد يكونوا متفرقين في أقطار األرض)".‬
   ‫وأيا ما كان القول في هذه الطائفة، فإن من المتفق عليه أن العلماء هم رؤوسها المقدمون فيها،‬
                                                                                               ‫وغيرهم من الناس تبع لهم.‬
‫إن العلماء وإن غابت شخوصهم فآثارهم موجودة، قال علي بن أبي طالب : (العلماء باقون ما بقي‬
                                                         ‫الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة).‬
      ‫أيها المسلمون، أما كيف يعرف العلماء؟ إنما يعرفون بعملهم؛ فالعلم هو الميزة، تميزهم عن‬
‫غيرهم؛ فهم إن جهل الناس نطقوا بالعلم الموروث عن إمام المرسلين . ويعرفون برسوخ أقدامهم‬
         ‫في مواطن الشبه؛ حيث تزيغ األفهام فال يسلم إال من آتاه اهلل العلم أو من اتبع أهل العلم.‬
           ‫ي‬
  ‫فالعلماء أطواد ثابتة؛ ألنهم أهل اليقين الراسخ الذي اكتسبوه بالعلم، يقول اإلمام ابن قّم الجوزية‬
‫ـ رحمه اهلل ـ: (إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه،‬
  ‫وال قدحت فيه شكا؛ ألنه قد رسخ في العلم فال تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس‬
                                                                                  ‫العلم وجيشه مغلولة مغلوبة)(3)[3].‬
 ‫إن العلماء يعرفون أيضا بجهادهم، ودعوتهم إلى اهلل ـ عز وجل ـ، وبذلهم األوقات في الجهود‬
 ‫في سبيل اهلل. ويعرفون بنسكهم وخشيتهم هلل؛ ألنهم أعرف الناس باهلل، يقول اهلل ـ عز وجل ـ:‬
                                            ‫ِن الل َ ز ف ر‬                 ‫ع‬            ‫ِن ي ش الل م ع‬
             ‫إ َّمَا َخْ َى َّهَ ِنْ ِبَادِهِ الْ ُلَمَاء إ َّ َّهَ عزِي ٌ غَ ُو ٌ. ويعرفون باستعالئهم على الدنيا‬
                     ‫وحظوظها، فال يسابقون أهل الدنيا في دنياهم وال ينافسونهم على متاعها الفاني.‬
          ‫وإن العلماء بهذه الصفات وغيرها يعرفهم الناس، فأيما رجل رأيت المعتبرين في األمة‬
  ‫وجمهورها من أهل الحق قد اعتبروه عالما، ورأوا له ريادته وعلمه فهو عالم. قال اإلمام شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيميه ـ رحمه اهلل ـ: "ومن له في األمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في‬
                         ‫جماهير أجناس األمة، فهؤالء أئمة الهدى ومصابيح الدجى"(05)[05].‬
    ‫وهذا حق، فالمسلمون شهداء اهلل في أرضه: عن أنس بن مالك قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها‬
‫خيرا فقال النبي : ((وجبت))، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: ((وجبت))، فقال عمر بن‬
     ‫الخطاب : ما وجبت؟ قال: ((هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا،‬
                                      ‫فوجبت له النار، أنتم شهداء اهلل في األرض))(55)[55].‬
 ‫ومما يعرف به العالم شهادة مشايخه له بالعلم، فقد دأب علماء المسلمين من سلف هذه األمة ومن‬
     ‫تبعهم بإحسان على توريث علومهم لتالمذتهم، الذين سيتبؤون من بعدهم منازلهم وتصبح لهم‬
      ‫الريادة واإلمامة في األمة، وال يتصدر هؤالء التالميذ حتى يروا إقرار مشايخهم لهم بالعلم،‬
  ‫وإذنهم لهم بالتصدر واإلفتاء والتدريس. قال اإلمام مالك ـ رحمه اهلل ـ: "ال ينبغي لرجل يرى‬
     ‫نفسه أهال لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد‬
                                                ‫فأمراني بذلك، ولو نهياني النتهيت"(75)[75].‬
   ‫وقال: ".. ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل‬
  ‫الصالح والفضل وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه أهال لذلك جلس، وما جلست حتى شهد لي‬
                                                ‫سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك".‬
     ‫ومما يدل على علم العالم وفضله دروسه وفتاويه ومؤلفاته. قال اإلمام أبو طاهر السلفي عن‬
     ‫اإلمام الخطابي: "وأما أبو سليمان الشارح لكتاب أبو داود، فإذا وقف منصف على مصنفاته،‬
    ‫واطلع على بديع تصرفاته في مؤلفاته، تحقق من إمامته وديانته فيما يورده وأمانته، وكان قد‬
                 ‫رحل في الحديث وقراءة العلوم، وطوف، ثم ألف في فنون من العلم، وصنف".‬
    ‫هذه بعض الدالئل الدالة على علم العالم وفضله، أما المناصب ونحوها فهي ليست الدليل على‬
                                                                                       ‫العلم.‬
  ‫إن العلماء ال يحددون أو يختارون عن طريق االنتخاب، وال عن طريق التعيين الوظيفي، فكأي‬
 ‫من عالم في تاريخ األمة تصدر وعال ذكره، وأصبح إماما لألمة كلها، وهو لم يعرف المناصب،‬
 ‫وما اإلمام أحمد، وشيخ اإلسالم ابن تيميه إال مثل في تاريخنا المجيد أقول قولي هذا واستغفر...‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
    ‫الحمد هلل رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصالة والسالم على المبعوث رحمة للعالمين وآله‬
                                                                           ‫وصحبه أجمعين.‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
‫فا أيها اإلخوة الكرام، لقد نزل باألمة خطب جلل وأمر عظيم، لقد فجع الناس، وبكى الكثير منهم،‬
     ‫وغشيتهم الدهشة والذهول، وتسربلوا بثوب الحزن واألسى، لفقد عالم جليل فقيه عابد مجاهد‬
   ‫صابر زاهد ورع، اجتمعت القلوب على حبه، وحمل على عاتقه لواء األمر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر والدعوة إلى اهلل أكثر من نصف قرن من الزمان، لقد قضى الشيخ عبد العزيز بن باز‬
 ‫ـ رحمه اهلل وأسكنه فسيح جناته ـ حياته في العلم والتعليم والتدريس والتأليف ولد ـ رحمه اهلل‬
     ‫ـ في عام 0335هـ في شهر ذي الحجة، قد نشأ يتيما، إذ توفي والده وعمره ثالث سنوات‬
      ‫فعاش في كنف والدته التي لم تأل جهدا في تربيته والعناية به، ثم فقد الشيخ بصره قبل بلو‬
                                               ‫ق‬
  ‫العشرين، لقد كان ـ رحمه اهلل ـ ذا حافظة و ّادة، وفهم ما وهبه اهلل من تقوى وزهد في الدنيا‬
   ‫وعبادة، وللشيخ مائدة لها أكثر من خمس وثالثين سنة يحضرها من يشاء من الكبار والصغار‬
  ‫واألغنياء والفقراء، والسادة والمسودون، وهو معهم يأكل ويشرب، وكان الشيخ ـ رحمه اهلل ـ‬
‫يتقاضى راتبا حكوميا كبيرا، ولكنه يصرفه في سد حاجة المحتاجين، وقضاء حوائج المتضررين.‬
‫ثم ال يأتي آخر الشهر إال وقد استدان، وكان يعمل ـ رحمه اهلل ـ على كبر سنه، يعمل في اليوم‬
                                                              ‫ما يقارب الثماني عشرة ساعة.‬
              ‫ر‬
   ‫أما سيرة الشيخ العلمية، فإنه حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز سن البلو ، ود ّس في المعهد‬
         ‫عي‬
  ‫العلمي وكلية الشريعة لمدة عشر سنوات في الجامعة اإلسالمية بالمدينة المنورة، ثم ُ ّن رئيسا‬
  ‫للجامعة اإلسالمية خمس سنوات، ثم رئيسا إلدارات البحوث العلمية واإلفتاء والدعوة واإلرشاد،‬
  ‫وأخيرا مفتيا عاما لهذه البالد، وقد تولى منصب القضاء لمدة أربعة عشر عاما، وهو من تالميذ‬
   ‫الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة سابقا، وتتلمذ على الشيخ جمع كبير من العلماء المبثوثين‬
    ‫في البالد من أبرزهم فضيلة الشيخ محمد ابن عثيمين، وصالح الفوزان، وعبد اهلل بن جبرين،‬
                   ‫وعبد اهلل ابن منيع، وألف ـ رحمه اهلل ـ عددا من الكتب والفتاوي والردود.‬
  ‫وكان ـ رحمه اهلل ـ يواظب على صيام االثنين والخميس، وله دروس تعقد بعد الفجر من كل‬
   ‫إثنين وخميس من كل أسبوع، وله ـ رحمه اهلل ـ مع الليل شأن آخر، فقد كان يحييه بالصالة‬
                                                                                   ‫والدعاء.‬
    ‫أيها االخوة الكرام، إن العلماء الراسخين يعرفون في الشدائد واألزمات، وهم الذين يقفون سدا‬
     ‫منيعا ضد المنكرات، لقد أصدر سماحته ـ رحمه اهلل ـ فتوى عن حرمة توظيف النساء في‬
                        ‫الدوائر الحكومية المؤدي إلى االختالط، وأن يوظف الشباب بدال عنهن.‬
‫كما كان له ـ رحمه اهلل ـ دعوة إلى عموم المسلمين لنصرة إخوانهم المظلومين المستضعفين في‬
                                            ‫البوسنة وأن يوقف بجانبهم وأن تمد يد العون لهم.‬
 ‫أيها المسلمون، وفي يوم الخميس السابع والعشرين من شهر اهلل المحرم وقبل صالة الفجر قضى‬
 ‫الشيخ عبد العزيز ابن باز نحبه، وانتقل إلى جوار ربه، وأن المؤمنين في شرق األرض وغربها‬
    ‫ليحزنها ذلك، وإن أولياء الرحمن ليتباكون لوفاته، وإن حزب الشيطان من العلمانية والمنافقين‬
                                                     ‫وأهل البدع ليطيرون فرحا، قاتلهم اهلل أنى يأفكون.‬
‫أيها االخوة لئن مات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه اهلل ـ، فإن األمة فيها من الرجال‬
                                                                                     ‫والعلماء األوفياء الكثير.‬
                                              ‫إذا مات منا سيد قام سيد……قؤول لما قال الكرام فعول‬
  ‫ولئن مات الشيخ فإن الموت سنة ماضية، وإن هذا الدين تحرسه عناية اهلل، وسوف ينتصر رغم‬
           ‫هد‬          ‫الد ي و ْم يق م‬                 ‫ُ ُ رس و َّذ ن من ْ ف‬                 ‫ِن‬
          ‫األعادي والعوادي: إ َّا لَنَنصر ُ ُلَنَا َال ِي َ ءا َ ُوا ِى الْحياةِ ُّنْ َا َيَو َ َ ُو ُ األَشْ َا ُ.‬
                                            ‫يا رب فاجمعنا معا ونبينا ……في جن تثني عيون الحسد‬
                                                                              ‫اللهم اغفر للشيخ عبد العزيز.‬
                                                                                         ‫أال وصلوا وسلموا...‬
                                                                                               ‫__________‬
      ‫(5) صحيح، أخرجه أحمد (1/635)، وأبو داود: كتاب العلم – باب الحث على طلب العلم،‬
       ‫حديث (5463)، والترمذي: كتاب العلم – باب ما جاء عن فضل الفقه عن العبادة، حديث‬
                                                                                                       ‫(7867).‬
      ‫(7) صحيح، أخرجه الترمذي، كتاب العلم – باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة حديث‬
                            ‫(1867)، وقال: غري، وأخرجه الطبراني في الكبير، حديث (7532).‬
                                          ‫ي‬
‫(3) أخرجه البخاري: كتاب العلم – باب كيف ُقبض العلم، حديث (005)، ومسلم: كتاب العلم –‬
                                                               ‫باب رفع العلم وقبضه... حديث (3267).‬
   ‫(4) أخرجه الترمذي: كتاب العلم – باب ما جاء في ذهاب العلم، حديث (3167)، وقال: حسن‬
       ‫غريب، وأخرجه أيضاً الحاكم: كتاب العلم (5/33) وصححه، ولم يتعقبه الذهبي، والحديث‬
                                                                ‫صحيح، انظر صحيح الترمذي (2357).‬
   ‫(1) أخرجه أحمد (3/215)، قال الهيثمي في المجمع (5/575)، وفيه رشدين بن سعد واختلف‬
         ‫في االحتجاج به، وأبو حفص صاحب أنس مجهول، وفي تقريب التهذيب ضعف رشدين‬
                                                                              ‫(ص307)، فالحديث ضعيف.‬
                                                                      ‫(6) انظر تفسير الطبري (3/273).‬
                                                             ‫(2) انظر إعالم الموقعين البن القيم (5/2).‬
‫(8) أخرجه البخاري: كتاب االعتصام – باب قول النبي : ((ال تزال طائفة...)) حديث (5532)،‬
                         ‫ومسلم: كتاب اإلمارة – باب قوله : ((ال تزال طائفة...)) حديث (615).‬
                                                                         ‫(3) مفتاح دار السعادة (5/045).‬
                                                                              ‫(05) 05] الفتاوى (55/34).‬
     ‫(55) 55] أخرجه البخاري: كتاب الجنائز – باب ثناء الناس على الميت، وحديث (2635)،‬
             ‫ومسلم: كتاب الجنائز – باب فيمن ثني عليه خيراً أو شراً بين الموتى، حديث (343).‬
                                            ‫(75) 75] نقالً عن ابن حمدان (صفة الفتوى والمستفتي) (2).‬

‫(5/742)‬




                                                                                                             ‫نعمة رمضان‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                                                               ‫الصوم, فضائل األعمال‬
                                                                            ‫-----------------------‬
                                                                                                         ‫منصور الغامدي‬
                                                                                                                     ‫الطائف‬
                                                                                                               ‫5/3/0745‬
                                                                                                         ‫أبو بكر الصديق‬
                                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
  ‫مشاعر المسلمين عند استقبال شهر رمضان – فضل شهر رمضان – بعض الطاعات المطلوبة‬
            ‫في شهر رمضان : التوبة ,الدعاء ,اإلنفاق ,العمرة ,القيام – أصناف الناس في رمضان‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                    ‫أما بعد:‬
  ‫فيا أيها المؤمنون، كم هي مشاعر الفرحة والغبطة التي تغمر المسلمين في أنحاء األرض كلها،‬
‫تخالط قلوبهم وهم يترقبون دخول هذا الشهر الكريم، شهر رمضان الكريم الذي أنزل فيه القرآن،‬
  ‫لعلمهم أنه يحمل بين جنباته سعة رحمة اهلل ومغفرته ورضوانه قال : ((إذا جاء رمضان فتحت‬
‫أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفرت الشياطين))(5)[5]، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر،‬
  ‫قال ـ تعالى ـ: إ َّا أَن َلْنَاه ِى لَيْلَةِ الْقد ِ َمَا أد َا َ مَا لَيْلَ ُ الْقدرِ لَيْلَ ُ الْقدرِ خَي ٌ ّنْ أَلفِ َهْ ٍ‬
  ‫ة َ ْ ة َ ْ ْر م ْ ش ر‬                                      ‫َ ْر و َ ْر ك‬                  ‫ِن ز ُ ف‬
                                                             ‫ن َّل م ئ ة َالر ُ ف بِ ِ ربه م ُل ْر‬
                                                            ‫تَ َز ُ الْ َلَا ِكَ ُ و ُّوح ِيهَا ِإذْن َ ّ ِم ّن ك ّ أَم ٍ.‬
   ‫إن رمضان انبثاقة فجر جديد للعالم، إنه تشرف أن يكون فيه تبديد ظالم الشكر والضالل الذي‬
‫خيم على األرض قرونا، بنزول القرآن فيه، والصيام فيه يربي العبد على التطلع إلى دار اآلخرة،‬
                                ‫فهو يترك طعامه وشرابه وشهوته انتظارا للجزاء الحسن يوم القيامة.‬
        ‫والصيام استسالم وعبودية هلل، فالعبد يأتمر بأمر ربه في مواعيد اإلمساك، ومواعيد األكل‬
                                                                          ‫د‬
          ‫والشرب، ال يتق ّم عنها وال يتأخر. والصوم تربية للمجتمع على التالحم والشعور بحاجة‬
                                                                                                        ‫اآلخرين.‬
                                   ‫ر‬
     ‫أيها المسلمون، إن من رحمة اهلل ـ تبارك وتعالى ـ أن أخ َنا لبلو هذا الشهر، وأمهلنا فلم‬
                                                ‫م‬                       ‫ط‬                 ‫ط‬
    ‫يتخ ّفنا الموت كما تخ ّف أناساً غيرنا، ولو تأ ّلنا قليالً في حال بعض أقربائنا أو جيراننا أو‬
                                                 ‫ل‬
‫أصحابنا في ساعة ما، فكم هي نعمة أن يبّغنا ربنا هذا الشهر الكريم، ومنْ يدري هل سوف نبلغه‬
 ‫س ى َ ْض م ت ِن الل عل م‬                      ‫و َ ْر س م ذ سب غ ا وم ْ‬
 ‫العام القادم أم ال؟ َمَا تد ِى نَفْ ٌ َّا َا تَكْ ِ ُ َدً َ َا تَدرِى نَفْ ٌ بِأَ ّ أر ٍ تَ ُو ُ إ َّ َّهَ ََي ٌ‬
                                                                                                             ‫بر‬
                                                                                                            ‫خَ ِي ٌ.‬
                 ‫ن‬                     ‫ا‬      ‫ا‬
     ‫إنك ـ أخي الكريم ـ ترى في هذا الشهر صنفً مسارعً إلى طاعةاهلل، لقد ح ّوا في مسيرهم‬
                                                 ‫د‬                ‫ل‬
              ‫الدنيا إلى اهلل العلي الكبير، فكّما تذكروا ما أع ّ اهلل للصائمين من عظيم األجر قالوا:‬
                                                                ‫ٌ‬     ‫ة‬
                                                         ‫يا حبذا الجنة واقترابها ……طيب ٌ وبارد شرابها‬
                                                                      ‫ً‬
          ‫إنك تراهم يحملون همما عالية في الخير، وهمماً في اإلحسان إلى الناس، وهمماً في البر‬
‫والمعروف، لقد استعد أهل الدنيا الستقبال هذا الشهر الكريم، فكيف استعدوا هم له وبم يستقبلونه،‬
 ‫ومن أعمالهم فيه التوبة واالستغفار، فرمضان فرصة عظيمة وساحة واسعة للتفكير الصادق في‬
 ‫العودة إلى اهلل ـ تعالى ـ، وترك أكل الحرام وشهادة الزور، والتوبة الصادقة من الظلم والغيبة‬
              ‫َل ُ ت ح ن‬             ‫وت ب إل الل جم ُّ م من‬
             ‫والنميمة، وقد قال اهلل ـ تعالى ـ: َ ُو ُواْ َِى َّهِ َ ِيعاً أَيهَ الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّكمْ ُفْلِ ُو َ.‬
     ‫فإن لم نبت في رمضان فليت شعري متى نتوب؟ وهلل ـ سبحانه ـ في كل ليلة من رمضان‬
                                                                                                ‫عتقاء من النار.‬
      ‫عب د عن إن َر ب أج ب د و الد ِذ دع‬                                 ‫وِذ‬
   ‫ثانيا: الدعاء: قال ـ تعالى ـ: َإ َا سَأَلَكَ ِ َا ِي َ ّي فَِ ّي ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْ َةَ َّاعِ إ َا َ َانِ‬
                                                   ‫ي ج ب ل و ي من ب َل ُ َ شد ن‬
        ‫فَلْ َسْتَ ِي ُواْ ِى َلْ ُؤْ ِ ُواْ ِى لَعَّهمْ يرْ ُ ُو َ وقال : ((لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في‬
  ‫رمضان))(7)[7]، وعلى المسلم أن يتخير أوقات في أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين األذان‬
‫واإلقامة، وفي الساعة األخيرة من يوم الجمعة، وعند دخول اإلمام إلى أن تنقضي صالة الجمعة،‬
                                                                                ‫وعند إفطار الصائم وغيرها.‬
                                      ‫صرفت إلى رب األنام مطالبي……ووجهت وجهي نحوه وقالبي‬
                                  ‫إلى الملك األعلى الذي ليس فوقه …مليك يرجى شيبه وفي المتاعب‬
                                    ‫فما زال يوليني الجميل تلطفا ……ويدفع عني في صدور النوائب‬
                             ‫إذا أغلق األمالك دوني قصورهم ……ونهنه عن غشيانهم زجر حاجب‬
                                    ‫فزعت إلى باب المهيمن طارقا ……مدال أنادي باسمه غير هائب‬
                               ‫فلم أنف حجابا ولم أخش منعة ……ولو كان سؤلي فوق هام الكواكب‬
                                         ‫كريم يلبي عبده كلما دعا……نهارا وليال في الدجى والغياهب‬
                                          ‫سأسله ما شئت إن يمينه ……تسح رفاقا باللهى والرغائب‬
                                                                                                    ‫ثالثا: اإلنفاق:‬
      ‫النفقة من أسباب القرب من اهلل ـ تعالى ـ ودخول الجنة أو سارعوا إلى مغفرة قال : ((ما‬
   ‫نقصت صدقة من مال، وما زاد اهلل عبدا بعفو إال عزا، وما تواضع أحد هلل إال رفعه))(3)[3]،‬
‫وإنها لفرصة ثمينة أن ينال العبد األجر العظيم، بصدقة ال تنقص ماله، وقال : ((صنائع المعروف‬
   ‫تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر))(4)[4].‬
     ‫رابعا: العمرة: قال : ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إال‬
         ‫الجنة))(1)[1] وهذا الفضل العظيم للعمرة عام في كل حين وأما في رمضان فإن فضلها‬
‫يتضاعف، فقد قال المرأة من األنصار: ((فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة،‬
                                                                                 ‫أو قال: حجة معي))(6)[6].‬
                                                                                           ‫بارك اهلل لي ولكم...‬


                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                    ‫الخطبة الثانية‬
                ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.‬
                                                                                                           ‫أما بعد:‬
                                                                      ‫فمن أعمالهم الصالحة الموفقة كذلكم:‬
‫ُ ال ْل‬
‫خامسا: القيام، كما أن شهر رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام قال ـ تعالى ـ: قمِ َّي َ‬
                               ‫َ ت ال‬         ‫ْ ِ ع ه ور ّ ق‬                   ‫ُ م ُ ل‬             ‫إ َّ ل ن ه‬
                              ‫ِال قَِيالً ّصْفَ ُ أَوِ انقصْ ِنْه قَِيالً أَو زدْ َلَيْ ِ َ َتلِ الْ ُرْءانَ ترْ ِي ً.‬
         ‫ح ُ‬            ‫ن ْ ل ال م ال ْل ي جع و‬
       ‫وقال ـ تعالى ـ في صفة عباده المحسنين: كَا ُوا قَِي ً ّن َّي ِ مَا َهْ َ ُونَ َبِاألَسْ َارِ همْ‬
                                                                                                        ‫ي فر ن‬
                                                                                                       ‫َسْتَغْ ِ ُو َ.‬
  ‫وقل : ((من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))(2)[5]، وكانوا ال يقتصرون‬
   ‫على هذه األعمال بل كل شيء يقربهم إلى الجنة ويباعدهم عن النار. جعلنا اهلل وإياكم من هذه‬
  ‫الصنف من الناس الذي عرف حقيقة الوقت وعمل لما بعد الموت، وهناك صنفان من الناس، لم‬
  ‫يتكيف مع رمضان كما ينبغي بل كان واقعه مختلفا عن هدي السلف الصالح ولعلي أقص عليك‬
                                                                                                       ‫طرفا منها:‬
      ‫فمنهم من يغلق مجاري االبتسامة على شفتيه، فما تراه إال معبس الوجه مقطب الجبين، وإن‬
    ‫حصل بينه وبين إنسان اخر شيء من الخالف، سمعت السب والشتم ورفع الصوت، أو يكون‬
‫نهاره إفطارا على لحوم إخوانه المسلمين وتتبعاً لعوراتهم، بل ال يكاد يسلم منه المسلم الذي يصلي‬
‫بجواره في المسجد. ونقول لهذا الصنفان من الناس رويدك فما هكذا يكون خلق الصائم، وما هكذا‬
                                                                                                     ‫يقضي يومه.‬
  ‫ومنهم من يجعل شهر رمضان شهر النوم والكسل والبطالة، فيقضي جل نهاره نائما وربما تجد‬
                  ‫البعض ال يستيقظ إال قبيل المغرب بلحظات، وقد فاتته صالة الظهر والعصر.‬
 ‫ومنهم من يمضي ليله أمام أجهزة اإلفساد إلى قبيل الفجر عند نزول الرب إلى السماء الدنيا، فهو‬
                                                      ‫يطيع اهلل في النهار ويعصيه في الليل.‬
‫ومنهن من تقض ليالي رمضان في التجول في األسواق وأمام نوافذ المشاغل، وفي أماكن أخرى،‬
           ‫وربما خرجن بدون محرم، أو متبرجات سافرات، فيرجعن مأزورات غير مأجورات.‬
 ‫عجيب هذا الصنف من الناس، كيف لم يقدروا هذا الشهر حق قدره ولم يستشعروا حديث النبي :‬
   ‫((أتني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده اهلل، فقلت: آمين، قال: ومن‬
‫أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده اهلل، فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك‬
                                                             ‫فأبعده اهلل فقلت: آمين))(8)[7].‬
           ‫فنسأل اهلل ـ عز وجل ـ في هذه الساعة المباركة أن ال يجعلنا منهم نحن وال أهلونا.‬
‫إن هؤالء القوم يخشى عليهم ينتهي أن رمضان وقد حرموا خيرا عظيما، اللهم ال تجعل حظنا من‬
                                      ‫صيامنا الجوع والعطش، وال من قيامنا النصب والتعب.‬
                                                                      ‫أال وصلوا وسلموا...‬


                                                                            ‫__________‬
       ‫(5) أخرجه البخاري : كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟... حديث‬
               ‫(3385) ، ومسلم : كتاب الصيام – باب فضل شهر رمضان ، حديث (3205).‬
     ‫(7) قال الهيثمي في المجمع (3/345): عن أبي سعيد قال : قال رسول اهلل : ((إن هلل تبارك‬
    ‫وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة – يعني في رمضان – وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة‬
‫مستجابة)). رواه البزار وفيه أبان بن أبي عياش ، وهو ضعيف. اهـ. قلت: لم أجده في المطبوع‬
     ‫من مسند البزار ن وقال ابن حجر في أبان : متروك ، التقريب (ص28) ، فإسناده ضعيف.‬
‫وأخرج أحمد (7/417) عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد – شك األعمش – قال : قال رسول اهلل‬
      ‫: ((إن هلل عتقاء في كل يوم وليلة ، لكل عبد منهم دعوة مستجابة)) قال الهيثمي في المجمع‬
           ‫(05/657) : ورجاله رجال الصحيح. وصححه األلباني في صحيح الجامع (1657).‬
    ‫(3) أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب البر والصلة – باب استحباب العفو والتواضع ، حديث‬
                                                                                  ‫(8817).‬
  ‫(4) أخرجه الطبراني في الكبير (4508) ، قال الهيثمي في المجمع (3/155) : إسناده حسن ،‬
                                                   ‫وصححه األلباني في الصحيحة (8035).‬
       ‫(1) أخرجه مسلم : كتاب الحج – باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث (3435).‬
 ‫(6) أخرجه البخاري : كتاب العمرة – باب عمرة في رمضان ، حديث (7825) ، وكتاب جزاء‬
      ‫الصيد – باب حج النساء ، حديث (3685) ، ومسلم : كتاب الحج – باب فضل العمرة في‬
                                                                ‫رمضان ، حديث (6175).‬
   ‫(2) أخرجه البخاري : كتاب اإليمان – باب تطوع قيام رمضان من اإليمان ، حديث (23) ،‬
            ‫ومسلم : كتاب صالة المسافرين – باب الترغيب في قيام رمضان ، حديث (312).‬
‫(8) أخرجه الطبراني (7707) ، وابن حبان : كتاب البر واإلحسان – باب حق الوالدين ، حديث‬
‫(304) ، قال الهيثمي في المجمع (8/335): رواه الطبراني بأسانيد ، وأحدها حسن. وانظر كالم‬
‫محقق صحيح ابن حبان ، وصححه األلباني في صحيح الجامع (12) ، فالحديث صحيح بمجموع‬
                                                                                    ‫طرقه.‬

‫(5/342)‬




                                                                    ‫القرآن العظيم واإلنفاق‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                 ‫العلم والدعوة والجهاد, فقه‬
                                                          ‫الزكاة والصدقة, القرآن والتفسير‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                          ‫منصور الغامدي‬
                                                                                   ‫الطائف‬
                                                                             ‫57/3/3545‬
                                                                          ‫أبو بكر الصديق‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- حال العرب قبل اإلسالم 7- أثر القرآن على العرب ودوره في هدايتهم 3- طبيعة القرآن‬
   ‫وصفاته 4- حال الصحابة مع القرآن 1- صور هجر القرآن، ودور الكفار في الصد عنه 6-‬
 ‫فضل النفقة في سبيل اهلل، والتحذير من البخل والشح 2- جهود الكفار وبذلهم في سبيل التنصير‬
                              ‫8- الدعوة للنفقة والبذل في سبيل القرآن والدعوة إليه وتعليمه.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                                                                   ‫أما بعد:‬
 ‫عباد اهلل: أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل تعالى، والتمسك بكتابه فهو حبل اهلل المتين، من استمسك به‬
  ‫نجا ومن تركه ضل ولم تجد له وليا مرشدا قال اهلل تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن‬
                                         ‫هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان [البقرة 185].‬
   ‫إن رمضان هو شهر القرآن، لقد أنزله اهلل تبارك وتعالى إيذانا بإنبثاق نور جديد للبشرية التي‬
‫عاشت ردحا من الزمان بعيدة عن عقيدة التوحيد وملة أبينا إبراهيم عليه الصالة والسالم، لقد كان‬
     ‫العربي قبل نزول القرآن كتل لحم تسير في الصحراء ال هم له إال شويهاته يعيش من أجلها‬
  ‫ويموت في سبيلها، لقد هانت عليه نفسه لدرجة أنه يصنع صنما من تمر يعبده من دون اهلل فإذا‬
                                                                                   ‫جاع أكله.‬
  ‫وفي الحديث عن عياض بن حمار : ((إن اهلل نظر إلى أهل األرض فمقتهم عربهم وعجمهم إال‬
  ‫بقايا من أهل الكتاب)) حينئذ نزل القرآن، ليهدي تلك القلوب التائهة، والعقول الحائرة، والنفوس‬
  ‫المريضة، لقد حول هذا القرآن أولئك األعراب من رعاة الغنم إلى قادة لألمم، فكم هي نعمة اهلل‬
                             ‫ال‬                                  ‫ن‬
       ‫علينا سبحانه وتعالى: لقد م ّ اهلل على المؤمنين إذ بعث فيهم رسو ً منهم يتلو عليهم آياته‬
   ‫ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ولفي ضالل مبين ،[آل عمران 465] الم‬
                                              ‫ذلك الكتاب ال ريب فيه هدى للمتقين [البقرة 5].‬
    ‫وقد وصفه اهلل الذي أنزله على عباده بصفات التزكية والتعظيم، ونزهة عن كل نقص وعيب‬
  ‫فوصفه سبحانه بأنه نور وكتاب مبين يهدي به اهلل من اتبع رضوانه سبل السالم، وهو شفاء لما‬
‫في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، وهو تذكرة لمن يخشى اهلل، وبشارة ألولئك المؤمنين الذين‬
 ‫يعملون الصالحات أن لهم أجر كبيرا، والذين ما أن يستمعوا إلى كتاب ربهم وكالمه حتى تقشعر‬
 ‫له جلودهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اهلل، كما أنه مبارك وعجيب يهدي إلى الرشد، ولو‬
   ‫أنزل على الجبال الصم الصالب، لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية رب األرباب سبحانه إنه‬
‫كتاب ال يمكن أن يتطرق إليه الباطل وال يمكن لإلنس والجن فضال عن أن يكون أحدهما أن يأتي‬
                                                                            ‫بمثل هذا القرآن.‬
‫وإن كتابا يحمل كل هذه الصفات والنعوت لجدير أن يكون له من التأثير والنفاذ إلى القلوب ما ال‬
    ‫يملكه أي كتاب وال أي كالم حتى الذين كانوا يقعدون بكل صراط ويصدون عن سبيل اهلل لم‬
                                                     ‫يستطيعوا إنكار إعجابهم بالقران الكريم .‬
    ‫روى ابن إسحاق في السيرة النبوية أن أبا سفيان قبل إسالمه وأبا جهل بن هشام المخزومي،‬
 ‫واألخنس بن شريق خرجوا ذات ليلة متفرقين إلى غير موعد إلى حيث يستمعون من رسول اهلل‬
      ‫وهو يتلو القرآن في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وال أحد منهم يعلم بمكان‬
  ‫صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر، تفرقوا فجمعهم الطريق فتالوموا وقال بعضهم‬
    ‫لبعض، ال تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم ألوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت‬
‫الليلة التالية، عاد كل منهم إلى مجلسه ال يدري بمكان صاحبه فباتوا يستمعون للرسول حتى طلع‬
   ‫الفجر، فتفرقوا، وجمعهم الطريق فتالوموا وانصرفوا على أال يعودوا، لكنهم عادوا فتسللوا في‬
                                                       ‫الليلة الثالثة وباتوا يستمعون إلى القرآن.‬
                                  ‫لقد أدهشهم كالم اهلل ولم يستطيعوا أن يعتقوا أنفسهم من أسره.‬
    ‫أما الصحابة رضوان اهلل عليهم فلهم شأن آخر مع كتاب اهلل عز وجل، لقد تلقفوا القرآن تلقف‬
‫اإلبل إليهم يقرأونه ويتدبرونه ويعملون به، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس رضي اهلل عنهما‬
  ‫وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على‬
             ‫أبي بكر الصديق فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق : هكذا كنا.‬
 ‫وعن عمر بن الخطاب : أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سمعوا بكاءه‬
                                                                           ‫من وراء الصفوف.‬
   ‫إن الحياة مع القرآن وتدبره نعمة ال يعرفها إال أولئك الذين تذوقوها، نسأل اهلل أن يجعلنا منهم:‬
                                                         ‫إنها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.‬
        ‫إنك وأنت تتجول في كتاب اهلل الكريم من آية إلى آية ومن سورة إلى سورة تعيش مشاهد‬
  ‫وأحداثا، فتقرأ: إن اهلل سميع بصير [المجادلة 5] وتقرأ: ما يكون من نجوى ثالثة إال هو رابعهم‬
 ‫وال خمسة إال هو سادهم وال أدنى من ذلك وال أكثر إال هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا‬
    ‫يوم القيامة [المجادلة 2]وأنه يعلم ما يلج في األرض وما يخرج منا وما ينزل من السماء وما‬
    ‫يعرج فيها [سبأ 7]، فإن المسلم وهو يسمع هذه اآليات يصبح في قلبه حساسية تجاه رقابة اهلل‬
 ‫ألعماله الظاهرة والباطنة، فيحرص على نظافة هذه األعمال والمشاعر ليراها اهلل نظيفة فيرضى‬
                                                                             ‫عنها ويثيب عليها.‬
   ‫وحيث يقرأ: هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات 81]، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .[الرعد‬
                                                                                           ‫67]‬
‫حينئذ لم يعد القلق على الرزق يشغلهم ولم يعد يحس حين يتعرض ألي أذى أو اضطهاد أن البشر‬
                                       ‫هم الذين يتصرفون في رزقه أو قوته أو أمنه أو راحته .‬
    ‫إننا نحن المسلمين أحوج إلى تدبر القرآن وتدارسه وتعليمه أبناءنا، إنك تفرح وأنت تسمع أن‬
‫أسرة من األسر في هذا البلد األب يحفظ القرآن، وثالث أبنائه يحفظون القرآن، وثالث من البنات‬
‫كذلك وبقية األوالد يحفظون الجزء ما بين الرابع والخامس عشر إن الكل يتمنى أن لو كان أبناؤه‬
  ‫بهذه المثابة وأسرته كهذه األسرة، خير من أسرة أمام الشاشة بالساعات الطوال حتى إذا ما جاء‬
        ‫القرآن رأيتهم يتأففون، وإذا ذكر اهلل وحده اشمأزت قلوب وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم‬
‫يستبشرون [الزمر 14]وقد يبلغ البعض هجر سماع القرآن الكريم وقراءته، أو هجر العمل به، أو‬
       ‫هجر تحكيمه أو التحاكم إليه أو هجر االستشفاء والتداوي به من أمراض القلوب وأدوائها.‬
 ‫وهذا كله داخل في شكوى الرسول من هجر القرآن الكريم: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذ‬
                                                             ‫هذا القرآن مهجوراً .[الفرقان 03]‬
   ‫أخي: أيها المسافر في هذه الحياة، لقد أدرك الكفار أن عزة المسلمين في التمسك بهذا القرآن،‬
  ‫فبدأوا ينفثون سمومهم ليجعلوا منه أثرا رجعيا متخلفا، أو لجعله رمزا فقط ال يعمل به، وال تنفذ‬
    ‫توجيهاته: يقول غالدستون رئيس وزراء بريطانيا سابقا: ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي‬
                                           ‫المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق.‬
   ‫ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر : إننا لن ننتصر على الجزائريين ماداموا يقرؤون القرآن،‬
‫ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم.‬
                 ‫اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا يا حي يا قيوم أقول قول هذا . .‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
       ‫الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .‬
‫القائل: ((ثالثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال : ما نقص مال عبد من صدقة، وال ظلم‬
      ‫عبد مظلمة فصبر عليها إال زاده اهلل عزا، وال فتح عبد باب مسألة إال فتح اهلل باب فقر ..‬
  ‫وأحدثكم ألربعة نفر: بعد رزقه اهلل ماال وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم هلل‬
‫فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اهلل علما ولم يرزقه ماال هو صادق النية يقول: لو أن‬
 ‫لي ماال لعملت بعمل فالن، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه اهلل ماال ولم يرزقه علما فهو‬
  ‫يخبط في ماله بغير علم ال يتقي فيه ربه وال يصل فيه رحمه، وال يعلم هلل فيه حقا، فهذا بأخبث‬
  ‫المنازل وعبد لم يرزقه اهلل ماال وال علما فهو يقول: لو أن لي ماال لعملت فيه بعمل فالن، فهو‬
                                                                     ‫بنيته، فوزرهما سواء)).‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
‫فإن اإلنفاق سبيل المؤمنين المحلفين بالقران وعدهم اهلل جنة عرضها السماوات واألرض كما قال‬
   ‫تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات واألرض أعدت للمتقين الذين‬
                                               ‫ينفقون في السراء والضراء .[آل عمران 435]‬
 ‫وعن أبي ذر قال : انتهيت إلى النبي وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: ((هم األخسرون‬
                                            ‫ء‬
‫ورب الكعبة قال : فجئت حتى جلست فلم اتقا ّ حتى قمت فقلت يا رسول اهلل: فداك أبي وأمي من‬
  ‫هم؟ قال هم األكثرين أمواال إال من قال: هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه‬
  ‫وعن شماله وقليل هم))، وجاء في الحديث أنه: ((ما من يوم يصبح فيه العباد إال ملكان ينزالن‬
                            ‫ا‬
                   ‫فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول األخر: اللهم أعط ممسكً تلفا)) .‬
‫والمسلم موعود بالخلف ممن إنه من رب العالمين قال تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه [سبأ‬
                                                    ‫33]وقال : ((ما نقصت صدقة من مال)).‬
      ‫وقال : ((إن اهلل عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف‬
      ‫أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فالن مرض فلم تعده، أما علمت أنك‬
        ‫لوعدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب‬
  ‫العالمين، قال استسقاك عبدي فالن فلم تسقه، أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)) رواه مسلم.‬
  ‫أخي الكريم: يا من علمناه باذال ماله في الخير، هل تذكرت معنى حديث السبعة الذين يظلهم اهلل‬
‫في ظله يوم ال ظل إال ظله وفيه: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ال تعلم شماله ما تنفق يمينه‬
 ‫))، أخي الكريم، لقد جنى الكفار أمواال طائلة لنشر دينهم ومبادئهم، وفي صحيح مسلم من حديث‬
    ‫أبي هريرة عن النبي قال: ((بيننا رجل بفالة من األرض فسمع صوتا في سحابة :اسق حديقة‬
‫فالن، فتنحى ذلك السحاب فأفر ماءه في حرة (أو هي األرض التي بها حجارة سود كثيرة ) فإذا‬
   ‫شرجة من تلك الشراج (الشرجة : مسايل الماء في الحرار) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع‬
 ‫الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد اهلل، ما اسمك، قال : فالن،‬
  ‫لالسم الذي سمع في السحابة، فقال له، يا عبد اهلل لم تسألني عن اسمي، فقال إني سمعت صوتا‬
‫في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فالن السمك فما تصنع فيها، قال : أما إذا قلت هذا،‬
           ‫فإني نظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالي ثلثا، وأراد فيها ثلثه)).‬
                                                                        ‫ن‬
    ‫أخي الكريم: لقد ج ّد الكفار من اليهود والنصارى أمواال مذهلة لنشر دينهم ومبادئهم المخرفة‬
 ‫وأفكارهم عن طريق اإلذاعة والتلفزة والمراسالت وغير ذلك فقد أنفق النصارى اثنان وعشرون‬
   ‫مليون دوالر مع مدرسة تنصرية في بلد عربي، وانفق على مؤتمر للمنصرين واحدا أكثر من‬
‫واحد وعشرين مليون دوالر وجمع اليهود تبرعات تحت شعار (قاتلوا المسلمين) وذلك في فرنسا،‬
 ‫فجمعوا ألف مليون فرنك خالل أربعة أيام، وهذا وهم موعودون بالحسرة كما قال اهلل تعالى: إن‬
    ‫الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اهلل فسينفقونها فثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون‬
                                                ‫والذين كفروا إلى جهنم يحشرون [األنفال 63].‬
‫فكيف بمن ينفق ماله في سبيل اهلل بل في خدمة كتاب اهلل، خصوصا ونحن نعلم أيها االخوة الكرام‬
‫أن الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالطائف تقوم بأنشطة خيرية كثيرة، وما من أحد منا ال‬
   ‫وقد انتفع من برامج هذه الجمعية أو ولده أو ابنته أو إحدى قريباته والعاملون فيها نحسبهم من‬
   ‫الثقات المخلصين واهلل حسيبهم وال نزكي على اهلل أحدا، وكثير ممن يعمل في هذه الجمعية من‬
    ‫المحتسبين، كما أن هذه الجمعية تقوم بأعمالها على نفقات المحسنين من أمثالكم الذين ما فتئتم‬
    ‫تقدمون كل دعم لها، وهاهم اليوم يلتمسون منكم دعما سخيا، تحتسبونه عند اهلل تعالى الذي ال‬
                  ‫يضيع أجر من أحسن عمال، وتترقبون أنتم دعاء الملك بالخلف أال وصلوا . .‬

‫(5/442)‬
                                                                                          ‫النار ووصفها‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                    ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫الجنة والنار, اليوم اآلخر‬
                                                               ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫منصور الغامدي‬
                                                                                                  ‫الطائف‬
                                                                                             ‫5/8/3545‬
                                                                                        ‫أبو بكر الصديق‬
                                                   ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
 ‫وصف النار وحال أهلها وطعامهم وشرابهم وخلودهم فيها – صفة أهل النار من الكفار - تالوم‬
                                                           ‫أهل النار – وجوب التوبة ومحاسبة النفس‬
                                                           ‫-------------------------‬
                                                                                          ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                 ‫أما بعد:‬
      ‫فيا عباد اهلل، أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل واالستعداد ليوم عظيم، تذهل كل مرضعة فيه عما‬
                                                               ‫أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها.‬
   ‫إخواني في اهلل، مر معنا في الخطبة الماضية حديث عن الجنة التي هي نزل الكرامة والرحمة‬
‫والغفران، وفي هذه الخطبة نعرج على النار التي أوقد اهلل عليها ألف عام حتى ابيضت وألف عام‬
           ‫حتى احمرت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ـ أجارنا اهلل وإياكم منها ـ.‬
 ‫إنها دار الذل والهوان، والعذاب والخذالن، دار الشهيق والزفرات، واألنين والعبرات، دار أهلها‬
  ‫أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء، واألغالل تجمع بين أيديهم وأعناقهم، والنار تضطرم من‬
   ‫تحتهم ومن فوقهم، شرابهم من حميم يصهروا به ما في بطونهم والجلود، وأكلهم شجر الزقوم‬
  ‫كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يدعون على أنفسهم بالموت فال يجابون، ويسألون ربهم‬
 ‫الخروج منها فال يكلمون، كيف لو أبصرتهم وهم يسحبون فيها على وجوههم وهم ال يبصرون،‬
     ‫َن َ َ‬         ‫م ز ز ع الن ر وُ ِ‬
   ‫أم كيف لو سمعت صراخهم وعويلهم وهم ال يسمعون: فَ َن ُحْ ِحَ َنِ َّا ِ َأدْخلَ الْج َّة فَقدْ‬
                                                              ‫ة الد ِال م ع ُر‬                      ‫فز و‬
                                           ‫َا َ َما الْحيا ُ ُّنْيَا إ َّ َتَا ُ الْغ ُورِ [آل عمران:185].‬
     ‫وحينما يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح، تزداد حسرة أهل النار وينقطع أملهم في‬
   ‫و ي َض الظ ِم عل َد ق ل ن ات َ ُ مع‬
   ‫الموت بعد أن كانوا في الدنيا ال يحبونه، َيَوْمَ َع ُّ َّال ُ ََى ي َيْهِ يَ ُو ُ يالَيْتَ ِى َّخذْت َ َ‬
 ‫ن و الش ن‬                  ‫ل ل َ َلن ع ذ ْ ب ْ ِ‬                           ‫ن َ َت ِ ف‬                     ‫الرس سب ال و‬
 ‫َّ ُولِ َ ِي ً يا َيْلَتَا لَيْتَ ِى لمْ أ َّخذْ ُالَناً خَِيالً َّقدْ أَضَّ ِى َنِ ال ّكرِ َعدَ إذْ جَاء ِى َكَانَ َّيْطَا ُ‬
                                                                                                         ‫إل ن َذ‬
                                                                                    ‫لِ ِنْسَا ِ خ ُوالً [الفرقان:27-37].‬
    ‫وعن أبي هريرة قال: قال النبي : ((ال يدخل أحد الجنة إال أري مقعده من النار لو أساء ليزداد‬
            ‫شكرا، وال يدخل النار أحده إال أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة)) رواه‬
                                                                                                            ‫البخاري(5)[5].‬
  ‫َّذ ن‬           ‫أ‬
  ‫فتوضع األغالل في أعناقهم ويجمع بعضهم إلى بعض نكاية لهم وزيادة في العذاب، ُوْلَئِكَ ال ِي َ‬
   ‫فد‬           ‫م رم ن ي مئ م َرن ف‬                         ‫و‬              ‫نقِ‬         ‫ُف‬                   ‫ر بربه وأ‬
   ‫كَفَ ُواْ ِ َ ّ ِمْ َُوْلَئِكَ االْغْلَال ِى أَعْ َا ِهمْ [الرعد:1]، َتَرَى الْ ُجْ ِ ِي َ َوْ َ ِذٍ ُّق َّ ِينَ ِى االْصْ َا ِ‬
                                                                                                               ‫[إبراهيم:34].‬
          ‫ويلبسون ثيابا من نار وإن اشتهوا الماء فإنهم يسقون من ماء صديد يتجرعونه وال يكادون‬
                             ‫ل َ ج‬            ‫َذ ق ه حم م و َس ق و َر م‬                  ‫ه‬
 ‫يسيغونه، َاذَا فَلْي ُو ُو ُ َ ِي ٌ َغ َّا ٌ َءاخ ُ ِن شَكِْهِ أزْوا ٌ [ص:21، 81]، عن أبي أمامة عن‬
       ‫النبي : ((يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع‬
       ‫أمعاءه حتى يخرج من دبره))، َِن َسْتَ ِي ُواْ ُغَا ُواْ ِمَاء كَالْ ُه ِ َشْوِى الْو ُو َ ِئْسَ الش َا ُ‬
       ‫َّر ب‬        ‫ج هب‬             ‫م ْل ي‬           ‫وإ ي غ ث ي ث ب‬
      ‫َف ض ع من‬                     ‫َن‬         ‫ح‬         ‫ح ب الن‬            ‫و‬                            ‫م‬       ‫و‬
      ‫َسَاءتْ ُرْتَفَقًا(7)[7] [الكهف:37]، َنَادَى أَصْ َا ُ َّارِ أَصْ َابَ الْج َّةِ أَنْ أ ِي ُواْ َلَيْنَا ِ َ‬
                                     ‫ِم َز ُم الل ُ ل ِن الل َرمه عل ك فر‬
‫الْمَاء أَوْ م َّا ر َقَك ُ َّه قَاُواْ إ َّ َّهَ ح َّ َ ُمَا ََى الْ َا ِ ِينَ [األعراف:01]، وإذا جاعوا أكلوا من‬
 ‫شجرة الزقوم التي ال أقبح وال أبشع من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع،‬
 ‫م م ْل ي ل‬                ‫َّق م ع م‬             ‫ِن َ‬                      ‫بط‬           ‫ِنه كل ن م ه لئ ن م‬
‫فَإ َّ ُمْ الَ ُِو َ ِنْ َا فَمَاِ ُو َ ِنْهَا الْ ُ ُونَ [الصافات:66]، إ َّ شَجرَةَ الز ُّو ِ طَ َا ُ األَثِي ِ كَالْ ُه ِ َغِْى‬
                                                                       ‫ح‬              ‫ف بط ن‬
  ‫ِى الْ ُ ُو ِ كَغَلْىِ الْ َمِيمِ [الدخان:34-14]، قال : ((لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا‬
                                         ‫ألفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه))(3)[3].‬
  ‫َال ِنه‬
 ‫ومن هذا الطعام والشراب واللباس الذي هو من النار يصف اهلل ـ تعالى ـ شدة حرها: ك َّ إَّ َا‬
                                                    ‫ظ َز ع ّلشو َ ع م َ َ و َل‬
     ‫لَ َى ن َّا َةً ل َّ َى تدْ ُواْ َنْ أدْبرَ َتَوَّى [المعارج:15-25]، أي إنها لشدة حرها تبري الجلد‬
              ‫ت ق و َر‬
              ‫واللحم عن العظيم وتنزعه ثم يبدل بعد ذلك وهي أيضا من شدة حرها: الَ ُبْ ِى َالَ تَذ ُ‬
      ‫[المدثر:87]، أي تأكل لحوم أصحابها وعروقهم وعصبتهم وجلودهم، قال : ((ناركم جزء من‬
       ‫سبعين جزءا من نار جهنم)) قيل: يا رسول اهلل إن كانت لكافية، قال: ((فضلت عليهن بتسعة‬
                                                                             ‫وستين جزءا كلهن مثل حرها))(4)[4].‬
 ‫يخلق اهلل الكافرين غالظ األجسام نكاية بهم، قال رسول اهلل : ((ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل‬
   ‫أحد، وغلظ جلده مسيرة ثالث))(1)[1] وقال : ((ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثالثة أيام‬
                                                                                                ‫للراكب المسرع))(6)[6].‬
              ‫و ق ل َ م َّز‬                    ‫ْم ق ل لج َن ه‬
   ‫وهذه النار تمتلئ بالعصاة والكافرين: يَو َ نَ ُو ُ ِ َه َّمَ َلِ امْتَالَتِ َتَ ُو ُ هلْ ِن م ِيدٍ [ق:03]،‬
                                       ‫و رد‬           ‫ِن ُ وم بد ن م د الل حصب جه َّ ُ‬
   ‫إ َّكمْ َ َا تَعْ ُ ُو َ ِن ُونِ َّهِ َ َ ُ َ َنمَ أَنتمْ لَهَا َا ِ ُونَ [األنبياء:83]. عن أبي هريرة قال:‬
  ‫كنا مع رسول اهلل إذ سمع وجبة فقال النبي : ((أتدرون ما هذا، قلنا: اهلل ورسوله أعلم، قال: هذا‬
                     ‫حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار اآلن حتى انتهى إلى‬
                                                                                              ‫قعرها))(2)[2].‬
    ‫ق ِ ظَل م الن ر‬           ‫ُ م‬
    ‫وتحيط به النار من كل مكان، فال يستطيعون الفرار أو االختباء: لَهمْ ّن فَوْ ِهمْ ُل ٌ ّنَ َّا ِ‬
      ‫ي َم َّذ ن ر ح ن ي ُف ع وج ههم الن ر و ع‬                                               ‫ته ظَل‬           ‫وم‬
     ‫َ ِن تَحْ ِ ِمْ ُل ٌ [الزمر:65]، لَوْ َعْل ُ ال ِي َ كَفَ ُواْ ِي َ الَ َك ُّونَ َن ُ ُو ِ ِ ُ َّا َ َالَ َن‬
                                                                       ‫ظه ِ و ُ ي صر‬
        ‫ُ ُورِهمْ َالَ همْ ُن َ ُونَ [األنبياء:33]. وقال : ((إن أهون أهل النار عذابا من له فعالن‬
‫وشراكان من نار يغلي منها دماغه كما يغلي المرجل (القدر) ما يرى أن أحدا أشد عذابا منها وإنه‬
       ‫ألهونهم عذابا))(8)[8] وقال : ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى‬
    ‫حجرته ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته))(3)[3]. والحجزة: معقد اإلزرار، والترقوة: العظم‬
                                                                                          ‫المشرف من النحر.‬
    ‫لقد صب عليهم العذاب صبا، وذاقوا مس سقر، وفي ذلك المكان المرعب المخيف ما لهم من‬
          ‫ه ذ جه َّم الت ك ُ ت عد ن‬
          ‫ناصرين وال صديق حميم، أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: َا ِهِ َ َن ُ َّ ِى ُنتمْ ُو َ ُو َ‬

‫(5/142)‬




                                                                                                ‫الحج وتاريخه‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                             ‫فقه‬
                                                                                                 ‫الحج والعمرة‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                             ‫منصور الغامدي‬
                                                                                                        ‫الطائف‬
                                                                                                 ‫7/75/3545‬
                                                                                              ‫أبو بكر الصديق‬
                                                      ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫حكم الحج – قصة بناء إبراهيم عليه السالم البيت – فضل الحج – أحكام الحج وأقسامه - أعمال‬
                                                                                                          ‫الحاج‬
                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                       ‫أما بعد:‬
    ‫فإن الحج تلك الشعيرة العظيمة من شعائر ديننا العظيم، فرض فرضه اهلل على عباده إلى بيته‬
   ‫ا‬
   ‫العتيق مرة؛ في العمر لقوله عندما سئل عن اإلسالم فقال ((أن تشهد أال إله إال اهلل وأن محمدً‬
         ‫رسول اهلل، وتقيم الصالة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إذا استطعت إليه‬
                                                                                  ‫ال‬
‫سبي ً))(5)[5]، فمن أنكر فريضة الحج فقد كفر، ومن أقر بها وتركها تهاوناً فهو على خطر، قال‬
       ‫ج‬
 ‫عمر بن الخطاب : (لقد هممت أن أبعث رجاالً إلى هذه األمصار فينظروا من كان عنده ِدة فلم‬
        ‫يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين)، وقال علي بن أبي طالب :‬
                                           ‫(استكثروا من الطواف بهذا البيت، قبل أن يحال بينكم وبينه).‬
   ‫إن بيت اهلل الحرام، هو منارة التوحيد، بناه إمام الموحدين وأمره اهلل أن يطهر بيته من الرجس‬
                                ‫واألوثان، إن قدر اهلل لغالب أال مكان للوثنية والشرك عند بيته المحرم.‬
    ‫وللبيت قصة عجيبة، لقد جاء إبراهيم عليه السالم بهاجر وابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى‬
‫وضعها عند البيت العتيق، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس‬
‫بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما ماء وتمراً، ثم انطلق إبراهيم، فتبعته أم إسماعيل فقالت:‬
   ‫ا‬
   ‫يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس وال شيء، قالت ذلك مرارً‬
    ‫وجعل ال يلتفت إليها فقالت له: آهلل الذي أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: إذا ال يضيعنا. ثم انطلق‬
   ‫إبراهيم عليه السالم حتى إذا كان عند الثنية حيث ال يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤالء‬
   ‫ة‬          ‫مح َّ َب ليق م‬                    ‫ت م ُ ّيت و ْ ذ َ ع د ب‬                              ‫َّب ِن‬
   ‫الدعوات ر َّنَا إ َّى أَسْكَن ُ ِن ذر َّ ِى بِ َادٍ غَيرِ ِى زرْعٍ ِن َ َيْتِكَ الْ ُ َرمِ ر َّنَا ِ ُ ِي ُواْ الصال َ‬
                          ‫َ ِ ة م الن س و إ ِ و ْ ُ ُ م الثم ت عَّ ُ ي ُر‬
‫فَاجْعلْ أَفْئدَ ً ّنَ َّا ِ تَهْ ِى ِلَيْهمْ َارزقْهمْ ّنَ َّ َرا ِ لَ َلهمْ َشْك ُونَ [إبراهيم:23]، وجعلت أم‬
                        ‫ف‬
‫إسماعيل ترضع ولدها إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نَ ِد ما في السقاء عطشت وعطش‬
    ‫ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا ثم استقبلت‬
      ‫ً‬                                           ‫ا‬
  ‫الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدً ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم‬
                                                                           ‫ا‬
 ‫تر أحدً، ففعلت ذلك سبع مرات، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، ثم تسمعت‬
                                                                      ‫ا‬
  ‫فسمعت أيضً، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه‬
   ‫بيدها، فشربت وأرضعت، فقال لها الملك: ((ال تخافوا الضيعة، فإن هذا البيت يبنيه هذا الغالم‬
                                                                                   ‫وأبوه)) رواه البخاري(7)[7].‬
     ‫ويبني الخليل وابنه البيت، وأمر اهلل خليله إبراهيم عليه السالم بأن يؤذن في الناس بالحج قال‬
              ‫ال وعل ُل ض ِ ت ن م ك ّ ج ع ي‬                     ‫وَذ ف الن ب حج ي ت َ‬
 ‫تعالى: َأ ّن ِى َّاسِ ِالْ َ ّ َأْ ُوك رِجَا ً َ ََى ك ّ َامرٍ يَأْ ِي َ ِن ُل فَ ّ َم ِقٍ [الحج:27].‬
   ‫فقال إبراهيم: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي ال ينفذ إليهم؟ فقال: ناد وعلينا البال ، فقام على‬
 ‫مقامه، هل الحج اسم لمكان معين؟ وقيل: على الصفا، وقيل على أبي قبيس. وقال: يا أيها الناس‬
                                                                 ‫ا‬
‫إن ربكم قد اتخذ بيتً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء األرض، وأجابه‬
  ‫كل شيء سمعه من حجر وقدر وشجر، ومن كتب اهلل أنه يحج إلى يوم القيامة، لبيك اللهم لبيك.‬
‫وقد حث النبي الكريم صلوات اهلل وسالمه عليه على الحج ورغب فيه، وأنه يهدم ما قبله من سيئ‬
  ‫العمل، فعن عمرو بن العاص قال: لما جعل اهلل اإلسالم في قلبي، أتيت رسول اهلل فقلت: ابسط‬
‫يدك فألبايعك، فبسط، فقبضت يدي، فقال: ((مالك يا عمرو))؟ قلت: أشترط، قال ((تشترط ماذا))،‬
‫قلت: أن يغفر لي، قال: ((أما علمت أن اإلسالم يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن‬
                                                              ‫الحج يهدم ما كان قبله))(3)[3].‬
               ‫فالحاج الذي لم يرفث ولم يفسق يخرج طاهرا نقيا من الذنوب صغيرها وكبيرها.‬
   ‫قال : ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))(4)[4]، وعن ابن مسعود قال: قال‬
  ‫رسول اهلل : ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد‬
   ‫والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إال الجنة)) رواه أحمد وصححه األلباني(1)[1].‬
   ‫وللحاج دعوة مستجابة، فعن ابن عمر رضي اهلل عنهما عن النبي قال: ((الغازي في سبيل اهلل‬
                            ‫والحاج والمعتمر وفد اهلل دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم))(6)[6].‬
   ‫الحاج في حفظ اهلل تعالى، قال : ((ثالثة في ضمان اهلل عز وجل: رجل خرج إلى المسجد من‬
                               ‫ا‬
                      ‫مساجد اهلل، ورجل خرج غازياً في سبيل اهلل، ورجل خرج حاجً))(2)[2].‬
        ‫ومما جاء في فضل الحج وأنه منفاة للذنوب، حديث ابن عمر قال: قال رسول اهلل : ((أما‬
  ‫خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك، يكتب اهلل بها لك حسنة،‬
    ‫ويمحو عنك بها سيئة وأما وقوفك بعرفة فإن اهلل عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم‬
                                    ‫ا‬    ‫ً‬
‫المالئكة، فيقول: هؤالء عبادي، جاءوني شعثا غبرً من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون‬
    ‫عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل‬
 ‫قطر السماء ذنوباً غسلها اهلل عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك‬
  ‫بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك)) رواه الطبراني‬
                                                                       ‫وحسنه األلباني(8)[8].‬
 ‫إن في هذه األحاديث دعوة ونداء إلى المبادرة بالحج، وغسل النفس من ذنوبها، فإن العبد ال يعلم‬
  ‫متى موعد رحيله من هذه الدنيا، والحج أيام معدودات، من استطاع أن يلبي فيها نداء ربه ثم لم‬
 ‫يفعل فهو المحروم، إن الحج إلى بيت اهلل الحرام وأجره وفضله، يحرك الساكن، ويهيج المشاعر‬
                                                  ‫والقلوب التي تطمع في مغفرة عالم الغيوب.‬
                  ‫أقول قولي هذا وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على أشرف األنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله‬
                                                                           ‫وأصحابه أجمعين.‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
                           ‫ا‬
‫فإذا عقد المسلم نيته على الحج فعليه أن يلبس مالبس اإلحرام إزارً ورداء، فيمر بالميقات وينوي‬
                                                           ‫الدخول في الحج بأحد األنساك الثالثة:‬
               ‫ا‬
 ‫فإن كان متمتعاً يحرم بالعمرة وحدها ويقول إذا وصل الميقات: لبيك عمرة متمتعً بها إلى الحج،‬
‫فإذا وصل إلى مكة، طاف وسعى سعي المعمرة ثم يحلق أو يقصر، فإذا كان اليوم الثامن من ذي‬
 ‫الحجة يوم التروية أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله، وإن أخر إحرامه إلى اليوم التاسع فال‬
                                    ‫حرج عليه لكنه خالف السنة، وينحر الهدي في اليوم العاشر.‬
                          ‫ر‬
   ‫وإن أراد الحاج (اإلفراد) يقول عند الميقات: لبيك حجاً، فإذا أخ ّ سعيَ الحج سعى بعد طواف‬
    ‫اإلفاضة، وال يحلق وال يقصر وال يحل من إحرامه، بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد‬
                                              ‫رمي جمرة العقبة يوم العيد. والمفرد ال هدي عليه.‬
    ‫والنسك الثالث: القرآن، وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعا فيقرن بينهما، وعمل القارن مثل‬
    ‫عمل المفرد سواء بسواء إال أن القارن عليه هدي كالمتمتع، وصفة النية أن يقول: لبيك عمرة‬
                                                                                 ‫ا‬
        ‫وحجً، وفي اليوم الثامن يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال فيصلي بها الظهر والعصر‬
‫والمغرب والعشاء قصراً، ويبيت فيها فيصلي فجر التاسع، وفي اليوم التاسع ـ وهو يوم عرفة ـ‬
   ‫يمكث الحاج بعد صالة الفجر في منى إلى ما بعد شروق الشمس ثم ينطلق من منى إلى عرفة‬
                ‫ا‬     ‫ا‬
‫وهو يلبي أو يكبر، فإذا زالت الشمس صلى الحاج الظهر والعصر جمعً وقصرً جمع تقديم بأذان‬
‫واحدا وإقامتين، وال يصلي قبلهما وال بينهما شيئاً ويتفر الحاج بعد ذلك للذكر والدعاء والتضرع‬
   ‫إلى اهلل ويدعو بما أحب رافعاً يديه ويكثر من التهليل فإنه خير الدعاء يوم عرفة: ال إله إال اهلل‬
                                ‫وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.‬
       ‫وكان للسلف أحوال من الرجاء في مغفرة اهلل، فكان أبو عبيدة الخواص يقول في الموقف:‬
‫واشوقاه إلى من يراني وال أراه، وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا رب قد كبرت فأعتقني.‬
  ‫قال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة، وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمالن،‬
                                               ‫ال‬
    ‫فالتفت إلي فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حا ً؟ قال: الذي يظن أن اهلل ال يغفر له. وروي عن‬
‫الفضيل أنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤالء صاروا إلى رجل‬
                        ‫م ِ ة‬                                                          ‫ا‬
 ‫فسألوه دانقً يعني سدس درهم، أكان يردهم؟ قالوا: ال قال: واهللِ لَلْ َغْفرَ ُ عند اهلل أهون من إجابة‬
                                                                                  ‫رجل لهم بدانق.‬
 ‫فإذا غربت الشمس أفاض الحجاج من عرفات إلى المزدلفة وعليهم السكينة والوقار، فإذا وصلوا‬
 ‫المزدلفة صلوا المغرب والعشاء جمع تأخير قصراً، ويبيت في مزدلفة ويصلي فيها صالة الفجر‬
    ‫ويكثر من الذكر والدعاء بعد الصالة ويلتقط سبع حصيات لرمي جمرة العقبة ثم يرمي جمرة‬
                                                                      ‫ا‬
    ‫العقبة مكبرً مع كل حصاة، ثم يحلق أو يقصر، ويطوف طواف اإلفاضة، ويجوز تأخيره إلى‬
             ‫ع ال‬
‫اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو مع طواف الوداع، ثم السعي إن لم يس َ أو ً. وعلى القارن‬
  ‫والمتمتع نحر الهدي، وفي اليوم الحادي عشر يبيت في منى ويرمي الجمرة الصغرى فالوسطى‬
   ‫فالكبرى بعد الزوال، يكبر مع كل حصاة ويدعو بعد الصغرى والوسطى، وكذا يفعل في اليوم‬
  ‫الثاني عشر، لكن يجوز للحاج أن يتعجل فينفر من منى إلى مكة قبل غروب الشمس، ثم يطوف‬
   ‫طواف الوداع، ومن أراد أن يتأخر إلى اليوم الثالث عشر ـ وهو األفضل ـ يبيت في منى ثم‬
   ‫يرمي الجمرات الثالث ويطوف طواف الوداع وهو واجب في تركه دم إال الحائض والنفساء.‬
                               ‫أما والذي حج المحبون بيته ……ولبوا له عند المهل وأحرموا‬
                                                 ‫ل ِزه‬
                          ‫وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعا ……ِع َّ ِ من تعنوا الوجوهَ وتسلم‬
                                   ‫دعاهم فلبوه رضا ومحبة ……فلما دعوه كان أقرب منهم‬
                                        ‫َذ ت‬
                              ‫وقد فارقوا األوطان واألهل رغبة ……ولم تثنهم ل َّا ُهم والتنعم‬
                            ‫ولما رأت أبصارهم بيته الذي ……قلوب الورى شوقا إليه تضرم‬
                                  ‫فلله كم من عبرة مهراقة ……وأخرى على آثارها ال تقدم‬
                       ‫فلله ذاك الموقف األعظم الذي ……كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم‬
                                       ‫و‬
                                  ‫ويدنو به الجبار جل جالله ……يباهي به أمالكه فَهْ َ أكرم‬
                                           ‫أم‬
                                  ‫فأشهدكم أني غفرت ذنوبهمْ ……وأعطيتهم ما َّلوه وأنعم‬
                                ‫فكم من عتيق فيه كمل عتقه ……وآخر يستسعي وربك أكرم‬
                                                          ‫أال وصلوا وسلموا رحمكم اهلل...‬
                                                                          ‫__________‬
   ‫(5) أخرجه مسلم : كتاب اإليمان – باب اإليمان واإلسالم واإلحسان ، حديث (8) ، والبخاري‬
         ‫بنحوه : كتاب اإليمان – باب سؤال جبريل النبي من اإليمان واإلسالم... حديث (01).‬
      ‫(7) صحيح البخاري : كتاب أحاديث األنبياء – باب يزفون : النسالن في المشيء ، حديث‬
                                                                                 ‫(4633).‬
          ‫(3) أخرجه مسلم : كتاب اإليمان – باب كون اإلسالم يهدم ما قبله ... حديث (575).‬
‫(4) أخرجه البخاري : كتاب الحج – باب فضل الحج المبرور ، حديث (5715) ، ومسلم : كتاب‬
                          ‫الحج – باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث (0135).‬
  ‫(1) أخرجه أحمد (5/283) ، والترمذي : كتاب الحج – باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة ،‬
   ‫حديث (058) وقال : حسن صحيح ، والنسائي : كتاب مناسك الحج – باب فضل المتابعة بين‬
      ‫الحج والعمرة ، حديث (0367-5367) ، وأخرجه الضياء المقدسي في األحاديث المختارة‬
              ‫(8/635) وقال : إسناده حسن ، وصححه األلباني : السلسلة الصحيحة (0075).‬
 ‫(6) أخرجه ابن ماجه : كتاب المناسك – باب فضل دعاء الحاج ، حديث (3387) ، والطبراني‬
‫في الكبير (61135) ، وابن حبان : كتاب السير – باب فضل الجهاد – ذكر البيان بأن المجاهدين‬
‫من وفد اهلل ... حديث (3564). قال البوصيري في الزوائد (5705) : هذا إسناد حسن ، عمران‬
                         ‫س‬
‫مختلف فيه. وقال الهيثمي في المجمع (3/557) : رجاله ثقات. وح ّنه األلباني بمجموع طرقه .‬
                                ‫انظر السلسلة الصحيحة (0785). فالحديث حسن أو صحيح.‬
   ‫(2) أخرجه الحميدي في مسنده (0305) ، وأبو نعيم في الحلية (0785). وصحيحه األلباني ،‬
                                       ‫صحيح الجامع (6403) ، السلسلة الصحيحة (831).‬
     ‫(8) أخرجه عبد الرزاق : كتاب الحج – باب فضل الحج ، حديث (0388) والبزار (5/03‬
‫زوائد) والطبراني في الكبير (66135) ، وابن حبان : كتاب الصالة – باب صفة الصالة – ذكر‬
   ‫وصف بعض السجود ... حديث (2885). قال الهيثمي في المجمع (3/127) : ورجال البزار‬
                                        ‫موثقون. وحسنه األلباني ، صحيح الجامع (3235).‬

‫(5/642)‬




                                                                      ‫الحرب في كوسوفا‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                    ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                      ‫المسلمون في العالم‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                         ‫منصور الغامدي‬
                                                                                 ‫الطائف‬
                                                                          ‫37/75/3545‬
                                                                         ‫أبو بكر الصديق‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
‫- مأساة المسلمين في العالم – جذور الصراع بين المسلمين والصرب – دور الغرب الصليبي في‬
  ‫حرب المسلمين – وقفات مع محنة كوسوفا : ( المعركة من اليهود والنصارى عقدية - الذنوب‬
    ‫سبب الكوارث – انكشاف حقيقة الغرب – الجهاد سبيل عزة األمة – واجب المسلمين اليوم )‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                                 ‫أما بعد:‬
    ‫فإن العالم كله من أقصاه إلى أقصاه ال يكاد يغمض عينيه حتى يفتحها على هول المأساة التي‬
    ‫يعيشها المسلمون على كافة األصعدة، فالمسلمون في العالم هم أكثر الشعوب تخلفا، وهم أفقر‬
    ‫الشعوب، وهم أيضا أذل الشعوب لقد كانوا يوما ما زعماء العالم وقادته، ساروا باإلنسانية إلى‬
   ‫النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور األديان‬
      ‫إلى عدل اإلسالم، لقد تبوأت األمة مبوأ الصدارة، وكل األمم تخطب ودها، وتخاف سطوتها‬
        ‫واليوم ترى األمور تبدلت، واألوضاع انتكست، وأصبح المسلم مسلوب الكرامة والحرية.‬
  ‫أيها األخوة المسلمون، المسلمون في البلقان قضية ساخنة يتابع العالم أحداثها، وتشدهم أحاديثها،‬
   ‫ويتفرج على فصول مسرحيتها، وتتسابق وسائل اإلعالم العالمية في نشر كل ما جديد في حلقة‬
 ‫الصراع هناك، لكن يجب علينا بصفتنا مسلمين أال نأخذ ما يدور في (كوسوفا) من صراع مسلح‬
       ‫بصورة سطحية، بل علينا أن نعود إلى جذور الصراع وأسبابه التي حركت النصارى ضد‬
  ‫المسلمين، إن جذور الصراع بدأت منذ العهد العثماني حيث جرت معركة (كوسوفا) بين الجيش‬
‫العثماني الذي قاده السلطان (مرادا األول) بنفسه، والجيش الصربي بقيادة الملك (الزار) وتم اللقاء‬
    ‫في ميدان كوسوفا أي (الطيور السود) ودارت معركة عنيفة، تنازع الجيشان فيها راية النصر‬
 ‫أكثر من مرة، وبقيت الحرب سجاال مدة من الزمن، وأخيرا فر القائد الصربي (فول برانكوفتش)‬
 ‫وهو صهر الملك الزار وانضم إلى جيش المسلمين ومعه عشرة آالف جندي، التي هزت أوروبا‬
 ‫بكاملها، وقتل فيها ملك الصرب وانهزم جيشه هزيمة منكرة انتهت على إثرها دولة الصرب في‬
‫العصور الوسطى، وألحق أقاليمها بالدولة العثمانية وذلك عام 3835م، فكان يوم 87 من حزيران‬
                    ‫يونيو مناسبة مهمة يحيها الصرب كل سنة لتأجيج حقدهم ضد ألبان كوسوفا.‬
    ‫وبعد انسحاب الدولة العثمانية من أوروبا الشرقية بما في ذلك ألبانيا، ازدادت معاناة المسلمين‬
      ‫األلبان على أيدي الصرب، ومع بوادر تفتت االتحاد اليوغسالفي حاول المسلمون أن يحققوا‬
‫حكمهم الذاتي الذي كفله لهم الدستور، إال أن الصرب قاموا باحتالل المدارس فأغلقت ألف مدرسة‬
  ‫ابتدائية، ومائة وخمس عشرة مدرسة ثانوية، وعشرين كلية جامعية، وحرم 034 ألف ألباني من‬
                                                         ‫التعليم، كما جمدت رواتب المدرسين.‬
     ‫ويرى الكثيرون أن الصراع الدائر في إقليم (كوسوفا) بين األلبان الذين يمثلون اثنين وتسعين‬
   ‫بالمائة من سكان اإلقليم وبين السلطات الصربية المسيطرة على اإلقليم، هو في الحقيقة صراع‬
    ‫بين المسلمين والنصارى األرثوذكس، يقول الضابط الصربي راتكو ميالديتش : الحق لهؤالء‬
  ‫المسلمين في البقاء هنا، بل كان عليهم الرحيل لتركيا مع العثمانيين، وأمل الرئيس الصربي أقر‬
‫منذ اللحظة األولى أثناء حملته االنتخابية على إقحام العامل الديني في المعركة، ولذلك رفع شعار‬
‫(لن يهزمكم أحد مرة أخرى) في إشارة إلى معركة كوسوفا، وصرح رئيس وزراء يوغسالفيا أن‬
‫الحرب التي تخوضها صربيا ما هي إال من أجل حماية أوروبا من المد اإلسالمي، إن اإلسالم هو‬
                         ‫الذنب الذي من أجله تظهر حمامات الدم، ويشرد األلوف من المسلمين.‬
    ‫إننا لم نكد ننتهي من هول الفاجعة التي حلت بالمسلمين في البوسنة على أيدي الصرب، حتى‬
 ‫أصبحنا على هول فاجعة أخرى على يد الصرب المجرمين في كوسوفا، فلقد سفكوا دم أكثر من‬
           ‫ي‬
   ‫ثالثة آالف ألباني معظمهم كبار السن والنساء واألطفال، وفقد اآلالف من األلبان، و ُرجح أنهم‬
 ‫قتلوا جميعا، كما تم تدمير أكثر من مائتي قرية تدميرا كامال، إضافة إلى تخريب خمس وأربعين‬
    ‫ألف منزل، ثم تشريد وإجالء أكثر من 006 ألف ألباني إلى خارج كوسوفا إلى حيث العراء،‬
                                                 ‫واألمراض إلى حيث التنصير، والمصير المجهول .‬
 ‫أيها المسلمون، لقد تطورت الحركة الصربية األرثوذكسية من حركة هامشية تحرك الفرد العادي‬
‫في حالة وقوع الحديث المعادي إلى حركة يتبناها المثقفون ورجال الدين كبرنامج عمل سياسي ثم‬
 ‫إلى حركة لها زعيم جمهوري. لقد كان دور رجال الدين األرثوذكس حاسما في صعود الحركة،‬
                                                                    ‫رغم اختالفهم المحدود مع سلوبودان.‬
     ‫كما إن الغرب الصليبي بأجنحته المتعددة، وحتى تلك العلمانية والملحدة في بعض طروحاتها‬
‫يتعامل مع األزمة في البلقان بقدر كبير من الذكاء والنفاق الذي يتفقه من خالل النص المتفق عليه‬
‫(استمرار المجزرة كما هو مخطط لها مع الصراخ الذي ال يغير من أهداف المذبحة شيئا) لذا فإن‬
 ‫وسطاء الغرب يروحون يجيئون، ومؤتمراته تتعقد ويشارك فيها بعض المهرجين الذين يصدرون‬
 ‫التصريحات المطمئنة بأن الحل قادم والجزار يمارس هوايته في جزر الرقاب والطرد والتهجير.‬
  ‫أيها االخوة الكرام، ومن هذه المحنة والمأساة التي يصاب بها إخواننا في الدين في كوسوفا وفي‬
                                            ‫غيرها من بالد اهلل الواسعة يجب أن نقف عندها وقفات:‬
‫الوقفة األولى: إن المعارك التي يخوضها أعداء اإلسالم من النصارى الصليبين واليهود والوثنيين‬
   ‫إنها معركة العقيدة والدين في صحيحها وحقيقتها، فليست المعركة هنا أو هناك معركة األرض‬
    ‫وال الغلة وال المراكز العسكرية وال األعراق المختلفة، إنهم يزيفون علينا لغرض في نفوسهم‬
  ‫يه د و النص ر َت َتبع‬                     ‫ض ع‬        ‫ول‬
  ‫دفين، ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، ََن تَرْ َى َنكَ الْ َ ُو ُ َالَ َّ َا َى ح َّى تَّ ِ َ‬
                                                        ‫فر‬               ‫َد‬                     ‫ِل ُ‬
   ‫مَّتَهمْ [البقرة:075]، وَو ُّواْ لَوْ تَكْ ُ ُونَ [النساء:38]، على حين أن الطيبين السذج من المسلمين‬
  ‫يحسبون أنها معركة شخصية أو طائفية، ال عالقة لها بالمعركة ال